ابحث هنا عن سؤالك المهدوي:

 أقسام الأسئلة والأجوبة
 سؤال مختار:
 الصفحة الرئيسية » الأسئلة والأجوبة المهدوية » عصر الظهور » (١٠٧١) كيف يلتحق جند الإمام (عجّل الله فرجه) بجيش السفياني؟!

يرجى البحث في الأسئلة والأجوبة المنشورة من خلال محرك البحث قبل إرسال سؤالكم الكريم

 عصر الظهور

الأسئلة والأجوبة (١٠٧١) كيف يلتحق جند الإمام (عجّل الله فرجه) بجيش السفياني؟!

القسم القسم: عصر الظهور السائل السائل: جوري الشخص المجيب: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢١/٠٨/٠٧ المشاهدات المشاهدات: ٤٨٧ التعليقات التعليقات: ٠
السؤال:

يوم الأبدال هو اليوم الذي يلتحق فيه جند من قوات السفياني مع الإمام (عجّل الله فرجه) وبالعكس.
كيف يكون ذلك؟! إذا كان جنود من جيش صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) حتماً مروا باختبارات وغربلة حتى وصلوا إلى هكذا مرحلة، فكيف ممكن أن ينتقلوا لجيش السفياني وما هي الخُدع التي يستعملها السفياني لإغراء جيش الإمام (عجّل الله فرجه)؟


الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم
في الجواب عن هذا السؤال لابد من الإشارة إلى عدة نقاط:
النقطة الأولى: تحدثنا الروايات التي تكلمت عن بدايات عصر الظهور إن تلك الفترة تتمخض وتسفر عن قوتين متعارضتين يفرضان وجودهما على ساحة الأحداث.
القوة الأولى: هي معسكر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، والقوة الثانية: هي معسكر السفياني، ومن الطبيعي أن المنتمين لكلا المعسكرين ليس بالضرورة أن كل واحد منهم يكون مؤمناً بأفكار ومبادئ الجهة التي انتمى إليها، بل قد يكون ذلك بدافع المصالح الشخصية سواء لكسب المنافع أو لدرء الأخطار وطلب السلامة، وهذه حالة سيالة نجدها في كل المعسكرات والتجمعات الحاكمة سواء المحق منها والمبطل، وهكذا هي طبيعة الجيوش لأغلب الدول، فلا يعني مجرد الانتماء إليها بالضرورة الإيمان بالأفكار العقائدية للجهة الحاكمة ولذلك تعمد بعض الدول لتأسيس جيش رديف يتميز أفراده بخصوصيات عقائدية يقوم على الإيمان الحقيقي بالرؤى والمبادئ التي يقاتلون من أجلها قد يسمونه أحياناً بـ(الحرس الخاص) أو (الحرس الوطني) تمييزاً لأفراده عن غيرهم، ومسألة اختيار هؤلاء الأفراد وانتقائهم دون غيرهم يتبع عادة مناهج مختلفة حسب ما ترتأيه تلك الدول، فالبعض منها تعتمد اختيار أفراد حزب معين أو أفراد قبيلة معينة ولأن الآليات المعتمدة في عملية الاختيار في الغالب تنصب على الظواهر وما يبرز من السلوكيات للأفراد فقد تحصل بسبب ذلك ثغرات واختراقات بسبب عدم التحقق الواقعي في عملية الفرز والاختيار، فيظهر بعض الأفراد ممن لا تنطبق عليهم تلك الصفة الخاصة.
النقطة الثانية: الإشكالية السابقة كما واجهت جميع الدول على مر التأريخ واجهت كذلك الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء (عليهم السلام) في اختيار من يعتمدون عليهم في حركاتهم الاصلاحية مع فارق جوهري أن الدين والجهاد في سبيل الله تعالى ليس حكراً على قبيلة معينة أو حزب بعينه، بل لكل من يمتلك القدرة والاستطاعة على الجهاد من عموم المؤمنين بالدعوة الظاهرية، ولا يخفى أن هذه الشمولية مع أهميتها تستبطن إمكانية وجود بعض العناصر التي لا تليق بحقيقة الجهاد ومعناه السامي ولذا قد يكون فيهم من يقاتل من أجل الدنيا وحطامها أو لأجل الحمية والعصبية أو من أجل منصب أو لأي سبب آخر، وهناك شواهد في تاريخ المسلمين كثيرة فهناك شهيد الحمار، وشهيد الاحساب، ومهاجر أم قيس.
إن الآلية التي تعتمدها السماء في اختيار جنودها هي عملية الغربلة والامتحان لكي تتميز الصفوف وتنكشف حقائق الأفراد، وهذا ما وجدناه فيما أمر به الله تعالى نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في غزوة تبوك فيمن تخلف عن تلك الغزوة يقول (عز من قائل): ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُواً﴾، وكذلك هذا المعنى نجده واضحاً في قصة طالوت مع بني إسرائيل، ففي الوقت الذي كان هؤلاء يطلبون بالحاح من نبيهم أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون معه نجد أن الكثير منهم سقطوا في أوّل امتحان تعرضوا له حينما أوجب الله تعالى عليهم القتال يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلّا قليلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، وعلى ضوء ذلك تراجعت فئة ومضت مع طالوت فئة أخرى، ولكن هذه الفئة المقاتلة أيضاً هي بحاجة لامتحان آخر لتمييز من خرج منهم لغرض دنيوي أو لعقيدة ايمانية فجرى تعريضهم لاختبار آخر يرتبط بهذه الجزئية بالتحديد اعني من خرج لأجل (دنياه أو دينه) فأمر الله تعالى طالوت أن يمتحنهم بذلك النهر الذي مروا عليه يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلّا قليلاً مِنْهُمْ﴾، والذي ظهر بعد هذا الامتحان أن الأكثرية ممن تبعوا طالوت كانت دوافعهم دنيوية ونفعية، ولم يتبعه إلّا المؤمنون به فقط ولما كان الإيمان درجات ومراتب وليس على منزلة واحدة نجد أن بعض هؤلاء المؤمنين أصيبوا بالانتكاسة أثناء عملية المواجهة المباشرة مع الأعداء، ولأن لحظة الحقيقة إنما تتضح في المنعطفات الحرجة والصعبة نجد أن نفس هؤلاء المؤمنين انشطروا إلى فريقين بين من داخله الرعب والخوف والتراجع، وبين من ثبت على يقين تام وكان قلبه كزبر الحديد، ولذا يحكي لنا القرآن الكريم هذا الفصل الدقيق في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
النقطة الثالثة: الذي نستفيده من قصة طالوت أن القلة فقط هم من نجح في الاختبار الأول، والقلة من هذه القلة نجح في الاختبار الثاني، وان هذه القلة الأخيرة أيضاً لم ينجح جميع أفرادها في الاختبار الثالث، ونستفيد أيضاً منها أن عجلة الاختبار والامتحان ليس لها حد تتوقف عنده، بل هي حركة مستمرة سيالة ما دام الإنسان يعيش على الأرض، غاية الأمر أن الفشل في بعض مراحل الامتحان قد يُخرج الإنسان من دائرة الإيمان تماماً كما حصل مع الفاشلين في الاختبار الأول من أصحاب طالوت كما عبرت الآية الكريمة عنهم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ وقد يكون الفشل في بعض مراحل الامتحان هو خروج عن مراتب الإيمان العليا كحال من فشلوا في الامتحان الثالث، ولذا لم يُسلب عنهم الوصف بالإيمان كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ ...﴾.
النقطة الرابعة: بطبيعة الحال هذه القصة التي حكاها لنا القرآن الكريم عن طالوت وجنوده تعكس لنا مفردة من مفردات السنن الإلهية تنطبق على المسلمين كما انطبقت على غيرهم، غاية الأمر إن صور الامتحان والغربلة متعددة وليست على نمط واحد فإمامة أهل البيت (عليهم السلام) الذين أوصى بهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هي صورة ومرحلة أولى من صور الامتحان، ولذا ورد في الزيارة الجامعة في توصيفهم (عليهم السلام): والباب المبتلى به الناس من أتاكم نجا ومن لم يأتكم هلك. [عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للشيخ الصدوق: ج٢، ص٣٠٧]، وقول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا علي إنك مبتلي ومبتلى بك. [مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج٣، ص٧]، وقد نجح في هذه المرحلة الأولى قوم وفشل فيها آخرون، فمن تبعهم وآمن بولايتهم (عليهم السلام) نجح في هذا الامتحان ونجا ومن تخلف عنهم وجحد امامتهم أخفق وهوى، وبعد امتحان الاعتقاد هناك امتحان الالتزام بطاعتهم والانقياد لأوامرهم وهو صورة ثانية متقدمة عن الصورة الأولى، ويشكل النجاح فيه ملاكاً للتشيع من عدمه على الحقيقة والتحقق، وبهذا المعنى نفهم ما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت، فو الله ما شيعتنا إلّا من اتقى الله وأطاعه. [الكافي للشيخ الكليني: ج٢، ص٧٤]، وهكذا تتعدد صور الامتحان والغربلة حتى تبلغ منعطفات شديدة ومفترقات طرق بين التشيع وغيره، كما في الابتلاء بخفاء ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وبغيبته الطويلة وهي على كل حال محنة تختص بالشيعة دون سواهم ضرورة أن المخالفين لم يؤمنوا بإمامته فضلاً عن الإيمان بغيبته، ويؤيد هذا المعنى ما رواه زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام): يا زرارة وهو المنتظر وهو الذي يشك الناس في ولادته، منهم من يقول: هو حمل ومنهم من يقول: هو غائب ومنهم من يقول: ما ولد ومنهم من يقول: ولد قبل وفاة أبيه بسنتين غير أن الله تبارك وتعالى يحب أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون. [الكافي للشيخ الكليني: ج١، ص٣٣٧]
النقطة الخامسة: وكما قدمنا في قصة طالوت والحكمة التي استفدناها منها فإن النجاح في الامتحانات المتقدمة لا تعني توقف ظاهرة الاختبار والامتحان، بل تمضي عجلة الابتلاء وتزداد دقتها مع كل مرتبة بعد مرتبة، ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): إنه لا بد من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة ووليجة حتى يسقط فيها من يشق الشعرة بشعرتين حتى لا يبقى إلّا نحن وشيعتنا. [الغيبة للشيخ النعماني: ص٢١٠]، وكما قدمنا في قصة طالوت أن الذين فشلوا في الامتحان الثالث لم يخرجوا عن دائرة الإيمان، بل عن مراتبه السامية كذلك من يفشل في الامتحانات العالية من الشيعة لا يعني خروجهم بالضرورة من دائرة الولاء والتشيع ولو بمعناه العام، ولهذه العلة قسّم أهل البيت (عليهم السلام) الشيعة إلى مراتب ودرجات ولم يعتبروهم على حد سواء، فهناك الشيعة وهناك خاصة الشيعة وهناك الولي وهناك خاصة الأولياء، مع ملاحظة جديرة بالاهتمام ينبغي الالتفات إليها وهي أن حالة الانقلاب والارتداد ممكنة في جميع مراتب الامتحان وليست مقتصرة على مرتبة بعينها، فهناك الكثير ممن بلغوا المراتب العالية في سُلم التكامل والإيمان ونجحوا فعلاً في عبور أغلب حواجز الغربلة قد تؤدي بهم بعض الملكات النفسية الخفية إلى السقوط التام والانحدار إلى أسفل الدرجات، فقد وجدنا هذا المعنى واضحاً في إبليس الذي قضى آلاف السنين في العبادة والطاعة، ونجده كذلك في بلعم بن باعورا والذي وصفته الروايات بأنه كان يمتلك الاسم الأعظم فانسلخ منه وصار مثله كمثل الكلب كما عبر عنه ذلك القرآن الكريم، وجدناه أيضاً في الشلمغاني وكيف كان فقيهاً عالماً ووجهاً من وجوه الشيعة وبسبب الحسد للسفير الثالث كيف انتهى به الحال أن يصدر لعنه على لسان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وكل هذه الصور والنماذج تدلنا بوضوح أن الإنسان ما لم يلتفت إلى نفسه ويحاسبها دوماً على الصغيرة والكبيرة قد يسقط سقوطاً مدوياً وبسبب خصلة سيئة في دخيلة نفسه قد أغفل عنها أو أهملها ولكنها تدب فيه دبيب النمل الخفي ثم لا تلبث أن تكون سبباً لانحرافه التام، فلا غرابة أن وجدنا بعض من عاصر الأنبياء (عليهم السلام) وصاحبهم وجاهد بين أيديهم أن ينقلبوا رأساً على عقب ويرتدوا على أعقابهم القهقرى، كما ورد هذا المعنى على لسان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في توصيف بعض من عاصره في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوله: يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي ‏ ‏فيحلئون عن الحوض (اي يمنعون)، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم ‏ ‏القهقرى. [صحيح البخاري: ج٨، ص١٢٠]
النقطة السادسة: بعد ما تقدم من النقاط السابقة هل يمكن أن نستغرب أو نتفاجأ من امكانية انحراف بعض أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بعد ظهوره؟! والجواب بكلمة واحدة بالطبع لا، فالاختبارات والامتحانات التي يتعرض لها الناس سواء في عصر الغيبة أو بعد عصر الغيبة ليس الهدف منها أن يكونوا مجبورين أو فاقدي الاختيار فالإنسان يبقى حراً إلى آخر لحظة في حياته ويمكنه أن يتنازل عن كل إيمانه في لحظة واحدة كحال الشلمغاني وبلعم بن باعوراء ويمكن لبعضهم أن يتوقف عند درجة معينة ولا يتعدى إلى غيرها كحال الكثير من المؤمنين، كما يمكن أن بعضهم يبلغ أعلى درجات الكمال والارتقاء كما في سلمان وعمار وأبي ذر (رضوان الله عليهم)، ومع استيعابنا لهذه الفكرة وادراكها بشكل صحيح لن نتعجب إذا مر علينا خبر أو رواية تحكي لنا امكانية انحراف بعض أصحاب الإمام القائم (عجّل الله فرجه) أو ارتدادهم عنه، بل يظهر أنه أمر واقع في بعض القريبين منه (عجّل الله فرجه) وهو ذات المعنى الذي ابتلى به حتى جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بعض من عاصره، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ما بعث من نبي ولا استخلف من خليفة إلّا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه. [صحيح البخاري: ج٧، ص٢١٣]
وإذا كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مأموراً في سيرته باللين والتساهل مع الناس لحداثة دينهم فأن الأمر يختلف مع الوظيفة الملقاة على عاتق الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من قبل الله تعالى، ولذا سأل زرارة الإمام الباقر (عليه السلام) عن طبيعة السيرة التي يعتمدها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في التعامل مع المنحرفين فقال: أيسير بسيرة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال (عليه السلام): هيهات هيهات يا زرارة ما يسير بسيرته! قلت: جعلت فداك لم؟ قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سار في أمته باللين كان يتألف الناس والقائم (عليه السلام) يسير بالقتل بذلك أمر في الكتاب الذي معه: أن يسير بالقتل. [الغيبة للشيخ النعماني: ص٢٤٣]، وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام): بعث محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رحمة وبعث القائم (عليه السلام) نقمة. [الغيبة للشيخ النعماني: ص٣٣١] وبطبيعة الحال كون الإمام (عجّل الله فرجه) يسير بالقتل أو يكون نقمة لا يعني أن يقتل من لا يستحق القتل، أو يكون نقمة على الناس جميعاً كما قد يتوهم البعض، بل إن وظيفته (عجّل الله فرجه) في الدولة المهدوية وفي تعامله مع الظالمين والطغاة والذين لهم السهم الأكبر فيما عانت منه البشرية على الدوام فأن مواقفه (عجّل الله فرجه) معهم لن تقبل الحلول الوسطية بل لابد من القضاء عليهم وازالتهم تماماً كما يزيل الطبيب الجراح الغدد السرطانية التي تفتك بجسم الإنسان المريض، فلا سبيل لإقامة العدل وتحكيم معاني الحق إلّا بالقضاء على كل مصادر الفساد والظلم والتأريخ خير شاهد على ذلك مع أن حدية هذا الموقف المهدوي وصلابته لن يكون هو ذات الموقف مع المستضعفين والمغرر بهم من الناس أو الضالين عن طريق الحق وهم أكثرية الناس بطبيعة الحال فلهم شأن آخر يراعي فيه طبيعة استعدادتهم وقابلياتهم، ولن يكون منهجه في التعامل معهم على نحو الصدمة، بل يقوم المنهج المهدوي على المعالجة التدريجية والمرحلية، روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): إنما سمي المهدي لأنه يهدي لأمر خفي، يستخرج التوراة وسائر كتب الله من غار بأنطاكية فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان. [الإرشاد للشيخ المفيد: ج٢، ص٣٨٦]
كما أن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وإن كان يعتمد في اختيار أصحابه وأنصاره على الغربلة والامتحان كمبدأ من مبادئ التمييز، كما في الخبر الذي رواه أبو بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) والذي يقول فيه: إنَّ أصحاب طالوت ابتُلوا بالنهر الذي قال الله تعالى: ﴿سيبتليكم بِنَهَرٍ﴾ وإن أصحاب القائم (عليه السلام) يُبتلون بمثل ذلك. [الكافي للشيخ الكليني: ج٧، ص٤١٤]
إلّا أن هذا المبدأ لا يُشكل نهاية المطاف في تشخيص هؤلاء الأصحاب والأنصار ضرورة أن الدولة المهدوية وهي المشروع الإلهي في الأرض والتي يراد لها أن تحقق أمل وطموح جميع النبيين من لدن آدم (عليه السلام) إلى نبينا الخاتم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلا مجال إذاً لأي ثغرة يمكن أن ينفذ منها أصحاب الأغراض السيئة أو الأهواء الطموحة في التسلق وركوب الموجة كما يحصل في كل منعطفات التغيير، ولذا يعتمد الإمام (عجّل الله فرجه) على الالهام والتسديد الإلهي في معرفة النوايا الحقيقية لبعض من ينتمي لنهضته وحركته، ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): إذا قام قائم آل محمد (عليه وعليهم السلام) حكم بين الناس بحكم داود، لا يحتاج إلى بينة، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه ويخبر كل قوم بما استبطنوه ويعرف وليه من عدوه بالتوسم.
لا يخفى أن الكثير من الثورات وحالات التغيير الاجتماعي الكبرى التي حصلت في العالم كانت تحمل في داخلها بذرة الفشل معها بسبب بعض المنتمين إليها من الوصوليين والنفعيين فكم من أمة ودولة رفعت شعارات الاصلاح والتغيير نحو الحق والعدل ومع ذلك لم يمر عليها زمن طويل لتبدأ عجلة الانحراف والانحدار بالدوران، وهذا شأن متعارف يكاد أن يكون سُنة عامة في مجرى التأريخ البشري، وبطبيعة الحال لا يمكن التسامح مع هذه الظاهرة في دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وإذا كان هذا الأمر مسموحاً به في زمن بعض المعصومين (عليهم السلام) ممن سبق الإمام (عجّل الله فرجه) فإنما ذلك مقتضى وظيفة أولئك المعصومين (عليهم السلام) لعدم الإذن لهم من الله تعالى في أن يتجاوزوا الواقع الظاهري للناس، كما ورد في الخبر المشهور عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنما اقضي بينكم بالبينات والإيمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنما قطعت له به قطعة من النار. [الملاحم والفتن للسيد ابن طاووس: ص١٤٣]، ولكن في دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لن يكون الأمر على هذه الحالة للأسباب التي قدمناها سابقاً فلن نجد محاباة أو استثناء في حكومته (عجّل الله فرجه) بل معيارية الحق والعدل هي الحاكمة ولها السطوة العظمى على كل شذوذ واعوجاج حتى ورد في الأثر الذي نقله ابن طاووس عن جعفر بن سيار: يبلغ من رد المهدي المظالم حتى لو كان تحت ضرس انسان شيء انتزعه حتى يرده. [الغيبة للشيخ النعماني: ص٢٤٦]، وسواء كانت تلك الظلامة عند أحد من أصحابه أو من غيرهم، فالمدار على الحق والمقياس الذي تُقاس به الأشياء هو دون غيره، ومن هنا ومع كل ما تقدم يمكن أن نفهم ما رواه النعماني في غيبته عن الإمام الصادق (عليه السلام): بينا الرجل على رأس القائم (عليه السلام) يأمره وينهاه إذ قال: أديروه فيديرونه إلى قدامه فيأمر بضرب عنقه فلا يبقى في الخافقين شيء إلّا خافه. [بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج٥٢، ص٣٨٩]، وكذلك ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أيضاً قريباً من هذا المعنى في اقامته (عجّل الله فرجه) الحد على بعض أصحابه ممن قاتل بين يديه ممن ينكر بعض قضائه الذي يقضي به.
ودمتم برعاية المولى صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه)

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016