فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » كمال الدين وتمام النعمة - الجزء الثاني
 كتب المركز

الكتب كمال الدين وتمام النعمة - الجزء الثاني

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢١/٠٩/٠٢ المشاهدات المشاهدات: ٨١٨٦ التعليقات التعليقات: ٠

كمال الدين وتمام النعمة
الجزء الثاني

تأليف: الشيخ الجليل الأقدم أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الصدوق (رحمه الله)
المتوفى سنة (٣٨١هـ)
تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
رقم الإصدار: ٢٥٨
الطبعة: الأولى ١٤٤٢هـ

الفهرس

الباب الثالث والثلاثون: ما روي عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) من النصِّ على القائم (عليه السلام) وذكر غيبته (وفيه ٥٥ حديثاً)..................٣
الباب الرابع والثلاثون: ما روي عن أبي الحسن موسى ابن جعفر [(عليهما السلام)] في النصِّ على القائم (عليه السلام) وغيبته (وفيه ٦ أحاديث)..................٤٣
ذكر كلام هشام بن الحَكَم (رضي الله عنه) في هذا المجلس وما آل إليه أمره..................٤٩
الباب الخامس والثلاثون: ما روي عن الرضا عليِّ بن موسى (عليهما السلام) في النصِّ على القائم (عليه السلام) وفي غيبته (وفيه ٧ أحاديث)..................٥٩
الباب السادس والثلاثون: ما روي عن أبي جعفر الثاني محمّد بن عليٍّ [الجواد] (عليهما السلام) في [النصِّ على] القائم (عليه السلام) وغيبته (وفيه ٣ أحاديث)..................٧١
الباب السابع والثلاثون: ما روي عن أبي الحسن عليِّ بن محمّد الهادي [(عليهما السلام)] في النصِّ على القائم (عليه السلام) وغيبته (وفيه ١٠ أحاديث)..................٧٧
الباب الثامن والثلاثون: ما روي عن أبي محمّد الحسن ابن عليٍّ العسكري (عليهما السلام) من وقوع الغيبة بابنه القائم (عليه السلام) (وفيه ٩ أحاديث)..................٨٧
ما روي من حديث الخضر (عليه السلام)..................٩٠
ما روي من حديث ذي القرنين..................٩٧
الباب التاسع والثلاثون: في من أنكر القائم الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام) (وفيه ١٥ حديثاً)..................١١٥
الباب الأربعون: ما روي في أنَّ الإمامة لا تجتمع في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) (وفيه ١٠ أحاديث)..................١٢٣
الباب الحادي والأربعون: ما روي في نرجس أُمِّ القائم (عليه السلام) واسمها مليكة بنت يشوعا بن قيصر المَلِك (وفيه حديث واحد)..................١٢٩
الباب الثاني والأربعون: ما روي في ميلاد القائم صاحب الزمان حجَّة الله بن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين ابن عليِّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم) (وفيه ١٧ حديثاً)..................١٣٩
ذكر من هنَّأ أبا محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) بولادة ابنه القائم (عليه السلام)..................١٥٣
الباب الثالث والأربعون: ذكر من شاهد القائم (عليه السلام) ورآه وكلَّمه (وفيه ٢٥ حديثاً)..................١٥٥
الباب الرابع والأربعون: علَّة الغيبة (وفيه ١١ حديثاً)..................٢٠٧
الباب الخامس والأربعون: ذكر التوقيعات الواردة عن القائم (عليه السلام) (وفيه ٥٢ حديثاً)..................٢١٣
توقيع من صاحب الزمان (عليه السلام)..................٢٤٨
الدعاء في غيبة القائم (عليه السلام)..................٢٥٠
الباب السادس والأربعون: ما جاء في التعمير (وفيه ٦ أحاديث)..................٢٦٥
الباب السابع والأربعون: حديث الدجَّال وما يتَّصل به من أمر القائم (عليه السلام) (وفيه حديثان)..................٢٧١
الباب الثامن والأربعون: حديث الظباء بأرض نينوى في سياق هذا الحديث على جهته ولفظه (وفيه حديث واحد)..................٢٨٣
الباب التاسع والأربعون: في سياق حديث حبابة الوالبيَّة (وفيه حديثان)..................٢٨٩
الباب الخمسون: سياق حديث معمَّر المغربي أبي الدنيا عليُّ بن عثمان بن الخطَّاب ابن مرَّة بن مؤيَّد (وفيه ١٠ أحاديث)..................٢٩٥
الباب الحادي والخمسون: حديث عبيد بن شرية الجرهمي (وفيه حديث واحد)..................٣٠٩
الباب الثاني والخمسون: حديث الربيع بن الضبع الفزاري (وفيه حديث واحد)..................٣١٣
الباب الثالث والخمسون: حديث شقِّ الكاهن (وفيه حديث واحد)..................٣١٧
الباب الرابع والخمسون: حديث شدَّاد بن عاد بن إرم، وصفة ﴿إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلَادِ﴾ [وقَصص وأحاديث أُخرى كثيرة]..................٣٢١
[ذكر المعمَّرين]..................٣٢٦
[قصَّة شرية بن عبد الله الجعفي]..................٣٣٣
[قصَّة الريَّان بن دومغ]..................٣٣٤
[قصَّة لبيد بن ربيعة الجعفري]..................٣٣٧
[عمر عوف بن كنانة الكلبي ووصيَّته]..................٣٤٠
[قصَّة أكثم بن صيفي]..................٣٤٣
وصيَّة أكثم بن صيفي عند موته..................٣٤٧
[قصَّة مَلِك الهند]..................٣٥١
[وجه إيراد القَصص في الكتاب]..................٤٢٣
[علَّة الأحرف المقطَّعة في القرآن]..................٤٢٤
الباب الخامس والخمسون: ما روي في ثواب المنتظر للفرج (وفيه ٨ أحاديث)..................٤٢٩
الباب السادس والخمسون: النهي عن تسمية القائم (عليه السلام) (وفيه ٤ أحاديث)..................٤٣٧
الباب السابع والخمسون: ما روي في علامات خروج القائم (عليه السلام) (وفيه ٢٩ حديثاً)..................٤٤١
الباب الثامن والخمسون: في نوادر الكتاب (وفيه ٣٢ حديثاً)..................٤٥٣
المصادر والمراجع..................٤٨٥

الباب الثالث والثلاثون: ما روي عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) من النصِّ على القائم (عليه السلام) وذكر غيبته وأنَّه الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام)

↑صفحة ٣↑

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وصلَّى الله على سيِّدنا محمّد وَآله الطاهرين.
قَالَ [الشَّيْخُ الفَقِيهُ] أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ القُمِّيُّ [الفَقِيهُ] مُصَنِّفُ هَذَا الكِتَابِ (رحمه الله):
[٢٤٢/١] حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ أَيُّوبَ ابْنِ نُوحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَئِمَّةِ وَجَحَدَ المَهْدِيَّ كَانَ كَمَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَجَحَدَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نُبُوَّتَهُ»، فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، فَمَنِ المَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِكَ؟ قَالَ: «الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ، يَغِيبُ عَنْكُمْ شَخْصُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ تَسْمِيَتُهُ»(١).
[٢٤٣/٢] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّيْتُونِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي الهَيْثَمِ بْنِ أَبِي حَبَّةَ(٢)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «إِذَا اجْتَمَعَتْ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مُتَوَالِيَةً: مُحَمَّدٌ، وَعَلِيٌّ، وَالحَسَنُ، فَالرَّابِعُ القَائِمُ»(٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٣٤).
(٢) كذا، وفي بعض النُّسَخ: (أبي الهيثم بن أبي نجيَّة)، وفي بعضها: (أبي الحيَّة)، ولم أجده، ويحتمل بعيداً كونه مصحَّف إبراهيم بن أبي حبَّة اليسع بن سعد المكّي الذي عنونه الشيخ في رجال الصادق (عليه السلام)، وقال: ضعيف. (رجال الطوسي: ص ١٥٨/ الرقم ١٧٦٣/٦٧). أو كونه الهيثم ابن عروة التميمي الكوفي الثقة. ولفظ (أبي) من زيادات النُّسَّاخ، ويُؤيِّد الثاني ذكره مع النسبة في الخبر الآتي تحت الرقم (٢٤٤/٣).
(٣) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٣ و١١٤/ ح ١٠١)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣٣/ ح ٢٠١).

↑صفحة ٥↑

[٢٤٤/٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَابُنْدَاذَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ عَلِيٍّ القَيْسِيُّ، عَنْ أَبِي الهَيْثَمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «إِذَا تَوَالَتْ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ: مُحَمَّدٌ، وَعَلِيٌّ، وَالحَسَنُ، كَانَ رَابِعُهُمْ قَائِمُهُمْ»(٤).
[٢٤٥/٤] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّقَّاقُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الكُوفِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَمِّهِ الحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، لَوْ عَهِدْتَ إِلَيْنَا فِي الخَلَفِ مِنْ بَعْدِكَ، فَقَالَ لِي: «يَا مُفَضَّلُ، الإِمَامُ مِنْ بَعْدِي ابْنِي مُوسَى، وَالخَلَفُ المَأْمُولُ المُنْتَظَرُ (م ح م د) بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى».
[٢٤٦/٥] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ البَرْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سِنَانٍ وَأَبِي عَلِيٍّ الزَّرَّادِ جَمِيعاً، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الكَرْخِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عليهما السلام) وَإِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَهُ إِذْ دَخَلَ أَبُو الحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) وَهُوَ غُلَامٌ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقَبَّلْتُهُ وَجَلَسْتُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «يَا إِبْرَاهِيمُ، أَمَا إِنَّهُ [لَ]صَاحِبُكَ مِنْ بَعْدِي، أَمَا لَيَهْلِكَنَّ فِيهِ أَقْوَامٌ وَيَسْعَدُ [فِيهِ] آخَرُونَ، فَلَعَنَ اللهُ قَاتِلَهُ وَضَاعَفَ عَلَى رُوحِهِ العَذَابَ، أَمَا لَيُخْرِجَنَّ اللهُ مِنْ صُلْبِهِ خَيْرَ أَهْلِ الأَرْضِ فِي زَمَانِهِ، سَمِيَّ جَدِّهِ وَوَارِثَ عِلْمِهِ وَأَحْكَامِهِ وَفَضَائِلِهِ، [وَ]مَعْدِنَ الإِمَامَةِ، وَرَأْسَ الحِكْمَةِ، يَقْتُلُهُ جَبَّارُ بَنِي فُلَانٍ، بَعْدَ عَجَائِبَ طَرِيفَةٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) رواه المسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٨)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨٩/ باب ١٠/ فصل ٤/ ذيل الحديث ٣٤)، والخزَّاز في كفاية الأثر (ص ٢٨٥)، والطبري في دلائل الإمامة (ص ٤٤٧/ ح ٤٢٢/٢٦) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

↑صفحة ٦↑

حَسَداً لَهُ، وَلَكِنَّ اللهَ [(عزَّ وجلَّ)] بالِغُ أَمْرِهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، يُخْرِجُ اللهُ مِنْ صُلْبِهِ تَكْمِلَةَ اثْنَيْ عَشَرَ(٥) إِمَاماً مَهْدِيًّا، اخْتَصَّهُمُ اللهُ بِكَرَامَتِهِ وَأَحَلَّهُمْ دَارَ قُدْسِهِ، المُنْتَظِرُ لِلثَّانِي عَشَرَ مِنْهُمْ(٦) كَالشَّاهِرِ سَيْفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَذُبُّ عَنْهُ».
قَالَ: فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ مَوَالِي بَنِي أُمَيَّةَ، فَانْقَطَعَ الكَلَامُ، فَعُدْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً أُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يَسْتَتِمَّ الكَلَامَ فَمَا قَدَرْتُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ قَابِلُ - السَّنَةِ الثَّانِيَةِ(٧) - دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَقَالَ: «يَا إِبْرَاهِيمُ، هُوَ المُفَرِّجُ لِلْكَرْبِ عَنْ شِيعَتِهِ بَعْدَ ضَنْكٍ شَدِيدٍ، وَبَلَاءٍ طَوِيلٍ، وَجَزَعٍ وَخَوْفٍ، فَطُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ، حَسْبُكَ يَا إِبْرَاهِيمُ»، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَمَا رَجَعْتُ بِشَيْءٍ أَسَرَّ مِنْ هَذَا لِقَلْبِي وَلَا أَقَرَّ لِعَيْنِي(٨).
[٢٤٧/٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ(رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَطَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ أَبِي طَالِبٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّلْتِ القُمِّيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبُو بَصِيرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ مَوْلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي مَنْزِلٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ عِمْرَانَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «نَحْنُ اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا(٩)»، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَصِيرٍ: تَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)؟ فَحَلَفَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: لَكِنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)(١٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) في بعض النُّسَخ: (تمام اثني عشر).
(٦) في بعض النُّسَخ: (المقرُّ بالثاني عشر منهم).
(٧) كذا.
(٨) رواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٩٢/ باب ٤/ ح ٢١)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٣٤ و٢٣٥).
(٩) في بعض النُّسَخ: (محدَّثاً).
(١٠) رواه المصنِّف (رحمه الله) في الخصال (ص ٤٧٨/ ح ٤٥)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥٩ و٦٠/ ح ٢٣)، الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٣٣٩/ ج ٧/ باب ٥/ ح ٢)، والكليني(رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٣٤/ باب فيما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٢٠)، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ١٧ و١٨)، وفي الجميع: (نحن اثنا عشر محدَّثاً).

↑صفحة ٧↑

وحدَّثنا بمثل هذا الحديث محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن الحسن الصفَّار، عن أبي طالب عبد الله بن الصلت القمِّي، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران مثله سواء.
[٢٤٨/٧] حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ الزَّيَّاتِ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُوسَى الخَشَّابِ، عَنِ ابْنِ سَمَاعَةَ(١١)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ رِبَاطٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نُوراً قَبْلَ خَلْقِ الخَلْقِ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ الفَ عَامٍ، فَهِيَ أَرْوَاحُنَا»، فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، وَمَنِ الأَرْبَعَةَ عَشَرَ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ وَالأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ، آخِرُهُمُ القَائِمُ الَّذِي يَقُومُ بَعْدَ غَيْبَتِهِ، فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيُطَهِّرُ الأَرْضَ مِنْ كُلِّ جَوْرٍ وَظُلْمٍ»(١٢).
[٢٤٩/٨] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الخَطَّابِ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فَقَالَ (عليه السلام): «الآيَاتُ هُمُ الأَئِمَّةُ، وَالآيَةُ المُنْتَظَرَةُ القَائِمُ (عليه السلام)، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ قِيَامِهِ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ آمَنَتْ بِمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ آبَائِهِ (عليهم السلام)»(١٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) في بعض النُّسَخ: (عليّ بن سماعة).
(١٢) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٩٦ و١٩٧).
(١٣) رواه ابن بابويه (رحمه الله) بسند متفاوت في أوَّله في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٨/ ح ١٣٠).

↑صفحة ٨↑

[٢٥٠/٩] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ القَطَّانُ(١٤) وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّقَّاقُ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الوَرَّاقُ وَعَبْدُ اللهِ [بْنُ] مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ (رضي الله عنهم)، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا القَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ بُهْلُولٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الهُذَيْلِ(١٥): وَسَألتُهُ عَنِ الإِمَامَةِ فِيمَنْ تَجِبُ؟ وَمَا عَلَامَةُ مَنْ تَجِبُ لَهُ الإِمَامَةُ؟ فَقَالَ لِي: «إِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ وَالحُجَّةَ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالقَائِمَ فِي أُمُورِ المُسْلِمِينَ وَالنَّاطِقَ بِالقُرْآنِ وَالعَالِمَ بِالأَحْكَامِ أَخُو نَبِيِّ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَخَلِيفَتُهُ عَلَى أُمَّتِهِ وَوَصِيُّهُ عَلَيْهِمْ، وَوَلِيُّهُ الَّذِي كَانَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى المَفْرُوضُ الطَّاعَةِ، يَقُولُ اللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وَقَالَ (جَلَّ ذِكْرُهُ): ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، المَدْعُوُّ إِلَيْهِ بِالوَلَايَةِ، المُثْبَتُ لَهُ الإِمَامَةُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ بِقَوْلِ الرَّسُولِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنِ اللهِ (جلّ جلاله): أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَأَعِنْ مَنْ أَعَانَهُ، ذَاكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، وَإِمَامُ المُتَّقِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، وَأَفْضَلُ الوَصِيِّينَ، وَخَيْرُ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ بَعْدَ رَسُولِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَبَعْدَهُ الحَسَنُ ثُمَّ الحُسَيْنُ سِبْطَا رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ابْنَا خِيَرَةِ النِّسْوَانِ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) لعلَّه العطَّار فصُحِّف.
(١٥) عبد الله بن أبي الهذيل الغنري أبو المغيرة الكوفي، عامّيٌّ من التابعين، يروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وعبد لله بن مسعود وعمَّار بن ياسر وخبَّاب الأرت وغيرهم من الصحابة، وكان عثمانيًّا تُوفِّي في ولاية خالد القسري، وروايته هذا عن الصادق (عليه السلام) بعيد جدًّا وإنْ أدرك أيَّامه، كما أنَّ رواية تميم عنه (عليه السلام) بواسطة واحدة لم تُعهَد في كُتُب الصدوق (رحمه الله)، واحتمال تعدُّد عبد الله بن أبي الهذيل أو أنَّ القول له بعيد. والسند في بحار الأنوار (ج ٣٦/ ص ٣٩٦/ ح ١) أيضاً كما في المتن.

↑صفحة ٩↑

مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ الحَسَنُ ابْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ ابْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) إِلَى يَوْمِنَا هَذَا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، إِنَّهُمْ عِتْرَةُ الرَّسُولِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَعْرُوفُونَ بِالوَصِيَّةِ وَالإِمَامَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، وَكُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ، وَإِنَّهُمُ العُرْوَةُ الوُثْقَى، وَأَئِمَّةُ الهُدَى، وَالحُجَّةُ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَهُمْ ضَالٌّ مُضِلٌّ تَارِكٌ لِلْحَقِّ وَالهُدَى، وَإِنَّهُمُ المُعَبِّرُونَ عَنِ القُرْآنِ، وَالنَّاطِقُونَ عَنِ الرَّسُولِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِالبَيَانِ، وَإِنَّ مَنْ مَاتَ وَلَا يَعْرِفُهُمْ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَإِنَّ فِيهِمُ الوَرَعَ وَالعِفَّةَ وَالصِّدْقَ وَالصَّلَاحَ وَالاِجْتِهَادَ، وَأَدَاءَ الأَمَانَةِ إِلَى البَرِّ وَالفَاجِرِ، وَطُولَ السُّجُودِ، وَقِيَامَ اللَّيْلِ، وَاجْتِنَابَ المَحَارِمِ، وَانْتِظَارَ الفَرَجِ بِالصَّبْرِ، وَحُسْنَ الصُّحْبَةِ، وَحُسْنَ الجِوَارِ»(١٦).
ثمّ قال تميم بن بهلول: حدَّثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في الإمامة بمثله سواء.
[٢٥١/١٠] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ جَمِيعاً، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العِبَادُ مِنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَأَرْضَى مَا يَكُونُ عَنْهُمْ إِذَا افْتَقَدُوا حُجَّةَ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِمَكَانِهِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ تَبْطُلْ حُجَجُ اللهِ [عَنْهُمْ وَبَيِّنَاتُهُ]، فَعِنْدَهَا فَتَوَقَّعُوا الفَرَجَ صَبَاحاً وَمَسَاءً، وَإِنَّ أَشَدَّ مَا يَكُونُ غَضَبُ اللهِ تَعَالَى عَلَى أَعْدَائِهِ إِذَا افْتَقَدُوا حُجَّةَ اللهِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ لَا يَرْتَابُونَ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَرْتَابُونَ لَمَا غَيَّبَ عَنْهُمْ حُجَّتَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) رواه المصنِّف (رحمه الله) في الخصال (ص ٤٧٨ و٤٧٩/ ح ٤٦)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥٧ - ٥٩/ ح ٢٠).

↑صفحة ١٠↑

إِلَّا عَلَى رَأْسِ شِرَارِ النَّاسِ»(١٧)،(١٨).

 

(١٧) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٣/ ح ١٢٠)، ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٣/ باب نادر في حال الغيبة/ ح ١)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٥ و١٦٦/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ١ و٢) بسندين، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٣٠)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٥٧/ ح ٤٦٨).
(١٨) قال المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٣٨ و٢٣٩): (قوله: «أقرب ما يكون العباد» دلَّ على أنَّ أقرب العباد منه تعالى في زمان غيبة الإمام إذا كانوا عارفين بحقِّه أزيد وأكمل، ورضاه تعالى عنهم، وإضافة الرحمة عليهم إذا كانوا تابعين له أعظم وأشمل، وذلك ليتمهم وانتظارهم وتحسُّرهم وأسرهم وخوفهم على الأنفس والأموال من تغلُّب الكُفَّار وتسلُّط الأشرار عليهم، ولأنَّ الإيمان بالغيب دلَّ على ضياء عقولهم ولطف قرائحهم ولينة طبائعهم وصفاء عقيدتهم وكمال هدايتهم، وكلُّ ذلك موجب لزيادة القرب من الحقِّ وكمال رضاه. وفي طُرُق العامَّة عن ابن مسعود قال: إنَّ أمر محمّد كان بيِّناً لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب، ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، قال الطيِّبي: معنى هذا الحديث مخرَّج في سُنَن الدارمي عن أبي عبيدة بن الجرَّاح، قال: يا رسول الله، أحد خير منَّا، أسلمنا وجاهدنا معك، قال: «نعم هم قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولا يروني». وأنت خبير بأنَّ هذا الحكم غير مختصٍّ بالنبيِّ، بل يجري في إمام بعده. قوله: «يعلمون أنَّه لم تبطل حجَّة الله» أي يعلمون بالبراهين العقليَّة والأحاديث النبويَّة أنَّه لم تبطل حجَّة الله (عزَّ ذكره) في الأرض ولا ميثاقه وعهده في الحجَّة، بل هما باقيان في الخلق ودائمان فيهم ما دامت الدنيا، فلذلك يؤمنون بالإمام وإنْ لم يروه، ويعتقدون بوجوده وإنْ لم يشاهدوه. قوله: «فتوقَّعوا الفرج صباحاً ومساءً» لوجوب ظهوره في وقت ما لدفع الظلم والجور ونصرة دين الحقِّ وأهله، ولكن لـمَّا لم نعلم ذلك الوقت بخصوصه واحتمل كلُّ جزء من أجزاء الزمان أنْ يكون ذلك الوقت لا بدَّ لنا من توقُّع الفرج في جميع الأوقات، وإنَّما ذكر الصباح والمساء لشيوعهما في التعارف وإحاطتهما بسائر الأوقات. قوله: «فإنَّ أشدّ ما يكون» دليل لتوقُّع الفرج، ولعلَّ وجه ذلك مع أنَّ الظاهر أنْ يكون الغضب عليهم عند ظهور الحجَّة وعدم إيمانهم به أشدّ وأجدر ولحقوق النكال بهم أحرى وأظهر لكون الحجَّة عليهم حينئذٍ أقوى وأكمل من عدم ظهوره بسبب سوء صنيعهم وإعوجاج طبيعتهم حتَّى حرم المستعدُّون للهداية والقابلون للفهم والدراية عن مشاهدة جماله وملاحظة كماله، فلذلك كان الغضب عليهم حال الغيبة أشدّ.
قوله: «وقد علم أنَّ أولياءه» أي أولياء الحجَّة، وهذا دفع لما عسى أنْ يقال من أنَّ إخفاء الحجَّة موجب لإضلال الخلق ورفع اللطف عنهم ولا يجوز شيء من ذلك، ووجه الدفع ظاهر، وحاصله أنَّ ذلك إنَّما يلزم لو كان أحد من أوليائه يرتاب فيه بعد الغيبة وليس كذلك، فلا مفسدة في الغيبة وإنَّما هي محض المصلحة وهي حفظ النفس المعصومة أو غيرها. قوله: «ولا يكون ذلك إلَّا على رأس شرار الناس» دلَّ على أنَّ ظهوره لا يكون إلَّا عند فشو الشرِّ في الناس وبعد الخير عنهم، وقد دلَّ على ذلك أيضاً، بل على تعيين الشرور والمفاسد بعض الروايات).
وقال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ١٨ - ٢٠): («أقرب ما يكون العباد» لعلَّ ما مصدريَّة وكان تامة ومن صلة لأقرب، أي أقرب أحوال كونهم ووجودهم من الله وأرضى أحوال رضي الله عنهم. «إذا افتقدوا» خبر، ونسبة القرب والرضا إلى الأحوال مجاز، وقيل: أقرب مبتدأ مضاف إلى ما ومدخولها، والعباد اسم يكون، وخبره محذوف بتقدير قريبين، ومن صلة قريبين، ونسبة القرب إلى كونهم قريبين للمبالغة، نظير جدَّ جدُّه. «وأرضى ما يكون» بتقدير: أرضي ما يكون راضياً، والضمير المستتر لله. «وإذا» ظرف مضاف إلى الجملة، وهو خبر المبتدأ. «افتقدوا حجَّة الله» أي لم يجدوه ولم يظهر لهم، والعطف للتفسير، «وهم» الواو للحال، «في ذلك» الزمان «يعلمون أنَّه لم تبطل حجَّة الله (جلَّ ذكره)» بنصب الإمام، «ولا ميثاقه» على الخلق بالإقرار بالإمام، وقيل: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. وإنَّما كانوا أقرب وأرضى لكون الإيمان عليهم أشدّ والشُّبَه عليهم أقوى، لعدم رؤيتهم الأئمَّة (عليهم السلام) ومعجزاتهم، وإنَّما يؤمنون بالنظر في البراهين والتفكُّر في الآثار والأخبار، لاسيّما مع امتداد غيبة الإمام (عليه السلام) وعدم وصول خبره عليهم في الغيبة الكبرى، وكثرة وساوس شياطين الجنِّ والإنس في ذلك. «فعندها» أي عند حصول تلك الحالة. «توقَّعوا» أي انتظروا الفرج، وهو التفصِّي من الهمِّ والغمِّ بظهور الإمام (عليه السلام)، فإنَّه لـمَّا لم يُوقَّت لكم فكلُّ وقت من الأوقات يحتمل ظهوره فلا تيأسوا من رحمة الله، وادعوا لتعجيل الفرج وانتظروه في جميع الأزمان، فإنَّه قد شاع في التعبير عن جميع الأزمان بهذين الوقتين. ويحتمل أنْ يكون المراد بالفرج إحدى الحسنيين، إمَّا لقاء الله أو ظهور الحجَّة...)، إلى أنْ قال: («ولا يكون ذلك» أي ظهور الإمام إلَّا إذا فسد الزمان غاية الفساد كما ورد في أخبار كثيرة أنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلِئَت ظلماً وجوراً. ويحتمل أنْ يكون ذلك إشارة إلى أنَّ الغضب ذبة مختصٌّ بالشرار تأكيداً لما مرَّ، والأوَّل أظهر).

↑صفحة ١١↑

[٢٥٢/١١] وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: قَالَ المُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ

↑صفحة ١٢↑

جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ مُنْتَظِراً لِهَذَا الأَمْرِ كَانَ كَمَنْ كَانَ مَعَ القَائِمِ فِي فُسْطَاطِهِ، لَا بَلْ كَانَ كَالضَّارِبِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِالسَّيْفِ»(١٩).
[٢٥٣/١٢] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّقَّاقُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الكُوفِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ الآدَمِيِّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ العَبْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الصَّادِقُ (عليه السلام): «مَنْ أَقَرَّ بِالأَئِمَّةِ مِنْ آبَائِي وَوُلْدِي وَجَحَدَ المَهْدِيَّ مِنْ وُلْدِي كَانَ كَمَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَجَحَدَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نُبُوَّتَهُ»، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، وَمَنِ المَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِكَ؟ قَالَ: «الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ، يَغِيبُ عَنْكُمْ شَخْصُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ تَسْمِيَتُهُ».
[٢٥٤/١٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ العَاصِمِيُّ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ القَاسِمِ بْنِ أَيُّوبَ(٢٠)، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الصَّائِغِ(٢١)، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مِنَّا اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا، مَضَى سِتَّةٌ وَبَقِيَ سِتَّةٌ، يَصْنَعُ اللهُ بِالسَّادِسِ مَا أَحَبَّ(٢٢)»(٢٣).
[٢٥٥/١٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ مُحَمَّدٍ الهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ العَاصِمِيُّ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ القَاسِمِ بْنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٢/ ح ١١٨).
(٢٠) هو الحسين بن القاسم بن محمّد بن أيُّوب بن شمون، أبو عبد الله الكاتب، وكان أبوه من أجلَّة أصحابنا: (رجال النجاشي: ص ٦٦/ الرقم ١٥٧). قال ابن الغضائري: (ضعَّفوه، وهو عندي ثقة، ولكن البحث فيمن يروي عنه) (رجال ابن الغضائري: ص ١١٠/ الرقم ١٦١/٢).
(٢١) هو ثابت بن شريح أبو إسماعيل الصائغ الأنباري مولى الأزد، ثقة. وفي النُّسَخ: (ثابت الصبَّاغ)، وفي بعضها: (الصباح)، وكلاهما تصحيف.
(٢٢) في بعض النُّسَخ: (في السادس ما أحبَّ).
(٢٣) رواه المصنِّف (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٦٩/ ح ٣٧)، وابن عقدة في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) (ص ١٥٥/ ح ١٥٣).

↑صفحة ١٣↑

أَيُّوبَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنْ ذَرِيحٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «مِنَّا اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا».
[٢٥٦/١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ مُحَمَّدٍ الهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبُو بَصِيرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ مَوْلَى أَبِي جَعْفَرٍ فِي مَنْزِلٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «نَحْنُ اثْنَا عَشَرَ مُحَدَّثُونَ(٢٤)»، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: وَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، فَحَلَفَ مَرَّتَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ(٢٥).
[٢٥٧/١٦] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ البَرْقِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العِبَادُ مِنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَأَرْضَى مَا يَكُونُ عَنْهُمْ إِذَا فَقَدُوا حُجَّةَ اللهِ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِمَكَانِهِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ تَبْطُلْ حُجَجُ اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَلَا بَيِّنَاتُهُ، فَعِنْدَهَا فَتَوَقَّعُوا الفَرَجَ صَبَاحاً وَمَسَاءً، وَإِنَّ أَشَدَّ مَا يَكُونُ غَضَبُ اللهِ عَلَى أَعْدَائِهِ إِذَا افْتَقَدُوا حُجَّتَهُ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ لَا يَرْتَابُونَ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَرْتَابُونَ مَا غَيَّبَ عَنْهُمْ حُجَّتَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى رَأْسِ شِرَارِ النَّاسِ»(٢٦).
[٢٥٨/١٧] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ جَمِيعاً، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الحَسَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) في بعض النُّسَخ: (اثنا عشر مهديًّا).
(٢٥) قد مرَّ قريباً منه تحت الرقم (٢٤٧/٦)، فراجع.
(٢٦) قد مرَّ تحت الرقم (٢٥١/١٠)، فراجع.

↑صفحة ١٤↑

العَبْدُ إِلَى اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَأَرْضَى مَا يَكُونُ عَنْهُ إِذَا افْتَقَدُوا حُجَّةَ اللهِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ، وَحُجِبَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَعْلَمُوا بِمَكَانِهِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ حُجَجُ اللهِ وَلَا بَيِّنَاتُهُ، فَعِنْدَهَا فَلْيَتَوَقَّعُوا الفَرَجَ صَبَاحاً وَمَسَاءً، وَإِنَّ أَشَدَّ مَا يَكُونُ غَضَباً عَلَى أَعْدَائِهِ إِذَا أَفْقَدَهُمْ حُجَّتَهُ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ لَا يَرْتَابُونَ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَرْتَابُونَ [لَ]مَا أَفْقَدَهُمْ حُجَّتَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ».
[٢٥٩/١٨] حَدَّثَنَا أَبِي [وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ] (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ[مَا])، قَالَـ[ا]: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا المُعَلَّى بْنُ مُحَمَّدٍ البَصْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ [مُحَمَّدِ] بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فِي القَائِمِ سُنَّةٌ(٢٧) مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام)»، فَقُلْتُ: وَمَا سُنَّةُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ؟ فَقَالَ: «خَفَاءُ مَوْلِدِهِ، وَغَيْبَتُهُ عَنْ قَوْمِهِ»، فَقُلْتُ: وَكَمْ غَابَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (عليه السلام) عَنْ قَوْمِهِ وَأَهْلِهِ؟ فَقَالَ: «ثَمَانِيَ وَعِشْرِينَ سَنَةً»(٢٨).
[٢٦٠/١٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ الرَّقِّيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، قَالَ: «مَنْ أَقَرَّ بِقِيَامِ القَائِمِ أَنَّهُ حَقٌّ».
[٢٦١/٢٠] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّقَّاقُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ النَّخَعِيُّ، عَنْ عَمِّهِ الحُسَيْنِ ابْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ(٢٩)، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي القَاسِمِ، قَالَ: سَالتُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) في بعض النُّسَخ: (شبه)، وكذا ما يأتي.
(٢٨) قد مرَّ تحت الرقم (١٤/٣)، فراجع.
(٢٩) هو عليُّ بن أبي حمزة - سالم - البطائني، بقرينة روايته عن يحيى أبي بصير، ورواية الحسين بن يزيد عنه. وكان أحد عمد الواقفة، قال عليُّ بن الحسن بن فضَّال: إنَّه كذَّاب واقفي متَّهم ملعون. وقال ابن الغضائري: (عليُّ بن أبي حمزة أصل الوقف وأشدُّ الخلق عداوةً للوليِّ بعد أبي إبراهيم (عليه السلام) (يعنى الرضا (عليه السلام))) (رجال ابن الغضائري: ص ٨٣/ الرقم ١٠٧/٣٢). وأمَّا يحيى بن أبي القاسم فهو أبو بصير المكفوف، ولعلَّ الصواب: (يحيى بن القاسم)، وعليُّ بن أبي حمزة هو قائده.

↑صفحة ١٥↑

الصَّادِقَ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ١ - ٣]، فَقَالَ: «المُتَّقُونَ شِيعَةُ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَالغَيْبُ فَهُوَ الحُجَّةُ الغَائِبُ».
وَشَاهِدُ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَيَقُولُونَ لَوْ لَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠](٣٠).
[٢٦٢/٢١] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ سَدِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ فِي القَائِمِ شَبَهٌ(٣١) مِنْ يُوسُفَ (عليه السلام)»، قُلْتُ: كَأَنَّكَ تَذْكُرُ خَبَرَهُ أَوْ غَيْبَتَهُ؟ فَقَالَ لِي: «مَا تُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةُ أَشْبَاهُ الخَنَازِيرِ، إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا أَسْبَاطاً أَوْلَادَ أَنْبِيَاءَ، تَاجَرُوا يُوسُفَ وَبَايَعُوهُ وَهُمْ إِخْوَتُهُ وَهُوَ أَخُوهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الأُمَّةُ أَنْ يَكُونَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ يُرِيدُ أَنْ يَسْتُرَ حُجَّتَهُ(٣٢)، لَقَدْ كَانَ يُوسُفُ (عليه السلام) إِلَيْهِ مُلْكُ مِصْرَ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِهِ مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً، فَلَوْ أَرَادَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يُعَرِّفَهُ مَكَانَهُ لَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَاللهِ لَقَدْ سَارَ يَعْقُوبُ وَوُلْدُهُ عِنْدَ البِشَارَةِ مَسِيرَةَ تِسْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ بَدْوِهِمْ إِلَى مِصْرَ، فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الأُمَّةُ أَنْ يَكُونَ اللهُ (عزَّ وجلَّ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) وكما يظهر من سياق الآيات المراد بالآية العذاب. وقوله: ﴿فَانْتَظِرُوا...﴾ الآية، أي فانتظروا العذاب وإنِّي معكم كذلك. ولا ينبغي تأويل العذاب بالحجَّة (عليه السلام). وقوله: (وشاهد ذلك) من كلام الصدوق (رحمه الله) لا من تتمَّة الحديث كما نصَّ عليه العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج٥٢/ ص ١٢٤). ولم يُعهَد في كلام أحد من المعصومين (عليهم السلام) نقل الشاهد لكلامهم في نظير هذا.
(٣١) في بعض النُّسَخ: (سُنَّة).
(٣٢) في بعض النُّسَخ: (يُبيِّن حجَّته).

↑صفحة ١٦↑

يَفْعَلُ بِحُجَّتِهِ مَا فَعَلَ بِيُوسُفَ أَنْ يَكُونَ يَسِيرُ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَيَطَأُ بُسُطَهُمْ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يُعَرِّفَهُمْ بِنَفْسِهِ كَمَا أَذِنَ لِيُوسُفَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [يوسف: ٨٩ و٩٠]»(٣٣).
[٢٦٣/٢٢] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ الجَمَّالِ، قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): «أَمَا وَاللهِ لَيَغِيبَنَّ عَنْكُمْ مَهْدِيُّكُمْ حَتَّى يَقُولَ الجَاهِلُ مِنْكُمْ مَا لِلهِ فِي آلِ مُحَمَّدٍ حَاجَةٌ، ثُمَّ يُقْبِلُ كَالشِّهَابِ الثَّاقِبِ فَيَمْلَؤُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً».
[٢٦٤/٢٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبْدُوسٍ العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْدَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ حَيَّانٍ السَّرَّاجِ، عَنِ السَّيِّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الحِمْيَرِيِّ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ - يَقُولُ فِيهِ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، قَدْ رُوِيَ لَنَا أَخْبَارٌ عَنْ آبَائِكَ (عليهم السلام) فِي الغَيْبَةِ وَصِحَّةِ كَوْنِهَا، فَأَخْبِرْنِي بِمَنْ تَقَعُ؟ فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ الغَيْبَةَ سَتَقَعُ بِالسَّادِسِ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الأَئِمَّةِ الهُدَاةِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ القَائِمُ بِالحَقِّ، بَقِيَّةُ اللهِ فِي الأَرْضِ، وَصَاحِبُ الزَّمَانِ، وَاللهِ لَوْ بَقِيَ فِي غَيْبَتِهِ مَا بَقِيَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَظْهَرَ فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(٣٤).
[٢٦٥/٢٤] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) قد مرَّ ذكر مصادره تحت الرقم (١١/٣)، فراجع.
(٣٤) راجع ما مرَّ في (ج ١/ ص ٥٢).

↑صفحة ١٧↑

ابْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى الكِلَابِيِّ، عَنْ خَالِدِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، قُلْتُ لَهُ: وَلِـمَ؟ قَالَ: «يَخَافُ - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ -»، ثُمَّ قَالَ: «يَا زُرَارَةُ، وَهُوَ المُنْتَظَرُ، وَهُوَ الَّذِي يَشُكُّ النَّاسُ فِي وِلَادَتِهِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ حَمْلٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ غَائِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا وُلِدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ أَبِيهِ بِسَنَتَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَمْتَحِنَ الشِّيعَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَابُ المُبْطِلُونَ».
قَالَ زُرَارَةُ: فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَإِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَأَيَّ شَيْءٍ أَعْمَلُ؟ قَالَ: «يَا زُرَارَةُ، إِنْ أَدْرَكْتَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَأَدِمْ هَذَا الدُّعَاءَ(٣٥): اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي».
ثُمَّ قَالَ: «يَا زُرَارَةُ، لَا بُدَّ مِنْ قَتْلِ غُلَامٍ بِالمَدِينَةِ»، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَلَيْسَ يَقْتُلُهُ جَيْشُ السُّفْيَانِيِّ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ جَيْشُ بَنِي فُلَانٍ، يَخْرُجُ حَتَّى يَدْخُلَ المَدِينَةَ، فَلَا يَدْرِي النَّاسُ فِي أَيِّ شَيْءٍ دَخَلَ، فَيَأْخُذُ الغُلَامَ فَيَقْتُلُهُ(٣٦)، فَإِذَا قَتَلَهُ بَغْياً وَعُدْوَاناً وَظُلْماً لَمْ يُمْهِلْهُمُ اللهُ (عزَّ وجلَّ)، فَعِنْدَ ذَلِكَ فَتَوَقَّعُوا الفَرَجَ»(٣٧)،(٣٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) في بعض النُّسَخ: (فالزم هذا الدعاء).
(٣٦) في الخبر الذي مرَّ تحت الرقم (٢٤٠/١٦): (قتل غلام من آل محمّد بين الركن والمقام، اسمه محمّد ابن الحسن النفس الزكيَّة). ولعلَّ هذا الغلام غيره، فتأمَّل.
(٣٧) روى قريباً منه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٥)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٧٠ و١٧١/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٦)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٣٣ و٣٣٤/ ح ٢٧٩).
(٣٨) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول: (ج ٤/ ص ٣٩ - ٤٢): («وأومأ بيده إلى بطنه» أي لو ←

↑صفحة ١٨↑

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

→ ظهر لشُقَّ بطنه، وقيل: إلى بطنه يعني جسده، أي يخاف قتل نفسه. «وهو المنتظر» على بناء المفعول، أي ينتظره المؤمنون. «ومنهم من يقول: حمل» أي عند موت أبيه حمل لم يُولَد بعد، كما روي أنَّ الخليفة وكَّل القوابل على نساء أبي محمّد (عليه السلام) وإمائه بعد وفاته ليُفتِّشهنَّ. «بسنتين» أي هذا أيضاً باطل كما ستعرف من تاريخه (عليه السلام) أنَّه وُلِدَ قبل ذلك بأكثر...، «فعند ذلك» أي الغيبة أو امتدادها، «يرتاب المبطلون» أي التابعون للشُّبُهات الواهية الذين لم يتمسَّكوا في الدِّين بعرى وثيقة. «لم أعرف نبيَّك» إنَّما يتوقَّف معرفة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على معرفة الله لأنَّ من لم يعرف الله بأنَّه يجب عليه ما هو لطف للعباد، وأنَّه عالم بجميع الأُمور، وأنَّه يقبح الإغراء بالقبيح ولا يصدر منه سبحانه القبيح، فلا يظهر المعجز على يد الكاذب لم يعرف النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يُصدِّق به، ومن لم يعرف الله بأنَّه لا يفعل العبث وما لا حكمة فيه، وخلق العباد من غير تكليف وأمر ونهي وثواب وعقاب عبث، ومع ذلك الأُمور لا بدَّ من آمر وناه ومؤدِّب ومعلِّم من قِبَله تعالى لم يُصدِّق بالنبيِّ، أو يقال: عظمة الرسول تابع لعظمة المرسِل، فكلَّما كان المرسِل أعلى شأناً كان رسوله أرفع مكاناً، وأيضاً من لم يُصدِّق بوجود الصانع تعالى كيف يُصدِّق برسوله، وقيل: لأنَّ من لم يعرف الله بأنَّه لا يُنال ولا يُرى لم يعرف أنَّه لا بدَّ أنْ يكون بينه وبين الله واسطة مبلِّغ. وتوقُّف معرفة الحجَّة على معرفة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأنَّه إنَّما تُعلَم حجّيَّته بنصِّ الرسول عليه، أو أنَّ عظم الخليفة إنَّما يُعرَف بعظم المستخلِف فإنَّه نائبه والقائم مقامه، والحاصل أنَّ من عرف جهة الحاجة إلى النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو احتياج الخلق إليه في معرفة الله ومعرفة ما يرضيه ويسخطه، وأنْ يكون سبباً لانتظام أُمور الخلق داعياً لهم إلى الصلاح، رادعاً إيَّاهم عن الشرِّ والفساد، شارعاً لهم الدِّين القويم، مانعاً لهم عن الخروج عن الصراط المستقيم، علم أنَّه لا بدَّ بعد وفاته ممَّن يقوم مقامه، ويكون مثله في العلم والعمل والأخلاق والكمالات، ليدعو الناس إلى ما كان يدعو إليه، ويكون حافظاً لدينه وشريعته معصوماً عن الخطأ والزلل، ولو لم يعرف النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كذلك بل زعمه سلطاناً من السلاطين يبني أُموره على الاجتهاد والتخمين لكان يجوز أنْ ينصب الناس آخر مقامه، كما هو زعم المخالفين، وأنْ يكون خليفته عثمان ومعاوية ويزيد وبني مروان من الفاسقين. وقيل: لأنَّ من لم يعرف الرسول بأنَّه لا بدَّ من أنْ يكون بشراً لا يمكن أنْ يدوم وجوده، لم يعرف أنَّه لا بدَّ له من يستخلفه بعد موته. وأمَّا الضلال مع عدم معرفة الحجَّة فهو ظاهر ممَّا قدَّمنا ومبيَّن في الأخبار التي أسلفناه، وسيأتي هذا الدعاء مرويًّا عن زرارة أيضاً بوجه آخر، وكأنَّه سمعهما في مقامين، فإنَّ مثل هذا الاختلاف منه أو من رواته بعيد. «جيش آل بني فلان» أي أصحاب بني فلان، وفي الإكمال: «جيش بني فلان»، والمراد ببني فلان إمَّا بنو العبَّاس ويكون المراد غير النفس الزكيَّة بل رجلاً آخر من آل رسول الله قتله بنو العبَّاس مقارناً لانقراض دولتهم، فيكون هذا من العلامات البعيدة. وفي إرشاد المفيد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ليس بين قيام القائم (عليه السلام) وبين قتل النفس الزكيَّة أكثر من خمسة عشر ليلة»، ويحتمل أنْ يكون المراد بنو مروان، ويكون إشارة إلى انقراض دولة بني أُميَّة، وبالفرج الفرج منهم ومن شرِّهم).

↑صفحة ١٩↑

وَحَدَّثَنَا بِهَذَا الحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عُثْمَانَ ابْنِ عِيسَى الكِلَابِيِّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ نَجِيحٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الحَجَّالِ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ(٣٩) غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ...» وَذَكَرَ الحَدِيثَ مِثْلَهُ سَوَاءً.
[٢٦٦/٢٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هَانِئٍ التَّمَّارِ(٤٠)، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةً، فَلْيَتَّقِ اللهَ عَبْدٌ وَلْيَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ».
[٢٦٧/٢٦] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَكَمِ، عَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) في بعض النُّسَخ المصحَّحة: (للغلام).
(٤٠) كذا، وفي بعض النُّسَخ: (هانئ اليمانيّ)، وفي الكافي: (صالح بن خالد)، عن يمان التمَّار، وفي غيبة النعماني: (صالح بن محمّد)، عن يمان التمَّار.

↑صفحة ٢٠↑

سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي غَيْبَتِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَحَدٌ»(٤١).
[٢٦٨/٢٧] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَعَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الزَّيَّاتِ، [عَنِ الجَرِيرِيِّ](٤٢)، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ الطَّائِيِّ، قَالَ: قَالَ [لِي] أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «يَا عَبْدَ الحَمِيدِ بْنَ أَبِي الدَّيْلَمِ، إِنَّ لِلهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رُسُلاً مُسْتَعْلِنِينَ وَرُسُلاً مُسْتَخْفِينَ، فَإِذَا سَالتَهُ بِحَقِّ المُسْتَعْلِنِينَ فَسَلْهُ بِحَقِّ المُسْتَخْفِينَ».
[٢٦٩/٢٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الصَّفَّارُ جَمِيعاً، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الخَطَّابِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الحَلَبِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «اكْتَتَمَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِمَكَّةَ مُخْتَفِياً خَائِفاً خَمْسَ سِنِينَ لَيْسَ يُظْهِرُ أَمْرَهُ وَعَلِيٌّ (عليه السلام) مَعَهُ وَخَدِيجَةُ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَصْدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ(٤٣) فَظَهَرَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأَظْهَرَ أَمْرَهُ»(٤٤).
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ (عليه السلام) كَانَ مُخْتَفِياً بِمَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ.
[٢٧٠/٢٩] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَطَّارُ وَأَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ جَمِيعاً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) من هذا الحديث إلى خمسة أو ستَّة أحاديث بعده ذُكِرَت هنا لمناسبة الأحاديث السابقة لا مناسبة الباب، وتقدَّم بعضها سابقاً.
(٤٢) الظاهر هو إسحاق بن جرير، وتقدَّم الخبر في (ج ١/ ص ٣٨) بسند آخر عن عبد الحميد أيضاً.
(٤٣) في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: ٩٤).
(٤٤) رواه العيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٢٥٣/ ح ٤٧) بتفاوت يسير، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٣٢/ ح ٢٧٦).

↑صفحة ٢١↑

عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَمُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الخَطَّابِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ جَمِيعاً، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ الحَلَبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «مَكَثَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِمَكَّةَ بَعْدَ مَا جَاءَهُ الوَحْيُ عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْهَا ثَلَاثُ سِنِينَ مُخْتَفِياً خَائِفاً لَا يُظْهِرُ حَتَّى أَمَرَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَصْدَعَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ، فَأَظْهَرَ حِينَئِذٍ الدَّعْوَةَ»(٤٥).
[٢٧١/٣٠] حَدَّثَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الهَاشِمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَرْوِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَالِمٍ صَاحِبِ السَّابِرِيِّ(٤٦)، قَالَ: سَالتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، قَالَ: «أَصْلُهَا رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَفَرْعُهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ ثَمَرُهَا، وَتِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ أَغْصَانُهَا، وَالشِّيعَةُ وَرَقُهَا، وَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَيَمُوتُ فَتَسْقُطُ وَرَقَةٌ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ»، قُلْتُ: قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥]، قَالَ: «مَا يَخْرُجُ مِنْ عِلْمِ الإِمَامِ إِلَيْكُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ»(٤٧).
[٢٧٢/٣١] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ النَّخَعِيُّ، عَنْ عَمِّهِ الحُسَيْنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥) رواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٣٣/ ح ٢٧٧).
(٤٦) في بعض النُّسَخ: (عمر بن صالح السابريّ)، وفي بعضها: (عمر بن بزيع السابريّ)، وكلاهما تصحيف.
(٤٧) روى قريباً منه الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٧٩/ ج ٢/ باب ٢/ ح ٣)، والعيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٢٢٤/ ح ١١)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٨/ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية/ ح ٨٠).

↑صفحة ٢٢↑

ابْنِ يَزِيدَ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ سُنَنَ الأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام) بِمَا وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الغَيْبَاتِ حَادِثَةٌ فِي القَائِمِ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَالقُذَّةِ بِالقُذَّةِ(٤٨)».
قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، وَمَنِ القَائِمُ مِنْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَصِيرٍ، هُوَ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ ابْنِي مُوسَى، ذَلِكَ ابْنُ سَيِّدَةِ الإِمَاءِ، يَغِيبُ غَيْبَةً يَرْتَابُ فِيهَا المُبْطِلُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ)، فَيَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدِهِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَيَنْزِلُ رُوحُ اللهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) فَيُصَلِّي خَلْفَهُ، وَتُشْرِقُ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَلَا تَبْقَى فِي الأَرْضِ بُقْعَةٌ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اللهِ (عزَّ وجلَّ) إِلَّا عُبِدَ اللهُ فِيهَا، وَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ».
[٢٧٣/٣٢] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الفُضَيْلِ(٤٩)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «يَا مَنْصُورُ، إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَا يَأْتِيكُمْ إِلَّا بَعْدَ [إِ]يَاسٍ، لَا وَاللهِ [لَا يَأْتِيكُمْ] حَتَّى تُمَيَّزُوا، لَا وَاللهِ [لَا يَأْتِيكُمْ] حَتَّى تُمَحَّصُوا، وَلَا وَاللهِ [لَا يَأْتِيكُمْ] حَتَّى يَشْقَى مَنْ شَقِيَ وَيَسْعَدَ مَنْ سَعِدَ»(٥٠).
[٢٧٤/٣٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الوَلِيدِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ خَالِدِ بْنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) القُذَّة: ريش السهم.
(٤٩) في بعض النُّسَخ: (محمّد بن الفضل). وفي الكافي: (عن جعفر بن محمّد الصيقل، عن أبيه، عن منصور). وعلى أيٍّ المراد بمنصور منصور بن الوليد الصيقل، ولعلَّ الصواب: (جعفر بن محمّد ابن الصيقل، عن أبيه، عن منصور).
(٥٠) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٣٠/ ح ١٣٥)، وروى قريباً منه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٧٠/ باب التمحيص والامتحان/ ح ٣)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢١٦ و٢١٧/ باب ١٢/ ح ١٦)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٣٥ و٣٣٦/ ح ٢٨١).

↑صفحة ٢٣↑

نَجِيحٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْغُلَامِ غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، قُلْتُ: وَلِـمَ ذَاكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ فَقَالَ: «يَخَافُ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ وَعُنُقِهِ -»، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «وَهُوَ المُنْتَظَرُ الَّذِي يَشُكُّ النَّاسُ فِي وِلَادَتِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِذَا مَاتَ أَبُوهُ: مَاتَ وَلَا عَقِبَ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَدْ وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ أَبِيهِ بِسَنَتَيْنِ، لِأَنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) يُحِبُّ أَنْ يَمْتَحِنَ خَلْقَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَابُ المُبْطِلُونَ»(٥١).
[٢٧٥/٣٤] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (رضي الله عنهم)، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ يَحْيَى العَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الفَزَارِيُّ الكُوفِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ المُثَنَّى العَطَّارِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «يَفْقِدُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ فَيَشْهَدُ المَوْسِمَ فَيَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ»(٥٢)،(٥٣).
[٢٧٦/٣٥] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هَانِئٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) روى قريباً منه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٥)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٣٣ و٣٣٤/ ح ٢٧٩).
(٥٢) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٦/ ح ١٢٦)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧ و٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٦)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨٠ و١٨١/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٤)، والطبري (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٣١/ ح ٥٠٩/١١٣)، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٣٢)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦١/ ح ١١٩).
(٥٣) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ٤٢): (لعلَّ المراد يعرفهم ولا يعرفونه كما روى الصدوق عن محمّد بن عثمان العمري، قال: والله إنَّ صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كلَّ سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه. فيشمل الغيبتين، أو هو مختصٌّ بالكبرى، إذ في الصغرى كان يعرفه بعض الناس، وعلى الثاني يحتمل أنْ تكون الرؤية بمعناها).

↑صفحة ٢٤↑

التَّمَّارِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةً، المُتَمَسِّكُ فِيهَا بِدِينِهِ كَالخَارِطِ لِلْقَتَادِ»، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ(٥٤)، ثُمَّ قَالَ: «[إِنَّ] لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةً، فَلْيَتَّقِ اللهَ عَبْدٌ وَلْيَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ»(٥٥).
[٢٧٧/٣٦] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ جَمِيعاً، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الخَطَّابِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ وَعَبْدُ اللهِ ابْنُ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ الأَشْعَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُسَاوِرِ، عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَالتَّنْوِيهَ(٥٦)، أَمَا وَاللهِ لَيَغِيبَنَّ إِمَامُكُمْ سِنِيناً(٥٧) مِنْ دَهْرِكُمْ، وَلَتُمَحَّصُنَّ حَتَّى يُقَالَ: مَاتَ(٥٨) أَوْ هَلَكَ، بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ؟ وَلَتَدْمَعَنَّ عَلَيْهِ عُيُونُ المُؤْمِنِينَ، وَلَتُكْفَؤُنَّ كَمَا تُكْفَأُ السُّفُنُ فِي أَمْوَاجِ البَحْرِ(٥٩)، وَلَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَهُ وَكَتَبَ فِي قَلْبِهِ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَلَتُرْفَعَنَّ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً لَا يُدْرَى أَيٌّ مِنْ أَيٍّ»، قَالَ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) أي أشار بيده، وفي معنى القول توسُّع. قال بثوبه أي رفعه، وبيده أي أشار، وبرجله أي مشى. والخارط: من يضرب بيده على أعلى الغصن ثمّ يمدُّها إلى الأسفل ليسقط ورقه. والقتاد شجر له شوك. والخبر في الكافي عن صالح بن خالد، عن يمان التمَّار.
(٥٥) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٦ و١٢٧/ ح ١٢٧)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٥ و٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ١)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٧٣ و١٧٤/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ١١)، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٣٢)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٥٥/ ح ٤٦٥).
(٥٦) التنويه: الرفع والتشهير والدعوة. يعني لا تشهروا أنفسكم، أو لا تدعوا الناس إلى دينكم.
(٥٧) التنوين على لغة بنى عامر كما قال الأزهري على ما في التصريح.
(٥٨) زاد في الكافي: (قتل).
(٥٩) لتكفأنَّ على بناء المجهول من المخاطب أو الغائب، من قولهم: كفأت الإناء إذا كببته، كناية عن اضطرابهم وتزلزلهم في الدِّين من شدَّة الفتن. (المرآة).

↑صفحة ٢٥↑

 فَبَكَيْتُ، فَقَالَ [لِي]: «مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟»، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ لَا أَبْكِي وَأَنْتَ تَقُولُ: «اثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً لَا يُدْرَى أَيٌّ مِنْ أَيٍّ»؟ فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى شَمْسٍ دَاخِلَةٍ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ تَرَى هَذِهِ الشَّمْسَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «وَاللهِ لَأَمْرُنَا أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ»(٦٠)،(٦١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٥ و١٢٦/ ح ١٢٥)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٣)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٥٣ و١٥٤/ باب ١٠/ ح ٩)، والطبري (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٣٢ و٥٣٣/ ح ٥١٢/١١٦)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٣٧ و٣٣٨/ ح ٢٨٥).
(٦١) قال المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٥١ و٢٥٢): (قوله: «إيَّاكم والتنويه» لعلَّ المراد تنويه أمره وغيبته وتشهيرها عند المخالفين. قوله: «ولتمحِّصنَّ» محَّصت الذهب بالنار إذا أخلصته ممَّا يشوبه من الغشِّ، والتمحيص بالصاد المهملة الابتلاء والاختبار، والمقصود أنَّكم تُختَبرون بغيبته ليتميَّز الخبيث من الطيِّب. قوله: «حتَّى يقال: مات» الظاهر أنَّ هذا قول الشيعة المفتونين بطول الغيبة أو أنَّ ما نزل عليهم من البؤس والقنوط ومشقَّة انتظار الفرج وإصابة البلاء والشدَّة وبعد رجاء الخلاص منه بظهور المنتظر، وفيه إشارة إلى ما يقع في آخر الزمان عند قرب ظهور الحجَّة من الهرج والمرج وانتشار الظلم والجور والسبي والنهب والقتل والغارة وارتفاع الشبهة عن الخلق. قوله: «ولتكفأنَّ» يقال: كفأت الإناء أي كببته وقلبته فهو مكفوء، وقيل: جاء اكفأت، والتشبيه من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح. قوله: «فلا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه» فإنَّ من قبل ولايته وإمامته عند أخذ العهد والميثاق ينجو من أمواج بحار الفتن ويبقى على دينه ويصبر على الشدائد بعون الله. قوله: «وكتب في قلبه الإيمان» أي أثبته فيه حتَّى صار مستقرًّا لا يزول بالشُّبُهات ونزول النوائب والبليَّات بخلاف الإيمان المستودع فإنَّه كثيراً ما يزول بتوارد الشكوك والتدليسات. قوله: «وأيَّده بروح منه» الضمير راجع إلى الله تعالى، والمراد بالروح المَلَك الموكَّل بالقلب أو نوره وهو نور إلهي يرى به صور المعقولات الحسنة والقبيحة فيتَّبع الأُولى ويجتنَّب عن الثانية، فلا تزلُّ قدمه بعد ثبوتها، أو القرآن فإنَّه روح القلب وحياته، يتميَّز به بين الحقِّ والباطل، أو البصيرة على ما ينفع وما يضرُّ، ويحتمل أنْ يعود الضمير إلى الإيمان فإنَّه سبب لحياة القلب ولذلك سمَّاه روحه. قوله: «ولترفعنَّ اثنتا عشرة راية» هذا من علامات ظهور القائم (عليه السلام)، وعند هذه يقع الفساد في الخلق وانقطاع نظامهم بالكلّيَّة وتضيق الأُمور عليهم، ولعلَّ المراد باشتباه تلك الرايات ادِّعاء صاحب كلِّ واحد أنَّه حقٌّ وغيره باطل، فيقع الاشتباه فيها ويتحيَّر الخلائق في أمر دينهم ودنياهم حتَّى لا يُدرى أيُّ رجل من أيِّ راية لتبُّدد النظام فيهم وانقطاع عنان الاجتماع وسلسلة الانضمام عنهم. ويحتمل أنْ يُراد باشتباهها تداخل بعضها على بعض حتَّى لا يُدرى أيُّ راية من أيِّ رجل، والله أعلم. قوله: «فكيف نصنع» عند ارتفاع تلك الرايات؟ وبِمَ نُميِّز بين المحقِّ والمبطل؟ فأجاب (عليه السلام) بأنَّ أمرنا عند ظهور الدولة القاهرة أظهر من الشمس أو في قلوب المؤمنين فلا يقع الالتباس بين الحقِّ والباطل كما لا يقع الالتباس بين النور والظلمة، فالعارفون عارفون بحقِّنا إيماناً وتصديقاً والمنكرون منكرون لحقِّنا حسداً وعناداً).
وقال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٢٨٢ و٢٨٣): (بيان: التنويه: التشهير أي لا تشهروا أنفسكم، أو لا تدعوا الناس إلى دينكم، أو لا تشهروا ما نقول لكم من أمر القائم (عليه السلام) وغيره ممَّا يلزم إخفاؤه عن المخالفين. «وليُمحَّص» على بناء التفعيل المجهول من التمحيص، بمعنى الابتلاء والاختبار، ونسبته إليه (عليه السلام) على المجاز، أو على بناء المجرَّد المعلوم، من محص الظبي - كمنع - إذا عدا، ومحص منِّي: أي هرب. وفي بعض نُسَخ الكافي على بناء المجهول المخاطب، من التفعيل مؤكَّداً بالنون، وهو أظهر، وقد مرَّ في النعماني: «وليخملنَّ». ولعلَّ المراد بأخذ الميثاق قبوله يوم أخذ الله ميثاق نبيِّه وأهل بيته، مع ميثاق ربوبيَّته، كما مرَّ في الأخبار. «وكتب في قلبه الإيمان» إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، والروح هو روح الإيمان كما مرَّ. «مشتبهة» أي على الخلق، أو متشابهة يشبه بعضها بعضاً ظاهراً. و«لا يُدرى» على بناء المجهول، و«أيٌّ» مرفوع به، أي لا يُدرى أيٌّ منها حقٌّ متميِّزاً من أيٍّ منها هو باطل. فهو تفسير للاشتباه، وقيل: «أيٌّ» مبتدأ، و«من أيٍّ» خبره، أي كلُّ راية منها لا يُعرَف كونه من أيِّ جهة من جهة الحقِّ أو من جهة الباطل؟ وقيل: لا يُدرى أيُّ رجل من أيِّ راية، لتبدو النظام منهم، والأوَّل أظهر).

↑صفحة ٢٦↑

[٢٧٨/٣٧] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الخَطَّابِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَصَمِّ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ المُخْتَارِ القَلَانِسِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا بَقِيتُمْ بِلَا إِمَامٍ هُدًى وَلَا عَلَمٍ، يَتَبَرَّأُ

↑صفحة ٢٧↑

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ تُمَيَّزُونَ وَتُمَحَّصُونَ وَتُغَرْبَلُونَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ اخْتِلَافُ السَّيْفَيْنِ(٦٢)، وَإِمَارَةٌ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَقَتْلٌ وَخَلْعٌ(٦٣) مِنْ آخِرِ النَّهَارِ»(٦٤).
[٢٧٩/٣٨] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَيَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ جَمِيعاً، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ رَجُلٍ - وَاسْمُهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ: «إِذَا أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ لَا تَرَى إِمَاماً تَأْتَمُّ بِهِ فَأَحْبِبْ مَنْ كُنْتَ تُحِبُّ وَأَبْغِضْ مَنْ كُنْتَ تُبْغِضُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ)»(٦٥).
[٢٨٠/٣٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ(٦٦)، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَمَّنْ أَثْبَتَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا بَقِيتُمْ دَهْراً مِنْ عُمُرِكُمْ لَا تَعْرِفُونَ إِمَامَكُمْ؟»، قِيلَ لَهُ: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَمَسَّكُوا بِالأَمْرِ الأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكُمْ(٦٧)»(٦٨)،(٦٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢) في بعض النُّسَخ: (اختلاف السُّنَن)، وفي بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١١٢): (اختلاف السنين).
(٦٣) في بعض النُّسَخ: (وقطع).
(٦٤) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٣٠ و١٣١/ ح ١٣٦).
(٦٥) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٧/ ح ١٢٨).
(٦٦) في بعض النُّسَخ: (وعثمان بن عيسى).
(٦٧) أي تمسَّكوا بما تعلمون من دينكم وإمامكم ولا تتزلزلوا وتتحيَّروا وترتدُّوا، أو لا تؤمنوا بمن يدَّعي أنَّه الحجَّة حتَّى يستبين لكم.
(٦٨) رواه بتفاوت النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٢/ باب ١٠/ فصل ٢/ ح ٥).
(٦٩) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٣٣): (بيان: المقصود من هذه الأخبار عدم التزلزل في الدِّين والتحيُّر في العمل، أي تمسَّكوا في أُصول دينكم وفروعه بما وصل إليكم من أئمَّتكم، ولا تتركوا العمل ولا ترتدُّوا حتَّى يظهر إمامكم. ويحتمل أنْ يكون المعنى: لا تؤمنوا بمن يدَّعي أنَّه القائم حتَّى يتبيَّن لكم بالمعجزات).

↑صفحة ٢٨↑

[٢٨١/٤٠] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الوَلِيدِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنِ العَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا صِرْتُمْ فِي حَالٍ لَا تَرَوْنَ فِيهَا إِمَامَ هُدًى وَلَا عَلَماً يُرَى؟ وَلَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا مَنْ دَعَا دُعَاءَ الغَرِيقِ»، فَقَالَ لَهُ أَبِي: إِذَا وَقَعَ هَذَا لَيْلاً فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ فَقَالَ: «أَمَّا أَنْتَ فَلَا تُدْرِكُهُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَتَمَسَّكُوا بِمَا فِي أَيْدِيكُمْ حَتَّى يَتَّضِحَ لَكُمُ الأَمْرُ»(٧٠).
[٢٨٢/٤١] حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُغِيرَةِ الكُوفِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّيَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ القَصَبَانِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ الكَلْبِيِّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُصِيبُهُمْ فِيهِ سَبْطَةٌ(٧١) يَأْرِزُ العِلْمُ فِيهَا بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا، يَعْنِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَطْلَعَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لَهُمْ نَجْمَهُمْ»، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا السَّبْطَةُ؟ قَالَ: «الفَتْرَةُ وَالغَيْبَةُ لِإِمَامِكُمْ»، قَالَ: قُلْتُ: فَكَيْفَ نَصْنَعُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «كُونُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يُطْلِعَ اللهُ لَكُمْ نَجْمَكُمْ»(٧٢)،(٧٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٠) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٧/ ح ١٢٩)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٢/ باب ١٠/ فصل ٢/ ح ٦).
(٧١) في بعض النُّسَخ: (بسطة) هنا وما يأتي، وفي بعضها: (شيطة) كذلك. قوله: يأرز - بتقديم المهملة - أي تنضمُّ وتجتمع بعضه إلى بعض وتقبض، والحيَّة لاذت بجحرها ورجعت إليه وثبتت في مكانها.
(٧٢) رواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٢/ باب ١٠/ فصل ٢/ ح ٦).
(٧٣) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٣٤ و١٣٥): (بيان قال الفيروزآبادي: أسبط: سكت فرقاً. وبالأرض: لصق وامتدَّ من الضرب. وفي نومه: غمَّض. وعن الأمر: تغابى، وانبسط، ووقع، فلم يقدر أنْ يتحرَّك. انتهى. وفي الكافي في خبر [أبان] بن تغلب: «كيف أنت إذا وقعت البطشة بين المسجدين، فيأرز العلم» فيكون إشارة إلى جيش السفياني واستيلائهم بين الحرمين، وعلى ما في الأصل لعلَّ المعنى يأرز العلم بسبب ما يحدث بين المسجدين أو يكون خفاء العلم في هذا الموضع أكثر بسبب استيلاء أهل الجور فيه. وقال الجزري: فيه أنَّ الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحيَّة إلى جحرها، أي ينضمُّ إليه ويجتمع بعضه إلى بعض فيها).

↑صفحة ٢٩↑

[٢٨٣/٤٢] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الخَطَّابِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ القَاسِمِ، عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَالتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) عَنْ تَفْسِيرِ جَابِرٍ، فَقَالَ: «لَا تُحَدِّثْ بِهِ السُّفَّلَ فَيُذِيعُوهُ، أَمَا تَقْرَأُ فِي كِتَابِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدَّثِّر: ٨]؟ إِنَّ مِنَّا إِمَاماً مُسْتَتِراً، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) إِظْهَارَ أَمْرِهِ نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً فَظَهَرَ وَأَمَرَ بِأَمْرِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)»(٧٤).
[٢٨٤/٤٣] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الوَلِيدِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الخَطَّابِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ اليَقْطِينِيُّ جَمِيعاً، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ خَالِهِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنْ كَانَ كَوْنٌ - لَا أَرَانِيَ اللهُ يَوْمَكَ - فَبِمَنْ أَئْتَمُّ؟ فَأَوْمَأَ إِلَى مُوسَى (عليه السلام)، فَقُلْتُ: فَإِنْ مَضَى مُوسَى فَإِلَى مَنْ؟ قَالَ: «إِلَى وَلَدِهِ»، قُلْتُ: فَإِنْ مَضَى وَلَدُهُ وَتَرَكَ أَخاً كَبِيراً وَابْناً صَغِيراً فَبِمَنْ أَئْتَمُّ؟ قَالَ: «بِوَلَدِهِ»، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا أَبَداً»، قُلْتُ: فَإِنْ أَنَا لَمْ أَعْرِفْهُ وَلَمْ أَعْرِفْ مَوْضِعَهُ فَمَا أَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَوَلَّى مَنْ بَقِيَ مِنْ حُجَجِكَ مِنْ وُلْدِ الإِمَامِ المَاضِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِيكَ»(٧٥)،(٧٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٤) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٣/ ح ١٢١)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٩).
(٧٥) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٤/ ح ١٢٢)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٠٩/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن موسى (عليه السلام)/ ح ٧).
(٧٦) قال المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ١٧٧): (قوله: «فإنَّ ذلك يجزيك» وبذلك يخرج عمَّا روي من أنَّه «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليَّة»، وفيه دلالة واضحة على أنَّ الإيمان على سبيل الإجمال بما جاء به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع عدم العلم بتفاصيله كافٍ ثمّ يجب الإيمان به على الخصوص بعد التفصيل وتحصيله، وهو الحقُّ الذي لا ريب فيه، لئلَّا يفوت الإيمان، ولا يُترَك الميسور بالمعسور، ولا يلزم طلب المحال).

↑صفحة ٣٠↑

[٢٨٥/٤٤] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغِيبُ عَنْهُمْ إِمَامُهُمْ»، فَقُلْتُ لَهُ: مَا يَصْنَعُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؟ قَالَ: «يَتَمَسَّكُونَ بِالأَمْرِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ»(٧٧).
[٢٨٦/٤٥] حَدَّثَنَا المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ كُلْثُومٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «يَكُونُ بَعْدَ الحُسَيْنِ تِسْعَةُ أَئِمَّةٍ، تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ»(٧٨).
[٢٨٧/٤٦] حَدَّثَنَا المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ العَيَّاشِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «إِنَّ فِي صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ سُنَنٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ (عليهم السلام)، سُنَّةً مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَسُنَّةً مِنْ عِيسَى، وَسُنَّةً مِنْ يُوسُفَ، وَسُنَّةً مِنْ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ)، فَأَمَّا سُنَّتُهُ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَخَائِفٌ يَتَرَقَّبُ، وَأَمَّا سُنَّتُهُ مِنْ عِيسَى فَيُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي عِيسَى، وَأَمَّا سُنَّتُهُ مِنْ يُوسُفَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٧) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢٥/ ح ١٢٣).
(٧٨) رواه بسند آخر المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٧)، والكراجكي (رحمه الله) في الاستنصار (ص ١٧).

↑صفحة ٣١↑

فَالسِّتْرُ يَجْعَلُ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخَلْقِ حِجَاباً يَرَوْنَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ، وَأَمَّا سُنَّتُهُ مِنْ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَيَهْتَدِي بِهُدَاهُ ويَسِيرُ بِسِيرَتِهِ».
[٢٨٨/٤٧] وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَبْرَئِيلُ بْنُ أَحْمَدَ(٧٩)، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ وَهْبٍ البَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبَانٍ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ: سَالتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): هَلْ يَكُونُ النَّاسُ فِي حَالٍ لَا يَعْرِفُونَ الإِمَامَ؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ يُقَالُ ذَلِكَ»، قُلْتُ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ قَالَ: «يَتَعَلَّقُونَ بِالأَمْرِ الأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَهُمُ الآخَرُ».
[٢٨٩/٤٨] وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ القَاسِمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي الحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ فِي قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ غَابَ عَنْكُمْ إِمَامُكُمْ فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِإِمَامٍ جَدِيدٍ»(٨٠)،(٨١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٩) جبرئيل بن أحمد الفاريابي أبو محمّد، كان مقيما بكشٍّ، كثير الرواية عن العلاء بالعراق وقم وخراسان. (منهج المقال).
(٨٠) روى قريباً منه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٩ و٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٤)، وسيأتي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) تحت الرقم (٢٩٩/٣)، فانتظر.
(٨١) قال المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج٦/ ص ٢٦٤): (شبَّه الإمام الغائب بالماء الغائر في الخفاء عن الخلق مع كثرة النفع وشدَّة احتياجهم إليه، وشبَّه الإمام الحاضر الذي يأتي بعد غيبته بالماء المعين الجاري في الأرض في جريانه وسيره فيها ونفعه لأهلها، وفيه على هذا التأويل دلالة على الغيبة وعلى أنَّ تعيين الإمام ونصبه من عند الله تعالى، وهو الحقُّ).
وقال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ٤٩ و٥٠): (على التأويل الوارد في الخبر استعار الماء للعلم، لأنَّه سبب لحياة الأرواح، كما أنَّ الماء سبب لحياة الأبدان، واختفاء العالم يوجب اختفاء العلم. «بإمام جديد» أي ظاهر بعد الغيبة، فالجديد لازم للمعين باعتبار كونه بعد الغور والخفاء. وممَّا يُؤيِّد ما ذكرنا أنَّ المراد تشبيه علم الإمام بالماء ما رواه عليُّ بن إبراهيم بإسناده قال: سُئِلَ الرضا (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً...﴾ الآية، فقال (عليه السلام): «﴿مَاؤُكُمْ﴾ أبوابكم الأئمَّة، والأئمَّة أبواب الله، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ يعني يأتيكم بعلم الإمام»).
وقال (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٢٤/ ص ١٠١): (بيان: كون الماء كناية عن علم الإمام، لاشتراكهما في كون أحدهما سبب حياة الجسم، والآخر سبب حياة الروح غير مستبعد، والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض).

↑صفحة ٣٢↑

[٢٩٠/٤٩] وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ وَهْبٍ البَغْدَادِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ المُثَنَّى العَطَّارُ(٨٢)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «يَفْقِدُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ، يَشْهَدُ المَوْسِمَ فَيَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ»(٨٣).
[٢٩١/٥٠] وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: وَجَدْتُ بِخَطِّ جَبْرَئِيلَ ابْنِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي العُبَيْدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «سَتُصِيبُكُمْ شُبْهَةٌ فَتَبْقَوْنَ بِلَا عَلَمٍ يُرَى، وَلَا إِمَامٍ هُدًى، وَلَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا مَنْ دَعَا بِدُعَاءِ الغَرِيقِ»، قُلْتُ: كَيْفَ دُعَاءُ الغَرِيقِ؟ قَالَ: «يَقُولُ: يَا اللهُ يَا رَحْمَانُ يَا رَحِيمُ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا اللهُ يَا رَحْمَانُ يَا رَحِيمُ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) مُقَلِّبُ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ وَلَكِنْ قُلْ كَمَا أَقُولُ لَكَ: يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»(٨٤)،(٨٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٢) كذا، وفي أكثر النُّسَخ وبحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٥١)، وفي بعض النُّسَخ: (جعفر بن نجم المثنَّى العطَّار).
(٨٣) قد مرَّ بسند آخر تحت الرقم (٢٧٥/٣٤)، فراجع.
(٨٤) يدلُّ على أنَّه لا ينبغي تغيير ألفاظ الدعاء المرويِّ بزيادة ولو كانت تُرى أحسن. وقال ابن طاوس (رحمه الله) في مهج الدعوات (ص ٣٣٣): (أقول: لعلَّ معنى قوله: «الأبصار» لأنَّ تقلُّب القلوب والأبصار يكون يوم القيامة من شدَّة أهواله وفي الغيبة إنَّما يخاف من تقلُّب القلوب دون الأبصار).
(٨٥) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٣٨).

↑صفحة ٣٣↑

[٢٩٢/٥١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ النَّوْفَلِيُّ المَعْرُوفُ بِالكِرْمَانِيِّ(٨٦)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الوَشَّاءُ البَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرٍ [القُمِّيُّ]، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ بْنِ سَهْلٍ الشَّيْبَانِيُّ(٨٧)، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ ابْنُ الحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ الجَوَاشِنِيِّ(٨٨)، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ البُدَيْليُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنْ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَالمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو بَصِيرٍ وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ عَلَى مَوْلَانَا أَبِي عَبْدِ اللهِ الصَّادِقِ (عليه السلام)، فَرَأَيْنَاهُ جَالِساً عَلَى التُّرَابِ وَعَلَيْهِ مِسْحٌ خَيْبَرِيٌّ(٨٩) مُطَوَّقٌ بِلَا جَيْبٍ، مُقَصَّرُ الكُمَّيْنِ، وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ الوَالِهِ الثَّكْلَى، ذَاتَ الكَبِدِ الحَرَّى، قَدْ نَالَ الحُزْنُ مِنْ وَجْنَتَيْهِ، وَشَاعَ التَّغْيِيرُ فِي عَارِضَيْهِ، وَأَبْلَى الدُّمُوعُ مَحْجِرَيْهِ(٩٠)، وَهُوَ يَقُولُ: «سَيِّدِي غَيْبَتُكَ نَفَتْ رُقَادِي، وَضَيَّقَتْ عَلَيَّ مِهَادِي، وَابْتَزَّتْ مِنِّي رَاحَةَ فُؤَادِي، سَيِّدِي غَيْبَتُكَ أَوْصَلَتْ مُصَابِي بِفَجَائِعِ الأَبَدِ، وَفَقْدُ الوَاحِدِ بَعْدَ الوَاحِدِ يُفْنِي الجَمْعَ وَالعَدَدَ، فَمَا أُحِسُّ بِدَمْعَةٍ تَرْقَى مِنْ عَيْنِي وَأَنِينٍ يَفْتُرُ مِنْ صَدْرِي(٩١) عَنْ دَوَارِجِ الرَّزَايَا وَسَوَالِفِ البَلَايَا إِلَّا مُثِّلَ بِعَيْنِي عَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٦) كذا، وهكذا في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) في صدر سند حديث، لكن في بعض النُّسَخ المصحَّحة صحَّحه بقلم أحمر بالبوفكي. ولكن في رجال المامقاني وقاموس الرجال كما في المتن. وأحمد بن عيسى عنونه الخطيب في تاريخ بغداد وقال: كان ثقةً، تُوفِّي في رجب (٣٢٢هـ) أو (٣٢٣هـ).
(٨٧) محمّد بن بحر بن سهل من أهل سجستان، قيل: في مذهبه ارتفاع وحديثه قريب من السلامة. (رجال النجاشي: ص ٣٨٤/ الرقم ١٠٤٤). وقال ابن الغضائري (رحمه الله) في رجاله (ص ٩٨/ الرقم ١٤٧/٣٢): (ضعيف وفي مذهبه ارتفاع). وأمَّا راويه أحمد بن طاهر فمهمل. وفي بعض النُّسَخ: (أحمد بن عبد الله).
(٨٨) عليُّ بن حارث مهمل، وسعيد بن منصور الجواشني من رؤساء الزيديَّة، ولم أجد أحمد بن عليٍّ البديلي، وهو وأبوه مهملان، والحديث غريب.
(٨٩) المسح - بكسر الميم -: الكساء من الشعر.
(٩٠) المحجر - كمجلس ومنبر -: من العين ما دار بها وبدا من البرقع.
(٩١) يفتر أي يخرج بفتور وضعف.

↑صفحة ٣٤↑

غَوَابِرِ أَعْظَمِهَا وَأَفْضَعِهَا، وَبَوَاقِي(٩٢) أَشَدِّهَا وَأَنْكَرِهَا، وَنَوَائِبَ مَخْلُوطَةٍ بِغَضَبِكَ، وَنَوَازِلَ مَعْجُونَةٍ بِسَخَطِكَ».
قَالَ سَدِيرٌ: فَاسْتَطَارَتْ عُقُولُنَا وَلَهاً، وَتَصَدَّعَتْ قُلُوبُنَا جَزَعاً مِنْ ذَلِكَ الخَطْبِ الهَائِلِ، وَالحَادِثِ الغَائِلِ(٩٣)، وَظَنَنَّا أَنَّهُ سَمَتَ لِمَكْرُوهَةٍ قَارِعَةٍ(٩٤) أَوْ حَلَّتْ بِهِ مِنَ الدَّهْرِ بَائِقَةٌ، فَقُلْنَا: لَا أَبْكَى اللهُ يَا ابْنَ خَيْرِ الوَرَى عَيْنَيْكَ، مِنْ أَيَّةِ حَادِثَةٍ تَسْتَنْزِفُ دَمْعَتَكَ(٩٥) وَتَسْتَمْطِرُ عَبْرَتَكَ؟ وَأَيَّةُ حَالَةٍ حَتَمَتْ عَلَيْكَ هَذَا المَأْتَمَ؟
قَالَ: فَزَفَرَ(٩٦) الصَّادِقُ (عليه السلام) زَفْرَةً انْتَفَخَ مِنْهَا جَوْفُهُ، وَاشْتَدَّ عَنْهَا خَوْفُهُ، وَقَالَ: «وَيْلَكُمْ(٩٧) نَظَرْتُ فِي كِتَابِ الجَفْرِ صَبِيحَةَ هَذَا اليَوْمِ وَهُوَ الكِتَابُ المُشْتَمِلُ عَلَى عِلْمِ المَنَايَا وَالبَلَايَا وَالرَّزَايَا وَعِلْمِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ الَّذِي خَصَّ اللهُ بِهِ مُحَمَّداً وَالأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ (عليهم السلام)، وَتَأَمَّلْتُ مِنْهُ مَوْلِدَ قَائِمِنَا وَغِيبَتَهُ وَإِبْطَاءَهُ وَطُولَ عُمُرِهِ، وَبَلْوَى المُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَتَوَلُّدَ الشُّكُوكِ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ طُولِ غَيْبَتِهِ، وَارْتِدَادَ أَكْثَرِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَخَلْعَهُمْ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ أَعْنَاقِهِمُ الَّتِي قَالَ اللهُ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ): ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ ألزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، يَعْنِي الوَلَايَةَ، فَأَخَذَتْنِي الرِّقَّةُ وَاسْتَوْلَتْ عَلَيَّ الأَحْزَانُ»، فَقُلْنَا: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، كَرِّمْنَا وَفَضِّلْنَا(٩٨) بِإِشْرَاكِكَ إِيَّانَا فِي بَعْضِ مَا أَنْتَ تَعْلَمُهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٢) الغوابر جمع غابر: نقيض الماضي. والغوابر والبواقي في قبال الدوارج والسوالف في المستثنى منه، وصُحِّف في بعض النُّسَخ وبحار الأنوار بالعوائر والتراقي، وتكلَّف العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في توجيهه، وحاصل المعنى: أنَّه ما يسكن بي شيء من البلايا الماضية إلَّا وعوَّض عنه من الأُمور الآتية بأعظم منها.
(٩٣) الغائل: المهلك، والغوائل: الدواهي.
(٩٤) سمت لهم أي هيَّأ لهم وجه الكلام والرأي.
(٩٥) استنزف الدمع: استنزله أو استخرجه كلَّه.
(٩٦) زفر الرجل: أخرج نفسه مع مدِّه إيَّاه. والزفرة: التنفُّس مع مدِّ النفس.
(٩٧) قد يرد الويل بمعنى التعجُّب. (النهاية: ج ٥/ ص ٢٣٦).
(٩٨) في بعض النُّسَخ: (وشرِّفنا).

↑صفحة ٣٥↑

قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَدَارَ لِلْقَائِمِ مِنَّا ثَلَاثَةً أَدَارَهَا فِي ثَلَاثَةٍ مِنَ الرُّسُلِ (عليهم السلام)، قَدَّرَ مَوْلِدَهُ تَقْدِيرَ مَوْلِدِ مُوسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ غَيْبَتَهُ تَقْدِيرَ غَيْبَةِ عِيسَى (عليه السلام)، وَقَدَّرَ إِبْطَاءَهُ تَقْدِيرَ إِبْطَاءِ نُوحٍ (عليه السلام)، وَجَعَلَ لَهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عُمُرَ العَبْدِ الصَّالِحِ - أَعْنِي الخَضِرَ (عليه السلام) - دَلِيلاً عَلَى عُمُرِهِ»، فَقُلْنَا لَهُ: اكْشِفْ لَنَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ عَنْ وُجُوهِ هَذِهِ المَعَانِي.
قَالَ (عليه السلام): «أَمَّا مَوْلِدُ مُوسَى (عليه السلام) فَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَـمَّا وَقَفَ عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِ عَلَى يَدِهِ أَمَرَ بِإِحْضَارِ الكَهَنَةِ، فَدَلُّوهُ عَلَى نَسَبِهِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِشَقِّ بُطُونِ الحَوَامِلِ مِنْ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى قَتَلَ فِي طَلَبِهِ نَيِّفاً وَعِشْرِينَ ألفَ مَوْلُودٍ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الوُصُولُ إِلَى قَتْلِ مُوسَى (عليه السلام) بِحِفْظِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو العَبَّاسِ لَـمَّا وَقَفُوا عَلَى أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِمْ وَمُلْكِ الأُمَرَاءِ(٩٩) وَالجَبَابِرَةِ مِنْهُمْ عَلَى يَدِ القَائِمِ مِنَّا نَاصَبُونَا العَدَاوَةَ، وَوَضَعُوا سُيُوفَهُمْ فِي قَتْلِ آلِ الرَّسُولِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٠٠) وَإِبَادَةِ نَسْلِهِ طَمَعاً مِنْهُمْ فِي الوُصُولِ إِلَى قَتْلِ القَائِمِ، وَيَأْبَى اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَكْشِفَ أَمْرَهُ لِوَاحِدٍ مِنَ الظَّلَمَةِ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ.
وَأَمَّا غَيْبَةُ عِيسَى (عليه السلام) فَإِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ قُتِلَ، فَكَذَّبَهُمُ اللهُ (جَلَّ ذِكْرُهُ) بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، كَذَلِكَ غَيْبَةُ القَائِمِ فَإِنَّ الأُمَّةَ سَتُنْكِرُهَا لِطُولِهَا، فَمِنْ قَائِلٍ يَهْذِي بِأَنَّهُ لَمْ يَلِدْ(١٠١)، وَقَائِلٍ يَقُولُ: إِنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَصَاعِداً، وَقَائِلٍ يَعْصِي اللهَ (عزَّ وجلَّ) بِقَوْلِهِ: إِنَّ رُوحَ القَائِمِ يَنْطِقُ فِي هَيْكَلِ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا إِبْطَاءُ نُوحٍ (عليه السلام) فَإِنَّهُ لَـمَّا اسْتُنْزِلَتِ العُقُوبَةُ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ السَّمَاءِ بَعَثَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٩) في بعض النُّسَخ: (زوال ملكهم والأُمراء...) إلخ.
(١٠٠) في بعض النُّسَخ: (في قتل أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)).
(١٠١) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٢٢٠): (فمن قائل بغير هدى بأنَّه لم يولد).

↑صفحة ٣٦↑

اللهُ (عزَّ وجلَّ) الرُّوحَ الأَمِينَ (عليه السلام) بِسَبْعِ نَوَيَاتٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لَكَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ خَلَائِقِي وَعِبَادِي وَلَسْتُ أُبِيدُهُمْ بِصَاعِقَةٍ مِنْ صَوَاعِقِي إِلَّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الدَّعْوَةِ وَالزَامِ الحُجَّةِ، فَعَاوِدِ اجْتِهَادَكَ فِي الدَّعْوَةِ لِقَوْمِكَ فَإِنِّي مُثِيبُكَ عَلَيْهِ، وَاغْرِسْ هَذِهِ النَّوَى فَإِنَّ لَكَ فِي نَبَاتِهَا وَبُلُوغِهَا وَإِدْرَاكِهَا إِذَا أَثْمَرَتِ الفَرَجَ وَالخَلَاصَ، فَبَشِّرْ بِذَلِكَ مَنْ تَبِعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
فَلَمَّا نَبَتَتِ الأَشْجَارُ وَتَأَزَّرَتْ وَتَسَوَّقَتْ وَتَغَصَّنَتْ وَأَثْمَرَتْ وَزَهَا التَّمْرُ عَلَيْهَا(١٠٢) بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ اسْتَنْجَزَ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى العِدَةَ، فَأَمَرَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَغْرِسَ مِنْ نَوَى تِلْكَ الأَشْجَارِ، وَيُعَاوِدَ الصَّبْرَ وَالاِجْتِهَادَ، وَيُؤَكِّدَ الحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الطَّوَائِفَ الَّتِي آمَنَتْ بِهِ، فَارْتَدَّ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ وَقَالُوا: لَوْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ نُوحٌ حَقًّا لَمَا وَقَعَ فِي وَعْدِ رَبِّهِ خُلْفٌ.
ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ يَأْمُرُهُ عِنْدَ كُلِّ مَرَّةٍ بِأَنْ يَغْرِسَهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَى أَنْ غَرَسَهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الطَّوَائِفُ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَرْتَدُّ مِنْهُ طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ إِلَى أَنْ عَادَ إِلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ رَجُلاً، فَأَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: يَا نُوحُ الآنَ أَسْفَرَ الصُّبْحُ عَنِ اللَّيْلِ لِعَيْنِكَ حِينَ صَرَّحَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ وَصَفَا [الأَمْرُ وَالإِيمَانُ] مِنَ الكَدَرِ بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةً، فَلَوْ أَنِّي أَهْلَكْتُ الكُفَّارَ وَأَبْقَيْتُ مَنْ قَدِ ارْتَدَّ مِنَ الطَّوَائِفِ الَّتِي كَانَتْ آمَنَتْ بِكَ لَمَا كُنْتُ صَدَّقْتُ وَعْدِيَ السَّابِقَ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا التَّوْحِيدَ مِنْ قَوْمِكَ، وَاعْتَصَمُوا بِحَبْلِ نُبُوَّتِكَ بِأَنْ أَسْتَخْلِفَهُمْ فِي الأَرْضِ وَأُمَكِّنَ لَهُمْ دِينَهُمْ وَأُبَدِّلَ خَوْفَهُمْ بِالأَمْنِ لِكَيْ تَخْلُصَ العِبَادَةُ لِي بِذَهَابِ الشَّكِّ(١٠٣) مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَكَيْفَ يَكُونُ الاِسْتِخْلَافُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٣) في بعض النُّسَخ: (بذهاب الشرك).

(١٠٢) الأزر: الإحاطة، والقوَّة، والضعف (ضدٌّ). والمؤازرة أنْ يُقوِّي الزرع بعضه بعضاً. وسوق الشجر تسويقاً صار ذا ساق. (القاموس المحيط: ج ٣/ ص ٢٤٨). يعنى تقوَّت وتقوَّى ساقها وكثرت أغصانها. وزهو التمرة: احمرارها واصفرارها.

↑صفحة ٣٧↑

وَالتَّمْكِينُ وَبَدَلُ الخَوْفِ بِالأَمْنِ مِنِّي لَهُمْ مَعَ مَا كُنْتُ أَعْلَمُ مِنْ ضَعْفِ يَقِينِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا وَخُبْثِ طِينِهِمْ وَسُوءِ سَرَائِرِهِمُ الَّتِي كَانَتْ نَتَائِجَ النِّفَاقِ وَسُنُوحَ الضَّلَالَةِ(١٠٤)؟ فَلَوْ أَنَّهُمْ تَسَنَّمُوا مِنِّي المُلْكَ(١٠٥) الَّذِي أُوتِي المُؤْمِنِينَ وَقْتَ الاِسْتِخْلَافِ إِذَا أَهْلَكْتُ أَعْدَاءَهُمْ لَنَشَقُوا رَوَائِحَ صِفَاتِهِ وَلَاسْتَحْكَمَتْ سَرَائِرُ نِفَاقِهِمْ(١٠٦) [وَ]تَأَبَّدَتْ حِبَالُ ضَلَالَةِ قُلُوبِهِمْ وَلَكَاشَفُوا إِخْوَانَهُمْ بِالعَدَاوَةِ، وَحَارَبُوهُمْ عَلَى طَلَبِ الرِّئَاسَةِ وَالتَّفَرُّدِ بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَكَيْفَ يَكُونُ التَّمْكِينُ فِي الدِّينِ وَانْتِشَارُ الأَمْرِ فِي المُؤْمِنِينَ مَعَ إِثَارَةِ الفِتَنِ وَإِيقَاعِ الحُرُوبِ؟ كَلَّا، فَـ ﴿اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]».
قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): «وَكَذَلِكَ القَائِمُ فَإِنَّهُ تَمْتَدُّ أَيَّامُ غَيْبَتِهِ لِيُصَرِّحَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ وَيَصْفُوَ الإِيمَانُ مِنَ الكَدَرِ بِارْتِدَادِ كُلِّ مَنْ كَانَتْ طِينَتُهُ خَبِيثَةً مِنَ الشِّيعَةِ الَّذِينَ يُخْشَى عَلَيْهِمُ النِّفَاقُ إِذَا أَحَسُّوا بِالاِسْتِخْلَافِ وَالتَّمْكِينِ وَالأَمْنِ المُنْتَشِرِ فِي عَهْدِ القَائِمِ (عليه السلام)».
قَالَ المُفَضَّلُ: فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، فَإِنَّ [هَذِهِ] النَّوَاصِبَ تَزْعُمُ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ(١٠٧) نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ: «لَا يَهْدِي اللهُ قُلُوبَ النَّاصِبَةِ، مَتَى كَانَ الدِّينُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ مُتَمَكِّناً بِانْتِشَارِ الأَمْنِ(١٠٨) فِي الأُمَّةِ، وَذَهَابِ الخَوْفِ مِنْ قُلُوبِهَا، وَارْتِفَاعِ الشَّكِّ مِنْ صُدُورِهَا فِي عَهْدِ وَاحِدٍ مِنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٤) أي ظهورها. وفي بعض النُّسَخ: (شيوخ الضلالة)، وفي بعضها: (شبوح الضلالة)، ولعلَّ الصواب: (شيوع الضلالة).
(١٠٥) أي ركبوا الملك. وفي بعض النُّسَخ: (تنسَّموا) من تنسَّم النسيم أي تشمَّمه. وفي بعض النُّسَخ: (تنسَّموا من الملك).
(١٠٦) في بعض النُّسَخ: (مرائر نفاقهم)، وفي بعضها: (من أثر نفاقهم). ونشقه - كفرحه - شمَّه. وفي بعض النُّسَخ: (تأيَّد حبال ظلالة قلوبهم).
(١٠٧) أي قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ...﴾ الآية (النور: ٥٥).
(١٠٨) في بعض النُّسَخ: (بانتشار الأمر).

↑صفحة ٣٨↑

هَؤُلَاءِ، وَفِي عَهْدِ عَلِيٍّ (عليه السلام) مَعَ ارْتِدَادِ المُسْلِمِينَ وَالفِتَنِ الَّتِي تَثُورُ فِي أَيَّامِهِمْ، وَالحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ تَنْشَبُ بَيْنَ الكُفَّارِ وَبَيْنَهُمْ»، ثُمَّ تَلَا الصَّادِقُ (عليه السلام): «﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠].
وَأَمَّا العَبْدُ الصَّالِحُ - أَعْنِي الخَضِرَ (عليه السلام) - فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا طَوَّلَ عُمُرَهُ لِنُبُوَّةٍ قَدَّرَهَا لَهُ، وَلَا لِكِتَابٍ يُنَزِّلُهُ عَلَيْهِ، وَلَا لِشَرِيعَةٍ يَنْسَخُ بِهَا شَرِيعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَلَا لِإِمَامَةٍ يُلْزِمُ عِبَادَهُ الِاقْتِدَاءَ بِهَا، وَلَا لِطَاعَةٍ يَفْرِضُهَا لَهُ، بَلَى إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَـمَّا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يُقَدِّرَ مِنْ عُمُرِ القَائِمِ (عليه السلام) فِي أَيَّامِ غَيْبَتِهِ مَا يُقَدِّرُ، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ مِنْ إِنْكَارِ عِبَادِهِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ العُمُرِ فِي الطُّولِ، طَوَّلَ عُمُرَ العَبْدِ الصَّالِحِ فِي غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ إِلَّا لِعِلَّةِ الاِسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عُمُرِ القَائِمِ (عليه السلام)، وَلِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّةَ المُعَانِدِينَ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ»(١٠٩)،(١١٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٩) رواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٧ - ١٧٤/ ح ١٢٩) بسند آخر.
(١١٠) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٢٢٣): (بيان: قال الفيروزآبادي: المحجر كمجلس ومنبر من العين وما دار بها وبدا من البرقع. قوله (عليه السلام): «وفقد» لعلَّه معطوف على الفجائع أو على الأبد، أي أوصلت مصابي بما أصابني قبل ذلك من فقد واحد بعد واحد بسبب فناء الجمع والعدد. وفي بعض النُّسَخ: (يغني) فالجملة معترضة أو حاليَّة. قوله (عليه السلام): «يفتر» أي يخرج بضعف وفتور، وفي الغيبة للطوسي: (يفشأ) على البناء للمفعول أي ينتشر. و«دوارج الرزايا» مواضيها. و«العواير» المصائب الكثيرة التي تعور العين لكثرتها، من قولهم: عنده من المال عائرة عين، أي يحار فيه البصر من كثرته، أو من العائر وهو الرمد والقذى في العين. وتعدية التمثيل بـ (عن) لتضمين معنى الكشف. والتراقي جمع الترقوة، أي يُمثِّل لي أشخاص مصائب أنظر إلى ترقوتها. وقوله: «أعظمها» على صيغة أفعل التفضيل، فيكون بدلاً عن العوائر، أو صيغة المتكلِّم أي أعدّها عظيمة فيكون صفة والاحتمالان جاريان في الثلاثة الأُخَر، وحاصل الكلام أنِّي كلَّما أنظر إلى دمعة أو أسمع منِّي أنيناً للمصائب التي نزلت بنا في سالف الزمان أنظر بعين اليقين إلى مصائب جليلة مستقبلة أعدّها عظيمة فظيعة. و«الغائل» المهلك، والغوائل الدواهي. قوله: «سمة» أي علامة).

↑صفحة ٣٩↑

[٢٩٣/٥٢] حَدَّثَنَا المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَسْعُودٍ وَحَيْدَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ [بْنِ] مَسْعُودٍ العَيَّاشِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) فِي قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]: «يَعْنِي خُرُوجَ القَائِمِ المُنْتَظَرِ مِنَّا»، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «يَا أَبَا بَصِيرٍ، طُوبَى لِشِيعَةِ قَائِمِنَا المُنْتَظِرِينَ لِظُهُورِهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَالمُطِيعِينَ لَهُ فِي ظُهُورِهِ، أُولَئِكَ أَوْلِيَاءُ اللهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ».
[٢٩٤/٥٣] حَدَّثَنَا المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ العَيَّاشِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنِ العَمْرَكِيِّ بْنِ عَلِيٍّ البُوفَكِيِّ(١١١)، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): «طُوبَى لِمَنْ تَمَسَّكَ بِأَمْرِنَا فِي غَيْبَةِ قَائِمِنَا فَلَمْ يَزِغْ قَلْبُهُ بَعْدَ الهِدَايَةِ»، فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا طُوبَى؟ قَالَ: «شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ أَصْلُهَا فِي دَارِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَلَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِي دَارِهِ غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩]»(١١٢).
[٢٩٥/٥٤] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الدَّقَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ النَّخَعِيُّ، عَنْ عَمِّهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١١) العمركي بن عليِّ أبو محمّد البوفكي، وبوفك قرية من قرى نيشابور، شيخ من أصحابنا، ثقة. (خلاصة الأقوال: ص ٢٢٧/ الرقم ٢١). وراويه جعفر بن أحمد بن أيُّوب صحيح الحديث.
(١١٢) رواه المصنِّف (رحمه الله) في معاني الأخبار (ص ١١٢/ باب معنى طوبى/ ح ١).

↑صفحة ٤٠↑

الحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ النَّوْفَلِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، إِنِّي سَمِعْتُ مِنْ أَبِيكَ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدَ القَائِمِ اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا»، فَقَالَ: «إِنَّمَا قَالَ: اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا وَلَمْ يَقُلْ: اثْنَا عَشَرَ إِمَاماً، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ مِنْ شِيعَتِنَا يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى مُوَالاتِنَا وَمَعْرِفَةِ حَقِّنَا»(١١٣).
[٢٩٦/٥٥] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الدَّقَّاقُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ القَاسِمِ العَلَوِيُّ العَبَّاسِيُّ(١١٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الكُوفِيُّ الفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ الزَّيَّاتُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ زِيَادٍ الأَزْدِيُّ، عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، قَالَ: سَألتُهُ عَنْ قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، مَا هَذِهِ الكَلِمَاتُ؟ قَالَ: «هِيَ الكَلِمَاتُ الَّتِي تَلَقَّاهَا آدَمُ مِنْ رَبِّهِ فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ إِلَّا تُبْتَ عَلَيَّ، فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٣) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥٣/ ص ١١٥): (اعلم هداك الله بهداه أنَّ علم آل محمّد ليس فيه اختلاف، بل بعضه يُصدِّق بعضاً، وقد روينا أحاديث عنهم (صلوات الله عليهم) جمَّة في رجعة الأئمَّة الاثني عشر، فكأنَّه (عليه السلام) عرف من السائل الضعف عن احتمال هذا العلم الخاصِّ الذي خصَّ الله سبحانه من شاء من خاصَّته، وتكرَّم به على من أراد من بريَّته، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، فأوَّله بتأويل حسن بحيث لا يصعب عليه فيُنكِر قلبه فيكفر. فقد روي في الحديث عنهم (عليهم السلام): «ما كلُّ ما يُعلَم يقال، ولا كلُّ ما يقال حان وقته، ولا كلُّ ما حان وقته حضر أهله»، وروي أيضاً: «لا تقولوا: الجبت والطاغوت، وتقولوا: الرجعة، فإنْ قالوا: قد كنتم تقولون؟ قولوا: الآن لا نقول»، وهذا من باب التقيَّة التي تعبَّد الله بها عباده في زمن الأوصياء).
(١١٤) حمزة بن القاسم من أحفاد أبي الفضل العبَّاس بن عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام) الشهيد بطفٍّ، جليل القدر، من أصحابنا، كثير الحديث.

↑صفحة ٤١↑

فَمَا يَعْنِي (عزَّ وجلَّ) بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾؟ قَالَ: «يَعْنِي فَأَتَمَّهُنَّ إِلَى القَائِمِ اثْنَيْ عَشَرَ إِمَاماً تِسْعَةً مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ (عليه السلام)».
قَالَ المُفَضَّلُ: فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]، قَالَ: «يَعْنِي بِذَلِكَ الإِمَامَةَ، جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى فِي عَقِبِ الحُسَيْنِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، فَكَيْفَ صَارَتِ الإِمَامَةُ فِي وُلْدِ الحُسَيْنِ دُونَ وُلْدِ الحَسَنِ (عليهما السلام) وَهُمَا جَمِيعاً وَلَدَا رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَسِبْطَاهُ وَسَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ مُوسَى وَهَارُونَ كَانَا نَبِيَّيْنِ مُرْسَلَيْنِ وَأَخَوَيْنِ، فَجَعَلَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) النُّبُوَّةَ فِي صُلْبِ هَارُونَ دُونَ صُلْبِ مُوسَى (عليهما السلام)، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: لِـمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ وَإِنَّ الإِمَامَةَ خِلَافَةُ اللهِ (عزَّ وجلَّ) فِي أَرْضِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: لِـمَ جَعَلَهُ اللهُ فِي صُلْبِ الحُسَيْنِ دُونَ صُلْبِ الحَسَنِ (عليهما السلام)؟ لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ الحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]»(١١٥)،(١١٦).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٥) وللمصنِّف (رحمه الله) كلام طويل ذيل هذا الخبر في كتابه معاني الأخبار (ص ١٢٧ - ١٣١).
(١١٦) رواه المصنِّف (رحمه الله) في الخصال (ص ٣٠٤ و٣٠٥/ ح ٨٤)، وفي معاني الأخبار (ص ١٢٦ و١٢٧/ باب معنى الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُّه بهنَّ فأتمَّهُنَّ/ ح ١).

↑صفحة ٤٢↑

الباب الرابع والثلاثون: ما روي عن أبي الحسن موسى ابن جعفر [(عليهما السلام)] في النصِّ على القائم (عليه السلام) وغيبته وأنَّه الثاني عشر [من الأئمَّة (عليهم السلام)]

↑صفحة ٤٣↑

[٢٩٧/١] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: «إِذَا فُقِدَ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ فَاللهَ اللهَ فِي أَدْيَانِكُمْ لَا يُزِيلَنَّكُمْ أَحَدٌ عَنْهَا. يَا بُنَيَّ(١١٧)، إِنَّهُ لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ مَنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ، إِنَّمَا هِيَ مِحْنَةٌ مِنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) امْتَحَنَ بِهَا خَلْقَهُ، وَلَوْ عَلِمَ آبَاؤُكُمْ وَأَجْدَادُكُمْ دِيناً أَصَحَّ مِنْ هَذَا لَاتَّبَعُوهُ»، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، وَمَا الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ؟ فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، عُقُولُكُمْ تَضْعُفُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَحْلَامُكُمْ تَضِيقُ عَنْ حَمْلِهِ، وَلَكِنْ إِنْ تَعِيشُوا فَسَوْفَ تُدْرِكُونَهُ»(١١٨)،(١١٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٧) كذا في نُسَخ الكتاب وعلل الشرائع وغيبة الطوسي وغيبة النعماني (رحمهما الله)، وكفاية الأثر، والخطاب لأخيه عليِّ بن جعفر، ولعلَّه من باب اللطف والشفقة، أو يكون في الأصل: عليُّ بن جعفر، قال: حدَّثنا موسى بن جعفر (عليهما السلام)... إلخ. وقوله: (يا بَنِيَّ) بصيغة الجمع من باب الشفقة أيضاً.
(١١٨) رواه المصنِّف (رحمه الله) في علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٤ و٢٤٥/ باب ١٧٨/ ح ٤)، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٣/ ح ١٠٠)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٥٥ و١٥٦/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١١)، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٦٨ و٢٦٩)، والطبري (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٣٤/ ح ٥١٦/١٢٠)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٦ و١٦٧/ ح ١٢٨).
(١١٩) قال المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٥٠ و٢٥١): (قوله: «إذا فُقِدَ الخامس من ولد السابع» السابع موسى بن جعفر (عليهما السلام)، والخامس هو الصاحب المنتظر. قوله: «فالله الله في أديانكم» الله منصوب بفعل مضمر، والتكرير للتأكيد، أي احفظوا الله أو أطيعوا في طاعتكم أو في أُموركم أو في سُبُلكم وطرائقكم، لأنَّ كلَّ ما جاء به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهو سبيل وطريق إلى الله تعالى، والدِّين يُطلَق على كلِّ واحد كما يُطلَق على المجموع، والمقصود هو الأمر برعاية جانب الله ←

↑صفحة ٤٥↑

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

→ (عزَّ شأنه) فيها وطلب رضاه، ثمّ أكَّده بقوله: «لا يزيِّلنَّكم عنها أحد» من شياطين الجنِّ والإنس بالخدعة والمكر والوعيد وإلقاء الشُّبُهات وأنواع التدليسات والتلبيسات. قوله: «يا بَنِيَّ» بفتح الباء وكسر النون على صيغة الجمع، بقرينة قوله: «ولو علم آباؤكم»، وهو خطاب مع أولاده، وليس على صيغة الإفراد خطاباً مع أخيه عليِّ بن جعفر، لإباء السياق، وعدم صحَّته بدون التجوُّز. قوله: «إنَّما هي محنة» المحنة بكسر الميم واحدة المِحَن التي يُمتَحن بها الإنسان من بليَّة وشدَّة محنة، وامتحنته أي اختبرته، والاسم المحنة، وقد جرت كلمة الله تعالى على اختبار الناس بأنواع المِحَن والبلايا، ليُميِّز الجيِّد من الردي، ويظهر الصابر وغيره، كما قال (جلَّ شأنه): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. فإنْ قلت: حقيقة الاختبار طلب الخبر بالشيء ومعرفته لمن لا يكون عارفاً به، والله سبحانه عالم بمضمرات القلوب وخفيَّات الغيوب، فالمطيع في علمه متميِّز من العاصي، فما معنى الاختبار في حقِّه؟ قلنا: اختباره تعالى ليس إلَّا ليعلم غيره من خلقه طاعة من يطيع وعصيان من يعصي ويتميَّز ذلك عنده، فهو من باب الكناية، لأنَّ التميُّز من لوازم الاختبار وعوارضه، فأُطلق الملزوم وأُريد به اللازم كما هو شأن الكناية، أو قلنا: اختباره تعالى استعارة بتشبيه فعله هذا ليثيب المطيع ثواباً جزيلاً ويُعذِّب العاصي عذاباً وبيلاً باختبار الإنسان لعبيده ليتميَّز عنده المطيع والعاصي ليثيب المطيع ويكرمه ويُعذِّب العاصي ويهينه، فأُطلق على فعله تعالى الاختبار مجازاً. قوله: «ولو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحّ من هذا لاتَّبعوه» دلَّ على أنَّ هذا الدِّين أصحّ الأديان وليس دين أصحّ منه وإلَّا لاتَّبعه الصالحون المطهَّرون الذين شأنهم طلب الأصحّ والأفضل واتِّباع الأشرف والأكمل، ولعلَّ التفضُّل هنا مجرَّد عن معناه، فلا يلزم ثبوت الصحَّة لغير هذا الدِّين، وفيه حثٌّ على التمسُّك به وعدم مفارقته، وتأكيد لما مرَّ من قوله: «لا يزيِّلنَّكم عنها أحد»...، قوله: «من ولد السابع» كأنَّه سأل عن حقيقته وحقيقة صفاته المختصَّة به لا عن اسمه واسم أبيه، ولذلك أجاب (عليه السلام) بأنَّ عقولكم قاصرة عن إدراكه على هذا الوجه، لأنَّ حقيقة الإمام وصفاته لا يعلمها إلَّا الله سبحانه كما مرَّ سابقاً. قوله: «يا بَنِيَّ» الظاهر أنَّه على صيغة الجمع، وأنَّ عليَّ بن جعفر يدخل في الخطاب على سبيل التغليب. قوله: «ولكن إنْ تعيشوا فسوف تدركونه» لا يقال: كيف يُدركونه مع فقده؟ لأنَّا نقول: معناه: فسوف تُدركون زمانه أو فسوف تُدركونه قبل فقده وغيبته، أو نقول: معناه أنْ تعيشوا وتبقوا على هذا الدِّين فسوف تُدركونه بعد الظهور بالرجعة، وفيه بعد، والله أعلم).
وقال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ٣٤ و٣٥): («إذا فُقِدَ» على بناء المجهول، أي غاب. والسابع هو نفسه (عليه السلام)، والخامس من ولده المهدي (عليه السلام)، ولعلَّه (عليه السلام) إنَّما عبَّر هكذا تعريضاً بالواقفيَّة فإنَّهم يزعمون أنَّ المهدي صاحب الغيبة هو السابع مع أنَّه الخامس من ولده. «فالله» منصوب على التحذير بتقدير اتَّقوا، والتكرار للتأكيد، نحو: الأسد الأسد. والجمع في «أديانكم» باعتبار تعدُّد المخاطبين، أو باعتبار أجزاء الدِّين. «يا بُنَيَّ» بضم الباء وفتح النون، وسمَّاه ابناً على وجه اللطف والشفقة، والأخ الصغير كالابن، وقد يُقرَأ بفتح الباء وكسر النون بأنْ يكون الخطاب لأولاده فقط أو لهم مع عليٍّ تغليباً، والأوَّل أظهر. والمحنة - بالكسر -: الاسم من امتحنه إذا اختبره، ونسبته إلى الله مجازاً. «آباؤكم» أي رسول الله وأوصياؤه (عليهم السلام). «وأجدادكم» أي الأنبياء المتقدِّمين من أجدادهم، أو المراد بالآباء الأب مع الأجداد القريبة، وبالأجداد الأجداد البعيدة كالرسول وأمير المؤمنين والحسنين (عليهم السلام)، فإنَّ الحسن (عليه السلام) أيضاً من أجدادهم من قِبَل الأُمِّ، والخطاب إلى عليٍّ وأضرابه وإنْ لم يكونوا حاضرين تغليباً، وربَّما يُؤيَّد الوجه الثاني بهذا. «أصحّ من هذا» أي القول بوجوب الحجَّة في كلِّ زمان، أو كون عدد الأئمَّة (عليهم السلام) اثنا عشر. «من الخامس» لعلَّ المراد السؤال عن كيفيَّة غيبته وخصوصيَّاتها وامتدادها، ولذا لم يجب (عليه السلام)، فإنَّها مزلَّة للعقول والأحلام، وكانوا لا يصبرون على كتمانها، وإذاعتها ممَّا يضرُّ بالإمام بل بأكثر الأنام من الخواصِّ والعوامِّ، وما قيل: إنَّ المراد السؤال عن درجات الإمام وصفاته ومنازله، فهو بعيد. «فسوف تُدركونه» أي زمانه أو نفسه (عليه السلام) قبل الغيبة لكونهم من الخواصِّ، والأوَّل أظهر، ولا استبعاد في إدراك بعض المقصودين بالخطاب ذلك الزمان، مع أنَّ صدق الشرطيَّة لا يستلزم وقوع المقدَّم ولا إمكانه).

↑صفحة ٤٦↑

[٢٩٨/٢] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى الخَشَّابُ، عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ القَصَبَانِيِّ(١٢٠)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٠) عبَّاس بن عامر بن رباح أبو الفضل الثقفي القصباني، عنونه الشيخ في رجاله تارةً من أصحاب الكاظم (عليه السلام) (ص ٣٤١/ الرقم ٥٠٧٧/٣٨)، وأُخرى في باب من لم يروِ عنهم (عليهم السلام) (ص ٤٣٤/ الرقم ٦٢٢٢/٦٥)، وعنونه العلَّامة في القسم الأوَّل وقال: (الشيخ الصدوق الثقة) (خلاصة الأقوال: ص ٢١٠/ الرقم ٧). والقصباني نسبة إلى بيع القصب كما في اللباب (ج ٣/ ص ٤٠)، وهو خلاف القياس.

↑صفحة ٤٧↑

الحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) يَقُولُ: «صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ مَنْ يَقُولُ النَّاسُ: لَمْ يُولَدْ بَعْدُ»(١٢١).
[٢٩٩/٣] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُوسَى بْنِ القَاسِمِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ البَجَلِيِّ وَأَبِي قَتَادَةَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: قُلْتُ: مَا تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]؟ فَقَالَ: «إِذَا فَقَدْتُمْ إِمَامَكُمْ فَلَمْ تَرَوْهُ فَمَا ذَا تَصْنَعُونَ؟»(١٢٢).
[٣٠٠/٤] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمَدَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ البَرْقِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ الرَّقِّيِّ، قَالَ: سَالتُ أَبَا الحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) عَنْ صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ، قَالَ: «هُوَ الطَّرِيدُ الوَحِيدُ الغَرِيبُ الغَائِبُ عَنْ أَهْلِهِ، المَوْتُورُ بِأَبِيهِ (عليه السلام)».
[٣٠١/٥] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمَدَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ السِّنْدِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، أَنْتَ القَائِمُ بِالحَقِّ؟ فَقَالَ: «أَنَا القَائِمُ بِالحَقِّ، وَلَكِنَّ القَائِمَ الَّذِي يُطَهِّرُ الأَرْضَ مِنْ أَعْدَاءِ اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَيَمْلَؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً هُوَ الخَامِسُ مِنْ وُلْدِي، لَهُ غَيْبَةٌ يَطُولُ أَمَدُهَا خَوْفاً عَلَى نَفْسِهِ، يَرْتَدُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَيَثْبُتُ فِيهَا آخَرُونَ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢١) اعلم أنَّ الخبر يأتي أيضاً في باب ما روي عن الهادي (عليه السلام) في النصِّ على القائم وغيبته عن سعد، عن الخشَّاب، عن إسحاق بن محمّد بن أيُّوب، عن الهادي (عليه السلام) تحت الرقم (٣١٨/٦).
(١٢٢) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمام والتبصرة (ص ١٢٥/ ح ١٢٤)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨١ و١٨٢/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٧)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٠/ ح ١١٧).

↑صفحة ٤٨↑

ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «طُوبَى لِشِيعَتِنَا، المُتَمَسِّكِينَ بِحَبْلِنَا فِي غَيْبَةِ قَائِمِنَا، الثَّابِتِينَ عَلَى مُوَالَاتِنَا وَالبَرَاءَةِ مِنْ أَعْدَائِنَا، أُولَئِكَ مِنَّا وَنَحْنُ مِنْهُمْ، قَدْ رَضُوا بِنَا أَئِمَّةً، وَرَضِينَا بِهِمْ شِيعَةً، فَطُوبَى لَهُمْ، ثُمَّ طُوبَى لَهُمْ، وَهُمْ وَاللهِ مَعَنَا فِي دَرَجَاتِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ»(١٢٣).
قال مصنِّف هذا الكتاب (رضي الله عنه): إحدى العلل التي من أجلها وقعت الغيبة الخوف كما ذكر في هذا الحديث، وقد كان موسى بن جعفر (عليهما السلام) في ظهوره كاتماً لأمره، وكان شيعته لا تختلف إليه، ولا تجترون(١٢٤) على الإشارة خوفاً من طاغية زمانه حتَّى إِنَّ هِشَامَ بْنَ الحَكَمِ لَـمَّا سُئِلَ فِي مَجْلِسِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى الإِمَامِ أَخْبَرَ بِهَا، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: مَنْ هَذَا المَوْصُوفُ؟ قَالَ: صَاحِبُ القَصْرِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ، وَكَانَ هُوَ خَلْفَ السِّتْرِ قَدْ سَمِعَ كَلَامَهُ، فَقَالَ: أَعْطَانَا وَاللهِ مِنْ جِرَابِ النُّورَةِ(١٢٥)، فَلَمَّا عَلِمَ هِشَامٌ أَنَّهُ قَدْ أَتَى هَرَبَ وَطَلَبَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ إِلَى الكُوفَةِ وَمَاتَ بِهَا عِنْدَ بَعْضِ الشِّيعَةِ، فَلَمْ يَكُفَّ الطَّلَبَ عَنْهُ حَتَّى وُضِعَ مَيِّتاً بِالكُنَاسَةِ، وَكُتِبَتْ رُقْعَةٌ وَوُضِعَتْ مَعَهُ: هَذَا هِشَامُ بْنُ الحَكَمِ الَّذِي يَطْلُبُهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ القَاضِي وَالعُدُولُ وَصَاحِبُ المَعُونَةِ وَالعَامِلُ، فَحِينَئِذٍ كَفَّ الطَّاغِيَةُ عَنِ الطَّلَبِ عَنْهُ(١٢٦).
ذكر كلام هشام بن الحَكَم (رضي الله عنه) في هذا المجلس وما آل إليه أمره:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ الهَمَدَانِيُّ وَالحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَاتَانَه (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٣) رواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٦٩ و٢٧٠)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٠).
(١٢٤) في بعض النُّسَخ: (لا تجسرون).
(١٢٥) مثل بين العرب، والأصل فيه أنَّه سأل محتاج أميراً قسيَّ القلب شيئاً، فعلَّق على رأسه جراباً من النورة (الكلس) عند فمه وأنفه، وكلَّما تنفَّس دخل في أنفه شيء، فصار مثلاً.
(١٢٦) في بعض النُّسَخ: (كفَّ الطلب عنه).

↑صفحة ٤٩↑

عَلِيٌّ الأَسْوَارِيُّ، قَالَ: كَانَ لِيَحْيَى بْنِ خَالِدٍ مَجْلِسٌ فِي دَارِهِ يَحْضُرُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ وَمِلَّةٍ يَوْمَ الأَحَدِ، فَيَتَنَاظَرُونَ فِي أَدْيَانِهِمْ، يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّشِيدَ، فَقَالَ لِيَحْيَى بْنِ خَالِدٍ: يَا عَبَّاسِيُّ، مَا هَذَا المَجْلِسُ الَّذِي بَلَغَنِي فِي مَنْزِلِكَ يَحْضُرُهُ المُتَكَلِّمُونَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَا شَيْءٌ مِمَّا رَفَعَنِي بِهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَبَلَغَ بِي مِنَ الكَرَامَةِ وَالرِّفْعَةِ أَحْسَنَ مَوْقِعاً عِنْدِي مِنْ هَذَا المَجْلِسِ، فَإِنَّهُ يَحْضُرُهُ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ، فَيَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيُعْرَفُ المُحِقُّ مِنْهُمْ، وَيَتَبَيَّنُ لَنَا فَسَادُ كُلِّ مَذْهَبٍ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ.
فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: أَنَا أُحِبُّ أَنْ أَحْضُرَ هَذَا المَجْلِسَ وَأَسْمَعَ كَلَامَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَعْلَمُوا بِحُضُورِي فَيَحْتَشِمُونِي وَلَا يُظْهِرُوا مَذَاهِبَهُمْ، قَالَ: ذَلِكَ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ مَتَى شَاءَ، قَالَ: فَضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِي أَنْ لَا تُعْلِمَهُمْ بِحُضُورِي، فَفَعَلَ [ذَلِكَ]، وَبَلَغَ الخَبَرُ المُعْتَزِلَةَ، فَتَشَاوَرُوا بَيْنَهُمْ، وَعَزَمُوا عَلَى أَنْ لَا يُكَلِّمُوا هِشَاماً إِلَّا فِي الإِمَامَةِ، لِعِلْمِهِمْ بِمَذْهَبِ الرَّشِيدِ وَإِنْكَارِهِ عَلَى مَنْ قَالَ بِالإِمَامَةِ.
قَالَ: فَحَضَرُوا، وَحَضَرَ هِشَامٌ، وَحَضَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الإبَاضِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ(١٢٧) لِهِشَامِ بْنِ الحَكَمِ، وَكَانَ يُشَارِكُهُ فِي التِّجَارَةِ(١٢٨)، فَلَمَّا دَخَلَ هِشَامٌ سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ: يَا عَبْدَ اللهِ، كَلِّمْ هِشَاماً فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنَ الإِمَامَةِ.
فَقَالَ هِشَامٌ: أَيُّهَا الوَزِيرُ، لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْنَا جَوَابٌ وَلَا مَسْأَلَةٌ، إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ مَعَنَا عَلَى إِمَامَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ فَارَقُونَا بِلَا عِلْمٍ وَلَا مَعْرِفَةٍ، فَلَا حِينَ كَانُوا مَعَنَا عَرَفُوا الحَقَّ، وَلَا حِينَ فَارَقُوَنا عَلِمُوا عَلَى مَا فَارَقُونَا، فَلَيْسَ لَهُمْ عَلَيْنَا مَسْأَلَةٌ وَلَا جَوَابٌ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٧) من الصداقة. والإباض - بكسر الهمزة - ومنه الإباضيَّة فرقة من الخوارج أصحاب عبد الله بن إباض التميمي. (الصحاح للجوهري: ج ٣/ ص ١٠٦٣/ مادَّة أبض).
(١٢٨) في بعض النُّسَخ: (في المحاورة).

↑صفحة ٥٠↑

فَقَالَ بَيَانٌ(١٢٩) - وَكَانَ مِنَ الحَرُورِيَّةِ -: أَنَا أَسْأَلُكَ يَا هِشَامُ، أَخْبِرْنِي عَنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ يَوْمَ حَكَّمُوا الحَكَمَيْنِ أَكَانُوا مُؤْمِنِينَ أَمْ كَافِرِينَ؟ قَالَ هِشَامٌ: كَانُوا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ مُؤْمِنُونَ، وَصِنْفٌ مُشْرِكُونَ، وَصِنْفٌ ضُلَّالٌ، فَأَمَّا المُؤْمِنُونَ فَمَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِي: إِنَّ عَلِيًّا (عليه السلام) إِمَامٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَمُعَاوِيَةَ لَا يَصْلُحُ لَهَا، فَآمَنُوا بِمَا قَالَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي عَلِيٍّ (عليه السلام) وَأَقَرُّوا بِهِ.
وَأَمَّا المُشْرِكُونَ فَقَوْمٌ قَالُوا: عَلِيٌّ إِمَامٌ، وَمُعَاوِيَةُ يَصْلُحُ لَهَا، فَأَشْرَكُوا إِذْ أَدْخَلُوا مُعَاوِيَةَ مَعَ عَلِيٍّ (عليه السلام).
وَأَمَّا الضُّلَّالُ فَقَوْمٌ خَرَجُوا عَلَى الحَمِيَّةِ وَالعَصَبِيَّةِ لِلْقَبَائِلِ وَالعَشَائِرِ [فَ]لَمْ يَعْرِفُوا شَيْئاً مِنْ هَذَا وَهُمْ جُهَّالٌ.
قَالَ: فَأَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ مَا كَانُوا؟ قَالَ: كَانُوا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ كَافِرُونَ، وَصِنْفٌ مُشْرِكُونَ، وَصِنْفٌ ضُلَّالٌ.
فَأَمَّا الكَافِرُونَ فَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مُعَاوِيَةَ إِمَامٌ وَعَلِيٌّ لَا يَصْلُحُ لَهَا، فَكَفَرُوا مِنْ جِهَتَيْنِ إِذْ جَحَدُوا إِمَاماً مِنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَنَصَبُوا إِمَاماً لَيْسَ مِنَ اللهِ.
وَأَمَّا المُشْرِكُونَ فَقَوْمٌ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ إِمَامٌ وَعَلِيٌّ يَصْلُحُ لَهَا، فَأَشْرَكُوا مُعَاوِيَةَ مَعَ عَلِيٍّ (عليه السلام).
وَأَمَّا الضُّلَّالُ فَعَلَى سَبِيلِ أُولَئِكَ خَرَجُوا لِلْحَمِيَّةِ وَالعَصَبِيَّةِ لِلْقَبَائِلِ وَالعَشَائِرِ.
فَانْقَطَعَ بَيَانٌ عِنْدَ ذَلِكَ.
فَقَالَ ضِرَارٌ: وَأَنَا أَسْأَلُكَ يَا هِشَامُ فِي هَذَا، فَقَالَ هِشَامٌ: أَخْطَأْتَ، قَالَ: وَلِـمَ؟ قَالَ: لِأَنَّكُمْ كُلَّكُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَى دَفْعِ إِمَامَةِ صَاحِبِي، وَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تُثْنُوا بِالمَسْأَلَةِ عَلَيَّ حَتَّى أَسْأَلَكَ يَا ضِرَارُ عَنْ مَذْهَبِكَ فِي هَذَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٩) في بعض النُّسَخ: (بنان)، وكذا فيما يأتي.

↑صفحة ٥١↑

البَابِ، قَالَ ضِرَارٌ: فَسَلْ، قَالَ: أَتَقُولُ إِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) عَدْلٌ لَا يَجُورُ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ عَدْلٌ لَا يَجُورُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ: فَلَوْ كَلَّفَ اللهُ المُقْعَدَ المَشْيَ إِلَى المَسَاجِدِ وَالجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَلَّفَ الأَعْمَى قِرَاءَةَ المَصَاحِفِ وَالكُتُبِ، أَتَرَاهُ كَانَ يَكُونُ عَادِلاً أَمْ جَائِراً؟ قَالَ ضِرَارٌ: مَا كَانَ اللهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالَ هِشَامٌ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللهَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الجَدَلِ وَالخُصُومَةِ، أَنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَلَيْسَ كَانَ فِي فِعْلِهِ جَائِراً إِذْ كَلَّفَهُ تَكْلِيفاً لَا يَكُونُ لَهُ السَّبِيلُ إِلَى إِقَامَتِهِ وَأَدَائِهِ؟ قَالَ: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكَانَ جَائِراً؟ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ اللهِ (عزَّ وجلَّ) كَلَّفَ العِبَادَ دِيناً وَاحِداً لَا اخْتِلَافَ فِيهِ لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَأْتُوا بِهِ كَمَا كَلَّفَهُمْ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَجَعَلَ لَهُمْ دَلِيلاً عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الدِّينِ، أَوْ كَلَّفَهُمْ مَا لَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى وُجُودِهِ، فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَلَّفَ الأَعْمَى قِرَاءَةَ الكُتُبِ وَالمُقْعَدَ المَشْيَ إِلَى المَسَاجِدِ وَالجِهَادَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ ضِرَارٌ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ وَلَيْسَ بِصَاحِبِكَ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ هِشَامٌ، وَقَالَ: تَشَيَّعَ شَطْرُكَ(١٣٠) وَصِرْتَ إِلَى الحَقِّ ضَرُورَةً، وَلَا خِلَافَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ إِلَّا فِي التَّسْمِيَةِ، قَالَ ضِرَارٌ: فَإِنِّي أُرْجِعُ القَوْلَ عَلَيْكَ فِي هَذَا، قَالَ: هَاتِ، قَالَ ضِرَارٌ لِهِشَامٍ: كَيْفَ تَعْقِدُ الإِمَامَةَ؟ قَالَ هِشَامٌ: كَمَا عَقَدَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) النُّبُوَّةَ، قَالَ: فَهُوَ إِذاً نَبِيٌّ، قَالَ هِشَامٌ: لَا، لِأَنَّ النُّبُوَّةَ يَعْقِدُهَا أَهْلُ السَّمَاءِ، وَالإِمَامَةَ يَعْقِدُهَا أَهْلُ الأَرْضِ، فَعَقْدُ النُّبُوَّةِ بِالمَلَائِكَةِ، وَعَقْدُ الإِمَامَةِ بِالنَّبِيِّ(١٣١)، وَالعَقْدَانِ جَمِيعاً بِأَمْرِ اللهِ (جلّ جلاله)، قَالَ: فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ هِشَامٌ: الاِضْطِرَارُ فِي هَذَا، قَالَ ضِرَارٌ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ هِشَامٌ: لَا يَخْلُو الكَلَامُ فِي هَذَا مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) رَفَعَ التَّكْلِيفَ عَنِ الخَلْقِ بَعْدَ الرَّسُولِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ وَلَمْ يَنْهَهُمْ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ السِّبَاعِ وَالبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا، أَفَتَقُولُ هَذَا يَا ضِرَارُ إِنَّ التَّكْلِيفَ عَنِ النَّاسِ مَرْفُوعٌ بَعْدَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٠) أي بعضك، ولعلَّ المراد به لسانه حيث أقرَّ بوجود الدليل.
(١٣١) في بعض النُّسَخ: (إلَّا أنَّ النبوَّة تُعقَد بالملائكة والإمامة تُعقَد بالنبيِّ).

↑صفحة ٥٢↑

الرَّسُولِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قَالَ: لَا أَقُولُ هَذَا، قَالَ هِشَامٌ: فَالوَجْهُ الثَّانِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّاسُ المُكَلَّفُونَ(١٣٢) قَدِ اسْتَحَالُوا بَعْدَ الرَّسُولِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عُلَمَاءَ فِي مِثْلِ حَدِّ الرَّسُولِ فِي العِلْمِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ، فَيَكُونُوا كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَغْنَوْا بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَصَابُوا الحَقَّ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، أَفَتَقُولُ هَذَا إِنَّ النَّاسَ اسْتَحَالُوا عُلَمَاءَ حَتَّى صَارُوا فِي مِثْلِ حَدِّ الرَّسُولِ فِي العِلْمِ بِالدِّينِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ مُسْتَغْنِينَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي إِصَابَةِ الحَقِّ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ هَذَا، وَلَكِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى غَيْرِهِمْ.
قَالَ: فَبَقِيَ الوَجْهُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ عَالِمٍ يُقِيمُهُ الرَّسُولُ لَهُمْ لَا يَسْهُو وَلَا يَغْلَطُ وَلَا يَحِيفُ، مَعْصُومٌ مِنَ الذُّنُوبِ، مُبَرَّءٌ مِنَ الخَطَايَا، يَحْتَاجُ [النَّاسُ] إِلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ، قَالَ: فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ قَالَ هِشَامٌ: ثَمَانُ دَلَالاتٍ أَرْبَعٌ فِي نَعْتِ نَسَبِهِ، وَأَرْبَعٌ فِي نَعْتِ نَفْسِهِ.
فَأَمَّا الأَرْبَعُ الَّتِي فِي نَعْتِ نَسَبِهِ: فَإِنَّهُ يَكُونُ مَعْرُوفَ الجِنْسِ، مَعْرُوفَ القَبِيلَةِ، مَعْرُوفَ البَيْتِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ صَاحِبِ المِلَّةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ إِشَارَةٌ، فَلَمْ يُرَ جِنْسٌ مِنْ هَذَا الخَلْقِ أَشْهَرُ مِنْ جِنْسِ العَرَبِ الَّذِينَ مِنْهُمْ صَاحِبُ المِلَّةِ وَالدَّعْوَةِ الَّذِي يُنَادَى بِاسْمِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ عَلَى الصَّوَامِعِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَتَصِلُ دَعْوَتُهُ إِلَى كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَعَالِمٍ وَجَاهِلٍ، مُقِرٍّ وَمُنْكِرٍ، فِي شَرْقِ الأَرْضِ وَغَرْبِهَا، وَلَوْ جَازَ أَنْ تَكُونَ الحُجَّةُ مِنَ اللهِ عَلَى هَذَا الخَلْقِ فِي غَيْرِ هَذَا الجِنْسِ لَأَتَى عَلَى الطَّالِبِ المُرْتَادِ دَهْرٌ مِنْ عَصْرِهِ لَا يَجِدُهُ، وَلَجَازَ أَنْ يَطْلُبَهُ فِي أَجْنَاسٍ مِنْ هَذَا الخَلْقِ مِنَ العَجَمِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَكَانَ مِنْ حَيْثُ أَرَادَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَكُونَ صَلَاحٌ يَكُونُ فَسَادٌ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا فِي حِكْمَةِ اللهِ (جلّ جلاله) وَعَدْلُهُ أَنْ يَفْرُضَ عَلَى النَّاسِ فَرِيضَةً لَا تُوجَدُ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ إِلَّا فِي هَذَا الجِنْسِ لِاتِّصَالِهِ بِصَاحِبِ المِلَّةِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٢) صفة للناس. و(استحالوا) أي تحوَّلوا علماء لا يحتاجون إلى علمه (عليه السلام) بعد أنْ يكون في زمان الرسول يحتاجون إليه في دينهم.

↑صفحة ٥٣↑

وَالدَّعْوَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الجِنْسِ إِلَّا فِي هَذِهِ القَبِيلَةِ لِقُرْبِ نَسَبِهَا مِنْ صَاحِبِ المِلَّةِ وَهِيَ قُرَيْشٌ، وَلَـمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الجِنْسِ إِلَّا فِي هَذِهِ القَبِيلَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذِهِ القَبِيلَةِ إِلَّا فِي هَذَا البَيْتِ لِقُرْبِ نَسَبِهِ مِنْ صَاحِبِ المِلَّةِ وَالدَّعْوَةِ، وَلَـمَّا كَثُرَ أَهْلُ هَذَا البَيْتِ وَتَشَاجَرُوا فِي الإِمَامَةِ لِعُلُوِّهَا وَشَرَفِهَا ادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ صَاحِبِ المِلَّةِ وَالدَّعْوَةِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ كَيْ لَا يَطْمَعَ فِيهَا غَيْرُهُ.
وَأَمَّا الأَرْبَعُ الَّتِي فِي نَعْتِ نَفْسِهِ: فَأَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ النَّاسِ كُلِّهِمْ بِفَرَائِضِ اللهِ وَسُنَنِهِ وَأَحْكَامِهِ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا دَقِيقٌ وَلَا جَلِيلٌ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْصُوماً مِنَ الذُّنُوبِ كُلِّهَا، وَأَنْ يَكُونَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَنْ يَكُونَ أَسْخَى النَّاسِ.
فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الإِبَاضِيُّ: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ: إِنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِماً بِجَمِيعِ حُدُودِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِعِهِ وَسُنَنِهِ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَلِّبَ الحُدُودَ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ القَطْعُ حَدَّهُ، وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ قَطَعَهُ، فَلَا يُقِيمُ لِلهِ (عزَّ وجلَّ) حَدًّا عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ، فَيَكُونُ مِنْ حَيْثُ أَرَادَ اللهُ صَلَاحاً يَقَعُ فَسَاداً.
قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ قُلْتَ: إِنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الذُّنُوبِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصُوماً مِنَ الذُّنُوبِ دَخَلَ فِي الخَطَإِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكْتُمَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَكْتُمَ عَلَى حَمِيمِهِ وَقَرِيبِهِ، وَلَا يَحْتَجُّ اللهُ بِمِثْلِ هَذَا عَلَى خَلْقِهِ.
قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ قُلْتَ: إِنَّهُ أَشْجَعُ النَّاسِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ فِئَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِي يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فِي الحُرُوبِ، وَقَالَ اللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ [الأنفال: ١٦]، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شُجَاعاً فَرَّ فَيَبُوءُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يَبُوءُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) حُجَّةَ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ.
قَالَ: [فَ]مِنْ أَيْنَ قُلْتَ: إِنَّهُ أَسْخَى النَّاسِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ خَازِنُ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ

↑صفحة ٥٤↑

لَمْ يَكُنْ سَخِيًّا تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى أَمْوَالِهِمْ(١٣٣) فَأَخَذَهَا فَكَانَ خَائِناً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَجَّ اللهُ عَلَى خَلْقِهِ بِخَائِنٍ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ ضِرَارٌ: فَمَنْ هَذَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي هَذَا الوَقْتِ؟ فَقَالَ: صَاحِبُ القَصْرِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ.
وَكَانَ هَارُونُ الرَّشِيدُ قَدْ سَمِعَ الكَلَامَ كُلَّهُ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: أَعْطَانَا وَاللهِ مِنْ جِرَابِ النُّورَةِ، وَيْحَكَ يَا جَعْفَرُ - وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى جَالِساً مَعَهُ فِي السِّتْرِ - مَنْ يَعْنِي بِهَذَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي بِهِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ، قَالَ: مَا عَنَى بِهَا غَيْرَ أَهْلِهَا(١٣٤)، ثُمَّ عَضَّ عَلَى شَفَتَيْهِ وَقَالَ: مِثْلُ هَذَا حَيٌّ ويَبْقَى لِي مُلْكِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟! فَوَاللهِ لَلِسَانُ هَذَا أَبْلَغُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنْ مِائَةِ الفِ سَيْفٍ، وَعَلِمَ يَحْيَى أَنَّ هِشَاماً قَدْ أُتِيَ(١٣٥)، فَدَخَلَ السِّتْرَ فَقَالَ: يَا عَبَّاسِيُّ، وَيْحَكَ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، حَسْبُكَ تُكْفَى تُكْفَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى هِشَامٍ فَغَمَزَهُ، فَعَلِمَ هِشَامٌ أَنَّهُ قَدْ أُتِيَ، فَقَامَ يُرِيهِمْ أَنَّهُ يَبُولُ أَوْ يَقْضِي حَاجَةً، فَلَبِسَ نَعْلَيْهِ وَانْسَلَّ، وَمَرَّ بِبَيْتِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوَارِي، وَهَرَبَ وَمَرَّ مِنْ فَوْرِهِ نَحْوَ الكُوفَةِ، فَوَافَى الكُوفَةَ وَنَزَلَ عَلَى بَشِيرٍ النَّبَّالِ - وَكَانَ مِنْ حَمَلَةِ الحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) -، فَأَخْبَرَهُ الخَبَرَ، ثُمَّ اعْتَلَّ عِلَّةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهُ بَشِيرٌ: آتِيكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: لَا أَنَا مَيِّتٌ، فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قَالَ لِبَشِيرٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ جِهَازِي فَاحْمِلْنِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَضَعْنِي بِالكُنَاسَةِ وَاكْتُبْ رُقْعَةً وَقُلْ: هَذَا هِشَامُ بْنُ الحَكَمِ الَّذِي يَطْلُبُهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ.
وَكَانَ هَارُونُ قَدْ بَعَثَ إِلَى إِخْوَانِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَ الخَلْقَ بِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَهْلُ الكُوفَةِ رَأَوْهُ، وَحَضَرَ القَاضِي وَصَاحِبُ المَعُونَةِ وَالعَامِلُ وَالمُعَدِّلُونَ بِالكُوفَةِ، وَكَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي كَفَانَا أَمْرَهُ، فَخَلَّى عَمَّنْ كَانَ أَخَذَ بِهِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٣) أي اشتاقت ونازعت نفسه إليه.
(١٣٤) أي ما عنى بقوله: (أمير المؤمنين) إلَّا من هو أمير المؤمنين عنده.
(١٣٥) يعني وقع في الهلكة.

↑صفحة ٥٥↑

[٣٠٢/٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمَدَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الأَزْدِيِّ، قَالَ: سَالتُ سَيِّدِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) عَنْ قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، فَقَالَ (عليه السلام): «النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ الإِمَامُ الظَّاهِرُ، وَالبَاطِنَةُ الإِمَامُ الغَائِبُ»، فَقُلْتُ لَهُ: وَيَكُونُ فِي الأَئِمَّةِ مَنْ يَغِيبُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ شَخْصُهُ، وَلَا يَغِيبُ عَنْ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ الثَّانِي عَشَرَ مِنَّا، يُسَهِّلُ اللهُ لَهُ كُلَّ عَسِيرٍ، وَيُذَلِّلُ لَهُ كُلَّ صَعْبٍ، وَيُظْهِرُ لَهُ كُنُوزَ الأَرْضِ، وَيُقَرِّبُ لَهُ كُلَّ بَعِيدٍ، وَيُبِيرُ بِهِ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ(١٣٦)، وَيُهْلِكُ عَلَى يَدِهِ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، ذَلِكَ ابْنُ سَيِّدَةِ الإِمَاءِ الَّذِي تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ تَسْمِيَتُهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(١٣٧)،(١٣٨)،(١٣٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٦) أباره الله: أهلكه. وفي بعض النُّسَخ: (يتبر)، والتبر: الكسر، والإهلاك كالتتبير. وفي بعض النُّسَخ: (يفني به).
(١٣٧) رواه الخزَّاز في كفاية الأثر (ص ٢٧٠ و٢٧١).
(١٣٨) في هامش بعض النُّسَخ المخطوطة هكذا: (الذي ادَّعاه المصنِّف فيما تقدَّم من النهي عن ذكر اسمه (عليه السلام) يُقوِّيه ويُؤيِّده هذا الحديث، وإلَّا فالروايات التي ذكرها في هذه الأبواب عن الأئمَّة (عليهم السلام) في النهى عن ذكر اسمه (عليه السلام) يمكن أنْ يُحمَل النهي فيها على قبل الغيبة في زمان العبَّاسيَّة دون عصرنا هذا، لأنَّ التقيَّة كانت في ذلك الزمان أشدّ من هذا العصر. وإنَّما قلنا: (يمكن أنْ يُحمَل النهى على قبل غيبته (عليه السلام)) لأنَّ النهى لا يخلو من وجهين إمَّا خوفاً على الإمام وهو مفقود في هذا العصر إذ لا يقدر أحد أنْ يظفر به، وإمَّا خوفاً على القائل الذاكر باسمه، وهذا أيضاً منتفٍ إذ لا يُتصوَّر الضرر من مخالفي هذا العصر ولا التعرُّض به، لأنَّه لو كان أحد ينادي في الأسواق بأعلى صوته: يا محمّد بن الحسن، لا يرى أحد من المخالفين أنَّه سمع اسمه ويعرفه حتَّى يُؤذى قائله، وإذا كان كذلك فلِمَ لا يجوز للمؤمنين أنْ يسمُّوه ويتبرَّكوا ويتشرَّفوا بذكر اسمه (عليه السلام)؟ وأمَّا قبل غيبته الكبرى كان الضرر متصوَّراً، لكن هذه الرواية تأبى ذلك، والله أعلم).
(١٣٩) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٣٢): (بيان: هذه التحديدات مصرِّحة في نفي قول من خصَّ ذلك بزمان الغيبة الصغرى تعويلاً على بعض العلل المستنبطة والاستبعادات الوهميَّة).

↑صفحة ٥٦↑

قال مصنِّف هذا الكتاب (رضي الله عنه): لم أسمع هذا الحديث إلَّا من أحمد بن زياد ابن جعفر الهمداني (رضي الله عنه) بهمدان عند منصرفي من حجِّ بيت الله الحرام، وكان رجلاً ثقةً ديِّناً فاضلاً (رحمة الله عليه ورضوانه).

* * *

↑صفحة ٥٧↑

الباب الخامس والثلاثون: ما روي عن الرضا عليِّ بن موسى (عليهما السلام) في النصِّ على القائم (عليه السلام) وفي غيبته وأنَّه الثاني عشر

↑صفحة ٥٩↑

[٣٠٣/١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الوَلِيدِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا (عليه السلام): إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ، وَأَنْ يَرُدَّهُ اللهُ(١٤٠) (عزَّ وجلَّ) إِلَيْكَ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ، فَقَدْ بُويِعَ لَكَ وَضُرِبَتِ الدَّرَاهِمُ بِاسْمِكَ، فَقَالَ: «مَا مِنَّا أَحَدٌ اخْتَلَفَتْ إِلَيْهِ الكُتُبُ، وَسُئِلَ عَنِ المَسَائِلِ، وَأَشَارَتْ إِلَيْهِ الأَصَابِعُ، وَحُمِلَتْ إِلَيْهِ الأَمْوَالُ إِلَّا اغْتِيلَ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لِهَذَا الأَمْرِ رَجُلاً خَفِيَّ المَوْلِدِ وَالمَنْشَإِ غَيْرَ خَفِيٍّ فِي نَسَبِهِ»(١٤١)،(١٤٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٠) في بعض النُّسَخ: (يسديه الله)، وفي بعضها: (يسوقه الله).
(١٤١) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤١ و٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٥) بسند آخر، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٣١ و٤٣٢).
(١٤٢) قال المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٦٩): (قوله: «إلَّا اغتيل أو مات على فراشه» الاغتيال الخدعة، يقال: قتله غيلة إذا خدعه فذهب به إلى موضع فقتله، وكلمة (أو) للتنويع وهو التقسيم لا للشكِّ، لتنزُّه ساحة قدسه عنه، وصدق الشرطيَّة لا يتوقَّف على صدق طرفيها مطلقاً، فلا ينافي هذا ما تقرَّر من أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كلُّهم مقتولين، بعضهم بالسيف وبعضهم بالسمِّ. قوله: «خفي الولادة والمنشأ غير خفي في نسبه» المراد بخفاء ولادته خفاؤها عند الأكثر بدليل علم بعض الخواصِّ بها، وبخفاء منشئه خفاء مكانه الذي ينشأ فيه ويأوي إليه، وبعدم خفاء نسبه كون نسبه معلوماً للخاصَّة والعامَّة فإنَّهم أيضاً قائلون بأنَّ المهدي (عليه السلام) من أولاد الحسين بن عليٍّ (عليهم السلام)).
وقال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ٥٧): («وأنْ يسوقه الله» في الإكمال: وأنْ يسدَّ به الله (عزَّ وجلَّ) إليك. «فقد بويع لك» أي بولاية العهد للمأمون. «وأُشير إليه بالأصابع» كناية عن الشهرة، وفي الإكمال: وأشارت إليه الأصابع. «إلَّا اغتيل» الاغتيال هو الأخذ بغتة، والقتل خديعة، ولعلَّ المراد به القتل بالحديد وبالموت على الفراش القتل بالسمِّ، أو المراد بالأوَّل الأعمّ وبالثاني الموت غيظاً من غير ظفر على العدو كما سيأتي. و(أو) للتقسيم لا للشكِّ. «خفي الولادة» أي وقت ولادته خفي عند جمهور الناس وإنْ اطَّلع عليه بعض الخواصِّ، والمنشأ: الوطن ومحلُّ النشو، أي لا يعلم جمهور الخلق في أيِّ موضع نما ونشأ، ومضت عليه السنون. «غير خفي في نسبه» فإنَّه يعلم جميع الشيعة أنَّه ابن الحسن العسكري (عليهما السلام)، بل المخالفون أيضاً يقولون إنَّه من ولد الحسين (عليه السلام)، وقيل: أي معلوم بالبرهان أنَّه ولد العسكري (عليهما السلام)).

↑صفحة ٦١↑

[٣٠٤/٢] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الفَزَارِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ، عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو الحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) عَنِ القَائِمِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «لَا يُرَى جِسْمُهُ وَلَا يُسَمَّى بِاسْمِهِ»(١٤٣)،(١٤٤).
[٣٠٥/٣] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ العَبَرْتَائِيِّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (عليهما السلام)، قَالَ: قَالَ لِي: «لَا بُدَّ مِنْ فِتْنَةٍ صَمَّاءَ صَيْلَمٍ(١٤٥) يَسْقُطُ فِيهَا كُلُّ بِطَانَةٍ وَوَلِيجَةٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ فِقْدَانِ الشِّيعَةِ الثَّالِثَ مِنْ وُلْدِي، يَبْكِي عَلَيْهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الأَرْضِ وَكُلُّ حَرَّى وَحَرَّانَ وَكُلُّ حَزِينٍ وَلَهْفَانَ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٣) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٧/ ح ١١٠)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٣/ باب في النهي عن الاسم/ ح ٣)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٦).
(١٤٤) قال المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٣٦): (قوله: «لا يُرى جسمه ولا يُسمَّى اسمه» الأوَّل إخبار عن غيبته، والثاني نهي في المعنى عن التصريح باسمه، ولعلَّه في بعض الأزمنة لأجل الخوف).
وقال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ١٧): (الظاهر أنَّ الاسم في هذه الأخبار لا يشمل الكنية واللقب).
(١٤٥) الصيلم: الأمر الشديد والداهية. والفتنة الصمَّاء هي التي لا سبيل إلى تسكينها لتناهيها في دهائها، لأنَّ الأصمَّ لا يسمع الاستغاثة ولا يقلع عمَّا يفعله، وقيل: هي كالحيَّة الصمَّاء التي لا تقبل الرقيَّ. (النهاية: ج ٣/ ص ٥٤). وبطانة الرجل: صاحب سرِّه والذي يشاوره. ووليجة الرجل: دخلاؤه وخاصَّته.

↑صفحة ٦٢↑

ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «بِأَبِي وأُمِّي سَمِيُّ جَدِّي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَشَبِيهِي وَشَبِيهُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام)، عَلَيْهِ جُيُوبُ النُّورِ، يَتَوَقَّدُ مِنْ شُعَاعِ ضِيَاءِ القُدْسِ(١٤٦)، يَحْزَنُ لِمَوْتِهِ أَهْلُ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، كَمْ مِنْ حَرَّى مُؤْمِنَةٍ، وَكَمْ مِنْ مُؤْمِنٍ مُتَأَسِّفٍ حَرَّانَ حَزِينٍ عِنْدَ فِقْدَانِ المَاءِ المَعِينِ، كَأَنِّي بِهِمْ آيِسٌ مَا كَانُوا قَدْ نُودُوا نِدَاءً يَسْمَعُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُ مَنْ قَرُبَ، يَكُونُ رَحْمَةً عَلَى المُؤْمِنِينَ وَعَذَاباً عَلَى الكَافِرِينَ»(١٤٧)،(١٤٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٦) في بعض النُّسَخ: (سناء ضياء القدس).
(١٤٧) رواه المصنِّف (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٩ و١٠/ ح ١٤)، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٤/ ح ١٠٢)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٨٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٨)، والطبري (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٦٠ و٤٦١/ ح ٤٤١/٤٥)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٣٩ و٤٤٠/ ح ٤٣١)، والراوندي (رحمه الله) في الخراج والجرائح (ج ٣/ ص ١١٦٨ و١١٦٩).
(١٤٨) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ١٥٣ و١٥٤): (أقول: لا يبعد أنْ يكون مأخوذاً من قولهم: صخرة صمَّاء، أي الصلبة المصمتة، كناية عن نهاية اشتباه الأمر فيها حتَّى لا يمكن النفوذ فيها والنظر في باطنها وتحيُّر أكثر الخلق فيها، أو عن صلابتها وثباتها واستمرارها. والصيلم الداهية والأمر الشديد، ووقعة صيلمة أي مستأصلة. و(بطانة الرجل) صاحب سرِّه الذي يشاوره في أحواله. و(وليجة الرجل) دخلاؤه وخاصَّته، أي يزل فيها خواصُّ الشيعة. والمراد بالثالث الحسن العسكري، والظاهر رجوع الضمير في (عليه) إليه، ويحتمل رجوعه إلى إمام الزمان المعلوم بقرينة المقام. وعلى التقديرين المراد بقوله: «سميُّ جدِّي» القائم (عليه السلام). قوله (عليه السلام): «عليه جيوب النور» لعلَّ المعنى أنَّ جيوب الأشخاص النورانيَّة من كُمَّل المؤمنين والملائكة المقرَّبين وأرواح المرسَلين تشتعل للحزن على غيبته وحيرة الناس فيه، وإنَّما ذلك لنور إيمانهم الساطع من شموس عوالم القدس. ويحتمل أنْ يكون المراد بجيوب النور الجيوب المنسوبة إلى النور والتي يسطع منها أنوار فيضه وفضله تعالى. والحاصل أنَّ عليه (صلوات الله عليه) أثواب قدسيَّة وخِلَع ربَّانيَّة تتَّقد من جيوبها أنوار فضله وهدايته تعالى. ويُؤيِّده ما مرَّ في رواية محمّد بن الحنفيَّة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «جلابيب النور». ويحتمل أنْ يكون (على) تعليليَّة، أي ببركة هدايته وفيضه (عليه السلام) يسطع من جيوب القابلين أنوار القدس من العلوم والمعارف الربَّانيَّة. قوله: «يُسمَع» على بناء المجهول أو المعلوم، وعلى الأوَّل (من) حرف الجرِّ، وعلى الثاني اسم موصول، وكذا الفقرة الثانية يحتمل الوجهين).

↑صفحة ٦٣↑

[٣٠٦/٤] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ(١٤٩)، عَنْ خَالِهِ أَحْمَدَ بْنِ زَكَرِيَّا، قَالَ: قَالَ لِيَ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى (عليهما السلام): «أَيْنَ مَنْزِلُكَ بِبَغْدَادَ؟»، قُلْتُ: الكَرْخُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ أَسْلَمُ مَوْضِعٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ فِتْنَةٍ صَمَّاءَ صَيْلَمٍ تَسْقُطُ فِيهَا كُلُّ وَلِيجَةٍ وَبِطَانَةٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ فِقْدَانِ الشِّيعَةِ الثَّالِثَ مِنْ وُلْدِي».
[٣٠٧/٥] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمَدَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا (عليهما السلام): «لَا دِينَ لِمَنْ لَا وَرَعَ لَهُ، وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَعْمَلُكُمْ بِالتَّقِيَّةِ»، فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، إِلَى مَتَى؟ قَالَ: «إِلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ، وَهُوَ يَوْمُ خُرُوجِ قَائِمِنَا أَهْلَ البَيْتِ، فَمَنْ تَرَكَ التَّقِيَّةَ قَبْلَ خُرُوجِ قَائِمِنَا فَلَيْسَ مِنَّا، فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، وَمَنِ القَائِمُ مِنْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ؟ قَالَ: «الرَّابِعُ مِنْ وُلْدِي، ابْنُ سَيِّدَةِ الإِمَاءِ، يُطَهِّرُ اللهُ بِهِ الأَرْضَ مِنْ كُلِّ جَوْرٍ، وَيُقَدِّسُهَا مِنْ كُلِّ ظُلْمٍ، [وَهُوَ] الَّذِي يَشُكُّ النَّاسُ فِي وِلَادَتِهِ، وَهُوَ صَاحِبُ الغَيْبَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَإِذَا خَرَجَ أَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِهِ(١٥٠) وَوَضَعَ مِيزَانَ العَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا يَظْلِمُ أَحَدٌ أَحَداً، وَهُوَ الَّذِي تُطْوَى لَهُ الأَرْضُ وَلَا يَكُونُ لَهُ ظِلٌّ، وَهُوَ الَّذِي يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ يَسْمَعُهُ جَمِيعُ أَهْلِ الأَرْضِ بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ، يَقُولُ: أَلَا إِنَّ حُجَّةَ اللهِ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ بَيْتِ اللهِ فَاتَّبِعُوهُ، فَإِنَّ الحَقَّ مَعَهُ وَفِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]»(١٥١).
[٣٠٨/٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمَدَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٩) في بعض النُّسَخ: (محمّد بن حمدان).
(١٥٠) في بعض النُّسَخ: (بنور ربِّها).
(١٥١) رواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٧٤ و٢٧٥)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤١).

↑صفحة ٦٤↑

ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الهَرَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ دِعْبِلَ بْنَ عَلِيٍّ الخُزَاعِيَّ يَقُولُ: أَنْشَدْتُ مَوْلَايَ الرِّضَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى (عليهما السلام) قَصِيدَتِيَ الَّتِي أَوَّلُهَا:

مَدَارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تِلَاوَةٍ * * * وَمَنْزِلُ وَحْيٍ مُقْفِرُ العَرَصَاتِ

فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِي:

خُرُوجُ إِمَامٍ لَا مَحَالَةَ خَارِجٌ * * * يَقُومُ عَلَى اسْمِ اللهِ وَالبَرَكَاتِ
يُمَيِّزُ فِينَا كُلَّ حَقٍّ وَبَاطِلٍ * * * وَيُجْزِي عَلَى النَّعْمَاءِ وَالنَّقِمَاتِ

بَكَى الرِّضَا (عليه السلام) بُكَاءً شَدِيداً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ لِي: «يَا خُزَاعِيُّ، نَطَقَ رُوحُ القُدُسِ عَلَى لِسَانِكَ بِهَذَيْنِ البَيْتَيْنِ، فَهَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا الإِمَامُ وَمَتَى يَقُومُ؟»، فَقُلْتُ: لَا يَا مَوْلَايَ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ بِخُرُوجِ إِمَامٍ مِنْكُمْ يُطَهِّرُ الأَرْضَ مِنَ الفَسَادِ وَيَمْلَؤُهَا عَدْلًا [كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً]، فَقَالَ: «يَا دِعْبِلُ، الإِمَامُ بَعْدِي مُحَمَّدٌ ابْنِي، وَبَعْدَ مُحَمَّدٍ ابْنُهُ عَلِيٌّ، وَبَعْدَ عَلِيٍّ ابْنُهُ الحَسَنُ، وَبَعْدَ الحَسَنِ ابْنُهُ الحُجَّةُ القَائِمُ المُنْتَظَرُ فِي غَيْبَتِهِ، المُطَاعُ فِي ظُهُورِهِ، لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) ذَلِكَ اليَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ فَيَمْلَأَ الأَرْضَ(١٥٢) عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً.
وَأَمَّا (مَتَى) فَإِخْبَارٌ عَنِ الوَقْتِ، فَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى يَخْرُجُ القَائِمُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ؟ فَقَالَ (عليه السلام): مَثَلُهُ مَثَلُ السَّاعَةِ الَّتِي ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً(١٥٣) [الأعراف: ١٨٧]»(١٥٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٢) في بعض النُّسَخ: (فيملأها).
(١٥٣) وفي أكثر النُّسَخ: (لا يُجليها لوقتها إلَّا الله (عزَّ وجلَّ) ثقلت في السماوات...) الآية، لكن في العيون كما في المتن.
(١٥٤) رواه المصنِّف (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٢٩٦ و٢٩٧/ ح ٣٥)، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٧٦ و٢٧٧).

↑صفحة ٦٥↑

ولدعبل بن عليٍّ الخزاعي (رضي الله عنه) خبر آخر أحببت إيراده على أثر هذا الحديث الذي مضى.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ (رضي الله عنه)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الهَرَوِيِّ، قَالَ: دَخَلَ دِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ الخُزَاعِيُّ (رضي الله عنه) عَلَى أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (عليهما السلام) بِمَرْوَ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، إِنِّي قَدْ قُلْتُ فِيكُمْ قَصِيدَةً وَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي(١٥٥) أَنْ لَا أُنْشِدَهَا أَحَداً قَبْلَكَ، فَقَالَ (عليه السلام): «هَاتِهَا»، فَأَنْشَدَهَا:

مَدَارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تِلَاوَةٍ * * * وَمَنْزِلُ وَحْيٍ مُقْفِرُ العَرَصَاتِ

فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:

أَرَى فَيْئَهُمْ فِي غَيْرِهِمْ مُتَقَسِّماً * * * وَأَيْدِيَهُمْ مِنْ فَيْئِهِمْ صَفِرَاتِ

بَكَى أَبُو الحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) وَقَالَ: «صَدَقْتَ يَا خُزَاعِيُّ»، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:

إِذَا وَتَرُوا مَدُّوا إِلَى وَاتِرِيهِمْ * * * أَكُفًّا عَنِ الأَوْتَارِ مُنْقَبِضَاتِ

جَعَلَ أَبُو الحَسَنِ (عليه السلام) يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: «أَجَلْ وَاللهِ مُنْقَبِضَاتٍ»، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:

لَقَدْ خِفْتُ فِي الدُّنْيَا وَأَيَّامِ سَعْيِهَا * * * وَإِنِّي لَأَرْجُو الأَمْنَ بَعْدَ وَفَاتِي

قَالَ لَهُ الرِّضَا (عليه السلام): «آمَنَكَ اللهُ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ»، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ:

وَقَبْرٌ بِبَغْدَادَ لِنَفْسٍ زَكِيَّةٍ * * * تَضَمَّنَهُ الرَّحْمَنُ فِي الغُرُفَاتِ

قَالَ لَهُ الرِّضَا (عليه السلام): «أَفَلَا الحِقُ لَكَ بِهَذَا المَوْضِعِ بَيْتَيْنِ بِهِمَا تَمَامُ قَصِيدَتِكَ؟»، فَقَالَ: بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ (عليه السلام):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٥) أي حلفت أو نذرت وجعلت على نفسي كذا وكذا.

↑صفحة ٦٦↑

«وَقَبْرٌ بِطُوسَ يَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ * * * تَوَقَّدَ فِي الأَحْشَاءِ بِالحُرُقَاتِ(١٥٦)
إِلَى الحَشْرِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ قَائِماً * * * يُفَرِّجُ عَنَّا الهَمَّ وَالكُرُبَاتِ».

فَقَالَ دِعْبِلٌ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، هَذَا القَبْرُ الَّذِي بِطُوسَ قَبْرُ مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ الرِّضَا (عليه السلام): «قَبْرِي، ولَا تَنْقَضِي الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى تَصِيرَ طُوسُ مُخْتَلَفَ شِيعَتِي وَزُوَّارِي فِي غُرْبَتِي، أَلَا فَمَنْ زَارَنِي فِي غُرْبَتِي بِطُوسَ كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَغْفُوراً لَهُ».
ثُمَّ نَهَضَ الرِّضَا (عليه السلام) بَعْدَ فَرَاغِ دِعْبِلٍ مِنْ إِنْشَادِهِ القَصِيدَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبْرَحَ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَدَخَلَ الدَّارَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ خَرَجَ الخَادِمُ إِلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ رَضَوِيَّةٍ، فَقَالَ لَهُ: يَقُولُ لَكَ مَوْلَايَ: «اجْعَلْهَا فِي نَفَقَتِكَ»، فَقَالَ دِعْبِلٌ: وَاللهِ مَا لِهَذَا جِئْتُ، وَلَا قُلْتُ هَذِهِ القَصِيدَةَ طَمَعاً فِي شَيْءٍ يَصِلُ إِلَيَّ، وَرَدَّ الصُّرَّةَ وَسَأَلَ ثَوْباً مِنْ ثِيَابِ الرِّضَا (عليه السلام) لِيَتَبَرَّكَ بِهِ وَيَتَشَرَّفَ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الرِّضَا (عليه السلام) جُبَّةَ خَزٍّ مَعَ الصُّرَّةِ، وَقَالَ لِلْخَادِمِ: «قُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ [مَوْلَايَ]: خُذْ هَذِهِ الصُّرَّةَ فَإِنَّكَ سَتَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَلَا تُرَاجِعْنِي فِيهَا»، فَأَخَذَ دِعْبِلٌ الصُّرَّةَ وَالجُبَّةَ وَانْصَرَفَ، وَسَارَ مِنْ مَرْوَ فِي قَافِلَةٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مِيَانَ قُوهَانَ(١٥٧) وَقَعَ عَلَيْهِمُ اللُّصُوصُ، وَأَخَذُوا القَافِلَةَ بِأَسْرِهَا وَكَتَفُوا أَهْلَهَا، وَكَانَ دِعْبِلٌ فِيمَنْ كُتِفَ، وَمَلَكَ اللُّصُوصُ القَافِلَةَ، وَجَعَلُوا يَقْسِمُونَهَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ مُتَمَثِّلاً بِقَوْلِ دِعْبِلٍ مِنْ قَصِيدَتِهِ:

أَرَى فَيْئَهُمْ فِي غَيْرِهِمْ مُتَقَسِّماً * * * وَأَيْدِيَهُمْ مِنْ فَيْئِهِمْ صَفِرَاتِ

فَسَمِعَهُ دِعْبِلٌ، فَقَالَ لَهُ: لِمَنْ هَذَا البَيْتُ؟ فَقَالَ لَهُ: لِرَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ يُقَالُ لَهُ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٦) في بعض النُّسَخ: (ألحَّت على الأحشاء بالزفرات).
(١٥٧) كذا أيضاً في العيون. وفي هامش بعض النُّسَخ: (قوهان قرية بقرب نيسابور).

↑صفحة ٦٧↑

دِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ، فَقَالَ لَهُ دِعْبِلٌ: فَأَنَا دِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ قَائِلُ هَذِهِ القَصِيدَةِ الَّتِي مِنْهَا هَذَا البَيْتُ، فَوَثَبَ الرَّجُلُ إِلَى رَئِيسِهِمْ وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى رَأْسِ تَلٍّ وَكَانَ مِنَ الشِّيعَةِ، فَأَخْبَرَهُ فَجَاءَ بِنَفْسِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى دِعْبِلٍ، قَالَ لَهُ: أَنْتَ دِعْبِلٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ: أَنْشِدِ القَصِيدَةَ، فَأَنْشَدَهَا، فَحَلَّ كِتَافَهُ وَكِتَافَ جَمِيعِ أَهْلِ القَافِلَةِ(١٥٨) وَرَدَّ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ لِكَرَامَةِ دِعْبِلٍ، وَسَارَ دِعْبِلٌ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قُمَّ، فَسَأَلَهُ أَهْلُ قُمَّ أَنْ يُنْشِدَهُمُ القَصِيدَةَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي مَسْجِدِ الجَامِعِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا صَعِدَ دِعْبِلٌ المِنْبَرَ فَأَنْشَدَهُمُ القَصِيدَةَ، فَوَصَلَهُ النَّاسُ مِنَ المَالِ وَالخِلَعِ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، وَاتَّصَلَ بِهِمْ خَبَرُ الجُبَّةِ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُمْ بِالفِ دِينَارٍ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ: فَبِعْنَا شَيْئاً مِنْهَا بِالفِ دِينَارٍ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، وَسَارَ عَنْ قُمَّ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ رُسْتَاقِ البَلَدِ لَحِقَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَحْدَاثِ العَرَبِ فَأَخَذُوا الجُبَّةَ مِنْهُ، فَرَجَعَ دِعْبِلٌ إِلَى قُمَّ فَسَأَلَهُمْ رَدَّ الجُبَّةِ عَلَيْهِ، فَامْتَنَعَ الأَحْدَاثُ مِنْ ذَلِكَ، وَعَصَوُا المَشَايِخَ فِي أَمْرِهَا، وَقَالُوا لِدِعْبِلٍ: لَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى الجُبَّةِ، فَخُذْ ثَمَنَهَا الفَ دِينَارٍ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ رَدِّ الجُبَّةِ عَلَيْهِ سَأَلَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِ شَيْئاً مِنْهَا، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَعْطَوْهُ بَعْضَهَا، وَدَفَعُوا إِلَيْهِ ثَمَنَ بَاقِيهَا الفَ دِينَارٍ، وَانْصَرَفَ دِعْبِلٌ إِلَى وَطَنِهِ، فَوَجَدَ اللُّصُوصَ قَدْ أَخَذُوا جَمِيعَ مَا كَانَ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَبَاعَ المِائَةَ دِينَارٍ الَّتِي كَانَ الرِّضَا (عليه السلام) وَصَلَهُ بِهَا مِنَ الشِّيعَةِ كُلَّ دِينَارٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَحَصَلَ فِي يَدِهِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَتَذَكَّرَ قَوْلَ الرِّضَا (عليه السلام): «إِنَّكَ سَتَحْتَاجُ إِلَيْهَا»، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ لَهَا مِنْ قَلْبِهِ مَحَلٌّ فَرَمَدَتْ رَمَداً عَظِيماً، فَأَدْخَلَ أَهْلَ الطِّبِّ عَلَيْهَا، فَنَظَرُوا إِلَيْهَا فَقَالُوا: أَمَّا العَيْنُ اليُمْنَى فَلَيْسَ لَنَا فِيهَا حِيلَةٌ وَقَدْ ذَهَبَتْ، وَأَمَّا اليُسْرَى فَنَحْنُ نُعَالِجُهَا وَنَجْتَهِدُ وَنَرْجُو أَنْ تَسْلَمَ، فَاغْتَمَّ دِعْبِلٌ لِذَلِكَ غَمًّا شَدِيداً، وَجَزِعَ عَلَيْهَا جَزَعاً عَظِيماً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٨) الكتاف حبل يُشَدُّ به.

↑صفحة ٦٨↑

ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ مَا مَعَهُ مِنْ فَضْلَةِ الجُبَّةِ، فَمَسَحَهَا عَلَى عَيْنَيِ الجَارِيَةِ وَعَصَبَهَا بِعِصَابَةٍ مِنْهَا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَتْ وَعَيْنَاهَا أَصَحُّ مِمَّا كَانَتَا، [وَكَأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَثَرُ مَرَضٍ قَطُّ] بِبَرَكَةِ [مَوْلَانَا] أَبِي الحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام)(١٥٩)،(١٦٠).
[٣٠٩/٧] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمَدَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا (عليه السلام): أَنْتَ صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ؟ فَقَالَ: «أَنَا صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ، وَلَكِنِّي لَسْتُ بِالَّذِي أَمْلَؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً، وَكَيْفَ أَكُونُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَرَى مِنْ ضَعْفِ بَدَنِي؟ وَإِنَّ القَائِمَ هُوَ الَّذِي إِذَا خَرَجَ كَانَ فِي سِنِّ الشُّيُوخِ وَمَنْظَرِ الشُّبَّانِ، قَوِيًّا فِي بَدَنِهِ حَتَّى لَوْ مَدَّ يَدَهُ إِلَى أَعْظَمِ شَجَرَةٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ لَقَلَعَهَا، وَلَوْ صَاحَ بَيْنَ الجِبَالِ لَتَدَكْدَكَتْ صُخُورُهَا، يَكُونُ مَعَهُ عَصَا مُوسَى، وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ (عليه السلام)، ذَاكَ الرَّابِعُ مِنْ وُلْدِي، يُغَيِّبُهُ اللهُ فِي سِتْرِهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ فَيَمْلَأُ [بِهِ] الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(١٦١).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٩) رواه المصنِّف (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٢٩٤ - ٢٩٦/ ح ٣٤)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٦٦ - ٦٨).

(١٦٠) لدعبل وقصيدته هذه حكايات، وقيل: إنَّه كتب هذه القصيدة على ثوب وأحرم فيه وأمر أنْ يُجعَل في جملة أكفانه، وتُوفِّي سنة (٢٤٦هـ) بشوش.
وقيل: إنَّ ابنه رآه في المنام، فسُئِلَ عن حاله، فذكر أنَّه على سوء حال ومشقَّة لبعض أفعاله، فلقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال له: «أنت دعبل؟»، قال: نعم، قال: «فأنشدني ما قلت في أولادي»، فأنشده قوله:
لا أضحك الله سنَّ الدهر إنْ ضحكت * * * وآل أحمد مظلومون قد قُهروا
مشرَّدون نفوا عن عقر دارهم * * * كأنَّهم قد جنوا ما ليس يغتفرُ
فقال له: «أحسنت»، فشُفِّع (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأعطاه ثيابه، فأمن ونجا.
راجع: عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٢٩٧ و٢٩٨/ ح ٦).
(١٦١) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٠ و٢٤١).

↑صفحة ٦٩↑

الباب السادس والثلاثون: ما روي عن أبي جعفر الثاني محمّد بن عليٍّ [الجواد] (عليهما السلام) في [النصِّ على] القائم (عليه السلام) وغيبته وأنَّه الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام)

↑صفحة ٧١↑

[٣١٠/١] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الدَّقَّاقُ (رضي الله عنه)(١٦٢)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ هَارُونَ الصُّوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تُرَابٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى الرُّويَانِيُّ(١٦٣)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَظِيمِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام) [الحَسَنِيُّ]، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام) وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ القَائِمِ أَهُوَ المَهْدِيُّ أَوْ غَيْرُهُ، فَابْتَدَأَنِي فَقَالَ لِي: «يَا أَبَا القَاسِمِ، إِنَّ القَائِمَ مِنَّا هُوَ المَهْدِيُّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُنْتَظَرَ فِي غَيْبَتِهِ، وَيُطَاعَ فِي ظُهُورِهِ، وَهُوَ الثَّالِثُ مِنْ وُلْدِي، وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِالنُّبُوَّةِ وَخَصَّنَا بِالإِمَامَةِ إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ اليَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ فِيهِ فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، وَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيُصْلِحُ لَهُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ، كَمَا أَصْلَحَ أَمْرَ كَلِيمِهِ مُوسَى (عليه السلام) إِذْ ذَهَبَ لِيَقْتَبِسَ لِأَهْلِهِ نَاراً فَرَجَعَ وَهُوَ رَسُولٌ نَبِيٌّ»، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «أَفْضَلُ أَعْمَالِ شِيعَتِنَا انْتِظَارُ الفَرَجِ»(١٦٤).
[٣١١/٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ (رضي الله عنه)(١٦٥)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الكُوفِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ الآدَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ العَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الحَسَنِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى (عليهم السلام): إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ القَائِمَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، فَقَالَ (عليه السلام):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٢) في بعض النُّسَخ: (عليُّ بن أحمد بن محمّد الدقَّاق).
(١٦٣) تقدَّم ويأتي أنَّه في بعض النُّسَخ: (عبيد الله بن موسى).
(١٦٤) رواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٨٠ و٢٨١)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٢).
(١٦٥) في بعض النُّسَخ: (محمّد بن أحمد السناني)، وكلاهما واحد ظاهراً.

↑صفحة ٧٣↑

«يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا مِنَّا إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ بِأَمْرِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَهَادٍ إِلَى دِينِ اللهِ، وَلَكِنَّ القَائِمَ الَّذِي يُطَهِّرُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِهِ الأَرْضَ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ وَالجُحُودِ، وَيَمْلَؤُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً هُوَ الَّذِي تَخْفَى عَلَى النَّاسِ(١٦٦) وِلَادَتُهُ، وَيَغِيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَتُهُ، وَهُوَ سَمِيُّ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَكَنِيُّهُ، وَهُوَ الَّذِي تُطْوَى لَهُ الأَرْضُ، وَيَذِلُّ لَهُ كُلُّ صَعْبٍ، [وَ]يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]،  فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ العِدَّةُ مِنْ أَهْلِ الإِخْلَاصِ أَظْهَرَ اللهُ أَمْرَهُ، فَإِذَا كَمَلَ لَهُ العَقْدُ وَهُوَ عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ خَرَجَ بِإِذْنِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، فَلَا يَزَالُ يَقْتُلُ أَعْدَاءَ اللهِ حَتَّى يَرْضَى اللهُ (عزَّ وجلَّ)».
قَالَ عَبْدُ العَظِيمِ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، وَكَيْفَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) قَدْ رَضِيَ؟ قَالَ: «يُلْقِي فِي قَلْبِهِ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا دَخَلَ المَدِينَةَ أَخْرَجَ اللَّاتَ وَالعُزَّى فَأَحْرَقَهُمَا»(١٦٧).
[٣١٢/٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ العُبْدُوسُ العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْدَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الصَّقْرُ بْنُ أَبِي دُلَفَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الرِّضَا (عليهما السلام) يَقُولُ: «إِنَّ الإِمَامَ بَعْدِي ابْنِي عَلِيٌّ، أَمْرُهُ أَمْرِي، وَقَوْلُهُ قَوْلِي، وَطَاعَتُهُ طَاعَتِي، وَالإِمَامُ بَعْدَهُ ابْنُهُ الحَسَنُ، أَمْرُهُ أَمْرُ أَبِيهِ، وَقَوْلُهُ قَوْلُ أَبِيهِ، وَطَاعَتُهُ طَاعَةُ أَبِيهِ»، ثُمَّ سَكَتَ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، فَمَنِ الإِمَامُ بَعْدَ الحَسَنِ؟ فَبَكَى (عليه السلام) بُكَاءً شَدِيداً، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْ بَعْدِ الحَسَنِ ابْنَهُ القَائِمَ بِالحَقِّ المُنْتَظَرَ»، فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، لِـمَ سُمِّيَ القَائِمَ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ يَقُومُ بَعْدَ مَوْتِ ذِكْرِهِ وَارْتِدَادِ أَكْثَرِ القَائِلِينَ بِإِمَامَتِهِ»، فَقُلْتُ لَهُ: وَلِـمَ سُمِّيَ المُنْتَظَرَ؟ قَالَ: «لِأَنَّ لَهُ غَيْبَةً يَكْثُرُ أَيَّامُهَا وَيَطُولُ أَمَدُهَا، فَيَنْتَظِرُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٦) في بعض النُّسَخ: (عن الناس).
(١٦٧) رواه الطبرسي (رحمه الله) في الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٤٩ و٢٥٠).

↑صفحة ٧٤↑

خُرُوجَهُ المُخْلِصُونَ، وَيُنْكِرُهُ المُرْتَابُونَ، وَيَسْتَهْزِئُ بِذِكْرِهِ الجَاحِدُونَ، ويَكْذِبُ فِيهَا الوَقَّاتُونَ، وَيَهْلِكُ فِيهَا المُسْتَعْجِلُونَ، وَيَنْجُو فِيهَا المُسَلِّمُونَ»(١٦٨).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٨) رواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٨٣ و٢٨٤)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٣ و٢٤٤).

↑صفحة ٧٥↑

الباب السابع والثلاثون: ما روي عن أبي الحسن عليِّ بن محمّد الهادي [(عليهما السلام)] في النصِّ على القائم (عليه السلام) وغيبته وأنَّه الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام)

↑صفحة ٧٧↑

[٣١٣/١] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الدَّقَّاقُ(١٦٩) وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الوَرَّاقُ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الصُّوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تُرَابٍ عَبْدُ اللهِ ابْنُ مُوسَى الرُّويَانِيُّ(١٧٠)، عَنْ عَبْدِ العَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الحَسَنِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي عَلِيِّ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، فَلَمَّا بَصُرَ بِي قَالَ لِي: «مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، أَنْتَ وَلِيُّنَا حَقًّا»، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ دِينِي فَإِنْ كَانَ مَرْضِيًّا ثَبَتُّ عَلَيْهِ حَتَّى القَى اللهَ (عزَّ وجلَّ)، فَقَالَ: «هَاتِ يَا أَبَا القَاسِمِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أَقُولُ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاحِدٌ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، خَارِجٌ عَنِ الحَدَّيْنِ حَدِّ الإِبْطَالِ وَحَدِّ التَّشْبِيهِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا صُورَةٍ، وَلَا عَرَضٍ وَلَا جَوْهَرٍ، بَلْ هُوَ مُجَسِّمُ الأَجْسَامِ، وَمُصَوِّرُ الصُّوَرِ، وَخَالِقُ الأَعْرَاضِ وَالجَوَاهِرِ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَالِكُهُ وَجَاعِلُهُ وَمُحْدِثُهُ، وَإِنَّ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّ شَرِيعَتَهُ خَاتِمَةُ الشَّرَائِعِ، فَلَا شَرِيعَةَ بَعْدَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ(١٧١).
وَأَقُولُ: إِنَّ الإِمَامَ وَالخَلِيفَةَ وَوَلِيَّ الأَمْرِ بَعْدَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ الحَسَنُ، ثُمَّ الحُسَيْنُ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّد، ثُمَّ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ أَنْتَ يَا مَوْلَايَ، فَقَالَ (عليه السلام): «وَمِنْ بَعْدِي الحَسَنُ ابْنِي، فَكَيْفَ لِلنَّاسِ بِالخَلَفِ مِنْ بَعْدِهِ؟»، قَالَ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٩) في بعض النُّسَخ: (عليُّ بن أحمد بن محمّد الدقَّاق).
(١٧٠) تقدَّم الكلام فيه، وفي بعض النُّسَخ والتوحيد: (عبيد الله بن موسى).
(١٧١) كذا في جميع النُّسَخ، ولكن رواه المصنِّف (رحمه الله) في التوحيد وليس فيه قوله: (وإنَّ شريعته...) إلى قوله: (يوم القيامة).

↑صفحة ٧٩↑

فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا مَوْلَايَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُرَى شَخْصُهُ وَلَا يَحِلُّ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ حَتَّى يَخْرُجَ فَيَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»، قَالَ: فَقُلْتُ: أَقْرَرْتُ، وَأَقُولُ: إِنَّ وَلِيَّهُمْ وَلِيُّ اللهِ، وَعَدُوَّهُمْ عَدُوُّ اللهِ، وَطَاعَتَهُمْ طَاعَةُ اللهِ، وَمَعْصِيَتَهُمْ مَعْصِيَةُ اللهِ، وَأَقُولُ: إِنَّ المِعْرَاجَ حَقٌّ، وَالمُسَاءَلَةَ فِي القَبْرِ حَقٌّ، وَإِنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، وَالصِّرَاطَ حَقٌّ، وَالمِيزَانَ حَقٌّ، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [الحجّ: ٧]، وَأَقُولُ: إِنَّ الفَرَائِضَ الوَاجِبَةَ بَعْدَ الوَلَايَةِ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالحَجُّ وَالجِهَادُ وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ.
فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): «يَا أَبَا القَاسِمِ، هَذَا وَاللهِ دِينُ اللهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ، فَاثْبُتْ عَلَيْهِ، ثَبَّتَكَ اللهُ بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَ[فِي] الآخِرَةِ»(١٧٢).
[٣١٤/٢] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الكَاتِبِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْمَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الحَسَنِ صَاحِبِ العَسْكَرِ (عليه السلام) أَسْأَلُهُ عَنِ الفَرَجِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: «إِذَا غَابَ صَاحِبُكُمْ عَنْ دَارِ الظَّالِمِينَ فَتَوَقَّعُوا الفَرَجَ»(١٧٣).
[٣١٥/٣] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْزِيَارَ، عَنْ أَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ(١٧٤)، قَالَ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٢) رواه المصنِّف (رحمه الله) في أماليه (ص ٤١٩ و٤٢٠/ ح ٥٥٧/٢٤)، وفي التوحيد (ص ٨١ و٨٢/ ح ٣٧)، وفي صفات الشيعة (ص ٤٨ - ٥٠)، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٨٦ - ٢٨٨)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٤ و٢٤٥).
(١٧٣) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ٩٣/ ح ٨٣)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦٩)، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٣٢)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١٧٢/ ح ٦٧).
(١٧٤) هذا الخبر والذي قبله متَّحد إلَّا أنَّ في السابق عليُّ بن محمّد الصيمري عن عليِّ بن مهزيار، وفي هذا الخبر عليُّ بن مهزيار عن عليِّ بن محمّد، ولعلَّ أحدهما نسخة بدل عن الآخر فتوهَّم الكُتَّاب وجعلوه على زعمهم خبرين. وقيل: المراد هنا عليُّ بن محمّد التستري الذي عنونة العلَّامة في الإيضاح (ص ٢١٧/ الرقم ٣٨٤)، وهو غير عليِّ بن محمّد الصيمري الذي في الخبر السابق، انتهى. ثمّ اعلم أنَّ عليَّ بن محمّد بن زياد الصيمري هو صهر جعفر بن محمود الوزير على ابنة أُمِّ أحمد، وكان رجلاً من وجوه الشيعة وثقاتهم ومقدَّماً في الكتابة والأدب والعلم والمعرفة كما في إثبات الوصيَّة (ص ٢٤٨)، والظاهر أنَّ الكاتب هو دون عليِّ بن مهزيار، والله أعلم.

↑صفحة ٨٠↑

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الحَسَنِ صَاحِبِ العَسْكَرِ (عليه السلام) أَسْأَلُهُ عَنِ الفَرَجِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: «إِذَا غَابَ صَاحِبُكُمْ عَنْ دَارِ الظَّالِمِينَ فَتَوَقَّعُوا الفَرَجَ».
[٣١٦/٤] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي غَانِمٍ القَزْوِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَارِسٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا [وَنُوحٌ] وَأَيُّوبُ بْنُ نُوحٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَنَزَلْنَا عَلَى وَادِي زُبَالَةَ، فَجَلَسْنَا نَتَحَدَّثُ، فَجَرَى ذِكْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبُعْدُ الأَمْرِ عَلَيْنَا، فَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ نُوحٍ: كَتَبْتُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَذْكُرُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، فَكَتَبَ إِلَيَّ: «إِذَا رُفِعَ عَلَمُكُمْ(١٧٥) مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ فَتَوَقَّعُوا الفَرَجَ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِكُمْ»(١٧٦)،(١٧٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٥) (علمكم) إمَّا بالتحريك أي من يُعلَم به سبيل الحقِّ، أو بالكسر يعنى صاحب علمكم.
(١٧٦) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٣١/ ح ١٣٧)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤١/ باب في الغيبة/ ح ٢٤)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٩٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٣٩).
(١٧٧) قال المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٦٨): (قوله: «إذا رُفِعَ علمكم من بين أظهركم» هذا أيضاً من علامات ظهوره (عليه السلام)، لأنَّ الناس في ذلك العصر معزولين عن العلم والعمل وموصوفين بالجهل والزلل، ولا همَّ لهم إلَّا السير في ميدان الضلالة والشقاوة، ولا عزم إلَّا السباق في مضمار الغواية والغباوة. قوله: «فتوقَّعوا الفرج من تحت أقدامكم» مبالغة في قرب زمان ظهوره حينئذٍ، أو كناية عن ظهوره قبل رجوعهم إلى منازلهم).
قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ١٥٩ و١٦٠): (بيان: (عَلَمكم) بالتحريك، أي مَنْ يُعلَم به سبيل الحقِّ، وهو الإمام (عليه السلام). أو بالكسر، أي صاحب عِلْمكم، فرجع إلى الأوَّل. أو أصل العلم بأنْ تشيع الضلالة والجهالة في الخلق. وتوقُّع الفرج من تحت الأقدام كناية عن قربه وتيسُّر حصوله، فإنَّ من كانت قدماه على شيء فهو أقرب الأشياء به ويأخذه إذا رفعهما، فعلى الأوَّلين المعنى أنَّه لا بدَّ أنْ تكونوا في تلك الأزمان متوقِّعين للفرج كذلك، غير آيسين منه. ويحتمل أنْ يكون المراد ما هو أعمُّ من ظهور الإمام، أي يحصل لكم فرج إمَّا بالموت والوصول إلى رحمة الله، أو ظهور الإمام، أو رفع شرِّ الأعادي بفضل الله. وعلى الوجه الثالث الكلام محمول على ظاهره، فإنَّه إذا تمَّت جهالة الخلق وضلالتهم لا بدَّ من ظهور الإمام (عليه السلام) كما دلَّت الأخبار وعادة الله في الأُمَم الماضية عليه).
وقال (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٤/ ص ٥٦): (إذا رفع علمكم: بالتحريك أي إمامكم الهادي لكم إلى طريق الحقِّ، وربَّما يُقرَأ بالكسر أي صاحب علمكم، أو أصل العلم باعتبار خفاء الإمام فإنَّ أكثر الخلق في ذلك الزمان في الضلالة والجهالة، والأوَّل أظهر. وتوقُّع الفرج من تحت الأقدام كناية عن قربه وتيسُّر حصوله، فإنَّ من كان شيء تحت قدميه إذا رفعهما وجده، فالمعنى أنَّه لا بدَّ أنْ تكونوا متوقِّعين للفرج كذلك وإنْ كان بعيداً، أو يكون المراد بالفرج إحدى الحسنيين كما مرَّ. ويحتمل مع قراءة العلم بالكسر حمله على حقيقته، فإنَّ مع رفع العلم بين الخلق وشيوع الضلالة لا بدَّ من ظهوره (عليه السلام)، كما مرَّ أنَّه (عليه السلام) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلِئَت ظلماً وجوراً. وقيل: توقُّع الفرج من تحت الأقدام كناية عن الإطراق وترك الالتفات إلى أهل الدنيا بالتواصي بالصبر فإنَّه مفتاح الفرج والخير كلِّه، وهو بعيد).

↑صفحة ٨١↑

[٣١٧/٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ العَلَوِيُّ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ القَاسِمِ الجَعْفَرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ صَاحِبَ العَسْكَرِ (عليه السلام) يَقُولُ: «الخَلَفُ مِنْ بَعْدِي ابْنِيَ الحَسَنُ، فَكَيْفَ لَكُمْ بِالخَلَفِ مِنْ بَعْدِ الخَلَفِ؟»، فَقُلْتُ: وَلِـمَ جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاكَ؟ فَقَالَ: «لِأَنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ شَخْصَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ»، قُلْتُ: فَكَيْفَ نَذْكُرُهُ؟ قَالَ: قُولُوا الحُجَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٧٨)،(١٧٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٨) رواه المصنِّف (رحمه الله) في علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٥/ باب ١٧٨/ ح ٥)، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١١٨/ ح ١١٢)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٢٨/ باب الإشارة والنصِّ على أبي محمّد (عليه السلام)/ ح ١٣) بسند آخر، والخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٦٠)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٤٥ و٢٦٤)، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٨٨ و٢٨٩)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٢٠ و٣٤٩)، والحلبي (رحمه الله) في تقريب المعارف (ص ٤٢٦ و٤٢٧)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٠٢/ ح ١٦٩).
(١٧٩) قال المازندراني (رحمه الله) في شرح أُصول الكافي (ج ٦/ ص ٢٢٥): (قوله: «فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف» المراد بالخلف الأوَّل الحجَّة وبالخلف الثاني الحسن العسكري (عليه السلام)، و(كيف) للإنكار، أي لا يكون لكم العلم بالخلف بعد الخلف بشخصه أو بمكانه، أو لا يجوز لكم التسمية باسمه. قوله: «لا ترون شخصه» لعلَّ المراد نفي الرؤية عن جماعة أو كلَّما أرادوا أو في زمان الغيبة أو كناية عن غيبته وإلَّا فقد رآه جماعة كما سيجيء، والله أعلم. قوله: «ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه» دلَّ على أنَّه لا يجوز تسميته باسمه مطلقاً، ولا يبعد تخصيصه بالغيبة الصغرى أو بمحلِّ الخوف والتقيَّة كما يُشعِر به بعض الروايات الآتية، وربَّما يُشعِر به لفظ (لكم)، ويُؤيِّده وقوع التصريح باسمه في بعض الأدعية المأثورة، والاحتياط أمر آخر).
وقال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٣/ ص ٣٩٣): («فكيف لكم» أي يحصل العلم لكم بشخصه أو بمكانه أو يتمشَّى الأمر لكم. «بالخلف» أي القائم (عليه السلام). «من بعد الخلف» أي أبي محمّد (عليه السلام). «لا ترون شخصه» أي عموماً أو في عموم الأوقات. «ولا يحلُّ لكم ذكره» ويدلُّ على حرمة تسميته (عليه السلام)).

↑صفحة ٨٢↑

[٣١٨/٦] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ مُوسَى الخَشَّابُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ [بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى] (عليهم السلام) يَقُولُ: «صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ مَنْ يَقُولُ النَّاسُ: لَمْ يُولَدْ بَعْدُ»(١٨٠)،(١٨١).
[٣١٩/٧] وَحَدَّثَنَا بِهَذَا الحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: «صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ مَنْ يَقُولُ النَّاسُ: إِنَّهُ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ».
[٣٢٠/٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَدَقَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الغَفَّارِ، قَالَ: لَـمَّا مَاتَ أَبُو جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام) كَتَبَتِ الشِّيعَةُ إِلَى أَبِي الحَسَنِ صَاحِبِ العَسْكَرِ (عليه السلام) يَسْأَلُونَهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٠) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٠٩/ ح ٩٤).
(١٨١) تقدَّم الخبر في باب ما روي عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) تحت الرقم (٢٩٨/٢)، فراجع.

↑صفحة ٨٣↑

عَنِ الأَمْرِ، فَكَتَبَ (عليه السلام): «الأَمْرُ لِي مَا دُمْتُ حَيًّا، فَإِذَا نَزَلَتْ بِي مَقَادِيرُ اللهِ (عزَّ وجلَّ) آتَاكُمُ اللهُ الخَلَفَ مِنِّي، وَأَنَّى لَكُمْ بِالخَلَفِ بَعْدَ الخَلَفِ»(١٨٢).
[٣٢١/٩] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمَدَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ المَوْصِلِيُّ، عَنِ الصَّقْرِ بْنِ أَبِي دُلَفَ، قَالَ: لَـمَّا حَمَلَ المُتَوَكِّلُ سَيِّدَنَا أَبَا الحَسَنِ (عليه السلام) جِئْتُ لِأَسْأَلَ عَنْ خَبَرِهِ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ حَاجِبُ المُتَوَكِّلِ(١٨٣)، فَأَمَرَ أَنْ أُدْخَلَ إِلَيْهِ، فَأُدْخِلْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا صَقْرُ، مَا شَأْنُكَ؟ فَقُلْتُ: خَيْرٌ أَيُّهَا الأُسْتَاذُ، فَقَالَ: اقْعُدْ، قَالَ الصَّقْرُ: فَأَخَذَنِي مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ(١٨٤)، وَقُلْتُ: أَخْطَأْتُ فِي المَجِيءِ، قَالَ: فَوَحَى النَّاسَ عَنْهُ(١٨٥)، ثُمَّ قَالَ: مَا شَأْنُكَ، وَفِيمَ جِئْتَ؟ قُلْتُ: لِخَبَرٍ مَا، قَالَ: لَعَلَّكَ جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ خَبَرِ مَوْلَاكَ، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ مَوْلَايَ؟ مَوْلَايَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: اسْكُتْ مَوْلَاكَ هُوَ الحَقُّ لَا تَتَحَشَّمْنِي فَإِنِّي عَلَى مَذْهَبِكَ، فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلهِ، فَقَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: اجْلِسْ حَتَّى يَخْرُجَ صَاحِبُ البَرِيدِ، قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لِغُلَامٍ لَهُ: خُذْ بِيَدِ الصَّقْرِ فَأَدْخِلْهُ إِلَى الحُجْرَةِ الَّتِي فِيهَا العَلَوِيُّ المَحْبُوسُ وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، قَالَ: فَأَدْخَلَنِي الحُجْرَةَ وَأَوْمَأَ إِلَى بَيْتٍ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ (عليه السلام) جَالِسٌ عَلَى صَدْرِ حَصِيرٍ وَبِحِذَاهُ قَبْرٌ مَحْفُورٌ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ [عَلَيَّ السَّلَامَ]، ثُمَّ أَمَرَنِي بِالجُلُوسِ فَجَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٢) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٧).
(١٨٣) في معاني الأخبار: (فنظر إليَّ الرازقي وكان حاجباً للمتوكِّل وأومأ إليَّ أنْ ادخل).
(١٨٤) كذا في جميع النُّسَخ المخطوطة عندي، وفي الخصال والمعاني أيضاً، وفي المطبوع: (فأخذ فيما تقدَّم وما تأخَّر). وعليه فالمعنى إمَّا أخذ بالسؤال عمَّا تقدَّم وعمَّا تأخَّر من الأُمور المختلفة لاستعلام حالي وسبب مجيئي، فلذا ندم على الذهاب إليه لئلَّا يطَّلع على حاله ومذهبه، أو الموصول فاعل (أخذني) بتقدير أي أخذني التفكُّر فيما تقدَّم من الأُمور من ظنِّه التشيُّع بي وفيما تأخَّر ممَّا يترتَّب على مجيئي من المفاسد. (راجع: بحار الأنوار: ج ٥٦/ ص ٢١).
(١٨٥) أي أشار إليهم أنْ يبعدوا عنه، أو على بناء التفعيل أي أعجلهم في الذهاب. وفي المعاني: (فأُوجئ الناس عنه) بصيغة المجهول، وأوجأ فلاناً عنه أي دفعه ونحَّاه.

↑صفحة ٨٤↑

لِي: «يَا صَقْرُ، مَا أَتَى بِكَ؟»، قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، جِئْتُ أَتَعَرَّفُ خَبَرَكَ، قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى القَبْرِ وَبَكَيْتُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ وَقَالَ: «يَا صَقْرُ، لَا عَلَيْكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْنَا بِسُوءٍ»، فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلهِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، حَدِيثٌ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لَا تُعَادُوا الأَيَّامَ فَتُعَادِيَكُمْ» مَا مَعْنَاهُ؟
فَقَالَ: «نَعَمْ الأَيَّامُ نَحْنُ، بِنَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، فَالسَّبْتُ اسْمُ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَالأَحَدُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، وَالاِثْنَيْنِ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ، وَالثَّلَاثَاءُ عَلِيُّ ابْنُ الحُسَيْنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ البَاقِرُ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ [الصَّادِقُ]، وَالأَرْبِعَاءُ مُوسَى ابْنُ جَعْفَرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُوسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَنَا، وَالخَمِيسُ ابْنِيَ الحَسَنُ، وَالجُمُعَةُ ابْنُ ابْنِي، وَإِلَيْهِ تَجْتَمِعُ عِصَابَةُ الحَقِّ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلَؤُهَا قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، فَهَذَا مَعْنَى الأَيَّامِ وَلَا تُعَادُوهُمْ فِي الدُّنْيَا فَيُعَادُوكُمْ فِي الآخِرَةِ»، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «وَدِّعْ واخْرُجْ فَلَا آمَنُ عَلَيْكَ»(١٨٦)،(١٨٧).
[٣٢٢/١٠] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمَدَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ المَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الصَّقْرُ بْنُ أَبِي دُلَفَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا (عليهم السلام) يَقُولُ: «إِنَّ الإِمَامَ بَعْدِي الحَسَنُ ابْنِي، وَبَعْدَ الحَسَنِ ابْنُهُ القَائِمُ الَّذِي يَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(١٨٨).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٦) رواه المصنِّف (رحمه الله) في الخصال (ص ٣٩٤ - ٣٩٦/ ح ١٠٢)، وفي معاني الأخبار (ص ١٢٣ و١٢٤/ باب معنى الحديث الذي روي عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تعادوا الأيَّام فتعاديكم»/ ح ١)، والخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٨٩ - ٢٩٢)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٥ - ٢٤٧).
(١٨٧) في الخصال في ذيل الخبر بيان للمصنِّف (رحمه الله)، وقال: (الأيَّام ليست بالأئمَّة ولكن كنَّى (عليه السلام) بها عن الأئمَّة لئلَّا يُدرك معناه غير أهل الحقِّ)، ثمّ ذكر لكلامه شاهداً من آيات القرآن.
(١٨٨) رواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٩٢)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٧).

↑صفحة ٨٥↑

الباب الثامن والثلاثون: ما روي عن أبي محمّد الحسن ابن عليٍّ العسكري (عليهما السلام) من وقوع الغيبة بابنه القائم (عليه السلام) وأنَّه الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام)

↑صفحة ٨٧↑

[٣٢٣/١] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ الخَلَفِ [مِنْ] بَعْدِهِ، فَقَالَ لِي مُبْتَدِئاً: «يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُخْلِ الأَرْضَ مُنْذُ خَلَقَ آدَمَ (عليه السلام) وَلَا يُخْلِيهَا إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ مِنْ حُجَّةٍ لِلهِ عَلَى خَلْقِهِ، بِهِ يَدْفَعُ البَلَاءَ عَنْ أَهْلِ الأَرْضِ، وَبِهِ يُنَزِّلُ الغَيْثَ، وَبِهِ يُخْرِجُ بَرَكَاتِ الأَرْضِ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، فَمَنِ الإِمَامُ وَالخَلِيفَةُ بَعْدَكَ؟ فَنَهَضَ (عليه السلام) مُسْرِعاً فَدَخَلَ البَيْتَ، ثُمَّ خَرَجَ وَعَلَى عَاتِقِهِ غُلَامٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ القَمَرُ لَيْلَةَ البَدْرِ مِنْ أَبْنَاءِ الثَّلَاثِ سِنِينَ، فَقَالَ: «يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، لَوْ لَا كَرَامَتُكَ عَلَى اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَعَلَى حُجَجِهِ مَا عَرَضْتُ عَلَيْكَ ابْنِي هَذَا، إِنَّهُ سَمِيُّ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَكَنِيُّهُ، الَّذِي يَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً.
يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، مَثَلُهُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلُ الخَضِرِ (عليه السلام)، وَمَثَلُهُ مَثَلُ ذِي القَرْنَيْنِ، وَاللهِ لَيَغِيبَنَّ غَيْبَةً لَا يَنْجُو فِيهَا مِنَ الهَلَكَةِ إِلَّا مَنْ ثَبَّتَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) عَلَى القَوْلِ بِإِمَامَتِهِ وَوَفَّقَهُ [فِيهَا] لِلدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ فَرَجِهِ».
فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا مَوْلَايَ فَهَلْ مِنْ عَلَامَةٍ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قَلْبِي؟ فَنَطَقَ الغُلَامُ (عليه السلام) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ، فَقَالَ: «أَنَا بَقِيَّةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَالمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِهِ، فَلَا تَطْلُبْ أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ».
فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَخَرَجْتُ مَسْرُوراً فَرِحاً، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، لَقَدْ عَظُمَ سُرُورِي بِمَا مَنَنْتَ [بِهِ] عَلَيَّ، فَمَا السُّنَّةُ

↑صفحة ٨٩↑

الجَارِيَةُ فِيهِ مِنَ الخَضِرِ وَذِي القَرْنَيْنِ؟ فَقَالَ: «طُولُ الغَيْبَةِ يَا أَحْمَدُ»، قُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، وَإِنَّ غَيْبَتَهُ لَتَطُولُ؟ قَالَ: «إِي وَرَبِّي حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ أَكْثَرُ القَائِلِينَ بِهِ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا مَنْ أَخَذَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) عَهْدَهُ لِوَلَايَتِنَا، وَكَتَبَ فِي قَلْبِهِ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُ بِرُوحٍ مِنْهُ.
يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، هَذَا أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ، وَسِرٌّ مِنْ سِرِّ اللهِ، وَغَيْبٌ مِنْ غَيْبِ اللهِ، فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَاكْتُمْهُ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ تَكُنْ مَعَنَا غَداً فِي عِلِّيِّينَ»(١٨٩).
قال مصنِّف هذا الكتاب (رضي الله عنه): لم أسمع بهذا الحديث إلَّا من عليِّ بن عبد الله الورَّاق، وجدت بخطِّه مثبتاً، فسألته عنه فرواه لي عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن إسحاق (رضي الله عنه) كما ذكرته(١٩٠).

* * *

ما روي من حديث الخضر (عليه السلام) (١٩١):
[٣٢٤/١] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى البَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ(١٩٢)، قَالَ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ اللهِ (عزَّ وجلَّ) أَنَّ ذَا القَرْنَيْنِ كَانَ عَبْداً صَالِحاً جَعَلَهُ اللهُ حُجَّةً عَلَى عِبَادِهِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ نَبِيًّا، فَمَكَّنَ اللهُ لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً، فَوُصِفَتْ لَهُ عَيْنُ الحَيَاةِ، وَقِيلَ لَهُ: مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَمُتْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٩) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٨ و٢٤٩).
(١٩٠) ستأتي تتمَّة أحاديث هذا الباب في (ص ١١١)، عند قول المصنِّف: (رجعنا إلى ذكر ما روي عن أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)).
(١٩١) ذكر المصنِّف هذا الفصل والذي بعده استطراداً بين باب أخبار أبي محمّد العسكري (عليه السلام)، ولذا جعلناه ممتازاً عن أخبار الباب.
(١٩٢) عبد الله بن سليمان مشترك بين خمسة، ولم يُوثَّق أحد منهم، والخبر - كما ترى - مقطوع أي غير مروي عن المعصوم (عليه السلام).

↑صفحة ٩٠↑

حَتَّى يَسْمَعَ الصَّيْحَةَ، وَإِنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عَيْناً، وَكَانَ الخَضِرُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ(١٩٣)، وَكَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَأَعْطَاهُ حُوتاً مَالِحاً، وَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حُوتاً مَالِحاً، وَقَالَ لَهُمْ: لِيَغْسِلْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُوتَهُ عِنْدَ كُلِّ عَيْنٍ، فَانْطَلَقَ الخَضِرُ (عليه السلام) إِلَى عَيْنٍ مِنْ تِلْكَ العُيُونِ، فَلَمَّا غَمَسَ الحُوتَ فِي المَاءِ حَيِيَ وَانْسَابَ فِي المَاءِ، فَلَمَّا رَأَى الخَضِرُ (عليه السلام) ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِمَاءِ الحَيَاةِ فَرَمَى بِثِيَابِهِ وَسَقَطَ فِي المَاءِ، فَجَعَلَ يَرْتَمِسُ فِيهِ وَيَشْرَبُ مِنْهُ فَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى ذِي القَرْنَيْنِ وَمَعَهُ حُوتُهُ، وَرَجَعَ الخَضِرُ وَلَيْسَ مَعَهُ الحُوتُ فَسَأَلَهُ عَنْ قِصَّتِهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَرِبْتَ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ صَاحِبُهَا، وَأَنْتَ الَّذِي خُلِقْتَ لِهَذِهِ العَيْنِ، فَأَبْشِرْ بِطُولِ البَقَاءِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَعَ الغَيْبَةِ عَنِ الأَبْصَارِ إِلَى النَّفْخِ فِي الصُّورِ»(١٩٤).
[٣٢٥/٢] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ البَرْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّهِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ حَمْزَةَ ابْنِ حُمْرَانَ وَغَيْرِهِ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، قَالَ: «خَرَجَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٣) يعنى على مقدّمة عسكر ذي القرنين، وهو غريب، لأنَّ الخضر إذا كان معاصراً لموسى (عليه السلام) فكان على التقريب (١٥٠٠) عام قبل الميلاد، وذو القرنين سواء كان إسكندر أو كورش كان بعد موسى (عليه السلام) بقرون كثيرة، فإنَّ إسكندر في عام (٣٣٠) قبل الميلاد، وكورش (٥٥٠) قبل الميلاد، فلعلَّ المراد بذي القرنين رجل آخر غيرهما. هذا وقد نقل ابن قتيبة في معارفه (ص ٥٤) عن وهب ابن منبه قال: (ذو القرنين هو رجل من الإسكندريَّة اسمه الإسكندروس، وكان حلم حلماً رأى فيه أنَّه دنا من الشمس حتَّى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها، فقصَّ رؤياه على قومه، فسمُّوه ذا القرنين، وكان في الفترة بعد عيسى (عليه السلام)) انتهى. وعلى أيِّ حالٍ تاريخ ذي القرنين والخضر في غاية تشويه والوهم والاضطراب، ونحن لا نقول في حقِّهما إلَّا ما قاله القرآن أو ما وافقه من الأخبار ونترك الزوائد لأهلها.
(١٩٤) روى قريباً منه العيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٣٤٠ و٣٤١/ ح ٧٧)، والراوندي (رحمه الله) في قَصص الأنبياء (ص ١٢٤/ ح ١٢٣).

↑صفحة ٩١↑

ابْنُ عَلِيٍّ البَاقِرُ (عليهما السلام)(١٩٥) بِالمَدِينَةِ، فَتَضَجَّرَ وَاتَّكَأَ عَلَى جِدَارٍ مِنْ جُدْرَانِهَا مُتَفَكِّراً إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، عَلَى مَ حُزْنُكَ؟ عَلَى الدُّنْيَا فَرِزْقُ [اللهِ (عزَّ وجلَّ)] حَاضِرٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ البَرُّ وَالفَاجِرُ، أَمْ عَلَى الآخِرَةِ فَوَعْدٌ صَادِقٌ يَحْكُمُ فِيهِ مَلِكٌ قَادِرٌ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): مَا عَلَى هَذَا حُزْنِي، إِنَّمَا حُزْنِي عَلَى فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: فَهَلْ رَأَيْتَ أَحَداً خَافَ اللهَ فَلَمْ يُنْجِهِ؟ أَمْ هَلْ رَأَيْتَ أَحَداً تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ فَلَمْ يَكْفِهِ؟ وَهَلْ رَأَيْتَ أَحَداً اسْتَجَارَ اللهَ فَلَمْ يُجِرْهُ(١٩٦)؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): لَا، فَوَلَّى الرَّجُلُ، فَقِيلَ: مَنْ هُوَ ذَاكَ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا هُوَ الخَضِرُ (عليه السلام)».
قال مصنِّف هذا الكتاب (رضي الله عنه): جاء هذا الحديث هكذا، وقد روي في خبر آخر أنَّ ذلك كان مع عليِّ بن الحسين (عليهما السلام).
[٣٢٦/٣] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ البَرْقِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ زَيْدٍ النَّيْسَابُورِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الهَاشِمِيُّ، عَنْ عَبْدِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٥) وهم الراوي، وإنَّما هو عليُّ بن الحسين (عليهما السلام)، فاشتبه عليه كما قال المصنِّف (رحمه الله). وذلك لأنَّه كانت فتنة ابن الزبير في سنة ثلاث وستِّين وهو بمكَّة وأخرج أهل المدينة عامل يزيد عثمان بن محمّد بن أبي سفيان ومروان بن الحَكَم وسائر بني أُميَّة من المدينة بإشارة ابن الزبير وهو بمكَّة، فوجَّه يزيد ابن معاوية مسلم بن عقبة في جيش عظيم لقتال ابن الزبير، فسار بهم حتَّى نزل المدينة فقاتل أهلها وهزمهم وأباحها ثلاثة أيَّام - وهي وقعة الحرَّة المعروفة -، ثمّ سار مسلم بن عقبة إلى مكَّة قاصداً قتال عبد الله بن الزبير، فتُوفِّي بالطريق ولم يصل، فدُفِنَ بقديد، وولي الجيش الحصين بن نمير السكوني، فمضى بالجيش وحاصروا عبد الله بن الزبير وأُحرقت الكعبة حتَّى انهدم جدارها وسقط سقفها وأتاهم الخبر بموت يزيد، فانكفأوا راجعين إلى الشام. وبويع ابن الزبير على الخلافة سنة خمس وستِّين، وبنى الكعبة، وبايعه أهل البصرة والكوفة، وقُتِلَ في أيَّام الحجَّاج سنة (٧٣ هـ).
هذا، ثمّ اعلم أنَّ أبا جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليهما السلام) في أيَّام ابن الزبير ابن ستّ عشرة سنة، وفي وقعة الحرَّة ابن سبع أو ثمان سنين، فكيف يلائم هذا مع ما في المتن؟ بل كان ذلك مع عليِّ بن الحسين (عليهما السلام)، لأنَّ فتنة ابن الزبير وخروجه وهدم البيت وبناءه الكعبة وقتله كلَّها في أيَّام السجَّاد (عليه السلام).
(١٩٦) في بعض النُّسَخ: (استخار الله فلم يخره).

↑صفحة ٩٢↑

المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوَانَ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قَالَ: لَـمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) ارْتَجَّ المَوْضِعُ بِالبُكَاءِ(١٩٧) وَدَهِشَ النَّاسُ كَيَوْمَ قُبِضَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَجَاءَ رَجُلٌ بَاكٍ وَهُوَ مُسْرِعٌ(١٩٨) مُسْتَرْجِعٌ، وَهُوَ يَقُولُ: اليَوْمَ انْقَطَعَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ البَيْتِ الَّذِي فِيهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللهُ يَا أَبَا الحَسَنِ، كُنْتَ أَوَّلَ القَوْمِ إِسْلَاماً، وَأَخْلَصَهُمْ إِيمَاناً، وَأَشَدَّهُمْ يَقِيناً، وَأَخْوَفَهُمْ مِنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَأَعْظَمَهُمْ عَنَاءً(١٩٩)، وَأَحْوَطَهُمْ عَلَى رَسُولِهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَآمَنَهُمْ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَأَفْضَلَهُمْ مَنَاقِبَ، وَأَكْرَمَهُمْ سَوَابِقَ، وَأَرْفَعَهُمْ دَرَجَةً، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ، وَأَشْبَهَهُمْ بِهِ هَدْياً وَنُطْقاً وَسَمْتاً وَفِعْلاً(٢٠٠)، وَأَشْرَفَهُمْ مَنْزِلَةً، وَأَكْرَمَهُمْ عَلَيْهِ، فَجَزَاكَ اللهُ عَنِ الإِسْلَامِ وَعَنْ رَسُولِهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَعَنِ المُسْلِمِينَ خَيْراً، قَوِيتَ حِينَ ضَعُفَ أَصْحَابُهُ، وَبَرَزْتَ حِينَ اسْتَكَانُوا، وَنَهَضْتَ حِينَ وَهَنُوا، وَلَزِمْتَ مِنْهَاجَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِذْ هَمَّ أَصْحَابُهُ.
كُنْتَ خَلِيفَتَهُ حَقًّا لَمْ تُنَازَعْ وَلَمْ تَضْرَعْ(٢٠١) بِرَغْمِ المُنَافِقِينَ، وَغَيْظِ الكَافِرِينَ، وَكُرْهِ الحَاسِدِينَ، وَضَغَنِ الفَاسِقِينَ، فَقُمْتَ بِالأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وَنَطَقْتَ حِينَ تَتَعْتَعُوا(٢٠٢)، وَمَضَيْتَ بِنُورِ اللهِ إِذْ وَقَفُوا، وَلَوِ اتَّبَعُوكَ لَهُدُوا، وَكُنْتَ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وَأَعْلَاهُمْ قُوَّتاً(٢٠٣)، وَأَقَلَّهُمْ كَلَاماً، وَأَصْوَبَهُمْ مَنْطِقاً، وَأَكْبَرَهُمْ رَأْياً، وَأَشْجَعَهُمْ قَلْباً، وَأَشَدَّهُمْ يَقِيناً، وَأَحْسَنَهُمْ عَمَلاً، وَأَعْرَفَهُمْ بِالأُمُورِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٧) ارتجَّ، أي اضطرب.
(١٩٨) في بعض النُّسَخ: (متضرِّع).
(١٩٩) في بعض النُّسَخ: (أعظمهم غنى). وأحوطهم، أي أشدّهم حياطةً وحفظاً وصيانةً وتعهُّداً.
(٢٠٠) الهدي: الطريقة والسيرة. والسمت: هيأة أهل الخير. وفي نسخة: (خُلقاً) مكان (نطقاً).
(٢٠١) أي تذلّ. وفي بعض النُّسَخ: (تصرع) بالصاد المهملة.
(٢٠٢) التعتعة: التردُّد في الكلام من حصر أو عيّ.
(٢٠٣) في الكافي: (أعلاهم قنوتاً). وفي بعض نُسَخه: (قدماً).

↑صفحة ٩٣↑

كُنْتَ وَاللهِ لِلدِّينِ يَعْسُوباً، [أَوَّلاً حِينَ تَفَرَّقَ النَّاسُ، وَآخِراً حِينَ فَشِلُوا]، وَكُنْتَ بِالمُؤْمِنِينَ أَباً رَحِيماً، إِذْ صَارُوا عَلَيْكَ عِيَالاً، فَحَمَلْتَ أَثْقَالَ مَا عَنْهُ ضَعُفُوا، وَحَفِظْتَ مَا أَضَاعُوا، وَرَعَيْتَ مَا أَهْمَلُوا، وَشَمَّرْتَ إِذْ خَنَعُوا، وَعَلَوْتَ إِذْ هَلِعُوا، وَصَبَرْتَ إِذْ جَزِعُوا، وَأَدْرَكْتَ إِذْ تَخَلَّفُوا، وَنَالُوا بِكَ مَا لَمْ يَحْتَسِبُوا.
كُنْتَ عَلَى الكَافِرِينَ عَذَاباً صَبًّا، وَلِلْمُؤْمِنِينَ غَيْثاً وَخِصْباً، فَطَرْتَ وَاللهِ بِنَعْمَائِهَا، وَفُزْتَ بِحِبَائِهَا، وَأَحْرَزْتَ سَوَابِقَهَا(٢٠٤)، وَذَهَبْتَ بِفَضَائِلِهَا، لَمْ تُفْلَلْ حُجَّتُكَ(٢٠٥)، وَلَمْ يَزِغْ قَلْبُكَ، وَلَمْ تَضْعُفْ بَصِيرَتُكَ، وَلَمْ تَجْبُنْ نَفْسُكَ، [وَلَمْ تَخُنْ(٢٠٦)].
كُنْتَ كَالجَبَلِ [الَّذِي] لَا تُحَرِّكُهُ العَوَاصِفُ، وَلَا تُزِيلُهُ القَوَاصِفُ، وَكُنْتَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ضَعِيفاً فِي بَدَنِكَ، قَوِيًّا فِي أَمْرِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، مُتَوَاضِعاً فِي نَفْسِكَ، عَظِيماً عِنْدَ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، كَبِيراً فِي الأَرْضِ، جَلِيلاً عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيكَ مَهْمَزٌ، وَلَا لِقَائِلٍ فِيكَ مَغْمَزٌ، وَلَا لِأَحَدٍ فِيكَ مَطْمَعٌ، وَلَا لِأَحَدٍ عِنْدَكَ هَوَادَةٌ(٢٠٧)، الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ عِنْدَكَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ حَتَّى تَأْخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَالقَوِيُّ العَزِيزُ عِنْدَكَ ضَعِيفٌ ذَلِيلٌ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ الحَقَّ، وَالقَرِيبُ وَالبَعِيدُ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، شَأْنُكَ الحَقُّ وَالصِّدْقُ وَالرِّفْقُ، وَقَوْلُكَ حُكْمٌ وَحَتْمٌ، وَأَمْرُكَ حِلْمٌ وَحَزْمٌ، وَرَأْيُكَ عِلْمٌ وَعَزْمٌ فِيمَا فَعَلْتَ(٢٠٨)، وَقَدْ نَهَجَ السَّبِيلُ، وَسَهُلَ العَسِيرُ، وَأُطْفِئَتِ النِّيرَانُ(٢٠٩)، وَاعْتَدَلَ بِكَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٤) في هامش بعض النُّسَخ الجديدة: (سوابغها). والظاهر هو الصواب بقرينة النعماء والحباء. ولكن (بنعمائها) في بعض النُّسَخ (بعنانها)، و(حبائها) في بعض النُّسَخ (بجنانها).
(٢٠٥) في بعض النُّسَخ: (لم يفلل حدُّك).
(٢٠٦) في بعض نُسَخ الكافي: (لم تخر) من الخرور، وهو السقوط.
(٢٠٧) المهمز: العيب والوقيعة، والمغمز: المطعن والعيب أيضاً. والهوادة: اللين والرفق والرخصة والمحاباة، أي لا تأخذك عند وجوب حدِّ الله على أحد محاباة ورفق.
(٢٠٨) كذا في بعض النُّسَخ، وفي الكافي أيضاً، لكن في أكثر النُّسَخ: (وعزم فأقلعت).
(٢٠٩) في بعض النُّسَخ: (وأُطفئت بك النار).

↑صفحة ٩٤↑

الدِّينُ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ، وَقَوِيَ بِكَ الإِيمَانُ، وَثَبَتَ بِكَ الإِسْلَامُ وَالمُؤْمِنُونَ، وَسَبَقْتَ سَبْقاً بَعِيداً، وَأَتْعَبْتَ مَنْ بَعْدَكَ تَعَباً شَدِيداً، فَجَلَلْتَ عَنِ البُكَاءِ، وَعَظُمَتْ رَزِيَّتُكَ فِي السَّمَاءِ، وَهَدَّتْ مُصِيبَتُكَ الأَنَامَ، فَإِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، رَضِينَا مِنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) قَضَاهُ، وَسَلَّمْنَا لِلهِ أَمْرَهُ، فَوَاللهِ لَنْ يُصَابَ المُسْلِمُونَ بِمِثْلِكَ أَبَداً.
كُنْتَ لِلْمُؤْمِنِينَ كَهْفاً وَحِصْناً [وَقُنَّةً رَاسِياً]، وَعَلَى الكَافِرِينَ غِلْظَةً وَغَيْظاً، فَألحَقَكَ اللهُ بِنَبِيِّهِ وَلَا حَرَمَنَا أَجْرَكَ وَلَا أَضَلَّنَا بَعْدَكَ. وَسَكَتَ القَوْمُ حَتَّى انْقَضَى كَلَامُهُ، وَبَكَى وَأَبْكَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثُمَّ طَلَبُوهُ فَلَمْ يُصَادِفُوهُ(٢١٠).
[٣٢٧/٤] حَدَّثَنَا المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ العَمْرِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ الخَضِرَ (عليه السلام) شَرِبَ مِنْ مَاءِ الحَيَاةِ، فَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِينَا(٢١١) فَيُسَلِّمُ، فَنَسْمَعُ صَوْتَهُ وَلَا نَرَى شَخْصَهُ، وَإِنَّهُ لَيَحْضُرُ حَيْثُ مَا ذُكِرَ، فَمَنْ ذَكَرَهُ مِنْكُمْ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَيَحْضُرُ المَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ فَيَقْضِي جَمِيعَ المَنَاسِكِ، وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ فَيُؤَمِّنُ عَلَى دُعَاءِ المُؤْمِنِينَ، وَسَيُؤْنِسُ اللهُ بِهِ وَحْشَةَ قَائِمِنَا فِي غَيْبَتِهِ وَيَصِلُ بِهِ وَحْدَتَهُ».
[٣٢٨/٥] وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: قَالَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا (عليه السلام): «لَـمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جَاءَ الخَضِرُ (عليه السلام) فَوَقَفَ عَلَى بَابِ البَيْتِ وَفِيهِ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ (عليهم السلام) وَرَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَدْ سُجِّيَ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٠) رواه المصنِّف (رحمه الله) في أماليه (ص ٣١٢ - ٣١٤/ ح ٣٦٣/١١)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٤٥٤ - ٤٥٦/ باب مولد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)/ ح ٤).
(٢١١) في بعض النُّسَخ: (ليلقانا).

↑صفحة ٩٥↑

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، إِنَّ فِي اللهِ خَلَفاً مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَعَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَدَرَكاً مِنْ كُلِّ فَائِتٍ، فَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، وَثِقُوا بِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ. فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هَذَا أَخِي الخَضِرُ (عليه السلام) جَاءَ يُعَزِّيكُمْ بِنَبِيِّكُمْ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٢١٢).
[٣٢٩/٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (عليهما السلام)، قَالَ: «لَـمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَتَاهُمْ آتٍ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ البَيْتِ فَعَزَّاهُمْ بِهِ، وَأَهْلُ البَيْتِ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ وَلَا يَرَوْنَهُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): هَذَا هُوَ الخَضِرُ (عليه السلام) أَتَاكُمْ يُعَزِّيكُمْ بِنَبِيِّكُمْ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)».
وكان اسم الخضر(٢١٣) خضرويه بن قابيل بن آدم (عليه السلام)، ويقال له: خضرون أيضاً، ويقال له: جعداً، وإنَّه إنَّما سُمِّي الخضر لأنَّه جلس على أرض بيضاء فاهتزَّت خضراء فسُمِّي الخضر لذلك، وهو أطول الآدميِّين عمراً، والصحيح أنَّ اسمه بليا(٢١٤) بن ملكان بن عامر بن أرفخشذ بن سام بن نوح(٢١٥). وقد أخرجت الخبر في ذلك مسنداً في كتاب (علل الشرائع والأحكام والأسباب)(٢١٦).
[٣٣٠/٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ كَاسِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَيْمُونٍ المَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (عليهم السلام)، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَقُولُ فِي آخِرِهِ: «لَـمَّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٢) روى قريباً منه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٣/ ص ٢٢٢/ باب التعزِّي/ ح ٨).
(٢١٣) من كلام المصنِّف (رحمه الله).
(٢١٤) في معاني الأخبار: (تاليا).
(٢١٥) كذا، وفي المعارف لابن قتيبة: (بليا بن ملكان بن فالغ بن عامر بن شالخ بن أرفشخذ بن سام بن نوح).
(٢١٦) راجع: علل الشرائع (ج ١/ ص ٥٩ - ٦٢/ باب ٥٤/ ح ١).

↑صفحة ٩٦↑

تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ جَاءَهُمْ آتٍ يَسْمَعُونَ حِسَّهُ(٢١٧) وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، إِنَّ فِي اللهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفاً مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرَكاً مِنْ كُلِّ فَائِتٍ، فَبِاللهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ المُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ [قَالُوا: لَا، قَالَ]: هَذَا هُوَ الخَضِرُ (عليه السلام)»(٢١٨).
قال مصنِّف هذا الكتاب (رضي الله عنه): إنَّ أكثر المخالفين يُسلِّمون لنا حديث الخضر (عليه السلام) ويعتقدون فيه أنَّه حيٌّ غائب عن الأبصار، وأنَّه حيث ذكر حضر، ولا يُنكِرون طول حياته، ولا يحملون حديثه على عقولهم، ويدفعون كون القائم (عليه السلام) وطول حياته في غيبته، وعندهم أنَّ قدرة الله (عزَّ وجلَّ) تتناول إبقاءه إلى يوم النفخ في الصور، وإبقاء إبليس مع لعنته إِلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ في غيبته. وأنَّها لا تتناول إبقاء حجَّة الله على عباده مدَّة طويلة في غيبته مع ورود الأخبار الصحيحة بالنصِّ عليه بعينه(٢١٩) واسمه ونسبه عن الله تبارك وتعالى وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن الأئمَّة (عليهم السلام).
ما روي من حديث ذي القرنين:
[٣٣١/١] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ ذَا القَرْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَلَكِنَّهُ كَانَ عَبْداً صَالِحاً أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ اللهُ، وَنَاصَحَ لِلهِ فَنَاصَحَهُ اللهُ، أَمَرَ قَوْمَهُ بِتَقْوَى اللهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٧) يعني صوته. وفي بعض النُّسَخ: (صوته).
(٢١٨) رواه المصنِّف (رحمه الله) في أماليه (ص ٣٤٨ و٣٤٩/ ح ٤٢١/١٣)، والفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٧١ و٧٢).
(٢١٩) في بعض النُّسَخ: (بغيبته).

↑صفحة ٩٧↑

فَغَابَ عَنْهُمْ زَمَاناً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ الآخَرِ، وَفِيكُمْ مَنْ هُوَ عَلَى سُنَّتِهِ»(٢٢٠).
[٣٣٢/٢] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ البَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ العُطَارِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ ابْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ المَدَنِيِّ(٢٢١)، عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سِمَاكِ ابْنِ حَارِثٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا (عليه السلام): أَرَأَيْتَ ذَا القَرْنَيْنِ كَيْفَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْلُغَ المَشْرِقَ وَالمَغْرِبَ، قَالَ: «سَخَّرَ اللهُ لَهُ السَّحَابَ، وَمَدَّ لَهُ فِي الأَسْبَابِ، وَبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكَانَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَلَيْهِ سَوَاءً»(٢٢٢).
[٣٣٣/٣] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي القَاسِمُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ يَزِيدَ الأَرْجَنِيِّ(٢٢٣)، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ: قَامَ ابْنُ الكَوَّاءِ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أَنَبِيٌّ كَانَ أَوْ مَلِكٌ؟ وَأَخْبِرْنِي عَنْ قَرْنَيْهِ أَذَهَبٌ كَانَ أَوْ فِضَّةٌ؟ فَقَالَ لَهُ (عليه السلام): «لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَا مَلِكاً وَلَا كَانَ قَرْنَاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ عَبْداً أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ اللهُ، وَنَصَحَ لِلهِ فَنَصَحَهُ اللهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا القَرْنَيْنِ لِأَنَّهُ دَعَا قَوْمَهُ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَغَابَ عَنْهُمْ حِيناً، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ فَضُرِبَ عَلَى قَرْنِهِ الآخَرِ، وَفِيكُمْ مِثْلُهُ»(٢٢٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٠) رواه العيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٣٣٩ و٣٤٠/ ح ٧٢)، وابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٢١/ ح ١١٦)، والراوندي (رحمه الله) في قَصص الأنبياء (ص ١٢٣/ ح ١٢١).
(٢٢١) محمّد بن إسحاق هو صاحب السيرة، وجدُّه كما في تهذيب التهذيب (ج ٩/ ص ٣٤/ الرقم ٥١): (يسار)، ولكن ضُبِطَ في هامش السيرة لابن هشام: (بشَّار).
(٢٢٢) سيرة ابن إسحاق (ج ٤/ ص ١٨٥/ ح ٢٦٢).
(٢٢٣) يزيد بن قيس، كان عامله على الريِّ وهمدان.
(٢٢٤) رواه العيَّاشي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٣٣٩/ ح ٧١)، والطبرسي (رحمه الله) في الاحتجاج (ج ١/ ص ٣٤٠).

↑صفحة ٩٨↑

[٣٣٤/٤] حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ نُصَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، [عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى]، عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: «إِنَّ ذَا القَرْنَيْنِ كَانَ عَبْداً صَالِحاً جَعَلَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) حُجَّةً عَلَى عِبَادِهِ، فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللهِ وَأَمَرَهُمْ بِتَقْوَاهُ، فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ، فَغَابَ عَنْهُمْ زَمَاناً حَتَّى قِيلَ: مَاتَ أَوْ هَلَكَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ؟ ثُمَّ ظَهَرَ وَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ الآخَرِ، وَفِيكُمْ مَنْ هُوَ عَلَى سُنَّتِهِ، وَإِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) مَكَّنَ لِذِي القَرْنَيْنِ فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ لَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ(٢٢٥) سَبَباً، وَبَلَغَ المَغْرِبَ وَالمَشْرِقَ، وَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيَجْرِى سُنَّتَهُ فِي القَائِمِ مِنْ وُلْدِي فَيُبَلِّغُهُ شَرْقَ الأَرْضِ وغَرْبَهَا حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْهَلٌ وَلَا مَوْضِعٌ مِنْ سَهْلٍ وَلَا جَبَلٍ وَطِئَهُ ذُو القَرْنَيْنِ إِلَّا وَطِئَهُ، وَيُظْهِرُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لَهُ كُنُوزَ الأَرْضِ وَمَعَادِنَهَا، وَيَنْصُرُهُ بِالرُّعْبِ، فَيَمْلَأُ الأَرْضَ بِهِ عَدْلًا وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(٢٢٦).
وَمِمَّا رُوِيَ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثِ ذِي القَرْنَيْنِ:
[٣٣٥/٥] حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ البَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِ[و] بْنِ سَعِيدٍ البَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَكَانَ قَارِئاً لِلْكُتُبِ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ اللهِ (عزَّ وجلَّ) أَنَّ ذَا القَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأُمَّهُ عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِهِمْ، وَلَيْسَ لَهَا وَلَدٌ غَيْرُهُ، يُقَالُ لَهُ: إِسْكَنْدَرُوسُ، وَكَانَ لَهُ أَدَبٌ وَخُلُقٌ وَعِفَّةٌ مِنْ وَقْتِ مَا كَانَ غُلَاماً إِلَى أَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٥) في بعض النُّسَخ: (وآتاه من كلِّ شيء).
(٢٢٦) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٤٩ و٢٥٠).

↑صفحة ٩٩↑

بَلَغَ رَجُلاً، وَكَانَ [قَدْ] رَأَى فِي المَنَامِ كَأَنَّهُ دَنَا مِنَ الشَّمْسِ حَتَّى أَخَذَ بِقَرْنَيْهَا فِي شَرْقِهَا وَغَرْبِهَا، فَلَمَّا قَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى قَوْمِهِ سَمَّوْهُ ذَا القَرْنَيْنِ، فَلَمَّا رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا بَعُدَتْ هِمَّتُهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَعَزَّ فِي قَوْمِهِ.
وَكَانَ أَوَّلَ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ أَنْ قَالَ: أَسْلَمْتُ لِلهِ (عزَّ وجلَّ)، ثُمَّ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا هَيْبَةً لَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَبْنُوا لَهُ مَسْجِداً فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَنْ يَجْعَلُوا طُولَهُ أَرْبَعَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرْضَهُ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضَ حَائِطِهِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ذِرَاعاً، وَعُلُوَّهُ إِلَى السَّمَاءِ مِائَةَ ذِرَاعٍ، فَقَالُوا لَهُ: يَا ذَا القَرْنَيْنِ، كَيْفَ لَكَ بِخَشَبٍ يَبْلُغُ مَا بَيْنَ الحَائِطَيْنِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ بُنْيَانِ الحَائِطَيْنِ فَاكْبِسُوهُ بِالتُّرَابِ حَتَّى يَسْتَوِيَ الكَبْسُ مَعَ حِيطَانِ المَسْجِدِ، فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ ذَلِكَ فَرَضْتُمْ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلَى قَدْرِهِ(٢٢٧) مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، ثُمَّ قَطَعْتُمُوهُ مِثْلَ قُلَامَةِ الظُّفُرِ، وَخَلَطْتُمُوهُ مَعَ ذَلِكَ الكَبْسِ، وَعَمِلْتُمْ لَهُ خَشَباً مِنْ نُحَاسٍ وَصَفَائِحَ مِنْ نُحَاسٍ تُذِيبُونَ ذَلِكَ، وَأَنْتُمْ مُتَمَكِّنُونَ مِنَ العَمَلِ كَيْفَ شِئْتُمْ عَلَى أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ ذَلِكَ دَعَوْتُمُ المَسَاكِينَ لِنَقْلِ ذَلِكَ التُّرَابِ، فَيُسَارِعُونَ فِيهِ مِنْ أَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ.
فَبَنَوُا المَسْجِدَ وَأَخْرَجَ المَسَاكِينُ ذَلِكَ التُّرَابَ وَقَدِ اسْتَقَلَّ السَّقْفُ بِمَا فِيهِ وَاسْتَغْنَى، فَجَنَّدَهُمْ أَرْبَعَةَ أَجْنَادٍ فِي كُلِّ جُنْدٍ عَشْرَةُ آلَافٍ، ثُمَّ نَشَرَهُمْ فِي البِلَادِ، وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِالمَسِيرِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمُهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا ذَا القَرْنَيْنِ، نَنْشُدُكَ بِاللهِ أَلَّا تُؤْثِرُ عَلَيْنَا بِنَفْسِكَ غَيْرَنَا، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرُؤْيَتِكَ، وَفِينَا كَانَ مَسْقَطُ رَأْسِكَ، وَبَيْنَنَا نَشَأْتَ وَرُبِّيتَ، وَهَذِهِ أَمْوَالُنَا وَأَنْفُسُنَا فَأَنْتَ الحَاكِمُ فِيهَا، وَهَذِهِ أُمُّكَ عَجُوزَةٌ كَبِيرَةٌ، وَهِيَ أَعْظَمُ خَلْقِ اللهِ عَلَيْكَ حَقًّا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْصِيَهَا وَتُخَالِفَهَا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٧) أي على قدر حاله.

↑صفحة ١٠٠↑

فَقَالَ لَهُمْ: وَاللهِ إِنَّ القَوْلَ لَقَوْلُكُمْ، وَإِنَّ الرَّأْيَ لَرَأْيُكُمْ، وَلَكِنَّنِي بِمَنْزِلَةِ المَأْخُوذِ بِقَلْبِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، يُقَادُ وَيُدْفَعُ مِنْ خَلْفِهِ، لَا يَدْرِي أَيْنَ يُؤْخَذُ بِهِ وَمَا يُرَادُ بِهِ، وَلَكِنْ هَلُمُّوا يَا مَعْشَرَ قَوْمِي فَادْخُلُوا هَذَا المَسْجِدَ وَأَسْلِمُوا عَنْ آخِرِكُمْ وَلَا تُخَالِفُوا عَلَيَّ فَتَهْلِكُوا.
ثُمَّ دَعَا دِهْقَانَ(٢٢٨) الإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَقَالَ لَهُ: اعْمُرْ مَسْجِدِي، وَعَزِّ عَنِّي أُمِّي، فَلَمَّا رَأَى الدِّهْقَانُ جَزَعَ أُمِّهِ وطُولَ بُكَائِهَا احْتَالَ لَهَا لِيُعَزِّيَهَا بِمَا أَصَابَ النَّاسَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مِنَ المَصَائِبِ وَالبَلَاءِ، فَصَنَعَ عِيداً عَظِيماً، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدِّهْقَانَ يُؤْذِنُكُمْ لِتَحْضُرُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ اليَوْمُ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ: أَسْرِعُوا وَاحْذَرُوا أَنْ يَحْضُرَ هَذَا العِيدَ إِلَّا رَجُلٌ قَدْ عَرِيَ مِنَ البَلَايَا وَالمَصَائِبِ، فَاحْتُبِسَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَقَالُوا: لَيْسَ فِينَا أَحَدٌ عَرِيَ مِنَ البَلَاءِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ أُصِيبَ بِبَلَاءٍ أَوْ بِمَوْتِ حَمِيمٍ، فَسَمِعَتْ أُمُّ ذِي القَرْنَيْنِ هَذَا فَأَعْجَبَهَا وَلَمْ تَدْرِ مَا يُرِيدُ الدِّهْقَانُ، ثُمَّ إِنَّ الدِّهْقَانَ بَعَثَ مُنَادِياً يُنَادِي فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدِّهْقَانَ قَدْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَحْضُرُوهُ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَحْضُرَهُ إِلَّا رَجُلٌ قَدِ ابْتُلِيَ وَأُصِيبَ وَفُجِعَ، وَلَا يَحْضُرَهُ أَحَدٌ عَرِيَ مِنَ البَلَاءِ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُصِيبُهُ البَلَاءُ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ النَّاسُ: هَذَا رَجُلٌ قَدْ كَانَ بَخِلَ ثُمَّ نَدِمَ فَاسْتَحْيَا فَتَدَارَكَ أَمْرَهُ وَمَحَا عَيْبَهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ خَطَبَهُمْ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي لَمْ أَجْمَعْكُمْ لِمَا دَعَوْتُكُمْ لَهُ، وَلَكِنِّي جَمَعْتُكُمْ لِأُكَلِّمَكُمْ فِي ذِي القَرْنَيْنِ وَفِيمَا فُجِعْنَا بِهِ مِنْ فَقْدِهِ وَفِرَاقِهِ، فَاذْكُرُوا آدَمَ(عليه السلام) فَإِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) خَلَقَهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَأَكْرَمَهُ بِكَرَامَةٍ لَمْ يُكْرِمْ بِهَا أَحَداً، ثُمَّ ابْتَلَاهُ بِأَعْظَمِ بَلِيَّةٍ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ الخُرُوجُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهِيَ المُصِيبَةُ الَّتِي لَا جَبْرَ لَهَا، ثُمَّ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) مِنْ بَعْدِهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٨) الدهقان: رئيس القرية، ومقدَّم أصحاب الزراعة.

↑صفحة ١٠١↑

بِالحَرِيقِ، وَابْتَلَى ابْنَهُ بِالذَّبْحِ، وَيَعْقُوبَ بِالحُزْنِ وَالبُكَاءِ، وَيُوسُفَ بِالرِّقِّ، وَأَيُّوبَ بِالسُّقْمِ، وَيَحْيَى بِالذَّبْحِ، وَزَكَرِيَّا بِالقَتْلِ، وَعِيسَى بِالأَسْرِ(٢٢٩)، وَخَلْقاً مِنْ خَلْقِ اللهِ كَثِيراً لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللهُ (عزَّ وجلَّ).
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ هَذَا الكَلَامِ قَالَ لَهُمْ: انْطَلِقُوا فَعَزُّوا أُمَّ الإِسْكَنْدَرُوسِ لِنَنْظُرَ كَيْفَ صَبْرُهَا فَإِنَّهَا أَعْظَمُ مُصِيبَةً فِي ابْنِهَا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهَا قَالُوا لَهَا: هَلْ حَضَرْتِ الجَمْعَ اليَوْمَ وَسَمِعْتِ الكَلَامَ؟ قَالَتْ لَهُمْ: مَا خَفِيَ عَنِّي مِنْ أَمْرِكُمْ شَيْءٌ وَلَا سَقَطَ عَنِّي مِنْ كَلَامِكُمْ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ فِيكُمْ أَحَدٌ أَعْظَمَ مُصِيبَةً بِإِسْكَنْدَرُوسَ مِنِّي، وَلَقَدْ صَبَّرَنِيَ اللهُ تَعَالَى وَأَرْضَانِي وَرَبَطَ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَجْرِي عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَأَرْجُو لَكُمْ مِنَ الأَجْرِ بِقَدْرِ مَا رُزِيتُمْ مِنْ فَقْدِ أَخِيكُمْ، وَأَنْ تُؤْجَرُوا عَلَى قَدْرِ مَا نَوَيْتُمْ فِي أُمِّهِ، وَأَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي وَلَكُمْ وَيَرْحَمَنِي وَإِيَّاكُمْ.
فَلَمَّا رَأَوْا حُسْنَ عَزَائِهَا وَصَبْرَهَا انْصَرَفُوا عَنْهَا وَتَرَكُوهَا.
وَانْطَلَقَ ذُو القَرْنَيْنِ يَسِيرُ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَمْعَنَ فِي البِلَادِ يَؤُمُّ فِي المَغْرِبِ، وَجُنُودُهُ يَوْمَئِذٍ المَسَاكِينُ، فَأَوْحَى اللهُ (جلّ جلاله) إِلَيْهِ: يَا ذَا القَرْنَيْنِ، أَنْتَ حُجَّتِي عَلَى جَمِيعِ الخَلَائِقِ مَا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ مِنْ مَطْلِعِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا، وَحُجَّتِي عَلَيْهِمْ، وَهَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاكَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٩) إنْ قلت: إنَّ ذا القرنين كان قبل ميلاد عيسى (عليه السلام) بقرون، فكيف يصحُّ ذلك القول؟ وقلت: إنْ قلنا: إنَّه بعد الميلاد فكيف يلائم قوله في آخر الخبر: (وكان عدَّة ما سار في البلاد من يوم بعثه الله (عزَّ وجلَّ) إلى يوم قبضه الله خمسمائة عام)؟
قلنا: الأمر في أمثال هذه القَصص الغير المنقولة عن المعصوم سهل. وأوردها المصنِّف (رحمه الله) طرداً للباب نظير الذيول التي تداول في عصرنا في جميع المؤلَّفات من المؤلِّفين، ولعلَّ المصنِّف (رحمه الله) أوردها لأجل المواعظ البالغة التي ذُكِرَ في آخرها، ولكن اعلم أنَّه (رحمه الله) لم يحتجّ بأمثال هذه القَصص، وجلَّت ساحته عن الاحتجاج بها.
ثمّ راجع في تحقيق ذي القرنين بحار الأنوار (ج ١٢/ ص ٢٠٨ - ٢١٥/ من الطبع الحروفي).

↑صفحة ١٠٢↑

فَقَالَ ذُو القَرْنَيْنِ: يَا إِلَهِي، إِنَّكَ قَدْ نَدَبْتَنِي لِأَمْرٍ عَظِيمٍ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ غَيْرُكَ، فَأَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِأَيِّ قُوَّةٍ أُكَابِرُهُمْ(٢٣٠)، وَبِأَيِّ عَدَدٍ أَغْلِبُهُمْ، وَبِأَيَّةِ حِيلَةٍ أَكِيدُهُمْ، وَبِأَيِّ صَبْرٍ أُقَاسِيهِمْ، وَبِأَيِّ لِسَانٍ أُكَلِّمُهُمْ، وَكَيْفَ لِي بِأَنْ أَعْرِفَ لُغَاتِهِمْ، وَبِأَيِّ سَمْعٍ أَعِي كَلَامَهُمْ، وَبِأَيِّ بَصَرٍ أَنْفُذُهُمْ، وَبِأَيِّ حُجَّةٍ أُخَاصِمُهُمْ، وَبِأَيِّ قَلْبٍ أَعْقِلُ عَنْهُمْ، وَبِأَيِّ حِكْمَةٍ أُدَبِّرُ أُمُورَهُمْ، وَبِأَيِّ حِلْمٍ أُصَابِرُهُمْ، وَبِأَيِّ قِسْطٍ أَعْدِلُ فِيهِمْ، وَبِأَيِّ مَعْرِفَةٍ أَفْصِلُ بَيْنَهُمْ، وَبِأَيِّ عِلْمٍ أُتْقِنُ أُمُورَهُمْ، وَبِأَيِّ عَقْلٍ أُحْصِيهِمْ، وَبِأَيِّ جُنْدٍ أُقَاتِلُهُمْ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مِمَّا ذَكَرْتُ شَيْءٌ يَا رَبِّ، فَقَوِّنِي عَلَيْهِمْ فَإِنَّكَ الرَّبُّ الرَّحِيمُ الَّذِي لَا تُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، وَلَا تُحَمِّلُهَا إِلَّا طَاقَتَهَا.
فَأَوْحَى اللهُ (جلّ جلاله) إِلَيْهِ: أَنِّي سَأُطَوِّقُكَ مَا حَمَّلْتُكَ، وَأَشْرَحُ لَكَ فَهْمَكَ فَتَفْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَشْرَحُ لَكَ صَدْرَكَ فَتَسْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَأُطْلِقُ لِسَانَكَ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَأَفْتَحُ لَكَ سَمْعَكَ فَتَعِي كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكْشِفُ لَكَ عَنْ بَصَرِكَ فَتُنْفِذُ كُلَّ شَيْءٍ، وَأُحْصِي لَكَ(٢٣١) فَلَا يَفُوتُكَ شَيْءٌ، وَأَحْفَظُ عَلَيْكَ فَلَا يَعْزُبُ عَنْكَ شَيْءٌ، وَأَشُدُّ [لَكَ] ظَهْرَكَ فَلَا يَهُولُكَ شَيْءٌ، وَالبِسُكَ الهَيْبَةَ فَلَا يَرُوعُكَ شَيْءٌ، وَأُسَدِّدُ لَكَ رَأْيَكَ فَتُصِيبُ كُلَّ شَيْءٍ، وَأُسَخِّرُ لَكَ جَسَدَكَ فَتُحْسِنُ كُلَّ شَيْءٍ، وَأُسَخِّرُ لَكَ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ وَأَجْعَلُهُمَا جُنْدَيْنِ مِنْ جُنُودِكَ، النُّورُ يَهْدِيكَ وَالظُّلْمَةُ تَحُوطُكَ وَتَحُوشُ عَلَيْكَ الأُمَمُ(٢٣٢) مِنْ وَرَائِكَ.
فَانْطَلَقَ ذُو القَرْنَيْنِ بِرِسَالَةِ رَبِّهِ (عزَّ وجلَّ)، وَأَيَّدَهُ اللهُ تَعَالَى بِمَا وَعَدَهُ، فَمَرَّ بِمَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَلَا يَمُرُّ بِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ إِلَّا دَعَاهُمْ إِلَى اللهِ (عزَّ وجلَّ)، فَإِنْ أَجَابُوهُ قَبِلَ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يُجِيبُوهُ أَغْشَاهُمُ الظُّلْمَةَ، فَأَظْلَمَتْ مَدَايِنُهُمْ وَقُرَاهُمْ وَحُصُونُهُمْ وَبُيُوتُهُمْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٠) في بعض النُّسَخ: (أُكاثرهم).
(٢٣١) في بعض النُّسَخ: (وأُحضر لك).
(٢٣٢) حاش الصيد: جاءه من حواليه ليصرفه إلى الحبالة. (القاموس المحيط: ج ٢/ ص ٢٧٠).

↑صفحة ١٠٣↑

وَمَنَازِلُهُمْ، وَأُغْشِيَتْ أَبْصَارُهُمْ وَدَخَلَتْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَآنَافِهِمْ وَآذَانِهِمْ وَأَجْوَافِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ فِيهَا مُتَحَيِّرِينَ حَتَّى يَسْتَجِيبُوا للهِ (عزَّ وجلَّ) وَيَعِجُّوا إِلَيْهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَ عِنْدَهَا الأُمَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، فَفَعَلَ بِهِمْ مَا فَعَلَ بِمَنْ مَرَّ بِهِ [مِنْ] قَبْلِهِمْ حَتَّى فَرَغَ مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَغْرِبِ، وَوَجَدَ جَمْعاً وَعَدَداً لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللهُ، وَبَأْساً وَقُوَّةً لَا يُطِيقُهُ إِلَّا اللهُ (عزَّ وجلَّ)، وَالسِنَةً مُخْتَلِفَةً وَأَهْوَاءً مُتَشَتِّتَةً وَقُلُوباً مُتَفَرِّقَةً، ثُمَّ مَشَى عَلَى الظُّلْمَةِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ وَثَمَانَ لَيَالٍ وَأَصْحَابُهُ يَنْظُرُونَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الجَبَلِ الَّذِي هُوَ مُحِيطٌ بِالأَرْضِ كُلِّهَا، فَإِذَا هُوَ بِمَلَكٍ مِنَ المَلَائِكَةِ قَابِضٍ عَلَى الجَبَلِ، وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي مِنَ الآنِ إِلَى مُنْتَهَى الدَّهْرِ، سُبْحَانَ رَبِّي مِنْ أَوَّلِ الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا، سُبْحَانَ رَبِّي مِنْ مَوْضِعِ كَفِّي إِلَى عَرْشِ رَبِّي، سُبْحَانَ رَبِّي مِنْ مُنْتَهَى الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ ذُو القَرْنَيْنِ خَرَّ سَاجِداً، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى قَوَّاهُ اللهُ تَعَالَى وَأَعَانَهُ عَلَى النَّظَرِ إِلَى ذَلِكَ المَلَكِ، فَقَالَ لَهُ المَلَكُ: كَيْفَ قَوِيتَ يَا ابْنَ آدَمَ عَلَى أَنْ تَبْلُغَ إِلَى هَذَا المَوْضِعِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ وُلْدِ آدَمَ قَبْلَكَ؟ قَالَ ذُو القَرْنَيْنِ: قَوَّانِي عَلَى ذَلِكَ الَّذِي قَوَّاكَ عَلَى قَبْضِ هَذَا الجَبَلِ وَهُوَ مُحِيطٌ بِالأَرْضِ، قَالَ لَهُ المَلَكُ: صَدَقْتَ، قَالَ لَهُ ذُو القَرْنَيْنِ: فَأَخْبِرْنِي عَنْكَ أَيُّهَا المَلَكُ، قَالَ: إِنِّي مُوَكَّلٌ بِهَذَا الجَبَلِ وَهُوَ مُحِيطٌ بِالأَرْضِ كُلِّهَا، وَلَوْ لَا هَذَا الجَبَلُ لَانْكَفَأَتِ الأَرْضُ بِأَهْلِهَا، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ جَبَلٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَهُوَ أَوَّلُ جَبَلٍ أَثْبَتَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ)(٢٣٣)، فَرَأْسُهُ مُلْصَقٌ بِسَمَاءِ الدُّنْيَا، وَأَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَهُوَ مُحِيطٌ بِهَا كَالحَلْقَةِ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَدِينَةٌ إِلَّا وَلَهَا عِرْقٌ إِلَى هَذَا الجَبَلِ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يُزَلْزِلَ مَدِينَةً أَوْحَى إِلَيَّ فَحَرَّكْتُ العِرْقَ الَّذِي [مُتَّصِلٌ] إِلَيْهَا فَزَلْزَلَهَا.
فَلَمَّا أَرَادَ ذُو القَرْنَيْنِ الرُّجُوعَ قَالَ لِلْمَلَكِ: أَوْصِنِي، قَالَ المَلَكُ: لَا يَهُمَّنَّكَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٣) في بعض النُّسَخ: (أسَّسه الله (عزَّ وجلَّ)).

↑صفحة ١٠٤↑

رِزْقُ غَدٍ، وَلَا تُؤَخِّرْ عَمَلَ اليَوْمِ لِغَدٍ، وَلَا تَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَكَ، وَعَلَيْكَ بِالرِّفْقِ، وَلَا تَكُنْ جَبَّاراً مُتَكَبِّراً.
ثُمَّ إِنَّ ذَا القَرْنَيْنِ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ عَطَفَ بِهِمْ نَحْوَ المَشْرِقِ يَسْتَقْرِئُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَشْرِقِ مِنَ الأُمَمِ، فَيَفْعَلُ بِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِأُمَمِ المَغْرِبِ قَبْلَهُمْ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ [مِ]مَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ عَطَفَ نَحْوَ الرَّدْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي كِتَابِهِ، فَإِذَا هُوَ بِأُمَّةٍ ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ [الكهف: ٩٣]، وَإِذَا [مَا] بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّدْمِ مَشْحُونٌ مِنْ أُمَّةٍ يُقَالُ لَهَا: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، أَشْبَاهُ البَهَائِمِ، يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَوَالَدُونَ، وَهُمْ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، وَفِيهِمْ مَشَابِهُ مِنَ النَّاسِ الوُجُوهُ وَالأَجْسَادُ وَالخِلْقَةُ، وَلَكِنَّهُمْ قَدْ نُقِصُوا فِي الأَبْدَانِ نَقْصاً شَدِيداً، وَهُمْ فِي طُولِ الغِلْمَانِ، لَيْسَ مِنْهُمْ أُنْثَى وَلَا ذَكَرٌ يُجَاوِزُ طُولُهُ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ، وَهُمْ عَلَى مِقْدَارٍ وَاحِدٍ فِي الخَلْقِ وَالصُّورَةِ، عُرَاةٌ حُفَاةٌ لَا يَغْزِلُونَ وَلَا يَلْبَسُونَ وَلَا يَحْتَذُونَ، عَلَيْهِمْ وَبَرٌ كَوَبَرِ الإِبِلِ يُوَارِيهِمْ وَيَسْتُرُهُمْ مِنَ الحَرِّ وَالبَرْدِ(٢٣٤)، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أُذُنَانِ إِحْدَاهُمَا ذَاتُ شَعَرٍ وَالأُخْرَى ذَاتُ وَبَرٍ، ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا، وَلَهُمْ مَخَالِبُ فِي مَوْضِعِ الأَظْفَارِ، وَأَضْرَاسٌ وَأَنْيَابٌ كَأَضْرَاسِ السِّبَاعِ وَأَنْيَابِهَا، وَإِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ افْتَرَشَ إِحْدَى أُذُنَيْهِ وَالتَحَفَ بِالأُخْرَى فَتَسَعُهُ لِحَافاً، وَهُمْ يُرْزَقُونَ تِنِّينَ البَحْرِ(٢٣٥) فِي كُلِّ عَامٍ يَقْذِفُهُ إِلَيْهِمُ السَّحَابُ، فَيَعِيشُونَ بِهِ عَيْشاً خِصْباً وَيَصْلُحُونَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَمْطِرُونَهُ فِي إِبَّانِهِ(٢٣٦) كَمَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٤) المروي عن أئمَّتنا (عليهم السلام) أنَّهم أقوام وحشيَّة غير متمدِّنين، بل يعيشون كالبهائم كما جاء في تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٣٥٠/ ح ٨٤) عن أبي بصير، عن الباقر (عليه السلام)، قال: «لم يعلموا صنعة البيوت»، وفي تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٤١): «لم يعلموا صنعة الثياب». وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ ذا القرنين ورد على قوم قد أحرقتهم الشمس وغيَّرت أجسادهم وألوانهم حتَّى صيَّرتهم كالظلمة» (تفسير العيَّاشي: ج ٢/ ص ٣٤٣/ ح ٧٩).
(٢٣٥) التنِّين نوع من الحيَّات.
(٢٣٦) إبَّانه أي وقته. وفي بعض النُّسَخ: (في أيَّام المطر).

↑صفحة ١٠٥↑

يَسْتَمْطِرُ النَّاسُ المَطَرَ فِي إِبَّانِ المَطَرِ، وَإِذَا قُذِفُوا بِهِ خَصَبُوا وَسَمِنُوا وَتَوَالَدُوا وَكَثُرُوا وَأَكَلُوا مِنْهُ حَوْلًا كَامِلاً إِلَى مِثْلِهِ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، وَلَا يَأْكُلُونَ مَعَهُ شَيْئاً غَيْرَهُ، وَهُمْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللهُ (عزَّ وجلَّ) الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَإِذَا أَخْطَأَهُمُ التِّنِّينُ قُحِطُوا وَأُجْدِبُوا وَجَاعُوا وَانْقَطَعَ النَّسْلُ وَالوَلَدُ، وَهُمْ يَتَسَافَدُونَ كَمَا تَتَسَافَدُ البَهَائِمُ(٢٣٧) عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ وَحَيْثُ مَا التَقَوْا، وَإِذَا أَخْطَأَهُمُ التِّنِّينُ جَاعُوا وَسَاحُوا فِي البِلَادِ، فَلَا يَدَعُونَ شَيْئاً أَتَوْا عَلَيْهِ إِلَّا أَفْسَدُوهُ وَأَكَلُوهُ، فَهُمْ أَشَدُّ فَسَاداً فِيمَا أَتَوْا عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ مِنَ الجَرَادِ وَالبَرَدِ وَالآفَاتِ كُلِّهَا، وَإِذَا أَقْبَلُوا مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ جَلَا أَهْلُهَا عَنْهَا وَخَلَّوْهَا، وَلَيْسَ يُغْلَبُونَ وَلَا يُدْفَعُونَ حَتَّى لَا يَجِدُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى مَوْضِعاً لِقَدَمِهِ، وَلَا يَخْلُو لِلْإِنْسَانِ قَدْرُ مَجْلِسِهِ، وَلَا يَدْرِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَيْنَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ(٢٣٨)، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَدْنُوَ مِنْهُمْ نَجَاسَةً وَقَذَراً وَسُوءَ حِلْيَةٍ، فَبِهَذَا غَلَبُوا، وَلَهُمْ حِسٌّ وَحَنِينٌ(٢٣٩) إِذَا أَقْبَلُوا إِلَى الأَرْضِ يُسْمَعُ حِسُّهُمْ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ فَرْسَخٍ لِكَثْرَتِهِمْ، كَمَا يُسْمَعُ حِسُّ الرِّيحِ البَعِيدَةِ، أَوْ حِسُّ المَطَرِ البَعِيدِ، وَلَهُمْ هَمْهَمَةٌ إِذَا وَقَعُوا فِي البِلَادِ كَهَمْهَمَةِ النَّحْلِ إِلَّا أَنَّهُ أَشَدُّ وَأَعْلَى صَوْتاً، يَمْلَأُ الأَرْضَ حَتَّى لَا يَكَادُ أَحَدٌ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الهَمِيمِ شَيْئاً، وَإِذَا أَقْبَلُوا إِلَى أَرْضٍ حَاشُوا وُحُوشَهَا كُلَّهَا وَسِبَاعَهَا حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهَا شَيْءٌ مِنْهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَمْلَئُونَهَا مَا بَيْنَ أَقْطَارِهَا، وَلَا يَتَخَلَّفُ وَرَاءَهُمْ مِنْ سَاكِنِ الأَرْضِ شَيْءٌ فِيهِ رُوحٌ إِلَّا اجْتَلَبُوهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَأَمْرُهُمْ أَعْجَبُ مِنَ العَجَبِ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ عَرَفَ مَتَى يَمُوتُ، وَذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ مِنْهُمْ ذَكَرٌ حَتَّى يُولَدَ لَهُ ألفُ وَلَدٍ، وَلَا تَمُوتُ مِنْهُمْ أُنْثَى حَتَّى تَلِدَ ألفَ وَلَدٍ، فَبِذَلِكَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٧) السفاد: النكاح.
(٢٣٨) في بعض النُّسَخ: (كم من أوَّلهم إلى آخرهم).
(٢٣٩) الحسُّ والحسيس: الصوت الخفيُّ. والحنين: الصوت الجليُّ.

↑صفحة ١٠٦↑

عَرَفُوا آجَالَهُمْ، فَإِذَا وُلِدَ ذَلِكَ الألفُ بَرَزُوا لِلْمَوْتِ، وَتَرَكُوا طَلَبَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ المَعِيشَةِ وَالحَيَاةِ، فَهَذِهِ قِصَّتُهُمْ مِنْ يَوْمَ خَلَقَهُمُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) إِلَى يَوْمِ يُفْنِيهِمْ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ جَعَلُوا فِي زَمَانِ ذِي القَرْنَيْنِ يَدُورُونَ أَرْضاً أَرْضاً مِنَ الأَرَضِينَ، وَأُمَّةً أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَهُمْ إِذَا تَوَجَّهُوا لِوَجْهٍ لَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ أَبَداً وَلَا يَنْصَرِفُونَ يَمِيناً وَلَا شِمَالاً وَلَا يَلْتَفِتُونَ.
فَلَمَّا أَحَسَّتْ تِلْكَ الأُمَمُ بِهِمْ وَسَمِعُوا هَمْهَمَتَهُمْ اسْتَغَاثُوا بِذِي القَرْنَيْنِ، وَذُو القَرْنَيْنِ يَوْمَئِذٍ نَازِلاً فِي نَاحِيَتِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا: يَا ذَا القَرْنَيْنِ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا مَا آتَاكَ اللهُ مِنَ المُلْكِ وَالسُّلْطَانِ، وَمَا ألبَسَكَ اللهُ مِنَ الهَيْبَةِ، وَمَا أَيَّدَكَ بِهِ مِنْ جُنُودِ أَهْلِ الأَرْضِ وَمِنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، وَإِنَّا جِيرَانُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سِوَى هَذِهِ الجِبَالِ، وَلَيْسَ لَهُمْ إِلَيْنَا طَرِيقٌ إِلَّا هَذَيْنِ الصَّدَفَيْنِ، وَلَوْ يَنْسِلُونَ أَجْلَوْنَا عَنْ بِلَادِنَا لِكَثْرَتِهِمْ حَتَّى لَا يَكُونَ لَنَا فِيهَا قَرَارٌ، وَهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ كَثِيرٌ فِيهِمْ مَشَابِهُ مِنَ الإِنْسِ وَهُمْ أَشْبَاهُ البَهَائِمِ، يَأْكُلُونَ مِنَ العُشْبِ، وَيَفْتَرِسُونَ الدَّوَابَّ وَالوُحُوشَ كَمَا تَفْتَرِسُهَا السِّبَاعُ، وَيَأْكُلُونَ حَشَرَاتِ الأَرْضِ كُلَّهَا مِنَ الحَيَّاتِ وَالعَقَارِبِ وَكُلِّ ذِي رُوحٍ مِمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ [مِمَّا خَلَقَ اللهُ] (جلّ جلاله) خَلْقٌ يَنْمُو نِمَاهُمْ وَزِيَادَتَهُمْ، فَلَا نَشُكُّ أَنَّهُمْ يَمْلَؤُونَ الأَرْضَ وَيُجْلُونَ أَهْلَهَا مِنْهَا وَيُفْسِدُونَ فِيهَا، وَنَحْنُ نَخْشَى كُلَّ وَقْتٍ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْنَا أَوَائِلُهُمْ مِنْ هَذَيْنِ الجَبَلَيْنِ، وَقَدْ آتَاكَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) مِنَ الحِيلَةِ وَالقُوَّةِ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ العالَمِينَ، ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٤ - ٩٦]، قَالُوا: وَمِنْ أَيْنَ لَنَا مِنَ الحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ مَا يَسَعُ هَذَا العَمَلَ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَعْمَلَ؟ قَالَ: إِنِّي سَأَدُلُّكُمْ عَلَى مَعْدِنِ الحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ، فَضَرَبَ لَهُمْ فِي جَبَلَيْنِ حَتَّى فَتَقَهُمَا، فَاسْتَخْرَجَ لَهُمْ مِنْهُمَا مَعْدِنَيْنِ مِنَ الحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ، قَالُوا: فَبِأَيِّ قُوَّةٍ نَقْطَعُ الحَدِيدَ

↑صفحة ١٠٧↑

وَالنُّحَاسَ؟ فَاسْتَخْرَجَ لَهُمْ مَعْدِناً آخَرَ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ يُقَالُ لَهَا: السَّامُورُ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ(٢٤٠)، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ يُوضَعُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا ذَابَ تَحْتَهُ، فَصَنَعَ لَهُمْ مِنْهُ أَدَاةً يَعْمَلُونَ بِهَا - وَبِهِ قَطَعَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (عليه السلام) أَسَاطِينَ بَيْتِ المَقْدِسِ وَصُخُورَهُ جَاءَتْ بِهَا الشَّيَاطِينُ مِنْ تِلْكَ المَعَادِنِ -، فَجَمَعُوا مِنْ ذَلِكَ مَا اكْتَفَوْا بِهِ، فَأَوْقَدُوا عَلَى الحَدِيدِ حَتَّى صَنَعُوا مِنْهُ زُبَراً مِثَالَ الصُّخُورِ، فَجَعَلَ حِجَارَتَهُ مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَذَابَ النُّحَاسَ فَجَعَلَهُ كَالطِّينِ لِتِلْكَ الحِجَارَةِ، ثُمَّ بَنَى وَقَاسَ مَا بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، فَوَجَدَهُ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ، فَحَفَرَ لَهُ أَسَاساً حَتَّى كَادَ أَنْ يَبْلُغَ المَاءَ، وَجَعَلَ عَرْضَهُ مِيلاً، وَجَعَلَ حَشْوَهُ زُبَرَ الحَدِيدِ، وَأَذَابَ النُّحَاسَ فَجَعَلَهُ خِلَالَ الحَدِيدِ، فَجَعَلَ طَبَقَةً مِنْ نُحَاسٍ وَأُخْرَى مِنْ حَدِيدٍ حَتَّى سَاوَى الرَّدْمَ بِطُولِ الصَّدَفَيْنِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ بُرْدُ حِبَرَةٍ مِنْ صُفْرَةِ النُّحَاسِ وَحُمْرَتِهِ وَسَوَادِ الحَدِيدِ، فَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ يَنْتَابُونَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَسِيحُونَ فِي بِلَادِهِمْ حَتَّى إِذَا وَقَعُوا إِلَى ذَلِكَ الرَّدْمِ حَبَسَهُمْ، فَرَجَعُوا يَسِيحُونَ فِي بِلَادِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تَقْرُبَ السَّاعَةُ وَتَجِيءَ أَشْرَاطُهَا، فَإِذَا جَاءَ أَشْرَاطُهَا وَهُوَ قِيَامُ القَائِمِ (عليه السلام) فَتَحَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لَهُمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦].
فَلَمَّا فَرَغَ ذُو القَرْنَيْنِ مِنْ عَمَلِ السَّدِّ انْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ وَجُنُودَهُ إِذْ مَرَّ عَلَى شَيْخٍ يُصَلِّي، فَوَقَفَ عَلَيْهِ بِجُنُودِهِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ ذُو القَرْنَيْنِ: كَيْفَ لَمْ يُرَوِّعْكَ مَا حَضَرَكَ مِنَ الجُنُودِ؟ قَالَ: كُنْتُ أُنَاجِي مَنْ هُوَ أَكْثَرُ جُنُوداً مِنْكَ، وَأَعَزُّ سُلْطَاناً وَأَشَدُّ قُوَّةً، وَلَوْ صَرَفْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ مَا أَدْرَكْتُ حَاجَتِي قِبَلَهُ، فَقَالَ لَهُ ذُو القَرْنَيْنِ: فَهَلْ لَكَ أَنْ تَنْطَلِقَ مَعِي فَأُوَاسِيَكَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٠) في بعض النُّسَخ: (وهو أشدّ شيء بياضاً). والسامور: الماس المعروف اليوم كما في بحر الجواهر (ص ٢٠٢)، ولا يُذيب شيئاً بل يقطعه.

↑صفحة ١٠٨↑

بِنَفْسِي وَأَسْتَعِينَ بِكَ عَلَى بَعْضِ أُمُورِي؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ ضَمِنْتَ لِي أَرْبَعاً(٢٤١): نَعِيماً لَا يَزُولُ، وَصِحَّةً لَا سُقْمَ فِيهَا، وَشَبَاباً لَا هَرَمَ فِيهِ، وَحَيَاةً لَا مَوْتَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ ذُو القَرْنَيْنِ: أَيُّ مَخْلُوقٍ يَقْدِرُ عَلَى هَذِهِ الخِصَالِ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: فَإِنِّي مَعَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى هَذِهِ الخِصَالِ(٢٤٢) وَيَمْلِكُهَا وَإِيَّاكَ.
ثُمَّ مَرَّ بِرَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ لِذِي القَرْنَيْنِ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْئَيْنِ مُنْذُ خَلَقَهُمَا اللهُ تَعَالَى قَائِمَيْنِ، وَعَنْ شَيْئَيْنِ جَارِيَيْنِ، وَشَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَشَيْئَيْنِ مُتَبَاغِضَيْنِ، فَقَالَ ذُو القَرْنَيْنِ: أَمَّا الشَّيْئَانِ القَائِمَانِ فَالسَّمَاءُ وَالأَرْضُ، وَأَمَّا الشَّيْئَانِ الجَارِيَانِ فَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ، وَأَمَّا الشَّيْئَانِ المُخْتَلِفَانِ فَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَأَمَّا الشَّيْئَانِ المُتَبَاغِضَانِ فَالمَوْتُ وَالحَيَاةُ، فَقَالَ: انْطَلِقْ فَإِنَّكَ عَالِمٌ.
فَانْطَلَقَ ذُو القَرْنَيْنِ يَسِيرُ فِي البِلَادِ حَتَّى مَرَّ بِشَيْخٍ يُقَلِّبُ: جَمَاجِمَ المَوْتَى، فَوَقَفَ عَلَيْهِ بِجُنُودِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي أَيُّهَا الشَّيْخُ لِأَيِّ شَيْءٍ تُقَلِّبُ هَذِهِ الجَمَاجِمَ؟ قَالَ: لِأَعْرِفَ الشَّرِيفَ عَنِ الوَضِيعِ فَمَا عَرَفْتُ، فَإِنِّي لَأُقَلِّبُهَا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً.
فَانْطَلَقَ ذُو القَرْنَيْنِ وَتَرَكَهُ، وَقَالَ: مَا أَرَاكَ عَنَيْتَ بِهَذَا أَحَداً غَيْرِي.
فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ إِذْ وَقَعَ إِلَى الأُمَّةِ العَالِمَةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ قَوْمِ مُوسَى الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، فَوَجَدَ أُمَّةً مُقْسِطَةً عَادِلَةً يَقْسِمُونَ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَحْكُمُونَ بِالعَدْلِ، وَيَتَوَاسَوْنَ وَيَتَرَاحَمُونَ، حَالُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَكَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ مُؤْتَلِفَةٌ، وَطَرِيقَتُهُمْ مُسْتَقِيمَةٌ، وَسِيرَتُهُمْ جَمِيلَةٌ، وَقُبُورُ مَوْتَاهُمْ فِي أَفْنِيَتِهِمْ وَعَلَى أَبْوَابِ دُورِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، وَلَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أُمَرَاءُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ قُضَاةٌ، وَلَيْسَ فِيهِمْ أَغْنِيَاءُ وَلَا مُلُوكٌ وَلَا أَشْرَافٌ، وَلَا يَتَفَاوَتُونَ وَلَا يَتَفَاضَلُونَ وَلَا يَخْتَلِفُونَ وَلَا يَتَنَازَعُونَ وَلَا يَسْتَبُّونَ وَلَا يَقْتَتِلُونَ، وَلَا تُصِيبُهُمُ الآفَاتُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤١) في بعض النُّسَخ: (أربع خصال).
(٢٤٢) في بعض النُّسَخ: (فإنَّ معي من يقدر عليها).

↑صفحة ١٠٩↑

فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ مُلِئَ مِنْهُمْ عَجَباً، فَقَالَ: أَيُّهَا القَوْمُ أَخْبِرُونِي خَبَرَكُمْ فَإِنِّي قَدْ دُرْتُ الأَرْضَ شَرْقَهَا وَغَرْبَهَا وَبَرَّهَا وَبَحْرَهَا وَسَهْلَهَا وَجَبَلَهَا وَنُورَهَا وَظُلْمَتَهَا فَلَمْ القَ مِثْلَكُمْ(٢٤٣)، فَأَخْبِرُونِي مَا بَالُ قُبُورِ مَوْتَاكُمْ عَلَى أَفْنِيَتِكُمْ وَعَلَى أَبْوَابِ بُيُوتِكُمْ؟ قَالُوا: فَعَلْنَا ذَلِكَ عَمْداً لِئَلَّا نَنْسَى المَوْتَ، وَلَا يَخْرُجَ ذِكْرُهُ مِنْ قُلُوبِنَا، قَالَ: فَمَا بَالُ بُيُوتِكُمْ لَيْسَ عَلَيْهَا أَبْوَابٌ؟ فَقَالُوا: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا لِصٌّ وَلَا ظَنِينٌ(٢٤٤)، وَلَيْسَ فِينَا إِلَّا الأَمِينُ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ؟ قَالُوا: لِأَنَّنَا لَا نَتَظَالَمُ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَيْسَ بَيْنَكُمْ حُكَّامٌ؟ قَالُوا: لِأَنَّنَا لَا نَخْتَصِمُ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ مُلُوكٌ؟ قَالُوا: لِأَنَّنَا لَا نَتَكَاثَرُ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ أَشْرَافٌ؟ قَالُوا: لِأَنَّنَا لَا نَتَنَافَسُ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَا تَتَفَاضَلُونَ وَلَا تَتَفَاوَتُونَ؟ قَالُوا: مِنْ قِبَلِ أَنَّا مُتَوَاسُونَ مُتَرَاحِمُونَ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَا تَتَنَازَعُونَ وَلَا تَخْتَلِفُونَ؟ قَالُوا: مِنْ قِبَلِ الفَةِ قُلُوبِنَا، وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِنَا، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَا تَسْتَبُّونَ وَلَا تَقْتَتِلُونَ؟ قَالُوا: مِنْ قِبَلِ أَنَّا غَلَبْنَا طَبَائِعَنَا بِالعَزْمِ، وَسُسْنَا أَنْفُسَنَا بِالحِلْمِ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ كَلِمَتُكُمْ وَاحِدَةٌ وَطَرِيقَتُكُمْ مُسْتَقِيمَةٌ؟ قَالُوا: مِنْ قِبَلِ أَنَّا لَا نَتَكَاذَبُ وَلَا نَتَخَادَعُ، وَلَا يَغْتَابُ بَعْضُنَا بَعْضاً، قَالَ: فَأَخْبِرُونِي لِـمَ لَيْسَ فِيكُمْ مِسْكِينٌ وَلَا فَقِيرٌ؟ قَالُوا: مِنْ قِبَلِ أَنَّا نَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَيْسَ فِيكُمْ فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ؟ قَالُوا: مِنْ قِبَلِ الذُّلِّ وَالتَّوَاضُعِ، قَالَ: فَلِمَ جَعَلَكُمُ اللهُ أَطْوَلَ النَّاسِ أَعْمَاراً؟ قَالُوا: مِنْ قِبَلِ أَنَّا نَتَعَاطَى الحَقَّ وَنَحْكُمُ بِالعَدْلِ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَا تُقْحَطُونَ؟ قَالُوا: مِنْ قِبَلِ أَنَّا لَا نَغْفَلُ عَنِ الاِسْتِغْفَارِ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَا تَحْزَنُونَ؟ قَالُوا: مِنْ قِبَلِ أَنَّا وَطَّنَّا أَنْفُسَنَا عَلَى البَلَاءِ وَحَرَصْنَا عَلَيْهِ فَعَزَّيْنَا أَنْفُسَنَا(٢٤٥)، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ لَا تُصِيبُكُمُ الآفَاتُ؟ قَالُوا: مِنْ قِبَلِ أَنَّا لَا نَتَوَكَّلُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٣) في بعض النُّسَخ: (فلم أرَ مثلكم).
(٢٤٤) في بعض النُّسَخ: (ليس فينا لصٌّ ولا خائن).
(٢٤٥) عزَّى تعزية - الرجل -: سلَّاه.

↑صفحة ١١٠↑

عَلَى غَيْرِ اللهِ [(جلّ جلاله)]، وَلَا نَسْتَمْطِرُ بِالأَنْوَاءِ(٢٤٦) وَالنُّجُومِ، قَالَ: فَحَدِّثُونِي أَيُّهَا القَوْمُ أَهَكَذَا وَجَدْتُمْ آبَاءَكُمْ يَفْعَلُونَ؟ قَالُوا: وَجَدْنَا آبَاءَنَا يَرْحَمُونَ مِسْكِينَهُمْ، وَيُوَاسُونَ فَقِيرَهُمْ، وَيَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمُسِيئِهِمْ، وَيَصِلُونَ أَرْحَامَهُمْ، وَيُؤَدُّونَ أَمَانَاتِهِمْ، وَيَصْدُقُونَ وَلَا يَكْذِبُونَ، فَأَصْلَحَ اللهُ بِذَلِكَ أَمْرَهُمْ.
فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ ذُو القَرْنَيْنِ حَتَّى قُبِضَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ عُمُرٌ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ السِّنُّ، وَأَدْرَكَهُ الكِبَرُ، وَكَانَ عِدَّةُ مَا سَارَ فِي البِلَادِ مِنْ يَوْمَ بَعَثَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) إِلَى يَوْمَ قَبَضَهُ اللهُ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ.

* * *

رجعنا إلى ذكر ما روي عن أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) بالنصِّ على ابنه القائم صاحب الزمان (عليه السلام):
[٣٣٦/٢] حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ العَيَّاشِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ(٢٤٧)، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ(٢٤٨) بْنِ هَارُونَ الدَّقَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ الأَشْتَرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مَنْقُوشٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٦) النوء: النجم، جمعه أنواء. والأنواء ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كلَّ ليلة في منزلة منها...، ويسقط في الغرب كلَّ ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر وتطلع أُخرى مقابلها ذلك الوقت في الشرق فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة. وكانت العرب تزعم أنَّ مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، وينسبونه إليها، فيقولون: مطرنا بنوء كذا. وإنَّما سُمّي نوءاً لأنَّه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق. [و]ينوء نوءاً أي نهض وطلع. (النهاية: ج ٥/ ص ١٢٢).
(٢٤٧) هو آدم بن محمّد القلانسي، من أهل بلخ، لم يرو عن الأئمَّة (عليهم السلام)، قيل: إنَّه كان يقول بالتفويض. (خلاصة الأقوال: ص ٣٢٦/ الرقم ٥).
(٢٤٨) في بعض النُّسَخ: (عليُّ بن الحسن).

↑صفحة ١١١↑

ابْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى دُكَّانٍ فِي الدَّارِ، وَعَنْ يَمِينِهِ بَيْتٌ عَلَيْهِ سِتْرٌ مُسَبَّلٌ، فَقُلْتُ لَهُ: [يَا] سَيِّدِي، مَنْ صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ؟ فَقَالَ: «ارْفَعِ السِّتْرَ»، فَرَفَعْتُهُ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا غُلَامٌ خُمَاسِيٌّ(٢٤٩) لَهُ عَشْرٌ أَوْ ثَمَانٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَاضِحُ الجَبِينِ، أَبْيَضُ الوَجْهِ، دُرِّيُّ المُقْلَتَيْنِ، شَثْنُ الكَفَّيْنِ، مَعْطُوفُ الرُّكْبَتَيْنِ، فِي خَدِّهِ الأَيْمَنِ خَالٌ، وَفِي رَأْسِهِ ذُؤَابَةٌ، فَجَلَسَ عَلَى فَخِذِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، ثُمَّ قَالَ لِي: «هَذَا صَاحِبُكُمْ»، ثُمَّ وَثَبَ فَقَالَ لَهُ: «يَا بُنَيَّ ادْخُلْ إِلَى الوَقْتِ المَعْلُومِ»، فَدَخَلَ البَيْتَ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا يَعْقُوبُ، انْظُرْ مَنْ فِي البَيْتِ»، فَدَخَلْتُ فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً(٢٥٠)،(٢٥١).
[٣٣٧/٣] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ وَهْبٍ البَغْدَادِيُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) تَوْقِيعٌ: «زَعَمُوا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلِي لِيَقْطَعُوا هَذَا النَّسْلَ، وَقَدْ كَذَّبَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) قَوْلَهُمْ، وَالحَمْدُ للهِ»(٢٥٢).
[٣٣٨/٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِصَامٍ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الكُلَيْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلَّانٌ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَـمَّا حَمَلَتْ جَارِيَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) قَالَ: «سَتَحْمِلِينَ ذَكَراً، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَهُوَ القَائِمُ مِنْ بَعْدِي»(٢٥٣).
[٣٣٩/٥] حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٩) في النهاية (ج ٢/ ص ٧٩): (الخماسيَّان: طول كلِّ واحد منهما خمسة أشبار، والأُنثى خماسيَّة، ولا يقال: سداسي ولا سباعي ولا غير الخمسة).
(٢٥٠) سيأتي الحديث في باب من شاهد القائم (عليه السلام) تحت الرقم (٣٩١/٥) بهذا السند أيضاً.
(٢٥١) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٥٠)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٩٥٨ و٩٥٩).
(٢٥٢) رواه الخزَّاز في كفاية الأثر (ص ٢٩٣).
(٢٥٣) رواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٩٣ و٢٩٤).
(٢٥٤) في بعض النُّسَخ: (ناتئة). ونتأ ينتؤ نتوءاً: خرج من موضعه. وتنفُّخ وبعضو ورم فهو ناتئ.

↑صفحة ١١٢↑

حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ كُلْثُومٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّازِيُّ، قَالَ: خَرَجَ بَعْضُ إِخْوَانِي مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ مُرْتَاداً بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَسْجِدِ الكُوفَةِ مَغْمُوماً مُتَفَكِّراً فِيمَا خَرَجَ لَهُ يَبْحَثُ حَصَى المَسْجِدِ بِيَدِهِ فَظَهَرَتْ لَهُ حَصَاةٌ فِيهَا مَكْتُوبٌ: مُحَمَّدٌ، قَالَ الرَّجُلُ: فَنَظَرْتُ إِلَى الحَصَاةِ فَإِذَا فِيهَا كِتَابَةٌ ثَابِتَةٌ(٢٥٤) مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ مَنْقُوشَةٍ.
[٣٤٠/٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الفَزَارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ المَدَائِنِيُّ، عَنْ أَبِي غَانِمٍ(٢٥٥)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) يَقُولُ: «فِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ تَفْتَرِقُ شِيعَتِي».
فَفِيهَا قُبِضَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَتَفَرَّقَتِ الشِّيعَةُ وَأَنْصَارُهُ، فَمِنْهُمْ مَنِ انْتَمَى إِلَى جَعْفَرٍ(٢٥٦)، وَمِنْهُمْ مَنْ تَاهَ، وَ[مِنْهُمْ مَنْ] شَكَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ عَلَى تَحَيُّرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ عَلَى دِينِهِ بِتَوْفِيقِ اللهِ (عزَّ وجلَّ).
[٣٤١/٧] حَدَّثَنَا المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ العَيَّاشِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ كُلْثُومٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الرَّازِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ العَسْكَرِيَّ (عليهما السلام) يَقُولُ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يُخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى أَرَانِي الخَلَفَ مِنْ بَعْدِي، أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خَلْقاً وَخُلْقاً، يَحْفَظُهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي غَيْبَتِهِ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ فَيَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(٢٥٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٥) كذا، وفي بعض النُّسَخ: (أبي حاتم). وفي هامش بعض المخطوط عن حاشية رجال الميرزا: (أبو غانم لا أعرفه، روى خبراً عنه عيسى بن مهران في باب ضمان النفوس من كتاب قصاص التهذيب).
(٢٥٦) انتمى: أي انتسب. وفي بعض النُّسخ: (آل). وتاه يتيه: إذا تحيَّر وضلَّ.
(٢٥٧) رواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٩٤ و٢٩٥).

↑صفحة ١١٣↑

[٣٤٢/٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ وَهْبٍ البَغْدَادِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) يَقُولُ: «كَأَنِّي بِكُمْ وَقَدِ اخْتَلَفْتُمْ بَعْدِي فِي الخَلَفِ مِنِّي، أَمَا إِنَّ المُقِرَّ بِالأَئِمَّةِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المُنْكِرَ لِوَلَدِي كَمَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ ثُمَّ أَنْكَرَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَالمُنْكِرُ لِرَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَمَنْ أَنْكَرَ جَمِيعَ أَنْبِيَاءِ اللهِ، لِأَنَّ طَاعَةَ آخِرِنَا كَطَاعَةِ أَوَّلِنَا، وَالمُنْكِرَ لِآخِرِنَا كَالمُنْكِرِ لِأَوَّلِنَا، أَمَا إِنَّ لِوَلَدِي غَيْبَةً يَرْتَابُ فِيهَا النَّاسُ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ)»(٢٥٨).
[٣٤٣/٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ ابْنِ هَمَّامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ العَمْرِيَّ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ) يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَأَنَا عِنْدَهُ عَنِ الخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) «أَنَّ الأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ لِلهِ عَلَى خَلْقِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ هَذَا حَقٌّ كَمَا أَنَّ النَّهَارَ حَقٌّ»، فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، فَمَنِ الحُجَّةُ وَالإِمَامُ بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: «ابْنِي مُحَمَّدٌ، هُوَ الإِمَامُ وَالحُجَّةُ بَعْدِي، مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً. أَمَا إِنَّ لَهُ غَيْبَةً يَحَارُ فِيهَا الجَاهِلُونَ، وَيَهْلِكُ فِيهَا المُبْطِلُونَ، وَيَكْذِبُ فِيهَا الوَقَّاتُونَ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الأَعْلَامِ البِيضِ تَخْفِقُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِنَجَفِ الكُوفَةِ»(٢٥٩).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٨) رواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٩٥ و٢٩٦)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٥٢ و٢٥٣).
(٢٥٩) رواه الخزَّاز (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٩٦)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٥٣).

↑صفحة ١١٤↑

الباب التاسع والثلاثون: في من أنكر القائم الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام)

↑صفحة ١١٥↑

[٣٤٤/١] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ أَنْكَرَ وَاحِداً مِنَ الأَحْيَاءِ فَقَدْ أَنْكَرَ الأَمْوَاتَ»(٢٦٠).
[٣٤٥/٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الوَلِيدِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الصَّفَّارُ وَالحَسَنُ بْنُ مَتِّيلٍ الدَّقَّاقُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ جَمِيعاً، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الخَطَّابِ وَيَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ وَصَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى جَمِيعاً، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ أَنْكَرَ وَاحِداً مِنَ الأَحْيَاءِ فَقَدْ أَنْكَرَ الأَمْوَاتَ».
[٣٤٦/٣] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): مَنْ عَرَفَ الأَئِمَّةَ وَلَمْ يَعْرِفِ الإِمَامَ الَّذِي فِي زَمَانِهِ أَمُؤْمِنٌ هُوَ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: أَمُسْلِمٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»(٢٦١).
قال مصنِّف هذا الكتاب (رضي الله عنه): الإسلام هو إقرار بالشهادتين، وهو الذي به تُحقَن الدماء والأموال، والثواب على الإيمان، وَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ فَقَدْ حُقِنَ مَالُهُ وَدَمُهُ إِلَّا بِحَقِّهِمَا، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ (عزَّ وجلَّ)».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٠) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ٩٠/ ح ٧٩)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٧٣/ باب من ادَّعى الإمامة.../ ح ٨)، وابن عقدة في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) (ص ١٥٠/ ح ١٤٤)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٢٨/ باب ٧/ ح ٤ و٥) بسندين.
(٢٦١) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ٩٠/ ح ٧٨).

↑صفحة ١١٧↑

[٣٤٧/٤] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ الآدَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ(٢٦٢)، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ العَبْدِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ(٢٦٣)، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «مَنْ أَقَرَّ بِالأَئِمَّةِ مِنْ آبَائِي وَوُلْدِي، وَجَحَدَ المَهْدِيَّ مِنْ وُلْدِي كَانَ كَمَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَجَحَدَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، وَمَنِ المَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِكَ؟ قَالَ: «الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ، يَغِيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ تَسْمِيَتُهُ»(٢٦٤).
[٣٤٨/٥] حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ صَفْوَانَ [بْنِ مِهْرَانَ]، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَئِمَّةِ، وَجَحَدَ المَهْدِيَّ كَانَ كَمَنْ أَقَرَّ بِجَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَجَحَدَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نُبُوَّتَهُ»، فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، فَمَنِ المَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِكَ؟ قَالَ: «الخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ، يَغِيبُ عَنْكُمْ شَخْصُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ تَسْمِيَتُهُ»(٢٦٥).
[٣٤٩/٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبْدُوسٍ النَّيْسَابُورِيُّ العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الفَضْلِ الهَاشِمِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (عليهم السلام)، قَالَ: قَالَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٢) في أكثر النُّسَخ: (عن محمّد بن الحسن بن محبوب)، وهو تصحيف. ورواية سهل عن السرَّاد كثير، راجع: التهذيب (ج ١/ ص ٨٠ و٢٩٣ و٢٩٨ و٣٠٠) وغيرها، والكافي (ج ١/ ص ٦٥ و٩٢ و١١٧ و١٣٢) وغيرها، وهكذا رواية السرَّاد عن العبدي، راجع: تهذيب الأحكام (ج ١/ ص ٣١٤، وج ٤/ ص ٢١٦) وغير ذلك.
(٢٦٣) في بعض النُّسَخ: (عن أبي يعقوب).
(٢٦٤) قد مرَّ تحت الرقم (٢٥٣/١٢)، فراجع.
(٢٦٥) قد مرَّ تحت الرقم (٢٤٢/١)، فراجع.

↑صفحة ١١٨↑

رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «القَائِمُ مِنْ وُلْدِي اسْمُهُ اسْمِي، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، وَشَمَائِلُهُ شَمَائِلِي، وَسُنَّتُهُ سُنَّتِي، يُقِيمُ النَّاسَ عَلَى مِلَّتِي وَشَرِيعَتِي، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ رَبِّي (عزَّ وجلَّ)، مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَانِي، وَمَنْ أَنْكَرَهُ فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَنْكَرَنِي، وَمَنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ كَذَّبَنِي، وَمَنْ صَدَّقَهُ فَقَدْ صَدَّقَنِي، إِلَى اللهِ أَشْكُو المُكَذِّبِينَ لِي فِي أَمْرِهِ، وَالجَاحِدِينَ لِقَوْلِي فِي شَأْنِهِ، وَالمُضِلِّينَ لِأُمَّتِي عَنْ طَرِيقَتِهِ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]»(٢٦٦).
[٣٥٠/٧] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصَّادِقِ (عليه السلام) فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَقُولُ فِي آخِرِهِ: «كَيْفَ يَهْتَدِي مَنْ لَمْ يُبْصِرْ؟ وكَيْفَ يُبْصِرُ مَنْ لَمْ يُنْذَرْ؟ اتَّبِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَأَقِرُّوا بِمَا نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَاتَّبِعُوا آثَارَ الهُدَى فَإِنَّهَا عَلَامَاتُ الأَمَانَةِ وَالتُّقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ رَجُلٌ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ (عليه السلام) وَأَقَرَّ بِمَنْ سِوَاهُ مِنَ الرُّسُلِ (عليهم السلام) لَمْ يُؤْمِنْ، اقْصِدُوا الطَّرِيقَ بِالتِمَاسِ المَنَارِ، وَالتَمِسُوا مِنْ وَرَاءِ الحُجُبِ الآثَارَ، تَسْتَكْمِلُوا أَمْرَ دِينِكُمْ، وَتُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ»(٢٦٧)،(٢٦٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٦) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٢٧).
(٢٦٧) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ١٨١ - ١٨٣/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح ٦).
(٢٦٨) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٢/ ص ٣١١ و٣١٢): (بيَّن (عليه السلام) أنَّ الاهتداء لا يكون إلَّا بإبصار القلب والتميُّز بين الحقِّ والباطل، ولا يكون ذلك الإبصار إلَّا بالتدبُّر والتفكُّر في الآيات والأخبار. «اتَّبعوا رسول الله» فذلكة للبحث ونتيجة لما سبق، و«آثار الهدى» الأئمَّة (عليهم السلام)، فإنَّهم علامة الهداية أو الدلائل الدالَّة على إمامتهم ووجوب متابعتهم. «فإنَّهم علامات الأمانة» أي المتَّصفون بها، أو بأقوالهم وأفعالهم تُعلَم أحكام الأمانة والتقوى. ثمّ بيَّن(عليه السلام) وجوب الإقرار بجميع الأئمَّة (عليهم السلام)، واشتراط الإيمان به بأنَّه لو أقرَّ رجل بجميع الأنبياء وأنكر واحداً منهم لم ينفعه إيمانه، كما قال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فكذلك من أنكر واحداً من الأئمَّة (عليهم السلام) لم ينفعه إقراره بسائر الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، لأنَّ كلمة الأنبياء والأوصياء متَّفقة، وكلٌّ منهم مصدِّق بمن سواهم، فإنكار واحد منهم إنكار للجميع. «اقتصُّوا الطريق» يقال: قصَّ أثره واقتصَّه إلى اتَّبعه، أي اتَّبعوا طريق الشيعة والدِّين، أو اتَّبعوا أثر من تجب متابعته في طريق الدِّين بطلب المنار الذي به يُعلَم الطريق وهو الإمام، والمنار - بفتح الميم -: محلُّ النور الذي يُنصَب على الطريق ليهتدي به الضالُّون في الظلمات. «والتمسوا» أي اطلبوا. «من وراء الحُجُب» أي حُجُب الشكوك والشُّبُهات والفتن التي صارت حجاباً بين الناس وفهم الحقِّ. «الآثار» أي آثار الهداية ودلائلها، وهم الأئمَّة (عليهم السلام)، أو دلائل إمامتهم، أو المعنى إنْ لم يتيسَّر لكم الوصول إلى الإمام فاطلبوا آثاره وأخباره من رواتها وحملتها، أو اطلبوا الإمام المحجوب بحجاب التقيَّة والخوف حتَّى تصلوا إليه، فإذا فعلتم ما ذُكِرَ فقد أكملتم أمر دينكم بمعرفة الأئمَّة (عليهم السلام) ومتابعتهم، وآمنتم بالله حقَّ الإيمان وإلَّا فلستم بمؤمنين).

↑صفحة ١١٩↑

[٣٥١/٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمَدَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ أَنْكَرَ القَائِمَ مِنْ وُلْدِي فَقَدْ أَنْكَرَنِي».
[٣٥٢/٩] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُوسَى الخَشَّابِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): «الإِمَامُ عَلَمٌ فِيمَا بَيْنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَمَنْ عَرَفَهُ كَانَ مُؤْمِناً، وَمَنْ أَنْكَرَهُ كَانَ كَافِراً».
[٣٥٣/١٠] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَلَا يُعْذَرُ النَّاسُ حَتَّى يَعْرِفُوا إِمَامَهُمْ»(٢٦٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٩) روى قريباً منه البرقي (رحمه الله) في المحاسن (ج ١/ ص ١٥٥ و١٥٦/ ح ٨٥).

↑صفحة ١٢٠↑

[٣٥٤/١١] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنهم)، قَالُوا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ المُكَارِي، عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ ولَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةَ كُفْرٍ وَشِرْكٍ وَضَلَالَةٍ»(٢٧٠).
[٣٥٥/١٢] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ الأَسَدِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ النَّخَعِيُّ، عَنْ عَمِّهِ الحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ النَّوْفَلِيِّ، عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ أَنْكَرَ القَائِمَ مِنْ وُلْدِي فِي زَمَانِ غَيْبَتِهِ [فَ]مَاتَ [فَقَدْ مَاتَ] مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».
[٣٥٦/١٣] حَدَّثَنَا المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ مُحَمَّدِ(٢٧١) بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الفُضَيْلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا، عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يَا عَلِيُّ، أَنْتَ وَالأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِكَ بَعْدِي حُجَجُ اللهِ (عزَّ وجلَّ) عَلَى خَلْقِهِ، وَأَعْلَامُهُ فِي بَرِيَّتِهِ، مَنْ أَنْكَرَ وَاحِداً مِنْكُمْ فَقَدْ أَنْكَرَنِي، وَمَنْ عَصَى وَاحِداً مِنْكُمْ فَقَدْ عَصَانِي، وَمَنْ جَفَا وَاحِداً مِنْكُمْ فَقَدْ جَفَانِي، وَمَنْ وَصَلَكُمْ فَقَدْ وَصَلَنِي، وَمَنْ أَطَاعَكُمْ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ وَالَاكُمْ فَقَدْ وَالَانِي، وَمَنْ عَادَاكُمْ فَقَدْ عَادَانِي، لِأَنَّكُمْ مِنِّي، خُلِقْتُمْ مِنْ طِينَتِي وَأَنَا مِنْكُمْ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٠) رواه ابن بوبيه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ٨٣/ ح ٧١).
(٢٧١) في بعض النُّسَخ: (عن محمّد بن عليٍّ، قال: حدَّثني عمران بن محمّد). وهو عمران بن موسى الزيتوني الأشعري. وأمَّا راويه عليُّ بن محمّد فلعلَّه عليُّ بن محمّد بن مروان، وهو مهمل.

↑صفحة ١٢١↑

[٣٥٧/١٤] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ القَاسِمِ العَلَوِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَارِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ قُدَامَةَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي الحَسَنِ (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ شَكَّ فِي أَرْبَعَةٍ فَقَدْ كَفَرَ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَحَدُهَا مَعْرِفَةُ الإِمَامِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَأَوَانٍ بِشَخْصِهِ وَنَعْتِهِ».
[٣٥٨/١٥] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَيَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ جَمِيعاً، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الهِلَالِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَلْمَانَ وَمِنْ أَبِي ذَرٍّ وَمِنَ المِقْدَادِ حَدِيثاً عَنْ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ ولَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، ثُمَّ عَرَضَهُ عَلَى جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَا: صَدَقُوا وَبَرُّوا، وَقَدْ شَهِدْنَا ذَلِكَ وَسَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَإِنَّ سَلْمَانَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» مَنْ هَذَا الإِمَامُ؟ قَالَ: «مِنْ أَوْصِيَائِي يَا سَلْمَانُ، فَمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَلَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مِنْهُمْ يَعْرِفُهُ فَهِيَ مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، فَإِنْ جَهِلَهُ وَعَادَاهُ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَلَمْ يُعَادِهِ وَلَمْ يُوَالِ لَهُ عَدُوًّا فَهُوَ جَاهِلٌ وَلَيْسَ بِمُشْرِكٍ».

* * *

↑صفحة ١٢٢↑

الباب الأربعون: ما روي في أنَّ الإمامة لا تجتمع في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)

↑صفحة ١٢٣↑

[٣٥٩/١] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «لَا تَكُونُ الإِمَامَةُ(٢٧٢) فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليهما السلام) أَبَداً، إِنَّهَا جَرَتْ(٢٧٣) مِنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (عليهما السلام) كَمَا قَالَ اللهُ (جلّ جلاله): ﴿وَأُولُوا الأَرحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وَلَا تَكُونُ بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ إِلَّا فِي الأَعْقَابِ وَأَعْقَابِ الأَعْقَابِ»(٢٧٤).
[٣٦٠/٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الوَلِيدِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ الحَسَنِ الفَارِسِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الجَعْفَرِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «لَا تَجْتَمِعُ الإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليهما السلام)، إِنَّمَا تَجْرِي فِي الأَعْقَابِ وَأَعْقَابِ الأَعْقَابِ»(٢٧٥)،(٢٧٦).
[٣٦١/٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٢) في الكافي بهذا الإسناد: (لا تعود الإمامة).
(٢٧٣) في الكافي: (إنَّما جرت).
(٢٧٤) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٨٥ و٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ١)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٢٦/ ح ١٩٢).
(٢٧٥) في الكافي بإسناده، عن سليمان، عن حمَّاد، عنه (عليه السلام).
(٢٧٦) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ٥٧/ ح ٤٢)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ٤)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٢٦/ ح ١٩١).

↑صفحة ١٢٥↑

الحُسَيْنِ السَّعْدَآبَادِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «أَبَى اللهُ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَجْعَلَهَا (يَعْنِي الإِمَامَةَ)(٢٧٧) فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليهما السلام)»(٢٧٨).
[٣٦٢/٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الوَلِيدِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ سَوْرَةَ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]، إِنَّهَا فِي الحُسَيْنِ (عليه السلام) تَنْتَقِلُ مِنْ وَلَدٍ إِلَى وَلَدٍ، لَا تَرْجِعُ إِلَى أَخٍ وَلَا عَمٍّ».
[٣٦٣/٥] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ جَمِيعاً، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، [عَنْ أَبِيهِ - خ]، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «لَا تَكُونُ الإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليهما السلام) أَبَداً، إِنَّمَا هِيَ فِي الأَعْقَابِ وَأَعْقَابِ الأَعْقَابِ».
[٣٦٤/٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ السَّعْدَآبَادِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ البَرْقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ: «لَـمَّا وَلَدَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) الحُسَيْنَ (عليه السلام) أَخْبَرَهَا أَبُوهَا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَقْتُلُهُ مِنْ بَعْدِهِ، قَالَتْ: وَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) قَدْ أَخْبَرَنِي أَنْ يَجْعَلُ الأَئِمَّةَ مِنْ وُلْدِهِ، قَالَتْ: قَدْ رَضِيتُ يَا رَسُولَ اللهِ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٧) من زيادات النُّسَّاخ أو المصنِّف (رحمه الله)، لعدم وجودها في الكافي والراوي واحد.
(٢٧٨) رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ٥٧ و٥٨/ ح ٤١ و٤٣)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٨٦/ باب ثبات الإمامة في الأعقاب.../ ح ٢).

↑صفحة ١٢٦↑

[٣٦٥/٧] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الخَطَّابِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدِ جَمِيعاً، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ العَلَوِيِّ العُمَرِيِّ(٢٧٩)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عليهما السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنْ كَانَ كَوْنٌ - وَلَا أَرَانِي اللهُ يَوْمَكَ - فَبِمَنْ أَئْتَمُّ؟ قَالَ: فَأَوْمَأَ إِلَى مُوسَى (عليه السلام)، قُلْتُ: فَإِنْ مَضَى مُوسَى (عليه السلام) فَبِمَنْ أَئْتَمُّ؟ قَالَ: «بِوَلَدِهِ»، قُلْتُ: فَإِنْ مَضَى وَلَدُهُ وَتَرَكَ أَخاً كَبِيراً وَابْناً صَغِيراً فَبِمَنْ أَئْتَمُّ؟ قَالَ: «بِوَلَدِهِ، ثُمَّ هَكَذَا أَبَداً»، قُلْتُ: فَإِنْ أَنَا لَمْ أَعْرِفْهُ وَلَمْ أَعْرِفْ مَوْضِعَهُ فَمَا أَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَوَلَّى مَنْ بَقِيَ مِنْ حُجَجِكَ مِنْ وُلْدِ الإِمَامِ المَاضِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكَ»(٢٨٠).
[٣٦٦/٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «لَـمَّا أَنْ حَمَلَتْ(٢٨١) فَاطِمَةُ (عليها السلام) بِالحُسَيْنِ (عليه السلام) قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) قَدْ وَهَبَ لَكِ غُلَاماً اسْمُهُ الحُسَيْنُ، تَقْتُلُهُ أُمَّتِي، قَالَتْ: فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) قَدْ وَعَدَنِي فِيهِ عِدَةً، قَالَتْ: وَمَا وَعَدَكَ؟ قَالَ: وَعَدَنِي أَنْ يَجْعَلَ الإِمَامَةَ مِنْ بَعْدِهِ فِي وُلْدِهِ، فَقَالَتْ: رَضِيتُ».
[٣٦٧/٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ سَالِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): الحَسَنُ أَفْضَلُ أَمِ الحُسَيْنُ؟ فَقَالَ: «الحَسَنُ أَفْضَلُ مِنَ الحُسَيْنِ»، [قَالَ]: قُلْتُ: فَكَيْفَ صَارَتِ الإِمَامَةُ مِنْ بَعْدِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٩) هو عيسى بن عبد الله بن عمر بن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام).
(٢٨٠) قد مرَّ تحت الرقم (٢٨٤/٤٣)، فراجع.
(٢٨١) في بعض النُّسَخ: (علقت).

↑صفحة ١٢٧↑

الحُسَيْنِ فِي عَقِبِهِ دُونَ وُلْدِ الحَسَنِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَ(٢٨٢) سُنَّةَ مُوسَى وَهَارُونَ جَارِيَةً فِي الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليهما السلام)، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي النُّبُوَّةِ كَمَا كَانَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ شَرِيكَيْنِ فِي الإِمَامَةِ، وَإِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) جَعَلَ النُّبُوَّةَ فِي وُلْدِ هَارُونَ وَلَمْ يَجْعَلْهَا فِي وُلْدِ مُوسَى وَإِنْ كَانَ مُوسَى أَفْضَلَ مِنْ هَارُونَ (عليهما السلام)»، قُلْتُ: فَهَلْ يَكُونُ إِمَامَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا صَامِتاً مَأْمُوماً لِصَاحِبِهِ، وَالآخَرُ نَاطِقاً إِمَاماً لِصَاحِبِهِ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَا إِمَامَيْنِ نَاطِقَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَا»، قُلْتُ: فَهَلْ تَكُونُ الإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليهما السلام)؟ قَالَ: «لَا، إِنَّمَا هِيَ جَارِيَةٌ فِي عَقِبِ الحُسَيْنِ (عليه السلام)، كَمَا قَالَ اللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]، ثُمَّ هِيَ جَارِيَةٌ فِي الأَعْقَابِ وَأَعْقَابِ الأَعْقَابِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
[٣٦٨/١٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَطَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الخَطَّابِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ(٢٨٣)، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحجّ: ٤٥]، فَقَالَ: «البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الإِمَامُ الصَّامِتُ، وَالقَصْرُ المَشِيدُ الإِمَامُ النَّاطِقُ»(٢٨٤)،(٢٨٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٢) في بعض النُّسَخ: (إنَّ الله تبارك وتعالى لم يرد بذلك إلَّا أنْ يجعل...) إلخ، وفي بعضها: (إنَّ الله تبارك وتعالى أبى إلَّا أنْ يجعل...) إلخ.
(٢٨٣) عليُّ بن أبي حمزة البطائني أحد عُمَد الواقفة، كذَّاب متَّهم ملعون، قال العلَّامة (رحمه الله): (قال أبو الحسن عليُّ بن الحسن بن فضَّال: عليُّ بن أبي حمزة كذَّاب واقفي، متَّهم ملعون، وقد رويت عنه أحاديث كثيرة، وكتبت عنه تفسير القرآن كلَّه من أوَّله إلى آخره إلَّا أنِّي لا أستحلُّ أنْ أروي عنه حديثاً واحداً) (خلاصة الأقوال: ص ٣٦٢ و٣٦٣/ الرقم ١).
(٢٨٤) قال القمِّي (رحمه الله) في تفسيره (ج ٢/ ص ٨٥): (قوله: ﴿بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ هي التي لا يُستسقى منها، وهو الإمام الذي قد غاب فلا يُقتَبس منه العلم. والقصر المشيد هو المرتفع، وهو مثل لأمير المؤمنين (عليه السلام)).
(٢٨٥) رواه المصنِّف (رحمه الله) بسندين آخرين في معاني الأخبار (ص ١١١/ باب معنى البئر المعطَّلة والقصر المشيد/ ح ١ و٢)، ورواه بسند آخر الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٥٢٥/ ج ١٠/ باب ١٨/ ح ٤)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٤٢٧/ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية/ ح ٧٥).

↑صفحة ١٢٨↑

الباب الحادي والأربعون: ما روي في نرجس أُمِّ القائم (عليه السلام) واسمها مليكة بنت يشوعا(٢٨٦) بن قيصر المَلِك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٦) في بعض النُّسَخ: (يوشعا)، وفي بعضها: (يستوعا).

↑صفحة ١٢٩↑

[٣٦٩/١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ النَّوْفَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الوَشَّاءِ البَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرٍ القُمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرٍ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: وَرَدْتُ كَرْبَلَاءَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: وَزُرْتُ قَبْرَ غَرِيبِ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثُمَّ انْكَفَأْتُ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ مُتَوَجِّهاً إِلَى مَقَابِرِ قُرَيْشٍ فِي وَقْتٍ قَدْ تَضَرَّمَتِ الهَوَاجِرُ وَتَوَقَّدَتِ السَّمَائِمُ، فَلَمَّا وَصَلْتُ مِنْهَا إِلَى مَشْهَدِ الكَاظِمِ (عليه السلام) وَاسْتَنْشَقْتُ نَسِيمَ تُرْبَتِهِ المَغْمُورَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ، المَحْفُوفَةِ بِحَدَائِقِ الغُفْرَانِ أَكْبَبْتُ عَلَيْهَا بِعَبَرَاتٍ مُتَقَاطِرَةٍ، وَزَفَرَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ، وَقَدْ حَجَبَ الدَّمْعُ طَرْفِي عَنِ النَّظَرِ، فَلَمَّا رَقَأَتِ العَبْرَةُ وَانْقَطَعَ النَّحِيبُ فَتَحْتُ بَصَرِي فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ قَدِ انْحَنَى صُلْبُهُ، وَتَقَوَّسَ مَنْكِبَاهُ، وَثَفِنَتْ جَبْهَتُهُ وَرَاحَتَاهُ، وَهُوَ يَقُولُ لِآخَرَ مَعَهُ عِنْدَ القَبْرِ: يَا ابْنَ أَخِي، لَقَدْ نَالَ عَمُّكَ شَرَفاً بِمَا حَمَّلَهُ السَّيِّدَانِ مِنْ غَوَامِضِ الغُيُوبِ وَشَرَائِفِ العُلُومِ الَّتِي لَمْ يَحْمِلْ مِثْلَهَا إِلَّا سَلْمَانُ، وَقَدْ أَشْرَفَ عَمُّكَ عَلَى اسْتِكْمَالِ المُدَّةِ وَانْقِضَاءِ العُمُرِ، وَلَيْسَ يَجِدُ فِي أَهْلِ الوَلَايَةِ رَجُلاً يُفْضِي إِلَيْهِ بِسِرِّهِ، قُلْتُ: يَا نَفْسُ لَا يَزَالُ العَنَاءُ وَالمَشَقَّةُ يَنَالانِ مِنْكِ بِإِتْعَابِيَ الخُفَّ وَالحَافِرَ(٢٨٧) فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَقَدْ قَرَعَ سَمْعِي مِنْ هَذَا الشَّيْخِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى عِلْمٍ جَسِيمٍ وَأَثَرٍ عَظِيمٍ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، وَمَنِ السَّيِّدَانِ؟ قَالَ: النَّجْمَانِ المُغَيَّبَانِ فِي الثَّرَى بِسُرَّ مَنْ رَأَى، فَقُلْتُ: إِنِّي أُقْسِمُ بِالمُوَالَاةِ وَشَرَفِ مَحَلِّ هَذَيْنِ السَّيِّدَيْنِ مِنَ الإِمَامَةِ وَالوِرَاثَةِ، أَنِّي خَاطِبٌ عِلْمَهُمَا، وَطَالِبٌ آثَارَهُمَا، وَبَاذِلٌ مِنْ نَفْسِيَ الأَيمَانَ المُؤَكَّدَةَ عَلَى حِفْظِ أَسْرَارِهِمَا، قَالَ: إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فِيمَا تَقُولُ فَأَحْضِرْ مَا صَحِبَكَ مِنَ الآثَارِ عَنْ نَقَلَةِ أَخْبَارِهِمْ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٧) كناية عن البعير والفرس.

↑صفحة ١٣١↑

فَلَمَّا فَتَّشَ الكُتُبَ وَتَصَفَّحَ الرِّوَايَاتِ مِنْهَا قَالَ: صَدَقْتَ، أَنَا بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَّاسُ(٢٨٨) مِنْ وُلْدِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَحَدُ مَوَالِي أَبِي الحَسَنِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، وَجَارُهُمَا بِسُرَّ مَنْ رَأَى، قُلْتُ: فَأَكْرِمْ أَخَاكَ بِبَعْضِ مَا شَاهَدْتَ مِنْ آثَارِهِمَا، قَالَ: كَانَ مَوْلَانَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ العَسْكَرِيُّ (عليهما السلام) فَقَّهَنِي فِي أَمْرِ الرَّقِيقِ، فَكُنْتُ لَا أَبْتَاعُ وَلَا أَبِيعُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَاجْتَنَبْتُ بِذَلِكَ مَوَارِدَ الشُّبُهَاتِ حَتَّى كَمَلَتْ مَعْرِفَتِي فِيهِ، فَأَحْسَنْتُ الفَرْقَ [فِيمَا] بَيْنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ.
فَبَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَنْزِلِي بِسُرَّ مَنْ رَأَى وَقَدْ مَضَى هَوَيٌّ(٢٨٩) مِنَ اللَّيْلِ إِذْ قَرَعَ البَابَ قَارِعٌ، فَعَدَوْتُ مُسْرِعاً، فَإِذَا أَنَا بِكَافُورٍ الخَادِمِ رَسُولِ مَوْلَانَا أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ ابْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) يَدْعُونِي إِلَيْهِ، فَلَبِسْتُ ثِيَابِي وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ يُحَدِّثُ ابْنَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ وَأُخْتَهُ حَكِيمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ، فَلَمَّا جَلَسْتُ قَالَ: «يَا بِشْرُ، إِنَّكَ مِنْ وُلْدِ الأَنْصَارِ، وَهَذِهِ الوَلَايَةُ لَمْ تَزَلْ فِيكُمْ يَرِثُهَا خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ، فَأَنْتُمْ ثِقَاتُنَا أَهْلَ البَيْتِ، وَإِنِّي مُزَكِّيكَ وَمُشَرِّفُكَ بِفَضِيلَةٍ تَسْبِقُ بِهَا شَأْوُ الشِّيعَةِ(٢٩٠) فِي المُوَالاةِ بِهَا، بِسِرٍّ أَطَّلِعُكَ عَلَيْهِ وَأُنْفِذُكَ فِي ابْتِيَاعِ أَمَةٍ(٢٩١)»، فَكَتَبَ كِتَاباً مُلْصَقاً(٢٩٢) بِخَطٍّ رُومِيٍّ وَلُغَةٍ رُومِيَّةٍ، وَطَبَعَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ، وَأَخْرَجَ شَسْتَقَةً(٢٩٣) صَفْرَاءَ فِيهَا مِائَتَانِ وَعِشْرُونَ دِينَاراً، فَقَالَ: «خُذْهَا وَتَوَجَّهْ بِهَا إِلَى بَغْدَادَ، وَاحْضُرْ مَعْبَرَ الفُرَاتِ ضَحْوَةَ كَذَا، فَإِذَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٨) مهمل.
(٢٨٩) يعني زماناً غير قليل.
(٢٩٠) في بعض النُّسَخ: (سائر الشيعة). والشأو مصدر الأمد والغاية، يقال: فلان بعيد الشأو أي عالي الهمَّة.
(٢٩١) في بعض النُّسَخ: (في تتبُّع أمره) مكان (في ابتياع أَمَة).
(٢٩٢) في بعض النُّسَخ: (مطلقاً)، وفي بعضها: (ملفَّقاً).
(٢٩٣) كذا في أكثر النُّسَخ، وفي بعض النُّسَخ: (الشنسقة)، والظاهر الصواب (الشنتقة)، معرب (چنته)، وفي بحار الأنوار: (شقة)، وهي بالكسر والضمِّ - السبيبة المقطوعة من الثياب المستطيلة. وعلى أيٍّ المراد الصُّرَّة التي يجعل فيه الدنانير.

↑صفحة ١٣٢↑

وَصَلَتْ إِلَى جَانِبِكَ زَوَارِقُ السَّبَايَا وَبَرْزَنُ الجَوَارِي مِنْهَا فَسَتَحْدِقُ بِهِمْ طَوَائِفُ المُبْتَاعِينَ مِنْ وُكَلَاءِ قُوَّادِ بَنِي العَبَّاسِ وَشَرَاذِمُ مِنْ فِتْيَانِ العِرَاقِ، فَإِذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ فَأَشْرِفْ مِنَ البُعْدِ عَلَى المُسَمَّى عُمَرَ بْنَ يَزِيدَ النَّخَّاسَ عَامَّةَ نَهَارِكَ إِلَى أَنْ يُبْرِزَ لِلْمُبْتَاعِينَ جَارِيَةً صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا، لَابِسَةً حَرِيرَتَيْنِ صَفِيقَتَيْنِ، تَمْتَنِعُ مِنَ السُّفُورِ وَلَمسِ المُعْتَرِضِ، وَالاِنْقِيَادِ لِمَنْ يُحَاوِلُ لَمسَهَا، وَيَشْغَلُ نَظَرَهُ بِتَأَمُّلِ مَكَاشِفِهَا مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ الرَّقِيقِ، فَيَضْرِبُهَا النَّخَّاسُ فَتَصْرَخُ صَرْخَةً رُومِيَّةً، فَاعْلَمْ أَنَّهَا تَقُولُ: وَا هَتْكَ سِتْرَاهْ، فَيَقُولُ بَعْضُ المُبْتَاعِينَ: عَلَيَّ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ زَادَنِي العَفَافُ فِيهَا رَغْبَةً، فَتَقُولُ بِالعَرَبِيَّةِ: لَوْ بَرَزْتَ فِي زِيِّ سُلَيْمَانَ وَعَلَى مِثْلِ سَرِيرِ مُلْكِهِ مَا بَدَتْ لِي فِيكَ رَغْبَةٌ، فَاشْفَقْ عَلَى مَالِكَ، فَيَقُولُ النَّخَّاسُ: فَمَا الحِيلَةُ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعِكِ، فَتَقُولُ الجَارِيَةُ: وَمَا العَجَلَةُ وَلَا بُدَّ مِنِ اخْتِيَارِ مُبْتَاعٍ يَسْكُنُ قَلْبِي [إِلَيْهِ وَ]إِلَى أَمَانَتِهِ وَدِيَانَتِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قُمْ إِلَى عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَّاسِ وَقُلْ لَهُ: إِنَّ مَعِي كِتَاباً مُلْصَقاً لِبَعْضِ الأَشْرَافِ كَتَبَهُ بِلُغَةٍ رُومِيَّةٍ وَخَطٍّ رُومِيٍّ، وَوَصَفَ فِيهِ كَرَمَهُ وَوَفَاءَهُ وَنُبْلَهُ وَسَخَاءَهُ، فَنَاوِلْهَا لِتَتَأَمَّلَ مِنْهُ أَخْلَاقَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ مَالَتْ إِلَيْهِ وَرَضِيَتْهُ، فَأَنَا وَكِيلُهُ فِي ابْتِيَاعِهَا مِنْكَ».
قَالَ بِشْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَّاسُ: فَامْتَثَلْتُ جَمِيعَ مَا حَدَّهُ لِي مَوْلَايَ أَبُو الحَسَنِ (عليه السلام) فِي أَمْرِ الجَارِيَةِ، فَلَمَّا نَظَرَتْ فِي الكِتَابِ بَكَتْ بُكَاءً شَدِيداً، وَقَالَتْ لِعُمَرَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَّاسِ: بِعْنِي مِنْ صَاحِبِ هَذَا الكِتَابِ، وَحَلَفَتْ بِالمُحَرِّجَةِ المُغَلَّظَةِ(٢٩٤) إِنَّهُ مَتَى امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا مِنْهُ قَتَلَتْ نَفْسَهَا، فَمَا زِلْتُ أُشَاحُّهُ فِي ثَمَنِهَا حَتَّى اسْتَقَرَّ الأَمْرُ فِيهِ عَلَى مِقْدَارِ مَا كَانَ أَصْحَبَنِيهِ مَوْلَايَ (عليه السلام) مِنَ الدَّنَانِيرِ فِي الشَّسْتَقَةِ الصَّفْرَاءِ، فَاسْتَوْفَاهُ مِنِّي وَتَسَلَّمْتُ مِنْهُ الجَارِيَةَ ضَاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً، وَانْصَرَفْتُ بِهَا إِلَى حُجْرَتِيَ الَّتِي كُنْتُ آوِي إِلَيْهَا بِبَغْدَادَ، فَمَا أَخَذَهَا القَرَارُ حَتَّى أَخْرَجَتْ كِتَابَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٤) المحرِّجة: اليمين الذي يُضيِّق المجال على الحالف ولا يبقى له مندوحة عن برِّ قسمه. والمغلَّظة: المؤكَّدة.

↑صفحة ١٣٣↑

مَوْلَاهَا (عليه السلام) مِنْ جَيْبِهَا وَهِيَ تَلْثِمُهُ(٢٩٥) وَتَضَعُهُ عَلَى خَدِّهَا وَتُطْبِقُهُ عَلَى جَفْنِهَا وَتَمْسَحُهُ عَلَى بَدَنِهَا، فَقُلْتُ تَعَجُّباً مِنْهَا: أَتَلْثِمِينَ كِتَاباً وَلَا تَعْرِفِينَ صَاحِبَهُ؟
قَالَتْ: أَيُّهَا العَاجِزُ الضَّعِيفُ المَعْرِفَةِ بِمَحَلِّ أَوْلَادِ الأَنْبِيَاءِ، أَعِرْنِي سَمْعَكَ وَفَرِّغْ لِي قَلْبَكَ، أَنَا مَلِيكَةُ بِنْتُ يَشُوعَا(٢٩٦) بْنِ قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ، وَأُمِّي مِنْ وُلْدِ الحَوَارِيِّينَ تُنْسَبُ إِلَى وَصِيِّ المَسِيحِ شَمْعُونَ، أُنَبِّئُكَ العَجَبَ العَجِيبَ، إِنَّ جَدِّي قَيْصَرَ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَنِي مِنِ ابْنِ أَخِيهِ وَأَنَا مِنْ بَنَاتِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَجَمَعَ فِي قَصْرِهِ مِنْ نَسْلِ الحَوَارِيِّينَ وَمِنَ القِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ وَمِنْ ذَوِي الأَخْطَارِ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ، وَجَمَعَ مِنْ أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ وَقُوَّادِ العَسَاكِرِ وَنُقَبَاءِ الجُيُوشِ وَمُلُوكِ العَشَائِرِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَأَبْرَزَ مِنْ بَهْوِ مُلْكِهِ عَرْشاً مَسُوغاً(٢٩٧) مِنْ أَصْنَافِ الجَوَاهِرِ إِلَى صَحْنِ القَصْرِ، فَرَفَعَهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ مِرْقَاةً، فَلَمَّا صَعِدَ ابْنُ أَخِيهِ وَأَحْدَقَتْ بِهِ الصُّلْبَانُ وَقَامَتِ الأَسَاقِفَةُ عُكَّفاً وَنُشِرَتْ أَسْفَارُ الإِنْجِيلِ تَسَافَلَتِ الصُّلْبَانُ(٢٩٨) مِنَ الأَعَالِي فَلَصِقَتْ بِالأَرْضِ، وَتَقَوَّضَتِ الأَعْمِدَةُ(٢٩٩) فَانْهَارَتْ إِلَى القَرَارِ، وَخَرَّ الصَّاعِدُ مِنَ العَرْشِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَتَغَيَّرَتْ الوَانُ الأَسَاقِفَةِ، وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُمْ، فَقَالَ كَبِيرُهُمْ لِجَدِّي: أَيُّهَا المَلِكُ، أَعْفِنَا مِنْ مُلَاقَاةِ هَذِهِ النُّحُوسِ الدَّالَّةِ عَلَى زَوَالِ هَذَا الدِّينِ المَسِيحِيِّ وَالمَذْهَبِ المَلِكَانِيِّ(٣٠٠)، فَتَطَيَّرَ جَدِّي مِنْ ذَلِكَ تَطَيُّراً شَدِيداً، وَقَالَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٥) أي تُقبِّله.
(٢٩٦) في بعض النُّسَخ: (يوشعا).
(٢٩٧) في بعض النُّسَخ: (وأبرز هو من ملكه عرشاً مصنوعاً). والبهو: البيت المقدَّم أمام البيوت. وفي بعض النُّسَخ: (مصنوعاً) مكان (مسوغاً).
(٢٩٨) في بعض النُّسَخ: (تساقطت الصلبان).
(٢٩٩) في بعض النُّسَخ: (تفرَّقت الأعمدة)، وفي بعضها: (تقرَّضت).
(٣٠٠) الملكانيَّة أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها. ومعظم الروم ملكانيَّة، قالوا: إنَّ الكلمة اتَّحدت بجسد المسيح. (الملل والنحل للشهرستاني: ج ١/ ص ٢٢٢).

↑صفحة ١٣٤↑

لِلْأَسَاقِفَةِ: أَقِيمُوا هَذِهِ الأَعْمِدَةَ، وَارْفَعُوا الصُّلْبَانَ، وَأَحْضِرُوا أَخَا هَذَا المُدْبَرِ العَاثِرِ(٣٠١) المَنْكُوسِ جَدُّهُ لِأُزَوِّجَ مِنْهُ هَذِهِ الصَّبِيَّةَ فَيُدْفَعَ نُحُوسُهُ عَنْكُمْ بِسُعُودِهِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ حَدَثَ عَلَى الثَّانِي مَا حَدَثَ عَلَى الأَوَّلِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَقَامَ جَدِّي قَيْصَرُ مُغْتَمًّا وَدَخَلَ قَصْرَهُ وَأُرْخِيَتِ السُّتُورُ.
فَأُرِيتُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَأَنَّ المَسِيحَ وَالشَّمْعُونَ وَعِدَّةً مِنَ الحَوَارِيِّينَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي قَصْرِ جَدِّي، وَنَصَبُوا فِيهِ مِنْبَراً يُبَارِي السَّمَاءَ عُلُوًّا(٣٠٢) وَارْتِفَاعاً فِي المَوْضِعِ الَّذِي كَانَ جَدِّي نَصَبَ فِيهِ عَرْشَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَعَ فِتْيَةٍ وَعِدَّةٍ مِنْ بَنِيهِ، فَيَقُومُ إِلَيْهِ المَسِيحُ فَيَعْتَنِقُهُ فَيَقُولُ: يَا رُوحَ اللهِ، إِنِّي جِئْتُكَ خَاطِباً مِنْ وَصِيِّكَ شَمْعُونَ فَتَاتَهُ مَلِيكَةَ لِابْنِي هَذَا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ صَاحِبِ هَذَا الكِتَابِ -، فَنَظَرَ المَسِيحُ إِلَى شَمْعُونَ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَتَاكَ الشَّرَفُ، فَصِلْ رَحِمَكَ بِرَحِمِ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَصَعِدَ ذَلِكَ المِنْبَرَ وَخَطَبَ مُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَزَوَّجَنِي، وَشَهِدَ المَسِيحُ (عليه السلام) وَشَهِدَ بَنُو مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَالحَوَارِيُّونَ.
فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ مِنْ نَوْمِي أَشْفَقْتُ أَنْ أَقُصَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا عَلَى أَبِي وَجَدِّي مَخَافَةَ القَتْلِ، فَكُنْتُ أُسِرُّهَا فِي نَفْسِي وَلَا أُبْدِيهَا لَهُمْ، وَضَرَبَ صَدْرِي بِمَحَبَّةِ أَبِي مُحَمَّدٍ حَتَّى امْتَنَعْتُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَضَعُفَتْ نَفْسِي وَدَقَّ شَخْصِي، وَمَرِضْتُ مَرَضاً شَدِيداً، فَمَا بَقِيَ مِنْ مَدَائِنِ الرُّومِ طَبِيبٌ إِلَّا أَحْضَرَهُ جَدِّي وَسَأَلَهُ عَنْ دَوَائِي، فَلَمَّا بَرَّحَ بِهِ اليَأْسُ(٣٠٣) قَالَ: يَا قُرَّةَ عَيْنِي، فَهَلْ تَخْطُرُ بِبَالِكِ شَهْوَةٌ فَأُزَوِّدَكِهَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا؟ فَقُلْتُ: يَا جَدِّي، أَرَى أَبْوَابَ الفَرَجِ عَلَيَّ مُغْلَقَةً، فَلَوْ كَشَفْتَ العَذَابَ عَمَّنْ فِي سِجْنِكَ مِنْ أُسَارَى المُسْلِمِينَ، وَفَكَكْتَ عَنْهُمُ الأَغْلَالَ، وَتَصَدَّقْتَ عَلَيْهِمْ وَمَنَنْتَهُمْ بِالخَلَاصِ لَرَجَوْتُ أَنْ يَهَبَ المَسِيحُ وَأُمُّهُ لِي عَافِيَةً وَشِفَاءً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠١) في بعض النُّسَخ: (العابر)، وفي بحار الأنوار نقلاً عن الغيبة للطوسي: (العاهر).
(٣٠٢) يبارى السماء: أي يعارضها.
(٣٠٣) برَّح به الأمر تبريحاً: (جهده وأضرَّ به).

↑صفحة ١٣٥↑

فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَدِّي تَجَلَّدْتُ فِي إِظْهَارِ الصِّحَّةِ فِي بَدَنِي وَتَنَاوَلْتُ يَسِيراً مِنَ الطَّعَامِ، فَسَرَّ بِذَلِكَ جَدِّي وَأَقْبَلَ عَلَى إِكْرَامِ الأُسَارَى [وَ]إِعْزَازِهِمْ.
فَرَأَيْتُ أَيْضاً بَعْدَ أَرْبَعِ لَيَالٍ كَأَنَّ سَيِّدَةَ النِّسَاءِ قَدْ زَارَتْنِي وَمَعَهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَالفُ وَصِيفَةٍ مِنْ وَصَائِفِ الجِنَانِ، فَتَقُولُ لِي مَرْيَمُ: هَذِهِ سَيِّدَةُ النِّسَاءِ أُمُّ زَوْجِكِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَأَتَعَلَّقُ بِهَا وَأَبْكِي وَأَشْكُو إِلَيْهَا امْتِنَاعَ أَبِي مُحَمَّدٍ مِنْ زِيَارَتِي، فَقَالَتْ لِي سَيِّدَةُ النِّسَاءِ (عليها السلام): إِنَّ ابْنِي أَبَا مُحَمَّدٍ لَا يَزُورُكِ وَأَنْتِ مُشْرِكَةٌ بِاللهِ وَعَلَى مَذْهَبِ النَّصَارَى(٣٠٤)، وَهَذِهِ أُخْتِي مَرْيَمُ تَبْرَؤُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ دِينِكِ، فَإِنْ مِلْتِ إِلَى رِضَا اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَرِضَا المَسِيحِ وَمَرْيَمَ عَنْكِ وَزِيَارَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ إِيَّاكِ فَتَقُولِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ - أَبِي - مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ ضَمَّتْنِي سَيِّدَةُ النِّسَاءِ إِلَى صَدْرِهَا، فَطَيَّبَتْ لِي نَفْسِي، وَقَالَتِ: الآنَ تَوَقَّعِي زِيَارَةَ أَبِي مُحَمَّدٍ إِيَّاكِ، فَإِنِّي مُنْفِذُهُ إِلَيْكِ، فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا أَقُولُ: وَا شَوْقَاهْ إِلَى لِقَاءِ أَبِي مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ القَابِلَةُ جَاءَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) فِي مَنَامِي، فَرَأَيْتُهُ كَأَنِّي أَقُولُ لَهُ: جَفَوْتَنِي يَا حَبِيبِي بَعْدَ أَنْ شَغَلْتَ قَلْبِي بِجَوَامِعِ حُبِّكَ، قَالَ: مَا كَانَ تَأْخِيرِي عَنْكِ إِلَّا لِشِرْكِكِ، وَإِذْ قَدْ أَسْلَمْتِ فَإِنِّي زَائِرُكِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى أَنْ يَجْمَعَ اللهُ شَمْلَنَا فِي العَيَانِ، فَمَا قَطَعَ عَنِّي زِيَارَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الغَايَةِ.
قَالَ بِشْرٌ: فَقُلْتُ لَهَا: وَكَيْفَ وَقَعْتِ فِي الأَسْرِ(٣٠٥)؟ فَقَالَتْ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي أَنَّ جَدَّكِ سَيُسَرِّبُ(٣٠٦) جُيُوشاً إِلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ كَذَا، ثُمَّ يَتْبَعُهُمْ فَعَلَيْكِ بِاللِّحَاقِ بِهِمْ مُتَنَكِّرَةً فِي زِيِّ الخَدَمِ مَعَ عِدَّةٍ مِنَ الوَصَائِفِ مِنْ طَرِيقِ كَذَا، فَفَعَلْتُ، فَوَقَعَتْ عَلَيْنَا طَلَائِعُ المُسْلِمِينَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِي مَا رَأَيْتَ وَمَا شَاهَدْتَ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٤) كذا، وفي بحار الأنوار وفي بعض النُّسَخ: (على دين مذهب النصارى).
(٣٠٥) في بعض النُّسَخ: (وكيف صرتِ في الأُسارى).
(٣٠٦) أي سيُرسِل. وفي بحار الأنوار عن الغيبة للطوسي: (سيسرُّ).

↑صفحة ١٣٦↑

وَمَا شَعَرَ أَحَدٌ [بِي] بِأَنِّي ابْنَةُ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى هَذِهِ الغَايَةِ سِوَاكَ، وَذَلِكَ بِاطِّلَاعِي إِيَّاكَ عَلَيْهِ، وَقَدْ سَأَلَنِي الشَّيْخُ الَّذِي وَقَعْتُ إِلَيْهِ فِي سَهْمِ الغَنِيمَةِ عَنِ اسْمِي فَأَنْكَرْتُهُ وَقُلْتُ: نَرْجِسُ، فَقَالَ: اسْمُ الجَوَارِي.
فَقُلْتُ: العَجَبُ أَنَّكِ رُومِيَّةٌ وَلِسَانُكِ عَرَبِيٌّ، قَالَتْ: بَلَغَ مِنْ وُلُوعِ جَدِّي وَحَمْلِهِ إِيَّايَ عَلَى تَعَلُّمِ الآدَابِ أَنْ أَوْعَزَ(٣٠٧) إِلَيَّ امْرَأَةَ تَرْجُمَانٍ لَهُ فِي الاِخْتِلَافِ إِلَيَّ، فَكَانَتْ تَقْصُدُنِي صَبَاحاً وَمَسَاءً وَتُفِيدُنِي العَرَبِيَّةَ حَتَّى اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا لِسَانِي وَاسْتَقَامَ.
قَالَ بِشْرٌ: فَلَمَّا انْكَفَأْتُ بِهَا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى(٣٠٨) دَخَلْتُ عَلَى مَوْلَانَا أَبِي الحَسَنِ العَسْكَرِيِّ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهَا: «كَيْفَ أَرَاكِ اللهُ عِزَّ الإِسْلَامِ وَذُلَّ النَّصْرَانِيَّةِ وَشَرَفَ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟»، قَالَتْ: كَيْفَ أَصِفُ لَكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي؟ قَالَ: «فَإِنِّي أُرِيدُ(٣٠٩) أَنْ أُكْرِمَكِ، فَأَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَمْ بُشْرَى لَكِ فِيهَا شَرَفُ الأَبَدِ؟»، قَالَتْ: بَلِ البُشْرَى(٣١٠)، قَالَ (عليه السلام): «فَأَبْشِرِي بِوَلَدٍ يَمْلِكُ الدُّنْيَا شَرْقاً وَغَرْباً وَيَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»، قَالَتْ: مِمَّنْ؟ قَالَ (عليه السلام): «مِمَّنْ خَطَبَكِ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَهُ مِنْ لَيْلَةِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا بِالرُّومِيَّةِ»، قَالَتْ: مِنَ المَسِيحِ وَوَصِيِّهِ؟ قَالَ: «فَمِمَّنْ زَوَّجَكِ المَسِيحُ وَوَصِيُّهُ؟»، قَالَتْ: مِنِ ابْنِكَ أَبِي مُحَمَّدٍ، قَالَ: «فَهَلْ تَعْرِفِينَهُ؟»، قَالَتْ: وَهَلْ خَلَوْتُ لَيْلَةً مِنْ زِيَارَتِهِ إِيَّايَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ الَّتِي أَسْلَمْتُ فِيهَا عَلَى يَدِ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ أُمِّهِ؟
فَقَالَ أَبُو الحَسَنِ (عليه السلام): «يَا كَافُورُ، ادْعُ لِي أُخْتِي حَكِيمَةَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ (عليه السلام) لَهَا: «هَا هِيَهْ»، فَاعْتَنَقَتْهَا طَوِيلاً وَسُرَّتْ بِهَا كَثِيراً، فَقَالَ لَهَا مَوْلَانَا: «يَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٧) أوعز إليه في كذا: تقدَّمه.

(٣٠٨) انكفأت: أي رجعت.
(٣٠٩) في بعض النُّسَخ: (أُحِبُّ).
(٣١٠) في بعض النُّسَخ: (قالت: بل الشرف).

↑صفحة ١٣٧↑

بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، أَخْرِجِيهَا إِلَى مَنْزِلِكِ وَعَلِّمِيهَا الفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ فَإِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَأُمُّ القَائِمِ (عليه السلام)»(٣١١)،(٣١٢).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١١) رواه الطبري (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٤٨٩ - ٤٩٦/ ح ٤٨٨/٩٢)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٠٨ - ٢١٤/ح ١٧٨)، والعلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ص ٦ - ١٠/ح ١٢).
(٣١٢) سيأتي في (ص ١٤٤) ما ينافيه في الجملة. ونقلنا هناك في عدم التنافي كلاماً.

↑صفحة ١٣٨↑

الباب الثاني والأربعون: ما روي في ميلاد القائم صاحب الزمان حجَّة الله بن الحسن بن عليِّ ابن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين ابن عليِّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم)

↑صفحة ١٣٩↑

[٣٧٠/١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ الوَلِيدِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بْنُ رِزْقِ اللهِ(٣١٣)، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ القَاسِمِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَكِيمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَقَالَ: «يَا عَمَّةُ، اجْعَلِي إِفْطَارَكِ [هَذِهِ] اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا فَإِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيُظْهِرُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الحُجَّةَ، وَهُوَ حُجَّتُهُ فِي أَرْضِهِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ أُمُّهُ؟ قَالَ لِي: «نَرْجِسُ»، قُلْتُ لَهُ: جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ مَا بِهَا أَثَرٌ، فَقَالَ: «هُوَ مَا أَقُولُ لَكِ»، قَالَتْ: فَجِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ جَاءَتْ تَنْزِعُ خُفِّي وَقَالَتْ لِي: يَا سَيِّدَتِي [وَسَيِّدَةَ أَهْلِي]، كَيْفَ أَمْسَيْتِ؟ فَقُلْتُ: بَلْ أَنْتِ سَيِّدَتِي وَسَيِّدَةُ أَهْلِي، قَالَتْ: فَأَنْكَرَتْ قَوْلِي وَقَالَتْ: مَا هَذَا يَا عَمَّةُ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيَهَبُ لَكِ فِي لَيْلَتِكِ هَذِهِ غُلَاماً سَيِّداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالَتْ: فَخَجِلَتْ وَاسْتَحْيَتْ.
فَلَمَّا أَنْ فَرَغْتُ مِنْ صَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ أَفْطَرْتُ وَأَخَذْتُ مَضْجَعِي فَرَقَدْتُ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَفَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي وَهِيَ نَائِمَةٌ لَيْسَ بِهَا حَادِثٌ، ثُمَّ جَلَسْتُ مُعَقِّبَةً، ثُمَّ اضْطَجَعْتُ ثُمَّ انْتَبَهْتُ فَزِعَةً وَهِيَ رَاقِدَةٌ، ثُمَّ قَامَتْ فَصَلَّتْ وَنَامَتْ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٣) كذا في النُّسَخ المصحَّحة، ولم أجده. وفي بعض النُّسَخ: (الحسين بن عبيد الله) وهو السعدي يُرمى بالغلوِّ، وقال النجاشي في رجاله (ص ٤٢/ الرقم ٨٦): (له كُتُب صحيحة الحديث). وأمَّا موسى بن محمّد فمهمل، ولم أجده إلَّا في عمدة الطالب (ص ١٢٥) في عقب القاسم بن حمزة بن موسى (عليه السلام).

↑صفحة ١٤١↑

قَالَتْ حَكِيمَةُ: وَخَرَجْتُ أَتَفَقَّدُ الفَجْرَ، فَإِذَا أَنَا بِالفَجْرِ الأَوَّلِ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَدَخَلَنِي الشُّكُوكُ، فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مِنَ المَجْلِسِ فَقَالَ: «لَا تَعْجَلِي يَا عَمَّةُ، فَهَاكِ الأَمْرُ قَدْ قَرُبَ»، قَالَتْ: فَجَلَسْتُ وَقَرَأْتُ الم السَّجْدَةَ وَيس، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذِ انْتَبَهَتْ فَزِعَةً، فَوَثَبْتُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ: اسْمُ اللهِ عَلَيْكِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهَا: أَتَحِسِّينَ شَيْئاً؟ قَالَتْ: نَعَمْ يَا عَمَّةُ، فَقُلْتُ لَهَا: اجْمَعِي نَفْسَكِ وَاجْمَعِي قَلْبَكِ، فَهُوَ مَا قُلْتُ لَكِ، قَالَتْ: فَأَخَذَتْنِي فَتْرَةٌ وَأَخَذَتْهَا فَتْرَةٌ، فَانْتَبَهْتُ بِحِسِّ سَيِّدِي، فَكَشَفْتُ الثَّوْبَ عَنْهُ، فَإِذَا أَنَا بِهِ (عليه السلام) سَاجِداً يَتَلَقَّى الأَرْضَ بِمَسَاجِدِهِ، فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، فَإِذَا أَنَا بِهِ نَظِيفٌ مُتَنَظِّفٌ، فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «هَلُمِّي إِلَيَّ ابْنِي يَا عَمَّةُ»، فَجِئْتُ بِهِ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ تَحْتَ اليَتَيْهِ وَظَهْرِهِ، وَوَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ أَدْلَى لِسَانَهُ فِي فِيهِ، وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَسَمْعِهِ وَمَفَاصِلِهِ، ثُمَّ قَالَ: «تَكَلَّمْ يَا بُنَيَّ»، فَقَالَ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، ثُمَّ صَلَّى عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَعَلَى الأَئِمَّةِ (عليهم السلام) إِلَى أَنْ وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ، ثُمَّ أَحْجَمَ(٣١٤).
ثُمَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «يَا عَمَّةُ، اذْهَبِي بِهِ إِلَى أُمِّهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهَا وَأْتِينِي بِهِ»، فَذَهَبْتُ بِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَرَدَدْتُهُ فَوَضَعْتُهُ فِي المَجْلِسِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَمَّةُ، إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ فَأْتِينَا»، قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، وَكَشَفْتُ السِّتْرَ لِأَتَفَقَّدَ سَيِّدِي (عليه السلام)، فَلَمْ أَرَهُ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا فَعَلَ سَيِّدِي؟ فَقَالَ: «يَا عَمَّةُ، اسْتَوْدَعْنَاهُ الَّذِي اسْتَوْدَعَتْهُ أُمُّ مُوسَى مُوسَى (عليه السلام)».
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا كَانَ فِي اليَوْمِ السَّابِعِ جِئْتُ فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ، فَقَالَ: «هَلُمِّي إِلَيَّ ابْنِي»، فَجِئْتُ بِسَيِّدِي (عليه السلام) وَهُوَ فِي الخِرْقَةِ، فَفَعَلَ بِهِ كَفَعْلَتِهِ الأُولَى، ثُمَّ أَدْلَى لِسَانَهُ فِي فِيهِ كَأَنَّهُ يُغَذِّيهِ لَبَناً أَوْ عَسَلاً، ثُمَّ قَالَ: «تَكَلَّمْ يَا بُنَيَّ»، فَقَالَ: «أَشْهَدُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٤) أي سكت. أحجم عنه: أي كفَّ ونكص هيبةً.

↑صفحة ١٤٢↑

أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَثَنَّى بِالصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَعَلَى الأَئِمَّةِ الطَّاهِرِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) حَتَّى وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ (عليه السلام)، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القَصص: ٥ و٦]، قَالَ مُوسَى: فَسَالتُ عُقْبَةَ الخَادِمَ عَنْ هَذِهِ، فَقَالَتْ: صَدَقَتْ حَكِيمَةُ(٣١٥).
[٣٧١/٢] حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ الطُّهَوِيُّ(٣١٦)، قَالَ: قَصَدْتُ حَكِيمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) أَسْأَلُهَا عَنِ الحُجَّةِ وَمَا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الحَيْرَةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا، فَقَالَتْ لِي: اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُخْلِي الأَرْضَ مِنْ حُجَّةٍ نَاطِقَةٍ أَوْ صَامِتَةٍ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليهما السلام)، تَفْضِيلاً لِلْحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، وَتَنْزِيهاً لَهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي الأَرْضِ عَدِيلُهُمَا، إِلَّا أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَصَّ وُلْدَ الحُسَيْنِ بِالفَضْلِ عَلَى وُلْدِ الحَسَنِ(عليهما السلام)، كَمَا خَصَّ وُلْدَ هَارُونَ عَلَى وُلْدِ مُوسَى (عليه السلام)، وَإِنْ كَانَ مُوسَى حُجَّةً عَلَى هَارُونَ، وَالفَضْلُ لِوُلْدِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَلَا بُدَّ لِلْأُمَّةِ مِنْ حَيْرَةٍ يَرْتَابُ فِيهَا المُبْطِلُونَ وَيَخْلُصُ فِيهَا المُحِقُّونَ، كَيْ لَا يَكُونَ لِلْخَلْقِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ، وَإِنَّ الحَيْرَةَ لَا بُدَّ وَاقِعَةٌ بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ (عليه السلام)، فَقُلْتُ: يَا مَوْلَاتِي، هَلْ كَانَ لِلْحَسَنِ (عليه السلام) وَلَدٌ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٥) رواه الفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٥٦ و٢٥٧)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢١٤ - ٢١٧).
(٣١٦) في بعض النُّسَخ: (الطهوي)، وفي بعضها: (الظهري)، وفي بعضها: (الزهري)، وفي بعضها: (المطهَّري)، وفي بعضها: (الطهري)، ولم أجد بهذه العناوين في أصحاب الهادي (عليه السلام) أحداً، نعم ذُكِرَ الطهومي في جامع الرواة (ج ٢/ ص ١٤٢) من أصحاب الرضا (عليه السلام)، لكن حاله مجهول.

↑صفحة ١٤٣↑

فَتَبَسَّمَتْ ثُمَّ قَالَتْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَسَنِ (عليه السلام) عَقِبٌ فَمَنِ الحُجَّةُ مِنْ بَعْدِهِ وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ لَا إِمَامَةَ لِأَخَوَيْنِ بَعْدَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليهما السلام)، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدَتِي، حَدِّثِينِي بِوِلَادَةِ مَوْلَايَ وَغَيْبَتِهِ (عليه السلام)، قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: نَرْجِسُ، فَزَارَنِي ابْنُ أَخِي، فَأَقْبَلَ يَحْدِقُ النَّظَرَ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، لَعَلَّكَ هَوِيتَهَا فَأُرْسِلُهَا إِلَيْكَ؟ فَقَالَ لَهَا: «لَا يَا عَمَّةُ، وَلَكِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنْهَا»، فَقُلْتُ: وَمَا أَعْجَبَكَ [مِنْهَا]؟ فَقَالَ (عليه السلام): «سَيَخْرُجُ مِنْهَا وَلَدٌ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ (عزَّ وجلَّ) الَّذِي يَمْلَأُ اللهُ بِهِ الأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»، فَقُلْتُ: فَأُرْسِلُهَا إِلَيْكَ يَا سَيِّدِي؟ فَقَالَ: «اسْتَأْذِنِي فِي ذَلِكَ أَبِي (عليه السلام)»، قَالَتْ: فَلَبِسْتُ ثِيَابِي وَأَتَيْتُ مَنْزِلَ أَبِي الحَسَنِ (عليه السلام)، فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ، فَبَدَأَنِي (عليه السلام) وَقَالَ: «يَا حَكِيمَةُ، ابْعَثِي نَرْجِسَ إِلَى ابْنِي أَبِي مُحَمَّدٍ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي(٣١٧)، عَلَى هَذَا قَصَدْتُكَ، عَلَى أَنْ أَسْتَأْذِنَكَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: «يَا مُبَارَكَةُ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَكِ فِي الأَجْرِ وَيَجْعَلَ لَكِ فِي الخَيْرِ نَصِيباً»، قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمْ البَثْ أَنْ رَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَزَيَّنْتُهَا وَوَهَبْتُهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، وَجَمَعْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِي مَنْزِلِي، فَأَقَامَ عِنْدِي أَيَّاماً، ثُمَّ مَضَى إِلَى وَالِدِهِ (عليهما السلام)، وَوَجَّهْتُ بِهَا مَعَهُ.
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَمَضَى أَبُو الحَسَنِ (عليه السلام)، وَجَلَسَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مَكَانَ وَالِدِهِ، وَكُنْتُ أَزُورُهُ كَمَا كُنْتُ أَزُورُ وَالِدَهُ، فَجَاءَتْنِي نَرْجِسُ يَوْماً تَخْلَعُ خُفِّي، فَقَالَتْ: يَا مَوْلَاتِي، نَاوِلِينِي خُفَّكِ، فَقُلْتُ: بَلْ أَنْتِ سَيِّدَتِي وَمَوْلَاتِي، وَاللهِ لَا أَدْفَعُ إِلَيْكِ خُفِّي لِتَخْلَعِيهِ، وَلَا لِتَخْدُمِينِي، بَلْ أَنَا أَخْدُمُكِ عَلَى بَصَرِي، فَسَمِعَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) ذَلِكَ، فَقَالَ: «جَزَاكِ اللهُ يَا عَمَّةُ خَيْراً»، فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ إِلَى وَقْتِ غُرُوبِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٧) قيل: لا منافاة بين هذا الحديث والذي سبق، لأنَّ في الذي سبق قال (عليه السلام): «يا بنت رسول الله أخرجيها وعلِّميها الفرائض والسُّنَن فإنَّها زوجة أبي محمّد وأُمُّ القائم (عليه السلام)»، فكانت هي عند حكيمة في تلك الحالة حتَّى اشتهرت بجارية حكيمة وجرى الأمر بعد كما في هذا الخبر.

↑صفحة ١٤٤↑

الشَّمْسِ، فَصِحْتُ بِالجَارِيَةِ وَقُلْتُ: نَاوِلِينِي ثِيَابِي لِأَنْصَرِفَ، فَقَالَ (عليه السلام): «لَا يَا عَمَّتَا بِيتِيَ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ سَيُولَدُ اللَّيْلَةَ المَوْلُودُ الكَرِيمُ عَلَى اللهِ (عزَّ وجلَّ) الَّذِي يُحْيِي اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها»، فَقُلْتُ: مِمَّنْ يَا سَيِّدِي؟ وَلَسْتُ أَرَى بِنَرْجِسَ شَيْئاً مِنْ أَثَرِ الحَبَلِ، فَقَالَ: «مِنْ نَرْجِسَ لَا مِنْ غَيْرِهَا»، قَالَتْ: فَوَثَبْتُ إِلَيْهَا فَقَلَبْتُهَا ظَهْراً لِبَطْنٍ فَلَمْ أَرَ بِهَا أَثَرَ حَبَلٍ، فَعُدْتُ إِلَيْهِ (عليه السلام) فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا فَعَلْتُ، فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ لِي: «إِذَا كَانَ وَقْتُ الفَجْرِ يَظْهَرُ لَكِ بِهَا الحَبَلُ، لِأَنَّ مَثَلَهَا مَثَلُ أُمِّ مُوسَى (عليه السلام) لَمْ يَظْهَرْ بِهَا الحَبَلُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَحَدٌ إِلَى وَقْتِ وِلَادَتِهَا، لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَشُقُّ بُطُونَ الحُبَالَي فِي طَلَبِ مُوسَى (عليه السلام)، وَهَذَا نَظِيرُ مُوسَى (عليه السلام)».
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَعُدْتُ إِلَيْهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا قَالَ، وَسَالتُهَا عَنْ حَالِهَا، فَقَالَتْ: يَا مَوْلَاتِي، مَا أَرَى بِي شَيْئاً مِنْ هَذَا، قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْقُبُهَا إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ وَهِيَ نَائِمَةٌ بَيْنَ يَدَيَّ لَا تَقْلِبُ جَنْباً إِلَى جَنْبٍ حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ وَقْتُ طُلُوعِ الفَجْرِ وَثَبَتْ فَزِعَةً، فَضَمَمْتُهَا إِلَى صَدْرِي وَسَمَّيْتُ عَلَيْهَا(٣١٨)، فَصَاحَ [إِلَيَّ] أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَقَالَ: «اقْرَئِي عَلَيْهَا ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾»، فَأَقْبَلْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهَا، وَقُلْتُ لَهَا: مَا حَالُكِ؟ قَالَتْ: ظَهَرَ [بِيَ] الأَمْرُ الَّذِي أَخْبَرَكِ بِهِ مَوْلَايَ، فَأَقْبَلْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهَا كَمَا أَمَرَنِي، فَأَجَابَنِي الجَنِينُ مِنْ بَطْنِهَا يَقْرَأُ مِثْلَ مَا أَقْرَأُ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ.
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَفَزِعْتُ لِمَا سَمِعْتُ، فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُنْطِقُنَا بِالحِكْمَةِ صِغَاراً، وَيَجْعَلُنَا حُجَّةً فِي أَرْضِهِ كِبَاراً»، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ الكَلَامَ حَتَّى غِيبَتْ عَنِّي نَرْجِسُ فَلَمْ أَرَهَا كَأَنَّهُ ضُرِبَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَعَدَوْتُ نَحْوَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَأَنَا صَارِخَةٌ، فَقَالَ لِي: «ارْجِعِي يَا عَمَّةُ فَإِنَّكِ سَتَجِدِيهَا فِي مَكَانِهَا».
قَالَتْ: فَرَجَعْتُ، فَلَمْ البَثْ أَنْ كُشِفَ الغِطَاءُ الَّذِي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، وَإِذَا أَنَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٨) يعني: قلت: اسم الله عليك، كما مرَّ في الحديث السابق.

↑صفحة ١٤٥↑

بِهَا وَعَلَيْهَا مِنْ أَثَرِ النُّورِ مَا غَشِيَ بَصَرِي، وَإِذَا أَنَا بِالصَّبِيِّ (عليه السلام) سَاجِداً لِوَجْهِهِ(٣١٩) جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْهِ رَافِعاً سَبَّابَتَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، [وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ]، وَأَنَّ جَدِّي مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّ أَبِي أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ»، ثُمَّ عَدَّ إِمَاماً إِمَاماً إِلَى أَنْ بَلَغَ إِلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ(٣٢٠): «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، وَأَتْمِمْ لِي أَمْرِي، وَثَبِّتْ وَطْأَتِي، وَامْلَإِ الأَرْضَ بِي عَدْلاً وَقِسْطاً».
فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: «يَا عَمَّةُ، تَنَاوَلِيهِ وَهَاتِيهِ»، فَتَنَاوَلْتُهُ وَأَتَيْتُ بِهِ نَحْوَهُ، فَلَمَّا مَثَلْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ وَهُوَ عَلَى يَدَيَّ سَلَّمَ عَلَى أَبِيهِ، فَتَنَاوَلَهُ الحَسَنُ (عليه السلام) مِنِّي، [وَالطَّيْرُ تُرَفْرِفُ عَلَى رَأْسِهِ]، وَنَاوَلَهُ لِسَانَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «امْضِي بِهِ إِلَى أُمِّهِ لِتُرْضِعَهُ وَرُدِّيهِ إِلَيَّ»، قَالَتْ: فَتَنَاوَلْتُهُ أُمَّهُ فَأَرْضَعَتْهُ، فَرَدَدْتُهُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَالطَّيْرُ تُرَفْرِفُ عَلَى رَأْسِهِ، فَصَاحَ بِطَيْرٍ مِنْهَا فَقَالَ لَهُ: «احْمِلْهُ وَاحْفَظْهُ وَرُدَّهُ إِلَيْنَا فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً»، فَتَنَاوَلَهُ الطَّيْرُ وَطَارَ بِهِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ وَاتَّبَعَهُ سَائِرُ الطَّيْرِ، فَسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «أَسْتَوْدِعُكَ اللهَ الَّذِي أَوْدَعَتْهُ أُمُّ مُوسَى مُوسَى»، فَبَكَتْ نَرْجِسُ، فَقَالَ لَهَا: «اسْكُتِي فَإِنَّ الرَّضَاعَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ ثَدْيِكِ، وَسَيُعَادُ إِلَيْكِ كَمَا رُدَّ مُوسَى إِلَى أُمِّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ (عزَّ وجلَّ): ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القَصص: ١٣]».
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا الطَّيْرُ؟ قَالَ: «هَذَا رُوحُ القُدُسِ المُوَكَّلُ بِالأَئِمَّةِ (عليهم السلام) يُوَفِّقُهُمْ وَيُسَدِّدُهُمْ وَيُرَبِّيهِمْ بِالعِلْمِ(٣٢١)».
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً رُدَّ الغُلَامُ، وَوُجِّهَ إِلَيَّ ابْنِ أَخِي(عليه السلام) فَدَعَانِي، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَنَا بِالصَّبِيِّ مُتَحَرِّكٌ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٩) في بعض النُّسَخ: (على وجهه).
(٣٢٠) في بعض النُّسَخ: (فقال (عليه السلام)).
(٣٢١) في بعض النُّسَخ: (يُزيِّنهم بالعلم).

↑صفحة ١٤٦↑

هَذَا ابْنُ سَنَتَيْنِ، فَتَبَسَّمَ (عليه السلام)، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَوْلَادَ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْصِيَاءِ إِذَا كَانُوا أَئِمَّةً يَنْشَؤُونَ بِخِلَافِ مَا يَنْشَؤُ غَيْرُهُمْ، وَإِنَّ الصَّبِيَّ مِنَّا إِذَا كَانَ أَتَى عَلَيْهِ شَهْرٌ كَانَ كَمَنْ أَتَى عَلَيْهِ سَنَةٌ، وَإِنَّ الصَّبِيَّ مِنَّا لَيَتَكَلَّمُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ (عزَّ وجلَّ)، [وَ]عِنْدَ الرَّضَاعِ تُطِيعُهُ المَلَائِكَةُ وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ صَبَاحاً وَمَسَاءً».
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمْ أَزَلْ أَرَى ذَلِكَ الصَّبِيَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً إِلَى أَنْ رَأَيْتُهُ رَجُلاً(٣٢٢) قَبْلَ مُضِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) بِأَيَّامٍ قَلَائِلَ فَلَمْ أَعْرِفْهُ، فَقُلْتُ لِابْنِ أَخِي (عليه السلام): مَنْ هَذَا الَّذِي تَأْمُرُنِي أَنْ أَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْهِ؟ فَقَالَ لِي: «هَذَا ابْنُ نَرْجِسَ، وَهَذَا خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي، وَعَنْ قَلِيلٍ تَفْقِدُونِّي، فَاسْمَعِي لَهُ وَأَطِيعِي».
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَمَضَى أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام) بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ قَلَائِلَ، وَافْتَرَقَ النَّاسُ كَمَا تَرَى، وَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ صَبَاحاً وَمَسَاءً، وَإِنَّهُ لَيُنْبِئُنِي عَمَّا تَسْأَلُونَ عَنْهُ فَأُخْبِرُكُمْ، وَوَاللهِ إِنِّي لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ الشَّيْءِ فَيَبْدَأُنِي بِهِ، وَإِنَّهُ لَيَرُدُّ عَلَيَّ الأَمْرَ فَيَخْرُجُ إِلَيَّ مِنْهُ جَوَابُهُ مِنْ سَاعَتِهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَتِي، وَقَدْ أَخْبَرَنِي البَارِحَةَ بِمَجِيئِكَ إِلَيَّ وَأَمَرَنِي أَنْ أُخْبِرَكَ بِالحَقِّ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: فَوَاللهِ لَقَدْ أَخْبَرَتْنِي حَكِيمَةُ بِأَشْيَاءَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ إِلَّا اللهُ (عزَّ وجلَّ)، فَعَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ صِدْقٌ وَعَدْلٌ مِنَ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، لِأَنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) قَدْ أَطْلَعَهُ عَلَى مَا لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ(٣٢٣).
[٣٧٢/٣] حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُورٍ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ البَصْرِيِّ(٣٢٤)، قَالَ: خَرَجَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) حِينَ قُتِلَ الزُّبَيْرِيُّ: «هَذَا جَزَاءُ مَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَوْلِيَائِهِ، زَعَمَ أَنَّهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٢) فيه غرابة، لأنَّ كلَّ من رآه (عليه السلام) في أيَّام أبيه رآه وهو صبيٌّ.
(٣٢٣) رواه الفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٥٧ - ٢٦٠).
(٣٢٤) كذا في جميع النُّسَخ، وقد سقط هنا: (عن أحمد بن محمّد بن عبد الله) كما في الكافي والإرشاد.

↑صفحة ١٤٧↑

يَقْتُلُنِي وَلَيْسَ لِي عَقِبٌ، فَكَيْفَ رَأَى قُدْرَةَ اللهِ (عزَّ وجلَّ)؟»، وَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ وَسَمَّاهُ (م ح م د) سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ(٣٢٥)،(٣٢٦).
[٣٧٣/٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِصَامٍ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الكُلَيْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: وُلِدَ الصَّاحِبُ (عليه السلام) لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ(٣٢٧).
[٣٧٤/٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (رضي الله عنهما)، قَالَـ[ا]: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، عَنِ السَّيَّارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي نَسِيمٌ وَمَارِيَةُ، قَالَتَا: إِنَّهُ لَـمَّا سَقَطَ صَاحِبُ الزَّمَانِ (عليه السلام) مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْهِ، رَافِعاً سَبَّابَتَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ: «الحَمْدُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٥) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥١٤/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ١)، والمفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٩)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣١/ ح ١٩٨).
(٣٢٦) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٤): (بيان: ربَّما يُجمَع بينه وبين ما ورد من خمس وخمسين بكون السنة في هذا الخبر ظرفاً لـ (خرج) أو (قُتِلَ). أو إحداهما على الشمسيَّة والأُخرى على القمريَّة)، قال محقِّق البحار: (ولكن الأخير غير صحيح لأنَّ السنة القمريَّة في خمس وخمسين ومائتي سنة يزيد على السنة الشمسية بسبع سنوات لا بسنة واحدة. فكانت السنة الشمسيَّة سنة تسع وأربعين ومائتين، والقمريَّة ستّ وخمسين ومائتين).
وقال (رحمه الله) في مرآة العقول (ج ٦/ ص ١٧١): (وكان الزبيري كان من أولاد الزبير، ولم نعثر على قصَّة قتله وتعيين شخصه. (ووُلِدَ له) كلام أحمد، وإنَّما أتى بالحروف المقطَّعة لتحريم التسمية، وقوله: (سنة ستّ) يخالف التاريخ المذكور في العنوان، وقد يُتكلَّف بجعله ظرفاً لخرج، أو قتل، وقد يُجمَع بينهما بحمل إحداهما على الشمسيَّة والأُخرى على القمريَّة).
(٣٢٧) كذا، ولم أجده في الكافي، غير أنَّ فيه بعد عنوان الباب بدون ذكر السند هكذا: (وُلِدَ (عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين) (الكافي: ج ١/ ص ٥١٤/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)).

↑صفحة ١٤٨↑

للهِ رَبِّ العالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، زَعَمَتِ الظَّلَمَةُ أَنَّ حُجَّةَ اللهِ دَاحِضَةٌ، لَوْ أُذِنَ لَنَا فِي الكَلَامِ لَزَالَ الشَّكُ»(٣٢٨).
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: وَحَدَّثَتْنِي نَسِيمٌ خَادِمُ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، قَالَتْ: قَالَ لِي صَاحِبُ الزَّمَانِ (عليه السلام) وَقَدْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْلِدِهِ بِلَيْلَةٍ، فَعَطَسْتُ عِنْدَهُ، فَقَالَ لِي: «يَرْحَمُكِ اللهُ»، قَالَتْ نَسِيمٌ: فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لِي (عليه السلام): «أَلَا أُبَشِّرُكِ فِي العُطَاسِ؟»، فَقُلْتُ: بَلَى [يَا مَوْلَايَ]، فَقَالَ: «هُوَ أَمَانٌ مِنَ المَوْتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»(٣٢٩).
[٣٧٥/٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَاجِيلَوَيْهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى العَطَّارُ (رضي الله عنهم)، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ رِيَاحٍ البَصْرِيُّ(٣٣٠)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ العَمْرِيِّ، قَالَ: لَـمَّا وُلِدَ السَّيِّدُ (عليه السلام) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام): «ابْعَثُوا إِلَى أَبِي عَمْرٍو(٣٣١)»، فَبُعِثَ إِلَيْهِ، فَصَارَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: اشْتَرِ عَشَرَةَ آلَافِ رِطْلِ خُبْزٍ، وَعَشَرَةَ آلَافِ رِطْلِ لَحْمٍ، وَفَرِّقْهُ - أَحْسَبُهُ قَالَ: عَلَى بَنِي هَاشِمٍ -، وَعُقَّ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا شَاةً»(٣٣٢).
[٣٧٦/٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ الخَيْزَرَانِيُ، عَنْ جَارِيَةٍ لَهُ كَانَ أَهْدَاهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَلَمَّا أَغَارَ جَعْفَرٌ الكَذَّابُ عَلَى الدَّارِ جَاءَتْهُ فَارَّةً مِنْ جَعْفَرٍ، فَتَزَوَّجَ بِهَا.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: فَحَدَّثَتْنِي أَنَّهَا حَضَرَتْ وِلَادَةَ السَّيِّدِ (عليه السلام)، وَأَنَّ اسْمَ أُمِّ السَّيِّدِ: صَقِيلُ، وَأَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) حَدَّثَهَا بِمَا يَجْرِي عَلَى عِيَالِهِ، فَسَأَلَتْهُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ (عزَّ وجلَّ) لَهَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٨) روى قريباً منه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٤ و٢٤٥/ ح ٢١١).
(٣٢٩) رواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣٢/ ح ٢٠٠).
(٣٣٠) مهمل. وفي بعض النُّسَخ: (إسحاق بن نوح)، وفي بعضها: (إسحاق بن روح)، ولم أجده.
(٣٣١) يعني عثمان بن سعيد.
(٣٣٢) رواه الفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٦٠).

↑صفحة ١٤٩↑

أَنْ يُجْعَلَ مَنِيَّتُهَا قَبْلَهُ، فَمَاتَتْ فِي حَيَاةِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)(٣٣٣)، وَعَلَى قَبْرِهَا لَوْحٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: هَذَا قَبْرُ أُمِّ مُحَمَّدٍ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَسَمِعْتُ هَذِهِ الجَارِيَةَ تَذْكُرُ أَنَّهُ لَـمَّا وُلِدَ السَّيِّدُ (عليه السلام) رَأَتْ لَهَا نُوراً سَاطِعاً قَدْ ظَهَرَ مِنْهُ وَبَلَغَ أُفُقَ السَّمَاءِ، وَرَأَتْ طُيُوراً بَيْضَاءَ تَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ وَتَمْسَحُ أَجْنِحَتَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ تَطِيرُ، فَأَخْبَرْنَا أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) بِذَلِكَ، فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ: «تِلْكَ مَلَائِكَةٌ نَزَلَتْ لِلتَّبَرُّكِ بِهَذَا المَوْلُودِ، وَهِيَ أَنْصَارُهُ إِذَا خَرَجَ».
[٣٧٧/٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ العَلَوِيُّ، عَنْ أَبِي غَانِمٍ الخَادِمِ، قَالَ: وُلِدَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَلَدٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّداً، فَعَرَضَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ يَوْمَ الثَّالِثِ، وَقَالَ: «هَذَا صَاحِبُكُمْ مِنْ بَعْدِي، وَخَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ، وهُوَ القَائِمُ الَّذِي تَمْتَدُّ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ بِالاِنْتِظَارِ، فَإِذَا امْتَلَأَتِ الأَرْضُ جَوْراً وَظُلْماً خَرَجَ فَمَلَأَهَا قِسْطاً وَعَدْلاً».
[٣٧٨/٩] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ الفَرَجِ(٣٣٤) المُؤَذِّنُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الكَرْخِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هَارُونَ - رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِنَا - يَقُولُ: رَأَيْتُ صَاحِبَ الزَّمَانِ (عليه السلام)، وَكَانَ مَوْلِدُهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.
[٣٧٩/١٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الكُوفِيُ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) بَعَثَ إِلَى بَعْضِ مَنْ سَمَّاهُ لِي بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ، وَقَالَ: «هَذِهِ مِنْ عَقِيقَةِ ابْنِي مُحَمَّدٍ».
[٣٨٠/١١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٣) موتها قبل وفاة أبي محمّد مخالف لما سيجيء في الباب الآتي (باب ذكر من شاهد القائم (عليه السلام))، ولم أجد في غيره من الأحاديث أو التواريخ وفاتها قبل أبي محمّد (عليه السلام).
(٣٣٤) في بعض النُّسَخ: (عليُّ بن الحسين بن الفرج).

↑صفحة ١٥٠↑

يَحْيَى العَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ المُنْذِرِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي الفَتْحِ، قَالَ: جَاءَنِي يَوْماً فَقَالَ لِيَ: البِشَارَةُ، وُلِدَ البَارِحَةَ فِي الدَّارِ مَوْلُودٌ لِأَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَأَمَرَ بِكِتْمَانِهِ، قُلْتُ: وَمَا اسْمُهُ؟ قَالَ: سُمِّيَ بِمُحَمَّدٍ، وَكُنِّيَ بِجَعْفَرٍ(٣٣٥).
[٣٨١/١٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّا بِمَدِينَةِ السَّلَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ غِيَاثِ بْنِ أَسِيدٍ، قَالَ: وُلِدَ الخَلَفُ المَهْدِيُّ (عليه السلام) يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَأُمُّهُ رَيْحَانَةُ، وَيُقَالُ لَهَا: نَرْجِسُ، وَيُقَالُ: صَقِيلُ، وَيُقَالُ: سَوْسَنُ، إِلَّا أَنَّهُ قِيلَ لِسَبَبِ الحَمْلِ: صَقِيلُ(٣٣٦)، وَكَانَ مَوْلِدُهُ (عليه السلام) لِثَمَانِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَوَكِيلُهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، فَلَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، وَأَوْصَى أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى أَبِي القَاسِمِ الحُسَيْنِ بْنِ رُوحٍ، وَأَوْصَى أَبُو القَاسِمِ إِلَى أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيِّ (رضي الله عنهم)، قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَتِ السَّمُرِيَ الوَفَاةُ سُئِلَ أَنْ يُوصِيَ فَقَالَ: لِلهِ أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ، فَالغَيْبَةُ التَّامَّةُ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَ مُضِيِّ السَّمُرِيِّ (رضي الله عنه)(٣٣٧).
[٣٨٢/١٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّا بِمَدِينَةِ السَّلَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ غِيَاثِ بْنِ أَسِيدٍ(٣٣٨)، قَالَ: شَهِدْتُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٥) سيجيء في باب ذكر من شاهد القائم (عليه السلام) تحت الرقم (٤١٠/٢٤) من قول عقيد الخادم: (يُكنَّى أبا القاسم، ويقال: أبو جعفر)، وتقدَّم فيما أخبر به الحسين (عليه السلام) تحت الرقم (٢١٥/٥) آخر حديث: (الموتور بأبيه، المكنَّى بعمِّه)، فتأمَّل.
(٣٣٦) إنَّما سُمّي صيقلاً أو صقيلاً لما اعتراه من النور والجلاء بسبب الحمل المنوَّر.
(٣٣٧) رواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٩٣ و٣٩٤/ ح ٣٦٢).
(٣٣٨) كذا في بعض النُّسَخ المصحَّحة، وفي بعضها: (عن غياث بن أسد).

↑صفحة ١٥١↑

مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ العَمْرِيَّ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ) يَقُولُ: لَـمَّا وُلِدَ الخَلَفُ المَهْدِيُّ (عليه السلام) سَطَعَ نُورٌ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ إِلَى أَعْنَانِ السَّمَاءِ، ثُمَّ سَقَطَ لِوَجْهِهِ سَاجِداً لِرَبِّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨ و١٩]، قَالَ: وَكَانَ مَوْلِدُهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
[٣٨٣/١٤] وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ العَمْرِيِّ (قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ) أَنَّهُ قَالَ: وُلِدَ السَّيِّدُ (عليه السلام) مَخْتُوناً، وَسَمِعْتُ حَكِيمَةَ تَقُولُ: لَمْ يُرَ بِأُمِّهِ دَمٌ فِي نِفَاسِهَا، وَهَكَذَا سَبِيلُ أُمَّهَاتِ الأَئِمَّةِ (عليهم السلام).
[٣٨٤/١٥] حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبْدُوسٍ العَطَّارُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ [يَ]زِيدَ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الأَزْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عليهما السلام) يَقُولُ - لَـمَّا وُلِدَ الرِّضَا (عليه السلام) -: «إِنَّ ابْنِي هَذَا وُلِدَ مَخْتُوناً طَاهِراً مُطَهَّراً، وَلَيْسَ مِنَ الأَئِمَّةِ أَحَدٌ يُولَدُ إِلَّا مَخْتُوناً طَاهِراً مُطَهَّراً، وَلَكِنْ سَنُمِرُّ المُوسَى عَلَيْهِ لِإِصَابَةِ السُّنَّةِ وَاتِّبَاعِ الحَنِيفِيَّةِ»(٣٣٩).
[٣٨٥/١٦] حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مِهْرَانَ الآبِيُّ الأَزْدِيُّ العَرُوضِيُّ(٣٤٠) بِمَرْوَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ القُمِّيُّ(٣٤١)، قَالَ: لَـمَّا وُلِدَ الخَلَفُ الصَّالِحُ (عليه السلام) وَرَدَ عَنْ مَوْلَانَا أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) إِلَى جَدِّي أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ(٣٤٢) كِتَابٌ، فَإِذَا فِيهِ مَكْتُوبٌ بِخَطِّ يَدِهِ (عليه السلام) الَّذِي كَانَ تَرِدُ بِهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٩) رواه الفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٦٠)، والطبرسي (رحمه الله) في مكارم الأخلاق (ص ٢٣٠).
(٣٤٠) راجع مقدّمة معاني الأخبار (ص ٣٩/ تحت الرقم ١٣) المتن والهامش.
(٣٤١) كذا، وفي نسخة: (أحمد بن الحسن بن أحمد إسحاق)، والمعنون في الرجال: (أحمد بن الحسن بن إسحاق بن سعد).
(٣٤٢) كذا.

↑صفحة ١٥٢↑

التَّوْقِيعَاتُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ: «وُلِدَ لَنَا مَوْلُودٌ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَسْتُوراً، وَعَنْ جَمِيعِ النَّاسِ مَكْتُوماً، فَإِنَّا لَمْ نُظْهِرْ عَلَيْهِ إِلَّا الأَقْرَبَ لِقَرَابَتِهِ، وَالوَلِيَّ لِوَلَايَتِهِ، أَحْبَبْنَا إِعْلَامَكَ لِيَسُرَّكَ اللهُ بِهِ، مِثْلَ مَا سَرَّنَا بِهِ(٣٤٣)، وَالسَّلَامُ».
ذكر من هنَّأ أبا محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) بولادة ابنه القائم (عليه السلام):
[٣٨٦/١٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الوَلِيدِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الكَرْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ العَلَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفَضْلِ الحَسَنُ بْنُ الحُسَيْنِ العَلَوِيُّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) بِسُرَّ مَنْ رَأَى، فَهَنَّأْتُهُ بِوِلَادَةِ ابْنِهِ القَائِمِ (عليه السلام)(٣٤٤).

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٣) في بعض النُّسَخ: (كما سرَّنا به).
(٣٤٤) روى قريباً منه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٥١/ ح ٢٢١).

↑صفحة ١٥٣↑

الباب الثالث والأربعون: ذكر من شاهد القائم (عليه السلام) ورآه وكلَّمه

↑صفحة ١٥٥↑

[٣٨٧/١] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ الفَرَجِ(٣٤٥) المُؤَذِّنُ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الكَرْخِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هَارُونَ - رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِنَا - يَقُولُ: رَأَيْتُ صَاحِبَ الزَّمَانِ (عليه السلام) وَوَجْهُهُ يُضِيءُ كَأَنَّهُ القَمَرُ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَرَأَيْتُ عَلَى سُرَّتِهِ شَعْراً يَجْرِي كَالخَطِّ، وَكَشَفْتُ الثَّوْبَ عَنْهُ فَوَجَدْتُهُ مَخْتُوناً، فَسَالتُ أَبَا مُحَمَّدٍ (عليه السلام) عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «هَكَذَا وُلِدَ، وَهَكَذَا وُلِدْنَا، وَلَكِنَّا سَنُمِرُّ المُوسَى عَلَيْهِ لِإِصَابَةِ السُّنَّةِ»(٣٤٦).
[٣٨٨/٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى العَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ حُكَيْمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ العَمْرِيُّ (رضي الله عنه)، قَالُوا: عَرَضَ عَلَيْنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَنَحْنُ فِي مَنْزِلِهِ وَكُنَّا أَرْبَعِينَ رَجُلاً، فَقَالَ: «هَذَا إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي، وَخَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ، أَطِيعُوهُ وَلَا تَتَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِي فِي أَدْيَانِكُمْ فَتَهْلِكُوا، أَمَا إِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَهُ بَعْدَ يَوْمِكُمْ هَذَا(٣٤٧)»، قَالُوا: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَمَا مَضَتْ إِلَّا أَيَّامٌ قَلَائِلُ حَتَّى مَضَى أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام)(٣٤٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٥) في بعض النُّسَخ: (الحسين بن الفرج).
(٣٤٦) رواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٥٠/ ح ٢١٩)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٢٠)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٩٥٧).
(٣٤٧) يعنى أكثركم، أو عن قريب، فإنَّ الظاهر أنَّ محمّد بن عثمان العمري كان يراه في أيَّام سفارته. ويحتمل إيصال الكُتُب إليه من وراء الحجاب أو بوسائط، لكن ينافيه الخبر الآتي، وكذا ما سيأتي في الباب من أنَّه شاهد القائم (عليه السلام) تحت الرقم (٣٩٥/٩) و(٣٩٦/١٠).
(٣٤٨) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٥٢).

↑صفحة ١٥٧↑

[٣٨٩/٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ العَمْرِيِّ (رضي الله عنه): إِنِّي أَسْأَلُكَ سُؤَالَ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ (جلّ جلاله) حِينَ قَالَ لَهُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فَأَخْبِرْنِي عَنْ صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ هَلْ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَهُ رَقَبَةٌ مِثْلُ ذِي - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عُنُقِهِ -.
[٣٩٠/٤] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِصَامٍ الكُلَيْنِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الوَرَّاقُ (رضي الله عنهم)، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الكُلَيْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ(٣٤٩) وَالحَسَنُ ابْنَا عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِين وَمِائَتَيْنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العَبْدِيُّ - مِنْ عَبْدِ قَيْسٍ -، عَنْ ضَوْءِ بْنِ عَلِيٍّ العِجْلِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ سَمَّاهُ، قَالَ: أَتَيْتُ سُرَّ مَنْ رَأَى فَلَزِمْتُ بَابَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَدَعَانِي مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْتَأْذِنَ، فَلَمَّا دَخَلْتُ وَسَلَّمْتُ قَالَ لِي: «يَا أَبَا فُلَانٍ، كَيْفَ حَالُكَ؟»، ثُمَّ قَالَ لِي: «اقْعُدْ يَا فُلَانُ»، ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ مِنْ أَهْلِي، ثُمَّ قَالَ لِي: «مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ عَلَيَّ؟»، قُلْتُ: رَغْبَةً فِي خِدْمَتِكَ، قَالَ لِي: فَقَالَ: «الزَمِ الدَّارَ»، قَالَ: فَكُنْتُ فِي الدَّارِ مَعَ الخَدَمِ، ثُمَّ صِرْتُ أَشْتَرِي لَهُمُ الحَوَائِجَ مِنَ السُّوقِ، وَكُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ إِذَا كَانَ فِي دَارِ الرِّجَالِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْماً وَهُوَ فِي دَارِ الرِّجَالِ، فَسَمِعْتُ حَرَكَةً فِي البَيْتِ، فَنَادَانِي: «مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ»، فَلَمْ أَجْسُرْ أَخْرُجُ وَلَا أَدْخُلُ، فَخَرَجَتْ عَلَيَّ جَارِيَةٌ وَمَعَهَا شَيْءٌ مُغَطًّى، ثُمَّ نَادَانِي: «ادْخُلْ»، فَدَخَلْتُ، وَنَادَى الجَارِيَةَ، فَرَجَعَتْ، فَقَالَ لَهَا: «اكْشِفِي عَمَّا مَعَكِ»، فَكَشَفَتْ عَنْ غُلَامٍ أَبْيَضَ حَسَنِ الوَجْهِ، وَكَشَفَتْ عَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٩) الظاهر هو محمّد بن عليِّ بن إبراهيم الهمداني، روى عن أبيه عن جدِّه عن الرضا (عليه السلام)، وكان وكيل الناحية، وكذلك ابنه القاسم وأبوه عليٌّ وجدُّه إبراهيم بن محمّد. (منهج المقال). وقيل: المراد بعليٍّ عليُّ بن إبراهيم بن موسى بن جعفر، والعلم عند الله.

↑صفحة ١٥٨↑

بَطْنِهِ، فَإِذَا شَعْرٌ نَابِتٌ مِنْ لَبَّتِهِ إِلَى سُرَّتِهِ، أَخْضَرُ لَيْسَ بِأَسْوَدَ، فَقَالَ: «هَذَا صَاحِبُكُمْ»، ثُمَّ أَمَرَهَا فَحَمَلَتْهُ فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى مَضَى أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام).
قَالَ ضَوْءُ بْنُ عَلِيٍّ: فَقُلْتُ لِلْفَارِسِيِّ: كَمْ كُنْتَ تُقَدِّرُ لَهُ مِنَ السِّنِينَ؟ فَقَالَ: سَنَتَيْنِ. قَالَ العَبْدِيُّ: فَقُلْتُ لِضَوْءٍ: كَمْ تُقَدِّرُ لَهُ الآنَ فِي وَقْتِنَا؟ قَالَ: أَرْبَعَةَ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو عَبْدِ اللهِ(٣٥٠): وَنَحْنُ نُقَدِّرُ لَهُ الآنَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً(٣٥١)،(٣٥٢).
[٣٩١/٥] حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ العَيَّاشِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ ابْنِ هَارُونَ(٣٥٣) الدَّقَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ القَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأَشْتَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مَنْقُوشٍ(٣٥٤)، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى دُكَّانٍ فِي الدَّارِ وَعَنْ يَمِينِهِ بَيْتٌ وَعَلَيْهِ سَتْرٌ مُسْبَلٌ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، مَنْ صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ؟ فَقَالَ: «ارْفَعِ السِّتْرَ»، فَرَفَعْتُهُ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا غُلَامٌ خُمَاسِيٌّ لَهُ عَشْرٌ أَوْ ثَمَانٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَاضِحُ الجَبِينِ، أَبْيَضُ الوَجْهِ، دُرِّيُّ المُقْلَتَيْنِ، شَثْنُ الكَفَّيْنِ، مَعْطُوفُ الرُّكْبَتَيْنِ(٣٥٥)، فِي خَدِّهِ الأَيْمَنِ خَالٌ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٠) يعني بأبي عليٍّ: محمّد بن عليِّ بن إبراهيم. وبأبي عبد الله: الحسن بن عليِّ بن إبراهيم الهمداني على ما مرَّ تحقيقه.
(٣٥١) فبناءً على ذلك يكون الصاحب عند وفاة أبيه ابن سنتين، وهو مخالف للمشهور.
(٣٥٢) رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥١٤ و٥١٥/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ٢)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٣٣ و٢٣٤/ ح ٢٠٢).
(٣٥٣) في بعض النُّسَخ: (عليُّ بن الحسين بن هارون).
(٣٥٤) في البحار: (يعقوب بن منفوس).
(٣٥٥) دُرِّى المقلتين: المراد به شدَّة بياض العين أو تلألؤ جميع الحدقة، من قولهم: (كوكب دُرِّئ) بالهمز ودونها. قوله: معطوف الركبتين: أي كانتا مائلتين إلى القدَّام لعظمها وغلظهما، كما أنَّ شثن الكفَّين غلظهما، أي يميلان إلى الغلظ والقصر. (راجع: بحار الأنوار: ج ٥٢/ ص ٢٥).

↑صفحة ١٥٩↑

وَفِي رَأْسِهِ ذُؤَابَةٌ، فَجَلَسَ عَلَى فَخِذِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، ثُمَّ قَالَ لِي: «هَذَا هُوَ صَاحِبُكُمْ»، ثُمَّ وَثَبَ فَقَالَ لَهُ: «يَا بُنَيَّ، ادْخُلْ إِلَى الوَقْتِ المَعْلُومِ»، فَدَخَلَ البَيْتَ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا يَعْقُوبُ، انْظُرْ إِلَى مَنْ فِي البَيْتِ»، فَدَخَلْتُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً(٣٥٦).
[٣٩٢/٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ النَّوْفَلِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحُسَيْنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ القَصَبَانِيُّ البَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الفَارِسِيُّ المُلَقَّبُ بِابْنِ جُرْمُوزٍ(٣٥٧)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَزْهَرِيُّ مَسْرُورُ بْنُ العَاصِ(٣٥٨)، قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ ابْنُ الفَضْلِ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ غَانِمَ بْنَ سَعِيدٍ الهِنْدِيَّ بِالكُوفَةِ فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا طَالَتْ مُجَالَسَتِي إِيَّاهُ سَألتُهُ عَنْ حَالِهِ، وَقَدْ كَانَ وَقَعَ إِلَيَّ شَيْءٌ مِنْ خَبَرِهِ، فَقَالَ: كُنْتُ بِبَلَدِ الهِنْدِ بِمَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: قِشْمِيرُ الدَّاخِلَةُ، وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلاً.
وَحَدَّثَنَا أَبِي (رحمه الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَلَّانٍ الكُلَيْنِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ غَانِمٍ أَبِي سَعِيدٍ الهِنْدِيِّ.
قَالَ عَلَّانٌ الكُلَيْنِيُّ: وَحَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَشْعَرِيِّ، عَنْ غَانِمٍ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَلِكِ الهِنْدِ(٣٥٩) فِي قِشْمِيرَ الدَّاخِلَةِ وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلاً نَقْعُدُ حَوْلَ كُرْسِيِّ المَلِكِ، وَقَدْ قَرَأْنَا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ، يَفْزَعُ إِلَيْنَا فِي العِلْمِ، فَتَذَاكَرْنَا يَوْماً مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَقُلْنَا: نَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا، فَاتَّفَقْنَا عَلَى أَنْ أَخْرُجَ فِي طَلَبِهِ وَأَبْحَثَ عَنْهُ، فَخَرَجْتُ وَمَعِي مَالٌ، فَقَطَعَ عَلَيَّ التُّرْكُ وَشَلَّحُونِي(٣٦٠)، فَوَقَعْتُ إِلَى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٦) قد مرَّ تحت الرقم (٣٣٦/٢)، فراجع.
(٣٥٧) لم أجده ولا راويه ولا شيخه ولا شيخ شيخه إلى آخر السند الأوَّل في أحد من كُتُب الرجال والتراجم التي كانت عندي. وفي بعض النُّسَخ: (ابن حرسون) مكان (ابن جرموز).
(٣٥٨) في بعض النُّسَخ: (الأزهر[ي] بن مسرور بن العبَّاس).
(٣٥٩) في بعض النُّسَخ المصحَّحة: (كنت أكون مع ملك الهند).
(٣٦٠) التشليح: التعرية.

↑صفحة ١٦٠↑

كَابُلَ، وَخَرَجْتُ مِنْ كَابُلَ إِلَى بَلْخٍ وَالأَمِيرُ بِهَا ابْنُ أَبِي شَوْرٍ(٣٦١)، فَأَتَيْتُهُ وَعَرَّفْتُهُ مَا خَرَجْتُ لَهُ، فَجَمَعَ الفُقَهَاءَ وَالعُلَمَاءَ لِمُنَاظَرَتِي، فَسَالتُهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَقَالَ: هُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَقَدْ مَاتَ، فَقُلْتُ: وَمَنْ كَانَ خَلِيفَتُهُ؟ فَقَالُوا: أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ: انْسِبُوهُ لِي، فَنَسَبُوهُ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذَا بِنَبِيٍّ، إِنَّ النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا خَلِيفَتُهُ ابْنُ عَمِّهِ وَزَوْجُ ابْنَتِهِ وَأَبُو وُلْدِهِ، فَقَالُوا لِلْأَمِيرِ: إِنَّ هَذَا قَدْ خَرَجَ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى الكُفْرِ، فَمُرْ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَنَا مُتَمَسِّكٌ بِدِينٍ وَلَا أَدَعُهُ إِلَّا بِبَيَانٍ.
فَدَعَا الأَمِيرُ الحُسَيْنَ بْنَ إِسْكِيبَ(٣٦٢)، وَقَالَ لَهُ: يَا حُسَيْنُ، نَاظِرِ الرَّجُلَ، فَقَالَ: العُلَمَاءُ وَالفُقَهَاءُ حَوْلَكَ فَمُرْهُمْ بِمُنَاظَرَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: نَاظِرْهُ كَمَا أَقُولُ لَكَ، وَاخْلُ بِهِ وَالطِفْ لَهُ، فَقَالَ: فَخَلَا بِيَ الحُسَيْنُ، وَسَألتُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَقَالَ: هُوَ كَمَا قَالُوهُ لَكَ، غَيْرَ أَنَّ خَلِيفَتَهُ ابْنُ عَمِّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ زَوْجُ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ، وَأَبُو وُلْدِهِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَصِرْتُ إِلَى الأَمِيرِ فَأَسْلَمْتُ، فَمَضَى بِي إِلَى الحُسَيْنِ فَفَقَّهَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ لَا يَمْضِي خَلِيفَةٌ إِلَّا عَنْ خَلِيفَةٍ، فَمَنْ كَانَ خَلِيفَةُ عَلِيٍّ (عليه السلام)؟ قَالَ: الحَسَنُ، ثُمَّ الحُسَيْنُ، ثُمَّ سَمَّى الأَئِمَّةَ وَاحِداً وَاحِداً حَتَّى بَلَغَ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، ثُمَّ قَالَ لِي: تَحْتَاجُ أَنْ تَطْلُبَ خَلِيفَةَ الحَسَنِ وَتَسْأَلَ عَنْهُ، فَخَرَجْتُ فِي الطَّلَبِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَوَافَى مَعَنَا بَغْدَادَ، فَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ رَفِيقٌ قَدْ صَحِبَهُ عَلَى هَذَا الأَمْرِ، فَكَرِهَ بَعْضَ أَخْلَاقِهِ فَفَارَقَهُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦١) في بعض النُّسَخ: (أبي سور)، وفي الكافي: (داود بن العبَّاس بن أبي [أ]سود).
(٣٦٢) بالسين غير المعجمة والكاف المكسورة والباء المنقَّطة تحتها نقطتين والباء المنقَّطة تحتها نقطة المروزي المقيم بسمرقند وكشٍّ، قال العلَّامة: (من أصحاب أبي محمّد العسكري (عليه السلام) ثقة ثقة ثبت عالم متكلِّم مصنِّف الكُتُب، وله كُتُب ذكرناه في كتابنا الكبير. (خلاصة الأقوال: ص ١١٥/ الرقم ٨).

↑صفحة ١٦١↑

قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا يَوْماً وَقَدْ تَمَسَّحْتُ(٣٦٣) فِي الصَّرَاةِ وَأَنَا مُفَكِّرٌ فِيمَا خَرَجْتُ لَهُ إِذْ أَتَانِي آتٍ وَقَالَ لِي: أَجِبْ مَوْلَاكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَرِقُ بِيَ المَحَالَّ حَتَّى أَدْخَلَنِي دَاراً وَبُسْتَاناً، وَإِذَا بِمَوْلَايَ (عليه السلام) قَاعِدٌ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ كَلَّمَنِي بِالهِنْدِيَّةِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، وَأَخْبَرَنِي عَنِ اسْمِي، وَسَأَلَنِي عَنِ الأَرْبَعِينَ رَجُلاً بِأَسْمَائِهِمْ عَنِ اسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: «تُرِيدُ الحَجَّ مَعَ أَهْلِ قُمَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ؟ فَلَا تَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَانْصَرِفْ إِلَى خُرَاسَانَ، وَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ»، قَالَ: وَرَمَى إِلَيَّ بِصُرَّةٍ، وَقَالَ: «اجْعَلْ هَذِهِ فِي نَفَقَتِكَ، وَلَا تَدْخُلْ فِي بَغْدَادَ إِلَى دَارِ أَحَدٍ، وَلَا تُخْبِرْ بِشَيْءٍ مِمَّا رَأَيْتَ».
قَالَ مُحَمَّدٌ: فَانْصَرَفْنَا مِنَ العَقَبَةِ وَلَمْ يُقْضَ لَنَا الحَجُّ، وَخَرَجَ غَانِمٌ إِلَى خُرَاسَانَ وَانْصَرَفَ مِنْ قَابِلٍ حَاجًّا، فَبَعَثَ إِلَيْنَا(٣٦٤) بِألطَافٍ وَلَمْ يَدْخُلْ قُمَّ، وَحَجَّ وَانْصَرَفَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَمَاتَ (رحمه الله) بِهَا(٣٦٥).
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ عَنِ الكَابُليِّ(٣٦٦) - وَقَدْ كُنْتُ رَأَيْتُهُ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ -، فَذَكَرَ(٣٦٧) أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كَابُلَ مُرْتَاداً أَوْ طَالِباً، وَأَنَّهُ وَجَدَ صِحَّةَ هَذَا الدِّينِ فِي الإِنْجِيلِ وَبِهِ اهْتَدَى.
فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ بِنَيْسَابُورَ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ فَتَرَصَّدْتُ لَهُ حَتَّى لَقِيتُهُ، فَسَألتُهُ عَنْ خَبَرِهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي الطَّلَبِ، وَأَنَّهُ أَقَامَ بِالمَدِينَةِ، فَكَانَ لَا يَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ إِلَّا زَجَرَهُ، فَلَقِيَ شَيْخاً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَهُوَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ العُرَيْضِيُّ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُهُ بِصُرْيَاءَ، قَالَ: فَقَصَدْتُ صُرْيَاءَ، فَجِئْتُ إِلَى دِهْلِيزٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٣) أي توضَّأت. وفي بعض النُّسَخ: (تمشَّيت)، وفي بعضها: (تمسَّيت) أي وصلت إليها في المساء. والصراة: نهران ببغداد كبرى وصغرى. وفي بعض النُّسَخ: (الفرات) مكان (الصراة).
(٣٦٤) في بعض النُّسَخ: (إليه).
(٣٦٥) إلى هنا انتهى ما في الكافي (ج ١/ ص ٥١٥ - ٥١٧/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ٣).
(٣٦٦) الظاهر هو رفيق أبي سعيد غانم.
(٣٦٧) أي محمّد بن شاذان، يحتمل أبا سعيد، وهو بعيد.
(٣٦٨) قد مرَّ بسندين آخرين تحت الرقم (٢٧٥/٣٤) و(٢٩٠/٤٩)، فراجع.

↑صفحة ١٦٢↑

مَرْشُوشٍ، وَطَرَحْتُ نَفْسِي عَلَى الدُّكَّانِ، فَخَرَجَ إِلَيَّ غُلَامٌ أَسْوَدُ فَزَجَرَنِي وَانْتَهَرَنِي وَقَالَ لِي: قُمْ مِنْ هَذَا المَكَانِ وَانْصَرِفْ، فَقُلْتُ: لَا أَفْعَلُ، فَدَخَلَ الدَّارَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ وَقَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا مَوْلَايَ (عليه السلام) قَاعِدٌ بِوَسَطِ الدَّارِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ سَمَّانِي بِاسْمٍ لِي لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلِي بِكَابُلَ، وَأَخْبَرَنِي بِأَشْيَاءَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ نَفَقَتِي قَدْ ذَهَبَتْ فَمُرْ لِي بِنَفَقَةٍ، فَقَالَ لِي: «أَمَا إِنَّهَا سَتَذْهَبُ مِنْكَ بِكَذِبِكَ»، وَأَعْطَانِي نَفَقَةً، فَضَاعَ مِنِّي مَا كَانَتْ مَعِي وَسَلِمَ مَا أَعْطَانِي، ثُمَّ انْصَرَفْتُ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ فَلَمْ أَجِدْ فِي الدَّارِ أَحَداً.
[٣٩٣/٧] حَدَّثَنَا أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الكُوفِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ المُثَنَّى العَطَّارِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «يَفْقِدُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ، فَيَشْهَدُ المَوْسِمَ فَيَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ»(٣٦٨).
[٣٩٤/٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ العَمْرِيِّ (رضي الله عنه)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَاللهِ إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ لَيَحْضُرُ المَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ فَيَرَى النَّاسَ وَيَعْرِفُهُمْ ويَرَوْنَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ(٣٦٩).
[٣٩٥/٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، قَالَ: سَالتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ العَمْرِيَّ (رضي الله عنه)، فَقُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَآخِرُ عَهْدِي بِهِ عِنْدَ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي»(٣٧٠).
[٣٩٦/١٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٩) رواه المصنِّف (رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه (ج ٢/ ص ٥٢٠/ ذيل الحديث ٣١١٥)، والطوسي(رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٦٣ و٣٦٤/ ح ٣٢٩).
(٣٧٠) رواه المصنِّف (رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه (ج ٢/ ص ٥٢٠/ ذيل الحديث ٣١١٥)، والطوسي(رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٥١ و٣٦٤/ ح ٢٢٢ و٣٣٠).

↑صفحة ١٦٣↑

ابْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ العَمْرِيَّ (رضي الله عنه) يَقُولُ: رَأَيْتُهُ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) مُتَعَلِّقاً بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ فِي المُسْتَجَارِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ انْتَقِمْ لِي مِنْ أَعْدَائِي»(٣٧١).
[٣٩٧/١١] حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ الدَّقَّاقُ(٣٧٢)، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ العَلَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي نَسِيمُ خَادِمَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ (عليه السلام) بَعْدَ مَوْلِدِهِ بِلَيْلَةٍ، فَعَطَسْتُ عِنْدَهُ، قَالَ لِي: «يَرْحَمُكِ اللهُ»، قَالَتْ نَسِيمُ: فَفَرِحْتُ [بِذَلِكَ]، فَقَالَ لِي (عليه السلام): «أَلَا أُبَشِّرُكِ فِي العُطَاسِ؟»، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «هُوَ أَمَانٌ مِنَ المَوْتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»(٣٧٣).
[٣٩٨/١٢] وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ العَلَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَرِيفٌ أَبُو نَصْرٍ(٣٧٤)، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى صَاحِبِ الزَّمَانِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «عَلَيَّ بِالصَّنْدَلِ الأَحْمَرِ»، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَتَعْرِفُنِي؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، فَقُلْتُ: أَنْتَ سَيِّدِي وَابْنُ سَيِّدِي، فَقَالَ: «لَيْسَ عَنْ هَذَا سَألتُكَ»، قَالَ طَرِيفٌ: فَقُلْتُ: جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاكَ، فَبَيِّنْ لِي(٣٧٥)، قَالَ: «أَنَا خَاتَمُ الأَوْصِيَاءِ، وَبِي يَدْفَعُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) البَلَاءَ عَنْ أَهْلِي وَشِيعَتِي»(٣٧٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧١) المصدر السابق.
(٣٧٢) في بعض النُّسَخ: (عليُّ بن الحسين الدقَّاق) كما مرَّ.
(٣٧٣) قد مرَّ تحت الرقم (٣٧٤/٥)، فراجع.
(٣٧٤) في بعض النُّسَخ: (أبو نصير).
(٣٧٥) في بعض النُّسَخ: (فسِّر لي).
(٣٧٦) رواه الخصيبي (رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٥٨)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ٢٦١)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٦/ ح ٢١٥)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٤٥٨/ ح ٣).

↑صفحة ١٦٤↑

[٣٩٩/١٣] حَدَّثَنَا المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ البَلْخِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ السُّورِيُّ، قَالَ: صِرْتُ إِلَى بُسْتَانِ بَنِي عَامِرٍ، فَرَأَيْتُ غِلْمَاناً يَلْعَبُونَ فِي غَدِيرِ مَاءٍ وَفَتًى جَالِساً عَلَى مُصَلًّى وَاضِعاً كُمَّهُ عَلَى فِيهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: (م ح م د) ابْنُ الحَسَنِ (عليه السلام)، وَكَانَ فِي صُورَةِ أَبِيهِ (عليه السلام)(٣٧٧).
[٤٠٠/١٤] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (رضي الله عنهما)، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ العَمْرِيِّ (رضي الله عنه)، فَقُلْتُ لِلْعَمْرِيِّ: إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ كَمَا قَالَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، هَلْ رَأَيْتَ صَاحِبِي؟ فَقَالَ لِي: نَعَمْ، وَلَهُ عُنُقٌ مِثْلُ ذِي - وَأَوْمَأَ بِيَدَيْهِ جَمِيعاً إِلَى عُنُقِهِ -، قَالَ: قُلْتُ: فَالاِسْمُ، قَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ هَذَا، فَإِنَّ عِنْدَ القَوْمِ أَنَّ هَذَا النَّسْلَ قَدِ انْقَطَعَ.
[٤٠١/١٥] حَدَّثَنَا المُظَفَّرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المُظَفَّرِ العَلَوِيُّ العَمْرِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ البَلْخِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَنْبَرَ الكَبِيرِ مَوْلَى الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: خَرَجَ صَاحِبُ الزَّمَانِ عَلَى جَعْفَرٍ الكَذَّابِ مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عِنْدَمَا نَازَعَ فِي المِيرَاثِ بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ: «يَا جَعْفَرُ، مَا لَكَ تَعَرَّضُ فِي حُقُوقِي؟»، فَتَحَيَّرَ جَعْفَرٌ وَبُهِتَ، ثُمَّ غَابَ عَنْهُ، فَطَلَبَهُ جَعْفَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ فَلَمْ يَرَهُ، فَلَمَّا مَاتَتِ الجَدَّةُ أُمُّ الحَسَنِ أَمَرَتْ أَنْ تُدْفَنَ فِي الدَّارِ، فَنَازَعَهُمْ وَقَالَ: هِيَ دَارِي لَا تُدْفَنُ فِيهَا، فَخَرَجَ (عليه السلام) فَقَالَ: «يَا جَعْفَرُ أَدَارُكَ هِيَ؟»، ثُمَّ غَابَ عَنْهُ فَلَمْ يَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ(٣٧٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٧) رواه الراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٩٥٩ و٩٦٠).
(٣٧٨) رواه الراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٩٦٠).

↑صفحة ١٦٥↑

[٤٠٢/١٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الخُزَاعِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الأَسَدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الكُوفِيِ أَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَ مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَى مُعْجِزَاتِ صَاحِبِ الزَّمَانِ (عليه السلام) وَرَآهُ مِنَ الوُكَلَاءِ بِبَغْدَادَ: العَمْرِيُّ وَابْنُهُ، وَحَاجِزٌ، وَالبِلَالِيُّ، وَالعَطَّارُ. وَمِنَ الكُوفَةِ: العَاصِمِيُّ. وَمِنْ أَهْلِ الأَهْوَازِ: مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ. وَمِنْ أَهْلِ قُمَّ: أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ. وَمِنْ أَهْلِ هَمَدَانَ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ. وَمِنْ أَهْلِ الرَّيِّ: البَسَّامِيُّ، وَالأَسَدِيُّ - يَعْنِي نَفْسَهُ -. وَمِنْ أَهْلِ آذَرْبِيجَانَ: القَاسِمُ بْنُ العَلَاءِ. وَمِنْ أَهْلِ نَيْسَابُورَ: مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ.
وَمِنْ غَيْرِ الوُكَلَاءِ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ: أَبُو القَاسِمِ بْنُ أَبِي حُلَيْسٍ(٣٧٩)، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الكِنْدِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الجُنَيْدِيُّ، وَهَارُونُ القَزَّازُ، وَالنِّيليُّ، وَأَبُو القَاسِمِ بْنُ دُبَيْسٍ(٣٨٠)، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ فَرُّوخٍ، وَمَسْرُورٌ الطَّبَّاخُ مَوْلَى أَبِي الحَسَنِ (عليه السلام)، وَأَحْمَدُ وَمُحَمَّدٌ ابْنَا الحَسَنِ، وَإِسْحَاقُ الكَاتِبُ مِنْ بَنِي نَيْبَخْتٍ(٣٨١)، وَصَاحِبُ النَّوَاءِ، وَصَاحِبُ الصُّرَّةِ المَخْتُومَةِ. وَمِنْ هَمَدَانَ: مُحَمَّدُ بْنُ كِشْمِرْدَ، وَجَعْفَرُ بْنُ حَمْدَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ. وَمِنَ الدِّينَوَرِ: حَسَنُ بْنُ هَارُونَ، وَأَحْمَدُ بْنُ أُخَيَّةَ(٣٨٢)، وَأَبُو الحَسَنِ. وَمِنْ أَصْفَهَانَ: ابْنُ بَاذْشَالَةَ(٣٨٣). وَمِنَ الصَّيْمَرَةِ: زَيْدَانُ. وَمِنْ قُمَّ: الحَسَنُ بْنُ النَّضْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَأَبُوهُ، وَالحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ. وَمِنْ أَهْلِ الرَّيِّ: القَاسِمُ بْنُ مُوسَى وَابْنُهُ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ هَارُونَ، وَصَاحِبُ الحَصَاةِ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الكُلَيْنِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الرَّفَّاءُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٩) في بعض النُّسَخ: (أبي حابس)، وفي بعضها: (أبي عابس).
(٣٨٠) في بعض النُّسَخ: (بن دميس)، وفي بعضها: (رميس)، وفي بعضها: (دبيش).
(٣٨١) كذا في النُّسَخ المصحَّحة. وفي نسخة: (بني نوبخت). وفي بعضها: (صاحب الفراء) مكان (صاحب النواء).
(٣٨٢) في بعض النُّسَخ: (أحمد أخوه).
(٣٨٣) في بعض النُّسَخ: (ابن پاشاكة).

↑صفحة ١٦٦↑

وَمِنْ قَزْوِينَ: مِرْدَاسٌ، وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ. وَمِنْ فَاقْتَرَ(٣٨٤): رَجُلَانِ. وَمِنْ شَهْرَزُورَ: ابْنُ الخَالِ. وَمِنْ فَارِسٍ: المَحْرُوجُ(٣٨٥). وَمِنْ مَرْوَ: صَاحِبُ الألفِ دِينَارٍ، وَصَاحِبُ المَالِ وَالرُّقْعَةِ البَيْضَاءِ، وَأَبُو ثَابِتٍ. وَمِنْ نَيْسَابُورَ: مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ صَالِحٍ. وَمِنَ اليَمَنِ: الفَضْلُ بْنُ يَزِيدَ، وَالحَسَنُ ابْنُهُ، وَالجَعْفَرِيُّ، وَابْنُ الأَعْجَمِيِّ، وَالشِّمْشَاطِيُّ. وَمِنْ مِصْرَ: صَاحِبُ المَوْلُودَيْنِ(٣٨٦)، وَصَاحِبُ المَالِ بِمَكَّةَ، وَأَبُو رَجَاءٍ. وَمِنْ نَصِيبِينَ: أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الوَجْنَاءِ. وَمِنَ الأَهْوَازِ: الحُصَيْنِيُ(٣٨٧)،(٣٨٨).
[٤٠٣/١٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الكُوفِيُّ المَعْرُوفُ بِأَبِي القَاسِمِ الخَدِيجِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ وَجْنَاءَ النَّصِيبِيُّ، قَالَ: كُنْتُ سَاجِداً تَحْتَ المِيزَابِ فِي رَابِعِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ حِجَّةً بَعْدَ العَتَمَةِ، وَأَنَا أَتَضَرَّعُ فِي الدُّعَاءِ إِذْ حَرَّكَنِي مُحَرِّكٌ، فَقَالَ: قُمْ يَا حَسَنَ بْنَ وَجْنَاءَ، قَالَ: فَقُمْتُ فَإِذَا جَارِيَةٌ صَفْرَاءُ نَحِيفَةُ البَدَنِ أَقُولُ: إِنَّهَا مِنْ أَبْنَاءِ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَهَا، فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيَّ وَأَنَا لَا أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَتَتْ بِي إِلَى دَارِ خَدِيجَةَ (عليها السلام) وَفِيهَا بَيْتٌ بَابُهُ فِي وَسَطِ الحَائِطِ وَلَهُ دَرَجُ سَاجٍ يُرْتَقَى، فَصَعِدَتِ الجَارِيَةُ، وَجَاءَنِي النِّدَاءُ: «اصْعَدْ يَا حَسَنُ»، فَصَعِدْتُ، فَوَقَفْتُ بِالبَابِ، فَقَالَ لِي صَاحِبُ الزَّمَانِ (عليه السلام): «يَا حَسَنُ، أَتَرَاكَ خَفِيتَ عَلَيَّ، وَاللهِ مَا مِنْ وَقْتٍ فِي حَجِّكَ إِلَّا وَأَنَا مَعَكَ فِيهِ»، ثُمَّ جَعَلَ يَعُدُّ عَلَيَّ أَوْقَاتِي، فَوَقَعْتُ [مَغْشِيًّا] عَلَى وَجْهِي، فَحَسِسْتُ بِيَدٍ قَدْ وَقَعَتْ عَلَيَّ فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي: «يَا حَسَنُ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٤) في بعض النُّسَخ: (قابس)، وفي بعض النُّسَخ: (قائن).
(٣٨٥) في بعض النُّسَخ: (المحووج).
(٣٨٦) في بعض النُّسَخ المصحَّحة: (صاحبا المولودين). ولعلَّ المراد من سيجيء ذكرهما في باب ذكر التوقيعات.
(٣٨٧) في بعض النُّسَخ المصحَّحة: (الخصيبي)، وفي بعضها: (الحضيني).
(٣٨٨) رواه الطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٧٣ - ٢٧٥).

↑صفحة ١٦٧↑

الزَمْ دَارَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، وَلَا يُهِمَّنَّكَ طَعَامُكَ وَلَا شَرَابُكَ وَلَا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَكَ»، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيَّ دَفْتَراً فِيهِ دُعَاءُ الفَرَجِ وَصَلَاةٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «بِهَذَا فَادْعُ، وَهَكَذَا صَلِّ عَلَيَّ، وَلَا تُعْطِهِ إِلَّا مُحِقِّي أَوْلِيَائِي فَإِنَّ اللهَ (جلّ جلاله) مُوَفِّقُكَ»، فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ، لَا أَرَاكَ بَعْدَهَا؟ فَقَالَ: «يَا حَسَنُ، إِذَا شَاءَ اللهُ»، قَالَ: فَانْصَرَفْتُ مِنْ حِجَّتِي وَلَزِمْتُ دَارَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) فَأَنَا أَخْرُجُ مِنْهَا فَلَا أَعُودُ إِلَيْهَا إِلَّا لِثَلَاثِ خِصَالٍ: لِتَجْدِيدِ وُضُوءٍ، أَوْ لِنَوْمٍ، أَوْ لِوَقْتِ الإِفْطَارِ، وَأَدْخُلُ بَيْتِي وَقْتَ الإِفْطَارِ، فَأُصِيبُ رُبَاعِيًّا مَمْلُوءاً مَاءً وَرَغِيفاً عَلَى رَأْسِهِ وَعَلَيْهِ مَا تَشْتَهِي نَفْسِي بِالنَّهَارِ، فَآكُلُ ذَلِكَ فَهُوَ كِفَايَةٌ لِي، وَكِسْوَةُ الشِّتَاءِ فِي وَقْتِ الشِّتَاءِ، وَكِسْوَةُ الصَّيْفِ فِي وَقْتِ الصَّيْفِ، وَإِنِّي لَأَدْخُلُ المَاءَ بِالنَّهَارِ فَأَرُشُّ البَيْتَ وَأَدَعُ الكُوزَ فَارِغاً فَأُوتَى بِالطَّعَامِ(٣٨٩)، وَلَا حَاجَةَ لِي إِلَيْهِ فَأَصَّدَّقُ بِهِ لَيْلاً كَيْ لَا يَعْلَمَ بِي مَنْ مَعِي(٣٩٠).

[٤٠٤/١٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الخَدِيجِيُّ الكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَزْدِيُّ(٣٩١)، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا فِي الطَّوَافِ قَدْ طُفْتُ سِتًّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَطُوفَ السَّابِعَ، فَإِذَا أَنَا بِحَلْقَةٍ عَنْ يَمِينِ الكَعْبَةِ وَشَابٍّ حَسَنِ الوَجْهِ طَيِّبِ الرَّائِحَةِ هَيُوبٍ مَعَ هَيْبَتِهِ مُتَقَرِّبٌ إِلَى النَّاسِ يَتَكَلَّمُ، فَلَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْ كَلَامِهِ وَلَا أَعْذَبَ مِنْ نُطْقِهِ وَحُسْنِ جُلُوسِهِ، فَذَهَبْتُ أُكَلِّمُهُ، فَزَبَرَنِي النَّاسُ، فَسَالتُ بَعْضَهُمْ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا ابْنُ رَسُولِ اللهِ يَظْهَرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْماً لِخَوَاصِّهِ يُحَدِّثُهُمْ، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، مُسْتَرْشِداً أَتَيْتُكَ فَأَرْشِدْنِي هَدَاكَ اللهُ، فَنَاوَلَنِي (عليه السلام) حَصَاةً، فَحَوَّلْتُ وَجْهِي، فَقَالَ لِي بَعْضُ جُلَسَائِهِ: مَا الَّذِي دَفَعَ إِلَيْكَ؟ فَقُلْتُ: حَصَاةً، وَكَشَفْتُ عَنْهَا فَإِذَا أَنَا بِسَبِيكَةِ ذَهَبٍ، فَذَهَبْتُ فَإِذَا أَنَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٩) في بعض النُّسَخ: (وأواني الطعام).
(٣٩٠) رواه ابن حمزة (رحمه الله) في الثاقب في المناقب (ص ٦١٢ و٦١٣/ ح ٥٥٨/٦)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٩٦١ و٩٦٢).
(٣٩١) مضطرب، ففي الغيبة للطوسي: (عن عليِّ بن إبراهيم الفدكي، عن الأودي).

↑صفحة ١٦٨↑

بِهِ (عليه السلام) قَدْ لَحِقَنِي، فَقَالَ لِي: «ثَبَتَتْ عَلَيْكَ الحُجَّةُ، وَظَهَرَ لَكَ الحَقُّ، وَذَهَبَ عَنْكَ العَمَى، أَتَعْرِفُنِي؟»، فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ (عليه السلام): «أَنَا المَهْدِيُّ، [وَ]أَنَا قَائِمُ الزَّمَانِ، أَنَا الَّذِي أَمْلَؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً، إِنَّ الأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ، وَلَا يَبْقَى النَّاسُ فِي فَتْرَةٍ، وَهَذِهِ أَمَانَةٌ لَا تُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الحَقِّ»(٣٩٢).
[٤٠٥/١٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ جَعْفَرٍ الحِمْيَرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ(٣٩٣)، قَالَ: قَدِمْتُ مَدِينَةَ الرَّسُولِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَبَحَثْتُ عَنْ أَخْبَارِ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الأَخِيرِ (عليهما السلام)، فَلَمْ أَقَعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَرَحَلْتُ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ مُسْتَبْحِثاً عَنْ ذَلِكَ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الطَّوَافِ إِذْ تَرَاءَى لِي فَتًى أَسْمَرُ اللَّوْنِ، رَائِعُ الحُسْنِ، جَمِيلُ المَخِيلَةِ، يُطِيلُ التَّوَسُّمَ فِيَّ، فَعُدْتُ إِلَيْهِ مُؤَمِّلًا مِنْهُ عِرْفَانَ مَا قَصَدْتُ لَهُ، فَلَمَّا قَرُبْتُ مِنْهُ سَلَّمْتُ، فَأَحْسَنَ الإِجَابَةَ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ أَيِّ البِلَادِ أَنْتَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ، قَالَ: مِنْ أَيِّ العِرَاقِ؟ قُلْتُ: مِنَ الأَهْوَازِ، فَقَالَ: مَرْحَباً بِلِقَائِكَ، هَلْ تَعْرِفُ بِهَا جَعْفَرَ بْنَ حَمْدَانَ الحُصَيْنِيَّ(٣٩٤)، قُلْتُ: دُعِيَ فَأَجَابَ، قَالَ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، مَا كَانَ أَطْوَلَ لَيْلَهُ وَأَجْزَلَ نَيْلَهُ، فَهَلْ تَعْرِفُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَهْزِيَارَ؟ قُلْتُ: أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْزِيَارَ، فَعَانَقَنِي مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، مَا فَعَلْتَ بِالعَلَامَةِ الَّتِي وَشَّجَتْ(٣٩٥) بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)؟ فَقُلْتُ: لَعَلَّكَ تُرِيدُ الخَاتَمَ الَّذِي آثَرَنِيَ اللهُ بِهِ مِنَ الطَّيِّبِ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٢) رواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٥٣ و٢٥٤/ ح ٢٢٣)، وابن حمزة (رحمه الله) في الثاقب في المناقب (ص ٦١٣ و٦١٤/ ح ٥٥٩/٧)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٧٨٤ و٧٨٥/ ح ١١٠).
(٣٩٣) سيجيء نحو هذه الحكاية عن محمّد بن عليِّ بن مهزيار عن أبيه، واستُشكِلَ فيهما، لتقدُّم زمانهما من عصر الغيبة.
(٣٩٤) في بعض النُّسَخ المصحَّحة: (الخصيبي).
(٣٩٥) في النهاية (ج ٥/ ص ١٨٧): (منه حديث عليٍّ [(عليه السلام)]: «ووشَّج بينها وبين أزواجها»، أي خلَّط وألَّف، يقال: وشَّج الله بينهما توشيجاً).

↑صفحة ١٦٩↑

عَلِيٍّ (عليهما السلام)؟ فَقَالَ: مَا أَرَدْتُ سِوَاهُ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ اسْتَعْبَرَ وَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَرَأَ كِتَابَتَهُ، فَكَانَتْ: (يَا اللهُ، يَا مُحَمَّدُ، يَا عَلِيُّ)، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي يَداً طَالَمَا جُلْتَ فِيهَا(٣٩٦).
وَتَرَاخَى بِنَا فَنُونُ الأَحَادِيثِ(٣٩٧)، إِلَى أَنْ قَالَ لِي: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، أَخْبِرْنِي عَنْ عَظِيمِ مَا تَوَخَّيْتَ بَعْدَ الحَجِّ، قُلْتُ: وَأَبِيكَ مَا تَوَخَّيْتُ إِلَّا مَا سَأَسْتَعْلِمُكَ مَكْنُونَهُ، قَالَ: سَلْ عَمَّا شِئْتَ فَإِنِّي شَارِحٌ لَكَ إِنْ شَاءَ اللهُ، قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُ مِنْ أَخْبَارِ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ (عليه السلام) شَيْئاً؟ قَالَ لِي: وَايْمُ اللهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ الضَّوْءَ بِجَبِينِ(٣٩٨) مُحَمَّدٍ وَمُوسَى ابْنَيِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهم السلام)، ثُمَّ إِنِّي لَرَسُولُهُمَا إِلَيْكَ قَاصِداً لِإِنْبَائِكَ أَمْرَهُمَا، فَإِنْ أَحْبَبْتَ لِقَاءَهُمَا وَالاِكْتِحَالَ بِالتَّبَرُّكِ بِهِمَا فَارْتَحِلْ مَعِي إِلَى الطَّائِفِ، وَلْيَكُنْ ذَلِكَ فِي خُفْيَةٍ مِنْ رِجَالِكَ وَاكْتِتَامٍ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَشَخَصْتُ مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ أَتَخَلَّلُ رَمْلَةً فَرَمْلَةً حَتَّى أَخَذَ فِي بَعْضِ مَخَارِجِ الفَلَاةِ، فَبَدَتْ لَنَا خَيْمَةُ شَعَرٍ، قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى أَكَمَةِ رَمْلٍ، تَتَلَأْلَأُ تِلْكَ البِقَاعُ مِنْهَا تَلَأْلُؤاً، فَبَدَرَنِي إِلَى الإِذْنِ، وَدَخَلَ مُسَلِّماً عَلَيْهِمَا، وَأَعْلَمَهُمَا بِمَكَانِي، فَخَرَجَ عَلَيَّ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الأَكْبَرُ سِنًّا (م ح م د) ابْنُ الحَسَنِ (عليهما السلام)، وَهُوَ غُلَامٌ أَمْرَدُ، نَاصِعُ اللَّوْنِ، وَاضِحُ الجَبِينِ، أَبْلَجُ الحَاجِبِ، مَسْنُونُ الخَدَّيْنِ، أَقْنَى الأَنْفِ، أَشَمُّ أَرْوَعُ، كَأَنَّهُ غُصْنُ بَانٍ، وَكَأَنَّ صَفْحَةَ غُرَّتِهِ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، بِخَدِّهِ الأَيْمَنِ خَالٌ كَأَنَّهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٦) يعنى بأبي فديت يد أبي محمّد العسكري (عليه السلام) التي طالما جلت أيُّها الخاتم فيها. وفي بعض النُّسَخ: (بأبي بنان طالما جلت فيها).
(٣٩٧) كذا في جميع النُّسَخ، ووقع في نسخة العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في البحار تصحيف.
(٣٩٨) في بحار الأنوار: (الضريحين). وقال في بيانه: (البعيدين عن الناس). وقال: (قال الجوهري: الضريح: البعيد...) إلخ. والصريح: الخالص، والمراد خالص النسب. وفي بعض النُّسَخ: (الضويحين) تثنية الضويحة مصغَّر الضاحة بمعنى البصر والعين، والتصغير للمحبَّة. فالمعنى البصرين أو العينين المحبوبين، لكنَّه بعيد لما سيجيء تحت الرقم (٤٠٨/٢٢): (أتعرف الصريحين؟ قلت: نعم، قال: ومن هما؟ قلت: محمّد وموسى).

↑صفحة ١٧٠↑

فُتَاتُ مِسْكٍ عَلَى بَيَاضِ الفِضَّةِ، وَإِذَا بِرَأْسِهِ وَفْرَةٌ سَحْمَاءُ(٣٩٩) سَبِطَةٌ تُطَالِعُ شَحْمَةَ أُذُنِهِ، لَهُ سَمْتٌ مَا رَأَتِ العُيُونُ أَقْصَدَ مِنْهُ وَلَا أَعْرَفَ حُسْناً وَسَكِينَةً وَحَيَاءً.
فَلَمَّا مَثُلَ لِي أَسْرَعْتُ إِلَى تَلَقِّيهِ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ الثِمُ كُلَّ جَارِحَةٍ مِنْهُ، فَقَالَ لِي: «مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، لَقَدْ كَانَتِ الأَيَّامُ تَعِدُنِي وُشْكَ لِقَائِكَ، وَالمَعَاتِبَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَلَى تَشَاحُطِ الدَّارِ وَتَرَاخِي المَزَارِ(٤٠٠)، تَتَخَيَّلُ لِي صُورَتَكَ حَتَّى كَأَنَّا لَمْ نَخْلُ طَرْفَةَ عَيْنٍ مِنْ طِيبِ المُحَادَثَةِ وَخَيَالِ المُشَاهَدَةِ، وأَنَا أَحْمَدُ اللهَ رَبِّي وَلِيَّ الحَمْدِ عَلَى مَا قَيَّضَ مِنَ التَّلَاقِي وَرَفَّهَ مِنْ كُرْبَةِ التَّنَازُعِ(٤٠١) وَالاِسْتِشْرَافِ عَنْ أَحْوَالِهَا مُتَقَدِّمِهَا وَمُتَأَخِّرِهَا».
فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا زِلْتُ أَفْحَصُ عَنْ أَمْرِكَ بَلَداً فَبَلَداً مُنْذُ اسْتَأْثَرَ اللهُ بِسَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَاسْتَغْلَقَ عَلَيَّ ذَلِكَ حَتَّى مَنَّ اللهُ عَلَيَّ بِمَنْ أَرْشَدَنِي إِلَيْكَ وَدَلَّنِي عَلَيْكَ، وَالشُّكْرُ للهِ عَلَى مَا أَوْزَعَنِي(٤٠٢) فِيكَ مِنْ كَرِيمِ اليَدِ وَالطَّوْلِ.
ثُمَّ نَسَبَ نَفْسَهُ وَأَخَاهُ مُوسَى(٤٠٣) وَاعْتَزَلَ بِي نَاحِيَةً، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَبِي (عليه السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٩) الناصع: الخالص. والبلجة: نقاوة ما بين الحاجبين، يقال: رجل أبلج بيِّن البلج إذا لم يكن مقروناً. والمسنون: المملس، ورجل مسنون الوجه إذا كان في وجهه وأنفه طول. والشمم: ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، فإنْ كان فيها احديداب فهو القنى. والوفرة: الشعرة إلى شحمة الأُذُن. والسحماء: السوداء. وشعر سبط أي مترسِّل غير جعد. والسمت: هيأة أهل الخير. (الصحاح للجوهري: ج ١/ ص ٢٥٤/ مادَّة سمت).
(٤٠٠) الوشك - بالفتح والضمِّ -: السرعة. والمعاتب المراضى من قولهم: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني. وتشاحط الدار: تباعدها.
(٤٠١) التقييض: التيسير والتسهيل. والتنازع: التساوق، من قولهم: نازعت النفس إلى كذا أي اشتاقت. وفي بعض النُّسَخ: (التنارح) أي التباعد.
(٤٠٢) أي ألهمني.
(٤٠٣) هذا خلاف ما أجمعت عليه الشيعة الإماميَّة من أنَّه ليس لأبي محمّد ولد إلَّا القائم (عليه وعلى آبائه السلام)، فتأمَّل.

↑صفحة ١٧١↑

عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ لَا أُوَطِّنَ مِنَ الأَرْضِ إِلَّا أَخْفَاهَا وَأَقْصَاهَا إِسْرَاراً لِأَمْرِي، وَتَحْصِيناً لِمَحَلِّي، لِمَكَائِدِ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالمَرَدَةِ مِنْ أَحْدَاثِ الأُمَمِ الضَّوَالِّ، فَنَبَذَنِي إِلَى عَالِيَةِ الرِّمَالِ، وَجُبْتُ صَرِائِمَ الأَرْضِ(٤٠٤) يُنْظِرُنِي الغَايَةَ الَّتِي عِنْدَهَا يَحُلُّ الأَمْرُ وَيَنْجَلِي الهَلَعُ(٤٠٥).
وَكَانَ (عليه السلام) أَنْبَطَ لِي(٤٠٦) مِنْ خَزَائِنِ الحِكَمِ وَكَوَامِنِ العُلُومِ مَا إِنْ أَشَعْتُ إِلَيْكَ(٤٠٧) مِنْهُ جُزْءاً أَغْنَاكَ عَنِ الجُمْلَةِ.
[وَاعْلَمْ] يَا أَبَا إِسْحَاقَ، أَنَّهُ قَالَ (عليه السلام): يَا بُنَيَّ، إِنَّ اللهَ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) لَمْ يَكُنْ لِيُخْلِيَ أَطْبَاقَ أَرْضِهِ وَأَهْلَ الجِدِّ فِي طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ بِلَا حُجَّةٍ يُسْتَعْلَى بِهَا، وَإِمَامٍ يُؤْتَمُّ بِهِ، وَيُقْتَدَى بِسَبِيلِ سُنَّتِهِ وَمِنْهَاجِ قَصْدِهِ، وَأَرْجُو يَا بُنَيَّ أَنْ تَكُونَ أَحَدَ مَنْ أَعَدَّهُ اللهُ لِنَشْرِ الحَقِّ وَوَطْءِ البَاطِلِ(٤٠٨) وَإِعْلَاءِ الدِّينِ وَإِطْفَاءِ الضَّلَالِ، فَعَلَيْكَ يَا بُنَيَّ بِلُزُومِ خَوَافِي الأَرْضِ، وَتَتَبُّعِ أَقَاصِيهَا، فَإِنَّ لِكُلِّ وَلِيٍّ لِأَوْلِيَاءِ اللهِ (عزَّ وجلَّ) عَدُوًّا مُقَارِعاً وَضِدًّا مُنَازِعاً افْتِرَاضاً لِمُجَاهَدَةِ أَهْلِ النِّفَاقِ وَخَلَاعَةِ أُولِي الإلحَادِ والعِنَادِ، فَلَا يُوحِشَنَّكَ ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قُلُوبَ أَهْلِ الطَّاعَةِ وَالإِخْلَاصِ نُزَّعٌ إِلَيْكَ(٤٠٩) مِثْلَ الطَّيْرِ إِلَى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٤) العالية: كلُّ ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها إلى تهامة العالية، وما كان دون ذلك السافلة. (مراصد الاطِّلاع: ج ٢/ ص ٩١١). وجبت صرائم الأرض: أي قطعت ودرت ما انصرم من معظم الرمل يعنى الأراضي المحصود زرعها. وفي بعض النُّسخ: (خبت) بالخاء المعجمة، وهو المطمئنُّ من الأرض فيه رمل.
(٤٠٥) الهلع: الجزع.
(٤٠٦) أنبط الحفار: بلغ الماء. ونبج الماء: نبع. والمراد أظهر وأفشى.
(٤٠٧) في بعض النُّسَخ: (أشعب) أي أفرق وأجزء.
(٤٠٨) في بعض النُّسَخ: (وطي الباطل).
(٤٠٩) نُزَّع - كرُكَّع - أي مشتاقون إليك. وقد يُقرء: (تَرَع) بالتحريك، والترع - محرَّكة -: الإسراع إلى الشيء والامتلاء. في القاموس المحيط (ج ٣/ ص ٩): (ترع - كفرح - فهو ترع، وفلان اقتحم الأُمور مرحاً ونشاطاً فهو تريع)، ولعلَّ المختار أنسب كما في بحار الأنوار. لكن في بعض النُّسَخ المصحَّحة: (إنَّ قلوب أهل الطاعة والإخلاص تترع أشدّ ترعاً إليك من الطير...) إلخ.

↑صفحة ١٧٢↑

أَوْكَارِهَا، وَهُمْ مَعْشَرٌ يَطَّلِعُونَ بِمَخَائِلِ الذِّلَّةِ وَالاِسْتِكَانَةِ(٤١٠)، وَهُمْ عِنْدَ اللهِ بَرَرَةٌ أَعِزَّاءُ، يَبْرُزُونَ بِأَنْفُسٍ مُخْتَلِفَةٍ مُحْتَاجَةٍ(٤١١)، وَهُمْ أَهْلُ القَنَاعَةِ وَالاِعْتِصَامِ، اسْتَنْبَطُوا الدِّينَ فَوَازَرُوهُ عَلَى مُجَاهَدَةِ الأَضْدَادِ، خَصَّهُمُ اللهُ بِاحْتِمَالِ الضَّيْمِ فِي الدُّنْيَا(٤١٢)، لِيَشْمُلَهُمْ بِاتِّسَاعِ العِزِّ فِي دَارِ القَرَارِ، وَجَبَلَهُمْ(٤١٣) عَلَى خَلَائِقِ الصَّبْرِ لِتَكُونَ لَهُمُ العَاقِبَةُ الحُسْنَى، وَكَرَامَةُ حُسْنِ العُقْبَى.
فَاقْتَبِسْ يَا بُنَيَّ نُورَ الصَّبْرِ عَلَى مَوَارِدِ أُمُورِكَ تَفُزْ بِدَرْكِ الصُّنْعِ فِي مَصَادِرِهَا، وَاسْتَشْعِرِ العِزَّ فِيمَا يَنُوبُكَ تُحْظَ بِمَا تُحْمَدُ غِبَّهُ إِنْ شَاءَ اللهُ(٤١٤)، وكَأَنَّكَ يَا بُنَيَّ بِتَأْيِيدِ نَصْرِ اللهِ [وَ]قَدْ آنَ، وَتَيْسِيرِ الفَلْجِ وَعُلُوِّ الكَعْبِ، [وَ]قَدْ حَانَ(٤١٥) وَكَأَنَّكَ بِالرَّايَاتِ الصُّفْرِ وَالأَعْلَامِ البِيضِ تَخْفِقُ عَلَى أَثْنَاءِ أَعْطَافِكَ(٤١٦) مَا بَيْنَ الحَطِيمِ وَزَمْزَمَ، وَكَأَنَّكَ بِتَرَادُفِ البَيْعَةِ وَتَصَافِي الوَلَاءِ(٤١٧) يَتَنَاظَمُ عَلَيْكَ تَنَاظُمَ الدُّرِّ فِي مَثَانِي العُقُودِ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٠) أي يدخلون في أُمور هي مظانُّ المذلَّة، أو يطلعون ويخرجون بين الناس مع أحوال هي مظانُّها.
(٤١١) في بعض النُّسَخ: (بررة أغرَّاء) بإعجام العين وإهمال الراء، جمع الأغرّ، من غرَّ الأماجد وغرَّ المحجَّلين. وفي بعض النُّسَخ: (بأنفس مخبلة محتاجة). والخبل: فساد العقل، والمختار هو الصواب.
(٤١٢) الضيم: الظلم.
(٤١٣) أي خلقهم وفطرهم.
(٤١٤) أي اصبر على المكاره والبلايا وما يرد عليك منها حتَّى تفوز بدرك ما صنع الله إليك ومعروفه لديك في إرجاع المكاره وصرفها عنك. واستشعر العزَّ في ما ينوبك، أي أضمر العزَّ والنصرة والغلبة في قلبك لأجل الغيبة من خوفك عن الناس، واصبر وانتظر الفرج فيما أصابك من هذه النوائب. أو اعلم وأيقن بأنَّ ما ينوبك من البلايا والمحن هو سبب لعزِّك وقربك وسعادتك. والغبُّ: المآل والعاقبة. وفي بعض النُّسَخ: (بما تُحمَد عليه).
(٤١٥) علوُّ الكعب كناية عن الغلبة والعزِّ والشرف.
(٤١٦) أثناء الشيء: قواه وطاقاته. والمراد بالأعطاف جوانبها. والخفق: الاضطراب، وخفقت الراية تحرَّك واضطرب.
(٤١٧) في الكنز: (تصافى) يعني الودُّ الخالص. وفي بعض النُّسَخ: (تصادف).

↑صفحة ١٧٣↑

وَتَصَافُقَ الأَكُفِّ عَلَى جَنَبَاتِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ(٤١٨) تَلُوذُ بِفِنَائِكَ مِنْ مَلَإٍ بَرَأَهُمُ اللهُ مِنْ طَهَارَةِ الوِلَادَةِ وَنَفَاسَةِ التُّرْبَةِ، مُقَدَّسَةً قُلُوبُهُمْ مِنْ دَنَسِ النِّفَاقِ، مُهَذَّبَةً أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ رِجْسِ الشِّقَاقِ، لَيِّنَةً عَرَائِكُهُمْ لِلدِّينِ(٤١٩)، خَشِنَةً ضَرَائِبُهُمْ عَنِ العُدْوَانِ، وَاضِحَةً بِالقَبُولِ أَوْجُهُهُمْ، نَضِرَةً بِالفَضْلِ عِيدَانُهُمْ(٤٢٠)، يَدِينُونَ بِدِينِ الحَقِّ وَأَهْلِهِ، فَإِذَا اشْتَدَّتْ أَرْكَانُهُمْ وَتَقَوَّمَتْ أَعْمَادُهُمْ، فَدَّتْ بِمُكَانَفَتِهِمْ(٤٢١) طَبَقَاتُ الأُمَمِ إِلَى إِمَامٍ، إِذْ تَبِعَتْكَ فِي ظِلَالِ شَجَرَةِ دَوْحَةٍ تَشَعَّبَتْ أَفْنَانُ غُصُونِهَا عَلَى حَافَاتِ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ(٤٢٢)، فَعِنْدَهَا يَتَلَأْلَأُ صُبْحُ الحَقِّ، وَيَنْجَلِي ظَلَامُ البَاطِلِ، وَيَقْصِمُ اللهُ بِكَ الطُّغْيَانَ، وَيُعِيدُ مَعَالِمَ الإِيمَانِ، يَظْهَرُ بِكَ اسْتِقَامَةُ الآفَاقِ وَسَلَامُ الرِّفَاقِ، يَوَدُّ الطِّفْلُ فِي المَهْدِ لَوِ اسْتَطَاعَ إِلَيْكَ نُهُوضاً، وَنَوَاشِطُ الوَحْشِ لَوْ تَجِدُ نَحْوَكَ مَجَازاً، تَهْتَزُّ بِكَ(٤٢٣) أَطْرَافُ الدُّنْيَا بَهْجَةً، وَتَنْشُرُ عَلَيْكَ أَغْصَانُ العِزِّ نَضْرَةً، وَتَسْتَقِرُّ بَوَانِي الحَقِّ فِي قَرَارِهَا، وَتَؤُوبُ شَوَارِدُ الدِّينِ(٤٢٤) إِلَى أَوْكَارِهَا، تَتَهَاطَلُ عَلَيْكَ سَحَائِبُ الظَّفَرِ، فَتَخْنُقُ كُلَّ عَدُوٍّ، وَتَنْصُرُ كُلَّ وَلِيٍّ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ جَبَّارٌ قَاسِطٌ وَلَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٨) أي العقود المثنيَّة المعقودة التي لا يتطرَّق إليها التبدُّد. أو في موضع ثنيِّها فإنَّها في تلك المواضع أجمع وأكثف. والتصافق: ضرب اليد على اليد عند البيعة، من صفقت له بالبيع أي ضربت بيدي على يده. والجنبات: الأطراف.
(٤١٩) العرائك: جمع عريكة وهي الطبيعة، وكذا الضرائب جمع ضريبة وهي الطبيعة أيضاً والسيف وحدُّه.
(٤٢٠) العيدان - بالفتح -: الطوال من النخل.
(٤٢١) فدَّ يفدُّ - كفرَّ يفرُّ -: عدا وركض. والمكانفة: المعاونة. والأعماد: جمع عمود من غير قياس.
(٤٢٢) إذ تبعتك: أي بايعك وتابعك هؤلاء المؤمنون. والدوحة: الشجرة العظيمة. والأفنان: الأغصان. وفي بعض النُّسَخ: (بسقت أفنان غصونها)، وبسق النخل بسوقاً: طال. والحافات: الجوانب.
(٤٢٣) الناشط: الثور الوحشي يخرج من أرض إلى أرض. وتهتزُّ: أي تتحرَّك.
(٤٢٤) بواني الحقِّ: أساسها. وفي بعض النُّسَخ: (بواني العزِّ) أي الخصال التي تبني العزَّ وتُؤسِّسها. وآب يؤوب أوباً فهو آبٍ أي راجع. وشرد البعير أي نفر فهو شارد. والوكر: عشُّ الطائر، جمعها أوكار. وتهاطل السحاب أي تتابع بالمطر.

↑صفحة ١٧٤↑

جَاحِدٌ غَامِطٌ وَلَا شَانِئٌ مُبْغِضٌ وَلَا مُعَانِدٌ كَاشِحٌ(٤٢٥)، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق: ٣]».
ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا إِسْحَاقَ، لِيَكُنْ مَجْلِسِي هَذَا عِنْدَكَ مَكْتُوماً إِلَّا عَنْ أَهْلِ التَّصْدِيقِ وَالأُخُوَّةِ الصَّادِقَةِ فِي الدِّينِ، إِذَا بَدَتْ لَكَ أَمَارَاتُ الظُّهُورِ وَالتَّمَكُّنِ فَلَا تُبْطِئْ بِإِخْوَانِكَ عَنَّا، وَبَاهِرِ المُسَارَعَةَ(٤٢٦) إِلَى مَنَارِ اليَقِينِ وَضِيَاءِ مَصَابِيحِ الدِّينِ تَلْقَ رُشْداً إِنْ شَاءَ اللهُ».
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْزِيَارَ: فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ حِيناً أَقْتَبِسُ مَا أُؤَدِّي إِلَيْهِمْ(٤٢٧) مِنْ مُوضِحَاتِ الأَعْلَامِ وَنَيِّرَاتِ الأَحْكَامِ، وَأَرْوِي نَبَاتَ الصُّدُورِ مِنْ نَضَارَةِ مَا ادَّخَرَهُ اللهُ فِي طَبَائِعِهِ مِنْ لَطَائِفِ الحِكَمِ وَطَرَائِفِ فَوَاضِلِ القِسَمِ حَتَّى خِفْتُ إِضَاعَةَ مُخَلَّفِي بِالأَهْوَازِ لِتَرَاخِي اللِّقَاءِ عَنْهُمْ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ بِالقُفُولِ، وَأَعْلَمْتُهُ عَظِيمَ مَا أَصْدُرُ بِهِ عَنْهُ مِنَ التَّوَحُّشِ لِفُرْقَتِهِ وَالتَّجَرُّعِ لِلظَّعْنِ عَنْ مَحَالِّهِ(٤٢٨)، فَأَذِنَ وَأَرْدَفَنِي مِنْ صَالِحِ دُعَائِهِ مَا يَكُونُ لِي ذُخْراً عِنْدَ اللهِ وَلِعَقِبِي وَقَرَابَتِي إِنْ شَاءَ اللهُ.
فَلَمَّا أَزِفَ ارْتِحَالِي(٤٢٩) وَتَهَيَّأَ اعْتِزَامُ نَفْسِي غَدَوْتُ عَلَيْهِ مُوَدِّعاً وَمُجَدِّداً لِلْعَهْدِ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ مَالاً كَانَ مَعِي يَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ الفَ دِرْهَمٍ، وَسَالتُهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِالأَمْرِ بِقَبُولِهِ مِنِّي، فَابْتَسَمَ وَقَالَ: «يَا أَبَا إِسْحَاقَ، اسْتَعِنْ بِهِ عَلَى مُنْصَرَفِكَ فَإِنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢٥) الغامط: الحاقر للحقِّ، وغمط العافية لم يشكرها، وغمط أهله بطر بالنعمة. والشانئ: العائب. والكاشح: الذي يضمر لك العداوة.
(٤٢٦) في هامش بعض النُّسَخ عن المحكم لابن سيِّدة: (بهر عليه أي غلبه وفاق على غيره في العلم والمسارعة) انتهى. وفي بعض النُّسَخ: (ناهز المسارعة)، وفي بحار الأنوار: (باهل المسارعة). ثمّ اعلم أنَّ هذه الجملة يتضمَّن بقاء إبراهيم بن مهزيار إلى يوم خروجه، ولا يخفى ما فيه.
(٤٢٧) يعنى أُؤدِّي إلى إخواني. وقوله: (إليهم) ليس في بعض النُّسَخ.
(٤٢٨) القفول: الرجوع من السفر. والظعن: السير والارتحال.
(٤٢٩) أي دنا رجعتي. والاعتزام: العزم، أو لزوم القصد في المشي. وقد يُقرء (الاغترام) بالغين المعجمة والراء المهملة من الغرامة كأنَّه يغرم نفسه بسوء صنيعه في مفارقة مولاه.

↑صفحة ١٧٥↑

الشُّقَّةَ قُذْفَةٌ وَفَلَوَاتِ الأَرْضِ أَمَامَكَ جُمَّةٌ(٤٣٠)، وَلَا تَحْزَنْ لِإِعْرَاضِنَا عَنْهُ، فَإِنَّا قَدْ أَحْدَثْنَا لَكَ شُكْرَهُ وَنَشْرَهُ، وَرَبَضْنَاهُ عِنْدَنَا بِالتَّذْكِرَةِ وَقَبُولِ المِنَّةِ، فَبَارَكَ اللهُ فِيمَا خَوَّلَكَ، وَأَدَامَ لَكَ مَا نَوَّلَكَ(٤٣١)، وَكَتَبَ لَكَ أَحْسَنَ ثَوَابِ المُحْسِنِينَ وَأَكْرَمَ آثَارِ الطَّائِعِينَ، فَإِنَّ الفَضْلَ لَهُ وَمِنْهُ، وَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرُدَّكَ إِلَى أَصْحَابِكَ بِأَوْفَرِ الحَظِّ مِنْ سَلَامَةِ الأَوْبَةِ وَأَكْنَافِ الغِبْطَةِ بِلِينِ المُنْصَرَفِ، وَلَا أَوْعَثَ اللهُ لَكَ سَبِيلاً(٤٣٢)، وَلَا حَيَّرَ لَكَ دَلِيلاً، وَاسْتَوْدِعْهُ نَفْسَكَ وَدِيعَةً لَا تَضِيعُ وَلَا تَزُولُ بِمَنِّهِ وَلُطْفِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
يَا أَبَا إِسْحَاقَ، قَنَّعَنَا بِعَوَائِدِ إِحْسَانِهِ وَفَوَائِدِ امْتِنَانِهِ، وَصَانَ أَنْفُسَنَا عَنْ مُعَاوَنَةِ الأَوْلِيَاءِ لَنَا عَنِ الإِخْلَاصِ فِي النِّيَّةِ، وَإِمْحَاضِ النَّصِيحَةِ، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى مَا هُوَ أَنْقَى وَأَتْقَى وَأَرْفَعُ ذِكْراً(٤٣٣)».
قَالَ: فَأَقْفَلْتُ عَنْهُ(٤٣٤) حَامِداً للهِ (عزَّ وجلَّ) عَلَى مَا هَدَانِي وَأَرْشَدَنِي، عَالِماً بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيُعَطِّلَ أَرْضَهُ وَلَا يُخْلِيهَا مِنْ حُجَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَإِمَامٍ قَائِمٍ، وَألقَيْتُ(٤٣٥) هَذَا الخَبَرَ المَأْثُورَ وَالنَّسَبَ المَشْهُورَ تَوَخِّياً لِلزِّيَادَةِ فِي بَصَائِرِ أَهْلِ اليَقِينِ، وَتَعْرِيفاً لَهُمْ مَا مَنَّ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِهِ مِنْ إِنْشَاءِ الذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ وَالتُّرْبَةِ الزَّكِيَّةِ، وَقَصَدْتُ أَدَاءَ الأَمَانَةِ وَالتَّسْلِيمَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٠) الشقَّة - بالضمِّ والكسر -: البعد والناحية يقصدها المسافر، والسفر البعيد والمشقَّة. (القاموس). وفلاة قذف - محرَّكة وبضمَّتين وكصبور -: أي بعيدة. والجمَّة - بفتح الجيم وضمِّها -: معظم الشيء أو الكثير منه.
(٤٣١) ربضت الشاة: أقامت في مربضها. وربضه بالمكان تربيضاً ثبَّته فيه، والدوابّ: آواها في المربض. وخوَّله الشيء: أعطاه إيَّاه متفضِّلاً، أو ملَّكه إيَّاه. ونوَّله تنويلاً: أعطاه نوالاً، ونوَّله معروفه: أعطاه إيَّاه.
(٤٣٢) الأوبة: الرجوع. والأكناف إمَّا بكسر الهمزة مصدر أكنفه أي صانه وحفظه وأعانه وأحاطه، أو بفتحها جمع الكنف - محرَّكة - وهو الحرز والستر والجانب والظلُّ والناحية. ووعث الطريق: تعسُّر سلوكه، والوعث: الطريق العسر، والوعثاء: المشقَّة.
(٤٣٣) في بعض النُّسَخ: (ما هو أبقى وأتقى وأرفع ذكراً).
(٤٣٤) أي رجعت عنه. وفي بعض النُّسَخ: (فأقلعت عنه) أي تركته.
(٤٣٥) في بعض النُّسَخ: (وألفت).

↑صفحة ١٧٦↑

لِمَا اسْتَبَانَ، لِيُضَاعِفَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) المِلَّةَ الهَادِيَةَ، وَالطَّرِيقَةَ المُسْتَقِيمَةَ المَرْضِيَّةَ(٤٣٦) قُوَّةَ عَزْمٍ وَتَأْيِيدَ نِيَّةٍ، وَشِدَّةَ أُزُرٍ، وَاعْتِقَادَ عِصْمَةٍ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ(٤٣٧).
[٤٠٦/٢٠] وَسَمِعْنَا شَيْخاً(٤٣٨) مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ يُقَالُ لَهُ: أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ الأَدِيبُ يَقُولُ: سَمِعْتُ بِهَمَدَانَ حِكَايَةً حَكَيْتُهَا كَمَا سَمِعْتُهَا لِبَعْضِ إِخْوَانِي، فَسَأَلَنِي أَنْ أُثْبِتَهَا لَهُ بِخَطِّي وَلَمْ أَجِدْ إِلَى مُخَالَفَتِهِ سَبِيلاً، وَقَدْ كَتَبْتُهَا وَعُهْدَتُهَا عَلَى مَنْ حَكَاهَا:
وَذَلِكَ أَنَّ بِهَمَدَانَ نَاساً يُعْرَفُونَ بِبَنِي رَاشِدٍ، وَهُمْ كُلُّهُمْ يَتَشَيَّعُونَ، وَمَذْهَبُهُمْ مَذْهَبُ أَهْلِ الإِمَامَةِ، فَسَالتُ عَنْ سَبَبِ تَشَيُّعِهِمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ هَمْدَانَ، فَقَالَ لِي شَيْخٌ مِنْهُمْ - رَأَيْتُ فِيهِ صَلَاحاً وَسَمْتاً -: إِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ جَدَّنَا الَّذِي نَنْتَسِبُ إِلَيْهِ خَرَجَ حَاجًّا، فَقَالَ: إِنَّهُ لَـمَّا صَدَرَ مِنَ الحَجِّ وَسَارُوا مَنَازِلَ فِي البَادِيَةِ، قَالَ: فَنَشَطْتُ فِي النُّزُولِ وَالمَشْيِ، فَمَشَيْتُ طَوِيلاً حَتَّى أَعْيَيْتُ وَنَعَسْتُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَنَامُ نَوْمَةً تُرِيحُنِي، فَإِذَا جَاءَ أَوَاخِرُ القَافِلَةِ قُمْتُ، قَالَ: فَمَا انْتَبَهْتُ إِلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ وَلَمْ أَرَ أَحَداً، فَتَوَحَّشْتُ وَلَمْ أَرَ طَرِيقاً وَلَا أَثَراً، فَتَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ (عزَّ وجلَّ) وَقُلْتُ: أَسِيرُ حَيْثُ وَجَّهَنِي، وَمَشَيْتُ غَيْرَ طَوِيلٍ، فَوَقَعْتُ فِي أَرْضٍ خَضْرَاءَ نَضْرَاءَ كَأَنَّهَا قَرِيبَةُ عَهْدٍ مِنْ غَيْثٍ، وَإِذَا تُرْبَتُهَا أَطْيَبُ تُرْبَةٍ، وَنَظَرْتُ فِي سَوَاءِ تِلْكَ الأَرْضِ(٤٣٩) إِلَى قَصْرٍ يَلُوحُ كَأَنَّهُ سَيْفٌ، فَقُلْتُ: لَيْتَ شِعْرِي مَا هَذَا القَصْرُ الَّذِي لَمْ أَعْهَدْهُ وَلَمْ أَسْمَعْ بِهِ؟ فَقَصَدْتُهُ، فَلَمَّا بَلَغْتُ البَابَ رَأَيْتُ خَادِمَيْنِ أَبْيَضَيْنِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا فَرَدَّا رَدًّا جَمِيلاً، وَقَالَا: اجْلِسْ فَقَدْ أَرَادَ اللهُ بِكَ خَيْراً، فَقَامَ أَحَدُهُمَا وَدَخَلَ وَاحْتَبَسَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٦) في بعض النُّسَخ: (والطبقة المرضيَّة) مكان (والطريقة...) إلخ.
(٤٣٧) راجع: بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٢ - ٤٠/ ح ٢٨).
(٤٣٨) في هامش بعض النُّسَخ وبحار الأنوار كذا: (القصَّة مذكورة في كتاب السلطان المفرِّج عن أهل الإيمان عن أحوال صاحب الزمان، تأليف السيِّد عليِّ بن عبد الحميد).
(٤٣٩) أي وسطها.

↑صفحة ١٧٧↑

خَرَجَ فَقَالَ: قُمْ فَادْخُلْ، فَدَخَلْتُ قَصْراً لَمْ أَرَ بِنَاءً أَحْسَنَ مِنْ بِنَائِهِ وَلَا أَضْوَأَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ الخَادِمُ إِلَى سِتْرٍ عَلَى بَيْتٍ فَرَفَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ البَيْتَ فَإِذَا فَتًى جَالِسٌ فِي وَسَطِ البَيْتِ وَقَدْ عُلِّقَ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنَ السَّقْفِ سَيْفٌ طَوِيلٌ تَكَادُ ظُبَتُهُ تَمَسُّ رَأْسَهُ(٤٤٠)، وَالفَتَى [كَأَنَّهُ] بَدْرٌ يَلُوحُ فِي ظَلَامٍ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ السَّلَامَ بِألطَفِ كَلَامٍ وَأَحْسَنِهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: «أَتَدْرِي مَنْ أَنَا؟»، فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ، فَقَالَ: «أَنَا القَائِمُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أَنَا الَّذِي أَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِهَذَا السَّيْفِ - وَأَشَارَ إِلَيْهِ - فَأَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً».
فَسَقَطْتُ عَلَى وَجْهِي، وَتَعَفَّرْتُ، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، أَنْتَ فُلَانٌ مِنْ مَدِينَةٍ بِالجَبَلِ يُقَالُ لَهَا: هَمَدَانُ؟»، فَقُلْتُ: صَدَقْتَ يَا سَيِّدِي وَمَوْلَايَ، قَالَ: «فَتُحِبُّ أَنْ تَئُوبَ إِلَى أَهْلِكَ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي وَأُبَشِّرُهُمْ بِمَا أَتَاحَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لِي، فَأَوْمَأَ إِلَى الخَادِمِ، فَأَخَذَ بِيَدِي وَنَاوَلَنِي صُرَّةً وَخَرَجَ وَمَشَى مَعِي خُطُوَاتٍ، فَنَظَرْتُ إِلَى ظِلَالٍ وَأَشْجَارٍ وَمَنَارَةِ مَسْجِدٍ، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ هَذَا البَلَدَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ بِقُرْبِ بَلَدِنَا بَلْدَةً تُعْرَفُ بِأَسَدْآبَاذَ وَهِيَ تُشْبِهُهَا، قَالَ: فَقَالَ: هَذِهِ أَسَدْآبَاذُ امْضِ رَاشِداً، فَالتَفَتُّ فَلَمْ أَرَهُ.
فَدَخَلْتُ أَسَدْآبَاذَ وَإِذَا فِي الصُّرَّةِ أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ دِينَاراً، فَوَرَدْتُ هَمَدَانَ وَجَمَعْتُ أَهْلِي وَبَشَّرْتُهُمْ بِمَا يَسَّرَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لِي، وَلَمْ نَزَلْ بِخَيْرٍ مَا بَقِيَ مَعَنَا مِنْ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ(٤٤١).
[٤٠٧/٢١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ النَّوْفَلِيُّ المَعْرُوفُ بِالكِرْمَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الوَشَّاءُ البَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤٠) ظُبة السيف - بالضمِّ مخفَّفاً -: طرفه، وحدُّ السيف والسنان.
(٤٤١) رواه ابن حمزة (رحمه الله) في الثاقب في المناقب (ص ٦٠٥ و٦٠٦/ ح ٥٥٣/١)، وراجع: السلطان المفرِّج عن أهل الإيمان (ص ٦٢ - ٦٤/ القصَّة ١٢)، وبحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٤٠ - ٤٢/ ح ٣٠).

↑صفحة ١٧٨↑

أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرٍ القُمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرِ بْنِ سَهْلٍ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَسْرُورٍ(٤٤٢)، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ القُمِّيِّ، قَالَ: كُنْتُ امْرَأً لَهِجاً بِجَمْعِ الكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ عَلَى غَوَامِضِ العُلُومِ وَدَقَائِقِهَا، كَلِفاً بِاسْتِظْهَارِ مَا يَصِحُّ لِي مِنْ حَقَائِقِهَا، مُغْرَماً(٤٤٣) بِحِفْظِ مُشْتَبَهِهَا وَمُسْتَغْلَقِهَا، شَحِيحاً عَلَى مَا أَظْفَرُ بِهِ مِنْ مُعْضَلَاتِهَا(٤٤٤) وَمُشْكِلَاتِهَا، مُتَعَصِّباً لِمَذْهَبِ الإِمَامِيَّةِ، رَاغِباً عَنِ الأَمْنِ وَالسَّلَامَةِ، فِي انْتِظَارِ التَّنَازُعِ وَالتَّخَاصُمِ وَالتَّعَدِّي إِلَى التَّبَاغُضِ وَالتَّشَاتُمِ، مُعَيِّباً لِلْفِرَقِ ذَوِي الخِلَافِ، كَاشِفاً عَنْ مَثَالِبِ أَئِمَّتِهِمْ، هَتَّاكاً لِحُجُبِ قَادَتِهِمْ، إِلَى أَنْ بُلِيتُ بِأَشَدِّ النَّوَاصِبِ مُنَازَعَةً، وَأَطْوَلِهِمْ مُخَاصَمَةً، وَأَكْثَرِهِمْ جَدَلاً، وَأَشْنَعِهِمْ سُؤَالاً، وَأَثْبَتِهِمْ عَلَى البَاطِلِ قَدَماً.
فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ - وَأَنَا أُنَاظِرُهُ -: تَبًّا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ يَا سَعْدُ، إِنَّكُمْ مَعَاشِرَ الرَّافِضَةِ تَقْصِدُونَ عَلَى المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ بِالطَّعْنِ عَلَيْهِمَا، وَتَجْحَدُونَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلَايَتَهُمَا وَإِمَامَتَهُمَا، هَذَا الصِّدِّيقَ الَّذِي فَاقَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ بِشَرَفِ سَابِقَتِهِ، أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَا أَخْرَجَهُ مَعَ نَفْسِهِ إِلَى الغَارِ إِلَّا عِلْماً مِنْهُ أَنَّ الخِلَافَةَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ المُقَلَّدُ لِأَمْرِ التَّأْوِيلِ وَالمُلْقَى إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الأُمَّةِ، وَعَلَيْهِ المُعَوَّلُ فِي شَعْبِ الصَّدْعِ، وَلَمِّ الشَّعَثِ، وَسَدِّ الخَلَلِ، وَإِقَامَةِ الحُدُودِ، وَتَسْرِيبِ الجُيُوشِ لِفَتْحِ بِلَادِ الشِّرْكِ(٤٤٥)؟ وَكَمَا أَشْفَقَ عَلَى نُبُوَّتِهِ أَشْفَقَ عَلَى خِلَافَتِهِ، إِذْ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الِاسْتِتَارِ وَالتَّوَارِي أَنْ يَرُومَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤٢) رجال السند بعضهم مجهول الحال وبعضهم مهمل، والمتن متضمِّن لغرائب بعيد صدروها عن المعصوم (عليه السلام)، ويشتمل على أحكام تخالف ما صحَّ عنهم (عليهم السلام). مضافاً إلى أنَّ الواسطة بين الصدوق وسعد بن عبد الله في جميع كُتُبه واحدة أبوه أو محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد كما هو المحقَّق عند من تتبَّع كُتُبه ومشيخته، وهنا بين المصنِّف (رحمه الله) وسعد خمس وسائط. وقد رواه الطبري (رحمه الله) في دلائل الإمامة بثلاث وسائط هم غير ما هنا.
(٤٤٣) لهجاً: أي حريصاً. كلفاً: أي مولعاً. مغرماً: أي محبًّا مشتاقاً.
(٤٤٤) في بعض النُّسَخ: (معاضلها).
(٤٤٥) تسريب الجيوش: بعثها قطعة قطعة.

↑صفحة ١٧٩↑

الهَارِبُ مِنَ الشَّرِّ مُسَاعَدَةً إِلَى مَكَانٍ يَسْتَخْفِي فِيهِ، وَلَـمَّا رَأَيْنَا النَّبِيَّ مُتَوَجِّهاً إِلَى الاِنْجِحَارِ، وَلَمْ تَكُنِ الحَالُ تُوجِبُ اسْتِدْعَاءَ المُسَاعَدَةِ مِنْ أَحَدٍ، اسْتَبَانَ لَنَا قَصْدُ رَسُولِ اللهِ بِأَبِي بَكْرٍ لِلْغَارِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي شَرَحْنَاهَا، وَإِنَّمَا أَبَاتَ عَلِيًّا عَلَى فِرَاشِهِ لِمَا لَمْ يَكُنْ يَكْتَرِثُ بِهِ ولَمْ يَحْفِلْ بِهِ لِاسْتِثْقَالِهِ(٤٤٦)، وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ إِنْ قُتِلَ لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ نَصْبُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ لِلْخُطُوبِ الَّتِي كَانَ يَصْلُحُ لَهَا.
قَالَ سَعْدٌ: فَأَوْرَدْتُ عَلَيْهِ أَجْوِبَةً شَتَّى، فَمَا زَالَ يُعَقِّبُ(٤٤٧) كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالنَّقْضِ وَالرَّدِّ عَلَيَّ.
ثُمَّ قَالَ: يَا سَعْدُ، وَدُونَكَهَا أُخْرَى بِمِثْلِهَا تُخْطَمُ أُنُوفُ الرَّوَافِضِ(٤٤٨)، أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ الصِّدِّيقَ المُبَرَّأَ مِنْ دَنَسِ الشُّكُوكِ وَالفَارُوقَ المُحَامِيَ عَنْ بَيْضَةِ الإِسْلَامِ كَانَا يُسِرَّانِ النِّفَاقَ، وَاسْتَدْلَلْتُمْ بِلَيْلَةِ العَقَبَةِ؟ أَخْبِرْنِي عَنِ الصِّدِّيقِ وَالفَارُوقِ أَسْلَمَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً؟
قَالَ سَعْدٌ: فَاحْتَلْتُ لِدَفْعِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ عَنِّي خَوْفاً مِنَ الالزَامِ، وَحَذَراً مِنْ أَنِّي إِنْ أَقْرَرْتُ لَهُ بِطَوْعِهِمَا(٤٤٩) لِلْإِسْلَامِ احْتَجَّ بِأَنَّ بَدْءَ النِّفَاقِ وَنَشْأَهُ فِي القَلْبِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ هُبُوبِ رَوَائِحِ القَهْرِ وَالغَلَبَةِ، وَإِظْهَارِ البَأْسِ الشَّدِيدِ فِي حَمْلِ المَرْءِ عَلَى مَنْ لَيْسَ يَنْقَادُ إِلَيْهِ قَلْبُهُ، نَحْوُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ و٨٥]، وَإِنْ قُلْتُ: أَسْلَمَا كَرْهاً، كَانَ يَقْصِدُنِي بِالطَّعْنِ إِذْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ سُيُوفٌ مُنْتَضَاةٌ(٤٥٠) كَانَتْ تُرِيهِمَا البَأْسَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤٦) ما اكترث له مع أكترث له: أي ما أُبالي. وما حفله وما حفل به: أي ما أُبالي به ولا أهتمُّ له.
(٤٤٧) في بعض النُّسَخ: (يقصد).
(٤٤٨) خطمه: أي ضرب أنفه.
(٤٤٩) في بعض النُّسَخ: (بطواعيَّتهما).
(٤٥٠) انتضى السيف: سلَّه.

↑صفحة ١٨٠↑

قَالَ سَعْدٌ: فَصَدَرْتُ عَنْهُ مُزْوَرًّا(٤٥١) قَدِ انْتَفَخَتْ أَحْشَائِي مِنَ الغَضَبِ وَتَقَطَّعَ كَبِدِي مِنَ الكَرْبِ، وَكُنْتُ قَدِ اتَّخَذْتُ طُومَاراً وَأَثْبَتُّ فِيهِ نَيِّفاً وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً مِنْ صِعَابِ المَسَائِلِ لَمْ أَجِدْ لَهَا مُجِيباً، عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا خَبِيرَ أَهْلِ بَلَدِي أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ صَاحِبَ مَوْلَانَا أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَارْتَحَلْتُ خَلْفَهُ وَقَدْ كَانَ خَرَجَ قَاصِداً نَحْوَ مَوْلَانَا بِسُرَّ مَنْ رَأَى، فَلَحِقْتُهُ فِي بَعْضِ المَنَازِلِ، فَلَمَّا تَصَافَحْنَا قَالَ: بِخَيْرٍ لِحَاقُكَ بِي، قُلْتُ: الشَّوْقُ ثُمَّ العَادَةُ فِي الأَسْئِلَةِ، قَالَ: قَدْ تَكَافَيْنَا عَلَى هَذِهِ الخُطَّةِ الوَاحِدَةِ، فَقَدْ بَرِحَ بِيَ القَرَمُ(٤٥٢) إِلَى لِقَاءِ مَوْلَانَا أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ مَعَاضِلَ فِي التَّأْوِيلِ وَمَشَاكِلَ فِي التَّنْزِيلِ، فَدُونَكَهَا الصُّحْبَةَ المُبَارَكَةَ، فَإِنَّهَا تَقِفُ بِكَ عَلَى ضَفَّةِ بَحْرٍ(٤٥٣) لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا تَفْنَى غَرَائِبُهُ، وَهُوَ إِمَامُنَا.
فَوَرَدْنَا سُرَّ مَنْ رَأَى، فَانْتَهَيْنَا مِنْهَا إِلَى بَابِ سَيِّدِنَا، فَاسْتَأْذَنَّا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا الإِذْنُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَكَانَ عَلَى عَاتِقِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ جِرَابٌ قَدْ غَطَّاهُ بِكِسَاءٍ طَبَرِيٍّ فِيهِ مِائَةٌ وَسِتُّونَ صُرَّةً مِنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، عَلَى كُلِّ صُرَّةٍ مِنْهَا خَتْمُ صَاحِبِهَا.
قَالَ سَعْدٌ: فَمَا شَبَّهْتُ وَجْهَ مَوْلَانَا أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) حِينَ غَشِيَنَا نُورُ وَجْهِهِ إِلَّا بِبَدْرٍ قَدِ اسْتَوْفَى مِنْ لَيَالِيهِ أَرْبَعاً بَعْدَ عَشْرٍ، وَعَلَى فَخِذِهِ الأَيْمَنِ غُلَامٌ يُنَاسِبُ المُشْتَرِيَ فِي الخِلْقَةِ وَالمَنْظَرِ، عَلَى رَأْسِهِ فَرْقٌ بَيْنَ وَفْرَتَيْنِ كَأَنَّهُ أَلِفٌ بَيْنَ وَاوَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْ مَوْلَانَا رُمَّانَةٌ ذَهَبِيَّةٌ تَلْمَعُ بَدَائِعُ نُقُوشِهَا وَسَطَ غَرَائِبِ الفُصُوصِ المُرَكَّبَةِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥١) الإزورار عن الشيء: العدول عنه.
(٤٥٢) الخُطَّة - بالضمِّ -: شبه القصَّة والأمر والجهل. (ق). يعني تساوينا على هذه الحالة أي العادة في الأسئلة في القصَّة الواحدة في الأمر الواحد. وبرَّح به الأمر تبريحاً، وتباريح الشوق: توهُّجه. والقرم - محرَّكة -: شدَّة شهوة اللحم وكثر استعمالها حتَّى قيل في الشوق إلى الحبيب، والمراد هنا شدَّه الشوق. وفي بعض النُّسَخ: (برَّح بي الشوق).
(٤٥٣) ضفة البحر: ساحله. وفي بعض النُّسَخ: (ثقف بك).

↑صفحة ١٨١↑

عَلَيْهَا، قَدْ كَانَ أَهْدَاهَا إِلَيْهِ بَعْضُ رُؤَسَاءِ أَهْلِ البَصْرَةِ، وَبِيَدِهِ قَلَمٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْطُرَ بِهِ عَلَى البَيَاضِ شَيْئاً قَبَضَ الغُلَامُ عَلَى أَصَابِعِهِ، فَكَانَ مَوْلَانَا يُدَحْرِجُ الرُّمَّانَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَشْغَلُهُ بِرَدِّهَا كَيْ لَا يَصُدَّهُ عَنْ كِتَابَةِ مَا أَرَادَ(٤٥٤)، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَالطَفَ فِي الجَوَابِ، وَأَوْمَأَ إِلَيْنَا بِالجُلُوسِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ كِتْبَةِ البَيَاضِ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ جِرَابَهُ مِنْ طَيِّ كِسَائِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَظَرَ الهَادِي (عليه السلام)(٤٥٥) إِلَى الغُلَامِ، وَقَالَ لَهُ: «يَا بُنَيَّ، فُضَّ الخَاتَمَ عَنْ هَدَايَا شِيعَتِكَ وَمَوَالِيكَ»، فَقَالَ: «يَا مَوْلَايَ، أَيَجُوزُ أَنْ أَمُدَّ يَداً طَاهِرَةً إِلَى هَدَايَا نَجِسَةٍ وَأَمْوَالٍ رَجِسَةٍ قَدْ شِيبَ أَحَلُّهَا بِأَحْرَمِهَا؟»، فَقَالَ مَوْلَايَ: «يَا ابْنَ إِسْحَاقَ، اسْتَخْرِجْ مَا فِي الجِرَابِ لِيُمَيَّزَ مَا بَيْنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ مِنْهَا»، فَأَوَّلُ صُرَّةٍ بَدَأَ أَحْمَدُ بِإِخْرَاجِهَا قَالَ الغُلَامُ: «هَذِهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، مِنْ مَحَلَّةِ كَذَا بِقُمَّ، تَشْتَمِلُ عَلَى اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ دِينَاراً، فِيهَا مِنْ ثَمَنِ حَجِيرَةٍ بَاعَهَا صَاحِبُهَا وَكَانَتْ إِرْثاً لَهُ عَنْ أَبِيهِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِينَاراً، وَمِنْ أَثْمَانِ تِسْعَةِ أَثْوَابٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ دِينَاراً، وَفِيهَا مِنْ أُجْرَةِ الحَوَانِيتِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ»، فَقَالَ مَوْلَانَا: «صَدَقْتَ يَا بُنَيَّ، دُلَّ الرَّجُلَ عَلَى الحَرَامِ مِنْهَا»، فَقَالَ (عليه السلام): «فَتِّشْ عَنْ دِينَارٍ رَازِيِّ السِّكَّةِ، تَأْرِيخُهُ سَنَةُ كَذَا، قَدِ انْطَمَسَ مِنْ نِصْفِ إِحْدَى صَفْحَتَيْهِ نَقْشُهُ، وَقُرَاضَةٍ آمُلِيَّةٍ وَزْنُهَا رُبُعُ دِينَارٍ، وَالعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِهَا أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الصُّرَّةِ وَزَنَ فِي شَهْرِ كَذَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٤) قال في هامش بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٨١) كذا: (فيه غرابة من حيث قبض الغلام (عليه السلام) على أصابع أبيه أبي محمّد (عليه السلام). وهكذا وجود رُمَّانة من ذهب يلعب بها لئلَّا يصدُّه عن الكتابة، وقد روى في الكافي (ج ١/ ص ٣١١) عن صفوان الجمَّال، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صاحب هذا الأمر، فقال: «إنَّ صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب»، وأقبل أبو الحسن موسى وهو صغير ومعه عناق مكّيَّة وهو يقول لها: «اسجدي لربِّك»، فأخذه أبو عبد الله (عليه السلام) وضمَّه إليه، وقال: «بأبي وأُمِّي من لا يلهو ولا يلعب») انتهى. أقول: في طريق هذه الرواية معلَّى بن محمّد البصري، قال العلَّامة (رحمه الله) في حقِّه: مضطرب الحديث والمذهب. وكذا النجاشي. وقال ابن الغضائري: نعرف حديثه ونُنكِره، يروي عن الضعفاء، ويجوز أنْ يُخرَّج شاهداً. راجع: جامع الرواة (ج ٢/ ص ٢٥١).
(٤٥٥) كذا. ولعلَّه مصحَّف عن (مولاي (عليه السلام)).

↑صفحة ١٨٢↑

مِنْ سَنَةِ كَذَا عَلَى حَائِكٍ مِنْ جِيرَانِهِ مِنَ الغَزْلِ مَنًّا وَرُبُعَ مَنٍّ فَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ، وَفِي انْتِهَائِهَا قَيَّضَ لِذَلِكَ الغَزْلِ سَارِقٌ، فَأَخْبَرَ بِهِ الحَائِكُ صَاحِبَهُ، فَكَذَّبَهُ وَاسْتَرَدَّ مِنْهُ بَدَلَ ذَلِكَ مَنًّا وَنِصْفَ مَنٍّ غَزْلاً أَدَقَّ مِمَّا كَانَ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَاتَّخَذَ مِنْ ذَلِكَ ثَوْباً، كَانَ هَذَا الدِّينَارُ مَعَ القُرَاضَةِ ثَمَنَهُ»، فَلَمَّا فَتَحَ رَأْسَ الصُّرَّةِ صَادَفَ رُقْعَةً فِي وَسْطِ الدَّنَانِيرِ بِاسْمِ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ وَبِمِقْدَارِهَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ، وَاسْتَخْرَجَ الدِّينَارَ وَالقُرَاضَةَ بِتِلْكَ العَلَامَةِ.
ثُمَّ أَخْرَجَ صُرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ الغُلَامُ: «هَذِهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، مِنْ مَحَلَّةِ كَذَا بِقُمَّ، تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسِينَ دِينَاراً، لَا يَحِلُّ لَنَا لَمسُهَا»، قَالَ: «وَكَيْفَ ذَاكَ؟»، قَالَ: «لِأَنَّهَا مِنْ ثَمَنِ حِنْطَةٍ حَافَ صَاحِبُهَا عَلَى أَكَّارِهِ فِي المُقَاسَمَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَبَضَ حِصَّتَهُ مِنْهَا بِكَيْلٍ وَافٍ، وَكَانَ مَا حَصَّ الأَكَّارَ بِكَيْلٍ بَخْسٍ»، فَقَالَ مَوْلَانَا: «صَدَقْتَ يَا بُنَيَّ».
ثُمَّ قَالَ: «يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، احْمِلْهَا بِأَجْمَعِهَا لِتَرُدَّهَا أَوْ تُوصِيَ بِرَدِّهَا عَلَى أَرْبَابِهَا، فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَائْتِنَا بِثَوْبِ العَجُوزِ».
قَالَ أَحْمَدُ: وَكَانَ ذَلِكَ الثَّوْبُ فِي حَقِيبَةٍ لِي فَنَسِيتُهُ(٤٥٦).
فَلَمَّا انْصَرَفَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ لِيَأْتِيَهُ بِالثَّوْبِ نَظَرَ إِلَيَّ مَوْلَانَا أَبُو مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ يَا سَعْدُ؟»، فَقُلْتُ: شَوَّقَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَلَى لِقَاءِ مَوْلَانَا، قَالَ: «وَالمَسَائِلُ الَّتِي أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْهَا؟»، قُلْتُ: عَلَى حَالِهَا يَا مَوْلَايَ، قَالَ: «فَسَلْ قُرَّةَ عَيْنِي - وَأَوْمَأَ إِلَى الغُلَامِ -»، فَقَالَ لِيَ الغُلَامُ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ مِنْهَا».
فَقُلْتُ لَهُ: مَوْلَانَا وابْنَ مَوْلَانَا، إِنَّا رُوِّينَا عَنْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جَعَلَ طَلَاقَ نِسَائِهِ بِيَدِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، حَتَّى أَرْسَلَ يَوْمَ الجَمَلِ إِلَى عَائِشَةَ: «إِنَّكِ قَدْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٦) الحقيبة: ما يُجعَل في مؤخَّر القتب أو السرج من الخرج، ويقال له بالفارسيَّة: الهكبة.

↑صفحة ١٨٣↑

أَرْهَجْتِ عَلَى الإِسْلَامِ(٤٥٧) وَأَهْلِهِ بِفِتْنَتِكِ، وَأَوْرَدْتِ بَنِيكِ حِيَاضَ الهَلَاكِ بِجَهْلِكِ، فَإِنْ كَفَفْتِ عَنِّي غَرْبَكِ(٤٥٨) وَإِلَّا طَلَّقْتُكِ»، وَنِسَاءُ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَدْ كَانَ طَلَاقُهُنَّ وَفَاتَهُ، قَالَ: «مَا الطَّلَاقُ؟»، قُلْتُ: تَخْلِيَةُ السَّبِيلِ، قَالَ: «فَإِذَا كَانَ طَلَاقُهُنَّ وَفَاةَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَدْ خُلِّيَتْ لَهُنَّ السَّبِيلُ، فَلِمَ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ الأَزْوَاجُ؟»، قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ الأَزْوَاجَ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: «كَيْفَ وَقَدْ خَلَّى المَوْتُ سَبِيلَهُنَّ؟»، قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي يَا ابْنَ مَوْلَايَ عَنْ مَعْنَى الطَّلَاقِ الَّذِي فَوَّضَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حُكْمَهُ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَقَدَّسَ اسْمُهُ عَظَّمَ شَأْنَ نِسَاءِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَخَصَّهُنَّ بِشَرَفِ الأُمَّهَاتِ، فَقَالَ رَسُولُ الله: يَا أَبَا الحَسَنِ، إِنَّ هَذَا الشَّرَفَ بَاقٍ لَهُنَّ مَا دُمْنَ لِلهِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَأَيَّتُهُنَّ عَصَتِ اللهَ بَعْدِي بِالخُرُوجِ عَلَيْكَ فَأَطْلِقْ لَهَا فِي الأَزْوَاجِ، وَأَسْقِطْهَا مِنْ شَرَفِ أُمُومَةِ المُؤْمِنِينَ(٤٥٩)».
قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الفَاحِشَةِ المُبَيِّنَةِ الَّتِي إِذَا أَتَتِ المَرْأَةُ بِهَا فِي عِدَّتِهَا حَلَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ بَيْتِهِ، قَالَ: «الفَاحِشَةُ المُبَيِّنَةُ هِيَ السَّحْقُ دُونَ الزِّنَا(٤٦٠)، فَإِنَّ المَرْأَةَ إِذَا زَنَتْ وَأُقِيمَ عَلَيْهَا الحَدُّ لَيْسَ لِمَنْ أَرَادَهَا أَنْ يَمْتَنِعَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ التَّزَوُّجِ بِهَا لِأَجْلِ الحَدِّ، وَإِذَا سَحَقَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الرَّجْمُ، وَالرَّجْمُ خِزْيٌ، وَمَنْ قَدْ أَمَرَ اللهُ بِرَجْمِهِ فَقَدْ أَخْزَاهُ، وَمَنْ أَخْزَاهُ فَقَدْ أَبْعَدَهُ، وَمَنْ أَبْعَدَهُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَبَهُ».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥٧) الإرهاج: إثارة الغبار.
(٤٥٨) الغرب - بتقديم الغين المعجمة على الراء -: الحدَّة.
(٤٥٩) في بعض النُّسَخ: (من شرف أُمَّهات المؤمنين).
(٤٦٠) كذا، ولم يعمل به أحد من الفقهاء، بل فسَّروا الفاحشة بما يوجب الحدَّ أو إيذائها أهل الرجل بلسانها أو بفعلها، فتخرج للأوَّل لإقامة الحدِّ ثمّ تُرَدُّ إلى مسكنها عاجلاً. وفي الثاني تخرج إلى مسكن آخر يناسب حالها. ثمّ ما فيه أنَّ السحق يوجب الرجم أيضاً خلاف ما أجمعت الإماميَّة عليه من أنَّه كالزنا في الحدِّ، بل دون الزنا بإيجابه الجلد ولو كان من محصنة. وقد روى المصنِّف (رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه (ج ٤/ ص ٤٢ و٤٣/ ح ٥٠٤٨) عن هشام وحفص البختري أنَّه دخل نسوة على أبي عبد الله (عليه السلام)، فسألته امرأة منهنَّ عن السحق، فقال: «حدُّها حدُّ الزاني...» الخبر.

↑صفحة ١٨٤↑

قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ عَنْ أَمْرِ اللهِ لِنَبِيِّهِ مُوسَى (عليه السلام): ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوَى﴾ [طه: ١٢]، فَإِنَّ فُقَهَاءَ الفَرِيقَيْنِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ إِهَابِ المَيْتَةِ، فَقَالَ (عليه السلام): «مَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدِ افْتَرَى عَلَى مُوسَى وَاسْتَجْهَلَهُ فِي نُبُوَّتِهِ(٤٦١)، لِأَنَّهُ مَا خَلَا الأَمْرُ فِيهَا مِنْ خَطِيئَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ مُوسَى فِيهِمَا جَائِزَةً أَوْ غَيْرَ جَائِزَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ جَائِزَةً جَازَ لَهُ لُبْسُهُمَا فِي تِلْكَ البُقْعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّسَةً مُطَهَّرَةً فَلَيْسَتْ بِأَقْدَسَ وَأَطْهَرَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ غَيْرَ جَائِزَةٍ فِيهِمَا فَقَدْ أَوْجَبَ عَلَى مُوسَى أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفِ الحَلَالَ مِنَ الحَرَامِ وَمَا عَلِمَ مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَمَا لَمْ تَجُزْ، وَهَذَا كُفْرٌ(٤٦٢)».
قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ عَنِ التَّأْوِيلِ فِيهِمَا، قَالَ: «إِنَّ مُوسَى نَاجَى رَبَّهُ بِالوَادِ المُقَدَّسِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي قَدْ أَخْلَصْتُ لَكَ المَحَبَّةَ مِنِّي، وَغَسَلْتُ قَلْبِي عَمَّنْ سِوَاكَ، وَكَانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِأَهْلِهِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ أَيْ انْزِعْ حُبَّ أَهْلِكَ مِنْ قَلْبِكَ إِنْ كَانَتْ مَحَبَّتُكَ لِي خَالِصَةً، وَقَلْبَكَ مِنَ المَيْلِ إِلَى مَنْ سِوَايَ مَغْسُولاً(٤٦٣)».
قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ عَنْ تَأْوِيلِ: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]، قَالَ: «هَذِهِ الحُرُوفُ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ، أَطْلَعَ اللهُ عَلَيْهَا عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، ثُمَّ قَصَّهَا عَلَى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦١) إنَّ موسى (عليه السلام) لم يكن نبيًّا حينذاك، فتأمَّل.
(٤٦٢) غريب جدًّا، فإنَّ المصنِّف (رحمه الله) روى في علل الشرائع (ج ١/ ص ٦٦/ باب ٥٥/ ح ١): عن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن الحسن الصفَّار، قال: حدَّثنا يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال الله (عزَّ وجلَّ) لموسى (عليه السلام): ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ لأنَّها من جلد حمار ميِّت»، والخبر صحيح أو حسن كالصحيح، مع أنَّ ابن الوليد الراوي للخبر هو من نقدة الآثار. ولا يعارضه خبر المتن من حيث السند.
(٤٦٣) محبَّة الله تعالى خالصاً لم تكن مخالفاً لمحبَّة الأهل، وقد كان النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُحِبُّ فاطمة وبعلها وبنيها (عليهم السلام) حبًّا شديداً، فتأمَّل فيه، وهذه المطالب بعيد صدورها عن المعصوم، وربَّما تُقوِّي القول بموضوعيَّة الخبر، والعلم عند الله.

↑صفحة ١٨٥↑

مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَسْمَاءَ الخَمْسَةِ، فَأَهْبَطَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلَ فَعَلَّمَهُ إِيَّاهَا، فَكَانَ زَكَرِيَّا إِذَا ذَكَرَ مُحَمَّداً وَعَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ سُرِّيَ عَنْهُ هَمُّهُ وَانْجَلَى كَرْبُهُ، وَإِذَا ذَكَرَ الحُسَيْنَ خَنَقَتْهُ العَبْرَةُ، وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ البُهْرَةُ(٤٦٤)، فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا إِلَهِي، مَا بَالِي إِذَا ذَكَرْتُ أَرْبَعاً مِنْهُمْ تَسَلَّيْتُ بِأَسْمَائِهِمْ مِنْ هُمُومِي، وَإِذَا ذَكَرْتُ الحُسَيْنَ تَدْمَعُ عَيْنِي وَتَثُورُ زَفْرَتِي؟ فَأَنْبَأَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ قِصَّتِهِ، وَقَالَ: ﴿كهيعص﴾، فَالكَافُ اسْمُ كَرْبَلَاءَ، وَالهَاءُ هَلَاكُ العِتْرَةِ، وَاليَاءُ يَزِيدُ، وَهُوَ ظَالِمُ الحُسَيْنِ (عليه السلام)، وَالعَيْنُ عَطَشُهُ، وَالصَّادُ صَبْرُهُ(٤٦٥). فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ زَكَرِيَّا لَمْ يُفَارِقْ مَسْجِدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمَنَعَ فِيهَا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى البُكَاءِ وَالنَّحِيبِ، وَكَانَتْ نُدْبَتُهُ: إِلَهِي أَتُفَجِّعُ خَيْرَ خَلْقِكَ بِوَلَدِهِ؟ إِلَهِي أَتُنْزِلُ بَلْوَى هَذِهِ الرَّزِيَّةِ بِفِنَائِهِ؟ إِلَهِي أَتُلْبِسُ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ ثِيَابَ هَذِهِ المُصِيبَةِ؟ إِلَهِي أَتُحِلُّ كُرْبَةَ هَذِهِ الفَجِيعَةِ بِسَاحَتِهِمَا؟ ثُمَّ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي وَلَداً تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي عَلَى الكِبَرِ، وَاجْعَلْهُ وَارِثاً وَصِيًّا، وَاجْعَلْ مَحَلَّهُ مِنِّي مَحَلَّ الحُسَيْنِ، فَإِذَا رَزَقْتَنِيهِ فَافْتِنِّي بِحُبِّهِ، ثُمَّ فَجِّعْنِي بِهِ كَمَا تُفَجِّعُ مُحَمَّداً حَبِيبَكَ بِوَلَدِهِ. فَرَزَقَهُ اللهُ يَحْيَى وَفَجَّعَهُ بِهِ. وَكَانَ حَمْلُ يَحْيَى سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَحَمْلُ الحُسَيْنِ (عليه السلام) كَذَلِكَ، وَلَهُ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ».
قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ عَنِ العِلَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ القَوْمَ مِنِ اخْتِيَارِ إِمَامٍ لِأَنْفُسِهِمْ، قَالَ: «مُصْلِحٍ أَوْ مُفْسِدٍ؟»، قُلْتُ: مُصْلِحٍ، قَالَ: «فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ خِيَرَتُهُمْ عَلَى المُفْسِدِ بَعْدَ أَنْ لَا يَعْلَمَ أَحَدٌ مَا يَخْطُرُ بِبَالِ غَيْرِهِ مِنْ صَلَاحٍ أَوْ فَسَادٍ؟»، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَهِيَ العِلَّةُ، وَأُورِدُهَا لَكَ بِبُرْهَانٍ يَنْقَادُ لَهُ عَقْلُكَ(٤٦٦)، أَخْبِرْنِي عَنِ الرُّسُلِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللهُ تَعَالَى وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتَابَ وَأَيَّدَهُمْ بِالوَحْيِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٤) البهر: تتابع النفس وانقطاعه كما يحصل بعد الإعياء والعَدْو الشديد.
(٤٦٥) وفُسِّر بغير ذلك، راجع: معاني الأخبار (ص ٢٢ - ٢٨/ باب معنى الحروف المقطَّعة في أوايل السور من القرآن)، وتفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٤٨).
(٤٦٦) في بعض النُّسَخ: (يثق بعقلك).

↑صفحة ١٨٦↑

وَالعِصْمَةِ، إِذْ هُمْ أَعْلَامُ الأُمَمِ(٤٦٧) وَأَهْدَى إِلَى الاِخْتِيَارِ مِنْهُمْ مِثْلُ مُوسَى وَعِيسَى (عليهما السلام)، هَلْ يَجُوزُ مَعَ وُفُورِ عَقْلِهِمَا وَكَمَالِ عِلْمِهِمَا إِذَا هَمَّا بِالاِخْتِيَارِ أَنْ يَقَعَ خِيَرَتُهُمَا عَلَى المُنَافِقِ وَهُمَا يَظُنَّانِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ؟»، قُلْتُ: لَا، فَقَالَ: «هَذَا مُوسَى كَلِيمُ اللهِ مَعَ وُفُورِ عَقْلِهِ وَكَمَالِ عِلْمِهِ وَنُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ اخْتَارَ مِنْ أَعْيَانِ قَوْمِهِ وَوُجُوهِ عَسْكَرِهِ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ سَبْعِينَ رَجُلاً مِمَّنْ لَا يَشُكُّ فِي إِيمَانِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ، فَوَقَعَتْ خِيَرَتُهُ عَلَى المُنَافِقِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]، فَلَمَّا وَجَدْنَا اخْتِيَارَ مَنْ قَدِ اصْطَفَاهُ اللهُ لِلنُّبُوَّةِ وَاقِعاً عَلَى الأَفْسَدِ دُونَ الأَصْلَحِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ الأَصْلَحُ دُونَ الأَفْسَدِ، عَلِمْنَا أَنْ لَا اخْتِيَارَ إِلَّا لِمَنْ يَعْلَمُ مَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَمَا تَكِنُّ الضَّمَائِرُ وَتَتَصَرَّفُ عَلَيْهِ السَّرَائِرُ، وَأَنْ لَا خَطَرَ لِاخْتِيَارِ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ بَعْدَ وُقُوعِ خِيَرَةِ الأَنْبِيَاءِ عَلَى ذَوِي الفَسَادِ لَـمَّا أَرَادُوا أَهْلَ الصَّلَاحِ».
ثُمَّ قَالَ مَوْلَانَا: «يَا سَعْدُ، وَحِينَ ادَّعَى خَصْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَـمَّا أَخْرَجَ مَعَ نَفْسِهِ مُخْتَارَ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَى الغَارِ إِلَّا عِلْماً مِنْهُ أَنَّ الخِلَافَةَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ المُقَلَّدُ أُمُورَ التَّأْوِيلِ وَالمُلْقَى إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الأُمَّةِ وَعَلَيْهِ المُعَوَّلُ فِي لَمِّ الشَّعَثِ وَسَدِّ الخَلَلِ وَإِقَامَةِ الحُدُودِ وَتَسْرِيبِ الجُيُوشِ لِفَتْحِ بِلَادِ الكُفْرِ، فَكَمَا أَشْفَقَ عَلَى نُبُوَّتِهِ أَشْفَقَ عَلَى خِلَافَتِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِ الاِسْتِتَارِ وَالتَّوَارِي أَنْ يَرُومَ الهَارِبُ مِنَ الشَّرِّ مُسَاعَدَةً مِنْ غَيْرِهِ إِلَى مَكَانٍ يَسْتَخْفِي فِيهِ، وَإِنَّمَا أَبَاتَ عَلِيًّا عَلَى فِرَاشِهِ لِمَا لَمْ يَكُنْ يَكْتَرِثُ لَهُ وَلَمْ يَحْفِلْ بِهِ لِاسْتِثْقَالِهِ إِيَّاهُ وَعِلْمِهِ أَنَّهُ إِنْ قُتِلَ لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ نَصْبُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ لِلْخُطُوبِ الَّتِي كَانَ يَصْلُحُ لَهَا، فَهَلَّا نَقَضْتَ عَلَيْهِ دَعْوَاهُ بِقَوْلِكَ: أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): الخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، فَجَعَلَ هَذِهِ مَوْقُوفَةً عَلَى أَعْمَارِ الأَرْبَعَةِ الَّذِينَ هُمُ الخُلَفَاءُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٧) كذا، والظاهر: أعلم الأُمَم.

↑صفحة ١٨٧↑

الرَّاشِدُونَ فِي مَذْهَبِكُمْ؟ فَكَانَ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ قَوْلِهِ لَكَ: بَلَى، قُلْتَ: فَكَيْفَ تَقُولُ حِينَئِذٍ، أَلَيْسَ كَمَا عَلِمَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنَّ الخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِهِ لِأَبِي بَكْرٍ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ بَعْدِ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ وَمِنْ بَعْدِ عُمَرَ لِعُثْمَانَ وَمِنْ بَعْدِ عُثْمَانَ لِعَلِيٍّ؟ فَكَانَ أَيْضاً لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ قَوْلِهِ لَكَ: نَعَمْ، ثُمَّ كُنْتَ تَقُولُ لَهُ: فَكَانَ الوَاجِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنْ يُخْرِجَهُمْ جَمِيعاً [عَلَى التَّرْتِيبِ] إِلَى الغَارِ وَيُشْفِقَ عَلَيْهِمْ كَمَا أَشْفَقَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَلَا يَسْتَخِفَّ بِقَدْرِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ بِتَرْكِهِ إِيَّاهُمْ وَتَخْصِيصِهِ أَبَا بَكْرٍ وَإِخْرَاجِهِ مَعَ نَفْسِهِ دُونَهُمْ.
وَلَـمَّا قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الصِّدِّيقِ وَالفَارُوقِ أَسْلَمَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً؟ لِـمَ لَمْ تَقُلْ لَهُ: بَلْ أَسْلَمَا طَمَعاً؟ وَذَلِكَ بِأَنَّهُمَا كَانَا يُجَالِسَانِ اليَهُودَ وَيَسْتَخْبِرَانِهِمْ عَمَّا كَانُوا يَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ وَفِي سَائِرِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ النَّاطِقَةِ بِالمَلَاحِمِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ مِنْ قِصَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَمِنْ عَوَاقِبِ أَمْرِهِ(٤٦٨)، فَكَانَتِ اليَهُودُ تَذْكُرُ أَنَّ مُحَمَّداً يُسَلَّطُ عَلَى العَرَبِ كَمَا كَانَ بُخْتَنَصَّرُ سُلِّطَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الظَّفَرِ بِالعَرَبِ كَمَا ظَفِرَ بُخْتَنَصَّرُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، غَيْرَ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ نَبِيٌّ(٤٦٩). فَأَتَيَا مُحَمَّداً فَسَاعَدَاهُ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَبَايَعَاهُ طَمَعاً فِي أَنْ يَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جِهَتِهِ وَلَايَةَ بَلَدٍ إِذَا اسْتَقَامَتْ أُمُورُهُ وَاسْتَتَبَّتْ(٤٧٠) أَحْوَالُهُ، فَلَمَّا أَيِسَا مِنْ ذَلِكَ تَلَثَّمَا وَصَعِدَا العَقَبَةَ مَعَ عِدَّةٍ مِنْ أَمْثَالِهِمَا مِنَ المُنَافِقِينَ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوهُ، فَدَفَعَ اللهُ تَعَالَى كَيْدَهُمْ وَرَدَّهُمْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، كَمَا أَتَى طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلِيًّا (عليه السلام) فَبَايَعَاهُ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦٨) قيل: هذا خلاف الاعتبار، لأنَّ أهل مكَّة كلّهم مشركون، وليس بينهم أهل الكتاب لاسيّما اليهود، مع أنَّهما ليسا من أهل التحقيق. وخبر إسلام الثاني مشهور، ولا يمتنع إيمان أحد طوعاً ثمّ كفره، كما لا يمتنع أنْ يكون مَلَكاً مقرَّباً ثمّ صار رجيماً كما هو حال كثير من الصحابة كطلحة والزبير وخالد بن الوليد وأضرابهم الذين ارتدُّوا.
(٤٦٩) قيل: هذا مخالف لقوله تعالى في شأن اليهود: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (البقرة: ٨٩).
(٤٧٠) استتبَّ له الأمر: أي استقام.

↑صفحة ١٨٨↑

وَطَمَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنَالَ مِنْ جِهَتِهِ وَلَايَةَ بَلَدٍ، فَلَمَّا أَيِسَا نَكَثَا بَيْعَتَهُ وَخَرَجَا عَلَيْهِ، فَصَرَعَ اللهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَصْرَعَ أَشْبَاهِهِمَا مِنَ النَّاكِثِينَ».
قَالَ سَعْدٌ: ثُمَّ قَامَ مَوْلَانَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الهَادِي (عليه السلام) لِلصَّلَاةِ مَعَ الغُلَامِ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهُمَا، وَطَلَبْتُ أَثَرَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، فَاسْتَقْبَلَنِي بَاكِياً، فَقُلْتُ: مَا أَبْطَأَكَ وَأَبْكَاكَ؟ قَالَ: قَدْ فَقَدْتُ الثَّوْبَ الَّذِي سَأَلَنِي مَوْلَايَ إِحْضَارَهُ، قُلْتُ: لَا عَلَيْكَ، فَأَخْبِرْهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مُسْرِعاً وَانْصَرَفَ مِنْ عِنْدِهِ مُتَبَسِّماً وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: مَا الخَبَرُ؟ قَالَ: وَجَدْتُ الثَّوْبَ مَبْسُوطاً تَحْتَ قَدَمَيْ مَوْلَانَا يُصَلِّي عَلَيْهِ.
قَالَ سَعْدٌ: فَحَمِدْنَا اللهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَجَعَلْنَا نَخْتَلِفُ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَى مَنْزِلِ مَوْلَانَا أَيَّاماً، فَلَا نَرَى الغُلَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الوَدَاعِ دَخَلْتُ أَنَا وَأَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَكَهْلَانِ مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا(٤٧١)، وَانْتَصَبَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِماً، وَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، قَدْ دَنَتِ الرِّحْلَةُ، وَاشْتَدَّ المِحْنَةُ(٤٧٢)، فَنَحْنُ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى المُصْطَفَى جَدِّكَ، وَعَلَى المُرْتَضَى أَبِيكَ، وَعَلَى سَيِّدَةِ النِّسَاءِ أُمِّكَ، وَعَلَى سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ عَمِّكَ وَأَبِيكَ، وَعَلَى الأَئِمَّةِ الطَّاهِرِينَ مِنْ بَعْدِهِمَا آبَائِكَ، وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْكَ وَعَلَى وُلْدِكَ، وَنَرْغَبُ إِلَى اللهِ أَنْ يُعْلِيَ كَعْبَكَ وَيَكْبِتَ عَدُوَّكَ، وَلَا جَعَلَ اللهُ هَذَا آخِرَ عَهِدْنَا مِنْ لِقَائِكَ.
قَالَ: فَلَمَّا قَالَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ اسْتَعْبَرَ مَوْلَانَا حَتَّى اسْتَهَلَّتْ دُمُوعُهُ وَتَقَاطَرَتْ عَبَرَاتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ابْنَ إِسْحَاقَ، لَا تُكَلِّفْ فِي دُعَائِكَ شَطَطاً فَإِنَّكَ مُلَاقِ اللهَ تَعَالَى فِي صَدْرِكَ هَذَا»، فَخَرَّ أَحْمَدُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: سَألتُكَ بِاللهِ وَبِحُرْمَةِ جَدِّكَ إِلَّا شَرَّفْتَنِي بِخِرْقَةٍ أَجْعَلُهَا كَفَناً، فَأَدْخَلَ مَوْلَانَا يَدَهُ تَحْتَ البِسَاطِ، فَأَخْرَجَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَماً، فَقَالَ: «خُذْهَا وَلَا تُنْفِقْ عَلَى نَفْسِكَ غَيْرَهَا، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْدَمَ مَا سَالتَ، وَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَنْ يَضِيعَ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧١) في بعض النُّسَخ: (من أهل أرضنا).
(٤٧٢) في بعض النُّسَخ: (واستدَّ الراحلة).

↑صفحة ١٨٩↑

قَالَ سَعْدٌ: فَلَمَّا انْصَرَفْنَا بَعْدَ مُنْصَرَفِنَا مِنْ حَضْرَةِ مَوْلَانَا مِنْ حُلْوَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ حُمَّ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَثَارَتْ بِهِ عِلَّةٌ صَعْبَةٌ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ فِيهَا، فَلَمَّا وَرَدْنَا حُلْوَانَ وَنَزَلْنَا فِي بَعْضِ الخَانَاتِ دَعَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ كَانَ قَاطِناً بِهَا(٤٧٣)، ثُمَّ قَالَ: تَفَرَّقُوا عَنِّي هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَاتْرُكُونِي وَحْدِي، فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلَى مَرْقَدِهِ.
قَالَ سَعْدٌ: فَلَمَّا حَانَ أَنْ يَنْكَشِفَ اللَّيْلُ عَنِ الصُّبْحِ أَصَابَتْنِي فِكْرَةٌ(٤٧٤)، فَفَتَحْتُ عَيْنِي، فَإِذَا أَنَا بِكَافُورٍ الخَادِمِ (خَادِمِ مَوْلَانَا أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)) وَهُوَ يَقُولُ: أَحْسَنَ اللهُ بِالخَيْرِ عَزَاكُمْ، وَجَبَرَ بِالمَحْبُوبِ رَزِيَّتَكُمْ، قَدْ فَرَغْنَا مِنْ غُسْلِ صَاحِبِكُمْ وَمِنْ تَكْفِينِهِ، فَقُومُوا لِدَفْنِهِ فَإِنَّهُ مِنْ أَكْرَمِكُمْ مَحَلًّا عِنْدَ سَيِّدِكُمْ. ثُمَّ غَابَ عَنْ أَعْيُنِنَا، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى رَأْسِهِ بِالبُكَاءِ وَالعَوِيلِ حَتَّى قَضَيْنَا حَقَّهُ، وَفَرَغْنَا مِنْ أَمْرِهِ (رحمه الله)(٤٧٥)،(٤٧٦).
[٤٠٨/٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٣) أي مقيماً بحلوان.
(٤٧٤) في بعض النُّسَخ: (وكزة)، والوكز كالوعد: الدفع والطعن والضرب بجمع الكفِّ.
(٤٧٥) اعلم أنَّ ما تضمَّنه الخبر من وفاة أحمد بن إسحاق القمِّي في حياة أبي محمّد العسكري (عليه السلام) مخالف لما أجمعت عليه الرجاليُّون من بقائه بعده (عليه السلام)، قال الشيخ في كتاب الغيبة (٤١٥ - ٤١٧): (وقد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قِبَل المنصوبين للسفارة من الأصل...)، ثمّ ساق الكلام إلى أنْ قال: (ومنهم أحمد بن إسحاق وجماعة خرج التوقيع في مدحهم، روى أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي محمّد الرازي، قال: كنت وأحمد بن أبي عبد الله بالعسكر، فورد علينا رسول من قِبَل الرجل، فقال: «أحمد بن إسحاق الأشعري، وإبراهيم بن محمّد الهمداني، وأحمد بن حمزة بن اليسع ثقات جميعاً»). وفي ربيع الشيعة لابن طاوس: أنَّه من السفراء والأبواب المعروفين الذين لا تختلف الشيعة القائلون بإمامة الحسن ابن عليٍّ (عليهما السلام) فيهم. راجع: منهج المقال (ج ٢/ ص ٢٧ و٢٨).
(٤٧٦) رواه الطبري (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٠٦ - ٥١٧/ ح ٤٩٢/٩٦)، وراجع: بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٧٨ - ٨٩/ ح ١).

↑صفحة ١٩٠↑

ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي (رضي الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوَالُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ جَدِّي عَلِيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ(٤٧٧) يَقُولُ: كُنْتُ نَائِماً فِي مَرْقَدِي إِذْ رَأَيْتُ فِي مَا يَرَى النَّائِمُ قَائِلاً يَقُولُ لِي: حُجَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٧) في بعض النُّسَخ: (محمّد بن عليٍّ، قال: سمعت أبي يقول: سمعت جدِّي عليَّ بن مهزيار)، وهو كما ترى مضطرب، لأنَّ عليَّ بن إبراهيم أبوه دون جدِّه، وفي نسخة مصحَّحة: (محمّد بن الحسن بن عليِّ بن إبراهيم بن مهزيار، قال: سمعت أبي يقول: سمعت جدِّي عليَّ بن مهزيار) وجعل إبراهيم نسخة بدل لمهزيار. ولكن فيما يأتي بعد كلُّها: (عليّ بن مهزيار)، وفي بحار الأنوار: (سمعت جدِّي عليَّ بن مهزيار)، وكذا في ما يأتي في كلِّ المواضع: (عليّ بن مهزيار).
ثمّ اعلم أنَّ عليَّ بن إبراهيم بن مهزيار لم يكن مذكورا في كُتُب الرجال، بل المذكور أبو الحسن عليُّ ابن مهزيار وابنه محمّد بن عليٍّ وأبو إسحاق إبراهيم بن مهزيار وابنه محمّد بن إبراهيم، وكان عليُّ ابن مهزيار يروي عنه أخوه إبراهيم، وكان من أصحاب الرضا (عليه السلام)، ثمّ اختصَّ بأبي جعفر الثاني، وكذلك بأبي الحسن الثالث (عليهما السلام)، وتوكَّل لهم. وكان أبو إسحاق إبراهيم بن مهزيار من أصحاب أبي جعفر وأبي الحسن (عليهما السلام). وفي (ربيع الشيعة) أنَّه من وكلاء القائم، وكذا ابنه محمّد بن إبراهيم، وليس غير هؤلاء من أسماء أبناء مهزيار مذكورين في الرجال.
هذا، ثمّ اعلم أيضاً أنَّ ملاقاة عليِّ بن مهزيار للقائم (عليه السلام) بعيد جدًّا لتقدُّم زمانه، ففي الكافي (ج ٤/ ص ٣١٠/ باب بدون العنوان/ ح ١) عن محمّد بن يحيى، عمَّن حدَّثه، عن إبراهيم بن مهزيار، قال: كتبت إلى أبي محمّد (عليه السلام) أنَّ مولاك عليَّ بن مهزيار أوصى أنْ يُحَجَّ عنه من ضيعة صيَّر ربعها لك في كلِّ سنة حجَّة إلى عشرين ديناراً، وأنَّه قد انقطع طريق البصرة فتضاعف المؤونة على الناس فليس يكتفون بعشرين ديناراً، وكذلك أوصى عدَّة مواليك في حججهم، فكتب: «يُجعَل ثلاث حجج حجَّتين إنْ شاء الله»، وهذا الخبر وأمثاله ظاهرة في موت عليِّ بن مهزيار في أيَّام العسكري (عليه السلام) وعدم إدراكه عصر الغيبة.
وأمَّا ملاقاة أخيه إبراهيم بن مهزيار مع خصوصيَّات ذكره من سفره وبحثه عن أخبار آل أبي محمّد (عليه السلام) مع أنَّه من وكلائه فمستبعد أيضاً بحسب بعض الروايات، روى الكشِّي (رحمه الله) بإسناده عن محمّد بن إبراهيم بن مهزيار أنَّ أباه إبراهيم لـمَّا حضره الموت دفع إليه مالاً وأعطاه علامة وقال: من أتاك بها فادفع إليه، ولم يعلم بالعلامة إلَّا الله تعالى، ثمّ جاءه شيخ فقال: أنا العمري، هات المال الذي عندك، وهو كذا وكذا ومعه العلامة، فدفع إليه المال. (راجع: اختيار معرفة الرجال: ج ٢/ ص ٨١٣/ ح ١٠١٥). وهو ظاهر في كونه من سفراء الصاحب (عليه السلام). وروى نحوه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥١٨/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ٥)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٨١ و٢٨٢/ ح ٢٣٩) أيضاً.

↑صفحة ١٩١↑

فَإِنَّكَ تَلْقَى صَاحِبَ زَمَانِكَ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا فَرِحٌ مَسْرُورٌ(٤٧٨)، فَمَا زِلْتُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى انْفَجَرَ عَمُودُ الصُّبْحِ، وَفَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي، وَخَرَجْتُ أَسْأَلُ عَنِ الحَاجِّ، فَوَجَدْتُ فِرْقَةً تُرِيدُ الخُرُوجَ، فَبَادَرْتُ مَعَ أَوَّلِ مَنْ خَرَجَ، فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ حَتَّى خَرَجُوا وَخَرَجْتُ بِخُرُوجِهِمْ أُرِيدُ الكُوفَةَ، فَلَمَّا وَافَيْتُهَا نَزَلْتُ عَنْ رَاحِلَتِي، وَسَلَّمْتُ مَتَاعِي إِلَى ثِقَاتِ إِخْوَانِي، وَخَرَجْتُ أَسْأَلُ عَنْ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ، فَلَمْ أَجِدْ أَثَراً، وَلَا سَمِعْتُ خَبَراً، وَخَرَجْتُ فِي أَوَّلِ مَنْ خَرَجَ أُرِيدُ المَدِينَةَ، فَلَمَّا دَخَلْتُهَا لَمْ أَتَمَالَكْ أَنْ نَزَلْتُ عَنْ رَاحِلَتِي، وَسَلَّمْتُ رَحْلِي إِلَى ثِقَاتِ إِخْوَانِي، وَخَرَجْتُ أَسْأَلُ عَنِ الخَبَرِ وَأَقْفُو الأَثَرَ، فَلَا خَبَراً سَمِعْتُ، وَلَا أَثَراً وَجَدْتُ، فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ نَفَرَ النَّاسُ إِلَى مَكَّةَ، وَخَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ حَتَّى وَافَيْتُ مَكَّةَ، وَنَزَلْتُ فَاسْتَوْثَقْتُ مِنْ رَحْلِي، وَخَرَجْتُ أَسْأَلُ عَنْ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَلَمْ أَسْمَعْ خَبَراً، وَلَا وَجَدْتُ أَثَراً، فَمَا زِلْتُ بَيْنَ الإِيَاسِ وَالرَّجَاءِ مُتَفَكِّراً فِي أَمْرِي وَعَائِباً عَلَى نَفْسِي، وَقَدْ جَنَّ اللَّيْلُ، فَقُلْتُ: أَرْقُبُ إِلَى أَنْ يَخْلُوَ لِي وَجْهُ الكَعْبَةِ لِأَطُوفَ بِهَا وَأَسْأَلُ اللهَ (عزَّ وجلَّ) أَنْ يُعَرِّفَنِي أَمَلِي فِيهَا، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ وَقَدْ خَلَا لِي وَجْهُ الكَعْبَةِ إِذْ قُمْتُ إِلَى الطَّوَافِ، فَإِذَا أَنَا بِفَتًى مَلِيحِ الوَجْهِ، طَيِّبِ الرَّائِحَةِ، مُتَّزِرٍ بِبُرْدَةٍ، مُتَّشِحٍ بِأُخْرَى، وَقَدْ عَطَفَ بِرِدَائِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَرُعْتُهُ(٤٧٩)، فَالتَفَتَ إِلَيَّ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧٨) في بعض النُّسَخ: (فانتبهت فرحاً مسروراً).
(٤٧٩) أي خفته. وفي بعض النُّسَخ: (فحرَّكته).

↑صفحة ١٩٢↑

فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الأَهْوَازِ، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ بِهَا ابْنَ الخَصِيبِ؟ فَقُلْتُ: رَحِمَهُ اللهُ دُعِيَ فَأَجَابَ، فَقَالَ: رَحِمَهُ اللهِ، لَقَدْ كَانَ بِالنَّهَارِ صَائِماً، وَبِاللَّيْلِ قَائِماً، وَلِلْقُرْآنِ تَالِياً، وَلَنَا مُوَالِياً، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ بِهَا عَلِيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَلِيٌّ، فَقَالَ: أَهْلاً وَسَهْلاً بِكَ يَا أَبَا الحَسَنِ، أَتَعْرِفُ الصَّرِيحَيْنِ(٤٨٠)؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَنْ هُمَا؟ قُلْتُ: مُحَمَّدٌ وَمُوسَى، ثُمَّ قَالَ: مَا فَعَلْتَ العَلَامَةَ الَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام)؟ فَقُلْتُ: مَعِي، فَقَالَ: أَخْرِجْهَا إِلَيَّ، فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِ خَاتَماً حَسَناً عَلَى فَصِّهِ: (مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ)، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَكَى [مَلِيًّا وَرَنَّ شَجِيًّا، فَأَقْبَلَ يَبْكِي بُكَاءً] طَوِيلاً، وَهُوَ يَقُولُ: رَحِمَكَ اللهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، فَلَقَدْ كُنْتَ إِمَاماً عَادِلاً، ابْنَ أَئِمَّةٍ وَأَبَا إِمَامٍ، أَسْكَنَكَ اللهُ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى مَعَ آبَائِكَ (عليهم السلام). ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا الحَسَنِ، صِرْ إِلَى رَحْلِكَ وَكُنْ عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ كِفَايَتِكَ(٤٨١) حَتَّى إِذَا ذَهَبَ الثُّلُثُ مِنَ اللَّيْلِ وَبَقِيَ الثُّلُثَانِ فَالحَقْ بِنَا فَإِنَّكَ تَرَى مُنَاكَ [إِنْ شَاءَ اللهُ].
قَالَ ابْنُ مَهْزِيَارَ: فَصِرْتُ إِلَى رَحْلِي أُطِيلُ التَّفَكُّرَ حَتَّى إِذَا هَجَمَ الوَقْتُ(٤٨٢)، فَقُمْتُ إِلَى رَحْلِي وَأَصْلَحْتُهُ، وَقَدَّمْتُ رَاحِلَتِي وَحَمَلْتُهَا وَصِرْتُ فِي مَتْنِهَا حَتَّى لَحِقْتُ الشِّعْبَ، فَإِذَا أَنَا بِالفَتَى هُنَاكَ يَقُولُ: أَهْلاً وَسَهْلاً بِكَ يَا أَبَا الحَسَنِ، طُوبَى لَكَ فَقَدْ أُذِنَ لَكَ، فَسَارَ وَسِرْتُ بِسَيْرِهِ حَتَّى جَازَ بِي عَرَفَاتٍ وَمِنًى، وَصِرْتُ فِي أَسْفَلَ ذِرْوَةِ جَبَلِ الطَّائِفِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الحَسَنِ انْزِلْ وَخُذْ فِي أُهْبَةِ الصَّلَاةِ، فَنَزَلَ وَنَزَلْتُ حَتَّى فَرَغَ وَفَرَغْتُ، ثُمَّ قَالَ لِي: خُذْ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَأَوْجِزْ، فَأَوْجَزْتُ فِيهَا، وَسَلَّمَ وَعَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ رَكِبَ وَأَمَرَنِي بِالرُّكُوبِ فَرَكِبْتُ، ثُمَّ سَارَ وَسِرْتُ بِسَيْرِهِ حَتَّى عَلَا الذِّرْوَةَ، فَقَالَ: المَحْ هَلْ تَرَى شَيْئاً؟ فَلَمَحْتُ فَرَأَيْتُ بُقْعَةً نَزِهَةً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٠) تقدَّم الكلام فيه في (ص ١٧٠)، فراجع.
(٤٨١) في بعض النُّسَخ: (أُهبة السفر من لقائنا).
(٤٨٢) في بعض النُّسَخ: (انهجم الليل).

↑صفحة ١٩٣↑

كَثِيرَةَ العُشْبِ وَالكَلَاءِ، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، أَرَى بُقْعَةً نَزِهَةً كَثِيرَةَ العُشْبِ وَالكَلَاءِ، فَقَالَ لِي: هَلْ تَرَى فِي أَعْلَاهَا شَيْئاً؟ فَلَمَحْتُ فَإِذَا أَنَا بِكَثِيبٍ مِنْ رَمْلٍ فَوْقَ بَيْتٍ مِنْ شَعْرٍ يَتَوَقَّدُ نُوراً، فَقَالَ لِي: هَلْ رَأَيْتَ شَيْئاً؟ فَقُلْتُ: أَرَى كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ مَهْزِيَارَ، طِبْ نَفْساً وَقَرَّ عَيْناً فَإِنَّ هُنَاكَ أَمَلَ كُلِّ مُؤَمِّلٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: انْطَلِقْ بِنَا، فَسَارَ وَسِرْتُ حَتَّى صَارَ فِي أَسْفَلِ الذِّرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَهَاهُنَا يَذِلُّ لَكَ كُلُّ صَعْبٍ، فَنَزَلَ وَنَزَلْتُ حَتَّى قَالَ لِي: يَا ابْنَ مَهْزِيَارَ، خَلِّ عَنْ زِمَامِ الرَّاحِلَةِ، فَقُلْتُ: عَلَى مَنْ أُخَلِّفُهَا وَلَيْسَ هَاهُنَا أَحَدٌ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا حَرَمٌ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا وَلِيٌّ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا وَلِيٌّ، فَخَلَّيْتُ عَنِ الرَّاحِلَةِ، فَسَارَ وَسِرْتُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الخِبَاءِ سَبَقَنِي وَقَالَ لِي: قِفْ هُنَاكَ إِلَى أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ، فَمَا كَانَ إِلَّا هُنَيْئَةً فَخَرَجَ إِلَيَّ وَهُوَ يَقُولُ: طُوبَى لَكَ قَدْ أُعْطِيتَ سُؤْلَكَ.
قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى نَمَطٍ عَلَيْهِ نَطْعُ أَدِيمٍ(٤٨٣) أَحْمَرَ، مُتَّكِئٌ عَلَى مِسْوَرَةِ أَدِيمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، وَلَمَحْتُهُ فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ مِثْلَ فِلْقَةِ قَمَرٍ، لَا بِالخَرِقِ وَلَا بِالبَزِقِ، وَلَا بِالطَّوِيلِ الشَّامِخِ وَلَا بِالقَصِيرِ اللَّاصِقِ، مَمْدُودَ القَامَةِ، صَلْتَ الجَبِينِ، أَزَجَّ الحَاجِبَيْنِ(٤٨٤)، أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ، أَقْنَى الأَنْفِ(٤٨٥)، سَهْلَ الخَدَّيْنِ، عَلَى خَدِّهِ الأَيْمَنِ خَالٌ، فَلَمَّا أَنْ بَصُرْتُ بِهِ حَارَ عَقْلِي فِي نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، فَقَالَ لِي: «يَا ابْنَ مَهْزِيَارَ، كَيْفَ خَلَّفْتَ إِخْوَانَكَ فِي العِرَاقِ؟»، قُلْتُ: فِي ضَنْكِ عَيْشٍ وَهَنَاةٍ، قَدْ تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِمْ سُيُوفُ بَنِي الشَّيْصُبَانِ(٤٨٦)، فَقَالَ: «قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، كَأَنِّي بِالقَوْمِ قَدْ قُتِلُوا فِي دِيَارِهِمْ وَأَخَذَهُمْ أَمْرُ رَبِّهِمْ لَيْلاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٣) النمط: ضرب من البُسُط. ويمكن أنْ يكون معرَّب نمد. والمسورة: متَّكأ من أدم.
(٤٨٤) الدعج: سواد العين، وقيل: شدَّة سواد العين في شدَّة بياضها. والأزجُّ: الأدقُّ.
(٤٨٥) أي ذو احديداب. وسهل الخدَّين: أي غير مرتفع الخدَّين لقلَّة لحمهما.
(٤٨٦) الهناة: الشرُّ والفساد. والشيصبان: اسم شيطان، وقبيلة من الجنِّ، والذَّكَر من النحل.

↑صفحة ١٩٤↑

وَنَهَاراً»، فَقُلْتُ: مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ سَبِيلِ الكَعْبَةِ بِأَقْوَامٍ لَا خَلاقَ لَهُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُمْ بِرَاءٌ، وَظَهَرَتِ الحُمْرَةُ فِي السَّمَاءِ ثَلَاثاً فِيهَا أَعْمِدَةٌ كَأَعْمِدَةِ اللُّجَيْنِ تَتَلَأْلَأُ نُوراً، وَيَخْرُجُ السَّرُوسِيُّ(٤٨٧) مِنْ إِرْمِينِيَّةَ وَآذَرْبِيجَانَ يُرِيدُ وَرَاءَ الرَّيِّ الجَبَلَ الأَسْوَدَ المُتَلَاحِمَ بِالجَبَلِ الأَحْمَرِ لَزِيقَ جَبَلِ طَالَقَانَ، فَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَرْوَزِيِّ وَقْعَةٌ صَيْلَمَانِيَّةٌ(٤٨٨) يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَيَهْرَمُ مِنْهَا الكَبِيرُ، وَيَظْهَرُ القَتْلُ بَيْنَهُمَا، فَعِنْدَهَا تَوَقَّعُوا خُرُوجَهُ إِلَى الزَّوْرَاءِ(٤٨٩)، فَلَا يَلْبَثُ بِهَا حَتَّى يُوَافِيَ بَاهَاتَ(٤٩٠) ثُمَّ يُوَافِيَ وَاسِطَ العِرَاقِ، فَيُقِيمُ بِهَا سَنَةً أَوْ دُونَهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى كُوفَانَ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ مِنَ النَّجَفِ إِلَى الحِيرَةِ إِلَى الغَرِيِّ وَقْعَةٌ شَدِيدَةٌ تَذْهَلُ مِنْهَا العُقُولُ، فَعِنْدَهَا يَكُونُ بَوَارُ الفِئَتَيْنِ، وَعَلَى اللهِ حَصَادُ البَاقِينَ»، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، فَقُلْتُ: سَيِّدِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، مَا الأَمْرُ؟ قَالَ: «نَحْنُ أَمْرُ اللهِ وَجُنُودُهُ»، قُلْتُ: سَيِّدِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، حَانَ الوَقْتُ؟ قَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١](٤٩١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨٧) نسبة إلى سروس - بالمهملتين أوَّله وآخره وربَّما قيل بالمعجمة في آخره -: مدينة نفيسة في جبل نفوسه بإفريقية، وأهلها خوارج أُباضيَّة، ليس بها جامع ولا منبر ولا في قرية من قراها، وهي نحو من ثلاثمائة قرية لم يتَّفقوا على رجل يُقدِّمونه للصلاة. (مراصد الاطِّلاع: ج ٢/ ص ٧١١). وفي بعض النُّسَخ: (الشروسي)، ولم أجده. وإرمينية - بالكسر -: كورة بالروم. (القاموس المحيط: ج ٤/ ص ٢٢٩).
(٤٨٨) الصيلم: الأمر الشديد، ووقعة صيلمة أي مستأصلة. وفي نسخة: (صلبانيَّة).
(٤٨٩) الزوراء: دجلة بغداد وموضع بالمدينة قرب المسجد، كما في القاموس المحيط (ج ٢/ ص ٤٢). وفي مراصد الاطِّلاع (ج ٢/ ص ٦٧٤): (دجلة بغداد، وأرض كانت لأحيحة بن الجلاح).
(٤٩٠) في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٤٦): (ماهان)، وقال: أي الدينور ونهاوند.
(٤٩١) احتمل العلَّامة المجلسي (رحمه الله) اتِّحاد هذا الخبر مع الذي تقدَّم تحت الرقم (٤٠٥/١٩)، وقال: (العجب أنَّ محمّد بن أبي عبد الله عدَّ فيما مضى محمّد بن إبراهيم بن مهزيار ممَّن رآه (عليه السلام) (يعني الصاحب)، ولم يعد أحداً من هؤلاء)، ثمّ قال: (اعلم أنَّ اشتمال هذه الأخبار على أنَّ له (عليه السلام) أخاً مسمَّى بموسى غريب) (بحار الأنوار: ج ٥٢/ ص ٤٧).

↑صفحة ١٩٥↑

[٤٠٩/٢٣] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الهَمَدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ(٤٩٢) العَلَوِيُّ الرَّقِّيُّ العُرَيْضِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ العَقِيقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ الزَّيْدِيُّ، قَالَ: كُنْتُ بِمَكَّةَ عِنْدَ المُسْتَجَارِ وَجَمَاعَةً مِنَ المُقَصِّرَةِ(٤٩٣) وَفِيهِمُ المَحْمُودِيُّ وَعَلَّانٌ الكُلَيْنِيُّ وَأَبُو الهَيْثَمِ الدِّينَارِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الأَحْوَلُ الهَمْدَانِيُّ، وَكَانُوا زُهَاءَ ثَلَاثِينَ رَجُلاً، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مُخْلِصٌ عَلِمْتُهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ القَاسِمِ العَلَوِيِّ العَقِيقِيِّ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ فِي اليَوْمِ السَّادِسِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا شَابٌّ مِنَ الطَّوَافِ عَلَيْهِ إِزَارَانِ مُحْرِمٌ [بِهِمَا]، وَفِي يَدِهِ نَعْلَانِ، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قُمْنَا جَمِيعاً هَيْبَةً لَهُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا قَامَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَعَدَ وَالتَفَتَ يَمِيناً وَشِمَالاً، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) يَقُولُ فِي دُعَاءِ الالحَاحِ؟»، قُلْنَا: وَمَا كَانَ يَقُولُ؟ قَالَ: «كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ، وَبِهِ تَقُومُ الأَرْضُ، وَبِهِ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَبِهِ تَجْمَعُ بَيْنَ المُتَفَرِّقِ، وَبِهِ تُفَرِّقُ بَيْنَ المُجْتَمِعِ، وَبِهِ أَحْصَيْتَ عَدَدَ الرِّمَالِ، وَزِنَةَ الجِبَالِ، وَكَيْلَ البِحَارِ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تَجْعَلَ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً وَمَخْرَجاً».
ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ الطَّوَافَ، فَقُمْنَا لِقِيَامِهِ حِينَ انْصَرَفَ، وَأُنْسِينَا أَنْ نَقُولَ لَهُ: مَنْ هُوَ؟ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ خَرَجَ عَلَيْنَا مِنَ الطَّوَافِ، فَقُمْنَا كَقِيَامِنَا الأَوَّل بِالأَمْسِ، ثُمَّ جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ مُتَوَسِّطاً، ثُمَّ نَظَرَ يَمِيناً وَشِمَالاً، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا كَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ بَعْدَ صَلَاةِ الفَرِيضَةِ؟»، قُلْنَا: وَمَا كَانَ يَقُولُ؟ قَالَ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٢) في النسخة المصحَّحة: (أبو القاسم جعفر بن محمّد).
(٤٩٣) يعني في العمرة في الحجِّ.

↑صفحة ١٩٦↑

«كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ رُفِعَتِ الأَصْوَاتُ، و[دُعِيَتِ الدَّعَوَاتُ]، وَلَكَ عَنَتِ الوُجُوهُ، وَلَكَ خَضَعَتِ الرِّقَابُ، وَإِلَيْكَ التَّحَاكُمُ فِي الأَعْمَالِ، يَا خَيْرَ مَسْؤُولٍ وَخَيْرَ مَنْ أَعْطَى، يَا صَادِقُ يَا بَارِئُ، يَا مَنْ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، يَا مَنْ أَمَرَ بِالدُّعَاءِ وَتَكَفَّلَ بِالإِجَابَةِ، يَا مَنْ قَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، يَا مَنْ قَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، يَا مَنْ قَالَ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]».
ثُمَّ نَظَرَ يَمِيناً وَشِمَالاً بَعْدَ هَذَا الدُّعَاءِ، فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا كَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ فِي سَجْدَةِ الشُّكْرِ؟»، قُلْنَا: وَمَا كَانَ يَقُولُ؟ قَالَ: «كَانَ يَقُولُ: يَا مَنْ لَا يَزِيدُهُ الحَاحُ المُلِحِّينَ إِلَّا جُوداً وَكَرَماً، يَا مَنْ لَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا مَنْ لَهُ خَزَائِنُ مَا دَقَّ وَجَلَّ، لَا تَمْنَعُكَ إِسَاءَتِي مِنْ إِحْسَانِكَ إِلَيَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَفْعَلَ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ، وَأَنْتَ أَهْلُ الجُودِ وَالكَرَمِ وَالعَفْوِ، يَا رَبَّاهْ يَا اللهُ افْعَلْ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ فَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى العُقُوبَةِ وَقَدِ اسْتَحْقَقْتُهَا، لَا حُجَّةَ لِي وَلَا عُذْرَ لِي عِنْدَكَ، أَبُوءُ إِلَيْكَ بِذُنُوبِي كُلِّهَا، وأَعْتَرِفُ بِهَا كَيْ تَعْفُوَ عَنِّي، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهَا مِنِّي، بُؤْتُ إِلَيْكَ بِكُلِّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ، وَبِكُلِّ خَطِيئَةٍ أَخْطَأْتُهَا، وَبِكُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلْتُهَا، يَا رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ».
وَقَامَ فَدَخَلَ الطَّوَافَ فَقُمْنَا لِقِيَامِهِ، وَعَادَ مِنْ غَدٍ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، فَقُمْنَا لِاسْتِقْبَالِهِ كَفِعْلِنَا فِيمَا مَضَى(٤٩٤)، فَجَلَسَ مُتَوَسِّطاً وَنَظَرَ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ: «كَانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ سَيِّدُ العَابِدِينَ (عليه السلام) يَقُولُ فِي سُجُودِهِ فِي هَذَا المَوْضِعِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الحِجْرِ نَحْوَ المِيزَابِ -: عُبَيْدُكَ بِفِنَائِكَ(٤٩٥)، مِسْكِينُكَ بِبَابِكَ، أَسْأَلُكَ مَا لَا يَقْدِرُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٤) في بعض النُّسَخ: (لإقباله كقيامنا فيما مضى).
(٤٩٥) زاد في بعض النُّسَخ: (فقيرك بفنائك).

↑صفحة ١٩٧↑

عَلَيْهِ سِوَاكَ»، ثُمَّ نَظَرَ يَمِيناً وَشِمَالاً، وَنَظَرَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ القَاسِمِ العَلَوِيِّ، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدَ بْنَ القَاسِمِ، أَنْتَ عَلَى خَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللهُ»، وَقَامَ فَدَخَلَ الطَّوَافَ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَّا إِلَّا وَقَدْ تَعَلَّمَ مَا ذَكَرَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَ[أُ]نْسِينَا أَنْ نَتَذَاكَرَ أَمْرَهُ إِلَّا فِي آخِرِ يَوْمٍ، فَقَالَ لَنَا المَحْمُودِيُّ: يَا قَوْمِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا وَاللهِ صَاحِبُ الزَّمَانِ (عليه السلام)، فَقُلْنَا: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا أَبَا عَلِيٍّ؟ فَذَكَرَ أَنَّهُ مَكَثَ يَدْعُو رَبَّهُ (عزَّ وجلَّ) وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُرِيَهُ صَاحِبَ الأَمْرِ سَبْعَ سِنِينَ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا يَوْماً فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، فَإِذَا بِهَذَا الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ، فَدَعَا بِدُعَاءٍ وَعَيْتُهُ، فَسَالتُهُ مِمَّنْ هُوَ، فَقَالَ: «مِنَ النَّاسِ»، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ النَّاسِ مِنْ عَرَبِهَا أَوْ مَوَالِيهَا؟ فَقَالَ: «مِنْ عَرَبِهَا»، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ عَرَبِهَا؟ فَقَالَ: «مِنْ أَشْرَفِهَا وَأَشْمَخِهَا(٤٩٦)»، فَقُلْتُ: وَمَنْ هُمْ؟ فَقَالَ: «بَنُو هَاشِمٍ»، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ بَنِي هَاشِمٍ؟ فَقَالَ: «مِنْ أَعْلَاهَا ذِرْوَةً وَأَسْنَاهَا رِفْعَةً»، فَقُلْتُ: وَمِمَّنْ هُمْ؟ فَقَالَ: «مِمَّنْ فَلَقَ الهَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ»، فَقُلْتُ: إِنَّهُ عَلَوِيٌّ، فَأَحْبَبْتُهُ عَلَى العَلَوِيَّةِ، ثُمَّ افْتَقَدْتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، فَلَمْ أَدْرِ كَيْفَ مَضَى فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الأَرْضِ، فَسَالتُ القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا حَوْلَهُ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا العَلَوِيَّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَحُجُّ مَعَنَا كُلَّ سَنَةٍ مَاشِياً، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ وَاللهِ مَا أَرَى بِهِ أَثَرَ مَشْيٍ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى المُزْدَلِفَةِ كَئِيباً حَزِيناً عَلَى فِرَاقِهِ، وَبِتُّ فِي لَيْلَتِي تِلْكَ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٤٩٧)، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، رَأَيْتَ طَلِبَتَكَ؟ فَقُلْتُ: وَمَنْ ذَاكَ يَا سَيِّدِي؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي عَشِيَّتِكَ فَهُوَ صَاحِبُ زَمَانِكُمْ. فَلَمَّا سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْهُ عَاتَبْنَاهُ عَلَى أَلَّا يَكُونَ أَعْلَمَنَا ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ نَاسِياً أَمْرَهُ إِلَى وَقْتِ مَا حَدَّثَنَا(٤٩٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٦) في بعض النُّسَخ: (من أسمحها).
(٤٩٧) في بعض النُّسَخ: (فرأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)).
(٤٩٨) رواه الطبري (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٤٢ - ٥٤٥/ ح ٥٢٣/١٢٧)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٥٩ - ٢٦٣/ ح ٢٢٧).

↑صفحة ١٩٨↑

وحدَّثنا بهذا الحديث عمَّار بن الحسين بن إسحاق الأُسروشني(٤٩٩) (رضي الله عنه) بجبل بوتك من أرض فرغانة، قال: حدَّثني أبو العبَّاس أحمد بن الخضر، قال: حدَّثني أبو الحسين محمّد بن عبد الله الإسكافي، قال: حدَّثني سُلَيم، عن أبي نعيم الأنصاري(٥٠٠)، قال: كنت بالمستجار بمكَّة أنا وجماعة من المقصِّرة فيهم المحمودي وعلَّان الكليني...، وذكر الحديث مثله سواء.
وحدَّثنا أبو بكر محمّد بن محمّد بن عليِّ بن محمّد بن حاتم، قال: حدَّثنا أبو الحسين عبيد الله بن محمّد بن جعفر القصباني البغدادي، قال: حدَّثني أبو محمّد عليُّ بن محمّد بن أحمد بن الحسين الماذرائي(٥٠١)، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمّد بن عليٍّ المنقذي الحسني بمكَّة، قال: كنت جالساً بالمستجار وجماعة من المقصِّرة وفيهم المحمودي وأبو الهيثم الديناري وأبو جعفر الأحول وعلَّان الكليني والحسن بن وجناء، وكان زهاء ثلاثين رجلاً...، وذكر الحديث مثله سواء.
[٤١٠/٢٤] حَدَّثَنَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ [عَلِيِّ بْنِ] مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُسَيْنِ الحَسَنَ بْنَ وَجْنَاءَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّهِ(٥٠٢) أَنَّهُ كَانَ فِي دَارِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَكَبَسَتْنَا الخَيْلُ وَفِيهِمْ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ الكَذَّابُ، وَاشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ وَالغَارَةِ، وَكَانَتْ هِمَّتِي فِي مَوْلَايَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩٩) في اللباب (ج ١/ ص ٥٤): (الأُسروشني - بضمِّ الألف وسكون السين المهملة وضمِّ الراء وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وفي آخرها نون -، هذه النسبة إلى أُسروشنة وهي بلدة كبيرة وراء سمرقند من سيحون، خرج منها جماعة من العلماء في كلِّ فنٍّ...) إلخ. وقال في مراصد الاطِّلاع (ج ١/ ص ٧٢): (كذا ذكره السمعاني بالسين المهملة، والأشهر الأعرف أنَّه بالشين المعجمة). أقول: وفي بعض النُّسَخ: (أشروسني) كما في ضبط المراصد.
(٥٠٠) هو محمّد بن أحمد الأنصاري. وفي بعض النُّسَخ: (سُلَيم بن أبي نعيم الأنصاري).
(٥٠١) في بعض النُّسَخ: (المادرائي) بإهمال الدال.
(٥٠٢) في بعض النُّسَخ: (عن جدِّي).

↑صفحة ١٩٩↑

القَائِمِ (عليه السلام). قَالَ: فَإِذَا [أَنَا] بِهِ (عليه السلام) قَدْ أَقْبَلَ وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ (عليه السلام) ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ حَتَّى غَابَ(٥٠٣).
وَوَجَدْتُ مُثْبَتاً فِي بَعْضِ الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ فِي التَّوَارِيخِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَبَّادٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَاتَ أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) يَوْمَ جُمُعَةٍ مَعَ صَلَاةِ الغَدَاةِ، وَكَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَدْ كَتَبَ بِيَدِهِ كُتُباً كَثِيرَةً إِلَى المَدِينَةِ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْهُ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، وَلَمْ يَحْضُرْ[هُ] فِي ذَلِكَ الوَقْتِ إِلَّا صَقِيلُ الجَارِيَةُ، وَعَقِيدٌ الخَادِمُ، وَمَنْ عَلِمَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) غَيْرُهُمَا.
قَالَ عَقِيدٌ: فَدَعَا بِمَاءٍ قَدْ أُغْلِيَ بِالمَصْطَكِي(٥٠٤)، فَجِئْنَا بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «أَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، هَيِّئُونِي»، فَجِئْنَا بِهِ وَبَسَطْنَا فِي حَجْرِهِ المِنْدِيلَ، فَأَخَذَ مِنْ صَقِيلَ المَاءَ، فَغَسَلَ بِهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَدَمَيْهِ مَسْحاً، وَصَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ عَلَى فِرَاشِهِ، وَأَخَذَ القَدَحَ لِيَشْرَبَ فَأَقْبَلَ القَدَحُ يَضْرِبُ ثَنَايَاهُ وَيَدُهُ تَرْتَعِدُ، فَأَخَذَتْ صَقِيلُ القَدَحَ مِنْ يَدِهِ.
وَمَضَى مِنْ سَاعَتِهِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ)، وَدُفِنَ فِي دَارِهِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى إِلَى جَانِبِ أَبِيهِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا)، فَصَارَ إِلَى كَرَامَةِ اللهِ (جلّ جلاله)، وَقَدْ كَمَلَ عُمُرُهُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً.
قَالَ: وَقَالَ لِي عَبَّادٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ: قَدِمَتْ أُمُّ أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مِنَ المَدِينَةِ، وَاسْمُهَا: حَدِيثُ، حِينَ اتَّصَلَ بِهَا الخَبَرُ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، فَكَانَتْ لَهَا أَقَاصِيصُ يَطُولُ شَرْحُهَا مَعَ أَخِيهِ جَعْفَرٍ وَمُطَالَبَتُهُ إِيَّاهَا بِمِيرَاثِهِ وَسِعَايَتُهُ بِهَا إِلَى السُّلْطَانِ وَكَشْفُهُ مَا أَمَرَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِسَتْرِهِ، فَادَّعَتْ عِنْدَ ذَلِكَ صَقِيلُ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَحُمِلَتْ إِلَى دَارِ المُعْتَمِدِ، فَجَعَلَ نِسَاءُ المُعْتَمِدِ وَخَدَمُهُ وَنِسَاءُ المُوَفَّقِ وَخَدَمُهُ وَنِسَاءُ القَاضِي ابْنِ أَبِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٣) رواه الراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٩٦٠ و٩٦١).
(٥٠٤) علك رومي. (العين للفراهيدي: ج ٥/ ص ٤٢٥).

↑صفحة ٢٠٠↑

الشَّوَارِبِ يَتَعَاهَدْنَ أَمْرَهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَيُرَاعُونَ إِلَى أَنْ دَهَمَهُمْ أَمْرُ الصِّغَارِ وَمَوْتُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ بَغْتَةً، وَخُرُوجُهُمْ مِنْ سُرَّ مَنْ رَأَى، وَأَمْرُ صَاحِبِ الزِّنْجِ بِالبَصْرَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَشَغَلَهُمْ ذَلِكَ عَنْهَا.
وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَبَّابٌ(٥٠٥): حَدَّثَنِي أَبُو الأَدْيَانِ، قَالَ: قَالَ عَقِيدٌ الخَادِمُ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَيْرَوَيْهِ التُّسْتَرِيُّ، وَقَالَ حَاجِزٌ الوَشَّاءُ(٥٠٦)، كُلُّهُمْ حَكَوْا عَنْ عَقِيدٍ الخَادِمِ.
وَقَالَ أَبُو سَهْلِ بْنُ نَوْبَخْتَ: قَالَ عَقِيدٌ الخَادِمُ: وُلِدَ وَلِيُّ اللهِ الحُجَّةُ بْنُ الحَسَنِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) لَيْلَةَ الجُمُعَةِ غُرَّةَ شَهْرِ رَمَضَانَ(٥٠٧) سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، وَيُكَنَّى أَبَا القَاسِمِ، وَيُقَالُ: أَبُو جَعْفَرٍ، وَلَقَبُهُ المَهْدِيُّ، وَهُوَ حُجَّةُ اللهِ (عزَّ وجلَّ) فِي أَرْضِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَأُمُّهُ صَقِيلُ الجَارِيَةُ، وَمَوْلِدُهُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى فِي دَرْبِ الرَّاضَةِ(٥٠٨)، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وِلَادَتِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَظْهَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَتَمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَى عَنْ ذِكْرِ خَبَرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْدَى ذِكْرَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِهِ.
وَحَدَّثَ أَبُو الأَدْيَانِ، قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام)، وَأَحْمِلُ كُتُبَهُ إِلَى الأَمْصَارِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي عِلَّتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ)، فَكَتَبَ مَعِي كُتُباً، وَقَالَ: «امْضِ بِهَا إِلَى المَدَائِنِ، فَإِنَّكَ سَتَغِيبُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، وَتَدْخُلُ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى يَوْمَ الخَامِسَ عَشَرَ، وَتَسْمَعُ الوَاعِيَةَ فِي دَارِي، وَتَجِدُنِي عَلَى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٥) في بعض النُّسَخ: (قال أبو الحسن محمّد بن عليِّ بن حبَّاب)، وفي بعضها: (خشَّاب).
(٥٠٦) في بعض النُّسَخ: (حاجب الوشَّاء)، وكذا ما يأتي.
(٥٠٧) في بعض النُّسَخ: (ليلة الجمعة من شهر رمضان).
(٥٠٨) في بعض النُّسَخ: (درب الرصافة)، وبعضها: (دار الرصافة).

↑صفحة ٢٠١↑

المُغْتَسَلِ»، قَالَ أَبُو الأَدْيَانِ: فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمَنْ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَبَكَ بِجَوَابَاتِ كُتُبِي فَهُوَ القَائِمُ مِنْ بَعْدِي»، فَقُلْتُ: زِدْنِي، فَقَالَ: «مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ فَهُوَ القَائِمُ بَعْدِي»، فَقُلْتُ: زِدْنِي، فَقَالَ: «مَنْ أَخْبَرَ بِمَا فِي الهِمْيَانِ فَهُوَ القَائِمُ بَعْدِي»، ثُمَّ مَنَعَتْنِي هَيْبَتُهُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَمَّا فِي الهِمْيَانِ.
وَخَرَجْتُ بِالكُتُبِ إِلَى المَدَائِنِ، وَأَخَذْتُ جَوَابَاتِهَا، وَدَخَلْتُ سُرَّ مَنْ رَأَى يَوْمَ الخَامِسَ عَشَرَ كَمَا ذَكَرَ لِي (عليه السلام)، فَإِذَا أَنَا بِالوَاعِيَةِ فِي دَارِهِ، وَإِذَا بِهِ عَلَى المُغْتَسَلِ، وَإِذَا أَنَا بِجَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ أَخِيهِ بِبَابِ الدَّارِ وَالشِّيعَةُ مِنْ حَوْلِهِ يُعَزُّونَهُ وَيُهَنُّونَهُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنْ يَكُنْ هَذَا الإِمَامُ فَقَدْ بَطَلَتِ الإِمَامَةُ، لِأَنِّي كُنْتُ أَعْرِفُهُ يَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَيُقَامِرُ فِي الجَوْسَقِ، وَيَلْعَبُ بِالطُّنْبُورِ، فَتَقَدَّمْتُ فَعَزَّيْتُ وَهَنَّيْتُ، فَلَمْ يَسْالنِي عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ خَرَجَ عَقِيدٌ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، قَدْ كُفِّنَ أَخُوكَ، فَقُمْ وَصَلِّ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ وَالشِّيعَةُ مِنْ حَوْلِهِ يَقْدُمُهُمُ السَّمَّانُ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَتِيلُ المُعْتَصِمِ المَعْرُوفُ بِسَلَمَةَ.
فَلَمَّا صِرْنَا فِي الدَّارِ إِذَا نَحْنُ بِالحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) عَلَى نَعْشِهِ مُكَفَّناً، فَتَقَدَّمَ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ لِيُصَلِّيَ عَلَى أَخِيهِ، فَلَمَّا هَمَّ بِالتَّكْبِيرِ خَرَجَ صَبِيٌّ بِوَجْهِهِ سُمْرَةٌ، بِشَعْرِهِ قَطَطٌ، بِأَسْنَانِهِ تَفْلِيجٌ، فَجَبَذَ بِرِدَاءِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَالَ: «تَأَخَّرْ يَا عَمِّ فَأَنَا أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَبِي»، فَتَأَخَّرَ جَعْفَرٌ، وَقَدِ ارْبَدَّ وَجْهُهُ وَاصْفَرَّ(٥٠٩)، فَتَقَدَّمَ الصَّبِيُّ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ أَبِيهِ (عليهما السلام)، ثُمَّ قَالَ: «يَا بَصْرِيُّ، هَاتِ جَوَابَاتِ الكُتُبِ الَّتِي مَعَكَ»، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ بَيِّنَتَانِ(٥١٠)، بَقِيَ الهِمْيَانُ.
ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ يَزْفِرُ، فَقَالَ لَهُ حَاجِزٌ الوَشَّاءُ: يَا سَيِّدِي، مَنِ الصَّبِيُّ؟ لِنُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ، وَلَا أَعْرِفُهُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠٩) اربدَّ وجهه: أي تغيَّر إلى الغبرة.
(٥١٠) في بعض النُّسَخ: (هذه اثنتان).

↑صفحة ٢٠٢↑

فَنَحْنُ جُلُوسٌ إِذْ قَدِمَ نَفَرٌ مِنْ قُمَّ، فَسَأَلُوا عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَعَرَفُوا مَوْتَهُ، فَقَالُوا: فَمَنْ [نُعَزِّي]؟ فَأَشَارَ النَّاسُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَعَزَّوْهُ وَهَنَّوْهُ، وَقَالُوا: إِنَّ مَعَنَا كُتُباً وَمَالاً، فَتَقُولُ مِمَّنِ الكُتُبُ، وَكَمِ المَالُ، فَقَامَ يَنْفُضُ أَثْوَابَهُ وَيَقُولُ: تُرِيدُونَ مِنَّا أَنْ نَعْلَمَ الغَيْبَ.
قَالَ: فَخَرَجَ الخَادِمُ، فَقَالَ: مَعَكُمْ كُتُبُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ [وَفُلَانٍ]، وَهِمْيَانٌ فِيهِ الفُ دِينَارٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ مِنْهَا مَطْلِيَّةٌ، فَدَفَعُوا إِلَيْهِ الكُتُبَ وَالمَالَ وَقَالُوا: الَّذِي وَجَّهَ بِكَ لِأَخْذِ ذَلِكَ(٥١١) هُوَ الإِمَامُ.
فَدَخَلَ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى المُعْتَمِدِ وَكَشَفَ لَهُ ذَلِكَ، فَوَجَّهَ المُعْتَمِدُ بِخَدَمِهِ، فَقَبَضُوا عَلَى صَقِيلَ الجَارِيَةِ، فَطَالَبُوهَا بِالصَّبِيِّ، فَأَنْكَرَتْهُ وَادَّعَتْ حَبْلاً بِهَا لِتُغَطِّيَ حَالَ الصَّبِيِّ، فَسُلِّمَتْ إِلَى ابْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ القَاضِي، وَبَغَتَهُمْ مَوْتُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ فَجْأَةً، وَخُرُوجُ صَاحِبِ الزِّنْجِ بِالبَصْرَةِ، فَشُغِلُوا بِذَلِكَ عَنِ الجَارِيَةِ، فَخَرَجَتْ عَنْ أَيْدِيهِمْ، وَالحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ(٥١٢).
[٤١١/٢٥] حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ الآبِيُّ العَرُوضِيُّ (رضي الله عنه) بِمَرْوَ، قَالَ: حَدَّثَنَا [أَبُو] الحُسَيْنِ [بْنُ] زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سِنَانٍ المَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: لَـمَّا قُبِضَ سَيِّدُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ العَسْكَرِيُّ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا) وَفَدَ(٥١٣) مِنْ قُمَّ وَالجِبَالِ وُفُودٌ بِالأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَى الرَّسْمِ وَالعَادَةِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ خَبَرُ وَفَاةِ الحَسَنِ (عليه السلام)، فَلَمَّا أَنْ وَصَلُوا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى سَأَلُوا عَنْ سَيِّدِنَا الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ فُقِدَ، فَقَالُوا: وَمَنْ وَارِثُهُ؟ قَالُوا: أَخُوهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١١) في بعض النُّسَخ: (لأجل ذلك).
(٥١٢) رواه الراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١٠١ - ١١٠٤/ ح ٢٣).