فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » دروس استدلالية في العقيدة المهدوية (الحلقة الثانية)
 كتب المركز

الكتب دروس استدلالية في العقيدة المهدوية (الحلقة الثانية)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢١/٠٦/٠١ المشاهدات المشاهدات: ٥٧٢ التعليقات التعليقات: ٠

دروس استدلالية في العقيدة المهدوية

(الحلقة الثانية)

الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي
تقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

الفهرس

الإهداء
مقدّمة
الفصل الأوَّل: إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
الدرس الأوَّل: موقع الإمامة في الدِّين
الإمامة وموقعها من الدِّين
الحجَّة قبل الخلق
عصمة الإمام (عليه السلام)
١ - الدليل العقلي
٢ - الدليل النقلي
وجوب طاعة الإمام (عليه السلام)
إنَّ الإمام (عليه السلام) اختيار إلهي وليس بشريًّا
من هو الإمام في شريعة الإسلام؟
التواتر على الأئمَّة بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
الأوَّل: قطعيَّة أنَّ الأئمَّة اثنا عشر وقطعيَّة الانطباق
الثاني: الهداية من الضلال مرهونة باستمراريَّة الإمام في كلِّ زمان
الدرس الثاني: أدلَّة إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
الدليل الأوَّل: دليل الانحصار
الدليل الثاني: غيبة الإمام (عجّل الله فرجه) دليل إمامته
الدرس الثالث: أدلَّة إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
الدليل الثالث: الإمام الحادي عشر (عليه السلام) دليل إمامة الثاني عشر (عجّل الله فرجه)
الدرس الرابع: أدلَّة إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
الدليل الرابع: عدم الخلاف في المهدويَّة دليل إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
من هو المهدي (عجّل الله فرجه)؟
المهدي (عجّل الله فرجه) عند الإماميَّة الاثني عشريَّة
الدرس الخامس: مدَّعيات الواقفة وردُّها
الإثارة الأُولى: الوقف
الكلام في الجهة الأُولى
النقطة الأُولى: دلالة الوقف على منع إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
النقطة الثانية: من ادَّعى الوقف وردُّ أدلَّتهم
١ - ادِّعاء مهدويَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدم موته
٢ - الكيسانيَّة التي قالت بإمامة محمّد بن الحنفيَّة
٣ - ادِّعاء مهدويَّة الإمام الصادق (عليه السلام) كالناووسيَّة
الدرس السادس: الواقفون على الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)
الدرس السابع: القائلون بإمامة محمّد بن عليٍّ الهادي (عليه السلام)
الجهة الثانية: ما حصل بعد شهادة الإمام العسكري (عليه السلام)
ردُّ مقالة الفرقة الأُولى
الدرس الثامن: مقالة سائر الفِرَق
مقالة الفرقة الثانية
مقالة الفرقة الثالثة
مقالة الفرقة القائلة
الفصل الثاني: ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
الدرس التاسع: مقدّمات مرتبطة بالولادة
المقدّمة الأُولى: ذكر جملة من كلمات علمائنا الأقدمين في ولادته (عجّل الله فرجه)
المقدّمة الثانية: خفاء الولادة
الدرس العاشر: أدلَّة الولادة
الدليل الأوَّل على الولادة: الدليل الكلامي
الدرس الحادي عشر: أدلَّة الولادة
الدليل الثاني على الولادة: دليل العدد
الدرس الثاني عشر: أدلَّة الولادة
الدليل الثالث: وفاة الحادي عشر (عليه السلام) دليل ولادة الثاني عشر (عجّل الله فرجه)
الدليل الرابع: الإجماع على الولادة
الدليل الخامس على الولادة: العقيقة دليل الولادة
الدرس الثالث عشر: أدلَّة الولادة
الدليل السادس: التوقيعات دليل على الولادة
الدليل السابع: الضرورة دليل على الولادة
الدرس الرابع عشر: أدلَّة الولادة
الدليل الثامن على الولادة: الروايات الدالَّة على الولادة
النحو الأوَّل: الروايات العامَّة
النحو الثاني: الروايات الخاصَّة الدالَّة على الولادة
الدرس الخامس عشر: أدلَّة الولادة
الدليل التاسع على الولادة اعتراف علماء الحديث والنسب والتاريخ بالولادة
أقوال علماء الإماميَّة
الدرس السادس عشر: إثارات حول ولادة الإمام (عجّل الله فرجه)
الإثارة الأُولى: العسكري عقيم فالمهدي لم يُولَد
الإثارة الثانية: لم يُولَد، للاختلاف في اسم أُمِّه
الدرس السابع عشر: إثارات حول ولادة الإمام (عجّل الله فرجه)
الإثارة الثالثة: كيف تؤمنون بولادة شخص وُلِدَ أربع مرَّات؟
الإثارة الرابعة: لو كان للإمام العسكري (عليه السلام) ولد لما جاز أنْ يقع الخلاف فيه
الإثارة الخامسة: الوصيَّة تكشف العدم
الإثارة السادسة: إنكار جعفر للولادة
الدرس الثامن عشر: إثارات حول ولادة الإمام (عجّل الله فرجه)
الإثارة السابعة: مأمورون بإنكار الولادة
الإثارة الثامنة: لا أثر للحمل
الإثارة التاسعة: ليس أولى من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
الدرس التاسع عشر: إثارات حول ولادة الإمام (عجّل الله فرجه)
الإثارة العاشرة: وُلِدَ ومات
الإثارة الحادية عشر: لا توجد أدلَّة كافية تدلُّ على الولادة
الفصل الثالث: الغَيْبَة
الدرس العشرون
البحث الأوَّل: تعريفها، أقسامها، أسبابها
١ - تعريف الغيبة
٢ - أقسام الغيبة
٣ - أسباب الغيبة وحكمتها
الحكمة الأُولى: الخوف من القتل
إثارات حول الخوف من القتل
الدرس الحادي والعشرون
الحكمة الثانية ليس لأحد في عنقه بيعة
الحكمة الثالثة: استيفاء غيبات الأنبياء (عليهم السلام)
الحكمة الرابعة: الإذاعة وكشف السرِّ
الحكمة الخامسة: استيفاء ودائع أهل الإيمان
الحكمة السادسة: كره مجاورة القوم
الحكمة السابعة: التمييز والتمحيص
٤ - ماهيَّة الغيبة
الدرس الثاني والعشرون: أدلَّة الغيبة
٥ - أدلَّة الغيبة
الدليل الأوَّل: الملازمة
الدليل الثاني: السبر والتقسيم
الدليل الثالث: الإعجاز في الانطباق
الدليل الرابع: الفرعيَّة
الدليل الخامس: التوقيعات
الدليل السادس: السفراء
الدليل السابع: الروايات الدالَّة على الغيبة
الدرس الثالث والعشرون: إثارات حول الغيبة
الإثارة الأُولى: الغيبة والعدم سواء
الإثارة الثانية: أين حكمتها؟
الإثارة الثالثة: الغيبة والرفع إلى السماء سواء
الإثارة الرابعة: لا بهذا الطول
الإثارة الخامسة: لا بهذا العمر
الدرس الرابع والعشرون: إثارات حول الغيبة
الإثارة السادسة: أروناه إنْ كان حقًّا
الإثارة السابعة: لِمَ وقعت فيه الغيبة دون من سبق من آبائه (عليهم السلام)؟
الإثارة الثامنة: الغيبة توجب الانحراف
الإثارة التاسعة: لِمَ لم يعطَ القدرة على المدافعة؟
الدرس الخامس والعشرون: إثارات حول الغيبة
الإثارة العاشرة: بغيبته غاب الحقُّ وتعطَّلت الحدود
الإثارة الحادية عشر: الذنب أوجب الحجب
الإثارة الثانية عشر: هل فعلاً غاب في السرداب؟
الدرس السادس والعشرون: البحث الثاني: النيابة في الغيبتين
كيف يلتقي الشيعة بالإمام (عجّل الله فرجه)؟
أحداث أيَّام الرحيل
الحوادث بعد الشهادة
حوادث تفتيش الدار
التشريد والتنكيل
الشيعة بعد الإمام العسكري (عليه السلام)
نقل دار الوكالة إلى بغداد
المتشرِّفون بالرؤية
الدرس السابع والعشرون: النيابة الخاصَّة
السفير الأوَّل: عثمان بن سعيد العمري (رضي الله عنه)
أدلَّة تنصيب السفير الأوَّل
مدفنه (رضي الله عنه)
السفير الثاني: أبو جعفر محمّد بن عثمان العمري الخلَّاني (رضي الله عنه)
أدلَّة سفارته
مدفنه (رضي الله عنه)
الدرس الثامن والعشرون: النيابة الخاصَّة
السفير الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي (رضي الله عنه)
بدايات النوبختي
الانقياد والطاعة
التنصيص عليه
الحكمة في تدبير الأُمور
مدفنه (رضي الله عنه)
السفير الرابع: أبو الحسن عليُّ بن محمّد السمري (رضي الله عنه)
التوقيع الأخير للسفير الرابع (رضي الله عنه)
عظمة مقام السفراء (رضي الله عنهم)
الوكالة عن السفير
اللقاء بالإمام (عجّل الله فرجه) بتوسُّط السفير
الدرس التاسع والعشرون: الغيبة الكبرى
أدلَّة نيابة الفقهاء عن الإمام (عجّل الله فرجه) في الغيبة الكبرى
الدليل الأوَّل: الأدلَّة القرآنيَّة
١ - آية النفر
٢ - آية السؤال
٣ - آية الاتِّباع
الدرس الثلاثون: أدلَّة نيابة الفقيه في الغيبة الكبرى
الدليل الثاني: السيرة العقلائيَّة
الدليل الثالث: روايات الإرجاع
الدليل الرابع: المقبولة
الدرس الحادي والثلاثون: أدلَّة نيابة الفقيه في الغيبة الكبرى
الدليل الخامس: الارتكاز المتشرعي
الدليل السادس: الأولويَّة
الدليل السابع: رواة الحديث خلفاء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
الدليل الثامن: وراثة الأنبياء (عليهم السلام)
الدليل التاسع: الحوادث الواقعة
الدليل العاشر: الإجماع والتسالم
الدرس الثاني والثلاثون: البحث الثالث: الانتفاع بالإمام (عجّل الله فرجه) في عصر الغيبة
الدرس الثالث والثلاثون: الوظيفة تجاه الإمام (عجّل الله فرجه) في الغيبة
أ - ضرورة معرفة الإمام في كلِّ زمان بشخصه ونعته
ب - الطاعة للإمام
١ - الانتظار والتسليم وعدم الاستعجال
٢ - الشوق إليه والتأسُّف والحزن والبكاء على فراقه
٣ - مبايعته والدعاء له
٤ - عدم جواز ذكر اسمه
٥ - القيام عند ذكر اسمه
٦ - تكذيب المشاهدة والتوقيت لظهوره في زمان غيبته
٧ - زيارته (عجّل الله فرجه)
الدرس الرابع والثلاثون: حكم تسمية الإمام (عجّل الله فرجه)
١ - الأقوال في حكم تسمية الإمام (عجّل الله فرجه) عديدة
٢ - الروايات في المسألة
٣ - وجوه الجمع
الدرس الخامس والثلاثون: البحث الرابع: علامات الظهور
ما هي العلامة ومن أين جاءت؟
تقسيم العلامات إلى المحتوم وغير المحتوم
العلامات المحتومات
هل يبدو لله تعالى في المحتوم؟
لا تُطبِّق ما لم تجزم بالعلامة
الدرس السادس والثلاثون: علامة الصيحة
خصائص الصيحة
الصوت يسمعه كلُّ أهل لغة بلغتهم
صيحة شهر رمضان
مصداق الصوت الثاني
كيف نُميِّز؟
الدرس السابع والثلاثون: البحث الخامس: أدعياء المهدويَّة
١ - أبو محمّد الحسن الشريعي وهو أوَّل المدَّعين
٢ - ابن بابا مدَّعي النبوَّة عن الإمام
٣ - ابن العزاقر الشلمغاني
٤ - العبرتائي الكرخي
٥ - النميري
٦ - الحسين بن منصور الحلَّاج
٧ - عليّ محمّد رضا الشيرازي
الدرس الثامن والثلاثون: تصنيف أدلَّة أدعياء السفارة الخاصَّة في زمن الغيبة الكبرى
تقسيم المدَّعي
الدرس التاسع والثلاثون: أدلَّة أدعياء السفارة ومناقشتها
الدليل الأوَّل: الأحلام ودلالتها على دعوى السفارة الخاصَّة في زمن الغيبة الكبرى
ممَّا استدلُّوا به على حجّيَّة الرؤيا
الدرس الأربعون: أدلَّة أدعياء السفارة ومناقشتها
الدليل الثاني: ادِّعاء امتلاك المعرفة بعلم الحروف وغيره
الدليل الثالث: ادِّعاء إقامة المعجزات والإتيان ببعض الخوارق والكرامات
الدليل الرابع: الاستخارة بالقرآن الكريم، وضرب الرمل وقراءة الكفِّ وما شاكلها
الدليل الخامس: ادِّعاء الاتِّصال المباشر بالإمام (عجّل الله فرجه) بطُرُق مختلفة وأشكال متعدِّدة
الدرس الحادي والأربعون: عرض أدلَّة المدَّعين وإبطالها
مقولة التسديد والتأييد
ادِّعاء الانطباق بكلِّ شخصيَّات الظهور
كلمات مرجع الطائفة الأعلى حول الادِّعاء
دعوى المعرفة بعظائم الأُمور
الدرس الثاني والأربعون: عرض أدلَّة المدَّعين وإبطالها
دعوى انفتاح باب العصمة للمدَّعي
دعوى النَّسَب للإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه)
رواية الوصيَّة
البحث السندي
البحث الدلالي
الفصل الرابع: الظهور والدولة والرجعة
الدرس الثالث والأربعون
١ - انتهاء الغيبة
٢ - كيف يعرف الإمام (عجّل الله فرجه) أنَّه قد حان وقت خروجه؟
٣ - كيف نعرفه إذا خرج؟
٤ - أحداث البيعة وما يسبقها
خروج الإمام (عجّل الله فرجه) بتراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
الإمام (عجّل الله فرجه) في عقبة ذي طوى
اجتماع الـ(٣١٣)
خطبة الإمام (عجّل الله فرجه) في الكعبة
أوَّل من يبايع
الدرس الرابع والأربعون
٥ - الأحداث العسكريَّة والمعارك والفتوحات
اكتمال الحلقة
أحداث كثيرة في أماكن مختلفة
عليكم بمكَّة
الدرس الخامس والأربعون
٦ - التحرُّكات العسكريَّة الأُولى للإمام (عجّل الله فرجه)
عودة الإمام (عجّل الله فرجه) إلى مكَّة وإعلان الولاية للإمام عليٍّ (عليه السلام)
نزول الجيش بظهر الكوفة
صفات جنود الإمام (عجّل الله فرجه)
مدَّة حروب الإمام (عجّل الله فرجه)
مع قريش
بماذا يقوم؟
٧ - نزول عيسى (عليه السلام) وانتهاء الفتوحات
٨ - بلوغ ملكه جميع الأرض
الدرس السادس والأربعون: إثارات وشُبُهات
الإثارة الأُولى: المهدي آلة للقتل ويخرج للانتقام خاصَّة
الإثارة الثانية: المهدي يقتل العرب وقريشاً خصوصاً فهو شعوبي!
حال العرب في لسان روايات المستقبل عند السُّنَّة
الإثارة الثالثة: سلاح الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ما هو؟
الدرس السابع والأربعون: البحث الثاني: بناء الدولة
١ - إقامة العدل، والحكم بين أهل الأديان في بداية الدولة بكُتُبهم
٢ - اكتمال العقول وانتشار دين الإسلام
٣ - كثرة البركات وطول الأعمار
٤ - يعلم الأحكام والقرآن كما نزل
٥ - إخراج العلم المكنون وبثُّه بين الناس
٦ - اختلاف حساب السنين ونزول الملائكة على المؤمنين
الدرس الثامن والأربعون: إثارات وشُبُهات حول دولة الإمام (عجّل الله فرجه)
الإثارة الأُولى: المهدي يحكم بشريعة داود
الإثارة الثانية: تعطيل الشريعة في زمن دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
الإثارة الثالثة: دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) تخالف أحكام الإسلام
الدرس التاسع والأربعون: إثارات وشُبُهات حول دولة الإمام (عجّل الله فرجه)
الإثارة الرابعة: الدعوة لكتاب جديد ودين جديد وترك القرآن
الإثارة الخامسة: الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يقتل من لا ذنب له
الإثارة السادسة: انتظار طويل لحكم محدود!
الدرس الخمسون: البحث الثالث: ما بعد دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من الرجعة وحكم المهديِّين
١ - هل الرجعة من عالم الدنيا أو الآخرة؟
٢ - متى تبدأ الرجعة؟
أ - الرجعة في العصور السابقة

ب - الرجعة قبيل الظهور:
ج - الرجعة عند الظهور
د - الرجعة بعد عصر الظهور
٣ - هل يرجع جميع الأئمَّة (عليهم السلام)؟
٤ - رجعة فاطمة الزهراء (عليها السلام)
٥ - رجعة الإمام الحسين (عليه السلام)
الدرس الحادي والخمسون: هل للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) رجعة أم أنَّ ظهوره هو رجعة؟
هل يموت الإمام (عجّل الله فرجه) أم يُقتَل؟
الدرس الثاني والخمسون: ما هي حقيقة الرجعة؟ هل هي ماديَّة أم روحيَّة؟
من هو الحاكم عند رجعة أكثر من إمام (عليه السلام)؟
هل بعد دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) دولة؟ وهل يحكم المهديُّون؟
الدرس الثالث والخمسون: التنافي بين القول بالرجعة والموت
يأجوج ومأجوج
هل يوجد إبليس في الرجعة؟
المصادر والمراجع

الإهداء

إلى والديَّ وخصوصاً والدتي العزيزة التي قرن الله تعالى توحيده بطاعتها، والتي كانت تُظِلُّني وأنا أكتب، وفارقتني ولم أُكمل هذه الوريقات، اللَّهُمَّ اجعله ذخراً لها، وعملاً خالصاً لوجهك رجاء رحمتك، بحقِّ وليِّ أمرنا (عجّل الله فرجه).

* * *
بسم الله الرحمن الرحیم
مقدّمة

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأَمُوُرِ، وَدَلَّتْ عَلَيْه أَعْلَامُ الظُّهُورِ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ، فَلَا عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَه تُنْكِرُه، وَلَا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَه يُبْصِرُه.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُه وَرَسُولُه، أَرْسَلَه بِأَمْرِه صَادِعاً، وَبِذِكْرِه نَاطِقاً، فَأَدَّى أَمِيناً وَمَضَى رَشِيداً، وَخَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ، مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ، وَمَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ.
أَلَا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ، وَأَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ.
أمَّا بعد..
فمسألة الإمامة وبالأخصِّ إمامة الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) من أهمّ مسائل علم الكلام وأسماها، وقد صنَّف علماؤنا (رضوان الله عليهم) في ذلك الكثير وخرج عنهم الجمُّ الغفير، وأحببنا أنْ ننسج على منوالهم ونقتدي بهم في أقوالهم وأفعالهم، فكان الذي بين يديك في مسائل إمامته وولادته وغيبته ودولته، وتمَّ تبويبها على شكل حُصَص دراسيَّة ليسهل تناولها وتعمُّ الفائدة منها، فإنَّ غاية أبناء الشريعة امتثال تكاليفها وهي لا تُدرَك حدودها ولا تُنال آثارها ما لم تُقرَن بولايته في غيبته وحضوره.
ونُظِّم على فصول...

* * *
الفصل الأوَّل: إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

وفيه قسمان:
القسم الأوَّل: ونبحث فيه:
١ - أدلَّة الإمامة، وموقعها في الدِّين.
٢ - عصمة الإمام، ووجوب طاعته.
٣ - أدلَّة إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
القسم الثاني: دلالة الوقف على منع إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ودفع الإشكالات والإثارات حول إمامته (عجّل الله فرجه).
قائمة بالمصادر التي ينبغي مراجعتها في هذا الفصل لمزيد من التوسعة:
١ - كتاب الغيبة/ الشيخ الطوسي (رحمه الله)/ الفصل الأوَّل.
٢ - كمال الدِّين وتمام النعمة/ الشيخ الصدوق (رحمه الله)/ البحوث التي تعرَّض لها ما قبل الباب الأوَّل.
٣ - كتاب الغيبة/ الشيخ النعماني (رحمه الله)/ من الباب الأوَّل إلى الباب التاسع.
٤ - فِرَق الشيعة/ الشيخ النوبختي (رحمه الله)/ كلُّ الكتاب.
٥ - الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في مصادر علماء الشيعة/ إعداد مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)/ الجزء الأوَّل من (ص ٣١٥ - ٤٤٣).
٦ - العقيدة المهدويَّة إشكاليَّات ومعالجات/ السيِّد أحمد الإشكوري/ الفصل الثاني.

* * *
الدرس الأوَّل: موقع الإمامة في الدِّين

نتناول في هذه الحصَّة الدراسيَّة موقع الإمامة في الدِّين، وأنَّها قبل الخلق ومعهم وبعدهم، ولا بدَّ أنْ يكون الإمام معصوماً ومختاراً من قِبَل الله تعالى، ويجب على الناس طاعته عقلاً ونقلاً، ومن ثَمَّ نُبيِّن تعيُّن الأئمَّة (عليهم السلام) في الدِّين الإسلامي باثني عشر إماماً، ونستدلُّ على ذلك بدليلين.
الإمامة وموقعها من الدِّين:
ينبثق الإيمان بالعقيدة المهدويَّة من التوحيد، فمن يعتقد أنَّ الله تعالى واحد لا بدَّ أنْ يعتقد بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
بيانه:
الحكمة تدلُّ على ذلك:
إنَّ من بين الصفات التي اتَّفق عليها أهل التوحيد في جميع الملل أنَّ واجب الوجود لذاته حكيم في أفعاله، وما خَلْقُهُ للعالم المشهود والغائب إلَّا لغرض وغاية، فاقتضت حكمته أنْ يُكلِّف عباده بما يكون سبباً لتحصيل ذلك الغرض.
واقتضت حكمته أنْ يجعل بينه وبين عباده واسطة في إيصال أمره ونهيه ويوقف الخلق على ما يحرزون به منافعهم ودفع مضارِّهم(١).
العقل والعقلاء يدلَّان على ذلك:
من أجل ذلك اتَّفق العقلاء بعد حكم العقل - إلَّا من شذَّ منهم - على ضرورة وجود الواسطة بين الخلق والخالق لهداية الناس، فقالوا بضرورة بعثة الأنبياء (عليهم السلام) كوسائط إلهيَّة مع الخلق(٢).
وممَّا لا ريب فيه أنَّ وجود الإمام (عليه السلام) بين الناس كما هو ضرورة ابتداءً كذلك هو استدامةً لإيصال الأحكام والتكاليف إليهم، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ للهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُه»(٣).
قال العلَّامة (رحمه الله) في (التجريد): (إنَّ الإمامة ونصب الإمام واجب على الله تعالى، لأنَّ الإمام لطف، واللطف واجب)(٤).
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): (يجب أنْ يعتقد أنَّ الإمامة حقٌّ كما اعتقدنا أنَّ النبوَّة حقٌّ، ويعتقد أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) الذي جعل النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبيًّا هو الذي جعل إماماً، وأنَّ نصب الإمام وإقامته واختياره إلى الله (عزَّ وجلَّ)، وأنَّ فضله منه، ويجب أنْ يعتقد أنَّه يلزمنا من طاعة الإمام ما يلزمنا من طاعة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّ كلَّ فضل آتاه الله (عزَّ وجلَّ) نبيَّه آتاه الإمام إلَّا النبوَّة، ويعتقد أنَّ المنكِر للإمامة كالمنكِر للنبوَّة، والمنكِر للنبوَّة كالمنكِر للتوحيد)(٥).
الحجَّة قبل الخلق:
إنَّ الإماميَّة تعتقد أنَّ الحجَّة قبل خلق الخلق، وأنَّ الله تعالى دلَّ على ذلك في محكم كتابه ونيِّر برهانه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، فأوَّل ما بدأ به تعالى قبل خلق الخلق هو خلق الخليفة.
وإلى ذلك يشير الإمام الصادق (عليه السلام): «الحجَّة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق»(٦).
كما والعقل يقودنا إلى هذه المسألة دونما إرشاد النقل، إذ لو خلق الله تعالى خلقاً قبل خلق حجَّة لهم - به يهتدون إليه - لكان هؤلاء في معرض الضلال والانحراف.
إنَّ قلت: إنَّنا نجد أنَّ بعضاً من الأقوام لم يثبت أنَّ الله تعالى بعث لهم حجَّةً، وهذا يكشف عن عدم كلّيَّة الدليل.
قلت: عدم الوجدان لا يدلُّ على عدم الوجود.
عصمة الإمام (عليه السلام):
يدلُّ على ذلك:
١ - الدليل العقلي:
إنَّ وجود إمام غير معصوم يقع منه الخطأ يحتاج إلى من يهديه، وهكذا حتَّى تصل إلى من يكون هادياً لا مهتدياً بغيره، وليس هو إلَّا المعصوم، وإلَّا لزم الإلقاء في الضلال، لأنَّ أدلَّة اتِّباع الإمام مطلقة.
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (وإنَّ من شرط الرئيس أنْ يكون مقطوعاً على عصمته)، قال ذلك بعد أنْ قال: (إذا ثبت وجوب الإمامة على كلِّ حالٍ، وأنَّ الخلق مع كونهم غير معصومين لا يجوز أنْ يخلو من رئيس في وقت من الأوقات)(٧).
إذ لو كان المنصوب واسطة يُخطئ لاحتاج إلى من يُصوِّبه، وهكذا.
٢ - الدليل النقلي:
قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) والإطاعة هنا مطلقة، فلا بدَّ أنْ يكون المطاع معصوماً.
فالعصمة في الإمام بمعنى أنْ يكون الإمام منزَّهاً عن المعاصي والذنوب صغيرها وكبيرها، عن الخطأ والنسيان، والإمام غير المعصوم لا يحصل الغرض به وتُنقَض الحكمة من جعله، بل ولوجب على أفراد الأُمَّة زجره ومنعه بمقتضى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولصار التابع متبوعاً والآمر مأموراً، ولوجب علينا التبيُّن في كلِّ ما يقول، مع أنَّ الفرض أنَّ الوسائط قد جعلت وظيفتهم الهداية والشهادة على الناس، قال تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾ (الحجّ: ٧٨).
وجوب طاعة الإمام (عليه السلام):
ويُستَدلُّ له بوجوه:
١ - نَصْبُ الإمام دافع للضرر الحاصل بترك التكاليف التي لا تُعرَف إلَّا بالإمام، ولا يترتَّب الأثر على نصبه إلَّا بطاعته.
٢ - أنَّا نعلم أنَّ شريعة الإسلام هي الخاتمة، ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠)، وأنَّ الشريعة ليست إلَّا بالتكاليف، وأنَّ هذه التكاليف لم تصل إلى الناس كافَّة بعد رحيل النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مع أنَّه يقتضي أنَّها ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (سبأ: ٢٨)، فكان من اللازم على الحكيم أنْ يُبقِيَ وعلى مدار الزمان من به تصل الأحكام، ويكون مطاعاً، وليس هو إلَّا الإمام.
في الحديث الصحيح عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمَّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالى الطاعة للإمام بعد معرفته»، ثمّ قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [النساء: ٨٠]»(٨).
إنَّ الإمام (عليه السلام) اختيار إلهي وليس بشريًّا:
بمقتضى لزوم العصمة في الإمام، ولا يعرفها إلَّا مودعها، فيقع الاختيار عليه.
فتمييز الإمام ومن ثَمَّ تعيُّنه من بين الأُمَّة لما يحمل من صفة العصمة مستحيلٌ على غيره تعالى، فلا بدَّ من التنصيص عليه من قِبَله تعالى لا غير، وقد ذكر الشيخ الصدوق (رحمه الله) في هذا المعنى وجوهاً عديدةً، فراجع(٩).
وقد دلَّت جملة من الأخبار على ذلك(١٠).
من هو الإمام في شريعة الإسلام؟
كان البحث فيما تقدَّم عن ضرورة الإمامة والعصمة، والآن نتحدَّث عن شخوصهم (عليهم السلام).
يقول الشيخ المفيد (رحمه الله): (فأمَّا الوصف لهم بالكمال في كلِّ أحوالهم، فإنَّ المقطوع به كمالهم في جميع أحوالهم التي كانوا فيها حُجَجاً لله تعالى على خلقه، وقد جاء الخبر بأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) من ذرّيَّته كانوا حُجَجاً لله تعالى)(١١)، وهو دالٌّ على التنصيص على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) من بعده.
ويقول في (المسائل العكبريَّة): (إنَّ الطاعة في وقت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت له من جهة الإمامة دون غيره، والأمر له خاصَّة دون من سواه، فلمَّا قُبِضَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صارت الإمامة من بعده لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن عداه من الناس كافَّة رعيَّة له، فلمَّا قُبِضَ (عليه السلام) صارت الإمامة للحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)...، فلمَّا قُبِضَ الحسن (عليه السلام) صار الحسين (عليه السلام) إماماً مفترض الطاعة على الأنام، وهكذا حكم كلِّ إمام وخليفة في زمانه...)(١٢).
التواتر على الأئمَّة بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
يقول الشيخ محمّد بن إبراهيم النعماني (رحمه الله): (فتأمَّلوا - يا معشر الشيعة - رحمكم الله ما نطق به كتاب الله (عزَّ وجلَّ)، وما جاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمَّة (عليهم السلام) واحداً بعد واحد في ذكر الأئمَّة الاثني عشر وفضلهم وعدَّتهم من طُرُق رجال الشيعة الموثوقين عند الأئمَّة، فانظروا إلى اتِّصال ذلك ووروده متواتراً، فإنَّ تأمُّل ذلك يجلو القلوب من العمى، وينفي الشكَّ، ويزيل الارتياب عمَّن أراد الله به الخير ووفَّقه لسلوك طريق الحقِّ...)(١٣).
يتبيَّن أنَّ كون الأئمَّة (عليهم السلام) من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سلسلة متَّصلة إلى الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) ممَّا لا ينبغي أنْ يقع فيه التردُّد والشكُّ، لتواتر الخبر به.
ولمزيد من الإثبات نعرض نموذجين من أدلَّة إثبات إمامتهم (عليهم السلام).
الأوَّل: قطعيَّة أنَّ الأئمَّة اثنا عشر وقطعيَّة الانطباق:
هناك روايات نصَّت على أنَّ الأئمَّة اثنا عشر(١٤).
والمقطوع به أنَّ هذا العدد لم ينطبق إلَّا على الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) على مذهب الإماميَّة الاثني عشريَّة.
الثاني: الهداية من الضلال مرهونة باستمراريَّة الإمام في كلِّ زمان:
تواتر عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنِّي تارك فيكم خليفتين [وفي بعض النُّسَخ: الثقلين]: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض»(١٥).
وسُئِلَ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عن معنى قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنِّي مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي»، مَنْ العترة؟ فقال (عليه السلام): «أنا والحسن والحسين والأئمَّة التسعة من وُلد الحسين، تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتَّى يردوا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حوضه»(١٦).
ودلالة الحديث على استمراريَّة العترة مع القرآن واضحة، فما دام الكتاب موجوداً - بلا خلاف - بل هو من ضرورات الدِّين الإسلامي فلا بدَّ أنْ يكون وجود الإمام في الأُمَّة بنفس المثابة من الوضوح.
وقد دلَّت الأدلَّة أنَّ العترة هم الأئمَّة الاثنا عشر المنصوص عليهم(١٧).

* * *
الدرس الثاني: أدلَّة إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

بعدما أثبتنا إمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، وهم:
الإمام عليُّ بن أبي طالب، الحسن بن عليٍّ، الحسين بن عليٍّ، عليُّ بن الحسين، محمّد بن عليٍّ، جعفر بن محمّد، موسى بن جعفر، عليُّ بن موسى، محمّد ابن عليٍّ، عليُّ بن محمّد، الحسن بن عليٍّ، الحجَّة بن الحسن العسكري صاحب الزمان (عليهم السلام).
نتحدَّث عن إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بخصوصه، وممَّا استُدِلَّ به على إمامته عدَّة أدلَّة، منها:
الدليل الأوَّل: دليل الانحصار:
تقريب الدليل:
أ - أنَّ المخالف إمَّا أنْ يُنكِر إمامة جميع الأئمَّة (عليهم السلام).
والردُّ عليه بأنَّها منحصرة في اثني عشر إماماً، وتقدَّم دليل ذلك في الدرس الأوَّل مفصَّلاً.
ب - أو يُنكِر فقط إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
هذا الإنكار لا أثر له، للنصوص المتواترة الدالَّة على الحصر باثني عشر إماماً وأنَّه منهم، وممَّا دلَّ على ذلك:
١ - ما روي في أنَّ الأئمَّة اثنا عشر إماماً، وممَّا ورد فيه عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا يزال أمر أُمَّتي ظاهراً حتَّى يمضي اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش»(١٨).
٢ - ما روي عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في النصِّ على القائم، وأنَّه الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام)، فعن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... يا بن سمرة، إنَّ عليًّا منِّي، روحه من روحي، وطينته من طينتي، وهو أخي وأنا أخوه، وهو زوج ابنتي فاطمة سيِّدة نساء العالمين من الأوَّلين والآخرين، وإنَّ منه إمامَي أُمَّتي وسيِّدي شباب أهل الجنَّة الحسن والحسين، وتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائم أُمَّتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(١٩)، وكذلك ما روي عن الأئمَّة (عليهم السلام) من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى آخرهم بنفس المضمون(٢٠).
٣ - ما روي في أنَّ الأئمَّة التسعة من وُلد الحسين (عليه السلام)، وأنَّ المهدي (عجّل الله فرجه) من وُلد الحسين (عليه السلام)(٢١).
هذه مجموعة من الأحاديث تدلُّ بالخصوص على أنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) واحد من الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، وغيرها كثير.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (الاعتقادات): (اعتقادنا أنَّ حُجَج الله تعالى على خلقه بعد نبيِّه محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأئمَّة الاثنا عشر...، ونعتقد أنَّ حجَّة الله في أرضه وخليفته على عباده في زماننا هذا، هو القائم المنتظر محمّد بن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، وأنَّه هو الذي أخبر به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الله (عزَّ وجلَّ) باسمه ونسبه...، ونعتقد أنَّه لا يجوز أنْ يكون القائم غيره، بقي في غيبته ما بقي، ولو بقي في غيبته عمر الدنيا لم يكن القائم غيره، لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) دلُّوا عليه باسمه ونسبه، وبه نصُّوا، وبه بشَّروا (صلوات الله عليه))(٢٢).
وقال الشيخ المفيد (رحمه الله) في (الإرشاد): (وكان الإمام بعد أبي محمّد (عليه السلام) ابنه المسمَّى باسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، المكنَّى بكنيته، ولم يخلف أبوه ولداً غيره ظاهراً ولا باطناً، وخلفه غائباً مستتراً...، وقد سبق النصُّ عليه في ملَّة الإسلام من نبيِّ الهدى (عليه السلام)، ثمّ من أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام)، ونصَّ عليه الأئمَّة (عليهم السلام) واحداً بعد واحد إلى أبيه الحسن (عليه السلام)، ونصَّ أبوه عليه عند ثقاته وخاصَّة شيعته)(٢٣).
الدليل الثاني: غيبة الإمام (عجّل الله فرجه) دليل إمامته:
تقريب الدليل:
١ - لقد دلَّت الروايات المتواترة(٢٤) على أنَّ هناك غيبة ستقع في شخص الثاني عشر من ذرّيَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ذكرها العلماء وأُلِّفت فيها الكُتُب، ككتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي والنعماني، وكمال الدِّين للصدوق، وغيرهم.
وأنَّها ستقع حتماً، وصارت حديثاً للخاصِّ والعامِّ قبل ولادة الإمام (عجّل الله فرجه).
٢ - فلو لم تصدق هذه الغيبة بوقوعها لاستلزم تكذيب الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من ذرّيَّته (عليهم السلام).
فتكون الغيبة المخبَر بها قبل وقوعها دليلاً على إمامته (عجّل الله فرجه).
يقول رضي الدِّين أبو القاسم عليُّ بن موسى بن طاوس (رحمه الله): (واعلم يا ولدي محمّد - ألهمك الله ما يريده منك ويرضى به عنك - أنَّ غيبة مولانا (المهدي) (صلوات الله عليه) التي حيَّرت المخالف والمؤالف هي من جملة الحُجَج على ثبوت إمامته وإمامة آبائه الطاهرين (صلوات الله على جدِّه محمّد وعليهم أجمعين)، لأنَّك إذا وقفت على كُتُب الشيعة أو غيرهم مثل كتاب الغيبة لابن بابويه، وكتاب الغيبة للنعماني، ومثل كتاب الشفاء والجلال، ومثل كتاب أبي نعيم الحافظ في أخبار المهدي ونعوته...، وجدتها أو أكثرها تضمَّنت قبل ولادته أنَّه يغيب (عليه السلام) غيبة طويلة حتَّى يرجع عن إمامته بعض من كان يقول بها، فلو لم يغب هذه الغيبة كان طعناً في إمامة آبائه وفيه، فصارت الغيبة حجَّة لهم (عليهم السلام) وحجَّة على مخالفيه في ثبوت إمامته وصحَّة غيبته)(٢٥).
وذكر هذا الدليل أيضاً الشيخ الطوسي (رحمه الله) في (الغيبة) بتقرير قريب ممَّا ذُكِرَ هنا، وقال: (وهذه أيضاً طريقة معتمدة اعتمدها الشيوخ قديماً)(٢٦).

* * *
الدرس الثالث: أدلَّة إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

الدليل الثالث: الإمام الحادي عشر (عليه السلام) دليل إمامة الثاني عشر (عجّل الله فرجه):
تقريب الدليل:
١ - ثبت وجوب الإمامة، وتقدَّم الدليل على ضرورة وجود إمامٍ في كلِّ زمان.
٢ - تقدَّم في الدرس الأوَّل، التواتر على إمامة اثني عشر إماماً، وأنَّ إمامتهم مقطوع بها.
٣ - ثبت بالدليل أنَّ الإمام الحادي عشر (عليه السلام) قد مات، فلا بدَّ أنْ يكون في الأُمَّة إمام بعده، بمقتضى المقدّمتين المتقدِّمتين.
بعبارة ثانية: إذا ثبت بالدليل العقلي وجوب الإمامة، لاستحالة أنْ يُخلي الحكيم عباده من وجود إمامٍ معصوم يهديهم إلى معرفة الأحكام والحلال والحرام، وأنَّ مَنْ هذا صفته بعد شهادة الحسن العسكري (عليه السلام) ابنه الحجَّة (عجّل الله فرجه)، فتكون الإمامة ثابتة له(٢٧).
وجه الدليل على شهادة الإمام العسكري (عليه السلام) أُمور خمسة:
١ - أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) تُوفّي سنة ستِّين ومائتين، وإليك بعض ما دلَّ عليه:
ما دلَّ على وقوع الوفاة بالإمام العسكري (عليه السلام) من طُرُقنا:
أ - قال الشيخ الكليني (رحمه الله): (باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)...، وقُبِضَ (عليه السلام) - أي الإمام العسكري (عليه السلام) - يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأوَّل سنة ستِّين ومائتين)(٢٨).
ب - قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (وقُبِضَ بسُرَّ من رأى لثمان خلون من ربيع الأوَّل سنة ستِّين ومائتين)(٢٩).
ج - قال العلَّامة الحلِّي (رحمه الله): (الحادي عشر الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، الإمام العسكري...، وقُبِضَ بسُرَّ من رأى لثمان خلون من ربيع الأوَّل سنة ستِّين ومائتين)(٣٠).
وممَّا دلَّ على وقوع الوفاة للإمام العسكري (عليه السلام) من العامَّة:
أ - قال الذهبي تلميذ ابن تيميَّة: (وكان موت الحسن سنة ستِّين ومائتين)(٣١).
ب - قال ابن الأثير في أحداث سنة ستِّين ومائتين: (وفيها تُوفّي الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو أبو محمّد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمَّة الاثني عشر على مذهب الإماميَّة)(٣٢).
٢ - الروايات، وهي كثيرة، منها:
أ - ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسند صحيح، قال: (حدَّثني أبي ومحمّد ابن الحسن بن أحمد بن الوليد (وكلاهما من شيوخ الطائفة ووجهائها وثقاتها)، قالا: حدَّثنا سعد بن عبد الله (وهو شيخ الطائفة ووجهها في زمانه)، قال: حدَّثني من حضر موت الحسن بن عليِّ بن محمّد العسكري (عليهم السلام) ودفنه ممَّن لا يوقف على إحصاء عددهم ولا يجوز على مثلهم التواطؤ بالكذب. وبعد فقد حضرنا في شعبان سنة ثمان وسبعين ومائتين، وذلك بعد مضيِّ أبي محمّد الحسن ابن عليٍّ العسكري (عليهما السلام) بثماني عشرة سنة أو أكثر...)(٣٣).
ب - ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) في باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، بإسناده عن الحسين بن محمّد الأشعري ومحمّد بن يحيى وغيرهما، والخبر صحيح إذ تكفينا وثاقة الحسين بن محمّد الأشعري القمّي، قال عنه النجاشي: ثقة(٣٤)، وسيأتي تمام الخبر في دفع بعض الشُّبُهات في الفصل الثاني.
جاء فيه: (... فلم يزالوا هناك حتَّى تُوفّي (عليه السلام)، فصارت سُرَّ من رأى ضجَّة واحدة، وبعث السلطان إلى داره من فتَّشها وفتَّش حُجَرها وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده، وجاؤوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهنَّ، فذكر بعضهنَّ أنَّ هناك جارية بها حمل، فجُعِلَت في حجرة ووُكِّل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثمّ أخذوا بعد ذلك في تهيئته، وعُطِّلت الأسواق، وركبت بنو هاشم والقوَّاد وأبي وسائر الناس إلى جنازته، فكانت سُرَّ من رأى يومئذٍ شبيهاً بالقيامة، فلمَّا فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكِّل فأمره بالصلاة عليه، فلمَّا وُضِعَت الجنازة للصلاة عليه دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلويَّة والعبَّاسيَّة والقوَّاد والكُتَّاب والقضاة والمعدِّلين، وقال: هذا الحسن بن عليِّ بن محمّد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه، حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان، ومن القضاة فلان وفلان، ومن المتطبِّبين فلان وفلان، ثمّ غطَّى وجهه وأمر بحمله، فحُمِلَ من وسط داره ودُفِنَ في البيت الذي دُفِنَ فيه أبوه...)(٣٥).
٣ - نقل التواتر الدالُّ على وفاة الإمام العسكري (عليه السلام):
تقدَّم أنَّ شيخ الطائفة في زمانه سعد بن عبد الله قال: (حدَّثني من حضر موت الحسن بن عليِّ بن محمّد العسكري (عليهم السلام) ودفنه ممَّن لا يوقف على إحصاء عددهم ولا يجوز على مثلهم التواطؤ بالكذب)(٣٦).
٤ - الروايات التي ذكرت أنَّ الوفاة سوف تقع فيه (عليه السلام)، وهي كثيرة:
أ - فمنها ما روي عن الإمام الجواد (عليه السلام)، وجاء فيها: «إنَّ الإمام بعدي ابني عليٌّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه»، ثمّ سكت، فقلت له: يا ابن رسول الله، فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكي (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثمّ قال: «إنَّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحقِّ المنتظر...»(٣٧).
ب - ومنها ما عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إنَّ لي إليك حاجة فمتى يخفُّ عليك أنْ أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: أيَّ الأوقات أحببته، فخلا به في بعض الأيَّام، فقال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أُمِّي فاطمة (عليهما السلام) بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما أخبرتك به أُمِّي أنَّه في ذلك اللوح مكتوب...، فقال له أبي: فهل لك يا جابر أنْ تعرضه عليَّ؟ قال: نعم، فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رقٍّ، فقال: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ [أنا] عليك، فنظر جابر في نسخته، فقرأه أبي فما خالف حرف حرفاً، فقال جابر: فأشهد بالله أنِّي هكذا رأيته في اللوح مكتوباً: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمّد نبيِّه ونوره وسفيره وحجابه ودليله نزل به الروح الأمين من عند ربِّ العالمين...، وأختم بالسعادة لابنه عليٍّ وليِّي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي، أُخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي الحسن، وأُكمل ذلك بابنه (م ح م د) رحمةً للعالمين...»(٣٨).
ج - ومنها ما روي عن عليِّ بن عبد الغفَّار: كتبت الشيعة إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) يسألونه عن الأمر، فكتب (عليه السلام): «الأمر لي ما دمت حيًّا، فإذا نزلت بي مقادير الله (عزَّ وجلَّ) آتاكم الله الخلف منِّي، وأنَّى لكم بالخلف بعد الخلف»(٣٩).
د - وعن الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت عليَّ بن محمّد بن عليِّ الرضا (عليهم السلام) يقول: «إنَّ الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم»(٤٠).
٥ - تفسير بعض الآيات والنصُّ فيها على شهادة الإمام العسكري (عليه السلام)، ومنها:
روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) بإسناده عن أُمِّ هاني، قالت: لقيت أبا جعفر (عليه السلام)، فسألته عن قول الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ و١٦]، فقال (عليه السلام): «إمام يخنس في زمانه عند انقطاع من علمه عند الناس سنة ستِّين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الوقَّاد، فإنْ أدركتِ ذلك قرَّت عينكِ»(٤١)، ودلالته ظاهرة في تحديد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) في سنة (٢٦٠هـ)، فقوله: «إمام يخنس» أي يغيب، «عند انقطاع من علمه عند الناس» أي عند انقطاع وجود الإمام العسكري (عليه السلام)، فالحديث ظاهر في وجود شخصين شخص يموت ثمّ يأتي آخر بعده، ووصف الآخر بأنَّه يخنس أي يغيب.
ورواه الشيخ النعماني (رحمه الله) عن أُمِّ هاني، وذكر الحديث الذي ذكرناه عن الشيخ الطوسي (رحمه الله) باختلاف يسير، ورواه أيضاً عن الشيخ الكليني (رحمه الله)(٤٢).
وبعد إثبات وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) بما تقدَّم، وانحصار الأئمَّة باثني عشر إماماً، يكون من الضروري وجود إمام آخر بعده، وهو ما أشارت له بعض أحاديث موت الإمام العسكري (عليه السلام) مضافاً إلى أحاديث الاثني عشر إماماً، والذي تقدَّم في الدرس الأوَّل.

* * *
الدرس الرابع: أدلَّة إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

الدليل الرابع: عدم الخلاف في المهدويَّة دليل إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
تقريب الدليل:
١ - أنَّه لا خلاف بين الأُمَّة الإسلاميَّة أنَّه سيخرج في هذه الأُمَّة مهدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
٢ - فإذا أثبتنا أنَّ هذا المهدي (عجّل الله فرجه) هو ابن الحسن (عليه السلام) دون غيره، وأبطلنا مهدويَّة غيره، ثبتت إمامته بتلك الأدلَّة الدالَّة على المهدويَّة في الإسلام.
وقد أشار الشيخ الطوسي (رحمه الله) إلى هذا الدليل في ضمن كلام طويل(٤٣).
أمَّا دليل المقدّمة الأُولى ففي نقطتين:
١ - ما روي عن أبناء العامَّة، ومنه:
أ - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ في أُمَّتي المهدي يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً - زيد الشاكُّ -»، قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: «سنين»، قال: «فيجئ إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني»، قال: «فيُحثي له في ثوبه ما استطاع أنْ يحمله»(٤٤).
ب - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي منَّا أهل البيت»(٤٥).
ولمزيد من النصوص يُراجَع كتاب (الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عند أهل السُّنَّة)(٤٦) حيث أورد أحاديث ما يقرب من (٦٧) مصنَّفاً من أُمَّهات مصنَّفات أبناء العامَّة في هذا الصدد.
٢ - ما روي عن طُرُقنا، فإنَّ الأخبار أكثر من أنْ تُحصى، غير أنَّنا نذكر طرفاً منها:
أ - ما روي في أنَّ الأئمَّة اثنا عشر إماماً بأسمائهم، وأنَّ خاتمهم المهدي (عجّل الله فرجه)(٤٧).
ب - ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنَّ المهدي (عجّل الله فرجه) من ولده ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً(٤٨).
ج - ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي منَّا أهل البيت، يُصلِح الله له أمره في ليلة»(٤٩).
د - ما رواه الشيخ النعماني (رحمه الله) عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «... وإنَّما سُمّي المهدي مهديًّا لأنَّه يهدي إلى أمرٍ خفيٍّ...»(٥٠).
هـ - ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن عمَّار بن ياسر: (ثمّ يخرج المهدي، على لوائه شعيب بن صالح، وإذا رأى أهل الشام قد اجتمع أمرها على ابن أبي سفيان فألحقوا بمكَّة، فعند ذلك تُقتَل النفس الزكيَّة وأخوه بمكَّة ضيعة، فينادي منادٍ من السماء: أيُّها الناس إنَّ أميركم فلان، وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً)(٥١).
وبذلك تتمُّ المقدّمة الأُولى.
من هو المهدي (عجّل الله فرجه)؟
أمَّا عند غيرنا، فقد وقع اختلاف كبير في تحديد الاثني عشر إماماً، والذي منهم المهدي الذي أُنيط عزُّ الدِّين ومنعته بل وبقاؤه بوجودهم، حيث أورد مسلم في صحيحه: «إنَّ هذا الأمر لا ينقضي حتَّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة»، قال: ثمّ تكلَّم بكلام خفي عليَّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلُّهم من قريش»(٥٢).
وفي لفظ آخر: «لا يزال الدِّين قائماً حتَّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش»(٥٣).
ومن الأقوال في تحديدهم:
١ - قال ابن حجر: (قال ابن بطال عن المهلب: لم ألقَ أحداً يقطع في هذا الحديث يعني بشيء معيَّن، فقوم قالوا: يكونون بتوالي إماراتهم، وقوم قالوا: يكونون في زمن واحد كلُّهم يدَّعي الإمارة...)(٥٤)، وذكر عدَّة أقوال، منها ما سنشير إليه فيما يأتي.
٢ - قال السيوطي: (وعلى هذا فقد وُجِدَ من الاثني عشر خليفة، الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أنْ يُضَمَّ إليهم المهتدي من العبَّاسيِّين...، وكذلك الطاهر...، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي لأنَّه من آل بيت محمّد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم))(٥٥).
٣ - قال ابن كثير: (... فهذا الذي سلكه البيهقي وقد وافقه عليه جماعة، من أنَّ المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمان الوليد بن يزيد بن عبد المَلِك الفاسق الذي قدَّمنا الحديث فيه بالذمِّ والوعيد...)، إلى أنْ يقول: (وبيان ذلك أنَّ الخلفاء إلى زمن الوليد بن يزيد هذا أكثر من اثني عشر على كلِّ تقدير، وبرهانه أنَّ الخلفاء الأربعة...، ثمّ بعدهم الحسن بن عليٍّ...، ثمّ معاوية، ثمّ ابنه يزيد بن معاوية، ثمّ ابنه معاوية بن يزيد، ثمّ مروان بن الحَكَم، ثمّ عبد المَلِك بن مروان، ثمّ ابنه الوليد بن عبد المَلِك، ثمّ سليمان بن عبد المَلِك، ثمّ عمر بن عبد العزيز، ثمّ يزيد بن عبد المَلِك، ثمّ هشام ابن عبد المَلِك، فهؤلاء خمسة عشر...)، إلى أنْ يقول: (قال شيخنا العلَّامة أبو العبَّاس ابن تيميَّة: وهؤلاء المبشَّر بهم في حديث جابر بن سمرة، وقُرِّر أنَّهم يكونون مفرَّقين في الأُمَّة، ولا تقوم الساعة حتَّى يُوجَدوا، وغلط كثير ممَّن تشرَّف بالإسلام من اليهود فظنُّوا أنَّهم الذين تدعو إليهم فرقة الرافضة فاتَّبعوهم)(٥٦).
٤ - قال المناوي: (وقيل: المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدَّة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحقِّ، وأنْ يتوالوا...، وحمل بعضهم الحديث على مَنْ يأتي بعد المهدي لرواية، ثمّ يلي الأمر بعده اثني عشر رجلاً...)(٥٧).
فأنت تلاحظ كيف أنَّهم وقعوا في حيص بيص من حديث واحدٍ واضح في دلالته على وجود أئمَّة للدِّين بعد النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهم هداية الناس.
المهدي (عجّل الله فرجه) عند الإماميَّة الاثني عشريَّة:
هو شخص مشخَّص النسب والهويَّة، وهو الحجَّة بن الحسن العسكري ابن الإمام عليٍّ الهادي وصولاً إلى أمير المؤمنين (عليهم السلام)، وهذا ما يأتي إثباته في الفصل الثاني، ومعه تبطل كلُّ دعاوى المهدويَّة الأُخرى بلا حاجة إلى الاستدلال على بطلانها مفصَّلاً، ولكنَّا من باب تعميم الفائدة نتعرَّض لها إنْ شاء الله في القسم الثاني من هذا الفصل، أمَّا هنا فالحديث في نقطة واحدة هي:
البحث الروائي الدالُّ على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
اعلم أنَّ الروايات في هذا الإطار كثيرة، نأخذ منها:
١ - عن أبي سعيد عقيصا، قال: لمَّا صالح الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) معاوية ابن أبي سفيان دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال (عليه السلام): «ويحكم ما تدرون ما عملت، والله الذي عملت خير لشيعتي ممَّا طلعت عليه الشمس أو غربت، ألَا تعلمون أنَّني إمامكم مفترض الطاعة عليكم وأحد سيِّدي شباب أهل الجنَّة بنصٍّ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليَّ؟»، قالوا: بلى، قال: «أمَا علمتم أنَّ الخضر (عليه السلام) لمَّا خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمةً وصواباً؟ أمَا علمتم أنَّه ما منَّا أحد إلَّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلَّا القائم الذي يُصلِّي روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه؟ فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يخفي ولادته، ويغيب شخصه، لئلَّا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيِّدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثمّ يظهره بقدرته في صورة شابٍّ دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أنَّ الله على كلِّ شيء قدير»(٥٨).
٢ - عن الإمام الحسين (عليه السلام): «قائم هذه الأُمَّة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة»(٥٩).
٣ - عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) وقد سُئِلَ: فمن المهدي من ولدك؟ قال: «الخامس من ولد السابع...»(٦٠).
٤ - عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام): «... هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتدُّ فيها أقوام ويثبت فيها آخرون...»(٦١).
٥ - عن الإمام عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام): «... ذلك الرابع من ولدي، يُغيِّبه الله في ستره ما شاء، ثمّ يُظهِره فيملأ [به] الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(٦٢).
٦ - عن الإمام محمّد بن عليٍّ الجواد (عليه السلام): «إنَّ القائم منَّا هو المهدي الذي يجب أنْ يُنتَظر في غيبته، ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي...»(٦٣).
٧ - عن الإمام عليِّ بن محمّد الهادي (عليه السلام): «إنَّ الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم»(٦٤).
٨ - عن الإمام أبي محمّد الحسن بن عليٍّ العسكري (عليه السلام) وقد سُئل: يا بن رسول الله، فمن الإمام والخليفة بعدك؟...، إلى أنْ قال: «لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حُجَجه ما عرضت عليك ابني هذا، إنَّه سميُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكنيُّه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً...»(٦٥).
وفي خبر آخر أنَّه قيل له (عليه السلام): يا بن رسول الله، فمن الحجَّة والإمام بعدك؟ فقال: «ابني محمّد هو الإمام والحجَّة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهليَّة، أمَا إنَّ له غيبة يُحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقَّاتون، ثمّ يخرج فكأنِّي أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة»(٦٦).
فهذه الأحاديث الشريفة تدلُّ بوضوح على أنَّ المهدي هو الحجَّة بن الحسن العسكري دون غيره (عجّل الله فرجه).
وبذلك تثبت المقدّمة الثانية من الدليل، وبها يتمُّ الدليل الرابع.
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) في كلام طويل حول هذا الدليل جاء فيه: (وممَّا يدلُّ أيضاً على إمامة ابن الحسن (عليهما السلام) زائداً على ما مضى، أنَّه لا خلاف بين الأُمَّة أنَّه سيخرج في هذه الأُمَّة مهدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، وإذا بيَّنَّا أنَّ ذلك المهدي من ولد الحسين (عليه السلام)، وأفسدنا قول (كلِّ) مَنْ يدَّعي ذلك من ولد الحسين سوى ابن الحسن (عليه السلام)، ثبت أنَّ المراد به هو (عليه السلام). والأخبار المرويَّة في ذلك أكثر [من] أنْ تُحصى، غير أنَّا نذكر طرفاً من ذلك).
ثمّ ذكر تفصيل الدليل فيما يزيد على (٢٠) صفحة، بل أكثر من ذلك بكثير إذا أدخلنا مقدّمة إبطال من ادَّعى الإمامة حيث أبطلهم فيما يقرب من (٣٠) صفحة، فراجع(٦٧).

* * *
الدرس الخامس: مدَّعيات الواقفة وردُّها

أُثيرت حول إمامة الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) عدَّة من الإثارات، منها:
الإثارة الأولى: الوقف (٦٨):
وينقسم الكلام فيه إلى جهتين:
١ - الوقف قبل شهادة الإمام العسكري (عليه السلام).
٢ - الوقف بعد شهادة الإمام العسكري (عليه السلام).
الكلام في الجهة الأُولى:
يقع البحث عنه في نقطتين:
النقطة الأُولى: دلالة الوقف على منع إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
إنَّ اعتقادنا بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إماماً للأُمَّة متفرِّع على كونه الإمام الثاني عشر من أهل البيت (عليهم السلام).
وما يُدَّعى من الانقطاع في سلسلة الإمامة والتوقُّف عند هؤلاء مدفوع، لأنَّ ما تقدَّم من أدلَّة هي بحدِّ ذاتها كافية في الدلالة على إمامته، لوضوحها وصراحتها وتعدُّدها.
إذ هؤلاء الواقفون قد أقرُّوا بلزوم الإمامة، وخالفوا في الانطباق، إذ قالوا بإمامة غيره، فلا بدَّ من إثبات بطلان هذه الأقوال:
النقطة الثانية: من ادَّعى الوقف وردُّ أدلَّتهم:
١ - ادِّعاء مهدويَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدم موته:
هناك من ادَّعى الوقف عليه (عليه السلام) وادَّعى عدم موته، حيث ادَّعوا: (... إنَّ عليًّا لم يُقتَل ولم يمت ولا يُقتَل ولا يموت حتَّى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، وهي أوَّل فرقة قالت في الإسلام بالوقف)(٦٩).
والجواب عنها:
أنَّ قضيَّة موته شهيداً في محراب الصلاة داخل مسجد الكوفة ممَّا لا يتطرَّق لها الشكُّ.
إذ لو وقع التشكيك في مثل هذه القضيَّة، فأيُّ القضايا تسلم؟
ولتطرُّق الشكِّ إلى رحيل النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن سبقه من الأنبياء (عليهم السلام).
على أنَّ جملة من الروايات دلَّت على شهادته ووقوعها(٧٠).
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (إنَّ العلم بموته - أمير المؤمنين (عليه السلام) - وقتله أظهر وأشهر من قتل كلِّ أحد وموت كلِّ إنسان...)(٧١).
٢ - الكيسانيَّة التي قالت بإمامة محمّد بن الحنفيَّة:
فإنَّ هؤلاء لم يعتقدوا بإمامة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وإنَّما قالوا بإمامة محمّد بن الحنفيَّة، وأنَّه هو المهدي، ويُعرَفون باسم الكيسانيَّة، واستدلَّ هؤلاء على إمامته أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أعطاه الراية يوم البصرة، وقال له: «أنت ابني حقًّا».
ولأجل هذا قال هؤلاء: إنَّ محمّد بن الحنفية هو المهدي، وإنَّه غائب في جبال رضوى، وبعضهم قال: إنَّ بعده عبد الله أبو هاشم، ثمّ ابن أخيه، ووقعت بينهم في هذا الأمر خلافات كثيرة(٧٢).
والجواب عنها:
١ - تقدَّم شرطيَّة العصمة في الإمام، ومن وقف على محمّد بن الحنفيَّة لم يدَّعِ عصمته، بل وإنْ ادَّعاها فلا ينفع إلَّا أنْ يُثبِتها بالقطع والعلم، وأنَّى لهم ذلك.
٢ - النصوص الدالَّة على الأئمَّة (عليهم السلام) وأنَّهم اثنا عشر إماماً ينفي إمامة ابن الحنفيَّة، إذ معه ومَنْ بعده ممَّن يعتقد بهم الكيسانيَّة لا ينطبق العدد عليهم.
٣ - إذا أثبتنا أنَّ المهدي (عجّل الله فرجه) من ولد الحسين (عليه السلام)، وهو ابن الحسن العسكري (عليه السلام) بالدليل القطعي كما تقدَّم في الدليل الثالث، فإنَّ هذا الادِّعاء يموت ويتلاشى.
٣ - ادِّعاء مهدويَّة الإمام الصادق (عليه السلام) كالناووسيَّة:
قال الشيخ النوبختي (رحمه الله): (لمَّا تُوفّي أبو عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) افترقت شيعته بعده ستُّ فِرَق...، ففرقة منها قالت: إنَّ جعفر بن محمّد حيٌّ لم يمت ولا يموت حتَّى يظهر ويلي أمر الناس وإنَّه هو المهدي...، وهذه الفرقة تسمَّى الناووسيَّة...، وفرقة زعمت أنَّ الإمام بعد جعفر بن محمّد ابنه إسماعيل ابن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه...، وزعموا أنَّ إسماعيل لا يموت حتَّى يملك الأرض...، وأنَّه هو القائم...، وفرقة ثالثة زعمت أنَّ الإمام بعد جعفر بن محمّد محمّد بن إسماعيل بن جعفر...، وأصحاب هذا القول يُسَمَّون المباركيَّة...، و[زعموا أنَّ] محمّد بن إسماعيل هو الإمام القائم المهدي...، وقالت الفرقة الرابعة...: إنَّ الإمام بعد جعفر بن محمّد ابنه محمّد بن جعفر...، وهذه الفرقة تسمَّى السمطيَّة...، والفرقة الخامسة قالت: الإمامة بعد جعفر في ابنه عبد الله بن جعفر الأفطح...، وهذه الفرقة... هي الفطحيَّة...، فمات عبد الله ولم يُخلِّف ذَكَراً، فرجع عامَّة الفطحيَّة عن القول بإمامته...، وقالت الفرقة السادسة منهم: إنَّ الإمام موسى بن جعفر)(٧٣).
والجواب عنها:
١ - أمَّا القائلون بحياة الإمام الصادق (عليه السلام) فيردُّهم اشتهار موته، قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) في الردِّ على الواقفة: (فقولهم باطل بما ظهر من موته (عليه السلام)، واشتهر واستفاض، كما اشتهر موت أبيه وجدِّه ومن تقدَّم من آبائه (عليهم السلام))(٧٤)، ومحلُّ الشاهد قوله: (كما اشتهر موت أبيه...).
وقال (رحمه الله): (أمَّا الناووسيَّة الذين وقفوا على أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) وقالوا: هو المهدي...، [يُعلَم] فساد قولهم بما علمناه من موته واشتهار الأمر فيه)(٧٥).
٢ - تقدَّم أنَّ الأدلَّة قامت على أنَّ الأئمَّة اثنا عشر (عليهم السلام)، والوقوف عليه ينافي هذه القطعيَّة.
٣ - ثبت في ما تقدَّم في الدليل الخامس وبعض إشارات الدليل الثالث أنَّ الأئمَّة يوصون الواحد إلى الآخر إلى الثاني عشر، فبما ثبت من صحَّة وصيَّته إلى من أوصى إليه - ابنه موسى (عليه السلام) - ينقطع قول الوقف عليه.
٤ - يبطل قولهم أيضاً بما قامت عليه الأدلَّة الصحيحة من ثبوت إمامة ابنه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)(٧٦).
٥ - أمَّا ما يخصُّ الفطحيَّة، فإنَّ موت عبد الله دون أنْ يُخلِّف ولداً ذَكَراً يقوم مقامه كافٍ في الحجَّة عليهم(٧٧).
٦ - أمَّا القائلون بإمامة محمّد بن جعفر (عليه السلام)، فحيث إنَّهم متَّفقون معنا أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) نصَّ على الحسن (عليه السلام)، ثمّ الحسين (عليه السلام)، ثمّ هو على عليٍّ (عليه السلام)، ثمّ محمّد (عليه السلام)، ثمّ جعفر (عليه السلام)، ودليلنا أنَّ جعفراً نصَّ على موسى (عليه السلام) بعينه دون غيره.
وهذا ما لم نجده في محمّد بن جعفر.
على أنَّ جملة الآثار وأهل العلم بالحلال والحرام قد نقلوا عن موسى بن جعفر (عليه السلام) علم الحلال والحرام ممَّا هو مدوَّن مشهور، وظهر من نقله في نفسه ما هو بيِّن عند الخاصِّ والعامِّ، وهذه هي أمارات الإمامة، فلمَّا وجدناها لموسى (عليه السلام) دون غيره علمنا أنَّه الإمام بعد أبيه (عليه السلام) دون أخيه(٧٨).
٧ - أمَّا القائلون بإمامة إسماعيل، فيقطع حجَّتهم أنَّ إسماعيل مات في حياة أبيه، والميِّت لا يكون خليفة الحيِّ، وإنُّما يكون الحيُّ خليفة الميِّت(٧٩).
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): (ونحن فلم نشاهد موت أحد من السلف، وإنَّما صحَّ موتهم عندنا بالخبر، فإنْ وقف واقف على بعضهم سألناه الفصل - الفرق - بينه وبين من وقف على سائرهم، وهذا ما لا حيلة لهم فيه)(٨٠)، وهو كلام متين، إذ لا دليل إلَّا الأخبار، ولا فرق بين من نقف عليه دون غيره إلَّا بها، فأين هي؟!
٨ - على أنَّ من يدَّعي حقَّانيَّة إسماعيل بالإمامة في زمان أبيه (عليه السلام) عليه أنْ يدَّعي عصمته، وهي لا دليل عليها.
هذا كلُّه فضلاً عمَّا هم يقولونه عن أنفسهم باختلاف فِرَقهم، فإنَّ تعداد أئمَّتهم حسب فِرَقهم من الفاطميَّة والنزاريَّة والمستعلية يفوق الـ(٥٠) إماماً بكثير، فمَنْ مِنْ هذه الكثرة هم الأئمَّة الاثنا عشر؟
إنَّ وضوح بطلان هذه الفِرَق وأشباهها ثابت بأحاديث صحَّت عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعجز عن تطبيقها هؤلاء ما عدى مذهب الإماميَّة الاثني عشريَّة، وهو المذهب الحقُّ والحقيق بالاتِّباع.

* * *
الدرس السادس: الواقفون على الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)

قال الشيخ النوبختي (رحمه الله): (ثمّ إنَّ جماعة المؤتمِّين بموسى بن جعفر لم يختلفوا في أمره، فثبتوا على إمامته إلى حبسه في المرَّة الثانية، ثمّ اختلفوا في أمره...، فصاروا خمس فِرَق...، أنَّ الإمام بعد موسى عليُّ بن موسى الرضا، فسُمّيت بالقطعيَّة، لأنَّها قطعت على وفاة موسى بن جعفر وعلى إمامة عليٍّ ابنه بعده ولم تشك في أمرها...، وقالت الفرقة الثانية: إنَّ موسى بن جعفر لم يمت وإنَّه حيٌّ...، وإنَّه القائم المهدي...، وإنَّه غاب عن الناس واختفى، ورووا في ذلك روايات عن أبيه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنَّه قال: هو القائم المهدي...، وقال بعضهم: إنَّه القائم، وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتَّى يرجع فيقوم ويظهر...، وقالت فرقة منهم: لا ندري أهو حيٌّ أم ميِّت؟...)(٨١).
والجواب عنها:
١ - أنَّ موت الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ظاهر مشتهر مستفيض كما اشتهر موت من تقدَّمه من آبائه (عليهم السلام).
٢ - أنَّ موته (عليه السلام) أشهر من موت من تقدَّمه من الأئمَّة (عليهم السلام)، لأنَّه عند موته حضر القضاة والشهود، ونودي عليه ببغداد على الجسر: (هذا الذي تزعم الرافضة أنَّه حيٌّ لا يموت(٨٢) مات حتف أنفه)، وما يجري هذا المجرى لا يمكن الخلاف فيه(٨٣).
وقد روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) في هذا الباب (٧) روايات تنصُّ على موته (عليه السلام)(٨٤).
منها: ما رواه يونس بن عبد الرحمن، قال: (حضر الحسين بن عليٍّ الرواسي جنازة أبي إبراهيم (عليه السلام)، فلمَّا وُضِعَ على شفير القبر، إذا رسول من سندي بن شاهك قد أتى أبا المضا خليفته - وكان مع الجنازة -: أنْ اكشف وجهه للناس قبل أنْ تدفنه حتَّى يروه صحيحاً لم يحدث به حدث. قال: وكشف عن وجه مولاي حتَّى رأيته وعرفته، ثمّ غُطِّي وجهه وأُدخل قبره (صلَّى الله عليه))(٨٥).
٣ - أنَّ موته (عليه السلام) لا يحتاج إلى ذكر الروايات، لأنَّ المخالف في ذلك يدفع الضرورات(٨٦).
٤ - أنَّه (عليه السلام) أوصى إلى ولده عليِّ بن موسى (عليه السلام)، وأسند إليه أمره بعد موته، والأخبار بذلك أكثر من أنْ تُحصى، ولو كان حيًّا باقياً لما احتاج إليه، وقد روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) في هذا الباب (١٧) خبراً في النصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)(٨٧).
منها: عن عبد الله المخزومي، قال: بعث إلينا أبو الحسن موسى (عليه السلام)، فجمعنا ثمّ قال: «أتدرون لِمَ جمعتكم؟» فقلنا: لا، قال: «اشهدوا أنَّ ابني هذا وصيِّي والقيِّم بأمري وخليفتي من بعدي، من كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا، ومن كانت له عندي عدة فليتنجَّزها منه، ومن لم يكن له بدٌّ من لقائي فلا يلقني إلَّا بكتابه»(٨٨).
ثمّ قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (والأخبار في هذا المعنى أكثر من أنْ تُحصى، وهي موجودة في كُتُب الإماميَّة، معروفة ومشهورة من أرادها وقف عليها من هناك)(٨٩).
إنْ قيل: كيف تُعوِّلون على هذه الأخبار وتدَّعون العلم بموته والواقفة تروي أخباراً كثيرة تتضمَّن أنَّه لم يمت، وأنَّه القائم المشار إليه؟
قلنا:
١ - أنَّ إيراد هذه الأخبار ليس لإثبات موته، لأنَّ العلم بموته حاصل لا شكَّ فيه كالعلم بموت آبائه (عليهم السلام)، والمشكِّك بموته مشكِّك بموتهم، بل وموت كلِّ من علمنا بموته، وإنَّما إيراد الأخبار لتأكيد هذا العلم.
٢ - أمَّا ما ترويه الواقفة فهي بين:
أ - أخبار آحاد لا حجّيَّة لها.
ب - رواتها مطعون عليهم لا يُوثَق بقولهم.
ج - متأوَّلة، حيث أورد الشيخ الطوسي (رحمه الله) جملة رواياتهم المودعة في كتاب (نصرة الواقفة) لمحمّد عليِّ بن أحمد العلوي وردَّها واحدة واحدة(٩٠).
٣ - على أنَّ الخبير المتابع يجد أنَّ السبب وراء وقف هؤلاء هو الطمع في الدنيا، حيث روى الثقات أنَّ أوَّل من أظهر هذا الاعتقاد عليُّ بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسى الرواسي، طمعوا في الدنيا ومالوا إلى حطامها واستمالوا قوماً فبذلوا لهم شيئاً ممَّا اقتاتوه من الأموال، حيث روى عليُّ بن حبشي بن قوني، عن الحسين بن أحمد بن الحسن بن عليِّ بن فضَّال، قال: (كنت أرى عند عمِّي عليِّ بن الحسن بن فضَّال شيخاً من أهل بغداد، وكان يهازل عمِّي، فقال له يوماً: ليس في الدنيا شرٌّ منكم يا معشر الشيعة - أو قال: الرافضة -، فقال له عمِّي: ولِمَ لعنك الله؟ قال: إنَّ زوج بنت أحمد بن أبي بشر السرَّاج قال لي لمَّا حضرته الوفاة: إنَّه كان عندي عشرة آلاف دينار وديعة لموسى ابن جعفر (عليه السلام)، فدفعت ابنه عنها بعد موته، وشهدت أنَّه لم يمت، فالله الله خلِّصوني من النار وسلِّموها إلى الرضا (عليه السلام). فوَالله ما أخرجنا حبَّة، ولقد تركناه يصلى [بها] في نار جهنَّم)(٩١).
فإذا كان أصل هذا المذهب أمثال هؤلاء، فكيف يُوثَق برواياتهم ويُعوَّل عليها ما بلغت؟
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (والطعون على هذه الطائفة أكثر من أنْ تُحصى لا نُطوِّل بذكرها الكتاب، فكيف يُوثَق بروايات هؤلاء القوم وهذه أحوالهم وأقوال السلف الصالح فيهم؟ ولولا معاندة من تعلَّق بهذه الأخبار التي ذكروها لما كان ينبغي أنْ يُصغى إلى من يذكرها، لأنَّا قد بيَّنَّا من النصوص على الرضا (عليه السلام) ما فيه الكفاية، ويُبطِل قولهم. ويُبطِل ذلك أيضاً ما ظهر من المعجزات على يد الرضا (عليه السلام) الدالَّة على صحَّة إمامته، وهي مذكورة في الكُتُب)(٩٢).
ثمّ ذكر الشيخ (رحمه الله) (٨) روايات تتحدَّث عن بعض معاجز الإمام الرضا (عليه السلام).

* * *
الدرس السابع: القائلون بإمامة محمّد بن عليٍّ الهادي (عليه السلام) المسمَّون بالمحمّديَّة

قال الشيخ النوبختي (رحمه الله): (فلمَّا تُوفّي عليُّ [الهادي] بن محمّد بن عليِّ بن موسى الرضا (صلوات الله عليهم) قالت فرقة من أصحابه بإمامة ابنه (محمّد) [سبع الدجيل] وقد كان تُوفّي في حياة أبيه بسُرَّ من رأى، وزعموا أنَّه حيٌّ لم يمت...، وهو القائم المهدي)(٩٣).
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (وأمَّا من خالف من الفِرَق الباقية الذين قالوا بإمامة غيره كالمحمّديَّة الذين قالوا بإمامة محمّد بن عليِّ بن محمّد بن عليٍّ الرضا (عليهم السلام)...)(٩٤).
قال الشريف المرتضى علم الهدى (رحمه الله): (وقالت فرقة أُخرى: إنَّ الإمام محمّد بن عليٍّ أخو الحسن بن عليٍّ (عليه السلام)، ورجعوا عن إمامة الحسن (عليه السلام)، وادَّعوا حياة محمّد بعد أنْ كانوا يُنكِرون ذلك)(٩٥).
والجواب عنها:
١ - أنَّ هؤلاء انقرضوا ولم يبقَ قائل منهم يقول بمثل هذه المقالات، ولو كان حقًّا لما انقرض.
قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (وليس من هؤلاء الفِرَق التي ذكرناها فِرقة موجودة في زماننا هذا، وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلَّا الإماميَّة الاثنا عشريَّة القائلة بإمامة ابن الحسن...)(٩٦)، وسيأتي نقل تمام عبارته فيما يأتي.
٢ - أنَّ محمّد بن عليٍّ العسكري (عليه السلام) مات في حياة أبيه موتاً ظاهراً، والأخبار في ذلك ظاهرة معروفة، فمن دفع موته كان كمن دفع موت من تقدَّمه من آبائه (عليهم السلام).
روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن محمّد بن أبي الصهبان القمّي الثقة بواسطة واحدة أنَّه قال: لمَّا مات أبو جعفر محمّد بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى (عليهم السلام) وُضِعَ لأبي الحسن عليِّ بن محمّد (عليهما السلام) كرسي فجلس عليه، وكان أبو محمّد الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) قائماً في ناحية، فلمَّا فُرِغَ من غُسل (أبي جعفر) التفت أبو الحسن إلى أبي محمّد (عليهما السلام) فقال: «يا بُنَيَّ، أَحدِث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً»(٩٧).
وقد ذكر الشيخ الطوسي (رحمه الله) عدَّة روايات في موت محمّد في حياة أبيه(٩٨)، منها التي نقلناها آنفاً.
٣ - أنَّ هذا القول باطل، لما دلَّنا على إمامة أخيه الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، وتقدَّم بعضها، ومنها ما عن عليِّ بن عمر النوفلي، قال: كنت مع أبي الحسن العسكري (عليه السلام) في داره فمرَّ عليه أبو جعفر، فقلت له: هذا صاحبنا؟ فقال: «لا، صاحبكم الحسن»(٩٩).
وقد ذكر شيخ الطائفة (رحمه الله) عدَّة من الروايات تدلُّ على ذلك(١٠٠).
٤ - المعجزات الدالَّة على إمامة الحسن بن عليٍّ العسكري (عليه السلام)، والتي أكثر من أنْ تُحصى، إذ تدلُّ على بطلان مدَّعى أنْ الإمامة في أخيه محمّد كما هو ظاهر.
وقد ذكر الشيخ الطوسي (رحمه الله) (٩) منها، ثمّ علَّق قائلاً: (فهذه بعض دلائله، ولو استوفيناها لطال به الكتاب، وكان مع إمامته من أكرم الناس وأجودهم)(١٠١).
هذه أبرز الفِرَق التي ادَّعت الوقف قبل شهادة الإمام العسكري (عليه السلام)، وهناك فِرَق أُخرى قالت بالوقف لم نتعرَّض لها بعد أنْ تعرَّضنا لأهمّها وأبطلنا أدلَّتهم.
وقد تبيَّن إلى الآن أنَّ إمامة الإمام العسكري (عليه السلام) - وهو الحادي عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) - ممَّا لا شكَّ فيها ولا شبهة تعتريها.
ويقع الكلام بعد ذلك في الجهة الثانية:
الجهة الثانية: ما حصل بعد شهادة الإمام العسكري (عليه السلام) (١٠٢):
قال الشيخ النوبختي (رحمه الله): (وتُوفّي - أي الحسن بن عليٍّ العسكري (عليهما السلام) - ...، فافترق أصحابه بعده)(١٠٣).
وهم كالتالي - حسب السيِّد المرتضى (رحمه الله) في كتاب (الفصول المختارة)(١٠٤) -:
الفرقة الأُولى قالت: إنَّ الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) حيٌّ لم يمت، وإنَّما غاب، وهو القائم، ولا يجوز أنْ يموت وليس له ولد ظاهر، لأنَّ الأرض لا تخلو من إمام، والرواية قائمة أنَّ للقائم غيبتين، فهذه الغيبة إحداهما، وسيظهر ويُعرَف ثمّ يغيب غيبة أُخرى، وقالوا فيه ببعض مقالة الواقفة على موسى بن جعفر... إلى آخره.
قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (وليس من هؤلاء الفِرَق التي ذكرناها - أي الفِرَق المتقدِّمة - فرقة موجودة في زماننا هذا وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلَّا الإماميَّة الاثنا عشريَّة القائلة بإمامة ابن الحسن المسمَّى باسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) القاطعة على حياته...، ومن سواهم منقرضون لا يعلم أحد من جملة الأربع عشرة فرقة التي قدَّمنا ذكرها ظاهراً بمقالة ولا موجوداً على هذا الوصف من ديانته، وإنَّما الحاصل منهم حكاية عمَّن سلف وأراجيف بوجود قوم منهم لا تثبت) انتهى كلامه.
ويتركَّب من مقدِّمتين:
١ - أنَّ هذه الفِرَق بأجمعها قد انقرضت سوى الإماميَّة الاثني عشريَّة أعزَّهم الله تعالى.
٢ - لو كان الحقُّ مع واحدة من هذه الفِرَق لما قُدِّر لها الانقراض، لأنَّ بانقراضها ينقرض الحقُّ.
النتيجة: أنَّ انقراضهم - سوى الإماميَّة الاثني عشريَّة - دليل بطلان دعواهم.
ردُّ مقالة الفرقة الأولى:
١ - أنَّه تقدَّم مفصَّلاً الردُّ على من ادَّعى حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) وغيره من الأئمَّة (عليهم السلام)، بل غيرهم كمحمّد بن الحنفيَّة، وأنَّ الشكَّ في موت هؤلاء يُفضي إلى الشكِّ في موت كلِّ أحد سمعنا بموته، وهو ممَّا لا يمكن القول به، لخلافه للضرورات.
٢ - لو قلنا بإمكان القول به وعدم وجود مانع منه فلا بدَّ من وجود فارق مدلول عليه بين موت من تقدَّمه وموته (عليه السلام)، ومن يدَّعي بقاءه، هو من عليه بيان الفاصل والفارق بين الاثنين.
٣ - رُويت عدَّة من الأخبار أنَّ أبا محمّد الحسن (عليه السلام) قد صحَّت وفاته، ومنها ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسند صحيح عن سعد بن عبد الله: (حدَّثنا من حضر موت الحسن بن عليِّ بن محمّد العسكري (عليهم السلام) ودفنه ممَّن لا يوقف على إحصاء عددهم ولا يجوز على مثلهم التواطؤ بالكذب...) إلى آخر الخبر(١٠٥).

* * *
الدرس الثامن: مقالة سائر الفِرَق

مقالة الفرقة الثانية:
القائلة: (إنَّ [الإمام] الحسن بن عليٍّ [(عليه السلام)] مات وعاش بعد موته، وهو القائم المهدي، لأنَّا روينا أنَّ معنى القائم هو أنْ يقوم من بعد الموت، ويقوم ولا ولد له، ولو كان له ولد لصحَّ موته)(١٠٦).
والجواب عنها:
ما دلَّ على أنَّ الزمان لا يخلو من حجَّة ولو لحظة(١٠٧).
وتقريبه:
أ - أنَّ موته وعدم وجود حجَّة يخلفه حاضراً أم غائباً يستدعي خلو الأرض.
ب - لا يفرق بين خلو الأرض لحظة أم دهراً، لأنَّ المناط فيها واحد، والأدلَّة الدالَّة على ضرورة عدم الخلو مطلقة.
إنْ قيل: إنَّ الزمان السابق قد قيل فيه بالخلو، وبالتالي فهناك فترة.
قلنا: لا نُسلِّم وقوع الخلو حتَّى في الزمان السابق، بل إنَّ الآثار دلَّت على ضرورة الوجود وإنْ لم يُعرَف.
إنْ قيل: إنَّ الأدلَّة دلَّت على أنَّه يقوم بعد موته(١٠٨).
قلنا:
١ - قد دلَّت الأدلَّة على موت الإمام العسكري (عليه السلام) تواتراً، ورجوعه يحتاج إلى دليل يناسب حجم ما دلَّ على موته (عليه السلام)، وهو مفقود، بل لازمه فاسد، إذ لو جاز فيه (عليه السلام) لجاز فيمن تقدَّمه من آبائه (عليهم السلام) ممَّن ادُّعي فيهم ذلك، وهو باطل بما تقدَّم.
٢ - على أنَّ هذا يلزم الفساد بخلو الزمان.
٣ - على أنَّ هذا الحديث مؤوَّل بالقيام للثاني عشر (عجّل الله فرجه) بعد موت ذكره(١٠٩)، بل هو صريح رواية الشيخ الصدوق (رحمه الله) التي نقلناها في الهامش، إذ جاء فيها: «لأنَّه يقوم بعد موت ذكره»، فهي فسَّرت الموت بموت الذكر لا الموت حتف الأنف.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): (ثمّ ادَّعت الواقفة على الحسن بن عليِّ بن محمّد (عليهم السلام) أنَّ الغيبة وقعت به لصحة أمر الغيبة عندهم وجهلهم بموضعها، وأنَّه القائم المهدي، فلمَّا صحَّت وفاته (عليه السلام) بطل قولهم فيه، وثبت بالأخبار الصحيحة التي قد ذكرناها في هذا الكتاب أنَّ الغيبة واقعة بابنه (عليه السلام) دونه)(١١٠) انتهى كلامه.
وظاهر كلامه أنَّ أدلَّة الغيبة لمَّا كانت - بعد صحَّتها - ثابتة للإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، كانت دليلاً على موت من تقدَّمه (عجّل الله فرجه)، لانحصار الغيبة بواحد، بمقتضى الأخبار، والتي سوف يأتي الحديث عنها مفصَّلاً في الفصل الثالث من هذه الدروس.
مقالة الفرقة الثالثة:
القائلة: (إنَّ [الإمام] الحسن بن عليٍّ [(عليه السلام)] تُوفّي، والإمام بعده أخوه جعفر، وإليه أوصى الحسن)(١١١):
والردُّ عليهم من وجوه:
١ - تقدَّم أنَّ في الإمامة تُشتَرط العصمة، ولم يثبت بدليل أنَّ جعفر من المعصومين، بل ثبت عدمها، والشرط عدم عند عدم شرطه.
٢ - أنَّ دليل الانقراض المتقدِّم يشمل المقام.
٣ - وممَّا يُبطِل إمامة جعفر أدلَّة إمامة أخيه الحسن (عليه السلام)، وقد تقدَّمت.
إنْ قيل: إنَّ الحسن (عليه السلام) مات ولم يُعقِّب، وحيث إنَّ الأئمَّة اثنا عشر فصار من اللَّابدِّ أنْ يكون جعفر إماماً.
قلنا:
١ - ستأتي في الفصل الثاني الأدلَّة القاطعة على ولادة ولد للحسن (عليه السلام).
٢ - لم يثبت بدليل أنَّ جعفراً إمام بعينه.
٣ - أنَّ الإمامة لا تعود في أخوين سوى الحسن والحسين (عليهما السلام) ممَّا هو من ضرورات مذهب الإماميَّة الاثني عشريَّة.
٤ - قد دلَّت الأدلَّة أنَّ الإمام لا يتبرَّأ من الإمام(١١٢)، والإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عند هؤلاء إمام، وحيث ثبت أنَّ جعفراً قد تبرَّأ من الإمام الحسن (عليه السلام)، والإمام لا يتبرَّأ من الإمام، فلا يكون جعفر إماماً، لتبرُّئه من الإمام.
٥ – ومن الدليل على فساد أمره استعانته بمن استعان في طلب الميراث من أُمِّ الحسن (عليه السلام)، وقد أجمعت الشيعة أنَّ الأخ لا يرث مع الأُمِّ(١١٣).
وبالجملة أدلَّة بطلان دعوى جعفر كثيرة يمكن مراجعتها في محلِّها ممَّا أشرنا إليه من مصادر متقدِّمة.
إنْ قيل: الإمامة له من أخيه (محمّد) بدلاً من أخيه الحسن (عليه السلام)(١١٤).
قلنا: متى كانت لمحمّد ابن الإمام الهادي (عليه السلام) إمامة - وهو الذي مات في زمن إمامة أبيه الهادي (عليه السلام) - حتَّى تكون منه لأخيه جعفر إمامة؟!
مقالة الفرقة القائلة:
إنَّ للحسن (عليه السلام) ولد، لكنَّه وُلِدَ بعد وفاته بثمانية أشهر(١١٥).
والجواب عنها:
١ - أنَّه يلزم خلو الزمان من إمام هذه المدَّة، وهو قبيح، بل مستحيل، على ما تقدَّم في أدلَّة لزوم الإمامة.
٢ - أنَّه لا دليل على دعواهم هذه من نصٍّ، فلم يبقَ إلَّا أنْ يكون التخرُّص والظنُّ دليلاً عليها، وهو لا يُغني من الحقِّ شيئاً.
٣ - ما يأتي من أدلَّة ولادته في حياة أبيه (عليهما السلام).
٤ - دلَّت النصوص على أنَّ الإمام (عليه السلام) لا يموت إلَّا بعد أنْ يرى ابنه، ومنها ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في (الغيبة) عن عقبة بن جعفر، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): قد بلغت ما بلغت وليس لك ولد، فقال: «يا عقبة بن جعفر، إنَّ صاحب هذا الأمر لا يموت حتَّى يرى ولده من بعده»(١١٦).
وفي خبر آخر في نفس المصدر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «يا أبا حمزة، إنَّ الأرض لن تخلو إلَّا وفيها عالم منَّا، فإنْ زاد الناس قال: قد زادوا، وإنْ نقصوا قال: قد نقصوا، ولن يُخرج الله ذلك العالم حتَّى يرى في ولده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله»(١١٧).
والنصَّان الشريفان دالَّان بالخصوص على رؤية كلِّ إمامٍ الإمام الذي بعده دون فاصل زمني.
أمَّا الفِرَق الأُخرى المذكورة في كلام السيِّد المرتضى والنوبختي (رحمهما الله) فيتَّضح بطلانها ممَّا تقدَّم.
وببطلان هذه الفِرَق كلِّها، لم يبقَ إلَّا الفرقة الإماميَّة الاثنا عشريَّة (أعزَّهم الله تعالى) القائلة بإمامة الحجَّة بن الحسن (عجّل الله فرجه) وولادته وغيبته، والثابتة على ذلك.

* * *
الفصل الثاني: ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

وفيه قسمان:
القسم الأوَّل: ونبحث فيه أدلَّة الولادة.
القسم الثاني: الشُّبُهات حول الولادة وردُّها.
قائمة بالمصادر التي ينبغي مراجعتها في هذا الفصل لمزيد من التوسعة:
١ - الغيبة/ الشيخ الطوسي (رحمه الله)/ الفصل الثاني.
٢ - كمال الدِّين وتمام النعمة/ الشيخ الصدوق (رحمه الله)/ الباب ٤٢ و٤٣.
٣ - الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في مصادر علماء الشيعة/ إعداد مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)/ الجزء الأوَّل من (ص ٣٨٧ - ٣٩٩).
٤ - الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بين التواتر وحساب الاحتمال/ الشيخ الإيرواني.
٥ - متاهات في مدينة الضباب/ مجموعة من المؤلِّفين/ منشورات مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)/ ما بعد (ص ١٢٣).

* * *
الدرس التاسع: مقدّمات مرتبطة بالولادة

١ - أنَّ الإيمان بالإمام مرتبط بالإيمان بالله تعالى.
٢ - ضرورة وجود الحجَّة مع الخلق دائماً.
٣ - لأجل الإمامة لا بدَّ من العصمة، ولا يعرفها إلَّا الله تعالى، فهو من يُعيِّن الإمام.
٤ - دلَّت الأدلَّة على حصر الأئمَّة باثني عشر إماماً، ممَّا يقتضي بطلان الوقف على بعضهم، مضافاً لأدلَّة متعدِّدة ذُكِرَت في إبطاله.
٥ - تقدَّم ذكر أربعة أدلَّة مفصَّلة على إمامة الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه)، فننتهي إلى ضرورة وجود الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه).
وقبل الدخول في أدلَّة ولادة الإمام (عجّل الله فرجه) نلاحظ عدَّة مقدّمات:
المقدّمة الأولى: ذكر جملة من كلمات علمائنا الأقدمين في ولادته (عجّل الله فرجه):
ومنهم:
١ - قول سعد بن عبد الله الأشعري القمّي (رحمه الله) في (المقالات والفِرَق): (... فنحن متمسِّكون بإمامة الحسن بن عليٍّ، مقرُّون بوفاته، موقنون مؤمنون بأنَّ له خلفاً من صلبه، متديِّنون بذلك، وأنَّه الإمام من بعد أبيه الحسن بن عليٍّ، وأنَّه في هذه الحالة مستتر خائف مغمور مأمور بذلك...، وبذلك جاءت الأخبار الصحيحة المشهورة عن الأئمَّة...، فهذه سبيل الإمامة، وهذا المنهاج الواضح، والغرض الواجب اللازم الذي لم يزل عليه الإجماع من الشيعة الإماميَّة المهتدية (رحمة الله عليها))(١١٨).
٢ - قول الشيخ الكليني (رحمه الله): (باب مولد الصاحب (عليه السلام): وُلِدَ (عليه السلام) للنصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين)(١١٩).
٣ - قول الشيخ النعماني (رحمه الله): (أَليس في هذه الأحاديث [ويقصد بالأحاديث ما تقدَّم منه] - يا معشر الشيعة - ممَّن وهب الله تعالى له التمييز وشافي التأمُّل والتدبُّر لكلام الأئمَّة (عليهم السلام) بيان ظاهر ونور زاهر؟ هل يوجد أحد من الأئمَّة الماضين (عليهم السلام) يُشَكُّ في ولادته، واختُلِفَ في عدمه ووجوده، ودانت طائفة من الأُمَّة به في غيبته، ووقعت الفتن في الدِّين في أيَّامه، وتحيَّر من تحيَّر في أمره...، إلَّا هذا الإمام (عليه السلام) الذي جعل كمال الدِّين به وعلى يديه...، وأنَّ أرضه لا تخلو منه وإنْ غاب شخصه...)(١٢٠).
٤ - قول الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (الاعتقادات): (واعتقادنا أنَّ حُجَج الله تعالى على خلقه بعد نبيِّه محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأئمَّة الاثنا عشر: أوَّلهم أمير المؤمنين عليُّ ابن أبي طالب...، ثمّ محمّد بن الحسن الحجَّة القائم صاحب الزمان خليفة الله في أرضه (صلوات الله عليهم أجمعين)، واعتقادنا فيهم أنَّهم أُولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وأنَّهم الشهداء على الناس...، وأنَّهم معصومون من الخطأ والزلل...، وأنَّ أمرهم أمر الله تعالى ونهيهم نهي الله تعالى...، ونعتقد أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله على خلقه، إمَّا ظاهر مشهور أو خائف مغمور...، ونعتقد أنَّ حجة الله في أرضه، وخليفته على عباده في زماننا هذا، هو القائم المنتظر محمّد ابن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، وأنَّه هو الذي أخبر به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الله (عزَّ وجلَّ) باسمه ونسبه...)(١٢١).
وقال (رحمه الله) في (كمال الدِّين): (وكذلك سبيل صاحب زماننا (عليه السلام) حفظ أولياؤه المؤمنون من أهل المعرفة والعلم وقته وزمانه، وعرفوا علاماته وشواهد أيَّامه وكونه ووقت ولادته ونسبه، فهم على يقين من أمره في حين غيبته ومشهده...)(١٢٢).
وقال في موضع آخر: (باب ما روي في ميلاد القائم صاحب الزمان حجَّة الله ابن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم))(١٢٣)، وروى فيه (١٦) حديثاً.
٥ - قول الشيخ المفيد (رحمه الله) في (النكت الاعتقاديَّة): (فإنْ قيل: مَنْ الإمام بعد عليٍّ (عليه السلام)؟ فالجواب: ولده الحسن...، ثمّ الخلف القائم المهدي (صلوات الله عليهم أجمعين)، فإنْ قيل: ما الدليل على إمامة كلِّ واحد من هؤلاء المذكورين؟ فالجواب: الدليل على ذلك أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصَّ عليهم نصًّا متواتراً بالخلافة...، فإنْ قيل: مَنْ إمام هذا الزمان؟ فالجواب: القائم المنتظر المهدي محمّد بن الحسن العسكري (صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين)، فإنْ قيل: هو موجود أم سيوجد؟ فالجواب: هو موجود من زمان أبيه الحسن العسكري (عليه السلام) لكنَّه مستتر إلى أنْ يأذن الله تعالى له بالخروج...، فإنْ قيل: ما الدليل على وجوده؟ فالجواب: الدليل على ذلك أنَّ كلَّ زمان لا بدَّ فيه من إمام معصوم وإلَّا لخلا الزمان من إمام معصوم، مع أنَّه لطف، واللطف واجب على الله تعالى في كلِّ زمان...)(١٢٤).
٦ - قول الشيخ الطوسي (رحمه الله) في (الغيبة): (والخبر بولادة ابن الحسن (عليه السلام) وارد من جهات أكثر ممَّا يثبت به الأنساب في الشرع)(١٢٥).
وقال (رحمه الله) في الفصل الثاني: (الكلام في ولادة صاحب الزمان وصحَّتها، فأشياء اعتباريَّة وأشياء إخباريَّة...)(١٢٦)، ثمّ ذكر ذلك مفصَّلاً.
المقدّمة الثانية: خفاء الولادة:
إذا تابعنا الروايات نلاحظ أنَّ جملة منها تحدَّثت عن تلك الظروف التي تقتضي إخفاء ولادة الإمام (عجّل الله فرجه):
١ - عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أنْ يقوم» قال: قلت: ولِمَ؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -»، ثمّ قال: «يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يُشَكُّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: وُلِدَ قبل موت أبيه بسنتين»(١٢٧).
٢ - عن أيُّوب بن نوح، قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنَّا لنرجو أنْ تكون صاحب هذا الأمر، وأنْ يردَّه الله (عزَّ وجلَّ) إليك من غير سيف، فقد بويع لك، وضُرِبَت الدراهم باسمك، فقال (عليه السلام): «ما منَّا أحد اختلفت إليه الكُتُب وسُئِلَ عن المسائل وأشارت إليه الأصابع وحُمِلَت إليه الأموال إلَّا اغتيل أو مات على فراشه حتَّى يبعث الله (عزَّ وجلَّ) لهذا الأمر رجلاً خفيَّ المولد والمنشأ غير خفيٍّ في نسبه»(١٢٨)، والحديث يُشكِّل بحدِّ ذاته دلالة واضحة وقرينة قويَّة على أجواء الولادة المهدويَّة.
٣ - ما روي عن الباقر (عليه السلام) أنَّ الشيعة قالت له يوماً: أنت صاحبنا الذي يقوم بالسيف؟ قال: «لست بصاحبكم، انظروا من خفيت ولادته، فيقول قوم: وُلِدَ، ويقول قوم: ما وُلِدَ، فهو صاحبكم»(١٢٩).
٤ - عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ للقائم (عليه السلام) غيبة، ويجحده أهله» قلت: ولِمَ ذلك؟ قال: «يخاف - وأومى بيده إلى بطنه -»(١٣٠).
٥ - عن محمّد بن أبي يعقوب البلخي، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: «إنَّكم ستبتلون بما هو أشدّ وأكبر، تبتلون بالجنين في بطن أُمِّه، والرضيع حتَّى يقال: غاب ومات، ويقولون: لا إمام...»(١٣١).
٦ - عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: «لا تزالون تمدُّون أعناقكم إلى الرجل منَّا تقولون: هو هذا، فيُذهِب الله به حتَّى يبعث الله لهذا الأمر من لا تدرون وُلِدَ أم لم يُولَد، خُلِقَ أم لم يُخلَق»(١٣٢).
ودلالة الأحاديث واضحة على خفاء الولادة في زمان حصولها لشدَّة البلاء.
يتبيَّن أنَّ الظروف التي حصلت فيها ولادة الإمام (عجّل الله فرجه) كانت تستدعي إخفاء الولادة.

* * *
الدرس العاشر: أدلَّة الولادة

الدليل الأوَّل على الولادة: الدليل الكلامي:
تقريب الدليل:
١ - تقرَّر فيما تقدَّم أنَّ هداية الناس متوقِّفة على شخص معصوم في كلِّ زمان بمقتضى اللطف الإلهي.
وهذه الهداية لازمة وإنْ لم نطَّلع على كيفيَّة حصولها فينا.
٢ - وقد انقضى ممَّن هذا شأنهم في الأُمَّة أحد عشر إماماً، وأنَّ الأدلَّة دلَّت على أنَّهم اثنا عشر إماماً لا يزيدون ولا ينقصون، وقد تقدَّم شطر من هذه الأدلَّة في الدرس الأوَّل تحديداً، وفي ثنايا بعض الدروس اللَّاحقة.
فلزم من ذلك أنْ نعتقد بإمامة الثاني عشر منهم (عليهم السلام) وإنْ لم يدلّنا على ولادته دليل خاصٌّ.
قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (فمن الدلائل على ذلك ما يقتضيه العقل بالاستدلال الصحيح من وجود إمام معصوم كامل غني عن رعاياه في الأحكام والعلوم في كلِّ زمان، لاستحالة خلو المكلَّفين من سلطان يكونون بوجوده أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد...، ووجوب النصِّ على من هذا سبيله من الأنام أو ظهور المعجزة عليه، لتميُّزه ممَّن سواه، وعدم هذه الصفات من كلِّ أحدٍ سوى من أثبت إمامته أصحاب الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) وهو ابنه المهدي، على ما بيَّنَّاه، وهذا أصل لن يحتاج معه في الإمامة إلى رواية النصوص وتعداد ما جاء فيها من الأخبار، لقيامه بنفسه في قضيَّة العقول، وصحَّته بثابت الاستدلال)(١٣٣).
وقال (رحمه الله) في (النكت الاعتقاديَّة): (فإنْ قيل: ما الدليل على وجوده؟ فالجواب: الدليل على ذلك أنَّ كلَّ زمان لا بدَّ فيه من إمام معصوم وإلَّا لخلا الزمان من إمام معصوم، مع أنَّه لطف، واللطف واجب على الله تعالى في كلِّ زمان)(١٣٤).
والوجه الذي ذكره في (الإرشاد) أكثر تفصيلاً، حيث تطرَّق إلى تشخيصه (عجّل الله فرجه) من قِبَل إجماع الأصحاب على شخصه بعد شهادة أبيه (عليه السلام)، ولم يذكر ذلك هنا، وفيما عدى هذا فالدليلان من وادٍ واحدٍ، فحدُّهما الأوسط هو اللطف الذي صرَّح به هنا، وعبَّر عنه هناك بـ(لاستحالة خلو المكلَّفين من سلطان يكونون بوجوده أقرب).
إلَّا أنْ يقال: إنَّه يريد بالأوَّل - ما في الإرشاد - هو الاستدلال بسيرة العقلاء على تنصيب السلطان ولا مدخليَّة للطف فيه، وأمَّا هنا فهو دليل عقلي بملاك اللطف، ولعلَّه الأقرب، فيكونان دليلين حدُّ أحدهما عمل العقلاء والآخر العقل.
قال السيِّد المرتضى (رحمه الله): (إنَّ العقل يقتضي بوجوب الرئاسة في كلِّ زمان، وأنَّ الرئيس لا بدَّ من كونه معصوماً مأموناً...، وإذا ثبت هذان الأصلان لم يبقَ إلَّا إمامة من نشير إلى إمامته...، فلا بدَّ من القول بأنَّه صاحب الزمان بعينه...، وإذا علمنا بالسياقة التي ساق الأصلان إليها أنَّ الإمام هو ابن الحسن (عليه السلام) دون غيره...)(١٣٥).
وقد أشار إلى أنَّ ملاك وجوب الرئيس هو (أنَّ الناس عند الإهمال وفقد الرؤساء يبالغون في القبيح، وتفسد أموالهم، ويختلُّ نظامهم، والأمر في ذلك أظهر من أنْ يحتاج إلى دليل، والإشارة إليه كافية)(١٣٦).
ويظهر منه أنَّ الحدَّ الأوسط هو البديهة التي تقتضي حفظ النظام، في سياق كلام آخر له في نفس الصفحة أنَّه يشير إلى دليل اللطف العقلي حيث قال: (إنَّ الإمامة لطف).
قال المحقِّق الحلِّي (رحمه الله): (أمَّا تصحيح ولادته، فقد بيَّنَّا أنَّه يكفي فيه قيام الدلالة العقليَّة أنَّ الزمان لا يخلو من إمامٍ معصوم، ونحن نعلم أنَّ كلَّ من قال بذلك قال بإمامة المشار إليه، وهذا دليل على وجوده، وبذلك يتضمَّن تصحيح ولادته، ويُغني عن الإشارة إلى من شاهده...)(١٣٧).
قال الشيخ المقداد السيوري (رحمه الله): (... ووجوب القطع بوجوده...، ولوجوب نصب الرئيس في كلِّ زمان، ووجوب عصمته)(١٣٨).

* * *
الدرس الحادي عشر: أدلَّة الولادة

الدليل الثاني على الولادة: دليل العدد:
تقريب الدليل:
دلَّت العديد من الروايات على أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) هو أحد الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، ولهذه الدلالة أنحاء مختلفة، منها دلالتها عليه بالكناية عنه، بل والتصريح أنَّه يحمل رقماً وعدداً محدَّداً من الأئمَّة (عليهم السلام) وحسب اختلاف الإمام (عليه السلام)، فتارةً هو الثاني عشر منهم، وتارةً هو التاسع من ولد الحسين (عليه السلام)، وتارةً هو السادس من ولد الصادق (عليه السلام)، وهكذا.
ودلالة هذه الأحاديث الشريفة على ولادته ممَّا هو ظاهر جليٌّ.
منها: أنَّه (عجّل الله فرجه) التاسع من وُلد الحسين (عليه السلام).
ومن نصوصها ما رواه الخزَّاز القمّي (رحمه الله) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... وهو التاسع من صلب الحسين»(١٣٩).
ومنها: أنَّه (عجّل الله فرجه) السابع من وُلد الباقر (عليه السلام).
وممَّا ورد من نصوص هذه الطائفة ما رواه الشيخ النعماني (رحمه الله) عن أبي حمزة الثمالي، قال: كنت عند أبي جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليه السلام) ذات يوم، فلمَّا تفرَّق من كان عنده قال لي: «يا أبا حمزة، من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله قيام قائمنا، فمن شكَّ فيما أقول لقي الله سبحانه وهو به كافر وله جاحد»، ثمّ قال: «بأبي وأُمِّي المسمَّى باسمي، والمكنَّى بكنيتي، السابع من بعدي، بأبي من يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً...»(١٤٠).
ومنها: أنَّه (عجّل الله فرجه) السادس من وُلد الصادق (عليه السلام).
ومن نصوص هذه الطائفة ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن السيِّد الحميري عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل جاء فيه: «إنَّ الغيبة ستقع بالسادس من وُلدي...»(١٤١).
ومنها: أنَّه (عجّل الله فرجه) الخامس من وُلد السابع موسى بن جعفر (عليه السلام).
من نصوص هذه الطائفة ما رواه شيخ الإسلام الكليني (رحمه الله) عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «إذا فُقِدَ الخامس من وُلد السابع فالله الله في أديانكم...»(١٤٢).
ومنها: أنَّه (عجّل الله فرجه) الرابع من وُلد الإمام أبي الحسن عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام).
وممَّا ورد من نصوص هذه الطائفة ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن الريَّان بن الصلت: قلت للرضا (عليه السلام): أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: «... ذاك الرابع من وُلدي، يُغيِّبه الله في ستره ما شاء، ثمّ يُظهِره فيملأ [به] الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(١٤٣).
ومنها: أنَّه (عجّل الله فرجه) الثالث من ولد الإمام محمّد بن عليٍّ الرضا (عليه السلام).
وممَّا ورد من نصوص هذه الطائفة ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن عبد العظيم، قال: دخلت على سيِّدي محمّد بن عليِّ بن موسى (عليهم السلام) وأنا أُريد أنْ أسأله عن القائم أهو المهدي أو غيره؟ فابتدائي فقال لي: «يا أبا القاسم، إنَّ القائم منَّا هو المهدي الذي يجب أنْ يُنتَظر في غيبته، ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوَّة وخصَّنا بالإمامة إنَّه لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، وإنَّ الله تبارك وتعالى ليُصلِح له أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السلام) إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسول نبيٌّ»(١٤٤).
ومنها: أنَّه (عجّل الله فرجه) من وُلد الإمام أبي الحسن عليِّ بن محمّد الهادي (عليه السلام).
ومن نصوص هذه الطائفة ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت عليَّ بن محمّد بن عليٍّ الرضا (عليه السلام) يقول: «إنَّ الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(١٤٥).
ومنها: أنَّه (عجّل الله فرجه) خلف أبي الحسن وابن أبي محمّد الحسن (عليهما السلام).
ومن نصوص هذه الطائفة ما رواه شيخ الإسلام الكليني (رحمه الله) عن داود بن القاسم، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟»، فقلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟ فقال: «إنَّكم لا ترون شخصه، ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه»، فقلت: فكيف نذكره؟ فقال: «قولوا: الحجَّة من آل محمّد (عليهم السلام)»(١٤٦).
ومنها: أنَّه إذا توالت ثلاثة أسماء: محمّد وعليٌّ والحسن كان الرابع هو القائم، وفيه نصَّان:
النصُّ الأوَّل ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا توالت ثلاثة أسماء: محمّد وعليٌّ والحسن، كان رابعهم قائمهم»(١٤٧)، والنصُّ الآخر رواه صاحب (دلائل الإمامة)(١٤٨).
ومنها: أنَّه (عجّل الله فرجه) الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام).
وممَّا روي من نصوص هذه الطائفة ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليهما السلام): «... الثاني عشر الذي يُصلِّي عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه...»(١٤٩).
وهناك نصوص أُخرى يمكن أنْ تُلحَظ كطوائف يُستَدلُّ بها على العدد.
إنْ قيل: إنَّ الأخبار المتقدِّمة قد تضمَّنت معظمها العدد ولم يتعيَّن المعدود، وكلامنا في انطباق العدد الأخير على المعدود، فلا ينفع ما تقدَّم كدليل على ولادة الإمام (عجّل الله فرجه).
قلنا:
١ - أنَّ أغلب هذه الروايات تضمَّنت ذكر العدد والمعدود، والمطلق منها يُقيَّد بالخاصِّ، كقول الإمام الهادي (عليه السلام): «الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم».
٢ - أنَّ المعدود بهذه الأخبار معلوم الحال ومشاهد بالوجدان حتَّى المخالف يقرُّ أنَّ من عليٍّ (عليه السلام) الحسن والحسين، ومن الحسين ولده عليٌّ، ومن عليٍّ ولده محمّد، ومن محمّد ولده جعفر، ومن جعفر ولده موسى، ومن موسى ولده عليٌّ، ومن عليٍّ ولده محمّد، ومن محمّد ولده عليٌّ، ومن عليٍّ ولده الحسن (عليهم السلام).
فهم لا خلاف لهم في ذلك، فانطباق العدد على المعدود ممَّا لا خلاف فيه، بل من الضروريَّات.
أمَّا وقوع الخلاف في ولد الحسن (عليه السلام) فله مناشئ، لأنَّ أصل الولادة تقتضي الإخفاء على ما تقدَّم في الدرس التاسع.
إنْ قيل: إنَّ أغلبها ضعيف لا يُعوَّل عليه، وقد روي الخلاف فيها من قِبَل المخالفين أو الواقفين، فلا تفيد علماً.
قلنا: إنَّ هذا العدد الكبير من هذه الطوائف إذا لم ينته إلى التواتر ولو الإجمالي، فلعمري ماذا يدلُّ عليه من نصوص بعد ذلك؟
أمَّا الطعن مع هذه الأخبار فقل لي بربِّك: هل سلم أحدٌ من الطعن حتَّى تسلم عقيدة كان اقتضاء ولادة صاحبها الخفاء؟

* * *
الدرس الثاني عشر: أدلَّة الولادة

الدليل الثالث: وفاة الحادي عشر (عليه السلام) دليل ولادة الثاني عشر (عجّل الله فرجه):
تقدَّم في الفصل الأوَّل الاستدلال بهذا الدليل على إمامته (عجّل الله فرجه)، وهو بنفسه يقتضي ولادته ببيان:
١ - بعد أنْ ثبت وجوب الإمامة في كلِّ زمان، وثبت أنَّ الأئمَّة اثنا عشر إماماً فقط.
٢ - ودلَّت الأدلَّة على موت الإمام الحادي عشر (عليه السلام)، فلا بدَّ من وجود الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه)، فنحن نقطع بوجوده وولادته وإنْ لم نشاهده.
الدليل الرابع: الإجماع على الولادة:
تقريب الدليل:
يُعرَّف الإجماع لغةً بأنَّه الاتِّفاق، واصطلاحاً بأنَّه اتِّفاق حدسي يوجب ثبوت المحمول للموضوع.
والملاحَظ أنَّ قضيَّة الولادة حسّيَّة لا حدسيَّة، فيكون الاستدلال عليها بالإجماع فيه نوع من التجوُّز، باعتبار أنَّ من قال بالولادة إنَّما قال بها تبعاً لما دلَّ من أدلَّة عليها، فيكون أشبه بالرأي في المسألة، ولما كثر من قال به إلى حدٍّ أوجب الإجماع نقل ذلك عنهم، فيكون مدركيًّا، ولا يضرُّ، لأنَّ اتِّفاقهم ذا أهمّيَّة، وهو في قوَّة ثبوت المحمول للموضوع، وكيف ما كان فقد نقل الإجماع على الولادة جملة من علمائنا نذكر من بينهم:
١ - الشيخ المفيد (رحمه الله)، قال: (... وقيام الأدلَّة على أنَّه معصوم من الزلَّات...، ووجوب النصِّ على من هذا سبيله من الأنام، أو ظهور المعجز عليه لتميُّزه ممَّن سواه، وعدم هذه الصفات من كلِّ أحد سوى من أثبت إمامته أصحاب الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، وهو ابنه المهدي، على ما بيَّنَّاه...)(١٥٠).
بتقريب: أنَّ اتِّفاق الأصحاب على تشخيصه وتعيُّن شخصه وأنَّه المهدي (عجّل الله فرجه)، عبارة ثانية عن الإجماع.
٢ - الشيخ الطوسي (رحمه الله)، قال: (وأمَّا الدليل على أنَّ المراد بالأخبار والمعني بها أئمَّتنا (عليهم السلام) فهو أنَّه إذا ثبت بهذه الأخبار أنَّ الإمامة محصورة في الاثني عشر إماماً، وأنَّهم لا يزيدون ولا ينقصون، ثبت ما ذهبنا إليه، لأنَّ الأُمَّة بين قائلين: قائل يعتبر العدد الذي ذكرناه، فهو يقول: إنَّ المراد بها من يذهب إلى إمامته، ومن خالف في إمامتهم لا يعتبر هذا العدد، فالقول - مع اعتبار العدد -: إنَّ المراد غيرهم، خروج عن الإجماع، وما أدَّى إلى ذلك وجب القول بفساده)(١٥١).
بتقريب: أنَّ ممَّا ثبتت به الولادة دليل العدد، وهو محدَّد ومنطبق على محدَّد، وممَّن انطبق عليه العدد الحجَّة بن الحسن (عجّل الله فرجه)، ومخالفة ذلك خروج عن الإجماع.
٣ - الشيخ ميثم بن عليٍّ البحراني (رحمه الله)، قال: (واتَّفقوا على أنَّ أباه لم يمت حتَّى أكمل الله تعالى عقله وعلَّمه الحكمة وفصل الخطاب، وأبانه من سائر الخلق بهذه الصفة، إذ كان خاتم الحُجَج ووصيُّ الأوصياء وقائم الزمان)(١٥٢).
٤ - الشيخ الفاضل المقداد السيوري (رحمه الله)، قال: (إنَّه لمَّا دلَّ الدليل على إمامة سيِّدنا المنتظر (عليه الصلاة والسلام)، وأنَّ كلَّ زمان لا بدَّ من إمام معصوم، وجب وجوده وبقاءه من حيث موت أبيه الحسن (عليه السلام) إلى آخر زمان التكليف، وإلَّا لزم إمَّا القول بوجوب إمامة معصوم غيره، وهو باطل بالإجماع أو خلو زمان عن إمام، وهو باطل...)(١٥٣).
٥ - الشيخ الطبرسي (رحمه الله)، قال: (إذا ثبت بالدليل العقلي وجوب الإمامة...، وثبت وجوب النصِّ على من هذه صفته من الأنام، أو ظهور المعجز الدالِّ عليه المميِّز له عمَّن سواه، وعدم هذه الصفات من كلِّ أحد بعد وفاة أبي محمّد الحسن بن عليٍّ العسكري ممَّن ادُّعيت الإمامة له في تلك الحال، سوى من أثبت إمامته أصحابه (عليه السلام) من ولده، القائم مقامه، ثبتت إمامته (عليه السلام)...)(١٥٤).
إنْ قلت: إنَّ ما مرَّ هو إجماع على الإمامة.
قلت: نُسلِّم في بعضها، ولا يمنع من دلالته على الولادة بالملازمة.
الدليل الخامس على الولادة: العقيقة دليل الولادة:
تقريب الدليل:
العقيقة: من سُنَن الإسلام تُذبَح فداءً عن الولد، وقد ورد فيها: «كلُّ امرئ مرتهن بعقيقته»(١٥٥)، وهي من المستحبَّات الشرعيَّة، وقد عقَّ النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الحسن والحسين (عليهما السلام)، وكذلك يفعل المسلمون عند مواليدهم، والإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ومن ضمن التدابير التي قام بها لإثبات ولادة ولده الحجَّة (عجّل الله فرجه) أنْ عقَّ عنه بعقاق كثيرة، وممَّا ورد في ذلك:
١ - عن أبي جعفر العمري: لمَّا وُلِدَ السيِّد (عليه السلام) قال أبو محمّد (عليه السلام): «ابعثوا إلى أبي عمرو»، فبُعِثَ إليه، فصار إليه، فقال له: «اشتر عشرة آلاف رطل خبر وعشرة آلاف رطل لحم وفرِّقه [أحسبه قال: على بني هاشم]، وعُقَّ عنه بكذا وكذا شاة»(١٥٦).
ودلالة الرواية على الولادة من جهة أنَّ العقيقة ملازمة لها، بل صُرِّح فيها أنَّها لولادة السيِّد، وقد تضمَّنت نوعين من العقيقة:
الأوَّل: عقيقة اللحم وهي عشرة آلاف رطل، وهو ما يقارب (٤٠٠٠) كيلو من اللحم، فإذا ضممنا له الخبز، فإنَّ نصيب كلِّ شخص رطل من الخبر واللحم، وبذلك وصل الخبر إلى ما يقارب (١٠) آلاف فرد أو عائلة، وهي بدورها تسأل أو بعضاً منهم على الأقل: ما هي مناسبة هذا اللحم؟ كما هو متعارف لدينا، وبذلك ينتقل خبر الولادة بشكل لا ينافي الكتمان المطلوب.
الثاني: قوله: «عُقَّ عنه بكذا وكذا شاة»، وهو يشير إلى عدد كبير نسبيًّا يُضاف إلى العشرة آلاف رطل.
٢ - عن إبراهيم بن إدريس، قال: وجَّه إليَّ مولاي أبو محمّد (عليه السلام) بكبش وقال: «عُقَّ عن ابني فلان، وكُلْ وأطعم أهلك»، ففعلت، ثمّ لقيته بعد ذلك، فقال لي: «المولود الذي وُلِدَ لي مات»، ثمّ وجَّه إليَّ بكبشين وكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، عُقَّ هذين الكبشين عن مولاك، وكُلْ هنَّأك الله وأطعم إخوانك»، ففعلت، ولقيته بعد ذلك، فما ذكر لي شيئاً(١٥٧).
ودلالته على الولادة واضحة، وقوله في المرَّة الأُولى: «مات» يحتمل للتقيَّة أو الخوف على الراوي، أو فعلاً أنَّه وُلِدَ ومات، أو غير ذلك ممَّا لا يضرُّ بدلالة الرواية على المطلوب.
إنْ قلت: إنَّه لم يُعرَف أو يشتهر أنَّ للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ولدين.
قلت: نحن ودلالة الرواية لا بصدد إثبات أو نفي غير ذلك.
وقال بعض أهل العلم والتتبُّع: لعلَّه وُلِدَ فعلاً ومات ثمّ وُلِدَ له المهدي (عجّل الله فرجه)، ويمكن أنْ يُجاب عنه بأنَّه لا أثر له سوى هذا النصِّ الذي يحتمل التوجيه المتقدِّم.
٣ - عن إبراهيم صاحب أبي محمّد (عليه السلام) أنَّه قال: وجَّه إليَّ مولاي أبو محمّد (عليه السلام) بأربعة أكبش وكتب إليَّ: «بسم الله الرحمن الرحيم، (عُقَّ) هذه عن ابني محمّد المهدي، وكُلْ هنَّأك الله وأطعم من وجدت من شيعتنا»(١٥٨).
٤ - عن محمّد بن إبراهيم الكوفي أنَّ أبا محمّد (عليه السلام) بعث إلى بعض من سمَّاه لي بشاة مذبوحة، قال: «هذه من عقيقة ابني محمّد»(١٥٩)، ويظهر منها أنَّ العقاق كثيرة، وهذه بعض منها.

* * *
الدرس الثالث عشر: أدلَّة الولادة

الدليل السادس: التوقيعات دليل على الولادة:
تقريب الدليل:
التوقيع في اللغة: مأخوذ من الأثر، وهو إلحاق فيه بعد الفراغ منه، ويقال: وقع الشيء أي سقط، وسُمّي التوقيع به لأنَّه تأشير في الكتاب، أو لأنَّه سبب وقوع الأمر وإنفاذه.
وعرَّفوه اصطلاحاً: ما يُكتَب في أسفل الكتاب من إمضاء الأمر أو رفضه.
وممَّا أُثِرَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) توقيعه لكتاب صعصعة بن صوحان بـ«قيمة كل امرئ ما يحسن»(١٦٠)، واختصَّت فيما بعد بما صدر عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) للسفراء الأربعة وغيرهم من الوكلاء الـ(٢٠) في زمن الغيبة التي امتدَّت ما يقارب (٧٠) عاماً.
والتوقيعات في هذه الفترة الزمنيَّة الطويلة لم يصل إلَّا (٩٠) توقيعاً تقريباً، أي إنَّه في كلِّ سنة تقريباً يصدر توقيع واحد، وهذا ما لا يمكن الاطمئنان به إلَّا إذا ضممنا إليه أنَّ هناك توصية في إتلاف التوقيعات لمن تصل لهم كما في هذا النصِّ: عن سعد بن عبد الله، قال: حدَّثني أبو عليٍّ المتيلي، قال: جاءني أبو جعفر فمضى بي إلى العبَّاسيَّة، وأدخلني خربة، وأخرج كتاباً فقرأه عليَّ، فإذا فيه شرح جميع ما حدث على الدار، وفيه أنَّ فلانة - يعني أُمّ عبد الله - تُؤخَذ بشعرها وتخرج من الدار ويحدر بها إلى بغداد، فتقعد بين يدي السلطان -، وأشياء ممَّا يحدث، ثمّ قال لي: احفظ، ثمّ مزِّق الكتاب، وذلك من قبل أنْ يحدث ما حدث بمدَّة(١٦١).
من جانب آخر نلاحظ الإشارة إلى الحجم الكبير للتوقيعات الصادرة من خلال ما يتحدَّث عنه القاسم بن العلاء وكثرة ما يرد عليه من التوقيعات رغم بُعده عن دار السفراء الأربعة، إذ كان يسكن في آذربيجان: (وكان لا تنقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) على يد أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري وبعده على [يد] أبي القاسم [الحسين] بن روح (قدَّس الله روحهما)، فانقطعت عنه المكاتبة نحواً من شهرين، فقلق (رحمه الله) لذلك...)(١٦٢).
وعلى أساس هذه المعروفيَّة لدى الطائفة وعلمائها من خروج التوقيعات من الناحية المقدَّسة، فإنَّ دلالتها على كون من تخرج منه مولوداً لا يحتاج إلى استدلال وإقامة برهان، لذلك نجد أمثال الشيخ الصدوق (رحمه الله) عندما يفرد لها باباً يُرسِلها إرسال المسلَّمات في كونها صادرة عنه (عليه السلام) حيث يقول: (باب ٤٥: ذكر التوقيعات الواردة عن القائم (عليه السلام))(١٦٣)، وكذلك فعل الشيخ الطوسي (رحمه الله) حيث قال: (وأمَّا ما ظهر من جهته (عليه السلام) من التوقيعات فكثيرة نذكر طرفاً منها)(١٦٤).
إنْ قلت: إنَّ ما نُقِلَ لنا من توقيعات، نُقِلَت عن السفراء الأربعة، وهم وإنْ كانوا في أعلى درجات الوثاقة، إلَّا أنَّه يحتمل في حقِّهم الكذب والغفلة، وبالتالي لا يوجد اطمئنان بصدور هذه التوقيعات عن الإمام (عجّل الله فرجه).
قلت:
١ - أنَّ احتمال الخطأ موجود في جميع النقلة، والعقلاء لا يعيرون لهذا الاحتمال أيَّ أهمّيَّة، لذلك جرت سيرتهم على حجّيَّة خبر الثقة، والسفراء كما سيأتي في ترجمة حالهم هم في أعلى درجات الوثاقة، فهذا الاحتمال لا قيمة له.
٢ - أنَّ التوقيعات كانت تصدر بخطِّ الإمام (عجّل الله فرجه) لا أنَّها بخطوطهم أو مشافهة حتَّى يأتي الاحتمال المتقدِّم.
٣ - يلزم لازم فاسد لم يلتزم به أحد، وهو طرح التراث المنقول بخبر الواحد.
٤ - على أنَّ الصحيح فيهم (رضوان الله عليهم) لصراحة وصحَّة ما دلَّ على نفي حتَّى هذا الاحتمال كما في قوله (عليه السلام): «فما أدَّيا إليك عنِّي فعنِّي يُؤدّيان، وما قالا لك فعنِّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنَّهما الثقتان المأمونان»(١٦٥).
الدليل السابع: الضرورة دليل على الولادة:
يعنون بها الأُمور التي وصلت من الوضوح والثبوت بحيث لا نحتاج معها إلى إقامة دليل، كالاعتقاد بالله تعالى والنبوَّة والمعاد، ومن ذلك إمامة الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، فيكون الإيمان بوجود آخر الأئمَّة (عليهم السلام) وأنَّه مولود، من الضرورات التي لا تحتاج إلى إقامة برهان.
وقد ذُكِرَت الضرورة في العلوم العقليَّة كالضرورات المنطقيَّة، وفي المسائل العقائديَّة والدِّينيَّة، ولها موارد ومصاديق عديدة تختلف باختلاف العلوم والفنون، وكذلك تختلف سعةً وضيقاً، فضرورة وجوب الصلاة تختلف عن ضرورة وجوب النهي عن المنكر، وهما يختلفان عن ضرورة التشهُّد والتسبيحات في الصلاة، وغيرهما.
وموردنا ضروري المذهب، ويُدَّعى أنَّ ضروري المذهب في ثبوته كضروري الدِّين، فإمامة الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) في الثبوت كالصلاة عند المسلمين في الثبوت لا تحتاج إلى دليل على حدِّ البديهة المنطقيَّة، ولا نعني بها أحد أقسام الضرورات المنطقيَّة ليقال: إنَّها منحصرة، وموردنا ليس منها، بل هي ما دلَّ عليه النصُّ الدِّيني، وتراكم الزمان جعله ضرورةً.
وقد يدافع عن هذا المعنى من الضرورة بأنَّه يدخل في المتواترات، وبالتالي يدخل في أحد أقسام الضرورة المنطقيَّة، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ ولادة الإمام (عجّل الله فرجه) قد ثبتت بالتواتر، نعم من يناقش في ثبوت التواتر صغرًى سيتوقَّف في كون الضرورة بهذا المعنى، إلَّا أنَّه مع ذلك يمكن أنْ يجاب بأنَّ التواتر ليس منحصراً بالروايات، ويشمل كلَّ قرينة توجب حصول العلم ولو بتراكم الاحتمال.
نعم، إذا قلنا: إنَّ الضروري المذهبي هو أنْ تكون القضيَّة جزءاً من المذهب بحيث لا يُتصوَّر وجود للمذهب دون هذا الجزء، فيكون ثبوت ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بهذا المعنى من الضروري ممَّا لا شكَّ فيه، فوجود الإمام (عجّل الله فرجه) كجزء من المنظومة الدِّينيَّة ممَّا لا شكَّ فيه، وأنَّه مقوِّم للمذهب وأحد أجزائه التي لا تنفكُّ عنه.
ولو فُرِضَ عدم وجود دليل شرعي على الولادة، فبالإمكان الاعتماد على الضرورة لإثباتها.

* * *
الدرس الرابع عشر: أدلَّة الولادة

الدليل الثامن على الولادة: الروايات الدالَّة على الولادة:
الطريق في إثبات ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) روائيًّا بنحوين:
النحو الأوَّل: الروايات العامَّة:
وهي على طوائف متعدِّدة قد تبلغ حدَّ التواتر، منها:
١ - عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: «لو أنَّ الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لساخت بأهلها»(١٦٦).
وتقريب دلالة هذه الطائفة على ضرورة وجود إمام في كلِّ زمان جليٌّ.
٢ - في الخبر الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات وليس له إمام مات ميتة جاهليَّة»(١٦٧).
وتقريب دلالتها على كون وجود الإمام في كلِّ زمان ضرورة للوقاية من الميتة الجاهليَّة ظاهرة.
٣ - أحاديث الاثني عشر إماماً، وقد مرَّ تخريجها مفصَّلاً(١٦٨)، ومضمونها ما عن أبي جعفر (عليه السلام): «نحن اثنا عشر إماماً»(١٦٩).
وتقريب دلالتها أنَّها تنصُّ على لزوم وجود الاثني عشر إماماً، وقد مضى منهم أحد عشر إماماً، فلا بدَّ من الثاني عشر.
٤ - حديث الثقلين المتواتر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنِّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهما الخليفتان من بعدي، وإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض»(١٧٠).
وتقريب دلالته صريحة بعدم الافتراق، ولم يدلّ دليل على وجود قرين للقرآن سوى الحجَّة بن الحسن (عجّل الله فرجه)، فلا بدَّ من ولادته ووجوده.
٥ - روايات خفيِّ المولد، وقد تقدَّمت جملة منها في الدرس التاسع، وهي دالَّة على ولادة خفيِّ المولد أو الذي يُشَكُّ في ولادته، فخفيُّ المولد عنوان كعنوان الاثني عشر أو أحد الثقلين، ولها أفراد عديدة، فخفاء الولادة يُثبِتها بعد ضمِّ الروايات والقرائن الدالَّة عليها، وليس ينفيها، فهذه النصوص ظاهرة، بل صريحة في بعضها على أنَّه يُولَد ولكن بنحو وكيفيَّة خاصَّة، وهي الولادة الخفيَّة.
النحو الثاني: الروايات الخاصَّة الدالَّة على الولادة:
وهي كثيرة، نأخذ منها:
١ - ما دلَّ على حصول الولادة في مقام التحدِّي وإثبات النَّسَب، كتوقيع الإمام العسكري (عليه السلام) الذي رواه الكليني (رحمه الله) بسند صحيح، ونصُّه: (باب مولد الصاحب (عليه السلام)، وُلِدَ (عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. حدَّثنا الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلَّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، قال: خرج عن أبي محمّد (عليه السلام) حين قُتِلَ الزبيري: «هذا جزاء من افترى على الله في أوليائه، زعم أنَّه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله؟»، ووُلِدَ له ولد سمَّاه (م ح م د) سنة ستٍّ وخمسين ومائتين)(١٧١).
ورواه (رحمه الله) مرَّة أُخرى في باب الإشارة والنصِّ إلى صاحب الدار رقم الحديث (٥)(١٧٢).
ورواه الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين) بسنده عن معلَّى بن محمّد البصري في نسخة، وفي نُسَخ أُخرى بسنده عنه عن أحمد بن محمّد، وهو الصحيح، وما تقدَّم سقط(١٧٣).
٢ - ما دلَّ على السؤال عن الولادة والنصِّ عليها، ومنها ما رواه الكليني (رحمه الله) عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لأبي محمّد (عليه السلام): جلالتك تمنعني عن مسألتك، فتأذن لي أنْ أسألك؟ فقال: «سَلْ»، قلت: يا سيِّدي، هل لك ولد؟ فقال: «نعم»، فقلت: فإنْ حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ فقال: «بالمدينة»(١٧٤)، والحديث تامٌّ سنداً.
٣ - ما دلَّ على رؤيته (عجّل الله فرجه)، وهي كثيرة، منها ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن محمّد بن الحسن (رضي الله عنه)، عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: قلت لمحمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه): إنِّي أسألك سؤال إبراهيم ربَّه (جلّ جلاله) حين قال له: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فأخبرني عن صاحب هذا الأمر هل رأيته؟ قال: نعم، وله رقبة من ذي - وأشار بيده إلى عنقه -(١٧٥)، والحديث تامٌّ سنداً.
٤ - ما دلَّ على وجوده (عجّل الله فرجه)، وحضوره الموسم بين الناس بعنوان كونه صاحب هذا الأمر، وهذا العنوان وإنْ كان عامًّا ينطبق عليه وعلى آبائه (عليهم السلام) إلَّا أنَّ عدم بقاء أحد منهم (عليهم السلام) سواه (عجّل الله فرجه)، وأنَّ الراوي الذي ينقل الرؤية له وحضوره (عجّل الله فرجه) الموسم ليس هو في طبقة آبائه (عليهم السلام) يُحقِّق الانحصار به، كما في هذا الحديث الصحيح الذي رواه الصدوق (رحمه الله) عن محمّد بن موسى بن المتوكِّل (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)، قال: سمعته يقول: (والله إنَّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلَّ سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه)(١٧٦)، وفي النصِّ الذي يليه وبنفس السند: (أرأيت صاحب هذا الأمر؟ فقال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول: «اللَّهُمَّ أنجز لي ما وعدتني»)(١٧٧)، وهناك روايات أُخرى بهذه المضامين.
٥ - ما دلَّ على عرض الإمام العسكري (عليه السلام) ولده على أصحابه، إذ وردت جملة من الروايات تحدَّثت عن تدابير الإمام العسكري (عليه السلام) في إثبات ولادة ولده الحجَّة (عجّل الله فرجه)، وكان من جملتها أنْ عرَّفه على أصحابه أفراداً أو جماعات حسب ما يقتضيه الظرف، ومن بينها ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن عليِّ بن عبد الله الورَّاق، قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) وأنا أُريد أنْ أسأله عن الخلف [من] بعده، فقال لي مبتدئاً: «يا أحمد بن إسحاق، إنَّ الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام)، ولا يخلها إلى أنْ تقوم الساعة من حجَّة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه يُنزل الغيث، وبه يُخرج بركات الأرض»، قال: فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعاً، فدخل البيت، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كان وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: «يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حُجَجه ما عرضت عليك ابني هذا، إنَّه سميُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكنيُّه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً...»، قال مصنِّف هذا الكتاب [الصدوق]: لم أسمع بهذا الحديث إلَّا من عليِّ بن عبد الله الورَّاق وجدته بخطِّه مثبتاً، فسألته عنه، فرواه لي عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن إسحاق (رضي الله عنه) كما ذكرته(١٧٨).
وهناك طوائف أُخرى دلَّت على الولادة تأتي في دراسة أوسع إنْ شاء الله تعالى.

* * *
الدرس الخامس عشر: أدلَّة الولادة

الدليل التاسع على الولادة: اعتراف علماء الحديث والنسب والتاريخ بالولادة:
لقد ذكر جملة من علماء النَّسَب والتاريخ ولادة الإمام (عجّل الله فرجه)، ونذكر جملة منهم:
١ - قال الأشعري المتوفِّي سنة (٣٢٤هـ): (... وإنَّ الحسن بن عليٍّ نصَّ على إمامة ابنه محمّد بن الحسن بن عليٍّ، وهو الغائب المنتظر عندهم الذي يدَّعون أنَّه يظهر فيملأ الأرض عدلاً بعد أنْ مُلِئَت ظلماً وجوراً...)(١٧٩).
فهو يُصرِّح بأنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مولود، وأنَّه ابن الإمام العسكري (عليه السلام)، وأنَّه منصوص عليه من أبيه.
وهو يدلُّ على أنَّ قضيَّة ولادة الإمام (عجّل الله فرجه) في ذلك الزمان قضيَّة واضحة.
٢ - قال ابن الأثير الجزري في آخر حوادث سنة (٢٦٠هـ): (وفيها تُوفِّي أبو محمّد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمَّة الاثني عشر على مذهب الإماميَّة، وهو والد محمّد الذي يعتقدونه المنتظر بسرداب سامرَّا، وكان مولده سنة اثنتين وثلاثين ومائتين)(١٨٠).
وهو من أهمّ المصادر التاريخيَّة التي يُعتَمد عليها في نقل الحوادث.
فإنَّه يُصرِّح أنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، بقرينة قوله: (وهو والد محمّد الذي يعتقدونه المنتظر)، قال ذلك في معرض حديثه عن أحداث سنة (٢٦٠هـ) الذي قال فيها: (وفيها تُوفِّي أبو محمّد العلوي العسكري).
٣ - قال أبو الفداء: (وكانت ولادة الحسن العسكري المذكور في سنة ثلاثين ومائتين، وتُوفِّي سنة ستِّين ومائتين في ربيع الأوَّل...، ودُفِنَ إلى جانب أبيه عليٍّ الزكي المذكور، والحسن العسكري المذكور هو والد محمّد المنتظر)(١٨١)، وأنت تلاحظ إرسالها له إرسال المسلَّمات.
٤ - قال الذهبي في (تاريخ الإسلام): (الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليٍّ الرضا بن موسى بن جعفر الصادق، أبو محمّد الهاشمي الحسيني، أحد أئمَّة الشيعة الذين تدَّعي الشيعة عصمتهم، ويقال له: الحسن العسكري، لكونه سكن سامرَّاء، فإنَّها يقال لها: العسكر، وهو والد منتظر الرافضة، تُوفِّي إلى رضوان الله بسامرَّاء في ثامن ربيع الأوَّل سنة ستِّين، وله تسع وعشرون سنة، ودُفِنَ إلى جانب والده...، وأمَّا ابنه محمّد بن الحسن الذي يدعوه الرافضة القائم الخلف الحجَّة، فوُلِدَ سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستٍّ وخمسين، عاش بعد أبيه سنتين ثمّ عُدِمَ، ولم يُعلَم كيف مات، وأُمُّه أُمُّ ولد، وهم يدَّعون بقاءه في السرداب من أربعمائة وخمسين سنة)(١٨٢).
وقال في (العبر): (وفيها الحسن بن عليٍّ الجواد بن محمّد بن عليٍّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، أحد الأئمَّة الاثني عشر الذين تعتقد الرافضة فيهم العصمة، وهو والد المنتظر محمّد صاحب السرداب...)(١٨٣).
إنْ قلت: إنَّ النصَّ السابق ينصُّ على موته.
قلت: إنَّ هذه الدعوى عهدتها على مدَّعيها، ولا تنافي الأخذ بما دلَّ من كلامه على ولادته، لأنَّ الواقع يُصدِّقها، والأدلَّة المتقدِّمة قائمة على إثباتها، أمَّا دعوى موته فلا دليل عليها، كما أنَّ تفرُّده ومن لا يعبأ بقوله بها مبطل لها.
أقوال علماء الإماميَّة:
١ - قال الشيخ الكليني (رحمه الله): (باب مولد الصاحب (عليه السلام)، وُلِدَ (عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين)(١٨٤).
٢ - قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): (باب ما روي في ميلاد القائم صاحب الزمان حجَّة الله ابن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم))(١٨٥).
٣ - قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (على أنَّ الولادة في الشرع قد استقرَّ أنْ يثبت بقول القابلة، ويُحكَم بقولها في كونه حيًّا أو ميِّتاً، فإذا جاز ذلك كيف لا يُقبَل قول جماعة نقلوا ولادة صاحب الأمر (عجّل الله فرجه) [وشاهدوه] وشاهدوا من شاهده من الثقات؟)(١٨٦).
وقال (رحمه الله): (فصل، فأمَّا الكلام في ولادة صاحب الزمان وصحَّتها فأشياء اعتباريَّة وأشياء إخباريَّة. فأمَّا الاعتباريَّة فهو أنَّه إذا ثبت إمامته بما دلَّلنا عليه من الأقسام، وإفساد كلِّ قسم منها إلَّا القول بإمامته ثبت [ثبتت] إمامته، وعلمنا بذلك صحَّة ولادته إنْ لم يرد فيه خبر أصلاً. وأيضاً ما دلَّلنا عليه من أنَّ الأئمَّة اثنا عشر يدلُّ على صحَّة ولادته، لأنَّ العدد لا يكون إلَّا لموجود. وما دلَّلنا على أنَّ صاحب الأمر لا بدَّ له من غيبتين يُؤكِّد ذلك، لأنَّ كلَّ ذلك مبنيٌّ على صحَّة ولادته. وأمَّا تصحيح ولادته من جهة الأخبار فسنذكر في هذا الكتاب طرفاً ممَّا روي فيه جملةً وتفصيلاً، ونذكر بعد ذلك جملة من أخبار من شاهده ورآه، لأنَّ استيفاء ما روي في هذا المعنى يطول به الكتاب)(١٨٧).

* * *
الدرس السادس عشر: إثارات حول ولادة الإمام (عجّل الله فرجه)

أُثيرت حول ولادة الإمام (عجّل الله فرجه) العديد من التساؤلات والإشكالات نحاول الإجابة على جملة منها:
الإثارة الأولى: العسكري عقيم فالمهدي لم يُولَد:
الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لا يمكن أنْ يُولَد، لأنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) عقيم، هذا ما قاله ابن تيميَّة: (إنَّ الحسن بن عليٍّ العسكري لم ينسل ولم يُعقِّب، كما ذكر ذلك محمّد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما من أهل العلم بالنَّسَب)(١٨٨).
وبعض هؤلاء استند إلى رواية موجودة في (الكافي) زعموا أنَّها تدلُّ على عقم الإمام العسكري (عليه السلام)، حيث ورد في (الكافي) باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، جاء فيها: (... والسلطان يطلب أثر ولد الحسن بن عليٍّ...)، وجاء فيها أيضاً: (فلمَّا دُفِنَ - أي الإمام العسكري (عليه السلام) - أخذ السلطان والناس في طلب ولده، وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقَّفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وُكِّلوا بحفظ الجارية التي تُوهِّم عليها الحمل لازمين حتَّى تبيَّن بطلان الحمل، فلمَّا بطل الحمل عنهنَّ قُسِّم ميراثه بين أُمِّه وأخيه جعفر، وادَّعت أُمُّه وصيَّته وثبت ذلك عند القاضي...)، ثمّ يقول: (... والسلطان على ذلك يطلب أثر ولده...)(١٨٩).
والجواب عنها:
١ - الشبهة بمعزل عن رواية (الكافي) لا تعدو صرف دعوى فاقدة للدليل، إذ تقدَّمت الأدلَّة المتعدِّدة الدالَّة على الولادة، ومنها الأخير، وفيه أقوال من نصُّوا عليها، ومنهم جملة من أهل النَّسَب والتواريخ.
٢ - أمَّا بملاحظة الرواية، فإنَّنا نلاحظ جملة من القرائن التي يُستفاد منها وجود الولد، وهي:
١ - التفتيش لدار أبي محمّد (عليه السلام) أثناء علَّته وفي وفاته وبعدها، وبعث القضاة، والأمر بإحضار عشرة من أوثق ثقاته للزوم الدار ليلاً ونهاراً، فما هو الموجب لكلِّ ذلك الحذر والتفتيش إذا كان لا يوجد شيء يبحثون عنه؟
٢ - أنَّ الرواية تقول: (وطلب أثر ولده)، وهو دالٌّ على وجوده نظير ما فعله فرعون مع موسى (عليه السلام).
٣ - أنَّ توقُّفهم عن قسمة الميراث ليس تورُّعاً وتثبُّتاً لإيصال الحقِّ إلى أهله، بل من أجل الضغط في تحصيل خبر عن هذا المولود المختبئ.
٤ - أنَّ أقصى ما يدلُّ عليه النصُّ هو عدم العلم عند السلطان وأتباعه لعدم الحصول على أثر للولد، ونحن ندَّعي العلم بوجود الولد، للآثار التي وصلت لدينا، ومن يعلم حجَّة على من لا يعلم. على أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) قد نصَّ أهل البيت (عليهم السلام) أنَّه خفيُّ المولد، وأقلّ مراتب الخفاء في الولادة خفاءها عن أعدائه.
٥ - كيف يكون عقيماً استناداً إلى قول لم يثبت القول به من قائله كما في نسبة ذلك إلى الطبري وأمثاله؟! وجملة من مؤرِّخيهم وأهل الأنساب بذاتهم ذكروا في ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) أنَّ له ولداً، وقد مرَّت عليك بعض كلماتهم، هذا تهافت ظاهر وقع فيه القوم، قادهم إليه سوء الظنِّ وقصد اتِّهام الشيعة والنيل منهم.
٦ - لو تنزَّلنا وقلنا بأنَّ الرواية دالَّة على مدَّعى ابن تيميَّة وأمثاله، فهي معارضة بما تقدَّم من الروايات، ودلَّ على ثبوت الولد بالنصِّ الصحيح الصريح، فيُقدَّم ذلك عليها، كما هو صناعة باب التعارض في كلِّ القضايا.
الإثارة الثانية: لم يُولَد، للاختلاف في اسم أُمِّه:
ذكر عدد من المخالفين(١٩٠) أنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لم يُولَد، لأنَّه (اختُلِفَ في اسم الجارية التي قالوا: إنَّها ولدته، فقال بعضهم: إنَّ اسمها نرجس، وقيل: صقيل أو صيقل، وقيل: حكيمة، وقيل غير ذلك...)، ولازم هذا الاختلاف عدم ولادته.
وإذا كان اسم الأُمِّ مختلفاً فيه فليست شخصيَّة حقيقيَّة، وبالتالي المهدي لا أُمَّ له.
الجواب عنها:
١ - الشبهة قائمة على أساس قاعدة لا نعرف أساساً لها، وحاصلها أنَّ تعدُّد أسماء شخص دليل على وهميَّته، وعهدة هكذا قاعدة على مدَّعيها.
٢ - أنَّ تعدُّد الأسماء لا يدلُّ على وهمية الشخص، بل أهمّيَّته في أغلب الأحيان، فبعض الأشخاص يأخذ عدَّة أسماء تبعاً لأهمّيَّته عند الآخرين.
٣ - أنَّ هذا التعدُّد وليد البيئات المتعدِّدة التي عاشتها السيِّدة أُمُّ الإمام (عجّل الله فرجه)، فكونها عاشت في كنف أهلها المسيحيِّين سُمّيت مليكة، وعندما كانت جارية تُباع سُمّيت باسم آخر، وعندما انتقلت إلى بيت زوجها سُمّيت باسم ثالث، وعندما ظهر عليها الحمل سُمّيت برابع، وهكذا.
٤ - أنَّ هذه القاعدة لا يلتزم بها الخصم، فالنبيُّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) له أسماء متعدِّدة، وأُفرد له في موسوعات الحديث فصولاً في أسمائه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما في (زاد المعاد) ، قال: (فصل في أسمائه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، منها: محمّد، أحمد، المتوكِّل، الماحي، الحاشر، العاقب، المقفي، الأمين...)(١٩١).
فكثرة الأسماء دالَّة على عظم المسمَّى لا على وهميته، كما في الذات المقدَّسة لله تعالى والنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وغيرهما من العظماء.
وهناك الكثير من الشخصيَّات الإسلاميَّة لها أسماء متعدِّدة، ولم يقل أحد: إنَّهم خرافة.

* * *
الدرس السابع عشر: إثارات حول ولادة الإمام (عجّل الله فرجه)

الإثارة الثالثة: كيف تؤمنون بولادة شخص وُلِدَ أربع مرَّات؟
يتردَّد على ألسنة البعض(١٩٢) أنَّه لا سبيل للإيمان بمولود وقع التردُّد في سنة ولادته أربع مرَّات.
وهذه الشبهة تأتي على غرار الشبهة السابقة، وقد قرأتها في مواقع عديدة أثناء الحوار مع المخالفين وأقوال الولادة الجارية على ألسنتهم كالتالي:
إنَّها في سنة (٢٥٥) هجريَّة(١٩٣)، إنَّها في سنة (٢٥٦) هجريَّة(١٩٤)، إنَّها في سنة (٢٥٤) هجريَّة(١٩٥)، إنَّها في سنة (٢٥٧) هجريَّة(١٩٦).
الجواب عنها:
١ - لا شكَّ أنَّ الإمام (عليه السلام) مولود، دلَّ على ذلك أدلَّة عديدة، منها ما تقدَّم ذكره في الفصل السابق، وأنَّ الاختلاف ليس كبيراً فيما ذُكِرَ، فهو بين سنة (٢٥٤) إلى سنة (٢٥٧)، وهذا لا يُعَدُّ اختلافاً، فإنَّ ضبط التواريخ في العصور المتقدِّمة ليس بالشكل الذي عليه الآن، هذا في ولادة الناس بشكل عامٍّ، أمَّا إذا لوحظت القضيَّة بالنسبة لشخص يُتربَّص به، فدواعي الإخفاء متوافرة، ومعها يحصل الاختلاف بشكل أكثر ممَّا حصل، فهو الموصوف في الروايات بـ(خفيِّ المولد)، ومن تدابير حفظه إخفاء مولده.
٢ - لو تنزَّلنا وقلنا: إنَّ كلَّ شخص يُختَلف في ولادته فهو وهم وخرافة - وهذا ما لا يُلتَزم به - فلا بدَّ أنْ نقول: إنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يُولَد، لأنَّه وقع خلاف في ولادته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على عدَّة أقوال، منها:
إنَّه وُلِدَ في الأوَّل من ربيع الأوَّل، وإنَّه وُلِدَ في (١٢) من ربيع الأوَّل، وإنَّه وُلِدَ في (١٢) من شهر رمضان وغيرها(١٩٧)، بل إنَّ الاختلاف في الولادات قد يكون مقبولاً، ولكنَّهم اختلفوا حتَّى في وفاته مع ما له من مقام كبير يستدعي حفظ تاريخ وفاته، ففي (البداية والنهاية) نجد أنَّ الأقوال في وفاة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عديدة، فقالوا بأنَّه تُوفِّي (٢) ربيع الأوَّل، وأنَّه تُوفِّي (١٠) ربيع الأوَّل، و(١٢) ربيع الأوَّل، وعند هلاله(١٩٨).
الإثارة الرابعة: لو كان للإمام العسكري (عليه السلام) ولد لما جاز أنْ يقع الخلاف فيه:
هذه الشبهة قديمة جدًّا، فقد ذكرها الشيخ الطوسي (رحمه الله) قال: (لقائل أنْ يقول: إنَّا نعلم أنَّه لم يكن للحسن بن عليٍّ ابن كما نعلم أنَّه لم يكن له عشر بنين، وكما نعلم أنَّه لم يكن للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ابن لصلبه عاش بعد موته، فإنْ قلتم: لو علمنا أحدهما كما نعلم الآخر لما جاز أنْ يقع فيه خلاف كما لا يجوز أنْ يقع الخلاف في الآخر...) إلى آخر كلامه(١٩٩)، كما وذُكِرَت بعده(٢٠٠).
والجواب عنها:
١ - أنَّ وقوع الخلاف في الولد لدواعٍ عقلائيَّة أمر واقع، وعليه شهادة الوجدان، فإنَّ العقلاء قد تدعوهم الدواعي إلى كتمان ولادة أولادهم لأغراض مختلفة، فينشأ من ذلك وقوع الاختلاف في أنَّه وُلِدَ أم لم يُولَد، وهل وُلِدَ ومات ومتى وُلِدَ، وهكذا.
٢ - أنَّ النصوص المتقدِّمة التي مرَّت عليك دلَّت على أنَّه خفيُّ المولد، ولازمه حصول الاختلاف فيه، فالاختلاف بالنسبة له لازم لا ينفكُّ عنه، بل هو من موارد الابتلاء والامتحان الذي صرَّح به الأئمَّة (عليهم السلام) على ما سيأتي في الفصل الثالث حول دواعي الغيبة ومبرِّراتها، بل إنَّ أهل البيت (عليهم السلام) صرَّحوا بوقوع الخلاف فيه في روايات عديدة...، فالخلاف شاهد على ولادته لا على عدمها.
الإثارة الخامسة: الوصيَّة تكشف العدم:
وصيَّة الإمام العسكري (عليه السلام) لأُمِّه تدلُّ على عدم الولادة، فكيف (يكون للحسن بن عليٍّ (عليه السلام) ولد مع إسناده وصيَّته في مرضه الذي تُوفِّي فيه إلى والدته المسمَّاة بحديث، المكنَّاة بأُمِّ الحسن، بوقوفه وصدقاته، وأسند النظر إليها في ذلك، ولو كان له ولد لذكره في الوصيَّة)(٢٠١).
والجواب عنها:
١ - من أغراض الإمام العسكري (عليه السلام) هو الحفاظ على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ولكي يتمَّ هذا الغرض قام بذلك لكي يستره عن السلطان، إذ لو ذكره في وصيَّته التي أشهد عليها بعضاً من رجال الدولة لنقض غرضه.
٢ - الوصيَّة لها لا ينفي وجود ولدٍ له، على أنَّ وصيَّته لها بما يملكه ويورثه.
إنْ قلت: إنَّ الوصيَّة لها لم تكن في المواريث بل على الإمامة ممَّا ينفي وجود ولد له.
فإنَّه يقال: لم يثبت ذلك، ولو تنزَّلنا فإنَّ الإمام (عليه السلام) إنَّما أوصى بذلك على مستوى الظاهر لا الواقع، نظير وصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام) لزينب (عليها السلام) مع وجود الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وقد ورد الخبر بذلك، إذ روى الصدوق (رحمه الله) عن أحمد بن إبراهيم الذي حادث السيِّدة حكيمة عن ذلك الأمر، قائلاً: (... فإلى من تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدَّة أُمِّ أبي محمّد (عليه السلام)، فقلت لها: أقتدي بمن وصيَّته إلى امرأة؟ فقالت: اقتداء بالحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام)، إنَّ الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام) أوصى إلى أُخته زينب بنت عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) في الظاهر، وكان ما يخرج عن عليِّ بن الحسين من علم يُنسَب إلى زينب تستُّراً على عليِّ بن الحسين، ثمّ قالت: إنَّكم قوم أصحاب أخبار، أمَا رويتم أنَّ التاسع من ولد الحسين (عليه السلام) يُقسَّم ميراثه وهو في حياة؟)(٢٠٢).
الإثارة السادسة: إنكار جعفر للولادة:
وهي من الشُّبُهات القديمة، فقد ذكرها الشيخ الطوسي (رحمه الله) قائلاً: (إنكار جعفر بن عليٍّ - عمِّ صاحب الزمان (عليه السلام) - شهادة الإماميَّة بولد لأخيه الحسن ابن عليٍّ وُلِدَ في حياته، ودفعه بذلك وجوده بعده، وأخذه تركته وحوزه ميراثه...)(٢٠٣).
والجواب عنها:
١ - تقدَّم في ردِّ الفِرَق الواقفة إبطال مقالة جعفر، وأنَّه لا يُسمَع منه في هذا الأمر شيئاً.
٢ - أنَّ جعفراً غير مؤتمن على حياة الإمام (عجّل الله فرجه)، فلم يكن أمام الإمام العسكري (عليه السلام) بُدٌّ من إخفائه عنه، فإنكاره له لا يُعَدُّ حجَّة في الباب بعد وضوح فساده وخيانته، فيسقط قوله.
٣ - لو سُلِّم فهو يعارض ما تقدَّم، ولا يصمد أمام تلكم الأدلَّة القطعيَّة على ثبوت الولادة.
٤ - أنَّ نفي الولادة لا يعني العلم بعدمها، وليس عند النافين أكثر من نفي العلم، وهو لا يصحُّ دليلاً يدفع به العلم، فيكون قول من لديه علم بها حجَّة على من ليس لديه علم.
إنْ قلت: إنَّ الأصل هو عدم الولادة، وما لم تثبت بدليل فقول القائل بها ليس بحجَّة.
قلت: تقدَّم ما يدلُّ على الولادة ويحصل به العلم بوقوعها، وليس بيد النافين لها سوى النفي، لا العلم بالعدم.

* * *
الدرس الثامن عشر: إثارات حول ولادة الإمام (عجّل الله فرجه)

الإثارة السابعة: مأمورون بإنكار الولادة:
هناك شبهة قديمة أيضاً وقد تناولها الشيخ الطوسي (رحمه الله) وغيره، قال: إنَّ جماعة أنكروا ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) اعتماداً على رواية «تمسَّكوا بالأوَّل حتَّى يصحَّ لكم الآخر»(٢٠٤)، فلا بدَّ من التمسُّك بإمامة الحسن العسكري (عليه السلام) إلى أنْ تصحَّ إمامة ولده (عجّل الله فرجه)(٢٠٥).
والجواب عنها:
١ - أنَّها مردودة بما دلَّ على أنَّ الأئمَّة اثنا عشر لا أقلّ.
٢ - ما دلَّ على وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) وعدم خلو الزمان من حجَّة لله تعالى.
٣ - ما دلَّ على حصول الولادة للثاني عشر (عجّل الله فرجه).
٤ - ما ورد من تأويل من الشيخ سعد بن عبد الله (رحمه الله) ونقله عنه الشيخ الطوسي (رحمه الله)، قال: (قوله: «تمسَّكوا بالأوَّل حتَّى يظهر لكم الآخر»، هو دليل على إيجاب الخلف، لأنَّه يقتضي وجوب التمسُّك بالأوَّل ولا يبحث عن أحوال الآخر إذا كان مستوراً غائباً في تقيَّة حتَّى يأذن الله في ظهوره، ويكون الذي يُظهِر أمره ويُشهِر نفسه)(٢٠٦).
وحاصله: أنَّه تأوَّله بعدم البحث عن الآخر وأحواله إذا كان مستوراً غائباً حتَّى يأذن الله تعالى له، فنفس الحديث يدلُّ على وجود الآخر والمنع عن البحث في أحواله.
الإثارة الثامنة: لا أثر للحمل:
عبَّرت بعض النصوص: (فلم أرَ فيها أثر حمل...)(٢٠٧)، وفي بعضها: (ما بها أثر)(٢٠٨)، من هنا قد يُستَشكل في الولادة لعدم الحمل، وقد تقدَّم في الشبهة الأُولى أنَّ السلطان ضرب حول بيت الإمام العسكري (عليه السلام) حصاراً، وجاء ببعض القابلات يتفحَّصن النساء لتبيُّن الحمل، ولم يعثروا على شيء.
والجواب عن ذلك:
١ - أنَّ نفس النصوص التي دلَّت على عدم الأثر الظاهر للحمل هي بنفسها دلَّت على وقوع الولادة بعد ذلك، حيث ورد فيها: (... ثمّ قلت لها: أتحسِّين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمَّة، فقلت لها: اجمعي نفسكِ واجمعي قلبكِ فهو ما قلت لكِ، قالت: فأخذتني فترة وأخذتها فترة، فانتبهت بحسِّ سيِّدي، فكشفت الثوب عنه، فإذا أنا به (عليه السلام) ساجداً يتلقَّى الأرض بمساجده، فضممته إليَّ...)(٢٠٩)، وفيه موارد أُخرى، فراجع.
٢ - أنَّ المقصود من عدم الأثر هو عدم الأثر الظاهر للعيان وليس عدم الأثر الحقيقي من عدم وقوع الحمل.
٣ - القول بعدم الحمل مخالف للأدلَّة القطعيَّة الدالَّة على الولادة والتي تقدَّم منها في الفصل الأوَّل (١٠) أدلَّة، وما لم نذكره منها معلوم ومذكور في محلِّه من المصنَّفات المعدَّة لذلك، وقد أشرنا إلى بعضها في أوَّل الفصل.
٤ - أنَّ الانتهاء إلى عدم الولادة يلزم منه لازم فاسد لا يُلتَزم به من خلو الزمان من حجَّة.
الإثارة التاسعة: ليس أولى من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
هذه الإثارة وردت على لسان السيِّد المرتضى، ناقلاً لها عن أُستاذه المفيد (رحمه الله)، وملخَّصها أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع شدَّة الطلب عليه ومعروفيَّته لدى أهل الأديان في الكُتُب الأُولى لم تخفَ ولادته، فخفاء ولادة المهدي (عجّل الله فرجه) دليل على عدم ولادته.
قال (رحمه الله): (سُئِلَ الشيخ أيَّده الله، فقيل له: أليس رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد ظهر قبل استتاره ودعا إلى نفسه قبل هجرته وكانت ولادته معروفة ونسبه مشهوراً وداره معلومة؟ هذا مع الخبر عنه في الكُتُب الأُولى والبشارة له في صُحُف إبراهيم وموسى (عليهما السلام) وإدراك قريش وأهل الكتاب علاماته ومشاهدتهم لدلائل نبوَّته وأعلام عواقبه، فكيف لم يخف مع ذلك على نفسه، ولا أمر الله أباه بستر ولادته وفرض عليه إخفاء أمره، كما زعمتم أنَّه فرض ذلك على أبي الإمام لما كان المنتظر عندكم...)، إلى أنْ يقول: (وهل قولكم في الغيبة مع ما وصفناه من حال النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلَّا فاسد متناقض؟)(٢١٠).
الجواب عن ذلك:
١ - أنَّ هذه الأُمور تُعرَف بأدلَّتها، وقد دلَّنا الدليل الثابت على أنَّ المهدي (عجّل الله فرجه) تخفى ولادته فاتَّبعناه وطابق الخبر الواقع، أمَّا النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلم يدلّ شيء من الأدلَّة على ذلك، فنحن والدليل، أمَّا القياس في الأُمور الغيبيَّة التي لا نعلم المصالح التي ورائها فليس لنا إليه سبيل.
٢ - على أنَّه يلزم عدَّة لوازم فاسدة، منها خلو الزمان من حجَّة، وعدم انطباق أحاديث حصل العلم بصدورها كحديث الثقلين والاثني عشر.
٣ - أنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان مع قومه ممنوعاً عن الأبعدين من اليهود والفرس وغيرهم بخلاف الإمام (عجّل الله فرجه) فإنَّ من يتربَّص به هم أقرب الأقربين من أبناء جلدته وبعض من في بيته، فيقتضي لذلك إخفاء أمر ولادته.
على أنَّ حال آبائه (عليهم السلام) مع السلطة كان معلوماً، فما جرى مع الإمام الصادق (عليه السلام) وإخفاء أمر الوصيَّة لموسى بن جعفر (عليه السلام) إنَّما لبعض ما يمكن أنْ يجري مع المهدي (عجّل الله فرجه).
وقد ذكر السيِّد المرتضى ما ذكرناه في النقاط الثلاثة، ناقلاً له عن الشيخ المفيد (أعلى الله تعالى مقاميهما)، في صفحات ثلاث(٢١١)، من المناسب الرجوع إليها بعد الانتهاء من الدرس، لمزيد من ترسيخ المطلب، ومعرفة لغة علمائنا المتقدِّمين وطُرُقهم في الردِّ على الإشكالات التي تُوجَّه إليهم.

* * *
الدرس التاسع عشر: إثارات حول ولادة الإمام (عجّل الله فرجه)

الإثارة العاشرة: وُلِدَ ومات:
تعترف هذه الشبهة بولادة الإمام (عجّل الله فرجه)، وأنَّه ابن الحسن العسكري (عليه السلام)، لكنَّها تقول بموته، وقد اختلفوا في زمان موته على أقوال، وممَّن ذكر هذه المقالة الشيخ الطوسي (رحمه الله)، حيث قال: (وكالذين قالوا: إنَّه مات ثمّ يعيش)(٢١٢)، والذهبي قال: (عاش بعد أبيه سنتين ثمّ عُدِمَ، ولم يُعلَم كيف مات)(٢١٣)، فيما قال عبد الفتَّاح فتحي عبد الفتَّاح: (وأمَّا الإمام محمّد المهدي بن الإمام الحسن العسكري الخالص وُلِدَ سنة (٢٥٢) هجريَّة، وأُمُّه أُمُّ ولد يقال لها: نرجس، وهو آخر الأئمَّة الاثني عشر، هاجر من المدينة إلى بلاد المغرب بمدينة فاس، فدخلها سنة (٢٧٦)...، مات بفاس سنة (٢٩٠) هجريَّة...)(٢١٤).
والجواب عنها:
١ - أنَّ لازمه خلو الزمان من حجَّة لله تعالى، والوقوع في الميتة الجاهليَّة، وعدم وجود قرين للقرآن في حديث الثقلين، وعدم انطباق حديث الاثني عشر، وكلُّها تُشكِّل ما هو قطعي الدلالة والصدور، فما يخالفها زخرف.
٢ - سيأتي أنَّه (عجّل الله فرجه) وطيلة فترة (٧٠) سنة كان يُوجِّه رسائله وتوقيعاته إلى الأُمَّة وخواصِّ مواليه عن طريق النوَّاب والسفراء الأربعة بينه وبينهم، ووجود هذه الحالة بمكان من الوضوح ينفي بشكل جازم ما ينافيها.
٣ - أنَّ هذه الأقوال لا شاهد عليها ولا مستند يصحُّ الركون إليه، فعهدتها على مدَّعيها. وبالنسبة لدعوى عبد الفتَّاح فلم نجد لها ذكراً يُركَن إليه سوى ما تقدَّم منه، وعهدته عليه. على أنَّ ما قاله مع تأخُّره بقرون لا يتيح له ادِّعاء هكذا دعوى، وحسب التتبُّع فإنَّ ما يُدَّعى في هذا الجانب لا يتخطَّى الاحتمال الضعيف.
الإثارة الحادية عشر: لا توجد أدلَّة كافية تدلُّ على الولادة:
ادُّعي أنَّ الأدلَّة التاريخيَّة لا تنهض كحجَّة في إثبات ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وبعض هؤلاء ممَّن نعاصرهم.
فكيف نُثبِت ولادة شخص معيَّن في الدنيا سواء كنَّا نُحِبُّه أو نبغضه؟
الجواب عنها:
١ - أنَّ الولادة لا تحتاج إلى دليل قطعي متواتر، مع ذلك أثبتنا ولادة الإمام (عجّل الله فرجه) بعدَّة أدلَّة تقدَّمت توجب القطع بها.
٢ - أنَّ الولادة لا تحتاج إلى الإجماع أو الوضوح أو الضرورة أو غيرها، مع ذلك أثبتنا بها ولادة الإمام (عجّل الله فرجه) كما تقدَّم بعضها.
٣ - أنَّ الولادة لا تحتاج إلى أدلَّة مستفيضة كالتي تحدَّثت عن العدد المحدَّد للأئمَّة الاثني عشر، وقد مرَّت عليك.
٤ - أنَّ الولادة تثبت بادِّعاء الأب أنَّ هذا المولود له، وقد تقدَّم إثبات ذلك.
٥ - أنَّ الولادة تثبت بالعقيقة من الأب عن وليده، وقد تقدَّم حصولها.
٦ - أنَّ الولادة تثبت بقول القابلة، وهي السيِّدة حكيمة، كما روى ذلك غير واحد من أصحابنا (رحمه الله)، ومنهم الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين) باب ما روي في ميلاد القائم(٢١٥).
٧ - الأخبار الكثيرة التي نُقِلَت عمَّن شاهده، ولعلَّنا نذكر جملة منها في الفصل القادم إنْ شاء الله تعالى، وقد ذكرها الشيخ الطوسي (رحمه الله)(٢١٦).
٨ - أنَّ الولادة تثبت بنصِّ المؤرِّخين ونقلة الآثار، وقد تقدَّم جملة من الأقوال في ذلك.
فهل وجدت شواهد كهذه في ولادة شخص معيَّن في الدنيا؟!
أليس قد تقدَّم أنَّ من أدلَّة وجوده إنكار ولادته؟ فهل نحتاج بعد إنكار هؤلاء إلى دليل لتثبت به ولادته؟!
وبذلك ننتهي من الحديث في هذا الفصل الذي عُقِدَ لإثبات ولادة الحجَّة ابن الحسن (عجّل الله فرجه)، ودفع الإثارات حول ولادته.
ونشرع بعون الله تعالى في الفصل الثالث.

* * *
الفصل الثالث: الغَيْبَة

ضمن مباحث:
البحث الأوَّل: الغيبة: أقسامها، أسبابها، ماهيَّتها، أدلَّتها، إثارات وشُبُهات حولها.
البحث الثاني: النيابة في الغيبتين.
البحث الثالث: المهامُّ في عصر الغيبة.
البحث الرابع: علامات الظهور.
البحث الخامس: أدعياء المهدويَّة.
قائمة بأهمّ المصادر التي ينبغي مراجعتها في هذا الفصل لمزيد من التوسعة:
١ - الغيبة/ الشيخ النعماني (رحمه الله)/ الباب ١٠ و١٤ و١٦ و١٨.
٢ - كمال الدِّين وتمام النعمة/ الشيخ الصدوق (رحمه الله)/ الباب ٤٤ و٤٥ و٤٦ و٥٥ و٥٦ و٥٧.
٣ - الغيبة/ الشيخ الطوسي (رحمه الله)/ الفصل الأوَّل والسادس.
٤ - الإمام المهدي في مصادر علماء الشيعة/ إعداد مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)/ الجزء الأوَّل/ الكتاب رقم ١٩ و٢٠ و٢٢.
٥ - المعارف المهدويَّة قراءة تمهيديَّة/ الشيخ عليّ الدهنين/ الفصل الثالث.
٦ - نظرات في رواية الوصيَّة (دراسة نقديَّة لشُبُهات مدَّعي اليمانيَّة)/ الشيخ كاظم القره غولي/ الفصل الأوَّل والثالث.

* * *
الدرس العشرون

البحث الأوَّل: تعريفها، أقسامها، أسبابها:
١ - تعريف الغيبة:
قال في (معجم مقاييس اللغة): (الغيب: أصل صحيح يدلُّ على تستُّر الشيء عن العيون، ثمّ يقاس، من ذلك الغيب...، ويقال: غابت الشمس تغيب غيبةً)(٢١٧).
والمقصود به هنا غيبة الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) من أهل البيت (عليهم السلام).
روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن محمّد بن موسى بن المتوكِّل، عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن أبي الحسن عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، عن عليٍّ (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «والذي بعثني بالحقِّ بشيراً ليغيبنَّ القائم من ولدي بعهد معهود إليه منِّي حتَّى يقول أكثر الناس: ما لله في آل محمّد حاجة، ويشكُّ آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسَّك بدينه، ولا يجعل للشيطان إليه سبيلاً بشكِّه فيزيله عن ملَّتي ويُخرجه من ديني، فقد أخرج أبويكم من الجنَّة من قبل، وإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون»(٢١٨)، والحديث تامٌّ سنداً.
٢ - أقسام الغيبة:
قُسِّمت الغيبة في لسان الأدلَّة إلى قسمين، وعُبِّر عنها:
١ - القصيرة والطويلة أو الطولانيَّة(٢١٩).
٢ - يظهر في الثانية(٢٢٠).
٣ - إحداهما قصيرة والأُخرى طويلة، وفي الأُولى لا يعلم بمكانه إلَّا خاصَّة شيعته، والأُخرى لا يعلم بمكانه إلَّا خاصَّة مواليه في دينه(٢٢١).
قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (... وله قبل قيامه غيبتان، إحداهما أطول من الأُخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، فأمَّا القصرى منها فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة، وأمَّا الطولى فهي بعد الأُولى، وفي آخرها يقوم بالسيف)(٢٢٢).
والغيبة الصغرى: هي الفترة الممتدَّة إمَّا من ولادته (عجّل الله فرجه) (٢٥٥هـ) إلى زمان وفاة السفير الرابع سنة (٣٢٩هـ)، أو من وفاة والده العسكري (عليه السلام) (٢٦٠هـ) إلى وفاة السفير الرابع سنة (٣٢٩هـ).
أمَّا الغيبة الكبرى فهي الفترة الممتدَّة من (٣٢٩هـ) إلى زمان ظهوره (عجّل الله فرجه).
٣ - أسباب الغيبة وحكمتها:
ذكرت الروايات العديد من الأسباب لها، وليس المراد به السبب الحقيقي التكويني الذي لا يعلمه إلَّا الله والراسخون في العلم، وإنَّما هي حِكَم ومصالح أشار لها الشارع(٢٢٣).
الحكمة الأُولى: الخوف من القتل:
في رواية الكليني (رحمه الله) عن زرارة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا بدَّ للغلام من غيبة»، قلت: ولِمَ؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -»(٢٢٤).
وفي رواية الصدوق (رحمه الله): «للقائم غيبة قبل قيامه»، قلت: ولِمَ؟ قال: «يخاف على نفسه الذبح»(٢٢٥)، وفي روايته الأُخرى عن يونس بن عبد الرحمن، قال: دخلت على موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فقلت له: يا ابن رسول الله، أنت القائم بالحقِّ؟ فقال: «أنا القائم بالحقِّ، ولكن القائم الذي يُطهِّر الأرض من أعداء الله (عزَّ وجلَّ) ويملأها عدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدهاً خوفاً على نفسه، يرتدُّ فيها أقوام ويثبت فيها آخرون...»(٢٢٦)، وغيرها، فالروايات المتقدِّمة صريحة في أنَّ وقوع الغيبة كان لأجل الخوف على النفس.
قال السيِّد المرتضى (رحمه الله): (وغيبة ابن الحسن (عليه السلام) سببها الخوف على النفس المبيح للغيبة والاستتار، وما ضاع من هذا وتأخَّر من حكم يبوء بإثمه من سبَّب الغيبة وأحوج إليها)(٢٢٧).
وفي شرح شيخ الطائفة (رحمه الله) للعبارة المتقدِّمة، قال: (لا سبب للغيبة يجوز لأجله الاستتار إلَّا خوفه (عليه السلام) على نفسه، فأمَّا خوفه على ماله وعلى الأذى في نفسه فإنَّه يجب أنْ يتحمَّل ذلك كلَّه...، كما يقول من خالفنا في النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أنَّه يجب عليه أنْ يتحمَّل كلَّ أذى في نفسه دون القتل حتَّى يصحَّ منه الأداء إلى الخلق ما هو لطف لهم)(٢٢٨).
إنْ قلت: لا معنى للخوف من القتل دفاعاً عن الدِّين وأداءً للوظيفة الإلهيَّة في هداية الناس، وله في جدِّه الحسين (عليه السلام) أُسوة حيث بذل مهجته من أجل الدِّين.
قلت: هذا يجوز لو كان ثَمَّة إمام يكون بعده يقوم بدور الإمامة بعد استشهاده، وحيث اقتضت حكمة الله تعالى أنْ يكون آخر الأئمَّة فوجب عليه حفظ نفسه الشريفة بالغيبة، فضلاً عن أنَّ الغيبة أمر من الله تعالى وعهد معهود إلى الإمام من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما تقدَّم أوَّل بحث الغيبة.
إنْ قلت: إذا كان الأمر كذلك فلِمَ لم يمنع الله تعالى عنه القتل ويُؤدِّي وظيفته، فكما يمكن أنْ يُحفَظ بالغيبة يمكن أنْ يُحفَظ بحراسة الله تعالى له، وذلك بمنع من يريد قتله، فيكون ظاهراً محميًّا بحراسة الله تعالى ويُؤدِّي دوره.
قلت: إنَّ كيفيَّة الحفظ أمره منوط بالله تعالى، ولا نعرف متى يوجده ومع أيِّ شخص ومتى يرفعه، وقد دلَّتنا الأدلَّة القطعيَّة - كما سوف يأتي - أنَّ طريقة الشريعة في حفظ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بأنْ يغيب عن الناس إلى أنْ يحين وقت ظهوره، وبذلك نتعبَّد.
مضافاً إلى أنَّ الطريقة المقترحة في حفظه توجب الجبر والإلجاء وتمنع الأعداء على نحو الجبر من قتله، وسُنَّة الله تعالى قائمة في هذه الحياة على نظام الأسباب والمسبَّبات، وأنَّ الاختيار مناط التكاليف، بل لعلَّ في نصرته بالملائكة مفسدة لا نعلمها. نعم، نحن نعلم أنَّ الله تعالى حيث غيَّبه فالمصلحة فيها لا في نصرته بالملائكة أو بإبطال التكليف والجبر.
إثارات حول الخوف من القتل:
إنْ قلت: لِمَ لا تفصلون بين ظهوره لأعدائه فيأتي سبب الغيبة الآنف، وبين ظهوره لأوليائه فلا وجه له؟
قلت: هذا لو كان سبب الغيبة منحصراً بخوف القتل، أمَّا مع تعدُّده كما ستقف عليه، فلا وجه للتفصيل.
ولو سُلِّم أنَّ الغيبة تدور مدار الخوف من القتل فقط، فإنَّ ظهوره لأوليائه مبتلى بالمانع، وهو أنَّهم كيف يعرفونه ويُميِّزونه، ليس ذلك إلَّا بالعلامات، وهي عامَّة، أو المعجزة ولها شرائطها ولا تأتي مع كلِّ فرد فرد، إذ إتيانها كذلك خلاف الحكمة.
على أنَّه يظهر لجملة من أوليائه على ما دلَّت عليه الآثار التي سجَّلت من رآه في الغيبة الصغرى أو التامَّة.
بل ظهوره للبعض فقط خلاف الحكمة والوظيفة من تدبير الأُمَّة، فإنَّه إمام الأُمَّة لا أفراداً فيها.
إنْ قلت: لِمَ لا تختلف الغيبة في زمان عن زمان فإنْ وجد أنصاراً ظهر وإنْ لم يجد غاب، وهكذا، فالخوف ليس عامًّا لكلِّ زمان ولا في كلِّ بلد.
قلت: لو وجد أنصاراً وظهر لا يصحُّ منه بعد ذلك الغيبة، إذ بهم يقم دولته، ولمَّا لم يظهر علمنا أنَّ ما يظهر من وجود أنصار غير كافٍ في زمانهم للظهور. على أنَّ ظهوره في زمان دون زمان خلاف الوظيفة المناطة به من إظهار العدل عند ظهوره للكلِّ وفي كلِّ زمان بعد ظهوره.
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (لا فائدة في ظهوره سرًّا لبعض أوليائه، لأنَّ النفع المبتغى من تدبير الأُمَّة لا يتمُّ إلَّا بظهوره للكلِّ ونفوذ الأمر)(٢٢٩).

* * *
الدرس الحادي والعشرون

الحكمة الثانية: ليس لأحد في عنقه بيعة:
دلَّت جملة من الروايات أنَّ من حِكَم الغيبة أنْ لا تكون في يد المهدي (عجّل الله فرجه) بيعة لطاغية من حُكَّام الزمان، بعد أنْ صارت البيعة من المراسيم الدِّينيَّة والعرفيَّة.
ومنها: ما رواه الصدوق (رحمه الله) عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «القائم منَّا تخفى ولادته على الناس حتَّى يقولوا: لم يُولَد بعد، ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة»(٢٣٠)، والرواية تفيد التعليل، وهو يقتضي الانحصار، إلَّا أنَّ ذكر أسباب أُخرى يجعله جزء علَّة.
وما رواه (رحمه الله) عن الإمام الحسن (عليه السلام) في حديث طويل جاء فيه: «... أمَا علمتم أنَّه ما منَّا أحد إلَّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه، إلَّا القائم الذي يُصلِّي روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه، فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يخفي ولادته، ويُغيِّب شخصه لئلَّا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج»(٢٣١)، وغيرهما.
الحكمة الثالثة: استيفاء غيبات الأنبياء (عليهم السلام):
ورد في بيان هذه الحكمة عدَّة روايات، منها ما رواه الراوندي (رحمه الله) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ للقائم منَّا غيبة يطول أمدها»، قيل: ولِمَ ذلك؟ قال: «لأنَّ الله تعالى أبى إلَّا أنْ تجري فيه سُنَن من الأنبياء في غيباتهم، فإنَّه لا بدَّ له من استيفاء مدَّة الغيبات»(٢٣٢).
وروى الصدوق (رحمه الله) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ سُنَن الأنبياء (عليهم السلام) بما وقع بهم من الغيبات حادثة في القائم منَّا أهل البيت حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة»(٢٣٣)، وغيرهما.
ومدَّة غيباتهم (عليهم السلام) غير معلومة لنا، فكذلك غيبته (عجّل الله فرجه).
إنْ قلت: إذا كان الأمر منوطاً بالاستيفاء لمدَّة غيباتهم فلا وجه للتعليل بالخوف من القتل وغيره.
قلت: هذا القول والاستشكال مبنيٌّ على أنَّ هذه علل حقيقيَّة، وتقدَّم أنَّها حِكَم تختلف وتتخلَّف.
الحكمة الرابعة: الإذاعة وكشف السرِّ:
ورد فيه عدَّة روايات، منها ما رواه النعماني (رحمه الله) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويريح أبداننا؟ قال: «بلى، ولكنَّكم أذعتم فأخَّره الله»(٢٣٤).
وروى (رحمه الله) أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قد كان لهذا الأمر وقت، وكان في سنة أربعين ومائة، فحدَّثتم به وأذعتموه فأخَّره الله (عزَّ وجلَّ)»(٢٣٥).
وروى (رحمه الله) أيضاً عنه (عليه السلام): «... إنَّ هذا الأمر قد أُخِّر مرَّتين»(٢٣٦).
وروى (رحمه الله) كذلك عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... إنَّ الله تعالى قد كان وقَّت هذا الأمر في سنة السبعين، فلمَّا قُتِلَ الحسين (عليه السلام) اشتدَّ غضب الله تعالى فأخَّره إلى أربعين ومائة، فحدَّثناكم بذلك فأذعتم وكشفتم قناع الستر، فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك وقتاً عندنا...»(٢٣٧).
و(الأمر) أو (هذا الأمر) مطلق، فكما ينطبق على ما تقدَّم من الأئمَّة (عليهم السلام) ينطبق بإطلاقه على أمر الإمام (عجّل الله فرجه)، فيصحُّ معه أنْ تكون هذه الطائفة من روايات حِكَم الغيبة، ولعلَّ في النصِّ الأخير ممَّا أوردناه ظهوراً في أنَّه بسبب الإذاعة لم يُجعَل لظهور أمرهم وقت حتَّى زمان الإمام (عجّل الله فرجه) ثمّ غيابه.
ويمكن أنْ يُستفاد أنَّ هذه النصوص تشمل أمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ما أرسله الشيخ النعماني (رحمه الله) في كتابه الغيبة حيث عنون الباب (١٦) بهذا العنوان: (ما جاء في المنع والتوقيت والتسمية لصاحب الأمر (عليه السلام))، فهو جعلها لصاحب الأمر، نعم هو لم يذكر كونها من حِكَم الغيبة وأسبابها، وهو ما استظهرناه ممَّا ورد فيها «فأخَّره الله»، والتأخير الوارد فيها مطلق. كما وأنَّ الخبر الثاني الذي رواه الشيخ النعماني (رحمه الله) في هذا الباب صريح في أنَّ المراد بالأمر هو أمر الإمام (عجّل الله فرجه)، ولولا طول الحديث لنقلناه، فراجعه.
إنْ قلت: إنَّ هذه الروايات تتحدَّث عن طول الغيبة لا عن أصل وقوعها.
قلت: هي تتحدَّث عن الأمرين معاً، إذ تقول بسبب الإذاعة أخَّر الله تعالى الأمر، إذ لو لم يذعه الناس، لما أخَّره الله تعالى ولما غيَّب وليَّ أمره.
وفي هذه النصوص مضامين عالية ينبغي الوقوف عندها ترتبط بعلم الله تعالى وبحث البداء، وحكمة إخبار الأئمَّة (عليهم السلام) الناس مع علمهم بالإذاعة وكشف السرِّ، وغير ذلك.
الحكمة الخامسة: استيفاء ودائع أهل الإيمان:
اقتضت حكمة الله تعالى وعدله أنْ ينال أهل الإيمان نصيبهم في الدنيا ممَّا هو مقدَّر لهم، فاقتضى هذا العدل أنْ يتأخَّر الظهور إلى أنْ تستوفى وجوداتهم ويظهروا إلى الدنيا، وممَّا ورد في هذا الشأن ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (علل الشرائع) عن محمّد بن أبي عمير، عمَّن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقاتل فلاناً وفلاناً وفلاناً؟ قال: «لآية في كتاب الله (عزَّ وجلَّ): ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥]»، قال: قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال: «ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين، وكذلك القائم (عليه السلام) لن يظهر أبداً حتَّى تخرج ودائع الله تعالى، فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله فقتلهم»(٢٣٨).
إنْ قلت: هل يستوجب هذا الاستيفاء تأخير العدل كلَّ هذه المدَّة عن الأعمّ من المؤمنين؟
قلت: ١ - بمقتضى الإيمان بالله تعالى وحكمته لا بدَّ أنْ نؤمن أنَّ تأخير العدل فيه مصلحة أكبر، وإلَّا مع الظلم الفظيع الذي وقع على البشريَّة كما تأخَّر يوم القيامة وإقامة العدل والانتصاف للمظلوم.
٢ - أنَّنا نعتقد بمقتضى الأدلَّة الآتية أنَّ غيبة الإمام (عليه السلام) لا تعني انعدامه وعدم تأثيره في مجريات الأحداث، فهو يؤثِّر بمقدار الذي يحفظ ولو الحدّ الأدنى من العدل في الكون.
٣ - إنَّ ما ذُكِرَ من روايات تتحدَّث عن حِكَم، أي ليست قطعيَّة لا تختلف ولا تتخلَّف، فلو وُجِدَت مصلحة أهمّ لأظهره الله تعالى.
إنْ قلت: هل ينتهي المؤمنون في أعقاب الكُفَّار بعد هذا الاستيفاء؟
قلت: إلى أوان الظهور نعم، وهذا ما تقتضيه حكمة النصِّ.
الحكمة السادسة: كره مجاورة القوم:
وممَّا ورد في بيان هذه الحكمة ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) عن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه نحَّانا عن جوارهم»(٢٣٩).
قال المازندراني (رحمه الله) في شرح هذه الفقرة: (نحَّانا عن جوارهم بالغيبة عنهم)(٢٤٠).
الحكمة السابعة: التمييز والتمحيص:
وقد ورد في هذه الحكمة عدَّة طوائف، وقد يقال فيها كما في ما بعدها: إنَّها حكمة طول الغيبة لا أصل وقوع الغيبة، وكيفما كان فقد تُعَدُّ من أسبابها بعد ملاحظة جملة من رواياتها، ومنها ما رواه الشيخ النعماني (رحمه الله) عن الإمام الرضا (عليه السلام): «والله لا يكون ما تمدُّون إليه أعينكم حتَّى تُمحَّصوا وتُميَّزوا وحتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأندر فالأندر»(٢٤١).
وعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «... إذا فُقِدَ الخامس من ولد السابع من الأئمَّة فالله الله في أديانكم، فإنَّه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة يغيبها حتَّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، يا بنيَّ إنَّما هي محنة من الله امتحن بها خلقه، لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحّ من هذا الدِّين لاتَّبعوه...»(٢٤٢).
ومن العناوين التي ذُكِرَت في هذه الروايات: «إنَّ هذا الأمر لا يأتيكم إلَّا بعد إياس»(٢٤٣).
ومنها: «لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُحِبُّ أنْ يمتحن خلقه»(٢٤٤).
ومنها: «حتَّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به»(٢٤٥).
ومنها: «إنَّما هو محنة من الله (عزَّ وجلَّ) امتحن بها خلقه»(٢٤٦).
ومنها: «ليغيبنَّ عنهم حتَّى يقول الجاهل: ما لله في آل محمّد حاجة»(٢٤٧).
وهناك عدَّة طوائف يمكن أنْ يُستَظهر منها حِكَم أُخرى تأتي في دراسة موسَّعة إنْ شاء الله تعالى.
٤ - ماهيَّة الغيبة:
عرفنا فيما سبق أنَّ الغيبة هنا يُقصَد بها غيبة الإمام الثاني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) عن الحواسِّ وعدم العلم بمكانه، وهنا نسأل: ما هي ماهيَّة الغيبة التي وقعت في الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه)؟
فهل هو غائب غيبة عنوان أم معنون، أم أنَّ هناك شيئاً آخر؟
تختلف الإجابة بلحاظ زمان الغيبة، ولعلَّنا نُقسِّمها إلى ثلاثة أقسام:
الفترة الأُولى: أوائل زمان غيبته إمَّا من ولادته إلى غيبته الكبرى أو من وفاة والده (عليه السلام) إلى غيبته الكبرى، وفي هذه الفترة هو غائب عن أغلب الناس ولا يعرفه إلَّا الخاصُّ، كما دلَّت عليه الروايات المتقدِّمة، حيث إنَّ أباه (عليه السلام) أخرجه إلى بعض أصحابه بشخصه وعنوانه، أمَّا عن عامَّة الناس فهو غائب عنهم بشخصه وعنوانه، فالغيبتان بالمعنيين المتقدِّمين - غيبة شخص وغيبة عنوان - واقعتان في هذه الفترة الزمنيَّة بحسب اختلاف الأشخاص، فعن السفراء مثلاً ظاهر لهم - ولو في بعض الأوقات - بشخصه وعنوانه، وعن غير السفراء غائب.
الفترة الثانية: وهي الغيبة التامَّة، فقد يقال: إنَّ غيبته فيها عن الناس هي غيبة معنون وشخص، فشخصه وجسمه غائب عن الناس، اعتماداً على جملة من الروايات، منها ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) عن عدَّة من أصحابنا، عن جعفر بن محمّد، عن ابن فضَّال، عن الريَّان بن الصلت، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول - وسُئِلَ عن القائم -، فقال: «لا يُرى جسمه، ولا يُسمَّى اسمه»(٢٤٨).
وما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: حدَّثنا محمّد بن الحسن (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد العلوي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) يقول: «الخلف من بعدي ابني الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟»، فقلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟ فقال: «لأنَّكم لا ترون شخصه ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه»، قلت: فكيف نذكره؟ قال: «قولوا: الحجَّة من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٢٤٩).
وقد يقال: إنَّ غيبته هي غيبة عنوان وهويَّة، أمَّا شخصه وجسمه فموجود بين الناس، وممَّا يدلُّ على هذا القول من الروايات ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: حدَّثنا محمّد بن موسى بن المتوكِّل (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)، قال: سمعته يقول: «والله إنَّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلَّ سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه»(٢٥٠).
وقد يقال: إنَّ هذه الطائفة تُقيِّد الأُولى وتُفسِّر معنى الجسم والشخص بالعنوان والهويَّة، لأنَّ الثانية صريحة والأُولى ظاهرة، إذ إطلاق الشخص على العنوان عرفي، أمَّا الجسم بقرينة بقيَّة النصوص لا مانع يمنع من استعماله فيه - العنوان - وإنْ لم تَقْبَل بالتقييد المذكور يمكن حمل عدم رؤية الجسم على فترة خاصَّة من الغيبة أو جماعة خاصَّة من الناس.
وبذلك يتبيَّن أنَّ من المناسب حمل الغيبة على غيبة العنوان في هذه الفترة الزمنيَّة.
الفترة الثالثة: وهي فترة قد يقال: إنَّها من فترات الغيبة، وقد يقال غير ذلك، وهي ما قبل ظهوره العلني في مكَّة المكرَّمة وانتقاله من المدينة المنوَّرة إليها وتجمُّع خُلَّص الأصحاب حوله، فقد روى الشيخ النعماني (رحمه الله) عن الإمام الباقر (عليه السلام): «يا جابر، الزم الأرض ولا تُحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها لك إنْ أدركتها: ... ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة وعدَّتهم سبعون ألفاً، فيصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً، فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات من قِبَل خراسان وتطوي المنازل طيًّا حثيثاً، ومعهم نفر من أصحاب القائم، ثمّ يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة، ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة فينفر المهدي منها إلى مكَّة، فيبلغ أمير جيش السفياني أنَّ المهدي قد خرج إلى مكَّة، فيبعث جيشاً على أثره فلا يُدركه حتَّى يدخل مكَّة خائفاً يترقَّب على سُنَّة موسى بن عمران (عليه السلام)...»(٢٥١)، فهي تشبه إلى حدٍّ ما الفترة الأُولى.

* * *
الدرس الثاني والعشرون: أدلَّة الغيبة

٥ - أدلَّة الغيبة:
الدليل الأوَّل: الملازمة:
عرَّف المناطقة وغيرهم أنَّ اللازم البيِّن بالمعنى الأخصّ هو ما يلزم من تصوُّر ملزومه تصوُّره بلا حاجة إلى توسُّط شيء آخر.
وفي مقامنا بعد أنْ أقمنا الأدلَّة القطعيَّة على ولادة الحجَّة بن الحسن (عليه السلام)، وأنَّه آخر الأئمَّة (عليهم السلام)، ومع ذلك لم نشاهده بالوجدان، فلا بدَّ أنْ يكون غائباً عنَّا، فلازم الولادة وأنَّه آخر الأئمَّة (عليهم السلام)، مع عدم مشاهدته، الغيبة.
الدليل الثاني: السبر والتقسيم:
حيث ثبت أنَّ لكلِّ زمان إماماً، وعدم خلو الناس من رئيس في وقت من الأوقات، ومن شرط الرئيس أنْ يكون مقطوعاً على عصمته، فلا يخلو إمَّا أنْ يكون ظاهراً أو غائباً، ومع علمنا أنَّ كلَّ من يدَّعي الرئاسة ظاهراً ليس بمعصوم، لأنَّ ظاهر أفعالهم ينافيها، قطعنا أنَّ المعصوم غائب مستور(٢٥٢).
إنْ قلت: قد ادُّعيت الغيبة لغيره، وممَّن ادَّعاها الكيسانيَّة والناووسيَّة والفطحيَّة والواقفيَّة، وغيرهم.
قلت: ثبت بطلان دعوى هؤلاء مفصَّلاً في الفصل الأوَّل، فراجع.
الدليل الثالث: الإعجاز في الانطباق:
قال الحلبي (رحمه الله): (... وأمَّا الضرب الثالث من النصِّ، فهو ما ورد عن آبائه (صلوات الله عليهم) من النبيِّ وأمير المؤمنين إلى ابنه الحسن بن عليٍّ (عليهم السلام) بغيبة الحجَّة قبل وجوده، وصفتها قبل مولده، ووقوع ذلك مطابقاً للخبر، من غير أنْ ينخرم منه شيء...)(٢٥٣).
وقال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (... موضع الاستدلال من هذه الأخبار ما تضمَّن الخبر بالشيء قبل كونه، فكان كما تضمَّنه...)(٢٥٤).
فالغيبة مخبَر عنها قبل وقوعها، ووقعت كما جاء بها الخبر.
الدليل الرابع: الفرعيَّة:
الغيبة المدَّعاة فرعٌ لأُصول - قد صحَّت في محلِّها -، ومع صحَّة تلك الأُصول لا يقع ارتياب في هذا الفرع، قال السيِّد المرتضى (رحمه الله): (إنَّ الغيبة فرع لأُصول إنْ صحَّت فالكلام في الغيبة أسهل شيء وأوضحه، إذ هي متوقِّفة عليها)(٢٥٥)، وهذه الأُصول هي الإمامة والعصمة، وقد تقدَّم ضرورة وجود إمام في كلِّ زمان، وأنْ يكون معصوماً، كما وتقدَّم الدليل على إمامته بالخصوص، فهذه الأُصول تامَّة، فالغيبة تكون تامَّة أيضاً بعين ما قاله السيِّد المرتضى (رحمه الله).
الدليل الخامس: التوقيعات:
التوقيعات مصطلح معروف تقدَّمت الإشارة إليه في الدليل السابع في الدرس الثالث عشر من أدلَّة الولادة، ووجود التوقيعات مفروغ عنه، ودلالته على الغيبة من الواضحات، حتَّى عُرِفَت الجهة التي تصدر منها التوقيعات بالناحية المقدَّسة، كنايةً عن غيبة الإمام (عجّل الله فرجه)، وأنَّه غير ظاهر للعيان، إلَّا أنَّ هناك جهة تصدر عنها التوقيعات، وهي جنابه المقدَّس.
إنْ قلت: إنَّ التوقيع فرع الغيبة، فكيف يصحُّ الاستدلال به عليها؟
قلت: إنَّ الاستدلال به على الغيبة بعد زمان حصولها وثبوتها وكونها من القضايا التي لا خفاء فيها عند الإماميَّة، فإنَّها صادرة من الناحية المقدَّسة لا خفاء فيه.
الدليل السادس: السفراء:
إنَّ الضرورة القائمة على وجود سفراء أربعة للإمام (عجّل الله فرجه) - على ما سيأتي الاستدلال عليه مفصَّلاً - تقتضي لازماً بيِّناً بالمعنى الأخصّ، في أنَّ هذا النظم لهؤلاء السفراء وأنْ يكونوا واحداً بعد واحد، وأنَّ التوقيعات تصدر في الغالب على يديهم مع تمام دلالتها على كونها من الإمام وتوقيعه (عجّل الله فرجه)، تقتضي وجود غيبة له (عجّل الله فرجه).
الدليل السابع: الروايات الدالَّة على الغيبة:
ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) روايات كثيرة، نذكر منها:
١ - ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) بإسناد معتبر عن أبي عبد الله (عليه السلام): «للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة والأُخرى طويلة، الغيبة الأُولى لا يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة شيعته، والأُخرى لا يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة مواليه»(٢٥٦).
٢ - وروى الشيخ الطوسي (رحمه الله) بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول حتَّى يقول بعضهم: مات، ويقول بعضهم: قُتِلَ، ويقول بعضهم: ذهب، حتَّى لا يبقى على أمره من أصحابه إلَّا نفر يسير لا يطَّلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره إلَّا المولى الذي يلي أمره»(٢٥٧).
٣ - وروى (رحمه الله) أيضاً عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «إذا فُقِدَ الخامس من ولد السابع من الأئمَّة فالله الله في أديانكم، فإنَّه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة يغيبها حتَّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، يا بنيَّ إنَّما هي محنة من الله امتحن بها خلقه، لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحّ من هذا الدِّين لاتَّبعوه...»(٢٥٨).
٤ - وروى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في حديث طويل جاء فيه: «... إنَّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلِّ زمان...»(٢٥٩).
٥ - وروى (رحمه الله) أيضاً عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... وأمَّا شبهه من موسى (عليه السلام)، فدوام خوفه، وطول غيبته، وخفاء ولادته، وتعب شيعته من بعده ممَّا لقوا من الأذى والهوان إلى أنْ أذن الله (عزَّ وجلَّ) في ظهوره ونصره وأيَّده على عدوِّه...»(٢٦٠).
٦ - وروى (رحمه الله) أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتَّى يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(٢٦١).
٧ - وروى (رحمه الله) بحديث معتبر عن الرضا (عليه السلام): «... ذاك الرابع من ولدي، يُغيِّبه الله في ستره ما شاء...»(٢٦٢).
والأحاديث في هذا الباب طويلة كما قال الشيخ الطوسي (رحمه الله)(٢٦٣).

* * *
الدرس الثالث والعشرون: إثارات حول الغيبة

أُثيرت حول غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) العديد من الأسئلة والإشكالات منذ زمن الأئمَّة (عليهم السلام) إلى يومنا هذا، ونتناول قدراً منها بما يناسب الحلقة.
الإثارة الأولى: الغيبة والعدم سواء:
وأشار إليها السيِّد المرتضى (رحمه الله): لا فرق بين إمام غائب لا يصل إليه أحد ولا ينتفع منه البشر، وبين عدم وجوده أصلاً؟
قال (رحمه الله): (فإنْ قيل: فأيُّ فرق بين وجوده غائباً لا يصل إليه أحد ولا ينتفع به بشر وبين عدمه؟ وإلَّا جاز إعدامه إلى حين علم الله سبحانه بتمكين الرعيَّة له كما جاز أنْ يبيحه الاستتار حتَّى يعلم منه التمكين لله فيظهر)(٢٦٤).
والجواب عنها:
١ - لا نُسلِّم أنَّه لا يصل إليه أحد، أمَّا في زمان غيبته الصغرى فكان له نوَّاب أربعة يتواصلون معه، وجملة من الوكلاء، وعدد آخر من الموالين، وأمَّا في الغيبة الكبرى فقد أثبت من لا يصحُّ تكذيبهم أنَّ له (عجّل الله فرجه) عدَّة لقاءات مع أوليائه بالطريقة التي تناسب غيبته، كما أنَّ الروايات التي نُقِلَت سابقاً وتحدَّثت عن تقسيم غيبته تحدَّثت عن وجود لقاءات ووصول بعض مواليه في الغيبتين إليه، فليس العدم ووجوده في الغيبة سواء.
٢ - لو سلَّمنا عدم حصول ذلك أيضاً فلا يلزم الاستواء بين الغيبة والعدم أيضاً، فإنَّ وظائف الإمام (عجّل الله فرجه) ليست منحصرة بالهداية الظاهريَّة للأُمَّة، وسيأتي في البحث الثالث الحديث عن وظائف الإمام (عجّل الله فرجه) تجاه الأُمَّة في غيبته.
٣ - على أنَّ ذلك كلَّه لو لم نعلمه، كفانا علمنا بإمامته وعصمته للقول بضرورة وجوده وإنْ لم نعلم ذلك تفصيلاً، بل يدفعنا هذا العلم للجزم بأنَّ هناك سبباً راجحاً أوجب غيبته، إذ مع عصمته لا يفعل ما يخلُّ بوظيفة إمامته.
وقد أجاب السيِّد المرتضى (رحمه الله) بوجوه عديدة ذكرنا جملة من مضامينها وتركنا نقل عبارته بطولها لمناسبة الحديث جانب الاختصار، والمناسب مراجعة كلماته لما فيها من فوائد عديدة، منها: معرفة طريقة علمائنا المتقدِّمين في الردِّ على شُبُهات المخالفين.
٤ - أنَّ الإعدام للإمام يصدر من الله، وهو مخالف للطفه سبحانه، بخلاف الغيبة، فإنَّها بسبب الظالمين، فلا تكون للعاصين والظالمين حجَّة في قبال الله تعالى.
الإثارة الثانية: أين حكمتها؟
لا تصحُّ الغيبة ما لم يكن فيها وجه حكمة، فما هو؟
وقد أشار إلى هذه الشبهة الشيخ الطوسي (رحمه الله)، إذ قال: (فإنْ قيل: نحن نعترض قولكم في إمامته بغيبته بأنْ نقول: إذا لم يمكنكم بيان وجه حسنها دلَّ ذلك على بطلان القول بإمامته، لأنَّه لو صحَّ لأمكنكم (بيان) وجه الحسن فيه)(٢٦٥)، كما ذكر هذا الإشكال غيره.
والجواب عنها:
١ - بالنقض: بوجه الحكمة في كثير من الفرعيَّات، فما وجه الحكمة في رمي الجمرات في الحجِّ لو سألنا الملحد عن ذلك؟
٢ - أنَّ الكلام في الغيبة فرع على أُصول تقدَّمت، والحكمة فيها الحكمة في تلك الأُصول، فبعد إمامته وعصمته لا نحتاج لبيان وجه حكمة لغيبته، إذ يكفي أنَّه معصوم.
٣ - لقد ذكرنا في بحث أسباب الغيبة وحِكَمها ما فيه كفاية في دفع هذه الشبهة.
إنْ قلت: نحن نتكلَّم عن الغيبة بمعزل عن الإمامة، فلا ينجرُّ الكلام إلى الحديث عن عصمته وإمامته(٢٦٦).
قلت: لا خيار في ذلك بمقتضى فرعيَّتها.
الإثارة الثالثة: الغيبة والرفع إلى السماء سواء:
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (وكذلك قولهم: ما الفرق بين وجوده بحيث لا يصل إليه أحد وبين وجوده في السماء؟)(٢٦٧).
والجواب عنها:
١ - السماء كالأرض إذا كان بحيث لا يمنع وجوده في السماء أنْ يُؤدِّي وظيفته المناطة به كما في حالات العروج للنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٢ - دلَّت الأخبار(٢٦٨) على أنَّه مع غيبته هو في الأرض، ويحضر الموسم كلَّ سنة يرى الناس ويرونه لكن لا يعرفونه، فهو غائب غيبة عنوان (روحي فداه)، ويُؤدِّي وظيفته على أتمّها.
الإثارة الرابعة: لا بهذا الطول:
إنْ قيل: نُسلِّم لكم الغيبة ولكن لا بهذا الطول، فقد مرَّ على غيبته إلى الآن (١١٨٦) سنة، ومعها لا وجه لكم للتمسُّك بإمامته وأنَّه يقوم بوظيفته.
قلنا:
١ - لا نُفرِّق بين الغيبة الطويلة والقصيرة، فالزمان لا مدخليَّة له، لأنَّ وظيفة الإمام (عجّل الله فرجه) محفوظة في الجملة، وما دامت محفوظة فلا فرق في الغيبة حينئذٍ. على أنَّ البصيرة المستحكمة لدى الأتباع لا يضرُّها قصرت الغيبة أم طالت.
٢ - جاءتنا الأخبار - وقد تقدَّم شطر منها في الدليل السابع من الدرس السابق -، والتي لا يسعنا تكذيبها أنَّ له (عجّل الله فرجه) غيبتين إحداهما قصيرة والأُخرى طويلة ونحن فيها، بل إنَّ طولها من المعاجز التي أخبر بها أهل العصمة قبل وقوعها.
أمَّا عن كون الغيبة مانعة عن أداء دوره، فسيأتي إنْ شاء الله تعالى الحديث عن جملة من وظائفه (عجّل الله فرجه) في زمن الغيبة الكبرى.
الإثارة الخامسة: لا بهذا العمر:
وحيث وصل الكلام إلى ذكر شبهة طول غيبته ودفعها بما تقدَّم، من الحسن أنْ نذكر الشبهة المعروفة حول طول عمر الإمام (عجّل الله فرجه)، فقد تقدَّم أنَّ مولده سنة (٢٥٥هـ)، فعمره إلى الآن ما يزيد على (١١٨٥) سنة، وإلى حين خروجه ما يناسب ذلك الزمان، وهذا أمر غير معتاد ولا معقول.
الجواب عن ذلك:
١ - العقل لا يمنع من أنْ يطول عمر الإنسان أو أيّ كائن حي، فطول العمر من الممكنات الذاتيَّة، أمَّا وقوعاً فكذلك، حيث سجَّل التاريخ الكثير ممَّن طالت أعمارهم، وممَّا دلَّ على وقوع طول العمر من الذكر الحكيم قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ (العنكبوت: ١٤).
قال السيِّد المرتضى (رحمه الله): (وزيادة عمر الغائب (عليه السلام) على المعتاد لا قدح به، لأنَّ العادة قد تنخرق للأئمَّة (عليهم السلام) والصالحين)(٢٦٩).
وعلَّق الشيخ الطوسي (رحمه الله) على عبارة أُستاذه قائلاً: (فأمَّا طول الغيبة وخروجه عن العادة، فلا اعتراض به أيضاً لأمرين:
أحدهما: أنَّا لا نُسلِّم أنَّ ذلك خارق للعادة، لأنَّ من قرأ الأخبار ونظر في أحوال من تقدَّم ووقف على ما سُطِرَ في الكُتُب من ذكر المعمّرين، علم أنَّ ذلك قد جرت العادة بمثله...
والوجه الآخر: أنَّا لو سلَّمنا أنَّ ذلك خارق للعادات كلِّها عاداتنا وغيرها، كان أيضاً جائزاً عندنا، لأنَّ أكثر ما في ذلك أنْ يكون معجزاً، وإظهار المعجزات عندنا يجوز على ما ليس بنبيٍّ من إمام أو صالح، وهو مذهب أكثر الأُمَّة غير المعتزلة والزيديَّة والخوارج، وإنْ سمَّى بعضهم ذلك كرامات لا معجزات، ولا اعتبار بالأسماء، بل المراد خرق العادات)(٢٧٠).
٢ - جاءت الروايات لتُبيِّن أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) هو صاحب العمر الطويل، وممَّا ورد فيها ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسند صحيح عن الإمام الصادق (عليه السلام): «عاش نوح (عليه السلام) ألفي سنة وخمسمائة سنة...»(٢٧١).
وفي مقام التشبيه بغيبة نوح (عليه السلام) يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في الرواية التي نقلها الشيخ الطوسي (رحمه الله): «ما تُنكِرون أنْ يمدَّ الله لصاحب هذا الأمر في العمر كما مدَّ لنوح (عليه السلام) في العمر»(٢٧٢).

* * *
الدرس الرابع والعشرون: إثارات حول الغيبة

الإثارة السادسة: أروناه إنْ كان حقًّا:
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): (فقال الملحد: لست أؤمن بإمام لا أراه، ولا تلزمني حجَّته ما لم أرَه)(٢٧٣)، وهي مقولة نسمعها في هذه الأيَّام كثيراً: إذا كان الشيعة على حقٍّ فيما يدَّعون في المهدي (عجّل الله فرجه)، فلماذا لا يرونا إيَّاه، أو يُروه لمن يُمثِّل قادة الطوائف الأُخرى لينتهي النزاع؟
والجواب عنها:
١ - بالنقض: وكما قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في الإجابة عنها: (إنَّه لا تلزمك حجَّة الله تعالى ذكره لأنَّك لا تراه، ولا تلزمك حجَّة الرسول (عليه السلام) لأنَّك لم ترَه)(٢٧٤).
إنْ قلت: إنَّ الملحد لا يعتقد بالله تعالى كي يُنقَض عليه.
قلت: ليس مقصود الشيخ الصدوق (رحمه الله) إشكالاً وجواباً هو المعنى الاصطلاحي للملحد، وإنَّما يريد به المعنى الأعمّ، وهو الإنكار.
فهل يلتزم صاحب الشبهة أنَّ كلَّ غائب إذا طُلِبَ حضوره ولم يحضر فهو خرافة؟
٢ - جميع المسلمين يعتقدون بحياة عيسى (عليه السلام) وأنَّه لم يمت، فهم مطالَبون بأنْ يروناه لكي نؤمن به حسب هذا المنطق، وكذلك الحال في الخضر (عليه السلام)، فإنَّهم يؤمنون به ويعتقدون بحياته، فهم مطالبون بأنْ يروناه كي نؤمن به.
فإنْ قيل: إنَّ عيسى (عليه السلام) ذُكِرَت حياته في القرآن الكريم.
قلنا: إنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ذُكِرَت حياته في السُّنَّة الشريفة القطعيَّة، وهي حجَّة كالقرآن الكريم.
٣ - يعتقد جملة من المسلمين بل أغلبهم بالدجَّال، وأنَّه حيٌّ وموجود على الأرض، كما يقول الشيخ عبد العزيز الراجحي في شرحه لـ(أُصول السُّنَّة لأحمد ابن حنبل): (من أُصول السُّنَّة عندنا الإيمان بأنَّ... الدجَّال رجلٌ من بني آدم لا بدَّ من الإيمان به، وهو مربوط في جزيرة من جزائز البحر)(٢٧٥)، فلِمَ لا يروناه حسب هذا المنطق؟
٤ - ثمّ على فرض تحقُّق اللقاء مع هؤلاء، فهل سينقلون الحقيقة؟ وهل سيؤمن الآخرون إذا سمعوا منهم أو يُصدِّقونهم؟
٥ - تقدَّمت الأدلَّة التي نصَّت على أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) ستقع فيه غيبة، وفي زمان غيبته لا يراه عامَّة الناس، ولا يسعنا إنكار هذه الأدلَّة التي نبعت عن أُصول قطعيَّة.
الإثارة السابعة: لِمَ وقعت فيه الغيبة دون من سبق من آبائه (عليهم السلام)؟
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): (وقد يعترض معترض جاهل بآثار الحكمة...، بأنْ يقول: ما بال الغيبة وقعت بصاحب زمانكم هذا دون من تقدَّم من آبائه الأئمَّة بزعمكم، وقد نجد شيعة آل محمّد (عليهم السلام) في زماننا هذا أحسن حالاً وأرغد عيشاً منهم من زمن بني أُميَّة، إذ كانوا في ذلك الزمان مطالَبين بالبراءة من أمير المؤمنين (عليه السلام)، إلى غير ذلك من أحوال القتل والتشريد)(٢٧٦).
والجواب عن ذلك:
١ - تقدَّم أنَّه (عجّل الله فرجه) آخر الأئمَّة (عليهم السلام)، وهذا يقتضي في حقِّه ما لا يقتضيه في حقِّ غيره من آبائه (عليهم السلام) الذين إنْ عُدِمَ واحد منهم جاء الإمام الذي بعده، بخلافه هو (عجّل الله فرجه) فإنَّه آخر الأئمَّة (عليهم السلام) والمدَّخر لإقامة دولة العدل.
٢ - تقدَّم أنَّ الأدلَّة دلَّت على وقوع الغيبة فيه (عجّل الله فرجه) بالخصوص دون غيره من آبائه (عليهم السلام) قبل ولادته وولادتهم، فقد تحدَّث بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٣ - أنَّ ظهور الأئمَّة (عليهم السلام) أو استتارهم منوط بهم لا بنا، فهم الأعرف بتكليفهم منَّا، وتقدَّم في طيَّات الأجوبة المتقدِّمة ما يصلح للإجابة هنا أيضاً.
الإثارة الثامنة: الغيبة توجب الانحراف:
قد يقال: إنَّ الغيبة في الإمام (عجّل الله فرجه) قد أوقعت الناس في الحيرة وصارت سبباً للاختلاف في الإمامة، ممَّا أوجب انحراف الناس عن الحقِّ، مع أنَّ وجود الإمام (عجّل الله فرجه) لهداية الناس إليه، فكيف هذا(٢٧٧)؟
والجواب عنها:
١ - لا نُسلِّم أنَّ الغيبة هي السبب وراء انحراف من انحرف عن الحقِّ، بل عدم إيمانه به هو السبب، وهذا يجري في آبائه (عليهم السلام) ممَّن انحرف عنهم الناس، فليس وجودهم هو السبب في انحراف الناس، وهل يقال: إنَّ إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) هي سبب في انحراف بعض أفراد الأُمَّة عن الحقِّ؟!
إنَّ الانحراف والاستقامة وظيفة المكلَّف، وليست منوطة بوقوع الغيبة أو عدمها.
٢ - دلَّت الأخبار وبمضامين مختلفة على أنَّ الغيبة محنة من الله امتحن بها خلقه، وأنَّها توجب تولُّد الشكوك، وأنَّ بعضهم سوف يرتاب فيها وينحرف عن صاحبها (عجّل الله فرجه)، إلَّا أنَّه في ذات الوقت امتدح الثابتين عليها والمتمسِّكين بإمامته أثناءها حتَّى قالت عنهم بعض النصوص أنَّهم أفضل من أهل كلِّ زمان(٢٧٨)، فليس للمتخاذلين والمنحرفين أنْ يلقوا بانحرافهم عن إمامته (عجّل الله فرجه) على غيبته، فإنَّ الأخبار قد نبَّهتهم إلى هذا الامتحان الدائم، وحفَّزتهم على تخطِّيه بما أعطتهم من عظيم المنزلة.
الإثارة التاسعة: لِمَ لم يعطَ القدرة على المدافعة؟
يقول البعض(٢٧٩): لِمَ خلق الله الأعداء؟ وإذا خلقهم لِمَ أعطاهم القدرة على إيذاء الإمام؟ وإذا أعطاهم القدرة لِمَ لم يُعطِ الإمام القدرة على المدافعة؟
والجواب عنها:
١ - أنَّ الأنبياء (عليهم السلام) إلَّا ما ندر قد تعرَّضوا للتشريد والتنكيل والإقصاء، وبعضهم قُتِلَ وصُلِبَ وهجِّر وحورب وما شاكل، فهل يصحُّ أنْ يقال: لِمَ خلق الله الأعداء؟ وإذا خلقهم لِمَ لم يُعطِ الأنبياء (عليهم السلام) القدرة على الانتصار؟
٢ - دلَّتنا الأدلَّة التي لا يسعنا إنكارها أنَّ للمهدي (عجّل الله فرجه) قدرة، لكنَّها مدَّخرة بأمر الله تعالى وأنَّها فاعلة لا منفعلة، ونحن عباد، قادتنا الأدلَّة لأُصول ثابتة صحيحة، فما يتفرَّع عليها نؤمن به ونُصدِّقه وإنْ لم نعلم الحكمة فيه، وممَّا تقدَّم من الأُصول ضرورة الإمامة في كلِّ زمان، وأنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) غائب بأمر الله تعالى، فليس علينا إلَّا الإذعان والإيمان.

* * *
الدرس الخامس والعشرون: إثارات حول الغيبة

الإثارة العاشرة: بغيبته غاب الحقُّ وتعطَّلت الحدود:
إنَّا نقول لكم: مع غيبته كيف نصيب الحقَّ ونقيم الحدود؟
وهذا الإيراد مستفاد من كلمات الشيخ الطوسي (رحمه الله)(٢٨٠) وغيره.
والجواب عنها:
١ - أنَّ إصابة الحقِّ أو عدم إصابته ليس منوطاً بمشاهدة الإمام (عجّل الله فرجه)، فلعلَّ بعض من كان في زمان الإمام الصادق (عليه السلام) وغيره من الأئمَّة السابقين (عليهم السلام) وإنْ لم يشاهدوهم أصابوا الحقَّ، فيما أخطأه من شاهدهم.
٢ - أمَّا إقامة الحدود، فالأمر ليس منوطاً بوجود الإمام حتَّى يُشكَل بغيبته، بل منوط ببسط يده، فهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن جاء بعده من ولده (عليهم السلام) - باستثناء زمان بسط يدهم -، فهل كانت الحدود تقام على وجهها مع وجودهم؟
٣ - أنَّ الحقَّ الذي غاب والحدَّ الذي تعطَّل هو في رقبة من تسبَّب في غيبة الإمام وعدم بسط يده.
٤ - أنَّ الشريعة قد حُفِظَت بنَقَلَة الأخبار وما دوَّنته الكُتُب من الآثار، فلا يلزم من حصول الغيبة ضياعها.
إنْ قلت: قد يغيب عن الحفظة أُمور كثيرة، كما أنَّ جملة من الأحكام لم تصل إلينا بسبب تلف الكُتُب أو قصد تضييعها، فكيف حُفِظَت الشريعة بالتدوين؟ على أنَّ في البين لازم فاسد من كون الحافظ للشريعة نَقَلَة الأخبار وليس الإمام.
قلت: لو كان التلف موجباً لضياع كلِّ الشريعة وتغيير رسمها بحيث لا يبقى منها إلَّا الاسم لوجب عليه أنْ يحفظها إمَّا بظهوره أو إقامة ما به يحصل الحفظ. على أنَّ هذا فرض مجانب للواقع، فإنَّ أهمّ أُصول الشريعة محفوظة يداً بيد ولم يطرأ عليها التبدُّل والتحريف في أزمان أشدّ من هذه.
إنْ قلت: وكيف تُجيب على ما دلَّ على تبدُّل الإسلام وغربته وانحراف الناس عنه، وعدم بقاء شيء منه سوى الاسم والرسم كقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما كان، فطوبى للغرباء»(٢٨١)؟
قلت: هذا المعنى مسلَّم لكن لا على ما يُفهَم منه أنَّ جميع الإسلام وبكلّيَّته قد تغيَّر وتبدَّل، والوجدان شاهد على بقاء جملة من أحكامه وآثاره وآدابه وإنْ كان قد انحرف جملة أُخرى منها وتبدَّلت.
وليس في البين لازم فاسد من كون الحافظ لها هم نَقَلَة الأخبار، إذ هو الحافظ من ورائهم والمؤيِّد بـ«إنَّا غير مهملين لمراعاتكم»(٢٨٢)، على ما سيأتي في الاستدلال في بيان وظيفته في الغيبة.
مضافاً إلى أنَّ المقصود من عود الإسلام غريباً هو قلَّة الالتزام بتعاليمه من أوامر ونواهي.
الإثارة الحادية عشر: الذنب أوجب الحجب:
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (فإنْ قيل: فيجب على هذا أنْ يكون كلُّ من لم يظهر له الإمام يقطع على أنَّه على كبيرة...)(٢٨٣).
والجواب عنها:
١ - ليس الحجب مُناطاً بكلِّ فرد فرد حتَّى يلحظ المانع جهة الإفراد على نحو الانحلال.
٢ - قد يظهر الإمام (عجّل الله فرجه) لبعض العصاة، كما هو حاصل في قضيَّة جعفر أكثر من مرَّة(٢٨٤)، فلا معنى للتوقُّف على الذنب.
٣ - تقدَّم بيان حكم الغيبة، وأنَّها عامَّة وغير مختصَّة ببعض دون بعض، وعليه فليس السبب المانع من التشرُّف برؤية الإمام (عجّل الله فرجه) هو الذنب، كما أنَّه ليس الموجب لحصول الغيبة.
الإثارة الثانية عشر: هل فعلاً غاب في السرداب؟
من الشُّبُهات التي تتردَّد على ألسنة الكثيرين ومنهم ابن تيميَّة حيث قال: (...كالسرداب الذي بسامرَّا الذي يزعمون أنَّه غاب فيه)(٢٨٥).
والذهبي القائل: (... وهم يدَّعون بقاءه في السرداب من أربعمائة وخمسين سنة، وأنَّه صاحب الزمان)(٢٨٦).
والغزالي القائل: (... كقول الإماميَّة المنتظرة: إنَّ الإمام مختفٍ في السرداب)(٢٨٧).
والجواب عنها:
١ - أنَّ السرداب بيت يُتَّخذ تحت الأرض يقي من الحرِّ، وهو أمر رائج في البلدان الحارَّة إلى الآن.
ولا يوجد لدينا نصٌّ يقول: إنَّه (عجّل الله فرجه) غاب في السرداب، وإنَّه باقٍ فيه وسيخرج منه، وكُتُبنا بين يدي الناس.
٢ - أنَّنا نعتقد أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) غاب دون أنْ نعلم بمكانه، وأنَّه حينما يخرج ففي مكَّة المكرَّمة - على ما سيأتي في الفصل الرابع - على ما نصَّت عليه الأخبار، فالكلام في السرداب محض افتراء.
أمَّا احترام الشيعة لسرداب سامرَّاء وإقامة طقوس العبادة والزيارة فيه، فلأنَّه محلُّ سكن وعبادة ثلاثة من المعصومين (عليهم السلام)، فمن هذه الناحية يُتبرَّك به وتُستَحبُّ زيارته.

* * *
الدرس السادس والعشرون: البحث الثاني: النيابة في الغيبتين

كانت السيرة قائمة على الاتِّصال المباشر ورؤية الأئمَّة (عليهم السلام) ممَّن سبقوا الإمام (عجّل الله فرجه)، في حين أنَّ الغيبة تمنع من ذلك، فصارت النيابة بديلاً عن الاتِّصال المباشر، وقد تحدَّثنا في تقسيم الغيبة، أنَّها تنقسم بلحاظ الاتِّصال بالناس إلى ما لا يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة شيعته وهي القصيرة، أمَّا الثانية فلا يُدرى أين هو ولا يعلم بمكانه إلَّا خاصَّة مواليه، وأنَّها تطول ويظهر بعدها.
والصغرى منهما استمرَّت من سنة (٢٥٥) أو (٢٦٠) هجريَّة إلى (٣٢٩) هجريَّة، كان له فيها أربعة سفراء.
أمَّا الغيبة الكبرى فهي التامَّة، وأنَّ من ينوب عنه فيها الفقهاء.
كيف يلتقي الشيعة بالإمام (عجّل الله فرجه)؟
إنَّ من كان من المؤمنين يرغب في لقاء الإمام (عليه السلام) كان بإمكانه ذلك رغم الصعوبات التي تواجه اللقاء خصوصاً بالنسبة للإمامين العسكريَّين (عليهما السلام)، إلَّا أنَّ الحال اختلف بعد رحيل الإمام العسكري (عليه السلام).
أفضل من يُحدِّثنا عن الأيَّام الأُولى بعد رحيل الإمام العسكري (عليه السلام) النصوص، فلنُلقي نظرةً ونتعرَّف على الأحداث التي جرت فيها:
أحداث أيَّام الرحيل:
روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن الشيخ العمري وجماعة أنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عرض عليهم ولده الحجَّة (عجّل الله فرجه) وقال لهم: «هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرَّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أمَا إنَّكم لا ترونه بعد يومكم هذا»، قالوا: فخرجنا من عنده، فما مضت إلَّا أيَّام قلائل حتَّى مضى أبو محمّد (عليه السلام)(٢٨٨).
وروى (رحمه الله) عن أبي الأديان، قال: كنت أخدم الإمام الحسن (عليه السلام) وأحمل كُتُبه إلى الأمصار، فدخلت عليه في علَّته التي تُوفِّي فيها (صلوات الله عليه)، فكتب معي كُتُباً وقال: «امضِ بها إلى المدائن، فإنَّك ستغيب خمسة عشر يوماً وتدخل إلى سُرَّ من رأى في اليوم الخامس عشر وتسمع الواعية...»، فسأله أبو الأديان عن الإمام الذي بعده، فقال (عليه السلام): «... من يُصلِّي عليَّ فهو القائم بعدي...»، وذكر له علامات أُخرى، يقول أبو الأديان: فكان كما أخبر (عليه السلام)، فإذا أنا بالواعية في داره، وإذا به (عليه السلام) على المغتسل، وإذا أنا بجعفر بن عليٍّ أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يُعَزُّونه ويُهنِّونه...، إلى أنْ قال: فلمَّا همَّ جعفر بالتكبير خرج صبيٌّ بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجبذ برداء جعفر بن عليٍّ، وقال: «تأخَّر يا عمّ، فأنا أحقّ بالصلاة على أبي»، فتأخَّر جعفر، وقد أربد وجهه واصفرَّ، فتقدَّم الصبيُّ وصلَّى عليه ودُفِنَ إلى جانب قبر أبيه (عليهما السلام)، ثمّ قال الصبيُّ لي: «يا بصري، هات جوابات الكُتُب التي معك...»(٢٨٩).
الحوادث بعد الشهادة:
وروى (رحمه الله) أيضاً عن الحسن بن وجناء، عن أبيه، عن جدِّه أنَّه كان في دار الحسن ابن عليٍّ (عليهما السلام) (فكبستنا الخيل وفيهم جعفر بن عليٍّ الكذَّاب، واشتغلوا بالنهب والغارة، وكانت همَّتي في مولاي القائم (عليه السلام)، قال: فإذا (أنا) به قد أقبل وخرج عليهم من الباب وأنا أنظر إليه، وهو (عليه السلام) ابن ستّ سنين، فلم يرَه أحد حتَّى غاب)(٢٩٠).
الجدير بالذكر أنَّ الأخبار في أحداث رحيل الإمام العسكري (عليه السلام) وأيَّامه الأخيرة وأوائل إمامة الإمام الحجَّة (عجّل الله فرجه) كثيرة، أخذنا منها هذا المقدار، ومن المناسب قراءتها، ففيها تفاصيل كثيرة وأحداث مهمَّة، فراجع(٢٩١).
حوادث تفتيش الدار:
١ - نقلها الشيخ الصدوق (رحمه الله)، وممَّا جاء فيها: (... حتَّى تُوفِّي (عليه السلام) لأيَّام مضت من شهر ربيع الأوَّل من سنة ستِّين ومائتين، فصارت سُرَّ من رأى ضجَّة واحدة - مات ابن الرضا -، وبعث السلطان إلى داره من يُفتِّشها ويُفتِّش حُجَرها، وختم على جميع ما فيها، وطلبوا أثر ولده، وجاؤوا بنساء يعرفن بالحبل، فدخلن على جواريه...، فلمَّا دُفِنَ وتفرق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور...)(٢٩٢).
٢ - ما رويناه عن الشيخ الصدوق (رحمه الله) آنفاً وتحت العنوان: (الحوادث بعد الشهادة) حيث ورد فيه: (فكبستنا الخيل وفيهم جعفر بن عليٍّ الكذَّاب، واشتغلوا بالنهب والغارة، وكانت همَّتي في مولاي القائم (عليه السلام)، قال: فإذا (أنا) به (عليه السلام) قد أقبل وخرج عليهم من الباب وأنا أنظر إليه، وهو (عليه السلام) ابن ستّ سنين، فلم يرَه أحد حتَّى غاب)(٢٩٣).
٣ - ما رواه رشيق صاحب المادراي، قال: (بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر، فأمرنا أنْ يركب كلُّ واحد منَّا فرساً ونجنب آخر ونخرج متخفِّين لا يكون معنا قليل ولا كثير إلَّا على السرج مصلى، وقال (لنا): الحقوا بسامرَّة، ووصف لنا محلَّة وداراً، وقال: إذا أتيتموها تجدون على الباب خادماً أسود، فاكسبوا الدار، ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه...)، إلى آخر الخبر الذي سوف يأتي ذكر محلِّ الشاهد فيه(٢٩٤).
٤ - وما روي عن رشيق صاحب المادراي مثله أيضاً، وجاء فيه: (... فخرج (من) السكَّة التي على باب السرداب، ومرَّ عليهم، فلمَّا غاب قال الأمير: انزلوا عليه، فقالوا: أليس هو مرَّ عليك؟ فقال: ما رأيت، قال: ولِمَ تركتموه؟ قالوا: إنَّا حسبنا أنَّك تراه)(٢٩٥).
التشريد والتنكيل:
يقول الشيخ المفيد (رحمه الله): (... وجرى على مخلفي أبي محمّد (عليه السلام) بسبب ذلك كلُّ عظيمة، من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذلٍّ، ولم يظفر السلطان منهم بطائل، وحاز جعفر ظاهر تركة أبي محمّد (عليه السلام)، واجتهد في القيام عند الشيعة مقامه، فلم يقبل أحد منهم ذلك ولا اعتقده فيه، فصار إلى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه، وبذل مالاً جليلاً، وتقرَّب بكلِّ ما ظنَّ أنَّه يُتقرَّب به، فلم ينفع بشيء من ذلك...)(٢٩٦).
الشيعة بعد الإمام العسكري (عليه السلام):
ما حصل للشيعة بعد الإمام العسكري (عليه السلام) كان صعباً جدًّا حتَّى سُمّيت تلك الفترة بالحيرة، وقد دفع الله تعالى عن الثابتين تلك الشرور، وممَّا جاء في وصف تلك الأيَّام بعد شهادة الإمام العسكري (عليه السلام) ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله): (... ففيها قُبِضَ أبو محمّد (عليه السلام)، وتفرَّقت الشيعة وأنصاره، فمنهم من انتمى إلى جعفر، ومنهم من تاه، ومنهم من شكَّ، ومنهم من وقف على تحيُّره، ومنهم من ثبت على دينه بتوفيق الله (عزَّ وجلَّ))(٢٩٧).
وقد تقدَّم في الفصل الأوَّل ردُّ جميع الفِرَق وإثبات الحقِّ مع الفرقة الثابتة، وهي التي تُشكِّل جمهور الشيعة ومشهور الفقهاء والصلحاء منهم، وقوله (رحمه الله): (منهم من انتمى إلى جعفر، ومنهم من تاه، ومنهم من شكَّ، ومنهم من وقف على تحيُّره) لا يعني ذلك كثرتهم ووجاهتهم، بل هم قلَّة وانقرضوا، كما تقدَّم إليك كلمات الشيخ المفيد (رحمه الله) وتصريحه بانقراضهم بأجمعهم في زمانه، حيث قال (رحمه الله) ما نصُّه: (وليس من هؤلاء الفِرَق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلَّا الإماميَّة الاثنا عشرية القائلة بإمامة ابن الحسن...)(٢٩٨).
وممَّا رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) أيضاً في حكاية محمّد بن جعفر الحميري مع جعفر بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) حيث قال: ... لمَّا قُبِضَ سيِّدنا أبو محمّد الحسن بن عليٍّ العسكري (صلوات الله عليهما) وفد من قم والجبال وفود بالأموال التي كانت تُحمَل على الرسم والعادة، ولم يكن عندهم خبر وفاة الحسن (عليه السلام)، فلمَّا أنْ وصلوا إلى سُرَّ من رأى سألوا عن سيِّدنا الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، فقيل لهم: إنَّه قد فُقِدَ، فقالوا: ومَنْ وارثه؟ فقالوا: أخوه جعفر بن عليٍّ، فسألوا عنه، فقيل لهم: إنَّه قد خرج متنزِّهاً وركب زورقاً في الدجلة يشرب ومعه المغنُّون، قال: فتشاور القوم، فقالوا: هذه ليست من صفة الإمام، وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتَّى نردَّ هذه الأموال على أصحابها...، ولكن بعضهم قال: ... قفوا بنا حتَّى ينصرف هذا الرجل ونختبر أمره بالصحَّة، فلمَّا انصرف دخلوا عليه...، إلى أنْ يقولون بعد وصولهم إليه: ... يا سيِّدنا نحن من أهل قم ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها، وكنَّا نحمل إلى سيِّدنا أبي محمّد الحسن ابن عليٍّ الأموال...، قال: احملوها إليَّ، قالوا: لا، إنَّ لهذه الأموال خبراً طريفاً...، كنَّا إذا وردنا بالمال على سيِّدنا أبي محمّد (عليه السلام) يقول: جملة المال كذا وكذا ديناراً، من عند فلان كذا، ومن عند فلان كذا، حتَّى يأتي على أسماء الناس كلِّهم...، فقال جعفر: كذبتم، تقولون على أخي ما لا يفعله، هذا علم الغيب ولا يعلمه إلَّا الله، قال: فلمَّا سمع القوم كلام جعفر جعل بعضهم ينظر إلى بعض...، إلى أنْ قالوا: لا نُسلِّم المال إلَّا بعلامات...، فدخل جعفر على الخليفة - وكان بسُرَّ من رأى -، فاستعدى عليهم...، فقال لهم الخليفة: اعطوها لجعفر، فقالوا له: نحن مستأجرون ولا بدَّ من علامة كنَّا نعرفها وقد جرت العادة بذلك، فسأل الخليفة عن العلامة، فأخبروه، فقال الخليفة لجعفر: القوم رُسُل، وما على الرسول إلَّا البلاغ المبين، إلى أنْ جاءهم غلام بعد أنْ أُخرجوا خارج أسوار المدينة وقال لهم: أنا عبد مولاكم وهو يدعوكم، فأدخلهم دار الإمام الحسن (عليه السلام): ... فإذا ولده القائم سيِّدنا (عليه السلام) قاعد على سرير...، ثمّ قال: جملة المال كذا وكذا ديناراً حمل فلان كذا...، فحملنا إليه الأموال...(٢٩٩).
نقل دار الوكالة إلى بغداد:
إلى أنْ يقول في النصِّ السابق: (... وأمرنا القائم (عليه السلام) أنْ لا نحمل إلى سُرَّ من رأى بعدها شيئاً من المال، فإنَّه ينصب لنا ببغداد رجلاً يُحمَل إليه الأموال ويخرج من عنده التوقيعات...، وكنَّا بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد إلى النوَّاب المنصوبين بها ويخرج من عندهم التوقيعات).
من هنا بدأت أحداث نقل دار النيابة إلى بغداد، وبدأت ملامح مرحلة جديدة في العلاقة مع الإمام (عجّل الله فرجه) من خلال النوَّاب المنصوبين من قِبَله (عجّل الله فرجه).
المتشرِّفون بالرؤية:
ولا بدَّ من التنبيه على أنَّ من رأى الإمام (عجّل الله فرجه) سواء أيَّام إمامة والده (عليه السلام) أو أيَّام غيبته الصغرى جماعة كثيرة من فقهاء الطائفة ومشايخها وغيرهم من سواد الشيعة والناس، وقد ذكر الشيخ الكليني والصدوق والطوسي (رحمه الله) وغيرهم أبواباً تحت عنوان (باب من رآه (عليه السلام)) نذكر بعضاً من الأخبار التي ثبتت على نحو التواتر الإجمالي:
روى الكليني (رحمه الله) بسند صحيح عن محمّد بن عبد الله ومحمّد بن يحيى جميعاً، عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو (رحمه الله) عند أحمد بن إسحاق، فغمزي أحمد بن إسحاق أنْ أسأله عن الخلف، فقلت له: يا أبا عمرو، إنِّي أُريد أنْ أسأل عن شيء، وما أنا بشاكٍّ فيما أُريد أنْ أسألك عنه...، وقد أخبرني أبو عليٍّ أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: سألته وقلت: من أُعامل أو عمَّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال له: «العمري ثقتي، فما أدَّى إليك فعنِّي يُؤدِّي، وما قال لك عنِّي فعنِّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنَّه الثقة المأمون»، وأخبرني أبو عليٍّ أنَّه سأل أبا محمّد (عليه السلام) عن مثل ذلك، فقال له: «العمري وابنه ثقتان، فما أدَّيا إليك عنِّي فعنِّي يُؤدِّيان، وما قالا لك فعنِّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنَّهما الثقتان المأمونان»، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك، قال: فخرَّ أبو عمرو ساجداً وبكى، ثمّ قال: سَلْ حاجتك، فقلت له: أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمّد (عليه السلام)؟ فقال: إي والله ورقبته مثل ذا - وأومأ بيده -...(٣٠٠).
قال الحميري أبو العبَّاس: (فكنَّا كثيراً ما نتذاكر هذا القول ونتواصف جلالة محلِّ أبي عمرو)(٣٠١).
وروى الصدوق بسند صحيح عن محمّد بن موسى المتوكل، عن عبد الله ابن جعفر الحميري، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)، فقلت له: أرأيت صاحب هذا الأمر؟ فقال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول: «اللَّهُمَّ أنجز ما وعدتني»(٣٠٢).
وكذلك رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في باب من رآه وفي حديثه عن السفراء، فراجع(٣٠٣).
أمَّا من رآه أو وقف على بعض معجزاته من الوكلاء فقد عُدَّ منهم: من بغداد العمري وابنه وحاجز والبلالي والعطَّار، ومن الكوفة العاصمي، ومن الأهواز محمّد بن إبراهيم بن مهزيار، ومن أهل قم أحمد بن إسحاق، ومن أهل همدان محمّد بن صالح، ومن أهل الريِّ البسَّامي والأسدي، ومن أهل آذربيجان القاسم بن العلاء، ومن أهل نيسابور محمّد بن شاذان، ومن غير الوكلاء جماعة أيضاً، فراجع(٣٠٤).

* * *
الدرس السابع والعشرون: النيابة الخاصَّة

بعد نقل دار الوكالة إلى بغداد وتنصيب الوكلاء لإدارة شؤون الشيعة فيما تمنع الغيبة الإمام (عجّل الله فرجه) من مباشرته، بدأ تلقِّي الأحكام عن طريق الرسائل التي كان يُوقِّع عليها الإمام (عجّل الله فرجه) بالجواب وبخطٍّ يشبه خطَّ والده (عليه السلام)، وهؤلاء الوكلاء هم:
السفير الأوَّل: عثمان بن سعيد العمري (رضي الله عنه):
هو عثمان بن سعيد المكنَّى بأبي عمرو، وله العديد من الألقاب، منها: السمَّان، الزيَّات، العسكري، وغيرها، وفي أسباب ألقابه وجوهاً ذُكِرَت في محلِّها، ومنها أنَّ وجه تسميته بالسمَّان أو الزيَّات، لأنَّه كان يتَّجر بالسمن ليُغطِّي على أمره، حيث يجعل ما يُحمَل إليه في جراب السمن ويحمله إلى الإمام (عجّل الله فرجه).
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (فأمَّا السفراء الممدوحون في زمان الغيبة: فأوَّلهم من نصبه أبو الحسن عليُّ بن محمّد العسكري وأبو محمّد الحسن بن عليِّ بن محمّد ابنه (عليهم السلام)، وهو الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله)... وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمّد (عليه السلام)، ما يجب عليهم حمله من الأموال، أنفذوا إلى أبي عمرو، فيجعله في جراب السمن وزقاقه ويحمله إلى أبي محمّد (عليه السلام) تقيَّةً وخوفاً)(٣٠٥).
أدلَّة تنصيب السفير الأوَّل:
واستُدِلَّ على ذلك بما يلي:
١ - النصُّ عليه:
أ - في الخبر الذي اجتمع فيه أربعون رجلاً عند الإمام العسكري (عليه السلام) وسألوه عن الحجَّة وأراهم إيَّاه، ثمّ قال: «... فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه...»(٣٠٦).
ب - وممَّا ورد فيه (رضي الله عنه) أيضاً التوقيع الصادر من الناحية بتعزية ولده محمّد الخلَّاني حيث جاء فيه: «... أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رُزئت ورُزئنا وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرَّه الله في منقلبه، [و]كان من كمال سعادته أنْ رزقه الله تعالى ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره...»(٣٠٧).
ج - ومضافاً إلى ما تقدَّم من نصٍّ على تعيين العمري وكيلاً عنه (عجّل الله فرجه)، وما تقدَّم أيضاً في الدرس المتقدِّم من تذاكرهم جلالة قدره.
٢ - إجماع الشيعة على سفارته وتسالمهم على ذلك:
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (... فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى أنْ تُوفِّي عثمان بن سعيد (رحمه الله ورضي عنه))(٣٠٨).
٣ - ظهور المعاجز على يديه:
قال الشيخ الطبرسي (رحمه الله): (... ولم تقبل الشيعة قولهم إلَّا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كلٍّ واحدٍ منهم من قِبَل صاحب الأمر (عليه السلام)، تدلُّ على صدق مقالتهم، وصحَّة بابيَّتهم)(٣٠٩).
وممَّا ورد من المعاجز على يديه كثير، منها:
أ - روى الشيخ الكشِّي (رحمه الله) عن محمّد بن إبراهيم بن مهزيار، قال: إنَّ أبي لمَّا حضرته الوفاة دفع إليَّ مالاً وأعطاني علامة، ولم يعلم بتلك العلامة أحد إلَّا الله (عزَّ وجلَّ)، وقال: من أتاك بهذه العلامة فادفع إليه المال. قال: فخرجت إلى بغداد ونزلت في خان، فلمَّا كان اليوم الثاني إذ جاء شيخ ودقَّ الباب، فقلت للغلام: انظر من هذا، فقال: شيخ بالباب، فقلت: اُدخل، فدخل وجلس، فقال: أنا العمري، هات المال الذي عندك، وهو كذا وكذا ومعه العلامة، قال: فدفعت إليه المال(٣١٠).
ب - قصَّته مع الزهري التي ستأتي فيما بعد.
ج - روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ الأسود (رضي الله عنه)، قال: دفعت إليَّ امرأة سنة من السنين ثوباً وقالت: احمله إلى العمري (رضي الله عنه)، فحملته مع ثياب كثيرة، فلمَّا وافيت بغداد أمرني بتسليم ذلك كلِّه إلى محمّد بن العبَّاس القمِّي، فسلَّمته ذلك كلَّه ما خلا ثوب المرأة. فوجَّه إليَّ العمري (رضي الله عنه) وقال: ثوب المرأة سلِّمه إليه، فذكرت بعد ذلك أنَّ امرأة سلَّمت إليَّ ثوباً، وطلبته فلم أجده، فقال لي: لا تغتمَّ فإنَّك ستجده، فوجدته بعد ذلك، ولم يكن مع العمري (رضي الله عنه) نسخة ما كان معي(٣١١).
وكذلك ما حكى أبو غالب الزراري، قال: حدَّثني أبو الحسن محمّد بن محمّد بن يحيى المعاذي، قال: كان رجل من أصحابنا قد انضوى إلى أبي طاهر بن بلال بعدما وقعت الفرقة، ثمّ إنَّه رجع عن ذلك وصار في جملتنا، فسألناه عن السبب، قال: كنت عند أبي طاهر بن بلال يوماً وعنده أخوه أبو الطيِّب وابن حرز وجماعة من أصحابه، إذ دخل الغلام فقال: أبو جعفر العمري على الباب، ففزعت الجماعة لذلك وأنكرته للحال التي كانت جرت، وقال: يدخل، فدخل أبو جعفر (رضي الله عنه)، فقام له أبو طاهر والجماعة، وجلس في صدر المجلس، وجلس أبو طاهر كالجالس بين يديه، فأمهلهم إلى أنْ سكتوا. ثمّ قال: يا أبا طاهر، نشدتك بالله ألم يأمرك صاحب الزمان (عليه السلام) بحمل ما عندك من المال إليَّ؟ فقال: اللَّهُمَّ نعم، فنهض أبو جعفر (رضي الله عنه) منصرفاً، ووقعت على القوم سكتة، فلمَّا تجلَّت عنهم قال له أخوه أبو الطيِّب: من أين رأيت صاحب الزمان؟ فقال أبو طاهر: أدخلني أبو جعفر (رضي الله عنه) إلى بعض دوره، فأشرف عليَّ من علوِّ داره فأمرني بحمل ما عندي من المال إليه، فقال له أبو الطيِّب: ومن أين علمت أنَّه صاحب الزمان (عليه السلام)؟ قال: قد وقع عليَّ من الهيبة له ودخلني من الرعب منه ما علمت أنَّه صاحب الزمان (عليه السلام). فكان هذا سبب انقطاعي عنه(٣١٢).
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (وكانت توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان إلى شيعته وخواصِّ أبيه أبي محمّد (عليه السلام) بالأمر والنهي والأجوبة عمَّا يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال فيه، بالخطِّ الذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام)، فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى أنْ تُوفِّي عثمان بن سعيد (رحمه الله ورضي عنه))(٣١٣).
مدفنه (رضي الله عنه):
وقبر عثمان بن سعيد في مدينة السلام، قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (رأيت قبره...، فكنَّا ندخل إليه ونزوره مشاهرةً، وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد وهي سنة ثمان وأربعمائة إلى سنة نيِّف وثلاثين وأربعمائة...، ويتبرَّك جيران المحلَّة بزيارته ويقولون: رجل صالح، وربَّما قالوا: هو ابن داية الحسين (عليه السلام)، ولا يعرفون حقيقة الحال فيه، وهو إلى يومنا هذا - وذلك سنة سبع وأربعين وأربعمائة - على ما هو عليه)(٣١٤).
وقبره الآن في زماننا يقع في وسط مدينة بغداد، بالقرب من السوق المعروف بسوق الزيِّ القريب من شارع المتنبِّي، معروف مشهور فيه مقام كبير يُزار ويُتبرَّك به.
السفير الثاني: أبو جعفر محمّد بن عثمان العمري الخلاني (رضي الله عنه):
محمّد بن عثمان بن سعيد العمري، ويُكنَّى بأبي جعفر، وله عدَّة ألقاب، منها: العمري، العسكري، السمَّان، الأسدي، الخلَّاني، وغيرها.
أدلَّة سفارته:
١ - النصُّ عليه:
أ - ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله): قال عبد الله بن جعفر الحميري: وخرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري في التعزية بأبيه (رضي الله عنهما): «... وكان من كمال سعادته أنْ رزقه الله (عزَّ وجلَّ) ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحَّم عليه، وأقول: الحمد لله، فإنَّ الأنفس طيِّبة بمكانك وما جعله الله (عزَّ وجلَّ) فيك وعندك، أعانك الله وقوَّاك وعضدك ووفَّقك، وكان الله لك وليًّا وحافظاً وراعياً وكافياً ومعيناً»(٣١٥).
ب - قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (فلمَّا مضى أبو عمرو عثمان بن سعيد قام ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان مقامه بنصِّ أبي محمّد (عليه السلام) عليه ونصِّ أبيه عثمان عليه بأمر القائم (عليه السلام))(٣١٦).
ج - قال عبد الله بن جعفر الحميري: (لمَّا مضى أبو عمرو (رضي الله تعالى عنه) أتتنا الكُتُب بالخطِّ الذي كنَّا نكاتب به بإقامة أبي جعفر (رضي الله عنه) مقامه)(٣١٧).
د - وعن محمّد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي أنَّه خرج إليه بعد وفاة أبي عمرو: «والابن وقاه الله لم يزل ثقتنا في حياة الأب (رضي الله عنه وأرضاه ونضَّر وجهه) يجري عندنا مجراه، ويسدُّ مسدَّه، وعن أمرنا يأمر الابن، وبه يعمل، تولَّاه الله، فانته إلى قوله: وعرِّف معاملتنا [معاملينا] ذلك»(٣١٨).
هـ - وعن إسحاق بن يعقوب: «... وأمَّا محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه وعن أبيه من قبل) فإنَّه ثقتي وكتابه كتابي»(٣١٩).
٢ - إجماع الشيعة وتسالمهم على سفارته:
ذكر الشيخ الطوسي (رحمه الله) ما يدلُّ على ذلك حيث قال: (... لم تزل الشيعة مقيمة على عدالة عثمان بن سعيد ومحمّد بن عثمان...، وجعل الأمر كلَّه مردوداً إليه، والشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته...، والتوقيعات تخرج على يده إلى الشيعة في المهمَّات طول حياته بالخطِّ الذي كانت تخرج في حياة أبيه عثمان، لا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيره، ولا يرجع إلى أحد سواه...، ومعجزات الإمام ظهرت على يده...، وهي مشهورة عند الشيعة...)(٣٢٠).
ففي هذا المقطع اجتمعت دلالة الإعجاز والضرورة والإجماع والشهرة كلِّها على نيابة الابن.
وبلغ الأمر من وضوحه عند الشيعة أنَّ المنازعات إذا حصلت فإنَّها تحلُّ بالرجوع إلى الشيخ أبي جعفر العمري، فقد روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عن أحمد الدلَّال القمِّي أنَّ جماعة من الشيعة اختلفوا في بعض المسائل العقائديَّة، فقال بعضهم: (... ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري فتسألونه عن ذلك فيُوضِّح لكم الحقَّ فيه؟ فإنَّه الطريق إلى صاحب الأمر (عجّل الله فرجه)، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلَّمت...)(٣٢١).
٣ - المعجزات التي ظهرت على يديه، ومنها:
أ - ما تقدَّم في النصِّ السابق من شيخ الطائفة (رحمه الله) حيث قال: (... ومعجزات الإمام ظهرت على يديه...).
ب - منها ما روي في معرفته وقت وفاته بالتحديد، روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده إلى عليِّ بن أحمد الدلَّال، قال: (دخلت على أبي جعفر محمّد ابن عثمان (رضي الله عنه) يوماً لأُسلِّم عليه، فوجدته وبين يديه ساجة ونقَّاش ينقش عليها ويكتب آياً من القرآن وأسماء الأئمَّة (عليهم السلام) على حواشيها، فقلت له: يا سيِّدي، ما هذه الساجة؟ فقال لي: هذه لقبري تكون فيه أُوضَع عليها - أو قال: أُسند إليها -، وقد عرفت منه، وأنا في كلِّ يوم أنزل فيه فأقرأ جزءاً من القرآن فيه فاصعد، وأظنُّه قال: فأخذ بيدي وأرانيه، فإذا كان يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا صرت إلى الله (عزَّ وجلَّ) ودُفنت فيه وهذه الساجة (معي)، فلمَّا خرجت من عنده أثبتُّ ما ذكره، ولم أزل مترقِّباً به ذلك، فما تأخَّر الأمر حتَّى اعتلَّ أبو جعفر، فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر الذي قاله من السنة التي ذكرها، ودُفِنَ فيه)(٣٢٢).
ج - ومنها ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن محمّد بن عليٍّ الأسود الذي كان يحمل الأموال إلى أبي جعفر (رضي الله عنه)، قال: (فحملت إليه يوماً شيئاً من الأموال في آخر أيَّامه قبل موته بسنتين أو ثلاث سنين، فأمرني بتسليمه إلى أبي القاسم الروحي (رضي الله عنه) وكنت أُطالبه بالقبوض، فشكا ذلك إلى أبي جعفر العمري (رضي الله عنه)، فأمرني أنْ لا أُطالبه بالقبض، وقال: كلَّما وصل إلى أبي القاسم وصل إليَّ، قال: فكنت أحمل بعد ذلك الأموال إليه ولا أُطالبه بالقبوض)، قال مصنِّف هذا الكتاب (رضي الله عنه): الدلالة في هذا الحديث هي في المعرفة بمبلغ ما يُحمَل إليه والاستغناء عن القبوض، ولا يكون ذلك إلَّا عن أمر الله (عزَّ وجلَّ)(٣٢٣).
مدفنه (رضي الله عنه):
مات العمري في سنة (٣٠٤) أو (٣٠٥) هجريَّة، وكان يتولَّى أمر النيابة ما يقارب (٥٠) سنة، وأنَّ قبره كما قال أبو نصر هبة الله: (إنَّ قبر أبي جعفر محمّد بن عثمان عند والدته في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره ومنازله (فيه)، وهو الآن في وسط الصحراء (قدّس سره))(٣٢٤).
أمَّا في زماننا الآن فيقع قبره في وسط مدينة بغداد في منطقة الخلَّاني، وعلى قبره قبَّة شامخة، ومقامه عامر يتَّصل به مسجد تُقام فيه الصلوات.

* * *
الدرس الثامن والعشرون: النيابة الخاصَّة

السفير الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي (رضي الله عنه):
هو الحسين بن روح بن بحر النوبختي، يُكنَّى بأبي القاسم، وله عدَّة ألقاب، منها: الروحي، النوبختي، القمِّي، القيني أو القسي(٣٢٥).
بدايات النوبختي:
عن جعفر بن محمّد المدائني المعروف بابن قزدا، قال: (كان من رسمي إذا حملت المال الذي في يدي إلى الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري (قدّس سره) أنْ أقول له...، فصرت إليه آخر عهدي به (قدّس سره)...، فقلت له على رسمي، فقال لي: امض بها إلى الحسين بن روح، فتوقَّفت، فقلت: تقبضها أنت منِّي على الرسم؟ فردَّ عليَّ كالمنكر لقولي، وقال: قم عافاك الله فادفعها إلى الحسين بن روح...)، إلى أنْ يقول: (... فقال لي: ما الذي جرَّأك على الرجوع؟ ولِمَ لم تمتثل ما قلته لك؟ ... فقال لي وهو مغضب: قم عافاك الله، فقد أقمت أبا القاسم حسين بن روح مقامي ونصبته منصبي، فقلت: بأمر الإمام؟ فقال: قم عافاك الله كما أقول لك، فلم يكن عندي غير المبادرة. فصرت إلى أبي القاسم بن روح...، وما زلت أحمل إليه ما يحصل في يدي بعد ذلك)(٣٢٦).
وروي في تمهيد أبي جعفر لأبي القاسم عن أُمِّ كلثوم بنت أبي جعفر (رضي الله عنه): (كان أبو القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) وكيلاً لأبي جعفر (رضي الله عنه) سنين كثيرة ينظر له في أملاكه، ويُلقي بأسراره الرؤساء من الشيعة، وكان خصِّيصاً به حتَّى إنَّه كان يُحدِّثه بما يجري بينه وبين جواريه لقربه منه وأُنسه...، فحصَّل في أنفس الشيعة محصلاً جليلاً، لمعرفتهم باختصاص أبي إيَّاه وتوثيقه عندهم...)(٣٢٧).
وعن جعفر بن أحمد بن متيل القمّي يقول: (... كان محمّد بن عثمان أبو جعفر العمري (رضي الله عنه) له من يتصرَّف له ببغداد نحو من عشرة أنفس، وأبو القاسم ابن روح (رضي الله عنه) فيهم...، فلمَّا كان وقت مضيِّ أبي جعفر (رضي الله عنه) وقع الاختيار عليه، وكانت الوصيَّة إليه)(٣٢٨).
الانقياد والطاعة:
ومن جميل التقديرات الإلهيَّة ما نقله الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن المشايخ، قال: (وقال مشايخنا: كنَّا لا نشكُّ أنَّه إنْ كانت كائنة من [أمر] أبي جعفر لا يقوم مقامه إلَّا جعفر بن أحمد بن متيل أو أبوه...، فلمَّا كان عند ذلك ووقع الاختيار على أبي القاسم سلَّموا ولم يُنكِروا، وكانوا معه وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر (رضي الله عنه))(٣٢٩).
هؤلاء هم جملة من الأعيان والعظماء والفقهاء، لاحظ الطاعة والانقياد والإجماع.
وعن عليِّ بن محمّد بن متيل، عن عمِّه جعفر بن أحمد بن متيل، قال: (لمَّا حضرت أبا جعفر محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) الوفاة كنت جالساً عند رأسه أسأله وأُحدِّثه، وأبو القاسم بن روح عند رجليه، فالتفت إليَّ ثمّ قال: أُمرت أنْ أُوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح)، قال: (فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني وتحوَّلت إلى عند رجليه)(٣٣٠).
التنصيص عليه:
١ - ممَّا دلَّ على سفارته النصُّ عليه، وقد جاء ذلك ضمن أخبار كثيرة، منها:
أ - عن أحمد بن إبراهيم وعبد الله بن إبراهيم وجماعة من بني نوبخت أنَّ أبا جعفر العمري لمَّا اشتدت حاله اجتمع جماعة من وجوه الشيعة...، فدخلوا على أبي جعفر (رضي الله عنه)، فقالوا له: إنْ حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (عليه السلام)، والوكيل [له]، والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أُموركم وعوِّلوا عليه في مهمَّاتكم، فبذلك أُمرت وقد بلَّغت)(٣٣١)، وغيره مثله أو قريب منه.
ب - ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عن جعفر بن محمّد المدائني المعروف بـ(ابن قزدا) في حديث طويل - جاء فيه - عن الشيخ محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه): (... أقمت أبا القاسم حسين بن روح مقامي ونصبته منصبي...)(٣٣٢).
ج - ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عن جعفر بن أحمد بن متيل فيما يرويه عن الشيخ محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) حين حضرته الوفاة وهو جالس عند رأسه، قال الشيخ العمري (رضي الله عنه): (أُمرت أنْ أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح)(٣٣٣).
د - وما رواه (رحمه الله) أيضاً بسنده إلى محمّد بن همَّام، عن أبي جعفر العمري، جاء فيه: (... إنْ حدث عليَّ حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقد أُمِرْتُ أنْ أجعله في موضعي بعدي، فارجعوا إليه وعوِّلوا في أُموركم عليه)(٣٣٤).
٢ - تسالم الشيعة ووجوهها وفقهائها على سفارته:
وممَّا جاء في هذا ما رواه شيخ الطائفة (رحمه الله) بسنده عن أُمِّ كلثوم بنت أبي جعفر (رضي الله عنه) في حديث طويل محلُّ الشاهد منه: (... فلم يختلف في أمره ولم يشكّ فيه أحد إلَّا الجاهل بأمر أبي أوَّلاً، مع ما لست أعلم أنَّ أحداً من الشيعة شكَّ فيه)(٣٣٥).
٣ - ظهور المعاجز على يديه:
وهي كثيرة، منها ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن الصفواني، قال: وافى الحسن بن عليٍّ الوجناء النصيبي سنة سبع وثلاثمائة ومعه محمّد بن الفضل الموصلي، وكان رجلاً شيعيًّا غير أنَّه يُنكِر وكالة أبي القاسم بن روح (رضي الله عنه) ويقول: إنَّ هذه الأموال تخرج في غير حقوقها. فقال الحسن بن عليٍّ الوجناء لمحمّد بن الفضل: يا ذا الرجل، اتَّق الله فإنَّ صحَّة وكالة أبي القاسم كصحَّة وكالة أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري، وقد كانا نزلا ببغداد على الزاهر، وكنَّا حضرنا للسلام عليهما، وكان قد حضر هناك شيخ لنا يقال له: أبو الحسن بن ظفر وأبو القاسم بن الأزهر، فطال الخطاب بين محمّد بن الفضل وبين الحسن بن عليٍّ، فقال محمّد بن الفضل للحسن: من لي بصحَّة ما تقول وتثبت وكالة الحسين ابن روح؟ فقال الحسن بن عليٍّ الوجناء: أُبيِّن لك ذلك بدليل يثبت في نفسك، وكان مع محمّد بن الفضل دفتر كبير فيه ورق طلحي مجلَّد بأسود فيه حسباناته، فتناول الدفتر الحسن وقطع منه نصف ورقة كان فيه بياض، وقال لمحمّد بن الفضل: أبروا لي قلماً، فبرى قلماً، واتَّفقا على شيء بينهما لم أقف أنا عليه وأطلع عليه أبا الحسن بن ظفر، وتناول الحسن بن عليٍّ الوجناء القلم، وجعل يكتب ما اتَّفقا عليه في تلك الورقة بذلك القلم المبري بلا مداد، ولا يُؤثِّر فيه حتَّى ملا الورقة. ثمّ ختمه وأعطاه لشيخ كان مع محمّد بن الفضل أسود يخدمه، وأنفذ بها إلى أبي القاسم الحسين بن روح ومعنا ابن الوجناء لم يبرح، وحضرت صلاة الظهر فصلَّينا هناك، ورجع الرسول فقال: قال لي: امض فإنَّ الجواب يجيء، وقُدِّمت المائدة فنحن في الأكل إذ ورد الجواب في تلك الورقة مكتوب بمداد عن فصل فصل، فلطم محمّد بن الفضل وجهه ولم يتهنَّأ بطعامه، وقال لابن الوجناء: قم معي، فقام معه حتَّى دخل على أبي القاسم بن روح (رضي الله عنه) وبقي يبكي ويقول: يا سيِّدي أقلني أقالك الله، فقال أبو القاسم: يغفر الله لنا ولك إنْ شاء الله(٣٣٦).
الحكمة في تدبير الأُمور:
ومن جميل ما ورد في حسن تدبيره واستعماله التقيَّة والحكمة ما روي عن أبي أحمد درانويه: (... كنت أنا وإخوتي ندخل إلى أبي القاسم...، ونحن مثلاً عشرة تسعة نلعنه وواحد يُشكِّك، فنخرج من عنده بعدما دخلنا إليه تسعة نتقرَّب إلى الله بمحبَّته وواحد واقف...)(٣٣٧).
قال ابن نوح: (وسمعت جماعة من أصحابنا بمصر يذكرون أنَّ أبا سهل النوبختي سُئِلَ، فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي قاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقي الخصوم وأُناظرهم، ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجَّة (على مكانه) لعلِّي كنت أدلُّ على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجَّة تحت ذيله وقُرِّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه - أو كما قال -)(٣٣٨).
مدفنه (رضي الله عنه):
قال الشيخ (رحمه الله): قال لي أبو نصر: مات أبو القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) في شعبان سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة...، وقبره في النوبختيَّة في الدرب الذي كانت فيه دار عليِّ بن أحمد النوبختي(٣٣٩).
وهو اليوم في وسط مدينة بغداد في المنطقة المعروفة بالشورجة، وله بناء كبير وشامخ، ومزار عظيم يُزار ويُتبرَّك به.
السفير الرابع: أبو الحسن عليُّ بن محمّد السمري (رضي الله عنه):
هو عليُّ بن محمّد السمري، أبو الحسن، وقيل: الصيمري(٣٤٠).
وكانت مدَّة نيابته قليلة بالقياس إلى من سبقه من النوَّاب (رضي الله عنهم) حيث استمرَّت ثلاث سنوات.
وممَّا دلَّ على سفارته أُمور:
١ - النصُّ عليه كما جاء في الأخبار، ومنها:
ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عن عبد الله محمّد بن أحمد الصفواني، قال: (أوصى الشيخ أبو القاسم (رضي الله عنه) إلى أبي الحسن عليِّ بن محمّد السمري (رضي الله عنه)، فقام بما كان إلى أبي القاسم)(٣٤١).
٢ - المعاجز والوضوح، وممَّا روي في ذلك:
أ - ما روي في ذكره لحادثة وفاة والد الشيخ الصدوق (رحمه الله) حيث روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عن أحمد بن إبراهيم بن مخلد، قال: (حضرت بغداد عند المشايخ (رحمه الله)، فقال الشيخ أبو الحسن عليُّ بن محمّد السمري (قدّس سره) ابتداءً منه: رحم الله عليَّ بن الحسين بن بابويه القمّي، قال: فكتب المشايخ تاريخ ذلك اليوم، فورد الخبر أنَّه تُوفِّي في ذلك اليوم)(٣٤٢).
ب - وذكر الشيخ الطوسي (رحمه الله) قائلاً: (قد ذكرنا جملاً من أخبار السفراء والأبواب في زمان الغيبة، لأنَّ صحَّة ذلك مبنيٌّ على ثبوت إمامة صاحب الزمان (عليه السلام)، وفي ثبوت وكالتهم وظهور المعجزات على يديهم دليل واضح على إمامة من انتموا إليه، فلذلك ذكرنا هذا)(٣٤٣).
و(لمَّا حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده، وسألته عن الموكَّل بعده ولمن يقوم مقامه، فلم يُظهِر شيئاً من ذلك، وذكر أنَّه لم يُؤمَر بأنْ يُوصي إلى أحد بعده في هذا الشأن)(٣٤٤).
روى الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتِّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفِّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (قدَّس الله روحه)، فحضرته قبل وفاته بأيَّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:
التوقيع الأخير للسفير الرابع (رضي الله عنه):
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ اَلسَّمُرِيَّ، أَعْظَمَ اَللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ يَقُومُ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَيْبَةُ اَلثَّانِيَةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اَللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ اَلْأَمَدِ...»، قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيُّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، ومضى (رضي الله عنه)، فهذا آخر كلام سُمِعَ منه(٣٤٥).
وفي نسخة الشيخ الطوسي (رحمه الله): «... فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَيْبَةُ اَلتَّامَّةُ...»(٣٤٦).
وسند الخبر تامٌّ على ما يأتي.
وقبره في الشارع المعروف بشارع الخلنجي قريب من شاطئ نهر أبي عتاب(٣٤٧)، وهو اليوم في وسط مدينة بغداد في الشارع المعروف بشارع النهر، قرب مرقد الشيخ الكليني (رحمه الله)، وله مزار يقصده الناس للتبرُّك.
يقول الشيخ الطبرسي (رحمه الله): (وكان مدَّة غيبته الأُولى وهي زمان السفارة أربعاً وسبعين سنة، منها خمس سنين مع أبيه (عليه السلام)، وتسع وستُّون سنة بعد أبيه، قد كان يُعرَف فيها أخباره ويُقتفى آثاره ويُهتدى إليه بوجود سفير بينه وبينهم وباب قد دلَّ الدليل القاطع على صدقه وصحَّة بابيَّته وسفارته، وهي المعجزة التي كانت تظهر على يد كلِّ واحد من الأبواب، وعدد الأبواب وهم السفراء أربعة)(٣٤٨).
وبذلك تنتهي مدَّة الغيبة الصغرى، وتبدأ مرحلة الغيبة الثانية كما هو صريح التوقيع الأخير.
ربَّما يرد استفهام من المؤمنين ومن الخصوم استشكال مفاده:
هل أنَّ السفير يلتقي الإمام (عجّل الله فرجه)، أم تصل الرسائل والتوقيعات إليه دون الرؤية؟
والجواب عن ذلك:
ليس بالضرورة أنْ يكون التواصل مباشراً تسلُّم وتسليم التوقيعات المباركة دائماً، فقد يكون هناك لقاء حين كما في النقاط التالية، وقد لا يكون هناك لقاء مباشر.
١ - قصَّة الزهري وأنَّ العمري أراه الإمام (عجّل الله فرجه) في صبيحة غده(٣٤٩).
٢ - تقدَّمت جملة من النصوص أنَّه يرى الإمام (عجّل الله فرجه)، فقد سأله الحميري: أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمّد (عليه السلام)؟ فقال: إي والله ورقبته مثل ذا - وأومأ بيده -(٣٥٠).
٣ - في (تهذيب الأحكام) زيارة الأبواب منسوبة إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه): (إنَّ الله اختصَّك بنوره حتَّى عاينت الشخص فأدَّيت عنه وأدَّيت إليه...)(٣٥١).
٤ - أنَّ الفقهاء كابن بابويه شيخ الفقهاء في زمانه سأل (أبا القاسم الروحي أنْ يسأل مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) أنْ يدعو الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يرزقه ولداً ذَكَراً...، ثمّ أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيَّام أنَّه قد دعا لعليِّ بن الحسين...)(٣٥٢)، وهي ظاهرة في السؤال المباشر، لأنَّ ابن بابويه سأل أبا القاسم أنْ يسأل مولانا، ثمّ أخبره بعد الثلاثة أنَّه دعا له، والضمير عائد على الإمام (عجّل الله فرجه) كما هو ظاهر من سياق الكلام.
عظمة مقام السفراء (رضي الله عنهم):
ممَّا ينبغي الالتفات إليه أنَّ معرفة حال السفراء شكَّلت جزءاً من المنظومة العقائديَّة لدى الشيعة حتَّى غدا الشكُّ فيهم مدعاة للوقوع في الزلل والخطل العظيم، كما حدث مع محمّد بن الفضل الموصلي، وكان رجلاً شيعيًّا غير أنَّه يُنكِر وكالة أبي القاسم بن روح (رضي الله عنه) ويقول: إنَّ هذه الأموال تخرج في غير حقوقها، فحدثت له كرامة مع أبي القاسم (رضي الله عنه) دعت إلى الرجوع عمَّا هو فيه، فقال مخاطباً له: أقلني أقالك الله(٣٥٣).
الوكالة عن السفير:
الظرف العصيب الذي مرَّت به سفارة أبي القاسم دعته أنْ يجعل بديلاً عنه في بعض الحالات، كما نلاحظ ذلك في هذين النصَّين، فعن أبي غالب الرازي: (... في أيَّام الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) واستتاره، ونصبه أبا جعفر محمّد بن عليٍّ المعروف بالشلمغاني، وكان مستقيماً لم يظهر منه ما ظهر (منه) من الكفر والإلحاد، وكان الناس يقصدونه ويلقونه لأنَّه كان صاحب الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح سفيراً بينهم وبينه في حوائجهم ومهمَّاتهم، فقال لي صاحبي: هل لك أنْ تلقى أبا جعفر وتُحدِث به عهداً فإنَّه المنصوب اليوم للطائفة فإنِّي أُريد أنْ أسأله شيئاً من الدعاء يكتب به إلى الناحية...)(٣٥٤)، وفي هذا النصِّ عدَّة دلالات، منها وضوح مصطلح الناحية، وفي نصٍّ آخر الحضرة حيث ورد أنَّ الصدوق الأب كتب إلى الشيخ أبي القاسم أنْ (يسأل الحضرة أنْ يدعو الله أنْ يرزقه أولاداً فقهاء)(٣٥٥) إلَّا أنَّ مصطلح الناحية المقدَّسة أكثر شيوعاً.
وممَّا ابتُلي به الشيخ الحسين بن روح (رضي الله عنه) في زمانه تجلِّي ظاهرة الادِّعاء، وسنتحدَّث عنها، وتعرُّضه رغم تقيَّته وشدَّة حكمته إلى الكثير من المضايقات من السلطة رغم العلاقة الجيِّدة مع بني فرات...، على ما يأتي ذكره في دراسة أوسع.
اللقاء بالإمام (عجّل الله فرجه) بتوسُّط السفير:
وممَّا قد يُستفاد منه دوام الاتِّصال بالحجَّة وسرعته، القصَّة التي تُروى عن طلب الزهري للإمام طلباً حثيثاً حتَّى أنفق في ذلك مالاً صالحاً وعظيماً، ثمّ لازم العمري وطلب اللقاء، فحصل له ما أراد(٣٥٦).

* * *
الدرس التاسع والعشرون: الغيبة الكبرى

وممَّا دلَّ على وجودها:
١ - الروايات المتقدِّمة التي قسَّمت الغيبة إلى قسمين، وتقدَّمت في الدرس العشرين.
٢ - لو كان لبان، مع كثرة الابتلاء فلو كان ثَمَّة استمرار للغيبة الصغرى بنفس الكيفيَّة أو كيفيَّة أُخرى لها خصائص معيَّنة، لبان.
٣ - ما نقله الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عن الشيخ جعفر بن محمّد بن قولويه شيخ الطائفة في زمانه: (... لأنَّ عندنا أنَّ كلَّ من ادَّعى الأمر بعد السمري (رحمه الله) فهو كافر منمِّس ضالٌّ مضلٌّ...)(٣٥٧).
٤ - التوقيع المتقدِّم حيث نصَّ على وقوع «الغيبة التامَّة»، أو بعبارة الشيخ الصدوق (عليه السلام): «فقد وقعت الغيبة الثانية».
إنْ قلت: إنَّ سند التوقيع المتقدِّم فيه كلام من جهة الحسن بن أحمد المكتِّب.
قلت:
أ - في بعض الموارد المضمون كافٍ لإثبات صدقه، فالتوقيع موافق لما وقع وما ذكرته الروايات.
ب - المكتِّب نظير إبراهيم بن هاشم القمّي، فإنَّه - المكتِّب - وإنْ لم يُنَصّ على وثاقته إلَّا أنَّ إكثار الثقات، بل الأجلاء عنه، وترحُّم الصدوق عليه مكرَّراً بل تعظيمه له، حتَّى عُبِّرَ عنه أنَّه من أجلَّة مشايخ الصدوق(٣٥٨)، كاشف عنها.
أدلَّة نيابة الفقهاء عن الإمام (عجّل الله فرجه) في الغيبة الكبرى:
الدليل الأوَّل: الأدلَّة القرآنيَّة:
ونذكر منها ثلاثة:
١ - آية النفر:
قوله تعالى: ﴿فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
بتقريب: أنَّ التفقُّه ثمّ الإنذار غائي لأجل الحذر عند القوم، سواء حصل العلم من إنذار المنذرين أم لا، فتفيد وجوب التعبُّد بقول الفقيه مطلقاً، والحذر إنَّما للتحفُّظ عن الوقوع في ما يوجب المهالك لا لنفسه، فهو عنوان للعمل(٣٥٩).
إنْ قلت: إنَّ الفقاهة في زمن الآية غيرها الآن، فالموضوع مختلف.
قلت: الآية أخذت العنوان - ليتفقَّهوا - وهو صادق على أفراده وإنْ حصل اختلاف في بعض مصاديقه من حيث الشدَّة والضعف لاختلاف الزمان، فإنَّ الفقاهة في زمان الشيخ الطوسي (رحمه الله) هي هي في زماننا، إلَّا أنَّ المقدّمات للوصول إليها قد توسَّعت بسبب توسُّع العلوم والحاجة وغير ذلك.
على أنَّنا لا نُسلِّم أنَّ معنى الفقاهة مختلف، بل واحد في جميع الأعصار، لأنَّها عبارة عن معرفة الحكم بالأدلَّة، وهي هي في كلِّ زمان، نعم قد يكون سهلاً في زمان دون آخر، وهذا لا يوجب تغاير الموضوع.
والآية مطلقة من حيث الحضور والغيبة، بل فيها - الغيبة - أولى إذ مع وجود الإمام وحضوره (عليه السلام) عمل الأصحاب بها، فكيف مع عدم الحضور.
٢ - آية السؤال:
قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣).
بتقريب: أنَّها دالَّة على وجوب السؤال عند الجهل بالحكم، وهو مقدّمة للعمل به، وبذلك تدلُّ على وجوب رجوع الجاهل للعالم للعمل بما يُفتي(٣٦٠).
لا يقال: إنَّه من قبيل الحثِّ على التعلُّم للعمل بالعلم.
فإنَّه يقال: إنَّ أمثال هذا الخطاب هو لبيان الوظيفة عند عدم العلم للعمل به، نظير العمل على قول الطبيب، وليس الغرض من سؤال الطبيب أنْ يصير المريض طبيباً، فالطبيب له ولاية عقلائيَّة بمقدار حاجة المريض للتشخيص والشفاء من مرضه.
إنْ قلت: أهل الذكر مختصٌّ بأهل البيت (عليهم السلام).
قلت: لا وجه للاختصاص، وهم أكمل أفراده، والآية تضمَّنت كبرى الرجوع للعالم.
٣ - آية الاتِّباع:
قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيًّا﴾ (مريم: ٤٣).
بتقريب: أنَّها دالَّة على وجوب طاعة الفقيه ومتابعته، لعلمه.

* * *
الدرس الثلاثون: أدلَّة نيابة الفقيه في الغيبة الكبرى

الدليل الثاني: السيرة العقلائيَّة:
القائمة على رجوع الجاهل للعالم، حيث استقرَّت سيرتهم في جميع الأعصار والأمصار من جميع الأُمَم والمذاهب على ذلك، فهم يرجعون للخبير المتخصِّص إذا كان ثقةً مأموناً.
وهي ممضاة من قِبَل الشارع، ودلالتها على الرجوع للفقهاء في زمن الغيبة إنْ لم يكن أولى فلا فرق فيه بينهما.
الدليل الثالث: روايات الإرجاع:
الروايات التي أرجعت الشيعة إلى بعض أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) كالعمري وابنه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: «... وما قالا لك فعنِّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنَّهما الثقتان المأمونان»(٣٦١)، فهي بصدد التعليل بكبرى مرتكزة في الأذهان من الرجوع إلى فتوى الثقة المأمون إذا كان المكلَّف غير مؤهَّل لها.
وكيونس بن عبد الرحمن، فعن الإمام الرضا (عليه السلام): «خذ عن يونس بن عبد الرحمن»(٣٦٢).
وما روي عن محمّد بن عيسى، عنه (عليه السلام) أيضاً: ... لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلِّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: «نعم»(٣٦٣)، ودلالته واضحة على المقصود، إذ المدار فيها على الثقة لكي يأخذ عنه معالم الدِّين، إذ لو كان يريد يونس بمعزل عن وثاقته لما كان قيَّد بها، ومع التقييد بها لا خصوصيَّة له إلَّا أنَّه من أوضح مصاديقها أو أقربها وأسهلها وصولاً إلى السائل.
وكالحارث بن المغيرة الذي ورد فيه عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النضري»(٣٦٤).
وكزكريا بن آدم القمّي الذي ورد فيه عن علي بن المسيّب، عن الرضا (عليه السلام): ... فممَّن آخذ معالم ديني؟ فقال: «من زكريا بن آدم القمِّي المأمون على الدِّين والدنيا...»(٣٦٥).
وكبريد وأبي بصير وزرارة ومحمّد بن مسلم حيث سُمِعَ فيهم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... بريد بن معاوية العجلي، وأبو بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمّد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء أُمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوَّة واندرست»(٣٦٦).
وفي نصٍّ آخر عنه (عليه السلام): «... ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حُفَّاظ الدِّين وأُمناء أبي (عليه السلام) على حلال الله وحرامه...»(٣٦٧).
وكأبان بن تغلب حيث ورد فيه عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... اجلس في مسجد المدينة وافت الناس، فإنِّي أُحِبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلك»(٣٦٨)، فمع حضور الإمام (عليه السلام) ووجوده في المدينة أمره بالجلوس في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإفتاء الناس، فكيف بمن كان فقيهاً في زمان الغيبة؟
وغيرها من الأخبار.
إنْ قلت: إنَّ هذه الروايات خاصَّة بمن ذُكِرَ فيها.
قلت: هي بصدد التعليل بكبرى مرتكزة في الأذهان من الرجوع إلى فتوى الثقة المأمون إذا كان المكلَّف غير مؤهَّل لها.
الدليل الرابع: المقبولة:
مقبولة عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... ينظران [إلى] من كان منكم ممَّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنِّي قد جعلته عليكم حاكماً...»(٣٦٩).
محمّد بن عيسى ثقة عين بنصِّ النجاشي، فلا يضرُّ قول الشيخ فيه بالضعف، لأنَّه معلَّل.
أمَّا داود بن حصين، فلا يضرُّ وقفه بعد قول النجاشي عنه: ثقة.
أمَّا عمر بن حنظلة، فقد يقال بتوثيقه بناءً على رواية تدلُّ على ذلك جاء فيها: «... إذن لا يكذب علينا»(٣٧٠)، إلَّا أنَّ فيها يزيد بن خليفة المجهول.
نعم كثرة روايته (عمر بن حنظلة) قد تُعَدُّ أمارة توثيقه. على أنَّ جملة من الأصحاب وثَّقوه كالشهيد الثاني(٣٧١)، كما ربَّما يظهر من غيره بعد استقصاء حاله حسنه، بل توثيقه(٣٧٢).
على أنَّ يونس يروي عنه، وهو من أصحاب الإجماع.
ولو غُضَّ النظر عن كلِّ ذلك، فالرواية معمول بها مركون إليها عند الأصحاب حتَّى عُرِفَت بـ(المقبولة).
تقريب دلالتها: أنَّ الإمام (عليه السلام) قد جعل الفقيه حاكماً.
إنْ قلت: إنَّ هذا في زمن الحضور دون الغيبة.
قلت: لا نحتمل الخصوصيَّة، فالإطلاق الأزماني محكَّم، فحضوره أو عدمه بعد إطلاق الجعل لا نحتمل خصوصيَّته. على أنَّه لو كان مراداً لنُبِّه عليه.
إنْ قلت: إنَّ مورد الرواية ما إذا رضيا به فإنَّ الإمام يجعله دون ما لم يرضيا.
قلت: إنَّ الرضا هنا ليس قضيَّة وجدانيَّة شخصيَّة، وإنَّما الرضا المتفرِّع على الضوابط، لذلك قال (عليه السلام): «ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا». على أنَّه (عليه السلام) أمر بالرضا به، أي من كان مؤهَّلاً للنظر في الحلال والحرام هو المرضي وهو المجعول من قِبَل الإمام (عليه السلام).

* * *
الدرس الحادي والثلاثون: أدلَّة نيابة الفقيه في الغيبة الكبرى

الدليل الخامس: الارتكاز المتشرعي:
فإنَّه من المركوز في الذهنيَّة الشرعيَّة من زمان النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) رجوع الناس في مسائلهم الشرعيَّة إلى المنصوبين من قِبَل الأئمَّة (عليهم السلام) في زمان حضورهم، وفي البلدان التي يتواجدون فيها، ولا نحتمل الخصوصيَّة لذلك الزمان.
الدليل السادس: الأولويَّة:
فإنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) نصبوا من ترجع له الشيعة في المسائل، مع إمكان الرجوع إليهم (عليهم السلام) من بعض الناس في زمان حضورهم، فمن باب أولى يكون ذلك في زمان عدم إمكان رجوع الجميع إليهم (عليهم السلام) في زمن الغيبة التامَّة.
الدليل السابع: رواة الحديث خلفاء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
منها: قال الصدوق (رحمه الله): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): اللَّهُمَّ ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسُنَّتي»(٣٧٣)، الصدوق (رحمه الله) رواه مرسَلاً بلسان قال، فقد يُستفاد اعتباره.
وتقريب الدلالة: أنَّ من مهمَّات النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي ترحَّم على من يخلفه فيها هو بيان الأحكام الشرعيَّة.
ونوقش بعدَّة مناقشات في محلِّها تأتي في دراسة أوسع إنْ شاء الله تعالى.
الدليل الثامن: وراثة الأنبياء (عليهم السلام):
منها: صحيح القدَّاح عن أبي عبد الله (عليه السلام) الذي جاء فيه: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً...»، إلى أنْ يقول: «... العلماء ورثة الأنبياء»(٣٧٤).
بتقريب: أنَّ من مهامِّ الأنبياء (عليهم السلام) بيان الأحكام ورجوع الناس إليهم، فكذلك العلماء، إذ قد ورثوا الأنبياء (عليهم السلام).
إنْ قلت: إنَّ العلماء مصطلح خاصٌّ بالأئمَّة (عليهم السلام).
قلت: لا دليل على الاختصاص بهم فهم الكاملون من العلماء. على أنَّ الحديث يقول: «من سلك طريقاً» أي فيما يرتبط بالعلوم الكسبيَّة لا اللدنّيَّة.
نعم، هو ليس في مقام الجعل والإنشاء، وإنَّما حكاية عن طُرُق انتقال العلم، أو هو لبيان مقام العلماء ومنزلتهم لا من جهة الرجوع إليهم.
الدليل التاسع: الحوادث الواقعة:
توقيع إسحاق بن يعقوب: «... وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله عليهم»(٣٧٥).
وقد يُوجَّه إمكان اعتبار الطريق(٣٧٦).
أمَّا الدلالة: فبعد تجاوز كون المراد بالرواة النقلة بل نظرهم، إذ قال: «إنَّهم حجَّتي»، ولم يقل: رواياتهم.
قال في (جامع المدارك): (فإنَّه إنَّما يناسب الأُمور التي يكون المرجع فيها الرأي والنظر...)(٣٧٧).
كما أنَّ التعليل بكونهم الحجَّة على الناس يناسب ذلك.
إنْ قلت: لعلَّ الحوادث إشارة إلى حوادث معيَّنة تضمَّنها التوقيع أو عليها عهد خاصٌّ، فلا إطلاق.
قلت: فضلاً عن كونه مجرَّد احتمال، فإنَّ التعليل يدفعه.
الدليل العاشر: الإجماع والتسالم:
قال الشيخ الجواهري (رحمه الله): (قال الكركي في المحكي من رسالته التي ألَّفها في صلاة الجمعة: اتَّفق أصحابنا على أنَّ الفقيه العادل الأمين الجامع لشرائط الفتوى المعبَّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية نائب من قِبَل أئمَّة الهدى (عليهم السلام) في حال الغيبة...)(٣٧٨).
وقال السيِّد بحر العلوم (رحمه الله): (أمَّا ثبوتها للفقيه، ولو في الجملة، فممَّا لا كلام فيه بعد الإجماع عليه بقسميه...)(٣٧٩).

* * *
الدرس الثاني والثلاثون: البحث الثالث: الانتفاع بالإمام (عجّل الله فرجه) في عصر الغيبة

يختلف زمن الغيبة عن الحضور خصوصاً في الكبرى، وهذا الاختلاف اقتضى اختلافاً في توزيع الوظائف وتجدُّد أُخرى، والبحث تارةً في التكليف والوظائف في جانب الإمام (عجّل الله فرجه) وقد يُعبَّر عنها بفوائد وجوده المبارك في عصر الغيبة الكبرى، وأُخرى في تكاليف ووظائف المكلَّفين فيها.
قد يرد: كيف يُنتَفع منه وهو غائب؟
قلت: قد أجاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن ذلك بقوله: «... إنَّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإنْ تجلَّلها سحاب...»(٣٨٠).
وعن سليمان بن مهران الأعمش، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ... قال سليمان: فقلت للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجَّة الغائب المستور؟ قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(٣٨١).
وقال هو (عجّل الله فرجه) عن ذلك في توقيعه المشهور إلى إسحاق بن يعقوب: «... وأمَّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبها عن الأبصار السحاب...»(٣٨٢).
والانتفاع بالشمس الغائبة خلف السحاب مدرَك بالوجدان والضرورة.
البحث الأوَّل: من آثار وفوائد ومهامّ مترتِّبة على وجود الإمام (عجّل الله فرجه) في عصر الغيبة الكبرى، حيث دلَّت العديد من الروايات على أنَّ لوجود الإمام (عليه السلام) وإنْ كان غائباً لا يُرى عدَّة فوائد في غاية الأهمّيَّة نشير إليها ضمن نقاط:
١ - وجوده ضرورة لمعرفة الله تعالى وعبادته:
في عدَّة روايات منها عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «إنَّما يعرف الله (عزَّ وجلَّ) ويعبده من عرف الله وعرف إمامه من أهل البيت، ومن لا يعرف الله (عزَّ وجلَّ) و[لا] يعرف الإمام منَّا أهل البيت فإنَّما يعرف ويعبد غير الله، هكذا والله ضُلَّالاً»(٣٨٣).
فوجود الإمام (عليه السلام) موجب لمعرفة الله تعالى وعبادته والخروج من الضلال.
٢ - معرفته شرط لقبول الأعمال:
فقبول الأعمال منوط بمعرفة الإمام (عليه السلام) - وليس حضوره، كما ربَّما قد يُتوهَّم -، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَللهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قال: «نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلَّا بمعرفتنا»(٣٨٤).
٣ - وجود الإمام لمعرفة الحقِّ من الباطل:
وممَّا دل على ذلك ما رواه أبو بصير عن أحدهما (عليهما السلام): «إنَّ الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يُعرَف الحقُّ من الباطل»(٣٨٥)، وهي صريحة في أنَّ وجود الإمام (عليه السلام) لمعرفة الحقِّ من الباطل.
٤ - وجوده لمعرفة الحلال والحرام:
وممَّا روي في ذلك عدَّة روايات، منها: عن أبي عبد الله (عليه السلام): «ما زالت الأرض إلَّا ولله فيها حجَّة، يعرف الحلال والحرام، ويدعو الناس إلى سبيل الله»(٣٨٦).
بتقريب: أنَّ وجود الحجَّة وإنْ كان غائباً ممَّا له أثر في حفظ الشريعة ومعرفة الحلال والحرام والدعوة إلى سبيل الله تعالى وإنْ لم نعرف كيفيَّة ذلك تفصيلاً، فالغيبة لا تمنع من ممارسة دوره المناط به بالكيفيَّة المتناسبة مع الغيبة.
٥ - وجوده لحفظ الشريعة من الزيادة أو النقصان:
وممَّا ورد في ذلك عدَّة روايات، منها: عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الأرض لا تخلو إلَّا وفيها إمام، كيما إنْ زاد المؤمنون شيئاً ردَّهم، وإنْ نقصوا شيئاً أتمَّه لهم»(٣٨٧).
وتقريبه: بما تقدَّم فإنَّ وجود الإمام (عليه السلام) في حفظ الدِّين من الزيادة والنقصان في الجملة ممَّا لا شكَّ فيه.
نعم، ليس بيدنا طريقة حفظه للدِّين، كما ليس بيدنا طريقة حفظ الله تعالى للدِّين ونصرة المؤمنين وتسيير أُمور الكون وما إلى ذلك.
٦ - وجوده للشهادة على أعمال الناس:
روى الكليني (رحمه الله) عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر (عليه السلام): «... ونحن الشهداء على الناس، فمن صدَّق يوم القيامة صدَّقناه، ومن كذَّب كذَّبناه»(٣٨٨).
٧ - وجوده لضرورة المعيَّة مع القرآن الكريم في كلِّ زمان:
فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا»(٣٨٩).
بتقريب: أنَّ معيَّة الإمام (عليه السلام) مع القرآن حتَّى في غيبته ضرورة لحفظ القرآن من التحريف، وهو ممَّا نصَّ عليه حديث الثقلين المتواتر.
٨ - وجوده لأجل هداية الناس:
فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «... كلُّ إمام هادٍ للقرن الذي هو فيهم»(٣٩٠)، وفي الخبر الذي بعده: «... ولكلِّ زمان منَّا هادٍ يهديهم...، ثمّ الهداة من بعده عليٌّ، ثمّ الأوصياء واحد بعد واحد»(٣٩١).
وإنْ كان بنحو الهداية التكوينيَّة.
٩ - مسك السماء والأرض بالإمام، وبه ينزل الغيث وتُنشَر الرحمة:
فعن الإمام الرضا (عليه السلام): «نحن حُجَج الله في خلقه، وخلفاؤه في عباده، وأُمناؤه على سرِّه، ونحن كلمة التقوى، والعروة الوثقى، ونحن شهداء الله وأعلامه في بريَّته، بنا يُمسِك الله السماوات والأرض أنْ تزولا، وبنا يُنزِل الغيث وينشر الرحمة، ولا تخلو الأرض من قائم منَّا ظاهر أو خافٍ، ولو خلت يوماً بغير حجَّة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله»(٣٩٢).
١٠ - وجوده لأجل نزول الرزق:
فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «... بنا أثمرت الأشجار، وأينعت الثمار، وجرت الأنهار، وبنا ينزل غيث السماء، وينبت عشب الأرض، وبعبادتنا عُبِدَ الله، ولولا نحن ما عُبِدَ الله»(٣٩٣).
١١ - وجوده لأجل دفع البلاء وخروج البركات:
عن أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليه السلام): «... يا أحمد بن إسحاق، إنَّ الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام)، ولا يخليها إلى أنْ تقوم الساعة من حجَّة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه يُنزل الغيث، وبه يُخرج بركات الأرض...»(٣٩٤).
١٢ - وجوده لأجل استجابة الدعاء:
فعن أبي جعفر (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديثه مع أمير المؤمنين (عليه السلام): «... قال: الأئمَّة من ولدك...، وبهم يُستجاب دعاؤهم، وبهم يصرف الله عنهم البلاء، وبهم تنزل الرحمة من السماء، وهذا أوَّلهم - وأومأ بيده إلى الحسن (عليه السلام)، ثمّ أومأ بيده إلى الحسين (عليه السلام) -، ثمّ قال (عليه السلام): الأئمَّة من ولده»(٣٩٥).
اتَّضح أنَّ فائدة وجوده لا تقتصر على حضوره (عجّل الله فرجه)، فوجوده بين الناس ضرورة لا يمنع منها خفاء عنوانه وعدم معرفته في غيبته، وهناك وظائف وفوائد أُخرى تأتي في دراسة أوسع إنْ شاء الله تعالى.

* * *
الدرس الثالث والثلاثون: الوظيفة تجاه الإمام (عجّل الله فرجه) في الغيبة

وظيفة المكلَّفين تجاه الأئمَّة (عليهم السلام) سواء زمان حضورهم أو غيباتهم هي هي على حدٍ سواء.
أ - ضرورة معرفة الإمام في كلِّ زمان بشخصه ونعته:
ففي صحيح زرارة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «اعرف إمامك فإنَّك إذا عرفت لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر»(٣٩٦).
وفي النصِّ الذي يليه: «... ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أنْ يقوم صاحب هذا الأمر، كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره، لا بل بمنزلة من قعد تحت لوائه...، بمنزلة من استُشهِدَ مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٣٩٧).
وقد ورد في الدعاء: «... اللَّهُمَّ عرِّفني حجَّتك فإنَّك إنْ لم تُعرِّفني حجَّتك ضللت عن ديني...»(٣٩٨)، وهو من الأدعية في زمن الغيبة، وبهذه المعرفة اللَّازمة تحصل النجاة من الميتة الجاهليَّة(٣٩٩).
ب - الطاعة للإمام:
في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالى، الطاعة للإمام بعد معرفته»، ثمّ قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠]»(٤٠٠).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن الأئمَّة، هل يجرون في الأمر والطاعة مجرى واحد؟ قال: «نعم»(٤٠١)، وتقدَّم تفصيل الكلام في أدلَّة إمامته في الفصل الأوَّل.
ومن الوظائف التي نصَّت عليها الأدلَّة والتي ينبغي مراعاتها بأعلى الدرجات في خصوص الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هي:
١ - الانتظار والتسليم وعدم الاستعجال:
فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... والذي بعثني بالحقِّ بشيراً، إنَّ الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر...»(٤٠٢).
وعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «... طوبى لشيعتنا، المتمسِّكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أُولئك منَّا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمَّة، ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم، ثمّ طوبى لهم، وهم والله معنا في درجتنا يوم القيامة»(٤٠٣).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «للقائم منَّا غيبة أمدها طويل، كأنِّي بالشيعة يجولون جولان النَّعَم في غيبته، يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألَا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول أمد غيبة إمامه، فهو معي في درجتي يوم القيامة»(٤٠٤).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام): «... فينتظر خروجه المخلصون، ويُنكِره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقَّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلِّمون»(٤٠٥).
كما ودلَّت جملة من الروايات قد يقال بتواترها على وجوب الانتظار، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «ألَا أُخبركم بما لا يقبل الله (عزَّ وجلَّ) من العباد عملاً إلَّا به؟... والانتظار للقائم (عليه السلام)...»(٤٠٦).
وعدَّته - الانتظار - جملة من الروايات من أفضل الأعمال وأحبّها إلى الله تعالى، بل وأفضل العبادة(٤٠٧)، ويترتَّب على ذلك عدم اليأس من ظهوره، فإنَّه قد عُدَّ من ضرورات المذهب.
٢ - الشوق إليه والتأسُّف والحزن والبكاء على فراقه:
فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «... أمَا والله ليغيبنَّ إمامكم سنيناً من دهركم...، ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين...»(٤٠٨).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام): «لا بدَّ من فتنة صمَّاء صيلم...، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض...، كم من حرَّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسِّف حيران حزين عند فقدان الماء المعين»(٤٠٩).
وعن الشيخ العمري (رحمه الله): (... فإنَّ أيَّام الغيبة تشتاق إليه، ولا تسأل الاجتماع معه...)(٤١٠).
٣ - مبايعته والدعاء له:
ففي توقيع إسحاق بن يعقوب المشهور: «... وأكثِروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنَّ ذلك فرجكم»(٤١١).
وفي دعاء العهد: «... اللَّهُمَّ إنِّي أُجدِّد في صبيحة يومي هذا وما عشت فيه من أيَّام حياتي عهداً وعقداً وبيعةً له في عنقي...»(٤١٢).
٤ - عدم جواز ذكر اسمه:
على خلافٍ في ذلك بين العلماء في اختصاص الحرمة بزمن الغيبة الصغرى، أو عند الخوف عليه، أو في محفل من الناس، أو مطلقاً، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «صاحب هذا الأمر لا يُسمِّيه باسمه إلَّا كافر»(٤١٣)، وهذا ما سنتحدَّث عنه مفصَّلاً في الدرس القادم.
٥ - القيام عند ذكر اسمه:
تعظيماً عند سماع هذا الاسم المبارك، وهو ممَّا قامت عليه السيرة لدى الإماميَّة أعزَّهم الله تعالى، وقد ذكر مستند ذلك في سؤال موجَّه لزعيم الطائفة السيِّد الخوئي (رحمه الله) حيث ذكر في مقام الجواب أنَّه في (مرآة الكمال) للعلَّامة المامقاني أنَّ الإمام الرضا (عليه السلام) وضع يده على رأسه وتواضع قائماً ودعا له بالفرج(٤١٤)، كما أنَّ هناك رواية في (النجم الثاقب) بذلك الصدد عن الإمام الصادق (عليه السلام)(٤١٥).
٦ - تكذيب المشاهدة والتوقيت لظهوره في زمان غيبته:
حيث ورد في آخر توقيع على يد السفير الرابع: «... وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر»(٤١٦).
قال أبو عبد الله (عليه السلام): «... من أخبرك عنَّا توقيتاً فلا تهابنَّ أنْ تُكذِّبه، فإنَّا لا نُوقِّت لأحدٍ وقتاً»(٤١٧)، وسيأتي بحثه مفصَّلاً في الدرس السابع والثلاثون.
٧ - زيارته (عجّل الله فرجه):
وله (عجّل الله فرجه) عدَّة زيارات، وممَّا ورد في بعضها: «... السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه...»(٤١٨).
وهناك الكثير من الآداب والمسنونات التي ينبغي القيام بها كوظائف تجاه الإمام (عجّل الله فرجه) في عصر الغيبة.

* * *
الدرس الرابع والثلاثون: حكم تسمية الإمام (عجّل الله فرجه)

نذكر في هذا الدرس حكم تسمية الإمام (عجّل الله فرجه) في نقاط:
١ - الأقوال في حكم تسمية الإمام (عجّل الله فرجه) عديدة:
منها:
أ - الجواز، قال به الشيخ المفيد والسيِّد المرتضى والمحقِّق والعلَّامة والسيِّد الخوئي (رحمه الله) وجماعة(٤١٩).
ب - عدم الجواز، قال به الشيخ الصدوق والعلَّامة المجلسي (رحمهما الله) وجماعة(٤٢٠).
ج - الجواز ما لم يكن في البين مانع، قال به الشيخ الحرُّ العاملي (رحمه الله) وجماعة(٤٢١).
٢ - الروايات في المسألة:
وهي على طوائف ثلاثة:
الطائفة الأُولى: ما دلَّ على المنع مطلقاً، وهي روايات عديدة، منها ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحلُّ لكم تسميته»(٤٢٢).
الطائفة الثانية: ما دلَّ على المنع مقيَّداً، والقيود المذكورة عديدة، فبعضها قُيِّد بالمنع إلى زمان الظهور كما في صحيح الشيخ الكليني (رحمه الله) عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام): «... وأشهد على رجل من ولد الحسن لا يُكنَّى ولا يُسمَّى حتَّى يظهر أمره فيملأها عدلاً كما مُلِئَت جوراً...»(٤٢٣).
وبعضها قُيِّد بالمنع بسبب الخوف والطلب، ومنها ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) أيضاً وبسند تامٍّ عن عبد الله بن جعفر الحميري عندما اجتمع هو وأحمد بن إسحاق عند السفير الثاني وسألاه عدَّة أسئلة منها الاسم حيث جاء فيه: (... قلت: فالاسم؟ قال: محرَّم عليكم أنْ تسألوا عن ذلك...، وإذا وقع الاسم وقع الطلب...)(٤٢٤).
فيما قيَّدت طائفة ثالثة المنع إذا كان أمام الناس، ومنها ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) بإسناده عن الشيخ محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه): «... من سمَّاني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله»(٤٢٥).
إنْ قلت: إنَّ مصطلح الناس في لسان أهل البيت (عليهم السلام) هم غير الإماميَّة، فلا يدلُّ المنع إلَّا من خصوص طائفة من الناس.
قلت: ليس دائماً ويختلف باختلاف الموارد ويحتاج إلى قرينة عامَّة أو خاصَّة، وموضع الغيبة وعدم الخوف من طائفة بعينها يكشف عن أنَّ المراد من الناس هو الأعمُّ من ذلك، وبالتالي فدلالة الحديث على المنع عن التسمية شامل للجميع.
الطائفة الثالثة: ما دلَّ على الجواز، وقد قيل بتواترها(٤٢٦)، ومن أخبار هذه الطائفة ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده عن الشيخ العمري محمّد بن عثمان بن سعيد يقول: سمعت أبي يقول: سُئِلَ أبو محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام): يا بن رسول الله، فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال: «ابني محمّد، هو الإمام والحجَّة بعدي...»(٤٢٧).
٣ - وجوه الجمع:
ذُكِرَ للجمع بين هذه الطوائف عدَّة وجوه، نذكر منها:
١ - أنْ نقول بالجواز ونحمل روايات المنع على حالة الخوف، ونُقيِّد بها ما دلَّ على المنع، ففي كلِّ زمان لا خوف فيه على الإمام يصحُّ فيه ذكر اسمه.
٢ - أنْ نحمل روايات المنع مقيَّدة كانت أو مطلقة على الكراهة بقرينة روايات الجواز.
٣ - أنْ نحمل روايات المنع على جماعة خاصَّة من الناس «في مجمع من الناس» يُخاف منهم على الإمام (عجّل الله فرجه)، وهو ما يناسب أنْ يكون المنع مختصًّا بالغيبة الصغرى.
٤ - أنَّنا نحمل روايات المنع على اسم أحمد والجواز على محمّد بقرينة شاهد روائي يصلح للجمع بين الطوائف المتقدِّمة من الروايات، فقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان...، له اسمان: اسم يخفى واسم يُعلَن، فأمَّا الذي يخفى فأحمد، وأمَّا الذي يُعلَن فمحمّد...»(٤٢٨).
وهذا الوجه ذكره الشيخ الحرٌّ (رحمه الله)(٤٢٩).
وهناك وجوه أُخرى سنتعرَّض لها في دراسة أوسع إنْ شاء الله تعالى.

* * *
الدرس الخامس والثلاثون: البحث الرابع: علامات الظهور

ما هي العلامة ومن أين جاءت؟
ذُكِرَ لمعرفة ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) عدَّة علامات، وجاءت الأخبار بذكرها، قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (قد جاءت الأخبار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (عليه السلام) وحوادث تكون أمام قيامه وآيات ودلالات، فمنها: خروج السفياني، وقتل الحسني...)، ثمّ ذكر العشرات من العلامات إلى أنْ قال: (كما جاءت بذلك الأخبار، ومن جملة هذه الأحداث محتومة ومنها مشترطة، والله أعلم بما يكون، وإنَّما ذكرناها على حسب ما ثبت في الأُصول وتضمَّنها الأثر المنقول)(٤٣٠).
كما وذكر الشيخ الطبرسي (رحمه الله) عين عبارته المتقدِّمة(٤٣١).
قال الشيخ النعماني (رحمه الله): (هذه العلامات التي ذكرها الأئمَّة (عليهم السلام) مع كثرتها واتِّصال الروايات وتواترها واتِّفاقها موجبة ألَّا يظهر القائم (عليه السلام) إلَّا بعد مجيئها وكونها، إذ كانوا قد أخبروا أنْ لا بدَّ منها، وهم الصادقون، حتَّى إنَّه قيل لهم: نرجو أنْ يكون ما نؤمل من أمر القائم (عليه السلام) ولا يكون قبله السفياني، فقالوا: «بلى والله، إنَّه لمن المحتوم الذي لا بدَّ منه»، ثمّ حقَّقوا كون العلامات الخمس التي أعظم الدلائل والبراهين على ظهور الحقِّ بعدها، كما أبطلوا أمر التوقيت، وقالوا: «من روى لكم عنَّا توقيتاً فلا تهابوا أنْ تُكذِّبوه كائناً من كان، فإنَّا لا نُوقِّت»، وهذا من أعدل الشواهد على بطلان أمر كلِّ من ادَّعى أو ادُّعي له مرتبة القائم ومنزلته، وظهر قبل مجيء هذه العلامات...)(٤٣٢)، (٤٣٣).
فما أدقَّها من عبارة، وأخصره من تعبير عن أُمور عديدة.
وبذلك يتبيَّن لنا أنَّ معنى العلامات وماهيَّتها في كونها حوادث تكون قبل قيام الإمام (عجّل الله فرجه) وتكون دالَّة على ظهوره.
جملة من روايات العلامات، وفيها:
تقسيم العلامات إلى المحتوم وغير المحتوم:
ذكرت الروايات عدَّة تقسيمات للعلامات من أهمّها انقسامها إلى المحتومة وغير المحتومة، وممَّا دلَّ على ذلك:
ما روي عن المعلَّى بن خنيس، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من الأمر محتوم، ومنه ما ليس بمحتوم، ومن المحتوم خروج السفياني في رجب»(٤٣٤).
وفي نصٍّ آخر عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، فقال: «إنَّهما أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف»، فقال له حمران: ما المحتوم؟ قال: «الذي لله فيه المشيئة»، قال حمران: إنِّي لأرجو أنْ يكون أجل السفياني من الموقوف، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «لا والله إنَّه لمن المحتوم»(٤٣٥).
وفي نصٍّ ثالث: «وإنَّ السفياني من المحتوم الذي لا بدَّ منه»(٤٣٦).
وتلاحظ تعريف الإمام (عليه السلام) للمحتوم بأنَّه لا بدَّ منه، وقسمه على كون السفياني منه.
العلامات المحتومات:
١ - روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسند تامٍّ(٤٣٧) عن عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكيَّة، والخسف بالبيداء»(٤٣٨).
٢ - وروى الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: «خروج السفياني من المحتوم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من المغرب من المحتوم»، وأشياء كان يقولها من المحتوم، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «واختلاف بني فلان من المحتوم، وقتل النفس الزكيَّة من المحتوم...»(٤٣٩).
ومنه يظهر أنَّ عدد المحتوم أكثر ممَّا في النصِّ السابق.
٣ - وذكرت عدَّة مصادر وعدَّة روايات بأسانيد مختلفة: «إنَّ بين يدي هذا الأمر انكساف القمر لخمس تبقَّى، والشمس لخمس عشرة، وذلك في شهر رمضان، وعنده يسقط حساب المنجِّمين»(٤٤٠).
وفي نصٍّ آخر أنَّها آية لم تكن منذ أهبط الله آدم (عليه السلام) أبداً، حتَّى إنَّ بعضهم أراد أنْ يُصحِّح للإمام (عليه السلام) فقال: ... يا بن رسول الله، تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف؟! فقال الإمام (عليه السلام): «إنِّي أعلم ما تقول، ولكنَّهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (عليه السلام)»(٤٤١).
وهذا اللسان قد يدخل في الحتميَّات.
٤ - روى الشيخ النعماني (رحمه الله) بسند تامٍّ عن عبد المَلِك بن أعين، قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام)، فجرى ذكر القائم (عليه السلام)، فقلت له: أرجو أنْ يكون عاجلاً ولا يكون سفياني، فقال: «لا والله إنَّه لمن المحتوم الذي لا بدَّ منه»(٤٤٢).
٥ - وعن أبي عبد الله (عليه السلام): «النداء من المحتوم، والسفياني من المحتوم، واليماني من المحتوم، وقتل النفس الزكيَّة من المحتوم، وكف يطلع من السماء من المحتوم»، قال: «وفزعة في شهر رمضان توقظ النائم، وتفزع اليقظان، وتُخرج الفتاة من خدرها»(٤٤٣)، هنا جاء وصف (المحتوم) للعلامات.
٦ - وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: «قبل هذا الأمر السفياني واليماني والمرواني وشعيب بن صالح، فكيف يقول هذا هذا(٤٤٤)؟!»(٤٤٥).
بتقريب: عدم صحَّة ادِّعاء ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) قبل الجزم بوقوع العلامات.
هل يبدو لله تعالى في المحتوم؟
روى الشيخ النعماني (رحمه الله) عن شيخه محمّد بن همَّام، عن محمّد بن أحمد بن عبد الله الخالنجي، قال: حدَّثنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: كنَّا عند أبي جعفر محمّد بن عليٍّ الرضا (عليه السلام)، فجرى ذكر السفياني، وما جاء في الرواية من أنَّ أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: «نعم»، فقلنا له: فنخاف أنْ يبدو لله في القائم، فقال: «إنَّ القائم من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد»(٤٤٦).
وقد وقع هذا النصُّ محلّاً للنقاش، وهل يقع في الحتم البداء؟ فما هي فائدته وتميُّزه عن غيره إنْ وقع البداء فيه؟
والجواب عن هذه الإثارات:
١ - أنَّ هذا النصَّ هو الوحيد في بابه، وهو ضعيف بالخالنجي، ولا معنى لتقيُّد ما صحَّ من روايات العلامات المحتومات به.
٢ - على أنَّه لو سلَّمنا اعتباره سنداً، فهو مفسَّر معارض بما يُشكِّل سُنَّة قطعيَّة ممَّا دلَّ على أنَّه من العلامات الحتميَّة، وأنَّ الحتم هو الذي لا بدَّ منه.
٣ - اللسان في النصوص المتقدِّمة آبي عن التقيُّد، ومعارضها ساقط.
٤ - يمكن تأويل وقوع البداء في الحتم بما لا يُخرجه عن حتميَّته، كما لو كان يقع في مقدّمات المحتوم أو زمان وقوعه أو بعض خصوصيَّاته إنْ كانت له.
لا تُطبِّق ما لم تجزم بالعلامة:
تقدَّم في الحلقة السابقة في الدرس السابع عشر الحديث مفصَّلاً عن التطبيق والتوقيت الخاطئ والممنوع، فراجع.
وممَّا ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في مقام تعجُّبهم ممَّن يقوم بتطبيق الأشخاص والأولياء والأحداث خطأً، ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: «قبل هذا الأمر السفياني واليماني والمرواني وشعيب بن صالح، فكيف يقول هذا وهذا؟!»(٤٤٧)، وذكر المحقِّق في هامش الحديث تفسيراً له: (أي كيف يقول محمّد ابن إبراهيم بن إسماعيل المعروف بابن طباطبا: إنِّي القائم؟).

* * *
الدرس السادس والثلاثون: علامة الصيحة

الصيحة من العلامات الحتميَّة، وغاية في الأهمّيَّة في الكشف عن الظهور، ومن الروايات التي ذكرتها:
خصائص الصيحة:
في (الغيبة) للشيخ النعماني (رحمه الله) عن أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة، عن أحمد بن يوسف بن يعقوب أبو الحسن الجعفي من كتابه، قال: حدَّثنا إسماعيل ابن مهران، قال: حدَّثنا الحسن بن عليِّ بن أبي حمزة، عن أبيه ووهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا رأيتم ناراً من المشرق شبه الهردي(٤٤٨) العظيم تطلع ثلاثة أيَّام أو سبعة(٤٤٩) فتوقَّعوا فرج آل محمّد (عليهم السلام) إنْ شاء الله (عزَّ وجلَّ)، إنَّ الله عزيز حكيم».
ثمّ قال: «الصيحة لا تكون إلَّا في شهر رمضان، لأنَّ(٤٥٠) شهر رمضان شهر الله، والصيحة فيه هي صيحة جبرائيل إلى الخلق».
ثمّ قال: «ينادي منادٍ من السماء باسم القائم (عليه السلام)، فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد إلَّا استيقظ، ولا قائم إلَّا قعد، ولا قاعد إلَّا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت، فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب، فإنَّ الصوت الأوَّل هو صوت جبرئيل الروح الأمين (عليه السلام)».
ثمّ قال (عليه السلام): «يكون الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ليلة ثلاث وعشرين، فلا تشكُّوا في ذلك، واسمعوا وأطيعوا، وفي آخر النهار صوت الملعون إبليس اللعين ينادي: ألَا إنَّ فلاناً قُتِلَ مظلوماً، ليُشكِّك الناس ويفتنهم، فكم في ذلك اليوم من شاكٍّ متحيِّر قد هوى في النار، فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان فلا تشكُّوا في أنَّه صوت جبرئيل، وعلامة ذلك أنَّه ينادي باسم القائم واسم أبيه (عليهما السلام) حتَّى تسمعه العذراء في خدرها فتُحرِّض أباها وأخاها على الخروج».
وقال: «لا بدَّ من هذين الصوتين قبل خروج القائم (عليه السلام)، صوت من السماء وهو صوت جبرئيل باسم صاحب هذا الأمر واسم أبيه، والصوت الثاني من الأرض هو صوت إبليس اللعين ينادي باسم فلان أنَّه قُتِلَ مظلوماً، يريد بذلك الفتنة، فاتَّبعوا الصوت الأوَّل، وإيَّاكم والأخير أنْ تفتنوا به»(٤٥١).
والحديث طويل وتامٌّ سنداً على بعض المباني(٤٥٢)، ويحمل جملة دلالات مهمَّة تساعد في تشكيل صورة لملامح ما قبل ظهور الإمام (عجّل الله فرجه).
كما ولا يخفى أنَّ جملة من العلامات في النصِّ لم نوردها وهي من غير الحتميَّات، بل قد تكون وقعت فيما مضى، كما ويمكن أنْ يُقصَد منها صورة أُخرى في المستقبل.
الصوت يسمعه كلُّ أهل لغة بلغتهم:
روى الشيخ النعماني (رحمه الله) بسند تامٍّ عن زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): النداء حقٌّ؟ قال: «إي والله، حتَّى يسمع كلّ قوم بلسانهم»، وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يكون هذا الأمر حتَّى يذهب تسعة أعشار الناس»(٤٥٣).
والشطر الثاني من الحديث قد يكون هو مورد وقوع البداء في بعض العلامات، حيث قلنا هناك: إنَّ من وجوه الإجابة على رواية تعلُّق البداء بالحتم تعلُّقه بمقدّماته أو شرائطه أو ما أُنيط به، فإنْ فهمنا أنَّ حصول الصيحة منوط بذهاب تسعة أعشار الناس أمكن إعطاء مثال التوجيه المتقدِّم.
صيحة شهر رمضان:
في (الغيبة) للشيخ النعماني (رحمه الله) عن أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدَّثني عليُّ بن الحسن، عن عليِّ بن مهزيار، عن حمَّاد بن عيسى، عن الحسين بن مختار، عن عبد الرحمن بن سيابة، عن عمران بن ميثم، عن عباية بن ربعي الأسدي(٤٥٤)، قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنا خامس خمسة وأصغر القوم سنًّا...، إلى أنْ يقول: قال: «قتل نفس حرام، في يوم حرام، في بلد حرام، عن قوم من قريش، والذي فلق الحبَّة وبرئ النسمة ما لهم ملك بعده غير خمس عشرة ليلة»، قلنا: هل قبل هذا أو بعده من شيء؟ فقال: «صيحة في شهر رمضان تفزع اليقظان، وتُوقِظ النائم، وتُخرج الفتاة من خدرها»(٤٥٥).
مصداق الصوت الثاني:
في (الغيبة) للشيخ النعماني (رحمه الله)، عن أبي عبد الله (عليه السلام) جاء فيه: «... إذا سمعوا الصوت من السماء: ألَا إنَّ الحقَّ في عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) وشيعته»، قال: «فإذا كان من الغد صعد إبليس في الهواء حتَّى يتوارى عن أهل الأرض ثمّ ينادي: ألَا إنَّ الحقَّ في عثمان بن عفَّان وشيعته، فإنَّه قُتِلَ مظلوماً فاطلبوا بدمه»، قال: «فيُثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحقِّ، وهو النداء الأوَّل...»(٤٥٦)، والحديث تامٌّ سنداً.
وذكر النعماني الحديث الذي بعده بسند تامٍّ أيضاً وبنفس لفظه، قال: (مثله سواء بلفظه).
والصوت الوارد بقرينة ما تقدَّم من كونه مسموعاً من كلِّ الناس وكلِّ أهل لغة بلغتهم فهو صوت عرفي، ويُحمَل على معانيه العرفيَّة المفهومة لدى الناس عامَّة، لكي يناسب أنَّه آية عامَّة واضحة وكاشفة عن الأحداث الجارية ومدى مطابقتها للواقع. على أنَّ المتبادر منه هو المعنى العرفي.
فالتصريح أنَّ الصيحة الأُولى من السماء والأُخرى من الهواء أو الأرض يمنع يد التلاعب فيها.
كيف نُميِّز؟
وردت نصوص بمفاد أنَّ الناس يُعيِّرونا ويقولون: إنَّكم تزعمون أنَّه سيكون صوت من السماء(٤٥٧)، وأنَّهما نداءان، فأيُّهما الصادق من الكاذب(٤٥٨)؟
حتَّى ورد أنَّ بعض من يسمع الصوت الأوَّل يقول: (هذا سحر الشيعة وحتَّى يتناولونا)(٤٥٩).
فيأتي الجواب على لسان أهل البيت (عليهم السلام):
في موثَّقة عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام): ... قال: «يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا ويقولون: إنَّه يكون قبل أنْ يكون، ويعلمون أنَّهم هم المحقُّون الصادقون»(٤٦٠).
وأيضاً ما رواه النعماني (رحمه الله) بسند تامٍّ عن هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ الجريري أخا إسحاق يقول لنا: إنَّكم تقولون: هما نداءان، فأيُّهما الصادق من الكاذب؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «قولوا له: إنَّ الذي أخبرنا بذلك - وأنت تُنكِر أنَّ هذا يكون - هو الصادق»(٤٦١).
وفي نصٍّ ثالث تامٌّ سنداً أيضاً عن هشام بن سالم: ... فقلت: وكيف تُعرَف هذه من هذه؟ فقال الإمام الصادق (عليه السلام): «يعرفها من كان سمع بها قبل أنْ تكون»(٤٦٢).
وفي نصٍّ رابع عن الجريري، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ الناس يُوبِّخونا ويقولون: من أين يُعرَف المحقُّ من المبطل إذا كانتا؟ فقال: «ما تردُّون عليهم؟»، قلت: فما نردُّ عليهم شيئاً، قال: فقال: «قولوا لهم: يُصدِّق بها إذا كانت، من كان مؤمناً، يؤمن بها قبل أنْ تكون»، قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥]»(٤٦٣)، وقوله: «إنْ كانت» لا ينافي الحتم، إنَّما يتعلَّق على المشيئة.
وفي نصٍّ خامس عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «اسكنوا ما سكنت السماوات والأرض، أي لا تخرجوا على أحد فإنَّ أمركم ليس به خفاء، إلَّا أنَّها آية من الله (عزَّ وجلَّ) ليست من الناس، إلَّا أنَّها أضوأ من الشمس لا تخفى على برٍّ ولا فاجر، أتعرفون الصبح؟ فإنَّها كالصبح ليس به خفاء»(٤٦٤).
إنَّ هذا النصَّ في غاية البيان والوضوح أنَّ آية السماء لن تخفى على أحد وهي عامَّة للجميع، والنصُّ من شدَّة وضوحه لا يحتاج إلى توضيح.
بل إنَّ أهل البيت (عليهم السلام) رجَّحوا استبقاء النفس لصاحب الزمان (عجّل الله فرجه) حتَّى لو كان إذهاب النفس في سبيل الحقِّ والشهادة، كما في رواية الشيخ النعماني (رحمه الله) بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام): «كأنِّي بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقَّ فلا يُعطَونه، ثمّ يطلبونه فلا يُعطَونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيُعطَون ما سألوه فلا يقبلونه حتَّى يقوموا، ولا يدفعونها إلَّا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أمَا إنِّي لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»(٤٦٥)، على أنَّ فيه دلالة على قرب الظهور من جهة إبقاء النفس.

* * *
الدرس السابع والثلاثون: البحث الخامس: أدعياء المهدويَّة

فيما يخصُّ الادِّعاء في المهدويَّة فقد رُصِدَت دعاوى النيابة عن الإمام (عجّل الله فرجه) مبكِّراً، وممَّن ادَّعى ذلك:
١ - أبو محمّد الحسن الشريعي وهو أوَّل المدَّعين:
وهو من أصحاب الإمام الهادي ثمّ الإمام الحسن (عليهما السلام)، (وهو أوَّل(٤٦٦) من ادَّعى مقاماً لم يجعله الله فيه، ولم يكن أهلاً له، وكذب على الله وعلى حُجَجه (عليهم السلام)...، فلعنته الشيعة وتبرَّأت منه، وخرج توقيع الإمام (عليه السلام) بلعنه والبراءة منه)(٤٦٧).
٢ - ابن بابا مدَّعي النبوَّة عن الإمام:
وهو الحسن بن محمّد المعروف بـ(ابن بابا القمِّي)، كان من أصحاب الإمام الهادي والإمام العسكري (عليهما السلام)، وادَّعى أنَّه باب الإمام العسكري (عليه السلام)، بل ادَّعى أنَّه جعله نبيًّا، فصدر في حقِّه توقيع منه (عليه السلام) بتكذيبه جاء فيه: «أبرأ إلى الله من الفهري، والحسن بن محمّد بن بابا القمّي، فابرأ منهما، فإنِّي محذِّرك وجميع مواليَّ، وإنِّي ألعنهما عليهما لعنة الله، مستأكلين يأكلان بنا الناس، فتَّانين مؤذيين آذاهما الله وأركسهما في الفتنة ركساً، يزعم ابن بابا أنِّي بعثته نبيًّا، وأنَّه باب، عليه لعنة الله، سخر منه الشيطان فأغواه...، يا محمّد(٤٦٨)، إنْ قدرت أنْ تشدخ رأسه بالحجر فافعل، فإنَّه قد آذاني، آذاه الله في الدنيا والآخرة»(٤٦٩).
هكذا بأشدّ العبارات يُوجِّه الإمام (عليه السلام) كلامه للمدَّعي.
٣ - ابن العزاقر الشلمغاني:
وهو محمّد بن عليٍّ الشلمغاني، كان مستقيماً فقيهاً متقدِّماً في أصحابنا إلَّا أنَّ الحسد لأبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) حمله على ترك المذهب، فخرجت فيه توقيعات بذمِّه ووصفه: «... ارتدَّ عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله وادَّعى ما كفر معه بالخالق (جلَّ وتعالى)، وافترى كذباً وزوراً...، ولعنَّاه عليه لعائن الله...، وعلى من شايعه وتابعه أو بلغه هذا القول منَّا وأقام على تولِّيه بعده...»(٤٧٠).
وكان يقول: إنَّ روح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انتقلت إلى محمّد بن عثمان، وروح أمير المؤمنين (عليه السلام) انتقلت إلى الشيخ ابن روح، وروح الزهراء (عليها السلام) انتقلت إلى ابنة الشيخ العمري، وحكايته مع بني بسطام معروفة(٤٧١).
٤ - العبرتائي الكرخي:
وهو أحمد بن هلال، وُلِدَ سنة (١٨٠هـ) وتُوفِّي سنة (٢٦٧هـ)، من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، روى أكثر أُصول أصحابنا، حجَّ أربعاً وخمسين حجَّة، عشرون منها على قدميه، ولشدَّة تأثيره في الأصحاب لمَّا خرج توقيع في ذمِّه أنكروا ذلك، فحملوا الوكيل القاسم بن العلاء على المراجعة في أمره، فخرج إليه: «قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنِّع ابن هلال لا رحمه الله بما قد علمت، لم يزل - لا غفر الله له ذنبه ولا أقال عثرته - يداخل في أمرنا بلا إذن منَّا ولا رضا، يستبدُّ برأيه...، لا يمضي من أمرنا إلَّا بما يهواه ويريد، أرداه الله بذلك في نار جهنَّم...»(٤٧٢).
ولكن مع ذلك فقد ثبت قوم على إنكار ما خرج فيه، فعاوده فيه، فخرج: «لا شكر الله قدره، لم يدع المرء ربَّه بأنْ لا يزيغ قلبه بعد أنْ هداه، وأنْ يجعل ما منَّ به عليه مستقرًّا ولا يجعله مستودعاً، وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان(٤٧٣) عليه لعنة الله وخدمته وطول صحبته، فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل...»(٤٧٤).
كان يفترض أنْ يمنعه علمه وعبادته عن الزيغ في أمر النيابة عن الإمام (عجّل الله فرجه)، والله المستجار وهو المستعان.
٥ - النميري:
وهو محمّد بن نصير من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، ادَّعى أنَّه نبيٌّ رسول، وأنَّ عليَّ بن محمّد العسكري (عليه السلام) أرسله، وكان يقول بالغلوِّ والربوبيَّة في أبي الحسن (عليه السلام)، ويقول بإباحة المحارم، ويُحلِّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً لأنَّه من الطيِّبات والله تعالى لم يُحرِّم الطيِّبات، ورؤي وغلام على ظهره معلِّلاً ذلك بالتواضع، فلمَّا تُوفِّي أبو محمّد (عليه السلام) ادَّعى البابيَّة لصاحب الزمان (عجّل الله فرجه)، وافترق أصحابه بعده إلى ثلاث فِرَق، لا زال منهم من يتغنَّى به كالنصيريَّة والنميريَّة وغيرهم.
من مقالات هذه الفرقة: (إنَّ اليهود على الحقِّ ولسنا منهم، وأنَّ النصارى على الحقِّ ولسنا منهم)، وقد أباحوا ترك العبادات، واستحلُّوا المنهيَّات والمحرَّمات(٤٧٥).
قال أبو طالب الأنباري: (لمَّا ظهر محمّد بن نصير بما ظهر لعنه أبو جعفر (رضي الله عنه) وتبرَّأ منه)(٤٧٦).
٦ - الحسين بن منصور الحلاج:
ادَّعى أنَّه وكيل صاحب الزمان، وكان يُغرِّر بالجُهَّال والبسطاء من الشيعة، وممَّن كان يصانعهم ويراسلهم أبا سهل إسماعيل بن عليٍّ النوبختي (رضي الله عنه) ليستميل الناس بذلك، فقال له أبو سهل: إنِّي أسألك أمراً يسيراً يخفُّ مثله عليك - يريد بذلك أنَّ ما تدَّعيه شيء عظيم - ... وتجعل لحيتي سوداء، فإنِّي طوع يديك...، فلمَّا سمع ذلك الحلَّاج من قوله وجوابه علم أنَّه أخطأ في مراسلته...، وكان هذا الفعل سبباً لكشف أمره وتنفرُّ الجماعة عنه(٤٧٧).
ثمّ إنَّه صار إلى قم، وكاتب جماعة منهم فقيه زمانه ابن بابويه، وكانت بينهما مراسلة واجتماع في السوق، فأمر ابن بابويه غلام له وقال له: يا غلام برجله وبقفاه، فخرج من الدار العدوُّ لله ولرسوله، ثمّ قال له: أتدَّعي المعجزات عليك لعنة الله؟ ولم يُرَ بعدها بقم(٤٧٨).
فلاحظ موقف الفقهاء من الأدعياء وطُرُقهم في إبطال دعاويهم.
٧ - عليّ محمّد رضا الشيرازي:
مؤسِّس البابيَّة، ويمكن أنْ يقال عن هذه الدعوة التي تطوَّرت فأصبحت الآن ديناً من الأديان - البهائيَّة -، إنَّها صناعة بشريَّة بامتياز، يعتقدون أنَّ الله تعالى لم يخلق الأشياء بل خلق الباب، وهو المبدأ الذي خرجت عنه جميع الأشياء، كان عليّ محمّد في بادئ أمره مهتمًّا بالسحر والعلوم الغريبَّة، ومنغمساً بالرياضات وتسخير الأرواح، ودرس عند السيِّد كاظم الرشتي في كربلاء، ثمّ حصلت له بسبب ما يقوم به انطواء على نفسه وترك الدرس وترك كربلاء وهاجر إلى عدَّة مُدُن، منها رشت وأصفهان وغيرهما.
أوَّل ادِّعائه أنَّه الباب للإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ثمّ تطوَّرت ادِّعاءاته، أُعدم الباب سنة (١٢٦٦هـ) في مدينة تبريز، ولا زال أتباع هذا الدِّين منتشرين في بلدان عديدة، دون القدرة على تقديم توجيه وأدلَّة مقنعة عن ديانتهم(٤٧٩).
سجلُّ الادِّعاء لا يقف عند حدٍّ، وهو مليء بالمدَّعين من مختلف المذاهب والأديان.

* * *
الدرس الثامن والثلاثون: تصنيف أدلَّة أدعياء السفارة الخاصَّة في زمن الغيبة الكبرى

إذا أجرينا تتبُّعاً لمن يدَّعي السفارة الخاصَّة في زمن الغيبة الكبرى نجدهم يُقدِّمون عدَّة أدلَّة لإثبات مدَّعياتهم لا تخرج عن العناوين التالية:
١ - الرؤى والأحلام، وهو من أهمّ أدلَّة أهل الادِّعاء والضلال بشكلٍ عامٍّ.
٢ - ادِّعاء امتلاك المعرفة بعلم التوسُّم وعلم الحروف والجفر والعلوم الغريبة التي لا تتوفَّر أدواتها وإثبات صدق مدَّعيها من كذبه.
٣ - ادِّعاء امتلاك النور الذي يُقذَف في القلب، وأنَّه علم بلا تعلُّم.
٤ - ادِّعاء إقامة المعجزات والإتيان ببعض الخوارق والكرامات.
٥ - الاستخارة بالقرآن الكريم أو غيره، والتفاؤل بضرب الرمل وقراءة الكفِّ وما شاكلها.
٦ - ادِّعاء الاتِّصال المباشر بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بطُرُق مختلفة وأشكال متعدِّدة.
٧ - ادِّعاء التأييد بعالم الملكوت والقدرات التكوينيَّة الخارقة كادِّعاء تأييد جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم من الملائكة.
٨ - ادِّعاء التأييد بأرواح الأنبياء أو الأئمَّة (عليهم السلام) أو السفراء (رضي الله عنهم).
٩ - ادِّعاء انطباق الأوصاف والعلامات الواردة في النصوص من صفات البدن أو الأخلاق أو النَّسَب أو الألقاب المكانيَّة أو الزمانيَّة، كاليماني والقائم وغيرها.
١٠ - تقطيع النصوص الروائيَّة وتطبيقها على الأدعياء دون الرجوع إلى الضوابط العقلائيَّة والشرعيَّة في الاعتماد على النصوص، ومحاولة إسقاط الموازين والأُصول المعتبرة عند مخالفتها للنصوص محلَّ الاستدلال، واعتبارها علوماً مختلقة.
١١ - ادِّعاء المعرفة بعظائم الأُمور التي لم يعرفها من سبقهم حتَّى الأدعياء السابقين عليهم.
١٢ - دعوى المباهلة مع المخالفين لهم واللجوء إلى الأيمان والأقسام غير الشرعيَّة كقسم البراءة من الذات المقدَّسة وغيرها.
١٣ - ادِّعاء انكشاف الحقائق والاطِّلاع عليها بواسطة النقر في القلب والقرع فيه أو ما يُعرَف بالكشف والشهود.
١٤ - ادِّعاء الزهد بالدنيا والابتعاد عن زخارفها واتِّهام الخصوم والمخالفين وحتَّى المُطالِبين بالأدلَّة أنَّهم من أهل الدنيا وإلصاق التُّهَم بهم بسرعة كبيرة، فيما يُلاحَظ أيضاً الجرأة الكبيرة والألفاظ القاذعة والقاسية تجاه مخالفيهم مصحوبة بالتصعيد والتهويل.
١٥ - ادِّعاءات جزئيَّة أُخرى تختصُّ ببعض الأدعياء، يمكن الاطِّلاع عليها من خلال مراجعة مدَّعياتهم طيلة فترة قرون من الادِّعاء.
تقسيم المدَّعي:
من يدَّعي أنَّه سفير ونائب عن الحجَّة بن الحسن (عجّل الله فرجه) فادِّعاؤه على نحوين:
١ - أنْ يدَّعي أنَّه نائب عامٌّ عنه وليس سفيراً خاصًّا، وإثبات ذلك له طريقه الخاصُّ وموازينه المعروفة والمحدَّدة في الحوزة العلميَّة وتخضع لضوابط واضحة في إثبات الفقاهة والنيابة العامَّة عنه (عجّل الله فرجه).
٢ - أنْ يدَّعي أنَّه نائب خاصٌّ وسفير مباشر عنه (عجّل الله فرجه) في عصر الغيبة الكبرى، وهذا على نحوين:
أ - إمَّا أنْ يدَّعي السفارة مع القول بعدم انقطاعها بعد السفير الرابع، وعليه هنا أنْ يأتينا بأسماء السفراء واحداً بعد واحد بين السفير الرابع إلى أنْ يصل الأمر إليه - أي المدَّعي-، ثمّ يُثبِت ذلك لنا، ولو كان ثَمَّة مثل هذا حقًّا لبان.
ب - أو يدَّعي ذلك مع القول بانقطاعها - أي السفارة - بعد السفير الرابع ثمّ بدأت به مرَّة ثانية، فهو هنا يُسلِّم بانقطاع السفارة، وللتسليم منَّا ببدئها لا بدَّ من دليل قاطع على ذلك، إذ مع ما تقدَّم من أدلَّة قاطعة على انتهائها وتسليمه بذلك أنَّى له إثبات مثل هكذا دعوى، ولكن مع ذلك فقد ادَّعاها بعض، وهذا هو محلُّ كلامنا.
فالأصل في المسألة: عدم التصديق لأيِّ مدعٍ للنيابة الخاصَّة في زمان الغيبة الكبرى.
وكيف كان فقد ادُّعي وجود أدلَّة ذكرنا آنفاً أهمّها، وسوف ننقاشها في الدروس الآتية إنْ شاء الله تعالى.

* * *
الدرس التاسع والثلاثون: أدلَّة أدعياء السفارة ومناقشتها

الدليل الأوَّل: الأحلام ودلالتها على دعوى السفارة الخاصَّة في زمن الغيبة الكبرى:
لعلَّ دليل الأحلام هو أقوى أدلَّة أدعياء السفارة وأشمله في الدلالة وأكثره استعمالاً منهم ودوراناً على ألسنتهم، ولأجل ذلك قلَّما نجد مدَّعياً - بل لم نجد - لم يعتمد على الأحلام والرؤيا في تثبيت دعاواه.
يقول أحد الأدعياء: (وقصَّة هذا اللقاء أنِّي كنت في ليلة من الليالي نائماً فرأيت رؤيا في المنام كأنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بالقرب من ضريح سيِّد محمّد وأمرني بالحضور للقائه، وبعد ذلك استيقظت وكانت الساعة الثانية ليلاً)(٤٨٠).
ممَّا استدلُّوا به على حجّيَّة الرؤيا:
١ - أمَّا من القرآن الكريم فالآيات متعدِّدة، منها:
أ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (الصافَّات: ١٠٢).
ب - قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف: ٤).
ج - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ (يوسف: ٤٣).
وغيرها من الآيات.
وتقريب دلالتها: أنَّ هذه الآيات صريحة في وقوع الرؤيا من إبراهيم ويوسف (عليهما السلام)، وفرعون أيضاً، كما وأنَّها في نفس الوقت قد تحقَّقت، فدلالة الرؤيا في المنام وكونها حجَّة ممَّا لا شكَّ فيه، حتَّى عدَّه بعضهم من أهمّ طُرُق العلم بخروج القائم (عجّل الله فرجه)(٤٨١)، فضلاً عمَّا نحن فيه من الاستدلال على ما يدَّعون.
٢ - أمَّا من الروايات فذكروا عدَّة روايات، عمدتها:
أ - عن الإمام الرضا (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من رآني في منامه فقد رآني لأنَّ الشيطان لا يتمثَّل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي ولا في صورة واحد من شيعتهم، وإنَّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوَّة»(٤٨٢).
والرواية صريحة في أنَّ من يرى النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أحد الأئمَّة (عليهم السلام)، بل أيَّ واحد من الشيعة فإنَّ هذه الرؤيا لا يتمثَّل بها الشيطان، وما ليس للشيطان فيه نصيب فهو حقٌّ.
ب - ما رواه محمّد بن بحر الشيباني عن بشر بن سليمان النخّاس حيث ورد فيه على لسان السيِّدة نرجس (عليها السلام): (... فأريت في تلك الليلة كأنَّ المسيح والشمعون وعدَّة من الحواريِّين قد اجتمعوا في قصر جدِّي...، فلمَّا استيقظت من نومي أشفقت أنْ أقصَّ هذه الرؤيا على أبي وجدِّي مخافة القتل...)، إلى أنْ تقول: (... فرأيت أيضاً بعد أربع ليال كأنَّ سيِّدة النساء قد زارتني ومعها مريم بنت عمران وألف وصيفة...)، إلى أنْ تقول: (... فلمَّا كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمّد (عليه السلام) في منامي فرأيته...)(٤٨٣)، والرواية ظاهرة الدلالة في حجّيَّة المنام، وأنَّها رتَّبت آثاراً عظيمة على هذه الرؤيا.
وهناك عدد من الروايات استدلَّ بها الأدعياء على حجّيَّة الأحلام ولزوم اتِّباعها(٤٨٤):
ويردُّها:
أوَّلاً: أنَّ ما ذُكِرَ من آيات قرآنيَّة وروايات خاصَّة بالمعصوم (عليه السلام) على مستوى الرؤيا أو التفسير لرؤيا الآخرين كرؤيا المَلِك أو ما ورد في الروايات، فادِّعاء التعميم يحتاج إلى دليل في إثبات حجّيَّة رؤيا غير المعصوم إذا فُسِّرت من غير المعصوم، وهو مفقود، بل الدليل موجود على العدم كما سيأتي.
إنْ قلت: إنَّ الحجّيَّة للرؤيا والأحلام ذاتيَّة، فإمَّا أنْ تكون حجَّة وللجميع وإمَّا أنْ لا تكون حجَّة وللجميع، مع أنَّ القرآن الكريم أثبت كما الروايات حجّيَّتها، فالتعميم مستبطن بنفس الأدلَّة المتقدِّمة.
قلت: إنَّنا ندَّعي أنَّ المميِّز والذي به التفصيل هو العصمة، فمتى وُجِدَت ثبتت الحجّيَّة مطلقاً رؤيا أم غيرها، وأمَّا مع عدم العصمة فالحجّيَّة محدَّدة بدائرة ضيِّقة إمَّا القطع والرؤيا ليست منه، أو ما قام الدليل على حجّيَّته، والرؤيا لم يقم دليل على حجّيَّتها مطلقاً.
إنْ قلت: إنَّهم يدَّعون أنَّ الدليل على التعميم موجود وهو الرواية الأُولى التي تقدَّمت وجاء فيها: «من رآني في منامه فقد رآني لأنَّ الشيطان لا يتمثَّل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي...».
قلت: إنَّ هذه الرواية وأمثالها لا تدلُّ على مدَّعاهم من وجوه عديدة، منها:
١ - لا بدَّ من ملاحظة متعلَّق المنام والرؤيا إنْ كان حكماً عقائديًّا، فالمستند في المسائل العقائديَّة هو القطع حصراً كما دلَّت عليه الأدلَّة المتنوِّعة في محلِّه، وإنْ كان حكماً فرعيًّا فالضرورة قائمة على أنَّ المستند في مسائل فروع الدِّين هو الأدلَّة الأربعة أو ما يقوم مقامها، وليس منها الأحلام كما ستقف عليه في عبارات علمائنا، وإنْ كان غير ذلك فلا حجّيَّة له أصلاً ولا إلزام فيه.
٢ - أنَّ هذه الرواية وأمثالها تحتاج إلى تتبُّع سندي، لأنَّها خبر واحد، وهو ليس بحجَّة ما لم يقم عليه دليل، ولو سلَّمنا حجّيَّته سنداً فإنَّ معناه دلالةً: أنَّ من كانت له مشاهدة حقيقيَّة للنبيِّ أو الأئمَّة (عليهم السلام) ثمّ يراهم في المنام فإنَّ الشيطان لا يتمثَّل بهم، أمَّا من لم يسبق له ذلك، فالقضيَّة على حدِّ السالبة بانتفاء الموضوع.
٣ - نسأل: ما هو المقصود من حجّيَّة الرؤيا؟ هل هي دليل مستقلٌّ من الأدلَّة كما لو قلنا: الاستصحاب دليل، البراءة دليل، وهكذا، فإنْ كان كذلك فلا بدَّ من بحث الأدلَّة على حجّيَّة الأحلام وحدود حجّيَّتها، وتقدَّم في النقطة الأُولى عدم ذلك، وإنْ كان المقصود من الحجّيَّة شيئاً آخر فلا بدَّ من بيانه، فلا حكم على مجهول.
إنْ قلت: إنَّ المقصود من الحجّيَّة هو التشخيص في الانطباق، فهي من أدوات صحَّة انطباق المفاهيم أو العناوين على الخارج.
قلت: لا حاجة بنا إلى الأحلام لإثبات صحَّة الانطباق، لأنَّه من القضايا الوجدانيَّة أو التي قياساتها معها، وقد بُحِثَ في المنطق آليَّات الكشف عن المطابقة، ولم يبحثوا أنَّ منها الأحلام.
٤ - لو تنزَّلنا وفرضنا أنَّ للأحلام حجّيَّة بنحو من الأنحاء، فإنَّها لا تعدو أنْ تكون على غرار خبر الواحد، والذي لا بدَّ من النظر فيه إلى الطريق ووثاقة الناقل، فإنْ تمَّت لا بدَّ أنْ لا يكون معارضاً بغيره وإلَّا فإنَّ حجّيَّته تسقط عن الاعتبار. وبعبارة ثانية فإنَّ التسليم بالحجّيَّة لا يعني الأخذ بها مطلقاً، بل لا بدَّ أنْ تخضع لضوابط الحجّيَّة بشكلٍ عامٍّ.
إنْ قلت: إنَّ السيِّدة نرجس (عليها السلام) تحرَّكت بناءً على ما رأته في منامها، فكيف تنفون الحجّيَّة عن المنامات؟
قلت: أنْ تكون تحرَّكت بناءً على المنام فقط دون أنْ تكون لديها أمارة أُخرى توجب الاطمئنان لها، هذا ما لا يمكن التسليم به، والخبر الدالُّ على ذلك فيه مناقشات دلاليَّة وسنديَّة. على أنَّ تصرُّفها كان في زمان حضور المعصوم، ولعلَّه كان عندها علامات توجب الاطمئنان فتحرَّكت على ضوئها. مضافاً إلى أنَّ تصرُّفها ليس حجَّة علينا.
فكلُّ ما ورد من أحداث أو تصرُّفات حصلت بسبب المنامات وكانت في زمان وجود الأنبياء والمعصومين (عليهم السلام) فإنَّنا نطمئنُّ أنَّ التصرُّف والحديث ليس معلولاً للمنام وحجّيَّته، وإنَّما لإمضاء المعصوم وحجّيَّته، فإنَّ الحجَّة عندنا بنحو مطلق هو قول المعصوم وفعله وتقريره دون سواه.
إنْ قلت: نُسلِّم أنَّ الرؤى المتعلِّقة بالأُمور الشخصيَّة ليست حجَّة مطلقاً، أمَّا ما كان المتعلَّق فيها الأُمور العامَّة فهي لا تختصُّ بالرائي، والحال فيها هو الحال في دعوى السفارة عن الإمام (عجّل الله فرجه)، فحيث إنَّها عامَّة فعلى الناس التصديق بها والإذعان.
قلت:
١ - لا نُسلِّم هكذا تقسيم، فإنَّ عهدته على مدَّعيه.
٢ - لو سلَّمناه، فلا نُسلِّم أنَّ مجرَّد عموم الرؤيا يوجب حجّيَّتها على الآخرين، لأنَّ مناط الحجّيَّة على ما تقدَّم هو الأدلَّة الأربعة فقط، أو لنَقُل: هو المعصوم وما يصدر عنه.
٣ - لو سلَّمنا أنَّها حجَّة فلا تعدو كونها خبر آحاد يحتاج إلى موازين إثبات صدقه من التي بُحِثَت في باب حجّيَّة خبر الواحد.
٤ - لو تنزَّلنا، فهي ليست قطعيَّة دلالةً، وكيف السبيل إلى الاعتماد على دلالتها ولا يوجد ميزان به نضبط مضمونها فنُصدِّق ما هو صادق ونُكذِّب ما هو كاذب؟ فالرؤيا صورة من عالم آخر غير مشاهد بالحواسِّ، وذاك العالم لا نعرف موازين الصدق والمطابقة فيه مع عالمنا، فنحن لا نضمن سلامة المنام من أضغاث الأحلام وإلقاء الشياطين وتحكُّم تلك العوالم في هذه الصورة، كما لا نعلم مقدار دقَّة نقل الناقل لهذه الصورة، فإنَّ الحجّيَّة للكلام عند العقلاء هو في اليقظة وضمن موازين محدَّدة وواضحة، ولا نجزم أنَّ سيرة العقلاء جارية على الأخذ بها والاعتماد عليها فيما يُنقَل من عوالم أُخرى. فكيف يُقال: لا يوجد دليل على تكذيب مدَّعي السفارة في الغيبة الكبرى؟
ثانياً: نسأل مدَّعي السفارة في الغيبة الكبرى - بناءً على أنَّه رأى في المنام أنَّه سفير -: ما هو الموقف إذا لم يُصدِّقك بعض الناس؟ وبماذا يُحكَم عليهم؟ فإنَّ المدار في الاحتجاج - حتَّى من قِبَل الأنبياء الذين بُعثوا إلى الناس - هو العلم أو المعجزة.
فإنْ قال: نحتجُّ عليهم بالعلم أو الإعجاز، فلا وجه لإدخال المنام كوسيلة في إثبات المدَّعى.
وإنْ قال: نحتجُّ عليهم بالمنام - وبخصوص ما رآه المدَّعي فقط - فهو مطالب أوَّلاً بإثبات حجّيَّة ما يراه على الناس، ثمّ بعد ذلك الاحتجاج به، وتقدَّم في النقطة أوَّلاً عدم إمكان ذلك، وسيأتي المزيد أيضاً.
أمَّا إنْ قال: نحتجُّ عليهم بما يرون هم بأنفسهم في منامهم، فنقول: ماذا تقول في رؤيا من يراك شيطاناً ومدَّعياً بالباطل؟
فإنْ قال: هذه رؤيا باطلة.
قلنا: ما هو وجه التفصيل بين رؤياك وأنَّها حقٌّ ورؤيا غيرك وأنَّها باطلة؟
وإنْ قال: هذه رؤية حقٍّ، ثبت المطلوب في إبطال دعواه.
ثالثاً: لو سلَّمنا بحجّيَّة كلِّ الأحلام، فإنَّ كلَّ منام يحتاج إلى تفسير، فكيف نجزم أنَّ هذا مطابق للواقع وذاك مخالف؟ لا بدَّ من وضع ميزان محدَّد في التطبيق.
رابعاً: توجد أدلَّة روائيَّة عديدة تنفي حجّيَّة الرؤى والأحلام مطلقاً، منها:
١ - ورد في الخبر الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... إنَّ دين الله (عزَّ وجلَّ) أعزّ من أنْ يُرى في النوم»(٤٨٥).
٢ - في حديث المفضَّل مع الإمام الصادق (عليه السلام): «... فكِّر يا مفضَّل في الأحلام...، فإنَّها لو كانت كلُّها تصدق لكان الناس كلُّهم أنبياء، ولو كانت كلُّها تكذب لم يكن فيها منفعة، بل كانت فضلاً لا معنى له، فصارت تصدق أحياناً فينتفع بها الناس...، وتكذب كثيراً لئلَّا يُعتَمد عليها كلُّ الاعتماد»(٤٨٦).
لاحظ قوله (عليه السلام): «تكذب كثيراً»، ثمّ ما علَّل به (عليه السلام) من وجه كذبها «لئلَّا يُعتَمد عليها كلُّ الاعتماد»، فالأحلام ليس فيها قاعدة كلّيَّة ولا قانون عامٌّ منضبط في جميع الأزمنة، وما طابق الواقع صدفةً لا يُعوَّل عليه، وما كان في زمان المعصوم فالحجَّة فيه هو (عليه السلام) فقط.
٣ - ما رواه الكشِّي (رحمه الله) عن زرارة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أخبرني عن حمزة، أيزعم أنَّ أبي آتيه؟»، قلت: نعم، قال: «كذب والله ما يأتيه إلَّا المتكوِّن، إنَّ إبليس سلَّط شيطاناً يقال له: المتكوِّن يأتي الناس في أيِّ صورة شاء، إنْ شاء في صورة صغيرة، وإنْ شاء في صورة كبيرة، ولا والله ما يستطيع أنْ يجيء في صورة أبي (عليه السلام)»(٤٨٧).
في هذه الرواية جواب ظاهر على ما يُتَمَسَّك به من قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من رآني في المنام فقد رآني فإنَّ الشيطان لا يتمثَّل في صورتي»(٤٨٨)، فإنَّه ناظر إليه ونافٍ له على نحو الصراحة والتفسير.
٤ - ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن محمّد بن القاسم النوفلي، قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): المؤمن يرى الرؤيا فتكون كما رآها، وربَّما رأى الرؤيا فلا تكون شيئاً؟ فقال: «إنَّ المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء، فكلُّ ما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير والتدبير فهو الحقُّ، وكلُّ ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام...»(٤٨٩).
خامساً: أقوال علماء الطائفة في حجّيَّة الرؤيا:
١ - قول الشيخ المفيد (رحمه الله) كما نقله الشيخ أبو الفتح الكراجكي (رحمه الله): (كان شيخي - المفيد - (رحمه الله) يقول: إذا جاز من بشر أنْ يدَّعي في اليقظة أنَّه إله كفرعون ومن جرى مجراه، مع قلَّة حيلة البشر وزوال اللبس في اليقظة، فما المانع من أنْ يدَّعي إبليس عند النوم بوسوسته له أنَّه نبيٌّ؟ مع تمكُّن إبليس بما لا يتمكَّن منه البشر، وكثرة اللبس المعترض في المنام، وممَّا يُوضِّح لك أنَّ من المنامات... ما هو حقٌّ ومنها ما هو باطل، أنَّك ترى الشيعي يقول: رأيت في المنام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعه أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) يأمرني بالاقتداء به...، ثمّ ترى الناصبي يقول: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في النوم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وهو يأمرني بمحبَّتهم...، فتعلم لا محالة أنَّ أحد المنامين حقٌّ والآخر باطل، فأولى الأشياء أنْ يكون الحقُّ منهما ما ثبت بالدليل في اليقظة على صحَّة ما تضمَّنه والباطل ما أوضحه الحجَّة عن فساده وبطلانه...)(٤٩٠).
٢ - قال السيِّد المرتضى (رحمه الله) في (رسائله) في جواب مسائل: (في المنامات صحيحة هي أم باطلة؟ ومن فعل من هي...؟
الجواب: اعلم أنَّ النائم غير كامل العقل، لأنَّ النوم ضرب من السهو، والسهو ينفي العلوم، ولهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة، لنقصان عقله وفقد علومه، وجميع المنامات إنَّما هي اعتقادات يبتدأ بها النائم في نفسه، ولا يجوز أنْ تكون من فعل غيره فيه...، لأنَّ النائم يرى أنَّ رأسه مقطوع، وأنَّه قد مات، وأنَّه قد صعد إلى السماء، ونحن نعلم ضرورةً خلاف ذلك كلَّه، وإذا جاز... أنْ يعتقد اليقظان في السراب أنَّه ماء، وفي المردي إذا كان في الماء أنَّه مكسور، وهو على الحقيقة صحيح، لضرب من الشبهة واللبس، وألَّا جاز ذلك في النائم وهو من الكمال أبعد وإلى النقص أقرب؟ وينبغي أنْ يُقسَّم ما يتخيَّل النائم أنَّه يراه إلى أقسام ثلاثة...) إلى آخر عبارته (رحمه الله)(٤٩١).
٣ - سأل السيِّد مهنَّا ابن سنان العلَّامة الحلِّي (رحمه الله): (ما يقول سيِّدنا في من رأى في منامه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو بعض الأئمَّة (عليهم السلام) وهو يأمره بشيء أو ينهاه عن شيء؟ هل يجب عليه امتثال ما أُمِرَ به واجتناب ما ينهاه عنه أم لا يجب ذلك؟ مع ما صحَّ عن سيِّدنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «من رآني في منامه فقد رآني فإنَّ الشيطان لم يتمثَّل بي»، وغير ذلك من الأحاديث المرويَّة عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما قولكم لو كان ما أمر به أو نهى عنه على خلاف ما في أيدي الناس من ظاهر الشريعة...؟).
فأجاب (نوَّر الله ضريحه): (ما يخالف الظاهر فلا ينبغي المصير إليه، وأمَّا ما يوافق الظاهر فالأولى المتابعة من غير وجوب، ورؤيته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يُعطي وجوب الاتِّباع في المنام)(٤٩٢).
٤ - الشيخ الحرُّ العاملي (رحمه الله): (وتواترت الروايات بأنَّ بعض الرؤيا صادق وبعضها كاذب، وتواترت أيضاً بوجوب الرجوع في جميع الأحكام الشرعيَّة إلى أهل العصمة (عليهم السلام))(٤٩٣).
فالحجّيَّة المطلقة هي للإمام المعصوم فقط، أمَّا غيره فما ثبت له الحجّيَّة كخبر الواحد يُؤخَذ به بمقدار ما دلَّ عليه الدليل، والأحلام الأصل فيها عدم حجّيَّتها، لأنَّ الأصل في مشكوك الحجّيَّة عدم الحجّيَّة جزماً(٤٩٤).

* * *
الدرس الأربعون: أدلَّة أدعياء السفارة ومناقشتها

الدليل الثاني: ادِّعاء امتلاك المعرفة بعلم الحروف وغيره:
ادِّعاء امتلاك المعرفة بعلم الحروف(٤٩٥) والجفر والعلوم الغريبة والتوسُّم، ونُدخِل فيه علم النجوم والأرواح والارتباط بعالم الجنِّ، ودعوى أنَّ العلم نور يُقذَف في القلوب بلا تعلُّم.
والجواب عنه:
أنَّ هذه العلوم علوم ظنّيَّة، ولا تكون النتائج المترتِّبة عليها علميَّة وقطعيَّة، ولكي يصحّ الاستناد إليها في المسائل الشرعيَّة والعقائديَّة لا بدَّ من إمضائها من قِبَل الشارع بعد الوقوف على قوانينها وقواعدها، وكلا الأمرين مفقود وغير متيسَّر، فليس بيدنا قواعد هذه العلوم ولا قوانينها وضوابطها، ولا يوجد دليل أنَّ الشارع المقدَّس اعتمد عليها وأجاز الاستناد إليها في تحديد الوظائف الشرعيَّة وتحصيل العقائد الدِّينيَّة.
فتدخل تحت القاعدة العامَّة التي ذكرها العقلاء من عدم حجّيَّة الظنِّ، وأشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (يونس: ٣٦).
الدليل الثالث: ادّعاء إقامة المعجزات والإتيان ببعض الخوارق والكرامات:
والجواب عنه(٤٩٦):
أنَّ هذا لو كان وصحَّ فلا مانع منه، ولكن أنَّى لهم ذلك، وأين هو من دعواهم، فإنَّ الأولياء والأنبياء والصلحاء ممَّن كانت لهم القدرة على ذلك، كانوا يقومون بما يُطلَب منهم، وكم سجَّل التاريخ لنا معاجز للأنبياء (عليهم السلام)(٤٩٧)، كما سجَّل القرآن الكريم ذلك مفصَّلاً، فلو كان لهؤلاء قدرة الإعجاز حقًّا لما توانوا أبداً ولما تأخَّروا، فلا يعدو ادِّعاؤهم لها صرف دعوى فارغة. مضافاً إلى أنَّنا لا نطالبه بالمعجزة للقطع ببطلان كلامه ودعواه وإنَّما تُطلَب المعجزة حين الشكِّ والترديد بصدقه.
الدليل الرابع: الاستخارة بالقرآن الكريم، وضرب الرمل وقراءة الكف وما شاكلها:
أمَّا الاستخارة فقد ادَّعى بعضهم(٤٩٨) أنَّها من أدلَّة إثبات صحَّة ما يدَّعون، والكلام فيها هو عين ما تقدَّم في الرؤيا، فلا يوجد دليل على الاعتبار، ولو سُلِّم وجود دليل فما هي حدوده ومساحة حجّيَّته؟ على أنَّها لا تفيد القطع.
أمَّا التفاؤل بضرب الرمل وقراءة الكفِّ وما شاكلها، فالكلام فيها هو الكلام المتقدِّم في الدليل الثاني ونقضه.
وكلمة الفصل: في هذه المدَّعيات والركون فيها إلى هذه المستندات أنْ يقال: إنَّ هذه المستندات بأجمعها ظنّيَّة سواء ما كان منها الأحلام أم الاستخارة أم قراءة الكفِّ أم علم الحروف والجفر وغيرها، وإنَّ الظنَّ لا حجّيَّة له ولا يجوز اتِّباعه، لأنَّه لا يكشف عن الواقع فضلاً عن أنْ يكون مصيباً.
الدليل الخامس: ادِّعاء الاتِّصال المباشر بالإمام (عجّل الله فرجه) بطُرُق مختلفة وأشكال متعدِّدة:
الجواب عنه:
١ - إنْ كان المدَّعي للاتِّصال المباشر يدَّعيه عن طريق المنام أو الاستخارة على شخص معيَّن ويقول هو الإمام (عجّل الله فرجه)، والذي أخذ عنه بحسب دعواه أنَّه أخذه عن الإمام لأنَّ الاستخارة هي التي شخَّصته، أو لأجل التطبيق عليه عن طريق علم الحروف أو ما تقدَّم ذكره من وجوه ومدَّعيات في الدليل الثاني والرابع، فهذا تقدَّم الجواب عنه.
٢ - وإنْ كان المدَّعي يدَّعيه بلا توسُّط هذه الأشياء، فهذه صرف دعوى عهدتها على مدَّعيها، فإنَّه قد تقدَّم في التوقيع الأخير للسفير الرابع أنَّ ادِّعاء المشاهدة قبل الصيحة والسفياني يُواجَه بالتكذيب، كما تقدَّم ذكر إجماع الطائفة على انقطاع السفارة في الغيبة الكبرى.
وسيأتي في دراسة أوسع تفصيل الردِّ على هذه الدعاوى بشكل أكثر تفصيلاً.

* * *
الدرس الحادي والأربعون: عرض أدلَّة المدَّعين وإبطالها

مقولة التسديد والتأييد:
ادَّعى جماعة حصول السفارة في الغيبة الكبرى لهم من خلال التسديد والتأييد له من الأنبياء أو الأئمَّة أو الملائكة (عليهم السلام).
والجواب عنه:
أنَّ هذا المفهوم - التسديد والتأييد - عامٌّ يُؤيِّد الله تعالى به عباده المخلصين، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (المجادلة: ٢٢)، ويُقوِّيهم لأجل استقامتهم، ولا يختصُّ بزمان أو مكان أو أشخاص محدَّدين، وهذا لا يصلح أنْ يكون وجهاً لإثبات السفارة في الغيبة الكبرى، لكونه عامًّا للجميع، فادِّعاء الاختصاص به صرف دعوى.
ادِّعاء الانطباق بكلِّ شخصيَّات الظهور:
أمَّا من يدَّعي أنَّه تنطبق عليه أوصاف اليماني أو الخراساني أو شعيب بن صالح أو شخص آخر من شخصيَّات عصر الظهور، فهذا التطبيق فاقد للموازين، لأنَّ هذه العلامات تحمل الكثير من الرمزيَّة والقابليَّة للانطباق على أكثر من فرد في زمان واحد ومكان واحد، فلا بدَّ من مصدِّق آخر خارج عن نفس العلامة يُثبِت صدق الانطباق، ولا يكفي مجرَّد الشَّبَه في الاسم أو اللقب أو بعض الأوصاف الجسديَّة والصفات الخُلُقيَّة، وقد تقدَّم في بحث العلامات أنَّ أهمَّ العلامات وأوضحها الصيحة، فما لم يقرن الانطباق مع الصيحة السماويَّة فإنَّه يبقى في دائرة الاحتمال والظنِّ ويكون مسلوب الحجّيَّة والاتِّباع.
كلمات مرجع الطائفة الأعلى حول الادِّعاء:
(... ومن علائم أهل الدعاوى الباطلة مبالغتهم في تزكية أنفسهم على خلاف ما أمر الله تعالى به، وتوجيه الآخرين إلى الغلوِّ فيهم، والاستغناء عن المناهج المعروفة لدى الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعيَّة ودعوى الوقوف عليها وعلى ملاكاتها عن طريق الأُمور الباطنيَّة، والتصدِّي للفتيا من غير استحصال الأهليَّة لها، واستغلال المبتدئين في التعليم والتعلُّم والموالاة الخاصَّة لمن أذعن بهم والمعاداة مع من لم يجرِ على طريقتهم، والوقيعة فيمن انسلخ منهم بعد الإيمان بهم، وسلوك سُبُل غير متعارفة للامتياز عن غيرهم من أهل العلم وعامَّة الناس، والمبالغة في الاعتماد على المنامات وما يدَّعون ترائيه لهم في الحالات المعنويَّة، والتميُّز في اللبس والزيِّ والمظهر عن الآخرين، تمسُّكاً في بعضه بأنَّه عمل مأثور من غير ملاحظة الجوانب الثانويَّة التي يُقدِّرها الفقهاء، ومن تلك العلائم الابتداع في الدِّين والتوصية بالرياضات التي لم تُعهَد من الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، والاستناد فيما يدَّعي استحبابه إلى ما ورد في مصادر غير موثوقة تذرُّعاً بالتسامح في أدلَّة السُّنَن، وأيضاً التأثُّر بأهل الملل والأديان الأُخرى، والتساهل فيما يُعَدُّ ضرباً من الموسيقى والألحان الغنائيَّة المحرَّمة، ووجوه اختلاط الرجال بالنساء، والاعتماد على مصادر ماليَّة غير معروفة وارتباطات غامضة مريبة، إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى على المؤمن الفطن...)(٤٩٩).
دعوى المعرفة بعظائم الأمور:
استند بعض أهل الادِّعاء المعرفة بعظائم الأُمور(٥٠٠) إلى رواية رواها الشيخ النعماني (رحمه الله) عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن الحسن بن عليٍّ الكوفي، عن عليِّ بن حسَّان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن المفضَّل ابن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين، يرجع في إحداهما إلى أهله، والأُخرى يقال: هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟»، قلت: كيف نصنع إذا كان ذلك؟ قال: «إنْ ادَّعى مدَّعٍ فاسألوه عن تلك العظائم التي يُجيب فيها مثله»(٥٠١).
وهناك حديث آخر رواه صاحب (مختصر بصائر الدرجات) عن أحمد بن محمّد بن عيسى ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمَّاد بن عثمان، عن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأُمور العظام من الرجعة وأشباهها، فقال: «إنَّ هذا الذي تسألون عنه لم يجئ أوانه، وقد قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]»(٥٠٢).
والجواب عن ذلك:
١ - استغلال بعض أهل الادِّعاء لهذين الحديثين واضح البطلان:
فإنَّ الأوَّل منهما - القحطاني - لم يقل: أنا المهدي، بل اليماني، وقد قُتِلَ قبل ظهور الإمام (عجّل الله فرجه)، فأيُّ يماني هذا؟ مع أنَّ أتباعه الذين أقرُّوا بمقتله يقولون بغيبته، وأنَّ له رجعة سمُّوها بالروحيَّة، وقالوا: هي العظائم التي توصَّل لها.
أمَّا الثاني - وهو الذي ادَّعى أنَّه ابن الإمام (عجّل الله فرجه) - فلم يجب عن عظيمة واحدة إلى يومنا هذا، وهو غائب لا يُرى شخصه ولا يُعرَف حاله وعلمه.
نعم ادَّعى أصحابه أنَّ من العظائم التي أجاب عنها أنَّه حدَّد موضع قبر الزهراء (عليها السلام)! وكيف السبيل إلى صدق هكذا ادِّعاء؟
هذا نموذج من التلاعب بالأحاديث والتطبيق الخاطئ الذي يعمد إليه أهل الضلال.
٢ - الخبران يتحدَّثان عن فرض ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) بلا علامات، بل وحتَّى معها، فلهم - أي الناس - أنْ يسألوه عمَّا يعظم عندهم من الأُمور فيُجيب عن ذلك، فيتعرَّفون عليه ويعرفون أنَّه مرتبط بالسماء.

* * *
الدرس الثاني والأربعون: عرض أدلَّة المدَّعين وإبطالها

دعوى انفتاح باب العصمة للمدَّعي:
هذه الدعوى يدَّعيها أغلب المدَّعين للسفارة من أجل تصديق الناس بمدَّعياتهم وفرض الطاعة على أتباعهم، استناداً في ذلك إلى أنَّ المقام المدَّعى يقتضي العصمة أو لبعض النصوص التي تأوَّلوها، ومنها:
الخبر الذي رواه الشيخ النعماني (رحمه الله) بسنده عن الإمام الباقر (عليه السلام)، والذي ورد فيه: «... وإذا خرج اليماني فانهض إليه فإنَّ رايته راية هدى، ولا يحلُّ لمسلم أنْ يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنَّه يدعو إلى الحقِّ وإلى صراط مستقيم...»(٥٠٣).
حيث قرَّبوا الدلالة: بأنَّ حرمة الالتواء عليه تعني أنَّه صاحب ولاية إلهيَّة، فإعراض الناس عنه يُدخِلهم في النار، وهذا يعني أنَّه لا يُخطئ، أي أنَّه معصوم منصوص العصمة(٥٠٤).
فكلُّ من يدَّعي مقام اليمانيَّة فهو يدَّعي العصمة على هذا.
ويُصرِّح بعضهم: (... صاحب رايات المشرق الذي خُصَّ بالبيعة من قِبَل الله ورسوله هو المهدي الأوَّل - اليماني - مخصوص بالعصمة ما دام خُصَّ اليماني بالوصاية والبيعة الإلهيَّة...)(٥٠٥).
والجواب عنها:
١ - العصمة الاصطلاحيَّة هي التي دلَّت الأدلَّة على ثبوتها لشخص، كما دلَّت على ذلك في ثبوتها للأنبياء والأئمَّة والصدِّيقة الطاهرة ومريم (عليهم السلام)، فنحن مع الدليل الدالِّ عليها لا مع حرف ادِّعائها، فلو كان ثَمَّة عصمة لغيرهم لدلَّ الدليل عليها ولنُقِلَ إلينا ولنبَّه عليه العلماء.
٢ - أنَّ حرمة المخالفة لا تعني العصمة، فهي حكم تكليفي، كما لو أصدر الفقيه حكماً من الأحكام فإنَّ حرمة مخالفته لا تعني عصمته، فلو أصدر فتوى بالجهاد فإنَّه يحرم الالتواء عليه، ولكن هذه الحرمة لا تُثبِت عصمته.
٣ - أنَّ حرمة الالتواء عليه شيء والانخراط في حركته ومتابعته شيء آخر.
٤ - الرواية معلَّلة، «لأنَّه يدعو إلى الحقِّ»، والدعوة إلى الحقِّ لا تلازم العصمة، فكم من داعٍ إلى الحقِّ غير معصوم، وتقدَّم في الدرس السادس والثلاثين أنَّ أهل الحقِّ قتلاهم شهداء، ولكن الإمام في ذات الوقت يُرجِّح استبقاء النفس للإمام (عجّل الله فرجه).
٥ - حرمة الالتواء عليه لمن يثبت عليه الانطباق وأنَّه هو اليماني فعلاً، أمَّا مشكوك الانطباق فالحرمة فضلاً عن العصمة أوَّل الكلام.
دعوى النَّسَب للإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه):
ادَّعى بعض الانتساب للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وأنَّه ابنه(٥٠٦) حيث يقول: (أمرني أبي الإمام المهدي محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام) أُبيِّن شيء من موضعي منه (عليه السلام) وهو أنِّي وصيُّه وأوَّل من يحكم من ولده...)(٥٠٧).
ويقول: (... وبعد أنْ أبلغني أبي الإمام المهدي محمّد بن الحسن (عليه السلام) بأمره بإعلان الثورة على الظالمين ختم كلامه بقوله: بُنَيَّ فديتك عجِّل...)(٥٠٨).
وقد ذكر أتباع المدَّعي(٥٠٩) عدَّة وجوه لإثبات هذا النسب من أهمّها:
رواية الوصيَّة: احتجوا بها على عدَّة دعاوى منها: أنَّه موصى إليه، وأنَّه منصَّب من قِبَل الله تعالى، وأنَّه ابن الإمام (عجّل الله فرجه) حيث قالوا: (والحقُّ أنَّ الاحتجاج بالوصيَّة وحده يكفي دليلاً على صدق هذه الدعوة).
فأهمّيَّتها عندهم بهذه المثابة.
وقبل الجواب عن هذا الادِّعاء نُخرِّج رواية الوصية المدَّعاة ثمّ نردُّ ما ظنُّوا أنَّه دالٌّ فيها على دعواهم.
رواية الوصيَّة:
روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتاب (الغيبة) تحت الرقم (١١١) قائلاً: أخبرنا جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن عليِّ بن سفيان البزوفري، عن عليِّ بن سنان الموصلي العدل، عن عليِّ بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر بن أحمد المصري، عن عمِّه الحسن بن عليٍّ، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر ابن محمّد، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيِّد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - في الليلة التي كانت فيها وفاته - لعليٍّ (عليه السلام): «يا أبا الحسن، أحضر صحيفة ودواة»، فأملا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصيَّته حتَّى انتهى إلى هذا الموضع فقال: «يا عليُّ، إنَّه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهديًّا، فأنت يا عليُّ أوَّل الاثني عشر إماماً...، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد (عليهم السلام)، فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهديًّا، (فإذا حضرته الوفاة) فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين، له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي واسم أبي وهو عبد الله، وأحمد، والاسم الثالث: المهدي، وهو أوَّل المؤمنين»(٥١٠).
والبحث في هذا الخبر من جهات:
البحث السندي:
الرواية ضعيفة من جهات:
أ - الإرسال، حيث قال: أخبرنا جماعة، ولا نعرف هذه الجماعة.
ب - وجود عدد من المجاهيل، وهم:
١ - عليُّ بن سنان الموصلي.
٢ - وعليُّ بن الحسين.
إنْ قيل: يحتمل فيه أنَّه ابن بابويه والد الصدوق.
قلت: لا يظهر ذلك، لاختلاف الطبقة، فابن بابويه معاصر للبزوفري وهذا متقدِّم عليه، ولم يُعرَف أنَّ ابن بابويه يروي عن أحمد بن محمّد بن الخليل.
٣ - وأحمد بن محمّد بن الخليل.
٤ - وجعفر بن أحمد المصري.
٥ - وعمُّ جعفر (الحسن بن عليٍّ).
٦ - وعن أبي الحسن، عن أبيه.
البحث الدلالي:
تقدَّم تقريب استدلال المدَّعي على أنَّها أهمّ أدلَّتهم على العصمة والنَّسَب والمنصب.
ويردُّه:
١ - البناء العقلائي الممضى من الشارع في حجّيَّة الظهور إنَّما يصحُّ الاعتماد عليه في القضايا العاديَّة المتعارفة، وأمَّا في قضيَّة ادِّعاء النيابة الخاصَّة في زمن الغيبة التامَّة مع اتِّصال النَّسَب والعصمة والحجّيَّة، فهذه دعاوى تحتاج إلى دليلٍ قويٍّ لكي تثبت، ورواية واحدة لو سُلِّم أنَّها صحيحة لا يمكنها إثبات هذه المدَّعيات، خصوصاً مع ما فيه من غرابة كالنَّسَب.
٢ - المنظِّرون لهذه الدعوى يقولون: (إنَّ قضيَّة الإمامة والنيابة من العقائد...)(٥١١)، ويقولون في مواضع أُخرى: (إنَّ هذا الخبر آحاد ظنِّي الصدور لا يصلح للاستدلال العقائدي)(٥١٢)، و(لا يجوز العمل بالرواية إلَّا إذا كانت قطعيَّة الدلالة، أي لها وجهاً واحداً ولا نحتمل غيره)(٥١٣).
فكيف يستندون إلى خبر واحد ضعيف لإثبات هذه الدعاوى العظيمة؟
٣ - أنَّ كونهم مهديِّين بعد الأئمَّة (عليهم السلام) لا يدلُّ على إمامتهم أو عصمتهم، والرواية ساكتة عن ماهيَّة مهامِّهم، فالتسليم ليس للإمامة، لأنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فصل بين الاثني عشر الأئمَّة والاثني عشر المهديِّين، حيث قال: «ومن بعدهم اثنا عشر مهديًّا»، فلو كان ثَمَّة إمامة فلا وجه للتفصيل.
٤ - لو تنزَّلنا، فإنَّما يكون لهم ذلك بعد الظهور، فإذا ظهر الإمام (عجّل الله فرجه) وقامت دولته واستتبَّ الأمر له تماماً، ثمّ بعد ذلك يأتيه الموت، فإنَّه بعد ذلك يُسلِّمها إلى ابنه بصراحة «... فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه...»، ولكن مع هذا فهي لا تنفع هؤلاء، إذ ليس فيها دلالة على أنَّه يُسلِّمها إلى ابنه الخامس من أصلابه، بل المباشر له على ما هو التسليم الذي مرَّ في الأئمَّة (عليهم السلام) فإنَّما سلَّموا الإمامة للمباشر لا لمن بينه وبين الأوَّل عدد من الوسائط، وهؤلاء يُصرِّحون أنَّ أحمد السلمي ليس المباشر من الأبناء، فوجود فصل طويل في التسليم ممَّا لا يُعقَل.

* * *
الفصل الرابع: الظهور والدولة والرجعة

وفيه بحوث:
البحث الأوَّل: مرحلة الظهور، والحديث فيها عن نقاط ستَّة.
البحث الثاني: بناء الدولة والإثارات حولها.
البحث الثالث: ما بعد الدولة ومسألة الرجعة.
قائمة بأهمّ المصادر التي ينبغي مراجعتها في هذا الفصل لمزيد من التوسعة:
١ - كمال الدِّين وتمام النعمة/ الشيخ الصدوق (رحمه الله)/ (الباب ٥٧ و٥٨).
٢ - الغيبة/ الشيخ النعماني (رحمه الله)/ (الباب ١٣ و١٩ - ٢٣ و٢٦).
٣ - الغيبة/ الشيخ الطوسي (رحمه الله)/ (الفصل ٧ و٨).
٤ - الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة/ الشيخ الحرُّ العاملي (رحمه الله).
٥ - الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في مصادر علماء الشيعة/ إعداد مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)/ (ج ١/ الكتاب رقم ٦ و١١ و١٧، وج ٢/ الكتاب رقم ٢٥ و٢٦ و٣٥).

* * *
الدرس الثالث والأربعون

١ - انتهاء الغيبة:
يسبق ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) جملة من العلامات تقدَّم الحديث عن أبرزها.
تنتهي بذلك فترة الغيبة التامَّة الكبرى.
تبدأ تدريجيًّا أحداث الظهور بالتكشُّف، وينتهي بذلك عصر طويل عاشته البشريَّة بعيدة عن مباشرة إمامها، وحُرِمَت طيلة قرون عديدة منه.
يمتاز البحث في هذا الفصل بأنَّ الأحداث فيه ستقع مع وجود الإمام (عجّل الله فرجه).
إنَّ هناك جملة من النصوص دلَّت على أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) سيُبيِّن الأحكام الواقعيَّة(٥١٤)، وسترتفع في زمانه التقيَّة(٥١٥)، ومع هذا الأمر سينكشف ما لم ينكشف في زمان سابق حتَّى مع وجود آبائه (عليهم السلام).
٢ - كيف يعرف الإمام (عجّل الله فرجه) أنَّه قد حان وقت خروجه؟
هناك العديد من الطُّرُق التي يمكن أنْ يتعرَّف الإمام (عجّل الله فرجه) من خلال أيٍّ منها على وقت ظهوره، ومنها:
١ - بتحقُّق العلامات التي دلَّت على أوان الظهور، فهو جزماً عارف بانطباقها على مصاديقها الحقيقيَّة.
٢ - أنَّه (عجّل الله فرجه) يعلم ذلك من خلال النداء باسمه واسم أبيه (عليه السلام)، وهو الأقدر على معرفة هذا النداء وتمييزه.
قال أبو عبد الله (عليه السلام): «ينادى باسم القائم: يا فلان بن فلان، قم»(٥١٦).
٣ - أنْ يحدث قتل النفس الزكيَّة التي يُرسِلها الإمام (عجّل الله فرجه) إلى مكَّة المكرَّمة حيث يقول لأصحابه: «إنَّ أهل مكَّة لا يريدونني، ولكنِّي مرسِل إليهم لأحتجَّ عليهم بما ينبغي لمثلي أنْ يحتجَّ عليهم، فيدعو رجلاً من أصحابه، فيقول له: امض إلى أهل مكَّة، فقل: يا أهل مكَّة، أنا رسول فلان إليكم، وهو يقول لكم: إنَّا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرّيَّة محمّد وسلالة النبيِّين، وإنَّا قد ظُلمنا واضطُهدنا وقُهرنا وابتُزَّ منَّا حقُّنا منذ قُبِضَ نبيُّنا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا. فإذا تكلَّم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس الزكيَّة، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: ألَا أخبرتكم أنَّ أهل مكَّة لا يريدوننا، فلا يدعونه حتَّى يخرج فيهبط من عقبة طوى في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً...»(٥١٧).
٤ - لو لم يكن بيدنا نصٌّ يدلُّ على كيفيَّة معرفته (عجّل الله فرجه) بزمان خروجه، فإنَّا نجزم بعد القطع بعصمته وإمامته أنَّ اتِّصاله بالغيب يقتضي أنْ يعلم بزمان خروجه إذا حان موعده على نحو الجزم.
وقد ذكرنا طُرُقاً أُخرى في الحلقة الأُولى غير الذي ذكر هنا، فراجع.
وليس حصول هذه الأُمور على نحو مانعة الجمع.
٣ - كيف نعرفه إذا خرج؟
١ - بانطباق العلامات التي تقدَّم الحديث عنها على نحو الجزم أو الاطمئنان، قال الشيخ النعماني (رحمه الله): (هذه العلامات... وتواترها واتِّفاقها موجبة ألَّا يظهر القائم (عليه السلام) إلَّا بعد مجيئها وكونها)(٥١٨).
٢ - أنْ لا يُسئَل عن شيء إلَّا أجاب عنه، كما ورد ذلك عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... ولا يُسئَل عن شيء بين صدفيها إلَّا أجاب»(٥١٩).
٣ - أنْ يظهر الإعجاز على يديه(٥٢٠).
٤ - أحداث البيعة وما يسبقها:
تذكر الروايات أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) يكون في المدينة، ومنها:
ما رواه الشيخ النعماني (رحمه الله) بسند صحيح عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... الزم الأرض ولا تُحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها لك...، ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة، فينفر المهدي منها إلى مكَّة، فيبلغ أمير جيش السفياني أنَّ المهدي قد خرج إلى مكَّة، فيبعث جيشاً على أثره، فلا يُدركه حتَّى يدخل مكَّة خائفاً يترقَّب على سُنَّة موسى بن عمران (عليه السلام)...»(٥٢١).
خروج الإمام (عجّل الله فرجه) بتراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
وروى (رحمه الله) بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... وظهر السفياني... خرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكَّة بتراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، قلت: وما تراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقال: «سيفه، ودرعه، وعمامته، وبرده، ورايته، وقضيبه، وفرسه، ولامته، وسرجه»(٥٢٢).
الإمام (عجّل الله فرجه) في عقبة ذي طوى:
وفي نفس المصدر: «إنَّ القائم يهبط من ثنيَّة ذي طوى في عدَّة أهل بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، حتَّى يسند ظهره إلى الحجر الأسود، ويهزُّ الراية الغالبة»(٥٢٣).
اجتماع الـ(٣١٣):
في نصٍّ سابق ذكرنا فيه بعض الأحداث، ومنها إرسال الإمام (عجّل الله فرجه) النفس الزكيَّة إلى أهل مكَّة وقتلهم له، جاء فيه: «... فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: ألَا أخبرتكم أنَّ أهل مكَّة لا يريدوننا، فلا يدعونه حتَّى يخرج فيهبط من عقبة طوى في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدَّة أهل بدر، حتَّى يأتي المسجد الحرام، فيُصلِّي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات، ويسند ظهره إلى الحجر الأسود، ثمّ يحمد الله ويثني عليه، ويذكر النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويُصلِّي عليه ويتكلَّم بكلام لم يتكلَّم به أحد من الناس، فيكون أوَّل من يضرب على يده ويبايعه جبرئيل وميكائيل...»(٥٢٤).
خطبة الإمام (عجّل الله فرجه) في الكعبة:
وفي النصِّ الصحيح الذي ذكرناه سابقاً جاء: «... فيقوم القائم بين الركن والمقام فيُصلِّي وينصرف ومعه وزيره...»، ثمّ يخطب بالناس وهي خطبة محاججة يذكر فيها صلته بالأنبياء (عليهم السلام) والقرآن إلى أنْ يقول: «... ألَا إنَّا نستنصر الله اليوم وكلَّ مسلم، ويجيء والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكَّة على غير ميعاد، قزعاً كقزع الخريف، يتبع بعضهم بعضاً...، يبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد نبيِّ الله ورايته وسلاحه ووزيره معه، فينادي المنادي بمكَّة باسمه وأمره من السماء حتَّى يسمعه أهل الأرض كلُّهم اسمه اسم نبيٍّ، ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبيِّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ورايته وسلاحه والنفس الزكيَّة من ولد الحسين، فإنْ أشكل عليكم هذا فلا يشكل عليكم الصوت من السماء باسمه وأمره...»(٥٢٥).
أوَّل من يبايع:
عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]، قال: «نزلت في القائم (عليه السلام)، وكان جبرائيل (عليه السلام) على الميزاب في صورة طير أبيض، فيكون أوَّل خلق الله مبايعةً له، أعني جبرئيل، ويبايعه الناس الثلاثمائة والثلاثة عشر، فمن كان ابتُلي بالمسير وافى في تلك الساعة، ومن لم يبتلِ بالمسير فُقِدَ من فراشه...»(٥٢٦).
وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «... كأنِّي بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائماً بين الركن والمقام...»(٥٢٧).

* * *
الدرس الرابع والأربعون

٥ - الأحداث العسكريَّة والمعارك والفتوحات:
الأحداث العسكريَّة عند ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) وما قبله تارةً تكون:
أ - في مكَّة مهد الظهور.
ب - وأُخرى في غيرها كالأحداث التي تقع في المدينة والكوفة والشام ومناطق أُخرى.
وهذه الأحداث قد تسبق الظهور بمدَّة سواء كانت طويلة أو قصيرة، وقد تكون مواكبة له، فالإمام (عجّل الله فرجه) في مكَّة وهذه الأحداث جارية في مواطنها، وقد تكون والإمام (عجّل الله فرجه) موجود في مواطن حدوثها كما لو كان هو بنفسه (عجّل الله فرجه) في الكوفة أو النجف أو الشام أو غيرها.
الروايات تناولت تلك الأحداث، ونذكر منها:
اكتمال الحلقة:
وفي نصٍّ آخر قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم (عليه السلام) حتَّى تكون تكملة الحلقة»، قلت: وكم تكملة الحلقة؟ قال: «عشرة آلاف، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، ثمّ يهزُّ الراية ويسير بها، فلا يبقى أحد في المشرق ولا في المغرب إلَّا لعنها، وهي راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نزل بها جبرئيل يوم بدر»، ثمّ قال: «يا أبا محمّد، ما هي والله قطن ولا كتَّان ولا قزٍّ ولا حرير»، قلت: فمن أيِّ شيء هي؟ قال: «من ورق الجنَّة، نشرها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم بدر، ثمّ لفَّها ودفعها إلى عليٍّ (عليه السلام)، فلم تزل عند عليٍّ (عليه السلام) حتَّى إذا كان يوم البصرة نشرها أمير المؤمنين (عليه السلام)، ففتح الله عليه، ثمّ لفَّها، وهي عندنا هناك لا ينشرها أحد حتَّى يقوم القائم (عليه السلام)، فإذا هو قام نشرها، فلم يبقَ أحد في المشرق والمغرب إلَّا لعنها، ويسير الرعب قدَّامها شهراً، وورائها شهراً، وعن يمينها شهراً، وعن يسارها شهراً»، ثمّ قال: «يا أبا محمّد، إنَّه يخرج موتوراً غضبان أسفاً لغضب الله على هذا الخلق، يكون عليه قميص رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي كان عليه يوم أُحُد، وعمامته السحاب، ودرعه درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السابغة، وسيفه سيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذو الفقار، يُجرِّد السيف على عاتقه ثمانية أشهر، يقتل هرجاً، فأوَّل ما يبدأ ببني شيبة فيقطع أيديهم ويُعلِّقها في الكعبة، وينادي مناديه: هؤلاء سُرَّاق الله، ثمّ يتناول قريشاً، فلا يأخذ منها إلَّا السيف، ولا يعطيها إلَّا السيف، ولا يخرج القائم (عليه السلام) حتَّى يُقرَأ كتابان: كتاب بالبصرة، وكتاب بالكوفة، بالبراءة من عليٍّ (عليه السلام)»(٥٢٨).
وقوله: «لا يخرج» أي من مكَّة وليس أصل خروجه، وسيأتي بيان ماهيَّة سلاحه عند خروجه في بحثٍ مستقلٍّ.
أحداث كثيرة في أماكن مختلفة:
في الخبر الصحيح الذي رواه الشيخ النعماني (رحمه الله): «... فتلك السنة - يا جابر - فيها اختلاف كثير في كلِّ أرض من ناحية المغرب، فأوَّل أرض تخرب أرض الشام ثمّ يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني، فيلتقي السفياني بالأبقع، فيقتتلون فيقتله السفياني ومن تبعه، ثمّ يقتل الأصهب، ثمّ لا يكون له همَّة إلَّا الإقبال نحو العراق، ويمرُّ جيشه بقرقيسياء، فيقتتلون بها فيُقتَل بها من الجبَّارين مائة ألف، ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة وعدَّتهم سبعون ألفاً، فيصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً، فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات من قِبَل خراسان وتطوي المنازل طيًّا حثيثاً ومعهم نفر من أصحاب القائم، ثمّ يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة، ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة فينفر المهدي منها إلى مكَّة، فيبلغ أمير جيش السفياني أنَّ المهدي قد خرج إلى مكَّة، فيبعث جيشاً على أثره فلا يُدرِكه حتَّى يدخل مكَّة، فلا يُدركه حتَّى يدخل مكَّة خائفاً يترقَّب على سُنَّة موسى بن عمران (عليه السلام)»، وقال: «فينزل أمير جيش السفياني في البيداء، فينادي منادٍ من السماء: يا بيداء، بيدي القوم، فيُخسَف بهم، فلا يفلت منهم إلَّا ثلاثة نفر، يُحوِّل الله وجوههم إلى أقفيتهم، وهم من كلب، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلَى أَدْبَارِهَا...﴾ الآية [النساء: ٤٧]»، قال: «والقائم يومئذٍ بمكَّة قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً به...»(٥٢٩).
وقد تقدَّم الحديث عن الأحداث داخل مكَّة، وحصول البيعة له، وتجمُّع قادته وقوَّاته في الحلقة السابقة، فراجع.
عليكم بمكَّة:
روى الشيخ النعماني (رحمه الله) بسندٍ تامٍّ عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... وكفى بالسفياني نقمةً لكم من عدوِّكم، وهو من العلامات لكم، مع أنَّ الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهراً أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم بأس حتَّى يقتل خلقاً كثيراً دونكم»، فقال له بعض أصحابه: فكيف نصنع بالعيال إذا كان ذلك؟ قال: «يتغيَّب الرجل منكم عنه، فإنَّ حنقه وشرهه فإنَّما هي على شيعتنا، وأمَّا النساء فليس عليهنَّ بأس إنْ شاء الله تعالى»، قيل: فإلى أين يخرج الرجال ويهربون منه؟ فقال: «من أراد منهم أنْ يخرج، يخرج إلى المدينة أو إلى مكَّة أو إلى بعض البلدان»، ثمّ قال: «ما تصنعون بالمدينة، وإنَّما يقصد جيش الفاسق إليها، ولكن عليكم بمكَّة فإنَّها مجمعكم، وإنَّما فتنته حمل امرأة، تسعة أشهر، ولا يجوزها إنْ شاء الله»(٥٣٠).

* * *
الدرس الخامس والأربعون

٦ - التحرُّكات العسكريَّة الأولى للإمام (عجّل الله فرجه):
عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «... ثمّ يخرج من مكَّة حتَّى يكون في مثل الحلقة»، قلت: وما الحلقة؟ قال: «عشرة آلاف رجل، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، ثمّ يهزُّ الراية الجليَّة وينشرها، وهي راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السحابة، ودرع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السابغة، ويتقلَّد بسيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذي الفقار»(٥٣١).
عودة الإمام (عجّل الله فرجه) إلى مكَّة وإعلان الولاية للإمام عليٍّ (عليه السلام):
وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «يبايع القائم بمكَّة على كتاب الله وسُنَّة رسوله، ويستعمل على مكَّة، ثمّ يسير نحو المدينة، فيبلغه أنَّ عامله قُتِلَ، فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة، ولا يزيد على ذلك، ثمّ ينطلق فيدعو الناس بين المسجدين إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله، والولاية لعليِّ بن أبي طالب، والبراءة من عدوِّه...»، إلى أنْ يقول: «يخرج إلى المدينة فيقيم بها ما شاء، ثمّ يخرج إلى الكوفة، ويستعمل عليها رجلاً من أصحابه، فإذا نزل الشفرة جاءهم كتاب السفياني: إنْ لم تقتلوه لأقتلنَّ مقاتليكم ولأسبينَّ ذراريكم، فيقبلون على عامله فيقتلونه، فيأتيه الخبر، فيرجع إليهم فيقتلهم، ويقتل قريشاً حتَّى لا يبقى منهم إلَّا أكلة كبش، ثمّ يخرج إلى الكوفة، ويستعمل رجلاً من أصحابه، فيقبل وينزل النجف»(٥٣٢).
نزول الجيش بظهر الكوفة:
وفي خبر: «إذا خرج القائم من مكَّة ينادي مناديه: ألَا لا يحملنَّ أحد طعاماً ولا شراباً، ويحمل معه حجر موسى بن عمران، وهو وقر بعير، فلا ينزل منزلاً إلَّا نبعت منه عيون، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان ظمآناً روي ودوابّهم، حتَّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة»(٥٣٣).
وفي (دلائل الإمامة): «كأنَّني به قد عبر من وادي السلام إلى مسجد السهلة...»(٥٣٤).
وفي (تفسير العيَّاشي): «ينزل في سبع قباب من نور لا يُعلَم في أيِّها هو حين ينزل في ظهر الكوفة...»(٥٣٥).
صفات جنود الإمام (عجّل الله فرجه):
وفي (الغيبة) للنعماني: «إنَّ أصحاب القائم شباب لا كهول فيهم إلَّا كالكحل في العين، أو كالملح في الزاد، وأقلّ الزاد الملح»(٥٣٦).
وفيه أيضاً: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «بينا شباب الشيعة على ظهور سطوحهم نيام إذ توافوا إلى صاحبهم في ليلة واحدة على غير ميعاد، فيصبحون بمكَّة»(٥٣٧).
وفي (كمال الدِّين): «كأنِّي بأصحاب القائم (عليه السلام) وقد أحاطوا بما بين الخافقين، فليس من شيء إلَّا وهو مطيع لهم حتَّى سباع الأرض وسباع الطير، يطلب رضاهم في كلِّ شيء حتَّى تفخر الأرض على الأرض وتقول: مرَّ بي اليوم رجل من أصحاب القائم (عليه السلام)»(٥٣٨).
مدَّة حروب الإمام (عجّل الله فرجه):
وفي (الغيبة) للنعماني: «... إذا قام سار بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلَّا أنَّه يُبيِّن آثار محمّد، ويضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر هرجاً مرجاً حتَّى يرضي الله...»(٥٣٩).
مع قريش:
وفي (الغيبة) للنعماني أيضاً: «... أمَا إنَّه لا يبدأ إلَّا بقريش، فلا يأخذ منها إلَّا السيف، ولا يُعطيها إلَّا السيف، حتَّى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمّد، ولو كان من آل محمّد لرحم»(٥٤٠).
بماذا يقوم؟
وفي الخبر الذي يليه: «يقوم القائم بأمر جديد، وكتاب جديد، وقضاء جديد، على العرب شديد، ليس شأنه إلَّا السيف، ولا يستتيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم»(٥٤١)، وبمضمونه غيره.
وسيأتي الإجابة على بعض الشُّبُهات التي تُطرَح حول هذه النصوص وأشباهها.
٧ - نزول عيسى (عليه السلام) وانتهاء الفتوحات:
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): (ونعتقد أنَّ حجَّة الله في أرضه، وخليفته على عباده في زماننا هذا، هو القائم المنتظر محمّد بن الحسن...، وأنَّه هو المهدي الذي أخبر به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه إذا خرج نزل عيسى بن مريم (عليه السلام) فصلَّى خلفه...)(٥٤٢).
الأخبار التي تحدَّثت عن عيسى بن مريم والخضر وإلياس وأصحاب الكهف وغيرهم، ومن الأعداء كالدجَّال ويأجوج ومأجوج وإبليس، ودورهم مع الإمام (عجّل الله فرجه)، يُلاحَظ أنَّها:
١ - فيما روي من طُرُقنا لم تذكر تفاصيل حركتهم وإنَّما أصل وجودهم، ولعلَّ أغلبهم في الرجعة على ما سوف يأتي في آخر هذا الفصل.
٢ - أنَّ الروايات التي تناولت تفاصيل عيسى بن مريم (عليه السلام) أو الدجَّال أو غيرهما، أغلبها من طُرُق العامَّة، ولا غرض مهمٌّ في هذا الفصل لكي يتمَّ الاعتماد على مرويَّاتهم في مثل هذه الأُمور.
ومن النصوص التي تحدَّثت عن عيسى (عليه السلام) من طُرُقنا:
عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «القائم منَّا منصور بالرعب، مؤيَّد بالنصر، تُطوى له الأرض وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويُظهِر الله (عزَّ وجلَّ) به دينه على الدِّين كلِّه ولو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خراب إلَّا قد عُمِّر، وينزل روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيُصلِّي خلفه»(٥٤٣).
٨ - بلوغ ملكه جميع الأرض:
وروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... وإنَّ الله تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من ولدي، فيبلغه شرق الأرض وغربها حتَّى لا يبقى منهلاً ولا موضعاً من سهل ولا جبل وطئه ذو القرينين إلَّا وطئه، ويُظهِر الله (عزَّ وجلَّ) له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب، فيملأ الأرض به عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(٥٤٤).
روى الشيخ النعماني (رحمه الله) بسنده عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليٍّ (عليه السلام) يقول: «لو قد خرج قائم آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنصره الله بالملائكة المسوِّمين والمردفين والمنزلين والكرُّوبيِّين، يكون جبرائيل أمامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، والرعب يسير مسيرة شهر أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، والملائكة المقرَّبون حذاه، أوَّل من يتبعه محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعليٌّ (عليه السلام) الثاني، ومعه سيف مخترط، يفتح الله له الروم والديلم والسند والهند وكابل شاه والخزر. يا أبا حمزة، لا يقوم القائم (عليه السلام) إلَّا على خوف شديد وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد بين الناس، وتشتُّت في دينهم، وتغيُّر من حالهم حتَّى يتمنَّى المتمنِّي الموت صباحاً ومساءً من عظم ما يرى من كلب الناس وأكل بعضهم بعضاً، وخروجه إذا خرج عن الإياس والقنوط. فيا طوبى لمن أدركه وكان من أنصاره، والويل كلُّ الويل لمن خالفه وخالف أمره وكان من أعدائه»، ثمّ قال: «يقوم بأمر جديد، وسُنَّة جديدة، وقضاء جديد، على العرب شديد، ليس شأنه إلَّا القتل، ولا يستتيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم»(٥٤٥).

* * *
الدرس السادس والأربعون: إثارات وشُبُهات

الإثارة الأولى: المهدي آلة للقتل ويخرج للانتقام خاصَّة:
أُثيرت حول حركة الإمام (عجّل الله فرجه) العسكريَّة عدَّة إشكالات(٥٤٦) من أنَّه آلة للقتل، ولا يخرج إلَّا للانتقام.
والجواب عنها:
١ - تقدَّم أنَّ أوَّل ما يقوم به عند ظهوره إقامة الحجَّة الواضحة، ويخطب في الناس وفي أقدس بقعة عند المسلمين، ولكن مع ذلك يقوم هؤلاء بسفك الدماء في هذا المكان المقدَّس، فماذا عساه يفعل مع أُناس لا يخضعون لميزان من عقل أو حكمة، ولا يتمسكون بمنهج يتمُّ من خلاله التحاور معهم؟ فإمَّا أنْ يتركهم يفعلون ما يحلو لهم دون رادع، أو يقاتلهم بعد فشل محاولات الحوار معهم، كلُّ منصف يختار الثاني.
٢ - أنَّ حدود الحرب وعدد القتلى مقارنةً مع فتح العالم كلِّه إذا ما تمَّ قياسه لأيِّ حرب سابقة عليه من حيث قصر الفترة الزمنيَّة التي لا تتجاوز الأشهر المعدودة ومن حيث عدد الضحايا، فإنَّه قياس مع الفارق جدًّا، فمن المعيب ذكر هذه الأحداث مع ما سينتج عنها، ولكن مجاراةً لعقول هؤلاء نقول ذلك.
٣ - يحقُّ لنا أنْ نسأل أصحاب الشبهة: ماذا سيفعل المنقذ والمهدي الذي ينتظرونه حسب زعمهم مع المعاندين له؟ فليراجعوا الروايات التي في مصادرهم بهذا الصدد قبل التكلُّم بدون معرفة، إنَّها تتحدَّث عن أضعاف مضاعفة - إنْ قُبِلَت - في المهدي.
في الحقيقة إنْ هي إلَّا محاولات للتغطية والتشويه في ذات الوقت.
الإثارة الثانية: المهدي يقتل العرب وقريشاً خصوصاً فهو شعوبي!
يقول القفاري: (... ولم يكتفِ منتظرهم بهذا؛ بل إنَّه يقوم بقتلٍ عامٍّ شاملٍ للجنس العربي واستئصال وجوده، ولذلك فإنَّ أخبارهم تعد العرب بملحمة على يد غائبهم...، ما بقي بيننا وبين العرب إلَّا الذبح...، ويخصُّون قبيلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قريش التي منها صفوة أصحابه...، ولا يخفى أنَّ تخصيص العرب بالقتل يدلُّ على تغلغل الاتِّجاه الشعوبي لدى واضعي هذه الروايات، وهي تُبيِّن مدى العداوة للجنس العربي لدى مؤسِّسي الرفض والرغبة في التشفِّي منهم...)(٥٤٧).
والجواب عنها:
١ - المتحدِّث بهذه الشبهة ينبغي به مسلماً، والقرآن يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)، فالولاء الوحيد الثابت في ضمن متغيِّرات الولاء هو الولاء العقائدي التقوي، فالتخندق وراء القوميَّة مخالف لأُصول المبادئ الإسلاميَّة، وإذا تزاحم الولاء القومي مع الديني، فالتعاليم الدِّينيَّة تُقدِّم الثاني على الأوَّل بلا تردُّد.
٢ - ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الحجَّة المهدي (عجّل الله فرجه) عربي، وأنَّ جملة من قادة جيشه وجنوده من العرب، وفي رواياتنا ما يشير إلى أنَّ بعضاً من خُلَّص قادته هم من العرب، كاليماني وشعيب بن صالح التميمي وغيرهم.
٣ - أنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عندما يخرج يقتفي أثر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإذا رجعنا إلى طريقة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تعامله مع الأعداء فإنَّنا نجد أنَّ أكثر حروبه كانت مع قريش ومع العرب بعد عصيانهم وجحودهم، فهل يصحُّ أنْ نذمَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
٤ - ما هو حال العرب عند ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) في روايات مَنْ يستشكل على عقيدتنا في مهدي آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
حال العرب في لسان روايات المستقبل عند السُّنَّة:
أ - ما رواه البخاري من قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب»(٥٤٨).
ب - في (مسند أحمد): «يُبايَع لرجل ما بين الركن والمقام، ولن يستحلَّ البيت إلَّا أهله، فإذا استحلُّوه فلا تسأل عن هلكة العرب»(٥٤٩).
ج - في (صحيح مسلم): ... يا رسول الله، فأين العرب يومئذٍ؟ قال: «هم قليل»(٥٥٠).
في نصوص أُخرى تتحدَّث عن هروبهم وتركهم لمكَّة والمدينة، وذهابهم لبيت المقدس، وما عساهم يفعلون هناك؟
ولِمَ تهجر مكَّة والمدينة التي جعلها النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) آمنة من الفتن حتَّى فتنة الدجَّال حسب زعمهم؟
الإثارة الثالثة: سلاح الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ما هو؟
أُثيرت حول سلاح الإمام (عجّل الله فرجه) الذي سيخرج به عدَّة استفهامات، فهل هو كما في بعض النصوص المتقدِّمة سيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو ذو الفقار، وهل سيُخرِجه من غمده؟ فهل هذا الاستعمال حقيقي أم مجازي وللكناية عن آلات الحرب؟
والجواب عنها:
١ - الألفاظ تُحمَل على معانيها الموضوعة لها، ولكن كيف نعرف ذلك بعد وضوح أنَّ القاموس يتحدَّث عن المعاني المستعملة.
قال ابن فارس: (السين والياء والفاء أصل يدلُّ على امتداد في شيء وطول، من ذلك السيف سُمّي بذلك لامتداده...، وممَّا يدلُّ على صحَّة هذا الاشتقاق قولهم: سيف البحر، وهو ما امتدَّ معه)(٥٥١).
وهكذا في غيره، نعم قد نجزم بأحد معانيه التي استُعمِلَت فيه ونستظهر ذلك منه.
٢ - لو تنزَّلنا وقلنا: إنَّه وُضِعَ للآلة الحديديَّة المعروفة، فإنَّ استعماله في غيرها مع القرينة لا مانع منه، والقرينة تارةً تكون لفظيَّة وأُخرى حاليَّة وثالثة عقليَّة، ومع فرض انتفاء الغرض من استعمال السيف في المعارك، فلا معنى لأنْ يكون هو السلاح المستعمل فيها، فلا بدَّ أنْ يكون المراد به الكناية عن السلاح.
إنْ قلت: ذُكِرَ في بعض النصوص أنَّه سيف ذي الفقار.
قلت: إنَّه بعد أنْ حملناه على المعنى المجازي فنحمل وصفه كذلك، فيكون المعنى السلاح الخاصّ أو الأقوى، وكأنَّ ذكر ذي الفقار من بين السيوف إشارة إلى أنَّه الأقوى.
٣ - لو تنزَّلنا وقلنا: لا وجه للحمل على السلاح بل هو خصوص السيف، أي قطعة الحديد، نقول: لا مانع من ذلك، ويكون حينئذٍ للإشارة إلى بعده المعنوي، فهو يظهر حاملاً السيف لا لأجل أنْ يقاتل به، بل كما نشاهد اليوم مع تطوُّر الأسلحة فإنَّ السيف لا زال مستعمَلاً كرمز، كما في الاستعراضات أو استقبال الشخصيَّات وما شاكل.

* * *
الدرس السابع والأربعون: البحث الثاني: بناء الدولة

بعد أنْ تضع الحرب أوزارها، بل وفي أثنائها، تبدأ مرحلة بناء الدولة المهدويَّة، ودلَّت الأخبار على الدولة ومعالمها والأحكام والآثار التي ستتضمَّنها، ومنها:
١ - إقامة العدل، والحكم بين أهل الأديان في بداية الدولة بكُتُبهم:
وممَّا دلَّ على ذلك ما رواه الشيخ النعماني (رحمه الله) بسنده عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... إذا قام قائم أهل البيت قسَّم بالسويَّة، وعدل في الرعيَّة، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وإنَّما سُمّي المهدي مهديًّا لأنَّه يهدي إلى أمر خفي، ويستخرج التوراة وسائر كُتُب الله (عزَّ وجلَّ) من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن، وتُجمَع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس: تعالَوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرَّم الله (عزَّ وجلَّ)، فيُعطي شيئاً لم يُعطِه أحد كان قبله، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً وشرًّا»(٥٥٢).
٢ - اكتمال العقول وانتشار دين الإسلام:
ومما دل على ذلك ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) بسنده عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم»(٥٥٣).
وروى الشيخ المفيد (رحمه الله): (... إذا قام القائم (عليه السلام) حكم بالعدل، وارتفع في أيَّامه الجور، وأمنت به السُّبُل، وأخرجت الأرض بركاتها، وردَّ كلَّ حقٍّ إلى أهله، ولم يبقَ أهل دين حتَّى يُظهِروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان، أمَا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمّد (عليهما السلام)، فحينئذٍ تُظهِر الأرض كنوزها وتُبدي بركاتها، فلا يجد الرجل منكم يومئذٍ موضعاً لصدقته ولا لبرِّه، لشمول الغنى جميع المؤمنين)، ثمّ قال: (إنَّ دولتنا آخر الدول، ولم يبقَ أهل بيت لهم دولة إلَّا ملكوا قبلنا، لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾)(٥٥٤).
٣ - كثرة البركات وطول الأعمار:
وممَّا ورد في ذلك ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... إنَّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربِّها، واستغنى الناس عن ضوء الشمس، وذهبت الظلمة، ويُعمِّر الرجل في ملكه حتَّى يُولَد له ألف ذَكَر لا يُولَد فيهم أُنثى، وتُظهِر الأرض كنوزها حتَّى يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته فلا يجد أحداً يقبل منه ذلك، استغنى الناس بما رزقهم الله من فضله»(٥٥٥).
وروى المفيد (رحمه الله) عن عمرو بن شمر، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: ذكر المهدي فقال: «يدخل الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت فتصغو له، ويدخل حتَّى يأتي المنبر فيخطب فلا يدري الناس ما يقول من البكاء، فإذا كانت الجمعة الثانية سأله الناس أنْ يُصلِّي بهم الجمعة، فيأمر أنْ يُخَطَّ له مسجد على الغريِّ ويُصلِّي بهم هناك، ثمّ يأمر من يحفر من ظهر مشهد الحسين (عليه السلام) نهراً يجري إلى الغريَّين حتَّى ينزل الماء في النجف، ويعمل على فوهته القناطير...»(٥٥٦).
وفي الرواية التي تليها روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إذا قام قائم آل محمّد (عليه السلام) بنى في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب، واتَّصلت بيوت أهل الكوفة بنهري كربلاء»(٥٥٧).
٤ - يعلم الأحكام والقرآن كما نزل:
وممَّا ورد في ذلك ما رواه الشيخ المفيد (رحمه الله) أيضاً عن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا قام قائم آل محمّد (عليه السلام) ضرب فساطيط لمن يُعلِّم الناس القرآن على ما أنزل الله (جلّ جلاله)...»(٥٥٨).
وروى (رحمه الله) أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إذا قام قائم آل محمّد (عليه وعليهم السلام) حكم بين الناس بحكم داود لا يحتاج إلى بيِّنة، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويُخبِر كلَّ قوم بما استنبطوه، ويعرف وليَّه من عدوِّه بالتوسُّم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٥ و٧٦]»(٥٥٩).
٥ - إخراج العلم المكنون وبثُّه بين الناس:
وممَّا ورد في ذلك ما رواه قطب الدِّين الراوندي (رحمه الله) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «العلم سبعة وعشرون جزءاً، فجميع ما جاءت به الرُّسُل جزءان، فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الجزءين، فإذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين جزءاً فيبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الجزءين، حتَّى يبثَّها سبعة وعشرين جزءاً»(٥٦٠).
٦ - اختلاف حساب السنين ونزول الملائكة على المؤمنين وخدمتهم لهم:
وممَّا ورد في ذلك ما رواه الشيخ المفيد (رحمه الله): «... تطول له الأيَّام والليالي حتَّى تكون السنة من سنيِّه مقدار عشر سنين من سنيِّكم...»(٥٦١).
وروى الطبري الشيعي عن الإمام الرضا (عليه السلام): «إذا قام القائم يأمر الله الملائكة بالسلام على المؤمنين، والجلوس معهم في مجالسهم، فإذا أراد واحد حاجة أرسل القائم من بعض الملائكة أنْ يحمله، فيحمله المَلَك حتَّى يأتي القائم، فيقضي حاجته ثمّ يردُّه، ومن المؤمنين من يسير في السحاب، ومنهم من يطير مع الملائكة، ومنهم من يمشي مع الملائكة مشياً، ومنهم من يسبق الملائكة، ومنهم من تتحاكم الملائكة إليه، والمؤمنون أكرم على الله من الملائكة، ومنهم من يُصيِّره القائم قاضياً بين مائة ألف من الملائكة»(٥٦٢).
وروى الشيخ المفيد (رحمه الله) عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... مقدار كلِّ سنة عشر سنين من سنيِّكم هذه، ثمّ يفعل الله ما يشاء»، قال: قلت له: جُعلت فداك، فكيف تطول السنون؟ قال: «يأمر الله الفلك باللبوث وقلَّة الحركة، فتطول الأيَّام لذلك والسنون»، قال: قلت له: إنَّهم يقولون: إنَّ الفلك إنْ تغيَّر فسد، قال: «ذلك قول الزنادقة...»(٥٦٣).

* * *
الدرس الثامن والأربعون: إثارات وشُبُهات حول دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

أُثيرت حول النصوص المتقدِّمة وغيرها ممَّا تناولت الأحداث في فترة دولة الإمام (عجّل الله فرجه) عدَّة إثارات، ووُجِّهت لها العديد من الانتقادات والإشكالات، ومن بين أكثرها رواجاً نتناول:
الإثارة الأولى: المهدي يحكم بشريعة داود:
قال القفاري: (... بل إنَّ الحكم والقضاء في دولة المنتظر يُقام على غير شريعة المصطفى...، إذا قام قائم آل محمّد حكم بحكم داود وسليمان ولا يسأل بيِّنة...، ولا يحتاج إلى بيِّنة...، انظر كيف يحلم واضعو هذه الروايات - الذين لبسوا ثوب التشيُّع زوراً وبهتاناً - بدولة تحكم بغير شريعة الإسلام)(٥٦٤).
والجواب عنها:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥)، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ (النساء: ١٦٣).
فجميع الأنبياء (عليهم السلام) بُعثوا بأركان دين واحد، ولم يختلف نبيٌّ عن آخر في ذلك وهو دين الإسلام، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً﴾ (آل عمران: ٦٧)، وجميع من بُعِثَ من الأنبياء معصومون بما فيهم داود وسليمان (عليهما السلام)، فهل داود وسليمان (عليهما السلام) خارجان عن الحنيفيَّة المسلمة؟
٢ - مسألة نسخ الشرائع من المسائل الأُصوليَّة متعدِّدة الآراء، وفيها تفصيلات، والأنسب أنْ يحاكم صاحب الإشكال بما يعتقده من أُصول يتديَّن بها، وممَّا كثر السؤال عنه في مذهبهم:
هل أنَّ شريعة من قبلنا تُعتَبر شريعة لنا أم لا؟
جاء الجواب: (هذه مسألة أُصوليَّة، الصحيح فيها أنَّ شريعة من قبلنا شريعة لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافها، فما ذكره الله سبحانه وتعالى في الشرائع السابقة ولم يرد في شرعنا ما ينسخه فإنَّه شرع لنا، هذا هو الصحيح في المسألة، والله العالم)(٥٦٥).
قال ابن تيميَّة: (... فهو - القرآن - يحكم بما فيهما - التوراة والإنجيل - ممَّا لم ينسخه الله، ويشهد بتصديق ما فيهما ممَّا لم يُبدَّل)(٥٦٦).
وقال في موضع آخر: (... ومعلوم أنَّ كلَّ ما أمر الله به على لسان نبيٍّ ولم ينسخه النبيُّ الثاني، بل أقرَّه كان الله آمراً به على لسان نبيٍّ بعد نبيٍّ ولم يكن في بعثه الثاني ما يضادُّ وجوب اتِّباع ما أمر به النبيُّ الأوَّل وقرَّره النبيُّ الثاني، ولا يجوز أنْ يقال: إنَّ الله ينسخ بالكتاب الثاني جميع ما شرَّعه بالكتاب الأوَّل، إنَّما المنسوخ قليل بالنسبة إلى ما اتَّفقت عليه الكُتُب والشرائع)(٥٦٧).
وعليه فشريعة داود (عليه السلام) شريعة لنا ما لم نجزم بالنسخ، ومنها حكمه بعلمه، بل - كما يتَّضح - أنَّ العالِم يصحُّ منه أنْ يحكم بعلمه، فكيف بخليفة الله المهدي (عجّل الله فرجه).
٣ - أنَّ النصوص التي ذكرت حكم الإمام (عجّل الله فرجه) بحكم داود (عليه السلام) فسَّرت وجه هذا الحكم: «لا يسأل بيِّنة، ويُعطي كلَّ نفس حقَّها»(٥٦٨).
ووجه التشبيه بداود أنَّه كان يحكم بعلمه لا يحتاج إلى بيِّنة، كذلك هو (عجّل الله فرجه) كما ورد: «حكم فيهما بحكم الله لا يريد عليهما بيِّنة»(٥٦٩)، وهذا النصُّ يُفسِّر حكم داود أنَّه حكم الله، ولأنَّه واقعي لا يحتاج إلى بيِّنة.
٤ - في باب القضاء يجوز للقاضي أنْ يحكم بعلمه فكيف بالمعصوم، وممَّا ورد في ذلك:
أ - قال البهوتي: (وله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يقضي ويفتي وهو غضبان، وأنْ يقضي بعلمه ويحكم لنفسه وولده، ويشهد لنفسه وولده، ويقيل شهادة من يشهد له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو لولده، لحديث خزيمة، ولأنَّه معصوم)(٥٧٠).
ب - قال ابن قدامة: (... بناءً على أنَّ القاضي هل له أنْ يقضي بعلمه؟ على روايتين، لأنَّ قاضي دمشق أخبره به في علمه، ومذهب الشافعي في هذا كقول القاضي هاهنا)(٥٧١).
ج - قال ابن رشد: (إنَّ العلماء أجمعوا على أنَّ القاضي يقضي بعلمه)(٥٧٢).
د - قال ابن عبد البرِّ: (... ففي هذا الخبر قضاء عمر بعلمه فيما قد علمه قبل ولايته)(٥٧٣)، وفيه قصَّة ينبغي عدم تفويت مراجعتها.
إنْ قلت: إنَّ الشرائع السابقة نُسِخَت بالشريعة المحمّديَّة ولم يبقَ من أحكامها شيء.
قلت: لا نُسلِّم أنَّ جميع ما في الشرائع السابقة قد نُسِخَ، بل جملة من أحكامها باقية، وحكم القاضي بعلمه ممَّا دلَّ عليه الدليل، فكيف بحكم المعصوم بعلمه اللدنِّي، إنَّه ممَّا دلَّ عليه الدليل من أنَّه يقضي ويحكم به.
الإثارة الثانية: تعطيل الشريعة في زمن دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
قال القفاري: (... إنَّ المهدي إذا رجع من غيبته ينسخ شريعة الإسلام فيما يتعلَّق بأحكام الميراث...، «فلو قد قام قائمنا أهل البيت أورث الأخ الذي آخى بينهما في الأظلَّة ولم يرث الأخ من الولادة»، لعلَّ هذه الرواية تكشف عمَّا يختلج في نفوس أرباب تلك العصابة من رغبة في إحلال العلاقة الحزبيَّة والتنظيميَّة بين أفرادها محلَّ القرابة والولادة في الميراث، ونهب أموال الناس باسم هذه العلاقة والأُخوَّة! وما تحلم به عند قيام دولتها الموعودة...، كما تفضح هذه الرواية موقف واضعي هذه الروايات من تطبيق الشريعة الإسلاميَّة ورغبتهم في تعطيلها، ثمّ هي تعكس مضموناً إلحاديًّا يسعى لهدم الشريعة، والخروج على عقيدة ختم النبوَّة، وهذه الدعوى فضلاً عن أنَّها خروج عن شريعة الإسلام فهي مخالفة لمنطق العقل، فالتوارث منوط بالعلاقة الظاهرة من الولادة والقرابة، أمَّا المؤاخاة الأزليَّة المزعومة فلا يُدركها البشر، فكيف تكون أساساً لقسمة الميراث؟)(٥٧٤).
والجواب عنها:
١ - أنَّنا نعتقد أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) هو الحافظ للشريعة، وإنَّما يظهر لإعادة الإسلام من غربته التي وضعه فيها المخالفون، وأنَّه خليفة الله عندهم، فأصل الاعتراض لا وجه له إلَّا بإنكار كونه خليفة الله، ولعلَّ المستشكل لم يلتفت إلى ذلك، أو أنَّه يبني على تعدُّد المهدي عند خروجه، وهذا ممَّا لا يمكن التسليم به.
على أنَّه لو تنزَّلنا وقلنا: نُسلِّم بأنَّ الذي يظهر آخر الزمان هو ما تعتقد، أفليس هو خليفة الله؟ فإنْ فعل ذلك فهل تعترض عليه أم تُسلِّم له؟ فإنْ سلَّمت له فهو، وإنْ اخترت عدم التسليم مع كونه خليفة الله تعالى فهذا جحود لا ينبغي لمن عرف الحقَّ أنْ يجحده.
٢ - التوارث في زمن دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) منوط بالواقع، وكما يحقُّ للشارع أنْ يتصرَّف بأحكامه في أوَّل الدعوة، فكذلك يحقُّ له أنْ يُعلِّق الإرث قبل دولة المهدي على الرحم وفي دولته على الإيمان، فالأحكام الشرعيَّة بيد الشارع وله وحده حقَّ تعليقها على ما يريد من موضوعات.
فليس هذا التغيير في الأحكام إلحاداً إنَّما عين العبوديَّة والانقياد للشارع المقدَّس، كما هو ليس خروجاً عن ختم النبوَّة، بل إبراز للأحكام التي كانت خافية طيلة قرون.
٣ - الأحكام الشرعيَّة غير منوطة بإدراك البشر، فنحن لا نعرف السرَّ الحقيقي وراء كون الطواف سبعة أشواط، ولماذا نرمي جمرة العقبة بحصيات سبعة، ونُصلِّي المغرب ثلاث ركعات، وأنَّ نسبة الزكاة (٢%)، وهكذا، فإنَّ ملاكات الأحكام ليست بيدنا، ولا نُدركها، فليس الأساس في التشريع إدراك الناس لملاك الأحكام، بل جعل الشارع المقدَّس لها في عهدة المكلَّفين.
الإثارة الثالثة: دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) تخالف أحكام الإسلام:
يقول القفاري: (... وكذلك يُغيِّر منتظرهم شريعة الإسلام فيما يتعلَّق بالجزية من أهل الكتاب وتنص رواياتهم أنَّ منتظرهم بهذا المنهج يخالف هدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فتقول: «ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية، كما قبلها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»)، انتهى كلامه.
وليته أكمل الرواية حيث قالت: «وهو قول الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]»(٥٧٥).
ثمّ قال: (ويكفي هذا الاعتراف في تأكيد خروجه عن سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتبديله لها عمداً...)(٥٧٦).
والجواب عنها:
١ - أنَّ وضع الجزية من مختصَّات الحاكم المعصوم، فله فرضها وله رفعها.
٢ - أنَّ خصوصيَّة الإمام (عجّل الله فرجه) في هذا الحكم ظاهرة في النصِّ الذي بتره صاحب الشبهة، فلخصوصيَّة إظهار الدِّين لا يأخذ الجزية.
٣ - أنَّ هناك نصوص أُخرى تدلُّ على أنَّ اليهودي والناصبي وغيرهم يعطون الجزية(٥٧٧)، فإذا لم تُقيَّد تلك بزمان معيَّن، فالتعارض ثمّ التساقط وترجع للأصل في المسألة.

* * *
الدرس التاسع والأربعون: إثارات وشُبُهات حول دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

الإثارة الرابعة: الدعوة لكتاب جديد ودين جديد وترك القرآن الكريم:
قال القفاري: (وتصف روايات أُخرى عندهم ما يقوم به منتظرهم من محاولة لصرف الناس عن القرآن بدعوى أنَّه محرَّف، وإخراج كتاب آخر مخالف له، وسعيه لتضليل الناس بدعوى أنَّ كتابه هو الكتاب الكامل الذي أُنزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقيام (العجم) بالسعي لنشره بين الناس، وتعليمهم إيَّاه، ومواجهتهم صعوبة بالغة لتغيير ما في أفئدة الناس وأذهانهم من كتاب الله...، أنَّها تفصح عن مكنون نفوس واضعيها وأهدافها ضدَّ شريعة الإسلام...، وإنَّ منازعتهم لحكم ولاة المسلمين...، يرمي إلى إزالة الحكومة الإسلاميَّة لإقامة دولة أُخرى في مكانها تحكم بحكم القائم الموعود)(٥٧٨).
ويقول: (... وهكذا يقوم المزعوم بأمر جديد، وكتاب جديد، وسُنَّة جديدة، وقضاء جديد...)(٥٧٩).
والجواب عنهما:
١ - دعوى تحريف القرآن، ليس محلُّ بحثها هنا، وعقيدتنا فيه أنَّه الذي بين الدفَّتين لا زيادة فيه ولا نقيصة، وعند القوم روايات في أصحّ كُتُبهم تنصُّ على التحريف، فإقحامها في هذه الإثارة لا وجه له.
٢ - لنسأل صاحب الشبهة ألم تروِ مصادر الحديث عندك: «يوشك الإسلام أنْ يُدرَس فلا يبقى إلَّا اسمه، ويُدرَس القرآن فلا يبقى إلَّا رسمه»(٥٨٠)، وفي نصٍّ آخر: «يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلَّا اسمه، ولا من القرآن إلَّا رسمه»(٥٨١)؟
فما معنى اندراس القرآن والإسلام وعدم بقاء شيء منهما؟ والنصُّ الآخر يُعبِّر: (لا يبقى)، فهل من يُرجِع الإسلام إلى عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يكون قد أتى بدين جديد؟!
روى مسلم في صحيحه: «إنَّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ»(٥٨٢)، مع أنَّ عدد المسلمين الآن أضعاف مضاعفة بالقياس إليه حينما بدأ، فليست الغربة المقصودة هنا غربة عدد وإنَّما غربة أحكام وتعاليم، وهو ما يُؤكِّد أنَّ المهدي (عجّل الله فرجه) عندما يخرج هو الذي سيُرجِع الإسلام جديداً، ويُخرجه من غربته ويُعيد سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما صدرت منه.
روى أحمد في مسنده: «أُبشِّركم بالمهدي يُبعَث في أُمَّتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض...»(٥٨٣).
فما سيأتي به الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) نحن مذعنون له مسلِّمون به، لأنَّ ساكن السماء قبل ساكن الأرض عنه راضٍ.
وقد كان بإمكان صاحب الشبهة أنْ يراجع تفسير الآية: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: ٣٣)، في كُتُبه ليعرف ما يقوم به المهدي (عجّل الله فرجه)(٥٨٤).
والغريب أنَّ هؤلاء يتَّهموننا بما في كُتُبهم، وكأنَّ هناك داءً فيهم لا دواء له، وقد لاحظنا في شُبُهات مرَّت نظير هذا.
يقول الطبري: (... ذلك عند خروج عيسى حين تصير الملل كلُّها واحدة...، إذا خرج عيسى (عليه السلام) اتَّبعه أهل كلِّ دين)(٥٨٥)، فلا ينقضي العجب أنَّ المهدي (عجّل الله فرجه) إذا قضى بحكم داود (عليه السلام) صار يهوديًّا وعلمانيًّا وماسونيًّا، أمَّا إذا اتَّبعوا عيسى فهم موحِّدون مسلمون، ولا أدري لماذا عيسى وليس المهدي؟!
٣ - الإسلام الجديد والكتاب الجديد والقضاء الجديد، هو على من لم يسمع به يكون جديداً وليس ابتداعاً في الدِّين، وهو إنَّما جاء لنشر الدِّين وهداية الكون إليه.
وهو جديد لأنَّ الناس لم يُطبِّقوه بشكل صحيح وإنْ كان أصله موجوداً بين ظهرانيِّهم.
الإثارة الخامسة: الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يقتل من لا ذنب له:
قال القفاري: (إنَّه يقتل من لا ذنب له، تقول رواياتهم: «إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعل آبائها»، وهكذا فإنَّ قائمهم ليس شأنه إلَّا القتل لا يستبقي أحداً)(٥٨٦).
الجواب عنها:
أوَّل الكلام أنَّ هؤلاء لا ذنب لهم، فمن يرتضي فعل المجرمين فهو منهم وشريك في جرمهم، وعندما يُسئَل الإمام الرضا (عليه السلام) عن ذلك حيث سأله الشيخ عبد السلام بن صالح الهروي (رحمه الله) قائلاً له: يا بن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا خرج القائم (عليه السلام) قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) بفعال آبائهم»؟ فقال (عليه السلام): «هو كذلك»، فقلت: وقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ما معناه؟ فقال: «صدق الله في جميع أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) يرضون بأفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه، ولو أنَّ رجلاً قُتِلَ بالمشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله (عزَّ وجلَّ) شريك القاتل، وإنَّما يقتلهم القائم (عليه السلام) إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم...»(٥٨٧).
وإنَّ ما نقله بنفسه بيَّن سبب قتلهم، «بفعل آبائهم»، فمن رضي فعل يزيد وجيشه في قتل الإمام الحسين (عليه السلام) سوف يُقتَل، وهذا لا وجه للإشكال فيه، فإنَّ من الواضحات أنَّ الفعل ليس محصوراً بالمباشر، وهؤلاء لو أُتيح لهم قتله مرَّةً أُخرى لفعلوا، لذلك يقتلهم.
الإثارة السادسة: انتظار طويل لحكم محدود!
وردت عدَّة روايات في تحديد مدَّة ملك الإمام (عجّل الله فرجه) على اختلاف بينها في مدَّة ملكه، ومنها:
أوَّلاً: ما روي من طُرُق العامَّة، وهي عديدة، نذكر منها:
١ - «سبع، ثمان، تسع»(٥٨٨).
٢ - «سبع سنين»(٥٨٩).
٣ - «عشرين سنة»(٥٩٠).
٤ - سبعة أو سبعين: «المهدي منَّا أهل البيت...، يعيش هكذا - وبسط يساره وإصبعين من يمينه المسبحة والإبهام وعقد ثلاثة -»(٥٩١).
ثانياً: من طُرُقنا، وهي عدَّة روايات، منها:
١ - سبع سنين: «... تطول له الأيَّام والليالي حتَّى تكون السنة من سنيِّه مقدار عشر سنين من سنيِّكم...»(٥٩٢).
٢ - تسع عشرة سنة وأشهر: أفرد لها الشيخ النعماني (رحمه الله) باباً هو الباب (٢٦)، روى فيه (٤) روايات كلُّها حدَّدت (١٩) سنة وأشهراً، منها الرواية الأُولى حيث روى (رحمه الله) بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام): «يملك القائم (عليه السلام) تسع عشرة سنة وأشهراً»(٥٩٣).
٣ - ثلاثمائة وتسع سنين، روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنَّ القائم يملك ثلاثمائة وتسع سنين كما لبث أهل الكهف في كهفهم»(٥٩٤).
والجواب عنها:
١ - مدَّة ملكه باختلاف مراتب ظهوره وملاحظة عناصر استتباب الأمر له، نظير ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ... وكم تكون الحيرة والغيبة؟ قال: «ستَّة أيَّام، أو ستَّة أشهر، أو ستّ سنين»(٥٩٥).
٢ - هذه المُدَد بلحاظ بسطه للعدل في المعمورة، فمدَّة ملكه وهو يبسط العدل لكذا بلد هي مثلاً سبعة سنوات، ولآخر تسعة، ولثالث تسعة عشر، وهكذا.
٣ - ليس لدولته فترة محدَّدة، روى الشيخ المفيد (رحمه الله) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ قائمنا إذا قام...، ويُعمّر الرجل في ملكه حتَّى يُولَد له ألف ذَكَر لا يُولَد فيهم أُنثى...»(٥٩٦)، هذا تعمير الرجل في ملك القائم (عجّل الله فرجه)، أمَّا ما هو ملكه وكم، فهذا ما لم تُحدِّده الروايات.
أمَّا مدَّة استمرار العدل بعد بسطه فغير محدَّدة.
٤ - أنَّ هذه المُدَد حقيقيَّة ولكن كلَّ مدَّة معلَّقة على شيء إنْ حصلت وإلَّا فلا وهكذا، فهو يحكم سبعة إنْ لم تحصل الصدقة مثلاً، فإنْ حصلت فتسعة، وهكذا التسعة معلَّقة على عدم شيء فإنْ حصل انتفت وجاءت التسعة عشر، وهكذا هي، فالمُدَد المذكورة تعليقيَّة لا فعليَّة.

* * *
الدرس الخمسون: البحث الثالث: ما بعد دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من الرجعة وحكم المهديِّين

تقدَّم في الحلقة السابقة حقيقة الرجعة وماهيَّتها روائيًّا، والغاية منها ومدَّتها، وحديثنا حول هذا المبحث ضمن نقاط عديدة:
١ - هل الرجعة من عالم الدنيا أو الآخرة؟
نقرأ بعض النصوص ونلاحظ ماذا يظهر منها:
روى الشيخ المفيد (رحمه الله) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «يُخرج القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى (عليه السلام) الذين كانوا يهدون بالحقِّ وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالكاً الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحُكَّاماً»(٥٩٧).
فدلَّت على أنَّ هؤلاء النفر الذين ماتوا من زمان طويل سيرجعون بين يدي القائم (عجّل الله فرجه) الذي سيظهر من غيبته دون أنْ يكون قد مات، فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يعيش بيننا في دنيانا هذه ضمن إطارها الطبيعي وبكلِّ ما لها من الخصوصيَّات وما تنتظم به من نظام اجتماعي واقتصادي وأُسري وغيرها.
وهؤلاء يرجعون إلى الدنيا، والرجعة ستقع في عالم الدنيا لا البرزخ ولا القيامة.
فأهل البرزخ ممَّن ذكرهم النصُّ السابق سيرجعون إلى الدنيا ليعيشوا مع الآلاف بل الملايين من الناس الذين لم يشاهدوا الموت والبرزخ.
فخصوصيَّات الرجعة - في هذه الفترة على الأقلّ - هي بذاتها خصوصيَّات عالم الدنيا.
وإنَّ من يرجعون سيرجعون إلى الدنيا بما لها من خصوصيَّات عالم المادَّة.
٢ - متى تبدأ الرجعة؟
الرجعة ليست واحدة، ومنها ما وقعت منذ قرون، ومنها ما ستقع عند الظهور، ومنها ما ستكون بعده، وقد دلَّت عدَّة نصوص على ذلك، منها:
أ - الرجعة في العصور السابقة:
١ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَائَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً * ... وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ (الكهف: ١٩ - ٢٥)، وقصَّتهم معروفة، ودلَّ النصُّ السابق على أنَّهم سيرجعون مع الإمام (عجّل الله فرجه)، فهم قد رجعوا مرَّتين.
٢ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (البقرة: ٢٤٣).
روى الشيخ الكليني (رحمه الله) عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنَّ هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام، وكانوا سبعين ألف بيت، وكان الطاعون يقع فيهم في كلِّ أوان، فكانوا إذا أحسُّوا به خرج من المدينة الأغنياء لقوَّتهم وبقي فيها الفقراء لضعفهم، فكان الموت يكثر في الذين أقاموا ويقلُّ في الذين خرجوا، فيقول الذين خرجوا: لو كنَّا أقمنا لكثر فينا الموت، ويقول الذين أقاموا: لو كنَّا خرجنا لقلَّ فينا الموت، قال: فاجتمع رأيهم جميعاً أنَّه إذا وقع الطاعون فيهم وأحسُّوا به خرجوا كلُّهم من المدينة، فلمَّا أحسُّوا بالطاعون خرجوا جميعاً وتنحّوا عن الطاعون حذر الموت، فساروا في البلاد ما شاء الله. ثمّ إنَّهم مرُّوا بمدينة خربة قد جلا أهلها عنها وأفناهم الطاعون فنزلوا بها، فلمَّا حطُّوا رحالهم واطمأنُّوا بها قال الله (عزَّ وجلَّ): موتوا جميعاً، فماتوا من ساعتهم، وصاروا رميماً يلوح(٥٩٨)، وكانوا على طريق المارَّة، فكنستهم المارَّة فنحُّوهم وجمعوهم في موضع، فمرَّ بهم نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل يقال له: (حزقيل)، فلمَّا رأى تلك العظام بكى واستعبر، وقال: يا ربِّ، لو شئت لأحييتهم الساعة كما أمتَّهم، فعمَّروا بلادك وولدوا عبادك وعبدوك مع من يعبدك من خلقك، فأوحى الله تعالى إليه: أفتُحِبّ ذلك؟ قال: نعم يا ربِّ فأحيهم»، قال: «فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليه أنْ قل كذا وكذا، فقال الذي أمره الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يقوله - فقال أبو عبد الله (عليه السلام): وهو الاسم الأعظم -، فلمَّا قال حزقيل ذلك الكلام نظر إلى العظام يطير بعضها إلى بعض، فعادوا أحياءً ينظر بعضهم إلى بعض يُسبِّحون الله عزَّ ذكره ويُكبِّرونه ويُهلِّلونه، فقال حزقيل عند ذلك: أشهد أنَّ الله على كلِّ شئ قدير»(٥٩٩)، وهي دالَّة بوضوح على وقوع الرجعة في عالم الدنيا وأنَّها بدأت منذ قرون.
وقد ورد عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مستفيضاً: «كلَّما كان في الأُمَم السالفة تكون في هذه الأُمَّة مثله حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة»(٦٠٠)، فالرجعة فينا تكون بعين ما كانت في من سبقنا من الأُمَم.
إذن الرجعة في الأُمَم السابقة قد حصلت.
ب - الرجعة قبيل الظهور:
دلَّت العديد من الأخبار أنَّ هناك رجعة تحصل قبيل الظهور، وممَّا دلَّ على ذلك:
١ - ما رواه الشيخ النجاشي (رحمه الله) بسنده عن أبان بن تغلب، قال: مررت بقوم يعيبون على روايتي عن جعفر (عليه السلام)، قال: فقلت: كيف تلوموني في روايتي عن رجل ما سألته عن شيء إلَّا قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: فمرَّ صبيان وهم ينشدون: العجب كلُّ العجب بين جمادى ورجب، فسألته عنه، فقال: لقاء الأحياء بالأموات(٦٠١).
وهو ظاهر في أنَّ هذه الحادثة من أناشيد الصبية في الأزقَّة، بل صريح.
٢ - ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده عن الشعبي، قال: قال ابن الكواء لعليٍّ (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، أرأيت قولك: «العجب بين جمادي ورجب»، قال (عليه السلام): «ويحك يا أعور هو جمع أشتات، ونشر أموات، وحصد نبات، وهنات بعد هنات، مهلكات مبيرات، لست أنا ولا أنت هناك»(٦٠٢).
وممَّن يرجع كذلك يوشع بن نون، وأصحاب الكهف، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي، وأبا دجانة الأنصاري، ومالك الأشتر، وغيرهم.
ج - الرجعة عند الظهور:
أمَّا الرجعة التي عند الظهور فستتحققُّ عند حصوله كما في النصِّ المتقدِّم عن الإرشاد ونصوص أُخرى، منها ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام): «كأنِّي بعبد الله ابن شريك العامري عليه عمامة سوداء وذؤابتاها بين كتفيه مصعداً في لحف الجبل بين يدي قائمنا أهل البيت في أربعة آلاف مكرُّون ومكرورون»(٦٠٣).
د - الرجعة بعد عصر الظهور:
ولا يقتصر الرجوع على أهل الحقِّ، بل يشمل أهل الضلال، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) سأله أبا بصير قائلاً: إنَّا نتحدَّث أنَّ عمر بن ذرٍّ لا يموت حتَّى يقاتل قائم آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال: «إنَّ مثل ابن ذرٍّ مثل رجل في بني إسرائيل يقال له: عبد ربِّه، وكان يدعو أصحابه إلى ضلالة، فمات فكانوا يلوذون بقبره ويتحدَّثون عنده إذ خرج عليهم من قبره ينفض التراب من رأسه ويقول لهم: كيت وكيت»(٦٠٤).
٣ - هل يرجع جميع الأئمَّة (عليهم السلام)؟
دلَّت نصوص عديدة على رجعتهم جميعاً، وأنَّ دولتهم آخر الدول، وأنَّهم يحكمون فيها بأجمعهم واحداً بعد واحد، بل حتَّى الأنبياء والرُّسُل سوف يرجعون بأجمعهم، ومن بين ما دلَّ على ذلك:
أ - رجوع ممحضي الإيمان(٦٠٥)، وهم يدخلون تحت هذا العنوان بلا شكٍّ.
ب - الميثاق بالنصرة: «... فأخذ الله ميثاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الأنبياء أنْ يُخبروا أُمَمهم وينصرونه، فقد نصروه بالقول وأمروا أُمَمهم بذلك، وسيرجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويرجعون وينصرونه في الدنيا»(٦٠٦)، وهي دالَّة على رجعة جميع الأنبياء (عليهم السلام) لنصرة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي سيرجع أيضاً.
ج - عن أبي عبد الله (عليه السلام): ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١]، «وهو في الرجعة إذا رجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام)»(٦٠٧)، وهو دالٌّ على رجوع الأئمَّة (عليهم السلام) جميعاً.
د - بل بعض الروايات دلَّت على تعدُّد رجعة بعض الأئمَّة (عليهم السلام) وليس مرَّة واحدة فقط، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ لعليٍّ (عليه السلام) في الأرض كرَّة مع الحسين ابنه (صلوات الله عليهما) يقبل برايته حتَّى ينتقم له من أُميَّة ومعاوية وآل معاوية ومن شهد حربه، ثمّ يبعث الله إليهم بأنصاره يومئذٍ من أهل الكوفة ثلاثين ألفاً، ومن سائر الناس سبعين ألفاً، فيلقاهما بصفِّين مثل المرَّة الأُولى حتَّى يقتلهم ولا يبقى منهم مخبر، ثمّ يبعثهم الله (عزَّ وجلَّ) فيُدخلهم أشدّ عذابه مع فرعون وآل فرعون، ثمّ كرَّة أُخرى مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتَّى يكون خليفته في الأرض وتكون الأئمَّة (عليهم السلام) عُمَّاله وحتَّى يُعبَد الله علانية، فتكون عبادته علانية في الأرض كما عُبِدَ الله سرًّا في الأرض»، ثمّ قال: «إي والله وأضعاف ذلك - ثمّ عقد بيده أضعافاً -، يُعطي الله نبيَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ملك جميع أهل الدنيا منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم يفنيها...»(٦٠٨)، وهي دالَّة على تعدُّد الكرَّات وطول فترة الحكم في كلِّ كرَّة منها.
وأيضاً ممَّا دلَّ على ذلك ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «... وإنَّ لي الكرَّة بعد الكرَّة، والرجعة بعد الرجعة، وأنا صاحب الرجعات والكرَّات...»(٦٠٩).
٤ - رجعة فاطمة الزهراء (عليها السلام):
وممَّا ورد في رجعتها (عليها السلام) ما رواه المفضَّل بن عمر بما يكون عند ظهوره (عجّل الله فرجه) حيث جاء فيه: «... وليحضرنَّ السيِّد الأكبر محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والصدِّيق الأكبر أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمَّة (عليهم السلام) وكلُّ من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً...»(٦١٠).
فضلاً عمَّا يدلُّ من النصوص العامَّة من رجعة ممحضي الإيمان، ولا شكَّ أنَّها (عليها السلام) هي سيِّدة أهل الإيمان.
٥ - رجعة الإمام الحسين (عليه السلام):
وممَّا ورد في رجعة الإمام الحسين (عليه السلام) بالخصوص العديد من الروايات، منها:
أ - عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنَّ أوَّل من يرجع لجاركم الحسين (عليه السلام) فيملك حتَّى تقع حاجباه على عينيه من الكبر»(٦١١).
ب - وعن أبي عبد الله (عليه السلام): «أوَّل من تنشقُّ الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)...»(٦١٢).

* * *
الدرس الحادي والخمسون: هل للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) رجعة أم أنَّ ظهوره هو رجعة؟

ممَّا تقدَّم يظهر أنَّه (عجّل الله فرجه) سيرجع كما يرجع الأئمَّة (عليهم السلام)، وأنَّ ما يحصل من رجعة في زمان ظهوره ليس رجعة له (عجّل الله فرجه).
وقد دلَّ على عموم الرجعة لهم جميعاً مضافاً لما تقدَّم ما ورد في بعض الزيارات والأدعية، ومنها:
١ - «إنِّي من المؤمنين برجعتكم»(٦١٣).
٢ - «مصدق برجعتكم، منتظر لأمركم، مرتقب لدولتكم»(٦١٤).
٣ - «وأحياني في رجعتكم، وملَّكني في أيَّامكم»(٦١٥).
٤ - «ويكرُّ في رجعتكم، ويُملَّك في دولتكم»(٦١٦).
إنْ قلت: ظهر ممَّا تقدَّم أنَّ نظام الدنيا في الرجعة لا يتغيَّر، مع أنَّه تقدَّم أنَّ في زمانه يُولَد للشخص ألف مولود ذَكَر، فكيف يقال: إنَّ النظام لا يتغيَّر؟
قلت:
١ - عدم تبدُّل نظام الدنيا في الرجعة لا يعني عدم إلغاء بعض خصوصيَّاتها، نظير ما في الدنيا في بعض الفترات لها خصوصيَّات تختلف عنها في فترات أُخرى، ففي زمن نوح (عليه السلام) كان الأشخاص يُعمِّرون كثيراً، بينما الآن لا يُعمِّرون، مع أنَّ الجميع يقال له: دنيا.
٢ - أنَّ الأدلَّة دلَّت على أنَّ الرجعة تقع في الدنيا دون تبدُّل في نظامها، ونحن نتعبَّد بذلك، لأنَّ الطريق الوحيد لإدراك ذلك هو النصوص، ولا مجال للاستبعاد أو المقايسات في التعبُّديَّات.
إنْ قلت: كيف يقال: لا يتبدَّل النظام! مع أنَّ الأدلَّة دلَّت على طلوع الشمس من مغربها(٦١٧)، واجتماع الشمس والقمر(٦١٨)، وحتَّى تطول الأيَّام والليالي حتَّى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم(٦١٩)، وغيرها؟
قلت: إنَّ المقصود من عدم تبدُّل النظام هو بقاء الدنيا في كونها دار تكليف للناس، وأنَّ الناس بالاختيار ولا جبر عليهم، وتبقى نزعة الخير والشرِّ.
وممَّا نصَّ من الروايات أنَّها في الدنيا:
أ - عن أبي جعفر (عليه السلام): «... إنَّ من قُتِلَ لا بدَّ من أنْ يرجع إلى الدنيا حتَّى يذوق الموت»(٦٢٠).
ب - في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١]، قال أبو عبد الله (عليه السلام): «ذلك والله في الرجعة، أمَا علمت أنَّ أنبياء كثيرة لم يُنصَروا في الدنيا وقُتلوا والأئمَّة من بعدهم قُتلوا ولم يُنصَروا؟...»(٦٢١).
وغير ذلك من النصوص.
فالخصوصيَّة التي تحصل في الرجعة من طول العمر لا تستوجب تبدُّل النظام أو تعطيله أو الخروج من عالم الدنيا إلى غيره من العوالم.
نعم، سوف يُتاح في عالم الرجعة إمكانات علميَّة وكونيَّة وعلى مختلف الصُّعُد والمجالات ممَّا يوجب حصول تطوُّر هائل وكبير قد يُوهِم أنَّ العالم والنظام الكوني قد تغيَّر بالمرَّة.
إنْ قلت: إذا كانت الغاية المتوخَّاة من الرجعة، وهي إبراز رحمة الله تعالى في الدنيا من خلال إراءة المظلوم أنَّه ينتصر من ظالمه، فلِمَ لا يكون ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) وإظهار العدل وبسطه محقِّقاً للفائدة من الرجعة أو معظمها؟ فلِمَ لا يُستعاض به عنها؟
قلت:
١ - الحكمة الإلهيَّة كما اقتضت أنْ يكون السير في عالم الكمال من خلال التكليف، كذلك اقتضت أنْ تكون العوالم بهذه الكيفيَّة، فلو كان ثَمَّة لغويَّة في البين لامتنع على الحكيم العليم القيام بها، إيماننا بذلك يُحتِّم علينا القول: إنَّ في الرجعة حلقة في عالم التكامل لا تكون إلَّا بها.
٢ - الإنسان بطبيعته مخلوق تكاملي، ووجوده في عالم الدنيا المملوء بالمزاحمات قد يمنعه من الوصول إلى كماله اللَّائق به، فالرجعة هي ممارسة عمليَّة لتحصيل الكمال في عالم الدنيا بلا مزاحمات، وكأنَّما هي فرصة أُخرى ودور ثانٍ للإنسان لينشد كماله اللَّائق به بعيداً عن المزاحمات التي منعته من الوصول في الدور الأوَّل المملوء بالمزاحمات.
هل يموت الإمام (عجّل الله فرجه) أم يُقتَل؟
لكي يصل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إلى رجعته، فهل أنَّه يموت حتف أنفه أم أنَّه يُقتَل؟
الأصل في الحياة الدنيا هو الموت والفناء، فلو كان أحد أولى بالبقاء لكان النبيُّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر: ٣٠). وكذلك الإمام (عجّل الله فرجه) عندما يظهر ويستتبُّ له الأمر لا بدَّ أنْ يقع عليه الموت، والكلام في كيفيَّة الموت ما هي؟
يمكن أنْ يُستَدلَّ على أنَّه (عجّل الله فرجه) يموت مقتولاً أو مسموماً بـ:
١ - حكاية (إلزام الناصب): «... فإذا تمَّت السبعون سنة أتى الحجَّة الموت، فتقتله امرأة من بني تميم اسمها سعيدة، ولها لحية كلحية الرجل بجاون صخر من فوق سطح وهو متجاوز في الطريق، فإذا مات تولَّى تجهيزه الحسين (عليه السلام) ثمّ يقوم بالأمر...»(٦٢٢).
إلَّا أنَّ هذه الحكاية مناقشة سنداً ودلالةً، أمَّا من جهة سندها فهي لا تعدو كونها حكاية مرسَلة، وأمَّا من جهة دلالتها:
أ - فإنَّ كون امرأة ذات لحية كلحية الرجل مستبعد، أمَّا كونها اصطناعية لتخفي نفسها فهو خلاف ظاهر النصِّ.
ب - هكذا عمليَّة اغتيال مكشوفة مع ما لدى الإمام (عجّل الله فرجه) من إمكانات، من البعيد عدم إمكان انكشاف خطَّتها.
ج - الآلات المستعملة في القتل بدائيَّة جدًّا لا تناسب ما يحصل من تطوُّر في زمانه (عجّل الله فرجه)، وإرادة المعنى الكنائي لسلاح متطوِّر أو ما شاكل لا يساعد عليه الظاهر.
٢ - عموم «ما منَّا إلَّا مقتول شهيد»(٦٢٣)، فإطلاقها شامل له (عجّل الله فرجه)، وسندها تامٌّ في (الأمالي) بناءً على وثاقة ابن المتوكِّل المنصوص على وثاقته عند بعضهم، وهو الصحيح، وبقيَّة السند لا مشكلة فيه.
قد يقال: إنَّ المهدي (عجّل الله فرجه) خارج تخصُّصاً، فإنَّ النصَّ ناظر إليهم حال وجودهم في دولة غيرهم، ولكنَّه يُنقَض عليه بأمير المؤمنين (عليه السلام)، ففي دولته وقُتِلَ، وقد يُدفَع بالفرق بين الدولتين.
وفي بعض النصوص: «إنَّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد عليٍّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام)، ما منَّا إلَّا مسموم أو مقتول»(٦٢٤)، ولعلَّه للتغليب، كما غلب الاثني عشر بأنَّهم من ولد فاطمة مع أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) زوجها.
إلَّا أنَّه توجد روايات تعارض العموم المتقدِّم وتُخصِّصه، حيث دلَّت على أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) يموت حتف أنفه، منها ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... جاء الحجَّة الموت، فيكون الذي يُغسِّله ويُكفِّنه ويُحنِّطه ويلحده في حفرته الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)...»(٦٢٥)، وهو ضعيف بابن شمعون وغيره.
ولكن قد يقال: إنَّ الرواية ليست ناظرة إلى حتف الأنف والذي هو في مقابل القتل، بل تتكلَّم عن أصل مفارقة الحياة وليس في مقام البيان عن كيفيَّة المفارقة هل هي بالقتل أو بحتف الأنف، فيكون العموم المتقدِّم سالماً عن المعارضة.
نعم، قد يترجَّح قتله بالسُّمِّ على غيره، لإمكان الوصول إليه بهذا الطريق إذا قلنا بصعوبة غيره.

* * *
الدرس الثاني والخمسون: ما هي حقيقة الرجعة؟ هل هي ماديَّة أم روحيَّة؟

منشأ هذا السؤال أنَّ البعض يرى الرجعة روحيَّة فقط، وأنَّ من يرجعون لا ترجع أبدانهم، وذكر أنَّ ذلك ليس من التناسخ، ومعنى ذلك هو رجوع أرواح ممحضي الإيمان وأرواح بعض الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) لتسديد أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وعمدة ما يستندون إليه أنَّ الرجعة لا تكون في زمان الإمام (عجّل الله فرجه) بل بعده، وما يكون في زمانه لا بدَّ من تأويله بالرجعة الروحيَّة، فكلُّ رواية يظهر منها الرجوع في زمان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لا بدَّ من تأويلها بالروحيَّة استناداً إلى هذه المقدّمة.
والجواب عن هذه المقالة:
١ - أنَّ الأدلَّة الدالَّة على الرجعة دالَّة عليها على نحو ما وقعت في الأُمَم السابقة كما تقدَّم، وهي وقعت فيهم مادّيَّة لا روحيَّة.
٢ - الرجعة الروحيَّة نحو من أنحاء القول بالتناسخ، وبطلانه من الواضحات، لاستلزامه القول بالحلول، وإنْ نفوا ذلك عن أنفسهم، وبطلانها ببطلانه من البديهيَّات.
٣ - أنَّ الروح لا تكون إلَّا ببدن حتَّى يوم القيامة غير المادِّي، فكيف هي في عالم المادَّة، هل ترجع دون بدن؟!
٤ - صرَّحت جملة من الروايات أنَّ الذي يرجع إنَّما يرجع ببدنه، وأنَّ الأرض والقبر ينشقُّ عنه، ولا معنى لهذا إلَّا أنْ تكون الرجعة مادّيَّة وبالبدن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: «أوَّل من تنشقُّ الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)...»(٦٢٦).
٥ - المتبادر من الرجعة هو بالروح والبدن، وإرادة معنى آخر يحتاج إلى قرينة تامَّة، لا ما تقدَّم.
من هو الحاكم عند رجعة أكثر من إمام (عليه السلام)؟
إنْ قلت: من يحكم في عالم الرجعة عند ظهور النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام عليٍّ والحسن والحسين وغيرهم من الأئمَّة والأنبياء (عليهم السلام)؟ ففي زمان وجود أكثر من معصوم من الحاكم؟
قلت: الحاكم المطلق هو النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومن يوجد معه يأخذ عنه سواء كان النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يباشر الحكم بنفسه أو يوكله إلى غيره بحضوره.
وكذلك الحال في الأئمَّة (عليهم السلام) حسب فضلهم، فالحال هو كما كان الأئمَّة في زمن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع وجود أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام).
هل بعد دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) دولة؟ وهل يحكم المهديُّون؟
وردت بعض النصوص التي قد يُستفاد منها أنَّ الحكم بعد الإمام المهدي (عليهم السلام) هو للمهديِّين من ولده، وممَّا دلَّ على ذلك ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله): «وصلِّ على وليِّك وولاة عهده والأئمَّة من ولده»(٦٢٧)، وفي نصٍّ آخر بدلاً من «ولده»: «من بعده»(٦٢٨)، وغيرهما ممَّا ورد في بعض الزيارات بالسلام عليه وعلى ولاة عهده والأئمَّة من بعده أو من ولده.
إلَّا أنَّ دلالة هذه النصوص ممَّا لا يمكن الالتزام بها، وذلك:
١ - أنَّ الأدلَّة دلَّت على أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة(٦٢٩).
٢ - يظهر للمتتبِّع أنَّ هذه النصوص فيها اختلاف في النُّسَخ ممَّا لا يوجب الاطمئنان بلفظ معيَّن منها، وأنَّها قد تعرَّضت للتصحيف ممَّا يوجب إجمالها، فضلاً عن ضعف سند أغلبها.
٣ - أنَّها معارضة بما تقدَّم ودلَّ على أنَّ الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) لا عقب له.
٤ - أنَّها معارضة بما دلَّ على أنَّ أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض هو الحسين (عليه السلام)، وهو من يقوم بتغسيل الإمام (عجّل الله فرجه) وتجهيزه.
٥ - أنَّها معارضة بما دلَّ على أنَّ هؤلاء من ولد الحسين (عليه السلام) لا ولد المهدي (عجّل الله فرجه).
٦ - قد تكون هذه الروايات تعبيراً ثانياً عن الأئمَّة الاثني عشر بعد الرجعة، وليس هناك حقيقة أُخرى باسم المهديِّين.
٧ - لو تنزَّلنا، فهم يحكمون في ظلِّ حكم الأئمَّة (عليهم السلام) لا أنَّهم حُكَّام مباشرون مستقلُّون على الأرض.

* * *
الدرس الثالث والخمسون: التنافي بين القول بالرجعة والموت

دلَّت جملة من الروايات على أنَّ الموت أوَّل يوم من الآخرة، وأنَّ من مات قامت قيامته(٦٣٠)، وأنَّه هو القيامة(٦٣١)، وغيرها، فكيف ينسجم هذا مع الرجعة؟ بل إنَّ القرآن الكريم ظاهر في نفيها بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠٠).
فهذه التعابير تفيد أنَّ الإنسان إذا مات لا يرجع إلى الدنيا، وما عارض القرآن فهو باطل.
والجواب عنها:
١ - لا يوجد تعارض، لاختلاف الموضوع، فالآية تتحدَّث عن وجود البرزخ لجميع من يموتون، وأنَّ البرزخ مستمرٌّ إلى يوم القيامة، وأدلَّة الرجعة تقول: إنَّ بعض من يدخل البرزخ سيخرج منه بدليل خاصٍّ ثمّ يعود إليه، فأدلَّة الرجعة لا تنفي البرزخ، بل تُخصِّصه بالبعض الذي يرجع منه وسيعود إليه.
٢ - أنَّ أدلَّة البرزخ ليست في مقام البيان من جهة المنع عن وجود شيء في البين، فهي ليست آبية عن التقييد، بل ظاهر بعض الآيات أنَّها مقيِّدة لها كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنا﴾ (النمل: ٨٣)، فالآية مخصِّصة لعموم الأُولى، وعليه فأدلَّة الرجعة موافقة لظاهر الخاصِّ القرآني، فلا يصحُّ أنْ يقال: إنَّها مخالفة له.
يأجوج ومأجوج:
تحدَّث القرآن الكريم عن هذه الجماعة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرضِ﴾ (الكهف: ٩٤)، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (الأنبياء: ٩٦)، وتحدَّثت بعض الروايات الضعيفة عنهما بشيء من التفصيل الذي قد يصعب تصديقه، وممَّا ينبغي أنْ يقال:
إنَّهم يرجعون ويخرجون في عالمنا هذا وفي آخر الزمان، فإنَّهم يخرجون عند قيام القائم (عجّل الله فرجه)، ويتعامل معهم بما يقتضيه التكليف المناسب في حينه على الأصل الذي تقدَّم.
هل يوجد إبليس في الرجعة؟
ذكرت بعض الروايات أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقتل إبليس يوم الوقت المعلوم: «... فإذا كان يوم الوقت المعلوم ظهر إبليس (لعنه الله) في جميع أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يوم الوقت المعلوم، وهي آخر كرَّة يكرُّها أمير المؤمنين (عليه السلام)»، فقلت: وإنَّها لكرَّات؟ قال: «نعم، إنَّها لكرَّات وكرَّات، ما من إمام في قرن إلَّا ويكرُّ البرُّ والفاجر في دهره حتَّى يديل الله المؤمن الكافر، فإذا كان يوم الوقت المعلوم كرَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في أصحابه وجاء إبليس في أصحابه، ويكون ميقاتهم في أرض من أراضي الفرات يقال لها: الروحا قريب من كوفتكم، فيقتلون قتالاً لم يقتتل مثله منذ خلق الله (عزَّ وجلَّ) العالمين، فكأنِّي أنظر إلى أصحاب عليٍّ أمير المؤمنين قد رجعوا إلى خلفهم القهقرى مائة قدم، وكأنِّي أنظر إليهم وقد وقعت بعض أرجلهم في الفرات، فعند ذلك يهبط الجبَّار (عزَّ وجلَّ) في ظلل من الغمام والملائكة وقُضِيَ الأمر، رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيده حربة من نور، فإذا نظر إليه إبليس رجع القهقرى ناكصاً على عقبيه، فيقولون له أصحابه: أين تريد وقد ظفرت؟ فيقول: إنِّي أرى ما لا ترون إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين، فيلحقه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيطعنه طعنة بين كتفيه، فيكون هلاكه وهلاك جميع أشياعه...»(٦٣٢).
وذكرت أُخرى أنَّ الذي يقتله هو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «... فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة، وجاء إبليس حتَّى يجثو بين يديه على ركبتيه، فيقول: يا ويله من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك اليوم هو الوقت المعلوم»(٦٣٣).
ولا تنافي بين النصَّين إمَّا بتعدُّد قتل إبليس، أو تعدُّد الأبالسة، أو أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) يقتله مباشرةً وأمام النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والأمر سهل من هذه الناحية.
وبعدها حسب هذين النصَّين إنْ تمَّا لا إبليس.

* * *

ولله تعالى الحمد والمنَّة أوَّلاً وآخراً.
تمَّ الفراغ منه يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شهر شعبان (١٤٤١هـ) في النجف الأشرف على مشرِّفها آلاف التحيَّة والسلام بعد توقُّف دام أكثر من سنتين لظروف قاهرة منعت إكماله إلى أنْ منَّ الله تعالى بتحصيل الوقت لإكماله ونحن نعيش أيَّام الحبس الإجباري في البيوت بسبب الوباء العالمي - فيروس كورونا - الذي انتشر هذه الأيَّام فاضطرَّنا إلى الجلوس، فكان من رحمة الله تعالى علينا أنْ يسَّر إكمال هذا العمل وغيره من الأعمال، وله الحمد والمنَّة.
وأسأل من إخواني المؤمنين وممَّن ينتفع به أنْ لا ينساني ووالديَّ وجميع من كان له أدنى مساهمة في هذا العمل من الدعاء، وأنْ يتفضَّلوا عليَّ بالملاحظات التي سننتفع منها إنْ شاء الله تعالى.

* * *
المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - الاجتهاد والتقليد: السيِّد الخوئي/ ١٤١٠هـ/ دار أنصاريان/ قم.
٣ - أجوبة المسائل المهنَّائيَّة: العلَّامة الحلِّي/ ١٤٠١هـ/ مطبعة الخيَّام/ قم.
٤ - الاحتجاج: أحمد بن عليٍّ الطبرسي/ تعليق وملاحظات: السيِّد محمّد باقر الخرسان/ ١٣٨٦هـ/ دار النعمان/ النجف الأشرف.
٥ - اختيار معرفة الرجال (رجال الكشِّي): الشيخ الطوسي/ تحقيق: السيِّد مهدي الرجائي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.
٦ - الإرشاد: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٧ - إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: المقدَّاد السيوري/ ١٤٠٥هـ/ انتشارات مكتبة آية الله المرعشي/ قم.
٨ - إرشاد القلوب: الحسن بن محمّد الديلمي/ ط ٢/ ١٤١٥هـ/ مطبعة أمير/ انتشارات الشريف الرضي/ قم.
٩ - الاستذكار: ابن عبد البرِّ/ تحقيق: سالم محمّد عطا ومحمّد عليّ معوض/ ط ١/ ٢٠٠٠م/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١٠ - الإسلام الشيعي: يان ريشار.
١١ - أُصول مذهب الشيعة: القفاري.
١٢ - الاعتقادات في دين الإماميَّة: الشيخ الصدوق/ تحقيق: عصام عبد السيِّد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
١٣ - إعلام الورى بأعلام الهدى: الفضل بن الحسن الطبرسي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قم.
١٤ - أعيان الشيعة: السيِّد محسن الأمين/ تحقيق وتخريج: حسن الأمين/ دار التعارف للمطبوعات/ بيروت.
١٥ - إلزام الناصب: الشيخ علي اليزدي الحائري/ تحقيق: السيِّد عليّ عاشور.
١٦ - الأمالي: الشيخ الصدوق/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مركز الطباعة والنشر في مؤسَّسة البعثة/ قم.
١٧ - الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عند أهل السُّنَّة: مهدي الفقيه إيماني/ ١٤٠٢هـ/ ط ٢/ مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)/ أصفهان.
١٨ - الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ مدرسة الإمام الهادي (عليه السلام)/ قم.
١٩ - الأوصياء بعد الإنساء: عبد الفتَّاح فتحي عبد الفتَّاح.
٢٠ - بحار الأنوار الجامعة لدُرَر أخبار الأئمَّة الأطهار: العلَّامة المجلسي/ تحقيق: يحيى العابدي الزنجاني وعبد الرحيم الربَّاني الشيرازي/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
٢١ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ابن رشد/ تنقيح وتصحيح: خالد العطَّار/ ١٤١٥هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٢٢ - البداية والنهاية: ابن كثير/ تحقيق وتدقيق وتعليق: عليّ شيري/ ط ١/ ١٤٠٨هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٢٣ - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد (عليهم السلام): محمّد بن الحسن ابن فرُّوخ (الصفَّار)/ تصحيح وتعليق وتقديم: الحاج ميرزا حسن كوجه باغي/ ١٤٠٤هـ/ منشورات الأعلمي/ طهران.
٢٤ - بلغة الفقيه: السيِّد محمّد بحر العلوم/ شرح وتعليق: السيِّد محمّد تقي آل بحر العلوم/ ط ٤/ ١٤٠٣هـ/ منشورات مكتبة الصادق/ طهران.
٢٥ - تاج المواليد في مواليد الأئمَّة ووفياتهم: الشيخ الطبرسي/ ط ١٤٠٦هـ/ مكتبة آية الله المرعشي/ قم.
٢٦ - تاريخ أبو الفداء (المختصر في أخبار البشر): أبو الفداء/ دار المعرفة للطباعة والنشر/ بيروت.
٢٧ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: الذهبي/ تحقيق: عمر عبد السلام تدمري/ ط ١/ ١٤٠٧هـ/ دار الكتاب العربي.
٢٨ - تاريخ الخلفاء: جلال الدِّين السيوطي/ تحقيق: لجنة من الأُدباء/ دار التعاون/ مكَّة المكرَّمة.
٢٩ - تحرير الأحكام الشرعيَّة على مذهب الإماميَّة: العلَّامة الحلِّي/ تحقيق: الشيخ إبراهيم البهادري/ إشراف: جعفر السبحاني/ ط ١/ ١٤٢٠هـ/ مؤسَّسة الإمام الصادق (عليه السلام).
٣٠ - التحفة الاثنا عشريَّة: الدهلوي.
٣١ - تصحيح اعتقادات الإماميَّة: الشيخ المفيد/ تحقيق: حسين دركاهي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٣٢ - تطوُّر الفكر السياسي الشيعي: أحمد الكاتب/ ط ٣/ ١٤٢٦هـ/ دار الشورى/ لندن.
٣٣ - تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن): محمّد بن جرير الطبري/ تقديم: الشيخ خليل الميس/ ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطَّار/ ١٤١٥هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٣٤ - تفسير العيَّاشي: محمّد بن مسعود العيَّاشي/ تحقيق: السيِّد هاشم الرسولي المحلَّاتي/ المكتبة العلميَّة الإسلاميَّة/ طهران.
٣٥ - تفسير فرات الكوفي: فرات بن إبراهيم الكوفي/ تحقيق: محمّد كاظم/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ مؤسَّسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي/ طهران.
٣٦ - تفسير القمّي: عليُّ بن إبراهيم القمّي/ تصحيح وتعليق وتقديم: السيِّد طيِّب الموسوي الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قم.
٣٧ - تقريب المعارف: أبو الصلاح الحلبي/ تحقيق: فارس الحسُّون/ ط ١٤١٧هـ.
٣٨ - تهذيب الأحكام: الشيخ الطوسي/ تحقيق وتعليق: السيِّد حسن الموسوي الخرسان/ ط ٣/ ١٣٦٤هـ/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
٣٩ - التوحيد: المفضَّل بن عمر/ تحقيق: كاظم المظفَّر/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
٤٠ - جامع الأدلَّة: عبد الرزاق هاشم الديراوي.
٤١ - جامع المدارك في شرح المختصر النافع: السيِّد أحمد الخوانساري/ تعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٢/ ١٤٠٥هـ/ مكتبة الصدوق/ طهران.
٤٢ - جُمَل العلم والعمل: السيِّد المرتضى/ تحقيق: السيِّد أحمد الخميني/ ط ١/ ١٣٧٨هـ.
٤٣ - الجواب المنير عبر الأثير: أحمد إسماعيل گاطع.
٤٤ - جواهر الكلام: الشيخ الجواهري/ تحقيق: عبَّاس القوجاني/ ط ٢/ ١٣٦٥ش/ مطبعة خورشيد/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
٤٥ - حقيقة البابيَّة والبهائيَّة: محسن عبد الحميد.
٤٦ - الخرائج والجرائح: قطب الدِّين الراوندي/ بإشراف: السيِّد محمّد باقر الموحِّد الأبطحي/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)/ قم.
٤٧ - الخصال: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٣٦٢ش/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٤٨ - خلق أفعال العباد: البخاري/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
٤٩ - دقائق التفسير: ابن تيميَّة/ تحقيق: محمّد السيِّد الجليند/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة علوم القرآن.
٥٠ - دلائل الإمامة: محمّد بن جرير الطبري الشيعي/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة البعثة/ قم.
٥١ - الذريعة إلى تصانيف الشيعة: آغا بزرك الطهراني/ ط ٣/ ١٤٠٣هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
٥٢ - الرجال: ابن الغضائري/ تحقيق: السيِّد محمّد رضا الجلالي/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار الحديث.
٥٣ - رجال النجاشي (فهرست أسماء مصنِّفي الشيعة): أبو العبَّاس أحمد ابن عليّ بن أحمد بن العبَّاس النجاشي الأسدي الكوفي/ ط ٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٥٤ - الردُّ الحاسم على منكري ذرّيَّة القائم: ناظم العقيلي.
٥٥ - رسائل المرتضى: الشريف المرتضى/ تقديم: السيِّد أحمد الحسيني/ إعداد: السيِّد مهدي الرجائي/ ١٤٠٥هـ/ دار القرآن الكريم/ قم.
٥٦ - رسائل في الغيبة: الشيخ المفيد/ تحقيق: علاء آل جعفر/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٥٧ - الرعاية في علم الدراية: الشهيد الثاني/ تحقيق: عبد المحسن محمّد عليّ بقَّال/ ط ٢/ ١٤٠٨هـ/ مكتبة آية الله المرعشي/ قم.
٥٨ - الرؤيا في مفهوم أهل البيت (عليهم السلام): ضياء الأنصاري الزيدي.
٥٩ - زاد المعاد في هدي خير العباد: ابن قيِّم الجوزيَّة/ ط ٧/ ١٤١٥هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
٦٠ - سماء المقال في علم الرجال: الكلباسي/ تحقيق: السيِّد محمّد الحسيني القزويني/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مؤسَّسة وليِّ العصر (عجّل الله فرجه) للدراسات الإسلاميَّة/ قم.
٦١ - سُنَن ابن ماجة: أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني (ابن ماجة)/ تحقيق وترقيم وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر.
٦٢ - سُنَن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني/ تحقيق وتعليق: سعيد محمّد اللحَّام/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ دار الفكر.
٦٣ - سُنَن الترمذي: أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة الترمذي/ تحقيق وتصحيح: عبد الوَّهاب عبد اللطيف/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٦٤ - شرح أُصول الكافي: مولى محمّد صالح المازندراني/ تعليق: الميرزا أبو الحسن الشعراني/ ضبط وتصحيح: السيِّد عليّ عاشور/ ط ١/ ١٤٢١هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٦٥ - شرح جُمَل العلم والعمل: السيِّد المرتضى/ تصحيح وتعليق: الشيخ يعقوب الجعفري المراغي/ ط ٢/ ١٤١٩هـ/ دار الأُسوة.
٦٦ - الشيعة والتشيُّع: إحسان إلهي ظهير.
٦٧ - صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري الجعفي/ ١٤٠١هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٦٨ - صحيح مسلم: مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القشيري النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
٦٩ - صراط النجاة: تعليق الميرزا التبريزي على منهاج الصالحين للسيِّد الخوئي/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ دفتر نشر برگزيده.
٧٠ - الصواعق المحرقة في الردِّ على أهل البدع والزندقة: أحمد بن حجر الهيتمي المكّي/ خرَّج أحاديثه وعلَّق حواشيه وقدَّم له: عبد الوهَّاب عبد اللطيف/ ط ٢/ ١٣٨٥هـ/ مكتبة القاهرة لصاحبها عليّ يوسف سليمان/ القاهرة.
٧١ - العبر في خبر من غبر: الذهبي/ تحقيق: فؤاد سيِّد/ ١٩٦١م/ الكويت.
٧٢ - العقد الفريد: أحمد بن محمّد بن عبد ربِّه الأندلسي/ تحقيق وتصحيح: مفيد محمّد قميحة/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٧٣ - علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ تقديم: السيِّد محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدريَّة ومطبعتها/ النجف الأشرف.
٧٤ - عيون أخبار الرضا (عليه السلام): الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٧٥ - الغيبة: ابن أبي زينب النعماني/ تحقيق: فارس حسُّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ أنوار الهدى.
٧٦ - الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق: عبد الله الطهراني وعليّ أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مطبعة بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
٧٧ - فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني/ ط ٢/ دار المعرفة/ بيروت.
٧٨ - الفتن: أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد المروزي/ تحقيق وتقديم: سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٧٩ - فِرَق الشيعة: الحسن بن موسى النوبختي/ ١٤٠٤هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
٨٠ - فِرَق معاصرة: غالب عواجي.
٨١ - الفصول المختارة: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٨٢ - الفصول المهمَّة في معرفة الأئمَّة: عليُّ بن محمّد أحمد المالكي المكّي (ابن الصبَّاغ)/ تحقيق: سامي الغريري/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار الحديث/ قم.
٨٣ - فيض القدير شرح الجامع الصغير: محمّد عبد الرؤوف المناوي/ تصحيح: أحمد عبد السلام/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٨٤ - الكافي: الشيخ الكليني/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٥/ ١٣٦٣هـ/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
٨٥ - كامل الزيارات: جعفر بن محمّد بن قولويه/ تحقيق: الشيخ جواد القيُّومي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة نشر الفقاهة.
٨٦ - الكامل في التاريخ: عزُّ الدِّين أبو الحسن عليُّ بن أبي الكرم محمّد بن محمّد الشيباني (ابن الأثير)/ ١٣٨٥هـ/ دار الصادر/ بيروت.
٨٧ - كشف التعمية في حكم التسمية: الحرُّ العاملي/ تحقيق: محمّد حمد فتلاوي/ ط ١/ ١٤٢٥هـ/ دار الهادي/ بيروت.
٨٨ - كشف القناع: البهوتي/ ط١/ ١٤١٨هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٨٩ - كشف المحجَّة لثمرة المهجة: السيِّد عليُّ بن طاوس/ ١٣٧٠هـ/ المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٩٠ - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: العلَّامة الحلِّي/ تحقيق: حسن زاده الآملي/ ط ٧/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٩١ - كفاية الأثر في النصِّ على الأئمَّة الاثني عشر: أبو القاسم عليُّ بن محمّد الخزَّاز القمّي الرازي/ تحقيق: السيِّد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري الخوئي/ ١٤٠١هـ/ انتشارات بيدار.
٩٢ - كفاية الأُصول: الآخوند الخراساني/ تحقيق وتعليق: الشيخ عبَّاس عليّ الزارعي السبزواري/ ط ٦/ ١٤٣٠هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٩٣ - كمال الدِّين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٩٤ - كنز العُمَّال في سُنَن الأقوال والأفعال: علاء الدِّين عليّ المتَّقي بن حسام الدِّين الهندي البرهان فوري (المتَّقي الهندي)/ ضبط وتفسير: الشيخ بكري حيَّاني/ تصحيح وفهرسة: الشيخ صفوة السقَّا/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
٩٥ - كنز الفوائد: أبو الفتح محمّد بن عليٍّ الكراجكي/ ط ٢/ ١٣٦٩ش/ مكتبة المصطفوي/ قم.
٩٦ - اللوامع الإلهيَّة في المباحث الكلاميَّة: المقداد السيوري/ ط ٢/ ١٤٢٢هـ/ دفتر تبليغات إسلامي/ قم.
٩٧ - المتشابهات: أحمد الحسن گاطع.
٩٨ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: عليُّ بن أبي بكر الهيثمي/ ١٤٠٨هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٩٩ - مجموعة رسائل الغزالي: أبو حامد الغزالي/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ دار الفكر/ بيروت.
١٠٠ - مختصر بصائر الدرجات: حسن بن سليمان الحلِّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
١٠١ - مذكِّرات: كينيازي د الكوري.
١٠٢ - المزار الكبير: محمّد بن جعفر المشهدي/ تحقيق: جواد القيُّومي الأصفهاني/ ط ١/ ١٩١٩هـ/ نشر القيُّوم/ قم.
١٠٣ - المسائل العشر في الغيبة: الشيخ المفيد/ تحقيق: فارس تبريزيان الحسُّون/ مركز الأبحاث العقائديَّة/ قم.
١٠٤ - المسائل العكبريَّة: الشيخ المفيد/ تحقيق: عليّ أكبر الإلهي الخراساني/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
١٠٥ - المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري/ إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
١٠٦ - المسلك في أُصول الدِّين: المحقِّق الحلِّي/ تحقيق: رضا الأُستادي/ ط ٢/ ١٤٢١هـ/ مجمع البحوث الإسلاميَّة/ مشهد.
١٠٧ - مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ تحقيق عدَّة محقِّقين/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
١٠٨ - المصباح: الكفعمي/ ط ٣/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
١٠٩ - معجم رجال الحديث: السيِّد الخوئي/ ط ٥/ ١٤١٣هـ.
١١٠ - معجم مقاييس اللغة: ابن فارس/ تحقيق: عبد السلام محمّد هارون/ ١٤٠٤هـ/ مكتبة الإعلام الإسلامي.
١١١ - المغني في أبواب التوحيد والعدل: القاضي عبد الجبَّار الهمذاني/ تحقيق: محمّد عليّ النجَّار وعبد الحليم النجَّار/ مراجعة: إبراهيم مدكور/ إشراف: طه حسين/ ١٩٦٥م/ الدار المصريَّة/ القاهرة.
١١٢ - مقالات الإسلاميِّين واختلاف المصلِّين: أبو الحسن الأشعري/ ط ٣/ ١٤٠٠هـ/ فرانس شتاينر/ آلمان.
١١٣ - المقالات والفِرَق: أبو الخلف سعد الأشعري القمِّي/ ط ٢/ ١٣٦٠ش/ مركز انتشارات علمي وفرهنگي.
١١٤ - من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٢/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
١١٥ - منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه): الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ مكتب المؤلِّف/ قم.
١١٦ - منهاج السُّنَّة النبويَّة في نقض كلام الشيعة القدريَّة: أحمد بن عبد الحليم ابن تيميَّة الحرَّاني الحنبلي الدمشقي/ تحقيق: محمّد رشاد سالم/ ط ١/ ١٤٠٦هـ/ جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميَّة.
١١٧ - النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة: ابن ميثم البحراني/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مجمع الفكر الإسلامي/ مطبعة مؤسَّسة الهادي/ قم.
١١٨ - النجم الثاقب: النوري/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ أنوار الهدى/ مطبعة مهر/ قم.
١١٩ - النكت الاعتقاديَّة: الشيخ المفيد/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مؤتمر الشيخ المفيد/ قم.
١٢٠ - نهج البلاغة: خُطَب أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ما اختاره وجمعه: الشريف الرضي/ تحقيق: الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ، وبشرح محمّد عبدة/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار الذخائر/ قم.
١٢١ - الهداية في الأُصول والفروع: الشيخ الصدوق/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ مؤسَّسة الإمام الهادي (عليه السلام).
١٢٢ - الهداية الكبرى: الحسين بن حمدان الخصيبي/ ط ٤/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة البلاغ/ بيروت.
١٢٣ - وسائل الشيعة (تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة): الحرُّ العاملي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قم.
١٢٤ - اليماني الموعود حجَّة الله: حيدر الزيادي.

* * *

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) عن الفضل بن شاذان، عن الإمام الرضا (عليه السلام): «لم يكن بدٌّ من رسول بينه وبينهم معصوم يُؤدِّي إليهم أمره ونهيه...» (عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج٢/ ص١٠٧/ ح١).
(٢) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (ص٤٦٨ فصاعداً)، حيث ذكر جملة من أدلَّة لزوم البعثة.
(٣) نهج البلاغة (ص٤٩٧/ ح١٤٧).
(٤) راجع: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (ص٤٩٠).
(٥) الهداية (ص٢٥ - ٢٨).
(٦) الكافي (ج١/ ص١٧٧/ باب أنَّ الحجَّة لا تقوم لله على خلقه إلَّا بإمام/ ح٤)، والسند تامٌّ نقيٌّ، وهو: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن خلف بن حمَّاد، عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام)... الحديث.
(٧) الغيبة (ص٣/ فصل في الكلام في الغيبة).
(٨) الكافي (ج١/ ص١٨٥ و١٨٦/ باب فرض طاعة الأئمَّة/ ح١).
(٩) كمال الدِّين (ص٣٧/ ليس لأحدٍ أنْ يختار الخليفة إلَّا الله (عزّ وجلّ)).
(١٠) راجع: بصائر الدرجات (ص٤٩٠ - ٤٩٣/ ج١/ باب ١)، الإمامة والتبصرة (ص٣٧ - ٣٩/ باب ٣)، الكافي (ج١/ ص١٦٨/ كتاب الحجَّة).
ومن بين تلك الأحاديث:
١ - حديث الإمام الرضا (عليه السلام) حيث جاء فيه: «إنَّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أنْ يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم...» (الكافي: ج١/ ص١٩٩/ باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته/ ح١).
٢ - عن عمرو بن مصعب، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «أترون أنَّ الموصي منَّا يوصي إلى من يريد؟ لا والله ولكنَّه عهد من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى رجل فرجل...» (الكافي: ج١/ ص٢٧٩/ باب أنَّ الإمامة عهد من الله (عزّ وجلّ) معهود من واحد إلى واحد/ ح٤).
٣ - عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن عمرو بن أبان، قال ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) الأوصياء، وذكرت إسماعيل، وقال: «لا والله يا أبا محمّد ما ذاك إلينا، ما هو إلَّا إلى الله يُنزل واحداً بعد واحد» (بصائر الدرجات: ص٤٩١/ ج١٠/ باب ١/ ح٤).
(١١) تصحيح اعتقادات الإماميَّة (ص١٢٩ و١٣٠).
(١٢) المسائل العكبريَّة (ص٩٨ و٩٩).
(١٣) الغيبة للنعماني - المتوفَّى حدود سنة (٣٦٠هـ) - (ص١٠٣).
(١٤) الغيبة للنعماني (ص٦٥/ باب ٤ ما روي في أنَّ الأئمَّة اثنا عشر إماماً، وأنَّهم من الله وباختياره)، وهذا الباب في فصول عديدة، وقد روي فيه (٤٠) حديثاً، وممَّا ورد في هذا الباب الحديث السابع عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو حديث طويل جاء فيه: «... واختار من الناس بني هاشم، واختارني وعليًّا من بني هاشم، واختار منِّي ومن عليٍّ الحسن والحسين، وتكملة اثني عشر إماماً من وُلد الحسين تاسعهم باطنهم، وهو ظاهرهم، وهو أفضلهم، وهو قائمهم».
(١٥) كمال الدِّين (ص٢٣٩ و٢٤٠/ باب ٢٢/ ح٦٠).
(١٦) كمال الدِّين (ص٢٤٠ و٢٤١/ باب ٢٢/ ح٦٤).
(١٧) سيأتي مفصَّلاً ذكر ما يدلُّ على ذلك، ومنها ما تقدَّم في الهامش السابق (ح٦٤).
(١٨) الخصال (ص٤٧٥/ ح٣٧).
(١٩) كمال الدِّين (ص٢٥٦ و٢٥٧/ باب ٢٤/ ح١).
(٢٠) راجع: كمال الدِّين (الأبواب ٢٦ - ٣٨).
(٢١) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (ج٢/ ص١٦٢ - ١٦٩/ الفصل العاشر والحادي عشر)، وفيه ما يقرب من (٣٢٥) حديثاً، أغلبها منقول عن (كفاية الأثر).
(٢٢) الاعتقادات في دين الإماميَّة (ص٩٣ - ٩٥).
(٢٣) الإرشاد في معرفة حُجَج الله على العباد (ج٢/ ص٣٣٩ و٣٤٠).
(٢٤) وسيأتي في الفصل الثالث من هذا الكتاب ذكر الروايات المتواترة الدالَّة على الغيبة، وأقوال العلماء الذين ذكروا تواتر الغيبة في الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه)، فانتظر.
(٢٥) كشف المحجَّة لثمرة المهجة (ص٥٣).
(٢٦) الغيبة للطوسي (ص١٥٧ و١٥٨).
(٢٧) راجع: إعلام الورى بأعلام الهدى (ج٢/ ص٢٢٤).
(٢٨) الكافي (ج١/ ص٥٠٣).
(٢٩) تهذيب الأحكام (ج٦/ ص٩٢/ باب ٤٢ نسب أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)).
(٣٠) تحرير الأحكام (ج٢/ ص١٢٥ و١٢٦/ الرقم ٢٦٦٠).
(٣١) تاريخ الإسلام (ج٢٠/ ص١٦١).
(٣٢) الكامل في التاريخ (ج٧/ ص٢٧٤).
(٣٣) كمال الدِّين (ص٤٠).
(٣٤) رجال النجاشي (ص٦٦/ الرقم ١٥٦).
(٣٥) الكافي (ج١/ ص٥٠٥/ باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)/ ح١).
(٣٦) كمال الدِّين (ص٤٠).
(٣٧) كمال الدين (ص٣٧٨/ باب ٣٦/ ح٣).
(٣٨) الكافي (ج١/ ص٥٢٨/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح٣).
(٣٩) كمال الدِّين (ص٣٨٢/ باب ٣٧/ ح٨).
(٤٠) كمال الدِّين (ص٣٨٣/ باب ٣٧/ ح١٠).
(٤١) الغيبة للطوسي (ص١٥٩/ ح١١٦).
(٤٢) الغيبة للنعماني (ص١٥٢/ باب ١٠/ ح٧).
(٤٣) الغيبة للطوسي (ص١٧٤).
(٤٤) سُنَن الترمذي (ج٣/ ص٣٤٣/ ح٢٣٣٣).
(٤٥) سُنَن ابن ماجة (ج٢/ ص١٣٦٧/ ح٤٠٨٥).
(٤٦) الإمام المهدي عند أهل السُّنَّة لمهدي الفقيه إيماني.
(٤٧) تقدَّمت الإشارة إليها في الدرس الأوَّل.
(٤٨) الكافي (ج١/ ص٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح٧).
(٤٩) كمال الدِّين (ص١٥٢/ باب ٦/ ح١٥).
(٥٠) الغيبة للنعماني (ص٢٤٣/ باب ١٢/ ح٢٦).
(٥١) الغيبة للطوسي (ص٤٦٤/ ح٤٧٩).
(٥٢) صحيح مسلم (ج٦/ ص٣).
(٥٣) صحيح مسلم (ج٦/ ص٤).
(٥٤) فتح الباري (ج١٣/ ص١٨٢).
(٥٥) تاريخ الخلفاء (ص١٥).
(٥٦) البداية والنهاية (ج٦/ ص٢٧٩ و٢٨٠).
(٥٧) فيض القدير (ج٢/ ص٥٨٢).
(٥٨) كمال الدِّين (ص٣١٦/ باب ٢٩/ ح٢).
(٥٩) كمال الدِّين (ص٣١٧/ باب ٣٠/ ح٢).
(٦٠) كمال الدِّين (ص٣٣٣/ باب ٣٣/ ح١).
(٦١) كمال الدِّين (ص٣٦١/ باب ٣٤/ ح٥).
(٦٢) كمال الدِّين (ص٣٧٦/ باب ٣٥/ ح٧).
(٦٣) كمال الدِّين (ص٣٧٧/ باب ٣٦/ ح١).
(٦٤) كمال الدِّين (ص٣٨٣/ باب ٣٧/ ح١٠).
(٦٥) كمال الدِّين (ص٣٨٤/ باب ٣٨/ ح١).
(٦٦) كمال الدِّين (ص٤٠٩/ باب ٣٨/ ح٩).
(٦٧) الغيبة للطوسي (ص١٧٤ - ١٩٥).
(٦٨) الوقف: معناه عدم الاستمرار بالاعتقاد بالإمام اللَّاحق من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، والوقوف على من سبق، وجاء في كلمات النوبختي (رحمه الله) في فِرَق الشيعة (ص٢١ و٢٢): (فلمَّا قُتِلَ عليٌّ (عليه السلام) افترقت التي ثبتت على إمامته وأنَّها فرض من اللهِ (عزّ وجلّ) ورسوله (عليه السلام)، فصاروا فِرَقاً ثلاثة: فرقة منهم قالت: إنَّ عليًّا لم يُقتَل ولم يمت ولا يُقتَل ولا يموت حتَّى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، وهي أوَّل فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من هذه الأُمَّة)، يقصد بهم من وقف على عليٍّ (عليه السلام). وجاء أيضاً في كلمات الشيخ الصدوق (رحمه الله) في معرض ردِّه على الإسماعيليَّة في كتابه كمال الدِّين (ص١٠٥) حيث قال: (فإنْ وقف واقف على بعضهم سألناه الفصل بينه وبين من وقف على سائرهم).
(٦٩) يُنظَر لتفصيل الوقف على أمير المؤمنين (عليه السلام): فِرَق الشيعة (ص٢٢).
(٧٠) نقل الشيخ الطوسي (رحمه الله) عدداً من الروايات لإثبات شهادة الإمام عليٍّ (عليه السلام) في كتابه الغيبة (ص١٩٣ فصاعداً)، ومنها ما رواه جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل يذكر فيه وصيَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) للإمام الحسن (عليه السلام) قبل وفاته، وممَّا جاء فيه: «... ثمّ لم يزل يقول: لا إله إلَّا الله، حتَّى قُبِضَ ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ليلة الجمعة سنة أربعين من الهجرة، وكان ضُرِبَ ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان»، وهذه إحدى روايات وقت ضربته وموته، وهناك روايات تدلُّ على أنَّها في ليلة التاسع عشر، وأنَّ وفاته ليلة إحدى وعشرين، فراجع.
(٧١) الغيبة للطوسي (ص١٩٢ و١٩٣).
(٧٢) راجع: فِرَق الشيعة (ص٢٦)؛ الكيسانية فِرَق ثلاث، وقيل: (١١) فرقة، منهم القائلون: إنَّ محمّد بن الحنفية غائب في جبال رضوى ويُدعَون بالكربيَّة، ومنهم من يدَّعي أنَّ بعده ابنه عبد الله أبو هاشم، ثمّ ابن أخيه الحسن بن عليٍّ، واختلفوا أيضاً على فِرَق، يُراجَع لذلك بحوث في الملل والنحل للسبحاني (ج٧/ ص٢٧ - ٢٩).
(٧٣) فِرَق الشيعة (ص٦٧ - ٧٨).
(٧٤) الغيبة للطوسي (ص٢٣).
(٧٥) الغيبة للطوسي (ص١٩٦).
(٧٦) روى الشيخ الطوسي في الغيبة (ص١٩٦) عدداً من الأحاديث في إثبات إمامة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، كما روى غيره ذلك كالكليني في الكافي (ج١/ ص٣٠٧)، حيث عقد لذلك باباً، وممَّا رواه فيه عن سليمان بن خالد، قال: دعا أبو عبد الله (عليه السلام) أبا الحسن (عليه السلام) يوماً ونحن عنده، فقال لنا: «عليكم بهذا، فهو والله صاحبكم بعدي».
(٧٧) كمال الدِّين (ص١٠٤).
(٧٨) المصدر السابق.
(٧٩) كمال الدِّين (ص١٠٢).
(٨٠) كمال الدِّين (ص١٠٥).
(٨١) فِرَق الشيعة (ص٧٩ - ٨٢).
(٨٢) ولعلَّ هؤلاء هم من كان يُروِّج لفكرة غيبته بين الناس وإنْ كان ظاهرهم خلاف ذلك، كما هو مشاهد في عدد من القضايا في عالمنا المعاصر، فإنَّ من يُنكِرونها في العلن يُروِّجون لها في الخفاء.
(٨٣) الغيبة للطوسي (ص٢٣).
(٨٤) الغيبة للطوسي (ص٢٣/ الكلام على الواقفة).
(٨٥) الغيبة للطوسي (ص٢٣ و٢٤/ ح٢).
(٨٦) الغيبة للطوسي (ص٣٢).
(٨٧) المصدر السابق.
(٨٨) الغيبة للطوسي (ص٣٧ و٣٨/ ح١٥).
(٨٩) الغيبة للطوسي (ص٤٢).
(٩٠) الغيبة للطوسي (ص٤٣ - ٧٦)، من المناسب هنا مراجعة هذه الروايات وملاحظة طريقة شيخ الطائفة (رحمه الله) في كيفيَّة ردِّها، فإنَّها طريقة تعليميَّة غاية في الجودة والإتقان والتعليم.
(٩١) الغيبة للطوسي (ص٦٦ و٦٧/ ح٦٩).
(٩٢) الغيبة للطوسي (ص٧٠ و٧١)، من المناسب جدًّا ذكر بعض الروايات في معاجز الإمام (عليه السلام) لكي يتدرَّب الطلَّاب على الأُنس بهذه المعاني المهمَّة، وتكون شواهد لترسيخ العقيدة بالأئمَّة (عليهم السلام).
(٩٣) فِرَق الشيعة (ص٩٤).
(٩٤) الغيبة للطوسي (ص٨١ و٨٢).
(٩٥) الفصول المختارة (ص٣٢٠).
(٩٦) الفصول المختارة (ص٣٢١).
(٩٧) الغيبة للطوسي (ص٢٠٣/ ح١٧٠).
(٩٨) الغيبة للطوسي (ص٢٠٠ - ٢٠٣).
(٩٩) الغيبة للطوسي (ص١٩٨ و١٩٩/ ح١٦٣).
(١٠٠) الغيبة للطوسي (ص١٩٨ - ٢٠٠).
(١٠١) الغيبة للطوسي (ص٢١٧).
(١٠٢) لم نذكر جميع الفِرَق التي ذُكِرَت، لأنَّ البعض منها متداخل مع دعوى غيرها، والأُخرى يتَّضح الردُّ عليها ممَّا تمَّ الردُّ عليه، فكان فيما ذكرنا كفاية لبيان الحال بعد شهادة الإمام العسكري (عليه السلام).
(١٠٣) فِرَق الشيعة (ص٩٦) بتصرُّف. وستأتي الإشارة إلى أنَّنا اعتمدنا على (الفصول المختارة) للشريف المرتضى (رحمه الله)، وليس فقط (فِرَق الشيعة).
(١٠٤) يُراجَع لذلك الفصول المختارة (ص٣١٨). أخذنا جزءاً من العبارات من السيِّد الشريف المرتضى (رحمه الله) دون النوبختي (رحمه الله) مباشرةً مع وجود المصدر بيدنا، وذلك لوجود إرباك في بيان العبارة عند النوبختي (رحمه الله)، فلأجل تسهيل البيان ووضوح الترتيب قمنا بذلك.
(١٠٥) كمال الدِّين (ص٤٠)؛ ورواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص٢١٨ و٢١٩/ ح١٨١).
(١٠٦) فِرَق الشيعة (ص٩٧).
(١٠٧) الغيبة للطوسي (ص٢٢٠/ ح١٨٢)، وفيه: «لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت».
(١٠٨) الغيبة للطوسي (ص٢٢٠)، حيث روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) ناقلاً الخبر عن أصحاب هذا القول إنَّه قال: «إنَّما سُمّي القائم [قائماً] لأنَّه يقوم بعد ما يموت»؛ كما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص٣٧٨/ باب ٣٦/ ح٣)، عن الإمام الجواد (عليه السلام) وقد سُئِلَ: لِمَ سُمّي القائم؟ قال: «لأنَّه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته»؛ كما رواه المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج٥١/ ص٣٠/ ح٦)، عن الغيبة للطوسي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... وسُمّي القائم لأنَّه يقوم بعدما يموت، إنَّه يقوم بأمر عظيم»؛ ورواية الشيخ الصدوق (رحمه الله) قرينة وناظرة إلى غيرها، فتكون مفسِّرة لمعنى الموت. على أنَّ ما نقله الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن هؤلاء يغاير ما نقله المشايخ.
(١٠٩) الفصول المختارة (ص٣٢٢).
(١١٠) كمال الدِّين (ص٤٠).
(١١١) فِرَق الشيعة (ص٩٨).
(١١٢) قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص٥٥): (والإمام لا يتبرَّأ من الإمام).
(١١٣) كمال الدِّين (ص٥٨).
(١١٤) قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص٥٨): (ومن الدليل على فساد أمره - جعفر - قوله: إنِّي بعد أخي محمّد)، وتقدَّم ذكره في الحلقة السابقة مفصَّلاً.
(١١٥) راجع: فِرَق الشيعة (ص١٠٣).
(١١٦) الغيبة للطوسي (ص٢٢٢/ ح١٨٤).
(١١٧) الغيبة للطوسي (ص٢٢٢ و٢٢٣/ ح١٨٥).
(١١٨) المقالات والفِرَق (ص١٠٣ - ١٠٦)؛ قال الشيخ الطهراني في الذريعة (ج٢١/ ص٣٩٤): (شيخ الطائفة سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمِّي، المتوفَّى سنة (٢٢٩هـ) أو بعدها بسنتين، له المقالات والفِرَق وأسمائها وصنوفها).
(١١٩) الكافي (ج١/ ص٥١٤).
(١٢٠) الغيبة للنعماني (ص١٨٩ و١٩٠).
(١٢١) الاعتقادات (ص٩٣ - ٩٥).
(١٢٢) كمال الدِّين (ص٢٩ و٣٠)؛ كما ذكر في البابين اللَّاحقين (٢٧) حديثاً عمن هنَّأ أبا محمّد بولادة ابنه ومن شاهد القائم ورآه وكلَّمه.
(١٢٣) كمال الدِّين (ص٤٢٤).
(١٢٤) النكت الاعتقادية (ص٤٢ - ٤٥).
(١٢٥) الغيبة للطوسي (ص١٠٦).
(١٢٦) الغيبة للطوسي (ص٢٢٩).
(١٢٧) الكافي (ج١/ ص٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح٥)؛ والحديث معتبر، فعليُّ بن إبراهيم ثقة، والحسن بن موسى الخشَّاب من وجوه أصحابنا، وعبد الله بن موسى يظهر من المفيد توثيقه، على أنَّه ممَّن ورد في تفسير عليِّ بن إبراهيم، وعبد الله بن بكير ثقة، وزرارة أوضح من أنْ يُوثَّق.
(١٢٨) كمال الدِّين (ص٣٧٠/ باب ٣٥/ ح١)؛ والحديث صحيح السند، فالشيخ الصدوق يرويه عن شيخ الطائفة في زمانه محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد الثقة العين، عن محمّد بن الحسن الصفَّار الثقة، عن يعقوب بن يزيد الثقة، عن أيُّوب بن نوح الثقة.
(١٢٩) رسائل في الغيبة (ج٢/ ص١٣).
(١٣٠) الغيبة للنعماني (ص١٨٢/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح١٨).
(١٣١) الغيبة للنعماني (ص١٨٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح٢٧).
(١٣٢) الغيبة للنعماني (ص١٨٨ و١٨٩/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح٣٢).
(١٣٣) الإرشاد (ج٢/ ص٣٤٢ و٣٤٣).
(١٣٤) النكت الاعتقاديَّة (ص٤٤ و٤٥).
(١٣٥) رسائل الشريف المرتضى (ج٢/ ص٢٩٤ و٢٩٥).
(١٣٦) رسائل الشريف المرتضى (ج٢/ ص٢٩٤).
(١٣٧) المسلك في أُصول الدِّين (ص٢٧٧).
(١٣٨) إرشاد الطالبين (ص٣٧٧).
(١٣٩) كفاية الأثر (ص١٠٧).
(١٤٠) الغيبة للنعماني (ص٨٨ و٨٩/ باب ٤/ ح١٧).
(١٤١) كمال الدِّين (ص٣٤٢/ باب ٣٣/ ح٢٣).
(١٤٢) الكافي (ج١/ ص٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح٢).
(١٤٣) كمال الدِّين (ص٣٧٦/ باب ٣٥/ ح٧).
(١٤٤) راجع: كمال الدِّين (ص٣٧٧/ باب ٣٦/ ح١).
(١٤٥) كمال الدِّين (ص٣٨٣/ باب ٣٧/ ح١٠).
(١٤٦) الكافي (ج١/ ص٣٢٨/ باب الإشارة والنصِّ على أبي محمّد (عليه السلام)/ ح١٣).
(١٤٧) كمال الدِّين (ص٣٣٤/ باب ٣٣/ ح٣).
(١٤٨) دلائل الإمامة (ص٤٤٧/ ح٤٢٢/٢٦).
(١٤٩) كمال الدِّين (ص٣٣١ و٣٣٢/ باب ٣٢/ ح١٧).
(١٥٠) الإرشاد (ج٢/ ص٣٤٢).
(١٥١) الغيبة للطوسي (ص١٥٧).
(١٥٢) النجاة في القيامة (ص٢٠١).
(١٥٣) اللوامع الإلهيَّة (ص٣٤٦).
(١٥٤) إعلام الورى (ج٢/ ص٢٢٥).
(١٥٥) الكافي (ج٦/ ص٢٥/ باب العقيقة ووجوبها/ ح٣).
(١٥٦) كمال الدِّين (ص٤٣١/ باب ٤٢/ ح٦).
(١٥٧) الغيبة للطوسي (ص٢٤٥ و٢٤٦/ ح٢١٤).
(١٥٨) بحار الأنوار (ج٥١/ ص٢٨).
(١٥٩) كمال الدِّين (ص٤٣٢/ باب ٤٢/ ح١٠).
(١٦٠) العقد الفريد (ج٤/ ص٢٨٨).
(١٦١) كمال الدِّين (ص٤٩٨/ باب ٤٥/ ح٢٠).
(١٦٢) الغيبة للطوسي (ص٣١٠/ ح٢٦٣).
(١٦٣) كمال الدِّين (ص٤٨٢).
(١٦٤) الغيبة للطوسي (ص٢٨٥).
(١٦٥) الكافي (ج١/ ص٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح١).
(١٦٦) الغيبة للنعماني (ص١٣٩ و١٤٠/ باب ٨/ ح١٠).
(١٦٧) الكافي (ج١/ ص٣٧٨/ باب ما يجب على الناس عند مضيِّ الإمام/ ح١).
(١٦٨) راجع الدرس الثالث وما بعده.
(١٦٩) الكافي (ج١/ ص٥٣٣/ باب / ح١٦).
(١٧٠) كمال الدِّين (ص٦٤).
(١٧١) الكافي (ج١/ ص٥١٤).
(١٧٢) الكافي (ج١/ ص٣٢٩).
(١٧٣) كمال الدِّين (ص٤٣٠/ باب ٤٢/ ح٣).
(١٧٤) الكافي (ج١/ ص٣٢٨/ باب الإشارة والنصِّ على صاحب الدار (عليه السلام)/ ح٢)؛ والحديث الأوَّل ينصُّ على ذلك أيضاً، فراجع.
(١٧٥) كمال الدِّين (ص٤٣٥/ باب ٤٣/ ح٣).
(١٧٦) كمال الدِّين (ص٤٤٠/ باب ٤٣/ ح٨).
(١٧٧) كمال الدِّين (ص٤٤٠/ باب ٤٣/ ح٩).
(١٧٨) كمال الدِّين (ص٣٨٤ و٣٨٥/ باب ٣٨/ ح١)؛ وعليُّ بن عبد الله الورَّاق شيخ الصدوق الذي ترضَّى عنه في موارد عديدة وفي عدد من كُتُبه، وقد وُصِفَ ومُدِحَ بأنَّه من عكف على رواية الحديث.
(١٧٩) مقالات الإسلاميِّين (ص١٨).
(١٨٠) الكامل في التاريخ (ج٧/ ص٢٧٤).
(١٨١) تاريخ أبي الفداء (ج٢/ ص٤٥).
(١٨٢) تاريخ الإسلام (ج١٩/ ص١١٣).
(١٨٣) العبر في خبر من غبر (ج٢/ ص٢٦/ حوادث سنة ٢٦٠هـ).
(١٨٤) الكافي (ج١/ ص٥١٤).
(١٨٥) كمال الدِّين (ص٤٢٤).
(١٨٦) الغيبة للطوسي (ص٨١).
(١٨٧) الغيبة للطوسي (ص٢٢٩).
(١٨٨) منهاج السُّنَّة (ج١/ ص١٢٢)؛ كما وذكر ذلك الدهلوي في التحفة الاثنا عشريَّة (ص١٩٦ و٢٤٤).
(١٨٩) الكافي (ج١/ ص٥٠٥ و٥٠٦/ باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)/ ح١).
(١٩٠) غالب عواجي في فِرَق معاصرة (ج١/ ص٢٦٣)؛ وذكره كذلك إحسان إلهي ظهير في الشيعة والتشيُّع (ص٢٧٢).
(١٩١) زاد المعاد لابن قيِّم (ص٨٥).
(١٩٢) ذكر ذلك أحمد الكاتب في تطوُّر الفكر السياسي الشيعي (ص١٩١ - ١٩٦)؛ وكذلك ذكره يان ريشار في الإسلام الشيعي (ص٧٠)؛ والدهلوي في التحفة الاثنا عشرية (ص٤١).
(١٩٣) الكافي (ج١/ ص٥١٤/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)).
(١٩٤) كمال الدِّين (ص٤٣٢/ باب ٤٢/ ح١٢).
(١٩٥) كمال الدِّين (ص٤٧٤/ باب ٤٣/ ح٢٥).
(١٩٦) الهداية الكبرى (ص٣٢٧).
(١٩٧) البداية والنهاية (ج٢/ ص٣٢٠).
(١٩٨) البداية والنهاية (ج٢/ ص٢٧٥).
(١٩٩) الغيبة للطوسي (ص٧٦).
(٢٠٠) ذكرها الدهلوي في التحفة الاثنا عشريَّة (ص٤١ و٢٤٤).
(٢٠١) الغيبة للطوسي (ص١٠٧)؛ وذكرها القفاري في أُصول مذهب الشيعة (ج٢/ ص٥٠١).
(٢٠٢) كمال الدِّين (ص٥٠١/ باب ٤٥/ ح٢٧).
(٢٠٣) الغيبة للطوسي (ص١٠٦)؛ وذكرها ابن حجر في الصواعق المحرقة (ص١٦٨)، والقفاري في أُصول مذهب الشيعة (ج٢/ ص٥٠٢).
(٢٠٤) ورواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص١٦١/ باب ١٠/ فصل ٢/ ح٢) بتفاوت يسير.
(٢٠٥) راجع: الغيبة للطوسي (ص٢٢٤).
(٢٠٦) المصدر السابق.
(٢٠٧) الهداية الكبرى (ص٣٥٥).
(٢٠٨) كمال الدِّين (ص٤٢٤/ باب ٤٢/ ح١).
(٢٠٩) كمال الدِّين (ص٤٢٤ - ٤٢٦/ باب ٤٢/ ح١).
(٢١٠) الفصول المختارة (ص٣٢٧ و٣٢٨).
(٢١١) الفصول المختارة (ص٣٢٧ - ٣٣٠).
(٢١٢) الغيبة للطوسي (ص٨٢).
(٢١٣) تاريخ الإسلام (ج١٩/ ص١١٣)؛ وتقدَّم كلامه في ما دلَّ على الولادة من أقوال أبناء العامَّة.
(٢١٤) الأوصياء بعد الإنساء (ج٢/ ص١٢).
(٢١٥) كمال الدِّين (ص٤٢٤).
(٢١٦) الغيبة للطوسي (ص٢٥٣).
(٢١٧) معجم مقاييس اللغة (ج٤/ ص٤٠٣/ مادَّة غيب).
(٢١٨) كمال الدِّين (ص٥١).
(٢١٩) إلزام الناصب (ج١/ ص٢٤٦).
(٢٢٠) الغيبة للنعماني (ص١٧٧/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح٦).
(٢٢١) الكافي (ج١/ ص٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح١٩).
(٢٢٢) الإرشاد (ج٢/ ص٣٤٠).
(٢٢٣) نعم، ذكرت بعض الروايات أنَّها سرٌّ من أسرار الله تعالى، ويأتي في الحلقة الثالثة بيان ذلك.
(٢٢٤) الكافي (ج١/ ص٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح٢٩).
(٢٢٥) كمال الدِّين (ص٤٨١/ باب ٤٤/ ح١٠).
(٢٢٦) كمال الدِّين (ص٣٦١/ باب ٣٤/ ح٥).
(٢٢٧) جُمَل العلم والعمل (ص٤٤).
(٢٢٨) شرح جُمَل العلم والعمل (ص٢٢٧ و٢٢٨/ بيان علَّة غيبة الإمام الثاني عشر).
(٢٢٩) الغيبة للطوسي (ص٩٨).
(٢٣٠) كمال الدِّين (ص٣٢٢ و٣٢٣/ باب ٣١/ ح٦).
(٢٣١) كمال الدِّين (ص٣١٦/ باب ٢٩/ ح٢).
(٢٣٢) الخرائج والجرائح (ج٢/ ص٩٥٥).
(٢٣٣) كمال الدِّين (ص٣٤٥/ باب ٣٣/ ح٣١).
(٢٣٤) الغيبة للنعماني (ص٢٩٩/ باب ١٦/ ح١).
(٢٣٥) الغيبة للنعماني (ص٣٠٣/ باب ١٦/ ح٨).
(٢٣٦) الغيبة للنعماني (ص٣٠٣/ باب ١٦/ ح٩).
(٢٣٧) الغيبة للنعماني (ص٣٠٣ و٣٠٤/ باب ١٦/ ح١٠).
(٢٣٨) علل الشرائع (ج١/ ص١٤٧/ باب ١٢٢/ ح٢).
(٢٣٩) الكافي (ج١/ ص٣٤٣/ باب في الغيبة/ ح٣١).
(٢٤٠) شرح أُصول الكافي (ج٦/ ص٢٧١).
(٢٤١) الغيبة للنعماني (ص٢١٦/ باب ١٢/ ح١٥).
(٢٤٢) الغيبة للطوسي (ص١٦٦ و١٦٧/ ح١٢٨).
(٢٤٣) الكافي (ج١/ ص٣٧٠/ باب التمحيص والامتحان/ ح٣).
(٢٤٤) كمال الدِّين (ص٣٤٦/ باب ٣٣/ ح٣٢).
(٢٤٥) الكافي (ج١/ ص٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح٢).
(٢٤٦) المصدر السابق.
(٢٤٧) الغيبة للطوسي (ص٣٤٠ و٣٤١/ ح٢٩٠).
(٢٤٨) الكافي (ج١/ ص٣٣٣/ باب في النهي عن الاسم/ ح٣).
(٢٤٩) كمال الدِّين (ص٣٨١/ باب ٣٧/ ح٥).
(٢٥٠) كمال الدِّين (ص٤٤٠/ باب ٤٣/ ح٨).
(٢٥١) الغيبة للنعماني (ص٢٨٨ و٢٨٩/ باب ١٤/ ح٦٧).
(٢٥٢) راجع: الغيبة للطوسي (ص٣).
(٢٥٣) تقريب المعارف (ص٤٢٨).
(٢٥٤) الغيبة للطوسي (ص١٧٣).
(٢٥٥) رسائل الشريف المرتضى (ج٢/ ص٢٩٣).
(٢٥٦) الكافي (ج١/ ص٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح١٩).
(٢٥٧) الغيبة للطوسي (ص١٦١ و١٦٢/ ح١٢٠).
(٢٥٨) الغيبة للطوسي (ص١٦٦ و١٦٧/ ح١٢٨).
(٢٥٩) كمال الدِّين (ص٣٢٠/ باب ٣١/ ح٢).
(٢٦٠) كمال الدِّين (ص٣٢٧/ باب ٣٢/ ح٧).
(٢٦١) كمال الدِّين (ص٣٤٢/ باب ٣٣/ ح٢٣).
(٢٦٢) كمال الدِّين (ص٣٧٦/ باب ٣٥/ ح٧).
(٢٦٣) راجع: الغيبة للطوسي (ص١٥٨).
(٢٦٤) رسائل الشريف المرتضى (ج٢/ ص٢٩٧).
(٢٦٥) الغيبة للطوسي (ص٨٦).
(٢٦٦) أشار إلى ذلك الشيخ الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص٨٨).
(٢٦٧) الغيبة للطوسي (ص٩٣).
(٢٦٨) روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص٤٤٠/ باب ٤٣/ ح٨)، عن الشيخ العمري (رضي الله عنه)، قال: (... والله إنَّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلَّ سنة، فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه).
(٢٦٩) جُمَل العلم والعمل (ص٤٥).
(٢٧٠) شرح جُمَل العلم والعمل (ص٢٣٤/ مبحث طول الغيبة وزيادة عمر الغائب).
(٢٧١) كمال الدِّين (ص٥٢٣/ باب ٤٦/ ح١).
(٢٧٢) الغيبة للطوسي (ص٤٢١/ ح٤٠٠).
(٢٧٣) كمال الدِّين (ص٨٨).
(٢٧٤) المصدر السابق.
(٢٧٥) الموقع الرسمي للشيخ عبد العزيز الراجحي.
(٢٧٦) كمال الدِّين (ص٤٥).
(٢٧٧) أشار إلى هذا الإيراد الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص٢٨).
(٢٧٨) كمال الدِّين (ص٣٢٠/ باب ٣١/ ح٢)، والرواية مرويَّة عن الإمام عليِّ بن الحسين (عليه السلام).
(٢٧٩) قاله الدهلوي في التحفة الاثنا عشريَّة في ثنايا حديثه عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) (ص٦٦).
(٢٨٠) الغيبة للطوسي (ص٩٤ - ٩٨).
(٢٨١) تفسير العيَّاشي (ج٢/ ص٣٠٣/ ح١١٨).
(٢٨٢) الاحتجاج (ج٢/ ص٣٢٣).
(٢٨٣) الغيبة للطوسي (ص١٠٢).
(٢٨٤) روى الكليني (رحمه الله) عن عليٍّ، عن أبي عبد الله بن صالح وأحمد بن النضر، عن القنبري - رجل من ولد قنبر الكبير - مولى أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: جرى حديث جعفر بن عليٍّ فذمَّه، فقلت له: فليس غيره فهل رأيته؟ فقال : لم أرَه، ولكن رآه غيري، قلت: ومن رآه؟ قال: قد رآه جعفر مرَّتين، وله حديث. (الكافي: ج١/ ص٣٣١/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح٩).
والمرَّة الأُولى عند الصلاة على جنازة الإمام العسكري (عليه السلام)، حيث قال (عجّل الله فرجه) لعمِّه: «تأخَّر يا عمّ، فأنا أحقّ بالصلاة على أبي» (كمال الدِّين: ص٤٧٥/ باب ٤٣/ ح٢٥).
والثانية عندما كبسوا دار الإمام العسكري (عليه السلام)، حيث قال (عجّل الله فرجه) لعمِّه: «يا جعفر، أدارك هي؟» (كمال الدِّين: ص٤٤٢/ باب ٤٣/ ح١٥).
(٢٨٥) منهاج السُّنَّة (ج١/ ص٤٤).
(٢٨٦) تاريخ الإسلام (ج١٩/ ص١١٣).
(٢٨٧) مجموعة رسائل الإمام الغزالي (ص٢٥٠).
(٢٨٨) كمال الدِّين (ص٤٣٥/ باب ٤٣/ ح٢).
(٢٨٩) راجع: كمال الدِّين (ص٤٧٥ و٤٧٦/ باب ٤٣).
(٢٩٠) كمال الدِّين (ص٤٧٣/ باب ٤٣/ ح٢٥).
(٢٩١) راجع: كمال الدِّين (ص٤٣٤ فصاعداً/ باب ٤٣/ ذكر من شاهد القائم (عليه السلام) ورآه وكلَّمه)، وفيه (٢٦) حديثاً.
(٢٩٢) كمال الدِّين (ص٤٣).
(٢٩٣) كمال الدِّين (ص٤٧٣/ باب ٤٣/ ح٢٥).
(٢٩٤) الغيبة للطوسي (ص٢٤٨ و٢٤٩/ ح٢١٨).
(٢٩٥) بحار الأنوار (ج٥٢/ ص٥٢ و٥٣/ ح٣٧).
(٢٩٦) الإرشاد (ج٢/ ص٣٣٦ و٣٣٧).
(٢٩٧) كمال الدِّين (ص٤٠٨/ باب ٣٨/ ح٦).
(٢٩٨) الفصول المختارة (ص٣٢١).
(٢٩٩) راجع: كمال الدِّين (ص٤٧٦ - ٤٧٩/ باب ٤٣/ ح٢٦).
(٣٠٠) الكافي (ج١/ ص٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح١).
(٣٠١) الغيبة للطوسي (ص٣٥٥/ ح٣١٥).
(٣٠٢) كمال الدِّين (ص٤٤٠/ باب ٤٣/ ح٩).
(٣٠٣) الغيبة للطوسي (ص٢٥١ و٣٦٤/ ح٢٢٢ و٣٣٠).
(٣٠٤) كمال الدِّين (ص٤٤٢ و٤٤٣/ باب ٤٣/ ح١٦).
(٣٠٥) الغيبة للطوسي (ص٣٥٣ و٣٥٤).
(٣٠٦) الغيبة للطوسي (ص٣٥٧/ ح٣١٩).
(٣٠٧) الغيبة للطوسي (ص٣٦١/ ح٣٢٣).
(٣٠٨) الغيبة للطوسي (ص٣٥٦/ ح٣١٨).
(٣٠٩) الاحتجاج (ج٢/ ص٢٩٧).
(٣١٠) اختيار معرفة الرجال (ج٢/ ص٨١٣/ ح١٠١٥).
(٣١١) كمال الدِّين (ص٥٠٢/ باب ٤٥/ ح٣٠).
(٣١٢) الغيبة للطوسي (ص٤٠٠ و٤٠١/ ح٣٧٥).
(٣١٣) الغيبة للطوسي (ص٣٥٦ و٣٥٧/ ح٣١٨).
(٣١٤) الغيبة للطوسي (ص٣٥٨).
(٣١٥) كمال الدِّين (ص٥١٠/ باب ٤٥/ ح٤١).
(٣١٦) الغيبة للطوسي (ص٣٥٩).
(٣١٧) الغيبة للطوسي (ص٣٦٢/ ح٣٢٤).
(٣١٨) الغيبة للطوسي (ص٣٦٢/ ح٣٢٥).
(٣١٩) الغيبة للطوسي (ص٢٩١/ ح٢٤٧).
(٣٢٠) الغيبة للطوسي (ص٣٦٢ و٣٦٣/ ح٣٢٧).
(٣٢١) الغيبة للطوسي (ص٢٩٣ و٢٩٤/ ح٢٤٨).
(٣٢٢) الغيبة للطوسي (ص٣٦٤ و٣٦٥/ ح٣٣٢).
(٣٢٣) كمال الدِّين (ص٥٠١ و٥٠٢/ باب ٤٥/ ح٢٨).
(٣٢٤) الغيبة للطوسي (ص٣٦٦).
(٣٢٥) يراجع لذلك: تاريخ الإسلام (ج٢٤/ ص١٩٠).
(٣٢٦) الغيبة للطوسي (ص٣٦٧ و٣٦٨/ ح٣٣٥).
(٣٢٧) الغيبة للطوسي (ص٣٧٢/ ح٣٤٣).
(٣٢٨) الغيبة للطوسي (ص٣٦٨ و٣٦٩/ ح٣٣٦).
(٣٢٩) الغيبة للطوسي (ص٣٦٩/ ح٣٣٧).
(٣٣٠) الغيبة للطوسي (ص٣٧٠/ ح٣٣٩).
(٣٣١) الغيبة للطوسي (ص٣٧١ و٣٧٢/ ح٣٤٢).
(٣٣٢) الغيبة للطوسي (ص٣٦٧ و٣٦٨/ ح٣٣٥).
(٣٣٣) الغيبة للطوسي (ص٣٧٠/ ح٣٣٩).
(٣٣٤) الغيبة للطوسي (ص٣٧١/ ح٣٤١).
(٣٣٥) الغيبة للطوسي (ص٣٧٢/ ح٣٤٣).
(٣٣٦) الغيبة للطوسي (ص٣١٥ - ٣١٧/ ح٢٦٤).
(٣٣٧) الغيبة للطوسي (ص٣٨٦/ ح٣٤٩).
(٣٣٨) الغيبة للطوسي (ص٣٩١/ ح٣٥٨).
(٣٣٩) راجع: الغيبة للطوسي (ص٣٨٦ و٣٨٧/ ح٣٥٠).
(٣٤٠) الغيبة للطوسي (ص٣٩٣).
(٣٤١) الغيبة للطوسي (ص٣٩٤/ ح٣٦٣).
(٣٤٢) الغيبة للطوسي (ص٣٩٤/ ح٣٦٤).
(٣٤٣) الغيبة للطوسي (ص٤١٤ و٤١٥).
(٣٤٤) الغيبة للطوسي (ص٣٩٤/ ح٣٦٣).
(٣٤٥) كمال الدِّين (ص٥١٦/ باب ٤٥/ ح٤٤).
(٣٤٦) الغيبة للطوسي (ص٣٩٥/ ح٣٦٥).
(٣٤٧) الغيبة للطوسي (ص٣٩٦/ ح٣٦٧).
(٣٤٨) تاج المواليد (ص٦٥ و٦٦).
(٣٤٩) راجع هامش (ص١٧٢).
(٣٥٠) الكافي (ج١/ ص٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح١).
(٣٥١) تهذيب الأحكام (ج٦/ ص١١٨).
(٣٥٢) كمال الدِّين (ص٥٠٢/ باب ٤٥/ ح٣١).
(٣٥٣) راجع: الغيبة للطوسي (ص٣١٥ - ٣١٧/ ح٢٦٤).
(٣٥٤) الغيبة للطوسي (ص٣٠٢ - ٣٠٤/ ح٢٥٦).
(٣٥٥) الغيبة للطوسي (ص٣٠٨ و٣٠٩/ ح٢٦١).
(٣٥٦) الغيبة للطوسي (ص٢٧١/ ح٢٣٦): وروى محمّد بن يعقوب رفعه، عن الزهري، قال: طلبت هذا الأمر طلباً شاقًّا حتَّى ذهب لي فيه مال صالح، فوقعت إلى العمري وخدمته ولزمته، وسألته بعد ذلك عن صاحب الزمان (عليه السلام)، فقال لي: ليس إلى ذلك وصول، فخضعت، فقال لي: بكِّر بالغداة، فوافيت، فاستقبلني ومعه شابٌّ من أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم رائحةً بهيأة التُّجَّار، وفي كُمِّه شيء كهيأة التُّجَّار. فلمَّا نظرت إليه دنوت من العمري، فأومأ إليَّ، فعدلت إليه وسألته، فأجابني عن كلِّ ما أردت، ثمّ مرَّ ليدخل الدار - وكانت من الدور التي لا يُكتَرث لها -، فقال العمري: إنْ أردت أنْ تسأل سَلْ، فإنَّك لا تراه بعد ذا، فذهبت لأسأل فلم يسمع ودخل الدار، وما كلَّمني بأكثر من أنْ قال: «ملعون ملعون من أخَّر العشاء إلى أنْ تشتبك النجوم، ملعون ملعون من أخَّر الغداة إلى أنْ تنقضي النجوم»، ودخل الدار.
(٣٥٧) الغيبة للطوسي (ص٤١٢/ ح٣٨٥).
(٣٥٨) أعيان الشيعة (ج٥/ ص٤١١/ الرقم ٨٨١).
(٣٥٩) يُراجَع: الاجتهاد والتقليد للسيِّد الخوئي (ص٨٥).
(٣٦٠) يُراجَع: الاجتهاد والتقليد للسيِّد الخوئي (ص٨٨).
(٣٦١) الكافي (ج١/ ص٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح١).
(٣٦٢) رجال النجاشي (ص٤٤٧/ الرقم ١٢٠٨).
(٣٦٣) اختيار معرفة الرجال (ج٢/ ص٧٨٤/ ح٩٣٥).
(٣٦٤) اختيار معرفة الرجال (ج٢/ ص٦٢٨/ ح٦٢٠).
(٣٦٥) اختيار معرفة الرجال (ج٢/ ص٨٥٨/ ح١١١٢).
(٣٦٦) اختيار معرفة الرجال (ج١/ ص٣٩٨/ ح٢٨٦).
(٣٦٧) اختيار معرفة الرجال (ج١/ ص٣٤٨/ ح٢١٩).
(٣٦٨) رجال النجاشي (ص١٠/ الرقم ٧).
(٣٦٩) الكافي (ج١/ ص٦٧/ باب اختلاف الحديث/ ح١٠).
(٣٧٠) تهذيب الأحكام (ج٢/ ص٢٠/ ح٥٦/٧).
(٣٧١) الرعاية في علم الدراية (ص١٣١).
(٣٧٢) سماء المقال للكلباسي (ج٢/ ص١٤٥).
(٣٧٣) من لا يحضره الفقيه (ج٤/ ص٤٢٠/ ح٥٩١٩)؛ هذا ولكنَّه (رحمه الله) رواه في سائر كُتُبه مسنداً، فراجع.
(٣٧٤) الكافي (ج١/ ص٣٤/ باب ثواب العالم والمتعلِّم/ ح١).
(٣٧٥) كمال الدِّين (ص٤٨٤/ باب ٤٥/ ح٤).
(٣٧٦) رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن محمّد بن محمّد بن عصام الكليني (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)...، ومحمّد بن محمّد بن عصام روى عنه الصدوق (رحمه الله) كثيراً وترضَّى عنه، فمن يقبل هذا الطريق يعتمد الرجل. والكليني أشهر من أنْ يُوثَّق. أمَّا إسحاق بن يعقوب، فإنْ قيل: إنَّ هذا التوقيع يدلُّ على جلالته فهو، وإلَّا فلاعتماد الكليني (رحمه الله) عليه، وكذلك الصدوق والطوسي (رحمهما الله)، والمسألة محلُّ نظر.
(٣٧٧) جامع المدارك للخوانساري (ج٣/ ص٩٩).
(٣٧٨) جواهر الكلام (ج٢١/ ص٣٩٦).
(٣٧٩) بلغة الفقيه (ج٣/ ص٢٢١).
(٣٨٠) كمال الدِّين (ص٢٥٣/ باب ٢٣/ ح٣).
(٣٨١) كمال الدِّين (ص٢٠٧/ باب ٢١/ ح٢٢).
(٣٨٢) كمال الدِّين (ص٤٨٣ - ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح٤).
(٣٨٣) الكافي (ج١/ ص١٨١/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح٤).
(٣٨٤) الكافي (ج١/ ص١٤٣ و١٤٤/ باب النوادر/ ح٤).
(٣٨٥) الكافي (ج١/ ص١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح٥).
(٣٨٦) الكافي (ج١/ ص١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح٣).
(٣٨٧) الكافي (ج١/ ص١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح٢).
(٣٨٨) الكافي (ج١/ ص١٩١/ باب أنَّ الأئمَّة شهداء الله (عزّ وجلّ) على خلقه/ ح٤).
(٣٨٩) الكافي (ج١/ ص١٩١/ باب أنَّ الأئمَّة شهداء الله (عزّ وجلّ) على خلقه/ ح٥).
(٣٩٠) الكافي (ج١/ ص١٩١/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) هم الهداة/ ح١).
(٣٩١) الكافي (ج١/ ص١٩١ و١٩٢/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) هم الهداة/ ح٢).
(٣٩٢) كمال الدِّين (ص٢٠٢ و٢٠٣/ باب ٢١/ ح٦).
(٣٩٣) الكافي (ج١/ ص١٤٤/ باب النوادر/ ح٥).
(٣٩٤) كمال الدِّين (ص٣٨٤/ باب ٣٨/ ح١).
(٣٩٥) كمال الدِّين (ص٢٠٦ و٢٠٧/ باب ٢١/ ح٢١).
(٣٩٦) الكافي (ج١/ ص٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح١).
(٣٩٧) الكافي (ج١/ ص٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح٢).
(٣٩٨) الكافي (ج١/ ص٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح٥).
(٣٩٩) راجع: الكافي (ج١/ ص٣٧٦/ باب من مات وليس له إمام من أئمَّة الهدى).
(٤٠٠) الكافي (ج١/ ص١٨٥ و١٨٦/ باب فرض طاعة الأئمَّة/ ح١).
(٤٠١) الكافي (ج١/ ص١٨٧/ باب فرض طاعة الأئمَّة/ ح٩).
(٤٠٢) كمال الدِّين (ص٢٨٧ و٢٨٨/ باب ٢٦/ ح٧).
(٤٠٣) كمال الدِّين (ص٣٦١/ باب ٣٤/ ح٥).
(٤٠٤) كمال الدِّين (ص٣٠٣/ باب ٢٦/ ح١٤).
(٤٠٥) كمال الدِّين (ص٣٧٨/ باب ٣٦/ ح٣).
(٤٠٦) الغيبة للنعماني (ص٢٠٧/ باب ١١/ ح١٦).
(٤٠٧) كمال الدِّين (ص٢٧٨/ باب ٢٥/ ح٦).
(٤٠٨) الكافي (ج١/ ص٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح٣).
(٤٠٩) الإمامة والتبصرة (ص١١٤/ ح١٠٢).
(٤١٠) المزار لابن المشهدي (ص٥٨٥).
(٤١١) كمال الدِّين (ص٤٨٥/ باب ٤٥/ ح٤).
(٤١٢) المصباح للكفعمي (ص٥٥١).
(٤١٣) الكافي (ج١/ ص٣٣٣/ باب في النهي عن الاسم/ ح٤).
(٤١٤) صراط النجاة (ج١/ ص٤٦٥/ سؤال ١٣٠٥).
(٤١٥) النجم الثاقب (ج٢/ ص٤٧٤).
(٤١٦) كمال الدِّين (ص٥١٦/ باب ٤٥/ ح٤٤).
(٤١٧) الغيبة للنعماني (ص٣٠٠/ باب ١٦/ ح٣).
(٤١٨) المزار لابن المشهدي (ص٥٦٩).
(٤١٩) وسائل الشيعة (ج١٦/ هامش ص٢٤٦) حيث نقل (رحمه الله) أسماء من قال بالجواز، منية السائل للسيِّد الخوئي (ص٢٢٢).
(٤٢٠) كمال الدِّين (ص٣٠٧)، مرآة العقول (ج٤/ ص١٦ و١٧).
(٤٢١) وسائل الشيعة (ج١٦/ ص٢٣٧).
(٤٢٢) كمال الدِّين (ص٣٣٣/ باب ٣٣/ ح١)؛ والخبر يمكن القول بتماميَّة سنده.
(٤٢٣) الكافي (ج١/ ص٥٢٥ و٥٢٦/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح١).
(٤٢٤) الكافي (ج١/ ص٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح١).
(٤٢٥) كمال الدِّين (ص٤٨٣/ باب ٤٥/ ح٣)؛ والخبر يمكن القول بتماميَّة سنده.
(٤٢٦) القائل هو الشيخ الحرُّ العاملي (رحمه الله) في كتابه القيِّم كشف التعمية (ص٨٦).
(٤٢٧) كمال الدِّين (ص٤٠٩/ باب ٣٨/ ح٩)؛ والسند تامٌّ إنْ تجاوزنا الإشكال في ابن إسحاق.
(٤٢٨) كمال الدِّين (ص٦٥٣/ باب ٥٧/ ح١٧).
(٤٢٩) كشف التعمية (ص١٠٤).
(٤٣٠) الإرشاد (ج٢/ ص٣٦٨ - ٣٧٠).
(٤٣١) تاج المواليد (ص٧٠ - ٧٤).
(٤٣٢) الغيبة للنعماني (ص٢٩١ و٢٩٢).
(٤٣٣) من أجمل ما تمتاز به المهدويَّة أنَّ الاستدلال عليها متعدِّد الجوانب أو الجهات، وتُعَدُّ روايات العلامات قبل قيام الإمام (عجّل الله فرجه) من أدلَّة صحَّتها.
(٤٣٤) الغيبة للنعماني (ص٣١٠ و٣١١/ باب ١٨/ ح٢).
(٤٣٥) الغيبة للنعماني (ص٣١٢ و٣١٣/ باب ١٨/ ح٥)؛ هذا ولكن الصحيح ما ورد في بحار الأنوار (ج٥٢/ ص٢٤٩/ ح١٣٣) عن الغيبة للنعماني، وفيه: قال له حمران: ما المحتوم؟ قال: «الذي لا يكون غيره»، قال: وما الموقوف؟ قال: «هو الذي لله فيه المشيَّة...»، فراجع.
(٤٣٦) الغيبة للنعماني (ص٣١٣/ باب ١٨/ ح٦).
(٤٣٧) سوى الحسين بن الحسن بن أبان، ويمكن توثيقه بعدَّة وجوه ذُكِرَت في محلِّها. أمَّا عمر بن حنظلة فقد تقدَّمت وجوه توثيقه، فراجع.
(٤٣٨) كمال الدِّين (ص٦٥٠/ باب ٥٧/ ح٧).
(٤٣٩) الغيبة للطوسي (ص٤٣٥/ ح٤٢٥).
(٤٤٠) الغيبة للنعماني (ص٢٨٠/ باب ١٤/ ح٤٦)، كمال الدِّين (ص٦٥٥/ باب ٥٧/ ح٢٥).
(٤٤١) الكافي (ج٨/ ص٢١٢/ ح٢٥٨).
(٤٤٢) الغيبة للنعماني (ص٣١٢/ باب ١٨/ ح٤).
(٤٤٣) الغيبة للنعماني (ص٢٦١ و٢٦٢/ باب / ح١١).
(٤٤٤) أي كيف يقول محمّد بن إبراهيم بن إسماعيل المعروف بابن طباطبا: إنِّي القائم؟
(٤٤٥) الغيبة للنعماني (ص٢٦٢/ باب ١٤/ ح١٢).
(٤٤٦) الغيبة للنعماني (ص٣١٤ و٣١٥/ باب ١٨/ ح١٠).
(٤٤٧) الغيبة للنعماني (ص٢٦٢/ باب ١٤/ ح١٢).
(٤٤٨) أي خضراء مائلة إلى الحمرة.
(٤٤٩) الترديد في الرواية لعلَّه ناشئ من التوقُّف على أُمور وعناصر متغيِّرة إنْ حصلت كان ثلاثة وإنْ لم تحصل كان سبعة أو بالعكس، ومثله لا يضرُّ بالعصمة بلا شكٍّ.
(٤٥٠) التعليل بشهر رمضان لعلَّه لبيان الحكمة وليس العلَّة الحقيقيَّة، لأنَّ الصيحة كما تقع فيه تقع في غيره كما يأتي، ولعلَّه لبيان فضله.
(٤٥١) الغيبة للنعماني (ص٢٦٢ و٢٦٣/ باب ١٤/ ح١٣).
(٤٥٢) الحسن بن عليٍّ توجد وجوه لتوثيقه: من أنَّ له أصلاً، ورواية الثقات عنه، وأنَّ الطائفة عملت برواياته، ورواية أصحاب الإجماع عنه كابن أبي عمير والبزنطي، وصدر في حقِّه: «وأبوه أوثق منه» (رجال ابن الغضائري: ص٥١/ الرقم ٣٣/٦).
أمَّا والده عليُّ بن أبي حمزة، فيمكن توثيقه لما تقدَّم في ابنه، وأنَّه من رواة كامل الزيارات والقمّي، وقول الشيخ الطوسي (رحمه الله) فيه من عمل الطائفة برواياته، وبذلك تكون الرواية تامَّة سنداً.
(٤٥٣) الغيبة للنعماني (ص٢٨٢ و٢٨٣/ باب ١٤/ ح٥٤).
(٤٥٤) والسند تامٌّ إلَّا ما قيل في عبد الرحمن بن سيابة، ويمكن توثيقه لورود روايات تدلُّ على حسنه، وكونه من رواة كامل الزيارات. وكذلك عباية الأسدي، على أنَّه من خواصِّ أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعليه فالسند تامٌّ.
(٤٥٥) الغيبة للنعماني (ص٢٦٦ و٢٦٧/ باب ١٤/ ح١٧).
(٤٥٦) الغيبة للنعماني (ص٢٦٧/ باب ١٤/ ح١٩).
(٤٥٧) الغيبة للنعماني (ص٢٦٩/ باب ١٤/ ح٢٠)، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام).
(٤٥٨) الغيبة للنعماني (ص٢٧٣/ باب ١٤/ ح٣٠)، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام).
(٤٥٩) الغيبة للنعماني (ص٢٦٩/ باب ١٤/ ح٢٠)، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام).
(٤٦٠) الغيبة للنعماني (ص٢٧٢ و٢٧٣/ باب ١٤/ ح٢٨).
(٤٦١) الغيبة للنعماني (ص٢٧٣/ باب ١٤/ ح٣٠).
(٤٦٢) الغيبة للنعماني (ص٢٧٣ و٢٧٤/ باب ١٤/ ح٣١).
(٤٦٣) الغيبة للنعماني (ص٢٧٤/ باب ١٤/ ح٣٢)؛ وفي سنده محمّد بن خالد، وهو مشترك بين جماعة، منهم الأصمُّ والبرقي المتقاربان طبقةً، فإنْ استظهرنا الثقة فبها، وإلَّا فيمكن التعويض بطريق الكليني (ج٨/ ص٢٠٨/ ح٢٥٢)، فإنَّه لا يمرُّ بمحمّد بن خالد، إلَّا أنَّ المشكلة تبقى من جهة عبد الرحمن بن مسلمة الجريري لم يذكروه.
(٤٦٤) الغيبة للنعماني (ص٢٠٧ و٢٠٨/ باب ١١/ ح١٧).
(٤٦٥) الغيبة للنعماني (ص٢٨١ و٢٨٢/ باب ١٤/ ح٥٠)؛ والسند لا مشكلة فيه إلَّا من جهة أبي خالد الكابلي، ويمكن توثيقه على الأصحّ. والحسين بن موسى الذي لم يُوثَق، إلَّا أنَّ ابن أبي عمير قد روى عنه، لمن يقبل ذلك.
(٤٦٦) لعلَّ المقصود من الأوَّل في زمن الغيبة، وإلَّا فمن ادَّعى النيابة عن الأئمَّة (عليهم السلام) والوكالة أو المهدويَّة كُثر، وقد تقدَّم بعضهم في الفصل الأوَّل.
(٤٦٧) الغيبة للطوسي (ص٣٩٧/ ح٣٦٨).
(٤٦٨) محمّد العبيدي من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام).
(٤٦٩) اختيار معرفة الرجال (ج٢/ ص٨٠٥/ ح٩٩٩).
(٤٧٠) الغيبة للطوسي (ص٤١١/ ح٣٨٤).
(٤٧١) راجع: الغيبة للطوسي (ص٤٠٣ - ٤٠٥/ ح٣٧٨).
(٤٧٢) اختيار معرفة الرجال (ج٢/ ص٨١٦/ ح١٠٢٠).
(٤٧٣) الدهقان: عروة بن يحيى النخَّاس من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، خرج فيه توقيع من الإمام العسكري (عليه السلام) باللعنة والدعاء عليه، وممَّا تُرجِم به: قال عليُّ بن سليمان بن رشيد العطَّار البغدادي: كان يلعنه أبو محمّد (عليه السلام)، وذكر أنَّه كانت لأبي محمّد (عليه السلام) خزانة، وكان يليها أبو عليّ بن راشد، فسُلِّمت إلى عروة فأخذ منها لنفسه ثمّ أحرق باقي ما فيها يغايظ بذلك أبا محمّد (عليه السلام). وممَّا ورد فيه قول الإمام (عليه السلام): «جلست لربِّي ليلتي هذه كذا وكذا جلسة، فما انفجر عمود الصبح ولا انطفأ ذلك النار حتَّى قتل الله عروة لعنه الله» (راجع: معجم رجال الحديث: ج١٢/ ص١٥٣ و١٥٤/ الرقم ٧٦٨١).
(٤٧٤) اختيار معرفة الرجال (ج٢/ ص٨١٦ و٨١٧/ ح١٠٢٠).
(٤٧٥) معجم رجال الحديث (ج١٨/ ص٣١٧ - ٣١٩/ الرقم ١١٩٣١)، نقلاً عن الكشّي والشيخ والطبرسي وغيرهم.
(٤٧٦) الغيبة للطوسي (ص٣٩٨/ ح٣٧٠).
(٤٧٧) راجع: الغيبة للطوسي (ص٤٠١ و٤٠٢/ ح٣٧٦).
(٤٧٨) راجع: الغيبة للطوسي (ص٤٠٢ و٤٠٣/ ح٣٧٧).
(٤٧٩) يُراجَع عدَّة مصادر، منها: فِرَق معاصرة لغالب عواجي (ج٢/ ص٦٤٣)، ومذكِّرات كينيازي د الكوري (ص٦٣ وما بعدها)، وحقيقة البابيَّة والبهائيَّة لمحسن عبد الحميد.
(٤٨٠) أحمد إسماعيل گاطع السلمي/ قصَّة اللقاء، منشورة تفاصيلها في موقعه.
(٤٨١) جامع الأدلَّة لعبد الرزاق هاشم الديراوي (ص١٤٠).
(٤٨٢) من لا يحضره الفقيه (ج٢/ ص٥٨٤ و٥٨٥/ ح٣١٩١).
(٤٨٣) كمال الدِّين (ص٤١٧ - ٤٢٣/ باب ٤١/ ح١).
(٤٨٤) راجع: الرؤيا في مفهوم أهل البيت (عليهم السلام) لضياء الأنصاري الزيدي (ص٣٤ و٤٥).
(٤٨٥) الكافي (ج٣/ ص٤٨٢/ باب النوادر/ ح١).
(٤٨٦) توحيد المفضَّل (ص٤٣ و٤٤).
(٤٨٧) اختيار معرفة الرجال (ج٢/ ص٥٨٩/ ح٥٣٧).
(٤٨٨) صحيح البخاري (ج١/ ص٣٦).
(٤٨٩) أمالي الصدوق (ص٢٠٨ و٢٠٩/ ح٢٣١/١٥).
(٤٩٠) كنز الفوائد (ص٢١٣).
(٤٩١) رسائل الشريف المرتضى (ج٢/ ص٩ - ١١).
(٤٩٢) أجوبة المسائل المهنَّائيَّة (ص٩٧ و٩٨/ مسألة ١٥٩).
(٤٩٣) الفصول المهمَّة (ج١/ ص٦٩٠).
(٤٩٤) كفاية الأُصول (ج٢/ ص٣١٠/ مباحث الظنِّ/ المقصد السادس).
(٤٩٥) في كتاب الجواب المنير عبر الأثير (ج١/ ص٥٥) لأحمد إسماعيل يدَّعي أنَّه مصيب بدعواه عن طريق علم الحروف، فراجع السؤال (٣٥).
(٤٩٦) ذكر الشيخ الطوسي في الغيبة (ص٤٠١ و٤٠٢/ ح٣٧٦) قصَّة كشف أمر الحلَّاج بسنده عن أبي نصر هبة الله ابن محمّد الكاتب، قال: لمَّا أراد الله تعالى أنْ يكشف أمر الحلَّاج ويُظهِر فضيحته ويُخزيه، وقع له أنَّ أبا سهل إسماعيل بن عليٍّ النوبختي (رضي الله عنه) ممَّن تجوز عليه مخرقته وتتمُّ عليه حيلته، فوجَّه إليه يستدعيه وظنَّ أنَّ أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الأمر بفرط جهله، وقدَّر أنْ يستجرَّه إليه فيتمخرق (به) ويتسوَّف بانقياده على غيره، فيستتبّ له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة، لقدر أبي سهل في أنفس الناس ومحلِّه من العلم والأدب أيضاً عندهم، ويقول له في مراسلته إيَّاه: إنِّي وكيل صاحب الزمان (عليه السلام) - وبهذا أوَّلاً كان يستجرُّ الجُهَّال ثمّ يعلو منه إلى غيره - وقد أُمرت بمراسلتك وإظهار ما تريده من النصرة لك لتقوي نفسك، ولا ترتاب بهذا الأمر. فأرسل إليه أبو سهل (رضي الله عنه) يقول له: إنِّي أسألك أمراً يسيراً يخفُّ مثله عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين، وهو أنِّي رجل أُحِبُّ الجواري وأصبو إليهنَّ، ولي منهنَّ عدَّة أتحظَّاهنَّ، والشيب يُبعِدني عنهنَّ [ويُبغِّضني إليهنَّ] وأحتاج أنْ أُخضبه في كلِّ جمعة، وأتحمَّل منه مشقَّة شديدة لأستر عنهنَّ ذلك، وإلَّا انكشف أمري عندهنَّ، فصار القرب بعداً والوصال هجراً، وأُريد أنْ تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته، وتجعل لحيتي سوداء، فإنِّي طوع يديك، وصائر إليك، وقائل بقولك، وداعٍ إلى مذهبك، مع ما لي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة. فلمَّا سمع ذلك الحلَّاج من قوله وجوابه علم أنَّه قد أخطأ في مراسلته وجهل في الخروج إليه بمذهبه، وأمسك عنه ولم يردّ إليه جواباً، ولم يُرسِل إليه رسولاً، وصيَّره أبو سهل (رضي الله عنه) أُحدوثة وضحكة ويطنز به عند كلِّ أحد، وشهَّر أمره عند الصغير والكبير، وكان هذا الفعل سبباً لكشف أمره وتنفير الجماعة عنه.
(٤٩٧) مدينة المعاجز للسيِّد هاشم البحراني في (٨) أجزاء، سجَّل فيه معاجز النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام).
(٤٩٨) كما هو الحال في المدعوِّ أحمد إسماعيل گاطع السلمي كما في عدد من إجاباته على الرسائل الموجَّهة إليه، فراجع الجواب المنير عبر الأثير (ج٣/ ص٤٨، وج ٤/ ص٥٥، وج ٦/ ص١٢٩)، وغيرها من الموارد.
(٤٩٩) الاستفتاء الموجَّه للمرجع الأعلى للطائفة السيِّد عليٍّ السيستاني (دام ظلُّه) حول أدعياء الضلال.
(٥٠٠) منهم المدَّعي أحمد إسماعيل السلمي وحيدر منشد، أحدهما الذي ادَّعى أنَّه ابن الإمام ووصيُّه وسمَّى نفسه أحمد بن الحسن، والثاني ادَّعى أنَّه اليماني وسمَّى نفسه القحطاني.
(٥٠١) الغيبة للنعماني (ص١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح٩).
(٥٠٢) مختصر بصائر الدرجات (ص٢٤).
(٥٠٣) الغيبة للنعماني (ص٢٦٤/ باب ١٤/ ح١٣).
(٥٠٤) كتاب المتشابهات لأحمد الحسن (ج٤/ ص٤٣).
(٥٠٥) اليماني الموعود حجَّة الله لحيدر الزيادي (ص٨٦).
(٥٠٦) المدعو أحمد إسماعيل صالح السلمي.
(٥٠٧) مجموعة بيانات صدرت من المدَّعي أحمد إسماعيل گاطع، ويذكر منها أنَّه المهدي، والمقطع المتقدِّم مأخوذ من البيان المذيَّل بتاريخ (١/شوَّال/١٤٢٤هـ).
(٥٠٨) بيان آخر بتاريخ (٣/شوَّال/ ١٤٢٤هـ)، وهناك العديد من البيانات التي يذكر فيها ذلك وقد نشرت صور هذه البيانات نشريَّة الرصد الصادرة من المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة/ ملحق (٣) أدعياء المهدويَّة.
(٥٠٩) الردُّ الحاسم على منكري ذرّيَّة القائم لناظم العقيلي.
(٥١٠) الغيبة للطوسي (ص١٥٠ و١٥١/ ح١١١).
(٥١١) الردُّ الحاسم على منكري ذرّيَّة القائم لناظم العقيلي (ص٥١).
(٥١٢) المصدر السابق (ص٢٧ و٤٣).
(٥١٣) المصدر السابق.
(٥١٤) في الإرشاد للشيخ المفيد (رحمه الله) (ج٢/ ص٣٨٤): «إذا قام القائم (عليه السلام) حكم بالعدل، وارتفع في أيَّامه الجور، وأمنت به السُّبُل، وأخرجت الأرض بركاتها، وردَّ كلَّ حقٍّ إلى أهله، ولم يبقَ أهل دين حتَّى يُظهِروا الإسلام...».
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): «هذا المهدي يحكم بحكم داود لا يريد بيِّنة» (الغيبة للنعماني: ص٣٢٨ و٣٢٩/ باب ٢٠/ ح٧).
(٥١٥) عن الإمام الصادق (عليه السلام): «رفع التقيَّة عند الكشف، فينتقم من أعداء الله» (تفسير العيَّاشي: ج٢/ ص٣٥١/ ح٨٦)، وسيأتي مزيد من الأحاديث عن خصائص دولته (عجّل الله فرجه).
(٥١٦) الغيبة للنعماني (ص٢٨٧/ باب ١٤/ ح٦٤).
(٥١٧) بحار الأنوار (ج٥٢/ ص٣٠٧/ ح٨١)، عن سرور أهل الإيمان (ص٩٣ و٩٤).
(٥١٨) الغيبة للنعماني (ص٢٩١).
(٥١٩) الغيبة للنعماني (ص٢٤٩ و٢٥٠/ باب ١٣/ ح٤١).
(٥٢٠) المسائل العشر في الغيبة (ص١٢٢).
(٥٢١) الغيبة للنعماني (ص٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح٦٧).
(٥٢٢) الغيبة للنعماني (ص٢٧٨/ باب ١٤/ ح٤٢).
(٥٢٣) الغيبة للنعماني (ص٣٢٩/ باب ٢٠/ ح٩).
(٥٢٤) بحار الأنوار (ج٥٢/ ص٣٠٧/ ح٨١)، عن سرور أهل الإيمان (ص٩٤).
(٥٢٥) تفسير العيَّاشي (ج١/ ص٦٤ - ٦٦/ ح١١٧).
(٥٢٦) الغيبة للنعماني (ص٣٢٨/ باب ٢٠/ ح٦).
(٥٢٧) الغيبة للطوسي (ص٤٥٣/ ح٤٥٩).
(٥٢٨) الغيبة للنعماني (ص٣١٩ - ٣٢١/ باب ١٩/ ح٢).
(٥٢٩) الغيبة للنعماني (ص٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح٦٧).
(٥٣٠) الغيبة للنعماني (ص٣١١ و٣١٢/ باب ١٨/ ح٣).
(٥٣١) بحار الأنوار (ج٥٢/ ص٣٠٧/ ح٨١)، عن سرور أهل الإيمان (ص٩٤).
(٥٣٢) بحار الأنوار (ج٥٢/ ص٣٠٨/ ح٨٣)، عن سرور أهل الإيمان (ص٩٨ - ١٠٠).
(٥٣٣) الغيبة للنعماني (ص٢٤٤/ باب ١٣/ ح٢٩).
(٥٣٤) دلائل الإمامة (ص٤٥٨/ ح٤٣٨/٤٢).
(٥٣٥) تفسير العيَّاشي (ج١/ ص١٠٣/ ح٣٠١).
(٥٣٦) الغيبة للنعماني (ص٣٢٩ و٣٣٠/ باب ٢٠/ ح١٠).
(٥٣٧) الغيبة للنعماني (ص٣٣٠/ باب ٢٠/ ح١١).
(٥٣٨) كمال الدِّين (ص٦٧٣/ باب ٥٨/ ح٢٥).
(٥٣٩) الغيبة للنعماني (ص١٦٨/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح٥).
(٥٤٠) الغيبة للنعماني (ص٢٣٨/ باب ١٣/ ح١٨).
(٥٤١) الغيبة للنعماني (ص٢٣٨/ باب ١٣/ ح١٩).
(٥٤٢) الاعتقادات في دين الإماميَّة (ص٩٥).
(٥٤٣) كمال الدِّين (ص٣٣٠ و٣٣١/ باب ٣٢/ ح١٦).
(٥٤٤) كمال الدِّين (ص٣٩٤/ باب ٣٨/ ح٤).
(٥٤٥) الغيبة للنعماني (ص٢٣٩ و٢٤٠/ باب ١٣/ ح٢٢).
(٥٤٦) أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة لناصر القفاري (ج٢/ ص٨٧٥/ بحث سيرة القائم المنتظر).
(٥٤٧) أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة لناصر القفاري (ج٢/ ص٨٧٦ و٨٧٧).
(٥٤٨) صحيح البخاري (ج١١/ ص١٠/ باب قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب».
(٥٤٩) مسند أحمد (ج١٣/ ص٢٨٩ و٢٩٠/ ح٧٩١٠).
(٥٥٠) صحيح مسلم (ج٨/ ص٢٠٧).
(٥٥١) معجم مقاييس اللغة (ج٣/ ص١٢١).
(٥٥٢) الغيبة للنعماني (ص٢٤٢ و٢٤٣/ باب ١٣/ ح٢٦).
(٥٥٣) الكافي (ج١/ ص٢٥/ كتاب العقل والجهل/ ح٢١).
(٥٥٤) الإرشاد (ج٢/ ص٣٨٤ و٣٨٥).
(٥٥٥) الإرشاد (ج٢/ ص٣٨١).
(٥٥٦) الإرشاد (ج٢/ ص٣٨٠).
(٥٥٧) المصدر السابق.
(٥٥٨) الإرشاد (ج٢/ ص٣٨٦).
(٥٥٩) المصدر السابق.
(٥٦٠) الخرائج والجرائح (ج٢/ ص٨٤١/ ح٥٩).
(٥٦١) الإرشاد (ج٢/ ص٣٨١).
(٥٦٢) دلائل الإمامة (ص٤٥٤ و٤٥٥/ ح٤٣٤/٣٨).
(٥٦٣) الإرشاد (ج٢/ ص٣٨٥).
(٥٦٤) أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة (ج٢/ ص٨٧٢).
(٥٦٥) صالح بن فوزي الفوزان/ عضو هيأة كبار العلماء بالسعوديَّة/ موقع طريق الإسلام/ الفتاوى.
(٥٦٦) دقائق التفسير (ج٢/ ص٥٢).
(٥٦٧) دقائق التفسير (ج٢/ ص٥٦).
(٥٦٨) الكافي (ج١/ ص٣٩٧ و٣٩٨/ باب في الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود.../ ح٢).
(٥٦٩) الكافي (ج٣/ ص٥٠٣/ باب منع الزكاة/ ح٥).
(٥٧٠) كشف القناع (ج٥/ ص٣٧).
(٥٧١) المغني (ج١١/ ص٤٧٨).
(٥٧٢) بداية المجتهد (ج٢/ ص٣٨٥).
(٥٧٣) الاستذكار (ج٧/ ص٩٥).
(٥٧٤) أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة (ج٢/ ص٨٧١)؛ وسبب اعتمادنا في هذا البحث على هذا الكتاب في ملاحظة الإيرادات أنَّه مستوعب لأغلبها، ومتأخِّر عمَّن تقدَّمه.
(٥٧٥) تفسير العيَّاشي (ج٢/ ص٦٠/ ح٤٩).
(٥٧٦) أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة (ج٢/ ص٨٧١ و٨٧٢).
(٥٧٧) تفسير فرات الكوفي (ص٢٩٢ و٢٩٣/ ح٣٩٥/٨).
(٥٧٨) أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة (ج٢/ ص٨٧٤).
(٥٧٩) أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة (ج٢/ ص٨٨٢ و٨٨٣).
(٥٨٠) كنز العُمَّال (ج١١/ ص١٨١/ ح٣١١٣٧).
(٥٨١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص٤٨).
(٥٨٢) صحيح مسلم (ج١/ ص٩٠).
(٥٨٣) مسند أحمد (ج١٧/ ص٤٢٦ و٤٢٧/ ح١١٣٢٦).
(٥٨٤) يُراجَع: تفسير الطبري، والسمعاني، والواحدي، والثعلبي، وغيرها.
(٥٨٥) تفسير الطبري (ج١٠/ ص١٥٠).
(٥٨٦) أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة (ج٢/ ص٨٨١).
(٥٨٧) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج١/ ص٢٤٧/ ح٥).
(٥٨٨) الفتن للمروزي (ص٤٢٠).
(٥٨٩) سُنَن أبي داود (ج٢/ ص٣١٠/ ح٤٢٨٥).
(٥٩٠) مجمع الزوائد (ج٧/ ص٣١٩).
(٥٩١) مستدرك الحاكم (ج٤/ ص٥٥٧).
(٥٩٢) الإرشاد (ج٢/ ص٣٨١).
(٥٩٣) الغيبة للنعماني (ص٣٥٣ - ٣٥٥/ باب ٢٦ ما روي في مدَّة ملك القائم (عليه السلام) بعد قيامه).
(٥٩٤) الغيبة للطوسي (ص٤٧٤/ ح٤٩٦)؛ وروى العيَّاشي في تفسيره (ج٢/ ص٣٢٦/ ح٢٤) في رجل بعد القائم أنَّه يملك بعد موته ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً، وأيضاً روى في المنتصر وهو الحسين (عليه السلام) أنَّه يعيش ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً.
(٥٩٥) الكافي (ج١/ ص٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح٧).
(٥٩٦) الإرشاد (ج٢/ ص٣٨١).
(٥٩٧) الإرشاد (ج٢/ ص٣٨٦).
(٥٩٨) يلوح: أي يظهر للناس عظامهم المندرسة.
(٥٩٩) الكافي (ج٨/ ص١٩٨ و١٩٩/ ح٢٣٧).
(٦٠٠) كمال الدِّين (ص٥٧٦).
(٦٠١) رجال النجاشي (ص١٢ و١٣).
(٦٠٢) معاني الأخبار (ص٤٠٦/ باب معنى نوادر المعاني/ ح٨١).
(٦٠٣) اختيار معرفة الرجال (ج٢/ ص٤٨١/ ح٣٩٠).
(٦٠٤) مختصر بصائر الدرجات (ص٢١).
(٦٠٥) تفسير القمّي (ج٢/ ص١٣١): عن المفضَّل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ [النمل: ٨٣]، قال: «ليس أحد من المؤمنين قُتِلَ إلَّا يرجع حتَّى يموت، ولا يرجع إلَّا من محض الإيمان محضاً، ومن محض الكفر محضاً».
(٦٠٦) تفسير القمّي (ج١/ ص٢٤٢).
(٦٠٧) تفسير القمِّي (ج٢/ ص٢٥٨).
(٦٠٨) مختصر بصائر الدرجات (ص٢٩).
(٦٠٩) مختصر بصائر الدرجات (ص٣٣).
(٦١٠) مختصر بصائر الدرجات (ص١٨٨).
(٦١١) مختصر بصائر الدرجات (ص٢٧ و٢٨).
(٦١٢) مختصر بصائر الدرجات (ص٢٤).
(٦١٣) كامل الزيارات (ص٣٨٨/ ح٦٣٣/١٧).
(٦١٤) من لا يحضره الفقيه (ج٢/ ص٦١٤/ ح٣٢١٣).
(٦١٥) من لا يحضره الفقيه (ج٢/ ص٦١٧/ ح٣٢١٣).
(٦١٦) من لا يحضره الفقيه (ج٢/ ص٦١٥/ ح٣٢١٣).
(٦١٧) الغيبة للطوسي (ص٤٣٦/ ح٤٢٦).
(٦١٨) الغيبة للطوسي (ص٢٦٦/ ح٢٢٨).
(٦١٩) الإرشاد (ج٢/ ص٣٨١).
(٦٢٠) تفسير العيَّاشي (ج٢/ ص١١٢/ ح١٣٩).
(٦٢١) تفسير القمّي (ج٢/ ص٢٥٨ و٢٥٩).
(٦٢٢) إلزام الناصب (ج٢/ ص١٤٦).
(٦٢٣) أمالي الصدوق (ص١٢٠/ ح١٠٩/٨)، من لا يحضره الفقيه (ج٢/ ص٥٨٥/ ح٣١٩٢).
(٦٢٤) كفاية الأثر (ص٢٢٧).
(٦٢٥) الكافي (ج٨/ ص٢٠٦/ ح٢٥٠).
(٦٢٦) مختصر بصائر الدرجات (ص٢٤).
(٦٢٧) الغيبة للطوسي (ص٢٨٠/ ح٢٣٨).
(٦٢٨) مختصر بصائر الدرجات (ص١٩٢).
(٦٢٩) الكافي (ج١/ ص١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة).
(٦٣٠) إرشاد القلوب (ج١/ ص١٨).
(٦٣١) كنز العُمَّال (ج١٥/ ص٥٤٨/ ح٤٢١٢٣ و٤٢١٢٤).
(٦٣٢) مختصر بصائر الدرجات (ص٢٧).
(٦٣٣) تفسير العيَّاشي (ج٢/ ص٢٤٢/ ح١٤).

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016