فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الإجماع التشرّفي بلقاء الإمام المهدي عليه السلام
 كتب أخرى

الكتب الإجماع التشرّفي بلقاء الإمام المهدي عليه السلام

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد محمود الغريفي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١٢/٢٦ المشاهدات المشاهدات: ٢٥٦٢١ التعليقات التعليقات: ٠

الإجماع التشرّفي بلقاء الإمام المهدي عليه السلام
(دَلالتهُ. حَقيقتهُ. حُجيتهُ)

بقلم: السيد محمود المقدّس الغريفي

الفهرست

المقدمة
الإجماع
معنى الإجماع
تأريخ حدوث الإجماع
الإمامية والإجماع
حجية الإجماع
أولا: طريق اللطف
ثانيا: طريق الحدس
ثالثا: طريق الكشف
رابعا: طريق الحس
الإجماع التشرفي
حقيقة الإجماع التشرفي
رؤية الإمام المهدي بين الإِمكان والمنع
حجية الإجماع التشرفي
تكليف الإمام المهدي في الغيبة الكبرى
هل الإجماع التشرفي يؤسس حكما جديدا؟
طريق أخذ الأحكام والعقائد للمكلف في الغيبة الكبرى
رأي السيد بحر العلوم الكبير بالتشرف بلقاء الإمام المهدي في الغيبة الكبرى
مراجعة مع كلام المحقق الكاظمي في الإجماع التشرفي
دعوى الانتساب إلى الإمام المهدي بين الحقيقة والوهم
الطريق الأول: العلم الوجداني
الطريق الثاني: الفراش
اللعان
الطريق الثالث: الشهرة
الطريق الرابع: البينة الشرعية
الطريق الخامس: خط احد علماء النسب
الطريق السادس: الإقرار
التصديق والاعتراف
الطريق السابع: القرعة
القيافة والأحلام
رأي المراجع العِظام في النجف الأشرف في توجيه الرؤية للإمام المهدي
خلاصة البحث
المصادر والمراجع
صدر للمؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين عليهم السلام، وعلى أصحابهم الغرّ الميامين المنتجبين.
وبعد.. فإنَّ للوصول إلى معرفة العقائد الدينية والأحكام الشرعية التكليفية طرقا ثابتة، ومسالك معروفة، سار على نهجها، وعَبَّدَ طُرقها علماؤنا الأعلام وفقهاؤنا العظام رضي الله عنهم _ بعد أن ألقى أصولها أئمتنا الأطهارعليهم السلام _ منذ الغيبة الصغرى وصولا إلى الغيبة الكبرى وحتى أيامنا هذه، بالكشف عن حجيتها، وإثبات دليليتها بالبحث والتنقيح والتدارس بما يوصل المكلف إلى منجزية التكليف عليه، أو معذريته أمام المولى سبحانه وتعالى، على ضوء الحكم الشرعي الظاهري القائم من هذه الطرق المألوفة والمعهودة.
ومن الغريب أنْ يُطرح في بعض كتبنا الأصولية طريق يوصل إلى الكشف عن الحكم الشرعي الواقعي، وذلك بأخذه مباشرة عن الإمام صاحب العصر والزمان أرواحنا لمقدمه الفداء، وذلك بالتشرف بلقائه مباشرة، وتشخيصه عيناً، وإبلاغه الحكم الشرعي واقعا، للأوحدي من علمائنا الأبرار _ كما يقال _ في عصر الغيبة الكبرى، فيروي هذا الحكم وينقله إلى الناس بدعوى الإجماع، وهو ما يُصطلح عليه بالإجماع التشرفي.
ولكن بعد التأمل والنظر، والتتبع والاستقصاء، لم نجد أصلا لهذه الدعوى أو حجة لهذا الإجماع، ولا طريقا ثابتا شرعا، بل على العكس ورد النهي عن ذلك، بنص معتبر صريح، وعليه قام إجماع المذهب، بل أصبح من ضروراته.
ومن هنا كانت محاولتنا المتواضعة في تسليط الضوء على أصل هذه الدعوى، وحقيقة ما يسمى بالإجماع التشرفي، وبيان دلالته، والوقوف على حجيته، مع غض النظر عن استقراء مصاديقه، إذ لم نر أهمية لذلك بقدر أهمية مناقشة الموضوع ذاته، والوصول إلى حقيقته، بعيدا عن التطويل الممل ودون الإيجاز المخل.
ثم أن في طرح مثل هذه الدعاوى وغيرها في بعض كتبنا، تجعل البعض من ذوي الطموح غير المشروع، والفاشلين أو المغرضين، وأبناء الدنيا وطلابها، وبالخصوص من له مِسحة من العلم، يسيل لعابهم إليها، وتتفتح قريحتهم عليها، ويجد في ذلك طريقا ومرتكزا لاستغلال مثل هذه الدعاوى أسوء استغلال، في إضلال عوام الناس وخداعهم، ولاسيما البسطاء منهم والسذج الأغرار ممن تنطلي عليهم أدنى شبهة، بدعوى رؤية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف والتبليغ والنيابة عنه، أو ما يلازم ذلك ونحوها من الدعوات الباطلة والمزيفة، والتي تمس جوهر قضية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهذا مما ابتلينا به في أيامنا هذه من كثرة الأدعياء وتعددهم، مع ضَعف المناعة الرادعة، والتعاطي معهم بالتجاهل واللامبالاة، حتى يستفحل الداء وينتشر، مع كثرة الأعداء المتربصيّن، والإغراءات المتنوعة، ووجود الدافع والاستعداد النفسي لذلك، فاستُغلوا، فَضَلّوا وأضَلّوا كثيرا من الناس، ولا اقل من تشويش عقول الآخرين.
فعلينا قطع دابر هؤلاء، وإخماد طموحهم غير المشروع، من الذين غرتهم الدنيا وزخارفها، باستغلال مثل هذه الدعاوى وغيرها، في خداع الناس وتضليلهم بدعوى لقاء الإمام المهدي عليه السلام، واخذ التعاليم الدينية والأوامر الشرعية منه مباشرة، بإلباس ما صورته حقيقية كالإجماع التشرفي كأنه حقيقة فعلاً، وما قيل في عِلم ٍما كعلم الأصول، ولم يقم الدليل على ثبوته، كأنه علمٌ واقعاً، بل ومن أي طريق بُنيت عليه دعواهم.
أضف إلى ذلك، إن الولوج في هذا الطريق يلقي الشبهة والضبابية على صورة المذهب الحق وأدلته الناصعة، ويجعله في مرمى المتصيدين والمشككين، ويكون سببا للقذف والطعن بعلمائنا الأبرار، كما صدر ذلك عن بعض الادعياء الموتورين كالشيخ السلفي ناصر القفاري في معرض تعليقه على الإجماع التشرفي(١).
ومن أجل هذا كان البحث، وأسأل الله تعالى أن يكون وجوده خيرا من عدمه، إِنه سميع الدعاء، والله من وراء القصد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

السيد محمود المقدس الغريفي
٢٨ من المحرم الحرام ١٤٢٩هـ
النجف الأشرف

الإجماع

معنى الإجماع:
الإجماع لغة يراد به معنيان: العزم، ومنه قولهم أجمع فلان على هذا الأمر أي عزم عليه. وبه فسر قوله تعالى من سورة يونس (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ)(٢) أي اعزموا أمركم.
ويأتي أيضا بمعنى الاتفاق، فيقال اجمع المسلمون على كذا، أي اجتمعت آراؤهم عليه واتفقت.
أما اصطلاحا: فهو اتفاق خاص، إي اتفاق الفقهاء من المسلمين في عصر من العصور على حكم شرعي أو أمر من الأمور الدينية، وبالخصوص فقهاؤنا رضي الله عنهم من الشيعة الإمامية الاثني عشرية، حيث يكون في اتفاقهم شأن معتبر في إثبات الحكم الشرعي، أو الدليل عليه عندنا في الجملة.
تأريخ حدوث الإجماع:
تصدرت مسألة الإجماع الساحة الدينية والشرعية بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما اتُخذ _ أي الإجماع _ ذريعة في إثبات مشروعية إمامة وخلافة أبي بكر، بعد انتفاء الغطاء الشرعي لها من نص في الكتاب المجيد، أو إشارة من السنة الشريفة، وبعدُ مازال صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعيشون الواقع الذهني للنص السماوي، أو الدليل الحسي للسنة النبوية، في أي عمل يصدر عنهم، وخاصة في أمر مهم جدا وعظيم وهو خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبالرغم من ذلك، حدث الانقلاب واختلفت الموازين، وكان إعلام السلطة وتبريرهم للناس في تصدي أبي بكر للخلافة _ مع عدم وجود المبرر الشرعي له _ أن أهل الحل والعقد من المسلمين اتفقوا على ذلك، أو حدث هذا الأمر باتفاق المسلمين من أهل المدينة، أو بإجماع كبار صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإن هذا الإجماع والاتفاق كاف في مشروعيتها _ أي الخلافة _ وغير ذلك من التبريرات الواهية المردودة بدعوى الإجماع، وعلى هذا قال الشيخ الأنصاري قدس سره: الإجماع في مصطلح العامة، الذين هم الأصل له وهو الأصل لهم..(٣).
ثم اكتشف الأصوليون من العامة من هذا التوجيه أمرا وهو: أنه بما أن الإمامة من الفروع _ عندهم _ لا من الأصول، وقد ثبتت باتفاق أهل الحل والعقد منهم، وإن هذا الاتفاق إنما حدث في مورد لم يكن فيه نص على مشروعيته، لا من الكتاب ولا من السنة، إذن يكون الإجماع (أي اتفاق أهل الحل والعقد أو اتفاق أهل المدينة أو...) حجة في الفروع أيضا فيما إذا لم يكن عليه دليل من الكتاب أو السنة(٤).
فجرت مباني الأصول الفقهية عند العامة على حجية الإجماع على حكم ٍما فيما لا نص فيه، ولا قول من الكتاب العزيز أو السنة المطهرة، باتفاق ما جرت عادتهم على اتفاقهم، وأصبح الإجماع دليلا من أدلتهم الشرعية في إثبات الحكم الشرعي بما هو إجماع واتفاق على قول ما، وان الله تعالى قد هداهم إليه.
فهذا الخضري في (أصول الفقه) يقول: وحكى الآمدي وغيره عن بعض الأصوليين، أنه لا يشترط المستند، بل يجوز صدوره عن توفيق بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب(٥).
كما قيده آخرون بالاعتماد على مستند شرعي حتى لا يكون قولا بغير علم، كما قال الخضري: لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند؛ لأن الفتوى بدون المستند خطأ؛ لكونه قولا في الدين بغير علم، والأمة معصومة عن الخطأ(٦).
وعلى هذا تكون حجية الإجماع بما هو طريق للكشف عن الحكم الشرعي، لا بما هو اتفاق وإجماع، على إن هذا المستند أثبته فقهاء العامة إما بناءً على دليل قطعي واضح، أو بناء على دليل ظني غير واضح كالقياس وغيره من الأدلة الظنية غير المعتبرة، فالخضري في أصوله يقول: ثم إن هذا المستند إما أن يكون دليلا قطعيا، وأغلب ما علمناه من المسائل التي لم يعلم فيها خلاف أدلتها التي استند الإجماع إليها قطعية، وإما أن يكون دليلا ظنيا وهو خبر الواحد أو القياس(٧).
وفي الوجه الثاني من قول الخضري نقطة افتراقنا في دعواهم لعموم دليل المستند الذي يضم الدليل الظني المعتبر وغير المعتبر كالقياس والمصالح المرسلة ونحو ذلك.
الإمامية والإجماع:
أما فقهاء الإمامية فإنهم جعلوا الإجماع أيضا في عداد الأدلة على ثبوت الحكم الشرعي، ولكن لا على نحو الحقيقة، وأن حجيته حجة ذاتية بما هو إجماع، وإنما حجيته بما هو كاشف عن رأي المعصوم عليه السلام ورضاه، فتكون حجيته منتزعة من ذلك _ أي من حجية رأي المعصوم عليه السلام _ لا بما هو طريق للكشف، بل لحجية المنكشف والمستند المؤيد والمدعوم برضا المعصوم عليه السلام وقبوله، وان رأيه عليه السلام من ضمن آراء المجمعين، ويكون عليه السلام داخلا معهم، وعليه فالإجماع يصبح كاشفا عن السنة الشريفة وقول المعصوم عليه السلام لا غير.
قال المحقق الحلي في (المعتبر): وأما الإجماع فعندنا هو حجة بانضمام المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله عليه السلام لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله عليه السلام(٨).
وعلى هذا الأساس عُدَّ الإجماع أحد الأدلة الشرعية، ولكن من ناحية شكلية واسمية فقط، مجاراة للنهج الدراسي في أصول الفقه عند (العامة)(٩)، أو كما قال شيخنا الأنصاري في فرائده ذلك: لأجل التحفظ على ما جرت سيرة أهل الفن من إرجاع كل دليل إلى أحد الأدلة المعروفة بين الفريقين كالكتاب والسنة والإجماع والعقل(١٠).
حجية الإجماع:
تحصّل مما سبق أنَّ حجية الإجماع عندنا هي من جهة كشفه عن رأي المعصوم عليه السلام، وأنها نابعة من حجية رأيه عليه السلام، وليس حجيته حجية ذاتية بما هو إجماع كما تقدمت الإشارة إليه، وأنه في عرض الأدلة الثلاثة من الكتاب والسنة والعقل، وهذا لا خلاف فيه كبرويا.
وإنما الكلام في الصغرى وهو الطريق إلى تحقيق الكشف عن رأي المعصوم عليه السلام، وكيفية الوصول إلى ذلك، وقد ذكروا لذلك طرقا أنهاها المحقق الشيخ أسد الله التستري قدس سره في رسالته في (المواسعة والمضايقة)(١١) _ على ما نُقل عنه _ إلى اثنتي عشرة طريقا(١٢).
وعلى كل حال فإنَّ الإجماع إنما يكون حجة إذا كشف كشفا قطعيا عن قول المعصوم عليه السلام من أي سبب كان وعن أي طريق حصل، فليس من الضروري أنْ نفرض حصوله من طريقة مخصوصة من هذه الطرق أو نحوها، بل المناط حصول القطع بقول المعصوم عليه السلام(١٣)، وان رأي المجمعين كاشف عن رأي المعصوم عليه السلام وقوله.
ونحن هنا نذكر أهم الطرق المعروفة والمتدارسة بين الفقهاء والأصوليين وهي طرق ثلاث أو أربع، وربما تتداخل بعض الطرق الأخرى ضِمن هذه الطرق، في المسلك والكاشفية، وهي:
أولا: طريق اللطف:
والوجه فيه: انه لو اجتمع علماء عصر ما على حكم شرعي، وكان هذا الحكم مخالفا لحكم الله عز وجل واقعا، فيجب على الإمام عليه السلام عقلا أن يظهر الخلاف فيما بينهم في الحكم، ونقض اتفاقهم الحاصل عليه، وإلا فيستوجب إجماعهم على الباطل.
والحال أن من لطف الله تعالى على عبده بمقتضى عدالته إرشاده إلى كل ما يقرب منه عز وجل، وعدم إيقاعه في الضلالة والغواية، ولو بإهمال هدايته وتوجيهه، ومن هنا بعث الله عز وجل الرسل، وأنزل الكتب، ونَصَّبَ الأئمة لهداية الناس وتعليمهم الأحكام الشرعية، فيقتضي على المعصوم عليه السلام أنْ يظهر الخلاف بينهم وأن يُعَرِّفُ بالحق، وإلا لزم إخلال المعصوم عليه السلام _ وحاشاه _ بأعلى هدف وُجّه إليه ونُصِبَ منأجله وهو تبليغ الأحكام الشرعية، بل يلزم سقوط التكليف بهذا الحكم المجمع عليه.
وعليه فإذا أجمع علماء عصر على رأي ما، يكشف اتفاقهم مع رأي المعصوم عليه السلام وموافقته لهم تبعا لقاعدة اللطف.
وقد تبنى هذا الطريق الشيخ الطوسي قدس سره وأتباعه من المتقدمين، والمحقق الداماد وشريف العلماء قدس سرهما من المتأخرين(١٤).
وقد أشكل على هذا الطريق بعدة أمور ليس موضوع بيانها هذا البحث، ويطلق عليه بالإجماع اللطفي.
ثانيا: طريق الحدس:
الحدس هو إخبار المخبر استنادا إلى رأيه ومعتقده واستنتاجه، لا بسماعه ومشاهدته الحسية والوجدانية، كاستنباط الفقيه، وذلك باعتماده على أدلة شرعية وعقلية، نَظَرَ فيها وقوّاها، وعمل عليها، فاستخرج منها الحكم الشرعي وأخبر عنه، فإخباره هنا يكون عن حدس ونظر لا عن حس ووجدان.
والوجه فيه: أنّه من البعيد القول باتفاق أراء الفقهاء في جميع العصور على رأي واحد، ويكون إمامهم ورئيسهم عليه السلام مخالفا لهم، وهذا يرتكز على الملازمة العادية بين رأي رئيس القوم، وبين أتباعه بتبنيهم ذلك الرأي.
وهذا الاتفاق يستند إلى الحَدس برأي المعصوم عليه السلام، وهو العلم الحاصل من غير طريق الحواس الظاهرة، الناتج عن البحث والنظر في أراء العلماء.
وتقرير ذلك أنَّ العلماء الذين يتقيدون بالشرع ولا يخالفونه قيد أنملة، إذا أجمعوا على أن الحكم الكذائي هو حكم الله تعالى، ينتقل الذهن من هذا الإجماع إلى أن الإمام عليه السلام موافق لهم، وإلا لِمَ ينسبوا هذا الحكم إلى الشرع الشريف، كما أن التلاميذ الذين يتقيدون برأي أستاذهم إذا رأيناهم مجتمعين على رأي واحد، ينتقل الذهن بنا من رأيهم هذا إلى أنه هو رأي أستاذهم(١٥)؛ فان اتفاقهم مع كثرة اختلافهم في أكثر المسائل يعلم منه أنّ الاتفاق كان مستندا إلى رأي إمامهم، لا عن اختراع للرأي من تلقاء أنفسهم، إتباعا للأهواء أو استقلالا بالفهم(١٦).
وان هذا الطريق هو المعروف والمتبع في غالب الإجماعات المدعاة عند علمائنا، وقد جرى أغلب الفقهاء المتأخرين على هذا المبنى. ويطلق عليه الإجماع الحدسي، ويلحق به الإجماع المحصل.
ثالثا: طريق الكشف:
والوجه فيه: أن اتفاق مجموعة من الفقهاء على حكم شرعي ناتج وكاشف عن وجود دليل معتبر في البين، بحيث لو وصل إلينا هذا الدليل لكان معتبرا عندنا أيضا.
وناقش بعض الفقهاء قدس سره هذه الطريقة، ولكن لا مجال لإيراد ذلك هنا.
رابعا: طريق الحس:
الحس هو العلم الحاصل من طريق الحواس الظاهرة، لا بإعمال النظر والاجتهاد، كإخبار شخص عن سقوط المطر وقد رأى نزوله، وعن رواية قد سمعها من الإمام عليه السلام مباشرة.
والوجه فيه: هو حصول العلم برأي المعصوم عليه السلام، في ضمن رأي المجمعين وجدانا أو مشافهة في الجملة.
ويتصور ذلك على وجوه:
١ _ هو اتفاق الفقهاء على رأي معين في حكم شرعي، ونعلم دخول الإمام عليه السلام في ضمنهم، ولكن لا نعرفه بعينه ولا بشخصه.
على أن هذا الإجماع لو حصل لكان حجة؛ لأنه يتضمن رأي المعصوم عليه السلام، مع إمكان تحققه في زمن الحضور، ولكن الكلام في إمكان تحققه في زمن الغيبة؟.
ويطلق على هذا الإجماع بالإجماع الدخولي.
وقد يقال كيف يُدعى هذا الإجماع، والحال أنّه قد يكون هناك مخالف له من بعض العلماء؟
فأجيب إن هذا المخالف لا يضر خلافه بالإجماع، ما دام أنّه معروف النسب ومشخص انه فلان بن فلان، فنقطع بأنه غير الإمام عليه السلام حتى يخرم هذا الإجماع بخروجه عليه السلام ومخالفته لهم، وبالنتيجة أن رأي الإمام عليه السلام مازال في ضمن رأي المجمعين وهو المراد.
وقد تبنى هذا الإجماع السيد المرتضى قدس سره، قال في (الذريعة): قد بينا في كتاب (الشافي) أنه غير ممتنع أن يلتبس في بعض الأحوال قول إمام الزمان، إما لغيبته أو لغيرها، فلا نعرف قوله على التعيين، فنفزع في هذا الموضع إلى إجماع الأمة، أو إجماع علمائنا، لنعلم دخول الإمام المعصوم فيه، وإن كنا لا نعرف شخصه وعينه، ففي مثل هذا الموضع نفتقر إلى معرفة الإجماع على القول، لنعلم دخول الحجة فيه، إذا كان قول الإمام هو الحجة ملتبسا أو مشتبها، وهذا يجري مجرى قول المحصلين من مخالفينا: إن الإجماع الذي هو الحجة هو إجماع المؤمنين من الأمة دون غيرهم؛ لأن قول المؤمنين لما لم يكن متميزا وجب اعتبار إجماع الكل ليدخل ذلك فيه(١٧).
٢ _ هو اتفاق مجموعة من الفقهاء على رأي معين في حكم شرعي بمحضر الإمام عليه السلام، مع رؤيته لهم وسماعه حديثهم، فلم يردعهم، بل أقرهم على ذلك، فهذا يكشف عن رضاه عليه السلام بما اتفقوا عليه وإقراره لهم، وان الحق هو ما ذهبوا إليه، وإلا لو كانوا على خطأ في رأيهم لردعهم عليه السلام عن ذلك، ونبههم إلى الحكم الشرعي الصحيح.
على أن هذا الإجماع لو حصل لكان حجة؛ لأنه يتضمن رأي المعصوم عليه السلام وإقراره، مع إمكان تحققه في زمن الحضور، ولكن الكلام في إمكان تحققه في زمن الغيبة؟
 ويطلق على هذا الإجماع، بالإجماع التقريري.
٣ _ وهو أن يتشرف شخص ما، أو مجموعة أشخاص برؤية الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وخدمته في زمن الغيبة الكبرى، فينقل عنه عليه السلام حكما شرعيا، ولكن يحكيه بلفظ الإجماع، لا بالتصريح، لبعض دواعي الإخفاء _ كما سيأتي _ ولا إشكال في حجية هذا الإجماع على فرض حصوله!! ولكن الكلام في وجه ذلك، وكيفية إثباته وتحققه؟!.
وهذا ما يطلق عليه بالإجماع التشرفي.
وعلى هذا الإجماع الأخير يبتني موضوع بحثنا، ويدور محور كلامنا...

* * *
الإجماع التشرفي

قال المحقق الخراساني قدس سره في (كفاية الأصول): وربما يتفق لبعض الأوحدي وجه آخر من تشرفه برؤيته عليه السلام وأخذه الفتوى من جنابه، وإنما لم ينقل عنه، بل يحكي الإجماع لبعض دواعي الإخفاء(١٨).
والأوحدي هو الرجل الفذ، البالغ غاية الكمال ما عدا العصمة الواجبة لأهلها، على ما فُسر.
وقد عَدّ بعض الفقهاء جملة من دواعي الإخفاء:
منها: انه قد وردت عن الحجة أخبار كثيرة آمرة بتكذيب مدعي الرؤية في الغيبة الكبرى، والمراد من الأمر بالتكذيب هو ترتيب آثار الكذب على خبر مدعي الرؤية، فيلزم من تصريحه بالملاقاة تعريض نفسه للتكذيب، وعدم الأخذ بالحكم الذي نقله عنه عليه السلام، فينتفي الغرض الذي دعاه لنقل الحكم.
ومنها: إن نقله عن الإمام عليه السلام تصريحا يدل على انه من أهل مقام التشرف بخدمته عليه السلام، وهو لا يريد أن يعرف عنه ذلك.
ومنها: انه لو عرف عنه وشاع انه ممن يجتمع به _ عجل الله فرجه _ لاضطره الناس لان يسأل منه عليه السلام في غالب أمورهم، فتنقلب الغيبة الكبرى إلى مثل الغيبة الصغرى، وقد حكمت المصلحة الملزمة في أن تكون غيبته كبرى لا يعرف فيها شخص معلوم يراه ويجتمع به(١٩).
ومنها: التقية كما في بعض الأزمان(٢٠).
ومنها: دفعا لتهمة الرياء والسمعة، أو طلب الرئاسة، أو جَرُّ نفع شخصي ونحوها.
حقيقة الإجماع التشرفي:
أقول.. إن حقيقة دعوى الإجماع على حكم شرعي نُقل عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف عند التشرف بلقائه زمن الغيبة الكبرى مبنية على المسامحة، وانه ليس إجماعا حقيقة بل أجنبي عنه، إذ أن ادعاءه بالنسبة إلى السبب هو من قبيل الكناية، حيث أن المراد به حقيقة هو المكنى عنه أي الإمام عليه السلام، والغرض منه توصيل رأيه عليه السلام، ونقل الحكم الشرعي المأخوذ عنه بهذه الدعوى بحكاية الإجماع، فيقول هذا الحكم مما قام عليه الإجماع، مريدا به نفس الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإنه عليه السلام واحد كالكل، ولأجله خلق البعض والكل، فبهم فتح الله وبهم يختم(٢١). وذلك خوفا من التصريح بالمدرك الحقيقي للحكم، خوفا من اتهام مدعيه _ أي مدعي الإجماع _ الملازم لرؤية الإمام عليه السلام والتشرف بخدمته، بمنافاته للكتمان المفروض شرعا، ودفعا للاتهام بالرياء والسمعة، وطلب المنزلة والرفعة بصورة أو أخرى، أو تكذيبه حيث يستوجب ذلك تعبدا، تبعا للتوقيع الشريف المروي عن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي خرج على يد آخر السفراء الأربعة الشيخ علي بن محمد السمري رضي الله عنه في الغيبة الصغرى.
وقد رواه الشيخ الصدوق قدس سره في كتابه (كمال الدين وتمام النعمة)، وغيره(٢٢)، قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتِّب قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري _ قدس الله روحه _ فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم
يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد، يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه.
ومضى رضي الله عنه، فهذا آخر كلام سُمع منه(٢٣).
ومن نافلة القول، الكلام في سند هذا الحديث الشريف، فانه وبالرغم من شهرته بين الاصحاب، فإن الطائفة مجمعة على العمل بمضمونه، وهذا يغنينا عن النظر في سنده مع اعتباره وصحته.
قال السيد محمد تقي الأصفهاني قدس سره: اعلم أن هذا حديث صحيح عال اصطلاحا؛ لأنه مروي عن مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف بتوسط ثلاثة أشخاص:
الأول: الشيخ الأجل أبو الحسن علي بن محمد السمري _ السفير الأخير للإمام المهدي _ وهو لجلالته واشتهاره غني عن البيان.
والثاني: الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، وهو أيضا لاشتهاره واشتهار كتابه وجلالة قدره لا يحتاج إلى التوضيح.
والثالث: أبو محمد الحسن بن أحمد المكتِّب، وهو كما ذكره الفاضل الألمعي المولى عناية الله في (مجمع الرجال): أبو محمد الحسن بن الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتِّب، ويروي عنه الصدوق مكررا مترضيا مترحما، وهذا من أمارات الصحة والوثاقة، كما نبّه على ذلك المولى المزبور في (مجمعه)، وذكر له شواهد عديدة، ليس هنا موضع ذكرها، والمكتِّب بكسر التاء المشددة من يُعلم الكتابة.
ثم نبه على أمر، فقال: قد وقع هنا سهوان في كتابين من كتب علمائنا رحمهم الله تعالى، ينبغي التنبيه عليهما:
الأول: في كتاب (الغيبة) للشيخ الأجل أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي رضي الله عنه ففيه: _ في النسخة التي عندي هكذا _ أخبرنا جماعة عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، قال: حدثني أبو محمد أحمد بن الحسن المكتِّب، قال: كنت بمدينة السلام، وساق الحديث.. مثل ما نقلناه عن (كمال الدين) لابن بابويه رضي الله عنه.
وقد عرفت أن الذي روى عنه ابن بابويه حسن بن أحمد _ وليس أحمد بن الحسن كما في كتاب (الغيبة) _ والظاهر أن السهو في كتاب الشيخ الطوسي وقع من النساخ، ويؤيد وقوع السهو فيه من بعض النساخ أن الحاج ميرزا حسين النوري رضي الله عنه نقل هذا الحديث في (جنة المأوى) من (غيبة) الشيخ عن الحسن بن أحمد المكتِّب _ كما في كتاب الصدوق _ والله تعالى هو العالم.
والثاني: في كتاب (مستدرك الوسائل) للعالم المحدث المتتبع الحاج ميرزا حسين النوري رضي الله عنه فإنه مع سعة باعه، وكثرة اطلاعه، واهتمامه في استقصاء أسماء مشايخ الصدوق، غفل عن ذكر هذا الشخص الجليل _ أبي محمد الحسن بن أحمد المكتِّب _ الذي روى عنه الصدوق مكررا مترضيا مترحما، وأمثال هذه الأمور مما يبعث العالم على الفحص والتتبع، ويوجب له الظفر بما غفل عنه من قبله، فعليكم يا إخواني بالسعي، والاجتهاد، فإن الله لا يخيب كل طالب مرتاد.
ومما يدل أيضا على وقوع السهو والاشتباه في كتاب الشيخ _ بعكس اسم الراوي _ وعلى غفلة صاحب المستدرك عن ذكر ذلك الشيخ رضي الله عنه، أن المولى عناية الله المذكور نقل الحديث المسطور عن كتاب (ربيع الشيعة) لابن طاووس، حاكيا عن الحسن بن أحمد المكتِّب.
فتبين بحمد الله تعالى وعونه، أن الراوي عن أبي الحسن السمري رضي الله عنه هو الحسن بن أحمد الذي روى عنه ابن بابويه رضي الله عنه.
ومما يدل على صحة هذا الحديث وصدوره عن الإمام أيضا، أن الشيخ الطبرسي رضي الله عنه صاحب كتاب (الاحتجاج) ذكره مرسلا، من دون ذكر السند، والتزم في أول الكتاب وصرح: بأنه لا يذكر فيه سند الأحاديث التي لم يذكر أسانيدها، إما بسبب موافقتها للإجماع، أو اشتهارها بين المخالف والمؤالف، أو موافقتها لحكم العقل.
فظهر أن الحديث المذكور أيضا كان غنيا عن ذكر السند؛ إما لموافقة الإجماع، أو لاشتهاره، أو لكليهما جميعا.
ومما يدل أيضا على صحته، أن علماءنا من زمن الصدوق رضي الله عنه إلى زماننا هذا استندوا إليه، واعتمدوا عليه، ولم يناقش ولم يتأمل أحد منهم في اعتباره، كما لا يخفى على من له أنس وتتبع في كلماتهم ومصنفاتهم.
فتبين من جميع ما ذكرناه أن الحديث المذكور من الروايات القطعية، التي لا ريب فيها، ولا شبهة تعتريها، وهو مما قال فيه الإمام عليه السلام: فإن المجمع عليه لا ريب فيه(٢٤).
ثم أن الوجدان والحس، والواقع العملي، والسيرة الجارية للشيعة الإمامية من الغيبة الكبرى حتى يومنا هذا، كلها تنطق بصدق هذه الرواية، وتشهد على صحة صدورها؛ لأنه ما ظهر مدعوا المهدوية، ولا السفارة أو النيابة عنه، ولا المشاهدة والرؤية المشخِصة له، الا كذبته الايام والليالي، والوقائع والأحداث، والقرائن والدلائل، ولا يكون ذلك ما لم تُسمع الصيحة ويخرج السفياني، وهذا مما يرفع قيمة هذه الرواية، العلمية والاعتبارية، على فرض التشكيك بها.
ومن ذلك دعوى المدعي ان هذه الرواية خبر واحد لا تفيد العلم؟!!
وغير خاف على النبيه أن خبر الواحد المحفوف بالقرائن يفيد العلم، وخبرنا هذا قد اشتهر بين الأصحاب، بل وقع عليه الإجماع من الطائفة على العمل بمقتضاه بعد أن تلقّاه الأصحاب بالقبول والرضا، وهذا يوجب العلم عادة بصدقه وصحة صدوره، مع عدم وجود الطاعن فيه، أو المعارض لمضمونه من الأصحاب المتقدمين ولا من المتأخرين، من الذين يُعتَدّ بهم، وبوزنهم العلمي وثقلهم المعرفي، ولاستحالة تواطئهم على القول الباطل وخفاء الحق بينهم.
ومما يؤيد رواية الشيخ السمري في التوقيع الأخير ويعضدها ما روي بسند صحيح أن الإمام عليه السلام يغيب عن شيعته ولا يراه أحد منهم، ولا يلتقي بهم، وأن عليهم التمسك بما في أيديهم من العلم إلى حين ظهوره عليه السلام، منها ما رواه الثقة الجليل الشيخ محمد بن إبراهيم النعماني في كتابه (الغيبة) بسنده عن عبد الله بن سنان، قال: دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله عليه السلام فقال: كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى، ولا علما يرى؟ فلا ينجو من تلك الحيرة إلا من دعا بدعاء الغريق.
فقال أبي: هذا والله البلاء، فكيف نصنع جعلت فداك حينئذ؟
قال عليه السلام: إذا كان ذلك ولم تدركه فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الأمر(٢٥).
وروى الصدوق رضي الله عنه بسنده عن الحارث بن المغيرة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: هل يكون الناس في حال لا يعرفون الإمام؟.
فقال: قد كان يقال ذلك.
قلت: فكيف يصنعون؟.
قال: يتعلقون بالأمر الأول، حتى يستبين لهم الأخر(٢٦).
وروى رضوان الله تعالى عليه بسنده عن أبان بن تغلب، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه سبطة يأرز العلم فيها...
قال: قلت: وما السبطة؟
قال: الفترة والغيبة لإمامكم.
قال: قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟
فقال: كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم(٢٧).
ودعوى أننا لا بد أن نلتزم بتكذيب دعاوى الرؤية تعبدا، طاعة للأمر الوارد في التوقيع الأخير للشيخ السمري، مما لا يكاد يصح، فانه خلاف ظاهر الحديث بل صريحه، حيث يقول: فهو كذاب مفتر، الدال على عدم مطابقة قوله للواقع، ولم يقل فكذبوه، ليكون من قبيل الأمر الصادر من الإمام ليطاع تعبدا؟(٢٨).
أقول: عجبا، وما هي دلالة ومفهوم قوله: (عدم مطابقة قوله للواقع)؟ الا عدم تصديقه وعدم الاعتماد على قوله، المخالف للواقع؛ لأنه (كذاب ومفتر) كما شخصه الإمام عليه السلام، والكذاب والمفتري فاسق لا يصدق.
وبدلالة مفهوم قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ)(٢٩)، فتأمل.
بل وإن كانت هذه الدعاوى ناتجة عن خطأ واشتباه ووهم، فان مفهوم قول الإمام (كذاب ومفتر) يدفعه أيضا؛ لان الصادق لا يدعي الرؤية. والله العالم.
اذاً، فمن مجموع ذلك كله، فان في اعتبار هذه الرواية والتوقيع الشريف اساس متين، فالالتزام بها والاعتقاد بمضمونها تمسك بالعروة الوثقى، وسلوك الطريق الأمين...

* * *

على أن هذا النحو من الإجماع _ أي الإجماع التشرفي _ لم يدعه أحد من العلماء، وإنما حدسه البعض حينما لم يجدوا لبعض دعاوى الإجماع ما يعضدها(٣٠). وبنوا على إعمال نظرهم وحدسهم في توجيه هذا الإجماع المُدعى، لا عن طريق العلم والحس بوقوعه فعلا، وإنما عكاز يتكئون عليه في حال ضعف الدليل أو انتفائه.
على أنه لابد من إعمال النظر والتفحص في أصل الدعوى، إذ ربما ينسب هذا الإجماع إلى إحدى الطرق التي يستكشف منها الإجماع المارة الذكر، أو تفريعاتها، أو قد تكون منتزعة منها بوجه ما، أو ربما رجوع مبناه في الحكم إلى قاعدة يعتقد مدعي الإجماع على تسالمها عند الفقهاء، فتكون دعواه للإجماع مبنية على تلك القاعدة مع الاعتقاد بتسالم الفقهاء عليها، وغير ذلك، فتأمل.
إلا انه إنما تثمر هذه الدعوى _ على فرض ثبوتها وحجيتها _ حيث ينفرد هذا الأوحدي بدعوى الإجماع، وأما إذا سبقه من غير أهل رتبته مُدعٍ للإجماع، فإنه من المحتمل أن يكون دعواه للإجماع لقاعدة اللطف، أو العادة، أو الاتفاق الحدسي، ولا يدل دعواه للإجماع غير المتفرد به على أنه قد تشرف وأخفاه لبعض دواعي الإخفاء التي مرت الإشارة إليها(٣١).
وفي توجيههم إلى هذا القول، وهذه الدعوى المنهي الاعتماد عليها في المذهب الإمامي، فقهاً وعقيدة، نصاً وإجماعا، محل إشكال وريبة، وان كنا لا نمنع من رؤية الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف في الجملة، مع عدم تحديد هُويتهِ مطلقا.
ولا أرى في عقيدتي وجها مبررا لذلك، إلا شدة التمسك بحسن الظن في علمائنا الأبرار(٣٢)، وان كانوا أهلا لذلك رضي الله عنهم، إلا انه ليس كل ما يقال عنهم وفيهم يجب التصديق به، وأخذه على نحو المسلمات، واني لا أرى أنهم _ أي علماءنا الأبرار _ يوافقون على هذه الدعوى في حقهم، وفي مقام توجيه دعواهم للإجماع إلى مقام التشرف بلقاء الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، أو ينسبون ذلك لأنفسهم على نحو القطع أو الجزم.
ومن المعلوم لمن استعرض أخبار المشاهدة والرؤية أن أكثرها يتضمن نقلا للحادث، ولكن صاحب الحادثة لا يُخبر عن دعوى الرؤية بالصراحة والوضوح، وأنه قد شاهد الإمام المهدي عليه السلام، الا أن السامع والناقل للحادثة يستنتج من ذلك أن يكون صاحب القصة قد التقى بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ولو بعد تعدد النقل والوسائط، أو بعد مضي فترة زمنية طويلة على الحكاية، وربما قد يصدر من صاحب الحادثة ذلك..!؟.
وعلى فرض إمكان الرؤية زمن الغيبة الكبرى لبعض حملة الأسرار في الجملة، فلا ينبغي أن يُصَدَق على ذلك، تبعا للنص الوارد، وإن لم نُكذبه، لِعلّة ما، بل على المدعي عدم ذكر ذلك _ إن ثبت _ على أي نحو من الدلالة، احترازا عن الاتهام؛ وكما قيل: الصادق لا يدعي الرؤية.

* * *

هذا وبعد تتبعي واستقصائي بما تيسر ليّ من الجهد، لم اعثر على مَنْ تُنسب إليه هذه الدعوى، وهي دعوى الإجماع التشرفي، الملازمة لرؤية الإمام المهدي عليه السلام، أو قل اشتهار النسبة لهم، إلا لعلمين من علمائنا الأبرار أو ثلاثة، وهم السيد مهدي بحر العلوم، والمولى احمد المقدس الأردبيلي قدس سرهما، على أنهما لم يدعيا لقاءهما بالإمام عليه السلام جزما، ولم ينقل عنهما ناقل بطريق معتبر ادعاءهم ذلك، بل جرى نقل الكلام من بعض التابعين والعوام، ممن لا يُعتمد على قولهم، ودقة نقلهم، واحتياطهم _ وإنْ اتصفوا بالإيمان _ الذين يصورون الأمور ويضخمونها أكثر من حجمها الطبيعي، ويعطونها صبغة القداسة، لبساطتهم وسذاجتهم، وقلة احتياطهم، وشدة تمسكهم واعتقادهم فيهم، وحسن ظنهم بهم إلى درجة قد يوصلونهم إلى العصمة الواجبة لأهلها، وقد تنتهي إلى هكذا دعاوى _ وليس هذا بغريب عن أيامنا هذه _ على أن مكانتهما الرفيعة ومنزلتهما العظيمة، وإجلالنا لهما، وتبجيلنا لمقامهما الرفيع، باقٍ كما في نفوس علماء الشيعة وعامتهم، لا يرقى إليه الشك والشبهة أبدا _ كما هو نظرنا إلى جميع علمائنا الأبرار الأخيار _ وإنما نحاول الوقوف على حقيقة هذه الدعوى وحجيتها،وعلى فرض ثبوت النقل عن هذين العلمين قدس الله سرهما _ على سبيل المثال _ فالظن كل الظن إن لم نطمئن بذلك إنهما لم يجزما بذلك على نحو القطع واليقين، وإنما لقرائن ودلائل، ربما أفيد اعتبارها إن الذي رَأَياهُ هو الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف دون معرفته مباشرة، فضلا عن دعوى الإجماع.
وإن ادعى الرؤية السيد ابن طاووس قدس سره صريحاً في بعض كتبه، ونقل بعض الأعمال عنه عجل الله تعالى فرجه الشريف!؟.

* * *
رؤية الإمام المهدي بين الإِمكان والمنع

وهنا يأتي التساؤل عن إمكان رؤية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في الغيبة الكبرى واللقاء به والتحدث معه مباشرة مع تعيين شخصيته وتحديد هويته؟.
أقول: إن غيبة الإمام المهدي إنما هو غياب هُوية لا غياب شخصية.
بمعنى ان أي شخص يراه يكون غافلا بالمرة عن كونه هو الإمام المهدي عليه السلام، وانما يرى فيه شخصا عاديا كسائر الناس لا يلفت النظر على الإطلاق.. وتكون حياته كحياة أي شخص آخر، يكتسب عيشه من بعض الأعمال الحرة كالتجارة أو الزراعة أو غيرها، ويبقى على حاله هذه في مدينة واحدة أو عدة مدن، حتى يأذن الله تعالى له بالفرج.. مع القطع بجهل الأجيال بالكلية _ من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى سوى بعض الخواص والسفراء _ بسحنة الإمام المهدي عليه السلام وشكله، بحيث لو واجهوه لما عرفوه البته(٣٣).
فإن الإمام عليه السلام ربما يعيش بيننا وفي عالمنا، يخالطنا ويتعامل معنا، ويرانا ويعرفنا، ونحن نراه ونكلمه ونتعامل معه، ولكننا لا نعرفه على حقيقته، ولا نشخص هُويته.
 فإن الرؤية بهذا المنظار جارية وحاصلة حتى قيل إن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف اذا ظهر للناس بعد الأمر الإلهي _ الصيحة وخروج السفياني _ ويشاهدونه عيانا على هويته الواقعية وشخصيته الحقيقية، فان جملة منهم يقول قد التقيت به، وإني رأيته، وإني صاحبته وسافرت معه، وإني جالسته وتحدثت إليه، ونحو ذلك، ولكنهم لا يعرفونه، ولا يُشخصون هويته الحقيقية.
وهذا الرأي لا دليل على نفيه، بل تدعمه جملة من الروايات، منها: ما رواه الكليني في (الكافي) عن الحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن إسماعيل الأنباري، عن يحيى بن المثنى، عن عبد الله بن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه(٣٤). بمعنى يعرف الناس ولا يعرفونه.
وما روي عن محمد بن عثمان العمري، أن صاحب هذا الأمر ليَحضُر الموسم كل سنة، يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه(٣٥). وغير ذلك.
أما رؤيته واللقاء به مع تحديد هُويته وتشخيصها، فهذا مما لا يستطيع أن يدعيه أحد على نحو الجزم واليقين، ويقطع أنه التقى بالإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ويُثبته، أو يُقسم على ذلك، على الرغم من كثرة الدعاوى التي تشير إلى رؤيته واللقاء به، المبنية على الاحتمال، أو الترديد _ ربما هو _، والاستنتاج، بأنه الإمام المهدي عليه السلام، فإن كل دعوى لابد أن تستكمل شروطها وأدلتها حتى تدخل في خانة العلم والتصديق، والا فمجرد الاحتمال والشك يجعلها في خانة الإمكان.
وإن انكار هذه الدعاوى وابطالها بعموم رواية الشيخ السمري (وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) والتي خصصت بما روي من رؤية الناس لهُ مع عدم معرفتهم به، ولا تشخيص هويته.
قال السيد بحر العلوم قدس سره في (الفوائد الرجالية): إن المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام ويعلم أنه الحجة عليه السلام حال مشاهدته له، ولم يعلم من المبلّغ ادعاؤه لذلك، وقد يمنع أيضا امتناعه في شأن الخواص _ وإن اقتضاه ظاهر النصوص _ بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار(٣٦).
أقول: على فرض دلالة بعض هذه الآثار، على القول بالرؤية الحقيقية أو التشخيصية، وعلى فرض ثبوتها، فإننا لا يمكن أن نرتب عليها أثرا عاما، ولا تكليفا لعموم الناس، وإلا كان للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أن يعمل تنظيما سريا، من خلص أصحابه وشيعته، خصوصا من علمائنا الإعلام، ويدلهم على المخلصين من شيعته الموثقين المؤتمنين، ويؤيدهم ويسددهم، ويدفع عنهم غائلة الأعداء والمنافقين والنواصب، ولأصبح ذلك مألوفا بيننا، خصوصا ونحن شيعته وأنصاره ومواليه، لاسيما وأن أعداءه ومواليه لا يُشخصون صورته ولا يعرفون سحنته، ولكن هيهات أنه عجل الله تعالى فرجه الشريف ليس هذا من تكليفه الآن، ولا مأمورا بمثل ذلك في عصر الغيبة الكبرى، ما لم يبدأ الإعلان الرسمي الإلهي بالظهور، بعد الصيحة وخروج السفياني.
ولكنك تجد بعضا من هذه الأمور قد جرت أثناء الغيبة الصغرى، من تنبيه شيعته عجل الله تعالى فرجه الشريف ونوابه وتحذيرهم، وتحصينهم من غائلة الحاكم الظالم ومكره، وكشف بعض المفسدين وغير ذلك(٣٧).
فإن هذا ما يدعو إلى التوقف أو ابطال دعوى كل من يدعي تبليغ أمر ما من الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، أو القيام بإعداد تنظيمٍ ما، أو جماعة ترتكز مبادئها على رؤية الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وتتلقى الأوامر والتعاليم منه، أو ما شابه ذلك في الغيبة الكبرى كدعوى البابية والبهائية ونحوهما مما نسمع ونرى.
ثم انه نقل هذا الإشكال الميرزا حسين النوري في خاتمة (مستدرك وسائل الشيعة)، والجواب عنه، ثم قال: ونحن أوضحنا جواز الرؤية في الغيبة الكبرى بما لا مزيد عليه في رسالتنا (جنة المأوى)(٣٨)، وفي كتاب (النجم الثاقب)(٣٩)، وذكرنا له شواهد وقرائن! لا تبقى معها ريبة!، ونقلنا عن السيد المرتضى، وشيخ الطائفة، وابن طاووس التصريح بذلك، وذكرنا لما ورد من تكذيب مدعي الرؤية ضروباً من التأويل تستظهر من كلماتهم، فلاحظ هذا(٤٠).
أقول: مع تحفظنا على الكتابين المذكورين، بل توقفنا في قبول كثير مما ورد فيهما، وممن تحفظ على كتب الميرزا النوري أيضا، آية الله السيد الخميني قدس سره، فقال: هذا حال كتب روايته غالبا كالمستدرك، ولا تسأل عن سائر كتبه المشحونة بالقصص والحكايات الغريبة التي غالبها بالهزل أشبه منه بالجد، وهو رحمه الله شخص صالح متتبع، إلا أن اشتياقه لجمع الضعاف والغرائب والعجائب وما لا يقبلها العقل السليم والرأي المستقيم، أكثر من الكلام النافع، والعجب من معاصريه من أهل اليقظة! كيف ذهلوا وغفلوا حتى وقع ما وقع مما بكت عليه السماوات، وكادت تتدكدك الأرض؟!(٤١).
ثم إن هناك فرقا بين رؤية الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف والتشرف بخدمته عموما، مع عدم تحديد هُويته، وبين دعوى الرؤية والتبليغ لأمر ما عنه عليه السلام مباشرة، ولكننا وإنْ أقررنا بالأولى، نرفض الثانية البته، ولو تنزلنا وقلنا على فرض ثبوتها، فهي حجة على صاحبها لا غير، فتأمل. وسيأتي ما يوضح أكثر...
ثم أنَّ لإثبات وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأنه ما زال حيا يرزق منذ أن ولد سنة ٢٥٥هـ، لا يحتاج لهذه الشواهد والقرائن والدعاوى المهلهلة، التي نقلت بطيبة، وسذاجة، ومبالغة، والتي تُستغل! وقد استغلتها بعض النفوس المريضة!؟، واستندت إليها في تجميل دعواها الباطلة والضالة، لإثبات صدقها كالبابية والبهائية وغيرهما من دجالي العصر.
وفي عقيدتي ويقيني أن في سُنّة أهل البيت عليهم السلام وسيرتهم، وما أصَّلهُ الأصحاب بالتبع، من الأدلة الثابتة والبراهين القوية على إثبات وجوده عجل الله تعالى فرجه الشريف الكثير الطيِّب، والحجة على اثبات ولادته، وإمكان حياته، هذه الفترة الطويلة ساطعة، بأدلة عقلية ونقلية، فلا حاجة لنا بمثل هذه الدعاوى المهلهلة؛ لترسيخ عقيدتنا أو تقوية إيماننا بوجود الإمام المهدي عليه السلام _ كما قد يقال _.
ودعوى أن جملة الأخبار الدالة على مشاهدة الإمام المهدي عليه السلام، في غيبته الكبرى، مع تمحيصها، نرى أن كل رواية بمفردها قد تكون قابلة للمناقشة، الا أن العلم الحاصل من المجموع غير قابل للمناقشة، فانه يصل إلى حد التواتر، فيكون نافيا للكذب والخطأ والوهم، ولو في بعضها على الأقل(٤٢). أو كما قال الميرزا النوري: أنها لا تقدر أن تعارض الوجدان القطعي، الذي يحصل من مجموع هذه القصص والحكايات)(٤٣).
أقول: إن ذلك لا ينفع؛ لان هذا القول لا يرفع عن كون المجموع مبنياً، على المحتملات والاستنتاجات، أو الاشتباهات، إن احسنا الظن بِمُدعيها وسلامة نيتهم وذهنيتهم، إن لم يكن اشتباه من الرواة في نقلهم لأغلب هذه الدعاوى، التي يكون منشأها الرؤيا والمنام، أو برزخ بين المنام واليقظة، فتنقل وتروى على أنها قضية واقعية حقيقية؛ وذلك لتعدد وسائط النقل عن الراوي الأول، وتغير الألفاظ والتعابير، والمعاني والأسلوب، وصورة العرض بينهم، وهذا الأمر ليس بمستغرب.
وعليه، فإذا دخل الاحتمال والاستنتاج، والاشتباه والشك في ذلك، فطرحها أولى من التمسك بها، والرجوع إلى عموم النص الثابت والصريح، عن الشيخ السمري قدس سره (ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
وأما قول بعض الأعلام: إِن المشاهدة غير الرؤية، وأن الرؤية تفيد العموم، سواء عرف أنه الإمام المهدي عليه السلام حين الرؤية، أو عرفه بعد غيابه عنه ورحيله، من خلال بعض القرائن المحيطة باللقاء والواقعة، فيستنتج منها ويحتمل أن الذي رآه هو الإمام المهدي عليه السلام. والرؤية قد تحدث مرة واحدة للشخص ولا تتكرر، فهذا المعنى من الرؤية لا مانع منه، وقد حدثت لكثير من الناس، على اختلاف طبقاتهم.
أما دعوى المشاهدة _ التي ورد اللفظ بها في التوقيع الأخير _ فهي تدل على الحضور والاستمرار برؤية الإمام المهدي عليه السلام واللقاء به، مع تشخيص هُويَّته، والتي يستلزم منها دعوى النيابة والسفارة الخاصة، وهذا الأمر ممنوع بتاتا، وهو المشار إليه في التوقيع الأخير، قبل الصيحة وخروج السفياني.
أقول: إنَّ في هذا القول تأمُلاً، فإن الرُّؤيَةُ، بالضَّمِّ: إدْراكُ المَرْئي، بمعنى بلوغ غاية الشيء وأقصاه، وهو على أنواع بحَسَبِ قُوَى النَّفْس البشرية:
الأوَّل: النَّظَرُ بالعَيْنِ التي هي الحاسَّة، وما يَجْرِي مجْراها، نحو قوله تعالى (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ)(٤٤)، وقوله تعالى (ويَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله)(٤٥). ومِن الأخيرِ قوْلُه تعالى (وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُم)(٤٦)، فإنَّه ممَّا أُجْرِي مجْرَى الرُّؤْيَة بالحاسَّةِ، فإنَّ الحاسَّةَ لا تصحُّ على الله تعالى، وعلى ذلكَ قَوْله تعالى (يَراكُم هو وقَبيلُه مِن حيثُ لا تَرونَهم)(٤٧).
والثَّاني: بالوَهْمِ والتَّخَيّل نَحْو: أَرَى أَنَّ زيْداً مُنْطَلقٌ، ونحو قوله تعالى (ولَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا)(٤٨).
والثَّالث: بالتّفَكّر نحو قوله تعالى (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ)(٤٩).
والَّرابع: بالقَلْبِ، أَي بالعَقْل، وعلى ذلك قوْلُه تعالى (ما كذبَ الفُؤادُ ما رَأَى)(٥٠)، وعلى ذلكَ قوْلُه تعالى (ولقَدْ رآهُ نزلة أُخْرى)(٥١)،(٥٢).
ولكن المراد في المقام من معنى الرؤية للإمام المهدي عليه السلام، هي الرؤية بالحاسة البصرية، أي بالعين، رأيت بعيني رؤية، ورأيته رأي العين، أي: حيث يقع البصر عليه(٥٣). وإدراك ومعرفة أن الرجل الذي يقف أمامه هو الإمام المهدي عليه السلام، وهذا هو أيضا من معاني المشاهدة والحضور كما سيأتي، وإنما ذكر العين بقوله (رأيت بعيني)؛ لأن الرؤية قد تكون بمعنى (العلم).
أما في حال ذهاب الرجل عنه، وإدراك الرائي واعتقاده بعد اللقاء أن الذي رآه هو الإمام المهدي، من خلال بعض القرائن المُحيطة للواقعة، فإنه لا يدخل في باب الرؤية البصرية الآنية المباشرة، وإنما يدخل في واحد من الأمور الثلاثة الأخرى لمعنى الرؤية المذكورة آنِفاً، والتي نتائجها نسبية مقدرة من شخص لآخر، وأنها مضطربة، وغير مستقرة في النفس، بل ويتحكم فيها عامل التقوى والإيمان والورع، وسيرة مدعي الرؤية وسلوكه العملي، فضلا عن حدود مستواه العلمي، وقابليته الذهنية والعقلية، وكيفية تعامله مع القرائن المحيطة لدعوى الرؤية والمشاهدة وقراءته لها.
على أن هذه الأمور الثلاثة الأخيرة، خارجة تخصصا عن محور كلامنا؛ لان كلامنا مبني على أساس دعوى الرؤية للإمام المهدي عليه السلام بالعين الباصرة المُدركة المشخصة له، لا غير.
اما المشاهدة وان كانت بمستوى دلالة الرؤية، وأنها تؤدي الى نفس الغرض المراد، وهي رؤية الإمام المهدي وتشخيصه، فإنهُ يمكن القول انها أقوى دلالة من الرؤية، حيث أن المشاهدة تفيد القطع بمعرفة هُوية الإمام مع الحضور، بناء على القول بعدم وجود الألفاظ المترادفة في اللغة العربية.
قال أبو هلال العسكري: أن المُشاهد للشيء هو المدرك له رؤية، وقال بعضهم رؤية وسمعا، وهو في الرؤية أشهر(٥٤).
وقال الراغب الأصبهاني: الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر أو بالبصيرة.. لكن الشهود بالحضور المجرد أولى، والشهادة مع المشاهدة أولى(٥٥). والكلام في البصيرة فيه تأمل.
وقال الزَبيدي: الشَّهَادةُ خَبَرٌ قاطعٌ، كذا في (اللِّسَان)، و(الأَساس). وقد شَهُدَ الرجلُ على كذا، كعَلِم وكَرُ مشَهَداً وشَهادةً... وشَهِدَه كسَمِعَه شُهُوداً أي حَضَره، فهو شاهِدٌ، جمع شُهودٌ، أَي حُضُورٌ. وشاهَدَهُ مُشَاهدةً: عايَنَهُ كشَهِده(٥٦).
فتحصل من ذلك، أن المشاهدة، والرؤية البصرية مع إدراك ومعرفة الإمام المهدي عليه السلام، يؤديان إلى نفس الغرض والنتيجة، وهو إثبات دعوى رؤيته واللقاء به، مع تشخيص هُويته في زمن الغيبة الكبرى، المنفية بالتوقيع الأخير للشيخ السمري رضوان الله تعالى عليه، والمعبر عنها بالمشاهدة، التي تفيد الرؤية القطعية، كما تفيد أيضا معنى الرؤية البصرية الثابتة له عليه السلام، سواء أكانت الرؤية مرة واحدة أو كانت متعددة.
وأما دعوى أن المشاهدة للإمام المهدي عليه السلام تفيد النيابة والسفارة فلا ملازمة بينهما، فكما تجري دعاوى النيابة والتبليغ عن الإمام المهدي على مدعي الرؤية بلفظها ومعناها الخاص بالعين الباصرة، كذا تجري على مدعي المشاهدة بلفظها، بناء على هذا الفرض.
ان عقيدتنا بالإمام المهدي عليه السلام قوية في نفوسنا، راسخة في عقولنا، لا يتطرق إليها الشك والريب، منذ أن عرفنا أنه الحق؛ لأن وجوده قائم على الدليل والبرهان والحجة، ونحن أبناء مدرسة أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام وتربيته، وهو القائل: وما شككت في الحق مُذ رأيته)، وقال عليه السلام: لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا).
فإن غياب الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ظاهر في عقول المؤمنين، مكشوف في قلوبهم، قائم على الوضوح في الرؤية، وصدق الإحساس في العقل، وسلامة الفطرة، وصفاء الوجدان، وليس غيابه يُولد فيهم حالة خوفٍ أو غموضٍ أو إبهامٍ للمستقبل، بل يشعرهم بالأمن والسلام، والسكينة والاطمئنان، والعمل لبناء حياة سعيدة يتكامل فيها الإنسان ويرتقي، وإن ديمومة الحياة جارية بالثقلين: كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والعترةِ الطاهرة، التي يمثلها الإمام المهدي المنتظر، اللذَين لن يفترقا حتى يردا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحوض، متلازمين متصاحبين، كما قال عليه الصلاة والسلام(٥٧).
ومن لطيف ما قيل في الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف: نحن متى نعود إلى العقل ونناشده عن هذا المهدي المؤمل عجل الله تعالى فرجه نجده يقول الفصل، ويهدي لما هو الحق والصواب، فيقول: إن الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه هو في وجوده حقيقة جوهرية قائمة في هذا العالم بأمر ربها، كما تقوم الملائكة في نظامها وسر وجودها، ولا مانع أن يكون لها مدار حيوي ينتفع به الوجود، فاستلزم ذلك إضمارها، ولا يمنع العقل بقاء تلك الحقيقة على صلاحية كاملة في عالم الدنيا وإخفاءها بعد أن استلزم تكوينها المقدر على هذا الوجود، أما الحياة الخارجية فلا تثبت إلا بالمشاهدة والسير الاختياري؛ لتحقق النفع المشترك الذي يقع على عهدة هذه الأفراد ما دامت لها الحياة، وإلا فإن وجودا في الخارج، ومخفي عن الأبصار، ومحجوز غير مختار، لا يمكن للعقل أن يطبقه على فائدة توجب ذلك، فليس إلا أن نقول: حقيقة ذات وجود حيوي في نطاق القدرة(٥٨).
وإلى هذا المعنى تشير بعض الروايات في كيفية الانتفاع بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في حال غيبته عن الناس، منها: ما رواه الحمويني الشافعي بسنده عن سليمان بن مهران الأعمش عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام، قال: نحن أئمة المسلمين وحجج الله على العالمين وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجلين وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض، كما إن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها وبنا ينزل الغيث وينشر الرحمة، ويخرج بركات الأرض، ولو لا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها.
ثم قال: ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها، ولو لا ذلك لم يعبد الله.
فقال سليمان: فقلت للصادق عليه السّلام فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟
قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب(٥٩).
وروى القندوزي الحنفي بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا جابر إن أوصيائي وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمّد بن علي المعروف بالباقر ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم جعفر بن محمّد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمّد بن علي ثم علي بن محمّد ثم الحسن بن علي ثم القائم اسمه اسمي وكنيته كنيتي، ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله تبارك وتعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن أوليائه غيبة، لا يثبت على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان، قال جابر، فقلت يا رسول الله: فهل للناس الانتفاع به في غيبته؟.
فقال: أي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيؤون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن سترها سحاب، هذا من مكنون سرّ الله ومخزون علم الله، فاكتمه عن أهله(٦٠).
وعلق سيدنا الاستاذ الشهيد الصدر الثاني قدس سره على ذلك فقال: فالسحاب كناية عن خفاء العنوان _ أي الهُوية _. والشمس كناية عن التأثير النافع المنتج في المجتمع.. على أننا نحتمل في كل عمل خيري عام، أو سنة اجتماعية حسنة، أو فكرة اسلامية جديدة، أو نحو ذلك من الامور، نحتمل أن يكون وراءها إصبع مخلص متحرك من قبل الإمام المهدي عليه السلام، وأنه هو الذي زرع بذرته الأولى في صدر أو عمل أحد الاشخاص أو الجماعات، بحيث انتجت اكلها في كل حين بإذن ربها.. غاية الفرق أن تلك الاعمال كانت منه ومن آبائه بالصفة الحقيقية لهم، أما عمله خلال هذه الفترة _ الغيبة الكبرى _ فليس بهذه الصفة، وانما بصفته فردا اعتياديا في المجتمع.. بعد وضوح أن العمل الذي يمكن للمهدي عليه السلام تنفيذه مع جهل الناس بحقيقته وعنوانه _ أي في غيبته _ أقل بكثير مما يستطيع القيام به حال ظهوره وإعلان أمره _ أي بتحديد هُويته _..
اذن فعمل الإمام المهدي عليه السلام لا بد أن يقتصر على الحدود التي لا تؤدي إلى انكشاف امره، فيدقق في ذلك ويخطط له، وهو الخبير الالمعي ويحسب لكل عمل حسابه، وأي عمل علم أن التدخل فيه يوجب الانكشاف انسحب عنه، مهما ترتبت عليه من نتائج؛ لان حفاظ سره وذخره لليوم الموعود، اهم من جميع ما يتركه من اعمال، ولكن هذا لا ينافي تأثيره في الأعمال الإسلامية الخيرة التي نراها صائرة في المجتمع؛ وذلك لإمكان أن يكون هو المؤثر في تأسيسها حال صغرها وضآلة شأنها، وقد أودعها إلى المخلصين الذين يأخذون بها ويذكرون أوارها، بدون أن يلتفتوا أو يلتفت إلى حقيقة عمله، بقليل ولا كثير(٦١).
هذا، ويمكن القول أن رؤيته عليه السلام في عالم الثبوت ممكنة، ولكن إثبات دعوى الرؤية إليه وتحققها في عالم الإثبات في عداد المستحيل، فافهم.

* * *
حجية الإجماع التشرفي

إن من له اعتبار جعل الحجية للأدلة الظنية التي تكشف عن الحكم الشرعي هو الشارع المقدس لا غير، باعتبار حق المولى عز وجل على عباده، وهذا من مدركات العقل العملي، وعليه فان كل دليل جرى اعتباره بنظر العقلاء لا يصلح للدليلية، ما لم يكن ممضى من الشارع المقدس.
ومن هنا فكل دليل لم يجعل الشارع المقدس طريقا لحجيته، ولم يقرر إمضاءه، فلا يصح العمل به، ولا يرقى إلى مقام الاحتجاج، وترتيب الآثار على مؤداه أو متعلقه، بمعنى أنه غير منجز على المكلف، ولا مُعذِر له أمام المولى عز وجل، فلا يمكن الاحتجاج به على الشارع المقدس، حيث لا يرى اعتباره ولا أهليته وصلاحه، وأنه لم يجعل له الحجية أو الاعتبار.
وعلى هذا، فان الطرق والأدلة الشرعية التي اعتمدها الشارع وأمضاها معروفة ومألوفة، وقد استدل علماؤنا الأعلام على حجيتها، وإمضاء الشارع لها، في بحوثهم، وناقشوها بما لا مزيد عليه، وجرت عليها سيرتهم والعمل بها من زمن الغيبة الصغرى، وحتى الغيبة الكبرى، وإلى يومنا هذا، في طريق الكشف عن الحكم الشرعي.
إلا اننا لم نعرف طريقا أمضاه الشارع المقدس وأقر حجيته ودليله، بالكشف عن الحكم الشرعي وأخذه مباشرة من الإمام المهدي صاحب العصر والزمان عليه السلام في أيام غيبته الكبرى، بالتشرف بلقائه مباشرة عليه السلام.
بل على العكس، فإن النص الصريح المعتبر ورد في نفي هذا الأمر، وتكذيب كل مَنْ يدعي الرؤية والمشاهدة للإمام عليه السلام في زمن الغيبة الكبرى _ وان حملت على وجوه أخرى متعددة يأتي الكلام عليها _ فضلا عن نقل أخبار وأحكام عنه عليه السلام، وتبليغها إلى الناس، كما مَرَّ عليك ذكره في التوقيع الأخير له عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى الشيخ السمري رضي الله عنه.
هذا مع إجماع علماء الإمامية واتفاقهم، بل اعتبر من ضروريات المذهب، وأهم مرتكزاته ومبانيه، قائم على انقطاع السفارة والنيابة الخاصة عن الإمام المهدي عليه السلام، ونفي الرؤية والمشاهدة له عليه السلام، وإن قلنا بها في الجملة، مع عدم تشخيص الإمام عليه السلام تبعا لما روي في (الكافي) عن الحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن إسماعيل الأنباري، عن يحيى بن المثنى، عن عبد الله بن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه(٦٢). بمعنى يعرف الناس ولا يعرفونه.
وما روي عن محمد بن عثمان العمري، أن صاحب هذا الأمر ليَحضُر الموسم كل سنة، يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه(٦٣). وغير ذلك.
ولكن مدعي هذا الإجماع لازم دعواه انه تشرف بلقائه عليه السلام، ويعرفه بشخصه الكريم، وأنه أخبره ببعض الأحكام والمسائل والسنن ونحو ذلك، وخلافا لما ورد في النصيّن السابقين، بأنه عليه السلام يعرف الناس ولا يعرفونه، وغيرهما.
ولا يخفى أنَّ من لوازم نقل الاخبار عن الإمام عليه السلام في غيبته الكبرى، وتبليغها إلى الناس بأيّة صورة كانت، وإنْ لم تكن بصورة صريحة، هي من أركان النيابة الخاصة، وهذا الأمر مرفوض قطعا _ قبل الصيحة وخروج السفياني _ كما مرَّ عليك نصا وإجماعا وضرورة، والسيرة القطعية لعلمائنا الأعلام، وفي هذا كفاية للكشف عن رفض الشارع عن إمضاء حجية ودليلية أي دعوى من هذا القبيل، ومنها ما يسمى بالإجماع التشرفي الناتج عن اللقاء بالإمام المهدي عليه السلام ونقل الحكم الشرعي عنه بعنوان الإجماع.
ولهذا لم يُثبت حجية هذا الإجماع جملة من علمائنا الأعلام ممن تطرق نظرهم اليه، منهم: الفيروز آبادي اليزدي في كتابه (عناية الأصول في شرح كفاية الأصول) قال: وقوله (أي صاحب الكفاية) وربما يتفق لبعض الأوحدي وجه آخر من تشرفه برؤيته عليه السلام...الخ)، (قال في أوثق الوسائل) عند نقل الشيخ عبارة (كشف القناع) لدى التعليق على قول الشيخ على الوجه الأخير (ما هذا لفظه)، هو الوجه الثاني عشر الذي ذكره في رسالته وهو: أن يرى الفقيه الإمام عليه السلام في أمثال زماننا، ويأخذ منه الفتوى، لكنه يريد أن يجمع بين إظهار الحق وكتمان السر فيدعي الإجماع في المسألة انتهى. (وفيه) إن الفقيه بعد تسليم جواز رؤيته الإمام عليه السلام في أمثال زماننا من الغيبة الكبرى، وانه يجوز له أن يكذب بهذا الداعي الغير المعلوم مسوغيته له، كما لا يمكنه إفشاء السر، وإظهار أخذ الفتوى من الإمام عليه السلام لبعض دواعي الإخفاء، فكذلك لا يمكنه دعوى الإجماع في المسألة، فإنه لا يدعي الإجماع للعوام من الناس كي يمكن الالتباس عليهم بذلك، بل يدعيه للعلماء الأعلام، وهم يعلمون أن المسألة خلافية ليس فيها إجماع ولا إطباق، إذ المفروض أنها ليست إجماعية، وإنما ادعي الإجماع فيها جمعا بين إظهار الحق وكتمان السر، وهذا واضح(٦٤).
وما ذكره الأصفهاني في كتاب (وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول) حيث قال: وأما كون المبنى العلم بدخول الإمام عليه السلام بشخصه في المجمعين، أو العلم برأيه، للاطلاع بما يلازمه عادة من فتاوى الجماعة، فقليل في الإجماعات المتداولة في ألسنة الأصحاب كما لا يخفى، بل لا يكاد يتفق العلم بدخوله عليه السلام على نحو الإجمال في الجماعة في زمان الغيبة، وإن احتمل تشرف بعض الأوحدي بخدمته ومعرفته أحيانا. فلا يكاد يجدي نقل الإجماع إلا من باب نقل السبب، بالمقدار الذي أحرز من لفظ الإجماع، بما اكتنف به من حال أو مقال، ويعامل معه معاملة المحصل(٦٥).
 أي أن ادعاء الإجماع لا يعول عليه مع عدم معرفة سببه وحدوده، وبما اكتنفه من الأحوال أو الأقوال، وعليه لا يمكن البناء على دعوى رؤية الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، والإخبار عنه مباشرة، بدعوى الإجماع، الملازم للرؤية، حيث يعارضه النص المعتبر في تكذيب مدعي الرؤية.
وقال السيد محمد جعفر الشوشتري في (منتهى الدراية): وتشرف بعض الأكابر بخدمته صلوات الله عليه وأرواحنا فداه وان كان محتملا، لكن مجرد هذا الاحتمال لا يجدي في حجيته، لعدم كشفه عن مناط الحجية وهو رأيه عليه السلام(٦٦).
أما المحقق النراقي في (عوائد الأيام) فقال: إن يراد من الإجماع حصول العلم بقول الإمام الغائب بعينه لبعض حملة أسراره بنقل أحد سفرائه وخدمته سرا على وجه يفيد اليقين، أو بتوقيعه ومكاتبته كذلك، أو بسماعه منه مشافهة على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمان الغيبة فلا يسعه التصريح والإعلان بنسبة القول إليه، وليس في ساير الأدلة الموجودة العلمية ما ينص بإثبات ذلك، ولا في غيرها أيضا من الأدلة ما يقتضيه، فإذا كان الحال كما ذكر...(٦٧).
وقال السيد روح الله الخميني في (أنوار الهداية):.. ومن ذلك يعرف أن نقل قول شخص الإمام، بالسماع منه عليه السلام، في زمان الغيبة الكبرى _ إما بنحو الدخول في المجمعين، مع عدم معرفة شخصه، أو معها _ لا يعبأ به، ولا دليل على حجيته. وان شئت قلت: احتمال تعمد الكذب لا يُدفع بأدلة حجية الخبر، كما أن أصالة عدم الخطأ _ التي هي من الأصول العقلائية _ لا تجري في الأمور الغريبة الغير العاديّة، فمن ادعى أنه تشرف بحضوره لا يمكن إثبات دعواه بمجرد أدلة حجية خبر الواحد، إلا أن تكون في البين شواهد ودلائل أُخرى _ ولهذا ورد الأمر بتكذيب مدعي الملاقاة _(٦٨).
ثم أن القول بهذا الإجماع المدعى قد يجرنا إلى الدخول في مصداق قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله)(٦٩) على ما فسرها الإمام الصادق عليه السلام كما روي في (الكافي) عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي ابن عبد الله، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول الله عز وجل (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله) فقال: والله ما صاموا لهم ولا صلوا لهم، ولكن أحلوا لهم حراما، وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم(٧٠).
وفيه أيضا عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله) فقال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا، فعبدوهم من حيث لا يشعرون(٧١).
أي بلا دليل ثابت ولا حجة قائمة، باعتمادهم على طرق غير معتبرة للوصول إلى الحكم الشرعي، وتبليغه للناس على انه الحكم الواقعي (قُلْ آلله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ)(٧٢).

* * *
تكليف الإمام المهدي في الغيبة الكبرى

ثم نتساءل هل الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف مأمور ببث العقائد الدينية والأحكام الشرعية إلى الناس في زمن الغيبة الكبرى، وبيان ما وقعوا فيه من اختلاف فيها، أم لا؟
وحيث أنهم عليهم السلام قد أَصّلوا الأصول وبينوا الفروع للناس، فإذا ضاع شيء منها أو فُقد فهو بسبب إهمالنا وتقصيرنا في حفظها لا بتقصير منهم في التبليغ والبيان للأحكام الشرعية والعقائد الدينية؟
هذا سؤال يطرح نفسه بقوة، قال الشيخ المظفر قدس سره في (أصول الفقه): إن اختفاء الإمام واحتجاب نفعه _ مع ما فيه من تفويت لأعظم المصالح النوعية للبشر _ هو نفسه قد يدعو إلى احتجاب حكم الله عند إجماع العلماء على حكم مخالف للواقع، لاسيما إذا كان الإجماع من أهل عصر واحد، ولا يلزم من ذلك إخلال الإمام بالواجب عليه، وهو تبليغ الأحكام، لأن الاحتجاب ليس من سببه.
وعلى هذا فمن أين يحصل لنا القطع بأنه لا بد للإمام من إظهار الحق حال غيبته، عند حصول إجماع ما مخالف للواقع؟
وللمشكك أن يزيد على ذلك، فيقول: لماذا لا تقتضي هذه القاعدة أن يظهر الإمام الحق حتى في صورة الخلاف، لاسيما أن بعض المسائل الخلافية قد يقع فيها أكثر الناس في مخالفة الواقع؟.
بل لو أحصينا المسائل الخلافية في الفقه التي هي الأكثر من مسائله، لوجدنا أن كثيرا من الناس لا محالة واقعون في مخالفة الواقع، فلماذا لا يجب على الإمام هنا تبليغ الأحكام؛ حتى يقل الخلاف أو ينعدم، وبه تكون نجاة المؤمنين من الوقوع في مخالفة الواقع، وإذا جاء الاحتمال لا يبقى مجال لاستلزام الإجماع القطع بقول المعصوم من جهة قاعدة اللطف(٧٣).
فإنه ليس من تكليف الإمام المهدي عليه السلام تبليغ الأحكام إلى الناس في عصر الغيبة الكبرى، لاسيما وأن أمر غيابه واحتجابه عن الناس لم يكن بإرادته ولا باختياره، بل بأمر من مشرع الأحكام سبحانه وتعالى، وباعث الرسل، ومنزل الكتب السماوية، حتى يقال انه _ أي مدعي الإجماع التشرفي _ يجمع بين الأمر بإظهار الحق، والنهي التعبدي عن إذاعة مثل ذلك؛ لِأن في هذا نقضاً للغرض، وهذا لا يجوز على الحكماء والعقلاء، فضلا عن وجود كثير من الأحكام الخلافية الابتلائية المتناقضة بين أراء الفقهاء من زمن الغيبة الكبرى وحتى يومنا هذا، ولم نر لها حكما يوضحها منه عجل الله تعالى فرجه الشريف، أو تبليغا يرفع الخلاف عنها مع تطاول الأزمان.
والغريب في الأمر، مع دقة علمائنا الأعلام، ومسلك فقهائنا العظام، في التثبت بأخذ الرواية، وشدة تحرزهم في العمل عليها، واحتياطهم في الاستدلال بها، ما لم يقطعوا بتمام الحجية من جهات عدة، وأهمها جهة السند، كيف يتسامح البعض في قبول القول بدعوى الإجماع التشرفي، ونقل حكم شرعي عن طريقه، مع عدم ثبوت حجيته! وغيره من دعاوى الرؤية المباشرة المُشخِصة للإمام المهدي عليه السلام مع أن طرق نقلها مرسلة، وبعضها عن مجاهيل، واعتماد أغلب هذه الدعاوى على نقل التابعيين البسطاء، والعوام السذج، وان كانوا مؤمنين!!.
وأما دعوى أن هذه الوقائع والدعاوى لرؤية الإمام الحجة عليه السلام مع كثرتها ربما تفيد التواتر، أو تورث العلم والاطمئنان بصحتها، ولقرائن مفيدة تحيطها، وشواهد محفوفة تلازمها، فلا حاجة بعد هذا إلى النظر في سندها، والتأمل برجالها؟
فيدفعُها ما مرّ آنفا، وعموم النص الثابت والصريح بتكذيب مدعي الرؤية والمشاهدة قبل الصيحة وخروج السفياني.
على أن هناك أمورا تعارف عليها الناس وتسامح بها المؤمنون، بمرأى ومنظر الفقهاء والعلماء فلم تجعل من وجودها تواترا أو اطمئنانا على قبولها وحجيتها، ككراهة تسنيم القبور مثلا، فإن هذا التسامح لا يغير من الواقع شيئا، والحكم باق ٍعلى الكراهة، والحال كما هو في دعاوى الرؤية للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وان نقلت من هنا وهناك إلا انه لا يغير من واقعها الشرعي والعلمي والعملي بالرفض وعدم القبول، وشتان ما بين الأمرين.
على أن غيبة الإمام المهدي عليه السلام لا تمنع من قيامه بواجبه الإسلامي والقيادي والاجتماعي في مصلحة الإسلام كأي فرد آخر من المسلمين، في أي قسم اقتضت المصلحة تنفيذه كهداية شخص أو جماعة من الكفر إلى الإسلام، أو من الانحراف إلى الوعي، أو من الظلم إلى الاعتدال، أو جعل الموانع ضد الظلم القائم على المجتمع من تأثيره في الإسلام والمسلمين عامة، وضد قواعده الشعبية خاصة،إلى غير ذلك(٧٤)، ولكن بحدود معينة.

* * *
هل الإجماع التشرفي يؤسس حكما جديدا؟

لو تنزلنا وتساءلنا أنه في حال لو ثبتت هكذا دعوى _ على فرض ثبوت الرؤية _ ولم تصل هذه الدعوى إلى إحدى طرق الإجماع المعروفة أو فروعها، وبأصالة عدم الاشتباه والخطأ، فهل يمكن تأسيس أصل أو اعتماد قاعدة على إخبار مدعي الرؤية، بنقله حكما شرعيا أو أمراً عقائديا من هذا الطريق، وإن كان المدعي من العلماء الأبرار؟.
أقول: حيث أنه قد ثبت عدم حجية الإجماع التشرفي، وعدم الدليل على الأخذ عن هذا الطريق، فإن هذه الدعوى تُرد على صاحبها ومدعيها، لا تكذيباً له _ على فرض القول بثبوت الرؤية _ وإنما يكون لازمها، أي إثبات الحكم الشرعي حجة على مدعيه فقط، لا حُجة علينا؛ لأنه لا سبيل لإثبات ذلك على غيره؛ لفقد الدليل عليه وعدم ثبوت الحُجية له، ولا يُمكن ترتيب الآثار الشرعية عموما، كأن يصبح تكليفا لعامة الناس، حيث أن تكليف الخلق في زمان الغيبة الكبرى _ كما أشارت النصوص والروايات والإجماع والسيرة القطعية _ أن يلتزموا على ما هم عليه، وما عهدوه من الأصول والفروع المتعارف عليها من سيرة علمائهم وفقهائهم، وأن لا يصدقوا من يدعي غير ذلك، من الطرق الموصلة للأحكام بدليل خارج على ما عهدوه، وما عملوا به؛ لان المستفاد من جملة الأدلة والروايات المعتبرة، أن الأئمة عليهم السلام لم يرشدوا شيعتهم بالسير على خلاف الطريق والمنهج المتعارف عليه والمعهود، والجاري بين علمائِنا وفقهائنا منذ بداية الغيبة الكبرى في الوصول إلى الحكم الشرعي، من خلال الأدلة الواضحة، والأصول الثابتة، والمناهج المعروفة والجارية بين أيدينا، بعيداً عن الطُرق الغيبية، أو الغريبة والشاذة، أو غير المألوفة، ولا المعمول بها عادة بين الفقهاء، والتي تحتاج إلى مزيد تأمل وعناية لإثبات دليليتها وحجيتها، لاعتمادها، إن ثبت لها وجه من ذلك.
وقد أشارت جملة من الروايات لذلك، منها ما رواه الثقة الجليل الشيخ محمد بن إبراهيم النعماني بسند صحيح في كتابه (الغيبة)، قال: حدثنا محمد بن همام، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن عيسى، والحسن بن ظريف جميعا، عن حماد بن عيسى، عن عبد الله بن سنان، قال: دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله عليه السلام فقال: كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى، ولا علما يرى؟ فلا ينجو من تلك الحَيْرَة إلا من دعا بدعاء الغريق.
فقال أبي: هذا والله البلاء، فكيف نصنع جعلت فداك حينئذ؟
قال عليه السلام: إذا كان ذلك ولم تدركه فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الأمر(٧٥).
أي تمسكوا بالكتب والأصول والأخبار الثابتة عنهم عليهم السلام حتى يصح الأمر لكم برؤية إمامكم.
وقد أفاد السيد محمد تقي الأصفهاني قدس سره في تعليقته على هذا الحديث بقوله: تأمل في هذا الحديث الشريف، وفي أخبار الصادق عليه السلام بغيبة الإمام، وانقطاع السفير بينه وبين الأنام في الغيبة الكبرى، وأمر المؤمنين بالتمسك بما في أيديهم إلى حين ظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، والمراد بما في أيديهم: هو ما أمروا به من الأصول، والفروع، والسنن، ومتابعة العلماء العاملين، وحفظة أخبار الأئمة الطاهرين، سلام الله عليهم أجمعين(٧٦).
وقد أشار إلى هذا المعنى أيضا الشيخ النعماني في كتاب (الغيبة)، إلى أن العلم هو السفير في زمن الغيبة الكبرى _ أي العلم المحصل من طرقنا المعروفة المألوفة، الذي بين أيدينا والموجود في كتبنا المعتبرة، من الأصول والفروع والأحكام والسنن وغيرها _ فقال رضي الله عنه: وفي حديث عبد الله بن سنان: كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى ولا علما يرى، دلالة على ما جرى، وشهادة بما حدث من أمر السفراء الذين كانوا بين الإمام عليه السلام وبين الشيعة، من ارتفاع أعيانهم، وانقطاع نظامهم؛ لأن السفير بين الإمام في حال الغيبة وبين شيعته هو العلم، فلما تمت المحنة على الخلق، ارتفعت الأعلام، ولا ترى حتى يظهر صاحب الحق عليه السلام...(٧٧).
وروى الصدوق رضي الله عنه بسنده، عن محمد بن مسعود، قال: حدثني جبرائيل بن أحمد، قال: حدثني موسى بن جعفر بن وهب البغدادي، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن أبان، عن الحارث بن المغيرة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: هل يكون الناس في حال لا يعرفون الإمام؟.
فقال: قد كان يقال ذلك.
قلت: فكيف يصنعون؟.
قال: يتعلقون بالأمر الأول، حتى يستبين لهم الأخر(٧٨).
والأمر الأول هو العلم والأصول والأخبار والآثار التي تركها لنا أئمة أهل البيت عليهم السلام في حال لم يكن الإمام بينهم حاضرا، وإلا فالرجوع له مباشرة.
قال السيد الأصفهاني قدس سره: إن الضمير المستتر في قوله عليه السلام: حتى يتبين لهم، راجع إلى الإمام، يعني أن تكليف الخلق في زمان الغيبة أن يكونوا على ما هم عليه، ولا يصدقوا من يدعي النيابة الخاصة، والوكالة عنه، حتى يظهر إمامهم، ومن هذا يعلم أن المراد بقوله في الحديث السابق _ رواية النعماني _: حتى يصح لكم الأمر، هو أمر ظهور الإمام، فالواجب على الناس أن لا يتبعوا من يدعي الإمامة أو النيابة الخاصة عنه في زمان الغيبة الثانية، إلى زمان يصح ويتبين أمر ظهوره، بالدلائل والعلامات المروية عن آبائه عليهم السلام، وبالآثار والمعجزات المشهودة منه، مثل ما كان يظهر من آبائه الكرام(٧٩). والتي من لوازم دعوى النيابة الخاصة ادعاء تبليغ حكم شرعي أو مسألة عقائدية إلى الناس من الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في الغيبة الكبرى بأي نحو كان حتى عن طريق الإجماع التشرفي.
وقال رضوان الله تعالى عليه، حدثنا جعفر بن علي بن الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة الكوفي رضي الله عنه، قال: حدثني جدي الحسن بن علي، عن العباس بن عامر القصباني، عن عمر بن أبان الكلبي، عن أبان بن تغلب، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه سبطة يأرز(٨٠) العلم فيها...
قال: قلت: وما السبطة؟
قال: الفترة والغيبة لإمامكم.
قال: قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟
فقال: كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم(٨١).
بمعنى كونوا على ما انتم عليه من التمسك بالأصول والأخبار والعلم عن ائمتكم حتى يُظهر الله عز وجل إمامكم وتستنيروا من نوره.
هذا ما يفهم من هذه الروايات الشريفة.
على أن دعوى الرؤية المنهي عنها قطعا في عصر الغيبة الكبرى، هي المساوقة لأمر من الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف بتبليغ حكم شرعي، أو مسألة عقائدية إلى الناس، وهذا من لوازم النيابة الخاصة كما لا يخفى، وان لم يدعيها صراحة صاحب دعوى الرؤية، والمكني عنها بالإجماع، وكما عرفت أنَّ دعوى الإجماع هذه دعوى غير حقيقية.
ثم على فرض أنَّ مدعي الإجماع قصد هذا الأمر وهي النيابة الخاصة فماذا يترتب عليه؟.
أجاب السيد الأصفهاني أنه: لو ادعى أحد من أهل مذهبنا لنفسه، أو لغيره، النيابة الخاصة عن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في زمان غيبته الثانية، فإن علم بأن انقطاع النيابة الخاصة في الغيبة الكبرى من ضروريات المذهب، ومع ذلك ادعى النيابة الخاصة حكم بكفره، وارتداده؛ لاستلزامه تكذيب الشارع في بعض أحكامه، وهو كفر بغير خلاف، وإشكال. وكذا إن علم بذلك بدليل خاص، كالإجماع والأخبار، ومع كونه عالما به ادعى النيابة الخاصة في هذه الغيبة، لاستلزامه أيضا تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما إذا لم يعلم بكونه من ضروريات المذهب، ولم يقطع به بسائر الأدلة، وحصلت له شبهة، فأنكر انقطاع النيابة الخاصة في تلك الغيبة وادعاها لنفسه، أو لغيره، فلا ريب في ضلالته وغوايته، كسائر أهل الضلال، لكن في ثبوت ارتداده وخروجه بمحض ذلك عن الإسلام إشكال، إذ لم يثبت من الأدلة الشرعية كون إنكار الضروري عند أهل الإسلام سببا مستقلا للكفر والارتداد، فضلا عن إنكار ضروري المذهب، بل إنكار الضروري يكون سببا للكفر، إن استلزم عدم تصديق النبي صلى الله عليه وآله في بعض ما جاء به، ولذلك يحكم بإسلام أهل السنة مع إنكارهم ما هو ضروري عندنا، من كون أمير المؤمنين عليه السلام خليفة سيد المرسلين بلا فصل.
وقد ذهب إلى هذا التفصيل الفقيه الكبير والمحقق الجليل، مولانا المقدس الأردبيلي(٨٢)، على ما حكي عنه وتبعه جمع من الفقهاء(٨٣).
وفي كتاب (الغيبة) لأبي جعفر الطوسي قال: أخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي الحسن علي بن بلال المهلبي قال: سمعت أبا القاسم جعفر بن محمد بن قولويه يقول:
أما أبو دلف الكاتب _ لا حاطه الله _ فكنا نعرفه ملحدا ثم أظهر الغلو، ثم جن وسلسل، ثم صار مفوضا، وما عرفناه قط إذا حضر في مشهد إلا استخف به، ولا عرفته الشيعة إلا مدة يسيرة، والجماعة تتبرأ منه وممن يومي إليه وينمس به، وقد كنا وجهنا إلى أبي بكر البغدادي لما ادعى له هذا ما ادعاه، فأنكر ذلك وحلف عليه، فقبلنا ذلك منه، فلما دخل بغداد مال إليه، وعدل عن الطائفة، وأوصى إليه، لمن شك أنه على مذهبه، فلعناه و برئنا منه؛ لان عندنا أن كل من ادعى الأمر بعد السمري رحمه الله فهو كافر منمس ضال مضل، وبالله التوفيق(٨٤).

* * *
طريق أخذ الأحكام والعقائد للمكلف في الغيبة الكبرى

أن الواجب على المكلفين في عصر الغيبة الكبرى _ بعد انسداد باب الوكالة عن الإمام عليه السلام والنيابة الخاصة، بل واسقاط كل دعوى بالمشاهدة والإخبار عنه _ هو التمسك بما ثبت عنهم عليهم السلام من الأصول والفروع، الأخبار والروايات، بعد تأصيلهم للأصول الدينية والشرعية، وبيان الفروع ودلالتها، وتبليغ الأحكام وتوضيح السنن، ثم الالتزام بما روي عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وآبائه عليهم السلام في الرجوع فيما نصطلح عليه اليوم بالنيابة العامة للفقهاء، من علمائنا الأبرار الأخيار، والتمسك بهم، كما ثبت ذلك نصا، وإجماعا، الذين قد جعلهم الإمام عليه السلام نوابه من بعده على وجه العموم، إذ قال عليه السلام: فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه(٨٥).
وورد في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) عن محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك...، إلى أن قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله [عليهم خ ل(٨٦)].
فضلا عن السيرة القطعية المتصلة للعلماء العاملين، والفقهاء الراشدين، حماة الدين، ورواة أحاديث الأئمة الطاهرين _ من زمن الغيبة الكبرى وحتى يومنا هذا _ فيجب على المؤمنين كافة الرجوع إليهم والتمسك بما يصدر عنهم فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم، فانهم حجة المهدي عليه السلام على شيعته ومواليه.
ثم على فرض حصول الخطأ، فهو مغفور عنهم رضي الله عنهم وهم مأجورون عليه، لاسيما إذا جرى بحسب الموازين الشرعية المعهودة، للأدلة والنصوص الظاهرة والمتوفرة، المأمورين بالتعبد بها، والتمسك بطرق أخذها، علما وعملا، والتي فارقنا عليها الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وأمرنا بالتمسك بها، ومتابعة العلماء والفقهاء المأمونين على الدين والدنيا تبعا للنصوص السابقة، مع استفراغ الوسع في تحصيل الحكم الشرعي، لا بما يفيد الظن والاحتمال.
على أننا نقف هذه الوقفة من هكذا دعاوى، لا لسوء الظن بعلمائنا الأبرار، أو التَّجاوز على مقامهم العالي، ولكن من باب الحفاظ على صورة مذهب أهل البيت عليهم السلام ناصعة، وان تكون طرق الدليل لأحكامه واضحة، وأبواب مصادره الفقهية والعقائدية مألوفة، ودفع القول بالاحتمال والظن غير المعتبر، لان الظن لا يغني من الحق شيئا، قال تعالى (وَمَا لهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحقِّ شَيْئاً)(٨٧) ولا أظن أنهم يخالفونني الرأي.
فضلا عن الحذر من هكذا دعاوى، التي تجر إلى تشويش الفكر والعقيدة عند العوام، لاستغلالها من قبل البعض من ذوي العقول المريضة والنفوس الضعيفة في الدخول إلى البسطاء والسذج من الناس والتأثير فيهم، وَجَرِّهم إلى ما لا يحمد عقباه.
فعلينا قطع دابر هؤلاء، وإخماد طموحهم غير المشروع، خصوصا ممن له مِسحة من العلم، من الذين غرتهم الدنيا وزخارفها، باستغلال مثل هذه الدعاوى وغيرها في خداع الناس وتضليلهم بدعوى لقاء الإمام المهدي عليه السلام واخذ التعاليم الدينية والأوامر الشرعية منه مباشرة، بإلباس ما صورته حقيقية كالإجماع التشرفي كأنه حقيقة فعلاً، وما قيل في علم ما كعلم الأصول، ولم يقم الدليل على ثبوته، كأنه علم واقعاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

* * *
رأي السيد بحر العلوم الكبير بالتشرف بلقاء الإمام المهدي في الغيبة الكبرى

ذكر آية الله السيد مهدي بحر العلوم قدس سره في (فوائده الرجالية) التواقيع المنسوبة إلى الإمام صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، والموجهة إلى الشيخ المفيد قدس سره، ومنها (التوقيع) الوارد يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وصورته: من عبد الله المرابط في سبيله، إلى ملهم الحق ودليله:
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليك أيها الناصر للحق، الداعي إليه بكلمة الصدق، فانا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، إلهنا وإله آبائنا الأولين، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته الطاهرين، وبعد:
فقد كنا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه لك من أوليائه، وحرسك به من كيد أعدائه، وشفعنا فيك من مستقر لنا ناضب في شمراخ من بهماء، صرنا إليه _ آنفا _ من عمى ليل ألجأنا إليه السباريت من الإيمان، ويوشك أن يكون هبوطنا منه إلى صحصح من غير بعد من الدهر، ولا تطاول من الزمان، ويأتيك نبأ منا بما تتجدد لنا من حال، فتعرف بذلك ما تعمده من الزلفة إلينا بالأعمال، والله موفقك لذلك برحمته، فلتكن _ حرسك الله بعينه التي لا تنام _ أن تقابل لذلك ففيه تبسل نفوس قوم، حرثت باطلا لاسترهاب المبطلين، يبتهج لدمارها المؤمنون، ويحزن لذلك المجرمون، وآية حركتنا من هذه اللوثة، حادثة بالحرم المعظم، من رجس منافق مستحل للدم المحرم، يعمد بكيده أهل الإيمان، ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم لهم والعدوان، لأننا من وراء حفظهم بالدعاء، الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء، فلتطمئن بذلك من أوليائنا القلوب، وليثقوا بالكفاية وإن راعتهم بهم الخطوب، والعاقبة بجميل صنع الله سبحانه تكون حميدة لهم، ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب، ونحن نعهد إليك، أيها الولي المجاهد فينا الظالمين أيدك الله بنصره، الذي أيد به السلف من أوليائنا الصالحين، انه من اتقى ربه من إخوانك في الدين، واخرج ما عليه إلى مستحقه كان آمنا، من فتنتنا المطلة ومحنتنا للظلمة المضلة، ومن بخل منهم بما أعان الله من نعمته على من أمر بصلته، فإنه يكون خاسرا بذلك لأولاه وأخراه، ولو أن أشياعنا _ وفقهم الله لطاعته _ على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا، على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين.
ثم علق السيد بحر العلوم قدس سره على هذا (التوقيع) فقال:
وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى، مع جهالة المُبلغ، ودعواه المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصغرى.
ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، واشتمال التوقيع على الملاحم والإخبار عن الغيب، الذي لا يطلع عليه إلا الله وأولياؤه بإظهاره لهم، وأن المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام، ويعلم أنه الحجة عليه السلام حال مشاهدته له، ولم يُعلم من المُبلغ ادعاؤه لذلك.
وقد يمنع أيضا امتناعها (أي الرؤية) في شأن الخواص _ وإن اقتضاه ظاهر النصوص _ بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار(٨٨).
أقول: وكما ترى فقد استشكل في نفس الأمر والواقع، ونفى المشاهدة في زمن الغيبة الكبرى، المنفية تعبدا بنص صريح، وحجة ثابتة، وطريق معتبر، وإن خصص نفي المشاهدة بأن يشاهد الإمام ويعلم أنه المهدي بن الحسن عليهما السلام حال مشاهدته له، ولكنه استدرك باحتمال أنه الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف من خلال بعض القرائن المحيطة، لا على نحو الجزم واليقين.
وكما ترى، فإنه قدس سره دفعها بالاحتمال لا غير، والاحتمال لا يؤسس لشيء، بل هو بنفسه يحتاج إلى قوة تدعمهُ، حتى يمكن الاعتماد عليه ويركن إليه، واثبات مدلوله، ليصبح بمستوى يؤهله للاستناد عليه كدليل، ويكون في مقام الاحتجاج به، إذ يمكن نفي الاحتمال ودفعه بأيسر الأمور، لا اقل من عدم ثبوت لوازمه، من إثبات الحكم الشرعي من هذا الطريق، والمعروف انه إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
وأما تقييده على مجرد ادعاء الدعوى للرؤية فقط، التي لا تقدم أو تأخر شيئاً للآخرين، على فرض ثبوتها، فنحن مأمورون بتكذيبها تعبدا، تبعا للنص الوارد.
بل أنه قدس سره أقرَّ بذلك، وأفاد أن مقتضى ظاهر النصوص الواردة امتناع الرؤية، ولكن شهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار، تفيد ذلك كما عبر، ولا يخفى أن الاعتبار أمر نسبي لا يمكن البناء عليه، وأما الآثار فقد قرأناها وسمعناها، وتأملنا فيهما، فالأعم الأغلب أنها روايات وقصص مهلهلة، لا تفيد العلم ولا التصديق.
ولكنه قدس سره في (فوائد الأصول) وفي مسألة الإجماع، قال _ بعد اشتراط دخول كل من لا نعرفه _: وربما يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الإمام عليه السلام بعينه، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه عليه السلام فيبرزه في صورة الإجماع، جمعا بين الأمر بإظهار الحق، والنهي عن إذاعة مثله بقول مطلق(٨٩).
أقول: وعلى فرض القول بإمكان رؤيته عليه السلام في الجملة، ولكن يبقى كلامه في دائرة الاحتمال كما يستفاد ذلك من ابتداء قوله قدس سره بـ (ربما) التي تفيد التقليل، الذي لا وثوق بحصوله، وما قد يُفهم أيضا من سياق كلامه، وسيأتي في مستقبل البحث، رفضه قدس سره دعوى المشاهدة في الغيبة الكبرى عندما سأله سائل عن إمكان ذلك.
وبناء كلامنا انه هل يمكن تأسيس أصل، أو اعتماد قاعدة، على إخبار مدعي الرؤية، وان كانت على صورة دعوى الإجماع، سواء بنقله حكما شرعيا، أو أمراً عقائديا عنه عجل الله تعالى فرجه الشريف، وان كان المدعي من العلماء الأبرار؟.
فإن إثبات الحق من هذا الوجه والطريق، مما لم يثبت شرعا، ولم يقم دليل عليه، ونحن أبناؤه.
بل إثباته من هذا الطريق فيه مصادرة على المطلوب؛ لأننا في الواقع مأمورون برد هذه الدعوى في الغيبة الكبرى، وتكذيب مدعيها تبعا للنص السابق _ توقيع السمري الأخير _، فكيف نعمل بلازمها _ بإثبات حكم شرعي أو أمر عقائدي عن هذا الطريق _ فضلا عن شبهة الدور، اللهم إلا من باب الملازمة عقلا لقاعدة اللطف لو تمت، فتأمل.
وهذا ما يستفاد من ظاهر كلام السيد بحر العلوم قدس سره في أن النهي الوارد عن اذاعة الأحكام الشرعية والمسائل العقائدية _ ما لم تؤخذ من طريق واضح، معتبر ومألوف _ نهي تعبدي بالنص الصريح المعتبر، ونحن مأمورون بالتمسك به، وإلا لدب الهرج والمرج بين صفوف الناس، وتصدى لهذا طلاب الرئاسة وأبناء الدنيا، وأصبح تشريع الأحكام من أسهل الأمور، وفي أيسر الدعاوى، بحجة رؤية الإمام المهدي عليه السلام والتبليغ عنه.

* * *
مراجعة مع كلام المحقق الكاظمي في الإجماع التشرفي

اخترنا هنا أنموذجا لأحد عُلمائِنا الأعلام ممن كتب وحقق في عموم الإجماع وأقسامه، وتطرق إلى حقيقة الإجماع التشرفي، واخترناه كشاهد على ما قيل في هذا الإجماع، وحقيقة ما نُظر اليه، فإن المحقق الشيخ أسد الله التستري الكاظمي قدس سره قد ذكر جميع أقسام الإجماع في كتابه (كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع)، ثم قال(٩٠):
الثاني عشر: من وجوه الإجماع وهو ملحق بها صورة، أن يحصل لبعض حملة أسرار الأئمة عليهم السلام العلم بقول الإمام الغائب بعينه، بنقل أحد سفرائه وخدمته، سرا على وجه يفيد اليقين، أو بتوقيعه ومكاتبته كذلك، أو بسماعه منه مشافهة، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة، فلا يسعه التصريح بما اطلع عليه، والإعلان بنسبة القول إليه، ولا يجد في سائر الأدلة الموجودة العلمية ما ينهض إثبات ذلك، بناء على إمكان فقدها...
أقول: كما ترى فقد اعترف قدس سره بأنه صورة إجماع، وليس إجماعا حقيقيا.
ثم دعواه أن بعض حملة أسرار الأئمة _ والظاهر أنهم علماؤنا الأبرار _ يعلم بقول الإمام المهدي عليه السلام على وجه اليقين؟!! فهذا أول الكلام، وأنىّ لنا إثبات ذلك، بتوقيع أو مكاتبة أو نحو ذلك، فهذا السيد بحر العلوم قدس سره قد تردد في الرسالة الموجهة إلى شيخنا المفيد رضوان الله تعالى عليه، والمنسوبة إلى الإمام المهدي عليه السلام، أو بسماعه منه مشافهة برؤيته، الذي هو مدار بحثنا هذا.
ثم أننا لو اعتمدنا على هذا العكاز لَجَرَّت كثيرا من الأحكام والتشريعات بناء على إمكان فقد دليلها وحجتها، وقس على ذلك. ولا يخفى أن عدم الدليل دليل على العدم.
ولا في غيرها أيضا من الأدلة ما يقتضيه، بناء على الاكتفاء بها، والاستغناء بها عما عداها...
أقول: أي الاكتفاء بالأدلة المعهودة والمعروفة والمألوفة من طريقة أصحابنا، والاستغناء بها عن غيرها، مما لم يثبت دليليتها وحجية طريقها، من الأدلة الاستحسانية والقياس ونحوها، ومنها هذا الإجماع التشرفي.
وإلا لم يجد من عداه إعلامه بما بدا له، مع عدم إيجابه العلم له...
أقول: عجبا تصريح واضح بعدم إيجاب هذه الدعوى للعلم!!؟ فكيف يؤخذ بها كدليل؟
ولو وجد غيره مما ذكر لم يحتج إليه، إلا من باب التأييد والتقوية، فإذا كان الحال كما ذكر، وكان غير مأمور بإخفاء ما وقف عليه، وكتمانه عن سائر الناس على الإطلاق...
(_ وفي (جنة المأوى) _ قال المحقق الكاظمي في أقسام الإجماع، الذي استخرجه من مطاوي كلمات العلماء، وفحاوى عباراتهم، غير الإجماع المصطلح المعروف، وثالثها: أن يحصل لأحد من سفراء الإمام الغائب عجل الله فرجه، وصلى عليه، العلم بقوله إما بنقل مثله له سرا، أو بتوقيع أو مكاتبة، أو بالسماع منه شفاها، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة، ويحصل ذلك لبعض حملة أسرارهم، ولا يمكنهم التصريح بما اطلع عليه، والإعلان بنسبة القول إليه، والاتكال في إبراز المدعى على غير الإجماع، من الأدلة الشرعية لفقدها، وحينئذ فيجوز له إذا لم يكن مأمورا بالإخفاء...).
أقول: إن لازم انقطاع النيابة والتبليغ عن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، الثابت بالدليل المعتبر، من الأدلة الظاهرية، والنصوص الصريحة الثابتة، وإجماع المذهب قائم على ذلك، بل من ضروراته، هو إخفاء الأمر في نفسه _ على فرض ثبوت هذه الدعوى _ وغير هذا يحتاج إثباته إلى دليل، وحجة ظاهرة معتبرة، وقد نفاها المحقق التستري بنفسه، وذلك بقوله: ولا يجد في سائر الأدلة الموجودة العلمية ما ينهض إثبات ذلك...)، وعند التعارض على فرضه، يقدم الظن المعتبر على غيره، وما هو ثابت حجيته على المشكوك، أو المحتمل، أو المعدوم حجيته، فضلا عن شبهة الدور.
أو مأمورا بإظهاره بحيث لا ينكشف حقيقة الحال...
(أو كان مأمورا بالإظهار...).
أقول: وهذا خلاف الأدلة الظاهرية التي أُمرنا بها، وهو تكذيب ادعاء الرؤية والمشاهدة، ودعوى تبليغ شيء عنه عجل الله تعالى فرجه الشريف، التي هي من لوازم النيابة الخاصة كما لا يخفى، وفي هذا نقض للغرض، ولا يجوز على العقلاء، كما انه مصادرة على المطلوب. فضلا عن ذلك التوقف في القول أن من تكليف الإمام المهدي عليه السلام تبليغ الأحكام والعقائد زمن الغيبة الكبرى كما مرَّ، فراجع.
فيبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة الإجماع...
(لا على وجه الإفشاء...).
أقول: أي يريد إبراز وإعلان ذلك الأمر والدعوى، بدل أن يقول: رأيت الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وقال ليّ كذا، بالنص والتصريح، يبرزه بصورة الإجماع، ولا يخفى وجه الدور فيه، والمصادرة على المطلوب، وهي دعوى الإجماع، كما مَرَّ.
خوفا من الضياع وجمعا بين الامتثال، لما ورد من الأمر بإظهار الحق وتشييده بحسب الإمكان، وما ورد من النهي عن إذاعة مثله لغير أهله...
(أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج، بصورة الإجماع، خوفا من الضياع، وجمعا بين امتثال الأمر بإظهار الحق بقدر الإمكان، وامتثال النهي عن إذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان...).
أقول: وأَنىَّ لنا إثبات ذلك من دعوى المدعي للإجماع، لما فيها من المصادرة على المطلوب، والخلف، مع مخالفته النص الصريح وإجماع المذهب وضروراته.
ثم مَنْ يأخذ به _ أي الحكم الشرعي الناتج عن دعوى الإجماع على فرض ثبوته _ إلا أهله، وهم الشيعة الإمامية ممن اعتقد بالإمام عليه السلام وغيبته، فإذاعته لغير مَنْ يعتقد به لغو، كقراءة أحكام القران على النصراني واليهودي، ولعله أراد تقييد الأمر وعدم إشاعته مطلقا، حتى يدفع بذلك غائلة المخالف، فتأمل.
ولاسيما إذا أدى إظهاره على وجهه إلى تكذيبه، وعدم الاعتماد على نقله، فيفوت الغرض من إبرازه المأمور به، عموما أو خصوصا...
أقول: لا أفهم وجه الأمر من إبرازه وإظهاره للناس، أما خصوصا أي للشيعة الإمامية فهذا أول الكلام، وأما عموما أي عموم المسلمين فلا وجه له ولا طريق، إذ اغلبهم غير معتقدين به في حال كونه حاضرا عجل الله تعالى فرجه الشريف فضلا عن كونه غائبا.
وقد يقال، كان الأولى بالأئمة عليهم السلام مثلاً وضع كتب ٍتحوي القواعد الكلية للعلوم الشرعية، والثابت من الأحاديث والسنة الشريفة، ونشرُها بين أصحابهم، حتى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كان الأولى به _ على هذا الفرض _ أن يجمع الثابت من علوم آبائه وأجداده، ويضعه في كتاب معين في الغيبة الصغرى، ويسلمه لأحد سفراءه لينشره بين شيعته المخلصين، تسهيلا عليهم، ورفعا للحرج من تطاول الأزمان، ولكننا لم نر ذلك!!.
وذلك لأنهم عليهم السلام القوا الأُصول وثبتوا القواعد العامة بين أصحابهم، بما هو المتداول والمتعارف بين أيدينا اليوم، والمزبور في كتب أصحابنا رضي الله عنهم، ما يكفيهم ويغنيهم في الجملة عن السؤال، وإعدادهم للظروف العصيبة، واستعدادا لهذا الانقطاع والغيبة، وإن ضياع الكثير من هذه الأصول الروائية وتلف كتب الأصحاب، والتي تضم جملة العقائد الدينية والأحكام الشرعية التي يحتاج إليها المكلف هو من مسؤوليتنا نحن؛ وذلك بتفريطنا في حفظها ونشرها فضاعت من بين أيدينا، أو بإهمالنا لها، أو للظروف العصيبة التي مرَّت على عموم الشيعة، لاسيما علمائهم، فوقعت بيد الظالمين وأعوانهم فعبثوا بها، وهذا ليس من مسؤولية الأئمة عليهم السلام في حفظها ورعايتها من الضياع، بعد أن بلَّغوا الأحكام إلى الناس وأدوا ما عليهم في بيان مواردها وتوضيح فروعها وأصولها.
أما أن يكون تكليفا مأمورا به لزيد أو عمرو فهو في غاية البعد..!!؟ ولا داع لإطالة الكلام فيه، والفقيه الجامع لشرائط العلم والاستنباط أهل لاستخراج الأحكام المعاصرة والمستحدثة وغير ذلك، بالطرق الثابتة المتعارفة بيننا لا بغير ذلك وإلا فليراجع فقاهته وصدق اجتهاده!؟.
فلابد حينئذ من وقوع اتفاق مع ذلك بحيث يوجب صحة ما يختاره من الكلام لترويج الكلام أو التعبير بما يقتضي التباس المقصود منه على الإفهام، ولا ريب أن حصول العلم لبعض الخواص بقول الإمام عليه السلام على نحو ما ذكر أمر يمكن في نفسه ولوقوعه شواهد من الأخبار والآثار...
أقول: هذا أول الكلام، وعلى فرض وقوعه لا يقين بذلك ولا قطع على أنها صادرة عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ومجرد الاحتمال _ كما في مرويات هذه القصص _ يسقط الاعتبار.
ويجوز له التوسل في إظهاره بما قلنا...
أقول: أي بدعوى الإجماع.
حيث لم يكن مأمورا بستره مطلقا، ولا يمنع منه الأمر بستره عن الأعداء، أو عمن لا يحمل ذلك كما لا يخفى، فيكون حجة على نفسه لكونه من السّنة...
(ولا ريب في كونه حجة، أما لنفسه فلعلمه بقول الإمام عليه السلام...).
أقول: ولا أعلم وجه عدم ريب المحقق الكاظمي قدس سره من إطلاق الحجية عليه، وعَدَّهُ من السُنّة الثابتة! هل انكشف له دليل حجيته شخصيا من الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ فهذا أول الكلام.
أم وَصَلهُ دليل الحجية _ وذلك بأخذ الحكم في زمن الغيبة الكبرى من الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف مباشرة _ بدليل ثابت معتبر؟! ولكن لا وجه لإخفاء هذا الدليل عنا، وترك بيانه، فإنه لم يصل إلينا؟ ويأتي ما يؤيد هذا منه.
ولو تنزلنا، فلابد أن يكون مبنى دعوى المدعي للرؤية على نحو القطع واليقين، لا الاحتمال والظن والأحلام، حتى يكون قول الإمام عليه السلام حجة عليه فعلا؛ لعلمه قطعا بالحكم الواقعي من الإمام عليه السلام مباشرة _ على فرض ذلك _.
ولكن قول صاحب هذه الدعوى لا يكون حجة علينا، إذ لا يوجد دليل معتبر يساعد على الأخذ بما رأى وأدعى، بل الدليل المعتبر يخالف ذلك، ويكون هذا الأمر تكليف المدعي وقطعه، فيكون حجة عليه بحسب دعواه، وليس تكليفنا ولا حجة علينا، بل إننا مأمورون بتكذيبه وعدم تصديقه، تبعا للنص السابق عنه عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ويؤيده ما يروى عن السيد بحر العلوم الكبير قدس سره في جوابه لما سأله سائل عن رؤية الإمام المهدي عليه السلام في الغيبة الكبرى كما روي في كتاب (جنة المأوى) للميرزا النوري: عن المولى السلماسي رحمه الله تعالى، قال: كنت حاضرا في محفل إفادته، فسأله رجل عن إمكان رؤية الطلعة الغراء في الغيبة الكبرى، وكان بيده الآلة المعروفة لشرب الدخان المسمى عند العجم بغليان، فسكت عن جوابه وطأطأ رأسه، وخاطب نفسه بكلام خفي أسمعه، فقال ما معناه _ والكلام للسلماسي _: ما أقول في جوابه؟ وقد ضمني صلوات الله عليه إلى صدره(٩١)، وورد أيضا في الخبر تكذيب مدعي الرؤية، في أيام الغيبة، فكرر هذا الكلام.
ثم قال في جواب السائل _ الكلام للسيد بحر العلوم _: إنه قد ورد في أخبار أهل العصمة تكذيب من ادعى رؤية المهدي عجل الله تعالى فرجه.
واقتصر _ والكلام للسلماسي _ في جوابه عنه من غير إشارة إلى ما أشار إليه(٩٢).
فتأمل، وهذا هو المأمول في جوابه شرعا وعقلا وقد عمل قدس سره بتكليفه الشرعي الظاهري؛ لتورعه واحتياطه وتقواه، مؤيدا هذا بما أثبته في كتبه في نفي الرؤية المباشرة كما سبق، وغير هذا القول يُرد على ناقله وراويه كالسلماسي.
وعلى غيره بعد إبرازه على نحو ما ذكر لكونه من الإجماع...
(وأما لغيره، فلكشفه عن قول الإمام عليه السلام أيضا، غاية ما هناك أنه يستكشف قول الإمام عليه السلام بطريق غير ثابت...).
أقول: أي ويكون هذا الإجماع حجة على الغير أيضا، ويلزم الأخذ بالحكم الشرعي الملازم لدعوى الإجماع، على غير مدعي الإجماع.
مع التنبيه على أن المحقق الكاظمي وصفه أول كلامه انه صورة إجماع، وهنا عَدَّ حجيته على الغير لأنه من الإجماع! أو لكشفه عن قول الإمام عليه السلام.
ولكنه قدس سره قد اعترف بعدم حجيته، وأن طريقه غير ثابت من كل الوجوه، فلا يفيد اعتباره شيء، وليس هناك دليل ينهض بحجيته حتى يكون حُجة عَلَيَّ التزامُها والآخرين، بل نحن مأمورون بتكذيب ذلك تعبدا، بنص صريح معتبر.
والمفروض على الفقيه المتورع والمتشرع أن يأخذ بأيهما تكون حجته ثابتة، ودليله معتبر، فيتمسك به، ويعمل على طبقه، وينأى بنفسه عن الآخر.
(ولا ضير فيه...).
أقول: وهذا من كتاب (جنة المأوى)، في غاية العجب، أليس هذا تعبداً بطريق ظني، وان طريقه غير ثابت كما قرره قبل قليل، فهذا تحكم وقول بلا دليل، أم انه تشريع وتَقَول على المولى العظيم؟ فانظر وتأمل في خطاب المولى الجليل لحبيبه الأمين صلى الله عليه وآله وسلم، في الكتاب العزيز (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)(٩٣)، فضلا عن مخالفته لنص ثابت، ودليل معتبر.
(بعد حصول الوصول إلى ما أنيط به حجية الإجماع...).
أقول: ولا أساس لما أنيط به لان دعوى الإجماع غير حقيقية وصورية كما أثبتها، وإنها كناية عن إخبار الإمام عليه السلام له شخصيا، بالحكم الشرعي الواقعي في عصر الغيبة الكبرى، وتورية أريد منها التفصي عن التصريح بالمدرك الحقيقي للحكم(٩٤)، بل و في نفس حجية عموم دليل الإجماع تأمل.
وهذا لا يغير من الموقف شيء؛ لان أصل كلامنا في اللازم لا في الملزوم.
(ولصحة هذا الوجه وإمكانه...).
أقول: هذا هو أول الكلام، ومصادرة على المطلوب.
(شواهد تدل عليه منها كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة...).
وربما يكون هذا هو الأصل في كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة...
أقول: كلامنا وان كان في الحكم الشرعي التكليفي التعبدي، وطريق الوصول إليه، أما في كثير من المستحبات والزيارات وغيرها من السنن، فلا بأس بالتأسي بها، والعمل بما ورد فيها مع التحفظ من نسبتها إلى الشارع المقدس، وذلك للتسامح في أدلتها، ما لم تخالف حكما شرعيا ظاهريا، أو أمراً عقائديا مُسلّماً به، أو ارتكازا عقليا، أو سيرة ثابتة، مع الاحتياط والتحرز من نسبتها إلى الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف جزما وقطعا، لا أقل من القول أنه مما ينسب إلى الإمام عليه السلام، والله العالم.
التي تداولت بين الإمامية، ولا مستند لها ظاهرا من أخبارهم، ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الأئمة وأسرارهم، ولا أمارة تشهد بأن منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه مستحسنة، هي التي دعتهم إلى إنشائها، وترتيبها، والاعتناء بجمعها، وتدوينها كما هو الظاهر في جملة منها...
(التي تداولت بين الإمامية ولا مستند لها ظاهرا من أخبارهم ولا من كُتُبِ قدمائهم الواقفين على آثار الأئمة عليهم السلام وأسرارهم، ولا امارة تشهد بأن منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه اعتبارية مستحسنة، هي التي دعتهم إلى إنشائها وترتيبها، والاعتناء لجمعها وتدوينها كما هو الظاهر في جملة منها، نعم لا نضائق _ أي لا نمانع _ في ورود الأخبار في بعضها...).
أقول: أي في إثبات بعض الأعمال والمستحبات من الزيارات والآداب العامة بطريق رؤيته عجل الله تعالى فرجه الشريف؟!
التي يَقرُ المحقق الكاظمي أن لا مستند لها ظاهر من الأخبار، ولا من كتب قدماء الأصحاب الواقفين على آثار الأئمة الأطهار، بل ولا أمارة تشهد بأن منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه مستحسنة، دعتهم إلى إنشائها، وترتيبها، وتدوينها، والاعتناء بجمعها.. فهذا منه في غاية العجب!!.
فتكون كما روى والد العلامة وابن طاووس طاب ثراهما، عن السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الآوي الحسيني، المجاور بالمشهد المقدس الغروي قدس الله روحه، عن صاحب الزمان صلوات الله عليه في طريق الاستخارة بالسبحة وغيره أيضا على ما يظهر من كلام الشهيد(٩٥)، وكما هو مروي عنه في قصة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في (البحار)(٩٦).
أقول: وهي قصة أقرب إلى الخيال من الواقع، تحكي مشاهد حيّة لبعض الأشخاص المجهولين، ادعى أن للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أولادا وأحفادا يتناسلون ويعيشون في جزيرة واقعة في البحر الأبيض تعرف بـ (الجزيرة الخضراء)، وأن الحياة فيها والتعامل بين أهلها في صورة أقرب إلى صورة المدينة الفاضلة.
وهذه الجزيرة حتى يومنا هذا لم يُعرف موقعها جغرافيا، أو تحدد خارطتها على سطح الأرض، أو تُرصد فلكيا، على الرغم من الاكتشافات الحديثة، والمسح العام لخارطة كوكب الأرض بواسطة الأقمار الاصطناعية ونحو ذلك...

فهو حديث لا واقع له، ولا يَعضُده نقل صحيح، ولا نص صريح.
هذا وان من جملة ما أفاده آية الله البحاثة الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتاب (الذريعة) تعليقا على قصة (الجزيرة الخضراء) ما جاء فيه: وقد حكى خصوصيات تلك الجزيرة من ادعى أنه رآها بعينه وهو الرجل الجليل الذي لم يعلم اسمه ولم يعرف شخصه قبل مجلس نقله...
وبالجملة لم تصل هذه الحكاية إلينا إلا بالوجادة، ولم نعرف من أحوال الحاكي لها إلا أنه كان رجلا محترما في ذلك المجلس، وقد اشتمل سندها على عدة تواريخ تناقض ما في متنها!!، واشتمل متنها على أمور عجيبة قابلة للإنكار!!، وما هذا شأنه لا يمكن أن يكون داعي العلماء من إدراجه في كتبهم المعتمدة بيان لزوم الاعتماد عليها أو الحكم بصحتها مثلا، أو جعل الاعتقاد بصدقها واجبا، حاشاهم عن ذلك، بل إنما غرضهم من نقل هذه الحكايات مجرد الاستئناس بذكر الحبيب وذكر دياره، والاستماع لآثاره مع ما فيها من رفع الاستبعاد عن حياته في دار الدنيا، وبقائه متنعما فيها في أحسن عيش وأفره حال!!...(٩٧).
وتفسير الأئمة عليهم السلام، وغيرهما.
وكما سمعهُ منه عليه السلام ابن طاووس في السرداب الشريف(٩٨)، وكما علمه محمد بن علي العلوي الحسيني المصري في حائر الحسين، وهو بين اليقظان والنائم.
أقول: لم يَعلم انه الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف يقينا، بل ربما هي رؤيا صادقة مع صفاء النفس، ونقاء الروح، وخلوصه لله تعالى وقتئذ، فتأمل.
وقد أتاه الإمام مكررا وعلمه، إلى أن تعلمه في خمس ليال وحفظه، ثم دعا به واستجيب دعاؤه، وهو الدعاء المعروف بالعلوي المصري(٩٩)، وكغير ذلك مما يقف عليه المتتبع ويحتمل...
(ولعل...).
أقول: وتفسيره بالاحتمال ولعل _ التي تفيد التوقع مطلقا من غير جزم.. وتختص بالممكن الذي لا وثوق بحصوله إلا في كلام الله تعالى _ وهذا قولهم دائما بـ (لعل والاحتمال) على نحو التشكيك والتقليل والاحتمال، لا على نحو الجزم واليقين، فكيف نثبت به حكما شرعيا، وطريقه غير مُعبد.
أن يكون هو الأصل أيضا في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطلع على قول الإمام عليه السلام لما وجده مخالفا لما عليه الإمامية أو معظمهم، ولم يتمكن من إظهاره على وجهه، وخشي أن يضيع الحق، ويذهب عن أهله، جعله قولا من أقوالهم، وربما اعتمد عليه وأفتى به من غير تصريح بدليله، لعدم قيام الأدلة الظاهرية بإثباته...
(هذا هو الأصل أيضا في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطلع على قول الإمام عليه السلام لما وجده مخالفا لما عليه الإمامية أو معظمهم، ولم يتمكن من إظهاره على وجهه، وخشي أن يضيع الحق ويذهب عن أهله، جعله قولا من أقوالهم، وربما اعتمد عليه وأفتى به، من غير تصريح بدليله، لعدم قيام الأدلة الظاهرة بإثباته...).
أقول: إن المولى عز وجل الذي أمر الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف بالاختباء والغيبة عن شيعته ومواليه، أولى بالخشية من ضياع الحق وانتشار الفوضى بين الناس _ على الفرض _ لعدم إيصال أوامره ونواهيه لهم بحكم عدله ولطفه معهم، وبالتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار، لاسيما راعي العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ولكنهم عليهم السلام بعد أن بينوا الأصول والقواعد وجملة الأحكام والسنن، وجهوا أصحابهم إلى هذه الأصول والأحكام وكيفية التعامل معها، وحددوا سير طريقهم إلى الالتزام بفقهاء الأمة الأبرار الأخيار...
ثم كيف لنا الوثوق بهذه الأقوال والركون إليها، ودخول الاحتمال المبطل للاستدلال على هذه الأقوال المجهولة، _ كما يقول _ مما لا ريب فيه، فهل تبقى حجية للاستدلال بها، والعمل على طبقها، تُعادل الحجية الظاهرية للروايات والأخبار الواردة، بالطرق المعتبرة والأدلة الثابتة عن المعصوم عليه السلام، والجاري العمل عليها من غيبته عليه السلام، وحتى يومنا هذا بين علمائنا الأعلام وفقهائنا الكرام رضي الله عنهم، سنة وسيرة قطعية ثابتة، وهو ما ورثناه منه قبل غيبته عجل الله تعالى فرجه الشريف وأرشدنا إليه.
بناء على إمكان ذلك كما مرّ، ولعل هذا الوجه فيما تقدم في الوجه الثاني، عن بعض المشايخ من الاعتبار لتلك الأقوال، والميل إليها، وتقويتها بحسب الإمكان، لاحتمال كونها أقوال الإمام ألقاها بين العلماء، لئلا يجمعوا على الخطأ، فيكون طريق إلقاءها وهو ما ذكرنا، إذ لا يتصور غيره ظاهرا...
(ولعله الوجه أيضا فيما عن بعض المشايخ من اعتبار تلك الأقوال أو تقويتها بحسب الإمكان، نظرا إلى احتمال كونها قول الإمام عليه السلام ألقاها بين العلماء، كيلا يُجمِعوا على الخطأ، ولا طريق لإلقائها حينئذ إلا بالوجه المذكور)(١٠٠).
أقول: وقولي إشارة إلى كثرة اعتماده وبناءه على الاحتمال فقط، برمز؟؟؟!!!.
ثم نحن لم نسمع ولم نعرف بحجية طريق شرعي مثل هذا، ولو احتمالا كما يقول قدس سره، ولكن أسأل هل صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف مأمور في إبلاغ الأحكام الواقعية في عصر الغيبة الكبرى، أم أن خطابه يبدأ عند ظهوره العلني عليه السلام بعد الصيحة وخروج السفياني؟ فتأمل، وراجع.
وقد مرّ الكلام في ذلك هنالك ولا يخفى أن العلم بقول الإمام على الوجه المذكور وإن اتفق لأوحدي من الناس نادرا لمصلحة خاصة اقتضت ذلك كعموم البلوى بالحكم...
أقول: هناك الكثير من الأحكام الشرعية الخلافية العامة البلوى، والتي مازالت الآراء متضاربة فيها بين فقهاء الشيعة الإمامية من زمن الغيبة الصغرى وحتى يومنا هذا، ولم ينكشف الخلاف بينهم، ولم يتضح الدليل الواقعي لذلك من إي طريق، كالخلاف مثلا في وجوب صلاة الجمعة زمن الغيبة، فبعض الفقهاء أوجبها، وآخرون حرموها، وجملة منهم أوجبوها بالوجوب التخييري مع صلاة الظهر، وغير ذلك من الأحكام الشرعية الخلافية التي تعم بها البلوى، التي مازال نظر فُقهائِنا يدور في فلكها نفيا وإثباتا، كل حسب دليله ومبناه، ولم نَرَ بيانا وانكشافا من الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف في وجه ذلك، وهكذا جملة من المسائل الخلافية.
أو اشتداد حاجة ذلك الواحد إليه...
أقول: ذلك أمر خاص بالواحد لا يشمل عموم الناس والمكلفين، فهو ودعواه وحاجته، وما أشد حوائج الشيعة والموالين في عصور القهر والاستبداد والظلم!.
أو غير ذلك، كما أشرنا إليه في الوجه الثالث، فلا ريب في أنه لا يمكن جعله مبنى الإجماع المعروف الذي هو من عمد الأدلة الشرعية، ونفعه يعم الجميع في كثير من المسائل الدينية...
أقول: وهذا محل نزاع بين الفقهاء على حجية عموم الإجماع، ما لم يحرز دخول المعصوم عليه السلام فيه.
 بل لا يمكن إدخال ما يبتنى عليه في الإجماع المحصل أصلا، كما تقدم في أوائل الرسالة، وإنما يندرج في المنقول بالنسبة إلى الجاهل بالحال، ويكون حجة ظنية معتبرة على بعض الوجوه، كما يأتي بيانه على التفصيل والله الهادي إلى سواء السبيل(١٠١).
أقول: أي الإجماع المنقول، ويبني الجاهل بالحال على أنه منقول، وهنا تسكب العبرات على حجية هذا الإجماع وثبوته، وأما مع علمه بالحال، وأنه إجماع تشرفي فمَرَّ الكلام في رده ولا نُعيد.
ومن كلام للمحقق الكاظمي في مَعْرِضِ رده على قاعدة اللطف ما ينفع المقام قال: وان الإمام الذي هو قوام الأرضيين والسموات، ومظهر الإفاضات والخيرات والسعادات، ولا يقوم مقامه غيره أبدا، لا يجب عليه أن يَظهر مع الخوف والتقية، ويلقي في نفسه في التهلكة، إذا لم يُمكنه الله سبحانه، ولم يعصمه منها، لبيان حكم من الأحكام الأصلية، أو فرع من فروعها، يقوم غيرهما مقامهما، عند العجز عن العلم بهما، والعمل بمقتضاهما، ولاسيما إذا كانا بحيث لا يتفق الحاجة إليهما أصلا أو تتفق نادراً جداً، وأنه لا يجب عليه أن يكتب كتاباً جامعاً لجميع الأحكام، خالياً من شوائب الإجمال والإبهام، ويلقيه بين أوليائه الكرام، كيلا يضلوا، ولا يزلوا، ولا يختلفوا إلى زمان ظهوره عليه السلام بين الأنام، ولذلك لم يصنعه هو في غيبته الصغرى حال وجود سفرائه، ولا بعدها مع عدم خوف منه على نفسه، أو على شيعته، وفقد ما يغني عنه قطعاً، ولم يفعله أيضاً سائر الأئمة، ولا النبي قبله، مع عظم الحاجة إليه بلا ريبة، ولا يلزم أيضا أنه كلما رأى أحداً منهم وقع من غير تقصير، في خطأ أو شبهة، في مسألة معضلة أن يَظهر بنفسه، ويبينها له، أو يرسل إليه، أو إلى جماعة غيره، يقوم بإخبارهم الحُجة أو واحد أخر، كذلك من يقوم في ذلك مقامه ويحل محله، حتى يرى رسله دائما تترى، ليلا و نهارا، شرقا وغربا، يمينا ويسارا، بلا فترة ومهلة، ولذلك أنقطع أمر السفراء، ووقعت الغيبة الكبرى، ولم يُوجد مما ذكر أثر أصلاً، في هذه المدة المتطاولة، مع كون دواعيه متوالية متواصلة، ولاسيما فيما تعم به بلوى الشيعة، وكثر الاختلاف فيه بين علمائهم في الأعصار الطويلة، وما تجدد الحاجة إليه في زمان الغيبة، ولم يحتجّ إليه قبله، كمسألة سهم الإمام من الخمس أو جميعه بعد غيبته، مع أنها راجعة إليه وهي مسألة واحدة معطلة، ولم يظهر بيان ثابت منه عليه السلام لها أصلا فغيرها بذلك أولى، وما وجد في قصة الجزيرة الخضراء المعروفة من حكمها، فلم يثبت على وجه ينهض بالحجية، مع أنها إنما اتفقت بعد مضي ما يزيد على أربعمائة سنة من الغيبة، ولم يصدر فيها بيان المسألة من الإمام بقصد الإرشاد والهداية، لعامة الشيعة على الوجه المطلوب منه، ويقرب منها مسألة صلاة الجمعة في الغيبة، أو حال عدم استيلاء الأئمة، وهي مذكورة في تلك القصة أيضاً.
والحاصل أن حرمان الخواص، فضلا عن غيرهم من فوائد إرشاد الإمام وتعليمه، لما خفي عنهم أمر معلوم لا يعتريه ريبة، وهذا مولانا المقدس الأردبيلي، الذي لم يسمح الدهر في الورع والتقوى والزهد والفضل بمثله، وقال العلامة المجلسي طاب ثراه في (البحار): إني لم أسمع بمثله في المتقدمين والمتأخرين رفع الله مقامه في أعلا عليين، وقد اشتهر عنه حديث رؤيته للقائم عليه السلام، وسؤاله عن بعض المطالب، ومع ذلك لا تجده في أكثر المسائل، إلا أنه من كثرة احتياطه واستشكاله فيها بمنزلة العامي الجاهل، وعلى هذا جرى كثير من المتورعين الأفاضل، فكيف حال غيرهم... وأقصى ما يمكن أن يقال في المقام هو أن العلماء وإن كان حال ظهور الإمام واستيلائه، لا يجوز لهم في غير القطعيات التي علم فيها الحكم الواقعي، أن يعملوا بما هو الآن في أيديهم، ويتمسكوا في استنباط الأحكام بما هو المتعارف لديهم، إلا أنهم في حال عدم استيلائه أو غيبته، إذا اجتهد الموجودون منهم في كل عصر بحسب ما يمكن في أزمانهم، واستفرغوا وسعهم في تتبع الأدلة الواصلة إليهم، على اختلاف أحوالهم، ولم يألوا نُصحاً في إمعان النظر بحسب مقدورهم واستعدادهم، وانتهى أمرهم إلى حكم من أحكامهم، واستقر رأيهم عليه بلا مزاحم، فقد أدّوا ما عليهم، وليس عليهم أن يبتغوا نفقاً في الأرض، أو سُلما في السماء فيأتوا بأية، فإذا علموا ما أتاهم، وعملوا به، وتصالحوا على حكم، فلا محالة يكون ذلك هو الحق المطلوب منهم، ومن أتباعهم واقعا، سواء كان في نفس الأمر، وهو الحكم الواقعي الأولي، أو الثانوي المسمى بالظاهري، إذ لو كان باطلا لا يجوز إتباعه أصلاً، لما سوغ الأئمة عليهم السلام العمل به، وما قرروا لمعرفة الأحكام طرقا مؤدية إليه، وما أوقعوا الاختلاف بين أصحابهم، ولوجب على الله تعالى نصب دليل على الحق المطلوب منهم، بحيث يمكنهم الوصول إليه، وتمييزه من غيره، فإذا توقف على ظهور الإمام، أو إرساله من يوثق بقوله، وجب على الله تمكينهم من ذلك، ووجب على الإمام القيام بحسب ما أمكن في حقه، وإلا لزم تكليفهم بما لا طريق لهم إلى معرفته، مع عدم تقصير منهم... فإن التكليف منوط بالأسباب الظاهرة المحققة بلا نكير، لا بما ثبت في علم الله وقدرته على سبيل الفرض والتقدير، وعلى هذا مبنى أصل الثواب والعقاب(١٠٢).
ومن كلمات للسيد علي بن طاووس تناسب المقام، قوله: مع أنه عليه السلام حاضر مع الله جل جلاله على اليقين، وإنما غاب من لم يلقه عنهم، لغيبتهم عن حضرة المتابعة له، ولرب العالمين(١٠٣).
أقول: وفي عقيدتي من كانت هذه صلته برب العالمين عز وجل، ومن كان هذا شأنه عند حجة الله عليه السلام، فهو أسمى من أن يدعي لنفسه مثل هذه الدعوى ويشيعها، وإن كانت جارية في الجملة مع غياب الهوية، ويضع نفسه موضع التهمة والقيل والشبهة، فضلا عن مخالفة ظاهر كلام الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف في التوقيع الأخير الصادر منه عليه السلام، إلى السفير الرابع الشيخ السمري رضي الله عنه، وقد مَرّ ذكره، وإجماع المذهب، ومخالفة ضرورة من ضروراته.
وبكلمة مختصرة (الصادق لا يدعي الرؤية).

* * *
دعوى الانتساب إلى الإمام المهدي بين الحقيقة والوهم

من لطيف ما يذكر ما طرحه الأستاذ عبد الغني الملاّح المَوصِليّ في كتابه الموسوم (المتنبي يسترد أباه) وهو يحاول في هذا الكتاب أن يقرر أن الشاعر الكوفي الكبير ابا الطيب المتنبي رحمه الله هو ابن الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام، في نظرية رائدة في ذلك كما يقول: ورائدي في هذه المحاولة علم النفس ومشتقاته التي تحتم على الباحث أن يسال دائما لماذا؟)(١٠٤)، وقد استخلص نظريته واستنتج رأيه هذا، مما طرحه الأستاذ محمود محمد شاكر والأستاذ إبراهيم العُرَيِّض في بحثين مستقلين لكل منهما، _ وكما قال _ إذ هما أول من كشفا النقاب عن نسب المتنبي وردّاه إلى أصله العلوي)(١٠٥).
ولا يخفى أن الاعتماد على علم النفس وتحليلاته من خلال النظر في جملة من الأبيات الشعرية والتأمل في بعض المقاطع المُجتزأة من قصائده، مع عدم معرفة القرائن المحيطة بالمناسبة، والظرف الذي قيلت فيه، والحال التي كان عليها الشاعر المتنبي، والمجتمع الذي ألقيت فيه القصيدة ونحو ذلك، ثم البناء على بعض المرويات التي حُمِلت أكثر من طاقتها، وأخذت أكبر من وعاء ظرفها، لجدير بنا أن نتوقف عن قبول هذه النظرية ودراستها من الناحية التاريخية، وإن كان لا غبار في سقوطها من الناحية العقائدية والمذهبية للشيعة الإمامية، وليس هذا مجال إِثبات ذلك.
ثم أننا لا نلوم الكاتب الملاح في رأيه؛ لأنه عامي المذهب، لا يعتقد بالإمام المهدي، وينظر إلى الإمام المهدي كشخص عادي، لا على أنه إمام معصوم، مكلف إلهِيّاً، ومسدد سماويا، وانه يعيش ظرفه الخاص، ويجري عليه ما جرى على الأولين من السنن الإلهية كالخضر وإلياس وعيسى عليهم السلام، وهم ما زالوا أحياء، بل أسنّ من الإمام المهدي وأطول عمرا، فرفض طول عمر الإمام عليه السلام فسلجياً لهذه الفترة الزمنية الطويلة!، ونكس ميزانه من إحدى الجهتين، وقرر أخيرا إِعلان وفاة الإمام المهدي في أواخر الغيبة الصغرى.
ولم نعرف من الباحث وجه تحديد فترة غياب الإمام المهدي بالصغرى، وهل هناك غيبة كبرى بالنسبة إلى الباحث مقابل الصغرى، متى تبدأ؟ ولمن تبدأ؟ بعد أن أعلن وفاة الإمام المهدي... وإن كان يستشف من كلامه أنها اختراع سياسي...!!؟؟.
ثم أنه نظر إلى الإمام المهدي كأنه يعيش في ظروف طبيعية غير استثنائية، يتزوج ويتمتع وَيَتَسرى و.. وأن أصحابهم لهم الولاية عليه وعلى زوجته المزعومة وأهلها، فمنعوه عنهم وهددوا الزوجة وأهلها بالكتمان وإلا..، حفاظاً على سلامة الإمام من أن يُكشف أمره، لكونه قائد تيار سياسي مذهبي، هدفه إزالة خلفاء بني العباس وولاتهم من الحكم فقط، بعد أن عاثوا في الأرض فسادا، وأراد أن ينقذ الأرض من جورهم وظلمهم، ويملأها قِسطا وعدلا!!.
وليته أبقى الإمام المهدي حيا يرزق، فربما تكسب نظريته شيئا من التأمل عند القارئ، لا الرفض المباشر، نتيجة ما استنتجه الباحث من أن سلوكيات الشاعر المتنبي وسيرته، من التنبؤ والترفع عن الناس، والتفاخر والتعالي عليهم؛ بسبب انتماءه العلوي، وبالخصوص إلصاقه بنسب الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري! وإن كان أصل ذلك هو محض خيال الباحث ووحيه.
وحيث أن أبا الطيب المتنبي قد طلب الولاية والحكم من بعض حُكام عصره، فيمكن استنتاج القول أنه كان يريد أن يمهد لدولة أبيه _ المفترض على زعم الباحث _.
وعلى هذا تكون الحبكة أقوى، والخيال فيها أوسع، وقد يتأمل فيها الشيعي الإمامي، ويقف عندها نحوا ما، قبل أن يطردها من ذهنه!؟ كأوهام السراب...
وعزاؤنا قول الباحث نفسه: اني طرحت فرضية عن نسب المتنبي.. مجرد نظرية فرضية)(١٠٦)، ومن المعلوم الثابت أن كثيرا من النظريات لا أساس لها في الواقع، ولا يعول عليها، وتبقى في إطار التندر والتفكه بذكرها في المجالس والنوادي.
ثم يأتي الآن التساؤل الواقعي هل للإمام المهدي أولاد وذرية، وهل تزوج الإمام عليه السلام من النساء وأعقب منهن فعلا؟؟ سؤال يطرح نفسه بقوة هنا، والإجابة عنه تحتاج نحوا من التأمل والتروي في الكلام.
وحيث اننا لم نحط بكل الجوانب والنواحي التي ترتبط بالإمام الحجة عليه السلام، ولم نقف على جميع الحقائق والملازمات التي تتصل بالإمام، فلا يمكن الحكم بالثبوت أو النفي في ذلك ابتداء.
وحيث أن وضع الإمام المهدي الحياتي والاجتماعية استثنائي، دقيق وحرج، وحاله ليس كحال وضع الإنسان العادي الذي يتمتع بكافة الامتيازات الحياتية والأحوال الاجتماعية بحرية وسلامة. حتى إن جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد وصفه بالطريد، الشريد، الموتور، حيث قال صلى الله عليه وآله: بأبي ابن خيرة الإماء، النوبية، الطيبة _ يقصد الإمام محمد الجواد _.. يكون من ولده الطريد الشريد الموتور بأبيه وجده، صاحب الغيبة، فيقال: مات، أو هلك، أو أي واد سلك!؟(١٠٧).
وروى ابن العياش في (مقتضب الأثر) أن عليا عليه السلام كان إذا أقبل الحسن قال: مرحبا يا ابن رسول الله، وإذا أقبل الحسين، قال: بأبي أنت وأمي يا أبا ابن خير الإماء. فقيل له: يا أمير المؤمنين ما بالك تقول هذا للحسن، وتقول هذا للحسين؟ ومَنْ ابن خيرة الإماء؟ فقال: ذلك الفقيد الطريد الشريد: محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام هذا، ووضع يده على رأس الحسين عليه السلام(١٠٨).
هذه حال الإمام المهدي عليه السلام مِن كونه طريداً شريداً موتوراً، سائراً في الأرض لا يستقر بمكان.
فيتضح والحال هذه أنَّهُ من البعيد أن يأخذ جانبا من اهتماماته الكبرى وقضاياه العظمى تأسيس اُسرة وانسال أولاد ونحو ذلك في هذا الظرف الخاص والاستثنائي التي اقتضته المشيئة الإلهية، وانه لم يزل في حال ترقب وتنقل لا في حال استقرار وأمان.
على أنه يمكن القول بان له الحق في التمتع أو التسري بل الزواج، مع عدم تحديد هُويته، وبصفته فردا عاديا في المجتمع، بمقتضى حاجته الفسلجية، أو تطبيقا لسنة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم المؤكدة والحاثة على النكاح، وقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني)(١٠٩).
إلا أن الإرادة الربانية قد تحصنه من الإنسال، أو ربما يعقب أولادا عند امرأة ما، حتى إذا ما بلغ من الزمن حدا غاب عنهم أو اختفى، أو يفُقد خبره بما يشتبه عليهم الحال، وحتى لا ينكشف أمره أمام زوجته، ولا يعرفه الأولاد على الفرض، أو قبل أن تثار الشكوك حوله ويبدأ التساؤل، بأن والدهم لا يشيخ ولا يهرم ونحو ذلك، فيختفي عنهم وينسى خبره عندهم، أو تنتهي هذه الأسرة بموتهم جميعا، ونحو ذلك من الأسباب الطبيعية التي يمكن أن تحصل في المجتمع لبعض الأشخاص العاديين ممن قد أخفوا هُوياتهم الحقيقية، لغرض ما سِنين عديدة، ثم لم يعرفوها إلا بعد حين...
وعلى فرض وجود الذرية، فإنهم يجهلون نسبهم الحقيقي، واثبات نسب هؤلاء الأولاد _ على الفرض _ إلى الإمام الحجة عليه السلام، وإقامة الدليل على ذلك، دونه خرط القتاد(١١٠)، كما يقال في المثل.
قال سيدنا الأستاذ الشهيد الصدر الثاني قدس سره: إذن فلابد من الالتزام بعدم وجود الذرية للمهدي عليه السلام بالنحو المنافي لغيبته، أما بانعدام الذرية على الإطلاق، أو بوجود القليل من الذرية التي تجهل حال نسبها على الإطلاق، كما يجهله الآخرون، ولعلنا نصادف بعضا منهم، ولكن إثبات نسبه في عداد المستحيل(١١١).
وأنّى لهم إثبات ذلك، ولا دليل قائم يدل عليه، ولا شاهد يعضده، بل أن مقتضى هذه الدعوى النسبية إليه، دليل على أنهم عاشروا الإمام عليه السلام وشخصوه وعرفوا هويته _ هم أو آباؤهم على فرض النزول _، وهذه الدعوى نحن مأمورون بتكذيبها ونفيها تبعا للنص الوارد عن الشيخ السمري الأخير (ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
وعليه، فإن كل دعوى نسب تنتهي صلتها إلى الإمام المهدي فهي دعوى باطلة وزائفة، تحتاج إلى إقامة الدليل المتين والحجة الدامغة على ذلك، ودونه خرط القتاد.
أما إثبات ذلك، بالاعتماد على التأويلات الخرقاء، والاستنتاجات الجوفاء، التي تضحك منها الثكلى في ذروة مصابها، أو بالاعتماد على الأحلام والمنامات! التي لا تروي ولا تشبع، لمن كان له عقل سليم، فإن مثل هذه الخيوط الواهية والحكايات البالية، نجدها كثيرا ما تدور على ألسن العجائز، وفي مجالس البطالين.

* * *

هذا، وإن من أساسيات معرفة نسب شخص ما، وضوابط تحديد ثبوت الأنساب، وطرق الوصول إلى إثباتها، جملة من الأدلة الشرعية، وقد اعتمد عليها الفقهاء رضي الله عنهم، كما اعتمدها النسابون، في إثبات الأنساب.
إذ إِن نسب أي شخص كسائر الموضوعات الخارجية يثبت عند الشك فيه بعدة طرق، على الفقيه أو النسابة الاعتماد عليها في إثبات نسب ذلك الشخص، في ضمن الموازين المصطلح عليها عند الفقهاء والنسابين، في الكشف عن الموضوعات الخارجية المتصلة بعملهم، وذلك في ضمن مقررات الشرع الإسلامي الحنيف، القائم أساسه على الكتاب العزيز، وما بينته السنة المطهرة للمعصوم عليه السلام، وما عمل به الفقهاء الأبرار رضي الله عنهم.
وبعد التتبع والاستقصاء، اتضح أن آلية ثبوت النسب عند الفقهاء والنسابين، تعتمد على أحد الأمور أو الطرق السبع التالية(١١٢) لا غير:
الطريق الأول: العلم الوجداني:
وهو إذا علم الحاكم الشرعي، أو النسابة الموثوق الخبير، أن الشخص الفلاني ينتسب إلى فلان بن فلان، أو إلى العشيرة الفلانية، فَيَثبت نسبهُ عندهما، ما لم تكن هناك تهمة في البين؛ لأن حجية العلم ذاتية لا يُحتاج في ثبوتها إلى توسط دليل شرعي.
هذا ولم نسمع على مرِّ السنين وتطاول القرون، مع غاية الاستقصاء والبحث، أن أحدا من العلماء الأعلام أو النسابين الثِقات أو المؤرخين عموما، ادعى أن الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام له ذرية وأولاد، ولم يذكر ذلك كلُ من كتب عن سيرته ومسيرته بالخصوص.
وهذا يدل على بطلان كل دعوى تشير إلى هذه النسبة سواء من قريب أو من بعيد.
أما ما روي في قصة الجزيرة الخضراء المذكورة في (بحار الأنوار)(١١٣).
أقول: وهي قصة أقرب إلى الخيال من الواقع، تحكي مشاهدة حية لبعض الأشخاص المجهولين، أدعى أن للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أولادا وأحفادا يتناسلون ويعيشون في جزيرة واقعة في البحر الأبيض تعرف بـ (الجزيرة الخضراء)، وأن الحياة فيها والتعامل بين أهلها في صورة أقرب إلى صورة المدينة الفاضلة.
وهذه الجزيرة حتى يومنا هذا لم يُعرف موقعها جغرافيا، أو تحدد خارطتها على سطح الأرض، أو تُرصد فلكيا، برغم الاكتشافات الحديثة، والمسح العام لخارطة كوكب الأرض بواسطة الأقمار الاصطناعية ونحو ذلك...
فهو حديث لا واقع له، ولا يَعضُده نقل صحيح، ولا نص صريح.
هذا وان من جملة ما أفاده آية الله البحاثة الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتاب (الذريعة) تعليقا على قصة (الجزيرة الخضراء) ما جاء فيه: وقد حكى خصوصيات تلك الجزيرة من ادعى أنه رآها بعينه، وهو الرجل الجليل، الذي لم يعلم اسمه؟! ولم يعرف شخصه قبل مجلس نقله؟!...
وبالجملة لم تصل هذه الحكاية إلينا إلا بالوجادة، ولم نعرف من أحوال الحاكي لها،إلا أنه كان رجلا محترما في ذلك المجلس، وقد اشتمل سندها على عدة تواريخ تناقض ما في متنها، واشتمل متنها على أمور عجيبة قابلة للإنكار، وما هذا شأنه لا يمكن أن يكون داعي العلماء من إدراجه في كتبهم المعتمدة، بيان لزوم الاعتماد عليها أو الحكم بصحتها مثلا، أو جعل الاعتقاد بصدقها واجبا، حاشاهم عن ذلك، بل إنما غرضهم من نقل هذه الحكايات مجرد الاستئناس بذكر الحبيب وذكر دياره، والاستماع لآثاره مع ما فيها من رفع الاستبعاد عن حياته في دار الدنيا، وبقائه متنعما فيها في أحسن عيش وأفره حال!!...(١١٤).
الطريق الثاني: الفراش:
وهو كناية عن الزواج الصحيح، فمن ولد من هذا الزواج مع إمكانه، بأن تحقق الدخول بالزوجة، ومضت ستة أشهر على الوطء، وان لا يتجاوز أقصى مدة الحمل، وهي تسعة أشهر على المشهور، وقيل عشرة أشهر وقد يؤيده الوجدان، فيثبت نسبه تبعاً لذلك.
فلو وطئ المرأة فجورا واطئ، فلا يلحق الولد بالفاجر أو الزاني، إن أمكن إلحاقه بالزوج، ولا يعارضه؛ لأن الزاني لا ولد له، لما استفاض عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: الولد للفراش وللعاهر الحجر(١١٥).
والعهر بفتحتين الزنا، أي للزاني الخيبة والحرمان، وان كان الولد شبيهاً به لإطلاق النص، وقال ابن القيم: فأما ثبوت النسب بالفراش فأجمعت عليه الأمة(١١٦).
أما لو وطئها واطئ شبهة(١١٧)، بحيث يمكن تولده من الزوج والواطئ شبهة، أُقرع بينهما، ويلحق المولود بنسب من وقعت عليه القرعة؛ لأن وَطىء الشبهة فراش أيضا، لا زنى، بل لو أمكن إلحاقه بواطئ الشبهة دون الزوج لحق به، من غير قرعة، وبالعكس على المشهور.
وعليه فإننا مع غاية الاستقصاء والبحث، لم نعثر لا في كتب الحديث والعقائد، ولا في كتب التاريخ والنسب عموما، أو خصوص من كتب في سيرة الإمام المهدي عليه السلام ومسيرته، أن ادعى أحد أو أشار إلى أن الإمام المهدي عليه السلام قد تزوج بامرأة ما، سواء أكانت المرأة معلومة النسب أم مجهولة، حتى يُحتمل! أن يقال في حقه أن له ذرية وأولادا، بل حتى في الغيبة الصغرى فضلا عن الغيبة الكبرى.
اللعان:
ولا ينتفي مَنْ وِلِدَ على الفراش إلا باللعان وهو لُغة الطردُ والإبعاد، وفي الشريعة المقدسة المباهلة بين الزوجين على وجهٍ مخصوص يترتب عليه دفع حد القذف بالزنا أو نفي الولد، والأصل فيه قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(١١٨)، وغايته رفع الحد عن الزوج القاذف زوجته بالزنا، أو نفىِ مَنْ ولِد على فراشه من الزوجة الدائمة المدخول بها، إذا لم يقر به سابقاً بالكناية أو التصريح، حملاً كان الولد أم منفصلاً، مع إمكان لحوقه به ظاهراً _ بالدخول بها، والوضع لستة أشهر فصاعداً من حين الوطء، وان لا يتجاوز أقصى مدة الحمل على الوجه المقرر _ وإلا انتفى الولد من غير لعان.
بل هنا يجب النفي لو ترتبت أحكام الولد عليه من الميراث، والنكاح، والنظر إلى المحارم، وغير ذلك مما لا يرتضيه الشارع المقدس، فيما إذا سكت عن ذلك، مع علمه بعدم تكوّنه من نطفته، من جهة اختلال شروط الإلحاق به، كما لو ولدته على فراشه بعد مضي أقل مدة الحمل من حين التزويج، ولكن كان لوطئه لها أزيد من أقصى مدة الحمل، فهو لاحق به ظاهراً، لكونها فراشاً بحيث يمكن إلحاقه به، وهو يعلم انتفاءه عنه، كما مَثَلَ الشهيد الثاني في (مسالك الإفهام)(١١٩) وغير ذلك.
فيجب عليه حينئذ نفيه باللعان، فينتفي الولد عن الرجل شرعاً ولا يتوارثان، ولا يلزم ذلك كونه ابن زنا، وتكون المرأة أمه شرعاً فيلحق بها، وإلا يحرم عليه إنكاره؛ لأن الولد لاحق به شرعاً بالفراش، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيُّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله تعالى منه، وفضحه على رؤوس الأوّلين والآخرين يوم القيامة(١٢٠).
الطريق الثالث: الشهرة:
وهي الشهرة المتاخمة للعلم في بلده، وفي محيطه الذي ولد فيه الشخص وأبوه وأجداده، لا المحيط والبلد الذي طرأ عليه حديثاً، ومنشأ معرفتهم به ناتج عن إخباره، فلو سألتهم عنه يقولون: هو يدعي ذلك، لا نعرف أصله السابق، ولكن أخبرنا بذلك، سمعنا ذلك منه.
وهذا يختلف عن قولهم: المعروف في بلدنا انه من آل فلان، أو انه حسني، أو حسيني، أو من بني أسد، أو من بني ربيعة، أو إن أبي وجدي أخبرونا بأن هؤلاء سادة معروفون، أو المعروف والمشهور لدينا أباً عن جد، أو المشاع والمتداول في بلدنا أن هؤلاء سادة حسينيون، أو أنهم سادة وأشراف بلدنا، أو أنهم مثلا من عشائر السواعد، كل ذلك مع إفادة الاطمئنان، يثبت نسب هذا الشخص.
والشهرة حجة شرعية وعقلائية على ثبوت النسب باعتبار أن الاشتهار بالنسب لفلان مع عدم وجود معارض له، يثبت له النسب؛ لان الشهرة إخبار عن أمر آخر، وهو ثبوت النسب للولد وانه فلان بن فلان، وكما يقال في الموت، قد يثبت بالشهرة والاستفاضة لتعذر مشاهدة الميت لجميع الشهود في أكثر الأحيان.
والشهرة تفيد الظن المعتبر والاطمئنان فيما يتعذر علمه بدونها غالبا.
وقد صرح ابن قدامة في (المُغني): واجمع أهل العلم على صحة الشهادة بها _ أي بالشهرة والاستفاضة _ في النسب والولادة، قال ابن المنذر: أما النسب فلا اعلم أحدا من أهل العلم منع ذلك(١٢١).
وتُعد الشهرة في يومنا هذا من أهم الطرق التي لابد أن يعول عليها الحاكم الشرعي، أو النسابة في ثبوت النسب.
وعلى هذا، فان كل من ادعى الانتساب إلى عشيرة أخرى غير عشيرته، أو قوم لا صلة له بهم سابقا، ومنها دعوى الانتساب إلى الإمام المهدي عليه السلام!! بخلاف ما اشتهر به وعرف من الانتساب إلى قومه وعشيرته، في وسط محيطه الاجتماعي الذي ينتمي إليه، فان التوقف في إثبات دعوى هذا النسب وعدم قبوله هو الأصل، فيرد على صاحبه، ولا يمكن ترتيب أي أثر شرعي أو اجتماعي عليه، إلا أن تكون هناك أدلة واضحة لا غبار عليها، وحجج ثابتة غير مهلهلة، تؤيد هذه الدعوى.
الطريق الرابع: البينة الشرعية:
وهو أن تقوم البينة الشرعية على نسب شخص وصحته، وانه ابن فلان، أو ولد على فراشه، أو يعرف بين القوم انه من أولاده، أو انه من العشيرة الفلانية أو غيرها.
وهي شهادة رجُلين، مُسلمين، عادلين، بالغين، حُرين، يُطمأنُّ بعقلهما، غير ساذجين، تُعرف عدالتهما إما بالاختبار، أو بالتزكية، فحينئذ يمكن العمل على قولهما مع الاطمئنان.
فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام في تفسير قوله تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)(١٢٢) قال: ممن ترضون دينه وأمانته، وصلاحه وعفته، وتيقظه فيما يشهد به، أو تحصيله وتمييزه، فما كل صالح مميزاً ولا محصلاً، ولا كل محصل مميز صالح(١٢٣).
وهذه البينة الشرعية تبنى على الشهادة الحسية، مع معرفة الشهود وتعيينهم، ولكن كيف لنا إيجاد هكذا بينة لإثبات نسب يتصل بالإمام المهدي عليه السلام؟!!.
لا أن تُبنى البينة الشرعية على الشهادة الحدسية، أو تبنى على إخبار شخص آخر، أو على الأحلام والمنامات، فإن كل ذلك لا أثر له في إثبات نسب ما من الناحية الشرعية، حتى لو تجاوز عددها مئة شاهد!، وتُعد هذه الشهادات من جملة الخيالات والأوهام.
هذا، ولا يثبت النسب بشهادة رجل وامرأتين، ولا بشهادة رجل ويمينه، ولا بشهادة أربعِ نساء.
وقد ذهب إليه كل من المالكية، والشافعية، والحنابلة(١٢٤)، ولا يثبت بشهادة فاسقين، وان كانا وارثين، على المشهور.
الطريق الخامس: خط احد علماء النسب:
واثبت النسابون إن مما يثبت نسب شخص ما، إمضاء وتوثيق نسبه بخط أحد علماء الأنساب، الموثوق بأقوالهم، المحققة الدقيقة والمضبوطة، المشهورين بأفعالهم المحمودة التقية، الورعة الصادقة، مع التحقق من نِسبة خَطه إليه، ومعرفته بتحققهِ.
فحينئذ إذا ثبت بخط ذلك النسابة الموثوق شيء، عُمل عليه، أما بناءً على حجية قول أهل الخبرة، أو أن سيرة العقلاء جارية على الأخذ بقول الثقة، وان كان منفرداً أو ميتاً، ما لم يَردع عنها الشارع، إلا في موارد خاصة أمر بالتعدد والحياة كالشهادة على الزنا والقتل وغيرهما.
على أن يكون قول هذا الناسب الخبير صريحاً في إثبات النسب أو نفيه، وهواما راجع إلى اجتهاده وخبرته ودرايته، كقوله مثلا: هذا نسب فلان. فهذا القول هو المعتمد في صحة هذا النسب، ويكون في ذمته وعهدته، والمسؤول والمطالب على إقامة الدليل المعتبر عليه، في مصنفاته ومشجراته.
أو راجع إلى نقله النسب كما إذا قال: أملى عليّ هذا النسب فلان، فقد أحال إثبات هذا النسب على المُمْلي وَدَفَعَهُ عنه، وأصبح كالكاتب المأمور، والآلة الناقلة، ما لم يؤيد صحته ويدعمه، فتكون صحة هذا النسب وعدمه في ذمة الُمملي وعهدته، لا في ذمة النسابة.
وكذا لو قال النسابة: قال فلان، فالعهدة على القائل، لا على ناقل القول.
ومما لا يخفى فإن كتب النسب التاريخية الموثوقة والأصول النسبية المعتمدة وغيرها، العامة منها والخاصة، بقسميها المبسوط والمشجرات، لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى أن الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري قد تزوج بامرأة ما، سواء أكانت معروفة النسب أم غير معروفة، فضلا عن نسبة الأولاد والذرية إليه.
على الرغم من أنهم قد أثبتوا ولادة الإمام المهدي من الإمام الحسن العسكري، وحددوا تأريخ ولادته، وخصوا ذرية الإمام الحسن العسكري بولده محمد فقط، ووقفوا في كتب المبسوط والمشجرات على الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ولم يذيلوا عمود نسبه بالأولاد ولا بالذرية.
وعليه، فمن أين لنا أن نثبت أن للإمام المهدي أبناء وأحفادا وذرية معروفين، وادعاء ذلك لشخص ما يحتاج إلى دليل معتبر وشهادة موثوق بها، وهما مفقودان.
فان دعوى المدعي لذلك مردودة عليه، وَمَنْ يرتض هذه الدعوى أو يقرها، فليُنظر في عقله وتأريخه.
وعليه فتسقط كل دعوى نسب تصل إلى الإمام المهدي إما بطريق مباشر أو بالاتصال بسلسلة نسبية؟!، فإن هذا من الوهم الذهني.
أما ما ذكره الشيخ حسين محمد الرفاعي المصري (من رجال القرن الرابع عشر الهجري) في ذيله على كتاب (المشجر الكشاف لأُصول السادة الأشراف) المعروف بـ (بحر الأنساب المحيط) للنسابة السيد محمد بن احمد بن عميد الدين الحسيني النجفي (من أعلام القرن العاشر الهجري) من سلاسل النسب المتأخرة لبعض المصريين، حيث يرفع أنسابهم إلى السيد علي التقي ابن الإمام محمد المهدي ابن الإمام الحسن العسكري عليهما السلام، كما جاء في ص ٦ مشجرة نسب السيد محمد مصطفى من تجار مينا البصل بالإسكندرية، وص ١٥ _ ١٦ نسب السيد هاشم اسماعيل العسكري في مديرية البحيرة، وص ١٦ السيد محمد ابن السيد يوسف، وص ١٧ في نسب حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل عبد الحفيظ محمد نقيب الأشراف بمدينة اسوان، وص ٢١ نسب إسماعيل أفندي حسن من أهالي دراو مركز ومديرية أسوان، وغيرها(١٢٥)، إنما هو خطأ فاحش، واشتباه قطعا، وخلط في الأسماء، مما يسقطها عن درجة الاعتبار،على فرض الثبوت.
وإلا فإن مقتضى التحقيق يظهر أن هذه السلاسل النسبية حقها أن ترفع إلى جعفر (التواب) ابن الإمام علي الهادي عليه السلام، فإن له ولدا سميَّ حسناً، وهو من المعقبين كما ذكره ابن حزم في (جمهرة الأنساب)(١٢٦) وغيره _ على الخلاف فيه وفي عقبه _ وأعقب الحسن محمداً، ثم محمد أعقب علياً، فاشتبه حال الأسماء، وسقط بعضها، فألصق السيد علي الأخير مباشرة إلى الإمام محمد المهدي ابن الإمام الحسن العسكري، لتشابه الأسماء، وجرى هذا الاشتباه..، وهذا هو الأشبه بالصواب.
وقد حقق ذلك السيد محمد مرتضى الزَبيدي، صاحب كتاب (تاج العروس) في اللغة، والمتوفى سنة ١٢٠٥هـ وغيره(١٢٧)، في المشجر الذي عمله، والمكتوب بخط يده، على كتاب (بحر الأنساب المحيط للنجفي)(١٢٨)، الذي يشتمل على نسب السيد احمد البدوي والسيد إبراهيم الدسوقي المعروفين بانتسابهما اشتباها إلى الإمام محمد المهدي ابن الإمام الحسن العسكري ابن الإمام علي الهادي عليهم السلام، وقد أثبت الزَبيدي نسبتهما في هذا المشجر إلى السيد جعفر (التواب) ابن الإمام الهادي عن طريق ولده إدريس بن الحسن بن جعفر (التواب) ابن الإمام علي الهادي للسيد إبراهيم الدسوقي، وعن طريق محمد بن الحسن بن جعفر (التواب) ابن الإمام علي الهادي للسيد أحمد البدوي، وكما ترى الشبه بين الاسمين محمد بن الحسن بن جعفر بن علي الهادي.. وبين اسم الإمام المهدي محمد بن الحسن بن علي الهادي..، فمن هنا وقع الخلط والاشتباه.
كما أن لجعفر ولدا ثالثا اسمه علي، وابن أخيه محمد له ولد اسمه علي أيضا، فربما تكرر الاشتباه والخلط من هنا أيضا، حيث ورد في المشجرات المغلوطة نسب يتصل بالسيد علي التقي بن محمد المهدي بن الحسن العسكري بن الإمام علي الهادي.. والصواب هو السيد علي التقي بن محمد بن الحسن بن جعفر (التواب) بن الإمام علي الهادي...
ثم أن هذه السلاسل النسبية قد ظهرت متأخرة، ولم يوثق رجال هذه السلسلة النسبية في أصول النسابين المتقدمين والمعتمد عليها، ولم يشيروا إليها في كتبهم ولا في مصادرهم، لا من قريب ولا من بعيد، على الرغم من إجماع أهل النسب والتاريخ على عدم وجود عقب للإمام محمد المهدي ابن الإمام الحسن العسكري عليهما السلام.
هذا ولو شئنا اختراع هكذا سلاسل نسبية وإلصاقها ببعض الأعلام، فما أيسرها على الإنسان العادي فضلا على المتمرس الخبير، وعليه فان هذه السلاسل النسبية المرفوعة إلى الإمام محمد المهدي ابن الإمام الحسن العسكري عليهما السلام ساقطة عن الاعتبار، وليس لها أصل أو أساس في المصادر والأصول النسبية عند المتقدمين، على مدار القرون الماضية، قبل أن يدرجها الشيخ حسين الرفاعي المصري في ذيله على كتاب (المشجر الكشاف لأُصول السادة الأشراف).
وكذا يأتي هذا الكلام، على ما ذكره السيد أحمد الهاشمي صاحب كتابي (جواهر البلاغة، وجواهر الأدب) في بعض مصنفاته المطبوع قديما، من رفع نسبه إلى الإمام محمد المهدي ابن الإمام الحسن العسكري عليهما السلام، وغيره.
وقد أفاد في هذا الباب أيضاً المحقق السعودي المعاصر الشريف أنس الكتبي الحسني، محقق كتاب (تحفة الطالب بمعرفة من ينتسب إلى عبد الله وأبي طالب) للنسابة الحسيني السمرقندي، فقال: اختفى الإمام المهدي في سن مبكر، والأمر مسلّم بين السنة والشيعة على اختفائه وعدم ظهوره، وقد أثبتت لنا الكتب التاريخية أن المهدي دخل السرداب وهو صغير السن، فلم يكن له عقب، وهذا ما أثبتته كتب الأنساب المتقدمة، بأنه ليس له عقب بالإجماع، وبذلك لم يعرف مكانه ولا ذراريه.
وقد انتسب إليه جمع في مصر، ولقد تعجبت من نقابة السادة الأشراف بجمهورية مصر العربية كيف أثبتت في مشجراتهم نسب الشرفاء المنتهية إلى الإمام المهدي، واعتمادهم في ذلك على ذيل كتاب بحر الأنساب لابن عميد الدين النجفي، في ما كتبه السيد الشريف حسين بن محمد الرفاعي معلقا، وقد حاول إثبات ذلك في ذيل الكتاب المذكور، لما وجده من الأسر الكبيرة المنتسبة إلى الإمام محمد المهدي بن الإمام الحسن العسكري، ولم يشر إلى مصدر متقدم لروايته، رغم أن كتاب بحر الأنساب لا يقر بوجود عقب للإمام المهدي بن الإمام الحسن العسكري.
فاني أقول متوكلا على الله: ولعله اشتبه نسبهم على نقابة السادة الأشراف بجمهورية مصر العربية، فالمتوقع أنهم من أعقاب السيد محمد بن الإمام علي الهادي، الذي توفي في حياة والده، ودفن قريبا من سامراء، واني اذكر نص ما ذكره النسابة الشريف ضامن بن شدقم الحسيني المدني في كتابه (تحفة الأزهار) ص ٤٥٦ المخطوط، قال: فالإمام أبو الحسن علي الهادي عليه السلام أعقب ثلاثة بنين: الإمام أبو محمد الحسن العسكري، وأبو علي محمد، وأبو كرّين جعفر، أمهم أمهات أولاد، وعقبهم ثلاثة أقطاب.
القطب الأول: عقب أبي علي محمد، فأبو علي محمد أعقب عليا، ثم عليا أعقب محمد ثم محمدا أعقب الحسين، ثم الحسين أعقب محمدا ثم محمدا أعقب عليا ثم عليا أعقب شمس الدين محمد الشهير بـ (مير السلطان البخاري) ثم ذكر ترجمة شمس الدين محمد هذا.
وبعد ذلك تعرض لأعقاب جعفر الزكي ابن الإمام الهادي، ولم يتعرض لأعقاب الحسن العسكري، حيث ليس له عقب إلا ولده المهدي عليه السلام حسب.
وهذا ضامن بن شدقم هو نسابة شهير يعد من أرباب علوم النسب ومن أعلامه في القرن الحادي عشر الهجري ويعد متأخرا، فهو لم يثبت في كتبه عقبا للإمام المهدي.
وشجرة هؤلاء الشرفاء المذكورين بنقابة السادة الأشراف بجمهورية مصر العربية تنتهي إلى علي بن محمد، ويحتمل بان الصحيح ان العقب يكون من السيد علي بن محمد بن علي الهادي العسكري، واليه تنتهي شرافتهم وسيادتهم، وعلي بن محمد هو الذي تنتهي إليه مشجراتهم، فزيد اشتباها على ذلك، هذا احتمال أول.
كذلك يحتمل أن يكونوا من أولاد جعفر الزكي بن الإمام علي الهادي، ولجعفر هذا ولد اسمه علي، وله عقب منه، ولا يبعد أن يكون من أبناء جعفر الزكي، حيث أن أولاده انتشروا في العالم، وبالأخص بأرض مصر وغير ذلك. ولعله الأصح عندي، حيث لم يثبت عند جماعة من النسابين انتشار عقب السيد محمد المذكور آنفا.
وعلى كل حال فهؤلاء الشرفاء الموجودون: إما أن ينتهوا إلى السيد محمد، أو السيد جعفر الزكي، وإنني هنا أحقق واثبت سيادتهم وشرافتهم، ولا انفيها على الإطلاق، فهم معروفون منذ زمن طويل، وبهذا التحقيق نُزيل بعض الاشتباهات، وما الغرض من ذلك إلا خدمة لآل بيت الرسول صلوات الله وسلامه عليه، اسأل الله أني قد وفقت، والله اعلم بما تخفي الصدور(١٢٩).
الطريق السادس: الإقرار:
وهو أن يَقرّ أب بابن، فإن القاعدة الشرعية (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز)(١٣٠)، وليس له إنكاره بعد أن أقر به، سواء كان إقراره أمام الحاكم الشرعي، أو أمام الناسب الموثوق المأمون، فَيُثِّبت النسب بعلمه، أو أمام شاهدين، مسلمين، عادلين، بالغين، حُرين، يُطمأن بعقلهما، غير ساذجين، وأن تكون الشهادة والإقرار في الواقع لا في المنام والأحلام.
أو إثبات ذلك في وصية مع الاطمئنان بصحة صدورها، والإشهاد عليها شاهدين، مسلمين، عادلين، بالغين، حُرين، يُطمأن بعقلهما، غير ساذجين.
مع الاعتبار بأمور ثلاثة، وهي:
الأمر الأول: أن تكون البنوة ممكنة بالحس، فلا يكون في سن لا يتصور لحوقه به، كأن يكون الولد أكبر منه، أو مثله سِناً، أو كان المدعي أكبر منه، ولكن بقدر لا يتولد لمثله، فلا يؤخذ بإقراره.
الأمر الثاني: أن لا يكون الولد مشهور النسب إلى عشيرة ما؛ لأن بالشهرة يثبت النسب، فلا عبرة بادعائه مؤخرا.
والأمر الثالث: أن لا ينازعه فيه منازع، فلا يثبت لأيهما إلا بالبينة الشرعية، أو القرعة.
التصديق والاعتراف:
واختلفوا في الأمر الرابع: وهو تصديق من استلحقه شخص بنسبه إذا كان بالغاً عاقلاً، فلو كَذَبَ هذه الدعوة، قيل لم يثبت على المشهور؛ لأنه إقرار في حق الغير، فيتوقف على تصديقه، أو إقامة البينة، وإلا حلَّفه، فتسقط الدعوى، وان نكل المستلحق حلف المُدعي، وثبت النسب، ولكن يثبت النسب لو استلحق صغيراً، وان أنكره لو بلغ على المشهور.
وكذا اعتراف الأخوة بشخص أنه أخوهم، وان كان لا يثبت الإخوة في النسب، ولكن إقرارهم حجة عليهم، لا على غيرهم، على أن يكون الملحق به النسب ميتا _ أي الأب _ لأنه في حال حياته هو صاحب الإقرار والقرار، وان لا يكون الأب قد نفاه باللعان في حياته.
وكذا اعتراف قبيلة مشهورة بصحة نسبها، ومن عُدولهم، في دخول شخص ما، أو بَطن انه منهم، فيكون اعترافهم حُجة بإلحاقه إليهم؛ لأن اعترافهم مما يوجب النقص والضرر عليهم، فيما إذا خالف الواقع.
ومن وجه آخر مما يحتمل فيه وقوع الضرر أنه لو كان هناك وقف عليهم، أو وصية فيهم، لاشتركوا معهم فيهما، تبعاً لإقرارهم.
ومن الأمور القطعية الثابتة، ومن خلال تتبع كتب الرواية والحديث، والتأريخ والنسب، أنه لم يرد إقرار من الإمام المهدي عليه السلام بإثبات أبوته لأحد من الناس، ولا بثبوت وصية منه، ولا من غيره، في ذلك.

* * *

أما دعوى أن هناك بعض الأخبار عن آبائه المعصومين، وفي بعض الزيارات والأدعية الواردة عنهم عليهم السلام _ على فرض تمامية الورود _ تشير إلى أن للإمام المهدي أبناء وذرية، منها ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب (الغَيبة) عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين أحدهما تطول حتى يقول بعضهم مات ويقول بعضهم قتل، ويقول بعضهم ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير لا يطلع على موضعه أحد من ولده(١٣١) ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره(١٣٢).
ونقل الشيخ الطوسي في (مصباح المتهجد) وغيره، زيارة للإمام المهدي عليه السلام ورد فيها هذا الدعاء بعد صلاة تلك الزيارة: اللهم أعطه في نفسه وذريته، وشيعته ورعيته، وخاصته وعامته، وعدوه وجميع أهل الدنيا، ما تقر به عينه، وتسر به نفسه(١٣٣).
وفي الدعاء للإمام المهدي عليه السلام المروي عن الرضا عليه السلام: اللهم أعطه في نفسه وأهله، وولده وذريته، وأمته وجميع رعيته، ما تقر به عينه، وتسر به نفسه، وتجمع له ملك المملكات(١٣٤). وغيرها.
وحيث أن الأئمة المعصومين ينهلون من منبع واحد، وهدفهم مشترك، وإن تعددت الأدوار، وقول أحدهم هو قول الجميع، فيمكن الادعاء أن هذه الأقوال هي إقرار من الإمام المهدي عليه السلام، بأن له ذرية وأبناء في الجملة؟.
أقول: ان ما ورد في هذه العمومات، وإن كان أغلبها غير ظاهر في المدعى، بأن له ذرية وأولاد في زمن الغيبة الكبرى، فإن ذلك غير ممتنع في الجملة، ولكن مع عدم تحديد هُويته عليه السلام، فربما يتزوج بصفته فردا عاديا في المجتمع، وذلك بمقتضى حاجته الفسلجية، أو تطبيقا لسنة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم المؤكدة والحاثة على النكاح، وقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني)(١٣٥)، كما سبق القول، فراجع.
كما ويجوز أن يكون ذلك بعد ظهوره المرتقب عليه السلام وانتهاء الغيبة الكبرى وقيام دولته العظمى، فيرتفع المانع من ظهوره ومعرفة هُويته، فتكون له الذرية والأولاد المشار إليهم في هذه المرويات، وهذا هو القدر المتيقن المطابق لإجماع المذهب وضروراته، والمعتضد بالروايات المعتبرة، الصحيحة والصريحة، فضلا عن مراعاته للحكمة من غيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وعلى فرض وجود الذرية، فانهم يجهلون نسبهم الحقيقي، واثبات نسب هؤلاء الأولاد _ على الفرض _ إلى الإمام المهدي عليه السلام، وإقامة الدليل على ذلك، دونه خرط القتاد، كما يقال.
قال سيدنا الأستاذ الشهيد الصدر الثاني قدس سره: إذن فلابد من الالتزام بعدم وجود الذرية للمهدي عليه السلام بالنحو المنافي لغيبته، إما بانعدام الذرية على الإطلاق، أو بوجود القليل من الذرية التي تجهل حال نسبها على الإطلاق، كما يجهله الآخرون، ولعلنا نصادف بعضا منهم، ولكن إثبات نسبه في عداد المستحيل(١٣٦).
وعليه فكل دعوى تُبنى على هذا الأمر، فهي ساقطة، وظاهر زيفها وبطلانها.
الطريق السابع: القرعة:
ويثبت النسب في القرعة فيما لو ادعى شخصان أو أكثر بنوة شخص، ولا قرينة، أو أَمارة، أو بينة لدعوى كل منهما، أو مع تساوي البينتين وتعارضهما، فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة ينسب إليه الولد، تبعاً لما قرره الشارع المقدس، قطعا للنزاع، وحفاظا على النسب من الضياع.
فقد ورد في صحيحة أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام إلى اليمن، فقال له حين قدم: حدثني بأعجب ما ورد عليك، قال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاني قوم قد تبايعوا جارية، فوطؤها جميعاً في طهر واحد، فولدت غلاماً، واحتجوا فيه، كلهم يدعيه، فأسهمت بينهم وجعلته للذي خرج سهمه، وضمنته نصيبهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انه ليس من قوم تنازعوا، ثم فوضوا أمرهم إلى الله عز وجل إلا خرج سهم المحق(١٣٧).
وقريب منه ما رواه أبو داود في (سننه) عن زيد بن أرقم... _ وجاء في آخره _ فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت أضراسه أو نواجذه(١٣٨).
قال ابن حزم الأندلسي معلقا على الحديث: لا يضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون أن ينكر ما يرى، أو يسمع ما لا يجوز البتة، إلا أن يكون سرورا به، وهو عليه الصلاة والسلام لا يسر إلا بالحق، ولا يجوز أن يسمع باطلا فيقره، وهذا خبر مستقيم السند، نَقلتُهُ كلهم ثِقات، والحجة به قائمة، ولا يصح خلافه البتة(١٣٩).
وقال أبو سليمان الخَطّابي في (معالمه): وفيه إثبات القرعة في أمر الولد، وإحقاق القارع(١٤٠).
وقد اختلف في اعتبارها الجمهور، فأثبتها المالكي في أولاد الإماء، ونص عليها الشافعي في فقهه القديم، وأثبتها بعض الشافعية عند تعارض البينتين، واحمد بن حنبل في روايته وغيرهم(١٤١).
هذه جملة الأمور التي يثبت بها النسب الشرعي ظاهراً، ولا مانع من الأخذ بها، والعمل على ظاهرها، وترتيب كافة الآثار الشرعية عليها.
القيافة والأحلام:
بعد أن انتهينا من ذكر الأمور السبعة التي بها تثبت الأنساب، في ضِمن الموازين الشرعية للفقه الإسلامي، وعليها يمكن ترتيب الآثار، فان ما عدا هذه الأمور السبعة تكون أجنبية عن ذلك، وليست بحجة شرعية، كإلحاق شخص بنسب شخص آخر على انه أبوه، أو نفيه عنه، استناداً إلى علامات ظاهرية خاصة، بنظرة فراسة وتتبع، كتشابههما في العينيين، أو القدمين، وطريقة المشي وغيرها من الأمور والآثار الظاهرية الظنية، وهي ما تعرف بـ (القيافة)، وصاحبها بـ (القائف)؛ لأنها على خلاف الموازين الشرعية المعتبرة، في الإلحاق والنفي، إذ لا يوجد دليل معتبر على حجيتها، حتى يثبت إلحاق النسب بمقتضاها أو النفي، فان المشهور بين الفقهاء رضي الله عنهم حرمة تصديق القائف والرجوع إليه، والمنع من ترتيب الآثار على طبقها، والجزم بمقتضاها في ثبوت النسب خصوصا.
وقد اختلف فقهاء الجمهور فيها، وإلى هذا القول ذهب الحنفية، في انه لا يصح الحكم بالقيافة في إثبات النسب، إذ قالوا: إِن العمل بها تعويل على مجرد الشبه، وقد يقع بين الأجانب وينتفي بين الأقارب(١٤٢).
في حين اثبت النسب بها عند الاشتباه والنزاع كل من الشافعية، والحنابلة(١٤٣).
وأما المالكية ففي خصوص أولاد الإماء على المشهور من مذهبهم، وقيل أيضا في أولاد الحرائر(١٤٤).
وأما حكم الأحلام والمنامات فهو كالقيافة لا يمكن ترتيب أي أثر عليها، إذ لا يوجد دليل معتبر على حجيتها، حتى يثبت إلحاق النسب بمقتضاها أو النفي.
أما ما يتشبث به البعض لإثبات نسبه بالأحلام والمنامات، وجعل مدعي الرؤية والحلم بمثابة الشاهد، وقياسها على البينة الشرعية مع تعددها، لإثبات دعوة ما، والتدليل على صدقها، فان في الاعتماد على هذا الطريق في إثبات دعواه مهما كانت إخلالا مخلا بالموازين الشرعية، وصاحب الدعوى رجل واهم، بل هو في حُكم من يَهذي وهو نائم.
إن هنالك فرقا واضحا في إثبات الشهادة وترتيب الأثر عليها، بين الأمور الحسية التي يُقبل بها قول الشاهد، المبنية على العلم والمشاهدة الواقعية، التي أقر الشارع المقدس حجيتها وصحتها، وأمضى ترتيب الآثار على نتائجها، مع ثبوت وثاقة مدعيها.
وبين الأحلام والرؤى، التي هي أُمور غير حسية، فقد تكون أوهاما أو أضغاث أحلام، ولا دليل لدينا على حجيتها، أو قيامها مقام البينة الشرعية إذا تعددت، لا نقلا ولا عقلا، فلا يمكن تصديق ما يترتب عليها من الآثار بالرجوع إلى هذه الرؤى والأحلام في إثبات حكم شرعي، أو ثبوت نسب، أو تصديق دعوى عقائدية ونحو ذلك... فإن العقائد الدينية والأحكام الشرعية أَجَلُّ وأسمى من أن تقرر بالأحلام، بل حتى الموضوعات الخارجية كإثبات نسب شخص ما، فقد روى الكليني بسنده عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: ما تروي هذه الناصبة؟ فقلت: جعلت فداك في ماذا؟ فقال: في أذانهم وركوعهم وسجودهم، فقلت: إنهم يقولون: إن أبي بن كعب رآه في النوم، فقال: كذبوا فإن دين الله عز وجل أعز من أن يُرى في النوم(١٤٥).
ثم ان في الأحلام والمنامات ما يكون فيه الصادق، الناتج من تعلق الروح بالعالم العلوي، مع صفائها ونقائها، فتأخذ شيئا من غيب ذلك العالم، فتكون الرؤيا صادقة.
ومنها ما يكون فيه الكاذب، التي يكون مصدرها الشيطان وأعوانه، فقد روى الصدوق بسنده عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول: إن لإبليس شيطانا يقال له هزع، يملأ ما بين المشرق والمغرب في كل ليلة، يأتي الناس في المنام(١٤٦).
وقد قرر الفقهاء واتفقوا على أن اغلب الأحلام والمنامات التي تمر على الناس هي أحلام ومنامات كاذبة، حتى لا يعتمد عليها الناس ويصدقوها، حاشا رؤيا الأنبياء والأوصياء، ذوي النفوس الصافية النقية دوما، فإن رُؤاهُم تكون صادقة، قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام للمفضل: فكر يا مفضل في الأحلام كيف دبر الأمر فيها فمزج صادقها بكاذبها، فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء، ولو كانت كلها تكذب، لم يكن فيها منفعة، بل كان تفضلا لا معنى له، فصارت تصدق أحيانا، فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدى لها، أو مضرة يتحذر منها، وتكذب كثيرا لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد(١٤٧).
فيتحصل من ذلك علم إجمالي بوجود الأحلام الكاذبة، وأنها الغالبة عادة، فكيف يمكن أن يقطع الرجل بأن رؤياه صادقة، مع تطرق الاحتمال والشك في ذلك، ومع وجود الاحتمال يبطل الاستدلال بها، وإن الشك في حجية هذه الأحلام والمنامات مساوق لعدم الحجية، فتسقط عن الاعتبار.
وعليه فان كل ما يقال من ثبوت عقيدة دينية أو حكم شرعي أو إثبات نسب لشخص ما عن طريق الأحلام والمنامات، هو باطل لا يعول عليه، وكل مثبت لهذه الدعاوى بالأحلام والمنامات، فهو عاطل الفكر لا إيمان له، نسأل الله تعالى العافية في الدين والدنيا بمنه وكرمه.

* * *
رأي المراجع العِظام في النجف الأشرف في توجيه الرؤية للإمام المهدي عليه السلام

في استفتاء موجه إلى أستاذ الفقهاء سماحة السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره، عن تفسير حديث (من ادعى الرؤية فكذبوه)، وهل يختلف تفسيره بالنسبة للغيبة الصغرى والغيبة الكبرى، وهل صحيح أنه ينسب للإمام المهدي عجل الله فرجه؟
فأجاب قدس سره:
التكذيب راجع إلى من يدعي النيابة عنه عليه السلام نيابة خاصة في الغيبة الكبرى، ولا يكون راجعا إلى من يدعي الرؤية بدون دعوى شيء، والله العالم(١٤٨).
ونفهم من قوله (بدون دعوى شيء) أنها مطلقة تشمل حتى دعوى الإجماع التشرفي.
وكذا أجاب سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد محمد بن محمد صادق الصدر قدس سره على نفس السؤال فقال:
بسمه تعالى: التكذيب راجع إلى من يدعي النيابة عنه عليه السلام نيابة خاصة في الغيبة الكبرى، أو ينقل بعض الأوامر عنه عليه السلام، ولا يكون راجعا إلى من يدعي الرؤية بدون دعوى شيء(١٤٩).
وفي استفتاءات سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله، جواب على نفس السؤال، جاء فيه:
وردت هذه الجملة في آخر توقيع للحجة سلام الله عليه إلى آخر نائب له علي بن محمد السمري وقيل في توجيهها وجوها:
منها: أنه لا يراه أحد بعد ذلك مع معرفة شخصه وإنما يعرفه بعد غيابه.
ومنها: أنه لا يراه أحد على وجه النيابة.
ومنها: أنه لا يراه أحد بصورة مستمرة.
ومنها: أنه وإن أمكن أن يراه بعض الخواص، إلا أنه لا ينبغي أن يُصدق، ولا ينبغي له أن يَذكر(١٥٠).
وقد وجه إلى سماحته دام ظله استفتاء في سياق هذا المضمون من (جمع من المؤمنين) جاء فيه:
مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
ظهر في الآونة الأخيرة بعض المعممين الذين يشيعون إن احد شيوخ مدينتهم مرسل من قبل الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف ويشيعون أن هذا الإمام ثبت عندهم عن طريق الرؤيا الصادقة، حيث إن الإمام يخبرهم بذلك، وان الشيخ الذي يدعي ذلك يخبرهم بأمور غيبة وقد تحققت كما اخبر، وان كثيراً من الناس اخذوا يصدقون هذا الأمر أو دخل في نفوسهم شيئاً منها على اقل تقدير، راجين من سماحتكم أن ترشدونا وفقكم الله.
علماً أنهم اخذوا يخرجون عن إطار مدينتهم إلى المدن الأخرى يبثون هذا الأمر عن طريق لقائهم بالناس من جهة وعن طريق مناشير فيها توقيع بعض الشيوخ توثق أصحاب الرؤيا من جهة أخرى.

جمع من المؤمنين

بسمه تعالى

إن الموقف الشرعي تجاه من يزعم اللقاء بإمام العصر أرواحنا له الفداء مباشرة أو عن طريق الرؤيا في زمن الغيبة الكبرى يتمثل في عدم تصديقه فيما يدعيه وعدم الأخذ بما ينسبه إليه عليه السلام من أوامر أو غيرها، بل والإنكار عليه فيما يحكيه عنه صلوات الله وسلامه عليه من الأمور المعلوم بطلانها كبعض ما ذكر أعلاه، ونحن نهيب بإخواننا المؤمنين وفقهم الله لمراضيه أن ينساقوا وراء مثل هذه الدعاوى ولا يساهموا في نشرها والترويج لها بأي نحو من الأنحاء وننصحهم بالتحرز عن أصحابها وأتباعهم ما لم يتركوا هذا السبيل، ونتضرع إلى الله تبارك وتعالى أن يعجل في فرج إمامنا صاحب العصر عليه السلام ويجعلنا من أنصاره وأعوانه.

١٢رمضان ١٤٢٤هـ
ختم مكتب
سماحة السيد السيستاني
في النجف الأشرف

وفي استفتاء موجه إلى سماحة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض دام ظله في معنى حديث (من ادعى الرؤية فكذبوه)، فأجاب دام ظله:
الظاهر أن معنى الحديث هو تكذيب مطلق من ادعى الرؤية(١٥١).

* * *

وقام مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام في النجف الأشرف بتوجيه استفتاء مشترك إلى المراجع العظام في النجف الأشرف، يتضمن هذا المعنى في الجملة، جاء فيه:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
ظهرت في الآونة الأخيرة ادعاءات السفارة للإمام المهدي عليه السلام، بل يدعي البعض انه الإمام المنتظر، في حين لم يلق هؤلاء ردعا قويا، وبيانا واضحا، من مصادر الفتيا والعلم، وقد استغل هؤلاء انعدام المعايير الصحيحة لدى عامة الناس، نتيجة الجهل، والتجهيل المتعمد من قبل الظالمين، والفقر، وانفلات الوضع الأمني، الذي ابتليت به امة المسلمين عموما، وفي العراق بالخصوص.
وقد بان بطلان وفضيحة من ادعى ذلك، في زمن الغيبة الكبرى بعد السفير الرابع أبي الحسن علي بن محمد السمري رضوان الله عليه، وبقي بعض لم يتبين للناس زيفه.
وقد انهالت على مركزنا الأسئلة حول هذا الموضوع، ولما كانت المرجعية الدينية هي الحصن الحصين للمذهب ولأبنائه، لذا كان من الواجب أن نتوجه إلى سماحتكم ممثلين عموم الشعب المؤمن، الموالي لأهل بيت النبوة عليهم السلام، آملين من سماحتكم بيان الرأي في ردع هذه الدعاوى، وبيان المعايير التي يصح فيها هذه المدعيات، حتى يتبين للمؤمن كيفية التمييز؟ ومن يصدق؟ ومتى يكذب؟ هذه الدعاوى.
أدام الله ظلكم الوارف على رؤوس الأنام ولا حرمنا من فيوضاتكم المباركة.

مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام - النجف الأشرف

فأجاب سماحة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له لكميل بن زياد رضوان الله عليه: (الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق).
إن أهم الواجبات على المؤمنين في عصر غيبة الإمام (عجل الله فرجه الشريف) هو أن يتعاملوا بتثبت وحذر شديد فيما يتعلق به عليه السلام وبظهوره وسبل الارتباط به، فان ذلك من أصعب مواطن الابتلاء ومواضع الفتن في طول عصر الغيبة.
فكم من صاحب هوى مبتدع تلبس بلباس أهل العلم والدين ونسب نفسه إليه عليه السلام، مستغلا طيبة نفوس الناس وحسن ظنهم بأهل العلم وشدة تعلقهم بأهل بيت الهدى عليهم السلام وانتظارهم لأمرهم، فاستمال بذلك فريقا من الناس وصلة به إلى بعض الغايات الباطلة، ثم انكشف زيف دعواه وقد هلك واهلك الكثيرين، وكم من إنسان استرسل في الاعتماد على مثل هذه الدعاوى الباطلة والرايات الضالة، بلا تثبت وحذر، فظن نفسه من المتعلمين على سبيل نجاة ولكنه كان في واقعه من الهمج الرعاع، قد تعثر بعد الاستقامة وخرج عن الحق بعد الهداية، حتى اتخذ إليه عليه السلام طريقا موهوما، بل استدرج للإيمان بإمامة غيره من الأدعياء، فاندرج في الحديث الشريف (من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية).
وقد اتفق من هذه الحركات منذ الغيبة الصغرى إلى هذا العصر شيء كثير حتى انه ربما كان في زمان واحد عدد من أدعياء الإمامة والسفارة، بحيث لو وقف الناظر على ذلك لكان فيه عبرة وتبصر، ولتعجب من جرأة أهل الأهواء على الله سبحانه وعلى أوليائه عليهم السلام بالدعاوي الكاذبة وصلة إلى شيء من حطام هذه الدنيا، وأستغرب سرعة تصديق الناس لهم والانسياق ورائهم مع ما أمروا به من الوقوف عند الشبهات والتجنب عن الاسترسال في أمور الدين فان سرعة الاسترسال عثرة لا تقال.
ألا وإن الإمام عليه السلام حين يظهر يكون ظهوره مقرونا بالحجة البالغة والمحجة الواضحة والأدلة الظاهرة، محفوفا بعنايته سبحانه، مؤيدا بنصره حتى لا يخفى على مؤمن حجته ولا يضل طالب للحق عن سبيله، فمن استعجل في ذلك فلا يضلّن إلا نفسه، فان الله سبحانه لا يعجل بعجلة عباده.
كما إن المرجع في أمور الدين في زمان غيبته عليه السلام هم العلماء المتقون ممن اختبر أمرهم في العلم والعمل، وعلم بعدهم من الهوى والضلال كما جرت عليه هذه الطائفة منذ عصر الغيبة الصغرى إلى عصرنا هذا.
ولا شك في أن السبيل إلى طاعة الإمام عليه السلام والقرب منه ونيل رضاه هو الالتزام بأحكام الشريعة المقدسة والتحلي بالفضائل والابتعاد عن الرذائل والجري وفق السيرة المعهودة من علماء الدين وأساطين المذهب وسائر أهل البصيرة التي لا يزالون يسيرون عليها منذ زمن الأئمة عليهم السلام، فمن سلك طريقا شاذا وسبيلا مبتدعا فقد خاض في الشبهة وسقط في الفتنة وضل عن القصد.
وليعلم أن الروايات الواردة في تفاصيل علائم الظهور هي كغيرها من الروايات الواردة عنهم عليهم السلام لابد في البناء عليها من الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص لأجل تمحيصها وفرز غثها من سمينها ومحكمها من متشابهها، والترجيح بين متعارضاتها ولا يصح البناء في تحديد مضامينها وتشخيص مواردها على أساس الحدس والتظني فان الظن لا يغني من الحق شيئا، وقد أخطأ في أمر هذه الروايات فئتان:
فئة شرعوا في تطبيقها واستعجلوا في الأخذ بها _ على حسن نية _ من غير مراعاة للمنهج الذي تجب رعايته في مثلها، فعثروا في ذلك ومهدوا السبيل من حيث لا يريدون لأصحاب الأغراض الباطلة، وان الناظر المطلع على ما وقع من ذلك يجد أن بعضها قد طبق أكثر من مرة في أزمنة مختلفة، وقد ظهر الخطأ منه كل مرة ثم يعاد إلى تطبيقها من جديد.
وفئة أخرى من أهل الأهواء، فانه كلما أراد احدهم أن يستحدث هوى ويرفع راية ضلال ليجتذب فريقا من البسطاء والسذج اختار جملة من متشابهات هذه الروايات وضعافها، وتكلف في تطبيقها على نفسه وحركته، ليمني الناس بالأماني الباطلة، ويغررهم بالدعاوى الباطلة فيوقع في قلبهم الشبهة، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام (فاحذروا الشبهة واشتمالها على لبستها، فان الفتنة طالما أغدقت جلابيبها وأعشت الأبصار ظلمتها)، وقال عليه السلام (إن الفتن إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت نبهت، ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات).
نسأل الله تعالى أن يقي جميع المؤمنين شر الفتن المظلمة والأهواء الباطلة ويفقهم لحسن الانتظار لظهور الإمام عليه السلام، وقد ورد في الحديث الشريف (من مات منتظرا لأمرنا كان كمن كان مع قائمنا عليه السلام). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

١٢ صفر الخير ١٤٢٨هـ
ختم مكتب
سماحة السيد السيستاني - النجف الأشرف
أجوبة المسائل الشرعية

* * *

وأجاب سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم دام ظله، فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم
كل دعوى لا تستند إلى دليل فلا تقبل من مدعيها حتى لو كان الادعاء أمرا لا أهمية له فكيف بمثل هذه الدعاوى الخطيرة التي تكون سببا للضلال والفرقة.
ولتوضيح الصورة نذكر الأمور التالية:
الأول: إن مدعي رؤية الإمام الحجة عجل الله فرجه واخذ المعلومات عنه لإيصالها إلى الناس مجترئ على الله وعلى رسوله وأوليائه، ورادٌ لما أعلنه عليه السلام في توقيعه الذي رواه أصحابنا في كتبهم واعتمدوا عليه وأذعنوا له وهو ما كتبه الإمام المنتظر إلى النائب الرابع علي بن محمد السمري رضي الله عنه وهو: (بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري أعظم الله اجر إخوانك فيك فانك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى احد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جورا وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
وان من شواهد صدق هذا التوقيع ما حدث من ادعاءات كاذبة منذ الغيبة وإلى يومنا هذا حيث أن ذلك من إخبارات الغيب التي صدقتها الأيام، وبعد كل هذا فكل مدع للسفارة أو الوصاية كذاب ومفتر على الله وأوليائه.
الثاني: إن دعوى الإمامة لا تقل أهمية وخطورة على الدين من دعوى النبوة حيث أنها تفرض على الآخرين الخضوع والطاعة ولا يمكن أن تكون صادقة إلا ببرهان ساطع لا يقبل الشك والإنكار (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) وقد أذعن أولياء آل محمد وشيعتهم للائمة عليهم السلام اعتمادا على النص القطعي أو المعجزة والكرامة الإلهية ولربما اجتمعا في أحيان كثيرة ولابد أن يحصل ذلك في حق الإمام المنتظر عجل الله فرجه عند ظهوره حيث سيقترن ذلك بمعلومات قطعية ومعاجز وكرامات جلية لا تقبل التأويل والإنكار، فعلى كل من تطرق سمعه مثل هذه الادعاءات الغيبية الحذر والتثبت وعدم التسامح والتساهل فان ذلك يجر إلى الوبال وعظيم النكال.
ونصيحتنا للباحثين في علائم الظهور الابتعاد عن الظنون والاحتمالات والتخرص فان ذلك يؤدي إلى خلق جو نفسي لرواج الادعاءات الكاذبة، ولربما يتحمل هؤلاء جزءا من المسؤولية من حيث لا يعلمون.
وعلى المؤمنين كافة أن يكونوا على يقين من نصر الله سبحانه وتعالى وتأييده لهذه الثلة المؤمنة من أتباع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما داموا متمسكين بنهجهم وسائرين على هديهم في الاعتماد على من اجتمعت فيه شروط التقليد المعروفة وخاصة الذي بناه أهل البيت عليهم السلام جيلا بعد جيل، وان من أوضح صوره وأجلى مظاهره التوقيع الشريف المروي عن الإمام المنتظر: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله).
ومن الله التوفيق وعليه نتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ختم مكتب
سماحة السيد الحكيم دام ظله - النجف الأشرف

* * *

كما وأجاب سماحة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض دام ظله، فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى على المؤمنين أيدهم الله تعالى أن السفارة والنيابة الخاصة عن الإمام الحجة عليه السلام قد انقطعت بموت السفير الرابع علي بن محمد السمري رضوان الله عليه وبدأت الغيبة الكبرى، فمن ادعى السفارة والنيابة الخاصة فيها فهو مفتر كذاب وعلى الناس أن يكذبوه، وكذا ينبغي عليهم تكذيب من يدعي انه اليماني أو الخراساني أو صاحب النفس الزكية، فان تلك الشخصيات المباركة لا تظهر إلا بعد الصيحة.
ومنه يظهر بطلان دعوى الإمامة وانه الإمام عليه السلام ضرورة أن الإمام عليه السلام لا يظهر إلا بعد الصيحة والخسف في البيداء وخروج اليماني والسفياني والخراساني وقتل النفس الزكية بين الركن والمقام.
وبدورنا ننصح المؤمنين وفقهم الله تعالى بأخذ العقائد الصحيحة من المراجع العظام الأمناء على حلال الله وحرامه، وعدم الاعتناء بتلك الدعاوى الباطلة، فان عدم الاعتناء بها وإهمالها سبب لإجهاضها إن شاء الله تعالى، وفقكم الله لخدمة الدين ونفع المؤمنين.

٢ صفر ١٤٢٨هـ
ختم مكتب
سماحة الشيخ الفياض دام ظله - النجف الأشرف

* * *

وأجاب سماحة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ بشير النجفي دام ظله، فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم
يجب أن نعلم إن الحجة المنتظر عليه السلام أرواحنا لمقدمه الفداء، قد بيّن على لسان نوابه _ خصوصا الرابع أبي الحسن علي بن محمد السمري _ وكذلك آبائه الأئمة الطاهرين خصوصياته ومشخصاته، وكذلك حددت على ألسنتهم الآيات والعلائم الحتمية التي يعقبها ظهوره وخروجه من حجاب الغيبة، ولم يتحقق شيء منها إلى الآن، وقد انقطعت السفارة الخاصة والمباشرة بينه عليه السلام وبين الشيعة، بموت السفير الرابع، فكل من يدعي السفارة فهو كذاب مفتر على لسانه عليه السلام، وكل من يدعي انه الإمام المنتظر والخارج قبل تحقق العلائم ولا يمتلك مشخصاته ودلائله فهو في حكم المرتد، لأنه يبتدع الدين، فعلى المؤمنين الانتباه فلا تفترسهم الذئاب وتستضلهم الشياطين، فاعلموا انه من وراء هؤلاء الضالين المضلين طغاة العالم يمدونهم في طغيانهم يعمهون.
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وغيبة إمامنا وكثرة عدونا وقلة عددنا وشدة الفتن بنا وتظاهر الزمان علينا، اللهم فصل على محمد وآله وأعنا على ذلك بفتح تعجله وبضرِّ تكشفه ونصر تعزه وسلطان حق تظهره ورحمة منك تجللناها وعافية منك تلبسناها برحمتك يا ارحم الراحمين.

ختم وتوقيع
سماحة الشيخ النجفي دام ظله

* * *

وكما ترى في جملة الأقوال فإن مقتضى العمل بالأدلة الظاهرية المعتبرة، وما نحن مأمورون بالعمل على طبقها، والتي سار عليها فقهاؤنا وعلماؤنا رضي الله عنهم من عصر الغيبة وحتى يومنا هذا، بعدم تصديق مَنْ يدعي المشاهدة تبعا للنص الصريح، فضلا عن إبلاغ حكم شرعي عنه عليه السلام.
كما لا يقتضي لمن تشرف بهذا المقام _ على فرض ثبوت ذلك _ أن يذكر ذلك لأحد ما، بأي وجه كان، دفعا للتهمة عنه، باعتماده طريق غير ثابت شرعا، بل ومخالف لأصول المذهب وأركانه، وما سار عليه علماؤنا وفقهاؤنا حتى يومنا هذا، وهذا ما حاولنا إثباته وبيانه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

* * *
خلاصة البحث

إن خلاصة ما مَرّ من هذا البحث، الذي نحاول بيان وتوضيح حقيقة الإجماع التشرفي ودلالته وحجيته، يمكن القول:
أن هنالك دعاوى لقاءات، ولكن هذه اللقاءات _ إن ثبتت _ إنما هي حجة على أصحابها؛ لأن في زمن الغيبة الكبرى نعلم أن الإمام سلام الله عليه لم يعين سفيرا خاصا، فلا يسعنا أن نصدق كل شخص جاءنا وقال: أنا سفير الإمام، أنا رأيت الإمام، قال لي الإمام، وأن نرتب الأثر على دعواه.
نعم في الوقت نفسه لا يسعنا أن نكذبه على دعواه، خاصة إذا كان شخصا مؤمنا ظاهر الإيمان، ظاهر العدالة، سليم الفطرة والعقل، مميز للأمور، غير ساذج، عارفا لعمق هذه الدعوى وآثارها، غير مدفوع من جهة ما، وبالخصوص إذا كان معدودا في جملة العلماء!، فإننا لا نواجهه بالكذب أول الأمر، بل علينا نُصحه وتوجيهه بإبقاء هذا الأمر في نفسه وعدم إذاعته دفعا لاتهامه وتكذيبه، وتنبيهه على ملابسات وقرائن رؤيته ربما يتفطن... وغير ذلك مما مرّ سابقا، ولكن في الوقت نفسه لا نرتب أي أثر شرعي على دعواه في رؤيته للإمام سلام الله عليه، والأخذ بما أخبر عنه عليه السلام.
وكثيرا ما تقوم قرائن على كذب بعض المدعين للرؤية أو السفارة، وما أكثرهم، سواء في الغيبة الصغرى، وقد فضحهم وكشفهم الإمام عليه السلام وسفراءه أمام الملأ، أو في طول الغيبة الكبرى، كما أن هنالك من ادعى المهدوية من بدايات حكم بني العباس، وحتى يومنا هذا وإلى ظهوره عليه السلام، وقد بشروا بذلك أئمتنا عليهم السلام، نحن لا نتكلم عن مثل هؤلاء الأشخاص الذين قد يدعون الرؤية أو السفارة كذبا أو زورا، هذا عالم آخر مكشوف لمن لديه أدنى مسحة من العقل والفطنة، بل كلامنا فيما نسب من الدعاوى إلى جملة من علمائنا وفقهائنا، وكلامنا عن أصل هذا المبدأ من حيث إمكان رؤية الإمام عليه السلام باعتبار أن غيابه عليه السلام غياب هوية، أي انه غير معروف عيناً، لا غياب شخصية، فهو يحضر بشخصه في كثير من المواطن، ويختلط مع الناس، ويشهد الموسم، يرى الناس ولا يرونه كما في الرواية أي ولا يعرفونه، فشخصه صلوات الله عليه يمكن أن يفوز بلقائه الأوحدي من الناس الذي يكون في غاية الكمال عدا العصمة الواجبة، ولكن من هو ذلك الأوحدي من الناس؟ ذاك علمه عند ربي.
وعلى فرض وجود الأوحدي، فلا أظن انه يدعي ذلك لأنه اسمى من أن يضع نفسه موضع التهمة والقيل والرياء.
أما ما ورد في بعض النصوص من أنه قال عليه السلام من ادعى الرؤية في زمن الغيبة الكبرى فكذبوه. فالمقصود من الرؤية في هذا المقام كما استفاد منه المحققون باعتبار الجمع بين قضية أن الإمام سلام الله عليه غيبته غيبة هوية كما قلنا لا غيبة شخصية، فبالنتيجة يمكن أن يلتقي مع الناس، ولكي نجمع بين هذا المعنى وبين من ادعى الرؤية فكذبوه، ففسروا الرؤية والمشاهدة على احد هذه التفاسير:
الأول: أن المقصود من الرؤية أن تكون مع السفارة والنيابة، يعني من ادعى أنه رأى الإمام عليه السلام وأنه وكلّه عنه فلا تصدقوه؛ لأن المفروض أننا في زمن الغيبة الكبرى وقطعا لا توجد نيابة شخصية خاصة عن الإمام عليه السلام كما ذكرنا سابقا، أي أن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف لم يستنب شخصا بعينه ولن يستنيب قبل خروج السفياني والصيحة، وإنما دعا عليه السلام إلى النيابة العامة للفقهاء العدول كما في التوقيع: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) فهنا المقصود بالرؤية ليست الرؤية العادية، بل الرؤية المقرونة بدعوى السفارة والنيابة.
ودعوى الإجماع التشرفي إخبار عن الإمام عليه السلام لحكم شرعي ما، ومقتضى هذا الإخبار انه من لوازم النيابة الخاصة، فتأمل.
الثاني: أن المقصود بالرؤية من النص هي الرؤية التي يراد منها ترتيب آثار معينة على قول الرائي وأخباره؛ لأن هذا أمر في غاية الإشكال، وهو أن يأتي إنسان فيقول رأيت الإمام سلام الله عليه وقال ليّ كذا، قال ليّ اصنع كذا، أفعل كذا، لا تفعل كذا، فإذا فتحنا هذا الباب أمام هكذا دعاوى، علينا أن نصدق كل من يدعي الرؤية، وما ينقله بالنتيجة عن الإمام عليه السلام ما شاء من الأخبار والأحكام والعقائد والسنن وإلى غير ذلك، فإن ذلك سوف يولد إرباكا كبيرا في الأحكام والعقائد ومفاهيم الشريعة الإسلامية بين أفراد المجتمع.
فالمقصود هنا بالرؤية ليس مجرد الرؤية للإمام سلام الله عليه وكفى، وإنما المقصود منها الرؤية المصحوبة إما بدعوى النيابة والسفارة، أو المقصود منها ترتيب الأثر على كلام مدعي الرؤية.
ولا يخفى أنه في زمن الغيبة الكبرى من رأى الإمام سلام الله عليه وأيقن في ما بينه وبين الله أنه رأى الإمام عليه السلام، فرؤيته حجة عليه وكذلك ترتيب الآثار، أما سائر الناس فلا يكون ذلك حجة عليهم، فلعل الإمام عليه السلام في قوله: فكذبوه، لا يقصد بأنه رآني فعلا، حيث يمكن رؤيته عليه السلام في الجملة كما قلنا سابقا، ولكن لعله يريد: لا ترتبوا الأثر على دعواه، لأنه قد يجئ ويدعي أحكاما شرعية، ويقول: قال لي الإمام عليه السلام أن حكم الشيء الفلاني حرام، أو أن المسألة الفلانية في المكان الفلاني غير صحيحة؛ لأن من يدعي الرؤية عادة تكون له ملازمات لدعواه، ولوازم من نقل أخبار ونقل وقائع ونقل أحكام وغير ذلك، فقوله عليه السلام: فكذبوه، أي لا ترتبوا الأثر على كلامه.
وهذا ما يلازم دعوى الإجماع التشرفي.
الثالث: ويمكن أن يقال أيضا: أن من يدعي الرؤية يقتضي أنه متيقن برؤية الإمام سلام الله عليه، فيقول: رأيته هو أي الإمام عليه السلام بعينه، وهذا بحسب الظاهر من كثير من الروايات الواردة أنه تشخيص يقيني لمن يرى الإمام عليه السلام في زمن الغيبة الكبرى، والتشخيص اليقيني عادة لا يحصل، حتى أن العلماء الذين نُقلت عنهم قضايا عديدة وقصص كثيرة على أنهم التقوا بالإمام سلام الله عليه، لم يدعوا الرؤية بعنوان القطع واليقين، فَيَنقل قضية ما، يظهر من بعض قرائن هذه القضية أن الذي رآه هو الإمام سلام الله عليه، وبعضها تروى عن طريق المنام، أو برزخ بين النوم واليقظة، أما أن يجزم بذلك، أو أن يُقسم عليه، فلا أظن ذلك بل مطمئن به، وليس هذا مألوفا من طريقة علمائنا الأبرار في نقل ذلك، وإلا فكل إنسان اعرف بتكليفه، وحجته مردودة على صاحبها، والله العالم(١٥٢).
فالإجماع التشرفي لا دليل على حجيته، ولا قرينة تدل على إمضاء الشارع المقدس له، أو العمل على طبقه؛ لأنه مخالف للنص الصريح، ولإجماع المذهب، بل لضروراته، وللسيرة القطعية المتصلة لعلمائنا المتقدمين من الغيبة الصغرى وما بعدها وهي عمدة السيرة، ولا عبرة بما جرى عند المتأخرين من هكذا دعاوى، ولابد من ردها على أصحابها.
وعليه لابد من طرح هذا الإجماع والإعراض عنه، وإهماله في كتبنا ومناهجنا، والتأكيد بان هذا الإجماع المدعى مخالف لقواعد وأصول المذهب، وان دعواه لم تستند إلى ركن وثيق، وهو مردود على صاحب الدعوى، وذلك من أجل تقويم طلابنا في السير على المنهج العلمي الصحيح، المرتكز على الدليل الشرعي والحجة الثابتة، وتحصينا للمجتمع وحفاظا على توازنه، في التمسك بعقائده وأحكامه المأخوذة من الطرق الشرعية المعتبرة والمألوفة والمعروفة في استنباط الحكم الشرعي من الأدلة القطعية، والممضاة حجيتها من الشارع المقدس، وقطع دابر أبناء الدنيا، وطلاب الرئاسة والوجاهة وحب الظهور، ممن يتخذ مثل هذه الدعاوى وغيرها، كحجة وذريعة لبناء دعواه، في تضليل الناس وخِداعهم...
والله وليّ التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

* * *
المصادر والمراجع

١ _ القرآن الكريم: كلام رب العالمين عز وجل.
٢ _ الاحتجاج: الشيخ الطبرسي، تعليق محمد باقر الخرسان، طبع ١٣٨٦هـ/١٩٦٦م، الناشر دار النعمان للطباعة والنشر، النجف الأشراف.
٣ _ الإرشاد: الشيخ المفيد، تحقيق مؤسسة آل البيت (ع) لتحقيق التراث، الطبعة الثانية، ١٤١٤هـ/١٩٩٣م، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.
٤ _ اصطلاحات الأصول: الشيخ علي المشكيني، الطبعة الخامسة، ١٤١٣هـ، مطبعة الهادي، الناشر دفتر نشر الهادي، قم.
٥ _ أصول الفقه: الشيخ محمد رضا المظفر، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.
٦ _ أصول الفقه: الشيخ محمد الخضري، الطبعة الثالثة، ١٣٥٨هـ/ ١٩٣٨م، المكتبة التجارية الكبرى، مطبعة الاستقامة، مصر.
٧ _ أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، نقد وعرض: ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، الطبعة الثانية، ١٤١٥هـ/ ١٩٩٤م، (رسالة دكتوراة من جامعة الإمام محمد بن سعود).
٨ _ أقرب الموارد في فُصح العربية والشوارد: سعيد الخوري الشرتوني اللبناني، طبع في عام ١٨٩٤م.
٩ _ الأمالي: الشيخ الصدوق، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية قم، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.
١٠ _ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: المرداوي، تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة الثانية، ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م، طباعة ونشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.
١١ _ أنوار الهداية في التعليق على الكفاية: السيد روح الله الخميني، تحقيق ونشر مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم، الطبعة الثانية، شعبان ١٤١٥هـ، مطبعة مؤسسة العروج.
١٢ _ بحار الأنوار: العلامة المجلسي، تحقيق محمد الباقر البهبودي، الطبعة الثانية المصححة، ١٤٠٣هـ، الناشر مؤسسة الوفاء بيروت، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
١٣ _ بحر الانساب المحيط: عميد الدين النجفي، طبعة دار الكتب المصرية في القاهرة، ١٣٥٦هـ.
١٤ _ بداية الوصول في شرح كفاية الأصول: الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي، اشرف على طبعه وتصحيحه محمد عبد الحكيم البكاء، الطبعة الأولى، ١٤٢٥هـ، المطبعة ستارة، الناشر أسرة آل الشيخ راضي.
١٥ _ تاريخ الغيبة الصغرى: السيد محمد الصدر، الطبعة الأولى، ١٤٢٧هـ، مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر، بيروت.
١٦ _ تاريخ الغيبة الكبرى: السيد محمد الصدر، الطبعة الأولى، ١٤٢٧هـ، مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر، بيروت.
١٧ _ تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: ابن فرحون، دار الكتب العلمية، بيروت.
١٨ _ تحفة الطالب بمعرفة من ينتسب إلى عبد الله وأبي طالب، النسابة السيد محمد بن الحسين بن عبد الله الحسيني السمرقندي المدني، تحقيق الشريف انس الكتبي الحسني، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ/ ١٩٩٨م، الناشر دار المجتبى للنشر والتوزيع، المدينة المنورة، السعودية.
١٩ _ تذييل كتاب بحر الانساب المحيط للنجفي: الشيخ حسين محمد الرفاعي المصري، طبعة دار الكتب المصرية في القاهرة، ١٣٥٦هـ.
٢٠ _ التوحيد: المفضل بن عمر الجعفي، تعليق كاظم المظفر، الطبعة الثانية، ١٤٠٤/ ١٩٨٤م، الناشر مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان.
٢١ _ جمال الأسبوع: السيد ابن طاووس، تحقيق جواد قيومي الأصفهاني، الطبعة الأولى، ١٣٧١ش، مطبعة أختر شمال، الناشر مؤسسة الآفاق، قم المطهرة.
٢٢ _ جمهرة أنساب العرب: ابن حزم، تحقيق لجنة من العلماء، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م، طباعة ونشر دار الكتب العلمية، بيروت.
٢٣ _ حقائق التكوين: الشيخ ناصر الحمادي، تحقيق فالح عبد الرزاق العبيدي، الطبعة الأولى، نشر أنوار الهدى، المطبعة وفا، قم.
٢٤ _ خاتمة مستدرك الوسائل: الميرزا النوري، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، الطبعة الأولى، محرم الحرام ١٤١٦هـ، المطبعة ستارة، قم.
٢٥ _ الذريعة إلى أصول الشريعة: السيد المرتضى، تصحيح وتقديم وتعليق أبو القاسم كَرجي، طبع ١٣٤٦ش، المطبعة دانشكاه، طهران.
٢٦ _ الذريعة إلى تصانيف الشيعة: الشيخ أغا بزرك الطهراني، الطبعة الثانية، الناشر دار الأضواء، بيروت، لبنان.
٢٧ _ ذكرى الشيعة في إحكام الشريعة: محمد بن مكي العاملي الشهيد الأول، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ، مطبعة ستارة، قم.
٢٨ _ زاد المعاد في هدي خير العباد: ابن القيم الجوزية، تحقيق شعيب الأرناؤوط، عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الرابعة عشر، ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٦م، مؤسسة الرسالة، الكويت، مكتبة المنار الإسلامية، بيروت.
٢٩ _ سنن أبي داود: ابن الأشعث السجستاني، تحقيق وتعليق سعيد محمد اللحام، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ/ ١٩٩٠م، الناشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
٣٠ _ السنن الكبرى: أبي بكر احمد البيهقي، الناشر دار الفكر.
٣١ _ الشرح الكبير على متن المقنع: عبد الرحمن بن قدامة، طبعة جديدة بالأوفست، الناشر دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، بيروت.
٣٢ _ صحيح البخاري، طبع ١٤٠١هـ/ ١٩٨١م، الناشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، طبعة بالأوفست عن طبعة دار الطباعة العامرة بإستانبول.
٣٣ _ صراط النجاة: الميرزا جواد التبريزي، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ، مطبعة سلمان الفارسي، الناشر دفتر نشر بركَزيده.
٣٤ _ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ابن القيم الجوزية، تحقيق د. محمد جميل غازي، الناشر دار المدني: القاهرة.
٣٥ _ عناية الأصول في شرح كفاية الأصول: السيد مرتضى الحسيني اليزدي الفيروز آبادي، الطبعة السابعة، ١٣٨٥_ ١٣٨٦هـ، الناشر منشورات الفيروز آبادي، قم.
٣٦ _ عوائد الأيام: المحقق النراقي، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، الناشر مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي.
٣٧ _ الغيبة: الشيخ محمد بن إبراهيم النعماني، تحقيق فارس الحسون، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ، مطبعة مهر، الناشر أنوار الهدى.
٣٨ _ الغيبة: الشيخ الطوسي، تحقيق الشيخ عبد الله الطهراني والشيخ علي احمد ناصح، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ، مطبعة بهمن، نشر مؤسسة المعارف الإسلامية، قم.
٣٩ _ الغيبة الصغرى والسفراء الأربعة: الشيخ المالكي، سلسلة الندوات العقائدية ج ٣٩، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ، الناشر مركز الأبحاث العقائدية، قم المشرفة، (قرص سي دي مكتبة أهل البيت عليهم السلام).
٤٠ _ فرائد الأصول: الشيخ مرتضى الأنصاري، إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ، الناشر مجمع الفكر الإسلامي، مطبعة باقري، قم.
٤١ _ الفوائد الرجالية: السيد مهدي بحر العلوم، تحقيق وتعليق محمد صادق بحر العلوم وحسين بحر العلوم، الطبعة الأولى، ١٣٦٣ش، مطبعة آفتاب، الناشر مكتبة الصادق، طهران.
٤٢ _ الكافي: الشيخ الكليني، تصحيح وتعليق علي اكبر الغفاري، الطبعة الخامسة، ١٣٦٣ش، مطبعة حيدري، الناشر دار الكتاب الإسلامي، طهران.
٤٣ _ كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع: أسد الله التستري الكاظمي، طبعة حجرية.
٤٤ _ كشف المحجة لثمرة المهجة: السيد ابن طاووس، طبع ١٣٧٠هـ/ ١٩٥٠م، الناشر المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.
٤٥ _ كفاية الأصول: الآخوند الخراساني، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ، مطبعة مهر، قم.
٤٦ _ كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق علي اكبر الغفاري، طبع محرم ١٤٠٥هـ، الناشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.
٤٧ _ كنز العمال: المتقي الهندي، ضبط وتفسير الشيخ بكري حياني، تصحيح وفهرسة الشيخ صفوة السقا، طبع ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٩م، الناشر مؤسسة الرسالة، بيروت.
٤٨ _ المبسوط: شمس الدين السرخسي، طبع ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م، الناشر دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
٤٩ _ المتنبي يسترد أباه (دراسة في نسب المتنبي): عبد الغني الملاح، الطبعة الثانية،١٩٨٠م، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
٥٠ _ مجمع البحرين: فخر الدين الطريحي، تحقيق السيد احمد الحسيني الاشكوري، الطبعة الأولى، منشورات دار الثقافة العربية، النجف الأشرف، مطبعة الآداب في النجف الأشرف.
٥١ _ مجموعة استفتاءات: السيد السيستاني، مكتب قم، (قرص سي دي مكتبة أهل البيت عليهم السلام).
٥٢ _ المحلى: ابن حزم الأندلسي، طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر، الناشر دار الفكر.
٥٣ _ المزار الكبير: محمد بن جعفر المشهدي، تحقيق جواد القيومي الاصفهاني، الطبعة الأولى، رمضان المبارك ١٤١٩هـ، المطبعة مؤسسة النشر الإسلامي، نشر القيوم، قم، ايران.
٥٤ _ مسالك الإفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: زين الدين العاملي (الشهيد الثاني)، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ، تحقيق ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية، قم.
٥٥ _ مسائل وردود: السيد محمد بن محمد صادق الصدر، طبعة النجف الأشرف.
٥٦ _ مصباح المتهجد: الشيخ الطوسي، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ/ ١٩٩١م، الناشر مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، لبنان.
٥٧ _ معالم السنن: أبي سليمان الخطابي البستي، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
٥٨ _ المعتبر: المحقق الحلي، تحقيق وتصحيح عدة من الأفاضل بإشراف ناصر مكارم شيرازي، طبع ١٣٦٤ش، مطبعة مدرسة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، الناشر مؤسسة سيد الشهداء عليه السلام، قم.
٥٩ _ المعجم الأصولي: الشيخ محمد صنقور علي، الطبعة الأولى، ١٤٢١هـ، مطبعة عترت.
٦٠ _ المغني: عبد الله بن قدامه، طباعة جديدة بالأوفست، الناشر دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، بيروت.
٦١ _ مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: محمد بن أحمد الشربيني، طبع ١٣٧٧هـ/ ١٩٥٨م، الناشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ملتزم الطبع والنشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
٦٢ _ مفردات ألفاظ القران: الراغب الاصبهاني، تحقيق صفوان عدنان داوودي، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، طباعة ونشر دار القلم، دمشق ودار الشامية، بيروت.
٦٣ _ مقتضب الأثر: أحمد بن عبيد الله بن عياش الجوهري، المطبعة العلمية، الناشر مكتبة الطباطبائي، قم.
٦٤ _ مكيال المكارم: السيد محمد تقي الأصفهاني، تحقيق السيد علي عاشور، الطبعة الأولى، ١٤٢١هـ، الناشر مؤسسة العالمي للمطبوعات، بيروت.
٦٥ _ من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق علي اكبر الغفاري، الطبعة الثانية، الناشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.
٦٦ _ منتهى الدراية: السيد محمد جعفر الشوشتري، الطبعة السادسة، ١٤١٥هـ، مطبعة غدير، الناشر مؤسسة دار الكتاب (الجزائري) للطباعة والنشر.
٦٧ _ المهذب في فقه الإمام الشافعي: أبي إسحاق الشيرازي، الطبعة الأولى، ١٩٩٩م، دار الفكر.
٦٨ _ الموسوعة الفقهية الميسرة: الشيخ محمد علي الأنصاري، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ، مطبعة باقري، نشر مجمع الفكر الإسلامي.
٦٩ _ النجم الثاقب: الميرزا النوري، تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق السيد ياسين الموسوي، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ، الناشر أنوار الهدى، المطبعة مهر، قم المقدسة.
٧٠ _ هداية العقول في شرح كفاية الأصول: السيد محمد علي الحمامي، منشورات مكتبة السيد الحمامي، الطبعة الأولى، ١٣٩٦هـ/ ١٩٧٦م، مطبعة الآداب في النجف الأشرف.
٧١ _ وسائل الشيعة: الحر العاملي، تحقيق وتصحيح وتذييل الشيخ عبد الرحيم الرباني، الطبعة الخامسة، ١٤٠٣هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٧٢ _ وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول: تقريرات بحث السيد أبو الحسن الأصفهاني بقلم الميرزا حسن السبزواري، تحقيق وطبع ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ.
٧٣ _ وقفة مع النسب والنسابين: السيد محمود المقدس الغريفي، الطبعة الثالثة، ١٤٣١هـ، دار الرافدين للطباعة والنشر، بيروت.
٧٤ _ ينابيع المودة لذوي القربى: القندوزي الحنفي، تحقيق سيد علي جمال أشرف الحسيني، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ، المطبعة أسوه، الناشر دار الأسوة للطباعة والنشر، قم المطهرة.

* * *
صدر لسماحة السيد محمود المقدس الغريفي دام توفيقه

١ _ التدخين والصيام (حكم الدخان في نهار شهر رمضان).
٢ _ الشعر وأهل البيت (ع) في المنظور الفقهي والعقائدي.
٣ _ الذبح خارج منى بين الواقع الحالي والدليل الفقهي.
٤ _ ديوان الإمام الحسن بن علي (ع) (صنعة وتحقيق).
٥ _ ديوان الإمام الحسين بن علي (ع) (صنعة وتحقيق).
٦ _ ديوان الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) (صنعة وتحقيق).
٧ _ ليلة الزفاف في الإسلام أعمالها وآدابها (آداب ليلة الزفاف).
٨ _ (وقفة) مع النسب والنسابين.
٩ _ معجم مصطلحات النسابين.
١٠ _ الشجرة المقدسة من الروضة الغريفية (بحث عن تأريخ الأسرة الغريفية وتراجم رجالها).
١١ _ الشهيد السعيد السيد احمد المقدس الغريفي المعروف بالحمزة الشرقي.
١٢ _ الدرة النقية في نسب السادة الغريفية (أرجوزة في نسبه الشريف).
١٣ _ أدعية السر (دراسة وتحقيق).
١٤ _ قراءات في وصية الزهراء عليها السلام.
١٥ _ السَّير على الأقدام إلى كربلاء الحُسين عليه السلام (أهدافه. مشروعيته. آدابه).
١٦ _ حياة قلم لم يمت (المؤرخ الشهير السيد حسين الابرقي النجفي) المعروف بالسيد حسون البراقي (حياته وآثاره).
١٧ _ سبيل الهداية في علم الدراية و(الفوائد الرجالية) للمولى علي الخليلي (تقديم وتحقيق).
١٨ _ الرسالة البهية في سيرة الحاكم مع الرعية (رسالة الإمام الصادق عليه السلام إلى والي الأهواز) تقديم وتحقيق وشرح.
١٩ _ لقمان الحكيم سيرته ومواعظه.
٢٠ _ القول الواجب في ايمان ابي طالب. تقديم وتحقيق.
٢١ _ مناسك العمرة المفردة.
٢٢ _ أستاذ الجيليّن العلاّمة الشيخ محمد رضا العامري الحويزي.
٢٣ _ تحفة الأخوان في حكم شرب الدخان للشهرستاني. دراسة وتحقيق.
٢٤ _ الطلقاء في الإسلام حقيقتهم وأحكامهم.
٢٥ _ حديث النبي (ص): (ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله...) قراءة في سنده ودلالته.
٢٦ _ فقه الإعلام (المنبر الحسيني أنموذجا).
٢٧ _ ذكرى الشهيد المقدس سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد كمال الدين المقدس الغريفي.
الجزء الأول: سيرة وجهاد، وفاء ورثاء.
الجزء الثاني: آثاره المطبوعة.
٢٨ _ الإجماع التشرفي بلقاء الإمام المهدي عليه السلام (دَلالتهُ. حَقيقتهُ. حُجيتهُ) بين يديك.

* * *



 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) قال ناصر القفاري في كتابه (أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية. نقد وعرض. ج ١ ص ٣٤٢): وهكذا صار بإمكان كل شيطان رجيم من الإنس والجن أن يحتال على هؤلاء، ويتظاهر بأنه المنتظر ويدس في دينهم ما يبعدهم عن الحق، ما داموا فتحوا هذا الباب على أنفسهم، ويعتبرون ذلك من السنة، وبإمكان كل شيخ زنديق، متلفع برداء الدروشة، ومتوشح بالسواد، متظاهر بالعلم، مدعٍ للسيادة - وما أكثر هؤلاء عندهم - أن يزعم اللقاء بالمنتظر؛ ليحظى بالتعظيم، وليغير من دينهم ما شاء له إلحاده، ولاسيما أن هؤلاء يزعمون أن هذا المنتظر يتصور بصور مختلفة، ويظهر بأشكال وأردية متنوعة، فهذه اللقاءات المزعومة لا تخلو من حالتين: إما أن مدعيها كاذب، أراد السمعة، أو قصد الإضلال، أو أراد كلا الأمرين، أو أنه صادق، والذي مثل الدور أمامه شيطان من الشياطين).
أقول: إنما أردنا إثبات كلامه هنا، والذي خرج به عن حدود اللياقة والأدب، وطريقة العلماء في النقد والرد، إلى طريقة السَوقة وأبناء العصبية الجاهلية، الذين لا يستحقون الذكر.. للتنبيه والإشارة...
(٢) سورة يونس / أية ٧١.
(٣) فرائد الأصول – الشيخ الأنصاري ج ١ص١٨٤.
(٤) الموسوعة الفقهية الميسرة – الأنصاري ج ١ ص٥٠١.
(٥) أصول الفقه - الخضري ص٢٧٥.
(٦) أصول الفقه - الخضري ص٢٧٥.
(٧) أصول الفقه - الخضري ص٢٧٥.
(٨) المعتبر – المحقق الحلي ج ١ص٣١.
(٩)أصول الفقه – الشيخ المظفر ج ٣ص١٠٣.
(١٠) فرائد الأصول - الشيخ الأنصاري ج ١ص١٨٨-١٨٩.
(١١) الموسومة (منهج التحقيق في التوسعة والتضييق). انظر الذريعة - العلامة الطهراني ج ٢٣ص١٨٤.
(١٢) أصول الفقه - الشيخ المظفر ج٣ ص١٠٧. انظر كتاب (كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع) للمحقق التستري الكاظمي.
(١٣) أصول الفقه - الشيخ المظفر ج ٣ص١١٠.
(١٤) المعجم الأصولي - صنقور ص٤١.
(١٥) هداية العقول في شرح كفاية الأصول - السيد الحمامي ج ٤ص١٥٨.
(١٦) أصول الفقه – الشيخ المظفر ج ٣ص ١٠٨.
(١٧) الذريعة إلى أصول الشريعة - السيد المرتضى ج٢ ص٦٢٤.
(١٨) كفاية الأصول - الآخوند الخراساني ص ٢٨٨ – ٢٨٩.
(١٩) بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي ج ٥ - شرح ص ٢٧٦.
(٢٠) منتهى الدراية - السيد محمد جعفر الشوشتري ج ٤- شرح ص ٣٥٣ – ٣٥٤.
(٢١) اصطلاحات الأصول - المشكيني ص٢٤.
(٢٢) الغيبة - الشيخ الطوسي ص٣٩٥، الاحتجاج - الشيخ الطبرسي ج ٢ص٢٩٧.
(٢٣) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق ص٥١٦.
(٢٤) انظر مكيال المكارم - الأصفهاني ج ٢ ص ٣٣٣ – ٣٣٥.
(٢٥) الغيبة - النعماني ص١٦١-١٦٢.
(٢٦) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق ص ٣٥٠ – ٣٥١.
(٢٧) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق ص ٣٤٩.
(٢٨) الغيبة الصغرى - السيد محمد الصدر ص٣٧٢.
(٢٩) سورة الحجرات/ آية ٦.
(٣٠) المعجم الأصولي - صنقور ص٣٥.
(٣١) بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - محمد طاهر آل الشيخ راضي ج ٥- شرح ص ٢٩٧ – ٢٩٨.
(٣٢) نقل ليّ بعض أساتذتي من طرائف ما يروى عن شيخنا المرتضى الأنصاري قدس سره انه في إحدى زياراته إلى الإمام الحسين عليه السلام تأخر في الوصول إلى مدينة النجف الأشرف ليلا حيث تغلق أبواب سور النجف ولا يدخلها احد أو يخرج منها إلى الفجر، فبات الشيخ الأنصاري ومن معه ليلته خارج السور إلى الفجر حيث فتحت الأبواب، فهمس الشيخ الأنصاري قدس سره في أذن احد أصحابه وقال له: بعد موتي سيقول الناس إن الشيخ الأنصاري مَرّ على أبواب سور النجف ليلا، وكانت مغلقة فأراد أن يدخل، وإذا بالأبواب قد فتحت وحدها... وهذا الأمر ليس بالغريب.
(٣٣) انظر الغيبة الكبرى – السيد محمد الصدر ص٢٧.
(٣٤) الكافي - الشيخ الكليني ج ١ ص ٣٣٩.
(٣٥) من لا يحضره الفقيه – الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٣٠٧.
(٣٦) الفوائد الرجالية - السيد بحر العلوم ج ٣ ص ٣١٨-٣٢١.
(٣٧) انظر كتاب الكافي - الشيخ الكليني ج١- ص٥٢٥، روى عن الحسين بن الحسن العلوي قال: كان رجل من ندماء روز حسني - الظاهر انه الوالي بالعسكر – وآخر معه فقال له: هو ذا يجبي الأموال وله وكلاء وسموا جميع الوكلاء في النواحي وأنهى ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير، فهم الوزير بالقبض عليهم فقال السلطان: اطلبوا أين هذا الرجل فإن هذا أمر غليظ، فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض على الوكلاء، فقال السلطان: لا ولكن دسوا لهم قوما لا يعرفون بالأموال، فمن قبض منهم شيئا قبض عليه، قال: فخرج - أي توقيع من الناحية المقدسة - بأن يتقدم إلى جميع الوكلاء أن لا يأخذوا من أحد شيئا وأن يمتنعوا من ذلك ويتجاهلوا الأمر، فاندس لمحمد بن أحمد رجل لا يعرفه وخلا به فقال: معي مال أريد أن أوصله؟ فقال له محمد: غلطت أنا لاأعرف من هذا شيئا، فلم يزل يتلطفه ومحمد يتجاهل عليه، وبثوا الجواسيس وامتنع الوكلاء كلهم لما كان تقدم إليهم.
وروى عن علي بن محمد قال: خرج نهي - أي من الناحية المقدسة - عن زيارة مقابر قريش والحير، فلما كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطائي فقال له: الق بني الفرات والبرسيين - برس بلدة بين الكوفة والحلة - وقل لهم: لا يزوروا مقابر قريش فقد أمر الخليفة أن يتفقد كل من زار فيقبض [عليه]. وغير ذلك.
(٣٨) عنوانه الكامل (جنة المأوى فيمن فاز بلقاء الحجة ومعجزاته في الغيبة الكبرى).
(٣٩) عنوانه الكامل (النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب).
(٤٠) خاتمة مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج ٣ ص٢٢٩-٢٣٠.
(٤١) أنوار الهداية في التعليق على الكفاية - السيد الخميني ج١ ص٢٤٥.
(٤٢) انظر تاريخ الغيبة الكبرى - السيد محمد الصدر ص٧٣ و ص٨١.
(٤٣) النجم الثاقب - الميرزا النوري ج٢ ص٤٠٤.
(٤٤) سورة التكاثر/آية ٦-٧.
(٤٥) سورة الزمر/ آية ٦٠.
(٤٦) سورة التوبة/آية ١٠٥.
(٤٧) سورة الأعراف/آية٢٧.
(٤٨) سورة الأنفال/آية ٥٠.
(٤٩) سورة الأنفال/آية ٤٨.
(٥٠) سورة النجم / آية ١١.
(٥١) سورة النجم /آية ١٣.
(٥٢) انظر تاج العروس - الزَبيدي ج ١٩ ص ٤٣٤ – ٤٣٥، مفردات ألفاظ القرآن – الراغب الاصبهاني ص٣٧٤.
(٥٣) كتاب العين - الخليل الفراهيدي - ج ٨ - ص ٣٠٧.
(٥٤) الفروق اللغوية - أبي هلال العسكري - ص ٤٩٦.
(٥٥) مفردات ألفاظ القرآن – الراغب الاصبهاني ص٤٦٥.
(٥٦) تاج العروس - الزَبيدي - ج ٥ ص٤٥- ٤٧.
(٥٧) إشارة إلى الحديث المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟! انظر الجامع الصحيح للترمذي ج ٥ ص٦٦٣ وغيره.
(٥٨) حقائق التكوين - الشيخ ناصر الحمادي ص٦١.
(٥٩) فرائد السمطين ج ١ ص ٤٦، و باختصار ورد في بحار الأنوار ج ٥٢ ص٩٢- ٩٣، وقد ذكر العلاّمة المجلسي ثمانية أمور في وجه تشبيه الإمام الحجة المنتظر عليه السلام بالشمس التي يجلّلها السحاب، نوردها هنا لعموم الفائدة:
الأول: إن نور الوجود والعلم والهداية، يصل إلى الخلق بتوسطه عليه السّلام إذ ثبت بالأخبار المستفيضة، إنهم العلل الغائبة لإيجاد الخلق، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم، وببركتهم والاستشفاع بهم، والتوسل إليهم يظهر العلوم والمعارف على الخلق ويكشف البلايا عنهم، فلولاهم لاستحق الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب. كما قال تعالى (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ) ولقد جربنا مراراً لا نحصيها أن عند انغلاق الأمور واعضال المسائل، والبعد عن جناب الحق تعالى، وانسداد أبواب الفيض، لما استشفعنا بهم وتوسلنا بأنوارهم، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت تنكشف تلك الأمور الصعبة وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان، وقد مضى توضيح ذلك في كتاب (الإمامة).
الثاني: كما إن الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كل آن انكشاف السحاب عنها وظهورها، ليكون انتفاعهم بها أكثر، فكذلك في أيام غيبته عليه السّلام، ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كل وقت وزمان، ولا ييأسون منه.
الثالث: إن منكر وجوده مع وفور ظهور آثاره كمنكر وجود الشمس إذا غيّبها السحاب عن الأبصار.
الرابع: إن الشمس قد تكون غيبتها في السحاب أصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب فكذلك غيبته عليه السّلام أصلح لهم في تلك الأزمان فلذا غاب عنهم.
الخامس: أن الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب، وربما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها فكذلك شمس ذاته المقدسة ربما يكون ظهوره أضرّ لبصائرهم ويكون سبباً لعماهم عن الحق وتحتمل بصائرهم الايمان به في غيبته كما ينظر الانسان إلى الشمس من تحت السحاب ولا يتضرر بذلك.
السادس: إن الشمس قد تخرج من السحاب وينظر اليه واحد دون واحد فكذلك يمكن أن يظهر عليه السّلام في أيام غيبته لبعض الخلق دون بعض!؟.
السابع: إنهم عليهم السلام كالشمس في عموم النفع وإنما لا ينتفع بهم من كان أعمى كما فسّر به في الاخبار قوله تعالى: (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا).
الثامن: إن الشمس كما أن شعاعها تدخل البيوت بقدر ما فيها من الروازن والشبابيك، وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع فكذلك الخلق، انما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسّهم ومشاعرهم التي هي روازن قلوبهم من الشهوات النفسانية والعلائق الجسمانية وبقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانية إلى أن ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب.
فقد فتحت لك من هذه الجنة الروحانية ثمانية أبواب ولقد فتح الله عليَّ بفضله ثمانية أخرى تضيق العبارة عن ذكرها، عسى الله أن يفتح علينا وعليك في معرفتهم ألف باب يفتح من كل باب ألف باب.
(٦٠) ينابيع المودّة - القندوزي الحنفي ج٣ ص ٣٩٩.
(٦١) انظر الغيبة الكبرى - السيد محمد الصدر ص ٣٩ - ٤١ بتصرف.
(٦٢) الكافي - الشيخ الكليني ج ١ ص ٣٣٩.
(٦٣) من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٣٠٧.
(٦٤) عناية الأصول في شرح كفاية الأصول - الفيروز آبادي ج ٣ ص١٥٩–١٦٠.
(٦٥) وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول - تقرير لبحث الأصفهاني - السبزواري ص ٤٩٤ - ٤٩٥.
(٦٦) منتهى الدراية - الشوشتري ج ٤- شرح ص ٣٧٣ - ٣٧٤.
(٦٧) عوائد الأيام - المحقق النراقي ص ٧٠٠.
(٦٨) أنوار الهداية في التعليق على الكفاية - السيد الخميني ج١- ص٢٥٦.
(٦٩) سورة التوبة / أية ٣١.
(٧٠) الكافي - الشيخ الكليني ج ١ ص ٥٣.
(٧١) الكافي - الشيخ الكليني ج ٢ ص ٣٩٨.
(٧٢) سورة يونس / أية ٥٩.
(٧٣) أصول الفقه - الشيخ المظفر ج٣ ص١٢٠-١٢١.
(٧٤) انظر الغيبة الكبرى – السيد محمد الصدر ص ٣٨-٣٩.
(٧٥) الغيبة - النعماني ص١٦١-١٦٢.
(٧٦) مكيال المكارم - السيد محمد تقي الأصفهاني ج٢ص٣٣٨.
(٧٧) الغيبة - النعماني ص٨٣.
(٧٨) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق ص ٣٥٠ – ٣٥١.
(٧٩) مكيال المكارم - السيد محمد تقي الأصفهاني ج ٢ص ٣٣٩.
(٨٠) يأزر أي ينقبض.
(٨١) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق ص ٣٤٩.
(٨٢) ومما يروى عن المولى المقدس الأردبيلي وتشرفه بالإمام عليه السلام على ما رواه العلامة المجلسي في (بحار الأنوار ج٥٢ ص ١٧٤– ١٧٩) قال: ما أخبرني جماعة عن السيد الفاضل أمير علَّام، قال: كنت في بعض الليالي في صحن الروضة المقدسة بالغري على مشرفها السلام وقد ذهب كثير من الليل، فبينا أنا أجول فيها، إذ رأيت شخصا مقبلا نحو الروضة المقدسة فأقبلت إليه فلما قربت منه عرفت أنه أستاذنا الفاضل العالم التقي الذكي مولانا أحمد الأردبيلي قدس الله روحه.
فأخفيت نفسي عنه، حتى أتى الباب، وكان مغلقا، فانفتح له عند وصوله إليه، ودخل الروضة، فسمعته يُكلم كأنه يناجي أحدا ثم خرج، وأغلق الباب فمشيت خلفه حتى خرج من الغري وتوجه نحو مسجد الكوفة. فكنت خلفه بحيث لا يراني حتى دخل المسجد وصار إلى المحراب الذي استشهد أمير المؤمنين صلوات الله عليه عنده، ومكث طويلا ثم رجع وخرج من المسجد وأقبل نحو الغري.
فكنت خلفه حتى قرب من الحنانة فأخذني سعال لم أقدر على دفعه، فالتفت إلي فعرفني، وقال: أنت مير علَّام؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع هاهنا؟ قلت: كنت معك حيث دخلت الروضة المقدسة إلى الآن واقسم عليك بحق صاحب القبر أن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة، من البداية إلى النهاية. فقال: أخبرك على أن لا تخبر به أحدا ما دمت حيا فلما توثق ذلك مني قال: كنت أفكر في بعض المسائل، وقد أغلقت علي، فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين عليه السلام وأسأله عن ذلك، فلما وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت فدخلت الروضة وابتهلت إلى الله تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتا من القبر: أن ائت مسجد الكوفة وسل عن القائم عليه السلام فإنه إمام زمانك فأتيت عند المحراب، وسألته عنها وأجبت وها أنا أرجع إلى بيتي.
أقول: تأمل جيدا في وقت الخروج ليلا حيث تغلق أسوار مدينة النجف الأشرف، ولم يشاهده احد وهو العلم الذي تُرصد حركاته وسكناته، وسيره في تلك البراري أثناء ساعات الليل المظلم وحيدا، في القرن العاشر الهجري، حيث لم تعبد الطرق ولم تُسكن إلا متأخرا، ووحوش الفلاة منتشرة، وعلى فرض انطواء الأرض له؟ فكيف بمن وراءه، و.. و.. و...!؟.
(٨٣) مكيال المكارم - السيد محمد تقي الأصفهاني ج ٢ ص٣٤٣ – ٣٤٤.
(٨٤) الغيبة – الشيخ الطوسي ص٤١٢.
(٨٥) وسائل الشيعة - الحر العاملي ج ١٨ص٩٥.
(٨٦) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق ص ٤٨٣ - ٤٨٥.
(٨٧) سورة النجم/ أية ٢٨.
(٨٨) الفوائد الرجالية - السيد بحر العلوم ج ٣ص ٣١٨ - ٣٢١.
(٨٩) فوائد الأصول - السيد بحر العلوم ص ٨٢ فائدة ٢٣، عن عوائد الأيام - النراقي ص ٧٠٠.
(٩٠) كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع - المحقق الكاظمي التستري ص ٢٣٢ - ٢٣٣. وأورده الميرزا النوري في (جنة المأوى)، المطبوع ضمن كتاب (بحار الأنوار - العلامة المجلسي ٥٣/٣٢١ - ٣٢٢) مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ، وأوردناه تبعا لما ورد في (كشف القناع)، وحصرناه بين (قوسين) للإشارة والدلالة والتوضيح، وربما هذا نص كلام المحقق الكاظمي وصورته ولكن ورد في محل آخر لم نصل إليه، وانه لم ينقله بالمعنى، بدلالة اختلاف الترقيم بينهما أول النصيين (قال التستري: الثاني عشر، وقال النوري: ثالثها) وهدفنا هو المعنى والقصد ولا يهمنا في اي محل وجد، وقد تبنى هذه المقالة الميرزا النوري كليا. وقد سطرنا كلام المحقق التستري قدس سره بالخط الغامق للتمييز عن تعليقتنا.
(٩١) قال السيد بحر العلوم قدس سره في (الفوائد الرجالية) وقد مرَّ ذكره: وإن المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام ويعلم أنه الحجة عليه السلام حال مشاهدته له...
(٩٢) أنظر بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج ٥٣ ص ٢٣٦، والمطبوع في ضمنه كتاب (جنة المأوى) للميرزا النوري.
(٩٣) سورة الحاقة / أية ٤٤ - ٤٧.
(٩٤) المعجم الأصولي - صنقور ص ٣٥.
(٩٥) جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة عليه السلام - الميرزا حسين النوري، المطبوع في ضمن كتاب (بحار الأنوار - العلامة المجلسي، الحكاية السادسة والثلاثون - ج٥٣ ص٢٧١ - ٢٧٣) العلامة الحلي رحمه الله في (منهاج الصلاح) قال: نوع آخر من الاستخارة رويته عن والدي الفقيه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر رحمه الله عن السيد رضي الدين محمد الآوي الحسيني عن صاحب الأمر عليه السلام وهو أن يقرأ فاتحة الكتاب عشر مرات وأقله ثلاث مرات، والأدون منه مرة، ثم يقرأ ( إنا أنزلناه) عشر مرات ثم يقرأ هذا الدعاء ثلاث مرات: اللهم إني أستخيرك لعلمك بعواقب الأمور وأستشيرك لحسن ظني بك في المأمول والمحذور، اللهم إن كان الأمر الفلاني قد نيطت بالبركة أعجازه وبواديه، وحفت بالكرامة أيامه ولياليه، فخر لي فيه خيرة ترد شموسه ذلولا، تقعض أيامه سرورا. اللهم إما أمر فأئتمر وإما نهي فأنتهي اللهم إني أستخيرك برحمتك خيرة في عافية. ثم يقبض على قطعة من السبحة، ويضمر حاجته، ويخرج إن كان عدد تلك القطعة زوجا فهو افعل وإن كان فردا لا تفعل، أو بالعكس.
قال الكفعمي رحمه الله: نيطت تعلقت، وناط الشيء تعلق، وهذا منوط بك أي متعلق، والأنواط المعاليق، ونيط فلان بكذا أي تعلق قال الشاعر (حسان بن ثابت):

وأنت زنيم نيط في آل هاشم * * * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد

وأعجاز الشيء آخره، وبواديه أوله. ومفتتح الأمر ومبتدأه، ومهله وعنفوانه، وأوائله وموارده وبدائهه وبواديه نظائر وشوافعه وتواليه وأعقابه ومصادره ورواجعه ومصائره وعواقبه وأعجازه نظائر، وقوله شموسه أي صعوبته ورجل شموس: أي صعب الخلق، ولا تقل: شموص بالصاد، وأشمس الفرس منع ظهره، والذلول ضد الصعوبة، وتقعض أي ترد وتعطف، وقعضت العود عطفته وتقعص بالصاد تصحيف والعين مفتوحة لأنه إذا كانت عين الفعل أو لامه أحد حروف الحلق كان الأغلب فتحها في المضارع.
قال في (البحار): وفي كثير من النسخ بالصاد المهملة، ولعله مبالغة في السرور وهذا شائع في العرب والعجم، يقال لمن أصابه سرور عظيم: مات سرورا أو يكون المراد به الانقضاء أي تنقضي بالسرور، والتعبير به لأن أيام السرور سريعة الانقضاء، فان القعص الموت سريعا فعلى هذا يمكن أن يقرأ على بناء المعلوم والمجهول، و(أيامه) بالرفع والنصب معا.
قال الشهيد رحمه الله في (الذكرى ج ٤ ص٢٦٩): ومنها الاستخارة بالعدد ولم يكن هذه مشهورة في العصور الماضية، قبل زمان السيد الكبير العابد رضي الدين محمد الآوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدس الغروي رضي الله عنه، وقد رويناها عنه وجميع مروياته عن عدة من مشايخنا، عن الشيخ الكبير الفاضل جمال الدين ابن المطهر عن السيد الرضي، عن صاحب الأمر عليه السلام وتقدم عنه رحمه الله حكاية أخرى. وفي (بحار الأنوار ج ٨٨ ص ٢٥١) وروي أيضا عن الشيخ يوسف بن الحسين أنه وجد بخط الشهيد السعيد محمد بن مكي قدس الله روحه قال: تقرأ إنا أنزلناه عشر مرات ثم تدعو بهذا الدعاء:
(اللهم إني أستخيرك لعلمك بعاقبة الأمور، وأستشيرك لحسن ظني بك في المأمول والمحذور، اللهم إن كان الأمر الذي عزمت عليهما قد نيطت البركة بأعجازه و بواديه، وحفت بالكرامة أيامه ولياليه، فأسألك بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة القائم عليهم السلام أن تصلي على محمد وعليهم أجمعين، وأن تخير لي خيرة ترد شموسه ذلولا وتقيض أيامه سرورا، اللهم إن كان أمرا فاجعله في قبضة الفرد، وإن كان نهيا فاجعله في قبضة الزوج، ثم تقبض على السبحة وتعمل على ما يخرج. وقال أيضا: ووجدت بخط الشيخ الجليل محمد بن علي الجباعي جد شيخنا البهائي قدس الله روحهما أنه نقل من خط السعيد الشهيد محمد بن مكي نور الله ضريحه هكذا: طريق الاستخارة الصلاة على محمد وآله سبع مرات، وبعده (يا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، ويا أحكم الحاكمين صل على محمد وآل محمد) ثم الزوج والفرد.
(٩٦) انظر بحار الأنوار ج ٥٣ ص ٢١٣ - ٢٢٢، ونظرا لطول الخبر اعرضنا عن إدراجه، فان شئت الاطلاع عليه راجع المصدر.
(٩٧) الذريعة – الطهراني ج٥ص١٠٦.
(٩٨) جنة المأوى - الميرزا النوري، المطبوع في ضمن بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج٥٣ ص ٣٠٢.
الحكاية الخامسة والخمسون رأيت في ملحقات كتاب (أنيس العابدين)، وهو كتاب كبير في الأدعية والأوراد ينقل عنه العلامة المجلسي في المجلد التاسع عشر من (البحار) والآميرزا عبد الله تلميذه في (الصحيفة الثالثة) ما لفظه: نقل عن ابن طاووس رحمه الله أنه سمع سحرا في السرداب عن صاحب الأمر عليه السلام أنه يقول: اللهم إن شيعتنا خلقت من شعاع أنوارنا وبقية طينتنا، وقد فعلوا ذنوبا كثيرة اتكالا على حبنا وولايتنا، فان كانت ذنوبهم بينك وبينهم فاصفح عنهم فقد رضينا، وما كان منها فيما بينهم فأصلح بينهم وقاص بها عن خمسنا، وأدخلهم الجنة، وزحزحهم عن النار، ولا تجمع بينهم وبين أعدائنا في سخطك.
(٩٩) جنة المأوى - الميرزا النوري، المطبوع في ضمن بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج٥٣ ص ٢٢٧ - ٢٣٠.
الحكاية السابعة: السيد الجليل علي بن طاووس في (مهج الدعوات): وجدت في مجلد عتيق ذكر كاتبه أن اسمه الحسين بن علي بن هند، وأنه كتب في شوال سنة ست وتسعين وثلاث مائة دعاء العلوي المصري بما هذا لفظ إسناده: دعاء علمه سيدنا المؤمل صلوات الله عليه رجلا من شيعته وأهله في المنام وكان مظلوما ففرج الله عنه، وقتل عدوه. حدثني أبو علي أحمد بن محمد بن الحسين، وإسحاق بن جعفر بن محمد العلوي العريضي بحران، قال: حدثني محمد بن علي العلوي الحسيني، وكان يسكن بمصر قال: دهمني أمر عظيم، وهم شديد، من قبل صاحب مصر، فخشيته على نفسي وكان سعى بي إلى أحمد بن طولون، فخرجت من مصر حاجا فصرت من الحجاز إلى العراق، فقصدت مشهد مولانا وأبي: الحسين بن علي عليهما السلام عائذا به، ولائذا بقبره، ومستجيرا به، من سطوة من كنت أخافه، فأقمت بالحائر خمسة عشر يوما أدعو وأتضرع ليلي ونهاري فتراءى لي قيم الزمان عليه السلام وولي الرحمن، وأنا بين النائم واليقظان، فقال لي: يقول لك الحسين بن علي عليهما السلام يا بني خفت فلانا؟ فقلت: نعم أراد هلاكي، فلجأت إلى سيدي عليه السلام أشكو إليه عظيم ما أراد بي. فقال عليه السلام: هلا دعوت الله ربك عز وجل ورب آبائك بالأدعية التي دعا بها من سلف من الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا في شدة فكشف الله عنهم ذلك، قلت: وماذا أدعوه؟
فقال عليه السلام: إذا كان ليلة الجمعة، فاغتسل وصل صلاة الليل فإذا سجدت سجدة الشكر، دعوت بهذا الدعاء، وأنت بارك على ركبتك، فذكر لي دعاء، قال: ورأيته في مثل ذلك الوقت، يأتيني وأنا بين النائم واليقظان، قال: وكان يأتيني خمس ليال متواليات يكرر علي هذا القول والدعاء حتى حفظته وانقطع مجيئه ليلة الجمعة. فاغتسلت وغيرت ثيابي، وتطيبت وصليت صلاة الليل، وسجدت سجدة الشكر، وجثوت على ركبتي، ودعوت الله جل وتعالى بهذا الدعاء فأتاني ليلة السبت، فقال لي: قد أجيبت دعوتك يا محمد! وقتل عدوك عند فراغك من الدعاء عند من وشى به إليه. فلما أصبحت ودعت سيدي، وخرجت متوجها إلى مصر، فلما بلغت الأردن وأنا متوجه إلى مصر، رأيت رجلا من جيراني بمصر وكان مؤمنا فحدثني أن خصمي قبض عليه أحمد بن طولون، فأمر به فأصبح مذبوحا من قفاه، قال: وذلك في ليلة الجمعة، فأمر به فطرح في النيل، وكان فيما أخبرني جماعة من أهلينا وإخواننا الشيعة أن ذلك كان فيما بلغهم عند فراغي من الدعاء كما أخبرني مولاي صلوات الله عليه.
ثم ذكر له طريقا آخر عن أبي الحسن علي بن حماد البصري قال: أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد العلوي قال: حدثني محمد بن علي العلوي الحسيني المصري قال: أصابني غم شديد، ودهمني أمر عظيم، من قبل رجل من أهل بلدي من ملوكه، فخشيته خشية لم أرج لنفسي منها مخلصا. فقصدت مشهد ساداتي وآبائي صلوات الله عليهم بالحائر لائذا بهم عائذا بقبرهم، ومستجيرا من عظيم سطوة من كنت أخافه، وأقمت بها خمسة عشر يوما أدعو وأتضرع ليلا ونهارا فتراءى لي قائم الزمان وولي الرحمن، عليه وعلى آبائه أفضل التحية والسلام، فأتاني بين النائم واليقظان، فقال لي: يا بني خفت فلانا؟ فقلت: نعم، أرادني بكيت وكيت، فالتجأت إلى ساداتي عليهم السلام أشكو إليهم ليخلصوني منه.
فقال: هلا دعوت الله ربك ورب آبائك بالأدعية التي دعا بها أجدادي الأنبياء صلوات الله عليهم، حيث كانوا في الشدة فكشف الله عز وجل عنهم ذلك؟ قلت: وبماذا دعوه به لأدعوه؟ قال عليه وعلى آبائه السلام: إذا كان ليلة الجمعة، قم واغتسل، وصل صلواتك فإذا فرغت من سجدة الشكر، فقل وأنت بارك على ركبتيك، وادع بهذا الدعاء مبتهلا. قال: وكان يأتيني خمس ليال متواليات، يكرر علي القول وهذا الدعاء حتى حفظته، وانقطع مجيئه في ليلة الجمعة، فقمت واغتسلت وغيرت ثيابي وتطيبت وصليت ما وجب علي من صلاة الليل، وجثوت على ركبتي، فدعوت الله عز وجل بهذا الدعاء فأتاني عليه السلام ليلة السبت، كهيئته التي يأتيني فيها، فقال لي: قد أجيبت دعوتك يا محمد! وقتل عدوك، وأهلكه الله عز وجل عند فراغك من الدعاء.
قال: فلما أصبحت لم يكن لي هم غير وداع ساداتي صلوات الله عليهم والرحلة نحو المنزل الذي هربت منه، فلما بلغت بعض الطريق إذا رسول أولادي وكتبهم بأن الرجل الذي هربت منه، جمع قوما واتخذ لهم دعوة، فأكلوا وشربوا وتفرق القوم، ونام هو وغلمانه في المكان فأصبح الناس ولم يسمع له حس، فكشف عنه الغطاء فإذا به مذبوحا من قفاه، ودماؤه تسيل، وذلك في ليلة الجمعة، ولا يدرون من فعل به ذلك؟ ويأمرونني بالمبادرة نحو المنزل. فلما وافيت إلى المنزل، وسألت عنه وفي أي وقت كان قتله، فإذا هو عند فراغي من الدعاء.
ثم ساق رحمه الله الدعاء بتمامه وهو طويل ولذا تركنا نقله حذرا من الخروج عن وضع الكتاب، مع كونه في غاية الانتشار، وهذه الحكاية موجودة في باب المعاجز من (البحار).
(١٠٠) إلى هنا انتهى كلام المحقق الكاظمي قدس سره من كتاب (جنة المأوى) للميرزا النوري، المشار إليه بين (قوسين)، وأحب أن اجمع مقالته هنا كاملة متصلة ليتضح المراد جيدا: قال المحقق الكاظمي في أقسام الإجماع الذي استخرجه من مطاوي كلمات العلماء، وفحاوى عباراتهم، غير الإجماع المصطلح المعروف، وثالثها: أن يحصل لأحد من سفراء الإمام الغائب عجل الله فرجه، وصلى عليه، العلم بقوله إما بنقل مثله له سرا، أو بتوقيع أو مكاتبة، أو بالسماع منه شفاها، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة، ويحصل ذلك لبعض حملة أسرارهم، ولا يمكنهم التصريح بما اطلع عليه، والإعلان بنسبة القول إليه، والاتكال في إبراز المدعى على غير الإجماع، من الأدلة الشرعية لفقدها. وحينئذ فيجوز له إذا لم يكن مأمورا بالإخفاء أو كان مأمورا بالإظهار لا على وجه الإفشاء أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج، بصورة الإجماع، خوفا من الضياع وجمعا بين امتثال الأمر بإظهار الحق بقدر الإمكان، وامتثال النهي عن إذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان ولا ريب في كونه حجة.
أما لنفسه فلعلمه بقول الإمام عليه السلام وأما لغيره، فلكشفه عن قول الإمام عليه السلام أيضا، غاية ما هناك أنه يستكشف قول الإمام عليه السلام بطريق غير ثابت ولا ضير فيه ولصحة هذا الوجه وإمكانه شواهد تدل عليه منها كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الإمامية ولا مستند لها ظاهرا من أخبارهم ولا من كُتُبِ قدمائهم الواقفين على آثار الأئمة عليهم السلام وأسرارهم، ولا امارة تشهد بأن منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه اعتبارية مستحسنة، هي التي دعتهم إلى إنشائها وترتيبها، والاعتناء لجمعها وتدوينها كما هو الظاهر في جملة منها، نعم لا نضائق في ورود الأخبار في بعضها ولعل هذا هو الأصل أيضا في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطلع على قول الإمام عليه السلام لما وجده مخالفا لما عليه الإمامية أو معظمهم، ولم يتمكن من إظهاره على وجهه، وخشي أن يضيع الحق ويذهب عن أهله، جعله قولا من أقوالهم، وربما اعتمد عليه وأفتى به، من غير تصريح بدليله، لعدم قيام الأدلة الظاهرة بإثباته ولعله الوجه أيضا فيما عن بعض المشايخ من اعتبار تلك الأقوال أو تقويتها بحسب الإمكان، نظرا إلى احتمال كونها قول الإمام عليه السلام ألقاها بين العلماء، كيلا يُجمِعوا على الخطأ، ولا طريق لإلقائها حينئذ إلا بالوجه المذكور.
(١٠١) كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع - أسد الله التستري الكاظمي ص٢٣٠-٢٣١. وأحب أن اجمع مقالته هنا كاملة متصلة ليتضح المراد جيدا، قال: الثاني عشر: من وجوه الإجماع وهو ملحق بها صورة، أن يحصل لبعض حملة أسرار الأئمة عليهم السلام العلم بقول الإمام الغائب بعينه، بنقل أحد سفرائه وخدمته، سرا على وجه يفيد اليقين، أو بتوقيعه ومكاتبته كذلك، أو بسماعه منه مشافهة، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة، فلا يسعه التصريح بما اطلع عليه، والإعلان بنسبة القول إليه، ولا يجد في سائر الأدلة الموجودة العلمية ما ينهض إثبات ذلك، بناء على إمكان فقدها، ولا في غيرها أيضا من الأدلة ما يقتضيه، بناء على الاكتفاء بها، والاستغناء بها عما عداها، وإلا لم يجد من عداه إعلامه بما بدا له، مع عدم إيجابه العلم له، ولو وجد غيره مما ذكر لم يحتج إليه، إلا من باب التأييد والتقوية، فإذا كان الحال كما ذكر، وكان غير مأمور بإخفاء ما وقف عليه، وكتمانه عن سائر الناس على الإطلاق أو مأمورا بإظهاره بحيث لا ينكشف حقيقة الحال، فيبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة الإجماع، خوفا من الضياع وجمعا بين الامتثال، لما ورد من الأمر بإظهار الحق وتشييده بحسب الإمكان، وما ورد من النهي عن إذاعة مثله لغير أهله، ولاسيما إذا أدى إظهاره على وجهه إلى تكذيبه، وعدم الاعتماد على نقله، فيفوت الغرض من إبرازه المأمور به، عموما أو خصوصا، فلابد حينئذ من وقوع اتفاق مع ذلك بحيث يوجب صحة ما يختاره من الكلام لترويج الكلام أو التعبير بما يقتضي التباس المقصود منه على الإفهام، ولا ريب أن حصول العلم لبعض الخواص بقول الإمام عليه السلام على نحو ما ذكر أمر يمكن في نفسه ولوقوعه شواهد من الأخبار والآثار، ويجوز له التوسل في إظهاره بما قلنا، حيث لم يكن مأمورا بستره مطلقا، ولا يمنع منه الأمر بستره عن الأعداء، أو عمن لا يحمل ذلك كما لا يخفى، فيكون حجة على نفسه لكونه من السّنة، وعلى غيره بعد إبرازه على نحو ما ذكر لكونه من الإجماع، وربما يكون هذا هو الأصل في كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الإمامية، ولا مستند لها ظاهرا من أخبارهم، ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الأئمة وأسرارهم، ولا إمارة تشهد بأن منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه مستحسنة، هي التي دعتهم إلى إنشائها، وترتيبها، والاعتناء بجمعها، وتدوينها. كما هو الظاهر في جملة منها فتكون كما روى والد العلامة وابن طاووس طاب ثراهما، عن السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الآوي الحسيني، المجاور بالمشهد المقدس الغروي قدس الله روحه، عن صاحب الزمان صلوات الله عليه في طريق الاستخارة بالسبحة وغيره أيضا على ما يظهر من كلام الشهيد، وكما هو مروي عنه في قصة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في (البحار) وتفسير الأئمة عليهم السلام، وغيرهما. وكما سمعهُ منه عليه السلام ابن طاووس في السرداب الشريف، وكما علمه محمد بن علي العلوي الحسيني المصري في حائر الحسين، وهو بين اليقظان والنائم وقد أتاه الإمام مكررا وعلمه، إلى أن تعلمه في خمس ليال وحفظه، ثم دعا به واستجيب دعاؤه، وهو الدعاء المعروف بالعلوي المصري وكغير ذلك مما يقف عليه المتتبع ويحتمل أن يكون هو الأصل أيضا في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطلع على قول الإمام عليه السلام لما وجده مخالفا لما عليه الإمامية أو معظمهم، ولم يتمكن من إظهاره على وجهه، وخشي أن يضيع الحق، ويذهب عن أهله، جعله قولا من أقوالهم، وربما اعتمد عليه وأفتى به من غير تصريح بدليله، لعدم قيام الأدلة الظاهرية بإثباته، بناء على إمكان ذلك كما مرّ، ولعل هذا الوجه فيما تقدم في الوجه الثاني، عن بعض المشايخ من الاعتبار لتلك الأقوال، والميل إليها، وتقويتها بحسب الإمكان، لاحتمال كونها أقوال الإمام ألقاها بين العلماء، لئلا يجمعوا على الخطأ، فيكون طريق إلقاءها وهو ما ذكرنا، إذ لا يتصور غيره ظاهرا وقد مرّ الكلام في ذلك هنالك ولا يخفى أن العلم بقول الإمام على الوجه المذكور وإن اتفق لأوحدي من الناس نادرا لمصلحة خاصة اقتضت ذلك كعموم البلوى بالحكم، أو اشتداد حاجة ذلك الواحد إليه، أو غير ذلك، كما أشرنا إليه في الوجه الثالث، فلا ريب في أنه لا يمكن جعله مبنى الإجماع المعروف الذي هو من عمد الأدلة الشرعية، ونفعه يعم الجميع في كثير من المسائل الدينية، بل لا يمكن إدخال ما يبتنى عليه في الإجماع المحصل أصلا، كما تقدم في أوائل الرسالة، وإنما يندرج في المنقول بالنسبة إلى الجاهل بالحال، ويكون حجة ظنية معتبرة على بعض الوجوه، كما يأتي بيانه على التفصيل والله الهادي إلى سواء السبيل.
(١٠٢) كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع - المحقق الكاظمي ص١٥١-١٥٣.
(١٠٣) بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج٥٣ ص٣٠٤، كشف المحجة - ابن طاووس ص٥٣، وفي نص الكتاب الثاني التباس.
(١٠٤) المتنبي يسترد أباه – الملاح ص٢٣.
(١٠٥) المتنبي يسترد أباه – الملاح ص١٦٣.
(١٠٦) المتنبي يسترد أباه – الملاح ص٧.
(١٠٧) الإرشاد – الشيخ المفيد ج٢ ص٢٧٦.
(١٠٨) مقتضب الأثر – ابن عياش الجوهري ص٣١.
(١٠٩) بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج ١٠٠ص ٢٢٠.
(١١٠) القتاد هو شجر له شوك مثل الإبر لا يتيسر خرطه باليد لذلك، و(دونه خرط القتاد) مثل يضرب للأمر الشاق العسير الذي أيسر منه خرط القتاد.
(١١١) الغيبة الكبرى- السيد محمد الصدر ص٤٩.
(١١٢) انظر كتاب وقفة مع النسب والنسابين للمؤلف ص ١٠٥.
(١١٣) انظر بحار الأنوار- العلامة المجلسي ج ٥٣ ص٢١٣-٢٢٢، ونظرا لطول الخبر اعرضنا عن إدراجه، فان شئت الاطلاع عليه فراجع المصدر.
(١١٤) الذريعة – الطهراني ج٥- ص١٠٦.
(١١٥) وسائل الشيعة - الحر العاملي كتاب النكاح باب ٥٥/ح٣، صحيح البخاري ج٣ ص ٥.
(١١٦) زاد المعاد - ابن القيم ج٥ ص٤١٠.
(١١٧) وطىءُ الشبهة: وهي مواقعة الرجل لامرأة محرمة عليه، وهو لا يعلم ذلك، سواء كان ذلك بسبب فساد عقد النكاح أو باعتقاد أنها زوجته وغير ذلك من الأعذار الشرعية، ثم تبين بعد حين الاشتباه وقد حملت المرأة منه، فيلحق الولد بالرجل ويأخذ كافة الحقوق الشرعية المترتبة على ذلك من النسب والنفقة والإرث وغيرها.
(١١٨) سورة النور/ أية ٦ – ٩.
(١١٩) مسالك الإفهام- زين الدين بن علي العاملي ج ١٠ص ١٨٨.
(١٢٠) كنز العمال - المتقي الهندي ج ٥ص٣١٦.
(١٢١) المغني - ابن قدامة ج١٢ص٢٣.
(١٢٢) سورة البقرة / أية ٢٨٢.
(١٢٣) وسائل الشيعة - الحر العاملي كتاب الشهادات باب ٤٢/ح٢٣.
(١٢٤) انظر المهذب - الشيرازي ج ٢ ص٣٣٤، المحلى - ابن حزم ج ٩ ص٤٥٩.
(١٢٥) انظر تذييل كتاب بحر الانساب المحيط للنجفي – الشيخ حسين محمد الرفاعي المصري، طبعة دار الكتب المصرية في القاهرة ١٣٥٦هـ.
(١٢٦) جمهرة أنساب العرب – ابن حزم ص٦١-٦٢.
(١٢٧) انظر كتاب (صحاح الأخبار) للمخزومي الرفاعي ت ٨٨٥هـ في ذكر أعقاب جعفر (التواب) فرفع نسب السيد البدوي الى السيد علي بن محمد بن أبي الحسن جعفر الزكي، وكذا ذكر السيد عبد السلام القادري الحسني من (رجال القرن الثاني عشر) في مخطوطته (الدر السني للنسب الحسيني والحسيني)، والمقريزي في (الخطط)، والعلامة الشيخ مؤمن الشبلنجي من (علماء القرن الثالث عشر) في كتابه (نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار) وغيرهم.
(١٢٨) انظر كتاب بحر الانساب المحيط- للنجفي - ص٢٦٤، طبعة دار الكتب المصرية في القاهرة ١٣٥٦هـ.
(١٢٩) انظر كتاب تحفة الطالب بمعرفة من ينتسب إلى عبد الله وأبي طالب - النسابة السيد محمد الحسيني السمرقندي المدني، تحقيق انس الكتبي الحسني ص٥٥-٥٦.
(١٣٠) وسائل الشيعة - الحر العاملي كتاب الإقرار باب ٥/ح٢.
(١٣١) في كتاب الغيبة للشيخ النعماني ص١٧٦ ورد فيه: لا يطلع على موضعه أحداً من وليّ ولا غيره، إلا المولى الذي يلي أمره.
(١٣٢) الغيبة - الشيخ الطوسي ص١٦١-١٦٢.
(١٣٣) مصباح المتهجد – الشيخ الطوسي ص٤٠٨، المزار – ابن المشهدي ص٦٦٩.
(١٣٤) مصباح المتهجد – الشيخ الطوسي ص٤١٠، جمال الأسبوع – ابن طاووس ص٣٠٩.
(١٣٥) بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج ١٠٠ص ٢٢٠.
(١٣٦) الغيبة الكبرى - السيد محمد الصدر ص٤٩.
(١٣٧) وسائل الشيعة – الحر العاملي كتاب القضاء باب ١٣/ح٥.
(١٣٨) سنن أبي داود – السجستاني ج ١ص٥٠٦.
(١٣٩) المحلى – ابن حزم ج ١٠ ص ١٥٠.
(١٤٠) معالم السنن – الخطابي ج ٣ ص١٧٧.
(١٤١) انظر المغني – ابن قدامة ج٦ص٣٤٤، الإنصاف – المرداوي ص ٤٨٥، المهذب – الشيرازي ج١ص ٤٤٥، السنن الكبرى – البيهقي ج ١٠ص٢٦٧.
(١٤٢) انظر المبسوط – السرخسي ج١٧ص ٧٠، الطرق الحكمية - ابن القيم ص٣١٥.
(١٤٣) انظر مغني المحتاج – الشربيني ج ٤ص٤٨٩، الشرح الكبير - عبد الرحمن بن قدامة ج٦ص٤٠٣-٤٠٤.
(١٤٤) تبصرة الحكام - ابن فرحون ج ٢ص٩١.
(١٤٥) الكافي – الشيخ الكليني ج٣ص٤٨٢.
(١٤٦) الأمالي – الشيخ الصدوق ص٢١٠.
(١٤٧) التوحيد – المفضل بن عمر الجعفي ص٤٣-٤٤.
(١٤٨) صراط النجاة - الميرزا جواد التبريزي ج ٢ص ٤٤٩.
(١٤٩) مسائل وردود - السيد محمد الصدر ج١ ص٥٥ مسألة ٤٣١.
(١٥٠) مجموعة استفتاءات - السيد السيستاني، مكتب قم - ص٣٩٢.
(١٥١) استفتاء موثق موجه إلى سماحته دام ظله.
(١٥٢) انظر الغيبة الصغرى والسفراء الأربعة، سلسلة الندوات العقائدية - الشيخ المالكي ج٣٩، بتصرف.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016