الصفحة الرئيسية » مجلة الانتظار » العدد: ٩/ ربيع الثاني / ١٤٢٨هـ » دراسات/ الإمام المهدي في الشعر العربي
 العدد: ٩/ ربيع الثاني / ١٤٢٨ه

المقالات دراسات/ الإمام المهدي في الشعر العربي

القسم القسم: العدد: ٩/ ربيع الثاني / ١٤٢٨هـ الشخص الكاتب: عباس إسماعيل العزاوي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٩/٢٣ المشاهدات المشاهدات: ١١٣٠ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام المهدي في الشعر العربي

الأستاذ: عباس  إسماعيل العزاوي ـ الكوت

أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن المهدي عليه السلام من أهل بيته عليهم السلام، وأنه يحمل اسمه وكنيته بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يخرج في آخر الزمان رجلٌ من ولدي إسمه كاسمي وكنيته ككنيتي يملؤ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، فذلك المهدي).(١) وقد بيّن كمال الدين الشافعي وهو من شعراء أهل السنة ذلك في شعره:(٢)

فهذا الخَلَفُ الحجةُ قد أيّده اللهُ

 

هدانا منهجَ الحقِّ وآتاهُ سجاياهُ

وأعلى في ذرى العَلياء بالتّأييد مَرْقاهُ

 

وآتاهُ حِلى فضْلٍ عظيمٍ فتحلاّهُ

وقد قالَ رسول الله قولاً قد رويناهُ

 

وذو العلمِ بما قالَ إذا أدركَ مَعْناهُ

يرى الأخبارَ بالمهدي جاءتْ بمسمّاهُ

 

وقد أبداه بالنسبة والوصف وسمّاه

ويكفي قوله مني لاشراق محياهُ

 

ومِنْ بضعته الزهراء مجراه ومَرْساهُ

ولم يتصل الإمام عليه السلام بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالنسب فحسب، بل ورّثه حكمته وحُسْنَ سريرته، يقول الشاعر محمد صالح جعفر الظالمي:(٣)

هو ابنُ رسولِ اللهِ وهو وصيّه

 

ووارثُهُ في الحُكْمِ والعِلْم والزّهدِ

هو ابنُ عليّ الطّهر من آل هاشمٍ

 

وأكرمُ حيٍّ من بني شيبةِ الحمدِ

وإن نسباً هذه حقيقته لتتضاءل عنده السلسلة الذهبية حتى إذا كانت معدن كل طيب وشرف.

وقد أثبت نسب الإمام عليه السلام بعضُ مؤرخي السنة كمؤرخ دمشق شمس الدين بن طولون الحنفي؛ اذ يقول: (وثاني عشرهم ابنه محمد بن الحسن، وهو أبو القاسم محمد بن الحسن بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام... وقد نظمتهم على ذلك فقلت:

عليك بالأئمةِ الاثني عشرْ

 

من آل بيتِ المصطفى خيرِ البشرْ

أبو تراب حسنٌ حسينُ

 

وبُغْضُ زينِ العابدينَ شينُ

محمدُ الباقر كَمْ عِلْمٍ درى

 

والصادِقَ ادعُ جعفراً بين الورى

موسى هو الكاظمُ وابنه عليّ

 

لقبه الرضا وقدره عليّ

محمدُ التقيّ قلبه معمورُ

 

عليّ التقي درّه منثورُ

والعسكري الحسنُ المطهّر

 

محمد المهدي سوف يظهر(٤)

لقد طاب نسبك يا امامي المهدي فكان جديراً لأن ينزل به وبك قوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب/ ٣٣) ولم يقف طيب ذلك النسب حتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل امتدّ طيبه حتى آدم عليه السلام، يقول الشاعر جعفر الخطي:(٥)

إمامُ هدىً طهرٌ نقيٌ إذ انتمى

 

إلى سادةٍ غرِ الشمائلِ أطهارِ

وبرٍّ لبرٍّ ما نسبت فصاعداً

 

إلى آدم لم ينمه غيرُ أبرارِ

ومما يؤسف أن قسماً من الناس جهل حقيقة المهدي عليه السلام ؛ لأنه جهل سلسلة نسبه كما هو مع الفرقة الكيسانية التي ادعت أن محمد بن الحنفية هو المهدي،(٦) وقد تغلغل هذا إلى نفوس بعض الشعراء كالحميري، الا انه سرعان ما أفاء لرشده، واعتذر لإمام عصره الإمام الصادق عليه السلام مقراً بأن الحق ما أقروه، وهو أن المهدي لا يمكن أن يكون من غير النسب السالف، إذ يقول شاعرنا لإمامنا عليه السلام:(٧)

سوى ما تراه يا ابنَ بنتِ محمّدٍ

 

فإنّ به عقدي وزُلفى تقرّبي

وما كان قولي في ابن خولةَ مُبطناً

 

معاندةً مني لنسلِ المطيَّبِ

كنيته وألقابه:

مرّ أنه عليه السلام حمل كنية المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، التي هي (أبو القاسم)، وقد ذكرها الشعراء في أشعارهم، فهذا هو الشاعر جعفر الخطّي يقول:(٨)

أبا القاسم انهضْ واشفِ غلّ عصابةٍ

 

قضى وطراً من ظلمها كلُّ كَفّارِ

وقد ذكره بعض شعراء أهل السنة بهذه الكنية ألا وهو الفضل بن روزبهان (ت ٩٠٩ هـ) بقوله:(٩)

أبي القاسمِ العَرْم نورِ الهُدى

 

سلامٌ على القائمِ المنتظرْ

يُنْجيه من سيفه المنتضى

 

سيطلعُ كالشمس في غاسقٍ

في حين دأب بعض الشعراء يناديه بكنية (ابا صالح)، وكأنه من تأثر الفصحاء بمن حولهم من العوام، إذ إنهم يطلقون على (مهدي) (ابو صالح) وثمة قصيدة حَمَلَ عنوانها هذه الكنية للشاعر آية الله الحسين بن التقي بحر العلوم رحمه الله مطلعها:(١٠)

أبا صالح يا رائد الحق والنصرِ

 

ويا نخوة الايمان في غمرةِ الكفرِ

ومنها أيضاً:

أبا صالح يا دَيْمةَ الخِصْبِ واليسرِ

 

تَهَلّلُ للعافينَ في الضنكِ والعُسرِ

أما ألقابه عليه السلام فأشهرها (المهدي) حتى أننا لا نجده عليه السلام يُذكر باسمه الصريح ـ غالباً ـ ولعل هذا عائد إلى نهي أهل البيت عليهم السلام من تسميته باسمه على رواية،(١١) ومن ثم كثر دوران لقب (المهدي) على ألسنة الخاصة والعامة حتى كاد يكون اسمه. يقول الشيخ عبد الكريم اليماني:(١٢)

في يُمنِ أمنٍ لا يكون لأهلها

 

إلى أن ترى نورَ الهداية مقبلا

يسمّى بمهدي من الحقِّ ظاهر

 

بسنّة خير الخلق يحكمُ أولا

وفي الأشعار السالفة ظهر أن من ألقابه (الخَلَف) و(الحُجة) ومن ألقابه الأخرى (صاحب العصر) و(الإمام المنتظر) وقد يأتي لفظ (الحجة) مُنَكّراً فيضاف إلى لفظ الجلالة، نحو قول الشيخ البهائي:(١٣)

صاحب العصر الإمامَ المنتظر

 

من بما يأباه لا يجري القَدَرْ

حجةُ الله ِ على كلِّ البشرْ

 

خيرُ أهل الأرضِ في كل الخصال

كما يلقب بلقب أثبته لنا القرآن الكريم ألا وهو (بقية الله)، يقول الشاعر عبد الهادي الحكيم بعد أن يعدِّد ما حلَّ في الأرض من فساد:(١٤)

أين منها من يملؤ الأرض قسطاً

 

بعدما جانبتْ طريقَ الرّشدِ

أين منها بقية الله في الأرض

 

المُرجّى أين الإمامُ المهدي

وقد يضفي الشعراء على الإمام عليه السلام ألقاباً من عندهم بما تجود به قرائحهم كقول السيد حيدر الحلي:(١٥)

يا غيرةَ الله اهتفي

 

بحميّةِ الدينِ الحميّة

وقول الشيخ البهائي:(١٦)

يا أمين الله يا شمس الهُدى

 

يا إمامَ الخلقِ يا بحرَ الندى

وهذا التصرف في تلقيب الإمام وارد في وصف الأفذاذ؛ لأنّ من شأن الشعراء التفننُ في الكلام.

 البشارات بالامام المهدي عليه السلام قبل أن يولد:

بادر الشعر إلى الترنم بظهور مهدي الأمة عليه السلام قبل أن يولد، ولعل نعثل اليهودي كان الرائد في ذلك؛ اذ مما أنشد فيه في حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بعد أن سأله عن ذريته:(١٧) قد فاز من والاهم وخاب من عادى الزُهُر آخرُهم يُسقي الظِما وهو الإمام المنتظر

ونجد الإمام علي عليه السلام يستبشر بظهور صاحب الزمان عليه السلام في خطابه للحسين عليه السلام:(١٨)

بُنِيَّ إذا ما جاشتِ التركُ فانتظرْ

 

ولايةَ مهديٍّ يقومُ فيعدلُ

وذلَّ ملوكُ الأرضِ من آلِ هاشمٍ

 

وبويع منهم من يلذُّ ويهزِلُ

صبيٌّ من الصبيانِ لا رأيَ عنده

 

ولا عنده جِدٌّ ولا هو يعقلُ

فثمّ يقومُ القائمُ الحقُّ منكم

 

وبالحقِّ يأتيكم وبالحقِّ يعملُ

سميُّ نبيِّ اللهِ نفسي فِداؤه

 

فلا تخذلوه يا بنيَّ وعَجِّلوا

ويستبشر الإمام الصادق عليه السلام بدولة الإسلام العالمية التي تكون في آخر الزمان، والتي هي دولة المهدي عليه السلام، فيقول عليه السلام:(١٩)  

لكلِّ أناسٍ دولةٌ يرقبونها              ودولتُنا في آخِرِ الدَّهْرِ تظهر

وقد مرّ أن الشاعر الحميري اعتذر للإمام عليه السلام على ما كان فيه من زيغ عقيدي، ونجده يذكر غيبة الإمام عليه السلام في شعره، ثم نشره للعدل بعد ظهوره، ويثبت للإمام الصادق عليه السلام أنه سوف يبقى بهدايته هذه وإنْ لامَهُ الناس عليها:(٢٠)

بأنَّ وليَّ الأمرِ والقائمَ الذي

 

تَطلُّعُ نفسي نحوَه بتطرّبِ

له غيبةٌ لابدَّ من أن يغيبها

 

فصلّى عليه اللهُ من متغيبِ

فيمكث حيناً ثم يظهر حينه

 

فيملؤ عدلاً كل شرق ومغرب

بذاك أدينُ اللهَ سرّاً وجهرةً

 

ولستُ وإنْ عوتِبْتُ فيه بمعتَبِ

إنّ تثقيف الأئمة عليهم السلام للأمة بمسألة المهدي وكونها قضية يتحتم الإيمان بها، جعل بعض الشعراء يصفها بشعره بأنها حقيقة لا ريب فيها، فها هو الشاعر دعبل الخزاعي (ت ٢٤٦هـ) يؤكد ظهور الامام عليه السلام وقدومه على الأرض باليُمْن والبركة، وبإقامة الحق ودحض الباطل؛ لذا يجب الصبر وإن طال الأسى، والاستعداد للظهور:(٢١)

خروجُ إمامٍ لا مُحالة خارجٌ

 

يقومُ على اسمِ اللهِ والبركاتِ

يميّز فينا كلَّ حقٍ وباطلٍ

 

ويَجزي على النعماءِ والنقماتِ

فيا نفسُ طيبي ثم يا نفسُ أبشري

 

فغيرُ بعيدٍ كلُّ ما هو آتِ

ولا تجزعي من مُدّةِ الجورِ إنّني

 

أرى قوّتي قد آذنتْ بشتاتِ

فإن قرَّبَ الرحمنُ من تلكَ مُدتي

 

وأخَّر من عمري بطول حياتي

شفيتُ ولم أتركْ لنفسي رزيةً

 

وروَّيتُ منهم منصلي وقناتي

ولادته:

تشرّفت سامراء بأن تكون محل ولادة الإمام عليه السلام، وفي ذلك يقول الشاعر محمد صالح الظالمي:(٢٢)

على أفقِ سامرّا بدا كوكبُ السعدِ           ينيرُ الدجى من طلعة القائم المهدي

وقد يدهش بعضٌ كيف أنه ولد في هذا المكان من دون أن تتعرض أسرته، ـ وبخاصّةٍ أمه التي حملت به ـ لأذى السلطة الظالمة آنذاك، مع العلم أنها لم تكن لتغضَّ الطرف عن بيت النبوة بعد أن علمت بأن مهدي الأمة اقترب أوانه؟! والجواب على ذلك أن الرحمة الإلهية تدخَّلت في العناية بالإمام القائم إذْ أخفت آثار الحمل من أمه كما حدث هذا مع أم موسى عليه السلام من قبل، ويقول الشاعر الظالمي:(٢٣)

لقد فاق موسى حيثُ غُيِّبَ حمله              ولولاه عيسى ما تكلَّم في المهدِ

ولم يخلُ أهل البيت عليهم السلام من معاجز أذهلت القاصي والداني، فها هو المهدي عليه السلام يكلم أمه وهي حامل به، وما أن يولد ينطق بالشهادة ويصلي(٢٤) على النبي وآله واحداً واحداً. وبعد أن يصلَ إلى أبيه يتلو قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَْرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)(القصص/٥)، وحينها تتعدد المعجزة من الإمام عليه السلام وفيها يقول السيد صالح القزويني:(٢٥)

يا ابنَ الأئمة كم أريتَ معاجزاً

 

كانت على فرضِ الولاءِ شهودا

كلّمتَ حملاً أمّك الحورا كما

 

أعرَبْتَ عن علمِ الغيوب وليدا

ونطقتَ بالتوحيد مولوداً كما

 

نطق المسيحُ موحِّداً مولودا

وسجدتَ طفلا للجليل وطالما

 

لجلال عزته أطلتَ سجودا

وتلوتَ مُحكمةُ المجيد كأنّما

 

قد كنت يوم نزوله موجودا

فهو عليه السلام لم يولد رضيعاً وإنّما ولد يحمل همّ أمة. ومن معاجزه أنه تكلم كعيسى عليه السلام وسجد سجدةً خاشعةً، وقرأ القرآن كأنّه كان قبل أن يولد.

 غيبته:

غاب الإمام عليه السلام بعد الخامسة من عمره غيبة كانت على نحوين: غيبة صغرى وغيبة كبرى، وقد استمرت الأولى  ٦٩ عاماً من ٢٦٠هـ ـ ٣٢٩هـ، ثم بدأت الغيبة الكبرى التي تجاوزت حتى الآن ألف عام وتزيد. يقول الشاعر عبد الهادي الحكيم مصوراً ما أصاب الشيعة في هذه الحقبة:(٢٦)

منذ ألف والسيفُ يحصِدُ

 

  والرّؤوسُ تهوي خضيبةً والأيدي

هي ذي ثانياً تعودُ قريشٌ 

 

بطواغيتها بذاك الحقدِ

بـ (أبي جهلٍ) بـ(الوليد) بأجلا

 

فٍ قساةٍ بـ (عتبة) بـ (ابن ودِّ)

ومعنى الغيبة أنه عليه السلام موجود، ولكنه لا يُرى، فكأن بيننا وبينه ستراً مستوراً يقول الشاعر الحميري:(٢٧)

إن ولي الله يُفقدُ لا يرى

 

ستيراً كفعل الخائفِ المترقب

فتقسمُ أموال الفقيد كأنما

 

تغيّبُه بين الصفيح المنَصَّب

والحميري في البيت الأول كأنه يعقد موازنة بين الامام عليه السلام والنبي موسى عليه السلام الذي أَنزل فيه تعالى (فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص/ ٢١) فمن عوامل الغيبة وأسبابه(٢٨) هو الوقوع بأيدي الظلمة، ومن أسبابها التمهّل وصولاً إلى إبراز الحق، يقول الشاعر جعفر الخطي:(٢٩)

ومنتظرٌ ما أخّر الله وقتَهُ            لشيءٍ سُوى إبرازِ حقٍّ وإظهارِ

 إذ في الغيبةِ يمكن استجماع تجارب الأمم السالفة والتمحيص الاعدادي لجيل الظهور. ومن المؤسف أنّ من الناس من يكون مردود الغيبة عليه سلبياً لا ايجابياً، فطول مدتها يجعله يشكك بالامام عليه السلام، وقد نهانا الإمام الصادق عليه السلام من ذلك، وبين عليه السلام أنه حتى إذا غاب فإنه ينفعنا كالشمس التي خلف السحاب، فقد روي عنه أنه قال: (ولم تخلُ الأرض منذ خلقها الله تعالى من حجة إما ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولن تخلوَ إلى أن تقومَ الساعةُ ولولا ذلك لم يُعبَدِ الله) قيل: كيف ينتفع الناسُ بالغائب المستور؟ قال عليه السلام: (كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب)،(٣٠) وقد أجاد الدكتور الشيخ محمد حسين الصغير في التعبير عن ذلك بقوله:(٣١)

تغيّبْتَ حتى قيل: إنّك لم تكن

 

وأشكلْتَ حتى قيلَ جازَ عن الحدِّ

فمن منكر لا عن دليل وحجة

 

ومن جاحدٍ غاوٍ مُصرٍّ على الجَحْد

وما خفيتْ شمسُ النهار لناظر

 

وما حُجبتْ فالذنْبُ للأعينِ الرُّمد

نعم فالذنب فينا، إذ حجَبَتْ ذنوبنا بيننا وبين الطلعة البهية، ومع ذلك فإننا بفيض وجوده المستور نعيش في هذه الدنيا. ولولا ذلك الوجود لساخت الأرض بنا. فقد روي عن الوشّاء أنه قال: سألتُ أبا الحسن الرضا عليه السلام: (هل تبقى الارض بغير إمام؟ قال: لا، قلت: إنا نروي أنها لا تبقى إلاّ أن يسخط الله عزّ وجل على العباد قال: لا تبقى إذاً لساخت)(٣٢) ولقد عبّر الشاعر الدكتور محمد حسين الصغير عن ذلك بقوله:(٣٣)

وجودُكَ فينا علةٌ لوجودِنا

 

ونفعُ عبيرِ الوردِ يُنبي عن الوردِ

وإنك من هذي العوالم سرُّها

 

فما حيرة الألبابِ في الجوهر الفردِ

فالورد المغطّى وإن لم يُرَ فقد دلَّ عليه عطره وشذاه. ومن هنا فنحن موضع رعاية الامام عليه السلام، مما دعا الشاعر القطيفي حسين آل جامع أن يتحسس هذه الرعاية فصاغ أحاسيسه ووجدانه بقوله:

إني أضأتك في غياهب حيرتي

 

فانسابَ يشرقُ بالولاء جناني

وعقدتُ في حبل الولاية نيّتي

 

إن الإمام بعينه يرعاني

انتظاره:

ما على المرء في عصر الغيبة الا التمسك بتعاليم أهل البيت عليهم السلام وألاّ يزيغ عنهم ولا يميد عن إمامه الغائب، يقول الشاعر الظالمي:(٣٤)

وقال رسول الله والحقُّ قولُه

 

هنيئاً لقوم يَثبتون على العهد

ومن ماتَ لم يعرفْ إمام زمانه

 

يَمُتْ جاهلياً في ضلالٍ وفي جحد

            ولابد أن نبقى في حالة شوق دائمة إلى الامام عليه السلام، بل نفدي كل ما لدينا لإمامنا الغائب عليه السلام، وقد قال الشاعر عبد الهادي الحكيم:(٣٥)

أوَ أحيا حتى أرى يوم فتح الأرض

 

يسري من الحجاز ونجد

وأرى الطلعة البهيةَ يا ربِّ

 

فِداها مالي وأهلي وولدي

ويجب أن نعلِّم أطفالنا عشق الإمام الغائب عليه السلام كما قال شاعر القطيف حسين آل جامع:(٣٦)

يا أيها القائمُ المهديُّ إنّ بنا

 

شوقاً إليك بعمر العمر يَطَّرد

عشناك عشقاً صموداً رفعةً وهدىً

 

برغم من كابروا بغياً ومن حسدوا

وعاش أسلافنا معناك في دمهم

 

حتى ورثناه مذخوراً لمن وُلِدوا

ثم يؤكد لنا ضرورة استمرار صلتنا بالإمام عليه السلام وأن نُجدد له البيعة ونزيد ثقتنا كل يوم:(٣٧)

جئنا نجدد عهداً بيعة ثقةً

 

فكلّ أيامنا في حبكم جُدُدُ

وعلينا أن نؤمن بحضور الإمام معنا، فنشركه في همومنا وحياتنا، ولا ننسى الدعاء له بتعجيل الفرج، وقد قال الشاعر سعيد المقرم الموسوي:(٣٨)

مولاي إن فؤادي جاء منثلماً

 

كي يشتكي لك جرحاً غير مندملِ

فلا وحقك لا يشفيه من سقمٍ

 

الا ظهورُك للدنيا على عَجَلِ

فإن لامَنا ناصبيّ أو هزأ بنا مغرورٌٌ قلنا كقول الحميري السالف:

بذاك أدينُ اللهَ سراً وجهرةً       ولستُ وإن عُوتبتُ فيه بمعتبٍ

ولا أعني التسليم للسكوت، بل يجب ردّ الشبهات التي يكيلها علينا أعداء الأئمة عليهم السلام: ولقد تعدّدت الفِرية من أهلها الناصبين (لآل محمد) عليهم السلام فكان لهم علماء الشيعة بالمرصاد، ونذكر _ على سبيل المثال _ فِرية السرداب التي من أقطابها ابن حجر الهيتمي الذي عاب الشيعة بشيء ما فعلوه بقوله: (لقد صاروا بذلك وبوقوفهم بالخيل على ذلك السرداب وصياحهم بأن يخرج اليهم ضحكة لأولي الألباب.

وقد تناول العلامة الحجة السيد محسن الأمين قدس سره هذه الفرية وردّ عليها في قصيدته التي مثلت هي وشرحها قوام كتابه البرهان فقال:

لنا نسبوا شيئاً ولسنا نقولُه

 

وعابوا بما لم يجر منّا له ذكرُ

بأن غابَ في السردابِ صاحبُ عصرِنا

 

وأمسى مُقيماً فيه ما بقيَ الدهرُ

ويخرج منه حين يُؤذِنُ ربّه

 

بذلك لا يعرَوهُ خوفٌ ولا ذُعرٌ

أبينوا لنا من قال منّا بهذه

 

وهل ضمَّ هذا القولَ من كتبنا سِفْرُ

وإلا فأنتم ظالمونَ لنا بما

 

نسبتم وإن تأبوا فموعدُنا الحشر(٣٩)

وقد يشكل علينا بطول عمر الإمام عليه السلام، ولكن نقول قديماً عُرف نوحٌ بطول العمر، وقد أجاب عن هذا الإشكال آية الله الحسين بن تقي بحر العلوم قدس سره مخاطباً الامام عليه السلام:(٤٠)

وياصِنوَ شيخِ المرسلينَ إلى الورى

 

بجذريه التطهّرِ والمدِّ في العمرِ

فنوحٌ بطوفانٍ من الموج جارفٍ

 

سفينتُه باسمِ الهدى في المدى تجري

وأنت بطوفانِ الضلالةِ والعمى

 

سفينتُك القرآنُ تمخُر بالفكرِ

و(صِنو) يعني (شبيه) و(شيخ المرسلين) هو النبي نوح عليه السلام.

استنهاضه:

لعل هذا المبحث صاحب أكبر مادة من الشعر المهدوي، وهو تابع لمبحث الانتظار، وإنما أُفْرد لأهميته.

لقد تعالت صرخات الشعراء مستغيثين بالإمام عليه السلام كي يعجل ظهوره، مستعملين وسائل عديدة في ذلك، فيكثر في شعرهم الاستفهام عن ظهوره والحثّ على تعجيل الفرج، وتكرار الألفاظ الجياشة بنفسها كي تجدَ إلى قلب الغائب طريقاً أوسع، فمثلاً جعل الشعراء من الظلامات التي طالت أهل البيت مادة ينتهلون منها في استنهاض إمامهم. فها هو الشاعر السيد خضر القزويني في قصيدته يا فرج الله:(٤١)

إلى مَ التواني صاحب الطلعة الغرّا

 

أمَا آنَ من أعداك أن تطلبَ الوترا

فدَيناكَ لِمْ أغضيتَ عمّا جرى على

 

بني المصطفى منها وقد صدَّع الصخرا

أتُغضي وتنسى أمّك الطُّهرَ فاطماً

 

غداةً عليها القومُ قد هجموا جَهْرا

وتُغضي وشبّوا النارَ في باب دارها

 

وقد أوسعوا في عصرهم ضلعها كَسْرا

أتُغضي وهم قد أسقطوا الطهرَ مُحسناً

 

وقادوا علي المرتضى بعلها قسرا

أتغضي وسَوطُ العبدِ وشَّحَ متنَها

 

ومن لطمةِ الطاغي غَدَتْ عينُها حَمرا

وهكذا يكرر (أتغضي و) لأكثر من عشر مرات ذاكراً مصائب أهل البيت عليهم السلام من ضرب هامِ علي عليه السلام وايذاء الزهراء عليها السلام، وسمّ الإمام الحسن عليه السلام، ثم يبسط القول في فاجعة الطف...

ونجد شاعر القطيف حسين آل جامع يتوسل بالإمام عليه السلام، ويحثه على الظهور:(٤٢)

أما لهذا الحصادِ المُرِّ من أمدٍ        أم إنه السيلُ يستشري ويطَّرِدُ

ثم يستفهم عن زمان ظهور الامام عليه السلام:

متى أُلملمُ أحلامي فأرسمُها

 

مشارقاً بالغد الوضاء تنفردُ

متى أشمُّ عبيرَ النور في رئتي

 

ويرحَلُ الهمُّ من عينيَّ والرّمدُ

متى أحسُّ انهمارَ الغيثِ يغمرُني

 

لطفاً ويمسحُ عني كلما أجِدُ

متى تُمدّ إلى قيدٍ وهَيْتُ له

 

يدُ النجاة وكم تُثري الوجودَ يدُ

متى انطفاءُ غليلٍ فتَّ في كبدي

 

تزيدُ فورتَه الآهاتُ والكمَد

ولو أمعنّا في قصيدة (نداء الغائب) للمهندس عبد الرزاق،لوجدناها صرخات حزينة ترجو من الإمام أن يجود لها سمعاً، فالشاعر المهندس لا يستطيع نأيَ حبيبه:(٤٣)

فمن يمْنَعُ القلبَ الصغيرَ صبابةً

 

إذا ما نأى الأحبابُ عنه وحُجّبوا

متى يا إمامَ الحق تظهر ناشراً

 

صحائفَ عدلٍ نرتجيه ونرغبُ

متى أيها المعصوم عطرُك نشره

 

يضوع على الدنيا فيهنا معذّبُ

تراك فدى سلمى لنِعْلِك راغبٌ

 

لطول غياب أم ظهورك يصعَبُ

أما آنَ للظلم البغيضِ نهايةٌ

 

وللغي والتضليل في الكون مغربُ

ألسنا وُعِدْنا من لدنك بطلعةٍ

 

تحطّمُ كيدَ الجائرينَ وتضرب

لقد رأى الشعراء في الإمام سيفاً مغمداً، وغيثاً يرجى هطوله، يقول الشاعر جعفر الخطي:(٤٤)

وعَضْب أغبّته الغمودُ ويُنتضى

 

لادراك ثارات سبقنَ وأوتارِ

أبا القاسمِ انهض واشفِ غِلَّ عصابةٍ

 

قضى وَطَراً من ظلمها كلُّ كفارِ

إلى مَ وحتى مَ المُنى وانتظارُنا

 

سحائبَ قد أظللنَ من دون أمطارِ

نعم فالإمام عليه السلام هو الماء المعين الذي قال فيه تعالى:(٤٥) (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ) (تبارك/ ٣٠).

لقد تشوق بعض الشعراء إلى نصرة الإمام فجرّدوا أسيافهم وأعدّوا خيولهم، ولكنّ تأخر الإمام آلمهم، وقد جسّد هذا المعنى السيد حيدر الحلي فقال مستغيثاً بالإمام عليه السلام:(٤٦)

الخيلُ عندكَ مَلَّتْها مرابِطُها      والبيضُ منها على أغمادِها السّأمُ

ثم يبصر شاعرنا هلال محرم فيوظفه لاستنهاض الإمام عليه السلام:

هذا المحرمُ قد وافتكَ صارخةٌ

 

مما استحلّوا به أيامُهُ الحُرَمُ

يملأن سمعك من أصوات ناعيةٍ

 

في مسمع الدّهر من إعوالها صَمَمُ

تنعى اليك دماءً غاب ناصرها

 

حتى أُريقتْ ولم يُرفعْ لكم علمُ

مسفوحةً لم تُجَبْ عند استغاثتها

 

إلا بأدمع ثكلى شفّها الألمُ

وفي قصيدته العينية يذكر الإمام عليه السلام بأن مأساة الطف وحدها تكفي لإظهاره عاجلاً، إذ لايمكنُ أن تأتي فجيعة أشدّ منها:(٤٧)

ماذا يهيجك إن صبرت

 

لوقعة الطف الفضيعة

أترى تجيء فجيعةٌ

 

بأمضَّ من تلك الفجيعة

حيث الحسينُ على الثرى

 

خيلُ العِدى طحنت ضلوعَه

قتلتْه آلُ أميةٍ

 

ضامٍ إلى جنبِ الشريعة

ويرى الشاعر عبد الحسين الحيّاوي ما رآه السيد الحلي، ويستبعد تأخر ظهور الامام عليه السلام:(٤٨)

أتُرى تَقَرُّ على الهوانِ

 

وأنت من شُمِّ الأنوفِ

وتُشيم فَيْئَكَ عند أقوامٍ

 

على وَثَنٍ عُكوفِ

حادوا عن النهجِ القويمِ

 

ويَمّموا نهجَ الجُنُوف

ثم يعود فيصرخ صرخةَ صاحب غيرةٍ على الدين فنوره يكاد يَبهت، فأَلا نورٌ يبدّد الظلام:(٤٩)

والدين كوكبُ سَعدِه الدُّ

 

ريِّ آذنَ بالخُسوفِ

فاجْلُ بطلعتِك المنيرةِ

 

للورى ظُلَمَ السُدوفِ

لم يترك الأئمةُ شيعتَهم في حَيرة، فلم يقولوا لهم أن المهدي سوف يظهر من دون تحديد، وإنما أوضحوا علامات تسبق الظهور كي يكون شيعتُهم على يقين من أمرهم، وقد رأى الشعراء أنّ من هذه العلامات ما تحقق لذا كانت مادة من المواد التي اعتمدوا عليها في استنهاض إمامهم. ومنها الحِياد عن الدين القويم وانحساره وقد مرّ استنهاض الشاعر الحياوي للامام عليه السلام في هذه العلامة، ومن علامات الظهور خروج السفياني والدجال وقتل النفس الزكية،(٥٠) ويرى الشاعر السيد سعيد الموسوي تحقق هذه العلامات فمتى يظهر الإمام إذن؟!:(٥١)

مولاي إنّ زمانَ الصبرِ آلمَنا

 

أما انقضى لزمانِ الصبرِ مِن أجلِ

إن كنتَ تَرقَبُ للدجالِ دولتَه

 

فهذه دولٌ قامت على الدّجلِ

أو كنتَ تعلمُ سفياناً سيفتنُها

 

فألفُ سفيانَ يذرو السُّمَّ بالعَسَلِ

أو قتلَ نفسٍ بظهرِ البيتِ زاكيةٍ

 

فكم شهدتَ لتلك النفسِ من مَثَلِ

ويمكن القول إنّ علامة انحسار الدين هي السائدة في الشعر المهدوي الاستنهاضي. مثلاً رأى الشيخ البهائي رحمه الله أن الفساد قد انتشر والدين قد انحسر وكأن القرآنَ رسمٌ، والإسلام اسمٌ فلجأ إلى الإمام راجياً:(٥٢)

أغثْ حوزةَ الايمان واعمرْ رُبوعَه

 

فلم يبقَ فيها غيرُ دارسِ آثارِ

وأنقذ كتابَ اللهِ من يد عُصبةٍ

 

عصَوا وتمادَوا في عتوّ وإصرارِ

وكم هو صدى السيد حيدر الحلي في عينيته مصوراً حالة الدين لاستنهاض الامام عليه السلام:(٥٣)

كم ذا القعود ودينُكم

 

هُدِمَت قواعِدُه المنيعة

تنعى الفروعُ أصوله

 

وأصولُه تنعى فروعَه

فها هو الدين يروم الشفاء على يديك الغائبتين فداك أبي وأمي.

ظهوره ودولته العالمية:

بعد أمد طويل من الظلم، وتقرّح كاهل الشيعة بشوك النوائب، وبعد اسوداد الدنيا بأعينهم تشرق الطلعة البهية لتمزّق دُجى الظلام بسيف العدل الذي يقتصّ ممن ثبتَ على جوره. يقول الشاعر فضل بن روزبهان الذي هو من علماء أهل السنة متفائلاً بظهور الامام عليه السلام:(٥٤)

سيطلع كالشمسِ في غاسق

 

ينجيه من سيفه المنتضى

ترى يملأ الأرض من عدله

 

كما مُلئت جورُ أهل الورى

وتكون مكة منطلق دعوته، يقول الحميري:(٥٥)

يسير بنصر الله من بيت ربّه

 

على سؤدد منه وأمر مُسبّبِ

يسير إلى أعدائه بلوائه

 

فيقتلُهم قتلاً كحرانَ مُغضبِ

وفي المعنى نفسه يقول الشاعر الدكتور محمد حسين الصغير:(٥٦)

ويزحَف من بطحاءِ مكةَ قائمٌ

 

يقومُ على اسم الله باليُمن والسّعدِ

فيملؤها عدلاً وقسطاً ورحمةً

 

كما ملئت بالجور والظلم والحقدِ

وقبل ظهور الإمام عليه السلام يصل دين الإسلام إلى مرحلة عبَّرَ عنها الإمام الباقر عليه السلام بقوله: (كأني بدينكم هذا لا يزالُ مولّياً يفصص بدمه، ثم لا يرده عليكم الا رجلٌ منا أهل البيت)(٥٧) فالدين يغدو طيراً مجرّحاً لا يستطيع طيراناً ولا قياماً، ثم يأتيه الإمام ليعيد له الحياة المعلّقة في عالم الشموخ كما قال الشاعر محمد صالح الظالمي مخاطباً الامام عليه السلام:(٥٨)

تجدِّدُ دينَ الله بعدَ ضياعِه           وتحكمُ بالقرآنِ في الحَلِّ والعَقدِ

وعندها يسعدُ الناسُ أية سعادة:

ويلبسهم ثوباً من العزّ سابغاً                ويبني لهم صَرْحاً من العَدْلِ والمجدِ

ويصل الأمر لا إلى نشر الألفَة والمودة بين الناس فحسب، بل إلى نشرهما بين الحيوانات أيضاً فلا ضَيْرَ لأن يعيش الأسدُ مع الغزال، ولا عجب إذا رأينا الذئب والشاة في مرتع واحد، فالهمة التي يحملها الامام عليه السلام تصنع المستحيل، يقول الشيخ جعفر الخطي:(٥٩)

له عَزمةٌ تُثني القضاءَ وهِمّةٌ         تؤلّف بين الشاةِ والأسدِ الضاري

ونحن في هذه المرحلة الراهنة التي نشهد فيها تكالب البشر على البشر، نقول كم بنا حاجة إلى قيام تلك الدولة، وأي شعور ينتابنا إذا أجلْنا النظر فيما قاله شاعر القطيف حسين آل جامع فيها:(٦٠)

بدولةٍ من خيوطِ الوحي قد نَسَجتْ

 

ثوبَ الحياةِ فلا زيغٌ ولا صددُ

وقائم تُسرِجُ الآفاقَ طلعتُهُ

 

وطوعُ إمرته الانحاءُ والأمدُ

يقوم بينَ يديهِ العدلُ ملحمةً

 

وجند منهجه الايمانُ والرَشَدُ

وحين ينفُخ في أصوار دعوتِه

 

إلى الخلاصِ فمِن آلامِها تفِدُ

هي الظماءُ إلى محرابِها ازدلفتْ

 

القلبُ والروحُ والانفاسُ والجَسَدُ

وراح يَنْصَبُّ من ميزابِ رحمتِه

 

ريٌّ رويٌّ هنيءٌ سائغٌ بَردُ

وفي هذه الدولة يبلغ العلم سنام الرقي؛ إذ يضفي الإمام عليه السلام من علومه ما يجعلها أفضل دولة عرفت على وجه البسيطة، وقد صوّر لنا الشيخ البهائي علم الإمام عليه السلام:(٦١)

علومُ الورى في جَنْب أبْحرِ علمِه

 

كغَرفةِ كفٍّ أو كغمسة منقارِ

فلو زار إفلاطون أعتابَ قدسِه

 

ولم يُعشِه عنها سواطعُ أنوارِ

رأى حكمةً قدسيةً لا يشوبُها

 

شوائبُ أنظارٍ وأدناسُ أفكارِ

بأشراقها كلّ العوالمِ أشرقتْ

 

لِما لاح في الكونين من نورِها الساري

فيا ربّ اجعلنا في سجل الدولة المهدوية ولا تحرمنا من نورها المشرق.

 

 


 

الهوامش


(١) المهدي الموعود المنتظر: ١/ ٢٣.

(٢) الغيبة والانتظار: ٦٥.

(٣) مجلة الانتظار، مجلة فصلية تعني بالشأن المهدوي، العدد الثاني: ٥٦.

(٤) الغيبة والانتظار: ٧٣ ـ ٧٤.

(٥) ذكرى: ٨.

(٦) ينظر دفاع عن التشيع: ٤٣١ ـ ٤٣٢.

(٧) عصر الظهور: ٣٠٣، وخوله هي أم محمد بن الحنفية وقد كانت من قبيلة حنفية.

(٨) ذكرى: ٨.

(٩) الغيبة والانتظار: ٧٨، ناقلاً عن دلائل الصدق للمظفر: ٢/ ٥٧٤.

(١٠) الحوراء زينب، العدد ١٦: ٧.

(١١) الانتظار، العدد ٤: ١٠٩، وينظر أيضاً منتهى الآمال: ٢/ ٥٦٩.

(١٢) ينابيع المودة: ٢/ ٥٦٩.

(١٣) عصر الظهور: ٣٠٧.

(١٤) مجلة ينابيع، مجلة ثقافية تعني بنشر فكر أهل البيت عليهم السلام، العدد صفر: ٣٥، والآية القرآنية هي: (بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين) (هود/٨٦).

(١٥) الحوراء زينب عليها السلام نشرة نصف شهرية تصدر عن مؤسسة السيدة زينب عليها السلام، العدد١١: ١٠.

(١٦) عصر الظهور: ٣٠٨، وينظر الانتظار العدد ٢: ١٦، ٥٦.

(١٧) الدر النظيم: ٧٩٠،وتنظر قصته في الموضع نفسه.

(١٨) روائع الحكم في اشعار الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام: ٤٧.

(١٩) منتهى الآمال: ٢/ ٥٧٥.

(٢٠) عصر الظهور: ٣٠٤.

(٢١) المصدر نفسه: ٣٠٦، وينظر القصائد الخالدات: ٥٣.

(٢٢) الانتظار، العدد الثاني: ٥٦.

(٢٣) المصدر نفسه: ٥٦، وينظر الملاحم والفتن: ١٤٢، في قصيدة: حملت به أم مباركة وكأنها بالحمل ما تدري.

(٢٤) ينظر مثير الأحزان: ٢٩٦، وتقويم الشيعة: ٢٣١.

(٢٥) ذكرى: ٤.

(٢٦) ينابيع، العدد صفر: ٣٥.

(٢٧) عصر الظهور: ٣٠٣.

(٢٨) ينظر اعلام الهداية: ١٤/ ١٦٧ ـ ١٧٢.

(٢٩) ذكرى: ٨.

(٣٠) الانتظار عدد ٢: ٣١، وينظر: المهدي الموعود: ٧١.

(٣١) الانتظار، عدد ٢: ١٧.

(٣٢) الانتظار، عدد ٣: ١٠.

(٣٣) الانتظار، عدد ٢: ١٧.

(٣٤) المصدر نفسه، عدد ٢: ٥٦.

(٣٥) ينابيع العدد صفر: ٣٥.

(٣٦) الانتظار، عدد ٣: ٣٥.

(٣٧) المصدر نفسه: ٣٥.

(٣٨) ينابيع، العدد ٧: ٨٩.

(٣٩) المصدر نفسه: ١٩٦.

(٤٠) الحوراء زينب عليها السلام: العدد السادس عشر: ٧.

(٤١) الانتظار، العدد الخامس: ٣٩.

(٤٢) الانتظار، العدد٣: ٣٤ـ ٣٥.

(٤٣) ينابيع، العدد ٥: ٧.

(٤٤) ذكرى: ٨.

(٤٥) ينظر الأمثال: ١٨/ ٣٧٣.

(٤٦) مثير الأحزان: ١٥٢.

(٤٧) عصر الظهور: ٣١٢.

(٤٨) مثير الأحزان: ١٤٠.

(٤٩) ينظر الملاحم والفتن: ٣٣، ٤٢، ٥٧، والمهدي الموعود: ٩٠ ـ ٩٢.

(٥٠) ينظر الملاحم والفتن: ٣٣، ٤٢، ٥٧، والمهدي الموعود: ٩٠ ـ ٩٢.

(٥١) ينابيع العدد ٧: ٨٩.

(٥٢) عصر الظهور: ٣١١.

(٥٣) المصدر نفسه: ٣١٢.

(٥٤) الانتظار، العدد ٤: ٤٢.

(٥٥) عصر الظهور: ٣٠٣.

(٥٦) الانتظار، العدد ٢: ١٦.

(٥٧) عصر الظهور: ٢٥٩.

(٥٨) الانتظار: العدد ٢: ٥٧.

(٥٩) ذكرى: ٨.

(٦٠) الانتظار: ٣٥.

(٦١) عصر الظهور: ٣١٠.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 مقال مختار:
 أكثر المقالات زيارةً:
المقالات دراسات/ دراسة عن توقيت ظهور الإمام المهدي المنتظر (المشاهدات: ١٣,٥٨٤) المقالات دراسات/ مدّعو المهدوية مهدي السلفية التكفيرية وحركة جهيمان العتيبي (المشاهدات: ٧,٥٥٩) المقالات دراسات/ الرايات الصفر في الميزان (المشاهدات: ٧,١٦٧) المقالات دراسات/ البصرة في ظهور الامام عليه السلام (المشاهدات: ٥,٩١٨) المقالات شخصيات الظهور/ ماذا تعرف عن: شعيب بن صالح؟ (المشاهدات: ٥,٨٨٢) المقالات دراسات/ سنة غيداقة (المشاهدات: ٥,٧٥٩) المقالات دراسات/ الحركة الجغرافية للسفياني (المشاهدات: ٥,٥١٨) المقالات لقاء النور/ لقاء آية الله المرعشي النجفي مع صاحب العصر عليه السلام (المشاهدات: ٥,٣٦٩) المقالات دراسات/ استراتيجية الاعداء في حربهم ضد الامام المهدي عليهم السلام حالياً (المشاهدات: ٥,١٠٤) المقالات كعبة الآمال/ أنشودة للمهدي المنتظر عليه السلام (المشاهدات: ٤,٦٥٨)
 أكثر المقالات تقييماً:
المقالات دراسات/ دراسة عن توقيت ظهور الإمام المهدي المنتظر (التقييمات: ٥.٠ / ٥) المقالات دراسات/ استراتيجية الاعداء في حربهم ضد الامام المهدي عليهم السلام حالياً (التقييمات: ٥.٠ / ٥) المقالات دراسات/ دراسة القضايا المهدوية (١) (التقييمات: ٥.٠ / ٢) المقالات دراسات/ الإمام المهدي عليه السلام والحوار الكوني الفعال (التقييمات: ٥.٠ / ٢) المقالات دراسات/ عند الظهور المقدس لماذا شعار يا لثارات الحسين (التقييمات: ٥.٠ / ٢) المقالات لقاء النور/ لقاء آية الله المرعشي النجفي مع صاحب العصر عليه السلام (التقييمات: ٥.٠ / ٢) المقالات دراسات/ دراسة حول رؤية الامام المهدي عليه السلام (التقييمات: ٥.٠ / ٢) المقالات وقفة/ مهلاً يا سادة... لماذا التصديق؟! (التقييمات: ٥.٠ / ٢) المقالات دراسات/ المهدي والمسيح عليهما السلام الخصائص والهدف المشترك (التقييمات: ٥.٠ / ٢) المقالات دراسات/ كارثة المسيح الدجال صحابي مسلم مجاهد (التقييمات: ٥.٠ / ٢)
 لتحميل أعداد المجلة (pdf):

 البحث:

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016