فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » المهدي الموعود (عجّل الله فرجه) - دروس في تاريخ الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) وعلامات ظهوره
 كتب أخرى

الكتب المهدي الموعود (عجّل الله فرجه) - دروس في تاريخ الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) وعلامات ظهوره

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: إعداد: مركز المعارف للمناهج والمتون التعليمية تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢٠/٠٧/١٢ المشاهدات المشاهدات: ٣٠٩ التعليقات التعليقات: ٠

المهديّ الموعود (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
دروس في تاريخ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وعلامات ظهوره

سلسلة المعارف التعليمية

إعداد: مركز المعارف للمناهج والمتون التّعليميّة
إصدار: دار المعارف الإسلامية الثقافية

الفهرس

المقدّمة
الدرس الأوّل: الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ثاني عشرَ الأئمّة (عليهم السلام)
تمهيد
الأئمّة اثنا عشر
من هُم الأئمّة الاثنا عشر؟
تأويلات الحديث
انطباق الحديث على أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) حصراً
الاستنتاجات النهائيّة
الحقيقة المهدويّة في تراث النبيّ وأهل البيت (عليهم السلام)
الدرس الثاني: ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
تمهيد
الدليل العقليّ على إثبات الولادة
الأدلّة النقليّة على الولادة
عوامل نشوء اليقين بولادة المهديّ
الدرس الثالث: الغيبة الصغرى (١) التمهيد للغيبة الصغرى
تمهيد
الغيبة الصغرى في تاريخ الإماميّة
تمهيدات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) للغَيبة
إجراءات الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)
الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والإمامة المبكِّرة
الدرس الرابع: الغيبة الصغرى (٢) الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وحمايةُ مسار الإمامة
تمهيد
شخصيّة جعفر بن الإمام الهادي (عليه السلام)
وفد القمّيّين
موقف جعفر من الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وإمامتهِ
لماذا ادّعى جعفر الإمامة؟
لماذا فشل جعفر؟
موقف الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من مخطَّط ادّعاء جعفر للإمامة
الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يصلّي على أبيه الإمام العسكريّ (عليه السلام)
متى بدأت الغيبة الصغرى؟
الدرس الخامس: السفراء الأربعة للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
تمهيد
سيرة حياة السفراء الأربعة
التوقيعات من الناحية المقدَّسة
أدلّة انقطاع السفارة الخاصّة
الدرس السادس: السفارة (المهامّ الخصائص الإنجازات)
تمهيد
المميّزات والخصائص العامّة للسفارة
المهامّ الأساسيّة للسفارة
الخصائص العامّة لعمل السفراء
انجازات السفراء الأربعة
الدرس السابع: السفارات المزوَّرة
تمهيد
مناشئ ادّعاء السفارة
التسلسل التاريخيّ للتزوير
الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وموقفه من مدّعي السفارة
لماذا لم تستفد السلطة الحاكمة من مدّعي السفارة؟
الدرس الثامن: الغيبة الكبرى (الفلسفة والأسباب)
تمهيد
التمهيد للغيبة الكبرى
الإعلان عن بدء الغيبة الكبرى
أسباب الغيبة الكبرى
خصائص ومميّزات الغيبة الكبرى
تحرّك ونشاط الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر الغيبة الكبرى
الدرس التاسع: إشكاليّة طول عمر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
تمهيد
الدليل الفلسفيّ
الدليل العلميّ
الدليل القرآنيّ
الدليل الروائيّ
الدليل التاريخيّ
الدرس العاشر: علامات الظهور (١) شرائط الظهور وعلاماتُه
تمهيد
الفوارق بين شرائط الظهور وعلاماته
شرائط الظهور
الدرس الحادي عشر: علامات الظهور (٢) تقسيم علامات الظهور وأنواعُها
تمهيد
الموقف العامّ من علامات الظهور
تقسيمات علامات الظهور
علامات الظهور بين الواقعيّة والرمزيّة
علامات الظهور
الدرس الثاني عشر: علامات الظهور (٣) اليمانيّ - والنفس الزكيّة - والصيحة
تمهيد
منهجيّة التعامل مع روايات اليمانيّ
شخصيّة اليمانيّ
المعالم العامّة لحركة اليمانيّ
النفس الزكيّة
تعدّد مصاديق النفس الزكيّة
الصيحة والنداء
الدرس الثالث عشر: علامات الظهور (٤) السفيانيّ - والخسف في البيداء
تمهيد
منهج التعامل مع روايات السفيانيّ
الرايات الثلاث التي تحكم الشام
الراية الأولى: الأبقع
الراية الثانية: الأصهب
الراية الثالثة: السفيانيّ

١- اسمه، نسبه، أوصافه:
٢. الملامح العامّة لشخصيّة السفيانيّ:
٣. ولاء السفيانيّ الثقافيّ والسياسيّ:
٤. الطابع الدينيّ لتحرّكه:
٥. الحركة الجغرافيّة للسفيانيّ:
الخسف بالبيداء
الدرس الرابع عشر: طرائق الارتباط بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
تمهيد
الارتباط العقديّ
الارتباط التشريعيّ
الارتباط الروحيّ
الدرس الخامس عشر: إمكانيّة رؤية الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر الغيبة الكبرى
تمهيد
ماهيّة غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وخفائه
رؤية الإمام في الغيبة الكبرى بحسب الأطروحتين
الرؤية بحسب الأطروحة الأولى:
الرؤية بحسب الأطروحة الثانية:
أدلّة رؤية الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر الغيبة
أدلّة نفي رؤية الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الغيبة الكبرى
الدرس السادس عشر: دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) العالميّة
تمهيد
البُعد العقديّ
البُعد الثقافيّ
البُعد السياسيّ
العدالة في دولة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
الأمان الاجتماعيّ
قائمة المصادر والمراجع

المقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعلى آله الطاهرين، وبعد...
روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "إنّ عليَّ بن أبي طالب إمام أمّتي وخليفتي عليها من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر، الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً. والذي بعثني بالحقّ بشيراً، إنّ الثابتين على القول بإمامته، في زمان غيبته، لأعزّ من الكبريت الأحمر. فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاريّ، فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: إي وربيّ، وليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. يا جابر، إنّ هذا الأمر أمر من أمر الله، وسرٌّ من سرّ الله، مطويّ عن عباد الله، فإيّاك والشّكّ فيه، فإنّ الشكّ في أمر الله (عزّ وجلّ) كفر"(١).
قضيّة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ليست قضيّة من نسج الخيال، يدغدغ الحالمون بذكره طموحاتهم، ويسكِّن المظلومون بالإيمان به ألم الظلم عنهم، ويرى الكسالى في الآمال الخادعة تسويغاً لكسلهم.
بل على العكس من ذلك، إنّ قضيّة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) شعورٌ فطريٌ مرتكَز في عمق الإنسانيّة، حيث إنّ هذه القضيّة عالميّة وإسلاميّة. فكلٌّ يؤمن بمهديٍّ يخرج في زمن ما، وإن اختلفت الأسماء، إلّا أنّ النظرة الإسلاميّة، والشيعيّة بالخصوص، تؤمن بمهديّ موجود بيننا، أخبر به الصادق الأمين (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والأئمّةُ الأطهار (عليهم السلام)، بروايات كثيرة لا يشوبها شكّ. فلذلك كانت قضيّة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) واقعاً وليس خيالاً، وحقيقة وليست أسطورة، وفعل قوّة وليست كسلاً وخنوعاً وتواكلاً، وأملاً بمستقبل زاهر يربط المؤمنين بالإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ويدعوهم إلى السعي والمثابرة للتمهيد له، وانتظارِه انتظارَ العامِلين، لا انتظار الحالمين الخانعين. فالإمام المهديّ ليس للشيعة فقط، وليس للمسلمين فحسب، بل هو لكلّ مستضعَفٍ مظلوم في الأرض، إلى أيّ ملّة أو دين انتمى، فرسالته عالميّة، كما أنّ رسالة الإسلام عالميّة، ونهجه نهج الأنبياء (عليه السلام) والرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي أُرسل رحمة للعالَمين.
يقول الإمام القائد الخامنئيّ دام ظله: "إنّ قضيّة المهدويّة من القضايا الأساسيّة في الإسلام، ولا ينفرد بها الشيعة دون سواهم، وإنما تذهب الفرق الإسلاميّة بأجمعها إلى أنّ المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من النسل الطيّب الطاهر لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّه سيملأ العالَم قسطاً وعدلاً، وسيظهر لإقامة دين الله وبسط الحقّ. كما ويعتقد غير المسلمين على نحو أو آخر، بمستقبل مشرق للبشريّة، يتحقّق من خلال قضيّة المهدويّة..."(٢).
هذا الكتاب أحد المتون الدراسيّة المخصَّصة لدراسة قضيّة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهو جزء من مجموعة متون في هذا المجال، حيث تمّ توزيعها على مجموعة من البرامج. وقد راعينا فيها الشرائح المخاطَبة وَفق الأهداف المحدَّدة لكلِّ شريحة.

والحمد لله ربّ العالمين

مركز المعارف للمناهج والمتون التعليمية

الدرس الأوّل: الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ثاني عشرَ الأئمّة (عليهم السلام)


أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يبيّن أنّ الأئمّة الاثني عشر هم أهل البيت (عليهم السلام).
٢- يستدلّ على القضيّة المهدويّة من خلال حديث "الأئمّة اثنا عشر".
٣- يتعرّف إلى الحقيقة المهدويّة في تراث النبيّ وأهل البيت (عليهم السلام).
تمهيد:
إنّ العقيدة المهدويّة من العقائد الأساسيّة في التراث الإسلاميّ، ولقد أكّدت الكثير من الروايات عن الرسول وأهل بيته (عليه السلام) على هذه الحقيقة، وبيّنتها بكلّ تفاصيلها وجزئيّاتها وخصائصها.
ولذا، فإنّ كلّ المذاهب الإسلاميّة تؤمن بالعقيدة المهدويّة، وإن حصل بعض الاختلاف في تفاصيلها الفرعيّة والجزئيّة، التي لا تضرّ في أصل العقيدة، ولا تؤثّر في مجرياتها.
وتؤكّد الروايات أنّ المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وأنّه الذي سوف يظهر في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجَوراً.
الأئمّة اثنا عشر:
لقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حديثٌ يشير إلى أنّ الأئمّة للإسلام والمسلمين من بعده اثنا عشر إماماً، وقد ورد عند أهل العامّة بعدّة صيغ، وهي:
روى البخاريّ في صحيحه بإسناده عن عبد الملك، قال: سمعت جابرَ بن سمرة، قال: سمعت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: "يكون اثنا عشر أميراً"، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي إنّه قال: "كلُّهم من قريش"(٣).
ورواه مسلم في صحيحه بصيغة ثانية، بإسناده عن جابر بن سمرة، قال سمعت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: "لا يزال أمر الناس ماضياً ما وَلِيَهم اثنا عشر رجلاً"، ثمّ تكلّم النبيّ بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله؟ فقال: "كلّهم من قريش"(٤).
وبصيغة ثالثة عن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فسمعته يقول: "إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة"، قال: ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ، قال: قلت لأبي: ما قال؟ قال: "كلّهم من قريش"(٥).
وعن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فسمعته يقول: "إنّ هذا لا ينقضي حتّى يمضي فيها اثنا عشر خليفة"(٦).
وفي مسند أحمد، عن عامر، عن جابر بن سمرة السوائيّ، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول في حجّة الوداع: "لا يزال هذا الدين ظاهراً على من ناوأه، لا يضرّه مخالف ولا مفارق، حتّى يمضي من أمّتي اثنا عشر أميراً، كلّهم"، ثمّ خفي مِن قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: وكان أبي أقرب إلى راحلة رسول الله منّي، فقلت: يا أبتاه، ما الذي خفي من قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: "يقول كلّهم من قريش"(٧).
نكتفي بهذا النقل، وإنّ الحديث مرويّ بطرق متعدّدة وبكثرة في كتب الأحاديث عند السنّة. ففي صحيح البخاريّ بثلاث طرق، وفي صحيح مسلم بتسع طرق، وفي أبي داود بثلاث طرق، وفي الترمذيّ بطريقة واحدة، ورواه الحميديّ الأندلسيّ بثلاث طرق، وذكر بعض المحقّقين أنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده اثني عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة(٨).
أمّا رواية الحديث بلفظ "كلّهم من بني هاشم"، فقد ذكره الحافظ القندوزيّ الحنفيّ عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: كنت مع أبي عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فسمعته يقول بعد "اثني عشر خليفة"، ثمّ أخفى صوته، فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته؟ قال: قال: "كلّهم من بني هاشم"(٩).
ولا نريد ادّعاء صحّة السند على مبانيهم هنا، ولكن نقول: إنّ الرواية بلفظ: "كلّهم من بني هاشم" مذكورة في بعض المصادر في حال إجمال دلالة الحديث، أي "اثنا عشر، كلّهم من قريش"، يصحّ جعل عبارة "كلّهم من بني هاشم"، قرينة لتحديد المراد بالحديث ضمن الاحتمالات المطروحة.
من هُم الأئمّة الاثنا عشر؟
هل يقصد النبيّ بالخلفاء من بعده كلّ من جلس على كرسيّ الحكم ووسم نفسه بالخلافة؟ أو أنّ النبيَّ يريد الإشارة إلى اثني عشر خليفة يخلفونه خلافة واقعيّة، يحذون حذوه ويسيرون بسيرته؟ فهم الخلفاء الذين يصدق عليهم اسم خليفة الرسول بحقّ وصدق.
علماً بأنّ المعروف عند أهل السنّة أنّ الخلفاء الشرعيّين، في تاريخ المسلمين، لا يتجاوزون الأربعة، فكيف يشير النبيّ إلى واقع لا ينطبق على حديثه! ومن هنا اضطرب المحدِّثون من أهل السنّة في بيان مصاديق الخلفاء الاثني عشر.
وفي فهم الحديث احتمالان، هما:
الأوّل: أن يكون مقصود النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو بيان ما سيجري عليه الواقع السياسيّ للأُمّة من بعده، بنحو من التنبّؤ والكشف عن المستقبل، على غرار تنبّؤات كثيرة صدرت عنه في شؤون مختلفة، فيكون مفاد الحديث هو الإخبار عن الواقع المستقبليّ للأُمّة. ولْنُطلق على هذا الاحتمال اسم التفسير المستقبليّ.
الثاني: أن يكون مقصوده الكشف عن تعيين اثني عشر إماماً وخليفة من بعده، فيكون مفاده الإنشاء والتنصيب بلحاظ مقتضيات الشريعة، لا الإخبار بلحاظ الواقع المستقبليّ. ولْنُطلق على هذا الاحتمال اسم التفسير العقائديّ.
ومقتضى البحث العلميّ أن ننظر في هذين الاحتمالين، ونختار ما تؤيّده الشواهد والأدلّة والبراهين العقليّة والنقليّة، إلّا أنّ مدرسة الخلفاء لمّا آمنت، منذ البدء، بشرعيّة نظام الخلافة، ورفضت نظريّة التعيين، وأقامت تراثها الكلاميّ والفقهيّ على هذا الأساس، وجدت نفسها أمام احتمال واحد لا مفرّ لها منه، وهو الاحتمال الأوّل، واضطُرّت إلى تأويل كلّ ما يعارضه.
تأويلات الحديث:
كثرت التأويلات في هذه القضيّة ونحوها، ومن هذه التأويلات:
١- الخلفاء الاثنا عشر هم: "الخلفاء الأربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، قيل ويُحتمل أن يُضمّ إليهم المهديّ العباسيّ، لأنّه في العباسيّين، كعمر بن عبد العزيز في الأمويّين والطاهر العباسيّ أيضاً، ويبقى الاثنان المنتظَران، أحدهما المهديّ، لأنّه من آل بيت محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وحمل بعض المحدّثين الحديث السابق على ما يأتي بعد المهديّ، لرواية: "ثمّ يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلاً، ستّة من ولد الحسن، وخمسة من ولد الحسين"(١٠).
٢- قيل هم: "الخلفاء الأربعة، ومعاوية، ويزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان، وأولاده الأربعة (الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام)، وأخيراً عمر بن عبد العزيز"(١١).
٣- وجاء في عون المعبود: "الخلفاء الأربعة، ومعاوية، وعبد الملك بن مروان، وأولاده الأربعة، وعمر بن عبد العزيز، ووليد بن يزيد بن عبد الملك، ثمّ نُقِل عن مالك بن أنس أنّه أدخل عبد الله بن الزبير فيهم، ولكنّه رفض قول مالك، مستدلّاً بما رُوي عن عمر وعثمان، عن النبيّ، ما يدلّ على أنّ تسلّط ابن الزبير كان مصيبة من مصائب هذه الأُمّة، ثمّ ردّ من أدخل يزيد بينهم، مصرّحاً بأنّه كان سيّئ السيرة"(١٢).
٤- وقيل: "وأمّا الخلفاء اثنا عشر، فقد قال جماعة، منهم أبو حاتم بن حبّان وغيره، إنّ آخرهم عمر بن عبد العزيز، فذكروا الخلفاء الأربعة، ثمّ معاوية، ثمّ يزيد ابنه، ثمّ معاوية بن يزيد، ثمّ مروان بن الحكم، ثمّ عبد الملك ابنه، ثمّ الوليد بن عبد الملك، ثمّ سليمان بن عبد الملك، ثمّ عمر بن عبد العزيز، وكانت وفاته على رأس المائة، وهي القرن الفضل الذي هو خير القرون، وكان الدين في هذا القرن في غاية العزّة"(١٣).
٥- وعند المقريزيّ: "الخلفاء الأربعة، ثمّ الإمام الحسن. قال: (وبه تمّت أيّام الخلفاء الراشدين)، ولم يُدخِل أحداً من بني أميّة، حيث صرّح بأنَّ الخلافة صارت بعد الإمام الحسن ملكاً عضوضاً، قال: (أي: فيه عسف وعنف)، كما لم يُدخل أحداً من بني العبّاس، مصرّحاً أنّ في خلافتهم (افترقت كلمة الإسلام، وسقط اسم العرب من الديوان، وأُدخل الأتراك في الديوان، واستولت الديلم، ثمّ الأتراك، وصارت لهم دول عظيمة جدّاً، وانقسمت ممالك الأرض عدّة أقسام، وصار بكلّ قطر قائم يأخذ الناس بالعسف، ويملكهم بالقهر)"(١٤).
وهكذا يلاحَظ بوضوح الاضطراب في تفسير هذا الحديث، ما دام يعتمد على التفسير المستقبليّ...(١٥).
ثمّ إنّ الحديث يدلّ على أنّ فترة إمامة الأئمّة الاثني عشر تستوعب التاريخ الإسلاميّ إلى نهايته، بحيث تموج الأرض بأهلها من بعدهم. فقد روى أهل السنّة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: "لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها"(١٦). ولم تَمُجِ الأرض بعد موت عمر بن عبد العزيز بأهلها، بل كان انتشار علوم الدين كالفقه والحديث والتفسير في القرنين الثالث والرابع الهجريّين، حتّى بلغت علوم الدين قمّتها في الاتّساع والشمول بعد موت هؤلاء الخلفاء الاثني عشر عند أهل السنّة، والمفروض أن تموج الأرض بأهلها!.
عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "لا تزال هذه الأمَّة مستقيماً أمرها، ظاهرة على عدوّها، حتى يمضي إثنا عشرة خليفة، كلّهم من قريش، قال: فلمّا رجع إلى منزله أتته قريش، فقالوا: ثمَّ يكون ماذا؟ قال: ثمَّ يكون الهرج"(١٧).
وإذا كان المراد بالمرج هو القلق والاضطراب والالتباس، فيقتضي أن لا يكون شيء منه إلى عهد عمر بن عبد العزيز، ولكنّ التاريخ لا يعرف فتنة عظم بها القلق، واشتدّ الاضطراب، وكثر فيها التباس الحقّ بالباطل من فتنة معاوية وخروجه على خليفة المسلمين، وهذا يدلّ على أنّ المراد بالمرج هو أعظم من القلق والاضطراب والالتباس، ولعلّ المراد ترك الدين مطلقاً، وهذا ما لن يحصل إلاّ عند اقتراب الساعة، التي يسبقها ظهور الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وما يعقب انتقاله إلى الرفيق الأعلى من أحداث.
وما معنى إدخال يزيد الفاجر، المعلن فجوره وانتهاكه لحرمات الله تعالى! وهذا من أعجب العجب حقّاً! إذ كيف يصحُّ للمسلم أن يجعل من يسفك دماء أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويغزو جنده المدينة المنوّرة، ويقتلون عشرة آلاف من أهلها، حتّى إنّه لم يُبْقِ بدريّاً بعد موقعة الحرّة، خليفة لرسول الله. وكذلك الحال مع ملوك الشجرة الملعونة بنصّ القرآن الكريم، ولقد رآهم النبيّ في منامه، ورؤيا الأنبياء صادقة كفلق الصبح، بأنّهم ينزون على منبره نزو القرود(١٨)، باتّفاق معظم المفسّرين من أهل السنّة، وذلك عند تفسيرهم الآية الستين من سورة الإسراء، بما لا حاجة إلى تتبّع كلماتهم.
انطباق الحديث على أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) حصراً:
الحقيقة أنّ هذه الأحاديث لا تقبل توجيهاً إلّا على مذهب الإماميّة في أئمّتهم. واعتبارها من دلائل النبوّة في صدقها عن الأخبار بالمغيَّبات. قال بعض المحقّقين: "إنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده اثني عشر قد تواترت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان، عُلم أنّ مراد رسول الله من حديثه هذا الأئمّة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يُحمَل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه، لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمله على الملوك الأمويّين، لزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش، ولكونهم غير بني هاشم، لأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال "كلّهم من بني هاشم"، في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوت النبيّ في هذا القول يرجّح هذه الرواية، لأنّهم لا يحسنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمله على الملوك العباسيّين، لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلّة رعايتهم الآية ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(١٩)، وحديث الكساء، فلا بدّ من أن يُحمل هذا الحديث على الأئمّة الاثني عشر من أهل بيته وعترته، لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلّهم وأورعهم وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله، وكانت علومهم عن آبائهم متّصلة بجدّهم وبالوراثة واللدنيّة، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق وأهل الكشف والتوفيق. ويؤيّد هذا المعنى أنّ مراد النبيّ الأئمّة الاثنا عشر من أهل بيته، ويؤكّده ويرجّحه حديث الثقلين، والأحاديث الكثيرة المذكورة في هذا الكتاب وغيره(٢٠).
الاستنتاجات النهائيّة:
وهكذا يظهر بوضوح ثلاث نتائج واضحة، هي:
١- فشل التفسير الإخباريّ المستقبليّ لحديث الخلافة الاثني عشريّة.
٢- دور العامل السياسيّ في إلجاء مدرسة الخلفاء إليه.
٣- انحصار الحقيقة الشرعيّة بالتفسير العقائديّ الإنشائيّ القائل بدلالة الحديث المذكور على نصب اثني عشر إماماً للمسلمين. وهو التفسير الذي قامت عليه أدلّة عقليّة وقرآنيّة ونبويّة كثيرة جدّاً، نجدها مبسوطة في التراث الإماميّ القديم والحديث، في مجالات التفسير والحديث وعلم الكلام والتاريخ.
ويبدو أنّ التاريخ قد أبى إلّا أن يبقى الأئمّة الاثنا عشر من أهل البيت (عليهم السلام) مصداقاً وحيداً للحديث المذكور، لا ينازَعون في ذلك حتّى على مستوى الإدّعاء، أوّلهم أمير المؤمنين وآخرهم الإمام المهديّ بن الحسن العسكريّ، وفي ذلك ما لا يُحصى كثرة من الأحاديث الشريفة الدالّة عليه، وإنَّ ذكرها جميعاً من طرق أهل السنّة وحدهم يحتاج إلى مجلّد ضخم، ويُكتفى هنا بأحدها، وهو ما أخرجه الجوينيّ الشافعيّ في فرائد السمطين، عن ابن عبّاس، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: "أنا سيّد النبيّين، وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيّين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم القائم المهديّ"(٢١).
وحينما يتّضح فشل التفسير الإخباريّ المستقبليّ لحديث الإمامة الاثني عشريّة من جهة، وحقّانيّة التفسير العقائديّ له من جهة ثانية، وثبوت اسم الإمام المهديّ في سلسلة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، ولكونه هو الإمام الثاني عشر الذي يُصلح الله به الأرض بعدما تمتلئ بالفساد من جهة ثالثة، لا يبقى مجال للشكّ في ثبوت المفهوم العقائديّ للمهدويّة الذي تصرّ عليه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
ذلك أنّ الترابط الصميميّ بين مسألة الإمامة الاثني عشريّة والمسألة المهدويّة، من شأنه أن ينقل إلى المسألة المهدويّة النتائج الثلاث الحاسمة التي ظهرت على بساط البحث. فإنّ فشل التفسير المستقبليّ للإمامة الاثني عشريّة يعني بالنتيجة فشل هذا التفسير بالنسبة إلى المهدويّة أيضاً، كما أنّ ثبوت المنشأ السياسيّ لهذا التفسير على صعيد الإمامة الاثني عشريّة يعني بالنتيجة ثبوته بحقّ المهدويّة أيضاً، حيث إنّ مدرسة الخلفاء، كما جعلت حديث الخلافة الاثني عشريّة إخباراً مستقبليّاً كتفريع منها على القول بصحّة نظريّة السقيفة والخلافة وشرعيّتها، كذلك رأت ضرورة الجنوح بالمسألة المهدويّة نحو الرؤية المستقبليّة، فراراً من القول بإمامة أهل البيت وعدم شرعيّة نظام الخلافة، كما أنّ ثبوت حقّانيّة التفسير العقائديّ لحديث الإمامة الاثني عشريّة يعني بالنتيجة ثبوت حقّانيّة المفهوم العقائديّ للمسألة المهدويّة(٢٢).
الحقيقة المهدويّة في تراث النبيّ وأهل البيت (عليهم السلام):
تحدّثت مئات الروايات الواردة عن النبيّ وأهل بيته(٢٣) (عليهم السلام)، عن تعيين المهديّ المنتظر، وأنّه من أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ولد فاطمة، ومن ذرّيّة الحسين، وأنّ الخلفاء من بعد الرسول اثنا عشر، كلّهم من قريش، والمهديّ آخرهم.
والمتتبّع للأحاديث الصحيحة الواردة في المهديّ في كتب الحديث عند أهل السنّة، يجدها تنسجم مع ما في مصادر روايات أهل البيت (عليهم السلام) غالباً، ممّا يؤكّد حقيقة واحدة هي: أنّ نسب المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يرجع إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّه من أهل البيت (عليهم السلام)، فهو من ولد فاطمة، وآخر الأئمّة الاثني عشر (عليه السلام)، الذي سيظهر آخر الزمان، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما مُلئت ظلماً وجوراً. وعندما نراجع الروايات نراها تتدرّج في التعريف بالمهديّ من الدائرة الأوسع إلى الدائرة الأضيق على الشكل الآتي:
١- عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "يخرج في آخر الزمان رجلٌ من ولدي، اسمه كاسمي، وكنيته ككنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً، فذلك هو المهديّ"(٢٤).
٢- وعن الإمام عليّ (عليه السلام)، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "المهديّ منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة"(٢٥).
٣- عن أمّ سلمة، قالت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: "المهديّ من ولد فاطمة"(٢٦).
٤- ما رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: "يا أبا المستهلّ، إنّ قائمنا هو التاسع من ولد الحسين، لأنّ الأئمّة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اثنا عشر، وهو القائم..."(٢٧).
وغيرها من الأحاديث الشريفة التي سيأتي ذكر الكثير منها في طيّات الدروس.
المفاهيم الرئيسة:
١- إنّ حديث الأئمّة كلّهم من قريش، ورد في مصادر أهل السنّة بصيغ عدّة، وكلّ هذه الصيغ تشير إلى حقيقة واحدة أنّهم من قريش.
٢- يوجد في فهم الحديث احتمالان، وهما: الأوّل: أن يكون مقصود النبيّ هو بيان ما سيجري عليه الواقع السياسيّ للأُمّة من بعده، فهو إخبار بلحاظ الواقع المستقبليّ. الثاني: أن يكون مقصودُه إصدار قرار بتعيين اثني عشر إماماً وخليفة من بعده، أو الكشف عن تعيينهم، فيكون مفاده الإنشاء والتنصيب بلحاظ مقتضيات الشريعة، لا الإخبار بلحاظ الواقع المستقبليّ.
٣- لقد اختلف أهل السنّة في تفسير ما هو المقصود بالخلفاء الذين كلّهم من قريش، وعلى من ينطبق هذا الحديث.
٤- إنّ الاختلاف، عند أهل السنّة في انطباق الحديث على الخلفاء، لا يصحّ أبداً في حال ربطه بالحديث الذي يشير إلى حالة المرج في العالم بعد انقضاء الخلفاء الاثنى عشر.
٥- إنّ هذه الأحاديث لا تقبل توجيهاً إلّا على مذهب الإماميّة في أئمّتهم، واعتبارها من دلائل النبوّة في صدقها عن الإخبار بالمغيَّبات.
٦- إنّ مراد رسول الله من حديثه بأنّ الأئمّة اثنا عشر، وهم من أهل بيته وعترته، لا يمكن أن ينطبق على الخلفاء من بعده، سواء أمن بني أميّة، أم بني العبّاس، أم غيرهم.
٧- تحدّثت مئات الروايات الواردة عن النبيّ وأهل بيته (عليه السلام) عن تعيين المهديّ المنتظر، وأنّه من أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ولد فاطمة، ومن ذرّيّة الحسين، وأنّ الخلفاء من بعد الرسول اثنا عشر، كلّهم من قريش، والمهديّ آخرهم.

الدرس الثاني: ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يتمكّن من إقامة الأدلّة العقليّة على ولادة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٢- يعرض بعض الأدلّة الروائيّة على ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٣- يعدّد ويشرح عوامل نشوء اليقين بولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
تمهيد:
يعتقد الإماميّة اعتقاداً جازماً بأنّ الإمام المهديّ قد وُلد فعلاً، وأنّه حيّ يُرزق إلى يومنا هذا، لأنّ الأرض لا تخلو من إمام، ويمتلكون على هذا المعتقد أدلّة قطعيّة يقينيّة لا يمكن أن يرقى إليها الشكّ، لأن هذه الأدلّة متنوّعة بين العقليّة والنقليّة التي تفيد اليقين القطعيّ بولادة الحجّة (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وانطلاقاً من الدليل العقليّ على وجود حجّة لله تعالى في كلّ زمان، وأنّ هذا أمر ضروريّ لا يمكن إنكاره، نصل إلى الأدلّة النقليّة المتعدِّدة التي تصبّ في خانة الدليل العقليّ وتؤكِّده. وتتنوّع هذه الأدلّة النقليّة في عدّة اتجاهات محقّقة اليقين بولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
الدليل العقليّ على إثبات الولادة:
ويتكوّن الدليل العقليّ(٢٨) الذي سنعرضه من مقدّمات عدّة، مبتنية على قاعدة اللطف.
ومقدّمات هذا الدليل على الشكل الآتي:
المقدّمة الأولى: خلق الله - تعالى- الخلق لهدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، حتّى يصلوا إلى الكمال الفرديّ والعدالة الاجتماعيّة.
المقدّمة الثانية: هداية الخلق وإخراجُهم من الظلمات إلى النور، حتّى يصلوا إلى الكمال، يتوقَّف على وجود مُربٍّ عالم، وينبغي بحكم العقل أن يكون متَّصفاً بالكمال والعدل حتّى يملأها قسطاً وعدلاً.
المقدّمة الثالثة: وحيث إنّ الهداية من الله واجبة من باب اللطف والرحمة، وممّا كتب الله على نفسه، وليس من باب الوجوب على الله.
النتيجة: لا بدّ من وجود شخص كامل عالم في كلّ زمان، وهذا الشخص هو المعصوم (عليه السلام).
فكما أنَّ العقل يدرك أنَّ الله -تبارك وتعالى?- يجب أن يوجِد ويوفّر للخلق أسباب تكاملهم من عيون تبصر وآذان تسمع، فكذلك لا بدَّ من أن يوجِد لهم ما به يتكاملون من الناحية المعنويّة، وهو وجود الإمام المعصوم(٢٩).
وحيث إنّ الحاجة إلى الهداية لا تختصّ بزمن دون آخر، أو أمّة دون أخرى، والدليل العقليّ لا يخصَّص، فوجود المعصوم لا يختصُّ بزمن أو أمّة، بل هو أمر مستمرّ. فالدليل العقليّ على وجود الإمام المهديّ يُثبِت وجوب وجود الإمام إلى آخر الزمان. كذلك يثبت وجوب وجود الإمام من أوّل الزمان، بمعنى الالتزام بوجود حجّة لله -سبحانه- على الناس قبل ولادة النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعثته وبعد رفع النبيّ عيسى. وهذا أمر ضروريّ. وهو ما أكّدته النصوص الإسلاميّة في القرآن والروايات.
الأدلّة النقليّة على الولادة:
١- مقدّمات منهجيّة حول الأدلّة النقليّة:
قبل الدخول بعرض الأدلّة الروائيّة والتاريخيّة على ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، لا بدّ من الإشارة إلى نقاط عدّة منهجيّة ومدخليّة هامّة حول الأدلّة الروائيّة، وهي:
أوّلاً: لا ميزة للدليل التاريخيّ على غيره في مسألة إثبات الولادة، بل ينبغي الأخذ بكلّ دليل صحيح يُثبت المطلوب.
ثانياً: إذا أفادت الأدلّةُ القطعَ أو الاطمئنان للباحث، فينبغي العمل بمضامينها ومدلولاتها، كالأدلّةالعقليّة القطعيّة، أو الأدلّة الروائيّة المتواترة أو الصحيحة. وهي متقدّمة رتبةً على الدليل التاريخيّ في حال إفادته الظنّ. وإلّا فإنّه، وفي أحسن الحالات، يتساوى الدليل التاريخيّ مع باقي الأدلّة.
ثالثاً: إنّ ثبوت ولادة أيّ شخص لا يُحتاج فيه إلى دليل تاريخيّ قطعيّ، وإلّا ينتفي ثبوت كثير من الشخصيّات المعروفة في التاريخ، فإنّ ولادتهم لم تثبت بدليل تاريخيّ قطعيّ متواتر!
رابعاً: إنّ ثبوت الولادات في عموم الأشخاص يُرجَع فيه إلى والد الشخص نفسه، فإذا ثبت عنه برواية واحدة صحيحة أنّه قد اعترف بأنّه قد وُلد له مولود، فحينئذٍ لا بدّ من تصديقه والإقرار له به.
خامساً: ضرورة عدم الخلط بين المنهج الفقهيّ والمنهج التاريخيّ في التعامل مع أسانيد الروايات التاريخيّة، فإنّ ما يُشترط في الروايات الفقهيّة من ناحية صحّة السند، لا يُعتبر في الروايات التاريخيّة، وإنّ تطبيق المعايير والشروط المعتبرة، في روايات الاستدلال الفقهيّ على الروايات التاريخيّة، غير صحيح من الناحية المنهجيّة وغير دقيق، ويُعبِّر عن عدم فهم التمايز الموجود بين مناهج العلوم في البحث والتحقيق على تفصيل له محلُّه.
٢- الأدلّة النقليّة على ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
يمكن تقسيم الأدلّة النقليّة على ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى نوعين، وهما:
النوع الأوّل: الأدلّة النقليّة العامّة:
وهي عبارة عن الأدلّة التي نقلت ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قطعاً عن العديد من الأشخاص، وهي على قسمين:
الأوّل: أنّ العديد من الأشخاص رأوا الإمام وهو طفل في بيت والده، أو في حجر والده العسكريّ (عليه السلام). ولدينا الكثير من الأشخاص الذين رأوه (عليه السلام)، ومنهم: محمّد بن العطّار(٣٠)، الحسين بن عليّ(٣١)، حكيمة بنت محمّد بن القاسم بن حمزة(٣٢)، جعفر بن محمّد بن مسرور(٣٣)، الحسين بن محمّد(٣٤)، وهذا بنفسه قد رأى الإمام. وعن عليّ بن محمّد(٣٥) أنّه بنفسه رأى الإمام (عليه السلام)، وكذلك إبراهيم بن محمّد بن عبد الله الذي يروي عن نسيم خادم الإمام الحسن العسكريّ(٣٦) (عليه السلام)، وكذلك بهذا السند جارية الإمام (عليه السلام)، واسمها مارية(٣٧).
وقد ذكر الكلينيّ رواية أخرى بسنده عن إبراهيم بن محمّد، عن نسيم خادم الإمام (عليه السلام) (٣٨). وأورد رواية أخرى عن نسيم أيضاً(٣٩)، وعن محمّد بن العطّار وغيره، عن إسحاق بن رياح البصريّ، عن أبي جعفر العمريّ، أنّه رأى الإمام (عليه السلام) طفلاً في بيت والده(٤٠)، ومحمّد بن العطّار عن عليّ الخيزرانيّ عن جارية الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) (٤١)، والحميريّ عن محمّد بن عثمان العمريّ أنّه رأى الإمام في حجر والده(٤٢)، ومحمّد بن إبراهيم الكوفيّ والمطهريّ أبو حكيم الطرفيّ روى قصّة رؤية الإمام (عليه السلام) (٤٣)، وعن ابن وجناء الحسن رأى الإمام (عليه السلام) طفلاً في بيت والده(٤٤)، وعن محمّد بن الحسن الكرخيّ يروي عن أبي هارون - رجل من أصحاب الإمام (عليه السلام) - أنّه رأى الإمام (عليه السلام) في حجر والده(٤٥).
وما روي عن محمّد بن إبراهيم بإسناده عن عثمان بن سعيد العمريّ الذي رأى الإمام (عليه السلام) بنفسه(٤٦). وأحمد بن عبد الله مهران، عن أحمد بن محمّد بن الحسن، عن إسحاق القمّيّ، أنّه رأى الإمام (عليه السلام) بأمّ عينيه(٤٧).
وعن عبد الله بن عبّاس العلويّ والحسن بن الحسين العلويّ، رُئي الإمام (عليه السلام) في بيت والده(٤٨). وأبو محمّد بن ضيرويه التستريّ، وأبو سهل بن مرقد يرويان عن عقيد خادم الإمام العسكريّ (عليه السلام) أنّه رأى الإمام في حجر والده(٤٩).
والصفّار يروي عن محمّد بن عبد الله المطهريّ، عن حكيمة بنت محمّد بن عليّ (عليه السلام) عمّة الإمام العسكريّ (عليه السلام) تروي قصّة ولادة الإمام(٥٠)، حتّى ابن زكريّا يروي عن محمّد بن عليّ عن حكيمة بنت الإمام الهادي (عليه السلام) قصّة ولادة الإمام(٥١).
وكذلك الشيخ الطوسيّ في غيبته عن الشلمغانيّ، يروي عن إبراهيم بن إدريس أنّه رأى الإمام في بيت والده(٥٢).
هذه الروايات عن أشخاص مختلفي الطوائف، ومن مختلف الأصقاع والأمصار، كلّهم قد رأوا الإمام (عليه السلام) وهو طفل في مواقف ومواضع مختلفة.
الثاني: هم الذين سمعوا من الإمام أو من خدّام الإمام أو من عمّة الإمام بولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) (٥٣)، ونشير إلى بعض هذه الروايات:
رُوي عن أبي الفضل الحسين بن الحسن العلويّ، قال: "دخلت على أبي محمّد (عليه السلام) بسرّ من رأى، فهنّأته بسيّدنا صاحب الزمان، (عليه السلام)، لمّا وُلد"(٥٤).
وما رُوي عن أحمد بن إبراهيم، قال: "دخلت على حكيمة بنت محمّد بن عليّ الرضا (عليهما السلام)، سنة اثنتين وستّين ومائتين، فكلّمتها من وراء حجاب، وسألتها عن دينها، فسمّت لي من تأتمّ بهم، قالت: فلان ابن الحسن فسمّته..."(٥٥).
النوع الثاني: الأدلّة النقليّة الخاصّة (الروايات):
إنّ الروايات التي تشير إلى قضيّة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وتثبت هذه الحقيقة المهدويّة، متواترة لدى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وفي كتب أهل العامّة. ويمكن لنا أن نستفيد منها وأنها في الدلالة على ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من خلال الملازمة، بأن يقال: لقد أثبتنا، بالدليل العقليّ، ضرورة وجود المعصوم في كلّ عصر، هذا أوّلاً، وهذه الروايات تؤكّد لنا أنّ المهديّ حقيقة إسلاميّة قطعيّة لا مجال للشكّ فيها.
ثانياً: هي تتطابق مع الدليل العقليّ، فإذا كان وجوده قطعيّاً، فلا بدّ من أن يكون موجوداً فعلاً، وحيّاً يُرزق.
ومن جهة ثالثة، تؤكّد طائفة من الروايات أنّه من نسل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ من نسل الإمام عليّ (عليه السلام) والسيّدة الزهراء (عليها السلام)، ثمّ من نسل الإمام الحسين (عليه السلام)، حتّى نصل إلى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، والإمامُ الحسن العسكريّ (عليه السلام) بدون شكّ هو الإمام الحادي عشر من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد استُشهد سنةَ ٢٦٠ هـ، فلا بدّ من أن يكون الإمام الثاني عشر قد وُلد قبل شهادته.
وبناءً على ما تقدّم، يمكن لنا تقسيم الروايات حول الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى طائفتين:
الطائفة الأولى: وهي الروايات المشتركة عن المعصومين (عليه السلام) من زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى زمن الإمام العسكريّ (عليه السلام)، وتذكر هذه الروايات الإمام الثاني عشر بصفاته وخصوصيّاته المختصّة، وأنّه من أولاد الحسين (عليه السلام)، وأنّه يُظهر الله الحقَّ على يديه الشريفتين. نذكر بعض هذه الروايات:
قال الإمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام): "منّا اثنا عشر مهديّاً، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحقّ، يحيي الله تعالى به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ على الدِّين كلّه ولو كره المشركون، له غيبة يرتدّ فيها قوم ويثبت على الدِّين فيها آخرون، فيؤذَون، فيقال لهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(٥٦). أما إنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله"(٥٧).
وعن عبد العظيم بن عبد الله بن عليّ بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال: دخلت على سيّدي محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) وأنا أريد أن أسأله عن القائم، أهو المهديّ أم غيره؟ فابتدأني هو، فقال: "يا أبا القاسم، إنّ القائم منّا هو المهديّ الذي يجب أن يُنتظَر في غيبته ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي. والذي بعث محمّداً بالنبوّة، وخصّنا بالإمامة، إنّه لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وإنّ الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السلام) إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً، فرجع وهو نبيّ مرسَل. ثمّ قال (عليه السلام): أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج"(٥٨)، وغيرها كما سيأتي.
الطائفة الثانية: الروايات التي تحدّثت عن نسب الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى الإمام عليّ (عليه السلام)، ومن ثمّ إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، وصولاً إلى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، وهي روايات متواترة قطعاً، وهذه الروايات وردت عن الأئمّة عليّ والحسن والحسين وباقي الأئمّة إلى الإمام العسكريّ (عليهم السلام).
وبنظرة إجماليّة وسريعة على عدد هذه الروايات، حسب ما أحصاه آية الله الشيخ لطف الله الصافي گلپايگاني في كتاب "منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر"، نصل إلى صحّة القول بتواتر هذه الروايات، فقد بلغ عددها ما يقرب من أحاديث جاء فيها ذكر نسب الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهي على الشكل الآتي:
- (٢١٤) حديثاً في أنّه من ولد أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام).
- (١٩٢) حديثاً في أنّه من ولد سيّدة نساء العالمين فاطمة (عليها السلام).
- (١٠٧) أحاديث في أنّه من أولاد السبطين(٥٩) الحسن والحسين (عليهما السلام).
- (١٨٥) حديثاً في أنّه من ولد الإمام الحسين (عليه السلام).
- (١٦٠) حديثاً في أنّه من الأئمّة التسعة من ولد الحسين (عليهم السلام).
- (١٤٨) حديثاً في أنّه التاسع من ولد الحسين (عليه السلام).
- (١٨٥) حديثاً في أنّه من الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام).
- (١٠٣) أحاديث في أنّه السابع من ولد الباقر (عليه السلام).
- (١٠٣) أحاديث في أنّه من ولد الصادق جعفر بن محمّد (عليهم السلام).
- (٩٩) حديثاً في أنّه السادس من ولد الصادق (عليه السلام).
- (١٠١) في أنّه من صلب الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر (عليهما السلام).
- (٩٨) حديثاً في أنّه الخامس من ولد الإمام السابع موسى بن جعفر (عليهم السلام).
- (٩٥) حديثاً في أنّه الرابع من ولد أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليهم السلام).
- (٩٠) حديثاً في أنّه الثالث من ولد الإمام محمّد بن عليّ الرضا (عليهم السلام).
- (٩٠) حديثاً في أنّه من ولد الإمام أبي الحسن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى الرضا (عليهم السلام).
- (١٤٦) حديثاً في أنّه خلف أبي الحسن وابن أبي محمّد الحسن (عليهم السلام).
- (١٤٧) حديثاً في أنّ اسم أبيه الحسن (عليه السلام).
- (٩) أحاديث في أنّه ابن سيّدة الإماء وخيرتهنّ.
- (٢) حديثان في أنّه إذا توالت ثلاثة أسماء محمّد وعليّ والحسن كان الرابع هو القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
- (١٣٦) حديثاً تدلُّ على أنّه الثاني عشر من الأئمّة وخاتمهم (عليهم السلام)(٦٠).
عوامل نشوء اليقين بولادة المهديّ(٦١):
إنّ عوامل نشوء اليقين بولادة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هي على الشكل الآتي:
العامل الأوّل: الأحاديث الشريفة:
الأحاديث الكثيرة المسلَّمة بين الفريقين الإماميّة وغيرهم، التي تدلّ بالدلالة الالتزاميّة على ولادة الإمام، (عليه السلام)، ومن هذه الأحاديث:
١- الحديث الأوّل: حديث الثقلين: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله (عزّ وجلّ)، وعترتي أهل بيتي، ألا وهما الخليفتان من بعدي، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض"(٦٢).
وهذا يدلّ على أنّ العترة الطاهرة مستمرّة مع الكتاب الكريم. وهذا الاستمرار لا يمكن توجيهه إلّا بافتراض أنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قد وُلد ولكنّه غائب عن الأعين، إذ لو لم يكن مولوداً وسوف يولد في المستقبل لافترق الكتاب عن العترة الطاهرة، وهذا ما يخالف قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو يقول: "ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض"، وهذا لازمه أنّ العترة لها استمرار وبقاء مع الكتاب إلى أن يردا على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا ما لا يمكن توجيهه إلّا بناءً على القول بولادة الإمام المهديّ وغيابه لاحقاً، وإلّا يلزم الإخبار على خلاف الواقع.
وهذا حديث واضح الدلالة على ولادة الإمام، لكنّه لم يرد ابتداءً في الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، لكن نستفيد منه ولادة الإمام بالدلالة الالتزاميّة.
٢- الحديث الثاني: حديث الاثني عشر، الذي تقدّم في الدرس الأوّل، ليس له تطبيق معقول ومقبول إلّا على الأئمّة الاثني عشر (عليه السلام)، وقد تقدّم نصّ الحديث.
وهذا الحديث بالملازمة يدلّ على ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، إذ لو لم يكن مولوداً الآن، والمفروض أنّ الإمام العسكريّ (عليه السلام) توفّي، ولم يحتمل أحد أنّه موجود، إذاً كيف يولد الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من أب متوفّى، فلا بدّ وأن نفترض أنّ ولادة الإمام قد تحقّقت، وإلّا فسيكون هذا الحديث تطبيقه غير وجيه. فهذا الحديث بالدلالة الالتزاميّة يدلّ على ولادة الإمام.
٣- الحديث الثالث: "من مات ولم يعرف إمام زمانه":
حدّث أبو عليّ بن همام، قال: سمعت محمّد بن عثمان العمريّ - قدّس الله روحه - يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، وأنا عنده، عن الخبر الذي رُوي عن آبائه (عليهم السلام): "أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله على خلقه إلى يوم القيامة، وأنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة"، فقال (عليه السلام): "إنّ هذا حقٌّ كما أنّ النهارَ حقّ"، فقيل له: يابن رسول الله، فمَن الحُجّةُ والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمّد، هو الإمام والحجّة بعدي، مَن مات ولم يعرفه مات ميتة جاهليّة. أما إنّ له غَيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقّاتون، ثمّ يخرج، فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة"(٦٣).
ثمّ إنّ هذا الحديث مرويّ عند السنّة والشيعة(٦٤).
وجه الاستدلال بالحديث أنّه إذا لم يكن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مولوداً الآن، فهذا معناه أنّنا لن نعرف إمام زماننا، وستكون ميتتنا ميتة جاهليّة، لأننا لم نعرف إمام زماننا ونعتقد به.
العامل الثاني: إخبار النبيّ والأئمّة (عليهم السلام) حول ولادة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
كثرت الأخبار عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة (عليهم السلام) التي تتحدّث بأنّه سوف يولد للإمام العسكريّ (عليه السلام) ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ولكن يغيب قبل ذلك. فالشيخ الصدوق في كمال الدين، جعلها في أبواب متعدّدة(٦٥)، وقد جُمعت الأحاديث فكانت مائة وثلاثة وتسعين حديثاً. وإذا ضممنا إليها ما ذكره الشيخ الكلينيّ في الكافي، والشيخ الطوسيّ، وغيرهما، فربّما آنذاك يفوق العدد الألف رواية، فقد ورد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): روى ابن عبّاس، قال: سمعت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: "... ألا وإنّ الله - تبارك وتعالى - جعلني وإيّاهم حججاً على عباده، وجعل مِن صُلب الحسين أئمّة يقومون بأمري، ويحفظون وصيّتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهديّ أمّتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة..."، إلى آخر الحديث(٦٦).
وفي حديث آخر عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "إن للغلام غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت ولم؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - ثمّ قال: يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يُشَكُّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر، غير أن الله (عزَّ وجلَّ) يحبّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة، قال: قلت: جعلت فداك، إنْ أدركت ذلك الزمان، أيّ شيء أعمل؟ قال: يا زرارة، إذا أدركت هذا الزمان فادعُ بهذا الدعاء (اللهمّ عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك. اللهمّ عرّفني رسولك، فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك. اللهمّ عرّفني حجّتك، فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني)، ثمّ قال: يا زرارة، لا بدّ من قتل غلام بالمدينة، قلت: جعلت فداك، أليس يقتله جيش السفيانيّ؟ قال: لا، ولكن يقتله جيش آل بني فلان، يجيء حتّى يدخل المدينة، فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغياً وعدواناً وظلماً لا يمهلون، فعند ذلك توقّع الفرج، إن شاء الله"(٦٧).
وبالنتيجة نقول: إنّ هذه الكثرة تجعل هذه الأحاديث متواترة، ولا معنى للمناقشة فيها، وهي واضحة غير قابلة للاجتهاد أو التأويل، وقد اعتبر هذا العامل من عوامل نشوء اليقين بولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
العامل الثالث: السفراء الأربعة:
إنّ قضيّة السفراء الأربعة وخروج التوقيعات بواساطتهم، واضحة في مصادر تاريخ أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يشكّك فيها أحد من زمان الشيخ الكلينيّ الذي عاصر سفراء الغيبة الصغرى، ووالدِ الشيخ الصدوق عليّ بن الحسين، وإلى يومنا هذا. وقد كان لهم مكانة ومنزلة خاصّة عند الشيعة، ولهذا لم يشكّك أحد من الشيعة في جلالة هؤلاء السفراء، ولم يحتمل كذبهم على الإطلاق.
العامل الرابع: تصرّف السلطة العبّاسيّة:
إنّ تاريخ الإماميّة وغيرهم ينقل أنّ المعتمد العبّاسيّ، بمجرّد أن وصل إلى سمعه أنّه وُلد للإمام مولود، أرسل شرطته إلى دار الإمام، وأخذوا جميع نساء الإمام، واعتقلوهنّ حتّى يلاحظوا ممّن الولادة؟ ومن هذا السلوك نفهم أنّ تصرّف السلطة نفسه قرينة واضحة على أنّ مسألة الولادة ثابتة، وإلّا فهذا التصرّف الثابت في الكثير من المصادر التاريخيّة، لا داعي له.
العامل الخامس: اتّفاق الشيعة:
منذ تباني الشيعة واتّفاقهم من زمان الشيخ الكلينيّ ووالد الشيخ الصدوق وإلى يومنا هذا على قضيّة الإمام المهديّ وغيبته، وفي كلّ طبقات الشيعة، لم نجد من شكَّك في ولادة الإمام، فضلاً عن غيبته، ولهذا أصبح هذا الأمر من أصول اعتقاد الشيعة بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
هذه عوامل خمسة لنشوء اليقين، فنحن إمّا أن نسلّم بكثرة الأخبار وتواترها ووضوح دلالتها على الغيبة، ومعه فلا يمكن لأحد أن يجتهد في مقابلها، لأنّه اجتهاد في مقابل النصّ.
وإمّا أن لا نسلّم بالتواتر، ولكن بضميمة سائر العوامل إلى هذه الأخبار، التي منها: تباني الشيعة، وكلمات المؤرِّخين، ووضوح قضيّة الإمام المهديّ وولادته بين طبقات الشيعة من ذلك التاريخ السابق، وتصرّف السلطة تجاهها، ومسألة السفارة والتوقيعات، وغير ذلك من العوامل- يحصِّل اليقين بحقّانيّة قضيّة ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
المفاهيم الرئيسة:
١- يتكوّن الدليل العقليّ من مقدّمات عدّة، مبتنية على قاعدة اللطف، التي توصلنا إلى ضرورة وجود شخصٍ كاملٍ عالمٍ بين ظهرانينا، وهذا الشخص هو المعصوم (عليه السلام).
٢- إنّ العقل يدرك أنَّ الله -تبارك وتعالى?- يجب أن يوجِد ويوفّر للخلق أسباب تكاملهم، من عيون تبصر وآذان تسمع. فكذلك لا بدَّ من أن يوجِد لهم ما به يتكاملون من الناحية المعنويّة، وهو وجود الإمام المعصوم.
٣- نمتلك العديد من الأدلة النقليّة الواردة حول القضيّة المهدويّة، ويمكن تقسيمها إلى:
النوع الأوّل: الأدلّة النقليّة العامّة: وهي عبارة عن الأدلّة التي نقلت ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قطعاً عن العديد من الأشخاص، وهي على قسمين: الأوّل: أنّ العديد من الأشخاص رأوا الإمام، وهو طفل، في بيت والده، أو في حجر والده العسكريّ (عليه السلام)، والثاني: هم الذين سمعوا من الإمام أو من خدّام الإمام أو من عمّة الإمام بولادة الإمام المهديّ.
النوع الثاني: الأدلّة النقليّة الخاصّة (الروايات): إنّ الروايات التي تشير إلى قضيّة الإمام المهديّ متواترة لدى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وفي كتب أهل العامّة، وهي تشير إلى الولادة بالملازمة، بأن يقال: لقد أثبتنا بالدليل العقليّ ضرورة وجود المعصوم في كلّ عصر. وهذه الروايات تؤكّد لنا أنّ المهديّ حقيقة إسلاميّة قطعيّة لا مجال للشكّ فيها. فهي تتطابق مع الدليل العقليّ. فإذا كان وجوده قطعيّاً، فلا بدّ من أن يكون موجوداً فعلاً، وحيّاً يُرزَق.
٤- تؤكّد طائفة من الروايات أنّه من نسل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ من نسل الإمام عليّ (عليه السلام) والسيّدة الزهراء (عليها السلام)، ثمّ من نسل الإمام الحسين (عليه السلام)، حتّى نصل إلى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، والإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) ممّا لا شكّ فيه أنّه الإمام الحادي عشر من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وأنّه قد استُشهد في سنة ٢٦٠ هـ، فلا بدّ من أن يكون الإمام الثاني عشر قد وُلد.
٥- لدينا العديد من العوامل التي تؤدّي إلى نشوء اليقين بولادة المهديّ، وهي: الأحاديث الشريفة، إخبار النبيّ والأئمّة (عليهم السلام) حول ولادة المهديّ، السفراء الأربعة، تصرّف السلطة العباسية، اتّفاق الشيعة.

الدرس الثالث: الغيبة الصغرى (١) التمهيد للغيبة الصغرى

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يستدلّ على إمكانيّة الغيبة ووقوعها.
٢- يتعرّف إلى التمهيدات التي قام بها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) في الغيبة الصغرى.
٣- يتمكّن من الاستدلال على فكرة الإمامة المبكّرة عند الشيعة.
تمهيد:
لا شكّ في أنّ حدثاً مهمّاً وخطيراً على الفكر الإماميّ، بشكل خاصّ والإسلاميّ بشكل عامّ كالغيبة، لم يحدث بشكل مفاجئ ومن دون تخطيط مسبَّق، بل سبقت هذه الحادثة إشارات وتصريحات صدرت عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام)، وبوتيرة متصاعدة من عصر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى عصر الإمام العسكريّ (عليه السلام)، وأخذت أشكالاً متعدِّدة ومناحي نظريّة وعمليّة.
كلّ ذلك أدّى إلى أن يغيب الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عن أنظار الناس، من دون إحداث صدمة للقواعد الشعبيّة المؤمنة والموالية له.
الغيبة الصغرى في تاريخ الإماميّة:
إنّ الذي يقرأ التاريخ الإماميّ، ويطّلع على روايات أهل البيت (عليهم السلام) حول الإمام المهديّ، يدرك مدى العناية التي أَوْلاها الأئمّة (عليهم السلام) لهذا الموضوع، سواء من ناحية تحضير المجتمع لهذه الفكرة وبيان بعض الشبهات والفتن التي ستعصف في موضوع الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في أصل ولادته أو في غيبته، أم من ناحية تأصيل هذه الفكرة.
وعلى الرغم من هذا التأكيد على قضيّة الغيبة وأهمّيَّتها وصحّتها، بل ضروريّتها في فكر الإماميّة، حاول بعضٌ التدليس على عقول المؤمنين بإنكارها، فقد قال: "إنّ الاستشهاد بالغيبَتين قد ابتدأه النعمانيّ في منتصف القرن الرابع الهجريّ، بعد انتهاء عهد النوّاب الخاصّين، ولم يشر إليه من سبقه من المؤلّفين في الغيبة الذين اكتفوا بالإشارة إلى الغيبة الواحدة"(٦٨).
ولعلّ القائل لا يعلم بأنّ سنة وفاة الكلينيّ (٣٢٩ ه‍) معاصرة للغيبة الصغرى، والذي استشهد بحديث الغيبتين كما نقلنا، أو لا يعلم بوجود الحديث في كتاب الكافي أصلاً.
وإذا راجعنا الروايات التي وردت في الغيبة، فكلّ الروايات التي تحدّثت عن أنّ للإمام غيبة لم تقيّدها بالواحدة، حتّى نقول إنّ روايات تعدّد الغيبة منافية لها. ومن هنا، يمكن حمل الروايات التي ذكرت أنّ للإمام غيبتين على أنّها شارحة ومفسّرة للروايات التي قالت إنّ للإمام غيبة واحدة، ويكون المراد بها الغيبة بشكل عامّ، سواء كانت القصيرة، أي الصغرى، أو الطويلة، أي الكبرى(٦٩).
تمهيدات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) للغَيبة:
١- النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) والتمهيد للغَيبة:
شغلت غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قبل حلولها وبعدها سنة ٢٦٠هـ حيّزاً واسعاً في الفكر الشيعيّ، وأخذت حيّزاً كبيراً في تراثهم الروائيّ والكلاميّ، وامتدّت آثارها بعد وفاة آخر السفراء الأربعة محمّد بن علي السمريّ (ت ٣٢٩ه)، لتشمل الفقه السياسيّ الروائيّ والمستنبَط معاً. ولعلّ في ما صنّفه محدّثوهم وأعلامهم، قبل عصر الغيبة الصغرى وفي أثنائها أو بعدها، خير دليل على مدى العناية الفائقة التي أولاها سائر أهل البيت (عليهم السلام) لهذا الموضوع الخطير، لأنّهم أدركوا أنّ معنى غياب القائد هو تشتّت القاعدة ما لم يجرِ التمهيد لغيبته بشكل مكثَّف،حتّى يكون استقبالها من قبل القاعدة وهضمهم لها بشكل مُتدرّج، وكأنّها حدث طبيعيّ، بحيث لا ينتج منها شرخ في المذهب قد يؤدّي إلى اهتزاز عقيدة أتباعه، فيما لو سُكِتَ عن هذا الأمر وواجهه الشيعة فجأة. ومن هنا، جرت تهيئة الشيعة لقبول غيبة القائد كحقيقة آتية لا بدّ منها. وكان لكلّ إمام دوره الخاصّ في التمهيد لتلك الحقيقة الكبرى في تاريخ التشيّع، ولا سيّما الإمام الصادق (عليه السلام) الذي كان دوره مميّزاً في ذلك.
وقد انعكست أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) على الفكر الشيعيّ بصورة واضحة جليّة، وذلك من جهة عناية هذا الفكر بتلك الأحاديث عناية فائقة، فأفردوا لها مؤلّفات عدّة ورسائل كثيرة، كوّنت بمجموعها رؤية واضحة لطلائع التشيّع حول غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قبل ولادته بعشرات السنين. وما مزاعم الفرق الشيعية - التي نشأت في إطار التشيّع فجأة، واندرست بُعَيْدَ نشأتها بسرعة - بغيبة من ادُّعيت له الإمامة زوراً، كقول الكيسانيّة بغيبة محمّد بن الحنفيّة في جبل رضوى، وقول الواقفيّة بغيبة الإمام الكاظم (عليه السلام)، إلّا صورة معبِّرة عن انتشار مفهوم الغيبة في الوسط الشيعيّ انتشاراً واسعاً لدرجة توافرت معها للوجود الشيعيّ الإماميّ الاثني عشريّ حصانة رائعة ضدّ كلّ الدعاوى المنحرفة التي برزت في إطاره، حتّى استطاع بفضل فلسفة الإخبار بالغيبة وتشخيص صاحبها قبل ولادته بعشرات السنين، أن يشقّ طريقه بأمان على الرغم من كلّ العواصف التي اعترضت سبيله(٧٠).
٢- أقسام الروايات حول غيبة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
وإذا رجعنا إلى الروايات وجدناها عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة (عليهم السلام) حول غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهي على أقسام عدّة:
أوّلاً: الروايات التي ذكرت أنّ للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) سُننَ بعض الأنبياء (عليهم السلام).
ثانياً: الروايات التي تحدّثت عن غيبته الكبرى، والتي تمتدّ، حسب الروايات، إلى أن تتحقّق مجموعة من الشروط والعلامات.
ثالثاً: الروايات المتواترة التي رواها الصدوق في كمال الدين، والطوسيّ في الغيبة، والنعمانيّ في الغيبة، والكلينيّ في الكافي، والتي مفادها وقوع غيبتين للإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وقد وصف الشيخ الصدوق هذه الروايات بأنّها مشهورة(٧١). وهذه الروايات قد رُويت عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعن بقيّة الأئمّة (عليهم السلام). وقد صرّحت هذه الروايات بأنَّ للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) غيبتين، إحداهما أطول من الأخرى. وهي التي يُصطلح عليها في كتب الإماميّة بالغيبة الصغرى، وهي الفترة الممتدّة من ولادته إلى وقت احتجابه الكامل عن شيعته، وذلك بوفاة سفيره الرابع. والغيبة الكبرى الممتدّة من لحظة وفاة السفير الرابع إلى وقتنا الحاضر، وإلى أن يشاء الله تعالى.
ومن خلال قراءة المصادر والكتب التي أُلّفت في موضوع الغيبة وغيرها من الكتب ذات الصلة، يظهر أنّ أوّل من فسّر أحاديث أهل البيت الدالّة على أنّ للمهديّ غيبتين من كتاب الكافي، هو الشيخ النعمانيّ في كتابه "الغيبة"، وهو من تلامذة ثقة الإسلام الكلينيّ، وذكر أنّ الغيبة الأولى قصير أمدها، استمرّت حتّى وفاة السفير الرابع، أي سنة ٣٢٩ه، والغيبة الثانية تبدأ من السنة ذاتها بعد وفاة السفير الرابع. وقد شكّل هذا التفسير أساس الفكر الشيعيّ في موضوع الغيبة(٧٢).
ومن هذه الأحاديث الشريفة:
أ- عن مفضَّل بن عُمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "لصاحب هذا الأمر غيْبتان: إحداهُما يرجع منها إِلى أهله، والأخرى يقال هلك، في أيِّ واد سلك. قلت: كيف نصْنع إذا كان كذلك؟ قال: إذا ادَّعاها مُدَّعٍ فاسألُوه عن أشياء يجيب فيها مثله"(٧٣).
ب- عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: "إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين، وسمعته يقول: لا يقوم القائم ولأحد في عنقه بيعة"(٧٤).
ج- وعن المفضّل بن عمر الجعفيّ، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: "إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم: مات، وبعضهم يقول: قُتل، وبعضهم يقول: ذهب، فلا يبقى على أمره من أصحابه إلّا نفر يسير، لا يطّلع على موضعه أحد من وليّ ولا غيره، إلّا المولى الذي يلي أمره". ولو لم يكن يروى في الغيبة إلّا هذا الحديث لكان فيه كفاية لمن تأمّله(٧٥).
د- عن إسحاق بن عمّار الصيرفيّ، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول: "للقائم غيبتان: إحداهما طويلة، والأخرى قصيرة، فالأولى يَعلم بمكانه فيها خاصّةٌ من شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة مواليه في دينه"(٧٦).
هـ- وعن إِسحاق بن عمَّار، قال: قال أَبو عبد الله (عليه السلام): "للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إِلَّا خَاصَّةُ شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إِلَّا خَاصَّةُ مواليه"(٧٧).
٣- ملاحظات ونتائج حول روايات الغيبة:
وفي هذا الحديث خصوصاً وما تقدّمه نقاط عدّة لا بدّ من الإشارة إليها:
أ- لا يخفى أنّ خبر إسحاق هذا هو خبر إسحاق المرويّ في الكافي نفسه، وفيه دلالة على أنّ خاصّة مواليه يعلمون بمستقرّه ومكانه (عليه السلام) في الغيبة الكبرى. وعلى بعض نسخ النعمانيّ، يكون المقصود بها أنّ خاصّته في ذلك الوقت لا يعلمون بمحلّ إقامته (عليه السلام)، فهي لا تنفي المشاهدة والرؤية في الأماكن الأخرى(٧٨).
ب- قوله: "يعلم بمكانه فيها خاصّة من شيعته"، فالمقصود بأهله: الخاصّة من شيعته، يعني النوّاب الخاصّين، وكذلك الوكلاء الذين وكّلهم (عليه السلام) في القضايا الجزئيّة أو القضايا الشخصيّة، فإنّ للإمام (عليه السلام) في غيبته الصغرى نوعين من النوّاب:
النوّاب العامّون عن الإمام (عليه السلام)، وهم الأربعة، والنوّاب الخاصّون، والمقصود بالخاصّين أي في القضايا الجزئيّة والشخصيّة. كما أنّ هناك مقابلات في قضايا محدّدة ووقائع محدّدة نصّ عليها المؤرّخون جرت بين الإمام (عليه السلام) وبين بعض الخواصّ(٧٩). والحديث يدلّ على أنّ من الخواصّ من أوليائه من يراه حين غيبته...، ولكن دون أن يحمل عنوان السفارة ومهمّاتها، والوساطة بينه (عليه السلام) وبين الناس(٨٠).
ج- إنّ الإمام (عليه السلام) أنبأ بغيبة صاحب الأمر (عليه السلام) قبل مولده، وهذا في الواقع جزء من مخطّط متكامل في الشريعة الإسلاميّة. وقد أشرنا إلى ذلك، أي لكي لا يحصل عنصر المفاجأة.
د- الأحاديث قسّمت الغيبة إلى قسمين: غيبة قصيرة وغيبة طويلة، وربّما يعبَّر عنهما بالصغرى والكبرى، وبتعبير أبي الصلاح الحلبيّ القصرى والطولى(٨١).
هـ- أحاديث الغيبتين(٨٢) وغيرها، نقلت من الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، ونقلها الكلينيّ المعاصر للغيبة، والطوسيّ والنعمانيّ والطبريّ، ونقلها من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام): إبراهيم بن عمر اليمانيّ، ومحمّد بن مسلم الثقفيّ، وغيرهما، ومن أصحاب الصادق (عليه السلام): إسحاق بن عمّار الصيرفيّ، وحازم بن حبيب، وعبيد بن زرارة، والمفضّل بن عمر، وزرارة بن أعين، وهشام بن الحكم، وعبد الأعلى مولى آل سام.
إجراءات الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام):
وعلى الرغم من كلّ ما أحيط به الميلاد المبارك من الكتمان والسرّيّة، إلّا أنّ الإمام العسكريّ (عليه السلام) لم يكتم ذلك عن خاصّته وثقاته، عن أبي جعفر العمريّ، قال: لمّا وُلد السيّد (عليه السلام)، قال أبو محمّد (عليه السلام): "ابعثوا إلى أبي عمرو (عثمان بن سعيد)، فبعث إليه، فصار إليه، فقال له: اشتر عشرة آلاف رطل خبز، وعشرة آلاف رطل لحم، وفرّقه - أحسبه قال: على بني هاشم - وعقّ عنه بكذا وكذا شاة"(٨٣).
ولعلّ أوسع إعلان قام به الإمام العسكريّ (عليه السلام) بين أصحابه، عن ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وإعلان إمامته، هو ما فعله في مجلسه، وقد كان غاصّاً بأربعين من أصحابه، فقد روى الشيخ الصدوق عن معاوية بن حكيم، ومحمّد بن أيّوب بن نوح، ومحمّد بن عثمان العمريّ(رضي الله عنه)، قالوا: عرض علينا أبو محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام) ونحن في منزله، وكنّا أربعين رجلاً، فقال: "هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا. أما إنّكم لا ترونه بعد يومكم هذا، قالوا: فخرجنا من عنده، فما مضت إلّا أيّام قلائل حتّى مضى أبو محمّد (عليه السلام) (٨٤).
الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والإمامة المبكِّرة:
ليس في ذلك غرابة في تأريخ الأنبياء والرسل وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد سبقه لذلك بعض أنبياء الله -تعالى-، حسب نصّ القرآن الكريم، كعيسى ويحيى، كما سبقه الإمام عليّ الهادي (عليه السلام)، الذي تسلّم الإمامة وهو ابن ثماني سنين، والإمام محمّد الجواد (عليه السلام) الذي تسلّم الإمامة وهو ابن سبع سنين. أو تسع سنين، ولذا يمكن الإشارة إلى إثبات الإمامة المبكِّرة للمهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من جهتين:
الجهة الأولى: الفرضيّات المتصوَّرة حول إشكاليّة الإمامة المبكِّرة:
لقد وضع السيّد الشهيد فرضيّات عدّة حول الإمامة المبكّرة التي ابتدأت مع الإمام الجواد (عليه السلام)، وانتهت بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). يقول: "إنّ الإمام الجواد (عليه السلام) الذي قدّر الله - سبحانه وتعالى - أن يكون نفس وجود هذا الإمام دليلاً وبرهاناً على صحّة العقيدة التي نؤمن بها بالنسبة إلى أهل البيت (عليهم السلام)، لأنّ الظاهرة التي وجدت مع هذا الإمام، هي ظاهرة تولّي الإمامة في سنّ الطفولة، فالتاريخ يتّفق ويجمع على أنّ الإمام الجواد (عليه السلام) توفّي أبوه وعمره لا يزيد على سبع سنين، ومعنى هذا أنّه تولّى زعامة الطائفة الشيعيّة روحيّاً ودينيّاً وعلميّاً وفكريّاً، وهو لا يزيد على سبع سنين(٨٥).
هذه الظاهرة التي ظهرت لأوّل مرّة في حياة الأئمّة في الإمام الجواد (عليه السلام)، لو درسناها بحسب الاحتمالات، لوجدنا أنّها وحدها كافية للاقتناع بحقّانيّة هذا الخطّ الذي كان يمثّله الإمام الجواد (عليه السلام)، إذ كيف يمكن أن نفترض فرضاً آخر غير فرض الإمامة الواقعيّة في شخص لا يزيد عمره على سبع سنين ويتبوّأ زعامة هذه الطائفة في كلّ المجالات الروحيّة والفكريّة والفقهيّة والدينيّة؟ والافتراضات هي:
الأوّل: لا مجال لافتراض أنّ الطائفة لم يتكشّف لديها بوضوح هذا الصبيّ، لأنّ زعامة الإمام في أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن زعامة محاطة بالشرطة والجيش وأبهّة الملك، والسلطان الذي يحجب بين الزعيم ورعيّته، ولم تكن زعامةَ دعوةٍ سِرّيّة من قبيل الدعوات الصوفيّة أو الفاطميّة التي تحجب بين رأس الدعوة وقواعد هذه الدعوة، لكي يفترض أنّ هذا الرأس كان محجوباً عن رعيّته مع إيمان الرعيّة به.
إمام أهل البيت (عليهم السلام) كان مكشوفاً أمام الطائفة، وكانت الطائفة بكلّ طبقاتها تتفاعل معه مباشرة في مسائلها الدينيّة، وفي قضاياها الروحيّة والأخلاقيّة، وغيرها.
الثاني: افتراض أنّ المستوى العلميّ والفكريّ للطائفة وقتئذٍ، كان يعبّر عليه هذا الموضوع، فقد كان بالإمكان، طبقاً للمستوى الفكريّ والعقليّ والروحيّ للطائفة، أن تصدّق بإمامة طفل وهو ليس بإمام. هذا أيضاً ممّا يكذّبه الواقع التاريخيّ لهذه الطائفة، وما وصلت إليه من مستوى علميّ وفقهيّ، فإنّ هذه الطائفة قد خلّفها الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام) وفيها أكبر مدرسة للفكر الإسلاميّ في العالم الإسلاميّ على الإطلاق، المدرسة التي كانت تتكوّن من الجيلين المتعاقبين، جيل تلامذة الإمام الصادق والكاظم (عليهما السلام)، وجيل تلامذتهما. هذان الجيلان كانا على رأس هذه الطائفة في ميادين الفقه والتفسير والكلام والحديث والأخلاق، وكلّ جوانب المعرفة الإسلاميّة.
الثالث: يبقى افتراض آخر وهو أنّ الطائفة لم يكن عندها مفهوم الإمام والإمامة، فقد كانت تتصوّر أنّ الإمامة مجرّد تسلسل نسبيّ ووراثيّ، ولم تكن تعرف من هو الإمام، وما هي قيمة الإمام، وما هي شروط الإمام!
هذا الافتراض أيضاً يكذّبه واقع التراث المتواتر المستفيض من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الإمام الرضا (عليه السلام) عن شروط الإمام وعلاماته. هذا فضلاً عن أنّ التشيّع قام بصورة أساسيّة على المفهوم الإلهيّ المعمّق للإمامة، فإنّ أوّل مفهوم من مفاهيم التشيّع، هو أنّ الإمام إنسان فذّ فريد في معارفه وأخلاقه وقوله وعمله، هذا هو المفهوم الأساسيّ للتشيّع الذي بشّرت به النصوص الروائيّة الواردة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام).
الرابع: ويبقي افتراض أخير، وهو افتراض أن يكون هذا تبانياً على الزور والباطل من قبل هذه الطائفة، وهذا أيضاً ممّا يكذّبه إيماننا الشخصيّ بورع هذه الطائفة وقدسيّتها، بل يكذّبه، إضافة إلى إيماننا الشخصيّ بذلك، الظرف الموضوعيّ لهذه الطائفة، فلم يكن التشيّع في يوم من الأيّام في حياة هذه الطائفة طريقاً إلى الأمجاد، إلى المال، إلى الجاه، إلى السلطان، أو إلى المقامات العالية.
الافتراض الصحيح: إذاً، فكلّ هذه الافتراضات الأخرى لا يمكن أن تكون مقبولة عند أيّ إنسان يطّلع على تاريخ الطائفة، وتاريخ الإسلام وقتئذٍ، وعلى الظروف الموضوعيّة التي تكتنف إمامة الجواد (عليه السلام). ولا يبقى إلّا الفرض الوحيد المطابق للواقع، وهو أن يكون الإمام الجواد إماماً حقّاً"(٨٦).
إذاً، ما حصل مع الإمام الجواد (عليه السلام)، مروراً بالإمام الهادي (عليه السلام) ووصولاً إلى خاتم الأوصياء، كلّ ذلك يثبت أنّ إمامة الأئمّة الاثني عشر هي موقع دينيّ ومنصب إلهيّ يؤتيه الله - تبارك وتعالى- لمن يشاء، فلا يؤثّر صغر السنّ في قابليّة الإفاضة الإلهيّة على الشخص.
الجهة الثانية: الروايات الشريفة:
بعد شهادة الإمام العسكريّ (عليه السلام) سنة ٢٦٠هـ، في الثامن من شهر ربيع الأوّل(٨٧)، تسلّم الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مهامّ الإمامة وهو ابن خمس سنين أو ستّ سنين، فهو أصغر الأئمّة سنّاً عند تولّيه مهامّ الإمامة. وقد أخبرت عن ذلك الأحاديث الشريفة سابقاً، فقد رُوي عن يحيى بن سالم، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "صاحب هذا الأمر أصغرنا سنّاً، وأخملنا شخصاً. قلت: متى يكون ذاك؟ قال: إذا سارت الركبان ببيعة الغلام، فعند ذلك يرفع كلّ ذي صيصيّته لواء، فانتظروا الفرج"(٨٨).
وقد حباه الله بالإمامة والعلم صبيّاً، كما أوتي عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا (عليهما السلام) الكتابَ والنبوّة والعلم والحكم صبيّين، والدليل على ذلك قول أبي عبد الله (عليه السلام): "فيه سنّة من أربعة أنبياء: أحدهم عيسى بن مريم (عليه السلام) "(٨٩)، لأنّه أوتي الحكم صبيّاً والنبوّة والعلم، وأوتي هذا الإمامة.
وفي قولهم (عليهم السلام): "هذا الأمر في أصغرنا سنّاً وأخملنا ذكراً"، دليل عليه وشاهد بأنّه هو، لأنّه ليس في الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) ولا في غير الأئمّة ممّن دُعيتْ له الدعاوى الباطلة من أُفضي إليه الأمر بالإمامة في سنّه، لأن جميع من أُفضيت إليهم الإمامة من أئمّة الحقّ وممّن ادّعيت لهم أكبر سنّاً منه. فالحمد لله الذي يحقّ الحقّ بكلماته، ويقطع دابر الكافرين(٩٠).
المفاهيم الرئيسة:
١- إنّ الذي يقرأ التاريخ الإماميّ، ويطّلع على روايات أهل البيت (عليهم السلام) حول الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يدرك مدى العناية التي أولاها الأئمّة لهذا الموضوع، سواء من ناحية تحضير المجتمع لهذه الفكرة وبيان بعض الشبهات والفتن التي ستعصف في موضوع الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في أصل ولادته أو في غيبته، أو من ناحية تأصيل هذه الفكرة.
٢- لقد حاول بعضٌ إنكار الغيبة باعتبار أنّ الاستشهاد بالغيبتين قد ابتدأه النعمانيّ في منتصف القرن الرابع الهجريّ، فلا يصح الاعتماد على وجود غيبتين للإمام (عليه السلام)، إلّا أنّ القائل لم يلتفت إلى أنّ الشيخ الكلينيّ المعاصر للغيبة الصغرى قد ذكر حديث الغيبتين، مضافاً إلى أنّنا لو راجعنا الروايات التي وردت في الغيبة، فكلّ الروايات التي تحدّثت عن أنّ للإمام غيبة لم تقيّدها بالواحدة، بل ذكرت له غيبتين.
٣- انعكست أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) على الفكر الشيعيّ بصورة واضحة جليّة، وذلك من جهة عناية هذا الفكر بتلك الأحاديث عناية فائقة، فأفردوا لها مؤلّفات عدّة ورسائل كثيرة، كوّنت بمجموعها رؤية واضحة لطلائع التشيّع حول غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قبل ولادته بعشرات السنين.
٤- لقد قُسّمت الروايات حول غيبة الإمام على أقسام عدّة، وهي: الروايات التي شبّهتها بسُننِ بعض الأنبياء، والروايات التي تحدّثت عن غيبته الكبرى، والروايات التي مفادها وقوع غيبتين له (عليه السلام).
٥- لقد قام الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) بإجراءات عدّة تمهيديّة حول غيبة الإمام (عليه السلام)، بحيث جرت الغيبة الصغرى من دون إحداث أيّ تأثيرات سلبيّة على المجتمع الشيعيّ الإماميّ.
٦- لم تشكّل الإمامة المبكّرة للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) تأثّراً في الفكر الإماميّ، وذلك لتحقّق هذه الإمامة ووقوعها. وقد وُضع لإثبات ذلك فرضيّات عدّة تصحّ منها فرضيّة الإمامة الواقعيّة والحقيقيّة، وأيضاً أكّدت العديد من الروايات على الإمامة المبكّرة للمهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

الدرس الرابع: الغيبة الصغرى (٢) الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وحمايةُ مسار الإمامة

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يتعرّف إلى شخصيّة جعفر بن عليّ، وأسبابِ إدّعائه الإمامة.
٢- يلخّص موقف جعفر من الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وموقف الإمام من جعفر، ويشرحهما.
٣- يبيّن النظريّات الثلاث في بداية الغيبة الصغرى.
تمهيد:
إنّ استلام الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) للإمامة والخلافة بعد أبيه العسكريّ (عليه السلام) اصطدم بعقباتٍ عمليّة عدّة كادت أن تؤدّي إلى حصول خلل في الأوضاع العامّة للشيعة. وكان من جملة تلك العقبات ادّعاء جعفر بن الإمام الهادي (عليه السلام) الخلافةَ بعد أخيه الإمام العسكريّ (عليه السلام)، وقد دفعه لذلك أسبابٌ سياسيّة واجتماعيّة عدّة.
إلّا أنّ الجهود التي بذلها الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في سبيل مواجهة هذه الدعوة، أدّت إلى وأْدِها من أسسها، ومنع انتشارها بين الناس، ممّا ساعد في الحفاظ على الجماعة الشيعيّة متماسكة ومترابطة.
شخصيّة جعفر بن الإمام الهادي (عليه السلام):
برزت شخصيّة جعفر بن علي الهادي (عليه السلام) عُقيب وفاة أخيه الإمام العسكريّ (عليه السلام)، إذ كان يرى نفسه الوريث الشرعيّ لأخيه، كما كان يرى أنّ أخاه لم يكن له خلف يرثه ويتولّى شؤون الإمامة من بعده، لذا، نجده تارة يسعى إلى السلطة لتجعله إماماً محلَّ أخيه العسكريّ (عليه السلام)، وأُخرى يطلب من الوفد القمّيّ أن يسلّمه الأموال وغيرها، لأنّه أخو الإمام العسكريّ (عليه السلام). وهكذا، فقد كان لجعفر دورٌ في جملة من الأمور والقضايا بعد وفاة الإمام العسكريّ (عليه السلام) وبدء الغيبة الصغرى. أمّا بالنسبة إلى موقف الإمام الهادي (عليه السلام) من ولده جعفر، فنجده (عليه السلام) يأمر أصحابه بالابتعاد عنه وعدم مخالطته، موضّحاً لهم أنّه خارج عن تعاليمه، عاصٍ لأمره ونهيه، وكان يقول لهم: "تجنّبوا ابني جعفراً"(٩١).
ويُروى عن أحمد بن عبيد الله بن خاقان أنّه كان إذا سُئل عن جعفر، قال: "ومَن جعفر حتّى يُسأل عنه أو يُقرَن بالحسن (عليه السلام)!"(٩٢).
وذات مرّة، دخل الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) على أصحابه في السجن لأجل أن يبشّرهم بخروجهم من السجن، ويعرّفهم على رجل كان عيْناً للسلطان يعمل ضدّهم، وكان معه أخوه جعفر(٩٣)، وقد كانا معاً مسجونَين في عهد المعتمِد، فأرسل المعتمِد رسولاً إلى السجن لإبلاغ الإمام العسكريّ (عليه السلام) سلامه وإطلاق سراحه. وحين وصل الرسول، وجد على الباب حماراً ملجماً، والإمامُ قد لبس خفّه وطيلسانه، فأدّى له الرسالة، وهنا أرجع الإمام (عليه السلام) رسولَ المعتمِد إليه من أجل أن يخبره بأنّ الإمام (عليه السلام) يقول إنّه وجعفر قد خرجا من الدار، فإذا رجع وحده وليس معه جعفر كان في ذلك ما لا خفاء به على الخليفة. فمضى الرسول، وعاد بأمر إطلاق سراح جعفر مع الإمام (عليه السلام)، فصار معه إلى داره(٩٤).
ولم يؤثّر ذلك السلوك، من قبل الإمام (عليه السلام) في جعفر، فنجده عندما التحق الإمام العسكريّ (عليه السلام) بالرفيق الأعلى، يستغلّ الموقف بالشكل الذي يتمكّن به من الادّعاء بأنّه وريث الإمامة، ليحرز منصب الإمام وجباية الأموال، ولكنه لم ينجح في ذلك.
وفد القمّيّين:
أوّلاً: لقاء القمّيّين بجعفر:
وفدت جمهرة من القمّيّين والإيرانيّين، ومعهم الأموال من الشيعة، إلى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، فلما انتهَوا إلى سامرّاء، أُخبروا بوفاته، فسألوا عن القائم مقامه، فأخبرهم بعض عملاء جعفر أنه هو الإمام، وأنّه قد خرج متنزّهاً في دجلة، ومعه فريق من المغنّين، فهالهم ذلك، لأنّ الإمام لا يقترف أيّ ذنب أو معصية، وصمّم الوفد القمّيّ على لقائه، والتعرّف على خبره. فلما قفل جعفر راجعاً إلى منزله، خفّوا إليه، فسلّموا عليه، وقالوا له: "نحن من (قم)، ومعنا جماعة من الشيعة، وكنّا نحمل إلى سيّدنا أبي محمّد الحسن بن علي الأموال...، سارع جعفر قائلاً: أين هي؟.
فقالوا: معنا.
فبادر جعفر قائلاً: احملوها إليّ...، فطلبوا منه أن يخبرهم عن كمّيّة الأموال، ومن الذي أرسلها إلى الإمام، كما كان يخبرهم بذلك الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، فزجرهم وصاح بهم: كذبتم، تقولون على أخي ما لا يفعله، هذا علم الغيب، ولا يعلمه إلّا الله...، فعجب القوم، وراح بعضهم ينظر إلى بعض، وتميّز جعفر غيظاً وغضباً، وقال لهم: احملوا إليّ هذا المال...، فردّوا عليه: إنّا قوم مستأجَرون ووكلاء، وإنّا لا نسلّم المال إلّا بالعلامة التي كنّا نعرفها من سيّدنا الحسن بن عليّ العسكريّ (عليه السلام)، فإن كنتَ الإمام فبرهن لنا، وإلّا رددنا الأموال إلى أصحابها يرون فيها رأيهم...، فنهض جعفر إلى الخليفة، فأخبره الأمرَ، مستعيناً به على أخذ الأموال منهم، فبعث إليهم. فلمّا مثلوا أمامه، قال لهم: احملوا هذا المال إلى جعفر...، فقالوا له برجاء: أصلحَ اللهُ أميرَ المؤمنين، نحن قوم مستأجَرون، ووكلاء لأرباب هذه الأموال، وأمرونا أن لا نسلّمها إلّا بعلامة ودلالة، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمّد الحسن بن عليّ...، فسارع الخليفة قائلاً: فما كانت العلامة مع أبي محمّد؟... فراحوا يخبرونه عنها قائلين: إنّه كان يصف لنا الدنانير وأصحابَها، والأموالَ وكم هي، فإذا فعل ذلك سلّمناها إليه. وقد وفدنا إليه مراراً، فكانت هذه علامتنا معه، وقد مات، فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر، فليقم لنا بما كان يقيمه لنا أخوه، وإلّا رددناها على أصحابها...، فتميّز جعفر غضباً وقال للخليفة: يا أمير المؤمنين، إنّ هؤلاء قوم كذّابون على أخي، وهذا علم الغيب. فلم يعتنِ الخليفة به، واستجاب للوفد، وقال لجعفر: القوم رسل، وما على الرسول إلّا البلاغ المبين.
وأُسقط في يد جعفر، والتفت الوفد إلى الخليفة، طالبين منه الحماية حتّى يخرجوا من سامرّاء، فبعث معهم نقيباً من الشرطة لحراستهم(٩٥).
ثانياً: لقاء القمّيّين بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
لمّا خرج وفد القمّيّين من المدينة، طلع عليهم شابّ حسن الوجه، فصاح بأسمائهم واحداً بعد واحد، وقال لهم: أجيبوا مولاكم. فقالوا: أنت مولانا؟ فقال: معاذ الله، أنا عبد مولاكم، فسيروا إليه.
فساروا معه، وقد مُلئت نفوسهم سروراً، فأتوا إلى دار الإمام (عليه السلام)، وكان جالساً على سرير، كأنّ وجهه الشريف فلقة قمر، وعليه ثياب خضر، فسلّموا عليه. ولما استقرّ بهم المجلس، بادر الإمام فأخبرهم بكمّيّة المال، وبأسماء المرسِلين له، وعرّفهم برجالهم، وما كان معهم من الدوابّ، ولم تبقَ بادرةٌ إلّا أخبرهم بها، فخرّوا لله ساجدين، لِما هداهم إلى معرفة الإمام (عليه السلام). ثمّ سألوه عن بعض الأحكام الشرعيّة، فأجابهم عنها، فسلّموه الأموال، وأمرهم أن لا يحملوا شيئاً من الأموال إلى سامرّاء، وأنّه يَنصب لهم وكيلاً في بغداد يحملون الأموال إليه، وتخرج بوساطته التوقيعات. كما دفع الإمام (عليه السلام) إلى أبي العبّاس محمّد بن جعفر القمّيّ الحِمْيريّ شيئاً من الحنوط والكفن، وقال له: عظّم الله أجرك في نفسك. ولمّا بلغوا عقبة همدان، توفّي أبو العبّاس"(٩٦).
موقف جعفر من الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وإمامتهِ:
يتلخّص موقف جعفر في جملة من الأمور، هي:
١- ادّعاؤه الإمامة بعد أخيه الحسن العسكريّ (عليه السلام)، فقد استخدم وسائل عدّة في سبيل ذلك، منها محاولته الصلاة على أخيه، وتوسّطه عند الخليفة، ليجعله في مرتبة أخيه في الزعامة، غير أنّ المعتمد نهره، وقال له: تلك منزلة خاصّة ليس لي فيها يد. وقال له المعتمد: "اعلم أنّ منزلة أخيك لم تكن منّا، وإنّما كانت من الله عزّ وجلّ ونحن قد جهدنا في حطّ منزلته والوضع منها، ولكنّ الله عزّ وجلّ يأبى إلّا أن يزيده كلَّ يوم رفعة. فإن كنتَ عند شيعة أخيك بمنزلته، فلا حاجة لك إلينا، وإن لم تكن بمنزلته، ولم يكن فيك ما كان في أخيك، لم نغنِ عنك شيئاً"(٩٧).
٢- ادّعاؤه عدم وجود وريث شرعيّ للإمام العسكريّ (عليه السلام)، وأنّه يستحق التركة، ومن ثمّ استيلاءَه عليها بإذن من السلطات الحاكمة.
٣- وشايته بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لدى السلطات، ممّا جعل السلطة تبدأ سلسلة من المطاردات والاعتقالات، ولم تعثر إلّا على أُمّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فتحتجزها عامين.
لماذا ادّعى جعفر الإمامة؟
من خلال تتبّع الأحداث بعد استشهاد الإمام العسكريّ (عليه السلام)، نجد أن جملة من العوامل دفعت جعفراً لادعاء الإمامة:
١- عدم وجود وريث ظاهر يطالب بحقّه بين الناس.
٢- ما أُحيط به ميلاد الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من كتمان وسرّيّة، وعدم الإعلان عنه إلّا في نطاق ضيّق، وبين بعض خواصّ الإمام (عليه السلام) وثقاته.
٣- استقبال جعفر للمعزّين بوفاة الإمام العسكريّ (عليه السلام)، وتصوّر المعزّين بأنّه وريث الإمام العسكريّ (عليه السلام).
٤- دعم السلطة لجعفر، ومخالفتها للإمام العسكريّ (عليه السلام)(٩٨).
لماذا فشل جعفر؟
إنّ العوامل السابقة التي دفعت جعفراً إلى التصدّي للإمامة، لم تساهم في نجاحه، لأسباب هي:
١- ما اشتهر به من سلوك غير مرضيّ، وتحذيرُ الإمام الهادي (عليه السلام) شيعتَه منه ومن مخالطته، لذا لم تجد دعواه صدى لدى شيعة الإمام (عليه السلام) وقواعده الشعبيّة الموالية.
٢- وإن كانت فكرة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مجمَلة في الأذهان، نجد أنّ ما قام به الإمام العسكريّ - من تخطيط تجاه إمامة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وولادته ووجوده، ومن الإعلان الخاصّ عن ولادته وعرضه على جماعته وخواصّه، فضلاً عن تواتر الروايات عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة في صفاته ونسبه - كانت نتائجه إبعاد شبهة الإمامة عن جعفر.
موقف الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من مخطَّط ادّعاء جعفر للإمامة:
من خلال تتبّع الأحداث بعد استشهاد الإمام العسكريّ (عليه السلام)، نجد أنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قد تصدّى لفضح مخطَّط جعفر وادعائه الإمامة. ويتلخّص موقف الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في نقاط عدّة أهمّها:
١- مبادرة الإمام (عليه السلام) لمنعه من الصلاة، وإبعاده عن جثمان أبيه أمام جماعة كثيرة منهم السفير الأوّل له والخادم عقيد، ومن ثمّ صلّى الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) داخل البيت على جثمان والده (عليه السلام)، مع ملاحظة أنّ جعفراً تأخّر عن الصلاة، ولم يُظهِر أيَّ ممانَعة في ترك الصلاة على جثمان أخيه(٩٩).
٢- البيان الذي أصدره الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) حول نفي إمامة عمّه، وتأكيده على بطلانها، حيث إنّ جعفراً قد كتب إلى بعض موالي الإمام (عليه السلام) يدعوهم إلى نفسه، وأنّه يقوم مقام أخيه. وحين وصل الكتاب حصلَ استبعاد، حيث دعاه إلى أن يسأل أحمد بن إسحاق الأشعريّ عن حقيقة هذه الرسالة، وهو من أخصّ أصحاب الإمام العسكريّ (عليه السلام)، وهو معروف لدى مواليه، فبادر أحمد بن إسحاق بالكتابة إلى الإمام الحجّة (عليه السلام) عن طريق النائب الخاصّ عثمان بن سعيد، إذ جعل كتاب جعفر في ضمن كتابه ليطَّلع عليه الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فجاء جواب الإمام (عليه السلام) إلى أحمد بن إسحاق ذا لهجة شديدة، مستنكراً أشدّ الاستنكار، ومتحدِّثاً لجعفر في إثبات الإمامة أقوى التحدّي. تضمّن كتاب الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) النقاط الآتية(١٠٠):
١- أشار إلى وجود أخطاء إملائيّة في كتاب جعفر.
٢- أكّد الإمام (عليه السلام) على اصطفاء الله سبحانه للأئمّة من آل البيت دون سواهم من إخوتهم أو بني عمومتهم، وميّزهم بالعصمة والصفات التي لا تتوافر في غيرهم.
٣- نفى الإمام (عليه السلام) أن يكون جعفر هذا عالماً بالحلال والحرام، وإنّما يزعم ذلك طلباً لمصلحته ومنفعته.
٤- طلب الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من أحمد بن إسحاق أن يمتحنه ويسأله عن آية من كتاب الله يفسّرها، أو صلاة يبيّن حدودها وما يجب فيها، ليتّضح بطلان ادّعائه وعدم أعلميّته.
٥- أكّد على عدم اجتماع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)، وختم الإمام (عليه السلام) كتابه بالدعاء لله سبحانه بحفظ الحقّ على أهله، ويقول: "إذا أذن الله لنا في القول، ظهر الحقّ، واضمحلّ الباطل، وانحسر عنكم"(١٠١).
وممّا زاد في خيبة جعفر في دعواه، أنّ السلطة بما تملك من سلطان وقوّة، عجزت عن دعمه في ادّعائه الإمامةَ، بل أقرّ الخليفة أنّ هذه المنزلة - الإمامة - من الله، وليس للخليفة يد فيها، كما مرّ سابقاً.
ولذا، نرى أنّ الوزير يستهين بجعفر، ويزجره ويُسمعه ما يكره، فيقول له: "يا أحمق، السلطان - أطال الله بقاءه - جرّد سيفه في الذين زعموا أنّك وأخاك إمامان ليردّهم عن ذلك، فلم يتهيّأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً، فلا حاجة لك إلى سلطان يرتّبك مراتبهم، ولا إلى غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تُنصب بنا". ثمّ إنّ الوزير استقلّه واستضعفه، وأمر أن يُجَبَّ عنه، فلم يأذن له في الدخول عليه حتّى مات(١٠٢).
ولمّا ذهب إلى المعتمد من أجل طلب مساعدته في ذلك، كان ردّه مثلما أجابه الوزير، وقال له: "ما لم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغنِ عنك في ذلك شيئاً"(١٠٣).
الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يصلّي على أبيه الإمام العسكريّ (عليه السلام):
وكان مِن أولى المهمّات التي قام بها الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بُعَيْد تسلّمه مهامّ الإمامة، هي الصلاة على أبيه الحسن العسكريّ (عليهما السلام) في داره، وقبل إخراج جسده الطاهر إلى الصلاة (الرسميّة) التي خطّطت لها السلطات العبّاسيّة.
روى الشيخ الصدوق عن أبي الأديان أنه قال: قال له الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام): "من يصلّي عليّ فهو القائم بعدي"، ثمّ يقول أبو الأديان: فلمّا صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن عليّ (عليه السلام) على نعشه مكفَّنا، فتقدّم جعفر بن عليّ ليصلّي على أخيه، فلمّا هَمَّ بالتكبير خرج صبيٌّ بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجذب برداء جعفر بن عليّ، وقال: "تأخّر يا عمّ، فأنا أحقّ بالصلاة على أبي"، فتأخّر جعفر، وقد أربدَّ وجهه واصفرّ، فتقدّم الصبيّ وصلّى عليه، ودفن الإمام إلى جانب قبر أبيه (عليهما السلام) "(١٠٤). وقد ذكر الشيخ الطوسيّ قضيّة صلاته على أبيه، وأنه قد كان في الدار تسعة وثلاثون رجلاً قعوداً ينتظرون انتهاء مراسم دفن الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)(١٠٥).
وكان قيامه بهذه الصلاة يُعتبر أمراً مهمّاً في إثبات إمامته، على الرغم من المخاطر المتوقَّعة بعد انتشار خبر هذه الصلاة وظهور المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) على الملأ، وقد حقّق قيام الإمام بالصلاة على أبيه (عليهما السلام) أمرين مهمّين:
الأوّل: إثبات وجوده الشريف، وأنّه قد وُلد، وأنّه الإمام بعد أبيه العسكريّ (عليه السلام)، فقد رآه عدد كبير كان موجوداً في المنزل، وبطبيعة الأحوال سوف ينقل أولئك الحاضرون هذا الخبر، وهذا ما سوف يؤثّر في القواعد الشعبيّة للإمام (عليه السلام).
الثاني: منع عمّه جعفر من استغلال هذا الموقف المهمّ للحصول على ورقة مؤثّرة في أذهان الناس تؤيّد دعاويه التضليليّة بأنّه هو الإمام بعد أخيه العسكريّ (عليه السلام). وتتّضح أهمّيّة هذا الإنجاز وضرورته من ملاحظة الجهود المستميتة التي بذلها جعفر بتشجيع من السلطة العبّاسيّة لإقناع الناس بأنّه خليفة أخيه العسكريّ (عليه السلام) والقائم مقامه في الإمامة. وقد بلغت استماتته في ذلك حدّ الوشاية بابن أخيه المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ومسارعته لإخبار المعتمد العبّاسيّ بحضوره للصلاة بهدف القبض عليه، واستنجاده بالبلاط العبّاسيّ لمناصرته في جهوده هذه.
وواضح أنّ لمثل هذا النشاط المحموم تأثيراً سلبيّاً كبيراً في إضلال الناس وإبعادهم عن الإمام الحقّ، خاصّة مع الخفاء الذي كان قد أحاط بولادة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وكتمان أمره إلّا عن خواصّ أصحابه، فكان لا بدّ للإمام (عليه السلام) من مواجهته، وعدم السماح له باستغلال ذلك الموقف الحسّاس لجهوده التضليليّة تلك، وإعلان وجوده (عليه السلام) إكمالاً للحجّة، على الرغم من المخاطر التي حفّت بالقيام بهذه المهمّة(١٠٦).
ويظهر من الروايات أنّ مداهمة دار الإمام العسكريّ (عليه السلام) حصلت مرّات عدّة، فقد حصلت قبل الصلاة على الإمام العسكريّ (عليه السلام)، وبعد الصلاة، حيث جرى القبض على صقيل الجارية، وكلّ ذلك للتفتيش عن المولود الذي وُلد للإمام العسكريّ (عليه السلام). إلّا أنّ تصرّف صقيل بالتعمية على السلطة بأنها حامل، ولم يولد لها ابن، ثمّ حركة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالاختفاء مباشرة ضيّع على السلطة الهدف، وفشّل مخطّط جعفر(١٠٧).
متى بدأت الغيبة الصغرى؟
هناك ثلاث نظريّات حول بداية الغيبة الصغرى:
النظريّة الأولى:
بدأت الغيبة الصغرى بمولده (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حيث كان مولده مبنيّاً على الكتمان، فكان الإمام (عليه السلام) غائباً منذ ذلك الحين وإلى أن يظهر للعيان بشكل علنيّ، أي من زمان ولادته إلى انقطاع السفارة الخاصّة، وتكون أربعاً وسبعين سنة"(١٠٨).
قد يقال: إنّ الإمام من مولده إلى وفاة أبيه الإمام العسكريّ (عليه السلام) شهيداً، في هذه الفترة لم تكن الإمامة له، وهذا خارج عن موضوع الغيبة التي نتحدّث عنها، فالحديث عن غيبته في فترة إمامته.
لكنّ هذا الأمر سهل، لأنّ الفرض من الغيبة مطلق الغيبة، سواء غيبته في عصر إمامة أبيه (عليه السلام)، أو غيبته في عصر إمامته، الغرض ملفّق من هذا وذاك، بحيث يكون المجموع هذه الفترةَ من مولده (عليه السلام) إلى هذا المبدأ من مولده (عليه السلام) إلى وفاة آخر نائب من النوّاب الأربعة، وهو أبو الحسن عليّ بن محمّد السمريّ (قدّس سرّه) سنة ثلاثمّائة وتسع وعشرين، فإذا بدأنا سنة مائتين وخمس وخمسين، سنة مولد الإمام (عليه السلام)، إلى سنة ثلاثمّائة وتسعٍ وعشرين، فيكون مجموع الغيبة الصغرى قرابة أربعٍ وسبعين سنة، هذا التحديد طبق النظريّة التي ذهب إليها الشيخ المفيد (قدّس سرّه).
والمناقشة في هذه النظريّة من جهة: أنّ ظاهر جملة من الروايات أنّ الإمام (عليه السلام) لم يكن غائباً بالمعنى المتعارف منذ ولادته. نعم، كان محفوظاً إلّا عن الخاصّة، وكان هناك تكتّم على لقائه إجمالاً. كانت هناك محدوديّة في قضيّة رؤيته. أمّا غيبة، بتمام المعنى وبالمعنى الذي نفهمه بحسب الظاهر، فلم تشرع من مولده. والدليل ما ذكرناه من جملة من الروايات: أنّ الإمام (عليه السلام) كان يأتي إليه جماعات من أصحابه فيطلعهم عليه، فالغيبة إذاً لم تبدأ من حين مولده.
النظريّة الثانية:
الغيبة بدأت منذ شهادة والده الإمام العسكريّ (عليه السلام)، وبالضبط بعد صلاته على جنازة الإمام العسكريّ (عليه السلام)(١٠٩).
النظريّة الثالثة:
إنّ غيبته قد بدأت بعد مولده (عليه السلام) بفترة، بدأت الغيبة، وأعلن عن غيبته (عليه السلام) والدُه الإمام العسكريّ (عليه السلام).
وفي هذا عناية بالغة في واقع الأمر، لأنّ الإمام (عليه السلام) إمام حاضر، فحينما ينبّئ عن غيبة ابنه الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يكون سكون النفوس إلى ذلك أكثر، بعكس ما لو غاب الإمام (عليه السلام) فجأة من دون سبق إنذار. فالإمام العسكريّ (عليه السلام) حينما عرضه على من حضر عنده من شيعته، قال: "هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم.
ألا إنّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتّى يتمّ له عمر، فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم، والأمر إليه..."(١١٠)، إلى أن يذكر مسألة ظهوره في آخر الزمان(١١١).
المفاهيم الرئيسة:
١- كان جعفر بن الإمام الهادي (عليه السلام) يخطّط لنيل الإمامة ووراثة الإمام العسكريّ (عليه السلام) بادّعائه أنّ الإمام العسكريّ (عليه السلام) لم يخلّف، وليس له وريث غيره، لذا فإنّه سعى بكلّ وسيلة لنيل ذلك.
٢- أوّل ظهور جعفر كان عُقيب وفاة الإمام العسكريّ (عليه السلام)، حيث كان يستقبل المعزّين بوفاته والمهنّئين له بالإمامة، وحاول أن يؤدّي الصلاة على الإمام العسكريّ (عليه السلام)، ولكن منعه الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وصلّى على أبيه بمشهد من خواصّه ووكيله الأوّل عثمان بن سعيد وخادم الإمام العسكريّ (عليه السلام).
٣- ادّعى جعفر الإمامة، وذلك لأسباب عدّة منها: عدم وجود وريث ظاهر يطالب بحقّه بين الناس، ما أُحيط به ميلاد الإمام المهديّ، دعم السلطة لجعفر.
٤- كان موقف الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من مخطّط ادّعاء جعفر الإمامة، موقفاً صلباً وقويّاً، وكان هذا الموقف يقوم على خطوات عدّة لمواجهة هذه الحركة التي تؤثّر في الشيعة.
٥- إنّ أولى المهمّات التي قام بها الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بُعَيْد تسلّمه مهامّ الإمامة، هي الصلاة على أبيه الحسن العسكريّ (عليه السلام)، وقد حقّق قيام الإمام بالصلاة على أبيه أمرين مهمّين: الأوّل: إثبات وجوده الشريف، والثاني: منع عمّه جعفر من استغلال هذا الموقف المهمّ للحصول على ورقة مؤثّرة في أذهان الناس تؤيّد دعاويه التضليليّة بادّعاء الإمامة.
٦- يوجد ثلاث نظريّات حول بداية الغيبة الصغرى: الأولى: بدأت الغيبة الصغرى بمولده، والنظريّة الثانية: الغيبة بدأت منذ شهادة والده الإمام العسكريّ، وبالضبط بعد صلاته على جنازة الإمام العسكريّ، والنظريّة الثالثة: إنّ غيبته قد بدأت بعد مولده بفترة، بدأت الغيبة وأعلن عن غيبته والدُه الإمام العسكريّ (عليه السلام).

الدرس الخامس: السفراء الأربعة للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يتعرّف إلى شخصيّات السفراء الأربعة، وأعمالهم وأنشطتهم.
٢- يتمكّن من الاستدلال على انقطاع السفارة الخاصّة.
٣- يتعرّف إلى مفهوم توقيعات الناحية المقدَّسة.
تمهيد:
إنّ اتّصال الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، في الغيبة الصغرى، كان يحصل بالغالب بقواعده الشعبيّة عبر السفراء الأربعة، ولذا فإنّ هؤلاء العظماء شكّلوا ميزة رئيسة لتلك الفترة الحسّاسة التي مرّت على الفكر والكيان الشيعيّ. وكان اتّصالهم بالإمام ورفعُ الحاجات والأسئلة إليه يجري بغاية التكتّم والسرّيّة، وكانت الأجوبة عن أسئلتهم المختلفة تصلهم من خلال الإمام عبر ما أطلق عليه: "توقيعات الناحية المقدَّسة".
سيرة حياة السفراء الأربعة:
١- سيرة حياة السفير الأوّل:
جاء في موسوعة طبقات الفقهاء(١١٢): "عثمان بن سعيد بن عمرو العَمريّ الأسديّ، أبو عمرو السمّان العسكريّ، أوّل السفراء الأربعة، أدرك الإمام أبا الحسن الهادي (عليه السلام)، وقيل: خدَمَهُ ولهُ إحدى عشرة سنة، ثمّ لقي بعده الإمام أبا محمّد العسكريّ (عليه السلام)، وسمع منهما الحديث(١١٣)، وتوكَّل لهما، وكان ذا منزلةٍ رفيعة عندهما. وكذا أدرك الإمام المهديّ المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وتولَّى السفارة له زمناً قصيراً(١١٤)، وكان جليلًا عظيم الشأن. وردت روايات كثيرة في مدحه والثناء عليه، منها ما رواه الشيخ الطوسيّ بسنده إلى أبي علي أحمد بن إسحاق، عن الإمام أبي محمّد العسكريّ (عليه السلام)، حيث سأله: مَنْ أُعامل، وعمّن آخذ، وقول مَنْ أقبل؟ قال (عليه السلام): "العَمْريّ وابنُه ثقتان، فما أدّيا فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنّهما الثقتان المأمونان"(١١٥). تُوفِّيّ في حدود سنة خمس وستّين ومائتين، ودُفن في الجانب الغربيّ من مدينة بغداد، وقبره هناك إلى الآن. وله من الأوّلاد: محمّد، وهو السفير الثاني، وأحمد(١١٦).
ولم يرد في المصادر التاريخيّة تحديد عام ولادته، وإنّما يرد اسمه أوّل ما يرد كوكيل خاصّ للإمام الهادي(١١٧) (عليه السلام). وكان يستوثقه ويمدحه بمثل قوله: "هذا أبو عمرو، الثقة الأمين. ما قاله لكم فعنّي يقول، وما أدّاه إليكم فعنّي يؤدّيه"(١١٨).
وهذا النصّ بنفسه يدلّ على سنخ النشاط الذي كان يقوم به أبو عمرو، وهو نقل المال والمقال من الإمام الهادي (عليه السلام) وإليه. فكان يمثّل، مع جماعة آخرين، دور الوساطة بينه وبين قواعده الشعبيّة، في الفترة التي عرفنا أنّ الإمام (عليه السلام) بدأ بتطبيق مسلك الاحتجاب عن مواليه، تعويداً لهم على الغيبة التي سوف يواجهونها في حفيده المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
ويبقى أبو عمرو مضطلعاً بمهامّ السفارة، قائماً بها خير قيام، إلى أن يوافيه الأجل، فيقوم ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان بتغسيله وتجهيزه(١١٩). ودُفن في الجانب الغربيّ من بغداد، في شارع الميدان، في أوّل الموضع المعروف بدرب جبلة في مسجد الدرب، يمنة الداخل إليه، والقبر في قبلة المسجد نفسها(١٢٠).
٢- سيرة حياة السفير الثاني:
هو الشيخ الجليل محمّد بن عثمان بن سعيد العَمْريّ الأسديّ، المُكنَّى بأبي جعفر العسكريّ. أثنى الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عليه وعلى والده. له كُتب مصنّفة في الفقه ممّا سمعه من الإمام الحسن بن عليّ العسكريّ (عليه السلام)، والإمام المهديّ المُنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). تُوفّي سنة: ٣٠٥، أو ٣٠٤ هجريّة(١٢١). تولَّى السفارة بعد أبيه، بنصّ من الإمام العسكريّ (عليه السلام)، حيث قال (عليه السلام) لوفد اليمن: "واشهدوا عليّ، أنّ عثمان بن سعيد وكيلي، وأنّ ابنه محمّد وكيل ابني مهديِّكم"(١٢٢). وبنصّ أبيه على سفارته بأمر من المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) كما تقدّم.
تولَّى السفارة زمناً طويلاً، وحدّدها السيّد هاشم معروف الحسنيّ بأربعين سنة(١٢٣)، وكان يعلم بوقت وفاته، وقد أخبره بذلك الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فأعدَّ لنفسه قبراً، وكان ينزل إليه ويقرأ فيه القرآن، ويقع قبره اليوم في ساحة الخلانيّ ببغداد.
وقيل: بقي مضطلعاً بمسؤوليّة السفارة نحواً من خمسين سنة(١٢٤)، حتّى لقي ربّه العظيم في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثمّائة(١٢٥) أو أربع وثلاثمّائة(١٢٦).
٣- سيرة حياة السفير الثالث:
الحسين بن روح النوبختيّ، ويُكنَّى بأبي القاسم، ويُلقَّب بالبغداديّ. كان فقيهاً مفتياً بليغاً فصيحاً، وافر الحرمة (المَهَابَة)، كثير الجلالة، ذا عقل وكياسة، فحفّ به الشيعة، وعوّلوا عليه في أُمورهم، وحملوا إليه الأموال، وكثرت غاشيته، حتّى كان الأمراء والوزراء والأعيان يركبون إليه، وتواصف الناس عقله وفهمه(١٢٧).
تولَّى السفارة من سنة ٣٠٤ أو ٣٠٥ هجريّة، أي حال وفاة أبي جعفر العمريّ السفير الثاني، حتّى وفاته في شعبان سنة ٣٢٦ هجريّة، أي أكثر من عشرين سنة، ودُفن في النوبختيّه التي كانت داراً لعليّ بن أحمد النوبختيّ في بغداد(١٢٨).
وكان مسلك السفير الثالث بالغ الالتزام بالتقيّة المضاعفة، بنحو لافت للنظر، بإظهار الاعتقاد بمذهب أهل السنّة من المسلمين. يحفظ بذلك مصالح كبيرة، ويجلب بها قلوب الكثيرين. حتّى إنّنا نسمع أنّه يدخل عليه عشرة أشخاص، تسعة يلعنونه وواحد يشكّك، فيخرجون منه تسعة منهم يتقرّبون إلى الله بمحبّته، وواحد واقف. يقول الراوي: "لأنّه كان يجارينا من فضل الصحابة ما رويناه وما لم نروه، فنكتبه نحن عنه (رضي الله عنه)"(١٢٩). وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على سعة اطّلاعه وتوجيهه على هذا المسلك من قبل الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وقد تولّى (رضي الله عنه) أيّام سفارته الحملةَ الرئيسة ضدّ ظاهرة الانحراف عن الخطّ، وادّعاء السفارة زوراً، بتبليغ القواعد الشعبيّة توجيهات المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في ذلك، وشجبه ظاهرة الانحراف عن الخطّ.
٤- سيرة حياة السفير الرابع:
هو الشيخ الجليل أبو الحسن عليّ بن محمّد السَّمَريّ(١٣٠)، المُكنَّى بأبي الحسن، والمُلقّب بالبغداديّ. وقيل السيمريّ أو الصيمريّ. والمشهور جدّاً هو الأوّل، أي السمريّ، مضبوطاً بفتح السين والميم معاً. والآخران مضبوطان بفتح أوّلهما وسكون الياء وفتح الميم، وربّما قيل بالضمّ أيضاً.
لم يُذكر عام ميلاده، ولا تاريخ فجر حياته، وإنّما ذُكر أوّلاً كواحد من أصحاب الإمام العسكريّ (عليه السلام)(١٣١).
وهو آخر السفراء الأربعة، تولَّى السفارة حال وفاة السفير الثالث الحسين بن روح النوبختيّ، أي سنة ٣٢٦ هجريّة حتّى وفاته سنة ٣٢٩. دفن في الشارع المسمّى بشارع الخلنجيّ القريب من شاطىء نهر أبي عقاب، ومزاره الآن معروف في بغداد.
ولم ينفتح للسمريّ، خلال هذا الزمان القصير، بالنسبة إلى أسلافه، القيام بفعاليّات موسّعة كالتي قاموا بها، ولم يستطع أن يكتسب ذلك العمق والرسوخ في القواعد الشعبيّة كالذي اكتسبوه، وإن كان الاعتقاد بجلالته ووثاقته كالاعتقاد بهم(١٣٢).
التوقيعات من الناحية المقدَّسة:
يقسّم البحث في التوقيعات الصادرة عن الناحية المقدّسة إلى عناوين عدّة، منها:
١- معنى التوقيع:
يُطلق التوقيع في لسان روايتنا، طِبقاً للعرف السائد آنئذٍ، على الكلمات القصار التي تمليها أقلام الكبراء في ذيل الرسائل والعرائض ونحوها، لأجل جواب السؤال الذي تتضمّنه، أو حلّ المشكلة التي تحتويها، أو التعبير عن وجهة نظر معيّنة فيها.
إذاً، فتوقيعات الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ما كان يذكره (عليه السلام) بخطّه في جواب الأسئلة والعرائض بوساطة سفرائه من الكلمات القصار، في مختلف ميادين المعرفة، من الناحية العقائديّة أو الفقهيّة أو الاجتماعيّة أو غيرها.
٢- عدم احتياج التوقيع إلى سؤال:
لم تكن التوقيعات الصادرة عنه (عليه السلام) مقتصِرة على الجواب عن الأسئلة فقط، وإن كان الأغلب هو ذلك، بل كانت التوقيعات والبيانات المهدويّة، تتّخذ أحياناً شكل بيان ابتدائيّ يطول ويقصر حين تقتضي المصلحة ذلك، من دون سؤال يقتضيه ويتطلّبه. ومن أمثلته التوقيعُ الذي أصدره (عليه السلام) مترحّماً على سفيره الأوّل، والبيانَ الذي أعلم فيه انتهاء السفارة بموت السفير الرابع.
٣- مدّة خروج التوقيع:
يحتاج خروج التوقيع، جواباً عن سؤال معيّن، إلى نحو اليومين أو الثلاثة... كما هو ظاهر في عدد من الروايات.
كقول الراوي في إحداها: "فلمّا كان بعد أيّام، قال لي صاحبي: ألا نعود إلى أبي جعفر فنسأله عن حوائجنا التي كنّا سألناه"(١٣٣)، وقوله في رواية أخرى: "ثمّ أخبرني - أي السفير أخبره بالجواب - بعد ذلك بثلاثة أيّام(١٣٤).
كما أنّ الجواب يأتي شفويّاً، يبلّغه السفير نفسه، كقول ابن روح لبعضهم: "إنّكم أُمرتم بالخروج إلى الحائر"(١٣٥).
وقد لا يرد الردّ من السؤال أصلاً، لبعض المصالح التي يراها المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وقد تكرّر ذلك في موارد عدّة، مثاله: ذلك الراوي الذي سأل الإمام (عليه السلام) أن يدعو له أن يُرزق ولداً ذكراً، فقال: "فلم يجبني إليه"(١٣٦)، لأنّه يعلم بعدم كونه من الرزق المقسوم.
وفي خلال هذه المدّة يمكن افتراض أنّ السفير حصل على الجواب حصولاً اعتياديّاً، غير إعجازيّ. فقد كان السفير عادة يحمل أسئلة في ورقة واحدة، كما يظهر في عدد من الروايات(١٣٧)، ويرد الجواب عنها دفعة واحدة في درج واحد.
ومن هنا، يمكننا أن نتصوّر - اعتياديّاً - أنّ السفير في هذه المدّة يحمل الأسئلة معه إلى الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإنّه المطّلع الوحيد على مكانه، فيقابله فيه، ويعرض عليه الأسئلة، فيقرأها الإمام، ثمّ يجيب عنها واحداً واحداً، إن شاء كتابةً، وإن شاء شفويّاً. وإن شاء لم يجب، بحسب ما يرى من المصالح التي يتوخّاها.
أدلّة انقطاع السفارة الخاصّة:
تتّفق كلمة علماء الشيعة الإماميّة على انقطاع "النيابة الخاصّة"، أي السفارة للمعصوم (عليه السلام) بعد الغيبة الصغرى، وأنّ جلّ ما يمثّله علماء الإماميّة في عصر الغيبة الكبرى هو "النيابة العامّة" للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وثمّة أدلّة كثيرة لإثبات انقطاع النيابة، لا داعي لذكرها بالتفصيل، ولكن نشير إلى بعضها إجمالاً، ومن الأدلّة على ذلك:
١- الدليل الأوّل: التوقيع المبارك:
التوقيع المبارك الصادر عن الناحية المقدّسة منه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) على يد النائب الرابع عليّ بن محمّد السمريّ قبل وفاة النائب بستّة أيّام.
٢- الدليل الثاني: وقوع الغيبتين:
الروايات المتواترة التي مفادها وقوع غيبتين للإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهذه الروايات قد رويت عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعن بقيّة الأئمّة (عليهم السلام)، كما تقدَّم بعضها، وإنّ أقوى الأدلّة على صحّة هذه الروايات حول تحقّقها ووقوعها، فإنّ الغيبة الصغرى كان فيها السفراء الأربعة منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان، وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيّامها وتصرّمت مدّتها، والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط للأمر، ولم يعين الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أحداً فيما بينه وبين الناس.
ودلالة تثنية الغيبة، على اختلاف الغيبتين القصيرة عن الطويلة، بيّنة واضحة، وإلّا لكانت معاً غيبة واحدة لا غيبتين، واختلاف الغيبتين ليس إلّا بوجود السفراء والنوّاب الأربعة في الأولى دون الثانية(١٣٨).
٣- الدليل الثالث: الروايات المستفيضة الآمرة بالانتظار:
الروايات المستفيضة الآمرة بالانتظار وبالصبر والمرابطة، وعدم الانزلاق مع كلّ منادٍ لشعار إقامة الحقّ والعدل، وكذلك بروايات التمحيص والامتحان، ومقتضاها انقطاع السفارة والاتّصال، ومنها:
ما روي عن عبد الرحمن بن كثير، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) يوماً وعنده مهزم الأسديّ، فقال: جعلني الله فداك، متى هذا الأمر الذي تنتظرونه، فقد طال علينا؟ فقال: "يا مهزم، كذّب المتمنّون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلِّمون، وإلينا يصيرون"(١٣٩).
وروى عن أبي المرهف أيضاً، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "هلكت المحاضير، قال: قلت: وما المحاضير؟ قال: المستعجلون، ونجا المقرّون"(١٤٠). ومفادها ظاهراً وقوع المستعجلين لأمر ظهوره (عليه السلام) في الهلكة والضلال، وكذلك الذين يعيشون عالم التمنّي لتوقيت ظهوره، ممّا يحدو بهم إلى العفويّة في الانسياق وراء كلّ ناعق. وهذه الحيرة والاضطراب ليست إلاّ للانقطاع وفقد الاتّصال، وهو مقتضى الصبر والانتظار والترقّب، لأنّه في مورد فقد الاتّصال وانقطاع الخبر وعدم وجود وسيلة للارتباط. وكذلك مفاد روايات التمحيص والامتحان بسبب شدّة المحنة في غيبته بفقد
واسطة الارتباط، فتزداد الريبة بوجوده، حتّى يرجع أكثر القائلين بإمامته عن هذا الاعتقاد، ولا سيّما مع كثرة الفتن والمحن والبلاء.
٤- الدليل الرابع: التسالم:
قيام الضرورة لدى الطائفة الإماميّة، وتسالمهم على انقطاع النيابة الخاصّة والسفارة، فهو من ضرورة المذهب. حتّى إنّ علماء الطائفة حكموا بضلال المدّعين للسفارة، ولعنهم والتبرّي منهم، والطرد لهم من الطائفة. وهذا الموقف تبعاً لما صدر من التوقيعات عن الناحية المقدّسة بعضهم حول بعض. وإليك بعض أقوالهم:
الأوّل: قال الشيخ سعد بن عبد الله الأشعريّ القمّيّ - وقد كان معاصراً للإمام العسكريّ (عليه السلام)، وكان شيخ الطائفة وفقيهها - في كتابه "المقالات والفِرق"، وقد بيّن لزوم الاعتقاد بغيبة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وانقطاع الارتباط به: "وقد رويت الأخبار الكثيرة الصحيحة أنّ القائم تَخفى على الناس ولادته، ويخمل ذكره، ولا يُعرف اسمه، ولا يُعلم مكانه حتّى يظهر، ويُؤتمّ به قبل قيامه.
ولا بدّ، مع هذا الذي ذكرناه ووصفنا استتاره، من أن يعلم أمره ثقاته وثقات أبيه وإن قلّوا... فهذه سبيل الإمامة، وهذا المنهاج الواضح، والغرض الواجب اللازم الذي لم يزل عليه الإجماع من الشيعة الإماميّة المهتدية، وعلى ذلك كان إجماعنا إلى يوم مضى الحسن بن عليّ (عليه السلام) "(١٤١). وقريباً من هذه العبارة ذكر متكلّم الطائفة وفيلسوفها الحسن بن موسى النوبختيّ(١٤٢).
الثاني: حكى الشيخ الطوسيّ في كتاب الغيبة، عن الشيخ أبي القاسم بن محمّد بن قولويه - صاحب كتاب كامل الزيارات -: "إنّ عندنا أنّ كلّ من ادّعى الأمر بعد السمريّ - وهو النائب الرابع - فهو كافر منمسّ، ضالّ مضلّ"(١٤٣).
الثالث: الشيخ الصدوق في كتابه (كمال الدين)، في الباب الثاني والأربعين - ما روي في ميلاد القائم -، وبعد ما ذكر نوّابه الأربعة، قال: "فالغيبة التامّة هي التي وقعت بعد مضيّ السمريّ (رضي الله عنه)"(١٤٤).
ثمّ روى في الباب اللاحق توقيع الناحية بانقطاع السفارة والنيابة الخاصّة. وقد صرّح في أوّل كتابه أنّ الذي دعاه إلى تأليف الكتاب هو حيرة بعض الشيعة بسبب الغيبة، ووجدهم قد عدلوا عن طريق التسليم والتمسّك بالأخبار الواردة إلى الآراء والمقاييس.
وقد صرّح الشيخ النعمانيّ صاحب كتاب الغيبة في مواضع عدّة منه بانقطاع السفارة في الغيبة الكبرى، وقد تقدّم نبذة من كلماته واستدلاله بالروايات.
الرابع: قال الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد في باب ذكر القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف): "وله قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الأخرى، كما جاءت بذلك الأخبار. فأمّا القصرى منهما فمنذ وقت
مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، وعدم السفراء بالوفاة. وأمّا الطولى فهي بعد الأولى، وفي آخرها يقوم بالسيف"(١٤٥). ونظير هذا التعبير صرّح به الشيخ الطوسيّ في الغيبة(١٤٦).
وقد تضافرت كلمات علماء الإماميّة في كتبهم ممّا يجدها المتتبّع في مظانّها. وهذه الضرورة القائمة عند الطائفة الإماميّة توالت عليها أجيالها قرناً بعد قرن، ودأبت الطائفة في إقصاء وطرد جماعات الانحراف أدعياء السفارة كلّما ظهر لهم راية.
هذا، ومقتضى الأدلّة السابقة هو بطلان مدّعي النيابة الخاصّة ومدّعي السفارة، ومن يزعم أيّ صفة رسميّة خاصّة للتمثيل عن الإمام المنتظر (عليه السلام) إلى سماع النداء والصيحة من السماء، واستيلاء السفيانيّ على الشام(١٤٧).
المفاهيم الرئيسة:
١- كان للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في غيبته أربعة سفراء، وهم: عثمان بن سعيد العمريّ، ومحمّد بن عثمان بن سعيد، والحسين بن روح النوبختيّ، وعليّ بن محمّد السَّمَري. وكان الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) والإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قد عيّنا السفير الأوّل والثاني، ثمّ عيّن الإمام المهديّ السفير الثالث والرابع. وقد اضطلع هؤلاء السفراء بكلّ مهامّ السفارة للإمام، وكانوا من خيرة الأصحاب، وأصحاب صدق وأمانة وتقى.
٢- توقيعات الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هي ما كان يذكره بخطّه، في جواب الأسئلة والعرائض بوساطة سفرائه، من الكلمات القصار في مختلف ميادين المعرفة.
٣- لم تكن التوقيعات الصادرة عنه (عليه السلام) مقتصرة على الجواب عن الأسئلة فقط، بل منها ما كان ابتدائيّاً منه (عليه السلام)، وفي مختلف المجالات، بحسب ما تقتضيه المصلحة. وكانت مدّة الإجابة عن السؤال تستغرق أيّاماً عدّة في بعض الحالات، بحسب الظروف المحيطة بالسؤال، والمصلحة التي يراها الإمام (عليه السلام).
٤- تتّفق كلمة علماء الشيعة الإماميّة على انقطاع "النيابة الخاصّة"، أي السفارة للمعصوم (عليه السلام) بعد الغيبة الصغرى، وأنّ جلّ ما يمثّله علماء الإماميّة في عصر الغيبة الكبرى هو "النيابة العامّة" للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٥- ثمّة أدلّة كثيرة لإثبات انقطاع النيابة الخاصّة في عصر الغيبة الكبرى، ومن تلك الأدلّة: التوقيع الصادر عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) للسفير الرابع عليّ بن محمّد السمريّ، وقوع الغيبتين، الروايات المستفيضة الآمرة بالانتظار، التسالم بين علماء الشيعة.

الدرس السادس: السفارة (المهامّ الخصائص الإنجازات)

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يبيّن مميّزات وخصائص السفارة.
٢- يتعرّف إلى المهامّ الأساسيّة للسفارة.
٣- يلخّص إنجازات السفراء الأربعة.
تمهيد:
تعتبر فترة الغيبة الصغرى من أدقّ المراحل التي مرّت بها حركة الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)؛ وذلك لأنّ الإمامة وصلت إلى مرحلة انعطافيّة بضرورة خفاء شخص الإمام عن الناس وقواعده الشعبيّة الموالية بشكل كامل، وعدم رؤيته إلّا من قبل أشخاص محدَّدين.
فكانت قضيّة السفراء قد استقرّت وأثمرت في تلك الانعطافة، وقد تميّزت ببعض الخصائص والمميّزات العامّة التي أبرزتها بشكل واضح لكلّ المجتمع الإسلاميّ بشكل عامّ.
وكان للسفراء وظائف مهمّة وحسّاسة في عصر الغيبة الصغرى، انطلقوا للعمل بها طوال فترة الغيبة؛ من أجل الوصول إلى تحقيق الأهداف من الغيبة بشكل كامل. وقدَّم السفراء انجازات عظيمة خلال تلك الفترة جديرةً بالتقدير والاهتمام.
المميّزات والخصائص العامّة للسفارة:
من خلال التتبّع التاريخيّ لهذه الفترة، تتّضح لنا نقاط عدّة:
١- إنّ السفارة صُرفت عن العلويّين صرفاً تامّاً، وأُنيطت بغيرهم، وذلك بسبب أنّ التاريخ الذي عاشه العلويّون من حين ثورة الحسين (عليه السلام) إلى عصر الغيبة الصغرى، هو تاريخ الثورات والتمرّد، والاحتجاج على الظلم والطغيان، فكانت الصورة الأولى التي تحملها الدولة عن علويّ هو كونه موالياً للأئمّة (عليهم السلام) من ناحية، وثائراً على الظلم والفساد من ناحية أُخرى.
٢- كان الخطّ الذي يستعمله الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في توقيعاته وبياناته خطّاً موحّداً يعرفه الناس المتتبّعون لذلك، فهو لا يختلف باختلاف أشخاص السفراء واختلاف خطوطهم، ممّا يحصل القطع بصدوره عنه (عليه السلام). وقد استعمل الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الخطّ نفسه طيلة مدّة غيبته الصغرى، فقد كانت الأجوبة تخرج من ناحيته المقدّسة بالخطّ الذي يخرج في حياة أبيه الحسن العسكريّ (عليه السلام)(١٤٨).
٣- صدور التوقيعات عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والتوقيعات هي ما كان يذكره (عليه السلام) بخطّه في جواب الأسئلة والعرائض بوساطة سفرائه من الكلمات القصار في مختلف ميادين المعرفة من الناحية العقائديّة أو الفقهيّة أو الاجتماعيّة أو غيرها. وسواء أكان ذلك جواباً عن سؤال، أم شكل بيان ابتدائيّ يطول ويقصر حين تقتضي المصلحة ذلك. وكانت الإجابة عن التوقيع تستغرق قرابة اليومين أو الثلاثة(١٤٩).
المهامّ الأساسيّة للسفارة:
إنّ السفراء يمثّلون حلقة الوصل بين الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وبين قواعده الشعبيّة التي لم تتمكّن من الاتّصال بالإمام (عليه السلام) بشكل مباشر في عصر الغيبة الصغرى. وقد أنيط بهؤلاء السفراء مهامُّ أساسيّة تمسّ العلاقة القائمة بين الإمام (عليه السلام) وبين قواعده الشعبيّة. وقد كُلّف هؤلاء السفراء بمهمّتين أساسيّتين عامّتين، يمكن أن تندرج تحتهما كلّ الأنشطة والتكاليف التي قام بها السفراء في عصر الغيبة الصغرى. وهاتان المهمّتان هما:
الأولى: تهيئة الأذهان للغيبة الكبرى:
كانت المهمّة الأساسيّة التي عمل بها السفراء، في الغيبة الصغرى، هي تهيئة الأذهان للغيبة الكبرى، وتعويد الناس تدريجيّاً على الاحتجاب الكامل عن الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وعدم مفاجأتهم بذلك، حيث تنتج المفاجأة نتيجة سيّئة لا محالة، إذ قد يؤدّي ذلك إلى الإنكار المطلق لوجود الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
ومن ثمّ رأينا كيف أنّ الإمامين العسكريّين (عليهما السلام) بدءا الاحتجاب عن الناس تدريجيّاً، وضاعفه الإمام العسكريّ (عليه السلام) على نفسه. كما أنّ الإمام نفسه تدرّج في عمق الاحتجاب، فكانت فترة السفارة أيضاً إحدى الفترات المرحليّة لتهيئة الأذهان لهذا التدرّج.
ومن المعلوم أنّ هذا الغرض من السفارة يتحقّق بفكرة السفارة نفسها، ووجود السفير في المجتمع، ولو بأقلّ ما يقوم به من عمل؛ فضلاً عن اضطلاعه بالمسؤوليّة بالنحو المطلوب.
الثانية: الاهتمام بمصالح المجتمع الإسلاميّ:
إنّ القيام بمصالح المجتمع بشكل عامّ، ومصالح القواعد الشعبيّة الموالية للأئمّة (عليهم السلام) بشكل خاصّ، تلك المصالح التي تفوت بطبيعة الحال بسبب انعزال الإمام واختفائه عن مسرح الحياة، وحضوره بشكل علنيّ فيها، شأن أيّ مصلحة للمجموع تفوت بغياب القائد والموجِّه.
ومن ثمّ جُعلت السفارة لكي يقود الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) برأيه، وإن فاتت قيادته بشخصه. ويكون التطبيق بين السفراء في حدود الإمكان، وبحسب المصالح والتصرّفات التي يراها ويخطّطها الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) نفسه. وهذا الغرض قد قام به كلّ واحد من السفراء الأربعة خير قيام، حيث اضطلع بحفظ مصالح المجتمع، في حدود الجوّ الخانق، والمراقبة والتحفّظ الشديدَين.
الخصائص العامّة لعمل السفراء:
١- بغداد مسرح عمل السفراء:
كانت بغداد مسرحاً لتحرّك ونشاط السفراء الأربعة (رضوان الله عليهم)، ولم يُطلب قيامهم بمهامّهم خارجها، ويُعزى ذلك إلى توجيهات الإمام (عليه السلام). ثمّ إنّ انحصار وجود هؤلاء السفراء في بغداد لا يعني انحصار توجيهات وتوقيعات الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بهذا البلد بسبب اتّصال السفراء بالوافدين إلى بغداد من البلدان الإسلاميّة، ووجود وكلاء عدّة لهؤلاء السفراء.
٢- خفاء السفراء على السلطات:
إنّ مسلك التستّر أو الحذر الذي سلكه السفراء، أنتج ما هو المقصود تماماً، وهو الخفاء على القواعد الشعبيّة السائرة في ركاب السلطات وعيون الدولة، وعلى المنتفعين منها والضالعين في ركابها.
وليس أدلّ على ذلك ممّا سمعناه عن موقف السفير الثالث في تفصيل الخلفاء الثلاثة جميعاً على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في مجلس للعامّة، فرفعه العامّة على رؤوسهم، وكثر الدعاء له والطعن على من يرميه بالرفض(١٥٠).
والذي كان يتوخّاه ابن روح من كلامه ذلك، إبعاد احتمال السفارة عن أذهانهم إبعاداً تامّاً، وجعلها بشكل لا يمكن أن تخطر في ذهنهم، فضلاً عن أن يصدّقوا بها.
وإذا كانوا لا يعلمون به، فهم لا يعلمون بأسلافه أيضاً، ولا بخَلَفه بطريق أولى. يندرج في هذه القائمة سائر السائرين على هذا الخطّ من حكّام ومحكومين، غير شخص الخليفة.
فإنّه توجد قرائن تاريخيّة، حول بعض الخلفاء تدلّنا على أنّه كان عارفاً بالحقّ وبموضعه، كما صرّح به الشيخ الصدوق في إكمال الدين، وقد سمعنا موقف المعتمد من الإمام العسكريّ (عليه السلام) حين طلب منه الدعاء له بالبقاء في الحكم، ورأينا موقفه من جعفر بن عليّ الهادي حين ادّعى الإمامة بعد أخيه، حول التوسّط إلى الدولة لنيل مأربه.
وبالنسبة إلى المقتدر، فقد كان للشيخ الحسين بن روح محلّ عظيم عنده، وهذا يمكن تفسيره باعتبار جهل المقتدر بتشيّعه فضلاً عن سفارته، لما سمعناه من التزامه بالتقيّة والحذر، فكان المقتدر يقرّبه لأجل علمه وسعة اطّلاعه وحضور خاطره، جاهلاً بواقعه وحقيقته.
وهذا الاحتمال، وإن كان لا يخلو من قوّة في الذهن، إلّا أنّ له مضعّفات تاريخيّة وقرائن موهنة له، منها أنّ المقتدر نفسه حبسه مدّة يسيرة، ومنها أنّ الشيخ ابن روح استتر مدّة من الزمن(١٥١)، ولو كان بالمنزلة التي سمعناها، مع غضّ النظر عن سفارته، لما كان ثمّة موجب لذلك كما هو واضح. وإنّما يحدث ذلك لما قد يبلغ السلطات بشكل غامض وغير مباشر، ما قد يقوم به ابن روح من أعمال بصفته سفيراً عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وإذ لا يكون للسلطات أيّ مستمسَك ضدّه، فإنّها تغضّ النظر عنه، وتطلق سراحه. وعلى أيّ حال، يكون مسبوقاً في الجملة بذلك.
ومنها ما إذا ضممنا هذا الموقف من المقتدر إلى موقف المعتمد قبله وموقف الراضي بعده، فإنّا نحصل على سلسلة من الخلفاء العارفين بالأمر، إلى بعض الحدود، وإن لم يجدوا أيّ أسلوب معيَّن للوقوف ضدّه أو الحيلولة دونه. ثمّ نسمع بالنسبة إلى الراضي في حادثة أُخرى أنّه ذُكر ابن روح في مجلسه، من قِبَل أحد مؤيّدي الشلمغانيّ المدّعي للسفارة زوراً، حين قال عن صاحبه الشلمغانيّ: "إنّه لم يدّعِ الإلهيّة، وإنّما ادّعى أنّه الباب إلى الإمام المنتظر مكان ابن روح"(١٥٢).
فلم يسأله الراضي عن ابن روح هذا، ولم يستفسر منه عن خبره، ومن أين يعرف أنّه كان سفيراً؛ ولو كان الراضي جاهلاً بذلك ومحاولاً التنكيل بالسفير، لكان يتوجّه بالسؤال إليه، ولكان بيده أوّل مستمسك يدلّه على الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). فيدلّ ذلك على أنّه كان عالماً به إلى حدٍّ ما، بل وعالماً بسفارته عن الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الذي أشار إليه الرجل في كلامه.
إذاً، فالمعتمد والراضي بل والمقتدر أيضاً على احتمال كبير، كانوا يعلمون بالاتّجاه الذي يسير في خطّ الأئمّة (عليهم السلام) وبممثّليه إلى حدٍّ كبير.
٣- مقدار ارتباط السفراء بقواعدهم الشعبيّة:
إنَّ القواعد الشعبيّة الموالية في بغداد خاصّة، وفي العراق عامّة، كانت تعرف - على العموم - فكرة السفارة، وكيفيّة الاتّصال بالسفير ولو بوسائط، وأنّ عدداً مهمّاً من خاصّتهم وعلمائهم، كانوا على اتّصال مباشر بهم، وعلى علم بمسؤوليّاتهم.
وقد يقوم جملة منهم بالوساطة بين السفير والمجتمع لإبلاغ توقيعات الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وتوجيهاته إلى الناس، فقد كان في زمان السفراء الممدوحين أقوام ثقاة تَرِدُ عليهم التوقيعات من قبل السفراء الأربعة(١٥٣).
وقد كان للحسين بن روح وكلاء على الأموال والتجارات، إلّا أنّ استعمالهم على ذلك إنّما كان للتغطية على الأمر وزيادة الحذر والكتمان، كما هو الحال في السفير نفسه، وفي الواقع كانوا وكلاء في المال وفي قيادة قواعدهم الشعبيّة، وأنّ الحسين بن روح كان يلقي بأسراره إلى الرؤساء من الشيعة(١٥٤)، وكان له وكلاء منهم الشلمغانيّ قبل انحرافه(١٥٥)، وآخرين.
وحين اتّضح الأمر، أصبح النظام الهرميّ مطبَّقاً في الأطراف أيضاً، حيث رجع الناس إلى الوكلاء المبثوثين في البلدان، ورجع هؤلاء بالمراسلة إلى السفير في بغداد.
انجازات السفراء الأربعة:
الأوّل: إثبات صدق سفارتهم:
إقامة الحجّة على إثبات صدقهم فيما يصدر عنهم؛ من أجل توثيق الصادر عنهم، وتقوية الرابطة بينهم وبين قواعدهم الشعبيّة الموالية. ويتّضح ذلك للقواعد من خلال:
١-كون السفير صادقاً أميناً ورعاً تقيّاً، ويتمّ ذلك عن طريق التعامل والتعايش معه، من خلال مخالطته للناس، وهو ما يُصطلح عليه بالسلوك اليوميّ والاعتياديّ له، أي وثاقة السفير في نفسه بحسب التجربة التي يعيشها مع الناس.
٢- إفحام مدّعي السفارة زوراً، وإظهار كذبهم. وهذا يوضّح لنا مدى ارتباط السفراء بالإمام (عليه السلام)، وأنّهم لا يقولون ولا يفعلون أمراً إلّا عنه. ومن ذلك ما قاله الحسين بن روح للراوي الذي ناقشه في بعض الأُمور العقائديّة، فغدا عليه من الغد وهو يقول في نفسه: أتراه ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه؟... فابتدأه ابن روح، قائلاً: "يا محمّد بن إبراهيم، لئن أخِرّ من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق، أحبّ إليّ من أن أقول في دين الله برأيي ومن عند نفسي. بل ذلك من الأصل ومسموع من الحجّة (عجل الله تعالى فرجه الشريف)"(١٥٦).
الثاني: المساهمة في إخفاء المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
وهو ما كان كلّ واحد من السفراء يكافح في سبيله ويؤكّد عليه. وكيف لا، وهو على مستوى المسؤوليّة التي عبّر عنها بعض الخاصّة من معاصريهم بأنّه لو كان الحجّة تحت ذيله وقُرض بالمقاريض ليكشف الذي عنه لما كشفه. فقد روي أنّ عبد الله بن جعفر الحميريّ وأحمد بن إسحاق الأشعريّ، وهما من أجلّاء علماء الأصحاب وخاصّة الموالين لخطّ الأئمّة (عليهم السلام)، طلبا من أبي عمرو وعثمان بن سعيد السفير الأوّل أن يخبرهما عن اسم الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فقال: نهيتم عن هذا.
وخرج التوقيع من المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى محمّد بن عثمان العمريّ السفير الثاني، ابتداءً من غير مسألة: "ليُخبر الذين يسألون عن الاسم: إمّا السكوت والجنّة، وإمّا الكلام والنار، فإنّهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه. وإن وقفوا على المكان دلّوا عليه"(١٥٧).
الثالث: التزام السفراء بالتكتّم والحذر:
فقد التزم السفراء حالة التكتّم والحذر الشديد من السلطات الحاكمة في زمن كلّ سفير، ومنها ما روي من أنّ أبا جعفر العمريّ كان يتسلّم الأموال الراجعة إلى الإمام (عليه السلام) من أصحابها بصفته تاجراً من التجّار، ولا يدفع بها وصلاً لئلّا يتسرّب إلى السلطان(١٥٨).
الرابع: الاتّصال والتواصل بين المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وشيعته:
فقد عمل السفراء على إخراج توقيعات الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وحلّ المشاكل وتذليل العقبات التي قد تصادف بعض قواعدهم الشعبيّة في طريقها.
وفي الحقيقة، إنّ المشكلات إنّما تُحلّ والحاجات إنّما تُقضى نتيجة لتعاليم الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الواردة في توقيعاته. ومن هنا، يعتبر التوقيع عملاً من أعماله، وإن استند إلى السفير باعتبار إظهاره والعمل على تطبيقه. وقد كانت هذه التوقيعات تشمل العديد من الأمور، كحلّ المشاكل العائليّة(١٥٩)، وسؤال الدعاء لمهامّ الأُمور، والاستئذان بالسفر، والشفاء للأمراض(١٦٠)، وطلب الولد(١٦١)، والاستئذان بالخروج إلى الحجّ(١٦٢)، وطلب الناس تزويدهم بأكفان وحنوط(١٦٣)، وتحذير الوكلاء من السلطات، كما حصل في زمن الوزير عبد الله بن سليمان، الذي أمر بالقبض على وكلاء الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)(١٦٤).
الخامس: قبض الأموال وتوزيعُها:
إنّ من جملة الإنجازات التي قام بها السفراء قبضَ الأموال وتوزيعها وإيصالها إلى حيث يجب دفعها. وهو من واضحات وظائفهم ومهمّات أعمالهم، بصفتهم حلقة الوصل بين الإمام وقواعده الشعبيّة. وتتمثّل هذه الأموال بما يملكه الإمام من الحقوق الشرعيّة الإسلاميّة في أموال الناس.
واستمرّت الوفود تصل بالأموال إلى السفراء من بعيد، إلى جانب أموال أُخرى يحملها الأفراد من قريب إليهم. ويكون من وظيفة السفراء إزاء ذلك - حين يتسلّمون المال - أن يصِفوهُ أيضاً ويذكروا خصائصه؛ لأجل إقامة الحجّة على الآخرين، وإثبات صدق السفير. وذلك بتعليم من الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
فمن ذلك: أنّ محمّداً بن إبراهيم بن مهزيار سلّم مالاً جليلاً إلى رسول الإمام (عليه السلام) بدلالة الوصف(١٦٥)، ودفع أحمد بن محمّد الدينوريّ إلى وكيل المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ستّة عشر ألف دينار من أهل الدينور، دفعها بدلالة الوصف أيضاً(١٦٦).
السادس: الجهاد العلميّ للسفراء:
كان النشاط العلميّ للسفراء يدور حول المناقشات العقائديّة وحلول المشاكل العلميّة التي كان يقوم السفراء بها، سواء في ذلك ما كان لتوجيه أصحابهم وصقل أفكارهم، أو لأجل الاحتجاج ضدّ الشبهات التي كان يثيرها الآخرون، والدفاع عن الحقّ بلسانٍ مخلص سليم.
ونقصد بالجهاد العلميّ التوجيهات والمناقشات التي يذكرها أحد السفراء الأربعة، من عند أنفسهم، باعتبار ما يعرفونه من الحقّ، في حدود تعاليم الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ومسلكهم العامّ.
ويندرج في ذلك ما سمعناه عن السفير الأوّل في النهي عن التصريح باسم الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والشكوى من جور السلطات وسطوتهم. وللشيخ ابن روح مناقشات عدّة؛ فمن ذلك مناقشته بعضَ المتكلّمين المعروف بتُرك الهرويّ، في فضل الزهراء (عليها السلام) على سائر بنات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (١٦٧). ومن ذلك مناقشته رجلاً حول مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) بِيَد أعداء الله (عزَّ وجلَّ). وقد أجابه بجواب مطوَّل، أكّد فيه أنّ حكمة الله (عزَّ وجلَّ) قد جرت في أنّ أنبياءه وأولياءه يكونون في حال غالبين وأُخرى مغلوبين، وفي حال قاهرين وأُخرى مقهورين. ولو جعلهم عز وجلّ، في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين ولم يبتلهم ولم يمتحنهم، لاتّخذهم الناس آلهةً من دون الله عز وجلّ، ولما عُرف فضل صبرهم على البلاء والاختبار(١٦٨).
المفاهيم الرئيسة:
١- المميّزات والخصائص العامّة للسفارة:
أ- إنّ السفارة صُرفت عن العلويّين صرفاً تامّاً، وأُنيطت بغيرهم؛ وذلك بسبب الثورات والتمرّد، والاحتجاج على الظلم والطغيان. فكانت الصورة الأولى التي تحملها الدولة عن علويّ هو كونه موالياً للأئمّة (عليهم السلام).
ب- كان الخطّ الذي يستعمله الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في توقيعاته وبياناته خطّاً موحّداً، يعرفه الناس المتتبّعون لذلك.
ج- صدور التوقيعات عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والتوقيعات هي ما كان يذكره (عليه السلام) بخطّه في جواب الأسئلة والعرائض بوساطة سفرائه.
٢- المهامّ الأساسيّة للسفارة: الأُولى: تهيئة الأذهان للغيبة الكبرى، الثانية: الاهتمام بمصالح المجتمع الإسلاميّ.
٣- الخصائص العامّة لعمل السفراء: بغداد مسرح عمل السفراء، خفاء السفراء على السلطات، مقدار ارتباط السفراء بقواعدهم الشعبيّة.
٤- إنجازات السفراء الأربعة:
الأوّل: إثبات صدق سفارتهم.
الثاني: المساهمة في إخفاء المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
الثالث: التزام السفراء بالتكتّم والحذر.
الرابع: الاتصال والتواصل بين المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وشيعته.
الخامس: قبض الأموال وتوزيعها.
السادس: الجهاد العلميّ.

الدرس السابع: السفارات المزوَّرة

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يشرح مناشئ ادّعاء السفارة عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٢- يوضّح التسلسل التاريخيّ لادّعاء السفارة، وموقف السلطة الحاكمة.
٣- يبيّن موقف المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من ادّعاء السفارة.
تمهيد:
تعتبر السفارة عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من القضايا الحسّاسة والمهمّة التي حصلت في عقيدة الشيعة، فهي منصب حسّاس وخطير من جهة، ومن جهة أخرى هي مسؤوليّة وتكليف لا يطيقه إلّا من امتحن الله قلبه بالإيمان.
ونظراً لحساسيّة هذا الموقع وأهمّيّته في المستويات كافّة، فقد ابتُليت السفارة عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وابتُلي السفراء أيضاً، بعد أعوام قلائل من أوّل عهدهم، بدعاوى السفارة كذباً وزوراً، طمعاً في تحقيق مكاسب شخصيّة، ومكاسب عامّة يستطيع من خلالها مدّعي السفارة أن يحقّق مآربه من ورائها. وقد عمل الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بوساطة السفراء، على محاربة هذه الظاهرة، والقضاء عليها بطريقة عمليّة؛ من أجل توضيح الحقّ، والحفاظ على إيمان وتماسك القواعد الشعبيّة لأهل البيت (عليهم السلام).
مناشئ ادّعاء السفارة:
إنَّ السفارة الكاذبة، في واقعها، تشويه للسفارة الصادقة العادلة، ومن هنا جاءت متأخّرة عنها بسنوات؛ وذلك لأنّ القواعد الشعبيّة الموالية في زمان الإمامين الهادي والعسكريّ (عليهما السلام)، وإن كانت قد اعتادت على وجود السفراء عن الإمام عند احتجابه عن الناس، تمهيداً للغيبة الصغرى، إلّا أنّه من المحتمَل أن يحتجب الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عن قواعده الشعبيّة، ولا يوكّل عنه شخصاً على الإطلاق.
وإنّما ثبت عزمه (عليه السلام) على التوكيل خلال هذه الفترة، من طريق تصريحه هو (عليه السلام)، وتصريح أبيه الإمام العسكريّ (عليه السلام)، وأعمال السفراء في إثبات وكالتهم.
فإذا ثبت عزمه (عليه السلام) على إيجاد الوكالة أو السفارة عنه، انفتح باب إمكان دعوى السفارة الكاذبة، وتزوير الدعوى بالاتّصال بالمهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، خاصّة بعد العلم بالاتّصال به سرّاً، فلا يمكن لأحد الاطّلاع عليه أو السؤال عن مكانه وزمانه، فتكون دعوى الاتّصال به سرّاً بمكان من الإمكان، ولن يُمنى المزوّر بصعوبة وإحراج من هذه الجهة، حيث يعضده في ذلك أُمور عدّة:
أحدُها: ضعف الإيمان لديه، وعدم الإخلاص، وقابليّته للانحراف.
ثانيها: الطمع بالأموال التي يحصل عليها من هذا الطريق، إذ يتخيّل المزوِّر أنّ الحقوق الشرعيّة التي تُدفع للسفير الصادق ستُدفع له.
ثالثها: السفارة مصدر للشهرة الاجتماعيّة، والتحكّم في القواعد الشعبيّة الموالية للإمام (عليه السلام)، وإصدار الأوامر والنواهي فيها بزعم أنّها صادرة عنه (عليه السلام).
التسلسل التاريخيّ للتزوير:
أوّلاً: ادّعاء السفارة في عهد السفير الأوّل:
لم يروِ لنا التاريخ أنّ شخصاً ادّعى السفارة في عهد السفير الأوّل، فقد كان عثمان بن سعيد أقوى وأسمى من أن يعارضه معارض، بعد تاريخه المجيد مع الإمامين العسكريّين (عليهما السلام)، وثنائهما العاطر عليه، وأدائه لمختلف أنواع الجهاد في عهدهما، وبموجب توجيهاتهما، فلن يكون للظنون أن تحوم وللمطامع أن تظهر أو تثار لمعارضته أو مضايقته، فإنّها ستواجَه بالنقد والإنكار من كلّ جانب.
كما أنّ الظروف لم تكن لتساعد على دعوى السفارة، فإنَّ الغَيبة الصغرى كانت في بدايتها، وتتبُّعُ السلطات ومطاردتُهم للمهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وعائلته ولكلّ من يمتّ إليه بصلة، كانت قويّة جدّاً.
وكانت سفارة عثمان بن سعيد جهاداً كبيراً وتضحية عظمى، فكيف يعرِّض الشخص نفسه للمطاردة والخطر تلقائيّاً بانتحال السفارة.
على أنّ التزوير لا يكاد يُحتمل وجوده قبل أن يعتاد الناس على هذا النحو من السفارة عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وهذا الاعتياد كان يحتاج في تحقّقه إلى زمن تعيشه القواعد الشعبيّة تجاه السفارة الصادقة، وهو ما لم يتحقّق في أوّل الغيبة الصغرى، وخلال الأعوام القليلة التي قضاها عثمان بن سعيد في السفارة.
ثانياً: ادّعاء السفارة في عهد السفير الثاني:
بدأ التزوير - على ما يدلّ عليه تاريخنا الخاصّ - في عهد السفير الثاني الشيخ محمّد بن عثمان العمريّ، وقد ظَهَرَ المزوّرون خلال الفترة الطويلة التي قضاها السفير الثاني في سفارته. وتاريخُنا الخاصّ، وإنْ لم يضع النقاط على الحروف من حيث تاريخ التزوير وعدد جهاته؛ إلّا أنّه يدلّ على بدء السفارة الكاذبة في زمان هذا السفير.
لقد ادّعى السفارة زوراً عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في زمان أبي جعفر محمّد بن عثمان العمريّ، أشخاص كُثر، أوّلهم: أبو محمّد الحسن الشريعيّ، ثمّ محمّد بن نصير النميريّ، ادّعى ذلك الأمر بعد الشريعيّ، وأحمد بن هلال الكرخيّ، وأبو طاهر محمّد بن عليّ بن بلال البلاليّ، وأبو بكر محمّد بن أحمد بن عثمان المعروف بالبغداديّ ابن أخ أبي جعفر العمريّ، وغيرهم(١٦٩).
وقد كان بعض هؤلاء صالحين في مبدأ أمرهم، ومن أصحاب الإمامين الهادي والعسكريّ (عليهما السلام)، ولكن انحرفوا وسلكوا مسلك التزوير، فجابههم العمريّ بكلّ قوّة، وانتصر عليهم، وخرجت من المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) التوقيعات والبيانات بلعنهم والبراءة منهم، والتأكيد على كذب سفارتهم وسوء سريرتهم.
ثالثاً: ادّعاء السفارة في عهد السفير الثالث والرابع:
لقد ابتُلي الشيخ الحسين بن روح في زمانه بادّعاء السفارة، وقد ابتُلي بأشدّهم تأثيراً وأوسعهم أصحاباً وهو محمّد بن علي الشلمغانيّ العزاقريّ(١٧٠). وكان في مبدأ أمره مؤمناً مستقيماً، بل وكيلاً لابن روح، ثمّ ظهر انحرافه وسقم عقيدته.
وآخرهم في دعوى السفارة الكاذبة - على ما يظهر من عبارة الشيخ الطوسيّ - هو أبو دلف الكاتب(١٧١)، حيث كان على ذلك إلى ما بعد وفاة السمريّ السفير الرابع.
قال الراوي: فلعنّاه، وبرئنا منه؛ لأنّ عندنا أنّ كلّ من ادّعى الأمر بعد السمريّ فهو كافر ضالّ مُضِلّ.
بقي شخص ممّن نُسبت إليه دعوى السفارة، هو الحسين بن منصور الحلّاج، المعروف بمذهبه الصوفيّ، وله في هذه الدعوى مكاتبة مع أبي سهل بن إسماعيل بن عليّ النوبختيّ، إلّا أنّها كانت -على المظنون- في زمن الحسين بن روح(١٧٢)، فهؤلاء هم الذين قامت حركة التزوير على أيديهم.
الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وموقفه من مدّعي السفارة:
كان الاهتمام الكبير للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وسفرائه في الوقوف ضدّ هذا التيّار، أكبر من الوقوف ضدّ أيّ تيّار آخر، وذلك لسببين أساسيّين:
أحدهما: انسجام ادّعاء السفارة مع سياسة السلطات:
إنّ هذا العمل ممّا ينسجم مع سياسة السلطات، فلا يكون منافياً لمسلك الحذر والتكتّم، وحيث كان في ردع القواعد الشعبيّة الموالية عن هؤلاء المزوِّرين مصلحةٌ كبرى، ولا مانع منه من قِبَل السلطات، فمن المنطق أن ننتظر ازدياد نشاط السفراء والوكلاء في ذلك، وتعدّد التوقيعات بخصوصه.
ثانيهما: الخطر الداخليّ على القاعدة الشعبيّة:
انطلاقاً من قاعدة عامّة في منطق الجماعات البشريّة، وهي: أنّ الهدم الناشئ في داخل الجماعة يكون أضرَّ بها وأشدّ عليها من الهدم الوارد من الخارج، في الأعمّ الأغلب، بل إنّ المنحرفين في كلّ جماعة يمثِّلون الخطّ المناوئ جنباً إلى جنب مع الجماعات المعادية الأخرى.
ومن ثمّ كان المنحرفون عن الإسلام، والمتاجرون باسمه، أشدّ على الإسلام خطراً من الكفّار والمشركين، وأكثر تأثيراً في الابتعاد عنه، وهم - في واقعهم - يد عاملة في مصلحة القوى العالميّة المناوئة للإسلام في كلّ زمان.
ولذلك، كان هؤلاء المنحرفون، المدّعون للسفارة زوراً، أشدّ على القواعد الشعبيّة وأضرّ بها - لو استفحل أمرهم - من السلطات المنحرفة؛ لأنّهم يتاجرون باسم الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ويدخلون إلى عقول السُذَّج عن طريق مهمّ معتاد بالنسبة إليهم وهو السفارة عنه، وقبض الأموال بالوكالة عنه. ثمّ إنّهم يشيعون من عقائدهم المنحرفة، وسلوكهم الباطل، ويحاولون التأثير في نفوس الآخرين تحت هذا الشعار ما يحلو لهم وما يشاءون.
في حين أنّ السلطات لا تملك إلّا الحديد والنار والسجون، ولم تكن هذه الأُمور يوماً لِصالحها في القيام ضدّ العقيدة أو التأثير فيها، إذ لا تستطيع أن تدخل إلى أذهان الموالين للأئمّة (عليهم السلام) عن طريق دينيّ بأيّ حال من الأحوال.
وليس أدلّ على ذلك من رفض المعتمد لعمالة جعفر بن عليّ، حين كان يائساً من تأثيره في فرض عمالته على موالي أخيه (عليه السلام).
فكان من الواجب الوقوف ضدّ هذا التيّار الداخليّ المنحرف، الذي كاد أن يبلغ مبلغاً عظيماً، لولا ما بيّنه الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من بيّنات وتوقيعات، وما قام به السفراء من نشاط مضاعَف كبير، إلى جانب شعور الدولة بالمعاداة مع هؤلاء المنحرفين ومطاردتهم لهم. ولم يخطر لها أن تستفيد منهم في سبيل هدم الجماعة الموالية، وتفريق شملها، وتشتيت كلمتها، ممّا أوجب تضافر نشاط السفراء والدولة على حربهم ومطاردتهم.
لماذا لم تستفد السلطة الحاكمة من مدّعي السفارة؟
لم تكن السلطة الحاكمة، في عهد الغيبة الصغرى، قادرة على جرّ مدّعي السفارة إلى جانبها والاستفادة منهم لمصلحتها، وذلك لعوامل عدّة:
الأوّل: أنّ دعوتهم - على الأغلب - كانت خارجة عن أصل الإسلام بشكل مكشوف وواضح لدى عموم الناس، بحيث لا يمكنهم التأثير الكبير، ولا ينفعون السلطات حتّى لو أرادوا ذلك.
الثاني: أنّ توقيعات الإمام (عليه السلام) وموقف سفرائه، كانت قويَّةً وفعّالةً في التأثير في الجماعة الموالية. بحيث لم يبقَ لهؤلاء المزوِّرين باقية يمكن أن تصلح سنداً للدولة، حتّى لو أرادت استخدامها.
الثالث: كانت الدولة تخاف على قواعدها الشعبيّة من التشتّت والانهيار، فإنّها كانت قائمة على أساس الالتزام بالإسلام، ومنتفعة، في أصل وجودها، من شعاراته. فإذا دخلتها الدعوات المنحرفة عنه بشكل علنيّ صريح، كان ذلك مضرّاً بها لا محالة.
الرابع: أنّ الدولة كانت تخاف - في حدود ما تفهم - بأن يؤثّر هؤلاء المنحرفون، بشكل أو بآخر، في صرف بعض قواعدها الشعبيّة عن مذهبهم، وتقريبهم إلى خطّ الأئمّة (عليهم السلام)، ولو باعتبار أنّ هؤلاء المنحرفين يدّعون السفارة عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهو القائد الفعليّ لذلك الخطّ، وهو الخطّ الذي تخشاه السلطات. وقد سبقت بعض الشواهد على ذلك(١٧٣).
الخامس: كان هؤلاء المنحرفون مشتركين مع خطّ الأئمّة والسفراء في الشعور بظلم السلطات وعدم الاعتراف بشرعيّتها. وهذا الشعور بنفسه يجعلهم يرهبون أن يبيعوا ضميرهم للسلطات، ويكرّسوا نشاطهم من أجلها. وهم يشعرون أنّهم سوف لن يحصلوا من القواعد الشعبيّة أبداً فيما لو شعر الناس منهم بمثل هذا الاتّجاه.
وهذا هو الذي جعلهم طرفاً للعداء مع السلطات ومع السفراء على حدٍّ سواء. ولم يكن في مستطاعهم - وهم يمثِّلون أضيق الاتّجاهات وأضعفها - أن يحاربوا في جبهتين، ويبذلوا نشاطهم في أكثر من ميدان واحد، ممّا عجّل في خاتمة أمرهم وإنهاء حسابهم، وتوفيق الله للأمّة الإسلاميّة عموماً والموالين خصوصاً للخلاص منهم.
المفاهيم الرئيسة:
١- ظهر في الغيبة الصغرى العديد ممّن ادّعى السفارة زوراً عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وكان يعضده في ذلك أُمور عدّة: ضعف الإيمان لديه، وعدم الإخلاص، وقابليّته للانحراف، والطمع بالأموال (الحقوق الشرعيّة) التي كانت تصل إليهم من الشيعة، وأنّ السفارة مصدر للشهرة الاجتماعيّة.
٢- ظهر ادّعاء السفارة، بحسب التسلسل التاريخيّ لسفراء الغيبة الصغرى، كالآتي:
أ- لم يروِ لنا التاريخ أنّ شخصاً ادّعى السفارة في عهد السفير الأوّل. ولعلّ ذلك يرجع إلى شخصيّة هذا السفير، وتاريخه المجيد مع الإمامين العسكريّين (عليهما السلام).
ب- بدأ التزوير وادّعاء السفارة في عهد السفير الثاني. ولعلّ ذلك لطول فترة سفارته.
ج- ظهر في عهد السفير الثالث والرابع بعض مدّعي السفارة، ولقد ابتلي الشيخ الحسين بن روح في زمانه بادّعاء السفارة، وقد ابتلي بأشدّهم تأثيراً وأوسعهم أصحاباً، وهو محمّد بن عليّ الشلمغانيّ العزاقريّ. وكان آخر من ادّعى السفارة الكاذبة هو أبو دلف الكاتب.
٣- الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وموقفه من مدّعي السفارة: كان الاهتمام الكبير للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وسفرائه في الوقوف ضدّ هذا التيّار، أكبر من الوقوف ضدّ أيّ تيّار آخر؛ وذلك لسببين أساسيّين: أحدهما: انسجام ادّعاء السفارة مع سياسة السلطات، وثانيهما: الخطر الداخليّ على القاعدة الشعبيّة.
٤- لم تستفد السلطة الحاكمة من مدّعي السفارة. ولعلّ ذلك لأسباب عدّة:
أ- إنّ دعوتهم كانت خارجة عن أصل الإسلام بشكل مكشوف وواضح لدى عموم الناس.
ب- إنّ توقيعات الإمام وموقف سفرائه، كانت قويَّةً وفعَّالةً في التأثير في الجماعة الموالية.
ج- كانت الدولة تخاف على قواعدها الشعبيّة من التشتّت والانهيار.
د- إنّ الدولة كانت تخاف بأن يؤثّر هؤلاء المنحرفون في قواعدها الشعبيّة، فيحرفونهم عن مذهبهم، ويقرِّبونهم إلى خطّ الأئمّة (عليهم السلام).
ذ- إنّ هؤلاء المنحرفين كانوا من المعارضين للسلطة الحاكمة، ممّا يمنعهم من التعامل معها.

الدرس الثامن: الغيبة الكبرى (الفلسفة والأسباب)

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يشرح كيفيّة التمهيد للغيبة الكبرى.
٢- يحلّل أسباب الغيبة الكبرى.
٣- يناقش خصائص ومميّزات الغيبة الكبرى.
تمهيد:
إنّ غيبة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الكبرى، واحتجابه عن الأنظار، من الأمور المسلَّمة التي تَحتَّمَ وقوعها وفقاً للأحاديث المتواترة. فلم تكن القواعد الشعبيّة الموالية له بعيدة عن هذا التصوّر، بل كانت تتوقّع ذلك في كلّ حين. ولمّا قربت وفاة السفير الرابع عام ٣٢٩ للهجرة، أعلن الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بتوقيعه الشريف عن بدء المرحلة الثانية من غيبته ودعوته قواعده لانتظاره والدعاء له، راسماً لهم طريقاً واضحاً في التعامل، بإرجاعهم إلى رواة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في الحوادث الواقعة، وهم الفقهاء الجامعون لشرائط القيادة النائبة عنه. كلّ هذه أُمور وقضايا مسلَّمة لدى القواعد التي رُبّيت خلال فترة طويلة امتدّت منذ أيّام الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإلى اليوم الذي وقعت فيه الغيبة الكبرى. وقد ورد في الأحاديث أنّ علّة الغيبة هي أن لا تكون في عنقه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بيعة لطاغية، وأنّها حصلت خشية القتل وتصفية القيادة المعصومة المتمثّلة في المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
التمهيد للغيبة الكبرى:
لم تكن الغيبة الكبرى واحتجاب الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عن شيعته وقواعده بشكل كامل أمراً مفاجئاً وغير متوقَّع، فإنّ الغيبة الصغرى كانت تمهيداً عمليّاً للغيبة الكبرى كما تقدّم، بل قد مهّد لهذه الغيبة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حيث تواترت عنه الأخبار الدالّة على ذلك.
فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاريّ، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوله: "المهديّ من ولدي، اسمه اسمي، وكنيتَه كُنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة، تضِلّ فيه الأمم، ثمّ يقبل كالشهاب، ويملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً"(١٧٤).
وكما تواتر عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك، فقد تواتر عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أيضاً، من خلال الروايات الكثيرة التي تشير إلى الغيبة الصغرى والكبرى معاً.
فعن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه"(١٧٥).
وفي رواية أخرى عن إسحاق بن عمّار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة والأخرى طويلة. الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصّة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصّة مواليه"(١٧٦).
إذاً، كان عامّة الشيعة، قبل حصول الغيبة، يعلمون بحتميّة وقوعها، فلم يكن في حدوثها عنصر المفاجأة كما يتوهّمه البعضٌ، بل كان ممهَّداً لها بشكل كامل، وكانت القواعد الشعبيّة الموالية قد اعتادت على احتجاب الإمام (عليه السلام)، وعدم رؤيته بشكل كامل طوال فترة الغيبة الصغرى.
الإعلان عن بدء الغيبة الكبرى:
أوّلاً: متى وقعت الغيبة الكبرى؟
كانت وفاة السفير الرابع عليّ بن محمّد السمريّ (٣٢٩هـ) إيذاناً بابتداء عصر الغيبة الكبرى. وكان التوقيع الصادر عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى عليّ بن محمّد السمريّ يخبره بدنوّ أجله، وأنّه ميّت بعد ستّة أيّام، إعلاناً ببدء مرحلة الغيبة الكبرى، وانتهاء الفترة الممهِّدة لها، وهي فترة السفراء الأربعة التي عُرفت بالغيبة الصغرى.
ونصّ التوقيع المبارك هو: "بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليّ بن محمّد السمريّ، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك، ولا توصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلّا بإذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول أمد وقسوة القلب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي لشيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمَن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ والصيحة فهو كذّاب مفترٍ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم"(١٧٧).
ثانياً: نتائج إعلان الغيبة الكبرى:
١- انتهاء دور النيابة الخاصّة.
٢- إنّ مرحلة الغيبة الصغرى ودور السفراء - كوسطاء - كانا إتماماً لدور الأئمّة (عليهم السلام) في إنضاج العقل الشيعيّ وإبلاغه مستوًى عالياً في التفاعل مع الأحداث واستنباط أحكامها.
٣- بدء مرحلة النيابة العامّة وإرجاع الشيعة إلى رواة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في كلّ واقعة تحدث، كما ورد في النصّ الشريف عن الإمام الحجّة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لأحمد بن إسحاق: "وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله"(١٧٨).
٤- التمويه التامّ على السلطات الجائرة حول وجود الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وأنّ مَن يدّعي مشاهدته فهو كذّاب مفترٍ، فالسلطات، والحالة هذه، أمّنت خروجه ليمحو الظلم والطغيان العباسيّ.
٥- إنّ أمر الإذن بخروجه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عائد إلى الله سبحانه وتعالى.
أسباب الغيبة الكبرى:
لقد أشارت الأحاديث الشريفة المرويّة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) لأسباب وعلل غيبة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وبإلقاء نظرة متمعّنة فيما جاء من النصوص حول الغيبة، يتّضح أنّ هذه الروايات والأحاديث على طوائف:
الطائفة الأولى: سنّة الأنبياء:
روى سدير عن أبيه، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: "إنّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها، فقلت له: يابن رسول الله، ولِمَ ذاك؟ قال: لأنّ الله عزّ وجلّ أبى إلّا أن يجعل فيه سنن الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم، وأنّه لا بدّ له، يا سدير، من استيفاء مدّة غيباتهم، قال الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾(١٧٩)، أي سنن مَن كان قبلكم"(١٨٠).
وروى عبد الله بن الفضل الهاشميّ، قال: سمعت الصادق جعفرَ بن محمّد (عليه السلام) يقول: "إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل، فقلت له: ولِمَ جُعلتُ فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبته وجهة الحكمة في غيبات من تقدّم من حجج الله -تعالى ذكره-. إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (عليه السلام) إلّا بعد اقترافهما. يابن الفضل، إنّ هذا الأمر من أمر الله، وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنّ الله (عزَّ وجلَّ) حكم، صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف"(١٨١).
الطائفة الثانية: خوف القتل:
ما رواه زرارة، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: "إنّ للقائم غيبة قبل ظهوره، قلت، ولِمَ؟ قال: يخاف - وأومى بيده إلى بطنه -، قال زرارة: يعني القتل"(١٨٢).
ومنها ما رُوي عن عبد الله بن عطا، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّ شيعتك بالعراق كثيرة، والله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج؟ قال: فقال: "يا عبد الله بن عطا، قد أخذت تفرش أذنيك للنَوْكى. إي والله، ما أنا بصاحبكم، قال: قلت له: فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من عَمِيَ على الناس ولادته، فذاك صاحبكم؛ إنّه ليس منّا أحد يُشار إليه بالإصبع ويُمضَغُ بالألسن إلّا مات غيظاً أو رغم أنفه"(١٨٣).
الطائفة الثالثة: تتمّة خلق المؤمنين:
ما روي عن الحسن بن محبوب بن إبراهيم الكرخيّ، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)، أو قال له رجل: أصلحك الله، ألم يكن عليّ (عليه السلام) قويّاً في دين الله؟ قال: "بلى، قال: فكيف ظهر عليه القوم؟ وكيف لم يمنعهم؟ وما منعه من ذلك؟ قال: آية في كتاب الله عز وجلّ منعته، قال: قلت: وأيّ آية هي؟ قال: قول الله (عزّ وجلّ) ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾(١٨٤)، إنّه كان لله (عزّ وجلّ) ودايع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين، فلم يكن عليّ (عليه السلام) ليقتل الآباء حتّى تخرج الودايع، فلمّا خرجت الودايع، ظهر على ظهر فقاتله، وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبداً حتّى تظهر ودايع الله (عزّ وجلّ)، فإذا ظهرت ظهرت على ظهر فقاتله"(١٨٥).
الطائفة الرابعة: اختبار الناس وبلاؤهم:
ما رُوي عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): "أما والله، لا يكون الذي تمدّون إليه أعينكم حتّى تُمَيَّزوا أو تُمحَّصوا، حتّى لا يبقى منكم إلّا الأندر، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين ﴾(١٨٦)"(١٨٧).
الطائفة الخامسة: بيان فساد حكم السابقين:
ما رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: "دولتنا آخر الدول، ولم يبقَ أهل بيت لهم دولة إلّا ملكوا قبلنا، لئلّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عز وجلّ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(١٨٨)"(١٨٩).
الطائفة السادسة: أن لا يكون في عنقه بيعة لطاغية:
ما رُوي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال - في جواب من سأله عن علّة الغيبة -: "لئلّا يكون في عنقه بيعة إذا قام بالسيف"(١٩٠).
وهذا المعنى مرويّ عن كثير من الأئمّة (عليهم السلام) بألفاظ متقاربة، منها ما رُوي عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنّه قال في توقيعه إلى إسحاق بن يعقوب في جواب أسئلته: "وأمّا علّة ما وقع من الغيبة، فإنّ الله عز وجلّ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾(١٩١). إنّه لم يكن أحد من آبائي (عليهم السلام) إلّا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج، ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي"(١٩٢).
ويقول (عليه السلام) في رسالته الأولى للشيخ المفيد: "... نحن وإن كنّا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أرانا إيّاه الله -تعالى- لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك مادام تدولة الدنيا للفاسقين..."(١٩٣).
ويقول (عليه السلام) في رسالته الثانية: "... ولو أنّ أشياعنا - وفّقهم الله لطاعته - على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّل لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا. فما يحبسنا عنهم إلّا ما يتّصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم..."(١٩٤).
إذاً، ثمّة أسباب واقعيّة وموضوعيّة هي التي تكمن وراء ظاهرة الغيبة. كشفت هذه النصوص عنها تارة بشكل صريح وأُخرى بشكل رمزيّ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنّ كلّ نصٍّ تكفّل ببيان جزء من تلك العلّة الواقعيّة التي ظهرت بمظهر سنّة من سنن الأنبياء (عليهم السلام)، فإنّ معنى وجود سنّة هو وجود قانون عامّ ينطبق على الحوادث التاريخيّة كلّما تشابهت الظروف. وحيث إنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يعبّر عن الخطّ نفسه الذي سار عليه الأنبياء (عليهم السلام) وبُعثوا من أجل تحقيق أهدافه، فسوف تخضع حركته للسنن العامّة نفسها التي تحقّقت في حياة الأنبياء (عليهم السلام).
وصلاح الأُمّة يقتضي أن يغيب الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حيث لا تتحقّق الأهداف بظهوره قبل الأوان وقبل تهيّؤ الظروف الموضوعيّة الكفيلة بتحقّق أهداف رسالات الأنبياء على يده.
وظهور الإمام قبل أن تتحقّق الظروف الكفيلة بحفظ وجوده الذي يستطيع إيجاد التغيير العالميّ المنشود، قد يستلزم قتله من قبل الظالمين، فلا يكون نفع ظهوره أكبر من نفع غيبته.
خصائص ومميّزات الغيبة الكبرى:
تتّصف هذه المرحلة من حياة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بخصائص ومميّزات تجعلها من أحرج الفترات في تاريخ الإسلام عامّة والجماعة الصالحة خاصّة، وإنّ أهمّ هذه الخصائص هي:
١- أنّ أوّل ما تمتاز به هذه المرحلة هو انقطاع الناس عن القائد الإسلاميّ والموجِّه الإلهيّ للتجربة الإسلاميّة. فهي على عكس الفترات السابقة التي عاشتها الجماعة الصالحة في العصر النبوي المبارك وعهود الأئمّة الأطهار (عليهم السلام).
كما أنّها تختلف عن مرحلة الغيبة الصغرى التي امتازت بالاتّصال غير المباشر بالإمام (عليه السلام) عن طريق السفراء الأربعة (رضوان الله تعالى عليهم).
٢- انتشار الظلم والجور، وانحسار الإسلام عن الحياة السياسيّة. وبذلك تتميّز هذه الفترة من العصر الذي كان يسود فيه الإسلام، ويسيطر على حياة الإنسان وبطابع الرسالة الإسلاميّة. وبذا تكون هذه الفترة متميّزة من عهود سيادة وقيمومة الإسلام في الحياة العامّة.
٣- التشكيك في وجود الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لاحتجابه عن واقع الحياة، ولطول زمان غيبته (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٤- طغيان التيّارات الضالّة التي تُسبّب في بروز ظاهرة التشكيك واتّساعها في حياة الأُمّة الإسلاميّة.
تحرّك ونشاط الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر الغيبة الكبرى:
إنّ الإطار العامّ لسيرة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في هذه الفترة هو التمهيد لظهوره. وهذا التمهيد يشمل رعاية الجماعة الصالحة وحفظها، وحفظ الرسالة الخاتمة من التحريف. مضافاً إلى القيام بمهامّ أُخرى تتعلّق بسائر وظائف الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وإن كان ذلك بأساليب أكثر خفاءً ممّا كان عليه الحال في الغيبة الصغرى. ويمكن تصوير تحرّك ونشاط الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) خلال احتجابه في عصر الغيبة الكبرى، بأحد شكلين:
الأطروحة الأولى: أُطروحة خفاء الشخص:
وهي الأُطروحة التقليديّة المتعارفة المذكورة في ذهن عدد من الناس. وهي أنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يختفي بجسمه عن الأنظار، فهو يرى الناس ولا يرونه. وعلى الرغم من أنّه قد يكون موجوداً في مكان، إلّا أنّه يُرى المكان خالياً منه. وما يمكن أن يُستدلّ به على هذه الأطروحة هو:
رُوي عن الريّان بن الصلت، قال: سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن القائم (عليه السلام)، فقال: "لا يُرى جسمُه، ولا يُسمَّى باسمه"(١٩٥).
وعن الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) في حديث، قال: "الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه، ولا يحلّ لكم تسميته"(١٩٦).
وعن عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "يفقد الناس إمامهم، فيشهد الموسم، فيراهم ولا يرونه"(١٩٧).
وهذه الأُطروحة هي أسهل افتراض عمليّ لاحتجاب الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عن الناس ونجاته من ظلم الظالمين. فإنّه في اختفائه هذا يكون في مأمن قطعيّ حقيقيّ من أيّ مطاردة أو تنكيل حيثمّا كان على وجه البسيطة.
وهذا الاختفاء يتمّ عن طريق الإعجاز الإلهيّ، كما تمّ طول عمره لمدى السنين المتطاولة بالإعجاز أيضاً. وكان كلا الأمرين لأجل حفظ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عن الموت والأخطار، لكي يقوم بالمسؤوليّة الإسلاميّة الكبرى في اليوم الموعود.
وتضيف هذه الأُطروحة: إنّ هذا الاحتجاب قد يزول أحياناً عندما توجد مصلحة في زواله، كما لو أراد الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أن يقابل شخصاً من البشر لأجل أن يقضي له حاجة أو يوجّه له توجيهاً أو ينذره إنذاراً، فإنّ المقابلة تتوقّف على رؤيته، ولا تتمّ مع الاختفاء.
وعلى ذلك تُحمل كلّ أخبار مشاهدة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) خلال غيبته، حتّى ما كان خلال الغيبة الصغرى.
الأًطروحة الثانية: أُطروحة خفاء العنوان(١٩٨):
ويقصد بذلك أنّ الناس يرون الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بشخصه دون أن يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقته.
لقد سبق أن عرفنا من تاريخ الغيبة الصغرى أنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قد ربّاه أبوه محتجباً عن أعين الناس، إلّا القليل من الخاصّة الذين أراد أن يطلعهم على وجوده ويثبت لهم إمامته من بعده، ثمّ ازداد الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) احتجاباً بعد وفاة أبيه، وأصبح لا يتّصل بالناس إلّا عن طريق سفرائه الأربعة، عبر عدد من الخاصّة المأمونين على السرّ، الذين كانوا يبحثون عن الخلف بعد الإمام العسكريّ (عليه السلام)، كعليّ بن مهزيار الأهوازيّ وغيره، وكان الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يؤكّد عليهم في كلّ مرّة الكتمان والحذر.
وكلّما تقدّمت السنون في الغيبة الصغرى، وتقدّمت الأجيال، وقلّ الذين كانوا قد عاصروا الإمام العسكريّ (عليه السلام) وشاهدوا ابنه المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) حتّى انقرضوا بالتدريج، ووُجدت أجيال جديدة لا تعلم أُسلوب اتّصالها بالإمام إلّا الاتّصال بسفيره على أفضل تقدير، كان هذا الجيل - بشكل عامّ - جاهلاً بشكل إمامه المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، بحيث لو واجهوه لما عرفوه البتة إلّا بإقامته الأدلّة القطعيّة على شخصيّته.
ومن هنا تيسّرت له - كما علمنا في ذلك التاريخ - فرصة السفر إلى مختلف أنحاء البلاد، كمكّة ومصر، من دون أن يكون لافتاً لنظر أحد.
وهذا ما تعنيه من خفاء العنوان، فإنّ أيّ شخص يراه يكون غافلاً البتّة عن كونه هو الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وإنّما يرى فيه شخصاً عاديّاً كسائر الناس، لا يلفت النظر على الإطلاق.
ويمكن للمهديّ (عليه السلام) أن يعيش في أيّ مكان يختاره، وفي أيّ بلد يفضّله سنينَ متطاولة، من دون أن يَلْفِتَ إلى حقيقته نظرَ أحد، وتكون حياته في تلك الفترة كحياة أيّ شخص يكتسب لمعيشته من بعض الأعمال الحرّة كالتجارة أو الزراعة أو غيرها، ويبقى على حاله هذه في مدينة واحدة أو مدن عدّة، حتّى يأذن الله تعالى له بالفرج.
ويمكن الاستدلال على هذه الأُطروحة من خلال الأخبار الواردة بهذا الصدد، منها:
ما رواه الشيخ الطوسيّ في الغيبة عن السفير الثاني الشيخ محمّد بن عثمان العمريّ أنّه قال: "والله، إنّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة، يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه"(١٩٩).
والمقصود بصاحب هذا الأمر: الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والمراد بالموسم موسم الحجّ، والرواية واضحة الدلالة على عدم اختفاء الشخص، ومقترنة بالقسم بالله تعالى تأكيداً، وصادرة عن سفير الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهو أكثر الناس اطّلاعاً على حاله.
ومنها ما ورد عن السفير من قوله حول السؤال عن اسم الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف): "وإذا وقع الاسم وقع الطلب"(٢٠٠).
فإنّه ليس في طلب الحكّام للمهدي (عليه السلام) ومطاردتهم له أيُّ خطر أو أيّ تأثير، لو كانت الأُطروحة الأولى صادقة وكان جسم المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مختفياً، إذ يستحيل الوصول إليه. وإنّما الخطر يكمن في إمكان كشفه فيما إذا لم يكن مختفياً بجسمه. والنهي عن الاسم إنّما يكون تجنّباً للمطاردة. وهذا ينسجم مع الأُطروحة الثانية، فإنّه ما دام عنوان المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) واسمه مجهولين، يكون في مأمن عن المطاردة، وأمّا إذا "وقع الاسم" وعُرف العنوان، لا يكون هذا الأمن متحقّقاً، ويكون احتمال المطاردة قويّاً.
ومنها: ما ورد من التوقيع الذي خرج من المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى سفيره محمّد بن عثمان (رضي الله عنه)، يقول فيه: "فإنّهم إنْ وقفوا على الاسم أذاعوه، وإنْ وقفوا على المكان دلّوا عليه"(٢٠١).
فإنّه لو صدقت الأُطروحة الأولى، لم يمكن رؤية المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في أيّ مكان على الإطلاق، ولم يكن في الدلالة على أيّ مكان خطر أصلاً، وإنّما يكون الخطر موجوداً طبقاً للأُطروحة الثانية.
ومنها: ما قاله أبو سهل النوبختيّ حين سئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: "هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقى الخصومَ وأُناظرهم، ولو علمتُ بمكانه كما علم أبو القاسم، وضغطتني الحجّة على مكانه، لَعلِّي كنت أدلّ على مكانه، وأبو القاسم لو كان الحجّة تحت ذيله وقُرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه"(٢٠٢).
ومن الواضح أنّه لا معنى لكلّ هذه الاحتياطات والتحفّظات مع صحّة الأُطروحة الأولى في اختفاء شخص المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وإنّما ينبغي كلّ هذا التحفّظ مع صحّة الأُطروحة الثانية، فإنّ الدلالة على المكان هي قرع انكشاف العنوان. والقائل لهذا الكلام هو أبو سهل النوبختيّ الذي كان من جلالة القدر والوثاقة، بحيث كان من المحتمل أن يكون هو السفير عن الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف). ومن هنا سئل في هذه الرواية عن سبب غضّ النظر عنه وإبداله بالشيخ ابن روح.
المفاهيم الرئيسة:
١- لم تكن الغيبة الكبرى واحتجاب الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عن شيعته وقواعده بشكل كامل أمراً مفاجئاً وغير متوقَّع، فإنّ الغيبة الصغرى كانت تمهيداً عمليّاً للغيبة الكبرى.
٢- لقد تواترت الأخبار عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) حول وقوع الغيبة الكبرى للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٣- الإعلان عن بدء الغيبة الكبرى: كانت وفاة السفير الرابع عليّ بن محمّد السمريّ (٣٢٩هـ) إيذاناً بابتداء عصر الغيبة الكبرى. وكان التوقيع الصادر عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى عليّ بن محمّد السمريّ يخبره بدنوّ أجله، وأنّه ميّت بعد ستّة أيّام، إعلاناً ببدء مرحلة الغيبة الكبرى، وانتهاء الفترة الممهّدة لها، وهي فترة السفراء الأربعة التي عُرفت بالغيبة الصغرى.
٤- نتائج إعلان الغيبة الكبرى:
أ- انتهاء دور النيابة الخاصّة.
ب- مرحلة الغيبة الصغرى ودور السفراء - كوسطاء - كانا إتماماً لدور الأئمّة (عليهم السلام) في إنضاج العقل الشيعيّ، والوصول به إلى مستوًى عالٍ في التفاعل مع الأحداث واستنباط أحكامها.
ج- بدء مرحلة النيابة العامّة، وإرجاع الشيعة إلى رواة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في كلّ واقعة.
د- إنّ أمر الإذن بخروج الإمام (عليه السلام) عائد إلى الله سبحانه وتعالى.
٥- أسباب الغيبة الكبرى: لقد أشارت الأحاديث الشريفة المرويّة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) إلى أسباب وعلل غيبة الإمام (عليه السلام)، والأحاديث على طوائف، وهي: سنّة الأنبياء، خوف القتل، تتمّة خلق المؤمنين، اختبار الناس وبلاؤهم، بيان فساد حكم السابقين، أن لا يكون في عنقه بيعة لطاغية.
٦- لقد امتازت الغيبة الكبرى بخصائص عدّة، وهي: الانقطاع عن الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وانتشار الظلم والجور، والتشكيك في وجود الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وظهور التيّارات المنحرفة والضّالّة.
٧- يمكن تصوير تحرّك ونشاط الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) خلال احتجابه في عصر الغيبة الكبرى، بأحد شكلين: أطروحة خفاء الشخص، وأطروحة خفاء العنوان.

الدرس التاسع: إشكاليّة طول عمر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يتعرّف إلى الأدلّة العلميّة حول طول عمر المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٢- يشرح الدليل القرآنيّ والروائيّ.
٣- يلخّص الدليل العلميّ والتاريخيّ.
تمهيد:
يُعتبر طول عمر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من أهمّ الإشكاليّات والشبهات المثارة حول حياة هذا الإمام، إلّا أنّ طول العمر أمر مقبول من الناحيتين العلميّة والعقليّة، وله مصاديق كثيرة على امتداد التاريخ، كما أنّه قابل للإثبات طبقاً لمقياس القدرة الإلهيّة اللامتناهية، فأتباع الأديان السماويّة كافّة يؤمنون أنّ جميع ذرّات العالم ملك لله وتحت سيطرته واختياره، وأنّ تأثير جميع العلل والأسباب موقوف على الإرادة الإلهيّة، فلو شاء أن يلغي تأثير تلك الأسباب لفعل، ولو شاء أن يَخلق ويوجِد من دون سبب أو علّة طبيعيّة لفعل أيضاً.
وهنا يُطرح سؤال: كيف يمكن لشخص أن يعيش كلّ هذا العمر الطويل؟
الدليل الفلسفيّ:
إنّ البحث عن إمكانيّة طول عمر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يأتي من ناحيتين:
الناحية الأولى: الإمكان العامّ: إنّ الإمكان العامّ في طول العمر ممّا لم ينكره أحد، إذ لم يقل أحد بأنّه من الممتنعات الذاتيّة - كاجتماع النقيضَين، واجتماع الضدَّين -، وبذلك يعترف الطرف الآخر أيضاً، فلا جدوى في البحث عن هذه الجهة.
الناحية الثانية: الإمكان الخاصّ: فتارة نبحث فيه من حيث قدرة الخالق الباري (عزّ وجلّ)، وأخرى من حيث استعداد المخلوق وقابليّته لإطالة العمر؛ أي وجود المقتضي لطول العمر، وثالثة من حيث وجود المانع بعد التسليم بتماميّة المقتضي. فإذا بحثنا عن هذه الجهات، وتمّ الكلام فيها، فلا بدّ من الاعتراف بإمكانيّة إطالة العمر.
فأمّا من حيث قدرة الخالق، فلا ريب فيه أنّ المعترفين بوجود الخالق، من المسلمين وغيرهم، يعتقدون بقدرة الخالق على فعل أمر كهذا، بل أكثر من ذلك، فإن للخالق القدرة اللامتناهية، وإلّا نكون قد نسبنا العجز للخالق.
وأمّا من حيث استعداد المخلوق وقابليّته لإطالة العمر، فإنّ كلّ إنسان له القدرة والقابليّة للبقاء وطول العمر، فإنّ الذي يحكم بهذه القابليّة إمّا العلم والتجربة، وإمّا الشرع. وسيأتي أنّ العلم والشرع يحكمانِ بذلك، بل وقع فعلاً.
وأمّا الحديث عن المانع من ذلك، فإنّ ما يمكن تصويره بالمانع هو الأمور الطبيعيّة الخارجيّة، أو أمر إلهيّ تكوينيّ دلّ الدليل عليه من الشرع، فيُستفاد منه أنّ عمر الإنسان محدود بفترة زمنيّة معيّنة لا يتجاوزها، وذلك لإرادة إلهيّة قاهرة تقهر العباد على الموت. وممّا لا يخفى أنّ الشرع والعلم أثبتا إمكانيّة حصول ذلك ووقوعه.
الدليل العلميّ:
ثبت بالدليل الفلسفيّ أنّ طول العمر من الناحية العقليّة ليس بالأمر المستحيل، بل إنّ العلماء توصّلوا من خلال إجراء دراسات على أجزاء من بدن الإنسان إلى حقيقةٍ مفادها إمكان أن يعيش الإنسان لسنوات طويلة جدّاً من دون أن يتعرّض إلى استنزاف القوى، أو يُبتلى بالشيخوخة.
قال "برنارد" في هذا الإطار: تفيد الأصول العلميّة المعتمَدة لدى جميع علماء البيولوجيا أنّه لا يمكن تعيين سقف محدّد لعمر الإنسان، بل حتّى قضيّة التعمير أيضاً غير خاضعة للتحديد الزمنيّ(٢٠٣).
وقال البروفسور "أتينغر" أيضاً: "يبدو لي من خلال التقدّم التكنولوجيّ الكبير الذي شرعنا به أنّ الإنسان سيستطيع في القرن الحادي والعشرين أن يعمّر آلاف الأعوام"(٢٠٤).
بناءً على ذلك، فمساعي العلماء الرامية إلى استكشاف سبل الغلبة على الهرم وبلوغ أعمار فائقة، دليلٌ على إمكان هذا الأمر. وقد اتُّخذت خطوات ناجحة في هذا المضمار. وما أكثر من عمّر في مشارق الأرض ومغاربها زهاء ١٥٠ عاماً بل أكثر، بفعل الظروف الجوّيّة والبيئة المناسبة والتغذية السليمة وممارسة النشاطات البدنيّة والفكريّة المناسبة، وما إلى ذلك من عوامل أخرى.
الدليل القرآنيّ:
لقد أكّد القرآن الكريم على وجود العديد من الأنبياء (عليهم السلام) الذين طال عمرهم في سبيل تحقيق الغايات والأهداف الإلهيّة، في هداية الناس وإرشادهم إلى الإيمان والإسلام، ومنها:
١- ورد في القرآن الكريم آيات لا يُستفاد منها طول العمر فحسب، وإنما تنبئ عن إمكان الخلود، وهي قوله تعالى في النبيّ يونس (عليه السلام): ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾(٢٠٥).
وعلى هذا الأساس، يرى القرآن الكريم إمكان عيش الإنسان والحوت عمراً طويلاً جدّاً (منذ عصر يونس (عليه السلام) حتّى يوم القيامة)، وهو ما يُصطلح عليه عند علماء البايولوجيا بـ"الخلود"(٢٠٦).
٢- قال تعالى بشأن النبيّ نوح (عليه السلام): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾(٢٠٧).
إنّ ما ورد في هذه الآية الشريفة هو مدّة نبوّة نوح (عليه السلام)، وإلّا فإنّه عاش، بحسب ما أشارت إليه بعض الروايات، ٢٤٥٠ سنة!(٢٠٨).
٣- وقال -تعالى - حول مصير النبيّ عيسى (عليه السلام): ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾(٢٠٩).
وفي ضوء بعض الآيات القرآنيّة، وعدد كبير من الأحاديث، يرى جلّ المسلمين أنّ النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) حيّ يُرزق، وأنّه موجود في السماء، وسينزل عند ظهور الإمام المهديّ بن الحسن (عليه السلام)، ليكون وزيره ومن أنصاره وأعوانه.
وفضلاً عن القرآن الكريم، جرى الحديث عن الأعمال الطويلة في الكتب السماويّة الأخرى، كالتوراة والإنجيل أيضاً، فجاء في التوراة: "فَكَانَتْ كُلُّ أيَّامِ آدَمَ الَّتِي عَاشَهَا تِسْعَ مِئَةٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ...، فَكَانَتْ كُلُّ أيَّام أنُوشَ تِسْعَ مِئَةٍ وَخَمْسَ سِنِينَ، وَمَاتَ...، فَكَانَتْ كُلُّ أيَّامِ قِينَانَ تِسْعَ مِئَةٍ وَعَشَرَ سِنينَ، وَمَاتَ...، فَكَانَتْ كُلُّ أيَّامِ مَتُو شَالَحَ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعاً وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ"(٢١٠).
وبذلك يتّضح أنّ التوراة تؤكّد على وجود أفراد عاشوا أعماراً طويلةً جدّاً، تجاوزت التسع مائة عام.
وفي الإنجيل أيضاً عبارات تبيّن أنّ عيسى (عليه السلام) عاش بعدما صُلب، وصعد إلى السماء(٢١١)، ومن ثمّ سينزل في زمن معيّن، ومن المسلّم به أنّ عمره يومئذٍ سيتخطّى الألفي عام.
إذا عرفت ذلك، يتبيّن أنّ أتباع الديانتَيْن اليهودية والمسيحيّة لا بدّ من أن يؤمنوا بإمكان أن يعيش الإنسان عمراً طويلاً من باب إيمانهم بالكتاب المقدّس.
الدليل الروائيّ:
قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام): "... يُطيل الله عمره في غيبته، ثمّ يظهره بقدرته في صورة شابّ ابن دون الأربعين سنة؛ ذلك لِيُعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير"(٢١٢).
وفي هذا الصدد، قال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): "في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء:... وأمّا من عيسى فيقال: إنّه مات، ولم يمت"(٢١٣).
والطريف أنّه جاء في رواية عن الإمام السجّاد (عليه السلام)، قال "في القائم سنّة من نوح، وهو طول العمر"(٢١٤).
الدليل التاريخيّ:
ونقصد بالدليل التاريخيّ أمرين:
الأوّل: أنّ هنالك العديد من الأنبياء (عليهم السلام) قد ثبت قطعاً بقاؤهم على قيد الحياة إلى فترة طويلة جدّاً، كنبيّ الله نوح (عليه السلام) الذي عاش أكثر من ألفي سنة.
وأنّ هنالك بعض الأنبياء (عليهم السلام) لا يزالون على قيد الحياة، كنبيّ الله عيسى (عليه السلام)، وهذا ما أوضحناه في الدليل القرآنيّ، فأشار القرآن الكريم إلى وقوع حادثة تاريخيّة وهي طول عمر عيسى (عليه السلام)، وأنّه لا يزال على قيد الحياة، بل سيبقى على قيد الحياة - بحسب تفسير الروايات - إلى ظهور المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وكذلك الحال في بقاء الخضر (عليه السلام) على قيد الحياة. يقول الشيخ الطبرسيّ: "وقد تظاهرت الأخبار بأنّ أطول بني آدم عمراً الخضرُ (عليه السلام)، وأجمعت الشيعة وأصحاب الحديث، بل الأمّة بأسرها - ما خلا المعتزلة والخوارج - على أنّه موجود في هذا الزمان، حيّ كامل العقل، ووافقهم على ذلك أكثر أهل الكتاب"(٢١٥).
ومن لطيف ما يُذكر من الروايات حول طول عمر الخضر (عليه السلام)، وأنّ الله سبحانه وتعالى قد أطال في عمره عبرة ومثالاً، أنّه يريد أن يطيل عمر القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وأنّه من يريد أن ينكر عمر القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فَلْينظُرْ إلى إطالة عمر الخضر، فتبهت حجّته، فقد روي عن المفضّل بن عمر أنّه قال: قال الإمام الصادق (عليه السلام): "وأمّا العبد الصالح - أعني الخضر (عليه السلام) -، فإنّ الله تبارك وتعالى ما طوّل عمره لنبوّة قدّرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة مَن كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى، إنّ الله - تبارك وتعالى- لمّا كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائم في أيّام غيبته ما يقدّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوّل عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك إلّا لعلة الاستدلال به على عمر القائم، وليقطع بذلك حجّة المعاندين، لئلّا يكون للناس على الله حجّة"(٢١٦).
وكان لقمان بن عاد الكبير أطول الناس عمراً بعد الخضر، وذلك أنّه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة(٢١٧).
الثاني: أنّه قامت الأدلّة العقليّة والنقليّة على ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وغيبته، فهل يجوز أن ندفعها بالاستبعاد، مع أنّه لا استبعاد في ذلك بعد النصّ القطعيّ من القرآن الكريم والروايات الشريفة حول ولادة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وبقاء العديد من الأنبياء على قيد الحياة لفترات متمادية؟!
المفاهيم الرئيسة:
١- إنّ موضوع طول العمر مقبول علميّاً، فقد أكّدت الدراسات العلميّة إمكانيّة إطالة عمر الإنسان إذا راعى العديد من الضوابط الصحّيّة.
٢- الدليل الفلسفيّ: إنّ البحث عن إمكانيّة طول عمر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يأتي من ناحيتين: الناحية الأولى: الإمكان العامّ: إنّ الإمكان العام في طول العمر ممّا لم ينكره أحد، والثانية: الإمكان الخاصّ: فتارة نبحث فيه من حيث قدرة الخالق الباري، وأخرى من حيث استعداد المخلوق وقابليّته، وثالثة من حيث وجود المانع بعد التسليم بتماميّة المقتضي.
٣- الدليل العلميّ: تفيد الأصول العلميّة المعتمدة لدى جميع علماء البيولوجيا، أنّه لا يمكن تعيين سقف محدّد لعمر الإنسان، بل حتّى قضيّة التعمير أيضاً غير خاضعة للتحديد الزمنيّ.
٤- الدليل القرآنيّ: لقد أكّد القرآن الكريم على وجود العديد من الأنبياء (عليهم السلام) الذين طال عمرهم في سبيل تحقيق الغايات والأهداف الإلهيّة، ومنهم: النبيّ يونس، النبيّ نوح، النبيّ عيسى (عليهم السلام).
٥- الدليل الروائيّ: أكّدت الروايات الواردة من طرق أهل البيت (عليهم السلام) على أنّ المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) سوف يطول عمره.
٦- الدليل التاريخيّ: ونقصد بالدليل التاريخيّ أمرين:
الأوّل: أنّ هنالك العديد من الأنبياء (عليه السلام) قد ثبت قطعاً بقاؤهم على قيد الحياة إلى فترة طويلة جدّاً، كنبيّ الله نوح (عليه السلام) الذي عاش أكثر من ألفي سنة، والخضر، وغيرهما.
الثاني: أنّه قامت الأدلّة العقليّة والنقليّة على ولادة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وغيبته.

الدرس العاشر: علامات الظهور (١) شرائط الظهور وعلاماتُه

أهداف الدرس:
 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يبيّن الفارق بين شرائط الظهور وعلاماته.
٢- يعدّد شرائط ظهور الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٣- يحدّد المقصود بالطليعة الواعية البصيرة والفرضيّات حولها.
تمهيد:
إنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو الذي سوف يتحقّق على يديه الوعد الإلهيّ للبشريّة جمعاء، بأن يسود الحقّ والعدل جميع أرجاء المعمورة، ويصبح العدل في كلّ بلد وقرية ومنزل، ويرتفع الظلم عن جميع أبناء البشريّة، وتسعد بالسعادة الكاملة والمطلقة والدائمة على الأرض.
فالمهديّ هو الخليفة الإلهيّ الذي سوف يحقّق غاية البشريّة جمعاء على وجه الأرض، وهو الإنسان الكامل الذي تظهر على يديه رحمة الله سبحانه وتعالى للبشريّة مطلقاً.
وقد شاءت الظروف -كما تقدّم- أن يغيب المهديّ عن أنظار الناس، فلا يرون شخصه، ولا يعرفون رسمه؛ فأدّى ذلك إلى أن يعيش الناس حال الانتظار لذلك المنقذ العالميّ.
ونظراً لأهمّيّة هذه القضيّة، فقد وضع الإسلام بعض الشرائط الضروريّة لتحقّق ذلك الوعد الإلهيّ، وكذلك بعض العلامات الكاشفة عن تحقّق ذلك الوعد.
الفوارق بين شرائط الظهور وعلاماته:
إنّ مفهومَي الشرائط والعلائم يشتركان بأنّهما معاً ممّا يجب تحقّقه قبل الظهور، فلا يمكن أن يحقّق قبل تحقّق كلّ الشرائط والعلامات. فإنّ تحقّقه قبل ذلك مستلزم لتحقّق المشروط قبل وجود شرطه أو الغاية قبل الوسيلة؛ كما أنّه مستلزم لكذب العلامات التي أُحرز صدقُها وتوافرُها.
فلا بُدّ من أن يوجَدا معاً قبل الظهور، خلال عصر الغيبة الكبرى. وعلى الرغم من نقاط الاشتراك هذه، فإنّ بينهما من نقاط الاختلاف ما لا بُدّ من بيانه بشكل يتّضح الفرق بين المفهومَين بشكل أساسيّ. وهذه الفروق هي:
الفرق الأوّل: الشرائط واقعيّة لزوميّة، والعلامة كشف وإعلام:
إنّ إناطة الظهور بالشرائط إناطة واقعيّة، وبتمام تحقّقها يتحقّق الظهور. وهذا هو الفرق الأساسيّ المستفاد من مفهوم اللفظين - الشرطيّ والعلامة -.
فإنّ معنى الشرط في الفلسفة، ما كان له بالنتيجة علامة علّيّة وسببيّة لزوميّة، بحيث يستحيل وجوده من دونه.
وهذا هو الذي نجده على وجه التعيين في شرائط الظهور. فإنّنا سنرى أنّ انعدام بعض الشرائط يقتضي انعدام الظهور أساساً، بحيث لا يعقل تحقّقه، وانعدام بعضها يقتضي فشله، ومن ثمّ عدم إمكان نشر العدل الكامل المستهدَف في التخطيط الإلهيّ الكبير. فلا بُدّ أوَّلاً من اجتماع الشرائط لكي يمكن تحقّق الظهور ونجاحه.
أمَّا العلامة فليس لها دخل سوى الدلالة والإعلام والكشف عن وقوع الظهور بعدها، ومثالها هيجان الطيور الدالّ على وقوع الخطر أو العاصفة بعده، من دون إمكان أن يقال: إنّ العاصفة لا يمكن أن تقع من دون هيجان الطيور.
بل يمكن وقوعها، بطبيعة الحال، وإن كانت قد لا تنفكّ عن ذلك في كلّ عاصفة. ومعه تنبثق ضرورة وجود العلامة قبل الظهور، بصفتها دليلاً كاشفاً عن وقوعه، لا بصفتها ذات ارتباط واقعيّ لزوميّ، كما كان الحال في شرائط الظهور.
نعم، ينبغي أن نأخذ بعين نظر الاعتبار نقطة واحدة، وهي أنّ بعض العلامات، كوجود الدجّال، وقتل النفس الزكيّة، مربوطة ارتباطاً عضويّاً بالشرائط، بمعنى أنّ هذه العلامات من مسبّبات ونتائج عصر الفتن والانحراف الذي هو سبب التمحيص، الذي هو سبب إيجاد أحد شرائط الظهور.
الفرق الثاني: الشرائط مترابطة، والعلامات أحداث غير مترابطة:
إنّ علامات الظهور عبارة عن أحداث عدّة، قد تكون مبعثَرة، ولا بُدّ من وجود ترابط واقعيّ بينها. غير أنّها سابقة على الظهور، الأمر الذي سوَّغ جعلها علامة للظهور في الأدلّة الإسلاميّة.
وأمّا شرائط الظهور، فلها - باعتبار التخطيط الإلهيّ الطويل - ترابطٌ سببيٌّ ومسبّبي واقعيّ، سواء أنظرنا إلى ظرف وجودها قبل الظهور، أم نظرنا إلى ظرف إنتاجها قبل الظهور.
الفرق الثالث: الشرائط متسلسلة، والعلامات متفرّقة:
إنَّ العلامات قد لا تجتمع أصلاً في أيّ زمان، بل يحدث أحدها وينتهي، ثمّ يبدأ الآخر في زمان متأخّر، وهكذا. كما أنّها قد تجتمع صدفة أحياناً، فهي حوادث مبعثرة في الزمان، كما أنّها مبعثرة بحسب الربط الواقعيّ.
وأمّا الشروط، فلا بُدّ من أن تجتمع في نهاية المطاف، فإنّها توجَد تدريجاً. إلّا أنّ الشرط الذي يحدث يستمرّ في البقاء، ولا يمكن - في منطق التخطيط الإلهيّ - أن يزول. فعندما يحدث الشرط الآخر، يبقى مواكباً للشرط الأوّل، وهكذا تتجمّع الشرائط في نهاية المطاف، في اللحظة الأخيرة من عصر الغيبة.
الفرق الرابع: الشرائط باقية، والعلامات زائلة:
إنّ العلامات تحدث وتنفد بأجمعها قبل الظهور، في حين أنّ الشرائط لا توجد بشكل متكامل إلّا قبيل الظهور أو عند الظهور. ولا يمكن أن تنفد، وإلّا لزم انفصال الشرط عن مشروطه، والنتائج عن المقدّمات، وهو مستحيل.
والسرّ في ذلك كامن في الفرق بين النتائج المتوخّاة من وراء كلا المفهومين. فإنّ العلامات، بصفتها دلالات وكواشف عن الظهور، سوف تنتهي وظيفتها عند حدوثه، ولا يبقى لها أيّ معنى بعده، أمَّا الشروط فإنّها دخيلة في التسبّب إلى وجود يوم الظهور وإلى تحقّق النصر فيه.
الفرق الخامس: الشرائط دخيلة في التخطيط الإلهيّ، والعلامات خارجة عنه:
إنّ شرائط الظهور دخيلة في التخطيط الإلهيّ، ومأخوذة بعين الاعتبار فيه باعتبار توقّف اليوم الموعود عليه. بل إنّنا عرفنا أنّ البشريّة كلّها، من أوّل ولادتها إلى يوم الظهور، كرّسها التخطيط الإلهيّ لإيجاد يوم الظهور.
وأمَّا العلامات فليس لها أيّ دخل من هذا القبيل، بل كلّ إنتاجها هو إعلام المسلمين، وتهيئة الذهنيّة عندهم لاستقبال يوم الظهور، وجعلهم مسبوقين بحدوثه في المستقبل أو بقرب حدوثه.
الفرق السادس: الشرائط غير ممكنة التأكّد، والعلامات ممكنة التأكّد:
إنّ علامات الظهور يمكن الفحص والتدقيق والتأكّد ممّا وُجد منها وممّا لم يوجَد، باعتبارها حوادث يمكن تحديدها والإشارة إليها. ومن هنا انبثقت دلالتها للمسلمين على قرب الظهور.
وأمَّا الشرائط فقد قلنا إجمالاً إنّه من المتعذّر تماماً التأكّد من اجتماعها، وذلك لأنّ منها حصول العدد الكافي من المخلصين الممحَّصين في العالم، وهذا ممّا لا يكاد يمكن التأكّد منه لأحد من الناس العاديّين.
شرائط الظهور:
يُقصد بشرائط الظهور الشرائطُ التي يتوقّف عليها تنفيذ اليوم الموعود، ونشر العدل الكامل في العالم كلّه، وذلك اليوم الذي يُعتبر ظهور المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الركنَ الأساسيّ لوجوده، ومن ثمّ يتحدّد ظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بتلك الشرائط نفسها. وعلى الرغم من أنّ فكرة الغيبة والظهور، إذا لاحظناها مجرّدة، لن نجدها منوطة بغير إرادة الله (عزَّ وجلَّ) مباشرة، ولكنّ الله تعالى أراد أن يتحدّد الظهور بهذه الشرائط نفسها لأجل إنجاح اليوم الموعود، لأنّ المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مذخور لذلك، فيكون بين الأمرين ترابط عضويّ وثيق. وإذا نظرنا إلى هذا المستوى الشامل، كانت شرائط الظهور ثلاثة:
الشرط الأوّل: الأطروحة العادلة الكاملة:
وجود الأُطروحة العادلة الكاملة التي تمثّل العدل المحض الواقعيّ، والقابلة التطبيق في كلّ الأمكنة والأزمنة، والتي تضمن للبشريّة جمعاء السعادة والرفاهيّة في العاجل. والكمال البشريّ المنشود في الآجل، من دون مثل هذه الأُطروحة، يكون العدل الكامل منتفياً، وغير ممكن التطبيق.
وعليه، فإنّ الهدف، في الحقيقة، هو تطبيق الأُطروحة العادلة الكاملة التي لا تحتوي على ظلم أو نقص.
وأن تكون هذه الأُطروحة ناجزة عند الظهور، يعني أنّ مع عدمها يومئذٍ، ينتفي التطبيق بانتفائها ويتعذّر العدل المنشود في اليوم الموعود.
ولا بُدّ من أن تكون هذه الأُطروحة معروفة، ولو بمعالمها الرئيسة قبل البدء بتطبيقها، لِما عرفنا في الحديث عن التخطيط الإلهيّ من أنّ تطبيقها يتوقّف على مرور الناس بخطّ طويل من التجربة والتمحيص عليها؛ ليكونوا مُمرّنين على تقبّلها وتطبيقها، ولا يفاجئُهُم أمرها، ويهولهم مضمونها، ويصعب عليهم امتثالها، فيفسد أمرها، ويتعذّر نجاحها كما هو واضح.
الشرط الثاني: قيادة الثورة وخصائصها:
من شرائط الظهور أيضاً وجود القائد العامّ للظهور، والذي له القابليّة الكاملة لقيادة العالم كلّه. وهذا الشرط بالتحليل يرجع إلى شرطين:
أحدهما: اشتراط وجود القائد للثورة العالميّة، حيث لا يمكن تحقّقها من دون وجود قائد.
ثانيهما: أن يكون لهذا القائد قابليّة القيادة العالميّة.
إلّا أنّنا يجب أن نلاحظ أنّ قيادة العالم وتطبيق الأُطروحة الكاملة من الدقّة والأهمّيّة بحيث تفوق بأضعاف مضاعفة قيادة أيّ دولة في العالم مهما كانت واسعة وكبيرة. ومن هنا، يجب على الرأي العامّ - لأجل أن يكون كاملاً وقابلاً لهذه القيادة- أن يكون كلّ فرد من مكوّنيه على الرغم من نقصانه، ذا درجة عليا من الوعي والشعور بالمسؤوليّة والتدقيق في الأمور، بحيث يحصل بانضمامه إلى غيره، ذلك الرأي العامّ المتَّفق عليه، القابل للقيادة. وهذه الصفة لم تصبح غالبة في الأفراد على طول الخطّ التاريخيّ الطويل لعمر البشريّة تجاه أيّ مبدأ من المبادئ، فضلاً عن العدل الكامل، وفي دولة محدودة، فضلاً عن أفراد البشريّة في دولة عالميّة.
وهذا أمر وجدانيّ يعيشه كلّ فرد منّا بالنسبة إلى ملاحظة أنحاء الفشل والاضطرار إلى التعديلات المتوالية في الدول والسياسات العامّة، مهما كانت قيادتها شخصيّة أو جماعيّة. ولم تنجح أيّ ديمقراطيّة جماعيّة، حتّى الآن، من الخطأ والزلل، بل تعمّد الخطأ في أكثر الأحيان. وعلى أيّ حال، يستحيل على عصر الفتن والانحراف أن يوجِد رأياً عامّاً كاملاً عادلاً، يمكنه أن يقود العالم قيادة جماعيّة في اليوم الموعود.
الشرط الثالث: الطليعة الواعية البصيرة:
١- ضرورة وجود المناصرين والمؤيّدين:
إنّ وجود المناصرين المؤازرين المنفِّذين بين يَدي ذلك القائد الواحد شرطٌ أساسٌ وحسّاس من شرائط الظهور. ويتعيّن القول به بعد نفي فرضيّتين:
الفرضيّة الأولى: أن يفترض أنّ هذا الفرد الواحد يغزو العالم بمفرده: وهو واضح الامتناع والبطلان، مهما أُوتي الفرد من كمال عقليّ وجسميّ، بعد التجاوز عن الفرضيّة الآتية، وهو إيجاد المعجزة من أجل تحقيق النصر.
الفرضيّة الثانية: أنّ هذا القائد يغزو العالم عن طريق المعجزة، وهذا غير صحيح، وذلك لوجوه عدّة، وهي:
أ- إنّ الدعوة الإلهيّة لو كانت على طول التأريخ قائمة على إيجاد المعجزات من أجل النصر، لما وُجد على وجه الأرض منذ خلقت أيّ انحراف أو ضلال، ولَما احتاج الأمر إلى قتال وجهاد. في حين أنّ الدعوة الإلهيّة قدّمت آلاف الأنبياء (عليهم السلام) والعاملين بهديهم كشهداء في طريق الحقّ، بما فيهم الأئمّة المعصومون (عليهم السلام).
ب- إنّ الدعوة الإلهيّة على طول الخطّ قد ارتكزت على التربية الاختياريّة للفرد والأُمّة على السواء، وذلك أنّه بعد أن وهب الله تعالى الإنسانَ السمعَ والبصر والفؤاد؛ أي العقل والاختيار، وهداه النجدَين: طريق الحقّ وطريق الباطل، وحمّله مسؤوليّة أعماله والأمانة الكبرى التي رفضت السماوات والأرض أن تحملها، وحملها الإنسان، وبها تبدأ فكرة التمحيص.
ومن المعلوم أنّ الإيمان الممحَّص، ولو بشكله البسيط يكون أثمن وأرسخ من الإيمان القهريّ؛ فإنّه يتّصف بالضحالة والضعف، وبقلّة الاستجابات الصالحة المطلوبة من قِبَل الإنسان. وهذا الإيمان القهريّ يمكن أن ينتج من جوّ المعجزات.
إذاً، فحيث تنتفي هاتان الفرضيّتان، يتعيّن المطلوب، وهو احتياج القائد، في تطبيق العدل على العالَم، إلى الناصرين والمؤيّدين لكي ينتشر الجهاد انتشاراً طبيعيّاً.
وتندرج، في هذا الشرط، الصفاتُ الأساسيّة التي يجب أن يتّصف بها هؤلاء المريدون؛ ليكون هذا الشرط في واقعه: وجود المؤيّدين على النحو المعيّن، لا المؤيّدين كيف كان.
٢- شرائط المناصرين والمؤيّدين:
وأهمّ ما يُشترط في هؤلاء المؤيّدين، شرطان متعاضدان، يكمّل أحدهما الآخر، ويندرج تحتهما سائر الأوصاف.
أحدهما: الوعي والشعور الحقيقيّ بأهميّة عدالة الهدف الذي يسعى إليه، والأُطروحة التي يسعى إلى تطبيقها.
ثانيهما: الاستعداد للتضحية في سبيل هدفه، على أيّ مستوى اقتضته مصلحة ذلك الهدف.
وبمقدار ما يوجد في نفس الفرد من هاتين الصفتين، يكون الفرد قابلاً للعمل الاجتماعيّ والجهاد في سبيل الحقّ.
وبمقدار ما يفقد الفرد من هاتين الصفتين، يكون عاجزاً عن العمل والجهاد مهما كان مخلصاً في تديّنه، ولكنّه كان منعزلاً عن المجتمع.
ومن هنا، استهدف التخطيط الإلهيّ إيجادَ التمحيص الذي يربّي الأُمّة التربية التدريجيّة البطيئة نحو إيجاد هذين الشرطين، وتكاملهما في نفوس الأفراد، بحيث يكونون قابلِين لقيادة العالم، فيحقّقون هذا الشرط الثالث.
قد يقال بلزوم شرط رابع لتطبيق الأُطروحة العادلة الكاملة في اليوم الموعود، وهي وجود قواعد شعبيّة كافية ذات مستوى مطلوب من حيث الوعي والتضحية من أجل هذا التطبيق، لتكون هي رائدة اليوم الأوّل في اليوم الموعود.
فإنّ المخلصين الممحَّصين الذين يتوافر فيهم الشرط الثالث، يمثّلون الطليعة الواعية لغزو العالم. وأمّا تطبيق الأُطروحة فيحتاج إلى عدد أكبر من القواعد الشعبيّة الكافية، ليكونوا هم المُثُل الصالحة لتطبيق الأُطروحة العادلة الكاملة في العالم.
٣- الطليعة الواعية أساس الثورة:
يتأكّد توافر الشرط الثالث، باعتبار وضوح توافر سائر الشروط في دعوته (عليه السلام)، وعدم وجود بوادر انخرامها إلّا فيما يعود إلى هذا الشرط، فإنّ دعوته مبدئيّة ذات قيادة، وهو بشخصه القائد. ونلاحظ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يعاني من توافر الشرط الثالث، حيث نراه في العهد الأخير من خلافته يخاطب أصحابه بأنّهم ملأوا قلبه قيحاً، ويتمنّى إبدالهم بخير من صرف الدينار بالدرهم، وهذا راجع في حقيقته للظروف التي كان يعيشها المجتمع يومذاك.
وحينما تولّى الإمام الحسن (عليه السلام) مركز الخلافة والقيادة، وحاول مناجزة القتال للجهاز المنحرف الحاكم، تفرّق عنه جيشه، واستطاع معاوية شراء ضمائر قادة الإمام (عليه السلام) واحداً بعد واحدٍ، حتّى لم يبقَ معه (عليه السلام) من جيشه ناصر؛ فاضطُرّ إلى الصلح مع معاوية، وهذا في واقعه، رجوع إلى المحافظة على الدعوة المبدئيّة بعد انخرام الشرط الثالث، أو الرجوع إلى التقيّة بعد عدم وجود الناصرين المؤيّدين. ويأتي بعده دور الإمام الحسين بن عليّ (عليه السلام)، فتأتيه مئات الكتب من العراق، من الناصرين المؤيّدين الثائرين على الحكم الأمويّ المنحرف، فتتوافر له الحجّة بوجود الناصر - أعني الشرط الثالث - بعد توافر الشرائط الأُخرى، فيشعر بوجوب قيامه بالدعوة الإلهيّة والثورة لطلب الإصلاح في أمّة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما قال هو (عليه السلام).
ويأتي دور الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) المتأخّرين عن الإمام الحسين (عليه السلام)، فيبدأ عصر الهدنة، كما سُمّي بذلك من قبلهم (عليهم السلام)، وذلك باعتبار عدم توافر الشرط الثالث وانعدام الناصرين المخلصين، أو قلّتهم عن المقدار الكافي للثورة.
ويتّضح ذلك بجلاء من موقف الإمام الصادق (عليه السلام) تجاه مبعوث الثورة الخراسانيّة إليه، الذي كان يقول له إنّ الثائرين هناك من أصحابه ومؤيّديه، فلماذا لا يقوم بالجهاد والمطالبة بحقّه في الحكم المباشر، قائلاً: يابن رسول الله، لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حقّ تقعد عنه، وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف.
فقال له (عليه السلام): اجلس يا خراسانيّ، رعى الله حقّك، ثمّ قال: يا حنيفة، أسجري التنّور، فسجرته حتّى صار كالجمرة وابيضّ علوّه، ثمّ قال: يا خراسانيّ! قم فاجلس في التنّور. فقال الخراسانيّ: يا سيدي، يابن رسول الله، لا تعذّبني بالنار، أقلني أقالك الله، قال (عليه السلام): أقلتك.
قال الراوي - وهو حاضر في ذلك المجلس -: فبينما نحن كذلك، إذ أقبل هارون المكّيّ، ونعله في سبّابته، فقال: السلام عليك يابن رسول الله، فقال له الإمام الصادق (عليه السلام): ألقِ نعلك من يدك واجلس في التنّور، قال: فألقى النعل من سبّابته، ثمّ جلس في التنّور. وبعد هنيهة، التفت إليه الإمام (عليه السلام)، وقال: كم تجد في خراسان مِثْلَ هذا؟ فقال: والله، ولا واحداً. فقال: أما إنّا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت"(٢١٨).
المفاهيم الرئيسة:
١- الفوارق بين شرائط الظهور وعلاماته: الأوّل: الشرائط واقعيّة لزوميّة، والعلامات كشف وإعلام. الثاني: الشرائط مترابطة، والعلامات أحداث غير مترابطة. الثالث: الشرائط متسلسلة، والعلامات متفرّقة. الرابع: الشرائط باقية، والعلامات زائلة. الخامس: الشرائط دخيلة في التخطيط الإلهيّ، والعلامات خارجة عنه. السادس: الشرائط غير ممكنة التأكّد، والعلامات ممكنة التأكّد.
٢- شرائط الظهور: يُقصد بشرائط الظهور الشرائط التي يتوقّف عليها تنفيذ اليوم الموعود، ونشر العدل الكامل في العالم كلّه. وشرائط الظهور ثلاثة:
الشرط الأوّل: الأطروحة العادلة الكاملة: وجود الأُطروحة العادلة الكاملة التي تمثّل العدل المحض الواقعيّ، والقابلة التطبيق في كلّ الأمكنة والأزمنة.
الشرط الثاني: قيادة الثورة وخصائصها: إنّ من شرائط الظهور وجود القائد العامّ للظهور، والذي له القابليّة الكاملة لقيادة العالم كلّه. وهذا الشرط بالتحليل يرجع إلى شرطين:
أحدهما: اشتراط وجود القائد للثورة العالميّة، وثانيهما: قابليّة القائد للقيادة العالميّة.
الشرط الثالث: الطليعة الواعية البصيرة: ويتمثل في جود المناصرين المؤازرين المنفِّذين بين يدي ذلك القائد الواحد شرط أساس وحسّاس من شرائط الظهور.
ولهؤلاء المناصرين والمؤيّدين شرائط، وهي:
أحدهما: الوعي والشعور الحقيقيّ بأهميّة عدالة الهدف الذي يسعى إليه، والأُطروحة التي يسعى إلى تطبيقها.
ثانيهما: الاستعداد للتضحية في سبيل هدفه، على أيّ مستوى اقتضته مصلحة ذلك الهدف.

الدرس الحادي عشر: علامات الظهور (٢) تقسيم علامات الظهور وأنواعُها

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يتعرّف إلى تقسيم علامات الظهور.
٢- يحلّل إشكاليّة رمزيّة علامات الظهور، ويردّ عليها.
٣- يلخّص حركة "رجل من أهل قم" الذي يخرج قبل المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
تمهيد:
يعدُّ البحث عن علامات الظهور من الموارد الحسّاسة. فنحن أمام عدد كبير من الروايات يلمس القارئ في بعضها نور الوحي ولحن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام). وفي بعضها يلمس تناقضاً قد يصل إلى درجة الوضع. وفي بعضها سجع متصنَّع لا يشبه كلام الرسول الأعظم وأهلِ بيته (عليهم السلام). وفي بعضها قد يجد الباحث مفاهيم راقية ومعاني عميقة تجعله يطمئنّ إلى أنّ ما فيه من علمٍ صدر عن معدن العصمة ولو صدوراً إجماليّاً، فالفكرة منهم، وإن كان قد حصل شيء من التغيير والتبديل، قام بهما الراوي للحديث.
فنحن أمام هذا الكمّ الهائل من الروايات، ولذا علينا أن نُعملَ المنهج العلميّ لفهم الروايات المعتبرة، وتمييزها من غيرها، التي أصيبت بنحوٍ من الدسّ والتحريف والتخليط الذي يجعل المهمّة صعبة ودقيقة وتحتاج إلى غوّاص ماهر في هذا المجال.
وسوف نعمل على فهم الروايات لنخلص إلى تقسيم علامات الظهور، ونقاش فكرة البداء مع علامات الظهور.
الموقف العامّ من علامات الظهور:
ممّا لا شكّ فيه أنّ هناك تشابكاً دائماً بين مسؤوليّتين أساسيّتين بالنسبة إلى المنتظِرين، وهما:
الأولى: ترتبط بعدم مسؤوليّتهم عن الظهور بصورته المباشرة، فهم مسؤولون عن التمهيد للظهور على أيّ حال، ولكنّ الظهور نفسه هو شأن خاصّ بالله تعالى وبالإمام.
الثانية: هي أنّ التمهيد لظهور الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وكأنّه سيظهر غداً، هو الآخر مسؤوليّة دائمة.
ومن الواضح أنّ واحدة من مهمّات علامات الظهور أنّها تشخّص لنا ذلك الوقت وتدلّنا عليه، حتّى لا تدع المنتظرين لوحدهم تأكلهم جيوش الفتن، ومطبقات البلايا والرزايا. بل سنلاحظ وبدقّة أنّ الأئمّة (عليهم السلام) عَبْرَ حديثِهم عن علامات الظهور، إنّما وضعوا لنا خريطة زمانيّة ومكانيّة واضحة المعالم ومحدَّدة الاتجاهات. وما علينا إلّا أن نراقب هذه الخريطة. فمتى ما تطابق الزمان والمكان في أحداثهما أمكننا أن نرى كم نقترب، وكم نبتعد عن يوم الظهور الشريف. ومتى ما انتفى هذا التطابق، فإنّ أيّ حديث عن الظهور كلامٌ من دون دليل وبرهان.
فهُم (عليهم السلام) لم يذكروا مكاناً، ولا حدّدوا زمناً بصورة تخلو من هدفٍ يوضّح أطر هذه الخريطة وتبيان ملامحها.
ولهذا، فإنّنا نلحظ أنّ العلامات، من هذه الزاوية، تنقسم إلى قسمين: الأوّل منها هو الذي يبتعد عن عصر الظهور.
والقسم الثاني منها هو القسم المتعلّق بالعلامات الخاصّة بعصر التمهيد المباشر. وقد رُبِط بعضها ببعض، كما أشار الإمام (عليه السلام) "نظام كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضاً"(٢١٩). وقد حدّدت الأماكن والأزمنة فيها بشكل قاطع ودقيق. وعليه، فإنّ مهمّتنا هنا تتمثّل بالتركيز على القسم الثاني من روايات العلامات، وتحاول أن تسقط هذه العلامات في موقعها المحدّد من هذه الخريطة.
تقسيمات علامات الظهور:
تنقسم علامات الظهور، من حيث حتميّة تحقّقها وعدمها، إلى قسمين:
القسم الأوّل: العلامات المحتومة:
العلامات المحتومة هي علامات ضروريّة الوقوع، ومن خلالها يمكن الجزم بأنّ ظهور الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قد تحقّق. وقد اختلفت الروايات في عدد هذه العلامات، ففي بعض الروايات أنّها خمس علامات محتومات، فقد روي عن عمر بن حنظَلة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "خَمْسُ علامات قبل قيامِ القائِم: الصَّيْحةُ، والسفيانيّ، والْخَسْفُ، وقتلُ النَّفْسِ الزكيّة، واليمانيّ،..."(٢٢٠).
وبعض الروايات ذكرت خمس علامات، ولكن مع اختلاف في هذه العلامات باستثناء اليمانيّ والسفيانيّ، فعن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "قبل القائم (عليه السلام) خمس علامات: السفيانيّ، واليمانيّ، والمروانيّ، وشعيب بن صالح، وكفٌّ تقول: هذا، هذا"(٢٢١).
وبعض الروايات أضافت خروج الخراسانيّ، فعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: جعلت فداك، متى خروج القائم (عليه السلام)؟ فقال: "يا أبا محمّد، إنّا أهل بيت لا نوقّت، وقد قال محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): كذب الوقّاتون. يا أبا محمّد، إنّ قُدّام هذا الأمر خمس علامات: أولاهنّ النداء في شهر رمضان، وخروج السفيانيّ، وخروج الخراسانيّ، وقتل النفس الزكيّة، وخسف بالبيداء"(٢٢٢).
وفي بعض الروايات ما يدلّ على أنّها ستّ علامات، فقد روي عن أبي حمزة الثمّاليّ، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّ أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: "خروج السفيانيّ من المحتوم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من المغرب من المحتوم، وأشياء كان يقولها من المحتوم"، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): "واختلاف بني فلان من المحتوم، وقتل النفس الزكيّة من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم"(٢٢٣).
ولا نريد استقصاء الروايات التي وردت في هذا المجال، بل أردنا الإشارة فقط إلى اختلاف الروايات في مصاديق هذه العلامات بعد الاتّفاق على أنّ هذه العلامات خمس بنحو عامّ.
القسم الثاني: العلامات غير المحتومة (المشترَطة):
١- مفهومها:
العلامات غير المحتومة، وهي العلامات التي تتساوى فيها نسبة التحقّق وعدمه، أي قد تتحقّق وقد لا تتحقّق، لإمكان جريان البداء فيها.
وقد عبّرت بعض الروايات عن هذا القسم من العلامات بالموقوفة، لما رُوي عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: "إنّ من الأمور أموراً موقوفة وأموراً محتومة، وإنّ السفيانيّ من المحتوم الذي لا بدّ منه"(٢٢٤).
وعبّر عنها الشيخ المفيد بالمشترَطة، حيث قال بعد عدّه علامات الظهور: "ومن جملة هذه الأحداث محتومةٌ، ومنها مشترَطة، والله أعلمُ بما يكون، وإنّما ذكرناها على حسب ما ثبت في الأصول، وتضمّنها الأثرُ المنقول"(٢٢٥).
٢- مشروطيّة العلامات غير الحتميّة:
العلامات المشترطة هي التي يتعلّق تحقّقها بتحقّق غيرها، أو إيجاد شروطها ومقتضياتها. فما لم تتحقّق شروطها لا يتحقّق وجودها، فهي إذاً علامات معلَّقة على دواعيها ومقتضياتها. على أنّ هذه الدواعي والشروط لا تكون بمنزلة العلّة والمعلول، أو السبب والمسبّب؛ أي ليست هي علاقات تكوينيّة يرتبط بعضها ببعض، بل هي أمور شاءت إرادةُ الله - تعالى - أن تكون موقوفة التحقّق على دواعٍ ومقتضيات جعلها الله - تعالى - داعياً أو واقعاً لوجودها. ويُستفاد ذلك من الأخبار الواردة في علامات الظهور بأنّ الله - تعالى - جعل تحقّق بعضها منوطاً بتحقّق بعض. فما لم تتحقّق بعض العلامات لا تتحقّق علامات أُخرى. وقد أطلقنا عليها العلامات المشترَطة أو المعلّقة بها، منها: الصيحة أو النداء، فإنّه على بعض الروايات متعلّقٌ بقتل النفس الزكيّة، وقتل النفس الزكيّة متعلقٌ بإعلان دعوته (عجل الله تعالى فرجه الشريف). والخسف، فإنّه متعلّق بخروج السفيانيّ ووصوله إلى قرب المدينة، فإنّ الله يخسف بجيشه في البيداء. والسفيانيّ متعلّق ظهوره بتحقّق إمكانيّة الظروف المتاحة التي تُحدثها التغيّرات السياسيّة في المنطقة.
وقد أشارت الروايات إلى أنّ هناك نظاماً لهذه العلامات لا يتخلّف ولا يتأخّر. فعن بعض أصحاب أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: ما من علامةٍ بين يدَي هذا الأمر؟ فقال: بلى. قلت: ما هي؟
قال: هلاك العبّاسيّين، وخروج السفيانيّ، وقتل النفس الزكيّة، والخسف بالبيداء، والصوت من السماء. فقلت: جعلت فداك، أخاف أن يطول هذا الأمر، فقال: لا، إنّما هو كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضاً"(٢٢٦).
وما أشار إليه الإمام (عليه السلام) هو الموافق لحيثيّات الظروف التي تنتظر تغيّراً ما، لإمكانيّة تحقّق هذه العلامات، أي أنّ هناك ترابطاً يكاد يكون تكوينيّاً بين علامةٍ وأخرى. فما لم تتحقّق إحداها لا تتحقّق الأخرى. وهكذا، فإنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنبأوا بعلامات الظهور بما في ذلك من مخزون علومهم وما أفاء الله عليهم من علمٍ لدنيٍّ لا يكون إلّا لخاصّته وحملة أسراره، فضلاً عن أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يتعاملون مع هذه الظروف بكلّ معطياتها السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة؛ أي أنّ تعاملهم (عليهم السلام) مع هذه العلامات ينطلقُ عن وعي في توازنات القوى على صعيد الفرد أو الجماعة أو المنظّمة أو الدولة.
علامات الظهور بين الواقعيّة والرمزيّة:
١- مضمون الإشكاليّة:
هل الشخصيّات التي ذُكرت ضمن علامات الظهور كالسفيانيّ واليمانيّ والخراسانيّ وغيرهم هي شخصيّات حقيقيّة وواقعيّة، أم مجرّد رموز حركيّة لتيّارات واتّجاهات فكريّة ليس إلّا؟ بمعنى أنّ السفيانيّ فكرة السفيانيّة واليمانيّ فكرة اليمانيّة، وهكذا الخراسانيّة. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا البحث يرتبط بالشخصيّات التي ذُكرت قبل الظهور. أمّا الشخصيّات التي كان لها حيثيّة واقعيّة وترجع مع الإمام المهديّ في الرجعة كالخضر وإلياس وأصحاب الكهف، أو نزول عيسى بن مريم، فكلّ هذه الشخصيّات خارجة عن مورد البحث، أوّلاً، لأنّها بعد عصر الظهور، وثانياً: هي شخصيّات لها وجود واقعيّ في التاريخ.
٢- الجواب عن الإشكاليّة:
إنّ الجواب عن هذه الإشكاليّة يقع من جهتين:
أوّلاً: الضوابط المنهجيّة:
وحتّى يتّضح الجواب، لا بدّ من الالتفات إلى الأمور المنهجيّة الآتية:
١- الأصل في الروايات أن تُحمَل على اللغة الحقيقيّة، لا اللغة الرمزيّة، إلّا إذا كانت ثمّة قرائن صارفة عن ذلك.
٢- لا يصحّ معالجة كلّ روايات الظهور بمنهج واحد، بمعنى أنْ تُحمَل كلّ الروايات على الرمزيّة أو الحقيقة.
٣- اتّجاه الحقيقة على الشكل الآتي: بأن نحمل علائم الظهور على حقيقة مشخّصة وليست رمزيّة مهملة، أخذاً بظاهر الروايات والقراءات المستقبليّة، وأنّها تدلُّ على معانٍ معيّنة بذاتها، لا على أنّها رموز تحكي عن معانٍ غامضة يحلّها الزمن وتطبيقاته. فالسيف في الرواية هو السيف ذاته والذي كان وما زال آلة للقتال، والبراذين هي البراذين المركوبة نفسها في عصر النصّ، لا أنّها رمز للآليّات العسكريّة كالمدرّعات والدّبابات وغيرها من آلات الحرب النقليّة، وهكذا سائر علائم الظهور وما بعد الظهور، وإن استبعدنا ذلك في زمننا الحاضر لندرة استعمال مثل هذه الأدوات في الحروب، كالسيف والخيل والرمح وما شاكل من آليّات القتال المستعملة في عصر النصّ. كلُّ ذلك عملاً بظاهر النصّ واستبعاد التأويل والمجازيّة، لضعف القرينة الصارفة وعدم كفايتها للتخلّي عن أصالة الحقيقة.
٤- اتّجاه الرمزيّة بأنّ هذه العلائم رموز وكنايات عن حقائق لا فائدة من كشفها في زمن النصّ، فالسيف يرمز لكلّ ما يقاتَل به في العصور المختلفة. ولعدم إمكان بيان خصوصيّات الأسلحة المستعملة بعد أربعة عشر قرناً من زمن النصّ أو أكثر، لم يجد المعصوم بُدّاً من الكناية واستعمال الألفاظ التي تدلُّ على أدوات القتال - مثلاً - المستعملة في حينها، إذ لو كان المعصوم يستعمل لفظ دبّابة أو مدرّعة أو حاملات طائرات مثلاً، لما فهم المخاطَب شيئاً، ولكثر السؤال والاستفهام، ولعلَّ ذلك يؤدّي ببعضٍ إلى الاستهزاء والسخريّة. إذاً، فتلك العلامات تحكي عن معانٍ مجهولة تماماً لمستمع خطاب المعصوم في حينها. فإذا ما تغيّرت المجتمعات وتطوّرت الحضارة، فلا ضرورة للقتال بالأدوات القديمة نفسِها، فإنّ ذلك يعدُّ سخفاً لا يتلاءم مع الفكر الصحيح السليم.
ثانياً: الاتّجاه الصحيح:
والاتّجاه الصحيح أنّه لا بدَّ من التفرقة بين العلائم، وأخذ كلّ علامة على حدة، ودراستها كقضيّة مستقلّة، والبتّ في رمزيّتها أو شخصيّتها وحقيقيّتها، بمعزل عن سائر العلائم، لمعرفة إمكان الأخذ بها على نحو الحقيقيّة أو المجازيّة والرمزيّة. فالسيف يمكن أن يكون رمزاً لقوّة السلاح المستعمَل في القتال، فيما إذا استحال استعماله في لاحق زمن النصّ والعصور التالية. وأمّا إذا بقي احتمالُ استعماله بنفسه قائماً كآلة للقتال في الحروب حتّى بعد أزمنة طويلة من عصر النصّ، فلم يكن صرف اللفظ عن معناه الحقيقيّ إلى المجازيّ مُسْتَدَلاً. ومن هنا، نُضطَرُّ إلى حمل هذه الأخبار وغيرها على الرمزيّة. إذاً، فالتفريق بين العلائم ضروريّ، ولا يمكن الحكم بالرمزيّة على كلّ العلائم، كما لا يمكن الحكم بالشخصيّة والواقعيّة على كلّ العلائم.
وإذا رجعنا إلى مورد البحث، وهي شخصيّات الظهور، كالسفيانيّ واليمانيّ والخراسانيّ، فلا حاجة لصرف هذه الروايات عن ظاهرها وحملها على الرمزيّة التي تعني أنّ السفيانيّ عبارة عن تيّار فكريّ يتميّز بمنهج فكريّ عقائديّ منحرف، وسياسيّ لئيم مذبذَب، وسلوكٍ شاذّ لم يعرف له التاريخ الإسلاميّ مثيلاً، يتبنّاه ويمثّله مجموعة كبيرة تنطبق عليهم كلّ المواصفات الواردة في النصوص الواردة في شأن السفيانيّ، وأنّه لا يوجد شخص معيّن من آل أبي سفيان، وإنّما هو فكر مماثل لفكر السفيانيّين، وذلك للأسباب الآتية:
الأوّل: عدم وجود مسوِّغ لمثل هذا التأويل وصرف المعنى إلى الرمزيّة والمجازيّة بعد ثبوت عدم مخالفة مؤدّى هذه الروايات للمرتكَزات العقلائيّة، فضلاً عن الأسس العقليّة المنطقيّة.
الثاني: إنَّ الأخذ بالتأويل والقول بالرمزيّة ينافي ما ورد في كثير من الروايات، حيث ذُكر فيها ملامحُ هذا الرجل وبعض مواصفاته الجسديّة والأخلاقيّة، وكتلك التي تذكر اسمه واسم أبيه وغير ذلك.
الثالث: إنّ هذه الفرضيّة يلزم منها تأويل بعض خصوصيّات السفيانيّ المذهبيّة، كما في الرواية: "يقبل السفيانيّ من بلاد الروم متنصّراً، في عنقه صليب..."(٢٢٧).
فمن المستبعد جدّاً القول بالرمزيّة في كلّ هذه التفاصيل. كما أنّ الأخبار دلَّت على حصول مراسلات ومكاتبات بين السفيانيّ وبين أمراء جيشه، ومن البعيد قصد المراسلة بين رمز وبين جيوش، فالحمل على المعنى الحقيقيّ الشخصيّ أقرب إلى الحقّ(٢٢٨). وما ينطبق على السفيانيّ ينطبق بعينه على اليمانيّ والخراسانيّ وغيرهما من الشخصيّات التي ذكرت في الروايات.
علامات الظهور
١- دولة الممهّدين الإيرانيّين:
إنّ دولة الممهّدين الإيرانيّين تنقسم إلى مرحلتين متميّزتين:
المرحلة الأولى: بداية حركتهم التمهيديّة تكون على يد رجل من قم. ولعلّ حركته بداية أمر المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حيث ورد أنه: "يكون مبدؤه من قِبَلِ المشرق"(٢٢٩). ودولة الممهّدين الإيرانيّين هي أكبر الممهّدين للإمام (عليه السلام)، لكنّ قيامهم لنصرته يكون في سنة الظهور. ورد في الرواية عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام)، قال: "رجل من أهل قم يدعو الناس إلى الحقّ، يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لا تزلّهم الرياح العواصف، ولا يملّون الحرب، ولا يجبنون، وعلى الله يتوكّلون، والعاقبة للمتّقين"(٢٣٠).
ولربّما يمكن أن نستفيد من قوله "لا تزلّهم الرياح العواصف" أنّ دولة الإسلام هذه سوف تواجه مشكلات صعبة، لا يثبت أمامها الرجال العاديّون، ومن قوله "لا يملّون الحرب" أنّهم سوف يواجهون حروباً طويلة، يملّها الإنسان العاديّ، ولكنّهم سوف يصمدون، وفي النهاية سوف ينتصرون، إن شاء الله، وذلك لقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(٢٣١)"(٢٣٢).
والمرحلة الثانية: ظهور الشخصيّتين الموعودتَين فيهم الخراسانيّ وقائد قوّاته الذي تسمّيه الأحاديث "شعيب بن صالح"، كما سيأتي.
٢- رجل قم وأهلها، ومناصرة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
أمّا ما جاء في أهل قم وقيامهم بالثورات ضدّ الظالمين، فمنها:
روى بعض أصحابنا، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) جالساً، إذ قرأ هذه الآية: ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً﴾(٢٣٣)، فقلنا: جُعلنا فداك، مَن هؤلاء؟ فقال - ثلاث مرّات -: "هم والله أهل قم"(٢٣٤).
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتطريداً وتشريداً، حتّى يجيء قوم من هاهنا - وأشار بيده إلى المشرق -، أصحاب رايات سود، يسألون الحقّ فلا يُعطَونه - حتّى أعادها ثلاثاً -، فيقاتِلون فيُنْصَرون، ولا يزالون كذلك حتّى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملأها قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً، فمن أدركه منكم فليأته ولو حبواً على الثلج"(٢٣٥).
عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: "كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحقّ فلا يُعطَونه، ثمّ يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتّى يقوموا، ولا يدفعونها إلّا إلى صاحبكم. قتلاهم شهداء. أمَا إنّي لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر"(٢٣٦).
وهذه الروايات وغيرها الواردة في أهل مدينة قم وقائدهم الذي عُبّر عنه "رجل من أهل قم" تدلّ على الأمور الآتية:
أ- بيّنت الروايات أنّ راية أهل قم هي راية حقّ وهدى وصلاح، وأنّ قائدها وحاملها داعيةٌ إلى الحقّ والصلاح، وأنّ أنصاره يمثّلون رمزاً لعزّة الإسلام وقدرته على مقارعة الظالمين، وذلك باعتبارهم يقاتلون في سبيل الله.
ب- إنّ هذه الثورة تبعث الأمل في نفوس المظلومين بانتصارها، وبانتصارها تُطوى صفحات الحزن والعذاب، ويشرق الأمل الجديد من خلال هذه الصفحة المضيئة الرائعة. وهذه النقطة يشير إليها الحديث النبويّ بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد حتّى ترتفع رايات سود من المشرق"(٢٣٧).
ج- إنّ لهذه الثورة المباركة ارتباطاً وثيقاً ودفقاً مستمرّاً يمتدّ إلى قيام المصلح الأكبر. ويمكن لنا أن نقرأ ذلك في إشارة الروايات الشريفة إلى هذه العلاقة والرابطة، في أنّ هؤلاء الثائرين هم من أنصاره وأعوانه، وأنّه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) سوف يستفيد من طاقاتهم وقابليّاتهم في نهضته العالميّة الشاملة. وهذه العلاقة واضحة في الكثير من الروايات، كرواية الإمام الباقر (عليه السلام): "ولا يدفعونها إلّا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء"، وفي الحديث المرويّ عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "فإنّها رايات هدى، يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي... فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً"(٢٣٨).
- لزوم نصرة الحقّ وأهله يستلزمُ الانتصار والذود والدفاع عن هذه الثورة وقضاياها وشعاراتها، باعتبارها ثورة من أجل الإسلام والحقّ، فقد جاء في الحديث: "فيَسألون الحقّ فلا يُعطَونه فيقاتِلون فينصرون"(٢٣٩).
المفاهيم الرئيسة:
١- إنّ هناك تشابكاً دائماً بين مسؤوليّتين أساسيَّتين بالنسبة إلى المنتظِرين، الأولى: ترتبط بعدم مسؤوليّتهم عن الظهور بصورته المباشرة. والثانية: التمهيد لظهور الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٢- العلامات المحتومة: وهي علامات ضروريّة الوقوع، ومن خلالها يمكن الجزم بأنّ ظهور الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قد تحقّق. وقد اختلفت الروايات في عدد هذه العلامات بين خمس علامات أو ستّ علامات، مع الاختلاف فيها.
٣. العلامات غير الحتميّة: ويُعبَّر عنها بالعلامات المشروطة: وهي التي يتعلّق تحقّقها بتحقّق غيرها أو إيجاد شروطها ومقتضياتها. فما لم تتحقّق شروطها لا يتحقّق وجودها. فهي إذاً علامات معلَّقة على دواعيها ومقتضياتها.
٤- إنّ اعتبار شخصيّات علامات الظهور مجرّد رموز حركيّة لتيّارات واتّجاهات فكريّة غير صحيح، وذلك إذا لاحظنا الضوابط المنهجيّة في قراءة الروايات وفهمها وفق الظاهر.
٥- إنّ دولة الممهّدين الإيرانيّين تنقسم إلى مرحلتين متميّزتين: المرحلة الأولى: بداية حركتهم التمهيديّة تكون على يد رجل من قم. والمرحلة الثانية: ظهور الشخصيّتين الموعودتين فيهم: الخراسانيّ وقائد قوّاته الذي تسمّيه الأحاديث "شعيب بن صالح".
٦- إنّ أهل قم يلتفّون حول قائدهم الذي يسعى إلى التمهيد لدولة صاحب العصر والزمان، فيكون أهل قم من المناصرين له وللإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٧- تتمتّع راية أهل قم بخصائص عدّة، وهي:
أ- راية أهل قم هي راية حقّ وهدى وصلاح.
ب- إنّ هذه الثورة تبعث الأمل في نفوس المظلومين بانتصارها.
ج- إنّ لهذه الثورة المباركة ارتباطاً وثيقاً ودفقاً مستمرّاً، يمتدّ إلى قيام الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
د- لزوم نصرة الحقّ وأهله.

الدرس الثاني عشر: علامات الظهور (٣) اليمانيّ - والنفس الزكيّة - والصيحة

أهداف الدرس:
 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يبيّن منهجيّة التعامل مع روايات اليماني.
٢- يتعرّف إلى النفس الزكيّة وأحداثها.
٣- يتبيّن معنى الصيحة في السماء في عصر الظهور.
تمهيد:
أشارت الروايات الشريفة إلى أنّ راية اليمانيّ هي أهدى الرايات، وذلك بمعيّة حضور رايات أساسيّة وحاسمة في معركة الهدى، كراية (الخراسانيّ) وغيره، وهذا يستدعي اهتمام المؤمن بهذه الراية ومعرفة تفاصيلها، خصوصاً أنّ عصر ما قبل الظهور هو عصر الفتن. وثمّة جملة من رايات أهل الضلال تتقاتل فيما بينها، كرايات الأصهب والأبقع والسفيانيّ.
وعلى الرغم من أهمّيّة هذه العلامة، والتي صنّفتها الروايات، كما تقدّم، في العلامات الحتميّة، نجد نُدرةً في النصوص الشريفة حول اليمانيّ، ونرى هذه العلامة أُدرجت ضمن علامات أخرى، ولم تفصّل الروايات كثيراً حولها. ولعلّ هذا منهج متعمّد من المعصوم؛ لإحاطة هذه الشخصيّة بشيء من الغموض الإيجابيّ، للمحافظة عليها وعدم كشف سرّها، وهذه طريقة يعتمدها أهل البيت في بعض الموضوعات، وذلك لمن خَبَر الروايات ومنهج المعصوم في هذا المجال.
ونحن في هذا الدرس نحاول قدر الإمكان تسليط الضوء على الخطوط العريضة لهذه الشخصيّة. فمن هو اليمانيّ؟ ولماذا رايتُه أهدى الرايات؟ ومن أين يخرج؟ وما هو منهج إدارته لمعارك ما قبل الظهور؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي نحاول الإجابة عنها باختصار.
منهجيّة التعامل مع روايات اليمانيّ:
إنّ قلّة الروايات حول اليمانيّ لا تمنع من التعامل بمنهجيّة علميّة صحيحة معها، ومن رسم الخطوط العريضة الكافية للتعريف بهذه الشخصيّة، وهذا ما يتّضح في النقاط الآتية:
١- لا بدّ من الالتفات إلى الظرف الزمانيّ لحركة اليمانيّ، والتعامل معه بدقّة عالية وحساسيّة، باعتبار أنّ أيّ خلل في هذا المجال سيؤثّر في منظومة متكاملة ومترابطة من علامات الظهور، باعتبار التزامن بين اليمانيّ والسفيانيّ والخراسانيّ، وبعض الأحداث الأخرى، وقرب هذه العلامة من عصر الظهور.
٢- حالة الرمزيّة - طبعاً، لا نقصد بالرمزيّة ما تقدّم من أنّ هذه شخصيّات حركيّة لا واقعيّة، بل نقصد الرمزيّة في طبيعة اللغة، وأسلوب الإمام في طرح الفكرة، والتكلّم عن الظاهرة نفسها بخاصّيّة ما في أكثر من رواية، ممّا يستدعي من الباحث متابعة حثيثة في هذا المجال- في روايات علامات الظهور لم تشمل ظاهرة اليمانيّ فقط، بل لعلّها انسحبت على كلّ شخصيّات الظهور في منهج متعمّد، إذ حالة التقيّة والكتمان إحدى دواعي سلوكيّة الرواة، مراعاةً لظرف التلقّي، بل لظروف المتلقّي. لذا، فقد عمد أئمّة الهدى (صلوات الله عليهم) على التحفّظ بقدرٍ كافٍ عند إلقاء هذه الملاحم بمحاولاتٍ رمزيّةٍ لا تستهدف النظام السياسيّ في الظاهر أو بشكل مباشرٍ جليّ. وبهذا الأسلوب حُفظت الكثير من روايات الملاحم والفتن، واستطاعت الوصول إلى أيدينا بشكلٍ يحفظ سلامتها من التحريف والتشويه، فضلاً عن التلف والضياع.
٣- تطبيقاً لهذا المنهج الذي اعتمده الأئمّة في موضوع رمزيّة العلامات، فقد عمدوا إلى إسباغ حالة الكتمان على شخصيّات عصر الظهور التي ستكون تحت قيادة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، أو التي ستُوظَّف لنصرته، وذلك خشيةً على سلامة هذه الشخصيّة، وإبعادها عن الملاحقة والمطاردة من قبل السلطات المتربّصة بها. لذا، فإنّك تجد الإشارة المقتضَبة لهذه الشخصيّات، وخصوصاً لشخصيّة اليمانيّ التي لعلّها محور هذه الشخصيّات الكريمة.
٤- محاولة إضفاء أكثر من تسمية على هذه الشخصيّات؛ لإيهام القوى المناوئة لها من تشخيصها، وبالتالي ملاحقتها(٢٤٠). فمثلاً: أُطلق في بعض الروايات على اليمانيّ القحطانيّ، وفي أخرى المنصور، وفي غيرها الخليفة اليمانيّ، وفي بعضها الملك اليمانيّ، وفي خامسة الحارث، كما أُطلق على الخراسانيّ الحسينيّ في بعض الروايات، وعمدت أخرى إلى تعريفه بالحسنيّ، وفي ثالثة بالهاشميّ، وفي أخرى بصاحب الرايات السود.
٥- يُستفاد من حالة الاضطراب الأولى في المعلومات قطع الطريق على الحركات والدعاوى الفاسدة من أن تتمثّل بهذه الحركات الإصلاحيّة، وإيقاف حالات التجنّي والدعاوى الكاذبة لبعض الأشخاص من تقمّص هذه الشخصيّات الإصلاحيّة، ومحاولات ابتزاز الناس، واستغلال هذه التسميات للاستفادة منها. فحالات عدم التشخيص تساعد على سرعة اكتشاف هذه الدعاوى الكاذبة، ومعرفة زيف مدّعيها(٢٤١).
شخصيّة اليمانيّ(٢٤٢):
١. اسمه:
تعدّدت أسماء اليمانيّ بسبب اختلاف الروايات التي ذكرت اسمه. ولا يمكن لنا القطع باسم اليمانيّ، وهل هو الحقيقيّ أم هو الحركيّ الذي اختاره اليمانيّ في حركته المباركة، وستكون أسماؤه حسب الأخبار كالآتي:
أ- حسين أو حسن: كما في الخبر عن الكعب بن الحارث: "ثمّ يخرج ملك من صنعاء اليمن، أبيض كالقطن، اسمه حسين أو حسن، فيذهب بخروجه غمر الفتن، فهناك يظهر مباركاً زكيّاً، وهاديّاً مهديّاً، وسيّداً علويّاً، فيفرّج الناس إذا أتاهم بمنّ الله الذي هداهم، فيكشف بنوره الظلماء، ويظهر به الحقّ بعد الخفاء، ويفرّق الأموال في الناس بالسواء، ويغمّه السيف، فلا يسفك الدماء..."(٢٤٣).
ب- الأصبغ بن زيد: كما في الرواية عن أبي قبيل (حيي بن هانئ): "صاحب رومية رجلٌ من بني هاشم، اسمه الأصبغ بن زيد، وهو الذي يفتحها"(٢٤٤). والذي يفتح رومية هو اليمانيّ كما في الروايات.
٢- نسبه:
أشارت الأخبار إلى أنّ نسب اليمانيّ قرشيّ هاشميّ قحطانيّ. أمّا كونه قرشيّاً، فلما ذكرتْه أخبار الفتن بأنّه من قريش.
قال أبو عبد الله نعيم: "يخرج من قرية يقال لها يكلى(٢٤٥)، خلف صنعاء بمرحلة، أبوه قرشيّ، وأمّه يمانيّة"(٢٤٦).
المعالم العامّة لحركة اليمانيّ:
يمكن تقسيم هذه الروايات إلى أقسام ثلاثة، وهذه الأقسام هي:
١- القسم الأوّل: الأحاديث الزمانيّة:
ركّز هذا القسم من الروايات على زمن خروج اليمانيّ، ما يعني بالتالي تكذيب أيّ دعوى يمانيّة قبل ذلك الزمن. ففي رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه قال:
"قبل هذا الأمر السفيانيُّ واليمانيُّ والمروانيُّ وشعيبُ بن صالح، فكيف يقول هذا وهذا(٢٤٧)؟!"(٢٤٨).
وأمّا الوقت المحدّد فهو تسعة أشهر قبل ظهور الإمام المهديّ، بقرينة خروجه تزامناً مع السفيانيّ. روي عن بكر بن محمّد الأزديّ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "خروج الثلاثة: السفيانيّ والخراسانيّ واليمانيّ في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، وليس فيها راية بأهدى من راية اليمانيّ، يهدي إلى الحقّ"(٢٤٩).
نستنتج من الروايات المتقدّمة أنّ خروج اليمانيّ والإمام المهديّ يكون في سنة واحدة، باعتبار التزامن أو الاتّحاد بين خروج اليمانيّ والسفيانيّ، والأخير يكون في سنة واحدة مع الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٢- القسم الثاني: الأحاديث المكانيّة:
حدّدت الروايات مكان وساحة عمل اليمانيّ؛ أي مقصده بعد خروجه، وهي العراق، لقتال السفيانيّ. أمّا مكان خروجه فهل هو من اليمن جغرافيّاً، أم من مكان آخر؟ وما جاء في الروايات أنه يمانيّ يكون بمعنى النسبة إلى اليمن، فهو من أصول يمانيّة، إلّا أنّ قبيلته قد هاجرت إلى بلاد أخرى كالعراق أو بلاد الشام، فيخرج منها إلى الكوفة متحالفاً مع الخراسانيّ، ومقاتلاً للسفيانيّ، إلّا أنّه من المؤكَّد أنّه يكون خارج الكوفة، فإنّ الروايات تشير إلى أنّه يقبل إلى الكوفة أو يسير إليها. روي عَنْ يعقوب السَّرَّاج، قال: قلت لأَبي عبد الله: متى فَرَجُ شيعتكُم؟ قال: فقال: "إِذا اختلف ولد العبَّاس، ووهَى سُلطانُهم، وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم، وخلعت العرب أَعِنَّتَهَا(٢٥٠)، ورفع كلُّ ذي صِيصِيَّةٍ صِيصِيَّتَه(٢٥١)، وظهر الشَّاميُّ، وأقبل اليمانيّ، وتحرَّك الحسنيُّ، وخرج صاحبُ هذا الأمْر مِنَ المدينة..."(٢٥٢).
وفي رواية طويلة يرويها العلّامة المجلسيّ، بإسناد يرفعه إلى الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فبعد أن يتحدّث عن مذابح السفيانيّ في الزوراء (وهي بغداد) والكوفة، قال: "فبينما هم على ذلك، إذ أقبلت خيل اليمانيّ والخراسانيّ، يستبقان كأنّهما فرسا رهان، شعث غبر جرد..."(٢٥٣).
٣- القسم الثالث: راية اليمانيّ ونهجُه:
وهذا القسم هو الأهمّ بين الأقسام الأخرى للكشف عن هويّة اليمانيّ، حيث تتحدث الروايات عن رايته ونهجه. أمّا من حيث نهجه، فقد أكّدت الروايات على أنّ اليمانيّ يكون على نهج محمّد وآل محمّد، فهو شيعة لأهل البيت (عليهم السلام)، ولذا يكون موالياً للمهديّ، وقائداً من قادة جيشه. فقد روي عن هشام، قال: لمّا خرج طالب الحقّ(٢٥٤)، قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): نرجو أن يكون هذا اليمانيّ؟ فقال: "لا، اليمانيّ يوالي علياً (عليه السلام)، وهذا يبرأ"(٢٥٥).
ومفاد الرواية هو التزام اليمانيّ بولاية أهل البيت (عليهم السلام) ومنهاجهم. كما قد يظهر منها أنّ في زمنهم (عليهم السلام) حصلت حركات قام بها أدعياء بأسماء مسرح الظهور، كتقمّص اسم اليمانيّ، كما حفل التاريخ الإسلاميّ بالمنتحِلين للمهدويّة(٢٥٦).
وأمّا من ناحية الراية، فقد أكّدت الروايات على أنّ راية اليمانيّ هي أهدى راية من الرايات المناصرة للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهذا لا يعني أنّ الرايات الأخرى ليست ذات هدى، بل هي مناصرة للإمام، وتدعو إليه. إلّا أنّ راية اليمانيّ لا همّ لها سوى المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ودولته. وأمّا تلك الرايات، فلأنّ أغلبها يكون قد أنشأ دولة على خطى أهل البيت (عليهم السلام)، أو تكون تحت سلطان دولة أخرى، وبالتالي يكون تحرّك اليمانيّ أسهل من تحرّك غيره. وممّا أشار إلى أنّ راية اليمانيّ أهدى من غيرها، من روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: "... وليس في الرايات راية أهدى من راية اليمانيّ. هي راية هدًى؛ لأنّه يدعو إلى صاحبكم. فإذا خرج اليمانيّ، حُرّم بيع السلاح على الناس وكلّ مسلم، وإذا خرج اليمانيّ، فانهض إليه، فإنّ رايته راية هدًى، ولا يحلّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمَن فعل ذلك فهو من أهل النار؛ لأنّه يدعو إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم..."(٢٥٧).
وفي الرواية جملة من النقاط، نذكرها إجمالاً:
أ- إنّ الرواية تعلّل حرمة الالتواء على اليمانيّ بأنّه يدعو إلى الحقّ والصراط المستقيم وإلى المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فالمدار في مناصرته على توفّر الميزان والحدود الشرعيّة.
فالرواية تدلّ على حرمة العمل المضادّ لحركته لإفشالها. ففرّق بين التعبير بالالتواء عليه وبالالتواء عنه، فكلمة "عليه" تفيد السعي المضادّ لحركته، لا صرف المتاركة لحركته، بخلاف كلمة "عنه"، فإنّها تفيد الانصراف والابتعاد عن حركته. نعم، الأمر بالنهوض إليه يفيد المناصرة، والظاهر أنّ مورده لمن كان في معرض لقائه والمصادفة لمسيره، إذ سيأتي استعراض طوائف من الروايات تحثّ على النهوض والتوجّه إلى مكّة المكرّمة للانخراط في الإعداد لبيعة الحجّة في المسجد الحرام(٢٥٨).
ب- خلاصة الرواية، ومن خلال مجموع الروايات تكون مشخّصات اليمانيّ الآتية:
ج- هُويّته العقائديّة أنّه على ولاية أمير المؤمنين.
د- من بين كلّ الرايات التي تُرفع، فإنّ راية اليمانيّ هي الأهدى.
- إنّ سرّ أهدى الرايات أنّها متمحّضة للدعوة إلى الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
- ينبغي نصرته وعدم حلّيّة الالتواء عليه.
- لديه تحالف عسكريّ كامل مع الخراسانيّ.
- شجاعته الكبيرة واستعداده الكامل لمجابهة طغيان السفيانيّ ومواجهته ومقاتلته، وحرصه على الدفاع عن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في العراق، ولهذا تراه يوقّت خروجه بإقبال السفيانيّ باتّجاه العراق، كما تقدّم.
النفس الزكيّة:
١- نسبه:
المستفاد من الروايات أنّ النفس الزكيّة علويٌّ من سلالة وذرّيّة النبيّ الأعظم، واسمه محمّد بن الحسن، كما في رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): "وقتل غلام من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين الركن والمقام، اسمه محمّد بن الحسن النفس الزكيّة..."(٢٥٩).
٢- موقعيّة النفس الزكيّة من حركة الظهور:
أ- علامة حتميّة:
والنفس الزكيّة من العلامات المحتومة كما تقدّم. عنْ عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: "خَمْسُ عَلَامَاتٍ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ: الصَّيْحَةُ، والسفيانيّ، والْخَسْفُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الزكيّة، واليمانيّ..."(٢٦٠).
ب- بشارة بظهور المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
الظاهر، بحسب الروايات، أنّ هذه العلامة هي آخر العلامات قبل الظهور المبارك. عن صالح مولى بني العذراء، قال: سمعتُ أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: "ليس بين قيام قائم آل محمّد وبين قتل النفس الزكيّة إلّا خمس عشرة ليلة"(٢٦١).
روى عباية بن ربعي الأسديّ، عن أمير المؤمنين حديثاً قال فيه: "قَتْلُ نفس حرام، في يومٍ حرام، في بلد حرام، عن قوم من قريش. والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، ما لهم ملك بعده غير خمس عشرة ليلة"(٢٦٢).
٣- النفس الزكيّة سفير الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لأهل مكّة:
عن كتاب الفضل بن شاذان، في حديث يرفعه إلى أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: "يقول القائم (عليه السلام) لأصحابه: يا قوم، إنّ أهل مكّة لا يريدونني، ولكنّي مرسَل إليهم لاحتجّ عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتجّ عليهم. فيدعو رجلاً من أصحابه فيقول له: امض إلى أهل مكّة فقل: يا أهل مكّة، أنا رسول فلان إليكم، وهو يقول لكم: إنّا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرّيّة محمّد وسلالة النبيّين، وإنّا قد ظُلمنا واضطُهدنا وقُهرنا، وابتُزّ منّا حقّنا منذ قُبض نبيّنا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا. فإذا تكلّم هذا الفتى بهذا الكلام، أتَوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهو النفس الزكيّة، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: أما أخبرتكم أنّ أهل مكّة لا يريدوننا..."(٢٦٣).
وفي رواية عن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى فرج شيعتكم؟ قال: "... فيبتدر الحسنيّ إلى الخروج، فيثبُ عليه أهلُ مكّة فيقتلونه، ويبعثون برأسه إلى الشّاميّ فيظهر عند ذلك صاحب هذا الأمر، فيبايعه النّاس ويتّبعونه.
ويبعثُ الشّاميُّ عند ذلك جيشاً إلى المدينة، فيهلِكُهمُ الله - عزّ وجل - دونها، ويهرب يومئذٍ منْ كان بالمدينة من وُلدِ علي (عليه السلام) إلى مكّة، فيلحقون بصاحب هذا الأمر.
ويُقْبِلُ صاحب هذا الأمر نحو العراق ويبعثُ جيشاً إلى المدينة، فيأمنُ أهلُها ويرجعُون إليها"(٢٦٤).
ولا تخلو كتب العامّة من الإشارة إلى قتل النفس الزكيّة، كما في كتاب الفتن لابن حمّاد: "إذا قُتل النفس الزكيّة وأخوه، يقتل بمكّة ضيعة، نادى منادٍ من السماء: إنّ أميركم فلان، وذلك المهديّ الذي يملأ الأرض حقّاً وعدلاً"(٢٦٥).
المستخلَص من الروايات حول النفس الزكيّة هو الآتي:
أ- المرجّح أنّ هذه الشخصيّة تنتسب إلى الإمام الحسن، فهو حسنّي النسب، واسمه محمّد، وله نفس زاكية.
ب- إنّ قتل النفس الزكيّة يحصل قبل الظهور النهائيّ للإمام بخمسة عشر يوماً.
ج- قتله يكون بين الركن والمقام، أي ركن الحجر الأسود أو الركن اليمانيّ ومقام النبيّ إبراهيم.
د- من خلال طريقة قتله يمكن أن نفهم طبيعة الحكم السائد آنذاك في مكّة المكرّمة، ومدى وحشيّة هؤلاء، ومدى إخلاصهم للسفيانيّ.
هـ- المعروف بل المشهور أنّ الخسف بالبيداء يكون قبل قتل النفس الزكيّة، ولكن ما يظهر من رواية يعقوب السّرّاج هو أن الخسف يكون بعد قتل النفس الزكيّة.
تعدّد مصاديق النفس الزكيّة:
يظهر من خلال مراجعة الروايات أنّ ثمّة أكثر من شخص أُطلق عليهم اسم النفس الزكيّة، فمضافاً إلى النفس الزكيّة التي تحدّثنا عنها، وأنّه الذي يظهر، ويكون سفيراً للإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وبالتالي من أصحابه، يوجد عندنا مصداقان آخران، أطلقت عليهما الروايات النفس الزكيّة، وهما:
١- النفس الزكيّة (المقتول في ظهر الكوفة):
جاء في خطبة المخزون للإمام عليّ (عليه السلام) التي نقلنا بعضاً منها فيما تقدّم: "وقتل النفس الزكيّة بظهر الكوفة في سبعين، والمذبوح بين الركن والمقام..."(٢٦٦).
من خلال هذه الرواية يتّضح أنّ صاحب النفس الزكيّة المقتول بظهر الكوفة هو غير الشخص الذي يرسله الإمام إلى مكّة، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، إنّ الرواية نفسها فرّقت بين المقتول بظهر الكوفة وبين المذبوح بين الركن والمقام، فلاحظ.
٢- النفس الزكيّة (الشهيد في المدينة):
ورد عَنْ زُرَارَةَ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "يا زُرَارَةُ، لَا بُدَّ مِنْ قَتْلِ غُلَامٍ بِالْمَدِينَةِ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، ألَيْسَ يَقْتُلُه جَيْشُ السفيانيّ، قَالَ لَا، ولَكِنْ يَقْتُلُه جَيْشُ آلِ بَنِي فُلَانٍ، يَجِيءُ حتّى يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ، فَيَأْخُذُ الْغُلَامَ فَيَقْتُلُه، فَإِذَا قَتَلَه بَغْياً وعُدْوَاناً وظُلْماً لَا يُمْهَلُونَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَقُّعُ الْفَرَجِ، إِنْ شَاءَ الله"(٢٦٧).
وورد عن الإمام عليّ (عليه السلام) قال: "يكتب السفيانيّ إلى الذي دخل الكوفة بخيله، بعدما يعركها عرك الأديم، يأمره بالسير إلى الحجاز، فيسير إلى المدينة، فيضع السيف في قريش، فيقتل منهم ومن الأنصار أربع مائة رجل، ويبقر البطون، ويقتل الولدان، ويقتل أخوين من قريش، رجل وأخته يقال لهما محمّد وفاطمة، ويصلبهما على باب المسجد بالمدينة"(٢٦٨).
الصيحة والنداء:
المراد بالصيحة هو الصيحة الجبرائيليّة، وهذه من الشرائط المحتومة التي لا بدّ من وقوعها، والروايات في شأنها متضافرة وكثيرة، منها ما رواه حمران بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "من المحتوم الذي لا بدّ أن يكون من قبل قيام القائم: خروج السفيانيّ، وخسف البيداء، وقتل النفس الزكيّة، والمنادي من السماء"(٢٦٩).
ويظهر أنّ قضيّة الصيحة كانت من الأمور المشهورة عند المسلمين عامّة، والشيعة خصوصاً، وكان بعض أهل العامّة يعيّرون الشيعة بهذه القضيّة، ممّا دفع الإمام الصادق (عليه السلام) إلى تأكيدها، وإعطاء تفاصيلها بدقّة، حيث ورد في صحيحة لعبد الله بن سنان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فسمعت رجلاً من همدان يقول له: إنّ هؤلاء العامّة يعيِّرونا، ويقولون لنا: إنّكم تزعمون أنّ منادياً ينادي من السماء باسم صاحب هذا الأمر، وكان متّكئاً فغضب وجلس، ثمّ قال: "لا ترووه عنّي، وارووه عن أبي، ولا حرج عليكم في ذلك. أشهد أنّي قد سمعت أبي (عليه السلام) يقول: والله، إنّ ذلك في كتاب الله (عزّ وجلّ) لبيّنٌ، حيث يقول: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾(٢٧٠)، فلا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلّا خضع وذلّت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء: ألا إنّ الحقّ في عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وشيعته. قال: فإذا كان من الغد، صعد إبليس في الهواء حتّى يتوارى عن أهل الأرض، ثمّ ينادي: ألا إنّ الحقّ في عثمان بن عفّان وشيعته، فإنّه قُتل مظلوماً فاطلبوا بدمه. قال: فيثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحقّ، وهو النداء الأوّل، ويرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض، والمرضُ واللهِ عداوتُنا، فعند ذلك يتبرّأون منّا ويتناولونا، فيقولون: إنّ المنادي الأوّل سِحْرٌ مِن سحر أهلِ هذا البيت، ثمّ تلا أبو عبد الله (عليه السلام) قولَ الله (عزّ وجلّ): ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾(٢٧١)"(٢٧٢).
فهذه الرواية تؤكّد على قضيّة الصيحة، وتقدّم تفاصيلَ دقيقةً لها كما هو واضح من نصّ الرواية.
وبصورة أكثر تفصيلاً حول وقت الصيحة وتأثيرها في عامّة الناس، ما رواه الشيخ النعمانيّ بسنده إلى أبي بصير، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: "الصيحة لا تكون إلّا في شهر رمضان، لأنّ شهر رمضان شهر الله، والصيحة فيه هي صيحة جبرائيل إلى هذا الخلق. ثمّ قال: ينادي منادٍ من السماء باسم القائم (عليه السلام)، فيسمع مَن بالمشرق ومَن بالمغرب، لا يبقى راقد إلّا استيقظ، ولا قائم إلّا قعد، ولا قاعد إلّا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت، فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب، فإنّ الصوت الأوّل هو صوت جبرائيل الروح الأمين (عليه السلام).
ثمّ قال (عليه السلام): يكون الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ليلة ثلاث وعشرين، فلا تشكّوا في ذلك، واسمعوا وأطيعوا، وفي آخر النهار صوت الملعون إبليس اللعين ينادي: ألا إنّ فلاناً قُتل مظلوماً، ليشكّك الناس ويفتنهم، فكم في ذلك اليوم من شاكٍّ متحيِّر قد هوى في النار، فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان فلا تشكّوا فيه أنّه صوت جبرائيل، وعلامة ذلك أنه ينادي باسم القائم واسم أبيه (عليه السلام)، حتّى تسمعه العذراء في خدرها، فتحرّض أباها وأخاها على الخروج. وقال: لا بدّ من هذين الصوتين قبل خروج القائم (عليه السلام): صوت من السماء، وهو صوت جبرائيل باسم صاحب هذا الأمر واسم أبيه، والصوت الثاني من الأرض هو صوت إبليس اللعين، ينادي باسم فلان أنّه قُتل مظلوماً، يريد بذلك الفتنة، فاتّبعوا الصوت الأوّل، وإيّاكم والأخير أن تُفتَنوا به"(٢٧٣).
وقد اشتملت كتب العامّة على روايات عدّة تؤكّد على الصيحة والنداء، وهي مثل كتب الخاصّة تحدّثت عن الصيحة في شهر رمضان(٢٧٤).
المفاهيم الرئيسة:
١- إنّ للحديث عن راية اليمانيّ ضوابط أساسيّة عدّة، وهي:
أ- الالتفات إلى الظرف الزمانيّ لحركة اليمانيّ.
ب- يجب الالتفات إلى طبيعة اللغة وأسلوب الروايات في طرح الفكرة والتكلّم عن الظاهرة.
ج- عمد أهل البيت (عليهم السلام) إلى حالة الكتمان على شخصيّات عصر الظهور.
د- انطلاقاً من الكتمان، أضفى أهل البيت أكثر من تسمية على هذه الشخصيّات.
٢- يمكن تقسيم الروايات حول حركة اليمانيّ إلى أقسام ثلاثة، وهذه الأقسام هي:
أ- الأحاديث الزمانيّة: ركّز هذا القسم من الروايات على زمن خروج اليمانيّ.
ب- القسم الثاني: الأحاديث المكانيّة: حدّدت الروايات مكان وساحة عمل اليمانيّ؛ أي مقصده بعد خروجه، وهي العراق لقتال السفيانيّ، وأمّا مكان خروجه، فهل هو من اليمن جغرافيّاً، أم من مكان آخر؟
ج- القسم الثالث: راية اليمانيّ ونهجه: أكّدت الروايات على أنّ اليمانيّ يكون على نهج محمّد وآل محمّد، فهو شيعة لأهل البيت (عليهم السلام).
٣- المستفاد من الروايات أنّ النفس الزكيّة علويّ من سلالة وذرّيّة النبيّ الأعظم، واسمه محمّد بن الحسن، وأمّا عن موقعيّة النفس الزكيّة من حركة الظهور، فهي علامة حتميّة، مضافاً إلى أنّها من العلامات المبشِّرة بظهور المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وأنّ النفس الزكيّة سفير الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لأهل مكّة، وللنفس الزكيّة مصاديق عدّة.
٤- إنّ المراد بالصيحة هي الصيحة الجبرائيلية، وهذه من الشرائط المحتومة التي لا بدّ من وقوعها، والروايات في شأنها متضافرة وكثيرة. وتحصل هذه الصيحة في شهر رمضان المبارك، ويكون مضمونها إثبات أنّ الحقّ في المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

الدرس الثالث عشر: علامات الظهور (٤) السفيانيّ - والخسف في البيداء

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يشرح منهج التعامل مع الروايات التي تحدّثت عن السفيانيّ.
٢- يتعرّف إلى السفيانيّ: هُويّته الشخصيّة، ملامحه العامّة، حركته الجغرافيّة.
٣- يلخّص علامة الخسف بالبيداء.
تمهيد:
السفيانيّ حركة اجتماعيّة ضالّة ومنحرفة، تظهر على ساحة الأحداث قبيل عصر الظهور، وهي أكثر حركة معادية للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وقد أكّدت روايات أهل البيت (عليهم السلام) هذه الشخصيّة وحركتها الخطرة تأكيداً كبيراً. وقد رتّب الفقهاء جملة من الأحكام الشرعيّة المرتبطة بظاهرة السيفانيّ(٢٧٥). وروايات العامّة أيضاً قد ذكرت شخصيّة السفيانيّ بوفرة كبيرة. وليس دقيقاً القول بأنّ مصادر العامّة قد أهملت شخصيّة السفيانيّ، بخلاف شخصيّة الدجّال التي أكّدتها روايات العامّة وذكرتها بوفرة، بخلاف روايات الإماميّة، على أنّ روايات الدجّال أكثرها مرويّة عن كعب الأحبار. هذا من جهة، واليهود يعتقدون أنّ مسيحهم المنتظَر سيقتُل الدجّال، ممّا يجعل الباحث يتحفّظ على هذه الروايات ويتعامل معها بحذر.
فمن هو السفيانيّ؟ وما هي طبيعة حركته؟ أين يخرج؟ وهل عندنا أكثر من شخصيّة بعنوان السفيانيّ؟ نحاول في هذا الدرس الإجابة عن هذه الأسئلة باختصار قدر الإمكان.
منهج التعامل مع روايات السفيانيّ:
إنّ التعاطي مع روايات السفيانيّ دقيق للغاية وحسّاس جدّاً، مع جزمنا بصحّة هذه العلامة. وإنّ الروايات في حقّ السفيانيّ من الطرفين متواترة في المعنى، بل في بعضها متواترة لفظاً، بغضّ النظر عن التفاصيل التي وردت في هذه الروايات، والتي يظهر من بعضها أنّها متناقضة. ولا بدّ عند التعاطي مع هذه الروايات من الالتفات إلى النقاط الآتية:
١- ثمّة روايات كثيرة رُويت في مصادر السنّة عن شخصيّة السفيانيّ ينبغي التنبيه إليها، كبعض روايات ابن حمّاد وغيره. فقد رووا روايات عدّة عن التابعين لم يسندوها إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أهل بيته (عليهم السلام)، تتحدّث عن أمور أشبه بالأساطير عن السفيانيّ وبداية حركته. منها أنّه يؤتى في منامه فيقال له قم، وأنّه يحمل بيده ثلاث قصبات لا يقرع بهن أحداً إلّا مات. وهي روايات متأثّرة بالأمويّين، تبالغ في شخصيّة السفيانيّ أو في دوره، أو تريد إعطاءه كرامة إلهيّة!.
٢- ثمّة أحاديث أخرى تتّفق في أنّ حركته سريعة وعنيفة، وأنّ شدّة بطشه أمرٌ معروفٌ للرواة الشيعة(٢٧٦). ولكنْ ثمّة روايات وصفت قوّته ومِنْعَته بطريقة أسطوريّة لا تتلاءم مع السنن الطبيعيّة. على كلّ حال، لا بدّ من الالتفات إلى هذه الروايات وتصنيفها بشكل صحيح حتّى تتّضح لنا معالم شخصيّة السفيانيّ، بمعزل عن الإفراط والتفريط، خصوصاً أنّ بعض الروايات ليست ضعيفة السند- كما أشرنا- عند الخاصّة والعامّة فحسب، بل ثمّة روايات لا سند لها أصلاً.
٣- شخصيّة السفيانيّ شخصيّة واقعيّة حقيقيّة، وليست هي مِن وَضْع الأمويّين للكيد ببني العبّاس، ولا هي من وضع الشيعة للكيد ببني أميّة، والسبب في ذلك تواتر روايات السفيانيّ عند الفريقين، وإن كان هذا لا يمنع، بل هو واقع من الوضع والدسّ في خصوصيّات هذه الشخصيّة كما تقدّم. ولعلّ الأسباب التي ساعدت على وضع بعض أحاديث السفيانيّ ما يأتي:
أ- عدم التقيّد بخصائص الروايات من حيث الصحّة وعدمها، والأخذ بأيّ رواية تحدّثت عنه، ممّا شكّل نوعاً من الضبابيّة حول شخصيّته.
ب- عدم الدقّة في التعامل مع الروايات، وانعكاس ذهنيّة القارئ على الرواية، فعندما يقال في الرواية إنّه يقتل كلّ من اسمه حسن وحسين، فيتبادر إلى الذهن أنّه ناصبيّ، مع أنّ الرواية وصفته بالفاسق لا الناصبيّ، ونحن لا نريد أن نثبت أنه ناصبيّ أو لا، ويكفيه خبثاً أنّه يواجه الإمام المهديّ. وما نقصده في منهج التعاطي مع هذه العبارة أو غيرها، هو توخّي الدقّة في فهم الرواية، وعدم إسقاط ما في ذهننا على الرواية.
فالمنهج المقترَح في التعاطي مع روايات السفيانيّ يمكن اختصاره على الشكل الآتي:
المنهج هو وسط بين التشدّد السنديّ مع الروايات، كما هي الحال في الفقه، والتساهل بالسند؛ أي الأخذ بالرواية من دون التشديد على السند، كما في المنهج التاريخيّ. ففي المنهج المقترَح قد يُتسامح في بعض الروايات والأسانيد، لا من باب الأخذ بأيّ رواية، ما قد يؤدّي إلى الحشوِ في التعاطي مع التراث الروائيّ، بل من باب أنّ هناك عوامل متعدّدة قد تجبر ضعف الرواية أو مجهوليّة الراوي؛ لأنّ متن الحديث قد يتوافق مع متن ومضمون أحاديث أخرى صحاح، أو يتطابق مع مستلزمات هذه الأحاديث، فالعبرة هي مضمون الرواية ومدى اقترابها من الأحاديث الصحاح(٢٧٧).
الرايات الثلاث التي تحكم الشام:
عن جابر بن يزيد الجعفيّ، قال: قال أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام): "... فتلك السنة - يا جابر - فيها اختلاف كثير في كلّ أرض من ناحية المغرب، فأوّل أرض تخرب أرض الشام، ثمّ يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفيانيّ، فيلتقي السفيانيُّ الأبقعَ، فيقتتلان، فيقتله السفيانيّ ومن تبعه، ثمّ يقتل الأصهب، ثمّ لا يكون له همّة إلّا الإقبال نحو العراق، ويمرّ جيشه بقرقيسياء..."(٢٧٨).
عن المغيرة بن سعيد، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا اختلف الرمحان بالشام، لم تنجلِ إلّا عن آية من آيات الله. قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: رجفة تكون بالشام، يهلك فيها أكثر من مائة ألف، يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذاباً على الكافرين. فإذا كان ذلك، فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة، والرايات الصفر، تقبل من المغرب حتّى تحلّ بالشام، وذلك عند الجزع الأكبر والموت الأحمر. فإذا كان ذلك، فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا. فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، حتّى يستوي على منبر دمشق. فإذا كان ذلك، فانتظروا خروج المهديّ"(٢٧٩).
قد يكون معنى اختلاف رمحَين في بلاد الشام الوارد في كلام أمير المؤمنين، هو اختلاف زعيمين يمثّلان اتّجاهين متنازعين، ولعلّه ما أشارت إليه رواية جابر الجعفيّ: راية الأصهب، وراية الأبقع.
والحديث عن الرايات الثلاث في الشام وحصول فتنة فيها موجود وبوفرة في مصادر العامّة والخاصّة.
وحسب الظاهر من الروايات، إنّ الاقتتال والتنازع في البداية يكون بين راية الأبقع، وراية الأصهب الذي هو حاكم الشام على ما يُفهم من الروايات، ثمّ يعقبهما السفيانيّ، فيكثر نتيجة لذلك القتل والجوع في الشام، وتبدأ كور الشام، أي محافظاتها، بالخروج بالتدرّج من قبضة حاكمها آنذاك، إلى أن يضمّ السفيانيّ إلى حكمه الكور الخمس.
وعلى هذا، يبدو أنّ الصراع بين راية الأبقع وراية الأصهب هو ممهّد لخروج السفيانيّ الذي هو من العلامات الحتميّة كما تقدّم. أمّا الرايات السابقة فهي من مستلزمات العلامة الحتميّة، وليست من العلامات الحتميّة.
الراية الأولى: الأبقع:
الأبقع في اللغة، هو الاختلاف في اللون أو في الكيفيّة الظاهرة، كالحيوان الأبقع، والأرض البقعاء(٢٨٠)، والغراب الأبقع الذى فيه سواد وبياض. واستفيد من كون هذا اللون من الغربان بأنّه أخبثها؛ فلذلك قيل رجل أبقع إذا كان خبيثاً، ويقال للرجل الذي يولّي من الأرض جاحدًا أهلها بالأبقع، ولهذا لا يستعمل إلّا في الجحد، والباقعة الداهية، ولهذا يقال: باقعة للداهية من الرجال. وتستخدم الكلمة نفسها إذا كان الرجل بصيراً بالأمور ومكثراً بالبحث فيها، ويقال للطير الحذر: الباقعة؛ لأنّه يحذر ويحتال في شرب الماء، فلا يشرب من المشارع، وإنّما يشرب من البقاع، وهي المواضع التي يستنقع الماء فيها، ولهذا يطلق على الحذر المحتال من الرجال بهذا الاسم نفسه، ويقال أيضاً للذكيّ العارف الذي لا يفوته شيء(٢٨١).
ولا ضير في اجتماع كلّ هذه الأوصاف في رجل، فيكون الأبقع رجلاً أحمر اللون يشوبه البياض يهجر الشام، وهو من دهاتها، فيُرمى بكلّ قبيح، ويُتّهم ويجحد، ممّا يعني أنّ الأبقع يفد إلى الشام بعد جحود مجتمعها، ويكون سبباً للفتنة بين الشاميّين ومفتاحها أو مستفيداً منها؛ إذ في العادة يختلف الناس في مثله إلى نوعين، أحدهما يخالفه، والآخر يتّفق معه ويدافع عنه. ولو أخذنا معنى غلمان الشام، وقد كان غالبيّتهم من الروم، وهو منشأ حمرتهم، فيمكن أن نجد الأبقع في البلاد الروميّة أثناء جحده للشام أو مواليًا لهم خادماً لمصالحهم. ولو أمعنّا بهذه القرائن لوجدنا أنّه كان خادماً في بلاط الشام وقصورها.
وعلى وفق الروايات، فإنّه أوّل من يُقتل من أصحاب الرايات، وتتعدّد الروايات في هُويّة القاتل له، فمنها ما يُسمّيه، وتشير إلى السفيانيّ كما هي الحال في الرواية المتقدّمة، ومنها ما لا يُسمّي القاتل، ولو قدّر أنّ القاتل هو السفيانيّ فيعني أنّه سيُقتل في بداية مسعى السفيانيّ للسلطة في الشام، لأنّه أضعف من الأصهب، والذي سيكون صاحب السلطة فيها باعتبار أنّ الأبقع والسفيانيّ يشار إلى أنّهما كانا خارج الشام قبل الفتنة.
وعلى أيّ حال، فإنّ هذا الرجل لن يكون مورد ابتلاء مهمّ للمنتظرين، على الرغم من أنّه سيكون مُستعيناً بأعدائهم، ومُعيناً لهم، ومنافحاً عن مصالحهم، ولكنّه علامة مهمّة جدّاً لهم للتهيّؤ والتحسّب لظهور ابن آكلة الأكباد.
الراية الثانية: الأصهب:
الأصهب في اللغة، هو الأبيض المشوب بحُمرة، وتطلق في العادة على الشعر في رأس الرجل ولحيته، أو في وبر الإبل إن كان ظاهره أحمر وأصوله بيضاء أو سوداء إن كان في شعر الرجل(٢٨٢). وتقال للشَديد والجَلِد، فيومٌ أصهب إذا كان شديد البرد، ويوم صهيب إذا كان شديد الحَرّ، وموت صهابيّ كقولهم موت أحمر(٢٨٣)، كما ويقال للظليم أصهب البلد؛ أي جلده(٢٨٤)، والظليم: كثير الظلم، وتقال أيضاً للرجل الطويل(٢٨٥)، والمصهّب: هو الوحش المختلط(٢٨٦).
والأصهب هو الذي يحكم الشام قبل ورود الأبقع إليها، باعتبار أنّ الأخير والسفيانيّ إنّما يفدان إليها من بعد هجران لها. والأبقع يتقدّم على السفيانيّ بالعودة إليها. وبالتالي فإنّ الأبقع يسعى لأخذ الحكم من الأصهب، مستغلّاً ظروف خلع العرب لأعنّتهم، وما يعقبها من سقوط أو تزلزل بعض الأنظمة العربيّة، وتدور رحى الفتنة ضدّه وفقاً لبعض الروايات من درعا أوّلاً، ثمّ تنتقل إلى بقيّة المناطق الشاميّة لتعمّ البلد كلّه.
ويبدو أنّ السيناريو الأقرب هو أن تؤدّي أعمال الأصهب إلى قلب الموقف العالميّ والإقليميّ والمحلّيّ عليه، وهذا القلب الذي تصفه الروايات بأنّه فتنة من المغرب وفتنة من المشرق، يأخذ بالتنامي وسط حماية واضحة أو استغلال واضح من هذه الدول وحلفائها في المنطقة. وهذا التنامي الذي يستدعي منازعةَ الأصهب في سلطانه من قبل أعداء داخليّين وسط تحشيد خارجيّ عليه، يبلغ أوجه بالموافقة على الضربة التي ستوجّه إلى دمشق، وهي آخر المناطق التي سترد إليها المعارك، لنجد بعدها حركة التداعيات اللاحقة تنتهي إلى بلورة مشروع قياديّ بديل تجري رعايته من خارج سوريا هو الذي سيتقدّمه الأبقع، وهو يناهض حكم الأصهب. إلّا أنّ الأصهب لا يستسلم. وعند يأس عمليّة القلب الخارجيّة من إمكانيّة تغلّب الأبقع عليه، تجري تهيئة الفرصة للسفيانيّ الذي سيقدم إلى سوريا من بلاد الروم لإنجاز هذا الموضوع. ولو صحّ هذا التحليل، فإنّ حكم الأصهب سيتميّز بسياسة خارجيّة هي التي ستثير عليه أعداء الخارج.
وعن هدّة دمشق يروي نعيم بن حمّاد عن زمان الهدّة أنّ الأصهب هو السفيانيّ الثاني، فلقد روى نعيم عن الزهريّ قوله: "وفي ولاية السفيانيّ الثاني وخروجه علامةٌ تُرى في السماء"(٢٨٧).
وكذا ما روى عن أرطأة بن المنذر، قال: "في زمان السفيانيّ الثاني تكون الهدّة حتّى يظنّ كلّ قوم أنّه قد خرب ما يليهم"(٢٨٨).
ومن الواضح أنّ الهدّة تكون قبل السفيانيّ الموعود. لذا، فلو صحّ كلّ ذلك، فإنّ عناصر القوّة التي يتمتّع بها الأصهب ستكمن في عشيرته وقومه. واعتبار السفيانيّ الموعود هو السفيانيّ الثالث، يشير إلى أنّ عمليّة التغيير التي تشمل حكم الشام لن تحصل من الداخل، وإنّما تحصل بتوافق خارجيّ مع قوم الأصهب نفسه الذين هم أنفسهم قوم السفيانيّ الموعود، على أن يلي الأمر هذا اللعين بدلاً منه(٢٨٩).
الراية الثالثة: السفيانيّ:
١- اسمه، نسبه، أوصافه:
اختلفت الروايات على قِلَّتها في اسم السفيانيّ، ولعلَّ الاختلاف يعود إلى عدم أهمّيّة الاسم بدرجة كبيرة بعد الاتّفاق على لقبه المشؤوم، وطبيعة حركته ومنهجه، وينسجم مع ما تقدّم من عدم أهمِّيَّة الاسم، كما أنّ احتمال انتحال هذا الرجل لأسماء حركيّة متعدّدة يقلّل من أهمّيّة ذكر اسمه، خاصّة في بداية أمره وأوائل حركته المنحرفة.
والمتّفَق عليه بين العلماء أنّ تسميته بالسفيانيّ نسبة إلى أبي سفيان؛ لأنّه من ذرّيّته، كما يسمّى ابن آكلة الأكباد نسبةً إلى جدّته هند زوجة أبي سفيان. فعن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) قال: "يخرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، وهو رجل ربعة (أي مربوع)، وحش الوجه، ضخم الهامة، بوجهه أثر الجدريّ، إذا رأيته حسبته أعور. اسمه عثمان، وأبوه عيينة (عنبسة)، وهو من ولد أبي سفيان، حتّى يأتي أرض قرار ومعين، فيستوي على منبرها"(٢٩٠).
وورد في إحدى رسائل أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية النصّ على أنّه من أبناء معاوية، جاء فيها: "وإنّ رجلاً من ولدك مشؤومٌ ملعون، جلفٌ جافّ، منكوسُ القلب، فظٌّ غليظ، قد نزع الله من قلبه الرحمة والرأفة، أخواله كلب. كأنّي أنظر إليه، ولو شئت لسمّيته ووصفته وابن كم هو، يبعث جيشاً إلى المدينة، فيدخلونها، فيسرفون في القتل والفواحش، ويهرب منهم رجل زكيّ نقيّ، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. وإنّي لأعرف اسمه، وابن كم هو يومئذٍ، وعلامته"(٢٩١).
وقد يكون جدّه، الذي ذكرت روايات أنّه عنبسة أو عتبة أو عيينة أو يزيد؛ من ذرّيّة معاوية بن أبي سفيان، فيرتفع الالتباس.
والمشهور عند علماء السنّة أنّ اسمه عبد الله، (عبد الله بن يزيد)، وقد ورد أنّ اسمه عبد الله في رواية في مصادرنا أيضاً(٢٩٢)، ولكنّ المشهور أنّ اسمه عثمان كما ذكرنا(٢٩٣).
فقد ورد في رواية أنَّ اسمه (حرب)، كما في المرويّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: "تختلف ثلاث رايات...، فقام رجل فقال: فما اسمه يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): حرب بن عنبسة بن مرّة بن كلب بن سلمة بن يزيد بن عثمان بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس، ملعون في السماء، ملعون في الأرض، أشرّ خلق الله عزّ وجلّ أباً، وألعن خلق الله جدّاً، وأكثر خلق الله ظلماً..."(٢٩٤).
وفي الرواية المتقدّمة اسمه عثمان. ولا يخفى تمايز النَّسَب عن الاسم في الأهمّيّة، فليست معرفة الاسم ضروريّة مثل معرفة النسب الذي يدلُّ في أغلب الأحيان على الانتماء الفكريّ والعقائديّ، والانسجام في الرؤى، والتطابق في الأساليب والسلوك، إلّا ما شذَّ وندر عند بعض الأفراد. ولعلَّ هذا هو أحد أسباب اهتمام وتأكيد الأئمّة (عليهم السلام) على ذكر نسب السفيانيّ.
أمّا أوصافه وملامحه الشخصيّة والجسديّة، حيث لم ترد روايات معتبرة في ذلك، ما عدا ما نقل عن عمر بن يزيد، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): "إنّك لو رأيت السفيانيّ لرأيت أخبث الناس، أشقر أحمر أزرق..."(٢٩٥).
قد تؤثّر الملامح الجسديّة لبعض الناس في سلوكهم سلباً أو إيجاباً، ولكنّ الدور الأسود الذي يقوم به السفيانيّ في تاريخ الأمّة الإسلاميّة بعيد كلَّ البعد عن التأثّر بأوصافه الجسديّة، وإنّما هو متأثّر بلا أدنى شكّ بمعتقداته وهواه الفكريّ والمنهجيّ. فنحن نستبعد كلّ الاستبعاد أن تتمكّن العاهات الجسديّة أو التشوّهات الخَلقيّة من صياغة شخصيّة إجراميّة حاقدة على الإسلام كشخصيّة السفيانيّ، وإنّما صياغة مثل هذه الشخصيّة هي نتاج القلب المريض فقط والنفس اللئيمة والروح الشرّيرة المترعرعة في أحضان شياطين الإنس والجنّ. وستأتي الإشارة فيما بعد إلى تأثّر هذا الرجل بوسوسة الشياطين ومردة الجنّ والأرواح الشرّيرة(٢٩٦).
٢- الملامح العامّة لشخصيّة السفيانيّ(٢٩٧):
أ- مجرم وقاتل: ومن التعابير التي وردت في الروايات في حقّه: "يقتل السفيانيّ مَن عصاه، وينشرهم بالمناشير، ويطبخهم بالقدور ستّة أشهر"(٢٩٨)، "السفيانيّ شرّ من ملك، يقتل العلماء وأهل الفضل، ويفنيهم. يستعين بهم، فمن أبى عليه قتله"(٢٩٩)، "يخرج السفيانيّ فيقاتل، حتّى يبقر بطون النساء، ويغلي الأطفال في المراجل"(٣٠٠)، أي القدور الكبيرة!.
ب- كافر: ففي الرواية المتقدّمة "إنّك لو رأيت السفيانيّ لرأيت أخبث الناس، أشقر أحمر أزرق، لم يعبد الله قطّ، لم يرَ مكّة ولا المدينة".
ج- حاقد على أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم: ولعلّ هذه الصفة من أبرز صفاته التي وردت في الروايات. بل يظهر أنّ دوره السياسيّ هو إثارة الفتنة المذهبيّة بين المسلمين، وتحريك السنّة على الشيعة تحت شعار نصرة التسنّن، في الوقت نفسه الذي يكون عميلاً لأئمّة الكفر الغربيّين واليهود.
فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: "إنّا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله. قلنا صدق الله، وقالوا كذب الله. قاتل أبو سفيان رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقاتل معاوية بنُ أبي سفيان عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقاتل يزيد بنُ معاوية الحسينَ بن عليّ (عليه السلام)، والسفيانيّ يقاتل القائمَ (عليه السلام) "(٣٠١).
وعن عمر بن أبان الكلبي، عنه (عليه السلام) قال: "كأنّي بالسفيانيّ - أو بصاحب السفيانيّ - قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مناديه: من جاء برأس (من) شيعة عليّ فله ألف درهم، فيثب الجار على جاره، ويقول هذا منهم، فيضرب عنقه، ويأخذ ألف درهم! أما إنّ إمارتكم يومئذ لا تكون إلّا لأولاد البغايا. وكأنّي أنظر إلى صاحب البرقع! قلت: من صاحب البرقع؟ قال: رجل منكم يقول بقولكم، يلبس البرقع فيحوشكم، فيعرفكم ولا تعرفونه، فيغمز بكم رجلاً رجلاً. أما إنّه لا يكون إلّا ابن بغيّ"(٣٠٢).
٣- ولاء السفيانيّ الثقافيّ والسياسيّ:
وتدلّ الأحاديث على أنّه غربيّ الثقافة والتعليم، وربّما تكون نشأته هناك أيضاً. رُوي عن بشر بن غالب مرسلاً قال: "يقبل السفيانيّ من بلاد الروم متنصّراً، في عنقه صليب. وهو صاحب القوم"(٣٠٣)، أي مسيحيّ بعد أن كان أصله مسلماً. وتعبير: (يقبل من بلاد الروم) يعني أنّه يأتي من هناك إلى بلاد الشام، ثمّ يقوم بحركته. ويدلّ أيضاً على أنّ ولاءه السياسيّ للغربيّين واليهود، أنّه يقاتل المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الذي هو عدوّ الروم، أي الغربيّين، ويقاتل الترك أو إخوان الترك.
وإنّه يلجأ، أثناء الحرب أمام زحف جيش المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من دمشق، إلى الرملة بفلسطين، التي ورد أنّه تنزل فيها مارقة الروم. بل يظهر أنّه يخوض المعركة مع المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، باعتبار أنّ السفيانيّ خطّ الدفاع الأماميّ عن اليهود والروم؛ لأنّ الأحاديث الشريفة تتحدّث عن انهزام اليهود بهزيمته.
كما يدلّ على ولائه للغربيّين أنّ جماعته بعد هزيمته وقتله، يهربون إلى الروم، ثمّ يسترجعهم أصحاب المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ويقتلونهم.
عن بدر بن الخليل الأسديّ، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قول الله (عزّ وجلّ): ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾(٣٠٤)، قال: إذا قام القائم وبعث إلى بني أميّة بالشّام فهربوا إلى الرّوم فيقول لهم الرّوم: لا ندخلنّكم حتّى تتنصَّروا فيعلِّقُونَ في أعناقهم الصُّلبان فيُدخِلُونهم، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصّلح، فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتّى تدفعوا إلينا مَنْ قِبَلَكُم مِنّا، قال: فيدفعونهم إليهم فذلك قوله: ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. قال: يسألهم الكنوز وهو أعلم بها، قال: فيقولون: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ* فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾(٣٠٥)، بِالسَّيْفِ"(٣٠٦).
ومعنى (إذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان) أنّ أصحاب المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يحشدون قوّاتهم في مواجهة الروم، ويهدّدونهم. والمقصود ببني أميّة أصحاب السفيانيّ، كما نصّت على ذلك أحاديث أخرى.
ويبدو أنّهم وزراؤه وقادة جيشه، وأنّ لهم أهمّيّة سياسيّة كبيرة؛ ولذلك تصل قضيّتهم إلى حدّ تهديد المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وأصحابه للروم بالحرب إذا لم يسلّموهم إيّاهم.
٤- الطابع الدينيّ لتحرّكه:
يظهر من الروايات أنّ السفيانيّ يعطي تحرّكه طابعاً دينيّاً. فقد ورد أنّه يظهر: "شديد الصفرة، به أثر العبادة"(٣٠٧)، ممّا يعني أنّه يظهر بمظهر المتديّن، ولكنّ ذلك يكون أوّل أمره فقط كما يذكر حديث آخر.
٥- الحركة الجغرافيّة للسفيانيّ:
إنّ حركة السفيانيّ تمرّ بمراحل عدّة حسب ما يظهر من الروايات، وهي على الشكل الآتي:
- مرحلة تثبيت سلطته في أشهره الستّة الأولى.
- ثمّ مرحلة غزوه ومعاركه في العراق والحجاز.
- ثمّ مرحلة تراجعه عن التوسّع في العراق والحجاز، ودفاعه أمام زحف جيش المهديّ عمّا يبقى في يده من بلاد الشام وفلسطين.
أمّا بداية حركته، فتكاد تتّفق الروايات على أنّ السفيانيّ يبدأ حركته من خارج دمشق، من منطقة حوران أو درعا على الحدود السوريّة الأردنيّة. وقد سمّت الروايات منطقة خروجه بالوادي اليابس والأسود.
عن ابن حمّاد: "السفيانيّ من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان، رجل ضخم الهامة، بوجهه آثار جدريّ، وبعينه نكتة بياض. يخرج من ناحية مدينة دمشق من واد يقال له الوادي اليابس. يخرج في سبعة نفر، مع رجل منهم لواء معقود"(٣٠٨). وقال أيضاً: "إنّ بداية حركته" من قرية من غرب الشام يقال لها أندرا، في سبعة نفر"(٣٠٩).
وتدلّ بعض الأحاديث على أنّ الشيعة في منطقة الشام لا يكونون هم العدوّ الأساسيّ للسفيانيّ عند خروجه، بل جماعة الأبقع والأصهب الذين هم أعداء للشيعة وللسفيانيّ معاً.
فعن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: "اتّقوا الله، واستعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد في طاعة الله، فإنّ أشدّ ما يكون أحدكم اغتباطاً بما هو فيه من الدين لو قد صار في حدّ الآخرة وانقطعت الدنيا عنه، فإذا صار في ذلك الحدّ عرف أنّه قد استقبل النعيم والكرامة من الله والبُشرى بالجنّة، وأمن ممّا كان يخاف، وأيقن أنّ الذي كان عليه هو الحقّ، وأنّ من خالف دينه على باطل، وأنّه هالك، فأبشِروا ثمّ أبشروا بالذي تريدونه. ألستم ترون أعداءكم يقتتلون في معاصي الله، ويقتل بعضهم بعضاً على الدنيا دونكم، وأنتم في بيوتكم آمنون في عزلة عنهم؟ وكفى بالسفيانيّ نقمة لكم من عدوّكم، وهو من العلامات لكم، مع أنّ الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهراً أو شهرين بعد خروجه، لم يكن عليكم بأس حتّى يقتل خلقاً كثيراً دونكم.
فقال له بعض أصحابه: فكيف نصنع بالعيال إذا كان ذلك؟ قال: يتغيّب الرجل منكم عنه، فإنّ حنقه وشرهه فإنّما هي على شيعتنا، وأمّا النساء فليس عليهنّ بأس، إن شاء الله تعالى.
قيل: فإلى أين يخرج الرجال ويهربون منه؟ فقال: من أراد منهم أن يخرج، يخرج إلى المدينة أو إلى مكّة أو إلى بعض البلدان. ثمّ قال: ما تصنعون بالمدينة، وإنّما يقصد جيش الفاسق إليها؟ ولكن عليكم بمكّة فإنّها مجمعكم، وإنّما فتنته حمل امرأة تسعة أشهر، ولا يجوزها، إن شاء الله"(٣١٠)، وهذا يدلّ على أنّ حملته على الشيعة في بلاد الشام تبدأ في شهر رمضان بعد خروجه.
وتذكر الروايات أنّ سيطرته على المنطقة تكون قويّة مطلقة، حيث يتغلّب على كلّ مصاعب الوضع الداخليّ: فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "... فينقاد له أهل الشام، إلّا طوائف من المقيمين على الحقّ، يعصمهم الله من الخروج معه..."(٣١١). ويفهم بعضهم من تعبير هذا الحديث أنّ الشيعة في لبنان وبلاد الشام سوف لا يشملهم حكم السفيانيّ ولا ينقادون له، وهو محتمل(٣١٢).
الخسف بالبيداء:
يُعدّ الخسف بالبيداء من الشرائط الحتميّة. رُوي عن عمر بن حنظلة: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليمانيّ، والسفيانيّ، والصيحة، وقتل النفس الزكيّة، والخسف بالبيداء"(٣١٣).
وروايات الشيعة والسنّة متضافرة، والروايات عند الخاصّة وعند العامّة تصنّف إلى صنفين، فمنها من أطلق كلمة الخسف بالبيداء من دون أن يفصّل بطبيعة الخسف، وما يخسف به، ولا بمكان الخسف، وقسم منها فصّل في الحديث لما هو أكثر من ذلك. ولكنّ المتبادر في إطلاق الخسف على أيّ حال هو الخسف بجيش السفيانيّ الخارج من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة بحثاً عن الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) (٣١٤).
وفي رواية عن أبي خالد الكابليّ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: "... فإذا جاء إلى البيداء، يخرج إليه جيش السفيانيّ، فيأمر الله الأرض، فتأخذ أقدامهم"(٣١٥).
وقد روت العامّة أحاديث عدّة صحّحوها في كتبهم، وروى مسلم بإسناده إلى أمّ سلمة، عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوله: "يعوذ عائذ بالبيت، فيُبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، خُسف بهم..."، وخَتم مسلمٌ حديثه بقول الإمام الباقر (عليه السلام): "هي بيداء المدينة"، ثمّ نقل عن عبد العزيز بن رفيع، قال: فلقيت أبا جعفر(٣١٦) (عليه السلام)، فقلت: إنها إنما قالت: ببيداء من الأرض، فقال أبو جعفر: "كلا والله، إنها لبيداء المدينة"(٣١٧).
ممّا لا ريب فيه أنّ موضع الخسف هو في الصحراء التي تلي ميقات ذي الحليفة، المعروف اليوم بمسجد الشجرة ومنطقة أبيار الإمام عليّ (عليه السلام)، إلى يمين الخارج من الميقات باتجاه مكّة المكرّمة مباشرة؛ أي أنّ الخسف سيكون في مشارف المدينة المنوّرة مباشرة، وتحديداً ما بين مسجد الشجرة ومجموعة الهضاب التي تأتي على يمين الخارج من مسجد الشجرة.
المفاهيم الرئيسة:
١- إنّ شخصيّة السفيانيّ شخصيّة واقعيّة حقيقيّة، وليست هي من وضع الأمويّين للكيد ببني العبّاس، ولا هي من وضع الشيعة للكيد ببني أميّة؛ والسبب في ذلك تواتر روايات السفيانيّ عند الفريقين. والمنهج المعتمَد مع روايات السفيانيّ هو وسط بين المنهج الفقهيّ والمنهج التاريخيّ.
٢- حسب الظاهر من الروايات أنّ الاقتتال والتنازع في البداية يكون بين راية الأبقع، وراية الأصهب الذي هو حاكم الشام على ما يُفهَم من الروايات، ثمّ يعقبهما السفيانيّ، فيكثر نتيجة لذلك القتل والجوع في الشام، وتبدأ كور الشام؛ أي محافظاتها بالخروج بالتدرّج من قبضة حاكمها آنذاك، إلى أن يضمّ السفيانيّ إلى حكمه الكور الخمس.
٣- اختلفت الروايات في اسم السفيانيّ، مع اتفاقها على نسبه بأنّه يرجع إلى آل أبي سفيان. ويتّخذ السفيانيّ منهجاً واضحاً في التعامل مع أنصار المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإنّ معتقداته تؤثّر لا محالة في سلوكه وتصرّفاته. ويختصّ السفيانيّ بأنّه مجرم وقاتل وكافر، وحاقد على أهل البيت وشيعتهم.
٤- تشير الأحاديث إلى أنّ الولاء الثقافيّ والسياسيّ للسفيانيّ يكون ولاءً غربيّاً، فهو الذي يأتي وفي عنقه صليب، إلّا أنّ السفيانيّ يتمظهر بمظهر التديّن والالتزام الدينيّ من أجل التعمية على الناس.
٥- إنّ حركة السفيانيّ تمرّ بمراحل عدّة، حسب ما يظهر من الروايات، وهي على الشكل الآتي: مرحلة تثبيت سلطته في أشهره الستّة الأولى، ثمّ مرحلة غزوه ومعاركه في العراق والحجاز، ثمّ مرحلة تراجعه عن التوسّع في العراق والحجاز.
٦- يُعدّ الخسف بالبيداء من الشرائط الحتميّة، وروايات الشيعة والسنّة متضافرة. والروايات عند الخاصّة وعند العامّة تصنّف إلى صنفين، فمنها من أطلق كلمة الخسف بالبيداء من دون أن يفصّل بطبيعة الخسف، وما يخسف به، ولا بمكان الخسف، وقسم منها فصّل في الحديث لما هو أكثر من ذلك. ولكنّ المتبادر في إطلاق الخسف، على أيّ حال، هو الخسف بجيش السفيانيّ الخارج من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة بحثاً عن الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

الدرس الرابع عشر: طرائق الارتباط بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يعدّد طرائق الارتباط بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٢- يشرح معنى الارتباط العقائديّ والتشريعيّ بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٣- يتعرّف إلى مفهوم الارتباط الروحيّ وكيفيّته.
تمهيد:
إنّ المؤمن بحاجة دائمة إلى الارتباط بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، لكي يبقى على صلة دائمة بمحضر وجوده، فلا ينفكّ عنه، ولا يغيب عن باله وحركاته وسكناته، بل يبقى الإمام حاضراً في كلّ وجوده. وهنا، كان الارتباط بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) متعدّد الاتّجاهات والجوانب، فتارة يكون ارتباطاً عقديّاً، وأخرى يكون ارتباطاً تشريعيّاً، وثالثة يكون ارتباطاً روحيّاً.
على أنّ جميع هذه الجوانب والاتّجاهات ترتبط فيما بينها ارتباطاً وثيقاً من أجل أن تصنع إنساناً مؤمناً، ينطلق من إيمانه في انتظار المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ويمهّد الأرضيّة المناسبة للظهور.
الارتباط العقديّ:
١- مفهوم الارتباط العقائديّ:
يُقصد به الاعتقاد بتعلّق الغرض الإلهيّ بإصلاح البشريّة جمعاء، وتنفيذ العدل المطلق فيها في المستقبل. كذلك الاعتقاد بأنّ القائد الذي يقود البشريّة في ذلك اليوم الموعود، هو الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، الأمر الذي قامت ضرورة المذهب الإماميّ عليه، وقامت عليه الأعداد الضخمة من أخبارهم (عليهم السلام).
ويتمثَّل هذا المحور من العلاقة بالإمام المهديّ في الإيمان به على أساس البرهان والدليل، سواء أكان مستمَدّاً من العقل، كقاعدة اللطف وضرورة أن يكون هناك حجّة لله على الأرض لهداية الأمم والشعوب، سواء أكان متمثّلاً بالرسول أم بالإمام فيكون هو واسطة الفيض الإلهيّ، أم كان مستمَدّاً من النصّ الشرعيّ.
٢- أسس الارتباط العقائديّ:
ويمكن إجمال الارتباط العقديّ بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالأمور التالية، وهي ملخّص معتقدات الإماميّة في القضيّة المهدويّة:
الأوّل: نعتقد أنّ البشارة بظهور المهديّ من ولد فاطمة في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ثابتةٌ عن النبيّ بالتواتر، وسجّلها المسلمون جميعاً فيما رووه من الحديث عنه على اختلاف مشاربهم، وليست هي بالفكرة المستحدَثة عند (الشيعة)، دفع إليها انتشار الظلم والجور، فحلموا بظهور من يطهّر الأرض من رجس الظلم، كما يريد أن يصوّرها بعض المغالطين غير المنصفين.
الثانية: نعتقد أنّ الإصلاح العالميّ لا يكون إلّا على يد الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولا يُعقل أن يعود الدين إلى قوّته إلّا إذا كان على رأسه مصلح عظيم يجمع الكلمة، ويردّ عن الدين تحريف المبطلين، ويبطل ما أُلصق به من البدع والضلالات بعناية ربانيّة وبلطف إلهيّ؛ ليجعل منه شخصاً هادياً مهديّاً، له هذه المنزلة العظمى والرياسة العامّة والقدرة على أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً. والخلاصة أنّ طبيعة الوضع الفاسد في البشر البالغة الغاية في الفساد والظلم مع الإيمان بصحّة هذا الدين وأنّه الخاتم للأديان؛ تقتضي انتظار هذا المصلح "المهديّ"، لإنقاذ العالم ممّا هو فيه.
الثالث: نعتقد بأنّ هذا المصلح المهديّ هو شخص معيّن معروف، وهو محمّد بن الحسن العسكريّ ابن الإمام عليّ الهادي، إلى أن يصل نسبه إلى أمير المؤمنين والزهراء بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
الرابع: نعتقد أنّه وُلد سنة ٢٥٦ هجريّة، ولا يزال حيّاً، وذلك بما ثبت عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآل البيت (عليهم السلام) من الوعد به، وما تواتر عندنا من ولادته واحتجابه؛ أي حصلت له غيبة بعد شهادة والده سنة (٢٦٠هـ)، وكان له نوّاب أربعة. وبموت النائب الرابع عليّ بن محمّد السمريّ انقطعت الغيبة الصغرى وبدأت الغيبة الكبرى، إلى أن يأذن الله تعالى له بالظهور.
الخامس: نعتقد أنّ الإمامة لا يجوز أن تنقطع في عصر من العصور، حتّى وإن كان الإمام مخفيّاً، ليظهر في اليوم الموعود به من الله تعالى، الذي هو من الأسرار الإلهيّة التي لا يعلم بها إلّا هو تعالى.
السادس: بالنسبة إلى طول حياته الشريفة، لا يخلو من أن تكون حياته وبقاؤه هذه المدّة الطويلة معجزة جعلها الله تعالى له، وليست هي بأعظم من معجزة أن يكون إماماً للخلق وهو ابن خمس سنين، يوم رحل والده إلى الرفيق الأعلى، ولا هي بأعظم من معجزة عيسى إذ كلّم الناس في المهد صبيّاً، وبُعث في الناس نبيّاً.
السابع: نعتقد أنّ معنى انتظار هذا المصلح المنقذ المهديّ، ليس أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحقّ من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته والجهاد في سبيله، والأخذ بأحكامه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر(٣١٨).
الثامن: نعتقد بأنَّ المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) له جميع المقامات المستحقّة للأئمّة (عليهم السلام)، وهو وارث علم الأوّلين والآخرين، وسوف يحقّق الله على يديه وعده الذي لا يُخلَف: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(٣١٩)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾(٣٢٠).
الارتباط التشريعيّ:
١- مفهوم الارتباط التشريعيّ:
إنّ الارتباط التشريعيّ أو الفقهيّ هو عبارة عن ارتباط غير مباشر بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عبر الفقهاء الذين يمثِّلون النوّاب للإمام في عصر الغيبة، أي النيابة العامّة. ومن خلالهم يحصل الإنسان على حكمه الشرعيّ خلال مسيرة حياته الفرديّة والاجتماعيّة أو العباديّة والمعاملاتيّة، وهذا معنى أنّه حصل ارتباط شرعيّ بين المكلَّف وبين الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وقد أسَّس أهل البيت (عليهم السلام) للرجوع إلى الفقهاء من قبل ذلك، حفاظاً على دين الناس، ورعايةً لشؤون الأمّة، فقد جاء الحديث الشريف عن الإمام العسكريّ (عليه السلام): "فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوامِّ أن يقلّدوه..."(٣٢١).
ولا شكّ في أنّ المهمّة التي اضطلع بها الإمام العسكريّ كانت التمهيد لولادة الإمام المهديّ وغيبتيه الصغرى والكبرى، والارتباط الصحيح به وضرورة الانتقال بالشيعة من نقطة اتّصال مباشرة بالمعصوم إلى نقطة اتّصال غير مباشرة. وتُعتبر هذه المرحلة من أدقّ المراحل على الفكر الشيعيّ منذ النبيّ محمّد إلى عهد الإمام العسكريّ، لذلك كان على الإمام أن يكثّف أحاديثه، وأن يقوم عمليّاً بهذا الدور.
٢- ذروةُ التكامل الفقهيّ نظريّةُ ولاية الفقيه العامّة:
يمثِّل الفقيه -كما قلنا سابقاً - النائبَ العامّ للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ووجوب طاعته متأتّية من طاعة الإمام (عليه السلام)، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾(٣٢٢).
فهم بالتبعيّة للإمام يجب طاعتهم. ومن هنا، فإنّ الارتباط بهم ليس على المستوى الفقهيّ فقط، بل حتّى على المستوى السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ إذا وُجدت له آراء في ذلك. فالتقليد يعني الطريقَ العمليّ لتجسيد النظريّة على مستوى تنظيم العلاقة بالله تعالى (العبادات)، وعلى مستوى تنظيم العلاقة بالناس (المعاملات)، وكذلك تنظيم شؤون المؤمن سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً.
يمكن القول إنّه من ثمار عمليّة الارتباط بالفقهاء تُعتبر نظريّة ولاية الفقيه والالتزام بالأحكام الولائيّة لوليّ أمر المسلمين من أبرز الطرق وأنجحها لتهيئة مجتمع الظهور.
الارتباط الروحيّ:
١- مفهوم المرابطة:
المرابطة نوع من الجهاد، وهي أن يحبس الرجل خيله في سبيل الله، ليركبها المجاهدون، وأن يعينهم على الجهاد ضدَّ الكفّار بشتّى أنواع الإعانة. وفيها ثواب عظيم إذا كان ثمّة إمام عادل. ولا يرابَط اليوم إلّا على سبيل الدفاع عن الإسلام والنفس. وهي مستحبّة بهذا الشرط. وحدّها ثلاثة أيّام إلى أربعين يوماً، فإنْ زاد كان جهاداً. والرباط ارتباط الخيل للعدوّ، والربط الشدّ، ثمّ استُعمل في كلّ مقيم في ثغر يدفع عمّن وراءه مَن أرادهم بسوء(٣٢٣).
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(٣٢٤)، فالآية كما هو الظاهر منها تأمر بالرباط، لأنّها جاءت بصيغة الأمر، "ورابِطُوا". ومعنى ذلك: أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، مترصّدين مستعدّين للغزو. وأصل الرّباط ارتباط الخيل للعدوّ، قال الله تعالى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾(٣٢٥). وفي الشّرع معناه الإقامة عند الثغر لحفظ المسلمين، وإن لم يكن له خيل، وفيها دلالة على الحثّ على المرابطة في الثغور، كما قال الفقهاء، وحكموا بأنّ فيه فضلاً كثيراً وثواباً جزيلاً(٣٢٦).
٢- أهمّيّة المرابطة:
في الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "من رابط يوماً وليلة في سبيل الله، كان كعدل صيام شهر وقيامه، لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلّا لحاجة. ومن مات في سبيل الله، أجرى الله تعالى عليه أجره حتّى يقضي بين أهل الجنّة والنّار"(٣٢٧).
وروى سلمان قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: "رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات جرى عليه عمله الذي يعمل، وأجر يَعليه رزقه وأمن الفتن"(٣٢٨).
وعن فضالة بن عبيد أنّ رسول الله قال: "كلُّ ميّتٍ يُختَم على عمله إلَّا المرابط في سبيل الله، فإنّه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمَن من فتّان القبر"(٣٢٩).
ولقد أشار القرآن الكريم إلى أهمّيّة المرابطة في سبيل الله، بما لها علاقة بأهل البيت (عليهم السلام) وبالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(٣٣٠). ورد في تفسير الآية الكريمة عن بريد بن معاوية العجليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾، قال: "اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوّكم، ورابطوا إمامكم المنتظر"(٣٣١).
وعن أبي الطفيل، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال في هذه الآية: "نزلت فينا، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به بعد، وسيكون ذلك يكون من: نسلنا المرابط، ومن نسل ابن ناثل(٣٣٢) المرابط"(٣٣٣).
والآية، كما قال أمين الإسلام الطبرسيّ في مجمع البيان، تتضمّن جميع ما يتناوله التكليف:
- "اصْبِرُوا" يتناول لزوم العبادات، وتجنّب المحرّمات.
- "وصابِرُوا" يتناول ما يتّصل بالآخر، كمجاهدة الجنّ والإنس، وما هو أعظم منها جهاد النفس.
- "ورابِطُوا" يدخل فيه الدفاع عن المسلمين، والذبّ عن الدين.
- "واتَّقُوا اللهَ" يتناول الانتهاء عن جميع المناهي والزّواجر، والائتمار بجميع الأوامر، ثمّ يتبع جميع ذلك الفلاح والنّجاح(٣٣٤).
٣- كيف يكون رباطنا مع الإمام الغائب؟
أ- مفهوم الرباط:
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ أوّلاً من توضيح وتحقيق حول معنى الرباط، فعند مراجعة المعاجم اللغويّة والاستخدامات القرآنيّة لكلمة رباط، يمكن القول إنّ الربط والرباط هو التوثيق والشدّ متعلَّقاً بشيء أو في موضوع، ليثبت على تلك الحال.
والتوثيق والشدّ يلاحَظ مفهومهما من حيث هو من دون تعلُّق بشيء آخر، ومن دون نظر فيهما إلى جهة الثبوت. وفي التوثيق يلاحظ جهة الاطمئنان والوثوق. وأمّا الشدّ: فمطلق من جميع الجهات، من دون نظر إلى قيد. فمفاهيم الثبوت والوثوق والحزم واللزوم، من آثار ذلك الأصل ومن لوازمه.
فالصبر في قبال الوظائف والمكاره، والمصابرة إدامة الصبر والثبات عليه، بحيث يظهر الصبر منه علناً ويتجلَّى بين الناس، والمرابطة تحقّق الارتباط بينهم، وهذه المقدّمات الثلاث وتحقّقها لازمة في كلّ مسير وفي الوصول إلى كلّ مطلوب.
ب- مراتب المرابطة:
للمرابطة مراتب عدّة:
أُولاها: تحقّق الارتباط بين الأفراد ومن يهديهم ويرشدهم، أي فيما بين الأمّة والإمام، ليهتدوا بهديه، ويسيروا بإرشاده، ويعملوا على ما يأمر وينهى.
وثانيتُها: تحقّق المرابطة بين الرعيّة والأمّة، ليكونوا رحماء فيما بينهم، ويستقرّوا في صفّ واحد، ويداً واحدةً على مخالفيهم وعلى كلمة واحدة.
وثالثتُها: تحقّق الربط من جهة التجهيزات والقوى اللازمة للدفاع عن أنفسهم ولحفظ منافعهم. فالمرابطة شاملة لجميع هذه المراتب.
ورابعتُها: أنّ الربط فيما بين البدن والقلب مرتبة أوّليّة - قبل هذه المراتب، ويعبّر عنها بربط الجأش، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾(٣٣٥)؛ أي مرابطة الخيل بأن تكون تحت اختياركم وتحت النظم، منظَّمة مربوطة حاضرة، بتحقّق المرابطة فيما بينها وفيما بينكم وبينها، والرباط مصدر المفاعلة، والقوّة: كالقدرة مصدر أيضاً.
قال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا﴾(٣٣٦)، إشارة إلى مرتبة ربط الجأش واشتداد القلب واستحكامه، غير مضطرب ولا متزلزل. وهذا أوّل مرتبة من تحقّق الإيمان والطمأنينة في القلب. وأمّا استعمال الربط بحرف على فإشارةٌ إلى أنّ الرباط كان واقعاً عليها وعلى وجهها؛ أي أنّهم ثابتون ومربوطون على مقتضى قلوبهم، لا يطرأ عليهم التزلزل والتردّد من الخارج، فهم يعملون طبق إيمانهم.
قال تعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾(٣٣٧)، فظهر لطف التعبير بهذه المادّة في الآيات المذكورة. واستعمالها مجرّدة إذا نُسبت إلى الله المتعال، فإنّه لا معنى لإدامة الربط والتظاهر به في تلك الموارد. وهذا بخلاف - وصابروا ورابطوا - المنتسبة إلى الناس(٣٣٨).
فكلّ هذه المراتب من المرابطة مطلوبة مع الإمام، وأوّلها وأهمّها مرابطة القلب؛ أي عدم تزلزل المعتقَد. ثمّ بعد ذلك المرابطة العمليّة معه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والتي من مظاهرها في عصر الغيبة المرابطة على الثغور؛ لمنع العدوّ الظاهريّ من التسلّل ودخول بلاد المسلمين.
فالمرابطة المطلوبة مع الإمام هي على الشكل الآتي:
١- مرابطة القلب، وذلك من خلال التواصل الروحيّ مع إمام الزمان.
٢- المرابطة الاعتقاديّة، وذلك من خلال تمكين المعتقدات الإماميّة وتثبيتها، وخصوصاً الأمور المرتبطة بالإمام المهديّ، وذلك من خلال:
أوّلاً: منع تسلّل الشبهات - وهي مرابطة العالم - وخصوصاً ما أطلقت عليه الروايات "فخاخ النواصب"، ففي الرواية عن الإمام الهادي عليّ بن محمّد، عن الإمام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)، أنّه قال: "لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه، والدالّين عليه، والذّابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلّا ارتدّ عن دين الله، ولكنّهم الذين يمسكون أزمَّة قلوب ضعفاء الشيعة، كما مسك صاحب السفينة سكّانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عزّ وجلّ"(٣٣٩).
ثانياً: تقوية الجنبة البرهانيّة من خلال الأدلّة القرآنيّة والروائيّة المتعلّقة بالمعتقدات المرتبطة بالإمام، وخصوصاً الأدلّة المرتبطة بوجود الإمام المهديّ وحياته وظهوره، وطبيعة دعوته الإصلاحيّة وما شابه ذلك.
٣- الارتباط التشريعيّ، من خلال طاعته، عبر طاعة نوّابه الفقهاء، ونائبه وليّ الأمر، وذلك في طاعة الفقهاء في الجهة الفتوائيّة، وطاعة الوليّ في الأوامر الولائيّة، وذلك في الأحكام المنظّمة لشؤون المجتمع الإسلاميّ، هذا مع عدم اتّحاد المرجع والوليّ. أمّا مع اتّحادهما، فيثبت للوليّ الجهتان معاً.
٤- الارتباط الروحيّ بين الأفراد ومن يهديهم ويرشدهم، أي فيما بين الأمّة والإمام؛ ليهتدوا بهديه، ويسيروا بإرشاده. وهذا يُتصوّر بشكلين، الأوّل: الهداية الإرشاديّة إلى الحلال والحرام، أي الأحكام الشرعيّة الظاهريّة، والثاني: الهداية الإيصاليّة التكوُّنيّة، وهي عندما يتحقّق الاستعداد القلبيّ لدى الأفراد.
٥- المرابطة على الثغور، وذلك من خلال تجهيز القوى اللازمة للدفاع، وهو ما يُفهم من إطلاق قوله تعالى ﴿مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.
المفاهيم الرئيسة:
١- يُقصد بالارتباط العقائديّ الاعتقادُ بتعلّق الغرض الإلهيّ بإصلاح البشريّة جميعاً، وتنفيذ العدل المطلق فيها في المستقبل، وهذا ما يتحقّق على أيدي الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٢- إنّ الارتباط العقائديّ يتلخّص في معتقدات الإماميّة في القضيّة المهدويّة، كالبشارة بظهور المهديّ، وأنّه من نسل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام)، وأنّ هذا الإصلاح إصلاح عالميّ، وأنّ المصلح هو المهديّ، وغيرها من الأمور.
٣- إنّ الارتباط التشريعيّ أو الفقهيّ هو عبارة عن ارتباط غير مباشر بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، عبر الفقهاء الذين يمثِّلون النوّاب للإمام في عصر الغيبة.
٤- إنّ من ثمار عمليّة الارتباط بالفقهاء نظريّةَ ولاية الفقيه، والالتزام بالأحكام الولائيّة لوليّ أمر المسلمين من أبرز الطرق وأنجحها لتهيئة مجتمع الظهور.
٥- يُقصد بالمرابطة نوع من الجهاد، وهي أن يحبس الرجل خيله في سبيل الله؛ ليركبها المجاهدون، وأن يعينهم على الجهاد بشتّى أنواع الإعانة.
٦- أشار القرآن الكريم إلى أهمّيّة المرابطة في سبيل الله، بما لها من علاقة بأهل البيت (عليهم السلام) وبالإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهذا ما أكّدت عليه الروايات الواردة عن الرسول وأهل بيته (عليهم السلام).
٧- إنّ للمرابطة مراتب عدّة، وهي: أُولاها: تحقّق الارتباط بين الأفراد ومن يهديهم ويرشدهم، وثانيتُها: تحقّق المرابطة بين الرعيّة والأمّة، ليكونوا رحماء فيما بينهم، ويستقرّوا في صفّ واحد، وثالثتُها: تحقّق الربط من جهة التجهيزات والقوى اللازمة للدفاع عن أنفسهم، ولحفظ منافعهم، ورابعتُها: أنّ الربط فيما بين البدن والقلب مرتبة أوّليّة. وكلُّ هذه المراتب تتعلَّق بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

الدرس الخامس عشر: إمكانيّة رؤية الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر الغيبة الكبرى

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يفسّر ماهيّة غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وخفائه.
٢- يلخّص الأدلّة إمكانية رؤية الإمام في عصر الغيبة الكبرى وأدلة النافين لها.
٣- يتعرّف إلى أقسام الروايات الدالّة على رؤية الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
تمهيد:
تتّصف الغيبة الكبرى للإمام بمجموعة من الخصائص والمميّزات، تجعلها لا تشبه أيّ مرحلة من مراحل الأئمّة السابقين، فإنّ أوّل مميّز لهذه الفترة من غيرها هو انقطاع القائد وحجّة الله على الأرض عن قواعده الشعبيّة، فهي على خلاف كلّ الفترات السابقة التي عاشتها الجماعة الصالحة في العصر النبويّ المبارك وعصور الأئمّة (عليهم السلام)، كما أنّها تختلف عن مرحلة الغيبة الصغرى، والتي امتازت بالاتّصال غير المباشر بالإمام (عليه السلام)، وذلك عن طريق السفراء الأربعة (رضوان الله عليهم).
وإنّ الإطار العامّ الذي يحكم سيرة الإمام في فترة الغيبة الكبرى هو التمهيد لظهوره. وهذا التمهيد يشمل مجموعة من المهامّ التي قد تُفهم من خلال تصريح بعض الروايات، أو نفهمها من خلال فهم طبيعة الإمامة وهداية الإمام للناس، كما تقدّم في الدروس السابقة. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا التمهيد يشمل رعاية الجماعة الصالحة وحفظها، وحفظ الرسالة المحمّديّة الأصيلة من الانحراف، وإن كان ذلك يحصل عبر أساليب أشدّ خفاءً وتعقيداً عمّا كانت عليه في زمن الغيبة الصغرى.
ولكن كيف يتحرّك الإمام خلال احتجابه؟ من خلال الجواب عن هذا السؤال يمكننا أن نؤسّس فهم إمكانيّة رؤيته أو عدم إمكانيّتها أو عدم وقوعها، وبعد ذلك ندخل في أدلّة المثبتين للرؤية، وأدلّة النافين لذلك.
ماهيّة غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وخفائه(٣٤٠):
إنّ الحديث عن غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الغيبة الكبرى يمكن أن يُطرح بأطروحتين أساسيّتين:
١- الأطروحة الأولى: أطروحة خفاء الشخص:
وهي أنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يختفي جسمه عن الأنظار، فهو يرى الناس ولا يرونه. وعلى الرغم من أنّه قد يكون موجوداً في مكان، إلّا أنّه يُرى المكان خالياً منه.
ومن الروايات التي قد يُفهم منها هذا المعنى، ما رُوي عن الرَّيَّانِ بن الصَّلت، قال: سمعتُ أَبا الْحسن الرِّضا (عليه السلام) يقُولُ: - سُئل عن القائم - فقال: "لا يُرَى جسمُه، ولا يُسمَّى اسْمُه"(٣٤١).
وهذه الأطروحة هي أسهل افتراض عمليّ لاحتجاب الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عن الناس، ونجاته من ظلم الظالمين. فإنّه في اختفائه هذا يكون في مأمن قطعيّ حقيقيّ من أيّ مطاردة أو تنكيل، حيثما كان على وجه الأرض.
وهذا الاختفاء يحصل عن طريق الإعجاز الإلهيّ، كما طال عمره مدى السنين الكثيرة بالإعجاز أيضاً. وكان كلا الأمرين لأجل حفظ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من الموت والأخطار، لكي يقوم بالمسؤوليّة الإسلاميّة الكبرى في اليوم الموعود.
ويُلحظ في هذه الأطروحة أنّ هذا الاحتجاب قد يزول أحياناً، عندما توجد مصلحة في زواله، كما لو أراد المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أن يقابل شخصاً من البشر، لأجل أن يقضي له حاجة أو يوجّه له توجيهاً أو ينذره إنذاراً. فإنّ المقابلة تتوقّف على رؤيته، ولا تحصل مع الاختفاء.
٢- الأطروحة الثانية: أطروحة خفاء العنوان:
أ- مفهوم أطروحة خفاء العنوان:
والمقصود بها أنّ الناس يرون الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بشخصه من دون أن يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقته.
وتقدّم في الغيبة الصغرى أنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ربّاه أبوه محتجباً عن الناس، إلّا القليل من الخاصّة الذين أراد أن يطلعهم على وجوده، ويثبت لهم إمامته بعده. ثمّ ازداد المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) احتجاباً بعد وفاة أبيه، وأصبح لا يكاد يتّصل بالناس إلّا عن طريق سفرائه الأربعة.
وكلّما تقدّمت السنون في الغيبة الصغرى، وتقدّمت الأجيال، قلّ الذين عاصروا الإمام العسكريّ (عليه السلام) وشاهدوا ابنه المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حتّى انقرضوا. ووُجدت أجيال جديدة لا تعلم من أسلوب اتّصالها بالإمام (عليه السلام) إلّا الاتّصال بسفيره، على أفضل التقادير.
وكان هذا الجيل - بشكل عامّ - جاهلاً تماماً بسحنة وشكل إمامه المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، بحيث لو واجهوه لما عرفوه البتّة إلّا بإقامته دلالة قطعيّة على شخصيّته. ومن هنا تيسّر له - كما علمنا في ذلك التاريخ - فرصة السفر إلى مختلف أنحاء البلاد كمكّة ومصر، من دون أن يكون لافتاً لنظر أحد.
وهذا ما نعنيه من خفاء العنوان، فإنّ أيّ شخص يراه يكون غافلاً تماماً عن كونه هو الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وإنّما يرى فيه شخصاً عاديّاً كسائر الناس، لا يلفت النظر على الإطلاق.
ويمكن للمهديّ (عليه السلام) أن يعيش في أيّ مكان يختاره، وفي أيّ بلد يفضّله سنين متطاولة، من دون أن يلفت إلى حقيقته نظر أحد. وتكون حياته في تلك الفترة كحياة أيّ شخص آخر، يكتسب عيشه من بعض الأعمال الحرّة، كالتجارة أو الزراعة أو غيرها. ويبقى على حاله هذه في مدينة واحدة أو مدن عدّة، حتّى يأذن الله تعالى له بالفرج.
ب- أدلّة ترجيح أطروحة خفاء العنوان:
يمكن الاستدلال على هذه الأطروحة انطلاقاً من زاويتين:
الأولى: الأخبار:
منها ما أخرجه الشيخ الطوسيّ في الغيبة عن السفير الثاني الشيخ محمّد، عن عثمان العمريّ أنّه قال: "والله، إنّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة، يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه"(٣٤٢).
والمقصود بصاحب هذا الأمر: الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والمراد بالموسم موسم الحجّ. والرواية واضحة الدلالة على عدم اختفاء الشخص، ومقترنة بالقسم بالله تعالى تأكيداً، وصادرة عن سفير المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهو أكثر الناس اطّلاعاً على حاله.
ومنها: ما ورد عن السفير من قوله حول السؤال عن اسم الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف): "وإِذَا وَقَعَ الِاسْمُ وقع الطَّلَب، فَاتَّقُوا الله وأَمسكُوا عن ذلك"(٣٤٣).
فإنّه ليس في طلب الحكّام للمهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ومطاردتهم له أيّ خطر أو تأثير، لو كانت الأطروحة الأولى صادقة، وكان جسم المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مختفياً، إذ يستحيل عليهم الوصول إليه. وإنّما يبدأ الخطر والنهي عن الاسم تجنّباً للمطاردة طبقاً للأطروحة الثانية. فإنّه ما دام عنوان المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) واسمه مجهولين، يكون في مأمن من المطاردة. وأمّا إذا "وقع الاسم" وعُرف العنوان، لا يكون هذا الأمن متحقّقاً، ويكون احتمال المطاردة قويّاً.
ومنها: ما ورد من التوقيع الذي خرج من المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى سفيره محمّد بن عثمان (رضي الله عنه)، يقول فيه: "فإنّهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه، وإن وقفوا على المكان دلّوا عليه"(٣٤٤).
فإنّه لو صدقت الأطروحة الأولى، لم يمكن رؤية المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في أيّ مكان على الإطلاق، ولم يكن في الدلالة على أيّ مكان خطرٌ أصلاً. وإنّما يكون الخطر موجوداً طبقاً للأطروحة الثانية.
ومنها: ما قاله أبو سهل النوبختيّ حين سئل، فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: "هم أعلم وما اختاروه، ولكنْ أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم، وضغطَتْني الحُجّة على مكانه، لعلّي كنت أدلّ على مكانه. وأبو القاسم لو كانت الحجّة تحت ذيله وقُرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه"(٣٤٥).
ومن الواضح أنّه لا معنى لكلّ هذه الاحتياطات والتحفّظات مع صحّة الأطروحة الأولى، أي اختفاء شخص المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وإنّما لا بدّ من ذلك مع صحّة الأطروحة الثانية، فإنّ الدلالة على المكان مُستلزمة لانكشاف العنوان. والقائل هذا الكلام هو أبو سهل النوبختيّ الذي كان من جلالة القدر والوثاقة بحيث كان من المحتمل أن يكون هو السفير عن الإمام (عليه السلام). ومن هنا، سئل في هذه الرواية عن غضّ النظر عنه، وإبداله بالشيخ ابن روح.
فهذه جملة من الأخبار الدالّة على صحّة الأطروحة الثانية، وبطلان الأولى.
الثانية: قانون المعجزة:
إنّ قانون المعجزة يعتبر أنّ المعجزة تحدث عند توقّف إقامة الحقّ عليها. وأمّا مع عدم هذا التوقّف، وإمكان إنجاز الأمر من دون المعجزة، فإنّه لا يحدث بحال. ولا شكّ في أنّ حفظ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وبقاءه ممّا يتوقّف عليه إقامة الحقّ بعد ظهوره. فلو توقّف حفظه على إقامة المعجزة بإخفائه شخصيّاً لزم ذلك. إلّا أنّ هذا غير لازم، لما عرفناه من كفاية خفاء العنوان في إنجاز الغرض المطلوب، وهو حفظه من كيد الأعداء.
وبناء على ما تقدّم، يظهر صحّة الأطروحة الثانية، وترجيحها على الأولى، لقوّة أدلّتها، وواقعيّتها على الأطروحة الأولى.
رؤية الإمام في الغيبة الكبرى بحسب الأطروحتين:
هل يُرى المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) على الدوام، بحيث يستطيع المكلّف أن يقابله ويحادثه متى يشاء؟ والجواب عن هذا السؤال يختلف نتيجة للأخذ بإحدى الأطروحتين السابقتين:
الرؤية بحسب الأطروحة الأولى:
فإن رأينا صحّة أطروحة خفاء الشخص، كان الجواب بالنفي لا محالة، ما لم تتعلّق مصلحة خاصّة وإرادة من قبل المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الظهور والمقابلة.
وبناءً على الأخذ بهذه الأطروحة، يكون الشيء الدائم هو الاختفاء الإعجازيّ، والاستثناء هو الظهور الطبيعيّ المتقطّع القليل.
الرؤية بحسب الأطروحة الثانية:
وأمّا لو أخذنا بأطروحة خفاء العنوان، فهنا مستويات ثلاثة للمقابلة:
الأوّل: مقابلة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بشخصيّته الثانية، حال كونه مجهول الحقيقة مغفولاً عنه تماماً. وهذا المستوى متوافر دائماً للناس الذين يعايشونه في مجتمع، أو الذين يصادفونه في أيّ مكان، طبقاً لمفهوم هذه الأطروحة.
الثاني: مقابلة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بصفته الحقيقيّة، مع عدم الالتفات إلى ذلك إلّا بعد انتهاء المقابلة. وهذا المستوى هو الذي سارت عليه المقابلات الاعتياديّة المرويّة.
الثالث: مقابلة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بصفته الحقيقيّة، مع الالتفات إلى ذلك أثناء المقابلة. وهذا المستوى قليل في روايات المشاهدة جدّاً، باعتبار كونه مخالفاً في الأغلب للمصلحة، ومنافياً للغيبة التامّة.
أدلّة رؤية الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر الغيبة:
بغضّ النظر عن أطروحة خفاء الشخص أو خفاء العنوان، أو عن المستويات التي يحضر ويظهر فيها الإمام هذا الظهور الجزئيّ، وعليه، فالإمام المهديّ على الرغم من خفائه (غيبته)، فهو يمارس دوره في التصدّي لإدارة النظام البشريّ ولو بشكل خفيّ، وإنّ عنصر الخفاء هو سرّ قوّته وقدرته على التدبير.
وهنا يُطرح هذا السؤال: ما هي أدلّة لقاء الإمام في عصر الغيبة الكبرى؟.
١- أقوال العلماء حول إمكانيّة الرؤية في الغيبة:
وهنا لا بأس بالإشارة إلى بعض كلمات العلماء، وهي:
١- يقول السيّد المرتضى علم الهدى (قدّس سرّه): "أنّه غير ممتنع أن يكون الإمام (عليه السلام) يظهر لبعض أوليائه ممّن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، فإنّ هذا ممّا لا يمكن القطع بارتفاعه وامتناعه، وإنّما يعلم كلّ واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره"(٣٤٦).
ويقول أيضاً في رسائله: "نحن نجوّز أن يصل إليه كثير من أوليائه، والقائلين بإمامته فينتفعون به. ومن لا يصل إليه منهم ولا يلقَه من شيعته ومعتقدي إمامته، فهم ينتفعون به في حال الغيبة النفعَ الذي نقول إنّه لا بدّ في التكليف منه، لأنّهم مع علمهم بوجوده بينهم، وقطعهم على وجوب طاعته عليهم ولزومها لهم، لا بدّ من أن يخافوه ويهابوه في ارتكاب القبائح، ويخشوا تأديبه ومؤاخذته، فيقلّ منهم فعل القبيح ويكثر فعل الحسن، أو يكون ذلك أقرب"(٣٤٧).
٢- ويقول المقدّس السيّد عليّ بن طاووس (قدّس سرّه): "والطريق مفتوح إلى إمامك (عليه السلام) لمن يريد الله -جلّ جلاله- شأنه وعنايته به وتمام إحسانه إليه"(٣٤٨). ويقول في موضع آخر: "وإذا كان (عليه السلام) غير ظاهر الآن لجميع شيعته، فلا يمتنع أن يكون جماعة منهم يلقونه وينتفعون بمقاله وفعاله ويكتمونه، كما جرى الأمر في جماعة من الأنبياء والأوصياء والملوك، حيث غابوا عن كثير من الأمّة لمصالح دينيّة أو دنيويّة أوجبت ذلك"(٣٤٩).
٣- يقول الآخوند الخراسانيّ في كفاية الأصول ضمن مبحث الإجماع: "... بل لا يكاد يتّفق العلم بدخوله (عليه السلام) على نحو الإجمال في الجماعة في زمان الغيبة، وإن احتمل تشرّف بعض الأوحدي بخدمته ومعرفته أحياناً"(٣٥٠).
٤- يقول المحقّق النائيني (قدّس سرّه): "نعم، قد يتّفق في زمان الغيبة للأوحديّ التشرّف بخدمته وأخذ الحكم منه (عليه السلام) "(٣٥١).
٢- الأدلّة النقليّة: الروايات الشريفة:
يظهر من العديد من الروايات - وفي بعضها تصريح - إمكانيّة رؤية الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر الغيبة الكبرى، ومن هذه الروايات:
١- ما رواه الشيخ النعمانيّ في كتاب البيعة عن الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال في حديث طويل عن غيبة المهديّ الموعود: "فوربّ عليٍّ، إنّ حجّتها عليها قائمة ماشية في طرقها، داخلة في دورها وقصورها، جوّالة في شرق هذه الأرض وغربها، تسمع الكلام، وتسلَم عن الجماعة، ترى ولا تُرى إلى الوقت والوعد، ونداء المنادي من السماء: ألا ذلك يومٌ فيه سرور وُلد عليّ وشيعته"(٣٥٢).
٢- ما رواه الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال، ضمن حديث عمّا في الإمام المهديّ من سُنَن الأنبياء (عليهم السلام): "وأمّا سنّة يوسف، فإنّ إخوته كانوا يبايعونه ويخاطبونه ولا يعرفونه"(٣٥٣).
٣- وروى أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الموضوع نفسه: "وأمّا سنّة من يوسف فالستر، يجعل الله بينه وبين الخلق حجاباً، يرونه ولا يعرفونه..."(٣٥٤).
٤- ما روي عن الإمام عليّ (عليه السلام): "واعلموا أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله عزّ وجلّ، ولكنّ الله سيعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم، ولو خلت الأرض ساعة واحدة من حجّة لله لساخت بأهلها، ولكنّ الحجّة يعرف الناس ولا يعرفونه، كما كان يوسف يعرف الناس وهم له منكرون، ثمّ تلا: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾(٣٥٥)"(٣٥٦).
٥- عن أَبي بصِير، عن أَبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولا بدَّ لَه في غيبته من عُزْلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة"(٣٥٧).
قوله (ولا بدّ له في غيبته من عزلة) إشارة إلى الغيبة الكبرى، لأنّه يعتزل فيها الناس جميعاً. وفي بعض النسخ: ولا له في غيبته من عزلة، وله وجه أيضاً، لأنّه بين الناس، يراهم ولا يرونه، مع ظهور آثاره عليهم، ووصول فوائده إليهم كما مرّ.
قوله (ونعم المنزل طيبة) طيبة بفتح الطاء، وقد يقال: طابة، سمّى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك المدينةَ من الطيب وهو الطهارة، وقيل: الطيب العيش بها، وقيل: الطيب أرضها. قال الفاضل الأمين الإسترآبادي: يعني أنّ طيبة، وهي المدينة المعروفة، منزلُه (عليه السلام)، وكان يستأنس بثلاثين من أوليائه، ويحتمل أن يكون هذا حاله في الصغرى(٣٥٨).
٦. وعن إِسحاق بن عمَّار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "لِلقَائِم غَيْبَتَان: إِحداهُما قصيرةٌ، والأُخرى طويلةٌ. الغيْبةُ الأولى لا يعلمُ بمكانِه فيها إلَّا خاصَّة شيعتِه، والأُخرى لا يعْلمُ بمكانه فيها إلَّا خاصَّةُ موالِيه"(٣٥٩).
وهنا، يقول الشيخ المفيد (قدّس سرّه): "فالأحاديث متناصرة: بأنّه لا بدّ للقائم المنتظر من غيبتين، إحداهما أطول من الأخرى، يعرف خبره الخاصّ في القصرى، ولا يعرف العامّ له مستقراً في الطولى، إلّا من تولّى خدمته من ثقات أوليائه، ولم ينقطع عنه إلى الاشتغال بغيره"(٣٦٠). كما أنّها صريحة في تأكيد رؤية الناس له من دون معرفة هويّته، وأنّه يتعامل معهم ويحادثهم ويلتقيهم وإن كانوا غير عارفين بهويّته، وهذا معنى "غيبة العنوان".
وعليه، فالإمام يلتقي العباد ويهديهم ويقضي حوائجهم، ويقوم بمهامّ إمامته في غيبته مثلما كان النبيّ يوسف (عليه السلام) مع إخوته على ما حكاه القرآن الكريم.
ومع اتّضاح هذه الحقيقة، يتّضح أيضاً أنّ من الطبيعيّ أن يتنبّه بعض من يلتقيه إلى هويّته بعد انتهاء التقائهم، لصدور بعض الأمور والكرامات التي لا يمكن أن تصدر عن غيره. وقد تواتر نقل وقوع ذلك في الروايات المنقولة في المصادر المعتبرة بشأن الذين التقَوه في غيبته. وسننقل بعضاً منها في هذا الدرس.
بل ليس ثمّة مانع من أن يُكشَف لبعضهم عن هويّته حتّى أثناء اللقاء، كما كَشف النبيّ يوسف عن هويّته لأخيه "بنيامين" حسب ما نقله القرآن، بل قد لاحظنا في الأحاديث الشريفة تصريحاً بما هو أبعد من ذلك وأهمّ، وهو معرفة بعض الأولياء من "خَاصَّةَ مَوَالِيه" حتّى بمكانه في الغيبة الكبرى، وقد صرّحت بعض الروايات بمعرفة بعض ثقات الأولياء بهويّته أثناء اللقاء، كما ورد بالنسبة إلى السيّد الجليل عليّ بن طاووس (قدّس سرّه) والسيّد بحر العلوم (قدّس سرّه).
٣- الدليل العمليّ: قصص العلماء:
١- مفهوم الدليل:
لقد نقل الكثير من العلماء قصصاً حول لقائهم أو لقاء غيرهم بالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وهنا تارة نتحدّث عن المقابلات التي نُقلت في كتب العلماء بشكل جزئيّ، بحيث نناقش كلّ قصّة على حِدة، ومن الممكن أن ترد بعض الملاحظات أو الإشكالات على بعض المقابلات، وهذا ما يرجع إلى كلّ قصّة على حدة.
وتارة نتحدّث عن مجموع القصص التي نُقلت في كتب العلماء الأبرار، فالأمر يوجب القطع أو الاطمئان، على الأقلّ، بصحّة رؤية الإمام، وذلك لصحّة هذه المقابلات.
وعلى كلا الاتّجاهين، فإنّ المستند في الأخذ بكلام العلماء الأبرار العلماء، والصلحاء الأخيار، أنّهم جميعاً يشتركون بالصدق والوثاقة والتديّن، وإنّ كثيراً منهم أصحاب مقامات عالية، وكرامات باهرة، كما سيأتي في ردّ الإشكاليّة الآتية.
٢- الإشكاليّة حول القصص المرويّة:
قد يقال إنّ ما نقل وبُني عليه التواتر ما هو إلّا مجرّد نقل لقصص لا مستند لها، بل لا ينبغي التعويل عليها.
وقد أجاب عن هذا الإشكال الميرزا النوريّ (قدّس سرّه): "وأمّا أولئك الذين نقلنا عنهم مباشرة أو بوساطة، فإنّ أغلبهم من العلماء والأبرار والصلحاء الأخيار، وأقلّ ما نلاحظه فيمن ننقل عنهم هنا الصدقُ والتديّن، فلم ننقل هنا كلّ ما سمعناه عن أيّ كان، بل إنّهم جميعاً يشتركون - بعون الله تعالى - بالصدق والوثاقة، وإنّ كثيراً منهم أصحاب مقامات عالية، وكرامات باهرة.
وبما أنّ أولئك الأشخاص الذين حصلوا على تلك اللقاءات كانوا أحياءً، فيُستخبَر ويُستعلَم عن حالهم، فإذا كان ريب وشكّ في سويداء قلب أحد - والعياذ بالله - فذلك يكون بمجالسة الأشقياء والمغفّلين بالدين والمذهب، فيلزم أولئك أن يفحصوا ويفتّشوا، وسوف يظهر لهم ويتّضح - بعون الله تعالى - بأقلّ حركة وجهد، فإنّ وجود تلك الذات المقدّسة مثل الشمس إذا ظلّلها السحاب، وهو يعلم ويرى، فهو عالم وعارف بحاله وحال جميع رعاياه، ويغيث المضطرّين عندما يرى المصلحة في ذلك، وينجي من المهالك والمزالق، وكلُّ مَن يريده فهو تحت يده المباركة، وقدرته الإلهيّة ومعدّة في خزينة أمره(٣٦١).
أدلّة نفي رؤية الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الغيبة الكبرى:
يذهب الاتّجاه الثاني إلى القول بأنّ رؤية الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والتقاءَه في غيبته الكبرى غير تامّ. ويستند هذا الاتّجاه على التوقيع الذي صدر عن الناحية إلى السفير الرابع: "ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانيّ والصيحة فهو كذّاب مفترٍ"، بدعوى أنّ المشاهدة هي الرؤية، وبالتالي لا يصحّ الأخذ بأيّ حديث عن رؤية الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف). ونحن مضطرُّون إلى تأويل الأحاديث المشيرة إلى إمكانيّة رؤيته، أو ردّ علمها إلى أهلها.
وقد روى التوقيع كلٌّ من الشيخ الصدوق في كمال الدين(٣٦٢)، والشيخ الطوسيّ في الغيبة(٣٦٣)، والشيخ الطبرسيّ في الاحتجاج(٣٦٤)، والشيخ الراونديّ في الخرائج والجرائح(٣٦٥).
والردّ على هذه الدعوى أن يقال: إنّ الربط بين المعنى المطروح للغيبة، بحسب الأطروحتين السابقتين، وبين "من ادّعى الرؤية فلا تصدّقوه، بل هو كذّاب مفتر"، يخلص إلى أنّه يمكن حمل الرؤية الواردة في هذا التوقيع على أحد هذه المحامل، وهي:
المحمل الأوّل: أنّ المقصود من الرؤية الرؤية مع السفارة والنيابة، يعني مَن ادّعى أنّه رآني وأنّي وكّلته فلا تصدّقوه، لأنّ المفروض أنّه في زمن الغيبة الكبرى لا توجد نيابة شخصيّة، يعني أنّ الإمام (عليه السلام) لم يستنبْ شخصاً بعينه، وإنّما النيابة العامّة للفقهاء العدول.
المحمل الثاني: أنّ المقصود بالرؤية الرؤية التي يُراد منها ترتيب آثار معيّنة على قول الرائي، لأنّ هذا أمر سيؤدّي إلى فتح باب تصديق دعوى كلّ من يدّعي الرؤية فيما يُنقل عن الإمام، وهذا ما سوف يولّد إرباكاً كبيراً في الأحكام وفي عقائد ومفاهيم الشريعة الإسلاميّة.
ومن المعلوم أنّه، في زمن الغيبة الكبرى، مَنْ رأى الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وأيقن في ما بينه وبين الله أنّه رأى الإمام، فرؤيته حجّة عليه. أمّا سائر الناس فلا يكون ذلك حجّة عليهم.
المحمل الثالث: أنه من ادّعى الرؤية باعتبار أنّ الذي يدّعي الرؤية يتكلّم عن أنّه متيقّن برؤية الإمام (عليه السلام)، يقول: رأيته هو، وهذا بحسب الظاهر من كثير من الروايات الواردة أنّه تشخيص يقينيّ لمن يرى الإمام في زمن الغيبة الكبرى، والتشخيص اليقينيّ عادة لا يحصل، والظنّ القويّ يحصل، حتّى العلماء الذين نُقلت عنهم قضايا كثيرة، وقصص كثيرة أنّهم التقَوا بالإمام (عليه السلام)، لم يُنقل عنهم بعنوان اليقين، بل يُنقل قضيّة يظهر من قرائن فيها أنّ الذي رآه هو الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، أمّا أن يجزم، فهذا ليس مألوفاً من طريقة علمائنا في نقل لقاءاتهم بصاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) (٣٦٦).
المفاهيم الرئيسة:
١- إنّ في غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أطروحتين، وهما: أطروحة خفاء الشخص: وهي أنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يختفي جسمه عن الأنظار. فهو يرى الناس ولا يرونه، وعلى الرغم من أنّه قد يكون موجوداً في مكان، إلّا أنّه يُرى المكان خالياً منه. والثانية: أطروحة خفاء العنوان: والمقصود بها أنّ الناس يرون الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بشخصه من دون أن يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقته.
٢- استُدلّ على ترجيح أطروحة خفاء العنوان بالأخبار التي تؤكّد كلّها على صحّة هذه الأطروحة. وإلّا فلا يمكن فهم تلك الروايات، وتوجيهها على الأطروحة الثانية.
٣- إنّ رؤية الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الغيبة الكبرى، لا تكون بمجرّد حصول إرادة عند المكلّف لرؤيته. وبناءً على الأطروحة الأولى، لا يُمكنُه رؤيته (عليه السلام) إلّا بوجود مصحلة خاصّة يراها المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وبحسب الأطروحة الثانية يكون لدينا ثلاثةُ مستويات من المقابلة: مقابلته بشخصيّة ثانية، مقابلته بصفته الحقيقيّة من دون الالتفات إلى أنّه المهديّ، ومقابلته بصفته الحقيقيّة مع الالتفات إلى أنّه المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٤- أكّد العلماء على إمكانيّة رؤية الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، واستُدلّ على ذلك بروايات عدّة تشير إلى إمكانيّة رؤيته (عليه السلام)، ويؤيّده ما ورد مِن رؤية العديد من العلماء والصالحين له (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٥- لقد استُدلّ على نفي رؤية الإمام بدعوى أنّ المشاهدة الواردة في التوقيع هي الرؤية، إلّا أنّ الربط بين المعنى المطروح للغيبة وبين "من ادّعى الرؤية فلا تصدقوه"، يؤدّي بنا إلى حمل العبارة على أحد ثلاثة محامل، وهي: المحمل الأوّل: أنّ المقصود من الرؤية الرؤيةُ مع السفارة والنيابة. المحمل الثاني: أنّ المقصود بالرؤية الرؤيةُ التي يُراد منها ترتيب آثار معيّنة على قول الرائي. المحمل الثالث: اعتبارُ أنّ الذي يدّعي الرؤية يتكلّم عن أنّه متيقّن برؤيته (عليه السلام).

الدرس السادس عشر: دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) العالميّة

أهداف الدرس:
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
١- يشرح أبعاد دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٢- يعدّد أنواع العدالة في دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٣- يلخّص مظاهر بُعد الأمان الاجتماعيّ.
تمهيد:
إنّ التأمّل في كلمات الأنبياء ورسل السماء، حول نهاية العالم، يوجب التيقّن بأنّ الفكر الدينيّ يرسم خاتمة سعيدة للعالم، ولنهاية حياة الإنسان على الأرض.
فعلى الرغم من جميع ما يتعرّض له تاريخ البشريّة من فساد وظلم وانحراف ودمار، سينتهي الليل المظلم، وسيطلع فجر جديد لحياة الإنسان في ظلّ القائد الإلهيّ الكبير والمحبوب في السماء والأرض، والمحبوب عند الإنس والجنّ وجميع المخلوقات.
وسيطّلع العالِم الباحث عن الحقّ والعدل على واقع الحكم الإلهيّ، وسيتمنّى الأحياء عندئذٍ رجوع موتاهم ليروا كيف يجري بحر المعرفة في قلوب طلّاب الحقّ، وكيف يتعايش الذئب مع الشاة بسلام، وتتآلف البشريّة لعائلة واحدة تحت حكم الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
البُعد العقديّ:
١- انتشار دين التوحيد:
إذا أمعنّا النظر في أجواء دولة المهديّ، لن نجد في مجتمعه أثراً للكفر أو الشرك أو الإلحاد أو عبادة الأصنام. فسوف تتهدّم صروح دول الكفر والشرك، وسيعمّ شعار التوحيد جميعَ أرجاء المعمورة، وستؤمن المجتمعات البشريّة بالله الواحد، وستعبده تعالى من دون سواه. وقد ورد العديد من الروايات في هذا الصدد، منها ما رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "... إذا خرج القائم، لم يَبقَ كافر..."(٣٦٧).
وستجد البشريّة ببركة حكم الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ضالّتها، ألا وهي كمال الوجود، وستعشقه وتخضع له، وسيُلجَم الشياطين وأتباعهم، وتُغلّ أيديهم، وستحطّم الأصنام. جاء في الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "... ويكسر الأصنام"(٣٦٨).
وستحيا الأرض الميتة مرّة أخرى بنور الإيمان، وتسري الحياة في جميع جوانب البشريّة: المعنويّة والمادِّيَّة. قال الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير الآية: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، يحييها الله - عزّ وجلّ – بالقائم (عليه السلام) بعد موتها، يعني بموتها كفرَ أهلها، والكافر ميت"(٣٦٩).
٢- انتشار الإسلام:
يضحي دين الإسلام الدين الرسميّ للأرض كلّها، فقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "إنّ ذلك يكون عند خروج المهديّ من آل محمّد، فلا يبقى أحد إلّا أقرّ بمحمّد"(٣٧٠).
وأقرب الوسائل لتحقّق ذلك هو خضوع العالم كلّه لحكم الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فيسهل على الناس جميعهم التعرّف على الإسلام. عن الإمام الصادق (عليه السلام): "... وليبلغنّ دين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما بلغ الليل، حتّى لا يكون شرك (مشرك) على ظهر الأرض..."(٣٧١).
ويتّجه كلّ الناس إلى الإيمان بالإسلام، فقد روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: "... فلا يبقى يهوديّ ولا نصرانيّ ولا أحد ممّن يعبد غير الله إلّا آمن به وصدّقه، وتكون الملّة واحدة ملّةً الإسلام"(٣٧٢).
٣- استبدال مراكز الشرك إلى عبادة الله:
وتستبدل مراكز عبادة الأصنام إلى بيوت ذكر الله وعبادته، ففي الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): "... لا تبقى في الأرض بقعة عُبد فيها غيرُ الله إلّا عُبد الله فيها..."(٣٧٣).
وهنا، تشير بعض الروايات إلى تدخّل العامل الغيبيّ والإلهيّ في مساعدة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) على تحقيق هذا الغرض، فقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "... فلا يبقى في الأرض معبود دون الله (عزّ وجلّ) من صنم وغيره إلّا وقعت فيه نار فاحترق..."(٣٧٤).
حتّى نصل في، نهاية المطاف، إلى أن يكون المعبود في الأرض هو الله سبحانه وتعالى، كما في الرواية المتقدّمة عن الإمام الصادق (عليه السلام).
والتهليل والتكبير والتسبيح والحمد هو ما تلهج به الألسنة آنذاك، وبذلك ستُطهَّر الأرض من رجس أعداء الله: "... وبالقائم منكم أعمر أرضي، بتسبيحي وتهليلي وتقديسي وتكبيري وتمجيدي، وبه أطهّر الأرض من أعدائي، وأورثها أوليائي"(٣٧٥).
٤- ما هو المقصود بخلوّ الأرض من اليهود والنصارى؟
من الجدير بالذكر أنّ المقصود من القول: "فلا يبقى يهوديّ ولا نصرانيّ"، ليس خلوّ الأرض من اليهود والنصارى والمشركين، بحيث لا يوجد على ظهر الأرض إلّا المؤمن الموحِّد، بل المراد منه أنّ مظاهر المجتمع وحياته العامّة لا يكون فيها مظهر من مظاهر أهل الكتاب، وتزول جميع العوامل المضادّة للإيمان، وهداية الإنسان.
وإلّا، فما دام الإنسان له حقّ الاختيار (وهكذا كان الإنسان وسيبقى موجوداً مختاراً مستقلّاً في إرادته)، لا يمكن سلب اختياره عن ذاته.
نعم، من المسلَّم به في مجتمع الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنّه سيكون الإسلام هو الدين الرسميّ، وسيعمّ أرجاء الأرض جميعها، فلا يبقى بيت في مدينة أو قرية إلّا وقد دخله ذكر الإسلام واسمه، ولا يمنع ذلك من وجود أقلّيّة دينيّة من اليهود والنصارى وغيرهم تعيش مع المسلمين بشرائط أهل الذمّة في ذلك المجتمع، كما كان الأمر في صدر الإسلام، في زمان حكم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحكم الإمام عليّ (عليه السلام).
فالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يلجأ إلى إكراه الناس على الإيمان، بل يدعوهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، وبمنطق القرآن في الدعوة، وما يُذكَر من إرساله الجيوش والقوّة العسكريّة إنّما هو لقلب الأنظمة الكافرة والظالمة، وإرساء القاعدة للحكومة العالميّة للإسلام. وليست تلك القوّة لإجبار الناس على اعتناق الدين الإسلاميّ، فمن الواضح أنّ الإيمان أمرٌ قلبيّ لا يمكن إيجاده بالإكراه والتخويف. وحتّى النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يلجأ إلى هذا الأسلوب: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾(٣٧٦).
البُعد الثقافيّ:
١- مفهوم الثقافة والدولة المهدويّة:
تُستعمل لفظة الثقافة بمعنى أدب الإنسان أو تربيته، وأحياناً تستعمل بمعنى العلم والمعرفة، وثالثة قد تستعمل بمعنى مجموعة الآداب والتقاليد التي يلتزم بها مجتمع معيّن.
وهنا، إذا كان المنظار إلى مجتمع الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالمعنى الأوّل، فإنّا نرى الناس في ذلك العصر متأدّبين بالأدب الإسلاميّ وبالتعاليم الإلهيّة: "تأدّبوا بآداب الله"(٣٧٧).
وإذا ما استُعملت كلمة الثقافة بالمعنى الثاني، فسوف يرقى علم الإنسان في عصر المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى أعلى درجاته، وكما جاء في بعض الروايات عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): "... وتؤتَون الحكمة في زمانه، حتّى إنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) "(٣٧٨).
وسيطّلع إنسان عصر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) على أسرار هذه السماوات، كما جاء في الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا، أخرج الخمسة والعشرين حرفاً، فبثّها في الناس، وضمّ إليها الحرفين، حتّى يبثّها سبعة وعشرين حرفاً"(٣٧٩).
وإذا ما استُعملت الثقافة بمعنى العادات والتقاليد لأمّة معيّنة، ففي دولة الإمام المهديّ العالميّة ستُحذف العادات والتقاليد الخرافيّة والجاهليّة جميعها من المجتمع، وتحلّ بدلاً منها العادات والتقاليد الإسلاميّة والإنسانيّة الصحيحة.
٢- تكامل العقول والأفكار:
إنّ من جملة إنجازات الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) تحريره العقول من قيود الأهواء والميول النفسانيّة، وجعل مصير الإنسان تحت حكم العقل. فإنّ البشريّة ستتطوّر في عصر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حيث تتكامل عقول الناس، وتبلغ الدرجة العليا من النضج والرقيّ، كما ورد في بعض الروايات عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: "... إذا قام قائمنا، وضع يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت به أحلامهم"(٣٨٠).
وعندما تسود العقلانيّة المجتمعَ البشريّ، سيُلجم الشيطان وتقيّد أهواء النفس، وترتفع الذنوب - فمجتمع العقلاء لا يلتفّ حول المعاصي والذنوب -، ويرتفع الفساد الاجتماعيّ.
وهنا قد يُتساءل: هل إنّ المجتمع المتطوّر اليوم لا يتّصف بالعقلانية، حيث إنّا نرى الكثير من مظاهر الفساد والظلم فيه؟
وجوابه: يتميّز أفراد هذه المجتمعات بالذكاء وقدرة الإدراك العالية. وقد حصلوا على معرفة وتجارب كثيرة في مختلف مجالات العلوم الإنسانيّة. لكنْ مع كلّ هذا التقدّم والتطوّر في العلوم، لا يزال عقل الإنسان غير مرتق، ولم يتكامل، ولم ينتقل من عالم القوّة إلى عالم الفعل. فلو كانت العقول قد ارتقت وتكاملت، لما ارتكبت البشريّة الذنوب العظيمة، ولما مارست الظلم، ولما انتشر الفساد الأخلاقيّ إلى الحدّ الذي نراه اليوم. فلو أُضيف العقل إلى هذا التطوّر، سيُسَخَّرُ الذكاء والعلم في الطريق الصحيح الذي يخدم الإنسانيّة. قال الإمام الصادق (عليه السلام): "العقل ما عُبد به الرحمن، واكتُسب به الجِنان، قال الراوي: قلت: فالذي كان في معاوية؟ قال (عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل، وليست بالعقل"(٣٨١).
ففي مجتمع الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يتكامل العقل البشريّ فقط، بل يكون مهيمناً على الفطنة والعلم، بل على جوانب الحياة البشريّة جميعها. وفي ظلّ هذا الإشراف، تسير هذه الجوانب المختلفة للمجتمع البشريّ جملةً في طريق الخير والصلاح والرفاهية وسعادة المجتمع.
البُعد السياسيّ:
١- حاكميّة الإسلام:
يسعى أعداء الإسلام دائماً إلى فصل الجانب السياسيّ للحياة عن الدين، ويوحون بأنّ الدين لا يهتمّ إلّا بعلاقة الإنسان بربّه، ولا رأي له في السياسة والحكومة وعلاقات الإنسان بالآخرين. وكذلك لا يتعرّض للعلاقات الدوليّة بين الأمم، وليس له أيّ نظام ومنهاج لهذه المسائل.
وهذا كلّه لا يتناسب مع منطق الكتاب والسنّة في الإسلام. فكيف يفترض فصل الدين عن العقلانيّة في الوقت الذي تنصّ فيه الروايات على أنّ التفكّر العقليّ هو الأساس في المنظومة الفكريّة الإسلاميّة؟ فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "تفكّرُ ساعة خيرٌ من عبادة سنة"(٣٨٢). وكيف يمكن تصوُّر تضادّ الدين مع الدنيا، في حين أنّ مِن أهداف خلق الإنسان هو إعمار الأرض؟: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(٣٨٣).
وفي عصر دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإنّ الحاكم هو الإمام نفسه، ويعمّ الدين الإسلاميّ الأرضَ كلّها، والكتاب المعتمد قانوناً للبشر هو القرآن الكريم. وتبعاً لذلك، ستكون القوانين النافذة في المجتمع البشريّ جميعها هي قوانين الإسلام، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾(٣٨٤).
وفي تفسير الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾(٣٨٥)، يقول الإمام الباقر (عليه السلام): "هذه لآل محمّد إلى آخر الآية، والمهديّ وأصحابه يملّكهم الله مشارقَ الأرض ومغاربها، ويظهر الدين..."(٣٨٦). وفي تفسير الآية: ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾(٣٨٧)، قال الإمام الباقر (عليه السلام): "إذا قام القائم، ذهبت دولة الباطل"(٣٨٨).
٢- حاكم الدولة هو محبوبها:
من أهمّ خصائص دولة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) العالميّة، والتي تنفرد بها عن غيرها من الدول التي سبقتها، أنّ الموجودات جميعها يحبّون هذا الحاكم، ويرضَون بحكومته، ويفرحون بها. وهذا متيقّن به بالنسبة إلى الذين يرون حكومته العادلة، ويعيشون في ظلِّها، فقد ورد العديد من الروايات في هذا الشأن، منها:
ما رُوي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: "... يرضى بخلافته أهل السماوات وأهل الأرض والطير في الجوّ"(٣٨٩).
ومنها ما رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "... لا يبقى ميت إلا دخلت عليه تلك الفرحة في قلبه وفي قبره، وهم يتزاورون في قبورهم، ويتباشرون بقيام القائم"(٣٩٠).
العدالة في دولة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
١- العدالة الاجتماعيّة:
لقد عدّ القرآن الكريم القيامَ بالقسط والعدل أحدَ الأهداف الأصليّة لبعثة الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.(٣٩١)، وهذا الأمر من أهمّ مميّزات دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) العالميّة. وقد أكّدت العديد من الروايات على ذلك، وهي مئة وثلاثون رواية تقريباً(٣٩٢).
قال الإمام الكاظم (عليه السلام) في تفسير الآية الكريمة: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾(٣٩٣): "ليس يحييها بالقطر، ولكن يبعث الله رجالاً فيحيون العدل، فتحيا الأرض لإحياء العدل"(٣٩٤).
ومن تلك الروايات التي أكّدت على انتشار مظاهر العدل، أنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) سيمنع كلّ مَن تسوّل له نفسه ظلمَ الآخرين والتعدّي على حقوقهم، وسيقضي على الظاهرة التي كانت تمسك بخناق البشريّة عبر التاريخ. رُوي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "... ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحد أحداً"(٣٩٥).
فعدالته تجري وتنفذ في حقّ الناس جميعهم. فقد رُوي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "... ويعدل في خلق الرحمن، البرّ منهم والفاجر..."(٣٩٦). وهكذا يكون، فقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "... حتّى لا يُرى أثر من الظلم"(٣٩٧)، في أيّ بقعة من بقاع العالم.
٢- العدل في الحياة الاقتصاديّة:
من المميّزات البارزة لدولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) صفة العدل في الحياة الاقتصاديّة والماليّة؛ فالثروة تقسّم بصورة عادلة ومتساوية بين الناس، وكلّ فرد يتناول من نصيبه المحدّد له، ويتصرّف به. ففي رواية عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "أبشّركم بالمهديّ، يُبعث في أمّتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى به ساكن السماء، يقسّم المال صحاحاً. قلنا: وما الصحاح؟ قال: بالسويّة بين الناس، فيملأ الله قلوب أمّة محمّد غنى، ويسعهم عدله، حتّى يأمر منادياً فينادي مَن له في مال حاجة؟ قال: فلا يقوم من الناس إلّا رجل فيقول: أنا، فيقول له: أئت السادن - يعني الخازن -، فقل له: إنّ المهديّ يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له: أحث - يعني خذ -، حتّى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمّة محمّد نفساً أو عجز عنّي ما وسعهم، قال: فيردّه فلا يقبل منه، فيقال له: إنّا لا نأخذ شيئاً أعطيناه..."(٣٩٨).
وعن أبي جعفر (عليه السلام): "... إذا قام قائمنا، فإنّه يقسّم بالسويّة، ويعدل في خلق الرحمن، البرّ منهم والفاجر...، وتُجمع إليه أموال الدنيا كلّها، ما في بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدماء وركبتم فيه محارم الله، فيعطي شيئاً لم يعط أحداً كان قبله"(٣٩٩).
ومن الجدير بالذكر أنّ الثروة التي تقسّم بين الناس في عصره (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ليست من الثروات الخاصّة تؤخذ من أصحابها وتعطى لعامّة الناس. لا ليس كذلك، فالإسلام لا يلغي الملكيّة الخاصّة، بل يمنحها الصيانة القانونيّة، حيث جعل حرمة أموال الناس كحرمة دمائهم، ولا يجيز أخذ مال الناس ولا التصرّف فيه بغير طيب نفوسهم ورضاهم.
وتقسيم الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الأموال بالتساوي بين الناس لا يعني أنّ الكلّ يأخذ بقدر واحد في كلّ ما يعطى، بل إنّ المساواة تكون في غير الأجور والجعائل التي تعطى على حسب التخصّص والسعي والمهارة في ميادين العمل المختلفة، وإلّا فلو كان الكلّ يأخذ من الأجور بمقدار واحد ستخبو الهمم للعمل، ولا يرغب الناس في المثابرة والجدّ، بل إنّ ذلك يُعدّ ظلماً وجوراً، وليس من باب العدل، فلكلٍّ حسبَ ما يحسنه من عمل وتخصّص.
وهنا نشير إلى مسألة، وهي أنّه عندما تكون الثروات العامّة محدودة، فالالتزام بالقسط والعدل يلزم الدولة بأسلوب توزيع آخر يكون بموجبه العطاء للمناطق الفقيرة أكثر وأسرع من باقي المناطق في المجتمع. لكنّه مع الفرض بأنّ الأموال العامّة في عصر الإمام المهديّ ستكون تحت تصرّفه، ولا تكون محدودة، بل هي متوافرة ومتنامية، لذا سيكون توزيع الثروة بصورة متساوية للجميع أمراً مقبولاً. ففي بعض الروايات عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "ليبعثنّ الله من عترتي رجلاً أفرق الثنايا، أجلا الجبهة، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يفيض المال فيضاً"(٤٠٠).
٣- الغنى العامّ في مجتمع المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
سيكون الناس في دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) متنعّمين في حياتهم الاقتصاديّة وفي رفاهية، فلا أثر للبؤس والحرمان أو الجوع، ولا يستغلّ الناس بعضهم بعضاً في سبيل كسب الأموال. وقد وردت روايات كثيرة في هذا الشأن، نذكر منها ما رُوي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "... يتنعّم أبناء أمّتي في زمانه نعيماً لم يتنعّموا مثله قطّ، البرّ والفاجر"(٤٠١). وقد رُوي أيضاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: "... ويجعل الله الغنى في قلوب هذه الأمّة"(٤٠٢).
فهم لا يستشعرون الحاجة، بل الكلّ يعيشون الغنى، فقد رُوي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: "يكون في أمّتي المهديّ...، تنعم أمّتي فيها نعمة لم ينعموا مثلها، يرسل السماء عليهم مدراراً، ولا تدّخر الأرض شيئاً من النبات، والمال كدوس. يقوم الرجل يقول: يا مهديّ، أعطني، فيقول خذ"(٤٠٣).
فالمقام يومئذٍ لا يسعه الحساب ولا تحديد المبلغ، بل كلّ ما يريد الفرد يعطيه، حتّى يعيش الغنى في نفسه، ويكتفي من العطاء، فقد رُوي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما في الرواية السابقة: "... فلا يقوم من الناس إلّا رجل، فيقول: أنا، فيقول له: أئت السادن - يعني الخازن -، فقل له: إنّ المهديّ يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له: أحث - يعني خذ -، حتّى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمّة محمّد نفساً أو عجز عنّي ما وسعهم، قال: فيردّه فلا يقبل منه، فيقال له: إنّا لا نأخذ شيئاً أعطيناه..."(٤٠٤).
الأمان الاجتماعيّ:
١- البُعد القضائيّ:
إنّ دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) كما تمتاز بالعدالة الاجتماعية، فهي تمتاز بالعدالة القضائيّة أيضاً، بحيث لا يُظلم في ساحته أحد، ولا يُسلب حقّ أحد من الناس أبداً، وسوف يحاكم كلّ شخص وفق الشريعة الإسلاميّة العادلة، بحيث يأخذ كلّ إنسان حقّه كاملاً. فقد جاء في الرواية عن عليّ بن عقبة، عن أبيه، أنّه قال: "إذا قام القائم، حكم بالعدل، وارتفع في أيّامه الجور...، ورَدَّ كلّ حقّ إلى أهله"(٤٠٥).
لمّا كان الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عادلاً في قضائه، سيرضى أتباع الديانات الأخرى من اليهود والنصارى بالتحاكم إليه، وهو بذلك يجسّد سيرة جدّه الإمام عليّ (عليه السلام) القائل: "والله لو، كُسرت لي الوسادة لحكمتُ بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم"(٤٠٦).
وأكّدت الروايات على أنّ المهديّ سوف يحكم في كلّ قوم بدينهم، فقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "... فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان"(٤٠٧).
٢- الأمان العامّ في المجتمع:
الأمن والأمان يعنيان السلامة من المخاطر، وما قد يحيق بالإنسان من أضرار وسوء، وهما يرجعان إلى السكون والطمأنينة، ويجسّد أهمّيّة هذا الجانب دعاء النبيّ إبراهيم (عليه السلام) في القرآن الكريم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾(٤٠٨).
وهذا الجانب من الأمان في المجتمع يتحقّق في مجتمع الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والذي أُكّد عليه كثيراً في الروايات، فقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "... حتّى تخرج العجوز الضعيفة من المشرق تريد المغرب ولا ينهاها أحد..."(٤٠٩).
وعن عليّ بن عقبة، عن أبيه أنّه: "... وإذا قام القائم، حكم بالعدل، وارتفع في أيّامه الجور، وأمنت به السبل"(٤١٠).
بل إنّ الحيوانات تأنس بهذا الأمان، فقد رُوي عن ابن عبّاس أنّه قال: "... حتّى يأمن الشاة والذئب والبقرة والأسد والإنسان والحيّة، وحتّى لا تقرض فأرة جراباً"(٤١١).
كما ورد في حديث ذكره السيّد ابن طاووس عن نبيّ الله إدريس: "... وأُلقي في ذلك الزمان الأمانة على الأرض، فلا يضرّ شيء شيئاً، ولا يخاف شيء من شيء، ثمّ تكون الهوامّ والمواشي بين الناس، فلا يؤذي بعضهم بعضاً، وانزع حُمَة كلّ ذي حُمَة من الهوامّ وغيرها، وأذهب سمّ كلّ ما يلدغ"(٤١٢).
وفي منتخب الأثر: "... فيبعث المهديّ إلى أمرائه في سائر الأمصار، بالعدل بين الناس، وترعى الشاة والذئب في مكان واحد، ويلعب الصبيان والحيّات والعقارب ولا تضرّهم بشيء، ويذهب الشرّ ويبقى الخير"(٤١٣).
وقد يُحتمل أنّ هذه الفقرة استُعملت فيها الألفاظ استعمالاً مجازيّاً، فهي كناية عن الأمان الذي يترسّخ في مجتمع الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حيث إنّ الأفراد الذين يتّصفون بالعدوانيّة يتعايشون مع باقي الناس من دون أن يضرّوهم شيئاً، فحالة العدوان تُسلب منهم، ولا يتأتّى منهم ذلك.
ويُحتمل، في مقابله، أنّ ظاهر العبارة هو المراد؛ أي أنّ الأمان في عصر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يكون شاملاً بدرجة يعمّ المخلوقات جميعها، فيتعايش الذئب مع الشاة، ويلعب الأطفال مع الحيّات من دون ضرر. وهذا قد يصعب تقبّله من قبل بعض الناس، ولكن لا يصعب ذلك على الله ذي القدرة العظيمة، ولِما للإمام (عليه السلام) من ولاية تكوينيّة على باقي الموجودات، ولِما قد يصل إليه التطوّر العلميّ، فقد يحدث هذا. ولعلّ ما حدث في عصر النبيّ نوح (عليه السلام)، حيث ضمّ في سفينته من أزواج مختلف الحيوانات الأهليّة منها والوحشيّة، من دون أن يتعرّض حيوان لآخر؛ خيرُ شاهد على انتشار هذا الأمر في عصر دولة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٣- تأمين حاجات الإنسان:
ستعمر في عصر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بقاع الأرض جميعها، وستمتلئ خضرة، حيث لا تجد بقعة بلا زرع ولا محصول، وستُخرج الأرض كنوزها ومعادنها وثرواتها وزخرفها، وتفتح السماء أبوابها، وتفيض أمطارها على الأرض، فتكثر النعم والأرزاق، ولا تخلو بقعة من الأرض ليس فيها زرع وعمران.
وهنا، يأتي التأييد الإلهيّ للمهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ودولته المباركة، فقد روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: "... وتُخرج له الأرض أفلاذ كبدها"(٤١٤)، أي ما بها من كنوز ومعادن.
وروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: "... ويرسل السماء عليهم مدراراً، ولا تدّخر الأرض شيئاً من نباتها، والمال كدوس، يأتيه الرجل فيحثو له"(٤١٥).
ثمّ تخرج له طيّباتها، ولا تبخل في دولته بشيء، فقد رُوي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: "... وتزيد المياه في دولته، وتمدّ الأنهار، وتُضعِّف الأرض أكلها، وتستخرج كنوزها"(٤١٦).
فلا تجد بقعةً على وجه الأرض إلّا وقد عمرها الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فقد رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "... حتّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام، لا تضع قدميها إلّا على النبات..."(٤١٧).
فإذا ما قارنّا بين ما نحن فيه الآن وما عليه عصر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ندرك عظمة ما سيحدث في عصره من إعمار للبلاد وما سيعمّها من نعم ورزق. فنحن إذا ما حاولنا إعمار بلد من بلدان العالم، وإصلاح أراضيه، وتحويل الأراضي القاحلة إلى أراض زراعيّة، ومكافحة الآفّات والأدغال التي فيها، فسيكلّفنا ذلك الكثير الكثير من النفقات، وعلينا الانتظار سنوات طويلة كي نرى هل نفلح في ذلك أو لا، فالنتيجة ليست قطعيّة.
لكن في عصر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ستتضافر العوامل والظروف جميعها: الأرض، والسماء، وكلّ ما على الأرض؛ لإعمار الكرة الأرضيّة، حتّى لا تبقى بقعة منها بلا زرع ولا حاصل، فقد ورد في الأثر: "... ولا يبقى في الأرض خراب إلا عُمِّر"(٤١٨).
المفاهيم الرئيسة:
١- يظهر في دولة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) التحوُّل في البُعد العقديّ، في ثلاث جهات: انتشار دين التوحيد، وانتشار الإسلام، واستبدال مراكز الشرك إلى عبادة الله.
٢- إنّ ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يؤدّي إلى الازدهار الثقافيّ والحضاريّ في العالم. ومن أبرز مظاهر هذا الازدهار هو تكامل العقول والأفكار، وتحرير العقول من قيود الأهواء والميول النفسانيّة، وجعل مصير الإنسان تحت حكم العقل.
٣- يؤدّي ظهور دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في العالم إلى التغيّر في البُعد السياسيّ، ففي عصر دولته (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فإنّ الحاكم هو الإمام نفسه، ويعمّ الدين الإسلاميّ الأرض كلّها، والكتاب المعتمد قانوناً للبشر هو القرآن الكريم، وتبعاً لذلك، ستكون القوانين النافذة في المجتمع البشريّ جميعها هي قوانين الإسلام.
٤- إنّ تحقيق العدالة الاجتماعيّة من أهمّ الأهداف التي سعى الإسلام إلى تحقيقها في العالم الإسلاميّ وغيره، وهذه العدالة سوف تتحقّق في دولة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وتكون هذه العدالة في مستويات ثلاثة: العدالة الاجتماعيّة، والعدل في الحياة الاقتصاديّة، والغنى العامّ في مجتمع المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٥- إنّ الأمان الاجتماعيّ الذي يسعى إليه الإنسان من خلال تأمين حاجاته، سوف يتحقّق في دولة المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإنّ بقاع الأرض جميعها، ستمتلئ خضرة، بحيث لا تجد بقعة بلا زرع ولا محصول، وستُخرج الأرض كنوزها ومعادنها وثرواتها وزخرفها، وتفتح السماء أبوابها، وتفيض أمطارها على الأرض، فتكثر النعم والأرزاق، ولا تخلو بقعة من الأرض من الزرع والعمران.

قائمة المصادر والمراجع

١. القرآن الكريم.
٢. الصدوق، الشيخ محمد بن علي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقمّ المشرّفة، إيران - قمّ، ١٤٠٥ه - ١٣٦٣ ش، لا.ط.
٣. الخامنئي، السيد علي، الإمام المهدي(سلسلة في رحاب الولي الخامنئيدام ظله)، إعداد لجنة التأليف في مركز المعارف للتأليف والتحقيق، دار المعارف، جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية، لبنان بيروت، ١٤٣١هـ - ٢٠١٠م، ط١.
٤. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لا.م، ١٤٠١ه - ١٩٨١م، لا.ط.
٥. مسلم النيسابوري، مسلم بن الحجاج، الجامع الصحيح (صحيح مسلم)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط
٦. ابن حنبل، أحمد، المسند (مسند أحمد)، دار صادر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط.
٧. الحيدري، السيد علي نقي، مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، مكتبة القرآن والعترة، لا.م، لا.ت، لا.ط.
٨. القندوزي، الشيخ سليمان بن إبراهيم الحنفي، ينابيع المودة لذوي القربى، تحقيق: السيد علي جمال أشرف الحسيني، دار الأسوة للطباعة والنشر، إيران - قم، ١٤١٦ه، ط.
٩. الهيتمي المكي، أحمد بن حجر، الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، مكتبة القاهرة، مصر، ١٣٨٥ه - ١٩٦٥م، ط٢.
١٠. القاري، علي بن سلطان محمد القاري، منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر، دار البشائر الإسلاميّة، لبنان بيروت، ١٤١٩هـ، ١٩٩٨م، ط١.
١١. العظيم آبادي، أبو الطيب محمد شمس الحق، عون المعبود شرح سنن أبي داود، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، ١٤١٥ه، ط٢.
١٢. المقريزي، أحمد بن علي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، لبنان بيروت، ١٤١٨هـ، ١٩٩٧م، ج١، لا.ط.
١٣. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الحاوي للفتاوي، ضبطه وصححه: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، لبنان بيروت، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠٠م، ط١.
١٤. المتقي الهندي، علي المتقي بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ضبط وتفسير: الشيخ بكري حياني، تصحيح وفهرسة: الشيخ صفوة السقا، مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت، ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م، لا.ط.
١٥. ابن كثير، إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، لبنان - بيروت، ١٤٠٨ه - ١٩٨٨م، ط١.
١٦. آل طاووس، السيد أحمد آل طاووس، عين العبرة في غبن العترة، دار الشهاب، إيران - قم، لا.ت، لا.ط.
١٧. إسلامي، علي، المهدويّة عند أهل البيت (الإثبات العقائدي لمفهوم المهدويّة عند أهل البيت (عليهم السلام))، نشر المجمع العالمي لأهل البيت، لا.ط.
١٨. الكوراني، الشيخ علي العاملي، معجم أحاديث الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، مؤسسة المعارف الإسلاميّة، إيران - قم، ١٤١١ه، ط١.
١٩. الذهبي، محمد بن أحمد، المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتدال، حققه وعلّق حواشيه: محب الدين الخطيب، الرئاسة العامّة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، السعودية، ١٤١٣هـ، ط٣.
٢٠. القزويني، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، تحقيق وترقيم وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان- بيروت، لا.ت، لا.ط.
٢١. أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، تحقيق وتعليق: سعيد محمد اللحام، لبنان - بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٠ه - ١٩٩٠م، ط١.
٢٢. الخزاز القمي، علي بن محمد، كفاية الأثر، تحقيق: السيد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري الخوئي، انتشارات بيدار، إيران - قم، ١٤٠١هـ.، لا.ط.
٢٣. الدهنين، الشيخ علي، المعارف المهدويّة قراءة تمهيدية، إعداد وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، العراق النجف الأشرف، ١٤٣٤هـ، ط١.
٢٤. الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الغيبة، تحقيق: الشيخ عباد الله الطهراني والشيخ علي أحمد ناصح، مؤسسة المعارف الإسلاميّة، إيران - قم، ١٤١١هـ، ط١.
٢٥. النجفي، الشيخ بشير، ولادة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، سلسلة الندوات المهدويّة، الندوة الثالثة.
٢٦. الصدوق، الشيخ محمد بن علي، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي، لبنان - بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م، لا.ط.
٢٧. الصدوق، الشيخ محمد بن علي، الأمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسسة البعثة، إيران - قم، ١٤١٧ه، ط١.
٢٨. الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط.
٢٩. المفيد، الشيخ محمد بن محمد، الفصول المختارة، تحقيق: السيد نور الدين جعفريان الأصبهاني، الشيخ يعقوب الجعفري، الشيخ محسن الأحمدي، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، ١٤١٤ هـ- ١٩٩٣م، ط٢.
٣٠ أبو الفتح الكراجكي، العلامة محمد بن علي، كنز الفوائد، مكتبة المصطفوي، إيران - قم، ١٣٦٩ش، ط٢.
٣١. الطيالسي، سليمان بن داود، مسند أبي داود الطيالسي، دار المعرفة للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط.
٣٢. أبو جعفر الإسكافي، محمد بن عبدالله، المعيار والموازنة، تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، لا.م، لا.ن، ١٤٠٢هـ - ١٩٨١م، ط١.
٣٣. ابن أبي عاصم، عمرو بن أبي عاصم، السنة، تحقيق: بقلم محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلاميّ، لبنان - بيروت، ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م، ط٣.
٣٤. أبو يعلى الموصلي، أحمد بن علي، مسند أبي يعلى، حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، لا.ت، لا.ط.
٣٥. الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، تحقيق: قسم التحقيق بدار الحرمين، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م، لا.ط.
٣٦. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق وتصحيح: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، ١٣٦٣ش، ط٥.
٣٧. الكاتب، أحمد، تطوّر الفكر السياسي الشيعيّ من الشورى إلى ولاية الفقيه، دار الجديد، لبنان بيروت، ١٩٩٨م، ط١.
٣٨. ابن أبي زينب النعماني، الشيخ محمد بن إبراهيم، الغيبة، تحقيق: فارس حسون كريم، أنوار الهدى، إيران - قم، ١٤٢٢ه، ط١.
٣٩. الطبرسي، الشيخ الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، إيران - قم، ١٤١٧ه، ط١.
٤٠. الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تاج المواليد (المجموعة)، مكتب آية الله العظمى المرعشي النجفي - قم، ١٤٠٦هـ، لا.ط.
٤١. العميدي، السيد ثامر هاشم، غيبة الإمام المهديّ عند الإمام الصادق (عليهما السلام)، الناشر مركز الرسالة، ١٤٢٤هـ، ط١.
٤٢. مسعود بور سيد آمائي، وآخرون، دروس في تاريخ عصر الغيبة، تعريب: أنور الرصافي، الناشر: المركز العالمي للدراسات الإسلاميّة، ١٤٢٨هـ، ط١.
٤٣. الشيخ الطبرسي، ميرزا حسين النوري، النجم الثاقب، تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق: السيد ياسين الموسوي، لا.م، أنوار الهدى، ١٤١٥هـ، ط١.
٤٤. المالكي، الشيخ فاضل، الغيبة الصغرى والسفراء الأربعة، إيران - قم، مركز الأبحاث العقائديّة، ١٤٢٠هـ، ط١.
٤٥. مرتضى العاملي، السيد جعفر، مختصر مفيد، لبنان - بيروت، المركز الإسلاميّ للدراسات، ١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢م، ط١.
٤٦. أبو الصلاح الحلبي، تقي بن نجم‏، تقريب المعارف، تحقيق: فارس تبريزيان الحسون، لا.م، نشر المحقق، ١٤١٧هـ - ١٣٧٥ش، لا.ط.
٤٧. السيد الشهيد، السيد محمد باقر الصدر، بحث حول الولاية، لبنان - بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م، ط٢.
٤٨. المفيد، الشيخ محمد بن محمد، الإرشاد، تحقيق: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لتحقيق التراث، لبنان - بيروت، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م، ط٢.
٤٩. الخصيبي، الحسين بن حمدان، الهداية الكبرى، مؤسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، ١٤١١هـ - ١٩٩١م، ط٤.
٥٠. ابن طاووس، السيد علي بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات، لا.م، كتابخانه سنائى، لا.ت، لا.ط.
٥١. الطبرسي، الشيخ أحمد بن علي، الاحتجاج، تعليق وملاحظات: السيد محمد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، العراق - النجف الأشرف، ١٣٨٦ه - ١٩٦٦م، لا.ط.
٥٢. قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله، الخرائج والجرائح، تحقيق: مؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بإشراف السيد محمد باقر الموحد الأبطحي، مؤسسة الإمام المهدي، إيران - قم، ١٤٠٩هـ، ط١.
٥٣. الحكيم، السيد منذر، أعلام الهداية (خاتم الأوصياء)، بإشراف: المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)، دار الأميرة، لبنان بيروت، ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥م، ط١.
٥٤. الصدر، السيد صدر الدين، المهدي في كتب الصحاح والسنن، دار الرافدين، ٢٠٠٤م، ط١.
٥٥. الصّدر، السّيد محمد صادق، تاريخ الغيبة الصغرى، دار التّعارف للمطبوعات، بيروت لبنان، لا.ت، لا.ط.
٥٦. اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، موسوعة طبقات الفقهاء، إشراف: الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، إيران - قم، ١٤١٨ه، ط١.
٥٧. معروف الحسني، السيد هاشم، سيرة الأئمّة الاثني عشر، منشورات الإمام الرضا، بيروت لبنان، ط١.
٥٨. الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الأبواب (رجال الطوسي)، تحقيق جواد القيومي الإصفهاني، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، ١٤١٥ه، ط١.
٥٩. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، دار صادر للطباعة والنشر - دار بيروت للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، ١٣٨٦هـ - ١٩٦٦م، لا.ط.
٦٠. الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، إشراف وتخريج: شعيب الأرنؤوط، تحقيق: حسين الأسد، مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت، ١٤١٣ه - ١٩٩٣م، ط٩.
٦١. الصفدي، خليل بن ايبك، الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث، لا.م، ١٤٢٠ه - ٢٠٠٠م، لا.ط.
٦٢. الإربلي، الشيخ علي بن أبي الفتح، كشف الغمة في معرفة الأئمّة، دار الأضواء، لبنان - بيروت، ١٤٠٥ه - ١٩٨٥م، ط٢.
٦٣. القمي، سعد بن عبد الله الأشعري، كتاب المقالات والفرق، تحقيق الدكتور محمد جواد مشكور، مطبعة الحيدري، إيران طهران، ١٣٤١هـ، ش، لا.ط.
٦٤. النوبختي، الشيخ حسن بن موسى، فِرق الشيعة، منشورات الرضا، بيروت لبنان، ١٤٣٣هـ، ٢٠١٢م، ط١.
٦٥. السند، الشيخ محمد، فقه علائم الظهور، تحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، نشر دليلنا، العراق - النجف الأشرف، ١٤٢٥ه، ط١.
٦٦. الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسسة البعثة، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، إيران - قم، ١٤١٣، ط١.
٦٧. الصدوق، الشيخ محمد بن علي، علل الشرائع، تقديم: السيد محمد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدرية، العراق - النجف الأشرف، ١٣٨٥ه - ١٩٦٦م، لا.ط.
٦٨. الصدر، السيد محمد صادق، موسوعة الإمام المهدي (الغيبة الكبرى)، دار ومكتبة البصائر، لبنان - بيروت، ١٤٣٢هـ، لا.ط.
٦٩. الكنيسة، الكتاب المقدس (العهد القديم)، دار الكتاب المقدس، ١٩٨٠، لا.ط.
٧٠. الكنيسة، الكتاب المقدس (العهد الجديد)، دار الكتاب المقدس، ١٩٨٠، لا.ط.
٧١. المجلسي، العلامة محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، مؤسسة الوفاء، لبنان - بيروت، ١٤٠٣ه - ١٩٨٣م، ط٢.
٧٢. ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، تصحيح وشرح ومقابلة لجنة من أساتذة النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية، العراق - النجف الأشرف، ١٣٧٦ه - ١٩٥٦م، لا.ط.
٧٣. الموسوي، السيد جلال، السفيانيّ حتم مُرّ، تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ١٤٣٩هـ، ط١.
٧٤. مرتضى العاملي، السيد جعفر، الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إيران - قم، دار الحديث للطباعة والنشر، ١٤٢٦ه - ١٣٨٥ش، ط١.
٧٥. المجلسي، العلامة محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، مؤسسة الوفاء، لبنان - بيروت، ١٤٠٣ه - ١٩٨٣م، ط٢.
٧٦. الحلو، السيد محمد علي، اليمانيّ راية هدى، تقديم وتحقيق: مركز الدّراسات التخصصيّة في الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، العراق - النجف الأشرف، ١٤٢٥هـ، ط١.
٧٧. الصغير، الشيخ جلال الدين عليّ، راية اليمانيّ الموعود أهدى الرايات (بحث في منهج اليماني ودوره ومعركته)، مؤسّسة الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) للتبليغ الإسلاميّ، جامع براثا، بغداد، ١٤٣٠هـ - ٢٠٠٨م، ط١.
٧٨. الصغير، الشيخ جلال الدين عليّ، علامات الظهور بحث في فقه الدلالة والسلوك، مؤسسة الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) للتبليغ الإسلامي، جامع براثا بغداد؛ دار الأعراف للدّراسات، بيروت لبنان، ١٤٣٣هـ، ٢٠١٢م، ط١.
٧٩. الحافظ رجب البرسي، رجب بن محمد، مشارق أنوار اليقين، تحقيق: السيد علي عاشور، لبنان - بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤١٩ - ١٩٩٩م، ط١.
٨٠. المروزي، نعيم بن حماد، الفتن، تحقيق: الدكتور سهيل زكار، لبنان - بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م، لا.ط.
٨١. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، نشر أدب الحوزة، إيران - قم، ١٤٠٥ه، لا.ط.
٨٢. السيد الأمين، محسن، أعيان الشيعة، تحقيق وتخريج: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط.
٨٣. السند، الشيخ محمد، فقه علائم الظهور، تحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، النجف الأشرف، نشر دليلنا، ١٤٢٥ه، ط١.
٨٤. الحلي، حسن بن سليمان، مختصر بصائر الدرجات، النجف الأشرف، منشورات المطبعة الحيدرية، ١٣٧٠ه - ١٩٥٠م، ط١.
٨٥. ابن إدريس الحلي، الشيخ محمد بن منصور، مستطرفات السرائر، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، ١٤١١هـ، ط٢.
٨٦. الكوراني، الشيخ علي، عصر الظهور، لا.م، لا.ن، لا.ت.
٨٧. المصطفوي، الشيخ حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مؤسسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، إيران، ١٤١٧ه، ط١.
٨٨. الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، تحقيق: المحقق محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، لبنان بيروت، ٢٠١٠م، ط١.
٨٩. الزمخشري، محمود بن عمر، أساس البلاغة، دار ومطابع الشعب - القاهرة، ١٩٦٠، لا.ط.
٩٠. الفيروزآبادي، الشيخ محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، لبنان - بيروت، دار العلم للجميع، لا.ت، لا.ط.
٩١. الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفور العطار، دار العلم للملايين، لبنان - بيروت، ١٤٠٧ه - ١٩٨٧م، ط٤.
٩٢. سليم بن قيس الهلالي الكوفي، كتاب سليم بن قيس، تحقيق: محمد باقر الأنصاري الزنجاني، إيران - قم، نشر دليل ما، ١٤٢٢ه - ١٣٨٠ش، ط١.
٩٣. المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، مكتبة عالم الفكر، مصر - القاهرة، ١٣٩٩ه - ١٩٧٩م، ط١.
٩٤. الصدوق، الشيخ محمد بن علي، معاني الأخبار، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، ١٣٧٩ه - ١٣٣٨ ش، لا.ط.
٩٥. القمّيّ، علي بن إبراهيم، تفسير القمّيّ، تصحيح وتعليق وتقديم: السيد طيب الموسوي الجزائري، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، إيران - قم، ١٤٠٤هـ، ط٣.
٩٦. المظفر، الشيخ محمد رضا، عقائد الإمامية، تقديم: الدكتور حامد حفني داود، انتشارات أنصاريان، قم- إيران، لا.ت، لا.ط.
٩٧. قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله، فقه القرآن، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي، إيران - قم، ١٤٠٥ه، ط٢.
٩٨. الكاظمي، الشيخ الفاضل الجواد، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، علق عليه وأخرج أحاديثه: الشيخ محمد باقر شريف زاده، لا.ن، لا.م، لا.ت، لا.ط.
٩٩. الزيلعي، عبد الله بن يوسف، تخريج الأحاديث والآثار، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، دار ابن خزيمة، ١٤١٤هـ، ط١.
١٠٠. ابن قدامة، عبد الله، المغني، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، لا.ت، طبعة جديدة بالأوفست، لا.ت.
١٠١. العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تحقيق: الحاج السيد هاشم الرسولي المحلاتي، المكتبة العلمية الإسلاميّة، إيران - طهران، ١٤٢٢ه‏، ط١.
١٠٢. الطبرسي، الشيخ الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحققين الاختصاصيِّين، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، لبنان - بيروت، ١٤١٥ه.ق - ١٩٩٥م، ط١.
١٠٣. الشريف المرتضى، السيّد عليّ بن الحسين الموسوي، تنزيه الأنبياء (عليهم السلام)، لبنان - بيروت، دار الأضواء، ١٤٠٩ه - ١٩٨٩م، ط٢.
١٠٤. الشريف المرتضى، علي بن الحسين، رسائل الشريف المرتضى، تقديم السيد أحمد الحسيني، إعداد السيد مهدي الرجائي، دار القرآن الكريم، إيران - قم، ١٤٠٥ه، لا.ط.
١٠٥. ابن طاووس، علي بن موسى، كشف المحجة لثمّرة المهجة، النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية، ١٣٧٠ه - ١٩٥٠م، لا.ط.
١٠٦. ابن طاووس، علي بن موسى، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، لا.م، لا.ن، ١٣٩٩ه، ط١.
١٠٧. الخراساني، الآخوند الشيخ محمد كاظم، كفاية الأصول (تعليق السبزواري)، تحقيق وتعليق: الأستاذ الشيخ عباس علي الزارعي السبزواري، إيران - قم، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ١٤٣٠هـ، ط٦.
١٠٨. الكاظمي الخراساني، الشيخ محمد علي، فوائد الأصول، إفادات: الميرزا محمد حسين الغروي النائيني، تعليق: الشيخ آغا ضياء الدين العراقي، إيران - قم، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ١٤٠٤ه، لا.ط.
١٠٩. المازندراني، المولى محمد صالح بن أحمد، شرح أصول الكافي، تعليقات: الميرزا أبو الحسن الشعراني، ضبط وتصحيح: السيد علي عاشور، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، ١٤٢١هـ - ٢٠٠٠م، ط١.
١١٠. المفيد، الشيخ محمد بن محمد، الفصول العشرة، تحقيق: الشيخ فارس الحسون، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، ١٤١٤ه - ١٩٩٣م، ط٢.
١١١. الصدوق، الشيخ محمد بن علي، الخصال، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، ١٤٠٣ه - ١٣٦٢ش، لا.ط.
١١٢. المطهر الحلي، علي بن يوسف، العدد القوية لدفع المخاوف اليومية، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، إشراف: السيد محمود المرعشي، مكتبة آية الله المرعشي العامّة، ١٤٠٨هـ، ط١.
١١٣. ابن الصباغ المالكي، علي بن محمد أحمد، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة، تحقيق: سامي الغريري، لا.م، دار الحديث للطباعة والنشر، ١٤٢٢ه، ط١.
١١٤. ابن البطريق، يحيى بن الحسن، عمدة عيون صحاح الاخبار في مناقب إمام الأبرار، إيران - قم، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ١٤٠٧هـ، ط١.
١١٥. ابن قولويه، جعفر بن محمد بن قولويه، كامل الزيارات، تحقيق: الشيخ جواد القيومي، إيران - قم، مؤسسة نشر الفقاهة، ١٤١٧ه، ط١.
١١٦. الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، تحقيق وتعليق: السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، ١٣٦٤ش، ط٣.
١١٧. علي بن موسى، التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (الملاحم والفتن)، تحقيق: مؤسسة صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، إيران - قم، نشر كلبهار أصفهان، ١٤١٦ه، ط١.
١١٨. عبد الله بن عدي الجرجاني، الكامل، قراءة وتدقيق: يحيى مختار غزاوي، لبنان - بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، محرم ١٤٠٩ - ١٩٨٨م، ط٣.
١١٩. الهيثمّي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، ١٤٠٨ه - ١٩٨٨م، لا.ط.
١٢٠. النيسابوري، الشيخ محمد بن الفتال، روضة الواعظين، تقديم: السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي، إيران - قم، لا.ت، لا.ط.
١٢١. الأستر آبادي، السيد شرف الدين علي الحسيني، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، مدرسة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، - الحوزة العلمية - قم المقدسة، رمضان المبارك ١٤٠٧هـ - ١٣٦٦ ش، ط١.
١٢٢. الحائري، الشيخ علي اليزدي، إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب، تحقيق: السيد علي عاشور، لا.ن، لا.م، لا.ت، لا.ط.
١٢٣. مجلة تراثنا، الإعداد والنشر: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) - لإحياء التراث، المطبعة: مهر - قم، العدد الثاني (١٥) السنة الرابعة / ربيع الثاني - جمادى الأولى - جمادى الآخرة ١٤٠٩هـ.

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) الصدوق، الشيخ محمد بن علي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقمّ المشرّفة، إيران - قمّ، ١٤٠٥ه - ١٣٦٣ ش، لا.ط، ص٢٨٨.
(٢) الخامنئي، السيد علي، الإمام المهدي (سلسلة في رحاب الولي الخامنئي دام ظله)، إعداد لجنة التأليف في مركز المعارف للتأليف والتحقيق، دار المعارف، جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية، لبنان بيروت، ١٤٣١هـ - ٢٠١٠م، ط١، ص١١.
(٣) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لا.م، ١٤٠١ه - ١٩٨١م، لا.ط، ج٨، ص١٢٧.
(٤) مسلم النيسابوري، مسلم بن الحجاج، الجامع الصحيح (صحيح مسلم)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج٨، ص٣.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) المصدر نفسه.
(٧) ابن حنبل، أحمد، المسند (مسند أحمد)، دار صادر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج٥، ص٨٧.
(٨) ينظر: الحيدري، السيد علي نقي، مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، مكتبة القرآن والعترة، لا.م، لا.ت، لا.ط، ص٢٤.
(٩) القندوزي، الشيخ سليمان بن إبراهيم الحنفي، ينابيع المودة لذوي القربى، تحقيق: السيد علي جمال أشرف الحسيني، دار الأسوة للطباعة والنشر، إيران - قم، ١٤١٦ه، ط١، ج٢، ص٣١٥.
(١٠) راجع: الهيتمي المكي، أحمد بن حجر، الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، مكتبة القاهرة، مصر، ١٣٨٥ه - ١٩٦٥م، ط٢، ص٢١.
(١١) راجع: القاري، علي بن سلطان محمد القاري، منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر، دار البشائر الإسلاميّة، لبنان بيروت، ١٤١٩هـ، ١٩٩٨م، ط١، ص١٨٢ - ٢٠٦.
(١٢) العظيم آبادي، أبو الطيب محمد شمس الحق، عون المعبود شرح سنن أبي داود، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، ١٤١٥ه، ط٢، ج١١، ص٢٤٦.
(١٣) المصدر نفسه، ص٢٤٤.
(١٤) المقريزي، أحمد بن علي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، لبنان بيروت، ١٤١٨هـ، ١٩٩٧م، ج١، لا.ط، ص١١٢(بتصرّف).
(١٥) السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الحاوي للفتاوي، ضبطه وصححه: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، لبنان بيروت، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠٠م، ط١، ج٢، ص٨٠.
(١٦) المتقي الهندي، علي المتقي بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ضبط وتفسير: الشيخ بكري حياني، تصحيح وفهرسة: الشيخ صفوة السقا، مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت، ١٤٠٩ - ١٩٨٩م، لا.ط، ج١٢، ص٣٤.
(١٧) ابن كثير، إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، لبنان - بيروت، ١٤٠٨ه - ١٩٨٨م، ط١، ج٦، ص٢٧٩.
(١٨) آل طاووس، السيد أحمد آل طاووس، عين العبرة في غبن العترة، دار الشهاب، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ص٥٠.
(١٩) سورة الشورى، الآية ٢٣.
(٢٠) القندوزي، ينابيع المودة لذوي القربى، مصدر سابق، ج٣، ص٢٩٢.
(٢١) القندوزي، ينابيع المودة لذوي القربى، مصدر سابق، ج٢، ص٣١٦.
(٢٢) للتفصيل ينظر: إسلامي، علي، المهدويّة عند أهل البيت (الإثبات العقائدي لمفهوم المهدويّة عند أهل البيت (عليهم السلام))، نشر المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)، لا.ط، ص١٨ - ١٩.
(٢٣) راجع: الكوراني، الشيخ علي العاملي، معجم أحاديث الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، مؤسسة المعارف الإسلاميّة، إيران - قم، ١٤١١ه، ط١، كل الأجزاء.
(٢٤) الذهبي، محمد بن أحمد، المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتدال، حققه وعلّق حواشيه: محب الدين الخطيب، الرئاسة العامّة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، السعودية، ١٤١٣هـ، ط٣، ص٥٣٣.
(٢٥) ابن حنبل، مسند أحمد، مصدر سابق، ج١، ص٨٤، القزويني، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، تحقيق وترقيم وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان- بيروت، لا.ت، لا.ط، ج٢، ص١٣٦٧.
(٢٦) أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، تحقيق وتعليق: سعيد محمد اللحام، لبنان - بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٠ه - ١٩٩٠م، ط١، ج٢، ص٣١٠.
(٢٧) الخزاز القمي، علي بن محمد، كفاية الأثر، تحقيق: السيد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري الخوئي، انتشارات بيدار، إيران - قم، ١٤٠١هـ.، لا.ط، ص١٨٨.
(٢٨) فالعقل يجزم ويحكم بالعدل والحكمة لله سبحانه وتعالى، ويحكم بقبح أن يترك الله خلقه سدى من دون قيّم وإمام. والعقل يحكم بوجوب الإمامة بدليل اللطف، لما ثبت من كون الإمامة لطفاً من الله -تعالى-. فمقتضى كرمه تعالى أن يهيّئ لعباده وسائل الطاعة، ويصرفهم عن طرق الفساد، وهو لطف، والإمامة من الألطاف الإلهيّة التي لا يحسن التكليف من دونها، فجرت مجرى سائر الألطاف الإلهيّة، إذ الأمّة محتاجة إلى أخذ معالم دينها من الإمام، والإمام لا يكون عندنا إلّا مَن هو عالم بجميع ما تحتاج إليه الرعيّة، ولكن مع كون هذه الأدلّة عقليّة إلّا أنّها تثبت الإمامة بشكل عامّ، ومن ضمنها إثبات وجود الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، لكون العقل لا يستطيع إثبات الأمور الجزئيّة الخارجيّة، فهي لا يمكن إثباتها إلّا بالأدلّة الشرعيّة، وهي الآيات القرآنيّة وأحاديث المعصومين (عليه السلام)، ومع ذلك فإنّ إثبات الإمامة ووجوب وجود الإمام في كلّ زمان يكفي في إثبات وجود الحجّة الغائب في هذا الزمان.
(٢٩) الدهنين، الشيخ علي، المعارف المهدويّة قراءة تمهيدية، إعداد وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، العراق النجف الأشرف، ١٤٣٤هـ، ط١، ص٤٢-٤٣.
(٣٠) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٣٥.
(٣١) المصدر نفسه، ص٤٣٢.
(٣٢) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٣٣٠.
(٣٣) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٣٠.
(٣٤) المصدر نفسه.
(٣٥) الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الغيبة، تحقيق: الشيخ عباد الله الطهراني والشيخ علي أحمد ناصح، مؤسسة المعارف الإسلاميّة، إيران - قم، ١٤١١هـ، ط١، ص٣٩٣.
(٣٦) المصدر نفسه، ص٢٤٤.
(٣٧) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٣٠.
(٣٨) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٣٢.
(٣٩) المصدر نفسه.
(٤٠) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٣٠.
(٤١) المصدر نفسه، ص٤٣١.
(٤٢) المصدر نفسه، ص٤٣٥.
(٤٣) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٣٤.
(٤٤) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٧٣.
(٤٥) المصدر نفسه.
(٤٦) المصدر نفسه، ص٤٣٣.
(٤٧) المصدر نفسه، ص٤٧٦.
(٤٨) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٥١.
(٤٩) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٧٣.
(٥٠) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٣٤.
(٥١) المصدر نفسه، ص٢٣٨.
(٥٢) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٤٥.
(٥٣) ينظر: النجفي، الشيخ بشير، ولادة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، سلسلة الندوات المهدويّة، الندوة الثالثة، ص٦١ - ٦٣.
(٥٤) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٣٠.
(٥٥) المصدر نفسه.
(٥٦) سورة يونس، الآية ٤٨.
(٥٧) الصدوق، الشيخ محمد بن علي، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي، لبنان - بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م، لا.ط، ج١، ص٦٩.
(٥٨) الخزاز القمي، كفاية الأثر، مصدر سابق، ص٢٨١.
(٥٩) معنى كونه من أولاد السبطين الحسن والحسين (عليه السلام) مع أنّه المقطوع به حسب الأدلّة التي سنشير إلى بعضها وسنفصلها في بحث نسب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، هو أنّ الإمام حسينيّ النسب لا حسنيّ، فمعنى انتسابه إليهما لكون أمّ الإمام الباقر (عليه السلام) هي فاطمة، والتي ترجع إلى الإمام أبي محمّد السبط الأكبر المجتبى (عليه السلام)، فالإمام الباقر (عليه السلام) ومَن بعده من الأئمّة إلى الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من نسل الإمامين الحسن والحسين (عليه السلام).
(٦٠) راجع: گلپايگاني، الشيخ لطف الله الصافي، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، الناشر: مكتب المؤلف، مطبعة: سلمان الفارسي، ج٢، ص١٩٣ - ٢٤٨.
(٦١) ينظر: الإيرواني، الشيخ محمد باقر، الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بين التواتر وحساب الاحتمال، مركز الأبحاث العقائديّة، إيران - قم، ١٤٢٠ه، ط١، ص٢٣-٤٧.
(٦٢) الصدوق، الشيخ محمد بن علي، الأمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسسة البعثة، إيران - قم، ١٤١٧ه، ط١، ص٥٠٠، الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، مصدر سابق، ج٢، ص٣٤، ابن حنبل، مسند أحمد، مصدر سابق، ج٣، ص١٤، الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج٣، ص١٤٨، وغيرها من المصادر الكثيرة.
(٦٣) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٠٩.
(٦٤) راجع: المفيد، الشيخ محمد بن محمد، الفصول المختارة، تحقيق: السيد نور الدين جعفريان الأصبهاني، الشيخ يعقوب الجعفري، الشيخ محسن الأحمدي، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، ١٤١٤ هـ- ١٩٩٣م، ط٢، ص٣٢٥، الخزاز القمي، كفاية الأثر، مصدر سابق، ص٢٩٦، أبو الفتح الكراجكي، العلامة محمد بن علي، كنز الفوائد، مكتبة المصطفوي، إيران - قم، ١٣٦٩ش، ط٢، ص١٥٢، الطيالسي، سليمان بن داود، مسند أبي داود الطيالسي، دار المعرفة للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ص٢٥٩، أبو جعفر الإسكافي، محمد بن عبد الله، المعيار والموازنة، تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، لا.م، لا.ن، ١٤٠٢هـ - ١٩٨١م، ط١، ص٢٤، ابن أبي عاصم، عمرو بن أبي عاصم، السنة، تحقيق: بقلم محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلاميّ، لبنان - بيروت، ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م، ط٣، ص٤٨٩، أبو يعلى الموصلي، أحمد بن علي، مسند أبي يعلى، حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، لا.ت، لا.ط، ج١٣، ص٣٦٦، الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، تحقيق: قسم التحقيق بدار الحرمين، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م، لا.ط، ج٦، ص٧٠، وغيرها من المصادر.
(٦٥) باب ما روي عن النبيّ في الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ذكر فيه خمسة وأربعين حديثاً. ثمّ بعد ذلك ذكر باب ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في الإمام المهديّ. ثمّ باب عن الزهراء عليها السلام وما ورد عنها في الإمام المهديّ (عليه السلام)، ذكر فيه أربعة أحاديث. ثمّ عن الإمام الحسن (عليه السلام)، ذكر فيه حديثين. ثمّ عن الإمام الحسين (عليه السلام)، ذكر فيه خمسة أحاديث. ثمّ عن الإمام السجّاد (عليه السلام)، ذكر فيه تسعة أحاديث. ثمّ عن الإمام الباقر (عليه السلام)، ذكر فيه سبعة عشر حديثاً. ثمّ عن الإمام الصادق (عليه السلام)، ذكر فيه سبعة وخمسين حديثاً.
(٦٦) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٢٥٧.
(٦٧) الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق وتصحيح: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، ١٣٦٣ش، ط٥، ج١، ص٣٣٧.
(٦٨) ينظر: الكاتب، أحمد، تطوّر الفكر السياسي الشيعيّ من الشورى إلى ولاية الفقيه، دار الجديد، لبنان بيروت، ١٩٩٨م، ط١، ص١٩٩.
(٦٩) راجع في هذا المجال كلام الأعلام في الغيبتين الصغرى والكبرى: ابن أبي زينب النعماني، الشيخ محمد بن إبراهيم، الغيبة، تحقيق: فارس حسون كريم، أنوار الهدى، إيران - قم، ١٤٢٢ه، ط١، ص١٧٩، ٣٤٠، الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٩٤، الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص١٥٧، الطبرسي، الشيخ الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، إيران - قم، ١٤١٧ه، ط١، ج٢، ص٢٥٨، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تاج المواليد (المجموعة)، مكتب آية الله العظمى المرعشي النجفي - قم، ١٤٠٦هـ، لا.ط، ص٦٥ - ٦٦.
(٧٠) ينظر: العميدي، السيد ثامر هاشم، غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عند الإمام الصادق (عليهما السلام)، الناشر مركز الرسالة، ١٤٢٤هـ، ط١، ص١٠٩ - ١٣٧.
(٧١) ينظر: الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٩٣.
(٧٢) ينظر: مسعود بور سيد آمائي، وآخرون، دروس في تاريخ عصر الغيبة، تعريب: أنور الرصافي، الناشر: المركز العالمي للدراسات الإسلاميّة، ١٤٢٨هـ، ط١، ص٢٤.
(٧٣) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٣٤٠.
(٧٤) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص١٧٦.
(٧٥) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص١٧٦.
(٧٦) المصدر نفسه.
(٧٧) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٣٤٠.
(٧٨) الشيخ الطبرسي، ميرزا حسين النوري، النجم الثاقب، تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق: السيد ياسين الموسوي، لا.م، أنوار الهدى، ١٤١٥هـ، ط١، ج٢، ص٤١٦.
(٧٩) المالكي، الشيخ فاضل، الغيبة الصغرى والسفراء الأربعة، إيران - قم، مركز الأبحاث العقائديّة، ١٤٢٠هـ، ط١، ص٩.
(٨٠) مرتضى العاملي، السيد جعفر، مختصر مفيد، لبنان - بيروت، المركز الإسلاميّ للدراسات، ١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢م، ط١، ج١١، ص٨٢.
(٨١) ينظر: أبو الصلاح الحلبي، تقي بن نجم‏، تقريب المعارف، تحقيق: فارس تبريزيان الحسون، لا.م، نشر المحقق، ١٤١٧هـ - ١٣٧٥ش، لا.ط، ص٤٢٨.
(٨٢) الشيخ الكوراني، معجم أحاديث الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، مصدر سابق، ج٣، ص٣٦٣ - ٣٦٦.
(٨٣) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٣١.
(٨٤) المصدر نفسه، ص٤٣٥.
(٨٥) الشيخ الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، مصدر سابق، ج٢، ص٩٣.
(٨٦) انظر: السيد الشهيد، محمد باقر الصدر، بحث حول الولاية، لبنان - بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م، ط٢، ص٧٩، وما بعدها(بتصرف).
(٨٧) المفيد، الشيخ محمد بن محمد، الإرشاد، تحقيق: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لتحقيق التراث، لبنان - بيروت، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م، ط٢، ج٢، ص٣٣٦.
(٨٨) ابن أبي زينب النعمان، الغيبة، مصدر سابق، ص١٩٠.
(٨٩) المصدر نفسه، ص١٩١.
(٩٠) المصدر نفسه.
(٩١) الخصيبي، الحسين بن حمدان، الهداية الكبرى، مؤسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، ١٤١١ - ١٩٩١م، ط٤، ص٣٨١.
(٩٢) الشيخ المفيد، الإرشاد، مصدر سابق، ج٢، ص٣٢٣.
(٩٣) الشيخ الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، مصدر سابق، ج٢، ص١٤١.
(٩٤) ابن طاووس، السيد علي بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات، لا.م، كتابخانه سنائى، لا.ت، لا.ط، ص٢٧٦.
(٩٥) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص١٥٦.
(٩٦) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص١٥٦.
(٩٧) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٧٩.
(٩٨) الشيخ المفيد، الإرشاد، مصدر سابق، ص٣٢٠، إضافة إلى مصادر ذكرت سابقاً.
(٩٩) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٧٦.
(١٠٠) الطبرسي، الشيخ أحمد بن علي، الاحتجاج، تعليق وملاحظات: السيد محمد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، العراق - النجف الأشرف، ١٣٨٦ه - ١٩٦٦م، لا.ط، ج٢، ص٢٥٩، وما بعدها.
(١٠١) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٨٩.
(١٠٢) الشيخ المفيد، الإرشاد، مصدر سابق، ج٢، ص٣٢٤.
(١٠٣) قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله، الخرائج والجرائح، تحقيق: مؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بإشراف السيد محمد باقر الموحد الأبطحي، مؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، إيران - قم، ١٤٠٩هـ، ط١، ص١٨٦.
(١٠٤) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٧٦.
(١٠٥) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٥٨.
(١٠٦) الحكيم، السيد منذر، أعلام الهداية (خاتم الأوصياء)، بإشراف: المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)، دار الأميرة، لبنان بيروت، ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥م، ط١، ج١٤، ص١٣٢.
(١٠٧) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٧٤.
(١٠٨) الصدر، السيد صدر الدين، المهدي في كتب الصحاح والسنن، دار الرافدين، ٢٠٠٤م، ط١، ص١٨١.
(١٠٩) ينظر: الصّدر، السّيد محمد صادق، تاريخ الغيبة الصغرى، دار التّعارف للمطبوعات، بيروت لبنان، لا.ت، لا.ط، ص٣٢٩.
(١١٠) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٥٧.
(١١١) الشيخ المالكي، الغيبة الصغرى والسفراء الأربعة، مصدر سابق، ص٣٩ - ٤٣.
(١١٢) اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، موسوعة طبقات الفقهاء، إشراف: الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، إيران - قم، ١٤١٨ه، ط١، ج٣، ص٣٧٢.
(١١٣) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٦٣.
(١١٤) خمس سنين، راجع: معروف الحسني، السيد هاشم، سيرة الأئمّة الاثني عشر، منشورات الإمام الرضا (عليه السلام)، بيروت لبنان، ط١، ج٢، ص٥٦٨.الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٦٠.
(١١٥) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٦٠.
(١١٦) المصدر نفسه، ص٢٥٦.
(١١٧) المصدر نفسه، ص٢١٥.
(١١٨) المصدر نفسه، ص٣٥٤.
(١١٩) المصدر نفسه، ص٢٢١.
(١٢٠) المصدر نفسه، ص٣٨٥.
(١٢١) لمزيد من المعلومات يراجع: اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، موسوعة طبقات الفقهاء، مصدر سابق، ج٤، ص٤٢٦، تحت رقم: ١٦١٢، الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الأبواب (رجال الطوسي)، تحقيق: جواد القيومي الإصفهاني، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، ١٤١٥ه، ط١، ص٥٠٩، ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، دار صادر للطباعة والنشر - دار بيروت للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، ١٣٨٦هـ - ١٩٦٦م، لا.ط، ج٨، ص١٠٩.
(١٢٢) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٥٦.
(١٢٣) السيد هاشم، سيرة الأئمّة الاثني عشر، مصدر سابق، ج٢، ص٥٦٨.
(١٢٤) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٢٣.
(١٢٥) انظر: الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٢٣، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مصدر سابق، ج٦، ص١٥٩.
(١٢٦) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٢٣.
(١٢٧) راجع: اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، موسوعة طبقات الفقهاء، مصدر سابق، ج ٤، ص١٦٧.
(١٢٨) لمزيد من المعلومات راجع: المصدر نفسه، ص١٦٦، ولمزيد من التفصيل يمكنك مراجعة المصادر التالية: الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٠٣، ص٣٠٥، ص٣١٠، ص٣١٥، الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، إشراف وتخريج: شعيب الأرنؤوط، تحقيق: حسين الأسد، مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت، ١٤١٣ه - ١٩٩٣م، ط٩، ج١٥، ص٢٢٢، الصفدي، خليل بن ايبك، الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث، لا.م، ١٤٢٠ه - ٢٠٠٠م، لا.ط، ج١٢، ص٣٣٦.
(١٢٩) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٢٨.
(١٣٠) نسبة إلى سِمَّر بلد من أعمال كسكر وهو بين واسط والبصرة، راجع: اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، موسوعة طبقات الفقهاء، مصدر سابق، ج٤، ص٣١٥.
(١٣١) الشيخ الطوسي، الأبواب (رجال الطوسي)، مصدر سابق، ص٤٣٢، الإربلي، الشيخ علي بن أبي الفتح، كشف الغمة في معرفة الأئمّة، دار الأضواء، لبنان - بيروت، ١٤٠٥ه - ١٩٨٥م، ط٢، ج٣، ص٢٠٧.
(١٣٢) ينظر: السيد الصدر، تاريخ الغيبة الصغرى، مصدر سابق، ص٣٧٤- ٣٩٣.
(١٣٣) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص١٨٤.
(١٣٤) المصدر نفسه، ص١٩٥.
(١٣٥) المصدر نفسه، ص١٨٨.
(١٣٦) الشيخ المفيد، الإرشاد، مصدر سابق، ج٢، ص٢٣٢.
(١٣٧) ينظر: الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص١٨٤، ١٩٠، وغيرها.
(١٣٨) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص١٧٨، ١٧٩.
(١٣٩) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٠٤.
(١٤٠) المصدر نفسه، ص٢٠٣.
(١٤١) ينظر: القمي، سعد بن عبد الله الأشعري، كتاب المقالات والفرق، تحقيق: الدكتور محمد جواد مشكور، مطبعة الحيدري، إيران طهران، ١٣٤١هـ، ش، لا.ط، ص١٠١ - ١١٥.
(١٤٢) ينظر: النوبختي، الشيخ حسن بن موسى، فِرق الشيعة، منشورات الرضا (عليه السلام)، بيروت لبنان، ١٤٣٣هـ - ٢٠١٢م، ط١، ص١٠٩.
(١٤٣) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٤١٢.
(١٤٤) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٣٣.
(١٤٥) الشيخ المفيد، الإرشاد، مصدر سابق، ج٢، ص٣٤٠.
(١٤٦) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٦١.
(١٤٧) ينظر: السند، الشيخ محمد، فقه علائم الظهور، تحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، نشر دليلنا، العراق - النجف الأشرف، ١٤٢٥ه، ط١، ص١١-٢٢.
(١٤٨) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢١٦.
(١٤٩) المصدر نفسه، ص١٨٥.
(١٥٠) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٣٧.
(١٥١) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص١٨٣.
(١٥٢) المصدر نفسه، ص٢٥٧.
(١٥٣) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٥٧.
(١٥٤) المصدر نفسه، ص٢٢٧.
(١٥٥) المصدر نفسه، ص١٨٣.
(١٥٦) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص١٩٩.
(١٥٧) المصدر نفسه، ص٢٢٢.
(١٥٨) المصدر نفسه، ص٣٥٤.
(١٥٩) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص١٨٩، ١٩٧.
(١٦٠) الشيخ المفيد، الإرشاد، مصدر سابق، ج٢، ص٣٥٦ - ٣٥٨.
(١٦١) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص١٨٨، ١٩٥.
(١٦٢) المصدر نفسه، ص٢٥٧.
(١٦٣) المصدر نفسه، ص١٨١.
(١٦٤) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٥٢٥.
(١٦٥) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص١٧١.
(١٦٦) الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسسة البعثة، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، إيران - قم، ١٤١٣هـ، ط١، ص٥٢٢.
(١٦٧) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٣٩.
(١٦٨) المصدر نفسه، ص١١٩.
(١٦٩) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٤١ - ٢٤٥.
(١٧٠) المصدر نفسه، ص٢٤٨.
(١٧١) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٤١٢.
(١٧٢) المصدر نفسه، ص٤٠١.
(١٧٣) انظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مصدر سابق، ج٦، ص٨٧.
(١٧٤) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٢٨٦.
(١٧٥) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٣٣٩.
(١٧٦) المصدر نفسه.
(١٧٧) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٤٢.
(١٧٨) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٨٤.
(١٧٩) سورة الإنشقاق، الآية ١٩.
(١٨٠) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٨١.
(١٨١) المصدر نفسه.
(١٨٢) الصدوق، الشيخ محمد بن علي، علل الشرائع، تقديم: السيد محمد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدرية، العراق - النجف الأشرف، ١٣٨٥ه - ١٩٦٦م، لا.ط، ج١، ص٢٤٦.
(١٨٣) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٣٤٢.
(١٨٤) سورة الفتح، الآية ٢٥.
(١٨٥) الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ص١٤٧.
(١٨٦) سورة آل عمران، الآية ١٤٢.
(١٨٧) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٣٧.
(١٨٨) سورة الأعراف، الآية ١٨.
(١٨٩) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٨٢.
(١٩٠) الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، مصدر سابق، ج١، ص٢٧٣.
(١٩١) سورة المائدة، الآية ١٠١.
(١٩٢) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٤٨٣.
(١٩٣) الشيخ الطبرسي، الاحتجاج، مصدر سابق، ج٢، ص٣٢٢.
(١٩٤) المصدر نفسه، ص٣٢٤.
(١٩٥) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص١٣٣.
(١٩٦) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٣٣٣.
(١٩٧) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٣٣٧.
(١٩٨) راجع: الصدر، السيد محمد صادق، موسوعة الإمام المهدي (الغيبة الكبرى)، دار ومكتبة البصائر، لبنان - بيروت، ١٤٣٢هـ، لا.ط، ج٢، ص٧ - ١٠.
(١٩٩) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٦٤.
(٢٠٠) المصدر نفسه، ص٢١٩.
(٢٠١) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٢٢.
(٢٠٢) المصدر نفسه، ص٢٢٠.
(٢٠٣) علي أكبر مهدي بور، راز طول عمر إمام زمان (السرّ في طول عمر إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف))، ص١٣(فارسي).
(٢٠٤) مجلة: دانشمند (العالِم)، العام السادس، العدد السادس، ص١٤٧(فارسي).
(٢٠٥) سورة الصافات، الآيتان ١٤٣ - ١٤٤.
(٢٠٦) تجسّد عملياً إمكان بلوغ الأسماك هذا العمر من خلال الكشف عن أسماك عاشت ٤٠٠ مليون سنة في سواحل مدغشقر في قارة أفريقيا. (صحيفة كيهان، العدد ٦٤١٣، بتاريخ ١٣/١١/١٩٦٤م).
(٢٠٧) سورة العنكبوت، الآية ١٤.
(٢٠٨) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٣٠٩.
(٢٠٩) سورة النساء، الآيتان ١٥٧ - ١٥٨.
(٢١٠) الكنيسة، الكتاب المقدس (العهد القديم)، دار الكتاب المقدس، ١٩٨٠، لا.ط، سفر التكوين، الباب الخامس، الآيات، ٥ - ٢٧.
(٢١١) الكنيسة، الكتاب المقدس (العهد الجديد)، دار الكتاب المقدس، ١٩٨٠، لا.ط، كتاب أعمال الرسل، الباب الأوّل، الآيات ١ - ١٢.
(٢١٢) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٣١٦.
(٢١٣) المصدر نفسه، ص١٥٢.
(٢١٤) المصدر نفسه، ص١٥٢.
(٢١٥) الشيخ الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، مصدر سابق، ج٢، ص٣٠٥.
(٢١٦) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٣٥٧.
(٢١٧) الشيخ الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، مصدر سابق، ج٢، ص٣٠٦.
(٢١٨) ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، تصحيح وشرح ومقابلة لجنة من أساتذة النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية، العراق - النجف الأشرف، ١٣٧٦ه - ١٩٥٦م، لا.ط، ج٣، ص٣٦٣.
(٢١٩) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٦٤.
(٢٢٠) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج٨، ص٣١٠، الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٦٥٠.
(٢٢١) الطبري، دلائل الإمامة، مصدر سابق، ص٤٨٧.
(٢٢٢) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٠١.
(٢٢٣) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٤٣٥.
(٢٢٤) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٣١٣.
(٢٢٥) الشيخ المفيد، الإرشاد، مصدر سابق، ج٢، ص٣٧٠.
(٢٢٦) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٦٤.
(٢٢٧) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٤٦٣.
(٢٢٨) ينظر: الموسوي، السيد جلال، السفيانيّ حتم مُرّ، تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ١٤٣٩هـ، ط١، ص٣٦ وما بعدها.
(٢٢٩) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٣١٦.
(٢٣٠) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج٥٧، ص٢١٦.
(٢٣١) سورة الأعراف، الآية ١٢٨.
(٢٣٢) راجع: مرتضى العاملي، السيد جعفر، الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، إيران - قم، دار الحديث للطباعة والنشر، ١٤٢٦ه - ١٣٨٥ش، ط١، ج٢، ص١٤٤.
(٢٣٣) سورة الإسراء، الآية ٥.
(٢٣٤) المجلسي، العلامة محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، مؤسسة الوفاء، لبنان - بيروت، ١٤٠٣ه - ١٩٨٣م، ط٢، ج٥٧، ص٢١٦.
(٢٣٥) الطبري، دلائل الإمامة، مصدر سابق، ص٤٤٢.
(٢٣٦) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٨١.
(٢٣٧) الطبري، دلائل الإمامة، مصدر سابق، ص٤٤٦.
(٢٣٨) المصدر نفسه.
(٢٣٩) الشيخ الإربلي، كشف الغمة، مصدر سابق، ج٣، ص٢٧٢.
(٢٤٠) في مقابل هذا المنهج وطريقة التعاطي مع الشخصيّات الممهّدة للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف): كالخراسانيّ واليمانيّ غيرهما، اعتمدت الروايات منهجاً آخر في التعريف بالشخصيّات المعادية لحركة الإمام كالسفيانيّ. فقد عمد أهل البيت (عليهم السلام) إلى كشفها بشكل لا يخفى على أحد، وذلك لأنّ شخصيّات الظهور السلبيّة هي في عداد الخطر الداهم على المجتمع، ومعرفة مشخّصاتها يوجب معرفة هذا الخطر والتحفّظ منه، ومحاولة فضح وتعرية هذه الشخصيّات سيقطع الطريق على محاولات زيف ودجل هذه العناصر المناوئة لحركة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والمعرقلة لظهوره.
(٢٤١) ينظر: الحلو، السيد محمد علي، اليمانيّ راية هدى، تقديم وتحقيق: مركز الدّراسات التخصصيّة في الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، العراق - النجف الأشرف، ١٤٢٥هـ، ط١، ص٢٨ وما بعدها.
(٢٤٢) راجع: الصغير، الشيخ جلال الدين عليّ، راية اليمانيّ الموعود أهدى الرايات (بحث في منهج اليماني ودوره ومعركته)، مؤسّسة الصدّيقة الزهراء عليها السلام للتبليغ الإسلاميّ، جامع براثا، بغداد، ١٤٣٠هـ - ٢٠٠٨م، ط١(كامل الكتاب)، الصغير، الشيخ جلال الدين عليّ، علامات الظهور بحث في فقه الدلالة والسلوك، مؤسسة الصدّيقة الزهراء عليها السلام للتبليغ الإسلاميّ، جامع براثا بغداد، دار الأعراف للدّراسات، بيروت لبنان، ١٤٣٣هـ، ٢٠١٢م، ط١، ج٢، ص٢٩٠ -٣٤٤.
(٢٤٣) الحافظ رجب البرسي، رجب بن محمد، مشارق أنوار اليقين، تحقيق: السيد علي عاشور، لبنان - بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤١٩ - ١٩٩٩م، ط١، ص١٩٦.
(٢٤٤) المروزي، نعيم بن حماد، الفتن، تحقيق: الدكتور سهيل زكار، لبنان - بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م، لا.ط، ص٢٤٩.
(٢٤٥) مدينة أثريّة على ربوة حمراء، تسمّى اليوم الجهارنة. معجم المدن والقبائل اليمنيّة.
(٢٤٦) المروزي، الفتن، مصدر سابق، ص٢٣٧.
(٢٤٧) أي كيف يقول محمّد بن إبراهيم بن إسماعيل - المعروف بابن طباطبا -: إنّي القائم؟. راجع: العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج٥٢، ص٢٣٣.
(٢٤٨) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٦٢.
(٢٤٩) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٤٤٧.
(٢٥٠) العنان - ككتاب -: سير اللجام الذي يمسك به الدابّة، والجمع أعنّة، راجع: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، نشر أدب الحوزة، إيران - قم، ١٤٠٥ه، لا.ط، ج١٣، ص٢٩١.
(٢٥١) شوكة الحائك وكل شئ تحصّن به فهو صيصيّة، أي أظهر كلّ ذي قدرة قدرته وقوّته، راجع: ابن منظور، لسان العرب، مصدر سابق، ج٧، ص٥٢.
(٢٥٢) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق ج٨، ص٢٢٥، ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٧٠.
(٢٥٣) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج ٥٢، ص٢٧٤.
(٢٥٤) وهو من رؤساء الخوارج، راجع: السيد الأمين، محسن، أعيان الشيعة، تحقيق وتخريج: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج٢، ص٧٣.
(٢٥٥) الشيخ الطوسيّ، الأمالي، مصدر سابق، ص٦٦١.
(٢٥٦) السند، الشيخ محمد، فقه علائم الظهور، تحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، النجف الأشرف، نشر دليلنا، ١٤٢٥ه، ط١، ص٣٠.
(٢٥٧) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٦٤.
(٢٥٨) الشيخ محمد السند، فقه علائم الظهور، مصدر سابق، ص٢٦ - ٢٨.
(٢٥٩) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٣٣١.
(٢٦٠) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج٨، ص٣١٠.
(٢٦١) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٦٤٩.
(٢٦٢) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٦٧.
(٢٦٣) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج٣٠٧، ص٣٠٧.
(٢٦٤) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق ج٨، ص٢٢٥.
(٢٦٥) المروزي، الفتن، مصدر سابق، ص٢٣٨.
(٢٦٦) الحلي، حسن بن سليمان، مختصر بصائر الدرجات، النجف الأشرف، منشورات المطبعة الحيدرية، ١٣٧٠ه - ١٩٥٠م، ط١، ص١٩٩، الشيخ المفيد، الإرشاد، مصدر سابق، ج٢، ص٣٦٨.
(٢٦٧) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق ج١، ص٣٣٧.
(٢٦٨) الشيخ علي الكوراني العاملي، المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، مصدر سابق، ص٣٣٠ وما بعدها.
(٢٦٩) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٧٢.
(٢٧٠) سورة الشعراء، الآية ٤.
(٢٧١) سورة القمر، الآية ٢.
(٢٧٢) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٦٨.
(٢٧٣) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٦٢ - ٢٦٣.
(٢٧٤) المروزي، الفتن، مصدر سابق، ص١٨٨.
(٢٧٥) يكره الصلاة في طريق مكّة بأربعة مواضع، من جملتها وادي الشقرة. والذي ينبّه على ما اخترناه، ما ذكره ابن الكلبي في كتاب الأوايل وأسماء المدن، قال: رود والشقرة ابنتا يثرب بن قابية بن مهليل بن رام بن عبيل بن عوض بن ارم بن سام بن نوح (عليه السلام). هذا آخر كلام ابن الكلبي النسابة، فقد جعل زرود والشقرة موضعين سمّيا باسم امرأتين، وهو أبصر بهذا الشأن. والبيداء [البَيداءُ على ميلٍ من مسجد الشجَرةِ، سمّيَتْ بذلك، لأنّها تَخْسِفُ بجَيْشِ السفيانيّ وتُبِيده]، لأنّها أرض خسف على ما روي في الأخبار، أنّ جيش السفيانيّ، يأتي إليها قاصداً مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيخسف الله تعالى به تلك الأرض، وبينها وبين ميقات أهل المدينة الذي هو ذو الحليفة ميل واحد وهو ثلث فرسخ فحسب. وكذلك يكره الصلاة في كلّ أرض خسف. ينظر: ابن إدريس الحلي، الشيخ محمد بن منصور، مستطرفات السرائر، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، ١٤١١هـ، ط٢، ج١، ص٢٦٥.
(٢٧٦) ينظر: الكوراني، الشيخ علي، عصر الظهور، لا.م، لا.ن، لا.ت، ط١١، ص٨٩.
(٢٧٧) ينظر: الشيخ جلال الدين، علامات الظهور، مصدر سابق، ج٢، ص٢٣٠، وما بعدها.
(٢٧٨) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٨٩.
(٢٧٩) المصدر نفسه، ص٣١٧.
(٢٨٠) المصطفوي، الشيخ حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مؤسسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، إيران، ١٤١٧ه، ط١، ج١، ص٣١٤.
(٢٨١) ابن منظور، لسان العرب، مصدر سابق، ج١، ص٤٦١.
(٢٨٢) الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، تحقيق: المحقق محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، لبنان بيروت، ٢٠١٠م، ط١، ج ٤، ص٣٦١.
(٢٨٣) الزمخشري، محمود بن عمر، أساس البلاغة، دار ومطابع الشعب - القاهرة، ١٩٦٠، لا.ط، ص٢٦١.
(٢٨٤) الأزهري، تهذيب اللغة، مصدر سابق، ج٤، ص٣٦٢.
(٢٨٥) الفيروزآبادي، الشيخ محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، لبنان - بيروت، دار العلم للجميع، لا.ت، لا.ط، ج١، ص٩٤.
(٢٨٦) الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفور العطار، دار العلم للملايين، لبنان - بيروت، ١٤٠٧ه - ١٩٨٧م، ط٤، ص١٦٦.
(٢٨٧) المروزي، الفتن، مصدر سابق، ص١٢٧، ص١٨٦.
(٢٨٨) المصدر نفسه، ص١٣٠، ١٥٩.
(٢٨٩) ينظر: الشيخ جلال الدين، علامات الظهور، مصدر سابق، ج٢، ص٢٢٦ - ٢٢٩.
(٢٩٠) الشيخ الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، مصدر سابق، ج٢، ص٢٨٢.
(٢٩١) سليم بن قيس الهلالي الكوفي، كتاب سليم بن قيس، تحقيق: محمد باقر الأنصاري الزنجاني، إيران - قم، نشر دليل ما، ١٤٢٢ه - ١٣٨٠ش، ط١، ص٣٠٩.
(٢٩٢) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج٥٣، ص٢٠٨.
(٢٩٣) ينظر: الشيخ الكوراني، عصر الظهور، مصدر سابق، ص٨٢.
(٢٩٤) المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، مكتبة عالم الفكر، مصر - القاهرة، ١٣٩٩ه - ١٩٧٩م، ط١، ص٩١.
(٢٩٥) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٦٥١.
(٢٩٦) ينظر: السيد الموسوي، السفيانيّ حتم مُرّ، مصدر سابق، ص٤٩، وما بعدها.
(٢٩٧) ينظر: الشيخ الكوراني، عصر الظهور، مصدر سابق، ص٨٢- ٨٤.
(٢٩٨) المروزي، الفتن، مصدر سابق، ص٥١.
(٢٩٩) المصدر نفسه، ص١٦٨.
(٣٠٠) المصدر نفسه، ص١٨٥.
(٣٠١) الصدوق، الشيخ محمد بن علي، معاني الأخبار، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، ١٣٧٩ه - ١٣٣٨ ش، لا.ط، ص٣٤٦.
(٣٠٢) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٤٥٠.
(٣٠٣) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٤٦٣.
(٣٠٤) سورة الأنبياء، الآيتان ١٢ - ١٣.
(٣٠٥) السورة نفسها، الآيتان ١٤ - ١٥.
(٣٠٦) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق ج٨، ص٥٢.
(٣٠٧) المروزي، الفتن، مصدر سابق، ص١٦٦.
(٣٠٨) المروزي، الفتن، مصدر سابق، ص١٦٦.
(٣٠٩) المصدر نفسه، ص١٦٥.
(٣١٠) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٣١٢.
(٣١١) المصدر نفسه، ص٣١٦.
(٣١٢) الشيخ الكوراني، عصر الظهور، مصدر سابق، ص٩٠.
(٣١٣) راجع: الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٦٥٠، ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٦٦.
(٣١٤) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج٨، ص٣١٠.
(٣١٥) راجع: القمّيّ، علي بن إبراهيم، تفسير القمّيّ، تصحيح وتعليق وتقديم: السيد طيب الموسوي الجزائري، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، إيران - قم، ١٤٠٤هـ، ط٣، ج٢، ص١٨٠، ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٧٣.
(٣١٦) الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام).
(٣١٧) راجع: مسلم النيسابوري، الجامع الصحيح (صحيح مسلم)، مصدر سابق، ج٨، ص١٦٧، البخاري، صحيح البخاري، مصدر سابق، ج٣، ص١٩.
(٣١٨) الشيخ الطبرسي، الاحتجاج، مصدر سابق، ج٢، ص٢٦٣.
(٣١٩) سورة النساء، الآية ٥٩.
(٣٢٠) قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله، فقه القرآن، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي، إيران - قم، ١٤٠٥ه، ط٢، ج١، ص٣٣٢.
(٣٢١)(٣٢١) الشيخ الطبرسي, الاحتجاج, مصدر سابق, ج٢, ص٢٦٣.
(٣٢٢) سورة النساء, الآية ٥٩.
(٣٢٣) قطب الدين الراوندي, سعيد بن هبة الله, فقه القرآن, تحقيق: السيد أحمد الحسيني, مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي, إيران – قم, ١٤٠٥ هـ, ط٢, ج١, ص٣٣٢.
(٣٢٤) سورة آل عمران، الآية ٢٠٠.
(٣٢٥) سورة الأنفال، الآية ٦٠.
(٣٢٦) الكاظمي، الشيخ الفاضل الجواد، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، علق عليه وأخرج أحاديثه: الشيخ محمد باقر شريف زاده، لا.ن، لا.م، لا.ت، لا.ط، ج٢، ص٣٥٩.
(٣٢٧) الزيلعي، عبد الله بن يوسف، تخريج الأحاديث والآثار، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، دار ابن خزيمة، ١٤١٤، ط١، ج١، ص٢٦٦.
(٣٢٨) ابن قدامة، عبد الله، المغني، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، لا.ت، طبعة جديدة بالأوفست، لا.ت، ج١٠، ص٣٧٦.
(٣٢٩) الحاكم النيسابوري، المستدرك، مصدر سابق، ج٢، ص٧٩.
(٣٣٠) سورة آل عمران، الآية ٢٠٠.
(٣٣١) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٤.
(٣٣٢) المراد بابن ناثل كما يظهر من ساير الروايات هو عبّاس بن عبد المطّلب، وكان اسم أمّه نثيلة، هي كانت أَمَة لأمّ الزبير ولأبي طالب وعبد الله، فأخذها عبد المطّلب، فأولدها عبّاسا، وله مع زبير في ذلك قصّة مذكورة في الكتب المفصّلة. في بعض النسخ ناتل، قال العلامة المجلسيّ (رحمه الله): ابن ناتل كناية عن ابن عبّاس، والناتل: المتقدّم والزاجر، أو بالثاء المثلّثة كناية عنأمّ العبّاس: نثيلة، فقد وقع في الأشعار المنشدة في ذمّهم نسبتهم إليها. والحاصل أنّ من نسلنا من ينتظر الخلافة ومن نسلهم أيضا، ولكن دولتنا باقية، ودولتهم زائلة. راجع: العلامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج٢٤، ص٢١٨.
(٣٣٣) العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تحقيق: الحاج السيد هاشم الرسولي المحلاتي، المكتبة العلمية الإسلاميّة، إيران - طهران، ١٤٢٢ه‏، ط١، ج١، ص٢١٢.
(٣٣٤) الطبرسي، الشيخ الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحققين الاختصاصيِّين، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، لبنان - بيروت، ١٤١٥ه.ق - ١٩٩٥م، ط١، ج٢، ص٤٨٢.
(٣٣٥) سورة الأنفال، الآية ٦٠.
(٣٣٦) سورة الكهف، الآية ١٤.
(٣٣٧) سورة الأنفال، الآية ١١.
(٣٣٨) الشيخ المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مصدر سابق، ج٤، ص٢٨ - ٢٩، مادة ربط.
(٣٣٩) الشيخ الطبرسي، الاحتجاج، مصدر سابق، ج١، ص١٠.
(٣٤٠) ينظر: السيد الصدر، تاريخ الغيبة الصغرى، ص١١٣ (بتصرف).
(٣٤١) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٣٣٣.
(٣٤٢) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٣٩١.
(٣٤٣) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٣٣٠.
(٣٤٤) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٦٤.
(٣٤٥) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٩١.
(٣٤٦) الشريف المرتضى، السيّد عليّ بن الحسين الموسوي، تنزيه الأنبياء (عليهم السلام)، لبنان - بيروت، دار الأضواء، ١٤٠٩ه - ١٩٨٩م، ط٢، ص٢٣٨.
(٣٤٧) الشريف المرتضى، علي بن الحسين، رسائل الشريف المرتضى، تقديم السيد أحمد الحسيني، إعداد السيد مهدي الرجائي، دار القرآن الكريم، إيران - قم، ١٤٠٥ه، لا.ط، ج٢، ص٢٩٧.
(٣٤٨) ابن طاووس، علي بن موسى، كشف المحجة لثمّرة المهجة، النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية، ١٣٧٠ه - ١٩٥٠م، لا.ط، ص١٥٤.
(٣٤٩) ابن طاووس، علي بن موسى، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، لا.م، لا.ن، ١٣٩٩ه، ط١، ص١٨٥.
(٣٥٠) الخراساني، الآخوند الشيخ محمد كاظم، كفاية الأصول (تعليق السبزواري)، تحقيق وتعليق: الأستاذ الشيخ عباس علي الزارعي السبزواري، إيران - قم، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ١٤٣٠، ط٦، ج٢، ص٢٩١.
(٣٥١) الكاظمي الخراساني، الشيخ محمد علي، فوائد الأصول، إفادات: الميرزا محمد حسين الغروي النائيني، تعليق: الشيخ آغا ضياء الدين العراقي، إيران - قم، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ١٤٠٤ه، لا.ط، ج٣، ص١٥٠.
(٣٥٢) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص١٤٦.
(٣٥٣) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٢٨.
(٣٥٤) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٣٥١.
(٣٥٥) سورة يس، الآية ٣٠.
(٣٥٦) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص١٤٤.
(٣٥٧) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٣٤٠.
(٣٥٨) المازندراني، المولى محمد صالح بن أحمد، شرح أصول الكافي، تعليقات: الميرزا أبو الحسن الشعراني، ضبط وتصحيح: السيد علي عاشور، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، ١٤٢١هـ - ٢٠٠٠م، ط١، ج٦، ص٢٦٥.
(٣٥٩) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٣٤٠.
(٣٦٠) المفيد، الشيخ محمد بن محمد، الفصول العشرة، تحقيق: الشيخ فارس الحسون، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، ١٤١٤ه - ١٩٩٣م، ط٢، ص٨٢.
(٣٦١) الشيخ الطبرسي، النجم الثاقب، مصدر سابق، ج٢، ص٤٩.
(٣٦٢) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٥١٦.
(٣٦٣) الشيخ الطوسي، الغيبة، مصدر سابق، ص٣٩٥.
(٣٦٤) الشيخ الطبرسي، الاحتجاج، مصدر سابق، ج٢، ص٢٩٧.
(٣٦٥) قطب الدين الراوندي، الخرائج والجرائح، مصدر سابق، ج٣، ص١١٢٩.
(٣٦٦) الشيخ فاضل المالكي، الغيبة الصغرى والسفراء الأربعة، مصدر سابق، ص٦١.
(٣٦٧) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج٥١، ص٦٠.
(٣٦٨) الصدوق، الشيخ محمد بن علي، الخصال، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، ١٤٠٣ه - ١٣٦٢ش، لا.ط، ص٥٧٩.
(٣٦٩) المطهر الحلي، علي بن يوسف، العدد القوية لدفع المخاوف اليومية، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، إشراف: السيد محمود المرعشي، مكتبة آية الله المرعشي العامّة، ١٤٠٨، ط١، ص٦٩.
(٣٧٠) الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، مصدر سابق، ج٥، ص٤٥.
(٣٧١) العياشي، تفسير العياشي، مصدر سابق، ج٢، ص٥٦.
(٣٧٢) ابن الصباغ المالكي، علي بن محمد أحمد، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة، تحقيق: سامي الغريري، لا.م، دار الحديث للطباعة والنشر، ١٤٢٢ه، ط١، ج٢، ص١١٣٥.
(٣٧٣) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٣٤٦.
(٣٧٤) المصدر نفسه، ص٣٣١.
(٣٧٥) الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص٧٣١.
(٣٧٦) سورة الغاشية، الآية ٢٢.
(٣٧٧) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص٢٦٦، ج٥، ص٧٠.
(٣٧٨) ابن أبي زينب النعماني، الغيبة، مصدر سابق، ص٢٤٥.
(٣٧٩) قطب الدين الراوندي، الخرائج والجرائح، مصدر سابق، ج٢، ص٨٤١.
(٣٨٠) الحلي، مختصر بصائر الدرجات، مصدر سابق، ص١١٧.
(٣٨١) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج١، ص١١.
(٣٨٢) العياشي، تفسير العياشي، مصدر سابق، ج٢، ص٢٠٨.
(٣٨٣) سورة هود، الآية ٦١.
(٣٨٤) سورة التوبة، الآية ٣٣.
(٣٨٥) سورة الحج، الآية ٤١.
(٣٨٦) القمي، تفسير القمي، مصدر سابق، ج٢، ص٨٧.
(٣٨٧) سورة الإسراء، الآية ٨١.
(٣٨٨) الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج٨، ص٢٨٧.
(٣٨٩) ابن البطريق، يحيى بن الحسن، عمدة عيون صحاح الاخبار في مناقب إمام الأبرار، إيران - قم، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ١٤٠٧، ط١، ص٤٣٩.
(٣٩٠) ابن قولويه، جعفر بن محمد بن قولويه، كامل الزيارات، تحقيق: الشيخ جواد القيومي، إيران - قم، مؤسسة نشر الفقاهة، ١٤١٧ه، ط١، ص٢٣٣.
(٣٩١) سورة الحديد، الآية ٢٥.
(٣٩٢) الشيخ گلپايگاني، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، مصدر سابق، ص٤٧٨.
(٣٩٣) سورة الحديد، الآية ١٧.
(٣٩٤) الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، تحقيق وتعليق: السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، ١٣٦٤ش، ط٣، ج١٠، ص١٤٦.
(٣٩٥) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص٣٧١.
(٣٩٦) الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج١، ص١٦١.
(٣٩٧) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج٢٤، ص١٦٥.
(٣٩٨) علي بن موسى، التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (الملاحم والفتن)، تحقيق: مؤسسة صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، إيران - قم، نشر كلبهار أصفهان، ١٤١٦ه، ط١، ص٣٢٣.
(٣٩٩) الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج١، ص١٦١.
(٤٠٠) عبد الله بن عدي الجرجاني، الكامل، قراءة وتدقيق: يحيى مختار غزاوي، لبنان - بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، محرم ١٤٠٩ - ١٩٨٨م، ط٣، ج٣، ص٤٢٣.
(٤٠١) الإربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمّة، مصدر سابق، ج٣، ص٢٦٧.
(٤٠٢) المقدسي، عقد الدرر في أخبار المنتظر، مصدر سابق، ص١٦٩.
(٤٠٣) الهيثمّي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، ١٤٠٨ه - ١٩٨٨م، لا.ط، ج٧، ص٣١٧.
(٤٠٤) ابن طاووس، التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (الملاحم والفتن)، مصدر سابق، ص٣٢٣.
(٤٠٥) الشيخ المفيد، الإرشاد، مصدر سابق، ج٢، ص٣٨٤.
(٤٠٦) ابن البطريق، عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار، مصدر سابق، ص٢٠٨.
(٤٠٧) الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج١، ص١٦١.
(٤٠٨) سورة البقرة، الآية ١٢٦.
(٤٠٩) العياشي، العياشي، مصدر سابق، ج٢، ص٦١.
(٤١٠) النيسابوري، الشيخ محمد بن الفتال، روضة الواعظين، تقديم: السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ص٢٦٥.
(٤١١) الأستر آبادي، السيد شرف الدين علي الحسيني، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، مدرسة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، - الحوزة العلمية - قم المقدسة، رمضان المبارك ١٤٠٧ - ١٣٦٦ ش، ط١، ج٢، ص٦٨٩.
(٤١٢) ابن طاووس، علي بن موسى، سعد السعود، منشورات الرضى - قم، ١٣٦٣، لا.ط، ص٣٤.
(٤١٣) الحائري، الشيخ علي اليزدي، إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب، تحقيق: السيد علي عاشور، لا.ن، لا.م، لا.ت، لا.ط، ج٢، ص٢٦١.
(٤١٤) الشيخ الطوسي، الأمالي، مصدر سابق، ص٥١٢.
(٤١٥) ابن الفتال النيسابوري، روضة الواعظين، مصدر سابق، ص٤٨٥.
(٤١٦) المقدسي، عقد الدرر في أخبار المنتظر، مصدر سابق، ص٨٤.
(٤١٧) الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص٦٢٦.
(٤١٨) مجلة تراثنا، الإعداد والنشر: مؤسسة آل البيت - (عليهم السلام)- لإحياء التراث، المطبعة: مهر - قم، العدد الثاني(١٥) السنة الرابعة / ربيع الثاني - جمادى الأولى - جمادى الآخرة ١٤٠٩هـ، ص٢١٦.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved