فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية
 كتب أخرى

الكتب مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ محمد أمين زين الدين تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/٢٠ المشاهدات المشاهدات: ٤١٢١ التعليقات التعليقات: ٠

مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية

تأليف: المفكر الإسلامي آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين (قدس سره)

المحتويات

بين يدي الكتاب
المصلح المنتظر في أحاديث الأديان
المهدي في ديوان الخلفاء
مع الناقدين
المهدي في التاريخ
خاتمة المطاف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيد رسله محمد وآله، والصفوة المنتجبة من أصحابه، والتابعين لهم بإحسان.

بين يدي الكتاب

صلتي بالدكتور أحمد أمين حرسه الله قديمة يرجع عهدها إلى طويل من السنين، وأتذكر أن بداية هذه الصلة يوم قرأت له كتاب الأخلاق، وأكدتها قراءاتي المتتابعة لمؤلفات الدكتور ومقالاته الكثيرة، واشتدت هذه الصلة حين حررت كتاب (الأخلاق عند الإمام الصادق) فقد كانت بيننا أحاديث ممتعة لست أنساها، وإن لم يعلم بها الدكتور لأنه لم يقرأ هذا الكتاب.
والصلة حين تنشأ على الأخلاق تكون متركزة على العقل، ومتصلة بأعماق النفس، وفي هذا ما يضمن لها البقاء، ويحفظها عن تسرب الوهن.
على أني - ولست أظلم الحقيقة فيما أقول - توسمت في الدكتور صفة منذ اليوم الأول، وأكدت لي الراءات المتتابعة صحة هذا التوسم، وسيؤكدها أيضاً ما أقرأه بعد من منتوجات الأستاذ الجليل، لأن هذه الصفة ثابتة للدكتور من دون ريب، ويستحيل أن لا تكون.
توسمت في الدكتور صفة لا يرضاها لنفسه، وماذا عليّ من جحوده لهذه الصفة إذا ارتضاها له عمله، وأكثر الناس ينكرون صفاتهم التي يكرهونها، ويتنكرون لمن وصفهم بها أشد التنكر، وللواقع سلطان نافذ الحكم على المدّعي والمنكِر.
توسمت في الدكتور يوم رأيته ناقداً إنه لم يخلق للنقد وإنما خُلق للتاريخ، وكأن الطبيعة هيأته لأن يكون مؤرخاً كبيراً يستعرض التاريخ بحروفه وصروفه، ويستقرء الحوادث أسودها وأبيضها، يلقيها دروساً على تلاميذه في الجامعة، ويحررها كتباً لقرائه الآخرين، ولكن الطبيعة لم تهيئه لأن يكون ناقداً في يوم من الأيام.
أقول: إن الطبيعة لم تهيئه للنقد ولا يشبه النقد، لأني لم أجده موفقاً في نقوده الكثيرة إلا إذا كان غيره مصدر ذلك النقد، وكان نصيبه منه نصيب المؤرخ من التأريخ.
هذا ما أقوله في الأستاذ بعد تجارب سنين، وهذا ما أتحدّى القارئ إلى تجربته في نقود الأستاذ، على أن ينظر إليه كاتباً عربياً له محاسنه وله مساويه، وقد يكون في القرّاء من علم ذلك قبلي، فلست أريد الاستيثار بالحقائق وإن كانت حلوة، فكيف بالحقائق المرّة.
أضفت هذا التوسم إلى تلك الصلة منذ سنين، فكانت مطالعاتي لكتب الأستاذ ومقالاته تمد لي هذه الصلة بالقوة وتؤكد لي هذا التوسم بالثبات والرسوخ، حتى أصبحت الصلة صداقة، وانقلب التوسم رأياً.
ولست أظن أن الأستاذ يغضب من رأيي هذا لأني لست فيه من الظالمين وليس عليّ من حرج أن أُغضب صديقاً في الحق، وإن كان هو الدكتور أحمد أمين وقد أوصانا الدكتور في كتاب الأخلاق أن لا نداهن في الحق، وأن لا نغضب على أحد لأنه يقول الحق.
تعرفت إلى الدكتور قديماً في كتابي الأول، فلست أظن أنه ينكرني إذا التقيت به في كتابي الأخير، لأن صلة الأدباء صلة في العقول، وصلة العقول لا تخضع للزمان ولا للمكان، ولا تقف دونها الحواجز.
وسأجهد أن تكون صلتنا اليوم أشد من صلتنا بالأمس لأن كتابي هذا بجميع فصوله سيحوم حول نظرية من نظريات الدكتور، وسيحاسبه عن فكرة من أفكاره وللقارئ أن يسايرنا إلى الغاية إذا أعجبه هذا اللون من الحديث، وإذا لم تستطع هذه المقدمة أن تغضب الدكتور فأنا ضمين له أن الكتاب لا يستطيع أن يغضبه أيضاً، لأن كل ما فيه دليل على هذه الدعوى وبرهان على هذا الرأي.
ليقرأ الأستاذ كتابي هذا على أنه تفاهم حول فكرة نقدها الناقد طلباً للحق، وأثبتها المُثبت طلباً للحق أيضاً وحاول الكتاب أن يستخلص الحق من بين ذلك الشك وهذا اليقين.
لهذه الغاية وحدها حرّرتُ كتابي والحق يشهد عل ما أقول، والآراء إنما تُؤسس للرد أو للقبول.
(المهدي والمهدوية) عنوان لكتاب جديد حاول الدكتور أن يشرح فيه فكرة المهدي بعض الشرح، وأن يلُمّ بتأريخها كل الإلمام، ولكن قلة المصادر قصرت بالأستاذ عن الغاية، فلم يوضّح في الشرح، ولم يُنصف في التأريخ والكاتب في تفسير العقائد المذهبية إذا اعتمد على التأريخ وحده، أو على ما يكتبه خصوم ذلك المذهب فقد فاته من موضوعه كل شيء، والدكتور يعترف بقلّة المصادر عنده.
ويضاف إلى قلة المصادر قلة تتبع الدكتور لما بين يديه من هذه المصادر، ولو كان شديد التتبع لعلم أن الكتاب الذي بين يديه في شرح قصيدة العلامة بهاء الدين العاملي غنما هو للشيخ أحمد المنيني الحنفي المتوفي سنة ١١٧٢ للهجرة، وليس هو لناظم القصيدة كما يقول في ص٣١.
أقول: لو كان متتبعاً لمصادر البحث في هذا الشرح ما دام يعتقد أن كاتبه أحد علماء الشيعة ولاطلع على الخلاف الشديد بين الشارح والناظم في كثير من أبيات القصيدة، ولتوقف في هذه النسبة التي تسرع بها في كتابه، لم أستغرب لهجة الأستاذ حين يقول عن أئمة الشيعة أنهم يختفون عن الأعين، ويعيشون على الوهم.
لم أستغرب هذا ونظائره من الأستاذ في كتابه الجديد فقد سمعت لهجته القديمة في كتبه الأولى ولست أنتظر منه تغييراً في لهجة، أو تعديلاً في أسلوب، وإذا كان قليل المصادر حين ما كتب فجر الإسلام، وضحى الإسلام، فإنه قليل المصادر أيضاً حين ما يكتب المهدي والمهدوية، فللهجة هي اللهجة، والمعاذير هي المعاذير، وعلى الله الوصول إلى نهاية المطاف.
لم أستغرب جميع هذا من الأستاذ، ولكني أستغرب جداً أن يحاول بعد هذا كله أن يكون من دعاة الوحدة بين المسلمين... أرأيت أسلس من هذه النتيجة لهذه المقدمات.
أما بعد فإني سأستعرض فكرة المهدي من نواحيها الخاصة بالشيعة الإثني عشرية، وإن خَلط الدكتور بين نواحيها الكثيرة، فكوّن من مجموع المُلابسات مزيجاً عجيباً نتبرأ منه كل طائفة على انفرادها، وهذا أول شيء يؤاخذ به سعادة الدكتور.

النجف ١ ذي الحجة الحرام ١٣٧٠.
محمد أمين زين الدين

المصلح المنتظر في أحاديث الأديان

لا يشك أحد أن فكرة الإصلاح المنتظر قديمة بقدم الزمان، وإنها ليست من متفردات دين الإسلام، ولا من مؤسسات نبي الإسلام (ص) لأنا نجد الأديان السماوية التي سبقت الإسلام في الزمن تبشر بهذه الفكرة، وإن لم تُسمّ المصلح المنتظر مهدياً ولا دعوته الإصلاحية مهدوية.
ولسنا نشترط عليها ذلك بعد أن علمنا أن لكل أمة عرفاً، ولكل لغة مصطلحات ولا تزال هذه الفكرة باقية فيما بقي من فرق هذه الأديان؛ فَفِرق اليهود، وطوائف النصارى لا تختلف في ذلك.
وقد سَرَت هذه الفكرة إلى غيرهم من الأديان الأخرى كالزرادشتية، والبرهمية، والدكتور يعترف ببعض ذلك في كتابه(١) وإن كانت أُمم الشرق أكثر تمسكاً بالفكرة لأن الشرقيين أكثر أملاً، والغربيين أكثر عملاً، كما يقول الدكتور في مقدمته ولذلك فلا يمكننا التصديق بأن هذه الفكرة وليدة الضغط الشديد الذي واجهته الشيعة من الحكومات القائمة، ولا يسعنا أن نقول أن تأريخ الفكرة متأخرة عن تاريخ الإسلام كما يحاوله الأستاذ.
والنتيجة المنطقية لما تقدم: أن فكرة الإصلاح المنتظر كانت مألوفة قبل مجيء الإسلام، وأن نبي المسلمين - إذا صحّت أحاديث المهدي - أحد المبشرين بهذه الحركة الإصلاحية الموعودة، وأن كان أشدّهم صلة بها، وأكثرهم حباً لها، من ناحية أخرى، من حيث أنها ثمرة كاملة لغرسه، ونتيجة تامة لمقدماته.
أقول هذا، لأن دين الإسلام قد أحال أن يكون بعده دين جديد.
وإذا تطابقت هذه الأديان على التحدث بهذه الفكرة وإذا كانت مرتقبة عند أُمم الشرق وأُمم الغرب كان الحديث عنها متواتراً يقيناً، وإذا صح للتواتر معنى يستمد عليه العقلاء(٢) وهو يجوز لنا أن نحكم على هذه الأمم جميعاً إنها تواطأت على الكذب، وهذا ما لا يقبله عقل، ولا يحتمله عاقل، ولم يشترط أحد في الخبر المتواتر أن يكون نبأً عن الماضي(٣) ولتكن هذه الفكرة موافقة لميول الناس العامة أو مخالفة لها، لأن موافقة الميول لا يمكن أن تجعل دليلا ص على كذب فكرة أو صدقها، ولا برهاناً على وضع الأحاديث فيها، ولا يعد هذا من أساليب النقد العلمي، إلا أن تكون للنقد موازين أخرى لا يعرفها العلم.
حديث الإصلاح المنتظر متواتر عند كثير من أهل الشرائع الأولى، وأحاديث المهدي متواترة عن نبي الإسلام على ألسنة طوائف المسلمين، وليس بعد هذا مساغ لنقد أسانيد الروايات كما يحاوله الدكتور؛ ويحاوله العلامة ابن خلدون من قبله، لأن صحة السند لا تشترط في الأحاديث المتواترة، هذا من الوجهة الفنية، أما مخالفة هذه الأحاديث للعقل، أو لهوى نفسي يسميه الدكتور أحمد أمين عقلاً فهو شيء نبحث عنه في الآتي القريب.
أقول: أحاديث المهدي متواترة عند فرق المسلمين، لأن الذين رووا هذه الأحاديث طوائف كثيرة من أئمة المنقول، وحفاظ السنة، ودونها الأكثر منهم، وأفردها كثير منهم بالتأليف، وأشار إلى مضامينها البعض الآخرون.
ويقول العلامة ابن خلدون في الفصل الذي عقده في الفاطمي المنتظر من مقدمته (اعلم أن في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الإعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت...) وفي هذا القول شهادة صريحة بشهرة الفكرة بين المسلمين على ممر الإعصار وفيه إيماء تواترها، وإن كان هذا الإيماء من طرف خفي على ما يقول المتقدمون.
ولكنه يعرض في فصله لأحاديث الفكرة فيتناولها بالنقد ولا يسلم عنده من أسانيدها إلا القليل؛ كأن صحة السند تعتبر في الخبر المتواتر؛ وكأنه أحاط بأخبار الفكرة جميعها، فإذا نقدها فقد خلت الفكرة من الدليل، ولو تتبع قليلاً لعلم أن الفكرة أرفع من هذه المحاولات، وإن أدلتها غنى عن تصحيح الأسانيد، وإلى القارئ قائمة صغيرة بعدد الأحاديث التي دونها الثقاة من رجال المنقول والتي عرضت لي أثناء بحثي القصير.
أربعون حديثاً خرجها الحافظ أبو نعيم في كتابه (ذكر نعت المهدي) وقد رواها الأربلي في كتاب كشف الغمة بحذف الأسانيد.
ثمانية وثلاثون حديثاً ذكرها ابن خلدون في مقدمته لينقد أسانيدها.
سبعون حديثاً خرجها الحافظ محمد بن يوسف الكنجي في كتاب البيان.

مائة وعشرة أحاديث رواها صاحب كتاب كشف المخفي في مناقب المهدي، وجميع رواة هذه الأحاديث من رجال المذاهب الأربعة ولو أردنا أن نضيف إلى تقدم الأعداد الصغيرة التي يذكرها المحدثون في مختلف أبواب الحديث لأصبح العدد ضخماً جداً، وأي معنى لتواتر الحديث إذا لم يكن منه هذا العدد الكبير(٤).
ومن الحق أن نستثني من هذا العدد الأحاديث التي كررت بمتونها وأسانيدها، ولست أظن أنها تتجاوز الثلاثين وقد جمع في كتاب غاية المرام من هذا العدد مائة وخمسة وستين حديثاً، وأورد في كتاب ينابيع المودة ما يتجاوز المائتين، ولنغمض عما ترويه الشيعة بطرقها الخاصة، فإن لهذه الروايات حساباً خاصاً وهذه الأحاديث وإن لم تشترك في لفظ واحد، إلا أنها تعبر عن فكرة واحدة.
أما العلماء الذين شهدوا بتواتر الحديث عن الفكرة فهم كثيرون جداً، وهذا جدول صغير بأسماء بعضهم.
١ - افظ محمد بن يوسف الكنجي المتوفي سنة ٦٥٨ في كتاب البيان.
٢ - أبو الحسين الآبري على ما نقله ابن حجر في الصواعق ص٩٩.
٣ - السيد مؤمن الشبلنجي في كتاب نور الأبصار ص٢٣١.
٤ - زيني دحلان المتوفي سنة ١٣٠٤ في كتاب الفتوحات الإسلامية ص٣٢٢.
٥ - ونقله هو في هذه الصحيفة عن السيد محمد بن رسول البرزنجي المتوفي سنة ١١٠٣.
٦ - السيد جمال الدين عطاء الله ابن السيد فضل الله الشيرازي المتوفي سنة ١٠٠٠ نقله عن أكثر أهل الرواية.
٧ - أحمد بن محمد بن الصديق في رسالته إبراز الوهم المكنون.
٨ - الإمام الشوكاني المتوفي سنة ١٢٥٠ في كتاب التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح، وقد نقل التواتر عن هذين الأخيرين الدكتور أحمد أمين في المهدي والمهدوية.
 ولو ألقى الدكتور نظرة بسيطة على صحيحي البخاري ومسلم، أو على بعض الكتب الأخرى التي تحدث عنهما لَعَلِمَ أن الإمامين قد خرجا بعض الأحاديث في المهدي كما خرجها الثقاة الآخرون، ولما شهد لهما بالفخار في صحيفة ٤١ لأنهما لم يرويا من هذه الأحاديث شيئاً.
 فقد حدّث الحافظ أحمد بن حجر الشافعي(٥) عن مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة، والبيهقي، وآخرين من علماء الحديث قول النبي صلى الله عليه وآله (المهدي من عترتي، من ولد فاطمة).
وخرج مسلم في باب نزول عيسى حاكماً قول النبي صلى الله عليه وآله (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم) ونقل الكنجي الشافعي في كتاب البيان مثل هذا عن البخاري أيضاً، وروى مسلم (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال فينزل عيسى بن مريم عليهما السلام فيقول أميرهم تعالى صل لنا، فيقولا لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)، وخرّج مسلم أحاديث الخليفة الذي يحثو المال حثواً في آخر الزمان.
وإذا كان بعض هذه الأحاديث لا يحمل اسم المهدي فإنه يذكر من صفاته ونعوته ما يرفع اللبس ويزيل التوهم.
والدكتور قد اعتمد في شهادته هذه على بحث العلامة ابن خلدون للموضوع، لأنه لم يروَ للإمامين حديثاً صريحاً، ونقد أحاديث مسلم في الخليفة الذي يحثو المال حثواً بأنها لم يقع فيها تصريح بذكر المهدي، ولا دليل يقوم على أنه هو المراد من هذا الخليفة.
ومن الإحصاء المتقدم نعلم مقدار الجهد الذي بذله ابن حجر إحصاء روايات المهدي حين وجدها نحو الخمسين، ونعلم أيضاً أن لفظة المهدي ولفظة المنتظر ليستا من مؤسسات الشيعة، ولا من مخترعات المختار ابن أبي عبيد كما يراه الدكتور وهذا رأي قد لا يوافقه عليه ابن خلدون، ولكن الدكتور يحاول أن يخضع الحقائق لرأيه الخاص ثم يعتذر عما يقول بأنه من المؤرخين وأن الفرق واضح بين باحث يبحث المسائل من حيث تاريخها، وبين داع يخطب في تأييد مذهب أو نقده على أن التأريخ يأبى له هذا الاستنتاج أيضاً وسنينه فيما بعد.
والناظر في الصحيفة المتقدمة من كتاب المهدي والمهدوية، يقرأ فيها تهمة جريئة يوجهها الأستاذ إلى حفاظ السنة وأكابر المنقول من رجال الصحاح والجوامع التي لا يختلف في توثيقها أهل السنة.
ولعل هذا النوع من اتهام كتب الحديث خطوة يخطوها الأستاذ إلى التجدد الذي يذكره في بعض فصول الكتاب، وإن كان في خطوته هذه من المحافظين على ما يظهر لأنه يشهد بالفخار للصحيحين.
وقد تسرّبت هذه الطريق الفنية من النقد إلى كثير من كتاب الجيل, وهم يقصدون بهذا تسهيل طريق الإنكار إذا ألجأتهم الضرورة إلى إنكار بعض الحقائق.
وقد رأينا مثل هذه الطريقة للعلامة ابن خلدون في فصله المتقدم، ولعل هذه الحرية في ابن خلدون هي التي حببت إلى الدكتور متابعته في كثير مما كتب حتى في هذه التفرقة البسيطة بين المؤرخ والداعي الخطيب، والدكتور على ما يظهر شديد الاتصال بروح العلامة بروح العلامة ابن خلدون، وشدة الاتصال هذه تثمر وحدة في الرأي تسمى موافقة في الطبقة العالية من الأدباء، وتسمى تقليداً في الأدباء الآخرين، وكأن كتاب المقدمة هو المصدر الأول للدكتور، حتى فيما ينسبه إلى الشيعة من العقائد.
وخلاصة ما تقدم أن أحاديث المصلح المنتظر متواترة عند أهل الشرائع الأولى وأحاديث المهدي المنتظر متواترة بين فرق المسلمين كافة، ومتواترة عند فرقة الشيعة خاصة.
وبعد هذا كله فإن الشيعة الإثني عشرية لم تأخذ عقيدتها بوجود المهدي من هذه الأحاديث فقط، وإن كانت متواترة، والتواتر من أهم أسباب اليقين.
ولكن الشيعة الإثني عشرية تعتقد بوجوده وبضرورة بقائه لأدلة قطيعة أخرى وراء الأحاديث المتواترة، وهذا ما نعرض له في الفصول اللاحقة.

المهدي في ديوان الخلفاء

يستوقفني الفكر طويلا حين أريد الدخول إلى بحث الإمامة، وحين أحاول أن أضع بين يدي القارئ مفتاحه الأول، فإن لهذا البحث أكثر من مفتاح واحد.
لماذا اختصت الشيعة بالقول بالإمامة؟ ولماذا أصبحت الإمامة علما على هذه الطائفة دون أخواتها الأخرى من فرق المسلمين؟ وهل يمكن لأحد من العقلاء وإن لم يكن من المسلمين أن يُنكر وجوب نصب الإمام! إذن فبماذا تحفظ الحقوق بين أفراد البشر؟
وبماذا يرد ظلم الظالمين وعدوان العادين ولماذا يهتم العقلاء بنصب الملوك والرؤساء؟.
الإمام سلطان، والسلطان ضرورة من ضرورات الحياة، والإمام وازع يتوقف عليه بقاء الاجتماع، لا بد من وجوده، ولا بد من نصبه إذا لم يكن موجودا، وهذا أمر يستحيل أن يقع الشك فيه من أحد.
وإذن فخلاف سائر المسلمين مع الشيعة إنما يكون في شؤون هذه الإمامة وفي شرائطها.
- من هو الإمام الذي يجب نصبه؟ وماذا يجب أن تجتمع فيه من الشرائط؟.
- ومن الذي يتولى نصب هذا الإمام؟
- وما الذي يتولاه الإمام من المهمات التي تحتاج إليها الأمة؟.
والناظر في علم الكلام والعقائد يرى أن هذه الأسئلة محبوكة متداخلة يظهر جواب بعضها من الجواب على البعض الآخر.
تقول الشيعة: الإمامة خلافة النبوة، فيشترط فيها ما يشترط في النبوة.
عهدت الأمة من مؤسس الدين ملكا لا كالملوك، ورئيسا لا كالرؤساء وعهدت من قرآنه نظاما لا يشبه الأنظمة.
عهدت من نبيها ملكا يخضع الدنيا لسلطة الدين، ويقيس الأعمال بميزان العقيدة ويكوّن من مجموع هذه الأشياء وحدة لا تقبل التجزئة والتفرق، وعهدت من قرآنها نظاماً يهدف إلى الغاية بجميع مواده وفصوله وهو وراء هذا كله نظام معصوم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هكذا عهدت الأمة ملكها عند الصباح، فيستحيل أن لا يكون كذلك عند المساء؛ يجب أن تكون الرؤساء من لون واحد، إذا كان القانون مستمرا على لون واحد لأن تغيير منهاج السلطة في المدة القصيرة يحتاج إلى تغيير كبير في نظام المملكة, وهذا شيء لا تسوغه الشريعة ولا تسمح به العادة، وقد يؤدي إلى محاذير شديدة، وعاقبة لا تحمد.
فيجب أن تكون للرئيس الثاني كل سلطة أو وظيفة تثبت للرئيس الأول، لأن النظام لم يفرد سلطة الدنيا عن سلطة الدين، وهذا هو الجواب عن السؤال الأخير وإذا أجبنا عن هذا السؤال علينا أن نجيب عن بقية الأسئلة بعد استعراض صغير لمهمات الرئيس الأول.
(١) علمنا أن الرئيس الأول مؤسس لشريعة إلهية يستفيدها من وحي السماء، وهذه هي المهمة الوحيدة التي لا يصح أن يشاركه فيها أحد، لأن نظام الشريعة قد حكم بانتهاء النبوات.
وإذا لم يكن الرئيس الثاني نبيا، فإنه حافظ شريعة وحارس نظام، فيستحيل أن لا يكون علما بدقائق هذه الشريعة، ومحتويات هذا النظام، وكيف يستطيع أحد أن يكون حافظا لما لا يعلم.
ولا يكفي لأداء هذه المهمة أن يعلم أحكام الشريعة بالاجتهاد أو بالتقليد، لأن المجتهد لا تجب إطاعته على المجتهدين الآخرين ولا على مقلديهم، والمقلد أقل منه في المنزلة، وأخفض منه في المرتبة، والإمام وأجب الإطاعة على جميع أفراد الأمة من غير استثناء.
ونتيجة هذا إن الرئيس الثاني يجب أن يكون عالما بجميع أحكام الشريعة والقرآن ويجب أن يكون علمه هذا من غير طريق الاجتهاد أو التقليد.
ولست أقول أن هذا العلم الهامي، فإن الدكتور الجليل يستكثر على الله الذي أوحى إلى النحلة ما تفعل وألهم النملة ما تترك وما تعمل، يستكثر الأستاذ عليه أن يلهم بعض المقربين من أوليائه ما يصلح العباد من العلم وما يسددهم من العمل.
نعم إن الأستاذ يستكثر على هؤلاء المقربين، أن يحتفظوا ببعض مخلفات الوحي من علوم المستقبل، لنهم يسمون الكتاب الذي يشتمل على هذه المخلفات جفرا، وربما استكثر هذه الأنباء على الوحي نفسه، لأنها غيب والنبي صلى الله عليه وآله يقول (مالي ولهم يسألونني عما لا أعلم وإنما أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربي) أرأيت أجمل من هذه الدعوى، وأشد مطابقة من هذا الدليل كأن الشيعة تدعي العلم لنبيها ولأئمتها من غير تعليم الله.
أهكذا تنقد الحقائق أيها الأستاذ.
على هذا الحديث يستند الدكتور في قوله هذا، وإلى الآية التي تقول: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله)(٦) ولكنه يتناسى الآية الثانية التي تقول: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول)(٧) وهذه النغمة قديمة سمعتها الشيعة منذ قرون، وظنت أن المدينة الحديثة ستحدد منها بعض التحديد حين يرى الكتاب الناقدون ملوك الدنيا تعد أبناءها ليوم العرش بالثقافة الصحيحة، وتؤسس لهم المعاهد العالية، وإن البقية من الداء ستنحسم حين يدركون الفرق الفارق بين ملك يقود الأمة لصلاح دنياها، وإمام تطلب الأمة منه صلاح الدنيا والدين.
هذا ما أملته الشيعة حين استهل عصر الحقائق، وهذا ما تؤمله بعد أيضا فهل للأيام أن تحقق لها هذه الأمنية وهل للنقاد المحترمين أن ينظروا إلى الحقائق بغير المنظار الأول الذي خلقته الأحقاد؛ ولم تخلقه الأيام، ليعيش المسلم إلى جنب المسلم أخا بالمعنى الصحيح من الأخوة كما سماهم الله في كتابه، وكما دعاهم إليه النبي في سنته.
هذا ما أوجهه إلى جمعية التقريب المحترمة، وإلى عضوها الجليل سعادة الدكتور أحمد أمين، وإلى كل غيور من حماة القرآن.
علمنا أن الرئيس الأول لهذه الأمة يحمل رسالة مقدسة إلهية وهو لهذه الرسالة، يحتاج إلى قوة عقلية كاملة تؤهله لأن يكون أمينا على عهد السماء، وتعينه على أداء مهمته بالتبليغ، وتسهل للمدعوين طريق القبول، وتقطع عذر المعتذر وريب المرتاب، وهذه القوة الكاملة في العقل النظري والعقل العملي هي العصمة(٨).
ويسهل علينا التصديق بهذا القول إذا علمنا أن هذه الرسالة دين يريد الله تبليغه إلى عامة البشر، وناموس يجب أن تخضع له جميع الأمم والأجيال، وفي ذلك ما فيه من المتاعب والمصاعب، وفي البشر ما فيهم من المكابرة والتردد في أمثال هذه الدعوة، وفي النفوس وما فيها من التعصب لعقيدة الآباء والعادات المألوفة، وكيف يستطيع أن يستظهر على جميع هذه العقبات، ويبلغ عهد الله كاملا غير منقوص إذا لم تكن له تلك القوة.... العصمة.
أقول: كيف يستطيع أن يظهر على جميع هذه العقبات إذا لم يكن معصوما.
(١) لأن غير المعصوم قد يخل في التبليغ، فيزيد في الرسالة أو ينقص، عن عمد أو غير عمد.
(٢) وكيف يثق الناس بدعوته مع هذا التجويز.
(٣) وكيف يصدقونه في رسالته إذا رأوا من فعله ما يناقض قوله، والناس يقيسون أعما الإنسان بعضها على بعض، وخصوصا في هؤلاء المثاليين الذين يريدون أن يكونوا أدلاّء للناس على الخير، وقادتهم إلى الهدى.
(٤) يمتنع أن يكون النبي غير معصوم، لأن اتباعه واجب على أفراد الأمة في كل ما يقول وفي كل ما يعمل، ووجوب اتباعه هذا بحكم الكتاب وبحكم العقل، فيكون صدور الخطايا منه سببا لحصول التناقض في أحكام الله.
(٥) ولأن ارتكاب الجرائم يوجب له الفسق، فيجب رد شهادته بحكم الكتاب.
هذا نموذج صغير من الأدلة التي تقيمها الشيعة على عصمة الأنبياء، وما أكثر أدلتهم على ذلك، وإذا بلغ إحصاء الأدلة على عصمة الإمام إلى ألفي دليل(٩) فكم يبلغ إحصائها على عصمة النبي صلى الله عليه وآله.
بهذا وبأمثاله يستدل الشيعة على ما يعتقدون، والعقيدة إذا استندت إلى أمثال هذه الحجج أصبحت يقينية لا تقبل التشكيك، والحكم العقلي إذا كان يقينا لزم أن يرد كل حديث يضاده، وان تؤول كل آية يفهم منها ما يخالفه، لأن اليقين لا يقابله أي دليل آخر لأنه يكون معلوم الكذب.
هكذا يستدل الشيعة على عقيدتهم بعصمة الأنبياء، أما الدكتور فإنه يستدل على عدم العصمة في النبي صلى الله عليه وآله بالحديث الذي يقول: (توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة) والحديث الذي يقول: (إنه ليغان على قلبي).
أنظر بربك انظر، ثم احكم إن استطعت الحكومة.
يقول الحديث الأول: إن النبي يتوب في اليوم مائة مرة، والمعنى الظاهر من هذا أنه يذنب في اليوم مائة ذنب، ويقول الحديث الثاني: إنه ليغان على قلبه، والغين إحاطة الرين بالقلب...
هذا شأن سيد الأنبياء في فكرة الحديثين أيها الأستاذ وهل يتصور هذا في غير المستهترين من الناس، وإذن فلا بد من تأويل الحديثين إذا صح سندهما، ولا بد من ردهما إذا لم يكونا صحيحين.
ولو أردنا أن نستعرض هذا النوع من الروايات لوجدنا ألوانا عجيبة من التهم والجرائم الأخلاقية والاجتماعية تنسب إلى الأنبياء الذين أئتمنهم الله على شرائعه، وائتمنهم الخلق على هدايتهم.
وبعد فإن عقيدة المسلم أرفع شأنا من أن تؤسس على أخبار آحاد مشوشة المعاني، وهي وراء هذا الاضطراب مناقضة للبرهان.
لا بد أن يكون النبي منزها عن الآثام لما ذكرناه من الأدلة، ولما لم نذكره؛ وإذا امتنع عليه أن لا يكون معصوما لأنه نبي، وجب أن يكون الرئيس الثاني معصوما أيضا لأنه إمام، والإمام يحتضن الأمانة المقدسة التي أودعتها السماء بيد الأمين الأول.
لا أقول أن الإمام يصبح نبيا كالرئيس الأول، لأن النبوة قد ختمت بنص الكتاب، ولكني أقول: الإمام هو الأمين الثاني على الشريعة، وهو القائم على تبليغها بعد الرسول؛ والشريعة تحتاج إلى حافظ يقوم برعايتها في مرحلة البقاء الاستمرار، كما تحتاج إلى مبلغ يقوم بنشرها عند التأسيس، وكلا هذين الحافظين يجب أن يكون تعيينه من قبل الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(١٠).
وإذا تماثل الرئيسان في المهمة وجب أن يكونا متكافئين في العصمة.
(١) لأن الإمام واجب الإتباع بنص الكتاب، وقطعي السنة فإذا لم يكن معصوما جاز أن يأمر بما يخالف حكم الله، فيكون ذلك تناقضا بين أحكام الله.
(٢) ويكون الإلزام بطاعته سببا لنقض الغرض.
(٣) ولأن غير المعصوم قد يخفي عليه كثير من الأحكام فلا يتمكن أن يكون حافظا لأحكام الشريعة، وقد كلفه الله بذلك.
(٤) ولأنه إذا جوّز على نفسه الخطأ في العمل أو في الاستنتاج وجب عليه أن يتبع غيره لئلا يقع في الخطأ، وإذا اتبع غيره سقط وجوب اتباعه على الناس، لقوله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمّن لا يهدي إلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون) الإمام مرجع الأمة العام بعد موت نبيها، إليه ترجع إذا اختلفت، ومن علمه تأخذ إذا جهلت، والإمام مصدر الأمة فيما يتجدد من الأحكام التي لم يوضحها الكتاب، ولم تبينها السنة.
فمن اللازم أن يكون هذا المصدر أعلم الأمة بدينها وأصدقها في القول والعمل والشرع الذي يعتبر في شاهد الدعوى أن يكون عدلا، ويشترط في القاضي أن يكون نزيهاً، أرفع من أن يأتمن على مقدرات الأمة خائنا يتحكم في نفوسها وأموالها بما يتأول من نصوص الكتاب، وبما يفسر من متشابهات السنة نعم إن الشريعة أرفع شأنا من أن تأتمن مثل هذا على مقدرات الأمة، ثم تأمرها بلزوم طاعته، وتحذرها أشد تحذير عن مخالفته وتحكم (أن من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية)(١١).
وسواءً أكان وجوب نصب الإمام حكما عقليا كما يقول بعض الحكماء، أم كان سمعيا كما تقوله طائفة من المسلمين، فإن هذه النتيجة لا يجوز أن تختلف ولا يمكن أن تختلف.
هكذا شاء البرهان لهذه الأمة أن تعتقد؛ وأن تجري على هذا الاعتقاد فيما تعمل، وهكذا شاء لها القرآن أيضا، ولكن التاريخ شاء لها أن تختار، وأن تكون غير معصومة في هذا الاختيار، وأن تكون مخالفتها هذه سببا لنتائج معقدة يدونها تأريخ المسلمين من حيث يجب؛ أو من حيث يكره.
ولأعرض عن ذكر هذه المآسي التي قلبت تأريخ المسلمين إلى يومهم الأخير وحكمت على جهود النبي، وجهود المخلصين من أنصاره بعقم الإنتاج، لأعرض عنها فإن الحديث شجي وشجون، ولعل دموع القلم تجري قبل دموع الكاتب، لأعرض عنها لأني لا أكتب في التأريخ، ولا أودّ أن أكون من المؤرخين، ولست في ضرورة إلى تعليل هذه الكراهة.
من هنا أتى المسلمون أيها الأستاذ، لا من فكرة المهدي، ومن هنا ابتدأ الخلل في صفوفهم، وأي معنىً لخلل الصفوف غير اختلاف العقيدة.
وما الذي يضر بفكرة المهدي إذا اتخذ المغرضون منها آلة لدعاياتهم؛ ونسجوا حولها خيوطا من الآمال، وما الذي يضر بهذه الفكرة إذا اتضح للناس بعد ذلك كذب الكاذبين وضلال الضالين.
لقد ادعى النبوة كثيرون في التاريخ، ثم اتضح للناس كذبهم وضلالهم، فلم يأخذ أحد من الناس هذا دليلا على إبطال فكرة النبوة، وقد جرى مثل هذا أي الربوبية منذ القديم.
ولو أردنا أن نبطل كل حق يتشبه به المُدّعون الكاذبون لأبطلنا كل حقيقة موجودة.
هذا هو المقياس الذي يبتكره الأستاذ في كتاب المهدي والمهدوية، وهذا هو الدليل الذي يبني عليه إبطال فكرة المهدي، والإصلاح المنتظر...
لا... لا.، أيها الأستاذ.، (ما هكذا تورد يا سعد الإبل).
تخلّف المسلمون يوم تخلّفوا عما خطه لهم البرهان وحدده لهم القرآن، وانحلت صفوفهم يوم ابتدأ الانحلال في عقيدتهم، وكان من الضروري لهم أن يتراجعوا إلى الوراء من ذلك العهد، لولا حنكة في قادتهم الأُوَل، وثبات في بقية العقائد.
فكان الفضل لهؤلاء القادة في تحويل التأخر المحقق إلى حركة بطيئة نحو الاتجاه الأول؛ وكان الوقوف في آخر عهد الخلفاء الراشدين، وكان التراجع على الوراء بعد ذلك العهد.
من هنا أتى المسلمون أيها الأستاذ، ومن هنا ابتدأ الخلل في صفوفهم؛ فهل تريد مني أن أقدم لك بعض أدلة الشيعة على أن الخيرة لله في تعيين الإمام للأمة...، إذن فاستمع:
(١) علمنا مما تقدم أن الإمام يجب أن يكون عالما بجميع أحكام الشرع وأن يكون علمه بذلك من غير طريق الاجتهاد أو التقليد.
وعلمنا أن الإمام يجب أن تكون له قوة عاصمة، يمتنع بها عن ارتكاب الآثام، وعن الوقوع في الجرائم عن عمد أو غير عمد، وهذان هما الشرطان الأساسيان في خلافة النبوة ولا يهمنا أن نثبت بقية الشرائط الأخرى في الإمام فإن لها كتبا أخرى.
وكلا هذين الشرطين من الأمور التي تخفى عن الأمة، وعلى أهل الحل والعقد منها، فكيف يصح أن يوكل إليها تعيين الإمام.
(٢) كلنا نعلم اختلاف الأمة في شرائط الإمامة، فإذا كان تعيين الإمام بيدها، كان من الضروري أن تختار كل جماعة من الأمة ما يوافق مذهبها في الإمامة ولا تنزل لأخواتها عما تقول، فيلزم اختلاف كلمة الأمة إلى غير اجتماع، وليس بعض هؤلاء الأئمة أحق بوجوب الإتباع من البعض الآخر، فيؤدي إلى إراقة الدماء الزكيّة.
(٣) وأخيرا إلى استحالة الاختيار، واستحالة الإمامة إذا انحصر أمرها بالاختيار، وفي النتائج السوداء التي وقعت في عهد علي ومعاوية، وفي زمان الحسن والحسين ما يثبت وقوع ذلك وأنه ليس مجرد فرض.
(٤) يمتنع في العادة أن يطلع جميع أفراد الأمة، أو جميع أهل الحل والعقد من الأمة على اجتماع شرائط الإمامة في واحد معين من أفراد المسلمين، حتى إذا كانت هذه الشروط متحدة لا خلاف فيها بين الجميع لأن الإطلاع يحتاج إلى معاشرة طويلة لذلك الشخص، وهذا غير ميسور لجميع أفراد المختارين وخصوصا إذا كثر عدد الأمة، واختلفت بلادهم. وتخصيص الاختيار ببعض الأمة استيثار يقبحه العقل، والشرع، وتمنعه المصلحة العامة المشتركة.
(٥) علمنا أن غير الشيعة من فرق المسلمين تكتفي بالعدالة في الإمام ولنفرض أن الشيعة وافقتهم على ذلك ليكون شرط العدالة إجماعيا بين المسلمين، فهل يكفي هذا الاجتماع كلمتهم حين يختارون.
وهذا الاختلاف الكبير في معنى العدالة وفي شرائط وجودها، ألاّ يكون حائلا عن الاجتماع، والوحدة في الاختيار.
نعم إن هذا الاختلاف من أعظم الموانع، وكل من تتبع آراء المسلمين في تعريف العدالة، يعلم مقدار البون الشاسع بين هذه المذاهب فلو رجع الاختيار إلى الأمة لم يمكنها الاجتماع، إلا أن يكون الحق لشيء آخر وراء العدالة والاختيار.
يستحيل على الأمة أن تختار ثم تجتمع على هذا الاختيار مع هذه الفوارق العظيمة بين الآراء والمذاهب إذا استثنينا الجهات الشخصية التي تجعل الاجتماع أكثر بعدا وأشد استحالة.
وإذا استفتينا تأريخ المسلمين الأُوَل؛ وجدنا السلف المتقدم لم يستطع أن يطبق نظام الاختيار بالمعنى الصحيح من التطبيق، وحديث الفلتة التي وقى الله المسلمين شرّها معروف عن الخليفة الثاني (رض) يرويه المؤرخون والمحدثون على السواء(١٢).
ولعل هذه الاستحالة هي السبب الحقيقي لعدول الخليفة الأول (رض) عن الاختيار إلى النص على من يخلفه من بعده.
أما الخليفة الثاني فقد جعل الأمر مزيجا من النص والاختيار، ولست أريد التوسع في هذه المباحث لأن هذا التوسع يبعدني كثيرا عن الغرض الأول.
ألفت العرب فكرة الشورى، وتحكيم أهل الحل والعقد منذ القديم، فكان من الصعب عليها أن تجنح لحكم البرهان، وكان من الضروري لهم أن يطبقوا النظام القديم المورث بما يمكنهم من التطبيق، وخضعت طائفة أخرى من المسلمين لحكم البرهان هذا، فكان من الضروري لهؤلاء أن يختاروا لأنفسهم ما اختاره الله لهم (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)(١٣). وكان من الضروري لهم أيضا أن يسايروا الحكومة الرسمية القائمة حفظا لدماء المسلمين أن تراق، وصونا لكلمة الأمة أن تتفرق ولصفوفها أن تحل، والعقيدة هي العقيدة.
وهذا ما تسميه الشيعة (تقية)، وقد سماها الله تقية حين شرعها في كتابه (إلا أن تتقوا منهم تقاة)(١٤).
وبعد قرون وشؤون أصبحت حكومة البرهان حكومة سرية تعمل لتفريق كلمة المسلمين، وأصبح الفريق الذي يعضده القرآن حزبا سياسيا يعرض الحكومة القائمة وعادت فكرة المهدي تعلة بسيطة يتعلل بها ضعفاء وترهم الحاضر فابتسموا للمستقبل، وحرمتهم اليقظة فاستسلموا للخيال، وكونوا مذهبهم من هذا الخوف ومن هذا الرجاء.
هذا هو رأي الدكتور أحمد أمين، ورأي فريق كبير من أدباء النقد الصحيح، والرأي الحر، ومهما عشت أراك الدهر عجب.
هذه قائمة أسماء الأئمة الإثني عشر، وهذا تأريخهم الأحمر الباكي، وهذا تأريخ شيعتهم المظلوم حتى من نواحي تاريخية، اقرأ جميع ذلك بإمعان إذا استطعت أن تقرأ الحقائق الباكية.
اقرأ جميع ذلك ثم انظر: أي ثورة أقامها هذا الفريق ضد حكومة قائمة، وأي حركة إرهابية تزعمها أحد هؤلاء الأئمة المظلومين، إذا استثنينا الحركات التي وقعت على عهد علي والحسن، والتأريخ يقول لنا أن هذه الحركات غنما كانت لقمع العدوان ضد الحكومة الشرعية القائمة كالحركات التأديبية التي وقعت على عهد الخليفة الأول.
أما نهضة الحسين، وأظن أن هنا بيت القصيد، فقد عدّها الدكتور من أهم الأحداث المتصلة بفكرة المهدي أما هذه النهضة فلم يكن الحسين يعترف ليزيد بحكومة ظاهرية، وأي حكومة مستقرة يعترف بها الحسين، وهو يرى العراق يراسله بالبيعة، والحجاز يتحفز للوثبة، والجزيرة على مثل البركان، وأقطار المسلمين الأخرى على ما يشبه هذا.
وكيف يستطيع الحسين أن يقف موقف المتفرج من هذه الأحداث، وهو في العدد الأول من زعماء المسلمين وقد علم من خفايا يزيد ما علمه الآخرون من ظواهره، وكيف يتركه المسلمون أن لا يعمل، ومن الذي يعمل إن لم يكن الحسين هو ذلك العامل.
وأخيرا فقد قتل الحسين يوم الطّفّ، وكان مقتله بداية عهد جديد للشيعة، وقد تلونت عقيدتهم بالدم، وتشربت أعمالهم بالدموع، ولكنهم أخلدوا بأمر أئمتهم إلى السكون وأحاديث الأئمة من أحفاد الحسين في تسكين الثورات القائمة والتنديد بالثائرين من أولاد الحسن والحسين كثيرة جدا وإذا استثنينا حركة المختار، وحركة زيد بن علي بن الحسين.
أما الذي يكون شوكة في جنب الدولة القائمة يهدّ من كيانها، ويهزّ من عرشها فهو الظلم الذي اتصف به رؤساء هذه الدول؛ وإراقة الدماء التي عصمها الله في كتابه وهو نتيجة مباشرة للتعدي عما حده البرهان، وأوضحه القرآن في معنى الإمامة.
وأما الفرس فإنهم لم يظهروا التشيع لنسب مشيج بينهم وبين العلويين، وقد كان بينهم العباسيين نظير هذه القربى.
وكأن الأستاذ حين تعرضه لهذه الناحية قد نسي أنه من المؤرخين، وأن التأريخ ينكر عليه هذه النتيجة. لأن الفرس لم يكونوا شيعة في بداية الأمر ولم تعرف العامة من الفارسيين مذهب أهل البيت إلا في عهد الإمام علي الرضا (عليه السلام)، ولم ينتشر التشيع في أقطار فارس انتشارا تاما إلا في عهد السلطان محمد خندابنده المغولي، وفي زمان العلامة الحلي(١٥) لقصة يذكرها بعض المؤرخين في حوادث سنة ٧٠٧ من الهجرة.
وهذا التفويض الإلهي الذي آمن به الفارسيون من زمان الأكاسرة؛ وكان هو السبب في رضاهم عن أولاد فاطمة، لم يفهم معناه، ولا علاقته بمذهب الشيعة في الإمامة لأن الشيعة يقولون بوجوب تعيين الإمام من قبل الله على لسان النبي صلى الله عليه وآله والفرس الذين يتشيعون يعتقدون بهذه العقيدة أيضا، وهذا يخالف معنى التفويض في الإمامة.
ولعل نظرية التفويض قريبة من معنى الاختيار الذي عليه غير الشيعة من المسلمين لأنهم يقولون: إن نصب الإمام مفوض إلى اختيار الأمة وتعيينها.
ولعل الأستاذ يعبر عن الفيض الإلهي بالتفويض لأنهما يلتقيان بالاشتقاق الكبير.
وإذا كان الفارسيون يؤمنون بنظرية الفيض الإلهي في الإمام، فأي نكر في هذا الاعتقاد إذا حتمه الدليل، والفيض الإلهي اصطلاح للفلاسفة يريدون به الوجود المعلول إذا حذفت منه التعينات التي تسبب الكثرة، ويسمونه أيضا الفيض المقدس.
وقد يعبرون بالفيض الإلهي عن الكمال في صفة من الصفات، فإذا كان الرجل عالما بارعا قالوا إن الله خصه بفيض من عنايته؛ ويريدون بهذا أن الإنسان مفتقر إلى عناية الله في كل ناحية من نواحيه، وهذا المعنى هو المراد في الإمامة ونحن إذا اشترطنا في الإمام أن يكون تعيينه من قبل الله تعالى، كان ذلك اعترافا منا بنظرية الفيض الإلهي.
أليست جميع هذه الكمالات التي نشترطها في الإمام فيضا من فيض الله، ونفحة من رحمته، أليس الإمام قبسا من نور الله يهتدي به الضالون، وأي فائدة لإمامته إذا فقدت منه هذه الخاصة.
وكأن الدكتور يفهم من الفيض الإلهي، أو القبس الإلهي معنى الحلول أو معنى الاتحاد اللذين تنكرهما الشيعة وتكفّر من يعتقد بهما، والدكتور يريد أن يكون حراً في التفسير كما هو حر في الرأي، وإن كانت الحرية في التفسير محرمة على الناقد النزيه.
منعتنا الأدلة العقلية المتقدمة أن نصدق نظرية الاختيار في الإمامة، وأحالت ان يكون للأمة حق في تعيين الإمام.
والقرآن... ماذا يقول لنا القرآن في ذلك، وهل أهمل القرآن حكم الإمامة، كما أهمل النبي أمر الإمام، وهو الذي يأمر الناس بالوصية حتى بأبسط الأشياء.
ماذا يقول القرآن في أمر الإمامة.
ألم يجعلها الله عهدا له في خطابه لإبراهيم، ألا تسمعه حين يقول: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)(١٦) الإمامة عهد الله فلا يتولاه أحد إلا بأمره، والإمام أمين الله على هذا العهد فلا أحد سواه.
وفي الآية الكريمة نظرات تتعلق بالإمامة يذكرها المفسرون والمتكلمون ويشير إليها أهل علم الحديث.
الإمامة عهد الله، والإمام ولي ذلك العهد، هكذا يقول لنا القرآن، وأي بيان أجمع لشرائط الإمامة من هذا التعبير.
هل يمكن أن يعين الله لعهده من لا يؤمن عثاره من الناس، أو من يجوز عليه أن يغير شيئا من الأحكام أليس هذا من التناقض الصريح، وإذن فالإمام معصوم يستحيل عليه الخطأ.
وهل يجوز أن يأتمن على الأمة من لا يفي بحاجتها من العلم، ولا يقوم بتسديدها في العمل، أليس هذا مفتاحا للطعن في حكمته، وللتشكيك في عهده؛ وإذن فالإمام أعلم الأمة وأتقاها، وأشدها صلة بالله.
والآية الكريمة تجري في هذا البيان على نهج مألوف بين الناس فإن الملوك طالما سمت الولاية من بعدها عهدا، وسمّت خلفاءها أولياء ذلك العهد، أفتريد في أمر الإمامة أوضح من هذا التعبير.
وقوله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمّن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون)(١٧) وهذه الآية الكريمة تفرض علينا وجود شرطين في الشخص الذي نتبعه.
١ - أن يهدي إلى الحق، فلا بد أن يكون عالما بالحق ظاهره ومستوره.
٢ - أن لا يكون محتاجا في هداية نفسه إلى إرشاد غيره وهذا هو معنى العصمة، والتسديد الإلهي، وهذان هما الشرطان الأساسيان في الإمامة، اللذان أثبتهما الأدلة المتقدمة.
لم يهمل القرآن أمر الإمامة، ولم يهمل النبي أمر الوصية، ولكن الأمة تقول أنهما أهملا ذلك، والتأريخ يساعد الأمة على ما تقول، لأنه كتب بكف من أكف الأمة، وهل أن يخالف التاريخ عقيدة المؤرخ، وأرجو أن يكون اجتهاد أكابر الأمة خير عاذر لهم عن هذا القول الذي كان بذرة للخلاف بين المسلمين.
ما معنى إذهاب الرجس عن أهل البيت الذي شهد به القرآن، وما معنى التطهير الذي حصره بهم دون غيرهم، أليس هذا شهادة بالعصمة؛ وترشيحا للإمامة.
وما معنى هذا التقارن التام بين الثقلين الذي يشهد به النبي الأمين في حديث الثقلين حين يقول: (لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)، ويقول: (ما إن تمسكتم بهما لن تضلو)، أليست هذه وصية بالإتباع وشهادة بالعصمة.
وحديث الثقلين مستفيض بين علماء الحديث، وقد رواه نيّف وعشرون صحابيا على ما يقول ابن حجر في الصواعق المحرقة.
العترة والكتاب ثقلان مقترنان، والتمسك بهما حافظ للأمة عن الوقوع في ضلال، والعترة لا تفارق الكتاب حتى يردا على النبي الحوض.
فإذا كان الكتاب معصوما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا بد أن تكون العترة نظيرة في ذلك، لأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، فلو كانت العترة غير معصومة جاز عليها أن تخطئ فتفارق الكتاب.
وإذا كان الكتاب محيطا بعلم كل سيء، وفيه تبيان كل شيء لأنه يقول: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)(١٨) فلا بد أن يكون الثقل الثاني مثله في هذه الإحاطة، لأنهما لن يفترقا أبدا حتى يردا عليه الحوض.
وإذا كان الكتاب خالدا إلى اليوم الأخير لأنه نظام الشريعة الخالدة، ولن تجد لسنة الله تبديلا، فلا بد أن يكون قرينه من العترة باقيا إلى اليوم الأخير أيضا لأنهما لن يفترقا حتى يردا على النبي الحوض.
هذا ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله في هذا الحديث، ولكن الأمة تقول أن النبي أهمل الوصية، والتأريخ يساعد الأمة على ما تقول.
ولست أريد أن أمضي مع الحديث إلى حد بعيد، وأتعقب هذه النتائج التي يلقيها النبي الأمين، ولست أريد أن أكرر قائمة أسماء الأئمة من أهل البيت، قرناء الكتاب وأمناء الرسول، فإن لها كتبا أخرى وضعت في علم الكلام ومباحث العقائد.
ولكني أريد أن أقول: أن المهدي صفة لخاتم هؤلاء الأمناء الذين شهد لهم الكتاب بالتطهير، وجعلهم النبي صلى الله عليه وآله قرناء للكتاب، فلا بد أن يكون موجودا لأن العترة والكتاب لا يفترقان حتى يردا على النبي الحوض، وليكن بعد ذلك ظاهرا أو مستورا.
هؤلاء الأئمة من أهل البيت في رأي الكتاب، وهؤلاء هم نجوم الاهتداء في رأي السنة، وهؤلاء هم رجال العترة في رأي النبي الأمين حين يخلفهم في الأمة، وحين يضمن للأمة عدم الضلال إذا تمسكت برشده.
أما أئمة أهل البيت في التاريخ فقد ذكرت لنا كتب الرجال والتراجم من عموم المسلمين، أنهم العابدون الزاهدون الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وأما هؤلاء الأئمة في رأي محمد بن إدريس الشافعي فإنه يقول:

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * * * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجا * * * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمسكت حبل الله وهو ولائهم * * * كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل

وأما هؤلاء الأئمة في رأي الدكتور أحمد أمين فإنهم (يختفون عن الأعين ويرتكبون ما يرتكبون من الإثم) وأن المأمون قد ولّى عليا الرضا من بعده (ليظهر للناس أن هؤلاء يعيشون على الوهم والخداع)(١٩) أنظر بربك انظر ثم احكم إن استطعت الحكومة...
من الحق أن أمسك عن التعليق هنا، فإن الذي لا يبالي بما يقول يسهل عليه أن يقول كل شيء، ولو طالبنا الدكتور ببينة ما يقول لأحرجناه أشد الحرج.
ليرتكب الأئمة الإسماعيليون ما يرتكبون من الإثم وليُدَوِّن التاريخ لهم كثيرا من الجرائم، وكثيرا من البذخ والاستيثار، وليرتكب الدعاة الفاطميون والقرامطة أمثال ذلك وأضعافه.
ليفرض جميع ذلك فهل يصح لعاقل أن يجعل هذا دليلا على أن الأئمة من أهل البيت يرتكبون الإثم، ويعيشون على الخداع.
هذه أقيسَة الدكتور التي يقيس بها الرجال، وهذه موازينه التي يستنتج بها التاريخ.
من الحق أن أمسك فقد أوعدت أن لا أعلق شيئا على هذا، وإن سيرة الإمام علي الرضا، وسيرة الأئمة من آبائه وأبنائه التي يرويها التأريخ كفيلة برد هذا العدوان.
ولعل في ارتكاب الأئمة الإسماعيليين وظلمهم دليل جديد على عصمة الأئمة الإثني عشر وتسديدهم، لأن العصمة لم تدع لأحد من الناس غير هذين الفريقين، فإذا وجب وجود الإمام المعصوم بحكم البرهان ودلالة القرآن وإذا انتفت العصمة من الإسماعيليين لأنهم يرتكبون الآثام ثبتت للفريق الآخر لأن غير هذين الفريقين ليس معصوما بالإجماع.
وقد تكرر في جوامع الحديث ذكر الخلفاء الإثني عشر من قريش، وفي الصحيحين عدد غير قليل من هذه الأحاديث أيضا، كقوله صلى الله عليه وآله في صحيح مسلم: (لا يزال هذا الدين قائما حتى تقوم الساعة، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة...كلهم من قريش) وفي صحيح البخاري (يكون بعدي اثنا عشر أميرا، وقال كلهم من قريش).
والمتتبع يرى ارتباكا شديدا بين شراح السنة وفي شرح هذه الأخبار، وفي تطبيق هؤلاء الخلفاء الإثني عشر وربما التجأ بعض الشراح إلى إدخال يزيد المستهتر، والوليد الفاجر في ضمن هؤلاء الخلفاء الذين يكون الدين عزيزا على عهدهم على ما في بعض حمل الحديث.
وهذا الباب الطويل الذي يعقده علماء الحديث في أن الأئمة من قريش، وهذه الروايات الكثيرة التي تكرر هذا القول، طالما وقف النقاد أيضا عندها فطال منهم الوقوف، ما معنى اختصاص الإمامة بقريش إذا حصل غير القرشي على ثقة المسلمين، وعلى العصبية التي يشترطها ابن خلدون في الملك، وما معنى تدخل الحديث في تعيين الإمام ‘ذا كان اختياره من حقوق الأمة وحدها، وما معنى تمسك المهاجرين يوم الخلافة ببعض النصوص لحرمان الأنصار.
أليست هذه المميزات تحويرا في معنى الاختيار، أليست هذه النصوص توضح للأمة أن وجه المصلحة قد يخفى عليها.
يعين النبي الإمامة في المهاجرين دون الأنصار، وفي قريش دون سائر المسلمين، ليرفع الاختلاف من الأمة على قريش، ثم لا يهمه أن يقع الاختلاف بين المهاجرين من قريش بعد هذا الترشيح، وهذا الإغراء، وقريش التي لم تخضع للإسلام إلا بعد عناء وبلاء، والأمة هي الأمة في مذاهبها وآرائها، ونبي المسلمين هو نبيهم في عطفه ورأفته عليهم، وموقف الموتورين من قبل الإسلام وهو موقفهم في غموضه واضطرابه.
لم يهمل النبي أمر الوصية، ولكن الأمة تقول أنه قد أهمل والتاريخ يساعدها على ما تقول، لأنه كتب بكفّ من أكفّ الأمة.
ترك النبي خليفتين لا يفترقا حتى يردا عليه الحوض وشهد القرآن لكل واحد من هذين الخليفتين بالعصمة والتسديد، وهذا هو المبدأ الحقيقي لفكرة المهدي.
فكرة المهدي نشأت من القول بضرورة وجود إمام معصوم في كل جيل حافظ للشريعة، وقرين للكتاب.
وفي الخاتمة من سجل الخلفاء الإثني عشر، وفي العدد الأخير من قائمة أسمائهم يقع اسم الإمام المهدي المنتظر.
وإذا حتم الدليل وجوده وبقائه لأنه الفرد الأخير من قرناء الكتاب، وإذا أثبت القرآن عصمته وإمامته لأن البقية الباقية من أهل آية التطهير، فليكن مستورا إذا أوجبت عليه الظروف أن يستتر، فإن الاختفاء لا يضر بشأن من شؤونه، إذا كان غيره سبب هذا الاختفاء، كما لا يضر بالشمس سترها من وراء السحاب.

مع الناقدين

لبست فكرة المهدي أشكالاً متنوعة من البحث، ومرت عليها ألوان مختلفة من الجرح والتعديل، وأولاها الباحثون على اختلافهم مزيداً من الاهتمام؛ وكثيراً من العناية، تفنن الناقدون لها في النقد، والمؤيدون لها في التأييد، واستخدموا في نقدها وفي تأييدها الأدب المنظوم والمنثور وإن أساء الأدب كثير من أولئك في نقدهم، فكان من الضروري أن يقابلهم هؤلاء بالمثل.
ولو جمعت هذه المناقضات لكانت مجموعة نادرة من وحي التناقض في العقيدة يضحك لها الأدب، ويأسف لها الإسلام ويبكي لها نبي الإسلام.
وفي آخر من جاء من نقاد هذه الفكرة سعادة الدكتور أحمد أمين، والدكتور مؤلف كبير حين يكتب في التأريخ، وهو أديب ماهر حين يترجم أو ينقل، إذا كان في الترجمة والنقل ما يسمى أدباً، ولكن الدكتور يفقد معنويته حين يحاول أن يكون من الناقدين.
هذا ما توسمته في الدكتور أول يوم رأيته فيه ناقداً وقد ضمنت لي القراءات المتتابعة صحة هذا التوسم، وكأن الدكتور تعوزه الحاسة الدقيقة التي تعين له المفصل من الرأي ليوقع الضربة الفاصلة، وهذا أهم ما يحتاج إليه الناقدون.
والحق أني لم ألق كبير عناء في نقد آراء الأستاذ في كتاب المهدي والمهدوية؛ لأن مواضع الخلل فيها ظاهرة جداً، وقد رأى القارئ كثيراً من هذه الآراء في الأبحاث المتقدمة؛ وعلم مبلغها من العلم، وسيقف على البقية منها في بقية الكتاب.
ونحن يمكننا أن نصنف النقود التي يذكرها الدكتور إلى صنفين:
الصنف الأول النقود التي تتعلق بنفس الفكرة.
الصنف الثاني النقود التي تتعلق بشؤون الفكرة؛ وأدوارها في التأريخ والمذاهب، والصنف الأول هو الذي عقدنا له هذا الفصل، وسيكون الصنف الثاني موضوع بحثنا الآتي.
يشيد الأستاذ بذكر العقل، ويؤمن بحكومته أشد الإيمان، ويجعل له الحكومة الفاضلة في رد الحديث ونقده ويدعوا إلى تحكيمه في فكرة المهدي، وفي الأحاديث التي نقلت في المهدي؛ وهو بهذه الفكرة من المنصفين، ونحن نرحب بقوله هذا ونؤيده أتم التأييد، على أن يكون معنى العقل الذي تجعل له الحكومة هو البرهان الصحيح الذي لا ينتفض ولا يمكن
أن تتخلف له نتيجة.
ولذلك وجب علينا تأويل كل آية دلت بظاهرها على تجسيم الله، وتشبيهه حين قام البرهان العقلي على استحالة ذلك، ونبذنا كل رواية ناقضت هذه العقيدة وإن كانت مروية في الصحيحين.
ولذلك أيضاً أوّلنا كل رواية أو حديث دل على نفي العصمة عن الأنبياء والأئمة، ورددنا كل حديث لا يمكن فيه التأويل حين اضطرنا البرهان إلى القول بعصمتهم.
والسر في ذلك أن البرهان يقيني، ونتيجته لا تقبل التشكيك، ولا يمكن فيها الانتقاض، ولا قيمة للدليل إذا كان اليقين على خِلافه لأنه يكون معلوم الكذب، أما الآيات فيجب تأويلها لأنها لا تخالف المعقول، وهذا شيء لا أظن أن يقع فيه خلاف من أحد.
أما إذا فسر العقلي الذي يدعونا الدكتور إلى تحكيمه بمشتهيات النفوس، وموافقة الميول، فلا يؤمن بحكمه منصف ولا يلتفت إليه عاقل، لأن هذه الميول متنوعة مختلفة، وليس نفس ميولها ومألوفاتها، ومن الجور أن نطلب من الدليل الواحد أن يوافق جميع هذه الميول، وتخصيص ميول الدكتور دون غيره استيثار يمنعه هو في كتابه الأخلاق.
من المضحك جداً أن نجعل موافقة الميول والمألوفات ميزاناً في جرح الأخبار وتعديلها، والدكتور حين يدعونا إلى ذلك فهو يذكرنا عهد الطفولة الحبيب، حين كنا ننكر كل خبر يخالف مألوفاتنا، لا يعقل أن يكون في الدنيا ماء أُجاج، لأن الفرات يفيض بالماء العذب.
وكيف يعقل أن يتطاير الماء شرراً إذا تلاطمت أمواجه في الوقت المظلم.
وكيف يعقل أن يجري الماء على اتجاهين متعاكسين ثم يزيد ولا ينقص إلا في أيام الزيادة.
إذن فكل ما يُحدثنا به أصدقاؤنا من أخبار البحر المالح وأمواجه المتلاطمة في الليل، وعن المد والجزر فيه باطل لأنه يخالف المعقول.
بهذا الميزان كنا ننقد الأخبار، فهل يطلب الدكتور تجديد ذلك العهد والعودة إلى هذه المقاييس.
وأتذكَر أن بعض أصدقائنا قد احتفظ بهذه المقاييس الجميلة حتى تجاوز الأربعين فهو يقول عن الهاتف (التليفون) هو آلة سحرية، لأنه يستحيل أن ينتقل الكلام من مكان إلى مكان بواسطة سلك غير أجوف.
ولما أخبرناه عن المذياع ضحك من عقولنا كثيراً وقال هو أشد استحالة من الهاتف لأنكم تقولون أنه بغير سلك، والهاتف والمذياع والحاكي، وكل ما يشبه هذه الآلات سحر من عمل ساحر واحد ولكنكم لا تفقهون.
من المضحك جداً أن نحكم هذه المقاييس الناشئة من ضيق النظر وقلة الإحاطة من المضحك جداً أن نحكمها في أخبار الثقاة المأمونين، أو العقائد التي يؤسسها البرهان وإذن فلنستعرض النقود التي يوجهها الأستاذ إلى فكرة المهدي ليتضح لنا مخالفة الفكرة للعقل.
أحاديث المهدي تخالف العقل فيلزم ردها لأن هذه الفكرة تبتني:
١ - على عصمة الإمام؛ وأيُّ إمام معصوم.
وهذا نقد يوجهه الأستاذ إلى القرآن الذي شرط العصمة في الإمام، وشهد للأئمة من أهل البيت بالتطهير، وإذهاب الرجس، وإلى حديث الثقلين وأمثاله من صحيح السنة، وقد أسلفنا الكلام على ذلك فلا نعيده.
٢ - يعيش مئات السنين.
وهذا نقد ثانٍ يوجهه الدكتور إلى القرآن أيضاً، لأنه يخبر عما يخالف الطبيعة في عمر نوح النبي فيقول: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون)(٢٠)، ولم يحدثنا عن عمره قبل أن يُرسَل نبياً، وكم بلغ عمره بعد الطوفان إلى حين وفاته.
ويخبرنا أيضاً عما يخالف المألوف في عمر إبليس، لأنه ينبئ عن وجوده قبل خلق الإنسان الأول، ويقول عنه أنه (من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم)(٢١).
ويخبرنا بنظير ذلك عن المسيح أيضاً، لأنه يقول: (وما قتلوه يقيناً، بل رفعه الله غليه وكان الله عزيزاً حكيماً وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً)(٢٢).
لابد أن يؤمن جميع أهل الكتاب بالمسيح قبل موته وإذن فالمسيح لم يمت ولم يقتل والآية الأخرى: (إني متوفيك ورافعك إليّ)(٢٣) تجري على ضرب من المجاز والتشبيه.
وفي الأحاديث والتأريخ قصص نادرة للمعمرين، والأستاذ قد قرأها مراراً لأنه من المؤرخين.
وقصة لقمان بن عاد الذي عاش عمر سبعة نسور معروفة عند المؤرخين، وقول العرب: طال الأبد على لبد من الأمثال السائرة عندهم، وكذلك قول النابغة:
أخي عليها الذي أخنى على لبد ولبد هو آخر النسور السبعة التي عاش عمرها لقمان هذا، وفيه يقول الأعشى:

وأنت الذي ألهيت قيلاً بكأسه * * * ولقمان إذ خبرت لقمان في العمر
لنفسك إذ تختار سبعة أنسر * * * إذا مضى نسر خلوت إلى نسر
فعمر حتى خال إن نسوره * * * خلود وهل تبقى النفوس على الدهر
وقال لأدناهنّ إذ حلّ ريشه * * * هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري

وفيه يقول لبيد:

ولقد جرى لبد فأدرك جريه * * * ريب المنون وكان غير مثقل
لما رأى لبد النسور تطايرت * * * رفع القوادم كالفقير الأعزل
من تحته لقمان يرجو نهضة * * * ولقد يرى لقمان أن لا يأتلي

وناهيك بعمر سبعة نسور، والنسر من أطول الحيوانات عمراً وأقلّ ما قاله المؤرخون عن لقمان هذا أنه قد بلغ خمسمائة وستّين سنة وقيل أضعاف ذلك.
وقول المؤرخين عن قس بن ساعدة الأيادي أنّه عاش سبعمائة سنة معروف وقيل أقل من ذلك.
والذين عاشوا بين الثلاثمائة والأربعمائة كثيرون في التاريخ. فمن هؤلاء الربيع بن ضبيع الفراري الذي يقول:

أصبح منّي الشباب قد حسرا * * * إن ينأ عني فقد ثوى عصرا
ها أنا ذا آمل الخلود وقد * * * أدرك عقلي ومولدي حجرا(١)

وهو الذي يقول لعبد الملك بن مروان في أيام خلافته عشت مائتي سنة في فترة عيسى عليه السلام، وعشرين ومائة في الجاهلية، وستّين في الإسلام وقصته معروفة.
ومنهم دويد بن زيد بن نهد الذي يقول:

ألقى عليّ الدهر رجلاً ويداً * * * والدهر ما أصلح يوماً أفسدا
يصلح ما أفسده اليوم غداً

وقد بلغ من العمر أربعمائة وستاً وخمسين سنة على ما يذكره المؤرّخون(٢٤).
ومنهم عبد المسيح بن بقلة الغساني الذي يقول:

حلبت الدهر أشطره حياتي * * * ونلت من المنى فوق المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني * * * ولم أحفل بمعضلة كؤود
وكدت أنال في الشرف الثريا * * * ولكن لا سبيل إلى الخلود

وقد عاش ثلاثمائة وخمسين عاماً(٢٥).
ومنهم أكثم بن صيفي بن رباح الأسدي أحد حكّام العرب المشهورين وقد عاش ثلاثمائة وثمانين سنة، ومنهم الحارث بن مضاض الجرهمي الذي يقول:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * * * أنيس ولم يسمر بمكّة سامر
بلى نحن كنّا أهلنا فأبادنا * * * صروف الليالي والجدود العواثر

وقد عاش أربعمائة سنة، ومنهم عمرو بن جمعة الدوسي الذي يقول:

ثلاث مئين قد مررن كواملاً * * * وها أنا هذا أرتجي مر أربع
فأصبحت مثل النسر طارت فراخه * * * إذا رام تطايراً يقال له قع
أخبر أخبار القرون التي مضت * * * ولابد يوماً أن يطار بمصرعي

وقد بلغ ما يرجوه فقد مرّت عليه أربعمائة سنة على ما يقول بعض المؤرّخين، ويقول بعضهم أن هذه الأبيات لعامر بن الظرب العدواني وقد بلغ الثلاثمائة.
ومنهم المستوغر عمر بن ربيعة بن كعب الذي يقول:

ولقد سئمت من الحياة وطولها * * * وعمرت من عدد السنين مئيتا
مئة أتت من بعدها مئتان لي * * * وازددت من عدد الشهور سنيناً
هل قد بقي إلا ّ كما قد فاتنا * * * يوم يكر وليلة تحدونا

قد بلغ من العمر ثلاثمائة وعشرين عاماً وقيل أكثر من ذلك(٢٦).
وما أكثر المعمرين في التاريخ، وقد قرأ الدكتور أخبارهم مراراً لأنه من المؤرخين والأحاديث عن عمر الرجال مثبتة في الصحاح من جوامع الحديث، وقد روى مسلم بعض هذه الأحاديث في كتاب الفتن من صحيحه، وأحاديث الخضر مشهورة بين المسلمين وإن ظهر التشكيك فيها من الدكتور في ص١١٢ من كتاب المهدي والمهدوية.
هذا حكم القرآن والتأريخ في نقض رأي الأستاذ الجليل، أما العلم الحديث فقد أثبت امكان تعمير الإنسان ألوفاً من السنين كما تعمّر الأشجار، وقد أجرى العلماء تجارب كثيرة لتحقيق هذه النتيجة، وقد أثبتت التجارب صحتها، فقد بقيت أجزاء الحيوان بعد انفصالها حية نامية واستمرت على حياتها ونموها مدة طويلة من السنين، لا تصل إليها بحسب العادة، وكانوا يتعاهدون هذه الأجزاء بالأغذية المناسبة، وأجريت نظائر هذه التجارب في أعضاء الإنسان وقلبه، وكليته، فكانت حية نامية ما دام الغذاء موفوراً لها.
وفي مجلة المقتطف كلمة مفصلة عن هذه التجارب، وهذه النتيجة يجدها القارئ في العدد الثالث من سنتها التاسعة والخمسين.
وبعد هذا فهل الدكتور الجليل لا يزال مصراً على أن طول العمر شيء يخالف العقل وهل تصدق معي أن الدكتور في رأيه هذا يحيلنا إلى مقاييس الأطفال، وإن بلغ ما بلغ من العلم، ورحم الله ذلك الصديق القديم.
يقول الأستاذ:
٣ - وأصبح لا يجوز على العقول غمام مختلف.
وهذا نوع جديد من انقد، يؤسسه الأستاذ على رأي جديد في الإمامة، يضيف إلى شرائط الإمامة شرطاً جديداً لم يقل به أحد من المسلمين، ويفرض هذا الشرط فرضاً على جميع العقول، ثم يؤسس نقده على هذا الرأي المفروض.
يشترط الدكتور في الإمام أن يكون ظاهراً غير مستور ويرى أن هذا الحكم يجب أن يكون إجماعياً تخضع له جميع العقول لأن الذي يفرضه هو الدكتور أحمد أمين، ولذلك كان الاختفاء من الإمام مخلاً بإمامته، وأصبح لا يجوز على العقول إمام مختف، وما أجدرنا بالسكوت عن أمثال هذه الأقيسة لو لم يكن الكاتب هو الدكتور أحمد أمين، والدكتور من الأدباء النابهين الذين يحسب النشء لآرائهم ألف حساب والذين يستقون من علمه في العراق وفي الأقطار العربية والمسلمة أضعاف تلاميذه في مصر ومن لهؤلاء القرّاء المتفاوتين في المدارك أن يعلموا أن الأستاذ يتجنى على الشيعة في هذا النقد ويجني على العقول بهذا الفرض والأستاذ نفسه يعترف بأنه ليس من المعصومين، يحاول الدكتور أن يجعل شرائط الإمامة أعظم من شرائط النبوة فهل سمعت بأعجب من هذا وقد قلت أن الأستاذ يفقد معنويته إذا حاول أن يكون من الناقدين فكيف إذا حاول أن يكون مبتكراً وناقداً في وقت واحد.
الإمامة نيابة عامة عن النبوة فلا يعقل أن تكون شرائطها أعظم من شرائط النبوة، ولم يذهب إلى هذا أحد من المسلمين، والشيعة الذين يقولون أن الإمامة منصب إلهي لا يشترطون في الإمام أكثر مما يشترطون في النبي والأستاذ يعلم ذلك جيداً لأنه مؤرخ كبير، والمذاهب والآراء تشكل جزءً مهماً من أجزاء التأريخ.
وبعد فلماذا لا يجوز للإمام أن يختفي إذا قضت المصلحة له بالاختفاء كما جاز للأنبياء أن تحتجب إذا أوجبت المصلحة عليهم الاحتجاب.
وقد حدثنا القرآن عن غيبة موسى عن قومه أربعين ليلة، واحتجاب يونس مدة اختلف فيها المفسرون، وقرأنا في سيرة النبي اختفائه في الغار ثلاثة أيام وقبله في الشعب ثلاث سنين، وحدثنا التاريخ عن الأنبياء السابقين بأمثال ذلك، وقد يفرق الأستاذ في الغيبة بين طول المدة وقصرها، وهذه التفرقة لا ينبغي أن يفكر بها الأستاذ إذا كان السبب للغيبة هو اقتضاء المصلحة، والمصلحة التي تكون سبباً للاحتجاب مدة قصيرة قد تكون سبباً للاحتجاب مدة طويلة، وقد سمعنا حديث القرآن عن غيبة المسيح، وغيبة المسيح هذه تزيد على غيبة المهدي بتسعة قرون.
ولماذا لا يجوز للإمام أن يحتجب إذا ألجأته الأمة إلى الاحتجاب بنفسه، كما ألجأت آبائه إلى الاحتجاب بمذهبهم.
لماذا لا يجوز له أن يحتجب حقناً لدمه أن يطل، وحفظاً لدعوته أن تستأصل.
وأي عقل يحرم عليه الفرار من ظلم الظالمين وجور الجائرين.
ولأي سبب معقول يحرم عليه تأجيل دعوته إلى غد إذا استحال عليه أن يبلغها اليوم.
العقول تحرم على المظلوم أن يقدم نفسه لقمة سائغة لأعدائه يستبيحون دمه ويستحلون حرمته.
والعقول تحتم على صاحب المبدأ أن ينتظر الفرصة المناسبة لنشر مبدئه وبث دعوته، بهذا تحكم العقول أيها الأستاذ، وعلى هذا تتفق.
وكلنا نعلم ما لقي أهل البيت من الجور والتشريد، وما لقي أتباعهم من القتل والتعذيب، ألا يكون هذا مسوغاً لبقية العترة أن يحتجب حقناً لدمه الحاضر؛ وتمهيداً لدعوته في المستقبل، على أن كل نهضة يجب أن يتقدمها تجمع، وكل ثورة يجب أن يسبقها سكون، وقد علمنا أن الأسد يتحفز ثم يثب، وإن البركان يتجمع ثم يثور، هذه سنّة الطبيعة، وهذه سنّة العقول أيضاً ولن تجد لسنة الله تبديلاً، وكلما ازدادت الحركة أهمية، وكلما كبرت النهضة شأناً، وجب أن يكون التريث قبلها أكثر، وأن يكون التجمع لها أشد، فكيف كان الناهض يريد أن يملأ الأرض عدلاً بعد ما ملئت جوراً، وهل يمكن هذا إلا بعد رقي البشر في معارفهم وعلومهم، وهذا يحتاج إلى مضي أزمان، لا بد للناهض أن ينتظر الوقت المناسب لنهضته، ولا بد للدكتور أن يصدق بهذه الفكرة، لأني أعلم أنه من المتفائلين للعالم بالصلاح وهل يحيل على العالم أن يصل إلى الذروة في العدل الخلقي كما وصل على الذروة في العلم المادي.
أنا أعيذ الدكتور من هذه النظرة لأنها نظرة المتشائمين.
٤ - يخرج في زمان قد حدد.
ولست أظلم الدكتور إذا قلت: أنه في نقده هذا لم يكن من المنصفين. لأن الشيعة لا تحدد زماناً لخروج إمامها الثاني عشر، وهي تكذّب قول من يدّعي التحديد لذلك الزمان، ولا تعتني باليازرجات وحساب الجمل وأمثالها؛ وكتبهم شاهدة على ما أقول.
ومن المضحك جداً ما نقله الأستاذ عن ابن خلدون: أن بعض الناس - وهذا البعض من الشيعة بالطبع - كانوا يحسبون خروج الإمام بحساب الجمل، فيحددون زمان خروجه، فإذا جاء هذا الوقت ولم يخرج ادعوا أن هذا التاريخ تأريخ ولادته لا تاريخ خروجه.
فهل يسمح لي الدكتور أن أقول له: أن نقل هذه الحكايات من قلة التثبت، وإلا فأي فرد من أفراد الشيعة يشك في ولادة المهدي ليصح منه هذا القول، وإذن فهذا القول من التّهم التي يلصقها بالشيعة، ولست أريد أن أتعقب كل كلمة من هذا القبيل فإن للهزل كتباً أخرى، ولإحصاء الكذب أناس آخرين.
٥ - وهو في استثاره يحرك أتباعه ليزيلوا المظالم.
وهذا النقد أيضاً يجب أن نضعه في القائمة السابقة التي افتريت على الشيعة، وبعد فهل صدقت معي أن الشيعة مظلومون حتى في نواحي التأريخ؛ لا تقول الشيعة أن الإمام يحرك أتباعه ليزيلوا المظالم، وهو يمدهم من وراء الغيب، ولو صح هذا لم يجرأ الدكتور أن يلصق بهم أمثال هذه التهم، ولكن الشيعة تقول وتبرهن على ما تقول أنه سيخرج عند أول فرصة ممكنة للخروج فيزيل المظالم؛ ويقيم العدل، ويطبق الشريعة بالمعنى الصحيح من التطبيق.
والدكتور يفترض عالماً غير عالمنا المحسوس، وناساً غير ناسنا الموجودين فيقول:
إنما الطريق الطبيعي هو ظهور مصلح اجتماعي يشعر الناس بالألم من الظلم، والطموح إلى العدل، فيضطهد ويعذب، ولا يزال أتباعه يكثرون، وكلما عذب أمام الناس ازدادت دعوته قبولاً حتى يقوى فيزيل المظلمة أو المظالم التي دعا إلى إزالتها؛ ويحل الصالح محل الفاسد.
ولكن الأستاذ فإنه أن الأقوياء قد تستعمل مع المصلح طريقاً أقصر من التعذيب فهل في استطاعة الدكتور أن يضمن للمصلح حياته من الأقوياء حتى يكثر أتباعه وينتشرون ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
لست أظن أن الدكتور يجرأ على هذا الضمان.
هذه هي النقود التي يوجهها إلى فكرة المهدي. أما بقية الأشياء التي يعلقها على هذه الفكرة فلا أتعرض لها بشيء لأني لا أودّ أن أحطّ من قيمة أستاذ كبير.

المهدوية في التاريخ

أراني أمام حقيقة لاذعة، يسوقني إليها البحث في هذا الموضوع، وأراني مضطرا إلى الجهر بها وإن أساءت للدكتور حفظه الله، وأساءت كثيرا من أصدقائه المخلصين وفي مقدمتهم صديقه الجديد محمد أمين زين الدين.
لست أكشف مستورا ولكني أكره أن أحرر كل شيء، ولكن ما الحيلة إذا ألجأني الأستاذ أن أقول، وماذا أصنع إذا اضطرني الحق أن أجهر، وهل بإمكاني أن أغضب الحق لرضي أحمد أمين أو محمد أمين، أو أسكت عن الحق فأكون شيطانا أخرس كما يقول الحديث، وكما يقول العقل أيضاً.
ليس بإمكاني ذلك ولا بإمكان كل كاتب يتحرى الحقائق وإذن فلأقل ما شاء لي الحق أن أقول، وليغضب من يغضب، وليرض من يرضى.
علم كل باحث في المِلل والنحل أن الشيعة تشتمل على فرق متكثرة تتباين في العقيدة وتختلف في المذاهب والآراء وإن اجتمعت على تقديم عليّ على غيره من الخلفاء، وأضاف المفترون إليها فرقا خيالية موهومة لم يعرف لها الواقع اسما ولم يعين لها الزمان مسمى. ولكن كتب المِلل والنحل تذكر هذه الفِرق، وتدوّن لها آراء ومعتقدات، وتعيّن لها زعماء ومؤسسين، ولد بعضهم الخيال ولم يلده التاريخ، وسواء أصح هذا أم لم يصح؛ فقد أصبحت الشيعة عند هؤلاء فرقا كثيرة العدد ولأقوال وعلم كل باحث في المذاهب هذه الكثرة في فرق الشيعة، وهذا التباين بين معتقداتها، ولكن سعادة الدكتور يأبى له تتبعه إلا أن يجمع الشيعة على صعيد واحد ويخاطبهم بلسان واحد، فكل عقيدة ثبتت لبعضهم فقد ثبتت للجميع وكل عمل يصدره بعضهم فقد أصدره الجميع، وكل تصرّف وقع من بعضهم فقد وقع من الجميع، ولذلك فالشيعة عنده متناقضون في عقائدهم وأعمالهم، والشيعة مؤاخذون عنده بما ترتكبه أيّة فِرقة من فِرقهم، وإن خرجت هذه الفرقة من خبر كان ودخلت في خبر ليس كما يقولون.
وإلا فأي شخص من المتعلمين يجهل أن الكيسانية غير الزيدية، وإن الإسماعيليين غير البابيين، وإن جميع هذه الطوائف غير الإمامية الإثني عشرية.
وأي شخص من المتعلمين يجهل أن هذه الفِرق تتباين في عقائدها، وتختلف في مسالكها، وإن كل واحدة من هذه الفِرق تتميز بعقيدة لا يصح لنا أن ننسبها إلى فِرقة أخرى، أي شخص يجهل ذلك.
وهل يصح لعاقل أن يقول: أن بعض المصريين يرتكب القبائح فيجب أن يكون جميع المصريين أو جميع العرب والمسلمين يرتكبون تلك الآثام، أو يقول: أن بعض الغربيين يجهلون القراءة والكتابة فلا بد أن يكون جميع الغربيين أميين لا يقرأون ولا يكتبون.
لا أعتقد أن الدكتور يقول بهذا مطلقا، وإن كان يقول به حين ما يكتب على الشيعة وعن أئمة الشيعة.
من الحرج عل مؤلف كبير يكتب لملايين من البشر أن يعمل لنتائجه أقيِسة هي أحط من أقيسة الأطفال، ثم يقدمها للناس على أنها حقائق علمية.
أئمة أهل البيت يرتكبون الإثم في الخلفاء، لأن الإسماعيليين يرتكبون الإثم علانية، والإمام لا يمكن أن يكون معصوما، لأن الفاطميين كانوا ظلمة مستهترين.
وفكرة المهدي باطلة، لأن من نجح من دعاة المهدوية لم يحقق عدلا ولم يرفع ظلما؛ والشيعة يعتقدون بالحلول، لأن البابية والحلاج يعتقدون ذلك.
وهو يقولون برجعة الأئمة بطريق التناسخ لأن الشلمغاني يقول بذلك، ويقولون إن المهدي في جبل رضوي عنده عينان نضاختان فيهما عسل وماء لأن الكيسانيين يقولون بهذا، ونظمها كثير عزة في شعره.
فهل يريد القارئ مني أن أنقل له كتاب المهدي والمهدوية كله شاهدا على هذه الدعوى.
من الحرج على مؤلف كبير أن يعمل هذه الأقيسة ليلقي نتائجها دروسا على مئات من المثقفين الجامعيين، ثم يحررها كتبا لملايين من القرّاء، على أنها حقائق علمية من الحرج عليه أن يكتب مثل هذا ثم يعتذر بقلة المصادر وكيف يسوغ لباحث أن يلج موضوعا ص خطرا مع قلة إحاطة وعدم تتبع، والخيال والتاريخ لا ينفعان الكاتب في جميع الأشياء.
يذكر الأستاذ لفكرة المهدي تأريخا مشوها في الإسلام ويقول إن هذا التاريخ دليل على بطلان الفكرة؛ ولو أردنا أن نجمع تاريخ النبوات الكاذبة، والأرباب المزيفة، لوجدنا تأريخا ص عجيبا هو أشد تشويها من هذا التأريخ الذي وضعه الأستاذ لفكرة المهدي، فهل يصح لأحد أن يستدل على كذب النبوات كلها، وإنكار الإله الحق بهذا التأريخ المشوه الذي وضعناه للكاذبين، لا أعتقد أن الدكتور يصحح ذلك الدليل وإن كان يقول بصحته حين ما يكتب عن فكرة المهدي.
وبعد فإن الدكتور ينظر إلى المسلمين عامة نظرة سوداء فيها كثير من الاحتقار وكثير من الإزدراء، لأن الشيعة في رأيه جمعية سرية ترتب أمورها بدقة وتسيرها بإتقان، وقد تمكنت بفضل هذه الدقة أن تدس في أحاديث المسلمين ما تشاء، وإن تلوّن تأريخ المسلمين كيف تريد، وأن تدخل في العلوم والفنون ما تختار، ورؤساء المسلمين وقياداتهم في غفلة عن هذا التصرف الذريع، فأحاديث المسلمين وتأريخهم وتفسيرهم وعلومهم ألعوبة بأيدي هذه الفئة الدساسة، ولعل أيدي هؤلاء امتدت على أشياء أخرى يحذر الأستاذ من الجهر بها.
والأدب... والأدب، كيف لونه الشيعة القرمطيون بطابع الدم والثورة والحيرة والاضطراب، ولا تعجب من هذه النسبة فهي عبارة واحدة عند الأستاذ لأنه يقول عن المتنبي أنه تعلم في بعض مكاتب الشيعة، ومن هؤلاء الشيعة كانت القرامطة، ولذلك فالمتنبي شيعي قرمطي، وكل شيعي قرمطي، كما أن كل شيعي إسماعيلي، وكل أديب باك أو متحير فهو شيعي قرمطي وإن كان في تسنن جرير، وفي نصب مروان بن أبي حفصة؛ وكل شعر دموي فشاعره شيعي قرمطي وإن كان من الجاهليين أو من المخضرمين.
أنا لا أنكر ما للأدب الشيعي من الروعة، وما فيه من الجمال، لأن هذه الظاهرة في الأدب الشيعي واضحة يجدها كل قارئ يتذوق الأدب.
أدب الشيعة صدىً لعواطف ملتهبة، أخمد الزمان لهبها أن يظهر، وأطلق الأدب دخانها أن يثور، ففاح كما يفوح الند حين يحترق، وماء الورد حين يتصاعد، وفي الأدب الشيعي رقة الدمع، ورهبة الدم، والحزن للقلوب والكئيبة كالنار حين تنفي خبث الحديد، وتنقي الذهب الإبريز ويستطيع الأديب الشيعي أن يبكي في ثورته، ,وأن يثور في بكائه، وأن يسيطر على الموقف في كلتا الحالتين، لأنه يقلي من شظايا فؤاده.
لم تستطع الشيعة أن تعمل، ولكنها استطاعت أن تقول، والكبت حين يشتد يتصل بأعماق النفس ليمزج العقيدة بالعاطفة، ثم يتصعد مع الزفرات أدبا يلهب ويلتهب ويبكي ويستبكي، وفي أنّة الحزين معان لا تستطيع أن تعبر عنها أنّة المعافى، وإن تشابهتا في التوقيع.
هذا ما يجعل أدب الشيعة في القمة من أدب المسلمين، وفي الذروة من أدب العروبة، وهذا بعض ما استفادته الشيعة من يوم الحسين، وأيام العترة في التأريخ، وأيامهم في التأريخ دموع ودماء.
والشيعة حين تكبر يوم الحسين فإنها تريد أن تعترف بالفضل لهذا المنقذ، لأنه استطاع أن يمزج العقيدة الإسلامية بلحومها ودمائها، وأن تؤدي للرسول الأعظم أجر الرسالة بالولاء الصحيح، والولاء الصحيح مشاركة في الأحزان والأفراح، وإذا لم يستطع التأريخ أن يحفظ للعترة يوم فرح فقد حفظ لها أيام الحزن(٢٧).
أنا أعترف للأدب الشيعي بجميع ذلك، ولكني أنكر أن يكون كل أديب باك شيعياً، وكل شاعر ثائر قرمطيا، لأن أكثر الشعر بكاء، وأكثر الشعراء ثائرون، وهل بإمكان الأديب أن يبكي وأن لا يثور، وهو يصور الحياة، وأكثر ما في الحياة آلام.
ولست أعتقد أن الدكتور لم يثر ولم يبك في يوم من الأيام، وإذن فالدكتور أحمد أمين شيعي قرمطي لأنه بكى وثار في أدبه، ولعله أبكى واستثار.
ويعجبني كثيرا هذا التحقيق التأريخي لنقل كلمة المهدي الذي يذكره الدكتور ص(١٠) (وأن المختار ابن أبي عبيد الثقفي نقل كلمة المهدي إلى معنى آخر لزمها إلى اليوم، وهو أن المهدي لم يمت، وإنما هو وأصحابه يقيمون في جبل رضوي وهو في الحجاز على سبع مراحل من المدينة، وإنه وأصحابه أحياء يرزقون).
تأمل بربك تأمل، هل تصح هذه العبارة من المختار إلا حين يعتقد الناس الآخرون أن إمامه قد مات، والمؤرخون مجمعون على أن المختار قتل في السنة السابعة والستين للهجرة وأن محمدا ابن الحنفية مات بعده بخمس سنين على أقل التقادير(٢٨).
وهذا الجدول التأريخي الطويل الذي حشد فيه الدكتور كثيرا من وقائع الدهر، وجعله فهرسا لنتائج فكرة المهدي أو للأحداث المتصلة بها كما يقول، كأن الدكتور قد لاحظ فيه أن كل حركة قام بها شيعي أو كانت ضد حركة شيعية، وكل ثورة قام دعاتها باسم العدل، فجميع هذه الحركات والثورات من الأحداث المتصلة بفكرة المهدي وإلا فأي علاقة لخلافة علي، ومقتل الحسين، وثورة المختار وبعض ثورات العلويين، وسيف الدولة الحمداني، و.و.و.أي علاقة لهذه الأشياء بفكرة المهدي، لو لم تكن هذه الحركات شيعية، أو لم يكن تأسيسها باسم العدل، ورفع الظلم؛ ولهذا كان الواجب أن يضيف إلى هذه القائمة كل ثورة نهض زعماؤها باسم العدل، وإن لم تكن في الشرق أو لم تكن عند المسلمين.
لا يشك أحدٌ أن مصدر ابتلاء الشيعة بهذه التهم هو اختفاؤها بعقائدها أيام التقية والخوف.
وماذا يصنع الشيعة إذا ألجأهم البرهان العلمي إلى الاعتقاد، واضطرتهم الحكومات القائمة إلى الاستتار، وماذا يصنع الدكتور نفسه إذا ابتلى بمثل ذلك، فهل يترك عقيدته التي حتما عليه البرهان، أو يخاطر بدمه الذي عصمه القرآن على غير جدوى في هذه المخاطرة.
لست أشك في أن الدكتور يختار ما اختارته الشيعة إذا ابتلى بمثل بلائها، يسر العقيدة ويساير الجمهور، وهذه نتيجة لا بد منها إذا فرضها الزمن.
كان من المحتم على الشيعة أن يختفوا؛ وكان هذا الاختفاء مصدر ابتلائهم بهذه التهم الكاذبة التي لا تتصل بهم ولا تشبه قواعد مذهبهم.
من الضروري لكل شخص يقوم بحركة انقلابية ضد حكومة رسمية قائمة أن تكون دعوته سرية في بدايتها وأن يستخدم بعض الفكر الصحيحة لتحقيق غايته، كفكرة المهدي وما يشبهها، وأن يُموّه على المغفلين ممن اعتنق هذه الفكرة ليساعدوه على ما يريد، لا بد له من ذلك، وفي هذا ما يوهم المؤرخين والحكومات القائمة أن الحركة شيعية، وفي الحق أن الشيعة منها براء، والدليل على ذلك تبرّء الشيعة وأئمة الشيعة من هذه الحركات، ومن زعمائها، وأحبار الأئمة في التنديد بهؤلاء الثائرين؛ محفوظة في كتب الشيعة المعتمدة ولكن المؤرخين مصرون على أن هذه الحركات شيعية وأن زعماءَها شيعيون.
تتبرأ الشيعة وأئمة الشيعة من الحلول والتجسيم؛ وتكفّر من يقول بهما، ويأبى المؤرخون إلا أن يكون الحلاج والشلمغاني شيعيين، وأن تكون ثورة القرامطة ثورة شيعية، وارتكاباتهم أعمالا شيعية مهدوية.
وتحكم الشيعة وأئمة الشيعة بنجاسة من يدعي النبوة بعد نبي الإسلام وتبطل كل دين يظهر بعد دين الإسلام، ويقول المؤرخون ومنهم الدكتور أحمد أمين أن نهضة البابليين والقاديانية نهضتان شيعيتان مهدويتان.
وتحكم الشيعة بكفر القائلين بوحدة الوجود، وتنزه الله عن عوارض المكان والإمكان؛ وتقول أن شريعة الإسلام كافية لتهذيب الظاهر والبطن، ويقول العلامة ابن خلدون والدكتور أحمد أمين إن المتصرفة أخذت مذاهبها من عقائد الشيعة، أرأيت أعجب من هذا.
نظير ما ينقلون في نوادر الأذكياء أن رجلا بلغه موت أحد أصدقائه في السفر فحزن عليه حزنا شديدا وجزع لفقدهن واتفق أن صديقه عاد من سفره سالما، فلقيه يوما في الطريق، فسلم عليه وهو يبكي، ويقول: عظم الله أجورنا فيك أيها الأخ العزيز فلقد شق علينا موتك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فضحك صديقه وقال: وها أنا بحمد الله رجعت سالما فقال: إن الذي أخبرني بموتك أصدق منك أيها الأخ.
تبرّأ الشيعة من هذه الآراء ومن معتقديها، ويقول المؤرخون أنها آراء شيعية وإن المعتقدين بها شيعيون، لأن الذي يخبرنا بذلك هو التأريخ، وكتب الملل والنحل وهما شاهدان عادلان.
أنظروا كتب الشيعة مشحونة بالرد على هذه الأهواء لعلكم تصدقون أن هذه الأهواء غير شيعية وأنها تباين قواعد المذهب الجعفري، ولعل من كتب في رد هذه الأهواء من الشيعة أكثر من زعم غيرهم، أنظروا كتب الشيعة لعلكم تصدقون معي أن التأريخ لم يكتب للتاريخ وإنما كتب للعقيدة، وإذا قلت المصادر عن المذهب الإسماعيلي فإن مصادر الإثني عشرية غير قليلة، إقرأوا كتب الشيعة ثم انقدوا عن كنتم ناقدين، وستعلمون من دون ريب أن الشيعة لا تناصر فلسفة ولا تصوفا وإنما تناصر الحق وتساند الدليل.
ستعلمون أن الشيعة لا تقول أن في القرآن أدبا رمزيا يؤول بمشتهيات النفوس ولكنها كما يقول القرآن: (منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخَر متشابهات)، وتقول إن المتشابهات يجب ردها على السنة النبوية الصحيحة، وإلى ما يقول العترة الذين جعلهم النبي قرناء الكتاب.

خاتمة المطاف

العدل الخلقي والاجتماعي نتيجة طبيعية للدين الإسلامي الحنيف إذا عمل المسلمون بقواعد هذا الدين، وطبقوا تعاليمه على ما يعملون وما يعتقدون، وكان من المحتم أن يصل المسلمون إلى هذه الغاية منذ يومهم الأول لو أحسنوا الإتباع واجتهدوا في التطبيق، ولكن تزاحم الغايات يبعد عن المراد.
لم يصل المسلمون إلى الغاية التي نهج إليها الدين حين تركوا اللباب من هذه التعاليم واكتفوا بالظاهر، ونظرة الدين إلى الباطن سابقة على نظرته إلى الظاهر، ولذلك فهو يبدأ بالعقيدة قبل العمل.
(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى)(٢٩) و(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكتم أن تحكموا بالعدل)(٣٠) (وأمرت لأعدل بينكم)(٣١) وما أكثر الآيات الدالة على أن غاية الدين الأولى هي تحقيق العدل بجميع معانيه.
وإذا كان الإسلام هو الدين الذي شرعه الله ليكون دين البشر العام، فإن غايته لا بد ان تكون هي تحقيق العدل العام الذي يملأ الأرض.
هذا ما أراد الله للبشر حين شرع لهم الدين؛ وهذا ما تفاءلت به الأديان حين أخبرت بالعدل المنظر.
والبشر الذي يسير إلى الكمال في العلم المادي بسرعة البرق، وبقوة الذرة لا يمتنع عليه أن يسير إلى الكمال في العدل الخلقي بسرعة القدم.
سيصل البشر إلى هذه الغاية من دون ريب حين يدركون سموّ العدل، وحين يفهمهم المصلح أن هذا العدل لا يتحقق إلا بدين الإسلام.
هذه الفكرة هي التي تقول بها الشيعة في المهدي، وتقول: إن المهدي الذي يفهم الناس بهذه الضرورة هو آخر رجال العترة الذين خلفهم النبي في الأمة، وبقية ذوي القربى الذين أوجب الله مودتهم في الكتاب، وهذه خلاصة رأي الشيعة في المهدي.
والشيعة ترحب بكل نقد نزيه يتعلق بمذهبها، على أن يكون التفاهم للحق وحده، وإذا كان المقصد هو الحق صغرت الوسيلة لعظم الغاية.
وعلى الناقد أن يتأكد من الرأي قبل أن يتسرع في النقد فيدل من نفسه على ما لا يحمد؛ فإن في السكوت إذا لم تتضح للناطق مواضع النطق، ورحم الله مؤيد الدين الطغرائي الذي يقول:

غالي بنفسي عرفاني بقيمتها * * * فصنتها عن رخيص القدر مبتذل

وأنا حين أودع سعادة الدكتور أحمد أمين، فإني أكبر منه جهاده المتواصل وتآليفه التي خدم بها الأدب، وأرجو أن تكون صلتنا للحق وحده، كما يريد هو وكما أريد أنا، وله خالص التحيات من صديقه الجديد.


 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) انظر صحيفة ٦ وصحيفة ٢٠ من المهدي والمهدوية وانظر صحيفة ٥ و٦ و٨١ من الترجمة الفارسية لكتاب (المهدي في ثلاثة عشر قرناً) تأليف المستشرق الفرنسي الأستاذ (خاورشناس دار مستتر).
(٢) التواتر شيوع في الخبر، واستفاضة في نقله، إذا أدت هذه الاستفاضة إلى اليقين بصدق الخبر، وأحال العقل تواطؤ المخبرين على الكذب فيه، والعقلاء يعتقدون أن التواتر من أهم أسباب اليقين بالأشياء، ويدّون الخبر المتواتر من الضروريات التي يصدقها العقل بنظرته الأولى، وإذا نظرنا أهم الوقائع في التأريخ وجدنا أن العلم بها إنما يحصل لنا من الخبر المتواتر، ولكن من الحق أن نشترط لحصول العلم من الخبر المتواتر شرطاً آخر وراء ما تقدم، وهو أن يكون ذهن السامع خالياً من عقيدة أو شبهة تناقض الخبر؛ ولذلك قد لا يحصل لنا العلن بواقعة من وقائع التأريخ، وإن كانت متواترة بين المؤرخين.
ومن أمثلة ذلك تشكيك الدكتور طه حسين بوجود بعض الشخصيات الأدبية، وإن أصرّ على وجودها المؤرخون والواجب في مثل هذا أن ينظر الناقد مقدار قيمة تلك الشبهة أو العقيدة من البرهان العلمي.
(٣) يقول العلامة (علي بن أبي علي بن محمد الأمدي) المتوفي سنة ٦٣١ هجرية في الجزء الثاني من كتابه (الأحكام في أصول الأحكام) ص٤٤ (شرطت الشيعة وابن الراوندي وجود المعصوم في خبر المتواتر، حتى لا يتفقوا على الكذب وهو باطل...) ومن حق الشيعة أن تسأل العلماء الذين يشهدون للآمدي بالوثاقة ويصفونه بالتثبت عن مصدر هذه النسبة، أي كتب الشيعة يشترط هذا الشرط، وعن أي علمائهم ينقل؛ أنها نسبة كاذبة من دون ريب، والشيعة تشترط وجود المعصوم في حجية الإجماع، والإجماع غير الخبر المتواتر، ولكن الآمدي رحمه الله (أضاع ثقب الدعاء) كما يقول المثل الفارسي.
(٤) لاحظنا في تعداد الأحاديث اختلاف المتن أو السند ولو ببعض الوسائط إذا كان هذا الاختلاف يصحح جعلها روايتين، وقد رأينا الحافظ أبا نعيم يروي بعض الأحاديث بطرق كثيرة تتجاوز الخمسين طريقاً ويروي بعضها بثمانية طرق وبعضها عن جمّ غفير.
(٥) انظر صحيفة ٩٧ من كتاب الصاعق المحرقة.
(٦) سورة النمل ٦٥. الكف آية ٢٦، ٢٧.
(٧) سورة الجن آية ٢٦.
(٨) يقول المتكلمون: العصمة لطف من الله عزّ وجل يحصل للكاملين من أفراد البشر يمتنعون بها عن ارتكاب الجرائم عمدا، ويرتفعون عن الوقوع بها خطأ؛ وهذا التعريف يؤول إلى القوة العقلية التي ذكرناها لتفسير العصمة؛ ويقول الخلقيون في تعريف العدالة: هي ملكة نفسانية يحصل بسببها الاعتدال التام في جميع ملكات النفس وصفاتها، وهذه الملكة تحصل من سيطرة العقل على جميع قوى الإنسان، وإذن فمبدأ العدالة قوة العقل، فإذا كانت هذه القوة في أسمى مراتبها سميت (عصمة).
(٩) أنظر إلى كتاب الألفين للعلامة الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي المتوفي سنة ٧٢ للهجرة.
(١٠) سورة الحجر آية ٩.
(١١) أنظر صحيح البخاري كتاب الفتن.
(١٢) أنظر صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة.
(١٣) سورة الأحزاب آية ٣٦.
(١٤) سورة آل عمران آية ٢٨.
(١٥) الحسن بن يوسف علي بن المطهر الشهير بالعلامة الحلي المتوفي سنة٧٢٦.
(١٦) سورة البقرة آية ١٢٤.
(١٧) سورة يونس آية ٣٤.
(١٨) سورة الأنعام آية ٣٨.
(١٩) أنظر صحيفة ٦١ من كتاب المهدي والمهدوية.
(٢٠) سورة العنكبوت آية ١٤.
(٢١) سورة الحجر الآيات ٣٧،٣٨.
(٢٢) سورة النساء الآيات ١٥٧،١٥٨،١٥٩.
(٢٣) سورة آل عمران آية ٥٥.
(٢٤) أنظر ص ١٧١ من أمالي السيد المرتضى.
(٢٥) أنظر ص ١٨٨ من المصدر المتقدم.
(٢٦) ص١٦٩ من نفس المصدر.
(٢٧) رعى الله إخواننا من المسلمين، وتجاوز عنهم فيما يصنعون أنهم يأخذون على المحزون أن لا يئن، ويحكمون على المصدور أن لا يتزفّر، يؤاخذون الشيعة حين تبكي لآلامها، وحين تحزن لأوليائها، ويقولونك إن مواساة النبي في أحزانه بدعة، وإن التوجع لآلام أهل البيت ضلال.
عذرتكم أيها الإخوان، فإن للحب مجالي يجهلها غير العاشقين الشيعة متيمون بنبيهم، متيمون بأئمتهم، ويرون في هذا الحب أشد أنواع الإتباع.
ينشأ الطفل الإثنا عشري، وعقيدة التوحيد والرسالة ملؤ إدراكه ومداركه، وملؤ سمعه وقلبه، واسم الحسين مع هذه العقيدة في سمو معناها وسمو أهدافها، يمدها من مصرعه بالدم فيحيل العقيدة عاطفة، وتمد هي مصرعه بالعظمة فينعكس عليه جلالها، وترتسم عليه أضواؤها.
لست أريد أن أرثي الحسين، ولكني أريد أن أصور عقيدة الشيعة في الحسين وفي الأئمة من آله، تقول الشيعة: أن النبي بكى في يوم حمزة، وقال: ولكن حمزة لا بواكي عليه، وبكى في يوم جعفر وزيد بن حارثة، وبكى لأحياء آخرين، والحسين أقرب هؤلاء إلى قلبه وأشدهم صلة بروحه، وتروي الشيعة عن أئمتها أحاديث في فضل البكاء عليه.
وبعد فلماذا يعد الحزن لأهل البيت بدعة، بعد أن كان محل خلاف بين المسلمين، وبعد أن أدى اجتهاد علماء الشيعة إلى جوازه ورجحانه.
لم يستطع الناقدون أن يقولوا: حب أهل البيت بدعة، فقالوا: البكاء لمصابهم بدعة، ولم يظهروا: أن يوم الحسين عيد للأمة، ولكنهم جعلوا عيد الهجرة في شهر محرم.
نغمات قديمة وقعها ابن كثير في تاريخه وتبعه آخرون.
ومن أحدث هذه النغمات ما رأيته في مجلة لواء الإسلام في عدد المحرم من سنة ١٣٧١.
تقول المجلة عن حديث التوسعة على العيال في يوم عاشوراء هو من الأحاديث المكذوبة، لأن رواية أهل الكوفة وأهل الكوفة طائفتان: رافضة يظهرون موالاة أهل البيت، وهم في الباطل إما ملاحدة زنادقة؛ وإما جهال وأصحاب هوى، وطائفة ناصبة تبغض عليا وأصحابه، ولما قتل الحسين بن علي يوم عاشوراء صارت طائفة الروافض تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، ولما رأت طائفة النواصب ذلك قابلت الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور والتوسعة.
أرأيت كيف يعدون الحزن لأهل البيت من الكذب ومن العمل الفاسد، أرأيتهم كيف يحكمون على الشيعة بالإلحاد والزندقة وهل تعلم دليلهم على هذا الحكم.
دليلهم عليه أن الشيعة تحب أهل البيت وإلا فأي دليل يقوم على أن من يظهر الولاء لهل البيت فهو ملحد في الباطن أو مبتدع، وأي تأريخ يقول: أن النبي هاجر في شهر المحرم.
لم يهاجر النبي في شهر المحرم، ولكن الحسين قتل في هذا الشهر، ولم يبتدع الشيعة شيئا، ولكنهم يحبون أهل البيت.
(٢٨) أنظر تاريخ الطبري في حوادث سنة٦٧، ووفيات الأعيان في ترجمة محمد ابن الحنفية.
(٢٩) سورة النحل آية ٩٠.
(٣٠) النساء آية ٥٨.
(٣١) سورة الشورى آية١٥.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٢ / ٤.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016