فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » غيبة المنتظر في منتخب الأثر/ القسم الرابع
 كتب أخرى

الكتب غيبة المنتظر في منتخب الأثر/ القسم الرابع

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: عبد السلام الترابي السدهي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٨٩١١ التعليقات التعليقات: ١

غيبة المنتظر في منتخب الأثر/ القسم الرابع
بحث مختصر من كتاب منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر لآية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني دام ظله الوارف

إعداد: عبد السلام الترابي السدهي

الفهرس

الإهداء
كلمة المعد
مقدمة المؤلف دام ظله الشريف
بحث للمصنف (دام ظله) في معنى الغيب وانه الامام المهدي عليه السلام
(بحث تفسيري)
الفصل الاول: في اثبات ولادته (عليه السلام):
س١: حول تصريحات علماء الشيعة بولادته (عليه السلام)؟
س٢: في روايات الشيعة حول ولادته (عليه السلام)؟
س٣: هل ان ولادته (عليه السلام) كانت بالخفاء والخطر؟
س٤: في ذكر شيء عن امه (سلام الله عليها)؟
رأي المصنف حول نهاية ام الامام (سلام الله عليها)
س٥: فيمن رآه زمن ابيه (عليه السلام)؟
س٦: هل شهدت علماء العامة بولادته (عليه السلام)؟
ذكر المصنف لجماعة من العامة شهدوا بولادته (عليه السلام)
الفصل الثاني: في ان له (عليه السلام) غيبة واثبات ذلك:
س١: في ان فيه من سنن الانبياء (عليهم السلام) ومنها الغيبة؟
س٢: الغيبة؛ (ان له (عليه السلام) غيبتان)؟
س٣: في بيان صحة الروايات الواردة حول الغيبة؟
كلام المصنف حول صحة الاحاديث الواردة في ذلك
س٤: روايات بخصوص الغيبة الكبرى؟
س٥: روايات حول الغيبة الكبرى، على شكل نقاط؟
س٦: اسباب وعلة غيبته (عليه السلام)؟
س٧: روايات تبين الحكمة من غيبته (عليه السلام)؟
س٨: روايات الحكمة في غيبته (عليه السلام) على شكل نقاط؟
الفصل الثالث: فيما يلازم الغيبة من طول العمر وانه شاب المنظر وغير ذلك:
س١: هل يمكن ان يبقى (عليه السلام) حيا هذه المدة؟
كم يعيش الانسان؟ بقلم طبيب انجليزي
س٢: الروايات الدالة على انه (عليه السلام) طويل العمر؟
س٣: انه (عليه السلام) يبقى شاب المظهر ولا يهرم؟
س٤: انه (عليه السلام) لا يبايع احدا وليس في عنقه بيعة لاحد؟
س٥: الفوائد المترتبة على غيبته (عليه السلام)؟
ذكر قول المجلسي؛ في وجه تشبيه الامام؛ بالشمس وراء السحاب
الفصل الرابع: حول غيبته الصغرى (عليه السلام) وفيمن رآه فيها وبعض من معجزاته وسفراءه:
س١: روايات في الحكمة من غيبته الصغرى (عليه السلام)؟
س٢: فيمن فاز برؤيته (عليه السلام) في الغيبة الصغرى؟
س٣: حول معجزاته زمن ابيه (عليه السلام)؟
س٤: في معجزاته (عليه السلام) في الغيبة الصغرى؟
س٥: كلام المنصف؛ حول نوابه الاربعة ونبذة عنهم؟
س٦: الروايات الواردة في سفارة النواب الاربعة؟
س٧: في بعض معجزات وحالات سفراءه؟
الفصل الخامس: حول غيبته الكبرى (عليه السلام) وفيمن رآه وبعض من معجزاته:
س١: حول فرية الغيبة في السرداب؟
س٢: ما هي الغيبة الكبرى ومتى بدأت؟
س٣: هل للإمام الحجة (عليه السلام) سفراء ووكلاء فيها؟
س٤: فيمن رآه (عليه السلام) في الغيبة الكبرى؟
س٥: في بعض معجزاته (عليه السلام) فيها؟
س٦: ما هي معجزاته الكبرى (عليه السلام)؟

الإهداء
الى صاحب العصر والزمان؛ مولاي
والسلام عليك يا سيدي؛ ومناي
حالي حال الباكي عليك؛ بكاء الواله الثكلى
ذات الكبد الحرى
قد نال الحزن من وجنتيه
وشاع التغيير في عارضيه
وابلى الدموع محجريه

وهو يقول: سيدي غيبتك نفت رقادي
وضيقت عليّ مهادي، وابتزت مني راحة فؤادي
سيدي؛ غيبتك اوصلت مصابي بفجائع الابد
وفقد الواحد بعد الواحد، يفني الجمع والعدد
وكلما احسست بدمعة ترقى، او انين يبرى
من دوارج الرزايا وسوالف البلايا
الا مثل بعيني؛ عن غوابر اعظمها وافظعها
وبواقي اشدّها وانكرها
ونوائب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك
الى متى يدوم ذلك، مع هرج ومرج
والى متى يكون الفرج؟!
يا بقية السلف
والسلام عليك وعلى آبائك الطاهرين

بسمه تعالى
مقدمة المعد

والصلاة والسلام على اشرف خلقه اجمعين محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم من الآن الى قيام يوم الدين.
لقد كانت فكرة الامام المهدي (عليه السلام) وظهوره في آخر الزمان مما تسالم عليه المسلمون بجميع طوائفهم وتواترت البشارات به، سواء ما ورد في القران الكريم او السنة النبوية الشريفة؛ ونحن عزيزي القارئ في هذا المختصر حول غيبته (عليه السلام) نذكر ما ورد في كتب الفريقين على نحو الاختصار ومن اراد التوسع فعليه بمراجعة الكتاب الذي اعتمدنا عليه وهو كتاب (منتخب الاثر في الامام الثاني عشر)، لمؤلفه؛ العلامة الفذ الورع، احد زعماء الطائفة الشيعية نزيل قم المقدسة، آية الله العظمى؛ الشيخ صافي الگلپايگاني، استاذنا المفدى دام ظله الوارف على رؤوس المسلمين.
ولا غرابة فان هذا الكتاب فريد من نوعه؛ لما يحتويه من مطالب مهمة حول الامام المهدي (عليه السلام)، حيث جمع مؤلفه، دام ظله؛ الآثار الروائية وضمنها المطالب العلمية والرجالية، فخرج كتابا فريدا حاويا لعلم الرواية والدراية. ولأهميته؛ حاولت ان اجمع بعضا من فصوله المهمة على شكل كتيبات في مواضيع معينة.
ولقد تقدم منا اختصار بعض من اجزاءه الثلاثة، على شكل كتيبات صغيرة ليسهل تداولها، وها نحن نوفق لإخراج الكتاب الرابع من هذه المختصرات وسميناه: (غيبة المنتظر في منتخب الاثر)، وحاولنا جمع كل ما يتعلق بغيبة الامام المهدي، روحي فداه، من الكتاب الموسوم، وجعلته على شكل فصول، وكل فصل فيه عدة اسئلة مع الاجابة عليها، حتى تكون مطالب الكتاب سهلة وواضحة، كما هو دأبنا في ذلك.
ولمّا اردنا ان تكون الاجزاء مستقلة؛ لذا حاولنا ان نذكر في هذا المختصر فصل حول ولادته (عليه السلام)، ثم الكلام في غيبته، ليكون البحث متكاملا، ولا يشعر القارئ بفراغ في موضوع الكتاب.
كما لا يخفى على القارئ اللبيب؛ انه قد حصل تكرار لبعض الروايات لوجود جهات فيها استدعت ذلك، كما لا يخفى ايضاً؛ انا حذفنا اسناد الروايات روما للاختصار.
هذا وختاما ارجو من الله المولى العظيم؛ ان ينفع به اخواني المؤمنين، انه على كل شيء قادر وحكيم.

المعد: عبد السلام الترابي السدهي (الكاظمي)

مقدمة المؤلف دام ظله (١)
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين، والصلاة والسلام على اشرف خلقه اجمعين؛ ابي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم اجمعين من الآن الى قيام يوم الدين:
لا يخفى عليك -عزيزي القارئ: ان ظهور المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، موضوع كثر في شأنه تصنيف الكتب، وتحرير الرسائل والمقالات الجامعة من عصر الإمام ابي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) إلى العصر الحاضر، فقلما يوجد من علماء الإمامية من لم يكن له كتاب خاص أو مقالة وكلمة خاصة في هذا الموضوع، وفي مراجعة بعضهما غنى وكفاية لطلاب الحقيقة، هذا مضافا إلى ما صنفه في ذلك بعض العلماء من أهل السنة؛ كالحافظ أبي نعيم الأصبهاني صاحب كتاب: (صفة المهدي) و(مناقب المهدي)، والكنجي الشافعي صاحب: (البيان في أخبار صاحب الزمان)، وملا علي المتقي صاحب: (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان)، وعباد بن يعقوب الرواجني صاحب كتاب: (أخبار المهدي)، والسيوطي صاحب: (العرف الوردي في أخبار المهدي)، وابن حجر صاحب: (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر)، والشيخ جمال الدين يوسف بن يحيى الدمشقي صاحب: (عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر)، وغير هم، وأفرد في ترجمته ايضاً على ما في السيرة الحلبية بعضهم كتابا حافلا سماه: (الفواصم عن الفتن القواصم).
فإذن لا وجه للاستغراب والاستبعاد في هذه الاحاديث المتواترة التي بعض رواتها مكي، وبعضهم مدني، وبعضهم كوفي، وبعضهم بصري، وبعضهم بغدادي، وبعضهم رازي، وبعضهم قمي، وبعضهم شيعي، وبعضهم سني، وبعضهم أشعري، وبعضهم معتزلي، وبعضهم كان في العصر الاول، وبعضهم في غيره من الاعصار؛ لامتناع اجتماع هؤلاء مع بعد مساكنهم ومواطنهم، واختلاف اعصارهم وآرائهم ومذاهبهم في (مجلس واحد) واتفاقهم على نقل هذه الاحاديث كذبا، مع أن احتمال الكذب في كثير منها بالخصوص ايضاً في غاية الضعف والفساد؛ لكون رواته من المعروفين بالوثاقة، ومن أعاظم العلماء ورجالات الدين والزهد والعبادة، فلو تركنا الأخذ بها لما بقي مجال للاستناد إلى الاخبار المأثورة عن النبي وعترته (عليهم السلام)، في جميع أبواب الفقه وغير ه، ولزم أن نرفع اليد عن التمسك بالأخبار المعتبرة في امورنا الدنيوية والدينية مع استقرار بناء العقلاء من المسلمين وغير هم عليه وهذا الاستبعاد هو عمدة ما اعتمد عليه المخالفون، واعترضوا به على الشيعة من غير التفات الى ما يؤول إليه أمره مما لم يلتزم به أحد من المسلمين وغيرهم.
وقد صرح بتواتر هذه الأخبار واشتهار ظهوره (عليه السلام) بين المسلمين واتفاق العلماء عليه؛ جماعة من أعلام أهل السنة، كما قد اخرج هذه الاحاديث؛ جماعة من أكابر أئمتهم في الحديث: كأحمد، وأبي داود، وابن ماجة، والترمذي، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والبيهقي، والماوردي، والطبراني، والسمعاني، والروياني، والعبدري، والحافظ عبد العزيز العكبري في تفسير ه، وابن قتيبة في (غريب الحديث)، وابن السري، وابن عساكر، والدار قطني في (مسند سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء)، والكسائي في (المبتدأ)، والبغوي، وابن الأثير، وابن الديبع الشيباني، والحاكم في (المستدرك) وابن عبد البر في (الاستيعاب)، والحافظ ابن مطيق، والفرعاني، والنميري، والمناوي، وابن شيرويه الديلمي، وسبط ابن الجوزي، والشارح المعتزلي، وابن الصباغ المالكي، والحموي، وابن المغازلي الشافعي، وموفق بن أحمد الخوارزمي، ومحب الدين الطبري، والشبلنجي، والصبان، والشيخ منصور علي ناصف، وغيرهم.
وهنا فوائد جليلة عظيمة؛ تظهر من جمع هذه الأخبار على هذا الترتيب والتفصيل، لا بأس بالتنبيه على بعضها:
منها: ان اعتقاد الشيعي في عصر الغيبة بوجود المهدي (عليه السلام) وظهوره في آخر الزمان؛ ليس مانعا من اجتماع كلمة المسلمين، ورفض الاختلافات المضرة بمجدهم وشوكتهم، فان هذه عقيدة محضة خالصة نشأت عن هذه البشائر، وليست مخالفة لما بني عليه الاسلام أو لما دل عليه صريح أو ظاهر الكتاب أو السنة القطعية، بل عقيدة انبعثت عن الاعتقاد بصدق النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب هذه البشائر، فيجب أن يتعامل السني في هذه المسالة معاملته مع غيرها من المسائل التي اختلفت فيها انظار علمائهم، ويتحرى الحقيقة فيها كما يتحرى في غيرها.
ومنها: ترك التكرار، فإني بعد ما تصفحت ما وقع بيدي من الكتب المصنفة في هذا الموضوع قديماً وحديثا لم أجده خاليا عن التكرار؛ لأن كثيرا من الاحاديث لم يتكفل ببيان مطلب خاص حتى يستغنى بنقله في باب واحد دون ذكره في سائر الأبواب بل اشتمل على جهات وفوائد توجب ذكره في عدة من الأبواب، وهذا هو السبب لوقوع التكرار في كتب حديث الفريقين تارة، وتقطيع الأخبار تارة اخرى، فاحترزت عنها بالإشارة إلى الاحاديث المذكورة في سائر الأبواب مع ذكر مواضعها وعددها في خاتمة كل باب.
ومنها: معرفة تواتر عناوين كثير من الأبواب.
هذا؛ ونسأل الله تعالى: أن يوفقنا لما يوجب رضوانه، ويعيذنا عن التعصب والاعتساف، ويهدينا إلى سبيل الحق والإنصاف، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وذخيرة ليوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم(٢).

بحث للمصنف (دام ظله) في معنى الغيب وانه الامام المهدي عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم

وصلّى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين؛ روي في (كمال الدين) للشيخ الصدوق عليه الرحمة: عن داود بن كثير الرقي، عن ابي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ (الذين يؤمنون بالغيب): يعني من (آمن) اقرّ بقيام القائم انه الحق.
وقال صاحب (التبيان): ويدخل فيه، في الغيب: ما رواه اصحابنا من زمان الغيبة ووقت خروج المهدي (عليه السلام) ومثله؛ قال الطبرسي في (مجمع البيان).
قال النيشابوري في (غرائب القران) في تفسير قوله تعالى (الذين يؤمنون بالغيب)؛ وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله به في القرآن وورد في الخبر؛ (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض)؛ لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من امتي يواطئ اسمه اسمى وكنيته كنيتي يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.
وذكر الفخر الرازي في التفسير ايضاً؛ ان بعض الشيعة قال: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله تعالى به في القران والخبر ثم ذكر الآية والخبر، ثم قال: واعلم ان تخصيص المطلق من غير دليل باطل.
اقول: يظهر من كلامهما موافقتهما مع الشيعة في شمول اطلاق الغيب للمهدي المنتظر (عليه السلام)؛ اذ لامجال للمناقشة في مثل ذلك بين اهل العلم، ويظهر من عدم انكارهما على الشيعة؛ في ان الله وعد بالمهدي المنتظر في القرآن ايضاً موافقتهما مع الشيعة وما جاء من طرقهم في تفسير الآية.
ولما انجر الكلام الى ذلك لا بأس باسراده في معنى الغيب، وان الآية هل فسرت بالمهدي (عليه السلام) من باب الجري والتطبيق او الاختصاص؟ وبيان تمام المراد فنقول:
(بحث تفسيري)
كل ما غاب عن الشخص، ولا يدرك بواحدة من حواسه الظاهرة؛ فهو غيب بالنسبة إليه، وما غاب كذلك عن الجميع؛ فهو غيب بالنسبة إليهم، سواء كان ذلك الغيب مما تهتدي إليه العقول ويدرك بالدلائل والآثار والآيات، كوجود الله تعالى شانه، وصفاته العليا، واسمائه الكبرى، او كان الاهتداء إليه؛ باخبار الانبياء والاولياء، الذين كان اخبارهم عن هذه الامور من خوارق العادات؛ كأشراط الساعة، وعذاب القبر، والصراط، والميزان، والجنة والنار، والانباء بأفعال الناس في الخلوات، واقوالهم، ام لا يهتدى إليه مطلقا؛ لا بالعقول ولا بغيرها، كحقيقة ذات الله المقدسة، وسواء كان عدم ادراك ذلك الغيب بالحواس؛ لأنه لم يكن من المبصرات والمسموعات وغيرها من المحسوسات، او كان من ذلك؛ ولكن كان الاطلاع عليه لم يحصل عادة الا للاوحدي من الناس، على سبيل خرق العادات- كإنباء الناس بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم- وسواء كان هذا الغيب موجودا في حال الايمان به او وجد في الماضي وطرأ عليه الانصرام والانعدام، او كان مما يوجد في المستقبل. فكل ذلك من الغيب؛ اذا كان مما يمتنع ادراكه او لا يدرك الا بالعقول والافهام او لا يدرك بالحواس في بعض الاحوال للجميع او للبعض الا بالإعجاز وخرق العادات، فالله تعالى الازلي الابدي السرمدي غيب لأنه لا يهتدى إليه الا بالعقول والافهام، واشراط الساعة، ونزول عيسى، وظهور المهدي (عليهما السلام)، وسؤال منكر ونكير، وعذاب القبر، والصراط، والميزان، والجنة والنار، وكيفية بدء الخلق، وخلق آدم والمسيح، وكيفية الجزاء والعقاب، والملائكة واصنافها، والوحي النازل على الانبياء، واحوال الانبياء والامم الماضية، والحوادث الآتية، وكذا معجزات الانبياء المنصرمة؛ كقلب العصا ثعبانا، وناقة صالح، وفلق البحر، وابراء الاكمه والابرص، مما جاء في القران والاحاديث المعتبرة، وغير ذلك؛ مما لا طريق لمعرفته عادة الا باخبار النبي او الولي، كلها غيب؛ لأنه لا طريق من العقول إليها وليس لمعرفتها طريق الا اخبار من يخبر عن الغيب بالعناية الربانية، هذا وربما يقال: بظهور الغيب في غير الامور المعلومة بالدلائل العقلية والآثار والآيات الظاهرة؛ كوجود الله تعالى، وصفاته واسمائه، وغير ما هو المعلوم على الجميع، وما ثبت وجوده بالتواتر، مثل؛ البلاد النائية، ووجود الشخصيات المشهورة في التاريخ، ووجود الاجداد والجدات، وبناة الابنية، وما على الارض من آثار الاقدمين، ولذلك فسّر بعضهم الغيب في هذه الآية؛ بكل ما لا تهتدي إليه العقول من: اشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر والنشر، والصراط والميزان والجنة والنار، قال الراغب في المفردات: الغيب مصدر غابت الشمس وغيرها، اذا استترت عن العين، يقال؛ غاب عني كذا، قال تعالى (ام كان من الغائبين)، واستعمل في كل غائب عن الحاسة؛ وعما يغيب عن علم الانسان، بمعنى الغائب، قال: (وما من غائبة في السماء والارض الا في كتاب مبين)، ويقال للشيء: غيب وغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى، فانه لا يغيب عنه شيء، كما لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والارض، وقوله: (عالم الغيب والشهادة) اي؛ ما يغيب عنكم وما تشهدونه، والغيب في قول (يؤمنون بالغيب): مالا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداية العقول وانما يعلم بخبر الانبياء (عليهم السلام)، وبدفعه يقع على الانسان اسم الالحاد، ومن قال: الغيب؛ هو القران ومن قال: هو القدر؛ فإشارة منهم الى بعض ما يقتضيه لفظه، وقال بعضهم: معناه يؤمنون اذا غابوا عنكم وليسوا كالمنافقين الذي قيل فيهم (واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤون).
وقال شيخنا الطوسي (تفسير التبيان سورة البقرة ضمن قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب)؛ وقال جماعة من الصحابة كابن مسعود وغير ه: ان الغيب ما غاب عن العباد علمه، من امر؛ الجنة والنار، والارزاق، والاعمال، وغير ذلك، وهو الاولى؛ لأنه عام، ويدخل فيه؛ ما رواه اصحابنا من زمان الغيبة، ووقت خروج المهدي (عليه السلام).
ويمكن ان يوجه ذلك التفسير: بان معنى الغيب؛ وان كان عاما يشمل الامور المعلومة التي لا تدرك الا بالعقول، الا ان من الممكن ان تكون الالف واللام هنا للعهد، وأريد به، ما روي عن ابن مسعود وغير ه، لا الجنس، الا انه يمكن ان يستظهر من طائفة من الاحاديث التي اخرجها المفسرون في تفسير الآية كون؛ معناه عاما يشمل ما غاب عن العباد رؤيته وان لم يغب عنهم علمه والله اعلم.
ثم لا يخفى عليك؛ ان بعضهم فسّر الغيب وقال: يجوز ان يكون؛ (الغيب) في موضع الحال، ولا يكون صلة ليؤمنون، اي يؤمنون غائبين عن مرأى الناس، وهذا التفسير مضافا الى انه هنا؛ خلاف الظاهر، تردّه الروّايات المعتبرة واقوال الصحابة.
نعم لعله؛ هو الظاهر من مثل قوله تعالى (وخشي الرحمن بالغيب) وقوله تعالى (الذين يخشون ربهم بالغيب).
ولا يخفي عليك؛ ان لهم في تفسير الآية، والفرق بين الغيب والغائب، كلمات واقوالا، غير ما اشرنا إليه، من ارادها فليرجع الى التفاسير الكبيرة.
ثم انه لا ريب؛ - على جميع التفاسير المؤيدة بالاحاديث واقوال الصحابة ومشاهير المفسرين-: ان المراد بالغيب؛ ليس كل ما غاب عن الحواس، لأنه لا ريب في عدم وجوب الايمان بكل ما كان كذلك، وليس في الايمان به، ومعرفته غرض ومصلحة ترجع الى كمال الانسان، واهداف النبوات، فلا يجب الايمان بالكائنات الغائبة عن الحاسة، او الوقائع الماضية والآتية، التي لا شأن لمعرفتها في الدين، فالغيب؛ كل ما كان كذلك مما يجب الاعتقاد به شرعا او عقلا او لا يجوز انكاره والشك فيه بعد اخبار النبي والولي عنه، ويجب التصديق به، وان لم يكن مما وجب الاعتقاد به والفرق يظهر بالتأمل.
كما لا ريب؛ في ان الايمان بعالم الغيب وعالم الباطن وغير المحسوس، في مقابل عالم الشهادة، والظاهر والمحسوس واجب، سواء كان الغيب في هذه الآية يشمله او لا يشمله، فالاعتقاد بان دار التحقق والوجود لا يقصر على عالم الشهادة، والمحسوس؛ هو اصل دعوة الانبياء ودعوتهم اقيمت على الدعوة بالغيب المسيطر على هذا العالم والايمان بجنوده الغيبية كجنوده المشهودة المحسوسة، وعلى ان هذا العالم آية عالم الغيب، وان عالم الشهادة متأخر عن عالم الغيب، كتأخر الاثر عن المؤثر، والمصنوع عن الصانع، والمكتوب عن الكاتب، والكلام عن المتكلم، بل الحق الثابت والذي لا ينفد ولا ينقضي ولا يفنى ولا يبيد هو؛ ان عالم الغيب وعالم الشهادة بالنسبة إليه، كالظل، وهو بجميع مظاهره جولات عالم الغيب وآياته.
اللهم ارزقنا الايمان بك وبكل ما غاب عنا من قدرتك وجلالك، واذقنا حلاوة الايمان حتى لا نحب تأخير ما قدمت ولا تعجيل ما اخرت.
هذا وقد ظهر لك مما تلونا عليك في هذا البحث الطويل؛ ان الايمان بالمهدي الذي بشرت به الرسل وبشر به خاتمهم وسيدهم (صلى الله عليه وآله)، وثبت ذلك عند الفريقين بالتواتر القطعي، واتفق المسلمون عليه، داخل في الغيب الذي وصف الله بالإيمان به المتقين، والروايات الواردة في ذلك عن اهل البيت (عليهم السلام)؛ فسّرت الآية به على سبيل الجري والتطبيق، لأجل التنبيه على دخول ذلك فيه، ولو لم ترد تلك الروايات ايضاً في تفسير الآية.
لكنّا نقول: بدخوله، ودخول غيره في الغيب، مما ثبت من الشرع وجاء في القران المجيد او اخبر بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كنزول المسيح، ودابة الارض، وانشقاق السماء، وانفطار الارض، وغير ذلك؛ كخلافة الائمة الاثني عشر، وظهور الاسلام على جميع الاديان.
والشاهد على ان ذلك من باب التطبيق وذكر افراد المعنى الكلي، ما رواه؛ علي بن ابراهيم، بسنده عن ابي عبدالله (عليه السلام)، في تفسير؛ (الذين يؤمنون بالغيب) قال: يصدقون بالبعث والنشور والوعد والوعيد، فمن العجب! ان الآلوسي اخذ على الشيعة، ويقول في تفسيره: (واختلف الناس في المراد به هنا على اقوال شتى حتى زعمت الشيعة انه القائم وقعدوا عن اقامة الحجة على ذلك)!.
فكانه؛ لم يفهم مراد الشيعة او حرّف كلامهم، ويرى؛ ان الشيعة تقول: ان المراد بالغيب؛ هو القائم (عليه السلام) دون سائر ما اخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغيوب.
ثم يقول: وقعدوا عن اقامة الحجة على ذلك! حتى يوقع قارئه في الخلط والاشتباه، وهذا دأب امثاله لما يرون صحة مختار الشيعة، فينقلونه على غير وجهه، وهنا ايضاً؛ لما يرى ان دخول زمان الغيبة وظهور المهدي (عليه السلام)؛ الذي ثبت بالأخبار المتواترة في الغيب، لا محل لإنكاره، حمل كلام الشيعة؛ على انهم يفسرون الايمان بالغيب بخصوص الايمان بالقائم (عليه السلام)، سلمنا ذلك ونحمل الروايات الواردة عن العترة الطاهرة في حصر المراد بالغيب هنا بالمهدي (عليه السلام)، (كما هو ظاهر خبر يحيى بن ابي القاسم عن الصادق (عليه السلام) وان كان في منع ظهوره ايضاً مجال): على التعظيم لأمره، لان به يختم الدين ويظهر الاسلام على الدين كله، ويملأ الارض قسطا وعدلا، ويفتح حصون الضلالة.
فآية حجة اقوى من تفسير اهل البيت، احد الثقلين الذين جعل التمسك بهما امانا من الضلالة، والعجب ممن يأخذ دينه عن النواصب واعداء اهل البيت والجبابرة والمعروفين بالفسق والكذب وانواع الجنايات والخيانات ويحتج بأقوالهم ثم يقول، في شأن من يأخذ بأقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) والمتمسكين باهل البيت الذين عندهم علم الكتاب: انهم قعدوا عن اقامة الحجة! فانا لله وانا إليه راجعون(٣).

الفصل الاول: في اثبات ولادته واثبات وجوده الشريف ومن رآه زمن ابيه (عليهما السلام)

السؤال الاول: هل اشار علماء الشيعة الى ولادة الامام الحجة (عليه السلام) واثبتوها في كتبهم ام لا؟
الجواب
لقد ذكرت كتب الشيعة الامامية الكثير؛ من الروايات المتواترة حول ولادة الامام الحجة (عليه السلام)، اعتمادا على ما ثبت عنهم رواية، من الاخبار الصحيحة من طريقهم الى الامام العسكري (عليه السلام)، وكذا اصحابه وخواصه كما سيوافيك ذلك، ونحن نشير الى بعض الموارد، في اخبار علماء الشيعة والتصريح بولادته (عليه السلام):
١- الفضل بن شاذان الينشابوري؛ المتوفي بين سنة (٢٥٥ هـ الى٢٦٠ هـ)، اي كانت وفاته بعد ولادة المهدي وقبل وفاة والده ابي محمد الحسن العسكري (عليهم السلام)، وكان ثقة ومن الشيعة الفقهاء المتكلمين، وله جلالة عند الطائفة الشيعية، وهو في قدره اشهر من ان يوصف.
وصنف مائة وثمانين كتابا، وعد من اصحاب الهادي او العسكري (عليهما السلام)، وله في الامام المهدي مصنفات ككتاب (الملاحم)، وكتاب (القائم عليه السلام) وكتاب (الامامة). وروى ما يدل على ولادة الحجة (عليه السلام) كما سيأتيك لاحقا(٤).
٢- الشيخ المفيد المتوفي سنة (٤١٣ هـ): قال في الارشاد: كان الامام بعد ابي محمد (عليه السلام)؛ ابنه المسمى باسم رسول الله (صلى عليه وآله وسلم)، المكنى بكنيته، ولم يخلف أبوه ولدا ظاهرا ولا باطنا غيره، وخلفه غائبا مستترا على ما قدمنا ذكره، وكان مولده (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥ هـ)، وامه ام ولد يقال لها: نرجس، وكان سنه عند وفاة ابيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة كما آتاها يحيى صبيا، وجعله إماما في حال الطفولية الظاهرة كما جعل عيسى بن مريم في المهد نبيا، وقد سبق النص عليه في ملة الإسلام من نبي الهدى (عليه السلام)، ثم من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ونص عليه الأئمة واحدا بعد واحد، إلى ابيه الحسن (عليه السلام)، ونص أبوه عليه عند ثقاته وخاصّة شيّعته، وكان الخبر بغيبته؛ ثابتا قبل وجوده، وبدولته؛ مستفيضا قبل غيبته، وهو صاحب السيّف من أئمة الهدى (عليهم السلام)، والقائم بالحق المنتظر لدولة الايمان، وله قبل قيامه غيبتان، إحداهما؛ أطول من الأخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، فأما القصرى منهما؛ فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، وعدم السفراء بالوفاة، وأما الطولى، فهي بعد الاولى، وفي اخرها يقوم بالسيّف...
وقال الشيخ المفيد- رضوان الله عليه - ايضاً:
(والخبر بصحة ولد الحسن؛ قد ثبت بأوكد ما يثبت به أنساب الجمهور من الناس، إذ كان النسب يثبت بقول القابلة، ومثلها من النساء اللاتي جرت عادتهن بحضور ولادة النساء تولي معونتهن عليه، وباعتراف صاحب الفراش وحده بذلك دون من سواه، وبشهادة رجلين من المسلمين على إقرار الأب بنسب الابن منه. وقد ثبتت أخبار عن جماعة من أهل الديانة، والفضل، والورع، والزهد، والعبادة، والفقه، عن الحسن بن علي؛ أنه اعترف بولادة المهدي (عليه السلام)، والتصريح بوجوده، ونص لهم على إمامته من بعده، وبمشاهدة بعضهم له طفلا، وبعضهم له يافعا وشابا كاملا، وإخراجهم إلى شيعته بعد ابيه الأوامر والنواهي والأجوبة عن المسائل، وتسليمهم له من الأئمة من أصحابه. وقد ذكرتُ أسماء جماعة، ممن وصفت حالهم من ثقات الحسن بن علي (عليهما السلام)، وخاصّته المعروفين بخدمته والتحقيق به، وأثبتُ ما رووه عنه في وجود ولده، ومشاهدتهم من بعده، وسماعهم النص بالإمامة عليه، وذلك موجود في مواضع من كتبي، وخاصة في كتابي المعروف أحدهما؛ (بالإرشاد في معرفة حجج الله على العباد)، والثاني؛ (الايضاًح في الإمامة والغيبة)، ووجود ذلك فيما ذكرت يغني تكلف إثباته في هذا الكتاب)(٥).
٣- الشيخ ابو جعفر محمد بن يعقوب الكليني؛ المتوفي سنة (٣٢٩) (هـ - ق).
قال: ولد (عليه السلام) للنصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين، وروي ذلك عن الكراجي في (كنز العمال) والشهيد في (الدروس).
٤- الشيخ الطوسي المتوفي سنة (٤٦٠ هـ).
ذكر في كتابه (مصباح المتهجد): في هذه الليلة (اي ليلة ١٥شعبان) ولد الخلف الحجة صاحب العصر (عليه السلام)، ويستحب ان يدعى فيها بهذا الدعاء، ثم ذكر دعاء اللهم بحق ليلتنا هذه ومولودها.. الى آخره.
٥- بهاء الدين محمد بن الحسين الحارثي المعروف بالشيخ البهائي.
 ذكر في (توضيح المقاصد): فيه- يعني في- اليوم الخامس عشر؛ ولد الامام ابو القاسم محمد المهدي صاحب الزمان صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وذلك بسرّ من رأى، سنة (٢٥٥هـ).
٦- الشيخ امين الاسلام ابي علي الطبرسي؛ المتوفي سنة (٥٤٨ هـ).
ذكر في (اعلام الورى): ولد (عليه السلام) بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥ هـ).
كما عين الشيخ في (المصباحين) والسيد في (الاقبال) وسائر مؤلفي كتب الدعوات على ما في البحار والشيخ المفيد في (مسارّ الشيعة)؛ ولادته (عليه السلام) النصف من شعبان.
وغير ذلك من اعلام الشيعة الذين سيرد عليك من اسمائهم وكتبهم وما رووه في ولادته (عليه السلام)(٦).
السؤال الثاني: لقد ذكرتم شهادة علماء الشيعة حول ولادة الامام الحجة (عجل الله فرجه) فهل استندوا في ذلك الى روايات صحيحة السند وردت من طرقهم ام لا؟
الجواب:
نعم لقد اعتمد علماء الشيعة على ما اشتهر عند الخاصة والعامة حول ولادته (عليه السلام)، ونحن نشير الى بعض الروايات التي اعتمد عليها هؤلاء الاجلاء من علماء الشيعة الامامية رضوان الله تعالى عليهم وبركاته:
١- الغيبة(٧): حدثنا؛ محمد بن علي بن حمزة بن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن علي بن ابي طالب (صلوات الله عليه)، قال: سمعت أبا محمد (عليه السلام) يقول: ولد ولي الله، وحجته على عباده، وخليفتي من بعدي، مختونا ليلة النصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين، عند طلوع الفجر، وكان أول من غسله رضوان خازن الجنة مع جمع من الملائكة المقربين بماء الكوثر والسلسبيل، ثم غسلته عمّتي حكيمة، بنت محمد بن علي الرضا (عليهما السلام)، فسئل محمد بن علي بن حمزة - رضي الله عنه- عن امه عليه السلام؟ قال: امه مليكة التي يقال لها بعض الايام: سوسن، وفي بعضها: ريحانة، وكان صيقل ونرجس ايضاً من أسمائها(٨).
٢- كمال الدين(٩): حدثت حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، قالت: بعث اليّ أبو محمد الحسن بن علي (عليهما السلام)، فقال: يا عمّة اجعلي إفطارك (هذه) الليلة عندنا، فإنها ليلة النصف من شعبان، فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة، وهو حجته في أرضه؟ قالت: فقلت له: ومن أمه؟ قال لي: نرجس، قلت له: جعلني الله فداك، ما بها أثر! فقال: هو ما اقول لك، قالت فجئت، فلما سلمت وجلست، جاءت تنزع خفي وقالت لي: يا سيدتي (وسيدة أهلي) كيف أمسيت؟ فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، قالت: فأنكرت قولي! وقالت: ما هذا يا عمّه؟! قالت: يا بنية! أن الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاما سيدا في الدنيا والآخرة، قالت: فخجلت واستحيت، فلما أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة، أفطرت وأخذت مضجعي فرقدت، فلما أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث، ثم جلستُ معقبة، ثم اضطجعتُ، ثم انتبهتُ فزعة وهي راقدة، ثم قامت فصلت ونامت.
قالت حكيمة: وخرجت أتفقد الفجر، فإذا انا بالفجر الأول كذنب السرحان وهي نائمة، فدخلني الشكوك، فصاح بي أبو محمد (عليه السلام) من المجلس، فقال: لا تعجلي يا عمة! فهاك الأمر قد قرب، قالت: فجلست وقرأت ألم السجدة، ويس، فبينما أنا كذلك إذ انتبَهت فزعة، فوثبتُ إليها، فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: أتحسين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمة، فقلت لها: اجمعي نفسك، واجمعي قلبك، فهو ما قلت لك؟ قالت: فأخذتني فترة وأخذتها فترة، فانتبهت بحس سيدي، فكشفت الثوب عنه فإذا أنا به (عليه السلام) ساجدا يتلقى الأرض بمساجده، فضممته إليّ، فإذا أنا به نظيف متنظف، فصاح بي أبو محمد (عليه السلام): هلمي إليّ ابني يا عمة! فجئت به إليه، فوضع يديه تحت اليتيه وظهره، ووضع قدميه على صدره، ثم أدلى لسانه في فيه، وأمرّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثم قال: تكلم يا بنيّ، فقال: أشهد أ ن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم صلى على أمير المؤمنين وعلى الأئمة (عليهم السلام)، إلى أن وقف على ابيه ثم أحجم، ثم قال أبو محمد (عليه السلام): يا عمة! اذهبي به إلى امه ليسلم عليها وائتيني به؟ فذهبت به فسلم عليها، ورددته فوضعته في المجلس، ثم قال: يا عمة! إذا كان يوم السابع فأتينا؟ قالت حكيمة: فلما أصبحت، جئت لأسلم على أبي محمد (عليه السلام)، وكشفت الستر لأتفقد سيدي (عليه السلام) فلم أره! فقلت: جعلت فداك، ما فعل سيدي؟ فقال: يا عمة! استودعناه الذي استودعته ام موسى (عليه السلام)، قالت حكيمة: فلما كان في اليوم السابع جئت فسلمت وجلست، فقال: هلمي إليّ ابني؟ فجئت بسيدي (عليه السلام) وهو في الخرقة، ففعل به كفعلته الاولى، ثم أدلى لسانه في فيه كأنه يغذيه لبنا أو عسلا، ثم قال: تكلم يا بني؟ فقال: اشهد أن لا إله إلا الله، وثنى بالصلاة على محمد، وعلى أمير المؤمنين، وعلى الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم اجمعين)، حتى وقف على ابيه (عليه السلام)، ثم تلا هذه الآية: (بسم الله الرحمن الرحيم، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون)(١٠).
٣- كمال الدين (ايضاً)(١١): حدث محمد بن ابراهيم الكوفي: أن أبا محمد (عليه السلام) بعث إلى بعض من سمّاه لي؛ بشاة مذبوحة، وقال: هذه من عقيقة ابني محمد (عليه الصلاة والسلام).
٤- غيبة الشيخ(١٢): عن ابي سليمان داود بن غسان البحراني، قال: قرأت على أبي سهل اسماعيل بن علي النوبختي: مولد محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم اجمعين)، ولد (عليه السلام) بسامراء سنة ست وخمسين وماءتين، امه: صقيل، يكنى: أبا القاسم، بهذه الكنية أوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه قال: اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، لقبه المهدي، وهو الحجة وهو المنتظر، وهو صاحب الزمان.
قال إسماعيل بن علي: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) في المرضة التي مات فيها، وأنا عنده إذ قال لخادمه عقيد - وكان الخادم أسود نوبيا، قد خدم من قبله علي بن محمد، وهو ربّي الحسن (عليه السلام) - فقال: يا عقيد، اغل لي ماء بمصطكي؟ فأغلى له، ثم جاءت به صقيل الجارية ام الخلف (عليه السلام)، فلما صار القدح في يديه وهم بشربه وجعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن، فتركه من يده وقال لعقيد: ادخل البيت، فإنك ترى صبيا ساجدا فأتني به، قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحرى، فإذا أنا بصبي ساجد، رافع سبابته نحو السماء، فسلمت عليه فأوجز في صلاته، فقلت: إن سيدي يأمرك بالخروج إليه؟ إذ جاءت امه صقيل، فأخذت بيده وأخرجته إلى ابيه الحسن (عليه السلام)، قال أبو سهل: فلما مثل الصبي بين يديه سلم واذا هو درّيّ اللون، وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان، فلما رآه الحسن (عليه السلام) بكى، وقال: يا سيد أهل بينه، اسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي؟ وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده، ثم حرك شفتيه ثم سقاه، فلما شربه قال: هيئوني للصلاة؟ فطرح في حجره منديل، فوضأه الصبي واحدة واحدة، ومسح على رأسه وقدميه، فقال له أبو محمد (عليه السلام): أبشر يا بني، فأنت صاحب الزمان وانت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيي وأنا ولدتك، وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنت خاتم الأئمة الطاهرين، وبشر بك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسماك وكناك بذلك، عهد إلي أبي عن آبائك الطاهرين، صلى الله على أهل البيت ربنا، إنه حميد مجيد، ومات الحسن بن علي من وقته (صلوات الله عليهم اجمعين)(١٣).
٥- اثبات الوصية(١٤): الحميري عن احمد بن اسحاق قال: دخلت على ابي محمد (عليه السلام)، فقال لي: يا أحمد! ما كان حالكم فيما كان الناس فيه من الشك والارتياب؟ قلت: يا سيدي! لما ورد الكتاب بخبر سيدنا ومولده لم يبق منا رجل ولا امرأة ولا غلام بلغ الفهم إلا قال بالحق، فقال: أما علمتم أن الأرض لا تخلو من حجة الله؟ ثم أمر أبو محمد بالحج والدته في سنة تسع وخمسين ومائتين، وعرّفها ما يناله في سنة الستين، وأحضر الصاحب (عليه السلام) فأوصى إليه، وسلم الاسم الأعظم والمواريث والسلاح إليه، وخرجت ام أبي محمد مع الصاحب (عليهم السلام) جميعا إلى مكة، وكان أحمد بن محمد بن مطهر، أبو علي، المتولي لما يحتاج إليه الوكيل، فلما بلغوا بعض المنازل من طريق مكة تلقى الأعراب القوافل فأخبروهم بشدة الخوف وقلة الماء، فرجع أكثر الناس إلا من كان في الناحية فإنهم نفذوا وسلموا(١٥).
السؤال الثالث: هل كانت ولادة الامام الحجة (عليه السلام) علنا، ام كانت خفاء، ولم يطلع عليها احد؟
الجواب
ان الظروف الخطرة التي احاطت الامام العسكري (عليه السلام) بالخصوص عرّضت حياة المولود الاخير من الائمة الى الخطر، وحاول النظام العباسي آنذاك مراقبة بيت الامام العسكري (عليه السلام) للقضاء على مولوده الجديد واتخذ في ذلك اجراءات خطرة، مما جعل الله عزّ وجلّ مسألة حمل الامام خفية وولادته خفية ايضاً، بل حتى تربينه وحياته خفية ونحن نشير الى ذلك الخطر الذي احاط بولادته:
١- كمال الدين(١٦): عن السياري قال: حدثتني نسيم ومارية، قالتا: إنه لما سقط صاحب الزمان (عليه السلام) من بطن امه جاثيا على ركبتيه، رافعا سبابتيه إلى السماء، ثم عطس فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة، لو اذن لنا في الكلام لزال الشك.
٢- كمال الدين(١٧): حدث موسى بن جعفر بن وهب البغدادي، أنه خرج من أبي محمد (عليه السلام) توقيع: زعموا أنهم يريدون قتلي ليقطعوا هذا النسل، وقد كذب الله عزّ وجلّ قولهم والحمد لله.
٣- تاريخ الائمة(١٨): ومن الدلائل، ما جاء عن الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) عند ولادة (م ح م د) بن الحسن (عليه السلام) في كلام كثير: زعمت الظلمة أنهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل، كيف رأوا قدرة القادر، وسمّاه المؤمل.
٤- كمال الدين(١٩): قال؛ حدثني ابو علي الخيزراني عن جارية له كان اهداها لأبي محمد (عليه السلام)؛ فلما أغار جعفر الكذاب على الدار جاءته فارة من جعفر فتزوج بها، قال أبو علي: فحدثتني؛ أنها حضرت ولادة السيد (عليه السلام)، وأن اسم ام السيد: صقيل، وأن أبا محمد (عليه السلام) حدثها بما يجري على عياله، فسألته: أن يدعو الله عزّ وجلّ لها أن يجعل منيتها قبله؟ فماتت في حياة أبي محمد (عليه السلام)، وعلى قبرها لوح مكتوب عليه: هذا قبر ام محمد.
قال ابو علي: وسمعت هذه الجارية تذكر؛ أنه لما ولد السيد (عليه السلام)، رأت له نورا ساطعا قد ظهر منه وبلغ افق السماء، ورأيت طيورا بيضاء تهبط من السماء وتمسح أجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده، ثم تطير، فأخبرنا أبا محمد (عليه السلام) بذلك؟ فضحك! ثم قال: تلك ملائكة نزلت للتبرك بهذا المولود، وهي أنصاره اذا خرج.
٥- البحار(٢٠): حدث احمد بن الحسن بن اسحق القمي، قال: لما ولد الخلف الصالح (عليه السلام) ورد عن مولانا أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) إلى جدي أحمد بن إسحاق كتاب، فإذا فيه مكتوب بخط يده (عليه السلام) الذي كان ترد به التوقيعات عليه، وفيه: ولد لنا مولود، فليكن عندك مستورا، وعن جميع الناس مكتوما، فإنا لم نظهر عليه إلا الأقرب لقرابته، والولي لولايته، أحببنا إعلامك ليسرك الله به مثل ما سرنا به، والسلام(٢١).
السؤال الرابع: لقد لاح لنا مما سبق؛ انه (عليه السلام) ولد وان ولادته كانت بالخفاء وكان ذلك بسبب تهديد الظلمة له، وفي الختام نحب ان تذكروا شيئاً عن امه (سلام الله عليها):
الجواب
نعم وردت الروايات التي تحكي بعضا من تاريخ السيدة نرجس والدة الامام الحجة (عليهما السلام) ونحن نشير الى بعض الروايات تبركا:
١- كمال الدين(٢٢): عن محمد بن عثمان العمري- قدس الله روحه- انه قال: ولد السيد (عليه السلام) مختون، وسمعت حكيمة تقول: لم ير بأمه دم في نفاسها، وهكذا سبيل امهات الأئمة (عليهم السلام).
٢- الغيبة(٢٣): حدثنا محمد بن عبد الجبار قال؛ قلت لسيدي الحسن بن علي (عليه السلام): يا ابن رسول الله! جعلني الله فداك، احب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟ فقال (عليه السلام): إن الإمام وحجة الله من بعدي ابني، سمي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيه، الذي هو خاتم حجج الله، وآخر خلفائه، فقلت: ممن يتولد يا ابن رسول الله؟ قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم، ألا انه سيولد فيغيب عن الناس غيبة طويلة، ثم يظهر ويقتل الدجال، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، فلا يحل لأحد أن يسميه أو يكنيه قبل خروجه (صلوات الله عليه).
٣- البحار(٢٤): قال: حدثنا؛ ابو الحسين محمد بن بحر الشيباني قال: وردت كربلاء سنة ست وثمانين ومائتين، قال: وزرت قبر غريب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم انكفأت الى مدينة السلام متوجها إلى مقابر قريش، في وقت قد تضرمت الهواجر، وتوقدت السمائم، فلما وصلت منها إلى مشهد الكاظم (عليه السلام) واستنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة، المحفوفة بحدائق الغفران، أكببت عليها بعبرات متقاطرة، وزفرات متتابعة، وقد حجب الدمع طرفي عن النظر، فلما رقأت العبرة، وانقطع النحيب فتحت بصري فإذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه، وتقوس منكباه، وثفنت جبهته وراحتاه، وهو يقول لآخر معه عند القبر: يا ابن أخي! لقد نال عمك شرفا بما حملّه السيدان من غوامض الغيوب، وشرائف العلوم التي لم يحمل مثلها إلا سلمان، وقد أشرف عمك على استكمال المدة وانقضاء العمر، وليس يجد في أهل الولاية رجلا يفضي إليه بسره، قلت: يا نفس! لايزال العناء والمشقة ينالان منك بأتعابي الخف والحافر في طلب العلم، وقد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدل على علم جسيم وأثر عظيم، فقلت: أيها الشيخ! من السيدان!؟ قال: النجمان المغيبان في الثرى بسر من رأى، فقلت: إني اقسم بالموالاة، وشرف محل هذين السيدين من الإمامة والوراثة إني خاطب علمهما، وطالب آثارهما، وباذل من نفسي الايمان المؤكدة على حفظ أسرارهما، قال: إن كنت صادقا فيما تقول فأحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة أخبارهم، فلما فتش الكتب وتصفح الروايات منها قال: صدقت، أنا بشر بن سليمان النخاس، من ولد أبي أيوب الأنصاري، أحد موالي أبي الحسن وأبي محمد (عليهما السلام)، وجارهما بسر من رأى، قلت: فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما؟ قال: كان مولانا أبو الحسن علي بن محمد العسكري (عليهما السلام) فقهني في أمر الرقيق، فكنت لا أبتاع ولا أبيع إلا بإذنه، فاجتنبت بذلك موارد الشبهات حتى كملت معرفتي فيه، فأحسنت الفرق (فيما) بين الحلال والحرام، فبينما أنا ذات ليلة في منزلي بسر من رأى وقد مضى هويٌّ من الليل إذ قرع الباب قارع، فعدوت مسرعا فاذا أنا بكافور الخادم رسول مولانا أبي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) يدعوني إليه؟ فلبست ثيابي ودخلت عليه، فرأيته يحدث ابنه أبا محمد واخته حكيمة من وراء الستر، فلما جلست قال: يا بشر! إنك من ولد الأنصار، وهذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، فأنتم ثقاتنا أهل البيت، وإني مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها شأو الشيعة في الموالاة بها، بسر أطلعك عليه، وأنفذك في ابتياع أمة، فكتب كتابا ملصقا بخط روميّ ولغة روميّة، وطبع عليه بخاتمه، وأخرج شستقة صفراء فيها مائتان وعشرون دينارا، فقال: خذها وتوجه بها إلى بغداد، واحضر معبر الفرات ضحوة كذا، فاذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا، وبرزن الجواري منها، فستحدق بهم طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس وشراذم من فتيان العراق، فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك، إلى أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا، لابسة حريرتين صفيقتين، تمتنع من السفور، ولمس المعترض، والانقياد لمن يحاول لمسها ويشغل نظره بتأمل مكاشفها من وراء الستر الرقيق، فيضربها النخاس فتصرخ صرخة روميّة، فاعلم أنها تقول: واهتك ستراه! فيقول بعض المبتاعين: عليّ بثلاثمائة دينار، فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول بالعربية: لو برزت في زي سليمان وعلى مثل سرير ملكه ما بدت لي فيك رغبة، فأشفق على مالك، فيقول النخاس: فما الحيلة ولا بد من بيعك، فتقول الجارية: وما العجلة ولابد من اختيار مبتاع يسكن قلبي (إليه و) إلى أمانته وديانته، فعند ذلك قم الى عمر بن يزيد النخاس وقل له: إن معي كتابا ملصقا لبعض الاشراف كتبه بلغة روميّة وخط روميّ، ووصف فيه كرمه ووفاءه وسخاءه، فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك؟
قال بشر بن سليمان النخاس: فامتثلت جميع ما حده لي مولاي أبو الحسن (عليه السلام) في أمر الجارية، فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا، وقالت؛ لعمر بن يزيد النخاس: بعني من صاحب هذا الكتاب، وحلفت بالمحرّجة المغلظة أنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت اشاحّه في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي (عليه السلام) من الدنانير في الشستقة الصفراء، فاستوفاه مني وتسلمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة وانصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولاها (عليه السلام) من جيبها وهي تلثمه وتضعه على خدها، وتطبقه على جفنها، وتمسحه على بدنها، فقلت تعجبا منها: أتلثمين كتابا ولا تعرفين صاحبه؟ قالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء، أعرني سمعك، وفرغ لي قلبك أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وامي من ولد الحواريين، تنسب إلى وصي المسيح شمعون، انبئك العجب العجيب، إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة، فجمع في قصره من نسل الحواريين ومن القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل، ومن ذوي الأخطار سبعمائة رجل، وجمع من امراء الأجناد وقواد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة الاف، وأبرز من بهو ملكه عرشا مسوغا (مصوغا – ظ) من أصناف الجواهر إلى صحن القصر فرفعه فوق أربعين مرقاة، فلما صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عكفا ونشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض، وتقوّضت الأعمدة فانهارت الى القرار، وخر الصاعد من العرش مغشيا عليه، فتغيرت ألوان الاساقفة، وارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم لجدي: أيها الملك، اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني! فتطير جدي من ذلك تطيرا شديدا، وقال للأساقفة: أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان، وأحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جدّه، لأزوج منه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده؟ فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأول! وتفرق الناس، وقام جدي قيصر مغتما ودخل قصره وأرخيت الستور، فاُريت في تلك الليلة، كأن المسيح والشمعون وعدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي، ونصبوا فيه منبرا يباري السماء علوا وارتفاعا في الموضع الذي كان جدي نصب فيه عرشه، فدخل عليهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مع فتية وعدة من بنيه، فيقوم إليه المسيح فيعتنقه، فيقول: يا روح الله! إني جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا؟ وأومأ بيده إلى أبي محمد صاحب هذا الكتاب! فنظر المسيح إلى شمعون فقال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: قد فعلت، فصعد ذلك المنبر وخطب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وزوجني وشهد المسيح (عليه السلام)، وشهد بنو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والحواريون، فلما استيقظت من نومي أشفقت ان أقص هذه الرؤيا على أبي وجدي مخافة القتل، فكنت أسرها في نفسي ولا ابديها لهم، وضرب صدري بمحبة أبي محمد حتى امتنعت من الطعام والشراب، وضعفت نفسي، ودق شخصي، ومرضت مرضا شديدا، فما بقي من مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي، فلما برّح به الياس قال: يا قرة عيني! فهل تخطر ببالك شهوة فازوّدكها في هذه الدنيا؟ فقلت: يا جدي! أرى أبواب الفرج عليّ مغلقة، فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من اسارى المسلمين، وفككت الأغلال، وتصدقت عليهم ومننتهم بالخلاص لرجوت أن يهب المسيح وامه لي عافية وشفاء؟ فلما فعل ذلك جدي تجلدت في إظهار الصحة في بدني، وتناولت يسيرا من الطعام، فسر بذلك جدي، واقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم، فرأيت ايضاً بعد أربع ليال كأن سيدة النساء قد زارتني ومعها مريم بنت عمران وألف وصيفة من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه سيدة النساء ام زوجك أبي محمد (عليه السلام)، فأتعلق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمد من زيارتي، فقالت لي سيدة النساء (عليها السلام): إن ابني أبا محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى، وهذه اختي مريم تبرأ إلى الله تعالى من دينك، فإن ملت إلى رضا الله عزّ وجلّ ورضا المسيح ومريم عنك وزيارة أبي محمد إياك فتقولي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن- أبي- محمدا رسول الله؟ فلما تكلمت بهذه الكلمة، ضمتني سيدة النساء إلى صدرها، فطيّبت لي نفسي، وقالت: الآن توقعي زيارة أبي محمد إياك فإني منفذته اليك، فانتبهت وأنا أقول: وا شوقاه إلى لقاء أبي محمد! فلما كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمد (عليه السلام) في منامي فرأيته كأني أقول له: جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبك! قال: ما كان تأخيري عنك إلا لشركك، وإذ قد أسلمت فإني زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله شملنا في العيان، فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.
قال بشر: فقلت لها: وكيف وقعت في الأسر؟ فقالت: أخبرني أبو محمد ليلة من الليالي أن جدك سيسرب جيوشا إلى قتال المسلمين يوم كذا، ثم يتبعهم، فعليك باللحاق بهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف من طريق كذا، ففعلت فوقعت علينا طلائع المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت وما شاهدت، وما شعر أحد (بي) بأني ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية سواك، وذلك باطلاعي إياك عليه، ولقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته، وقلت: نرجس، فقال: اسم الجواري.
فقلت: العجب! انك رومية ولسانك عربي؟ قالت: بلغ من ولوع جدي وحمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز إليّ امرأة ترجمان له في الاختلاف إليّ، فكانت تقصدني صباحا ومساء، وتفيدني العربية حتى استمر عليها لساني واستقام.
قال بشر: فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دخلت على مولانا أبي الحسن العسكري (عليه السلام)، فقال لها: كيف أراك الله عز الإسلام وذل النصرانية، وشرف أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قالت: كيف أصف لك يا بن رسول الله ما أنت أعلم به مني؟! قال: فإني أريد أن اكرمك، فأيما أحب اليك عشرة آلاف درهم، أم بشرى لك فيها شرف الأبد؟ قالت: بل البشرى، قال (عليه السلام): فأبشري بولد يملك الدنيا شرقا وغربا، ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، قالت: ممن؟ قال (عليه السلام): ممن خطبك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) له من ليلة كذا من شهر كذا من سنة كذا بالروميّة؟ قالت: من المسيح ووصيه، قال: فممن زوجك المسيح (عليه السلام) ووصيه؟ قالت: من ابنك أبي محمد، قال: فهل تعرفينه؟ قالت: وهل خلت ليلة من زيارته إياي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيدة النساء امه؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): يا كافور! ادع لي اختي حكيمة؟ فلما دخلت عليه قال (عليه السلام) لها: ها هي، فاعتنقتها طويلا، وسرت بها كثيرا، فقال لها مولانا: يا بنت رسول الله! أخرجيها إلى منزلك، وعلميها الفرائض والسنن، فإنها زوجة أبي محمّد وامّ القائم (عليهما السلام).
٤- كمال الدين(٢٥): حدثني علان الرازي قال: اخبرني بعض اصحابنا؛ أنه لما حملت جارية أبي محمد (عليه السلام) قال: ستحملين ذكرا، واسمه محمد، وهو القائم من بعدي.
وفي ثبوت ولادته وكيفيتها وتاريخها وبعض حالات امه واسمها (عليهما السلام) يوجد ٤٢٦ حديثا(٢٦).
٥- كتاب الغيبة(٢٧): عن جابر الجعفي؛ قال: سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول: سال عمر بن الخطاب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ فقال: أما اسمه، إن حبيبي شهد إليّ أن لا احدث باسمه حتى يبعثه الله، قال: فأخبرني عن صفته؟ قال: هو شاب مربوع، حسن الوجه، حسن الشعر، يسيل شعره على منكبيه، ونور وجهه يعلو سواد لحيته ورأسه، بأبي ابن خيرة الإماء.
والاحاديث الدالة على انه (عليه السلام) ابن خيرة الاماء؛ حوالي ١١ حديثا(٢٨).
ولقد اشار استاذنا المعظم آية الله العظمى الشيخ صافي الگلپايگاني- دام ظله- مؤلف كتاب؛ (منتخب الاثر في الامام الثاني عشر) حول نهاية ام الامام الحجة (عليهما السلام) ما هذا نصه:
اعلم؛ انه اختلفت الروايات في نهاية حال ام الامام (عليهما السلام)، ففي بعضها؛ انها حصلت بعد وفاة الامام ابي محمد العسكري (عليه السلام)، في دار محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن مولانا أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)، (وصفوه؛ بانه ثقة، عين في الحديث، صحيح الاعتقاد، له كتاب)، وفي بعضها انها طلبت من الامام ابي محمد (عليه السلام): ان يدعو لها بالموت قبل وفاته (عليه السلام)؟ فاستجيب دعاؤه، وفي بعضها؛ انها كانت حاضرة عند وفاة الامام (عليه السلام)، وفي بعضها انها هاجرت الى مكة المكرمة في حياة الامام، مع ابنه الحجة (عليهما السلام) بأمر الامام ابي محمد (عليه السلام)، وكما ترى ان الروايات قد دلّت على حياتها بعد الامام (عليه السلام) والظاهر الارجح؛ حياتها بعد وفاة الامام ابي محمد (عليه السلام) والشاهد على ذلك وقوع قبرها خلف قبر الامام ابي محمد (عليه السلام).
وعلى كل حال لا يضرّ مثل هذه الاختلافات في ما نحن بصدده فان اعتمادنا في هذا الكتاب على ما تواترت به الاحاديث او استفاضت به في النقل دون اخبار الآحاد، فالأخبار يؤيد بعضها بعضا فيما اتفقت عليه. ولا يخفى عليك ان مثل هذه الاختلافات الفرعية، قد وقعت في تواريخ سائر الائمةّ والانبياء ورجالات التاريخ وفي كيفيات وقوع الحوادث المهمة المقطوع بأصلها عند الكلّ، دون ان يصير ذلك سببا للشك في اصل وجود الاشخاص واحوالهم المعلومة والحوادث التاريخية المشهورة، هذا مضافا الى ان الظروف والاحوال التي كان عصر الامام ابي محمد (عليه السلام) الى بعد وفاته، محفوفا بها؛ ربما تقتضي خفاء مثل هذه الامور الجزئية(٢٩).
السؤال الخامس: اذا ثبتت ولادته، فهلا جمعتم لنا بعض الروايات، الدالة على من رآه وهو صبي زمن ابيه (عليهما السلام)، والتي تعتبر ادلة تاريخية على اثبات وجوده الشريف؟
الجواب
نعم هناك روايات؛ نقلها اصحاب الامام العسكري (عليه السلام) وخواصه، تدل على ان البعض؛ قد رأى الحجة (عليه السلام) وهو طفل صغير، ولا يخفى انه قد مرّ عليك سابقا ما يدل على ذلك، ونحن نجمع بعض الروايات في هذا الجواب ايضاً:
١- كمال الدين(٣٠): حدث معاوية بن حكيم ومحمد بن ايوب بن نوح، ومحمد بن عثمان العمري - رضي الله عنه - قالوا: عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) ونحن في منزله وكنا أربعين رجلا، فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا، قالوا: فخرجنا من عنده، فما مضت إلا أيام قلائل حتى مضى أبو محمد (عليه السلام).
٢- كتاب الغيبة(٣١): عن جماعة من الشيعة في خبر طويل مشهور؛ قالوا جميعا: اجتمعنا الى ابي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) نسأله عن الحجة من بعده؟ وفي مجلسه (عليه السلام) أربعون رجلا، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري، فقال له: يا ابن رسول الله! أريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به مني، فقال له: اجلس يا عثمان! فقام مغضبا ليخرج فقال: لا يخرجن أحد، فلم يخرج منا أحد، الى أن كان بعد ساعة، فصاح (عليه السلام) بعثمان، فقام على قدميه، فقال: اخبركم بما جئتم؟ قالوا: نعم يا ابن رسول الله! قال: جئتم تسألوني عن الحجة بعدي، قالوا: نعم، فاذا غلام كانّه قطع قمر، أشبه الناس بأبي محمد (عليه السلام)، فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر، فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه... والحديث طويل.
٣- ينابيع المودة(٣٢): حدث يعقوب بن منقوش (منفوس) قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) وهو جالس على دكان في الدار، وعن يمينه بيت وعليه ستر مسبل، فقلت له: يا سيدي! من صاحب هذا الأمر؟ فقال: ارفع الستر؟ فرفعته فخرج الينا غلام خماسي، له عشر او ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، درّيّ المقلتين، شثن الكفين، معطوف الركبتين، في خده الأيمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمد (عليه السلام)، ثم قال: هذا هو صاحبكم، ثم وثب فقال له: يا بني! ادخل إلى الوقت المعلوم، فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثم قال لي: يا يعقوب! انظر إلى من في البيت؟ فدخلت فما رأيت أحدا.
٤- البحار(٣٣): حدث محمد بن الحسن الكرخي، قال: سمعت ابا هارون - رجلا من اصحابنا – يقول: رأيت صاحب الزمان ووجهه يضئ كانه القمر ليلة البدر... الحديث.
٥- الكافي(٣٤): عن عمرو الاهوازي، قال: أراني ابو محمد (عليه السلام) ابنه، قال: هذا صاحبكم من بعدي.
والاحاديث التي وردت حول؛ من رآه في ايام والده (عليهما السلام)، حوالي عشرون حديثا(٣٥).
السؤال السادس: هل ذكر علماء العامة؛ شيئاً عن ولادة الامام الحجة (عليه السلام)، ام كان ذلك مقتصرا على علماء الشيعة وروّاتهم فقط؟
الجواب
لقد ذكرت كتب العامة ونقل اعيانهم - ايضاً- ما يثبت ولادته (عليه السلام) بحيث يصبح الامر من المتواترات ومما اطبقت عليه الامة الاسلامية جمعاء، ونحن نشير الى بعضهم اختصارا للأمر.
ولقد ذكر صاحب كتاب؛ (منتخب الاثر في الامام الثاني عشر) آية الله العظمى الشيخ صافي الگلپايگاني دام ظله؛ حوالى ٦٧ من علماء العامة واعيانهم ممن ذكر ولادة الامام الحجة (عليه السلام) ومنهم(٣٦):
١- ابن الصبّاغ المالكي المتوفي؛ (سنة ٨٥٥ هـ): قال في (الفصول المهمة): (ولد ابو القاسم محمد الحجة بن الحسن الخالص بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة... الى ان قال: واما امه؛ فام ولد يقال لها؛ نرجس خير امة، وقيل اسمها؛ غير ذلك).
وصرّح ايضاً بنسبه، وذكر اسماء آبائه، وجملة من حالاتهم وكلماتهم ومعجزاتهم، وبانه الامام الثاني عشر، وذكر جملة من الاحاديث الواردة في حقه (عليه السلام).
٢- الشيخ ابن حجر الهيثمي المكي الشافعي؛ المتوفي (سنة ٩٧٤ هـ): قال؛ في (الصواعق المحرقة)، بعد ذكر بعض حالات الامام ابي محمد (عليه السلام): ولم يخلف غير ولده ابي القاسم محمد الحجة، وعمره عند وفاة ابيه؛ خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة.
٣- الشيخ شمس الدين ابو المظفر يوسف بن قزاوغلي بن عبد الله؛ سبط الشيخ جمال الدين ابي الفرج ابن الجوزي؛ المتوفي سنة (٦٥٤هـ): صاحب (التاريخ الكبير) الذي قال ابن خلكان؛ على ماحكي عنه: (رأيته بخطه في أربعين مجلدا، سماه (مرآة الزمان)، وصاحب كتاب (تذكرة الخواص) قال فيه: (فصل: هو محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، كنيته: أبو عبد الله، وأبو القاسم، وهو الخلف، الحجة، صاحب الزمان، القائم، والمنتظر، والتالي، وآخر الأئمة، أنبأنا عبد العزيز بن البزاز عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي، وكنيته ككنيتي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، فذلك هو المهدي. وهذا حديث مشهور، وقد أخرج أبو داود والزهري عن علي بمعناه، وفيه: لولم يبق من الدهر إلا يوم واحد لبعث الله من أهل بيتي من يملأ الأرض عدلا، وذكره في روايات كثيرة، ويقال له: ذو الاسمين: محمد وأبو القاسم، قالوا: امه ام ولد يقال لها: صقيل. وقال السدي: يجتمع المهدي وعيسى بن مريم، فيجيء وقت الصلاة فيقول المهدي لعيسى: تقدم، فيقول عيسى: أنت أولى بالصلاة، فيصلي عيسى وراءه مأموما... إلى اخر كلامه).
٤- نور الدين عبد الرحمن بن احمد بن قوام الدين الدشتي، الجامي، الحنفي، الشاعر، العارف، صاحب (شرح الكافية)، فقد جعل في كتابه (شواهد النبوّة) على ما حكى عنه في (كشف الأستار)؛ الحجة بن الحسن الإمام الثاني عشر، وذكر غرائب حالات ولادته، وبعض معاجزه، وأنه الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا، ثم روى خبر حكيمة في الولادة، وخبر غيرها، في أنه (عليه السلام) لما ولد؛ جثا على ركبتيه، ورفع سبابته إلى السماء، وعطس فقال: الحمد لله رب العالمين، وخبر من دخل على أبي محمد (عليه السلام) وسأله عن الخلف والإمام بعده؟ فدخل الدار، ثم خرج وقد حمل طفلا كانه البدر في ليلة تمامه في سن ثلاث سنين، قال: يا فلان! لولا كرامتك على الله لما أريتك هذا الولد، اسمه؛ اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكنيته كنيته، هو الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وخبر من دخل على أبي محمد (عليه السلام) وعلى طرف البيت ستر مسبل على بيت فسأله: من صاحب هذا الأمر بعد هذا؟ فقال: ارفع الستر، وخبر من بعثه المعتضد...الخ.
٥- الشيخ الحافظ أبو عبدالله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي، المتوفي سنة (٦٥٨هـ)، صاحب كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان)، وكتاب (كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب) قال في الباب الثامن من الابواب التي ألحقها بأبواب الفضائل من كتاب (كفاية الطالب) بعد ذكر الأئمة من ولد أمير المؤمنين (عليه السلام): (وخلف- يعني عليا الهادي (عليه السلام)- من الولد أبا محمد الحسن ابنه، مولده بالمدينة في شهر ربيع الآخر من سنة اثنين وثلاثين ومائتين، وقبض يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الاول سنة ستين ومائتين، وله يومئذ ثمان وعشرون سنة، ودفن في داره بسر من رأى في البيت الذي دفن فيه أبوه، وخلف ابنه وهو الإمام المنتظر صلوات الله عليه، ونختم الكتاب بذكره مفردا).
وقال؛ في كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان)؛ الباب الخامس والعشرون، في الدلالة على جواز بقاء المهدي (عليه السلام) مذ غيبته إلى الآن: (ولا امتناع في بقائه، بدليل بقاء عيسى وإلياس والخضر من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجال وإبليس الملعونين أعداء الله تعالى...) إلى آخر كلامه الطويل الذيل في هذا الباب.
الى هذا المقدار نكتفي وإذا اردت المزيد فراجع المصدر المذكور(٣٧).

الفصل الثاني: في ان له غيبة (عليه السلام) واثبات ذلك

السؤال الاول: نحن نعلم ان الغيبة من مختصات الانبياء (عليهم السلام)، كما ورد، فهل يشمل ذلك الامام الحجة (عليه السلام)؟ وهل يمكن اثبات اصل غيبته ام لا؟
الجواب
لقد وردت روايات فيها؛ ان الامام الحجة (عليه السلام) بما انه وارث الانبياء (عليهم السلام) عن اجداده الطاهرين ولا سيما النبي الاكرم محمد (صلى الله عليه وآله)؛ فان فيه من سنن هؤلاء الانبياء (عليهم السلام)، ومنها الغيبة، ونحن نشير الى الروايات الواردة في ذلك؟
١- كمال الدين(٣٨): عن سعيد بن جبير، قال: سمعت سيد العابدين؛ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، يقول: في القائم سنن من سبعة أنبياء سنة من أبينا آدم، وسنة من نوح، وسنة من ابراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من ايوب، وسنة من محمد (صلوات الله عليهم)، فأما من آدم ونوح؛ فطول العمر، وأما من ابراهيم؛ فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأما من موسى؛ فالخوف والغيبة، وأما من عيسى؛ فاختلاف الناس فيه، وأما من ايوب؛ فالفرج بعد البلوى، وأما من محمد؛ فالخروج بالسيف.
٢- البحار(٣٩): عن عبدالله بن سنان، عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال؛ سمعته يقول: في القائم سنة (شبه- خ) من موسى بن عمران (عليه السلام)، فقلت: وما سنة (شبه) موسى بن عمران؟ فقال: خفاء مولده، وغيبته عن قومه، فقلت: وكم غاب موسى بن عمران (عليه السلام) عن قومه وأهله؟ فقال: ثماني وعشرين سنة.
٣- اثبات الهداة(٤٠): عن ابي بصير قال: قال ابو عبدالله (عليه السلام): ان في صاحب هذا الأمر سنن من الأنبياء: سنة من موسى بن عمران، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد، (صلوات الله عليهم)، فأما سنة من موسى بن عمران؛ فخائف يترقب، وأما سنة من عيسى؛ فيقال فيه؛ ما قيل في عيسى، واما سنة من يوسف؛ فالستر، يجعل الله بينه وبين الخلق حجابا يرونه ولا يعرفونه، وأما سنة من محمد، (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فيهتدي بهداه، ويسير بسيرته.
٤- الامامة والتبصرة(٤١): عن ابي بصير، قال: سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول: في صاحب هذا الأمر أربعة سنن من أربع انبياء: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد (صلى الله عليه وآله)، فأما سنة من موسى؛ فخائف يترقب، وأما سنة من يوسف؛ فالسجن، وأما سنة من عيسى؛ فقيل: إنه مات ولم يمت، وأما سنة من محمد (صلى الله عليه وآله)؛ فالسيف.
٥- اثبات الوصية(٤٢): عن ابي بصير، قال: سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنة من موسى في غيبته، وسنة من عيسى في خوفه ومراقبة اليهود وقولهم مات ولم يمت وقتل ولم يقتل، وسنة من يوسف في جماله وسخائه، وسنة من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في السيف يظهر به.
وفي هذا المعنى ورد ٢٣ حديثا.
السؤال الثاني: بعدما عرفنا ان للإمام الحجة (عليه السلام)؛ غيبة، فما هي هذه الغيبة؟
الجواب
ان الامام الحجة (عليه السلام)؛ لما غاب عن الانظار كان هناك مصلحة الهية في غيبته، تناسبت مع الظروف التي احاطت به، وما زالت تحيط، مما جعل الله عزّ وجلّ فيه هذه السنة وهي الغيبة، وهي؛ اما صغرى او كبرى، كما ورد في الروايات، ونحن نشير الى ما يدل عليهما:
١- الكافي(٤٣): عن اسحاق بن عمار قال؛ قال ابو عبدالله (عليه السلام): للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والاخرى طويلة، الغيبة الاولى؛ لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصّة شيعته، والاخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصَّة مواليه.
٢- ينابيع الموّدة(٤٤): عن الحجة فيما نزل في القائم الحجة في قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون)، عن ثابت الثمالي، عن علي بن الحسين، عن ابيه، عن جده علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - قال: فينا نزلت هذه الآية، وجعل الله الإمامة في عقب الحسين إلى يوم القيامة، وأن للقائم منا غيبتين: إحداهما أطول من الأخرى، فلا يثبت على إمامته إلا من قوي يقينه، وصحت معرفته.
٣- غيبة النعماني(٤٥): عن ابراهيم بن عمر اليماني؛ قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين، وسمعته يقول: لا يقوم القائم ولأحدٍ في عنقه بيعة.
٤- دلائل الامامة(٤٦): عن ابي بصير؛ قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: لقائم آل محمد غيبتان: إحداهما أطول من الاخرى؟ فقال: نعم، ولا يكون ذلك حتى يختلف سيف بني فلان، وتضيق الحلقة، ويظهر السفياني، ويشتد البلاء ويشمل الناس موتٌ وقتلٌ، يلجؤون فيه الى حرم الله وحرم رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم).
٥- عقد الدرر(٤٧): عن ابي عبدالله الحسين بن علي (عليهما السلام) انه قال: لصاحب هذا الأمر - يعني المهدي (عليه السلام)- غيبتان: إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات، وبعضهم: قتل، وبعضهم: ذهب، ولا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره.
وفي هذا المعنى يوجد ١٠ احاديث(٤٨).
وقد اضاف، استاذنا المفدى آية الله العظمى الشيخ صافي الگلپايگاني دام ظله؛ حول هذا الموضوع بقوله:
اعلم؛ انه قد دلت الروايات الكثيرة على ان له غيبتين احداهما اطول من الاخرى، وامتدت الغيبة الصغرى إلى سنة (٣٢٩هـ)، سنة موت أبي الحسن علي بن محمد السمري الذي ختم به النيابة الخاصّة، وانقطعت بموته السفارة، فكانت مدتها (٧٤ سنة)، على أن يكون أولها سنة ولادة الحجة (عليه السلام)، و(٦٩ سنة)، على أن يكون أولها سنة وفاة ابيه سنة ستين ومائتين، وفي هذه المدة كان السفراء - رضوان الله عليهم - هم الوسائط بينه وبين شيعته، ويصل إليه وكلاؤه وبعض الخواصّ من الشيعة، ويصدر منه التوقيعات إلى بعض الخواصّ، ويجيء من ناحيته المقدسّة بتوسّط السفراء أجوبة المسائل والأحكام الشريعة وغيرها، والخواصّ من الشيعة يعرفون خطه الشريف.
وبعد انقضاء الغيبة القصرى وقعت الغيبة الطولى، فلا ظهور الى ان يأذن الله تعالى(٤٩).
السؤال الثالث: هل تعتبر هذه الاحاديث الواردة عن غيبة الامام (عليه السلام)؛ الصغرى والكبرى صحيحة، وهل تطرق العلماء الى صحة هذه الاحاديث؟
الجواب
نعم لقد تطرق علمائنا الى صحة هذه الاحاديث واعتبروها دليلا على صدق ما اخبر به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والائمة (عليهم السلام)، واليك نبذة من اقوالهم رضي الله عنهم جميعا:
١- الشيخ الاجل الاقدم؛ ابن ابي زينب الكاتب النعماني، المعاصر للشيخ الكليني، قال: (هذه الاحاديث التي يذكر فيها ان للقائم (عليه السلام) غيبتين؛ احاديث قد صحت عندنا بحمد الله، وأوضح الله قول الائمة (عليهم السلام) وأظهر برهان صدقهم فيها، فأما الغيبة الاولى؛ فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام (عليه السلام) وبين الخلق قياما منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان، يخرج على أيديهم غوامض العلم (الشفاء من العلم – خ، سهاء العلم – خ) وعويص الحكم، والأجوبة عن كل ما كان يُسأل عنه من المعضلات والمشكلات، وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامها، وتصرمت مدتها، والغيبة الثانية؛ هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط للأمر الذي يريده الله تعالى، والتدبير الذي يمضيه في الخلق، ولوقوع التمحيص والامتحان والبلبلة والغربلة والتصفية على من يدعي هذا الأمر، كما قال الله عزّ وجلّ: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب) وهذا زمان ذلك قد حضر - جعلنا الله فيه من الثابتين على الحق، وممن لا يخرج في غربال الفتنة - فهذا معنى قولنا: (له غيبتان)، ونحن في الأخيرة نسأل الله أن يقرب فرج أوليائه منها، ويجعلنا في حيِّز خيرته، وجملة التابعين لصفوته، ومن خيار من ارتضاه وانتجبه لنصرة وليه وخليفته، فإنه ولي الاحسان، جوادٌ منّان)(٥٠).
٢- امين الاسلام؛ ابي عليّ الطبرسي، المتوفي سنة (٥٤٨ هـ)، ذكر في كتابه (اعلام الورى)، في الفصل الاول من الباب الثالث من القسم الثاني من الركن الرابع - بعد ذكر أن أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة (عليه السلام) بل زمان ابيه وجده، وأن المحدثين من الشيعة خلدوها في اصولهم المؤلفة في أيام السيدين؛ الباقر والصادق (عليهما السلام) وأثروها عن النبي والائمة (عليهما السلام) واحدا بعد واحد، وأن هذا دليل صحة القول في إمامة صاحب الزمان لوجود هذه الصفة له، والغيبة المذكورة في دلائله وأعلام امامته، وأنه لا يمكن لأحد دفع ذلك – ما هذا لفظه: (ومن جملة ثقات المحدثين والمصنفين من الشيعة: الحسن بن محبوب الزراد، وقد صنف كتاب (المشيخة) الذي هو في اصول الشيعة اشهر من كتاب المزني وأمثاله قبل زمان الغيبة بأكثر من مائة سنة، فذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغيبة فوافق الخُبر الخبر، وحصل كل ما تضمنه الخبر بلا اختلاف، ومن جملة ذلك ما رواه عن ابراهيم الخارقي عن أبي بصير عن أبي عبدالله (ثم ذكر الحديث الخامس من هذا الباب) وقال: فانظر كيف قد حصل الغيبتان لصاحب الأمر (عليه السلام) على حسب ما تضمنه الأخبار السابقة لوجوده عن آبائه وجدوده، انتهى).
٣- الشيخ المفيد المتوفي سنة (٤١٣هـ): قال في (الفصول العشرة): (الاخبار عمن تقدم من أئمة آل محمد (عليهم السلام) متناصرة بأنه لابد للقائم المنتظر من غيبتين: إحداهما أطول من الاخرى، يعرف خبره الخاص في القصرى، ولا يعرف العام له مستقرا في الطولى، إلا من تولى خدمته من ثقات أوليائه، ولم ينقطع عنه إلى الاشتغال بغيره، والأخبار بذلك موجودة في مصنفات الشيعة الإمامية قبل مولد أبي محمد وأبية وجده (عليهم السلام)، وظهر حقها عند مضي الوكلاء والسفراء الذين سميناهم رحمهم الله، وبان صدق روّاتها بالغيبة الطولى، وكان ذلك من الآيات الباهرات في صحة ما ذهبت إليه الإمامية، انتهى).
ويقول مؤلف كتاب؛ (منتخب الاثر) دام ظله الشريف:
بل ويدل على صحة هذه الاحاديث نفس تخريجها في الكافي الذي صنفه الكليني - قدس سره - في عصر الغيبة الصغرى، وانقضاء عصرها وحصول الغيبة الثانية التامة بعده، فإن علي بن محمد السمري - رضي الله عنه - هو آخر السفراء؛ توفي في شعبان سنة (٣٢٩هـ)، والكليني توفي في سنة؛ (٣٢٨هـ)، وعلى قول توفي في سنة؛ (٣٢٩هـ)، في السنة التي توفي فيها السفير الرابع السمري فإنه ايضاً توفي في النصف من شعبان من سنة (٣٢٩هـ)، واحتمل بعضهم على فرض وقوع وفاة الكليني في سنة (٣٢٩هـ) وقوعها قبل وفاة السمري.
وكيف كان تخريج هذه الاحاديث في الكافي وانقضاء مدة الغيبة القصرى، ووقوع الغيبة الطولى التامة بعده يؤكد صحة هذه الاحاديث، بل بنفسه دليل على صحتها.
هذا ولا يخفى عليك؛ أن قصة غيبة مولانا المهدي- بأبي هو وامي - مذكورة في أشعار شعراء الشيعة؛ كالحميري المتوفي سنة (١٧٣هـ)، وهو الذي يقول؛ في قصيدته التي خاطب بها مولانا الصادق (عليه السلام)(٥١):

ولكن رُوينا عن وصي محمد * * * وما كان فيما قال بالمتكذب
فيقسم أموال الفقيد كانما * * * تعيّبه بين الصفيح المنصب
واشهد ربي أن قولك حجة * * * على الخلق طرا من مطيع ومذنب
له غيبة لابد من أن يغيبها * * * فصلى عليه الله من متغيب
بأن ولي الامر يفقد لا يرى * * * ستيرا كفعل الخائف المترقب
فيمكث حينا ثم ينبع نبعة * * * كنبعة جدي من الافق كوكب
بأن ولي الأمر والقائم الذي * * * تطلع نفسي نحوه بتطرّب
فيمكث حينا ثم يظهر حينه * * * فيملأ عدلا كل شرق ومغرب(٥٢)

السؤال الرابع: بعد ما عرفنا صحة هذه الاحاديث ونحن نعيش في عصر غيبته (عليه السلام) فهل ذكرتم ما ورد بخصوص الغيبة الكبرى من احاديث؟
الجواب
لقد وردت روايات كثيرة؛ تبين مسألة غيبة الامام الكبرى، وكشف بعض ملابساتها، والتي تعتبر هذه المسألة مورد الابتلاء والتمحيص للشيعة، لذا ذكرها الائمة (عليهم السلام)؛ حتى تكون شيعتهم على بينة من امرهم، واليك بعضا منها:
١- كمال الدين(٥٣): عن سدير الصيرّفي؛ قال: دخلت انا والمفضل بن عمر وابو بصير، وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)، فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح خيبري مطوّق بلا جيب، مقصّر الكمين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى، ذات الكبد الحرى، قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغيير في عارضيه، وأبلى الدموع محجريه، وهو يقول: سيدي غيبتك نفت رقادي، وضيّقت عليّ مهادي، وابتزّت مني راحة فوادي، سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد، وفقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع والعدد، فما أحسّ بدمعة ترقى من عيني، وأنين يفتر من صدري، عن دوارج الرزايا، وسوالف البلايا، إلا مثل بعيني عن غوابر أعظمها وأفظعها، وبواقي أشدّها وأنكرها، ونوائب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك.
 قال سدير: فاستطارت عقولنا ولهاً، وتصدعت قلوبنا جزعا، من ذلك الخطب الهائل، والحادث الغائل، وظننا أنه سمت لمكروهة قارعة، أوحلت به من الدهر بائقة! فقلنا: لا أبكى الله يا ابن خير الورى عينيك، من آية حادثة تستنزف دمعتك، وتستمطر عبرتك؟ وآية حالة حتمت عليك هذا المأتم؟ قال: فزفر الصادق (عليه السلام) زفرةً انتفخ منها جوفه، واشتد عنها خوفه، وقال: ويلكم، نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، الذي خص الله به محمدا والأئمة من بعده (عليهم السلام)، وتأملت منه مولد غائبنا وغيبته وإبطائه، وطول عمره، وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته، وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم التي قال الله تقدس ذكره: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)- يعني الولاية - فأخذتني الرقة، واستولت علي الأحزان، فقلنا: يا بن رسول الله، كرمنا وفضلنا بإشراكك إيانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك؟ قال: إن الله تبارك وتعالى أدار للقائم منّا ثلاثة ادارها في ثلاثة من الرسل (عليهم السلام): قدر مولده تقدير مولد موسى (عليه السلام)، وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى (عليه السلام)، وقدر إبطاءه تقدير ابطاء نوح (عليه السلام)، وجعل له من بعد ذلك عمر العبد الصالح - أعني الخضر (عليه السلام) - دليلا على عمره، فقلنا له: اكشف لنا يا ابن رسول الله عن وجوه هذه المعاني؟ قال (عليه السلام): أما مولد موسى (عليه السلام)، فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يده أمر بإحضار الكهنة فدلوه على نسبه، وأنه يكون من بني اسرائيل، ولم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من نساء بني اسرائيل حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين ألف مولود، وتعذر عليه الوصول الى قتل موسى (عليه السلام) بحفظ الله تبارك وتعالى إياه، وكذلك بنو أمية وبنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملكهم وملك الامراء والجبابرة منهم على يد القائم منا ناصبونا العداوة، ووضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول (صلى الله عليه وآله) (أهل بيت رسول الله -خ)، وإبادة نسله طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم، ويأبى الله عزّ وجلّ أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
وأما غيبة عيسى (عليه السلام)، فأن اليهود والنصارى اتفقت على أنه قتل؛ فكذبهم الله جل ذكره بقوله: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)، كذلك غيبة القائم، فإن الامة ستنكرها لطولها، فمن قائل يهذي: بأنه لم يلد، وقائل يقول: أنه يتعدّى إلى ثلاثة عشر وصاعدا، وقائل يعصي الله عزّ وجلّ بقوله: إن روح القائم ينطق في هيكل غيره.
واما إبطاء نوح (عليه السلام)؛ فانه لما استنزلت العقوبة على قومه من السماء بعث الله عزّ وجلّ الروح الأمين (عليه السلام) بسبع نويات، فقال: يا نبي الله، إن الله تبارك وتعالى يقول لك: ان هؤلاء خلائقي وعبادي، ولست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك، فإني مثيبك عليه، واغرس هذه النوى، فإن لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص، فبشر بذلك من تبعك من المؤمنين؟ فلما نبتت الأشجار وتأزرت وتسوقت وتغصنت وأثمرت، وزها التمر عليها بعد زمان طويل استنجز من الله سبحانه وتعالى العدة؟ فأمره الله تبارك وتعالى؛ أن يغرس من نوى تلك الأشجار ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكد الحجة على قومه؟ فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به، فارتد منهم ثلاثمائة رجل، وقالوا: لوكان ما يدعيه نوح حقا لما وقع في وعد ربه خلف، ثم إن الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كل مرة بأن يغرسها مرة بعد اخرى إلى أن غرسها سبع مرات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتد منه طائفة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا، فأوحى الله تبارك وتعالى عند ذلك إليه، وقال: يا نوح، الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرح الحق عن محضه، وصفا (الأمر والايمان) من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة، فلو أني أهلكت الكفار وأبقيت من قد ارتد من الطوائف التي كانت آمنت بك لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك، واعتصموا بحبل نبوتك بأن أستخلفهم في الأرض، وامكن لهم دينهم، وابدل خوفهم بالأمن، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشك من قلوبهم، وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبدل الخوف بالأمن مني لهم مع ماكنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا، وخبث طينهم، وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق وسنوح الضلالة، فلو أنهم، تسنموا مني الملك الذي أُوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذا أهلكت أعداءهم لنشقوا روائح صفاته، ولاستحكمت سرائر نفاقهم، (و) تأبّدت حبال ضلالة قلوبهم، ولكاشفوا إخوانهم بالعداوة، وحاربوهم على طلب الرئاسة، والتفرد بالأمر والنهي، وكيف يكون التمكين في الدين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب، كلا (فاصنع الفلك بأعيننا ووحينا)؟ قال الصادق (عليه السلام): وكذلك القائم، فإنه تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه، ويصفو الايمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم (عليه السلام)، قال المفضل: فقلت: يا ابن رسول الله، فإن (هذه) النواصب تزعم أن هذه الآية نزلت في؛ أبي بكر وعمر وعثمان، وعلي (عليه السلام)؟ فقال: لا يهدي الله قلوب الناصبة، متى كان الدين الذي ارتضاه الله ورسوله متمكنا بانتشار الأمن في الامة، وذهاب الخوف من قلوبها، وارتفاع الشك من صدورها في عهد واحد من هؤلاء، وفي عهد علي (عليه السلام)، مع ارتداد المسلمين والفتن التي تثور في أيامهم، والحروب التي كانت تنشب بين الكفار وبينهم؟! ثم تلا الصادق (عليه السلام): (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا).
وأما العبد الصالح - أعني الخضر (عليه السلام) - فإن الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى؛ أن الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر القائم (عليه السلام) في أيام غيبته ما يقدر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوّل عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك، إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم (عليه السلام)، وليقطع بذلك حجة المعاندين، (لئلا يكون للناس على الله حجة).
٢- اثبات الهداة(٥٤): عن الحسن بن علي بن فضال، قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليهم السلام) يقول: إن الخضر (عليه السلام)؛ شرب من ماء الحياة، فهو حي لا يموت حتى ينفخ في الصور، وانه ليأتينا (ليلقانا – خ) فيسلم، فنسمع صوته ولا نرى شخصه، وإنه ليحضر حيث ما ذكر، فمن ذكره منكم فليسلم عليه، وانه ليحضر الموسم كل سنة فيقضي جميع المناسك، ويقف بعرفة فيؤمن على دعاء المؤمنين، وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته، ويصل به وحدته.
٣- علل الشرايع(٥٥): عن حنان بن سدير عن ابيه عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: قال: إن للقائم منا غيبة يطول أمدها، فقلت له: ولم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: إن الله عزّ وجلّ ابي اِلا أن يجري فيه سنن الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم، وأنه لابد له يا سدير؛ من استيفاء مدد غيباتهم، قال الله عزّ وجلّ: (لتركبن طبقا عن طبق) أي سننا على سنن من كان قبلكم.
٤- غيبة النعماني(٥٦): عن ابي عبد الله جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: زاد الفرات على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، فركب هو وابناه الحسن والحسين (عليهما السلام) فمر بثقيف، فقالوا: قد جاء علي يرد الماء، فقال علي (عليه السلام): أما والله لاقتلن أنا وابناي هذان، وليبعثن الله رجلا من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا، وليغيبن عنهم تمييزا لأهل الضلالة، حتى يقول الجاهل: ما لله في آل محمد من حاجة.
٥- تاريخ قم(٥٧): عن ابي الاكراد علي بن ميمون الصائغ، عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: إن الله احتج بالكوفة على سائر البلاد، وبالمؤمنين من أهلها على غيرهم من أهل البلاد، واحتج ببلدة قم على سائر البلاد، وبأهلها على جميع أهل المشرق والمغرب من الجن والإنس، ولم يدع الله قم وأهله مستضعفا بل وفقهم وأيدهم، ثم قال: إن الدين وأهله بقم ذليل، ولولا ذلك لأسرع الناس إليه فخرب قم وبطل أهله، فلم يكن حجة على سائر البلاد، وإذا كان كذلك لم تستقر السماء والارض، ولم ينظروا طرفة عين، وان البلايا مدفوعة عن قم وأهله، وسياتي زمان تكون بلدة قم واهلها حجة على الخلائق، وذلك في زمان غيبة قائمنا (عليه السلام) إلى ظهوره، ولولا ذلك لساخت الأرض بأهلها، وان الملائكة لتدفع البلايا عن قم وأهله، وما قصده جبار بسوء إلا قصمه قاصم الجبارين، وشغله عنهم بداهية أو مصيبة أو عدو، وينسي الجبارين في دولتهم ذكر قم كما نسوا ذكر الله.
وفي هذا المعنى يوجد ١٠٠ حديث(٥٨).
السؤال الخامس: لقد ذكرتم ان الروايات التي وردت في غيبة الامام (عليه السلام)؛ الكبرى، حدود مائة رواية، فهل يمكنكم جمعها على شكل نقاط ليسهل الاطلاع على مضامينها؟
الجواب
سنحاول بعونه تعالى ان نجمع مضامين هذه الروايات لأهميتها ليسهل مطالعتها ومعرفة بعض ملابسات ومشاكل الغيبة الكبرى:
١- من ادرك زمان الحجة (عليه السلام)؛ ورأى القائم من الشيعة المنتظرين لظهوره، كان مع اهل البيت في السنام الاعلى.
٢- المنتظر لظهوره، الذي يموت ولم يدركه، يجيء يوم القيامة مع ثقل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وثقله؛ هم الائمة الاثني عشر (عليهم السلام).
٣- لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج قائم اهل البيت (عليهم السلام).
٤- يقع الشيعة في زمان غيبته في فتنة وحيرة.
٥- يثبت الله على هذه في غيبته؛ المخلصين.
٦- يقول الجاهلون في غيبته لطولها: ما لله في آل محمد حاجة.
٧- جولان الشيعة في غيبته جولان النعم تطلب المرعى فلا تجده.
٨- الثابت من الشيعة على دينه ولم يقسّ قلبه لطول امد غيبة امامه، فهو مع الائمة في درجتهم يوم القيامة.
٩- اذا خرج القائم لم يكن لاحد في عنقه بيعة فلذلك تخفي ولادته ويغيب شخصه.
١٠- حاله حال يوسف (عليه السلام) حيث كان إليه ملك مصر وبينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما ولكن الله عزّ وجلّ لم يعرفه على مكانه وكذلك الحجة (عليه السلام).
١١- الحجة (عليه السلام)، يسير في الاسواق ويجلس مع الناس وهم لا يعرفونه حتى يأذن الله ان يعرفهم بنفسه.
١٢- يطول عمره الشريف في غيبته، حتى لو بقى فيها ما بقى نوح في قومه، لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.
١٣- انه يغيب غيبة طويلة ثم يقبل كالشهاب الثاقب ويتوقد في الليلة الظلماء.
١٤- من ادرك زمانه من الشيعة قرّت عينه.
١٥- على المؤمن ان يتق الله في زمن غيبته وليتمسّك بدينه.
١٦- يفقد الناس امامهم الحجة، ولكنه يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه.
١٧- المتمسك بدينه زمن غيبته كالخارط للقتاد لشدة زمان غيبته.
١٨- يشك البعض فيه، زمن غيبته، فيقول مات او هلك بايّ واد سلك؟
١٩- تدمع عليه عيون المؤمنين من فراقه وشدة البلاء.
٢٠- تكفئ الشيعة بالفتن كما تكفأ السفن في امواج البحر..
٢١- لا ينجو في زمن غيبته الا من اخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الايمان وايده بروحه منه.
٢٢- ترفع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدري ايٌ من ايٍّ.
٢٣- رغم ظهور رايات مشتبهة، فان امر اهل البيت (عليهم السلام) ابين من الشمس في واضحة النهار.
٢٤- الحجة (عليه السلام) زمن غيبته الكبرى: طريد وحيد غريب غائب عن اهله الموتور بابيه (عليهما السلام).
٢٥- لا يرى جسمه ولا يسمى باسمه.
٢٦- انه يغيب بعهد معهود إليه من جده النبي محمد (صلى الله عليه وآله).
٢٧- يشك البعض في ولادته بسبب غيبته الطويلة.
٢٨- من ادرك زمانه فليتمسك بدينه ولا يجعل للشيطان إليه سبيلا بشكه، فيزيله عن ملة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويخرجه من دينه كما اخرج ابونا من الجنة من قبل.
٢٩- ان فيه شبه من يوسف وهي الحيرة والغيبة.
٣٠- النهي عن انكار غيبته.
٣١- لابد له في غيبته من عزلة، ومنزله طيبة، وما بثلاثين(٥٩) من وحشة(٦٠).
السؤال السادس: لقد ذكرتم ان الغيبة امر الهي، اخذه الامام الحجة من آبائه الطاهرين، فما هي اسباب وعلّة غيبته (عليه السلام)؟
الجواب
نذكر في الجواب ما سطره؛ يراع استاذنا المفدى المؤلف دام ظله الشريف وهو:
اعلم؛ ان اختفاء سبب الغيبة عنا ليس مستلزما لصحة انكار وقوعها او عدم وجود مصلحة فيها، فان سبيل هذه وسبيل غيرها من الحوادث الجارية بحكمة الله تعالى سواء، فكما انه لا سبيل الى انكار المصلحة في بعض افعاله تعالى مما لم نعلم وجه حكمته ومصلحته، لا طريق ايضاً الى انكار المصلحة في غيبة وليه وحجته، فان مداركنا وعقولنا قاصرة عن ادراك فوائد كثير من الاشياء، وسنن الله تعالى في عالم التكوين والتشريع، بل لم نعط مدركات ندرك بها كثير من المجهولات، فالاعتراف بقصور افهامنا اولى، ولنعم ما قاله الشاعر:

وان قميصا خيط من نسج تسعة * * * وعشرين حرفا عن معاليه قاصر

وقال بعضهم:

العلم للرحمن جل جلاله * * * وسواه في جهلاته يتغمغم
ما للتراب وللعلوم وانما * * * يسعى ليعلم انه لا يعلم

وما احسن ادب من قال: علم الخلائق في جنب علم الله مثل لا شيء في جنب مالا نهاية له.
وقال مولانا وسيدنا ابو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) فيما روي عنه: (يا آدم، لو اكل قلبك طائر لم يشبعه، وبصرك لو وضع عليه خرق ابرة لغطاه، تريد ان تعرف بهما ملكوت السماوات والارض!)، والحاصل انه ليس علينا السؤال عن هذه، بعد اخبار النبي والمعصومين من اهل بينه (صلى الله عليهم اجمعين) عن وقوعها، ودلالة الاحاديث القطعية عليها، وبعد وقوعها في الامم السالفة، كما ذكره الامام في رواية سدير الطويلة.
قال المفيد- قدس سره - وثم وليّ لله تعالى يقطع الارض بعبادة ربه تعالى، والتفرد من الظالمين بعمله، وناي بذلك عن دار المجرمين، وتبعّد بدينه عن محل الفاسقين، لا يعرف احد من الخلق له مكانا، ولا يدعي انسان منهم له لقاء ولا معه اجتماعا، وهو الخضر (عليه السلام) موجود قبل زمان موسى الى وقتنا هذا باجتماع اهل النقل، واتفاق اصحاب السير والخبر، سائحا في الارض لا يعرف له احد مستقرا، ولا يدعي له اصطحابا الا ما جاء في القران به من قصته مع موسى (عليه السلام)، وما يذكره بعض الناس من انه يظهر احيانا ولا يعرف، ويظن بعض الناس انه رآه، انه بعض الزهاد فاذا فارق مكانه توهمه المسمى بالخضر وان لم يكن يعرف بعينه في الحال ولا ظنه، بل اعتقد انه بعض اهل الزمان، انتهى كلامه في (الفصول العشرة).
ثم ذكر غيبة موسى ويوسف ويونس وغير هم، هذا وقد صرح ابو عبدالله (عليه السلام): بان وجه الحكمة في غيبته لا ينكشف الا بعد ظهوره، وانه من اسرار الله (في رواية؛ عبد الله بن الفضل الهاشمي... الحديث)، فعليه يصح لنا ان نقول: بانّ السبب الاصلي في حكمته خفي عنّا، ولا ينكشف تمام الانكشاف الا بعد ظهوره.
نعم؛ لها فوائد ومصالح معلومة غير ذلك:
منها: امتحان العباد بغيبته، واختبار مرتبة تسليمهم ومعرفتهم وإيمانهم بما اوحي الى النبي (صلى الله عليه وآله)، وبشر به عن الله تعالى، وقد جرت سنة الله تعالى بامتحان عباده، بل ليس خلق الناس وبعث الرسول، وانزال الكتب الا للامتحان، قال الله تعالى (انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج نبتليه)، وقال عزّ شانه (الذي خلق الموت والحياه ليبلوكم ايكم احسن عملا)، وقال سبحانه: (احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)، ويستفاد من الاخبار التي وقفت عليها في هذا الكتاب؛ ان الامتحان بغيبة المهدي (عليه السلام) من اشد الامتحانات، وان المتمسك فيها بدينه كالخارط للقتاد.
هذا مضافا؛ الى ان في التصديق وعقد القلب والالتزام والايمان بما اخبر به النبي (صلى الله عليه وآله سلم)، من الامور الغيبية؛ امتحانا وارتياضا خاصا، وثمرةٌ لصفاء الباطن وقوة التدين بدين الله تعالى، فامتحان الناس بغيبته (عليه السلام) يكون عملا وإيمانا وعلما، اما عملا: فلما يحدث في زمان الغيبة من الفتن الشديدة الكثيرة، ووقوع الناس في بليات عظيمة بحيث يصير من اصعب الامور؛ المواظبة على الوظائف الدينية. واما علما وإيمانا: فلانه ايمان بالغيب، فلا يؤمن به اِلا من كمل ايمانه، وقويت معرفته، وخلصت نيته.
والحاصل؛ ان الناس ممتحنون في الايمان بالله، والتسليم والتصديق بما اخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، الا ان الامتحان بالإيمان؛ بما انه كان من الامور الغيبية؛ ربّما يكون اشدّ من غيره وقد جاء التصريح بوصف هؤلاء المؤمنين في قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب....) الآيات؛ وذلك لان الايمان بكلّ ما هو غيب عنا ممّا اخبر به النبيّ (صلى الله عليه وآله)؛ لا يحصل اِلا لأهل اليقين والمتقين الذين نجوا عن ظلمة الوساوس والشبهات الشيطانيّة، وانار نفوسهم نور المعرفة واليقين والايمان الكامل بالله ورسله وكتبه.
ومنها: انتظار كمال استعداد الناس لظهوره، فان ظهوره ليس كظهور غيره من الحجج والانبياء، وليس مبنيا على الاسباب الظاهرية والعادية، وسيرته ايضاً؛ مبنيّة على الحقائق والحكم بالواقعيات ورفض التقيّة والتسامح في الامور الدينية، فالمهدي (عليه السلام)؛ شديد على العمّال شديد على اهل المعاصي، وحصول هذه الامور محتاج الى حصول استعداد خاصّ للعالم ورقاء البشر من ناحية العلوم والمعارف ومن ناحية الفكر ومن ناحية الاخلاق حتى يستعدّ لقبول تعليماته العالية وبرنامجه الاصلاحي.
ومنها: الخوف من القتل؛ يشهد التاريخ ان سبب حدوث الغيبة ظاهرا خوفه عن قتله، فإن اعداءه عزموا على قتله اطفاءً لنوره واهتماما بقطع هذا النسل الطيب المبارك ولكن يأبى الله اِلا ان يتم نوره.
ومنها: غيرها مما ذكر في الكتب المفصلة.
فإن قلت: اي فائدة في وجود الامام الغائب عن الابصار! فهل وجوده وعدمه اِلا سواء؟
قلت: اولا؛ ان فائدة وجود الحجة ليست منحصرة في التصرف في الامور ظاهرا بل اعظم فوائد وجوده ما يترتب عليه من بقاء العالم بإذن الله تعالى وامره كما ينادي بذلك قوله (صلى الله عليه وآله): (اهل بيتي امان لأهل الارض، فإذا ذهب اهل بيتي ذهب اهل الارض). وقوله: (لا يزال هذا الدين قائما الى اثني عشر أميرا من قريش فإذا مضوا ساخت الارض باهلها)، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) (اللهم بلى لا تخلوا الارض من قائم لله...... الخ).
وثانيا؛ ان عدم تصرفه ليس من قبله، والمسؤولية في عدم تصرفه متوجهة الى رعيّته.
واشار الى الوجهين المحقق الطوسي في التجريد بقوله: (وجوده لطف وتصرفه لطف آخر وعدمه منا).
وثالثا؛ نقول انا لانقطع على انه مستتر عن جميع اوليائه كما في (الشافي) و(تنزيه الانبياء)؛ فإذا لا مانع عن تصرفه في بعض الامور المهمة بواسطة بعض اوليائه وخواصّه وانتفاعهم منه.
ورابعا: ما هو المسلم والمعلوم استتاره عن الناس، وعدم امكان الوصول إليه في الغيبة - الا لبعض الخواص وغير هم احيانا لبعض المصالح- ولكن لا يلازم هذا استتار الناس عنه صلوات الله عليه، فإنه كما يستفاد من الروايات؛ يحضر الموسم ايام الحج، ويحجّ ويزور جده وآباءه المعصومين، ويصاحب الناس، ويحضر المجالس، ويغيث المضطر، ويعود بعض المرضى وغير هم، وربّما يتكفل بنفسه الشريفة- جعلني الله فداه- قضاء حاجاتهم، والمراد من عدم امكان الوصول إليه في زمان الغيبة عدم امكان معرفته بعينه وشخصه.
وخامسا؛ لا يجب على الامام ان يتولى التصرف في الامور الظاهرية بنفسه، بل له تولية غيره بالخصوص كما فعل في زمان غيبته الصغرى، او على نحو العموم كما فعل في الغيبة الكبرى؛ فنصّب الفقهاء والعلماء العدول العالمين بالأحكام للقضاء واجراء السياسات واقامة الحدود وجعلهم حجة على الناس، فهم يقومون في عصر الغيبة بحفظ الشرع ظاهرا وبيان الاحكام ونشر المعارف الاسلامية ودفع الشبهات وبكل ما يتوقف عليه نظم امور الناس.
وتفصيل ذلك يطلب من الكتب الفقهية وان شئت زيادة التوضيح فيما ذكر؛ فعليك بالرجوع الى كتب اكابر اصحابنا كالمفيد والسيد والشيخ والصدوق والعلامة وغير هم جزاهم الله عن الدين افضل الجزاء(٦١).
السؤال السابع: هل تذكرون لنا بعض الروايات التي اشارت الى علّة غيبته (عليه السلام)؟
الجواب
لقد وردت تسع روايات في بيان علة غيبته (عليه السلام)، والحكمة منها، ونحن نشير الى خمس منها:
١- كمال الدين(٦٢): عن عبدالله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: ان لصاحب هذا الامر غيبة لابد منها يرتاب فيها كلّ مبطل. فقلت ولِمَ جعلت فداك؟ قال لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم. قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبته؛ وجه الحكمة في غيبة من تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره، ان وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف الا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما آتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام واقامة الجدار لموسى (عليه السلام) الا وقت افتراقهما، يا ابن الفضل! ان هذا الامر امر من (امر) الله تعالى، وسرّ من سرِّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا انه عزّ وجلّ حكيم، صدّقنا بان افعاله كلها حكمة وان كان وجهها غير منكشف.
٢- الخرائج والجرائح(٦٣): عن اسحق بن يعقوب عن صاحب الزمان صلوات الله عليه، في آخر التوقيع الوارد في جواب كتابه الذي سأل محمد بن عثمان العمري ان يوصل إليه عجّل الله فرجه: امّا علة ما وقع من الغيبة؛ فان الله عزّ وجلّ يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم)، انه لم يكن لاحد من آبائي (عليهم السلام) الا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، واني اخرج حين اخرج ولا بيعة لاحد من الطواغيت في عنقي، واما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس اذا غيبها عن الابصار السحاب، واني لأمان لأهل الارض كما ان النجوم امان لأهل السماء، فاغلقوا باب السؤال عما لا يعنيكم ولا تكلفوا علم ما قد كفيتم واكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فان ذلك فرجكم، والسلام عليك يا اسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى.
٣- عيون اخبار الرضا(٦٤): عن ابي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) قال: كأنني بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه، قلت: ولِمَ ذلك يا ابن رسول الله؟ قال لان امامهم يغيب عنهم. فقلت ولِمَ؟ قال لئلا يكون في عنقه لاحد بيعة إذ قام بالسيف.
٤- كتاب الغيبة(٦٥): عن زرارة؛ قال (عليه السلام): ان للقائم غيبة قبل ظهوره، قلت ولم؟ قال يخاف القتل(٦٦).
٥- البحار(٦٧): عن محمد بن مسلم الثقفي؛ قال: سمعت ابا جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) يقول: القائم منا منصور بالرعب مؤيد بالنصر تطوى له الارض وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله عزّ وجلّ به دينه على الدين كله ولو كره المشركون، فلا يبقى في الارض خراب الا قد عمّر، وينزل روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيصلي خلفه. قال؛ قلت: يا ابن رسول الله متى يخرج قائمكم؟ قال إذا تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال واكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وركب ذوات الفروج السروج، وقبلت شهادات الزور، وردّت شهادات العدول، واستخفّ الناس بالدماء، وارتكاب الزنا واكل الربا، واتقي الاشرار مخافة السنتهم، وخروج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الركن والمقام اسمه محمد بن الحسن النفس الزكية، وجاءت صيحة من السماء بأن الحق فيه وفي شيعته فعند ذلك خروج قائمنا، فإذا خرج اسند ظهره الى الكعبة واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا واول ما ينطق به هذه الآية: (بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين)، ثم يقول: انا بقية الله في ارضه وخليفته وحجته عليكم. فلا يسلم عليه مسلم؛ الا قال: السلام عليك يا بقية الله في ارضه؟ فإذا اجتمع إليه العقد؛ وهو عشرة آلاف رجل، خرج فلا يبقى في الارض معبود من دون الله عزّ وجلّ من صنم ووثن وغير ه الا وقعت فيه نار فاحترق، وذلك بعد غيبة طويلة ليعلم الله من يطيعه بالغيب ويؤمن به(٦٨).
السؤال الثامن: لقد ذكرتم؛ انه ورد تسع روايات اشارت الى علة غيبته او الحكمة من غيبته (عليه السلام)، وذكرتم خمسا منها، فهل لكم ان تذكروا لنا؛ مضامين كل هذه الروايات على شكل نقاط؟
الجواب
يمكن ان نجمع او نلخص مضامين الروايات التسع التي اشارت الى علة غيبته (عليه السلام) على شكل نقاط وهي:
١- غاب صاحب الامر بإيضاح العذر له في ذلك(٦٩).
٢- غاب لاشتمال الفتنة على القلوب حتى يكون اقرب الناس إليه اشدّ عداوة له، عند ذلك يؤيده الله بجنودٍ لم تروها(٧٠).
٣- يغيب تمييزا لأهل الضلالة حتى يقول الجاهل ما لله في آل محمد من حاجة(٧١).
٤- ليخرج حين يخرج وليس لاحدٍ في عنقه بيعة(٧٢).
٥- يظهر (عليه السلام) بعد غيبةٍ طويلة ليعلم الله تعالى من يطيعه بالغيب ويؤمن به(٧٣).
ولا يخفى عليك أيها القارئ العزيز؛ انه مرّ عليك في روايات غيبته الطويلة ما يدل على ذلك ايضاً فراجع.

الفصل الثالث: فيما يلازم الغيبة من طول عمره الشريف وانه شاب المنظر وغير ذلك

السؤال الاول: اذا كان للإمام المهدي (عليه السلام)، غيبة طويلة وقد تستمر الفين سنة او اكثر؛ فكيف يمكن ان يبقى هذه المدة حيا! أليس من المستبعد ان يعيش الانسان ألف سنة، او اكثر من ذلك؟
الجواب
نذكر ما سطره يراع استاذنا مؤلف كتاب؛ (منتخب الاثر) حول هذه المسألة:
قال دام ظله: اعلم؛ انه استبعد طول عمره بعض من العامة! حتى عاب الشيعة على قولهم ببقائه (عليه السلام) هذه المدة الطويلة، وقال بعض منهم: ان الوصية لأجهل الناس تصرف الى من ينتظر المهدي (عليه السلام)!. وانت خبير بان لا قيمة للاستبعاد في الامور العلمية والمطالب الاعتقادية بعد ما قام عليه البرهان ودلت عليها الادلة القطعية من العقل والنقل فهذا نوع من سوء الظن بقدرة الله تعالى وليس مبنى له اِلا عدم الانس، وقضاء العادة في الجملة على خلافه والا فيتفق في اليوم والليلة بل في كل ساعة، وان الوفٌ من الحوادث والوقائع العادية في عالم الكون حتى في المخلوقات الصغيرة، وما لا يرى الا بإعانة المكبرات؛ مما امره اعجب واعظم من؛ طول عمر انسان سليم الاعضاء والقوي العارف بقواعد حفظ الصحة العامل بها، بل ليس مسالة طول عمره اغرب من خلقته وتكوينه وانتقاله من عالم الاصلاب الى عالم الارحام ومنه الى عالم الدنيا، وبهذا دفع الله استبعاد المنكرين للمعاد في كتابه الكريم قال الله تعالى: (يا أيها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفه) الآية؛ وقال: (اولم ير الانسان انا خلقناه من نطفه) الى آخر السورة، وقال عز من قائل: (وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا) الى آخر الآيات، هذا مع وقوع طول العمر في بعض الانبياء؛ كالخضر ونوح وعيسى وغير هم (عليهم السلام)، وكيف يكون الايمان بطول عمر المهدي (عليه السلام) امارة الجهل مع تصريح القران الكريم بإمكان مثله في قوله تعالى: (فلولا انه كان من المسبحين للبث في بطنه الى يوم يبعثون)، ووقوعه بالنسبة الى نوح (عليه السلام) في قوله تعالى: (فلبث في قومه الف سنة الا خمسين عاما)، وبالنسبة الى المسيح (عليه السلام) في قوله تعالى: (وان من اهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته)، وقد اخبر ايضاً بحياة ابليس؛ وانه من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم، ولم ينكر ذلك احد من المسلمين ولم يستبعده، وروى مسلم في صحيحه، في القسم الثاني من الجزء الثاني في باب ذكر ابن صياد، والترمذي في سننه في الجزء الثاني، وابو داوود في صحيحه في باب خبر ابن صائد من كتاب الملاحم؛ روايات متعددة في ابن صياد وابن صائد، وان النبي (صلى الله عليه وآله): احتمل ان يكون هو الدجال الذي يخرج في آخر الزمان، وروى ابن ماجة في صحيحه في الجزء الثاني في ابواب الفتن في باب فتنة الدجال وخروج عيسى، وابو داوود في الجزء الثاني من سننه من كتاب الملاحم في باب خبر الجسّاسة، ومسلم في صحيحه في باب خروج الدجال ومكثه في الارض؛ حديث تميم الداري، وهو صريح في ان الدجال كان حيا في عصر النبي (صلى الله عليه وآله)، وانه يخرج في آخر الزمان، فان كان القول؛ بطول عمر شخص من الجهل، فلم لم ينسب هؤلاء احد بالجهل مع اخراجهم هذه الاحاديث في كتبهم وصحاحهم، وكيف ينسب بالجهل من يعتقد طول عمر المهدي (عليه السلام) مع تجويز النبي (صلى الله عليه وآله) مثله في عدو الله الدجال؟!
والحاصل: ان بعد وقوع طول العمر لامجال للتعجب منه فضلا عن الاستبعاد والقول باستحالته، قال السيد ابن طاووس رحمه الله؛ في الفصل (٧٩) من (كشف المحجة) في مناظرته مع بعض العامة: (لو حضر رجل وقال: انا امشي على الماء ببغداد. فانه يجتمع لمشاهدته، لعل من يقدر على ذلك منهم فإذا مشى على الماء، وتعجب الناس منه، فجاء آخر قبل ان يتفرقوا وقال ايضاً: انا امشي على الماء. فان التعجب منه يكون اقل من ذلك، فمشى على الماء، فان بعض الحاضرين ربما يتفرقون ويقل تعجبهم، فاذا جاء ثالث وقال: انا ايضاً امشي على الماء. فربما لا يقف للنظر إليه الا قليل، فإذا مشى على الماء سقط التعجب من ذلك فان جاء رابع وذكر؛ انه يمشي ايضاً على الماء. فربما لا يبقى احد ينظر إليه ولا يتعجب منه، وهذه حالة المهدي (عليه السلام)، لأنكم رويتم؛ ان ادريس حي موجود في السماء منذ زمانه الى الآن، ورويتم؛ ان الخضر حي موجود منذ زمان موسى (عليه السلام) او قبله الى الان، ورويتم؛ ان عيسى حي موجود في السماء وانه يرجع الى الارض مع المهدي (عليه السلام)، فهؤلاء ثلاثة انفار من البشر قد طالت اعمارهم وسقط التعجب بهم من طول اعمارهم فهلا كان لمحمد بن عبدالله (صلوات الله وسلامه عليه وآله) اسوة بواحد منهم ان يكون من عترته آية لله جل جلاله في امته بطول عمر واحد من ذريته، فقد ذكرتم ورويتم؛ انه يملأ الارض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا؟ ولو فكرتم لعرفتم ان تصديقكم وشهادتكم انه يملأ الارض بالعدل شرقا وغربا وبعدا وقربا اعجب من طول بقائه واقرب الى ان يكون ملحوظا بكرامات الله جل جلاله لأوليائه، وقد شهدتم ايضاً له؛ ان عيسى بن مريم النبي المعظم (عليه السلام) يصلي خلفه مقتديا به في صلاته وتبعا له ومنصورا به في حروبه وغزواته، وهذا ايضاً اعظم مقاما مما استبعدتموه من طول حياته فوافقوا على ذلك انتهى.
وقال العلامة سبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص ص٣٧٧): وعامة الامامية على ان الخلف الحجة موجود وانه حي يرزق ويحتجون على حياته بأدلة:
منها: ان جماعة طالت اعمارهم كالخضر والياس، فانه لا يدري كم لهما من السنين، وانهما يجتمعان كل سنة فيأخذ هذا من شعر هذا، وفي التوراة ان ذا القرنين عاش ثلاثة آلاف سنة، والمسلمون يقولون الفا وخمسمائة، ونقل عن محمد بن اسحاق اسماء جماعة كثيرة رُزقوا طول العمر وقد اسرد الكلام في جواز بقائه (عليه السلام) مذ غيبته الى الآن وانه لا امتناع في بقائه انتهى.
واستدل الحافظ الكنجي الشافعي (في كتاب البيان ب ٢٥)، على ذلك؛ ببقاء عيسى والخضر والياس وبقاء الدجال وابليس وذكر دليلا على بقاء الدجال؛ ما رواه مسلم في حديث طويل في الجساسة انتهى.
وقد تضمنت التوراة من المعمرين؛ اسماء جماعة كثيرة وذكر احوالهم ففي سفر التكوين الاصحاح الخامس الآية ٥ على ما في ترجمتها من اللغة العبرانية والكلدانية واليونانية الى اللغة العربية ط بيروت سنة (١٨٧٠م): (فكانت كل ايام آدم التي عاشها تسعمائة وثلاثين سنة ومات) وفي الآية ٨ قال: (فكانت كل ايام شيث سبعمائة واثنتي عشرة سنة ومات) وفي الآية ١١: (فكانت كل ايام انوش تسعمائة وخمس سنين ومات)، وفي الآية ١٤: (فكانت كل ايام قينان تسعمائة وعشر سنين ومات)، وفي الآية ١٧: (فكانت كل ايام مهللئيل ثمانمائة وخمسا وتسعين سنة ومات)، وفي الآية ٢٠: (فكانت كل ايام يارد تسعمائة واثنتين وستين سنة ومات)، وفي الآية ٢٣: (فكانت كل ايام اخنوخ ثلاثمائة وخمسا وستين سنة)، وفي الآية ٢٧: (فكانت كل ايام متو شالح تسعمائة وتسعا وستين سنة ومات)، وفي الآية ٣١: (فكانت كل ايام لامك سبعمائة وسبعا وسبعين سنة ومات)، وفي الاصحاح التاسع في الآية ٢٩: (فكانت كل ايام نوح تسعمائة وخمسين سنة ومات)، وفي الاصحاح الحادي عشر في الآية ١٠ الى ١٧: (١٠- هذه مواليد سام؛ لما كان سام ابن مائة سنة ولد ارفكشاد بعد الطوفان بسنتين. ١١- وعاش سام بعد ما ولد ارفكشاد خمسمائة سنة وولد بنين وبنات.١٢- وعاش ارفكشاد خمسا وثلاثين سنة وولد شالح.١٣- وعاش ارفكشاد بعد ما ولد شالح اربعمائة وثلاث سنين وولد بنين وبنات.١٤- وعاش شالح ثلاثين سنة وولد عابر.١٥- وعاش شالح بعد ما ولد عابر اربعمائة وثلاث سنين وولد بنين وبنات.١٦- وعاش عابر اربعا وثلاثين سنة وولد فالج.١٧- وعاش عابر بعد ما ولد فالج اربعمائة وثلاثين سنة وولد بنين وبنات)، وذكر في هذا الاصحاح جماعة؛ غير هؤلاء من المعمرين، نقتصر بذكر اسمائهم وهم: فالح ورعو وسروج وناحور وتارح، وفي الاصحاح الخامس والعشرين في الآية ٧ ذكر؛ ان ابراهيم عاش مائة وخمسا وسبعين سنة، وفي الآية ١٧ ذكر؛ ان اسماعيل عاش (١٣٧ سنة)، هذا بعض ما في التوراة من اسماء المعمرين وهو حجة على اليهود والنصارى.
وقال العلامة الكراجكي في (كنز الفوائد) في الكتاب الموسوم (بالبرهان على صحة طول عمر الامام صاحب الزمان)؛ ان: اهل الملل كلهم متفقون على جواز امتداد الاعمار وطولها وقال بعد ذكر بعض ما في التوراة: وقد تضمنت نظيره شريعة الاسلام ولم نجد احدا من علماء المسلمين يخالفه او يعتقد فيه البطلان بل اجمعوا من جواز طول الاعمار على ما ذكرناه، انتهى.
وقد نقل مثل ذلك عن المجوس والبراهمة والبودائية وغير هم ومن يريد الاطلاع على احوال المعمرين فليطلبها من؛ (البحار) وكتاب (المعمرين) لابي حاتم السجستاني وكتاب (كمال الدين) و(كنز الفوائد) في الرسالة الموسومة؛ (بالبرهان على صحة طول عمر الامام صاحب الزمان)، فقد ذكر في هذه الرسالة جماعة من المعمرين واشبع الكلام في بيان الادلة الدالة على جواز طول الاعمار.
هذا كله مع ما ثبت في علم الحياة وعلم منافع الاعضاء وعلم الطب من امكان طول عمر الانسان اذا واظب على رعاية قواعد حفظ الصحة، وان موت الانسان ليس سببه انه عمّر تسعين او ثمانين او غيرهما بل لعوارض تمنع عن استمرار الحياة، وقد تمكن بعض العلماء كما ترى فيما نذكره عن مجلة (الهلال) من اطالة عمر بعض الحيوانات (٩٠٠) ضعف عمره الطبيعي، فاذا اعتبرنا ذلك في الانسان وقدرنا عمره الطبيعي (٨٠ سنة) يمكن اطالة عمره (٧٢٠٠٠سنة) واليك مقطع من بعض المقالة التي نشرتها مجلة (الهلال) في الجزء الخامس من السنة الثامنة والثلاثين (ص٦٠٧مارس١٩٣٠م):
كم يعيش الانسان؟ بقلم: طبيب انجليزي
يعتقد العامة وبعض الخاصة، حتى من الاطباء ان مدى عمر الانسان سبعون سنة، على المتوسط كما جاء في التوراة وقلّ ان يجاوز ذلك، وقد وقف رئيس مدرسة طبية ذات يوم خطيبا في تلاميذه فقال: ان الادلة الباثولوجية تدل دلالة مقنعة على ان انسجة الجسم تبلى بعد مرور زمان ما، وان هنالك حدا محدودا لعمر الانسان.
فاذا صح قول هذا المدير؛ فان الاسباب الكثيرة التي تنشأ منها دورة العمر هي ثابتة غير متغيرة دون متناول العلم ولنفرض ان منطقة (كنال بناما) المشهورة بأمراضها الكثيرة قطعت عن سائر العالم وكنا نحن فيها نجهل احوال الحياة والموت في العالم الذي وراءها، لو حدث ذلك لكنا نقول ان كثرة الوفيات في هذه المنطقة وقصر العمر امور معينة بحكم الطبيعة، وان التحكم فيها دون متناول العلم. الفرق بين الامرين هو في الدرجة لا في النوع فان جهلنا لأسباب بعض الامراض هو الذي يحول دون تقليل الوفيات واطالة الاعمار في العالم، ودورة العمر كما نسميها متغيرة قابلة لتأثير العلم فيها والذي يعارضني في ذلك اسأله: اي دورة من ادوار العمر هي الثابتة؟ دورة العمر في الهند ام في (نيوزيلند) ام في (أميركا) ام في منطقة (الكنال)؟ وايُّ الحرف التي نحترفها نقول عنها: ان دورة العمر فيها ثابتة وطبيعية أَحرفة الفلكي التي الوفيات فيها (١٥) الى (٢٠) في المائة تحت المتوسط ام المحاماة التي الوفيات فيها (٥) الى (١٥) فوق المتوسط ام تنظيف الشبابيك التي الوفيات فيها (٤٠) الى (٦٠) في المائة فوق المتوسط؟ هذه امثلة على عظم الفرق في متوسط الوفيات بين بعض الحرف على ما في احصاءات بعض شركات التأمين.
وهناك ادلة كثيرة؛ على ان ادوار الحياة بين الاحياء ومنها الانسان تغيرت تغيرا عظيما بالوسائل الصناعية وان ادوار الحياة في بعض الاحياء تزيد كثيرا عما قدر للإنسان، فلماذا تعيش السلحفاة (٢٠٠) سنة والانسان (٧٠)؟ ولم تعيش الخلايا الداخلية في بعض الاشجار (٤٠٠) سنَة وفي الانسان اقل من (١٠٠) سنة؟ وقد يقال جوابا عن هذا: ان الانسان يدفع بذلك ثمن عيشته الحضريّة الراقية وتركيبه الراقي، فالشجرة المشار إليها تمكث في بقعة واحدة فتظهر فيها جميلة ولكن اليس بين الرجال والنساء من لا يصنع اكثر مما تصنع الشجرة وينال اجرا على ذلك؟
وتجارب المختبرات البيولوجية ذات مغزى كبير فقد استطاع بعض العلماء استنبات افخاذ الدعاميص (صغار الضفادع) من اجسادها قبل أوان خروجها بتغيير مقدار الاوكسجين في الوسط الموجودة فيه وهذا بمثابة تغيير جوهري في دورة حياة الدعاميص. وكذلك تمكن آخرون من اطالة عمر ذبابة الاثمار (٩٠٠) ضعف عمرها الطبيعي بحمايتها من السم والعدوى وتخفيض حرارة الوسط الذي تعيش فيه. وتمكن (كارل) بتجاربه من ابقاء الخلايا في قلب جنين دجاجة حيا مدة سبع عشرة سنة بصيانته من بعض العوامل في المحيط الذي وضع فيه.
واذا نظرنا الى العوامل المتسلطة على دور حياة الانسان، وجدنا انه اذا اخذنا شيئاً من المادة المعروفة باسم (كراتن) والمستخرجة من غدة درقية عليلة امكننا اعادتها الى حالتها الطبيعة بحقنها بخلاصة غدة صحيحة، وكثيرا ما انقذ الشخص المشرف على الموت بحقنه بخلاصة الكبد على اثر اشتداد اصابته بالأينميا الخبيثة، وموته بها لا يختلف في مبدئه عن الموت على اثر الشيخوخة، ويعاد المصاب بالسكر الى حالته الطبيعية بحقنه بخلاصة البنكرياس.
وامتدت ايدي العلماء الى اصل الجرثومة وقد كان يظن انه لا يمكن العبث بها فتمكنوا من تغيير جنس الضفادع والطيور من الذكور والاناث والعكس، ولم يجرّب ذلك بعد في الانسان ولكن مادام هذا المبدأ قد تايد في الحيوان فلا يمنع تأييده في الانسان الا جهلنا لأشياء لابد ان تبدو لنا في المستقبل انتهى.
وذكر الشيخ طنطاوي الجوهري؛ في الجزء (١٧) من تفسير ه الذي سماه (بالجواهر)، (ص ٢٢٤) في تفسير قوله تعالى (ومن نعمره ننكسه في الخلق)؛ مقالة نشرتها مجلة (كل شيء) تحكي عن امكان اطالة العمر وتجديد قوى الشيوخ وان الاستاذ او الدكتور (فورونوف) الذي طار اسمه في كل ناحية لا كطبيب بل كمبشر، بإمكان اطالة الاعمار الى ما فوق المائة، وبإمكان عود الشباب، وجرب ذلك في الحيوانات، قال: قد عملت الى الآن (٦٠٠) عملية ناجحة واقول الآن عن اقتناع؛ انه لا ينصرم القرن العشرون حتى يمكن تجديد قوى الشيوخ وازالة غبار السنين عن وجوههم الكثيرة الغضون والاسارير واجسامهم المحدوبة الهزيلة، ويمكن ايضاً تأخير الشيخوخة ومضاعفة العمر الذي هو الآن (٧٠) سنة على الغالب وسيبقى الدماغ والقلب صحيحين الى الاخير وقد يمكن تغيير الصفات والشخصيات والعادات بهذه الطريقة فتقل الجرائيم وتخلق العبقريات وتفرغ الشخصيات في قوالب على حسب الطلب.
وذكر ايضاً عن المجلة المذكورة مقالة اخرى (ص ٢٢٦) وهي هذه: (كم يجب ان نعيش؟ وفوائد اخرى) يقول: (هوفلند) احد العلماء الذين صرفوا عنايتهم الى درس الحياة في كتاب وضعه وجعل عنوانه (فن اطالة العمر): ان المرء يولد مستعدا للحياة قرنين من حيث تركيب بنيته ونظام قواه قياسا على ما نراه في الحيوانات اليس الانسان حيوانا مثلها؟ على ان؛ (هوفلند) لم ينفرد في هذا الرأي فكل الذين يدرسون طبائع المخلوقات يرون رأيه ويرون طلائع النور من ابحاثهم بإمكان اطالة العمر.... الى ان قال: ويدعم هذا الرأي؛ ما نراه من حياة بعض الناس الذين عاشوا اعمارا طويلة ان؛ (هنري جنسكس) الانجليزي الذي ولد في ولاية (يورك) بانكلترا عاش (١٦٩سنة) ولما بلغ سن (١١٢) كان يحارب في معركة (فورفيلد)، و(جون بافن) البولندي عاش (١٧٥سنة) ورأي بعينه ثلاثة من اولاده يتجاوزون المائة من اعمارهم، ويوحنا (سور تنغتون) النرويجي الذي توفي سنة (١٧٩٧م) عاش (١٦٠سنة) وكان بين اولاده من هو في المائة وخمس سنوات، و(طوزمابار) عاش (١٥٢سنة)، و(كورتوال)؛ (١٤٤سنة)، على ان اكثر من عاش بين البشر حديثا على ما يعرف هو زنجي بلغ (٢٠٠سنة)، والاحصاءات تدل على ان اعمار الناس اطول في اسوج والنرويج وانكلترا منها في فرنسا وايطاليا وكل جنوب اوربا، كما ان الذين عاشوا هذه الاعمار الطويلة انما عاشوها ببساطة وكانت حياتهم حياة جد وعمل.
لا مشاحة في ان العمل والعادات والاعتدال من العوامل الرئيسة لإطالة العمر فالإفراط في كل امر مع الانحراف عن النظام الطبيعي هو سبب تقصير اعمارنا.. الخ. والغرض من ذلك كله ان مسألة طول العمر ليست من المسائل التي وقعت موقع انكار العلماء وارباب المذاهب والاديان بل قرره كل واحد منهم من طريق فنه وعلمه، او من طريق دينه ومذهبه، فكلما كان الانسان بقواعد حفظ صحة البدن اعرف، يكون عمره اطول وكلما كان اسباب تقصير العمر اكثر يكون نصيبه من حياته اقل وعمره اقصر.
قال بعض الاطباء: الموت ينشأ عن المرض لاعن الشيخوخة، والامراض تنشأ من اسباب كثيرة؛ ليس بعضها تحت اختيار الانسان نفسه، كجهل آبائه وامهاته بقواعد حفظ الصحة، وعدم رعايتهم لها، فان لسلامة مزاج الوالدين دخلا عظيما في اعتدال مزاج طفلهما، وهكذا رعايتهما لآداب النكاح وقواعده، وهكذا حسن تربينهما له، وكسوء البيئة وفساد المحيط وغيرها، وبعضها تحت اختياره فهو متمكن عن ازالته، وذلك مثل الافراط في الاكل والشرب، وعدم الترتيب والنظم الصحيح في الافعال، واعمال الغرائز والقوي، مما يوجب الاختلال في المزاج، ومثل الاخلاق الرذيلة والصفات السيئة والمعتقدات الباطلة فإنها تورث الاضطرابات الروحية والابتلاء بالوساوس الخبيثة التي لا تدع نفس الانسان في طمأنينة وسكون، فلو ان انسانا سد هذه الابواب وتسلط على جميع ذلك مما يدخل النقص في بدنه وعمره، واعتدل في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه وغيرها، لما كان لعمره وحياته حد ولا يمتنع بحسب القواعد العلمية بقاؤه ابدا، نعم ثبت باخبار الانبياء ان لابد لكل نفس ان تذوق الموت، وان كل شيء فانٍ، وأينما تكونوا يدرككم الموت، ولكن هذا لا ينفي تعمير الانسان الوفا من السنين وازيد.
ونختم الكلام في هذا الموضوع، بذكر مقالة نقلت في المهدي وغيره، عن مجلة (المقتطف) في الجزء الثالث من السنة التاسعة والخمسين في ذيل عنوان هل يخلد الانسان في الدنيا؟
وقالت: ما هي الحياة وما هو الموت! وهل قدر الموت على كل حي؟
كل حبة حنطة جسم حي وقد كانت في سنبلة والسنبلة تنبت من حبة اخرى، وهذه من سنبلة، وهلم جرا بالتسلسل، ويسهل استقصاء تاريخ ستة آلاف سنة او اكثر، فقد وجدت حبوبه بين الآثار المصرية والآشورية القديمة دلالة على ان المصريين والآشوريين والاقدمين كانوا يزرعونه ويستغلونه ويصنعون خبزهم من دقيقه، والقمح الموجود الآن لم يخلق من لا شيء بل هو متسلسل من ذلك القمح القديم، فهو جزء حي من جزء حي، وهلم جرا الى ستة الاف سنة او سبعة بل الى مئات الالوف من السنين وحبوب القمح التي نراها ناشفة لا تتحرك ولا تنمو هي في الحقيقة حية مثل كل حي ولا ينقصها لظهور دلائل الحياة الا قليل من الماء، فحياة القمح متصلة منذ الوف من السنين الى الآن وهذا الحكم يطلق على كل انواع النبات ذوات البذور وذوات الثمار، وما الحيوان بخارج عن هذه القاعدة فان كل واحد من الحشرات والاسماك والطيور والوحوش والدبابات حتى الانسان سيد المخلوقات، كان جزءا صغيرا من والديه فنما وصار مثلهما، وهما من والديهما وهلم جرا، والانسان الذي يخلف نسلا يكون نسله جزأ حيا منه كما ان البذرة جزء من الشجرة- وهذا الجزء الحي تكون فيه جراثيم صغيرة جدا مثل الجراثيم التي كونت اعضاء والديه فتكون اعضاؤه بالغذاء الذي تتناوله وتمثله- فتصير نواة التمر نخلة ذات جذع وسعف وعروق وثمر، وبذرة الزيتون شجرة ذات ساق واغصان وورق وثمر، وقس على ذلك سائر انواع النبات، وكذا بيوض الحشرات والاسماك والطيور والوحوش والدبابات حتى الانسان. وهذا كله من الامور المعروفة التي لا يختلف فيها اثنان، ولكن الشجرة نفسها قد تعمر الف سنة او الفي سنة، والانسان لا يعمر اكثر من سبعين او ثمانين سنة وفي النادر يبلغ مائة سنة، فالجراثيم المعدة لاِخلاف النسل تبقى حية وتنمو كما تقدم ولكن سائر اجزاء الجسم تموت كان الموت مقدر عليه، وقد مرت القرون والناس يحاولون التخلص من الموت او تأخير الآجل، ولاسيما في هذا العصر عصر مقاومة الامراض والآفات بالدواء والوقاية، وقد ثبت على التحقيق ان جماعة عاشوا (١٢٠سنة) او اكثر الى (١٧٠سنة) في عصرنا.
لكن العلماء الموثوق بعلمهم يقولون: ان كل الانسجة الرئيسية من جسم الحيوان تقبل البقاء الى ما لانهاية، وانه في الامكان ان يبقى الانسان حيا الوفا من السنين اذا لم تعرض عليه عوارض تصرم حبل حياته، وقولهم هذا ليس مجرد ظن بل هو نتيجة عملية مؤيدة بالامتحان.
فقد تمكن احد الجراحين من قطع جزء من حيوان وابقائه حيا اكثر من السنين التي يحياها ذلك الحيوان عادة، اي صارت حياة ذلك الجزء مرتبطة بالغذاء الذي يقدم له بعد السنين التي يحياها فصار في الامكان ان يعيش الى الابد مادام الغذاء اللازم موفورا له.
وهذا الجراح؛ هو الدكتور (الكسي كارل)، من المشتغلين في معهد (ركفلر) بنيويورك، وقد امتحن ذلك في قطعة من جنين الدجاج فبقيت تلك القطعة حية نامية اكثر من ثماني سنوات، وهو وغير ه امتحنا قطعا من اعضاء جسم الانسان - من اعضائه وعضلاته وقلبه وجلده وكليتيه- فكانت تبقى حية نامية مادام الغذاء اللازم موفورا لها. حتى قال الاستاذ (ديمند وبرل) من اساتذة جامعة (جونس هيكنس): ان كل الاجزاء الخلوية الرئيسية من جسم الانسان، قد ثبت اما ان خلودها بالقوة صار امرا مثبتا بالامتحان او مرجحا ترجيحا تاما لطول ما عاشته حتى الان. وهذا القول غاية في الصراحة والاهمية على ما فيه من التحرس العلمي والظاهر ان اول من امتحن ذلك في اجزاء من جسم الحيوان هو الدكتور (جاك لوب) وهو من المشتغلين في معهد (ركفلر) ايضاً فانه كان يمتحن توليد الضفادع من بيضها اذا كان غير ملقح فرأى ان بعض البيض يعيش زمانا طويلا وبعضها يموت سريعا فقاده ذلك الى امتحان اجزاء من جسم الضفدع فتمكن من ابقاء هذه الاجزاء حية زمانا طويلا. ثم اثبت الدكتور (ورن لويس) وزوجته؛ انه يمكن وضع اجزاء خلوية من جسم جنين الطائر في سائل ملحي فتبقى حية واذا اضيفت إليه قليلا من بعض المواد الآلية جعلت تلك الاجزاء تنمو وتتكاثر، وتوالت التجارب؛ فظهر ان الاجزاء الخلوية من اي حيوان كان، يمكن ان تعيش وتنمو في سائل فيه ما يغذيها ولكن لم يثبت ما ينفي موتها اذا شاخت، فقام الدكتور (كارل)، وجرّب التجارب المشار إليها آنفا فاثبت منها؛ ان هذه الاجزاء لا تشيخ كالحيوان الذي اخذت منه بل تعيش اكثر مما يعيش هو عادة، وقد شرع في التجارب المذكورة في شهر يناير سنة (١٩١٢م)، ولقي عقبات كثيرة في سبيلها فتغلب عليها هو ومساعدوه وثبت له:
اولا: ان هذه الاجزاء الخلوية تبقى حية مالم يعرض لها عارض يميتها، اما من قلة الغذاء، او من دخول بعض الميكروبات.
وثانيا: انها لا تكتفي بالبقاء حية بل تنمو خلاياها وتتكاثر كما لو كانت باقية في جسم الحيوان.
وثالثا: انه يمكن قياس نموها وتكاثرها ومعرفة ارتباطها بالغذاء الذي يقدم لها.
ورابعا: ان لا تأثير للزمن اي انها لا تشيخ او تضعف بمرور الزمن بل لا يبدو عليها اي اثر للشيخوخة بل تنمو وتتكاثر في هذه السنة كما كانت تنمو وتتكاثر في السنة الماضية وما قبلها من السنين، وتدل الظواهر كلها على انها ستبقى حية نامية مادام الباحثون صابرين على مراقبتها وتقديم الغذاء الكافي لها، فشيخوخة الاحياء ليست سببا بل هي نتيجة.
ولكن لماذا يموت الانسان؟ ولماذا نرى سنيه محدودة لا تتجاوز المائة الا نادرا جدا وغايتها العادية سبعون او ثمانون؟
والجواب: ان اعضاء جسم الحيوان كثيرة مختلفة وهي مرتبطة بعضا ببعض ارتباطا محكما حتى ان حياة بعضها تتوقف على حياة البعض الآخر فاذا ضعف بعضها ومات لسب من الاسباب مات بموته سائر الاعضاء، ناهيك بفتك الامراض الميكروبية المختلفة، وهذا مما يجعل متوسط العمر اقل جدا من السبعين والثمانين لا سيما وان كثيرين يموتون اطفالا، وغاية ما ثبت الآن من التجارب المذكورة؛ ان الانسان لا يموت لأنه عمّر كذا من السنين، سبعين او ثمانين او مائة او اكثر، بل لان العوارض تنتاب بعض اعضائه فتتلفها، ولارتباط اعضائه بعضها ببعض تموت كلها، فاذا استطاع العلم ان يزيل هذه العوارض او يمنع فعلها لم يبق مانع يمنع استمرار الحياة مئات من السنين، كما يحيى بعض انواع الاشجار، وقلما ينتظر ان تبلغ العلوم الطبية والوسائل الصحية هذه الغاية القصوى، ولكن لا يبعد ان تدانيها فيتضاعف متوسط العمر او يزيد ضعفين او ثلاثة انتهى.
وان شئت زيادة توضيح على ذلك فراجع كتابنا (الامامة والمهدوية)(٧٤).
السؤال الثاني: اذا ثبت من الناحية العلمية والعقلية؛ امكان ان يعيش الانسان هذه المدة الطويلة، وبالخصوص اذا كانت القضية معجزة الهية، فهل ذكرت الروايات هذه المسألة؛ وهي طول عمر الامام الحجة (عليه السلام)؟
الجواب
لقد ورد، في ان الامام الحجة (عليه السلام) طويل العمر جدا؛ حوالي ٣٦٣ حديثا نشير الى بعض منها:
١- كمال الدين(٧٥): حدّث الحسن بن محمد بن صالح البزار قال: سمعت الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) يقول: ان ابني هو القائم من بعدي، وهو الذي تجري فيه سنن الانبياء (عليهم السلام)، بالتعمير والغيبة، حتى تقسو القلوب لطول الامد، فلا يثبت على القول به الا من كتب الله عزّ وجلّ في قلبه الايمان وايده بروح منه.
٢- غيبة النعماني(٧٦): عن حمّاد بن عبد الكريم الجلاب قال: ذُكر القائم عند ابي عبدالله (عليه السلام) فقال: اما انه لوقد قام لقال الناس؛ انى يكون هذا وقد بُليت عظامه مذ كذا وكذا!.
٣- الخرائج(٧٧): عن الحسن العسكري (عليه السلام) انه قال: لأحمد بن اسحاق، وقد اتاه ليسأله عن الخلف بعده؟ فلما رآه قال مبتدئا: مثله مثل الخضر، ومثله مثل ذي القرنين، ان الخضر شرب من ماء الحياة فهو حي لا يموت حتى ينفخ في الصور، وانه ليحضر الموسم في كل سنة ويقف بعرفة فيؤمن على دعاء المؤمن، وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته، ويصل به وحدته، فله البقاء في الدنيا مع الغيبة عن الابصار.
٤- البحار(٧٨): عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: في القائم سنة من نوح، وهو طول العمر.
٥- كمال الدين(٧٩): عن جابر بن عبدالله الانصاري، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ان ذا القرنين كان عبدا صالحا جعله الله عزّ وجلّ حجة على عباده، فدعا قومه الى الله وامرهم بتقواه، فضربوه على قرنه فغاب عنهم زمانا حتى قيل مات اوهلك باي واد سلك ثم ظهر ورجع الى قومه، فضربوه على قرنه الآخر، وفيكم من هو على سنته، وان الله عزّ وجلّ مكن لذي القرنين في الارض وجعل له (وآتاه - خ) من كل شيء سببا، وبلغ المغرب والمشرق، وان الله تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من ولدي، فيبلغه شرق الارض وغربها، حتى لا يبقى منهلا ولا موضعا من سهل ولا جبل وطأه ذو القرنين الا وطأه، ويظهر الله عزّ وجلّ له كنوز الارض ومعادنها، وينصره بالرعب، فيملا الارض به عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما.
ولو اضيف الى هذه الاحاديث - بقرينة الروايات الواردة؛ في ان الارض لا تخلو من الحجة والامام، والادلة العقلية القطعية المذكورة في الكتب الكلامية - جميع الروايات المذكورة الدالة على انحصار الائمة والحجج بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الاثني عشر، وان اولهم علي وآخرهم المهدي (عليهما السلام) وان تاسعهم قائمهم، وانه التاسع من ولد الحسين، وانه ابن الامام الحسن العسكري (عليه السلام)، يصير عدد هذه الطائفة من الاحاديث ٣٦٣ حديثا، لدلالة الجميع على بقائه وحياته منذ زمان ولادته الى الآن، والله على ما يشاء قدير وهو الحكيم العليم(٨٠).
السؤال الثالث: اذا ثبت كما تفضلتم امكان بقائه (عليه السلام) حيا؛ فكيف سيكون وضعه الجسمي؟ هل سيهرم ويبدو عليه الكبر، ام المعجزة تتداخل لتشمل مظهره ايضاً، وانه لا يهرم ويبقى متماسكا قويا، رغم توالي الاعوام والقرون عليه؟
الجواب
لقد وردت عدّة روايات؛ وهي حوالي عشرة، تبين ان الامام الحجة (عليه السلام) رغم ان عمره طويل- قد يستمر اكثر من الفين سنة او اكثر- فان مظهره وشكله سيبقى على شكل شاب ولا يهرم بمرور الايام والقرون واليك بعضا من تلك الروايات(٨١):
١- كمال الدين(٨٢): عن محمد بن مسلم الثقفي الطحان، قال: دخلت على ابي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) وانا أريد ان اسأله عن القائم من آل محمد (صلى الله عليه وعليهم)؟ فقال لي مبتدئا: يا محمد بن مسلم ان في القائم من آل محمد سنة من خمسة من الرسل؛ يونس بن متى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأما سنة من يونس بن متّى؛ فرجوعه من غيبته وهو شابّ بعد كبر السن، واما سنة من يوسف بن يعقوب؛ فالغيبة من خاصته وعامته واختفاؤه من اخوته واشكال امره على ابيه يعقوب النبي (عليه السلام) من قرب المسافة بينه وبين ابيه واهله وشيعته، واما سنة من موسى؛ فدوام خوفه وطول غيبته وخفاء ولادته وتعب شيعته من بعده مما لقوا من الاذى والهوان الى ان اذن الله عزّ وجلّ في ظهوره ونصره وايده على عدوه، واما سنة من عيسى؛ فاختلاف من اختلف فيه حتى قالت طائفة: ما ولد! وقالت طائفة: مات وقالت طائفة: قتل وصلب، واما سنة من جده المصطفي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فتجريده السيف وقتله اعداء الله واعداء رسوله والجبارين والطواغيت، وانه ينصر بالسيف والرعب وانه لا ترد له راية، وان من علامات خروجه (عليه السلام) خروج السفياني من الشام وخروج اليماني (من اليمن)، وصيحة من السماء في شهر رمضان ومناد ينادي من السماء باسمه واسم ابيه.
٢- البحار(٨٣): عن ابي الصلت الهروي، قال: قلت للرضا (عليه السلام): ما علامات القائم (عليه السلام) منكم اذا خرج؟ قال: علامته ان يكون شيخ السن شاب المنظر، حتى ان الناظر ليحسبه ابن اربعين سنة او دونها، وان من علاماته ان لا يهرم بمرور الايام والليالي حتى يأتيه اجله.
٣- عقد الدرر(٨٤): عن ابي عبدالله الحسين بن علي (عليهما السلام)؛ انه قال: لو قام المهدي لأنكره الناس! لأنه يرجع إليهم شابا موفقا، وان من اعظم البلية ان يخرج إليهم صاحبهم شابا وهم يحسبونه شيخا كبيراً.
٤- غيبة النعماني(٨٥): عن علي بن أبي حمزة عن ابي عبدالله، انه قال: لو قد قام القائم لأنكره الناس! لأنه يرجع إليهم شابا موفقا لا يثبت عليه اِلا من قد اخذ الله ميثاقه في الذرّ الاول.
٥- كتاب الغيبة(٨٦): روي في خبرٍ آخر: ان في صاحب الزمان شبها من يونس، رجوعه من غيبته بشرخ الشباب(٨٧).
السؤال الرابع: ذكرتم؛ ان الامام الحجة (عليه السلام) سوف يعيش هذا العمر الطويل، وذكرتم ايضاً؛ انه يعيش مع الناس ولكنهم لا يعرفونه، فهل سوف يدخل فيما دخل به الناس من البيعة للحكام والسلاطين ام يبقى بعيدا عن كل ذلك؟
الجواب
رغم طول عمر الامام الحجة (عليه السلام) ورغم انه يعيش بين اوساط الناس احيانا وهم لا يعرفونه الا انه لا يبايع احدا ولا يكون في عنقه عهدا لاحد واليك بعض الروايات في ذلك:
١- غيبة النعماني(٨٨): عن ابي عبدالله (عليه السلام) انه قال: يقوم القائم وليس في عنقه بيعة لاحد.
٢- الكافي(٨٩): عن ابي عبدالله (عليه السلام)، قال: يقوم القائم وليس لاحد في عنقه عهدٌ ولا عقدٌ ولا بيعةٌ.
٣- اثبات الوصية(٩٠): عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: صاحب هذا الامر ليس لاحد في عنقه عهدٌ ولا عقدٌ ولا ذمة.
٤- كمال الدين(٩١): عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: صاحب هذا الامر تعمى ولادته على هذا الخلق لئلا يكون لاحد في عنقه بيعة اذا خرج.
٥- اثبات الهداة(٩٢): عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: يبعث القائم وليس في عنقه بيعة لاحد.
وفي هذا المعنى يوجد ١٢ حديثا(٩٣).
السؤال الخامس: ما هي الفوائد المترتبة على غيبته (عليه السلام)؛ هل توجد فوائد ام لا؟
الجواب
تجده في الروايات الواردة، وبما ان هذا الكتاب مقتبس من الأثر النبوي الشريف فإننا لا نعدوه واليك الروايات التي اشارت الى بعض موارد الانتفاع به وتصرفه في الامور (عليه السلام) في غيبته:
١- نهج البلاغة(٩٤): عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: اللهمّ بلى، لا تخلو الارض من قائم لله بحجة اما ظاهرا مشهورا او خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته وكم ذا وأين؟ اولئك والله الاقلون عددا والأعظمون عند الله قدرا يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب اشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون وانسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان ارواحها معلقة بالمحل الاعلى، اولئك خلفاء الله في ارضه والدعاة الى دينه آه آه شوقا الى رؤيتهم.
٢- ينابيع المودة(٩٥): منا المهدي يسري في الدنيا بسراج منير ويحذو فيها على مثال الصالحين، ليحل ربقا، ويعتق رقا، ويصدع شعبا، ويشعب صدعا، في سترة عن الناس، لا يبصر القائف اثره ولو تابع نظره.
٣- فرائد السمطين(٩٦): عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: نحن أئمة المسلمين وحجج الله على العالمين وسادة المؤمنين وقادة الغر المحجلين وموالي المؤمنين، ونحن امان اهل الارض كما ان النجوم امان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك السماء ان تقع على الارض الا بإذنه، وبنا يمسك الارض ان تميد باهلها، وبنا ينزل الغيث وتنشر الرحمة وتخرج بركات الارض، ولولا ما في الارض منا لساخت باهلها، ثم قال؛ ولم تخل الارض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها ظاهر مشهور او غائب مستور ولا تخلو الى ان تقوم الساعة من حجة لله فيها ولولا ذلك لم يعبد الله. قال سليمان: فقلت للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس اذا سترها السحاب.
فائدة: ذكر العلامة المجلسي - رحمه الله - في وجه تشبيهه بالشمس اذا سترها سحاب، وجوها:
الاول: ان نور الوجود والعلم والهداية يصل الى الخلق بتوسطه (عليه السلام) اذ ثبت بالأخبار المستفيضة؛ انهم العلل الغائية لإيجاد الخلق فلولاهم لم يصل نور الوجود الى غيرهم، وببركتهم والاستشفاع بهم والتوسل إليهم؛ تظهر العلوم والمعارف على الخلق، ويكشف البلايا عنهم فلولاهم لاستحق الخلق بقبائح اعمالهم انواع العذاب، كما قال تعالى: (ما كان الله ليعذبهم وانت فيهم)، ولقد جربنا مرارا لا نحصيها؛ ان عند انغلاق الامور واعضال المسائل والبعد عن جناب الحق تعالى وانسداد ابواب الفيض، لما استشفعنا بهم وتوسلنا بأنوارهم فبقدر ما يحصل الارتباط المعنويّ بهم في ذلك الوقت تنكشف تلك الامور الصعبة وهذا معأين لمن اكحل الله عين قلبه بنور الايمان، وقد مضى توضيح ذلك في كتاب الامامة.
الثاني: كما ان الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كل آن انكشاف السحاب عنها وظهورها ليكون انتفاعهم بها اكثر، فكذلك في ايام غيبته (عليه السلام) ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كل وقت وزمان ولا ييأسون منه.
الثالث: ان منكر وجوده (عليه السلام) مع وفور ظهور آثاره كمنكر وجود الشمس اذا غيبها السحاب عن الابصار.
الرابع: ان الشمس قد تكون غيبتها في السحاب، اصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب، فكذلك غيبته (عليه السلام) اصلح لهم في تلك الازمان فلذا غاب عنهم.
الخامس: ان الناظر الى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب وربما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الاحاطة بها، فكذلك شمس ذاته المقدسة ربما يكون ظهوره اضرّ لبصائرهم ويكون سببا لعماهم عن الحق، وتحتمل بصائرهم الايمان به في غيبته كما ينظر الانسان الى الشمس من تحت السحاب ولا يتضرر بذلك.
السادس: ان الشمس قد تخرج من السحاب وينظر إليها واحد دون واحد، كذلك يمكن ان يظهر (عليه السلام) في ايام غيبته لبعض الخلق دون بعض.
السابع: انهم كالشمس في عموم النفع وانما لا ينتفع بهم من كان اعمى كما فسرّ به في الاخبار بقوله تعالى: (من كان في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى واضل سبيلا).
الثامن: ان الشمس كما ان شعاعها يدخل البيوت بقدر ما فيها من الروازن والشبابيك وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع عنها؛ فكذلك الخلق، انما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون من الموانع عن حواسهم ومشاعرهم التي هي روازن قلوبهم من الشهوات النفسانية والعلائق الجسمانية وبقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانية، الى ان ينتهي الامر الى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب.
قد فتحت لك من هذه الجنة الروحانية ثمانية ابواب ولقد فتح الله علي بفضله ثمانية اخرى تضيق العبارة عن ذكرها عسى الله ان يفتح علينا وعليك في معرفتهم الف باب يفتح من كل باب الف باب انتهى كلامه قدس الله سرّه(٩٧).
٤- كمال الدين(٩٨): عن علي (عليه السلام) انه قال؛ في خطبة له على منبر الكوفة: اللهم لابد لأرضك من حجة لك على خلقك يهديهم الى دينك ويعلمهم علمك لئلا تبطل حجتك ولا يضلّ اتباع اوليائك بعد اذ هديتهم به، اما ظاهر ليس بالمطاع او مكتتم مترقب، ان غاب عن الناس شخصه في حال هدايتهم فان علمه وآدابه في قلوب المؤمنين مثبتة فهم بها عاملون.
٥- كتاب الغيبة(٩٩): عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: الإسلام والسلطان العادل اخوان توأمان لا يصلح واحد منهما الا بصاحبه، الاسلام اسّ والسلطان العادل حارس، ما لا أس له فمنهدم، وما لا حارس له فضائع فلذلك اذا رحل قائمنا لم يبق اثر من الدنيا.
٦- كمال الدين(١٠٠): عن جابر بن عبدالله الانصاري انه قال: لما انزل الله عزّ وجلّ على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا أيها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم). قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن اولو الامر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هم خلفائي يا جابر وائمة المسلمين من بعدي؛ اولهم علي بن ابي طالب، ثم الحسن والحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر وستدركه يا جابر فاذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي وكنيي حجة الله في ارضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي؛ ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الارض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته واوليائه، لا يثبت فيها على القول بإمامته الا من امتحن الله قلبه للإيمان. قال جابر؛ فقلت له: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال (عليه السلام): اي والذي بعثني بالنبوة انهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وان تجللها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ الله ومخزون علمه فاكتمه الا عن اهله؟ قال جابر بن يزيد: فدخل جابر بن عبدالله الأنصاري على علي بن الحسين (عليهما السلام) فبينما هو يحدثه اذ خرج محمد بن علي الباقر (عليه السلام) من عند نسائه وعلى راسه ذؤابة وهو غلام، فلما بصر به جابر ارتعدت فرائصه وقامت كل شعرة على بدنه ونظر إليه مليا ثم قال له: يا غلام اقبل؟ فاقبل، ثم قال له: ادبر؟ فادبر، فقال جابر: شمائل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورب الكعبة، ثم قام فدنا منه فقال له: ما اسمك يا غلام؟ فقال محمد، قال: ابن من؟ قال: ابن علي بن الحسين، قال: يا بني فدتك نفسي فانت اذا الباقر؟! فقال: نعم، ثم قال: فابلغني ما حملك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال جابر: يا مولاي ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشرني بالبقاء الى ان القاك وقال لي: اذا لقيته فأقرئه مني السلام، فرسول الله يا مولاي يقرأ عليك السلام؟ فقال ابو جعفر (عليه السلام): يا جابر على رسول الله السلام ما قامت السماوات والارض وعليك يا جابر كما بلغت السلام، فكان جابر بعد ذلك يختلف إليه ويتعلم منه فساله محمد بن علي (عليهما السلام) عن شيء؟ فقال له جابر: والله ما دخلت في نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد اخبرني انكم الائمة الهداة من اهل بينه من بعده، احلم الناس صغارا واعلم الناس كبارا، وقال: (لا تعلموهم فهم اعلم منكم). فقال ابو جعفر (عليه السلام): صدق جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اني لأعلم منك بما سالتك عنه ولقد اوتيت الحكم صبيا، كل بفضل الله علينا ورحمته لنا اهل البيت(١٠١).
٧- كتاب الغيبة(١٠٢): عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، انه ذكر القائم (عليه السلام) فقال: اما ليغيبنّ حتى يقول الجاهل ما لله في آل محمد حاجة(١٠٣).
وبهذا المعنى وجدنا سبع روايات ذكرناها لك(١٠٤).

الفصل الرابع: حول غيبته الصغرى (عليه السلام)، وفيمن رآه فيها وبعض من معجزاته وسفرائه

السؤال الاول: لقد ذكرتم ان هناك علة وحكمة في الغيبة الكبرى للإمام المهدي (عليه السلام)، فهل هناك حكمة وعلة ايضاً في غيبته الصغرى؟
الجواب
لقد مرّ عليك فيما سبق من الروايات ان ولادته كانت بالخفاء وكذا حياته زمن ابيه ولعل غيبته هي منذ ولادته لا بعد وفاة ابيه (عليه السلام)، ولقد مر عليك سابقا ما يدل على سبب غيبته كخوف القتل لذا كانت ولادته بالخفاء.
ونحن نضيف هنا غير ذلك مما يدل على علة غيبته بشكل مختصر:
١- كمال الدين(١٠٥): عن السياري، قال: حدثتني نسيم وماريه قالتا: انه لما سقط صاحب الزمان (عليه السلام) من بطن امه جاثيا على ركبتيه، رافعا سبابتيه الى السماء ثم عطس فقال: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظلمة؛ ان حجة الله داحضة، لو اذن لنا في الكلام لزال الشك(١٠٦).
٢- البحار(١٠٧): انه خرج من ابي محمد (عليه السلام) توقيع: زعموا انهم يريدون قتلي ليقطعوا هذا النسل وقد كذب الله عزّ وجلّ قولهم والحمد لله.
فالمقصود بالقتل والقضاء على الامام ابي محمد (عليه السلام)، اولا وآخرا هو؛ القضاء على الحجة (عليه السلام)(١٠٨).
٣- اثبات الهداة(١٠٩): قال حدثنا الحسن بن المنذر عن حمزة بن ابي الفتح قال: جاءني يوما فقال لي: البشارة ولد البارحة مولود لابي محمد (عليه السلام) وأمر بكتمانه(١١٠).
٤- كمال الدين(١١١): عن احمد بن الحسن بن اسحاق القمي قال: لما ولد الخلف الصالح (عليه السلام)، ورد عن مولانا ابي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام)؛ الى جدي احمد بن اسحاق، كتاب فاذا فيه مكتوب بخط يده (عليه السلام) الذي كان ترد به التوقيعات عليه، وفيه؛ ولد لنا مولود فليكن عندك مستورا وعن جميع الناس مكتوما فانا لم نظهر عليه الا الاقرب لقرابته والولي لولايته، احببنا اعلامك ليسرك الله به مثل ما سرنا به والسلام.
٥- ينابيع المودة(١١٢): وحدث ابو الاديان؛ قال: كنت اخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام)، واحمل كتبه الى الامصار، فدخلت عليه في علته التي توفي فيها، (صلوات الله عليه)، فكتب معي كتبا، وقال: امض بها الى المدائن، فانك ستغيب خمسه عشر يوما وتدخل الى سر من رأى يوم الخامس عشر، وتسمع الواعية في داري، وتجدني على المغتسل. قال ابو الاديان؛ فقلت: يا سيدي فاذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي. فقلت: زدني؟ فقال: من يصلي علي فهو القائم بعدي، فقلت: زدني؟ فقال: من اخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي، ثم منعتني هيبته ان اساله عما في الهميان، وخرجت بالكتب الى المدائن، واخذت جواباتها ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر، كما ذكر لي (عليه السلام)، فاذا انا بالواعية في داره، واذا به على المغتسل، واذا انا بجعفر بن علي، أخيه بباب الدار، والشيعة من حوله يعزونه ويهنّونه، فقلت؛ في نفسي: ان يكن هذا الامام فقد بطلت الامامة! لأني كنت اعرفه، يشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فقدمت؛ فعزيت وهنيت، فلم يسالني عن شيء، ثم خرج عقيد، فقال: يا سيدي قد كفن اخوك فقم وصل عليه؟ فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم؛ السمان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة، فلما صرنا في الدار، اذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه، على نعشه مكفنا، فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه، فلما هم بالتكبير، خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، باسنانه تفليج، فجذب برداء جعفر بن علي، وقال: تأخر يا عم! فانا احق بالصلاة على ابي؟ فتأخر جعفر وقد اربد وجهه واصفر، فتقدم الصبي وصلى عليه، ودفن الى جانب قبر ابيه (عليهم السلام) ثم قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك؟ فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه بينتان، بقي الهميان، ثم خرجت الى جعفر بن علي وهو يزفر! فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه؟ فقال: والله ما رأيته قط، ولا اعرفه. فنحن جلوس اذ قدم نفر من قم، فسالوا؛ عن الحسن بن علي (عليهما السلام)؟ فعرفوا موته، فقالوا: فمن (نعزّي)؟ فأشار الناس؛ الى جعفر بن علي؟ فسلموا عليه وعزوه وهنوه وقالوا: ان معنا كتبا ومالا، فتقول؛ ممن الكتب وكم المال؟ فقام ينفض اثوابه ويقول: تريدون منا ان نعلم الغيب! قال؛ فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان (وفلان) وهميان فيه الف دينار وعشرة دنانير منها مطلية! فدفعوا إليه الكتب والمال وقالوا: الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الامام!؟ فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك، فوجه المعتمد بخدمه فقبضوا على صقيل الجارية فطالبوها بالصبي؟ فنكرته وادعت حبلا بها لتغطي حال الصبي، فسلمت الى ابي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة، وخروج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن ايديهم والحمد لله رب العالمين.
وهذه الروايات دلت بالمطابقة او الالتزام؛ على ان الامام الحجة (عليه السلام) كان معرضا للقتل لذا كان من الحكمة ان يختفي عن الانظار.
ونضيف على ذلك؛ ما سطره يراع استاذنا المفدى اية الله العظمى؛ الشيخ صافي الگلپايگاني دام ظله:
ويمكن ان يكون السرّ في وقوع الغيبة الصغرى: عدم انس الشيعة بالغيبة التامة، فوقعت الغيبة الصغرى قبل الغيبة الكبرى لئلا يستوحشوا منها اذا وقعت، بل الناظر في التواريخ يرى انهم (عليهم السلام)؛ كانوا يعودون الشيعة باختفاء الامام عن نظر الرعية في الجملة من زمان الامام ابي الحسن علي بن محمد الهادي (عليهما السلام)، ذكر ذلك المسعودي، المؤرخ الكبير في (اثبات الوصية)، قال: وروي؛ ان ابا الحسن صاحب العسكر احتجب عن كثير من الشيعة الا عدد يسير من خواصه، فلما افضى الامر الى ابي محمد، كان يكلم شيعته الخواص وغير هم وراء الستر، الا في الاوقات التي يركب فيها الى دار السلطان، وان ذلك انما كان منه ومن ابيه قبله مقدمة لغيبة صاحب الزمان، لتالف الشيعة ذلك ولا تنكر الغيبة، وتجري العادة بالاحتجاب والاستتار(١١٣).
السؤال الثاني: هل رأى الامام الحجة (عليه السلام) احدٌ من الناس؟
الجواب
لقد مرّ عليك سابقا في الفصل الاول في السؤال الخامس؛ فيمن رآه زمن ابيه، ونحن نشير في جواب هذا السؤال بنقل بعض الروايات الدالة على من فاز برؤيته (عليه السلام) في الغيبة الصغرى:
١- كمال الدين(١١٤): حدث عبدالله بن جعفر الحميري، قال: سمعت محمد بن عثمان العمري - رضي الله عنه- يقول: رأيته صلوات الله عليه متعلقا بأستار الكعبة، في المستجار، وهو يقول اللهم انتقم لي من اعدائي.
٢- البحار(١١٥): عن محمد بن صالح بن علي بن محمد بن قنبر الكبير، مولى الرضا (عليه السلام) قال: خرج صاحب الزمان على جعفر الكذاب! من موضع لم يعلم به، عندما نازع في الميراث، بعد مضي ابي محمد (عليه السلام) فقال له: يا جعفر مالك تعرض في حقوقي! فتحير جعفر وبهت، ثم غاب عنه، فطلبه جعفر بعد ذلك في الناس، فلم يره، فلما ماتت الجدة؛ ام الحسن، امرت ان تدفن في الدار؟ فنازعهم وقال: هي داري لا تدفن فيها! فخرج (عليه السلام) فقال: يا جعفر ادارك هي؟! ثم غاب عنه فلم يره بعد ذلك.
٣- كتاب الغيبة(١١٦): حدث الازدي، قال: بينما انا في الطواف، قد طفت ستا وانا أريد ان اطوف السابع، فاذا انا بحلقة عن يمين الكعبة وشاب حسن الوجه طيب الرائحة هيوب مع هيبته متقرب الى الناس، يتكلم، فلم أر أحسن من كلامه ولا أعذب من نطقه وحسن جلوسه! فذهبت اكلمه فزبرني الناس! فسالت بعضهم؛ من هذا؟ فقالوا: هذا ابن رسول الله، يظهر في كل سنة يوما لخواصه يحدثهم. فقلت: يا سيدي مسترشدا اتيتك فارشدني هداك الله؟ فناولني (عليه السلام) حصاة! فحولت وجهي، فقال لي بعض جلسائه: ما الذي دفع اليك؟ فقلت: حصاة! وكشفت عنها، فاذا انا بسبيكة ذهب! فذهبت، فاذا انا به (عليه السلام) قد لحقني، فقال لي: ثبتت عليك الحجة، وظهر لك الحق وذهب عنك العمى أتعرفني؟ فقلت: لا، فقال (عليه السلام) انا المهدي (و) انا قائم الزمان، انا الذي املاها عدلا كما ملئت جورا، ان الارض لا تخلو من حجة، ولا يبقى الناس في فترة، وهذه امانة لا تحدث بها الا اخوانك من اهل الحق.
٤- تبصرة الولي(١١٧): عن ابراهيم بن مهزيار، قال: قدمت مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله)، فبحثت عن اخبار آل ابي محمد الحسن بن علي الاخير (عليهما السلام)؟ فلم اقع على شيء منها، فرحلت منها الى مكة، مستبحثا عن ذلك، فبينما انا في الطواف اذ تراءى لي فتى اسمر اللون رائع الحسن جميل المخيلة يطيل التوسم فيّ! فعدت إليه مؤمّلا منه عرفان ما قصدت له؟ فلما قربت منه سلمت؛ فاحسن الاجابة، ثم قال: من ايّ البلاد انت؟ قلت: رجل من اهل العراق. قال: من ايّ العراق؟ قلت: من الاهواز. فقال: مرحبا بلقائك، هل تعرف بها جعفر بن حمدان الحصيني؟ قلت دُعي فأجاب، قال: رحمة الله عليه، ما كان اطول ليله واجزل نيله! فهل تعرف ابراهيم بن مهزيار؟ قلت: انا ابراهيم بن مهزيار، فعانقني مليا، ثم قال: مرحبا بك يا ابا اسحاق ما فعلت بالعلامة التي وشّجت بينك وبين ابي محمد (عليه السلام)؟ فقلت: لعلك تريد الخاتم الذي آثرني الله به من الطيب ابي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام)؟ فقال ما اردت سواه، فأخرجته إليه فلما نظر إليه استعبر وقبّله ثم قرأ كتابته؛ فكانت يا الله يا محمد يا علي، ثم قال: بابي يدا طالما جلت فيها، وتراخى بنا فنون الاحاديث...... الى ان قال لي: يا ابا اسحاق! اخبرني عن عظيم ما توخّيت بعد الحج؟ قلت: وابيك، ما توخّيت الا ما سأستعلمك مكنونه، قال: سل عما شئت فاني شارح لك ان شاء الله؟ قلت: هل تعرف من اخبار آل ابي محمد الحسن (عليهما السلام) شيئاً؟ قال لي: وأيهم الله اني لأعرف الضوء بجبين محمد وموسى ابني الحسن بن علي (عليهم السلام)، ثم اني لرسولهما اليك، قاصدا لأنبائك امرهما، فان احببت لقاءهما والاكتحال بالتبرك بهما فارتحل معي الى الطائف وليكن ذلك في خفية من رجالك واكتتام؟
قال ابراهيم: فشخصت معه الى الطائف، اتخلّل رملة فرملة حتى اخذ في بعض مخارج الفلاة، فبدت لنا خيمة شعر قد اشرفت على اكمة رمل تتلألأ تلك البقاع منها تلألؤا، فبدرني الى الاذن ودخل مسلّما عليهما واعلمهما بمكاني، فخرج عليّ احدهما وهو الاكبر سنا «م ح م د» بن الحسن (عليهما السلام)؛ وهو غلام امرد ناصع اللون واضح الجبين ابلج الحاجب مسنون الخدين اقنى الانف اشمّ اروع كانه غصن بان، وكأن صفحة غرّته كوكب درّيّ، بخده الايمن خال، كانه فتات مسك على بياض الفضة، واذا برأسه وفرة سحماء سبطة تطالع شحمة اذنه، له سمت ما رأت العيون اقصد منه ولا اعرف حسنا وسكينة وحياء، فلما مثل لي اسرعت الى تلقّيه فأكببت عليه الثم كلّ جارحة منه، فقال: لي مرحبا بك يا أبا إسحاق! لقد كانت الايام تعدني وشك لقائك، والمعاتب بيني وبينك على تشاحط الدار وتراخي المزار، تتخيل لي صورتك، حتى كانا لم نخل طرفة عين من طيب المحادثة وخيال المشاهدة، وانا احمد الله ربّي وليّ الحمد على ما قيّض من التلاقي ورفه من كربة التنازع والاستشراف عن احوالها متقدمّها ومتأخّرها، فقلت: بابي انت وامي ما زلت افحص عن امرك بلدا فبلدا منذ استأثر الله بسيدي ابي محمد (عليه السلام) فاستغلق عليّ ذلك حتى منّ الله علي بمن ارشدني اليك ودلني عليك والشكر لله على ما اوزعني فيك من كريم اليد والطول. ثم نسب نفسه واخاه موسى واعتزل بي ناحية، ثم قال: ان ابي (عليه السلام) عهد اليّ ان لا اوطن من الارض الا اخفاها واقصاها اسرارا لأمري وتحصينا لمحلي لمكائد اهل الضلال والمردة من احداث الامم الضَوالّ فنبذني الى عالية الرمال وجُبتُ صرائم الارض، ينظرني الغاية التي عندها يحل الامر وينجلي الهلع، وكان (عليه السلام) انبط لي من خزائن الحكم وكوامن العلوم ما ان اشعت اليك منه جزءً اغناك عن الجملة.
(واعلم) يا ابا اسحاق انه قال (عليه السلام): يا بني ان الله جل ثناؤه لم يكن ليخلي اطباق ارضه واهل الجدّ في طاعته وعبادته بلا حجة يستعلي بها وامام يؤتمّ به ويقتدى بسبيل سنّته ومنهاج قصده، وارجو يا بنيّ ان تكون احد من اعده الله لنشر الحقّ ووطء الباطل واعلاء الدين واطفاء الضلال، فعليك يا بنيّ؛ بلزوم خوافي الارض وتتبّع أقاصيها، فان لكل وليّ لأولياء الله عزّ وجلّ عدوّا مقارعا وضدّا منازعا افتراضا لمجاهدة اهل النفاق وخلاعة اولي الالحاد والعناد، فلا يوحشنّك ذلك.
واعلم انّ قلوب اهل الطاعة والاخلاص نُزّعٌ اليك، مثل الطير الى اوكارها، وهم معشر يطلعون بمخائل الذلة والاستكانة، وهم عند الله بررة اعزاء، يبرزون بأنفس مختلّة محتاجة، وهم اهل القناعة والاعتصام، استنبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الاضداد، خصهم الله باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم باتساع العزّ في دار القرار، وجبلهم على خلائف الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى وكرامة حسن العقبى، فاقتبس يا بنيّ نور الصبر على موارد امورك تفُز بدرك الصنع في مصادرها، واستشعر العز فيما ينوبك تحظ بما تحمد غبّه ان شاء الله، وكأنك يا بنيّ بتأييد نصرالله (و) قد آن، وتيسير الفلج وعلوّ الكعب (و) قد حان، وكأنك بالرايات الصفر والاعلام البيض تخفق على اثناء اعطافك ما بين الحطيم وزمزم، وكأنك بترادف البيعة وتصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدرّ في مثاني العقود وتصافق الاكفّ على جنبات الحجر الاسود، تلوذ بفنائك من ملأ براهم الله من طهارة الولادة ونفاسة التربةّ، مقدسة قلوبهم من دنس النفاق، مهذبة افئدتهم من رجس الشقاق، لينة عرائكهم للدين، خشنة ضرائبهم عن العدوان، واضحة بالقبول اوجههم، نضرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحق واهله، فاذا اشتدت اركانهم وتقومت أعمادهم فدّت بمكانفتهم طبقات الامم الى امام، اذ تبعتك في ظلال شجرة دوحة تشعبّت افنان غصونها على حافات بحيرة الطبريّة، فعندها يتلألأ صبح الحق وينجلي ظلام الباطل ويقصم الله بك الطغيان ويعيد معالم الايمان، يظهر بك استقامة الآفاق وسلام الرفاق، يودّ الطفل في المهد لو استطاع اليك نهوضا، ونواشط الوحش لو تجد نحوك مجازا، تهتز بك اطراف الدنيا بهجة وتنشر عليك اغصان العزّ نضرة وتستقر بواني الحق في قرارها وتؤوب شوارد الدين الى اوكارها، تتهاطل عليك سحائب الظفر فتخنق كل عدوّ وتنصر كلّ وليّ فلا يبقى على وجه الارض جبار قاسط ولا جاحد غامط ولا شانئ مبغض ولا معاند كاشح، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ امره قد جعل الله لكل شيء قدرا.
ثم قال: يا ابا اسحاق ليكن مجلسي هذا؛ عندك مكتوما الا عن اهل التصديق، والاخوّة الصادقّة في الدين، اذا بدت لك امارات الظهور والتمكن، فلا تبطئ بإخوانك عنّا، وباهر(باهل) المسارعة الى منار اليقين وضياء مصابيح الدين، تلق رشدا ان شاء الله.
قال ابراهيم بن مهزيار: فمكثت عنده حينا اقتبس ما اؤدي إليهم من موضحات الاعلام، ونيرّات الاحكام، واروّي نبات الصدور من نضارة ما ادّخره الله في طبائعه من لطائف الحكم وطرائف فواضل القسم، حتى خفت اضاعة مخلفي بالأهواز لتراخي اللقاء عنهم، فاستأذنته؛ بالقفول، واعلمته عظيم ما اصدر به عنه، من التوحّش لفرقته والتجرع للظعن عن محالّه؛ فأذن واردفني من صالح دعائه ما يكون ذخرا عند الله ولعقبي وقرابتي ان شاء الله، فلما ازف ارتحالي وتهيا اعتزام نفسي غدوت عليه مودّعا ومجدّدا للعهد، وعرضت عليه مالا كان معي، يزيد على خمسين الف درهم، وسألته؛ ان يتفضل بالأمر بقبوله مني؟ فابتسم! وقال: يا ابا اسحاق استعن به على منصرفك فان الشقّة قذفة وفلوات الارض امامك جمّة ولا تحزن لإعراضنا عنه، فانا قد احدثنا لك شكره ونشره وربضناه عندنا بالتذكرة وقبول المنّة، فبارك الله فيما خوّلك وادام لك ما نوّلك وكتب لك احسن ثواب المحسنين واكرم آثار الطائعين، فان الفضل له ومنه، واسأل الله ان يردك الى اصحابك باوفر الحظّ من سلامة الاوبة واكناف الغبطة بلين المنصرف، ولا اوعث الله لك سبيلا ولا حير لك دليلا واستودعه نفسك وديعة لا تضيع ولا تزول، بمنّه ولطفه ان شاء الله.
يا ابا اسحاق! قنعنا بعوائد احسانه وفوائد امتنانه وصان انفسنا عن معاونة الاولياء لنا عن الاخلاص في النية وامحاض النصيحة والمحافظة على ما هو انقى واتقى وارفع ذكرا.
قال: فاقفلت عنه حامدا لله عزّ وجلّ على ما هداني وارشدني عالما بان الله لم يكن ليعطّل ارضه ولا يخلّيها من حجة واضحة وامام قائم والقيت هذا الخبر المأثور والنسب المشهور توخّيا للزيادة في بصائر اهل اليقين وتعريفا لهم ما منّ الله عزّ وجلّ به من انشاء الذرية الطيبة والتربة الزكية وقصدت اداء الامانة والتسليم لما استبان ليضاعف الله عزّ وجلّ الملة الهادية والطريقة المستقيمة المرضية قوة عزم وتأييد نيّة وشدّة ازر، واعتقاد عصمة والله يهدي من يشاء.
٥- الهداية(١١٨): عن ابي محمد عيسى بن مهدي الجوهري قال: خرجت في سنة ثمان وستين ومائتين الى الحج وكان قصدي المدينة حيث صح عندنا ان صاحب الزمان قد ظهر فاعتللت وقد خرجنا من فيد وقد تعلقت نفسي بشهوة السمك (والتمر) فلما وردت المدينة ولقيت بها اخواننا بشّروني بظهوره (عليه السلام) بصاديا، فصرت الى صاديا، فلما اشرفت على الوادي رأيت عنيزات عجافا فدخلت القصر فوقفت ارتقب الامر الى ان صليت العشاءين وانا ادعو واتضرّع واسال، فاذا انا ببدر الخادم يصيح بي يا عيسى بن مهدي الجوهري ادخل؟ فكبرت وهللت واكثرت من حمد الله عزّ وجلّ والثناء عليه، فلما صرت في صحن القصر رايت مائدة منصوبة فمر بي الخادم إليها فأجلسني عليها، وقال لي: امرك مولاك ان تأكل ما اشتهيت في علتك وانت خارج من فيد؟ فقلت؛ في نفسي: حسبي هذا برهانا فكيف آكل ولم ارَ سيدي ومولاي؟ فصاح بي يا عيسى كل من طعامك فانك تراني؟ فجلست على المائدة فنظرت فاذا عليها سمك حار يفور وتمر الى جانبه اشبه التمور بتمورنا وبجانب التمر لبن! فقلت؛ في نفسي: انا عليل وسمك وتمر ولبن! فصاح بي: يا عيسى اتشك في امرنا! أفانت اعلم بما ينفعك وما يضرك! فبكيت واستغفرت الله واكلت من الجميع وكلما رفعت يدي منه لم يتبين موضعها فيه! فوجدته اطيب ما ذقته في الدنيا، فأكلت منه كثيرا حتى استحييت، فصاح بي: لا تستحي يا عيسى فانه من طعام الجنة لم تصنعه يد مخلوق، فأكلت فرأيت نفسي لا تنتهي عنه من اكله فقلت: يا مولاي حسبي فصاح بي اقبل اليّ؟ فقلت؛ في نفسي: آتي مولاي ولم اغسل يدي، فصاح بي: يا عيسى وهل لما اكلت غمرة؟ فشممت يدي فاذا هي اعطر من المسك والكافور! فدنوت منه (عليه السلام) فبدا لي نور غشى بصري ورهبت حتى ظننت ان عقلي قد اختلط، فقال لي: يا عيسى ما كان لك ان تراني لولا المكذبون القائلون أين هو؟ ومتى كان؟ وأين ولد؟ ومن رآه؟ وما الذي خرج إليهم منه؟ وباي شيء نبأكم؟ واي معجزة اتاكم؟ اما والله لقد دفعوا أمير المؤمنين مع ما رووه وقدّموا عليه، وكادوه وقتلوه، وكذلك فعلوا بآبائي (عليهم السلام) ولم يصدقوهم ونسبوهم الى السحرة والكهنة وخدمة الجن الى ما تبين... الى ان قال: يا عيسى فخبّر اولياءنا ما رأيت، واياك ان تخبر عدوّنا فتسلبه (فتسليه خ)!؟ فقلت: يا مولاي ادع لي بالثبات؟ فقال لي: ولو لم يثبتك الله ما رأيتني، فامض بحاجتك راشدا؟ فخرجت وانا اكثر حمدا لله وشكرا.
وفيمن فاز برؤيته (عليه السلام) في الغيبة الصغرى يوجد ٢٧ حديثا.
ولقد ذكر مؤلف (كتاب منتخب الاثر) دام ظله: اسماء ٣٠٢ شخصا ممن رآه (عليه السلام) في الغيبة الصغرى وبعض الذين رأوه؛ جماعات لم تعرف اسمائهم، ونقل بعض المعاصرين عن كتاب (بغية الطالب) اسماء جماعة ممن رآه ووقف على معجزاته في الغيبة الصغرى وذكر بعض احوالهم وبعض هؤلاء من المذكورين في كتاب (النجم الثاقب) وبعضهم من غيرهم. وذكر في (تذكرة الطالب فيمن رأى الامام الغائب)؛ ايضاً اسماء ثلاثمائة منهم.
وافرد السيد هاشم البحراني ايضاً كتابا في ذلك سماه (تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي)، وذكر فيه جماعة كثيرة ممن فاز برؤيته في حياة ابيه (عليهما السلام) وفي الغيبة الصغرى(١١٩).
السؤال الثالث: تتقارن النبوة وكذا الامامة عادة بالمعجزات فهل كان للإمام الحجة (عليه السلام) معجزات ايضاً؟
الجواب
لقد ذكر التاريخ والرواة معجزات كثيرة للإمام الحجة (عليه السلام) كأجداده الطاهرين، فانه (عليه السلام) رويت عنه عدة روايات تشير الى معجزاته، ونحن هنا نشير الى معجزاته زمن ابيه (عليهما السلام)، بما يتناسب وهذا المختصر:
١- غيبة الشيخ(١٢٠): عن ابي نعيم محمد بن احمد الانصاري، قال: وجه قوم من المفوضة والمقصّرة كامل بن ابراهيم المدني الى ابي محمد (عليه السلام) قال كامل؛ فقلت في نفسي: اساله لا يدخل الجنة الا من عرف معرفتي وقال بمقالتي؟ قال؛ فلما دخلت على سيدي ابي محمد نظرت الى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: وليّ الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الاخوان وينهانا عن لبس مثله! فقال متبسّما: يا كامل! وحسر عن ذراعيه فاذا مسحٌ اسود خشن على جلده فقال: هذا لله وهذا لكم. فسلمت وجلست الى باب عليه ستر مرخى فجاءت الريح فكشف طرفه، فاذا انا بفتى كانه فلقة قمر من ابناء اربع سنين او مثلها، فقال لي: يا كامل بن ابراهيم! فاقشعررت من ذلك والهمت ان قلت: لبيك يا سيدي؟ فقال: جئت الى وليّ الله وحجّته وبابه، تساله؛ هل يدخل الجنة الا من عرف معرفتك وقال بمقالتك؟ فقلت: اي والله، قال: اذن والله يقل داخلها، والله؛ انّّه ليدخلها قوم يقال لهم؛ الحقيّة، قلت: يا سيدي ومن هم؟ قال: قوم من حبّهم لعليّ يحلفون بحقه ولا يدرون ماحقه وفضله، ثم سكت صلوات الله عليه عنّي ساعة ثم قال: وجئت تساله عن مقالة المفوّضة؛ كذبوا بل قلوبنا اوعية لمشيّة الله فاذا شاء شئنا، والله يقول (وما تشاؤون الا ان يشاء الله)، ثم رجع الستر الى حالته فلم استطع كشفه فنظر اليّ ابو محمد (عليه السلام) متبسّما فقال: يا كامل! ما جلوسك وقد انباك بحاجتك الحجّة من بعدي، فقمت وخرجت ولم اعاينه بعد ذلك.
٢- كمال الدين(١٢١): عن سعد بن عبدالله القمي؛ قال: كنت امرءً لهجاً بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم ودقائقها، كلفاً باستظهار ما يصح لي من حقائقها مغرما بحفظ مشتبهها ومستغلقها، شحيحاً على ما اضفر به من معضلاتها ومشكلاتها، متعصباً لمذهب الامامية، راغبا عن الامن والسلامة في انتظار التنازع والتخاصم والتعدي الى التباغض والتشاتم، معيبا للفرق ذوي الخلاف، كاشفا عن مثالب ائمتهم، هتاكا لحجب قادتهم، الى ان بُليت بأشد النواصب منازعة واطولهم مخاصمة واكثرهم جدلا واشنعهم سؤالا واثبتهم على الباطل قدما، فقال ذات يوم- وانا اناظره-: تبا لك ولأصحابك يا سعد! انكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين والانصار بالطعن عليهما، وتجحدون من رسول الله ولايتهما وامامتهما، هذا الصدّيق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته، اما علمتم ان رسول الله ما اخرجه مع نفسه الى الغار الا علما منه انّ الخلافة له من بعده، وانه هو المقلّد لأمر التأويل والملقى إليه ازمة الامة وعليه المعوّل في شعب الصدع ولمّ الشعث وسدّ الخلل واقامة الحدود وتسريب الجيوش لفتح بلاد الشرك، وكما اشفق على نبوّته اشفق على خلافته، اذ ليس من حكم الاستتار والتواري؛ ان يروم الهارب من الشرّ مساعدة الى مكان يستخفي فيه، ولما رأينا النبيّ متوجّها الى الانجحار ولم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من احد استبان لنا قصد رسول الله بابي بكر للغار للعلة التي شرحناها، وانما ابات عليا على فراشه، لما لم يكن يكترث به ولم يحفل به لاستثقاله، ولعلمه؛ بانه ان قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه، للخطوب التي كان يصلح لها؟
قال سعد: فأوردت عليه اجوبة شتى، فما زال يعقّب كلّ واحد منها بالنقض والردّ عليّ، ثم قال: يا سعد! ودونكها اخرى بمثلها تخطم انوف الروافض؛ ألستم تزعمون ان الصديق المبرأ من دنس الشكوك والفاروق المحامي عن بيضة الاسلام كانا يسران النفاق، واستدللتم بليلة العقبة! اخبرني عن الصديق والفاروق اسلما طوعا او كرها؟ قال سعد: فاحتلت لدفع هذه المسألة عني خوفا من الالزام وحذرا من اني ان أقررت له بطوعهما للإسلام احتج بان بدء النفاق ونشأه في القلب لا يكون الا عند هبوب روائح القهر والغلبة واظهار البأس الشديد في حمل المرء على من ليس ينقاد إليه قلبه نحو قول الله تعالى: (فلما رأوا باسنا قالوا امنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا)، وان قلتُ: اسلما كرها كان يقصدني بالطعن اذ لم تكن ثمة سيوف منتضاة كانت تريهما البأس.
قال سعد: فصدرت عنه مزورّا قد انتفخت احشائي من الغضب وتقطع كبدي من الكرب وكنت قد اتخذت طومارا واثبت فيه نيفا واربعين مسألة من صعاب المسائل لم اجد لها مجيبا، على ان اسأل عنها خبير اهل بلدي احمد بن اسحاق، صاحب مولانا ابي محمد (عليه السلام) فارتحلت خلفه، وقد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسر من رأى فلحقته في بعض المنازل فلما تصافحنا قال بخير لحاقك بي؟ قلت: الشوق ثم العادة في الاسئلة، قال: قد تكافينا على هذه الخطة الواحدة، فقد برّح بي القرم الى لقاء مولانا ابي محمد (عليه السلام)، وانا أريد ان اسأله؛ عن معاضل في التأويل، ومشاكل في التنزيل، فدونكها الصحبة المباركة فإنها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه ولا تفنى غرائبه وهو امامنا.
فوردنا سر من رأى، فانتهينا منها الى باب سيدنا فاستأذنا؟ فخرج علينا الاذن؛ بالدخول عليه، وكان على عاتق احمد بن اسحاق جراب قد غطاه بكساء طبري فيه؛ مائة وستون صرّة من الدنانير والدراهم، على كل صرّة منها ختم صاحبها، قال سعد: فما شبّهت وجه مولانا ابي محمد (عليه السلام)! حين غشينا نور وجهه، الا ببدر قد استوفي من لياليه اربعا بعد عشر، وعلى فخذه الايمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر، على رأسه فرق بين وفرتين، كانّه الف بين واوين، وبين يدي مولانا رمانة ذهبية تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركبة عليها، قد كان اهداها إليه بعض رؤساء اهل البصرة، وبيده قلمّ اذ اراد ان يسطر به على البياض شيئاً قبض الغلام على اصابعه فكان مولانا يدحرج الرمانة بين يديه ويشغله بردها كيلا يصده عن كتابة ما اراد، فسلمنا عليه؟ فالطف في الجواب، واومأ الينا بالجلوس؟ فلما فرغ من كتبه البياض الذي كان بيده، اخرج احمد بن اسحاق جرابه من طي كسائه، فوضعه بين يديه فنظر الهادي (عليه السلام)(١٢٢) الى الغلام وقال له يا بني: فض الخاتم عن هدايا شيعتك ومواليك؟ فقال: يا مولاي! أيجوز ان امد يدا طاهرة الى هدايا نجسة واموال رجسة قد شيب أحلّها بأحرمها؟ فقال مولاي: يا ابن اسحاق استخرج ما في الجراب ليميّز ما بين الحلال والحرام منها؟ فأول صرة بدأ احمد بإخراجها قال الغلام: هذه لفلان بن فلان من محلة كذا بقم يشتمل على اثنين وستين دينارا فيها من ثمن حجيرة باعها صاحبها وكانت ارثا له عن ابيه خمسة واربعون دينارا ومن اثمان تسعة اثواب اربعة عشر دينارا وفيها من اجرة الحوانيت ثلاثة دنانير. فقال مولانا: صدقت يا بني! دلّ الرجل على الحرام منها؟ فقال (عليه السلام): فتش عن دينار رازي السكة، تاريخه سنة كذا، قد انطمس من نصف احدى صفحتيه نقشه وقراضة آمليّة وزنها ربع دينار، والعلة في تحريمها؛ ان صاحب هذه الصرّة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منّا وربع منّ، فأتت على ذلك مدة، وفي انتهائها قيّض لذلك الغزل سارق فاخبر به الحائك صاحبه فكذبه واسترد منه بدل ذلك منّا ونصف منّ غزلا ادق مما كان دفعه إليه واتخذ من ذلك ثوبا كان هذا الدينار مع القراضة ثمنه. فلما فتح رأس الصرّة صادف رقعة في وسط الدنانير باسم من اخبر عنه وبمقدارها على حسب ما قال، واستخرج الدينار والقراضة بتلك العلامة.
ثم اخرج صرّة اخرى، فقال الغلام: هذه لفلان بن فلان من محلة كذا بقم تشتمل على خمسين دينارا لا يحل لنا لمسها! قال وكيف ذاك؟ قال لأنها من ثمن حنطة حاف صاحبها على اكاره في المقاسمة وذلك انه قبض حصته منها بكيل واف وكان ما خص الاكار بكيل بخس. فقال مولانا: صدقت يا بني! ثم قال: يا احمد بن اسحاق احملها بأجمعها لتردّها او توصي بردها على اربابها فلا حاجة لنا في شيء منها وائتنا بثوب العجوز؟ قال احمد: وكان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيته.
فلما انصرف احمد بن اسحاق ليأتيه بالثوب نظر اليّ مولانا ابو محمد (عليه السلام) فقال: ما جاء بك يا سعد؟ فقلت: شوّقني احمد بن اسحاق على لقاء مولانا، قال: والمسائل التي اردت ان تسأله عنها؟ قلت: على حالها يا مولاي! قال: فسل قرّة عيني- واومأ الى الغلام-؟! فقال لي الغلام: سل عما بدا لك منها؟ فقلت له: مولانا وابن مولانا؛ انا روينا عنكم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى ارسل يوم الجمل الى عائشة: انك قد ارهجت على الاسلام واهله بفتنتك واوردت بنيك حياض الهلاك بجهلك فان كففت عني غربك والا طلقتك ونساء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كان طلاقهن وفاته. قال: ما الطلاق؟ قلت: تخلية السبيل، قال: فإذا كان طلاقهن وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خلّيت لهنّ السبيل! فلم لا يحل لهن الازواج؟ قلت: لان الله تبارك وتعالى حرم الازواج عليهن، قال: كيف وقد خلى الموت سبيلهنّ؟ قلت: فاخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الذي فوّض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حكمه الى أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ قال: ان الله تقدّس اسمه عظّم شأن نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخصهن بشرف الامهات، فقال رسول الله: يا ابا الحسن! ان هذا الشرف باق لهن ما دمن لله على الطاعة فأيتهن عصت الله بعدي بالخروج عليك فاطلق لها في الازواج واسقطها من شرف امومة المؤمنين؟.
قلت: فاخبرني عن الفاحشة المبينة التي اذا اتت المرأة بها في عدتها حل للزوج ان يخرجها من بينه؟ قال: الفاحشة المبينة هي السحق دون الزنا، فان المرأة اذا زنت واقيم عليها الحد ليس لمن ارادها ان يمتنع بعد ذلك التزوج بها لأجل الحد واذا سحقت وجب عليها الرجم، والرجم خزي ومن قد امر الله برجمه فقد اخزاه، ومن اخزاه فقد ابعده ومن ابعده فليس لاحد ان يقربه.
قلت: فاخبرني يا ابن رسول الله عن امر الله لنبيه موسى (عليه السلام) (فاخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى)، فان فقهاء الفريقين؛ يزعمون انها كانت من اهاب الميتة؟ فقال (عليه السلام): من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوته، لأنه ما خلا الامر فيها من خطيئتين؛ اما ان تكون صلاة موسى فيهما جائزة، او غير جائزة! فان كانت صلاته جائزة؟ جاز له لبسهما في تلك البقعة، وان كانت مقدسة مطهرة؟ فليس بأقدس واطهر من الصلاة، وان كانت صلاته غير جائزة فيهما؟ فقد اوجب على موسى انه لم يعرف الحلال من الحرام وما علم ما تجوز فيه الصلاة وما لم تجز وهذا كفر.
قلت: فاخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما؟ قال: ان موسى ناجى ربه بالواد المقدس، فقال: يا رب اني قد اخلصت لك المحبة مني وغسلت قلبي عمن سواك - وكان شديد الحب لأهله- فقال الله تعالى: (اخلع نعليك) اي انزع حب اهلك من قلبك، ان كانت محبتك لي خالصة وقلبك من الميل الى من سواي مغسولا.
قلت: فاخبرني يا ابن رسول الله عن تأويل (كهيعص)؟ قال: هذه الحروف من انباء الغيب اطلع الله عليها عبده زكريا، ثم قصّها على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك؛ ان زكريا سأل ربه؛ ان يعلمه اسماء الخمسة فاهبط عليه جبرئيل، فعلمه اياها، فكان زكريا اذا ذكر محمدا وعليا وفاطمة والحسن والحسين، سري عنه همه وانجلى كربه، واذا ذكر الحسين، خنقته العبرة، ووقعت عليه البهرة! فقال ذات يوم: يا الهي ما بالي اذا ذكرت اربعا منهم تسليت بأسمائهم من همومي! واذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي!؟ فأنبأه الله تعالى عن قصته، وقال: (كهيعص) فالكاف؛ اسم كربلاء، والهاء؛ هلاك العترة، والياء؛ يزيد وهو ظالم الحسين (عليه السلام)، والعين؛ عطشه، والصاد؛ صبره، فلما سمع ذلك زكريا؛ لم يفارق مسجده ثلاثة ايام، ومنع فيها الناس من الدخول عليه، واقبل على البكاء والنحيب وكانت ندبته: الهي اتفجع خير خلقك بولده؟ الهي اتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟ الهي اتلبس عليا وفاطمة ثياب هذه المصيبة؟ الهي اتحل كربة هذه الفجيعة بساحتهما؟! ثم كان يقول: اللهم ارزقني ولدا تقرّ به عيني على الكبر واجعله وارثا وصيا واجعل محله مني محل الحسين، فإذا رزقتنيه فافتني بحبه ثم فجّعني به كما تفجّع محمّدا حبيبك بولده؟ فرزقه الله يحيى وفجّعه به، وكان حمل يحيى ستة اشهر، وحمل الحسين (عليه السلام) كذلك، وله قصة طويلة.
قلت: فاخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار امام لأنفسهم؟ قال: مصلح او مفسد؟ قلت: مصلح، قال: فهل يجوز ان تقع خيرتهم على المفسد بعد ان لا يعلم احد ما يخطر ببال غيره من صلاح او فساد؟ قلت: بلى، قال: فهي العلة واوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك؛ اخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله تعالى وانزل عليهم الكتاب وايدهم بالوحي والعصمة اذ هم اعلام الامم واهدى الى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى (عليهما السلام) هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما اذا همّا بالاختيار ان يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان انه مؤمن؟ قلت: لا، فقال: هذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من اعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ممن لا يشك في ايمانهم واخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين! قال الله تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا- الى قوله - لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم)، فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعا على الافسد دون الاصلح، وهو يظن انه الاصلح دون الافسد، علمنا ان لا اختيار الا لمن يعلم ما تخفي الصدور وما تكن الضمائر وتتصرف عليه السرائر، وان لا خطر لاختيار المهاجرين والانصار بعد وقوع خيرة الانبياء على ذوي الفساد لما ارادوا اهل الصلاح.
ثم قال مولانا: يا سعد! وحين ادعى خصمك ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما اخرج مع نفسه مختار هذه الامة الى الغار، الا علما منه؛ ان الخلافة له من بعده وانه هو المقلد امور التأويل والملقى إليه ازمة الامة وعليه المعول في لم الشعث وسدّ الخلل واقامة الحدود وتسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما اشفق على نبوته اشفق على خلافته، إذ لم يكن من حكم الاستتار والتواري ان يروم الهارب من الشر مساعدة من غيره الى مكان يستخفي فيه، وانما ابات عليا على فراشه، لما لم يكن يكترث له ولم يحفل به لاستثقاله اياه، وعلمه انه؛ ان قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها! فهلا نقضت عليه دعواه بقولك: اليس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الخلافة بعدي ثلاثون سنة! فجعل هذه موقوفة على اعمار الاربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم، فكان لا يجد بدا من قوله لك: بلى، قلتَ: فكيف تقول حينئذ؟ اليس كما علم رسول الله ان الخلافة من بعده لابي بكر، علم انها من بعد ابي بكر لعمر، ومن بعد عمر لعثمان، ومن بعد عثمان لعلي؟ فكان ايضاً لا يجد بدا من قوله لك: نعم، ثم كنت تقول له: فكان الواجب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ ان يخرجهم جميعاً الى الغار ويشفق عليهم كما اشفق على ابي بكر ولا يستخف بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه اياهم وتخصيصه ابا بكر اخراجه مع نفسه دونهم.
ولّما قال: اخبرني عن الصديق والفاروق اسلما طوعا او كرها؟ لمَ لم تقل له: بل اسلما طمعا وذلك؛ بانهما كانا يجالسان اليهود ويستخبر انهم عما كانوا يجدون في التوراة وفي سائر الكتب المتقدمة الناطقة بالملاحم، من حال الى حال، من قصة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن عواقب امره، فكانت اليهود تذكر؛ ان محمد يسلط على العرب، كما كان بختنصر سلط على بني اسرائيل، ولا بد له من الظفر بالعرب ما ظفر بختنصر ببني اسرائيل، غير انه كاذب في دعواه انه نبي! فأتيا محمدا فساعداه على شهادة؛ ان لا اله الا الله، وبايعاه طمعا في ان ينال كل واحد منهما من جهته ولاية بلد اذا استقامت اموره واستتبت احواله، فلما ايسا من ذلك تلثما وصعدا العقبة مع عدة من امثالهما من المنافقين على ان يقتلوه، فدفع الله تعالى كيدهم وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، كما اتى طلحة والزبير عليا (عليه السلام) فبايعاه وطمع كل واحد منهما ان ينال من جهته ولاية بلد فلما ايسا نكثا بيعته وخرجا عليه فصرع الله كل واحد منهما مصرع اشباههما من الناكثين.
قال سعد: ثم قام مولانا الحسن بن علي الهادي (عليه السلام) للصلاة مع الغلام فانصرفت عنهما وطلبت اثر احمد بن اسحاق فاستقبلني باكيا، فقلت ما ابطأك وابكاك؟ قال: قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي احضاره! قلت: لا عليك فاخبره؟ فدخل عليه مسرعا، وانصرف من عنده متبسما! وهو يصلي على محمد وآل محمد، فقلت ما الخبر؟ قال: وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا يصلي عليه.
قال سعد: فحمدنا الله تعالى على ذلك، وجعلنا نختلف بعد ذلك اليوم الى منزل مولانا اياما، فلا نرى الغلام بين يديه! فلما كان يوم الوداع، دخلت انا واحمد بن اسحاق وكهلان من اهل بلدنا، وانتصب احمد بن اسحاق بين يديه قائما، وقال: يا ابن رسول الله! قد دنت الرحلة واشتدت المحنة، فنحن نسأل الله تعالى؛ ان يصلي على المصطفي جدك وعلى المرتضى ابيك وعلى سيدة النساء امك وعلى سيدي شباب اهل الجنة عمك وابيك وعلى الائمة الطاهرين من بعدهما آبائك، وان يصلي عليك وعلى ولدك، ونرغب الى الله؛ ان يعلي كعبك ويكبت عدوك، ولا جعل الله هذا اخر عهدنا من لقائك؟ قال: فلما قال هذه الكلمات، استعبر مولانا حتى استهلت دموعه وتقاطرت عبراته! ثم قال: يا ابن اسحاق! لا تكلف في دعائك شططا، فانك ملاق الله تعالى في صدرك هذا، فخرّ احمد مغشيا عليه! فلما افاق، قال: سألتك بالله وبحرمة جدك الا شرفتني بخرقة اجعلها كفنا؟ فادخل مولانا يده تحت البساط فاخرج ثلاثة عشر درهما، فقال: خذها ولا تنفق على نفسك غيرها فانك لن تعدم ما سألت، وان الله تبارك وتعالى لن يضيع اجر من احسن عملا.
قال سعد: فلما انصرفنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا من حُلوان على ثلاثة فراسخ، حُمّ احمد بن اسحاق وثارت به علة صعبة ايس من حياته فيها، فلما وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات دعا احمد بن اسحاق برجل من اهل بلده كان قاطنا بها، ثم قال: تفرقوا عني هذه الليلة واتركوني وحدي فانصرفنا عنه ورجع كل واحد منا الى مرقده.
قال سعد: فلما حان ان ينكشف الليل عن الصبح اصابتني فكرة ففتحت عيني فإذا انا بكافور الخادم، خادم مولانا ابي محمد (عليه السلام) وهو يقول: احسن الله بالخير عزاكم وجبر بالمحبوب رزيتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم ومن تكفينه فقوموا لدفنه فانه من اكرمكم محلا عند سيدكم؟ ثم غاب عن أعيننا فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والعويل حتى قضينا حقه وفرغنا من امره رحمه الله.
٣- كتاب الغيبة(١٢٣): حدثنا ابراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري؛ قال: لما همّ الوالي عمرو بن عوف بقتلي وهو رجل شديد النصب، وكان مولعا بقتل الشيعة فأخبرت بذلك، وغلب عليّ خوف عظيم فودّعت اهلي واحبائي وتوجهت الى دار؛ ابي محمد (عليه السلام) لأودعه وكنت اردت الهرب، فلما دخلت عليه رأيت غلاما جالسا في جنبه وكان وجهه مضيئا كالقمر ليلة البدر فتحيرت من نوره وضيائه وكاد ان ينسيني ماكنت فيه من الخوف والهرب! فقال: يا ابراهيم! لا تهرب فان الله تبارك وتعالى سيكفيك شره، فازداد بحيرتي، فقلت: لابي محمّد (عليه السلام): يا سيدي! جعلني الله فداك من هو فقد اخبرني عمّا كان في ضميري؟ فقال: هو ابني وخليفتي من بعدي وهو الذي يغيب غيبة طويلة، ويظهر بعد امتلاء الارض جورا وظلما، فيملاها عدلا وقسطا، فسالته؛ عن اسمه؟ قال: هو سميّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيه، ولا يحل لا حد ان يسميه باسمه او يكنيه بكنيته الى ان يظهر الله دولته وسلطنته، فاكتم؛ يا ابراهيم ما رأيت وسمعت منا اليوم الا عن اهله؟ فصليت عليهما وآبائهما، وخرجت مستظهرا بفضل الله تعالى، واثقا بما سمعته من الصاحب (عليه السلام) فبشرني عمّي علي بن فارس؛ بانّ المعتمد قد ارسل ابا احمد اخاه وامره بقتل عمرو بن عوف، فأخذه ابو احمد في ذلك اليوم وقطعه عضوا عضوا، والحمد لله رب العالمين(١٢٤).
٤- كمال الدين(١٢٥): عن السياري؛ قال: حدثتني نسيم ومارية قالتا: انه لما سقط صاحب الزمان (عليه السلام) من بطن امه جاثيا على ركبتيه رافعا سبابتيه الى السماء ثم عطس؛ فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظلمة ان حجة الله داحضة، لو اذن لنا في الكلام لزال الشك(١٢٦).
٥- اثبات الهداة(١٢٧): عن غياث بن اسيد قال: شهدت محمد بن عثمان العمرى- قدس الله روحه - يقول لما ولد الخلف المهدي (عليه السلام) سطع نور من فوق راسه الى اعنان السماء! ثم سقط لوجهه ساجدا لربه تعالى ذكره ثم رفع راسه وهو يقول؛ (شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم ان الدين عند الله الاسلام)، قال: وكان مولده يوم الجمعة(١٢٨).
وفي معجزاته زمن حياة ابيه (عليهما السلام)؛ يوجد ١٠ احاديث(١٢٩).
السؤال الرابع: هل كان للإمام الحجة (عليه السلام) معجزات ايضاً بعد زمن ابيه اي في زمن غيبته الصغرى؟
الجواب
نعم لقد ذكر التاريخ والرواة الكثير من الروايات حول معجزاته في الغيبة الصغرى كما كان له من المعجزات زمن ابيه (عليهم السلام) وكما مر عليك، ونحن نشير الى بعض الموارد:
الكافي(١٣٠): عن محمد بن علي بن شاذان النيشابوري قال: اجتمع عندي خمسمائة درهم تنقص عشرين درهما، فانفت ان ابعث بخمسمائة تنقص عشرين درهما، فوزنت من عندي عشرين درهما وبعثتها الى الاسدي، ولم اكتب مالي فيها، فورد: وصلت خمسمائة درهم لك منها عشرون درهما.
كمال الدين(١٣١): حدثنا محمد بن الحسن - رضي الله عنه - عن سعد بن عبدالله عن علي بن محمد الرازي المعروف بعلان الكليني قال: حدثني محمد بن جبرئيل الاهوازي عن ابراهيم ومحمد ابني الفرج عن محمد بن ابراهيم بن مهزيار؛ انه ورد العراق شاكّا مرتادا، فخرج إليه: قل للمهزياري قد فهمنا ما حكيته عن موالينا بناحيتكم، فقل لهم: اما سمعتم الله عزّ وجلّ يقول: (يا أيها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)، هل امر الا بما هو كائن الى يوم القيامة، اولم ترووا؛ انّ الله عزّ وجلّ جعل لكم معاقل تاوون إليها، واعلاما تهتدون بها، من لدن آدم (عليه السلام) الى ان ظهر الماضي (ابو محمد) صلوات الله عليه، كلما غاب علم بدا علم واذا افل نجم طلع نجم، فلما قبضه الله إليه ظننتم ان الله عزّ وجلّ قد قطع السبب بينه وبين خلقه، كلا ما كان ذلك ولا يكون حتى تقوم الساعة ويظهر امر الله عزّ وجلّ وهم كارهون، يا محمد بن ابراهيم! لا يدخلك الشك فيما قدمت له! فان الله عزّ وجلّ لا يخلي الارض من حجة، اليس قال لك ابوك قبل وفاته: احضر الساعة من يعيّر هذه الدنانير التي عندي فلما ابطئ ذلك عليه وخاب الشيخ على نفسه الوحا قال لك: عيّرها على نفسك واخرج اليك كيسا كبيراً وعندك بالحضرة ثلاثة اكياس وصرّة فيها دنانير مختلفة النقد فعيّرتها، وختم الشيخ بخاتمه وقال لك اختم مع خاتمي فان اعش فانا احق بها وان امت فاتق الله في نفسك اولاً ثم في فخلّصني وكن عند ظنّي بك، اخرج رحمك الله الدنانير التي استفضلتها من بين النقدين من حسابنا وهي بضعة عشر دينارا واستردّ من قبلك؟ فانّ الزّمان اصعب ممّا كان وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قال محمد بن ابراهيم: وقدمت العسكر زائرا، فقصدت الناحية فلقيتني امرأة وقالت: انت محمد بن ابراهيم؟ فقلت: نعم، فقالت لي: انصرف فانك لا تصل في هذا الوقت وارجع الليلة فان الباب مفتوح لك فادخل الدار واقصد البيت الذي فيه السراج؟ ففعلت؛ وقصدت الباب فاذا هو مفتوح فدخلت الدار وقصدت البيت الذي وصفته، فبينا انا بين القبرين انتحب وابكي اذ سمعت صوتا وهو يقول: يا محمد! اتق الله وتب من كل ما انت عليه! فقد قلّدت امرا عظيما.
كمال الدين(١٣٢): حدثنا ابو جعفر محمد بن علي الاسود - رضي الله عنه - قال: سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه - رضي الله عنه - بعد موت محمد بن عثمان العمري - رضي الله عنه - ان اسال؛ ابا القاسم الروحي ان يسال؛ مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) ان يدعو الله عزّ وجلّ ان يرزقه ولدا ذكرا؟ قال: فسالته، فأنهى ذلك ثم اخبرني بعد ذلك بثلاثة ايام؛ انه قد دعا لعلي بن الحسين، وانه سيولد له ولد مبارك ينفع (الله) به وبعده اولاده.
قال ابو جعفر محمد بن علي الاسود - رضي الله عنه -: وسالته في امر نفسي؛ ان يدعو الله لي ان يرزقني ولدا ذكرا؟ فلم يجبني إليه! وقال: ليس الى هذا سبيل، قال: فولد لعلي بن الحسين- رضي الله عنه - محمد بن علي وبعده اولاده ولم يولد لي شيء.
قال مصنف هذا الكتاب (الصدوق)- رضي الله عنه - كان ابو جعفر محمد بن علي الاسود - رضي الله عنه -كثيرا ما يقول لي - اذا رآني اختلف الى مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد - رضي الله عنه- وارغب في كتب العلم وحفظه -: ليس بعجب ان تكون لك هذه الرغبة في العلم وانت ولدت بدعاء الامام (عليه السلام).
الغيبة(١٣٣): حدثنا رجل صالح من اصحابنا؛ قال: خرجت سنة من السنين حاجا الى بيت الله الحرام وكانت سنة شديدة الحر كثيرة السموم، فانقطعت عن القافلة وضللت الطريق، فغلب عليّ العطش حتى سقطت واشرفت على الموت، فسمعت صهيلا! ففتحت عيني فاذا بشاب حسن الوجه حسن الرائحة راكب على دابّة شهباء، فسقاني ماءً ابرد من الثلج واحلى من العسل، ونجاني من الهلاك، فقلت: يا سيدي من انت؟ قال: انا حجة الله على عباده، وبقية الله في ارضه، انا الذي املأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، انا ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام)، ثم قال: اخفض عينيك؟ فخفضتهما، ثم قال: افتحهما؟ ففتحتهما، فرأيت نفسي في قدام القافلة! ثم غاب من نظري صلوات الله عليه.
الخرائج والجرائح(١٣٤): قال: ومنها ما روي عن ابي الحسن المسترق الضرير: كنت يوما في مجلس الحسن بن عبدالله بن حمدان ناصر الدولة فتذاكرنا امر الناحية؛ قال: كنت ازري عليها الى ان حضرت مجلس عمي الحسين يوما فأخذت اتكلم في ذلك! فقال: يا بني قد كنت اقول بمقالتك هذه الى ان ندبت لولاية قم حين استصعبت على السلطان، وكان كلّ من ورد إليها من جهة السلطان يحاربه اهلها، فسلّم اليّ جيشا وخرجت نحوها، فلما بلغت الى ناحية طرز خرجت الى الصيد ففاتتني طريدة فاتبعتها واوغلت في اثرها، حتى بلغت الى نهر فسرت فيه وكلما اسير يتسع النهر فبينما انا كذلك اذ طلع عليّ فارس تحته شهباء وهو معمم بعمامة خز خضراء لا ارى منه الا عينيه وفي رجليه خفان احمران فقال لي: يا حسين! فلا هو امّرني ولا كنّاني فقلت: ماذا تريد؟ قال: لِمَ تزري على الناحية؟ ولِمَ تمنع اصحابي خمس مالك!. وكنت الرجل الوقور الذي لا يخاف شيئاً؟! فارعدت وتهيبته وقلت له: افعل يا سيدي ما تامر به، فقال: اذا مضيت الى الموضع الذي انت متوجه إليه فدخلته عفوا وكسبت ما كسبته تحمل خمسه الى مستحقه؟ فقلت: السمع والطاعة، فقال: امض راشدا؟ ولوى عنان دابته وانصرف، فلم ادر اي طريق سلك، وطلبته يمينا وشمالا فخفي عليّ امره وازددت رعبا وانكفات راجعا الى عسكري وتناسيت الحديث، فلما بلغت قم وعندي اني أريد محاربة القوم، خرج اليّ اهلها وقالوا كنا نحارب من يجيئنا بخلافهم لنا، فامّا اذا وافيت انت فلا خلاف بيننا وبينك ادخل البلدة فدّبرها كما ترى؟ فاقمت فيها زمانا وكسبت اموالا زائدة على ما كنت اقدر، ثم وشي القواد بي الى السلطان وحسدت على طول مقامي وكثرة ما اكتسبت فعزلت ورجعت الى بغداد فابتدأت بدار السلطان وسلمت عليه واتيت الى منزلي وجاءني فيمن جاءني محمد بن عثمان العمري، فتخطى الناس حتى اتكأ على تكأتي! فاغتظت من ذلك، ولم يزل قاعدا ما يبرح! والناس داخلون وخارجون، وانا ازداد غيظا فلما انصرم (الناس وخل) المجلس دنا الي وقال: بيني وبينك سرّ فاسمعه؟ فقلت: قل؟ فقال: صاحب الشهباء والنهر؛ يقول: قد وفينا بما وعدنا؟! فذكرت الحديث وارتعت من ذلك! وقلت: السمع والطاعة، فقمت فأخذت بيده ففتحت الخزائن فلم يزل يخمسها الى ان خمس شيئاً كنت قد نسيته مما كنت قد جمعته وانصرف ولم اشك بعد ذلك وتحققت الامر.
 فأنا منذ سمعت هذا من عمّي ابي عبدالله زال ما كان اعترضني من شك.
ولقد ورد في بعض معجزاته (عليه السلام) في الغيبة الصغرى ٢٩ حديثا(١٣٥).
السؤال الخامس: اذا كان الامام الحجة (عليه السلام) يعيش وهو غائب عن الناس فكيف كان يدير الامور وكيف كان يتصل بالناس؟
الجواب
لقد كان اتصال الامام بالناس بعدة طرق؛ منها: عن طريق السفراء، ثم الوكلاء، او يباشر بعض الامور بنفسه (عليه السلام) كما مرّ عليك سابقا، او كان بتوسط بعض الناس الغير معروفين، ونحن نشير هنا الى سفراءه ونوابه في غيبته الصغرى الذين كانوا وسائط لاتصاله مع الناس:
ونذكر نبذة عنهم كما ذكر استاذنا المفدى المؤلف دام ظله، حيث قال:
اعلم؛ ان وكلاءه ونوابه (عليه السلام) في زمان الغيبة الصغرى كما يظهر من مراجعة الكتب المعتبرة كانوا عدة من الثقات الممدوحين بالوثاقة والامانة والصداقة وكان يخرج من عندهم توقيعاته واوامره ونواهيه (عليه السلام) ويظهر منهم الكرامات والاخبار عن المغيبات من جهته، واقتصر على ذكر اسماء الاربعة المعروفين منهم الذين اجمع الشيعة على امانتهم وعدالتهم ورفعة مقامهم وعلوّ درجتهم فنقول:
الاول: الشيخ ابو عمرو عثمان بن سعيد العمري- رضي الله تعالى عنه- وقد نصبّه ابو الحسن علي بن محمد العسكري وابو محمد الحسن بن علي (عليهم السلام)، وكان اسديا ويقال له العسكري والسمّان؛ لأنه كان يتجر في السمن تغطية على الامر، وقد ورد النص عليه من الامامين المذكورين ومن مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه، وقد ذكره الشيخ؛ في رجاله تارة، في ذكر اصحاب الهادي (عليه السلام) فقال: (عثمان بن سعيد العمري، يكنى ابا عمرو السمّان، ويقال له: الزيات، خدمه وله احدى عشرة سنة، وله إليه عهد معروف)، وتارة في اصحاب ابي محمد الحسن (عليه السلام) فقال: (جليل القدر ثقة وكيله عليه السلام) وقال ايضاً في رجاله: (محمد بن عثمان بن سعيد العمري يكنى؛ ابا جعفر وابوه يكنى ابا عمرو جميعا وكيلان من جهة صاحب الزمان (عليه السلام) ولهما منزلة جليلة عند الطائفة، انتهى)، ولقد اجاد المولى الوحيد، حيث قال، كما في تنقيح المقال: هو اجل واشهر من ان يذكر.
الثاني: ابو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري - رضوان الله تعالى عليه- فانه لما مضى ابوه ابو عمرو قام مقامه بنصّ ابي محمد (عليه السلام) عليه، ونصِّ ابيه عثمان عليه، بأمر القائم (عليه السلام) وقد نقل الشيخ في غيبته، عن ابي العباس عن هبة الله بن محمد عن شيوخه: اجماع الشيعة على عدالته ووثاقته وامانته، لما ورد عليه من النص بالعدالة والامر بالرجوع إليه في حياة الحسن (عليه السلام) وبعد موته في حياة ابيه قال: (وقد نقلت عنه دلائل كثيرة ومعجزات الامام ظهرت على يده...الخ). قال في تنقيح المقال: (جلالة شان الرجل وعلو قدره ومنزلته في الامامية اشهر من ان يحتاج الى بيان... الخ) وكان له كتب مصنفة مما سمعها من ابي محمد الحسن ومن الصاحب (عليهما السلام) ومن ابيه عثمان بن سعيد عن ابي محمد وعن ابي الحسن الهادي (عليهما السلام) قال الشيخ في كتاب (الغيبة)؛ قال ابو نصر هبة الله: وجدت بخط ابي الزراري- رحمه الله وغفر له-؛ ان ابا جعفر محمد بن عثمان العمري- رحمة الله عليه- مات في آخر جمادي الاولى سنة خمس وثلاثمائة وذكر ابو نصر هبة الله بن محمد بن احمد؛ ان ابا جعفر العمري مات في سنة اربع وثلاثمائة، وانه كان يتولى هذا الامر نحوا من خمسين سنة يحمل الناس إليه اموالهم ويخرج إليهم التوقيعات بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام) إليهم بالمهمّات في امر الدين والدنيا وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة، رضي الله عنه وارضاه.
الثالث: من السفراء؛ الشيخ ابو القاسم الحسين بن روح بن ابي بحر النوبختي- رحمة الله عليه- المتولي لمقام النيابة الخاصة بعد محمد بن عثمان، رحمهما الله، والقائم مقامه بنص منه بأمر الامام (عليه السلام) وهو من اعقل الناس عند الموافق والمخالف، وكان له مكانة عظيمة عند العامة ايضاً، وقد كان لمحمد بن عثمان نحوا من عشرة انفس وابو القاسم بن روح فيهم وكانوا كلهم اخصّ به من الشيخ ابي القاسم وبلغ جعفر بن احمد بن متيل منه من الخصوصية به وكثرة كينونته في منزله بمرتبة؛ كان اصحابنا لا يشكون؛ ان كانت حادثة لم تكن الوصية إلا إليه، ولكن لما وقع الاختيار بأمر الامام على؛ ابي القاسم، لم ينكروا وسلموا، ولم يزل جعفر بن احمد بن متيل في جملة ابي القاسم وبين يديه كتصرفه بين يدي ابي جعفر العمري الى ان مات، وتوفي الشيخ ابو القاسم- رضي الله عنه- في شعبان سنة ست وعشرين وثلاثمائة فكانت مدة سفارته احدى او اثنتان وعشرون سنة.
الرابع: من الوكلاء في عصر الغيبة الصغرى؛ الشيخ ابو الحسن علي بن محمد السمري- رحمة الله عليه- القائم مقام الشيخ ابي القاسم بنصّ منه وهو آخر الوكلاء وبموته وقعت الغيبة التامة وصار الامر الى الفقهاء وحملة الاحاديث وعلوم اهل البيت (عليهم السلام)، فيجب على العوام الرجوع إليهم، ودلت على ذلك روايات كثيرة، قد مر بعضها ومات ابو الحسن علي بن محمد السمري؛ في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة(١٣٦).
السؤال السادس: لقد بينتم ان الامام الحجة (عليه السلام) له نواب اربعة يقومون بمقام السفارة والاتصال مع الناس فهل تؤيد الروايات ذلك؟
الجواب
توجد روايات كثيرة تذكر توكيلهم وسفارتهم ونيابتهم عن الامام الحجة (عليه السلام) في الغيبة الصغرى ونحن نشير الى بعض منها:
غيبة الشيخ(١٣٧): حدث احمد بن اسحاق بن سعد القمي قال: دخلت على ابي الحسن علي بن محمد صلوات الله عليه في يوم من الايام، فقلت: يا سيدي انا اغيب واشهد ولا يتهيأ لي الوصول اليك اذا شهدت في كل وقت، فقول من نقبل وامر من نمتثل؟ فقال لي صلوات الله عليه: هذا ابو عمرو الثقة الأمين ما قاله لكم فعنّي يقوله وما اداه اليكم فعني يؤديه، فلما مضى ابو الحسن (عليه السلام) وصلت الى ابي محمد ابنه الحسن العسكري (عليه السلام) ذات يوم، فقلت له (عليه السلام)؛ مثل قولي لأبيه؟ فقال لي: هذا ابو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعني يقوله وما ادى اليكم فعني يؤديه.
قال ابو محمد هارون: قال ابو علي: قال ابو العباس الحميري: فكنا كثيرا ما نتذاكر هذا القول ونتواصف جلاله محلّ ابي عمرو.
وهذه الرواية كانت في السفير الاول ابي عمرو عثمان بن سعيد العمري - رضي الله تعالى عنه-.
٢- كمال الدين(١٣٨): قال عبدالله بن جعفر الحميري: وخرج التوقيع الى الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان العمري في التعزية بابيه - رضي الله تعالى عنهما- وفي فصل من الكتاب: انا لله وانا إليه راجعون تسليما لأمره ورضاءً بقضائه عاش ابوك سعيدا ومات حميدا فرحمه الله والحقه بأوليائه ومواليه (عليهم السلام)، فلم يزل مجتهدا في امرهم ساعيا فيما يقربه الى الله عزّ وجلّ وإليهمّ، نضّر الله وجهه واقاله عثرته.
وفي فصل آخر: اجزل الله لك الثواب واحسن لك العزاء رزئت ورزئنا واوحشك فراقه واوحشنا، فسره الله في منقلبه، وكان من كمال سعادته ان رزقه الله عزّ وجلّ ولدا مثلك يخلفه من بعده ويقوم مقامه بأمره ويترحم عليه، واقول؛ الحمد لله فان الانفس طيبة بمكانك وما جعله الله عزّ وجلّ فيك وعندك، اعانك الله وقواك وعضدك ووفقك وكان الله لك وليا وحافظا وراعيا وكافيا ومعينا.
وهذه الرواية كانت في السفير الثاني ابي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري - رضوان الله تعالى عليه-.
٣- البحار(١٣٩): عن ابي نصر هبة الله بن محمد قال: حدثني خالي ابو ابراهيم جعفر بن احمد النوبختي، قال لي ابي احمد بن ابراهيم وعمي ابو جعفر عبدالله بن ابراهيم وجماعة من اهلنا - يعني بني نوبخت -: ان ابا جعفر العمري لما اشتدت حاله، اجتمع جماعة من وجوه الشيعة منهم ابو علي بن همام وابو عبد الله بن محمد الكاتب وابو عبد الله الباقطاني وابو سهل اسماعيل بن علي النوبختي وابو عبد الله بن الوجناء وغير هم من الوجوه والاكابر فدخلوا على ابي جعفر - رضي الله عنه - فقالوا له: ان حدث امر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا ابو القاسم الحسين بن روح بن ابي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الامر (عليه السلام) والوكيل والثقة الأمين فارجعوا إليه في اموركم وعوّلوا عليه في مهماتكم فبذلك امرت وقد بلّغت.
وهذه الرواية كما ترى هي في السفير الثالث ابي القاسم الحسين بن روح النوبختي- رضوان الله تعالى عليه -.
٤- اعلام الورى(١٤٠): عن ابي عبدالله أحمد بن محمد الصفواني، قال اوصى الشيخ ابو القاسم - رضي الله عنه-الى ابي الحسن علي بن محمد السمري- رضي الله عنه- فقام بما كان الى ابي القاسم فلما حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده وسالته عن الموكل بعده ولمن يقوم مقامه؟ فلم يظهر شيئاً من ذلك وذكر انه لم يؤمر بان يوصي الى احد بعده في هذا الشأن.
وهذه الرواية كما ترى؛ هي في السفير الرابع الشيخ ابي الحسن علي بن محمد السمري - رحمه الله تعالى-.
٥- كمال الدين(١٤١): حدثنا ابو محمد الحسن بن احمد المكتّب، قال كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري- قدس الله روحه- فحضرته قبل وفاته بأيام، فاخرج الى الناس توقيعا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم؛ يا علي بن محمد السمري! اعظم الله اجر اخوانك فيك فانك ميت ما بينك وبين ستة ايام فاجمع امرك ولا توصي الى احد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة الثانية (التامة - خ) فلا ظهور الا بعد اذن الله عزّ وجلّ، وذلك بعد طول الامد وقسوة القلوب وامتلاء الارض جورا، وسياتي شيعتي من يدعي المشاهدة! الا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: لله امر هو بالغه ومضى- رضي الله عنه- فهذا آخر كلام سمع منه.
وهنا فائدة علمية اشار إليها المؤلف دام ظله وهي:
هذا وربما يقال: بان هذا التوقيع بظاهره ينافي الحكايات الكثيرة المواترة القطعية التي لا يمكن احصاؤها لكثرتها وتدل على وقوع المشاهدة، وتشرف البعض بدرك فيض زيارته والتشرف بمحضره، وينافي ايضاً ما اتفق الكل عليه ظاهرا حتى الصدوق ناقل هذا الخبر، وجوها ذكر الستة منها في (جنة المأوى):
منها؛ ما عن المجلسي في (البحار) وغير ه وهو: ان سياق الخبر يشهد بان المراد من ادعاء المشاهدة ادعاؤها مع النيابة والسفارة وايصال الاخبار من جانبه الى الشيعة على مثال السفراء في الغيبة الصغرى وهذا الوجه قريب جدا.
 ومنها: انه خبر واحد مرسل ضعيف لم يعمل به ناقله وهو الصدوق في الكتاب المذكور واعرض الاصحاب عنه فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع عن مجموعها بل من بعضها المتضمن لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره (عليه السلام)(١٤٢).
ويوجد في حالات سفرائه ونوابه في الغيبة الصغرى ٢٧ حديثا(١٤٣).
السؤال السابع: هل لكم ان تذكروا شيئاً عن حالات سفراء الامام الحجة (عليه السلام) وبعض من معجزاتهم التي ظهرت منهم زمن الغيبة الصغرى؟
الجواب
تعتبر معجزات السفراء من الامور المهمة التي تثبت قلوب الشيعة في زمن الغيبة الصغرى، وكان لهذه المعجزات رواج بين اوساط الشيعة، فظهرت منهم الكرامات والاخبار عن المغيبات من جهة الامام الحجة (عليه السلام).
ونحن نذكر في هذا المختصر بعض من حالاتهم ومعجزاتهم رضوان الله تعالى عليهم:
الكافي(١٤٤): عن عبدالله بن جعفر الحميري، قال: اجتمعت انا والشيخ ابو عمرو- رحمه الله- عند احمد بن اسحاق، فغمزني احمد بن اسحاق ان اسأله عن الخلف؟ فقلت له: يا ابا عمرو! اني أريد ان اسألك عن شيء وما انا بشاك فيما أريد ان اسألك عنه! فان اعتقادي وديني؛ ان الارض لا تخلو من حجة الا اذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوما فإذا كان ذلك رُفعت الحجة واغلق باب التوبة فلم يك ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها خيرا، فأولئك اشرار من خلق الله عزّ وجلّ، وهم الذين تقوم عليهم القيامة، ولكني احببت ان ازداد يقينا، وان ابراهيم (عليه السلام) سال ربه عزّ وجلّ، ان يريه كيف يحيي الموتى؟ قال: اولم تؤمن! قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي، وقد اخبرني ابو علي احمد بن اسحاق عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: سألته وقلت: من اعامل او عمّن آخذ، وقول من اقبل؟ فقال له: العمري ثقتي، فما ادى اليك عنّي فعنّي يؤدّي وما قال لك فعني يقول فاسمع له واطع فانه الثقة المأمون، واخبرني ابو علي؛ انه سأل ابا محمد (عليه السلام): عن مثل ذلك؟ فقال له: العمري وابنه ثقتان فما ادّيا اليك عنّي فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما واطعهما فانهما الثقتان المأمونان، فهذا قول امامين قد مضيا فيك؟ قال: فخرّ ابو عمرو ساجدا وبكى، ثم قال: سل حاجتك؟ فقلت له: انت رأيت الخلف من بعد ابي محمد (عليه السلام)؟ فقال: اي والله ورقبته مثل ذا - واومأ بيده- فقلت له: فبقيت واحدة! فقال لي: هات، قلت: فالاسم؟ قال: محرّم عليكم ان تسألوا عن ذلك، ولا اقول هذا من عندي فليس لي ان احلل ولا احرم ولكن عنه (عليه السلام) فان الامر عند السلطان؛ انّ ابا محمّد مضى ولم يخلف ولدا، وقسّم ميراثه واخذه من لا حقّ له فيه، وهو ذا عياله يجولون ليس احد يجسر أن يتعرّف إليهم، او ينيلهم شيئاً، واذا وقع الاسم وقع الطلب فاتّقوا الله وامسكوا عن ذلك.
كمال الدين(١٤٥): وحدثنا ابو جعفر محمد بن علي الاسود - رضي الله عنه - ان ابا جعفر العمري- قدس سره- حفر لنفسه قبرا وسواه بالساج فسألته عن ذلك؟ فقال للناس اسباب! ثم سألته بعد ذلك؟ فقال: قد امرت ان اجمع امري! فمات بعد ذلك بشهرين - رضي الله عنه-.
الخرائج والجرائح(١٤٦): قال جعفر بن محمد بن متيل: دعاني ابو جعفر محمد بن عثمان السمّان المعروف بالعمري- رضي الله عنه- فاخرج اليّ ثويبات معلمة وصرّة فيها دراهم فقال لي: يحتاج ان تصير(تسير- ظ) بنفسك الى واسط في هذا الوقت وتدفع ما دفعت اليك الى اول رجل يلقاك عند صعودك من المركب الى الشطّ بواسط؟ قال: فتداخلني من ذلك غمّ شديد، وقلت: مثلي يُرسل في هذا الامر ويحمل هذا الشيء الوتح (القليل من كل شيء)، قال: فخرجت الى واسط وصعدت من المركب، فأول رجل يلقاني سألته عن الحسن بن محمد بن قطاة الصيدلاني وكيل الوقف بواسط؟ فقال: انا هو من انت؟ فقلت: انا جعفر بن محمد بن متيل! قال: فعرفني باسمي وسلم علي وسلمت عليه وتعانقنا، فقلت له: ابو جعفر العمري يقرأ عليك السلام ودفع الي هذه الثويبات وهذه الصرة لأسلمها اليك، فقال: الحمد لله فأن محمد بن عبدالله الحائري(العامري-خ) قد مات، وخرجت لإصلاح كفنه، فحلّ الثياب واذا فيها ما يحتاج إليه من حبر وثياب وكافور في الصرّة وكري الحمّالين والحفار، قال: فشيّعنا جنازته وانصرفت.
البحار(١٤٧): وسأله (اي الحسين بن روح) بعضُ المتكلمين وهو المعروف بترك الهروي، فقال له: كم بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: اربع، قال: فأيتهن افضل؟ فقال: فاطمة (عليها السلام)، فقال: ولم صارت افضل وكانت اصغرهن سنا واقلهم صحبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: لخصلتين خصها الله بهما تطولا عليها وتشريفا واكراما لها، احداهما؛ انها ورثت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يرث غيرها من ولده، والاخرى؛ ان الله تعالى ابقى نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منها ولم يبقه من غيرها ولم يخصّصها بذلك الا لفضل اخلاص عرفه من نيّتها، قال الهروي: فما رأيت احدا تكلم واجاب في هذا الباب بأحسن ولا اوجز من جوابه.
كتاب الغيبة(١٤٨): عن ابي عبدالله الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، قال: حدثني جماعة من اهل بلدنا المقيمين كانوا ببغداد في السنة التي خرجت القرامطة على الحاجّ، وهي سنة تناثر الكواكب؛ ان والدي- رضي الله عنه- كتب الى الشيخ ابي القاسم الحسين بن روح - رضي الله عنه - يستأذن في الخروج الى الحج؟ فخرج في الجواب؛ لا تخرج في هذه السنة، فأعاد؛ فقال: هو نذر واجب أفيجوز لي القعود عنه؟ فخرج الجواب؛ ان كان لابد فكن في القافلة الاخيرة! فكان في القافلة الاخيرة فسلم بنفسه وقُتل من تقدمه في القوافل الاخر.
علل الشرايع(١٤٩): حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحاق الطالقاني- رضي الله عنه- قال: كنت عند الشيخ ابي القاسم الحسين بن روح- قدس الله روحه- مع جماعة فيهم علي بن عيسى القصري، فقام إليه رجل، فقال له: اني أريد ان اسألك عن شيء؟ فقال له: سل عما بدا لك؟ فقال الرجل: اخبرني عن الحسين بن علي (عليهما السلام) اهو ولي الله؟ قال: نعم، قال: اخبرني عن قاتله اهو عدو الله؟ قال نعم، قال الرجل: فهل يجوز ان يسلط الله عزّ وجلّ عدوه على وليه؟! فقال له ابو القاسم الحسين بن روح - قدس الله روحه-: افهم عني ما اقول لك، اعلم ان الله عزّ وجلّ لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان ولا يشافههم بالكلام، ولكنه جل جلاله يبعث إليهم رسلا من اجناسهم واصنافهم بشرا مثلهم ولو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم ولم يقبلوا منهم، فلما جاؤوهم وكانوا من جنسهم يأكلون الطعام ويمشون في الاسواق، قالوا لهم: انتم بشر مثلنا ولا نقبل منكم حتى تأتوننا بشيء نعجز ان نأتي بمثله فنعلم انكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه؟ فجعل الله عزّ وجلّ لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها، فمنهم من جاء بالطوفان بعد الانذار والاعذار فغرق جميع من طغى وتمرد، ومنهم من القي في النار فكانت بردا وسلاما، ومنهم من اخرج من الحجر الصلد ناقة واجرى من ضرعها لبنا، ومنهم من فلق له البحر وفجّر له من الحجر العيون وجعل له العصا اليابسة ثعبانا تلقف ما يأفكون، ومنهم من ابرأ الاكمه والابرص واحيى الموتى بإذن الله وأنبأهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ومنهم من انشق له القمر وكلمته البهائم مثل البعير والذئب وغير ذلك، فلما أتوا بمثل ذلك وعجز الخلق عن امرهم وعن أن يأتوا بمثله كان من تقدير الله عزّ وجلّ ولطفه بعباده وحكمته؛ ان جعل انبياءه (عليهم السلام) مع هذه القدرة والمعجزات في حالة غالبين، وفي اخرى مغلوبين، وفي حال قاهرين، وفي اخرى مقهورين، ولو جعلهم الله عزّ وجلّ في جميع احوالهم غالبين وقاهرين ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لاتخذهم الناس آلهة من دون الله عزّ وجلّ، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والاختبار، ولكنه عزّ وجلّ جعل احوالهم في ذلك كأحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين وفي حال العافية والظهور على الاعداء شاكرين، ويكونوا في جميع احوالهم متواضعين غير شامخين ولا متجبرين، وليعلم العباد ان لهم (عليهم السلام) الها هو خالقهم ومدبرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله وتكون حجة الله ثابتة على من تجاوز الحد فيهم وادّعى لهم الربوبية او عاند او خالف وعصى وجحد بما اتت به الرسل والانبياء (عليهم السلام)؛ (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة).
قال محمد بن ابراهيم بن اسحاق- رضي الله عنه-: فعدت الى الشيخ ابي القاسم بن روح قدس الله روحه من الغد وانا اقول في نفسي؛ أتراه ذكر ما ذكر لنا يوم امس من عند نفسه؟! فابتدأني! فقال لي: يا محمد بن ابراهيم! لان اخرّ من السماء فتخطفني الطير او تهوي بي الريح في مكان سحيق احبّ اليّ من ان اقول؛ في دين الله عزّ وجلّ برأيي، او من عند نفسي، بل ذلك عن الاصل ومسموع عن الحجّة صلوات الله عليه وسلامه.
فرج المهموم(١٥٠): حدث جماعة من اهل قم منهم عمران الصفار وقريبة علوية الصفار والحسين بن احمد بن علي بن احمد بن ادريس- رحمهم الله- قالوا: حضرنا بغداد في السنة التي توفي فيها؛ ابي علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، وكان ابو الحسن علي بن محمد السمري- قدس سره- يسألنا كلّ قريب عن خبر علي بن الحسين- رحمه الله؟ فنقول: قد ورد الكتاب باستقلاله، حتى كان اليوم الذي قبض فيه، فسألنا عنه؟ فذكر له مثل ذلك، فقال: اجركم الله في علي بن الحسين فقد قبض في هذه الساعة! قالوا: فأثبتنا تاريخ الساعة واليوم والشهر، فلما كان بعد سبعة عشر يوما او ثمانية عشر يوما، ورد الخبر؛ انه قبض في تلك الساعة التي ذكرها الشيخ ابو الحسن - قدّس سره-.
رجال الكشي(١٥١): جعفر بن معروف الكشّي، قال: كتب ابو عبد الله البلخي اليّ، يذكر عن الحسين بن روح القمّي؛ ان احمد بن اسحاق كتب إليه يستأذنه في الحج فأذن له وبعث إليه بثوب، فقال احمد بن اسحاق: نعى اليّ نفسي! فانصرف من الحج فمات بحلوان.
وهناك روايات اخرى لم نذكرها(١٥٢).

الفصل الخامس: عن الغيبة الكبرى

السؤال الاول: ان بعض العامة يعتقد ان الامام الحجة (عليه السلام) غاب في السرداب! فهل هذا صحيح، وما هو جوابكم اذا لم يكن كذلك؟
الجواب
ان قضية غيبة الامام في السرداب، هو افتراء على الشيعة، وليس عندنا ذكر للسرداب سوى قضية المعتضد التي اذكرها لك:
١- كتاب الغيبة(١٥٣): وحدث عن رشيق صاحب المادراي، قال: بعث الينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر، فأمرنا؛ ان يركب كلّ واحد منا فرسا ونجنب آخر ونخرج مُخفين لا يكون معنا قليل ولا كثير الا على السرج مصلّى، وقال (لن): الحقوا بسامرة، ووصف لنا محلّة ودارا وقال: اذا اتيتموها تجدون على الباب خادما اسود، فاكبسوا الدار ومن رأيتم فيها فاتوني براسه؟ فوافينا سامرة فوجدنا الامر كما وصفه وفي الدهليز خادم اسود وفي يده تكة ينسجها فسألناه عن الدار ومن فيها؟ فقال: صاحبها، فوالله ما التفت الينا وقل اكتراثه بنا! فكبسنا الدار كما امرنا، فوجدنا دارا سرية ومقابل الدار ستر ما نظرت قط الى انبل منه كان الايدي رفعت عنه في ذلك الوقت، ولم يكن في الدار احد فرفعنا الستر، فاذا بيت كبير كأنّ بحرا فيه ماء، وفي اقصى البيت حصير قد علمنا انه على الماء، وفوقه رجل من احسن الناس هيئة قائم يصلي فلم يلتفت الينا ولا الى شيء من اسبابنا، فسبق احمد بن عبد الله ليتخطى البيت فغرق في الماء ومازال يضطرب حتى مددت يدي إليه فخلصته واخرجته وغشي عليه وبقي ساعة، وعاد صاحبي الثاني الى فعل ذلك الفعل فناله مثل ذلك! وبقيت مبهوتا، فقلت لصاحب البيت: المعذرة الى الله واليك، فوالله ما علمت كيف الخبر ولا الى من اجيء، وانا تائب الى الله، فما التفت الى شيء مما قلنا وما انفتل عما كان فيه، فهالنا ذلك وانصرفنا عنه، وقد كان المعتضد ينتظرنا وقد تقدّم الى الحجّاب؛ اذا وافيناه ان ندخل عليه في اي وقت كان؟ فوافيناه في بعض الليل، فادخلنا عليه فسالنا عن الخبر؟ فحكينا له ما رأينا، فقال: ويحكم لقيكم احد قبلي وجرى منكم الى احد سبب او قول؟ قلنا: لا، فقال: انا نفي من جدّي، وحلف بأشد ايمان له؛ انّه رجل ان بلغه هذا الخبر ليضربنّ اعناقنا، فما جسرنا ان نحدّث به الا بعد موته.
ثم قال استاذنا المفدى؛ الشيخ صافي الگلپايگاني دام ظله معلقا على هذه الرواية:
ثم اعلم؛ ان من مخاريق بعض العامة وافتراءاتهم نسبتهم الى الشيعة اعتقاد؛ ان القائم (عليه السلام) غاب في السرداب وانه بعد غيبته باق فيه ولم يخرج منه الى الآن، ولم يره احد وانه يخرج منه، والشيعة ينتظرون خروجه منه، حتى قال ابن حجر في (الصواعق): (ولقد احسن القائل؛ ما آن للسرداب ان يلد الذي... الخ)!.
اقول: قال الله تعالى؛ (انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله واولئك هم الكاذبون)؛ أيها العلماء أيها القرّاء يا اهل الانصاف، هذه كتب علماء الامامية من عصر الغيبة بل قبلها الى زماننا، بين اظهركم وايديكم فانظروا فيها حتى تقفوا على شدة التعصب والعناد وانظروا فيها حتى تعرفوا قيمة هذه الافتراءات وانظروا فيها حتى تعلموا انه ليس لهذا البهتان اثر في كتاب واحد من اصاغر علماء الشيعة فضلا عن اكابرهم واعيانهم! كالكليني، والصدوق، والنعماني، والمفيد، والشيخ، والسيدين؛ المرتضى والرضي، والعلامة، وغير هم، انظروا فيها حتى تقفوا على الاسباب التي توجب افتراق كلمة هذه الامة والمانع الفذ من تقريبهم وتوحيد كلمتهم، ولعمر الحق ان لمثل هذا البهتان- الذي تقشعر الجلود وتندهش العقول منه- رجال يعدون انفسهم من العلماء ومن اهل التثبت والتحقيق ومن المسلمين ثم يأتون بأكذوبة وبهتان على طائفة عظيمة من المسلمين، فيهم في كل عصر وجيل؛ الوف من العلماء والحكماء والادباء والشعراء والمتكلمين واهل التصنيف والتأليف واكابر كل فن من فنون العلم، ويكتبون في كتبهم التي يقرأها المسلمون واهل العلم والاطلاع، جيلا بعد جيل فيعرفون منها ميزان علمهم ومبلغ هممهم، نعوذ بالله مما تزل به الاقلام والالباب.
نعم؛ لو جعلنا كتب الامامية- قديماً وحديثا- نصب اعيننا؛ لوجدناها مشحونة بروايات واحاديث وحكايات، كلها يكذب هذه المخاريق والمجعولات، وقد ذكرنا طائفة كثيرة من هذه الروايات في هذا الكتاب، قال المحدث النوري - رحمه الله- في طي كلماته في (كشف الاستار): نحن كلما راجعنا وتفحصنا لم نجد لما ذكروه اثرا بل ليس فيها ذكر للسرداب اصلا، سوى قضية المعتضد التي نقلها نور الدين عبدالرحمان الجامي، في (شواهد النبوة)، وهي موجودة في كتبهم بأسانيدهم ولكنهم ساقوا المتن هكذا: عن رشيق صاحب المادراي (ثم ذكر ما نقلناه في المتن عن غيبة الشيخ عن رشيق وقال..) وليس فيه ذكر للسرداب اصلا، الا ان القطب الراوندي ذكر في (الخرائج) هذا الخبر، ثم قال في موضع آخر على ما نقله عنه بعض اصحابنا (وان لم نجده ايضاً فيما عندي من نسخه): (ثم بعثوا عسكرا اكثر فلما دخلوا الدار سمعوا من السرداب قراءة القران فاجتمعوا على بابه وحفظوه حتى لا يصعد ولا يخرج، وأميرهم قائم حتى يصل العسكر كلهم فخرج من السكة التي على باب السرداب ومرّ عليهم، فلما غاب، قال الأمير: انزلوا عليه؟ فقالوا: أليس هو قد مر عليك؟ فقال: ما رأيت! قال: ولم تركتموه؟ قالوا: انا حسبنا انك تراه)، والظاهر ان هذا الخبر؛ هو الوجه في تسمية السرداب؛ بسرداب الغيبة في لسان بعض العلماء في خصوص كتب المزار انتهى ما في (كشف الاستار)، وليس فيما نقل عن الخرائج (وان لم اجده ايضاً في النسخة الموجودة منه عندي)؛ دلالة او اشارة الى ما نسب الى الشيعة، بل دليل على فساد هذه النسبة لتضمنه خروجه من السرداب.
هذا مع؛ ان هذه القصة انما وقعت بعد وقوع الغيبة بسنوات، فان غيبته (عليه السلام) وقعت في سنة (٢٦٠هـ)، والمعتضد ملك الخلافة في رجب سنة (٢٧٩هـ)، وان شئت مزيد توضيح لذلك؛ فعليك بكتاب (كشف الاستار) فانه قد ادّى حق المقام.
 واما ما يشاهد من السنّة الجارية بين الشيعة؛ وهي زيارة مولانا المهدي (عليه السلام) في هذا الموضع الشريف، فليس لاعتقاد انه غاب في السرداب ويجب ان ينتظر خروجه منه، بل لان الموضع المعروف بالسرداب وحرم العسكريين (عليهما السلام) محل دورهم وبيوتهم الشريفة التي اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه ومحل ولادة القائم (عليه السلام) ومحل بروز بعض معجزاته وخوارق عاداته وليس لها خصوصية الا ما ذكر، ولكن هذه الخصوصية تدعو شيعته ومحبيه الى زيارته فيها والاشتغال فيها بتلاوة القران والدعاء لفرجه وتعجيل ظهوره والصلوات عليه وعلى ابيه وجده وامه (عليهم السلام)، وللشيعة في غير هذا الموضع مقامات اخرى يزورونه (عليه السلام) فيها، لما ثبت عندهم من مقامه (عليه السلام) فيها في وقت من الاوقات(١٥٤).
السؤال الثاني: ما هي الغيبة الكبرى ومتى بدأت؟
الجواب
لقد مرّ عليك سابقا في الفصل الثاني بعض الايضاًح عن الغيبة الكبرى، ونحن نذكر هنا ايضاً ملخصا حول الغيبة الكبرى:
لقد مرّ عليك ان للإمام الحجة (عليه السلام) غيبتان، احداهما؛ اطول من الاخرى، وقد انتهت الغيبة الصغرى بموت آخر السفراء اي سنة (٣٢٩ هـ)، وبدأت الغيبة الكبرى حينها، وهي مستمرة الى زماننا هذا فلا ظهور الى ان يأذن الله تعالى، وسيوافيك ان هذه الغيبة؛ كالغيبة الصغرى فيها مصلحة وحكمة الهية وقد مرّ عليك سابقا اشارة الى ذلك.
السؤال الثالث: هل للإمام المهدي (عليه السلام)، سفراء في الغيبة الكبرى كما كان له سفراء في الغيبة الصغرى؟
الجواب
هو ما ذكره مؤلف كتاب؛ (منتخب الاثر) دام ظله:
وبعد انقضاء الغيبة القصرى؛ وقعت الغيبة الطولى، فلا ظهور الى ان يأذن الله تعالى ولا يتفق درك خدمته الا لاوحدي من الناس، وانسدت فيها باب السفارة والنيابة الخاصة وفوض الامر الى الفقهاء العالمين بالأحكام وحملة الآثار والأخبار وعلوم الائمة الطاهرين، فقد روى الصدوق في (كمال الدين)؛ عن محمّد بن محمّد بن عصام عن محمّد بن يعقوب عن اسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري؛ ان يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل شكلت عليّ؟ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): (اما ما سألت عنه ارشدك الله وثبتك....... الى ان قال بعد ذكر اجوبة مسائله: واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيما الى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله عليهم)، ورواه الشيخ في كتاب (الغيبة) عن جماعة عن جعفر بن محمد بن قولويه وابي غالب الزراري وغير هما كلهم عن محمد بن يعقوب، ورواه في (الاحتجاج)؛ عن محمد بن يعقوب عن اسحاق.
 وقال ابو عبدالله (عليه السلام)- في الحديث المشهور الذي رواه الكليني بسنده عن عمر بن حنظلة والشيخ ايضاً بإسناده عنه (كما في الوسائل: ج١٨كتاب القضاء ب١١ من ابواب صفات القاضي ح١)-: (من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا، فليرضوا به حكما؛ فاني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا ردّ، والراد علينا كالراد على الله وهو على حد الشرك بالله).
وروي في (الاحتجاج) عن الامام ابي محمد العسكري في حديث عن ابي عبد لله (عليهما السلام) انه قال: (فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه).
 وروي ايضاً في (الاحتجاج) بسنده عن الامام ابي محمد الحسن عن ابيه علي بن محمد الهادي (عليهم السلام) قال: (لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم (عليه السلام) من العلماء الداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك ابليس ومردته وفخاخ النواصب لما بقي احد الا ارتد عن دين الله ولكنهم الذين يمسكون ازمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها اولئك هم الأفضلون عند الله عزّ وجلّ). وروى الشهيد الثاني في (منية المريد)، عن الامام الهادي (عليه السلام)؛ نحوه.
وتدل على ذلك غير هذه الاحاديث؛ روايات اخرى ذكرها الاصحاب- رضوان الله عليهم- في كتبهم.
تنبيه فيه تأكيد: اعلم انه- كما اشرنا إليه- قد انقضى بانقضاء عصر الغيبة القصرى الصغرى، ووقوع الغيبة التامة الطولى الكبرى، عصر السفارة والوكالة فليس لاحد بعد ذلك ان يدعي السفارة والبابية والنيابة والوكالة الخاصة والوساطة بين الامام وسائر الناس الى ان يظهر الله امر وليه وحجته (عليه السلام) فمن ادعى ما يفيد بعض هذه المعاني يكذب ويرد عليه، وهذا من ضروريات المذهب واتفق عليه الاكابر والاعلام خلفا عن سلف وعليه اجماع الطائفة، ويدل عليه؛ الاخبار الناصة على غيبته الطولى وابتلاء الناس فيها بالتمحيص والابتلاء والامتحان الشديد، ويكفيك في ذلك ما قاله الشيخ الاجلّ الاقدم؛ ابو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه المتوفي سنة (٣٦٨ أو ٣٦٩ هـ) مؤلف كتاب (كامل الزيارات)- رضوان الله تعالى عليه- قال: عندنا ان كل من ادعى الامر بعد السمري رحمه الله فهو كافر منمس ضال مضل(١٥٥).
السؤال الرابع: هل رأى الامام الحجة (عليه السلام)، احدٌ من الناس بعد ما قلتم بانقطاع باب السفارة والنيابة الخاصة؟
الجواب
لقد ذكر مؤلف كتاب منتخب الاثر دام ظله؛ بابا في حالات الامام الحجة (عليه السلام) ومعجزاته في الغيبة الكبرى، وذكر بعض من تشرف بزيارته ونقل الكثير من الاحاديث في ذلك، ونحن نذكر روايات؛ فيمن رآه في الغيبة الكبرى:
الانوار النعمانية(١٥٦): قال (بعد ذكر ورع المقدس الاردبيلي- قدس سره- وعلو رتبته في الزهد والتقوى وبعض كراماته): حدثني اوثق مشايخي علما وعملا: ان لهذا الرجل- وهو المولى الاردبيلي- تلميذا من اهل تفريش اسمه مير علام (فيض الله-خ)، وقد كان بمكان من الفضل والورع (كان فاضلا محدثا جليلا)(١٥٧) قال ذلك التلميذ: انه قد كانت له حجرة في المدرسة المحيطة بالقبة الشريفة فاتفق اني فرغت من مطالعتي، وقد مضى جانب كثير من الليل، فخرجت من الحجرة انظر في حوش الحضرة، وكانت الليلة شديدة الظلام فرأيت رجلا مقبلا على الحضرة الشريفة، فقلت: لعل هذا سارق جاء ليسرق شيئاً من القناديل! فنزلت واتيت الى قربه فرأيته وهو لا يراني فمضى الى الباب ووقف فرأيت القفل قد سقط وفتح له الباب الثاني والثالث على هذا الحال! فاشرف على القبر فسلم واتى من جانب القبر ردّ السلام! فعرفت صوته، فإذا هو يتكلم مع الامام (عليه السلام) في مسألة علمية ثم خرج من البلد متوجها الى مسجد الكوفة، فخرجت خلفه وهو لا يراني، فلما وصل الى محراب المسجد سمعته يتكلم مع رجل آخر بتلك المسألة، فرجع ورجعت خلفه، فلما بلغ الى باب البلد اضاء الصبح فأعلنت نفسي له، وقلت له: يا مولانا كنت معك من الاول الى الآخر! فاعلمني من كان الرجل الاول الذي كلمته في القبة؟ ومن الرجل الآخر الذي كلمك في مسجد الكوفة؟ فاخذ علي المواثيق اني لا اخبر احدا بسره حتى يموت، فقال لي: يا ولدي! ان بعض المسائل تشتبه عليّ فربما خرجت في بعض الليل الى قبر مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وكلمته في المسألة وسمعت الجواب، وفي هذه الليلة احالني على مولانا صاحب الزمان، وقال لي: ان ولدنا المهدي هذه الليلة في مسجد الكوفة فامض إليه وسله عن هذه المسألة؟ وكان ذلك الرجل هو المهدي (عليه السلام).
بحار الانوار(١٥٨): ومنها ما اخبرني به جماعة من اهل الغري - على مشرفه السلام-: ان رجلا من اهل قاشان اتى الى الغري متوجها الى بيت الله الحرام فاعتل علة شديدة حتى يبست رجلاه ولم يقدر على المشي، فخلفه رفقاؤه وتركوه عند رجل من الصلحاء كان يسكن في بعض حجرات المدرسة المحيطة بالروضة المقدسة، وذهبوا الى الحج، فكان هذا الرجل يغلق عليه الباب كل يوم ويذهب الى الصحاري للتنزه ولطلب الدراري التي تؤخذ منها، فقال له في بعض الايام: اني قد ضاق صدري واستوحشت من هذا المكان فاذهب بي اليوم واطرحني في مكان واذهب حيث شئت؟ قال: فأجابني الى ذلك، وحملني وذهب بي الى مقام القائم صلوات الله عليه خارج النجف فأجلسني هناك وغسل قميصه في الحوض وطرحه على شجرة كانت هناك وذهب الى الصحراء، وبقيت وحدي مغموما افكر فيما يؤول إليه امري، فإذا بشاب صبيح الوجه اسمر اللون، دخل الصحن وسلم علي وذهب الى بيت المقام، وصلى عند المحراب ركعات، بخضوع وخشوع لم ار مثله قط، فلما فرغ من الصلاة خرج واتاني وسألني عن حالي؟ فقلت له: ابتليت ببلية ضقت بها، لا يشفيني الله فاسلم منها ولا يذهب بي فاستريح! فقال: لا تحزن سيعطيك الله كليهما! وذهب فلما خرج رأيت القميص وقع على الارض فقمت واخذت القميص وغسلتها وطرحتها على الشجرة! فتفكرت في امري، وقلت: انا كنت لا اقدر على القيام والحركة فكيف صرت هكذا؟ فنظرت الى نفسي فلم اجد شيئاً مما كان بي فعلمت انه كان القائم صلوات الله عليه، فخرجت فنظرت في الصحراء فلم ار احدا، فندمت ندامة شديدة، فلما اتاني صاحب الحجرة: سألني عن حالي وتحير في امري؟ فأخبرته بما جرى، فتحسّر على ما فات منه ومني ومشيت معه الى الحجرة.
قالوا: فكان هكذا سليما حتى اتى الحاج ورفقاؤه فلما رآهم وكان معهم قليلا، مرض ومات ودفن في الصحن فظهر صحة ما اخبره (عليه السلام) من وقوع الامرين معا.
جنة المأوى(١٥٩): الحكاية التاسعة ما حدّثني به العالم العامل والعارف الكامل غواص غمرات الخوف والرجاء وسياح فيافي الزهد والتقى صاحبنا المفيد وصديقنا السديد؛ الآغا علي رضا، ابن العالم الجليل الحاج المولى محمد النائيني - رحمهما الله تعالى - عن العالم البدل الورع التقي صاحب الكرامات والمقامات العاليات، المولى زين العابدين ابن العالم الجليل المولى محمد السلماسي - رحمه الله - تلميذ اية الله السيد السند والعالم المسدد فخر الشيعة وزينة الشريعة العلامة الطباطبائي محمد مهدي المدعو ببحر العلوم - اعلى الله درجته - وكان المولى المزبور من خاصته في السر والعلانية، قال: كنت حاضرا في مجلس السيد في المشهد الغروي، اذ دخل عليه لزيارته المحقق القمي صاحب (القوانين) في السنة التي رجع من العجم الى العراق زائرا لقبور الائمة (عليهم السلام)، وحاجا لبيت الله الحرام، فتفرق من كان في المجلس وحضر للاستفادة منه وكانوا ازيد من مائة، وبقي ثلاثة من اصحابه ارباب الورع والسداد البالغين الى رتبة الاجتهاد فتوجه المحقق الايّد الى جناب السيد، وقال: انكم فزتم وحزتم مرتبة الولادة الروحانية والجسمانية وقرب المكان الظاهري والباطني، فتصدقوا علينا بذكر مائدة من موائد تلك الخوان وثمرة من الثمار التي جنيتم من هذه الجنان، كي تنشرح به الصدور وتطمئن به القلوب؟ فأجاب السيد من غير تامل، وقال: اني كنت في الليلة الماضية قبل ليلتين او اقل - الترديد من الراوي - في المسجد الاعظم بالكوفة لأداء نافلة الليل عازما على الرجوع الى النجف في اول الصبح لئلا يتعطل امر البحث والمذاكرة - وهكذا كان دابه في سنين عديدة - فلما خرجت من المسجد، القي في روعي، الشوق الى مسجد السهلة، فصرفت خيالي عنه خوفا من عدم الوصول الى البلد قبل الصبح، فيفوت البحث في اليوم ولكن كان الشوق يزيد في كل آن ويميل القلب الى ذلك المكان، فبينا اقدم رجلا وأوخر اخرى، اذا بريح فيها غبار كثير فهاجت بي وامالتني عن الطريق فكأنها التوفيق الذي هو خير رفيق، الى ان القتني الى باب المسجد، فدخلت فاذا به خاليا عن العباد والزوار الا شخصا جليلا مشغولا بالمناجاة مع الجبار بكلمات ترق القلوب القاسية وتسح الدموع من العيون الجامدة، فطار بالي وتغير حالي ورجفت ركبتي وهملت دمعتي من استماع تلك الكلمات التي لم تسمعها اذني ولم ترها عيني مما وصلت إليه من الادعية المأثورة وعرفت ان الناجي ينشئها في الحال لا انه ينشد ما اودعه في البال فوقفت في مكاني مستمعا متلذذا الى ان فرغ من مناجاته فالتفت اليّ وصاح بلسان العجم: (مهدي بيا) اي: هلم يا مهدي؟ فتقدمت إليه بخطوات فوقفت، فامرني بالتقدم؟ فمشيت قليلا، ثم وقفت، فامرني بالتقدم؟ وقال: ان الادب في الامتثال؟! فتقدمت إليه بحيث تصل يدي إليه ويده الشريفة اليّ وتكلم بكلمة! قال المولى السلماسي- رحمه الله -: ولما بلغ كلام السيد السند الى هنا اضرب عنه صفحا وطوى عنه كشحا، وشرح في الجواب؛ عما سأله المحقق المذكور قبل ذلك عن سر قلة تصانيفه مع طول باعه في العلوم؟ فذكر له؛ وجوها، فعاد المحقق القمي؛ فسال عن هذا الكلام الخفي؟ فأشار بيده شبه المنكر بان هذا سر لا يذكر!.
الخرائج والجرائح(١٦٠): ومنها ما روي عن ابي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه؛ قال: لما وصلت بغداد سنة تسع (سبع –خ) وثلاثين (وثلاثمائة) اردت الحج وهي السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر الى مكانه من البيت، كان اكبر همي الظفر بمن ينصب الحجر، لأنه يمضي في اثناء الكتب قصّة اخذه، وانه ينصبه في مكانه الحجة في الزمان، كما في زمان الحجاج؛ وضعه زين العابدين (عليه السلام) في مكانه فاستقر، فاعتللت علة صعبة خفت منها على نفسي، ولم يتهيأ لي ما قصدت له فاستنبت المعروف؛ بابن هشام واعطيته رقعة مختومة اسال فيها عن مدة عمري وهل تكون المنية في هذه العلة ام لا؟ وقلت: همي ايصال هذه الرقعة الى واضع الحجر في مكانه واخذ جوابه واني اندبك لهذا؟ فقال: المعروف؛ بابن هشام: لما حصلت بمكة وعُزم على اعادة الحجر بذلت لسدنة البيت جملة تمكنت معها من الكون بحيث ارى واضع الحجر في مكانه، واقمت معي منهم من يمنع عني ازدحام الناس فكلما عمد انسان لوضعه اضطرب ولم يستقيم! فاقبل غلام اسمر اللون حسن الوجه، فتناوله ووضعه في مكانه فاستقام، كانه لم يزل عنه، وعلت لذلك الاصوات، وانصرف خارجا من الباب، فنهضت من مكاني اتبعه وادفع الناس عني يمينا وشمالا حتى ظن بي الاختلاط في العقل والناس يفرجون لي وعيني لا تفارقه حتى انقطع عن الناس فكنت اسرع السير خلفه وهو يمشي على تؤدة، ولا ادركه! فلما حصل بحيث لا احد يراه غيري وقف والتفت اليّ فقال: هات ما معك؟ فناولته الرقعة، فقال من غير ان ينظر فيها: قل له؛ لا خوف عليك في هذه العلة ويكون ما لابد منه بعد ثلاثين سنة، قال: فوقع عليّ الزمع حتى لم اطق حراكا وتركني وانصرف.
قال ابو القاسم: فاعلمني بهذه الجملة، فلما كانت سنة تسع وستين اعتّل ابو القاسم، فاخذ ينظر في امره وتحصيل جهازه الى قبره، وكتب وصيته واستعمل الجد في ذلك، فقيل له: ما هذا الخوف ونرجو ان يتفضل الله تعالى بالسلامة! فما عليك مخافة؟ فقال: هذه السنة التي خوّفت فيها، فمات في علته.
مهج الدعوات(١٦١): قال: وكنت انا بسرّ من رأى، فسمعت سحرا دعاءه (عليه السلام) فحفظت منه (عليه السلام) من الدعاء لمن ذكره من الاحياء والاموات: وابقهم- اوقال: واحيهم- في عزنّا ملكنا وسلطاننا ودولتنا. وكان ذلك في ليلة الاربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
ويوجد ١٣ حديثا فيمن رآه (عليه السلام) في الغيبة الكبرى(١٦٢).
ونضيف الى ذلك؛ عبارة المصنف دام ظله:
واعلم؛ ان ما ذكرناه في هذا الفصل ليس الا قليلا من الحكايات والآثار المذكورة في الكتب المعتبرة، والاكتفاء به لعدم اتساع هذا الكتاب لا زيد منه، مضافا الى ان هذه الآثار والحكايات بلغت من الكثرة حدا يمتنع احصاؤها، وقد ملأ العلماء كتبهم عنها، فراجع (البحار) و(النجم الثاقب) و(جنّة المأوى) و(دار السلام) المشتمل على ذكر من فاز بسلام الامام و(العبقريّ الحسان) وغيرها حتى تعرف مبلغا من كثرتها، ومن تصفح الكتب المدوّنة فيها هذه الحكايات التي لا ريب في صحة كثير منها لقوة اسنادها وكون ناقليها من الخواصّ والرجال المعروفين بالصداقة والامانة والعلم والتقوى، يحصل له؛ العلم القطعيّ الضروري بوجوده (عليه السلام) ونسأل الله ان يوفقنا لأفراد كتاب كبير في ذلك انه خير موفق ومعين(١٦٣).
السؤال الخامس: ما اثبتموه؛ هو ان جماعة كثيرة رأت الامام الحجة (عليه السلام) في غيبته الكبرى، فهل كان له معجزات ايضاً في الغيبة الكبرى، كما كان له (عليه السلام) في غيبته الصغرى؟
الجواب
لقد نقل الكثير من معجزاته (عليه السلام)، ونحن نشير الى خمس منها:
١- كشف الغمة(١٦٤): انما اذكر من ذلك قصّتين، قرب عهدهما من زماني وحدثني بهما جماعة من ثقات اخواني:
كان في البلاد الحليّة، شخص يقال له؛ اسماعيل بن الحسن الهرقلي، من قرية يقال لها؛ هرقل، مات في زماني وما رأيته حكى لي ولده شمس الدين، قال: حكى لي والدي: انه خرج فيه - وهو شابّ- على فخذه الايسر توثة مقدار قبضة الانسان وكانت في كل ربيع تشقق ويخرج منها دم وقيح ويقطعه المها عن كثير من اشغاله، وكان مقيماً بهرقل، فحضر الحلة يوما ودخل الى مجلس السعيد رضي الدين علي بن طاووس- رحمه الله- وشكا إليه ما يجده منها وقال أريد ان اداويها؟ فاحضر له اطباء الحلة واراهم الموضع، فقالوا: هذه التوثة فوق العرق الاكحل وعلاجها خطر ومتى قطعت خيف ان ينقطع العرق فيموت! فقال له السعيد رضي الدين - قدس روحه -: انا متوجه الى بغداد وربما كان اطباؤها اعرف واحذق من هؤلاء، فاصحبني؟ فاصعد معه واحضر الاطباء، فقالوا؛ كما قال اولئك، فضاق صدره، فقال له السعيد: ان الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب وعليك الاجتهاد في الاحتراس ولا تغرّر بنفسك فالله تعالى قد نهى عن ذلك ورسوله، فقال له والدي: اذا كان الامر على ذلك وقد وصلت الى بغداد فأتوجه الى زيارة المشهد الشريف بسر من رأى على مشرفه السلام ثم انحدر الى اهلي، فحسّن له ذلك، فترك ثيابه ونفقته عند السعيد رضي الدين وتوجه، قال: فلما دخلت المشهد وزرت الائمة (عليهم السلام) نزلت السرداب واستغثت بالله تعالى وبالإمام (عليه السلام) وقضيت بعض الليل في السرداب وبت في المشهد الى الخميس، ثم مضيت الى دجلة واغتسلت ولبست ثوبا نظيفا وملات ابريقا كان معي وصعدت أريد المشهد، فرأيت اربعة فرسان خارجين من باب السور وكان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون اغنامهم فحسبتهم منهم، فالتقينا فرأيت شابين احدهما عبد مخطوط، وكل واحد منهم متقلد بسيف وشيخا منقبا، بيده رمح، والآخر متقلد بسيف وعليه فرجيّة ملوّنة فوق السيف وهو متحنك بعذبته، فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق ووضع كعب الرمح في الارض، ووقف الشابان عن يسار الطريق، وبقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي، ثم سلموا عليه؟ فرد عليهم السلام، فقال له صاحب الفرجية: انت غدا تروح الى اهلك؟! فقال: نعم، فقال له: تقدم حتى ابصر ما يوجعك؟ قال: فكرهت ملامستهم وقلت في نفسي اهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة وانا قد خرجت من الماء وقميصي مبلول، ثم اني بعد ذلك تقدمت إليه فلزمني بيده ومدّني إليه وجعل يلمس جانبي من كتفي الى ان اصابت يده التوثة فعصرها بيده فأوجعني، ثم استوى في سرجه كما كان، فقال لي الشيخ: افلحت يا اسماعيل! فعجبت من معرفته باسمي، فقلت: افلحنا وافلحتم ان شاء الله، قال: فقال لي الشيخ: هذا هو الامام! قال: فتقدمت إليه فاحتضنته وقبلت فخذه.
ثم انه ساق وانا امشي معه محتضنه، فقال: ارجع؟ فقلت: لا افارقك ابدا! فقال: المصلحة رجوعك، فأعدت عليه؛ مثل القول الاول، فقال الشيخ: يا اسماعيل! ما تستحيي؟ يقول لك الامام مرتين؛ ارجع وتخالفه؟! فجبهني بهذا القول، فوقفت، فتقدم خطوات والتفت اليّ، وقال: اذا وصلت بغداد فلابد ان يطلبك ابو جعفر- يعني الخليفة المستنصر - فاذا حضرت عنده واعطاك شيئاً فلا تأخذه، وقل لولدنا الرضي؛ ليكتب لك الى علي بن عوض، فإنني اوصيه يعطيك الذي تريد، ثم سار واصحابه معه فلم ازل قائما ابصرهم الى ان غابوا عني وحصل عندي اسف لمفارقته، فقعدت الى الارض ساعة ثم مشيت الى المشهد فاجتمع القوّام حولي، وقالوا نرى وجهك متغيرا اوجعك شيء؟ قلت: لا، قالوا: اخاصمك احد؟ قلت: لا، ليس عندي مما تقولون خبر، لكن اسالكم هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم؟ فقالوا: هم من الشرفاء ارباب الغنم؟! فقلت: لا، بل هو الامام (عليه السلام)!، فقالوا: الامام هو الشيخ او صاحب الفرجية؟ فقلت: هو صاحب الفرجية، فقالوا: اريته المرض الذي فيك؟ فقلت: هو قبضه بيده واوجعني! ثم كشفت رجلي فلم ار لذلك المرض اثرا، فتداخلني الشك من الدهش فأخرجت رجلي الاخرى فلم ار شيئاً، فانطبق الناس عليّ ومزقوا قميصي فادخلني القوام خزانة ومنعوا الناس عني، وكان ناظر بين النهرين، بالمشهد فسمع الضجة، وسال عن الخبر؟ فعرّفوه، فجاء الى الخزانة، وسألني عن اسمي وسألني منذ كم خرجت من بغداد؟ فعرّفته؛ اني خرجت في اول الاسبوع، فمشى عني، وبت في المشهد وصليت الصبح وخرجت، وخرج الناس معي الى ان بعدت عن المشهد، ورجعوا عني، ووصلت الى اوانا، فبت بها، وبكرت منها أريد بغداد، فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسالون من ورد عليهم عن اسمه ونسبه وأين كان؟ فسألوني؛ عن اسمي ومن أين جئت؟ فعرّفتهم، فاجتمعوا عليّ ومزقوا ثيابي، ولم يبق لي في روحي حكم، وكان ناظر بين النهرين كتب الى بغداد وعرّفهم الحال ثم حملوني الى بغداد وازدحم الناس عليّ وكادوا يقتلونني من كثرة الزحام وكان الوزير القمي - رحمه الله تعالى- قد طلب السعيد رضي الدين- رحمه الله- وتقدّم ان يعرفه صحة هذا الخبر؟
قال: فخرج رضي الدين ومعه جماعة فوافينا باب النوبي، فرد اصحابه الناس عني، فلما رآني، قال: اعنك يقولون؟ قلت: نعم، فنزل عن دابته وكشف عن فخدي فلم ير شيئاً، فغشي عليه ساعة! واخذ بيدي وادخلني على الوزير وهو يبكي! ويقول: يا مولانا هذا اخي واقرب الناس الى قلبي! فسألني الوزير؛ عن القصة؟ فحكيت له؛ فاحضر الاطباء الذين اشرفوا عليها وامرهم بمداواتها؟ فقالوا: ما دواءها الا القطع بالحديد ومتى قطعها مات، فقال لهم الوزير: فبتقدير ان تقطع ولا يموت في كم تبرا؟ فقالوا: في شهرين وتبقى في مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر، فسالهم الوزير: متى رأيتموه؟ قالوا: منذ عشرة ايام، فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الالم، وهي مثل اختها، ليس فيها اثر اصلا! فصاح احد الحكماء: هذا عمل المسيح! فقال الوزير: حيث لم يكن عملكم، فنحن نعرف من عملها.
ثم انه احضر عند الخليفة المستنصر، فساله عن القصة؟ فعرفه بها، كما جرى، فتقدم له بألف دينار، فلما حضرت، قال: خذ هذه فانفقها؟ فقال: ما اجسر آخذ منه حبة واحدة! فقال الخليفة: ممن تخاف؟ فقال: من الذي فعل معي هذا؛ قال: لا تأخذ من ابي جعفر شيئاً، فبكى الخليفة وتكدر وخرج من عنده ولم يأخذ شيئاً.
قال افقر عباد الله تعالى الى رحمته؛ علي بن عيسى-عفا الله عنه-: كنت في بعض الايام احكي هذه القصة لجماعة عندي وكان هذا شمس الدين محمد ولده عندي وانا لا اعرفه فلما انقضت الحكاية، قال: انا ولده لصلبه! فعجبت من هذا الاتفاق، وقلت: هل رأيت فخذه وهي مريضة؟ فقال: لا لأني اصبو عن ذلك، ولكني رأيتها بعد ما صلحت، ولا اثر فيها وقد نبت في موضعها شعر، وسالت صفي الدين محمد بن محمد بن بشر العلوي الموسوي ونجم الدين حيدر بن الايسر - رحمهما الله تعالى - وكانا من اعيان الناس وسراتهم وذوي الهيئات منهم، وكانا صديقين لي وعزيزين عندي؟ فأخبراني بصحة هذه القصة، وانهما رأياها في حال مرضها وحال صحتها، وحكى لي ولده هذا: انه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقه (عليه السلام) حتى انه جاء الى بغداد واقام بها في فصل الشتاء وكان كل ايامه يزور سامراء ويعود الى بغداد فزارها في تلك السنة اربعين مرة طمعا ان يعود له الوقت الذي مضى، او يقضي له الحظ بما قضى، ومن الذي اعطاه دهره الرضا، او ساعده بمطالبه صرف القضاء، فمات- رحمه الله- بحسرته، وانتقل الى الاخرة بغصته، والله يتولاه وايانا برحمته بمنه وكرامته.
وحكى لي السيد باقي بن عطوة العلوي الحسيني: ان اباه عطوة كان به ادرة وكان زيدي المذهب وكان ينكر على بنيه الميل الى مذهب الامامية، ويقول: لا اصدقكم ولا اقول بمذهبكم، حتى يجيء صاحبكم- يعني المهدي- فيبرأني من هذا المرض! وتكرر هذا القول منه، فبينا نحن مجتمعون عند وقت عشاء الآخرة، اذا ابونا يصيح ويستغيث بنا!؟ فأتيناه سراعا، فقال: الحقوا صاحبكم، فالساعة خرج من عندي؟ فخرجنا، فلم نر احدا، فعدنا إليه وسألناه؟ فقال: انه دخل اليّ شخص، وقال: يا عطوة!؟ فقلت: من انت؟ فقال: انا صاحب بنيك، قد جئت لا برئك مما بك! ثم مد يده فعصر قروتي ومشى! ومددت يدي فلم ار لها اثرا، قال لي ولده: وبقي مثل الغزال ليس به قَلبة، واشتهرت هذه القصة، وسالت عنها غير ابنه؟ فاخبر عنها فاقر بها.
والاخبار عنه (عليه السلام) في هذا الباب كثيرة، وانه رآه جماعة قد انقطعوا في طرق الحجاز وغيرها فخلصهم واوصلهم الى حيث ارادوا، ولولا التطويل لذكرت منها جملة، ولكن هذا القدر الذي قرب عهده من زماني كاف.
تنبيه الخواطر(١٦٥): حدثني السيد الاجل الشريف ابو الحسن علي بن ابراهيم العريضي العلوي الحسيني، قال؛ حدثني علي بن نما، قال؛ حدثني ابو محمد الحسن بن علي بن حمزة الاقساني، في دار الشريف علي بن جعفر بن علي المدايني العلوي، قال: كان بالكوفة شيخ قصّار، وكان موسوما بالزهد، منخرطا في سلك السياحة، متبتلا للعبادة مقتفيا للآثار الصالحة، فاتفق يوما انني كنت بمجلس والدي وكان هذا الشيخ يحدثه وهو مقبل عليه، قال: كنت ذات ليلة بمسجد جعفي، وهو مسجد قديم، وقد انتصف الليل وانا بمفردي فيه للخلوة والعبادة، فاذا اقبل عليّ ثلاثة اشخاص فدخلوا المسجد فلما توسطوا صرحته جلس احدهم ثم مسح الارض بيده يمنة ويسرة فحصحص الماء ونبع! فاسبغ الوضوء منه، ثم اشار الى الشخصين الاخرين باسباغ الوضوء؟ فتوضئا؛ ثم تقدم فصلى بهما اماما، فصليت معهم مؤتما به فلما سلم وقضى صلاته بهرني حاله واستعظمت فعله من انباع الماء! فسالت الشخص الذي كان منهما الى يميني: عن الرجل، فقلت له من هذا؟ فقال لي: هذا صاحب الامر ولد الحسن (عليه السلام)! فدنوت منه وقبلت يديه، وقلت له: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ما تقول؛ في الشريف عمر بن حمزة هل هو على الحق؟ فقال: لا وربما اهتدى الا انه ما يموت حتى يراني! فاستطرفنا هذا الحديث فمضت برهة طويلة، فتوفي الشريف عمر ولم يشع انه لقيه، فلما اجتمعت بالشيخ الزاهد ابن نادية؛ اذكرته بالحكاية التي كان ذكرها، وقلت له مثل الراد عليه: اليس كنت ذكرت ان هذا الشريف عمر لا يموت حتى يرى صاحب الامر الذي اشرت إليه؟! فقال لي: ومن أين لك انه لم يره؟ ثم انني اجتمعت فيما بعد بالشريف ابي المناقب ولد الشريف عمر بن حمزة وتفاوضنا احاديث والده، فقال: انا كنا ذات ليلة في آخر الليل عند والدي وهو في مرضه الذي مات فيه، وقد سقطت قوته وخفت صوته والابواب مغلقة علينا، اذ دخل علينا شخص هبناه واستطرفنا دخوله وذهلنا عن سؤاله! فجلس الى جنب والدي وجعل؛ يحدثه مليا، ووالدي؛ يبكي، ثم نهض، فلما غاب عن اعيننا تحامل والدي وقال اجلسوني؟ فأجلسناه، وفتح عينيه، وقال: أين الشخص الذي كان عندي؟ فقلنا: خرج من حيث اتى، فقال: اطلبوه؟ فذهبنا في اثره، فوجدنا الابواب مغلقة! ولم نجد له اثرا، فعدنا إليه، فأخبرناه بحاله، وانا لم نجده، ثم انا سألناه عنه؟ فقال: هذا صاحب الامر، ثم عاد الى ثقله في المرض واغمي عليه، تم الحديث.
السلطان المفرج عن اهل الايمان(١٦٦): ومن ذلك؛ بتاريخ صفر لسنة سبعمائة وتسع وخمسين، حكى لي المولى الاجل الامجد العالم الفاضل القدوة الكامل المحقق المدقق مجمع الفضائل ومرجع الافاضل افتخار العلماء في العالمين كمال الملة والدين عبد الرحمان بن العمّاني، وكتب بخطه الكريم عندي ما صورته:
قال؛ العبد الفقير الى رحمه الله تعالى عبد الرحمان ابراهيم القبائقي: اني كنت اسمع في الحلة السيفية - حماها الله تعالى-؛ ان المولى الكبير المعظم جمال الدين ابن الشيخ الاجل الاوحد الفقيه القارئ نجم الدين جعفر بن الزهدري، كان به فالج فعالجته جدته لأبيه بعد موت ابيه بكل علاج للفالج، فلم يبرا فأشار عليها بعض الاطباء ببغداد فأحضرتهم فعالجوه زمانا طويلا فلم يبرا وقيل لها: الا تبيتينه تحت القبة الشريفة بالحلة المعروفة بمقام صاحب الزمان (عليه السلام) لعل الله تعالى يعافيه ويبرئه؟ ففعلت وبيتته تحتها، وان صاحب الزمان (عليه السلام) اقامه وازال عنه الفالج.
 ثم بعد ذلك حصل بيني وبينه صحبة حتى كنا لم نكد نفترق، وكان له دار المعشرة يجتمع فيها وجوه اهل الحلة وشبابهم واولاد الاماثل منهم فاستحكيته عن الحكاية؟ فقال لي: اني كنت مفلوجا وعجز الاطباء وحكى لي ما كنت اسمعه مستفاضا في الحلة من قضيته وان الحجة صاحب الزمان (عليه السلام) قال لي وقد اباتتني جدتي تحت القبة: قم؟ فقلت: يا سيدي؛ لا اقدر على القيام منذ سنتي! فقال: قم بإذن الله تعالى؟ واعانني على القيام، فقمت، وزال عني الفالج، وانطبق عليّ الناس حتى كادوا يقتلونني واخذوا ما كان عليّ من الثياب تقطيعا وتنتيفا يتبركون فيها وكساني الناس من ثيابهم، ورحت الى البيت وليس بي اثر الفالج وبعثت الى الناس ثيابهم، وكنت اسمعه يحكي ذلك للناس ولمن يستحكيه مرار حتى مات رحمه الله.
قبس المصباح(١٦٧): اخبرنا الشيخ الصدوق ابو الحسن احمد بن علي بن احمد النجاشي الصيرفي المعروف بابن الكوفي ببغداد، في اخر شهر ربيع الاول سنة اثنين واربعين واربعمائة، وكان شيخا بهيا ثقة صدوق اللسان عند الموافق والمخالف - رضي الله عنه وارضاه- قال؛ اخبرني الحسن بن محمد بن جعفر التميمي، قراءة عليه، قال؛ حكى لي ابو الوفاء الشيرازي، وكان صديقا: انه قبض عليّ ابو علي الياس صاحب كرمان، فقيّدني، وكان الموكلون بي يقولون انه قد هم فيك بمكروه، فقلقت من ذلك، وجعلت اناجي الله تعالى بالنبي والائمة (عليهم السلام)، ولما كانت ليلة الجمعة فرغت من صلواتي ونمت، فرأيت النبي (صلى الله عليه وآله)، في نومي، وهو يقول: لا تتوسل بي ولا بابنتي ولا ابني لشيء من اغراض الدنيا الا لما تبتغيه من طاعة الله ورضوانه؟ فأما ابو الحسن اخي فانه ينتقم لك ممن ظلمك! قال: فقلت؛ يا رسول الله كيف ينتقم ممن ظلمني وقد لبب في حبل فلم ينتقم! وغصب على حقه فلم يتكلم؟ قال؛ فنظر اليّ (عليه السلام) كالمتعجب، وقال: ذلك عهد عهدته إليه وامر امرته به، فلما يجز له الا القيام به، وقد ادى الحق فيه الا ان الويل لمن تعرض لولي الله، واما علي بن الحسين فللنجاة من السلاطين ونفث الشياطين، واما محمد بن علي وجعفر بن محمد (عليهما السلام)؛ فللآخرة، وما تبتغيه من طاعة الله عزّ وجلّ، واما موسى بن جعفر (عليهما السلام)؛ فالتمس به العافية من الله عزّ وجلّ، واما علي بن موسى (عليهما السلام)؛ فاطلب به السلام في البراري والبحار، واما محمد بن علي؛ فاستنزل به الرزق من الله تعالى، واما علي بن محمد (عليهما السلام)؛ فللنوافل وبر الاخوان وما تبتغيه من طاعة الله تعالى، واما الحسن بن علي (عليهما السلام)؛ فللآخرة، واما صاحب الزمان؛ فاذا بلغ منك السيف، ووضع يده على حلقه، فاستعن به فانه يعينك؟ فناديت في نومي: يا صاحب الزمان ادركني فقد بلغ مجهودي!؟ قال ابو الوفاء: انتبهت من نومي والموكلون يأخذون قيودي.
كشف الاستار(١٦٨): قد ظهر في هذه الايام كرامة باهرة من المهدي (عليه السلام) في متعلقات اجزاء الدولة العلية العثمانية المقيمين في المشهد الشريف الغروي وصارت في الظهور والشيوع كالشمس في رابعة النهار ونحن نتبرك بذكرها بالسند الصحيح العالي؛ حدث جناب الفاضل الرشيد السيد محمد سعيد افندي الخطيب فيما كتبه بخطه: كرامة لآل الرسول عليه وعليهم الصلاة والسلام، ينبغي بيانها لإخواننا اهل الاسلام، وهي؛ ان امرأة اسمها ملكة بنت عبد الرحمان زوجة ملا امين المعاون لنا في المكتب الحميدي الكائن في النجف الاشرف، ففي الليلة الثانية من شهر ربيع الاول من هذه السنة- اي سنة (١٣١٧هـ) - ليلة الثلاثاء، صار معها صداع شديد، فلما اصبح الصباح، فقدت ضياء عينيها فلم تر شيئاً قط، فاخبروني بذلك، فقلت لزوجها المذكور: اذهب بها ليلا الى روضة حضرة المرتضى- عليه من الله تعالى الرضا- لتستشفع به وتجعله واسطة بينها وبين الله، لعل الله سبحانه وتعالى ان يشفيها؟ فلم تذهب في تلك الليلة يعني ليلة الاربعاء لانزعاجها مما هي فيه، فنامت بعض تلك الليلة فرأت في منامها؛ ان زوجها المذكور وامرأة اسمها زينب كأنهما مضيا معها لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) فكأنهم رأوا في طريقهم مسجدا عظيما مشحونا من الجماعة فدخلوا فيه لينظروه فسمعت المصابة رجلا يقول من بين الجماعة: لا تخافي ايتها المرأة التي فقدت عينيها! ان شاء الله تشفيان، فقالت: من انت بارك الله فيك؟ فأجابها: انا المهدي! فاستيقظت فرحانة فلما صار الصباح يعني يوم الاربعاء ذهبت ومعها نساء كثيرات الى مقام سيدنا المهدي خارج البلد فدخلت وحدها واخذت بالبكاء والعويل والتضرع فغشي عليها من ذلك فرأت في غشيتها رجلين جليلين الاكبر منهما متقدم والآخر شاب خلفه فخاطبها الاكبر؛ بان لا تخافي! فقالت: له من انت؟ قال: انا علي بن ابي طالب، وهذا الذي خلفي ولدي المهدي- رضي الله تعالى عنهما- ثم امر الاكبر- المشار إليه- امرأة هناك، وقال قومي يا خديجة وامسحي على عيني هذه المسكينة؟ فجاءت ومسحت عليهما، فانتبهت وانا ارى وانظر احسن من الاول! والنساء يهلهلن فوق رأسي، فجاءت النساء بها بالصلوات والفرح وذهبن بها الى زيارة حضرة المرتضى- كرم الله تعالى وجهه- وعيناها الآن لله الحمد احسن من الاول.
وما ذكرناه لمن اشرنا إليهما قليل، اذ يقع اكبر منه لخدامّهما من الصالحين، بإذن المولى الجليل، فكيف بأعيان آل سيد المرسلين- عليه وعليهم الصلاة والسلام الى يوم الدين- اماتنا الله على حبهم آمين آمين.
هذا ما اطلع عليه الحقير الخطيب والمدرس في النجف الاشرف السيد محمد سعيد، انتهى.
وفي معجزاته في الغيبة الكبرى يوجد ١٥ حديثا(١٦٩).
ثم نذكر هذه الفائدة العلمية لمؤلف كتاب؛ (منتخب الاثر) دام ظله الشريف:
اقول: قد ذكر في (البحار) حكايات كثيرة جدا في ذلك والمحدث الجليل الشيخ الحر في (اثبات الهداة) ج٧،وهكذا ذكر؛ المحدث النوري في (دار السلام) و(جنة المأوى) و(النجم الثاقب)، والفاضل الميثمي العراقي في (دار السلام)، وغير هم من المحدثين والعلماء: معجزات كثيرة تتجاوز عن حد التواتر قطعا، واسناد كثير منها في غاية الصحة والمتانة رواها الزهاد والاتقياء من العلماء، هذا مع ما نرى في كل يوم وليلة من بركات وجوده وثمرات التوسل والاستشفاع به مما جربناه مرارا، جعلنا الله تعالى من انصاره وشيعته والمجاهدين بين يديه بحق محمد وآله الطاهرين، صلوات الله عليهم اجمعين(١٧٠).
السؤال السادس: بما ان البحث قد انجر الى معاجزه، (عليه السلام) فهل يمكن ان تذكروا لنا ما هي اكبر معجزاته (عليه السلام)؟
الجواب
من اكبر معجزاته (عليه السلام)؛ قد يكون طول عمره الشريف وقد ذكرنا شيئاً عنه فيما سبق، ولكن نذكر هنا بعضا من معاجزه الكبرى والتي ستحصل عند ظهوره الشريف، وهي:
ان الله تعالى سيظهر على يده معجزات الانبياء لإتمام الحجة على الاعداء، وان معه مواريث الانبياء وراية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي هذا المعنى يوجد ١٥ حديثا(١٧١).
ونحن نشير الى بعض من تلك المعجزات:
غيبة النعماني(١٧٢): قال ابو جعفر محمد بن علي (عليهما السلام): اذا ظهر القائم (عليه السلام) ظهر براية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وخاتم سليمان وحجر موسى وعصاه، ثم يأمر منادي الا لا يحملن رجل منكم طعاما ولا شرابا ولا علفا!؟ فيقول اصحابه: انه يريد ان يقتلنا ويقتل دوابنا من الجوع والعطش! فيسير ويسيرون معه، فاول منزل ينزله؛ يضرب الحجر فينبع منه طعام وشراب وعلف فيأكلون ويشربون ودوابهم حتى ينزلوا النجف بظهر الكوفة.
الكافي(١٧٣): عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: كانت عصا موسى لأدم (عليه السلام) فصارت الى شعيب ثم صارت الى موسى بن عمران، وانها لعندنا، وان عهدي بها آنفا، وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرتها، وانها لتنطق اذا استنطقت، اعدت لقائمنا (عليه السلام) يصنع بها ما كان يصنع موسى، وانها لتروّع وتلقف ما يأفكون وتصنع ما تؤمر به، انها حيث اقبلت تلقف ما يأفكون يفتح لها شعبتان احداهما في الارض والاخرى في السقف وبينهما اربعون ذراعا تلقف ما يأفكون بلسانها.
كمال الدين(١٧٤): عن الريان بن الصلت، قال؛ قلت للرضا (عليه السلام): انت صاحب هذا الامر؟ فقال: انا صاحب هذا الامر، ولكني لست بالذي املاها عدلا كما ملئت جورا! وكيف اكون ذلك؛ على ما ترى من ضعف بدني، وان القائم هو الذي اذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشبان، قويا في بدنه حتى لو مد يده الى اعظم شجرة على وجه الاض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى وخاتم سليمان (عليهما السلام) ذاك الرابع من ولدي، يغيبه الله في ستره ما شاء ثم يظهر ه فيملا (به) الارض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما(١٧٥).
كتاب الغيبة(١٧٦): قال؛ ابو عبدالله جعفر بن محمد (عليهما السلام): ما من معجزة من معجزات الانبياء والاوصياء الا يظهر الله تبارك وتعالى مثلها على يد قائمنا لإتمام الحجة على الاعداء.
كامل الزيارات(١٧٧): عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: كأني بالقائم على نجف الكوفة، وقد لبس درع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فينتفض هو بها فتستدير عليه فيغشاها بحداجة من استبرق، ويركب فرسا ادهم بين عينه شمراخ فينتفض به انتفاضة، لا يبقى اهل بلد الا وهم يرون انه معهم في بلادهم، فينشر راية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عمودها من عمود العرش وسائرها من نصرالله، لا يهوي بها الى شيء ابدا الا هتكه الله، فاذا هزها لم يبق مؤمن الا صار قلبه كزبر الحديد، ويعطى المؤمن قوة اربعين رجلا ولا يبقى مؤمن الا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره، وذلك حين يتزاورون في قبورهم ويتباشرون بقيام القائم فينحط عليه ثلاثة عشر الف ملك وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكا، قلت: كل هؤلاء الملائكة؟! قال: نعم، الذين كانوا مع نوح في السفينة، والذين كانوا مع ابراهيم حين القي في النار، والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر لبني اسرائيل، والذين كانوا مع عيسى حين رفعه الله إليه، واربعة آلاف ملك مع النبي (صلى الله عليه وآله)، مسوّمين والف مردفين وثلاثمائة وثلاثة عشر ملائكة بدريّين، واربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين (عليه السلام) فلم يؤذن لهم في القتال فهم عند قبره شعث غبر يبكونه الى يوم القيامة ورئيسهم ملك يقال له منصور، فلا يزوره زائر الا استقبلوه، ولا يودعه مودع الا شيعوه، ولا يمرض الا عادوه، ولا يموت ميت الا صلوا على جنازته واستغفروا له بعد موته، وكل هؤلاء في الارض ينتظرون قيام القائم الى وقت خروجه، عليه صلوات الله والسلام(١٧٨).
لقد تم الكتاب؛ بحولة وقوته، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله المعصومين، لا سيّما؛ امام العصر، وناموس الدهر، قطب دائرة الامكان، امام ومولى الانس والجان، مالك الارض والزمان، ومن بيده رقاب العالمين؛ الحجة بن الحسن العسكري، صلوات الله عليه وعلى آبائه المعصومين الى قيام يوم الدين.


 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) اقتبسنا المقدمة من كتابه منتخب الاثر في الامام الثاني عشر ج ٢ ص ٨-١٧.
(٢) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٥-١٧ تجد المقدمة كاملة.
(٣) منتخب من حاشية المؤلف على منتخب الاثر ج ٢ ص ٢١- ٢٥ بتصرف.
(٤) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٦١.
(٥) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٠٩.
(٦) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٧٠.
(٧) للفضل بن شاذان النيشابوري عن كفاية المهتدي (الاربعين) ص١١٦ ح ٣٠.
(٨) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٩٣.
(٩) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٢٤ ب ٤٢ ح ١.
(١٠) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٩٤ – ٣٩٦.
(١١) كالسابق ج ٢ ص ٤٣٢ ب ٤٢ ح ١٠.
(١٢) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي عليه الرحمة ص ٢٧١ ح ٢٣٧.
(١٣) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٠٥ – ٤٠٧.
(١٤) لابي الحسن علي بن الحسين المسعودي ص ١٩٤.
(١٥) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٠٨.
(١٦) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٣٠ ب ٤٢ ح ٥.
(١٧) كالسابق ج ٢ ص ٤٠٧ ب ٣٨ ح ٣.
(١٨) لابن ابي الثلج البغدادي ص ١٤.
(١٩) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٣١ ح ٧ ب ٤٢.
(٢٠) للعلامة المجلسي ج ٥١ ص ١٦ ب ٥ ح ٢١.
(٢١) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٩٧ – ٤٠٣.
(٢٢) للشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٣٣ ب ٤٢ ح ١٤.
(٢٣) للفضل بن شاذان النيشابوري عن كفاية المهتدي (الاربعين) ص ١٠٤ ح ٢٨.
(٢٤) للعلامة المجلسي ج ٥١ ص ٦-١٠ ح ١٢ ب ١.
(٢٥) للشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٠٨ ب ٣٨ ح ٤.
(٢٦) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٦٩-٤١٦.
(٢٧) للشيخ الطوسي ص ٢٨١ ح ٥.
(٢٨) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٠٩-٢١٣.
(٢٩) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٠٦.
(٣٠) للشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٣٥ ب ٤٣ ح ٢.
(٣١) للشيخ الطوسي ص ٣٥٧ ح ٣١٩.
(٣٢) للشيخ سليمان البلخي القندوزي ص ٤٦١ ب ٨٢.
(٣٣) للمجلسي ج ٥٢ ص ٢٥ ب ١٨ ح ١٨.
(٣٤) للشيخ الكليني ج ١ ص ٣٢٨ ح ٣.
(٣٥) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٣١ – ٤٣٥.
(٣٦) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٧١ – ٣٩٣.
(٣٧) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٧٤-٣٧١.
(٣٨) لأبي جعفر الشيخ الصدوق ج ١ ص ٣٢١ ب ٣١ ح ٣.
(٣٩) للعلامة المجلسي ج ٥١ ص ٢١٦ ب ١٣ ح ٢.
(٤٠) للشيخ الحرّ العاملي ج ٣ ص ٤٧٤ ب ٣٢ ف ٥ ح ١٥٩.
(٤١) لعلي بن الحسين بن بابوبه القمي ص ٩٣ ح ٨٤.
(٤٢) لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي ص ٢٠٢ ط ١.
(٤٣) للشيخ الكليني ج ١ ص ٣٤٠ ح ١٩.
(٤٤) للقندوزي ص ٤٢٧ ب ٧١.
(٤٥) لابي عبد الله محمد بن ابراهيم النعماني؛ ص١٧١ح٣.
(٤٦) لابي جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري: ص٢٩٣، الى قوله عليه السلام نعم؛ والزيادة نقلت عن غيبة النعماني ص ١٧٢ ح ٧.
(٤٧) ليوسف بن يحيى المقدّسي الشافعي ص ١٣٤ ب ٥.
(٤٨) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٣٦ – ٢٤١.
(٤٩) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٣٩.
(٥٠) غيبة النعماني ص ١٧٣ – ١٧٤.
(٥١) انظر الغدير ج ٢ ص ٢٤٧.
(٥٢) منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٤١.
(٥٣) للشيخ الصدوق ج٢ ص ٣٥٢ ب ٣٣ ح ٥٠.
(٥٤) للشيخ الحر العاملي ج ٣ ص ٤٨٠ ب ٣٢ ف٥ ح ١٨١ مختصرا.
(٥٥) للشيخ الصدوق ج ١ ص ٢٤٥ ب ١٧٩ ح ٧.
(٥٦) للشيخ النعماني ص ١٤٠ ب ١٠ ح ١.
(٥٧) للحسن بن محمد بن الحسن القمي. عن البحار: ج٥٧ص٢١٢ب٣٦ح٢٢.
(٥٨) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٤٢-٢٦٠.
(٥٩) اي له ثلاثون من الموالين او الخواص ان مات احد قام آخر مقامه راجع حاشية منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٥٩.
(٦٠) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٤٢-٢٦٠.
(٦١) منتخب الاثر ج ٢ حاشية ص ٢٦١-٢٦٤.
(٦٢) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٨١ ب ١١ ح ٤٤.
(٦٣) لقطب الدين الراوندي ج ٣ ص ١١٧ ح ٣.
(٦٤) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ١ ص ٢٧٣ ب ٢٨ ح ٦.
(٦٥) للشيخ الطوسي ص ٣٣٢ ح ٢٧٤.
(٦٦) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٦١-٢٦٦.
(٦٧) للعلامة المجلسي ج ٥٢ ص ١٩١ ب ٢٥ ح ٢٤.
(٦٨) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٠٠.
(٦٩) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٢.
(٧٠) منتخب الاثر ايضا.
(٧١) المصدر السابق ج ٢ ص ٢٥٧.
(٧٢) منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٩١.
(٧٣) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٠١.
(٧٤) منتخب الاثر في الامام الثاني عشر ج ٢ ص ٢٧٢-٢٨٢.
(٧٥) لابي جعفر الشيخ الصدوق: ج ٢ ص ٥٢٤ ب ٤٦ ح ٤.
(٧٦) للشيخ النعمائي: ص ١٥٥ ب ١٠ ح ١٤.
(٧٧) لقطب الدين ابي الحسين بن هبة الله الراوندي ج ٣ ص ١١٧٤.
(٧٨) للعلامة المجلسي ج ٥١ ص ٢١٧ ب ١٣ ح ٥.
(٧٩) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٣٩٤ ب ٣٨ ح ٤.
(٨٠) منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٧٢-٢٨٤.
(٨١) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٨٥-٢٨٨.
(٨٢) لأبي جعفر الشيخ الصدوق ج ١ ص ٣٢٧ ب ٣٢ ح ٧.
(٨٣) للعلامة المجلسي ج ٥٢ ص ٢٨٥ ح ١٦.
(٨٤) ليوسف بن يحيى المقدسي الشافعي ص ٤١ ب ٣.
(٨٥) للشيخ النعماني ص ١٨٨ب ١٠ ح ٤٣.
(٨٦) لشيخ الطائفة الطوسي ص ٤٢١ ح ٣٩٩.
(٨٧) منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٨٧.
(٨٨) للشيخ النعماني: ص ١٩١ ب ١٠ ح ٤٥.
(٨٩) لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني ج ١ ص ٣٤٢ ح ٢٧.
(٩٠) لابي الحسن علي بن الحسين المسعودي ص ٢٢٣.
(٩١) لأبي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٧٩ ب ٤٤ ح ١.
(٩٢) للشيخ الحرّ العاملي ج ٦ ص ٤٣٥ ب ٣٢ ب ٣٢ ح ٢٠٨.
(٩٣) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٦٥-٢٩٦.
(٩٤) لصبحي الصالح ص ٤٩٧ قصار الحكم ١٤٧.
(٩٥) للشيخ سليمان البلخي القندوزي ص ٤٣٧.
(٩٦) لشيخ الاسلام الحموئي الخراساني ج ١ ص ٤٥ ب ٢ ح ١١.
(٩٧) منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٦٩-٢٧٠.
(٩٨) لأبي جعفر الشيخ الصدوق ج ١ ص ٣٠٢ ب ٢٧ ح ١١.
(٩٩) للفضل بن شاذان النيشابوري عن كفاية المهتدي (الاربعين) ص ٢٢٢ ذيل ح ٣٩.
(١٠٠) لأبي جعفر الشيخ الصدوق ج ١ ص ٢٥٣ ب ٢٣ ح ٣.
(١٠١) منتخب الاثر ج ١ ص ١٧٤.
(١٠٢) للشيخ الطوسي ص ٣٤٠ ح ٢٩٠.
(١٠٣) منتخب الاثر ج ٢ ص ٢٤٤.
(١٠٤) متخب الاثر ج ٢ ص ٢٦٧-٢٧١.
(١٠٥) لأبي جعفر الشيخ الصدوق: ج ٢ ص ٤٣٠- ب٤٢ح٥.
(١٠٦) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٩٧.
(١٠٧) للعلامة المجلسي ج ٥١ ص ١٦٠ ب ٩ ح ٨.
(١٠٨) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٩٩.
(١٠٩) للشيخ الحرّ العاملي ج ٣ ص ٤٨٤ ب ٣٢ ح ١٩٩.
(١١٠) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٠٢.
(١١١) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٣٣ ب ٤٢ ح ١٦.
(١١٢) للشيخ سليمان البلخي القندوزي ص ٤٦١ ب ٨٢.
(١١٣) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٣٩.
(١١٤) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٤٠ ب ٤٣ ح ١٠.
(١١٥) للعلامة المجلسي ج ٥٢ ص ٤٢ ب ١٨ ح ٣١.
(١١٦) للشيخ الطوسي ص ٢٥٣ ح ٢٢٣.
(١١٧) للسيد هاشم البحراني ص ٨٠ ح ٤٦.
(١١٨) للحسين بن حمدان (مخطوط): باب الامام الثاني عشر صلوات الله عليه وعلى آبائه.
(١١٩) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٨٣ – ٤٣٩.
(١٢٠) للشيخ الطوسي ص ٢٤٦- ح٢١٦.
(١٢١) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٥٤ ب ٢٣ ح ٢١.
(١٢٢) لا يخفى: ان الهادي من القاب امامنا العسكري عليه السلام.
(١٢٣) للفضل بن شاذان النيشابوري عن كفاية المهتدي (الاربعين) ذيل ح ٣٢ ص ١٢٢.
(١٢٤) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٣٠.
(١٢٥) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٣٠ ب ٤٢ ح ٥.
(١٢٦) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٩٧.
(١٢٧) للشيخ الحرّ العاملي ج ٣ ص ٦٦٩ ب ٣٣ ح ٣٧.
(١٢٨) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٩٤- ٣٩٩.
(١٢٩) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٤١٧-٤٣٠.
(١٣٠) للشيخ الكليني ج ١ ص ٥٢٣ ح ٢٣.
(١٣١) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٤٨٦ ب ٤٥ ح ٨.
(١٣٢) كالسابق ج ٢ ص ٥٠٢ ب ٤٥ ح ٣١.
(١٣٣) للشريف الحسن بن حمزة عن كفاية المهتدي (الاربعين) ص ١٤٠ ح ٣٦.
(١٣٤) لقطب الدين الراوندي ج ١ ص ٤٧٢ ح ١٧.
(١٣٥) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٨٤- ٥٠٥.
(١٣٦) حاشية منتخب الاثر ح ٢ ص ٥٠٦- ٥٠٨.
(١٣٧) للشيخ الطوسي، ص٣٥٤ح٣١٥.
(١٣٨) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٥١٠ ب ٤٥ ح ٤١.
(١٣٩) للعلامة المجلسي ج ٥١ ص ٣٥٥ ب ١٦ ح ٦.
(١٤٠) لأمين الاسلام ابي علي الطبرسي ص ٤١٧ ب ٣ ف ١.
(١٤١) لأبي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٥١٦ ب ٤٥ ح ٤٤.
(١٤٢) منتخب الاثر ج ٢ حاشيه ص ٥٢٠.
(١٤٣) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٥٠٦- ٥٢١.
(١٤٤) للشيخ الكليني ص ٣٢٩ ب تسمية من رآه عليه السلام.
(١٤٥) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٥٠٢ ب ٤٥ ح ٢٩.
(١٤٦) لقطب الدين الراوندي باب العلامات السارّة ص ١١١٩ ح ٣٥.
(١٤٧) للعلامة المجلسي ح ٤٣ ص ٣٧ ب ٢ ذيل ح ٤٠.
(١٤٨) للشيخ الطوسي ص ٣٢٢ ح ٢٧٠.
(١٤٩) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ١ ص ٢٤١ ب ١٧٧ ح ١.
(١٥٠) للسيد ابن طاووس ص ١٣٠.
(١٥١) للشيخ ابو عمر الكشّي ص ٥٥٧ رقم ١٠٥٢ طبع مشهد.
(١٥٢) منتخب الاثر ج ٢ ص ٥٠٦- ٥٢١.
(١٥٣) للشيخ الطوسي ص ٢٤٨ ح ٢١٨ فصل ولادة صاحب الزمان عليه السلام.
(١٥٤) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٥٥- ٤٥٨.
(١٥٥) منتخب الاثر ج ٢ ص ٤٣٩- ٤٤١ الحاشية.
(١٥٦) للسيد نعمة الله الجزائري ج ٢ ص ٣٠٣.
(١٥٧) راجع حاشية منتخب الاثر ج ٢ ص ٥٤٧ فيه ترجمة عنه.
(١٥٨) للعلامة المجلسي ج ٥٢ ص ١٧٦ ب ٢٤.
(١٥٩) للمحدّث النوري (المطبوع مع البحار): ج٥٣-ص٢٣٤-٢٣٦.
(١٦٠) لقطب الدين الراوندي ج ١ ص ٤٧٥ ح ١٨.
(١٦١) للسيد ابن طاووس ص ٢٩٦.
(١٦٢) راجع منتخب الاثر ج ١ ص ٥٤٧- ٥٦٢.
(١٦٣) منتخب الاثر ج ٢ ص ٥٦٢.
(١٦٤) لابي الفتح علي الأربلي ج ٢ ص ٤٩٣.
(١٦٥) للشيخ ورّام المالكي ج ٢ ص ٣٠٣.
(١٦٦) للسيد بهاء الدين عبد الكريم النيلي النجفي نقلا عن البحار ج٥٢ح٥٥.
(١٦٧) للشيخ الصهرشتي عن الكلم الطيب ص ٦٣.
(١٦٨) للمحدّث النوري ص ٢٠٦.
(١٦٩) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٥٤٦- ٥٢٥.
(١٧٠) حاشيه منتخب الاثر ج ٢ ص ٥٤٣.
(١٧١) راجع منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٤١- ٣٤٧.
(١٧٢) للشيخ النعماني ص ٢٣٨ ب ١٣ ح ٢٨.
(١٧٣) للشيخ الكليني ج ١ ص ٢٣١ ح ١.
(١٧٤) لابي جعفر الشيخ الصدوق ج ٢ ص ٣٧٦ ب ٣٥ ح ٧.
(١٧٥) منتخب الاثر ج ٢ ص ١٨٨.
(١٧٦) للفضل بن شاذان النيشابوري عن كفاية المهتدي (الاربعين) ص ١٤١ ح٣٧.
(١٧٧) لجعفر بن محمد بن قولويه ص ١١٩ ب ٤١ ح ٥.
(١٧٨) منتخب الاثر ج ٢ ص ٣٤٦.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
الإسم: علي سعد
الدولة: IRAq
النص: نشكر مركز الدراسات الخصصية على هذا التنوع في تفصيل القضية المهدوية والجهد في اثراء الموقع لتنوير عقول الانسانية من الجهل الشيطاني ونشكركم على كتاب الشيخ اية الله العظمى لطف الله الصافي غيبة المنتظر في منتخب الاثر وبيمباركة السيد الجليل اية الله العظمى زعيم الحوزة علي السيستاني دام الله بقائه للمسلمين الموحدين
تاريخ الإضافة: ٢٠١٤/١٢/١٥ ١٠:٠١ م
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016