فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب شبهات وردود

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد سامي البدري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٣٢١٧٣ التعليقات التعليقات: ٠

شبهات وردود
الرد على شبهات أحمد الكاتب
حول إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ووجود المهدي المنتظر (عليه السلام)

تأليف: السيد سامي البدري
الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة ١٤٢١ هـ

المحتويات

الإهداء
تقريض آية الله العظمى السيد كاظم الحائري الحسيني
تقريض آية الله العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري
تقريض آية الله الشيخ مجتبى العراقي
مقدمة الطبعة الثالثة
بحوث الكتاب
بحث تمهيدي حول إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ونظام الحكم
الإمامة الإلهية لأهل البيت (عليهم السلام)
تصور خاطئ
ثلاث طبقات من العلماء بشريعة الله في الكتب السابقة
أخطر مسألة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)
الشيعة
أهل السنة
محور الخلاف الاساس بين الشيعة واهل السنة
نظرية الحكم
نظرية الحكم في الفكر السني
نظرية الحكم في الفكر الشيعي
مصطلح الامام في الفكر الشيعي الاثني عشري
الخلاصة
الحلقة الاولى: الرد على الشبهات التي اثارها احمد الكاتب حول العقيدة الاثني عشرية
المقدمة
الفصل الاول: متى عرف الشيعة العقيدة الاثني عشرية؟
الفصل الثاني: الوصية لكل إمام من الاثني عشر بعهد خاص من النبي (صلى الله عليه وآله)
الفصل الثالث: الشيخ الصدوق والعقيدة الاثني عشرية
الفصل الرابع: هل مات زرارة ولم يكن قد عرف إمام زمانه؟
الفصل الخامس: كتاب الكافي وروايات عدد الائمة (عليهم السلام)
الفصل السادس: وصية الامام الهادي (عليه السلام) والبَداء
الفصل السابع: كتاب سليم بن قيس الهلالي
الفصل الثامن: أسانيد روايات الاثني عشر عند السنة والشيعة
الفصل التاسع: الاستدلال على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) بنصوص التوراة
الحلقة الثانية: الرد على الشبهات التي أثارتها نشرة الشورى حول النص على الإمام علي (عليه السلام)
المقدمة
الفصل الأول: الأئمة الإثنا عشر حجج إلهيون
مشيئة الله تعالى في آل محمد (صلى الله عليه وآله)
من له حق الحكم في الإسلام
مسألة الشورى
مسألة البيعة
الفصل الثاني: ملاحظات على مقال الدكتور البغدادي في رده على الشهيد الصدر (رحمه الله)
الفصل الثالث: احتجاج علي (عليه السلام) بحديث الغدير
الفصل الرابع: السقيفة برواية عمر بن الخطاب
قصة السقيفة:
المجتمعون في دار فاطمة (عليها السلام)
الفصل الخامس: الشورى السداسية برواية عمرو بن ميمون
قصة الشورى
علي (عليه السلام) يتظلم من قريش
الفصل السادس: علي (عليه السلام) بايع الخلفاء مكرهاً
الفصل السابع: قصة متعة الحج والعبرة منها
العمرة والحج في الإسلام
العمرة والحج في الجاهلية
حجة الوداع
موقف قريش من حج التمتع
حج التمتع على عهد ابي بكر
حج التمتع على عهد عمر
حج التمتع على عهد عثمان
موقف علي (عليه السلام) من حج التمتع
حج التمتع على عهد معاوية
حج التمتع على عهد ابن الزبير
حج التمتع على عهد بني مروان
حج التمتع على عهد بني العباس
العبرة من قصة حج التمتع
الفصل الثامن: أسئلة الدكتور الشرقاوي حول نظرية النص
الحلقة الثالثة: الرد على موارد من كتاب احمد الكاتب
المقدمة
الفصل الأول: موارد من الكتاب والرد عليها
المورد الأول: علي (عليه السلام) خليفة النبي (صلى الله عليه وآله)
المورد الثاني: منهج علي (عليه السلام) في قبول البيعة
المورد الثالث: احقية علي (عليه السلام) بالحكم ليست من باب الأفضلية
المورد الرابع: دلالة حديث الغدير عند السيد المرتضى (رحمهم الله)
المورد الخامس: احتجاج علي (عليه السلام) بحديث الغدير
المورد السادس: الصحابة وحديث الغدير
المورد السابع: رواية مكذوبة على علي (عليه السلام)
المورد الثامن: الحسن (عليه السلام) لم يتنازل عن حقه
المورد التاسع: الوصية في رسالة الحسين (عليه السلام)
المورد العاشر: علي بن الحسين (عليه السلام) والوصية
المورد الحادي عشر: حديث النبي (صلى الله عليه وآله) من جاءكم يريد ان يتولى من غير مشورة فاقتلوه
المورد الثاني عشر: عقيدة الأجيال الأولى من الشيعة بالإمامة
المورد الثالث عشر: الاشعري واخبار عبد الله بن سبأ
المورد الرابع عشر: ليس سواءٌ القول باسطورية ابن سبأ وعدمه
المورد الخامس عشر: النص والبيعة
موارد اخرى من الكتاب رددنا عليها سابقا
الفصل الثاني: رسائل القراء
اولا: رسالة احمد الكاتب
ثانيا: رسائل اخرى
الحلقة الرابعة: الرد على شبهات أحمد الكاتب حول ولادة ووجود الإمام المهدي (عليه السلام)
المقدمة
الفصل الأول: عقيدة جمهور الشيعة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
القضية الأولى: قضية دعوى تفرق أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
القضية الثانية: قضية الحيرة في بدء الغيبة الكبرى
الفصل الثاني: الإمامة بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) لا تكون في أخوين
قول أبي سهل النوبختي
قول الاشعري القمي
قول علي بن الحسن النوبختي
نموذج من الروايات
الفصل الثالث: روايات اهل البيت (عليهم السلام) في تشخيص هوية الإمام المهدي (عليه السلام)
تعليق الشيخ ابي سهل النوبختي على أخبار الغيبتين
تعليق النعماني على اخبار الغيبتين
تعليق الشيخ الصدوق على أخبار الغيبة
تعليق الطبرسي في إعلام الورى على أخبار الغيبة
روايات الحسن بن محبوب السّرّاد ومعاصريه في المهدي (عليه السلام)
الغيبة الكبرى
الغيبتان
المهدي هو الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام)
المهدي من ذرية الحسين (عليه السلام)
المهدي هو الثاني عشر من الأئمة وهو من ذرية الصادق (عليه السلام)
المهدي هو الثاني عشر من الأئمة وهو من ذرية الكاظم (عليه السلام)
المهدي من ذرية الرضا (عليه السلام)
علامات ظهوره وسيرته (عليه السلام)
المهدي (عليه السلام) في روايات اهل السنة
طرف من كتاب الملاحم لنعيم بن حماد
المهدي من أهل البيت (عليهم السلام)
المهدي من ذرية فاطمة (عليها السلام)
المهدي من ذرية الحسين (عليه السلام)
رواياته عن علي (عليه السلام) في الملاحم
روياته عن ابن عباس في الملاحم
رواياته عن الباقر (عليه السلام) في الملاحم
خروج المهدي في مكة
الدجال
الباقر (عليه السلام) يخبر بعذاب القذف والخسف
مقارنة بين روايات التراث الشيعي والتراث السني حول المهدي (عليه السلام)
الفصل الرابع: استدلال متكلمي الشيعة في الغيبة الصغرى على وجود الإمام المهدي (عليه السلام)
استدلال أبي سهل النوبختي
رد ابن قبة (ت قبل سنة ٣١٩) على ابن بشار
استدلال آخر
كلمتنا حول منهج اثبات وجود الامام المهدي (عليه السلام)
الفصل الخامس: الضرورة التي تفرض الإيمان بأنَّ المهدي الموعود هوابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
الفصل السادس: الجواب على اسئلة أحمد الكاتب حول الإمام المهدي (عليه السلام)
الفصل السابع: الرسائل المتبادلة بين المؤلف وأحمد الكاتب
الرسالة الأولى
جوابنا على رسالته الأولى
الرسالة الثانية
ملحق للرسالة الثانية
جوابنا على رسالته الثانية
ملاحظة
الفصل الثامن: كتبوا للمؤلف
كتاب آية الله العلامة السيد مرتضى العسكري
كتاب آية الله العظمى السيد كاظم الحائري
كتاب آية الله الشيخ مجتبى العراقي
رسالة الاستاذ حيدر الحلي من السويد
رسالة الاستاذ خضير عباس من كندا
رسالة الدكتور سعيد السامرائي من بريطانيا
رسالة الاستاذ مهدي حمودي من بريطانيا
رسالة الاستاذ السيد ثامر العميدي من ايران
رسالة الاستاذ الشاعر جواد جميل من ايران
رسالة الاستاذ الدكتور عباس ترجمان من ايران
رسالة الأستاذ حسين الساعدي من ايران
التراجم الواردة في الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة على محمد وآله الطهرين

الاهداء:
إلى الباحثين عن الحقيقة...
(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)...
اهدي هذا الجهد المتواضع.
قال النبي (صلى الله عليه وآله):
أيها الناس إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما: كتاب الله وعترتي أهل بيتي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ثم قال أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا نعم فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.

المعجم الكبير للطبراني ج٥ ص١٦٧

عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:
يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث وتخرج الأرض نباتها ويعطى المال صحاحا وتكثر الماشية وتعظم الأمة.

المستدرك على الصحيحين ٤/٦٠١

عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يوطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما.

المعجم الصغير للطبراني ٢/٢٨٩


تقريض آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري
www.m-mahdi.net
تقريض آية الله العلامة السيد مرتضى العسكري
www.m-mahdi.net
تقريض آية الله الشيخ مجتبى العراقي
www.m-mahdi.net

مقدمة الطبعة الثالثة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين.
وبعد:
فهذه والحمد لله الطبعة الثالثة من كتابنا شبهات وردود في الرد على الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب على التشيع الاثني عشري حيث جمعت الحلقات الاربع كما هي، وأضفت إليها في هذه الطبعة بحثاً تمهيدياً بعنوان (الإمامة الإلهية ونظرية الحكم) ومن المفيد ان اذكر القارئ الكريم بكلمة عن دعاوى أحمد الكاتب ومنهجه في كتابه وكلمة عن منهجي في الرد وأختم بكلمة شكر وتقدير.
أولا: يدعي أحمد الكاتب جملة أمور تخص الفكر الشيعي وهي ما ادعاه من قبلُ أهل السنة والزيدية وغالبية المعتزلة واهمها:
دعواه: أن اهل البيت (عليهم السلام) لم يدَّعوا مقام الامامة الإلهية الخاصة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا ادَّعوا العصمة، ولا أخبروا بمغيبات، وان الحسن العسكري توفي وليس له ولد. وان النواب الأربعة ادَّعوا له الولد بعد موته (عليه السلام) كذبا كما ادعى من قبل هشام ونظراؤه العصمة والنص وادخلوها في التراث الشيعي كما ادخل اسلافهم من قبل الوصية ذات الاثر السياسي استجابة لعبد الله بن سبأ المزعوم.
ودعواه: ان غالبية الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري في القرن الثالث كانوا يشكون بوجود المهدي ما عدا شرذمة قليلة ممن تأثر بالنواب الاربعة.
اما منهجه فقد اتسم بالخصائص التالية:
١. الخلط بين المفاهيم من قبيل مفهوم الإمامة بمعناها الخاص الذي يستلزم النص والعصمة والتأييد الإلهي الخاص والحصر في عدد محدود من اسرة النبي (صلى الله عليه وآله) كما هو حالها في الامم السابقة وبين الامامة بمعنى منصب الحكم وتنفيذ الاحكام الذي يقتضي بطبيعته ان لا ينحصر بعدد محدود ولا يستلزم العصمة في شخص من يشغله ولا النص من السابق على اللاحق، واعتبر احمد الكاتب ان المسألة الأساسية التي ترتبط بأهل البيت (عليهم السلام) ورفع شعارها الشيعة في حوارهم التاريخي الطويل هي مسألة حقهم في الحكم، ومن هنا جاءت اشكالاته واشكالات غيره حول تحديد الائمة بعدد معين، وكيف يكون الجواد والهادي والمهدي (عليهم السلام) ائمة وهم دون العاشرة؟ او كيف تحصر الامامة باسرة معينة؟ وغير ذلك.
وكان عليه من الناحية المنهجية ان يبحث اولا هل يوجد معصومون بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من اسرته لهم منزلة النبي في البيان والشهادة على الناس، فإذا ثبت ذلك اتضحت مسالة انحصار حق الحكم بهم في زمان حضورهم واتضح ايضا دور البيعة والشورى وان حالها معهم حالها مع النبي (صلى الله عليه وآله).
٢. ظواهر اخرى من قبيل:
ظاهرة الخطأ الفاحش في فهم بعض الروايات وكلمات الاقدمين من علماء الشيعة.
وظاهرة الاشتباه الفاحش بالرواية العامية التي توجد في الكتاب الشيعي على انها رواية شيعية وقد اوردها المؤلف الشيعي كالسيد المرتضى رحمه الله في كتابه الشافي للرَّد عليها لا على انه يعتقد بها.
وظاهرة استغفال القارئ غير المطلع بايراد روايات تؤيد مطلبه دون الاشارة الى ما يعارضها من روايات اخرى.
وظاهرة بتر النص وايراد ما يؤيد مدعاه منه وغيرها مما سيجد امثلته في ردودنا هذه.
ثانيا: اعتمدتُ في ردودي المنهج التجزيئي المباشر المتمثل باقتطاع فقرات من كلماته تامة المعنى تعبر عن تمام رأيه في المسألة المعينة والتي تمثل في تقديرنا شبهة تثار امام التشيع وفهماً مغلوطاً للرواية أو لإراء علماء الشيعة. وعلقت عليها بما يتيسر بشكل مختصر لتيسيرها للقارئ غير المتخصص او القارئ الذي لا يجد الوقت الكافي لمراجعة مطولات الكتب وقد لا تتيسر له في مكان اقامته، ولم أتناول شخص الكاتب بشيء من التجريح وجريت على قاعدة احترام الشخص لا احترام رأيه الا بقدر ما فيه من الصواب والحق، فإن وفقت في هذه الردود والمنهج فبفضل من الله تعالى وان اخطأت فالخطأ بقصوري وتقصيري وأرجو من القارئ الكريم ان ينبهني لأتداركه في طبعة قادمة.
ثالثا: لما صدرت الحلقات بادر الكثير من الاساتذة والمحققين والمثقفين ممن قرأها بابداء وجهات نظرهم الايجابية شفاها ومكتوبة حول الردود فجزاهم الله تعالى خير الجزاء واخص بالذكر منهم آية الله العظمى السيد كاظم الحائري وآية الله العلاّمة المحقق السيد مرتضى العسكري وآية الله الشيخ مجتبى العراقي حيث ابدوا وجهة نظرهم مكتوبة. كما اشكر الاخوة الذين ساهموا مالياً لإخراج الطبعات السابقة من هذه الردود الى النور ولم يرغبوا بذكر اسمائهم، كما اشكر دار الصادقين الموقرة حين تصدت لإخراج الطبعة الثالثة للحلقات الأربع مجتمعة بهذه الحلة القشيبة.
اللهم اجعله خالصا لوجهك الكريم انك سميع مجيب.

حرره الاقل سامي البدري
بتاريخ ٤ محرم سنة ١٤٢١ هجرية
في مدينة قم حرسها الله تعالى

بحوث الكتاب

تناولنا في هذه الحلقات الأربع الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب حول المسائل الأساسية في إمامة اهل البيت (عليهم السلام) الإلهية ونظرية الحكم ولكنّها جاءت بشكل متفرق،وتسهيلاً للقارئ قدمنا له في هذه الطبعة أمرين:
الأول: بحثاً تمهيدياً حول (الإمامة الإلهية ونظرية الحكم) استعرضنا فيه المسائل والآراء بشكل افقي ولم نهتم بترجيح بعض الآراء على غيرها وذلك لأنّ الهدف من البحث هو توضيح الخلط واللبس الذي وقع فيه الكثير ومنهم /احمد الكاتب/ بخصوص المسألة الجوهرية في الخلاف بين السنة والشيعة حول اهل البيت (عليهم السلام)، هذا الخلط ادى بهم إلى اعتبار مفاهيم (العصمة) و(النص) و(الاثني عشرية) و(أهل البيت) (وغيبة الامام وظهوره) ترتبط عند الشيعة بنظرية الحكم، والحال أنها مفاهيم ترتبط عندهم بالإمامة الإلهية لأهل البيت (عليهم السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وليس بنظرية الحكم، في ضوء هذا الخلط حاول أحمد الكاتب ان يفهم من طرف واحد ويقول: (ان الشيعة في إيران تخلوا عملياً عن النظرية الإمامية حيث أجازوا إقامة الدولة الإسلامية بدون اشتراط العصمة أو النص او السلالة العلوية الحسينية في الإمام المعاصر...)، ويقول: (وكان من الأجدر بعد إعادة النظر في أساس الفكر الإمامي والتخلي عن شروط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام ان يعاد النظر في الفرضية المهدوية التي تفرعت عن نظرية الإمامة الإلهية وحتمية وجود الإمام المعصوم المعين من قبل الله).
الثاني: فهرساً موضوعياً بالقضايا المبحوثة في الحلقات الأربع حيث جاء بعضها في الموضع الواحد متفرقاً هنا وهناك في هذه الحلقة او تلك، وبشكل عام فقد تناولنا في الحلقات الأربع: الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب حول النص على علي (عليه السلام) ودلالة حديث الغدير على امامته الالهية وكذلك الشبهات التي أثارها حول النص على بقية الأئمة وعلى فكرة الاثني عشرية وولادة المهدي وغيبته وظهوره ودور البيعة مع المنصوص عليه أو مع الفقيه في عصر الغيبة.

بحث تمهيدي حول إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ونظام الحكم

الإمامة الإلهية لأهل البيت (عليهم السلام)

تصور خاطئ:
هناك تصور خاطئ سائد لدى الكثير من الكتاب والمفكرين حول مفاهيم (العصمة) و(النص) و(اهل البيت) و(الاثني عشرية) و(غيبة المهدي وانتظار ظهوره) المتداولة في الفكر الشيعي بتقدير انها مفاهيم وافكار ترتبط بنظرية الحكم والنظرية السياسية، والحال ان هذه المفاهيم والافكار لا ترتبط بنظرية الحكم في الفكر الشيعي الا بمقدار ارتباط مفهوم النبوة والرسالة بنظرية الحكم في الفكر السني.
فكما ان ارتباط مفهوم النبوة والرسالة بالحكم في الفكر السني قائم على فكرة مواصلة بيان الرسالة ومفاهيمها الجزئية التي ترتبط بالحكم بشكل عملي لاعطاء تجربة معصومة يقتدى بها في هذه الامور وليس قائما على اساس ان هذا المقام لا يجوز الا للنبي او الرسول، كذلك ارتباط الحكم باهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام) في الفكر الشيعي فهو قائم على اساس مواصلة التجربة المعصومة التي مارسها النبي (صلى الله عليه وآله) من قبل هؤلاء الاثني عشر لتعميقها وتوضيح تفاصيلها في الاحوال المختلفة التي تمر على الامة، وليس لبيان ان موقع الحكم لا يجوز الا لهؤلاء الاثني عشر فاذا غاب الامام الثاني عشر يتعطل النظام السياسي.
وفي هذا السياق يأتي الدور الايحابي لغيبة المعصوم فان من ابرز حكم الغيبة واسرارها الواضحة هي اتاحة الفرصة للامة التي حملت تراث الائمة المعصومين ان تمارس مسؤولياتها الفكرية والعلمية والسياسية على اساس فهمها البشري غير المعصوم للقرآن والتراث الفكري الذي خلفته التجربة المعصومة للنبي والائمة، وتأتي ايضاً فكرة عودة المعصوم الغائب في آخر الدنيا وظهوره مرة ثانية على المسرح الاجتماعي والسياسي لتقييم التجارب السابقة للمسيرة غير المعصومة والكشف عن مستوى تمثيلها وصدق تعبيرها وأمانتها من ناحية، ومن ناحية اخرى لتحقيق الوعدالالهي المذكور في قوله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء/١٠٥ ويتمثل هذا الوعد بحياة حرة سعيدة في ظل النظام الإلهي على الارض كلها حيث تستأصل كل عوامل الاختلاف والانحراف المؤدية الى الشر والفساد.
وتفصيل ذلك فيما يلي:
ثلاث طبقات من العلماء بشريعة الله في الكتب السابقة:
قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِك هُمْ الْكَافِرُونَ) /المائدة /٤٤ وضحت لنا الآية الكريمة قاعدة دستورية ثابتة تتعلق بالحكم مفادها: ان من شروط الحاكم بقانون الله وشريعته ان يكون عالما به مستقيما عليه، ثم ذكرت ثلاث طبقات من العلماء بقانون الله وشريعته وهم النبيون والربانيون والاحبار. وسكتت الاية عن بيان كيفية ممارسة الحكم من قبل هؤلاء، وهنا لا بد لنا من الرجوع الى السنة بوصفها المبينة للاحكام المجملة، شأننا في ذلك شأننا مع الصلاة والزكاة حين بيَّن القرآن حكمها العام وترك بيان التفاصيل الى السنة وهو معنى قوله تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل/٤٤.
النبيون: هم الذين يكون علمهم عن طريق الله تعالى مباشرة بلا توسط الملك وقد يضاف الى ذلك توسط الملك ولا يُعرَفون الا بالمعجزة او بالنص او بكليهما.
الربانيون: هم المطهرون المعصومون من العلماء ويكون علمهم بالدراسة الخاصة على يد النبي او الرباني ويضاف اليه الالهام بواسطة الملك ولا يُعرَفون الا بالنص او بالنص والمعجزة.
والرباني منزلته دون النبي وفوق الحبر وقد بين القرآن عددا من أفراد الربانيين كالاسباط من ذرية يوسف المشار اليهم في قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)البقرة/١٣٦.وطالوت والاسباط من ذرية هارون وهم آل هارون المشار اليهم في قوله تعالى: واثبتها لآل هارون وطالوت (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَك آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِك لَ آيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة/٢٤٧-٢٤٨.
وقد اثبتها القرآن ايضا لمريم ونص انها محدَّثة من قبل الملائكة باذن الله تعالى (وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ الله اصْطَفَاك وَطَهَّرَك وَاصْطَفَاك عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّك وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) آل عمران/٤٢-٤٣.
وأثبت القرآن ايضا ان هذا الصنف من العلماء المطهرين يؤيدهم الله تعالى بما أيد به انبياءه من ظهور معجزات على ايدهم يظهرونها عند الحاجة اليها (قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيك بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِك وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيك بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْك طَرْفُك فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ (٤٠)) النمل، والشخص الذي كان عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا وكان وارث سليمان ووصيه ولم يكن نبياً.
الاحبار: وهم حملة الكتاب الالهي من اتباع النبيين والربانيين ورواة احاديثهم الفقهاء الذين يكون علمهم عن طريق التلقي والدراسة فقط ويُعرَفون علميا من خلال نتاجهم العلمي، ويُعرَف استحفاظهم واستقامتهم من خلال سيرتهم العملية فمنهم المضيع لكتاب الله ومنهم الحافظ لها الامين عليها. (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) المائدة/٦٦
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) الأعراف/١٦٩
أخطر مسألة بعد النبي (صلى الله عليه وآله):
ان اهم وأخطر مسألة خلافية بين المسلمين على الاطلاق هي التي ترتبط بجواب السؤال التالي وهو: هل ان العلماء بالقرآن والسنة في امة خاتم الانبياء منذ البعثة والى قيام الساعة هم صنفان النبي الطاهر المطهر والفقهاء غير المطهرين غير المعصومين المشار اليهم في قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة/١٢٢، أم يوجد صنف ثالث وهم العلماء المطهرون نص النبي عليهم وعلى عددهم وعرَّف بهم كما نص موسى مثلا على آل هارون وعرَّف بهم وكما نص زكريا على مريم وعرَّف بها؟
الشيعة:
قام الكيان الشيعي على الجواب الايجابي على السؤال الآنف الذكر وذلك تبعا لما ورد في القرآن والسنة الصحيحة وتبعا لحركة الائمة الإثني عشر في الامة وما صدر عنهم من اقوال وسيرة.
فالقرآن اثبت وجود مطهرين معصومين من أهل بيت النبي دون غيرهم ولم يسمِّهم وسمّاهم النبي كما ورد في الحديث النبوي المعروف بحديث الكساء.
واثبت القرآن ان موقع الشهيد على الناس البشير النذير الذي جعله الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) ابتداء (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) الأحزاب/٤٥ مستمر في الامة بعد النبي في اهل بيته قال تعالى (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً) هود/١٧ وقوله تعالى (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ(١) وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الحج/٧٨.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ الله مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)) النساء/٥٤-٥٥ وآل ابراهيم هنا هم البقية الباقية من عترته المشار اليها في قوله تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِن الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّك أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَك وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِك وَيُعَلِّمُهُم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)) البقرة/١٢٧-١٢٩
وآل ابراهيم هؤلاء قد أورثهم النبي (صلى الله عليه وآله) بامر الله تعالى الكتاب وبيانه وراثة خاصة قال تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِك هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) فاطر/٣٢ فالوارث للكتاب هو السابق بالخيرات. اما المقتصد فهو المتعلم منهم، اما الظالم لنفسه فهو التارك لهم الصادّ عنهم. وهذه الوراثة نظير وراثة آل هارون تراث موسى المشار اليه في قوله تعالى (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَك آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِك لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة/٢٤٨.
وقد كلف الله تعالى هؤلاء الوارثين السابقين بالخيرات بإذن الله ان يحفظوا الرسالة بعد النبي وعرضهم على الناس ائمة هدى وفرض الاقتداء بهم (فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُوْلَئِك الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)) الأنعام(٢).
وقد أكد النبي (صلى الله عليه وآله) مفاهيم هذه الايات بقوله: (إني تارك فيكم أمرين (وفي رواية ثقلين) لن تضلوا إن اتبعتموهما(وفي رواية ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا): كتاب الله وعترتي أهل بيتي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. ثم قال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله). وقوله: (يا علي انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي). وقوله: (يكون لهذه الامة اثنا عشر قيِّماً لا يضرهم من خذلهم كلهم من قريش). وقوله: (يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى) واصحاب موسى في القران اثنا عشر كما قال تعالى (وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا)المائدة/١٢-١٣. وقال تعالى (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) الاعراف/١٥٩-١٦٠. وقوله (صلى الله عليه وآله): (الحسن والحسين سبطان من الاسباط).
وتحرك علي والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين (عليه السلام) في الواقع التاريخي حركة منسجمة مع تلك النصوص مع تصريح منهم انهم المراد بهم في تلك الايات دون غيرهم.
قال علي (عليه السلام): (أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا ان رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى ان الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم).
وقال (عليه السلام) في ذكر اهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله): (هم موضع سره، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه بهم أقام انحناء ظهره، واذهب ارتعاد فرائصه، لا يقاس بآل محمد (صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة أحد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفئ الغالي وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة)(٣).
والكتب التي ذكرها (عليه السلام) في هذا الكلام هي ما كتبه بيده عن النبي (صلى الله عليه وآله).
وفي رواية الباقر (عليه السلام) قال قال رسول (صلى الله عليه وآله) الله لعلي (عليه السلام): اكتب ما أملي عليك قال يانبي الله اتخاف علي النسيان؟ قال لست اخاف عليك النسيان وقد دعوت الله ان يحفظك ولا ينسيك ولكن اكتب لشركائك، قال قلت ومن شركائي يانبي الله؟ قال الائمة من ولدك...(٤).
وعن حمران بن اعين عن ابي جعفر (عليه السلام) قال اشار الى بيت كبير وقال يا حمران ان في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعا بخط علي واملاء رسول الله ولو لينا الناس لحكمنا بما انزل الله لم نعد ما في هذه الصحيفة(٥).
وفي رواية أخرى قال والله ان عندنا لجلدي ماعز وضأن املاها رسول الله وخط علي (بيده) وأن عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعا املاها رسول الله وخطها علي بيده وان فيها لجميع ما يحتاج اليه حتى ارش الخدش(٦).
وقال الامام الصادق (عليه السلام): (أترون ان الموصي منا يوصي إلى من يريد لا والله ولكنه عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى رجل فرجل حتى انتهى إلى نفسه). وفي لفظ آخر (إلى ان ينتهي إلى صاحب هذا الامر).
وقال (عليه السلام): (نحن اثنا عشر محدَّثاً). والمحدَّث هو الذي تحدثه الملائكة بإذن الله وليس شرطا ان يكون نبيا كما هو الحال في مريم (عليه السلام).
وقال الباقر (عليه السلام): (يكون تسعة أئمة من ذرية الحسين بن علي تاسعهم قائمهم).
وقال الصادق: (انا من الذين قال عنهم الله اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده).
وأُثِرَ عن الائمة (عليهم السلام) تراث فكري ضخم جدا، مستقل ومتميز يعكس رواية كاملة للبيان النبوي للاسلام وتجربته الالهية المعصومة، حمَّله عنهم شيعتهم ودوَّنوه في كتبهم المعروفة.
وشاءت حكمة الله تعالى ان يجعل تشابها تكوينيا بين المطهرين من آل النبي (صلى الله عليه وآله) وبين نظرائهم من الاوصياء في الامم السابقة.
شاءت حكمة الله تعالى ان يجعل في الحجج من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) في امته امرأة حجة وهي فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) كما جعل بعد موسى في امته امرأة حجة وهي مريم بنت عمران (عليه السلام).
وشاءت حكمة الله تعالى أيضاً ان يجعل من ذرية فاطمة (عليها السلام) خاتم أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) وهو الحجة بن الحسن العسكري (عليه السلام) كما جعل من ذرية مريم (عليها السلام) من قبلُ حجته عيسى (عليه السلام) خاتم أصفيائه من آل عمران وبني إسرائيل.
وشاءت حكمة الله تعالى ان يجعل المهدي من آل محمد (صلى الله عليه وآله) نظيرا لعيسى من آل عمران من ناحية الاختلاف في ولادته والامتحان بغيبته، فقد اختلف بنو إسرائيل في ولادة المسيح بعد ان كانوا ينتظرونه جميعا للنصوص الثابتة عن أنبيائهم وفي كتبهم(٧)، فآمنت طائفة لما ولد وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم.
واختلفت أمة محمد (صلى الله عليه وآله) في ولادة المهدي المنتظر من ولد فاطمة (عليها السلام) بعد ان اخبر النبي (صلى الله عليه وآله) عنه وبشَّر به(٨) فآمنت طائفة لما ولد سنة ٢٥٥ هجـ، وهي لا تزال مؤمنة به الى اليوم وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم أيضا.
وامتُحن أنصار عيسى بغيبته، فمنهم من قال قتل، ومنهم من قال أنجاه الله من كيد الظالمين واتصل بخواص تلاميذه لفترة يوجههم ثم غيَّبه الله تعالى ليظهره آخر الزمان.
وكذلك امتُحن شيعة المهدي (عليه السلام) بغيبته فمنهم / وهو قليل جدا وفي وقته / من قال انه مات في الغيبة(٩)، وقال الاغلب بحياته في غيبته الطويلة التي غاب فيها بعد غيبته القصيرة وهم ينتظرون ظهوره ليحقق الله تعالى به وعده الذي وعده لنبيه الخاتم. وشاءت حكمة الله أيضا ان يجعل في آل محمد (صلى الله عليه وآله) حجة لله في سن دون العاشرة من عمره وهو أبو جعفر محمد الجواد (عليه السلام) ليكون نظيرا ليحيى في آل عمران آتاه الله الحكم صبيا.
وشاءت حكمة الله ان يجعل أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) اثني عشر وان يجعل الثاني عشر منهم المهدي يحقق الله تعالى على يده وعده لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ويرث المؤمنون برسالته الارض كلها (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الانبياء / ١٠٥ وان يكون ذلك نظيرا لاوصياء موسى الاثني عشر وما جعله على يد الثاني عشر من أوصيائه وهو داود من تحقق للوعد الذي وعده لموسى وبني إسرائيل من وراثة ارض فلسطين وما حولها.
وشاءت حكمة الله ان يجعل اغلب أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) من ذرية أخيه ووزيره وأول أوصيائه علي (عليه السلام) وان يكون ذلك نظيرا لما جعله الله تعالى من كون اغلب أوصياء موسى (عليه السلام) بعده في ذرية أخيه ووزيره هارون (عليه السلام) وهم (آل هارون)(١٠).
أهل السنة:
وقام الكيان السني على الاجابة السلبية على السؤال المذكور حيث نفى أهل السنة وجود معصومين بعد النبي لهم امتياز خاص في البيان النظري او العملي للاسلام أو في حق الحكم.
وحاولوا رد دلالة النصوص الآنفة الذكر على مدعى الشيعة.
ونفوا صحة الاخبار التي تفيد ان عليا والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين قد ساروا في سيرتهم الفكرية والعملية والسياسية سيرة تنسجم مع ما يدعيه الشيعة من فهم لتلك النصوص، ونفوا كذلك صحة النصوص الآنفة الذكر ونظائرها المأثورة عن الائمة (عليهم السلام) واعتبروها وامثالها من مختلقات الشيعة.
محور الخلاف الاساس بين الشيعة واهل السنة:
وفي ضوء ذلك يتضح ان محور الخلاف الاساس بين مدرسة التسنن والتشيع هو حول وجود صنف الربانيين من العلماء الشهداء على الناس شهادة تجعلهم ميزانا فكرياً وعملياً للناس يزنون به اعمالهم في كل حقل من الحقول امتداداً لمنزلة النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك.
الشيعة يعتقدون بوجود اثني عشر شخصا معصوما من اهل بيت النبي يضاف اليهم الزهراء (عليها السلام) لهم موقع الشهادة على الناس كشهادة النبي وامتداد لها، ويترتب على كون الائمة الاثني عشر لهم منزلة النبي الا فيما يخص النبوة والازواج انهم اولى الناس بالحكم كاولوية النبي في زمانه.
وأهل السنة ينفون وجود معصوم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وما يترتب على وجوده.
والشيعة يسوقون أدلتهم من القرآن والسنة والنبوية وما اثر عن الائمة (عليهم السلام) من تراث وسيرة، وأهل السنة ينفون دلالة الايات والروايات وما يؤثر من تراث خاص عن الائمة.
والمسألة مسألة علمية ومفتوحة لكل باحث وتبقى مفتوحة حتى ظهور المهدي بن الحسن العسكري الذي يدعيه الشيعة ويثبت هويته للعالم بوسائله التي اعدها لذلك.
نظرية الحكم
نتناولها أولا في الفكر السني.
نظرية الحكم في الفكر السني:

ويهمنا من بحث نظرية الحكم هنا ثلاثة امور بشكل مختصر وهي:
الامر الاول: الشخص المؤهل لاقامة الحكم الاسلامي
الذي نحرزه وان لم يحضرنا موضعه في كتاب معين هو ان الفكر السني يميز في هذا الامر بين فترتين:
الفترة الاولى فترة وجود النبي: والشخص المستحق للحكم هو النبي وحده لمكان نبوته ورسالته ويحرم تقدم أي شخص على النبي في هذا الموقع وفي غيره لكونه اولى بكل مسلم من نفسه ورسالته قال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) الأحزاب/٦. وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ الله وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الحجرات/١. وغيرها وفي الواقع فإن هذه المسالة من البديهيات.
الفترة الثانية فترة ما بعد النبي (صلى الله عليه وآله): ويرى مفكرو اهل السنة ان المؤهل للحكم هو العالم بالكتاب والسنة وان الصحابة كلهم مؤهلون على تفاضل بينهم في العلم والكفاءة. وفي جيل ما بعد الصحابة يشترط الكثير من الفقهاء في الحاكم ان يكون فقيها. قال الشريف الجرجاني في شرحه على مواقف عضد الدين: (الجمهور على ان الامامة ومستحقها من هو مجتهد في الاصول والفروع)(١١).
الامر الثاني: الطريقة التي توصل الشخص المؤهل الى موقع الحكم ومصدر سلطة الحاكم
يرى فقهاء اهل السنة ان الطريقة المشروعة التي توصل الانسان الى الحكم وتمنحه السلطة هي البيعة، والاساس في ذلك سنة النبي (صلى الله عليه وآله) مع ملاحظة ان النبي ينص القرآن على ولايته، وهناك من الفقهاء من اعطى مشروعية لما يسمى بالامر الواقع او الغلبة، ففي حالة اختلاف الناس وكثرة المتصدين وكون كل متصدي له جماعة بايعته على القتال يكون الحكم شرعا لمن غلب كما في حالة مروان وابنه عبد الملك وغيرهما.
ولا خلاف عند مؤرخي الاسلام ان البيعة التي تمت في عهد الرسول وقامت دولة الرسول على أثرها كانت قد تمت من قبل سبعين شخصا وامرأتين ممثلين عن اهل المدينة وهي بيعة العقبة الثانية المشهورة، وأكد هذا التمثيل استقبال غالبية اهل المدينة للنبي عندما قدم الى المدينة.
ثم اختلف فقهاء السنة بعد ذلك هل تنعقد الحكومة ببيعة الواحد والاثنين والخمسة وبعهد الحاكم السابق؟
قال الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) في الاحكام السلطانية(١٢) وأبو يعلى (ت: ٤٥٨ هـ) في الاحكام السلطانية(١٣): تنعقد الامامة باختيار أهل الحلّ والعقد، وبعهد الامام من قبل.
فأمّا انعقادها باختيار أهل الحلّ والعقد، فقد اختلف العلماء في عدد مَن تنعقد به الامامة منهم على مذاهب شتّى:
فقالت طائفة: لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل العقد والحلّ من كلّ بلد ليكون الرضا به عامّاً والتسليم لامامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر (رضي الله عنه) على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.
وقالت طائفة اُخرى: اقلّ من تنعقد به منهم الامامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الاربعة استدلالاً بأمرين أحدهما: أنّ بيعة أبي بكر (رضي الله عنه) انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثمّ تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، واُسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة (رضي الله عنه). والثاني: أنّ عمر (رضي الله عنه) جعل الشورى في ستّة ليعقد لاحدهم برضا الخمسة. وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلّمين من أهل البصرة.
وقال آخرون من أهل الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاّها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكماً وشاهدين كما يصحّ عقد النكاح بولىّ وشاهدين.
وقالت طائفة اُخرى: تنعقد بواحد، لانّ العباس قال لعلي رضوان الله عليهما: اُمدد يدك اُبايعك، فيقول الناس عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بايع ابن عمّه، فلا يختلف عليك اثنان، ولا نّه حكم وحكم واحد نافذ) (١٤).
(وأمّا انعقاد الامامة بعهد من قبله، فهو ممّا انعقد الاجماع على جوازه ووقع الاتّفاق على صحّته لامرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما، أحدهما: أنّ أبا بكر (رضي الله عنه) عهد بها إلى عمر (رضي الله عنه) فأثبت المسلمون إمامته بعهده. والثاني: أنّ عمر (رضي الله عنه) عهد بها إلى أهل الشورى... لانّ بيعة عمر (رضي الله عنه) لم تتوقّف على رضا الصحابة، ولانّ الامام أحقّ بها)(١٥).
وقال إمام الحرمين الجويني (ت: ٤٧٨ هـ) في باب الاختيار وصفته وذكر ما ينعقد به الامامة من كتاب الارشاد: (إعلموا أ نّه لا يشترط في عقد الامامة الاجماع، بل تنعقد الامامة وإن لم تجمع الاُمّة على عقدها. والدليل عليه أنّ الامامة لمّا عقدت لابي بكر ابتدر لامضاء أحكام المسلمين، ولم يتأنّ لانتشار الاخبار إلى من نأى من الصحابة في الاقطار، ولم ينكر عليه منكر، ولم يحمله على التريّث حامل. فإذا لم يشترط الاجماع في عقد الامامة، لم يثبت عدد معدود، ولا حدّ محدود، فالوجه الحكم بأنّ الامامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلّ والعقد)(١٦).
وقال الامام ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ): (لا يلزم في عقد البيعة للامام أن تكون من جميع الانام، بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد)(١٧).
وقال الشيخ الفقيه الامام العلاّمة المحدّث القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) في المسألة الثامنة في تفسير (إنِّي جاعِلٌ في الارْضِ خَلِيفة) البقرة / ٣٠، من تفسير سورة البقرة: (فإن عقدها واحد من أهل الحلّ والعقد فذلك ثابت، ويلزم الغير فعله، خلافاً لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلاّ بجماعة من أهل الحلّ والعقد. ودليلنا أنّ عمر (رضي الله عنه) عقد البيعة لابي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك، فوجب ألاّ يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود).
وقال الامام أبو المعالي: (من انعقدت له الامامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغيّر أمر، قالوا هذا مجمع عليه).
وقال في المسألة الخامسة عشرة من تفسير الاية: (إذا انعقدت الامامة باتّفاق أهل الحلّ والعقد أو بواحد على ما تقدّم وجب على الناس كافّة مبايعته)(١٨).
وقال عضد الدين الايجي (ت: ٧٥٦ هـ) في المواقف: المقصد الثالث في ما تثبت به الامامة، ما ملخّصه: أ نّها تثبت بالنصّ من الرسول، ومن الامام السابق بالاجماع، وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد خلافاً للشيعة. دليلنا ثبوت إمامة أبي بكر (رضي الله عنه) بالبيعة.
وقال: إذا ثبت حصول الامامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أنّ ذلك لا يفتقر إلى الاجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحلّ والعقد كاف، لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لابي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع مَن في المدينة فضلاً عن إجماع الاُمّة. هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه انطوت الاعصار إلى وقتنا هذا(١٩).
ونقل أبو يعلى الفرّاء الحنبلي في الاحكام السلطانية(٢٠) قول بعضهم: إنّها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد... ومن غلب عليهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لاحد يؤمن بالله واليوم الاخر أن يبيت ولا يراه إماماً برّاً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين... وقال في الامام يخرج عليه من يطلب الملك فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم: (تكون الجمعة مع من غلب) واحتجّ بأنّ ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة وقال: (نحن مع من غلب)(٢١).
الامر الثالث: الموقف من الحاكم إذا خالف الشريعة 
يوجد اتجاهان فقهيان لدى أهل السنة في هذه المسالة احدهما يحرم الخروج على الحاكم الظالم والثاني تؤيد الخروج.
قال النووي في شرحه بباب لزوم طاعة الاُمراء في غير معصية: (وقال جماهير أهل السنّة من الفقهاء والمحدّثين والمتكلّمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للاحاديث الواردة في ذلك). وقال: (وأمّا الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الاحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنّة أ نّه لا ينعزل السلطان بالفسق)(٢٢).
وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيّب الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) في كتاب التمهيد(٢٣) في باب ذكر ما يوجب خلع الامام وسقوط فرض طاعته ما ملخّصه: (قال الجمهور من أهل الاثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الامام بفسقه وظلمه بغصب الاموال، وضرب الابشار، وتناول النفوس المحرّمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله. واحتجّوا في ذلك بأخبار كثيرة متظافرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعن الصحابة في وجوب طاعة الائمة وإن جاروا واستأثروا بالاموال، وأ نّه قال (عليه السلام): اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع، ولو لعبد حبشي، وصلّوا وراء كلّ برّ وفاجر. وروي أ نّه قال: أطِعْهم وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك).
وهناك من تحدث من الفقهاء عن عزل الحاكم لفسقه وجوره كالشافعي والغزالي في احياء علوم الدين(٢٤).
قال عضد الدين الايجي: (للامة خلع الامام وعزله بسبب) المواقف ج ٨ /٣٥٣ وقال الشارح: مثل ان يوجد منه ما يوجب اختلال احوال المسلمين وانتكاس امور الدين كما لهم نصبه واقامته لانتظامها وإعلائها.
وقال ابن حزم: فهو الامام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله وينة رسوله (صلى الله عليه وآله) فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك وأقيم عليه الحد والحق فإن لم يؤمن أذاه الا بخلعه خلع وولي غيره(٢٥).
نظرية الحكم في الفكر الشيعي:
الامر الاول: الشخص المؤهل لاقامة الحكم الاسلامي 
يميز الفكر الشيعي من هذه الناحية بين ثلاث فترات:
الفترة الاولى: هي فترة النبي (صلى الله عليه وآله) ويلتقي الفكر السني مع الفكر الشيعي من ناحية كون الشخص الوحيد المؤهل والمستحق للحكم هو النبي وحرمة تقدم غيره عليه في هذه الناحية وفي غيرها للنص القرآني (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) الأحزاب/٦.
الفترة الثانية: وهي فترة الائمة الاثني عشر وهذه الفترة هي موضع الخلاف بين الشيعة وأهل السنة حيث يرى الشيعة ان هؤلاء الائمة الاثني عشر لهم امتياز في الحكم كامتياز النبي لانتقال ولايته اليهم (من كنت مولاه فعلي مولاه) فكل واحد منهم في زمانه هو المؤهل الوحيد وحرمة تقدم شخص آخر عليه.
الفترة الثالثة: وهي فترة غيبة الامام الثاني عشر المهدي بن الحسن العسكري (عليهما السلام)ولا يختلف الشيعة في كون الشخص المؤهل لتنفيذ الاحكام هو الفقيه العادل. وانما اختلفوا في سعة صلاحياته وضيقها كما سيأتي.
قال الشيخ المفيد (ت٤١٣) في المقنعة: اما اقامة الحدود فهو إلى سلطان الاسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم ائمة الهدى من آل محمد (عليهم السلام)، ومن نصبوه لذلك من الامراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الامكان. فمن تمكن من إقامتها على ولده وعبده، ولم يخف من سلطان الجور إضرارا به على ذلك، فليقمها. ومن خاف من الظالمين اعتراضا عليه في إقامتها، أو خاف ضررا بذلك على نفسه، أو على الدين، فقد سقط عنه فرضها.
وكذلك إن استطاع إقامة الحدود على من يليه من قومه، وأمن بوائق الظالمين في ذلك، فقد لزمه إقامة الحدود عليهم، فليقطع سارقهم، ويجلد زانيهم، ويقتل قاتلهم. وهذا فرض متعين على من نصبه المتغلب لذلك على ظاهر خلافته له أو الامارة من قبله على قوم من رعيته، فيلزمه إقامة الحدود، وتنفيذ الاحكام، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار ومن يستحق ذلك من الفجار، ويجب على إخوانه من المؤمنين معونته على ذلك إذا استعان بهم ما لم يتجاوز حدا من حدود الايمان، أو يكون مطيعا في معصية الله تعالى من نصبه من سلطان الضلال. فإن كان على وفاق للظالمين في شئ يخالف الله تعالى به لم يجز لاحد من المؤمنين معونته فيه، وجاز لهم معونته بما يكون به مطيعا لله تعالى من إقامة وإنفاذ حكم على حسب ما تقتضيه الشريعة دون ما خالفها من أحكام أهل الضلال.
وللفقهاء من شيعة الائمة (عليهم السلام) أن يجمعوا بإخوانهم في الصلوات الخمس وصلوات الاعياد، الاستسقاء، والكسوف، والخسوف، إذا تمكنوا من ذلك، وأمنوا فيه من معرة أهل الفساد. ولهم أن يقضوا بينهم بالحق، ويصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم البينات، ويفعلوا جميع ما جعل الى القضاة في الاسلام لان الائمة عليهم السلام قد فوضوا إليهم ذلك عند تمكنهم منه بما ثبت عنهم فيه من الاخبار، وصح به النقل عند أهل المعرفة به من الآثار(٢٦).
الامر الثاني: الطريقة التي توصل الشخص المؤهل الى موقع الحكم ومصدر سلطة الحاكم 
لا يختلف الشيعة حول سلطة النبي والائمة الاثني عشر في الحكم ان مصدرها النص من الله على نبيه في القرآن او النص من نبيه على علي (عليه السلام) ومادور البيعة الا دور النصرة والتمكين.
قال السيد كاظم الحائري: ان المعصوم (عليهم السلام) على رغم ان له ولاية الامر والحكومة بتشريع من قبل الله تعالى لم يكن من المقرر الهيا ان يرضخهم لما له من حق الحكومة بالاكراه الاعجازي، كما انه لا تجبر الامة على الاحكام الاخرى كالصلاة والصوم بالجبر الاعجازي والا لبطل الثواب والجزاء، لان الناس يصبحون مسيرين عن غير اختيار. بل كان من المقرر ان يصل المعصوم الى السلطة بالطرق الاعتيادية ومن الواضح الوصول الى السلطة بالطريق الاعتيادي وبغير الاعجاز ينحصر في وجود ناصرين له من البشر، فكان اخذ البيعة منهم لاجل التأكد من وجود ثلة كافية من الامة تعهدوا بنصر المعصوم والعمل معه في جهاده وسائر اموره الحكومية ولولاهم لعجز المعصوم حسب القوة البشرية ومن دون الاعجاز عن تحقيق السلطة والحكومة خارجا(٢٧).
ويختلف فقهاء الشيعة في تشخيص مصدر سلطة الفقيه وفي حدودها سعة وضيقا.
فمنهم من حصرها في نطاق الامور الحسبية(٢٨) وهناك من وسعها لتشمل ما كان المعصوم يمارسه من ولاية في المجتمع وهؤلاء ينظرون الى البيعة على ان دورها ايضا دور تأكيدي لا غير(٢٩).
وهناك من الفقهاء من يرى ان الفقيه ليست له ولاية الا بعد بيعة جمهور الامة حيث ان منشأ ولايته هو البيعة والنصوص جاءت لتفيد ان غير الفقيه ليس مؤهلا لهذا الموقع(٣٠).
الأمر الثالث: الموقف من الحاكم اذا خالف احكام الشريعة
ان الموقف الشيعي من هذا المسألة ينبغي ان يعالج في فترتين وهما:
الفترة الاولى: فترة وجود الامام المعصوم ظاهرا في المجتمع: والثابت من سيرة الائمة (عليهم السلام) والمعروف من اقولهم انهم يرون القيام ضد الحاكم الجائر في حالة توفر الناصر الكافي مع عدم وجود تعهد بعدم القيام من قبل الامام ومع ذلك الحاكم، وأوضح مثال هو موقف الامام الحسين (عليه السلام) من معاوية حيث توفرت كل مبررات القيام بوجهه وبخاصة بعد قتل حجر واصحابه (رض) ومع ذلك لم يقم واوصى شيعته بالسكوت الى ما بعد وفاة معاوية ثم رأيناه يقبل بيعة وجوه اصحاب ابيه على نصرته ضد الامويين بعد موت معاوية ليطيح بالنظام الذي اسسه وشيده.
وحين لا تتوفر شروط القيام من وجود الناصر وغيره يكون السكوت والتقية وعدم اظهار الخلاف السياسي هو الموقف كما سكت بقية الائمة من ذرية الحسين (عليه السلام). وكلام علي (عليه السلام) في خطبته المعروفة بالشقشقية يوضح الموقف تماما قال (عليه السلام): (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لالقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها)(٣١).
الفترة الثانية: فترة الغيبة والمعروف بين فقهاء عصر الغيبة اتجاهان فقهيان الاتجاه الاول: وهو عين الاتجاه الذي عرضناه آنفا من سيرة الائمة (عليهم السلام). الاتجاه الثاني: ويلتزم التقية الى ظهور المهدي (عليه السلام) ودليله بعض الروايات من قبيل رواية الكليني في الكافي بسند صحيح عن الامام الصادق (عليه السلام): (كل راية ترفع أو تخرج قبل قيام القائم فهي راية ضلال) وغيرها.
مصطلح الامام في الفكر الشيعي الاثني عشري
ورد لفظ الامام في التراث الفكري الشيعي على ثلاثة معاني:
المعنى الاول:
وهو معنى خاص ويراد به من له منزلة النبي (صلى الله عليه وآله) الا النبوة والازواج التي اشرنا اليها أي انه حجة في قوله وفعله وتقريره حيا وميتا، وأول أئمة بهذا المعنى هو النبي (صلى الله عليه وآله)، وعقيدة الشيعة ان هذا المعنى للامامة استمر بعد النبي في إثني عشر شخصاً من أهل بيته بوصية من النبي وبأمر من الله تعالى.
ولهذا المعنى من الامامة ياتي شرط العصمة والنص وحصرها في علي والحسن والحسين ثم في تسعة من ذرية الحسين كما حصرت الامامة بعد إبراهيم في ذريته اسماعيل ثم اسحاق ثم يعقوب ثم حصرت في ذريته قال الله تعالى: (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُك لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة/١٢٤. وقالى الله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) الانبياء/٧٢-٧٣. إنَّ إسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط كانوا أئمة هدى يهدون الناس الى سنة إبراهيم بأمر الله تعالى.
روى أبو عمرو الزبيري عن أبى عبد الله (عليه السلام) قوله: (ان مما استحقت به الإمامة(٣٢) التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبقة التي توجب النار، ثم العلم المكنون بجميع ما تحتاج إليه الأمة حلالها وحرامها والعلم بكتابها خاصة وعامه والمحكم والمتشابه ودقائق علمه وغرائب تأويله وناسخه ومنسوخة.
(قال ابو عمرو) قلت: وما الحجة بأن الإمام لا يكون إلا عالما بهذه الأشياء التي ذكرت؟.
قال (الامام الصادق) (عليه السلام): قول الله فيمن أذن لهم بالحكومة وجعلهم أهلها(٣٣) (انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون) فهذه الأئمة دون الأنبياء الذين يربون الناس بعلمهم(٣٤). وأما (الأحبار) فهم العلماء دون الربانيين. ثم اخبرنا فقال: (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) ولم يقل بما حملوا منه(٣٥).
والشاهد قوله (عليه السلام) فهذه الائمة دون الانبياء فقد استعملت هنا بمعنى الحجة والهادي المجعول من الله تعالى لاشتراط صفة الطهارة والعلم المصون من الاشتباه.
وروى محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا امام له من الله فسعيه غير مقبول...(٣٦).
المعنى الثاني:
وهو معنى عام ويراد به منصب الحكومة وإقامة الحدود سواء شغل هذا المنصب شخص المعصوم او شغله غيره، وهذا المعنى يعتقد الشيعة فيه انه للنبي (صلى الله عليه وآله) في زمانه ومن بعده للائمة الاثني عشر (صلى الله عليه وآله) في زمانهم. وقد انتشر هذا المعنى لللفظة عند متكلمي السنة وفقهائهم منذ القرن الاول الهجري الى اليوم، اما عند الشيعة فقد بقي منحصرا في التراث الروائي لأهل البيت (عليهم السلام) ولم يستخدم في التراث الفقهي الا عند ثلة معاصرة منهم قبيل الثورة الاسلامية في ايران وقبلها.
روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له رجل جنى علي أعفو عنه او ارفعه الى السلطان قال هو حقك ان عفوت عنه فحسن وأن رفعته الى الامام فإنما حقك طلبت(٣٧).
فالامام في الرواية مرادف للسلطان والحاكم كما في الآية الآتية ايضاً.
روى بريد بن معاوية قال سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ) قال ذلك مفوض الى الامام يفعل ما يشاء قلت فموض ذلك اليه قال لا ولكن نحو الجناية(٣٨). وفي رواية قال (عليه السلام) (ان قتله وصلبه وان شاء قطع يده ورجله(٣٩). وفي رواية عبد الله بن ابي طلحة قال يحكم عليه الحاكم بقدر ما عمل وينفى ويحمل في البحر ويقذف به(٤٠).
المعنى الثالث:
وهو معنى خاص يراد به خصوص الاثني عشر وصيا للنبي حيث اصبحت علما خاصا لهم (عليه السلام) لغلبة استعماله من قبل الشيعة فيهم (عليه السلام)، وصار يدل ايضا على المعنى الاول والثاني معا باعتبار التقاء المعنيين في عصر الائمة الاثني عشر في شخصهم (عليه السلام)، فهم حجج الله بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وهم المؤهلون وحدهم للحكم في زمانهم، وقد ساد هذا المعنى لدى المتكلمين للشيعة حيث كانوا معنيين بإثبات كلا المعنيين للامامة لهؤلاء الاثني عشر لا غير، ولم يكونوا معنيين بمسألة الحكم كمسألة مستقلة.
قال الشيخ الطوسي: (وقولنا إمام يستفاد منه أمران: أحدهما أنه مقتدى به في أفعاله وأقواله من حيث قال وفعل، لان حقيقة الامام في اللغة هو المقتدى به، ومنه قيل لمن يصلى بالناس: إمام الصلاة. والثانى أنه يقوم بتدبير الامة وسياستها وتأديب جناتها والقيام بالدفاع عنها وحرب من يعاديها وتولية ولاية من الامراء والقضاة وغير ذلك واقامة الحدود على مستحقيها(٤١).
وبسبب صيرورة اللفظة علَما بالغلبة على المعصومين الاثني عشر تحاشى فقهاء الشيعة استخدام هذا اللفظ وإطلاقه على علمائهم وفقهائهم الا في القرن الاخير حيث اطلق على مرجع الدين نظير اطلاقه من قبل أهل السنة على الفقهاء والمحدثين سابقا.
الخلاصة
يتضح من هذه الدراسة المختصرة امور:
١. ان الفرق الجوهري بين السنة والشيعة ليس في النظرية السياسية او نظام الحكم بل في مسألة وجود اثني عشر وصياً معصوما للنبي (صلى الله عليه وآله) وان منزلتهم في بيان القرآن وأحكام الشريعة كمنزلة النبي سواء كان هذا البيان قوليا او سيرة عملية وان هؤلاء الاوصياء الاثني عشر لهم امتياز في الحكم كامتياز النبي (صلى الله عليه وآله) فاثبت ذلك الشيعة ونفاه أهل السنة.
٢. ان الاصل في وجود المعصومين المنصوص عليهم من اهل بيت النبي بعد النبي (صلى الله عليه وآله) المؤيدين بمؤيدات الهية خاصة ليس لان الحكم الاسلامي بحاجة الى معصوم بل لان الرسالة الخاتمة بحاجة الى صيانة من الاجتهادات الخاطئة التي قد تصبح جزءا من الرسالة بحكم قربها من عهد الرسول(٤٢) وايضا بحاجة الى توضيح تفاصيلها في حوادث نوعية في المجتمع الاسلامي سوف تحصل بعد النبي تحتاج الى موقف معصوم يستهدى به من قبيل ما حصل في عهد ابي بكر حين حارب الممتنعين عن الزكاة مع اقرارهم بها وسبى نساءهم ولم يفرق بينهم وبين غيرهم من المرتدين بعد النبي او سائر المشركين، حتى جاء علي (عليه السلام) وسار بسيرة اخرى مع مقاتليه في الجمل ولما نهى جيشه عن النساء اللواتي كن في الجيش اعترضوا عليه قائلين كيف تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا نساؤهم؟ قال كذلك السيرة في أهل القبلة. وقال لهم ان لم تصدقوني واكثرتم عليَّ فأيكم يأخذ امه عائشة؟ قالوا لا، أينا يا أمير المؤمنين بل اصبت وأخطأنا وعلمت وجهلنا، هذا بالاضافة الى ان جيل النبوة يوجد فيه منافقون لميعرفهم حتى النبي قال تعالى (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم)التوبة/١٠١ وهؤلاء سوف يقومون بالرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وسوف لا يتحرجون من الكذب على النبي (صلى الله عليه وآله) والناس لا يعلمون انه كذب ويقولون هو احد اصحاب النبي وبذلك تحدث بلبلة فكرية لا مخرج منها الا بوجود الراوي المعصوم والمبيِّن المعصوم ويتأكد ذلك حين ترتبط روايات هؤلاء بتشخيص المصاديق الواقعية من الايات المتشابهة التي يتوقف تشخيص مصداقها الواقعي على بيان النبي.
٣. بعد مرور تجارب معصومة من قبل الاثني عشر سواء في الاستنباط من الكتاب والسنة او في الرواية عن النبي او في المواقف العملية من الحوادث تكون الامة قد استوعبت تراثا هاديا وفكرا وسيرة في الظروف المختلفة تعكس بامانة احكام الاسلام، يصونها من الوقوع في الاختلاف الفكري المستعصي على الحل وتقل اخطاؤها فيما لو استأنفت الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية لوحدها وتكون اخطاؤها لو حصلت / وهي تحصل بشكل طبيعي / في استنباط الفكر او الموقف العملي اقل ضررا على الرسالة مما لو استأنفت الحياة دون تجارب هؤلاء الاوصياء المعصومين، وفي هذا السياق يتضح الوجه الايجابي(٤٣) لغيبة المعصوم فان من ابرز حكم الغيبة واسرارها الواضحة هي اتاحة الفرصة للامة التي حملت تراث الائمة الاثني عشر ان تمارس مسؤولياتها الفكرية والعلمية والسياسية على اساس فهمها البشري غير المعصوم للكتاب والتراث الفكري الذي خلفته التجربة المعصومة للنبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام)، وتأتي فكرة عودة المعصوم الغائب في آخر الدنيا وظهوره مرة ثانية على المسرح الاجتماعي والسياسي لأجل تقييم التجارب السابقة للمسيرة غير المعصومة والكشف عن مستوى تمثيلها وصدق تعبيرها وأمانتها، ولاجل تحقيق الوعد الالهي المذكور في قوله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء/١٠٥ ويتمثل هذا الوعد بحياة حرة سعيدة في ظل النظام الالهي على الارض كلها حيث تستأصل كل عوامل الاختلاف والانحراف المؤدية الى الشر والفساد.
٤. ان البيعة والشورى ليستا في قبال النص بل يقعان على امتداده، فأهل السنة حين يتحدثون عن نظرية الحكم في زمن النبي يقدمونها على اساس النص على شخص الحاكم وهو النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يحق لأحد في زمانه ان يتقدم عليه، وتأتي البيعة في طول هذه النص وليست في عرضه، فالنص يشخص من هو المؤهل للحكم والبيعة يجب ان تتم مع المنصوص عليه بشخصه وهو النبي في القرآن. فهم لا يختلفون عن الشيعة من هذه الناحية الا فيما ذكرناه آنفا من وجود اثني عشر بعد النبي لهم هذه المنزلة في الحكم أي ان النص من النبي على اشخاصهم يمنحهم الحق، والبيعة يجب ان تتم معهم لا مع غيرهم. وهو ما يؤثر عن علي (عليه السلام) حين طولب بالبيعة قال: (انا احق بهذا الامر منكم لا ابايعكم وانتم اولى بالبيعة لي)(٤٤) وقال: ان فلانا وفلانا قد بايعاني وطالباني بالبيعة لمن سبيله ان يبايعني(٤٥).
ومن هنا يتضح خطأ ابن ابي الحديد حين جعل الكلمات المأثورة عن علي (عليه السلام) في البيعة علامة على بطلان مذهب الشيعة في القول ان الامامة بالنص، وكذلك يتضح خطأ تفسير هذه الكلمات من علي (عليه السلام) على انها صدرت تقية بتصور ان المنصوص عليه ليس بحاجة الى بيعة الناس، والواقع ان فائدة البيعة لا تنحصر بمنح الشرعية للشخص المبايع، بل هناك فائدة اخرى تتمثل بمنحه القدرة على النهوض بالامر وهذه الفائدة هي المتصورة عند وقوعها مع النبي أو مع أوصيائه المعصومين الاثني عشر الذين لهم منزلته وولايته (صلى الله عليه وآله).
٥. الرأي القائل بأن ولاية الفقيه وسلطته الواسعة جدا قائمة على النص وليس على بيعة الامة ليس هو الراي الوحيد الذي ينتجه التراث الامامي الاثنا عشري الذي يقوم على العقيدة بالغيبة وانتظار ظهور الامام الثاني عشر (عليه السلام)، بل يوجد الى جانبه رأي آخر يقول ان الفقيه يستمد سلطته من البيعة ولا سلطة له قبلها، وهو رأي مشروع ومعترف به ولم يُتَّهَم اصحابُه بانهم خرحوا عن مسلمات الفكر الامامي الاثني عشري القائم على العقيدة بالمهدي (عليه السلام) وانتظار ظهوره. وفي ضوء ذلك بالامكان ان تقوم حكومة على رأسها فقيه يستمد سلطته من الامة فيما لو رأى جمهور الامة بيعة ذلك الفقيه، وفي الحقيقة حتى الفقيه الذي يرى ان سلطته قائمة على اساس النص تبقى سلطته هذه من دون واقعية وفعلية على الساحة السياسية ما لم يبايعه الناس وبسطوا يده ويمنحوه القدرة على النهوض بمشروعه السياسي. وكذلك الحال في الراي القائل بوجوب التقية وعدم الثورة في عصر الغيبة عند توفر شروطها ليس هو الراي الوحيد الذي ينتجه الاعتقاد بغيبة الثاني عشر إذ يوجد الى جنبه راي آخر هو عكسه، وكذلك الحال في تعطيل الحدود فيوجد الى جنبه الراي القائل بتنفيذها من قبل الفقيه عند توفر القدرة. ويتضح من ذلك ان العقيدة بغيبة المهدي وانتظار ظهوره تجتمع مع هذه الآراء الفقهية المتنوعة والمتعارضة والسر في ذلك هو ان هذه الاراء هي مسائل فقهية تعكس افهام الفقهاء لادلة هذه المسائل، وهم حين يختلفون في مسائل الفقه تبعا لما يفهمه كل واحد منهم من النص وفق قواعد فهم النص، يتفقون على مسألة غيبة المهدي وانتظار ظهوره حين ينظرون الى ادلتها، نعم قد يختلفون في بيان حكمة الغيبة واسرارها وليس من شك ان هذه الاسرار والحكم المستنبطة ليس جزءا من المعتقد.
٦. ورد لفظ الامامة في التراث الفكري الشيعي على ثلاثة معاني:
المعنى الاول: وهو معنى خاص ويراد به منصب الحجة على الخلق بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وهذا المعنى ينحصر باثني عشر من اهل بيت النبي وتلحق بهم الزهراء (عليها السلام) في ذلك.
المعنى الثاني: وهو معنى عام ويراد به منصب الحكومة وإقامة الحدود سواء شغل هذا هذه المنصب المعصوم او شغله غيره، وهذا المعنى يعتقد الشيعة فيه انه للنبي (صلى الله عليه وآله) ومن بعده للائمة الاثني عشر (صلى الله عليه وآله) ومن بعده للفقهاء العدول. وقد انتشر هذا المعنى للفظة عند متكلمي السنة وفقهائهم منذ القرن الاول الهجري الى اليوم، اما عند الشيعة فقد بقي منحصرا في التراث الروائي ولم يستخدم في التراث الفقهي الا عند ثلة معاصرة منهم قبيل الثورة الاسلامية في ايران.
المعنى الثالث: وهو معنى خاص يراد به خصوص الاثني عشر وصيا للنبي حيث اصبحت علما خاصا لهم (عليهم السلام) لغلبة استعماله من قبل الشيعة فيهم (عليهم السلام)، وصار يدل ايضا على المعنى الاول والثاني معا باعتبار التقاء المعنيين في عصر الائمة الاثني عشر في شخصهم (عليهم السلام)، وهو المراد به عند متكلمي الشيعة في كتبهم الكلامية المشهورة.

الحلقة الاولى: الرد على الشبهات التي اثارها احمد الكاتب حول العقيدة الاثني عشرية
مقدمة الطبعة الثانية للحلقة الأولى

صدرت الطبعة الاولى من هذا الكتاب في شهر ربيع الاول سنة (١٤١٧هـ) وتلقتها الاوساط العلمية والثقافية بإستحسان ورضا تجاوز ظني وكانت قد انطوت على اخطاء طباعية استدركتها في هذه الطبعة مع إضافات وإعادة صياغة بعض المطالب، ثم رأيت ان أضيف إلى بحوث الكتاب ملحقاً بترجمة عدد من الاعلام الذين ورد ذكرهم بأمل استيفائهم في المستقبل ان شاء الله(٤٦).

المؤلف
جمادى الاولى ١٤١٧

المقدمة

هذه أوراق متواضعة تكفلت الرد على بعض الشبهات التي وجهت ضد الاسلام والتشيع.
وقصة إثارة الشبهات أمام التشيع بمفهومه الخاص(٤٧) قديمة وهي لا تنقطع إلا بظهور المهدي محمد بن الحسن العسكري (عجل الله فرجه) مؤيَّداً بالبراهين الالهية ومصدِّقا لحركة آبائه (عليهم السلام) وشيعتهم وهي في ذلك نظير قصة إثارة الشبهات أمام رسالة محمد (صلى الله عليه وآله) من قبل أهل الكتاب التي لا تنتهي إلا بظهور عيسى بن مريم (عليه السلام) مؤيداً بالبراهين الالهية ومصدِّقاً برسالة محمد (صلى الله عليه وآله) ومتعبداً بشريعته.
وكما لم يؤمن أكثر أهل الكتاب برسالة الاسلام على الرغم من وضوح دلائل صدقها، وراحوا يثيرون الشبهة تلو الشبهة على مر القرون وقابلهم علماء المسلمين بالرد على شبهاتهم إتماماً للحجة وإزاحةً للعقبة من طريق الحق (لِّيَهْلِك مَنْ هَلَك عَن بَيِّنَة ويَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة) الانفال/٤٢.
كذلك لم يتشيع أكثر المسلمين لاهل البيت (عليهم السلام) ولم يقفوا عليهم في الحلال والحرام على الرغم من تواتر حديث الغدير وحديث الثقلين وحديث المهدي (عليه السلام) وصحة حديث (الائمة من بعدي اثنا عشر) وغيرها. وراحوا يثيرون الشبهة تلو الاخرى تارة بتضعيف سند الحديث وأخرى بتحريف دلالته وثالثة بدفع واقعه التطبيقي، وقد قابلهم علماء الشيعة بالرد على شبهاتهم إتماماً للحجة وإزاحة للعقبة من طريق الحق (لِّيَهْلِك مَنْ هَلَك عَن بَيِّنَة ويَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة) الانفال/٤٢.
وعلى الرغم من دور الشبهة السلبي في تطويق انتشار الحق ومحاصرة أهله / وهو الهدف من إثارتها / فإن للشبهة دوراً إيجابياً في تحريك أهل الحق وبعث هممهم للبحث والتنقيب ومن ثم إغناء الساحة الفكرية بما يزيد الحقيقة جلاءً ووضوحاً وهو هدف غير مقصود من قبل أصحاب الشبهة.
فهل ينسى دور شبهات المبشرين في بعث همة العالم السني محمد رحمة الله العثماني(٤٨) ليؤلف كتابه (إظهار الحق).
أو ينسى دور شبهاتهم وردودهم في كتابهم (الهداية) على كتابه (إظهار الحق) في بعث همة العالم الشيعي محمد جواد البلاغي ليؤلف (الهدى إلى دين المصطفى) و(الرحلة المدرسية).
أو ينسى دور شبهات الزيدية في فترة الغيبة الصغرى في بعث همة الشيخ النعماني (ت٣٦٢هـ) ليؤلف كتاب (الغيبة) أو الشيخ محمد بن علي بن بابويه (ت٣٨١هـ) ليؤلف كتابه (إكمال الدين).
أو ينسى دور شبهات كتاب (المغني)(٤٩) للقاضي عبد الجبار في بعث همة السيد المرتضى (ت٤٣٦هـ) ليؤلف كتابه (الشافي في الامامة)(٥٠).
أو ينسى دور شبهات كتاب (التحفة الاثنا عشرية) تأليف شاه عبد العزيز الدهلوي الهندي في بعث همة السيد مير حامد حسين الهندي (ت١٣٠٦هـ) ليؤلف كتابه (عبقات الانوار)(٥١).
أو ينسى دور شبهات حاول أصحابها ربط ظهور التشيع بمفهومه الخاص بعبد الله بن سبأ في بعث همة العلامة الاميني ليؤلف موسوعته (الغدير) وفي بعث همة العلامة العسكري ليؤلف كتاب (خمسون ومأة صحابي مختلق) وكتاب (رواة مختلقون) وكتاب (عبد الله بن سبأ)(٥٢).
وهكذا فان فرائد الكتب والدراسات في حقل النبوة والامامة والسيرة والتاريخ إنما هي نتائج البحث في رد الشبهات.
ولا أزعم أنني في هذه الاوراق سوف أقدم نظير ما قدمه أولئك الفطاحل ولكني أحاول ان أيسر للباحث عن الحقيقة بعض ما قدموه بشكل مختصر وبخاصة وان الشبهات هي الشبهات وان كتّابها ومثيريها يأخذ بعضهم من بعض في أغلب الاحيان.
اخترت قارئي الكريم للحلقات الاولى من أوراق الرد هذه شبهات وشكوكاً أثارها احمد الكاتب حول الشيعة والتشيع في نشرته (الشورى)(٥٣) وكتبه الثلاثة المتداولة بالدسك الكومبيوتري. فقد انكر ولادة المهدي محمد بن الحسن العسكري (عليهما السلام) وغيبتة وجعل القول بذلك من ابتكار النواب الاربعة، ونفى أيضاً صحة الاحاديث النبوية في الائمة الاثني عشر الواردة عند الشيعة والسنة وادعى ان العقيدة باثني عشر إماماً لم يكن لها أثر في القرن الثالث الهجري وانها كانت وليدة القرن الرابع الهجري هذا مضافاً إلى نفيه القول بأصل الوصية والنص على الائمة المعصومين بعد النبي وربط ذلك بعبد الله بن سبأ.
وهذه الشبهات وغيرها وان كانت تكراراً لشبهات الزيدية والمعتزلة وأهل التسنن وقد كتب علماؤنا في الرد عليها آلاف الصفحات ومئات الكتب غير أني كما قلت آنفاً أحاول في هذه الاوراق ان اختصر الرد وأيسره لطلاب الحقيقة وبخاصة وان كثيراً منهم لا يتسع وقته لمراجعة مطولات الكتب ولا مختصراتها.
وقد كرست فاتحة هذه الحلقات لتسع شبهات مما أثاره حول العقيدة الاثني عشرية لنكات لا تخفى على القارئ اللبيب أرجو ان لا يذهب وقته معها سدىً وان يغتفر لي نواقصها والله ولي التوفيق.

سامي البدري
قم المشرفة
١٧ ربيع الاول ١٤١٧هجري

الفصل الاول: متى عرف الشيعة العقيدة الاثني عشرية؟

قوله: ان تحديد الأئمة (عليهم السلام) باثني عشر لم يكن له أثر عند الشيعة في القرن الثالث الهجري إذ لم يشر إليه النوبختي في كتابه فرق الشيعة ولا علي بن بابويه في كتابه الإمامة والتبصرة من الحيرة!
أقول: بل أشار إلى ذلك علي بن بابويه في مقدمة كتابه الإمامة والتبصرة وأشار إلى ذلك أيضا إبراهيم بن نوبخت في كتابه ياقوت الكلام وهو معاصر للنوبختي، وفي ضوء ذلك فان العقيدة الاثني عشرية كانت معروفة في القرن الثالث الهجري بل قبل ذلك.
نص الشبهة
قال: وهذا (أي الاستدلال بحديث الاثني عشر إماماً) دليل متأخر.. بدأ المتكلمون يستخدمونه بعد اكثر من نصف قرن من الحيرة، أي في القرن الرابع الهجري، ولم يكن له أثر في القرن الثالث عند الشيعة الامامية حيث لم يشر إليه الشيخ علي بن بابويه الصدوق في كتابه (الامامة والتبصرة من الحيرة) كما لم يشر إليه النوبختي في كتابه (فرق الشيعة) ولا سعد بن عبد الله الاشعري في (المقالات والفرق).
من هنا لم يكن الاماميون يقولون بالعدد المحدود في الائمة، ولم يكن حتى الذين قالوا بوجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) يعتقدون في البداية انه خاتم الائمة، وهذا هو النوبختي يقول في كتابه (فرق الشيعة): (ان الامامة ستستمر في أعقاب الامام الثاني عشر إلى يوم القيامة) (انظر: المصدر: الفرقة التي قالت بوجود ولد للعسكري). ونقل الكفعمي في (المصباح) عن الامام الرضا (عليه السلام) الدعاء التالي حول (صاحب الزمان): (.. اللهم صل على ولاة عهده والائمة من بعده) (القمي: مفاتيح الجنان ص ٥٤٢)(٥٤).
الرد على الشبهة
أقول: في كلامه الانف الذكر عدة مواضع للتعليق:
أولا:
قوله: (ان علي بن بابويه الصدوق (ت٣٢٩هـ) لم يشر إلى دليل الاثني عشرية في كتابه الامامة والتبصرة).
غير صحيح..
إذ ان علي بن بابويه أشار إلى دليل الاثني عشرية في مقدمة كتابه وهي الطبعة التي نقل منها صاحب النشرة بعض النصوص فهو إما لم يقرأها أو تغافل عنها وأحال القارئ إلى متن الكتاب وهو ناقص إذ المخطوطة التي عثر عليها ثم طبعت كانت قد انتهت أحاديثها إلى إمامة الرضا (عليه السلام). وقد حاول محقق الكتاب إكمالها ببعض الروايات من كتب الصدوق بروايته عن أبيه وإلى القارئ الكريم نص كلام علي بن بابويه في مقدمة كتابه.
قال (رحمه الله): ولو كان أمرهم (أي الائمة (عليهم السلام) مهملاً عن العدد وغفلاً لما وردت الاخبار الوافرة بأخذ الله ميثاقهم على الانبياء وسالف الصالحين من الامة. ويدلك على ذلك قول أبي عبد الله عليه السلام حين سئل عن نوح عليه السلام لما ذكر (استوت سفينته على الجودي بهم): هل عرف نوح عددهم فقال: نعم وآدم (عليه السلام).
وكيف يختلف عدد يعرفه أبو البشر ومن درج من عترته والانبياء من عقبه... وأي تأويل يدخل على حديث اللوح وحديث الصحيفة المختومة والخبر الوارد عن جابر في صحيفة فاطمة عليها السلام(٥٥).
فقوله (رحمه الله) (ولو كان أمرهم مهملاً عن العدد يردُّ فيه على الزيدية الذين قالوا ان حديث الاثني عشر موضوع وان عدد الائمة لا حصر له).
واستدلاله (رحمه الله) بحديث اللوح(٥٦) وحديث الصحيفة المختومة والخبر الوارد عن جابر في صحيفة فاطمة (عليها السلام) يؤكد اعتقاده بصحتها وانه أوردها في متن كتابه وان خلت منها النسخة المطبوعة بسبب نقص المخطوطة التي عُثِرَ عليها.
ثانيا:
لقد أشار إلى العقيدة الاثني عشرية أيضاً إبراهيم بن نوبخت (ت ٣٢٠هـ) في كتابه (ياقوت الكلام) وهو اقدم كتاب كلامي عند الشيعة ومؤلفه من أعلام القرن الثالث الهجري وهو معاصر لعلي بن بابويه وقد تلقاه الشيعة عنه بالقبول جيلاً بعد جيل حتى وصل إلى العلامة الحلي فافرد كتاباً في شرحه سماه أنوار الملكوت في شرح الياقوت وإلى القارئ الكريم نص كلام صاحب ياقوت الكلام وشرح العلامة الحلي له.
قال إبراهيم بن نوبخت: (القول في إمامة الاحد عشر بعده (اي بعد علي (عليه السلام) نَقْلُ أصحابنا متواتراً النص عليهم بأسمائهم من الرسول (صلى الله عليه وآله) يدل على إمامتهم، وكذلك نقل النص من إمام على إمام وكتب الانبياء سالفاً يدل عليهم وخصوصاً خبر مسروق يعترفون به).
وقال العلامة الحلي في شرح هذا الكلام:
(أما إمامة باقي الائمة (عليهم السلام) فهي ظاهرة بعد إمامة علي (عليه السلام) وذلك من وجوه:
أحدها: النص المتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله) على تعيينهم، ونصبهم أئمة، فقد نقل الشيعة بالتواتر ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: للحسين (عليه السلام) هذا ابني إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم، وغير ذلك من الاخبار المتواترة.
الثاني: ما نُقِل من النص على إمام من إمام يسبِقُه بالتواتر من الشيعة.
الثالث: ان اساميهم والنص على إمامتهم موجودة في كتب الانبياء السالفة كالتوراة والانجيل.
الرابع: ان أخبار الخصوم مشهورة في النص عليهم من النبي (صلى الله عليه وآله) لخبر مسروق عن عبد الله بن مسعود انه قال... عهد إلينا نبينا (صلى الله عليه وآله) ان يكون بعده اثنا عشر خليفة عدد نقباء بني إسرائيل وكذا ما نقل عن غيره)(٥٧)،(٥٨).
ثالثا:
ان مؤلِّفَيْ كتاب الفرق وكتاب المقالات على فرض تعددهما(٥٩) كانا بصدد جمع الاقاويل في الفرق وما ينسب إليها ولم يكونا بصدد المناقشة والاستدلال ومن هنا لا ينبغي عد الكتابين مرآة تعكس الفكر الاستدلالي عند الفرق المذكورة وبالتالي فعدم ورود حديث الاثني عشر فيهما لا يعني شيئاً في قبال وروده في كتاب ياقوت الكلام وكتاب الامامة والتبصرة المعاصرين لهما المعدين للاستدلال على العقيدة الاثني عشرية.
رابعا:
أما ما ينسبه صاحب النشرة إلى النوبختي في فرق الشيعة من انه يقول باستمرار الامامة في أعقاب الامام الثاني عشر إلى يوم القيامة.
فهو محض ادعاء..
وهو مبني على التوهم في فهم عبارة النوبختي، ونصها: (وقالت الفرقة الثانية عشرة وهم (الامامية) لله عز وجل في الارض حجة من ولد الحسن بن علي وأمر الله بالغ وهو وصي أبيه على المنهاج الاول والسنن الماضية ولا تكون الامامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) ولا يجوز ذلك ولا تكون إلا في عقب الحسن بن علي إلى ان ينقضي الخلق متصلاً ذلك ما اتصلت أمور الله تعالى).
وقد وضح النوبختي نفسه ما يريد حين قال بعد ذلك: (فنحن مستسلمون بالماضي وإمامته مقرون بوفاته معترفون بان له خلفاً قائماً من صلبه وان خلفه هو الامام من بعده حتى يظهر ويعلن امره كما ظهر وعلن أمر من مضى قبله من آبائه ويأذن الله في ذلك)، وفي لفظ الكتاب المنسوب لسعد بن عبد الله الاشعري: (فنحن متمسكون بإمامة الحسن بن علي مقرون بوفاته مؤمنون بان له خلفاً من صلبه متدينون بذلك وانه الامام من بعد أبيه الحسن بن علي وانه في هذه الحالة مستتر خائف مغمور مأمور بذلك حتى يأذن الله عز وجل له فيظهر ويعلن امره... وقوله بعد ذلك وقد رويت الاخبار الكثيرة الصحيحة ان القائم تخفى على الناس ولادته ويخمل ذكره)...
ولو فرض صحة قول صاحب النشرة ان يكون للنوبختي صاحب كتاب فرق الشيعة مثل ذلك الرأي الذي افتراه عليه لعُرِف عنه وسُجِّل عليه من قبل علماء الشيعة كالشيخ الصدوق والشيخ المفيد وهما قريبان من عصر النوبختي وكلاهما كان قد تصدى للشبهات التي أثيرت على العقيدة بالاثني عشر إماماً، وبخاصة ان الشيخ المفيد قد ذكر في كتابه العيون والمحاسن (ص٣٢١) الفرقة التي تقول بأن الامام بعد الحسن العسكري هو ابنه محمد ولكنه قد مات وسيحيى في آخر الزمان ويقوم بالسيف.
نعم ذكر ابن النديم ان أبا سهل إسماعيل بن علي النوبختي كان يرى ان الامام هو محمد بن الحسن ثم مات في الغيبة واستمرت في ولده إلى يوم القيامة وذكر ان رأيه هذا لم يسبقه إليه أحد(٦٠) غير ان المحقق التستري (رحمه الله) يبرئ ساحة أبي سهل من ذلك الرأي لعدم اعتبار ابن النديم في ما ينفرد به(٦١)، ويؤيد قول التستري عدم ذكر الشيخ الصدوق ذلك عن أبي سهل مع العلم انه كان معاصراً لابن النديم وكان معنياً برد الشبهات حول الغيبة وكذلك الحال في الشيخ المفيد مع أنه كان معنياً بأمثالها.
خامسا:
أما ما نقله صاحب النشرة عن الكفعمي من دعاء منسوب للامام الرضا (عليه السلام) فهو دعاء غير محقَّق النسبة للامام الرضا (عليه السلام)، والاصل فيه رواية موضوعة سيأتي الكلام عليها.
الخلاصة:
وهكذا يتضح خطأ دعوى صاحب النشرة من كون العقيدة الاثني عشرية لم يكن لها أثر عند الشيعة في القرن الثالث الهجري، إذ أغفل أو تغافل عن مقدمة كتاب علي بن بابويه وعن كتاب إبراهيم بن نوبخت وكلا المؤلفين من علماء الشيعة ومن رجال القرن الثالث الهجري، حيث وردت في هذين الكتابين بشكل صريح وواضح الاشارة إلى العقيدة الاثني عشرية، هذا مضافاً إلى فهمه لعبارة النوبختي كما يرغب ويشتهي وسيأتي في الفصل السابع والثامن ما يثبت وجود أحاديث الاثني عشر عند الشيعة في عهد الائمة الاحد عشر ويأتي أيضاً في الفصل التاسع ان تحديد الائمة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) باثني عشر مما بشرت به الكتب السابقة جنباً الى جنب مع البشارة بالنبي (صلى الله عليه وآله).

الفصل الثاني: الوصية لكل إمام من الاثني عشر بعهد خاص من النبي (صلى الله عليه وآله)

قوله: ان الأئمة لم يكونوا يعلمون بأسماء أوصيائهم من بعدهم إلا قرب وفاتهم!
أقول: قد جاء في الروايات الصحيحة عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال لأصحابه: أترون ان الأمر إلينا نضعه فيمن شئنا؟ كلا والله انه عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى علي (ثم) إلى رجل فرجل إلى ان ينتهي إلى صاحب هذا الأمر.
نص الشبهة
قال: تشير روايات كثيرة يذكرها الصفار في بصائر الدرجات والكليني في (الكافي) والحميري في (قرب الاسناد) والعياشي في (تفسيره) والمفيد في (الارشاد) والحر العاملي في (إثبات الهداة) وغيرهم إلى ان الائمة أنفسهم لم يكونوا يعرفون بحكاية القائمة المسبقة المعدة منذ زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعدم معرفتهم بإمامتهم أو بإمامة الامام اللاحق من بعدهم إلا قرب وفاتهم. فضلا عن الشيعة أو الامامية أنفسهم الذين كانوا يقضون في حيرة واختلاف بعد وفاة كل إمام وكانوا يتوسلون بكل إمام ان يعين اللاحق بعده ويسميه بوضوح لكي لا يموتوا وهم لا يعرفون الامام الجديد. يروي الصفار في (بصائر الدرجات) ص ٤٧٣ باب (ان الائمة يعلمون إلى من يوصون قبل وفاتهم مما يعلمهم الله): حديثا عن الامام الصادق يقول فيه: (ما مات عالم حتى يعلمه الله إلى من يوصي)، كما يرويه الكليني في الكافي ج١ص ٢٧٧، ويروي أيضا عنه (عليه السلام): (لا يموت الامام حتى يعلم من بعده فيوصي إليه) وهو ما يدل على عدم معرفة الائمة من قبل بأسماء خلفائهم، أو بوجود قائمة مسبقة بهم وقد ذهب الصفار والصدوق والكليني ابعد من ذلك فرووا عن أبي عبد الله انه قال: (ان الامام اللاحق يعرف إمامته وينتهي إليه الامر في آخر دقيقة من حياة الاول) (البصائر ٤٧٨ والامامة والتبصرة من الحيرة باب ١٩ ص ٨٤ والكافي ج١ ص ٢٧٥)(٦٢).
الرد على الشبهة
أقول: لقد أخطأ صاحب النشرة في فهم بعض الروايات التي ذكرها، وحمل بعضها الاخر بسبب إجماله على ما يشتهي وكان ينبغي ان يفهمه في ضوء مجموعة أخرى من الاحاديث أوضح منه وأكثر صراحة.
أما الرواية التي أخطأ في فهمها خطأً فاحشاً فهي رواية صفوان الاتية:
قال صفوان: قلت للرضا (عليه السلام) اخبرني عن الامام متى يعلم انه إمام أحين يبلغه ان صاحبه قد مات أو حين يمضي مثل أبي الحسن قبض ببغداد وأنت هنا قال يعلم ذلك حين يمضي صاحبه، قلت بأي شيء قال يلهمه الله(٦٣).
فمن الواضح ان قول الرضا (عليه السلام) يعلم حين يمضي صاحبه جواب لسؤال عن الامام اللاحق كيف يعرف ان الامر انتهى إليه ومراد السائل حالة التصدي للامامة من اللاحق باعتبار لا يكون إمامان إلا وأحدهما صامت وباعتبار ان الامام السابق قد يموت في مكان بعيد ويستغرق وصول خبر موته مدة طويلة كما في حالة موت الامام الكاظم (عليه السلام) في السجن في بغداد وكان وصيه الرضا (عليه السلام) في المدينة، أو موت الرضا (عليه السلام) في خراسان وكان وصيه الجواد (عليه السلام) في المدينة، وهكذا يتضح ان الرواية تتحدث عن جواب سؤال متى يتصدى الامام اللاحق للامامة ويضطلع بمهماتها فعلاً؟ ولم تكن تتحدث عن سؤال متى يعرف الامام اللاحق انه قد جاءت النصوص فيه والوصية عليه من الامام السابق.
وبعبارة أخرى توجد قضيتان:
الاولى: قضية النص على الامام اللاحق من الامام السابق وهذه قد تحصل في سن مبكرة من عمر الامام السابق كما ستأتي الامثلة على ذلك.
الثانية: قضية اضطلاع الوصي بمهمات الامامة فعلاً وتحصل في اللحظة التي يتوفى فيها الامام اللاحق وليس في اللحظة التي يصل فيها خبر موته مهما بعدت المسافات التي تفصل بينهما ويحصل علمه بموت الامام السابق بإلهام من الله تعالى عبر ملائكته.
أما الرواية المجملة التي كان يجب عليه ان يفهمها في ضوء غيرها فهي قوله (عليه السلام): (لا يموت الامام حتى يعلم من بعده فيوصي إليه) وهذه ونظائرها ينبغي ان يرجع في فهمها إلى الروايات الاكثر وضوحاً وتفصيلاً وهي كثيرة منها رواية الكليني والصفار عن عمرو بن مصعب وعمرو بن الاشعث وأبي بصير وسدير ومعاوية بن عمار ان أبا عبد الله (عليه السلام) قال لهم ولغيرهم (أترون ان الموصي منا يوصي إلى من يريد لا والله ولكنه عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى رجل فرجل حتى انتهى إلى نفسه). وفي لفظ آخر إلى ان ينتهي إلى صاحب هذا الامر(٦٤).
وفي ضوء ذلك يكون معنى الرواية المجملة هو ان الامام السابق لا يموت من دون وصية وتعريف بالامام الذي يكون بعده.
أما قول صاحب النشرة: (ان الامام السابق لا يعرف إمامة الامام اللاحق من بعده إلا قرب وفاته).
فهو غير صحيح..
وتكذبه رواية العهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رجل رجل الآنفة الذكر.
وتكذبه أيضاً روايات النص على أبي الحسن موسى (عليه السلام) من أبيه الصادق (عليه السلام) كما في رواية صفوان الجَمّال، قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صاحب هذا الامر فقال ان صاحب هذا الامر لا يلهو ولا يلعب(٦٥) واقبل أبو الحسن موسى وهو صغير ومعه عَناق(٦٦) مكية وهو يقول لها: أسجدي لربك فأخذه أبو عبد الله (عليه السلام) وضمه إليه وقال: بأبي وأمي من لا يلهو ولا يلعب ورواية يعقوب السراج التي تشير إلى النص على الامام الكاظم وهو في المهد(٦٧) وقريب من معناها روايات آخر.
وكذلك روايات النص على الرضا (عليه السلام) وولده الجواد من الامام الكاظم (عليه السلام)، بعضها كان منه (عليه السلام) وهو في الحبس كما في رواية الحسين بن المختار(٦٨) وبعضها قبل الحبس كما في رواية محمد بن سنان (ت٢٢٠ هـ) قال دخلت على أبي الحسن موسى (عليه السلام) من قبل ان يقدم العراق بسنة وعلي ابنه جالس بين يديه فنظر اليَّ فقال يا محمد أما انه سيكون في هذه السنة حركة فلا تجزع قال قلت وما يكون جعلت فداك فقال أصير إلى الطاغية أما انه لا يبدأني منه سوء ولا من الذي يكون بعده (المراد بالطاغية المهدي العباسي وبالذي يكون بعده الهادي العباسي) ثم أشار إلى ابنه علي (عليه السلام) وقال من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب (عليه السلام) حقه وجحد إمامته بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال ابن سنان فقلت والله لئن مدَّ الله لي في العمر لاسلمن له حقه ولاقِرَّنَّ له بإمامته قال صدقت يا محمد يمد الله في عمرك وتسلم له حقه وتقر بإمامته وإمامة من يكون من بعده قال قلت ومن ذاك قال محمد ابنه: قلت له الرضا والتسليم(٦٩).
فالامام الكاظم (عليه السلام) هنا لا ينص على الرضا (عليه السلام) فقط بل يخبر باسم الامام بعد الرضا (عليه السلام).
وكذلك روايات النص على الجواد من أبيه الرضا (عليهما السلام) كما في رواية الحسن بن بشار قال كتب ابن قياما إلى أبي الحسن (عليه السلام) كتابا يقول فيه كيف تكون إماماً وليس لك ولد؟ فأجابه أبو الحسن الرضا: وما علمك انه لا يكون لي ولد! والله لا تنقضي الايام والليالي حتى يرزقني الله ولداً ذكراً يفرق به بين الحق والباطل(٧٠).
وفي رواية أبي يحيى الصنعاني قال: كنت عند أبي الحسن الرضا (عليهما السلام) فجيء بابنه أبي جعفر (عليه السلام) وهو صغير فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولود اعظم بركة على شيعتنا منه(٧١).
وفي رواية صفوان بن يحيى قال قلت للرضا (عليه السلام) قد كنا نسألك قبل ان يهب الله لك أبا جعفر (عليه السلام) فكنت تقول يهب الله لي غلاما فقد وهبه الله لك فاقر عيوننا فلا أرانا إليه يومك فان كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السلام) وهو قائم بين يديه، فقلت جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين! فقال: (وما يضره من ذلك فقد قام عيسى (عليه السلام) بالحجة وهو ابن ثلاث سنين) (وفي نسخة إرشاد المفيد وإعلام الورى ابن اقل من ثلاث سنين)(٧٢).
الخلاصة:
ان الذي ادعاه صاحب النشرة من (ان الائمة (عليه السلام) لم يكونوا يعلمون بأسماء أوصيائهم من بعدهم إلا قرب وفاتهم) قد بناه على فهم خاطئ لرواية صفوان الذي كان قد سأل الرضا (عليه السلام) عن الامام اللاحق متى يعلم انه قد اضطلع بالامامة فعلاً هل منذ اللحظة الاولى لموت الامام السابق أو حين يبلغه خبر موته؟ كما لو كان الامام السابق فى بلد والامام اللاحق فى بلد آخر بعيد عنه كما في حالة الامامين الكاظم والرضا (عليهما السلام) أو الامامين الرضا والجواد (عليهما السلام)، ولكن صاحب النشرة حمل الرواية على حالة الوصية والنص، هذا مضافاً إلى إغفاله الروايات الكثيرة التى رواها الصفار فى بصائر الدرجات والكليني في الكافي التي تنص على ان وصية كل إمام للذي من بعده إنما هي بعهد معهود من النبي (صلى الله عليه وآله) واغفاله أيضاً الروايات الكثيرة التي تنص على ان الامام السابق يشير إلى إمامة الامام اللاحق وينص عليه في سن مبكرة من حياته كما في نص الصادق (عليه السلام) على الكاظم (عليه السلام) فى طفولته ونص الرضا (عليه السلام) على الجواد (عليه السلام) وهو ابن ثلاث سنين.

الفصل الثالث: الشيخ الصدوق والعقيدة الاثني عشرية

قوله: ولم تكن النظرية الاثنا عشرية مستقرة في العقل الإمامي حتى منتصف القرن الرابع الهجري.. حيث أبدى الشيخ محمد بن علي الصدوق شكه بتحديد الأئمة في اثني عشر إماما فقط وقال: (لسنا مستعبدين في ذلك إلا بالإقرار باثني عشر إماما، واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده).
أقول: ان قول الشيخ الصدوق هذا لا يدل على ما فهمه صاحب النشرة من عدم استقرار النظرية الإمامية الاثني عشرية حتى منتصف القرن الرابع لان كلام الصدوق هذا كان يتناول فترة ما بعد ظهور الثاني عشر (عليه السلام) ولم يكن نظره الى فترة القرن الرابع الهجري!!
نص الشبهة
قال: (ولم تكن النظرية الاثنا عشرية مستقرة في العقل الامامي حتى منتصف القرن الرابع الهجري.. حيث أبدى الشيخ محمد بن علي الصدوق شكه بتحديد الائمة في اثني عشر إماماً فقط / وقال: (لسنا مستعبدين في ذلك إلا بالاقرار باثني عشر إماماً، واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده) إكمال الدين) ص ٧٧(٧٣).
الرد على الشبهة
أقول:
أولا:
قوله: (ولم تكن النظرية الاثنا عشرية مستقرة في العقل الامامي حتى منتصف القرن الرابع الهجري..) مر الكلام في بيان خطأ ذلك في الفصل الاول وسيأتي المزيد من البحث في الفصل السابع.
ثانيا:
ان ما اسنده إلى الصدوق من شك في غير محله بل افتراء عليه..
إذ ان كلامه (رحمه الله) يدل على عكس ما ذكره عنه واليك أيها القارئ الكريم نص كلام الشيخ الصدوق.
قال: (قالت الزيدية لا يجوز ان يكون من قول الانبياء ان الائمة اثنا عشر لان الحجة باقية على هذه الامة إلى يوم القيامة، والاثنا عشر بعد محمد (صلى الله عليه وآله) قد مضى منهم أحد عشر، وقد زعمت الامامية ان الارض لا تخلو من حجة.
فيقال لهم: ان عدد الائمة (عليهم السلام) اثنا عشر والثاني عشر هو الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً، ثم يكون بعده ما يذكره من كون إمام بعده أو قيام القيامة ولسنا مستعبدين في ذلك إلا بالاقرار باثني عشر إماماً واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر (عليه السلام) بعده.
ويقال للزيدية: أفيكذب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله (ان الائمة اثنا عشر)؟
فان قالوا: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يقل هذا القول..
قيل لهم: ان جاز لكم دفع هذا الخبر مع شهرته واستفاضته وتلقي طبقات الامامية إياه بالقبول فما أنكرتم ممن يقول: ان قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه) ليس من قول الرسول (صلى الله عليه وآله)؟)(٧٤).
وقول الصدوق (لسنا مستعبدين في ذلك إلا بالاقرار باثني عشر إماماً واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده يؤكد عقيدته باثني عشر اماماً من أهل البيت أولهم علي (عليه السلام) وثاني عشرهم المهدي (عليه السلام) ثم تكون غيبته على مرحلتين إحداهما صغرى دامت تسعا وستين سنة والاخرى كبرى لا يعلم مداها إلا الله تعالى. ثم يبدي الصدوق تردده عن الحالة بعد ظهور المهدي (عليه السلام) واستتباب أمره هل سيعهد إلى إمام من بعده أو يكون يوم القيامة ثم يجيب عن ذلك: أننا مستعبدون بالاقرار والتسليم لما يذكره الثاني عشر بعد ظهور).
ومنشأ تردد الصدوق فيما يجري بعد ظهور المهدي (عليه السلام) من أمر الامامة هو الرواية التي أوردها الطوسي في كتابه الغيبة(٧٥) انه سيكون بعد الاثني عشر إماماً اثنا عشر مهدياً وهي رواية وحيدة وضعيفة السند بل إمارات الوضع ظاهرة عليها وهي معارضة من قبل الروايات التي تجعل من عهد ظهور المهدي وظهور عيسى (عليه السلام) آخر شوط من الحياة الدنيا.
وتوجد أيضا روايتان أخريان في المهديين الاثني عشر:
الأولى: رواها الشيخ الصدوق: عن الدقاق، عن الاسدي، عن النخعي عن النوفلي، عن علي بن أبى حمزة، عن ابي بصير قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمعت من ابيك انه قال يكون بعد القائم اثني عشر مهديا؟ قال: إنما قال: اثنا عشر مهديا ولم يقل اثنا عشر إماما، ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس الى موالاتنا ومعرفة حقنا(٧٦).
الثانية: رواها الشيخ الطوسي: عن محمد الحميري، عن أبيه، عن محمد بن عبد الحميد ومحمد بن عيسى، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل انه قال: يا أبا حمزة ان منا بعد القائم احد عشر مهديا من ولد الحسين (عليه السلام) (٧٧).
وقد أورد الشيخ الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة الروايتين الانفتي الذكر إضافة الى ما رواه صاحب المصباح من دعاء الرضا (عليه السلام) هذا مضافا الى الرواية التي أوردناها في صدر البحث فيكون المجموع أربع روايات وقد علق على الرواية الأخيرة بقوله إنها من طرق العامة، ثم علق عليها جميعا بقوله: وأما أحاديث الاثني عشر (أي بعد المهدي (عليه السلام)) فلا يخفى أنها غير موجبة للقطع أو اليقين لندورها وقلتها وكثرة معارضتها(٧٨)... وقد تواترت الأحاديث بان الأئمة الاثنا عشر وان دولتهم ممدودة الى يوم القيامة وان الثاني عشر خاتم الأوصياء والأئمة والخلف وان الأئمة من ولد الحسين الى يوم القيامة ونحو ذلك من العبارات فلو كان يجب علينا الإقرار بإمامة اثني عشر بعدهم لوصلت إلينا نصوص متواترة تقاوم تلك النصوص ينظر في الجمع بينهما(٧٩)،(٨٠).
الخلاصة:
ان صاحب النشرة قد فهم من كلام الشيخ الصدوق ما لم يُرِده الصدوق، ولا تساعده على فهمه الخاطئ هذا ولو قرينة ضعيفة في أي كتاب من كتب الصدوق المطبوعة الكثيرة الميسرة لكل باحث، هذا مضافاً إلى ان الصدوق كان بصدد رد شبهة الزيدية على حديث الاثني عشر الذين كانوا يشككون في صدوره عن النبي (صلى الله عليه وآله).

الفصل الرابع: هل مات زرارة ولم يكن قد عرف إمام زمانه؟

قوله: ان زرارة وهو فقيه الشيعة مات ولم يعرف خليفة الإمام الصادق!
أقول: وردت الرواية عن الامام الرضا (عليه السلام) انه قال: ان زرارة كان يعرف أمر أبي (عليه السلام) ونص أبيه عليه وإنما بعث ابنه ليتعرف من أبي (عليه السلام) هل يجوز له ان يرفع التقية في إظهار أمره ونص أبيه عليه... وانه لما أبطأ عنه ابنه طولب بإظهار قول في أبي (عليه السلام) فلم يحب ان يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف وقال: اللهم ان إمامي من اثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد (عليه السلام).
نص الشبهة
قال: (وقد كان زرارة من اعظم تلاميذ الامامين الباقر والصادق، ولكنه لم يعرف خليفة الامام الصادق فأرسل ابنه عبيد الله إلى المدينة لكي يستطلع له الامام الجديد، فمات قبل ان يعود إليه ابنه ومن دون ان يعرف من هو الامام، وانه وضع المصحف على صدره قائلا (اللهم إني ائتم بمن اثبت إمامته هذا المصحف)(٨١).
الرد على الشبهة
أقول:
لا يخفى ان هذه الشبهة هي للزيدية أيضاً كانوا قد أثاروها أمام خبر الأئمة الاثني عشر حيث قالوا: (لو كان خبر الأئمة الاثني عشر صحيحاً لما كان الناس يشُكُّون بعد الصادق جعفر بن محمد في الامام... ولَما مات فقيه الشيعة زرارة وهو يقول والمصحف على صدره اللهم...).
لقد أجاب الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن هذه الشبهة بقوله:
(ان هذا كله غرور من القول وزخرف وذلك أنا لم ندَّع انَّ جميع الشيعة في ذلك العصر عرف الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) بأسمائهم وإنما قلنا: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اخبر ان الائمة بعده اثنا عشر، الذين هم خلفاؤه وان علماء الشيعة قد رووا هذا الحديث بأسمائهم ولا ينكر ان يكون فيهم واحد أو اثنان أو اكثر لم يسمعوا بالحديث.
فأما زرارة بن أعين(٨٢) فإنه مات قبل انصراف من كان بعثه ليعرف الخبر ولم يكن سمع بالنص على موسى بن جعفر (عليهما السلام) من حيث قطع الخبر عذره فوضع المصحف الذي هو القرآن على صدره، وقال: اللهم إني ائتم بمن يثبت هذا المصحف إمامته، وهل يفعل الفقيه المتدين عند اختلاف الامر عليه إلا ما فعله زرارة، على انه قد قيل ان زرارة قد كان علم بأمر موسى بن جعفر (عليهما السلام) وبإمامته وإنما بعث ابنه عبيداً ليتعرف من موسى بن جعفر (عليهما السلام) هل يجوز له إظهار ما يعلم من إمامته أو يستعمل التقية في كتمانه، وهذا أشبه بفضل زرارة بن أعين وأليق بمعرفته.
حدثنا احمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: قلت للرضا (عليه السلام) يا ابن رسول الله اخبرني عن زرارة هل كان يعرف حق أبيك فقال: نعم، فقلت له: فلم بعث ابنه عبيداً ليتعرف الخبر إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)؟
فقال (عليه السلام): ان زرارة كان يعرف أمر أبي ونص أبيه عليه وإنما بعث ابنه ليتعرف من أبي هل يجوز له ان يرفع التقية في إظهار أمره ونص أبيه عليه وانه لما أبطأ عنه ابنه طولب بإظهار قول في أبي فلم يحب ان يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف وقال: اللهم ان إمامي من اثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد (عليهما السلام).
والخبر الذي احتجت به الزيدية ليس فيه ان زرارة لم يعرف إمامة موسى بن جعفر (عليهما السلام) وإنما فيه انه بعث ابنه عبيدا ليسأل عن الخبر.
حدثنا أبي قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن احمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن احمد بن هلال، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن أبيه قال: لما بعث زرارة عبيدا ابنه إلى المدينة ليسأل عن الخبر بعد مضي أبي عبد الله فلما اشتد به الامر اخذ المصحف وقال من اثبت إمامته هذا المصحف فهو إمامي.
وهذا الخبر لا يوجب انه لم يعرف، على ان راوي هذا الخبر احمد بن هلال وهو مجروح عند مشايخنا رضى الله عنهم.
وقد روى الصدوق أيضاً عن محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد(٨٣) قال سمعت سعد بن عبد الله(٨٤) يقول ما رأينا ولا سمعنا بمتشيع رجع عن التشيع إلى النصب إلا احمد بن هلال وكانوا يقولون ما تفرد بروايته احمد بن هلال فلا يجوز استعماله).
أقول:
بعد هذا فهل يصح قول صاحب النشرة: (ان الزيدية اعترضوا على الامامية وقالوا ان الرواية التي دلت على ان الائمة اثنا عشر قول أحدثه الامامية قريباً وولَّدوا فيه أحاديث كاذبة.. وان الصدوق لم ينف التهمة ولم يرد عليها)؟! و(ان الصدوق قال باحتمال علم زرارة بالحديث وإخفائه للتقية وانه تراجع عن هذا الاحتمال؟)
ان قول الشيخ الصدوق في زرارة واضح جداً فهو حين أورد الخبر عن الامام (عليه السلام) الذي يفيد ان زرارة كان قد بعث ابنه عبيداً ليتعرف من الامام موسى بن جعفر (عليهما السلام) هل يجوز له إظهار ما يعلم من إمامته أو يستعمل التقية في كتمانه؟ قال بعده: (وهذا أشبه لفضل زرارة بن أعين وأليق بمعرفته، فالصدوق إذن يرجِّح هذا الخبر في امر زرارة ولا يعرضه كخبر مجرد عن الترجيح).
الخلاصة:
ان صاحب النشرة استشهد بشبهة الزيدية حول موت زرارة وعدم اعلانه عن إمامة الكاظم (عليه السلام) عندما سئل وهو على فراش الموت ثم مات ولم يعرف إمام زمانه، وانه لو كانت ثمة قائمة مسبقة بأسماء الائمة الاثني عشر لكان زرارة وهو فقيه الشيعة قد عرف بها، وادعى صاحب النشرة أيضاً ان الصدوق لم يرد على هذه الشبهة، وقد اتضح من خلال البحث ان الشيخ الصدوق قد رد عليها بما لا لُبس فيه ولا غموض ثم بين ان زرارة مات عارفاً بامامة الكاظم (عليه السلام) وانه لم يفصح بها لما سألوه وهو على فراش الموت بسبب التقية الشديدة والظرف السياسي العصيب الذي أحاط بإمامة الكاظم (عليه السلام) وفي أيامها الاولى.

الفصل الخامس: كتاب الكافي وروايات عدد الائمة (عليهم السلام)

قوله: عندما نشأت فكرة تحديد عدد الأئمة (عليهم السلام) بعد القول بوجود وغيبة الإمام الثاني عشر (عليهم السلام) كان الشيعة الأمامية يختلفون فيما بينهم حول تحديد عددهم باثني عشر أو ثلاثة عشر، إذ برزت في ذلك الوقت روايات تقول: بان عدد الأئمة ثلاثة عشر، وقد نقلها الكليني في الكافي.
أقول: أثبت المحققون من علماء الشيعة ان تلك الروايات التي اشار اليها صاحب النشرة قد تعرضت لأخطاء غير متعمدة من النساخ الاوائل. ولم يقل أحد من الشيعة بأن الأئمة ثلاثة عشر إلا هبة الله بن احمد حفيد العمري وكان قد قال ذلك ليستميل جانب أبي شيبة الزيدي طمعا في دنياه.
نص الشبهة
قال: (وعندما نشأت فكرة تحديد عدد الائمة، بعد القول بوجود وغيبة الامام الثاني عشر (عليه السلام) كان الشيعة الامامية يختلفون فيما بينهم حول تحديد عددهم باثني عشر أو ثلاثة عشر، إذ برزت في ذلك الوقت روايات تقول، بان عدد الائمة ثلاثة عشر، وقد نقلها الكليني في (الكافى) (ج١ص٥٣٤) ووجدت في الكتاب الذي ظهر في تلك الفترة ونسب إلى سليم بن قيس الهلالي، حيث تقول إحدى الروايات، ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لامير المؤمنين (عليه السلام): (أنت واثنا عشر من ولدك أئمة الحق). وهذا ما دفع هبة الله بن احمد بن محمد الكاتب، حفيد أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، الذي كان يتعاطى (الكلام) لان يؤلف كتابا في الامامة، يقول فيه، ان الائمة ثلاثة عشر، ويضيف إلى القائمة المعروفة (زيد بن علي) كما يقول النجاشي في (رجاله)).
الرد الشبهة
أقول في كلامه عدة مواضع للتعليق:
أولا:
قوله: (كادت الشيعة الامامية يختلفون فيما بينهم حول تحديد عددهم باثني عشر أو ثلاثة عشر).
دعوى منه كاذبة..
إذ لم يقل أحد من الشيعة / في ضوء المصادر الشيعية / بان الائمة ثلاثة عشر إلا هبة الله بن احمد حفيد العمري وقد قال عنه النجاشي: كان يتعاطى الكلام وحضر مجلس أبي الحسين بن أبي شيبة العلوي الزيدي المذهب فعمل له كتاباً وذكر ان الائمة ثلاثة عشر مع زيد بن علي بن الحسين واحتج بحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي ان الائمة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين.
وحفيد العمري هذا كما قال عنه التستري (رحمه الله) (الظاهر ان الرجل إمامي غير ورع أراد استمالة جانب ابن أبي شيبة الزيدي بدرج زيد في الائمة عليهم السلام لا انه زيدي وكيف يكون زيديا والزيدي لا يرى إمامة السجاد (عليه السلام) ومن بعده لانهم يشترطون في الامامة الخروج بالسيف)(٨٥).
ثانيا:
قوله: (إذ برزت في ذلك الوقت روايات تقول بان الائمة ثلاثة عشر وقد نقلها الكليني في الكافي ج١ /٥٣٤).
أقول:
روايات الكافي التي يفهم منها ان الائمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثة عشر هي خمس روايات نذكرها كما يلي:
الرواية الاولى:
رواها الكليني بسنده عن أبي سعيد العصفري عن عمرو بن ثابت عن أبي الجارود عن أبي جعفر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (إني واثنا عشر من ولدي وأنت يا علي زر الارض يعني أوتادها وجبالها...).
الرواية الثانية:
رواها عن أبي سعيد العصفري أيضا مرفوعا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (من ولدي اثنا عشر نقباء نجباء محدَّثون مفهَّمون آخرهم القائم بالحق يملاها عدلاً كما ملئت جورا).
وأبو سعيد العصفري اسمه عَبّاد له كتاب كما قال الشيخ الطوسي في الفهرست والنجاشي في رجاله وكتابه ويقال له (أصل) موجود كما قال صاحب الذريعة ثم وصل إلى الشيخ النوري وقال عنه ان فيه تسعة عشر حديثا، وتوجد نسخة منه في المكتبة المركزية لجامعة طهران ضمن مجموعة بإسم الاصول الاربعمائة. وفي هذه النسخة كان لفظ الرواية الاولى كالاتي: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (إني وأحد عشر من ولدي وأنت يا علي زر الارض...)، وكان لفظ الرواية الثانية كالاتي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (من ولدي أحد عشر نقباء نجباء محدثون مفهمون آخرهم القائم بالحق).
وفي ضوء ذلك فإن اللفظ الموجود في رواية الكافي خطأ من النساخ.
الرواية الثالثة:
رواها الكليني عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: (دخلت على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه أسماء الاوصياء من ولدها فعددت اثني عشر آخرهم القائم).
وقد رواه الصدوق في إكمال الدين وعيون أخبار الرضا والخصال بأسانيد ولا ينقلها عن الكافي ثم يجتمع مع سند الكافي إلى جابر ثم يروي عنه انه قال: (دخلت على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه أسماء الاوصياء فعددت اثني عشر آخرهم القائم...) بدون كلمة (من ولدها) فهي إذن زيادة من النساخ.
الرواية الرابعة:
رواها الكليني بسنده عن زرارة قال: (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول الاثنا عشر إماماً من آل محمد (عليهم السلام) كلهم محدث من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن ولد علي (عليهم السلام) فرسول الله وعلي هما الوالدان).
وقد نقل هذه الرواية عن الكافي الشيخ المفيد في الارشاد والطبرسي في اعلام لورى ولفظهما: (الاثنا عشر الائمة من آل محمد كلهم محدث علي بن أبي طالب واحد عشر من ولده ورسول الله وعلي هما الوالدان).
وفي ضوئه يتضح ان عبارة (علي بن أبي طالب واحد عشر من ولده) وحرف العطف (الواو) بعدها قد سقطت من رواية الكليني ثم أضيفت إلى ما بعد لفظة (رسول الله) الاولى عبارة (ومن ولد علي) وهو من سهو النساخ أيضا ومثله كثير.
الرواية الخامسة:
رواها الكليني بسنده إلى أبي سعيد الخدري في قصة سؤالات يهودي ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (ان لهذه الامة اثني عشر أمام هدى من ذرية نبيها وهم مني).
وقد روى مضمون هذا الخبر النعماني في كتابه الغيبة والصدوق في إكمال الدين ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (ان لهذه الامة اثني عشر أمام هدى وهم مني) بدون (من ذرية نبيها)(٨٦)، فهي من إضافة النساخ أيضا.
قال العلامة العسكري:
(ومع تسلسل الاسناد في جوامع الحديث بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إلى رسول الله فان فقهاء مدرستهم لم يسموا أي جامع من جوامع الحديث لديهم بالصحيح كما فعلته مدرسة الخلفاء حيث سمت بعض جوامع الحديث لديهم بالصحاح ولم يحجروا بذلك على العقول ولم يوصدوا باب البحث العلمي في عصر من العصور وإنما يعرضون كل حديث في جوامعهم على قواعد دراية الحديث لان رواة تلك الاحاديث غير معصومين عن الخطأ والنسيان اللذين يعرضان على كل بشر لم يعصمه الله وفعلا وقع الخطأ في أشهر كتب الحديث بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وهو كتاب الكافي. مثل ما ورد في الاحاديث المرقمة ٧، ٩، ١٤، ١٧، ١٨ من كتاب الحجة في الكافي باب النص على الائمة الاثني عشر)، ثم فصل البحث فيها بما نقلناه عنه مختصراً آنفاً.
ثالثا:
قول صاحب النشرة: (ووجدت روايات يفهم منها ان الائمة بعد النبي ثلاثة عشر في الكتاب الذي ظهر في تلك الفترة ونسب إلى سليم بن قيس منها ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) انت واثنا عشر من ولدك أئمة الحق.
أقول:
قد عدَّ ابن الغضائري وجود هذه الرواية في كتاب سليم بن قيس إحدى العلامات على وضعه وأجاب عنه العلامة التستري بقوله (انه من سوء تعبير الرواة وإلا فمثله في الكافي أيضاً موجود) ثم ساق الروايات الخمس التي أوردناها آنفاً مع تحقيق الحال فيها.
ومما يؤكد أنها من سوء تعبير الرواة أو خطأ النساخ سواء كانت في الكافي أو في كتاب سليم هو: ان كتاب سليم بن قيس مكرس لبيان العقيدة باثني عشر إماماً مع النص على أسمائهم وكذلك كتاب الكافي ولو فرض أنها لم تكن من خطأ النساخ فهل يعقل من مؤلف كتاب سليم مهما كان امره وقد كرس كتابه لاجل العقيدة باثني عشر إماماً يفسد خطته فيه بذكر رواية تفيد ان الائمة ثلاثة عشر؟
وهل يعقل من الكليني وهو يريد ان يثبت النص على الاثني عشر إماماً ويعقد باباً يعنونه بذلك ثم يدرج تحته خمسة روايات تنص على ان الائمة ثلاثة عشر؟
الخلاصة:
اتضح من البحث ان أحداً من الشيعة لم يقل بأن الائمة ثلاثة عشر الا هبة الله حفيد العمري وكان قد قال ذلك طمعاً في دنيا ابن ابي شيبة الزيدي وأراد بالثالث عشر من الائمة زيد بن علي.
أما دعواه وجود روايات فى الكافي وكتاب سليم تفيد ان الائمة ثلاثة عشر فقد اتضح من خلال البحث انها من اخطاء النساخ الاوائل وقد بحثها المحققون من علماء الشيعة وأشاروا إلى مواضع الخطأ وكان ينبغي على صاحب النشرة ان يشير إلى بحث هؤلاء المحققين ويرد عليه ان كانت لديه أدلة تساعده.

الفصل السادس: وصية الامام الهادي (عليه السلام) والبَداء

قوله: ان روايات عديدة يذكرها الكليني في الكافي والمفيد في الإرشاد والطوسي في الغيبة ان الإمام الهادي أوصى في البداية إلى ابنه السيد محمد ولكنه توفي في حياة أبيه فأوصى للإمام الحسن.
أقول: ان هذه الروايات قد حملها العلماء على غير ظاهرها إضافة إلى انها معارضة بروايات أخرى صريحة بالنص من الإمام الهادي (عليه السلام) على إمامة ولده الحسن العسكري (عليه السلام) في حياة ولده ابي جعفر(رح). وكان على صاحب النشرة ان يشير إليها ولا يوهم القارئ أن ما ذكره أعلاه هو الروايات الوحيدة.
نص الشبهة
(وتقول روايات عديدة يذكرها الكليني في (الكافي ج١ ص ٣٢٦و٣٢٨) والمفيد في (الارشاد ص ٣٣٦ و٣٣٧) والطوسي في (الغيبة ص ١٢٠ و١٢٢)، ان الامام الهادي أوصى في البداية إلى ابنه السيد محمد، ولكنه توفي في حياة أبيه، فأوصى للامام الحسن وقال له: (لقد بدا لله في محمد كما بدا في إسماعيل.. يابني احدث لله شكرا فقد احدث فيك أمرا، أو نعمة) وهو ما يدل على عدم وجود روايات القائمة المسبقة بأسماء الائمة الاثني عشر من قبل، ولذا لم يعرفها الشيعة الامامية الذين اختلفوا واحتاروا بعد وفاة الامام الحسن العسكري، ولم يشر إليها المحدثون أو المؤرخون الامامية في القرن الثالث الهجري)(٨٧).
الرد على الشبهة
أقول: ان الروايات التي أشار إليها هي كما يلي:
الرواية الاولى:
رواها الطوسي في الغيبة عن سعد بن عبد الله عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: (كنت عند أبي الحسن العسكري (عليه السلام) وقت وفاة ابنه أبي جعفر، وقد كان أشار إليه ودل عليه وإني لافكر في نفسي وأقول هذه قصة أبي أبراهيم (عليه السلام) وقصة إسماعيل فأقبل علىَّ أبو الحسن (عليه السلام) وقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله في أبي جعفر وصيَّر مكانه أبا محمد كما بدا له في إسماعيل بعدما دَّل عليه أبو عبد الله (عليه السلام) ونصبه وهو كما حدثتك نفسك وان كره المبطلون، أبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده ما تحتاجون إليه، ومعه آلة الامامة والحمد لله)(٨٨).
وقد رواها في الكافي في باب الاشارة والنص على أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) مختصرة كما يلي: (بعد ما مضى ابنه أبو جعفر وإني لأفكر في نفسي أريد ان أقول: كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمد (عليهما السلام) وان قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر فأقبل علىَّ أبو الحسن قبل ان انطق فقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر مالم يكن يُعرَف له كما بدا له في موسى عند مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله وهو كما حدثتك نفسك وان كره المبطلون وأبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الامامة).
وقد رواها الشيخ المفيد في الارشاد عن الكليني بدون عبارة (وكان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر).
الرواية الثانية:
رواها الكليني في الكافي عن علي بن محمد عن اسحق بن محمد عن شاهويه عن عبد الله الجلاب قال: (كتب إليَّ أبو الحسن في كتاب أردت ان تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر وقلقت لذلك فلا تغتم فان الله عز وجل يقول: (وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) وصاحبك بعدي أبو محمد ابني وعنده ما تحتاجون إليه، يقدم الله ما يشاء ويؤخر ما يشاء (مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) قد كتبت بما فيه بيان وقناع لذي عقل يقظان)(٨٩).
وقد رواها الطوسي في كتابه الغيبة عن الكليني بالسند نفسه وفيها إضافة وهي قول الراوي: (كنت رويت عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام) في أبي جعفر ابنه روايات تدل عليه، فلما مضى أبو جعفر قلقت لذلك وبقيت متحيراً لا أتقدم ولا أتأخر، وخفت ان اكتب إليه في ذلك فلا ادري ما يكون فكتبت إليه اسأله الدعاء وان يفرِّج الله تعالى عنا في أسباب من قِبَل السلطان كنا نغتم بها في غلماننا. فرجع الجواب بالدعاء ورد الغلمان علينا)(٩٠).
غير ان هاتين الروايتين يرد عليهما:
اولا: أنهما معارضتان بروايات أخرى صريحة بالنص من الهادي (عليه السلام) على إمامة ولده الحسن العسكري في حياة أخيه ابي جعفر، وروايات أخرى صريحة في ان الإمام الهادي (عليه السلام) لم يخص أحدا بالنص قبل وفاة ولده أبي جعفر.
روى الكليني(٩١) عن علي بن محمد عن جعفر بن محمد الكوفي عن بشار بن احمد البصري عن علي بن عمر النوفلي قال: (كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) في صحن داره فمر بنا محمد ابنه فقلت له جعلت فداك هذا صاحبنا بعدك فقال لا، صاحبكم بعدي الحسن).
وروى أيضاً(٩٢) عن علي بن محمد عن أبي محمد الاسبارقيني عن علي بن عمرو العطار قال: (دخلت على أبي الحسن العسكري (عليه السلام) وأبو جعفر ابنه في الاحياء وأنا أظن انه هو فقلت جعلت فداك من أخص ولدك فقال لا تخصوا أحدا حتى يخرج إليكم أمري قال فكتبت إليه بعد(٩٣): في من يكون هذا الامر قال فكتب إليَّ في الكبير من ولدي قال وكان أبو محمد (عليه السلام) اكبر من جعفر)(٩٤).
ثانيا: في الروايتين ألفاظ من غير الممكن الاخذ بظاهرها لانها تجعل البداء الذي يقول به الشيعة هو البداء المستحيل في حق الله تعالى وهم لا يقولون بهذا النحو من البداء.
ان الشيعة يعتقدون تبعاً للروايات الثابتة عن أئمتهم كما مر قسم منها في مناقشة الشبهة الثانية ان الامام السابق حين ينص على الامام اللاحق إنما هو بعهد معهود لرجل فرجل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى.
فلو فرضنا ان الامام الهادي (عليه السلام) قد نص على ولده محمد بالامامة فإنما ينص عن الله تعالى بواسطة رسوله فإذا مات محمد ونص الامام الهادي (عليه السلام) على الحسن (عليه السلام) وهو عن الله تعالى بواسطة رسوله أيضاً ثم نسب ذلك إلى البداء من الله في الحسن (عليه السلام) بعد موت أخيه محمد (رحمه الله) كان معناه ان الله تعالى قد قضى شيئاً قضاء محتوماً على لسان نبيه ثم غيَّره وهو مما يجمع الامامية على رفضه وقد ثبت في تراث أهل البيت (عليهم السلام) ان البداء لا يكون في القضاء المحتوم بل يقع في القضاء الموقوف(٩٥).
وليس من شك ان إمامة الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) من القضاء الالهي المحتوم وذلك للاخبار بعددهم وبأسمائهم وبكبريات الحوادث المرتبطة بهم منذ عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ولذكرها في كتب الانبياء السابقين(٩٦).
وبسبب ذلك كان لا بد من حمل الالفاظ الآنفة الذكر على غير ظاهرها ان أمكن أو طرح الروايتين من الاعتبار وقد ذهب الشيخ الطوسي (رحمه الله) إلى الأمر الاول إذ قال بعد ان اورد الخبرين: (ما تضمنه الخبر المتقدم من قوله (بدا لله في محمد كما بدا له في إسماعيل) معناه ظهر من أمر الله وأمره في أخيه الحسن ما أزال الريب والشك في إمامته فان جماعة من الشيعة كانوا يظنون ان الامر في محمد من حيث كان الاكبر كما كان يظن جماعة ان الامر في إسماعيل بن جعفر دون موسى (عليه السلام) فلما مات محمد ظهر أمر الله فيه وانه لم ينصبه إماما كما ظهر في إسماعيل مثل ذلك لا انه كان نصَّ عليه ثم بدا له في النص على غيره فان ذلك لا يجوز على الله تعالى العالم بالعواقب(٩٧)، وهذا التأويل صحيح ولا غبار عليه ولكنه لا يرفع الاشكال عن بقية عبارات الرواية.
ونحن نرى ان الموقف الصحيح من هاتين الروايتين بالالفاظ التي أوردهما الشيخ الطوسي هو الطرح لا التأويل، وذلك لاشتمالها على ما يوجب ذلك وهو قول الراوي (وقد كان أشار إليه ودلَّ عليه) أي وكان الهادي (عليه السلام) قد أشار إلى ولده محمد (رحمه الله) ودلَّ عليه كما أشار أبو عبد الله (عليه السلام) من قبل إلى إسماعيل ونصبه. ومما لا شك فيه ان أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) لم ينصب ولده إسماعيل للامامة بل ان هذه الدعوى هي دعوى الاسماعيلية ثم ربطت بالبداء وجعلت مثالاً له من قبل المغرضين لتشويه مسألة البداء عند الشيعة وتشويه مسألة القائمة المعدة بأسماء الائمة الاثني عشر من قبل الله تعالى بواسطة رسوله، وقد أجمع الشيعة على تكذيبهم في تلك الدعوى. كما أجمعوا على تكذيب من يقول ان الهادي (عليه السلام) كان قد نصب ولده أبا جعفر للامامة فلما مات نصب ولده الحسن (عليه السلام).
قال الشيخ المفيد: (وأما (أمر) الامامة فإنه لا يوصف الله فيه بالبداء وعلى ذلك إجماع الامامية ومعهم فيه أثر عنهم عليهم السلام انهم قالوامهما بدا لله في شيء فلا يبدو له في نقل نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته)(٩٨).
الخلاصة:
اتضح من خلال البحث ان صاحب النشرة أورد من الروايات ما يناسب هدفه ثم حمل ظاهرها على ما يريد ولم يشر إلى موقف الشيخ الطوسي من حمل الرواية على غير ظاهرها وكان ينبغي عليه ان يشير إلى ذلك ويناقشه ان كانت لديه مناقشة، ثم كان ينبغي عليه أيضاً ان يورد الروايات الاخرى التي تنص على خلاف مقصوده ويرحج بعضها على بعض بمرجح علمي وبذلك يكون بحثه بحثاً علمياً ومن ثم يكون قارئه على بينة من أمره أما ما قام به فليس من البحث العلمي في شيء مع ما فيه من استغفال القارئ وعدم احترامه.

الفصل السابع: كتاب سليم بن قيس الهلالي

قوله: ان كتاب سليم لم يكن معروفا عند أحد من الشيعة في زمن الأئمة الأحد عشر مما يؤكد اختلاقه في عصر الغيبة الصغرى (٢٦٠-٣٢٩) من قبل العبرتائي والصيرفي.
أقول: لا تنحصر رواية كتاب سليم بن قيس او احاديثه في الاثني عشر بالصيرفي والعبرتائي وهناك روايات صحيحة تثبت وجود كتاب سليم او احاديثه في الاثني عشر عند محمد بن ابي عمير (تـ٢١٧) وحماد بن عيسى (تـ٢٠٦) وعمر بن أذينة (تـ١٦٨).
نص الشبهة
(ولكن عامة الشيعة في ذلك الزمان كانوا يشكّون في وضع واختلاق كتاب سليم، وذلك لروايته عن طريق (محمد بن علي الصيرفي أبو سمينة) الكذاب المشهور، و(احمد بن هلال العبرتائي) الغالي الملعونوقد قال ابن الغضائري: (كان أصحابنا يقولون: أن سليما لا يعرف ولا ذكر له.. والكتاب موضوع لا مرية فيه وعلى ذلك علامات تدل على ما ذكرنا..) (الحلي: الخلاصة ٨٣)(٩٩).
وقد كانت المشكلة الكبرى التي تواجه الكتاب هو انه خبر واحد ولم يكن معروفاً في عصور الائمة الاحد عشر من الشيعة مما يؤكد وضع الكتاب في عصر الغيبة الصغرى من قبل أصحاب نظرية الاثني عشرية وخاصة احمد بن هلال ومحمد بن علي الصيرفي (أبو سمية) الكذاب المشهور واختلاقه أساساً أو إضافة روايات (الاثني عشرية) إليه خاصة وانه لم تكن هناك نسخ ثابتة ومعروفة منه... ولم يصل الكتاب إلى الاجيال المتعاقبة بصورة موثقة ومروية)(١٠٠).
الرد على الشبهة
أقول: وفي كلامه عدة مواضع للتعليق:
أولا:
قوله: (ان كتاب سليم أو إضافة روايات الاثنا عشرية لم يكن معروفا في عصر الائمة الاحد عشر عند أحد من الشيعة مما يؤكد وضعه في عصر الغيبة من قبل العبرتائي والصيرفي).
دعوى منه كاذبة..
فان رواية الكليني والطوسي والصدوق لاحاديث سليم في الاثني عشر إماما وكون التسعة المتأخرين منهم من ذرية الحسين (عليه السلام) لا تنحصر بالعبرتائي والصيرفي.
فالكليني (رحمه الله)(١٠١) روى حديث سليم بثلاثة طرق:
الطريق الأول: عن محمد بن يحيى(١٠٢) عن احمد بن محمد(١٠٣) عن محمد بن أبي عمير(١٠٤) عن عمر بن أذينة(١٠٥) عن أبان بن أبي عياش عن سليم وهذا الطريق صحيح إلى أبان لا غبار عليه.
الطريق الثاني: فهو عن علي بن إبراهيم(١٠٦) عن أبيه(١٠٧) عن حماد بن عيسى(١٠٨) عن إبراهيم بن عمر(١٠٩) عن أبان وهو طريق صحيح إلى أبان أيضاً.
الطريق الثالث: فهو عن علي بن محمد عن احمد بن هلال العبرتائي عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن أبان وهو طريق ضعيف باحمد بن هلال العبرتائي.
والطوسي (رحمه الله) رواه في كتابه الغيبة(١١٠) عن رجاله عن محمد بن يعقوب الكليني بالسند الآنف الذكر.
أما الصدوق (رحمه الله): فقد رواه عن أبيه(١١١) عن سعد بن عبد الله(١١٢) عن احمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن أبان عن سليم(١١٣).
ورواه أيضا عن ابيه عن سعد عن يعقوب بن يزيد(١١٤) عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن مسكان(١١٥) عن أبان عن سليم(١١٦).
ورواه أيضا عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار(١١٧) عن يعقوب بن يزيد وإبراهيم بن هاشم جميعا عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان(١١٨).
وهي أيضا أسانيد صحيحة إلى أبان(١١٩).
وفي ضوء ذلك:
يتبين ان كتاب سليم أو أحاديث الاثني عشر بروايته قد كانت متداولة عند الشيعة في النصف الثاني من القرن الثاني والربع الأول من القرن الثالث.
وذلك لان محمد بن أبي عمير قد توفي سنة ٢١٧ وقد عاصر الامام الكاظم والرضا (عليهما السلام) وهو من فقهاء أصحابهما.
أما حماد بن عيسى فقد توفي سنة (٢٠٩هـ).
أما عمر بن أذينة وهو من أصحاب الكاظم أدرك أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) وروى عنه وكان قد هرب من المهدي العباسي ومات باليمن في حدود سنة (١٦٨هـ).
انظر الجدول التوضيحي بذلك على الصفحة التالية.
ثانيا:
قوله: (ولكن عامة الشيعة في ذلك الزمان كانوا يشكون في وضع واختلاق كتاب سليم).
أقول: ليس الامر كما ذكر..
وتحقيق الامر: ان ابن الغضائري وهو معاصر للشيخ الطوسي قال في ترجمته لـ (أبان بن أبي عياش): (لا يلتفت إليه وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه)، وقال المفيد في شرحه لاعتقادات الصدوق: (وأما ما تعلق به من حديث سليم الذي رجع فيه إلى الكتاب المضاف إليه برواية أبان بن أبي عياش فالمعنى فيه صحيح غير ان الكتاب غير موثوق به)(١٢٠).
وان اغلب المحققين من علماء الشيعة لم يعتنوا بتضعيفات ابن الغضائري.
قال السيد الخوئي (رحمه الله) في معجم رجال الحديث: (أما الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري فهو لم يثبت ولم يتعرض له العلامة في إجازاته وذكر طرقه إلى الكتب. بل أن وجود هذا الكتاب في زمان النجاشي والشيخ أيضا مشكوك فيه، فإن النجاشي لم يتعرض له مع انه قدس سره بصدد بيان الكتب التي صنفها الامامية حتى انه يذكر مالم يره من الكتب وان ما سمعه من غيره أو رآه في كتابه، فكيف لا يذكر كتاب شيخه الحسين بن عبيد الله أو ابنه احمد! وقد تعرض قدس سره لترجمة الحسين بن عبيد الله ولم يذ كر فيها كتاب الرجال كما انه حكى عن احمد بن الحسين في عدة موارد ولم يذكر انه له كتاب الرجال. نعم أن الشيخ تعرض في مقدمة فهرسته: أن احمد بن الحسين كان له كتابان ذكر في أحدهما المصنفات وفي الاخر الاصول ومدحهما غير انه ذكر عن بعضهم أن بعض ورثته أتلفهما ولم ينسخهما أحد.

www.m-mahdi.net

والمتحصل من ذلك أن الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري لم يثبت بل جزم بعضهم بأنه موضوع وضعه بعض المخالفين ونسبه إلى ابن الغضائري بل أن الاختلاف في النقل عن هذا الكتاب يؤيد عدم ثبوته بل توجد في عدة موارد ترجمة شخص في نسخة ولا توجد في نسخة أخرى إلى غير ذلك من المؤيدات)(١٢١).
وقال العلامة الطهراني (رحمه الله) في الذريعة (.. جرت سيرة الاصحاب على عدم الاعتناء بتضعيفات كتاب الضعفاء على فرض معلومية مؤلفه فضلا على انه مجهول المؤلف فكيف يسكن إلى جرحه).
وقال في كتابه المشيخة أيضاً: (ذكر السيد احمد بن طاووس.. انه وجد نسخة منسوبة إلى ابن الغضائري من دون إسناد له إليه، فأدرج ما في تلك النسخة أيضا ضمن ما جمعه من تلك الاصول الاربعة أي رجال النجاشي ورجال الكشي والشيخ وفهرست الشيخ في المواضع اللائقة بعين ألفاظه.. وهو أقوى سبب لضعف تضعيفات ابن الغضائري حيث أن كتابه لم يكن مسندا للناقل عنه وهو السيد ابن طاووس الذي اخذ من كلامه بعده تلميذه العلامة الحلي وابن داود في كتابي الخلاصة والرجال ثم من تأخر عنه حتى اليوم. فكل ما ينسب إلى ابن الغضائري من الاقوال لم يصل إلينا بأسانيد معتبرة عنه، بل الناقل عنه أولا أعلمنا بعدم الاسناد وخلص نفسه)(١٢٢).
أقول:
وعلى فرض الاعتناء بتضعيفات الغضائري والاخذ بها عند التعارض كما ذهب إلى ذلك نفر من علمائنا كالعلامة الحلي (رحمه الله) (ت٧٢٦هـ) والعلامة التستري (رحمه الله)(ت١٤١٦هـ) صاحب قاموس الرجال، فان ذلك لا يضر بكتاب سليم بن قيس لان جهة حكم ابن الغضائري على الكتاب بالوضع معلومة وهي وجود خبرين الاول خبر وعظ محمد بن أبي بكر أباه عند الموت (وهو خبر محقق الكذب) والثاني خبر يفهم منه أن الائمة ثلاثة عشر (وهو خبر اشتبه فيه راويه قطعا) ووجود هذين الخبرين ونظائرهما ان وجدت وهي قليلة غير كافية في الحكم على اصل الكتاب بالوضع فان قصارى ما تدل عليه هو ان نسخة الكتاب قد لحقها تخليط وتحريف ومن هنا أوجب الشيخ المفيد عدم الاعتماد على كل ما ورد في الكتاب دون تحقيقونظير ذلك كتاب مقتل الحسين (عليه السلام) لابي مخنف فان الاصل المتداول عند عامة الناس فيه زيادة وتحريف وهي لا توجب الحكم على اصل الكتاب بالوضع وقد روى الطبري في تاريخه اكثر أخباره ومن يقارن بين روايات الطبري عن أبي مخنف وروايات النسخة المتداولة يكتشف مواضع التحريف.
القول الحق في كتاب سليم:
قال العلامة التستري (رحمه الله): (والحق في كتاب سليم بن قيس ان اصله كان صحيحاً قد نقل عنه الاجلة المشايخ الثلاثة والنعماني والصفار وغيرهم، إلا انه حدث فيه تخليط وتدليس من المعاندين فالعدو لا يألو خبالا كما عرفت من المفيد، لا كما قال ابن الغضائري من كون الكتاب موضوعا لخبر وعظ محمد بن أبي بكر أباه، فالكتاب الموضوع ان اشتمل على شيء صحيح يكون في الاقلية كما في التفسير الذي افتروه على العسكري (عليه السلام)، والكتاب بالعكس، بل لم نقف فيه على كذب محقق سوى خبر الوعظ، أما خبر عدد الائمة فقد عرفت انه سوء تعبير من بعض الرواة، ووقوع أخبار خمسة مثله في الكافي، وحينئذ فلا بد ان يراعى القرائن في أخباره كما عرفت من المفيد)(١٢٣).
قول النعماني في كتاب سليم:
أما قول ابن الغضائري /وهو من رجال القرن الخامس الهجري/: (ينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه أي إلى أبان بن أبي عياش فيعارضه قول النعماني وهو من رجال القرن الرابع الهجري (ت٣٦٢هـ) (وليس بين جميع الشيعة فيمن حمل العلم ورواه عن الائمة خلاف في كتاب سليم بن قيس الهلالي اصله من اكبر كتب الاصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت (عليهم السلام) وأقومها لان جميع ما اشتمل عليه هذا الاصل إنما هو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وسلمان والمقداد وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وسمع منهم وهو من الاصول التي ترجع الشيعة إليها ويُعوَّل عليها)(١٢٤).
ومراد النعماني من كلمة (الاصل) مراد أهل العلم منها قال الطهراني: (الاصل من كتب الحديث هو ما كان المكتوب فيه مسموعا لمؤلفه من المعصوم (عليه السلام) أو عمن سمع منه لا منقولا من مكتوب)(١٢٥).
قول ابن النديم في كتاب سليم:
ويؤيد كلام النعماني ما ذكره ابن النديم (ت٣٨٠هـ) في كتابه الفهرست قال: (سليم بن قيس من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان هارباً من الحجاج لانه طلبه ليقتله فلجأ إلى أبان بن أبي عياش فآواه فلما حضرته الوفاة قال لابان ان لك عليَّ حقاً وقد حضرتني الوفاة يا ابن أخي انه كان من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيت وكيت وأعطاه كتابا وهو كتاب سليم بن قيس المشهور رواه عنه أبان بن أبي عياش ولم يروه عنه غيره.. وهو أول كتاب ظهر للشيعة(١٢٦).
ان ابن النديم حين ذكر كتاب سليم بن قيس إنما ذكره بصفته أول كتاب واقدم كتاب عند الشيعة ثم ذكر بعده مؤلفي الشيعة الاخرين وكتبهم ولو كانت شبهة الوضع تلاحق الكتاب وتقترن به في القرن الرابع الهجري كما يدعي صاحب النشرة لما فاتت على ابن النديم وهو خبير عصره بالكتب التي اشتهرت في زمانه.
وفي ضوء ذلك:
يتضح خطأ قول صاحب النشرة (وكان عامة الشيعة في ذلك الزمان يشكُّون في وضع واختلاق كتاب سليم وذلك لروايته عن طريق محمد بن علي الصيرفي أبو سمينة الكذاب المشهور واحمد بن هلال العبرتائي الغالي الملعون).
فانه ان كان يقصد شيعة القرن الرابع الهجري فان كلام النعماني الانف الذكر يكذبه وان كان يقصد الشيعة في عصر الشيخ المفيد فقد تبين الحال من مناقشة العلامة التستري.
أما قوله (ان الواضع للكتاب هو أبو سمينة واحمد بن هلال العبرتائي).
فهو قول جزاف(١٢٧).. كان شاهده الوحيد عليه دعواه ان الكتاب لم يكن معروفا عند واحد من الشيعة في عصر الائمة وقد تبين سقوط هذه الدعوى.
نعم كانت الشبهة تحوم على أبان بن أبي عيّاش(١٢٨) كما ذكر ذلك ابن الغضائري وتبناها وقدَّم عليها شاهدين تبيَّن حالهما، وان وجودهما في الكتاب يؤدي إلى القول بوضعهما ودسهما فيه لا القول بوضع كل أخبار الكتاب.
ثالثا:
ما نقله صاحب النشرة من كلام ابن الغضائري من قوله: (وكان أصحابنا يقولون ان سليماً لا يُعرف ولا ذِكرَ له يوحي للقارئ ان سليماً لا يعرف من الرجاليين وليس له ذكر عندهم وان ابن الغضائري كان يقول بذلك).
ولكن واقع الحال ان ابن الغضائري ينفي ذلك وعبارته بتمامها هي كان أصحابنا يقولون ان سليما(١٢٩) لا يعرف ولا ذُكِرَ في خبر، وقد وجدت ذكره في مواضع من غير جهة كتابه ولا رواية أبان بن أبي عياش(١٣٠).
رابعا:
قوله: (ولم يصل الكتاب (كتاب سليم) إلى الاجيال المتعاقبة بصورة موثقة ومروية).
أقول: أغنانا في الجواب على هذه الدعوى ما كتبه العلامة الشيخ محمد باقر الانصاري الذي صرف اثنتي عشرة سنة في تحقيق الكتاب وقد أخرجه في ثلاثة مجلدات استوعب كل جوانب التحقيق فيه، ومما جاء فيه قوله مختصراً:
(ان نسخة كتاب سليم كانت موجودة عند ابن أبي عمير وحماد بن عيسى وعبد الرزاق بن همام.
وان نسخة عبد الرزاق قد وصلت إلينا بأربعة طرق:
الاول: طريق ابن عقدة (ت٣٣٣هـ).
الثاني: طريق محمد بن همام بن سهيل (ت٣٣٢هـ).
الثالث: طريق الحسن بن أبي يعقوب الدينوري.
الرابع: طريق أبو طالب محمد بن صبيح بن رجاء بدمشق سنة ٣٣٤وبهذا الطريق اصبح الكتاب متداولا حيث كانت عدة نسخ خطية منه موجودة عند كبار علمائنا كما توجد اليوم مخطوطات منها في مكتبات إيران والعراق والهند.
وان نسخة حماد بن عيسى وصلت إلينا عن طريق الشيخ الطوسي والشيخ النجاشي بأسانيد متصلة.
وان نسخة ابن أبي عمير وصلت إلينا عن طريق الشيخ الطوسي بأسانيد متصلة ووصلت إلى العلامة الحر العاملي والعلامة المجلسي وهي المتداولة اليوم.
وان نسخة الشيخ الطوسي برواية ابن أبي عمير وصلت إلى المحدِّث شهر آشوب جد صاحب المناقب والفقيه محمد بن أبي احمد بن شهريار والشيخ أبو علي الطوسي بن الشيخ الطوسي، وأما شهر آشوب فقد انتقلت نسخته إلى محمد بن علي بن شهر آشوب صاحب المناقب وقد اخبر بالكتاب صاحب المناقب بالحلة قراءة عليه سنة (٥٦٧هـ) وأما ابن شهريار الخازن فقد رواه للشريف أبي الحسن العريضي ومنه للشيخ الفقيه محمد بن الكال المتوفى سنة ٥٩٧، أما نسخة الشيخ ابي علي بن الشيخ الطوسي فقد وصلت بواسطة الشيخ الفقيه الحسن بن هبة الله بن رطبة السوراوي وهو قد اخبر بالكتاب في كربلاء سنة (٥٦٠هـ) وأيضا بواسطة الشيخ الحسن بن احمد بن طحال المقدادي ومنه إلى الرئيس أبي البقاء هبة الله بن نما قراءة عليه بالنجف سنة ٥٢٠. ثم وصلت نسخة الشيخ الطوسي هذه إلى العلامة المجلسي صاحب البحار وقد أوردها بتمامها في موسوعته بحار الانوار، وكذلك وصلت إلى الشيخ الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة وقد وصلت نسخته بعد ذلك إلى العلامة السماوي وعنها طبع المطبوع المتداول(١٣١).
الخلاصة:
اتضح من خلال البحث بطلان دعوى صاحب النشرة من (كون كتاب سليم بن قيس أو روايات الاثني عشر عنه لم تكن معروفة عند أحد من الشيعة زمن الائمة الاحد عشر) وكذلك دعواه (ان كتاب سليم أو روايات الاثني عشر عند الشيعة من اختلاق العبرتائي والصيرفي)وتبين لنا عدم انحصار الرواية بهما، وان الشبهة في اختلاق كتاب سليم إنما كانت تحوم حول أبان بن أبي عياش الراوي الذي انحصرت به رواية كتاب سليم، واختلاف رجاليي الشيعة في وثاقته وقد قلنا في البحث ان هذا الاختلاف لا يضر في الرد على مقولة صاحب النشرة والزيدية من ان احاديث الاثني عشر قد اختلقها الشيعة في عصر الغيبة، إذ المطلوب اثبات وجودها عند الشيعة في عصر الائمة (عليهم السلام) وقد اثبتنا ذلك.
وان أدلة ابن الغضائري في التشكيك بأصل كتاب سليم مردودة ومعارضة بكلام النعماني الذي نقل لنا رأي الشيعة في زمانه، هذا مضافاً إلى انه لو كانت شبهة الوضع تلاحق كتاب سليم لما فاتت على ابن النديم الذي ترجم للكتاب وصاحبه.
أما دعوى صاحب النشرة من (ان كتاب سليم لم يصل إلى الاجيال المتعاقبة بصورة موثقة ومروية فقد أجاب عنها مفصلاً محقق كتاب سليم بن قيس كما أشرنا إليه).

الفصل الثامن: أسانيد روايات الاثني عشر عند السنة والشيعة

قوله: ان روايات حصر الأئمة باثني عشر عند السنة والشيعة ضعيفة السند!
أقول: البحث السندي في روايات الاثني عشر إماما عند الفريقين يكذب دعواه تلك. وان الأحاديث الشيعية في الاثني عشر كانت معروفة لدى الثقات من الشيعة قبل ولادة المهدي (عليه السلام) بل منذ القرن الثاني الهجري.
نص الشبهة
(ومن هنا فقد اعترض الزيدية على الامامية وقالوا (ان الرواية التي دلت على ان الائمة اثنا عشر قول أحدثه الامامية قريبا وولدوا فيه أحاديث كاذبة(١٣٢). وقام أصحاب النظرية (نظرية الاثني عشر) باستيراد أحاديث من (أهل السنة) مروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تشير إلى عدد الخلفاء والامراء من بعده وتذكر رقم (اثني عشر) وأضافوا إليها أحاديث اختلقوها بعد ذلك تشير إلى حصر الامامة في (اثني عشر إماماً) فقط... استعار الذين قالوا بوجود المهدي محمد بن الحسن العسكري وولادته سرا في حياة أبيه بعض الاحاديث الضعيفة والمضطربة والمشوشة والغامضة من السنة والتي تذكر مجيء اثني عشر أميرا أو خليفة بعد رسول الله وهذبوها وشذبوها وطبقوها على عدد الائمة الذين كانوا قد بلغوا مع ابن الحسن المفترض وحسب العد الامامي: اثني عشر واحدا فقالوا بان الائمة اثنا عشر وعرف هؤلاء (الاثني عشر). (ولكن عملية الاستدلال بتلك الاخبار على صحة النظرية (الاثنا عشرية) كانت تواجه ضعف سند تلك الاخبار حيث أنها ضعيفة عند السنة ولا يلتزم أحد منهم بمضمونها. كما أنها اضعف عند الشيعة(١٣٣). ولا توجد بينها رواية واحدة صحيحة حسب مقاييس علم الرجال الشيعي)(١٣٤).
الرد على الشبهة
اقول ولنا على كلامه الانف الذكر تعليقتان:
الاولى:
قوله: (أنها ضعيفة السند عند السنة ولا يلتزم أحد بمضمونه).
أقول: ليت صاحب النشرة جاء بكلام واحد من علماء أهل الحديث المعتبرين عند السنة يضعِّف حديث الاثني عشر، وأنى له بذلك وقد روى الحديث كل من البخاري ومسلم في صحيحيهما وأبو داود والترمذي في سننهما ومن قبلهم رواه احمد بن حنبل في مسنده بأسانيد صحيحة ورواه آخرون أيضاً.
روى البخاري عن جابر بن سمرة قال سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: (يكون بعدي اثنا عشر أميرا... كلهم من قريش).
وفي رواية لمسلم (لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش)(١٣٥).
وفي رواية (لا تضرهم عداوة من عاداهم)(١٣٦).
وفي رواية (يكون لهذه الامة اثنا عشر قيِّماً لا يضرهم من خذلهم كلهم من قريش)(١٣٧).
وفي رواية مسروق قال: (سأل رجل عبد الله بن مسعود قال له يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله كم يملك هذه الامة من خليفة فقال عبد الله سألناه فقال: اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل)(١٣٨).
وفي رواية أخرى (يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى)(١٣٩).
وفي رواية أخرى (كلهم تجتمع عليه الامة)(١٤٠).
قال ابن كثير (وقد روي مثل هذا عن عبد الله بن عمر وحذيفة وابن عباس)(١٤١).
أقول: وقد روى مثله الهيثمي في مجمع الزوائد عن الطبراني في الاوسط والكبير، والبزار، عن أبي جحيفة(١٤٢).
ويتبين من ذلك ان حديث الاثني عشر عند السنة لا تنحصر روايته بالصحابي جابر بن سمرة بل يرويه صحابة آخرون ذكرت الكتب السنية الميسرة فعلا أربعة منهم الى جنب جابر بن سمرة.
لقد ظن علماء الحديث من أهل السنة ان المراد بهؤلاء الاثني عشر هم الحكام الذين جاءوا بعد الرسول واتفقوا على تسمية الاربعة الاوائل منهم وحاروا في تكملة العدد، فمنهم من عد معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك ثم يزيد بن عبد الملك ثم هشام بن عبد الملك وبين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك) وقد رجح هذا القول ابن حجر(١٤٣) ومنهم من قال ان هؤلاء الاثني عشر مفرقين في الامة إلى آخر الدنيا(١٤٤).
وهذا التفسير بعيد عن الصحة تماماً وذلك لان تشبيه النبي (صلى الله عليه وآله) لهؤلاء الاثني عشر بأصحاب موسى ونقباء بني إسرائيل يفيد انهم من سنخهم وقد أخبرنا الله تعالىعن نقباء بني إسرائيل بقوله (وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا) المائدة/١٢-١٣.
وقال تعالى (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا)الاعراف/١٥٩-١٦٠.
وقد كان أول هؤلاء الاثني عشر بعد موسى هو يوشع بن نون وكان آخرهم داود، وكان ما بينهم النبي إشموئيل وطالوت ولم يكن نبياً بل كان عالماً اصطفاه الله ونص عليه بواسطة نبيه إشموئيل، وكانت تكملة الاثني عشر من آل هارون ولم يكونوا انبياء أيضا بل كانوا علماء اصطفاهم الله وطهرهم ونص عليهم بواسطة نبيه موسى وقد ذُكِروا في القرآن كعنوان للنقباء بعد موسى وقبل النبي إشموئيل ولم يدخل في تفاصيلهم(١٤٥).
وهم المشار إليهم في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَة مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة/٢٣-٢٤.
وكذلك الامر في الائمة الاثني عشر بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) هم أئمة هدى لا يصلح الحكم إلا لهم في زمانهم ولا تتأثر منزلتهم من الله ورسوله سواء أقبل الناس عليهم أم أعرضوا عنهم.
ويؤيد ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله) عنهم انهم (لا تضرهم عداوة من عاداهم) (لا يضرهم من خذلهم) لان ولايتهم لا تستند إلى الناس بل إلى الله تعالى، هذا بخلاف ولاية الحاكم التي تتضرر بخذلان من يخذل لان قوته وسلطته تستند إلى الناس.
ويؤيد ذلك أيضاً ما ورد عن علي (عليه السلام) قوله أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا ان رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى ان الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم(١٤٦).
فهو (عليه السلام) هنا يتحدث عن أئمة هدى بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) لهم منزلة الرسول في الهداية وفي اختصاص الحكم في زمانهم بهم وكونهم منحصرين في بني هاشم، ومما لاشك فيه انه ليس كل بني هاشم لهم هذه الخصوصية بل هم علي (عليه السلام) والاحد عشر من ولده من فاطمة (عليها السلام). ومن الواضح ان كلامه (عليه السلام) يشير إلى حديث النبي (صلى الله عليه وآله) (الائمة من بعدي اثنا عشرفهم إذن نظراء أئمة الهدى من بني إسرائيل الذين جعلهم الله تعالى بعد موسى وجعلهم اثني عشرة أسباطا أي أحفاداً (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض) آل عمران /٣٢).
وفي ضوء ذلك يحمل قوله (صلى الله عليه وآله): (كلهم تجتمع عليه الامة) أي كلهم ينبغي أن تجتمع عليهم أمتي الى آخر الدنيا يأخذون بقولهم وفعلهم وتقريرهم.
الثانية:
قوله: (انها عند الشيعة اضعف) وقوله (أنها مختلقة في عصر الغيبة).
أقول: ليس الامر كما قال..
إذ الروايات التي أوردها الكليني والصدوق توجد فيها روايات صحيحة السند واشهرها الروايات التي تنتهي إلى سليم بن قيس وقد مضى الحديث عنها في الفصل السابع، وقد قلنا هناك: بان الطرق إلى كتاب سليم وروايته في الاثني عشر لم تنحصر بالعبرتائي وابي سمينة.
ولا يضر رواية سليم اختلاف علماء الشيعة في وثاقة أبان بن أبي عياش الراوي عن سليم لان المطلوب في أحاديث الاثني عشر وذكر أسماء الائمة (عليهم السلام) من أجل رد شبهة المستشكل هو إثبات وجودها عند الشيعة قبل الغيبة الصغرى.
وليس من شك ان طائفة من أسانيد الكليني والصدوق إلى أبان بن أبي عياش (ت١٢٨هـ) صحيحة ويرويها عن أبان كل من محمد بن أبي عمير (ت٢١٧هـ) وحماد بن عيسى (ت٢٠٩هـ).
أما ابن ابي عمير فيرويها عن عمر بن أذينة (ت١٦٨هـ).
وأما حمّاد فيرويها عن عمر بن أذينة وإبراهيم بن عمر اليماني المعاصر لابن إذينة.
ومعنى ذلك ان أحاديث الاثني عشر التي تنتهي إلى سليم بن قيس كانت معروفة عند ثقاة الشيعة في القرن الثاني الهجري.
ويضاف إلى ذلك:
الحديث المعروف بحديث اللوح(١٤٧) الذي رواه الكليني في باب ما جاء في الاثني عشر إماماً عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن محبوب عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) فان سند الكليني إلى الحسن بن محبوب السراد المتوفى سنة (٢٢٤ هـ) صحيح.
ويضاف إليه أيضا الحديث الاول والثاني عند الكليني في الباب نفسه إذ لا غبار على سندهما في مقياس علم الرجال عند الشيعة.
يضاف إلى ذلك أيضا: الرواية رقم (٢٠) من الباب نفسه في الكافي رواها عن محمد بن يحيى واحمد بن محمد عن محمد بن الحسين عن أبي طالب عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران قال كنت أنا وأبو بصير ومحمد بن عمران مولى أبي جعفر (عليه السلام) في منزله بمكة فقال محمد بن عمران سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول (نحن اثنا عشر محدَّثاً فقال له أبو بصير سمعت من أبي عبد الله (عليه السلام) فحلفته مرة أو مرتين انه سمعه فقال أبو بصير لكني سمعته من أبي جعفر (عليه السلام) ورجال السند ثقاة، ولا يضره واقفية عثمان بن عيسى لانه رجع وتاب عنها).
وقد رواها الشيخ الصدوق في اكمال الدين ص٣٣٥ عن محمد بن علي بن ماجيلوية ومحمد بن موسى بن المتوكل قال حدثنا محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسن الصفار عن أبي طالب عبد الله ابن الصلت القمي عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران ورواها أيضا عن محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أبي طالب، وفيها لفظ (مهديا) بدلاً من (محدثاً).
وأيضاً الرواية رقم (١٥) من الباب نفسه في الكافي رواها عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن سعيد بن غزوان عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال (يكون تسعة أئمة من ذرية الحسين بن علي تاسعهم قائمهم) والسند صحيح.
ويتلخص من ذلك:
ان الذي رواه الكليني والصدوق والطوسي والنعماني باسانيدهما الصحيحة إلى سماعة بن مهران وابن أبي عمير وحماد بن عيسى وعمر بن أذينة وإبراهيم بن عمر اليماني والحسن بن محبوب السراد وعبد الله بن الصلت القمي وأبي هاشم داود بن القاسم الجعفري تفيد ان احاديث الاثني عشر إماما كانت معروفة لدى الثقاة من الشيعة قبل ولادة المهدي (عليه السلام) بل منذ القرن الثاني الهجري.
وهي كذلك عند السنة اذ رواها أحمد بن حنبل في مسنده وقد توفي سنة ٢٤٠هـ أي قبل ولادة المهدي (عليه السلام) بخمسة عشر عاما.
ولسنا بحاجة لابطال مقولة صاحب النشرة ومقولة الزيدية من قبل من أنَّ أحاديث الاثني عشر عند الامامية مختلقة في القرن الرابع الهجري إلى اكثر من اثبات وجودها في كتبهم أو عند وجوه رواتهم في القرن الثاني للهجرة او قبل ولادة المهدي (عليه السلام).

الفصل التاسع: الاستدلال على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) بنصوص التوراة

قوله: يلاحظ اعتماد بعض الكتاب المتأخرين على التوراة والإنجيل لتعزيز نظرية الإمامة ونظرية الاثني عشرية... وربما كان عبد الله بن سبأ على فرض وجوده قد أساء إلى الشيعة والتشيع بمقارنته المشهورة بين وصية النبي موسى (عليه السلام) ليوشع بن نون ووصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب حيث قدم بهذه المقارنة مادة لاتهام الشيعة باستيراد نظرياتهم من الإسرائيليات.
اقول: ان الاستدلال بالتوراة على مسألة إمامة أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن من ابتداع المتأخرين بل هو استدلال قديم دأب علماء الشيعة على ذكره ضمن الأدلة الأخرى على الإمامة... وقد اخذ الشيعة الأوائل هذا المنهج عن أئمتهم (عليهم السلام) ومنهج أهل البيت (عليهم السلام) هو منهج القرآن نفسه حيث كان يستدل على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) بأدلة متنوعة منها وجود خبر بعثته في التوراة.. ثم ان المؤسس للمقارنة هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي) وقوله (الخلفاء بعدي اثنا عشر عدتهم كنقباء بني إسرائيل).
نص الشبهة
كتب صاحب النشرة مقالا يستنكر فيه الاستدلال بالتوراة على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) وعنون المقال بمانشيت عريض يقول فيه (المنهج السبئي في البناء الفكري) ومما جاء في مقاله هذا قوله:
(يلاحظ اعتماد بعض الكتاب المتأخرين على التوراة والانجيل لتعزيز نظرية الامامة ونظرية الاثني عشرية. وقد نقل السيد مرتضى العسكري في كتاب: (معالم المدرستين) الجزء الاول ص ٥٣٩ فقرة من سفر التكوين، الاصحاح ١٧، الرقم ٢٠١٨ تقول: (وإسماعيل أباركه وأثمره وأكثره جدا جدا، اثنا عشر إماما يلد واجعله أمة كبيرة) وعلق عليها قائلا: (يتضح من هذه الفقرة ان التكثير والمباركة إنما هما في صلب إسماعيل (عليه السلام) مما يجعل القصد واضحا في الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)باعتبارهم امتدادا لنسل إسماعيل). كما استشهد بتلك الفقرة كاتب هو: تامر مير مصطفى في كتاب له صدر تحت عنوان: (بشائر الاسفار بمحمد وآله الاطهار) عن دار التوحيد بقم سنة ١٤١٤. وفسر الكاتب (الاثني عشر رئيسا) الذين وعد الله في التوراة إسماعيل بولادتهم منه بأن المقصود منها ليس هم أبناؤه الاثني عشر المذكورة أسماؤهم في التوراة (سفر التكوين ٢٥، ١٣، ١٦) وإنما المقصود هم الائمة الاثنا عشر من ذرية الرسول، وذلك بعد حساب كلمة (كثيرا جدا) بحساب الجمل واثبات ان مجموعها يعادل رقم ٩٢ وهو مجموع كلمة (محمد)، وقال: كما أثبتنا ان مباركة الله الاولى لاسماعيل قد تحققت بمحمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فان المباركة الثانية قد تحققت بظهور اثني عشر إماما مباركا جعلهم الله خلفاء لرسوله وامتدادا طبيعيا لدعوته المباركة (المصدر ص ٦٢). ولا نريد هنا ان نناقش الكاتبين في مدى دلالة الفقرة الاسرائيلية على المطلوب، أو صراحتها، وهل تشمل (الاثنا عشر) لا تحتاج إلى كل هذا التكلف والمقارنة والاستعانة بالمصادر الاسرائيلية، ويكفي ان يتم بحثها وإثباتها عن طريق القرآن الكريم والاحاديث النبوية وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) إذا ثبتت فبها ونعمت، وإذا لم تثبت بعض معانيها وتفاصليها فلا بد ان نقتصر على الاحاديث الصحيحة. وربما كان عبد الله بن سبأ على فرض وجوده قد أساء إلى الشيعة والتشيع بمقارنته المشهورة بين وصية النبي موسى (عليه السلام) ليوشع بن نون ووصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب حيث قدم بهذه المقارنة مادة لاتهام الشيعة باستيراد نظرياتهم من الاسرائيليات)(١٤٨).
الرد على الشبهة
اقول ويؤاخذ على كلامه الآنف الذكر:
أولا:
ان الاستدلال بالتوراة على مسألة إمامة أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن من ابتداع المتأخرين بل هو استدلال قديم دأب علماء الشيعة على ذكره ضمن الادلة الاخرى على الامامة وقد مر في الشبهة الاولى ان اقدم كتاب كلامي عند الشيعة هو ياقوت الكلام لابراهيم بن نوبخت قد ذكر ذلك كما ذكره أيضا النعماني (ت٣٦١هـ) في كتابه الغيبة وفيما يلي نص كلامه:
قال النعماني رحمه الله (ويزيد بإذن الله تعالى هذا الباب دلالة وبرهانا وتوكيدا تجب به الحجة على كل مخالف.. ما ثبت في التوراة مما يدل على الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) ما ذكره في السفر الاول فيها من قصة إسماعيل قوله عز وجل (وقد أجبت دعاءك في إسماعيل وقد سمعتك ما باركته وسأكثره جدا جدا وسيلد اثني عشر عظيما اجعلهم أئمة كشعب عظيم) أقرأني عبد الحليم بن الحسين السمري رحمه الله ما أملاه عليه رجل من اليهود، ثم أورد النص العبري وهو (وليشمعيل شمعتيخا هني برختي اوتو وهفرتي اوتو وهربيتي اوتو بمئد مئد شنيم عاسار نسيئم يولد ونتتيوا لغوي غادول)، ثم فسره بما ذكره في أول كلامه.
ثم قال (رحمه الله) بعد ذلك: (فما بعد شهادة كتاب الله عز وجل ورواية الشيعة عن نبيِّها وأئمتها ورواية العامة من طرقها عن رجالها وشهادة الكتب المتقدمة وأهلها بصحة أمر الائمة الاثني عشر لمسترشد مرتاد طالب أو معاند جاحد من حجة تجب وبرهان يظهر وحق يلزم ان في هذا كفاية ومقنعا ومعتبرا ودليلا وبرهانا لمن هداه الله إلى نوره)(١٤٩).
وقد اخذ الشيعة الاوائل هذا المنهج عن أئمتهم (عليهم السلام) حين كانوا يحاجُّون أهل الكتاب ويدلونهم على مواضع ذكرهم مع الرسول (صلى الله عليه وآله) في التوراة والانجيل.
ففي حوار الجاثليق مع الرضا (عليه السلام): قال الرضا (عليه السلام) لنسطاس الرومي: كيف حفظك للسفر الثالث من الانجيل قال ما احفظني له ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال أتقرأ الانجيل قال: بلى لعمري، قال فخذ على السفر الثالث فان كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته فاشهدوا لي وان لم يكن ذكره فلا تشهدوا(١٥٠)...
ومنهج أهل البيت (عليهم السلام) هو منهج القرآن نفسه حيث كان يستدل على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) بأدلة متنوعة منها وجود خبر بعثته في التوراة كقوله تعالى (أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وقوله (يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والاِنْجِيلِ) وقد اجمع علماء الاسلام على الاستدلال بالتوراة والانجيل على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) في مقام الاحتجاج على أهل الكتاب وكتبوا بذلك عشرات الكتب.
وإذا كان الله تعالى قد أكرم أهل البيت (عليهم السلام) بان ذكرهم في كتبه الاولى جنباً إلى جنب مع رسوله المكي الموعود فما وجه الغرابة ان يستدل بذلك على إمامتهم؟
والذي ينعم النظر في عدد من نصوص البشارة بمحمد (صلى الله عليه وآله) في الكتب السابقة يجد فيها النبي مقرونا بأهل بيته وليس من شك ان الفقرة (٢٠) من الاصحاح (١٧) من سفر التكوين(١٥١) هي اشهر نص وأوضحه في الحديث عن النبي وأهل بيته وعددهم، وكان يدركها علماء اليهود بوضوح وكانوا حين ينشرح صدرهم للاسلام يختارون الائتمام بأهل البيت (عليهم السلام) سواء في زمانهم أو في عصر الغيبة.
قال ابن تيمية في تعليقه على حديث الاثني عشر: (وهؤلاء المبشر بهم في حديث جابر بن سمرة وقرر انهم يكونون مفرقين في الامة ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا، و(قد) غلط كثير ممن تشرف بالاسلام من اليهود فظنوا انهم الذين تدعوا إليهم فرقة الرافضة فاتبعوهم)(١٥٢).
وكلامه وان كان سلبياً من ناحية تطبيق النص على أهل البيت (عليهم السلام) ولكنه من ناحية أخرى يؤكد ما ذكره النعماني وما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) من وجود نصوص في أمر أهل البيت (عليهم السلام) كما هو الحال في خاتم الانبياء (صلى الله عليه وآله).
وقد فات ابن تيمية ونظراءه ان علماء اليهود الذين أسلموا وتشيعوا لاهل البيت (عليهم السلام) كانوا قد وجدوا أنفسهم أمام ظاهرة من النصوص التوراتية بعضها يعضد بعضاً باتجاه أهل البيت (عليهم السلام) دون غيرهم(١٥٣).
ثانيا:
قوله: (وربما كان ابن سبأ على فرض وجوده قد أساء إلى التشيع بمقارنته بين وصية النبي موسى ليوشع ووصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لعلي)...
أقول:
ان المؤسس للمقارنة بين الوصيتين هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي) وهو حديث صحيح مروي في الكتب المعتبرة عند السنة فضلاً عن الشيعة(١٥٤).
و بقوله (صلى الله عليه وآله) لسلمان لما سأله يا رسول الله لكل نبي وصي فمن وصيك فسكت عنه ثم بعد ذلك دعاه فقال ياسلمان تعلم من وصي موسى قال سلمان قلت نعم يوشع بن نون، قال ولم قلت لانه كان أعلمهم، قال: (فان وصيي وموضع سري وخير من اترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن ابي طالب)(١٥٥).
وبقوله (صلى الله عليه وآله): الخلفاء بعدي اثنا عشر عدتهم كنقباء بني إسرائيل.
وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله) في الحسن والحسين إني سميتهما باسم شبر وشبير ولدي هارون.
فهل يقال في حق النبي (صلى الله عليه وآله) انه قدَّم مادة لاتهام الاسلام باستيراد نظرياته من الاسرائيليات؟
وقبل ذلك فان القرآن الكريم هو المؤسس لهذه المقارنة وغارس بذرتها، حين ضرب الامثال للاخِرين بما جرى على الاولين، وقد عني عناية خاصة بقصص بني إسرائيل للتشابه الكبير بينها وبين نظيراتها في بني إسماعيل بعد بعثة محمد (صلى الله عليه وآله) إلى آخر الدنيا. وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): كل ما كان في الامم السالفة فإنه يكون في هذه الامة مثله حذو النعل بالنعل والقُذَّة بالقذة(١٥٦) وفي رواية (لتركبن سنن من كان قبلكم حلوَها ومرَّها)(١٥٧).

الحلقة الثانية: الرد على الشبهات التي أثارتها نشرة الشورى حول النص على الإمام علي (عليه السلام)
مقدمة الطبعة الثانية

صدرت الطبعة الأولى من هذه الحلقة في رجب الأصب سنة ١٤١٧ هـ. ق وتلقتها الأوساط العلمية والثقافية بالرضا والقبول، وكانت قد انطوت على اخطاء طباعية استدركتها فى هذه الطبعة مع أضافات وإعادة صياغة بعض المطالب مع اضافة فصل خاص رددت فيه على شبهات الدكتور الشرقاوي المنشورة في العدد الخامس من نشرة الشورى، أرجو ان تنال رضا القارئ الكريم.

المؤلف
شوال / ١٤١٧ هـ. ق

المقدمة

وبعد فهذه الحلقة الثانية من شبهات وردود وقد كرستها لشبهات أثارتها نشرة الشورى حول النص على علي (عليه السلام)، وكانت أهم هذه الشبهات هي:
انه لو كان هناك ثمة نص على علي (عليه السلام) لاحتج به علي (عليه السلام) نفسه!!
وانه لو كان هناك نص فان الصحابة اكبر من ان يتصور في حقهم انهم يخالفون النبي (صلى الله عليه وآله)!!
وانه لو كان هناك نص فلماذا بايع علي (عليه السلام) الخلفاء الثلاثة برضاه!!
وقد عنيت هذه الحلقة بشكل خاص باحتجاج علي (عليه السلام) بحديث الغدير، وبإبراز شاهد لمخالفة الصحابة للنص تتفق عليه مصادر السنة والشيعة بل ان تفاصيله في كتب السنة اكثر بكثير مما ذكر في كتب الشيعة وهو موقف الصحابة من حج التمتع سواء أثناء تبليغ النبي (صلى الله عليه وآله) له أو بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) حيث تجمع المصادر السنية فضلا عن الشيعية ان الصحابة وبخاصة القرشيين منهم استنكروا على النبي (صلى الله عليه وآله) أمر متعة الحج وناقشوه عليها وأغضبوه ثم استجابوا لأمره فيها على مضض، وانهم لما صارت السلطة بيدهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) نهوا عنها، وقد أمر بها القرآن والرسول وخضع لهم بقية المسلمين الا علي (عليه السلام) وأصحابه. هذا مع ان كلام الله تعالى وحديث النبي في هذا المورد يتعلق بقضية عبادية، فيكف يكون أمرهم حينما يتعلق الأمر بقضية الموقع الأول في المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).
وتناولنا مضافا إلى ذلك شبهة كان من حقها ان تبحث في الحلقة الأولى وهي قول صاحب النشرة (ما دام في الأرض مسلمون ويحتاجون إلى دولة وإمام فلماذا يحصر عدد الأئمة باثني عشر).
أرجو ان أكون قد وفقت في عملي هذا وان يغتفر لي القارئ الكريم النقص الذي قد يلوح هنا وهناك سواء في هذه الحلقة أو التي قبلها راجيا منه ان ينبهني عليه لتلافيه في طبعة أخرى.
اللهم اجعله لي ذخرا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم انك سميع مجيب.

سامي البدري
قم / ١رجب / ١٤١٧هجـ

الفصل الأول: الأئمة الإثنا عشر حجج إلهيون

قوله: مادام في الأرض مسلمون ويحتاجون إلى دولة وإمام فلماذا يحصر عدد الأئمة باثني عشر
أقول: الإمامة المحصورة باثني عشر بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ليست هي منصب الحكم بل هي منزلة الحجة على الخلق بالقول والفعل والتقرير ومن لوازم هذه المنزلة حصر حق الحكم بصاحبها في زمان حضوره اما في عصر الغيبة فإن منصب الحكم حق للفقهاء العدول.
نص الشبهة
قال صاحب النشرة:
(ما دام في الأرض مسلمون ويحتاجون إلى دولة وإمام وكان محرما عليهم اللجوء إلى الشورى والانتخاب كما تقول النظرية الإمامية وكان لابد أن يعين الله لهم إماما معصوما منصوصا عليه فلماذا إذن يحصر عدد الأئمة في اثني عشر واحدا فقط(١٥٨)).
الرد على الشبهة
اقول:
اولا:
ان المستشكل أراد بمصطلح الإمام معنى الحكم والرئاسة التنفيذية في المجتمع كما هو واضح من كلامه هنا وفي موارد متعددة من النشرة.
ثانيا:
ان الإمامة التي حصرت باثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) ليست هي إمامة الحكم بل هي الإمامة الدينية التي كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) خاصة بوصفه حجة الله تعالى بقوله وفعله وتقريره(١٥٩)وكون حق الحكم خاصا به في زمانه لا يجوز لغيره ان يمارسه الاّ بإذنه.
وكذلك الأمر في أوصيائه الاثني عشر فهم حجج الله تعالى على خلقه بعد نبيه الأكرم بقولهم وفعلهم وتقريرهم وكون حق الحكم خاصا بهم في زمانهم لا يجوز لغيرهم ان يمارسه ا لا بإذنهم ومن هنا اشترطت فيهم العصمة والنص.
وفي ضوء ذلك فان إمامة أهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام) كما يعتقد بها الشيعة ليست هي الإمامة التي يعتقدها الزيدية أو المعتزلة أو السنة فهؤلاء يعتقدون بالإمامة على أنها حكم وإجراء حدود وتولية أمراء وتطبيق أحكام الشريعة في المجتمع حسب.
ويفترق الزيدية عن غيرهم بقولهم: ان الذي له حق إجراء الحدود هم عليوالحسن والحسين (عليهما السلام) ومن دعا إلى نفسه وحمل السيف من ذرية الحسن والحسين بعدهما.
أما أهل السنة والمعتزلة فقد أنكروا ان تكون هناك نصوص تدل على حصر حق الحكم بأهل البيت (عليهم السلام) بالشكل الذي قال به الزيدية فضلا عما قال به الشيعة.
وفي قبال الزيدية والمعتزلة والسنة قالت الشيعة بإمامة أهل البيت لا بمعنى الحكم بل بالمعنى الذي يجعل منزلتهم بمنزلة الأنبياء أي كونهم حججا إلهيين تجب طاعتهم سواء بايعهم الناس على الحكم أو لم يبايعوهم، لا فرق بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله) إلا في النبوة والأزواج(١٦٠)، أما الحكم وإجراء الحدود فنسبته إليهم كنسبته إلى الرسول من حيث اختصاصه به وعدم جواز تصدي الغير له مادام حاضرا(١٦١).
وهذا المعنى للإمام أي كونه حجة الله تعالى في دينه هو المأثور عن هشام بن الحكم في مناظراته.
قال الشامي لهشام:
(يا غلام سلني في إمامة هذا (وأشار إلى الإمام الصادق (عليه السلام))... قال هشام للشامي يا هذا أربك انظر لخلقه أم خلقه؟ فقال الشامي بل ربي انظر لخلقه. قال ففعل بنظره لهم ماذا؟
قال أقام لهم حجة ودليلا، كيلا يتشتتوا، أو يختلفوا، يتآلفهم ويقيم أودهم(١٦٢) ويخبرهم بفرض ربهم.
قال فمن هو؟
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال هشام فبعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
قال الكتاب والسنة.
قال هشام فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة في رفع الاختلاف عنا؟(١٦٣).
قال فسكت الشامي.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للشامي ما لك لا تتكلم؟
قال الشامي ان قلت لم نختلف كذبت، وان قلت ان الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت، لأنهما يحتملان الوجوه، وان قلت قد اختلفنا وكل واحد منا يدعي الحق فلم ينفعنا إذن الكتاب والسنة، إلاّ انَّ لي عليه الحجة.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام) سله تجده مليا.
فقال الشامي يا هذا من انظر للخلق أربهم أو أنفسهم؟
فقال هشام ربهم انظر لهم منهم لأنفسهم.
فقال الشامي فهل أقام لهم من يجمع لهم كلمتهم ويقيم أودهم ويخبرهم بحقهم من باطلهم؟
قال هشام في وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو الساعة؟
قال الشامي في وقت رسول الله رسول الله (صلى الله عليه وآله) والساعة من؟
فقال هشام هذا القاعد الذي تشد إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء والأرض وراثة عن أب عن جد(١٦٤).
قال الشامي فكيف لي ان اعلم ذلك قال هشام سله عما بدا لك.
قال الشامي قطعت عذري فعليَّ السؤال.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام) يا شامي أخبرك كيف كان سفرك، وكيف كان طريقك، كان كذا وكذا.
فاقبل الشامي يقول صدقت، أسلمت لله الساعة.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام) بل آمنت بالله الساعة، ان الإسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون ويتناكحون والإيمان عليه يثابون.
فقال الشامي صدقت فأنا الساعة اشهد ان لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانك وصيُّ الأوصياء)(١٦٥).
وهذا المعنى للإمامة الذي ناظر من أجله هشام طفحت به أحاديث الأئمة (عليهم السلام).
روى الكليني عن داود الرقي عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: (ان الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف)(١٦٦).
وروى أيضا عن عبد الله بن سليمان العامري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما زالت الأرض إلا ولله فيها الحجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله)(١٦٧).
وروى أيضا عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (سمعته يقول ان الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام كي ما ان زاد المؤمنون شيئا ردَّهم وان نقصوا شيئا أتمَّه لهم)(١٦٨).
وروى أيضا عن بشير العطار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (نحن قوم فرض الله طاعتنا(١٦٩) وانتم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته)(١٧٠).
وروى الكليني أيضا عن صفوان بن يحيى قال قلت للرضا (عليه السلام) قد كنا نسألك قبل ان يهب الله لك أبا جعفر (عليه السلام) فكنت تقول يهب الله لي غلاما، فقد وهبه الله لك فاقر عيوننا، فلا أرانا إليه يومك، فان كان كون فإلى من؟
فأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السلام) وهو قائم بين يديه.
فقلت جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين؟
فقال: (وما يضره من ذلك فقد قام عيسى (عليه السلام) بالحجة وهو ابن ثلاث سنين)(١٧١) وفي نسخة إرشاد المفيد وأعلام الورى (ابن اقل من ثلاث سنين).
والإمامة بهذا المعنى عرضها القرآن الكريم للأنبياء السابقين قال تعالى (وإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة / ١٢٤.
وقال تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) الأنبياء / ٧٣.
فالإمام في كلا الآيتين هو الهادي إلى دين الله والحجة على خلقه بقوله وفعله وتقريره.
وفي ضوء ذلك يتضح:
ان الذي ذكرته الأحاديث النبوية من حصر الإمامة بعد النبي باثني عشر إنما هو منزلة خاصة لا يراد بها موقع الحكم وإجراء الحدود بل أريد بها موقع من هو بمقام الرسول في كونه حجة لله تعالى في القول والفعل والتقرير وكون الحكم وإجراء الحدود من خصائصه في زمانه، وقد ألحقت أحاديث أخرى الزهراء (عليها السلام) بالأئمة فهي حجة في قولها وفعلها وتقريرها دون خصوصية الحكم.
وبواسطة هؤلاء الحجج حفظ الله شريعة نبيه من التحريف وصارت ميسرة لكل من أرادها.
مشيئة الله تعالى في آل محمد (صلى الله عليه وآله):
وقد يقال لِمَ حُصِر الحجج بعد النبي باثني عشر ولِمَ حُصر بأسرة النبي (صلى الله عليه وآله)؟
والجواب:
ان حصر حجج الله تعالى بعد نبيه الأكرم بأسرة النبي (صلى الله عليه وآله) وبعدد محدود منهم، وهم علي والزهراء والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين (عليهم السلام)، نظير حصر حججه تعالى بعد نوح وإبراهيم ويعقوب وعمران في ذريتهم كما في قوله تعالى:(ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وإِبْرَاهِيمَ وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَد وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) الحديد / ٢٦ وقوله: (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إِبْرَاهِيمَ وآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ) آل عمران / ٣٣-٣٤.
وقد شاءت حكمة الله تعالى ان يجعل في الحجج من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) امرأة حجة وهي فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) كما جعل بعد موسى امرأة حجة وهي مريم بنت عمران.
وشاءت حكمة الله تعالى أيضاً ان يجعل من ذرية فاطمة (عليها السلام) خاتم أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) وهو الحجة بن الحسن العسكري كما جعل من ذرية مريم (عليها السلام) من قبلُ حجته عيسى (عليه السلام) خاتم أصفيائه من آل عمران وبني إسرائيل.
بل شاءت حكمة الله تعالى ان يجعل المهدي من آل محمد (صلى الله عليه وآله) نظيرا لعيسى من آل عمران من ناحية الاختلاف في ولادته والامتحان بغيبته فقد اختلف بنو إسرائيل في ولادة المسيح بعد ان كانوا ينتظرونه جميعا للنصوص الثابتة عن أنبيائهم وفي كتبهم(١٧٢)، فآمنت طائفة لما ولد وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم.
واختلف بنو إسماعيل (أمة محمد (صلى الله عليه وآله)) في ولادة المهدي المنتظر من ولد فاطمة (عليها السلام) بعد ان اخبر النبي (صلى الله عليه وآله) عنه وبشر به(١٧٣) فآمنت طائفة لما ولد سنة ٢٥٥ هجـ، وهي لا تزال مؤمنة به ألى اليوم، وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم أيضا.
وامتُحن أنصار عيسى بغيبته، فمنهم من قال قتل، ومنهم من قال أنجاه الله من كيد الظالمين واتصل بخواص تلاميذه لفترة يوجههم ثم غيَّبه الله تعالى ليظهره آخر الزمان.
وكذلك امتحن شيعة المهدي (عليه السلام) بغيبته فمنهم / وهو قليل جدا وفي وقته / من قال انه مات في الغيبة(١٧٤)، وقال الأغلب بحياته في غيبته الطويلة التي غاب فيها بعد غيبته(١٧٥) القصيرة وهم ينتظرون ظهوره ليحقق الله تعالى به وعده الذي وعده لنبيه الخاتم.
وشاءت حكمة الله أيضا ان يجعل في آل محمد (صلى الله عليه وآله) حجة لله في سن دون العاشرة من عمره وهو أبو جعفر محمد الجواد (عليه السلام) ليكون نظيرا ليحيى في آل عمران آتاه الله الحكم صبيا.
وشاءت حكمة الله ان يجعل أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) اثني عشر وان يجعل الثاني عشر منهم المهدي يحقق الله تعالى على يده وعده لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ويرث المؤمنون برسالته الأرض كلها (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء / ١٠٥ وان يكون ذلك نظيرا لأوصياء موسى الاثني عشر وما جعله على يد الثاني عشر من أوصيائه وهو داود من تحقق للوعد الذي وعده لموسى وبني إسرائيل من وراثة ارض فلسطين وما حولها.
وشاءت حكمة الله ان يجعل اغلب أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) من ذرية أخيه ووزيره وأول أوصيائه علي (عليه السلام) وان يكون ذلك نظيرا لما جعله الله تعالى من كون اغلب أوصياء موسى (عليه السلام) بعده في ذرية أخيه ووزيره هارون (عليه السلام) (١٧٦).
من له حق الحكم في الإسلام:
أما ما يتعلق بمسالة الحكم فان القانون الإسلامي قد أوجب على المسلمين إقامته إلى آخر الدنيا، ومن الطبيعي جداً ان لا يحدد عدد الحكام بعدد معين، وإنما الطبيعي هو ان تحدد مواصفات من له أهلية لإشغال هذا المنصب في المجتمع، وقد حدد القانون الإلهي ذلك صريحا في قوله تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ الله وكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) المائدة / ٤٤.
والنظرية التي تطرحها الآية من وجود ثلاثة طبقات من العلماء بالكتاب الإلهي يبينون أحكامه وينفذونها في المجتمع، وهم النبيون ثم الربانيون ثم الأحبار، ليست خاصة بالتوراة بل تشمل كل كتاب إلهي تضمَّن الشريعة.
والمراد بالأحبار هم الفقهاء رواة أحاديث الأوصياء.
وفي ضوء الآية الكريمة يكون الذي له حق الحكم في المجتمع هو النبي ومن بعده الوصي ومن بعده الفقيه العادل الكفوء.
وقد وردت النصوص في القرآن والسنة تشير إلى وجود منزلة الربانيين والأحبار في أمة محمد (صلى الله عليه وآله).
روى المحدِّث البحراني في تفسيره البرهان عن العياشي عن أبي عمرو الزبيري عن أبى عبد الله (عليه السلام) قوله:
(ان مما استحقت به الإمامة التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبِقة التي توجب النار، ثم العلم المكنون بجميع ما تحتاج إليه الأمة حلالها وحرامها والعلم بكتابها خاصه وعامه والمحكم والمتشابه ودقائق علمه وغرائب تأويله وناسخه ومنسوخه.
قلت: وما الحجة بأن الإمام لا يكون إلا عالما بهذه الأشياء التي ذكرت؟
قال: قول الله فيمن أذن لهم بالحكومة وجعلهم أهلها (انا أنزلنا التوراة فيها هدىونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون) فهذه الأئمة دون الأنبياء الذين يؤتون الناس بعلمهم(١٧٧).
وأما (الأحبار) فهم العلماء دون الربانيين.
ثم اخبرنا فقال: (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) ولم يقل بما حملوا منه)(١٧٨).
شرح الرواية:
قوله (عليه السلام): (ان مما استحقت به الإمامة التطهير... ثم العلم المكنون...).
العلم المكنون هو: العلم المخزون المصون عن الاختلاف، نظير قوله تعالى (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَاب مَّكْنُون) الواقعة٧٧-٧٨.
ومراده (عليه السلام) ان الإمامة الإلهية الخاصة تتقوم بأمرين:
الأول: الطهارة من الذنوب صغيرها وكبيرها.
الثاني: العلم بكل ما تحتاج إليه الأمة علما مصونا عن الخطأ والاختلاف.
وكلاهما فضل من الله يمنحه من يشاء من عباده.
قوله (عليه السلام): (قول الله فيمن أذن الله لهم بالحكومة وجعلهم أهلها).
يشير الى ان الذين أذن الله لهم بالحكومة هم ثلاث فئات:
الفئة الأولى: النبيون.
الفئة الثانية: الربانيون.
الفئة الثالثة: الأحبار(١٧٩).
قوله (عليه السلام): (فهذه الأئمة دون الأنبياء).
يشير إلى ان الربانيين في الآية هم الأئمة الإلهيون، وهم العلماء أصحاب العلم المصون عن الخطأ المطهرون عن الذنوب(١٨٠) المنصوص عليهم الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَة مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة٢٣-٢٤.
ان الأئمة من بني إسرائيل من بعد موسى المشار اليهم فى الآية على قسمين:
الأول: أنبياء ورسل كداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى.
الثاني: غير أنبياء ولكنهم علماء معصومون منصوص عليهم وهم آل هارون وطالوت(١٨١) وصاحب سليمان(١٨٢) وغيرهم وهؤلاء هم الربانيون المشار إليهم في الآية ٤٤ من سورة المائدة موضوع البحث ولهم نظائر في هذه الامة.
وقد قال الامام الباقر (عليه السلام) في تفسيرها: (انها فينا نزلت)(١٨٣)، ومراده (عليه السلام) انها نزلت لبيان مقامهم بواسطة ذكر نظائرهم في الامم السابقة.
وتفسير الإمام الباقر (عليه السلام) هذا من باب البطن.
وقد وضَّح الامام الباقر معنى (البطن) حين سأله الفضيل بن يسار عن الرواية التي تقول (مافي القرآن آية الا ولها ظهر وبطن) ما يعني بقوله لها ظهر وبطن قال: (ظهره تنزيله وبطنه تأويله).
وفي رواية مهران عن ابي جعفر (عليه السلام) إيضا قال: (ظهر القرآن الذين نزل فيهم وبطنه الذين عملوا مثل اعمالهم)(١٨٤).
قوله (عليه السلام): (ثم اخبر فقال (بما استحفظوا من كتاب الله..) ولم يقل بما حملوا منه)
إشارة منه (عليه السلام) إلى ان (الإستحفاظ) لا يراد به مجرد حمل العلم فقط، بل يراد به (حمل العلم وعدم تضييعه عمليا) وهذا المعنى صادق دائما مع النبيين والربانيين، أما مع غيرهم فقد يتخلف فيكون عالما بحدود الله ومضيعا لها عمليا.
مسألة الشورى:
أما ما يتعلق بمسالة الشورى فان لها تصوراً مجالات أربعة:
الأول: الشورى كطريق لمعرفة الحجة المعصوم بعد رسوله ولا شك هي غير صالحة لذلك.
الثاني: الشورى كطريق لتشخيص من هو الأصلح للحكم في زمن الحجج الاثني عشر الذين نص عليهم الرسول، ولا شك هي باطلة في هذا المورد كبطلانها في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ الحكم من خصائص حجة الله نبيا كان أو وصيا وعلى الأمة ان تبايعه وتبسط يده ولا تبايع غيره.
ومما لا شك فيه ان الشورى في هذين المجالين مما اجمع على رفضه الشيعة في كل عصورهم.
الثالث: الشورى كطريق لتشخيص من هو الأصلح للحكم من بين الفقهاء في فترة الغيبة الكبرى، وهذه المسألة لم تكن موضع بحث عند القدامى من علماء الشيعة لعدم ابتلائهم بها، أما المحدثون فقد ذهب قسم منهم ممن بحثها إلى القول بها(١٨٥).
الرابع: الشورى كممارسة من الحاكم في الشؤون التنفيذية العامة كما في كيفية الحرب وغيرها وهذه الشورى قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ) آل عمران / ١٥٩(١٨٦).
وفي ضوء ذلك يتضح ان قول القائل (ان الشيعة لا يؤمنون بالشورى والانتخاب) ليس صحيحا على إطلاقه بل لابد من مراعاة التفصيل الآنف الذكر.
مسألة البيعة:
وهناك مسألة اخرى تجدرالاشارة اليها هنا وهي مسألة البيعة، والذي يتبناه الشيعة فيها هو: أنَّ البيعة عهد شرعي على النصرة واقامة الحكم لا تصح الا مع من تصح البيعة معه على ذلك(١٨٧) وهم: النبي ثم الوصي ثم الفقيه العادل في فترة الغيبة الكبرى.
روى الشيخ الطوسي في أماليه بسنده عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه ان عليا (عليه السلام) قال:
(ان فلانا وفلانا (يريد ابابكر وعمر) أتياني وطالباني بالبيعة لمن سبيله ان يبايعني)(١٨٨).
قال الشيخ راضي آل ياسين (رحمهم الله):
(وانما على الناس ان يبايعوا من ارادته النصوص النبوية ولا تصحح الامامية بيعة غيره)(١٨٩).
وقال ايضا:
(لما كان الواجب على الناس ديناً الانقياد الى بيعة الامام المنصوص عليه كان الواجب على الامام مع قيام الحجة بوجود الناصر قبول البيعة،...، ولا مجال للتخلف عن الواجب مع وجود شرطه)(١٩٠).
وقال الشهيد الصدر (رحمهم الله):
(ولا شك ان البيعة للقائد المعصوم واجبة لا يمكن التخلف عنها شرعا)(١٩١).
وقال السيد محمود الهاشمي:
(الناس مكلفون بأن يقوموا بالقسط، وهم من اجل ذلك لا بد وان يبايعوا القائد المنصوب من قبل الله سبحانه وتعالى كي يهيئوا له فرصه اقامة القسط وهذه مسؤولية الامة ايضا، اذ ان من اصول الفكر السياسي في الاسلام (البيعة) لولي الامر المنصب من قبل المبدأ الاعلى او وليه بشكل خاص، او بالشكل العام ضمن الشروط والمواصفات المعينة المعروفة، كما يسمى عند الفقهاء بـ (القضية الحقيقية) ولا نقصد (بالبيعة) جانبها الشكلي او الصوري، وان كان ذلك ايضا محمودا ولازما، وانما نقصد بها لزوم (الطاعة) لتمكين هذا القائد (الحاكم) من القيام بدوره القيادي في اقامة العدل والقسط بين الناس، ولكن لا يكون الا من خلال (المبايعة) واقرار (الطاعة) له)(١٩٢).
وقال السيد مرتضى العسكري:
(فالحاجة الى البيعة هي تنفيذ الاحكام الاسلامية والامام (عليه السلام) بحاجة الى من ينصره لتنفيذ الاحكام.. ولا يلزم من ذلك ان يتعاهد جميع الناس، اذ ان تعاهد مقدار من الناس بانهم يقومون بتنفيذ الاحكام الاسلامية يعتبر كافيا)(١٩٣).
وقال ايضا في سؤال وجه اليه عن رسائل اهل الكوفة هل يمكن اعتبارها بيعة قال: (نعم، ولكن البيعة وقعت بعد ذهاب مسلم بن عقيل حيث يصدق على كتبهم قول الامام امير المؤمنين (عليه السلام) (لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر)... فيجب عليه تلبية طلب جماعة من المسلمين.. وكذلك فان الكوفة كانت مركزا للجند كالشام مثلا فكان ارسالهم الكتب اليه يلزمه باجابة طلبهم وكان ملزما شرعا ان يجبيهم الى طلبهم)(١٩٤).
اقول: ومن الجدير ذكره ان هذه البيعة الواجبة مع المعصوم ليس دورها دور انشاء حق الحكم للمعصوم لان حقه في ذلك ثابت بالنص كما مر بيانه وانما دورها دور تمكينه وبسط يده.
قال السيد كاظم الحائري:
(ان المعصوم (عليه السلام) على رغم ان له ولاية الامر والحكومة بتشريع من قبل الله تعالى لم يكن من المقرر الهيا ان يرضخهم لما له من حق الحكومة بالاكراه الاعجازي، كما انه لا تجبر الامة على الاحكام الاخرى كالصلاة والصوم بالجبر الاعجازي والا لبطل الثواب والجزاء، لان الناس يصبحون مسيرين عن غير اختيار. بل كان من المقرر ان يصل المعصوم الى السلطة بالطرق الاعتيادية ومن الواضح الوصول الى السلطة بالطريق الاعتيادي وبغير الاعجاز ينحصر في وجود ناصرين له من البشر، فكان اخذ البيعة منهم لاجل التأكد من وجود ثلة كافية من الامة تعهدوا بنصر المعصوم والعمل معه في جهاده وسائر اموره الحكومية ولولاهم لعجز المعصوم حسب القوة البشرية ومن دون الاعجاز عن تحقيق السلطة والحكومة خارجا)(١٩٥).
الخلاصة:
وخلاصة الجواب: ان الامر الذي حُصِرَ باثني عشر هو منزلة خاصة لا يرادبها موقع الحكم واجراء الحدود، بل اريد بها منزلة الحجة على الخلق في القول والفعل والتقرير، والله تعالى اعلم حيث يجعل رسالته وحجته وفي أي اسرة وبأي عدد.
اما الحكم واجراء الحدود فهو من اختصاص هؤلاء الحجج في زمانهم وحضورهم ولا يجوز لاحد ان يمارسه الا بإذنهم اما في عصر الغيبة فقد اذن الائمة (عليه السلام) لفقهاء شيعتهم ورواة احكامهم ان يمارسوه وامروا شيعتهم بالرجوع اليهم للاحتكام اليهم والاخذ عنهم.
اما الشورى فقد تبين ان الذي رفضه الشيعة منها هو ما كان في قبال النص، اما ما كان في طوله وامتداده فليس كذلك.
اما البيعة على الحكم فالذي يراه الشيعة هو عدم صحتها مع من لا تصح معه شرعا وان الذي تصح معه بل تجب هو النبي ثم الوصي ثم الفقيه العادل في عصر الغيبة.

الفصل الثاني: ملاحظات على مقال الدكتور البغدادي في رده على الشهيد الصدر (رحمه الله)

البغدادي يرد على الشهيد الصدر!
نشر احمد الكاتب في نشرته الشورى العدد الثالث مقطعا من كلام الشهيد الصدر اقتطعه من كتابه (بحث حول الولاية) الذي يبرهن فيه على بطلان الشورى في المجال الأول والثاني الآنفي الذكر ويثبت فيه النص على علي (عليه السلام) وبقية أهل البيت (عليهم السلام). وقد صدَّر صاحب النشرة الكلام المقتطع بمانشيت عريض (الصدر: الصحابة لم يعرفوا نظام الشورى) وقدم له مقدمة طلب فيها من القراء والمفكرين المسلمين ان يولوها كبير اهتمامهم لأنها رؤية لا تزال حية في أذهان الكثير من المثقفين وانه يستقبل أية مناقشة لها ثم نشر في العدد السادس مقالا يحمل عنوان الشورى منهج حياة المسلمين) وبتوقيع الدكتور عبد الله البغدادي(١٩٦) يرد فيه على الشهيد الصدر وقد جاء الرد في محورين هما:
المحور الأول: يثبت فيه البغدادي ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يستشير أصحابه في القضايا التنفيذية العامة ويأخذ برأيهم فيها ثم ذكر قصة مشورة النبي أصحابه في قصة بدر واحد وغيرها.
المحور الثاني: وينكر فيه وجود النص على علي (عليه السلام) ويقول ان بيعة الخلفاء كانت على أساس الشورى ودون تهديد أو قوة سلاح ومما قاله في هذا الصدد:
(ان ما جرى في السقيفة من نقاش حصل فيه ترشيح لأبي بكر وآخر لسعد بن عبادة، وقد تغلب الرأي الأول، ولم يكن ذلك تمام الشورى، بل انه كان مجرد ترشيح، والبيعة التي تمت في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) والتي اجمع عليها جمهور المهاجرين والأنصار كانت لأبي بكر وكان ذلك هو الاستفتاء (للجيل الطليعي من الأمة الذي يضم المهاجرين والأنصار) كما وصفه الشهيد الصدر. ولو لم يبايع المسلمون / وقد فعلوا ذلك طواعية دون تهديد أو قوة سلاح / لما انعقدت بيعة أبي بكر.
وكذلك الأمر في استخلاف أبي بكر لعمر أو في استخلاف عمر للستة، فالأمر لا يعدو ان يكون ترشيحا خاضعا للقبول أو الرفض من الأمة التي تدلي بصوتها في إعطاء البيعة أو رفض ذلك.
أما الاستنتاج من الشهيد الصدر بأن (الطريق الوحيد الذي بقي منسجما مع طبيعة الأشياء، ومعقولا على ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبي هو ان يختار النبي بأمر من الله شخصا فيعده إعدادا رساليا وقياديا لتتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية) (ولم يكن هذا الشخص المرشح للإعداد الرسالي والقيادي والمنصوب لتسلم الدعوة وتزعمها فكريا وسياسيا إلا الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)).
فالرد عليه ان الغرابة بمكان ان يكون ذلك (هو الطريق الوحيد الذي بقي منسجما مع طبيعة الأشياء) ومع ذلك لم يجد أغلبية تؤيده من (الجيل الطليعي للامة) بل لم يذكر أحد ممن حضر السقيفة أو شهد البيعة في المسجد النبوي نصا أو وصية من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك.
والأغرب من ذلك هو انه لم يرد نص صريح في القرآن والسنة يشير إلى هذا الاختيار النبوي الذي هو (بأمر من الله)!
والأغرب من ذلك كله.. ان الإمام علي (عليه السلام) لم يحتج لنفسه - فيما ثبت عنه - بأي قول يشير إلى هذا (التعيين) بل كان مما حاجج به الإمام علي (عليه السلام) معاوية الذي نازعه سلطانه الشرعي قوله: (ان القوم الذين بايعوني هم القوم الذين بايعوا أبا بكروعمر..)) انتهى كلامه.
تعليقنا على الرد في محوره الأول هو:
ان الشهيد الصدر (رحمهم الله) لم يرفض الشورى في مجال ممارسة الحاكم للشؤون التنفيذية العامة ولم يرفض دورها في تشخيص المرجع في فترة الغيبة الكبرى ودور الانتخاب في حسم حالة تعدد المرجعيات المتكافئة المستوفية للشروط اللازمة وقد وضَّح ذلك مفصلا في كتابيه (لمحة فقهية تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية في إيران) و(خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء). وان الذي كان ينفيه من الشورى في كتابه (بحث حول الولاية) هو الشورى في مجال تعيين القيادة الفكرية والسياسية التي تخلف النبي (صلى الله عليه وآله) والتي تقع على امتداد الرسالة في كل شيء إلا النبوة والأزواج كما مرَّ توضيحه.
وكان ينبغي على صاحب النشرة ان ينبه إلى ذلك وينشر مقاطع من كلام الشهيد الصدر توضح رأيه في ذلك.
أما تعليقنا على الرد في محوره الثاني:
فسيأتي تباعا في هذه الحلقة وفي غيرها، ومن الجدير ذكره ان إشكالاته التي أثارها ليست مما ينفرد به بل هي إشكالات أثارها قبله كل من كتب من علماء السنة ومثقفيهم في هذا الموضوع وأجاب عليها الشيعة.

الفصل الثالث: احتجاج علي (عليه السلام) بحديث الغدير

قال البغدادي: ان عليا (عليه السلام) لم يحتج في ما ثبت عنه بأي قول يشير إلى النص عليه
اقول: لقد احتج علي (عليه السلام) بحديث الغدير وقد تواتر ذلك عنه في كتب الحديث
نص الشبهة
قال البغدادي: (والأغرب من ذلك كله.. ان الإمام علي (عليه السلام) لم يحتج لنفسه - فيما ثبت عنه - بأي قول يشير إلى هذا (التعيين)).
الرد على الشبهة
اقول:
أولا:
لقد ثبت تاريخيا ان عليا (عليه السلام) قد احتج بحديث الغدير في اكثر من مناسبة كان اشهرها في المصادر التاريخية والحديثية الميسرة بين أيدينا هي مناشدته للناس في مسجد الكوفة بعد عودته من حرب الجمل.
قال عبد الحق الدهلوي البخاري(١٩٧) في كتابه اللمعات في شرح المشكاة في تعليقه على حديث الغدير:
 (وهذا حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي واحمد وطرقه كثيرة جدا رواه ستة عشر صحابيا(١٩٨) وفي رواية لاحمد انه سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعلي (عليه السلام) لما نوزع أيام خلافته وكثير من أسانيده صحاح وحسان ولا التفات لمن قدح في صحته(١٩٩) ولا إلى قول بعضهم (ان زيادة اللهم وال من والاه إلى آخره) موضوع فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي(٢٠٠) كثيرا منها كذا قال الشيخ ابن حجر في الصواعق المحرقة).

أقول:
روى احمد بن حنبل عن عبد الله بن عمر الجشمي البصري (ت٢٣٥) عن عبيد الله بن عمر القواريري عن يونس بن أرقم عن يزيد بن زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (ت ٨٣) قال شهدت عليا في الرحبة(٢٠١) قال: (انشد الله رجلا سمع رسول الله وشهد يوم غدير خم إلا قام ولا يقوم إلا من رآه فقام اثنا عشر بدريا فقالوا نشهد انا سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم (الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم فقالوا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه))(٢٠٢).
وفيه أيضا بسند آخر قال (صلى الله عليه وآله) (واخذل من خذله)(٢٠٣).
وفيه أيضا بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ت١٠٠(٢٠٤) قال:
 (جمع علي (عليه السلام) الناس في الرحبة ثم قال لهم:انشد الله كل امرئ سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ثلاثون من الناس فشهدوا.
قال أبو واثلة: فخرجت وكأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقم فقلت له إني سمعت عليا (عليه السلام) يقول كذا وكذا.
قال: فما تنكر قد سمعت رسول الله يقول ذلك له)(٢٠٥).
وقوله (فخرجت وكأن في نفسي شيئا) يبدو منه ان أبا الطفيل استعظم النتائج المترتبة على حديث الغدير وهي هلاك وضلالة من خالف عليا أو خذله أو قاتله أو قدَّم نفسه عليه لذلك راح يستزيد عن القضية اكثر(٢٠٦).
ومن الجدير ذكره هنا ان حديث الغدير الذي استنشده علي (عليه السلام) لم يكن يتضمن ذكر علي (عليه السلام) فقط بل تضمن أيضا ذكر أهل بيته، وقد روى الحاكم النيسابوري الرواية كاملة عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال:
(خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهينا إلى غدير خم عند شجيرات خمس ودوحات عظام فكنس الناس ما تحت الشجيرات ثم استراح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشية فصلى ثم قام خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم قال:
(أيها الناس إني تارك فيكم أمرين(٢٠٧) لن تضلوا ان اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي ثم قال أتعلمون أني أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات قالوا نعم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كنت مولاه فعلي مولاه...)(٢٠٨).
وفي رواية الطبراني بعد قوله عترتي (وان اللطيف الخبير نَبَّأَني انهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض وسألت ذلك لهما، فلا تَقدَّموهُما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم)(٢٠٩).
وقد ورد حديث النبي (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته في مناسبات شتى ولم يكن مقتصرا على مناسبة غدير خم.
قال ابن حجر الهيثمي: (اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقا عديدة كثيرة وردت عن نيف وعشرين(٢١٠) صحابيا وفي بعض تلك الطرق انه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة(٢١١) وفي أخرى انه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه(٢١٢) وفي أخرى انه قال ذلك بغدير خم وفي آخر انه قال ذلك لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف(٢١٣))(٢١٤).
ثانيا:
وفي ضوء حديث الثقلين وحديث الولاية كان علي (عليه السلام) أيام حكومته يوضح للناس حقيقة منزلته ومنزلة أهل البيت (عليهم السلام).
فمن كلماته قوله (عليه السلام): (لا يقاس بآل محمد (صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة أحد ولا يُسَوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل لى منتقله) (الخطبة رقم ٢).
وقوله (عليه السلام): (أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا، ان رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى، ان الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم) (الخطبة رقم ١٥٢).
وقوله (عليه السلام): (وخلف فينا راية الحق، من تقدمها مرق، ومن تخلَّف عنها زهق، ومن لزمها لحق).
وقوله (عليه السلام): (هم عيش العلم وموت الجهل.. لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، وهم دعائم الإسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق إلى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه وانقطع لسانه عن منبته) (الخطبة رقم ٢٣٩).
وقوله (عليه السلام) عن نفسه: (وأنا من رسول الله كالضوء من الضوء والذراع من العضد) (الكلام رقم ٤٥١).
وقوله (عليه السلام): (لقد علمتم اني أحق بها من غيري) الخطبة رقم ٧٤.
وقوله (عليه السلام): (أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلىَّ الطير) (الخطبة رقم ٣).
وفي ضوء ذلك يتضح ان الولاية لعلي (عليه السلام) في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) لا تعني المحبة والنصرة(٢١٥)، لان هذين الأمرين من حق كل مؤمن، وعلي (عليه السلام) أول المؤمنين، وليست لغيره سوابق في الإيمان والجهاد كسوابقه بل ليست لغيره من الطاعة والانقياد لله ورسوله كانقياده وطاعته، وحقه في المحبة والنصرة محفوظ من هذه الناحية، وإنما أراد بالولاية تلك الولاية الخاصة بالرسول دون غيره من المؤمنين، هذه الولاية التي تجعل المؤمنين إلى آخر الدنيا في جانب والرسول في جانب آخر، وولاية الرسول التي ينفرد بها هي ولاية الله تعالى، وولاية الله تعالى لا تقف عند حدود المحبة والنصرة، بل تمتد إلى جانب الإتباع والطاعة والاحتكام إليه، والوقوف عند أمره ونهيه حيا كان او ميتا(٢١٦)، وهذا هو المعنى الذي فهمه أبو واثلة واستعظمه، لان معناه عليه ان يرتبط بعلي (عليه السلام) كارتباطه برسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بعد موته وهكذا كان أمره إذ عرف أبو الطفيل عامر بن واثلة انه من شيعة علي (عليه السلام) وشهد مشاهده كلها، وبقي أبو الطفيل بعد علي (عليه السلام) وقد سأله معاوية يوما كيف وَجْدُك على خليلك أبي الحسن يا بن واثلة قال: كحب الفاقد لأخيها وزوجها وولدها وإلى الله تعالى أشكو التقصير(٢١٧).
ثالثا:
وإذا أراد القارئ الكريم مزيدا من التفصيل عن حديث الغدير وما أثير حوله من اشكالات سندية ودلالية وأجوبة علماء الشيعة على ذلك فعليه بكتاب الغدير ج ١ للعلامة الاميني (رحمهم الله) وكتاب عبقات الأنوار ج٦ - ٩ تعريب وتلخيص العلامة الميلاني فأنهما أوسع وافضل ما كتب في هذا الباب.

الفصل الرابع: السقيفة برواية عمر بن الخطاب

قال البغدادي: ان ما جرى في السقيفة كان مجرد ترشيح والبيعة تمت في المسجد دون تهديد أو إكراه.
اقول: روايات كتب الحديث والسيرة تثبت ان الذي جرى في السقيفة بيعة وليس مجرد ترشيح.
نص الشبهة
قال البغدادي:
(ان ما جرى في السقيفة من نقاش... لم يكن ذلك تمام الشورى بل انه كان مجرد ترشيح والبيعة تمت في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله). وقد فعلوا ذلك طواعية دون تهديد أو قوة سلاح).
الرد على الشبهة
أقول: ان قوله هذا خلاف ما ثبت في كتب السيرة والحديث والتاريخ وخلاف المشهور عند أهل السنة.
حيث ذكرت هذه الكتب ان الذي جرى في السقيفة بيعة وليس مجرد ترشيح ومن ثم استشهد فقهاء السنة كالماوردي وغيره بما جرى في السقيفة من بيعة عمر، وأبي عبيدة، واسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة، لأبي بكر على صحة انعقاد الحكم ببيعة خمسة(٢١٨).
نعم الذي ذكره البغدادي هو رأي البعض من علماء السنة حيث يرى ان حكومة أبي بكر انعقدت ببيعته العامة في المسجد دون بيعته في السقيفة(٢١٩).
قصة السقيفة:
وإلى القارئ الكريم نص كلام عمر بن الخطاب حول السقيفة كما رواه البخاري في صحيحه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: ان عمر قال في أول جمعة قدمها من حجته الأخيرة:
إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر.
من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا.
وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم.
أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة.
وخالف عنا علي والزبير ومن معهما.
واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر.
فقلت لأبي بكر يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين، فقلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم فقلت والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزَّمِّل بين ظهرانيهم، فقلت من هذا؟ فقالوا هذا سعد بن عبادة، فقلت ما له؟ قالوا يوعك.
فلما جلسنا قليلا، تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفَّت دافَّةٌ(٢٢٠) من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر.
فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زوَّرت مقالة أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه.
فتكلم أبو بكر فقال ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا.
فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي... أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر...
فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.
فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار.
ونَزَوْنا على سعد بن عبادة.
فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة، فقلت قتل الله سعد بن عبادة.
قال عمر وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّةَ أن يقتلا)(٢٢١).
وفيما يلي شرح لفقراتها التي تتصل بموضوعنا:
قوله: (فلا يغترن امرؤ ان يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت إلا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى المسلمين شرها).
نسب البلاذري هذا القول إلى الزبير، ونسبه ابن أبي الحديد إلى عمار، و(الفلتة كما قال ابن الاثير وغيره هي الفجأة وقال ابن الأثير أيضا ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مهيجة للشر والفتنة فعصم الله تعالى من ذلك ووقى).
أقول: والأمر الفجائي هو ما لم يتوقع حدوثه، ومعنى ذلك ان بيعة أبي بكر لم تكن متوقعة ولا مترقبة، لان الأعناق كانت ممدودة إلى علي (عليه السلام) قال ابن اسحق وكان عامة المهاجرين وجل (كل) الأنصار لا يشكون ان عليا (عليه السلام) هو صاحب الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله))(٢٢٢) وذلك لشدة لصوقه بالنبي (صلى الله عليه وآله) وسابقته المتميزة والنص عليه في الغدير وغيره.
وقوله (وقى الله شرها) يفيد ان بيعة أبي بكر التي فوجئ المسلمون بها ولم يكونوا يترقبونها كانت تنطوي على الشر وسفك الدم والسبب في ذلك هو أنَّ صاحب الحق الشرعي (علي (عليه السلام)) قد أبى ان يبايع ودعا الأنصار إلى نصرته ولو كانوا أجابوه لكان هناك قتال بينه وبين القوم وتفصيل ذلك في الفقرة الآتية.
قوله: (وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة. وخالف عنا علي والزبير ومن معهما. واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر.).
الذي يظهر من بعض الروايات ان عليا (عليه السلام) وبني هاشم كانوا مشغولين بدفن النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي اثناء ذلك اجتمعت فئة من الأنصار في بيت سعد بن عبادة يتداولون أمر الحكم، ثم انضم إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم مولى ابي حذيفة، ثم بويع لأبي بكر، وامتنع علي (عليه السلام) ومن معه من بني هاشم وغيرهم عن بيعته واجتمعوا في دار فاطمة (عليها السلام)(٢٢٣)،(٢٢٤).
قال ابن قتيبة: (وخرج علي (عليه السلام) كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو ان زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي (عليه السلام) أفكنت ادع رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم ادفنه في بيته واخرج أنازع الناس سلطانه، فقالت فاطمة ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم)(٢٢٥).
وفي ضوء ذلك فان تصوير الواقع التاريخي بعد وفاة الرسول بوجود ثلاث كتل ليس صحيحا، لان كتلة الأنصار المزعومة لم تكن كتلة بالمعنى الذين كانت عليه الكتلة القرشية، وإنما كانت اجتماعا طارئا، لا يبعد ان يكون الحزب القرشي قد دفع إليه بواسطة عدد من أعضائه من الأنصار(٢٢٦).
أما علي (عليه السلام) وبنو هاشم ومن معهم فقد صاروا كتلة في قبال الحزب القرشي حين رفضوا بيعة أبي بكر.
والذي يظهر بشكل واضح من نصوص تاريخية وحديثية متعددة ان الحزب القرشي كان له وجود زمن النبي، وكانت أطروحته تتمثل بشعار (حسبنا كتاب) الله وبالموقف السلبي من علي (عليه السلام).
و في قبال ذلك كانت مجموعة من الصحابة كأبي ذر وعمار وسلمان وغيرهم، قد عرفت في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) بأنها شيعة علي (عليه السلام) استجابة لأمر الله ورسوله في علي (عليه السلام).
المجتمعون في دار فاطمة (عليها السلام):
وقد ذكر المؤرخون في عداد من تخلف عن بيعة أبي بكر في بيت فاطمة مع علي(عليهما السلام) والزبير كلا من العباس بن عبد المطلب وعتبة بن أبي لهب وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود والبراء بن عازب وأبي بن كعب.
وقد ذكر ابن عبد ربه ان أبا بكر بعث عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: ان أبوا فقاتلهم فاقبل بقبس من نار على ان يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت يا ابن الخطاب اجئت لتحرق دارنا قال نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة(٢٢٧).
روى الطبري قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي (عليه السلام) وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: (والله لأُحرِّقنَّ عليكم أو لتخرجن إلى البيعة)(٢٢٨).
وقد ذكر أصحاب الحديث عن الزهري: (ان عليا (عليه السلام) وبني هاشم بقوا ستة اشهر لم يبايعوا حتى ماتت فاطمة)(٢٢٩).
وقوله (عليه السلام): (ولم يكن لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت)(٢٣٠).
وقوله: (لو وجدت أربعين ذوي عزم!)(٢٣١).
وفي كتاب معاوية إلى علي (عليه السلام) (وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار، ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين، يوم بويع أبو بكر الصديق، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدللت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صاحب رسول الله، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة ولعمري لو كنت محقا لأجابوك...، ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضت القوم)(٢٣٢).
قوله: (وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر).
أقول: هذا الوصف لا ينطبق على أبي بكر إذ لم تكن له قرابة خاصة من النبي أو سابقة جهادية مميزة أو نص يؤهله لذلك بخلاف علي (عليه السلام) حيث جمع ذلك كله.
قوله: (ولا نعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش).
وفي رواية احمد بن حنبل عن مالك بن انس (ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش) وفي رواية ابن اسحق (قد عرفتم ان هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم وان العرب لا تجتمع إلا على رجل منهم...).
ونستفيد من هذا الكلام امرين هما:
الاول: ان الامر المتنازع عليه في السقيفة ليس هو مجرد السلطة الاجرائية بل هو سلطة اجرائية مقرونة بسلطة دينية وذلك لان العرب لم يكونوا في الجاهلية يخضعون لقريش اجرائيا بل كانوا يخضعون لها دينيا حيث يدينون بكل امر تضعه قريش في امر الدين وبخاصة الحج وهو امر مذكور في كل كتب السيرة(٢٣٣)، وفي ضوء هذه السلطة تجرأ عمر في حكومته على تحريم متعة الحج وقبول الناس ذلك منهم(٢٣٤).
الثاني: ان المهاجرين الاربعة في السقيفة انما غلبوا الانصار الحاضرين بأساس جاهلي كان الاسلام قد أَماته، وهذا الاساس هو الامتياز الديني لقريش وقد نزعه الاسلام عن قريش وكرسه لمحمد (صلى الله عليه وآله) واهل بيته (عليهم السلام).
وامام شعار عمر ورفع الراية القرشية انكسر سعد بن عبادة في هذا الاجتماع المدبر من الحزب القرشي بإعلان اسيد بن حضير(٢٣٥) رئيس الاوس وبشير بن سعد احد وجوه الخزرج(٢٣٦) ميلهما إلى الحزب القرشي ومن ثم بيعتهما ومن معهما من أتباعهما أبا بكر.
قوله: (كان والله ان اقدم فتضرب عنقي... احب إليَّ من ان أتأمر على قوم فيهم أبو بكر).
وقد قال قبل ذلك (وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر).
أقول: لست ادري هل هاتان الكلمتان من أبي حفص كانتا على سبيل الجد أم شأنه فيهما شأنه في كلمته لما توفي النبي (صلى الله عليه وآله) وكشف هو والمغيرة بن شعبة الثوب عن وجه النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: واغشياه ما اشد غشي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم اخذ يهدد بالقتل من قال ان رسول الله قد مات، واخذ يقول ان رجالا من المنافقين يزعمون ان رسول الله توفي، وان رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد ان قيل مات، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون ان رسول الله مات، (من قال انه مات علوت رأسه بسيفي هذا، وإنما ارتفع إلى السماء)(٢٣٧).
قال ابن أبي الحديد (ان عمر لما علم ان رسول الله قد مات خاف من وقوع فتنة في الإمامة وتغلب أقوام عليها، أما من الأنصار أو من غيرهم، فاقتضت المصلحة عنده تسكين الناس، فاظهر ما أظهره، وأوقع تلك الشبهة في قلوبهم، حراسة للدين والدولة، إلى ان جاء أبو بكر)(٢٣٨).
وفي ما أوردناه من رواية البخاري وشرحها كفاية في توضيح حال السقيفة وإنها كانت بيعة خاصة لأبي بكر في أجواء العصبية القبلية وليست مجرد ترشيح له ثم أردفت ببيعة عامة اقترنت بالتهديد وقوة السلاح.

الفصل الخامس: الشورى السداسية برواية عمرو بن ميمون

قال البغدادي: ان استخلاف أبي بكر لعمر وكذلك حصر عمر الشورى بالستة كان ترشيحا خاضعا للقبول والرفض من الأمة.
اقول: قال الماوردي ان بيعة عمر لم تتوقف على رضا الصحابة، وقد روت المصادر السنية المعتبرة ان عمر قال لأبي طلحة الأنصاري اختر خمسين رجلا من الأنصار فأجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم فإن اجتمع خمسة ورضوا واحدا وأبى واحد فاشدخ رأسه.
نص الشبهة
قال البغدادي: (ان استخلاف أبي بكر لعمر وكذلك استخلاف عمر للستة كان ترشيحا خاضعا للقبول أو الرفض من الأمة).
الرد على الشبهة
اقول: ان قوله هذا رأىٌ شاذ وافقه عليه بعض السنة.
قال الماوردي: (وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته، لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما:
أحدهما: ان أبا بكر عهد بها إلى عمر فاثبت المسلمون إمامته بعهده.
والثاني: ان عمر عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وخرج باقي الصحابة منها... فان لم يكن ولدا ولا والدا جاز ان ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه وان لم يستشر فيه أحدا من أهل الاختيار لكن اختلفوا هل يكون ظهور الرضا منهم شرطا في انعقاد بيعته أولا؟
فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى ان رضا أهل الاختيار شرط في لزومها للامة..
والصحيح ان بيعته منعقدة، وان الرضا بها غير معتبر لان بيعة عمر لم تتوقف على رضا الصحابة)(٢٣٩).
وقال النووي وغيره: (اجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بأهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره)(٢٤٠).
وقصة الشورى واستخلاف عثمان صريحة في أنها كانت بيعة من عبد الرحمن لعثمان بعد ما فوضه الأربعة ان يكون الأمر أمره، ومن هنا قال عبد الرحمن لعلي بايع وإلاّ ضربت عنقك(٢٤١).
ونحن نورد فقرات من رواية مفصلة رواها الطبري عن عمر بن شبة بأسانيده إلى عمرو بن ميمون.
قصة الشورى:
قال عمرو بن ميمون:
 (ان عمر لما طُعِنَ قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت! قال: من استخلف؟ لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته فان سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول (انه أمين هذه الأمة)(٢٤٢).
ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته فان سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول (ان سالما شديد الحب لله)(٢٤٣).
فقال له رجل أدلك عليه، عبد الله بن عمر... قال بحسب آل عمر ان يحاسب منهم رجل واحد.. ان استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، وان اترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيع الله دينه.
فخرجوا ثم رجعوا فقالوا يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا، فقال كنت عزمت بعد مقالتي لكم ان انظر فأولي رجلا أمركم، هو أحراكم ان يحملكم على الحق وأشار إلى علي(٢٤٤)... فما أريد ان أتحملها حيا وميتاً(٢٤٥).
عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (انهم من أهل الجنة) علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد وطلحة والزبير فليختاروا رجلا. ثم دعا بهم وقال لهم إني نظرت فوجدتكم رؤساءهم وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم.
وقال لأبي طلحة الأنصاري اختر خمسين رجلا من الأنصار، فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم، فان اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه، وان اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فان رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس(٢٤٦).
واستشار عبد الرحمن الناس(٢٤٧) فقال له عمار بن ياسر ان أردت ان لا يختلف المسلمون فبايع عليا، فقال المقداد بن الأسود صدق عمار ان بايعت عليا قلنا سمعنا واطعنا.
وقال ابن أبي سرح ان أردت إلا تختلف قريش فبايع عثمان، فقال عبد الله بن أبي ربيعة صدق ان بايعت عثمان قلنا سمعنا واطعنا.
وقال عمار: أيها الناس ان الله عز وجل أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم.
فقال رجل من بني مخزوم لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش لأنفسها(٢٤٨).
فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن افرغ قبل ان يفتتن الناس.
ودعا عبد الرحمن على ا فقال له عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده.
قال أرجو ان افعل واعمل بمبلغ علمي وطاقتي(٢٤٩).
ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فقال نعم فبايعه(٢٥٠).
فقال علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلاّ ليرد الأمر إليك(٢٥١).
فقال عبد الرحمن يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا فأني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان.
فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لأعجب من قريش انهم تركوا رجلا لا أقول ان أحداً اعلم ولا أقضى منه بالعدل أما والله لو أجد عليه أعوانا(٢٥٢).
فقال عبد الرحمن يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة)(٢٥٣).
أقول ان هذه الرواية لا تدع شكا في ان حصر عمر الأمر في الستة على ان يبايعوا أحدهم لم يكن مجرد ترشيح ولو كان كذلك فما الداعي إلى الأمر بقتل الواحد إذا خالف الخمسة والاثنين إذا خالفا الأربعة؟
ان التأمل في الفقرات التي أوردناها تلفت نظر القارئ إلى ان السلطة كانت بيد قريش وان المسلمين كانوا مغلوبين على أمرهم، وان مثل عمار بن ياسر الذي يقول فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) (ان عمارا ملئ أيمانا إلى أخمص قدميه) (من ابغض عمار ابغضه الله تعالى)(٢٥٤) كان يقال له حين هتف باسم علي ما أنت وتأمير قريش لأنفسها).
ومن هنا قال المقداد(٢٥٥) قوله (أما والله لو أجد عليه أعوانا) الآنف الذكر.
علي (عليه السلام) يتظلم من قريش:
وقد نبَّه علي (عليه السلام) في أحاديثه مرارا إلى هذه الحقيقة المرة في تغلب قريش بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) على الأمر كما في قوله: (اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فانهم قطعوا رحمي، وصغرّوا عظيم منزلتي، واكفأوا إنائي، واجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا إلا ان في الحق ان تأخذه، وفي الحق ان تُمنعه، فاصبر مغموما، أو مُت متأسفا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، فاغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشجا وصبرت من كظم الغيظ على أمرِّ من العلقم، وآلم للقلب من حز الشفار(٢٥٦).
وقوله (عليه السلام): (فجزى قريشا عني الجوازي فانهم ظلموني حقي واغتصبوني سلطان ابن امي)(٢٥٧).
وقوله: (لقد أخافتني قريش صغيرا، وانصبتني كبيرا، حتى قبض الله رسوله فكانت الطامة الكبرى)(٢٥٨).
وقوله في رسالته لاخيه عقيل: (فان قريشا قد اجتمعت على حرب اخيك اجتماعها على حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل اليوم، وجهلوا حقي، وجحدوا فضلي، ونصبوا لي الحرب، وجدُّوا في اطفاء نور الله، اللهم فاجزِ قريشا عني بفعالها، قد قطعت رحمي وظاهرت عليَّ...)(٢٥٩).
وقوله: (أما والله لقد تقمصها(٢٦٠) فلان(٢٦١) وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير(٢٦٢)، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا(٢٦٣)، وطفقت ارتئي بين ان أصول بيد جذاء(٢٦٤)، أو أصبر على طخية عمياء(٢٦٥)... فرأيت الصبر على هاتا احجى... حتى إذا مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده... فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لَشَدَّما تشطرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كَلْمُها... فصبرت على طول المدة وشدة المحنة(٢٦٦)، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة، زعم أني أحدهم، في الله وللشورى متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه النظائر ولكني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا(٢٦٧)، فصغا رجل(٢٦٨) منهم لضغنه، ومال(٢٦٩) الآخر لصهره، مع هن وهن(٢٧٠)، إلى ان قام ثالث(٢٧١) القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى ان انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بِطنته.
فما راعني إلا وانثيال الناس كعرف الضبع(٢٧٢) إليَّ ينثالون عليَّ من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضت بالآمر نكثت طائفة(٢٧٣) ومرقت أخرى(٢٧٤) وقسط آخرون(٢٧٥)... أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كِظَّةِ ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غار بها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز)(٢٧٦).
ومن الواضح ان الأنصار واغلب المهاجرين بعد ان انفلتوا من سلطان قريش(٢٧٧) وعادت إليهم حريتهم تهافتوا على علي (عليه السلام) كتهافت الفراش يطلبون منه البيعة بصفته الشخص الذي دعا الكتاب والسنة إلى بيعته أما في زمن أبي بكر وعمر فلم تكن لهم حرية ان يبايعوا من أرادوا وأراده الكتاب والسنة إذ بايع خمسة أشخاص أبا بكر وهم عمر وأبو عبيدة وسالم من المهاجرين واسيد بن حضير وبشير بن سعد ومن تبعهما من الأنصار ممن كان حاضرا ولبّس الأمر على طائفة من الأنصار بسبب العصبية القبلية وأُجبِر الباقي على البيعة بشكل أو بآخر، وقد أشار علي (عليه السلام) إلى هذه الحرية في إحدى خطبه بقوله (ولئن رُدَّ عليكم أمركم أنكم لسعداء)(٢٧٨). وأشار إلى التلبيس بقوله (ما ختلتكم عن أمركم ولا لبَّسته عليكم).

الفصل السادس: علي (عليه السلام) بايع الخلفاء مكرهاً

قال: ان عليا (عليه السلام) بايع الخلفاء برضاه والشيعة يؤولون ذلك بالتقية.
اقول: قال السيد المرتضى (رحمه الله) وكيف يشكل على منصف ان بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تكن عن رضا والأخبار متظاهرة بين كل من روى السير بما يقتضي ذلك، حتى ان من تأمل ما روي في هذا الباب لم يبق لديه شك في انه (عليه السلام) ألجئ على البيعة وصار إليها /بعد المدافعة والمحاججة/ لأمور اقتضت ذلك ليس من جملتها الرضا.
نص الشبهة
قال صاحب النشرة: (وذهب فريق آخر من الباطنية إلى قراءة التاريخ الإسلامي قراءة أخرى وإنكار بعض الأحداث الماضية أو يفسرها تفسيرا معاكسا وتبرير أعمال مثل بيعة الإمام أمير المؤمنين للخلفاء الثلاثة بأنها كانت للتقية)(٢٧٩).
وقال أيضا: (واضطر المتكلمون (الشيعة)... إلى إعادة كتابة التاريخ وتأويل بيعة الإمام أمير المؤمنين للخلفاء الثلاثة ودخوله معهم في الشورى عند انتخاب عثمان واحتجاجه على معاوية بانتخابه عبر الشورى... تأويل كل ذلك بالتقية والإكراه وما إلى ذلك من تأويلات تعسفية ظالمة).
وقال ايضا: (ويعترف المؤرخون الشيعة ببيعة الإمام علي (عليه السلام) لأبي بكر... ويفسرون ذلك بالتقية. وتقول بعض الروايات الشيعية ان بيعة أبي بكر تمت بالقوة والإكراه.
وقد رد القاضي عبد الجبار في المغني على ذلك بقوله: انه لم يجر إكراه وإنما تعلق بذلك بعض الإمامية بروايات ليست صحيحة... وانه لا يجوز من مثل علي التقية... وهلا ظهرت منه التقية يوم الجمل وصفين)(٢٨٠).
الرد على الشبهة
أقول: جعل صاحب النشرة الشيعة الإمامية الاثني عشرية أحد أفراد (الباطنية) وستأتي مناقشته على ذلك في موضع آخر.
قوله (ويعترف المؤرخون الشيعة ببيعة الإمام علي لأبي بكر ويفسرون ذلك بالتقية) يشير فيه إلى جواب السيد المرتضى ومن جاء بعده من علماء الشيعة الى اليوم ردا على مقولة السنة والمعتزلة من ان عليا (عليه السلام) امتنع عن بيعة أبي بكر ثم بايع راضيا.
ونحن نورد جواب السيد المرتضى باختصار وهو: ان عليا (عليه السلام) صحيح ترك النكير والخلاف بعد ما ظهر منه وبايع بعد وفاة فاطمة (عليها السلام) ولكنه ظهر منه في خلافته ما يكشف ان تركه الخلاف والمنازعة وإظهاره البيعة كان تقية، فهنا قضيتان:
الأولى: ان عليا (عليه السلام) بعد ما بويع واستقر الأمر له بعد عثمان اظهر النكير على الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه وكشف بذلك انه كان قد سالمهم وبايعهم لاعتبارات عدة ليس منها الرضا بهم وقد روي عنه (عليه السلام) انه كان يقول: (بايع الناس والله أبا بكر وأنا أولى بهم مني بقميصي هذا فكظمت غيظي وانتظرت أمري وألزقت كلكلي(٢٨١) بالأرض ثم ان أبا بكر هلك واستخلف عمر وقد والله علم اني أولى بالناس مني بقميصي هذا فكظمت غيظي وانتظرت أمري ثم ان عمر هلك وجعلها شورى وجعلني فيها سادس ستة كسهم الجدة فقال اقتلوا الأقل فكظمت غيظي وانتظرت أمري وألزقت كلكلي بالأرض (ثم ان عثمان قتل فجاؤني فبايعوني طائعين غير مكرهين) حتى ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله)(٢٨٢) وقوله (عليه السلام) (حتى ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله) منبها على ان سبب قتاله لطلحة والزبير ومعاوية وكفه عمن تقدم انه لما وجد الأعوان والأنصار لزمه الأمر وتعين عليه فرض القتال وفي الحال الأولى كان معذورا لفقد الأعوان والأنصار.
وروى الواقدي في كتاب الجمل بإسناده ان أمير المؤمنين (عليه السلام) حين بويع خطب فحمد الله أثنى عليه ثم قال: (حق وباطل ولكل أهل ولئن أمر الباطل لقديما فعل ولئن قل الحق لربما ولعل وقلما أدبر شيء فاقبل وإني لأخشى ان تكونوا في فترة وما علينا إلا الاجتهاد وقد كانت لكم أمور ملتم فيها عليَّ ميلة لم تكونوا عندي فيها بمحمودين أما أني لو أشاء لقلت عفا الله عما سلف سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه ويحه لو قُصَّ جناحُه وقُطِع رأسُه لكان خيرا له)(٢٨٣)،(٢٨٤).
وقوله (عليه السلام) (لقد تقمصها ابن أبي قحافة وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى...) الخ الخطبة.
وقوله (عليه السلام) (ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه واله وإلى يوم الناس هذا).
الثانية: ان ترك الإنكار بعد ظهوره منه (عليه السلام) لا يدل على رضاه، لان المسالمة وترك الإنكار قد تكون معبرة عن الرضا وقد تكون معبرة عن التقية والخوف على النفس.
قال السيد المرتضى (رحمهم الله):
(فان قال (أي صاحب المغني) ليس يجب علينا ان نقول فيما يدل على رضاه اكثر من بيعته وترك نكيره لان الظاهر من ذلك يقتضي ما ذكرناه وعلى من ادعى انه كان مبطنا بخلاف الرضا ان يدل على ذلك فانه خلاف الظاهر.
قيل له: ليس الأمر على ما قدرته لان سخط أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الاصل لأنه لا خلاف بين الأمة في انه عليه السلام سخط الأمر وأباه ونازع فيه وتأخر عن البيعة (فهنا أمران الأول سخطه (عليه السلام) الثاني: امتناعه عن البيعة) ثم انه لا خلاف في انه بايع بعد ذلك وترك النكير، فيبقى الأمر الأول وهو سخطه على حاله لم ينقله عنه شيء ويجب على من ادعى تغير الحال ان يثبت ذلك وليس له ان يجعل البيعة وترك الإنكار والخلاف دلالة الرضا لانا قد بينا ان البيعة وترك الإنكار قد يكونان عن رضا وقد يكونان عن غيره).
ثم قال (رحمهم الله) أيضا:
(وكيف يشكل على منصف ان بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تكن عن رضا والأخبار متظاهرة بين كل من روى السير بما يقتضي ذلك، حتى ان من تأمل ما روي في هذا الباب لم يبق لديه شك في انه (عليه السلام) أُلجئ على البيعة وصار إليها بعد المدافعة والمحاججة لأمور اقتضت ذلك ليس من جملتها الرضا.
وقد روى أبو الحسن احمد بن يحيى بن جابر البلاذري -وحاله في الثقة عند العامة والبعد عن مقاربة الشيعة والضبط لما يرويه معروف- قال: حدثني بكر بن الهيثم قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي (عليه السلام) حين قعد عن بيعته وقال ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام فقال له علي (عليه السلام): احلب حلبا لك شطره والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غدا،...، ثم أتى فبايعه)(٢٨٥) وهذا الخبر يتضمن ما جرت عليه الحال وما يقوله الشيعة بعينه وقد انطق الله تعالى به رواتهم.
وقد روى البلاذري عن المدائني عن مسلمة بن محارب عن سليمان التيمي عن أبي عون (ان أبا بكر أرسل إلى علي (عليه السلام) يريده على البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قبس فلقيته فاطمة (عليها السلام) على الباب فقالت: يا ابن الخطاب أتراك محرِّقا عليَّ بابي قال: نعم وذلك أقوِّي فيما جاء به أبوك وجاء علي (عليه السلام) فبايع)(٢٨٦)، وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة، وإنما الطريف ان نرويه لشيوخ محدثي العامة وكلهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة، وربما تنبهوا على ما في بعض ما يروونه عليهم فكفوا عنه، وأي اختيار لمن يحرَّق عليه بابه حتى يبايع.
وقد روى إبراهيم بن سعيد الثقفي، قال حدثنا احمد بن عمرو البجلي، قال حدثنا احمد بن حبيب العامري عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: (والله ما بايع علي (عليه السلام) حتى رأى الدخان قد دخل بيته).
وروى المدائني عن عبد الله بن جعفر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لما ارتدت العرب مشى عثمان إلى علي (عليه السلام) فقال: يا ابن عم انه لا يخرج أحد إلى قتال هؤلاء وأنت لم تبايع، ولم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر فَسُرَّ المسلمون بذلك، وجَدَّ الناس في قتالهم)(٢٨٧).
وروى البلاذري عن المدائني عن أبي جري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة اشهر فلما ماتت ضَرَع إلى صلح أبي بكر، فأرسل إليه ان يأتيه، فقال عمر لان تأته وحدك قال: وماذا يصنعون بي فأتاه أبو بكر فقال له (عليه السلام):... والله لقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) احب إلي من قرابتي فلم يزل علي (عليه السلام) يذكر حقه وقرابته حتى بكى أبو بكر فقال ميعادك العشية، فلما صلى أبو بكر خطب وذكر عليا (عليه السلام) وبيعته ثم بايع أبا بكر فقال المسلمون: أصبت وأحسنت)(٢٨٨).
ومن تأمل هذا الخبر وما جرى مجراه عليهم كيف وقعت الحال في البيعة، وما الداعي إليها، ولو كانت الحال سليمة والنيات صافية، والتهمة مرتفعة، لما منع عمر أبا بكر ان يصير إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).
وروى إبراهيم الثقفي عن محمد بن أبي عمير عن أبي عن صالح بن أبي الأسود عن عقبة بن سنان عن الزهري قال: (ما بايع علي (عليه السلام) إلا بعد ستة اشهر، وما اجتُرِئَ عليه إلا بعد موت فاطمة (عليها السلام)).
وروى إبراهيم عن يحيى بن الحسن، عن عاصم بن عامر، عن نوح بن دراج، عن داود بن يزيد الاودي، عن أبيه عن عدي بن حاتم قال: (ما رحمت أحدا رحمتي عليا حين أتى به مُلَبَّبا فقيل له: بايع، قال: فان لم افعل؟ قالوا: إذا نقتلك، قال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، ثم بايع كذا وضم يده اليمنى).
وروى إبراهيم عن عثمان بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد البجلي عن داود بن يزيد الاودي عن أبيه عن عدي بن حاتم قال (إني لجالس عند أبي بكر إذ جيء بعلي (عليه السلام) فقال له أبو بكر: بايع، فقال له علي (عليه السلام): فأن لم افعل؟ فقال: اضرب الذي فيه عيناك(٢٨٩)، فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: اللهم اشهد، ثم مد يده).
وقد روي هذا المعنى من طرق مختلفة، وبألفاظ متقاربة المعنى وان اختلفت ألفاظها، وانه (عليه السلام) كان يقول في ذلك اليوم لما أُكرِه على البيعة وحُذِّرَ من التقاعد عنها: (يا ابن أم ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين) ويردد ذلك ويكرره، وذِكْرُ اكثر ما روي في هذا المعنى يطول فضلا عن ذكر جميعه، وفيما أشرنا إليه كفاية ودلالة على ان البيعة لم تكن عن رضا واختيار).
ثم قال (رحمهم الله) أيضا:
(ومن أدل دليل على ان كفه (عليه السلام) عن النكير وإظهار الرضا لم يكن اختيارا وإيثارا، بل كان لبعض ما ذكرناه انه لا وجه لمبايعته بعد الإِباء إلا ما ذكرناه بعينه فان إباءه المتقدم لا يخلو من وجوه:
إما ان يكون ما ادعاه صاحب الكتاب من انشغاله بالنبي (صلى الله عليه وآله) وابنته، واستيحاشه من ترك مشاورته، وقد أبطلنا ذلك بما لا زيادة عليه) (٢٩٠).
أو لأنه كان ناظرا في الأمر ومريبا في صحة العقد أما بأن يكون ناظرا في صلاح المعقود له الإمامة، أو في تكامل شروط عقد إمامته، ووقوعه على وجه الصحة، وكل ذلك لا يجوز ان يكون خافيا على أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا ملتبسا، بل كان به اعلم واليه اسبق، ولو جاز ان يخفى على مثله وقتا ووقتين لما جاز ان يستمر الأوقات، وتتراخى المدد في خفائه وكيف يشكل عليه صلاح أبي بكر للإمامة وعندهم ان ذلك كان معلوما ضرورة لكل أحد، وكذلك عندهم صفات العاقدين وعددهم، وشروط العقد الصحيح مما نص النبي (صلى الله عليه وآله) واعلم الجماعة به على سبيل التفصيل. فلم يبق شيء يرتئي فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وينظر في أصابته النظر الطويل يحمل عليه إباؤه وامتناعه من البيعة في الأول إلا ما نذكره من أنها وقعت في غير حقها ولغير مستحقها، وذلك يقتضي ان رجوعه إليها لم يكن إلا لضرب من التدبير(٢٩١).
وقوله (إلا لضرب من التدبير) أي للتقية والخوف على النفس.
رد على القاضي عبد الجبار:
اما قول صاحب المغني: (انه لا يجوز من مثل علي (عليه السلام) التقية... وهلا ظهرت منه التقية يوم الجمل وصفين).
فيَرُدُّه قول علي (عليه السلام) (لو لا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر و... لا لقيت حبلها على غاربها) وقوله (عليه السلام) (لوجدت أربعين ذوى عزم لقاتلتهم) وقوله (عليه السلام) لجندب بن عبد الله الازدي حين اقترح عليه ايام الشورى ان يقوم فى الناس فيدعوهم الى نفسه ويسألهم النصر فان اجابه عشرة من مأة شدَّ بهم على الباقين اجابه (عليه السلام) (اترجو ان يبايعنى من كل عشرة واحد؟ قلت ارجو ذلك قال: لكني لا أرجو ذلك لا والله ولا من المأة واحد سأخبرك ان الناس انما ينظرون الى قريش فيقولون هم قوم محمد وقبيله... لا والله لا يدفع الناس (أي قريش) هذا الامر طائعين ابدا).
وكذلك يرده قوله علي (عليه السلام) فى خطبته الشقشقية (فنظرت فاذا ليس لي رائد الا ذاب ولا مساعد الا اهل بيتي فضننت بهم عن المنية)(٢٩٢).

الفصل السابع: قصة متعة الحج والعبرة منها

قال البغدادي: لو كان ثمة نص على علي (عليه السلام) فأن الصحابة اكبر من ان يخالفوا أمر النبي (صلى الله عليه وآله).
أقول: لم يكن الصحابة معصومين وقد تورطوا في اكثر من مرة بمخالفة النص الصريح وقصة متعة الحج من اكبر الشواهد.
نص الشهبة
قال البغدادي:
(ان من الغرابة بمكان ان يكون الطريق الوحيد هو ان يختار النبي بأمر الله شخصا/ هو علي / يعده قياديا ورساليا ومع ذلك لم يجد أغلبية تؤيده من الجيل الطليعي للامة).
الرد على الشبهة
اقول: تزول هذه الغرابة إذا عرفنا ان أغلبية الصحابة كانوا قد خالفوا في تشريعات عبادية فضلا عن غيرها ولعل افضل حادثة تصور لنا هذه الحقيقة بكل وضوح هي مسألة حج التمتع وقد وردت أخبارها في كل كتب الحديث والى القارئ الكريم خلاصة عنها:
العمرة والحج في الإسلام:
هناك ثلاثة أنواع من الحج في الإسلام:
الأول حج التمتع: وهو فرض من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ويتألف من عمرة التمتع وحج التمتع، وصورة عمرة التمتع هي، ان يحرم من الميقات في اشهر الحج ثم يأتي مكة ويطوف بها سبعا، ثم يصلي ركعتي الطواف، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعا، ثم يقصر، فيحل من جميع ما حرم عليه بالإحرام، ويقيم بمكة محلا إلى يوم التروية أي اليوم الثامن من ذي الحجة فينشئ إحراما لحج التمتع من الحرم، ثم يخرج إلى عرفات، ثم يفيض عنها بعد غروب التاسع إلى المشعر، ومنه إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى، ثم الذبح ثم الحلق ان كان حجه صرورة وبه يتحلل إلا من النساء والطيب، ثم يطوف ويصلي ويسعى فيحل له الطيب، ثم يطوف طواف النساء ويصلي فتحل له النساء، ثم يرجع إلى منى للمبيت بها ورمي الجمرات الثلاث، فإذا بات ليلتين بمنى جاز له النفر في اليوم الثاني عشر بعد الزوال، ويسمى هذا الحج بحج التمتع، لان الحاج يتمتع بالحل بين إحرامي العمرة، والحج ومدة الحل بين الإحرامين هي متعة الحج التي حرمها الخليفة عمر وتبعه اكثر المسلمين في وقته.
الثانى حج الإفراد: ويتألف من حج أولا ثم عمرة يأتي بها بعد الانتهاء من المناسك في منى، وتسمى هذه العمرة بالمفردة، كما يسمى الحج بحج الإفراد، لان الحاج يأتي بكل منهما مفردا وليس في هذا الحج هدي.
الثالث حج القران: هو كحج الإفراد مع ملاحظة ان الحاج يسوق الهدي معه عند إحرامه، وقد سمي بذلك لان الحاج يقرن بين التلبية وسوق الهدي.
والنوعان الأخيران من الحج فرض حاضري المسجد الحرام.
العمرة والحج في الجاهلية:
كان الحج والعمرة من اهم الشعائر في الجاهلية وهما إضافة إلى أمور أخرى مما بقي من دين إبراهيم (عليه السلام)، وقد تحملت قريش بوصفها سكان البيت وذرية ابراهيم (عليه السلام) مسئولية إقامة الحج وتعليم الناس الوافدين إلى مكة أحكام الحج وكانت مكة قد عَظُمَ شأنها بعد حادثة الفيل، وانعكس ذلك على قريش، وابتدعت قريش بعد وفاة عبد المطلب بدعا خاصة في الحج وتابعتها العرب على ذلك، وكان من تلك البدع هو بدعة تحريم العمرة في اشهر الحج وجعلها من افجر الفجور.
قال ابن القيم: (اعتمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد الهجرة أربع عمر كلهن في ذي القعدة.. والمقصود مخالفة هدي المشركين فانهم كانوا يكرهون العمرة في اشهر الحج) زاد المعاد ١ / ٢٠٩.
حجة الوداع:
كانت حجة الوداع هي الحجة الأولى والأخيرة التي بيَّن النبي (صلى الله عليه وآله) فيها أحكام حج التمتع، وكان قد جعل عمرة التمتع جزءا من الحج، وقد وقعت هذه الحجة في السنة العاشرة من الهجرة، وذلك بعد ان أسلمت جزيرة العرب ومن شاء الله من أهل اليمن وقدم المدينة بشر كثير يريدون ان يأتموا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال أهل السير: (فخرج لخمس بقين من ذي القعدة ومعه أزواجه وأهل بيته وعامة المهاجرين والأنصار ومن شاء الله من قبائل العرب وإفناء الناس)(٢٩٣).
روى أبو داود في سننه(٢٩٤) ان النبي (صلى الله عليه وآله) لما وصل إلى عسفان (وهي بين الجحفة ومكة والجحفة تبعد عن مكة أربعة مراحل) قال له سراقة بن مالك المذحجي يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم فقال (صلى الله عليه وآله):
(ان الله تعالى قد ادخل عليكم في حجكم هذا عمرة فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلاّ من كان معه هدي).
وتكرر منه (صلى الله عليه وآله) نظير ذلك في (سَرَف) التي تبعد ستة أميال من مكة(٢٩٥).
ولننظر الآن كيف تلقى الصحابة تشريع حج التمتع.
موقف قريش من حج التمتع:
روى مسلم في صحيحه(٢٩٦) عن جابر قال:
(أهللنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحج فلما قدمنا مكة امرنا ان نحل ونجعلها عمرة فَكَبُرَ ذلك علينا وضاقت به صدورنا فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله).. فقال: أيها الناس أحلوا، فلولا الهدي الذي معي فعلت مثل الذي أمرتكم به. قال فأحللنا حتى وطئنا النساء، وفعلنا ما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج).
وفي رواية البخاري في صحيحه عن جابر أيضا: (فبلغه (أي النبي (صلى الله عليه وآله)) انا نقول: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس امرنا ان نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا).
ومثله رواية مسلم وابن ماجة وأبي داود ومسند احمد.
وفي رواية أخرى للبخاري(٢٩٧) أيضا: (ففشت في ذلك القالَةُ فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فقام خطيبا فقال: بلغني ان أقواما يقولون كذا وكذا والله لانا أبَرُّ واتقى لله منهم) وفي رواية سنن ابن ماجة ومسند احمد ومجمع الزوائد: (قال الناس يا رسول الله قد احرمنا بالحج فيكف نجعلها عمرة؟ قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا، فردوا عليه القول، فغضب، فانطلق ثم دخل على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه الله! قال: ما لي لا اغضب وأنا آمر أمرا فلا أُتَّبَع)(٢٩٨).
وفي رواية مسلم(٢٩٩): (قالت عائشة: قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت من أغضبك يا رسول الله ادخله الله النار؟ قال: وما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون).
قال العلامة العسكري: (يبدو ان الممتنعين من التمتع بالعمرة إلى الحج الذين تعاظم عليهم ذلك كانوا من مهاجرة قريش من أصحاب النبي ويدل على ذلك أولا: ما رواه ابن عباس في حديثه (ان هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة ومحرم). وثانيا: ان الذين منعوها بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم ولاة المسلمين من قريش).
حج التمتع على عهد ابي بكر:
روى البيهقي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال:
(حججتُ مع أبي بكر فجرَّد، ومع عمر فجرد ومع عثمان فجرد)(٣٠٠). ومعنى جَرَّد أي افرد الحج.
حج التمتع على عهد عمر:
روى مالك بن انس في الموطأ عن عبد الله بن عمر قال:
(ان عمر بن الخطاب قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فان ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته ان يعتمر في غير اشهر الحج).
وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند احمد وغيرهم عن أبي موسى الاشعري قال: (كنت أفتي الناس بذلك (أي بالحل بعد إتمام أعمال متعة الحج) في إمارة أبي بكر وإمارة عمر فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال انك لا تدري ما احدث أمير المؤمنين في شان النُّسُك فقلت: أيها الناس من كنا أفتيناه بشيء فليتئد فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه ائتموا(٣٠١).. ثم ذكر أمره بفصل الحج عن العمرة).
وفي حلية الأولياء(٣٠٢): (ان عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في اشهر الحج وقال: فعلتها مع رسول الله وأنا أنهى عنها وذلك:
ان أحدكم يأتي من أفق من الآفاق شعثا نصبا معتمرا اشهر الحج وإنما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ثم يقدم فيطوف بالبيت ويحل ويلبس ويتطيب ويقع على أهله ان كانوا معه حتى إذا كان يوم التروية أهَلَّ بالحج وخرج إلى منى يلبي بحجة لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلا يوما، والحج افضل من العمرة، لو خلينا بينهم وبين هذا لعانقوهن تحت الأراك، وان أهل هذا البيت (أي أهل مكة) ليس لهم ضرع ولا زرع، وإنما ربيعهم في من يطرأ عليهم).
وفي رواية مسلم: (فقال عمر: قد علمت ان النبي فعله وأصحابه ولكن كرهت ان يضلوا معرِّسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم)(٣٠٣).
وقد نقل النووي في شرح صحيح مسلم(٣٠٤) عن القاضي عياض ان عمر كان يضرب على متعة الحج).
حج التمتع على عهد عثمان:
تابَعَ الخليفة عثمان سَلَفه عمر في ما استن من الفصل بين الحج والعمرة والضرب عليها قال ابن حزم(٣٠٥): (ان عثمان سمع رجلا يُهِلُّ بعمرة وحج، فقال: عليَّ بالمُهِل، فضربه وحلقه)، الضرب للتأديب والحلق للتشهير، وفي الشطر الثاني من خلافة عثمان حيث نَقِمَ المسلمون عليه كثيرا من أحداثه، سجلت كتب الحديث اكثر من رواية تشرح معارضة علي (عليه السلام) بقوة تحريم متعة الحج.
موقف علي (عليه السلام) من حج التمتع:
روى مالك في الموطأ: (ان المقداد بن الأسود دخل على علي (عليه السلام) بالسُقْيا وهو يُنجِع بَكرات له دقيقا وخبطا، فقال هذا عثمان بن عفان ينهى ان يقرن بين الحج والعمرة، فخرج علي (عليه السلام) وعلى يديه اثر الدقيق والخبط فما أنسى اثر الدقيق والخبط، على ذراعيه، حتى دخل على عثمان فقال: أنت تنهى عن ان يُقْرَنَ بين الحج والعمرة، فقال: عثمان ذلك رأيي، فخرج عليٌّ (عليه السلام) مغضبا وهو يقول: لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا(٣٠٦).
وفي سنن النسائي ومستدرك الصحيحين ومسند احمد واللفظ للاول عن سعيد بن المسيب قال: (حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي إذا رأيته ارتحل فارتحلوا فلبى علي وأصحابه بالعمرة...)(٣٠٧).
قال الإمام السندي بهامشه: (قال (إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا) أي ارتحلوا معه ملبين بالعمرة ليعلم أنكم قدمتم السنة على قوله، وانه لا طاعة له في مقابل السنة)(٣٠٨).
وفي صحيح البخاري وسنن النسائي وسنن الدارمي وسنن البيهقي ومسند احمد ومسند الطيالسي وغيرها عن علي بن الحسين (عليهما السلام) عن مروان بن الحكم قال: (شهدت عثمان وعليا (عليه السلام) وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما فلما رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة معا قال ما كنت لأدع سنة النبي (صلى الله عليه وآله) لقول أحد)(٣٠٩).
وفي لفظ النسائي: (فقال عثمان أتفعلها وأنا أنهى عنها فقال علي لم اكن لأدع سنة رسول الله لأحد من الناس).
هذا هو موقف علي (عليه السلام) من أمر متعة الحج في عهد عثمان، وهو موقفه ايضا في عهد عمر ولكنه (عليه السلام) لم يتابع إنكاره على عمر، بقوة لشدة عمر المعروفة ولما تولى علي (عليه السلام) الأمر بعد قتل عثمان كان من الطبيعي ان يحث على إقامة سنة النبي (صلى الله عليه وآله) في حج التمتع وغيرها وكذلك كان الأمر في عهد الحسن (عليه السلام).
حج التمتع على عهد معاوية:
لما تولى معاوية أمر الحكم عمل على إحياء سنن الخلفاء الثلاثة وكان منها تحريم متعة الحج ففي سنن النسائي عن ابن عباس قال: هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة. وقد تمتع النبي (صلى الله عليه وآله).
وفي موطأ مالك وسنن النسائي وسنن الترمذي عن محمد بن عبد الله بن الحارث: (انه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: يا بن قيس لا يفعل ذلك إلا من جهل أمر الله عز وجل، فقال سعد: بئس ما قلت يا بن أخي، فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد فعلها رسول الله وفعلناها معه).
أقول: قوله (قد فعلها رسول الله)، تعبير غير صحيح من الراوي لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قد ساق الهدي ولم يحل، وإنما أمر بالحل.
لقد جدَّ معاوية خاصة بعد وفاة الحسن (عليه السلام) في المنع من متعة الحج فلم يكن يجرؤ من يعرف الحقيقة وثبت عليها من المجاهرة بها كما يظهر من الرواية الآتية:
روى مسلم عن مطرِّف قال: (بعث إليَّ عمران بن الحصين في مرضه الذي توفي منه فقال: أني محدثك بأحاديث لعل الله ان ينفعك بها بعدي فان عشت فاكتم عني وان مت فحدِّث بها ان شئت.. واعلم ان نبي الله (صلى الله عليه وآله) قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب يحرم، ولم ينه عنها رسول الله، قال فيها رجل برأيه ما شاء)(٣١٠).
اقول: اراد بالرجل الذي قال فيها برأيه ما شاء هو عمر.
حج التمتع على عهد ابن الزبير:
ولما ولي ابن الزبير مكة اكثر من عشر سنوات واصل هو وبنو أبيه في منع المسلمين من عمرة التمتع فوقعت بينهم وبين أتباع علي (عليه السلام) مناظرات ومساجلات، ففي صحيح مسلم(٣١١): (كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها).
وفي زاد المعاد: (قال عبد الله بن الزبير افرِدوا الحج أي لا تجمعوا بين الحج والعمرة ودعوا قول أعماكم هذا (يريد ابن عباس) فقال عبد الله بن عباس: ان الذي أعمى قلبه لأنت، ألا تسأل أمك عن هذا، فأرسل إليها فقالت: صدق ابن عباس جئنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجاجا فجعلناها عمرة، فحللنا الإحلال كله، حتى سطعت المَجامِر بين الرجال والنساء)(٣١٢).
وفي مسند احمد: (قال عروة بن الزبير لابن عباس: متى تضل الناس يا بن عباس؟
قال وما ذاك يا عُرَيَّة(٣١٣)؟
قال تأمرنا بالعمرة في اشهر الحج وقد نهى عنها أبو بكر وعمر!
فقال ابن عباس: قد فعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) (٣١٤). وفي رواية أخرى (فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون أقول قال النبي (صلى الله عليه وآله) ويقولون نهى أبو بكر وعمر(٣١٥).
وفي صحيح مسلم عن أبي نضرة قال: (كنت عند جابر فأتاه آت فقال: ان ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر فعلناها مع رسول الله ثم نهى عنها عمر فلم نَعُد لهما(٣١٦).
ولم يفلح ابن الزبير في إرجاع الناس في أمر متعة الحج إلى ما سنه فيها عمر، وتعلقت قلوبهم بسنة النبي (صلى الله عليه وآله) كما أحياها علي (عليه السلام)، ففي صحيح مسلم:
(قال رجل من بني الهجيم لابن عباس ما هذه الفتيا التي تشغفت أو تشغبت بالناس ان من طاف بالبيت فقد حل فقال سنة نبيكم وان رغمتم، وفي رواية بعدها: ان هذا الأمر قد تفشغ بالناس من طاف بالبيت فقد حل)(٣١٧). وقوله تشغفت أي علقت بقلوب الناس وتشغبت أي خلطت عليهم أمرهم وتفشغ أي انتشر وفشا بين الناس.
حج التمتع على عهد بني مروان:
وحاول عبد الملك ومن جاء من بعده من حكام بني أمية أحياء موقف عمر، وكان الناس في زمانهم يتخوفون من الإفتاء بمتعة الحج كما يظهر ذلك من رواية ابن حزم عن منصور بن المعتمر قال:حج الحسن البصري وحججت معه في ذلك العام، فلما قدمنا مكة جاء رجل إلى الحسن، فقال: يا أبا سعيد إني رجل بعيد الشقة من أهل خراسان وإني قدمت مُهِلاًّ بالحج، فقال له الحسن: اجعلها عمرة واحل، فانكر ذلك الناس على الحسن، وشاع قوله بمكة، فأتى عطاء بن أبي رباح فذكر ذلك له، فقال صدق الشيخ لكنا نفرق ان نتكلم بذلك)(٣١٨).
حج التمتع على عهد بني العباس:
زال التخوف والحرج عن المسلمين عن العمل بمتعة الحج في عصر بني العباس، وانتشر القول بعمرة التمتع على عهدهم ولعل لموقف جدهم عبد الله بن العباس دخلا في ذلك، وعلى عهدهم تبنى احمد بن حنبل القول بعمرة التمتع ثم استمر في أتباعه إلى اليوم(٣١٩).
العبرة من قصة حج التمتع:
أقول: إذا كان سبعون ألفا إلى مائة ألف أو اكثر كانوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع، وهي آخر سنة من حركة النبوة، قد سمعوا من النبي (صلى الله عليه وآله) أمر حج التمتع ثم عملوا به بعد مشاكسة وممانعة، ومع ذلك استطاع الخليفة عمر ان ينهاهم عنها، ويعاقبهم إذا خالفوا أمره فيها، ولم يجرؤ على الوقوف أمام هذه المخالفة إلا علي (عليه السلام) ونفر من أصحابه معه كمقداد وعمار وغيرهما، فهل يُستغرَب منهم ان يخالفوا نص النبي (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) في حادثة الغدير ودواعي المخالفة هنا أقوى لمكان الرئاسة والتقدم على الغير؟
ثم لو قارن الباحث بين كيفية تبليغ النبي (صلى الله عليه وآله) حكم متعة الحج وتدرجه فيه وكيفية تبليغ النص في ولاية علي (عليه السلام) وتدرجه فيه، ثم ردود الفعل إزاء الحُكمين في زمان النبي وبعده، وكيفية تخطيط علي (عليه السلام) لإحياء نص النبي (صلى الله عليه وآله) فيه وفي أهل بيته يوم الغدير وإحياء سنته (صلى الله عليه وآله) في متعة الحج، لدهش من شدة التشابه، وقد جعل الله تعالى في ذلك عبرة لمن أراد الاعتبار.
ويتضح تدرج النبي (صلى الله عليه وآله) في تبليغه امر متعة الحج حين سئل في الطريق عن ذلك وقوله (صلى الله عليه وآله) (دخلت العمرة في الحج الى الابد)، وقوله (صلى الله عليه وآله) (من شاء منكم ان يجعلها عمرة او يجعلها حجة). ثم لما اتموا طوافهم امرهم امرا قاطعا بان من لم يسق الهدي ان يجعلها عمرة وكان رد فعلهم زمن النبي (صلى الله عليه وآله) هو كثرة لغطهم ومناقشتهم للنبي (صلى الله عليه وآله) حتى اغضبوه، اما رد فعلهم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) فهو العمل على خلافها زمن ابي بكر ثم نهي عمر كل المسلمين عن العمل بها.
وتميز موقف علي (عليه السلام) بالاستنكار على عمر استنكارا لينا لما يعلم من شدته، ثم استنكارا شديدا على عثمان في اخريات حكومته حيث تضعضعت سلطته، وكثر كلام الناس عليه، ثم العمل على احياء متعة الحج زمان حكمه.
اما تدرج النبي (صلى الله عليه وآله) في تبليغه الولاية لاهل البيت (عليهم السلام) وتسمية علي (عليه السلام) فهو واضح لمن يتأمل كلمات النبي (صلى الله عليه وآله) فيهم منذ واقعة الدار والى ما قبل حجة الوداع، اذ يجدها خاصة غير عامة فحديث الدار كان مع بني هاشم، وحديث الكساء كان امام ام سلمة وامام هذه المجموعة او تلك من اصحابه وهكذا الامر في كل ما اثر عنه (صلى الله عليه وآله) من احاديث في فضل علي (عليه السلام) او احد من اهل بيته، اما في خطبته يوم عرفة وحديثه في الغدير فقد كان ذكر اهل بيته وعلي (عليه السلام) امام كل اصحابه الذين بلغ عددهم مأة الف او يزيدون، وقد كثر لغطهم لما قرن النبي (صلى الله عليه وآله) اهل بيته بالقرآن وجعل التمسك بهما امانا من الضلالة وذكر الاثني عشر منهم(٣٢٠)، وبسبب اللغط والصخب لم يسم عليا في خطبته في عرفة.
وعند رجوعه (صلى الله عليه وآله) من الحج ووصوله الى غدير خم نزل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ) فقام النبي وخطب اصحابه وذكر اهل بيته (عليهم السلام) وسمى عليا (عليه السلام)، وجعل ولاية علي كولايته وهي كولاية الله تعالى واستجاب الناس لامر الله في علي وسلموا جميعا عليه بامرة المؤمنين، حتى قال عمر بخ بخ لك يا علي اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
وكان رد الفعل بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) هو العدول عن علي (عليه السلام) بل النهي عن ذكر احاديث النبي فيه وفي اهل بيته بل نهيهم عن رواية السنة النبوية مطلقا كرد فعلهم ازاء حج التمتع ونهيهم عنها، كما مرت مصادر دلك فى صفحة ١٥٩ - ١٦٣ من هذا الكتاب.
وتميز موقف علي (عليه السلام) بالاستنكار على اهل السقيفة والامتناع عن البيعة ثم سالمهم حفظا على حياته، ولما صار الامر اليه بعد قتل عثمان احيا ما ذكره النبي (صلى الله عليه وآله) فيه وفي اهل بيته، وفي مسجد الكوفة وهو يجمع الالاف المؤلفة من المصلين روى علي (عليه السلام) حديث الغدير واستنشد من كان حاضرا من الصحابة لتأييده، وبسبب ذلك صارت رواية حديث الغدير متميزة من ناحية كثرة رواتها من الصحابة والتابعين وقد سجل الحافظ ابن عقدة في القرن الرابع الهجري رواية مأة وعشرة من الصحابة الامر الذي لم يسجل مثله لاي حديث آخر من احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) سواء في الفضائل او في الاحكام.

الفصل الثامن: أسئلة الدكتور الشرقاوي حول نظرية النص

أسئلة الدكتور الشرقاوي
نشرت نشرة الشورى في حقل رسائل القراء رسالة موقعة باسم الدكتور الشرقاوي فيما يلي نصها:
(السيد رئيس تحرير (الشورى) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
تلبية لدعوتكم إلى مناقشة موضوع الشورى عند جيل الصحابة، ومساهمة في ممارسة الشورى والدخول في نادي (الشورى) أود ان أقول في البداية انني لم اقرأ نقدا موضوعيا هادئا لنظرية الشورى كما قرأته في المقال الموجز للشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) والمقتبس من كراسة له حول (الولاية).. ولست ادري فيما إذا كان ذلك هو رأيه الأخير أم ان له استدراكات أخرى على الموضوع
وعلى أي حال فقد شدتني فكرته القائلة بضرورة قيام الرسول بعملية توعية للامة والدعاة على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله. لو كان قد اتخذ منه موقفا إيجابيا، ولأعد المجتمع الإسلامي إعدادا فكريا وروحيا لتقبل هذا النظام، ولطرح فكرة الشورى على نطاق واسع وبعمق وبإعداد نفسي عام وملء لكل الثغرات وإبراز لكل التفاصيل التي تجعل الفكرة عملية، خاصة وان الشورى كفكرة ومفهوم غائم لا يمكن وضعه موضع التنفيذ ما لم تشرح تفاصيله ومقاييس التفضيل عند اختلاف الشورى وهل تقوم على أساس العدد والكم أم على أساس الكيف والخبرة.. وما إلى ذلك من الأسئلة والنقاط المهمة التي أثارها الشهيد الصدر، وقطع على ضوئها بعدم تبني الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لنظام الشورى، وعدم إسناد زعامة الأمة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام.
ومع ان الشهيد الصدر قد انتهى بعد إسقاط أو سقوط نظرية الشورى إلى طرح نظرية النص والتعيين وإعداد النبي للإمام علي من بعده لكي يتولى زعامة الأمة فكريا وسياسيا، إلا انني وقبل ان ادخل في مناقشة الموضوع أتساءل فيما إذا كانت هنالك ضرورة لان يسند النبي (صلى الله عليه وآله) زعامة الدعوة إلى أي قائد من بعده خاصة وانه خاتم النبيين وقد اكمل الله تعالى على يديه الدين وقال له: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).
وبكلمة أخرى.. لماذا نفترض ان النظام السياسي الذي أعقب مرحلة النبوة كان يجب ان يتمتع بهالة قدسية دينية أو ان يقوم بأدوار لإكمال الرسالة إلا يمكن ان يكون الرسول قد ترك وراءه نظاما سياسيا مدنياً وترك للمسلمين حرية اختيار النظام وتطويره حسب الزمان والمكان وإذا كان لابد ان يترك الرسول وراءه نظاما سياسيا يشكل امتدادا لخط النبوة وتتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية، وانه - كما يقول الصدر - قد اختار الإمام علي بن أبي طالب واعده إعدادا رساليا وقياديا، وعهد إليه زعامة الأمة من بعده فكريا وسياسيا، فان الاشكالات التي أخذها الصدر كلها ترد على هذه النظرية أيضا وبشكل أقوى.
ويمكن ان نعيد تكرار كل تلك الملاحظات والتساؤلات هنا مرة أخرى.. فتقول مثلا:
ان نظرية النص والتعيين فكرة غامضة وغائمة لا يكفي طرحها هكذا لعدم إمكانية وضعها موضع التنفيذ ما لم تشرح تفاصليها وبدقه، وهل تقتصر على شخص الإمام علي وحده ام تمتد إلى ما وراءه؟ وهل يوصي كل إمام لرجل من عامة المسلمين من بعده أم تنحصر في سلالة معينة ولماذا؟ وهل ان النص والتعيين لمرحلة زمنية معينة فقط أم أنها نظرية ممتدة إلى يوم القيامة؟ وإذا كانت الإمامة في سلالة الإمام علي فهل هي في ولد الحسن أو الحسين أو في أولادهما جميعا؟ وكيف تنتقل الإمامة من واحد إلى آخر؟ وكيف نعرف الإمام بعد الإمام وما هي علامات الإمامة؟
وهل أوصى الرسول بأسماء الأئمة من بعده إلى يوم القيامة وأعلن ذلك؟ وإذا كانت أسماء الأئمة قد حددت من قبل فماذا يعني البداء الذي حدث لعدد من الأئمة الذين أوصوا إلى بعض أبنائهم كالإمام الصادق الذي أوصى إلى إسماعيل والإمام الهادي الذي أوصى إلى ابنه محمد، فتوفوا قبل استلام مقاليد الإمامة؟
وإذا كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) قد بين كل هذه التفاصيل فلماذا لم تصل إلينا؟ وإذا كانت قد وصلت إلى الشيعة الأوائل فلماذا افترقوا خلال قرن من الزمان إلى اكثر من خمسين فرقة حيث كانوا يحتارون بعد وفاة كل إمام ويتشرذمون إلى عدة خطوط حسب عدد أولاد كل إمام؟
ولماذا كانت نظرية النص مجهولة عند أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يذكرها الإمام علي (عليه السلام) في مناظراته مع أصحاب الشورى عند انتخاب الخليفة الثالث عثمان بن عفان؟ ولماذا كانت نظرية النص غائبة عن أذهان الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين ذهبوا فور وفاة الرسول إلى السقيفة يتأولون أمر انتخاب خليفة للمسلمين، ولم يخطر ببالهم وجود بيعة في أعناقهم للإمام علي (عليه السلام) في غدير خم؟
نرجو ان توضحوا الفرق في النظريتين الشورى والإمامة، في العدد القادم من (الشورى) وتجيبوا على تلك الأسئلة المحيرة التي تقف عقبة امام الإيمان بنظرية النص، خاصة وان الشهيد الصدر لم يذكر مسألة استمرار الإمامة بعد الإمام علي (عليه السلام) ولم يخض في أي جانب من التفاصيل. وشكرا والسلام عليكم.
د. عبد السميع الشرقاوي / مانشستر)(٣٢١).
قضيتان في اسئلة الشرقاوي
اقول: ان أسئلة الدكتور الشرقاوي تدور حول قضيتين رئيسيتين:
الأولى: مبررات القول بفكرة النص ومبررات رفض فكرة الشورى.
الثانية: اشكالات حول فكرة النص من خلال اثارة عدة اسئلة حولها.
القضية الأولى:
اما مبررات القول بفكرة النص فقد وضحها الشهيد الصدر في كتابه (بحث حول الولاية) وهي بشكل مختصر كما يلي:
كان أمام النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثة طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة.
أولهما: الطريق السلبي وذلك بان يترك مستقبل الدعوة للظروف والصدف.
ثانيها: الطريق الإيجابي وذلك بان يجعل القيمومة على الدعوة للمهاجرين الأنصار.
ثالثها: ان يختار بأمر الله تعالى من يقوم مقامه.
الطريق الأول (الإهمال):
ثم ناقش الشهيد الصدر (رحمهم الله) الطريق الأول بأن سلط الضوء على الأخطار التي كانت تواجه التجربة الإسلامية الأولى.
سواء تلك التي تنشأ من وجود المنافقين اللذين كانوا يكيدون للنبي (صلى الله عليه وآله) في حياته إضافة إلى مسلمة الفتح والطلقاء الذين اسلموا خضوعا للأمر الواقع انفتاحا على الحقيقة.
أو تلك التي تنشا من عدم النضج الرسالي وتفاوت الفهم والذوبان بالإسلام عند المهاجرين والأنصار أو تلك التي تنشأ من طبيعة مواجهة الفراغ دون تخطيط مسبق وهو بنفسه ينطوي على خطر كبير فكيف إذا أضفنا إليه الأمرين السابقين.
ان افتراض الطريق الأول معناه ان النبي كان لا يشعر بتلك الأخطار، وهو أمر لا يمكن تصوره في حق قائد مارس العمل العقائدي فضلا عن خاتم الأنبياء، أو انه كان يشعر بذلك ويقدره إلا انه (صلى الله عليه وآله) لم يكن يهمه أمر سلامة المسيرة من بعده وهذا التفسير أيضا لا يمكن ان يصدق عليه (صلى الله عليه وآله) إذ ان سيرته (صلى الله عليه وآله) حافلة بشواهد كثيرة تدل على ضد ذلك، واهم هذه الشواهد ما أجمعت كتب الحديث عند السنة والشيعة على نقله هو قوله (صلى الله عليه وآله) وهو على فراش المرض: (هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده)(٣٢٢).
فان هذه المحاولة منه (صلى الله عليه وآله) المتفق على نقلها وصحتها تدل وبوضوح على انه (صلى الله عليه وآله) كان يفكر في أخطار المستقبل وانه كان معنيا بصيانة المسيرة بعده من الضلال والانحراف وبالتالي فان افتراض الطريق الأول غير صادق في حقه (صلى الله عليه وآله).
الطريق الثاني (الشورى):
وقد ناقش السيد الشهيد الطريق الثاني بقوله ان الوضع العام الثابت عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وجيل المهاجرين والأنصار ينفي فرضية ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد انتهج هذا الطريق.
إذ لو كان النبي (صلى الله عليه وآله) أراد ان يسند الأمر إلى جيل المهاجرين والأنصار دون حصرها بأهل بيته (عليهم السلام) لكان من أبده الأشياء التي يتطلبها هذا الموقف هو ان يقوم الرسول (صلى الله عليه وآله) بعملية توعية للأمة على نظام الشورى وتفاصيله وإعداد المجتمع الإسلامي لتقبل هذا النظام.
ولو كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد قام بتلك التوعية لكان من الطبيعي ان تنعكس في الأحاديث المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وفي ذهنية جيل المهاجرين والأنصار مع أننا لا نجد في الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أي صورة تشريعية محددة لنظام الشورى.
واما ذهنية المهاجرين والأنصار فلا نجد فيها ملامح أو انعكاسات كاشفة عن توعية من هذا القبيل فان هذا الجيل كان يحتوي على اتجاهين.
أحدهما: الاتجاه الذي يتزعمه أهل البيت (عليه السلام) وكان يؤمن بالوصية.
والآخر: الاتجاه الذي تمثله السقيفة والخلافة التي قامت فعلا بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، وكل الأرقام والشواهد في سيرة أصحاب هذا الاتجاه تدل بصورة لا تقبل الشك على انه لم يكن يؤمن بالشورى، إذ ان أبا بكر حين اشتد به المرض عهد إلى عمر وولاه على الأمة، وسار عمر على المنهج نفسه حين عين ستة يختارون من بينهم واحدا وكان يقول (لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى)(٣٢٣).
ولو كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد قرر ان يجعل من جيل المهاجرين والأنصار قيما على الدعوة من بعده، لتحتم عليه ان يعبئ هذا الجيل تعبئة رسالية وفكرية واسعة تجعله قادرا على مواجهة المشكلات الفكرية التي تواجهها الدعوة في حالة انفتاحها على شعوب متعددة وأراضي جديدة.
ولكننا لا نجد أثرا لذلك الإعداد، والمعروف عن الصحابة انهم كانوا يتحاشون من ابتداء النبي (صلى الله عليه وآله) بالسؤال، بل امسكوا عن تدوين آثار الرسول (صلى الله عليه وآله) وسننه على رغم أنها المصدر الثاني من مصادر الإسلام، وكون التدوين هو الأسلوب الوحيد لحفظه(٣٢٤).
وقد اثبتت الاحداث بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ان جيل المهاجرين والأنصار لم يكن يملك أي تعليمات محددة عن كثير من المشاكل الكبيرة، حتى ان المساحة الهائلة من الأرض التي امتد إليها الفتح الإسلامي لم يكن لدى الخليفة والوسط الذي يسنده أي تصور محدد عن حكمها الشرعي، وعما إذا كانت تقسم بين المقاتلين أو تجعل وقفا على المسلمين عموما، بل اختلفوا في عدد التكبيرات في صلاة الميت فبعضهم يقول سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكبر خمسا وآخر يقول سمعت يكبر أربعا.
الطريق الثالث (النص):
وهكذا اتضح ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يسلك الطريق الثاني أيضا.
وان إسناد القيادة والقيمومة إلى الأمة كان إجراءً مبكرا وقبل وقته الطبيعي فلم يبق إذن إلا الطريق الثالث وهو ان النبي (صلى الله عليه وآله) اعد بأمر الله تعالى عليا (عليه السلام) وعينه قيما على الرسالة والأمة وليس ما تواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله) من النصوص في أهل بيته (عليهم السلام) وفي علي إلا تعبيرا عن سلوكه (صلى الله عليه وآله) للطريق الثالث الذي كانت تفرضه وتدل عليه قبل ذلك طبيعة الأشياء.
والشواهد في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) على ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعد عليا (عليه السلام) إعداد رساليا خاصا كثيرة جدا، فقد كان يبدأه النبي (صلى الله عليه وآله) بالعطاء الفكري إذا استنفذ أسئلته، ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار يفتح عينه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق إلى آخر يوم من حياته الشريفة.
روى النسائي(٣٢٥) بسنده عن أبي اسحق قال سألت قثم بن العباس(كيف ورث علي (عليه السلام) رسول الله قال لانه كان أولنا به لحوقا واشدنا به لزوقا).
وروى أيضا(٣٢٦) عن علي (عليه السلام) قال كنت إذا سألت أعطيت وإذا سكت ابتديت.
وروى أبو نعيم في حلية الأولياء(٣٢٧) عن ابن عباس انه قال:كنا نتحدث ان النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إلى علي سبعين عهدا لم يعهدها إلى غيره).
وروى النسائي عن علي (عليه السلام) انه قال: (كانت لي منزلة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم تكن لأحد من الخلائق فكنت آتيه كل سحر فاقول السلام عليك يانبي الله فان تنحنح انصرفت إلى اهلي والا دخلت عليه)(٣٢٨).
وعنه أيضا قوله (عليه السلام): (كان لي من النبي مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار)(٣٢٩).
وقد انعكس هذا الإعداد الخاص لعلي (عليه السلام) من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) حين كان علي (عليه السلام) هو المفزع والمرجع لحل أي مشكلة يستعصي حلها على القيادة الحاكمة وقتئذ، ولا نعرف في تاريخ التجربة الإسلامية على عهد علي (عليه السلام) واقعة واحدة رجع فيها الإمام (عليه السلام) إلى غيره يتعرف على رأي الإسلام وطريقة علاجه للموقف، بينما نعرف في التاريخ عشرات الوقائع التي رجع فيها الخلفاء إلى علي (عليه السلام) رغم تحفظ اتهم في هذا الموضوع.
اما الشواهد على إعلان النبي (صلى الله عليه وآله) تخطيطه في علي وأهل بيته (عليهم السلام) فهي كثيرة وفي مناسبات متعددة كحديث الدار وحديث الثقلين وحديث المنزلة وحديث الغدير وعشرات النصوص النبوية الأخرى.
القضية الثانية:
اما الاشكالات على فكرة النص فهي من خلال الأسئلة الآتية مع اجوبتها:
السؤال الأول:
قوله (لماذا كانت نظرية النص مجهولة عند أهل البيت (عليهم السلام) ولم يذكرها الإمام علي (عليه السلام) في مناظراته مع أصحاب الشورى؟).
وهذا الإشكال صياغة أخرى للسؤال الذي أثاره الدكتور البغدادي وغيره (لو كان ثمة نص لاحتج به علي (عليه السلام)).
جوابه:
قد اجبنا عليه مفصلا في جواب الشبهة الحادية عشر (الفصل الثالث من هذا الكتاب وكذلك الفصل الخامس تحت عنوان (علي يتظلم من قريش)، وقلنا هناك ان عليا قد احتج بالنصوص.
السؤال الثاني:
قوله (لماذا كانت نظرية النص غائبة عن أذهان الصحابة الذين ذهبوا فور وفاة الرسول إلى السقيفة يتداولون أمر انتخاب خليفة للمسلمين؟).
وهو صياغة أخرى للسؤال الذي أثاره البغدادي (لو كان ثمة نص فالصحابة اكبر من ان يخالفوا).
جوابه:
قد اجبنا على هذا السؤال مفصلا في الفصل السابع من هذا الكتاب، وقلنا ان الصحابة قد تورطوا في مخالفة النص في اكثر من مورد وفصلنا في مخالفتهم للنص الوارد في شأن متعة الحج.
السؤال الثالث:
قوله (هل يقتصر النص على شخص الإمام علي (عليه السلام) وحده؟ أم يمتد إلى ما وراءه؟ وهل يوصي كل إمام لرجل من عامة المسلمين من بعده؟ أم تنحصر في سلالة معينة؟ ولماذا؟ وإذا كانت في سلالة الإمام علي فهل هي في ولد الحسن؟ أو أولاد الحسين؟ أو أولادهما جميعا؟.
جوابه:
لقد شخصت نظرية النص بوضوح كامل ان الأوصياء ينحصرون في علي والحسن ثم الحسين ثم في تسعة من ذرية الحسين (عليهم السلام) وان ذلك قد تم بأمر الله تعالى و(لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يَسْأَلُونَ)، وان هؤلاء الأوصياء ليسوا مجرد حكام بل منزلتهم منزلة الرسول في كل شيء إلا النبوة والأزواج كما حصر الله تعالى النبوة والرسالة من قبل في ذرية نوح ثم في ذرية إبراهيم ثم في آل عمران من بني إسرائيل وقد ذكرنا طرفا من الروايات الوارد في هذا الموضوع في الحلقة الاولى.
السؤال الرابع:
قوله (هل ان النص والتعيين لمرحلة زمنية معينة فقط؟ أم أنها نظرية ممتدة إلى يوم القيامة؟).
جوابه:
اجبنا عنه في الفصل الأول من هذه الحلقة.
السؤال الخامس:
قوله (هل أوصى الرسول بأسماء الأئمة من بعده إلى يوم القيامة وأعلن ذلك من قبل؟ أم ترك ذلك للمستقبل وأخفاه؟ وما هي المصادر الموثوقة التي تحدد ذلك؟ ولماذا لم تصل إلينا؟).
جوابه:
أجمعت المصادر الإسلامية على ان النبي (صلى الله عليه وآله) بلغ أمته ان عدد خلفائه من بعده اثنا عشر وانهم من قريش من بني هاشم من أهل بيته وقد أشرنا إلى مصادر الحديث في جواب الفصل الثامن الحلقة من الحلقة الأولى.
وقد عرَّف النبي (صلى الله عليه وآله) باسم أولهم وهو علي (عليه السلام) في مناسبات شتى كان آخرها مناسبة غدير خم امام مائة ألف أو يزيدون، وعرَّف أيضا باسم ثانيهم وثالثهم وهما الحسن والحسين (ع)، وأشار ان آخرهم المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بقية التسعة من ذرية الحسين (عليه السلام) وان المهدي (عليه السلام) من ذرية الحسين (عليه السلام).
روى الجويني عن عبد الله بن عباس قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنا سيد النبيين وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين وان أوصيائي من بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب واخرهم المهدي (عليه السلام).
وروى الجويني عن ابن عباس أيضا قال: (سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا وعلي الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون)(٣٣٠).
وقد حوصرت هذه الأحاديث ونظائرها من قبل السلطات الأموية والعباسية ومن هنا لم يصلنا في كتب العامة منها إلا النزر القليل.
اما في كتب الشيعة فقد وصلتنا أحاديث تذكر أسماءهم (عليه السلام) واشهرها ما روي عن سليم بن قيس وقد أشرنا إليه في الفصل الرابع والثامن من الحلقة الأولى.
السؤال السادس:
قوله (إذا كانت أسماء الأئمة قد حددت من قبل فماذا يعني البداء الذي حدث لعدد من الأئمة الذين أوصوا إلى بعض أبنائهم كالإمام الصادق (عليه السلام) الذي أوصى إلى إسماعيل والإمام الهادي الذي أوصى إلى ابنه محمد فتوفوا قبل استلام مقاليد الإمامة؟).
جوابه:
أشرنا إلى ذلك تفصيلا في الفصل السادس من الحلقة الأولى وقلنا هناك ان الإمام الصادق (عليه السلام) لم ينص على إمامة إسماعيل، وكذلك الإمام الهادي (عليه السلام) لم ينص على إمامة ولده محمد وان أمر الإمامة لا يوصف الله تعالى فيه بالبداء وعليه إجماع الإمامية كما ذكر ذلك الشيخ المفيد.
السؤال السابع:
قوله (وإذا وصلت أسماء الأئمة إلى الشيعة الأوائل فلماذا افترقوا خلال قرن من الزمان إلى اكثر من خمسين فرقة حيث كانوا يحتارون بعد وفاة كل إمام ويتشرذمون إلى عدة خطوط حسب عدد أولاد كل إمام؟).
جوابه:
خلاصة الجواب ان ذكر اسم الإمام اللاحق من الإمام السابق ليس معناه عصمة الشيعة من الاختلاف ألم ينص النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) امام مائة ألف أو يزيدون من المسلمين ثم جعل أكثرهم النص وراء ظهورهم.
روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع عن يونس بن عبد الرحمن قال: (مات أبو الحسن (عليه السلام) وليس من قوامه أحد إلا وعنده المال الكثير فكان ذلك سبب وقفهم وجحودهم لموته وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار)(٣٣١).
وروى الكشي في ترجمة منصور بن يونس عن حمدوية عن محمد بن الاصبغ عن إبراهيم عن عثمان بن القاسم: (ان منصور بن يونس بزرج جحد النص على الرضا (عليه السلام) لأموال كانت في يده)(٣٣٢).
وقال الشيخ الطوسي: (روى الثقات ان أول من اظهر هذا الاعتقاد (اي الموقف) علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسى الرواسي، طمعوا في الدنيا ومالوا إلى حكامها واستمالوا قوما فبذلوا لهم شيئا مما اختانوه من الأموال، نحو حمزة بن بزيع وابن المكاري(٣٣٣) وكرام الخثعمي(٣٣٤) وأمثالهم)(٣٣٥).
السؤال الثامن:
قوله (كيف نعرف الإمام بعد الإمام؟ وما هي علامات الإمامة؟).
جوابه:
أوضحت نظرية النص من خلال روايات عدة عن الأئمة (عليهم السلام) ان الإمام اللاحق يُعرَف بالنص من الإمام السابق وحين يدعي مدع الإمامة في قبال المنصوص عليه أو حين يخفى النص على البعض فهناك علامات ترشد إلى الواقع كما في الروايات التالية:
روى الكافي عن أبي بصير قال: (قلت لابي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك بم يعرف الإمام؟ قال فقال بخصال:
اما أولها فانه بشيء قد تقدم من أبيه فيه بإشارة لتكون عليهم حجة.
ويُسأل فيجيب، وان سُكِتَ عنه ابتدأ.
ويخبر بما في غد ويكلم الناس بكل لسان.
ثم قال لي: يا أبا محمد أعطيك علامة قبل ان تقوم، فلم البث ان دخل علينا رجل من أهل خراسان فكلمه الخراساني بالعربية فاجابه أبو الحسن (عليه السلام) بالفارسية فقال له الخراساني والله جعلت فداك ما منعني ان أكلمك بالخراسانية، غير أني ظننت انك لا تحسنها فقال: سبحان الله إذا كنت لا احسن أجيبك فما فضلي عليك.
ثم قال: يا أبا محمد ان الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه الروح فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام(٣٣٦).
شرح الرواية:
قوله (عليه السلام) (اما أولها فانه بشيء قد تقدم من أبيه فيه بإشارة منه إليه لتكون عليهم حجة).
يريد بهذا الشيء المتقدم من الامام الاب هو النص بالإمامة، أو يريد الوصية الظاهرة التي قد يشرك فيها معه آخرون وهذا الاخير هو الأرجح، لان النص بالإمامة لا يحتاج معه إلى شيء من العلامات الأخرى، ويدل على هذا الرجحان عدة روايات.
منها ما رواه الكليني في الكافي عن عبد الأعلى قال، قال الباقر (عليه السلام) يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره: هو أولى الناس بالذي قبله، وهو وصيه، وعنده سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله).. ثم دعا بشهود أربعة كتب وصيته إلى ولده جعفر (عليه السلام) وسأله جعفر عن علة الوصية فقال له (عليه السلام): اني كرهت ان تغلب وان يقال انه لم يوص فأردت ان تكون لك حجة فهو الذي إذا قدم الرجل البلد قال: من وصيُّ فلان قيل فلان قلت (أي عبد الأعلى) فان أشرك في الوصية قال تسألونه فانه سيبين لكم(٣٣٧).
ورواية الكليني أيضا عن هشام بن سالم قال:
(كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد الله (عليه السلام) أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر انه صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس عنده وذلك انهم رووا عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: ان الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة، فدخلنا عليه نسأله عما كنا نسأل عنه إياه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟
فقال: في مائتين خمسة.
فقلنا: ففي مائة؟
فقال: درهمان ونصف.
فقلنا: والله ما تقول المرجئة هذا.
قال: فرفع يده إلى السماء فقال: والله ما ادري ما تقول المرجئة.
قال: فخرجنا من عنده ضلالا لا ندري إلى أين نتوجه أنا وأبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى أين تتوجه ولا من نقصد ونقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى الزيدية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج، فنحن كذلك إذ رأيت رجلا شيخا اعرفه، يومي إليَّ بيده فخفت ان يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون إلى من اتفقت شيعة جعفر (عليه السلام) عليه، فيضربون عنقه، فخفت ان يكون منهم.
فقلت للأحول: تنح فإني خائف على نفسي وعليك، وانما يريدني لا يريدك، فتنح عني لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحّ غير بعيد وتبعت الشيخ وذلك اني ظننت اني لا اقدر على التخلص منه، فما زلت اتبعه وقد عزمت على الموت حتى ورد بي على باب أبي الحسن (عليه السلام) ثم خلاني ومضى.
فإذا خادم بالباب فقال لي: ادخل رحمك الله، فدخلت فإذا أبو الحسن موسى (عليه السلام) فقال لي ابتداء منه:
لا إلى المرجئة ولا إلى القدرية ولا إلى الزيدية ولا إلى المعتزلة ولا إلى الخوارج إليَّ إليَّ.
فقلت جعلت فداك مضى أبوك؟
قال: نعم.
قلت: مضى موتا؟
قال نعم.
قلت: فمن لنا من بعده.
فقال: ان شاء الله ان يهديك هداك.
قلت جعلت فداك ان عبد الله يزعم انه من بعد أبيه؟
قال: يريد عبد الله ان لا يعبد الله.
قال: قلت: جعلت فداك فأنت هو؟
قال: لا ما أقول ذلك(٣٣٨).
قال: فقلت في نفسي لم اصب طريق المسالة.
ثم قلت له: جعلت فداك عليك إمام؟
قال: لا.
فداخلني شيء لا يعلم إلا الله عز وجل إعظاما له وهيبة اكثر مما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه، ثم قلت له: جعلت فداك أسألك عما كنت اسأل أباك؟
فقال: سل تخبر ولا تذع فان أذعت فهو الذبح.
فسألته، فإذا هو بحر لا ينزف.
قلت: جعلت فداك شيعتك وشيعة أبيك ضلال، فألقي إليهم وأدعوهم إليك، وقد أخذت عليَّ الكتمان؟
قال: من أنست منه رشدا فالق إليه وخذ عليه الكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح - وأشار بيده إلى حلقه -.
قال: فخرجت من عنده فلقيت أبا جعفر الأحول.
فقال لي: ما وراءك؟
قلت: الهدى، فحدثته بالقصة.
قال: ثم لقينا الفضيل وأبا بصير، فدخلا عليه وسمعا كلامه وساءلاه وقطعا عليه بالإمامة.
ثم لقينا الناس أفواجا، فكل من دخل عليه قطع، إلا طائفة عمار(٣٣٩) وأصحابه، وبقي عبد الله لا يدخل إليه إلا قليل من الناس.
فلما رأى ذلك قال: ما حال الناس؟ فاخبر ان هشاما صد عنك الناس قال هشام: فاقعد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني(٣٤٠).
ورواية الكليني ايضا عن محمد بن أبي نصر قال: (قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إذا مات الإمام بم يعرف الذي بعده؟ فقال: للإمام علامات منها ان يكون اكبر ولد أبيه، ويكون فيه الفضل والوصية، ويقدم الركب فيقول إلى من أوصى فلان فيقال إلى فلان.، والسلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل، وتكون الإمامة مع السلاح حيثما كان(٣٤١).
قوله (عليه السلام) (ان يكون اكبر ولد أبيه).
قال المجلسي (رحمهم الله): (ان هذه العلامة بعد الحسين (عليه السلام) ومع ذلك مقيدة بما إذا لم يكن في الكبير عاهة، أي بدنية فان الإمام مبرأ من نقص في الخلقة يوجب شينه، أو دينية كعبد الله الافطح فانه كان بعد أبي عبد الله (عليه السلام) اكبر ولده لكن كان فيه عاهتان الأولى انه افطح الرجلين أي عريضهما، والثاني انه كان جاهلا بل قيل فاسد المذهب، قال المفيد في الإرشاد (وكان أي الافطح متهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد ويقال انه كان يخالط الحشوية ويميل إلى مذاهب المرجئة)(٣٤٢).
اقول: وهذه العلامة (أي كون الامام اكبر ولد ابيه) لا تكون بعد الرضا (عليه السلام) مقيدة بالقيد الذي اشار اليه الصادق (عليه السلام) ومن هنا فأن الرضا (عليه السلام) لم يذكره في حديثه لانه يتحدث عن علامة الامام من بعده.
وقوله (عليه السلام) (ويكون فيه الفضل).
أي يكون أشبه أولاد أبيه بسيرته كما في رواية الكليني عن عبد الأعلى قال لأبي عبد الله (عليه السلام): (المتوثب على هذا الأمر المدعي له ما الحجة عليه؟ قال يسأل عن الحلال والحرام، قال ثم اقبل علي فقال: ثلاثة من الحجة لم تجتمع في أحد إلا كان صاحب هذا الأمر:
ان يكون أولى الناس بمن كان قبله.
ويكون عنده السلاح.
ويكون صاحب الوصية الظاهرة(٣٤٣) التي إذا قدمت المدينة سألت عنها العامة والصبيان إلى من أوصى فلان فيقولون إلى فلان بن فلان)(٣٤٤).
وروايته أيضا عن هشام بن سالم وحفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قيل له بأي شيء يعرف الإمام؟ قال: بالوصية الظاهرة، وبالفضل، ان الإمام لا يستطيع أحد ان يطعن عليه في فم ولا بطن ولا فرج فيقال كذاب ويأكل أموال الناس وما أشبه هذا)(٣٤٥).
وروايته ايضا الكليني أيضا عن احمد بن عمر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: (سألته عن الدلالة على صاحب هذا الأمر؟ فقال: الدلالة عليه الكبر، والفضل، والوصية إذا قدم الركب المدينة فقالوا إلى من أوصى فلان قيل فلان بن فلان، ودوروا مع السلاح حيثما دار فأما المسائل فليس فيها حجة)(٣٤٦).
وقوله (عليه السلام): (ودوروا مع السلاح حيثما دار) لعله إشارة إلى الولد الأكبر الذي يحبى بسلاح أبيه بعد وفاته(٣٤٧). وهذه العلامة كانت مقيدة بعد الصادق (عليه السلام) بقوله (الأكبر ما لم تكن به عاهة) إلا أنها صارت مطلقة بعد الرضا (عليه السلام).
قوله (عليه السلام) (فأما المسائل فليس فيها حجة) قال المجلسي (رضي الله عنه): (أي للعوام وذلك لان هذه العلامة إنما هي للعلماء والخواص)(٣٤٨).
قوله (عليه السلام) (ويخبر بما في غد ويكلم الناس بكل لسان.. ان الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه روح فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام).
ان هذا القول يشير إلى انهم (عليه السلام) قد أيدهم الله تعالى بما أيد به أنبياءه ورسله من خوارق العادات يظهر ذلك منهم على قدر ما يفتح الطريق لهداية الأفراد كما وردت الأخبار الكثيرة بذلك أو لهداية المجتمع ككل كما يحصل من المهدي (عليه السلام) عند ظهوره إذ ان تشخيص كونه محمد بن الحسن العسكري المولود سنه ٢٥٥ هجـ بحاجة إلى معاجز تظهر على يديه وبغير ذلك فان الطريق يبقى مفتوحا لكل مدع للمهدوية.

الحلقة الثالثة: الرد على موارد من كتاب احمد الكاتب
المقدمة

وبعد فهذه الحلقة الثالثة من (شبهات وردود) وقد كرستها للرد على الجزء الاول من كتاب احمد الكاتب الذي طبع مؤخراً باسم (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى... الى ولاية الفقيه).
وهو ثلاثة اجزاء في مجلد واحد يبطل بزعمه في الجزء الاول نظرية الامامة الالهية وينكر في الجزء الثاني ولادة المهدي (عليه السلام) وينفي في الجزء الثالث مسألة ولاية الفقيه وقضايا اخرى.
وقد نهجنا في الرد عليه النهج الذي نهجناه في الحلقتين السابقتين وهو ان نقتطع فقرة تامة المعنى من كلماته ثم نرد عليها.
ان الانطباع العام الذي خرجنا به عند مطالعتنا للكتاب باجزائه الثلاثة هو ان الاستاذ الكاتب قد خلط بين قضيتين ترتبطان بأهل البيت (عليهم السلام).
الاولى: قضية كونهم قد نصبهم الرسول (صلى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى شهداء على الناس وائمة هدى مطهرين يؤخذ بقولهم وفعلهم وتقريرهم وحفظة للشريعة وانهم في هذا الموقع امتداد للرسول (صلى الله عليه وآله) الا انهم ليسوا بأنبياء وانهم اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل، وان الثاني عشر منهم صاحب العمر الطويل كنوح، وصاحب الغيبتين(٣٤٩) كعيسى، وانه صاحب الوعد الالهي الذي بشرت به الانبياء وهذه القضية لا مجال لغير النص او النص والمعجز فيها.
الثانية: قضية كونهم في زمانهم اولى الناس بالحكم وان هذه الاولوية اولوية اختصاص بمعنى انه لا يجوز لغيرهم التصدي لذلك الا بإذنهم، وانهم قد اذنوا للفقهاء من حملة علومهم ان يمارسوا ذلك في زمان الغيبة، وهذه القضية لا مجال فيها ايضا لغير النص ولكن فرقها عن القضية الاولى ان للامة هنا دور ومشاركة في الحكم من جهة ان الامة لها الدور الاساسي في تمكين المنصوص عليه ليقيم الحكم في المجتمع على اساس الكتاب والسنة وان الحاكم حتى لو كان نبيا او وصيا يأخذ برأي الامة في القضايا التنفيذية العامة وقد بيََّن علماء كبار امثال الشهيد الصدر (رحمهم الله) ذلك(٣٥٠) وفي ضوء ذلك فانه في هذه الزاوية لا تعارض بين النص والشورى، حيث يضطلع النص بتشخيص من له حق الحكم وتضطلع الامة بنصرة المنصوص عليه والبيعة له والمشورة عليه في القضايا التنفيذية العامة بالحدود التي بينتها سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) واستنبطها الفقهاء.
وليس من شك ان القضية الاولى قضية عقائدية دلت عليها نصوص القرآن والسنة وتكون الامامة المعروضة لاهل البيت (عليهم السلام) فيها نظير امامة ابراهيم (عليه السلام)، حيث حصرت في ذريته وفي عدد محدد منهم وهم الذين طهرهم الله تعالى، ونظير الامامة في ذرية هارون حيث حصرت فى ذريته وكون الائمة المتأخرين منهم بعضهم اضطلع بموقع الامامة والشهادة على الناس وهو صبي دون العاشرة وهو يحيى (عليه السلام)، وبعضهم اضطلع بموقع الحجة على الناس وهو دون ذلك كعيسى (عليه السلام) صاحب الغيبتين والظهور في آخر الزمان، كذلك الحال في امامة النبي (صلى الله عليه وآله) حيث حصرت في عدد محدود من اسرته وكون الائمة المتأخرين منهم نظراء ليحيى وعيسى (عليه السلام) في صغر السن والغيبة والظهور آخر الزمان.
اما القضية الثانية فهي قضية فقهية الا فيما يرتبط بانحصار حق الحكم بالاثني عشر (عليهم السلام) فانها من لواحق المسألة العقائدية اما ما عدى ذلك من قبيل ما هي حدود القضايا العامة التي يأخذ المعصوم الحاكم فيها برأي الامة؟ وما هي شروط انعقاد البيعة على الحكم او الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واسقاط الحكومة الظالمة؟ وغير ذلك فهي مسائل فقهية تستنبط من سيرة المعصوم.
لقد خلط الاستاذ الكاتب بين هاتين القضيتين كما خلط اغلب علماء السنة فى ذلك، واعتبر المسألة التي ترتبط بأهل البيت (عليهم السلام) ورفع شعارها الشيعة انما هي القضية الثانية ومن هنا جاءت اشكالاته واشكالات غيره حول تحديد الائمة بعدد معين، وكيف يكون الجواد والهادي والمهدي (عليهم السلام) ائمة وهم دون العاشرة؟ او كيف تحصر باسرة معينة؟ وغير ذلك.
والى جانب قضية الخلط هذه وهي قضية مركزية في الكتاب باجزائه الثلاثة هناك ظواهر اخرى من قبيل:
ظاهرة الخطأ في فهم بعض الروايات وكلمات الاقدمين من علماء الشيعة.
وظاهرة الاشتباه بالرواية العامية التي توجد في الكتاب الشيعي على انها رواية شيعية وقد اوردها المؤلف الشيعي كالسيد المرتضى رحمه الله في كتابه الشافي للرََّد عليها لا على انه يعتقد بها.
وظاهرة استغفال القارئ بايراد روايات دون الاشارة الى ما يعارضها من روايات اخرى.
وظاهرة بتر النص وايراد ما يؤيد مدعاه.
وغير ذلك مما نبهنا عليه في الحلقتين الماضيتين وفي هذه الحلقة القائمة بين يديك ايها القارئ الكريم، أرجو ان تحقق غرضها في الانتصار لمذهب اهل البيت وارجو ان يجعلها ذخراً وزاداً يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم.

سامي البدري
قم / ١٤ رجب /١٤١٨ هجـ.

الفصل الأول: موارد من الكتاب والرد عليها

المورد الأول: علي (عليه السلام) خليفة النبي (صلى الله عليه وآله)
قال: تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى وهو من ابرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري ان عليا (عليه السلام) والعباس (رضي الله عنه) دخلا على النبي (صلى الله عليه وآله) وسألاه ان يستخلف فقال لا...
أقول: الرواية التي ذكرها المرتضى ليست من تراث الشيعة وانما نقلها عن القاضي عبد الجبار للرد عليها!!!
نص الشبهة
قال: (وبالرغم مما يذكر الإماميون من نصوص حول تعيين النبي (صلى الله عليه وآله) للإمام علي بن ابي طالب كخليفة من بعده، إلا ان تراثهم يحفل بنصوص أخرى تؤكد التزام الرسول الأعظم وأهل البيت بمبدأ الشورى وحق الأمة في انتخاب أئمتها.
تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى - وهو من ابرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري - ان العباس بن عبد المطلب خاطب أمير المؤمنين في مرض النبي (صلى الله عليه وآله) ان يسأله عن القائم بالأمر بعده، فان كان لنا بينه وان كان لغيرنا وصى بنا. وان أمير المؤمنين قال: "دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين ثقل، فقلنا: يا رسول الله.. استخلف علينا، فقال: لا، إني أخاف ان تتفرقوا عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون، ولكن ان علم الله في قلوبكم خيرا اختار لكم".
و يقول الكليني في (الكافي) نقلا عن الإمام جعفر بن محمد الصادق: انه لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة دعا العباس بن عبد المطلب وامير المؤمنين فقال للعباس:، يا عم محمد.. تأخذ تراث محمد وتقضي دينه وتنجز عداته؟.. فرد عليه فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني شيخ كبير كثير العيال قليل المال من يطيقك وأنت تباري الريح. قال فاطرق هنيهة ثم قال: يا عباس أتأخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقض دينه؟.. فقال كرر كلامه.. قال: أما إني سأعطيها من يأخذها بحقها. ثم قال: يا علي يا أخا محمد أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه؟.. فقال: نعم بأبي أنت وأمي ذاك عليَّ ولي.
وهذه الوصية، كما هو ملاحظ وصية عادية شخصية آنية، لا علاقة لها بالسياسة والإمامة، والخلافة الدينية، وقد عرضها الرسول في البداية على العباس بن عبد المطلب، فأشفق منها، وتحملها الإمام أمير المؤمنين طواعية. وهناك وصية أخرى نقلها الشيخ المفيد في بعض كتبه عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) تقول ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أوصى بها إليه قبل وفاته، وهي أيضا وصية أخلاقية روحية عامة، وتتعلق بالنظر في الوقوف والصدقات. واذا القينا بنظرة على هذه الروايات التي يذكرها أقطاب الشيعة الإمامية كالكليني والمفيد والمرتضى، فإننا نرى إنها تكشف عن عدم وصية رسول الله للإمام علي بالخلافة والإمامة، وترك الأمر شورى)(٣٥١).
الرد على الشبة
أقول: أما الرواية التي نسبها إلى الشريف المرتضى فهي مما أورده في كتابه الشافي ج٣/٩١ كجزء من كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه (المغنى) الذي أورد عدة روايات تنفي ان يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد أوصى لعلي أو ان علياً (عليه السلام) قد أوصى للحسن (عليه السلام) وعقب عليها المرتضى (رحمهم الله) بقوله:
(والاخبار التي ادعاها (صاحب المغنى) لم تنقل الا من جهة واحدة (أي جهة أهل السنة) وجميع شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) على اختلاف مذاهبهم يدفعها وينكرها ويكذب رواتها فضلا عن ان ينقلها ولا شيء منها الا ومتى فتشت عن ناقله واصله وجدته صادراً عن متعصب مشهور الانحراف عن أهل البيت (عليهم السلام) والاعراض عنهم)(٣٥٢).
وفي ضوء ذلك يتضح ان هذه الرواية ليست من تراث الشيعة وان الشريف المرتضى حين أوردها لم يكن مصدقاً بها بل رادا عليها فهل حقا غفل الاستاذ الكاتب عن ذلك؟
اما رواية الكليني فهي رواية ضعيفة ومعارضة لروايات كثيرة جداً في الكافي نفسه تؤكد انََّ عليا وارث تراث محمد (صلى الله عليه وآله) قبل حادثة وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).
اما رواية الشيخ المفيد في اماليه /المجلس السادس والعشرون/ ص ٢٢٠-٢٢١ فهي وصية أخلاقية عامة من النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) ومن علي لولده الحسن وليس معنى ذلك عدم وجود وصية أخرى في موضوع آخر فلا تعارض بينهما أصلا.
لقد كان ينبغي على (الاستاذ الكاتب) ان يبحث المسألة بحثاً علميا فيورد كل روايات الوصية في المصادر الشيعية والسنية ويناقشها مناقشة علمية سندا ودلالة أما ان يكتفي بما ذكر ليقول بعده (وإذا القينا نظرة على هذه الروايات التي يذكرها اقطاب الشيعة الامامية كالكليني والمفيد والمرتضى فاننا نرى انها تكشف عن عدم وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) للامام علي بالخلافة والامامة.. وترك الأمر شورى)فهو مما لا يرتضيه منه قارئ يحترم عقله ووقته.
والى القارئ الكريم نموذج من روايات الوصية التي ذكرها المفسرون والمؤرخون والمحدثون.
روى الطبري في تفسير قوله تعالى (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ) الشعراء/٢١٤ عن ابن حميد قال (ثنا سلمة قال: ثني محمد بن اسحق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب عن عبد الله بن عباس عن علي بن ابي طالب قال:
لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله فقال لى: يا علي ان الله امرني ان انذر عشيرتي الأقربين، قال: فضقت بذلك ذرعاً،وعرفت اني متى ما أُبادِهُّم بهذا الامر أرَ منهم ما اكره فَصَمَتُُّ، حتى جاء جبرئيل فقال: يا محمد، انك الا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عساً من لبن ثم اجمع بني عبد المطلب حتى اكلمهم، وابلغهم ما امرت به، ففعلت ما امرني به، ثم دعوتهم له وهم يومئذ اربعون رجلاً يزيدون رجلاً او ينقصونه، فيهم اعمامه ابو طالب وحمزة والعباس وابو لهب فلما اجتمعوا اليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله (عليه السلام) حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم القاها في نواحي الصحفة، وقال: خذوا باسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وما ارى الا مواضع ايديهم، وايم الله الذي نفس علي بيده، ان كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: اسق الناس، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعاً وايم الله ان كان الرجل الواحد منم ليشرب مثله، فلما اراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يكلمهم، بدره ابو لهب الى الكلام فقال لشد ما سحركم به صاحبكم، فتفرق القوم، ولم يكلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال من الغد: يا علي، ان هذا الرجل قد سبقني الى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل ان اكلمهم، فعد لنا من الطعام مثل الذي صنعت، ثم اجمعهم لي، قال، ففعلت، ثم جمعتهم،ثم دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالامس، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة، قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعاً.
ثم تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطلب، اني والله ما اعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به. اني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد امرني الله ان أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني
على هذا الامر على ان يكون اخي وكذا وكذا.
قال فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت واني لاحدثهم سناً، وارمصهم عيناً، واعظمهم بطناً، واحمشهم ساقاً انا يا نبي الله انا اكون وزيرك.
فأخذ برقبتي ثم قال: ان هذا اخي وكذا وكذا فاسمعوا له واطيعوا.
قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لابي طالب قد امرك ان تسمع لابنك وتطيع)(٣٥٣).
اقول:
قوله (كذا وكذا) في الموردين حذف لأصل الكلام من النساخ الاوائل كما يظهر من رواية الطبري الآتية حيث أوردها في تاريخه بالسند نفسه وفيها (على ان يكون اخي ووصيي وخلفيتي فيكم) (ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم)(٣٥٤).
ورواها ابن عساكر بسنده إلى نصر بن سليمان قال انبأنا محمد بن اسحق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الله بن عباس عن علي بن ابي طالب (عليه السلام) وفيها (فايكم يؤازرني على هذا الامر على ان يكون اخي ووصيي وخليفتي فيكم)(٣٥٥).
ورواها ابن كثير في تفسيره عن ابن جرير الطبري وفيها (على ان يكون اخي وكذا وكذا) في الموردين.
ثم علق عليها ابن كثير بقوله: (تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم ابي مريم وهو متروك كذاب شيعي اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث)(٣٥٦).
اقول: وعبد الغفار بن القاسم كنيته ابو مريم الانصاري النجاري عداده في اهل الكوفة يروي عنه شعبة والكوفيون وقد اتهموه ايضا بشرب الخمر كما اتهموا السيد الحميري الشاعر المعروف بولائه لأهل البيت بذلك.
والسر في ذلك هو روايته لهذا الحديث ونظائره في فضائل علي (عليه السلام)، وروايته في مثالب عثمان.
قال احمد بن حنبل: (كان ابو مريم يحدث ببلايا في عثمان)(٣٥٧).
قال ابن حبان: (وكان ممن يروي المثالب في عثمان بن عفان)(٣٥٨).
وقال الدار قطنى: (متروك، وهو شيخ شعبة اثنى عليه شعبة وخفي على شعبة امره)(٣٥٩).
ونُقِلَ عن شعبة قوله: (لم أَرَ احفظ منه).
قال الذهبي: (بقي الى قريب الستين ومائة وكان ذا اعتناء بالعلم والرجال وقد اخذ عنه شعبة ولما تبيََّن له انه ليس بثقة تركه)(٣٦٠).
اقول: أي اخذ عنه شعبة وتعلم منه لماعندما لم يكن يحدث ببلايا عن عثمان فلما حدث بها تركه كما يظهر من قول ابن المديني الاتي.
قال علي ابن المديني: (وكان لشعبة (في عبد الغفار) رأيٌ وتعلََّمَ منه زعموا توقيف الرجال ثم ظهر منه رأي رديء في الرفض فترك حديثه)(٣٦١).
وقال ابن عدى: (وسمعت احمد بن محمد بن سعيد (ابن عقدة)(٣٦٢) (تـ ٣٣٢) يثني على ابي مريم ويطريه وتجاوز الحد في مدحه حتى قال: لو انتشر علم ابي مريم وخرج حديثه لم يحتج الناس الى شعبة)(٣٦٣).
وقد فات ابن كثير ان قريباً من سياق حديث الطبري قد رواه احمد بن حنبل في مسنده ج١/١٥٩ بسند آخر من غير طريق عبد الغفار قال احمد حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا ابو عوانة عن عثمان بن المغيرة عن ابي صادق عن ربيعة بن ناجذ عن علي (عليه السلام) وفيها (ويكون اخي وصاحبي ووارثي).
وروى احمد في مسنده ١/١١١ بسند آخر قال: حدثنا اسود بن عامر قال حدثنا شريك عن الاعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله الاسلامي عن علي (عليه السلام) وفيها (ويكون خليفتي).
وقد رواها قريباً من هذا السياق ايضاً ابو الحسن الثعلبي في تفسيره بسنده عن الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدثنا موسى بن محمد حدثنا الحسن بن علي بن شعيب العمري حدثنا عباد بن يعقوب حدثنا علي بن هاشم عن صباح بن يحيى المزني عن زكريا بن ميسرة عن ابي اسحق عن البراء بن عازب.
ورواها ايضا قريباً من هذا السياق الثعلبي في تفسيره وابن عساكرفي تاريخ دمشق بسندهما عن ابي رافع.
اقول: وقد يشكل بعد الاذعان بصحتها بانها معارضة بما رواه الطبري واحمد واصحاب الصحاح عن عائشة وابن عباس وابي هريرة من انه لما نزل قوله تعالى (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ). واللفظ لاحمد (دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قريشاً فعمََّ وخص فقال يا معشر قريش انقذوا انفسكم من النار يا معشر بني كعب انقذوا انفسكم من النار يا معشر بني عبد مناف انقذوا انفسكم من النار يا معشر بني هاشم انقذوا انفسكم من النار يا بني عبد المطلب انقذوا انفسكم من النار يا فاطمة بنت محمد انقذي نفسك من الله فاني والله لا املك لكم من الله شيئا، الا ان لكم رحما سأبلها ببلالها) (المسند ٢/٣٦٠).
ويرد عليه ان عائشة وابن عباس كانا طفلين في ذلك الوقت او لم يكونا قد ولدا بعد اما ابو هريرة فلم يكن قد اسلم انذاك وكان في اليمن فلم يكن اذن من شهود الواقعة بخلاف علي (عليه السلام) حيث شهدها وجرت على يديه ورواها عنه ابن عباس وعباد بن عبيد الله الاسديوربيعة بن ناجذ والبراء بن عازب وابو رافع وابنه عبيد الله الذي كان كاتبا لعلي (عليه السلام).
هذا مضافاً الى ان لفظ العشيرة على فرض التسليم بانه مشترك بين بني الاب الادنين او القبيلة فان لفظة (الاقربين) قرينة صريحة في ارادة معنى بني الاب الادنين وهم بنو هاشم دون قريش ومما يؤكد هذا ما رواه البخاري عن جبير بن مطعم قال: (مشينا وعثمان بن عفان الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلنا يا رسول الله اعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) انما بنو المطلبوبنو هاشم شيء واحد)، ويؤكد ذلك ما ذكروه ايضا في (ذوي القربى) انه لفظ عام خُصَّ ببني هاشم والمطلب(٣٦٤).
اقول: مضافا الى ذلك فإن قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي في هذه المناسبة انه اخوه ووصيه وصاحبه ووارثه ووزيره وخليفته تصدقه احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) الاخرى كحديث المؤاخاة حيث اخى النبي (صلى الله عليه وآله) بينه وبين علي فقال له: (انت اخي في الدنيا والاخرة)، وقال له: (انت اخي وصاحبي)، وان عليا كان يقول: (والله اني لأخو رسول الله ووليه). ويقول: (انا عبد الله وأخو رسوله لم يقلها قبلي ولا يقولها احد بعدي الا كذاب مفتر)(٣٦٥).
وحديث المنزلة حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: (انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي) رواه البخاري وغيره، وهذا الحديث من اقوى الشواهد على صدق ما روي عن علي (عليه السلام) في قصة الانذار.
والقرآن يقول عن موسى: (وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي... قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَك يَا مُوسَى) طه/٢٩-٣٦.
وقد كان هذا قبل مجيء موسى الى مصر واجتماعه بأهل بيته فلما قدم مصر واجتمع معهم ابلغهم شأن هارون وموقعه من رسالته وانه نبي ووزير وخليفة ووصي.
ولما كان موقع علي (عليه السلام) من محمد (صلى الله عليه وآله) ورسالته كموقع هارون من موسى ورسالته الا ان عليا لم يكن نبيا، فقد شاءت الحكمة الإلهية ان يكون انذار محمد (صلى الله عليه وآله) لعشيرته الاقربين شبيها بانذار موسى لعشيرته الاقربين.
ففي القرآن الكريم قوله تعالى (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِْ) الأحقاف/١٠ والضمير في (مثله) يعود الى الشاهد من بني اسرائيل وهو موسى.
وفي التوراة في سفر التثنية الإصحاح ١٨ الفقرات ١٥-٢٢ (يقيم لك الرب من اقرباء اخيك نبياً مثلي) (سأقيم لهم من اقرباء اخيهم نبيا مثلك واضع كلامي في فمه لكي يبلغهم جميع ما امره به).
وفي القرآن الكريم (إِنََّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً) المزمل/١٥.
ان هذه المثلية بين محمد (صلى الله عليه وآله) وموسى (عليه السلام) قد تحققت بشكلها الكامل من خلال قصة انذار العشيرة وابلاغ الناس ان لمحمد (صلى الله عليه وآله) منذ البدء وزيراً وخليفة وهو اخوه علي كما ان لموسى وزيراً وخليفة هو اخوه هارون، ولم يعرض القرآن الكريم في قصص انبيائه نبيا له وزير كموسى من هذه الناحية.
وقد اقترن شخص محمد (صلى الله عليه وآله) بشخص علي لدى قريش في العهد المكي فضلا عن العهد المدني روى ابن الأثير في اسد الغابة (ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي ليلة الهجرة: ان قريشا لم يفقدوني ما رأوك، فلما أصبح ورأوا عليا قالوا: لو خرج محمد لخرج بعلي معه)(٣٦٦).
وقد بلغ موسى ووزيره هارون الرسالة الى فرعون وتحمل موسى وهارون من فرعون ومن قومهما ما تحملا وقد جعل الله الامامة من بعد موسى في ذرية هارون.
وقال تعالى: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمََّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، وَقَطََّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) الاعراف / ١٥٩ -١٦٠.
وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) المائدة/١٢.
وكذلك بلََّغ محمد (صلى الله عليه وآله) ووزيره عليٌ الرسالة الى قريش ومن آمن منهم ومن غيرهم وتحملا من قومهما ما تحملا، وقد جعل الله الامامة من بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في ذرية علي وقال تعالى: (وَمِمََّنْ خَلَقْنَا أُمََّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) الأعراف/١٨١ وقد ذكر المفسرون ان هذه الاية في امة محمد (صلى الله عليه وآله) وقال تعالى: (ثُمََّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الََّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِك هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ) فاطر/٣٢ وقد تظافرت الروايات عن اهل البيت (عليهم السلام) انهم هم الذي اورثهم الله الكتاب وعلومه وجعلهم سابقين بالخيرات باذن الله أي جعلهم ائمة هدى للناس(٣٦٧).
وقد تظافرت الروايات من اهل السنة والشيعة ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (ان الأئمة من بعده اثنا عشر عدتهم عدة نقباء بني اسرائيل)(٣٦٨).
اما صفة علي كوصي للنبي (صلى الله عليه وآله) الواردة في حديث الانذار فقد تكررت منه (صلى الله عليه وآله) في مناسبات عدة منها جوابه (صلى الله عليه وآله) لسلمان لما سأله عن وصيه اجابه ان وصيي علي (عليه السلام) (٣٦٩).
ومنها ما رواه ابن حبان بسنده عن خالد بن عبيد الله العتكي من اهل البصرة سكن مرو عن انس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله) (هذا (علي) وصيي وموضع سري وخير من اترك بعدي)(٣٧٠).
وقد عُرِفَت عن علي (عليه السلام) هذه الصفة واشتهرت له حتى صارت مختصة به فاذا قيل الوصي انصرف الذهن الى علي (عليه السلام) وقد نظمها الشعراء منذ صدر الاسلام والى اليوم.
قال ابن ابي الحديد: (ومما رويناه من الشعر القول في صدر الاسلام المتضمن كونه (عليه السلام) وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول عبد الله بن ابي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:

ومنا علي ذاك صاحب خيبر* * * وصاحب بدر يوم سالت كتائبه
وصي النبي المصطفى وابن عمه * * * فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه

وقال ابو الهيثم بن التيهان وكان بدريا:

ان الوصي امامنا وولينا * * * برح الخفاء وباحت الاسرار

الى غيرها مما نقله عن كتاب وقعة الجمل، لابي مخنف ثم علق عليها ابن ابي الحديد قائلا: ذكر هذه الاشعار والاراجيز باجمعها ابو مخنف لوط بن يحيى في كتاب وقعة الجمل، وابو مخنف من المحدِّثين وممن يرى صحة الامامة بالاختيار وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها.
ثم ذكر ابن ابي الحديد نماذج اخرى من اشعار صفين تتضمن تسميته (عليه السلام) بالوصي مما ذكره ابن مزاحم ثم قال ابن ابي الحديد: والاشعار التي تتضمن هذه اللفظة كثيرة جداً ولكنا ذكرنا منها ها هنا بعض ما قيل فاما ما عداها فانه يجل عن الحصر ويعظم عن الاحصاء والعد ولولا خوف الملالة والاضجار لذكرنا من ذلك ما يملأ اوراقا كثيرة)(٣٧١).
ومن الطريف ان الاستاذ الكاتب فى الوقت الذي يجعل من وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) وصية شخصية وعادية يستشهد برسالة محمد بن عبد الله بن الحسن الى ابي جعفر المنصور فيذكر قوله (فان الحق حقناوانما ادعيتم هذا الامر بنا، وخرجتم له بشيعتنا وحضيتم بفضلنا وان ابانا علي كان الوصي وكان الامام فكيف ورثتم ولايته وولده احياء؟) الكتاب ص ٣٥.
وليس من شك ان هذه الوصية التي يذكرها محمد بن عبد الله بن الحسن هنا ليست وصية عادية اذ لو كانت كذلك فلا مزية فيها خاصة لعلي وهو فى مقام الاحتجاج على المنصور بان الحق حقهم، وقوله (ان ابانا علي كان الوصي وكان الامام فكيف ورثتم ولايته وولده احياء؟) صريح في ان هذه الوصية ذات جنبة سياسية ترتبط بولاية الحكم.

المورد الثاني: منهج علي (عليه السلام) في قبول البيعة

قوله: عدم وجود الوصية يفسر لنا احجام الامام علي عن اخذ البيعة من العباس او ابي سفيان
اقول: بل الذي يفسر احجام علي (عليه السلام) عن اخذ البيعة من العباس او ابي سفيان هو انهما عرضا البيعة على اساس قبلي مضافا الى ان عليا ينظر الى بيعة من به الكفاية من اهل السابقة والجهاد ممن عرف النص ووعاه ولم يكن ابو سفيان او العباس كذلك.
نص الشبهة
قوله: (وهو -أي عدم وجود وصية من النبي لعلي بالخلافة- ما يفسر احجام الامام علي عن المبادرة الى اخذ البيعة لنفسه بعد وفاة الرسول، بالرغم من الحاح العباس بن عبد المطلب عليه بذلك، حيث قال له: "امدد يدك ابايعك، وآتيك بهذا الشيخ من قريش - يعني ابا سفيان - فيقال: "ان عم رسول الله بايع ابن عمه" فلا يختلف عليك من قريش احد، والناس تبع لقريش". فرفض الامام علي ذلك.
وقد روى الامام الصادق عن ابيه عن جده: انه لما استخلف ابو بكر جاء ابو سفيان الى الامام علي وقال له: أرضيتم يا بني عبد مناف ان يلي عليكم تيم؟ ابسط يدك ابايعك، فوالله لأملأنها على ابي فصيل خيلا ورجالا، فانزوى عنه وقال: ويحك يا ابا سفيان هذه من دواهيك، وقد اجتمع الناس على ابي بكر. ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام، ووالله ما ضر الاسلام ذلك شيئا... مازلت صاحب فتنة."(٣٧٢).
الرد على الشبهة
أقول:
أحجم علي (عليه السلام) عن اخذ البيعة من العباس أو من أبي سفيان لان دافعهما في عرض النصرة والبيعة لعلي (عليه السلام) هو العصبية القبلية وليس النص، مضافا الى ان عليا (عليه السلام) ينظر في تصديه للحكم إلى بيعة ذوي السابقة من المهاجرين والأنصار ممن سمع النص ووعاه وان تكون في المسجد على مشهد من عامة الناس لا خفية.
أما الرواية التي نسبها إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وهي قوله: (انه لما استخلف ابو بكر جاء ابو سفيان الى الامام علي وقال له: أرضيتم يا بني عبد مناف ان يلي عليكم تيم؟ ابسط يدك ابايعك، فوالله لأملأنها على ابي فصيل خيلا ورجالا، فانزوى عنه وقال: ويحك يا ابا سفيان هذه من دواهيك، وقد اجتمع الناس على ابي بكر. ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام، ووالله ما ضر الاسلام ذلك شيئا... ما زلت صاحب فتنة) فهي رواية موضوعة رواها القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني ص ٢٨٩ وذلك لان عرض أبي سفيان على علي (عليه السلام) إنما كان في بدء أمر السقيفة وامتناع بني هاشم مع عدد من المهاجرين في المدينة، وآخرين خارج المدينة منهم مالك بن نويرة وقومه وليس بعد اجتماع الناس على ابي بكر.
أما مسلكه (عليه السلام) في البيعة لجهاد أهل السقيفة فهو ان يكون المبايعون له اربعين مجتمعين ذوي عزم أي ذوي ثبات وصبر في إيمانهم ولم يكن أبو سفيان منهم، والعباس نفر واحد لا تتحقق به بيعة كهذه، مضافا الى الأساس القبلي الذي انطلقا منه وعلي لا يقبل به.

المورد الثالث: احقية علي (عليه السلام) بالحكم ليست من باب الأفضلية

قوله: بالرغم من شعور الامام علي بالأحقية والأولوية (الأفضلية) في الخلافة الا انه عاد فبايع
اقول: كلمات علي (عليه السلام) صريحة في ان الحكم حق خاص به وليست المسألة مسألة افضلية
نص الشبهة
قوله: (ويجمع المؤرخون السنة والشيعة على ان الإمام علي (عليه السلام) امتنع عن بيعة أبي بكر.. وبالرغم من شعور الإمام علي (عليه السلام) بالاحقية والاولوية في الخلافة الا انه عاد فبايع... ولا يشير إلى مسألة النص عليه) ص ١٣.
الرد على الشبهة
اقول:
يذهب (الاستاذ الكاتب) إلى ان علياً (عليه السلام) أولى بالخلافة أولوية تفضيل لا أولوية اختصاص وهو رأي ابن أبي الحديد ومدرسته في تفضيل علي (عليه السلام) على أبي بكر وتصحيح بيعة أبي بكر وانكار النص.
وهذا الرأي مدفوع بالنص وقد تحدثنا عنه، وبكلمات علي (عليه السلام) التي أوردها (الكاتب) نفسه فان قوله (عليه السلام) (بايع الناس أبا بكر وأنا أولى بهم مني بقميصي هذا..) معناه أولوية اختصاص لا أولوية تفضيل، اذ لا معنى لمقارنته (عليه السلام) بين اولويته بالامر واولويته بقميصه غير الاختصاص، فانه مما لا شك فيه ان اولويته بقميصه هي أولوية اختصاص لأنه مالكه، وهو (عليه السلام) يقول ان اولويته بالناس اشد وأكد من اولويته بقميصه، وذلك لان القميص الذي يلبسه قد يحتمل فيه انه مسروق ثم اشتراه من السارق وهو لا يعلم به اما اولويته بالحكم فلا يحتمل فيها شيء من ذلك البتة بل هي نص من النبي (صلى الله عليه وآله) وبأمر من الله تعالى.
وكذلك قوله (عليه السلام): (وطفقت ارتأي بين ان اصول بيد جذاء أو اصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه فرأيت ان الصبر على هاتا احجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى ارى تراثي نهبا).
ومعناه اخذت أُخَيِّرُ نفسي بين ان اصول بقوة غير كافية كما في قوله (عليه السلام) (فلم اجد غير أهل بيتي فضننت بهم عن الموت). فلو توفرت له القوة الكافية لقاتل أهل السقيفة وهو المعروف عنه من قوله (عليه السلام) (لو وجدت اربعين ذوي عزم لناهضت القوم).
ان هذا الموقف من علي (عليه السلام) لا ينسجم مع فكرة أولوية التفضيل بل ينسجم مع فكرة اولوية الاختصاص.
وكذلك قوله (عليه السلام) (أو اصبر على طخية عمياء..) فان معناه ان الذي حصل لم يكن مجرد غصب سلطة دنيوية حسب بل كان ذلك بداية انقلاب فكري وضلالة تعم الأمة، وهو ما اكده (عليه السلام) بعد مقتل عثمان حين جاؤوه يطلبون البيعة فقال لهم (دعوني والتمسوا غيري فان المحجة قد اغامت والحجة قد تنكرت) وقوله (عليه السلام): (قد ملتم ميلة لم تكونوا عندي محمودين واخشى ان تكونوا في فترة)(٣٧٣).
اما الرواية التي أوردها (الكاتب) ونسبها إلى (شافي) المرتضى وهي قوله (عليه السلام) لابي بكر: (والله ما نَفَسْنا عليك ما ساق الله اليك من فضل وخير ولكنا كنا نظن ان لنا في هذا الامر نصيبا استبد به علينا) فقد رواها المرتضى عن البلاذري وهو يرويها عن المدائني عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، إنما أوردها للاحتجاج بان عليا تأخر عن البيعة ولم يوردها من اجل الاعتقاد بصحتها، ودلائل الوضع عليها ثم ان حق علي (عليه السلام) في الامرة ليس هو الظن بل هو اليقين كما اسلفنا آنفا، وقد لعب الزهري وعروة بل عائشة أيضا دوراً مهماً في تحريف كثير من النصوص والحوادث.

المورد الرابع: دلالة حديث الغدير عند السيد المرتضى (رحمهم الله)

قوله: الشريف المرتضى يعتبر حديث الغدير نصا خفيا غير واضح بالخلافة
اقول: ليس كذلك بل قال الشريف المرتضى: قد دللنا ثبوت النص على امير المؤمنين (عليه السلام) باخبار النص عليه بغير احتمال ولا اشكال كقوله (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه فعلي مولاه)
نص الشبهة
قوله: (واذا كان حديث الغدير يعتبر اوضح واقوى نص من النبي بحق امير المؤمنين فان بعض علماء الشيعة الامامية الاقدمين كالشريف المرتضى يعتبره نصا خفيا غير واضح بالخلافة، حيث يقول في (الشافي): "انا لا ندعي علم الضرورة في النص، لا لأنفسنا ولا على مخالفينا، وما نعرف احدا من اصحابنا صرح بادعاء ذلك") ص ١٤ وأيضا ص ٥٨.
الرد على الشبهة
اقول:
ان مراد السيد المرتضى بـ (النص الخفي) هو ما يسمى عند الاصوليين بـ(المجمل) وعرََّفوه بـ (انه ما لم تتضح دلالته) ويقابله (المبيََّن) وقد ذكروا للاجمال والخفاء اسبابا كثيرة منها ان يكون اللفظ مشتركاً ولا توجد قرينة على أحد معانيه كلفظة (مولى) فانها موضوعة للاولى، وللعبد المملوك، وابن العم، والحليف.
ويتضح من ذلك ان (النص المجمل) و(الخفي) يحتاج إلى استدلال ونظر وذلك بالبحث عن القرائن من داخل النص أو من خارجه وهو ما يصنعه علماء الشيعة مع (حديث الغدير) ومنهم الشريف المرتضى حيث قال:
(الوجه المعتمد في الاستدلال بخبر الغدير على النص هو ما نرتبه فنقول:
ان النبي (صلى الله عليه وآله) استخرج من امته بذلك المقام الاقرار بفرض طاعته ووجوب التصرف بين أمره ونهيه بقوله (صلى الله عليه وآله) (الست أولى بكم من انفسكم؟) وهذا القول وان كان مخرجه مخرج الاستفهام فالمراد به التقرير وهو جار مجرى قوله تعالى (الست بربكم) الاعراف ١٧٢، فلما اجابوه بالاعتراف والاقرار رفع بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال عاطفاً على ما تقدم (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه) وفي روايات أخرى (فعلي مولاه اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله) فاتى بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الأولى التي قدمها وان كان محتملا لغيره فوجب ان يريد بها المعنى المتقدم الذي قررهم به على مقتضى استعمال أهل اللغة وعرفهم في خطابهم، وإذا ثبت انه صلى الله عليه واله أراد ما ذكرناه من ايجابه كون أمير المؤمنين عليه السلام أولى بالإمامة من انفسهم فقد اوجب له الإمامة، لأنه لا يكون أولى بهم من انفسهم الا فيما يقتضي فرض طاعته عليهم ونفوذ أمره فيهم ولن يكون كذلك الا من كان إماما.
فان قال: (دلوا على ان لفظة (مولى) محتملة لـ(أولى) وانه أحد اقسام ما يحتمله ثم ان المراد بهذه اللفظة في الخبر هو (الأولى) دون سائر الاقسام، ثم ان (الأولى) يفيد معنى الإمامة.
قيل له: انه من كان له ادنى اختلاط باللغة واهلها يعرف انهم يضعون هذه اللفظة أي (مولى) مكان (أولى) كما انهم يستعملونها في (ابن العم) وغيره وما المنكر لاستعمالها في (الأولى) الا كالمنكر لاستعمالها في غيره من اقسامها.
ونتبرع بايراد جملة تدل على ما ذهبنا إليه فنقول: قد ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى ومنزلته في اللغة منزلته(٣٧٤) في كتابه القرآن المعروف بالمجاز لما انتهى إلى قوله: (مَأْوَاكُمُ النََّارُ هِىَ مَوْلاكُمْ وبِئْسَ المَصِيرُ) الحديد/١٥ أولى بكم.
وليس أبو عبيدة ممن يغلط في اللغة.
ولا خلاف بين المفسرين في ان قوله تعالى (ولِكُل جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمََّا تَرَك الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالََّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنََّ الله كَانَ عَلَى كُلِ شيء شَهِيدًا)النساء/٣٣ ان المراد بالموالي (مفرد مولى) من كان املك بالميراث واولى بحيازته واحق به.
وقال الاخطل(٣٧٥):

فاصبحت مولاها من الناس بعده * * * واحرى قريش ان تهاب وتحمدا

وروي في الحديث (ايما امرأة تزوجت بغير اذن مولاها فنكاحها باطل)(٣٧٦).
كل ما استشهدنا به لم يرد بلفظ (مولى) فيه الا معنى (أولى) دون غيره وقد تقدمت حكايتنا عن المبرد قوله (ان اصل تأويل الولي الذي هو أولى أي أحق ومثله المولى) وقال في هذا الموضع بعد ان ذكر تأويل قوله تعالى (ذَلِك بِأَنََّ الله مَوْلَى الََّذِينَ آمَنُوا وَأَنََّ الكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ) محمد/١١.
وقال الفراء(٣٧٧) في كتاب (معاني القرآن) الولي والمولى في كلام العرب واحد وهو قراءة(٣٧٨) عبد الله بن مسعود (إنما مولاكم الله ورسوله) مكان وليكم.
وقال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري(٣٧٩) في كتابه المعروف بـ (المشكل) (المولى في اللغة ينقسم على ثمانية اقسام، اولهن المولى المنعم المعتق، ثم المنعم عليه المعتق، والمولى الولي، والمولى الأولى بالشيء) وذكر شاهدا عليه الآية التي قدمنا ذكرها (والمولى الجار، والمولى ابن العم، والمولى الصهر، والمولى الحليف).
وقد ذكر أبو عمر وغلام ثعلب في تفسير بيت الحارث بن حلزة(٣٨٠).

زعموا ان كل من ضر ب العَيْرَ * * * موال لنا وأنا الولاءُ(٣٨١)

فذكر من جملة الاقسام: ان المولى السيد وان لم يكن مالكا، والمولى الولي.
واما الذي يدل على ان المراد بلفظ (مولى) في خبر الغدير(الأولى) فهو: ان عادة أهل اللسان في خطابهم إذا رأوا جملة مصرِحة وعطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم التصريح به ولغيره لم يجز أن يريدوا بالمحتمل الا المعنى الأول، يبين صحة ما ذكرناه ان أحدهم إذا قال مقبلا على جماعة ومفهما لهم وله عدة عبيد: الستم عارفين بعبدي فلان؟ ثم قال عاطفا على كلامه: فاشهدوا ان عبدي حر لوجه الله تعالى، لم يجز ان يريد بقوله: عبدي بعد ان قدم ما قدمه الا العبد الذي سماه في أول كلامه دون غيره من سائر عبيده، ومتى أراد سواه كان عندهم مُلغِزا خارجاً عن طريقة البيان.
فاما الدليل على ان لفظة (أولى) تفيد معنى الإمامة فهو انا نجد أهل اللغة لا يضعون هذا اللفظ الا فيمن كان يملك تدبيره ووصف بأنه أولى بتدبيره وتصريفه ينفذ فيه أمره ونهيه، الا تراهم يقولون السلطان أولى باقامة الحدود من الرعية، وولد الميت أولى بميراثه من كثير من اقاربه، والزوج أولى بامرأته، والمولى أولى بعبده ومرادهم من جميع ذلك ما ذكرناه، ولا خلاف بين المفسرين في ان قوله تعالى (النََّبِيُُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) الأحزاب/٦ المراد به انه أولى بتدبيرهم والقيام بأمورهم من حيث وجبت طاعته عليهم، ونحن نعلم انه لا يكون أولى بتدبير الخلق وامرهم ونهيهم من كل أحد منهم الا من كان إماما لهم مفترض الطاعة عليهم)(٣٨٢).
ويتضح بذلك أيضا ان حديث الغدير لم يبقَ على خفائه ولا اجماله في دلالته على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع هذا الاستدلال(٣٨٣).
قال السيد المرتضى:
(قد دللنا على ثبوت النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) باخبار مجمع على صحتها متفق عليها وان كان الاختلاف واقعاً في تأويلها وبينا انها تفيد النص عليه بغير احتمال ولا إشكال كقوله (صلى الله عليه وآله) (انت مني بمنزلة هارون من موسى) و(من كنت مولاه فعلي مولاه) إلى غير ذلك مما دللنا على ان القرآن يشهد به كقوله تعالى (إِنََّمَا وَلِيُُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والََّذِينَ آمَنُوا الََّذِينَ يُقِيمُونَ الصََّلاةَ ويُؤْتُونَ الزََّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) المائدة/٥٥ فلا بد ان نطرح كل خبر ناف ما دلت عليه هذه الادلة القاطعة ان كان غير محتمل للتأويل نحمله بالتأويل على ما يوافقها ويطابقها إذا ساغ ذلك فيه)(٣٨٤).
اما مراد السيد المرتضى من قوله (أنا لا ندعي علم الضرورة من النص لا لانفسنا ولا على مخالفينا وما نعرف أحد من اصحابنا صرح بادعاء ذلك). فهو ان نص الغدير لا يدل على تعيين علي (عليه السلام) إماما بالبداهة، والضرورة ومن غير استدلال.
نعم يقول المرتضى ويقول الشيعة القدماء ان النبي (صلى الله عليه وآله) لو لم يرد الإمامة لعلي في حديث الغدير مع ايجاب خطابه لها لكان ملغزا عادلا عن طريق البيان بل عن طريق الحكمة)(٣٨٥).
وفي ضوء ذلك يتضح خطأ ما ذهب إليه (الاستاذ الكاتب) من سوء استفادة من كلام الشريف المرتضى (رحمهم الله) وتحميل كلامه ما لم يرده ولا يعنيه.
ونرى من المفيد في آخر هذه التعليقة ان نضع بين يدي القارئ الكريم كلام الشريف المرتضى في النص الخفي والنص الجلي فيمايلى:
قال الشريف المرتضى رح: (الذي نذهب إليه ان النبي صلى الله عليه وآله نص على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة بعده، ودل على وجوب فرض طاعته ولزومها لكل مكلف، وينقسم النص عندنا في الاصل إلى قسمين احدهما يرجع إلى الفعل ويدخل فيه القول، والآخر إلى القول دون الفعل.
فأما النص بالفعل والقول، فهو ما دلت عليه افعاله صلى الله عليه آله واقواله المبينة لأمير المؤمنين عليه السلام من جميع الأمة، الدالة على استحقاقه من التعظيم والاجلال والاختصاص بما لم يكن حاصلاً لغيره كمؤاخاته صلى الله عليه وآله بنفسه وانكاحه سيدة نساء العالمين ابنته عليها السلام، وانه لم يولِ عليه احداً من الصحابة، ولا ندبه لأمر أو بعثه في جيش الا كان هو الوالي عليه المقدم فيه، وانه لم ينقم عليه من طول الصحبة وتراخي المدة شيئاً، ولا انكر منه فعلا، ولا استبطاه في صغير من الأمور ولا كبير مع كثرة ما توجه منه صلى الله عليه وآله إلى جماعة من أصحابه من العتب، اما تصريحا أو تلويحاً.
وقوله صلى الله عليه وآله فيه (علي مني وأنا منه)(٣٨٦) و(علي مع الحق والحق مع علي) و(اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر)(٣٨٧) إلى غير ما ذكرناه من الافعال والاقوال الظاهرة التي لا يخالف فيها ولي ولا عدو، وذِكْرُ جميعها يطول، وإنما شهِدَتْ هذه الافعال والاقوال باستحقاقه عليه السلام الإمامة ونبََّهتْ على انه أولى بمقام الرسول من قبل انها إذا دلََّت على التعظيم والاختصاص الشديد، فقد كشفت عن قوة الاسباب إلى اشرف الولايات، لان من كان ابهر فضلا، واعلى في الدين مكاناً فهو أولى بالتقديم واقرب وسيلة إلى التعظيم، ولأن العادة فيمن يرشح لشريف الولايات، ويؤهل لعظيمها ان يصنع به وينبه عليه ببعض ما قصصناه.
وقد قال قوم من اصحابنا ان دلالة الفعل ربما كانت آكد من دلالة القول: وابعد من الشبهة، لان القول يدخله المجاز، ويحتمل (ضروباً من التأويلات لا يحتملها الفعل.
فأما النص بالقول دون الفعل فينقسم إلى قسمين:
احدهما: ما عَلِمَ سامعوه من الرسول (صلى الله عليه وآله) مراده منه باضطرار، وان كنا الان نعلم ثبوته والمراد منه استدلالاً وهو النص الذي في ظاهره ولفظه الصريح بالإمامة والخلافة، ويسميه اصحابنا النص الجلي كقوله عليه السلام (سلموا على علي بإمرة المؤمنين)(٣٨٨) و(هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له واطيعوا)(٣٨٩).
والقسم الآخر: لا نقطع على ان سامعيه من الرسول (صلى الله عليه وآله) علموا النص بالإمامة منه اضطراراً ولا يمتنع عندنا ان يكونوا علموه استدلالا من حيث اعتبار دلالة اللفظة، وما يحسن ان يكون المراد أو لا يحسن.
فأما نحن فلا نعلم ثبوته والمراد به الا استدلالاً كقوله (صلى الله عليه وآله) (انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي) و(من كنت مولاه فعلي مولاه) وهذا الضرب من النص هو الذي يسميه اصحابنا النص الخفي.
ثم النص بالقول ينقسم قسمة أخرى إلى ضربين:
فضرب منه تفرد بنقله الشيعة الامامية خاصة، وان كان بعض من لم يفطن بما عليه فيه من أصحاب الحديث قد روى شيئا منه، وهو النص الموسوم بالجلي.
والضرب الاخر رواه الشيعي والناصبي وتلقاه جميع الأمة بالقبول على اختلافها، ولم يدفعه منهم أحد يحفل بدفعه يعد مثله خلافا وان كانوا قد اختلفوا في تأويله وتباينوا في اعتقاد المراد به وهو النص الموسوم بالخفي الذي ذكرناه ثانيا.
ونحن الان نشرع في الدلالة على النص الجلي لأنه الذي تفرد اصحابنا به، وكلام صاحب الكتاب في هذا الفصل: أنه مقصور عليه.
فأما النصوص الباقية فسيجيء الكلام في تأويلها وابطال ما جرح المخالفون فيها فيما بعد بعون الله تعالى)(٣٩٠).

المورد الخامس: احتجاج علي (عليه السلام) بحديث الغدير

قوله: لو كان حديث الغدير يحمل معنى التعيين لاشار الامام علي (عليه السلام) الى ذلك ولحاجج اصحاب الشورى بما هو اقوى من الفضائل.
اقول: لقد احتج علي (عليه السلام) بحديث الغدير وقد فصلنا ذلك في الحلقة الثانية /الفصل الثالث
نص الشبهة
قوله: (ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى (معنى التعيين) لاشار الإمام إلى ذلك وحاججهم (أصحاب الشورى السداسية) بما هو اقوى من ذكر الفضائل) ص ١٤.
الرد على الشبهة
١. أقول ان الهدف من جعل عمر الشورى في ستة أحدهم علي (عليه السلام) هو نفس الهدف من الاجتماع في السقيفة من دون حضور علي (عليه السلام)، لقد استهدف المخططون لكلا الحدثين مسألة الحكم مع استهداف أمر اضافي آخر في الشورى اريد تحقيقه وهو ان يخرج علي من الشورى وقد بايع لعثمان ولو جبراً وكرها ليؤمَن قيامه عليهم وقد فصلنا الحديث عن ذلك في الحلقة الثانية من هذا الكتاب(٣٩١).
ولما كان الأمر كذلك فان الاجواء غير صالحة في كلا الموردين للاحتجاج لان القوم مصرون على تحقيق هدفهم بكل وسيلة ممكنة، حتى لو كان ذلك بإحراق باب بيت فاطمة (عليها السلام) أو تهديد علي بالقتل إذا لم يبايع أبا بكر أو لم يبايع عثمان قبل ان يخرج من بيت اجتماع أهل الشورى الستة.
ومع ذلك فقد سجلت بعض المصادر احتجاجاً لعلي (عليه السلام) بحديث الغدير على أهل الشورى السداسية كما في مناقب الخوارزمي ص ٢١٧ وفرائد السمطين للحمويني الباب الثامن والخمسين والدر النظيم لابن حاتم الشامي من طريق الحافظ ابن مردويه(٣٩٢).
٢. ان دخول علي (عليه السلام) للشورى السداسية لم يكن بمحض اختياره بل اجبر على ذلك ويدل عليه ان عمر امر بقتل المخالف من الستة، اما سبب اكراههم عليا (عليه السلام) على الدخول في الشورى فهو انهم كانوا يخشون منه (عليه السلام) انه إذا لم يدخل سوف يمتنع عن بيعة عثمان كما امتنع عن بيعة أبي بكر من قبل وسوف يلتحق هذه المرة به أناس كانوا قد قصروا في قصة السقيفة أو وقعوا في الشبهة، ومعنى ذلك احتمال تكامل العدد الذي يرجوه علي (عليه السلام) من الانصار فيقوم في وجه عثمان.
٣. لو لم يكن حديث الغدير يحمل هذا المعنى (معنى التعيين والنصب لعلي (عليه السلام) من موقع خلافة الرسول الخاصة التي تفرض ان يكون حق الحكم خاصاُ به كما كان زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) خاصا بالرسول) لما احتج علي (عليه السلام) به ايام خلافته بعد قتل عثمان وقد مر تفصيل ذلك في الحلقة الثانية ص ٥٥-٦٥.

المورد السادس: الصحابة وحديث الغدير

قوله: ان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير او غيره من الاحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة
اقول: بل الصحابة فهموا ذلك وبسببه منعوا تداول تلك الاحاديث بين الناس خمساً وعشرين سنة
نص الشبهة
قوله: (ان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير أو غيره من الأحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة ولذلك اختاروا طريق الشورى وبايعوا أبا بكر كخليفة من بعد الرسول مما يدل على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحق الإمام علي أو عدم وجودها في ذلك الزمان) ص ١٤.
الرد على الشبهة
أقول: بل الصحابة فهموا من الحديث معنى النص والتعيين ولم يكن لديهم شك في ذلك وادل دليل على فهمهم هو منعهم تداول هذه الأحاديث شفاها وتدوينا لما استقرت السلطة بايديهم بل عمدوا إلى ما كتبه هذا وذاك من الصحابة من أحاديث النبي فجمعوه واحرقوه، وجرََّهم ذلك اخيراً إلى احراق المصاحف المنتشرة زمن النبي (صلى الله عليه وآله) بسبب ما يوجد بهامشها من أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) المفسِرة للآيات النازلة في أهل البيت وقد ذكرنا طرفا من أخبار هذه المسألة في الحلقة الثانية من شبهات وردود ط ٢ص ١٥٩- ١٦٣.
ويعضد ذلك ما رواه ابو الطفيل عامر بن واثلة من حديث المناشدة قال: (جمع علي (عليه السلام) الناس في الرحبة ثم قال لهم انشد الله كل امرئ سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ثلاثون من الناس فشهدوا.
قال أبو الطفيل فخرجت وكأنََّ في نفسي شيئا فلقيت زيد بن ارقم فقلت له اني سمعت عليا يقول كذا وكذا قال فما تنكر قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ذلك له)(٣٩٣).
وقد كان ابو الطفيل من صغار الصحابة وكان مقيما في مكة وتوفي النبي (صلى الله عليه وآله) وعمره ثمان سنوات وفي ضوء ذلك يكون عمره لما بويع علي (عليه السلام) على الحكم ثلاثا وثلاثين سنة وكان مقيما في مكة ولم يسمع طوال هذه المدة بحديث الغدير بسبب منع السلطة روايته ورواية غيره من أحاديث النبي في أهل البيت (عليهم السلام)، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو ما الذي استنكره أبو واثلة من حديث الغدير حين سمعه لاول مرة وما الذي وقع في نفسه منه؟ ليس من شك ان الذي وقع في نفسه واستعظمه هو انََّ لعلي بحديث الغدير ولاية كولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) على الأمة وهي اعظم من ولاية الحكومة اذ ولاية الحكومة من اثارها وفروعها وبالتالي فان كل من تقدم عليه في الحكم أو في غيره كان كأنه قد تقدََّم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك.
اما قوله (ولذلك اختاروا اي الصحابة طريق الشورى وبايعوا ابا بكر) فقد المحنا في الحلقة الثانية من كتابنا هذا ان الذي جرى بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) كان انقلاباً قد خطط له من قبل، وقد أشار إليه قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىَ أعْقَابِكُمْ...) وقد اوضحت أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) الصحيحة المروية في كتب السنة والشيعة تلك الحقيقة المرة.
وإلى القارئ الكريم طرفا منها:
روى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تحشرون حفاة عراة... فاول من يكسى ابراهيم ثم يؤخذ برجال من اصحابي ذات اليمين وذات الشمال فاقول اصحابي فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم فاقولكما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: (وكُنْتَ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ...)(٣٩٤).
قال البخاري: (قال محمد بن يوسف ذكر عن ابي عبد الله عن قبيصة قال: هم المرتدون الذي ارتدوا على عهد ابي بكر فقاتلهم ابو بكر).
اقول: لقد حاول البخاري ومن قبله ان يوجهوا احاديث الحوض ويصرفوها عن الصحابة الى غيرهم ولكن حديث البراء بن عازب يؤكد خلاف ذلك فقد روى البخاري بسنده عن العلاء بن المسيب عن ابيه قال: (لقيت البراء بن عازب فقلت طوبى لك صحبت النبي (صلى الله عليه وآله) وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن اخي انك لا تدري ما احدثنا بعده)(٣٩٥).
وروى البخاري بسنده عن ابن المسيب انه كان يحدث عن اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (يرد على الحوض رجال من اصحابي فيحلؤون عنه فاقول يارب اصحابي فيقول انك لاعلم لك بما احدثوا بعدك انهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى)(٣٩٦).
وروى البخاري بسنده عن سهل بن سعد قال قال النبي (صلى الله عليه وآله): (اني فَرَطُكُم على الحوض من مرََّ عليَّ شرب ومن شرب لم يضمأ ابداً ليردن عليَّ اقوام اعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم)(٣٩٧).
قال ابو حازم: فسمعني النعمان بن ابي عياش فقال، هكذا سمعت من سعد فقلت نعم. فقال اشهد على ابي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: (فأقول (أي النبي (صلى الله عليه وآله)) انهم مني فيقال انك لا تدري ما احدثوا بعدك فاقول سحقا سحقاً لمن غير بعدي)(٣٩٨).
وروى البخاري بسنده عن ابي هريرة قال النبي (صلى الله عليه وآله): (بينما انا قائم اذا زمرة حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم: فقلت اين؟ قال الى النار، قلت وما شأنهم؟ قال انهم ارتدوا على ادبارهم فلا اراه يخلص منهم الا مثل همل النعم(٣٩٩)).
وروى احمد في مسنده بسنده عن ام سلمة انه (صلى الله عليه وآله) قال: (ايها الناس بينما انا على الحوض جيء بكم زمراً فتفرقت بكم الطرق فناديتكم الا هلموا الى الطريق فناداني مناد: انهم قد بدلوا بعدك فقلت: الا سحقا سحقا)(٤٠٠).

وروى احمد ايضا بسنده عن ابي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: (تزعمون ان قرابتي لا تنفع قومي؟ والله ان رحمي موصولة في الدنيا والآخرة اذا كان يوم القيامة يرفع لي قوم يؤمر بهم ذات اليسار فيقول الرجل يا محمد انا فلان بن فلان، ويقول الاخر انا فلان بن فلان، فاقول اما النسب قد عرفت ولكنكم احدثتم بعدي وارتددتم على اعقابكم القهقرى)(٤٠١).
اما قوله (او عدم وجودها في ذلك الزمان) فان كان يريد بذلك احتمال ان يكون حديث الغدير موضوعاً فلنقرأ إذن على كل الاحاديث النبوية السلام وذلك لانه لم يتوفر لاي حديث نبوي ما توفر لحديث الغدير من رواة فاذا احتملنا انَّ حديث الغدير موضوع كان كل حديث بعده اولى بهذا الاحتمال وحينئذ لا يثبت لدينا شئ من السنة النبوية المطهرة.

المورد السابع: رواية مكذوبة على علي (عليه السلام)

قوله: ان عليا (عليه السلام) قال انا دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلنا استخلف فقال لا، اخاف ان تفرقوا عنه.. وان وصية علي (عليه السلام) للحسن وصية اخلاقية روحية
اقول: الرواية التي اوردها لم تكن من تراث الشيعة وقد ردََّ عليها الشريف المرتضى وقال ان عليا (عليه السلام) وصى الى ابنه الحسن واشار اليه واستخلفه
نص الشبهة
قوله: (ويتجلى ايمان الامام علي بالشورى دستورا للمسلمين بصورة واضحة، في عملية خلافة الامام الحسن، حيث دخل عليه المسلمون، بعدما ضربه عبدالرحمن بن ملجم، وطلبوا منه ان يستخلف ابنه الحسن، فقال: لا، انا دخلنا على رسول الله فقلنا: استخلف، فقال: لا: اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يختر لكم). ص ١٥.
الرد على الشبهة
اقول:
ان الرواية التي أوردها ونسبها إلى السيد المرتضى في كتابه الشافي رواية عامية رواها القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه (المغني)، وقد أورد القاضي المعتزلي رواية أخرى رواها عن أبي وائل شقيق بن سلمة والحكم عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) انه قيل له ألا توصي. قال: ما أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأوصي، ولكن ان أراد الله بالناس خيرا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم) الشافي ج٣/٩١ نقلا عن المغني وقد أجاب عنهما السيد المرتضى بقوله:
(ان الخبر الذي رواه عن أمير المؤمنين، لما قيل له ألا توصي فقال: (ما أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأوصي، ولكن ان أراد الله تعالى بالناس خيرا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم)، فمتضمن لما يكاد يعلم بطلانه ضرورةً.
والظاهر من أحوال أمير المؤمنين، والمشهور من اقواله وأفعاله جملةً وتفصيلاً يقتضي انه كان يقدم نفسه على أبي بكر وغيره من الصحابة، وانه كان لا يعترف لأحدهم بالتقدم عليه.
ومن تصفح الأخبار والسير، ولم تمل به العصبية والهوى، يعلم هذا من حاله على وجه لا يدخل فيه شك.
ولا اعتبار بمن دفع هذا ممن يفضَّل عليه لأنه بين أمرين.
إما ان يكون عاميا أو مقلِداً لم يتصفح الأخبار والسير وما روي من أقواله وأفعاله ولم يختلط بأهل النقل، فلا يعلم ذلك.
أو يكون متأملا متصفحاً إلا ان العصبية قد استولت عليه، والهوى قد ملكه واسترقه، فهو يدفع ذلك عناداً، وإلا فالشبهة مع الإنصاف زائلة في هذا الموضع.
على انه لا يجوز ان يقول هذا من قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه باتفاق (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر)(٤٠٢) فجاء عليه السلام من بين الجماعة فأكل معه.
ولا من يقول النبي (صلى الله عليه وآله) لابنته فاطمة (عليها السلام) (ان الله عز وجل اطلع على أهل الأرض اطلاعة فاختار منها رجلين جعل احدهما أباك والآخر بعلك)(٤٠٣).
وقال صلى الله عليه وآله فيه (علي سيد العرب)(٤٠٤).
و(خير أمتي)(٤٠٥).
و(خير من اخلف بعدي)(٤٠٦).
ولا يجوز ان يقول هذا من تظاهر الخبر عنه بقوله صلوات الله عليه وقد جرى بينه وبين عثمان كلام فقال له: أبو بكر وعمر خير منك، فقال (أنا خير منك ومنهما عبدت الله قبلهما وعبدته بعدهما)(٤٠٧).
ومن قال: (نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد)(٤٠٨).
وروى عن عائشة في قصة الخوارج لما سألها مسروق فقال لها بالله يا أمه لا يمنعك ما بينك وبين علي ان تقولي ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه وفيهم قالت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة).
إلى غير ذلك من أقواله (صلى الله عليه وآله) فيه التي لو ذكرناها اجمع لاحتجنا إلى مثل جميع كتابنا ان لم يزد على ذلك.
وكل هذه الأخبار التي ذكرناها فهي مشهورة معروفة، قد رواها الخاصة والعامة بخلاف ما ادعاه مما يتفرد به بعض الأمة ويدفعه باقيها.
وبعد، فبإزاء هذين الخبرين الشاذين اللذين رواهما في ان أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يوص كما لم يوص رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأخبار التي ترويها الشيعة من جهات عدة، طرق مختلفة المتضمنة انه عليه السلام وصى إلى الحسن ابنه، وأشار إليه واستخلفه، وارشد إلى طاعته من بعده، وهي اكثر من ان نعدها ونوردها.
فمنها ما رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) ان أمير المؤمنين لما ان حضره الذي حضره قال لأبنه الحسن (عليه السلام): (ادن مني حتى اسر إليك ما اسر إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وائتمنك على ما ائتمنني عليه).
وروى حماد بن عيسى عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: (أوصى أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن عليه السلام واشهد على وصيته الحسين ومحمداً عليهما السلام وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتب والسلاح).
في خبر طويل يتضمن الأمر بالوصية في واحد بعد واحد إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام.
وأخبار وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام واستخلافه له ظاهرة مشهورة بين الشيعة واقل أحوالها واخفض مراتبها ان يعارض ما رواه ويخلص ما استدللنا به)(٤٠٩).

المورد الثامن: الحسن (عليه السلام) لم يتنازل عن حقه

قوله: لو كانت الخلافة بالنص من الله والرسول لم يكن يجوز للامام الحسن ان يتنازل عنها تحت اي ظرف.
اقول: النص على اهل البيت ومنهم الحسن (عليه السلام) يفيد ان لهم مقامين: الاول: انهم شهداء على الناس بالقول والفعل والتقرير كالنبي (صلى الله عليه وآله) الا انهم ليسوا بانبياء وهذا المقام لا ينفك عن شخصهم وغير قابل للتعطيل من قبلهم وهو ثابت لهم سواء حكموا او لم يحكموا.
الثاني: أنهم أحق بالحكم احقية اختصاص وعلى الناس ان يبايعوهم.
وصلح الحسن (عليه السلام) مع معاوية انما جرى حول الحكم حسب ولم يتنازل عن حقه فيه وانما جمََّد القيام به مؤقتا لقاء شروط منها خضوع اهل الشام للحسن (عليه السلام) بعد موت معاوية، ومع ذلك فان الصلح لم يجعل من معاوية حاكما شرعيا.
نص الشبهة
قوله: (ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول، كما تقول النظرية الامامية، لم يكن يجوز للامام الحسن ان يتنازل عنها لأي احد تحت اي ظرف من الظروف. ولم يكن يجوز له بعد ذلك ان يبايع معاوية او ان يدعو اصحابه وشيعته لبيعته. ولم يكن يجوز له ان يهمل الامام الحسين ولاشار الى ضرورة تعيينه من بعده.. ولكن الامام الحسن لم يفعل اي شيء من ذلك وسلك مسلكا يوحي بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى). ص١٧-١٨.
الرد على الشبهة
اقول:
١. قد بينا في الحلقة الثانية ان استخلاف النبي (صلى الله عليه وآله) لأهل بيته الاثني عشر (عليهم السلام) يفيد أمرين وليس أمرا واحداً:
الأول: كونهم حججاً إلهيين شهداء على الناس بقولهم وفعلهم في الدنيا شفعاء لمن اخذ عنهم في الآخرة وهذا الموقع لا يتنازلون عنه ولو كلفهم ذلك حياتهم الشريفة.
الثاني: كونهم الأحق بحكم الناس أحقية اختصاص بمعنى ان حق الحكم خاص بهم في زمان حضورهم، وتصديهم لممارسة هذا الحق في الأمة مرهون بشروط بينتها سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) كما ان قعودهم عنه لفترة مؤقتة وبشروط معينة بينتها سيرة الحسن (عليه السلام) إذ كان من شروط الحسن (عليه السلام) ان يخضع اهل الشام للحسن بعد موت معاوية وإن حدث به حدث فليس لمعاوية ان يعهد لأحد وانما الأمر للحسين (عليه السلام) وان لا يسميه امير المؤمنين وان لا يقيم عنده شهادة وعلى أمان شيعة علي (عليه السلام) وغير ذلك من الشروط.
ومن الجدير ذكر هنا هو ان عدم تصدي الأئمة (عليهم السلام) للحكم لعدم توفر الشروط أو تنازلهم عنه او تجميدهم لممارستهم له لمصلحة ليس معناه شرعية حكومة المتصدي في قبالهم بل يبقى ذلك المتصدي في قبالهم غاصبا لحقهم وتبقى الأمة المقصرة عن نصرتهم والتي بايعت غيرهم بغير اذنهم آثمة.
٢. ان قوله (ولم يكن يجوز للحسن ان يهمل الإمام الحسين ولا أشار إلى ضرورة تعينه من بعده ولكن الحسن لم يفعل أي شيء من ذلك) تخالفه عقيدة الشيعة والنصوص النبوية التي أشارت إلى علي والحسن والحسين، هذا مضافا إلى ان ابن المهنا في كتابه عمدة الطالب قد ذكر ان الحسن (عليه السلام) نص على الحسين في المعاهدة(٤١٠).

المورد التاسع: الوصية في رسالة الحسين (عليه السلام)

قوله: لا توجد اية اثار لنظرية النص في قصة كربلاء سواء في رسائل الشيعة او رسائل الحسين (عليه السلام)
اقول: بل رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) الى اهل البصرة برواية الطبري عن ابي مخنف تذكر الوصية (علما ان الطبري وابا مخنف كلاهما يذهب الى ان الإمامة بالاختيار)
نص الشبهة
قوله: (ولا توجد اية آثار لنظرية النص في قصة كربلاء سواء في رسائل شيعة الكوفة إلى الإمام الحسين ودعوته للقدوم عليهم أو في رسائل الإمام الحسين لهم) ص١٨.
الرد على الشبهة
أقول: إذا كان الاستاذ الكاتب يريد أخبار قصة كربلاء كما رواها الطبري عن أبي مخنف صاحب كتاب مقتل الحسين (عليه السلام) فان أبا مخنف كان من رجال العامة ويرى الإمامة بالشورى وينكر النص فكيف يترقب منه ان يروي كلمات الحسين (عليه السلام) أو أصحابه التي تشير إلى قول النبي (صلى الله عليه وآله) فيه وفي أخيه وأبيه من قبل؟
ومع ذلك كله فقد روى الطبري عن أبي مخنف عن رجاله كتاب الحسين (عليه السلام) إلى اهل البصرة (أما بعد، فإن الله اصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله) على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل به (صلى الله عليه وآله)، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته واحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد احسنوا واصلحوا، وتحروا الحق، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم. وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، فإن السنة قد أميتت، وان البدعة قد أحييت، وان تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)(٤١١). وليس من شك ان قوله (عليه السلام) (وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته واحق الناس بمقامه) وقوله (ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه) يشير إلى النص والوصية وأولوية الاختصاص بحق الحكم، ولكن الرواة اضافوا إلى ذلك عبارة (عليه السلام) في الثناء على الخلفاء الثلاثة قوله (فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة... وقد احسنوا واصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله) وهذا الكلام واضح التزوير فان عليا (عليه السلام) لم يبايع من سبقه إلا كرها.
لقد اضاف الرواة هذا القول ليجعلوا الأولوية التي أشار إليها الحسين (عليه السلام) بقوله (وكنا.. أحق الناس بمقامه (صلى الله عليه وآله)) أولوية تفضيل وقد مر الكلام على ان اولوية اهل البيت (عليهم السلام) هي أولوية اختصاص في المورد الاول من الفصل الثاني.

المورد العاشر: علي بن الحسين (عليه السلام) والوصية

قوله: لم يوص الحسين الى ابنه الوحيد علي زين العابدين وانما اوصى الى اخته زينب.
اقول: روايات اهل البيت (عليهم السلام) تؤكد ان علي بن الحسين وارث ابيه ومقامه بوصية منه وبوصية من النبي (صلى الله عليه وآله).
نص الشبهة
قوله: (ولم يكن (الامام الحسين) يقدم اية نظرية حول (الامام المعصوم المعين من قبل الله) ولم يكن يطالب بالخلافة كحق شخصي له لأنه ابن الامام علي او انه معين من قبل الله. ولذلك فانه لم يفكر بنقل (الامامة) الى احد من ولده، ولم يوص الى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة: (علي زين العابدين)، وانما اوصى الى اخته زينب او ابنته فاطمة، وكانت وصيته عادية جدا تتعلق باموره الخاصة، ولا تتحدث ابدا عن موضوع الامامة والخلافة) ص ١٩ وأيضا ص ٦٠.
الرد على الشبهة
أقول:
١. اقول مرََّ في التعليق على المورد التاسع قول الحسين في كتابه إلى رؤساء الأخماس بالبصرة (أما بعد فأن الله اصطفى محمداً على خلقه... وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته واحق الناس بمقامه في الناس) وهذا النص منسجم كل الانسجام مع قول أبيه علي (عليه السلام) في أهل البيت (عليهم السلام) (هم موضع سره ولجأ أمره... وفيهم الوصية والوراثة)(٤١٢).
٢. لم يخرج الحسين (عليه السلام) مطالبا بالخلافة، وإنما خرج من المدينة ممتنعا عن بيعة يزيد آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ثم استقر في مكة ولما عرض أهل الكوفة نصرته على جهاد الظالمين ووجد فيهم الشروط متوفرة هاجر إليهم لينطلق بهم في حركة الجهاد ضد الأمويين وشاء الله تعالى ان يحال بينه وبين أنصاره وان يسجن قسم منهم وان يقتل القسم الآخر بين يديه وان يكرمه الشهادة وان يجعل حبس النصر عنه لما هو أرضى وكان الأمر كذلك فقد صارت شهادة الحسين باذن الله الباب الاوسع لحفظ الاسلام وحفظ حيوية الامة وسر قدرتها على النهوض في وجه الظالمين الى آخر الدنيا.
٣. لقد كان التفاف أهل الكوفة حول الحسين (عليه السلام) امتداداً لالتفافهم حول أخيه الحسن (عليه السلام) ومن قبل أبيهما علي (عليه السلام) وقد بني هذا الالتفاف في عهد حكومة علي (عليه السلام) على أساس الأحاديث النبوية التي كانت قد كتمت في عهد الثلاثة ثم انتشرت في عهد علي (عليه السلام) كقوله (صلى الله عليه وآله) لما نزلت آية التطهير: (اللهم هؤلاء /أي علي وفاطمة والحسن والحسين وقد أدار الكساء عليهم / أهل بيتي وحامتي وخاصتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم وعدوٌ لمن عاداهم)(٤١٣).
وقوله (صلى الله عليه وآله) (حسين مني وأنا من حسين احب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط)(٤١٤).
والأسباط الذين عناهم النبي (صلى الله عليه وآله) إما هم المشار إليهم في قوله تعالى (أَمْ تَقُولُونَ إِنََّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) البقرة/١٤٠ وهؤلاء هم يوسف والأئمة من ذريته أو هم المشار إليهم في قوله تعالى (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمََّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَقَطََّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا)الأعراف/١٥٩-١٦٠ وهم النقباء بعد موسى وهم يوشع بن نون، وولدا هارون والأئمة من ذريتهما وكلا الاحتمالين يؤدي الغرض لان الأسباط في كليهما هم الأحفاد الذين امتدت بهم الرسالة الإلهية بأمر الهي، ولكن الاحتمال الثاني هو الأقرب حيث شبََّه النبي (صلى الله عليه وآله) الأئمة بعده وعددهم بنقباء بني إسرائيل بعد موسى وعددهم كما في رواية ابن مسعود (اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل)(٤١٥).
٤. أما قوله (ولم يوصِ الحسين إلى ابنه الوحيد على زين العابدين وإنما أوصى إلى أخته زينب وابنته فاطمة وكانت وصية عادية جداً) هذا النفي منه محض ادعاء، لان الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) تؤكد ان أمر الإمامة عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى علي (عليه السلام) ثم إلى رجل فرجل الى ان ينتهي إلى القائم (عليه السلام) (٤١٦) وان كتب علي (عليه السلام) التي أملاها عليه النبي (صلى الله عليه وآله) وكتبها علي بيده صارت من بعد الحسين (عليه السلام) إلى ولده علي بوصية منه،نعم لم يصطحبها الحسين (عليه السلام) معه لما خرج إلى مكة وإنما استودعها عند أم سلمة كما روى أبو بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ان الحسين صلوات الله عليه لما صار إلى العراق استودع أم سلمة رضي الله عنها الكتب والوصية فلما رجع علي بن الحسين (عليه السلام) دفعتها اليه)(٤١٧).
وفي بصائر الدرجات: عن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) - قال: ان الكتب كانت عند علي (عليه السلام) فلما سار إلى العراق استودع الكتب أم سلمة فلما مضى علي كانت عند الحسن، فلما مضى الحسن كانت عند الحسين، فلما مضى الحسين كانت عند علي بن الحسين، ثم كانت عند أبي - الإمام الباقر-(٤١٨).
وفي الكافي عن سليم بن قيس قال: (شهدتُ وصية أمير المؤمنين حين أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام) واشهد على وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال لابنه الحسن: يا بني امرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان أوصي إليك وان ادفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلىَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودفع إلىَّ كتبه وسلاحه، وأمَرَني ان آمرك إذا حضرك الموت ان تدفعها إلى أخيك الحسين ثم اقبل على ابنه الحسين، فقال له: وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تدفعها إلى ابنك هذا ثم اخذ بيد علي بن الحسين ثم قال لعلي بن الحسين: وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تدفعها إلى ابنك محمد بن علي واقرأه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومني السلام)(٤١٩).
قال العلامة العسكري: (ما سلمه الإمام هنا إلى ابنه الحسن كتاب واحد وهو غير الكتب التي أودعها أم المؤمنين أم سلمة بالمدينة عند هجرته من المدينة، والتي تسلمها الإمام الحسن منها عند عودته إلى المدينة)(٤٢٠).
وفي غيبة الشيخ الطوسي، ومناقب ابن شهر آشوب، والبحار: عن الفضيل قال:
(قال لي أبو جعفر الإمام الباقر (عليه السلام): لما توجه الحسين (عليه السلام) إلى العراق، دفع إلى أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) الوصية والكتب وغير ذلك، وقال لها: إذا أتاك اكبر ولدي فادفعي إليه ما دفعت إليك، فلما قتل الحسين (عليه السلام) أتى علي بن الحسين أم سلمة فدفعت إليه كل شيء أعطاها الحسين (عليه السلام))(٤٢١).
وفي الكافي وأعلام الورى ومناقب ابن شهر آشوب والبحار واللفظ للأول، عن أبي بكر الحضرمي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ان الحسين (عليه السلام) لما سار إلى العراق استودع أم سلمة (رحمهم الله) الكتب والوصية، فلما رجع علي بن الحسين (عليه السلام) دفعتها إليه)(٤٢٢).
قال العلامة العسكري: (وكان ذلك غير الوصية التي كتبها في كربلاء ودفعها مع بقية مواريث الإمامة إلى ابنته فاطمة فدفعتها إلى علي بن الحسين وكان يوم ذاك مريضاً لا يرون انه يبقى بعده)(٤٢٣).
وفي الكافي واعلام الورى وبصائر الدرجات والبحار واللفظ للأول عن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده قال: (التفت علي بن الحسين إلى ولده وهو في الموت وهم مجتمعون عنده، ثم التفت إلى محمد بن علي بأنه، فقال: يا محمد! هذا الصندوق، فأذهب به إلى بيتك، ثم قال - أي علي بن الحسين- أما انه ليس فيه دينار ولا درهم ولكنه كان مملوء علماً)(٤٢٤).
وفي بصائر الدرجات والبحار: عن عيسى بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد - الإمام الصادق (عليه السلام) - قال: (لما حضر علي بن الحسين الموت قبل ذلك اخرج السفط أو الصندوق عنده فقال: يا محمد احمل هذا الصندوق، قال: فحُمِل بين أربعة رجال فلما توفي جاء اخوته يدَّعون في الصندوق، فقالوا: اعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال: والله مالكم فيه شيء، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه إليَّ، وكان في الصندوق سلاح رسول الله وكتبه)(٤٢٥).
وفي بصائر الدرجات عن زرارة عن أبي عبد الله قال: (ما مضى أبو جعفر حتى صارت الكتب إليَّ)(٤٢٦).
وفيه - أيضا- عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (ما مات أبو جعفر حتى قبض -أي ابو عبد الله- مصحف فاطمة)(٤٢٧).
وفي الكافي وبصائر الدرجات: عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (سألته عما يتحدث الناس انه دُفِعَت إلى أم سلمة صحيفة مختومة فقال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما قبض ورث علي (عليه السلام) علمه وسلاحه وما هناك، ثم صار إلى الحسن (عليه السلام)، ثم صار إلى الحسين (عليه السلام) فلما خشينا ان نغشى استودعها أم سلمة ثم قبضها بعد ذلك علي بن الحسين (عليه السلام). قال: فقلت: نعم ثم صار إلى أبيك، ثم انتهى إليك وصار بعد ذلك إليك؟ قال نعم).
وعن عمر بن أبان: قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يتحدث الناس انه دفع إلى أم سلمة صحيفة مختومة، فقال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما قبض ورث علي (عليه السلام) علمه وسلاحه وما هناك ثم صار إلى الحسن (عليه السلام)، قال: قلت ثم صار إلى علي بن الحسين ثم صار إلى ابنه ثم انتهى إليك فقال: نعم)(٤٢٨).
اقول: ويؤكد مسألة وجود تراث علمي خاص ورثه الصادق (عليه السلام) عن أبيه الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه الحسين عن أخيه الحسن عن أبي علي (عليه السلام) ما ذكره ابن عدي قال: (ولجعفر بن محمد حديث كبير عن أبيه عن جابر وعن أبيه عن آبائه ونسخا لأهل البيت يرويه جعفر بن محمد)(٤٢٩).
وليس من شك ان الميراث العلمي هذا والذي يتقرر صاحبه بالوصية الإلهية هو المشار اليه في قوله تعالى (والََّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك مِنَ الكِتَابِ هُوَ الحَقُُّ مُصَدِقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنََّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمََّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الََّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُم مُُّقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِك هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ) فاطر/٣١-٣٢.
ان الآية تقرر بصراحة ان الكتاب الإلهي وبيانه الإلهي من خلال قول النبي وفعله وتقريره يكون ميراثاً خاصاً بوصية إلهية للمصطفين من عباد الله من أتباع محمد (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة وهؤلاء المصطفون هم فئة خاصة وهم أهل البيت الذين طهرهم الله تعالى واذهب عنهم الرجس وجعلهم النبي (صلى الله عليه وآله) عدلاً للقرآن في حديثه المعروف بحديث الثقلين وجعل التمسك بهما معاً أمانا وعصمة من الضلالة.
وتقرر الآية أيضا ان هؤلاء المصطفين الوارثين جعلهم الله تعالى أئمة هدى بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).
ان هذه الوراثة الخاصة للكتاب الالهي وعلومه من قبل اهل البيت (عليه السلام) وجعلهم ائمة هدى نظير وراثة آل هارون لكتاب موسى وعلومه وجعلهم ائمة بعد موسى.
قال الله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَة مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمََّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمََّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآيَاتِنَا يُوقِنُونَ، إِنََّ رَبََّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) السجدة/٢٣-٢٥
وقال تعالى (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُُّهُمْ إِنََّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التََّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِكُمْ وَبَقِيََّةٌ مِمََّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنََّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة/٢٤٨ أئمة بعد موسى.

المورد الحادي عشر: حديث النبي (صلى الله عليه وآله): من جاءكم يريد ان يتولى من غير مشورة فاقتلوه

قوله: لقد كان ائمة اهل البيت يعتقدون بحق الامة في اختيار اوليائها، وادانة الاستيلاء بالقوة
اقول: بل كان ائمة اهل البيت يعتقدون بالمبدأ القرآني للحكم الذي يشخص:
(ان الحكم للنبي ثم الوصي ثم الفقيه العادل)
(إِنََّا أَنزَلْنَا التََّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النََّبِيُونَ الََّذِينَ أَسْلَمُوا لِلََّذِينَ هَادُوا وَالرََّبَانِيًًّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ الله) المائدة/
وقد بحثنا الآية مفصلا في الحلقة الثانية الفصل الأول
وفي ضوء هذا المبدأ فان الأئمة (عليهم السلام) يدينون استيلاء غير هؤلاء على الحكم
قال علي (عليه السلام): انا اولى الناس بالناس من قميصي هذا
وقال أيضا: لو وجدت اربعين ذوي عزم لناهضت القوم
نص الشبهة
قوله: (لقد كان أئمة اهل البيت يعتقدون بحق الامة الإسلامية في اختيار اوليائها وبضرورة ممارسة الشورى، وادانة الاستيلاء على السلطة بالقوة. ولعلنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق في (عيون اخبار الرضا) عن الامام الرضا عن ابيه الكاظم عن ابيه جعفر الصادق عن ابيه محمد الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن ابيه عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) والذي يقول فيه: "من جاءكم يريد ان يفرق الجماعة ويغصب الامة امرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه، فان الله عز وجل قد اذن بذلك" لعلنا نجد في هذا الحديث افضل تعبير عن ايمان اهل البيت بالشورى والتزامهم بها، واذا كانوا يدعون الناس الى اتباعهم والانقياد اليهم فانما كانوا يفعلون ذلك ايمانا بأفضليتهم واولويتهم بالخلافة في مقابل "الخلفاء" الذين كانوا لا يحكمون بالكتاب ولا يقيمون القسط ولا يدينون بالحق) ص ٤٤٢١.
الرد على الشبهة
أقول:
١. ان كان يريد بأهل البيت (عليهم السلام) المصطلح الإسلامي الذي يفيد انهم علي والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين (عليه السلام) فان ما نسبه اليهم غير صحيح لان قولهم الوصية والنص القرآني الذي يحدد حق الحكم للنبي والوصي والفقيه العادل وقد بحثناه مفصلا قي الحلقة الثانية الفصل الأول.
٢. قوله (ان أهل البيت يدينون الاستيلاء على السلطة بالقوة)، ان كان يريد البيعة على الحكم في مرحلتها الأولى فهو صحيح اما اذا كان يريد البيعة على الجهاد ودفع الغاصبين فهو غير صحيح وقد مر بيانه.
٣. ثم ان الحديث الذي استشهد به على فرض صحة صدوره عن الإمام (عليه السلام) له عدة معان:
الأول: ان يريد الرسول (صلى الله عليه وآله) بالجماعة، الجماعة بعد أي بيعة تحققت سواء كان المبايع هو المنصوص عليه أم لا.
الثاني: ان يريد بالجماعة الجماعة بعد البيعة المشروعة حيث اجتمع أهل السابقة والجهاد على المنصوص عليه شرعا.
الثالث: ان يريد بالجماعة الأمة قبل البيعة حيث الأمة واحدة بلحاظ الكتاب والسنة.
وليس من شك ان الاحتمال الأول لا يريده الإمام الرضا (عليه السلام) لما عرف عنه بالضرورة ان مذهبه مذهب آبائه وهو القول بالوصية والنص ووجوب مجاهدة المغاصبين لو وجد صاحب الحق الشرعي عدة كافية من الانصار، كما اثر عن علي (عليه السلام) قوله: (انا اولى بالناس من قميصي هذا) وقوله: (لو وجدت اربعين دوي عزم لناهضت القوم).
يبقى المعنى الثاني والثالث كلاهما محتمل وكلاهما لا يؤيد دعوى (الاستاذ احمد الكاتب).
لان المعنى الثاني، يريد بالجماعة الجماعة التي بايعت المنصوص عليه، وفي ضوئه فان الذي يقوم في وجه هذه الجماعة وجب قتاله ومن هنا قاتل علي (عليه السلام) اهل الجمل واهل صفين.
والمعنى الثالث: يريد بالجماعة الامة قبل البيعة وهي واحدة بلحاظ الكتاب والسنة وامرها وشأنها كأمة مؤمنة بالكتاب والسنة ان تبايع من نصبه واراده الكتاب والسنة فاذا اكرهت على بيعة شخص لم يرده الكتاب والسنة تكون قد غصب امرها وحقها، وفي مثل هذه الحالة يجب قتال المتولي غير القانوني ومن هنا قال علي (عليه السلام) (لو وجدت اربعين ذوي عزم لقاتلت القوم) وذلك لان اهل السقيفة فرضوا على الامة شخصاً في قبال من عينه الله ورسوله، ولما لم يجد هذه العدة استجاب للبيعة بعد الاكراه والاستضعاف.
٤.أما قول الاستاذ الكاتب: (وإذا كان أهل البيت (عليهم السلام) يدعون الناس الى اتباعهم والانقياد اليهم فانما كانوا يفعلون ذلك ايمانا بافضليتهم واولويتهم بالخلافة) فهو يريد ان حق أهل البيت (عليهم السلام) في الحكومة إنما هو حق أفضلية وليس حق اختصاص، وقد مرََّ الكلام في إبطال هذا المعنى من الأولوية الحكم فى حقهم وقلنا هناك ان أحقية أهل البيت (عليهم السلام) واولويتهم بالحكومة إنما هي أحقية واولوية اختصاص.

المورد الثاني عشر: عقيدة الأجيال الأولى من الشيعة بالإمامة

قوله: النوبختي يقول: كانت اجيال من الشيعة الاول تقول ان عليا اولى الناس ومع ذلك اجازوا امامة ابي بكر. وان عبد الله بن الحسن يقول: "ليس لنا في هذا الامر ما ليس لغيرنا" وان اخاه الحسن يقول: "لو كان يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله في الغدير الإمرة لا فصح لهم"
اقول: والنوبختي يقول ايضا: وهناك أجيال من الشيعة الاوائل يقولون: ان عليا مفروض الطاعة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يجوز لهم غيره. وان الصادق (عليه السلام) كان يندد بالحسن بن الحسن بن الحسن.
نص الشبهة
قوله: (وتبعا لمفهوم (الاولوية) قالت اجيال من الشيعة الاوائل، وخاصة في القرن الاول الهجري:
"ان عليا كان اولى الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفضله وسابقته وعلمه، وهو افضل الناس كلهم بعده واشجعهم واسخاهم واورعهم وأزهدهم. واجازوا مع ذلك امامة ابي بكر وعمر وعدوهما اهلا لذلك المكان والمقام، وذكروا ان عليا سلم لهما الامر ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما، فنحن راضون كما رضي المسلمون له، ولمن بايع، لا يحل لنا غير ذلك ولا يسع منا احدا الا ذلك، وان ولاية ابي بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه".
بينما قالت فرقة اخرى من الشيعة:
"ان عليا افضل الناس لقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولسابقته وعلمه ولكن كان جائزا للناس ان يولوا عليهم غيره اذا كان الوالي الذي يولونه مجزئا، أحب ذلك او كرهه، فولاية الوالي الذي ولوا على انفسهم برضى منهم رشد وهدى وطاعة لله عزّ وجلّ، وطاعته واجبة من الله عزّ وجلّ ".
وقال قسم آخر منهم: "ان امامة علي بن الي طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر امره".
و قد قيل للحسن بن الحسن بن علي الذي كان كبير الطالبيين في عهده وكان وصي ابيه وولي صدقة جده: (ألم يقل رسول الله: من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقال: بلى ولكن - والله - لم يعن رسول الله بذلك الامامة والسلطان، ولو اراد ذلك لأفصح لهم به.
وكان ابنه عبد الله يقول: "ليس لنا في هذا الامر ما ليس لغيرنا، وليس في احد من اهل البيت امام مفترض الطاعة من الله، وكان ينفي امامة أمير المؤمنين انها من الله.
مما يعني ان نظرية النص وتوارث السلطة في اهل البيت فقط، لم يكن لها رصيد لدى الجيل الاول من الشيعة، ومن هنا فقد كانت نظرتهم الى الشيخين ابي بكر وعمر نظرة ايجابية، اذ لم يكونوا يعتبرونهما "غاصبين" للخلافة التي تركها رسول الله (صلى الله عليه وآله) شورى بين المسلمين ولم ينص على أحد بالخصوص. وهذا ما يفسر أمر الامام الصادق لشيعته بتوليهما.
الرد على الشبهة
اقول:
يقال للاستاذ الكاتب ان المقولة التي نقلتها ونسبتها إلى أجيال من الشيعة الأوائل إنما هي مقولة أوائل البترية من الزيدية.
وفي قبال مقولتهم مقولة شيعة أوائل أيضا تبعا لمفهوم أولوية الاختصاص كانوا يقولون: (ان علي ابن أبي طالب إمام ومفروض الطاعة من الله ورسوله بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجب على الناس القبول منه والأخذ منه ولا يجوز لهم غيره، من أطاعه أطاع الله ومن عصاه عصى الله لما أقامه رسول الله علما لهم وأوجب إمامته وموالاته وجعله أولى بهم منهم بأنفسهم، والذي وضع عنده من العلم ما يحتاج إليه الناس من الدين والحلال والحرام وجميع منافع دينهم ودنياهم ومضارها وجمع العلوم كلها جليلها ودقيقها واستودعه ذلك كله واستحفظه إياه، وانه استحق الإمامة ومقام النبي (صلى الله عليه وآله) لعصمته وطهارة مولده وسبقه وعلمه وشجاعته وجهاده وسخائه وزهده وعدالته في رعيته، وان النبي (صلى الله عليه وآله) نص عليه وأشار إليه، باسمه ونسبه، وعينه وقلد الأمة إمامته وإقامة ونصبه لهم علما، وعقد له عليهم إمرة المؤمنين، وجعله وصيه وخليفته ووزيره في مواطن كثيرة، اعلمهم ان منزلته منه منزلة هارون من موسى، إلا انه لا نبي بعده، وإذ جعله نظير نفسه في حياته، وانه أولى بهم بعده، كما كان هو (صلى الله عليه وآله) أولى بهم منهم بأنفسهم).
قال النوبختي والاشعري: (فلم تزل هذه الفرقة ثابتة قائمة لازمة لإمامته وولايته على ما ذكرنا ووصفنا إلى ان قتل صلوات الله عليه)(٤٣٠).
وقد المح الاستاذ الكاتب إلى قول هذه الفئة من الشيعة في الفصل الثاني من الجزء الأول ولكنه سماها بـ (الفئة السبئية) وقال عنها (أنها جماعة قليلة من الشيعة في عهد الإمام علي وان الإمام نفسه قد رفض مقولتهم وزجرهم) (ص ٢٥) وسيأتي التعليق عليه.
٢. أما ما نسبه إلى الحسن بن الحسن بن علي (عليه السلام) من كلام فهو جزء رواية رواها ابن عساكر تحت ترجمة الحسن بن الحسن بن علي (عليه السلام) غير أنها للحسن بن الحسن بن الحسن.
قال الفضيل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن يقول لرجل من الرافضة (ولو كان الأمر كما تقولون ان الله ورسوله اختار عليا لهذا الأمر والقيام على الناس بعده، ان كان علي لأعظم الناس في ذلك خطيئة وجرما في ذلك ان ترك أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يقوم فيه كما أمره أو يعذر فيه إلى الناس.
فقال الرافضي ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (من كنت مولاه فعلي مولاه).
قال أم والله، ان لو يعني رسول الله بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس لأفصح لهم بذلك كما افصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت وقال لهم أيها الناس ان هذا ولي أمركم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا)(٤٣١).
والحسن بن الحسن بن الحسن أخو عبد الله بن الحسن هو الذي قال فيه الصادق (عليه السلام) كما في خبر الاحتجاج للطبرسي: (ان الحسن لو توفي بالزنا وشرب الخمر كان خيراً مما توفي عليه).
وفي خبر الاحتجاج أيضا عن ابن أبي يعفور قال: (لقيت أنا والمعلى الحسن بن الحسن فقال يا يهودي فاخبرنا بما قال جعفر بن محمد (عليه السلام) فقال: هو والله أولى باليهودية منكما ان اليهودي من شرب الخمر)(٤٣٢).
وقد روى ابن عساكر عن فضيل بن مرزوق قال: (سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: والله ان قتلك لقربة إلى الله عز وجل، فقال له الرجل: انك تمزح! فقال: والله ما هذا بمزاح ولكنه مني الجد)(٤٣٣).
وفيه أيضا عن فضيل بن مرزوق قال: (سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: والله لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم ثم لا تقبل منكم توبة)(٤٣٤).
وقد روى ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن الحسن بن الحسن روايات تكشف عن وحدة موقف بينهما من الرافضة.
فقد روى عن أبي بكر بن عياش عن سليمان بن قرم قال: (قلت لعبد الله بن الحسن في أهل قبلتنا كفار؟ قال نعم، الرافضة.
وروى عن أبي خالد الأحمر قال سألت عبد الله بن الحسن عن أبي بكر وعمر فقال صلى الله عليهما ولا صلى على من لم يصل عليهما).
وروى عن عمار بن زريق عن عبد الله بن الحسن قال: (ما أرى رجلا يسب أبا بكر وعمر تيسر له توبة أبدا).
وروى عن شبابة عن حفص بن قيس قال: (سألت عبد الله بن الحسن عن المسح على الخفين؟ فقال امسح فقط مسح عمر بن الخطاب، فقلت إنما أسألك أنت أتمسح؟ قال ذلك اعجز لك حين أخبرك عن عمر وتسألني عن رأيي فعمر كان خير مني وملء الأرض مثلي، قلت يا أبا محمد ان ناساً يقولون ان هذا منكم تقية فقال لي ونحن بين القبر والمنبر: اللهم ان هذا قولي في السر والعلانية فلا تسمعن قول أحد بعدي، ثم قال هذا الذي زعم ان عليا كان مقهوراً وان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمره بأمر فلم ينفذه فكفى بهذا إزراء على علي (عليه السلام) ومنقصة ان يزعم قوم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمره بأمر فلم ينفذه)(٤٣٥).
وروى الصفار في بصائر الدرجات عن علي بن سعيد وكان عند الصادق (عليه السلام) (ان رجلا قال له: جعلت فداك ان عبد الله بن الحسن يقول ليس لنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) بعد كلام: أما تعجبون من عبد الله يزعم ان أباه علي لم يكن إماما ويقول انه ليس عندنا علم، وصدق والله ما عنده علم ولكن والله وأهوى بيده إلى صدره ان عندنا سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيفه ودرعه وعندنا والله مصحف فاطمة ما فيه آية من كتاب الله وانه لإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط علي بيده)(٤٣٦).
قال العلامة التستري رح: (ونقل البحار عن (الإقبال) تصديه للاعتذار لآبائه بني الحسن ولهذا (اي لعبد الله بن الحسن) فأورد كتاب الصادق (عليه السلام) إليه تسلية له عند حمله وأهل بيته ذاكرا في عنوان المكتوب (إلى الخلف الصالح والذرية الطيبة من ولد أخيه وابن عمه) ثم أورد المكتوب وقال اشتملت هذه التعزية على وصف عبد الله بالعبد الصالح والدعاء له ولبني عمه بالسعادة وهذا يدل على ان جماعة المحمولين كانوا عند مولانا الصادق معذورين وممدوحين ومظلومين وبحقه عارفين، وقد يوجد في الكتب انهم كانوا للصادق مفارقين وذلك محتمل للتقية لئلا ينسب اظهارهم لإنكار المنكر إلى الأئمة ثم ساق أخبارا كثيرة مؤيدة لما ذكره من عذرهم ومعرفتهم واعتراف عبد الله بان ولده ليس هو المهدي الموعود وتصديقه للصادق (عليه السلام) بان المهدي من ولده ونقل رواية عن الصادق عن أبيه عن فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) أنها سمعت أباها يقول (يقتل منك أو يصاب منك بشط الفرات ما سبقهم الأولون ولا يعدلهم الآخرون) وهؤلاء المقتولون منهم عبد الله وهو رأسهم وشيخ بني هاشم. قال (المصنف)(٤٣٧) كلما أمعنت النظر في أخبار المدح والقدح لم اهتد إلى وجه جميع).
وقال العلامة التستري (رحمهم الله) ايضا: (بل أخبار القدح مستفيضة وأخبار المدح شاذة ومن طرق الزيدية، وقرر القادحة القدماء فرواها محمد بن الحسن الصفار ومحمد بن يعقوب الكليني ونظرؤهما عن الائمة ساكتين عن تأويلها، والتاريخ أيضا يعضدها، ولم تنحصر الأخبار بما نقل بل لو أريد الاستقصاء لطال الكلام، وقد رويت عنه أمور منكرة فوق عدم استبصاره ففي خبر انه قال للصادق (عليه السلام) ان الحسين كان ينبغي له إذا عدل ان يجعلها في الاسن من ولد الحسن، وروى الطبري في ذيله بإسناده عن سليمان بن قرم قال قلت لعبد الله بن الحسن أفي قبلتنا كفار قال نعم الرافضة، وقال ابن قتيبة روى عبد الله بن الحسن يوما يمسح على خفيه فقال مسح عمر ومن جعله بينه وبين الله فقد استوثق)(٤٣٨).
٣: قوله: (ومن هنا فقد كانت نظرتهم - أي اهل البيت - الى الشيخين ابي بكر وعمر نظرة ايجابية إذ لم يعتبروهما غاصبين للخلافة...، وهذا يفسر امر الامام الصادق (عليه السلام) لشيعته بتوليهما).
اقول: ان كان يريد بـ(اهل البيت) الائمة المعصومين فقد اخطأ القول فيما نسب اليهم، وذلك لان موقفهم (عليهم السلام) منهما هو موقف ابيهم علي (عليه السلام) وجدتهم الزهراء (عليه السلام).
اما موقف ابيهم علي (عليه السلام) فقد اتضح من خلال اقواله التي نقلناها عنه فيما مضى كقوله (عليه السلام) في خطبته المعروفة بالشقشقية (اما والله لقد تقمصها ابن ابي قحافة وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحا... وطفقت ارتئي بين ان اصول بيد جذاء او اصبر على طخية عمياء... فرأيت ان الصبر على هاتا احجى) وقوله (عليه السلام) (اللهم اني استعديك على قريش... فنظرت فاذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد الا اهل بيتي فضننت بهم عن المنية... وصبرت من كظم الغيظ على امر من العلقم وآلم للقلب من حز الشفار) وقوله (عليه السلام) (لو وجدت اربعين ذوي عزم لناهضت القوم) ولازم هذه الأقوال انهما اغتصبا حقه، وكان يرى استرجاع حقه بالقوة لو كانت له قوة.
اما موقف جدتهم الزهراء (عليه السلام): فهو واضح من خلال ما ثبت عنها انها غضبت عليهما ثم اصرت على ابراز غضبها هذا عليهما حتى بعد موتها حيث اوصت ان لا يشهدا جنازتها وان لا يصليا عليها وان تدفن ليلا حرصا على تحقيق ذلك، وقد نفذ علي (عليه السلام) وصيتها ودفنها ولم يؤذن ابا بكر بدفنها.
روى البخاري عن الزهري عن عروة عن عائشة (ان فاطمة (عليه السلام) وجدت على ابي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت... دفنها زوجها علي (عليه السلام) ليلا ولم يؤذن بها ابا بكر وصلى عليها)(٤٣٩).
قال العيني وابن حجر في شرح البخاري(٤٤٠): (قوله: (ليلا) أي في الليل وذلك بوصية منها لارادة الزيادة في التستر).
اقول:
ليس الامر كذلك بل حرصا على ان لا يشهداها ويصليا عليها بقرينة ان عليا (عليه السلام) لم يُعلِمْ ابا بكر بها.
وفي دلائل الامامة للطبري عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (لما دخلا عليها قالا لها: كيف انت يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت بخير والحمد لله. ثم قالت لهما: اما سمعتما النبى (صلى الله عليه وآله) يقول فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد اذى الله؟ قالا: بلى، قالت: والله لقد آذيتماني فخرجا من عندها وهي ساخطة عليهما)(٤٤١).
وفي رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام) (ان زيداً لما قال له سالم بن ابي حفصة وكثير النوا وابو الجارود انهم يتولون ابا بكر وعمر ويتبرءون من اعدائهم قال لهم زيد ويلكم أتتبرءون من فاطمة؟ بترتم امرنا بتركم الله فيومئذ سموا البترية)(٤٤٢).
وقد سئل الرضا (عليه السلام) عن الشيخين فقال: (كانت لنا امة بارة خرجت من الدنيا وهي عليهما غضبى ونحن لا نرضى حتى ترضى)(٤٤٣).
اما ما نسب الى الباقر والصادق (عليه السلام) من روايات الترضي والتولي فهي من باب التقية في العهد الاموي اما ما نسب الى علي (عليه السلام) فهي روايات موضوعة عليه في العهد العباسي نرجئ بحثها الى فرصة قادمة.

المورد الثالث عشر: الاشعري واخبار عبد الله بن سبأ

قوله: يسجل المؤرخون الشيعة الاوائل النوبختي والاشعري والكشي أول تطور ظهر في صنوف الشيعة على يد عبد الله بن سبأ
اقول: بل سجله الاشعري فقط وقد اخذ ذلك عن غير الشيعة وعنه اخذ الكشي وغيره.
نص الشبهة
قوله: (يسجل المؤرخون الشيعة الامامية الاوائل: (النوبختي والاشعري القمي والكشي) اول تطور ظهر في صفوف الشيعة في عهد الامام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) على يدي المدعو (عبد الله بن سبأ) الذي يقولون: انه كان يهوديا واسلم، والذي يقول النوبختي عنه: انه اول من شهر القول بفرض امامة علي، وكان يقول في يهوديته بيوشع بن نون وصيا لموسى فقال كذلك في اسلامه في علي بعد رسول الله، واظهر البراءة من اعدائه وكاشف مخالفيه واظهر الطعن على ابي بكر وعمر وعثمان والصحابة.
وسواء كان عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية أم اسطورية فان المؤرخين الشيعة يسجلون بوادر ظهور اول تطور فى الفكر السياسي الشيعي اعتمادا على موضوع (الوصية) الروحية والشخصية، الثابتة من الرسول الاكرم الى الامام علي، واضفاء المعنى السياسي عليها، وذلك قياسا على موضوع (الوصية) من النبي موسى (عليه السلام) إلى يوشع بن نون وتوارث الكهانة في ابناء يوشع.
ومع ان هذا القول كان ضعيفا ومحصورا في جماعة قليلة من الشيعة في عهد الامام علي، وان الامام نفسه قد رفضه بشدة وزجر القائلين به، الا ان ذلك التيار وجد في تولية معاوية لابنه يزيد من بعده ارضا خصبة للنمو والانتشار، ولكن المشكلة الرئيسية التي واجهته هو عدم تبني الامام الحسن والحسين له واعتزال الامام على بن الحسين عن السياسة، مما دفع القائلين به الى الالتفاف حول محمد بن الحنفية باعتباره وصي أمير المؤمنين ايضا، خاصة بعد تصديه لقيادة الشيعة في اعقاب مقتل الامام الحسين، وقد اندس السبئية في الحركة الكيسانية التي انطلقت للثأر من مقتل الامام الحسين بقيادة المختار بن عبيدة الثقفي)(٤٤٤).
الرد على الشبهة
اقول:
١. اقول دار جدل في الأوساط العلمية الشيعية حول كتابَيْ (المقالات والفرق) و(فرق الشيعة) هل هما نسختان لكتاب واحد ومؤلف واحد أو هما كتابان لمؤلفين مختلفين والاتجاه الراجح هو الأول وهو الحق، ويبقى الكلام حول المؤلف من هو؟
وقد ذهب الأستاذ عباس إقبال الاشتياني انه تأليف سعد بن عبد الله الاشعري المعاصر للنوبختي وقد كتب رأيه هذا قبل العثور على كتاب المقالات والفرق للاشعري الذي نشره الدكتور جواد مشكور، وبعد ان انتشر الكتابان كتب السيد محمد رضا الحسيني مقالا نشره في مجلة تراثنا العدد الأول السنة الأولى ١٤٠٥ ص ٢٩-٥١ يؤيد فيه رأي الاشتياني وذهب إلى ان كتاب فرق الشيعة المطبوع باسم النوبختي هو نسخة مختصرة من كتاب (المقالات والفرق) لـ (سعد الاشعرى)(٤٤٥).
٢. ما ذكره الكشي عن ابن سبأ أمران:
الأول: خمس روايات رواها الكشي عن محمد بن قولويه عن سعد بن عبد الله الاشعري عن رواة شيعة ينتهي سند احداها إلى علي بن الحسين (عليه السلام) والاخرى إلى الباقر (عليه السلام) وثلاث إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وهذه الروايات تدور حول قضية واحدة هي ادعاء ابن سبأ الربوبية في علي (عليه السلام)، وكون علي (عليه السلام) احرق ابن سبأ لأجل ذلك(٤٤٦).
الثاني: قوله (أي الكشي) (وذكر بعض أهل العلم ان عبد الله بن سبأ كان يهودياً فاسلم ووالى عليا (عليه السلام) وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) مثل ذلك وكان أول من شهر بالقول بفرض إمامة علي واظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وأكفرهم.
فمن هيهنا قال من خالف الشيعة اصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية)(٤٤٧).
اقول: وهذا القول بنصه هو جزء مما أورده سعد الاشعري في كتابه المقالات وفيما يلي كل ما أورده سعد الاشعري في كتابه.
قال سعد الاشعري في كتابه المقالات والفرق:
(فلما قتل علي صلوات الله عليه افترقت الأمة التي أثبتت له الإمامة من الله ورسوله فرضا واجبا فصاروا فرقاً ثلاثة:
فرقة منها قالت:
ان عليا لم يقتل ولم يمت ولا يموت حتى يملك الأرض ويسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض قسطاً وعداً كما ملئت ظلما وجوراً.
وهي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي من هذه الأمة. وأول من قال بينها بالغلو. وهذه الفرقة تسمى السبائية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني وساعده على ذلك عبد الله بن حرس وابن اسود وهما من اجلة أصحابه.
وكان أول من اظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم.
وادعى ان عليا عليه السلام أمره بذلك، وان التقية لا تجوز ولا تحل، فاخذه علي فسأله عن ذلك فاقرََّ به وامر بقتله. فصاح الناس اليه من كل ناحية يا أمير المؤمنين أتقتل رجلا يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك فسيره على إلى المدائن.
وحكى جماعة من أهل العلم ان عبد الله بن سبأ كان يهوديا فاسلم ووالى عليا، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي بمثل ذلك. وهو أول من شهر بالقول بفرض إمامة علي بن أبي طالب، واظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وأكفرهم.
فمن هاهنا قال من خالف الشيعة ان اصل الرفض مأخوذ من اليهودية.
ولما بلغ ابن سبأ وأصحابه نعي علي وهو بالمدائن وقدم عليهم راكب فسأله الناس. فقال ما خبر أمير المؤمنين قال ضربه اشقاها ضربة قد يعيش الرجل من اعظم منها ويموت من وقتها، ثم اتصل خبر موته فقالوا للذي نعاه كذبت يا عدو الله أو جئتنا والله بدماغه في صرة فأقمت على قتله سبعين عدلا ما صدقناك، ولعلمنا انه لم يمت ولم يقتل. وانه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض(٤٤٨).
ثم مضوا يومهم حتى اناخوا بباب علي فاستأذنوا عليه استئذان الواثق بحياته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده سبحان الله ما علمتم ان أمير المؤمنين قد استشهد قالوا أنا لنعلم انه لم يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه كما قادهم بحجته وبرهانه. وانه ليسمع النجوى ويعرق تحت الدثار الثقيل ويلمع في الظلام كما يلمع السيف الصقيل الحاسم.
فهذا مذهب السبائية ومذهب الحربية وهم أصحاب عبد الله بن سبأ واصحاب عمر بن الحرب الكندي في علي (عليه السلام). وقالوا بعد ذلك في علي انه اله العالمين وانه توارى عن خلقه سخطاً منه عليهم وسيظهر)(٤٤٩).
هذا هو كل ما اورده سعد الاشعري القمي عن فرقة السبائية.
ولابد ان نذكر القارئ الكريم بنكتة أساسية تتعلق بمنهج سعد الاشعري ذكرها في مقدمة كتابه حيث قال:
(ان فرق الامة كلها المتشيعة وغيرها اختلفت في الإمامة في كل عصر ووقت كل إمام بعد وفاته وفي عصر حياته منذ قبض الله محمداً (صلى الله عليه وآله)، وقد ذكرنا في كتابنا هذا ما يتناهى إلينا من فرقها وآرائها واختلافها)(٤٥٠).
ومعنى ذلك ان الذي ذكره سعد في كتابه هو ما تناهى إليه من القول فيها من كتب المقالات والفرق المكرسة لذلك أو التي تطرقت إلى ذلك عرضاً التي كانت قبله أو التي عاصر مؤلفيها.
ومن اجل التأكد من هذه الحقيقة نحاول ان نتتبع المعلومات التي وردت في كلام الاشعري في كتب المقالات والفرق والحديث والتاريخ السنية والشيعية وسنكتشف ان أصولها منحصرة في الكتب السنية دون الشيعية ما عدى قضية ادعاء ابن سبأ الالوهية في علي (عليه السلام) فأنها ذكرت في كتاب شيعي واحد هو كتاب الكشي ثم انتشرت منه إلى الكتب الشيعية التي جاءت بعده.
ونحن من اجل تسهيل عملية التتبع نصنف المعلومات التي وردت في نص الاشعري إلى المفردات التالية:
١. قوله (ان عبد الله بن سبأ كان يهوديا فاسلم ووالى عليا.. وهو أول من شهر بالقول بفرض إمامة علي (عليه السلام) واظهر البراءة من أعدائه).
٢. ان عليا أمر بقتل ابن سبأ بسبب ما أظهره من الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة والبراءة منهم.
٣. ان الناس تشفعوا في ابن سبأ فرفع عنه القتل ونفاه إلى المدائن.
٤. ان ابن سبأ وأصحابه في المدائن لما بلغهم قتل علي (عليه السلام) لم يصدقوه وقالوا لو جئتنا بدماغه في صرة(٤٥١) فأقمت على قتله سبعين عدلاً ما صدقناك ولعلمنا انه لم يمت ولم يقتل وانه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض.
٥. ان أصحاب ابن سبأ وهم السبائية وأصحاب عمر بن حرب الكندي وهم الحربية قالوا بعد ذلك في انه إله العالمين.
وفيما يلي الحديث عن مصادر كل واحدة منها:
* وردت المفردة الأولى وهي قوله (ان عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم...) في حديث سيف بن عمر عن حوادث الثورة على عثمان وهو أول من روى ذلك قال سيف في كتابه الجمل ومسير عائشة وعلي عن عطية عن يزيد الفقعسي: (كان ابن سبأ يهوديا من أهل صنعاء من أمة سوداء فاسلم زمن عثمان بن عفان ثم تنقل في بلاد المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم بالبصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما كان يقول:... انه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد (صلى الله عليه وآله) ثم قال محمد (صلى الله عليه وآله) خاتم النبيين وعلى خاتم الأوصياء ثم قال بعد ذلك من اظلم ممن لم يجز وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووثب على وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)...)(٤٥٢).
ومن كتاب سيف أخذها الطبري (تـ ٣١٠) في تاريخه، وابن عساكر (تـ ٥٧١) في كتابه تاريخ دمشق والذهبي تـ ٧٤٨ في كتابه تاريخ الإسلام وابن أبي بكر (تـ ٧٤١) في كتابه التمهيد والبيان في مقتل عثمان، وعن هؤلاء اخذ من جاء بعدهم كما فصل ذلك العلامة العسكري في كتابه القيم (عبد الله بن سبأ) ج١.
* ووردت معلومة (ان عبد الله بن سبأ يهودي من صنعاء) في رواية عبد الرحمن بن مالك بن مغول تـ ١٩٥ عن الشعبي في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه (تـ ٣٢٧) ج٢ وفي كتاب اللطيف في السنة لابن شاهين (تـ ٣٨٥ هجـ) كما نقل ذلك عنه ابن تيمية في منهاج السنة ج١ المقدمة.
* ووردت المفردة الثانية وهي (ان عليا (عليه السلام) أمر بقتل ابن سبأبسبب طعنه على أبي بكر وعمر) في رواية ابن عساكر في تاريخ دمشق ج ٦٢٩/٧-٩ بسنده عن مرزوق عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن زيد قال قال علي بن أبي طالب مالي ولهذا الحميت الأسود؟ يعني عبد الله بن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر.
* ووردت المفردة الثانية والثالثة في رواية أبي اسحق الرازي (أو الفزارى) عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء (أو) عن زيد بن وهب (ان سويد بن غفلة دخل على علي (عليه السلام) في إمارته فقال: أني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر يرون انك تضمر لهما مثل ذلك، منهم عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله أول من اظهر ذلك، فقال علي مالي ولهذا الحميت الأسود (أو الخبيث الأسود)، ثم قال معاذ الله ان أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى عبد الله بن سبأ فسيره إلى المدائن وقال لا تساكنّي في بلدة أبدا، ثم نهض إلى المنبر حتى اجتمع الناس وقال إلا لا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما (أي أبا بكر وعمر) إلا جلدته حد المفتري)(٤٥٣).
وفي رواية أخرى لابن عساكر بسنده عن مغيرة عن سماك قال: (بلغ عليا ان ابن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر، فدعا به، ودعا بالسيف أو قال فهمَّ بقتله، فكُلِّم فيه فقال لا يساكني ببلد أنا فيه، قال فسيره إلى المدائن)(٤٥٤).
* ووردت المفردة الرابعة (وهي ان ابن سبأ وأصحابه في المدائن لما بلغهم قتل علي (عليه السلام) أنكروه) في رواية الجاحظ عن مجالد(تـ ١٤٤) عن الشعبي(تـ١٠١) عن جرير بن قيس قال: (قدمت المدائن بعدما ضرب علي بن ابي طالب كرم الله وجهه فلقيني ابن السوداء وهو ابن حرب فقال لي ما الخبر فقلت ضرب أمير المؤمنين ضربة يموت الرجل من ايسر منها ويعيش من اشد منها، قال لو جئتمونا بدماغه في مائة صُرَّة لعلمنا انه لا يموت حتى يذودكم بعصاه)(٤٥٥).
وقد روى رواية مجالد هذه الخطيب البغدادي (تـ ٤٦٢) وفيها زحر بن قيس بدلا من جرير بن قيس.
وفيها أيضا عبد الله بن وهب السبائي بدلاً من ابن السوداء(٤٥٦).
* ووردت معلومة (ان ابن سبأ احدث النص والطعن في الصحابة) في حديث أبي علي الجبائي تـ ٣٠٣ كما حكاه عنه القاضي عبد الجبار المعتزلي (تـ ٤١٣) قال: (قال أبو علي الجبائي:
ثم حدث في آخر أيام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قول ابن سبأ وإفراطه في وصفه وتعظيمه واستنقاص كبار الصحابة فبلغ ذلك عليا فدعاه وزجره ونفاه عن الكوفة فصار إلى المدائن وأقام بها إلى ان مات علي فرجع إلى الكوفة واستدعى قوما من أهلها فبقيت مضرته إلى الآن وهي الوقيعة في أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) وان عليا (عليه السلام) منصوص عليه)(٤٥٧).
اقول:
في هذا الذي أوردناه كفاية لتأييد ما أشرنا إليه من ان سعداً الاشعري إنما أورد ما تناهى إليه من كلمات حول ابن سبأ والسبائية قد أخذها من كتب المقالات والفرق التي قبله او اخذ بعضها من هذه وبعضها من تلك الروايات التي اشرنا اليها. كما يوحي قوله (وحكى جماعة من أهل العلم) بذلك وتعبير (أهل العلم) منه لا يريد به الشيعة إذ لو أراده لقال جماعة من أصحابنا.
ويؤكد ذلك انك لن تجد شيعياً واحدا ممن مضى أو بقي يقول ويعتقد بشيء من ذلك، كما انك لن تجد في التراث الشيعي على ضخامته رواية واحدة حتى ولو كانت ضعيفة تسند القول بالوصية الى عبد الله بن سبأ.

المورد الرابع عشر: ليس سواءٌ القول باسطورية ابن سبأ وعدمه

قوله: وسواء كان عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية ام اسطورية
اقول: بل ليس سواء لان القول باسطورية عبد الله بن سبأ الذي ينسب اليه القول بالوصية ذات الاثر السياسي سوف يقلب الموازين بشهادة الباحثين من اهل السنة انفسهم.
نص الشبهة
قوله: (وسواء كان عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية أم أسطورية...)
الرد على الشبهة
أقول:
١. بل ليس سواء، لان القول بأسطورية عبد الله بن سبأ الذي ينسب اليه القول بالوصية سوف يقلب ويزلزل موازين النظر إلى اصل القول بالوصية لعلي عند من يربط نشأة ذلك بعبد الله بن سبأ.
وقد صرح بزلزلة وانقلاب الموازين اثنان من الأساتذة الجامعيين من أهل السنة في المملكة العربية السعودية.
الاول الدكتور سليمان العودة:
وقد كانت رسالته في الماجستير عن شخصية عبد الله بن سبأ وهو من القائلين بوجوده ومتحمس جداً لتثبيت ما رواه سيف بن عمر بشأنه.
قال العودة: (ان في هذا الرأي /أي القول بأسطورية عبد الله بن سبأ/ نسف لكتب بأكملها تعد من مفردات كتب التراث ويعتمد عليها في النقل والتوثيق من قرون متطاولة فكتاب منها ج السنة(٤٥٨) مثلا لشيخ الإسلام ابن تيمية ينطلق من اعتبار عبد الله بن سبأ اصل الرافضة فهو أول من قال بالوصية والرجعة وغيرها من معتقدات، وإنكار هذه الشخصية أو التشكيك فيها تشكيك في الكتاب كله ونسف من أصوله، بل ربما تجاوز الأمر إلى التشكيك في أصول الرافضة وتاريخ نشأتهم)(٤٥٩).
ومراده من عبارته الأخيرة ان التشكيك بعبد الله بن سبأ معناه التشكيك بالقول المعروف لديهم ان اصل الرافضة ونشأتهم إنما كان على يد ابن سبأ، هذا القول الذي تبناه ابن تيمية تـ ٧٢٨ ومن قبله أبو علي الجبائي تـ ٣٠٣ شيخ المعتزلة ومن بعد ابن تيمية من اخذ بقوله في اصل التشيع وهم كثير في عصرنا ومنهم الدكتور سليمان العودة المذكور آنفاً قال في رسالة الماجستير (ان عبد الله بن سبأ اصل التشيع)(٤٦٠).
وليس من شك ان نسف هذا القول عند هؤلاء وغيرهم سيؤدي بهم إلى الانفتاح على الأطروحة الصحيحة في نشأة التشيع والقول بالوصية، وهي الأطروحة المبنية على روايات صحيحة سنداً عند أهل السنة أنفسهم كحديث الثقلين وحديث المنزلة وحديث الكساء وحديث الدار وغيرها.
الثاني الدكتور حسن بن فهد الهويمل:
قال في معرض تقييم نتائج كتابات الدكتور الهلابي والأستاذ حسن المالكي حول عبد الله بن سبأ حيث ذهب الأول إلى نفي وجوده ودوره في أحداث الثورة على عثمان وذهب الثاني الى نفي دوره في احداث الثورة على عثمان:
(ومع قراءتي لما كتبا ووقوفي على الجهد المبذول في التقصي إلا انني لا اطمئن لما ذهبا إليه ولا ارتاح له لان في نسف هذه الشخصية (أي شخصية عبد الله بن سبأ) نسف لأشياء كبيرة وتفريغ لكتب تراثية لكبار العلماء من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر والذهبي وغيرهما فابن سبا أو ابن السوداء يشكل مذهبا عقديا ويشكل مواقف أخرى لو تداعت لكنا أمام زلزلة تمس بنايات كثيرة)(٤٦١).
ويريد الدكتور الهويمل بقوله (فابن سبأ يشكل مذهبا عقديا...) المذهب الشيعي المبني على القول بالوصية لعلي ولكنه لم يشأ ان يصرح بذلك.
٢. أقول مخاطبا الاستاذ احمد الكاتب: ليس من المناسب لشخص يدعي البحث العلمي في موضوع معين يهمل بحوثا علمية تتصل بموضوع بحثه بشكل صميمي، والبحوث حول عبد الله بن سبأ التي تدور منذ مائة سنة تقريبا نفيا وإثباتا في قليل أو كثير من قبل المستشرقين والباحثين الشيعة والباحثين السنة هي من هذا القبيل و(الاستاذ احمد الكاتب) حاول ان يتغاضى عن ذلك كله فيقول: (سواء كان عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية أم أسطورية فان المؤرخين الشيعة (يريد النوبختي والأشعري والكشى) يسجلون بوادر ظهور اول تطور في الفكر السياسي الشيعي..)، والطريف منه حين يتهرب عن تحديد موقف من تلك البحوث يعود ليؤكد وجود فرقة السبائية القائلة بالوصية وان هذا القول كان ضعيفا، محصورا في جماعة قليلة من الشيعة في عهد الإمام علي (عليه السلام) وان الإمام نفسه قد رفضه بشدة وزجر القائلين به وان هذا التيار (الضعيف) وجد في تولية معاوية لابنه يزيد من بعده أرضا خصبة للنمو والانتشار... وقد اندس السبئية في الحركة الكيسانية(٤٦٢).

المورد الخامس عشر: النص والبيعة

قوله: لو كانت نظرية النص ثابتة لعلي لم يكن بحاجة الى بيعة المسلمين
اقول: دور النص تثبيت الحق الشرعي ودور البيعة توفير القدرة السياسية
نص الشبهة
قوله: (لقد كان الامام علي يؤمن بنظام الشورى. وان حق الشورى بالدرجة الاولى هو من اختصاص المهاجرين والانصار، ولذلك فقد رفض - بعد مقتل عثمان - الاستجابة للثوار الذين دعوه الى تولي السلطة وقال لهم: ليس هذا اليكم.. هذا للمهاجرين والانصار من امره اولئك كان اميرا. وعندما جاءه المهاجرون والانصار فقالوا: امدد يدك نبايعك. دفعهم، فعاودوه، ودفعهم ثم عاودوه فقال: "دعوني والتمسوا غيري واعلموا اني ان اجبتكم ركبت بكم ما اعلم.. وان تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم وانا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا".
 ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما فقال: من شاء منكما بايعته، فقالا: لا.. الناس بك ارضى، واخيرا قال لهم: "فان ابيتم فان بيعتي لا تكون سرا، ولا تكون الا عن رضا المسلمين ولكن اخرج الى المسجد فمن شاء ان يبايعني فليبايعني". ولو كانت نظرية النص والتعيين ثابتة ومعروفة لدى المسلمين، لم يكن يجوز للامام ان يدفع الثوار وينتظر كلمة المهاجرين والانصار، كما لم يكن يجوز له ان يقول: "انا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا"، ولم يكن يجوز له ان يعرض الخلافة على طلحة والزبير، ولم يكن بحاجة لينتظر بيعة المسلمين). ص ١٤-١٥.
الرد على الشبهة
أقول:
١. (الاستاذ احمد الكاتب) كغيره من منكري النص لم يميز بين (البيعة) التي هي عقد بين المنصوص عليه وثلة خَيِّرة من الأمة كافية لان ينهض بها امر الحكم والجهاد وبين (الشورى) وهي ان يأخذ الحاكم برأي اكثرية الأمة في مجالات التنفيذ وما لا نص فيه، وكلاهما كان النبي قد فعله، ومن بعده علي (عليه السلام). ثم ان البيعة والشورى لا تتعارض مع النص، نعم الشورى في تعيين الحاكم في قبال المنصوص عليه بشخصه لم يكن علي (عليه السلام) يؤمن بها لانها خلاف الواقع إذ نص النبي (صلى الله عليه وآله) عليه شخصياً بأمر الله تعالى.
٢. لم يقبل علي (عليه السلام) من الثوار البيعة في أول الأمر لان هؤلاء الثوار تصوروا ان البيعة على الحكم في مرحلتها الأولى تقع كيفما اتفقت، ونبههم علي (عليه السلام) بسلوكه ازاءهم ان الأمر ليس كذلك فان البيعة على الحكم أو الجهاد في مرحلتها الأولى تتقوَّم بأهل السابقة في الايمان والجهاد وهم في ذلك الوقت المهاجرون والانصار كما ان البيعة على الحكم لا تكون خُفْيَةً وانما تكون في المسجد وعلى ملأ من الناس ورضا منهم نعم البيعة على جهاد الظالمين تكون في بدء أمرها سرية كما حصل بين النبي (صلى الله عليه وآله) والانصار في العقبة الثانية.
٣. ان نص النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) يوجب البيعة لعلي وحرمة التخلف عنه، فاذا اقدم أهل السابقة والجهاد على بيعة علي (عليه السلام) واخذها علي (عليه السلام) منهم صارت هذه البيعة المنعقدة موضوعا لوجوب آخر وحرمة أخرى على بقية المسلمين وهو وجوب اتباع سبيل المؤمنين والدخول فيما دخلوا فيه وحرمة الرد عليهم اضافة إلى حرمة نكث البيعة من كل المبايعين، ويترتب عليه أيضا وجوب مقاتلة الرادين والناكثين كما قاتل علي (عليه السلام) أهل الجمل لنكثهم البيعة وأهل صفين لردهم البيعة.
وفي ضوء ذلك يتضح لماذا احتج علي بالبيعة على طلحة والزبير، لقد (عليه السلام) طالبهما بالوفاء بالبيعة التي ان كانت واجبة عليهما واقدما عليها باختيارهما.
ويتضح من ذلك أيضا ان الذي طلبه (عليه السلام) من معاوية، هو ان يدخل فيما دخل فيه المسلمون ولم يكن قد طلب منه البيعة لاقامة الحكم قال (عليه السلام) في كتابه اليه (فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم حاكم القوم اليَّ احملك واياهم على كتاب الله) (ان بيعتي بالمدينة لزمتك وانت بالشام)(٤٦٣).
٤. ان وجود النص على علي (عليه السلام) والاحد عشر من ذريته من فاطمة ليس معناه يجب عليهم ان يقبلوا البيعة على الحكم أو البيعة على الجهاد كيفما اتفقت ومن دون تقدير من طرفهم لتكامل شروط النهوض وقبول بيعة المبايعين. وقد كان في تقدير علي (عليه السلام) ان قبوله للبيعة بعد قتل عثمان وفي ظروف مثل تلك الظروف يحتاج إلى إحكام الشروط، اما قوله (عليه السلام) (لا تفعلوا فاني اكون وزيرا خير من ان اكون اميراً) فهو موضوع ومدسوس في كلامه من قبل الرواة إذ لم يكن وزيراً لأي واحد من الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، نعم كان وزيراً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ووزارته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت تشبه وزارة هارون لموسى وقد نصَّ النبي (صلى الله عليه وآله) على هذا الشبه في قوله لعلي (عليه السلام) (أما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدى)(٤٦٤) ونص القرآن على ان هارون كان وزيراً لموسى وشريكا له في أمر الرسالة، وبسبب ختم النبوة بمحمد (صلى الله عليه وآله) نص النبي (صلى الله عليه وآله) ان عليا وزير وليس بنبي.
٥. أما كونه (عليه السلام) مشى إلى طلحة والزبير وعرض عليهما البيعة قائلا: من شاء منكما بايعته... فهي رواية غير صحيحة. ومعارضة بقوله (عليه السلام) (متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه النظائر) ويريد بالنظائر عثمان وسعد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، انه (عليه السلام) يتبرم من قرنه بهم فكيف يتوقع منه ان يعرض البيعة على أحدهم.

موارد اخرى من الكتاب رددنا عليها سابقا

من الجدير ذكره لفت نظر القارئ الكريم الى ملاحظة قبل ان اشير الى الموارد الاخرى وهي ان قسما من فصول كتاب الاستاذ احمد الكاتب كان قد نشرها في نشرة الشورى ومنها المبحث الثالث من الفصل الثاني من الجزء الثاني من الكتاب (١٩٣-٢٠٢) وكان قد نشره في العدد العاشر من نشرة الشورى ص ١٠-١٢ الصادرة في رمضان ١٤١٦- شباط ١٩٩٦ وكنا قد نشرنا ردودنا على الشبهات المثارة في هذا المقال في العددين الاول والثاني من نشرتنا شبهات وردود وقد صدر العدد الاول منها في ١٧ ربيع الاول ١٤١٧ هجـ الموافق للشهر الثالث من سنة ١٩٩٦ اما كتاب الاستاذ الكاتب فقد طبع سنة ١٩٩٧ أي بعد عدة شهور من صدور ردنا على افكاره المنشورة في الشورى، ولم يشر الى الرد مع انه قد اطلع عليه وكتب رداً في ثلاث صفحات بتاريخ ٢٣ رمضان ١٤١٧ التي قال فيها (لا اريد ان اخوض معك في جدال مفصل حول ما نشرت ضدي من ردود قبل ان انشر كتابي الذي سوف يطلع القراء الكرام عليه في المستقبل القريب... ولكني اريد ان اتوقف عند بعض الردود العجيبة...) ويقول (وكان ردك ضعيفا) وهي تعني ان الاستاذ الكاتب قد اطلع على ردودنا قبل ان يدفع كتابه للمطبعة ولكنه آثر الصمت.
اما الموارد التي وعدنا القارئ الكريم الاشارة اليها فهي:
١. ماذكره في الصفحة ١٩٥- ١٩٦ (ان تحديد الأئمة (عليه السلام) باثني عشر لم يكن له أثر عند الشيعة في القرن الثالث الهجري إذ لم يشر إليه النوبختي في كتابه فرق الشيعة ولا علي بن بابويه في كتابه الإمامة والتبصرة من الحيرة!).
رددنا عليه في الحلقة الاولى الفصل الاول وقلنا هناك: أن علي بن بابويه أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه الإمامة والتبصرة وان إبراهيم بن نوبخت أشار إليذلك أيضا في كتابه ياقوت الكلام وهو معاصر للنوبختي، وفي ضوء ذلك فان العقيدة الاثني عشرية كانت معروفة في القرن الثالث الهجري بل قبل ذلك.
٢. ما ذكره في الصفحة ١٩٦ من ان الائمة انفسهم لم يكونوا يعرفون من هو وصيهم الا قرب وفاتهم.
رددنا عليه في الحلقة الاولى في الفصل الثاني وقلنا هناك: قد جاء في الروايات الصحيحة عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال لأصحابه: (أترون ان الأمر إلينا نضعه فيمن شئنا! كلا والله انه عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى علي (ثم) إلى رجل فرجل إلى ان ينتهي إلى صاحب هذا الأمر)..
٣. ماذكره في الصفحة ١٩٨: (ان النظرية الاثني عشرية لم تكن مستقرة في العقل الامامي حتى منتصف القرن الرابع الهجري وان الشيخ الصدوق ابدى شكه بتحديد الائمة باثني عشر).
رددنا عليه في الحلقة الاولى الفصل الثالث وقلنا هناك: ان قول الشيخ الصدوق هذا لا يدل على ما فهمه صاحب النشرة من عدم استقرار النظرية الإمامية الاثني عشرية حتى منتصف القرن الرابع لان كلام الصدوق هذا كان يتناول فترة ما بعد ظهور الثاني عشر (عليه السلام) ولم يكن نظره الى فترة القرن الرابع الهجري!!.
٤. ما ذكره في الصفحة ١٩٨ (وقد كان زرارة من اعظم تلاميذ الامامين الباقر والصادق ثم مات ولم يعرف من هو الامام بعد الصادق (عليه السلام)..).
رددنا عليه في الحلقة الاولى الفصل الرابع وقلنا هناك: وردت الرواية عن الامام الرضا (عليه السلام) انه قال: (ان زرارة كان يعرف أمر أبي (عليه السلام) ونص أبيه عليه وإنما بعث ابنه ليتعرف من أبي (عليه السلام) هل يجوز له ان يرفع التقية في إظهار أمره ونص أبيه عليه... وانه لما أبطأ عنه ابنه طولب بإظهار قول في أبي (عليه السلام) فلم يحب ان يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف وقال: اللهم ان إمامي من اثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد (عليه السلام)).
٥. ما ذكره في الصفحة ١٩٨-١٩٩ (من اختلاف الشيعة في تحديد عدد الائمة باثني عشر أو ثلاثة عشر، وروايات الكليني في الكافي بهذا القدر ورواية كتاب سليم).
رددنا عليه في الحلقة الاولى الفصل الخامس: وقلنا هناك: اثبت المحققون من علماء الشيعة ان تلك الروايات التي اشار اليها صاحب النشرة قد تعرضت لأخطاء غير متعمدة من النساخ الاوائل. ولم يقل أحد من الشيعة بأن الأئمة ثلاثة عشر إلا هبة الله بن احمد حفيد العمري وكان قد قال ذلك ليستميل جانب أبي شيبة الزيدي طمعا في دنياه.
٦. ما ذكره في الصفحة ١٩٨: (من ان روايات عديدة يذكرها الكليني في الكافي والمفيد في الارشاد والطوسي في الغيبة ان الامام الهادي اوصى في البداية الى ابنه السيد محمد ولكنه توفي في حياة ابيه فاوصى الى ابنه الحسن العسكري...).
رددنا عليه في الحلقة الاولى الفصل السادس وقلنا هناك: ان هذه الروايات قد حملها العلماء على غير ظاهرها إضافة إلى انها معارضة بروايات أخرى صريحة بالنص من الإمام الهادي (عليه السلام) على إمامة ولده الحسن العسكري (عليه السلام) في حياة ولده ابي جعفر (عليهما السلام). وكان على صاحب النشرة ان يشير إليها ولا يوهم القارئ أن ما ذكره أعلاه هو الروايات الوحيدة.
٧. ما ذكر في الصفحة ١٩٩ (من ان عامة الشيعة في القرن الرابع الهجري يشكون في وضع واختلاق كتاب سليم بن قيس وذلك لروايته من طريق محمد بن علي الصيرفي ابو سمينة الكذاب المشهور واحمد بن هلال العبرتائي الغالي الملعون...).
رددنا عليه في الحلقة الاولى الفصل السابع: لا تنحصر رواية كتاب سليم بن قيس او احاديثه في الاثني عشر بالصيرفي والعبرتائي وهناك روايات صحيحة تثبت وجود كتاب سليم او احاديثه في الاثني عشر عند محمد بن ابي عمير (تـ٢١٧) وحماد بن عيسى (تـ٢٠٦) وعمر بن أذينة (تـ١٦٨).
٨. ما ذكره في الصفحة ٢٠٠ (من ان الزيدية قالوا ان الرواية التي دلت على ان الائمة اثنا عشر قول احدثه الامامية قريبا وولدوا فيه احاديث كاذبة...).
رددنا عليه في الحلقة الاولى الفصل الثامن وقلنا هناك: البحث السندي في روايات الاثني عشر إماما عند الفريقين يكذب دعواه تلك. وان الأحاديث الشيعية في الاثني عشر كانت معروفة لدى الثقات من الشيعة قبل ولادة المهدي (عليه السلام) بل منذ القرن الثاني الهجري.
٩. قوله الصفحة ١٩٤ (مادام في الارض مسلمون ويحتاجون الى دولة وامام وكان محرما عليهم اللجوء الى الشورى والانتخاب كما تقول النظرية الامامية وكان لابد ان يعين الله لهم اماما معصوما منصوصا عليه فلماذا اذن يحصر عدد الائمة في اثني عشر واحدا فقط...).
رددنا عليه في الحلقة الثانية الفصل الاول وقلنا هناك: الإمامة المحصورة باثني عشر بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ليست هي منصب الحكم فقط بل هي منزلة الحجة على الخلق بالقول والفعل والتقرير ومن لوازم هذه المنزلة حصر حق الحكم بصاحبها في زمان حضوره أما في عصر الغيبة فإن منصب الحكم حق للفقهاء العدول.

الفصل الثاني: رسائل القراء

أولا: رسالة احمد الكاتب
احمد الكاتب: في رسالته الى نشرة (شبهات وردود): لماذا اهمل البدري موضوع الامامة والمهدي في ردوده وتعلق فقط بموضوع (الاثني عشرية)؟ لماذا مارس ما اتهمني به من سياسة استغفال القراء حيث لم يشر في حديثه ابدا الى قول الشيخ المفيد بضعف كتاب سليم وحاول الصمت والهروب؟دعوة لمواصلة البحث في الاصول قبل الدخول في الجزئيات.
البدري: ما كتبناه في الحلقة الاولى والثانية من نشرتنا شبهات وردود تناول موضوع (الامامة) و(تحديد الائمة باثني عشر) اما بحث موضوع ولادة المهدي ونشاطه في عصر الغيبة الصغرى فهو متأخر رتبة عنهما ثم لا بد من بحث سيرة الائمة الاحد عشر قبل المهدي (عج) ونشاطاتهم وتكوين الوجود الشيعي قبل ذلك ايضاً ومن هنا فان الطريق طويل فلماذا هذه العجلة!!! ما كتبناه حول كتاب سليم قد استوفى اقوال العلماء فيه ومنهم قول الشيخ المفيد فيه انظر الحلقة الأولى ص١٥ من الطبعة الاولى وص ٩٥ من الطبعة الثانية!! دخولنا في الجزئيات معه سببه انه بنى استنتاجاته اما على فهم خاطئ للرواية او فهم خاطئ لكلام علماء الشيعة الاقدمين واغفال روايات كان لابد ان ينظر اليها ومع ذلك فحيهل لدعوته، فلنبحث اولاً الامامة في القرآن الكريم ثم في احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) ثم في احاديث اهل البيت؟
مقتطفات من رسالة احمد الكاتب
كتب احمد الكاتب رداً على الحلقة الاولى والثانية من شبهات وردود (في نشرته الشورى العدد ١٢ بثلاث صفحات) نقتطف منه مواضع صالحة للتعليق عليها:
قال متسائلاً: لماذا اهملت في ردي موضوع الامامة والمهدي وتعلقت فقط بموضوع الاثني عشرية؟
ثم قال: ان اثبات موضوع الاثني عشرية لا يتم عبر اثبات صحة كتاب سليم بن قيس أو هذه الرواية أو تلك وانما يتم عبر اثبات وجود ولد للامام الحسن العسكري الذي كان ينفي حدوث ذلك في حياته.
ثم قال: ان الشبهة تتمثل في منهج التأويل الباطني المخالف لسيرة أهل البيت والاستبراد من الاسرائيليات.
ثم وجه عتاباً اليَّ حول عرض أفكاره ضمن الشبهات ضد الاسلام والتشيع.
ثم قال: (أخي العزيز السيد سامي البدري.. انك لا تدافع عن مذهب اهل البيت وانما عن نظريات المتكلمين الوهمية التي اكل الدهر عليها وشرب، والتي تسببت في اخراج الشيعة عن مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن، والتي تخلوا عنها في القرون الاخيرة عندما قالوا بمبدأ الاجتهاد وولاية الفقيه او الشورى، فهل تريد ان تعيدنا الى ما ذهب اليه المتكلمون السابقون والاخباريون من حرمة الثورة على الظالم وحرمة الجهاد في سبيل الله واقامة الدولة (عصر الغيبة) وتعطيل الخمس والزكاة واباحة الانفال وتحريم صلاة الجمعة الا بشرط حضور الامام المعصوم المعين من قبل الله تعالى).
ثم قال: (ولو رجعت الى تاريخ الائمة من اهل البيت واطلعت على رواياتهم الكثيرة الاخرى، او رجعت الى فكر الامامية في القرن الثاني والثالث الهجري لوجدتهم يتحدثون عن استمرار الامامة الى يوم القيامة وعدم تحديد عدد الائمة في رقم معين، وذلك لامتداد نظرية (الامامة الالهية) في موازاة نظرية الشورى كنظام سياسي للامة الاسلامية، لا يقبل التحديد في اشخاص معينين او فترة محددة).
ثم قال: (واذا كنت حرا فيما تريد ان تترك او تختار من مواضيع للرد، فلماذا تمارس ما اتهمتني به من سياسة استغفال القراء وعدم احترامهم وتجنب اصول البحث العلمي، وذلك في معرض مناقشتك لصحة (كتاب سليم بن قيس الهلالي) الذي يعتبر معتمد واساس النظرية الاثني عشرية، حيث ذهبت انا الى ضعفه واختلافه وذهبت انت الى صحته، ولكنك لم تشر في حديثك ابدا الى ما استشهدت به انا من قول الشيخ المفيد بضعف هذا الكتاب وحدوث الوضع والتدليس فيه. وكان من المفترض بك على الاقل ان تشير الى موقف الشيخ المفيد وهو شيخ الطائفة فترفضه او تؤوله بعد ذلك ولكنك فضلت الصمت والهروب من مواجهة الحقيقة كانك تريد ان تختم معركتك بليل على صفحات كتابك بسرعة).
ثم قال اخيرا: (لا اريد ان اخوض معك في جدال مفصل حول مانشرت ضدي من ردود قبل ان انشر كتابي الذي سوف يطلع القراء الكرام عليه في المستقبل القريب ان شاء الله، وانا غير مسؤول عن الاشرطة الكمبيوترية المسربة والمعرضة للزيادة والنقصان، والتي كانت تشكل المسودة الاولى البدائية للكتاب، ولكني اريد ان اتوقف عند بعض الردود العجيبة التي حاولت ان ترد بها عليَّ حيث وصفت بعض الروايات كدعاء القائم الذي يرويه الكفعمي بالضعف جزافاً، وطرحت روايات البداء تعسفا، واولت روايات الثلاثة عشر اماما بخطأ النساخ رغم مرور اكثر من الف سنة عليها، وسمحت لنفسك بالاقتباس من الاسرائيليات المتعارضة مع تراث اهل البيت ورواياتهم، ورفضت الاحاديث الصحيحة بالتأويلات الباطنية السرية، وادعيت فهم سر بعض الروايات في حين لمتني على الاخذ بظاهرها... واضافة الى ذلك فقد ادعيت امتلاكك للحقيقة ومعرفتك الواقعية بمذهب اهل البيت واتهمتني باثارة الشبهات، فمن الذي وقع في الشبهة؟ ومن خرج منها؟)..
وكان قد دعا في مقدمة الرسالة الى مواصلة البحث العلمي في الاصول قبل الفروع الجزئية.
وقال: (ان منهجنا هو التمسك بالكتاب والسنة والسير على هدي أهل البيت).
وقال: (لابد من احترام جميع وجهات النظر الاجتهادية داخل الاطار الاسلامي واحترام اصحابها وعدم تكفيرهم وإخراجهم من الدين).
الجواب على الرسالة
وجوابي على ذلك:
* اما بالنسبة لسؤاله: لماذا ابتدأت بالرد على موضوع الاثني عشرية واهملت موضوع الإمامة والمهدي؟
فأقول: اني لم اكتب الرد حين كتبته ردا على كتبه غير المنشورة وانما كتبته ردا على مقاله الذي يناقش فيه دليل الإثني عشرية في العدد العاشر من نشرة الشورى وقد استوعب الرد الحلقة الأولى والفصل الأول من الحلقة الثانية من (شبهات وردود) ثم أكملت الحلقة الثانية بالرد على مقال البغدادي الذي يرد فيه على الشهيد الصدر رحمه الله حول النص على علي (عليه السلام) وانا حر ايضا في اختيار موضوع الرد.
اما في العدد الثالث فقد ابتدأت في الرد على بعض كلماته في الجزء الأول من كتابه المنشور أخيرا وهي تخص نظرية الإمامة الإلهية.
* اما قوله: (ان اثبات موضوع الاثني عشرية لا يتم عبر اثبات صحة كتاب سليم بن قيس أو هذه الرواية أو تلك...)
فأقول: اذاً لماذا أثار الشبهات على كتاب سليم او على هذه الرواية او تلك؟
* اما قوله: (ان اثبات موضوع الاثني عشرية يتم عبر اثبات وجود ولد للامام الحسن العسكري).
أقول: لا ادري ماذا يريد به؟ هل يريد ان احاديث الاثني عشر لا تصح الا باثبات وجود ولد للعسكري؟ ام يريد ان انطباق الحديث على دعوى الشيعة لا يتم الا باثبات ولد للامام الحسن العسكري (عليه السلام).
والاحتمال الاول: لا وجه له لان صحة الحديث تتم من خلال رواته وقد رواه الثقات واثبتوه في مصنفاتهم كما بحثنا ذلك في الحلقة الاولى.
اما الاحتمال الثاني: فلا وجه له ايضاً لان التشيع الاثني عشري برمته يقوم على الايمان بان الحسن العسكري قد ولد له ولد هو المهدي وتلقوه ذلك جيلاً بعد جيل ولم يبنوا اعتقادهم بذلك على هذه الرواية أو تلك في قصة ولادته (عليه السلام)، ولا يضرهم انكار الكاتب ولا انكار غيره من اهل السنة كما لم يضر من قبل انكار اغلب بني اسرائيل ولادة عيسى (عليه السلام) حيث انكرتها فرق اليهود السامرية والعبرانية الا فرقة صغيرة من اليهود العبرانيين وهي فرقة زكريا ويحيى (عليه السلام) وقد كان بنو اسرائيل (ينتظرون عذراء تلد ولدا) ولا زالوا الى اليوم ينتظرون ذلك.
* اما ما عتب به من عرض افكاره ضمن عنوان: (شبهات ضد الاسلام والتشيع)
اقول: فقد نبهنا في مقدمة الكتاب ان النشرة معنية بالشبهات التي وجهت ضد الاسلام والتشيع، وقلنا اننا اخترنا للحلقات الاولى الشبهات التي اثارها احمد الكاتب ضد الشيعة والتشيع، فليراجع المقدمة مرة اخرى.
* اما قوله يخاطبني: (أتريد ان تعيدنا الى القول بحرمة الثورة على الظالم... الى آخره).
فأقول: هدانا الله وإياه للتي هي ازكى... الا يعلم انه لا يوجد اي تلازم بين القول بـ (نظرية الامامة الالهية وعصمة الائمة (عليه السلام) وتحديدهم باثني عشر وولادة المهدي (عليه السلام) وغيبته الطويلة والبداء والرجعة) وبين القول بـ (حرمة الثورة على الظالم او تعطيل الجهاد واباحة الانفال وتحريم صلاة الجمعة)، فقد قال بكل تلك العقيدة الامام الخميني ومع ذلك فجر الثورة الاسلامية في ايران وقادها، وكذلك قال بكل تلك العقيدة الشهيد الصدر ومع ذلك قاد الثورة الاسلامية في العراق واستشهد في سبيل ذلك.
* اما قوله: (ان روايات اهل البيت (عليهم السلام) تتحدث عن استمرار الامامة الى يوم القيامة وعدم تحديد الائمة في رقم معين وذلك لامتداد نظرية الامامة الالهية في موازاة نظرية الشورى كنظام سياسي لا يقبل التحديد في اشخاص معينين أو فترة محددة).
فجوابه: ان روايات النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة قد حددت عدد الائمة باثني عشر وقد بحثناه مفصلا في الحلقة الاولى الفصل الثامن، ارجو مراجعته.
* اما قوله: (ان الامامة الالهية في موازاة نظرية الشورى).
فقد بحثناه مفصلا في الحلقة الثانية الفصل الاول، ارجو مراجعته.
* اما قوله: (انني لم اذكر تضعيف الشيخ المفيد لكتاب سليم وانني استغفلت قرائي... الى آخره).
فاقول: لو رجع الاستاذ الكاتب الى كتابي شبهات وردود الحلقة الاولى ص ٩٤ لوجدني اقول بقول العلامة التستري (ومن هنا اوجب الشيخ المفيد عدم الاعتماد على كل ما ورد في الكتاب (أي كتاب سليم) دون تحقيق) وفي صفحة ٩٥ اقول بقول العلامة التستري ايضاً: (والحق في كتاب سليم بن قيس ان اصله كان صحيحا قد نقل عنه الاجلة المشايخ الثلاثة والنعماني والصفار وغيرهم الا انه حدث فيه تخليط وتدليس من المعاندين فالعدو لا يألو خبالا كما عرفت من المفيد... وحيئذ فلا بد ان يراعى القرائن في اخباره كما عرفت من المفيد).
بعد هذا اسأله.
من الذي يريد ان يختم المعركة بليل انا ام هو؟!
* اما قوله: (لا اريد ان اخوض معك في جدال مفصل... الى آخره).
فجوابي: ان هذه الطريقة من الرد ليست من البحث العلمي في شيء، حبذا لو نهجت في الرد عليَّ ا لمنهج الذي نهجته معه، فقد اوردتُ قطعة من كلامه ثم علقتُ عليها وناقشتُها، ليقتطع هو فقرة تامة شاء ومن أي موضوع من المواضيع التي حفِلتْ بها نشراتي الثلاث، وليبيّن الضعف والخلل الذي يراه، وهذا هو الموقف المقبول والمترقب للرد من قبله.
* اما دعوته: (الى مواصلة البحث العلمي في الاصول قبل الفروع وان يكون المنهج هو التمسك بالكتاب والسنة وهدي اهل البيت (عليهم السلام)).
أقول: فحيهل...
فما رأيه ان نبدأ ببحث مسألة: هل يوجد شهداء بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) شهادتهم على الناس كشهادة الرسول وانهم ائمة هدى يؤخذ بقولهم وفعلهم وتقريرهم كما يؤخذ بقول الرسول وفعله وتقريره وان الناس ملزمون بالأخذ عنهم والاقتداء بهم والطاعة لهم وانهم موكلون الهيا بحفظ الرسالة بعد الرسول.
نبدأ اولا بذكر الايات القرآنية الكريمة الدالة على ذلك ثم احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) ثم احاديث اهل البيت (عليهم السلام).
ارجو ان يعلمني ان كان يوافقني على ذلك.
ومن المفيد قبل ذلك ان يبين مصادر السنة النبوية وحديث أهل البيت (عليهم السلام)المعتمدة لديه.
* اما ما قال من (وجوب احترام جميع وجهات النظر الاجتهادية واحترام اصحابها).
أقول: فهو مقولة شائعة ولكنها غير صحيحة، والصحيح هو عكسها، وهو ان الاصل احترام الاشخاص وليس احترام وجهات نظرهم الخاطئة، ومن هنا نلاحظ ان الاسلام احترم اهل الكتاب وسمح لهم بالعيش ضمن المجمع الاسلامي بشروط معينة مع انه لم يحترم كثيراً من عقائدهم ووجهات نظرهم وانتقدها وعرََّض بها وكشف زيفها.
اما بخصوص الأستاذ احمد الكاتب حين تحوَّل من صف القائلين بالنص إلى صف المنكرين له بل صف خصوم اهل البيت (عليهم السلام) لان شعارهم النص فيما بين ايدينا من تراثهم الصحيح المنسوب اليهم فنحن لا نراه قد خرج من الدين، نعم لا شك بخروجه من التشيع الاثني عشري وانتحاله رأي ابن ابي الحديد المعتزلي في الامامة وموقفه السلبي من شيعة اهل البيت.
أكتفي بهذا القدر من التعليق واكرر دعائي ان يهدينا الله واياه للتي هي ازكى انه سميع مجيب.

سامي البدري

ثانيا: رسائل اخرى
احمد عثمان (من السودان): حقا لقد فوجئنا بالتدليس الذي كان يمارسه صاحب الشورى
منتظر احمد (من السودان): كنا نتوقع ان يبرز من يناقش احمد الكاتب فيما يقول ونحكم نحن بين المتناظرين
الرسالة الأولى من السودان
الحمد لله رب العاملين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد واله الطيبين الطاهرين.
سماحة سيدنا العلامة الحجة السيد سامي البدري ايدك الله بتأييده.
السلام عليكم سيدي ورحمة الله وبركاته. لعلكم بخير نسأل الله لكم ولجميع العاملين في الدفاع عن التشيع التوفيق والسلام والقبول والرضوان.
اكتب اليك سيدي بعد ان اطلعت على ردكم على صاحب الشورى اللندنية احمد الكاتب في الحلقتين الاولى والثانية ولا ادري اصدرت الثالثة ام لا وقد اطلعني على ردودكم هنا الاخ الفاضل هـ. ط فله الشكر ولكم الشكر في المقام الاول.
اني قد قرأت كتاب احمد الكاتب وكان على الدسك الكمبيوتري في ثلاثة اجزاء وذكر المؤلف ان الجزء الرابع سيعنى بدراسة الزيارات للائمة بالذات لمولانا صاحب العصر والزمان (عج) والتي يتضح منها كما يقول التخبط في عدد الائمة عليهم الصلاة والسلام ليخلص الى القول بان عقيدة الاثني عشر اماما انما هي طارئة على الفكر الشيعي ولم تعرف عند الائمة وزعماء الطائفة حتى القرن الثالث.
ثم جاءت الشورى ووصلتنا بالسودان منذ العدد الاول وقرأت منها حتى العاشر ولا ادري اتوقف نهائيا ام انها اصبحت لا تصل الينا وعلى كل حال اصبحنا نلتقي مع بعض الاخوة المؤمنين ونتباحث في ما تقوله النشرة ولم نكن نصل الى رؤية واضحة اذ ان المصادر التي يشير اليها لم تكن متوفرة لدينا وعلى افتراض وجود واحد منها فما كنا اهل تخصص ولا من علماء الدراية ولا دارسي الاصول لنرجح بين نصوص يدعى صاحب النشرة انها متعارضة وما لم يتم الجمع بينها بوجه مقبول فلا يمكن القطع بصدورها عن الائمة (عليهم السلام) بل يستحيل ذلك وبما انا لا نملك الادوات التي تجعلنا نرجح رواية على الاخرى ومع يقيننا بعدم صدور الشيء وحتى عن الائمة (عليهم السلام) فانا كنا نتوقف في الامر ونسلي انفسنا بان اهل الاختصاص هم الذين يهبون لرد الشبهات والدفاع عن ساحة الحق الاقدس، ونصطدم احيانا كثيرة بان الاصول لا يجوز فيها التقليد وانها ليست من القضايا الفقهية التي يترك امرها لمراجعنا رضوان الله عليهم وانما يتعلق الامر بقضية عقائدية يلزم تبينها بعد البحث والاستيقان، وكنا نقول لبعضنا بعضنا ان هذه النصوص على فرض انها غير موجودة فلم تكن لتعطل الناس عن اللجوء الى اهل البيت (عليهم السلام) باعتبارهم افضل من غيرهم في كل عصر عاشوا فيه وعلى افتراض انه لا نصوص تطلب من الناس مباشرة الانقياد لهم والتسليم بهم فان العقل السليم المتحرر عن الاهواء يحكم بتقديمهم على من سواهم ويأتينا العقل قائلا بان خلافة النبوة يلزم ان تتحلى بصفات النبوة وان لم تكن هنا باطلاقاتها فاستثناءات محدودة ونبحث في تاريخ خلفاء النبي (صلى الله عليه وآله) الذين اتت بهم السقيفة لنجد انه ما من عمل نبه النبي (صلى الله عليه وآله) الى اهميته وخطورته وضرورة الاتيان به او اكد على النهي عنه الا اتوا عليه ثلاثتهم بلا استثناء وكأنما عمدوا الى كل امر فخالفوه وإلى أي نهى فاصروا على الاتيان به وكنا نقول للاخوة ان هؤلاء لن يحكم العقل اصلا بصحة خلافتهم للنبي وان اجتمع الناس عليهم لانه سيكون اجتماعا على فرض تحققه طاعنا في النبوة معارضا لما رسخ من اعتقاد بان النبوة لطف رباني وهؤلاء لم يكونوا ابداً لطفا، ومن جانب ندرس تاريخ اهل البيت (عليهم السلام) كما درسنا تاريخ هؤلاء لنجد انه ما من امر صدر عن النبوة الا التزموه وما من نهي جاء به الشرع الا كانوا ابعد الناس عنه بل ما ارتكبوه اصلا حتى قبل النهى عنه.
وكنا كثيرا ما نخرج من المداولات بعد صدور الشورى من اول كل شهر بان يقيننا باق مع التأمين على ان هناك شبهات يلزم التصدي لها والرد عليها وسمعنا ان حاضرة العلم وعش آل محمد مدينة قم المقدسة تتناول هذه القضية من مجالسها الفكرية ومنتدياتها الثقافية ووعدنا احد الاخوة الافاضل في زيارة له الى قم بأنه سيسعى الى من يعلم انه ناقش صاحب الشورى.
وبعد فترة طويلة من ذهاب الاخ جاءت الحلقة الاولى منكم الى بعض الاخوة ثم مؤخرا جاءت الحلقة الاولى في شكلها الجديد الانيق ومعها الحلقة الثانية وحمدنا الله تعالى ان وفق بعض العلماء للقيام بهذا العمل المقدس.
وحقا لقد فوجئنا بالتدليس الذي كان يمارسه صاحب الشورى مما جعلنا نشك من هدفية طرحه اذ اطلعنا يراعكم الشريف على ان احمد الكاتب يتجاهل بعض الروايات التي تتعارض مع مدعاه وكان الاليق لصاحب البحث العلمي النزيه ان يطرح ما يدعم به رأيه ثم يطرح ما يعارض رأيه من نفس المصادر ويناقشه ويرد عليه او يطرح فهما اخر للروايات التي لا يدل ظاهرها على مدعاه معللا ذلك، وللجميع ابداء الآراء فيما يطرح سلبا او ايجابا وبذا يكون محترما ويعتبر باحثا كغيره من اهل العلم على طول الزمان وعرضه.
فلكم الشكر سيدي اجزله على وقفتكم الشجاعة بوجه هذه الشبهات ونسأله تعالى ان يجعله عملا مقبولا عنده ويحشركم مع أجدادكم الطاهرين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على مولانا محمد واله المعصومين المظلومين.

الخرطوم في يوم الاثنين ١٧ صفر ١٤١٨ هجـ ٢٣ /٦/١٩٩٧م.
احمد عثمان

الرسالة الثانية من السودان
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سادة الخلق محمد واهل بيته المعصومين
سماحة سيدنا المحقق العلامة السيد سامي البدري
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وادفع دعواتي الى الله مخلصا ان يجزيكم عن خدماتكم الجليلة التي قمتم تقومون بها دفاعاً عن الحق وايضاحاً للحقيقة واظهاراً لها بعد ارجاف المرجفين وتحريف المبطلين فجزاكم الله بما قدمتم احسن جزاء المجاهدين في سبيل الحق وسدد حجتكم واوضع حجتكم انه سميع مجيب.
وبعد فأنني من المستبصرين لطريق آل محمد (عليهم السلام) منذ سنين عديدة وكانت امور التشيع عندنا متسقة ولا نجد من الشبهات الا اباطيل ضعافاً واعتراضات هشة يعترضنا بها اهل النصب والعداوة لاهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم حتى جاءنا الزمان بشبهات احمد الكاتب وكنا في السابق نعرفه من خلال كتبه التي كانت ولازالت جيدة مثل (١٠-١ = صفر) (يوميات فاطمة الزهراء (ع). وغيرها ونعرفه كذلك من خلال بعض الاخوة السودانيين الذي التقوه في الخرطوم وسوريا وايران وكان ممدوح السيرة محمود النقيبة الى ان اطلع بما احبط عمله واركسه في هوة الضلال، وكان لنا السبق في قراءة كتابه المكتوب على الكمبيوتر (لا ندري انه كانطبع ام لا) ثم النشرة (الشورى) والتي قرأنا منها اكثر من عشرة اعداد، وطوال هذه الفترة كنا نتوقع من علمائنا حراس العقيدة بنور العلم ان يتصدوا للرد عليه وتفنيد حججه وازاحة الشبهات التي اثارها خاصة وانه كان يتبحج في نشرته بأنه طالب علماء النجف وقم بان يردوا على ما جاء به من حجج دامغة وبراهين ساطعة (على حسب قوله) ويتهكم على ان الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني والشيخ ناصر مكارم الشيرازي حفظهم الله كوََّنوا لجنة للرد عليه وايضاح الحق في الموضوع.
ثم انه زاد في الطنبور نغمة حين زعم انه تحدى العلامة المحقق الحجة سيدي مرتضى العسكري ابقاه الله للمسلمين ذخراً وكهفاً وحصنا (لا استطيع لو ملأت الاوراق مديحاً ان أكافئ ولو حسنة صغيرة من حسناته علىََّ وعلى المسلمين). ان يرد على ما جاء به، وكدنا نظن لولا علمنا اليقين والقاطع ببطلان بعض حججه من كتابه ونشرته حول حديث الائمة الاثني عشر والنص على امامة الامام علي عليه السلام والائمة من ولده (عليه السلام) ولكن تبقى هناك بعض القضايا التي لا نستطيع ان نستوثق من صحتها او عدمها لانا لا نملك المصادر التي رجع اليها فنرجع اليها كالغيبة للنعماني وللطوسي وعيون اخبار الرضا (عليه السلام) والارشاد والامامة والتبصرة من الحيرة والمقالات والفرق وغيرها.
فانتظرنا رد المتخصصين على هذه الاشكالات التي طرحها احمد الكاتب فلم نجد احداً حتى جائني الاخ الولي الناصح هشام الطيب (جزاء الله عنا كل خير) بنشرة قال ان فيها رداً على احمد الكاتب فما ان فتحتها حتى رأيت فيها علماً جماً وتحقيقاً دقيقاً عميقا وبحثا جاداً في اصل كل شبهة والرد عليها بما هو الحكمة وفصل الخطاب.
وقد اتاحت لي العناية الالهية ان اقرأ الحلقتين اللتين صدرت اولاهما في جمادى الاولى ١٤١٧ والثانية في رجب من العام نفسه وقد قرأت الحلقتين بعناية حتى استفيد من دقائق التحقيق ونفائس البحوث ولم اجدكم الا ملتزمين بالمنهج العلمي والموضوعي في كل ما رددتم به على المشتبه مع نَفَس علمي واسع وباع طويل في التنقيب والتمحيص، ولكن استأذن سماحتكم في ان اطرح على سيدنا سؤالاً انتظر الاجابة عليه.
لقد حققتم بما لا مزيد في امر كتاب سليم بن قيس واثبات صحته من ناحية رواية غير طريق احمد بن هلال العبرتائي ومحمد بن علي الصيرفي الكاذبان وروايته من طريق محمد بن ابي عمير عن عمر بن اذينة عن ابان عن سليم وطريق علي بن ابراهيم بن هاشم والصفار وسعد بن عبد الله الاشعري عن ابراهيم بن هاشم ويعقوب بن يزيد عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن مسكان وابراهيم بن عمركلاهما عن ابان عن سليم.
وانا الى الان لا اعاني من مشكلة الصيرفي الواقع في طريق محمد بن احمد بن الوليد عن محمد بن علي بن ماجيلوية المنتهي الى النجاشي في الرجال والشيخ الطوسي في الفهرست كما لا اعاني من مشكلة العبرتائي الواقع في طريق الكليني في الكافي عبد علي بن محمد عبد العبرتايئي عبد الله ان ابي عمير عن عمر بن اذينة عن ابان... الخ ولكني ارى المشكلة كلها في ابان وان كانت الرحمة الالهية لم تنعم علي برؤية كتاب العلامة المحقق محمد باقر الانصاري عن كتاب سليم بن قيس والذي ذكرتم انه قضى اثنتي عشرة سنة في التحقيق فيه والامر الذي زاد شوقنا الى اقتنائه والاستفادة من نتيجة بحوثه وتحقيقاته. اعود فأقول ان المشكلة كل المشكلة عندي هي في ابان بن فيروز بن عياش لان الطرق الى سليم تنحصر فيه فقط وهو عامي المذهب كذاب وضاع حتى عند اهل الجرح والتعديل من اهل السنة. امثال شعبة بن الحجاج واحمد بن حنبل وغيرهم كما في ميزان الاعتدال لشمس الدين الذهبي وتهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني وكما في كتب اعلامنا الامامية مثل الخلاصة للعلامة الحلي ورجال المجلسي هذا ما اتيح لي الاطلاع عليه).
انا في انتظار ردكم.

منتظر احمد

جواب الرسالتين
الاستاذ احمد عثمان والاستاذ منتظر احمد السلام عليكما وبعد:
أشكر لكما عواطفكما ومحبتكما.
سألتما ايدكما الله تعالى لماذا يتم الاطمئنان الى كتاب سليم وقد انحصرت روايته بـ ابان بن ابي عياش الموصوف بالضعف وهل رواه بعد استبصاره؟
جوابه: ان ابان قد استبصر على يد سليم قبيل وفاته، ثم رواه عنه، وقد انحصرت الرواية به لان سليم رحمه الله قد كتبه في فترة اختفائه هاربا من الحجاج الثقفي في بيت ابان بن ابي عياش، وهو امر طبيعي لمن يعيش حالة التشرد والمطاردة من السلطة وفي موضوع تعاقب السلطة عليه اشد العقوبات وبين ايدينا عشرات من ابرار اصحاب امير المؤمنين لم تصلنا رواياتهم بسبب ذلك امثال حجر بن عدي الذي عرف عنه انه لم يرو عن غير علي (عليه السلام) وكانت له صحف فيها حديث علي (عليه السلام) ومالك الاشتر وعمر وبن الحمق وغيرهم.
قال الذهبي في ميزان الإعتدال: (قال حماد بن زيد قال لي سلم العلوي: يا بني عليك بأبان، فذكرت ذلك لايوب السختياني فقال: ما نزال نعرفه بالخير منذ كان). وقال ابن حبان: (كان ابان من العباد يسهر الليل بالقيام ويطوي النهار بالصيام).
ومن الجدير ذكره ان اول من اسس الوقيعة بأبان (وكان قد اتخذ البصرة موطنا له بعد هجرته من فارس) هو شعبة البصري كان يقول: (لان اشرب من بول حمار حتى اروي احب اليَّ من ان اقول حدثنا ابان بن ابي عياش)(٤٦٥).
وقال البخاري في تاريخه في ترجمة أبان: (كان شعبة سيء الراي فيه)(٤٦٦).
قال العلامة الاسترابادي (رحمهم الله) في منهج المقال: (اني رأيت اصل تضعيفه من المخالفين من حيث التشيع).
وقال العلامة السيد محسن الامين (رحمهم الله) في اعيان الشيعة: (يدل على تشيعه قول احمد بن حنبل (قيل انه كان له هوى) لتشيعه كما هو العادة).
وقال العلامة الشيخ موسى الزنجاني في (الجامع في الرجال): (الاقرب عندي قبول رواياته تبعاً لجماعة من متأخري اصحابنا المحدثين كالصفار وابن بابويه وابن الوليد وغيرهم والرواة الذين يروون عنه).
وقد استوعب العلامة الشيخ محمد باقر الانصاري الحديث عن ابان في كتابه القيم (كتاب سليم بن قيس).
هذا مضافا الى ان مضمون كتاب سليم لا ينحصر به، وعلى فرض اصرار الخصم على اسقاط اعتباره لمشكلة ابان او غيرها فان مضمون رواياته مما تظافرت به روايات الشيعة والسنة.
شكر وتقدير
وقد وردتنا رسائل اخرى تحمل المودة والتقدير من اخوة آخرين منهم (الدكتور عباس الترجمان) الأستاذ بجامعة طهران والشاعر العراقي الكبير الأستاذ (جواد جميل) والأستاذ السيد (ثامر العميدي) والأستاذ (ابي آمال) من قم وطهران، والأستاذ (هشام الطيب) من السودان، والأخ (عباس السامرائي) من هولندا نشكرهم جميعا على عواطفهم ومحبتهم ونسأل الله تعالى ان يجعلنا واياهم من الذابين عن مذهب اهل البيت (عليهم السلام) وان يرزقنا جميعاً شفاعتهم.

سامي البدري

الحلقة الرابعة: الرد على شبهات أحمد الكاتب حول ولادة ووجود الإمام المهدي (عليه السلام)
المقدمة

بين يديك قارئي الكريم الحلقة الرابعة من نشرة شبهات وردود رددنا فيها على ما أثاره أحمد الكاتب من شبهات حول وجود الحجة المهدي محمد بن الحسن العسكري (عليه السلام).
وكانت بعض دعاواه المهمة في هذا الصدد قوله: (اذا استثنينا شرذمة قليلة، فان اجماع الشيعة في القرن الثالث والقرن الرابع كان قائماً على عدم الايمان بوجود (محمد بن الحسن العسكري) وقد ذكر ذلك عامة مؤرخي الشيعة كالنوبختي والاشعري والكليني والنعماني والصدوق والمفيد والطوسي، الذي اطلقوا على ذلك العصر اسم (عصر الحيرة). (٢٣٤-٢٣٥)).
وقد بيَّنا خطأ هذا القول وعدم واقعيته وأثبتنا في ضوء المصادر الشيعية والسنية ان جمهور اصحاب الحسن العسكري وثقاته وهم جمهور الشيعة آنذاك كانوا يقولون بوجود ولد للحسن العسكري (عليه السلام) قد نص على إمامته ابوه (عليه السلام) وانه المهدي الموعود وبالتالي فان الرأي الشيعي العام في القرن الثالث الهجري والرابع الهجري كان يقوم على الإيمان بالمهدي بن الحسن العسكري (عليه السلام).
وأجبنا على اسئلته حول العقيدة بالمهدي كقوله: ما هي المشكلة في الإيمان بولادة الامام المهدي في المستقبل وعندما يأذن الله؟ ولماذا الإصرار على ولادته في الماضي السحيق وبقائه على قيد الحياة بصورة غير طبيعية؟ وغير ذلك.
لقد اقتصر ردنا في هذه الحلقة على بعض المسائل وتركنا بعضها الآخر لعلمنا ان هناك أكثر من أخ كريم وباحث ناقد تصدى للرد(٤٦٧) والحمد لله ولم نجد مبررا لتكرار الجهد فيها.
وبهذه الحلقة نكون قد استوفينا ردنا على أهم الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب في نشرته (الشورى) وكتابه (تطور الفكر السياسي الشيعي) حول إمامة أهل البيت (عليهم السلام)ووجود المهدي (عليه السلام) وأساس نظرية الحكم لدى الشيعة.
اللهم اجعله ذخرا يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم انك سميع مجيب.

سامي البدري
الحوزة العلمية قم المشرفة
آخر شهر رمضان المبارك /١٤٢٠ هجرية

الفصل الأول: عقيدة جمهور الشيعة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)

قوله: اذا استثنينا شرذمة قليلة، ان اجماع الشيعة في القرن الثالث والقرن الرابع كان قائماً على عدم الايمان بوجود (محمد بن الحسن العسكري).
أقول: هذه دعوى غير صحيحة والعكس هو الصحيح فإن القائلين بوجود وولادة ومهدوية محمد بن الحسن (عليه السلام) هم جمهور أصحاب الحسن العسكري وقد نقل هذه الحقيقة الأشعري السني (ت٣٢٤) في كتابه مقالات الإسلاميين الذي انتهى من تأليفه سنة ٢٩٧ هجرية وكذلك ابن حزم (ت٥٤٨) في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) وكلاهما من علماء السنة المعنيين بالفرق الإسلامية وكان الثاني ممن عُني بالردّ على الشيعة هذا بالإضافة الى ما ذكره الشيخ ابو سهل النوبختي والشيخ الصدوق والشيخ المفيد.
نص الشبهة
قوله: انقسم الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري الى أربعة عشرة فرقة... ولم يقل بوجود وولادة وإمامة ومهدوية (محمد بن الحسن) إلا فرقة واحدة (شرذمة قليلة) من تلك الفرق الأربعة عشر (ص٢٣٤-٢٣٥).
وقوله: وقد كان القول بوجود ولد (للحسن العسكري) قولا سريا باطنيا قال به بعض اصحاب الامام العسكري بعد وفاته. ولم يكن الامر واضحاً وبديهيا ومجمعاً عليه بين الشيعة في ذلك الوقت، حيث كان جو من الحيرة والغموض حول مسألة الخلف يلف الشيعة، ويعصف بهم بشدة.
وقوله: وقد كتب عدد من العلماء المعاصرين لتلك الفترة كتبا تناقش موضوع الحيرة وسبل الخروج منها، ومنهم الشيخ علي بن بابويه الصدوق الذي كتب كتابا اسماه (الامامة والتبصرة من الحيرة). وقد امتدت هذه الحيرة الى منتصف القرن الرابع الهجري حيث اشار الشيخ محمد بن علي الصدوق في مقدمة كتابه (اكمال الدين) الى حالة الحيرة التي عصفت بالشيعة وقال (وجدت اكثر المختلفين الي من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في امر القائم الشبهة)... وقال محمد بن ابي زينب النعماني في كتابه (الغيبة) يصف حالة الحيرة التي عمت الشيعة في ذلك الوقت (ان الجمهور منهم يقول في (الخلف) اين هو؟ واين يكون واين يكون هذا؟ والى متى يغيب؟ وكم يعيش؟ هذا وله الآن نيف وثمانون سنة؟ فمنهم من يذهب الى انه ميت ومنهم من ينكر ولادته ويجحد وجوده ويستهزئ بالمصدق به، ومنهم من يستبعد المدة ويستطيل الامد) يقول (أي حيرة اعظم من هذه الحيرة التي اخرجت من هذا الامر الخلق الكثير والجم الغفير؟ ولم يبق ممن كان فيه الا النزر اليسير، وذلك لشك الناس)... ان دعاوى الاجماع والتواتر والاستفاضة التي يدعيها البعض على احاديث وجود وولادة ومهدوية الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) لم يكن لها وجود في ذلك الزمان... من هنا يمكننا القول، اذا استثنينا شرذمة قليلة، ان اجماع الشيعة في القرن الثالث والقرن الرابع كان قائماً على عدم الايمان بوجود (محمد بن الحسن العسكري)، وقد ذكر ذلك عامة مؤرخي الشيعة كالنوبختي والاشعري والكليني والنعماني والصدوق والمفيد والطوسي، الذي اطلقوا على ذلك العصر اسم (عصر الحيرة). (٢٣٤-٢٣٥).
الرد على الشبهة
أقول: هناك قضيتان خلط الاستاذ الكاتب في الحديث عنهما وذكر المصادر فيهما على انهما قضية واحدة:
الأولى: قضية تفرق أصحاب الإمام الحسن العسكري من بعد وفاته الى أربع عشرة فرقة أحداها الفرقة الإمامية. ومستنده في ذلك هو ما جاء في كتاب فرق الشيعة للنوبختي والمقالات والفرق للأشعري القمي.
الثانية: قضية الحيرة التي أصابت الشيعة بسبب انقطاع السفارة الخاصة وبدء الغيبة الكبرى. وقد اشار اليها بعبارات صريحة، النعماني وعلي بن بابويه وابنه محمد بن علي بن بابويه والطوسي والشيخ المفيد، غير أن الأستاذ الكاتب لوى عنق هذه الكلمات زورا وبهتانا ليجعلها تصب في القضية الأولى تضليلا للقارئ وزيادة في التعتيم على الحقيقة، وفيما يلي خلاصة عن لهاتين القضيتين.
القضية الأولى: قضية دعوى تفرق أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
أقول من المفيد جدا ان نستعرض ما جاء في كتاب (فرق الشيعة) للنوبختي وكتاب (المقالات والفرق) للأشعري القمي.
قال النوبختي في فرق الشيعة:
(ولد الحسن بن علي (عليه السلام) في شهر ربيع الآخر اثنتين وثلاثين ومأتين وتوفي بسر من رأى يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الاول سنة ستين ومأتين ودفن في داره البيت الذي دفن فيه ابوه وهو ابن ثمان وعشرين سنة وصلى عليه ابو عيسى بن المتوكل وكانت امامته خمس سنين وثمانية اشهر وخمسة ايام وتوفي ولم يُرَ له اثر ولم يعرف له ولد ظاهر فاقتسم ما ظهر من ميراثه اخوه جعفر وامه وهي ام ولد يقال ها عسفان ثم سماها ابو الحسن حديثاً.
فافترق اصحابه بعده اربع عشرة فرقة
فرقة منها قالت: ان (الحسن بن علي) حي لم يمت وانما غاب وهو القائم ولا يجوز ان يموت ولا ولد له ظاهرا لأن الارض لا تخلو من امام وقد ثبتت امامته والرواية قائمة ان للقائم غيبتين...
وقالت الفرقة الثانية: ان الحسن بن علي مات وعاش بعد موته وهو القائم المهدي. لأنا روينا ان معنى القائم هو ان يقوم من بعد الموت ويقوم ولا ولد له ولو كان لصح موته ولا رجوع لان الامامة كانت تثبت لخلفه...
وقالت الفرقة الثالثة: ان (الحسن بن علي) توفي والامام بعده اخوه (جعفر) واليه اوصى الحسن ومنه قبل الامامة وعنه صارت اليه...
وقالت الفرقة الرابعة: ان الامام بعد الحسن (جعفر) وان الامامة صارت اليه من قبل ابيه لا من قبل اخيه محمد ولا من قبل الحسن ولم يكن اماماً ولا الحسن ايضا...
واما الفرقة الخامسة: فانها رجعت الى القول بامامة (محمد بن علي) المتوفى في حياة ابيه وزعمت ان الحسن وجعفراً ادعيا ما لم يكن لهما...
وقالت الفرقة السادسة: ان للحسن بن علي ابناً سماه محمداً ولد قبل وفاته بسنين وانه مستور لا يرى...
وقالت الفرقة السابعة: بل ولد للحسن ولد بعده بثمانية اشهر...
وقالت الفرقة الثامنة: انه لا ولد للحسن اصلاً لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده... ولكن هناك حبل قائم قد صح في سرية له وستلد ذكراً اماما متى ما ولدت فانه لا يجوز ان يمضي الإمام ولا خلف له فتبطل الإمامة وتخلو الارض من الحجة.
وقالت الفرقة التاسعة: ان الحسن بن علي قد صحت وفاة ابيه وجده وسائر آبائه (عليهم السلام) فكما صحت وفاته بالخبر الذي لا يكذب مثله فكذلك صح انه لا امام بعد الحسن وذلك جائز في العقول والتعارف كما جاز ان تنقطع النبوة... والارض اليوم بلا حجة الا ان يشاء الله فيبعث القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) فيحي الارض بعد موتها كما بعث محمداُ (صلى الله عليه وآله) على حين فترة من الرسل...
وقالت الفرقة العاشرة: ان ابا جعفر محمد بن علي الميت في حياة ابيه كان الامام بوصية من ابيه اليه واشارته ودلالته ونصه على اسمه وعينه. اوصى الى غلام لأبيه صغير كان في خدمته يقال له (نفيس) وكان ثقة امينا عنده ودفع اليه الكتب والعلوم والسلاح وما تحتاج اليه الامة واوصاه اذا حدث بأبيه حدث الموت يؤدي ذلك كله الى اخيه جعفر.
وقالت الفرقة الحادية عشرة: لما سئلوا عن ذلك وقيل لهم ما تقولون في الامام اهو جعفر ام غيره قالوا لا ندري ما نقول في ذلك اهو من ولد الحسن ام من اخوته فقد اشتبه علينا الامر انا نقول ان الحسن بن علي كان اماماً وقد توفي وان الارض لا تخلوا من حجة ونتوقف ولا نقدم على شيء حتى يصح لنا الامر ويتبين.
وقالت الفرقة الثانية عشرة: وهم (الامامية) ليس القول كما قال هؤلاء كلهم بل لله عز وجل في الارض حجة من ولد الحسن بن علي وامر الله بالغ وهو وصي لأبيه على المنهاج الاول والسنن الماضية.
ولا تكون الامامة في اخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام).
ولا يجوز ذلك ولا تكون الا في عقب الحسن بن علي الى ان ينقضي الخلق متصلا ذلك ما اتصلت امور الله تعالى.
ولو كان في الارض رجلان لكان احدهما الحجة ولو مات احدهما لكان الآخر الحجة ما دام امر الله ونهيه قائمين في خلقه.
ولا يجوز ان تكون الامامة في عقب من لم تثبت له امامة ولم تلزم العباد به حجة ممن مات في حياة ابيه ولا في ولده،...
وهذا الذي ذكرناه هو المأثور عن الصادقين الذي لا تدافع له بين هذه العصابة ولا شك فيه لصحة مخرجه وقوة اسبابه وجودة اسناده.
ولا يجوز ان تخلو الارض من حجة ولو خلت ساعة لساخت الارض ومن عليها ولا يجوز شيء من مقالات هذه الفرق كلها.
فنحن مستسلمون بالماضي وامامته مقرون بوفاته معترفون بأن له خلفاً قائماً من صلبه وان خلفه هو الامام من بعده حتى يظهر ويعلن امره كما ظهر وعلن امر من مضى قبله من آبائه ويأذن الله في ذلك، اذ الأمر لله يفعل ما يشاء ويأمر بما يريد من ظهوره وخفائه كما قال امير المؤمنين (عليه السلام) (اللهم انك لا تخلي الارض من حجة لك على خلقك ظاهرا معروفا او خائفا مغمورا كيلا تبطل حجتك وبيناتك).
وبذلك أُمِرنا، وبه جاءت الاخبار الصحيحة عن الائمة الماضين لأنه ليس للعباد ان يبحثوا عن امور الله ويقضوا بلا علم لهم ويطلبوا آثار ما ستر عنهم ولا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه حتى يؤمر بذلك اذ هو (عليه السلام) مغمور خائف مستور بستر الله تعالى وليس علينا البحث عن امره بل البحث عن ذلك وطلبه محرم لا يحل ولا يجوز لان في اظهار ما ستر عنا وكشفه اباحة دمه ودمائنا وفي ستر ذلك والسكوت عنه حقنهما وصيانتهما ولا يجوز لنا ولا لأحد من المؤمنين ان يختاروا اماما برأي واختيار وانما يقيمه الله لنا ويختاره ويظهره اذا شاء لانه اعلم بتدبيره في خلقه واعرف بمصلحتهم والامام (عليه السلام) اعرف بنفسه وزمانه منا، وقد قال ابو عبد الله الصادق (عليه السلام) وهو ظاهر الامر معروف المكان لا ينكر نسبه ولا تخفى ولادته وذكره شايع مشهور في الخاص والعام من سماني باسمي فعليه لعنة الله، ولقد كان الرجل من شيعته يتلقاه فيحيد عنه وروي عنه ان رجلا من شيعته لقيه في الطريق فحاد عنه وترك السلام عليه فشكره على ذلك وحمده وقال له لكن فلاناً لقيني فسلم علي ما احسن وذمه على ذلك واقدم عليه بالمكروه... فكيف يجوز في زماننا هذا مع شدة الطلب وجور السلطان وقلة رعايته لحقوق امثالهم مع ما لقي (عليه السلام) من صالح بن وصيف وحبسه... وقد رويت اخبار كثيرة: (ان القائم تخفى على الناس ولادته) و(يخمل ذكره ولا يعرف) الا انه لا يقوم حتى يظهر ويعرف انه امام ابن امام ووصي ابن وصي يؤتم به قبل ان يقوم ومع ذلك فانه لابد من ان يعلم امره ثقاته وثقات ابيه وان قلوا... فهذا سبيل الامامة والمنهاج الواضح اللاحب الذي لم تزل الشيعة الامامية الصحيحة التشيع عليه.
وقالت الفرقة الثالثة عشرة: مثل مقالة الفطحية الفقهاء منهم واهل الورع والعبادة مثل (عبد الله بن بكير بن اعين) ونظرائه فزعموا ان (الحسن بن علي) توفي وانه كان الامام بعد ابيه وان (جعفر بن علي) الامام بعده... فهؤلاء (الفطحية الخلص) الذي يجيزون الامامة في اخوين اذا لم يكن للاكبر منهما خلف ولدا)(٤٦٨).
وقال الأشعري القمي في (المقالات والفرق):
(ولد الحسن بن علي في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلثين ومائتين، وتوفي بسر من رأى يوم الجعمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة ستين ومائتين، ودفن في داره في البيت الذي دفن فيه ابوه، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وصلى عليه ابو عيسى بن المتوكل، وكانت امامته خمس سنين وثمانية اشهر وخمسة ايام، وتوفي ولم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما ظهر من ميراثه اخوه جعفر وامه وهي ام ولد كان يقال لها عسفان ثم سماها ابوه (حديثا)، فافترق اصحابه من بعده خمس عشرة فرقة.
ففرقة منها وهي المعروفة بالامامية قالت: لله في ارضه بعد مضي الحسن بن علي حجة على عباده وخليفة في بلاده، قائم بامره من ولد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا، آمرٌ ناه مبلغ عن آبائه مودَع عن اسلافه ما استودعوه من علوم الله وكتبه واحكامه وفرائضه وسننه، عالم بما يحتاج اليه الخلق من امر دينهم ومصالح دنياهم خلف لأبيه، ووصي له، قائم بالأمر بعده، هاد للامة مهدي على المنهاج الاول والسنن الماضية من الائمة الجارية، فيمن مضى منهم القائمة فيمن بقى منهم، الى ان تقوم الساعة من وتيرة الاعقاب، ونظام الولادة، ولا ينتقل ولا يزول عن حالها، ولا يكون الامامة ولا يعود في اخوين بعد الحسن والحسين، ولا يجوز ذلك ولا يكون الا في عقب الحسن بن علي بن محمد الى فناء الخلق وانقطاع امر الله ونهيه ورفعه التكليف عن عباده، متصل ذلك ما اتصلت امور الله، ولو كان في الارض رجلان كان احدهما الحجة، ولو مات احدهما لكان الباقي منهما الحجة، ما اتصل امر الله ودام نهيه في عباده، وما كان تكليفه قائماً في خلقه.
و لا يجوز ان تكون الامامة في عقب من يموت في حياة ابيه، ولا في وصىّ له من اخ ولا غيره، اذا لم تثبت للميت في حياه ابيه في نفسه امامة ولم يلزم العباد به حجة...
وذلك ان المأثور عن الائمة الصادقين مما لا دفع بين هذه العصابة من الشيعة الامامية، ولا شك فيه عندهم ولا ارتياب، ولم يزل اجماعهم عليه لصحة مخرج الاخبار المروية فيه وقوة اسبابها، وجودة اسانيدها وثقة ناقليها.
ان الامامة لا تعود في اخوين إلى قيام الساعة بعد حسن وحسين.
ولا يكون ذلك ولا يجوز ان تخلو الارض من حجة من عقب الامام الماضي قبله ولو خلت ساعة لساخت الارض ومن عليها.
فنحن متمسكون بامامة الحسن بن علي، مقرون بوفاته موقنون مؤمنون بأن له خلفا من صلبه، متدينون بذلك، وانه الامام من بعد ابيه الحسن بن علي، وانه في هذه الحالة مستتر خائف مغمور مأمور بذلك، حتى يأذن الله عز وجل له فيظهر ويعلن امره، كظهور من مضى قبله من آبائه اذ الامر لله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء ويأمر بما يريد من ظهور وخفاء ونطق وصموت... هذا مع القول المشهور من امير المؤمنين (ان الله لا يخلى الارض من حجة له على خلقه ظاهراً معروفا او خافيا مغموراً لكي لا يبطل حجته وبيناته).
وبذلك جاءت الاخبار الصحيحة المشهورة عن الائمة (عليهم السلام)، وليس على العباد ان يبحثوا عن امور الله ويقفوا اثر مالا علم لهم به ويطلبوا اظهار ما ستره الله عليهم وغيبه عنهم... ولا البحث عن اسمه وموضعه، ولا السؤال عن امره ومكانه حتى يؤمروا بذلك اذ هو (عليه السلام) غائب خائف مغمور مستور بستر الله... بل البحث عن امره وطلب مكانه والسؤال عن حاله وامره محرم لا يحل ولا يسع لان في طلب ذلك واظهار ما ستره الله عنا وكشفه واعلان امره والتنويه باسمه معصية لله، والعون على سفك دمه (عليه السلام) ودماء شيعته وانتهاك حرمته، اعاذ الله من ذلك كل مؤمن ومؤمنة برحمته وفي ستر امره والسكوت عن ذكره... ولا يجوز لنا ولا لا حد من الخلق ان يختار اماماً برأيه... وانما اختيار الحجج والائمة الى الله عز وجل واقامتهم اليه فهو يقيمهم ويختارهم ويخفيهم واذا شاء اقامتهم فيظهرهم ويعلن امرهم اذا اراد، ويستره اذا شاء فلا يبديه، لانه تبارك وتعالى اعلم بتدبيره في خلقه واعرف بمصلحتهم والامام اعلم بامور نفسه وزمانه وحوادث امور الله منا، وقد قال ابو عبد الله جعفر بن محمد وهو ظاهر الامر معروف المكان مشهور الولادة والذكر لا ينكر نسبه شائع اسمه وذكره امره في الخاص والعام من سماني باسمي فعليه لعنة الله، وقد كان الرجل من اوليائه وشيعته يلقاه في الطريق فيحيد عنه ولا يسلم عليه تقية، فإذا لقيه ابو عبد الله شكره على فعله وصوب له ما كان منه، وحمده عليه وذم من تعرف اليه وسلم عليه، واقدم عليه بالمكروه من الكلام... هذا كله لشدة التستر من الاعداء ولوجوب فرض استعمال التقية فكيف يجوز في زماننا هذا ترك استعمال ذلك مع شدة الطلب وضيق الامر وجور السلطان عليهم، وقلة رعايته لحقوق امثالهم ومع ما لقى في الماضي ابو الحسن من المتوكل وشدته عليه وما حل بابي محمد وهذه ا لعصابة من صالح بن وصيف لعنه الله وحبسه اياه، وامره بقتله وحبسه له ولاهل بيته، وطلب الشيعة وما نالهم منه من الاذى والتعنت، تسمية من لم يظهر له خبر ولم يعرف له اسم مشهور وخفيت ولادته.
وقد رويت الاخبار الكثيرة الصحيحة (ان القائم تخفى على الناس ولادته) و(يخمل ذكره) و(لا يعرف اسمه) و(لا يعلم مكانه) (حتى يظهر) ويؤتم به قبل قيامه. ولا بد مع هذا الذي ذكرناه ووصفنا استتاره وخفاء من ان يعلم امره وثقاته وثقاة ابيه وان قلوا... فهذه سبيل الامامة وهذا المنهاج الواضح، والغرض الواجب اللازم الذي لم يزل عليه الاجماع من الشيعة الامامية المهتدية رحمة الله عليها، وعلى ذلك كان اجماعنا الى يوم مضى الحسن بن علي رضوان الله عليه.
وقالت الفرقة الثانية: ان الحسن بن علي حي لم يمت، وانما غاب وهو القائم. ولا يجوز ان يموت الامام ولا ولد له، ولا خلف معروف ظاهر والارض لا تخلو من امام ولا حجة لله، ولا يلزم الخلق الا امامة من ثبتت له الوصية والحسن بن علي فقد ثبتت وصيته بالامامة واشار ابوه اليه بالامامة ولا يحوز ان تخلو الارض ساعة من حجة وامام على الخلق فهذه غيبة له وسيظهر حتى يعرف ظهوره ثم يغيبه غيبة اخرى وهو القائم.
وقالت الفرقة الثالثة: ان الحسن بن علي مات وحي بعد موته وهو القائم...
وقالت الفرقة الرابعة: ان الحسن بن علي قد صحت وفاته كما صحت وفاة آبائه بتواطؤ الاخبار التي لا يجوز تكذيب مثلها، وكثرة المشاهدين لموته وتواتر ذلك عن الموالي له والعدو، وهذا ما لا يجب الارتياب فيه، وصح بمثل هذه الاسباب انه لا خلف له، فلما صح عندنا الوجهان ثبت انه لا امام بعد الحسن بن علي، وان الامامة انقطعت وذلك جائز في المعقول والقياس والتعارف، كما جاز ان تنقطع النبوة بعد محمد (صلى الله عليه وآله)... وهذه الفرقة لا توجب قيام القائم ولا خروج مهدي، وتذهب في ذلك الى بعض معاني البداء.
وقالت الفرقة الخامسة: ان الحسن بن علي قد مات وصح موته وانقطعت الامامة الى وقت يبعث الله فيه قائما من آل محمد ممن قد مضى، ان شاء بعث الحسن بن علي وان شاء بعث غيره من آبائه.
وقالت الفرقة السادسة: ان الحسن وجعفرا لم يكونا امامين فان الامام كان محمد الميت في حياة ابيه، وان اباهما لم يوص الى واحد منهما ولا اشار اليه بامامة، وانما ادعيا ما لم يكن لهما بحق،... وادعوا ان لمحمد بن علي خلفا ذكراً. وقال بعضهم انهحي لم يمت وان اباه غيبه وستره خوفا عليه.
وقالت الفرقة السابعة: ان الحسن بن علي توفي ولا عقب له والامام بعده جعفر بن علي اخوه واليه اوصى الحسن ومنه قبل جعفر الوصية وعنه صارت اليه الامامة، وذهبوا في ذلك الى بعض مذاهب الفطحية في عبد الله وموسى ابني جعفر...
وقالت الفرقة الثامنة: ان الامام جعفر بن علي وان امامته افضت اليه من قبل ابيه على بن محمد وان القول بامامة الحسن كان غلطاً وخطأ...
وقالت الفرقة التاسعة: بمثل مقال الفطحية الفقهاء منهم واهل النظر، ان الحسن بن علي توفي وهو امام بوصية ابيه اليه،... فالامام بعد الحسن بن علي جعفر اخوه لا يجوز غيره، اذ لا ولد للحسن معروف...
وقالت الفرقة العاشرة: ان الامام كان محمد بن علي باشارة ابيه اليه ونصبه له اماما ونصه على اسمه وعينه... ثم بدا لله في قبضه اليه في حياة ابيه فاوصى محمد الى جعفر اخيه بأمر ابيه ووصاه ودفع الوصية والعلوم والسلاح الى غلام له يقال له نفيس كان في خدمة ابي الحسن، وكان عنده ثقة امينا ودفع اليه الكتب والوصية، وامره اذا حدث به حدث الموت، ان يكون ذلك عنده حتى يحدث على ابيه ابي الحسن حدث الموت، فيدفع ذلك كله حينئذ الى اخيه جعفر.
وقالت الفرقة الحادية عشرة: ان الحسن بن علي قد توفي وهو امام وخلف ابنا بالغا يقال له محمد، وهو الامام من بعده وان الحسن بن علي اشار اليه، ودل عليه وامره بالاستتار في حياته مخافة عليه، فهو مستتر خائف في تقية من عمه جعفر...
وقالت الفرقة الثانية عشرة: بمثل هذه المقالة في امامة الحسن بن علي وان له خلفاً ذكرا يقال له على، وكذبوا القائلين بمحمد، وزعموا انه لا ولد للحسن غير علي، انه قد عرفه خاصة ابيه وشاهدوه، وهي فرقة قليلة بناحية سواد الكوفة.
وقالت الفرقة الثالثة عشرة: ان للحسن بن علي ولد ولد بعده بثمانية اشهر وانه مستتر لا يعرف اسمه ولا مكانه...
وقالت الفرقة الرابعة عشرة: لا ولد للحسن بن علي اصلا لانا تبحرنا ذلك بكل وجه وفتشنا عنه سرا وعلانية، وبحثنا عن خبره في حياة الحسن بكل سبب فلم نجده... ولكن هاهنا حبل قائم مشهور قد صح في سرية له وقد وقف على ذلك السلطان والعامة، وصح عندهم ذلك وسيلد ذكرا اماما، واحتجوا بالخبر الذي روى عن جعفر ان القائم يخفى على الناس حمله وولادته.
وقالت الفرقة الخامسة عشرة: نحن لا ندري ما نقول في ذلك وقد اشتبه علينا الامر فلسنا نعلم ان للحسن بن علي ولد ام لا، ام أن الامامة صحت لجعفر ام لمحمد، وقد كثر الاختلاف. الا انا نقول ان الحسن بن علي كان اماما مفترض الطاعة ثابت الامامة، وقد توفى (عليه السلام) وصحت وفاته، والارض لا تخلو من حجة فنحن نتوقف ولا نقدم على القول بامامة احد بعده، اذ لم يصح عندنا ان له خلفاً وخفي علينا امره، حتى يصح لنا الامر ويتبين، ونتمسك بالاول كما امرنا، انه اذا هلك الامام ولم يعرف الذي بعده فتمسكوا بالاول حتى يتبين لكم الآخر)(٤٦٩).
أقول ويتضح من القراءة السريعة:
ان النصين يتفقان على مسألة تفرق أصحاب الحسن العسكري الى اربع عشرة فرقة وعدم ذكر حجم كل فرقة منها الامر الذي يجعل القارئ محقا أن يفترض ان هذه الفرق متكافئة عدديا، وبالتالي يحكم ببساطة ان نسبة الفرقة الإمامية هي نسبة واحد من اربعة عشر(٤٧٠).
وتزداد أهمية وخطورة النتيجة حين نعلم ان النوبختي والأشعري القمي هما من علماء الشيعة المعاصرين لفترة الغيبة الصغرى فالاشعري القمي توفي سنة ٣٠١ هجرية والنوبختي توفي في حدود سنة ٣٢٠ هجرية. والمسألة بهذه الحدود قد يكون القارئ البسيط فيها معذوراً، غير إنه إذا كان قارئا مثقفا له رأي فيما يقرأ أو كان باحثا يريد لبحثه ان يكتسب صفة العلمية والموضوعية أو كان مجددا يريد ان يواجه الملايين ليخطئها في ما لديها ويقدم لها معلومات جديدة ينبغي له القيام بعدة أمور قبل التصديق بالتصور الآنف الذكر وهي:
١. عليه ان يفسر ظاهرة التشابه بين الكتابين وهل هما كتابان حقا ام هما كتاب واحد بعضهما اصل والآخر مهذب بشكل طفيف؟.
٢. ان يقوم بتوثيق النسختين فهل المطبوع هو نسخة المؤلف او نسخة عنها او نسخة متأخرة جدا لا يعرف الأصل الذي استنسخت عنه؟
٣. أن يقوم بتوثيق النص فيقارن بين النسخة التي بين يديه والمنقول عن الأصل في كتب أخرى في فترات أقدم من النسخة الخطية.
٤. ان يبحث عن مصادر أخرى في الموضوع نفسه فقد يجد ما يؤيد أو ما يعارض وعليه ان يعالج التعارض أو يرجح مصدرا على آخر بمرجحات مقبولة علميا.
ومن المؤسف ان الأستاذ الكاتب لم يقم بواحدة من تلك الأمور في هذا المورد الخطير وبقي في إطار نسختي النوبختي والأشعري ليقرر الحقيقة فيقول: (ان الفرقة الإمامية هي شرذمة قليلة من بين اربع عشرة فرقة) ثم يتدرج في الحكم الى ما نقلناه عنه آنفا.
لقد نبهناه في الحلقة الأولى يوم كتبنا ردا على ما نشره في نشرة الشورى الى قيام الباحثين ببحوث حول نسختي الأشعري والنوبختي وكونهما كتابا واحدا لمؤلف واحد هو النوبختي او الأشعري القمي. ومع ذلك لم يستفد من التنبيه ولم يتعرض لأبحاث الباحثين سلباً أو إيحاباً وطبع كتابه وضمَّنه ما نشره في نشرته الشورى مكثراً من الاستشهاد فى كتابه بعبارات فرق الشيعة للنوبختي والمقالات والفرق للأشعري القمي إذ جاء فيه ما يقرب من (٧٦) إحالة الى هذين المصدرين من أصل (٦٢٧) إحالة الى مصادر أخرى في القسم الأول والثاني من كتابه.
ما نقله الشيخ المفيد عن كتاب فرق الشيعة:
مضافا الى ذلك لم يقارن بين ما نقله الشيخ المفيد عن النوبختي في كتابه الفصول المختارة من انقسام اصحاب الحسن العسكري (عليه السلام) الى اربع عشرة فرقة والنص عند الشيخ المفيد كما يلي:
قال الشيخ المفيد ت٤١٣ في كتابه الفصول المختارة (ولما توفي أبو محمد الحسن بن علي بن محمد (عليه السلام) إفترق أصحابه بعده على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي بأربع عشرة فرقة، فقال الجمهور منهم بإمامة القائم المنتظر (عليه السلام) وأثبتوا ولادته وصححوا النص عليه وقالوا هو سمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومهدي الأنام)(٤٧١).
ويتضح من هذا النص ان نسخة النوبختي المطبوعة قد أصابها التحريف حين لم يذكر فيها عبارة (الجمهور منهم)(٤٧٢).
ما ذكره الشيخ ابو سهل النوبختي:
أقول: ويؤكد وقوع هذا التحريف في النسخة المطبوعة لكتاب فرق الشيعة للنوبختي ما ذكره الشيخ ابو سهل اسماعيل بن علي النوبختي(٤٧٣) وهو خال الحسن بن علي النوبختي صاحب فرق الشيعة.
قال أبو سهل في كتابه (التنبيه في الإمامة): ان الحسن (عليه السلام) خلف جماعة من ثقاته ممن يروي عنه الحلال والحرام ويؤدي كتب شيعته واموالهم ويخرجون الجوابات وكانوا بموضع من الستر والعدالة بتعديله اياهم في حياته، فلما مضى اجمعوا جميعاً على انه قد خلَّف ولدا هو الامام وامروا الناس ان لا يسألوا عن اسمه وان يستروا ذلك من اعدائه، وطلبه السلطان اشد طلب ووكل بالدور والحبالى من جواري الحسن (عليه السلام) (٤٧٤).
أقول: ومن البعيد جداً ان يكون ابن الأخت وهو معني بالامر غير مطلع على كتا ب خاله في الموضوع نفسه وهو شيخ متكلمي الشيعة في بغداد في وقته وإذا اطلع عليه وكان مخالفا له فمن البعيد ان لا يذكر رأيه.
ما ذكره الشيخ الصدوق:
وقد اشار الى هذه الحقيقة ايضا الشيخ الصدوق في كتابه اكمال الدين ص ٤٥، قال: كل من سألنا من المخالفين عن القائم (عليه السلام)، لم يخل من ان يكون قائلاً بامامة الائمة الاحد عشر من آبائه (عليهم السلام) او غير قائل بامامتهم.
فان كان قائلا بامامتهم لزمه القول بامامة الامام الثاني عشر لنصوص آبائه الائمة (عليهم السلام) عليه باسمه ونسبه واجماع شيعتهم على القول بامامته وانه القائم الذي يظهر بعد غيبة طويلة فيملأ الارض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً.
ما ذكره الذهبي:
مضافا الى ذلك فقد نص على حقيقة: (ان المعتقدين بالمهدي بن الحسن العسكري هم جمهور أصحاب الأمام الحسن العسكري وليس شرذمة) الذهبي في كتابه (سير اعلام النبلاء) وابن حزم الأندلسي في كتابه (الفصل) والأشعري السني في كتابه مقالات الإسلاميين.
قال الذهبي (ت٧٤٨) في سير أعلام النبلاء ج ١٣ /١١٩ - ١٢٢ نقل أبو محمد بن حزم أن الحسن (بن علي بن محمد) مات عن غير عقب. قال وثبت جمهور الرافضة على أن للحسن ابنا أخفاه.
ما ذكره ابن حزم ت ٥٤٨ هجرية:
وقال ابن حزم (٤٨٤-٥٤٨هجرية) في كتابه (الفصل في الملل) ج٤/٧٧ (وقالت الروافض الإمامة في علي وحده بالنص عليه ثم في الحسن ثم في الحسين وادعوا نصا آخر من النبي (صلى الله عليه وآله) عليهما بعد أبيهما ثم علي ابن الحسين لقول الله عز وجل (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله). قالوا فولد الحسين أحق من أخيه ثم محمد بن علي بن الحسين ثم جعفر بن علي ابن الحسين. وهذا مذهب جميع متكلميهم كهشام بن الحكم وهشام الجواليقي وداود الحواري وداود الرقي وعلي بن منصور وعلي بن هيثم وأبي علي السكاك تلميذ هشام بن الحكم ومحمد بن جعفر بن النعمان شيطان الطاق وأبي ملك الحضرمي وغيرهم.
ثم افترقت الرافضة بعد موت هؤلاء المذكورين وموت جعفر بن محمد فقالت طائفة بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر. وقالت طائفة بإمامة ابنه محمد بن جعفر وهم قليل وقالت طائفة جعفر حي لم يمت. وقال جمهور الرافضة بإمامة ابنه موسى بن جعفر ثم علي ابن موسى ثم محمد بن علي بن موسى ثم علي بن محمد بن موسى ثم الحسن بن علي. ثم مات الحسن غير معقب فافترقوا فرقا وثبت جمهورهم على أنه ولد للحسن بن علي ولد فأخفاه وقيل بل ولد له بعد موته من جارية له اسمها صقيل وهو الأشهر وقال بعضهم بل من جارية له اسمها نرجس وقال بعضهم من جارية له اسمها سوسن).
وقال في ج٤/١٣٨ (وقالت القطعية من الامامية الرافضة كلهم وهم جمهور الشيعة ومنهم المتكلمون والنظارون والعدد العظيم بان محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي ابن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب حي لم يمت ولا يموت حتى يخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وهو عندهم المهدي المنتظر، وبقول طائفة منهم ان مولد هذا الذي لم يخلق قط في سنة ستين ومائتين سنة موت ابيه وقالت طائفة منهم بل بعد موت ابيه بمدة وقالت طائفة منهم بل في حياة ابيه... وكل هذا هوس ولم يعقب الحسن المذكور ذكراً ولا انثى فهذا اول نُوك(٤٧٥) الشيعة ومفتاح عظيماتهم واخفها وان كانت مهلكة)(٤٧٦).
أقول: ذكر السيد هبة الدين الشهرستاني في مقدمة كتاب فرق الشيعة للنوبختي ان نسخة من فرق الشيعة للنوبختي كانت عند ابن حزم(٤٧٧) وهو قرينة ثالثة على ان النسخة المتداولة من كتاب فرق الشيعة محرفة في هذا الموضع.
ما ذكر ه الأشعري السني في كتابه المؤلَّف سنة ٢٩٧ هجرية:
أقول: وهناك من هو أقدم من ابن حزم ممن قرر حقيقة ان جمهور اصحاب الحسن العسكري كانوا يؤمنون بان الحسن العسكري له ولد هو الامام الثاني عشر وهو المهدي المنتظر، وهو مصدر مهم جدا لاينبغي لباحث أن يغفله وهو كتاب (مقالات الإسلاميين) لابي الحسن الأشعري السني (ت ٣٢٤ هجرية) وقد انتهى من تأليفه سنة ٢٩٧ هجرية (أي بعد خمس وثلاثين سنة من وفاة الحسن العسكري).
قال أبو الحسن الأشعري السني (فالفرقة الاولى منهم وهم القطعية وانما سموا قطعية لانهم قطعوا على موت موسى بن جعفر بن محمد بن علي وهم جمهور الشيعة يزعمون ان النبي نص على امامة على بن أبي طالب واستخلفه بعده بعينه واسمه وان عليا نص على امامة ابنه الحسن بن على وان الحسن بن على نص على امامة اخيه الحسين بن على وان الحسين بن على نص على امامة ابنه على بن الحسين وان على بن الحسين نص على امامة ابنه محمد بن على وان محمد بن على نص على امامة ابنه جعفر بن محمد وان جعفر بن محمد نص على امامة ابنه موسى بن جعفر وان موسى بن جعفر نص على امامة ابنه على بن موسى وان على بن موسى نص على امامة ابنه محمد بن على بن موسى وان محمد بن على بن موسى نص على امامة ابنه الحسن بن على بن محمد بن على بن موسى وهو الذي كان بسامرا وان الحسن بن على نص على امامة ابنه محمد بن الحسن بن على وهو الغائب المنتظر عندهم الذي يدعون انه يظهر فيملأ الارض عدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا).
ويتضح من ذلك كله في ضوء المصادر الشيعية والسنية القديمة: ان جمهور اصحاب الحسن العسكري وثُقاته وهم جمهور الشيعة آنذاك كانوا يقولون بالولد وكون ابيه الحسن (عليه السلام) قد نص على إمامته وانه المهدي الموعود طوال الغيبة الصغرى (أي القرن الثالث الهجري والربع الأول من القرن الرابع الهجري).
القضية الثانية: قضية الحيرة في بدء الغيبة الكبرى
مما لا شك فيه ان قسما كبيرا من الشيعة عاشوا حيرة شاملة حين بلغهم خبر انقطاع النيابة الخاصة بعد وفاة النائب الرابع، حيث لا يوجد مرجع معين من الإمام المهدي (عليه السلام) ينهض بأمورهم، مع كثرة الشبهات التي أثارها الزيدية والمعتزلة وغيرهم، وتصدى علماء الشيعة في تلك الفترة لرفع الحيرة التي نشأت بسبب ذلك وكتبوا كتبا خالدة منها: -
- كتاب (الغيبة) لمحمد بن ابراهيم النعماني (ألفه بين سنة ٣٣٣ هجرية وسنة ٣٤٢هجرية).
- و(الإمامة والتبصرة من الحيرة) لعلي بن بابويه (ت ٣٢٩)
- و(إكمال الدين وإ تمام النعمة في إثبات الغيبة وكشف الحيرة) لمحمد بن علي بن بابويه (ت ٣٨٦).
- و(الغيبة) للشيخ الطوسي (ت ٤٦٠).
- وغيرها.
قال علي بن بابويه في الامامة والتبصرة ص ٩: (رأيت كثيرا ممن صح عقده، وثبتت على دين الله وطأته، وظهرت في الله خشيته، قد أحادته الغيبة، وطال عليه الامد حتى دخلته الوحشة،... فجمعت أخبارا تكشف الحيرة...)
وقال النعماني في كتاب الغيبة ص ٢٠: (أما بعد فإنا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيع المنتمية إلى نبيها محمد وآله صلى الله عليهم - ممن يقول بالامامة التي جعلها الله برحمته دين الحق ولسان الصدق وزينا لمن دخل فيها ونجاة وجمالا لمن كان من أهلها وفاز بذمتها وتمسك بعقدتها ووفى لها بشروطها من المواظبة على الصلوات وإيتاء الزكوات والمسابقة إلى الخيرات، واجتناب الفواحش والمنكرات، والتنزه عن سائر المحظورات، ومراقبة الله تقدس ذكره في الملا والخلوات، وتشغل القلوب وإتعاب الانفس والابدان في حيازة القربات - قد تفرقت كلمها، وتشعبت مذاهبها، واستهانت بفرائض الله عز وجل، وحنت إلى محارم الله تعالى، فطار بعضها علوا، وانخفض بعضها تقصيرا، وشكوا جميعا إلا القليل في إمام زمانهم وولى أمرهم وحجة ربهم... للمحنة الواقعة بهذه الغيبة التي سبق من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكرها، وتقدم من أمير المؤمنين (عليه السلام) خبرها، ونطق في المأثور من خطبه والمروي عنه من كلامه وحديثه بالتحذير من فتنتها، وحمل أهل العلم والرواية عن الائمة من ولده: واحدا بعد واحد أخبارها حتى ما منهم أحد إلا وقد قدم القول فيها،... ووجدنا الرواية قد أتت عن الصادقين (عليهم السلام) بما أمروا به من وهب الله عزّ وجلّ له حظا من العلم وأوصله منه إلى ما لم يوصل إليه غيره من تبيين ما اشتبه على إخوانهم في الدين، وإرشادهم في الحيرة إلى سواء السبيل، وإخراجهم عن منزلة الشك إلى نور اليقين. فقصدت القربة إلى الله عزّ وجلّ بذكر ما جاء عن الائمة الصادقين الطاهرين (عليهم السلام) من لدن أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى آخر من روي عنه منهم في هذه الغيبة التي عمى عن حقيتها ونورها من أبعده الله عن العلم بها والهداية إلى ما اوتي عنهم (عليهم السلام) فيها ما يصحح لاهل الحق حقيقة ما رووه ودانوا به، وتؤكد حجتهم بوقوعها وبصدق ما آذنوا به منها.
وإذا تأمل من وهب الله تعالى له حسن الصورة وفتح مسامع قلبه، ومنحه جودة القريحة وأتحفه بالفهم وصحة الرواية بما جاء عن الهداة الطاهرين صلوات الله عليهم على قديم الايام وحديثها من الروايات المتصلة فيها... عَلِمَ أن هذه الغيبة لو لم تكن ولم تحدث مع ذلك ومع ما روي على مر الدهور فيها لكان مذهب الامامة باطلا(٤٧٨) لكن الله تبارك وتعالى صدَّق إنذار الائمة (عليهم السلام) بها، وصحح قولهم فيها في عصر بعد عصر).
وقال محمد بن علي بن بابويه في كتابه (إكمال الدين وإ تمام النعمة في إثبات الغيبة وكشف الحيرة) ص ٢: إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا أنى لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه رجعت إلى نيسابور وأقمت بها، فوجدت أكثر المختلفين إلىَّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم (عليه السلام) الشبهة، وعدلوا عن طريق التسليم إلى الاراء والمقائيس، فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالاخبار الواردة في ذلك عن النبي والائمة صلوات الله عليهم، حتى ورد إلينا من بخارا شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلد قم، طال ما تمنيت لقاءه واشتقت إلى مشاهدته لدينه وسديد رأيه واستقامة طريقته، وهو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن على بن الصلت القمي... فبينا هو يحدثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفة والمنطقيين كلاما في القائم (عليه السلام) قد حيره وشككه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره، فذكرت له فصولا في إثبات كونه (عليه السلام) ورويت له أخبارا في غيبته عن النبي والائمة (عليهم السلام) سكنت إليها نفسه، وزال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشك والارتياب والشبهة، وتلقى ما سمعه من الاثار الصحيحة بالسمع والطاعة والقبول والتسليم، وسألني أن أصنف (له) في هذا المعنى كتابا، فأجبته إلى ملتمسه ووعدته جمع ما ابتغى إذا سهل الله لي العود إلى مستقري ووطني بالري.
فبينا أنا ذات ليلة أفكر فيما خلفت ورائي من أهل وولد وإخوان ونعمة إذ غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف حول بيت الله الحرام وأنا في الشوط السابع عند الحجر الاسود أستلمه وأقبله، وأقول " أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة " فأرى مولانا القائم صاحب الزمان - صلوات الله عليه - واقفا بباب الكعبة، فأدنو منه على شغل قلب وتقسم فكر، فعلم (عليه السلام) ما في نفسي بتفرسه في وجهي، فسلمت عليه فرد علي السلام، ثم قال لي لم لا تصنف كتابا في الغيبة حتى تكفي ما قد همك؟ فقلت له يا ابن رسول الله قد صنفت في الغيبة أشياء، فقال (عليه السلام) ليس على ذلك السبيل آمرك أن تصنف الان كتابا في الغيبة واذكر فيه غيبات الانبياء (عليهم السلام). ثم مضى صلوات الله عليه.
فانتبهت فزعا إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى إلى وقت طلوع الفجر، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلا لامر ولي الله وحجته، مستعينا بالله ومتوكلا عليه ومستغفرا من التقصير، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).
أقول:
أن السر في هذه الحيرة هو انقضاء الجيل الذي شاهد الإمام (عليه السلام) وتعامل معه حسيا ونشر أخباره بين الشيعة بشكل خاص، وكون الغيبة ظاهرة جديدة لم يسبق لها مثيل في المجتمع الإسلامي مع وجود شبهات وتساؤلات من الخصوم.
وقد وفق العلماء المذكورون ونظراؤهم رحمهم الله جميعا في الإجابة على كل شبهة اثيرت حول الغيبة وما يرتبط بها حتى عادت الغيبة لدى الشيعة بمنزلة المشاهدة وصارت دليلا آخر على صدق إمامة أهل البيت (عليهم السلام) وآية من آياتهم كما أشار النعماني الى ذلك.
وفي ضوء ما بيناه يتضح:
ان قول الاستاذ الكاتب: "اذا استثنينا شرذمة قليلة، ان اجماع الشيعة في القرن الثالث والقرن الرابع كان قائماً على عدم الايمان بوجود (محمد بن الحسن العسكري) وقد ذكر ذلك عامة مؤرخي الشيعة كالنوبختي والاشعري والكليني والنعماني والصدوق والمفيد والطوسي، الذي اطلقوا على ذلك العصر اسم (عصر الحيرة). (٢٣٤-٢٣٥) "
لم يكن قد تحرّى فيه الامانة والدقة العلمية، ولا استوعب المصادر الأساسية في مثل هذه القضية الخطيرة.

الفصل الثاني: الإمامة بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) لا تكون في أخوين

قوله: وكان الدافع الرئيسي لهذا القول (أي ان للحسن العسكري ولد) هو التمسك بقانون (الوراثة العمودية) و(عدم جواز انتقال الإمامة الى أخوين بعد الحسن والحسين) وبالرغم من أنه (أي القانون المذكور) كان قولا ضعيفا ولم يجمع الشيعة الإمامية عليه في ذلك الوقت خلافا لما ادعى الطوسي بعد ذلك بمأتي عام.
أقول: ان قانون الوراثة العمودية وعدم جواز انتقال الإمامة الى أخوين بعد الحسن والحسين مما اتفق عليه جمهور الشيعة الإمامية بعد الامام الصادق (عليه السلام) في القرن الثاني والثالث وقد نقل هذه الحقيقة النوبختيان الخال وابن اخته والأشعري القمي في كتبهم قبل الشيخ الطوسي بأكثر من مأة عام، هذا مضافاً الى الروايات الصحيحة الواردة بذلك.
نص الشبهة
قال: أن القول بـ (عدم جواز انتقال الإمامة الى أخوين بعد الحسن والحسين ووجوب استمرارها في الاعقاب) قول ضعيف ولم يجمع الشيعة الإمامية عليه في ذلك الوقت خلافا لما ادعى الطوسي بعد ذلك بمأتي عام. (ص١٨٩).
الرد على الشبهة
أقول: بل هو قول جمهور الشيعة الإمامية والمشهور بل المتواتر بينهم قبل ولادة المهدي (عليه السلام) كما نقله اسماعيل بن علي النوبختي في كتابه (التنبيه في الإمامة) وابن أخته الحسن بن موسى النوبختي في كتابه فرق الشيعة والاشعري القمي في كتابه المقالات والفرق على فرض تعدد الكتابين المتداولين.
قول أبي سهل النوبختي:
قال اسماعيل بن علي النوبختي في كتاب التنبيه:
(وعلمنا بالاخبار المتواترة عن الائمة الصادقين (عليهم السلام) ان الامامة لا تكون بعد كونها في الحسن والحسين (عليه السلام) الا في ولد الامام ولا يكون في اخ ولا قرابة)(٤٧٩).
قول الاشعري القمي:
وقال الاشعري القمي في المقالات والفرق:
(ففرقة منها وهي المعروفة بالامامية قالت لله في ارضه بعد مضي الحسن بن علي حجة على عباده وخليفة في بلاده، قائم بامره من ولد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا،... على المنهاج الاول والسنن الماضية من الائمة الجارية، فيمن مضى منهم القائمة فيمن بقى منهم، الى ان تقوم الساعة من وتيرة الاعقاب، ونظام الولادة، ولا ينتقل ولا يزول عن حالها، ولا يكون الامامة ولا يعود في اخوين بعد الحسن والحسين، ولا يجوز ذلك ولا يكون الا في عقب الحسن بن علي بن محمد الى فناء الخلق وانقطاع امر الله ونهيه ورفعه التكليف عن عباده، متصل ذلك ما اتصلت امور الله، ولو كان في الارض رجلان كان احدهما الحجة، ولو مات احدهما لكان الباقي منهما الحجة، ما اتصل امر الله ودام نهيه في عباده، وما كان تكليفه قائماً في خلقه، ولا يجوز ان تكون الامامة في عقب من يموت في حياة ابيه، ولا في وصىّ له من اخ ولا غيره، اذا لم تثبت للميت في حياه ابيه في نفسه امامة ولم يلزم العباد به حجة...
وذلك ان المأثور عن الائمة الصادقين مما لا دفع بين هذه العصابة من الشيعة الامامية، ولا شك فيه عندهم ولا ارتياب، ولم يزل اجماعهم عليه لصحة مخرج الاخبار المروية فيه وقوة اسبابها، وجودة اسانيدها وثقة ناقليها)(٤٨٠).
قول علي بن الحسن النوبختي:
وقال علي بن الحسن النوبختي في فرق الشيعة:
(قالت الفرقة الثانية عشرة وهم (الامامية) ليس القول كما قال هؤلاء كلهم بل لله عز وجل في الارض حجة من ولد الحسن بن علي وامر الله بالغ وهو وصي لأبيه على المنهاج الاول والسنن الماضية ولا تكون الامامة في اخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام). ولا يجوز ذلك ولا تكون الا في عقب الحسن بن علي الى ان ينقضي الخلق متصلا ذلك ما اتصلت امور الله تعالى. ولو كان في الارض رجلان لكان احدهما الحجة ولو مات احدهما لكان الآخر الحجة ما دام امر الله ونهيه قائمين في خلقه. ولا يجوز ان تكون الامامة في عقب من لم تثبت له امامة ولم تلزم العباد به حجة ممن مات في حياة ابيه ولا في ولده...
وهذا الذي ذكرناه هو المأثور عن الصادقين الذي لا تدافع له بين هذه العصابة ولا شك فيه لصحة مخرجه وقوة اسبابه وجودة اسناده(٤٨١).
وفي ضوء ذلك فان الشيخ الطوسي كان قوله مؤكدا لما نقله النوبختي والأشعري القمي وليس مؤسسا).
نموذج من الروايات:
أما الأخبار في ذلك فكثيرة نذكر منها ما رواه الكليني في الكافي بأسانيد صحيحة.
عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال لا تعود الامامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبدا، إنما جرت في علي بن الحسين كما قال الله تبارك وتعالى "واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" فلا تكون بعد علي بن الحسين (عليه السلام) إلا في الاعقاب وأعقاب الاعقاب(٤٨٢).
وعن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن ابي نجران، عن سليمان بن جعفر الجعفري، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال لا تجتمع الامامة في أخوين بعد الحسن والحسين إنما هي في الأعقاب وأعقاب الاعقاب(٤٨٣).
وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه سئل أتكون الامامة في عم أو خال؟ فقال لا، فقلت ففي أخ؟ قال لا، قلت ففي من؟ قال في ولدي، وهو يومئذ لا ولد له(٤٨٤).

الفصل الثالث: روايات اهل البيت (عليهم السلام) في تشخيص هوية الإمام المهدي (عليه السلام)

قوله: اما الروايات الواردة حول الغيبة والغائب فهي لا تتحدث عن غائب بالتحديد... وهي لا تتحدث عن أمر قبل وقوعه حتى يكون ذلك إعجازا ودليلا على صحة الغيبة كما قال الشيخ الصدوق.
أقول: إن روايات أهل البيت المتداولة عند الشيعة في القرن الثاني الهجري تتحدث عن غائب بالتحديد وهو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت والخامس من ولد الصادق (عليه السلام)، وانه يغيب غيبتين إحداهما طويلة ثم يقوم بعدها، وبالتالي فهي تتحدث عن أمر قبل وقوعه، وفيما يلي طرف مما رواه الحسن بن محبوب السرّاد (١٤٩- ٢٢٤ هجرية) في كتابه المشيخة وغيره من كتبه وكتب غيره التي كانت متداولة عند الشيعة قبل ولادة المهدي بنصف قرن تقريبا.
نص الشبهة
قال: (اما الروايات الواردة حول الغيبة والغائب فهي لا تتحدث عن غائب بالتحديد... وهي لا تتحدث عن أمر قبل وقوعه حتى يكون ذلك إعجازا ودليلا على صحة الغيبة كما قال الشيخ الصدوق) ص ١٩٧بيروتية.
(إن تحديد هوية الإمام المهدي بالثاني عشر من أئمة أهل البيت قد حدث في وقت متأخر بعد وفاة الإمام الحسن العسكري بفترة طويلة إي في بداية القرن الرابع الهجري).
ولو كانت هوية المهدي قد تحددت من قبل منذ زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة الأحد عشر السابقين لما اختلف المسلمون ولا الشيعة ولا الإمامية ولا شيعة الحسن العسكري في تحديد هوية المهدي (١٨٢).
الرد على الشبهة
أقول: إن روايات أهل البيت (عليهم السلام) المتداولة عند الشيعة في القرن الثاني الهجري والربع الأول من القرن الثالث الهجري تتحدث عن غائب بالتحديد وبالتالي فهي قد أخبرت عن أمر قبل وقوعه.
وقد ذكرت هذه الروايات ان القائم المهدي الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم هو الثاني عشر من أهل البيت وهو التاسع من ذرية الحسين وفي بعضها هو السابع من ذرية الباقر وفي بعضها هو السادس من ذرية الصادق وفي بعض هذه الروايات هو الخامس من ولد الكاظم هذا مضافا الى روايات كثيرة جدا تشير الى أن هذا القائم له غيبة طويلة، وفي روايات اخرى ان له غيبتين إحداهما طويلة يقال له فيها مات أو هلك، وفي بعضها انه تخفى ولادته على الناس، وفي بعضها هو الذي يقول الناس عنه لم يولد بعد وفي بعضها انه اصغر الأئمة سنا وأخملهم ذكرا.
وليس بعد هذه الأوصاف من غموض كما يدعي الأستاذ الكاتب مضافا الى ذلك العلامات التي ذكرت كمقدمة لظهوره من قبيل زوال ملك بني العباس وخروج السفياني والصيحة في شهر رمضان وانه لا يقوم حتى يذهب ثلثا الناس وانه لا تبقى فئة من الناس لا تجرب حظها من الحكم والسيرة بين الناس وانه يظهر في زمانه عيسى ويصلي خلفه.
ان هذه الصفات والعلامات لا تبقي مجالا للقول ان الروايات الواردة في المهدي غامضة ولم تحدد هويته كما ادعى ذلك الأستاذ الكاتب.
وقد ذكر تلك الروايات علماء الشيعة الأقدمين وقدموها كظاهرة ملفتة للنظر وعلامة من علامات صدق إمامة أهل البيت (عليهم السلام).
تعليق الشيخ ابي سهل النوبختي على أخبار الغيبتين:
قال الشيخ أبي سهل النوبختي (رحمه الله): (وصحة غيبته بالاخبار المشهورة في غيبة الامام (عليه السلام) وان له غيبتين إحداهما اشد من الاخرى.
ومذهبنا في غيبة الامام في هذا الوقت لا يشبه مذهب الممطورة في موسى(٤٨٥) بن جعفر لان موسى مات ظاهراً ورآه الناس ميتاً ودفن دفناً مكشوفا ومضى لموته اكثر من مائة سنة وخمسين سنة لا يدعي احد انه يراه ولا يكاتبه ولا يراسله، ودعواهم انه حي فيه اكذاب الحواس التي شاهدته ميتاً وقد قام بعده عدة ائمة فأتوا من العلوم بمثل ما أتى به موسى وليس في دعوانا هذه غيبة الامام اكذاب للحس ولا محال ولا دعوى تنكرها العقول ولا تخرج من العادات وله الى هذا الوقت من يدَّعي من شيعته الثقات المستورين انه باب اليه وسبب يؤدي عنه الى شيعته امره ونهيه ولم تطل المدة في الغيبة طولاً يخرج من عادات من غاب.
فالتصديق بالاخبار يوجب: اعتقاد امامة ابن الحسن (عليه السلام) على ما شرحت.
وانه قد غاب كما جاءت الاخبار في الغيبة فانها جاءت مشهورة متواترة وكانت الشيعة تتوقعها وتترجاها كما ترجوا بعد هذا من قيام القائم (عليه السلام) بالحق واظهار العدل.
ونسأل الله عز وجل توفيقا وصبراً جميلاً برحمته)(٤٨٦).
تعليق النعماني على اخبار الغيبتين:
وقال النعماني (رحمه الله) معلقا على أخبار الغيبتين:
(هذه الاحاديث التى يذكر فيها أن للقائم (عليه السلام) غيبتين أحاديث قد صحت عندنا بحمد الله، وأوضح الله قول الائمة (عليهم السلام) وأظهر برهان صدقهم فيها.
فأما الغيبة الاولى: فهي الغيبة التى كانت السفراء فيها بين الامام (عليه السلام) وبين الخلق قياما منصوبين ظاهرين موجودي الاشخاص والاعيان، يخرج على أيديهم غوامض العلم، وعويص الحكم، والاجوبة عن كل ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشكلات، وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامها وتصرمت مدتها(٤٨٧).
والغيبة الثانية: هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط للامر الذي يريده الله تعالى، والتدبير الذى يمضيه في الخلق، ولوقوع التمحيص والامتحان والبلبلة والغربلة والتصفية على من يدعي هذا الامر كما قال الله عزّ وجلّ " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب. وما كان الله ليطلعكم على الغيب " وهذا زمان ذلك قد حضر، جعلنا الله فيه من الثابتين على الحق، وممن لا يخرج في غربال الفتنة.
فهذا معنى قولنا " له غيبتان " ونحن في الاخيرة نسأل الله أن يقرب فرج أوليائه منها ويجعلنا في حيز خيرته وجملة التابعين لصفوته، ومن خيار من ارتضاه وانتجبه لنصرة وليه وخليفته فإنه ولي الاحسان، جواد منان).
وقال (رحمه الله) معقبا على اخبار علامات الظهور وبعض صفات القائم (عليه السلام):
(العلامات التي ذكرها الائمة: مع كثرتها واتصال الروايات بها وتواترها واتفاقها موجبة ألا يظهر القائم إلا بعد مجيئها وكونها، إذ كانوا قد أخبروا أن لابد منها وهم الصادقون، حتى إنه قيل لهم " نرجو أن يكون ما نؤمل من أمر القائم (عليه السلام) ولا يكون قبله السفياني " فقالوا " بلى والله إنه لمن المحتوم الذي لابد منه ". ثم حققوا كون العلامات الخمس التي أعظم الدلائل والبراهين على ظهور الحق بعدها، كما أبطلوا أمر التوقيت وقالوا " من روى لكم عنا توقيتا فلا تهابوا أن تكذبوه كائنا من كان فإنا لا نوقت " وهذا من أعدل الشواهد على بطلان أمر كل من ادعى أو ادعي له مرتبة القائم ومنزلته وظهر قبل مجيء هذه العلامات، لا سيما وأحواله كلها شاهدة ببطلان دعوى من يدعى له، ونسأل الله أن لا يجعلنا ممن يطلب الدنيا بالزخارف في الدين والتمويه على ضعفاء المرتدين، ولا يسلبنا ما منحنا به من نور الهدى وضيائه، وجمال الحق وبهائه بمنه وطوله.
انظروا رحمكم الله - يا معشر الشيعة إلى ما جاء عن الصادقين (عليهم السلام) في ذكر سن القائم (عليه السلام) وقولهم إنه وقت إفضاء أمر الامامة إليه أصغر الائمة سنا وأحدثهم، وإن أحدا ممن قبله لم يفض إليه الامر في مثل سنه، وإلى قولهم " واخملنا ذكرا " يشيرون بخمول ذكره إلى غيبة شخصه واستتاره، وإذا جاءت الروايات متصلة متواترة بمثل هذه الاشياء قبل كونها، وبحدوث هذه الحوادث قبل حدوثها، ثم حققها العيان والوجود، وجب أن تزول الشكوك عمن فتح الله قلبه ونوره وهداه، وأضاء له بصره.
والحمد لله الذي يختص برحمته من يشاء من عباده بتسليمهم لامره وأمر أوليائه، وإيقانهم بحقيقة كل ما قاله، واثقا بحقيقة كل ما يقول الائمة من غير شك فيه ولا ارتياب، إذ كان الله عزّ وجلّ قد رفع منزلة حججه... وجعل الجزاء على التسليم لقولهم والرد إليهم الهدى والثواب وعلى الشك والارتياب فيه العمى وأليم العذاب، وإياه نسأل الثواب على ما من به، والمزيد فيما أولاه وحسن البصيرة فيما هدى إليه فإنما نحن به وله).
تعليق الشيخ الصدوق على أخبار الغيبة:
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): (أن الائمة (عليهم السلام) قد أخبروا بغيبته ووصفوا كونها لشيعتهم فيما نُقِل عنهم واستُحفِظ في الصحف ودُوِّن في الكتب المؤلفة من قبل أن تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقل أو أكثر.
فليس أحد من أتباع الائمة (عليهم السلام) إلا وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه ورواياته ودونه في مصنفاته وهي الكتب(٤٨٨) التي تعرف بالاصول مدوَّنة مستحفظة عند شيعة آل محمد (عليهم السلام) من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين، وقد أخرجت ما حضرني من الاخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب في مواضعها.
فلا يخلو حال هؤلاء الاتباع المؤلفين للكتب أن يكونوا علموا الغيب بما وقع الان من الغيبة، فألفوا ذلك في كتبهم ودونوه في مصنفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند أهل اللب والتحصيل.
أو أن يكونوا (قد) أسسوا في كتبهم الكذب فاتفق الامر لهم كما ذكروا وتحقق كما وضعوا من كذبهم على بعد ديارهم واختلاف آرائهم وتباين أقطارهم ومحالهم، وهذا أيضا محال كسبيل الوجه الاول.
فلم يبق في ذلك إلا أنهم حفظوا عن أئمتهم المستحفظين للوصية (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذكر الغيبة وصفة كونها في مقام بعد مقام إلى آخر المقامات ما دونوه في كتبهم وألفوه في اصولهم.
وبذلك وشبهه فلج الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا)(٤٨٩).
تعليق الطبرسي في إعلام الورى على أخبار الغيبة:
قال الطبرسي (رحمه الله) مما يدل على صحة إمامته (عليه السلام) النص عليه بذكر غيبته، وصفتها التي يختصها ووقوعها على الحد المذكور من غير اختلاف حتى لم يخرم منه شيئا وليس يجوز في العادات أن تولد جماعة كثيرة كذبا يكون خبرا عن كائن فيتفق ذلك على حسب ما وصفوه.
وإذا كانت أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة (عليه السلام) بل زمان أبيه وجده حتى تعلقت الكيسانية والناووسية والممطورة(٤٩٠) بها وأثبتها المحدِّثون من الشيعة في اصولهم المؤلفة في أيام السيدين الباقر والصادق (عليهما السلام)(٤٩١) وأثروها عن النبي والائمة (عليهم السلام)واحد بعد واحد صح بذلك القول في إمامة صاحب الزمان بوجود هذه الصفة له والغيبة المذكورة، في دلائله وأعلام إمامته، وليس يمكن أحدا دفع ذلك.
ومن جملة ثقات المحدثين والمصنفين من الشيعة الحسن بن محبوب السراد وقد صنف كتاب المشيخة الذي هو في اصول الشيعة أشهر من كتاب المزني وأمثاله قبل زمان الغيبة بأكثر من مائة سنة فذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغيبة فوافق المخبر، وحصل كما تضمنه الخبر بلا اختلاف(٤٩٢).
أقول:
وفيما يلي طرف مما رواه الحسن بن محبوب السراد (١٤٩- ٢٢٤ هجرية) في كتاب مشيخته المشهور المتداول عند الشيعة قبل ولادة المهدي بنصف قرن تقريبا وطرف مما رواه ايضا معاصرو الحسن بن محبوب في كتبهم أمثال محمد بن ابي عمير (ت٢١٧)، وصفوان بن يحيى (ت٢١٠) ومحمد بن اسماعيل بن بزيع، وعبد الله بن سنان (ت٢٢٠)، ومحمد بن سنان، والحسن بن ايوب، وعبد الله بن حماد الأنصاري، وأحمد بن الحسن الميثمي، والعباس بن عامر القصباني، وعثمان بن عيسى، والحسن بن علي بن فضال (ت٢٢٤)، وعبد الله بن جبلة (ت٢١٩)، وعلي بن حسان.
روايات الحسن بن محبوب السّرّاد ومعاصريه في المهدي (عليه السلام)
الغيبة الكبرى:
الحسن بن محبوب(٤٩٣) عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي إسحاق السبيعى قال سمعت من يوثق به من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول قال أمير - المؤمنين (عليه السلام) في خطبة خطبها بالكوفة طويلة ذكرها " اللهم لابد لك من حجج في أرضك حجة بعد حجة على خلقك، يهدونهم إلى دينك، ويعلمونهم علمك لكيلا يتفرق أتباع أوليائك، ظاهر غير مطاع، أو مكتتم خائف يترقب...(٤٩٤).
وعنه عن علي بن رئاب، عن زرارة قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول إن للقائم غيبة قبل ظهوره، قلت ولم؟ قال يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه. - قال زرارة يعني القتل(٤٩٥).
محمد بن أبي عمير(٤٩٦) عن جميل بن دراج، عن زرارة قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فقلت له ما يصنع الناس في ذلك الزمان؟ قال يتمسكون بالامر الذي هم عليه حتى يتبين لهم(٤٩٧).
وعنه عن صفوان بن مهران الجمال قال قال الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أما والله ليغيبن عنكم مهديكم حتى يقول الجاهل منكم ما لله في آل محمد، ثم يقبل كالشهاب الثاقب فيملاها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما(٤٩٨).
صفوان بن يحيى(٤٩٩) عن ابن بكير، عن زرارة قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول إن للقائم غيبة قبل أن يقوم، قال قلت ولم؟ قال يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -(٥٠٠).

عثمان بن عيسى الكلابي(٥٠١) عن خالد بن نجيح، عن زرارة بن أعين قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إن للقائم غيبة قبل أن يقوم، قلت له ولم؟ قال يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -. ثم قال يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، منهم من يقول هو حمل، ومنهم من يقول هو غائب، ومنهم من يقول ما ولد، ومنهم من يقول ولد قبل وفاة أبيه بسنتين. غير أن الله تبارك وتعالى يحب أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون. قال زرارة فقلت جعلت فداك فإن أدركت ذلك الزمان فأي شيء أعمل قال يا زرارة إن أدركت ذلك الزمان فأدم هذا الدعاء " اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك فانك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني.
الحسن بن علي بن فضال(٥٠٢) عن عبد الله بن بكير، عن زرارة بن أعين، عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال إن للقائم غيبة قبل أن يقوم - وذكر الحديث مثله سواء(٥٠٣).
وعنه عن مروان بن مسلم، عن أبي بصير قال قال الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية...(٥٠٤).
و عنه عن ثعلبة بن ميمون، عن مالك الجهني، عن الاصبغ بن نباتة قال أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فوجدته متفكرا ينكت في الارض فقلت يا أمير المؤمنين ما لي أراك متفكرا تنكت في الارض؟ أرغبة منك فيها؟. فقال لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قط، ولكن فكرت في مولود يكون من ظهر الحادي عشر من ولدي هو المهدي، الذي يملاها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، تكون له حيرة وغيبة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون(٥٠٥).
محمد ابن إسماعيل بزيع(٥٠٦) عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه سيد العابدين علي بن الحسين، عن أبيه سيد الشهداء الحسين بن علي، عن أبيه سيد الاوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) المهدي من ولدي، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الامم، يأتي بذخيرة الانبياء (عليهم السلام) فيملاها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما(٥٠٧).
الحسن بن أيوب(٥٠٨) عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن محمد بن عصام، قال حدثني المفضل بن عمر قال " كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) في مجلسه ومعي غيري، فقال لنا إياكم والتنويه - يعني باسم القائم (عليه السلام) - وكنت أراه يريد غيري، فقال لي يا أبا عبد الله إياكم والتنويه، والله ليغيبن سبتا من الدهر، وليخملن حتى يقال مات، أو هلك؟
بأي واد سلك؟ ولتفيضن عليه أعين المؤمنين وليكفأن كتكفئ السفينة في أمواج البحر حتى لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الايمان في قلبه، وأيده بروح منه، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي قال المفضل، فبكيت، فقال لي ما يبكيك؟ قلت جعلت فداك كيف لا أبكى وأنت تقول ترفع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي، قال فنظر إلى كوة في البيت التى تطلع فيها الشمس في مجلسه فقال أهذه الشمس مضيئة، قلت نعم، فقال والله لامرنا أضوء منها"(٥٠٩).
عبد الله بن حماد الانصاري(٥١٠) عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال لي " يا أبا - الجارود إذا دار الفلك وقالوا مات أو هلك، وبأي واد سلك، وقال الطالب له أنى يكون ذلك وقد بليت عظامه فعند ذلك فارتجوه، وإذا سمعتم به فأتوه ولو حبوا على الثلج(٥١١)".
وعنه عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال " يا أبان يصيب العلم سبطة... قلت فما السبطة؟ قال دون الفترة، فبينما هم كذلك إذ طلع لهم نجمهم، فقلت جعلت فداك فكيف نصنع وكيف يكون ما بين ذلك؟ فقال لي (كونوا على) ما أنتم عليه حتى يأتيكم الله بصاحبها"(٥١٢).
أحمد بن الحسن الميثمي(٥١٣) عن زائدة بن قدامة، عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " إن القائم إذا قام يقول الناس أنّى ذلك؟ وقد بليت عظامه"(٥١٤).
وعنه عن زائدة بن قدامة، عن عبد الكريم قال " ذكر عند أبي عبد الله (عليه السلام) القائم، فقال أنى يكون ذلك ولم يستدر الفلك حتى يقال مات أو هلك في أي واد سلك، فقلت وما استدارة الفلك؟ فقال اختلاف الشيعة بينهم"(٥١٥).
العباس بن عامر القصباني(٥١٦) عن ابن بكير، عن زرارة قال سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول " إن للغلام غيبة قبل أن يقوم، وهو المطلوب تراثه قلت ولم ذلك؟ قال يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - يعني القتل"(٥١٧).
وعنه عن موسى بن هلال، عن عبد الله بن عطاء المكي قال خرجت حاجا من واسط، فدخلت على أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) فسألني عن الناس والاسعار، فقلت تركت الناس مادين أعناقهم إليك لو خرجت لا تبعك الخلق، فقال يا ابن عطا قد أخذت تفرش أذنيك للنوكى، لا والله ما أنا بصاحبكم ولا يشار إلى رجل منا بالاصابع ويمط إليه بالحواجب(٥١٨) إلا مات قتيلا أو حتف أنفه، قلت وما حتف أنفه؟ قال يموت بغيظه على فراشه حتى يبعث الله من لا يؤبه لولادته، قلت ومن لا يؤبه لولادته؟ فقال انظر من لا يدري الناس أنه ولد أم لا، فذاك صاحبكم"(٥١٩).
وعنه قال: سمعت أبا الحسن موسى ابن جعفر (عليهما السلام) يقول صاحب هذا الامر من يقول الناس لم يولد بعد(٥٢٠).
وعنه عن عمر بن أبان الكلبي، عن أبان بن تغلب قال قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه سبطة(٥٢١) يأرز العلم فيها...
فبينما هم كذلك إذ أطلع الله عزّ وجلّ لهم نجمهم، قال قلت وما السبطة؟ قال الفترة والغيبة لامامكم، قال قلت فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ فقال كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم(٥٢٢).
محمد بن سنان(٥٢٣) عن أبي الجارود، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)؟ أنه سمعه يقول " الامر في أصغرنا سنا، واخملنا ذكرا"(٥٢٤).
عبد الله بن جبلة(٥٢٥) عن إبراهيم بن خلف بن عباد الانماطي، عن مفضل بن عمر قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده في البيت أناس فظننت أنه إنما أراد بذلك غيري، فقال أما والله ليغيبن عنكم صاحب هذا الامر وليخملن هذا حتى يقال مات، هلك، في أي واد سلك؟ ولتكفأن كما تكفأ السفينة في أمواج البحر، لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الايمان في قلبه، وأيده بروح منه ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدري أي من أي، قال فبكيت، فقال ما يبكيك يا ابا عبد الله؟ فقلت جعلت فداك كيف لا ابكي وأنت تقول اثنتا عشرة راية مشتبة لا يدري أي من أي!؟ قال وفي مجلسه كوة تدخل فيها الشمس فقال أبينة هذه؟ فقلت نعم، قال أمرنا أبين من هذه الشمس(٥٢٦).
وعنه عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول " إن للقائم (عليه السلام) غيبة قبل أن يقوم، قلت ولم ذلك؟ قال إنه يخاف - وأوما بيده إلى بطنه - يعنى القتل"(٥٢٧).
الغيبتان:
الحسن بن محبوب عن إسحاق بن عمار الصيرفي قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) " للقائم غيبتان إحداهما قصيرة، والاخرى طويلة(٥٢٨)...
وعنه عن إبراهيم بن زياد الخارقي، عن أبى بصير قال " قلت لابى عبد الله (عليه السلام) كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول لقائم آل محمد غيبتان إحداهما أطول من الاخرى؟ فقال نعم(٥٢٩)...
عبد الرحمن بن أبي نجران(٥٣٠) عن حماد بن عيسى عن ابراهيم بن عمر اليماني قال سمعت أن لصاحب هذا لأمر غيبتين(٥٣١).
الحسن بن أيوب عن عبد الكريم بن عمرو عن أبى حنيفة السايق عن حازم بن حبيب قال " قلت لابى عبد الله (عليه السلام) إن أبى هلك وهو رجل أعجمي وقد أردت أن أحج عنه وأتصدق فما ترى في ذلك؟ فقال افعل فإنه يصل إليه، ثم قال لي يا حازم إن لصاحب هذا الامر غيبتين - وذكر مثل ما ذكر في الحديث الذى قبله سواء -(٥٣٢)".
وعنه عن عبد الكريم بن عمرو، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم الثقفي، عن الباقر أبى جعفر (عليه السلام) أنه سمعه يقول " إن للقائم غيبتين يقال له في إحديهما هلك ولا يدرى في أي واد سلك"(٥٣٣).
عبد الله بن جبلة عن إبراهيم بن المستنير عن المفضل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال " إن لصاحب الامر غيبتين إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات، وبعضهم يقول قتل، وبعضهم يقول ذهب، فلا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره إلا المولى الذي يلى أمره"(٥٣٤).
وعنه عن سلمة بن جناح، عن حازم بن حبيب قال دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له " أصلحك الله إن أبوي هلكا ولم يحجا وإن الله قد رزق وأحسن فما تقول في الحج عنهما؟ فقال افعل فإنه يبرد لهما، ثم قال لي يا حازم إن لصاحب هذا الامر غيبتين يظهر في الثانية، فمن جاءك يقول إنه نفض يده من تراب قبره فلا تصدقه"(٥٣٥).
المهدي هو الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام):
الحسن بن محبوب عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال دخلت على فاطمة (عليهما السلام) وبين يديها لوح (مكتوب) فيه أسماء الاوصياء فعددت اثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي (عليهم السلام)(٥٣٦).
عبد الله بن حماد الانصاري قال حدثنا عمرو بن شمر، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن بن أبي الحسن البصري يرفعه قال " أتى جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال يا محمد إن الله عزّ وجلّ يأمرك أن تزوج فاطمة من على أخيك فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام) فقال له يا علي إنى مزوجك فاطمة ابنتي سيدة نساء العالمين وأحبهن إلى بعدك، وكائن منكما سيدا شباب أهل الجنة، والشهداء المضر جون المقهورون في الارض من بعدي، والنجباء الزهر الذين يطفئ الله بهم الظلم، ويحيى بهم الحق، ويميت بهم الباطل، عدتهم عدة أشهر السنة، آخرهم يصلي عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه"(٥٣٧).
المهدي من ذرية الحسين (عليه السلام):
الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) لما أن حملت فاطمة (عليها السلام) بالحسين (عليه السلام) قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله عزّ وجلّ قد وهب لك غلاما اسمه الحسين، تقتله امتي، قالت فلا حاجة لي فيه، فقال إن الله عزّ وجلّ قد وعدني فيه عدة، قالت وما وعدك؟ قال وعدني أن يجعل الامامة من بعده في ولده، فقالت رضيت(٥٣٨).
محمد بن أبي عمير عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي (عليهم السلام) قال سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه، عن معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، من العترة؟ فقال أنا والحسن والحسين والائمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حوضه(٥٣٩).
وعنه عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي (عليهم السلام) قال سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه، عن معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، من العترة، فقال أنا والحسن والحسين والائمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حوضه(٥٤٠).
وعنه عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين (عليهم السلام) قال قال الحسين بن علي (عليهما السلام) في التاسع من ولدي سنة من يوسف، وسنة من موسى بن عمران (عليهما السلام) وهو قائمنا أهل البيت، يصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة(٥٤١).
محمد بن سنان عن فضيل الرسان، عن أبى حمزة الثمالي قال " كنت عند أبى جعفر محمد بن على الباقر (عليهما السلام) ذات يوم فلما تفرق من كان عنده قال لي يا أبا حمزة من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله قيام قائمنا... السابع من بعدي، بأبي من يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا(٥٤٢).
عبد الله بن حماد الانصاري عن أبان بن عثمان قال قال أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) " بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم في البقيع حتى أقبل علي (عليه السلام) فسأل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقيل إنه بالبقيع، فأتاه علي (عليه السلام) فسلم عليه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجلس فأجلسه عن يمينه، ثم جاء جعفر بن أبى طالب فسأل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقيل له هو بالبقيع فأتاه فسلم عليه فأجلسه عن يساره، ثم جاء العباس فسأل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقيل له هو بالبقيع فأتاه فسلم عليه فأجلسه أمامه، ثم التفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام) فقال ألا أبشرك؟ ألا اخبرك يا علي، فقال بلى يا رسول الله، فقال كان جبرئيل (عليه السلام) عندي آنفا وأخبرني أن القائم الذي يخرج في أخر الزمان فيملا الارض عدلا (كما ملئت ظلما وجورا) من ذريتك من ولد الحسين... ثم التفت إلى العباس فقال يا عم النبى ألا اخبرك بما أخبرني به جبرئيل (عليه السلام)؟ فقال بلي يا رسول الله قال قال لي جبرئيل ويل لذريتك من ولد العباس، فقال يا رسول الله أفلا أجتنب النساء؟ فقال له (قد) فرغ الله مما هو كائن"(٥٤٣).
وعنه عن إبراهيم بن عبيد الله بن العلاء، قال حدثني أبى، عن أبى عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن أشياء تكون بعده إلى قيام القائم، فقال الحسين يا أمير المؤمنين متى يطهر الله الارض من الظالمين؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يطهرالله الارض من الظالمين حتى يسفك الدم الحرام. ثم ذكر أمر بني أمية وبني العباس... ثم يقوم القائم المأمول، والامام المجهول، له الشرف والفضل وهو من ولدك يا حسين، لا ابن مثله...(٥٤٤).
المهدي هو الثاني عشر من الأئمة وهو من ذرية الصادق (عليه السلام):
محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حيان السراج قال سمعت السيد بن محمد الحميري يقول كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي - ابن الحنفية - قد ضللت في ذلك زمانا، فمنَّ الله علي بالصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) وأنقذني به من النار، وهداني إلى سواء الصراط، فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله علي وعلى جميع أهل زمانه وأنه الامام الذي فرض الله طاعته وأوجب الاقتداء به، فقلت له، يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك (عليهم السلام) في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع؟ فقال (عليه السلام) إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهوالثاني عشر من الائمة الهداة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الارض وصاحب الزمان، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلما. قال السيد فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه، وقلت قصيدتي التي أولها:

فلما رأيت الناس في الدين قد غووا * * * تجعفرت باسم الله فيمن تجعفروا
وناديت باسم الله والله اكبر * * * وأيقنت أن يعفو ويغفر
ودنت بدين الله ماكنت دينا * * * به ونهاني سيد الناس جعفر
فقلت فهبني قد تهودت برهة * * * وإلا فديني دين من يتنصر
وإني إلى الرحمن من ذاك تائب * * * إني قد أسلمت والله أكبر
فلست بغال ما حييت وراجع * * * إلى ما عليه كنت اخفي واظهر
ولا قائل حي برضوى محمد * * * وإن عاب جهال مقالي وأكثروا
ولكنه ممن مضى لسبيله * * * على أفضل الحالات يقفي ويخبر
و مع الطيبين الطاهرين الاولى لهم * * * من المصطفى فرع زكي وعنصر

إلى آخر القصيدة، (وهي طويلة).
وقلت بعد ذلك قصيدة اخرى:

أيا راكبا نحو المدينة جسرة * * * عذافرة يطوى بها كل سبسب(٥٤٥)
إذا ما هداك الله عاينت جعفرا * * * فقل لولي الله وابن المهذب
ألا يا أمين الله وابن أمينه * * * أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي
إليك من الامر الذي كنت مبطنا * * * أحارب فيه جاهدا كل معرب
وما كان قولي في ابن خولة مطنبا * * * معاندة مني لنسل المطيب
ولكن روينا عن وصي محمد * * * وما كان فيما قال بالمتكذب
بأن ولي الامر يفقد لايرى * * * ستيرا كفعل الخائف المترقب
فتقسم أموال الفقيد كأنما * * * تغيبه بين الصفيح المنصب
فيمكث حينا ثم ينبع نبعة * * * كنبعة جدي من الافق كوكب
يسير بنصر الله من بيت ربه * * * على سؤدد منه وأمر مسبب
يسير إلى أعدائه بلوائه * * * فيقتلهم قتلا كحران مغضب(٥٤٦)
فلما روي أن ابن خولة غائب * * * صرفنا إليه قولنا لم نكذب
وقلنا هو المهدي والقائم الذي * * * يعيش به من عدله كل مجدب
فان قلت لا فالحق قولك والذي * * * أمرت فحتم غير ما متعصب
واشهد ربي أن قولك حجة * * * على الناس طرا من مطيع ومذنب
بأن ولي الامر والقائم الذي * * * تطلع نفسي نحوه بتطرب
له غيبة لابد من أن يغيبها * * * فصلى عليه الله من متغيب
فيمكث حينا ثم يظهر حينه * * * فيملك من في شرقها والمغرب
بذاك أدين الله سرا وجهرة * * * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب(٥٤٧)

المهدي هو الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) وهو من ذرية الكاظم (عليه السلام):
الحسن بن محبوب عن عبد العزيز العبدي عن عبد الله بن أبي يعفور قال قال أبوعبد الله الصادق (عليه السلام) من أقر بالائمة من آبائي وولدي وجحد المهدي من ولدي كان كمن أقر بجميع الانبياء وجحد محمدا (صلى الله عليه وآله) نبوته. فقلت يا سيدي ومن المهدي من ولدك؟ قال الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه، ولا يحل لكم تسميته(٥٤٨).
وعنه عن إبراهيم الكرخي قال " دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فإني عنده جالس إذ دخل أبوالحسن موسى وهو غلام فقمت إليه فقبلته وجلست فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا إبراهيم أما إنه صاحبك من بعدي، أما ليهلكن فيه أقوام ويسعد آخرون، فلعن الله قاتله وضاعف على روحه العذاب، أما ليخرجن الله عز وجل من صلبه خير أهل الارض في زمانه، سمى جده ووارث علمه وأحكامه وقضاياه، ومعدن الامامة ورأس الحكمة يقتله جبار بني فلان بعد عجائب طريفة حسدا له، ولكن الله بالغ أمره ولو كره المشركون، يخرج الله من صلبه تكملة اثنى عشر إماما مهديا اختصهم الله بكرامته، وأحلهم دار قدسه، المنتظر للثاني عشر (الشاهر سيفه بين يديه) كان كالشاهر سيفه بين يدى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يذب عنه ودخل رجل من موالي بني امية فانقطع الكلام، فعدت إلى أبى عبد الله (عليه السلام) احدى عشرة مرة أريد أن يستتم الكلام فما قدرت على ذلك، فلما كان قابل السنة الثانية دخلت عليه وهو جالس، فقال يا إبراهيم هو المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد وبلاء طويل، وجور وخوف، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان حسبك يا إبراهيم، قال فما رجعت بشيء أسر إلى من هذا لقلبي ولا أقر لعيني(٥٤٩).
محمد بن سنان عن صفوان بن مهران عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال من أقر بجميع الائمة وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الانبياء وجحد محمدا (صلى الله عليه وآله) نبوته، فقيل له يا ابن رسول الله فمن المهدي من ولدك؟ قال الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته(٥٥٠).
المهدي من ذرية الرضا (عليه السلام):
الحسن بن محبوب قال قال لي الرضا (عليه السلام) ستكون فتنة صماء صيلم(٥٥١) يذهب فيها كل وليجة وبطانة - وفي رواية " يسقط فيها كل وليجة وبطانة " - وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي(٥٥٢)...
الحسن بن علي بن فضال عن أبى الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) أنه قال كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه، قلت له ولم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال لان إمامهم يغيب عنهم، فقلت ولم؟ قال لئلا يكون لاحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف(٥٥٣).
علامات ظهوره وسيرته (عليه السلام):
الحسن بن محبوب حدثنا عبد الله بن جبلة، عن علي بن أبي حمزة، عن أبى عبد الله (عليه السلام) أنه قال لو قد قام القائم (عليه السلام) لأنكره الناس لانه يرجع إليهم شابا موفقا لا يثبت عليه إلا مؤمن قد أخذ الله ميثاقه في الذر الاول"(٥٥٤).
وعنه عن عمرو بن شمر، عن جابر قال " دخل رجل على أبي جعفر الباقر (عليه السلام) فقال له عافاك الله اقبض مني هذه الخمسمائة درهم فإنها زكاة مالي، فقال له أبو جعفر (عليه السلام) خذها أنت فضعها في جيرانك من أهل الاسلام والمساكين من إخوانك المؤمنين ثم قال إذا قام قائم أهل البيت قسم بالسوية وعدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وإنما سمي المهدي مهديا لا نه يهدي إلى أمر خفي، ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عزّ وجلّ من غار بأنطاكية ويحكم بين أهل التوراه بالتوراة وبين أهل الانجيل بالانجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن وتجمع اليه أموال الدنيا من بطن الارض وظهرها، فيقول للناس تعالوا إلى ما قطعتم فيه الارحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرم الله عزّ وجلّ فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله، ويملا الارض عدلا وقسطا ونورا كما ملئت ظلما وجورا وشرا"(٥٥٥).
وعنه عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول " اتقوا الله واستعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد في طاعة الله، فإن أشد ما يكون أحدكم اغتباطا بما هو فيه من الدين لو قد صار في حد الآخرة، وانقطعت الدنيا عنه، فإذا صار في ذلك الحد عرف أنه قد استقبل النعيم والكرامة من الله والبشرى بالجنة، وأمن مما كان يخاف، وأيقن أن الذي كان عليه هو الحق، وأن من خالف دينه على باطل، وأنه هالك فأبشروا، ثم أبشروا بالذي تريدون، ألستم ترون أعداءكم يقتتلون في معاصي الله، ويقتل بعضهم بعضا على الدنيا دونكم وأنتم في بيوتكم آمنون في عزلة عنهم، وكفى بالسفياني نقمة لكم من عدوكم، وهو من العلامات لكم، مع أن الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهرا أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم بأس حتى يقتل خلقا كثيرا دونكم. فقال له بعض أصحابه فكيف نصنع بالعيال إذا كان ذلك؟ قال يتغيب الرجال منكم عنه، فإن حنقه وشرهه إنما هو على شيعتنا، وأما النساء فليس عليهن بأس إن شاء الله تعالى، قيل فإلى أين مخرج الرجال ويهربون منه؟ فقال من أراد منهم أن يخرج يخرج إلى المدينة أو إلى مكة أو إلى بعض البلدان، ثم قال ما تصنعون بالمدينة وإنما يقصد جيش الفاسق إليها، ولكن عليكم بمكة، فأنها مجمعكم، وإنما فتنته حمل أمرأة تسعة أشهر، ولا يجوزها إن شاء الله"(٥٥٦).
وعنه عن علي بن رئاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في قول الله عز وجل " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل "، فقال (عليه السلام): الايات هم الائمة، والاية المنتظرة القائم (عليه السلام) (٥٥٧).
وعنه عن إبراهيم الكرخي قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) - أو قال له رجل - أصلحك الله ألم يكن علي (عليه السلام) قويا في دين الله عزّ وجلّ؟ قال بلى؟ قال فكيف ظهر عليه القوم، وكيف لم يدفعهم وما يمنعه من ذلك؟ قال آية في كتاب الله عزّ وجلّ منعته؟ قال قلت وأية آية هي؟ قال قوله عزّ وجلّ " لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما " إنه كان لله عزّ وجلّ ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي (عليه السلام) ليقتل الآباء حتى يخرج الودائع فلما خرجت الودائع ظهر على من ظهر فقاتله. وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتى تظهر ودائع الله عزّ وجلّ فاذا ظهرت ظهر على من يظهر فقتله(٥٥٨).
وعنه عن أبي حمزة الثمالي قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول إن خروج السفياني من الامر المحتوم؟ قال (لي) نعم، واختلاف ولد العباس من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، وخروج القائم (عليه السلام) من المحتوم، فقلت له كيف يكون (ذلك) النداء؟ قال ينادي مناد من السماء أول النهار ألا إن الحق في علي وشيعته، ثم ينادي إبليس لعنه الله في آخر النهار ألا إن الحق في السفياني وشيعته فيرتاب عند ذلك المبطلون(٥٥٩).
وعنه عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال " الزم الارض ولا تحرك يدا ولا رجلا حتى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك تدرك (ذلك) اختلاف بني العباس، ومناد ينادي من السماء، وخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة، واختلاف كثير عند ذلك في كل أرض حتى تخرب الشام، ويكون سبب خرابها اجتماع ثلاث رايات فيها راية الاصهب وراية الابقع، وراية السفياني(٥٦٠).
وعنه عن يعقوب السراج، قال قلت لابي - عبد الله (عليه السلام) متى فرج شيعتكم؟ فقال إذا اختلف ولد العباس، ووهى سلطانهم وطمع فيهم من لم يكن يطمع وخلعت العرب أعنتها، ورفع كل ذى صيصية صيصيته، وظهر السفياني، وأقبل اليماني، وتحرك الحسني، خرج صاحب هذا الامر من المدينة إى مكة بتراث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قلت وما تراث رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال سيفه، ودرعه، وعمامته، وبرده، ورايته، وقضيبه، وفرسه، ولامته وسرجه"(٥٦١)...
محمد بن أبى عمير عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال " ما يكون هذا الامر حتى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولوا على الناس حتى لا يقول قائل " إنا لو ولينا لعدلنا " ثم يقوم القائم بالحق والعدل"(٥٦٢).
وعنه عن هشام بن سالم، عن زرارة قال " قلت لابى عبد الله (عليه السلام) النداء حق؟ قال إي والله حتى يسمعه كل قوم بلسانهم. وقال (عليه السلام) لا يكون هذا الامر حتى يذهب تسعة أعشار الناس(٥٦٣)".
الحسن بن أيوب عن عبد الكريم بن عمرو قال حدثنا أحمد بن الحسن بن أبان قال حدثنا عبد الله بن عطاء المكى، عن شيخ من الفقهاء - يعنى أبا عبد الله (عليه السلام) - قال " سألته عن سيرة المهدي كيف سيرته؟ فقال يصنع كما صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الجاهلية، ويستأنف الاسلام جديدا"(٥٦٤).
الحسن بن علي بن فضال قال حدثنا ثعلبة بن ميمون عن معمر بن يحيى، عن داود الدجاجي، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام)، قال: "سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن قوله تعالى (فاختلف الاحزاب من بينهم) فقال: انتظروا الفرج من ثلاث، فقيل يا أمير المؤمنين وما هن؟ فقال اختلاف أهل الشام بينهم، والرايات السود من خراسان، والفزعة في شهر رمضان. فقيل وما الفزعة في شهر رمضان؟ فقال أو ما سمعتم قول الله عزّ وجلّ في القرآن " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " هي آية تخرج الفتاة من خدرها، وتوقظ النائم، وتفزع اليقظان"(٥٦٥).
وعنه عن المثنى الحناط، عن الحسن بن زياد الصيقل قال سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول إن القائم لا يقوم حتى ينادي مناد من السماء تسمع الفتاة في خدرها ويسمع أهل المشرق والمغرب. وفيه نزلت هذه الآية (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين)(٥٦٦).
وعنه عن ثعلبة، عن شعيب الحداد، عن صالح(٥٦٧) قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ليس بين قيام القائم وبين قتل النفس الزكية إلا خمس عشره ليلة(٥٦٨).
عبد الله بن حماد الانصاري قال حدثنا أبو الجارود زياد بن المنذر، قال قال أبو جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) " إذا ظهر القائم (عليه السلام) ظهر براية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وخاتم سليمان، وحجر موسى وعصاه، ثم يأمر مناديه فينادي ألا لا يحملن رجل منكم طعاما ولا شرابا ولا علفافيقول أصحابه إنه يريد أن يقتلنا ويقتل دوابنا من الجوع والعطش، فيسير ويسيرون معه، فأول منزل ينزله يضرب الحجر فينبع منه طعام وشراب وعلف فيأكلون ويشربون، ودوابهم حتى ينزلوا النجف بظهر الكوفة "(٥٦٩).
وعنه عن عبد الله بن بكير، عن حمران بن أعين عن أبى جعفر (عليه السلام) أنه قال " كأننى بدينكم هذا لا يزال متخضخضا يفحص بدمه ثم لا يرده عليكم إلا رجل منا أهل البيت، فيعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين، وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) "(٥٧٠).
وعنه عن عبد الله بن سنان، قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول " لا يكون هذا الامر الذي تمدون إليه أعناقكم حتى ينادي مناد من السماء ألا إن فلانا صاحب الامر، فعلى م القتال؟ "(٥٧١).
وعنه عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال يقوم القائم يوم عاشوراء "(٥٧٢).
وعنه عن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال " سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن السفياني، فقال وأنى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصبانى يخرج من أرض كوفان ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وفدكم، فتوقعوا بعد ذلك السفياني، وخروج القائم (عليه السلام) "(٥٧٣).
وعنه عنه عبد الله بن بكير، عن أبان بن تغلب، قال " كنت مع جعفر بن محمد (عليهما السلام) في مسجد بمكة، وهو آخذ بيدي، فقال يا أبان سيأتي الله بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا في مسجد كم هذا، يعلم أهل مكة أنه لم يخلق آباؤهم ولا أجدادهم بعد، عليهم السيوف، مكتوب على كل سيف اسم الرجل واسم أبيه وحليته ونسبه، ثم يأمر مناديا فينادي هذا المهدي يقضى بقضاء داود وسليمان، لا يسأل على ذلك بينة"(٥٧٤).
وعنه عن محمد بن جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال " إذا قام القائم بعث في أقاليم الارض، في كل إقليم رجلا، يقول عهدك في كفك فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه فانظر إلى كفك(٥٧٥) واعمل بما فيها، قال ويبعث جندا إلى القسطنطينية، فإذا بلغوا الخليج كتبوا على أقدامهم شيئا ومشوا على الماء، فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء، قالوا هؤلاء أصحابه يمشون على الماء، فكيف هو؟!
فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة، فيدخلونها، فيحكمون فيها ما يشاؤون "(٥٧٦).
وعنه عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي قال " سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن السفياني، فقال وأنى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصبانى يخرج من أرض كوفان ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وفدكم، فتو قعوا بعد ذلك السفيانى، وخروج القائم (عليه السلام) "(٥٧٧).
العباس بن عامر قال حدثني محمد بن الربيع الاقرع، عن هشام بن سالم، عن أبى عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال " إذا استولى السفياني على الكور الخمس فعدوا له تسعة أشهر. - وزعم هشام أن الكور الخمس دمشق، وفلسطين، والاردن، وحمص وحلب(٥٧٨)".
عبد الله بن جبلة عن محمد بن سليمان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) أنه قال " السفياني والقائم في سنة واحدة "(٥٧٩).
المهدي (عليه السلام) في روايات اهل السنة:
إن الروايات التي اوردها اهل السنة في كتبهم حول المهدي أقل تشخيصا بمقارنتها مع روايات الشيعة ولكنها مع ذلك قد ذكرت هذه - الروايات السنية - انه من ذرية فاطمة (عليها السلام) وأنه الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم (عليه السلام)، ونص كثير منها انه من ذرية الحسين (عليه السلام).
وذكرت ايضا كثيرا من الملاحم التي تسبق ظهوره.
ومن المفيد جدا ان نقتصر على ذكر طرف من الروايات التي وردت في كتاب نعيم بن حماد البغدادي المروزي السني الذي كان معاصرا للحسن بن محبوب وغيره من مؤلفي الشيعة الذين أوردنا طرفا من أحاديثهم لتكون المقارنة اكثر وضوحا وإدراكا ونفعا.
طرف من كتاب الملاحم لنعيم بن حماد
المهدي من أهل البيت (عليهم السلام):
نعيم بن حماد المروزي(٥٨٠) قال حدثنا الوليد عن ابن لهيعة واخبرني عياش بن عباس عن ابن زرير عن علي (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال (هو رجل من أهل بيتي)(٥٨١).
نعيم بن حماد المروزي وعنه قال حدثنا القاسم بن مالك المزني عن ياسين بن سيار قال سمعت إبراهيم بن محمد بن الحنفية قال حدثني أبي حدثني علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (المهدي منا أهل البيت)(٥٨٢).
وعنه عن الوليد عن علي بن حوشب سمع مكحولا يحدث عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال قلت يا رسول الله المهدي منا أئمة الهدى أم من غيرنا؟ قال (بل منا، بنا يختم الدين كما بنا فتح وبنا يستنقذون من ضلالة الفتنة كما استنقذوا من ضلالة الشرك وبنا يؤلف الله بين قلوبهم في الدين بعد عداوة الفتنة كما ألف الله بين قلوبهم ودينهم بعد عداوة الشرك)(٥٨٣).
وعنه عن الوليد ورشدين عن ابن لهيعة عن إسرائيل بن عباد عن ميمون القداح عن أبي الطفيل (رضي الله عنه) النبي (صلى الله عليه وآله) وابن لهيعة عن أبي زرعة عن عمر بن علي عن علي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال (بنا يختم الدين كما بنا فتح وبنا يستنقذون من الشرك) وقال أحدهما من الضلالة وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الشرك وقال أحدهما الضلالة والفتنة(٥٨٤).
المهدي من ذرية فاطمة (عليها السلام):
نعيم بن حماد المروزي عن أبي هارون عن عمرو بن قيس الملائي عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش سمع عليا (رضي الله عنه) يقول المهدي رجل منا من ولد فاطمة رضي الله عنها(٥٨٥).
وعنه عن سعيد أبو عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال هو من بني هاشم من ولد فاطمة(٥٨٦).
المهدي من ذرية الحسين (عليه السلام):
نعيم بن حماد المروزي عن الوليد ورشدين عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق ولو استقبلته الجبال لهدمها واتخذ فيها طرقا(٥٨٧).
وعنه عن ابن عياش وأخبرني بعض أهل العلم عن محمد بن جعفر قال قال علي بن أبي ٨طالب يخرج رجل من ولد حسين اسمه اسم نبيكم يفرح بخروجه أهل السماء(٥٨٨).
رواياته عن علي (عليه السلام) في الملاحم:
نعيم بن حماد المروزي عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن ريذة أنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني أنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي بمصر سنة ثمانين ومائتين ثنا نعيم بن حماد ثنا الوليد ورشدين عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن أبي رومان عن علي (رضي الله عنه) قال يلتقي السفياني والرايات السود فيهم شاب من بني هاشم في كفه اليسرى خال وعلى مقدمته رجل من بني تميم يقال له شعيب بن صالح بباب اصطخر فتكون بينهم ملحمة عظيمة فتظهر الرايات السود وتهرب خيل السفياني فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه(٥٨٩).
وعنه عن عبد الله بن مروان عن الهيثم بن عبد الرحمن عمن حدثه عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال يخرج رجل قبل المهدي من أهل بيته بالمشرق يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل ويمثل ويتوجه إلى بيت المقدس فلا يبلغه حتى يموت(٥٩٠).
وعنه بسنده عن ابن عباس قال سمعت عليا (رضي الله عنه) يقول لا يخرج المهدي حتى يقتل ثلث ويموت ثلث ويبقى ثلث(٥٩١).
وعنه قال حدثنا الوليد ورشدين عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن أبي رومان عن علي (رضي الله عنه) قال بعد الخسف ينادي مناد من السماء إن الحق في آل محمد في أول النهار ثم ينادي مناد في آخر النهار إن الحق في ولد عيسى وذلك نحوه من الشيطان(٥٩٢).
وعنه عن الوليد بن مسلم عن عنبسة القرشي عن مسلمة بن أبي سلمة عن شهر بن حوشب قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (في المحرم ينادي مناد من السماء ألا إن صفوة الله من خلقه فلان فاسمعوا له وأطيعوا في سنة الصوت والمعمعة)(٥٩٣).
وعنه قال حدثنا رشدين عن ابن لهيعة قال حدثني أبو زرعة عن عبد الله بن زرير عن عمار ابن ياسر (رضي الله عنه) قال إذا قتل النفس الزكية وأخوه يقتل بمكة ضيعة نادى مناد من السماء إن أميركم فلان وذلك المهدي الذي يملأ الأرض حقا وعدلا(٥٩٤).
رواياته عن ابن عباس في الملاحم:
نعيم بن حماد المروزي عن أبي المغيرة عن أرطاة بن المنذر عمن حدثه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتاه رجل وعنده حذيفة فقال يا بن عباس قوله تعالى (حم عسق) فأطرق ساعة وأعرض ساعة ثم كررها فلم يجبه بشيء فقال حذيفة أنا أنبئك قد عرفت لم كرهها إنما نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله أو عبد الله(٥٩٥) ينزل على نهر من أنهار المشرق يبنى عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقا جمع فيها كل جبار عنيد. قال أرطاة إذا بنيت مدينة على شاطيء الفرات ثم أتتكم الفواصل والقواصم وانفرجتم عن دينكم كما تنفرج المرأة عن قبلها حتى لا تمتنعوا عن ذل ينزل بكم وإذا بنيت مدينة بين النهرين بأرض منقطعة من أرض العراق أتتكم الدهيماء(٥٩٦).
رواياته عن الباقر (عليه السلام) في الملاحم:
نعيم بن حماد المروزي عن سعيد أبو عثمان حدثنا جابر الجعفي عن أبي جعفر قال إذا بلغت سنة تسع وعشرين مائة واختلفت سيوف بني أمية ووثب حمار الجزيرة فغلب على الشام ظهرت الرايات السود في سنة عشرين ومائة ويظهر الأكبش مع قوم لا يؤبه لهم قلوبهم كزبر الحديد شعورهم إلى المناكب ليست لهم رأفة ولا رحمة على عدوهم أسماؤهم الكنى وقبائلهم القرى عليهم ثياب كلون الليل المظلم يقود بهم إلى آل العباس وهي دولتهم فيقتلون أعلام ذلك الزمان حتى يهربوا منهم إلى البرية فلا تزال دولتهم حتى يظهر النجم ذو الذناب ويختلفون فيما بينهم(٥٩٧).
وعنه عن سعيد أبو عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال إذا ظهر السفياني على الأبقع والمنصور اليماني خرج الترك والروم فظهر عليهم السفياني(٥٩٨).
وعنه عن سعيد أبو عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال يملك السفياني حمل امرأة(٥٩٩).
وعنه عن عبد القدوس وغيره عن ابن عياش عمن حدثه عن محمد بن جعفر عن علي قال السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان رجل ضخم الهامة بوجهه آثار جدري وبعينه نكتة بياض يخرج من ناحية مدينة دمشق في واد يقال له وادي اليابس يخرج في سبعة نفر مع رجل منهم لواء معقود يعرفون في لوائه النصر يسيرون بين يديه على ثلاثين ميلا لا يرى ذلك العلم أحد يريده إلا انهزم(٦٠٠).
وعنه عن الوليد حدثني شيخ عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي قال يقتل أربعة نفر بالشام كلهم ولد خليفة رجل من بني مروان ورجل من آل أبي سفيان قال فيظهر السفياني على المروانيين فيقتلهم ثم يتبع بني مروان فيقتلهم ثم يقبل على أهل المشرق وبني العباس حتى يدخل الكوفة(٦٠١).
وعنه عن سعيد أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال إذا ظهر الأبقع مع قوم ذوي أجسام فتكون بينهم ملحمة عظيمة ثم يظهر الأخوص السفياني الملعون فيقاتلها جميعا فيظهر عليهما جميعا ثم يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده وله فورة شديدة يستقتل الناس قتل الجاهلية فيلتقي هو والأخوص وراياتهم صفر وثيابهم ملونة فيكون بينهما قتال شديد ثم يظهر الأخوص السفياني عليه ثم يظهر الروم وخروج إلى الشام ثم يظهر الأخوص ثم يظهر الكندي في شارة حسنة فإذا بلغ تل سما فأقبل ثم يسير إلى العراق وترفع قبل ذلك ثنتا عشرة راية بالكوفة معروفة منسوبة ويقتل بالكوفة رجل من ولد الحسن أو الحسين يدعو إلى أبيه ويظهر رجل من الموالي فإذا استبان أمره وأسرف في القتل قتله السفياني(٦٠٢).
وعنه سعيد أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال يخرج شاب من بني هاشم بكفه اليمنى خال من خراسان برايات سود بين يديه شعيب بن صالح يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم(٦٠٣).
وعنه عن سعيد أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان الكوفة فإذا ظهر المهدي بمكة بعث إليه بالبيعة(٦٠٤).
وعنه قال حدثنا سعيد أبو عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال يبث السفياني جنوده في ألآفاق بعد دخوله الكوفة وبغداد فيبلغه فرعه من وراء النهر(٦٠٥) من أهل خراسان فتقبل أهل المشرق عليهم قتلا ويذهب نجيهم فإذا بلغه ذلك بعث جيشا عظيما إلى اصطخر(٦٠٦) عليهم رجل من بني أمية فتكون لهم وقعة بقومس ووقعة بدولات(٦٠٧) الري ووقعة بتخوم زرنج(٦٠٨) فعند ذلك يأمر السفياني بقتل أهل الكوفة وأهل المدينة عند ذلك تقبل الرايات السود من خراسان على جميع الناس شاب من بني هاشم بكفه اليمنى خال يسهل الله أمره وطريقه ثم تكون له وقعة بتخوم خراسان ويسير الهاشمي في طريق الري فيسرح رجل من بني تميم من الموال يقال له شعيب بن صالح إلى أصطخر إلى الأموي فيلتقي هو والمهدي والهاشمي ببيضاء اصطخر فتكون بينهما ملحمة عظيمة عليهم رجل من بني عدي فيظهر الله أنصاره وجنوده ثم تكون وقعة بالمدائن بعد وقعتي الري وفي عاقرقوفا وقعة صيلمية يخبر عنها كل ناج ثم يكون بعدها ذبح عظيم ببابل ووقعة في أرض من أرض نصيبين ثم يخرج على الأخوص قوم من سوادهم وهم العصب عامتهم من الكوفة والبصرة حتى يستنقذوا ما في أيديه من سبي كوفان(٦٠٩).
وعنه سعيد أبو عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال تنزل الرايات السود التي تقبل من خراسان الكوفة فإذا ظهر المهدي بمكة بعث بالبيعة إلى المهدي(٦١٠).
خروج المهدي في مكة:
نعيم بن حماد المروزي عن سعيد أبو أبي عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال ثم يظهر المهدي بمكة عند العشاء ومعه راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقميصه وسيفه وعلامات ونور وبيان فإذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته يقول أذكركم الله أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم فقد اتخذ الحجة وبعث الأنبياء وأنزل الكتاب وأمركم أن لا تشركوا به شيئا وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله وأن تحيوا ما أحيا القرآن وتميتوا ما أمات وتكونوا أعوانا على الهدى ووزرا على التقوى فإن الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها وأذنت بالوداع فإني أدعوكم إلى الله وإلى رسوله والعمل بكتابه وإماتة الباطل وإحياء سنته فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف رهبان بالليل أسد بالنهار فيفتح الله للمهدي أرض الحجاز ويستخرج من كان في السجن من بني هاشم وتنزل الرايات السود الكوفة فيبعث بالبيعة إلى المهدي ويبعث المهدي جنوده في الآفاق ويميت الجور وأهله وتستقيم له البلدان ويفتح الله على يديه القسطنطينية(٦١١).
وعنه عن غير واحد عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن رجل عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال المهدي الذي ينزل عليه عيسى بن مريم ويصلي خلفه(٦١٢).
الدجال:
نعيم بن حماد المروزي عن ضمرة ثنا عبد الله بن شوذب عن أبي التياح عن خالد بن سبيع عن حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول (يخرج الدجال ثم عيسى بن مريم (عليه السلام))(٦١٣).
وعنه عن سفيان عن واصل الأحدب عن أبي وائل قال أكثر تبع الدجال اليهود(٦١٤).
الباقر (عليه السلام) يخبر بعذاب القذف والخسف:
نعيم بن حماد المروزي عن عبد الله بن موسى عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العاليه عن أبي بن كعب (رضي الله عنه) في قوله تعالى (هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) الآية قال هي أربع وكلهن عذاب فجاء بمستقر اثنتين بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمس وعشرين سنة فألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض وبقيت إثنتان وهما لا بد واقعتان الخسف والقذف(٦١٥).
مقارنة بين روايات التراث الشيعي والتراث السني حول المهدي (عليه السلام):
ومن خلال المقارنة بين التراث الروائي المهدوي الشيعي السائد في القرن الثاني الهجري والربع الأول من القرن الثالث مع التراث الروائي المهدوي السني في الفترة نفسها نلاحظ أمرين:
أولا:
يؤكد كلا التراثين على ان المهدي هو من ذرية النبي من فاطمة من ذرية الحسين. وان عيسى يصلي خلف المهدي وانه آخر الأئمة الإثني عشر الذي بشر بهم النبي مع اختلافهم في تشخيص بقية الأئمة. ويذكر كلاهما ملاحم مشتركة تسبق الظهور كظهور السفياني والخراساني وشعيب بن صالح وحرب عالمية تطيح بثلثي الناس وغير ذلك.
ثانيا:
ينفرد التراث الشيعي بتشخيص المهدي (عليه السلام) بكونه السادس من ذرية الصادق (عليه السلام) ثم الخامس من ذرية الكاظم ثم الرابع من ذرية الرضا (عليه السلام)، وينفرد ايضا بذكر الغيبتين.
ويتضح من البحث ان إدعاء الأستاذ الكاتب وقوله ان:
(الروايات الواردة حول الغيبة والغائب لا تتحدث عن غائب بالتحديد... ولا تتحدث عن أمر قبل وقوعه حتى يكون ذلك إعجازا ودليلا على صحة الغيبة... وإن تحديد هوية الإمام المهدي بالثاني عشر من إئمة أهل البيت قد حدث في وقت متأخر بعد وفاة الإمام الحسن العسكري بفترة طويلة إي في بداية القرن الرابع الهجري).
لم يكن مطابقا لما عليه واقع تراث أهل البيت (عليهم السلام) الذي رواه عنهم شيعتهم قبل ولادة المهدي (عليه السلام) وغيبته وقد عرضنا للقارئ الكريم طرفا من كتاب الحسن بن محبوب المتوفى سنة ٢٢٤ وكتب ثلاثة عشر مصنفاً ممن عاصره من مصنفي الشيعة وقاربه في تاريخ وفاته إذ ذكرت هذه الكتب خصوصيات عن المهدي الموعود تجعل من هويته واضحة مضافا الى ما أخبرت به من وقوع غيبته الصغرى والكبرى.
أما قوله:
(ان كانت هوية المهدي قد تحددت من قبل منذ زمان رسول الله (ص) أو الأئمة الأحد عشر السابقين لما اختلف المسلمون ولا الشيعة ولا الإمامية ولا شيعة الحسن العسكري في تحديد هوية المهدي)
فجوابه:
ان النصوص ووضوح مطلبها غير مانعة من الاختلاف أو الانحراف.
ولا يوجد أوضح من وجود الله تعالى وقد اختلف الناس فيه تعالى بين ملحد ومؤمن.
ولا أوضح من معجزة عيسى في اتباع موسى (عليه السلام) وامته وقد اختلفوا فمنهم من آمن بعيسى ومنهم من كذب به بل سعى لقتله.
وهكذا لم يُروَ حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) كما روي حديث الغدير في تواتره ووضوح دلالته ومع ذلك قوتل علي (عليه السلام) من قبل المسلمين الذين سمعوا حديث الغدير ولعن من قبل بني امية وشيعهم.

الفصل الرابع: استدلال متكلمي الشيعة في الغيبة الصغرى على وجود الإمام المهدي (عليه السلام)

سلك متكلمو الشيعة في فترة الغيبة الصغرى طريقين لاثبات وجود الإمام المهدي (عليه السلام):
الطريق الأول: طريق الاستدلال بحديث الثقلين وحديث الأئمة من بعدي إثنا عشر وغيرهما من الاحاديث والاصول الثابتة عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) حيث يفرض الإيمان بها الإيمان ان لا يموت الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) دون ان يخلف ولدا يكون هو الامام من بعده وهو المهدي الموعود ويكون صاحب عمر طويل جدا. وهذا الدليل يسمى تسامحا بالدليل العقلي وسماه الكاتب بالدليل الفلسفي!.
الطريق الثاني: إعتماد إخبار جمهور أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بوجود ولد للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وانه (عليه السلام) نص على ولده بالإمامة واخبر أنه المهدي الموعود. وهذا الدليل هو الدليل التاريخي وهو الدليل المعتمد عادة لاثبات أي قضية تاريخية.
وفيما يلي كلمات ثلاث من قدمائهم ننقلها من كتاب إكمال الدين للشيخ الصدوق:
استدلال أبي سهل النوبختي: (٦١٦)
قال ابو سهل اسماعيل بن علي النوبختي في آخر كتاب التنبيه:
"وقد سألونا فقالوا: ابن الحسن لم يظهر ظهوراً تاماً للخاصة والعامة فمن اين علمتم وجوده في العالم؟ وهل رأيتموه او اخبرتكم جماعة قد تواترت اخبارها انها شاهدته وعاينته؟
فيقال لهم:
ان امر الدين كله بالاستدلال يعلم، فنحن عرفنا الله عز وجل بالادلة ولم نشاهده، وعرفنا نبوته وصدقه بالاستدلال، وعرفنا انه استخلف علي بن ابي طالب (عليه السلام) بالاستدلال وعرفنا أن النبي (عليه السلام) وسائر الائمة (عليهم السلام) بعده عالمون بالكتاب والسنة ولا يجوز عليهم في شيء من ذلك الغلط ولا النسيان ولا تعمد الكذب بالاستدلال،
وكذلك عرفنا ان الحسن بن علي (عليه السلام) امام مفترض الطاعة.
وعلمنا بالاخبار المتواترة عن الائمة الصادقين (عليه السلام) ان الامامة لا تكون بعد كونها في الحسن والحسين (عليه السلام) الا في ولد الامام ولا يكون في اخ ولا قرابة،
فوجب من ذلك ان الامام لا يمضي الا ان يخلف من ولده اماما.
فلما صحت امامة الحسن (عليه السلام) وصحت وفاته ثبت انه قد خلف من ولده اماماً،
هذا وجه الدلالة عليه.
ووجه آخر وهو:
ان الحسن (عليه السلام) خلف جماعة من ثقاته ممن يروي عنه الحلال والحرام ويؤدي كتب شيعته واموالهم ويخرجون الجوابات وكانوا بموضع من الستر والعدالة بتعديله اياهم في حياته، فلما مضى اجمعوا جميعاً على انه قد خلّف ولداً هو الامام وامروا الناس ان لا يسألوا عن اسمه وان يستروا ذلك من اعدائه، وطلبه السلطان اشد طلب ووكل بالدور والحبالى من جواري الحسن (عليه السلام).
ثم كانت كتب ابنه الخلف بعده تخرج الى الشيعة بالامر والنهي على ايدي رجال ابيه الثقات اكثر من عشرين سنة.
ثم انقطعت المكاتبة ومضى اكثر رجال الحسن (عليه السلام) الذين كانوا شهدوا بأمر الامام بعده وبقي منهم رجل واحد قد اجمعوا على عدالته وثقته فأمر الناس بالكتمان وان لا يذيعوا شيئا من امر الامام، وانقطعت المكاتبة.
فصح لنا ثبات عين الامام بما ذكرت من الدليل، وبما وصفتُ عن اصحاب الحسن (عليه السلام) ورجاله ونقلهم خبره، وصحة غيبته بالاخبار المشهورة في غيبة الامام (عليه السلام) وان له غيبتين احديهما اشد من الاخرى.
ومذهبنا في غيبة الامام في هذا الوقت لا يشبه مذهب الممطورة في موسى(٦١٧) بن جعفر لان موسى مات ظاهراً ورآه الناس ميتاً ودفن دفناً مكشوفا ومضى لموته اكثر من مائة سنة وخمسين سنة لا يدعي احد انه يراه ولا يكاتبه ولا يراسله، ودعواهم انه حي فيه اكذاب الحواس التي شاهدته ميتاً وقد قام بعده عدة ائمة فأتوا من العلوم بمثل ما اتى به موسى وليس في دعوانا هذه غيبة الامام اكذاب للحس ولا محال ولا دعوى تنكرها العقول ولا تخرج من العادات وله الى هذا الوقت من يدَّعي من شيعته الثقات المستورين انه باب اليه وسبب يؤدي عنه الى شيعته امره ونهيه ولم تطل المدة في الغيبة طولاً يخرج من عادات من غاب، فالتصديق بالاخبار يوجب:
اعتقاد امامة ابن الحسن (عليه السلام) على ما شرحت.
وانه قد غاب كما جاءت الاخبار في الغيبة فانها جاءت مشهورة متواترة وكانت الشيعة تتوقعها وتترجاها كما ترجو بعد هذا من قيام القائم (عليه السلام) بالحق واظهار العدل.
ونسأل الله عز وجل توفيقا وصبرا جميلاً برحمته(٦١٨).
رد ابن قبة (ت قبل سنة ٣١٩) على ابن بشار:
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): وقد تكلم علينا أبوالحسن علي بن أحمد بن بشار في الغيبة وأجابه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي(٦١٩) وكان من كلام على بن أحمد بن بشار علينا في ذلك أن قال في كتابه:
كلام ابن بشار:
 قال ابن بشار: (أقول: إن كل المبطلين أغنياء عن تثبيت إنية من يدعون له، وبه يتمسكون، وعليه يعكفون، ويعطفون لوجود أعيانهم وثبات إنياتهم وهؤلاء (يعني أصحابنا) فقراء إلى ما قد غني عنه كل مبطل سلف من تثبيت إنية من يدعون له وجوب الطاعة، فقد افتقروا إلى ما قد غني عنه سائر المبطلين واختلفوا بخاصة ازدادوا بها بطلانا وانحطوا بها عن سائر المبطلين، لان الزيادة من الباطل تحط والزيادة من الخير تعلو، والحمد لله رب العالمين.
وأقول قولا تعلم فيه الزيادة على الانصاف منا وإن كان ذلك غير واجب علينا.
وأقول: إنه معلوم أنه ليس كل مدع ومدعى له بمحق، وإن كل سائل لمدع تصحيح دعواه بمنصف وهؤلاء القوم ادعوا أن لهم من قد صح عندهم أمره ووجب له على الناس الانقياد والتسليم وقد قدمنا أنه ليس كل مدع ومدعى له بواجب له التسليم، ونحن نسلم لهؤلاء القوم الدعوى ونقر على أنفسنا بالابطال - وإن كان ذلك في غاية المحال - بعد أن يوجدونا إنية المدعى له ولا نسألهم تثبيت الدعوى، فان كان معلوما أن في هذا أكثر من الانصاف فقد وفينا بما قلنا(٦٢٠)، فان قدروا عليه فقد أبطلوا، وإن عجزوا عنه فقد وضح ما قلناه من زيادة عجزهم عن تثبيت ما يدعون على عجز كل مبطل عن تثبيت دعواه. وأنهم مختصون من كل نوع من الباطل بخاصة يزدادون بها انحطاطا عن المبطلين أجمعين لقدرة كل مبطل سلف على تثبيت دعواه إنية من يدعون له وعجز هؤلاء عما قدر عليه كل مبطل إلا ما يرجعون إليه من قولهم " إنه لابد ممن تجب به حجة الله عزّ وجلّ " وأجل لابد من وجوده فضلا عن كونه، فأوجدونا الانية من دون إيجاد الدعوى.
ولقد خبرت عن أبي جعفر بن أبى غانم أنه قال لبعض من سأله فقال: بم تحاج الذين كنت تقول ويقولون: إنه لابد من شخص قائم من أهل هذا البيت؟ قال له: أقول لهم: هذا جعفر.
فيا عجبا أيخصم الناس بمن ليس هو بمخصوم(٦٢١).
وقد كان شيخ في هذه الناحية (رحمه الله) يقول: قد وسمت هؤلاء باللابدية أي أنه لا مرجع لهم ولا معتمد إلا إلى أنه لابد من أن يكون هذا الذي (ليس) في الكاينات، فوسمهم من أجل ذلك، ونحن نسميهم بها أي أنهم دون كل من له بد يعكف عليه إذ كان أهل الاصنام التى أحدها البد قد عكفوا على موجود وإن كان باطلا، وهم قد تعلقوا بعدم ليس وباطل محض وهم اللابدية حقا، أي لابد لهم يعكفون عليه إذ كان كل مطاع معبود، وقد وضح ما قلنا من اختصاصهم من كل نوع الباطل بخاصة يزدادون بها انحطاطا والحمد لله.
ثم قال: نختم الان هذا الكتاب بأن نقول: إنما نناظر ونخاطب من قد سبق منه الاجماع على أنه لابد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله ويسد به فقر الخلق وفاقتهم ومن لم يجتمع معنا على ذلك فقد خرج من النظر في كتابنا فضلا عن مطالبتنا به ونقول لكل من اجتمع معنا على هذا الاصل من الذي قدمنا في هذا الموضع: كنا وإياكم قد أجمعنا على أنه لا يخلو أحد من بيوت هذه الدار من سراج زاهر، فدخلنا الدار فلم نجد فيها إلا بيتا واحدا فقد وجب وصح أن في ذلك البيت سراجا. والحمد لله رب العالمين).انتهى كلام ابن بشار.
رد ابن قبة:
فأجابه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي بأن قال:
(إنا نقول: - وبالله التوفيق: - ليس الاسراف في الادعاء والتقول على الخصوم مما يثبت بهما حجة، ولو كان ذلك كذلك لارتفع الحجاج بين المختلفين واعتمد كل واحد على إضافة ما يخطر بباله من سوء القول إلى مخالفه وعلى ضد هذا بني الحجاج ووضع النظر والانصاف أولى ما يعامل به أهل الدين وليس قول أبي الحسن ليس لنا ملجأ نرجع إليه ولا قيما نعطف عليه ولا سندا نتمسك بقوله حجة لان دعواه هذا مجرد من البرهان والدعوى إذا انفردت عن البرهان كانت غير مقبول عند ذوي العقول والالباب.
ولسنا نعجز عن أن نقول:
بلى، لنا - والحمد لله - من نرجع إليه ونقف عند أمره ومن كان ثبتت حجته وظهرت أدلته،
فان قلت: فأين ذلك؟ دلونا عليه.
قلنا: كيف تحبون أن ندلكم عليه؟ أتسألوننا أن نأمره أن يركب ويصير إليكم ويعرض نفسه عليكم؟ أو تسألونا أن نبني له دارا ونحوله إليها ونعلم بذلك أهل الشرق والغرب؟ فان رمتم ذلك فلسنا نقدر عليه ولا ذلك بواجب عليه.
فان قلتم: من أي وجه تلزمنا حجته وتجب علينا طاعته؟
قلنا: إنا نقر أنه لا بد من رجل من ولد أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليهما السلام)تجب به حجة الله دللناكم على ذلك حتى نضطركم إليه إن أنصفتم من أنفسكم،
وأول ما يجب علينا وعليكم أن لا نتجاوز ما قد رضي به أهل النظر واستعملوه ورأوا أن من حاد عن ذلك فقد ترك سبيل العلماء، وهو أنا لا نتكلم في فرع لم يثبت أصله وهذا الرجل الذي تجحدون وجوده فانما يثبت له الحق بعد أبيه وأنتم قوم لا تخالفونا في وجود أبيه فلا معنى لترك النظر في حق أبيه والاشتغال بالنظر معكم في وجوده فانه إذا ثبت الحق لابيه، فهذا ثابت ضرورة عند ذلك باقراركم، وإن بطل أن يكون الحق لابيه فقد آل الامر إلى ما تقولون وقد أبطلنا، وهيهات لن يزداد الحق إلا قوة ولا الباطل إلا وهنا، وإن زخرفه المبطلون.
الدليل على صحة امر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
والدليل على صحة أمر أبيه أنا وإياكم مجمعون على أنه لا بد من رجل من ولد أبي الحسن (علي الهادي ع) تثبت به حجة الله وينقطع به عذر الخلق وإن ذلك الرجل تلزم
حجته من نأى عنه من أهل الاسلام كما تلزم من شاهده وعاينه ونحن وأكثر الخلق ممن قد لزمتنا الحجة من غير مشاهدة فننظر في الوجه الذي لزمتنا منه الحجة ما هي؟
ثم ننظر من أولى من الرجلين اللذين لا عَقِب لابي - الحسن غيرهما فأيهما كان أولى فهو الحجة والامام ولا حاجة بنا إلى التطويل،
ثم نظرنا من أي وجه تلزم الحجة من نأى عن الرسل والائمة (عليهم السلام) فاذا ذلك بالاخبار التي توجب الحجة وتزول عن ناقليها تهمة التواطؤ عليها والاجماع على تخرصها ووضعها.
ثم فحصنا عن الحال فوجدنا فريقين ناقلين:
يزعم أحدهما أن الماضي (عليه السلام) نص على الحسن (عليه السلام) وأشار إليه ويروون مع الوصية وما له من خاصة الكبر أدلة يذكرونها وعلما يثبتونه.
ووجدنا الفريق الاخر يروون مثل ذلك لجعفر لا يقول غيرهذا
(ثم) نظرنا:
فاذا الناقل لاخبار جعفر جماعة يسيرة والجماعة اليسيرة يجوز عليها التواطؤ والتلاقي والتراسل فوقع نقلهم موقع شبهة لا موقع حجة وحجج الله لا تثبت بالشبهات.
ونظرنا في نقل الفريق الاخر فوجدناهم جماعات متباعدي الديار والاقطار، مختلفي الهمم والاراء متغايرين، فالكذب لا يجوز عليهم لنأي بعضهم عن بعض ولا التواطؤ ولا التراسل والاجتماع على تخرص خبر ووضعه، فعلمنا أن النقل الصحيح هو نقلهم وأن المحق هؤلاء، ولانه إن بطل ما قد نقله هؤلاء على ما وصفنا من شأنهم لم يصح خبر في الارض وبطلت الاخبار كلها.
فتأمل - وفقك الله - في الفريقين فانك تجدهم كما وصفت، وفي بطلان الاخبار هدم الاسلام وفي تصحيحها تصحيح خبرنا، وفي ذلك دليل على صحة أمرنا، والحمد لله رب العالمين.
ثم رأيت الجعفرية (أي الذي يقولون بإمامة جعفر الكذاب) تختلف في إمامة جعفر من أي وجه تجب؟ فقال قوم: بعد أخيه محمد، وقال قوم: بعد أخيه الحسن، وقال قوم: بعد أبيه.
لا بد من رجل من ولد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
ورأيناهم لا يتجاوزون ذلك ورأينا أسلافهم وأسلافنا قد رووا قبل الحادث ما يدل على إمامة الحسن وهو ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا توالت ثلاثة أسماء: محمد وعلي والحسن فالرابع القائم " وغير ذلك من الروايات وهذه وحدها توجب الامامة للحسن، وليس إلا الحسن وجعفر. فاذا لم تثبت لجعفر حجة على من شاهده في أيام الحسن والامام ثابت الحجة على من رآه ومن لم يره فهو الحسن اضطرارا، وإذا ثبت الحسن (عليه السلام) وجعفر عندكم مبرء تبرأ منه والامام لا يتبرأ من الامام والحسن قد مضى ولا بد عندنا وعندكم من رجل من ولد الحسن (عليه السلام) تثبت به حجة الله، فقد وجب بالاضطرار للحسن ولد قائم (عليه السلام).
وقل يا أبا جعفر - أسعدك الله - لابي الحسن أعزه الله (أي ابن بشار): يقول محمد بن عبد الرحمن قد أوجدناك إنية المدعى له فأين المهرب؟ هل تقر على نفسك بالابطال كما ضمنت أو يمنعك الهوى من ذلك فتكون كما قال الله تعالى: " وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ".
فأما ما وسم به أهل الحق من اللابدية لقولهم: " لا بد ممن تجب به حجة الله ":
فيا عجبا فلا يقول أبو الحسن لا بد ممن تجب به حجة الله؟ وكيف لا يقول وقد قال عند حكايته عنا وتعييره إيانا: " أجل لا بد من وجوده فضلا عن كونه " فان كان يقول ذلك فهو وأصحابه من اللابدية وإنما وسم نفسه وعاب، وإن كان لا يقول ذلك فقد كفينا مؤونة تنظيره ومثله بالبيت والسراج وكذا يكون حال من عاند أولياء الله يعيب نفسه من حيث يرى أنه يعيب خصمه، والحمد لله المؤيد للحق بأدلته.
ونحن نسمي هؤلاء بالبُدِّية إذ كانوا عبدة البُدّ قد عكفوا على ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا. وهكذا هؤلاء.
كلام ابن قبة في الغيبة:
ونقول: يا أبا الحسن - هداك الله - هذا حجة الله على الجن والانس ومن لا تثبت حجته على الخلق إلا بعد الدعاء والبيان محمد (صلى الله عليه وآله) وآله قد أخفى شخصه في الغار حتى لم يعلم بمكانه ممن احتج الله عليهم به إلا خمسة نفر(٦٢٢).
فان قلت: إن تلك غيبة بعد ظهوره وبعد أن قام على فراشه من يقوم مقامه.
قلت لك: لسنا نحتج عليك في حال ظهوره ولا استخلافه لمن يقوم مقامه من هذا في قبيل ولا دبير(٦٢٣) وإنما نقول لك: أليس تثبت حجته في نفسه في حال غيبته على من لم يعلم بمكانه لعلة من العلل فلا بد من أن تقول: نعم، قلنا: ونثبت حجة الامام وإن كان غائبا لعلة اخرى وإلا فما الفرق؟
ثم نقول: وهذا أيضا لم يغب حتى ملأ آباؤه (عليهم السلام) آذان شيعتهم بأن غيبته تكون، وعرَّفوهم كيف يعملون عند غيبته.
فان قلت في ولادته، فهذا موسى (عليه السلام) مع شدة طلب فرعون إياه وما فعل بالنساء والاولاد لمكانه حتى أذن الله في ظهوره، وقد قال الرضا (عليه السلام) في وصفه: " بأبى وامي شبيهي وسمي جدي وشبيه موسى بن عمران.
وحجة اخرى نقول لك: يا أبا الحسن أتقر أن الشيعة قد روت في الغيبة أخبارا؟ فان قال: لا، أوجدناه الاخبار، وإن قال: نعم، قلنا له فكيف تكون حالة الناس إذا غاب إمامهم فكيف تلزمهم الحجة في وقت غيبته، فان قال: يقيم من يقوم مقامه، فليس يقوم عندنا وعندكم مقام الامام إلا الامام، وإذا كان إماما قائما فلا غيبة وإن احتج بشيء آخر في تلك الغيبة فهو بعينه حجتنا في وقتنا لا فرق فيه ولا فصل.
كلام ابن قبة في فساد امر جعفر:
ومن الدليل على فساد أمر جعفر: موالاته وتزكيته فارس بن حاتم -لعنه الله-(٦٢٤) وقد برئ منه أبوه، وشاع ذلك في الامصار حتى وقف عليه الاعداء فضلا عن الاولياء.
ومن الدليل على فساد أمره استعانته بمن استعان في طلب الميراث من أم الحسن (عليه السلام) وقد أجمعت الشيعة أن آباءه (عليهم السلام) أجمعوا أن الاخ لا يرث مع الام.
ومن الدليل على فساد أمره قوله: إنى إمام بعد أخي محمد، فليت شعري متى تثبت إمامة أخيه وقد مات قبل أبيه حتى تثبت إمامة خليفته، ويا عجبا إذا كان محمد يستخلف ويقيم إماما بعده وأبوه حي قائم وهو الحجة والامام فما يصنع أبوه، ومتى جرت هذه السنة في الائمة وأولادهم حتى نقبلها منكم، فدلونا على ما يوجب إمامة محمد حتى إذا ثبتت قبلنا إمامة خليفته. والحمد لله الذي جعل الحق مؤيدا والباطل مهتوكا ضعيفا زاهقا.
فأما ما حكى عن ابن أبى غانم (رحمه الله) فلم يرد الرجل بقوله عندنا يثبت إمامة جعفر، وإنما أراد أن يعلم السائل أن أهل هذه البيت لم يفنوا حتى لا يوجد منهم أحدا.
رد على كلماته الأخرى:
قوله: " وكل مطاع معبود " فهو خطأ عظيم لانا لا نعرف معبوداً إلا الله ونحن نطيع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا نعبده.
رد ابن قبة على خاتمة كتاب ابن بشار:
وأما قوله: نختم الان هذا الكتاب بأن نقول: إنما نناظر ونخاطب من قد سبق منه الاجماع بأنه لا بد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله - إلى قوله - وصح أن في ذلك البيت سراجا، ولا حاجة بنا إلى دخوله.
فنحن - وفقك الله - لا نخالفه وأنه لا بد من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجة الله وإنما نخالفه في كيفية قيامه وظهوره وغيبته.
وأما ما مثَّل به من البيت والسراج فهو مُنى، وقد قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس.
ولكنا نضرب مثلا على الحقيقة لا نميل فيه على خصم ولا نحيف فيه على ضد، بل نقصد فيه الصواب.
فنقول: كنا ومن خالفنا قد أجمعنا على أن فلانا مضى وله ولدان وله دار وأن الدار يستحقها منهما من قدر على أن يحمل باحدى يديه ألف رطل وأن الدار لا تزال في يدي عقب الحامل(٦٢٥) إلى يوم القيامة، ونعلم أن أحدهم يحمل والاخر يعجز، ثم احتجنا أن نعلم من الحامل منهما فقصدنا مكانهما لمعرفة ذلك فعاق عنهما عائق منع عن مشاهدتهما، غير أنا رأينا جماعات كثيرة في بلدان نائية متباعدة بعضها عن بعض يشهدون أنهم رأوا أن الاكبر منهما قد حمل ذلك، ووجدنا جماعة يسيرة في موضع واحد يشهدون أن الاصغر منهما فعل ذلك، ولم نجد لهذه الجماعة خاصة يأتوا بها، فلم يجز في حكم النظر وحفيظة الانصاف وما جرت به العادة وصحت به التجربة رد شهادة تلك الجماعات وقبول شهادة هذه الجماعة والتهمة تلحق هؤلاء وتبعد عن أولئك.
فان قال خصومنا: فما تقولون في شهادة سلمان وأبى ذر وعمار والمقداد لامير المؤمنين (عليه السلام)، وشهادة تلك الجماعات وأولئك الخلق لغيره أيهما كان أصوب؟
قلنا لهم: لامير المؤمنين (عليه السلام) وأصحابه امور خص بها وخصوا بها دون من بازائهم، فان أوجدتمونا مثل ذلك أو ما يقاربه لكم فأنتم المحقون: أو لها أن أعداءه كانوا يقرون بفضله وطهارته وعلمه، وقد روينا ورووا له معنا أنه (صلى الله عليه وآله) خبر " أن الله يوالي من يواليه ويعادي من يعاديه " فوجب لهذا أن يتبع دون غيره، والثاني أن أعداءه لم يقولوا له: نحن نشهد أن النبي (صلى الله عليه وآله) أشار إلى فلان بالامامة ونصبه حجة للخلق وإنما نصبوه لهم على جهة الاختيار كما قد بلغك، والثالث أن أعداءه كانوا يشهدون على أحد أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه لا يكذب لقوله (صلى الله عليه وآله): " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " فكانت شهادته وحده أفضل من شهادتهم، والرابع أن أعداءه قد نقلوا ما نقله أولياؤه مما تجب به الحجة وذهبوا عنه بفساد التأويل، والخامس أن أعداءه رووا في الحسن والحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة، ورووا أيضا أنه (صلى الله عليه وآله) قال: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " فلما شهدا لأبيهما بذلك وصح أنهما من أهل الجنة بشهادة الرسول وجب تصديقهما لانهما لو كذبا في هذا لم يكونا من أهل الجنة وكانا من أهل النار وحاشا لهما الزكيين الطيبين الصادقين، فليوجدنا أصحاب جعفر خاصة هي لهم دون خصومهم حتى يقبل ذلك، وإلا فلا معنى لترك خبر متواتر لا تهمة في نقله ولا على ناقليه وقبول خبر لا يؤمن على ناقليه تهمة التواطؤ عليه، ولا خاصة معهم يثبتون بها ولن يفعل ذلك إلا تائه حيران).
دعاؤه للخصم بالهداية:
فتأمل - أسعدك الله - في النظر فيما كتبت به إليك مما ينظر به الناظر لدينه، المفكر في معاده المتأمل بعين الخيفة والحذار إلى عواقب الكفر والجحود موفقا إن شاء الله تعالى أطال الله بقاءك وأعزك وأيدك وثبتك وجعلك من أهل الحق وهداك له وأعاذك من أن تكون من الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ومن الذين يستزلهم الشيطان بخدعه وغروره وإملائه وتسويله وأجرى لك أجمل ما عودك. (انتهى كلام ابن قبة في رده على ابن بشار).
استدلال آخر:
قال الشيخ الصدوق: وقال غيره (أي غير ابن قبة) من مشايخ الإمامية:
إن عامة مخالفينا قد سألونا في هذا الباب عن مسائل ويجب عليهم أن يعلموا أن القول بغيبة صاحب الزمان (عليه السلام) مبني على القول بإمامة آبائه (عليهم السلام)، والقول بإمامة آبائه (عليهم السلام) مبني على القول بتصديق محمد (صلى الله عليه وآله) وإمامته، وذلك أن هذا باب شرعي وليس بعقلي محض والكلام في الشرعيات مبني على الكتاب والسنة كما قال الله عزّ وجلّ: " فإن تنازعتم في شيء (يعني في الشرعيات) فردوه إلى الله وإلى الرسول " فمتى شهد لنا الكتاب والسنة وحجة العقل فقولنا هو المجتبى.
ونقول: إن جميع طبقات الزيدية والامامية قد اتفقوا على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وهما الخليفتان من بعدي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " وتلقوا هذا الحديث بالقبول.
فوجب: أن الكتاب لا يزال معه من العترة من يعرف التنزيل والتأويل علما يقينيا يخبر عن مراد الله عزّ وجلّ كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبر عن المراد ولا يكون معرفته بتأويل الكتاب استنباطا ولا استخراجا كما لم تكن معرفة الرسول (صلى الله عليه وآله) بذلك استخراجا ولا استنباطا ولا استدلالا ولا على ما تجوز عليه اللغة وتجري عليه المخاطبة، بل يخبر عن مراد الله ويبين عن الله بيانا تقوم بقوله الحجة على الناس كذلك يجب أن يكون معرفة عترة الرسول (صلى الله عليه وآله) بالكتاب على يقين ومعرفة وبصيرة.
قال الله عزّ وجلّ في صفة رسول الله (صلى الله عليه وآله): " قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " فأتباعه من أهله وذريته وعترته هم الذين يخبرون عن الله عزّ وجلّ مراده من كتابه على يقين ومعرفة وبصيرة، ومتى لم يكن المخبر عن الله عزّ وجلّ مراده ظاهرا مكشوفا فانه يجب علينا أن نعتقد أن الكتاب لا يخلو من مقرون به من عترة الرسول (صلى الله عليه وآله) يعرف التأويل والتنزيل إذ الحديث يوجب ذلك(٦٢٦).
كلمتنا حول منهج اثبات وجود الامام المهدي (عليه السلام):
أقول: إن الايمان بوجود ولد للحسن العسكري هو المهدي الذي بشر به النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه غاب غيبة صغرى باشر فيها توجيه شيعته من خلال النواب الأربعة دامت سبعين سنة تقريبا ثم غيبة كبرى استمرت الى اليوم وفيها أرجع شيعته الى الفقهاء العدول رواة حديث آبائه (عليهم السلام) يتوقف على التصديق بقضيتين:
القضية الاولى:
أصل معتقد الإمامة الإلهية عند الشيعة ويتمثل بالوصية والعصمة وأن المهدي الذي بشَّر به النبي هو من أهل البيت ومن ولد فاطمة (عليها السلام) وأن الأئمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) اثنا عشر يُعرَفون بالنص والوصية من النبي ثم نص السابق على اللاحق، وأن الإمامة بعد الحسن هي للحسين ثم في تسعة من ذريته وانها لا تعود بعد الحسن والحسين في أخوين بل هي في ولد الامام السابق بوصية وتعريف منه.
القضية الثانية:
الإيمان بأن الشيعة الإثني عشرية هم الذين حملوا عن الأئمة الأحد عشر فقههم وأحاديثهم وتاريخهم الخاص ومن ثم قبول تشخيص علماء الشيعة الاثني عشرية لحواريي أئمتهم وحملة علومهم وثقاة الرواة عنهم.
وسر الاحتياج للقضية الأولى هو: أن الإيمان بكون محمد بن الحسن العسكري الغائب هو الإمام الثاني عشر بنص من ابيه انما هو فرع لها وليس قضية مستقلة عنها أو في عرضها.
وسر الإحتياج للقضية الثانية هو: أن الشيعة رووا عن الأئمة كثيرا من الأمور التي انفردوا بها عن غيرهم ومنها ما رووه عنهم (عليهم السلام): بأن الثاني عشر منهم سيغيب غيبة كبرى وتطول أيامه ومنها ما أخبر به الحسن العسكري خواصه وحوارييه بوجود ولد لههو الأمام من بعده وهو المهدي الموعود وغير ذلك، ثم إن الشيعة اجتمعت كلمة جمهورهم وغالبيتهم في عصر الغيبة الصغرى على الإيمان بمحمد بن الحسن العسكري وبغيبته وانتظار ظهوره والوقوف عند امامته.
وفي ضوء هاتين القضيتين يصبح البحث حول وجود ولد للحسن العسكري وكونه الامام الثاني عشر وهو الغائب المنتظر موضوعيا ومنتجا، أما إذا ألغينا التصديق بالقضيتين الآنفتي الذكر فإن الطريق لإثبات الغائب المنتظر محمد بن الحسن العسكري سيكون مسدودا تماماً وذلك لان الحسن العسكري (عليه السلام) أخفى ولادة ابنه محمداً الاّ عن خاصة اصحابه.
رد احمد الكاتب لكلا القضيتين:
والذي صنعه الأستاذ الكاتب اللاري في كتابه هو ردُّه لكلا القضيتين:
أما القضية الأولى: (وهي أصل المعتقد الشيعي بالوصية والعصمة والإثني عشرية) فانتهى فيها بزعمه الى:
- أن الوصية التي يقول بها الشيعة فكرة ادخلها الى التشيع عبد الله بن سبأ في النصف الأول من القرن الأول الهجري.
- وأن العصمة فكرة مستحدثة في الفكر الشيعي ظهرت في القرن الثاني الهجري تأثرا بالفكر الاموي.
- وانتهى بزعمه أيضا الى ضعف الأحاديث التي تحدد الأئمة بعد النبي بإثني عشر، فضلا عن تضعيف روايات النص على الإمام اللاحق من الإمام السابق.
وأما القضية الثانية: (وهي وثاقة الشيعة فيما يروون عن أئمتهم) فانتهى فيها الى:
- اتهام الشيعة الأوائل القائلين بالوصية المشابهة لوصية موسى لهارون أو وصية موسى ليوشع بانهم تلقوا الفكرة من عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم على عهد عثمان.
- واتهام متكلمي الشيعة الأوائل أمثال أبي بصير ليث بن البختري المرادي الكوفي(٦٢٧) وحمران بن أعين الشيباني الكوفي(٦٢٨) وهشام بن الحكم(٦٢٩) وعلي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار(٦٣٠) ومحمد بن الخليل السكاك صاحب هشام ومؤمن الطاق وهشام بن سالم وغيرهم بأنهم أدخلوا فكرة العصمة والنص إلى التشيع.
- ثم اتهم مراجعهم الاوائل النواب الاربعة في عصر الغيبة الصغرى بانتحال ولد للحسن العسكري كذبا والقول بغيبته وانتظاره.
- ثم اتهم الذين جاءوا بعدهم أمثال ابن شاذان والشيخ الكليني والشيخ الصدوق وابو سهل النوبختي وابن قبة والشيخ المفيد والشريف المرتضى والطوسي وغيرهم من أعلام الشيعة الاثني عشرية الى اليوم كرَّسوا النهج التحريفي للتشيع المتمثل بالوصية والعصمة والقول بوجود ولد للحسن العسكري وحصر الأئمة بإثني عشر والقول بالغيبة.
أقول:
والمنهج العلمي يقتضي البحث في القضية الاولى والاستدلال على مفرداتها الأساسية (الوصية والنص والعصمة والإثني عشرية)، فإذا تم الدليل عليها من الكتاب والسنة يرتفع الإتهام عن قدماء الشيعة بكونهم استوردوا فكرة الوصية من عبد الله بن سبأ او أدخلوا فكرة العصمة وغيرها، وتعود لروايتهم عن أخبار أئمتهم وخصوصيات تاريخهم الحجية والاعتبار كما هو الحال في إعتبار رواية قدماء مذهب المالكي أو الحنبلي والشافعي أو الحنفي عن خصوصيات ائمتهم وأخبارهم(٦٣١).
ومن الجدير ذكره ان اتهام الشيخ الكاتب اللاري لقدماء الشيعة شبيه باتهام عامر الشعبي وخلفائه لخواص أصحاب علي (عليه السلام) وصفوتهم كالأصبغ بن نباتة(٦٣٢) والحارث الأعور الهمداني(٦٣٣) ورشيد الهجري وحبة العرني ونظراءهم حين قالوا عنهم انهم ليسوا يساوون شيئا فيما ينفردون به من رواية ومن ثم اهملوا جل تراثهم الذي رووه عن علي (عليه السلام) ودونوه في صحف.

الفصل الخامس: الضرورة التي تفرض الإيمان بأنَّ المهدي الموعود هو ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)

سؤاله
ما هي المشكلة في الإيمان بولادة الامام المهدي في المستقبل وعندما يأذن الله؟ لماذا الإصرار على ولادته في الماضي السحيق وبقائه على قيد الحياة بصورة غير طبيعية؟(٦٣٤).
جوابنا
إن الأمر الذي يفرض الإيمان بولادة المهدي الموعود في الماضي السحيق وكونه الثاني عشر من الأئمة والتاسع من ذرية الحسين هو صحة اطروحة التشيع الإمامي الإثني عشري وصحة إمامة آباء المهدي (عليه السلام) فلو لم تصح إمامة آبائه (عليهم السلام) لم تصح إمامته، ثم الدليل القاطع تاريخيا على ولادته ونص ابيه عليه وممارسته وظيفته كإمام بعد وفاة ابيه كما مرت الإشارة الى ذلك من خلال البحوث السابقة.
أما الأمر الذي يفرض الإيمان ببقاء المهدي على قيد الحياة بصورة غير طبيعية فهو النقل المتواتر للشيعة عن الأئمة (عليهم السلام) بان الثاني عشر منهم له غيبة طويلة، مضافا الى سبق تجارب مماثلة في الأمم السابقة قص القرآن علينا خبرها كقصة غيبة عيسى وقصة طول عمر نوح وقد شاء الله تعالى ان يتكرر ما جرى في الأمم السابقة في امة النبي الخاتم ان يكون عمره كعمر نوح وغيبة كغيبة عيسى(٦٣٥).
وإضافة الى هذا النقل المتواتر عن المعصومين الذي يفرض علينا الإيمان بولادة المهدي فهناك أمر مهم متفق على وقوعه في آخر الزمان ينبه على صحة الأطروحة الشيعية للمهدي الموعود وكفاءتها في تحقيق الأهداف المرجوة وعدم كفاءة الأطروحة السنية للمهدي الموعود في تحقيق ذلك ويتمثل هذا الأمر بظهور عيسى في آخر الزمان وفيما يلي عرض موجز لهذه القضية:
إن التصور القرآني عن عيسى يفيد ان الله تعالى بعثه مبشرا بالنبي الموعود (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)الصف/٦، ويؤكد التصور القرآني ان التبشير بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) لم يبدأ بعيسى بل مارسه الأنبياء جميعا.
ومما لا شك فيه هو ان احد ابرز الأهداف من المجيء الثاني لعيسى هو إقامة الشهادة للنبي المكي ودعوة المسيحيين والنصارى للإسلام. وسواء افترضنا ان عيسى سوف يظهر قبل المهدي للتمهيد لظهوره أو يظهر بعد ظهوره مؤيدا للمهدي في مواجهته للمسيحيين واليهود لاتمام الحجة عليهم قبل وقوع العذاب الإلهي الشامل الموعود على المكذبين منهم فإن ظهور عيسى سوف يكون بحاجة الى استيعاب علمي وقيادي من قبل المهدي الموعود باعتباره يقوم شاهدا له وللرسالة التي يرفع شعارها وكتابها وتابعا له.
والمهدي على التصور السني لن يكون قادرا على استيعاب المسيح بل هو غير قادر على استيعاب طوائف المسلمين.
لن يكون قادرا على استيعاب المسيح لان المسيح نبي ورسول معصوم ومؤيد الهيا بالمعجزات ومثله لا يمكن ان يستوعبه انسان غير مؤيد بالمعجزات والعصمة والعلم التام.
ولن يكون قادرا على استيعاب الأمة المسلمة بلا تأييد الهي بالمعجزة والعصمة والعلم التام لوجود مشكلات اساسية:
منها: مشكلة إثبات كونه المهدي الموعود، فهو من دون التأييد الالهي الخاص لن يكون قادرا على كسب القناعة الموضوعية التامة من الآخرين.
ومنها: مشكلة إقناع علماء زمانه بالخضوع لآرائه في الجرح والتعديل وتخريج الحديث والاستنباط منه فهو على أكثر تقدير مجتهد كباقي المجتهدين يجوز للعوام ان يرجعوا اليه ويخضعوا لأفكاره اما المجتهدون الآخرون فلا يوجد أي مبرر للخضوع لفهمه اما تخريجه للحديث وأراؤه في الجرح والتعديل فستكون المشكلة فيها أعظم لو تجاوز فيها ائمة الجرح والحديث التاريخيين كالبخاري وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم.
ومنها: مشكلة النظام السياسي الذي يسمح له ان يشكل تجمعه الحركي إذ الأنبياء مع التأييد الإلهي لم يسلموا من الاستضعاف فكيف بالمهدي غير المؤيد.
ومنها: مشكلة الشيعة الذين لن يؤمنوا بمثل مهدي غير معصوم وغير منصوص عليه ولم يكن ابنا للحسن العسكري (عليه السلام) وليس هو الا مهديهم.
وقد يقول قائل: بأننا نفترض ان المهدي بالتصور السني مؤيد بالمعجزة والعلم التام والعصمة.
قلنا: ان هذا الافتراض سيجعل من المهدي على الأطروحة السنية نبيا لاننا افترضنا ان علمه علم تام لم يستمد من معلم بشري، وليس من شك ان هذا الفرض سوف يكون خلاف القرآن الذي نص على ان محمدا خاتم النبيين.
وهذا بخلاف المهدي على التصور الشيعي فهو ليس نبيا بل هو عالم مطهر معصوم وارث لتراث جده عن طريق آبائه ملهم بذلك العلم الموروث معرَّف بالنص عليه من قبل ابيه المعرَّف من قبل آبائه المعصومين حتى ينتهي الأمر الى النبي (صلى الله عليه وآله) الذي عرَّف بهم جميعا وبعلي في الغدير خاصة وقد وجدت مثل هذه الحالة /أي حالة عالم مطهر وارث للعلم ملهم به وليس بني/ في الأمم السابقة وقص القرآن علينا خبرها(٦٣٦).
إذن لابد من مهدي مؤيد بالعلم والعصمة والمعجزة وليس بنبي وليس هو إلا المهدي على الطرح الشيعي الذي يستوعب ما عجز عنه المهدي على الطرح السني.
يستوعب المهدي على التصور الشيعي ظاهرة المسيح لان هذا المهدي كان قد بشر به عيسى كما بشر بجده النبي (صلى الله عليه وآله) وابيه علي (عليه السلام) (٦٣٧)، وهو معصوم وارث لتراث النبوة الخاتمة الذي كتبه علي (عليه السلام) بيده وأملاه النبي (صلى الله عليه وآله) عليه ووارث ايضاً لتراث النبوات الإسرائيلية الذي اجتمع عند عيسى ومنه انتقل عبر آخر اوصيائه الى آباء النبي ثم الى ابي طالب ثم الى النبي ثم الى علي والأئمة من ذريته(٦٣٨). مضافا الى ذلك هو ملهَم بهذا العلم كما أُلهِم آباؤه من قبل، مضافا الى ذلك هو مؤيد بالخوارق التكوينية كما كان وصي سليمان آصف مؤيد بها(٦٣٩) ولم يكن نبيا بل كان وصيا وارثا للعلم وكذلك المهدي بن الحسن العسكري (عليه السلام).
وإذا كان المهدي على التصور الشيعي قادرا على استيعاب ظاهرة عيسى (عليه السلام) وهو نبي ورسول وصار من جنوده وانصاره ومؤيديه فهو على استيعاب طوائف امة جده اقدر.
ان المهدي على التصور الشيعي يظهر على جيش مُعَدّ وهم الشيعة وفيهم العلماء والفقهاء والمفكرون والسياسيون والعسكريون ومختلف المواقع الاجتماعية بل لهم دولة قائمة قبل ظهوره بَنَت وجودها السياسي الفكري على الاعتقاد به.
ان علماء الشيعة ومراجعهم معلنون سلفاً منذ ان تبوءوا مواقعهم كموجهين للشيعة في عصر الغيبة انهم بإزاء المهدي بن الحسن العسكري متبعون لقوله ومؤتمرون لأمره كما هو شأنهم مع آبائه من قبل، نعم هم بحاجة الى ان يثبت لهم ان الشخص الذي يخاطبهم هو محمد بن الحسن العسكري (عليه السلام) الذي ولد سنة ٢٥٥ هجرية وحين يثبت لهم ذلك فهم أطوع له من الأمة لسيدها.
وهكذا المسلمون السنة فإنهم حين يواجهون انسانا مسلما مؤيدا بالخوارق عالما بالقرآن والسنة علما لا يدع لأحد معه مقالا، عالما بآراء المذاهب الإسلامية القائمة والبائدة وتخريجات الحديث وأدلتها ونقاط ضعفها وهو فوق ذلك بيده صحيفة ابيه علي (عليه السلام) التي كتبها بيده عن النبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة وهي خاضعة للفحص العلمي الأركيولوجي، ليس من شك فإن مثل هذا الإنسان سيكون قادرا على استيعاب كل طوائف الأمة.
قد يقول قائل لماذا لم يجعل الله تعالى عدد الأئمة على الطرح الشيعي مفتوحاً وغير مقيد باثني عشر ليكون آخرهم حيا بالحياة الطبيعية عند ظهور عيسى (عليه السلام)؟
والجواب هو ان حصر عدد الأئمة المعصومين بعد النبي بإثني عشر او إبقاءه مفتوحا حتى تنقضي الدنيا امر مرتبط بتقدير الله تعالى وقد قدَّر ان يكون عدد الأئمة اثني عشر ومن ثم يطيل عمر الثاني عشر ليحقق به وعده الذي وعده لانبيائه.
وخلاصة الكلام:
ان التصور القرآني الذي يفيد بظهور عيسى في آخر الزمان مؤيدا للمهدي أو ممهدا لظهوره يقتضي ان تكون إمامة المهدي مستوعبة لعيسى النبي الرسول المعصوم المؤيد الهيا ولن تستوعبه هذه الامامة إذا لم تكن معصومة، الا إذا افترضنا ان يكون صاحبها نبيا أو قبلنا بالتصور الشيعي للمهدي وان الله تعالى أطال عمره لاستيعاب ظاهرة عيسى وتحقيق امور أخر من قبيل امتحان المؤمنين وتمحيصهم وغير ذلك.
و ليس من شك ان فرضية نبوة المهدي الموعود باطلة بالضرورة، فلم يبق لنا الا المهدي على التصور الشيعي الذي يحفظ لنا اطروحة النبوة الخاتمة ويفترض قدرا أدنى من خرق القانون وهو ان يطيل الله تعالى عمر انسان كما أطال عمر نوح (عليه السلام) وكما أطال عمر عيسى (عليه السلام).

الفصل السادس: الجواب على اسئلة أحمد الكاتب حول الإمام المهدي (عليه السلام)

اثار الأستاذ الكاتب على الإنترنيت في موقع اسلام ٢١ مجموعة من الأسئة حول الإمام المهدي (عليه السلام) نوردها فيما يلي مع إجابتنا عليها.
سؤال١:
هل يعتبر الايمان بولادة المهدي قبل الف ومائة وسبعين عاما، واستمرار حياته الى اليوم والى ان يظهر في المستقبل بعد آلاف السنين، ضرورة من ضرورات الإيمان بالله تعالى ورسله وكتبه؟ ولماذا لم يشر اليها القرآن الكريم بصراحة ويطالب الناس بالاعتقاد بها؟ وما هو حكم من لا يؤمن بذلك من فرق الشيعة كالزيدية والإسماعيلية فضلا عن سائر فرق المسلمين؟ هل يجوز ان نحكم عليهم بالكفر ونمنعهم من الصلاة في المساجد؟
جوابه:
إن الإيمان بان المهدي الموعود هو ابن الحسن العسكري وقد ولد سنة ٢٥٥ هجرية ضرورة من ضرورات التشيع الإثني عشري تفرضها الأحاديث النبوية الصحيحة نظريا اما تاريخيا فيفرضها نقل جمهور الشيعة جيلا بعد جيل حتى جمهور أصحاب الحسن العسكري الذين نقلوا امر ولادته عن ابيه ونصه على إمامته من بعده وأنه المهدي الموعود وقد شاهده عدة منهم وهذا الجمهور عاش مؤمنا بذلك فترة الغيبة الصغرى مع تعامل حسي مع هذا الإيمان من خلال النواب الأربعة الذين كانت تظهر على ايديهم إخبارات خاصة ببعض المغيبات وإجابة للدعاء في موارد خاصة يطلبها أصحابها ويخرج الجواب بانها إجيبت ويتحقق ذلك ولم يدع النواب انها بفعلهم بل هي بإخبار الإمام لهم او بدعائه.
أما لماذا لم يشر القرآن الكريم صريحا الى هذا الموضوع، فنقول ان القرآن لم يشر الى ضرورات اسلامية أخرى من قبيل عدد ركعات الصلاة ورمي سبع حصيات في ايام الحج بمنى ثلاثة أيام وغيرها بل اكتفى بالإشارة الى أصل الصلاة ثم أحال الى النبي ليبين تفاصيلها وكذلك الأمر في إمامة أهل البيت أو قضية المهدي حيث تحدث القرآن عنهما بأسلوب خاص نبه اليه الأئمة (عليهم السلام) وتفادى ذكر الأسماء لحكمة.
نعم اشار القرآن صريحا الى العهد المشرق الذي سيتحقق آخر الزمان على يد المهدي ثم ترك امر التشخيص الصريح للبيت الذي ينجبه الى النبي وقد اشار (صلى الله عليه وآله) ان المهدي من ذريته من فاطمة وانه من الحسين.
أما ما هو حكم من لم يؤمن بالمهدي بالتصور الشيعي فليس في المسألة خلاف بين علماء الشيعة ان منكرها يخرج من التشيع الإثني عشري مع بقائه على الإسلام.
سؤال٢:
هل يجوز ان يخفي الامام العسكري ولده عن الناس ويطالبهم بالإيمان به، لو كان حقا قد ولد له ولد في السر؟ واذا كان الشيعة في ذلك الزمان قد بحثوا ولم يجدوا أثرا - كما يقول المؤرخ الشيعي النوبختي - فكيف يمكن ان نؤمن نحن بعد مئات السنين بدون دليل علمي ثابت؟
جوابه:
إذا كان اعلان الإمام عن ولده بشكل عام يعرضه للخطر الأكيد فلم لا يجوز له ان يخفي امر ولادته عن عامة الناس؟ وقد كان جمهور اصحاب الحسن على يقين من وجود الولد فقد رآه الكثير منهم واكتفى القسم الآخر بإخبار الإمام المعصوم الحسن العسكري (عليه السلام) عنه. ونسخة المؤرخ النوبختي المتداولة بمقارنتها مع ما نقل الشيخ المفيد عنها يتضح انها محرفة كما مر الحديث مفصلا عن ذلك. وايماننا اليوم بالمهدي بن الحسن العسكري يقوم على النقل الشفوي المتواتر لجمهور الشيعة جيلا بعد جيل الى عصر الأمام الحسن العسكري. كما يقوم إيمان المسلمين على ان القرآن الذي بين ايدينا هو الذي أملاه النبي على الأمة، ويسند كلا القضيتين مئات الروايات المدونة منها الصحيحة ومنها الضعيفة.
سؤال٣:
إذا كان موضوع الإيمان بالمهدي أصلا من أصول الدين فلماذا لا يُبحث في الحوزة بصورة علمية منهجية كما يبحث الفقه والأصول؟ ولماذا لم يتم التحقق من صحة الروايات والقصص التاريخية التي تتهم بالوضع والاختلاق في وقت متأخر؟
جوابه:
الأيمان بالمهدي ضرورة من ضرورات الفكر الشيعي الإثني عشري، وقد كتبت الحوزة العلمية في التاريخ الغابر والعصر الحاضر عبر وجوهها البارزة كتبا خالدة أمثال كتاب (التنبيه في الإمامة) للنوبختي ابي سهل وكتاب (إكمال الدين) للشيخ الصدوق وكتاب (الغيبة) للنعماني وكتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي وكتاب (المهدي) للسيد مهدي الصدر(٦٤٠) و(تاريخ الغيبة الصغرى وتاريخ الغيبة الكبرى واليوم الموعود) للسيد محمد الصدر(٦٤١) و(منتخب الأثر) للشيخ(٦٤٢) الصافي وغيرها، اما لماذا لم يبحث مؤلفو هذه الكتب في أسانيد الروايات وقصص الولادة فالجواب واضح وهو انهم لم يبنوا ايمانهم بوجود المهدي على اساس تلك الروايات بل بنوه على اساس النقل الشفوي المتواتر من أجيال الشيعة لخبر ولادة المهدي وممارسته توجيه شيعته عبر النواب الأربعة في فترة الغيبة الصغرى. ويبقى البحث في أسانيد تلك الروايات مفيداً ونافعاً لا لأجل تأسيس الإيمان بأصل الولادة بل لتقديم شواهد تاريخية مدونة مروية بأسانيد صحيحة على مسألة التعامل الحسي مع الأمام المهدي (عليه السلام)، على أن الباحث المنصف في هذه الروايات يستطيع ان يخرج منها بنتيجة إيحابية قطعية أيضا وذلك لان قدرا مشتركا من الواقع تتحدث عنه هذه الروايات وهو وجود ولد للحسن العسكري تبوأ بعد ابيه مقام الإمامة واختلاف الروايات في التفاصيل الأخرى لا يعني اسقاط القدر المشترك مع تنوع المصادر والرواة الأوائل.
سؤال٤:
إذا كان من الواضح والثابت، لدى الشيعة من قبل، مهدوية الامام محمد بن الحسن العسكري؟ فلماذا قال بعض الشيعة إذن بمهدوية الامام علي ومهدوية ابنه محمد بن الحنفية ومهدوية النفس الزكية ومهدوية الصادق ومهدوية الكاظم ومهدوية السيد محمد بن علي الهادي ومهدوية الامام العسكري؟
هل الأحاديث الواردة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) حول خروج مهدي في آخر الزمان تحدد اسم المهدي وهويته وانه ابن الامام العسكري؟ أم تكتفي بالاشارة اليه بصورة عامة غامضة؟
جوابه:
مهدوية غير ابن الحسن العسكري (عليه السلام) أقوال مدعاة من قبل فرق أو أشخاص لم يكتب لها البقاء لانها لم تصب الحق والواقع فيما ادعته من قول. وهل يضر الحق وجود قائلين بالباطل ولو كانوا كُثراً اليوم، فكيف ونحن لا نجد أثرا للقائلين بمهدوية من ذكرت الا في بطون التاريخ منذ ألف سنة!
ان الواضح في المسألة المهدوية في المجتمع الإسلامي هو فكرتها القائمة على النص القرآني والحديث النبوي الصحيح وكذلك البيت الذي يخرج منه المهدي وهو كونه من آل النبي من الحسين (عليه السلام) وكونه الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام)، ومن الطبيعي ان تتضيق بعد ذلك بتضيق الوسط الذي يؤمن بالأئمة بعد الحسين مضافا الى ان المسألة الأساسية التي كان يعيشها الشيعة هي معرفة إمام زمانهم أما الأئمة بعده فهي مسألة يتحكم فيها الظرف ومستوى الشخص وقد وردت روايات رواها الثقاة قبل ولادة المهدي (عليه السلام) بعشرات السنين تعرِّف بكون المهدي هو التاسع من ذرية الحسين او السابع من ذرية الباقر أو الخامس من ذرية الكاظم وقد ذكرنا طرفا منها فيما مضى.
سؤال٥:
هل كان المسلمون والشيعة والإمامية في القرون الثلاثة الأولى يعرفون ويؤمنون بالإمام (محمد بن الحسن العسكري)؟ ولماذا كان يحدث البداء إذن؟ ولماذا كان كبار أصحاب الأئمة يجهلون أسماءهم؟ ولا يعرفون من بعدهم؟
جوابه:
تحدثنا عن ذلك في الحلقة الأولى. وقلنا هناك ان روايات البداء التي تفيد ان الإمام قد اوصى الى أحد اولاده بالإمامة ثم يغير الامر بعد ذلك هي روايات غير صحيحة إذ لا بداء في أمر الإمامة. وقلنا ان خواص اصحاب الأئمة كانوا يعلمون من هو الوصي بتسمية من الإمام السابق وعدم معرفة بعض الخواص بذلك له ظروفه الخاصة وأهدافه الخاصة بيناها في الحلقة الثانية عند أجوبتنا على اسئلة البغدادي في نشرة الشورى.
سؤال٦:
هل يعتبر الإيمان بالإمام المهدي جزء من الإيمان بالغيب؟ علما بأن القرآن الكريم قد ذكر الملائكة والجن واليوم الآخر ولم يذكر المهدي فكيف يتم الإيمان به بصورة غيبية أي بدون دليل؟
جوابه:
لقد ذكر القرآن عنوان الغيب وبعض مصاديقه ولم يحصر كل أفراده ومصاديقه، وبين النبي والأئمة قضية المهدي كمصداق آخر من مصاديق الغيب إن إخبار القرآن بأن هناك يوماً يعم فيه الإسلام في العالم ويرث الصالحون الأرض هو وعد غيبي، فهو غيب، وإخبار النبي ان الشخص الذي يتحقق على يده هذا العهد هو من ذريته هو غيب أيضا، ثم أن يخبر الأئمة ان الثاني عشر يغيب غيبتين احداهما قصيرة والأخرى طويلة هو غيب وقد تحقق ذلك ومرت كلمات الشيخ ابي سهل النوبختي والشيخ النعماني والشيخ الصدوق في ذلك وعده من آيات الأئمة (عليهم السلام).
سؤال٧:
ماهو الدليل على وجود وولادة الامام محمد بن الحسن العسكري؟ هل هو حقيقة ام فرضية فلسفية وهمية؟ وهل يمكن ان نثبت ولادة انسان ووجوده في الخارج عن طريق الاستدلال الفلسفي؟
جوابه:
الدليل على وجود المهدي هو النقل الشفوي المتواتر من أجيال الشيعة جيلا بعد جيل إلى عصر الحسن العسكري (عليه السلام) حيث راى اصحابه ولده المهدي (عليه السلام) وسمعوا منه النص عليه. وهذا هو النقل التاريخي المتواتر وكان يستدل به قدماء الشيعة كابي سهل النوبختي والشيخ الصدوق مضافا الى ذلك الروايات الكثيرة جدا التي دونها علماء الشيعة في العديد من كتبهم على مر القرون.
واستدل قدماء الشيعة بدليل عقلي على وجود المهدي يبتني على مقدمات ينتج التسليم بها ان الحسن العسكري لا يمكن ان يموت وليس له عقب منه يكون إماما بعده سواء راينا هذا الإمام ام لم نره. وسمي هذا الدليل تسامحا بالدليل العقلي او الدليل الفلسفي. ومرادهم ان الأصول السابقة للتشيع وهي الأحاديث النبوية وأحاديث الأئمة (عليهم السلام) الصحيحة التي تفرض ان لا يموت الحسن العسكري وليس له ولد يكون هو المهدي الموعود.
وما الغرابة في هذا النوع من الاستدلال إذا كانت المقدمات والخطوات مترابطة وصحيحة منطقياً؟ ثم أليس يستخدم المسلمون وغيرهم الدليل الفلسفي لإثبات وجود الله تعالى؟ ان المسالة في هذا الاستدلال هي صحة المقدمات وترابط الخطوات منطقيا. ثم لماذا هذا التركيز على هذا المنهج من الاستدلال والشيعة الأقدمون لا يقفون عنده بل يقرنونه بالدليل التاريخي القاطع وقد مر الحديث عن ذلك.
سؤال٨:
هل اعترف الامام الحسن العسكري بوجود ولد له؟ وهل يعرف ذلك أهل البيت والشيعة اصحاب الامام العسكري؟ أم ان مجموعة انتهازية اختلقت القصة في السر وغلفتها بالكتمان لتستفيد منها ماليا وسياسيا؟
جوابه:
الذي نقله جمهور اصحاب الحسن العسكري شفاها هو ان الحسن العسكري (عليه السلام) أخبرهم بان له ولد وقد شاهده ثلة منهم وقد سمعوا منه النص على إمامته وأنه المهدي الموعود، ويوجد الى جنب هذا النقل الشفوي المتواتر روايات صحيحة السند على ذلك من وجوه الشيعة واصحاب الامامين الهادي والحسن العسكري (عليه السلام). ودعوى اختلاق القصة من قبل مجموعة انتهازية دعوى عارية عن الدليل بل هي مجرد افتراء قام اساسا على الوقوع ضحية البحث الناقص بنَفَس مُغرِض كما اتضح ذلك من البحوث السابقة.
سؤال٩:
تقول الرواية المنسوبة الى خديجة بنت الامام الهادي ان نرجس لم تكن تعرف انها حامل ليلة الولادة المزعومة ولم يكن عليها أي أثر للحمل وانها لم تجد أي طفل في الصباح. فهل رأت الولادة في المنام؟ وهل الرواية صحيحة؟ وما هو سندها؟
جوابه:
أقول: من المفيد ان نأتي بنص رواية الشيخ الطوسي في كتابه الغيبة ص٢٣٤.
قال (رحمه الله): أخبرني ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار محمد بن الحسن القمي، عن أبي عبد الله المطهري، عن حكيمة بنت محمد بن علي الرضا قالت بعث إلي أبو محمد (عليه السلام) سنة خمس وخمسين ومائتين في النصف من شعبان وقال يا عمة اجعلي الليلة إفطارك عندي فإن الله عزّ وجلّ سيسرك بوليه وحجته على خلقه خليفتي من بعدي. قالت حكيمة فتداخلني لذلك سرور شديد وأخذت ثيابي علي وخرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمد (عليه السلام)، وهو جالس في صحن داره، وجواريه حوله فقلت جعلت فداك يا سيدي! الخلف ممن هو؟ قال من سوسن فأدرت طرفي فيهن فلم أر جارية عليها أثر غير سوسن.
قالت حكيمة فلما أن صليت المغرب والعشاء الآخرة أتيت بالمائدة، فأفطرت أنا وسوسن وبايتها في بيت واحد، فغفوت غفوة ثم استيقظت، فلم أزل مفكرة فيما وعدني أبو محمد (عليه السلام) من أمر ولي الله (عليه السلام) فقمت قبل الوقت الذي كنت أقوم في كل ليلة للصلاة، فصليت صلاة الليل حتى بلغت إلى الوتر، فوثبت سوسن فزعة وخرجت فزعة وخرجت وأسبغت الوضوء ثم عادت فصلت صلاة الليل وبلغت إلى الوتر، فوقع في قلبي أن الفجر قد قرب فقمت لأنظر فإذا بالفجر الاول قد طلع، فتداخل قلبي الشك من وعد أبي محمد (عليه السلام)، فناداني من حجرته لا تشكي وكأنك بالامر الساعة قد رأيته إن شاء الله تعالى.
قالت حكيمة فاستحييت من أبي محمد (عليه السلام) ومما وقع في قلبي، ورجعت إلى البيت وأنا خجلة فإذا هي قد قطعت الصلاة وخرجت فزعة فلقيتها على باب البيت فقلت بأبي أنت وأمي هل تحسين شيئا؟ قالت نعم يا عمة! إني لاجد أمرا شديدا قلت لا خوف عليك إن شاء الله تعالى وأخذت وسادة فألقيتها في وسط البيت، وأجلستها عليها وجلست منها حيث تقعد المرأة من المرأة للولادة، فقبضت على كفي وغمزت غمزة شديدة ثم أنت أنة وتشهدت ونظرت تحتها، فإذا أنا بولي الله صلوات الله عليه متلقيا الارض بمساجده. فأخذت بكتفيه فأجلسته في حجري، فإذا هو نظيف مفروغ منه، فناداني أبو محمد (عليه السلام) يا عمة هلمي فأتيني بابني فأتيته به، فتناوله وأخرج لسانه فمسحه على عينيه ففتحها ثم أدخله في فيه فحنكه ثم أدخله في أذنيه وأجلسه في راحته اليسرى، فاستوى ولي الله جالسا، فمسح يده على رأسه وقال له يا بني انطق بقدرة الله فاستعاذ ولي الله (عليه السلام) من الشيطان الرجيم واستفتح (بسم الله الرحمن الرحيم ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون وصلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم وعلى أمير المؤمنين والائمة (عليهم السلام) واحدا واحدا حتى انتهى إلى أبيه، فناولنيه أبو محمد (عليه السلام) وقال يا عمة رديه إلى أمه (حتى تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فرددته إلى أمه وقد انفجر الفجر الثاني، فصليت الفريضة وعقبت إلى أن طلعت الشمس. ثم ودعت أبا محمد (عليه السلام) وانصرفت إلى منزلي. فلما كان بعد ثلاث اشتقت إلى ولي الله، فصرت إليهم فبدأت بالحجرة التي كانت سوسن فيها، فلم أر أثرا ولا سمعت ذكرا فكرهت أن أسأل، فدخلت على أبي محمد (عليه السلام) فاستحييت أن أبدأه بالسؤال، فبدأني فقال يا عمة في كنف الله وحرزه وستره وغيبه حتى يأذن الله له، فإذا غيب الله شخصي وتوفاني ورأيت شيعتي قد اختلفوا فأخبري الثقات منهم، وليكن عندك وعندهم مكتوما، فإن ولي الله يغيبه الله عن خلقه ويحجبه عن عباده فلا يراه أحد حتى يقدم له جبرئيل (عليه السلام) فرسه (ليقضي الله أمرا كان مفعولا).
وروى الشيخ الصدوق روايتين عن حكيمة جاء في الأولى ان حكيمة سألت نرجس ما انتبهت فزعة وقت الولادة فسألتها حكيمة اتحسين شيئا قالت نعم يا عمة فقالت لها حكيمة أجمعي عليك نفسك واجمعي قلبك... ثم أخذتهما افترة وإذا بحس المولود فأخذته حكيمة الى الإمام ثم ارجعته الى امه ثم ارجعته الى ابيه... وفي الثانية ان نرجس غيبت عن حكيمة ثم كشف لها عنها ومعها الطفل فأخذته وناولته لأبيه (عليه السلام)... الروايتان تذكران عن الولادة بعض الأمور الخارقة وسندها فيه مجهول مع متهم بالغلو وبالتالي الروايتان ضعيفتان.
ويتضح من ذلك:
مدى علمية الكاتب وأمانته مع القارئ حين يغفل هذه الروايات ويعرض رواية واحدة رواها الصدوق في جملة رواياته تصرح ان حكيمة لم تر بنرجس أثر حبل... الخ. هذا اولاً.
وثانياً: لنفترض اننا لم نحصل على رواية صحيحة السند تبين لنا كيفية ولادته فما هو تأثيرها على الإيمان بولادته بعد ان توفر لنا الطريق القطعي على معرفتها جملة من خلال النقل الشفهي المتواتر لجمهور اصحاب الحسن العسكري، مع روايات صحيحة السند مدونة في الكافي وغيره تذكر ان الحسن العسكري قد أخبر بوجود ولد له ونص عليه؟وتذكر ان الثقاة رأوه وصاروا واسطة بينه وبين شيعته تسعا وستين سنة.
سؤال١٠:
ماذا يعني التواتر والإجماع؟ وهل يوجد اجماع أو تواتر حول ولادة الامام الثاني عشر مع القول ان ذلك تم سرا وخفية واختلاف شيعة الامام الحسن العسكري حول ذلك الى أربع عشرة فرقة فضلا عن رفض بقية فرق الشيعة التي جاوزت السبعين وبقية الفرق الإسلامية التي لا تؤمن بولادته في القرن الثالث الهجري؟
جوابه:
التواتر هو إخبار جماعة كثيرين يمتنع تواطؤهم عن الكذب.
وولادة المهدي (عليه السلام) سرا لا تمنع من حصول خبر التواتر على ولادته لان المطلوب هو نقل خبر أبيه على وجوده ولا يشترط رؤيته بشخصه هذا مع ان عددا لا بأس به من اصحاب الحسن العسكري قد رآه.
واختلاف شيعة الحسن بعد وفاة الحسن لا يضر في امر التواتر إذا عرفنا ان جمهور أصحاب الحسن العسكري قد نقلوا عنه انه قال له ولد وهو المهدي الموعود وانه سيغيبه الله غيبة طويلة ثم يظهره في آخر الزمان ليحقق على يده وعده الذي وعده لأنبيائه، وقد نصت المصادر المعتبرة ان جمهور أصحاب الحسن نقلوا القول بوجود الولد ووصية ابيه له كما مر في البحوث السابقة كما ذكرت المصادر الحديثية الشيعية أخبار الأئمة السابقين بأن المهدي الموعود هو الخامس من ولد السابع.
وإنكار بقية فرق الشيعة كالزيدية وبقية الفرق الإسلامية السنية وجود ولد للحسن العسكري لا يضر بهذا التواتر، لان المطلوب في هذا التواتر هو نقل جمهور شيعة الحسن العكسري عن الحسن خبر ولده الذي كتمه عن عامة الناس الا عن شيعته.
سؤال١١:
هل صحيح ان الشيعة في القرون السابقة قبل اقامة الجمهورية الإسلامية في ايران، كانوا يحرمون اقامة الدولة وتطبيق الشريعة الإسلامية في عصر (غيبة الامام المهدي) ولا يزال بعض العلماء يحرم اقامة صلاة الجمعة الا بعد ظهور الامام؟
جوابه:
اقول:
يعتقد الشيعة في مسألة الحكم انه للنبي (صلى الله عليه وآله) ومن بعده للأئمة الإثني عشر (عليهم السلام)ولم يتراجع عن هذا القول أحد إلا أن يتراجع عن أصل التشيع.
أما في عصر الغيبة الكبرى فإن علماء الشيعة كانوا بين اتجاهين اتجاه يقول بتعطيل الحدود بعذر إن أمر إقامتها خاص بالمعصومين فقط، واتجاه يقول بجواز قيامها من قبل الفقهاء مع القدرة والمسألة مسألة علمية ولا ربط لها بمسألة الاعتقاد بالمهدي وغيبته فكلا الفريقين مشتركان في المعتقد بالمهدي وغيبته وانتظار ظهوره.
سؤال١٢:
لماذا لا يخرج الامام المهدي الغائب، إذا كان موجودا، وقد امتلأت الدنيا ظلما وجورا وأصبح المسلمون فريسة للطغاة والمستبدين الذين أهلكوا الحرث والنسل؟ وإذا كان الامام المهدي موجودا فلماذا لا يستفيد من التكنولوجيا المعاصرة ويستخدم المحطات التلفزيونية الفضائية وشبكة الإنترنت للاتصال بالمؤمنين والإجابة على أسئلتهم وتوجيهم وقيادتهم استعدادا ليوم الظهور؟
جوابه:
إن غيبة المهدي تعني تعطله عن ممارسة النشاطات المذكورة بالسؤال وقد تعطل بأمر الله تعالى وليس بتقدير وتصرف شخصي منه، وكذلك يكون ظهوره ومعاودة نشاطه الفكري والسياسي حين يأذن الله له بذلك. والله تعالى أعرف بالزمن الصالح لظهوره (وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ الله فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ الله قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) غافر/٧٨. ان الله تعالى سوف يظهره في زمان وظرف يكون فيه التشيع الإثني عشري قد استنفد كل اغراضه في إقامة الحجة على البشرية اجمع مع اقتران ذلك باستضعاف الحق وأهله، وذلك لان لهدف من ظهوره هو رفع الاستضعاف عن الحق وأهله وإقامة دولة النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) العالمية.
سؤال١٣:
ما هو الضير في عقد ندوة علمية لبحث موضوع ولادة المهدي ودعوة أحمد الكاتب ومناقشته أمام الملأ وفي الإذاعة والتلفزيون؟ خاصة وانه يقول انه مستعد لتغيير رأيه لو قدم له أحد أدلة تاريخية علمية على ولادة الامام (محمد بن الحسن العسكري)؟
جوابه:
السؤال الذي ينبغي ان يسأل هو هل هناك ضرورة تستوجب عقد مثل هذه الندوة مع أحمد الكاتب؟ الجواب لا توجد هناك اية ضرورة، لان أحمد الكاتب ليس هو أول من أنكر ولادة المهدي ولا آخر من سينكره في المستقبل وليس هو أول من انكر دلالة حديث الغدير على إمامة علي ولا أول من انكر عصمة الأئمة أو أثار شبهات حول تحديد الأئمة بإثني عشر، بل هو واحد من آلاف وملايين فإذا كان كل واحد من هؤلاء بحاجة أن تعقد معه ندوة فإنه لا يبقى وقت لاي عمل آخر نعم الاستعداد للحوار ينبغي ان يبقى مفتوحا لاستقبال أي شبهة او سؤال حول هذا الموضوع او أي موضوع آخر هذا مضافاً الى ان عقد ندوة بل ندوات لاجل عرض ادلة الشيعة على وجود وامامة المهدي (عليه السلام) واستقبال أي سؤال حولها لا مانع منه(٦٤٣).
ثم اننا لسنا حريصين على ان يغير أحمد الكاتب ولا أي شخص آخر رأيه إذ هي مسألة تخص الشخص نفسه.
(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِر) الغاشية/٢١-٢٢
(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) البقرة/٢٧٢،
نعم نحن حريصون ان لا تبقى شبهاته وإثاراته وأسئلته وأسئلة غيره من دون جواب، ومن الجدير ذكره ان هذه الشبهات ليست جديدة وبامكان أي شخص يرجع الى ما كتبه الشيخ الصدوق (ت٣٨١) في مقدمة كتابه (اكمال الدين) قبل الف سنة ليكتشف ان جل أسئلة الكاتب وشبهاته قد اثيرت منذ ذلك الوقت وأجاب عليها علماؤنا، وإذا قرأها احمد الكاتب ولم يقتنع بها ليس معناه ان هذه الاجوبة غير صحيحة إذ ما أكثر من لم يقتنع بأدلة الأنبياء بل ما أكثر من لم يقتنع بوجود الله الذي اتفق على وجوده المسلمون والمسيحيون واليهود وكثير ممن لم يؤمن بالأنبياء.
صحيح ان احمد الكاتب كان شيعيا اثني عشريا ثم تخلى عن التشيع الإثني عشري وصار سنيا في مفهومه للتشيع وفي موقفه منه وكتب ما توصل اليه ونشره وأخذ يدعو إلى أفكاره وفي المقابل كان هناك العشرات من السنة وصاروا شيعة وكتبوا ما توصلوا اليه وأخذوا يدعون الناس الى التشيع انها عملية قائمة على قدم ساق وتبقى كذلك الى ما شاء الله وليس لنا ان نقف في قبالها فقد خلق الله تعالى البشر أحرارا في الفكر وكل إنسان مسؤول عن فكره ومواقفه.
سؤال١٤:
ما هو أثر الايمان بالمهدي على العلاقة بين السنة والشيعة؟ وهل ذلك يوحد المسلمين؟ أم يفرق بينهم؟
جوابه:
الإيمان بإمامة المهدي على التصور الشيعي فرع للإيمان بالإمامة الإلهية الخاصة لأهل البيت (عليهم السلام) القائمة على النص والعصمة والتحديد بإثني عشر، وأدلة الشيعة في هذه القضية الكتاب والسنة وهم يرحبون بأي حوار حول المسالة يستهدف معرفة واقع القضية وهم الى جنب ذلك لا يكفِّرون أحدا من أهل القبلة ويرون المسلم من شهد الشهادتين فإذا قالهما عصم ماله ودمه، فالمسلمون إذن في أمان من الشيعة بل هم أمة واحدة عندهم ماداموا في دائرة الشهادتين، إن الحيف تاريخيا والى اليوم واقع على الشيعة حين يكفرهم البعض بسبب عقيدتهم التي تقوم على الكتاب والسنة. ولست أدري هل الذي يفِّرق المسلمين هو من يكفِّرهم ويبيح قتلهم ومالهم او من يرى ان المسلم من شهد الشهادتين فإذا قالها عصم ماله ودمه؟

الفصل السابع: الرسائل المتبادلة بين المؤلف وأحمد الكاتب

الرسالة الأولى
رسالة أحمد الكاتب بعد صدور الحلقة الثالثة من شبهات وردود ومقابلة قناة الجزيرة:
السيد سامي البدري المحترم، السلام عليكم ورحمة الله
قلتَ في الحلقة الثالثة انك سوف تجيب على القضايا الرئيسية التي لم تجب عليها في الحلقات الماضية، وظللت تدور في القضايا الهامشية من الموضوع، ولكنك لم تفعل بعد، حيث لم تناقش موضوع ولادة الامام الثاني عشر ووجوده وتهربت من الموضوع كما لم تناقش موضوع الامامة.
ارجو منك الاجابة على سؤال لماذا تخلى الشيعة اليوم عن شروط الامامة من العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية وقبلوا بشروط الزيدية كالفقه والعدالة وقيام الامامة على الانتخاب والشورى، كما هو حاصل اليوم في ايران (الجمهورية الاسلامية) وكما اعرف انك تفرق بين الامامة والخلافة وتحاول ان تفسر الامامة بمعنى يختلف عن الحكم والخلافة، فهل ستقوم في المستقبل بمناقشة الكتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه).
وأرجو منك ان لا تغتر بالمديح الذي كاله لك بعض المشايخ الذين لا يقرأون.
واعتقد انك قرأت رسالة وزير الثقافة والارشاد الايراني الى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي والحوزة بصورة عامة والتي نشرت في الصحافة الايرانية قبل اسبوع حول ضرورة الرد على الكتاب، فهل قرأ الوزير نشراتك الثلاث ام لم يجد فيها شيئا جديا وغنيا.

والسلام عليكم
احمد الكاتب ٩-١٠-١٩٩٩

اقول:
وأَرفَقَ رسالته الآنفة الذكر بنسخة من المقابلة التي اجرتها معه جريدة القدس العربي التي تصدر في لندن بعد مقابلته في برنامج بلا حدود نقتطع منه ما يرتبط بنا شخصيا.
القدس العربي: (لا شك ان بحثك هذا ينطوي على أهمية قصوى وخطورة كبيرة في نفس الوقت، فهل طرحته للنقاش مع علماء الشيعة؟ وما هو موقفهم منك؟)
احمد الكاتب: أجريت البحث داخل الحوزة في إيران منذ عشرة أعوام وطرحته للنقاش مع عدد كبير من مراجع الدين والأساتذة والزملاء الأفاضل، وقد فوجئت بتوصل قسم كبير منهم الى النتائج التي توصلت اليها (وان بعضهم كالشيخ ناصر مكارم شيرازي في كتابه المهدي الثورة الكبرى) يرفض أهم دليل على وجوده وهو الدليل الفلسفي، ولكنهم لا يرون الوقت مناسبا لطرح الموضوع على عامة الناس، كما فوجئ الكثير من العلماء بنتائج البحث، وذلك لعدم وجود مادة للتاريخ الإسلامي او الشيعي في برامج الحوزة العلمية التي تقتصر على الفقه والأصول واللغة العربية والفلسفة واعتياد الغالبية العظمى من طلبة العلوم الدينية على التقليد في مجالات العقائد والتاريخ، وقد وجهت قبل بضع سنوات دعوة الى أساتذة الحوزة العلمية في النجف وقم لعقد ندوة علمية لدراسة الموضوع، أعلنت لهم قبل ان انشر البحث عن استعدادي للتراجع عن الموضوع والتصديق بوجود الامام المهدي لو قدموا لي أدلة علمية كافية،
ولكن الجو السائد في الحوزة فيما يبدو يميل الى عدم البحث والاجتهاد في هذه القضية ورفض مناقشتها بدعوى انها من العقائد الأساسية، وقد عبر السيد سامي البدري(٦٤٤) من حوزة قم خلال برنامج (بلا حدود) الذي أذيع من قناة الجزيرة الفضائية بتاريخ ٤/٨/١٩٩٩ عن هذا الموقف بصراحة، وقد أثار استغرابي لأنه يتناقض مع إجماع الشيعة عبر التاريخ على ضرورة الإيمان والالتزام بالعقائد الأساسية عن معرفة واجتهاد ويقين وعدم جواز التقليد، فكيف يجوز لمن يدعي العلم التقليد ومنع الآخرين من الاجتهاد(٦٤٥)؟
جوابنا على رسالته الأولى
الى الأستاذ أحمد الكاتب هدانا الله وإياه لما يحبه ويرضاه:
السلام عليكم ورحمة الله.
أشكرك على رسالتك وسؤالك، كما اشكرك أيضا على إرسالك لي مقابلتك المنشورة في جريدة القدس العربي - لندن/ العدد ٣٢٠٥ الجمعة ٢٧ آب - ١٥ جمادى الاولى ١٤٢٠. أعتذر عن تأخير الإجابة بسبب سفري.
١. اعترضتَ في رسالتك الأسبق (وهي التي جعلتها مادة العدد الثاني عشر من نشرتك الشورى) على منهجي معك في الرد وانصرافي إلى مناقشتك في الجزئيات ثم دعوتني في مقدمة الرسالة الى مواصلة البحث العلمي في الاصول قبل الفروع الجزئية. وقلتَ ان منهجنا هو التمسك بالكتاب والسنة والسير على هدي أهل البيت. وقد رحبتُ بعرضك وكتبتُ اليك جوابا نشرته في الحلقة الثالثة ١٤رجب ١٤١٨هج.
وقلتُ في جوابي لك (فما رأيك ان نبدأ ببحث مسألة هل يوجد شهداء بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) شهادتهم على الناس كشهادة الرسول وانهم ائمة هدى يؤخذ بقولهم وفعلهم وتقريرهم كما يؤخذ بقول الرسول وفعله وتقريره وان الناس ملزمون بالأخذ عنهم والاقتداء بهم والطاعة لهم وانهم موكلون الهيا بحفظ الرسالة بعد الرسول.؟ نبدأ اولا بذكر الايات القرآنية الكريمة ثم احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) ثم احاديث اهل البيت (عليهم السلام). ارجو اعلامي ان كنت توافقني على ذلك. ومن المفيد قبل ذلك ان تبين المصادر الحديثية المعتمدة لديك).
ولم يصلني منك جواب خاص أو عام وقد مضى على ذلك سنتان.
٢. سألتني في رسالتك بعد صدور الحلقة الثالثة من ردي عليك بمدة بواسطة الانترنيت لماذا تخلى الشيعة اليوم عن شروط الإمامة من العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية وقبلوا بشروط الزيدية كالفقه والعدالة وقيام الإمامة على الانتخاب والشورى؟
أقول مصطلح الإمامة استخدم بمعنيين:
المعنى الاول: معنى خاص ويراد به ان صاحبه حجة في قوله وفعله وتقريره حيا وميتا، وليس من شك أن أول أئمة بهذا المعنى هو النبي، ويرى الشيعة ان هذا المعنى للإمامة استمر بعد النبي في إثني عشر من أهل بيته بوصية من النبي وبأمر من الله تعالى، ويشترطون في هذا المعنى من الامامة العصمة والنص وحصرها في علي والحسن والحسين ثم في ذرية الحسين كما حصرت الإمامة بعد إبراهيم في ذريته اسماعيل ثم اسحاق ثم يعقوب ثم حصرت في ذريته.
قال الله تعالى:
(وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة/١٢٤.
وقال الله تعالى:
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) الأنبياء/٧٢-٧٣.
وقال الله تعالى:
(أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ الله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ الله وَمَا الله بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ) البقرة/١٤٠.
والأسباط في الآية هم يوسف وذريته المعصومون.
إنَّ إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط يهدون الناس الى سنة إبراهيم بأمر الله تعالى.
والدليل على حصر الإمامة الخاصة بعد النبي في أهل البيت وبقاء الثاني عشر منهم إلى آخر الدنيا حديث المنزلة وحديث الثقلين وآية التطهير وحديث الكساء وحديث الأئمة إثنا عشر ونص السابق من الأئمة على لاحقه.
والشيعة المعاصرون شأنهم شأن الماضين من أسلافهم لم يتراجعوا عن اشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية والحصر في اثني عشر في هذا المعنى من الإمامة.
المعنى الثاني: للإمامة معنى عام ويراد به منصب الحكومة وإقامة الحدود وهذا المعنى يعتقد الشيعة فيه انه للنبي (صلى الله عليه وآله) ومن بعده للأئمة الإثني عشر (عليهم السلام) ولم يتراجع عن هذا القول أحد إلا أن يتراجع عن أصل التشيع، أما في عصر الغيبة الكبرى فإن علماء الشيعة كانوا بين اتجاهين اتجاه يقول بتعطيل الحدود بعذر إن إقامتها خاصة بالمعصومين فقط، واتجاه يقول بجواز قيامها من قبل الفقهاء مع القدرة ولم يشترط أحد ممن يتبنى هذا الإتجاه في مقيمها أن يكون علويا حسينيا معصوما منصوصا عليه ودونك القائلين بهذا الإتجاه بدءا بأقدمهم الشيخ المفيد (ت٤١٣) وانتهاء بالإمام الخميني والشهيد الصدر وخلفائهما.
وفي ضوء ذلك يتضح أن السؤال خاطئ أساسا ومبني على الخلط بين قضيتين استخدم لفظ الامام للتعبير عنهما وهما
الأولى: قضية وجود حجج الهيين على الخلق بعد النبي شهداء على الناس كشهادة النبي (صلى الله عليه وآله) والنبي شهيد عليهم كما في قوله تعالى (وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ...) الحج/٧٨.
الثانية: وهي قضية من له حق الحكم في الإسلام وهذه القضية قد شخصتها الآية (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ)المائدة/٤٤.
وباعتبار التقاء المعنيين في عصر الأئمة الإثني عشر في شخصهم (عليهم السلام)، فهم حجج الله بعد النبي، وحق الحكم منحصر بهم في زمان حضورهم بنص الآية، اندمج المعنيان في مصطلح الإمام وصار لدى الشيعة يدل على معنى ثالث يراد به كلا المعنيين وحصر مصداقه بعد النبي بالمعصومين الإثني عشر.
استهدف المتكلمون الأوائل للشيعة إثبات كلا المعنيين للإمامة لهؤلاء الإثني عشر لا غير، ولم يكونوا معنيين بمسألة الحكم كمسألة مستقلة.
ولست أدري لماذا هذا الإصرار من الأستاذ الكاتب على خلط المعنيين.
إن الموضوعية تقتضي بحث المعنيين كل على حدة لأنهما يشيران الى قضيتين مختلفتين هما:
القضية الأولى: هل يوجد مبيِّنون معصومون للدين بعد النبي يكون بيانهم للسنة النبوية وتفسير القرآن كبيان النبي مع كونهم ليسوا بانبياء، ومن هم هؤلاء؟ وكم عددهم؟.
القضية الثانية: من له أهلية وحق إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام في المجتمع الإسلامي بدءا من زمن النبي؟ هل كل مسلم كيفما اتفق؟أم هم صنف معين من الناس له مواصفات خاصة وشروط خاصة؟ وهل يتصدى المؤهل كيفما اتفق أم لابد من طريقة خاصة؟.
ومما لا شك فيه أن البحث الأول مقدم على البحث الثاني وأكثر خطورة منه.
لقد بحثنا القضيتين في الحلقة الثانية من ردودنا عليك الفصل الأول ص١٦-٤٤. وفي الحلقة الثالثة في مواضع متعددة يرجى مراجعة ذلك.
٣. وزير الإرشاد الإيراني حفظه الله لم يكن مطلعا على ردودي عليك وقد وصله أخيرا. أما المديح الذي أشرتَ إليه فهو ليس مديحا وانما تأييد علمي من علماء معروفين بعلميِّتهم مسؤولين عن كلمتهم، وهو يبعث على السرور لا الغرور، وكذلك الحال مع كلمات القراء الكرام الذين عبروا عن مشاعرهم وانطباعاتهم التي تؤكد على فائدة ما كتبناه واعتزازهم به ونحن بدورنا نشكرهم على مبادرتهم في إظهار عواطفهم واعتزازهم.
٤. قولك في القدس العربي-لندن العدد ٣٢٠٥ (ان الجو السائد في الحوزة فيما يبدو يميل إلى عدم البحث والاجتهاد في قضية ولادة المهدي ورفض مناقشتها بدعوى انها من العقائد الأساسية وقد عبَّر السيد سامي البدري من حوزة قم خلال برنامج (بلا حدود) الذي أذيع من قناة الجزيرة الفضائية يتاريخ ٤/٨ ١٩٩٩عن هذا الموقف بصراحة وقد أثار استغرابي لانه يتناقض مع إجماع الشيعة عبر التاريخ على ضرورة الإيمان والإلتزام بالعقائد الأساسية عن معرفة واجتهاد ويقين وعدم جواز التقليد فكيف لمن يدعي العلم التقليد ومنع الآخرين عن الاجتهاد).
أقول:
لو راجع الأستاذ الكاتب شريط المقابلة ودقق في صوت المتحدث لعرف ان المتحدث باسم السيد سامي البدري لم يكن شخصه وإنما هو شخص آخر، وقد فوجئت شخصيا بذلك كما فوجئ الكثير من الأصدقاء ممن يميز صوتي وأُخبِرتُ فيما بعد بأن المتحدث هو فضيلة السيد حسين الكشميري(٦٤٦) وقد اتصلت به للتأكد من ذلك / وبامكانك الاتصال به شخصيا للتأكد أيضا/ وعاتبته على عدم تصحيح الاشتباه في أول المداخلة أو آخرها فاعتذر بالغفلة وعدم قصد ذلك وله عذره على كل حال، وقد أخبرتُ مقدِّم برنامج (بلا حدود) بهذه الملابسة في اليوم الثاني وأرسلت له رسالة بالفاكس بذلك وكنت قد أرسلت له الحلقات الثلاث من ردودي عليك وكانت الحيادية منه تقتضي ان يشير اليها عندما ذكر اسمي كصاحب مداخلة وقد اعتذر عن ذلك بأنها وصلته بعد انتهاء المقابلة.
أما موقف علماء الشيعة من المسألة الإصولية العقائدية فهو كما ذكرتَ عن إجماعهم عبر التاريخ على ضرورة الإيمان والإلتزام بالعقائد الأساسية على أساس مواجهة الدليل مباشرة وعدم جواز التقليد فيها وهو من مفاخر متقدميهم ومعاصريهم وتلاميذهم.
أكرر شكري على مبادرتك ورسالتك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

سامي البدري
٥شعبان / ١٤٢٠

الرسالة الثانية
وكان رد الأستاذ احمد الكاتب على رسالتنا الآنفة الذكر ما يلي:
السيد سامي البدري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
طلبت مني في رسالتك الأخيرة عبر الانترنت المؤرخة ٦ شعبان ١٤٢٠ بحث موضوع وجود الشهداء بعد النبي (صلى الله عليه وآله) الذين تعتبر شهادتهم كشهادة الرسول ويعتبر قولهم وفعلهم وتقريرهم كقول وفعل وتقرير الرسول، وان نبدأ ببحث الآيات والأحاديث الواردة حول الموضوع، وطلبت مني كذلك التفريق بين معنيي الامامة الخاص الذي يعني - في نظرك - الحجية في القول والفعل، واشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية المنحصر في الأئمة الاثني عشر، والمعنى العام الذي تقول انه يشمل الحكومة واقامة الحدود، وعدم الخلط بينهما.
وقلت ان الدليل على حصر الامامة الخاصة بعد النبي في أهل البيت وبقاء الثاني عشر منهم الى آخر الدنيا، هو حديث المنزلة وحديث الثقلين وآية التطهير وحديث الكساء وحديث الأئمة اثنا عشر، ونص السابق من الأئمة على اللاحق.
ورغم ذلك فقد أكدت ان المعنيين في مصطلح (الامام) اندمجا لدى الشيعة في معنى واحد ثالث، وصار يراد به كلا المعنيين، وحصر مصداقه بعد النبي بالمعصومين الاثني عشر، وهذا ما يدل على انك تحاول التفريق بين معنى الامامة بصورة تعسفية خلافا لما تعارف عليه الشيعة الامامية، واني لم اخلط بينهما، وانما أنت الذي تفرق بينهما بدون ضرورة.
وعلى أي حال فان نظرية الامامة الالهية ذات الشعبتين التشريعية والتنفيذية المنحصرة في الأئمة الاثني عشر، حسب رأي الفرقة الاثني عشرية - والا فان الشيعة الإسماعيلية الامامية او الواقفية لا يؤمنون بحصر الأئمة باثني عشر وقد يضيقون العدد او يفتحونه بلا حدود - وسواء قلنا بحصر الامامة في اثني عشر او لم نقل فان نظرية الامامة هذه تعتمد في قيامها واستمرارها على ثبوت ولادة ووجود ابن للامام الحسن العسكري، بغض النظر عن المناقشة في الأحاديث التي ذكرتها (حديث المنزلة والثقلين والكساء والاثني عشرية وآية التطهير) ومدى دلالتها وصحة سندها. فاذا استطعت ان تثبت ولادة ووجود الامام الثاني عشر بصورة علمية تاريخية، فان نظرية الامامة او الاثني عشرية قد تصح، اما اذا لم تستطع ان تثبت ذلك فان من العبث الحديث عن شيء لا وجود له في الخارج..
ولذا طلبت منك في رسالتي السابقة التي كتبتها قبل سنوات بعد صدور الجزأين الأولين من حلقاتك ان تبحث القضايا الرئيسية والجوهرية بدلا من ان تغوص في التفاصيل الجزئية والثانوية والهامشية، ولا زلت اعتقد ان البحث في معنى الامامة هو موضوع ثانوي يأتي بعد موضوع إثبات وجود الامام الثاني عشر المفترض، وكما قيل العرش ثم النقش.
وكأني بك تحاول ان تقفز عن هذا الموضوع الرئيسي المهم بتركيب بعض النظريات الكلية لكي تمهد الطريق نحو القول بفرضية وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) وهو ما فعله المتكلمون السابقون في القرن الثالث الهجري الذين اصطدموا بالواقع وهو عدم وجود ولد للامام العسكري، وبدلا من ان يستسلموا إلى الحق ويعيدوا النظر في نظرياتهم الخيالية وتأويلاتهم التعسفية وأحاديثهم المزورة أصروا على الباطل وافترضوا وجود ولد للامام العسكري بالرغم من نفي الامام ووصيته بأمواله الى أمه المسماة بـ (حديث) وعدم وصيته الى أحد من بعده بالإمامة.
وهذا ما عنيت به من الدليل الفلسفي الوهمي الافتراضي الذي نسج اسطورة (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري).
ان إصرارك على بحث موضوع نظرية الامامة تبعا للأحاديث (الضعيفة في المتن والسند) التي ذكرتها، بعد انهيار النظرية الاثني عشرية، قد يجرك الى الانتقال الى الإسماعيلية او البهرة، واذا أردت ان تعيد النظر في نظرية الامامة ككل فيمكنك ان تصل الى نظرية الشورى التي اعتقد انها النظرية السياسية لأهل البيت الذين لم يكونوا يدعون العصمة ولا النص ولا حصر الخلافة والإمامة في سلالتهم.
واعتقد ان مشكلتك هي في ممارسة القياس المذموم والمرفوض من أهل البيت، وتطبيق ما حدث في بني اسرائيل على الحالة الاسلامية، وتفسير كلمة (الأسباط) التي تعني القبائل اليهودية الاثنتي عشرة، بأوصياء النبي موسى، الذين تقول انهم اثنا عشر (بدون دليل) والتوصل تبعا لذلك الى ضرورة وجود اثنا عشر وصيا للرسول الأعظم من أهل البيت.
ولست في حاجة الى اتهامك باتباع عبد الله بن سبأ الذي يقال انه نقل هذه الفكرة من اليهودية الى الاسلام، وقال بكون الامام علي وصي النبي محمد كما كان يوشع وصيا للنبي موسى، فأنت تقوم بنفسك بالبحث في الإسرائيليات وقد تعلمت اللغة العبرية وجئت الى لندن لكي تفتش في الكتب اليهودية التاريخية عما يدعم نظريتك، علما بأن اليهود الأوائل الذين مارسوا القياس بين اليهودية والإسلام لم يقولوا بأكثر من وصي واحد، حيث لم تكن النظرية الاثني عشرية قد ولدت بعد، ولم يكن الشيعة الامامية قد حددوا الأئمة بعدد محدود قبل القرن الرابع الهجري. وقد طلبت منك مرارا ان تقوم بالتأكد من أحاديث الاثني عشرية وصحة نسبتها الى أهل البيت قبل ان تقوم بتأييدها من الإسرائيليات.
وفي الحقيقة اني عاتب عليك جدا وأشكوك الى الله، إذ أراك تستخدم الحوار معي بصورة ملتوية ولأغراض سياسية وإعلامية علمها عند الله وذلك لأني كنت المبادر الى دعوتك للحوار حول موضوع المهدي، قبل ان انشره، في سنة ١٩٩٢ وانتظرت مجيئك الى لندن عام ١٩٩٥ وألححت عليك باللقاء فكنت تتهرب مني وتشترط التسليم في البداية بالفصل بين معنيي الامامة الخاص والعام، قلت لك لنجلس ونبحث، فرفضت اللقاء، وتوسلت اليك ان تدلني على مواضع الخطأ في كتابي، فقلت انا لا أرد على كتاب غير مطبوع، ثم نشرت ردودك قبل ان اطبع الكتاب، ومع ذلك لم تناقش الموضوع الرئيسي فيه والذي يشكل حجر الزاوية في الفكر الإمامي الاثني عشري وهو وجود وولادة الامام الثاني عشر، ونبهتك الى ذلك في رسالتي السابقة فوعدت في الحلقة الثالثة ان تفعل في المستقبل، ولم تقم بذلك حتى الآن.. ولا زلت تدور في الحواشي والجزئيات وتتهرب من مواجهة الموضوع الرئيسي.
أخي العزيز لماذا تضيع وقتك الثمين ووقت القراء؟ أرجوك الإجابة عن الاسئلة التالية:
كيف تؤمن بوجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري)؟ عن طريق الأدلة الفلسفية الكلامية والنظريات الكلية العامة؟ أم عن طريق الأدلة التاريخية العلمية؟
ما هي تلك الأدلة التاريخية؟ وهل بحثت الروايات المختلفة الواردة حول الموضوع ودرستها وقارنت بينها؟
هل هي روايات معتبرة لديك؟ وهل تثق برجالها؟ وهل هي مسندة؟ أم ليست الا إشاعات أسطورية مضحكة لا ترقى الى درجة أخبار الآحاد الضعيفة؟
وكما تعرف فقد بحثت كل هذه المواضيع في كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) بشكل مفصل، فاذا كان لديك أي رد او نقاش في هذا الموضوع فتفضل به، واذا كنت تسلم بما أقول وتعترف كبعض العلماء السابقين بالعجز عن إثبات وجود الامام الثاني عشر المفترض بالأدلة التاريخية العلمية، فلا تضيع وقتك ببحث ومناقشة الأمور الثانوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع....
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد الكاتب
لندن ٧ شعبان ١٤٢٠/١٥ تشرين الثاني ١٩٩٩

ملحق للرسالة الثانية:
السيد سامي البدري المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تقول في هذه الرسالة بأنك لم تكن المتحدث في قناة الجزيرة وانما الذي كان هو السيد حسين الكشميري، وقد راجعت شريط الفيديو وتعرفت على صوتك اكثر انك انت الذي كنت تتحدث، كما سألت عددا من الاصدقاء وكان بعضهم من اصدقائك في لندن والمقربين اليك وهم يعرفون صوتك جيدا وكانوا يعلقون على الحوار الذي دار بيننا لمصلحتك.
وهل من المعقول ان يذيع مهندس البرنامج اسما من دون ان تتصل به او يتصل به احد ويخبره عن اسمه؟ وكيف يعطي الكشميري اسمك لمهندس الصوت؟ ثم ان لهجتك وروحك في الحديث كانت متطابقة مع شخصيتك التي اعرفها حيث رفضت التصريح باسمي كما فعلت في نشرة شبهات وردود حيث كنت تقول صاحب النشرة. وقد سألك مقدم البرنامج عدة مرات وقال ياسامي ياسامي وقال انه يعرف انك تعرفني، وكنت قد اتصلت به قبل البرنامج وكما تعرف فان الإذاعة هي التي اتصلت بك وبالشيخ النعماني والشيخ الآصفي، فكيف تقول ان المتحدث كان شخصا آخر؟
واذا كنت اشك بشيء فاني اشك برسالتك هذه التي قد يحررها شخص غيرك ولا يوجد فيها ما نعرفه منك من الصوت او الصورة وربما تكون قد وجدت الاجابة غير مناسبة وتحاول التهرب منها بالادعاء انها كانت لشخص غيرك، وان هذا يثير الضحك لدى من يسمعه، فأرجو ان تعلن بصراحة اذا كنت قد غيرت رأيك، فان هذا افضل او تقول انك تتفق مع الاجتهاد في الامور العقائدية والتاريخية ولا ترى مانعا من ذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله

اخوك احمد الكاتب

جوابنا على رسالته الثانية:
قوله: (طلبت مني في رسالتك الأخيرة عبر الانترنت المؤرخة ٦ شعبان ١٤٢٠ بحث موضوع وجود الشهداء بعد النبي (صلى الله عليه وآله) الذين تعتبر شهادتهم كشهادة الرسول ويعتبر قولهم وفعلهم وتقريرهم كقول وفعل وتقرير الرسول، وان نبدأ ببحث الآيات والأحاديث الواردة حول الموضوع).
أقول:
عرضت عليك البحث في هذا الموضوع سنة ١٤١٨ في نشرة وكتاب شبهات وردود الحلقة الثالثة ولم تجبني لسنتين مضت عليه ثم ذكَّرتك به سنة ١٤٢٠ لما اجبتك على أول رسالة لك وجَّهتها الىَّ بالإنترنيت. ومع ذلك لم تجبني الى بحث هذا الموضوع وحوَّلت البحث الى مسألة ولادة المهدي وقلت انه الموضوع الأهم.
قوله: (سواء قلنا بحصر الامامة في اثني عشر او لم نقل فان نظرية الامامة هذه تعتمد في قيامها واستمرارها على ثبوت ولادة ووجود ابن للامام الحسن العسكري، بغض النظر عن المناقشة في الأحاديث التي ذكرتها (حديث المنزلة والثقلين والكساء والاثني عشرية وآية التطهير) ومدى دلالتها وصحة سندها. فاذا استطعت ان تثبت ولادة ووجود الامام الثاني عشر بصورة علمية تاريخية، فان نظرية الامامة او الاثني عشرية قد تصح، اما اذا لم تستطع ان تثبت ذلك فان من العبث الحديث عن شيء لا وجود له في الخارج).
أقول:
- الإمامة الإلهية لعلي يفرضها حديث المنزلة المتواتر، وحديث الغدير المتواتر وأحاديث أخرى كثيرة.
- والإمامة الإلهية لأهل البيت بشكل عام يفرضها حديث الثقلين وآية التطهير وغيرها من الأحاديث.
- وتحديدهم بإثني عشر يفرضه حديث الإثني عشر الثابت صدروه عن النبي وقد ذكرنا طرفا من طرقه ومصادره في الحلقة الأولى من كتابنا شبهات وردود.
- وإمامة الإمام الثاني عشر فرع لإمامة آبائه فإن صحت إمامة آبائه (عليهم السلام) فعندئذ تثبت إمامته (عليه السلام).
- أما ولادة المهدي فهي ثابتة بالنقل المتواتر عن أصحاب الحسن العسكري وقد مر البحث فيها.
قوله: (اعتقد ان البحث في معنى الامامة هو موضوع ثانوي يأتي بعد موضوع إثبات وجود الامام الثاني عشر المفترض، وكما قيل العرش ثم النقش).
أقول:
انما نبهتك الى ان مصطلح الإمامة استعمل بمعنيين أو ثلاث بسبب اصرارك على استعمال معنى واحد وهو معنى (الحكم) هذا المعنى الذي أدى بك ان تقول (ان الشيعة يشترطون في الحاكم العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية وانهم لما أقاموا دولتهم في ايران تخلو عن هذه الشروط في الحاكم)! والحال أن الشيعة (اشترطوا العصمة والنص والحصر في على والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين (عليه السلام)) في إمامة خاصة بهم وهي عين إمامة الرسول من حيث حجية قوله وفعله وتقريره سواء كان حاكما او لم يكن، وهذه الإمامة لهؤلاء الإثني عشر نظير إمامة اسماعيل واسحاق ويعقوب ويوسف والمعصومين من ذريته قبل موسى ونظير إمامة آل هارون بعد موسى المذكورين في القرآن. أما الحكومة فهي حق هؤلاء الأئمة في زمانهم وتستمر بعدهم في الصالحين من الفقهاء سواء كانوا من ذرية هارون أو من ذرية غيرهم وكذلك الأمر في الحكومة في عصر الغيبة هي للعدول من الفقهاء الكفوئين ممن تثق به الأمة سواء كانوا من الهاشميين أو لم يكونوا.
وهكذا لم يتخل أحد ممن رفع شعار ولاية الفقيه وإقامة الدولة تحت رايته عن عقيدته الإثني عشرية وذلك لوضوح ان إمامة أولئك الأئمة إمامة خاصة، يكون الحكم شأنا ضئيلا جدا من شؤونها. وإن الحاكم لا يشترط فيه العصمة ولا النص ولا السلالة العلوية الحسينية.
قوله: (ان إصرارك على بحث موضوع نظرية الامامة تبعا للأحاديث (الضعيفة في المتن والسند) التي ذكرتها، بعد انهيار النظرية الاثني عشرية، قد يجرك الى الانتقال إلى الإسماعيلية او البهرة، واذا أردت ان تعيد النظر في نظرية الامامة ككل فيمكنك ان تصل الى نظرية الشورى التي اعتقد انها النظرية السياسية لأهل البيت الذين لم يكونوا يدعون العصمة ولا النص ولا حصر الخلافة والإمامة في سلالتهم).
أقول:
لم تبين نقاط الضعف في الروايات التي ذكرناها وقد ناقشنا كل إشكالاتك حول الإثني عشرية في نشرتنا شبهات وردود الحلقة الأولى وبقي حديث الإثني عشر على قوته واعتباره السندي والدلالي. وقد نبهناك في الحلقة الثانية والثالثة من (شبهات وردود) وكذلك في رسالتي الجوابية الأولى بواسطة الإنترنيت انه لا تعارض القول بوجود اثني عشر اماما نص النبي عليهم أئمة هدى وحجج على الناس من بعده وكونهم أحق من غيرهم بالحكم أحقية اختصاص وبين القول بالشورى في الحكم بالمعنى الذي فصلناه في الحلقة الثانية ص ٣٧-٣٨. أما قولك (أن الأئمة لم يكونوا يدعون العصمة ولا النص...) فهي دعوى ادعاها قبلك علماء السنة قديما وحديثا، وبحث هذه المسألة يقوم على قضيتين الاولى دلالة النصوص القرآنية والنبوية على وجود معصومين، الثانية صدق نقل الشيعة عن أئمتهم. وبحث المسألة الأولى والفراغ منها مقدم على بحث المسألة الثانية.
قوله: (واعتقد ان مشكلتك هي في ممارسة القياس المذموم والمرفوض من أهل البيت، وتطبيق ما حدث في بني اسرائيل على الحالة الإسلامية وتفسير كلمة (الأسباط) التي تعني القبائل اليهودية الاثنتي عشرة، بأوصياء النبي موسى، الذين تقول انهم اثنا عشر (بدون دليل) والتوصل تبعا لذلك الى ضرورة وجود اثنا عشر وصيا للرسول الأعظم من أهل البيت).
أقول:
منهج المقارنة بين ما جرى في بني إسرائيل وما جرى في أمة محمد (صلى الله عليه وآله) أكد عليه القرآن والسنة الصحيحة وليس هو من القياس في شيء وما رفضه اهل البيت من القياس هو القياس في الأحكام. وقد وضحنا المسالة في الحلقة الأولى م شبهات وردود ص ١٢٣-١٣٣ ردا على مقالك في الشورى العدد الثالث ص ٦.
أما الأسباط الواردة في الآيات التي أوردناها في جوابنا فهي ليست ذات صلة بأوصياء موسى بل هي ذات صلة بأوصياء ابراهيم أرجو ان تدقق النظر فيها مرة ثانية.
ثم ان أوصياء موسى اثنا عشر قد نص عليهم القرآن الكريم في قوله تعالى (اثنا عشر نقيبا..) وهو يخالف ما اوردته التوراة من العدد (١٥) وتسميهم بالقضاة.
قوله: (ولست في حاجة الى اتهامك باتباع عبد الله بن سبأ الذي يقال انه نقل هذه الفكرة من اليهودية الى الاسلام، وقال بكون الامام علي وصي النبي محمد كما كان يوشع وصيا للنبي موسى، فأنت تقوم بنفسك بالبحث في الإسرائيليات وقد تعلمت اللغة العبرية وجئت الى لندن لكي تفتش في الكتب اليهودية التاريخية عما يدعم نظريتك).
أقول:
القرآن يصرح بأن خبر بعثة النبي مذكور في التوراة والإنجيل كما في قوله تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ) الأعراف/١٥٧، ويصرح ايضا ان خبر المسلمين مع النبي الذين جعلهم الله شهداء على الناس بعد النبي مذكور في الكتب السابقة كما في قوله تعالى (وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الحج/٧٨.
فالآية صريحة في قضية ان المسلمين الشهداء على الناس في هذه الآية قد وصفهم وعينهم الله تعالى من قبل أي في الكتب السابقة يبقى الكلام من هم هؤلاء هل هم كل المسلمين ولم يكونوا كلهم من ذرية ابراهيم أم هم آل النبي كما ذكر الصادق (عليه السلام)؟
وسواء كانوا هؤلاء أم أولئك هل يعتبر البحث في الكتب المقدسة للعثور على النصوص التي أشار اليها القرآن في حق النبي والشهداء على الناس من بعده تهمة؟
والحمد لله فاني لست أول باحث في هذه الآيات ومتابع لواقعها في الكتب المقدسة فقد سبقني علماء المسلمين من السنة والشيعة فهذا ابن كثير وابن تيمية وقبلهما البيهقي والماوردي وقبلهما ابن هشام وابن اسحاق وغيرهما وفي العصر الحديث كثير منهم الشيخ رحمة الله الكيرانوي في كتابه اظهار الحق طبع قبل مأئة سنة ثم جدد طبعه الدكتور عمر الدسوقي سنة ١٩٨٠ومنهم الدكتور احمد حجازي السقا وقد كتب أكثر من كتاب في الموضوع وكان أحدها رسالة للدكتوراه ومنهم قيس الكلبي وعنوان كتابه (محمد آخر الرسل في التوراة والإنجيل) (١٩٩٦م) طبع في اميركا بالانكليزية والعربية. ولهم نظراء من الشيعة قديما كالنعماني في كتابه (الغيبة) والطبرسي في إعلام الورى وغيرهما وحديثا كالعلامة البلاغي الذي تعلم العبرية وناقش اليهود في أكثر من كتاب والعلامة العسكري في كتابه معالم المدرستين والاستاذ تامر مير مصطفى في كتابه بشائر الأسفار (١٩٩٤م) وغيرهم وفي منهجك فإن كل هؤلاء متهمون بتهمة السبائية ويبدو انك تريد خصوص الباحثين الشيعة الذين عرضوا في بحوثهم العلمية ان التبشير بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) في الكتب الإلهية السابقة مقترن بالتبشير بالإثني عشر، وهو أمر يغيظك جدا وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تدعو للحوار إذن؟
قوله: (ولم يكن الشيعة الامامية قد حددوا الأئمة بعدد محدود قبل القرن الرابع الهجري. وقد طلبت منك مرارا ان تقوم بالتأكد من أحاديث الاثني عشرية وصحة نسبتها الى أهل البيت قبل ان تقوم بتأييدها من الإسرائيليات).
أقول:
بحثنا دعواك ان الشيعة لم يكونوا يعرفون الأثني عشرية قبل القرن الرابع الهجري في الحلقة الأولى التي صدرت سنة ١٤١٧ هجرية وقد كرسناها للرد على كل شبهاتك حول الأثني عشرية ثم أثبتنا لك صحة نسبة الأحاديث الإثني عشرية الى أهل البيت وإلى النبي قبل ذلك ولم ترد بشيء وقد مضى على تلك الردود المنشورة ما يقرب من اربع سنوات!
قوله: (وفي الحقيقة اني عاتب عليك جدا وأشكوك الى الله، إذ أراك تستخدم الحوار معي بصورة ملتوية ولأغراض سياسية وإعلامية علمها عند الله، وذلك لأني كنت المبادر الى دعوتك للحوار حول موضوع المهدي، قبل ان انشره، في سنة ١٩٩٢وانتظرت مجيئك الى لندن عام ١٩٩٥ وألححت عليك باللقاء فكنت تتهرب مني وتشترط التسليم في البداية بالفصل بين معنيي الامامة الخاص والعام، قلت لك لنجلس ونبحث، فرفضت اللقاء وتوسلت اليك ان تدلني على مواضع الخطأ في كتابي، فقلت انا لا أرد على كتاب غير مطبوع، ثم نشرت ردودك قبل ان اطبع الكتاب، ومع ذلك لم تناقش الموضوع الرئيسي فيه والذي يشكل حجر الزاوية في الفكر الإمامي الاثني عشري وهو وجود وولادة الامام الثاني عشر، ونبهتك الى ذلك في رسالتي السابقة فوعدت في الحلقة الثالثة ان تفعل في المستقبل، ولم تقم بذلك حتى الآن.. ولا زلت تدور في الحواشي والجزئيات وتتهرب من مواجهة الموضوع الرئيسي).
أقول:
١. ردودي عليك في حلقاتي الثلاث وفي هذه وهي الرابعة مستقيمة وواضحة حيث اني نهجت فيها جميعا منهجا واحدا وهو أني كنت اورد قولا لك منشورا في نشرتك الشورى أو في كتابك يعبر عن فكرة تامة وأشير الى موضعه في نشرتك أو كتابك ثم أعلق عليه بما تيسر لي من البحث والكلام العملي، وأغراضها واضحة وقد وضحتها في مقدمة الحلقة الأولى حيث قلتُ في ص ١٥ (إني أحاول في هذه الأوراق ان أختصر الرد وأيسره لطلاب الحقيقة وبخاصة وأن كثيرا منهم لا يتسع وقته لمراجعة مطولات الكتب ولا مختصراتها) وكان بإمكانك لو وجدت فيما رددت به عليك ثلمة ان ترد وقد مضى من الزمن ما يكفي.
٢. قولك (كنت تتهرب مني) مما يضحك الثكلى، أما تذكر يوم دعاك الأستاذ الدكتور سعد جواد في الى بيته العامر في لندن سنة ١٩٩٥لحضور اول محاضرة لي بعد قدومي مع مناقشة مفتوحة بعدها ولم تحضر الا بعد انتهاء المحاضرة والمناقشة وخروج أغلب المدعويين ووصلتَ ونحن في حال الخروج ولما دخلتَ لم نجلس وبقينا واقفين وتحدثنا قريبا من ثلث ساعة وفيها طلبت مني لقاء منفردا فأبيتُ ذلك وأصررتُ على اللقاء المفتوح وبحضور عدد واسع من الأخوة فكان جوابك ان الناس لا يتحملون صراحة الأفكار وأتوقع منهم الاهانة فقلت لك انك أعلنت عن أفكار كوديسكات كتبك تتحرك في المجتمع والمفروض انك تتحمل ردود الفعل على أفكارك وبقيت الفكرة معروضة شهرين مدة وجودي في لندن وكنت تصر فيما بعد على عدد قليل وكنت أصر على العدد الكثير حيث كنت أحدس ان النقاش معك لا يجدي نفعا وانما اردتُ من حضور الكثرة آنذاك هو فائدتهم وشهادتهم لا غير وقد تبين لي وللآخرين صدق حدسي بعد انسحابك من الحوار على شبكة هجر الثقافية الموقرة شهر رمضان المبارك سنة ١٤٢٠ بعذر انك غير متفرغ لمواصلة الحوار على الرغم من انك طالب الحوار معهم.
ولست أدري كيف اتهرب منك وأنا أول من نشر ردوده عليك بصورة معلنة وصريحة ولا فخر!.
٣. أما اشتراطي عليك الفصل بين معنيي الإمامة فقد أخبرتك في وقته انك وقعت في خلل منهجي مركزي تحرك معك في كتبك الثلاثة وهو انك تنظر الى إمامة أهل البيت على انها مسألة سياسية حسب. بينما هما مسألتان الأولى كونهم حجاً إلهييين معصومين بعد النبي شهادتهم على الناس كشهادة النبي ومن تركهم ظل ومن أخذ بقولهم وتمسك بهم نجى. الثانية مسالة كونهم الاولى بالحكم بعد النبي اولوية اختصاص لا أولوية تفضيل. وقد مر تفصيل ذلك. وأذكر انني سألتك في احدى المكالمات الهاتفية بيني وبينك لما لا تقبل بالمنهج المذكور قلت إذا قبلت به فإن كتبي الثلاثة تنهار!!! والأمر واضح وهو انك بنيتها على منهج خاطئ.
٤. لقد بقيتُ ملتزماً بكلمتي معك وهي انني قلت لك: في وقته إنني لا أرد على كتاب غير منشور، ولو راجعت الحلقة الأولى والثانية من كتابي شبهات وردود لوجدتهما ردا على نشرتك الشورى وليس على كتابك الذي لم تطبعه آنذاك، أما الحلقة الثالثة فقد رددت فيها على كتابك بعد ان نشرته والذي لم تشر فيه الى ردودي عليك!.
٥. الغريب انك حكمت على الشيعة الأوائل القائلين بالوصية بانهم أخذوا فكرة الوصية من عبد الله بن سبأ ثم حين ناقشتك في ابن سبأ ومصداقيته اصبحت المسألة عندك مسألة هامشية وجزئية!!!.
وحين ادعيت أن الشيعة في القرن الثالث لم يعرفوا الإثني عشرية وأثبت لك خطأ دعواك هذه أصبحت المسالة عندك مسألة هامشية وجزئية!!!.
وحين قلت ان روايات كثيرة في المصادر الشيعية تفيد ان الأئمة لم يكونوا يعرفون إمامة الإمام اللاحق بعدهم الا عند قرب وفاتهم وأثبت لك انك أخطأت في فهم الرواية أصبحت المسألة عندك مسالة هامشية وجزئية!!!.
وحين ادعيت أن الشيخ محمد بن علي بن بابويه الصدوق كان يشك بتحديد الأئمة بإثني عشر وأثبت لك خطأ دعواك بنسبة الشك اليه بالعقيدة الإثني عشرية أصبحت المسالة عندك مسألة هامشية وجزئية.
وهكذا كل ما ناقشتك فيه من دعاواك في الحلقة الأولى والثانية والثالثة واثبت لك خطأك فيها اصبحت عندك مسألة هامشية وجزئية وحاشية!!!.
وليس من حقك تهميش هذه القضايا وقد سقتها واحدة بعد الأخرى لتبني تصورك السلبي عن التشيع الإثني عشري وقضاياه الأساسية.
والآن بين يديك الحلقة الرابعة وقد اثبت لك خطأ دعواك: ان شيعة الحسن العسكري تفرقوا الى اربع عشرة فرقة وأن القائلين منهم بوجود المهدي بن الحسن العسكري هم شرذمة من اصحاب الحسن العسكري وليس جمهور اصحابه، ولا بد انها ستصبح عندك بعد ذلك مسألة فرعية وجزئية بإعتبارها متفرعة عن مسألة الإمامة الإلهية بعد النبي ككل والتي يجب بحثها أولا والفراغ منها قبل بحث مسألة وجود المهدي (عليه السلام) وفي هذه المرة يكون الحق معك ولا بد ان نبدأ ببحث الامامة اولا وقبل البدء لا بد ان نتفق على مرادنا من مصطلح الإمامة وهو ما قلناه لك في شهر رمضان لسنة ١٤١٦هـ الموافق سنة ١٩٩٥ م. وقد بحثنا مسألة الإمامة الإلهية في الحلقة الثانية والثالثة من كتابنا شبهات وردود.
أخي أحمد الكاتب:
أحب أن أصارحك ان الجهد الذي بذلته شخصيا للرد على شبهاتك وبذله أخوة آخرون في كتابات ستظهر قريبا جزاهم الله تعالى عليها خير الجزاء ليس من أجل ان تغير تصوراتك الخاطئة عن إمامة أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك لانك لو أردت ان تصل الى الحقيقة فيها فقد كانت ميسرة لك حين كنت تعيش في عمق مصادر الشيعة وتراثهم الفكري ومن ثم لست بحاجة الى هذه الأبحاث، وهي (أي الحقيقة) ميسرة ايضا لغيركم من يعيش في عمق مصادر أهل السنة وتراثهم الفكري، والسر في ذلك هو ان كتاب الله يدعو لها قبل ان يدعو لها تراث الشيعة كما ان حديث النبي (صلى الله عليه وآله) برواية أهل السنة يدعو لها قبل ان يدعو لها تراث الشيعة، وفي حقبتنا المعاصرة قد انفتح على هذه الحقيقة اناس ممن ليسوا من أهلها أكثر ممن انغلق عليها من أهلها وقد انفتح كثير من هؤلاء لا بجهد خاص من شخص معين بل بجهدهم الخاص ومعاناتهم الخاصة وتفكيرهم الحر. وانت شخصيا / إن أردت الحقيقة / لست بجاجة الى أكثر من عودة الى ذاتك فأنت أعرف بها منا جميعا إقرأها من جديد بعد انسحابك من الحوار من شبكة هجر، اقرأ معي قوله تعالى: (بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ *وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) القيامة/١٤-١٥ وقوله تعالى حاكيا عن نبيه نوح (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) هود/٢٨ والشاهد قوله تعالى (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) أي فخفيت عليكم بسبب الموقف المسبق. ولنقرأ سوية المأثور من قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): عباد الله، زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا، وتنفسوا قبل ضيق الخناق، وانقادوا قبل عنف السياق، واعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر، لم يكن له من غيرها لا زاجر ولا واعظ.. جعلك الله من أهل الحق وهداك له.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة:
لم أبعث له هذه الرسالة بسبب خروجه عن أدب الحوار.
إذ ان من ابسط هذه الآداب هو الثقة المتبادلة بين المتحاورين في النقل الحسي فيما يخصهما شخصيا حيث قلت للاستاذ الكاتب اني لم اكن المتحدث في المداخلة التي حملت اسمي بل المتحدث هو السيد حسين الكشميري وقلت له ارجع ودقق في صوت المتحدث بل بإمكانك ان تتصل بالسيد حسين الكشميري وتتأكد من ذلك ولكنه أجابني بقوله (انك انت الذي كنت تتحدث... وربما تكون قد وجدت الاجابة غير مناسبة وتحاول التهرب منها بالادعاء انها كانت لشخص غيرك).
أقول: لقد استعجل الأستاذ الكاتب وكوَّن حكما في هذه القضية البسيطة قبل ان يستوعب الاتصال بمصادرها وهي ميسرة له فيتصل مثلا بالسيد حسين الكشميري في قم وهو شخص معروف ويسأل منه او يطلب بعض أحاديثي المسجلة الميسرة عند الأصدقاء في لندن ليقارن بين الصوتين وإنما اكتفى بمخزون ذاكرته عن صوتي وهو ضئيل جدا إذ لم تكن بيننا رفقة طويلة ولا قصيرة ولا حتى لساعتين وانما جرت مكالمة هاتفية بيننا ثلاث مرات ومرة حضر في بيت احد الأصدقاء في لندن ونحن على وشك الخروج فبقينا واقفين مدة ربع ساعة تقريبا نتحدث ومرة أخرى استمع فيها الى محاضرتي في قاعة المجلس الأعلى في لندن وذلك سنة ١٩٩٥، ثم بعد خمس سنوات يسمع صوتا مقرونا باسمي في مداخلة كان المقدر ان اتكلم فيها شخصيا ولكن الذي حصل هو اني لم اتكلم بل تكلم فيها غيري لملابسة حصلت(٦٤٧) ولم يصدق بإخباري له في رسالة انني لست المتحدث في تلك المداخلة.
وإذا كان الرجل يتعامل مع قضية بسيطة لا يفصل بينه وبين مصادرها الا دقائق أو ساعات بمثل هذه الروح والمنهج، فكيف سيكون تعامله مع قضايا اكثر تعقيدا والفاصل الزمني بينه وبينها يزيد على الألف سنة؟ انها نفس الروح بل اعمق الم يحكم بكذب السفراء الأربعة ونسب اليهم انهم اختلقوا القول بوجود ولد للحسن العسكري وجعلوه الإمام الثاني عشر، وتجاوز بذلك جمهور الشيعة الذين كانوا يتعاملون حسيا مع هؤلاء النواب ويرون استقامتهم وامانتهم وثقة الماضين من الأئمة بهم؟.

الفصل الثامن: كتبوا للمؤلف

كتاب آية الله العلامة السيد مرتضى العسكري
صاحب الفضيلة الباحث المُجيد حجة الإسلام السيد سامي البدري المحترم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد طالعت بإمعان الأعداد الثلاثة(٦٤٨) التي صدرت من نشرتك (شبهات وردود) ووجدتك فيها باحثاً موضوعيا لا تترك لمناظرك حجة دون ان تبين زيفها اسأل الله تعالى ان يوفقك للاستمرار في امثال هذه البحوث النافعة وارجوا من اخواننا المؤمنين ان يساعدوك في نشرها بأكبر عدد والسلام عليك

من العسكري ٢٢/٢/٧٧ هـ. ش

كتاب آية الله العظمى السيد كاظم الحائري
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الميامين وبعد فإنّي طالعت كثيرا من مطالب كتاب (شبهات وردود) المشتمل على حلقات ثلاثة فوجدته وافيا بالغرض كافيا في دفع الشبهات التي نقلها حول الإمامة بالمعنى الخاص لدى الشيعة الإثني عشرية فجزى الله مؤلفه البدري حفظه الله عن التشيع وعن الإمامة خير الجزاء وأسأل الله تعالى ان يزيد في توفيقاته لخدمة الإسلام والتشيع وللدفاع عن العقائد الحقة انه حميد مجيد.
والسلام عليه وعلى جميع الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه ورحمة الله وبركاته.

كاظم الحسيني الحائري
٧ / جمادي الأول /١٤٢٠ هـ. ق

كتاب آية الله الشيخ مجتبى العراقي

سماحة العلامة المتتبع حجة الاسلام والمسلمين السيد سامي البدري دامت افاضاته العالية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلتني هديتكم الحلقات الثلاث من كتابكم القيم (شبهات وردود).
وطالعت شطراً كثيراً منها، فوجدته في أسمى المعاني... في الذب عن حريم الولاية الإلهية والوصاية القطعية النبوية، وابهجني سبك مناظراته وردوده وكثرة تتبعاته واستشهاداته لتفنيد شبهات الكاتب الكاذب، ولا غرو في ذلك فإن المؤلف حفظه الله من ثمرة الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، أسأل الله العزيز تأييده وتسديده، ويوفقني واخواني للاستفادة منها انه خير معين، كتبه خادم اهل العلم والعمل مجتبى العراقي في عاشر جمادى الاولى من شهور ١٤٢٠هـ ق.

رسالة الاستاذ حيدر الحلي من السويد
بسم الله الرحمن الرحيم

التاريخ ١٦ ربيع الاول ١٤٢٠ هـ

سماحة الحجة السيد سامي البدري اعزه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد...
وقع بين يدي قبل ايام كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة جليل القدر وعالي الهمة ينبئ بغزارة اطلاعكم وسعته وبراعة استدراكاتكم في طرقها الجميلة... في الرد على احد الخارجين عن جادة الحق نور الولاية الا وهو احمد الكاتب، هذا الرجل الذي اربك كثيرا من الشيعة في كتاباته واطروحته المريبة، وقد ظننا ان الرد على هذا الرجل سيكون بطيئا وربما لا يكون سريعا.. فكانت سلسلتكم العظيمة الأمل الذي كنا نتظره لكي يرد الحجر من حيث آتى فكانت بحوثكم حول شبهاته تشفي الغليل وتروى العليل...
لذا إرتئينا ان نراسلكم سماحة السيد المبجل آملين منكم ان ترسلوا لنا الحلقات الاخرى لردودكم هذه حتى ننشرها بين الاخوة هنا.. ويا حبذا لو تكرمتم بأرسال ديسك حلقاتكم هذه حتى ننشرها على الانترنت حيث ان لنا صفحة بلغات متعددة ومنها العربية ليتسنى لكل من قرأ افكار ذلك الرجل معرفة الحقيقة والحقائق الجمة التي ذكرتموها في كتابكم -شبهات وردود-..

فتقبلوا فائق التحية وعظيم الاحترام من اخيكم الصغير.
المشرف العام للمكتبة الاسلامية الثقافية حيدر الحلي.
ودمتم برعاية المولى وحفظه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركته

المخلص لكم
حيدر الحلي

رسالة الاستاذ خضير عباس من كندا
بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة السيد سامي البدري حفظه الله تعالى
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولكم صادق دعائي ان يحيطكم سبحانه بواسع لطفه وكريم تسديده.
وبعد.
قبل فترة قصيرة وقع بين يدي "شبهات وردود" التقطته بفرح من مكتبة احد الاخوة هنا في لندن / اونتاديو - كندا/ حيث اقيم.
... معرفتي بك _ سيدنا الجليل _ كانت قبل بضع سنين إذ أتحفني أخي الحبيب أبو جعفر السامرائي بشريطين تسجيليين لمحاضرة رائعة لكم في بيته يوم زيارتكم للندن /بريطانيا/ فانست بها ودفعني حبي لذلك الحديث الرائع الى أن أوسع من ساحة انتشارها بين الأخوة والمعارف... إذ فيها الكثير من إزالة الغبش عن العيون عيون الناظر الى تاريخ السنة وإشكالات التدوين والطمس لكل ما هو مضيء في تاريخها، وملابسات صلح الإمام الحسن (عليه السلام) واستمرار الإمامة عبر معجزة (مرض السجاد) وشفائه مباشرة بعد مجزرة كربلاء... وها أنا ذا التقيك ثانية عبر (شبهات وردود) الحلقة الاولى فإذا هو انت كاتبا كما أنت متحدثا لغة سهلة منسابة، معلومات مهمة وفيرة، عرض تعليمي فيه الكثير من التبسيط الذي لا تفقد فيه العبارة روعة وقوة الحجة وموضوعية الحوار وأخلاقيته العالية...
اننا ايها السيد الجليل بحاجة ماسة الى مثل هذه الجهود المباركة التي فيها الكثير جدا من حداثة العرض لعقائدنا... بالاسلوب الجديد وبالوضوح الكبير، بالحجج المضافة ممن نذر نفسه أمثالكم ووجوده لتثبيت الحق في النفوس وازالة الغبش عن العيون، وزرع الثقة في قلوب الموالين، فجزاك الله عن التشيع وقادته وابنائه خير جزاء المحسنين، ووفّاك الله أجرك شفاعة اجدادك يوم الفزع الاكبر، ورزقك صحبتهم في جنات النعيم.

اخوك في الله خضير فاضل عباس
٢٨/٢/٩٨

رسالة الدكتور سعيد السامرائي من بريطانيا

٢رمضان ١٤١٨ - ١/١/١٩٩٨
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة الاخ الكريم المجاهد السيد سامي البدري حفظه الله
السلام عليكم ورحمة وبركاته. ابعث اليكم بأحر التهاني بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك داعيا عز وجل ان يديم عليكم نعمته ويؤيدكم في اعمالكم لخدمة دينه انه سميع مجيب.
وصلتني الاعداد الثلاثة من "شبهات وردود"... اكتب لك لأشد على يديك الكريمتين واهز يراعك ليستمر في المنافحة عن ولاية امير المؤمنين واولاده الاوصياء (عليهم السلام) في وجه هذه الهجمة الجديدة التي تختلف نوعيا عما سبقها وما يعاصرها. واني انما اسميها هجمة لانها ليست نتاج حالة انحراف فردية، ولقد كنت، في اول الامر، اخشى من خطر هذه الهجمة... الا انني الآن - وخصوصا بعد تصديكم للرد عليها- بت احسبها نعمة كبيرة في لبوس فتنة. ذلك ان الحقائق مهما كانت معروضة بقوة وعمق فإنها تستفيد ممن يهاجمها اكثر ممن ينافح عنها، حيث تبرز الهجمات أي نقص وأي ضعف قد يكون ألَمَّ (بأسلوب عرضها) جرّاء تراكم العهود...

اخوكم سعيد السامرائي

رسالة الاستاذ مهدي حمودي من بريطانيا
بسم الله الرحمن الرحيم

الى الاخ العزيز الحجة السيد سامي البدري دام محفوظاً
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد، وصلتنا نشرة شبهات وردود الحلقة الثالثة والمتضمنة الرد على الجزء الاول من كتاب احمد الكاتب (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى... الى ولاية الفقيه).
كان لردكم اهمية كبيرة سواء في كشف حقيقة هذه الشبهات ام في التوقيت بعد ان ظهر الكتاب في الاسواق وتناولت خبره بعض الصحف والمجلات...
وكذلك بالنسبة لأوساط محبي اهل البيت (عليهم السلام) من مشاعر الارتياح.
امتاز طرحكم في معالجة الشبهات التي اثارها الكاتب بتوفير البحث على القارئ وكذلك فضح طريقة تعامله مع الروايات بطريقة انتقائية وهذه تبين مدى التدليس الذي كان يقوم به.
والامر الآخر هو ترتيب الافكار وتوضيح المفاهيم مما حصل في موضوع دور النص في تثبيت الحق الشرعي ودور البيعة في توفير القدرة السياسية وكذلك مفهوم الشورى كل حسب موضوعه.
كما بودي ان انقل اليكم بعض مشاعر الارتياح والتقدير التي عبر عنها محبو اهل البيت (عليهم السلام) هنا بالنسبة اليكم من طلبة العلم والخطباء.

اخوكم مهدي حمودي
٢ رمضان ١٤١٨ هـ

رسالة الاستاذ السيد ثامر العميدي من ايران
بسمه تعالى

سماحة حجة الاسلام والمسلمين الاستاذ السيد البدري دام -عزه وعلاه-.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلتني نشرتكم (شبهات وردود) - العدد الثالث وقد سررت بها غاية السرور... ومن شغفي بها وتتبع اخبارها اني قرأتها حرفا بحرف، وكانت قراءتي لها قراءة دقيقة وبامعان شديدين، وقد وجدتك فيها - كما عرفتك- مدافعا صلبا عن الحق واهله وعالما جليلا في ميادين العقيدة الحقة، فجزاك الباري عز وجل احسن الجزاء ووفقك في العاجل والآجل، انه سميع الدعاء.

اخوكم المخلص
قم/السيد ثامر العميدي
الجمعة ١١ شعبان ١٤١٨

رسالة الاستاذ الشاعر جواد جميل من ايران
بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة العلامة المجاهد الأخ السيد سامي البدري رعاه الله وسدده.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد.
فلا أراني الا عاجزا عن الثناء على جهودكم الطيبة، وابداعكم الجليل وان كان ولابد لي من التعبير عن اعجابي باصداركم الذي حمل كل معاني الجهد العلمي والمواجهة الشريفة..
اشد على ايديكم واتمنى على الله ان يوفقنا جميعا لما يحب ويرضاه ولا زلت داعيا لك ايها الصديق الجليل.

اخوكم
جواد جميل

رسالة الاستاذ الدكتور عباس ترجمان من ايران
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد وبه نستعين

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين والطيبين من اصحابه اجمعين.
فضيلة الاخ المحقق المجاهد الفاضل السيد سامي البدري ادام الله توفيقك.
السلام عليكم وصلوات ورحمة من الله تعالى.
اما بعد: فقد وصلتني الحلقة الثالثة من (الشبهات) وردودكم عليها بما يكتفي بها طالب الحق والحقيقة. ويقتنع بها من لم يكن في قلبه مرض، الذي يبحث عن الحوادث الواقعة حقاً في تاريخنا المثقل بالمدسوسات والموضوعات. حتى يكاد الباحث المحقق ان يطبق فلسفة ديكارت ابي الفلسفة الحديثة عليه، ويشك في كل خبر وحديث حتى يتحقق له الصدق والصواب.
ولست ادري وليتني كنت ادري - ما الذي يقصده احمد كاتب الشبهات من نبشها وإثارتها، هل يريد معرفة الحقيقة ونشرها بين المسلمين. ام يريد غير ذلك؟ فإن كان ينشد الحقيقة، فردودكم - ايدكم الله تعالى - تضمن له ذلك: وهي كافية وشافية، هذا فيما اذا كان من (الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه، اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولوا الالباب) ولكن يتبين من ردود فعله - هداه الله تعالى- انه بإثارته هذه الشبهات، وعدم اقتناعه بالردود النافية، واصراره على الخلاف والعناد انه من (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً).
وانتم - بحمد الله وقوته - قد اوقفتم مساعيكم، وطويتم اوقاتكم بالرد على هذه الشبهات المشبوهة وقمتم بهذا الواجب الكفائي، وجردتم سلاح القلم في ميدان البحث والتحقيق، وانتصرتم بحمد الله تعالى - ولا يوحشنكم خلو الطريق لقلة سالكيه، فإن الله قد وعد بالنصر، وقال: (ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم)، ولا يخفى على حضرتكم ان صوت هذا الكاتب لو اختفى، ستظهر اصوات اخرى ما دام اعداء الاسلام يناهضون الاسلام الحقيقي المتمثل بمدرسة اهل البيت (عليهم السلام) وما دام الصهاينة يحتلون قلب المناطق الاسلامية. ويصولون ويجولون، وانما جزءوا البلدان الاسلامية ليفرقوا المسلمين ويضعفوهم، وهذا ما تم لهم ولا زالوا يبذلون اقصى جهدهم في شتى السبل ليزيدوا من ضعفهم وتفرقتهم.
ولا تيأسوا من هداية الكاتب وغيره "ولعل الله يحدث بعد ذلك امرا". والحقيقة (انك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو اعلم بالمهتدين).
وفي الختام اسأله تعالى ان يبارك لكم هذا التوفيق، وينصركم في هذا الجهاد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المخلص عباس الترجمان
طهران - الاحد ٥/ شعبان /١٤٢٠ هجريه

رسالة الأستاذ حسين الساعدي من ايران
بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة العلامة المحقق السيد البدري (دام عزه).
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ندعو من الله لكم بالتوفيق والتسديد في أعمالكم العلمية وما تقومون به من ردود علمية على شبهات احمد الكاتب التي أثارها في نشرة الشورى وكتابة (تطور الفكر الشيعي).
راجين قبول هذه المشاركة منا في الرد على إحدى ادعاءات احمد الكاتب والتي نكشف بها عن عدم دقته في ضبط النصوص والأحداث وبطلان مزاعمه في اطلاعه الكافي على التاريخ الشيعي.
وأخيرا تقبلوا منا خالص الدعاء.
الدولة المشعشعية في خوزستان والعراق
كتب احمد الكاتب كتاباً بعنوان (تطور الفكر السياسي الشيعي في الشورى الى ولاية الفقيه) درس فيه موضوع الامامة وادعى ان نظرية الشورى كان يؤمن بها الجيل الاول من الشيعة ثم نظرية الامامة القائمة على النص والعصمة والمعاجز التي ولدت في القرن الثاني ثم وصولها الى طريق مسدود بوفاة الامام الحسن العسكري.
ثم يبني جل بحوثه في الجزء الثالث من كتابه على اساس نظرية الانتظار التي وصفها بانها كانت تهيمن على الفكر السياسي الشيعي بعد غيبة الامام المهدي المختلق كما يدعي.
ويصف بحثه هذا بأنه بحث معمق شامل درس فيه كتب الحديث والتاريخ والفقه حتى توصل الى نتائج لم يصل اليها قبله احد من علماء الشيعة.
ويقول في المقدمة (وقد تعجبت من نفسي جداً لجهلي بتاريخ الشيعة وانتبهت الى غياب درس مادة التاريخ بالمرة في الحوزة العلمية ولا يوجد لديها حصة واحدة حول التاريخ الاسلامي والتاريخ الشيعي).
وعند قراءة الكتاب يتضح عدم اطلاع احمد الكاتب على التاريخ الشيعي، واليك ايها القارئ نموذجا يكشف عن ذلك.
عرض احمد الكاتب تحت عنوان الدولة المشعشعية في خوزستان والعراق(٦٤٩) قضايا تلخصها بما يلي:
١- ان الدولة المشعشعية في خوزستان والعراق قامت سنة ٧٨٣ بعد سقوط الدولة السربدارانية واستمرت حتى سنة١١١٧هـ.
٢- كان محمد بن فلاح المشعشع على شيء من التصوف.
٣- كانت الدولة المشعشعية معاصرة لاحمد بن فهد الحلي ت (٨٤١هـ) والمقداد بن عبد الله السيوري (٨٢٦هـ) ورغم انهما معاصران لهذه الدولة لم يطرحا موضوع النيابة والتزما بنظرية الانتظار.
٤- بان السيد نور الله بن محمد شاه ال