فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » كلمة الإمام المهدي عليه السلام
 كتب أخرى

الكتب كلمة الإمام المهدي عليه السلام

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد حسن الشيرازي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ٤٣٤١٠ التعليقات التعليقات: ٢

كلمة الإمام المهدي عليه السّلام

تأليف: آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي قدس سره

محتويات الكتاب

صلاة
سبب التأليف
إهداء
مقدمة
الحضارة والتكتلات
قضية المصلح المنتظر
معطيات الفكرة
ظاهرتان: اليأس، والتشكيك
دور إبراهيم الخليل (عليه السلام)
دور موسى (عليه السلام)
دور عيسى (عليه السلام)
دور رسول الإسلام (صلَى الله عليه وآله)
أ- ظاهرة اليأس
ب- ظاهر التشكيك
ج- ظواهر جديدة أخر
ملاحظة ومناقشة الظواهر
الأقسام الأربعة لظاهرة اليأس
مناقشة التشكيك
سلاح الإمام المهدي (عليه السلام)
والأسلحة المتطورة
وطاقاته الروحية
والطاقات البنّاءة
توقيت الله تعالى لظهوره
البشر في كل الاتجاهات
الإنسان في التجارب المرة
الاعتراف بالعجز
في حين الظهور
الولاية التكوينية للإمام (عليه السلام)
نشر العدل العام
ظاهرة التشكيك في حياته
تفنيد التشكيك علمياً
تفنيد التشكيك دينياً
فائدة الإمام الغائب
الولاية التنفيذية
النبي والنبوة
الرسالة والرسول
الإمامة والإمام
فوارق الأجهزة الإلهية مع الأجهزة البشرية
التشكيك في إيجابية فكرة الإمام المهدي (عليه السلام)
ظاهرة انتهاء فكرة الإمام المهدي (عليه السلام)
وعن فلسفة الغيبة
المعجزة... وأبعادها
التعامل مع الكلمات
موجز تواريخ نوّاب الإمام المهدي (عليه السلام)
١- عثمان العَمْري
٢- محمد العمري
٣- الحسين بن روح
٤- علي السمري
وكلاء آخرون للإمام المهدي (عليه السلام)
١- الوشاء - حاجز بن يزيد
٢- البلالي - محمد بن علي بن بلال
٣- ابن مهزيار - محمد بن إبراهيم بن مهزيار
٤- ابن مهزيار - إبراهيم بن مهزيار
٥- أحمد بن إسحاق
٦- محمد بن طالح الدهقان
٧- الأسدي - محمد بن جعفر
٨ - القاسم بن العلاء
٩- الحسن بن قاسم بن العلاء
١٠- محمد بن شاذان
١١- العطار
١٢- العاصمي
١٣- البزوقري الحسين بن علي بن سفيان
١٤- إبراهيم بن محمد الهمداني
١٥- أحمد بن اليسع القمي
١٦- أيوب بن نوح
١٧- الجعفري - أبو هاشم داود بن القاسم
١٨- الرازي - أحمد بن إسحاق
١٩- أبو جعفر محمد بن أحمد
٢٠- إبراهيم بن محمد
٢١- الحسن بن محبوب
٢٢- عمرو الأهوازي
٢٣- أبو محمد الوجناتي
منزلة الإمام المهدي (عليه السلام) في القرآن
أسئلة وأجوبتها
حضارة الإمام المهدي (عليه السلام)
٢- الرسائل
رسالة إلى المفيد (رحمه الله)
رسالة ثانية إلى المفيد
مسائل الأسدي
مسائل الحميري رقم (١)
مسائل الحميري رقم (٢)
مسائل الحميري رقم (٣)
مسائل الحميري رقم (٤)
الحقيقة والمفوضة
الغيب لله
ارتداد الشلمغاني
الغيبة الكبرى وتكذيب المشاهد
الغيبة والقيادة المرجعية
جعفر التواب
خلف العسكري
إلى ابن أبي روح
رسالة إلى العمري وابنه
إلى الدينوري
٣- الأدعية
دعاء التوحيد
دعاء العلوي المصري
صلوات الجمعة
دعاء السمات
تعليق على دعاء السمات
لقضاء الحوائج
اللهم أنجز
دعاء الحكمة
دعاء الفرج
الصلاة والدعاء للمهدي (عليه السلام)

دعاء يوم المبعث
المنن السابغة
صلاة ودعاء

دعاء رجب
دعاء يا من أظهر الجميل
دعاء عام
دعاء الاهتمامات العامة
قنوت
قنوت
دعاء القائم
تسبيح صاحب الزمان
دعاء الصابوني
النجاة من الشدة
للخلاص من الشدائد
للشفاء من العلل
دعاء صاحب الزمان (عليه السلام)
حجابه
استخارة صاحب الزمان (عليه السلام)
حرزه
دعاء الميثاق
دعاء الزيارة
دعاء المعرفة
دعاء الندبة
٤- ملحق الأدعية
دعاء الزيارة
دعاء آخر بعد الزيارة

دعاء بعد صلاة الفجر
دعاء الانصراف
٥- الزيارات
زيارة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)
زيارة الشهداء
زيارة المنتظر
نسخة أخرى للزيارة
زيارة المعصومين
زيارة الندبة
زيارة الناحية
٦- ملحق الزيارات
زيارة صاحب الأمر (عليه السلام)
زيارة ثانية لصاحب الأمر (عليه السلام)
زيارة ثالثة لصاحب الأمر (عليه السلام)
زيارة رابعة لصاحب الأمر (عليه السلام)
زيارة خامسة للإمام المهدي (عليه السلام)
استئذان السرداب المقدس
زيارة سادسة للإمام المهدي (عليه السلام)
٧- المنوعات
مع إبراهيم بن مهزيار
من يختار الأنبياء والأوصياء
رموز كبرى
قائم الزمان
جعل أنبيائه بشراً
الأئمة يسألون
نعي عثمان العمري
وثيقة محمد بن عثمان
وثيقة الحسين بن روح
أنا بقية الله
أنا خاتم الأوصياء
يزري بحده
من أخر الصلاة
من أكل من مالنا
أمان من الموت
لو أذن الله لنا
دعاء بالولد
آجرك الله
أنا القائم
من يحاجني في الله
بعد ثلاثين سنة
الرفعة لله عز وجل
لا تخرج
اقبض الحوانيت
وثيقة حاجز
طالبهم
علامة الظهور
خبر أوليائنا
يا معشر الخلائق
معاشر نقبائي
لا يدخلك الشك
طلب دعاء ومسائل
دعاء بالعافية
إلى الحسن بن الفضل اليماني
الشرطة للجارية
عهداً من رسول الله (صلَى الله عليه وآله)
يا جدّاه
عليك بالأسدي
٨ - الموجزات
الأجوبة الموجزة من الناحية المقدسة
١- ستلد ابناً
٢- نعى إلى نفسي
٣- ولادة الصدوق (رحمه الله) بدعائه (عليه السلام)
٤- مات الولد
٥- ثوبان للكفن
٦- يبقى
٧- تحول قرمطياً
٨ - حصانة الوكلاء
٩- مقام أبيك
١٠- جواب الثلاثة
١١- إلى أحمد بن الحسن
١٢- إماماً لك
١٣- كفن لآخر
١٤- أصلح الله ذات بينهما
١٥- إنك تحتاج إليها
١٦- لك فيها عشرون درهماً
١٧- وهو أربعمائة درهماً
١٨ - كذب الوقاتون
١٩- عن قوّامهم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين (محمد) المصطفى وعلى عترته الطاهرين.
سيما خاتمهم وقائمهم أمل الشعوب ورجاء المستضعفين آخر أهداف الأنبياء والمرسلين وبشارة الرسالات السماوية كلها المنتظر الموعود الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه.
سبب التأليف:
ولسبب تأليف هذا الكتاب - أو بالأحرى تقديم تأليفه على سائر مجلدات هذه الموسوعة - قصة طريفة نترك الإمام الشهيد (قدس سره) يتحدث بها هو بنفسه لبعض زملائه، قال (قدس سره) وهو يتكلم عن ذلك:
(عندما كنت في سجون البعثيين في العراق، وتحت التعذيب الوحشي القاسي توسلت ذات مرة بمولاي وسيدي صاحب الزمان الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أن يتولى نجاتي من هذه المظالم، وعاهدت الإمام (عليه السلام) لقاء ذلك أن أقوم بتأليف كتاب يجمع ما روي عنه (عليه السلام) من زيارات، وأدعية، ورسائل، وسائر كلماته الشريفة..
وراحت الأيام والليالي، ومضت الشهور تلو الشهور على إقامتي في السجون المختلفة في بغداد، وبعقوبة حتى خلّصي الله تعالى (بدعاء صاحب الأمر عليه السلام) وفرّج عنى وخرجت من سجون البعثيين ولله الحمد..
وبعد فترة من الزمن جاءني أحد أقربائي ليقول لي:
رأيت في عالم الرؤيا نورانياً مهيباً قال لي: قل للسيد حسن الشيرازي حان الوقت لأن يفي بعهده لصاحب الأمر (عليه السلام) في تأليف الكتاب وكان الشخص ذاك ﻻ يدري عن عهدي، لأني لم أكن قد حدّثت به بعد.
فعزمت على ذلك وصرت أجمع المصادر المحتاج إليها لمثل تأليف هذا الكتاب.
ثم جاءني بعد مدة شخص آخر وقال لي مثل ما قال الأول - من غير ترابط بينهما ولا صحبة ولا سابقة إطلاقاً.
(رأيت في الحلم - في عالم الرؤيا - أن صاحب الأمر (عليه السلام) يطالبك بعهدك معه عن الكتاب...).
واشتد عزمي وبدأت في تأليف هذا الكتاب (كلمة الإمام المهدي عليه السلام).
قال الإمام الشهيد (قدس سره):
وبعد ما أنجزت القسم المهم من الكتاب رأيت ما يلي في عالم الرؤيا:
رأيت شخصاً مهيباً، طويل القامة، جميل المحيا، له هيبة الأنبياء، وجلال الصديقين، ووقار الخاشعين، لابساً حلة بيضاء قد توجّه إليّ، - فظننته صاحب الأمر الإمام المهدي (عليه السلام) - وقمت إجلالاً له، وتقدمت أنا إليه، فلما اقتربنا أخذت بيده لأقبلها، فبدرني هو وقبّل يدي.
فلما قبل يدي علمت أنه ليس الإمام المهدي (عليه السلام).
فسألته عن نفسه وقلت له: من أنت؟
فقال: أنا من قبل وليّ الله.
وأحسست في عالم الرؤيا أن الرجل رسول من قبل الإمام المهدي (عليه السلام) جاء إلي شاكراً لتأليف هذا الكتاب.
قال الإمام الشهيد (قدس سره): ولأول مرة أرى رؤيا مثل هذه عن واحد من تأليفاتي.. وأسأل الله تعالى أن يقرنه برضاه، ويرضى عني مولاي وسيدي صاحب الأمر الإمام المهدي المنتظر صلوات الله عليه، الذي هو طريقي إلى مرضاة الله تعالى.
قال الراوي للقصة: كان الإمام الشهيد (قدس سره) يحدثنا بهذه القصة ونحن بجوار قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالمدينة المنورة، في طريقنا إلى الحج في العام الماضي..
ونحن إذ نقوم بإحياء هذا التراث القيم وإنجاز هذه الأمنيّة للإمام الشهيد الشيرازي (قدس الله سره) لطبع (كلمة الإمام المهدي عليه السلام) ونشرها على الأفق الثقافي في العالم.
نأمل ونسأل الله تعالى الأمور التالية:
أولاً: أن يعجل في فرج صاحب هذه الكلمة الإمام المهدي (عليه السلام) ليطهر الأرض من كل ظلم، وينشر في الناس راية العدل الكامل والشامل.
ثانياً: أن ينتقم لهذا الدم الزاكي، ولسائر الدماء الزكية التي أراقتها هذه الزمرة الظالمة الحاكمة في العراق اليوم، وينقذ الإسلام والمسلمين من شرورهم ومفاسدهم ومذابحهم...
ثالثاً: أن يوفقنا الله تعالى لتكميل باقي كتب هذه الموسوعة الضخمة (موسوعة الكلمة) لتخرج إلى النور ويستفيد منها العالم بأسره في كل زمان وكل مكان.
والله هو الولي لذلك كله وهو حسبنا

الناشرون

إهداء

إلى أمي التي أعطتني كل شيء ولم أعطها شيئاً.. أقدم ثواب كتابة هذا الكتاب في ذكرى وفاتها الأولى.

ابنك حسن

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة على خاتم أنبيائه والسلام على خاتم خلفائه، وعلى عباد الله الصالحين.
الناس - عادة - يؤمنون بالمألوف بلا محاكمة، ﻻ لأنهم استوعبوه، وإنما لمجرد أنهم وجدوه واقعاً إلى جانبهم، أو لمجرد أنهم وجدوا المجتمع يردده من حولهم.
فالجميع يعترفون بالشمس، لأنهم وجدوها منذ فتحوا أعينهم للنور، ولو لم تكن الشمس في مرمى أنظارهم ووصفت لهم بحجمها الضخم وحركتها الدقيقة السريعة ولهيبها القوي العالي دون أن يأكل من جرمها شيئاً مدى مليارات السنين، لما اعترفوا بها.. ولكنهم حيث وجدوها، اعترفوا بها، وحاولوا أن يفلسفوا غوامضها - في كل جيل حسب الأفكار الحاكمة عليه - ليجعلوها مطواعة لمرتكزاتهم.
ومن هذا النوع اعترافهم بالأرض والنجوم والأجواء وسائر الظواهر الكونية.
وعملية تكوّن الإنسان، وتسلسله معترف بها من قبل جميع الناس، لأنهم تكوّنوا بها ويجدون الآخرين يتكوّنون بها، أما لو كان الإنسان بدواً من الأرض، وكان يقال له: أن نوعاً من الحيوان يتكوّن بتلاقح الدورة المنويّة من الذكر بالبويضة من الأنثى، وكانت توصف له عملية الإنجاب حتى الولادة لكان يعتبرها خبطاً في الخيال، كما يصعب عليه الاعتراف بأن عيسى (عليه السلام) خلق من غير أب... ﻻ لشيء إلا لمجرد أنه لم يألف إلا طريقة واحدة في خلقة الإنسان.
ومن هذا النوع اعترافهم بطريقة خلقة المبيضات، وطرائق خلقة الزواحف والهوام والبراغش وسائر الحيوانات والنباتات الترابية والمائية.
فاعترافهم بالظواهر الكونية وطرائق الخلقة في مسلسلات المخلوقات ليس ناتجاً من استيعابها وتصديقها، وإنما هو وليد ضغط الأمر الواقع على الذهنية العامة للتسليم له.
والناس جميعاً - قبل القرن العشرين كانوا يعترفون بمعطيات (هيئة بطليموس) من تراكب السماوات السبع والعرش والكرسي وتراكب الأرضين السبع كطبقات البصل - حسب تعبيراتهم - ومن كون الأرض مركز الكون، ومن حركة جميع السماوات والكواكب والنجوم... إلى آخر معطيات فلسفة أرسطو وطب جالينوس وسائر العلوم التي كانت سائدة في تلك الأجيال. وما كان يتردد أحد في شيء منها إلا ويتهم بالخيانة العظمى - متمثلة في الكفر والزندقة والإلحاد - ثم يعدم قتلاً بالسيف أو جلداً بالسوط أو حرقاً بالنار.
ومن هذا النوع كان اعترافهم بالروحانيات والعلوم الغريبة.
وهم - جميعاً - في هذا القرن يعترفون بجميع معطيات العلوم الحديثة من الفسيولوجيا والبيولوجيا والتكنولوجيا، وانتهاءً بالنسبية العامة والديالكتيك، ولا يتردد أحد في شيء منها إلا ويتهم بالخيانة العظمى - متمثلة في السخافة والجمود والرجعية - ثم يعدم طرداً عن المجالات الحيوية.
ومن هذا النوع إنكارهم للروحانيات والعلوم الغريبة.
ﻻ لأن أولئك اعترفوا بمعطيات علومهم عن استيعاب وتصديق، ولا لأن هؤلاء يعترفون بمعطيات علومهم عن استيعاب وتصديق... وإنما لأن كل واحد من أولئك عندما تفتق فيه الوعي وجد المجتمع من حوله يردد أشياءً فرددها معه، كما يكرر عاداته وتقاليده معه، شأن الطفل الذي يدخل مدرسة، فيردد مع زملائه أناشيدهم ويرفع صوته أو يخفضه معهم، ربما دون أن يفهم حرفاً منها.
ولذلك حارب الناس جميع الأنبياء والمصلحين والمجددين وأوائل المكتشفين، ﻻ لشيء إلا لأنهم طرحوا أفكاراً لم يكن يرددها المجتمع، فمن استطاع منهم أن ينجو من الإعدام، ويواصل الكفاح حتى يقنع المجتمع بأفكاره أصبح عظيماً تنحني أمامه رؤوس من بادروا إلى حربه بلا هوادة... ﻻ لأن المجتمع لم يكن يرددها ثم استطاع أن يلقنها للمجتمع.
وبهذه الببغاوية نعاهم القرآن معزياً رسول الله، قائلاً: (ذلك مبلغهم من العلم) وأعذرهم الرسول متجاوباً مع القرآن، قائلاً: (اللهم اهد قومي فإنهم ﻻ يعلمون).
الحضارة والتكتلات:
والناس - في القرن العشرين - تمزقوا بفعل عاملين:
١- عامل الحضارة المادية، التي تصاعدت بقوة لتصنيع أكثر مظاهر الحياة حتى بهر وهجها الألباب، فافتتن بها قطاع كبير من الناس، ظانين أنها القمّة النهائية للحياة، فجرفتهم إلى الإلحاد بكل ما وراء المادة.
٢- عامل التكتلات الدينية التي تصاعدت بقوة - في تنظيمات رجال الدين وفي تجمعات سياسية - حتى كادت تغطي ثلثي المجتمع، فتجاوب معها قطاع كبير من البشر، قائلين بأن الحضارة المادية ﻻ تعبر إلا عن وجه واحد من وجهي الحياة.
هكذا تمزق الناس بفعل هذين العاملين، فمن كان قريباً من قواعد الحضارة المادية تمسك بمعطياتها واعتبر الدين مرحلة تجاوزها الإنسان، ومن كان قريباً من قواعد التكتلات الدينية تمسك بمعطياتها، واعتبر المادية وسيلة لتجاوز الحياة. أما الأكثرية الساحقة من الناس، فأخذوا بمعطيات الحضارة المادية، لتنعيم الحياة وتسهيلها، متسترين بغطاء رقيق من الإيمان بمجمل الأديان، من الاعتراف بوجود الله، وصحة كتبه وصدق رسله في التبشير بالحياة الآخرة، وأما التفاصيل والفروع فلا يجدون ما يلزمهم بها، وربما ﻻ يجدون من يقنعهم، وقد ﻻ يجدون وازعاً داخلياً يدفعهم إلى الاهتمام بها، وإهمال مباهج الحياة ومشاكلها، فيفضلون الاكتفاء من الدين بتزويد ما يردده المجتمع، وأكثر المجتمعات ﻻ يردد من الدين إلا معطياته المتجاوبة مع المفاهيم المألوفة في الذهنيّة العامة.
وإذا عرفنا أن الذهنية العامة تؤمن بالمألوف بلا محاكمة، وترفض غير المألوف بلا مناقشة، عرفنا لماذا يكون إيمان الناس - غالباً - غطاءً رقيقاً يتسترون به.
من هنا نعرف السبب تهرب الناس - عادة - من الخوض في الحوار حول القضايا الفكرية من الأديان، وفي اتهامها بأنها قضايا ميتافيزيقيّة، أو بأنها قضايا إيمانيّة مجردة ﻻ جدوى منها، وفي محاولة إنكار مردودها، مهما كان مردودها في حياتهم الفردية والاجتماعية.
ومن هذه القضايا:
١- قضية الروح وتطوراتها.
٢- قضية الروحانيات غير المحسوسة كالملائكة والجن والشيطان.
٣- قضية المعجزات وكيفية صدورها.
٤- قضية حكومة الإنسان في سائر المخلوقات.
٥- قضية المصلح المنتظر، التي تعبر عن معادلة الخير والشر.
وهذه قضايا طرحتها الأديان، ولها نتائجها الإيجابية الكبيرة.
قضية المصلح المنتظر (عليه السلام):
ولسنا في هذه المحاولة، إلا أمام القضية الأخيرة، وهي قضية المصلح المنتظر (عليه السلام)، التي تعبر عن إحدى المعادلات الثابتة، لأنها تتعلق بإحدى الغرائز المتأصلة في البر.
فالبشر - بمقتضى تركيبته الخاصة - ﻻ يستقيم على طريقة، بغض النظر عن هوية الطريقة، فلا يبقى على الحق، ولا يدوم على الباطل، ولا يواصل الخير، ولا يستمر على الشر، ويكره الديمومة على شيء، مهما كانت حقيقة ذلك الشيء، وإنما يفضل التأرجح بين الأضداد، فالشجرة تدأب في منهجها ابتداءً من انطلاقها من النواة حتى نهايتها بلا تمزق بين المناهج، والجبل يواصل برنامجه منذ نشوئه حتى انتهاء عمره الطبيعي بلا تبعثر بين البرامج، والنجمة تنفّذ خطّتها من ميلادها حتى وفاتها بدون أدنى انزلاق، والنحلة تؤدي كل واجباتها حتى تسقط ضحية في مسيرة الواجب بلا تردد، ولكنه الإنسان، الذي ﻻ يستطيع توظيب حياته في خط (.. فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين).
ولعل غريزة التأرجح بين الأضداد - أو غريزة التطور - وكّلت بالإنسان لتقليبه في المعادلات المختلفة، حتى تكشف كل مخابئه. وتنمي كل ما في أعماقه من نوايا وركائز، فتحقق بذلك هدفاً من أهداف الحياة. وهو تجربة الإنسان (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً لنفتنهم فيه). [سورة الجن: الآية ١٥ - ١٦].
فاستجابة لهذه الغريزة نجد الإنسان دائم الاندفاع بين أقطاب الإغراء الكثيرة المتنوعة، فهو يجب الشيء ويتدفق نحوه بلهفة حتى إذا تشبع منه أعرض عنه واتجه نحو ضده بشدة.
- مثلاً: إنه يجب السفر، فيواصله حتى يجوب الأقطار التي كان يفكر فيها، ثم يخلد إلى مدينة فلا يخرج منها مدى سنوات، ثم يبدأ من جديد رحلات واسعة.
- مثلاً: قد ترى إنساناً محافظاً ﻻ تذكر له هفوات، ثم تجده ينفلت بعشوائية، وبعد حين يعاود سيرته الأولى.
- مثلاً: قد يظهر جيل محارب يتتبع الخلافات البسيطة، فيتمسك بها لإشعال الفتن والحروب، يعقبه جيل مسالم يتنازل عن أغلى ما لديه هروباً من المواجهة المسلحة.
- مثلاً: قد يقبل الناس على الأدب أو المسرح أو الرسم، حتى يقدّمونه على الخبز والماء، ثم يعرضون عنه حتى يفلس تجّاره.
وهكذا الدين، قد يظهر نبيّ أو إمام يحرك فطرة الناس في اتجاه الدين فيتهافتون على جوامعه ومجامعه باندفاع مخيف، ثم تتوتر الفطرة فيهم فيتجاهلون كل شيء منه بحيث يتحير دعاته. ويتساقطون تحت تيار الإلحاد، ولا يأخذ التيار مداه، حتى يبدأ بالانحسار، ويتوب الناس إلى رشدهم في اتجاه الدين من جديد، وكأنّه يطرح عليهم لأول مرة، ولم يطرح عليهم لأول مرة، وإنما هي دورة البشر الذي ﻻ يطيق السير على خط واحد.
ولهذا كلما ظهر نبي أو إمام، واستطاع أن يعلي كلمة الدين - عرف أن ثورته تستهلك بعده، وأن خلفائه يعانون الثورة المعاكسة - فيبشرهم بأن الردة لن تكون القاضية، وأن المطاف الأخير سيكون لدينه. وأن الله سيظهر من يجدده، ويقود الناس إلى الصراط المستقيم.
فما من نبي إلا وبشر بمصلح عالي الصوت، شديد الوطء، يحرك التيار، وأمر الناس بالصبر عبر الخريف، وانتظار ذلك المصلح، والالتفات حوله إذا أدركوه.
لقد بشر نوح بإبراهيم، وبشر إبراهيم بموسى، وبشر موسى بعيسى، وبشر عيسى بمحمد، وبشر محمد بظهور المهدي ونزول المسيح، عليهم الصلاة والسلام.
فما ظهر دين إلا وطرح فكرة المصلح المنتظر، والديانات الحية اليوم كلها تهيئ لمصلح منتظر وإن اختلفت الأسماء، فاليهودية تبشر بالمسيح، والمسيحية تبشر بأحمد، والإسلام يبشر بالمهدي.
معطيات الفكرة:
وإذا أغمضنا النظر عن الأسماء نجد أن فكرة المصلح المنتظر تعني:
١- واقعية الأديان في استيعاب المستقبل، وفي استيعاب دورة البشر في الاتجاه نحو الدين والانحراف عنه، وفي الأخبار عن هذه الدورة.
٢- تطمين المبشرين بأن لهم المطاف الأخير، حتى ﻻ ييأسوا مهما ارتفعت درجة معاناتهم، ومهما استبدت الثورة المعاكسة بالأجواء.
٣- تيئيس العاملين ضد الدين وضد المبشرين به، من نجاحهم في العمل ضد الدين، فإذا استطاعوا أن يهرجوا يوماً أو أياماً، فلا يعني ذلك أنهم أضحوا سادة الموقف، فالدين هو الخط الصحي العام، والانفلات فوضى لن تدوم.
٤- تهيئة المؤمنين بالدين لاستقبال المصلح المنتظر، حتى يظلوا متأهبين له، وتأهبهم له يساوي إبقائهم موفوري القوى، وهذا يخدمهم قبل أن يخدم المصلح المنتظر، لأنهم ﻻ يؤخذون على حين غرة من قبل أعدائهم، ولا يجمدهم الخمول، فهم - دائماً - تحت الإنذار، يراقبون الأجواء بلهفة وحذر.
٥- تمهيد الأرضية الصالحة للمصلح المنتظر، حتى إذا انتفض ﻻ يجد نفسه غريباً يبني ابتداءً من الحجر الأساس، وإنما يجد نفسه يرفع البناء على أساس من سبقه. وهكذا كان، فلم يبعث نبي إلا وجد من ينتظره(١)، ويسعى إليه من أقاصي الدنيا بهيام عميق. وهذه الظاهرة مما أوفدت أخوة الأنبياء، فكل واحد منهم كان مبشراً به من قبل السابقين عليه، فيصدق السابقين عليه ويبشر اللاحقين به، ويقوم بدور الحلقة الواحدة في المسلسل البعيد الطرفين. وليس الإمام المهدي المنتظر إلا حلقة في هذا المسلسل من المبشرين بهم والمبشرين بغيرهم.
ظاهرتان: اليأس والتشكيك:
وهنالك ظاهرتان تكتنفان المؤمنين الذين يعيشون في الفترة بين الأنبياء والأئمة:
الأولى: ظاهرة اليأس كلما طالت الفترة، ولم يظهر المصلح الموعود به، وربما كانت الفترة تسع عدة قرون وتستهلك بضعة أجيال، فكان الناس يشككون في الأحاديث المبشّرة به، وخاصة في الفترات السابقة التي لم يكونوا يمتلكون وسيلة لنقل الحديث سوى ذاكرة الرواة.
الثانية: ظاهرة التشكيك في مقدرة المصلح الموعود به على تغيير الأجواء، لأنهم كانوا يرون التقدم المادي للبشر، وكانوا يظنون أن النبي اللاحق سوف يستخدم الوسائل التي اتبعها النبي السابق، فكانوا يجدون تلك الوسائل غير مجدية، فيعتريهم الشك في قدرته على إنقاذ الناس من براثن السلطان الغاشمة المزودة بالأسلحة الجديدة.
دور إبراهيم الخليل (عليه السلام):
فمثلاً: في عهد إبراهيم الخليل (عليه السلام) لم يكن للملوك جيش نظامي، ففي أيام المسلم حتى خدم الملك مزودون بالسلاح ويؤدّون دور الحرس، والشرطة، وفي أيام الحرب يدعى الناس إلى النفير، فينفرون بأسلحتهم، ولذلك جند إبراهيم الخليل (عليه السلام) جيشاً من المؤمنين به، وقاتل في الشام، وانتثر.
دور موسى (عليه السلام):
فلما ظهر الفراعنة في مصر تطور الأمر من ناحيتين: الأولى: أن الفراعنة حاولوا تأسيس إمبراطورية واسعة - في ظل دعوى الربوبية - فأسسوا جيشاً نظامياً، ووجهوا فصائله إلى الأقطار المجاورة، من أجل إخضاعها لحكم الفراعنة. الثانية: ظهر في أيامهم السحر، وتقدم بسرعة مذهلة، فكان الملك الفرعوني يحكم بسلطتين: سلطة جيش نظامي جرّار، وسلطة سحرة أشداء. والمؤمنون الذين كانوا ينتظرون ظهور موسى بن عمران، كانوا يظنون أن موسى بن عمران - حينما يظهر - يستخدم الأساليب والوسائل التي استخدمها إبراهيم الخليل (عليه السلام) فكانوا يشكّون في انتصاره على الفراعنة، وما كانوا يعلمون أن موسى بن عمران (عليه السلام) يظهر بتسع آيات بينات يتضاءل أمامها السحر والسحرة، وبقوة عصاه التي تلقف ما يأفكون، وبقوة البحر الذي يبتلع فرعون وجنوده. ما كانوا يعلمون ذلك، فكان من الطبيعي أن يشكّوا في انتصار موسى بن عمران على الفراعنة. فلما جاء موسى بن عمران بتلك الوسائل عرف الناس أن أنبياء الله قد يأتون بمثلها. وقضى موسى بن عمران على أسطورة السحر الذي ﻻ يقهر، والجيش الذي ﻻ ينهزم، والملك الذي ﻻ تطاله قوة حتى يقول: أنا ربكم الأعلى.
دور عيسى (عليه السلام):
ومثلاً: تطور الأمر بعد موسى بن عمران، فظهر في الناس فراعنة من نوع جديد، ﻻ يقهرون أجسام الناس بالسحر والجنود، وإنما يقهرون عقول الناس بالعلم، وليس بأي علم، وإنما بعلم إنساني يحتاج إليه جميع الناس، ظهروا بعلم الطب، وبالإخبار عن الغيبيات، وتقدموا فيهما، حتى كان أحدهم يحيي الميت إذا عرض عليه قبل أن يبرد جسمه، ويفحص المريض بمجرد إلقاء نظرة على وجهه، ويخبر عما أكله المريض أو فعله. فكان المؤمنون الذين ينتظرون عيسى ابن مريم (عليه السلام) يظنون أنه سيظهر بمثل وسائل إبراهيم الخليل، أو بمثل وسائل موسى بن عمران، فكان من الطبيعي أن يشكّوا في مقدرة عيسى ابن مريم على دحر قادة الإلحاد، المتسلحين بالعلم النافع، وما علموا أن الله سينصر رسله في كل زمان بالوسائل المناسبة، فظهر عيسى ابن مريم (عليه السلام) بالعلم المتفوق، فقال: أنا أبرئ الأكمه والأبرص وسائر المصابين بالأمراض المستعصية، ﻻ بالدواء، وإنما بمجرد مسحة يد، وأحيي، ﻻ الميت الجديد الذي لم يبرد جسمه بعد فقط، وإنما أحيي كل الأموات حتى الميت الرميم وإني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وهنا ما ﻻ يدّعيه طبيب وإني أخبركم ﻻ بما أكله المريض أو فعله فأصيب فحسب، وإنما أخبركم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم. فهزم فراعنة العلم بسلاحهم.
دور رسول الإسلام (صلّى الله عليه وآله)
ومثلاً: تغيّر الأمر بعد عيسى ابن مريم، وخاصة في جزيرة العرب، حيث البشائر تمتد نحوها قاعدة للنبي الذي يظهر بالسيف، فبرزت في الجزيرة ظاهرتان:
الأولى: ظاهرة البلاغة الفائقة، التي تجعل من الكلمات اليومية البخسة، والعواطف الرخيصة، عالماً حياً زاخراً بالحكمة والصور والألوان... إننا اليوم ﻻ نستطيع أن نستوعب عظمة المعلقات السبع، ونحن مبهورون بوهج القرآن وما انبثق عنه من كلام النبي وآله (عليهم السلام)، ولكن تجربة عابرة للمقارنة بين المعلقات السبع وبين أي كلام سبقه تكفي للدلالة على ما كان لها من بريق مخيف.
الثانية: ظاهرة الفوضى المسلحة، التي تجعل أي إنسان مهما تعالى، مهدداً بالتصفية الجسدية من قبل أي إنسان آخر مهما تدانى. وفي كل اللحظات، وفي جميع الحالات... وهذه الظاهرة تجعل كل من يفكر في الحق والعدل والإنصاف وسائر المثل والقيم الرفيعة، يعتبر هروبه من مثل هذه الجزيرة الساخنة أكبر انتصاراته في الحياة ﻻ خوفاً على حياته أن تهدر بلا مبرر فقط، وإنما خوفاً أن يورّط في معركة تافهة تجرده من كل معنوياته وقيمه بلا بدل. فكيف بنبي يكون رمز السماء على الأرض، ويريد أن يقود النصف المتقدم من البشر في مسيرة الفضيلة والكمال إلى الإنسانية العليا؟ والمؤمنون الذين يقتاتون انتظاره، ويعرفون الوسائل التي استخدمها كل من إبراهيم الخليل وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم (عليهم السلام)، كانوا يظنون أن النبي الجديد يظهر بما يشابه تلك الوسائل، فكانوا يرون أنها متفرقة أو مجتمعة ﻻ تجدي شيئاً في مجتمع البلاغة والفوضى، فيشكّون في انتصار النبي الجديد.
فأظهر الله نبيه الكريم وبقرآن يعلو ولا يعلى عليه، فلم تنزل سورة (فاتحة الكتاب) حتى عمد أساطين البلاغة إلى نزع المعلقات السبع من جدران الكعبة ليلاً، حتى ﻻ يعابوا بها، وبسيف، لم يشارك في الاعتداء، وإنما قضى على الاعتداء، فلم يضرب به أحداً إلا دخل النار وعابه الناس. فاستأصل أوبئة الفوضى وأبرأ الجزيرة من جنونها، ولم يبلغ عدد ضحاياه سبعمائة شخص، في جميع حروبه وغزواته وسراياه، فاستطاع ذلك السيف ذاته وبتلك الدماء ذاتها، أن يكتب على لوحة الجزيرة لافتة تشخص أبصار كل من حمل السلاح إلى الأبد: (إنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) [سورة المائدة: الآية ٣٢]، (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزائه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً) [سورة النساء: الآية ٩٣].
فكان قرآنه مطمحاً لكل قرآن، وكان سيفه تجربة لإلغاء السيف، فكان انتصاره الذي فاق كل الاحتمالات والتوقعات وبزّ كل التنبؤات، فإذا بشعب الجزيرة الفوضوي، يمتد برسالته فيكل اتجاه، لينشر الإيمان والحضارة والخير، وليؤسس دولة ذات سيادة عالمية، لم تظهر بمواصفاتها دولة ﻻ من قبلها ولا من بعدها حتى الآن.
وهكذا انتصر داوود بشكل وانتصر سليمان بشكل، وانتصر يوسف بشكل. وهكذا غيرهم.. وغيرهم من سائر رسل الله وأنبيائه الكرام.
هذا فيمن نعرف من رسل الله وأوضاع مجتمعاتهم والوسائل التي انتصروا بها، وهكذا فيمن لم نعرف من رسول الله وأوضاع مجتمعاتهم والوسائل التي انتصروا بها، ولكن مجمل ما نعرفه عنهم أنهم انتصروا جميعاً، وانتصارهم يكفي للدلالة على أنهم كانوا أقوى من مجمعاتهم، وأنهم جميعاً فاجئوا مجتمعاتهم بأساليب ووسائل لم تكن في الحسبان، وسواء أسميناها معجزات أو أسميناها كفاءات(٢)، فجوهر القضية واحد، وهو أنهم تفوقوا على كل القدرات الحاكمة في عهودهم. فلتتقدم المجتمعات ولتتطور، ولتحشد ما استطاعت تحشيده من طاقات وأساليب، فإن الله سيزود رسله وأوصيائهم بما هو أقوى وأعلى، وسيجعل (كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا) [سورة التوبة: الآية ٩] (كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) [سورة مجادلة: الآية ٢١](٣).
هاتان الظاهرتان موجودتان، بخصوص الإمام المهدي المنتظر:
أ- ظاهرة اليأس:
الأولى: ظاهرة اليأس منه، فقد طالت فترة غيابه، أكثر مما كان يتوقع، فقد تفانت الأجيال تلو الأجيال وهي تترقب ظهوره سنة بعد سنة، وأسبوعاً بعد أسبوع، وربما يوماً بعد يوم، وكم كان الذين وجدوا بعض علائم ظهوره، فوقفوا على أهبة الاستعداد لتلبية ندائه، وما كانوا يرقدون في الليل إلا ويتوسدون أسلحتهم، حتى إذا أهاب بهم المنادي، ﻻ يكون لديهم ما يعوقهم عن الإسراع إليه؟.. وكم كان الذين قرأوا في الأحاديث: أن توقيت ظهوره يصادف يوم الجمعة، فألزموا أنفسهم بالخروج إلى الصحراء صبيحة أيام الجمعة بكامل أسلحتهم، حتى إذا خرج يلتقيهم وكأنهم على موعد؟... وكم كان الذين رأوا في المنام أشياء أو قرأوا أحاديث، فطبقوها على وقت معين، فبادروا إلى تصفية حساباتهم قبل ذلك الوقت، حتى إذا خرج وقتلوا بين يديه ﻻ يكون عليهم شيء من حقوق الناس أو من حقوق الله؟... وكم كان الذين يؤجّلون تصفية حسابات خصومهم إلى حين ظهوره، حتى يكون هو الذي يثأر لهم؟...
ثم يأتي الرجل في هذا اليوم، فيقرأ أو يسمع أن آبائه ماتوا انتظاراً، ومرت مئات السنين ومئات السنين ولم يظهر الإمام المنتظر، فيمتلكه اليأس من ظهوره، أو يحدّث نفسه قائلاً: حتى لون كان الإمام المنتظر باقياً ويظهر في يوم من الأيام، فما الذي يشير إلى أنني سأراه، ولربما ﻻ يظهر إلا بعد مئات السنين أو آلاف السنين، كما لم يظهر حتى اليوم، وقد مر على غيابه أحد عشر قرناً ومئات الملايين من الشيعة في كل جيل ومن كل مكان يعدّون اللحظات في انتظاره.
ثم يستنتج: إذن عليّ أن أجري كل حساباتي على أنه ﻻ يظهر مطلقاً، أو أنه ﻻ يظهر في عهدي على الأقل. وقد عبّر الإمام عن هذا اليأس السافر بقوله: (ستطول غيبته حتى يرجع عنه أكثر القائلين به).
ب - ظاهرة التشكيك:
الثانية: ظاهرة التشكيك في مقدرة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) على السيطرة العالمية، بعد ظهور الأسلحة الحديثة، وانتشار الأسلحة الذرية، والقواعد الجوية، والصواريخ الالكترونية ذات الآماد البعيدة، والقنابل الأتوماتيكية المزوّدة بالعقول الإلكترونية... ولا يعلم إلا الله ما ستنتجه المعامل العسكرية من وسائل التدمير المخيفة إلى وقت ظهوره (عليه السلام)... فكيف ينتصر على كل هذه الأسلحة المبيدة والملايين المتزايدة من الجنود التي تملأ القواعد العسكرية في أنحاء العالم، وخاصة إذا كان يظهر بالسيف - كما في بعض الأحاديث المبشرة به - مع أنه لم يعد للسيف مكان إلا في المتاحف الأثرية؟. ولعلنا نبحث الموضوع فيما يأتي بإذن الله تعالى.
ج - ظواهر جديدة أُخر:
وبالنسبة إلى الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) تضاف إلى هاتين الظاهرتين اللتين كانتا تطبعان كل المؤمنين في الفترة بين الرسل، تضاف إليهما ظواهر جديدة.
الثالثة: ظاهرة التشكيك في حياته حتى الآن، فقد مرّ على ميلاده الميمون صلوات الله عليه حتى كتابة هذه الأسطر ألف ومائة وإحدى وأربعون سنة هجرية. ونحن في دورة من عمر البشرية ﻻ تأذن بأن يبلغ أي فرد مائتين من السنين مهما كانت ظروفه الصحية والمناخية ملائمة.
الرابعة: ظاهرة التشكيك في فائدة الإمام الغائب. فشأن الإمام شأن الرسول في أن الله يخوله قيادة المجتمع، فإن لم يستطع قيادته عملياً لأسباب يتحمل مسؤوليتها المجتمع ذاته، فلا أقل من قيادته الفكرية للمجتمع، فإن لم يستطع هذه أيضاً، فبماذا يعود على المجتمع؟... وماذا يهدف الله تعالى من إبقائه حياً، طالما ﻻ يأذن له بالاتصال بأحد من خلقه؟...
الخامسة: ظاهرة التشكيك في إيجابية فكرة الإمام المهدي لسببين:
الأول: تكريس اليأس عن جدوى أي عمل إيجابي قبل ظهوره مادام الله سبحانه وتعالى قدّر أن تملأ الأرض ظلماً وجوراً قبل ظهوره.
الثاني: تكريس اليأس عن جدوى أيّ عمل إيجابي بعد ظهوره مادام الله عز وجل قدّر أن يملأ الأرض - به - عدلاً وقسطاً، بغض النظر عن قلة أنصاره وكثرة أعدائه.
وهذان القدران يعلنان تعطيل أدوار الآخرين، وبالتالي يوحيان بتجميد كل الطاقات المؤمنة به. لأن أي عمل إيجابي ﻻ يعني غير تحدي القدر الذي يضحك من كل المتحدين. أو مجاراة القدر الذي ﻻ تنشطه المجاراة.
السادسة: ظاهرة التساؤل عن موعد ظهوره. وهل يظهر في وقت قريب؟ أو أنه يظهر إلا بعد فترة طويلة من الآن؟ ثم ما هي علائم ظهوره؟ وهل العلائم الواردة في الأحاديث المبشرة به صحيحة أم ﻻ؟ وإذا كانت صحيحة فلماذا لم يظهر مع أن تلك العلائم قد ظهرت - حسب رأي العلامة المجلسي (رحمه الله) قبل ثلاثمائة عام؟...
السابعة: ظاهرة التساؤل عن الأدلة التي تثبت أصل فكرة الإمام المهدي المنتظر من الكتاب والسنة؟..
الثامنة: ظاهرة التساؤل عن أن فكرة الأمام المهدي المنتظر (عليه السلام) هل هي من عناصر الفكر الشيعي فقط؟ أو أن المسلمين - جميعاً - يعترفون بها؟...
الثامنة: ظاهرة تسائل تقول: حتى لو ثبتت فكرة الإمام المنتظر شيعياً أو عند كل طوائف المسلمين، فهل يسوقنا التمرد عليها أو إهمالها، إلى منعطفات دينية أو اجتماعية أو فردية؟...
ملاحظة ومناقشة الظواهر:
بخصوص هذه الظواهر نقدم ملاحظتين:
الملاحظة الأولى: نعترف بأن هذه الظاهر موجودة، ولكن وجود هذه الظاهر ﻻ يغيّر شيئاً من واقع الإمام المنتظر، فاليأس والتشكيكات والتساؤلات المتنوعة تلف كثيراً من الأمور حتى تحجب الرؤية وتربك المفكرين، وخاصة في المجالات السياسية والقيادية، التي تمسك بمصير الناس ومقدراتهم، فتكون مناخاً ملائماً للأوهام والتخيلات، وحلبة واسعة ترحب بصراعات الآراء والمصالح، ولكنها ﻻ تغيّر شيئاً من وقائع الأمور. ومتى كانت التشكيكات والتساؤلات تزحزح شيئاً عن واقعه؟
الملاحظة الثانية: نحاول أن نناقش هذه الظواهر على أساس سؤال يقول: هل هذه الظواهر صحية أو غير صحية، فالظواهر إذا كانت صحية تعبر عن شيء. وإذا كانت غير صحية تعكس أمراض مجتمعها فلا تعبر عن شيء.
الأقسام الأربعة لظاهرة اليأس:
الظاهرة الأولى: وهي ظاهرة اليأس من وجود الإمام المنتظر، أو من ظهوره مطلقاً، أو من ظهوره في وقت قريب. ولتحقيق مدى صحية هذا اليأس نقسم اليأس إلى أربعة أقسام:
١- اليأس من المستحيل، كاليأس من أن يصير ٢+٢ = ٣ أو = ٥ ومثل اليأس من اجتماع الضدين والنقيضين - بحدودهما المذكورة في علم المنطق - وهذا اليأس معقول.
٢- اليأس من الذات. مثل يأس الفرد من أن يحمل جبلاً على ذراعيه أو من أن يطير في الهواء بلا وسائل. وهذا اليأس مقبول.
٣- اليأس من الغير، مثل يأس فلاح من أن يزوره الملك في كوخه، وهذا اليأس منطقي في كثير من الحالات، وليس صحيحاً على العموم، فكم من المفاجآت تخترق جدران اليأس؟ وكم بزغت الآمال من ظلام يأس مطبق؟
ولعل اتخاذ الموقف أمام هذا القسم من اليأس - الذي يمكن أن نسميه بـ (اليأس العادي) - من المنعطفات الخطيرة التي تفرز العظماء عن التافهين، فالتافهون عندما يصطدمون بهذا القسم من اليأس يتراجعون، أو ينهزمون إلى الأبد فينتحرون، بينما العظماء يصمدون، أو يواصلون الكفاح، وكثيراً ما ينقشع ضباب اليأس عن عيونهم، وتتضح أمامهم سبل الانتصار.
وهذا القسم من اليأس يعتري كل فرد من البشر مرات عديدة في عمره، ثم ينكشف عنه، كما تنكشف سحب الربيع عن الأفق الحالم.
وهذا ﻻ يعني: أن اليأس غير صحيح على الإطلاق، فلربما تتضافر المعاكسات بشكل كثيف، يتراءى كأنه جدار ﻻ يمكن، فييأس حتى العظماء، وقد يكفهر الجو فييأس حتى رسل الله المتصلون بالسماء، ويستبد بهم اليأس، ولكن الله الذي جعل لكل شيء دورة في الحياة الدنيا يعلم أن ذروة كل شيء منتهاه، وأن قمة اليأس هي مبدأ الفرج، فيقول: (... حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) [سورة يوسف: الآية ١١٠].
وإنما يعني هذا الكلام، أن اليأس من الغير أكثره كاذب، وأقله طبيعي، ولكن يمكن نسفه بالمحاولة، على أن تكون المحاولة في حجم المعوقات.
٤- اليأس من الله، وهو أن يعتقد فرد بأن الله قد أغلق أبوابه، أو أنه ﻻ يجد لأمره مخرجاً، أو لعقدته حلاً. وذلك أن الإنسان - عادة - يملك انطباعات معينة عن الأشياء المتعايشة معه، وعلى ضوء هذه الانطباعات يرتب لكل شيء - في تصوره - أسباباً ونتائج، فإذا جرب كل الأسباب الواردة في تصوره، ولم تسفر عن النتيجة المتوخاة، ظن أن ﻻ سبب يؤدي إليها على الإطلاق، وأمام هذا الظن يلجأ المؤمن إلى الله، ويحدّث نفسه بأنني جربت كل الأسباب التي كنت أعرفها، ولم يؤد شيء منها إلى النتيجة التي كنت أحاولها، ولكنني كفرد من البشر يكون عملي محدوداً، فلعل هنالك سبباً أو أسباباً يؤدي كل واحد مها إلى تلك النتيجة، وأن الله المحيط بكل شيء يعرفها جيداً، فالأفضل أن أترك الأمر لله يصرفه كما يشاء.
ونتيجة لهذا الإيمان ﻻ يدب إليه اليأس، وإنما يحافظ على الأمل في مشاعره، ولا يتراءى له بصيص من النور إلا ويبدأ التجربة وبما أن تطورات الحياة كثيرة، ربما تترتب الأمور بشكل تقدم إليه تلك النتيجة بلا محاولة. أما غير المؤمن فإذا جرب الأسباب التي يعرفها، ولم تنته إلى النتيجة التي يريدها انكفأ على نفسه في ظلام من اليأس ثقيل.
وهذا اليأس ﻻ يعني الجهل بالله وقدرته غير المتناهية فقط، وإنما يعني الجهل بالحياة وأبعادها البعيدة، وهو الضلال في منطق القرآن: (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)؟ [سورة الحجر: الآية ٥٦] (ولا تيأسوا من روح الله إنه ﻻ ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) [سورة يوسف: الآية ٨٧].
هذا فيما لم يسبق إليه وعد من الله، أما إذا وعدنا الله بشيء، ولم نجد في أفقنا القريب المحدود إشارات تمتد إليه، فيأسنا منه لمجرد ذلك يدل على أن مدانا أضيق من حبل المشنقة.
أوَ ليس العلم المادي المحدود يقدم إلى البشر كل يوم أشياء لو حدّثت بها كتب السماء لم يصدقها، لكن البشر يضطر إلى الاعتراف بها حينما يراها بالعين المجردة، أو على الشاشة الصغيرة، فكيف بالله العظيم، الذي خلق كل شيء فقدّره تقديراً؟...
وبالنسبة إلى الإمام المهدي المنتظر، وعد الله بإظهاره وتمكينه في الأرض، ولن يمنعه من تنفيذ وعده مانع في الأرض ولا في السماء. وقد قرر منذ الأزل توقيت غيابه وظهوره - وفق حكمته البالغة - ورتب لغيابه وظهوره وتمكينه أسباباً كافية، كما قرر حركة النجوم، وتوقيت غيابها وظهورها - بالنسبة إلى إنسان الإنسان، ورتب لتفاعلاتها أسباباً كافية. أما كون توقعاتنا تستعجل ظهوره، وكون تصوراتنا تستبطئ فتره غيابه (عليه السلام)، فهذه أمور ناتجة من الجهل بالحكمة العليا، ولا تأثير لها على حركته مطلقاً، كما أن توقعاتنا وتصوراتنا - مهما كانت - ﻻ تؤثر على حركة النجوم أبداً.
وإذا كانت توقعاتك وتصوراتك ﻻ تغير حركة قلبك ومعدتك، ولا تقدم ولا تؤخر ميلاد ابنك ووفاة زوجتك، فهل تريد لهذه التوقعات والتصورات، أن تستطيل حتى تغيّر إرادة الله في إدارة كونه، وتبدل حكمة الله في نشاط أوليائه؟
إن علينا - في مثل هذه الأمور - أن نعلم: أن الله إذا وعد شيئاً نفذه في الوقت الذي يشاء، وبالأسلوب الذي يشاء، ولا تعاكسه الظروف والأحوال لأنه هو الذي يخلق الظروف والأحوال ويصرفها كما يشاء.
وإذا علمنا ذلك ﻻ يمتلكنا اليأس من ظهور الإمام المهدي المنتظر، ولا نرى أنه تأخر أكثر مما ينبغي، بل نعرف أنه سيظهر في الوقت المحدد لظهوره، ونتوقع أن يصادف ظهوره أي يوم من أيامنا. وأية ساعة من ساعاتنا.
مناقشة التشكيك:
الظاهرة الثانية: وهي ظاهرة التشكيك في مقدرة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) على السيطرة العالمية بعد ظهور الأسلحة الحديثة، ويمكن مناقشة هذا التشكيك بما يلي:
١- إن الله وعد بنصرة الإمام المنتظر (عليه السلام) وتمكينه في الأرض، حسب تأويل قوله تعالى: (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض...) (سورة القصص: الآية ٥ - ٦] وحسب تصريح النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بقوله: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله ذلك اليوم حتى يظهر رجلاً من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً). ووعد الله، والله ﻻ يخلف الميعاد، ووعد الله أقوى الضمانات لنجاح الإمام المنتظر في رسالته العالمية، ﻻ بالنسبة إلينا نحن الذين نحاول أن نعرف شيئاً من ذلك التحول الكبير فقط، وإنما حتى بالنسبة إلى الإمام المنتظر نفسه، المكلف بنقل العالم كله من مرحلة الفوضى والمناقضات إلى مرحلة الاستقرار والانسجام.
٢- يكفي - في هذا المجال - أن نعلم أن الله ينصر أوليائه الكبار. بالمفاجآت الكبيرة التي ترتبك لها قادة الرأي في العالم، بحيث ﻻ يطيقون التفكير وإذا فكروا ﻻ يستطيعون التدبير، لأن المفاجآت تأتي ساحقة شاملة، لو تكتّل العالم كله في الصف الآخر، لما استطاع المقاومة ولا الصمود.
وتاريخ الأنبياء كلهم أفضل شاهد حيّ، على أنهم ما كانوا يواجهون التحديات التقليدية التي يستطيعها البشر، لتحديات تقليدية مثلها، حتى يتم التوازن، فترجح الكفة مرة لصالح الأنبياء، وترجح مرة أخرى لصالح أعدائهم.
- فكما أن نوح (عليه السلام) فاجأ العالم كله بطوفان اجتاح المعمورة كلها، ولفّ البشرية والحيوانية والنباتية الفاسدة جمعاء، حتى يسمح بالسلالات المفضلة أن تؤسس الحياة البشرية والحيوانية والنباتية من جديد، حتى صاح بأعلى أصواته: (ﻻ عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) [سورة هود: الآية ٤٣].
- وكما أن إبراهيم الخليل (عليه السلام) فاجأ الرأي العام بجعل النار برداً وسلاماً في العراق، وانتصاره العسكري الساحق في الشام، وبناء الكعبة في الحجاز.
- وكما أن داوود فاجأ الدنيا عندما قرض دولة الظلم، وقتل رأسها وقادتها، جالوت وأعوانه، بأحجاره التي سددها الله فلم تخطئ واحدة منها، وأعلن العدالة الواقعية التي ﻻ تعتمد على الشهود والبينات.
- وكما أن سليمان بن داوود (عليه السلام) فاجأ البشرية كلها، عندما بسط سلطانه على كل الكائنات، فسخر الجن والإنس، وجعل جيشاً من الوحوش، ومظلة من أجنحة الطيور المحلقة، ووضع عرشه على الريح، حتى لم يعد على الأرض إنسان يفكر إلا في تنفيذ أوامره.
- وكما أن يوسف (عليه السلام) قفز قفزته الرائعة من البئر والسجن والعبودية إلى العرش، حتى قال له أخوته الذين أرادوا به كل سوء: (تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنّا لخاطئين) [سورة يوسف: الآية ٩١]. وحتى قالت زليخا التي اتهمته وزجّت به في السجن: (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) [سورة يوسف: الآية ٥١ - ٥٢].
- وكما أن موسى بن عمران (عليه السلام) طوى تاريخ الفراعنة وجيوشهم في البحر، وأربك العالم الذي استحوذ عليه السحر بتسع آيات بينات، وبعضاه التي تلقف ما يأفكون.
- وكما أن عيسى ابن مريم (عليه السلام) فاجأ الأطباء الأفذاذ ومن ورائهم العقل البشري حتى اليوم، بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الرميم...
- وكما أن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) فاجأ المنكرين جميعاً بالقرآن، وفاجأ الجزيرة العربية بقيادته العسكرية التي صاح بها العباس أمام أبي سفيان - في فتح مكة -: ويلكم لقد جاءكم بما ﻻ قبل لكم به.
هكذا الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) يفاجئ بما ﻻ قبل للعالم به، أما تفاصيل تلك المفاجئة، فتهمه أكثر مما تهمنا، والذي كلفه بتلك المهمة العالمية الضخمة، وفّر له الوسائل المناسبة لأدائها، كما وفّر لمن سبقه من أوليائه العظام، الوسائل المناسبة، لأداء مهماتهم.
سلاح الإمام المهدي (عليه السلام):
٣- يبدو من مواصفاته المنقولة إلينا، أنه يأتي بنوع جديد من السلاح، تكون لديه الأسلحة المتقدمة رمزية ﻻ جدوى منها، وأنه يأتي بنوع جديد من التكتيك تصبح التكتيكات الحديثة أمامه تقليدية ﻻ فحوى لها.
ففي الأحاديث المبشرة به إشارات إلى ذلك. بمقدار ما كانت الكلمات القديمة والعقول القديمة تتحمل المضامين غير المعروفة، التي ﻻ تتحملها الكلمات والعقول المتطورة اليوم، وتبدو الإشارات واضحة رغم رمزية التعابير. إذا تأملنا النصوص التالية:
- ورد في وصف سيفه: (أنه يعرف أعداء الله فيقتلهم، ويعرف أنصار الله فيدعهم) ولعل السلاح الذي يميز بين الأفراد، فيقضي على غير المؤمن. ويترك المؤمن، ليس سيفاً، وإنما هو نوع آخر من السلاح غير الموجود حتى اليوم، ولكن ورد التعبير بالسيف، لأنه كان أبرز سلاح يقاتل به في فترة صدور الأحاديث، ولو كان المعصومون (عليهم السلام) يستخدمون غير الاسماء المعروفة، لكان الرواة يمتنعون من نقلها خشية أن تقابل بالسخرية والاستخفاف.
- وورد في وصف سيوف أنصاره: (ولهم سيوف من حديد، ﻻ كسيوفكم، إذا ضرب به أحدهم جبلاً قطّه) وظاهر أن السلاح الذي إذا ضرب به أحدهم جبلاً قطّه ليس سيفاً. وإنما سلاح آخر.
- وورد في كيفية انتصاره: (أنه إذا ظهر توقفت الأسلحة، فلم تتحرك في وجهه) ولعله إشارة إلى أنه يظهر بسلاح تكون الأسلحة الموجودة في ذلك الوقت رمزية أمامه. ولعله إشارة إلى أنه يستخدم نوعاً من السلاح يعطل كل الأسلحة الموجودة، أو يجمد كل الآليات المتحركة.
- وورد في وسائل انتصاره: (يسير أمامه الرعب مسيرة شهر) وفي نص آخر: (أنه يحكم بالرعب) و(ينصر بالرعب) وهذا النوع من التعبير يشير إلى أن سلاحه أو تكتيكه شيء جديد مخيف ينهار أمامه القادة، فلا يحسنون غير الاستسلام.
- وورد في وسائل الإعلام التي تعلن عن ظهوره: أنه في الليلة التي يظهر في صبيحتها: (يجعل النور عموداً بين الأرض والسماء. فتشرق الأرض بنور ربها كالنهار) ويعلم جميع الناس أن الكون يتمخض عن ظاهرة كبرى... وفي صبيحة تلك الليلة يهتف جبرئيل في الهواء: (ألا قد ظهر المهدي بمكة، فاتبعوه) فيسمع صوته جميع البشر. ويعلمون أن تلك الظاهرة انطلقت وستأخذ طريقها إلى الانتشار.
أما النصوص التي تقول بأنه يظهر بالسيف فقد يمكن تفسيرها بما يلي:
- إن السيف رمز السلاح، أو رمز القوة، فيكون معنى هذه الأحاديث: أنه يظهر بالسلاح، أو أنه يظهر بالقوة.
- ورد في بعض هذه الأحاديث أنه يحمل السيف، ومعنى حمله السيف أنه يختاره شعاراً، واختيار السيف شعاراً يختلف عن استخدام السيف سلاحاً وحيداً في معاركه، فاختيار النسر شعاراً لدولة، أو اختيار المنجل والمطرقة شعاراً لدولة، أو اختيار النخلة أو سنبلة القمح، ﻻ يعني أنها الوسائل الوحيدة التي تعتمد عليها الدولة وإنما ترمز إلى بعض المنطلقات الفكرية أو الحيوية للدولة.
- لعل المقصود من ظهوره بالسيف. إنه إذا أراد إعدام شخص أمر بضرب عنقه، انطلاقاً من التعاليم الإسلامية، التي تأمر بإراحة الضحية وعدم تعذيبه بالوسائل المختلفة للإعدام. فيكون السيف، السلاح الذي يخيف المجرمين داخل دولته، ﻻ أنه سلاحه في معاركه وفتوحاته.
- في بعض تلك الأحاديث تصريح بأن السيف الذي يحمله، هو سيف ذو الفقار، وهو السيف الذي استخدمه جدّه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في معارك الإسلام الحاسمة، وورد أنه نزل من السماء، وأصبح فيما بعد من جملة التراث المقدس الذي توارثه الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
فربما يحمله الإمام، ليرمز إلى أنه أتى لتجديد الإسلام، ولم يأت بدين جديد - كما يحلو للبعض أن يتهمه بذلك على أثر شجبه كل الاجتهاد الباطلة.
وربما يحمله ليؤكد انتسابه إلى رسول الله. دحضاً للتهم التي تطاله في نسبه نظراً لقدم عهد أبيه وظهوره في مظهر رجل بسنّ الأربعين، ورداً للتهم التي تقول: بأنه ليس من ذرية رسول الله، نظراً لقتله أعداداً كبيرة من المجرمين زعماً منهم أن ذرية رسول الله يحاولون الابتعاد عن الخوض في الدماء حتى دماء المجرمين.
وربما يحمله تبركاً به، باعتباره السيف الذي فتح الطريق أمام الإسلام.
وربما يحمله كذكرى جده أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كانت حياته كلها تضحيات مرة في سبيل الحق.
وربما يحمله، في جملة ما يحمله من مواريث الأنبياء، ومنها خاتم سليمان، وعصا موسى بن عمران، وتابوت بني إسرائيل، وأشياء أخرى، وذو الفقار أبرز تلك الأشياء، فيشتهر بأنه ظهر بالسيف.
فرفعه السيف شعاراً، أو حمله رمزاً، ﻻ يعني استخدامه سلاحاً وحيداً في معاركه، وإنما تشير جملة من الدلائل والقرائن على أنه يستخدم أسلحة أخرى، شديدة الفتك والتدمير، إلى درجة رهيبة، تخلع قلوب القادة العسكريين، فيستسلمون لتجاربها الأولية، ويستقبلونها بالرايات البيض.
والأسلحة المتطورة:
٤- وربما يستخدم الأسلحة المتطورة الموجودة في حين ظهوره، ويحرك الجيوش المتثائبة في المعسكرات، ويكون تكتيكه سلاحه الفعّال، الذي يستولي به على القواعد العسكرية، ويعتمد في تكتيكه على عنصرين المفاجئة والسرعة - كما يظهر من بعض الأحاديث -.
فلا يشترط في الثائر الذي يخترق المغيب إلى كبد السماء، أن يكون قد حشد في مغيبة قوىً أكثر من القوى المتصارعة على الأرض، وإنما يشترط أن يملك الخطة التي بها يسيطر على قوة ضارية من تلك القوى. وكل الثائرين الذين قفزوا من تحت الأرض إلى دفة الحكم لم تكن وسيلتهم سوى خطة ناجحة.
فإذا ظهر الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) وتوافد إليه حواريوه الثلاثمائة والثلاثة عشر، والتف حوله من أنصاره الأشداء حتى زادوا على ألف رجل انطلق من مكة يبسط سلطانه على الحجاز، فأيّدته المعسكرات، وسار بها إلى الشام يحتاج سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ثم انعطف نحو العراق فانفتح له، تتجمع لديه قوة عسكرية ضخمة، يستطيع أن يوجه فصائلها نحو الخليج وإيران والهند وأفغانستان شرقاً، وأن يوجه ما تبقى منها إلى أفريقيا غرباً، واستيلائه السريع على الحجاز وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق خلال أيام وبدون مقاومة تذكر من جهة، وخططه الجديدة المنتصرة من جهة أخرى ومفاجآته الخاطفة من جهة ثالثة، وانتصاراته المتتابعة التي ﻻ تتعثر بهزيمة من جهة رابعة، ترفع أنصاره فوق السحاب معنوياً ومادياً وتخفض بأعدائه تحت الصفر معنوياً ومادياً وتجعل منه قائداً مظفراً رهيباً تنخلع لاسمه قلوب وتطمئن إليه قلوب.
وطاقاته الروحية:
هذا إذا اكتفى باستخدام طاقاته المادية كقائد، أما إذا ضم إليها طاقاته الروحية كإمام، ووجد الناس - بالفعل - عناصر السماء وراءه، فرأوا الملائكة يقاتلون بين يديه ووجدوا الأموات قد نشروا من قبورهم يحملون أسلحتهم إلى شتى الجبهات للدفاع عنه، ووجدوا الإمام يأمر الصحراء أن تنخسف بأعدائه، فتبتلع الصحراء جيشاً كاملاً برمّته، ويأمر السحاب أن يدمدم على قوم فيمطرهم بالصواعق حتى ﻻ ينجو منهم أحد، ويأمر أسلحة أعدائه أن تكر عليهم فتعود إليهم الأسلحة التي في أيديهم حتى تبيدهم عن بكرة أبيهم.
فإذا استخدم الإمام كل صلاحياته المادية والروحية، فهل يجرؤ ملك أو رئيس أن يشهر نفسه - مهما بلغت قواته - لمقارعة قوى الأرض والسماء متكرّسة في شخص؟ وهل يوجد شعب يسمح لرئيسه أن يعرّضه لبطشة ماحقة تدعه بدءاً.
والطاقات البنّاءة:
هذا إذا اكتفى باستخدام صلاحياته الكفاحية فقط، وأما إذا ضمّ إليها طاقاته البنّاءة، ففجّر خيرات البر والبحر، واستمطر خيرات الجو، وجاء بالعلوم الكثيرة التي سيّرها الأنبياء على البشرية المنحرفة، فرفع مستوى العقول، وزكّى المواهب ونوّر الأفكار، وفك عقد الحياة، فمكّن الحضارة السعيدة التي ﻻ تكدرها المشاكل، وأعلن العدالة الشاملة التي ﻻ تلوّثها الجرائم، فمسح المتاعب عن الجباه، وكشف القلق والحيرة عن العيون، فإن شعوب العالم تتهافت عليه لتقديم ولائها إليه، وللانضمام إلى كنفه الوادع السعيد.
توقيت الظهور:
٥ - إن توقيت ظهوره توقيت أكثر من دقيق وأكثر من حكيم، ومن نوع ربما لم يتفق في عمر البشرية كلها بهذا الشكل الحاسم، ولهذا يكون توقيت ظهوره وحده نصف خطته، ولهذا التوقيت أهمية فرضت انتظارها مئات السنين.
ذلك أن الناس في تأرجحهم بين الأديان والمذاهب بحثاً عن الأفضل ﻻ يعتمدون على الآخرين بمقدار ما يعتمدون على أنفسهم، ولا يعتمدون حتى على الغيب بمقدار ما يعتمدون على أنفسهم - وخاصة من أقنعتهم الديالكتيك بسقوط كل المعادلات، وأوصلتهم القيادات المصلحية والانتهازية إلى حافة اليأس من إخلاص الغير، وإلى التشكيك حتى في الشعارات المخلصة - فإذا قيل لأي فرد: إن الإسلام هو المسلك الوحيد إلى السعادة الفاضلة في الدنيا والآخرة، قد يعترف به لياقة للمجتمع الذي يتظاهر مثله بالإسلام، أو مجاملةً للقائل: أو تقليداً ورثه مع ما ورثه من آبائه من التقاليد وبنى عليها تشريفاته الاجتماعية.
ولكنه ﻻ يؤمن به، إيمانه بالضوء الأحمر الذي يوقف سيارته على مفترق الطريق، أو إيمانه بختم موظف الجمرك الذي يسمح له بتجاوز الحدود، أو إيمانه بالأوراق النقدية التي يتعامل بها على ما يختار من بضائع وخدمات. فهو يؤمن بالإسلام بمقدار ما دخل في القانون والسياسة والاجتماعيات والكماليات، ولا يؤمن به كقانون يفرض نفسه بقوة البوليس، ولا يؤمن به كسياسة تضمن له مستقبلاً لامعاً.
كنتيجة طبيعية لهذه الازدواجية الناتجة من الاسترخاء الإيماني، تزعجه الحدود الإسلامية التي تمنعه من الاقتحام في بعض المغريات، ولا يجد إيجابيات الإسلام، فلا يشعر بالطمأنينة التي تركّز نزاوته وهواجسه على مطامح مشروعة، ولا يلمس السعادة التي يشيعها الإيمان حول المؤمن، ولا يتضح أمامه الخط الأفضل الذي يهدي إليه الإسلام، لأن البناء الناقص أطلال ومواد تثقل ولا تنتج.
ولهذا فالمسلم الناقص الإسلام - وأكثر المسلمين اليوم ناقصو الإسلام - يقبل الإسلام على تذمر، وهذا التذمر يأخذ أبعاده من خلال تساؤلات مصدرها معاناة، ومن خلال شبهات قواعدها محاولات للبحث عن أعذار تصونه عن لوم المجتمع إذا تحلل من مظهر الإسلام، ومن خلال انتقادات يوجهها إلى أبيه وأمه وسائر المؤمنين الملتزمين الذين يصمهم بالقشريين والمتزمتين والمتطرفين. وقد يعلن هذا التذمر، إذا التقفته كتلة تشجعه أو بديل يعتمد عليه.
ولكنه على العموم، يجب أن يحافظ على الإسلام، كمظهر من المظاهر الاجتماعية، طالما ﻻ يكلفه عناءً، فإذا اصطدم بشيء من مصالحه، أو رفع إلى أزمة عاصفة، بادر إلى التحلل منه بلا تردد، وكأنه ﻻ عهد له به.
ويبدو أن هذه الظاهرة كانت تمسح المجتمع في عهد الحسين (عليه السلام)، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء، قلّ الديّانون).
وبما أن البدائل التي طرحت مقابل الإسلام كثيرة من داخل الأمة الإسلامية وخارجها، ابتداءً من عهد الفتوحات الإسلامية التي اعتمدت السيف - ﻻ الإيمان - مدخلاً إلى الإسلام، حيث تقمصت الفلسفة اليونانية أزيائها المناسبة للتغلغل والدس في الأمة، ومروراً بعهودنا التي تسترت فيها الديالكتيك ببراقعها المتنوعة لأداء ذات الدور، وانتهاءً بعهد - ما قبل الظهور - الذي تأخذ فيه الفسفات البشرية أقنعتها وواجهاتها المشكلة للقيام بمهمة تمزيق الأمة من داخلها، وبالفعل أدت إلى انشقاق الأمة طوائف وفرقاً تنبأ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بأمهاتها يوم قال: (... وستفترق أمتي بعدي ثلاثاً وسبعين فرقة...)... وأما البدائل التي من خارج الأمة في صيغ أديان وفلسفات سابقاً. وفي صيغ أحزاب ومبادئ حالياً، فإحصاؤها يحتاج إلى قاموس يسع مجلدات.
البشر في كل الاتجاهات:
- وبما أن البشر يعتمد على تجربته الشخصية أكثر مما يعتمد على تجربة غيره، وحتى أكثر مما يعتمد على الغيب - إذا كان مؤمناً به -.
- وبما أن لكل جديد وهجاً يغري، وكيل الوعود جزافاً سهل، والغريق يبحث عن أي يد تمد إليه.
- وبما أن البشر - ﻻ زال - يعتقد بأنه قادر على استيعاب الحياة، وعلى وضع أفضل الخطط التي تسعده عبر الحياة وتستنفد أهدافه فيها، وعلى قيادة نفسه بنفسه في معزل عن السماء.
بذلك كله، اندفع في كل اتجاه من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، يلبي كل نداء، ويتحرك مع أية ريح كما أتقن وصفه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (... وهمج رعاع. أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، ﻻ يلجئون إلى ركن وثيق، ولا يستضيئون بنور العلم..). فكانت حصيلته تناقضات عشوائية، الناجح فيها هو الأقوى في النطاح، والفاشل فيها من له أدنى تروٍّ وأناة، وضياع في خطوط متحركة ودوامات تدوخ وتبتلع، وتضحيات هائلة في الأرواح والأعصاب والأفكار، يتبعها تخلف وقنوط.
وهذه الرحلة: رحلة التجربة التي بدأتها الأمة - بعد فترة وجيزة من تكوّنها - عبر الأديان والفلسفات والأحزاب والمبادئ، بحثاً عن الأفضل، بعد انحرافها عن دينها الحق، على إثر عوامل كثيرة أهمها:
- اتجاهها إلى قيادة مفروضة عليها، ومحسوبة عليها، واضطهادها قادتها السماويين.
- وعدم استيعابها دينها الحق، نتيجة لانجراف عديد من الرواة والمحدثين الذين ائتمنوا على سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في تيار تلك القيادة المفروضة المحسوسة على الأمة.
على أثر ذلك أصيبت الأمة، وأصيب البشرية. أصيبت الأمة بإصابتين:
- أصيبت الأمة في ذاتها كخير أمة أخرجت للناس، يفترض فيها أن تكون أكثر الأمم مناعة وسعادة، فكانت أكثر الأمم تمزقاً وشقاءً، كما تنبأ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) حين قال: (تتداعى عليكم الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها...)، (... تأتيكم الفتن كقطع الليل المظلم... تدع الحليم حيران...) (... قالوا: أوَ عن قلة فينا يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكن غثاء كغثاء السيل).
- وأصيبت الأمة في مركزها، كأمة مرشحة لقيادة البشرية جمعاء، فلم تكن أمة قائدة لبقية الأمم، ولم تكن أمة قائدة لأمة أخرى تقودها إلى الخير أو إلى ما يمكن أن يسمى خيراً، وإنما كبقرة حلوب تحلب ولا تسمن، أو كما في بعض الحديث: (.. غرضاً يرمى...).
وأصيبت البشرية بإصابة واحدة:
أصيبت البشرية في قيادتها الروحية، فخسرت القيادة التي تبشرها بحضارة الروح، وتضمها إلى حضارة المادة، ووجد في ظل تفاعل هاتين الحضارتين مجتمعاً إنسانياً غنياً بمعطيات تلبي كل نداءات الإنسان، وتدفع عجلة التطور إلى الأمام بمحركين. فبقيت البشرية - بما فيها الأمة الإسلامية - تعاني صراعاً داخلياً حاداً بين العقل والضمير الأخلاقي من جهة، وبين الغرائز من جهة. والعقل معصوم ﻻ يتلوث بالشذوذ، فهو رسول من رسولي الله إلى الإنسان كما في الحديث: (إن لله على الناس حجتين: رسول باطن هو العقل، وعقل ظاهر هو الرسول). والضمير الأخلاقي حرّ شجاع ﻻ يصمت ولا يتلعثم، فهو محكمة الله في داخل الإنسان، المعبّر عنه في منطق القرآن (بالنفس اللوّامة) [سورة القيامة: الآية ٢]. (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) [سورة القيامة: الآية ١٥]. إلا أن العقل والضمير ﻻ يكفيان لقيادة الإنسان فالعقل، وإن كان قوي الحجة، واضح الصوت، إلا أنه يشبه رجل الدين الحصيف الجليل، الذي يعترف به الجميع. ولا ينفذون كلمته. لأنه غير مسلح بالإرهاب والإغراء.
والضمير الأخلاقي، وإن كانت محكمته مستمرة طول العمر، وصوته جهوري يعكره سعادة من يخالفه نهاراً ويؤرقه ليلاً، إلا أنها تشبه المحاكم العائلية، التي تصدر أحكاماً خلقية للتنبيه، أو تصدر أحكاماً قضائية مع وقف التنفيذ. والإنسان ﻻ يخضع إلا للقوة المنفّذة.
بينما الغرائز تشبه عصابة مغامرة من الشباب الأقوياء، التي ﻻ تتورع عن شيء في سبيل مآربها، فيجتاح منطق العقل والضمير الأخلاقي، بغرورها العنيف. وربما تسخر العقل من أجل التخطيط لمآربها بالعنف، كما قد تسخر العصابات الشريرة، الخبرات الخيرة لجرائمها تحت التهديد بالقوة.
إذن فالعقل والضمير الأخلاقي ﻻ يكفيان لتوجيه الإنسان وقيادة غرائزه، ولذلك كان العقل والضمير الأخلاقي يستغيثان السماء دائماً، لإمدادهما بالرسل.
الإنسان في التجارب المرة:
والإنسان طالما آمن بنفسه في ظل فكرة الديموقراطية التي تجعل الشعب صنماً يعبد من دون الله. وكالما اقتنع بأنه يستطيع قيادة نفسه بدون مدد من السماء. وطالما بدأ رحلته التجريبية عبر الأديان والمذاهب والمبادئ والأحزاب وسائر ما قد يطرحه الفكر البشري للتجربة. وكلما استغنى بالقيادات البشرية التي يختارها بخبراته، عن القيادات الإنسانية التي تختارها السماء، فعليه أن يكمل الرحلة حتى نهاية المطاف، وأن يجرب كل ما ينتجه الفكر البشري من طرائق ومناهج، وأن يختبر كل أنواع القيادات الفردية والجماعية، وأن يمتحن قدراته من خلال آلاف التجارب والاختبارات التي يمارسها على مختلف الشعوب في شتى جنبات الأرض.
حتى إذا فشلت تجاربه كافة، وأفلست قياداته جمعاء، فوجد المجاعات تكتسح الجماعات كما تكتسح رياح الخريف أوراق الشجر، ورأى البؤس والشقاء والكآبة في كل الوجوه... عند ذلك يبلغ به اليأس من نفسه مبلغ القنوط، يكفر بكل شيء اسمه فكرة ومبدأ... ويلعن كل شيء اسمه قيادة وقائد... ويحارب كل ما يعبّر عن تأليه الشعب وعصمته... فتنهار الأنظمة والحكومات. وتتخلى الأجهزة الرسمية والهيئات الدولية، وتتفكك الجيوش والتكتلات فيتسابق الأقوياء لنهب الضعفاء ويستأسد الضعفاء للدفاع عن أنفسهم وصيانة حقوقهم، فليجأ كل إلى سلاحه، ولا يطمئن أحد إلى كفاحه، فتعم الفوضى مسلحة بالعلم والآلة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. فتعود البشرية كلها أيد ترفع إلى السماء، وتنقلب الأنفاس دعوات تتسابق إلى الله، وتغدو النظرات توقعات ترقب الأفق البعيد، بانتظار تفجير المعجزة، وإظهار المصلح الموعود، فحينئذ يظهر الإمام المنتظر، ليجد الناس يرددون كلمته قبل أن يقولها هو، ويقضون على من يريدون مقاومته قبل أن يقضي عليهم هو، فيمشي على الحرير بلا عثرات.
الاعتراف بالعجز:
٦- إن العقل إذا فقد المدد الخارجي، واستفردته الغرائز، يعجز عن مقاومتها، فلا يستطيع الهيمنة على الفرد، وإذا عجز عن بناء شخصية الفرد، ﻻ يستطيع تكوين جبهة تهيئ المناخ المناسب لمن يريد الانضمام إليها، مقابل جبهة الغرائز التي تهيئ المناخ المناسب لمن يريد الانضمام إليها.
ومهمة الأنبياء - في مجال المجتمع - تتلخص في إمداد العقل، لتكوين جبهة، تهيئ المناخ المناسب لمن يريد الانضمام إليها، حتى يجد كل فرد نفسه أمام طريقين، ومردداً بين خيارين كما يقول القرآن الكريم: (وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة) [سورة البلد: الآية ١١]. وأما أولئك الذين وهبهم الله عقولاً وإرادات جبّارة، يستطيعون بها أن يمارسوا الإيمان عقيدة وحياةً في المناخ المضاد، فهم ليسوا من مصاف البشر العادي، وإنما هم من مصاف الأنبياء، واعتبرهم النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) إخوانه في الحديث المعروف الذي قال فيه: (آه، شوقاً إلى إخواني...).
فإذا لم يستقبل العقل مدد السماء، وفقد سلطانه لتقنين الغرائز، فإنها ستتمرد عليه تدريجاً، وتستخدمه لأغراضها، والعقل ﻻ يكف عن إطلاق نداءاته، فإنه يستخدم رغم نداءاته وضد أهدافه، فالمجرمون المحترفون - جميعاً - يستخدمون عقولهم في التخطيط لجرائمهم - وسواء أسميناه عقلاً أو فكراً، فالنتيجة واحدة -.
وإذا تنكرت الغرائز للعقل، فإنها تسعى لتقنينه، وتأخذ في النمو بشكل تصاعدي حتى تغطي ظاهرة الحياة الفردية والاجتماعية - كأي نبات تحرر من ضوابطه، وكأي حيوان فقد ضوابطه، وكأي فرد من البشر استطاع التمرد على ضوابطه -.
وعندئذ، تبدأ الغرائز بالخروج من الأطر التي يرسمها لها العقل، وتعمل لتبرير هذا الخروج، وإسباغ الشرعية عليه، بسنّ القوانين التي تصدر لتبريرها أكثر مما تعمل لتحديدها، وما أسهل إسباغ الشرعية على نزوات الغرائز، طالما القوانين تصدر عن مجموعة من نفس البشر الذي أطلق غرائزه، فلا يبقى شيء من المعاصي إلا ويبرره القانون بشكل من الأشكال، وإذا كانت المعاصي كلها شذوذاً، فالمجتمع الذي ينخر فيه الشذوذ ﻻ بد أن ينتهي بالانهيار.
ولنأخذ مثلاً لذلك، غريزة حب السلطة والاستعلاء، هذه غريزة كبحها العقل القرآني بإعلان غلق أبواب السماء في وجهه من يمارسها: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين ﻻ يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين) [سورة القصص: الآية ٨٣]. ومعلوم أن هذه الآية ﻻ تلغي هذه الغريزة في المجتمع، ولكن شتان بين أن تمارس علناً، وبين أن تموه في أهداف مشروعة، حذراً من أن يكتشفها المجتمع، فتأتي النتائج عكسية.
ثم جاءت وبرزت هذه الغريزة في أساليب الاعتراف بحب الاستعلاء الثورية والانتخابية، والحزبية، وغيرها. فانطلق أصحاب هذه الغريزة لممارستها بلا قناع، وإذا كانت هذه الغريزة ﻻ تقف عن حدّ، وإذا كان أصحابها كثيرون، وإذا كانت المجالات التي يمكن التزاحم عليها محدودة، فمن الطبيعي أن ينقلب مفهوم (تعاون البقاء) الإنساني النبيل إلى (تنازع البقاء) الوحشي الرخيص.
وبمقتضى مشروعية (تنازع البقاء) يسعى الأفراد من داخل الأسرة الواحدة، إلى تحشيد ما يمكن تحشيده من أفراد وأشياء، لممارسة (تنازع البقاء) على أي شيء يمكن التنافس عليه.
وبمقتضى مشروعية (تنازع البقاء) يبقى الحق دائماً مع الأقوى، لمجرد أنه أقوى، فالناجح في ممارسة حق (تنازع البقاء) المشروع، عظيم تظفر لمفرقه أكاليل الغار، وليس جانياً يعاب أو يلام.
وهكذا تتكون التكتلات المسلحة بالأسلحة المناسبة لكل مرحلة، ابتداءً من الأشقاء في الأسرة الواحدة، ومروراً بالمدرسة والسوق والشارع، والدوائر الانتخابية، والمجالس الرسمية، والمحافل الدولية، والدول الكبيرة، ثم تشتعل بينها الحروب المشروعة - حسب المبدأ المذكور بأشكالها المختلفة.
وإذا كانت الثروات الطبيعية والعلوم الحديثة، ومبدأ (سباق التسلح) مكنت الدول الكبار من إعداد معدات عسكرية تكفي لإبادة الحياة على وجه الأرض ملايين المرات. وإذا كان تجويع شعوب العالم لأجل التوفير على المعدات العسكرية مشروعاً حسب مبدأ (تنازع البقاء) وطبق القوانين الصادرة من المجالس - ذات الصلاحية - وإذا كان تحريك هذه المعدات لتدمير الحياة على الأرض - أيضاً - مشروعاً اتخذ بشأنه قرار الدول الكبار وفق معادلات معينة وبأسباب معينة، وإذا كانت مطامع الدول الصناعية القوية تدفعها إلى احتلال الدول الغنية بالمنتجات الأولية وفق مبدأ (تنازع البقاء) فمن الطبيعي جداً أن يأتي الوقت الذي يتحرك فيه جنون بعض قادة العالم - على إثر عصرات قوية - فتنطلق فيه جميع المعدات العسكرية للانقضاض على بعضها - اتباعاً لفكرة الضربة القاضية - فتشتعل المدن الكبار، لتتحول خلال دقائق إلى محارق لعشرات الملايين من البشر، وتنتشر في الأجواء سحب ذرية بحثاً عن بقايا البشر، لإصابتها بالعاهدات المخيفة فتنفرط الحكومات وأجهزة الأمن والشرطة، ولا يبقى إنسان قادر على الحركة إلا ويكون مذعوراً قلقاً معطل المشاعر، ﻻ يدري أيبكي أقربائه الذين ماتوا قتلاً أو حرقاً؟ أم يواسي الآخرين الذين جرحوا وتشوهوا؟ أم يحمي نفسه من الغارات والمخاوف المتوقعة؟ أم يبحث عن القوت والسلاح والمال والمكان وسائر الأشياء التي قد تمد في حياته؟؟
هكذا يفقد كل إنسان توازنه، وتتفاعل فيه المخاوف والمطامع، عالماً بأن أجهزة الحكومات قد تعطلت فلا يحميه إلا نفسه، ولا يعاقبه إلا ندّه، فيتحرك عشوائياً يقتل وينهب ويغتصب ويدمّر، طاغياً خائفاً، فيسود القطاعات البشرية المتبقية طوفان عارم من القلق والفوضى، ويصبح كل فرد ظالماً أو مظلوماً، أو ظالماً ومظلوماً في آن واحد.
في مثل هذه الأوضاع الموحشة القلقة التي قضت على ثلثي البشر، وبقي الثلث الآخر بين الأنقاض والأشلاء والرماد يعاني الموت بالتقسيط، ينطلق صوت العدالة والسعادة فتمتصه المشاعر قبل الآذان، وتصفق له القلوب قبل الأكف.
والناس إذا أصيبوا يبحثون عن الملجأ مهما كان، فكيف إذا كانت الإصابة رهيبة كتلك والملجأ وديعاً مثل هذا؟
في حين الظهور:
٧- إن الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) عندما يظهر بفتح طريقه بقوة السلاح من الحجاز عبر سوريا والأردن إلى فلسطين، وهناك يذهب إلى بيت المقدس لأداء الصلاة، وحينما يتقدم الصفوف ويهم بتكبيرة الإحرام، ينزل المسيح (عليه السلام) من السماء الرابعة إلى بيت المقدس، فيتراجع الإمام المهدي (عليه السلام) من المحراب ويقول للمسيح: (تقدم فصلِّ بنا يا روح الله) فيأخذ المسيح (عليه السلام) بعضد الإمام المهدي (عليه السلام) ويعيده إلى المحراب، ويقول له: (بك تقام الصلاة) فيتقدم الإمام المهدي ويقتدي به المسيح، وعندما يرى المسيحيون أن المسيح يصلى خلف المهدي يؤمنون به بلا قتال.
والمسيحيون - اليوم - يشكلون الأكثرية الساحقة في الدول الكبار، فإذا استسلمت له الدول الكبار، فإن بقية الدول تعلن ولاءها له رغباً ورهباً.
ونحن نرى - في أيامنا هذه - أنه ﻻ يظهر ثائر، إلا ويشغل كل الدوائر السياسية في العالم، ويضع كل أفراد شعبه أيديهم على قلوبهم خشية بطشه، رغم أن الثائر ليس إلا رجلاً عسكرياً استخدم تكتيكاً معيناً للسيطرة على عاصمة بلاده، ورغم أن الناس تعودوا أن يستفيقوا على الثورات، وعرفوا حدود الثورات، ووجدوا أن الثائر صبيحة ثورته أكثر الناس فزعاً من المعاكسات، فيبادر إلى غلق الحدود مع جيرانه، والمفاوضة مع السفارات المعتمدة في بلاده، والمعسكرات النائية، وربما يتنازل لها عن كثير من كرامته وكرامة بلاده، للاطمئنان على حياته. فكيف إذا ظهر قائد فتح مجموعة من البلاد وأسقط عدة حكومات، واستسلمت له الدول الكبار خلال أيام؟
الولاية التكوينية للإمام (عليه السلام):
٨- في الأحاديث المنقولة بهذا الخصوص دلالات واضحة على أنه يستخدم ولايته التكوينية لبسط سلطانه على الأرض، فهو وعد الله الذي ورد في القرآن: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني ﻻ يشركون بشي شيئاً...). فإذا شاء الله أن يمكّنه في الأرض كما مكّن سليمان ويوسف (عليهما السلام)، فإن الأمر لا يحتاج إلى أن نجهد نحن للتعرف على كيفية انتصاره.
نشر العدل العام:
٩- بالإضافة إلى أنه يطمئن الناس إلى عدالة قضيته، عن طريق المعجزات التي تحفّ بحركته، وعن طريق إظهاره مواريث الأنبياء، وإذا اطمأن الناس إلى عدالة شخص أسرعوا إلى التجاوب معه. والناس دائماً يلتفون حول من يحسن رفع شعار الحق وإن كان مبطناً بالباطل، فكيف إذا اطمأنوا إلى شخص أنه حق ﻻ يشوبه باطل.
ظاهرة التشكيك في حياته (عليه السلام):
- الظاهرة الثالثة، وهي ظاهرة التشكيك في حياته حتى الآن...
ويمكن مناقشة هذه الظاهرة علمياً ودينياً.
تفنيد التشكيك علميّاً:
١- أما مناقشته علمياً فكما يلي:
الأول: إن التفوّق موجود في جميع الموجودات، ابتداءً بالجمادات والنباتات وانتهاءً بالحيوان والإنسان، وذلك على إثر تغيير بسيط في التركيب الكيمياوي أو الفسيولوجي... ففي الأجرام الفضائية توجد نجوم تفوق جميع النجوم في حجمها وكهربتها وعمرها نتيجة لتوفر مواد فيها غير متوفرة في بقية الأجرام الفضائية. وفي النباتات تظهر نباتات متفوقة في الحجم والفاعلية، وهكذا في الحيوان والإنسان. والعاديات تشكل طبقة مألوفة، ثم ترتفع فوقها طبقة المتفوقات، التي تعلو عليها جميعاً قمة المتفوقات، وتكون خارجة على المألوف وخارقة للعادة بفاصل كبير، وإذا كان لكل فصيل من الكائنات متفوق يظهر في زمان، فماذا يمنع أن يكون الإمام المنتظر قمة العمرين، وظهر في هذا الزمان لفارق في تركيبه الجسماني.
ولا نريد أن نملأ الصفحات بذكر النماذج المتفوقة، فإن دراسة لعلوم الطبيعيات تشهد بوجود التفوق في جميع المخلوقات.
الثاني: إن العلم ﻻ يستطيع أن ينفي شيئاً، لأنه ليس إرادة تفرض على الكائنات، وتحدد مسارها، وإنما هو انطباع حاصل من استقراء بعض الكائنات، وليس حاصلاً عن استقصائها جمعاء، لأن البشر وإن استطاع استقصاء جميع المصاديق المعاصرة من فصيل مطروح للدرس، فإنه ﻻ يستطيع استيعاب الزمان حتى يستقصي جميع المصاديق، فيأخذ عنها انطباعاً مطمئناً إلى اعتماده على الاستقصاء، واستقراء بعض المصاديق يولد انطباعاً يصلح لتوسيع (أرشيف المعلومات) ولا يولد قاعدة ثابتة يمكن الاعتماد عليها للحكم على ما لم يتم استقراؤه من المصاديق. وقد ثبت في (علم المنطق): (أن الجزئي ﻻ يكون كاسباً ولا مكتسباً) ويعني بالجزئي كل استقراء لم يستوعب الكل ولو بانفلات مصداق واحد.
لذلك يبقى العلم التجريبي في نطاق (النظرية) أو (الانطباع) الذي يصلح لإعطاء فكرة عن الفصائل المدروسة، ولا يصلح قاعدة لمعرفة كل مصاديق هذه الفصائل، فلهذا نجد الكائنات تواصل تطورها وتوالدها، ونجد العلماء يسيرون خلفها لالتقاط مزيد من الصور. لتوسيع أرشيف معلوماتهم، وهم يغيّرون معلوماتهم كلما وجدوا نموذجاً يختلف عن النماذج المعروفة.
- مثلاً كانوا يقولون بوحدة أصل الأنواع، وبأن القرد أصل الإنسان، ثم غيّروا معلوماتهم بهذا الخصوص.
- وغيروا معلوماتهم حتى الآن عدة مرات في تحديد تاريخ الإنسان على الأرض.
- وغيروا معلوماتهم في طريقة تكوّن الأرض، وفي المواد التي يتكون منها النفط. وغيروا معلوماتهم بالنسبة إلى أشياء كثيرة فيما يتصل بالأجرام الكونية، والشهب والزلازل، والمعادن، وعدد العناصر الأولية للكون، والطب وغيرها... حتى أصبح تغيير المعلومات شيئاً سهلاً ومألوفاً ﻻ يفاجئ أحداً ولا يعاب عليه أحد، فما من كشف جديد إلا ويساوي تغيير سلسلة من المعلومات:
والعلماء يرون اليوم أن تركيبة جسم البشر المعروف حالياً ﻻ يتحمل البقاء طويلاً، وهم يبحثون عما يساعده على البقاء لفترة أطول. وهذا يعني عدم استحالة البقاء الطويل، كما يعني أنهم يتوقعون العثور على وسيلة للبقاء الطويل، فلا مفاجئة إذا عرفوا شخصاً عثر على تلك الوسيلة وجربها في نفسه.
الثالث: لقد توصل علم الطب إلى أن الجسم البشري صالح للبقاء الطويل إذا لم يتعرض لنكسات صحية، ذلك أن الجسم مركب من خلايا عادية وخلايا نبيلة، فالخلايا العادية، وإن كانت تستهلك بسرعة على أثر الفعاليات العضلية، إلا أن الجسم مزود بأجهزة لتوليد كل أنواع الخلايا العادية التي يحتاجها الجسم. والخلايا النبيلة وإن كان عددها معيّناً منذ الولادة، ولا يوجد في الجسم جهاز لتوليد بدل ما يتحلل منها، إلا أنها قوية وصالحة للقاء الطويل إن لم تتعرض لصدمات.
صحيح أن الإنسان قد يولد وهو يحمل في داخله آفات تفتك به من الداخل باستمرار، وصحيح أن البيئة المعاصرة ملوّثة تحرم جسم الإنسان من الظروف الصحية الملائمة، ولكن هذا ﻻ يعني أنه ﻻ يمكن لأي إنسان أن يتخلص منها، فإذا ولد إنسان سليماً من الآفات الداخلية، وتخلص من البيئة الملوثة، فالمفروض أن يعمر طويلاً.
الرابع: إن تجارب التحنيط أثبتت أن الجسم البشري قابل لمقاومة الزمان مدى السنين، بمسحة بسيطة من مواد كيماوية اسمها (المومياء) وخلايا جسم الميت - رغم عدم تجددها - إذا كانت صالحة للبقاء، فهل تكون خلايا جسم الحيّ - مع تجددها - غير صالحة للبقاء، غير أن البشر استطاع أن يعرف وسيلة لحفظ جسم الميت ولم يستطع أن يعرف وسيلة لحفظ جسم الحيّ، ولكن نجاح التحنيط ألقى الضوء الأخضر على طريق البقاء.
الخامس: إن التشكيك في طول عمر الإمام المنتظر ناتج من (استبعاد) أن يعيش إنسان أكثر من ألف عام في الوقت الذي ﻻ يعيش الناس - غالباً - مائة عام، و(الاستبعاد) ليس دليلاً علمياً، فكل علماء الأمس كانوا يقولون: (استبعاد) أو (استحالة) جميع حصائل العلم الحديث اليوم، وكل علماء اليوم يقولون: (استبعاد) أو (استحالة) أشياء ستحقق في الغد. فـ (الاستبعاد) ليس دليلاً يمكن الاعتماد عليه لنفي شيء.
تفنيد التشكيك دينياً:
٢- وأما مناقشته دينياً فكما يلي:
الأول: تقول المصادر الدينية بأن العديدين من البشر عاشوا طويلاً، فالنبي نوح كانت فترة رسالته قبل الطوفان تسعمائة وخمسين سنة كما يقول القرآن الكريم: (فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان)(٤) وحياة نوح وسعت ثلاث مراحل، المرحلة الأولى، تبدأ بميلاده وتنتهي ببعثته رسولاً إلى قومه. المرحلة الثانية، تبدأ ببعثته رسولاً إلى قومه وتنتهي بالطوفان، المرحلة الثالثة تبدأ بالطوفان وتنتهي بوفاته. وفي بعض الحديث أن مجموع حياته بلغت ألفين وخمسمائة سنة(٥).
والحضر وإلياس كانا من قبل موسى بن عمران، ولا زالا حيين يرزقان. وعيسى ابن مريم ولد قبل حوالي ألفي سنة وعاش إلى اليوم، ولن يموت قبل أن ينزل من السماء، ويوجّه المسيحيين إلى الدين الحق، كما يقول القرآن: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً) [سورة النساء: الآية ١٥٩](٦). والأعور الدجال كان قبل أيام النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ولا زال حياً. وسيبقي حتى يقتل بيد عيسى ابن مريم عند ظهور الإمام المنتظر، وعوج بن عناق - سبط آدم - عاش ثلاثة آلاف سنة حتى قتله موسى بن عمران. حسب النصوص الواردة في شأنه.
وإذا عاش غير الإمام المنتظر طويلاً فماذا يمنع أن يعيش الإمام المنتظر طويلاً، وهو لم يبلغ حتى الآن من العمر ما بلغه أولئك.
سؤال: إذا كان الإنسان القديم يعيش طويلاً، فلأن معدل الأجسام والأعمار لكل الكائنات الأرضية كان أعلى نتيجة لفتوّة الأرض وقوة حرارتها الباطنية، أما في هذه الفترة من عمر الأرض، التي انخفضت فيها حرارة الأرض الباطنية، وبالتبع انخفضت معدل جميع الكائنات الأرضية فلا يمكن لإنسان أن يعيش أطول من المعدل بكثير.
جواب: أولاً: صحيح أن نسبة الحرارة الباطنية للأرض تنعكس على معدلات الكائنات الأرضية، ولكنها ليست السبب الوحيد لتحديد تلك المعدلات، فالتركيبات الكيمياوية هي التي تقرر المعدلات، وحرارة الأرض تساهم في تقرير المعدلات عن طريق انعكاسها على التركيبات الكيمياوية، فإذا أمكن التوفير على تلك التركيبات ارتفعت المعدلات حتى مع انخفاض حرارة الأرض، وإذا حدث التهريب لنسبة معينة من تلك المركبات انخفضت المعدلات حتى مع ارتفاع حرارة الأرض.
ومن هنا تسود الأوساط العلمية فكرة تسميد الكائنات النباتية والحيوانية بالمواد الكيمياوية لتصعيد معدلاتها.
ثانياً: إن أكثر المعمرين الذين ذكرناهم ﻻ يعتبرون من الإنسان القديم، لأنهم لازالوا أحياء حتى اليوم، كالخضر وإلياس والمسيح والدجال.
الثاني: تؤكد النصوص المبشرة بالإمام المنتظر، على أنه هو المهدي بن الحسن العسكري بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأنه هو الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن تملأ ظلماً وجوراً، وقد وردت بشأنه تلويحات سماوية في الكتب المقدسة، وتصريحات نبوية عن جميع الطرق الإسلامية، والنصوص التي تصرح باستمرار حياته حتى يظهر ويظهر الله به دينه على الدين كله مستفيضة إن لم تكن متواترة.
والأحاديث التي وصلتنا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حول المهدي المنتظر. ونسبه ومواصفاته النفسية والجسدية. تتجاوز ألف حديث (نذكر في هذا الكتاب قسماً منها) وردت بجميع الطرق الإسلامية وتتواجد في كافة الصحاح والمجاميع المعتبرة، وبأسانيد فيها مجموعة موثقة لدى جميع المسلمين.
وهل باستطاعة مسلم أن يجد هذا الحشد الكبير من الأحاديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم ينكر محتواها؟ مع العلم بأن المسلمين يأخذون بالخبر الواحد. وبالسند الواحد إذا كان موثقاً.
الثالث: إن الناس - عادة - إذا وثقوا بشخص أو بمصدره يقبلون كل ما يصلهم منه ويخطئون أنفسهم إذا لم يستطيعوا هضم بعض ما يصلهم منه، فأنت تضع نفسك في كف قائد طائرة تقلها، وأنت ﻻ تعرف شخصه ولا شيئاً من خبره ثقةً بإدارة شركة طيران ﻻ تعرف شيئاً منها، رغم كل ما تسمع وتقرأ عن أخطاء قادة الطائرات، وربما تسلم قلبك أو دماغك لمبضع جراح، ثقة في المعاهد التي تخرّج الأطباء، رغم كل ما يتناهى إليك من زيف الشهادات ومداهنة المعاهد لطلابها، والجندي يخوض معركة ساخنة فيها الموت، ثقة بقيادته التي قد يعرفها بالطيش والمجون... وهكذا الناس يتعاملون مع المصادر التي استقطبت ثقتهم فيما يفهمون وفيما ﻻ يفهمون من توجيهاتها اتكالاً على ثقتهم بها، ويسفهون أنفسهم فيما يستغربون تطميناً لتلك الثقة أن ﻻ تخدش. فالأحرى بمن آمن بالله ورسله ورسالاته، إيمان العقل والقلب والضمير. أن ﻻ يتردد في قبول ما قد يبدو له لديه مستغرباً أو مستبعداً، خاصة وهو يعلم أن قدرة الله مطلقة، وأن الله ﻻ يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وإذا سألت أحد المؤمنين بالله: هل يستطيع أن يخلق من هذه الأرض. ومن مثل هذه البيئات المعاصرة، إنساناً يعيش بكامل نشاطه النفسي والجسدي ملايين السنين دون أن يهدّه الزمان؟ فسيكون الجواب حتماً بالإيجاب. وطالما هو يحمل مثل هذا الإيمان بقدرة الله، فكيف يمكن له أن ينكر أو يشكك في حياة إنسان عاش ألفاً واحداً من السنوات، بعد أن ثبت في الأوساط المعبرة عن الله، أن الله خلق هذا الإنسان، ولا يزال يهيئه لإحداث تطور عالمي كبير.
فالإيمان بالله، والعلم بأن رسول الله قد أخبر بالإمام المنتظر، ﻻ يتوافقان مع إنكاره أو التشكيك فيه مهما كانت المبررات. والذي ينكر الإمام المنتظر أحد شخصين: إما غير مؤمن بالله في قرارة نفسه وإن تظاهر بالإيمان، فيأخذ بمعطيات عقله على حساب مقتضيات إيمانه. وإما شاك في أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد أخبر بالإمام المنتظر.
فعلينا أن نحول الشخص الأول على الأدلة التي تقول بأن وجود إنسان ألف عام أو أكثر ممكن علمانياً، وأن نحول الشخص الثاني على المصادر التي يأخذ منها دينه ليجد فيها وجه الإمام المنتظر.
فائدة الإمام الغائب
الظاهرة الرابعة: وهي ظاهرة التشكيك في فائدة الإمام الغائب، فيمكن مناقشة هذه الظاهرة بما يلي:
الولاية التنفيذية:
١- إن الإمام - بمفهومه اللغوي - مطلق من يُؤتم به، أي يُقتدى به، سواءً كان المقتدي به كثيراً أو قليلاً وسواء أكان الذي يقود عبره حقاً أو باطلاً، فإمام الجماعة إمام لأن من هم خلفه يقتدون به في تنظيم حركات الصلاة، ورئيس الدولة إمام لأن من هم في دولته يتقدون به في تنظيم تصرفاتهم الجسمانية، والنبي إمام لأن من هم في محيط دعوته يقتدون به في تنظيم تصرفاتهم الروحانية فقط، إذا كانت رسالته روحانية بحتة، أو يقتدون به في تنظيم تصرفاتهم الروحانية والجسمانية معاً، إذا كانت رسالته روحانية وجسمانية معاً. وبما أن الإمام - بمفهومه اللغوي - مطلق من يُقتدى به، بغض النظر عن نوعية الخط الذي يقود عبره، عبّر الله تعالى عن الفراعنة، بـ (أئمة) فقال: (... وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) [سورة القصص: الآية ٤١] كما عبّر عن الأنبياء من أولاد إبراهيم (أئمة) فقال: (... وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) [سورة الأنبياء: الآية ٧٣].
والإمام - بمفهومه الاصطلاحي - كل من يخوله الله قيادة تكوينية، وإذا لم يخوله الله قيادة تكوينية، فليس إماماً، حتى ولو كان نبياً، وحتى ولو كان رسولاً، وهكذا يختلف مفهوم (الإمام) عن مفهوم (النبي) كما يختلفان عن مفهوم (الرسول). وإذا أردنا إيضاح الفارق بين هذه المفاهيم علينا أن نقول:
النبي والنبوة:
أ - (النبي) هو الذي ينبئه الله ويخبره مباشرة بما يشاء، والنبوة رتبة ينالها كل من علم الله تعالى فيه كمالاً روحياً يؤهله للاطلاع على ما وراء المحسوسات بالحواس الخمس، فيمنحه الله سبحانه قدرة على رؤية ما وراء الحجب والمسافات ورؤية الروحانيات كالملائكة والجن والشيطان وقد سجل الله تعالى هذين الأمرين لإبراهيم الخليل (عليه السلام) في القرآن حيث قال: (... وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات) [سورة الأنعام: الآية ٧٥]. كما أن الله يمنحه كرامة عظمى، فلا يتصل به بواسطة رسول من الناس، وإنما يتصل به وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل إليه رسولاً من الملائكة، فيكون متصلاً بالسماء مباشرة، وإن كان قد يأمره الله بالتنسيق مع نبي معاصر له، أو باتباع رسول سبقه، مع بقائه نبيّاً ينبئه الله بصورة مستقلة ومباشرة.
فيشبه - في العرف الدوبلماسي - السفير الذي تأتيه الحقيبة الدوبلماسية مباشرة، ولا يكون كالقنصل الذي يستقبل الأوامر الصادرة إليه من حكومته بواسطة سفير، وقد نصت بعض الأحاديث الشريفة على أن الرسل سفراء الله.
والنبي قد يؤمر برسالة معينة إلى الناس فيكون نبيّاً رسولاً وقد ﻻ يؤمر برسالة إلى الناس، وإنما بمهمات خاصة خارجة عن لطاق الشرائع، فيكون نبياً غير رسول.
الرسالة والرسول:
ب - و(الرسول) هو الذي يؤمر - من قبل الله - بتبليغ رسالة معينة، سواء أكانت تلك الرسالة موجهة إلى أناس معينين أو إلى الناس أجمعين، فبخصوص يونس بن متّى يقول الله تعالى: (... وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون)(٧). بينما يقول للنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله): (... وما أرسلناك إلا كافة للناس)(٨) وسواء أكان ذلك الرسول مأموراً من قبل الله مباشرة أو بواسطة رسول من الناس، فمثلاً قال الله تعالى لموسى بن عمران - عنه وعن أخيه هارون -: (... اذهبا إلى فرعون)(٩) و(اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري)(١٠). فيما قال عن ثلاثة من رسول عيسى ابن مريم: (... إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث)(١١). وفي بعض الحديث، أن هؤلاء الثلاثة لم يكونوا ممن يستقبلون الرسالة مباشرة من قبل الله، وإنما كانوا من المؤمنين برسالة عيسى ابن مريم.
و(الرسالة) شريعة، قد تكون شاملة تعطي فلسفة الكون والحياة والإنسان وتنظيم نشاطات الإنسان بجانبيها الروحي والمادي، وربما تكون محدودة تعطي فلسفة الكون والحياة والإنسان فقط، أو تنظم النشاطات الروحية فحسب. وربما تكون محصورة بتصحيح بعض الأخطاء الطارئة على مسيرة قوم مؤمنين.
و(الرسالية) صلاحية يخولها الله تعالى لمن تتوفر فيه مواصفات تؤهله لحمل رسالة السماء إلى الناس، وهذه المواصفات يلزم أن تبلغ درجة (العصمة) في مستوى رفيع حتى تؤهل صاحبها لاستقبال الرسالة مباشرة من السماء، ويلزم أن تبلغ درجة (العصمة) في مستوى أقل من ذاك حتى تؤهل صاحبها لاستقبال الرسالة من رسول من الناس.
فالرسول إذا تلقى رسالته مباشرة من السماء أصبح رسولاً ونبياً، كما يقول الله بحق إسماعيل (عليه السلام): (وكان رسولاً نبياً)(١٢)، وإذا تلقى رسالته من رسول من الناس، أصبح رسولاً غير نبيّ - في بعض المصطلحات.
الإمامة والإمام:
ج: و(الإمام) هو الذي يؤمر من قبل الله بـ (الولاية التنفيذية) سواء أكان الإمام رسولاً، مثل إبراهيم الخليل الذي خاطبه الله تعالى بقوله: (إني جاعلك للناس إماماً)(١٣). أو كان نبياً غير رسول، مثل الألوف من الأنبياء الذين لم يصلنا حتى أسماؤهم أو لم يكن نبياً ولا رسولاً بل وصياً لنبي مثل آصف بن برخيا وصي سليمان بن داود، ومثل يوشع بن نون وصي موسى بن عمران.
والأنبياء الأئمة كثيرون سجل القرآن بعضهم مثل إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب الذين قال عنهم: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) [سورة الأنبياء: الآية ٧٣]. والإمامة - مثل الرسالية - صلاحية يخوّلها الله كل من تنسج مواصفاته مع (الولاية التنفيذية).
وقد ظهرت للناس آثار (الرسالية) وصلاحية (الإمامة) من الله حينما خلق الكون وضبطه بكل عوالمه وخلائقه الكثيرة المعقدة بإدارة شاملة محكمة ﻻ تنفلت منها نبضة عصب ولا حبة مطر، ولا هبة نسيم، ولا أدنى من ذلك ولا أكبر، وتظهر هذه الإدارة في حركات المجرات المخيفة، وفي شبكات الريّ المنتشرة في كافة أنحاء ورقة الكرم، وفي المهمات الحساسة التي تؤديها الخلية المجهولة في دماغك، وفي التفاعلات الدقيقة التي تنجزها مليارات الأشعة الفاعلة في الكون.
والناس عندما يجدون البروتين الموجب يدور حول البروتين السالب (كذا) دورة في الثانية، يقولون البروتين الموجب يدور حول البروتين السالب، ولكنهم ﻻ يتساءلون: من الذي يدير هذه حول تلك؟ وعندما يرون حبات المطر تتساقط هنا ﻻ هناك، يقولون: السيول تجتاح هذه المنطقة، والمواشي تموت في تلك المنطقة على إثر الجفاف، ولا يتساءلون من الذي أسقط المطر هذه المنطقة وحرم منه تلك. وعندما يسمعون بأن فجوات هوائية تحدث هنا بينما هناك يرتفع ضغط الهواء، أو عندما يعرفون مياهاً جوفية هنا، وأطنان الأورانيوم هناك، وحبات ألماس ترقد هناك، يكتفون بالاطلاع عليها والاستفادة منها فحسب، ولا يحاولون التعرف على الجهاز الإداري الذي يؤدي هذه الأعمال، ولا استيعاب الأسباب التي تنتهي بهذه التركيبات، تماماً كالبدوي السائح الذي يدخل مدينة متحضرة بلا مترجم ولا دليل فيري الشاشة الصغيرة هنا تتابع عرض مشاهدها، وهناك هوائية جبارة جامدة تحت الشمس والمطر، وهنالك آليات متحركة تتراكض في خطوط متشابكة من الفجر إلى الفجر، وإلى جانبها غرفة كبيرة تضج بأصوات آلات حديد تتحرك تلقائياً وتعج بالأسلاك متزاحمة متراكبة وفوق البيوت أجسام كبيرة تسبح في الهواء وتزعق بلا انقطاع، وعلى بعض الجدران آلة صماء معلقة يأتي الناس إليها فيرمون النقود في جيبها ويظلون يتكلمون ويضحكون لها وهي ﻻ ترد عليهم. فيذهب إلى نجمة كبيرة مرمية وسط الشارع ليخطفها إلى كوخه فينفضه تيار الكهرباء، ويحاول أن يمرّ الشارع فيصرخ به الرجال، ويريد أن ينام على الرصيف فيقوده رجال الشرطة إلى موقف، ويدخل المطعم ويختار طعاماً يروق له منظره فلا يستطيع تناوله.
وتماماً كالطفل الذي يجد أسلحة أبيه، فيحاول التعرف عليها والاستفادة منها في أغراضه الطفولية فتنفجر بين يديه، فتدمره وتقضي على حياته.
لابد أنك رأيت في حياتك مثل ذلك البدوي ومثل هذا الطفل.
بهذا الشكل يتعامل كبار علماء الطبيعيات مع الكون، فيرون الأشياء وكأنها مبعثرة، وكأن كل شيء يتحرك ارتجالياً وبدافع ذاتي بلا هدف ولا وسيلة ولا خطة، لذلك يجهدون أكثر مما ينبغي، ويهدرون طاقات بشرية ومادية هائلة، ثم يستفيدون أقل مما ينبغي.
ويأتي أدلاء الكون ومصادر الوحي، فيقولون: إن الكون كله وحدة مترابطة مشدودة بالأسباب والمسببات، ومسيرة بإرادة شاملة محكمة، فما من حبّة مطر إلا ويأتي بها ملك ليضعها في موضعها المناسب، وما من نطفة إلا ويفصل ملامحها ويخطط جغرافية حياتها وأعمالها ملك، ولا تتحرك ريح ولا موج ولا نجم ولا سحاب إلا ويحركه ملك وفق خطة حكيمة، ولا تنبض خاطرة في دماغك إلا بوحي ملك أو شيطان.
صحيح أن الله يصمم جميع الأقدار، وأنه يستطيع أن يدير كل العوالم بلا جهاز إداري، ولكن شاء أن يديرها بجهاز إداري، ففي بعض الحديث: (أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها) كما أن الله قادر أن يرزق جميع الناس من فوق رؤوسهم ومن تحت أقدامهم بلا سعي ولا حاجة أحد إلى أحد. ولكنه شاء أن يرزق الناس بمساعيهم، وأن يرزق بعضهم ببعض. (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا) [سورة الزخرف: الآية ٣٢] وكما أن الله قادر أن يلهم كل واحد من الناس شرائع دينه بلا وسائط، كما ألهم الحيوانات وظائفها بلا وسائط فقال: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً) [سورة النحل: الآية ٦٨] ولكنه شاء أن يعلمهم شرائعهم بواسطة الأنبياء والأوصياء والعلماء. وكما أن الله قادر على أن ينزع خصائص الأرض من الناس ليعيشوا كالملائكة، هوايتهم الهدي وشهوتهم العبادة ولكنه شاء أن يتعرضوا للتجربة، حتى يبلغ كلٌّ مداه فقال: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) [سورة هود: الآية ١١٨].
وكما أن الله قادر أن يوجد جميع الأنواع ارتجالاً من ﻻ شيء، ولكنه شاء - بحكمته البالغة التي لم يؤهلنا لاستيعابها - أن تكون سنة الخلق في مسلسلات متوالدة، هكذا شاء الله أن يوكل الكائنات إلى جهاز إداري هرمي - وأن ﻻ ينفذ شيء إلا بعلمه الدقيق وإرادته المباشرة - إلا أن هذا الجهاز موكل بتنفيذ إرادة الله في خلقه. فوظف مجموعات من ملائكته في هذا الجهاز موكل بتنفيذ إرادة الله في خلقه. فوظف مجموعات من ملائكته في هذا الجهاز أسماهم في القرآن بـ (المدبرات أمراً) [سورة النازعات: الآية ٥]. وجعل على كل قسم ملكاً من أعظم ملائكته فوكل (رضوان) بالجنة، ووكل (مالك) بجهنم، ووكل (جبرائيل) بالرسالات والرسل وعقاب المتمردين عليها، ووكل (إسرافيل) بنفخة الصور، ووكل (ميكائيل) بالأرزاق ووكل ملكاً عظيماً اسمه (الروح) بالأقدار، ووكل (عزرائيل) بالأرواح، ووكل ملكاً بالرياح، وملكاً بالبحار، وملكاً بالشمس، وملكاً بالقمر، وملكاً بالأرض، وملكاً بكل سماء من السماوات، وجعل لكل قسم من هذه الأقسام فروعاً، ووظف على كل فروع ملكاً تتناسب مؤهلاته مع مهمته في تسلسل إداري دقيق(١٤) ثم جعل فوق الملائكة الموكلين بالأقسام الرئيسية، رجلاً من البشر يمثل قمة الهرم.
وإذا أردنا التشبيه فمن الممكن أن تشبّه الرجل القمة برئيس مجلس الوزراء، وأن تشبّه الملائكة الموكلين بالأقسام الرئيسية بالوزراء، وأن تشبه الفروع الممتدة من كل قسم بالمديريات المتفرعة من كل وزارة والرجل القمة في جهاز الإدارة التنفيذية يطلق عليه لقب (الإمام) ويقال له: صاحب الولاية كما يقال له: صاحب العهد. اقتباساً من قوله تعالى: (... ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً) [سورة طه: الآية ١١٥].
وإلى جانب هذا الجهاز الإداري الشامل الدقيق الذي يتولى الجانب التكويني للكائنات، يوجد جهاز إداري شامل دقيق آخر، يتولى الجانب التشريعي للكائنات فيما أتاح لها الإرادة المستقلة لإتمام التجربة وهذا الجهاز أيضاً جهاز واسع له أقسام عديدة، وعلى كل قسم ملك من أعظم ملائكة الله، ولكل قسم فروع عليها ملائكة تتناسب إمكاناتهم مع مهامهم، وتتوالى قواعده الهرمية، ويكفي لمعرفة مدى سعة هذا الجهاز أن نعلم:
أولاً: أن كل إنسان عليه ملكان يراقبانه ويسجلان تصرفاته حتى النفخة والنأمة أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فيوظف به ملكان بالليل من غروب الشمس إلى شروقها، ويوظف به ملكان آخران بالنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهؤلاء الأربعة إذا تركوه ﻻ يعودون إليه أبداً، ومعنى هذا أنه يوظف كل يوم أربعة من الملائكة بكل فرد.
ثانياً: أن في قلب كل إنسان (لمّتان) أي جماعتان: جماعة من الملائكة تأمره بالخير، وجماعة من الشياطين تأمره بالشرّ، وهنا نقطة الاحتكاك الساخنة بين الملائكة والشياطين وموقف الإنسان أشبه بموقف الحكيم، فإذا مال نحو الشياطين ضعفت كتلة الملائكة، وإذا مال نحو الملائكة ضعفت كتلة الشياطين. ومن هنا يجد الإنسان في داخله نازعة الخير ونازعة الشرّ.
ثالثاً: أن الله يوكل ملائكة عظاماً بالأنبياء والأوصياء وخيار عباده الصالحين لتسديدهم وتأييدهم، كما يوكل بأنبيائه وأوصيائهم ملائكة يعلمونهم، ويخبرونهم عما يريدون الاطلاع عليه من غيب - في حدود صلاحياتهم - وبهذا يفسر قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول) [سورة الجن: الآية ٢٦]. وقوله عز وجل: (... ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) [سورة البقرة: الآية ٢٢٥].
رابعاً: أن كل نبي أو وصي يستخدم جماعات من البشر لتحمل أعباء التبليغ، وما قد يترتب عليه من احتكاك يؤدي إلى كفاح.
هذا الجهاز الواسع أيضاً ركبه الله تركيباً هرمياً، ووكل بكل قسم من أقسامه ملكاً من أعظم ملائكته، ثم جعل فوق الملائكة الموكلين بالأقسام الرئيسية رجلاً من البشر يمثل قمة الهرم، وهذا الرجل يكون نبياً أو وصي نبي منصوص من قبل الله، وتشترط فيه مواصفات تبلغ درجة العصمة، لأن الملائكة معصومون، ولا يمكن أن يقود المعصومين غير معصوم.
وإذا أردنا التشبيه، فمن الممكن أن نشبه الرجل القمة برئيس المجلس التشريعي الأعلى، وأن نشبه الملائكة الموكلين بالأقسام الرئيسية بأعضاء المجلس التشريعي، وأن نشبه الفروع الممتدة من كل قسم بالمديريات المتفرعة من المجلس التشريعي الأعلى، أو بالمجالس، أو باللجان التشريعية الفرعية.
ولا يطلق على الرجل القمة في جهاز الإدارة التشريعية سوى لقب (الرسول).
وما دمنا شبهنا جهاز الإدارة التنفيذي بمجلس الوزراء، وشبهنا جهاز الإدارة التشريعية بالمجلس التشريعي الأعلى، فلا بد أن نقول: إن أي تشبيه في هذا المجال ليس تشبيهاً حقيقياً، وإنما هو تنظير لمجرد تقريب أصل الفكرة إلى الأذهان، خاصة ونحن - في الأساس - لا نملك المعلومات الكافية في هذا المجال، لأن المستوى الثقافي في فترة نزول القرآن وصدور الحديث ما كان يسمح بإعطاء معلومات كافية في مثل هذا المجال ولا يزال كذلك.
فوارق الأجهزة الإلهية مع الأجهزة البشرية:
كما أنه لابد من بيان فوارق هيكليّة بين الأجهزة الإلهية والأجهزة البشرية:
١- في الأجهزة البشرية يكون رئيس مجلس الوزراء غير رئيس المجلس التشريعي، إلا في حالات استثنائية يعطّل فيها الدستور وتعطل فيها الديموقراطية، وذلك لسببين:
الأول: ألاّ يتعرض رئيس المجلس التشريعي للضغوط، فيشرع بحرية كاملة ما يمليه ضميره حسب رؤيته للمصلحة العامة، ولا يشرع ما تمليه مصلحته أو مصالح الآخرين بخلاف رؤيته للمصلحة العامة.
الثاني: أن يبقى رئيس مجلس الوزراء ووزرائه - دائماً - تحت طائلة الحساب من قبل المجلس التشريعي، فلا تؤثر فيهم الضغوط المختلفة التي يتعرضون لها - باستمرار - من قبل أصحاب المصالح الكبار.
بينما في الأجهزة الإلهية كثيراً ما يكون رجل واحد قمة لجهاز الإدارة التنفيذية وقمة لجهاز الإدارة التشريعية جميعاً، وذلك لسببين:
الأول: المفروض فيه أنه معصوم. فلا تؤثر فيه الضغوط المختلفة التي يتعرض لها. مع العلم بأنه ﻻ يتعرض للضغوط بمقدار ما يتعرض لها رئيس مجلس وزراء. لأن مسلكية رئيس مجلس الوزراء، ﻻ تختلف عن مسلكية مطلق فرد. فيعرف الناس مداخلة ومخارجه، وغالباً ما يكون وصوله إلى مركزه عن طريق التملق واستجداء الثقة، فيكون مطمعاً للآخرين في الوقت الذي تكون فيه مسلكية النبي أو الإمام مترفعة عن كل ما يغري ويرهب. فتنحسر عنه أطماع أصحاب المصالح الخاصة.
الثاني: أنه يرى نفسه - دائماً تحت طائلة الحساب من قبل الله سبحانه وتعالى، فلا يسمح لنفسه بالتفكير في محاورة الضغوط مطلقاً.
٢- في الأجهزة البشرية، يكون مجلس الوزراء جهازاً تنفيذياً مستقلاً، فبمجرد انتخاب أعضائه من قبل الشعب، يصبح ذا سلطة مستقلة في التشريع، ويصبح مصدر الشرعية - حسب معطيات الأنظمة الديموقراطية، صحيح أن الملك أو رئيس الجمهورية - في بعض النظم - يكون صاحب القرارات الهامّة، أو رئيس الجمهورية - في بعض النظم - يكون صاحب القرارات الهامّة، أو صاحب الأطروحة التي ﻻ ترد، ولكن هذه ديموقراطية - بمفهومها الكامل - بالإضافة إلى أنه يبقى للمجالس التشريعية حدّ أدنى من الصلاحية وصحيح أن قرارات المجالس ﻻ تصبح سارية المفعول. إلا إذا حملت توقيع الملك أو رئيس الجمهورية، ولكنه نوع من الروتين، فلا تتخذ المجالس التشريعية قراراتها إلا ويوقعها الملك أو رئيس الجمهورية وإذا كانت لديهما نوايا مختلفة فإنهما يبذلان تأثيرهما على المجالس التشريعية حتى ﻻ تتخذ المجالس التشريعية مقررات ﻻ يرغبان فيها، أما إذا فشلا واتخذت مقرراتها، فإنهما ﻻ يترددان - عادة - في التوقيع عليها حفاظاً على الحدّ الأدنى من المبادئ التي يتظاهران بها.
فيما يختلف الأمر بالنسبة إلى الأجهزة الإلهية تماماً، فالجهاز التنفيذي - حتى بعد تعيين أعضائه من بل الله تعالى - ﻻ يصبح ذا سلطة مستقلة في التنفيذ، لأنه برمته ليس قادراً على شيء إلا بإرادة مباشرة من الله سبحانه. كما أن الجهاز التشريعي - حتى بعد تعيين أعضائه من قبل الله عز وجل - ﻻ يصبح ذا سلطة مستقلة في التشريع، لأن الله جلّ جلاله، يبقى هو المصدر الوحيد للشرعية، وهو الذي يشرع ما يشاء بحكمته، وأما الجهاز التشريعي فليس - في الواقع - أكثر من جهاز تبليغي، وليست له أية سلطة أو صلاحية في التشريع وإنما عليه أن يبلغ إلى الناس - حرفياً - كل ما يصل إليه من الشريعة من قبل الله تعالى. أسمعت قول الله سبحانه - وهو يخاطب أعم أنبيائه-: (فإنما عليك البلاغ)(١٥)، (فذكر إنما أنت مذكر)(١٦) (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشي)(١٧)، (ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً)- (١٨)، (ولولا أن ثبتّناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً)(١٩)، (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين)(٢٠).
صحيح أن لبعض الأنبياء الكبار نوعاً محدوداً من الصلاحية، فمثلاً: إبراهيم الخليل رأى أشياء كالختان، وتقليم الأظافر، وإزالة الشعر من الجسد... فمارسها، فأقرها الله في الدين، وعرفت - فيما بعد - بـ (سنن إبراهيم). ومثلاً: كانت فرائض الصلوات، التي أمر الله نبيه بتبليغها ركعتين ركعتين، فرأى النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يضيف ركعة سبحانية إلى صلاة المغرب، وأن يضيف ركعتين سبحانيتين إلى كل من صلاة العشاء، وصلاة الظهر وصلاة العصر، فأقرّ الله ذلك، وعرفت - فيما بعد - بـ (سنة رسول الله).
والواقع أن كل ما ورد من الأحاديث عن سنن المرسلين من أمثال هذين الموردين، لابد أن نوجههما بأحد توجيهين:
الأول: أن هذه الأحاديث ﻻ تعني أن المرسلين كانوا يشرّعون بالمفهوم المتداول للتشريع بمعنى سنّ القانون - وإنما تعني أنهم في بعض الأحيان كانوا يخرجون من إطار المعنى الحرفي للنص إلى روح النص، من باب تنقيح المناط، ثم يطبقون المناط المستخلص على المصاديق التي لم ترد في نص الوحي، وكان اجتهادهم صحيحاً، لأنهم كانوا في المستوى المناسب. بدليل إقرار الله سننهم مع أن الله ﻻ يستحيي من الحق، ومع ملاحظة النصوص السابقة التي تحدد صلاحية الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في التبليغ. وهذا يعني أن سننهم كانت حصيلة اجتهادات صائبة، ﻻ أكثر.
الثاني: أنهم ربما كانوا يتفاعلون مع أشعة الوحي، بمعنى أنهم كانوا يتلقون نوعاً من الوحي الخفيّ - خارجاً عن نطاق المضمون الصريح للوحي - بحيث ربما كان يتراءى أنه شيء منهم، ثم كان الله تعالى يقرّ ذلك، تعبيراً عن تكريم الله إياهم.
وصحيح أيضاً أن في الأحاديث الصحيحة، مجموعة أحاديث تقول: (إن الله أدب نبيّه بتأديبه. ففوض إليه دينه).. وهذه المجموعة من الأحاديث. كانت تاريخياً نقطة الانطلاق لفرقة (المفوّضة) الذين ادعوا بأن الله سبحانه وتعالى اعتزل أمر الشريعة كليّاً. وتركها للنبي يقرر فيها ما يشاء.
ويمكن دراسة هذه المجموعة من الأحاديث من منطلقين:
الأول: منطلق النقض، بأن هذه المجموعة من الأحاديث - حسب تغيير المفوضة لها - تناقض الآيات التي تحدد صلاحية الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في التبليغ، والحديث متى نقض القرآن سقط.
الثاني: منطلق الحلّ، بأن الجزء الأول من هذه الأحاديث يمهد فهم الجزء الثاني منها بشكل آخر، لأن معنى (إن الله أدب نبيّه بتأديبه) أن الله تعالى أعطى لنبيّه مقاييس دينه بشكل تأديبي تركه يتفاعل معها. حتى ﻻ يعبر إلا عنها، ولا يقلع إلا من مواقعها، وعندما بلغ هذا المستوى فوض إليه بيان الحلال والحرام ﻻ سن الحلال والحرام. وهو يعلم أن النبي (صلّى الله عليه وآله) كلما تحرك ﻻ تخرج حركته من نطاق هذه المقاييس. كما أنك قد ترّبي ابنك على عملك حتى ترى أنه تفاعل معه بعمق، وعندئذ تسلم إليه مقاليد عملك مطمئناً إلى أنه - مهما تعامل - لن يخرج - ﻻ في الشكل ولا في المضمون - من المقاييس التي ارتضيتها لعملك.
وربما يوحي الحديث الشريف - في وصف رسول الله -: (.. كان خلقه القرآن) بما يشبه معنى تفاعل النبي (صلّى الله عليه وآله) مع المقاييس الإسلامية في صيغة عملية بنفس القوة التي يعبر بها القرآن عنها في صيغة نظرية، وحتى كأنهما وجهان لعملة واحدة، النبي وجهها العملي والقرآن وجهها النظري.
وربما يؤكد التحليل الذي ذكرناه لأحاديث التفويض، قول الله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)(٢١) وهذا يعني أن النبي عطف هواه على الوحي، حتى لم يبق له هاجس ولا كلام سوى الوحي، وتفويض الله دينه إليه - في مثل هذه الحالة - ﻻ يعني إلا تفويضه صلاحية التعبير عن دينه في بيان الحلال والحرام ﻻ صلاحية التشريع.
من كل ذلك نستخلص أنه - في مجال الأجهزة الإلهية - ﻻ توجد سلطة مستقلة، فجهاز الإدارة التنفيذية ﻻ تنفذ شيئاً إلا بإرادة الله، وجهاز الإدارة التشريعية ﻻ تعبر إلا عما شرعه الله، والله تعالى وحده، هو صاحب السلطة المطلقة والمستقلة على الجهازين، وعلى كل ما ينفذانه أو يعبران عنه.
٣- في الأجهزة البشرية يكون الاعتماد على الانتخاب فيعتمد في رئيس وأعضاء المجلس التشريعي على الانتخاب العام ليشترك في التشريع كل من له صلاحية إعطاء الرأي، إما بنفسه إذا فاز في الانتخاب - ليكون رئيساً أو عضواً في المجلس التشريعي، وإما بواسطة منتخبه إذا لم يفز هو في الانتخاب، كما يعتمد في رئيس المجلس التنفيذي على الانتخاب العام، عن طريق كسب ثقة أكثرية أعضاء المجلس التنفيذي على الانتخاب ولو عن طريق رئيسه الذي نال الثقة من المجلس التشريعي المنتخب... فيبقى الرأي العام معتمداً - ولو بوسائط - ويبقى الشعب صاحب الحق المطلق في اختيار حكامه واتخاذ قراراته.
وأما بالنسبة للأجهزة الإلهية فالاعتماد كله على التعيين فالله هو صاحب الحق الأول والأخير في اختيار قمة وأعضاء الإدارة التنفيذية والإدارة التشريعية، لأنه الوحيد المطلع على ما في أعماق النفوس، وما وراء النوايا فهو الأولى بهذا الحق من غيره أياً كان. كما أنه هو صاحب القرارات كلها، لأنه أعرف من سواه بما يمكن أن تفسر عنه تلك القرارات في الآحاد القريبة والبعيدة، ولعل القرآن أشار إلى أنه ﻻ يمكن الاعتماد على انتخاب البشر، طالما هو معرض للخطأ ولو كان الناخب نبيّاً من أولي العزم في مستوى موسى ابن عمران (عليه السلام) فقال: (واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا)(٢٢)، (فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمّه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين)(٢٣).
ولعل القرآن - كذلك - أشار إلى أنه ﻻ يمكن الاعتماد على القرار البشري طالما هو معرّض للخطأ، فقال: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [سورة الأحزاب: الآية ٣٦].
٤- في الأجهزة البشرية يعتبر الجهاز التشريعي أهم من الجهاز التنفيذي، ولذلك يلزم أن ينتخب مباشرة من قبل الأمة، وأن يكون على اتصال وثيق ودائم بالشعب، في الوقت الذي ينتخب الجهاز التنفيذي من قبل الجهاز التشريعي، أو يكتفي باكتساب رئيسه ثقة الجهاز التشريعي.
وأما بخصوص الأجهزة الإلهية فالجهاز التنفيذي أهم من الجهاز التشريعي، إذ ﻻ مجال للتشريع - بمفهومه المعروف من وضع القانون - في الأجهزة الإلهية، لأن الله تعالى هو المشرّع الوحيد والمطلق. فتنحصر مهمة الجهازين في التنفيذ بفارق بسيط، وهو أن الجهاز التنفيذي ينفذ في مجال الكون والجهاز التشريعي ينفذ في مجال الشريعة، وإذا انحصرت مهمة الجهازين في التنفيذ فالظاهر أن مهمة الجهاز التنفيذي أدق وأشمل، من مهمة الجهاز التشريعي الذي ﻻ يعدو - غالباً - بتبليغ الشريعة وحمايتها من المعتدين عليها بمحاولة الدس فيها أو القضاء على حملتها.
كل هذا فيما قد نفهم، ولعل غير ذلك هو الصحيح في الواقع والله العالم.
والملائكة الذين ما كان يروق لهم خلق خليفة في الأرض وقالوا الله: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) [سورة البقرة: الآية ٣٠] وأجابهم الله تعالى منبّهاً إلى إحاطته بنواياهم بقوله: (واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) [سورة البقرة: الآية ٣٣] لعلهم كانوا يكتمون التحفظ من أن يغدو خليفة الأرض وليّاً عليهم، وقد تتابعت البوادر التي أكدت أن تحفظهم كان يعبّر عن واقع، فقد أمروا بالسجود لآدم فور نفخ الروح في جسمه، ثم استوعب الرموز التي لم يكن بمقدورهم استيعابها.
وحيث أن الله تعالى جعل للإمام - أي إمام معصوم - مهمتين: مهمة الولاية التكوينية، ومهمة الولاية التشريعية - كأهم ما جعل الله تعالى للإمام - فالغيبة عن الظهور في المجتمعات ﻻ تعجزه عن القيام بأية من مهمتيه.
فأما بالنسبة إلى مهمته التكوينية فالإمام الغائب يؤديها في غيبته بتوفر ولعلها مهمته الكبرى، فغيبته ﻻ تؤثّر عليها مطلق لأن أداءها ﻻ يتوقف على الظهور بين الناس.
ولعل ما ورد في الأحاديث الشريفة من تشبيه فائدة الإمام الغائب بفائدة الشمس الغائبة خلف السحاب إشارة إلى أن الإمام في غيبة يؤدي ولايته التكوينية، كما أن الشمس الغائبة خلف السحاب تؤدي خدمتها في تربية الكائنات الدائرة في محيط شعاعها رغم السحاب الذي قد يحجب عنها بعضاً من تلك الكائنات.
وأما بخصوص مهمته التشريعية فالإمام المنتظر باعتباره استمراراً للنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ﻻ تكون مهمته في التبشير بمفاهيم جديدة لم تكن معروفة من قبل حتى يتوقف أداؤها على معايشة الناس. وإنما تتلخص مهمته الكبرى في صيانة المفاهيم التي نزل بها القرآن وبشر بها الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله). وأداء مهمة صيانة الشريعة ﻻ يتوقف على معايشة الناس، لأنه فور ما يجد أياً من المفاهيم الإسلامية معرضاً للتشويه، يستطيع المبادرة إلى إيضاحه وتأصيله بواسطة بعض من يمكنهم الاتصال به.
٢- ولعل هناك سبباً آخر لانتقال الإمام المنتظر إلى هذا العالم قبل موعد ظهوره بفترة طويلة، وهو أعداده لمهمّات خاصة لم تطرح حتى اليوم على الذهنية البشرية، ونحن - في هذه الفترة من عمر البشر - لا نستطيع استجلاء تلك المهمات، ولكن قد نستطيع أن نستشف بعض ملامحها من خلال الأحاديث المبشّرة بالحضارة المنتظرة (كالحديث الذي يقول بأنه يستنفد خيرات الأرض والسماء، وأنه يأتي ببقية العلم مائة حرف ويطيل أعمار الناس ويكمل عقولهم...).
التشكيك في إيجابية فكرة الإمام المهدي (عليه السلام):
الظاهرة الخامسة: ظاهرة التشكيك في إيجابية فكرة الإمام المهدي لسببين:
الأول: تكريس اليأس عن جدوى أي عمل ايجابي قبل ظهره، مادام الله سبحانه وتعالى قدّر أن تملأ الأرض ظلماً وجوراً قبل ظهوره.
الثاني: تكريس اليأس عن جدوى أي عمل إيجابي قبل ظهوره، مادام الله عز وجل قدّر أن تملأ - به - الأرض عدلاً وقسطاً، بغض النظر عن قلة أنصاره وكثرة أعدائه.
وهذان القدران يعلنا تعطيل أدوار الآخرين، وبالتالي يوحيان بتجميد كل الطاقات المؤمنة به، لأن أي عمل إيجابي - قبل ظهوره - ﻻ يعني غير تحدّي القدر الذي يضحك من جميع المتحدين، وأي عمل بعد ظهوره ﻻ يعني سوى مجاراة القدر الذي ﻻ تنشطه المجاراة.
والجواب:
أولاً: إن الله إذا قدّر شيئاً ﻻ يعني أنه يوجده من الفراغ، بل أبت عادة الله أن لا يقدّر شيئاً إلا إذا توفرت أسبابه. فالقدر ﻻ يلغي دور الأسباب، وإنما يعزز دور الأسباب، والاطلاع على وجود قدر معين - عن طريق مصادر الوحي - يدفع إلى محاولة إيجاد أسبابه، لأنه يوحي بأن هذه المجادلة ﻻ تواجه معاكسات، وإنما تتكامل حتى تصل إلى نتيجة إيجابية، ومعرفة نجاح المحاولة تشّجع عليها ولا تثبط عنها أبداً.
ثانياً: إن الاطلاع على أن الأرض ستملأ ظلماً وجوراً قبل ظهور الإمام المنتظر، ﻻ يوحي باليأس عن جدوى أي عمل إيجابي بما يلي:
أ - إننا ﻻ نعلم - بالضبط - متى يظهر الإمام المنتظر، فربما يكون ظهوره بعد هذا التاريخ بعشرات أو مئات السنين - ﻻ سمح الله -.
ب - أقصى ما يمكن أن يقال: أن معرفتنا بأن الأرض ستملأ قبل ظهور الإمام ظلماً وجوراً توحي بأن الأعمال الإصلاحية ﻻ تنتج على المستوى العالمي، بل يبقى الظلم والجور طاغيين على الوضع العام العالمي، وهذا ﻻ ينافي في نجاح المحاولات الإصلاحية على المستويات المحلية.
ج - حتى مع لو علمنا - وبكل تأكيد - أن المحاولات الإصلاحية ﻻ تثمر على الإطلاق، فهذا العلم ﻻ يلغي التكليف، لأن الأعمال الإصلاحية تنعكس على القيمين عليها قبل أن تنعكس أو ﻻ تنعكس على سواهم، فالمفروض عليهم أن يقوموا بها تصعيداً لمستواهم، بالإضافة إلى أن الأعمال الإصلاحية لو لم تنعكس إيجابياً على الناس فإنها تنعكس عليهم سلبياً، فتكون من باب إتمام الحجة، الذي لابد منه لتثبيت المفاهيم، وإفراز العناصر الممّوهة عن بعضها وإعادة كل إلى واقعه، ليحق الحق وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة.
ثالثاً: إن الاطلاع على أن الله قدّر أن تملأ - به - الأرض عدلاً وقسطاً، ﻻ يعني أنه وحده - وبطريقة معجزة - يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وإنما يعمل ذلك بأنصاره، وإلا لماذا ينتظر أن يتكاملوا (٣١٣) رجلاً.
رابعاً: إن الإعلان المسبق عن نجاح أيّ قائد على المستوى العالمي وانتصاره الساحق في معركة التغيير، أقوى ما يرفع معنويات أنصاره فوق المستحيل، ويكرس في نفوسهم أملاً ﻻ يتزعزع، ويسهل عليهم التضحية، لأن انتصاره خير ضمان لخلودهم حتى ولو سقطوا في الدرب قبل انتهاء المسيرة، فلذلك نجد أيّ قائد ينتفض من تحت الأرض يحاول تسكع البراهين المسبّقة لنجاحه وانتصاره حتى يضمن التفاف أنصاره حوله في الأزمات، فكيف يمكن أن يكون الإعلان المسبق عن الانتصار العالمي والنجاح المخيف - بالنسبة إلى الإمام المنتظر - ظاهرة سلبية تكرس اليأس في نفوس أنصاره والمؤمنين بإمامته؟
خامساً: إن تجربة التاريخ تؤكد إيجابية فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) بشكل مخيف:
ففي الجانب السلبي نجد السلطات المعاصرة لميلاده، والسلطات التي تلت ميلاده حتى اليوم تعمل بأقصى طاقاتها للقضاء على هذه الفكرة، فقديماً لم تكن التدابير العسكرية التي اتخذتها السلطات قبل ميلاده، وعنده ميلاده وبعد ميلاده للقضاء على شخصه إلا أدلة قاطعة على مدى صدمتهم بهذه الفكرة. وحديثاً ليس الإرهاب الفكري الذي يحاول تطويق هذه الفكرة إلا شاهداً على مدى ما يعانيه أعداء التشيّع من أصل فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) بعد أن يئسوا من إمكانية القضاء على شخصه.
وفي الجانب الإيجابي نجد أن جميع أجيال الشيعة كانوا ولا زالوا يشجعون آمالهم ويهدهدون أحلامهم بفكرة الإمام المهدي (عليه السلام)، وأظن أنه لولا فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) لما استطاع التشيع أن يخترق ظلمات التاريخ، وإنما كان يختنق بروائح المجازر وغياهب السجون، فليس الزخم الذي يخرج أنقاض التشيع من تحت الكوابيس والمآسي والويلات بفتوة عنفوان أكثر من ذي قبل إلا زخم فكرة الإمام المهدي (عليه السلام).
ولا أدلّ على مدى حيوية هذه الفكرة من أن جميع الحروب والتهريجات التي شنّت وتشنّ عليها ما زادتها إلا نشاطاً وصفاءً في أذهان مئات الملايين.
ولا أدل على مدى حيوية هذه الفكرة من الكثيرين في كل الأجيال الإسلامية وفي أكثر البلاد الإسلامية انتحلوا هذه الفكرة ليحرقوا بها المراحل إلى القمة، وما خاب ظن أحد منهم فلم ينتحلها أحد إلا ونال أكثر مما كان يطمح إليه رغم توفر الأدلة على زيف كل من انتحلها حتى اليوم، وهل توجد أكثر إيجابية من فكرة ينجح بها كل من يدعيها ولو كذباً وزوراً؟
وإذا فحصنا التاريخ وجدنا فكرة النبوة أقوى الأفكار قبل النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) الذي ختم النبوة، فقبله كان الكثيرون من طلاب السلطة والشهرة يحاولون الانتماء إلى النبوة بسبب أو نسب، وعن طريق الادعاء - مجرد الادعاء - كانوا ينالون الذي يريدون. وبعد النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) حيث ختم النبوة أصبح المُتمهديون يقومون بدور المتنبين، وهذا يكشف أن المهدوية ورثت قوة النبوة.
إن فكرة لم ينتم إليها أحد بأي سبب أو نسب إلا وحلق فوق الرؤوس ﻻ تكون فكرة سلبية، ولكن المهرجين ضدها في ضلال مبين.
ظاهرة انتهاء فكرة الإمام المهدي (عليه السلام):
الظاهرة السادسة: ظاهرة انتهاء فكرة الإمام المهدي إلى الاتكالية طالما هو يفجر الثورة الكبرى في اللحظة المناسبة. فكأنها توحي إلى الناس جميعاً بأن ﻻ تعملوا أي شيء، فإنني سأعمل كل شيء.
والجواب: أولاً: إن إعطاء كل شيء حجمه، ووضع الأشياء في أطرها ينتهي بالموضوعية ﻻ بالاتكالية، فإذا قلنا بأن الشمس ستشرق في وقت معين، وتضيء الدنيا، فليس معنى ذلك قتل الشمعة التي أقصى تضحيتها أن تنير دائرة محدودة حولها. فما من رسول من أولي العزم إلا وكانت تسبقه البشائر بظهوره ونجاحه في قيادة عملية التغيير إلى الأفضل، وما كانت هذه البشائر توحي بالاتكالية إلى أحد، وإنما كانت تعيد الآمال إلى حجم الطاقات التي تنطلق منها حتى ﻻ يحاول أكثر مما يستطيع فيزهد فيما يستطيع ويعجز عما ﻻ يستطيع ويضيع بين ما ﻻ يرضى به وبين ما لا يقدر عليه.
إن الإعلان عن وجود رئيس الجمهورية - مثلاً - في مكتبه الأعلى، ﻻ يعني إلا إعادة الموظفين إلى دوائرهم المختلفة حسب صلاحياتهم. ﻻ إقالتهم من وظائفهم.
وإن الإعلان عن وجود المصلح الأكبر على الطريق ﻻ يثبط أحد من إصلاح من يستطيع من أهله ومجتمعه وشعبه.
ثانياً: إن كل فرد يدخل حلبة الصراع الاجتماعي الرهيب يشعر بالعجز عن إنجاز ما يطمح إليه قبل أن يدخل الحلبة: وهذا الشعور بالعجز ينسف كثيراً من الآمال التي تضيع طريقها إلى النور. فتكريس هذه الآمال في المصلح المنتظر تشجع الآمال المنهارة على قارعة الطريق أن تنهض وتواصل السير فمهما تقلبت الأجواء فلها المطاف الأخير. فالمقدمة ﻻ تستسلم إذا علمت أن ورائها جيش ساحق، ولكنها تستسلم فور ما تعلم أنها يتيمة ﻻ تعقبها نجدة.
ثالثاً: إن هنالك من ﻻ يخوضون الممارسات العنيفة لأسباب مختلفة، ولكنهم إذا سئلوا عن السبب أجابوا بأن الإمام المهدي (عليه السلام) سيظهر ويصلح العالم، ﻻ لأنهم يرون أن فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) تؤدي بهم إلى الموقف الذي يقفونه، ولكنهم ﻻ يريدون إعلان السبب الواقعي، ويريدون وضع حد لمتابعة السؤال، فيظن البعض أن إيمانهم بالإمام المهدي (عليه السلام) هو السبب الواقعي لاتخاذ ذلك الموقف.
كما أن المؤمنين بالله إذا سئلوا عن ترك قضية ولم يريدوا كشف السبب الواقعي أجابوا بالتوكل على الله، فيظن الملحدون أن الإيمان بالله يؤدي إلى الاتكالية وترك الأمور على عواهنها. بينما الذين يعرفون موارد استخدام هذه التعبيرات يدركون أن هذا النوع من الإجابة قد يكون بمثابة رد دوبلماسي لسؤال ﻻ يريد عنه المسؤول جواباً.
وقد يكون لغير ذلك أيضاً.
وعن فلسفة الغيبة؟
لماذا غاب الإمام المهدي دون أسلافه الأئمة الأطهار (عليهم السلام)؟
والجواب: إضافة إلى الإلماع الذي سبق منا:
إلى ذلك يحتاج إلى بيان مقدمة، وهي:
إن وجود الحجة من قبل الله - نبياً كان أو وصياً - أمر ﻻ بد منه لسببين:
١- لما ثبت في علم الكلام من أنه ﻻ بد من وجود الحجة ولولاه لساخت الأرض بأهلها.
٢- لأن الحجة يشكل جبهة الحق، التي لابد أن تقاوم جبهة الباطل حتى يبقى على الأرض طريقان طريق الحق وطريق الباطل، يجد كل إنسان نفسه أمام خيارين ﻻ خيار واحد كما يقول القرآن الكريم: (وهديناه النجدين)(٢٤) ولولا الحجة الذي يؤسس جبهة الحق ويقودها لأمكن أن ينحاز الناس إلى الباطل ووجد كل إنسان نفسه - مهما أوتي من صفاء الضمير - مضطراً إلى السير في طريق الباطل إذ ﻻ يجد بديله.
وبعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ارتبك طريق الحق وصارت الخلافة ملكاً عضوضاً كما أخبر الرسول نفسه، فلو كان الأئمة يغيبون لتقلصت جبهة الحق وسدت طريقه ووجدت الأجيال أنفسها أمام طريق الباطل وحدها فكان على الأئمة أن يظلوا في الناس ظاهرين مهما تعرضوا للتقتيل والتنكيل، حتى يشكلوا جبهة الحق ويستمر الصراع في الحياة بين الجبهتين ولو غابوا لما بقي من الشيعة عين ولا أثر. لأن الشيعة الذين يشكلون جبهة الحق الأصيلة. لم يكونوا قد اكتملوا كياناً راسخاً يصمد للزعازع، لم يكونوا قد اكتملوا كياناً فكرياً ولا كياناً اجتماعياً فبقي الأئمة واستمروا ما واجهتهم من ويلات ونكبات.
أما وبعدما انكسرت سطوات العواصف وانتهى يزيد والمنصور والرشيد والمتوكّل من جهة ومن جهة أخرى تماسكت الشيعة كتلة صخرية منتشرة القواعد في أعماق التخوم الإسلامية وفكراً مركزاً كثير المصادر والرواة، بحيث تستطيع الصمود عبر التاريخ حتى ولو غاب إمامهم، لم تكن عندئذ ضرورة لبقاء الإمام ظاهراً معرضاً لكل الاحتمالات في جميع الأحوال، فغاب الإمام ليظهر في الوقت المناسب يداً تعلو فلا تطال وكلمة تدوي فلا ترد، وبقيت الشيعة فكرة أصيلة وطائفة صلداء.
المعجزة وأبعادها
يلاحظ أن الناس كانوا يطالبون الرسل وسائر الأولياء بالمعجزات وربما طالبوهم بمعجزة معينة، فكانوا يستجيبون لهم ويطلقون المعجزات خاصة إذا عرفوا إخلاص الطلب وبراءة الطالب.
١- فلماذا المعجزة؟
٢- وما هي المعجزة؟
والجواب عن السؤال الأول: أن الأنبياء يدّعون أنهم على اتصال بالله عز وجلّ، ويكلمهم الله بشكل من الأشكال التي بينها بقوله:
(ما كان للبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً)(٢٥).
وربما يدّعون أكثر من ذلك كالمعراج:
(ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى)(٢٦).
وكالعلوم الغريبة:
(يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء)(٢٧).
والأوصياء باعتبار أنهم امتداد للأنبياء بشكل أو بآخر، ويدعون الناس إلى اتباعهم على هذا الأساس..
والناس جميعاً يعلمون - بالفطرة - أن الله هو مصدر الكون والحياة..
... عبر هذه كلها كان من الطبيعي أن يطالبهم الناس بإثبات علاقتهم بالله!.
ولا يمكن إثبات علاقة بشر بالله إلا عن طريق المعجزات التي تثبت أن لصاحبها علاقة فوقية.
هذا هو الجواب عن السؤال الأول: لماذا المعجزة؟
وأما الجواب عن السؤال الثاني: ما هي المعجزة؟
إن المعجزة ليست تفجيراً في نظام الكون، ولا استعلاءً على نظام الكون، ولا مفهوماً فوقياً يحجر على العقول.
وإنما هي نوع بسيط من التعامل مع القوى الفوقية، وهي بالنسبة إلى البشر العادي: خرق للمألوف بغير المألوف.
ومن نافلة القول: أن الحياة المعجزية ليست صرعة خرافية تفوح بالشهرة وأرضها من ترابة النجوم، وسمائها تسطع بأقمار المجد الزائف..
وإنما هي حياة واقعية ولكنها أعلى من الحياة العادية بدرجة.
ذلك: أن الكون مؤلف من مجموعات متنوعة من الطاقيات والماديّات.. وهذه مسلطة على بعضها البعض، ويلاحظ أن ما هو ألطف وأضعف ظاهراً مسلط على ما هو أظهر حجماً وأكثف.
ففي الماديات الحديد مسلط على التراب ومشتقاته من نبات وحيوان والنار مسلطة على الحديد، والماء مسلط على النار، والهواء مسلط على الماء والنور مسلط على الهواء...
وعلى العموم الطاقيات مسلطة على الماديات.
فالروح مسلطة على الجسد، والجاذبية مسلطة على الأجسام الكثيفة في مدى معين. والنسبية العامة مسلطة على الأجرام الضخمة في آماد بعيدة.
هذا كله في مجال المحسوس المألوف.
وإذا استطعنا الخروج عن مجال المحسوس المألوف - ولو بأذهاننا - تتراءى أمامنا آفاق من الطاقيات التي تتحكم في جميع الماديات والطاقيات المحسوسة.
وتبدو السلطات متدرجة في شكل هرمي قاعدته الواسعة مؤلفة من الماديات..
وفوقها الطاقيات المحسوسة أو المألوفة.
وفوقها الطاقيات غير المحسوسة وغير المألوفة، التي يعبر عنها بالروحانيات - حسب المصطلح - من الجن، والشيطان، والملائكة، وأرواح الناس.. وهي الطاقيات العاقلة المكلفة.
وفوقها الكلمات...
وفوقها الأسماء...
وفوقها.. وقمتها الله - جل جلاله - الذي هو مصدر جميع الماديات، والطاقيات وهو محيط بكل شيء. ومهيمن على كل شيء.
إذن: فالله - سبحانه وتعالى - هو الخالق الذي منه تبتدئ الأشياء، وإليه تعود.
ثم الأسماء.. وهي القوى العظمى لأن الله خلقها بلا وسائط وهي من قدرته الخاصة به.
ثم الكلمات.. وهي قوى كبرى، قد خلقها الله - تعالى - بواسطة الأسماء..
ثم الروحانيات.. التي خلقها الله بواسطة الكلمات.
ثم الماديات التي خلقها الله سبحانه بواسطة بعض الروحانيات وهي:
(فالمدبرات أمراً)(٢٨)*.

* * *

والبشر العادي ﻻ يستطيع تفهم ما هو خارج عن وسطه الذي نشأ وترعرع فيه، فإذا تفوّق على جواذب هذا الوسط يؤهل لتفهم بعض تلك الآفاق الطاقية، وربما للتعامل مع بعض مخلوقاتها - بنسبة تفوقه على مستلزمات وسطه - وقد يؤشر إلى هذا التفوق، وذاك السقوط قوله تعالى:
(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه..)(٢٩).
فمن يرتفع عن الوسط العادي الذي تعيشه عامة الناس، ويتعامل مع أدنى طبقة من الطاقيات غير المألوفة يستطيع تحريك جميع الماديات، والطاقيات المتصلة بالماديات بشكل غير مألوف ﻻ تستطيعه سلطات الأرض وثقافة الأرض.
وهذه هي أدنى درجات التفوق التي يتعاطاها الأولياء العاديون وربما المرتاضون أيضاً - في حدود خاصة بنسبة التفوق الروحي -، وهكذا كل من استعلى على شهواته الجسدية ومطامحه الأرضية مدة ﻻ تقل عن أربعين يوماً - غالباً -..
كطي الأرض.. والمشي على الماء.. ومخاطبة الروحانيات.. والاطلاع على ما وراء الحواجز والمسافات..
وربما: الإشراف على الزمان، والإخبار عما انطوى في ضمير الماضي، أو ﻻ يزال جنيناً في أحشاء المستقبل.
ولهذه الدرجة طريقان: الطريق الرحماني الذي يؤدي إلى (الكرامة) والطريق الشيطاني الذي ينتهي إلى (السحر) أو (التسخير).
ومن انحدر من سلالة عالية لم تتلوث بجواذب الأرض ومستلزمات الوسط العادي على الإطلاق..
(وتقلبك في الساجدين)(٣٠).
(أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها)(٣١).
فمن كان له مثل هذا التراث المقدس الذي يعصمه عن الانهيار والانزلاق - وهي صفة العصمة - ثم يواصل سيره التصادعي - كما نلاحظ في أربعينات النبي (صلّى الله عليه وآله) في غار حراء، واعتكافات جميع الأولياء.
فإنه يستطيع أن يستوعب طبقات عليا من الطاقيات، وربما يوفق للتعامل معها - حسب مستواه - فيأتي بما يعجز عنه كثير من الناس حتى أصحاب الكرامات كإحياء الرميم، وفلق البحر، ورد الشمس، وشق القمر...
وهذه هي (المعجزة) التي تختص بأصحاب العصمة من الأنبياء والأوصياء والملائكة - على اختلاف درجاتهم - الذين يتعاملون مع الكلمات.
التعامل مع الكلمات:
وقد لوح القرآن الحكيم بشخصيات من الأنبياء والأوصياء كانوا يتعاملون مع الكلمات.
فمثلاً: يحيى النبي (عليه السلام) كان يتعامل مع كلمة واحدة:
(إن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله)(٣٢).
وآدم (عليه السلام) كان يتعامل مع عدة كلمات:
(فتلقى آدم من ربه كلمات)(٣٣).
بينما كانت مريم الصديقة (عليها السلام) تتعامل مع جميع الكلمات:
(وصدّقت بكلمات ربها)(٣٤).
- مع الاحتفاظ بالفواصل البعيدة بين التصديق بالكلمة، وبين تلقي الكلمة، وبين العلم بالكلمة -.
ومن هنا تكون الدرجات التي - لعل - أعلاها العلم بالكلمة.
ولذلك اختلف التعبير القرآني من مورد إلى مورد.
فقال تعالى في شأن الخضر:
(فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً)(٣٥).
والتنوين في (علماً) ليس تنوين التعظيم، فليس بمعنى (علماً جمعاً) بدليل التنكير في (عبداً) و(رحمة).
وقال سبحانه في خصوص آصف بن برخيا:
(قال الذي عنده علم من الكتاب)(٣٦).
بينما قال - عز من قائل - بالنسبة إلى سيد الأوصياء:
(قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)(٣٧).
ولعل العلم بالكلمة - الذي يساوي إتمام الكلمة - هو الذي يؤدي إلى الولاية الكونية، التي توصّل إليها إبراهيم الخليل بعد أن مرّ بتجارب في نفسه وماله وفي ولده:
(وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً)(٣٨).
مع العلم بالفاصل البعيد بين العلم بالكلمة، وبين الكلمة ذاتها.
(فالكلمة) لها فاعليتها الخاصة وقد ﻻ تكون لها القدرة على التعامل مع بقية الكلمات لأنها من نوعها - حتى لو لم تكن في مستواها.
فيما العالم بالكلمة قد يكون من نوعية أعلى، فيكون في مقدوره التعامل مع مجموعة من الكلمات.
فعيسى ابن مريم (عليهما السلام) لم يكن من سنخ الناس، وإنما كان كلمة من كلمات الله أظهرها الله تعالى في هيكل بشري:
(إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم)(٣٩).
(إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم)(٤٠).
مع ما في الآية الأولى من الحصر بـ (إنما)، وفي الآية الثانية إرجاع ضمير المذكر في (اسمه) إلى (كلمة) باعتبارها طاقة إيجابية، وكذلك تعريف الكلمة لمريم بأن اسمه (المسيح عيسى ابن مريم) كي ﻻ تستغرب أن يكون ابنها كلمة الله.
فكان عيسى ابن مريم (عليهما السلام) كلمة الله، ذات الكلمة، ولذلك كان من أولي العزم، لأن العزم ﻻ يمكن أن ينفصل عن الكلمة.
وكان له نشاط معجزي مذهل منذ أن ألقاه إلى مريم، إلى أن رفعه الله، وكانت له مسلكية شخصية مختلفة عن مسلكية سائر البشر (ومع ذلك) لم يكن نشاطه الرسالي في مستوى نشاط سائر أولي العزم من الأنبياء، من نوح وإبراهيم وموسى ومحمد (عليه وعليهم الصلاة والسلام) حيث كانت رسالاتهم تأسيسية، فيما كانت رسالته تصحيحيّة.
وأما آدم (عليه السلام) فقد كانت مبادئ نفسه عالية جداً،.
يكفي: أنه كان روح الله، أي من القدرة المطلقة مباشرة - على ضيق في التعبير - فكان لديه الاستعداد الكافي للتعامل مع جميع الأسماء: (وعلّم آدم الأسماء كلها)(٤١).
ولكنه كان مثقلاً بجسده الذي جمع الله فيه كل خواص الأرض من (سهلها، وحزنها، وطيبها، وسبخها، وعذبها وأجاجها) كما في الحديث الشريف: فابتلى بخلط مطامح الروح بمطامح الجسد:
(ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً)(٤٢).
ونتيجة لذلك فقد اختلف مستواه من مستوى التعامل مع (الأسماء كلها) إلى مستوى التعامل مع مجموعة معينة من الكلمات:
(فتلقى آدم من ربه كلمات)(٤٣).
(وأما) كبار الرسل، وكبار الملائكة فإنهم يتعاملون مع الأسماء التي هي أعلى طبقات الطاقيات، فيتصرفون بها في جميع الخلائق مما هي دون الأسماء.
وهذه درجة فوق المعجزة، وتختص بأصحاب (العصمة الكبرى) وهم أصحاب الولاية العامة، الذين يأتون بما يعجز عنه أصحاب الكرامات والمعجزات حتى الملائكة والأنبياء والأوصياء.
وأصحاب (العصمة الكبرى) رغم قلة عددهم يشكلون درجات بل لكل واحد منهم مستوى وصلاحيات خاصة به:
(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات)(٤٤).
وسيّدهم وأفضلهم ذلك اليتيم الفقير الذي جاء بما فوق المعجزات، وتحدّى من سوى الله عز وجل فعجزوا عن الردّ عليه.
(قل إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين)(٤٥).
(أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)(٤٦).
(أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)(٤٧).

موجز تواريخ نواب الإمام المهدي

١- عثمان العمري:
اسمه: عثمان بن سعيد العَمْري - بفتح السين وسكون الميم -.
كنيته: أبو عمرو. إذ رزقه الله ولداً أسماه عمرواً، فقال له الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (ﻻ يجتمع على امرئ بين عثمان وأبي عمرو) فأمر بكسر كنيته فقيل له العمري.
نسبه: أسديّ، وكان يقال له: الأسدي لأنه ينتمي إلى قبيلة بني أسد. قال: أبو نصر؛ هبة الله أحمد بن محمد الكاتب: إنه ابن بنت أبي جعفر العمري، فنسب إلى جدّه فقيل له: العمري. ويقال: أنه ينتسب من قبل أمه إلى عمر الأطرف، فقيل له: العمري.
لقبه:
أ: العسكري. لأنه كان يسكن مع الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في المنطقة العسكرية بسامراء التي فرض المتوكل العباسي عليهما الإقامة الجبرية فيها.
ب: السّمّان.
ج: الزيات. لأنه كان يتجّر في السمن والزيت تغطية على عمله مع الأئمة (عليهم السلام)، فإذا حمل الشيعة إليه مالاً أو كتاباً جعله في جراب السمن وأوصله إلى الإمام.
عمله: بدأ حياته بخدمة الإمام علي الهادي (عليه السلام) وله إحدى عشرة سنة، وله إليه عهد معروف. ومن بعد الإمام الهادي بقي وفيّاً فلزم خدمة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وبقي على العهد حتى مضى الإمام العسكري، فعينه الإمام المهدي (عليه السلام) نائباً عنه.
صفته: كان شيخاً جليلاً، ويكفي أنه خدم ثلاثة من الأئمة الطاهرين، وأنهم اختاروه باباً بينهم وبين شيعتهم وأنه أدى الأمانة بدقة وإخلاص وهو ابن إحدى عشرة سنة حتى توفاه الله.
قبره: في الجانب الغربي ببغداد، وله مقام معروف.
٢- محمد العمري:
اسمه: محمد بن عثمان العمري.
كنيته: أبو جعفر.
نسبه: أسدي.
لقبه: العسكري، الزيات.
عمله: بدأ عمله منذ صباه في معيشة والده عثمان بن سعيد العمري بخدمة الإمام علي الهادي، ثم الإمام الحسن العسكري، ثم الإمام المهدي. وقد عيّنه الإمام المهدي (عليه السلام) نائباً عنه بعد موت أبيه، وبقي حوالي نصف قرن النائب الوحيد عن الإمام المنتظر في شؤون الشيعة.
وقد نص على نيابته الإمام الهادي والإمام العسكري والإمام المهدي، كما نص عليه أبوه قبل موته.
وقد ظهرت على يديه من قبل الإمام المهدي معاجز كثيرة، كما صدرت بواسطته تواقيع كثيرة.
وكان شيخاً متواضعاً يعيش في بيت صغير، بلا خدم ولا حجاب.
قيل له: هل رأيت صاحب هذا الأمر؟ قال: نعم؛ وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول: (انجز لي ما وعدتني).
وقال: رأيته (صلوات الله عليه) متعلقاً بأستار الكعبة في المستجار وهو يقول: اللهم انتقم بي من أعدائك.
وقال: إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم مع الناس كل سنة، يرى الناس فيعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه.
وروي: أنه حفر لنفسه قبراً، وسواه بالساج، ونقش فيه آيات من القرآن، وأسماء الأئمة على حواشيه. فلما سئل عن ذلك قال: للناس أسباب. وكان في كل يوم ينزل في قبره، ويقرأ جزءاً من القرآن، ثم يصعد. ثم سئل بعد ذلك، فقال: أمرت أن أجمع أمري. فمات بعد شهرين من ذلك، في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثمائة بعد الهجرة، وقال عند موته: أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، وأوصى إليه.
قبره: في بغداد وله مقام يعرف بـ (الخلاني).
٣- الحسين بن روح:
اسمه: الحسين.
كنيته: أبو القاسم بن روح ابن أبي بحر.
لقبه: النوبختي، نسبته إلى نوبخت من عوامل فارس.
عمله: بدأ عمله مع أبي جعفر محمد بن عثمان العمري - النائب الثاني - وكان وكيلاً عن أبي جعفر ينظر في أملاكه ويلقى بأسراره وجهاء الشيعة. وقد نصّ عليه أبو جعفر قبل وفاته وصدرت على يده تواقيع كثيرة من الناحية المقدسة. فقد روى جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى، قال: أخبرني أبو علي محمد بن همام: أن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري جمعنا قبل موته، وكنّا وجوه الشيعة وشيوخها، فقال لنا: (إن حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقد أمرت أن أجعله في موضعي بعدي، فارجعوا إليه وعوّلوا - في أموركم - عليه).
وفي رواية أخرى: لما اشتدّت حال أبي جعفر رحمه الله، اجتمع جماعة من وجوه الشيعة فدخلوا عليه، فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: (هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر، والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم، وعوّلوا عليه في مهماتكم، فبذلك أمرت وقد بلّغت).
وقد كان فاضلاً موثوقاً ﻻ يختلف فيه اثنان من الثقات، حتى كان أبو سهل النوبختي يقول في حقه: (لو كان الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل).
وقد روى محمد بن إبراهيم بن إسحاق عنه أنه قال: (يا محمد بن إبراهيم؛ لئن أخرّ من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبّ إليّ من أن أقول في دين الله برأيي ومن عند نفسي).
وكانت مدّة نيابته إحدى وعشرين سنة.
توفي سنة ٣٢٦هـ.
قبره: له مقام في بغداد يعرف باسمه في سوق الشورجة.
٤- علي السمري:
اسمه: علي بن محمد السَّمَري - بفتح السين والميم معاً - أو السيمري، أو الصيمري، والمشهور المعروف هو الأول.
كنيته: أبو الحسن.
ميلاده: لم يصلنا تاريخ ميلاده، ولا ذكر المؤرخون فجر حياته، وإنما الذي ورد في كتب الرجال أنه كان من أصحاب الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، ثم تولى السفارة المهدوية بعد الشيخ الجليل الحسين ابن روح بإيعاز من الإمام المهدي (عليه السلام).
ولم نجد نصاً خاصاً بسفارته وإنما الأدلة عليها أمور.
الأول: اتفاق كلمة الشيعة على ذلك خلفاً بعد سلف منذ أيام سفارته وحتى اليوم، فرابع النواب الأربعة هو علي بن محمد السمري بلا خلاف ولا منازع.
الثاني: خروج توقيعات على يده من الناحية المقدسة مما يدل على سفارته.
الثالث: توصية الحسين بن روح به، والحسين بن روح أجل وأرفع من أن يفعل مثل هذا الأمر الخطير المهم بلا أمر عن الإمام المهدي (عليه السلام).
الرابع: خروج التوقيع - الذي حمل وفاته - بانتهاء الدور للغيبة الصغرى وبدور الغيبة الكبرى، على يده مما يدل على سفارته، وكونه كالثلاثة السابقين سفيراً خاصاً للإمام المهدي (عليه السلام).
مدة سفارته: تولى السفارة عن الناحية المقدسة من ٣٢٦ - عام وفاة الحسين بن روح - إلى ٣٢٩ عام وفاته في النصف من شعبان(٤٨).
وفاته: قبل ستة أيام من موته خرج من الناحية المقدسة توقيع على يده بانقطاع الغيبة الصغرى، وأن ﻻ يوصي إلى أحد وأنه ميت بينه وبين ستة أيام، فلما أن كان اليوم السادس وكان يجود بنفسه قيل له: من وصيك من بعدك فقال: (لله أمر هو بالغه) ومات رضوان الله عليه.
قبره: له مزار معروف في بغداد هناك موضع قبره.
وكلاء آخرون للإمام المهدي
ثبت بالأحاديث الشريفة، والنقل التاريخي وجود وكلاء آخرين - غير السفراء الأربعة - للإمام المهدي (عليه السلام)، منتشرين في مختلف البلاد الإسلامية التي فيها أناس من شيعة الإمام ويحتاجون إلى وجود قنوات بينهم وبين الإمام (عليه السلام).
والفارق بين السفراء الأربعة، وبين الوكلاء الآخرين يمكن تلخيصه في أمرين رئيسيين:
(أحدهما): أن السفير يواجه الإمام شخصياً، ويراه مباشرة، ويسلمه الكتب والحوائج والأموال، وغيرها، ويتسلم منه الأجوبة والتعليمات الخاصة والعامة.. بينما الوكيل ليس كذلك، بل هو على اتصال بالإمام (عليه السلام) بواسطة السفير، فالوكيل همزة وصل بين الشيعة وبين السفير غالباً.
(ثانيهما): أن مسؤولية السفير في الحفاظ على الدين، وعلى الشيعة عامة ﻻ تخص بلداً، أو قطراً معيناً، بينما الوكيل مسؤوليته محدودة بمنطقته، أو بلده.
والمصلحة الأساسية والظاهرة من تعيين وكلاء آخرين يمكن استنباطها في عدة أمور:
(الأول): الإسهام في تسهيل مهمات السفراء وأعمالهم، إذ من الصعب جداً للشخص الواحد أن يتصل بشرق البلاد وغربها، ويكون المركز الوحيد للأحكام، والحوائج والرسائل والأمانات وغيرها، خاصة في ظروف التكتم، وملاحقة السلطات الظالمة القائمة للسفراء.
(الثاني): تسهيل الأمر على الناس، وأصحاب الرسل والحوائج، وتوسيع الأمر عليهم حتى ﻻ يتقيد من في إيران، أو الحجاز، أو غيرهما من الاتصال مباشرة بالسفراء القاطنين في بغداد.
(الثالث): المساهمة في إخفاء السفراء الأربعة، وكتمان أسمائهم وخصوصياتهم لكي ﻻ يعرفوا فيؤخذوا برقابهم، ويزج بهم في السجون، أو يقتلون.
ويظهر من نصوص عديدة أن السفراء كانوا مهددين بذلك من سلطات زمانهم.
ونحن نورد هنا أسماء عدد من الوكلاء - من غير استيعاب - فلعل بعضهم لم يسجل التاريخ اسمه، ولعل بعضهم كان في غاية الكتمان، ولعل بعضهم لم يصلنا تاريخه.
١- حاجز بن يزيد الملقب بالوشاء (٤٩).
روى الكليني بسنده عن محمد بن الحسن الكاتب المحروزي أنه قال: وجهت إلى حاجز الوشاء مائتي دينار وكتبت إلى الغريم (يعني: الإمام المهدي عليه السلام) بذلك فخرج الوصول.
وذكر: أنه كان قبلي ألف دينار وإني وجهت إليه مائتي دينار.
فخرج التوقيع: إن أردت أن تعامل أحداً فعليك بأبي الحسين الأسدي بالري.
فورد الخبر بوفاة حاجز (رضي الله عنه) بعد يومين أو ثلاثة... الحديث(٥٠).
هذا الحديث يستنبط منه عدة أمور بالنسبة لحاجز.
(الأول) أن حاجزاً من وكلاء الناحية لتوثيقه من قبلها وخروج الوصول بسببه، وعند الناس لبعث الأموال إليه.
(الثاني) تعارف أن يرسل قسم من الناس بعض أموال الناحية المقدسة إلى حاجز.
(الثالث) ثبات حاجز على الوكالة إلى آخر عمره، فلم ينحرف كما انحرف بعض الوكلاء.
٢- البلالي: وهو أبو طاهر محمد بن علي بن بلال.
عدّة السيد ابن طاووس - قدس سره - في ربيع الشيعة من الوكلاء الموجودين في الغيبة الصغرى والأبواب المعروفين الذين ﻻ يختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن علي (عليه السلام) فيهم(٥١).
وذكره الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء في كتابه (كمال الدين وتمام النعمة).
وفي رجال الكشي: أن الإمام المهدي (عليه السلام) عبّر عنه في توقيع رفيع بأنه الثقة المأمون العارف بما يجب عليه(٥٢).
(لكن) مع ذلك كله قد ورد فيه الذم عن الناحية المقدسة (قال) الشيخ الحر في وسائل الشيعة (ج ٢٠ - ص ٣٢٥): وعدّه الشيخ في كتاب الغيبة من المذمومين [وسيأتي في آخر حقل الرسائل نقل تفصيل ذلك] وتوقف العلامة بعد نقل التوثيق والذم (ولا يبعد) أن يكون وجه الذم ما تقدم في زرارة ويكون مأموراً بما صدر عنه، أو يكون تغير في آخر أمره، على أن ما نقل عنه من سبب الذم ﻻ ينافي كونه ثقة في الحديث).
ويقصد بما تقدم في زرارة: ما ذكره في ص ١٩٦ قال: (وروى أحاديث في ذمه [يعني: زرارة] ينبغي حملها على التقية بل يتعين وكذا ما ورد في حق أمثاله من أجلاّء الإمامية بعد تحقق المدح، من الأئمة (عليهم السلام).
٣- ابن مهزيار: محمد بن إبراهيم بن مهزيار.
عدّه ابن طاووس من الوكلاء والأبواب المعروفين الذين ﻻ يختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن علي فيهم(٥٣).
وذكره الصدوق (قدس سره) في إكمال الدين في قائمة الوكلاء.
كما ورد التوقيع الرفيع في حقه: (قد أقمناك مقام أبيك فاحمد لله)(٥٤) وكان يسكن أهواز.
٤- ابن مهزيار: إبراهيم بن مهزيار، أبو محمد السالف الذكر.
ذكره ابن طاووس (قدس سره) في ربيع الشيعة من الوكلاء للصاحب (عليه السلام)(٥٥).
ويدل عليه التوقيع الرفيع الصادر إلى ابنه: (قد أقمناك مقام أبيك).
فهذا النص يدل على أن الأب أيضاً كان وكيلاً للإمام المهدي (عليه السلام).
٥- أحمد بن إسحاق:

بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري، أبو علي القمي، وكان وافداً لقميين روى عن الجواد (الهادي) وكان من خاصة أصحاب العسكري (عليهم السلام)(٥٦).
قال الشيخ الطوسي (قدس سره): (وكان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل ثم قال: منهم أحمد بن إسحاق...)(٥٧).
وقد بشّره الإمام العسكري (عليه السلام) بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) فيما ورد إليه من الكتاب الخاص به(٥٨).
وفي ربيع الشيعة للسيد بن طاووس أنه من الوكلاء(٥٩) وقد ذكره الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء أيضاً(٦٠).
٦- محمد بن صالح:

بن محمد الهمداني الدهقان، من أصحاب العسكري، وكيل الناحية(٦١).
ذكره الشيخ الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء(٦٢).
وعدّه رجال الكشي: أن توقيع الإمام المهدي (عليه السلام) لإسحاق بن إسماعيل يدل على وكالته حيث ورد فيه: (فإذا وردت بغداد فاقرأه على الدهقان وكيلنا وثقتنا والذي يقبض من موالينا)(٦٣).
(لكنه) على آخر عمره(٦٤) أصبح منحرفاً وإنما كان ممدوحاً موثوقاً قبل انحرافه، ولعله هو المقصود من قول الإمام المهدي (عليه السلام) في بعض توقيعاته الشريفة (وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان عليه لعنة الله، وخدمته وطول صحبته فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل فعاجله الله بالنقمة ولم يمهله)(٦٥).
٧-  الأسدي:

محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي، الرازي كان أحد الأبواب(٦٦).
وذكره الصدوق (قدس سره) في الحديث المروي عنه نفسه أيضاً(٦٧).
وله كتاب الرد على أهل الاستطاعة(٦٨).
وقد أسلفنا في ذكر حاجز الوشاء نصب الإمام المهدي (عليه السلام) للأسدي في محل حاجز(٦٩).
وهناك توقيعات متعددة عن الإمام المهدي (عليه السلام) في تعيين الأسدي هذا.
(منها) ما رواه النجاشي في رجاله عن صالح بن أبي صالح قال: سأني بعض الناس في سنة تسعين ومائتين قبض شيء فامتنعت من ذلك، وكتبت - يعني: إلى المهدي (عليه السلام) استطلع الرأي، فأتاني الجواب: (بالري محمد بن جعفر العربي فليدفع إليه فإنه من ثقاتنا)(٧٠).
(ومنها) ما رواه أيضاً في رجاله عن أبي جعفر محمد بن علي بن نوبخت - في ثقة مفصلة وفي آخرها - فورد الجواب - يعني: عن الإمام المهدي (عليه السلام): (الأسدي نعم العدليل فإن تدم فلا تختر عليه)(٧١).
(ومنها) غير ذلك مما هو مذكور في الكتب المفصلة وسيأتي نقل بعضه منا أيضاً في محله.
٨- القاسم بن العلاء

من أهل أذربايجان.
ذكره الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء(٧٢).
وقال ابن طاووس: إنه من وكلاء الناحية، يكنّى بأبي محمد(٧٣).
عمّر مائة وسبع عشرة سنة، منها ثمانون سنة صحيح العينين، ولقي الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) وكانت توقيعات مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) ﻻ تنقطع عنه على يد أبي جعفر بن عثمان العمري، وبعده على يد أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحهما(٧٤).
ونقل الشيخ الطوسي (قدس سره) في كتاب الغيبة، والراوندي في الخرائج، حديثاً مطولاً يدل على جلالة قدره من أجل أمور عديدة (منها) أن الإمام المهدي (عليه السلام) أرسل إليه قبل موته سبعة ثياب لتكفينه وأخبره أنه يموت بعد أربعين يوماً من وصول ثياب الكفن إليه، فمات في اليوم المذكور، وإذا لاحظنا أن الإمام المهدي (عليه السلام) كان قد بعث إلى عديد من الوكلاء والمتقين بالكفن عند موتهم، لكنه كان غالباً مقتصراً على ثوب واحد أو ثوبين أو ثلاثة فقط، من هذه الملاحظة يظهر التقدير الكبير للقاسم بن العلاء إذ بعث الإمام (عليه السلام) إليه سبعة ثياب للكفن (ومنها) أنه أوصى عند موته بحرمان أهله مما أوقفه على الناحية المقدسة إذا لم يكن من المتقين، وجواز الأكل من الموقوفة إذا كان من أهل التقوى، وهذا بنفسه يدل على تفاني القاسم بن العلاء في الله (ومنها) صدور التوقيع من الإمام المهدي (عليه السلام) بتعزية ابنه في موته، وقد جاء فيه هذا النص (قد جعلنا أباك إماماً لك وفعاله لك مثالاً) (ومنها) غير ذلك مما يجده الناقب من خلال الحديث المطول.
٩- الحسن بن القاسم بن العلاء:

قد يستفاد من النص الآنف كونه من وكلاء الناحية المقدسة، وذلك من أجل كلمة (جعلنا) وأبعادها، وإن كنت لم أر من ذكره من الوكلاء، وهذا ﻻ يكون دليلاً على العدم إذ ﻻ شك أن فقهاءنا الماضين ومحدثينا السابقين لم يكونوا بصدد الاستيعاب في هذا المجال والله هو العالم.
١٠- محمد بن شاذان:

بن نعيم النعيمي النيسابوري.
ذكره الشيخ الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء التي ذكر فيها أسماء اثني عشر شخصاً بما فيهم اثنان من السفراء الأربعة وهما عثمان بن سعيد العمري، وابنه محمد بن عثمان.
وقد عدّه ابن طاووس من وكلاء الناحية وممن وقف على معجزات صاحب الزمان ورآه (عليه السلام) في ربيع الشيعة(٧٥).
١١- العطار:

ذكره الشيخ الصدوق (قدس سره) في الوكلاء، ولم نجد من ذكره غيره بهذا اللقب، وحيث أن العطار لقب لجماعة (منهم) محمد بن يحيى العطار، وابنه أحمد بن محمد بن يحيى، ويحيى بن المثنى العطّار، والحسن بن زياد العطّار، وعلى بن محمد بن عمر العطّار، ومحمد بن عبد الحميد العطّار، ومحمد بن أحمد بن جعفر القمي العطار، وداود بن يزيد العطّار، وغيرهم.
ﻻ نستطيع الجزم بأن من ذكره الصدوق (قدس سره) أي واحد من هؤلاء، أو من غيرهم؟ إلا أن غاية ما يدل عليه كلام الصدوق (قدس سره) وجود وكيل للناحية المقدسة بلقب (العطار).
١٢- العاصمي:

ذكره الشيخ الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء، ولم نجد أيضاً ذكره بالوكالة من شخص آخر. وهو لقب لشخصين فيما نعلم (أحدهما) أحمد بن محمد بن أحمد بن طلحة بن عاصم أبو عبد الله، وهو ابن أخي علي بن عاصم المحدّث، ويقال له العاصمي ثقة في الحديث، أصله من الكوفة وسكن بغداد وروى عن الشيوخ الكوفيين(٧٦). (وثانيهما) عيسى بن جعفر بن عاصم، وقد دعا له أبو الحسن الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)(٧٧).
ولكن كليهما لم يوسم بالوكالة والسفارة (نعم) يدل كلام الصدوق (قدس سره) على أن شخصاً ملقباً بالعاصمي وكيل للناحية المقدسة ولكنه من هو؟ هل أحد هذين أم غيرهما فالله أعلم.
١٣- أبو عبد الله البزوقري:

الحسين بن علي بن سفيان بن خالد بن سفيان.
روى الشيخ في الغيبة: عن بعض العلويين قال: كنت بمدينة (قم) فجرى بين إخواننا كلام في أمر رجل أنكر ولده، فأنفذوا إلى الشيخ(٧٨) صانه الله وكنت حاضراً عنده أيده الله فدفع إليه الكتاب فلم يقرأه وأمره أن يذهب إلى أبي عبد الله البزوقري (أعزه الله) ليجيب عن الكتاب، فصار إليه وأنا حاضر. فقال أبو عبد الله: الولد ولده، وواقعها في يوم كذا وكذا، في موضع كذا وكذا، فقال له: فيجعل اسمه محمداً، فرجع الرسول إلى البلد وعرفهم، ووضح عندهم القول، وولد الولد وسمي محمداً(٧٩).
ولا يخلو هذا الحديث من دلالة عرفية على أن البزوقري استقى هذه المعلومات عن الإمام المهدي (عليه السلام) مباشرة، أو بواسطة بعض السفراء.
ولذا قال العلامة المجلسي (قدس سره) وهو يعلق على هذا الحديث: (يظهر منه أن البزوقري كان من السفراء، ولم ينقل).
وقال النجاشي في رجاله، والعلامة في الخلاصة: (شيخ ثقة جليل القدر من أصحابنا).
١٤- إبراهيم بن محمد الهمداني:

وكيل الناحية كان حج أربعين حجة(٨٠).
كان عاصر الرضا، والجواد، والهادي، والعسكري (عليهم السلام)، وله وكالة عن الإمام الجواد، والهادي، والعسكري (عليهم السلام)، وله وكالة عن الإمام الجواد وجاء في بعض رسائل الجواد (عليه السلام) إليه: (وكتبت إلى مواليّ بهمدان كتاباً أمرتهم بطاعتك والمصير إلى أمرك وأن ﻻ وكيل لي سواك)(٨١).
لم يذكر اسمه في قائمة الوكلاء، إلا أنه ذكر ورود توقيع الإمام المهدي (عليه السلام) مبتدءاً من دون سبق سؤال بتوثيقه(٨٢) وهو إذ ذاك من شيوخ الشيعة وكبارهم ومبرزيهم الذين لهم قدم في مدح عدد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) إياهم.
وهذا التوقيع استفاد البعض منه وكالة الرجل وليس ببعيد والله العالم.
وقال النجاشي: إنه وكيل الناحية(٨٣) (لكن) الكلام في ظهور هذه الكلمة في الوكالة عن الإمام المهدي (عليه السلام) بالخصوص، أو الأعم منها ومن الوكالة عن بعض آبائه (عليهم السلام).
١٥- أحمد بن اليسع بن عبد الله القمي:

قال في الوسائل: والظاهر أنه ابن حمزة بن اليسع(٨٤).
وعليه بنى جامع الرواة، إذ لم يذكر سوى أحمد بن حمزة.
وقد ورد توقيع ربما يدل على وكالته، بل استظهر البعض وكالته منه.
(والتوقيع هو) ما عدّه أبي محمد الرازي قال: كنت أنا وأحمد بن أبي عبد الله بالعسكر (أي: سامراء) فورد علينا رسول من الرجل (وقد يستظهر كونه كناية عن الإمام المهدي (عليه السلام) فقال لنا: الغائب العليل ثقة، وأيوب بن نوح، وإبراهيم بن محمد الهمداني، وأحمد بن حمزة، وأحمد بن إسحاق ثقاة)(٨٥).
ويستظهر ذلك من عبارة الشيخ الطوسي (قدس سره) أيضاً حيث قال في كتاب الغيبة: (قد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات يرد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل، ثم قال: (ومنعم أحمد بن إسحاق وجماعته يخرج التوقيع في حقهم)(٨٦).
ولعل الشيخ الطوسي يشير بذلك إلى هذا التوقيع الشريف الآنف المتضمن لذكر أحمد بن حمزة أيضاً.
١٦- أيوب بن نوح

أيوب بن نوح من أصحاب الهادي والعسكري (عليهما السلام)، ومن وكلائهما، عظيم المنزلة، ثقة(٨٧)، وقد شهد له الإمام العسكري بالجنة(٨٨).
إلا أنه لم يذكر في وكلاء الإمام المهدي (عليه السلام). لكنه قد استظهر بعضهم وكالته من التوقيع الرفيع الصادر عن الإمام المهدي (عليه السلام) الذي يرويه أبو محمد الرازي وقد نقلناه آنفاً عند ذكر (أحمد بن اليسع) فراجعه.
١٧- الجعفري:

أبو هاشم داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب.
ذكره السيد بن طاووس (قدس سره) في ربيع الشيعة وقال: (إنه من السفراء والأبواب المعروفين الذين ﻻ تختلف الشيعة القائلون بإمامة الحسن بن علي فيهم(٨٩).
كما ذكره في قائمة الوكلاء الشيخ علي الحائري أيضاً في إلزام الناصب(٩٠) ولم أجد غيرهما من يذكر وكالته عن الناحية المقدسة.
نعم قال عنه صاحب الوسائل: (من أهل بغداد، ثقة، جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمة (عليهم السلام)، شهد أبا جعفر، أبا الحسن وأبا محمد (عليهم السلام) وكان شريفاً عندهم، وذكر أنه شاهد الرضا (عليه السلام) أيضاً(٩١).
وفي الفهرست أنه شاهد الرضا، والجواد، والهادي، والعسكري، وصاحب الأمر (عليهم السلام)، وقد روى عنهم كلهم(٩٢).
وقد ترجم له كل كتب الرجال بتفصيل فراجعها(٩٣).
١٨- الرازي:

أحمد بن إسحاق، يحتمل كونه من الوكلاء. قال الأردبيلي في جامع الرواة (من أصحاب الهادي (عليه السلام) ثقة [صه](٩٤) في (كش) حكى بعض ثقاة نيسابور أنه خرج لإسحاق بن إسماعيل بن أبي محمد(٩٥) (عليه السلام) توقيع: (يا إسحاق بن إسماعيل إلى أن قال: فليؤد حقوقنا إلى إبراهيم وليحمل ذلك إبراهيم من عنده إلى الرازي رضي الله عنه أو إلى من يحمله الرازي قال ذلك عن أمري ورأيي إن شاء الله. ثم قال: وقد يحتمل الاتحاد)(٩٦). فيكون هذا هو أحمد بن إسحاق الذي ذكرناه برقم -٥-.
١٩- أبو جعفر: محمد بن أحمد.
لم أجد توصيفه بأكثر من ذلك، كما لم أجد ذكره من وكلاء الناحية المقدسة، إلا أن الذي يظهر من الرواية التالية والتوقيع الرفيع كونه من الوكلاء.
أخرج العلامة المجلسي عن القطب الراوندي في الخرايج قال: روي عن أحمد بن أبي روح قال خرجت إلى بغداد في مال لأبي الحسن الخضر بن محمد لأوصله وأمرني أن أدفعه إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (ثاني النواب الأربعة) فأمرني أن ﻻ أدفعه إلى غيره وأمرني أن أسأل الدعاء للعلة التي هو فيها وأسأله عن الوبر يحل لبسه؟
فدخلت بغداد، وصرت إلى العمري فأبى أن يأخذ المال وقال: صر إلى أبي جعفر محمد بن أحمد وادفع إليه فإنه أمره بأن يأخذه، وقد خرج الذي طلبت.
فجئت إلى أبي جعفر فأوصلته إليه فأخرج إلي رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. سألت الدعاء عن العلة التي تجدها... - إلى آخره -(٩٧).
وقد يكون من البيّن الظاهر: أن من يأخذ أموال الناحية المقدسة، ويحوّل النائب العمري إليه، ويعطي رقعة الناحية لابد أن يكون وكيلاً ﻻ متصلاً ولكن كسائر الوكلاء بواسطة النواب الأربعة.
غير أن الحديث هو في أنه من هو بالتعيين؟ هذا ما يحتاج إلى فحص ودقة أكثر، وقد ترجم جامع الرواة لعدة أشخاص يمكن كون الرجل أحدهم بهذا الاسم وهذه الكنية وفي ذاك الزمان(٩٨).
وهناك أسماء أخرى ذكرها بعضهم في قائمة الوكلاء للناحية المقدسة لم نجد مجالاً للتتبع والتحقيق فيهم واحداً واحداً، نذكرهم لعل من يتتبع كثيراً فيجد أدلة وشواهد أخرى على وكالتهم.
وهم كالآتي:
١- إبراهيم بن محمد.
٢- والحسن بن محبوب.
٣- وعمرو الأهوازي.
٤- وأبو محمد الوجناتي.
ذكرهم الشيخ علي الحائري اليزدي في كتاب (إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب عليه السلام) قال: (وقد كان في زمان السفراء (رضوان الله عليهم) أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة)(٩٩)، وذكر أسماء عديدة منهم هؤلاء الأربعة.
أما إبراهيم بن محمد فهو مشترك بين متعددين ولم نعرف المقصود به أيهم ولعله الهمداني الذي ذكرناه برقم - ١٤-.
وأما الحسن بن محبوب فهو من أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام) ومات سنة (٢٢٤) أي: قبل ولادة صاحب الأمر (عليه السلام) باثنتين وثلاثين سنة، فكيف يمكن عده من وكلائه (عليه السلام)؟
ولعلّه مصحّف محمد بن علي بن محبوب.
وأما عمر الأهوازي، فلم أجد من ذكر له الوكالة من الناحية المقدسة، غير صاحب إلزام الناصب، (نعم) ذكر جامع الرواة أنه ممن أراه أبو محمد العسكري صاحب الأمر (عليهما السلام)(١٠٠)، ولعل صاحب الزام الناصب وجد له مدركاً والله أعلم.
وأما أبو محمد الوجناتي فلم أجده في كتب الرجال - في هذه العجالة - بهذه الكنية ولا ذاك اللقب، وأبو محمد في كتب الرجال كثير يعدون بالعشرات، فلم نعلم أنه أيهم. والله أعلم.
منزلة الإمام المهدي في القرآن (١٠١)
(ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون). سورة القصص، آية ٥ - ٦.
هذه الآية من الآيات التي أولت برجعة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، التي تبدأ بظهور الإمام المنتظر وإن كانت في سياق الآيات الواردة في بني إسرائيل.
ودليل هذا التأويل:
١- أن هذه الآية لم ترد في القرآن بصيغة نقل إرادة سابقة، فلم ترد (وقلنا لبني إسرائيل: نريد أن نمنّ...) وإنما أوردت (الإرادة الفعلية) في القرآن، الذي نزل بعد غياب بني إسرائيل عن المسرح الديني، بنسخ شريعتهم مرتين، فقد نسخت شريعتهم، مرة بشريعة المسيح (عليه السلام) ونسخت مرة أخرى بالإسلام.
فهذه (الإرادة) الإلهية التي ترويها (ونريد) إرادة قائمة لم تكن قد نفذت حين نزول القرآن.
٢- أن بني إسرائيل، لم يتمكنوا في الأرض عبر أئمة مطلقاً، وإذا صحّ أن سليمان بن داود حكم الأرض كلها، وافترضناه (إماماً) فذلك إمام واحد، وهذه الإرادة لمجموعة أئمة. لهم حكومة عالمية هم جماعة من الحكام، وليس حاكماً واحداً عبّر الله عنه وعن أعوانه بصيغة الجمع بدليل كلمة (الأئمة) ومن الثابت أن رتبة (الإمامة) وهي الولاية المطلقة، ﻻ تكون إلا لرجل واحد في عهده، فلا تكون لعدّة رجال في وقت واحد، وإنما يتوارثون هذه الرتبة بالتعاقب.
٣- ووصف أولئك (الأئمة) بـ (الذين استضعفوا في الأرض) يدل على أنهم قادمون إلى الأرض مرتين، قدموا إليها مرة فاستضعفوا، ويقدمون إليها مرة أخرى فيمكنهم الله في الأرض. إذ ﻻ يمكن أن تكون مجموعة من الناس مستضعفين في الأرض، ثم يمكنهم الله فيها فيحكموها ويكونوا أئمة بالتعاقب مع العلم بأن الإمام ﻻ يستضعف إماماً آخر - لاشتراط العصمة فيهما - حتى نقول بأن كل واحد منهم كان مستضعفاً في حين وحاكماً في حين آخر.
٤- أن كل الأفعال التي استخدمت في هذه الآية مستقبلية (نريد... نمنّ.. نجعلهم.. ونجعلهم.. نمكّن.. نري) فهذه الأفعال الستة المستقبلية ﻻ تزال قيد التنفيذ. فتنحصر محتوى هذه الآية لمجموعة (أئمة) يحكمون الأرض، وإذا عرفنا أن النبي (صلّى الله عليه وآله) حصر الأئمة من بعده في اثنى عشر إماماً عددهم عدد نقباء بني إسرائيل كما في أحاديث متواترة، من جملتها قوله (صلّى الله عليه وآله): (الأئمة بعدي اثني عشر كلهم من قريش).
وإذا عرفنا أن أيّاً من الأئمة الاثني عشر لم يتمكن في الأرض سابقاً، نعرف أن تلك (الإرادة) لم تتحقق بعد، وإنما ستحقق لهم أنفسهم في وقت لاحق.
٦- أن استخدام كلمة (الوارثين) يشير إلى أن أولئك الذين بشّرهم الله تعالى - في هذه الآية - بحكومة عالمية يأتون في آخر الزمان، فيرثون الأرض من جميع الذين حكموها قبلهم، ولو كانوا حلقة في سلسلة حكام الأرض لما عبّر القرآن عنهم بـ (الوارثين). كما لم يعبّر عن سليمان وصحبه، ولا عن يوسف وأعوانه بالوارثين. فلا ينطبق هذا التعبير إلا على جماعة يكون لهم المطاف الأخير في حكومة الأرض.
٧- أن التمكين في الأرض لم يتحقق لأي إنسان منذ نزول هذه الآية فكيف بتحققه لمجموعة أشخاص. وإذا ظهر في المسلمين حاكم واحد أو مجموعة حكام - وافترضناهم أئمة - فإن أيّاً منهم لم يتمكن في الأرض كلها، وإنما تمكن في بعض الأرض، وهذه الآية تدل على أن إرادة الله سبقت لتمكين مجموعة من الأئمة في الأرض كلها.
يضاف إلى ذلك أن من نعرفهم من حكام المسلمين لم يكونوا - جميعاً - مستضعفين في حين وحكاماً في حين آخر، وإذا كان رأس كل سلسلة من الخلفاء مستضعفاً في حين، فإن بقية خلفاء أسرته ولدوا في بيوت الخلافة، فلم يستضعفوا في أي حين.
إذن، فهذه الآية بمجموع بنودها ﻻ يمكن أن تنطبق بدقة إلا على (الأئمة الاثني عشر) إذا عادوا إلى الحياة في آخر الزمان وحكموا الأرض في المطاف الأخير من عمر البشر.
وهنا قد ينبض سؤال يقول: إن قول الله تعالى في بقية الآية: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) وفرعون وهامان كانا معاصرين لموسى بن عمران فكيف يمكن صرف دلالة الآية عن موسى وبني إسرائيل.
وتتوارد الأجوبة:
١- إن فرعون تطاول على مقام الربوبية بشكل لم يتطاول عليه أحد، فلم يكتف بالكفر بالله وجحوده، ولم يكتف بادّعاء أنه أحد الآلهة - كما فعل نمرود - وإنما ادّعى أنه الربّ الأعلى وعمل برجاً ليطلع إلى إله موسى فيقتله إذا كان موجوداً - بزعمه - فلما عجز عن أن يرفع البرج إلى السماء حلّق في الجو على سفينة فضائية يرفعها العقبان وأطلق سهماً في اتجاه السماء مدّعياً أنه قتل إله السماء... إلى آخر ما هو موجود في كتب السنّة... ثم طالت فترة حكومته أكثر من المتوقع ولم يعجّل الله عليه، حتى نشر جنوده في كثير من البلاد يعيثون فيها الفساد، بقي اسمه رمزاً أكبر للطواغيت، وحيث كان هامان وزيره وعقله المفكر بقي اسمه مقروناً باسمه، ولم تذهب من ذاكرة الناس أشباح جنودهما الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. فإذا ذكر فرعون وهامان وجنودهما، ذكروا كرموز للطغيان، ﻻ كأشخاص، والظاهر أنهم ذكروا في هذه الآية كرموز فقط.
٢- ﻻ يصح أن يكون المقصود (الذين استضعفوا في الأرض) موسى بن عمران وقومه، لأن رأسهم وهو موسى بن عمران لم يتمكن في الأرض، حتى بعد غرق فرعون، بل مات في التيه، خاصة وفي بقية الآية، (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) وكأن الآية توحي بأن فرعون وهامان وجنودهما يكونون موجودين حين يتمكّن الذين استضعفوا في الأرض، ثم يرون منهم ما كانوا يحذرون - على نحو الترتيب -.
وقد يستأذن سؤال آخر يقول: إن المستضعفين في الأرض عنوان ذمّه القرآن في بعض آياته - فمثلاً - قال: (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم...) سورة النحل: آية ٢٨. فكيف أصبح المستضعفون في هذه الآية عنواناً بلغت الإرادة الإلهية لمنحهم رتبة الإمامة وجعلهم حكاماً عالميين؟
ويندفع جواب يقول: يمكن تصنيف المستضعفين الذين أطرهم القرآن ثلاثة أقسام:
١- المستضعفون الضعفاء، كالعجزة والقاصرين الذين ﻻ يجدون في أنفسهم مادة الكفاح ضد المعتدين، ولا يطيقون تأمين أنفسهم ضد الحاجة فوجدهم الطغاة مادة يمكن امتصاص بقية الحياة منها ولو للديكور في الأروقة وعلى الأبواب، وهؤلاء - يمثلون قدسية الحياة ولو في أضعف مظاهرها - أمر الله بالدفاع عنهم إلى جانب الدفاع عن المقدسات، فقال: (... وما لكم ﻻ تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﻻ يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً) سورة نساء: الآية ٩٨.
٢- المستضعفون الأقوياء الذين يملكون طاقات كفاحية عالية، ومواهب قادرة على تصنيفهم عباقرة وعظماء، ولكنهم أهملوا أنفسهم وقنعوا بالتوافه والحقائر، فاستساغهم الأقوياء قاعدة يشيدون عليها مجد الطغيان ولأنهم (كذلك) رضوا بأن يدفعوا ضريبة الذل على أن يخوضوا الحياة بشجاعة المعترفين بواقع الحياة. ويستعرض القرآن مثلاً من هذا الصنف، من وجد نفسه في بلده تحت سلطة عاتية، فرضي بها على أن يهاجر منه إلى بلد تتجاوب فيه نسائم الحرية والعدالة، ثم يصنفهم القرآن ظالمين ولكن لأنفسهم، ويعتبرهم مجرمين بين يدي ملائكة العذاب التي تتولاهم منذ لحظة الوفات، فيقول: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)؟ سورة النساء: الآية ٩٧.
٣- المستضعفون الأفوياء الذين يملكون طاقات كفاحية مخيفة، ومواهب جبّارة، واستنفدوا كل طاقاتهم ومواهبهم، ولكن التيارات القاهرة تناصرت عليهم، فأصبحوا مقهورين، مثل كل الأنبياء، مثل كل العظماء، والقرآن يقف من هؤلاء موقفاً إيجابياً يظهر في ترصيد جميع العواطف والأفكار الخيّرة حولهم، وفي تبشيرهم بالفوز في المطاف الأخير، لأن القوي الذي ﻻ يوفر شيئاً من امكاناته لابد أن يفوز فور ما تهدأ العاصفة ويتضح الأفق، فيقول: (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض...) سورة القصص: الآية ٥.
أسئلة وأجوبتها
١- إن الإمام المهدي (عليه السلام) عندما يظهر ﻻ يغيّر طبائع الناس ولا يصفّي نوازع الشر في النفوس، وإلا لبطلت تجربة الحياة، كما أن الأنبياء والأوصياء قبله لم يفعلوا ذلك. والدليل على ذلك أن يهودية تقتل الإمام المهدي (عليه السلام) وتظهر عينات الشر بعده بكثرة، ثم يكون إجماع العرب والعجم على قتل الحسين في الرجعة وظاهر تلك اليهودية واستمرار الصراع بين الخير والشر من خلال عينات عديدة تكشف بقاء التركيبة النفسية للبشر كما هي الآن.
س: إذن كيف يطهّر الأرض من الذنوب.
ج: قال بعض: ليس في الأحاديث أن الإمام المهدي (عليه السلام) يطهّر الأرض من الذنوب، كل ما هنالك أنه (يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً) فهو يقضي على التجاوزات ﻻ على الانحرافات العقيدية والمسلكية، التي تدور بين الفرد وربه. فلا يبقى ظالم ومظلوم. ولكن قد يبقى الكافر والعاصي في نطاق الأفراد أي ﻻ تبقى راية غير راية الإسلام. أما الفرد الكافر أو الفرد العاصي فلا يلغى من الأرض.
س: إذا كان البشر هذا البشر فكيف يقضي على التجاوزات؟
ج: ١- إنه يطهّر النظام وإذا طهّر النظام أصبح الجوّ صالحاً يربي الصالحين ويقضي على المتجاوزين، وخاصة عندما يسود العالم نظام واحد ﻻ يداهن النظام خوفاً من الأنظمة المجاورة، ويشعر الناس بأنه ﻻ ملجأ لهم غيره فتنتهي التجاوزات والانحرافات العقيدية المعلنة، وتبقى الانحرافات الفردية أي يبقى أفراد غير مؤمنين أو غير ملتزمين.
٢- إن الإمام المهدي بمقتضى إحاطته الشخصية بالناس كلهم وبمقتضى حكمه بالواقع ﻻ بالظاهر يطارد المتجاوزين - إلى جانب نظام حكمه - ومع تكرر التجارب وتكاثر الواقع يشعر كل فرد بأنه ﻻ يتجاوز إلا ويلاحقه الإمام نفسه، وأن أي فرد مهما أوتي من ذكاء وقدرةٍ على تحرير تجاوزاته على النظام المؤلف من الناس العاديين، فإنه ﻻ يستطيع تحرير أدنى تجاوز على الإمام الذي هو مصدر السلطات، فكيفّ الناس عن التجاوز، وإذا كانت طينة أحدهم ﻻ تساعد إلا على التجاوز، فسرعان ما يستأصل ليكون عبرة لغيره.
س: كيف يهيمن الإمام شخصياً على من في المغرب والمشرق من مقره بالكوفة وهو ﻻ يعدو كونه وصياً، من أوصياء خاتم النبيين ﻻ نبياً ولا ملكاً. وحتى الأنبياء لم يهيمنوا مثله، فكيف به وهو وصي نبي ﻻ أكثر؟
ج: لابد من الاعتراف بحكومة الطاقة على المادة أي المادة اللطيفة مسيطرة على المادة الكثيفة، فالنسبية العامة تسود المجرات وتحفظ الأبعاد المتناسبة بين الأجرام الفضائية. والجاذبية تشد الأرض وتستعيد شواردها، والروح تحكم في الجسد وتحرك أجهزته وخلاياه. والإدارة تهيمن على الوحدة البشرية: (الفرد) فتنام وتستيقظ وتمشي وتأكل وتصارع، وتحرك يدك وتغمز بعينك بفاعلية الإرادة.
وتبقى الوحدة البشرية مملكة لسلطان الإرادة وتتصرف في الأشياء عن طريق استخدام هذه الوحدة ما دامت هذه الإرادة نواة ضعيفة، فإذا تمت تنميتها وتربيتها تكون قادرة على التصرف في الموجودات مباشرة بدون استخدام تلك الوحدة البشرية.
وتتنافس على تربية الإرادة مدرستان مدرسة سماوية هي مدرسة الرسالات ومدرسة أرضية هي مدرسة الشياطين وتسمى المدرسة الأولى بمدرسة التقوى بينما تسمى المدرسة الثانية بمدرسة السحر. والمتخرجون من المدرسة الأولى تسمى تصرفاتهم الخارجية باسم (المعجزات) إذا صدرت الأنبياء وباسم (الكرامات) إذا صدرت عن الأنبياء، والمتخرجون من المدرسة الثانية تسمى تصرفاتهم الخارجية باسم (الأعمال السحرية).
ويمتاز تلامذة المدرسة الأولى بأن لإرادتهم نوعاً من الخالقية فيوجدون أشياء بمجرد الإرادة كما يفعل أهل الجنة حيث يوجدون ما يشاءون، وكما عبّر القرآن عن المسيح (إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) وكما ورد في الحديث القدسي: (عبدي أطعني أجعلك مثلى أو مثلي أقول للشيء كن فيكون. وتقول للشيء كن فيكون).
وإذا كان الإمام المهدي يستخدم مثل هذه الصلاحية يكون من الهيّن بسط سلطانه الشخصي على الأرض، كما فعل سليمان بن داوود حيث سخر المخلوقات وأتى بعرش بلقيس من سبأ بلمح البصر، واختار حرسه من الوحوش والسباع.
حضارة الإمام المهدي
حضارة كل جيل حصيلة معرفة ذلك الجيل بالحياة، فمعرفة الإنسان بالموجودات تنعكس على تعامله معها، ومجمل تعامله مع الموجودات حضارته.
وقد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يعرف إلا ظواهر الموجودات فحدد تعامله معها بحدود ظواهرها.
لقد عرف ظواهر الأشجار كما هي، فاتخذ ثمارها طعاماً وأخشابها وقوداً وبيوتاً وسفناً.
وعرف ظواهر الحيوانات كما هي، فاتخذ لحومها طعاماً وجلودها وأصوافها متاعاً، وظهورها مراكب.
وعرف ظواهر الأرض كما هي فاتخذ من الصخور مساكن ومن السهول مزارع، ومن البحار أسماكها ولآلئها.
ونزل عمق الموجودات فاستخرج الحديد سلاحاً ولامة حرب، والذهب والفضة نقداً وزينة.
هذه المعرفة حددت حضارة الإنسان في العهود البدائية.
ثم أتت العهود الحديثة على الإنسان، فعرف (التحليل والتركيب) من جهة، وعرف، (النسبية العامة) من جهة أخرى. أي عرف تجزئة الشيء الواحد لاستخدام بعض جزئياته، وعرف تركيب الجزئيات المستخلصة من أشياء متعددة، لاستخدامها كشيء، واحد، وإلى جانب ذلك كله عرف قسماً من المعادلات التي تشد الموجودات ببعضها فاكتشف الكهرباء والذرة...
وكانت التكنولوجيا الحديثة. فلم يبق محصوراً في حدود التعامل مع ظواهر الموجودات، وإنما أصبح قادراً على التعامل مع جزئيات الموجودات، كما هو قادر على التعامل مع ظواهرها. فاستطاع أن يستخدم النفط - مثلاً - وقوداً، وأن يستخدم مشتقاته في ألوف الأغراض المختلفة. واستطاع أن يستفيد من الشعاع - مثلاً - للإضاءة، وأن يستفيد من مشتقاته لتحقيق آلاف الأهداف المتفاوتة.
فهذه المعرفة حددت حضارة الإنسان في العهود الحديثة.
ويأتي على الإنسان عهد آخر يعرف فيه جميع الطاقات المتفاعلة في الكون، بما فيها الطاقات الميتافيزيقية كطاقات الجن، والملائكة والشياطين - التي قد ﻻ يؤمن بها الكثيرون في الوقت الحاضر - ويعرف كيفية الاستفادة منها جميعاً، فيستطيع التنقل بين المجرات كما يتنقل اليوم بين أدوار البناية الواحدة ويستطيع اختراق حاجز الزمان والنور كما اخترق اليوم حاجز الصوت، ويستطيع الفرد أن يتعامل مع الموجودات بذات المرونة التي كان يتعامل بها أصحاب المعجزات مع الموجودات. ذلك سيكون عهد المعجزات أو عهد الإمام المهدي (عليه السلام) الذي يفك جميع الرموز، ويعطي للإنسان كل العلم مائة في المائة (مائة حرفاً).
في العهود البدائية كانت تظهر بوادر تكنولوجية فظهر النفط واستخدم عبر أنبوب قائم ﻻ يشتعل أبداً، وظهرت الساعة الآلية وظهرت أشياء أخر لم تكن الذهنية العامة مؤهلة لاستقبالها فرموها بالسحر والجن والشيطان.
ولكن تلك البوادر كانت طلائع عهد هو عهدنا المعاصر.
وفي جميع العهود السابقة ظهرت معجزات لم تكن الذهنية العامة مؤهلة لاستقبالها فرموها بالسحر والجن والشيطان. ولكن تلك البوادر كانت طلائع عهد. هو عهد المعجزات أو عهد الإمام المهدي (عليه السلام)(١٠٢).

بيروت
حسن المهدي الشيرازي

الرسائل

رسالة إلى المفيد (١٠٣)
للأخ السديد والولي الرشيد(١٠٤) الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان(١٠٥) أدام الله إعزازه، من مستودع العهد المأخوذ على العباد(١٠٦).
بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد سلام الله عليك أيّها الوليّ المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين، فإنّا نحمد إليك الله(١٠٧) الذي ﻻ إله إلا هو، ونسأله الصلاة على سيّدنا ومولانا ونبيّنا محمد وآله الظاهرين.
ونعلمك - أدام الله توفيقك لنصرة الحق وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق- أنّه قد أذن لنا(١٠٨) في تشريفك بالمكاتبة وتكليفك ما تؤديّه عنّا إلى موالينا قبلك أعزهم الله بطاعته وكفاهم المهمّ برعايته لهم وحراسته.
فقف - أمدّك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه - على ما تذكره(١٠٩) واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه، بما نرسمه إن شاء الله. نحن وإن كنّا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين(١١٠) - حسب الذي أراناه الله تعالى من الصلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك مادامت دولة الدنيا للفاسقين - فإنّا نحيط علماً بأنبائكم. ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم(١١١) ومعرفتنا بالذلّ الذي أصابكم(١١٢) مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ (منه)(١١٣) وراء ظهورهم كأنهم ﻻ يعلمون إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم(١١٤) ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء(١١٥) واصطلمكم(١١٦) الأعداء، فاتقوا الله جلّ جلاله، وظاهرونا على انتياشكم(١١٧) من فتنة قد أنافت(١١٨) عليكم، يهلك فيها من حمّ أجله، ويحمى عنها من أدرك أمله، وهي إمارة لأزوف(١١٩) حركتنا و(مبانيتكم) (مباثبتكم) بأمرنا ونهينا، والله متم نوره ولو كره الكافرون(١٢٠).
اعتصموا بالتقيّة؛ من شبّ نار الجاهليّة(١٢١) يحشّشها عصب أمويّة يهول بها فرقة مهديّة(١٢٢).
أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن الخفيّة(١٢٣)، وسلك في الظعن منها السبل المرضيّة(١٢٤).
إذا حلّ جمادى الأولى من سنتكم هذه، فاعتبروا بما يحدث فيها، واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليها، ستظهر لكم من السماء آية جليّة، ومن الأرض مثلها بالسويّة، ويحدث في أرض المشرق ما يحزن ويقلق، ويغلب من بعد على العراق، طوائف عن الإسلام مراق(١٢٥) تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق، ثم تنفرج الغمة من بعد ببوار طاغوت من الأشرار، ثم يسرّ بهلاكه المتقون الأخيار ويتفق لمريدي الحج من الآفاق، ما يؤملونه منه على توفير غلبه (عليه) منهم وإنفاق، ولنا في تيسير حجهم على الاختيار منهم والوفاق، شأن يظهر على نظام واتساق(١٢٦) فليعمل كل امرئ منكم بما يقرّب به من محبتنا، ويتجنّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجأة(١٢٧) حين ﻻ ينفعه توبة، ولا ينجّيه من عقابنا ندم على حوبة(١٢٨) والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته.
نسخة التوقيع
باليد العليا على(١٢٩) صاحبها السلام
هذا كتابنا إليك، أيّها الأخ الوليّ والمخلص في ودنا الصّفيّ. والناصر لنا الوفيّ، حرسك الله بعينه التي ﻻ تنام، فاحتفظ به، ولا تظهر على خطنا الذي سطرناه، ولا بما فيه ضمناه أحداً(١٣٠) وأدّ ما فيه إلى من تسكن إليه. وأوص جماعتهم بالعمل عليه، إن شاء الله، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين(١٣١).
رسالة ثانية للشيخ المفيد (١٣٢)
من عبد الله المرابط في سبيله، إلى ملهم الحقّ ودليله(١٣٣).
بسم الله الرحمن الرحيم. سلام الله عليك أيّها الناصر للحقّ، الدّاعي إليه بكلمة الصّدق.
فإنّنا نحمد الله إليك الذي ﻻ إله إلاّ هو إلهنا وإله آبائنا الأوّليين، ونسأله الصلاة على سيّدنا ومولانا محمّد خاتم النبيّين وعلى أهل بيته الطاهرين.
وبعد. فقد كنّا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه الله لك من أوليائه، وحرسك به من كيد أعدائه وشفعنا ذلك(١٣٤) الآن من مستقرّ لنا ينصبّ في شمراخ من بهماء(١٣٥) صرنا إليه آنفاً من غماليل(١٣٦) ألجأنا إليه السباريت(١٣٧) من الأيمان(١٣٨) ويوشك أن يكون هبوطنا إلى ضحضح(١٣٩) من غير بعد من الدهر، ولا تطاول من الزمان، ويأتيك نبأ منّا بما يتحدّد لنا من حال(١٤٠) فتعرف بذلك ما يعتمد (نعتمده) من الزلفة إلينا بالأعمال، والله موفّقك لذلك برحمته.
فلتكن - حرسك الله بعينه التي ﻻ تنام - أن تقابل بذلك فتنة تبسل نفوس قومٍ حرثت باطلاً لاسترهاب المبطلين(١٤١) يبتهج لدمارها المؤمنون، ويحزن لذلك المجرمون.
وآية حركتنا من هذه اللوثة(١٤٢) حادثة بالحرم المعظّم، من رجس منافق مذمّم، ستحلّ للدم المحرّم، يعمد بكيده أهل الإيمان، ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم والعدوان، لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي ﻻ يحجب عن ملك الأرض والسماء(١٤٣) فلتطمئنّ بذلك من أوليائنا القلوب، وليتّقوا بالكفاية منه وإن راعتهم بهم الخطوب، والعاقبة - بجميل صنع الله سبحانه - تكون حميدة ما اجتنوا المنهي عنه من الذنوب.
ونحن نعهد إليك أيّها الوليّ المخلص المجاهد فينا الظّالمين أيّدك الله بنصره الذي أيّد به السلف من أوليائنا الصالحين: إنّه من اتّقى ربّه من إخوانك في الدين، وأخرج ممّا عليه إلى مستحقيه، كان آمناً في الفتنة المبطلة، ومحنها المظلمة المضلّة، ومن بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمره بصلته، فإنه يكون خاسراً بذلك لأولاه وآخرته(١٤٤).
ولو أنّ أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمين بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم(١٤٥) والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلواته على سيّدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلّم.
وكتب في غرّة شوّال من سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
نسخة التوقيع
باليد العليا صلوات الله على صاحبها
هذا كتابنا إليك أيّها الوليّ الملهم للحقّ العليّ(١٤٦) بإملائنا وخطّ ثقتنا، فأخفه عن كلّ أحد، واطوه واجعل له نسخة تطّلع عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائنا، شملهم الله ببركاتنا إن شاء الله.
الحمد لله والصلاة على سيّدنا محمّد النبيّ وآله الطاهرين.
مسائل الأسدي (١٤٧)
.... أما ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؟ فلئن كان كما يقول الناس: (إن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان) فما أرغم أنف الشيطان شيء أفضل من الصلاة، فصلّها وارغم الشيطان أنفه.
أمّا ما سألت عنه من أمر الوقف على ناحيتنا، وما يجعل لنا ثم يحتاج إليه صاحبه فيه احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه(١٤٨).
وأما ما سألت عنه من أمر من يستحلّ ما في يده من أموالنا ويتصرف فيه تصرّفه في ماله من غير أمرنا؟ فمن فعل ذلك فهو ملعون، ونحن خصماؤه يوم القيامة، وقد قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (المستحل من عترتي ما حرّم الله ملعون على لساني ولسان كل نبي مجاب) فمن ظلمنا حقنا كان في جملة الظالمين لنا، وكانت لعنة الله عليه لقوله عز وجلّ: (ألا لعنة الله على الظّالمين)(١٤٩).
وأما ما سألت عنه عن أمر المولود الذي نبتت غلفته بعد ما يختن مرة أخرى، فإنه يجب أن يقطع غلفته فإن الأرض تضج إلى الله تعالى من بول الأغلف أربعين صباحاً(١٥٠).
وأمّا ما سألت عنه عن أمر المصلى والنار والصورة والسّراج بين يديه، هل يجوز صلاته فإن الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك؟
فإنّه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام والنيران: أن يصلي والنار (والصورة) والسراج بين يديه، ولا يجوز(١٥١) ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان والنيران.
وأمّا ما سألت عنه عن أمر الضياع التي لناحيتنا، هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخراج منها، وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية، احتساباً للأجر، وتقرّباً إليكم؟
فلا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا؟ من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحلّ منّا ما حرّم عليه ومن أكل من أموالنا شيئاً فإنما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً(١٥٢).
وأمّا ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة، ويسلمها من قيّم يقوم بها ويعمّرها، ويؤدّي من دخلها خراجها ومؤنتها، يجعل ما بقي من الدّخل لناحيتنا؟
فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيّماً عليها، إنما ﻻ يجوز ذلك لغيره.
وأمّا ما سألت عنه من الثمار من أموالنا يمر به الماء فيتناول منه ويأكل هل يحلّ ذلك؟
فإنّه يحلّ له أكله ويحرّم عليه حمله.
مسائل الحميري (١٥٣)، (١٥٤)
رقم ١
بسم الله الرحمن الرحيم. أطال الله بقاك، وأدام الله عزّك، وتأييدك وسعادتك، وسلامتك وأتمّ نعمته عليك، وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله عندك، وجعلني من السوء فداك، وقدمني قبلك(١٥٥) الناس يتنافسون في الدرجات، فمن قبلتموه كان مقبولاً ومن دفعتموه كان وضيعاً، والخامل من وضعتموه، ونعوذ بالله من ذلك وببلدنا أيّدك الله جماعة من الوجوه يتساوون ويتنافسون في المنزلة، وورد أيّدك الله كتابك إلى جماعة منهم في أمر أمرتهم به من معاونة، وأخرج علي بن محمد بن الحسين بن الملك المعروف بملك بادوكة(١٥٦) وهو ختن(١٥٧) رحمه الله من بينهم فاغتنم بذلك، وسألني أيّدك الله أن أعلمك ما ناله من ذلك، فإن كان من ذهب فاستغفر الله منه، وإن يكن غير ذلك عرفته ما تسكن نفسه إليه إن شاء الله.
التوقيع: (لم نكاتب إلا من كاتبنا).
وقد عودتني أدام الله عزك في تفضلك ما أنت أهل أن تخبرني على العادة، وقبلك أعزك الله فقهاؤنا قالوا: إنّا محتاجون إلى أشياء تسأل لنا عنها.
روى لنا عن العالم(١٥٨) (عليه السلام): أنه سئل عن إمام قوم صلى بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة(١٥٩) كيف يعمل من خلفه؟
فقال: (يؤخّر ويتقدم بعضهم، ويتمّ صلاتهم، ويغتسل من مسّه).
التوقيع: (ليس على من نحّاه إلا غسل اليد، وإذا لم يحدث حادثة يقطع الصلاة، تمم صلاته مع القوم)(١٦٠).
وروي عن العالم (عليه السلام): أن من مسّ ميتاً بحرارته غسل يده، ومن مسه وقد برد فعليه الغسل،
وهذا الإمام في هذه الحالة ﻻ يكون إلا بحرارة، فالعمل ما هو. ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسّه، فكيف يجب عليه الغسل.
التوقيع: (إذا مسّه على هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده).
وعن صلاة جعفر: إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود، أو ركوع أو سجود وذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة، هل يعيد ما فاته في ذلك التسبيح في الحالة التي ذكرها أم يتجاوز في صلاته؟
التوقيع: (إذا سها في حالة من ذلك ثم ذكر في حالة أخرى، قضى ما فاته في الحالة التي ذكره).
وعن المرأة يموت زوجها، يجوز أن تخرج في جنازته أم ﻻ؟
التوقيع: (تخرج في جنازته).
وهل يجوز لها في عدتها أن تزور قبر زوجها أم ﻻ؟
التوقيع: (تزور قبر زوجها ولا تبيت عن بيتها).
وهل يجوز لها أن تخرج في قضاء حق يلزمها، أم ﻻ تبرح من بيتها وهي في عدّتها؟؟
التوقيع: (إذا كان حق خرجت فيه وقضته، وإن كانت حاجة ولم يكن لها من ينظر فيها خرجت بها حتى تقضيها، ولا تبيت إلا في بيتها)(١٦١).
وروي في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها: أن العالم (عليه السلام) قال: (عجباً لمن لم يقرأ في صلاته: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) كيف تقبل صلاته)؟
وروي: ما زكت صلاة من لم يقرأ (قل هو الله أحد).
وروي: (أن من قرأ في فرائضه (الهمزة) أعطي من الثواب قدر الدنيا) فهل يجوز أن يقرأ (الهمزة) ويدع هذه السور التي ذكرناها، مع ما قد روي: (أنه ﻻ تقبل صلاة ولا تزكو إلا بهما)؟
التوقيع: (الثواب في السورة على ما قد روي، وإذا ترك سورة مما فيها الثواب وقرأ (قل هو الله أحد) و(إنا أنزلناه) لفضلهما أعطي ثواب ما قرأ، وثواب السور التي ترك، ويجوز أن يقرأ غير هاتين السورتين وتكون صلاته تامة ولكن يكون قد ترك الفضل).
وعن وداع شهر رمضان: متى يكون؟ فقد اختلف فيه أصحابنا، فبعضهم يقول: (يقرأ في آخر ليلة منه) وبعضهم يقول: (وهو في آخر يوم منه إذا رأى هلال شوال)؟
التوقيع: (العمل في شهر رمضان في لياليه، والوداع يقع في آخر ليلة منه، فإذا خاف أن ينقص الشهر جعله في ليلتين).
وعن قول الله عزوجل: (إنه لقول رسول كريم) أرسول الله (صلى الله عليه وآله) المَعنيّ به؟ (ذي قوة عند ذي العرش مكين) ما هذه القوة؟ (مطاع ثم أمين)(١٦٢) ما هذه الطاعة وأين هي؟؟ - ما خرج لهذه المسألة جواب.
فرأيك أدام الله عزك بالتفضل عليّ بمسألة من تثق به من الفقهاء عن هذه المسائل فأجبني عنها منعماً مع ما تشرحه لي من أمر علي بن محمد بن الحسين بن الملك المتقدم ذكره بما يسكن إليه ويعتد بنعمة الله عنده، وتفضّل عليّ بدعاء جامع لي ولإخواني في الدنيا والآخرة فعلت مثاباً إن شاء الله(١٦٣).
التوقيع: (جمع الله لك ولإخوانك خير الدنيا والآخرة).
مسائل الحميري (١٦٤)
رقم ٢
(١٦٥)... فرأيك أدام الله عزك في تأمل رقعتي والتفضّل بما أسأل من ذلك لأضيفه إلى سائر أياديك عندي ومننك عليّ، واحتجت أدام الله عزك أن يسألني بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهّد الأول إلى الركعة الثانية هل يجب عليه أن يكبر؟ فإن بعض أصحابنا قال: (ﻻ يجب عليه التكبير، ويجزيه أن يقول بحول الله وقوته أقوم وأقعد)؟
الجواب: (إن فيه حديثين: أما أحدهما: (فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه التكبير). وأما الآخر: فإنه روى: (أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبّر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير وكذلك في التشهّد الأول يجري هذا المجرى) وبأيهما أخذت من جهة التسليم كان صواباً).
وعن الفص الخماهن(١٦٦): هل يجوز فيه الصلاة إذا كان في إصبعه؟ الجواب: (فيه كراهية أن يصلي فيه، وفيه أيضاً إطلاق، والعمل على الكراهية)(١٦٧).
وعن الرجل اشترى هدياً لرجل غاب عنه، وسأله أن ينحر عنه هدياً بمنى فلما أراد نحر الهدي نسي اسم الرجل ونحر الهدي، ثم ذكره بعد ذلك، أيجزي عن الرجل أم ﻻ؟
الجواب: (ﻻ بأس بذلك، وقد أجزأ عن صاحبه).
وعندنا حاكة مجوس، يأكلون الميتة، ولا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا ثياباً، فهل يجوز الصلاة فيهما من قبل أن تغسل؟
الجواب: (ﻻ بأس بالصلاة فيها).
وعن المصلي، يكون في صلاة الليل في ظلمة، فإذا سجد يغلط بالسجادة ويضع جبهته على (مسح أو نطع) فإذا رفع رأسه وجد السجادة هل يعتد بهذه السجدة أم ﻻ يعتد بها؟
الجواب: (ما لم يستو جالساً فلا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخِمرة)(١٦٨).
وعن المحرم: يرفع الظلال هل يرفع خشب أو العمارية الكنيسة ويرفع الجناحين أم ﻻ؟(١٦٩).
الجواب: (ﻻ شيء عليه في ترك رفع الخشب).
وعن المحرم: يستظل من المطر بنطع أو غيره، حذراً على ثيابه وما في محمله أن يبتل، فهل يجوز ذلك؟
الجواب: (إذا فعل ذلك في المحمل في طريقه، فعليه دم)(١٧٠).
وعن الرجل: يحج عن واحد، هل يحتاج أن يذكر الذي حج عنه عند عقد إحرامه أم ﻻ، وهل يجب أن يذبح عمن حجّ وعن نفسه أم يجزيه هدي واحد؟
الجواب: (قد يجزيه هدي واحد، ويذكره وإن لم يفعل(١٧١) فلا بأس).
وهل يجوز للرجل أن يحرم في كساء خزّ أم ﻻ؟
الجواب: (ﻻ بأس بذلك، وقد فعله قوم صالحون).
وهل يجوز للرجل أن يصلي في بطيط(١٧٢) ﻻ يغطي الكعبين أم ﻻ يجوز؟
الجواب: (جائز).
وعن الرجل يصلي وفي كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد، هل يجوز ذلك؟
وعن الرجل: يكون معه بعض هؤلاء(١٧٣)، ويكون متصلاً بهم، فيحج ويأخذ ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف الشهرة(١٧٤) أم ﻻ يجوز إلا أن يحرم من المسلخ.
الجواب: (يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب، ويلبي في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهر).
وعن لبس النعل المعطون(١٧٥) فإن بعض أصحابنا يذكر أن لبسه كريه؟
الجواب: (جائز، ولا بأس به).
وعن الرجل: من وكلاء الوقف مستحلاً لما في يده، ولا يرع عن أخذ ماله ربما نزلت في قريته وهو فيها. أو أدخل منزله - وقد حضر طعامه - فيدعوني إليه، فإن لم آكل من طعامه عاداني عليه وقال: فلان ﻻ يستحل أن يأكل من طعامنا فهل يجوز لي أن آكل من طعامه وأتصدق بصدقه؟ وكم مقدار الصدقة؟ وأن أهدي هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فأحضر فيدعوني إلى أن أنال منها، وأنا أعلم أن الوكيل ﻻ يرع عن أخذ ما في يده، فهل عليّ فيه شيء إن أنا نلت منها؟
الجواب: (إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل برّه، وإلا فلا).
وعن الرجل ممن يقول بالحق ويرى المتعة، ويقول بالرجعة، إلا أنّ له أهلاً موافقة له في جميع أموره، وقد عاهدها: ألا يتزوج عليها، ولا يتمتع - ولا يتسرّى وقد فعل هذا منذ تسعة عشر سنة. أيضاً لذلك، ويرى أن وقوف من معه من أخ وولد وغلام ووكيل وحاشية مما يقلله في أعينهم، ويحبّ المقام على ما هو عليه محبة لأهله وميلاً إليها، وصيانة لها ولنفسها، ﻻ لتحريم المتعة بل يدين الله بها، فهل عليه في ترك ذلك مأثم أم ﻻ؟
الجواب: (يستحبّ له أن يطيع الله تعالى بالمتعة، ليزول عنه الحلف في المعصية ولو مرة)(١٧٦).
مسائل الحميري (١٧٧)
رقم ٣
سأل عن المحرم: يجوز أن يشد المئزر من خلفه على عقبه بالطول، ويرفع طرفيه إلى حقويه ويجمعهما في خاصرته ويعقدها، ويخرج الطرفين الآخرين من بين رجليه ويرفعهما إلى خاصرته، ويشد طرفيه إلى وركيه، فيكون مثل السراويل يستر ما هناك، فإن المئزر الأول كنا نتزر به إذا ركب الرجل جمله يكشف ما هناك، وهذا أستر؟
فأجاب: جاز أن يتزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في الميزر حدثاً بمقراظ ولا إبرة يخرجه به عن المئزر، وغرزه غرزاً ولم يعقده، ولم يشد بعضه ببعض، وإذا غطّى سرته وركبتيه كلاهما فإن السنّة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرة والركبتين، والأحب إلينا والأفضل لكل أحد شده على السبيل المألوفة المعروفة عند الناس جميعاً إن شاء الله).
وسأل: هل يجوز أن يشد عليه مكان العقد تكة؟
فأجاب: (ﻻ يجوز شد المئزر بشيء سواه من تكة ولا غيرها).
وسأل عن التوجه للصلاة أن يقول على ملّة إبراهيم ودين محمد (صلّى الله عليه وآله)، فإن بعض أصحابنا ذكر: أنه إذا قال: على دين محمد فقد أبدع، لأنا لم نجده في شيء من كتب الصلاة خلا حديثاً في كتاب القاسم بن محمد عن جدّه عن الحسن بن راشد: أن الصادق (عليه السلام) قال للحسن: كيف تتوجه؟
فقال: أقول لبيك وسعديك.
فقال له الصادق (عليه السلام): ليس عن هذا أسألك. كيف تقول وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً.
قال الحسن: أقول.
فقال الصادق (عليه السلام): إذا قلت ذلك فقل: على ملّة إبراهيم، ودين محمد، ومنهاج علي بن أبي طالب، والائتمام بآل محمد، حنيفاً ومسلماً وما أنا من المشركين.
فأجاب (عجل الله فرجه): (التوجه كلّه ليس بفريضة، والسنّة المؤكدة فيه التي كالإجماع الذي ﻻ خلاف فيه: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم ودين محمد وهدى أمير المؤمنين، وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، ﻻ شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم اجعلني من المسلمين أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم اقرأ الحمد.
قال الفقيه(١٧٨) الذي ﻻ يشك في علمه: إنّ الدين لمحمد والهداية لعلي أمير المؤمنين أنها له (عليه السلام) وفي عقبه باقية إلى يوم القيامة(١٧٩) فمن كان كذلك فهو من المهتدين. ومن شك فلا دين له، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى).
وسأله عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه، يجوز أن يردّ يديه على وجهه وصدره للحديث الذي روي: (إن الله عزّ وجلّ أجلّ من أن يرد يدي عبده صفراً بل يملأهما من رحمته) أم ﻻ يجوز؟ فإن بعض أصحابنا(١٨٠) ذكر أنه عمل(١٨١) في الصلاة.
فأجاب (عليه السلام): (رد اليدين من القنوت على الرأس والوجه غير جائز في الفرائض، والذي عليه العمل فيه، إذا رجع يده في قنوت الفريضة وفرغ من الدعاء، أن يردّ بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تمهل، ويكبّر ويركع، والخبر صحيح وهو في نوافل النهار والليل دون الفرائض، والعمل به(١٨٢) فيها أفضل).
وسأل: عن سجدة الشكر بعد الفريضة، فإن بعض أصحابنا ذكر أنها (بدعة) فهل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة؟ وإن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة؟
فأجاب (عليه السلام): (سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها، ولم يقل إن هذه السجدة بدعة إلا من أراد أن يحدث بدعة في دين الله. فأما الخبر المروي فيها بعد صلاة المغرب والاختلاف في أنها بعد الثلاث أو بعد الأربع فأن فضل الدّعاء والتّسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعقيب النوافل كفضل الفرائض على النوافل، والسجدة دعاء وتسبيح فالأفضل أن تكون بعد الفرائض فإن جعلت بعد النوافل أيضاً جاز)(١٨٣).
وسأل: إن لبعض إخواننا ممن نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب، للسلطان فيها حصته وأكرته ربما زرعوا حدودها ويؤذيهم عمال السلطان ويتعرضون في الكل من غلات ضيعته، وليس لها قيمة لخرابها وإنما هي بائرة منذ عشرين سنة، وهو يتحرّج من شرائها لأنه يقال أن هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت عن الوقف قديماً للسلطان، فإن جاز شراؤها من السلطان، وكان ذلك صلاحاً له وعمارة لضيعته، وإنه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة لفضل ماء ضيعته العامرة، وينحسم عنه طمع أولياء السلطان، وإن لم يجز ذلك عمل بما تأمره به إن شاء الله تعالى؟
فأجاب: (الضيعة ﻻ يجوز ابتياعها إلا من مالكها أو بأمره أو رضاءٍ منه)(١٨٤).
وسأل: عن رجل استحلّ امرأة خارجة من حجابها، وكان يتحرز من أن يقع ولد فجاءت بابن، فتحرج الرجل أن ﻻ يقبله فقبله وهو شاكّ فيه، وجعل يجري النفقة على أمه وعليه حتى ماتت الأم، وهو ذا يجري عليه غير أنه شاكّ فيه ليس يخلطه بنفسه، فإن كان ممن يجب أن يخلط بنفسه ويجعله كسائر ولده فعل ذلك وإن جاز أن يجعله له شيئاً من ماله دون حقه فعل؟
فأجاب (عليه السلام): (الاستحلال بالمرأة يقع على وجوه، والجواب يختلف فيها فليذكر الوجه الذي وقع الاستحلال عليه به مشروحاً ليعرف الجواب فيما يسأل عنه من أمر الولد إن شاء الله).
وسأله الدّعاء له فخرج الجواب:
 (جاد الله عليه بما هو جل وتعالى أهله، إيجابنا لحقه، ورعايتنا لأبيه رحمه الله، وقرّبه منّا، وقد رضينا بما علّمناه من جميل نيّته، ووقفنا عليه من مخاطبته، المقر له من الله، التي يرضي الله عز وجل ورسوله وأوليائه (عليهم السلام) والرحمة بما بدأنا، نسأل الله بمسألته ما أمله من كل خير عاجل وآجل، وأن يصلح له من أمر دينه ودنياه ما يجب صلاحه، إنه ولي قدير).
مسائل الحميري (١٨٥)
رقم ٤
بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك وأدام عزّك وكرامتك وسعادتك وسلامتك، وأتمّ نعمته عليك وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله عليك، وجزيل قسمه لك، وجعلني من السوء كله فداك، وقدمني قبلك(١٨٦).
إن قبلنا(١٨٧) مشايخ وعجايز يصومون رجباً منذ ثلاثين سنة وأكثر، ويصلون بشعبان وشهر رمضان. وروى لهم بعض أصحابنا: أن صومه معصية؟
فأجاب (عليه السلام): (قال الفقيه(١٨٨): يصوم منه أيّاماً إلى خمسة عشر يوماً (ثم يقطعه) إلا أن يصوم عن الثّلاثة، الأيام الفائتة(١٨٩)، للحديث: (إن نعم شهر القضاء رجب).
وسأل: عن رجل يكون في محمله والثلج كثير بقامة الرجل، فيتخوّف إن نزل الغوص فيه، وربما يسقط الثلج وهو على تلك الحال ولا يستوي له أن يلبّد شيئاً منه لكثرته وتهافته، هل يجوز [له] أن يصلي في المحمل الفريضة؟ فقد فعلنا ذلك أياماً فهل علينا في ذلك إعادة أم ﻻ؟
فأجاب: (ﻻ بأس [به] عند الضرورة والشّدة).
وسأل: عن الرجل يلحق الإمام وهو راكع فيركع معه ويحتسب تلك الركعة، فإن بعض أصحابنا قال: إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتدّ بتلك الركعة؟
فأجاب: (إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة وإن لم يسمع تكبيرة الركوع)(١٩٠).
وسأل: عن رجل صلى الظّهر ودخل في صلاة العصر فلمّا أن صلّى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلّى الظهر ركعتين، كيف يصنع؟
فأجاب: (إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخرتين تتمة لصلاة الظّهر، وصلّى العصر بعد ذلك)(١٩١).
وسأل: عن أهل الجنّة (هل) يتوالدون إذا دخلوها أم ﻻ؟
فأجاب: (إن الجنّة ﻻ حمل فيها للنساء ولا ولادة، ولا طمث ولا نفاس ولا شقاء بالطفولية، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين(١٩٢)، كما قال سبحانه، فإذا اشتهى المؤمن ولداً خلقه الله بغير حمل ولا ولادة على الصورة التي يريد كما خلق آدم عبرة).
وسأل: عن رجل تزوّج امرأة بشيء معلوم إلى وقت معلوم، وبقي له عليها وقت، فجعلها في حل مما بقي له عليها وقد كانت طمثت قبل أن يجعلها في حل من أيّامها بثلاثة أيام، أيجوز أن يتزوّجها رجل [آخر بشيء] معلوم إلى وقت معلوم عند طهرها من هذه الحيضة أو يستقبل بها حيضة أخرى؟
فأجاب: (يستقبل حيضة غير تلك الحيضة، لأن أقل تلك العدّة حيضة وطهرة تامّة).
وسأل: عن الأبرص والمجذوم وصاحب الفالج، هل يجوز شهادتهم، فقد روي لنا: أنهم ﻻ يؤمّون الأصحاء.
فقال: (إن كان ما بهم حادثاً جازت شهادتهم، وإن كان ولادة لم تجز)(١٩٣).
وسأل: هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة امرأته:
فأجاب: (إن كانت ربيت في حجره فلا يجوز، وإن لم تكن ربيّت في حجره وكانت أمّها من غير عياله(١٩٤) روي: أنّه جائز).
وسأل: هل يجوز أن يتزوج بنت ابنة امرأة ثم يتزوج جدّتها بعد ذلك أم ﻻ؟
فأجاب: (قد نهي عن ذلك).
وسأل: عن رجل ادّعى على رجل ألف درهم وأقام به البيّنة العادلة، وادّعى عليه أيضاً خمسمائة درهم في صك آخر، وله بذلك بيّنة عادلة، وادّعى عليه أيضاً ثلاثمائة درهم في صك آخر، ومائتي درهم في صك آخر، وله بذلك بيّنة كله بيّنة عادلة، ويزعم المدعى عليه أن هذه الصكوك كلّها قد دخلت في الصك الذي بألف درهم، والمدّعي منكر أن يكون كما زعم، فهل يجب الألف درهم مرة واحدة أو يجب عليه كل ما يقيم البيّنة به؟
وليس في الصكاك استثناء إنما هي صكاك على وجهها(١٩٥).
فأجاب: (يؤخذ من المدّعي عليه ألف درهم مرة وهي التي ﻻ شبهة فيها، ويرد اليمين في الألف الباقي على المدعي فإن نكل فلا حق له).
وسأل عن طين القبر(١٩٦): يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك أم ﻻ؟
فأجاب: (يوضع مع الميّت في قبره، ويخلط بحنوطه إن شاء الله).
وسأل فقال: روي لنا عن الصادق (عليه السلام): أنّه كتب على إزار ابنه: إسماعيل يشهد أن ﻻ إله إلا الله، فهل يجوز أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره؟
فأجاب: (يجوز ذلك).
وسأل: هل يجوز أن يسبّح الرجل بطين القبر، وهل فيه فضل؟
فأجاب: (يجوز ذلك وفيه فضل)(١٩٧).
وسأل: عن الرجل يزور قبور الأئمة (عليهم السلام)، هل يجوز أن يسجد على القبر أم ﻻ؟ وهل يجوز لمن صلى عند بعض قبورهم (عليهم السلام) أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة، أو يقوم عند رأسه أو رجليه؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعل القبر خلفه أم ﻻ؟
فأجاب: (أمّا السّجود على القبر، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة(١٩٨) والذي عليه العمل أن يضع خدّه الأيمن على القبر. وأمّا الصلاة فإنها خلفه، ويجعل القبر أمامه ولا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره، لأن الإمام (عليه السلام) ﻻ يُتقدّم ولا يُساوى)(١٩٩).
وسأل: يجوز للرجل إذا صلّى الفريضة أو النافلة وبيده السبحة أن يديرها وهو في الصلاة؟
فأجاب: (يجوز ذلك إذ خاف السهو والغلط).
وسأل: هل يجوز أن يدير السبحة بيده اليسار إذا سبّح، أو ﻻ يجوز؟
فأجاب: (يجوز ذلك والحمد لله رب العالمين).
وسأل: روي عن الفقيه في بيع الوقف خبر مأثور: إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقابهم، فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه، فله يجوز أن يشتري من بعضهم إن لم يجتمعوا كلهم على ذلك أم ﻻ يجوز إلا أن يجتمعوا كلّهم على ذلك؟ وعن الوقف الذي ﻻ يجوز بيعه؟
فأجاب: (إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، وإن كان على قوم من المسلمين فليبع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين إن شاء الله)(٢٠٠).
وسأل: هل يجوز للمحرم أن يصير على إبطه المرتك والتوتياء لريح العرق أم ﻻ يجوز(٢٠١)؟
فأجاب: (يجوز ذلك وبالله التوفيق).
وسأل: عن الضرير إذا شهد في حال صحته على شهادة، ثم كفّ بصره ولا يرى خطّه فيعرفه، هل يجوز شهادته أم ﻻ؟ وإن ذكر هذا الضرير الشهادة، هل يجوز أن يشهد على شهادته أم ﻻ يجوز؟
فأجاب: (إذا حفظ الشهادة وحفظ الوقت، جازت شهادته)(٢٠٢).
وسأل: عن الرجل يوقف ضيعة أو دابة ويشهد على نفسه باسم بعض وكلاء الوقف، ثم يموت هذا الوكيل أو يتغيّر أمره ويتولى غيره، هل يجوز أن يشهد الشّاهد لهذا الذي أقيم مقامه إذا كان أصل الوقف لرجل واحد أم ﻻ يجوز ذلك(٢٠٣)؟
فأجاب: (ﻻ يجوز ذلك، لأن الشهادة لم تقم للوكيل وإنما قامت للمالك، وقد قال الله: (وأقيموا الشهادة لله).
وسأل: عن الركعتين الأخراوين وقد كثرت فيهما الروايات فبعض يروي: أن قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يروي: أن التسبيح فيهما أفضل، فالفضل لأيهما لنستعمله؟
فأجاب: (قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، والذي نسخ التسبيح قول العالم (عليه السلام): كل صلاة ﻻ قراءة فيها فهي خداج(٢٠٤) إلا للعليل، أو يكثر عليه السّهو فيتخوّف بطلان الصلاة عليه)(٢٠٥).
وسأل: يتخذ عندنا رب الجوز لوجع الحلق والبحبحة، يؤخذ الجوز الرطب من قبل أن ينعقد ويدق دقّاً ناعماً ويعصر ماؤه ويصفّى ويطبخ على النصف ويترك يوماً وليلة ثم ينصب على النار، ويلقى على كل ستة أرطال منه رطل عسل ويغلى وينزع رغوته، ويسحق من النوشادر والشب اليماني في كل واحد نصف مثقال ويراق بذلك الماء، ويلقى فيه درهم زعفران المسحوق، ويغلى ويؤخذ رغوته ويطبخ حتى يصير مثل العسل ثخيناً، ثم ينزل ويبرد ويشرب منه، فهل يجوز شربه أم ﻻ؟
فأجاب: (إذا كثيرة يسكر أو يغير(٢٠٦) فقليله وكثيره حرام، وإن كان ﻻ يسكر فهو حلال).
وسأل: عن الرجل يعرض له الحاجة مما ﻻ يدري أن يفعلها أم ﻻ، فيأخذ خاتمين فيكتب في أحدهما (نعم افعل) وفي الآخر (ﻻ تفعل) فيستخير بالله مراراً، ثم يرى فيهما، فيخرج أحدهما فيعمل بما يخرج، فهل يجوز ذلك أم ﻻ؟ والعامل به والتارك له أهو مثل الاستخارة أم سوى ذلك؟
فأجاب: (الذي سنّه العالم (عليه السلام) في هذه الاستخارة بالرقاع والصلاة (عليه السلام)(٢٠٧).
وسأل: عن صلاة جعفر بن أبي طالب (رحمه الله): في أي أوقاتها أفضل أن تصلى فيه، وهل فيها قنوت؟ وإن كان ففي أي ركعة منها؟
فأجاب: (أفضل أوقاتها صدر النهار في يوم الجمعة، ثم في أي الأيام شئت وأي وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائر، والقنوت فيها مرتان، في الثانية قبل الركوع وفي الرابعة بعد الركوع(٢٠٨).
وسأل: عن الرجل ينوي إخراج شيء من ماله وأن يدفعه إلى رجل من إخوانه ثم يجد في أقربائه محتاجاً، أيصرف ذلك عمن [فيمن] نواه له أو إلى قرابته؟
فأجاب: (يصرفه إلى أدناهما وأقربهما من مذهبه، فإن ذهب إلى قول العالم (عليه السلام): (ﻻ يقبل الله الصدقة وذو الرحم محتاج) فليقسم بين القرابة وبين الذي نوى حتى يكون قد أخذ بالفضل كلّه).
وسأل: قد اختلفت أصحابنا في مهر المرأة، فقال بعضهم: إذا دخل بها سقط المهر ولا شيء لها، وقال بعضهم: هو لازم في الدنيا والآخرة، فكيف ذلك؟ وما الذي يجب فيه؟
فأجاب: (إن كان عليه بالمهر كتاب فيه [ذكرٍ] دين فهو لازم في الدنيا والآخرة، وإن كان عليه كتاب فيه ذكر الصداق سقط إذا دخل بها، وإن لم يكن عليه كتاب، فإذا دخل بها سقط باقي الصداق)(٢٠٩).
وسأل: روي لنا عن صاحب العسكر (عليه السلام)(٢١٠) أنه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغش بوبر الأرانب فوقّع: يجوز، وروي عنه أيضاً، أنه ﻻ يجوز. فأي الخبرين يعمل به.
فأجاب: (إنما حرم في هذه الأوبار والجلود، وأما الأوبار وحدها فحلال)(٢١١).
وسأل: نجد في أصفهان ثياب عتابة [عتابية] على عمل الوشا في قرّ أو إبريسيم هل يجوز الصلاة فيها أم لا؟
فأجاب: (لا يجوز الصلاة إلا في ثوب سداه ولحمته قطن أو كتان).
وسأل: عن المسح على الرجلين وبأيهما يبدأ باليمنى أو يمسح عليهما جميعاً معاً؟
فأجاب (عليه السلام): (يمسح عليهما معاً فإن بدأ بإحداهما قبل الأخرى فلا يبتدئ إلا باليمنى).
وسألك عن صلاة جعفر في السفر هل يجوز أم لا؟
فأجاب: (يجوز ذلك).
وسأل: عن تسبيح فاطمة (عليها السلام): من سها وجاز التكبير أكثر من أربع وثلاثين هل يرجع إلى أربع وثلاثين أو يستأنف؟ وإذا سبح تمام سبع وستين هل يرجع إلى ستة وستين أو يستأنف؟ وما الذي يجب في ذلك؟
فأجاب: (إذا سها من التكبير حتى يجوز أربعة وثلاثين عاد إلى ثلاثة وثلاثين وبنى عليها، وإذا سها في التسبيح فتجاوز سبعاً وستين تسبيحة عاد إلى ستة وستين وبنى عليها(٢١٢) فإذا جاوز التحميد مائة فلا شيء عليه).
الحقيقة والمفوضة (٢١٣)
وجّه قوم من المفوّضة كامل بن إبراهيم المدني، إلى أبي محمد(٢١٤) قال: فقلت في نفسي: لئن دخلت عليه أسأله عن الحديث المرويّ عنه: (ﻻ يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي) وكنت جلست إلى باب عليه ستر مسبل، فجاءت الريح فكشفت طرفه، وإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر، من أبناء أربع سنين، أو مثلها فقال لي: يا كامل بن إبراهيم: فاقشعررت من ذلك، فقلت: لبيك يا سيدي.
قال: جئت إلى ولي الله تسأله: ﻻ يدخل الجنة إلا من عرف بمعرفتك وقال بمقالتك؟
قلت: إي والله؟
قال: إذن - والله - يقلّ داخلها(٢١٥) والله إنه ليدخلنها قوم يقال لهم: (الحقّية).
قلت: ومن هم؟
قال: هم قوم من حبهم لعلي يحلفون بحقه، ولا يدرون ما حقه وفضله.
إنهم قوم يعرفون ما تجب عليهم معرفته جملةً ﻻ تفصيلاً، من معرفة الله ورسوله والأئمة ونحوها.
ثم قال: وجئت تسأل عن مقالة المفوضة(٢١٦) كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله، فإذا شاء الله شئنا(٢١٧) والله يقول: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)(٢١٨).
ثم رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه. فنظر إليّ أبو محمد (عليه السلام) مبتسماً فقال: يا كامل ما جلوسك وقد آساك بحاجتك الحجة من بعدي.
الغيب لله (٢١٩)
يا محمد بن علي؛ تعالى الله وجلّ عمّا يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاؤه في علمه ولا في قدرته، بل ﻻ يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه: (قل ﻻ يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله)(٢٢٠).
وأنا وجميع آبائي من الأوليين: آدم ونوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من النبيين، ومن الآخرين محمد رسول الله، وعليّ بن أبي طالب، وغيرهم من مضى من الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، إلى مبلغ أيّامي ومنتهى عصري، عبيد الله عزّ وجلّ، يقول الله عزّ وجلّ:
(من أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال ربّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)(٢٢١).
يا محمد بن علي قد آذانا جهلاء الشيعةِ وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه.
فأشهد الله الذي ﻻ إله إلا الله هو وكفى به شهيداً، ورسوله محمداً (صلّى الله عليه وآله)، وملائكته وأنبيائه وأوليائه (عليهم السلام) وأشهدك وأشهد كلّ من سمع كتابي هذا: أنّي بريءُ إلى الله وإلى رسوله ممن يقول: إنّا نعلم الغيب، ونشاركه في ملكه، أو يحلّنا محلاًّ سوى المحلّ الذي رضيه الله لنا وخلقنا له، أو يتعدّى بنا عمّا قد فسّرته لك وبينته في صدر كتابي.
وأشهدكم: أن كلّ من نبرأ منه فإن الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياؤه.
وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانةً في عنقك وعنق من سمعه، أن ﻻ يكتمه من أحد من مواليّ وشيعتي، حتى يظهر على هذا التوقيع الكلّ من الموالي، لعلّ الله عزّ وجلّ يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحقّ، وينتهون عمّا ﻻ يعلمون منتهى أمره، ولا يبلغ منتهاه، فكلّ من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته ونهيته، فقد حلّت عليه اللعنة من الله وممّن ذكرت من عباده الصالحين(٢٢٢).
وأما ندامة قوم شكّوا في دين الله على ما وصلونا به(٢٢٣) فقد أقلنا من استقال فلا حاجة إلى صلة الشاكين.
ارتداد الشلمغاني (٢٢٤)
اعرف أطال الله بقاك؛ وعرّفك الله الخير كلّه، وختم به عملك. من تثق بدينه وتسكن إلى نيّته من إخواننا أدام الله سعادتهم: بأن (محمد بن علي المعروف بالشلمغاني) عجّل الله له النقمة ولا أمهله، قد ارتدّ عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله، وادّعى ما كفر معه بالخالق جلّ وتعالى، وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب العادلون بالله وضلّوا ضلالاً بعيداً، وخسروا خسراناً مبيناً.
وإنّا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته منه، ولعنّاه، عليه لعاين الله تترى، في الظاهر منّا والباطن، في السرّ والجهر، وفي كلّ وقت، وعلى كلّ حال، وعلى كلّ من شايعه وبلغه هذا القول منّا فأقام على تولاّه [توليه] بعده.
أعلمهم تولاّك الله؛ أنّنا في التوقّي والمحاذرة منه على مثل ما كنّا عليه ممّن تقدّمه من نظرائه، من: (السريعي، والنّميري، والهلالي، والبلالي) وغيرهم(٢٢٥)، وعادة الله جل ثناؤه مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة، وبه نثق وإيّاه نستعين، وهو حسبنا في كلّ أمورنا ونعم الوكيل..
الغيبة الكبرى وتكذيب المشاهدة (٢٢٦)
بسم الله الرحمن الرحيم. يا عليّ بن محمدٍ السمّري؛ أعظم الله أجر إخوانك فيكَ، فأنّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيام، فأجمع أمرك ولا توص إلى أحدٍ، فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً.
وسيأتي إلى شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السّفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر(٢٢٧) ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.
الغيبة والقيادة المرجعية (٢٢٨)
...(٢٢٩) أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك، ووقاك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا. فاعلم: أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح.
وأما سبيل عمي جعفر وولده(٢٣٠) فسبيل أخوة يوسف (عليه السلام).
وأما الفقاع(٢٣١) فشربه حرام ولا بأس بالشلحاب [شلماب].
وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا. فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، وما آتانا الله خير مما آتاكم(٢٣٢).
وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقّاتون(٢٣٣).
وأما قول من زعم أن الحسين لم يقتل، فكفر وتكذيب وضلال(٢٣٤).
وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله(٢٣٥).
وأما محمد بن عثمان العمري(٢٣٦) فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي.
وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي، فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شكّه.
وأما ما وصلتنا به، فلا قبول عندنا إلاّ لما طاب وطهر، وثمن المغنّية حرام.
وأما محمد بن شاذان بن نعيم، فإنه رجل من شيعتنا أهل البيت.
وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع(٢٣٧) فإنه ملعون وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فاني منهم بريء، وآبائي (عليهم السلام) منهم براء.
وأما المتلبسون بأموالنا، فمن استحلّ منها شيئاً فأكله فإنما يأكل النيران(٢٣٨).
وأما الخمس فقط أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا، لتطيب ولادتهم ولا تخبث(٢٣٩).
وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل قال:
(يا أيها الذين آمنوا ﻻ تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)(٢٤٠).
إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه.
وإني أخرج - حين أخرج - ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي(٢٤١).
وأما وجه الانتفاع في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب(٢٤٢) وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء(٢٤٣) فأغلقوا أبواب السؤال عما ﻻ يعنيكم، ولا تتكلفوا علم قد كفيتم(٢٤٤) وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم(٢٤٥) والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب(٢٤٦) وعلى من اتبع الهدى.
جعفر التواب (٢٤٧)
بسم الله الرحمن الرحيم أتاني كتابك - أبقاك الله - والكتاب الذي أنفذت في درجة(٢٤٨) وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف ألفاظه، وتكرر الخطأ فيه، ولو تدبرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه(٢٤٩).
والحمد لله رب العالمين حمداً ﻻ شريك له(٢٥٠) على إحسانه إلينا وفضله علينا(٢٥١).
أبى الله عز وجل للحق إلا إتماماً، وللباطل إلا زهوقاً، وهو شاهد عليّ بما أذكره، ولي عليكم بما أقول له(٢٥٢) إذا اجتمعنا لليوم الذي لا ريب فيه، ويسألنا عمّا نحن فيه مختلفون.
وإنه لم يجعل لصاحب الكتاب(٢٥٣) على المكتوب إليه ولا عليك ولا على أحد من الخلق جميعاً إمامة مفترضة، ولا طاعة ولا ذمة،(٢٥٤) وسأبين لكم جملة تكتفون بها إن شاء الله.
يا هذا يرحمك الله؛ إن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثاً، ولا أهملهم سدى، بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً وألباباً، ثم بعث إليهم النبيين (عليهم السلام) مبشرين ومنذرين، يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته، ويعرّفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزل عليهم كتاباً وبعث إليهم ملائكة، وباين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم، وما أتاهم الله من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة.
فمنهم: من جعل النار عليه برداً وسلاماً واتخذه خليلاً.
ومنهم: من كلمه تكليماً وجعل عصاه ثعباناً مبيناً.
ومنهم: من أحيى الموتى بإذن الله وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله.
ومنهم: من علّمه منطق الطير، وأوتي من كل شيء(٢٥٥).
ثم بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) رحمة للعالمين وتمم به نعمته، وختم به أنبيائه، وأرسله إلى الناس كافة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبيّن من آياته وعلاماته ما بيّن، ثم قبضه (صلّى الله عليه وآله) حميداً فقيداً سعيداً، وجعل الأمر من بعده على أخيه وابن عمه ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم إلى الأوصياء من ولده واحداً بعد واحد، أحيى بهم دينه، وأتم بهم نوره،(٢٥٦) وجعل بينهم وبين أخوتهم وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقاً (فرقاناً) بيّناً، تعرف به الحجة من المحجوج، والإمام من المأموم بأن: عصمهم من الذنوب، وبرّأهم من العيوب، وطهّرهم من الدنس، ونزّههم من اللبس، وجعلهم خزّان علمه، ومستودع حكمته، وموضع سره، وأيدهم بالدلائل(٢٥٧). ولولا ذلك لكان الناس على سواء، ولادّعى أمر الله عز وجل كل أحد، (واحد).
ولَمَا عُرف الحق من الباطل، ولا العلم من الجهل، (العالم من الجاهل).
وقد ادّعى هذا المبطل المدعي على الله الكذب بما ادّعاه، فلا أدري بأية حالة هي له، رجا أن يتم دعواه؟ بفقه في دين الله؟؛ فوالله ما يعرف حلالاً من حرام ولا محكماً من متشابه، ولا يعرف حد الصلاة ووقتها. أم بورع؟؛ فالله شهيد على تركه الصلاة (الفريضة) أربعين يوماً، يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعل خبره تأدّى إليكم، وهاتيك ظروف مسكرة منصوبة، وآثار عصيانه لله عز وجل مشهورة وقائمة. أم بآية؟؛ فليأت بها. أم بحجة؟؛ فليقمها. أم بدلالة؟؛ فليذكرها.
قال الله عز وجل في كتابه: (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ومن أضلّ ممن يدعو من دون الله من ﻻ يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين)(٢٥٨).
فالتمس - تولى الله توفيقك - من هذا الظالم ما ذكرت لك(٢٥٩) وامتحنه واسأله: عن آية من كتاب الله يفسرها، أو صلاة يبيّن حدودها وما يجب فيها، لتعلم حاله ومقداره، ويظهر لك عواره(٢٦٠) ونقصانه والله حسيبه.
حفظ الله الحق على أهله، وأقره في مستقره(٢٦١) وقد أبى الله عز وجل أن تكون الإمامة في أخوين إلا الحسن والحسين(٢٦٢) وإذا أذن الله لنا في القول ظهر الحق، واضمحلّ الباطل.
وانحسر عنكم، وإلى الله أرغب في الكفاية، وجميل الصنع والولاية، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وآل محمد.
خلف العسكري (٢٦٣)
بسم الله الرحمن الرحيم. عافانا الله وإياكم من الفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإياكم من سوء المنقلب.
إنه أنهي إليّ ارتياب جماعة منكم في الدين، وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة أمرهم(٢٦٤) فغمّنا ذلك لكم ﻻ لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لأن الله معنا فلا فاقة بنا على غيره، والحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا، ونحن صنايع ربنا والخلق بعد صنايعنا(٢٦٥).
يا هؤلاء؛ ما لكم في الريب تترددون، وفي الحيرة تتسكّعون؟ أو ما سمعتم الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)(٢٦٦)؟ أو ما علمتم ما جاءت به الآثار مما يكون ويحدث في أئمتكم؟ على الماضين والباقين منهم السلام. أو ما رأيتم كيف جعل لكم الله معاقل تأوون إليها، وأعلاماً تهتدون بها؟ من لدن آدم (عليه السلام) إلى أن ظهر الماضي (عليه السلام)(٢٦٧)؟ كلما غاب علم بدأ علم، وإذا أفل نجم طلع نجم، فلما قبضه الله ظننتم: أن الله أبطل دينه(٢٦٨) وقطع السبب ببيه ربين خلقه(٢٦٩) كلاّ ما كان ذلك ولا يكون، حتى تقوم الساعة ويظهر أمر الله وهم كارهون.
وأن الماضي (عليه السلام) مضى سعيداً فقيداً على منهاج آبائه (عليهم السلام) (حذو النعل بالنعل) وفينا وصيته وعلمه، ومنه خلفه ومن يسدّ مسدّه، ولا ينازعنا موضعه إلا ظالم آثم، ولا يدعيه دوننا إلا كافر(٢٧٠) جاحد، ولو أن أمر الله ﻻ يغلب، وسرّه ﻻ يظهر ولا يعلن، لظهر لكم من حقنا ما تبهر منه عقولكم(٢٧١) ويزيل شكوككم، ولكن ما شاء الله كان، ولكل أجل كتاب، فاتقوا الله وسلموا لنا، وردوا الأمر إلينا، فعلينا الإصدار كما كان منّا الإيراد، ولا تحاولوا كشف ما غطّي عنكم، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى اليسار، واجعلوا قصدكم إلينا بالمودة على السنّة الواضحة.
فقد نصحت لكم، والله شاهد عليّ وعليكم، ولولا ما عندنا من محبة صاحبكم ورحمتكم، والإشفاق عليكم، لكنّا عن مخاطبتكم في شغل، مما قد امتحنّا به منازعة الظالم العتلّ الضالّ، المتتابع في غيّه المضادّ لربّه، المدّعي ما ليس له، الجاحد حق من افترض الله طاعته، الظالم الغاصب(٢٧٢) وفي ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليها لي أسوة حسنة(٢٧٣) وسيتردّى الجاهل رداء عمله، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار.
عصمنا الله وإياكم من المهالك والأسواء، والآفات والعاهات كلها، برحمته فإنه وليّ ذلك، والقادر على ما يشاء، وكان لنا ولكم وليّاً وحافظاً، والسلام على جميع الأوصياء والأولياء والمؤمنين ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على النبي محمّدٍ وآله وسلّم تسليماً.
إلى ابن أبي روح (٢٧٤)
بسم الله الرحمن الرحيم يا بن أبي روح أودعتك عاتكة بنت الديراني كيساً فيه ألف درهم بزعمك، وهو خلاف ما تظن، وقد أتيت فيه الأمانة ولم تفتح الكيس، ولم تدري ما فيه وفيه ألف درهم وخمسون ديناراً، ومعك قرط زعمت المرأة أنه يساوي عشرة دنانير. صدقت مع الفصين الذين فيه، وفيه ثلاث حبات لؤلؤ شراؤها عشرة دنانير، وتساوي أكثر فادفع ذلك إلى خادمتنا فلانة، فإنا قد وهبناه لها.
وصر إلى بغداد، وادفع المال إلى الحاجز وخذ منه ما يعطيك لنفقتك إلى منزلك.
وأما عشرة الدنانير التي زعمت أن أمها استقرضتها في عرسها وهي لا تدري من صاحبها بل هي تعلم لمن هي؟ لكلثوم بنت أحمد، وهي ناصبية، فتحرجت أن تعطيها، وأحبت أن تقسمها في أخواتها فاستأذنتنا في ذلك. فلتفرقها في ضعفاء أخواتها.
ولا تعودن يا بن أبي روح إلى القول بجعفر، والمحنة له.
وارجع إلى منزلك فإن عمك قد مات، وقد رزقك الله أهله وماله(٢٧٥).
رسالة إلى العمري وابنه (٢٧٦)، (٢٧٧)
وفقكما الله لطاعته وثبتكما على دينه وأسعدكما بمرضاته.
انتهى إلينا ما ذكرتما أن (الميثمي)(٢٧٨) أخبركما عن المختار ومناظرته من لقي واحتجاجه بأن لا خلف غير جعفر بن علي(٢٧٩)، وتصديقه إياه.
وفهمت جميع ما كتبتما به مما قال أصحابكما عنه وإن أعوذ بالله من العمى بعد الجلاء، ومن الضلالة بعد الهدى، ومن موبقات الأعمال، ومرديات الفتن فإنه عز وجل يقول:
 (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمن وهم لا يفتنون)(٢٨٠).
كيف يتساقطون في الفتنة، ويترددون في الحيرة ويأخذون يميناً وشمالاً؟
فارقوا دينهم أم ارتابوا؟ أم عاندوا الحق أم جهلوا ما جاءت به الروايات الصادقة والأخبار الصحيحة؟ أو علموا بذلك فتناسوا؟
أما تعلمون أن الأرض لا تخلو من حجة إما ظاهراً وإما مغموراً(٢٨١)؟
أوَ لم يعلموا انتظام أئمتهم بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله) واحداً بعد واحد إلى أن أفضى الأمر بأمر الله عز وجل إلى الماضي- يعني: الحسن بن علي صلوات الله عليه فقام مقام آبائه (عليهم السلام) يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
كان نوراً ساطعاً وقمراً زاهراً، اختار الله عز وجل له ما عنده، فمضى على منهاج آبائه (عليهم السلام) حذو النعل بالنعل على عهد عهده ووصية أوصى بها إلى وصي(٢٨٢) ستره الله عز وجل بأمره إلى غاية، وأخفى مكانه بمشيئته، للقضاء السابق والقدر النافذ، وفينا موضعه، ولنا فضله ولو قد أذن الله عز وجل فيما قد منعه وأزال عنه ما قد جرى به من حكمه لأراهم الحق ظاهراً بأحسن حيلة، وأبين دلالة، وأوضح علامة. ولأبان عن نفسه، وقام بحجته.
ولكن أقدار الله عز وجل لا تغالب، وإرادته لا ترد، وتوفيقه لا يسبق فليدعوا عنهم اتباع الهوى، وليقيموا على أصلهم الذي كانوا عليه، ولا يبحثوا عما ستر عنهم فيأثموا، ولا يكشفوا ستر الله عز وجل فيندموا.
وليعلموا: أن الحق معنا وفينا لا يقول ذلك سوانا إلا كذاب مفتر ولا يدعيه غيرنا إلا ضال غوي، فليقتصروا منا على هذه الجملة دون التفسير ويقنعوا من ذلك بالتعريض دون التصريح إن شاء الله.
إلى الدينوري (٢٨٣)
بسم الله الرحمن الرحيم. وافى أحمد بن محمد الدينوري وحمل ستة عشر ألف دينار في كذا وكذا صرة، فيها صرة فلان بن فلان كذا وكذا ديناراً، إلى أن عدد الصرر كلها، وصرة فلان بن فلان الذراع ستة عشرة ديناراً.
ثم ذكر: قد حمل من قرميسين من أحمد بن الحسن المادرائي أخي الصواف كيس فيه ألف دينار وكذا تختاً من الثياب منها ثوب فلان، وثوب لونه كذا، حتى نسب الثياب إلى آخرها بأنسابها وألوانها(٢٨٤).

الأدعية

دعاء التوحيد (٢٨٥)
اللهم أني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به(٢٨٦) ولاة أمرك المأمونون على سرك(٢٨٧) المستبشرون بأمرك الواصفون لقدرتك المعلنون لعظمتك. أسألك بما نطق فيهم من مشيئتك(٢٨٨) فجعلتهم معادن لكلماتك(٢٨٩) وأركاناً(٢٩٠) لتوحيدك وآياتك ومقاماتك(٢٩١) التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك(٢٩٢) لا فرق بينك وبينها(٢٩٣) إلا أنهم عبادك وخلقك فتقها ورتقها بيدك(٢٩٤) بدؤها منك وعودها إليك أعضاد وأشهد ومناة وأذواد وحفظة ورواد(٢٩٥) فبهم ملأت سماءك وأرضك(٢٩٦) حتى ظهر أن لا إله إلا أنت فبذلك أسألك وبمواقع العز من رحمتك(٢٩٧) وبمقاماتك وعلاماتك أن تصلي على محمد وآله وأن تزيدني إيماناً وتثبيتاً يا باطناً في ظهوره وظاهراً في بطونه ومكنونه(٢٩٨) يا مفرقاً بين النور والديجور يا موصوفاً بغير كنه ومعروفاً بغير شبه حاد كل محدود وشاهد كل مشهود وموجد كل موجود ومحصي كل معدود وفاقد كل مفقود(٢٩٩) ليس دونك من معبود أهل الكبرياء والجود يا من لا يكيف بكيف ولا يؤين بأين(٣٠٠) يا محتجباً عن كل عين يا ديموم يا قيوم وعالم كل معلوم صل على محمد وآله وعلى عبادك المنتجبين وبشرك المحتجبين(٣٠١) وملائكتك المقربين والبهم الصافين الحافين(٣٠٢) وبارك لنا في شهرنا هذا المرجب المكرم(٣٠٣) وما بعده من الأشهر الحرم وأسبغ علينا فيه النعم وأجزل لنا فيه القسم وأبرز لنا فيه القسم(٣٠٤) الذي وضعه على النهار فأضاء وعلى الليل فأظلم(٣٠٥) واغفر لنا ما تعلم منا وما لا نعلم(٣٠٦) واعصمنا من الذنوب خير العصم واكفنا كوافي قدرك وامنن علينا بحسن نظرك ولا تكلنا إلى غيرك ولا تمنعنا من خيرك وبارك لنا فيما كتبت لنا من أعمارنا وأصلح لنا خبيئة أسرارنا وأعطنا منك الأمان واستعملنا بحسن الأيمان وبلغنا شهر الصيام وما بعده من الأيام والأعوام يا ذا الجلال والإكرام.
دعاء العلوي المصري (٣٠٧)
رب من ذا الذي دعاك فلم تجبه، ومن ذا الذي سألك فلم تعطه، ومن ذا الذي ناجاك فخيبته، أو تقرب إليك فأبعدته، وربي هذا فرعون ذو الأوتاد، مع عناده وكفره وعتوه، وادعائه الربوبية لنفسه، وعلمك بأنه لا يتوب، ولا يرجع ولا يؤدب، ولا يؤمن ولا يخشع، استجبت له دعاءه، وأعطيته سؤله، كرماً منك وجوداً، وقلة مقدار لما سألك عندك، مع عظمه عنده، أخذاً بحجتك عليه وتأكيداً لها، حين فجر وكفر، واستطال على قومه وتجبر، وبكفره عليهم افتخر، وبظلمه لنفسه تكبر، وبحلمك عنه استكبر، فكتب وحكم على نفسه، جرأة منه: أن جزاء مثله أن يغرق في البحر، فجزيته بما حكم به على نفسه. إلهي وأنا عبدك وابن أمتك، معترف لك بالعبودية، مقر بأنك أنت الله خالقي، لا إله لي غيرك، ولا رب لي سواك، موقن بأنك أنت الله ربي، وإليك مردي وإيابي، عالم بأنك على كل شيء قدير، تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد، لا معقب لحكمك، ولا راد لقضائك، وإنك الأول والآخر، والظاهر والباطن، لم تكن من شيء، ولم تبن عن شيء، كنت قبل كل شيء، وأنت الكائن بعد كل شيء، والمكون لكل شيء، خلقت كل شيء بتقدير، وأنت السميع البصير. وأشهد أنك كذلك، كنت وتكون، وأنت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، ولا توصف بالأوهام، ولا تدرك بالحواس، ولا تقاس بالمقياس، ولا تشبه بالناس، وأن الخلق كلهم عبيدك وإمائك، أنت الرب ونحن المربوبون، وأنت الخالق ونحن المخلوقون، وأنت الرزاق ونحن المرزوقون، فلك الحمد يا إلهي إذ خلقتني بشراً سوياً، فلك الحمد حمداً إن عد لم يحص، وإن وضع لم يتسع له شيء، حمداً يفوق على جميع حمد الحامدين، ويعلو على حمد كل شيء، ويفخم ويعظم على ذلك كله، وكلما حمد الله شيء، والحمد لله كما يحب الله أن يحمد، والحمد لله عدد ما خلق، وزنة ما خلق، وزنة أجل ما خلق، وبوزن أخف ما خلق، وبعدد أصغر ما خلق، والحمد لله حتى يرضى ربنا وبعد الرضا، وأسأله أن يصلي على محمد وآل محمد، وأن يغفر لي ذنبي، وأن يحمد لي أمري، ويتوب علي إنه هو التواب الرحيم.
إلهي وإني أنا أدعوك وأسألك باسمك الذي دعاك به صفوتك أبونا آدم (عليه السلام)، وهو مسيء ظالم، حين أصاب الخطيئة، فغفرت له خطيئته، وتبت عليه، واستجبت له دعوته، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تغفر لي خطيئتي، وترضى عني، فإن لم ترض عني فاعف عني، فإني مسيء ظالم خاطئ عاص، وقد يعفو السيد عن عبده وليس براض عنه، وأن تُرضي عني خلقك، وتميط عني حقك.
إلهي وأسألك باسمك الذي دعاك به إدريس (عليه السلام)، فجعلته صديقاً نبياً، ورفعته مكاناً علياً، واستجبت دعاءه، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل مآبي إلى جنتك ومحلي في رحمتك، وتسكنني فيها بعفوك، وتزوجني من حورها بقدرتك يا قدير.
إلهي وأسألك باسمك الذي دعاك به نوح إذ نادى إني مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيوناً، فالتقى الماء على أمر قد قدر، ونجيته على ذات الألواح ودسر، فاستجبت دعائه وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تنجيني من ظلم من يريد ظلمي، وتكف عني بأس من يريد هضمي، وتكفيني سر كل سلطان جائر، وعدو قاهر، ومستخف قادر، وجبار عنيد، وكل شيطان مريد، وأنسي شديد، وكيد كل مكيد، يا حليم يا ودود.
إلهي وأسألك باسمك الذي دعاك به عبدك ونبيك صالح (عليه السلام)، فنجيته من الخسف، وأعليته على عدوه، واستجبت دعاءه، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تخلصني من شر ما يريدني به، وسعى بي حسادي، وتكفينهم بكفايتك، وتتولاني بولايتك، وتهدي قلبي بهداك، وتؤيدني بتقواك، وتبصرني (وتنصرني) بما فيه رضاك، وتغنيني بغناك يا حليم.
إلهي وأسألك باسمك الذي دعاك به عبدك ونبيك وخليلك إبراهيم (عليه السلام)، حين أراد نمرود إلقاءه في النار، فجعلت له النار برداً وسلاماً، واستجبت له دعاءه، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تبرد عني حر نارك، وتطفئ عني لهبها، وتكفيني حرها، وتجعل ثائرة أعدائي في شعارهم ودثارهم، وترد كيدهم في نحورهم وتبارك لي فيما أعطيتنيه، كما باركت عليه وعلى آله، إنك أنت الوهاب الحميد المجيد.
إلهي وأسألك بالاسم الذي دعاك إسماعيل (عليه السلام)، فجعلته نبياً ورسولاً، وجعلت له من حرمك منسكاً ومسكناً، ومأوى، واستجبت له دعاءه (ونجيته من الذبح، وقربته رحمة منك) وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تفسح لي في قبري، وتحط وزري، وتشد لي أزري، وتغفر لي ذنبي، وترزقني التوبة، بحط السيئات، وتضاعف الحسنات، وكشف البليات، وربح التجارات، ودفع معرة السعايات، إنك مجيب الدعوات، ومنزل البركات، وقاضي الحاجات، ومعطي الخيرات، وجبار السماوات.
إلهي وأسألك بما سألك به ابن خليلك، إسماعيل (عليه السلام)، الذي نجيته من الذبح، وفديته بذبح عظيم، وقلبت له المشقص، حتى ناجاك موقناً بذبحه، راضياً بأمر والده، فاستجبت له دعاءه، وكنت منه قريباً يا قريب أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تنجيني من كل سوء وبلية، وتصرف عني كل ظلمة وخيمة، وتكفيني ما أهمني من أمور دنياي وآخرتي، وما أحاذره وأخشاه ومن شر خلقك أجمعين، بحق آل ياسين.
إلهي وأسألك باسمك الذي دعاك به لوط (عليه السلام)، فنجيته وأهله من الكرب العظيم، واستجبت له دعاءه، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تأذن لي بجمع ما شتت من شملي، وتقر عيني بولدي، وأهلي ومالي، وتصلح لي أموري، وتبارك لي في جميع أحوالي، وتبلغني في نفسي آمالي، وأن تجيرني من النار، وتكفيني شر الأشرار، بالمصطفين الأخيار، والأئمة الأبرار ونور الأنوار، محمد وآله الطيبين الطاهرين الأخيار، الأئمة المهديين، والصفوة المنتجبين، صلوات الله عليهم أجمعين، وترزقني مجالستهم، وتمن علي بمرافقتهم، وتوفق لي صحبتهم، مع أنبيائك المرسلين، وملائكتك المقربين، وعبادك الصالحين، وأهل طاعتك أجمعين، وحملت عرشك والكروبيين.
إلهي وأسألك باسمك الذي سألك به يعقوب (عليه السلام)، وقد كف بصره وشتت شمله (جمعه) وفقد قرة عينيه ابنه، فاستجبت له دعاءه، وجمعت شمله، وأقررت عينه، وكشفت ضره، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تأذن لي بجمع ما تبدد من أمري، وتقر عيني بولدي وأهلي ومالي، وتصلح شأني كله، وتبارك لي في جميع أحوالي، وتبلغني في نفسي وآمالي، وتصلح لي أفعالي وتمن علي يا كريم، يا ذا المعالي، وبرحمتك يا أرحم الراحمين.
إلهي وأسألك باسمك الذي دعاك به عبدك ونبيك يوسف (عليه السلام)، فاستجبت له، ونجيته من غيابت الجب، وكشفت ضره، وكفيته كيد أخوته، وجعلته بعد العبودية ملكاً، واستجبت دعاءه، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تدفع عني كيد كل كائد وشر كل حاسد، إنك على كل شيء قدير.
إلهي وأسألك باسمك الذي دعاك به عبدك ونبيك موسى بن عمران (عليه السلام)، إذ قلت تباركت وتعاليت: (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً) وضربت له طريقاً في البحر يبساً، ونجيته ومن معه من بني إسرائيل، وأغرقت فرعون وهامان وجنودهما، واستجبت له دعاءه، وكنت منه قريباً يا قريب، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعيذني من شر خلقك، وتقربني من عفوك، وتنشر علي من فضلك، ما تغنيني به عن جميع خلقك، ويكون لي بلاغاً أنال به مغفرتك ورضوانك، يا وليي وولي المؤمنين.
إلهي وأسألك بالاسم الذي دعاك به عبدك ونبيك داوود (عليه السلام) فاستجبت له دعاءه وسخرت له الجبال، يسبحن معه بالعشي والإبكار، والطير محشورة كل له أواب، وشددت ملكه وأتيته الحكمة وفصل الخطاب، وألنت له الحديد، وعلمته صنعة لبوس لهم، وغفرت ذنبه وكنت منه قريباً يا قريب، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تسخر لي جميع أموري، وتسهل لي تقديري، وترزقني مغفرتك وعبادتك، وتدفع عني ظلم الظالمين، وكيد الكائدين، ومكر الماكرين، وسطوات الفراعنة الجبارين الحاسدين، يا أمان الخائفين، وجار المستجيرين، وثقة الواثقين، وذريعة المؤمنين، ورجاء المتوكلين، ومعتمد الصالحين، يا أرحم الراحمين.
إلهي وأسألك بالاسم الذي دعاك به عبدك ونبيك سليمان بن داوود (عليهما السلام)، إذ قال: ربي اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، إنك أنت الوهاب فاستجبت له دعاءه، وأطعت له الخلق، وحملته على الريح، وعلمته منطق الطير، وسخرت له الشياطين، من كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد، هذا عطاؤك لا عطاء غيرك، وكنت منه قريباً يا قريب، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تهدي لي قلبي وتجمع لي لبي، وتكفيني همي، وتؤمن خوفي، وتفك أسري، وتشد أزري، وتمهلني، وتنفسني، وتستجيب دعائي، وتسمع ندائي، ولا تجعل في النار مأواي، ولا الدنيا أكبر همي، وأن توسع علي رزقي، وتحسن خلقي، وتعتق رقبتي من النار، فإنك سيدي ومولاي، ومؤملي.
إلهي وأسألك اللهم باسمك الذي دعاك به أيوب (عليه السلام) لما حل به البلاء بعد الصحة، ونزل السقم منه منزل العافية، والضيق بعد السعة والقدرة، فكشفت ضره، ورددت عليه أهله، ومثلهم معهم، حين ناداك داعياً لك، راغباً إليك، راجياً لفضلك، شاكياً إليك: رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبت له دعاءه، وكشفت ضره، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تكشف ضري، وتعافيني في نفسي وأهلي ومالي ووالدي، وإخواني فيك، عافية باقية شافية كافية وافرة هادية نامية مستغنية عن الأطباء والأدوية، وتجعلها شعاري ودثاري، وتمتعني بسمعي وبصري، وتجعلهما الوارثين مني، إنك على كل شيء قدير.
إلهي وأسألك باسمك الذي دعاك يونس بن متى (عليه السلام) في بطن الحوت، حين ناداك في ظلمات ثلاث: أن لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين، فاستجبت له دعاءه، وأنبت عليه شجرة من يقطين، وأرسلته إلى مائة ألف أو يزيدون، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تستجيب دعائي وتداركني بعفوك، فقد غرقت في بحر الظلم لنفسي، وركبتني مظالم كثيرة لخلقك علي، صل على محمد وآل محمد، واسترني منهم، واعتقني من النار، واجعلني من عتقائك وطلقائك من النار، في مقامي هذا، بمنك يا منان.
إلهي وأسألك باسمك الذي دعاك به عبدك ونبيك عيسى ابن مريم (عليهما السلام)، إذ أيدته بروح القدس، وأنطقته في المهد، فأحيى به الموتى وأبرأ به الأكمه والأبرص بإذنك، وخلق من الطين كهيئة الطير، فصار طائراً بإذنك، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وتكفر عن سيئاتي، وتقبل مني حسناتي، وتقبل توبتي، وتتوب علي، وتغني فقري، وتجبر كسري، وتحيي فؤادي بذكرك، وتحييني في عافية، وتميتني في عافية.
إلهي وأسألك اللهم باسمك الذي دعاك به عبدك ونبيك زكريا (عليه السلام)، حين سألك داعياً لك، راغباً إليك، راجياً لفضلك، فقام بالمحراب ينادي نداءً خفياً، فقال: رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضياً، فوهبت له يحيى، واستجبت له دعاءه وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تبقي لي أولادي، وأن تمتعني بهم، وتجعلني وإياهم مؤمنين لك، راغبين في ثوابك، حياة طيبة، وتميتنا ميتة طيبة، إنك فعال لما تريد.
إلهي وأسألك بالاسم الذي سألتك به امرأة فرعون، إذ قالت: رب ابني لي بيتاً عندك في الجنة، ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين، فاستجبت لها دعاءها، وكنت منها قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تقر عيني بالنظر إلى جنتك، ووجهك الكريم، وأوليائك، وتفرحني بمحمد وآله، وتؤنسني به وبآله، وبمصاحبتهم. ومرافقتهم، وتمكن لي فيها، وتنجيني من النار، وما أعد لأهلها، من السلاسل والأغلال، والشدائد والأنكال، وأنواع العذاب، بعفوك يا كريم.
إلهي وأسألك باسمك الذي دعتك به عبدتك وصديقتك مريم البتول، وأم المسيح الرسول (عليهما السلام)، إذ قلت: (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين)، فاستجبت لها دعاءها، وكنت منها قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تحصني بحصنك الحصين، وتحجبني بحجابك المنيع، وتحرزني بحرزك الوثيق، وتكفيني بكفايتك الكافية، من شر كل طاغ، وظلم كل باغ، ومكر كل ماكر، وغر كل غادر، وسحر كل ساحر، وجور كل سلطان جائر، بمنعك يا منيع.
إلهي وأسألك بالاسم الذي دعاك به عبدك ونبيك وصفيك وخيرتك من خلقك، وأمينك على وحيك، وبعيثك إلى بريتك، ورسولك إلى خلقك، محمد خاصتك وخالصتك (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاستجبت دعاءه، وأيدته بجنود لم يروها، وجعلت كلمتك العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وكنت منه قريباً يا قريب، أن تصلي على محمد وآل محمد، صلاة زاكية، طيبة نامية باقية مباركة، كما صليت على أبيهم إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك عليهم كما باركت عليهم، وسلم عليهم كما سلمت عليهم، وزدهم فوق ذلك كله زيادة من عندك، واخلطني بهم، واجعلني منهم، واحشرني معهم، وفي زمرتهم، حتى تسقيني من حوضهم، وتدخلني في جملتهم، وتجمعني وإياهم، وتقرعيني بهم، وتعطيني سؤلي، وتبلغني آمالي في ديني ودنياي وآخرتي، ومحياي ومماتي، وتبلغهم سلامي، وترد علي منهم السلام، وعليهم السلام ورحمة الله وبركاته.
إلهي أنت الذي تنادي في أنصاف كل ليلة: هل من سائل فأعطيه؟ أم هل من داع فأجيبه؟ أم هل من مستغفر فأغفر له؟ أم هل من راج فابلغه رجاه؟ أم هل من مؤمل فابلغه أمله؟ ها أنا سائلك بفنائك ومسكينك ببابك، وضعيفك ببابك، وفقيرك ببابك، ومؤملك بفنائك، أسألك نائلك، وأرجو رحمتك، وأؤمل عفوك، والتمس غفرانك، فصلي على محمد وآل محمد. وأعطني سؤلي، وبلغني أملي، واجبر فقري، وارحم عصياني، واعفي عن ذنوبي، وفك رقبتي من المظالم لعبادك ركبتني، وقو ضعفي وأعز مسكنتي، وثبت وطأتي، واغفر جرمي، وأنعم بالي، وأكثر من الحلال مالي، وخر لي في جميع أموري وأفعالي، ورضني بها، وارحمني ووالدي وما ولدا، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع الدعوات، وألهمني من برهما ما أستحق به ثوابك والجنة، وتقبل حسناتهما، واغفر سيئاتهما، وأجزهما ما فعلا بي ثوابك والجنة.
إلهي! وقد علمت يقيناً أنك لا تأمر بالظلم ولا ترضاه، ولا تميل إليه ولا تهواه، ولا تحبه ولا تغشاه، وتعلم ما فيه هؤلاء القوم من ظلم عبادك، وبغيهم علينا، وتعديهم بغير حق ولا معروف، بل ظلماً وعدواناً، وزوراً وبهتاناً، فإن كنت جعلت لهم مدة لابد من بلوغها، أو كتبت لهم آجالاً ينالونها، فقد قلت- وقولك الحق ووعدك الصدق-: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) فأنا أسألك بكل ما سألك به أنبياؤك ورسلك، وأسألك بما سألك به عبادك الصالحون، وملائكتك المقربون، أن تمحو من أم الكتاب ذلك، وتكتب لهم الاضمحلال والمحق، حتى تقرب آجالهم، وتقضي مدتهم، وتذهب أيامهم، وتبتر أعمالهم، وتهلك فجارهم، وتسلط بعضهم على بعض، حتى لا تبقي منهم أحداً، ولا تنجي منهم أحداً، وتفرق جموعهم، وتكل سلاحهم، وتبدد شملهم، وتقطع آجالهم، وتقصر أعمارهم، وتزلزل أقدامهم، وتطهر بلادك منهم، وتظهر عبادك عليهم، فقد غيّروا سنتك، ونقضوا عهدك، وهتكوا حريمك، وأتوا على ما نهيتهم عنه، وعتو عتواً كبيراً كبيراً، وضلوا ضلالاً بعيداً، فصل على محمد وآل محمد، وأذن لجمعهم بالشتات، ولحيهم بالممات، ولأزواجهم بالنهبات، وخلص عبادك من ظلمهم، واقبض أيديهم عن هضمهم، وطهر أرضك منهم، وأذن بحصد نباتهم، واستئصال شأفتهم، وشتات شملهم، وهدم بنيانهم، يا ذا الجلال والإكرام.
وأسألك يا إلهي وإله كل شيء، وربي ورب كل شيء، وأدعوك بما دعاك به عبداك ورسولاك ونبياك وصفياك موسى وهارون (عليهما السلام)، حين قالا - داعين لك راجين لفضلك-: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) فمننت وأنعمت عليهما بالإجابة لهما، إلى أن قرعت سمعهما بأمرك، فقلت- اللهم رب-: (قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون) أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تطمس على أموال هؤلاء الظلمة، وأن تشدد على قلوبهم، وأن تخسف بهم برك، وأن تغرقهم في بحرك، فإن السماوات والأرض وما فيهما لك، وأري الخلق قدرتك فيهم، وبطشتك عليهم، فافعل ذلك بهم، وعجل لهم ذلك، يا خير من سئل، وخير من دعي، وخير من تذلل له الوجود، ورفعت إليه الأيدي، ودعي بالألسن، وشخصت إليه الأبصار، وأمت إليه القلوب، ونقلت إليهم الأقدام، وتحوكم إليه في الأعمال.
إلهي! وأنا عبدك، أسألك من أسمائك بأبهاها، وكل أسمائك بهي، بل أسألك بأسمائك كلها، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تركسهم على أم رؤوسهم، في زينتهم، وترديهم في مهوى حفرتهم، وارمهم بحجرك، وذكهم بمشاقصهم، وأكببهم على مناخرهم، واخنقهم بوترهم، واردد كيدهم في نحورهم، وأوبقهم بندامتهم، حتى يستخذلوا، ويتضاءلوا، بعد نخوتهم، وينقمعوا بعد استطالتهم، أذلاء مأسورين في ربق حبائلهم التي كانوا يؤملون أن يرونا فيها، وترينا قدرتك فيهم، وسلطانك عليهم، وتأخذهم أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذك الأليم الشديد، وتأخذهم - يا رب - أخذ عزيز مقتدر، فإنك عزيز مقتدر شديد العقاب، شديد المحال.
اللهم صلي على محمد وآل محمد، وعجل إيرادهم عذابك، الذي أعددته للظالمين من أمثالهم، والطاغين من نظرائهم، وارفع حلمك عنهم وأحلل عليهم غضبك، الذي لا يقوم له شيء وأمر في تعجيل ذلك عليهم، بأمرك الذي لا يرد ولا يؤخر، فإنك شاهد كل نجوى، وعالم كل فحوى، ولا تخفى عليك من أعمالهم خافية، وأنت علام الغيوب، عالم بما في الضمائر والقلوب.
وأسألك اللهم وأناديك بما ناداك به - سيدي - وسألك به نوح، إذ قلت - تباركت وتعاليت -: (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون) أجل - اللهم يا رب - أنت نعم المجيب، ونعم المدعو، ونعم المسؤول، ونعم المعطي، أنت الذي لا يخيب سائلك، ولا تمل دعاء من أمّلك، ولا تتبرم بكثرة حوائجهم إليك، ولا بقضائها لهم، فإن قضاء حوائج جميع خلق إليك في أسرع لحظ من لمح الطرف، وأخف عليك وأهون عندك من جناح بعوضة، وحاجتي - يا سيدي ومولاي، ومعتمدي ورجائي - أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تغفر لي ذنبي، فقد جئتك ثقيل الظهر، بعظيم ما بارزتك به من سيئاتي، وركبني من مظالم عبادك، ما لا يكفني ولا يخلصني منها غيرك، ولا يقدر عليه ولا يملكه سواك، فامح - يا سيدي - كثرة سيئاتي بيسير عبراتي، بل بقساوة قلبي، وجمود عيني، بل برحمتك التي وسعت كل شيء، فلتسعني رحمتك، يا رحمن يا رحيم، يا أرحم الراحمين، لا تمتحني في هذه الدنيا بشيء من المحن، ولا تسلط عليّ من لا يرحمني، ولا تهلكني بذنوبي، وعجل خلاصي من كل مكروه، وارفع عني كل ظلم، ولا تهتك ستري، ولا تفضحني يوم جمعك الخلائق للحساب، يا جزيل العطاء والثواب.
أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تحييني حياة السعداء، وتميتي ميتة الشهداء، وتقبلني قبول الأوداء، وتحفظني في هذه الدنيا الدنية، من شر سلاطينها، وفجارها، وشرارها، ومحبيها، والمعاملين لها وما فيها، وقني شر طغاتها، وحسادها، وباغي الشرك فيها، حتى تكفيني مكر المكرة، وتفقأ عني أعين الكفرة، وتفحم عني ألسن الفجرة، وتقبض لي على أيدي الظلمة، وتوهن عني كيدهم، وتميتهم بغيظهم، وتشغلهم بأسماعهم، وأبصارهم، وأفئدتهم، وتجعلني من ذلك كله في أمنك وأمانك، وحرزك وسلطانك، وحجابك وكنفك، وعياذك وجارك، ومن جار السوء، وجليس السوء، إنك على كل شيء قدير. إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين.
اللهم بك أعوذ، وبك ألوذ، ولك أعبد، وإياك أرجو، وبك أستعين، وبك أستكفي، وبك أستغيث، وبك أستنقذ، ومنك أسأل، أن تصلي على محمد وآل محمد، ولا تردني إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لن تبور، وأن تفعل بي ما أنت أهله، ولا تفعل بي ما أنا أهله، فإنك أهل التقوى، وأهل المغفرة، وأهل الفضل والرحمة.
إلهي وقد أطلت دعائي، وأكثرت خطابي، وضيق حداني على ذلك كله، وحملني عليه علماً مني بأنه يجزيك منه قدراً الملح بالعجين، بل يكفيك عزم إرادة، وأن يقول العبد - بنية صادقة، ولسان صادق -: (يا رب)، فتكون عند ظن عبدك بك، وقد ناجاك بعزم الإرادة قلبي، فأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تقرن دعائي بالإجابة منك، وتبلغني ما أملته فيك، منةً منك وطولاً، وقوةً وحولاً، لا تقيمني من مقامي هذا إلا بقضاء جميع ما سألتك، فإنه عليك يسير، وخطره عندي جليل كثير، وأنت عليه قدير، يا سميع يا بصير.
إلهي! وهذا مقام العائذ بك من النار، والهارب منك إليك، من ذنوب تهجمته، وعيوب فضحته، فصل على محمد وآل محمد، وانظر إلي نظرة رحيمة أفوز بها إلى جنتك، وأعطف علي عطفة، أنجو بها من عقابك، فإن الجنة والنار لك، وبيدك، ومفاتيحهما ومغاليقهما إليك، وأنت على ذلك قادر، وهو عليك هين يسير، فافعل بي ما سألتك يا قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعم النصير والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
صلوات الجمعة (٣٠٨)
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وحجة رب العالمين المنتجب في الميثاق(٣٠٩) المصطفى في الظلال(٣١٠) المطهر من كل آفة البريء من كل عيب المؤمل للنجاة المرتجى للشفاعة المفوض إليه دين الله(٣١١).
اللهم شرف بنيانه وعظم برهانه وأفلج حجته وارفع درجته وأضئ نوره وبيض وجهه وأعطه الفضل والفضيلة والمنزلة والوسيلة(٣١٢) والدرجة الرفيعة وابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون وصل على أمير المؤمنين ووارث المرسلين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين وحجة رب العالمين.
وصل على الحسن بن علي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين(٣١٣).
وصل على الحسين بن علي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على علي بن الحسين إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على محمد بن علي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على جعفر بن محمد إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على موسى بن جعفر إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على علي بن موسى إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على محمد بن علي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على علي بن محمد إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على الحسن بن علي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على الخلف الهادي المهدي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين(٣١٤).
اللهم صل على محمد وأهل بيته الأئمة الهادين العلماء الصادقين الأبرار المتقين دعائم دينك وأركان توحيدك وتراجمة وحيك وحججك على خلقك وخلفائك في أرضك الذين اخترتهم لنفسك واصطفيتهم على عبادك وارتضيتهم لدينك وخصصتهم بمعرفتك وجللتهم بكرامتك. وغشيتهم برحمتك وربيتهم بنعمتك وغذيتهم بحكمتك وألبستهم نورك ورفعتهم في ملكوتك وحففتهم بملائكتك وشرفتهم بنبيك صلواتك عليه وآله. اللهم صل على محمد وعليهم صلاة زاكية نامية كثيرة دائمة طيبة لا يحيط بها إلا أنت ولا يسعها إلا علمك ولا يحصيها أحد غيرك.
دُعاء السَّمات
[الشيخ عباس القمي: مفاتيح الجنان، ص ٧٠ – ٧٣] [نقل الشيخ العمري (احد النواب الأربعة) هذا الدعاء الشريف عن العالم صلوات الله وسلامه عليه وعجل الله فرجه، ولذا أُدرج هنا، وَرُوي أيضاً عن الإمام الباقر عليه السلام].
أَللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الأَعْظَمِ الأَعَزِّ الأَجَلِّ الأَكْرَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيتَ بِهِ عَلَىٰ مَغَالِقِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ لِلْفَتْحِ بِالرَّحْمَةِ انْفَتَحَتْ وَإِذَا دُعِيتَ بِهِ عَلَىٰ مَضَائِقِ أَبْوَابِ الأَرْضِ لِلْفَرَجِ انْفَرَجَتْ وَإِذَا دُعِيتَ بِهِ عَلَىٰ العُسْرِ لِلْيُسْرِ تَيَسَّرَتْ وَإِذَا دُعِيتَ بِهِ عَلَىٰ الأَمْوَاتِ لِلنُّشُورِ انْتَشَرَتْ وَإِذَا دُعِيتَ بِهِ عَلَىٰ كَشْفِ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ انْكَشَفَتْ وَبِجَلاَلِ وَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَكْرَمِ الْوُجُوهِ وَأَعَزِّ الْوُجُوهِ الَّذِي عَنَتْ لَهُ الْوُجُوهُ وَخَضَعَتْ لَهُ الرِّقَابُ وَخَشَعَتْ لَهُ الأَصْوَاتُ وَوَجِلَتْ لَهُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِكَ وَبِقُوَّتِكَ الَّتِي بِهَا تُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَىٰ الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِكَ وَتُمْسِكُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَبِمَشِيَّتِكَ الَّتِي دَانَ لَهَا الْعَالَمُونَ وَبِكَلِمَتِكَ الَّتِي خَلَقْتَ بِهَا السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ وَبِحِكْمَتِكَ الَّتِي صَنَعْتَ بِهَا الْعَجَائِبَ وَخَلَقْتَ بِهَا الظُّلْمَةَ وَجَعَلْتَها لَيْلاً وَجَعَلْتَ اللَّيْلَ سَكَناً وَخَلَقْتَ بِهَا النُّورَ وَجَعَلْتَهُ نَهَاراً وَجَعَلْتَ النَّهَارَ نُشُوراً مُبْصِراً وَخَلَقْتَ بِهَا الشَّمْسَ وَجَعَلْتَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَخَلَقْتَ بِهَا الْقَمَرَ وَجَعَلْتَ الْقَمَرَ نُوراً وَخَلَقْتَ بِهَا الْكَوَاكِبَ وَجَعَلْتَهَا نُجُوماً وَبُرُوجاً وَمَصَابِيحَ وَزينَةً وَرُجُوماً وَجَعَلْتَ لَهَا مَشَارِقَ وَمَغَارِبَ وَجَعَلْتَ لَهَا مَطَالِعَ وَمَجَارِيَ وَجَعَلْتَ لَهَا فَلَكاً وَمَسَابِحَ وَقَدَّرْتَهَا فِي السَّمَاءِ مَنَازِلَ فَأَحْسَنْتَ تَقْدِيرَهَا وَصَوَّرْتَهَا فَأَحْسَنْتَ تَصْوِيرَهَا وَأَحْصَيْتَهَا بِأَسْمَائِكَ إِحْصَاءً وَدَبَّرْتَهَا بِحِكْمَتِكَ تَدْبِيراً وَأَحْسَنْتَ تَدْبِيرَهَا وَسَخَّرْتَهَا بِسُلْطَانِ اللَّيْلِ وَسُلْطَانِ النَّهَارِ وَالسَّاعَاتِ وَعَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ وَجَعَلْتَ رُؤْيَتَهَا لِجَمِيعِ النَّاسِ مَرْأَىً وَاحِداً وَأَسْأَلُكَ أللّهُمَّ بِمَجْدِكَ الَّذِي كَلَّمْتَ بِهِ عَبْدَكَ وَرَسُولَكَ مُوسَىٰ بْنَ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي الْمُقَدَّسِينَ فَوْقَ إِحْسَاسِ الْكَرُّوبِينَ فَوْقَ غَمَائِمِ النُّورِ فَوْقَ تَابُوتِ الشَّهَادَةِ فِي عَمُودِ النَّارِ وَفِي طُورِ سَيْنَاءَ وَفِي جَبَلِ حُورِيثَ فِي الْوَادِي الْمُقَدَّسِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَفِي أَرْضِ مِصْرَ بِتِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَيَوْمَ فَرَقْتَ لِبَنِي إِسْرآئِيلَ الْبَحْرَ وَفِي الْمُنْبَجِسَاتِ الَّتِي صَنَعْتَ بِهَا الْعَجَائِبَ فِي بَحْرِ سُوفٍ وَعَقَدْتَ مَاءَ الْبَحْرِ فِي قَلْبِ الْغَمْرِ كَالْحِجَارَةِ وَجَاوَزْتَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ وَتَمَّتْ كَلِمَتُكَ الْحُسْنَىٰ عَلَيْهِمْ بِمَا صَبَرُوا وَأَوْرَثْتَهُمْ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْتَ فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وَأَغْرَقْتَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ وَمَرَاكِبَهُ فِي الْيَّمِّ وَبِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الأَعْظَمِ الأَعَزِّ الأَجَلِّ الأَكْرَمِ وَبِمَجْدِكَ الَّذِي تَجَلَّيْتَ بِهِ لِمُوسَىٰ كَلِيمِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي طُورِ سَيْنَاءَ وَلإِِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلِيلِكَ مِنْ قَبْلُ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ وَلإِِسْحَاقَ صَفِيِّكَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي بِئْرِ شِيعَ وَلِيَعْقُوبَ نَبِيِّكَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي بَيْتِ إِيلٍ وَأَوْفَيْتَ لإِِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِيثَاقِكَ وَلإِِسْحَاقَ بِحَلْفِكَ وَلِيَعْقُوبَ بِشَهَادَتِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِوَعْدِكَ وَلِلدَّاعِينَ بِأَسْمَائِكَ فَأَجَبْتَ وَبِمَجْدِكَ الَّذِي ظَهَرَ لِمُوسَىٰ بْنِ عُمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَىٰ قُبَّةِ الرُّمَّانِ وَبِآياتِكَ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَىٰ أَرْضِ مِصْرَ بِمَجْدِ الْعِزَّةِ وَالْغَلَبَةِ بِآيَاتٍ عَزِيزَةٍ وَبِسُلْطَانِ الْقُوَّةِ وَبِعِزَّةِ الْقُدْرَةِ وَبِشَأْنِ الْكَلِمَةِ التَّامَّةِ وَبِكَلِمَاتِكَ الَّتِي تَفَضَّلْتَ بِهَا عَلَىٰ أَهْلِ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَهْلِ الدُّنْيَا وَأَهْلِ الآخِرَةِ وَبِرَحْمَتِكَ الَّتِي مَنَنْتَ بِهَا عَلَىٰ جَمِيعِ خَلْقِكَ وَبِاسْتِطَاعَتِكَ الَّتِي أَقَمْتَ بِهَا عَلَىٰ الْعَالَمِينَ وَبِنُورِكَ الَّذِي قَدْ خَرَّ مِنْ فَزَعِهِ طُورُ سَيْنَاءَ وَبِعِلْمِكَ وَجَلاَلِكَ وَكِبْرِيَائِكَ وَعِزَّتِكَ وَجَبَرُوتِكَ الَّتِي لَمْ تَسْتَقِلَّهَا الأَرْضُ وَانْخَفَضَتْ لَهَا السَّمٰوَاتُ وَإنْزَجَرَ لَهَا الْعُمْقُ الأَكْبَرُ وَرَكَدَتْ لَهَا الْبِحَارُ وَالأَنْهَارُ وَخَضَعَتْ لَهَا الْجِبَالُ وَسَكَنَتْ لَهَا الأَرْضُ بِمَنَاكِبِهَا وَاسْتَسْلَمَتْ لَهَا الْخَلاَئِقُ كُلُّهَا وَخَفَقَتْ لَهَا الرِّيَاحُ فِي جَرَيَانِهَا وَخَمَدَتْ لَهَا النِّيْرَانُ فِي أَوْطَانِهَا وَبِسُلْطَانِكَ الَّذِي عُرِفَتْ لَكَ بِهِ الْغَلَبَةُ دَهْرَ الدُّهُورِ وَحُمِدْتَ بِهِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ وَبِكَلِمَتِكَ كَلِمَةِ الصِّدْقِ الَّتِي سَبَقَتْ لأَبِينَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَذُرِّيَّتِهِ بِالرَّحْمَةِ وَأَسْأَلُكَ بِكَلِمَتِكَ الَّتِي غَلَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَبِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي تَجَلَّيْتَ بِهِ لِلْجَبَلِ فَجَعَلْتَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقاً وَبِمَجْدِكَ الَّذِي ظَهَرَ عَلَىٰ طُورِ سَيْنَاءَ فَكَلَّمْتَ بِهِ عَبْدَكَ وَرَسُولَكَ مُوسَىٰ بْنَ عِمْرَانَ وَبِطَلْعَتِكَ فِي سَاعِيرَ وَظُهُورِكَ فِي جَبَلِ فَارَانَ بِرَبَواتِ الْمُقَدَّسِينَ وَجُنُودِ الْمَلاَئِكَةِ الصَّافِّينَ وَخُشُوعِ الْمَلاَئِكَةِ الْمُسَبِّحِينَ وَبِبَرَكاتِكَ الَّتِي بَارَكْتَ فِيهَا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَبارَكْتَ لإِِسْحَاقَ صَفِيِّكَ فِي أُمَّةِ عِيسَىٰ عَلَيْهِمَا السَّلامُ وَبَارَكْتَ لِيَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِكَ فِي أُمَّةِ مُوسَىٰ عَلَيْهِمَا السَّلامُ وَبَارَكْتَ لِحَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي عِتْرَتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأُمَّتِهِ أَللّهُمَّ وَكَمَا غِبْنَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ نَشْهَدْهُ وَآمَنَّا بِهِ وَلَمْ نَرَهُ صِدْقاً وَعَدْلاً أَنْ تُصَلِّيَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تُبَارِكَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَتَرَحَّمَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَأَفْضَلِ مَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ فَعَّالٌ لِمَا تُرِيدُ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أَللّهُمَّ بِحَقِّ هٰذَا الدُّعَاءِ وَبِحَقِّ هٰذِهِ الأَسْمَاءِ الَّتِي لاَ يَعْلَمُ تَفْسِيرَها وَلاَ يَعْلَمُ بَاطِنَهَا غَيْرُكَ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَافْعَلْ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَلاَ تَفْعَلْ بِي مَا أَنَا أَهْلُهُ وَاغْفِرْ لِي مِنْ ذُنُوبِي مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ وَوَسِّعْ عَلَيَّ مِنْ حَلاَلِ رِزْقِكَ وَاكْفِنِي مَؤُونَةَ إِنْسَانِ سَوْءٍ وَجَارِ سَوْءٍ وَقَرِينِ سَوْءٍ وَسُلْطَانِ سَوْءٍ إِنَّكَ عَلَىٰ مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَا اَللهُ يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ أَللّهُمَّ بِحَقِّ هٰذَا الدُّعَاءِ وَبِحَقِّ هٰذِهِ الأَسْمَاءِ الَّتِي لاَ يَعْلَمُ تَفْسِيرَهَا وَلاَ تَأْوِيلَهَا وَلاَ بَاطِنَهَا وَلاَ ظَاهِرَهَا غَيْرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تَرْزُقَنِي خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَافْعَلْ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَلاَ تَفْعَلْ بِي مَا أَنَا أَهْلُهُ وَاْنتَقِمْ لِي مِنْ فُلانِ بْنِ فُلان وَاغْفِرْ لِي مِنْ ذُنُوبِي مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ وَلِوَالِدَيَّ وَلِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَوَسِّعْ عَلَيَّ مِنْ حَلاَلِ رِزْقِكَ وَاكْفِنِي مَؤُونَةَ إِنْسَانِ سَوْءٍ وَجَارِ سَوْءٍ وَسُلْطَانِ سَوْءٍ وَقَرِينِ سَوْءٍ وَيَوْمِ سَوْءٍ وَسَاعَةِ سَوْءٍ وَانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ يَكِيدُنِي وَمِمَّنْ يَبْغِي عَلَيَّ وَيُرِيدُ بِي وَبِأَهْلِي وَأَوْلاَدِي وَإِخْوَانِي وَجِيرَانِي وَقَرَابَاتِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ظُلْماً إِنَّكَ عَلَىٰ مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
أَللّهُمَّ بِحَقِّ هٰذَا الدُّعَاءِ تَفَضَّلْ عَلَىٰ فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِالْغِنَىٰ وَالثَّرْوَةِ وَعَلَىٰ مَرْضَىٰ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِالشِّفَاءِ وَالصِّحَةِ وَعَلَىٰ أَحْيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِاللُّطْفِ وَالْكَرَامَةِ وَعَلَىٰ أَمْوَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَعَلَىٰ مُسَافِرِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِالرَّدِّ إِلَىٰ أَوْطَانِهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّىٰ اللهُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعِتْرَتِهِ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ هٰذَا الدُّعَاءِ وَبِمَا فَاتَ مِنْهُ مِنَ الأَسْمَاءِ وَبِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّدْبِيرِ الَّذِي لاَ يُحِيطُ بِهِ إِلاَّ أَنْتَ أَنْ تَفْعَلَ بِي كَذا وَكَذا.
التعليق على دعاء السمات
في الحقيقة ليس لله تعالى اسم بمفهوم الاسم، وهو الوجود اللَّفظي للمسمى، لأن الله واحد أحد، وليست له وجودات متعددة كما لمخلوقاته.
ذلك أن لكل شيء وجودات أربع، وإذا مثَّلنا بـ (زيد) تكون وجوداته الأربع كما يلي:
١ – وجوده الخارجي، وهو ذاته الموجود خارج الذهن المركّب من الجسم والروح وسائر المشاعر.
٢ – وجوده اللفظي، وهو اسمه المركّب من (ز.ي.د).
٣ – وجوده الذهني، وهو صورته المنعكسة في أذهان معارفه.
٤ – وجوده الرسمي، وهو صورته المنطبقة على ورق.
وبما أن الله تعالى واحد أحد، لا تكون له هذه الوجودات، وإنما هو ذاته الواقعي فحسب – وأسماء الله، مخلوقاته المباشرة – وهي أقوى مخلوقاته، لأنها مخلوقاته المباشرة -.
والاسم الوحيد الذي يرمز إلى مقام الذات هو (الله) وحده، وأما سائر الأسماء – كالرَّحمان والرّحيم – فهي ترمز إلى مقام التَّجلي، الذي وجد موسى بن عمران أحد مظاهره في جبل الطور: (فلمّا تجلّى ربُّه للجبل جعله دكّاً وخرَّ موسى صعِقاً) سورة الأعراف: آية ١٤٣.
وأسماء الله كثيرة ورد في الأحاديث أنها ألف أو ألف وواحد، ولكن الألف – في اللغة العربية – يستعمل للإشارة إلى الكثير، فقد تكون ألفاً بالضبط، وقد تكون مليارات – لا ندري – ولكن بما أن قدرة الله مطلقة، وإطلاق القدرة يقتضي الكثير الكثير، يمكن القول بأن أسماءه أكثر من أن يحصيها العادّون.
وأما كلمات الله، فهي مخلوقاته الثانوية.
وفي الحقيقة ليست لله تعالى كلمة بمفهوم الكلمة، وهي الموجة الصوتية المتغيرة بقاطع الفم، لأن الله ليس بجسم حتى يكون له فم عضوي يقطع الصوت كما للناس.
وإنما كلمات الله طاقات بالغة الفاعلية – وهي أقوى مخلوقاته بعد الأسماء – وتأتي في تسلسل الخلقة والأهمية حسب التسلسل الوارد في الدُّعاء: (اللهم إني أسئلك بكلماتك، ومعاقد عرشك، وسكان سماواتك، وأنبيائك ورسلك، أن تستجيب لي...).
والكلمة لا ترمز إلى مقام الذات ولا إلى مقام التجلي، وإنما ترمز إلى مقام الفعل فالحسنى كلمة والعذاب كلمة، ومحو الباطل يتم بكلمة وتحقيق الحق يتم بكلمة...
لقضاء الحوائج (٣١٥)
اللهم إن أطعتك فالمحمدة(٣١٦) لك، وإن عصيتك فالحجة لك، منك الروح(٣١٧) ومنك الفرج، سبحان من أنعم وشكر، سبحان من قدر وغفر، اللهم إن كنت قد عصيتك فإني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو الإيمان بك، لم أتخذ لك ولداً، ولم أدع لك شريكاً، مناً منك به علي، لا مناً مني به عليك(٣١٨)، وقد عصيتك يا إلهي على غير وجه المكابرة، ولا الخروج عن عبوديتك، ولا الجحود لربوبيتك، ولكن أطعت هواي وأزلني الشيطان(٣١٩) فلك الحجة علي والبيان، فإن تعذبني فبذنوبي غير ظالم، وإن تغفر لي وترحمني فإنك جواد كريم، يا كريم يا كريم... [حتى ينقطع النفس].
[ثم تقول]: يا آمناً من كل شيء، وكل شيء منك خائف حذر(٣٢٠) أسألك بأمنك من كل شيء، وخوف كل شيء منك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعطيني أماناً لنفسي وأهلي وولدي، وسائر ما أنعمت به علي، حتى لا أخاف أحداً ولا أحذر من شيء أبداً(٣٢١)، إنك على كل شيء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، يا كافي إبراهيم نمرود، يا كافي موسى فرعون، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تكفيني شر فلان بن فلان.
اللهم أنجز (٣٢٢)
اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم انتقم لي من أعدائي(٣٢٣).
دعاء الحكمة (٣٢٤)
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أسألك أن تصلي على محمد نبي رحمتك وكلمة نورك(٣٢٥) وأن تملأ قلبي نور اليقين، وصدري نور الإيمان، وفكري نور الثبات، وعزمي نور العلم، وقوتي نور العمل، ولساني نور الصدق، وديني نور البصائر من عندك، وبصري نور الضياء، وسمعي نور وعي الحكمة، ومودتي نور الموالاة لمحمد وآله (عليهم السلام)(٣٢٦) حتى ألقاك وقد وفيت بعهدك وميثاقك فلتسعني رحمتك يا ولي يا حميد.
اللهم صل على حجتك في أرضك، وخليفتك في بلادك، والداعي إلى سبيلك، والقائم بقسطك، والثائر بأمرك، ولي المؤمنين، وبوار الكافرين، ومجلي الظلمة، ومنير الحق، والساطع بالحكمة والصدق، وكلمتك التامة في أرضك، المرتقب الخائف(٣٢٧) والولي الناصح، سفينة النجاة، وعلم الهدى، ونور أبصار الورى، وخير من تقمص وارتدى، ومجلي العمى، الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملأت ظلماً وجوراً، إنك على كل شيء قدير.
اللهم صل على وليك وابن أوليائك الذين فرضت طاعتهم، وأوجبت حقهم وأذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيراً.
اللهم انصر وانتصر به أولياءك وأولياءه، وشيعته وأنصاره واجعلنا منهم.
اللهم أعذه من كل باغ وطاغ، ومن شر جميع خلقك، واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، واحرسه، وامنعه من أن يوصل إليه بسوء واحفظ فيه رسولك وآل رسولك، وأظهر به العدل وأيده بالنصر، وانصر ناصريه واخذل خاذليه، واقصم به جبابرة الكفرة، واقتل به الكفار والمنافقين وجميع الملحدين، حيث كانوا في مشارق الأرض ومغاربها، برها وبحرها، واملأ به الأرض عدلاً، وأظهر به دين نبيك، واجعلني اللهم من أنصاره وأعوانه، وأتباعه وشيعته، وأرني في آل محمد ما يأملون، وفي عدوهم ما يحذرون إله الحق آمين يا ذا الجلال والإكرام يا أرحم الراحمين.
دعاء الفرج (٣٢٨)
إلهي عظم البلاء وبرح الخفاء(٣٢٩)وانكشف الغطاء(٣٣٠) وانقطع الرجاء، وضاقت الأرض(٣٣١) ومنعت السماء(٣٣٢) وأنت المستعان وإليك المشتكى وعليك المعول في الشدة والرخاء.
اللهم صل على محمد وآل محمد أولي الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم(٣٣٣) وعرفتنا بذلك منزلتهم ففرج عنا بحقهم فرجاً عاجلاً قريباً كلمح البصر أو هو أقرب.
يا محمد يا علي، يا علي يا محمد، أكفياني فإنكما كافيان وانصراني فإنكما ناصران، يا مولانا يا صاحب الزمان الغوث الغوث الغوث، أدركني أدركني أدركني، الساعة الساعة الساعة، العجل العجل العجل، يا أرحم الراحمين بحق محمد وآله الطاهرين(٣٣٤).
الصلاة والدعاء للمهدي (٣٣٥)
اللهم وصل على وليك المحيي سنتك القائم بأمرك الداعي إليك الدليل عليك، حجتك على خلقك وخليفتك في أرضك وشاهدك على عبادك. اللهم أعز نصره ومد في عمره وزين الأرض بطول بقائه.اللهم أكفه بغي الحاسدين وأعذه من شر الكائنين وأزجر عنه إرادة الظالمين وخلصه من أيدي الجبارين.
اللهم أعطه في نفسه وذريته وشيعته ورعيته وخاصته وعامته وعدوه وجميع أهل الدنيا(٣٣٦) ما تقر به عينه وتسر به نفسه وبلغه أفضل ما أمله في الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير.
اللهم جدد به ما امتحى (محي) من دينك وأحي به ما بدل من كتابك وأظهر به ما غيّر من حكمك حتى يعود دينك به وعلى يديه غضاً جديداً خالصاً مخلصاً لا شك فيه ولا شبهة معه ولا باطل عنده ولا بدعة لديه.
اللهم نور بنوره كل ظلمة وهدّ بركنه كل بدعة واهدم بعزه كل ضلالة واقصم به كل جبار واخمد بسيفه كل نار واهلك بعدله جور كل جائر وأجر حكمه على كل حكم وأذل بسلطانه كل سلطان.
اللهم أذل كل من ناواه وأهلك كل من عاداه وامكر بمن كاده واستأصل من جحده حقه واستهان بأمره وسعى في إطفاء نوره وأراد إخماد ذكره.
اللهم صل على محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن الرضا والحسين المصفى وجميع الأوصياء مصابيح الدجى وأعلام الهدى ومنار التقى والعروة الوثقى والحبل المتين والصراط المستقيم وصل على وليك(٣٣٧) وولاة عهدك والأئمة من ولده ومد في أعمارهم وزد في آجالهم(٣٣٨) وبلغهم أقصى آمالهم ديناً ودنياً وآخرة إنك على كل شيء قدير.
دعاء يوم المبعث (٣٣٩)
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل(٣٤٠)وكبره تكبيراً. يا عدتي في مدتي يا صاحبي قي شدتي يا وليي في نعمتي يا غياثي في رغبتي يا نجاحي في حاجتي يا حافظي في غيبتي يا كافي في وحدتي يا أنسي في وحشي أنت الساتر عورتي(٣٤١) فلك الحمد، وأنت المقيل عثرتي(٣٤٢) فلك الحمد. وأنت المنعش صرعتي (٣٤٣) فلك الحمد صل على محمد وآل محمد واستر عورتي وآمن روعتي وأقل عثرتي واصفح عن جرمي وتجاوز عن سيئاتي في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون(٣٤٤).
المنن السابغة (٣٤٥)
اللهم يا ذا المنن السابغة والآلاء الوازعة والرحمة الواسعة والقدرة الجامعة والنعم الجسيمة والمواهب العظيمة والأيادي الجميلة والعطايا الجزيلة يا من لا ينعت بتمثيل ولا يمثل بنظير ولا يغلب بظهير يا من خلق فرزق وألهم فانطق وابتدع فشرع وعلا فارتفع وقدر فأحسن وصور فأتقن واحتج فأبلغ وأنعم فأسبغ وأعطى فأجزل ومنح فأفضل يا من سما في العز ففات نواظر الأبصار ودنا في اللطف فجاز هواجس الأفكار يا من توحد بالملك فلا ند له في ملكوت سلطانه وتفرد بالآلاء والكبرياء فلا ضد له في جبروت شأنه يا من حارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الأوهام وانحسرت دون إدراك عظمته خطائف أبصار الأنام يا من عنت الوجوه لهيبته وخضعت الرقاب لعظمته ووجلت القلوب من خيفته أسألك بهذه المدحة التي لا تنبغي إلا لك وبما وأيت به على نفسك لداعيك من المؤمنين وبما ضمنت الإجابة فيه على نفسك للداعيين يا أسمع السامعين وأبصر الناظرين وأسرع الحاسبين يا ذا القوة المتين صل على محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته واقسم لي في شهرنا هذا خير ما قسمت واحتم لي في قضائك خير ما حتمت واختم لي بالسعادة فيمن ختمت وأحيني ما أحييتنني موفوراً وأمتني مسروراً ومغفوراً وتول أنت نجاتي من مساءلة البرزخ وأدرأ عني منكراً ونكيراً وأرعيني مبشراً وبشيراً واجعل لي إلى رضوانك وجنانك مصيراً وعيشاً قريراً وملكاً كبيراً وصل على محمد وآله كثيراً.
صلاة ودعاء (٣٤٦)
إن الصلاة يوم سبع وعشرين من رجب اثنتا عشر ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وما تيسر من السور ويجلس (ويسلم) ويقول بين كل ركعتين:
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً يا عدتي في مدتي ويا صاحبي في شدتي ويا وليي في نعمتي يا غياثي في رغبتي يا مجيبي في حاجتي يا حافظي في غيبتي يا كالئي في وحدتي يا أنسي في وحشتي أنت الساتر عورتي فلك الحمد وأنت المقيل عثرتي فلك الحمد وأنت المنفس صرعتي فلك الحمد صل على محمد وآل محمد واستر عورتي وأمن روعتي وأقلني عثرتي وأفصح عن جرمي وتجاوز عن سيئاتي في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
فإذا فرغت من الصلاة والدعاء قرأت الحمد وقل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون والمعوذتين وإنا أنزلناه في ليلة القدر وآية الكرسي سبعاً سبعاً. ثم تقول: اللهم الله الله ربي لا أشرك به شيئاً سبع مرات ثم ادع بما أحببت.
دعاء رجب (٣٤٧)
اللهم إني أسألك بالمولودين(٣٤٨) في رجب محمد بن علي الثاني(٣٤٩) وابنه علي بن محمد المنتجب وأتقرب بهما إليك خير القرب يا من إليه المعروف طلب وفيما لديه رغب، أسألك سؤال متقرب مذنب قد أوبقته ذنوبه وأوثقته عيوبه فطال على الخطايا دؤبه ومن الرزايا خطوبه يسألك التوبة وحسن الأربة والنزوع عن الحوبة ومن النار فكاك رقبته والعفو عما في ربقته فأنت مولاي أعظم أمله وثقته. اللهم وأسألك بمسائلك الشريفة ووسائلك المنيفة(٣٥٠) أن تتغمدني في هذا الشهر برحمة منك واسعة ونعمة وازعه(٣٥١) ونفس بما رزقتها قانعة إلى نزول الحافرة(٣٥٢) ومحل الآخرة وما هي إليه صائرة(٣٥٣).
يا من أظهر الجميل (٣٥٤)
يا من أظهر الجميل وستر القبيح؛ يا من لم يأخذ بالجريرة ولم يهتك الستر؛ يا عظيم المن؛ يا كريم الصفح؛ يا حسن التجاوز؛ يا واسع المغفرة: يا باسط اليدين بالرحمة؛ يا منتهى كل نجوى؛ ويا غاية كل شكوى: يا عون كل مستعين؛ يا مبتدءاً بالنعم قبل استحقاقها.
يا رباه؛ يا غاية رغبتاه؛ أسألك بحق هذه الأسماء، وبحق محمد وآله الطاهرين (عليهم السلام) إلا ما كشفت كربي، ونفست همي، وفرجت غمي، وأصلحت حالي.
يا محمد يا علي؛ يا علي يا محمد؛ أكفياني فإنكما كافياني، وانصراني فإنكما ناصراي(٣٥٥).
دعاء عام (٣٥٦)
إلهي بحق من ناجاك، وبحق من دعاك في البر والبحر [صل على محمد وآله] تفضل على فقراء المؤمنين والمؤمنات بالشفاء بالغنى(٣٥٧) والثروة وعلى مرضى المؤمنين والمؤمنات بالشفاء والصحة، وعلى أحياء المؤمنين والمؤمنات باللطف والكرم، وعلى أموات المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والرحمة، وعلى غرباء المؤمنين والمؤمنات بالرد إلى أوطانهم سالمين غانمين(٣٥٨) بمحمد وآله أجمعين.
دعاء الاهتمامات العامة (٣٥٩)
اللهم ارزقنا توفيق الطاعة وبعد المعصية وصدق النية وعرفان الحرمة(٣٦٠) وأكرمنا بالهدى والاستقامة وسدد ألسنتا بالصواب والحكمة وأملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة وطهر بطوننا من الحرام والشبهة واكفف أيدينا عن الظلم والسرقة واغضض أبصارنا عن الفجور والخيانة وأسدد أسماعنا عن اللغو والغيبة(٣٦١) وتفضل على علمائنا بالزهد والنصيحة وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة وعلى موتاهم بالرأفة والرحمة وعلى مشايخنا بالوقار والسكينة وعلى الشباب بالإنابة والتوبة وعلى النساء بالحياء والعفة [والعصمة] وعلى الأغنياء بالتواضع والسعة وعلى الفقراء بالصبر والقناعة وعلى الغزاة بالنصر والغلبة وعلى الأُسَراء بالخلاص والراحة وعلى الأمراء بالعدل والشفقة وعلى الرعية بالإنصاف(٣٦٢) وحسن السيرة وبارك للحجاج والزوار(٣٦٣) في الزاد والنفقة واقض ما أوجبت عليهم من الحج والعمرة بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
قنوت (٣٦٤)
اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير. يا ماجد يا جواد، يا ذا الجلال والإكرام، يا بطاش يا ذا البطش الشديد، يا فعالاً لما يريد، يا ذا القوة المتين، يا رءوف يا رحيم، يا حي حين لا حي أسألك باسمك المخزون المكنون الحي القيوم، الذي استأثرت به في علم الغيب عندك لم يطلع عليه أحد من خلقك، وأسألك باسمك الذي تصور به خلقك في الأرحام، كيف تشاء وبه تسوق إليهم أرزاقهم في أطباق الظلمات من بين العروق والعظام، وأسألك باسمك الذي ألفت به بين قلوب أوليائك، وألفت بين الثلج والنار لا هذا يذيب هذا ولا هذا يطفئ هذا، وأسألك باسمك الذي كونت به طعم المياه، وأسألك باسمك الذي أجريت به المياه في عروق النبات، بين أطباق الثرى، وسقت الماء إلى عروق الأشجار، بين الصخرة الصماء، وأسألك باسمك الذي كونت به طعم الثمار وألوانها وأسألك باسمك الذي به تبدئ وتعيد، وأسألك باسمك الفرد الواحد المتفرد بالوحدانية، المتوحد بالصمدانية، وأسألك باسمك الذي فجرت به الماء من الصخرة الصماء، وسقته من حيث شئت، وأسألك باسمك الذي خلقت به خلقك، ورزقتهم كيف شئت؟ وكيف شاءوا؟ يا من لا تغيره الأيام والليالي، وأدعك بما دعاك إبراهيم خليلك حين ناداك فأنجيته وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأدعوك بما دعاك به موسى كليمك حين ناداك ففلقت له البحر فأنجيته وبني إسرائيل، وأغرقت فرعون وقومه في اليم، وأدعوك بما دعاك به عيسى روحك حين ناداك فنجيته من أعدائه وإليك رفعته، وأدعوك بما دعاك حبيبك وصفيك ونبيك محمد صلى الله عليه وآله فاستجبت له، ومن الأحزاب نجيته، وعلى أعدائك نصرته، وأسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت، يا من له الخلق والأمر، يا من أحاط بكل شيء علماً، يا من أحصى كل شيء عدداً، يا من لا تغيره الأيام والليالي، ولا تتشابه عليه الأصوات، ولا تخفى عليه اللغات، ولا يبرمه إلحاح الملحين، أسألك أن تصل على محمد وآل محمد، خيرتك من خلقك، فصل عليهم بأفضل صلواتك، وصل على جميع النبيين والمرسلين، الذين بلغوا عنك الهدى وعقدوا لك المواثيق بالطاعة، وصل على عبادك الصالحين، يا من لا يخلف الميعاد أنجز لي ما وعدتني واجمع لي أصحابي وصبرهم وانصرني على أعدائك وأعداء رسولك ولا تخيب دعوتي، فإني عبدك وابن عبدك، ابن أمتك أسير بين يديك، سيدي أنت الذي مننت علي بهذا المقام، وتفضلت به علي، دون كثير من خلقك، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تنجز لي ما وعدتني إنك أنت صادق، ولا تخلف الميعاد، وأنت على كل شيء قدير.
قنوت (٣٦٥)
اللهم صلي على محمد وآل محمد، وأكرم أوليائك بإنجاز وعدك، وبلغهم درك ما يأملونه من نصرك، واكفف عنهم بأس من نصب الخلاف عليك، وتمرد بمنعك على ركوب مخالفتك، واستعان برفدك على فل حدك، وقصد لكيدك بأيدك، ووسعته حلماً لتأخذه على جهرة، وتستأصله على غرة، فإنك اللهم قلت- وقولك الحق-: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفضل الآيات لقوم يتفكرون). وقلت: (فلما آسفونا انتقمنا منهم) وأن الغاية عندنا قد تناهت، وإنّا لغضبك غاضبون، وإنّا على نصر الحق متعاصبون، وإلى ورود أمرك مشتاقون، ولإنجاز وعدك مرتقبون، ولحلول وعيدك بأعدائك متوقعون. اللهم فأذن بذلك، وافتح طرقاته، وسهل خروجه، ووطئ مسالكه، واشرع شرائعه، وأيد جنوده وأعوانه، وبادر بأسك القوم الظالمين، وابسط سيف نقمتك على أعدائك المعاندين، وخذ بالثأر إنك جواد مكار.
دعاء القائم (٣٦٦)
 لا إله إلا الله حقاً حقاً، لا إله إلا الله إيماناً وصدقاً، لا إله إلا الله تعبداً ورقاً، اللهم معين كل مؤمن وحيد، ومذل كل جبار عنيد، أنت كهفي حين تعييني المذاهب وتضيق علي الأرض بما رحبت. اللهم خلقتني وكنت عن خلقي غنياً ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين، يا مبعثر الرحمة من مواضعها ومخرج البركات من معادنها ويا من خص نفسه بشموخ الرفعة فأولياؤه بعزه يعتزون يا من وضعت له الملوك نير المذلة على أعناقهم فهم من سطوته خائفون. أسألك باسمك الذي قصرت عنه خلقك فكلٌّ لك مذعنون.
أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تنجز لي أمري، وتعجل لي الفرج، وتكفيني وتعافيني وتقضي حوائجي الساعة الساعة الليلة الليلة إنك على كل شيء قدير.
تسبيح صاحب الزمان (٣٦٧)
سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا خلقه، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله زنه عرشه، والحمد لله مثل ذلك.
دعاء الصابوني (٣٦٨)
اللهم إنك عرفتني نفسك وعرفتني رسولك وعرفتني ملائكتك وعرفتني ولاة أمرك. اللهم لا آخذ إلا ما أعطيت ولا أقي إلا ما وقيت اللهم لا تغيبني عن منازل أوليائك ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم أهدني لولاية من افترضت طاعته.
النجاة من الشدة (٣٦٩)
بسم الله الرحمن الرحيم رب أسألك مدداً روحانياً تقوى به قواي الكلية والجزئية، حتى أقهر بمبادئي نفسي كل نفس قاهرة، فتنقبض لي إشارة دقائقها انقباضاً، تسقط به قويّها حتى لا يبقى في الكون ذو روح إلا ونار قهري قد أحرقت ظهوره، يا شديد يا شديد، يا ذا البطش الشديد، يا قاهر يا قهار، أسألك بما أودعته عزرائيل من أسمائك القهرية فانفعلت له النفوس بالقهر، وأذلل به كل منيع بقوتك يا ذا القوة المتين(٣٧٠)
للخلاص من الشدائد (٣٧١)
بسم الله الرحمن الرحيم أنت الله الذي لا إله إلا أنت مبدأ الخلق ومعيدهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت مدبر الأمور وباعث من في القبور. وأنت الله الذي لا إله إلا أنت القابض الباسط وأنت الله الذي لا إله إلا أنت وارث الأرض ومن عليها أسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به أعطيت وأسألك بحق محمد وأهل بيته وبحقهم الذي أوجبته على نفسك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تقضي لي حاجتي الساعة الساعة يا سيداه يا مولاه يا غياثاه أسألك بكل اسم سميته به نفسك واستأثرت به في علم الغيب عندك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تعجل خلاصنا من هذه الشدة يا مقلب القلوب والأبصار يا سميع الدعاء إنك على كل شيء قدير برحمتك يا أرحم الراحمين.
للشفاء من العلل (٣٧٢)
بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله دواء، والحمد لله شفاء، ولا إله إلا الله كفاء، هو الشافي شفاء، هو الكافي كفاء، أذهب البأس برب الناس شفاء، لا يغادره سقم، وصلى الله على محمد وآله النجباء.
دعاء صاحب الزمان (٣٧٣)
يا نور النور يا مدبر الأمور يا باعث من في القبور صل على محمد وآل محمد واجعل لي ولشيعتي من الضيق فرجاً ومن الهم مخرجاً وأوسع لنا المنهج وأطلق لنا من عندك ما يفرج وافعل بنا ما أنت أهله يا كريم(٣٧٤).
حجابه (٣٧٥)
اللهم أحجبني عن عيون أعدائي، واجمع بيني وبين أوليائي، وأنجز لي ما وعدتني، واحفظني في غيبي، إلى أن تؤذن لي في ظهوري، وأحي بي ما درس من فروضك وسننك، وعجل فرجي، وسهل مخرجي، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً، وافتح لي فتحاً مبيناً، واهدني صراطاً مستقيماً، وقني جميع ما أحذره من الظالمين، واحجبني عن أعين الباغين الناصبين العداوة لأهل بيت نبيك، ولا يصل إلي أحد منهم بسوء، فإذا أذنت في ظهوري فأيدني بجنودك، واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيدين، وفي سبيلك مجاهدين، وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين، ووفقني لإقامة حدودك، وانصرني على من تعدى محدودك، وانصر الحق وأزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً، وأورد علي من شيعتي وأنصاري من تقر بهم العين، ويشد بهم الأرز، واجعلهم في حرزك وأمنك، برحمتك يا أرحم الراحمين.
استخارة صاحب الزمان (٣٧٦)
اللهم إني أستخيرك لعلمك بعاقبة الأمور وأستشيرك لحسن ظني بك في المأمول والمحذور اللهم إن كان الأمر الفلاني مما قد نيطت بالبركة أعجازُهُ وبواديه وحفت بالكرامة أيامه ولياليه فخيّر إلي اللهم فيه خيرة ترد شموسه ذلولاً وتتعض أيامه سروراً اللهم إما أمرٌ فائتمر وإما نهيٌ فأنتهي. اللهم إني أستخيرك برحمتك خيرة في عافية.
حرزه (عليه السلام) (٣٧٧)
بسم الله الرحمن الرحيم يا مالك الرقاب، ويا هازم الأحزاب، يا مفتح الأبواب، يا مسبب الأسباب، سبب لنا سبباً لا نستطيع له طلباً، بحق لا إله إلا هو الله، محمد رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين.
حرز آخر له (عليه السلام)(٣٧٨)
بسم الله الرحمن الرحيم يا حي يا قيوم، برحمتك استغثت فأغثني، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً، وأصلح لي شأني كله.
دعاء الميثاق (٣٧٩)
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وحجة رب العالمين المنتخب في الميثاق المصطفى في الظلال المطهر من كل آفة البريء من كل عيب المؤمل للنجاة المرتجى للشفاعة المفوض إليه دين الله اللهم شرف بنيانه وعظم برهانه وأفلح حجته وارفع درجته وأضئ نوره وبيض وجهه وأعطه الفضل والفضيلة والدرجة والوسيلة الرفيعة وأبعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون.
وصل على أمير المؤمنين ووارث المرسلين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين وحجة رب العالمين.
وصل على الحسن بن علي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على الحسين بن علي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على علي بن الحسين إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على محمد بن علي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على جعفر بن محمد إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على موسى بن جعفر إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على علي بن موسى إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على محمد بن علي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على علي بن محمد إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على الحسن بن علي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على الخلف الصالح الهادي المهدي إمام المؤمنين ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
اللهم صل على محمد وعلى أهل بيته الأئمة الهادين ووارث العلماء الصادقين الأبرار المتقين دعائم دينك وأركان توحيدك وتراجمة وحيك، وحججك على خلقك وخلفائك في أرضك الذين اخترتهم لنفسك واصطفيتهم على عبادك وارتضيتهم لدينك وخصصتهم بمعرفتك وجللتهم بكرامتك وغشيتهم برحمتك وربيتهم بنعمتك وغذيتهم بحكمتك وألبستهم [من] نورك ورفعتهم في ملكوتك وحففتهم بملائكتك وشرفتهم بنبيك صلواتك عليه وآله. اللهم صل على محمد وعليهم صلاة كثيرة دائمة طيبة لا يحيط بها إلا أنت ولا يسعها إلا علمك ولا يحصيها أحد غيرك.
دعاء الزيارة (٣٨٠)
اللهم إني أسألك باسمك الذي خلقته من كلك فاستقر فيك فلا يخرج منك إلى شيء أبداً يا كينون أيا مكنون أيا متعال أيا مقدس أيا متراحم أيا مترئف أيا متحنن أسألك كما خلقته غضاً أن تصلي على نبيك رحمتك وكلمة نورك ووالد هداة رحمتك واملأ قلبي نور اليقين وصدري نور الإيمان وفكري نور الثبات وعزمي نور التوفيق وذكائي نور العلم وقوتي نور العمل ولساني نور الصدق وديني نور البصائر من عندك وبصري نور الضياء وسمعي نور وعي الحكمة ومودتي نور المولاة لمحمد وآله (عليهم السلام) ويقيني قوة البراءة من أعداء محمد وأعداء آل محمد حتى ألقاك وقد وفيت بعهدك وميثاقك فيسعني يا ولي يا حميد بمرآك وسمعك يا حجة الله دعائي فوفني منجزات إجابتي أعتصم بك معك معك معك سمعي ورضاي.
دعاء المعرفة (٣٨١)
اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني. اللهم لا تمتني ميتة الجاهلية ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني.
اللهم فكما هديتني بولاية من فرضت طاعته علي من ولاة أمرك بعد رسولك صلواتك عليه وآله حتى واليت ولاة أمرك أمير المؤمنين والحسن والحسين وعلياً ومحمداً وجعفرَ وموسى وعلياً ومحمداً وعلياً والحسن والحجة القائم المهدي صلواتك عليهم أجمعين. اللهم فثبتني على دينك واستعملني بطاعتك وليّن قلبي لولي أمرك وعافني مما امتحنت به خلقك وثبتني على طاعة ولي أمرك الذي سترته عن خلقك فبإذنك غاب عن بريتك وأمرك ينتظر وأنت العالم غير معلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له بإظهاره أمره وكشف سره وصبرني على ذلك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت لا تأخير ما عجلت ولا أكشف عما سترته ولا أبحث عما كتمته ولا أنازع في تدبيرك ولا أقول لم وكيف وما بال ولي أمر الله لا يظهر وقد امتلأت الأرض من الجور؟ وأفوض أمري كله لله. اللهم إني أسألك أن تريني ولي أمرك ظاهراً نافذاً لأمرك مع علمي بأن لك السلطان والقدرة والبرهان والحجة والمشيئة والإرادة والحول والقوة فافعل ذلك بي وبجميع المؤمنين حتى ننظر إلى وليك ظاهر المقالة واضح الدلالة هادياً من الضلالة شافياً من الجهالة أبرز يا رب مشاهده وثبت قواعده واجعلنا ممن تقر عيننا برؤيته وأقمنا وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته.
اللهم أعذه من شر جميع ما خلقت وبرأت وذرأت وأنشأت وصورت واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به واحفظ فيه رسولك ووصي رسولك اللهم ومد في عمري وزد في أجله وأعنه على ما أوليته واسترعيته وزد في كرامتك له فإنه الهادي المهدي القائم المهتدي الطاهر التقي النقي الزكي الرضي المرضي الصابر المجتهد الشكور. اللهم ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته وانقطاع خبره عنا ولا تنسنا ذكره وانتظاره والإيمان به وقوة اليقين في ظهوره والدعاء له والصلاة عليه حتى لا يقنطنا طول غيبته من ظهوره وقيامه ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما جاء به من وحيك وتنزيلك، قوّ قلوبنا على الإيمان به حتى تسلك بنا على يده منهاج الهدى والمحجة العظمى والطريقة الوسطى وقونا على طاعته وثبتنا على مشايعته واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره والراغبين بفعله ولا تسلبنا ذلك في حياتنا ولا عند وفاتنا حتى توفانا ونحن على ذلك غير شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذبين. اللهم عجل فرجه وأيده بالنصر وانصر ناصريه واخذل خاذليه ودمدم على من نصب له وكذب به وأظهر به الحق وأمت به الجور واستنقذ به عبادك المؤمنين من الذل وانعش به البلاد واقتل به الجبابرة الكفرة واقصم به رؤوس الضلالة وذلل به الجبارين والكافرين وأبر به المنافقين والناكثين وجميع المخالفين والملحدين في مشارق الأرض ومغاربها وبحرها وبرها وسهلها وجبلها حتى لا تدع منهم دياراً ولا تبقي لهم آثاراً وتطهر منهم بلادك واشف منهم صدور عبادك وجدد به ما امتحى من دينك وأصلح به ما بدل من حكمك وغير من سننك حتى يعود دينك به وعلى يده غضاً جديداً صحيحاً لا عوج فيه ولا بدعة معه حتى تطفي بعدله نيران الكافرين فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك وارتضيته لنصرة دينك واصطفيته بعلمك وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب وأطلعته على الغيوب وأنعمت عليه وطهرته من الرجس ونقيته من الدنس.
اللهم فصل عليه وعلى آبائه الأئمة الطاهرين وعلى شيعتهم المنتجبين وبلغهم من آمالهم أفضل ما يأملون واجعل ذلك منا خالصاً من كل شك وشبهة ورياء وسمعه حتى لا نريد به غيرك ولا نطلب به إلا وجهك.
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا وغيبته ولينا وشدة الزمان علينا ووقوع الفتن [بنا] وتظاهر الأعداء وكثرة عدونا وقلة عددنا اللهم فأفرج ذلك بفتح منك تعجله وبصبر منك تيسره وإمام عدل تظهره إله الحق رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تأذن لوليك في إظهار عدلك في عبادك وقتل لي أعدائك في بلادك حتى لا تدع للجور دعامة إلا قصمتها ولا بنية إلا أفنيتها ولا قوة إلا أوهنتها ولا ركناً إلا هددته ولا حداً إلا فللته ولا سلاحاً إلا كللته ولا راية إلا نكستها ولا شجاعاً إلا قتلته ولا جيشاً إلا خذلته أرمهم يا رب بحجرك الدامغ واضربهم بسيفك القاطع وببأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين وعذب أعداءك وأعداء دينك وأعداء رسولك بيد وليك وأيدي عبادك المؤمنين.
اللهم اكف وليك وحجتك في أرض هول عدوه وكد من كاده وامكر لمن مكر به دائرة السوء على من أراد به سوءاً واقطع عن مادتهم وأرعب به قلوبهم وزلزل له أقدامهم وخذهم جهرة وبغتة، شدد عليهم عقابك وأخزهم في عبادك والعنهم في بلادك وأسكنهم أسفل نارك وأحط بهم أشد عذابك وأصلهم ناراً واحش قبور موتاهم ناراً وأصلهم حر نارك فإنهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وأذلوا عبادك اللهم وأحي بوليك القرآن وأرنا نوره سرمداً لا ظلمة فيه وأحي القلوب الميتة واشف به الصدور الوغرة واجمع به الأهواء المختلفة على الحق وأقم الحدود المعطلة والأحكام المهملة حتى لا يبقى حق إلا ظهر ولا عدل إلا زهر واجعلنا يا رب من أعوانه ومن يقوى بسلطانه والمؤتمرين لأمره والراضين بفعله والمسلمين لأحكامه وممن لا حاجة به إلى التقية من خلقك أنت يا رب الذي تكشف السوء وتجيب المضطر إذا دعاك وتنجي من الكرب العظيم فاكشف الضر عن وليك واجعله خليفة في أرضك كما ضمنت له اللهم ولا تجعلنا من خصماء آل محمد ولا تجعلنا من أعداء آل محمد ولا تجعلنا من أهل الحنق والغيظ على آل محمد فإني أعوذ بك من ذلك فأعذني وأستجير بك فأجرني اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني بهم فائزاًً عندك في الدنيا والآخرة ومن المقربين.
دعاء الندبة (٣٨٢)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد ونبيه وآله وسلم تسليماً اللهم لك الحمد على ما جرى فيه قضاؤك في أوليائك الذين استخلصتهم لنفسك ودينك إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء به فقبلتهم وقربتهم وقدمت لهم الذكر العلي والثناء الجلي وأهبطت عليهم ملائكتك وكرمتهم بوحيك ورفدتهم بعلمك وجعلتهم الذريعة [الذرائع] إليك والوسيلة إلى رضوانك فبعض أسكنته جنتك إلى أن أخرجته منها وبعض حملته في فلكك ونجيته [مع] من آمن معه من الهلكة برحمتك وبعض اتخذته لنفسك خليلاً وسألك لسان صدق في الآخرين فأجبته وجعلت ذلك علياً وبعض كلمته من شجرة تكليماً وجعلت له من أخيه ردءاً ووزيراً وبعض أولدته من غير أب وآتيته البينات وأيدته بروح القدس وكل [وكلاً] شرعت له شريعة ونهجت له منهاجاً وتخيرت له أوصياء [به] مستحفظاً بعد مستحفظ من مدة إلى مدة إقامة لدينك وحجة على عبادك ولئلا يزول الحق عن مقره ويغلب الباطل على أهله ولا [ولئلاّ] يقول أحد: لولا أرسلت إلينا رسولاً منذراً وأقمت لنا علماً هادياً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى إلى أن انتهيت بالأمر إلى حبيبك ونجيبك محمد صلى الله عليه وآله فكان كما انتجبته سيد من خلقته وصفوة من اصطفيته وأفضل من اجتبيته وأكرم من اعتمدته قدمته على أنبيائك وبعثته إلى الثقلين من عبادك وأوطأته مشارقك ومغاربك وسخرت له البراق وعرجت بروحه [به] إلى سمائك وأودعته علم ما كان وما يكون إلى انقضاء خلقك ثم نصرتة بالرعب وحففته بجبرائيل وميكائيل والمسومين من ملائكتك ووعدته أن تظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون وذلك بعد أن بوأته مبوأ صدق من أهله وجعلت له ولهم أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً وقلت: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) ثم جعلت أجر محمد صلواتك عليه وآله مودتهم في كتابك فقلت: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، وقلت: (ما سألتكم من أجر فهو لكم)، وقلت: (ما أسألكم عليه أجراً إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً) فكانوا هم السبيل إليك والمسلك إلى رضوانك فلما انقضت أيامه أقام وليه علي بن أبي طالب صلواتك عليهما وآلهما هادياً إذ كان هو المنذر ولكل قوم هاد فقال والملأ أمامه: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. وقال: من كنت أنا نبيه فعلي أميره. وقال: أنا وعلي من شجرة واحدة وسائر الناس من شجر شتى. وأحله محل هارون ممن موسى فقال له: أنت مني بمنزلة هارون بن موسى إلا أنه لا نبي بعدي. وزوجه ابنته سيدة نساء العالمين وأحل له من مسجده ما حل له وسد الأبواب إلا بابه ثم أودعه علمه وحكمته فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة والحكمة فليأتها من بابها. ثم قال: أنت أخي ووصي ووارثي لحمك من لحمي ودمك من دمي وسلمك سلمي وحربك حربي والإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي وأنت غداً على الحوض خليفتي وأنت تقضي ديني وتنجز عداتي وشيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي في الجنة وهم جيراني ولولا أنت يا علي لم يعرف المؤمنون بعدي وكان بعده هدى من الضلال ونوراً من العمى وحبل الله المتين وصراطه المستقيم لا يسبق بقرابة في رحم ولا بسابقة في دين ولا في منقبة من مناقبه يحذو حذو الرسول صلى الله عليهما وآلهما ويقاتل على التأويل ولا تأخذه في الله لومة لائم قد وتر فيه صناديد العرب وقتل أبطالهم وناوش [ناهش] ذؤبانهم فأودع قلوبهم أحقاداً بدرية وخيبرية وحنينية وغيرهن فأضبت [- فأضبن- فأصبت] على عداوته وأكبت على منابذته حتى قتل الناكثين والقاسطين والمارقين ولما قضى نحبه وقتله [أشقى الأشقياء من الأولين والآخرين] أشقى الآخرين يتبع أشقى الأولين ولم يتمثل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله في الهادين بعد الهادين والأمة مصرة على مقته مجتمعة على قطيعة رحمه وإقصاء ولده إلا القليل ممن وفي لرعاية الحق فيه فقتل من قتل وسبي من سبي وأقصي من أقصي وجرى القضاء لهم بما يرجى له حسن المثوبة إذ كانت الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين سبحانه ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً ولن يخلف الله وعده هو العزيز الحكيم.
فعلى الأطايب من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما فليبك الباكون وإياهم فليندب النادبون ولمثلهم فلتذرف [فلتذر] الدموع وليصرخ الصارخون ويضج الضاجون ويعج العاجون أين الحسن أين الحسين أين أبناء الحسين صالح بعد صالح وصادق بعد صادق أين السبيل بعد السبيل أين الخيرة بعد الخيرة أين الشموس الطالعة أين الأقمار المنيرة أين الأنجم الزاهرة أين أعلام الدين وقواعد العلم أين بقية الله التي لا تخلو من العترة الهادية أين المعد لقطع دابر الظلمة أين المنتظر لإقامة الأمت والعوج أين المرتجى لإزالة الجور والعدوان أين المدخر لتجديد الفرائض والسنن أين المتخير [المتخذ] لإعادة الملة والشريعة أين المؤمل لإحياء الكتاب وحدوده أين محيى معالم الدين وأهله أين قاصم شوكة المعتدين أيم هادم أبنية الشرك والنفاق أين مبيد أهل الفسق والعصيان والطغيان أين حاصد فروع الغي والشقاق [النفاق] أين طامس آثار الزيغ والأهواء أين قاطع حبائل الكذب والافتراء أين مبيد العتاة والمردة أين مستأصل أهل العناد والتضليل والإلحاد أين معز الأولياء ومذل الأعداء أين جامع الكلمة [الكلم] على التقوى أين باب الله الذي منه يؤتى أين وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء أين السبب المتصل بين الأرض والسماء أين صاحب يوم الفتح وناشر راية الهدى أين مؤلف شمل الصلاح والرضا أين الطالب [المطالب] بذحول الأنبياء وأبناء الأنبياء أين الطالب بدم المقتول بكربلاء أين المنصور على من اعتدى عليه وافترى أين المضطر الذي يجاب إذا دعا أين صدر الخلائق ذو البر والتقوى أين ابن النبي المصطفى وابن علي المرتضى وابن خديجة الغراء وابن فاطمة الكبرى بأبي أنت وأمي ونفسي لك الوقاء والحمى يا بن السعادة المقربين يا بن النجباء الأكرمين يا بن الهداة المهديين [المهتدين] يا بن الخيرة المهذبين يا بن الغضارفة الأنجبين يا بن الأطايب المطهرين [المستطهرين] يا بن الغظارمة المنتجبين يا بن القمامة الأكرمين [الأكبرين] يا بن البدور النيرة يا بن السُرُج المضيئة يا بن الشهب الثاقبة يا بن الأنجم الزاهرة يا بن السبل الواضحة يا بن الأعلام اللائحة يا بن العلوم الكاملة يا بن السنن المشهورة يا بن المعالم المأثورة يا بن المعجزات الموجودة يا بن الدلائل المشهودة [المشهورة] يا بن الصراط المستقيم يا بن النبأ العظيم يا بن من هو في أم الكتاب لدى الله علي حكيم يا بن الآيات والبينات يا بن الدلائل الظاهرات يا بن البراهين الواضحات الباهرات يا بن الحجج البالغات يا بن النعم السابغات يا بن طه والمحكمات يا بن ياسين والذاريات يا بن الطور والعاديات يا بن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى دنواً واقتراباً من العلي الأعلى ليت شعري أين استقرت بك النوى بل أي أرض تقلك أو ثرى أبرضوى أو غيرها أم ذي طوى عزيز علي أن أرى الخلق ولا ترى ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى عزيز علي أن تحيط بك دوني البلوى ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى بنفسي أنت من مغيب لم يخل منا بنفسي أنت من نازح ما نزح [ينزح] عنا بنفسي أنت أمنية شائق يتمنى من مؤمن ومؤمنة ذكرا فحنّا بنفسي أنت من عقيد عز لا يساما بنفسي أنت من أسيل مجد لا يجارى [لا يحاذى] بنفسي أنت من تلاد نعم لا تضاهى بنفسي أنت من نصيف شرف لا يساوى إلى متى أحار [أجار] فيك يا مولاي وإلى متى وأي خطاب أصف فيك وأي نجوى عزيز علي أن أجاب دونك [أو] أناغي عزيز علي أن أبكيك ويخذلك الورى عزيز علي أن يجري عليك دونهم ما جرى هل من معين فأطيل معه العويل والبكاء هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلى هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى هل إليك يا بن أحمد سبيل فتلقى هل يتصل يومنا منك بعدة [بغده] فنحظى متى نرد مناهلك الروية فنروى متى ننتفع من عذب مائك فقد طال الصدى متى نغاديك ونراوحك فنقر عينا متى ترانا ونراك وقد نشرت لواء النصر ترى أترانا نحف بك وأنت تأم الملأ وقد ملأت الأرض عدلاً وأذقت أعداءك هواناً وعقاباً وأبرت العتاة وجحدة الحق وقطعت دابر المتكبرين واجتثثت أصول الظالمين ونحن نقول الحمد لله رب العالمين.
اللهم أنت كشاف الكرب والبلوى وإليك أستعدي فعندك العدوى وأنت رب الآخرة والدنيا فأغث يا غياث المستغيثين عبيدك المبتلى وأره سيده يا شديد القوى وأزل عنه به الأسى والجوى وبرد غليله يا من على العرش استوى ومن إليه الرجعى والمنتهى اللهم ونحن عبيدك التائقون [الشائقون] إلى وليك المذكر بك وبنبيك خلقته لنا عصمة وملاذاً وأقمته لنا قوامناً ومعاذاً وجعلته للمؤمنين منا إماماً فبلغه منا تحية وسلاماً وزدنا بذلك يا رب إكراماً واجعل مستقره لنا مستقراً ومقاماً واتمم نعمتك بتقديمك إياه إمامنا حتى توردنا جنانك [جناتك] ومرافقة الشهداء من خلصائك اللهم صل على محمد وآل محمد وصل على محمد جده ورسولك السيد الأكبر وعلى [علي] أبيه السيد الأصغر وجدته الصديقة الكبرى فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وعلى من اصطفيت من أبنائه البررة وعليه أفضل وأكمل وأتم وأدوم وأكثر وأوفر ما صليت على أحد من أصفيائك وخيرتك من خلقك وصل عليه صلاة لا غاية لعددها ولا نهاية لمددها ولا نفاد لأمدها اللهم وأقم به الحق وأدحض به الباطل وأدل به أولياءك وأذلل به أعداءك وصل اللهم بيننا وبينه وصلةً تؤدي إلى مرافقة سلفه واجعلنا ممن يأخذ بحجزتهم ويمكث في ظلهم وأعنا على تأدية حقوقه إليه والاجتهاد في طاعته واجتناب معصيته وأممن علينا برضاه وهب لنا رأفته ورحمته ودعاءه وخيره ما ننال به سعة من رحمتك وفوزاً عندك واجعل صلاتنا به مقبولة وذنوبنا به مغفورة ودعاءنا به مستجاباً واجعل أرزاقنا به مبسوطة وهمومنا به مكفية وحوائجنا به مقضية وأقبل إلينا بوجهك الكريم وأقبل تقربنا إليك وانظر إلينا نظرة رحيمة نستكمل به الكرامة عندك ثم لا تصرفها عنا بجودك واسقنا من حوض جده صلى الله عليه وآله بكأسه وبيده رياً روياً هنيئاً سائغاً لا ظمأ بعده يا أرحم الراحمين(٣٨٣).

ملحق الأدعية (٣٨٤)

دعاء الزيارة (٣٨٥)
اللهم أنت كاشف الكرب والبلوى، وإليك نشكو فقد نبينا، وغيبة إمامنا وابن بنت نبينا، واملأ به الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، اللهم صل على محمد وأهل بيته، وأرنا سيدنا وصاحبنا وإمامنا ومولاي صاحب الزمان، وملجأ أهل عصرنا، ومنجى أهل دهرنا ظاهر المقالة، واضح الدلالة، هادياً من الضلالة، منقذاً من الجهالة، وأظهر معالمه، وثبت قواعده [وأعز نصره، وأطل عمره، وابسط جاهه، وأحي أمره، وأظهر نوره، وقرب بعده، وأنجز وعده، وأوفي عهده، وزين الأرض بطول بقائه، ودوام ملكه، وعلو ارتقائه وارتفاعه، وأنر مشاهده، وثبت قواعده، وعظم برهانه وأمد سلطانه، وأعلي مكانه، وقو أركانه، وأرنا وجهه، وأوضح بهجته، وأرفع درجته، وأظهر كلمته، وأعز دعوته، وأعطه سؤله، وبلغه يا رب مأموله، وشرف مقامه](٣٨٦)، وعظم إكرامه، وأعز به المؤمنين، وأحي به سنن المرسلين، وأذل به المنافقين، وأهلك به الجبارين، واكفه بغي الحاسدين، وأعذه من شر الكائدين، وازجر عنه إرادة الظالمين، وأيده بجنود من الملائكة مسومين، وسلطه على أعداء دينك أجمعين، واقصم به كل جبار عنيد، وأخمد بسيفه كل نار وقيد، وأنفذ حكمه في كل مكان، وأقم بسلطانه كل سلطان، وأقمع به عبدة الأوثان، وشرف به أهل القرآن والإيمان وأظهره على كل الأديان، وأكبت من عاداه، وأذل من ناواه، واستأصل من جحد حقه، وأنكر صدقه، واستهان بأمره، وأراد إخماد ذكره، وسعى في إطفاء نوره.
اللهم نور بنوره كل ظلمة، واكشف به كل غمة، وقدم أمامه الرعب وثبت به القلب، وأقم به نصرة الحرب، واجعله القائم المؤمل، والوصي المفضل، والإمام المنتظر، والعدل المختبر، واملأ به الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملأت جوراً وظلماً، وأعنه على ما وليته واستخلفته واسترعيته، حتى يجري حكمه على كل حكم، ويهدي بحقه كل ضلالة.
واحرسه اللهم بعينك التي لا تنام، واكنفه بركنك الذي لا يرام، وأعزه بعزك الذي لا يضام، واجعلني يا إلهي من عدده ومدده، وأنصاره وأعوانه وأركانه، وأشياعه وأتباعه، وأذقني طعم فرحته وألبسني ثوب بهجته، وأحضرني معه لبيعته، وتأكيد عقده، بين الركن والمقام، عند بيتك الحرام، واجتناب معصيته، فإن توفيتني اللهم قبل ذلك، فاجعلني يا رب فيمن يكر في رجعته، ويملك في دولته، ويتمكن في أيامه، ويستظل تحت أعلامه، ويحشر في زمرته، وتقر عينه برؤيته، بفضلك وإحسانك وكرمك وامتنانك، إنك ذو الفضل العظيم والمن القديم والإحسان الكريم(٣٨٧).
اللهم أنت السلام ومنك السلام، وإليك يعود السلام، حينا ربنا منك بالسلام، اللهم إن هذه الركعات هدية مني إلى وليك وابن وليك، وابن أوليائك، الإمام ابن الأئمة، الخلف الصالح الحجة صاحب الزمان، فصل على محمد وآل محمد، وبلغه إياه وأعطني أفضل أملي، ورجائي فيك وفي رسولك، صلواتك عليه وعلى آله أجمعين(٣٨٨).
اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني، اللهم لا تمتني ميتة جاهلية ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني. اللهم فكما هديتني بولاية من فرضت علي طاعته من ولاة أمرك بعد رسولك صلواتك عليه وآله، حتى واليت ولاة أمرك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلياً ومحمداً وجعفرَ وموسى وعلياً ومحمداً وعلياً والحين والحجة القائم المهدي صلواتك عليهم أجمعين.
اللهم فثبتني على دينك، واستعملني بطاعتك، ولين قلبي لولي أمرك، وعافني مما امتحنت به خلقك، وثبتني على طاعة ولي أمرك، الذي سترته عن خلقك، وبأذنك غاب عن بريتك وأمرك ينتظر، وأنت العالم غير المعلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له بإظهار أمره، وكشف سره فصبرني على ذلك حتى لا أحب تعجيل ما أخرته، ولا تأخير ما عجلت، ولا كشف ما سترته ولا البحث عما كتمته، ولا أنازعك في تدبيرك ولا أقول لم وكيف، ولا ما بال ولي الأمر لا يظهر، وقد امتلأت الأرض من الجور، وأفوض أموري كلها إليك.
اللهم إني أسألك أن تريني ولي أمرك ظاهراً، نافذ الأمر، مع علمي بأن لك السلطان والقدر والبرهان، والحجة والمشيئة، والحول والقوة، فافعل بي ذلك وبجميع المؤمنين، حتى ننظر إلى ولي أمرك صلواتك عليه وآله ظاهر المقالة، واضح الدلالة، هادياً من الضلالة، شافياً من الجهالة، أبرز يا رب مشاهده وثبت قواعده، واجعلنا ممن تقر عينه برؤيته، وأقمنا بخدمته، وتوفنا على ملته، واحشرنا في زمرته.
اللهم أعذه من شر جميع ما خلقت وذرأت وبرأت وأنشأت وصورت، واحفظه من بين يديه ومن خلقه وعن يمينه وعن شماله، بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظ فيه رسولك ووصي رسولك عليه وآله السلام، ومد عمره وزد في أجله، وأعنه على ما وليته واسترعيته، وزد في كرامتك له، فإنه الهادي المهدي، والقائم المهتدي، والطاهر التقي، الزكي النقي، الرضي المرضي، الصابر الشكور المجتهد.
اللهم ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته، وانقطاع خبره عنا ولا تنسنا ذكره وانتظاره والإيمان به، وقوة اليقين في ظهوره، والدعاء له، والصلاة عليه حتى لا تقنطنا غيبته من قيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسولك صلواتك عليه وآله، وما جاء به من وحيك وتنزيلك، فقوّ قلوبنا على الإيمان به حتى تسلك بنا على يديه منهاج الهدى، والمحجة العظمى، والطريقة الوسطى، وقونا على طاعته، وثبتنا على متابعته، واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره والراضين بفعله، ولا تسلبنا ذلك في حياتنا، ولا عند وفاتنا، حتى تتوفانا ونحن على ذلك لا شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذبين.
اللهم عجل فرجه وأيده بالنصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه ودمدم على من نصب له وكذب به، وأظهر به الحق، وأمت به الجور، واستنقذ به عبادك المؤمنين من الذل، وأنعش به البلاد، واقتل به الجبارة والكفرة، واقسم به رؤوس الضلالة، وذلل به الجبارين والكافرين، وأبر به المنافقين والناكثين وجميع المخالفين والملحدين، في مشارق الأرض ومغاربها وبرها وسهلها وجبلها، حتى لا تدع منهم دياراً، ولا تبقي لهم آثاراً، طهر منهم بلادك، واشف منهم صدور عبادك، وجدد به ما امتحى من دينك وأصلح به ما بدل من حكمك، وغيّر من سنتك، حتى يعود دينك به وعلى يديه غضاً جديداً صحيحاً لا عوج فيه، ولا بدعة معه، حتى تطفئ بعدله نيران الكافرين، فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك، وارتضيته لنصر دينك، واصطفيته بعلمك، وعصمته من الذنوب، وبرأته من العيوب (وأطلعته على الغيوب) وأنعمت عليه، وطهرته من الرجس، ونقيته من الدنس.
اللهم فصل عليه وعلى آبائه الأئمة الطاهرين وعلى شيعته المنتجبين، وبلغهم من أيامهم ما يأملون، واجعل ذلك منا خالصاً من كل شك وشبهة ورياء وسمعة، حتى لا نريد به غيرك، ولا نطلب به إلا وجهك.
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة إمامنا، وشدة الزمان علينا ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، اللهم فأفرج ذلك عنا بفتح منك تعجله، ونصر منك تعزه، وإمام عدل تظهره، إله الحق آمين.
اللهم إنا نسألك أن تأذن لوليك في إظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك، حتى لا تدع للجور يا رب دعامة إلا قصمتها، ولا بقية إلا أفنيتها، ولا قوة إلا أوهنتها، ولا ركناً إلا هدمته، ولا حداً إلا فللته، ولا سلاحاً إلا أذللته، ولا راية إلا نكستها، ولا شجاعاً إلا قتلته، ولا جيشاً إلا خذلته، وارمهم يا رب بحجرك الدامغ، واضربهم بسيفك القاطع، وبأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وعذب أعداءك وأعداء وليك وأعداء رسولك صلواتك عليه وآله بيد وليك وأيدي عبادك المؤمنين.
اللهم اكف وليك وحجتك في أرضك هول عدوه، وكيد من أراده، وامكر بمن مكر به، واجعل دائرة السوء على من أراد به سوءاً، واقطع عنه مادتهم، وأرعب له قلوبهم، وزلزل أقدامهم، وخذهم جهرة وبغتة، وشدد عليهم عذابك، وأخزهم في عبادك، والعنهم في بلادك، وأسكنهم أسفل نارك وأحط بهم أشد عذابك وأصلهم ناراً، واحش قبور موتاهم ناراً، وأصلهم حر نارك، فإنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وأضلوا عبادك، وأخربوا بلادك.
اللهم وأحي بوليك القرآن، وأرنا نوره سرمداً لا ليل فيه، وأحي به القلوب الميتة، واشف به الصدور الوغرة، واجمع به الأهواء المختلفة على الحق وأقم به الحدود المعطلة، والأحكام المهملة، حتى لا يبقى حق إلا ظهر، ولا عدل إلا زهر، واجعلنا يا رب من أعوانه، ومقوية سلطانه، والمؤتمرين لأمره، والراضين بفعله، والمسلمين لأحكامه، وممن لا حاجة به إلى التقية من خلقك.
وأنت يا رب الذي تكشف الضر، وتجيب المضطر إذا دعاك، وتنجي من الكرب العظيم، فاكشف الضر عن وليك واجعله خليفة في أرضك، كما ضمنت له.
اللهم لا تجعلني من خصماء آل محمد (عليهم السلام)، ولا تجعلني من أعداء آل محمد (عليهم السلام)، ولا تجعلني من أهل الحنق والغيظ على محمد وآل محمد (عليهم السلام)، فإني أعوذ بك من ذلك فأعذني، واستجير بك فأجرني، اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني بهم عندك فائزاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين، آمنين يا رب العالمين.
دعاء آخر بعد الزيارة (٣٨٩)
اللهم صل على محمد وأهل بيته، الهادين المهديين، العلماء الصادقين، الأوصياء المرضين، دعائم دينك، وأركان توحيدك، وتراجمة وحيك، وحججك على خلقك، وخلفائك في أرضك، فهم الذين اخترتهم لنفسك، واصطفيتهم على عبادك، وارتضيتهم لدينك، وخصصتهم بمعرفتك، وجللتهم بكرامتك، وغذيتهم بحكمتك، وغشيتهم برحمتك، وزينتهم بنعمتك، وألبستهم من نورك ورفعتهم في ملكوتك، وحففتهم بملائكتك وشرفتهم بنبيك.
اللهم صل على محمد وعليهم صلاة زكية نامية، كثيرة طيبة دائمة، لا يحيط بها إلا أنت، ولا يسعها إلا علمك، ولا يحصيها أحد غيرك، اللهم صل على وليك المحيي لسنتك، القائم بأمرك، الداعي إليك، الدليل عليك، وحجتك على خلقك، وخليفتك في أرضك، وشاهدك على عبادك.
اللهم أعز نصره، وامدد في عمره، وزين الأرض بطول بقائه، اللهم اكفه بغي الحاسدين، وأعذه من شر الكائدين، وازجر عنه إرادة الظالمين، وخلصه من أيدي الجبارين، اللهم أعطه في نفسه وذريته، وشيعته ورعيته، وخاصته وعامته، ومن جميع أهل الدنيا ما تقر به عينه، وتسر به نفسه، وبلغه أفضل أمله في الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير(٣٩٠).
دعاء بعد صلاة الفجر (٣٩١)
اللهم بلغ مولاي صاحب الزمان - صلوات الله عليه- عن جميع المؤمنين والمؤمنات، في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها وسهلها وجبلها، حيهم وميتهم، وعن والدي وولدي، وعني من الصلوات، والتحيات زنة عرش الله، ومداد كلماته ومنتهى رضاه، وعدد ما أحصاه كتابه، وأحاط به علمه به، اللهم أُجدّد له في هذه اليوم وفي كل يوم، عهداً وعقداً وبيعة له في رقبتي. اللهم فكما شرفتني بهذا التشريف، وفضلتني بهذه الفضيلة، وخصصتني بهذه النعمة فصل على مولاي وسيدي صاحب الزمان، واجعلني من أنصاره وأشياعه والذابين عنه، واجعلني من المستشهدين بين يديه، طائعاً غير مكره، في الصف الذي نعت أهله في كتابك، فقلت: (صفاً كأنهم بنيان مرصوص) على طاعتك وطاعة رسولك وآله (عليهم السلام)، اللهم هذه بيعه له في عنقي إلى يوم القيامة(٣٩٢).
دعاء الانصراف (٣٩٣)
وقل: اللهم ادفع عن وليك وخليفتك وحجتك على خلقك ولسانك المعبر عنك، والناطق بحكمتك، وعينك الناظرة بإذنك، وشاهدك على عبادك، الجحجاح المشاهد، العائذ بك العائد عنك، وأعذه من شر جميع ما خلقت وبرأت وأنشأت وصورت، واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظه في رسولك وآبائه السادة، أئمتك ودعائم دينك.
واجعله في وديعتك التي لا تضيع، وفي جودك الذي لا يخفر، وفي منعك وعزك الذي لا يقهر، وآمنه بأمانك الوثيق الذي لا يخذل من آمنته به، واجعله في كنفك الذي لا يرام من كان فيه، وانصره بنصرك العزيز، وأيده بجندك الغالب، وقوه بقوتك، وأردفه بملائكتك، ووال من والاه، وعاد من عاداه، وألبسه درعك الحصينة، وحفه بالملائكة حفاً، اللهم أشعب به الصدع، وارتق به الفتق، وأمت به الجور، وأظهر به العدل، وزين بطول بقائه الأرض، وأيده بالنصر، وانصره بالرعب، وقو ناصريه، ودمدم على من نصب عليه، ودمر على من غشه، واقتل به جبابرة الكفر، وعمده ودعائمه، واقصم به رؤوس الضلالة، وشارعة البدع، ومميتة السنة، ومقوية الباطل، وذلل به الجبارين، وأبر به الكافرين، وجميع الملحدين، في مشارق الأرض ومغاربها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها، حتى لا تدع منهم دياراً، ولا تبقي لهم آثاراً، اللهم طهر به بلادك، واشف منه (صدور) عبادك، وأعز به المؤمنين، وأحي به سنن المرسلين، ودارس حكم النبيين، وجدّد به ما امتحى من دينك، وبدل من حكمك حتى تعيد به وعلى يديه جديداً غضاً محضاً صحيحاً، لا عوج فيه ولا بدعة معه، وحتى تنير بعدله ظلم الجور، وتطفئ به نيران الكفر، وتوضح به معاقد الحق، ومجهول العدل، فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك، واصطفيته على غيبك، وعصمته من الذنوب، وبرأته من العيوب، وطهرته من الرجس، وسلمته من الدنس.
اللهم فإنّا نشهد يوم القيامة، ويوم حلول الطامة، أنه لم يذنب ذنباً ولا أتى حوباً، ولم يرتكب معصية، ولم يضيع لك طاعة، ولم يهتك لك حرمة ولم يبدل لك فريضة، ولم يغير لك شريعة، وأنه الهادي المهتدي، الطاهر النقي التقي، الرضي المرضي الزكي، اللهم أعطه في نفسه وأهله وذريته وأمته، وجميع رعيته، ما تقر به عينه، وتسر به نفسك، وتجمع له ملك الممالك قريبها وبعيدها، وعزيزها وذليلها، حتى يجرى حكمه على كل حكم، ويغلب بحقه على كل باطل.
اللهم أسلك بنا على يديه منهاج الهدى، والمحجة العظمى، والطريقة الوسطى التي يرجع إليها الغالي، ويلحق بها التالي، وقونا على طاعته، وثبتنا على متابعته، وامنن علينا بمبايعته، واجعلنا في حزبه القوامين لأمره، الصابرين معه، الطالبين رضاه بمناصحته، حتى تحشرنا يوم القيامة في أنصاره وأعوانه، ومقوية سلطانه، واجعل ذلك خالصاً من كل شك وشبهة، ورياء وسمعة، حتى لا نعتمد به غيرك، ولا نطلب به إلا وجهك، وحتى تحلنا محله، وتجعلنا في الجنة معه، وأعذنا من السأمة والكسل والفترة، واجعلنا ممن تنتصر به لدينك، وتعز به نصر وليك، ولا تستبدل بنا غيرنا فإن استبدالك بنا غيرنا عليك يسير، وهو علينا كبير.
اللهم نور به كل ظلمة، وهد بركنه كل بدعة، واهدم بعزه كل ضلالة، واقصم به كل جبار، واخمد بسيفه كل نار، وأهلك بعدله جور كل جائر، وأجر حكمه على كل حاكم، وأذل بسلطانه كل سلطان، اللهم أذل كل من ناواه، وأهلك كل من عاداه، وامكر بمن كاده، واستأصل من جحد حقه، واستهان بأمره، وسعى في إطفاء نوره، وأراد إخماد ذكره.
اللهم صل على محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء [وخديجة الكبرى] والحسن الرضي والحسين المصفى وجميع الأوصياء مصابيح الدجى وأعلام الهدى ومنار التقى والعروة الوثقى والحبل المتين والصراط المستقيم. وصل على وليك وولاة عهدك والأئمة من ولده، ومد في أعمارهم، وزد في آجالهم، وبلغهم أقصى آمالهم ديناً ودنياً وآخرة، إنك على كل شيء قدير(٣٩٤).

الزيارات

زيارة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) (٣٩٥)
السلام على الشجرة النبوية والدوحة الهاشمية(٣٩٦) المضيئة المثمرة بالنبوة الموفقة بالإمامة(٣٩٧) وعلى ضجيعيك آدم ونوح عليهما السلام(٣٩٨).
السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين.
السلام عليك وعلى الملائكة المحدقين بك والحافين بقبرك(٣٩٩).
يا مولاي يا أمير المؤمنين هذا يوم الأحد، وهو يومك وباسمك(٤٠٠).
وأنا ضيفك فيه وجارك فأضفني يا مولاي وأجرني فإنك كريم تحب الضيافة ومأمور بالإجارة(٤٠١) فافعل ما رغبت إليك فيه ورجوت منك بمنزلتك وآل بيتك عند الله ومنزلته عندكم وبحق ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم [عليكم] أجمعين.
زيارة الشهداء (٤٠٢)
بسم الله الرحمن الرحيم، إذا أردت زيارة الشهداء(٤٠٣) رضوان الله(٤٠٤) عليهم - فقف عند رجلي الحسين (عليه السلام)، وهو قبر علي بن الحسين(٤٠٥) (صلوات الله عليهما) فاستقبل القبلة بوجهك فإن هناك حومة الشهداء(٤٠٦) وأدم وأشر إلي علي بن الحسين (عليه السلام) وقل:
١- السلام عليك يا أول قتيل من نسل خير سليل من سلالة(٤٠٧) إبراهيم الخليل صلى الله عليك وعلى أبيك إذ قال فيك: (قتل الله قوماً قتلوك يا بني ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا)(٤٠٨) كأني بك بين يديه ماثلاً وللكافرين(٤٠٩) قائلاً:

أنا علي بن الحسين بن علي * * * نحن وبيت الله أولى بالنبي
أطعنكم بالرمح حتى ينثني * * * أضربكم بالسيف أحمي عن أبي
ضرب غلام هاشمي علوي * * * والله لا يحكم فينا ابن الدعي(٤١٠)

حتى قضيت نحبك ولقيت ربك(٤١١).
أشهد أنك أولى بالله ورسوله وأنك ابن رسوله وحجته ودينه وابن حجته وأمينه(٤١٢) حكم الله لك على قاتلك مرة بن منقذ بن النعمان العبدي(٤١٣) لعنه الله وأخزاه ومن شركه في قتلك وكانوا عليك ظهيراً (و) أصلاهم الله جهنم وساءت مصيراً وجعلنا الله من ملاقيك(٤١٤) ومرافقيك ومرافقي جدك وأبيك وعمك وأخيك وأمك المظلومة وأبرأ إلى الله من أعدائك أولي الجحود وأبرأ إلى الله من قاتليك، وأسأل الله مرافقتك في دار الخلود، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
٢- السلام على عبد الله بن الحسين الطفل الرضيع المدمي المتشحط دماً المصعد دمه في السماء المذبوح بالسهم في حجر أبيه لعن الله راميه حرمله بن كاهل الأسدي وذويه(٤١٥).
٣- السلام على عبد الله بن أمير المؤمنين مبلي البلاء والمنادي بالولاء في عرصة كربلاء المضروب مقبلاً ومدبراً لعن الله هاني بن ثبيت الحضرمي(٤١٦).
٤- السلام على العباس بن أمير المؤمنين المواسي أخاه بنفسه الآخذ لغده من أمسه الفادي له الواقي الساعي إليه بمائه المقطوعة يداه لعن الله قاتله [قاتليه] يزيد بن الرقاد الجهني وحكيم بن الطفيل الطائي(٤١٧).
٥- السلام على جعفر بن أمير المؤمنين الصابر بنفسه محتسباً والنائي عن الأوطان مغترباً المستسلم للقتال المستقدم للنزال المكثور(٤١٨) بالرجال لعن الله قاتله هاني بن ثبيت الحضرمي(٤١٩).
٦- السلام على عثمان بن أمير المؤمنين سمي عثمان بن مظعون لعن الله راميه بالسهم خولي بن يزيد الأصبحي الأيادي [الأباني] الدارمي(٤٢٠).
٧- السلام على محمد ابن أمير المؤمنين قتيل الأيادي [الأباني] الدارمي لعنه الله وضاعف عليه العذاب الأليم وصلى الله عليك يا محمد وعلى أهل بيتك الصابرين(٤٢١).
٨- السلام على أبي بكر بن الحسن الزكي الولي المرمي بالسهم الردي لعن الله قاتله عبد الله بن عقبة الغنوي(٤٢٢).
٩- السلام على عبد الله بن الحسين بن علي الزكي لعن الله قاتله ورامية حرملة بن كاهل الأسدي(٤٢٣).
١٠- السلام على القاسم بن الحسن بن علي المضروب على هامته المسلوب لامته حين نادى الحسين عمه فجلا عليه عمه كالصقر وهو يفحص برجليه التراب والحسين يقول: (بعداً لقومك قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة جدك وأبوك. ثم قال: عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو أن يجيبك وأنت قتيل جديل فلا ينفعك هذا والله يوم كثر واتره وقل ناصره)(٤٢٤). جعلني الله معكما يوم جمعكما وبوأني مبوأكما ولعن الله قاتلك عمر بن سعد بن عروة بن نفيل الأزدي وأصلاه جحيماً وأعد له عذاباً أليماً(٤٢٥).
١١- السلام على عون بن عبد الله بن جعفر الطيار في الجنان(٤٢٦) حليف الإيمان ومنازل الأقران الناصح للرحمن التالي للمثاني والقرآن، لعن الله قاتله عبد الله بن قطبه(٤٢٧) النبهاني(٤٢٨).
١٢- السلام على محمد بن عبد الله بن جعفر(٤٢٩) الشاهد مكان أبيه(٤٣٠) والتالي لأخيه وواقيه ببدنه لعن الله قاتله عامر بن نهشل التميمي.
١٣- السلام على جعفر بن عقيل(٤٣١) لعن الله قاتله وراميه بشر بن خوط(٤٣٢) الهمداني.
١٤- السلام على عبد الرحمن بن عقيل(٤٣٣) لعن الله قاتله وراميه عمر(٤٣٤) بن خالد بن أسد الجهني.
١٥- السلام على القتيل بن القتيل عبد الله بن مسلم بن عقيل(٤٣٥) ولعن الله قاتله عامر بن صعصعة(٤٣٦).
١٦- السلام على عبيد(٤٣٧) الله بن مسلم بن عقيل ولعن الله قاتله وراميه عمر(٤٣٨) بن صبيح الصيداوي.
١٧- السلام على محمد بن أبي سعيد بن عقيل ولعن الله قاتله لقيط بن ياسر الجهني(٤٣٩).
١٨- السلام على سليمان مولى الحسين بن أمير المؤمنين ولعن الله قاتله سليمان بن عوف الحضرمي(٤٤٠).
١٩- السلام على قارب مولى الحسين بن علي(٤٤١).
٢٠- السلام على منجح مولى الحسين بن علي(٤٤٢)
٢١- السلام على مسلم بن عوسجة الأسدي(٤٤٣) القائل للحسين وقد أذن له في الانصراف(٤٤٤): (أنحن نخلي عنك؟ وبم نعتذر عند الله من أداء حقك؟ لا والله حتى أكسر في صدورهم رمحي هذا، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ولم أفارقك حتى أموت معك، وكنت أول(٤٤٥) من شرى(٤٤٦) نفسه، وأول شهيد من شهداء الله). وقضى نحبه(٤٤٧). ففزت برب الكعبة، شكر الله استقدامك ومواساتك إمامك، إذ مشى إليك وأنت صريع فقال:
يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة، وقرأ: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً).
لعن الله المشتركين في قتلك: عبد الله الضبابي(٤٤٨) وعبد الله بن خشكارة(٤٤٩) البجلي.
٢٢- السلام على سعيد بن عبد الله الحنفي(٤٥٠) القائل للحسين (عليه السلام)، وقد أذن له في الانصراف: (لا والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله فيك، والله لو أعلم أني أقتل ثم أحيى، ثم أحرق ثم أذرى ويفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك؟ وإنما هي موتة أو قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً). فقد لقيت حمامك، وواسيت إمامك، ولقيت من الله الكرامة في دار المقامة، حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مرافقكم في أعلا عليين(٤٥١).
٢٣- السلام على بشر بن عمرو الحضرمي(٤٥٢) شكر الله لك قولك للحسين (عليه السلام) - وقد أذن لك في الانصراف-: أكلتني إذن السباع حياً إن فارقتك وأسأل عنك الركبان، وأخذلك مع قلة الأعوان، لا يكون هذا أبداً.
٢٤- السلام على يزيد بن حصين الهمداني المشرقي(٤٥٣) القاري المجدل (بالمشرفي).
٢٥- السلام على عمر بن كعب الأنصاري(٤٥٤).
٢٦- السلام على نعيم بن العجلان الأنصاري(٤٥٥).
٢٧- السلام على زهير بن القين البجلي(٤٥٦) القائل للحسين (عليه السلام) وقد أذن له في الانصراف: لا والله لا يكون ذلك أبداً، اترك ابن رسول الله أسير في يد الأعداء وأنجو، لا أراني الله ذلك اليوم.
٢٨- السلام على عمر بن قرظة الأنصاري(٤٥٧).
٢٩- السلام على حبيب بن مظاهر الأسدي(٤٥٨).
٣٠- السلام على الحر بن يزيد الرياحي(٤٥٩).
٣١- السلام على عبد الله بن عمير الكلبي(٤٦٠).
٣٢- السلام على نافع بن هلال(٤٦١) بن نافع البجلي المرادي(٤٦٢).
٣٣- السلام على أنس(٤٦٣) بن كاهل الأسدي(٤٦٤).
٣٤- السلام على قيس بن مسهر الصيداوي(٤٦٥).
٣٥ و٣٦- السلام على عبد الله وعبد الرحمن ابني عروة بن حراق الغفاريين(٤٦٦).
٣٧- السلام على جون بن حري مولى أبي ذر الغفاري(٤٦٧).
٣٨-السلام على شبيب بن عبد الله النهشلي(٤٦٨).
٣٩- السلام على الحجاج بن زيد السعيدي(٤٦٩).
٤٠ و٤١- السلام على قاسط وكردوس ابني زهير التغلبيين(٤٧٠).
٤٢- السلام على كنانة بن عتيق(٤٧١).
٤٣- السلام على ضرغامة بن مالك(٤٧٢).
٤٤- السلام على جوين بن مالك التميمي(٤٧٣).
٤٥- السلام على عمرو بن ضبعة الضبعي(٤٧٤).
٤٦- السلام على يزيد بن ثبيط القيسي(٤٧٥).
٤٧ و٤٨- السلام على عبد الله وعبيد الله ابني يزيد بن ثبيط القيسي(٤٧٦).
٤٩- السلام على عامر بن مسلم(٤٧٧).
٥٠- السلام على قعنب بن عمرو النمري(٤٧٨).
٥١- السلام على سالم مولى عامر بن مسلم(٤٧٩).
٥٢- السلام على سيف بن مالك(٤٨٠).
٥٣- السلام على زهير بن بشر الخثعمي(٤٨١).
٥٤- السلام على يزيد بن مغفل الجعفي(٤٨٢).
٥٥- السلام على الحجاج ابن مسروق الجعفي(٤٨٣).
٥٦ و٥٧- السلام على مسعود بن الحجاج وابنه عبد الرحمن بن مسعود(٤٨٤).
٥٨- السلام على مجمع بن عبد الله العائذي(٤٨٥).
٥٩- السلام على عامر بن حسان بن شريح الطائي(٤٨٦).
٦٠- السلام على حيان بن الحرث السلماني الأزدي(٤٨٧).
٦١- السلام على جندب بن حجر الخولاني(٤٨٨).
٦٢- السلام على عمرو بن خالد الصيداوي(٤٨٩).
٦٣- السلام على سعيد مولاه(٤٩٠).
٦٤- السلام على يزيد بن زياد بن المظاهر الكندي(٤٩١).
٦٥- السلام على زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي(٤٩٢).
٦٦- السلام على جبلة بن علي الشيباني(٤٩٣).
٦٧- السلام على سالم مولى بني المدينة الكلبي(٤٩٤).
٦٨- السلام على أسلم بن كثير الأزدي الأعرج(٤٩٥).
٦٩- السلام على زهير بن سليم الأزدي(٤٩٦).
٧٠- السلام على قاسم بن حبيب الأزدي(٤٩٧).
٧١- السلام على عمرو بن جندب الحضرمي(٤٩٨).
٧٢- السلام على أبي تمامة عمر بن عبد الله الصائدي(٤٩٩).
٧٣- السلام على حنظلة بن أسعد الشيباني(٥٠٠).
٧٤- السلام على عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي(٥٠١).
٧٥- السلام على عمار بن أبي سلامة الهمداني(٥٠٢).
٧٦- السلام على عابس بن شبيب الشاكري(٥٠٣).
٧٧- السلام على شوذب مولى شاكر(٥٠٤).
٧٨- السلام على شبيب بن الحارث بن سريع(٥٠٥).
٧٩- السلام على مالك بن عبد بن سريع(٥٠٦).
٨٠- السلام على الجريح المأسور سوار بن أبي عمير الفهمي الهمداني(٥٠٧).
٨١- السلام على المرتث معه عمرو بن عبد الله الجندعي(٥٠٨).
السلام عليكم يا خير أنصار.
السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار بوأكم الله مبوأ الأبرار، أشهد لقد كشف الله لكم الغطاء ومهد لكم الوطاء وأجزل لكم العطاء وكنتم عن الحق غير بطاء وأنتم لنا فرطاء ونحن لكم خلطاء في دار البقاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
زيارة الإمام المنتظر (٥٠٩)
بسم الله الرحمن الرحيم لا لأمره تعقلون [ولا من أوليائه تقبلون](٥١٠) حكمة بالغة فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون.
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
إذا أردتم التوجه بنا إلى الله وإلينا، فقولوا(٥١١) كما قال الله تعالى:
(سلام على إل ياسين)(٥١٢).
السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته.
السلام عليك يا باب الله وديان دينه.
السلام عليك يا خليفة الله وناصر خلقه.
السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته.
السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه.
السلام عليك يا بقية الله في أرضه(٥١٣).
السلام عليك يا ميثاق الله الذي أخذه ووكده.
السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه.
السلام عليك أيها العلم المنصوب، والعلم المصبوب، والغوث والرحمة الواسعة وعداً غير مكذوب.
السلام عليك حين تقعد السلام عليك حين تقوم.
السلام عليك حين تقرأ وتبين.
السلام عليك حين تصلي وتقنت.
السلام عليك حين تركع وتسجد.
السلام عليك حين تكبر وتهلل.
السلام عليك حين تحمد وتستغفر.
السلام عليك حين تمسي وتصبح.
السلام عليك في الليل إذ يغشى والنهار إذا تجلى.
السلام عليك أيها الإمام المأمون.
السلام عليك أيها المقدم المأمول.
السلام عليك بجوامع السلام.
أشهدك يا مولاي أني لأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمد عبده ورسوله لا حبيب إلا هو وأهله، وأشهد أن أمير المؤمنين حجته، والحسن حجته، والحسين حجته، وعلي بن الحسين حجته، ومحمد بن علي حجته، وجعفر بن محمد حجته، وموسى بن جعفر حجته، وعلي بن موسى حجته، ومحمد بن علي حجته، وعلي بن محمد حجته، والحسن بن علي حجته، وأشهد أنك حجة الله.
أنتم الأول والآخر، وأن رجعتكم(٥١٤) حق لا شك فيها يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت من إيمانها خيراً، وأن الموت حق، وأن ناكراً ونكيراً حق، وأشهد أن النشر والبعث حق، وأن الصراط والمرصاد حق، والميزان والحساب حق، والجنة والنار حق، والوعد والوعيد بهما حق.
يا مولاي شقي من خالفكم وسعد من أطاعتكم.
فاشهد على ما أشهدتك عليه، وأنا ولي لك بريء من عدوك، فالحق ما رضيتموه، والباطل ما سخطتموه، والمعروف ما أمرتم به، والمنكر ما نهيتم عنه، فنفسي مؤمنة بالله وحده لا شريك له، وبرسوله وبأمير المؤمنين، وبأئمة المؤمنون وبكم يا مولاي، أولكم وآخركم، ونصرتي معدة لكم، ومودتي خالصة لكم آمين آمين.
نسخة أخرى للزيارات (٥١٥)
بسم الله الرحمن الرحيم لا لأمر الله تعقلون ولا من أوليائه تقبلون حكمة بالغة فمن تغنى الآيات والنذر من قوم لا يؤمنون والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإذا أردتم التوجه بنا إلى الله تعالى وإلينا فقولوا كما قال الله تعالى:
(سلام على إل ياسين) ذلك هو الفضل المبين والله ذو الفضل العظيم من يهديه صراط مستقيم.
التوجه: قد آتاكم الله يا آل ياسين خلافته وعلم مجاري أمره فيما قضاه ودبره ورتبه وأراده في ملكوته فكشف لكم الغطاء وأنتكم خزنته وشهداؤه وعلماؤه وأمناؤه ساسة العباد وأركان البلاد وقضاة الأحكام وأبواب الإيمان ومن تقديره منايح العطاء بكم إنفاذه محتوماً مقروناً فما شيء منه إلا وأنتم له السبب وإليه السبيل، خياره لوليكم نعمه وانتقامه من عدوكم سخطة فلا نجاة ولا مفزع إلا أنتم في أرضه وسمائه وأنتم يا حجة الله وبقيته كمال نعمته ووارث أنبيائه وخلفائه ما بلغناه من دهرنا وصاحب الرجعة لوعد ربنا التي فيها دولة الحق وفرحنا ونصر الله لنا وعزنا.
السلام عليك أيها العلم المنصوب والعلم المصبوب والغوث والرحمة الواسعة وعدنا غير مكذوب السلام عليك صاحب المرأى والمسمع الذي بعين الله مواثيقه وبيد الله عهوده وبقدرة الله سلطانه أنت الحليم الذي لا تعجله العصبية والكريم الذي لا تبخله الحفيظة والعالم الذي لا تجهله الحمية مجاهدتك في الله ذات مشية الله ومقارعتك في الله ذات انتقام الله وصبرك في الله ذو أناة الله وشكرك الله ذو مزيد الله ورحمته السلام عليك يا محفوظاً بالله نور أمامه وورائه ويمينه وشماله وفوقه وتحته يا محروزاً في قدرة الله، الله نور سمعه وبصره ويا وعد الله الذي ضمنه ويا ميثاق الله الذي أخذه ووكده.
السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته، السلام عليك يا باب الله وديان دينه السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقه السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه السلام عليك في آناء ليلك وأطراف نهارك السلام عليك يا بقية الله في أرضه.
السلام عليك حين تقوم السلام عليك حين تقعد السلام عليك حين تقرأ وتبين السلام عليك حين تصلي وتقنت السلام عليك حين تركع وتسجد السلام عليك حين تعوذ وتسبح السلام عليك حين تكبر وتهلل السلام عليك حين تحمد وتستغفر السلام عليك حين تمجد وتمدح السلام عليك حين تمسي وتصبح.
السلام عليك في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والآخرة والأولى السلام عليك يا حجج الله ورعاتنا وهداتنا ودعاتنا وقادتنا وأئمتنا وسادتنا وموالينا السلام عليك أنتم نورنا وأنتم جاهنا أوقات صلاتنا وعصمتنا بكم لدعائنا وصلاتنا وصيامنا واستغفارنا وسائر أعمالنا.
السلام عليك أيها الإمام المأمون السلام عليك أيها الإمام المقدم المأمول السلام عليك بجوامع السلام أشهدك يا مولاي أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده وحده وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله لا حبيب إلا هو وأهله، وأن أمير المؤمنين حجته وأن الحسن حجته وأن الحسين حجته وأن علي بن الحسين حجته وأن محمد بن علي حجته وأن جعفر بن محمد حجته وأن موسى بن جعفر حجته وأن علي بن موسى حجته وأن محمد بن علي حجته وأن علي بن محمد حجته وأن الحسن بن علي حجته وأنت حجته وأن الأنبياء دعاة وهداة رشدكم، أنتم الأول والآخر وخاتمته وأن رجعتكم حق لا شك فيها يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خير وأن الموت حق و[أشهد] أن ناكراً ونكيراً حق وأن النشر والبعث حق وأن الصراط حق والمرصاد حق، والميزان حق والحساب حق، والجنة والنار حق، والجزاء بهما للوعد والوعيد حق وأنكم للشفاعة حق لا تردون ولا تسبقون مشيئة الله وبأمره تعملون ولله الرحمة والكلمة العليا وبيده الحسنى وحجة الله العظمى خلق الجن والإنس لعبادته أراد من عباده عبادته فشقي وسعيد قد شقي من خالفكم وسعد من أطاعكم وأنتم يا مولاي فاشهد بما أشهدتك عليه تخزنه وتحفظه لي عندك، أموت عليه وأنشر عليه وأقف به ولياً لك بريئاً من عدوك، ماقتاً لمن أبغضكم راداً لمن أحبكم فالحق ما رضيتموه والباطل ما سخطتموه والمعروف ما أمرتم به والمنكر ما نهيتم عنه والقضاء المثبت ما استأثرت به مشيئتكم والممحو ما استأثرت به سنتكم فلا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد عبده ورسوله علي أمير المؤمنين حجته الحسن حجته الحسين حجته علي حجته محمد حجته جعفر حجته موسى حجته علي حجته محمد حجته علي حجته الحسن حجته أنت حجته أنتم حججه وبراهينه.
أنا يا مولاي مستبشر بالبيعة التي أخذ الله علي شرطه قتالاً في سبيله اشترى به أنفس المؤمنين فنفسي مؤمنة بالله وحده لا شريك له وبرسوله وبأمير المؤمنين وبكم يا مولاي أولكم وآخركم ونصرتي معدة مودتي خالصة لكم وبراءتي من أعدائكم أهل الحردة والجدال ثابتة لثأركم أنا ولي وحيد والله إله الحق يجعلني كذلك آمين آمين.
من لي إلا أنت فيما دنت واعتصمت بك فيه تحرسني فيما تقربت به إليك يا وقاية الله وستره وبركته أغثني أدنني أعني أدركني صلني بك ولا تقطعني. اللهم إليك بهم توسلي وتقربي اللهم صل على محمد وآله وصلني بهم ولا تقطعني بحجتك واعصمني وسلامك على آل ياسين مولاي أنت الجاه عند الله ربك وربي إنه حميد مجيد(٥١٦).
زيارة المعصومين (٥١٧)
الحمد لله الذي أشهدنا فشهد أولياؤه في رجب وأوجب علينا من حقهم ما قد وجب وصلى الله على محمد المنتخب وعلى أوصيائه الحجب اللهم فكما أشهدتنا مشهدهم فأنجز لنا موعدهم وأوردنا موردهم غير محلئين عن ورد في دار المقامة والخلد والسلام عليكم إني قصدتكم واعتمدتكم بمسألتي وحاجتي وهي فكاك رقبة من النار والمقر معكم في دار القرار مع شيعتكم الأبرار والسلام عليكم بما صرتم فنعم عقبى الدار أنا سائلكم وآملكم فيما إليكم التفويض وعليكم التعويض فيكم يجبر المهيض ويشفى المريض وما تزداد الأرحام وما تغيض إني بسركم مؤمن ولقولكم مسلم وعلى الله بكم مقسم في رجعي بحوائجي وقضائها وإمضائها وإنجاحها وإبرامها وبشؤوني لديكم وصلاحها والسلام عليكم سلام مودع ولكم حوائجه مودع يسأل الله إليكم المرجع وسعيه إليكم غير منقطع وأن يرجعن من حضرتكم خير مرجع إلى جناب ممرع وخفض موسع ودعة ومهل إلى حين الأجل وخبر مصير ومحل في النعيم الأزل والعيش المقتبل ودوام الأكل وشرب الرحيق والسلسل وعل ونهل لا سأم منه ولا ملل ورحمة الله وبركاته وتحياته عليكم حتى العود إلى حضرتكم والفوز في كرتكم والحشر في زمرتكم ورحمة الله وبركاته عليكم وصلواته وتحياته وهو حسبنا ونعم الوكيل.
زيارة الندبة (٥١٨)
بسم الله الرحمن الرحيم لا لأمر الله تعقلون ولا من أوليائه تقبلون حكمة بالغة فما تعني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين سلام على آل ياسين ذلك هو الفضل المبين والله ذو الفضل العظيم لمن يهديه صراط مستقيم قد آتاكم الله يا آل ياسين خلافته وعلم مجاري أمره فيما قضاه ودبره ورتبه وأراده في ملكوته فكشف لكم الغطاء وأنتم خزنته وشهداؤه وعلماؤه وأمناؤه وساسة العباد وأركان البلاد وقضاة الأحكام وأبواب الإيمان وسلالة النبيين وصفوة المرسلين وعترة خيرة رب العالمين ومن تقديره منايح العطاء بكم إنفاذه محتوماً مقروناً فما شيء منا إلا وأنتم له السبب وإليه السبيل خياره لوليكم نعمة وانتقامه من عدوكم سخطة فلا نجاة ولا مفزع إلا أنتم ولا مذهب عنكم يا أعين الله الناظرة وحملة معرفته ومساكن توحيده في أرضه وسمائه وأنتم يا مولاي ويا حجة الله ويا بقيته وكمال نعمته ووارث أنبيائه وخلفائه ما بلغناه من دهرنا وصاحب الرجعة لوعد ربنا التي فيها دولة الحق وفرجنا ونصر الله لنا وعزنا.
السلام عليك أيها العلم المنصوب والعلم المصبوب والغوث والرحمة الواسعة وعداً غير مكذوب السلام عليك يا صاحب المرأى والمسمع الذي بعين الله مواثيقه وبيد الله عهوده وبقدرة الله سلطانه أنت الحكيم الذي لا تعجله الغضبة والكريم الذي لا تبخله الحفيظة والعالم الذي لا تجهله الحمية مجاهدتك في الله ذات مشية الله ومقارعتك في الله ذات انتقام الله وصبرك في الله ذو أناة الله وشكرك لله ذو مزيد الله ورحمته السلام عليك يا محفوظاً بالله، الله نور أمامه وورائه ويمينه وشماله وفوقه وتحته السلام عليك يا مخزوناً في قدرة الله نور سمعه وبصره السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه ويا ميثاق الله الذي أخذه ووكده السلام يا داعي الله وديان دينه السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقه السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه السلام عليك في آناء الليل والنهار السلام عليك يا بقية الله في أرضه السلام عليك حين تقوم السلام عليك حين تقعد السلام عليك حين تقرأ وتبين السلام عليك حين تصلي وتقنت السلام عليك حين تركع وتسجد السلام عليك حين تعوذ وتسبح السلام عليك حين تهلل وتكبر السلام عليك حين تحمد وتستغفر السلام عليك حين تمجد وتمدح السلام عليك حين تمسي وتصبح.
السلام عليك في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والآخرة والأولى السلام عليك يا حجج الله ودعاتنا وهداتنا ورعاتنا وقادتنا وأئمتنا وسادتنا وموالينا السلام عليك أنتم نورنا وأنتم جاهنا أوقات صلاتنا وعصمتنا بكم لدعائنا وصلاتنا وصيامنا واستغفارنا وسائر أعمالنا السلام عليك أيها الإمام المأمون السلام عليك أيها الإمام المأمول السلام عليك بجوامع السلام.
اشهد يا مولاي أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله، لا حبيب إلا هو وأهله وأن أمير المؤمنين حجته وأن الحسن حجته وأن الحسين حجته وأن علي بن الحسين حجته وأن محمد بن علي حجته وأن جعفر بن محمد حجته وأن موسى بن جعفر حجته وأن علي بن موسى حجته وأن محمد بن علي حجته وأن علي بن محمد حجته وأن الحسن بن علي حجته وأنت حجته وأن الأنبياء دعاة وهداة رشدكم أنتم الأول والآخر وخاتمته وأن رجعتكم حق لا شك فيها ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خير وأن الموت حق وأن منكراً ونكيراً حق وأن النشر حق والبعث حق وأن الصراط حق وأن المرصاد حق وأن الميزان حق والحساب حق وأن الجنة والنار حق والجزاء بهما للوعد والوعيد حق وأنكم للشفاعة حق لا تردون ولا تسبقون مشيئة الله بأمره تعملون ولله الرحمة والكلمة العليا وبيده الحسنى وحجة الله النعمى خلق الجن والإنس لعبادته، أراد من عباده عبادته فشقي وسعيد، قد شقي من خالفكم وسعد من أطاعكم. وأنت يا مولاي فاشهد بما أشهدتك عليه تخزنه وتحفظه لي عندك أموت عليه وأنشر عليه وأقف به ولياً لك بريئاً من عدوك ماقتاً لمن أبغضكم واداً لمن أحبكم فالحق ما رضيتموه والباطل ما سخطتموه والمعروف ما أمرتم به والمنكر ما نهيتم عنه والقضاء المثبت ما استأثرت به مشيئتكم والممحو ما استأثرت به سنتكم، فلا إله إلا الله وحده لا شريك له ومحمد عبده ورسوله، علي أمير المؤمنين وحجته، الحسن حجته، الحسين حجته، علي حجته، محمد حجته، جعفر حجته، موسى حجته، علي حجته، محمد حجته، علي حجته، الحسن حجته، أنت حجته، أنتم حججه وبراهينه، أنا يا مولاي مستبشر بالبيعة التي أخذ الله علي شرطه قتالاً في سبيله اشترى به أنفس المؤمنين فنفسي مؤمنة بالله وحده لا شريك له وبرسوله وبأمير المؤمنين وبكم يا مولاي أولكم وآخركم ونصرتي لكم معدة مودتي خالصة لكم وبراءتي من أعدائكم: أهل الحردة والجدال ثابتة لثأركم أنا ولي وحيد والله إله الحق يجعلني بذلك آمين آمين، من لي إلا أنت فيما دنت واعتصمت بك فيه تحرسني فيما تقربت به إليك يا وقاية الله وستره وبركته أغنني أدنني أدركني صلني بك ولا تقطعني.
اللهم بهم إليك توسلي وتقربي، اللهم صلي على محمد وآل محمد وصلني بهم ولا تقطعني بحجتك اعصمني وسلامك على آل ياسين مولاي أنت الجاه عند الله ربك وربي إنه حميد مجيد، اللهم إني أسألك باسمك خلقته من ذلك واستقر فيك فلا يخرج منك إلى شيء أبداً أيا كينون أيا مكنون أيا متعال أيا مقدس أيا مترحم أيا مترئف أيا متحنن أسألك كما خلقته غضاً أن تصلي على محمد نبي رحمتك وكلمة نورك ووالد هداة رحمتك وأملأ قلبي نور اليقين وصدري نور الإيمان وفكري نور الثبات وعزمي نور التوفيق وذكائي نور العلم وقولي نور العمل ولساني نور الصدق وديني نور البصائر من عندك وبصري نور الضياء وسمعي نور وعي الحكمة ومودتي نور الموالاة لمحمد وآله (عليهم السلام) ونفسي نور قوة البراءة من أعداء محمد وأعداء آل محمد حتى ألقاك وقد وفية بعهدك وميثاقك فلتسعني رحمتك يا ولي يا حميد بمرأى آل محمد ومسمعك يا حجة الله دعائي فوفني منجزات إجابتي أعتصم بك، معك معك معك سمعي ورضاي يا كريم.
زيارة الناحية (٥١٩)
السلام على آدم صفوة الله من خليقته. السلام على شيت(٥٢٠) ولي الله وخيرته والسلام على إدريس القائم لله بحجته السلام على نوح المجاب في دعوته السلام على هود الممدود من الله بمعونته السلام على صالح الذي توجه لله بكرامته السلام على إبراهيم الذي حباه الله بخلته(٥٢١) السلام على إسماعيل الذي فداه الله بذبح عظيم من جنته السلام على إسحاق الذي جعل الله النبوة في ذريته السلام على يعقوب الذي رد الله عليه بصره السلام على موسى الذي فلق الله له البحر بقدرته السلام على هارون الذي خصه الله بنبوته السلام على شعيب الذي نصره الله على أمته السلام على داوود الذي تاب الله عليه من خطيئته(٥٢٢) السلام على سليمان الذي ذلت له الجن بعزته السلام على أيوب الذي شفاه الله من علته السلام على يونس الذي أنجز الله مضمون عدته السلام على عزير الذي أحياه الله بعد ميتته السلام على زكريا الصابر في محنته السلام على يحيى الذي أزلفه الله بشهادته السلام على عيسى روح الله وكلمته السلام على محمد حبيب الله وصفوته السلام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المخصوص بأخوته(٥٢٣) السلام على فاطمة الزهراء ابنته السلام على أبي محمد الحسن وصي أبيه وخليفته السلام على الحسين الذي سمحت نفسه بمهجته السلام على من أطاع الله في سره وعلانيته السلام على من جعل الله الشفاء في تربته السلام على من الإجابة تحت قبته السلام على من الأئمة من ذريته السلام على ابن خاتم الأنبياء السلام على ابن سيد الأوصياء السلام على ابن فاطمة الزهراء السلام على ابن خديجة الكبرى السلام على ابن سدرة المنتهى السلام على ابن جنة المأوى السلام على ابن زمزم والصفا السلام على المرمل بالدماء السلام على المهتوك الخباء السلام على خامس أصحاب الكساء السلام على غريب الغرباء السلام على شهيد الشهداء السلام على قتيل الأدعياء السلام على ساكن كربلاء السلام على من بكته ملائكة السماء السلام على من ذريته الأذكياء السلام على يعسوب الدين السلام على منازل البراهين السلام على الأئمة السادات السلام على الجيوب المضرجات(٥٢٤) السلام على الشفاه الذابلات السلام على النفوس المصطلمات(٥٢٥).
السلام على الأرواح المختلسات السلام على الأجساد العاريات السلام على الجسوم الشاحبات السلام على الدماء السائلات السلام على الأعضاء المقطعات السلام على الرؤوس المشالات السلام على النسوة البارزات السلام على حجة رب العالمين السلام عليك وعلى آبائك الطاهرين السلام عليك وعلى أبنائك المستشهدين السلام عليك وعلى ذريتك الناصرين السلام عليك وعلى الملائكة المضاجعين(٥٢٦) السلام على القتيل المظلوم السلام على أخيه المسموم(٥٢٧) السلام على علي الكبير السلام على الرضيع الصغير السلام على الأبدان السليبة السلام على العترة القريبة السلام على المجدلين في(٥٢٨) الفلوات السلام على النازحين عن الأوطان السلام على المدفونين بلا أكفان السلام على الرؤوس المفرقة عن الأبدان السلام على المحتسب الصابر السلام على المظلوم بلا ناصر السلام على ساكن التربة الزاكية السلام على صاحب القبة السامية السلام على من طهره الجليل السلام على من افتخر به جبرئيل السلام على من ناغاه في المهد ميكائيل السلام على من نكثت ذمته السلام على من هتكت حرمته السلام على من أريق بالظلم دمه السلام على المغسل بدم الجراح السلام على المجرع بكاسات الرماح السلام على المضام(٥٢٩) المستباح السلام على المنحور في الورى السلام على من دفنه أهل القرى السلام على المقطوع الوتين السلام على المحامي بلا معين السلام على الشيب الخضيب السلام على الخد التريب السلام على البدن السليب السلام على الثغر(٥٣٠) المقروع بالقضيب السلام على الرأس المرفوع السلام على الأجسام العارية في الفلوات تنهشها الذئاب(٥٣١) العاديات وتختلف إليها السباع الضاريات السلام عليك يا مولاي وعلى الملائكة المرفرفين(٥٣٢) حول قبتك الحافين بتربتك الطائفين بعرصتك الواردين لزيارتك.
السلام عليك فإني قصدت إليك ورجوت الفوز لديك السلام عليك سلام العارف بحرمتك المخلص في ولايتك المتقرب إلى الله بمحبتك البرائي من أعدائك سلام من قلبه بمصابك مقروح ودمه عند ذكرك مسفوح(٥٣٣) سلام المفجوع المحزون الواله المستكين سلام من لو كان معك في الطفوف لوقاك بنفسه حد السيوف وبذل حشاشته دونك للحتوف وجاهد بين يديك وناصرك على من بغى عليك وفداك بروحه وجسده وماله وولده وروحه لروحك فداءٌ وأهله لأهلك وقاءٌ فلئن أخرتني الدهور وعاقني عن نصرك المقدور ولم أكن لمن حاربك محارباً ولمن نصب لك العداوة مناصباً فلأندبنك صباحاً ومساءً ولأبكين لك بدل الدموع دماً(٥٣٤) حسرةً عليك وتأسفاً على ما دهاك وتلهفاً حتى أموت بلوعة المصاب وغصة الاكتئاب أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر والعدوان وأطعت الله وما عصيته وتمسكت به وبحبله فأرضيته وخشيته وراقبته واستحييته وسننت السنن وأطفأت الفتن ودعوت إلى الرشاد وأوضحت سبل السداد وجاهدت في الله حق الجهاد وكنت لله طائعاً ولجدك محمد صلى الله عليه وآله تابعاً ولقول أبيك سامعاً وإلى وصية أخيك مسارعاً ولعماد الدين رافعاً وللطغيان قامعاً وللطغاة مقارعاً وللأمة ناصحاً وفي غمرات الموت ناصراً وعند البلاء صابراً وللدين كالئاً(٥٣٥) وعن حوزته مرامياً تحوط الهدى وتنصره وتبسط العدل وتنشره وتنصر الدين وتظهره وتكف العابث وتزجره وتأخذ للدني من الشريف وتساوي في الحكم بين القوي والضعيف كنت ربيع الأيتام وعصمة الأنام وعز الإسلام ومعدن الأحكام وحليف الإنعام سالكاً طرائق جدك وأبيك مشبهاً في الوصية لأخيك وفي الذمم رضي الشيم ظاهر الكرم متهجداً في الظلم قويم الطرائق كريم الخلائق عظيم السوابق شريف النسب منيف(٥٣٦) الحسب رفيع الرتب كثير المناقب محمود الضرائب جزيل المواهب حليم ٌرشيدٌ منيبٌ جوادٌ عليمٌ شديدٌ إمامٌ شهيدٌ أواهٌ منيبٌ حبيبٌ مهيبٌ كنت للرسول صلى الله عليه وآله ولداً وللقرآن سنداً وللأمة عضداً وفي الطاعة مجتهداً حافظاً للعهد والميثاق ناكباً عن سبل الفساق باذلاً للمجهود طويل الركوع والسجود زاهداً في الدنيا زهد الراحل عنها ناظراً إليها بعين المستوحشين منها آمالك عنها مكفوفة وهمتك عن زينتها مصروفة وألحاظك عن بهجته مطروفة ورغبتك في الآخرة معروفة حتى إذا الجور مد باعه وأسفر الظلم قناعه ودعا الغنى أتباعه وأنت في حرم جدك قاطن وللظالمين مباين جليس البيت والمحراب معتزل عن اللذات والشهوات تنكر المنكر بقلبك ولسانك على حسب طاقتك وإمكانك ثم اقتضاك العلم للإنكار ولزمك أن تجاهد الفجار فسرت في أولادك وأهاليك وشيعتك ومواليك وصدعت بالحق والبينة ودعوت إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وأمرت بإقامة الحدود والطاعة للمعبود ونهيت عن الخبائث والطغيان وواجهوك بالظلم والعدوان فجاهدتهم بعد الإيعاذ إليهم وتأكيد الحجة عليهم فنكثوا ذمامك وبيعتك وأسخطوا ربك وجدك وبدءوك بالحرب فثبت للطعن والضرب وطحنت جنود الفجار واقتحمت قسطل(٥٣٧) الغبار مجالداً بذي الفقار كأنك علي المختار فلما رأوك ثابت الجأش غير خائفٍ ولا خاشٍ نصبوا لك غوائل مكرهم وقاتلوك بكيدهم وشرهم وأمر اللعين(٥٣٨) جنوده فمنعوك الماء ووروده وناجزوك القتال وعاجلوك النزال ورشقوك بالسهام والنبال وبسطوا إليك أكف الاصطلام(٥٣٩) ولم يرعوا لك ذماماً ولا راقبوا فيك آثاماً في قتلهم أوليائك ونهبهم رحالك وأنت مقدم في الهبوات ومحتمل للأذيات قد عجبت من صبرك ملائكة السماوات فأحدقوا بك في كل الجهات وأثخنوك بالجراح وحالوا بينك وبين الرواح ولم يبق لك ناصراٌ وأنت محتسبٌ صابرٌ تذب عن نسوتك وأولادك حتى نكسوك عن جوادك فهويت إلى الأرض جريحاً تطؤك الخيول بحوافرها وتعلوك الطغاة ببواترها قد رشح للموت جبينك واختلفت بالانقباض والانبساط شمالك ويمينك تدير طرفاً خفياً إلى رحلك وبيتك وقد شغلت بنفسك عن ولدك وأهاليك وأسرع فرسك شارداً إلى خيامك قاصداً محمحماً(٥٤٠) باكياً فلما رأين النساء جوادك مخزياً(٥٤١) ونضرن سرجك عليه ملوياً برزن من الخدور ناشرات الشعور على الخدود لاطمات الوجوه سافرات وبالعويل داعيات وبعد العز مذللات وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك مولع سيفه على نحرك قابض على شيبتك بيده ذابح لك بمهنده قد سكنت حواسك وخفيت أنفاسك ورفع على القنا رأسك وسبي أهلك كالعبيد وصفدوا في الحديد فوق أقتاب (٥٤٢) المطيات تلفح وجوههم حر الهاجرات يساقون في البراري والفلوات أيديهم مغلولة إلى الأعناق يطاف بهم في الأسواق فالويل للعصاة الفساق لقد قتلوا بقتلك الإسلام وعطلوا الصلاة والصيام ونقضوا السنن والأحكام وهدموا قواعد الإيمان وحرفوا آيات القرآن وهمجوا(٥٤٣) في البغي والعدوان لقد أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله من أجلك موتوراً وعاد كتاب الله عز وجل مهجوراً وغودر الحق إذ قهرت مقهوراً وفقد بفقدك التكبير والتهليل والتحريم والتحليل والتنزيل والتأويل وظهر بعدك التغيير والتبديل والإلحاد والتعطيل والأهواء والأضاليل والفتن والأباطيل فقام ناعيك عند قبر جدك الرسول صلى الله عليه وآله فنعاك إليه بالدمع الهطول قائلاً يا رسول الله قتل سبطك وفتاك واستبيح أهلك وحماك وسبيت بعدك ذراريك ووقع المحذور بعترتك وذويك فانزعج الرسول وبكى قلبه المهول(٥٤٤) وعزاه بك الملائكة والأنبياء وفجعت بك أمك الزهراء واختلفت جنود الملائكة المقربين تعزي أباك أمير المؤمنين وأقيمت لك المآتم في أعلى عليين ولطمت عليك الحور العين وبكت السماء وسكانها والجنان وخزانها والهضاب وأقطارها والبحار وحيتانها ومكة وبنيانها والجنان وولدانها والبيت والمقام والمشعر الحرام والحل والإحرام.
اللهم فبحرمة هذا المكان المنيف صلى على محمد وآل محمد واحشرني في زمرتهم وادخلني الجنة بشفاعتهم اللهم إني أتوسل إليك يا أسرع الحاسبين ويا أكرم الأكرمين ويا أحكم الحاكمين بمحمد خاتم النبيين رسولك إلى العالمين أجمعين وبأخيه وابن عمه الأنزع البطين(٥٤٥) العالم المكين علي أمير المؤمنين وبفاطمة سيدة نساء العالمين وبالحسن الزكي عصمة المتقين وبأبي عبد الله الحسين أكرم المستشهدين وبأولاده المقتولين وبعترته المظلومين وبعلي بن الحسين زين العابدين وبمحمد بن علي قبلة الأولين وجعفر بن محمد أصدق الصادقين وموسى بن جعفر مظهر البراهين وعلي بن موسى ناصر الدين ومحمد بن علي قدوة المهتدين وعلي بن مجمد أزهد الزاهدين والحسن بن علي وارث المستخلفين والحجة على الخلق أجمعين أن تصلي على محمد وآل محمد الصادقين الأبرين آل طه ويس فإن تجعلني في القيامة من الآمنين المطئنين الفائزين الفرحين المستبشرين.
اللهم اكتبني في المسلمين وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين وانصرني على الباغين واكفني كيد الحاسدين واصرف عني مكر الماكرين واقبض عني أيدي الظالمين واجمع بيني وبين السادة الميامين في أعلا عليين مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إني أقسم عليك بنبيك المعصوم وبحكمك المحتوم ونهيك المكتوم وبهذا القبر الملموم(٥٤٦) الموسد في كفنه الإمام المعصوم المقتول المظلوم أن تكتشف ما بي من الغموم وتصرف عني شر القدر المحتوم وتجيرني من النار ذات السموم.
اللهم جللني بنعمتك ورضني بقسمك وتغمدني بجودك وكرمك وباعدني من مكرك ونقمك اللهم اعصمني من الزلل وسددني في القول والعمل وافسح لي في مدة الأجل وأعفني من الأوجاع والعلل وبلغني بموالي وبفضلك أفضل الأمل اللهم صل على محمد وآل محمد واقبل توبتي وارحم عبرتي وأقلني عثرتي ونفس كربتي واغفر لي خطيئتي وأصلح لي في ذريتي اللهم لا تدع لي في هذا المشهد المعظم والمحل المكرم ذنباً إلا غفرته ولا عيباً إلا سترته ولا غماً إلا كشفته ولا رزقاً إلا بسطته ولا جاهاً إلا عمرته ولا فساداً إلا أصلحته ولا أملاً إلا بلغته ولا دعاءً إلا أجبته ولا مضيقاً إلا فرجته ولا شملاً إلا جمعته ولا أمراً إلا أتممته ولا مالاً إلا كثرته ولا خلقاً إلا حسنته ولا إنفاقاً إلا أخلفته ولا حالاً إلا عمرته ولا حسوداً إلا قمعته ولا عدواً إلا أرديته ولا شراً إلا كفيته ولا مرضاً إلا شفيته ولا بعيداً إلا أدنيته ولا شعثاً(٥٤٧) إلا لممته ولا سؤالاً إلا أعطيته.
اللهم إني أسألك خير العاجلة وثواب الآجلة اللهم أغنني بحلالك عن الحرام وبفضلك عن جميع الأنام اللهم إني أسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعاً ويقيناً صادقاً وعملاً زاكياً وصبراً جميلاً وأجراً جزيلاً اللهم ارزقني شكر نعمتك علي وزد في إحسانك وكرمك إلي واجعل قولي في الناس مسموعاً وعملي عندك مرفوعاً وأثري في الخيرات متبوعاً وعدوي مقموعاً اللهم صل على محمد وآل محمد الأخيار في آناء الليل وأطراف النهار واكفني شر الأشرار وطهرني من الذنوب والأوزار وأجرني من النار وأدخلني دار القرار واغفر لي ولجميع إخواني فيك وإخواتي المؤمنين والمؤمنات برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثم توجه إلى القبلة وصل ركعتين وأقرأ في الأولى سورة الأنبياء وفي الثانية الحشر(٥٤٨) واقنت وقل:
لا إله إلا الله الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن خلافاً لأعدائه وتكذيباً لمن عدل به وإقراراً لربوبيته وخضوعاً لعزته الأول بغير أول والآخر إلى غير آخر الظاهر على كل شيء بقدرته الباطن دون كل شيء بعلمه ولطفه لا تقف العقول على كل كنه عظمته ولا تدرك الأوهام حقيقة ماهيته ولا تتصور الأنفس معاني كيفيته مطلعاً على الضمائر عارفاً بالسرائر يعلم خائنه الأعين وما تخفى الصدور اللهم إني أشهدك على تصديقي رسولك صلى الله عليه وآله وإيماني وعلمي بمنزلته وأني أشهد أنه النبي الذي نطقت الحكمة بفضله وبشرت الأنبياء به ودعت إلى الإقرار بما جاء به وحثت على تصديقه بقوله تعالى: (الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(٥٤٩).
فصل على محمد رسولك إلى الثقلين وسيد الأنبياء المصطفى وعلى أخيه وابن عمه الذين لم يشركا بك طرفة عين أبداً وعلى فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وعلى سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين صلاة خالدة الدوام عدد قطر الرهام(٥٥٠) وزنة الجبال والآكام ما أورق السلام واختلف الضياء والظلام على آله الطاهرين الأئمة المهتدين الذائدين عن الدين علي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة القوام بالقسط وسلالة السبط.
اللهم إني أسألك بحق هذا الإمام فرجاً قريباً وصبراً جميلاً ونصراً عزيزاً وغنى عن الخلق وثباتاً في الهدى والتوفيق لما تحب وترضى ورزقاً واسعاً حلالاً طيبا مريئاً داراً سائغاً فاضلاً مفضلاً صباً صباً من غير كد ولا نكد ولا منة من أحد وعافية من كل بلاء وسقم ومرض والشكر على العافية والنعماء وإذا جاء الموت فاقبضنا على أحسن ما يكون لك طاعة على ما أمرتنا محافظين حتى تؤدينا إلى جنات النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين اللهم صل على محمد وآل محمد وأوحشني من الدنيا وآنسني بالآخرة وأنه لا يوحش من الدنيا إلا خوفك ولا يونس بالآخرة إلا محمد وآله وأعني على نفسي الظالمة العاصية وشهوتي الغالية واختم لي بالعافية. اللهم إن استغفاري إياك وأنا مصرٌ على ما نهيت قلة حيائي وتركي الاستغفار مع علمي بسعة حلمك تضييع لحق الرجاء اللهم إن ذنوبي تؤيسي أن أرجوك وإن علمي بسعة رحمتك يمنعني أن أخشاك فصل على محمد وآل محمد وصدق رجائي لك وكذب خوفي منك وكن لي عند أحسن ظني بك يا أكرم الأكرمين.
اللهم صل على محمد وآل محمد وأيدني بالعصمة وانطق لساني بالحكمة واجعلني ممن يندم على ما ضيعه في أمسه ولا يغبن حظه في يومه ولا يهتم لرزق غده اللهم إن الغني من استغنى بك وافتقر إليك والفقير من استغنى بخلقك عنك فصل على محمد وآل محمد وأغنني عن خلقك بك واجعلني ممن لا يبسط كفاً إلا إليك اللهم إن الشقي من قنط وأمامه التوبة وورائه الرحمة وإن كنت ضعيف العمل فإني في رحمتك قوي الأمل فهب لي ضعف عملي لقوة أملي اللهم إن كنت تعلم ما في عبادك من هو أقسى قلباً مني وأعظم مني ذنباً فإني أعلم أنه لا مولى أعظم منك طولاً وأوسع رحمة وعفواً فيا من هو أوحد في رحمته اغفر لمن ليس بأوحد في خطيئته اللهم إنك أمرتنا فعصينا ونهيت فما انتهينا وذكرت فتناسينا وبصرت فتعامينا وحذرت فتعدينا وما كان ذلك جزاء إحسانك إلينا وأنت أعلم بما أعلنا وأخفينا وأخبر بما نأتي وما أتينا فصل على محمد وآل محمد ولا تؤاخذنا بما أخطأنا ونسينا وهب لنا حقوقك لدينا وأتم إحسانك إلينا وأسبل رحمتك علينا اللهم إنا نتوسل إليك بهذا الصديق الإمام ونسألك بالحق الذي جعلته له ولجده رسولك ولأبويه علي وفاطمة أهل بيت الرحمة أدرار الرزق الذي به قوام حياتنا وصلاح أحوال عيالنا فأنت الكريم الذي تعطي من سعة وتمنع من قدرة ونحن نسألك من الرزق ما يكون صلاحاً للدنيا وبلاغاً للآخرة اللهم صل على محمد وآل محمد واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب النار(٥٥١).

ملحق الزيارات (٥٥٢)

زيارة صاحب الأمر (٥٥٣)
إلهي إني قد وقفت على باب من بيوت نبيك محمد صلواتك عليه وآله، وقد منعت الناس من الدخول إلى بيوته إلا بإذنه، فقلت: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم)، اللهم وإني أعتقد حرمة نبيك في غيبته، كما أعتقد في حضرته، وأعلم أن رسلك وخلفاءك أحياء عندك يرزقون، فرحين، يرون مكاني ويسمعون كلامي ويردون سلامي علي، وأنك حجبت عن سمعي كلامهم وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم فإني أستأذنك يا رب أولاً، وأستأذن رسولك صلواتك عليه وآله ثانياً وأستأذن خليفتك الإمام المفترض علي طاعته في الدخول في ساعتي هذه إلى بيته، وأستأذن ملائكتك الموكلين بهذه البقعة المباركة المطيعة لك السامعة، [ثالثاًًً] السلام عليكم أيتها الملائكة الموكلين بهذا المشهد الشريف المبارك ورحمة الله وبركاته.
بإذن الله وإذن رسوله وإذن خلفائه وإذن هذا الإمام وبإذنكم صلوات الله عليكم أجمعين، أدخل هذا البيت متقرباً إلى الله بالله ورسوله محمد وآله الطاهرين فكونوا ملائكة الله أعواني، وكونوا أنصاري حتى أدخل هذا البيت، وأدعو الله بفنون الدعوات، وأعترف لله بالعبودية، ولهذا الإمام وآبائه صلوات الله عليهم بالطاعة(٥٥٤).
(بسم الله وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله).
سلام الله(٥٥٥) وبركاته تحياته وصلواته على مولاي صاحب الزمان، صاحب الضياء والنور، والدين المأثور، واللواء المشهور، والكاتب المنشور، وصاحب الدهور والعصور، وخلف الحسن، الإمام المؤتمن، والقائم المعتمد، المنصور المؤيد، والكهف والعضد، وعماد الإسلام، وركن الأنام، ومفتاح الكلام، وولي الأحكام، وشمس الظلام، والبدر التمام، ونضرة الأيام، وصاحب الصمصام، وفلاّق الهام، والبحر القمقام، والسيد الهمام، وحجة الخصام، وباب المقام ليوم القيام والسلام على مفرج الكربات، وخواض الغمرات، ومنفس الحسرات، وبقية الله في أرضه، وصاحب فرضه، وحجته على خلقه، وعيبة عمله، وموضع صدقه، والمنتهى إليه مواريث الأنبياء، ولديه موجود آثار الأوصياء، وحجة الله وابن رسوله، والقيم مقامه، وولي أمر الله، ورحمة الله وبركاته.
اللهم كما انتجبته لعلمك، واصطفيته لحكمك، وخصصته بمعرفتك، وجللته بكرامتك، وغشيته برحمتك، وربيته بنعمتك، وغذيته بحكمتك، واخترته لنفسك، واجتبيته لبأسك، وارتضيته لقدسك، وجعلته هادياً لمن شئت من خلقك، وديان الدين بعدلك، وفصل القضايا بين عبادك، ووعدته أن تجمع به الكلم، وتفرج به عن الأمم، وتنير بعدله الظلم، وتطفئ به نيران الظلم، وتقمع به حر الكفر وآثاره، وتطهر به بلادك، وتشفي به صدور عبادك، وتجمع به الممالك كلها، قريبها وبعيدها، عزيزها وذليلها، وشرقها وغربها، وسهلها وجبلها، صباها ودبورها، شمالها وجنوبها، برها وبحرها، حزونها ووعورها، يملأها قسطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً، وتمكن له فيها، وتنجز به وعد المؤمنين، حتى لا يشرك بك شيئاً، وحتى لا يبقى حق إلا ظهر، ولا عدل إلا زهر، وحتى لا يستخفي بشيء من الحق، مخافة أحد من الخلق.
اللهم صل عليه صلاة تظهر بها حجته، وتوضح به بهجته، وترفع بها درجته، وتؤيد بها سلطانه، وتعظم بها برهانه، وتشرف بها مكانه، وتعلي بها بنيانه، وتعز بها نصره، وترفع بها قدره، وتسمي بها ذكره، وتظهر بها كلمته وتكثر بها نصرته، وتعز بها دعوته، وتزيده بها إكراماً، وتجعله للمتقين إماماً، وتبلغه في هذا المكان، مثل هذا الأوان، وفي كل مكان وأوان، منا تحية وسلام، لا يبلى جديده، ولا يفني عديده.
السلام عليك يا بقية الله في أرضه وبلاده، وحجته على عباده، السلام عليك يا خلف السلف، السلام عليك يا صاحب الشرف، السلام عليك يا حجة المعبود، السلام عليك يا كلمة المحمود، السلام عليك يا شمس الشموس، السلام عليك يا مهدي الأرض، ومبين عين الفرض، السلام عليك يا مولاي يا صاحب الزمان والعالي الشأن، السلام عليك يا خاتم الأوصياء، ابن خاتم الأنبياء، السلام عليك يا معز الأولياء ومذل الأعداء، السلام عليك أيها الإمام الوحيد، والقائم الرشيد، السلام عليك أيها الإمام الفريد، السلام عليك أيها الإمام المنتظر، والحق المشتهر، السلام عليك أيها الإمام الولي المجتبى، والحق المنتهى، السلام عليك أيها الإمام المرتجى لإزالة الجور والعدوان، السلام عليك أيها الإمام المبيد، لأهل الفسوق والطغيان، السلام عليك أيها الإمام الهادم بنيان الشرك والنفاق، والحاصد فروع الغي والشقاق، السلام عليك أيها المدخر لتجديد الفرائض والسنن، السلام عليك يا طامس آثار الزيغ والأهواء، وقاطع حبائل الكذب والفتن والإمراء، السلام عليك أيها المؤمل لإحياء الدولة الشريفة، السلام عليك يا جامع الكلمة على التقوى، السلام عليك يا باب الله، السلام عليك يا ثار الله، السلام عليك يا محيي معالم الدين وأهله، السلام عليك يا قاسم شوكة المعتدين، السلام عليك يا وجه الله الذي لا يهلك ولا يبلى إلى يوم الدين، السلام عليك يا ركن الإيمان، السلام عليك أيها السبب المتصل بين الأرض والسماء السلام عليك يا صاحب الفتح وناشر راية الهدى، السلام عليك يا مؤلف شمل الصلاح والرضا، السلام عليك يا طالب آثار الأنبياء، وأبناء الأنبياء، والثائر بدم المقتول بكربلاء، السلام عليك أيها المنصور على من اعتدى، السلام عليك أيها المضطر المجاب إذا دعا، السلام عليك يا بقية الخلائف، البر التقي الباقي لإزالة الجور والعدوان.
 السلام عليك يا بن النبي المصطفى، السلام عليك يا بن علي المرتضى. السلام عليك يا بن فاطمة الزهراء، السلام عليك يا بن خديجة الكبرى، السلام عليك يا بن السادة المقربين، والقادة المتقين، السلام عليك يا بن النجباء الأكرمين، السلام عليك يا بن الأصفياء المهتدين، السلام عليك يا بن الهداة المهتدين، السلام عليك يا بن خيرة الخير، السلام عليك يا بن سادة البشر، السلام عليك يا بن الغطارفة الأكرمين والأطايب المطهرين، السلام عليك يا بن البررة المنتجبين، والخضارمة الأنجبين، السلام عليك يا بن الحجج المنيرة، والسراج المضيئة، السلام عليك يا بن الشهب الثاقبة، السلام عليك يا بن قواعد العلم، السلام عليك يا بن معادن الحلم، السلام عليك يا بن الكواكب الزاهرة، والنجوم الباهرة، السلام عليك يا بن الشموس الطالعة، السلام عليك يا بن الأقمار الساطعة، السلام عليك يا بن السبل الواضحة والأعلام اللائحة، السلام عليك يا بن السنن المشهورة، السلام عليك يا بن المعالم المأثورة، السلام عليك يا بن الشواهد المشهودة والمعجزات الموجودة، السلام عليك يا بن الصراط المستقيم، والنبأ العظيم، السلام عليك يا بن الآيات البينات، والدلائل الظاهرات، السلام عليك يا بن البراهين الواضحات، السلام عليك يا بن الحجج البالغات، والنعم السابغات، السلام عليك يا بن طه المحكمات، وياسين الذريات، والطور والعاديات. السلام عليك يا بن من دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، واقترب من العلي الأعلى، ليت شعري أين استقرت بك النوى، أم بأي وادي طوى، عزيز علي أن ترى الخلق ولا ترى، ولا يسمع لك حسيس ولا نجوى، عزيز علي أن تحيط بك الأعداء، بنفسي أنت من مغيب ما غاب عنا، بنفسي أنت من نازح ما نزح عنا، ونحن نقول الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين.
زيارة ثانية لصاحب الأمر (٥٥٦)
سلام الله الكامل التام، الشامل العام، وصلواته وبركاته الدائمة، على حجة الله ووليه في أرضه وبلاده، وخليفته في خلقه وعباده، وسلالة النبوة، وبقية العترة والصفوة، وصاحب الزمان، ومظهر الإيمان، ومعلن أحكام القرآن، ومطهر الأرض، وناشر العدل في الطول والعرض، والحجة القائم المهدي، والإمام المنتظر المرتضى، الطاهر ابن الأئمة المعصومين، السلام عليك يا وارث علم النبيين، ومستودع حكم الوصيين، السلام عليك يا عصمة الدين، السلام عليك يا معز المؤمنين المستضعفين، السلام عليك يا مذل الكافرين المتكبرين.
السلام عليك يا مولاي صاحب الزمان، يا بن رسول الله، السلام عليك يا بن أمير المؤمنين، السلام عليك يا بن فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين، السلام عليك يا بن الأئمة الحجج على الخلق أجمعين، السلام عليك يا مولاي سلام مخلص لك في الولاء، أشهد أنك الإمام المهدي قولاً وفعلاً، وأنك الذي تملأ الأرض قسطاً وعدلاً، عجل الله فرجك، وسهل مخرجك، وقرب زمانك، وكثر أنصارك وأعوانك، وأنجز لك وعدك، فهو أصدق القائلين (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) يا مولاي حاجتي كذا وكذا فاشفع لي إلى ربك في نجاحها(٥٥٧).
زيارة ثالثة لصاحب الأمر (٥٥٨)
السلام عليك يا خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله وآبائه الأئمة المعصومين المهتدين، السلام عليك يا حافظ أسرار رب العالمين، السلام عليك يا وارث علم المرسلين، السلام عليك يا بقية الله في الصفوة المنتجبين، السلام عليك يا بن الأنوار الزاهرة، السلام عليك يا بن الأشباح الباهرة، السلام عليك يا بن الصور النيرة الطاهرة، السلام عليك يا وارث كنز العلوم الإلهية، السلام عليك يا حافظ مكنون الأسرار الربانية، السلام عليك يا من خضعت له الأنوار المجدية، السلام عليك يا باب الله الذي لا يؤتى إلا منه، السلام عليك يا سبيل الله الذي من سلك غيره هلك، السلام عليك يا حجاب الله الأزلي القديم، السلام عليك يا بن شجرة طوبى وسدرة المنتهى، السلام عليك يا نور الله الذي لا يُطفأ، السلام عليك يا حجة الله التي لا تخفى، السلام عليك يا لسان الله المعبر عنه، السلام عليك يا وجه الله المتقلب بين أظهر عباده، سلام من عرفك بما تعرفت به إليه، ونعتك ببعض نعوتك التي أنت أهلها وفوقها.
أشهد أنك الحجة على من مضى ومن بقي، وأن حزبك هم الغالبون، وأولياءك هم الفائزون، وأعداءك هم الخاسرون، وأنك حائز كل علم، وفاتق كل رتق، ومحقق كل حق، ومبطل كل باطل، وسابق لا يلحق، رضيت بك يا مولاي إماماً هادياً، وولياً مرشداً، لا أبتغي بك بدلاً، ولا أتخذ من دونك ولياً، وأنك الحق الثابت الذي لا ريب فيه، لا ارتاب ولا أغتاب لأمد الغيبة، ولا أتحير لطول المدة، وأن وعد الله بك حق، ونصرته لدينه بك صدق، طوبى لمن سعد بولايتك، وويل لمن شقي بجحودك وأنت الشافع المطاع الذي لا يدافع، ذخرك الله سبحانه لنصرة الدين، وإعزاز المؤمنين، والانتقام من الجاحدين، الأعمال موقوفة على ولايتك، والقوال معتبرة بإمامتك، من جاء بولايتك واعترف بإمامتك قبلت أعماله، وصدقت أقواله، وتضاعف له الحسنات، وتمحى عنه السيئات، ومن زل عن معرفتك، واستبدل بك غيرك، أكبه الله على منخريه في النار، ولم يقبل له عملاً، ولم يقم له يوم القيامة وزناً.
أشهد يا مولاي أن مقالي ظاهرة كباطنه، وسره كعلانيته، وأنت الشاهد علي بذلك وهو عهدي إليك، وميثاقي المعهود لديك إذ أنت نظام الدين، وعز الموحدين، ويعسوب المتقين، وبذلك أمرني فيك رب العالمين.
فلو تطاولت الدهور وتمادت الأعصار، لم أزدد بك إلا يقيناً، ولك إلا حباً، وعليك إلا اعتماداً، ولظهورك إلا توقعاً، ومرابطة بنفسي ومالي وجميع ما أنعم به علي ربي، فإن أدركت أيامك الزاهرة، وأعلامك الظاهرة ودولتك القاهرة، فعبد من عبيدك، معترف بحقك، متصرف بين أمرك ونهيك، أرجو بطاعتك الشهادتين بين يديك، وبولايتك السعادة فيما لديك، وإن أدركني الموت قبل ظهورك فأتوسل بك إلى الله سبحانه أن يصلي على محمد وآل محمد، وأن يجعل لي كرة في ظهورك، ورجعة في أيامك، لأبلغ من طاعتك مرادي، وأشفي من أعدائك فؤادي، يا مولاي وقفت في زيارتي إياك موقف الخاطئين، المستغفرين النادمين. أقول: عملت سوءاً وظلمت نفسي، وعلى شفاعتك يا مولاي متكلي ومعولي، وأنت ركني وثقتي، ووسيلتي إلى ربي، وحسبي بك ولياً ومولى وشفيعاً، والحمد لله الذي هداني لولايتك، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله حمداً يقتضي ثبات النعمة، وشكراً يوجب المزيد من فضله، والسلام عليك يا مولاي وعلى آبائك وإلى الأئمة المهتدين، ورحمة الله وبركاته، وعلي منكم السلام(٥٥٩).
زيارة رابعة لصاحب الأمر (٥٦٠)
السلام على الحق الجديد، والعالم الذي علمه لا يبيد، السلام على محيي المؤمنين، ومبيد الكافرين، السلام على مهدي الأمم، السلام على خلف السلف، وصاحب الشرف، السلام على حجة المعبود، وكلمة المحمود، السلام على معز الأولياء، ومذل الأعداء، السلام على وارث الأنبياء، وخاتم الأوصياء، السلام على القائم المنتظر، والعدل المشتهر، السلام على السيف الشاهر، والقمر الزاهر، والنور الباهر، السلام على شمس الظلام، وبدر التمام، السلام على ربيع الأنام، ونضرة الأيام، السلام على صاحب الصمصام، وفلاق الهام، السلام على صاحب الدين المأثور، والكتاب المسطور، السلام على بقية الله في بلاده، وحجته على عباده، المنتهى إليه مواريث الأنبياء، ولديه موجود آثار الأصفياء، المؤتمن على السر، والوالي للأمر. السلام على المهدي، الذي وعد الله عز وجل به الأمم، أن يجمع به الكلم، ويلم به الشعث، ويملأ به الأرض قسطاً وعدلاً ويمكّن له، وينجز به وعد المؤمنين، أشهد يا مولاي أنك والأئمة من آبائك، أئمتي وموالي، في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، أسألك يا مولي أن تسأل الله تبارك وتعالى في صلاح شأني، وقضاء حوائجي وغفران ذنوبي، والأخذ بيدي في ديني ودنياي وآخرتي لي ولإخواني وأخواتي والمؤمنين والمؤمنات كافة، إنه غفور رحيم(٥٦١).
اللهم صل على حجتك في أرضك، وخليفتك في بلادك، الداعي إلى سبيلك، والقائم بقسطك، والفائز بأمرك، ولي المؤمنين، ومبير الكافرين، ومجلي الظلمة، ومنير الحق، والصادع بالحكمة، والموعظة الحسنة والصدق، وكلمتك وعيبتك وعينك في أرضك، المترقب الخائف، الولي الناصح، سفينة النجاة وعلم الهدى، ونور أبصار الورى، وخير من تقمص وارتدى، والوتر الموتور، ومفرج الكرب، ومزيل الهم، وكاشف البلوى، صلوات الله عليه وعلى آبائه الهادين، والقادة الميامين، ما طلعت كواكب الأسحار، وأورقت الأشجار، وأينعت الأثمار، واختلف الليل والنهار، وغردت الأطيار.
اللهم انفعنا بحبه، واحشرنا في زمرته، إله الحق آمين رب العالمين (الصلاة عليه صلى الله عليه): اللهم صل على محمد وأهل بيته، وصل على ولي الحسن ووصيه ووارثه، القائم بأمرك، والغائب في خلقك، والمنتظر إذنك.
اللهم صل عليه وقرب بعده، وأنجز وعده، وأوفي عهده، واكشف عن بؤسه حجاب الغيبة، وأظهر بظهوره صحائف المحنة، وقد أمامه الرعب، وثبت به القلب، وأقم به الحرب، وأيده بجند من ملائكة مسومين، وسلطه على أعداء دينك أجمعين، وألهمه أن لا يدع منهم ركناً إلا هده، ولا هاماً إلا قده، ولا كيداً إلا رده، ولا فاسقاً إلا حده، ولا فرعون إلا أهلكه، ولا ستراً إلا هتكه، ولا علماً إلا نكسه، ولا سلطاناً إلا كبسه، ولا رمحاً إلا قصفه، ولا مطرداً إلا خرقه، ولا جنداً إلا فرقه، ولا منبراً إلا أحرقه، ولا سيفاً إلا كسره، ولا صنماً إلا رضّه، ولا دماً إلا أراقه، ولا جوراً إلا أباده، ولا حصناً إلا هدمه، ولا باباً إلا ردمه، ولا قصراً إلا أخربه، ولا مسكناً إلا فتشه، ولا سهلاً إلا أوطنه، ولا جبلاً إلا صعده، ولا كنزاً إلا أخرجه، برحمتك يا أرحم الراحمين.
زيارة خامسة للإمام المهدي (٥٦٢)
الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وعرفنا أولياءه وأعداءه، ووفقنا لزيارة أئمتنا ولم يجعلنا من المعاندين الناصبين، ولا من الغلاة المفوضين، ولا من المرتابين المقصرين، السلام على ولي الله وابن أوليائه، السلام على المدخر لكرامة أولياء الله وبوار أعدائه، السلام على النور الذي أراد أهل الكفر إطفاءه، فأبى الله إلا أن يتم نوره بكرههم وأيده بالحياة حتى يظهر على يده الحق بكرههم وأيده بالحياة حتى يظهر على يده الحق برغمهم، أشهد أن الله اصطفاك صغيراً وأكمل لك علومه كبيراً، وأنك حي لا تموت حتى تبطل الجبت والطاغوت.
اللهم صل عليه وعلى خدامه وأعوانه، على غيبته ونأيه، واستره ستراً عزيزاً، واجعل له معقلاً حريزاً، واشدد اللهم وطأتك على معاندته، واحرس مواليه وزائريه، اللهم كما جعلت قلبي بذكره معموراً، فاجعل سلاحي بنصرته مشهوراً، وإن حال بيني وبين لقائه الموت الذي جعلته على عبادك حتماً، وأقدرت به على خليقتك رغماً، فابعثني عند خروجه، ظاهراً من حفرتي، مؤتزراً كفني، حتى أجاهد بين يديه، في الصف الذي أثنيت على أهله في كتابك، فقلت: (كأنهم بنيان مرصوص).
اللهم طال الانتظار وشمت بنا الفجار، وصعب علينا الانتظار، اللهم أرنا وجه وليك الميمون، في حياتنا وبعد المنون، اللهم إني أدين لك بالرجعة، بين يدي صاحب هذه الرقعة، الغوث الغوث الغوث، يا صاحب الزمان، قطعت في وصلتك الخلان، وهجرت لزيارتك الأوطان، وأخفيت أمري عن أهل البلدان لتكون شفيعاً عند ربك وربي، وإلى آبائك وموالي في حسن التوفيق لي، وإسباغ النعمة علي، وسوق الإحسان إلي.
اللهم صل على محمد وآل محمد، أصحاب الحق، وقادة الخلق، واستجب مني ما دعوتك، وأعطني ما لم أنطق به في دعائي، من صلاح ديني ودنياي، إنك حميدٌ مجيد، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين(٥٦٣).
اللهم عبدك الزائر في فناء وليك المزور، الذي فرضت طاعته على العبيد والأحرار، أنقذت به أولياءك من عذاب النار، اللهم اجعلها زيارة مقبولة ذات دعاء مستجاب من مصدق بوليك غير مرتاب، اللهم لا تجعله آخر العهد به ولا بزيارته، ولا تقطع أثري من مشهده، وزيارة أبيه وجده، اللهم اخلف علي نفقتي، وانفعني بما رزقتني، في دنياي وآخرتي لي ولإخواني وأبوي وجميع عترتي، أستودعك الله أيها الإمام الذي تفوز به المؤمنين، ويهلك على يديه الكافرين المكذبين.
استئذان السرداب المقدس (٥٦٤)
اللهم إن هذه بقعة طهرتها وعقوة شرفتها، ومعالم زكيتها، حيث أظهرت فيها أدلة التوحيد، وأشباح العرش المجيد، الذين اصطفيتهم ملوكاً لحفظ النظام، واخترتهم رؤساء لجميع الأنام وبعثتهم لقيام القسط في ابتداء الوجود إلى يوم القيامة، ثم مننت عليهم باستنابة أنبيائك لحفظ شرائعك وأحكامك، فأكملت باستخلافهم زيارة المنذرين كما أوجبت رياستهم في فطر المكلفين. فسبحانك من إله ما أرأفك، ولا إله إلا أنت من ملك ما أعدلك، حيث طابق صنعك ما فطرت عليه العقول، ووافق حكمك ما قررته في المعقول والمنقول فلك الحمد على تقديرك الحسن الجميل، ولك الشكر على قضائك المعلل بأكمل التعليل، فسبحان من لا يسأل عن فعله ولا ينازع في أمره، وسبحان من كتب على نفسه الرحمة قبل ابتداء خلقه، والحمد لله الذي من علينا بحكام يقومون مقامه لو كان حاضراً في المكان، ولا إله إلا الله الذي شرفنا بأوصياء يحفظون الشرائع في كل الأزمان، والله أكبر الذي أظهرهم لنا بمعجزات يعجز عنها الثقلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الذي أجرانا على عوائده الجميلة في الأمم السالفين.
اللهم فلك الحمد والثناء العلي، كما وجب لوجهك البقاء السرمدي وكما جعلت نبينا خير النبيين، وملوكنا أفضل المخلوقين، واخترتهم على علم على العالمين، وفقنا للسعي إلى أبوابهم العامرة إلى يوم الدين، واجعل أرواحنا تحن إلى مواطن أقدامهم، ونفوسنا تهوى النظر إلى مجالسهم وعرصاتهم، حتى كأننا نخاطبهم في حضور أشخاصهم. فصلى الله عليهم من سادة غائبين، ومن سلالة طاهرين، ومن أئمة معصومين.
اللهم فأذن لنا بدخول هذه العرصات، التي استعبدت بزيارتها أهل الأرضين والسماوات، وأرسل دموعنا بخشوع المهابة، وذلل جوارحنا بذل العبودية، وفرض الطاعة، حتى نقر بما يجب لهم من الأوصاف، ونعترف بأنهم شفعاء الخلائق إذا نصبت الموازين في يوم الأعراف، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين(٥٦٥).
زيارة سادسة للإمام المهدي (٥٦٦)
السلام عليك يا خليفة الله وخليفة آبائه المهديين، السلام عليك يا وصي الأنبياء الماضين، السلام عليك يا حافظ أسرار رب العالمين، السلام عليك يا بقية الله من الصفوة المنتجبين، السلام عليك يا بن الأنوار الزاهرة، السلام عليك يا بن الأعلام الباهرة، السلام عليك يا بن العترة الطاهرة، السلام عليك يا معدن العلوم النبوية، السلام عليك يا باب الله الذي لا يؤتي إلا منه، السلام عليك يا سبيل الله الذي من سلك غيره هلك، السلام عليك يا ناظر شجرة طوبى، وسدرة المنتهى، السلام عليك يا نور الله الذي لا يطفأ، السلام عليك يا حجة الله التي لا تخفى، السلام عليك يا حجة الله على من في الأرض والسماء. السلام عليك سلام من عرفك بما عرفك به الله، ونعتك ببعض نعوتك التي أنت أهلها وفوقها، أشهد أنك الحجة على من مضى ومن بقي، وأن حزبك هم الغالبون، وأولياءك هم الفائزون وأعداءك هم الخاسرون، وأنك خازن كل علم، وفاتق كل رتق، ومحقق كل حق، ومبطل كل باطل، رضيتك يا مولاي إماماً وهادياً وولياً ومرشداً لا أبتغي بك بدلاً، ولا أتخذ من دونك ولياً.
أشهد أنك الحق الثابت الذي لا عيب فيه، وأن وعد الله فيك حق لا أرتاب لطول الغيبة، وبعد الأمد، ولا أتحير مع من جهلك وجهل بك، منتظر متوقع لأيامك، وأنت الشافع الذي لا تنازع والولي الذي لا تدافع، ذخرك الله لنصرة الدين، وإعزاز المؤمنين والانتقام من الجاحدين المارقين. أشهد أن بولايتك تقبل الأعمال، وتزكى الأفعال، وتضاعف الحسنات وتمحى السيئات، فمن جاء بولايتك واعترف بإمامتك قبلت أعماله، وصدقت أقواله وتضاعفت حسناته، ومحيت سيئاته، ومن عدل عن ولايتك، وجهل معرفتك، واستبدل بك غيرك، أكبه الله على منخره في النار، ولم يقبل الله له عملاً، ولم يقم له يوم القيامة وزناً.
أشهد الله وأشهد ملائكته وأشهدك يا مولاي بهذا، ظاهره وباطنه، وسره كعلانيته، وأنت الشاهد على ذلك، وهو عهدي إليك، وميثاقي لديك، إذ أنت نظام الدين، ويعسوب المتقين، وعز الموحدين، وبذلك أمرني رب العالمين، فلو تطاولت الدهور، وتمادت الأعمار، لم أزدد فيك إلا يقيناً، ولك إلا حباً، وعليك إلا متكلاً ومعتمداً، ولظهورك إلا متوقعاً ومنتظراً، ولجهادي بين يديك مترقباً، فأبذل نفسي ومالي وولدي وأهلي وجميع ما خولني ربي بين يديك، والتصرف بين أمرك ونهيك مولاي.
فإن أدركت أيامك الزاهرة، وأعلامك الباهرة، فها ذا أنا عبدك المتصرف بين أمرك ونهيك، أرجو به الشهادة بين يديك، والفوز لديك، مولاي فإن أدركني الموت قبل ظهورك، فإني أتوسل بك وبآبائك الطاهرين إلى الله تعالى، وأسأله أن يصلي على محمد وآل محمد، وأن يجعل لي كرة في ظهورك، ورجعة في أيامك، لأبلغ من طاعتك مرادي، وأشفي من أعدائك فؤادي، مولاي وقفت في زيارتك موقف الخاطئين، النادمين الخائفين، من عقاب رب العالمين، وقد اتكلت على شفاعتك، ورجوت بموالاتك وشفاعتك محو ذنوبي، وستر عيوبي، ومغفرة زللي، فكن لوليك يا مولاي عند تحقيق أمله، وأسأل الله غفران زلَله، فقد تعلق بحبلك، وتمسك بولايتك، وتبرأ من أعدائك.
اللهم صل على محمد وآله، وأنجز لوليك ما وعدته، اللهم أظهر كلمته، وأعل دعوته، وانصره على عدوه وعدوك يا رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد، وأظهر كلمتك التامة، ومغيبك في أرضك الخائف المترقب، اللهم انصره نصراً عزيزاً، وافتح له فتحاً قريباً يسيراً.
اللهم وأعز به الدين بعد الخمول، وأطلع به الحق بعد الأفول، وأجل بل الظلمة، واكشف به الغمة، اللهم وآمن به البلاد، واهد به العباد، اللهم املأ به الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، إنك سميع مجيب، السلام عليك يا ولي الله ائذن لوليك في الدخول إلى حرمك، صلوات الله عليك وعلى آبائك الطاهرين، ورحمة الله وبركاته(٥٦٧).

المنوعات

مع إبراهيم بن مهزيار (٥٦٨)
إن أبي (صلى الله عليه) عهد إلي أن لا أوطّن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها(٥٦٩) إسراراً لأمري، وتحصيناً لمحلي من مكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم الضوال(٥٧٠) فنبذني إلى عيالة الرمال(٥٧١)، وجبت حرائم الأرض(٥٧٢)، تنظرني الغاية التي عندها يحل الأمر، وينجلي الهلع(٥٧٣).
وكان (صلوات الله عليه) أنبط(٥٧٤) لي من خزائن الحكم وكوامن العلوم ما إن أشعّت إليك منه جزاءً أغناك عن الجملة.
اعلم يا أبا إسحاق أنه قال (صلوات الله عليه): يا بني إن الله جل ثناؤه لم يكن ليخلي أطباق أرضه، وأهل الجد في طاعته وعبادته، بلا حجة يستعلى بها، وإمام يؤتم به، ويقتدي بسبل سننه ومنهاج قصده، وأرجو يا بني أن تكون أحد من أعده الله لنشر الحق وطي الباطل، وإعلاء الدين وإطفاء الضلال، فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض، وتتبع أقاصيها، فإن لكل ولي من أولياء الله عز وجل عدواً مقارعاً، وضداً منازعاً افتراضاً لمجاهدة أهل نفاقه وخلافه، أولي الإلحاد والعناد فلا يوحشنك ذلك(٥٧٥).
واعلم: أن قلوب أهل الطاعة والإخلاص نُزّع إليك مثل الطير إذا أمّت أوكارها. وهم معشر يطلعون بمخائل الذلة والاستكانة، وهم عند الله بررة أعزاء، يبرزون بأنفس مختلة محتاجة وهم أهل الطاعة والاعتصام، استنبطوا الدين فوازروه على مجاهد الأضداد، حفهم الله باحتمال الضيم ليشملهم باتساع العز في دار القرار، وجبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى وكرامة حسن العقبى(٥٧٦).
فاقتبس يا بني نور الصبر على موارد أمورك، تفز بدرك الصنع في مصادرها، واستشعر العزة فيما ينوبك تحظ بما تحمد عليه إن شاء الله.
فكأنك يا بني بتأييد(٥٧٧) نصر الله قد آن وتيسير الفلح وعلو الكعب قد حان وكأنك بالرايات الصفر والأعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك ما بين الحطيم وزمزم، وكأنك بترادف البيعة وتصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدر في مثاني العقود، وتصافق الأكف على جنبات الحجر الأسود، تلوذ بفنائك من ملأ برأهم الله من طهارة الولاء ونفاسة التربة، مقدسة قلوبهم من دنس النفاق مهذبة أفئدتهم من رجس الشقاق لينة عرائكم للدين، خشنة ضرائبهم عق العدوان واضحة بالقبول أوجههم، نظرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحق وأهله(٥٧٨).
فإذا اشتدت أركانهم وتقومت أعمالهم قدّت بمكاثفتهم، طبقات الأمم إذ تبعتك في ظلال شجرة، دوحة بسقت أفنان غصونها على حافات بحيرة الطبرية(٥٧٩).
فعندها يتلألأ صبح الحق، وينجلي ظلام الباطل، ويقسم الله بك الطغيان ويعيد معالم الإيمان، ويظهر بك أسقام الآفاق، وسلام الرفاق، يود الطفل في المهد لو استطاع إليك نهوضاً، وتواسط الوحش لو تجد نحوك مجازاً(٥٨٠).
تهتز بك أطراف الدنيا بهجة وتهز بك أغصان العز نضرة، وتستقر بواني العز في قرارها، وتؤوب شوارد الدين إلى أوكارها، يتهاطل عليك سحائب الظفر فتخنق كل عدو، وتنصر كل ولي، فلا يبقى على وجه الأرض جبار قاسط، ولا جاحد غامط، ولا شانئ مبغض، ولا معاند كاشح(٥٨١) (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا)(٥٨٢).
ثم قال (عليه السلام): يا أبا إسحاق ليكن مجلسي هذا عندك مكتوماً، إلا عن أهل الصدق والأخوة الصادقة في الدين، إذا بدت لك أمارات الظهور والتمكين فلا تبطئ بإخوانك عنا وبأهل المسارعة إلى منار اليقين(٥٨٣) وضياء مصابيح الدين تلق رشداً إن شاء الله.
قال إبراهيم بن مهزيار:... فلما أزف(٥٨٤) ارتحالي وتهيأ اعتزام نفسي غدوت عليه مودعاً ومجدداً للعهد وعرضت عليه مالاً كان معي يزيد على خمسين ألف درهم وسألته أن يتفضل بالأمر بقبوله مني فابتسم (عليه السلام) وقال:
يا أبا إسحاق استعن به على منصرفك فإن الشقة قذفة، وفلوات الأرض أمامك جمة، ولا تحزن لإعراضنا عنه فإنا قد أحدثنا لك شكره ونشره، وأربضناه عندنا بالتذكرة وقبول المنة، فتبارك الله لك فيما خولك، وأدام لك ما نولك وكتب لك أحسن ثواب المحسنين، وأكرم آثار الطائعين، فإن الفضل له ومنه(٥٨٥).
واسأل الله أن يردك إلى أصحابك بأوفر الحظ من سلامة الأوبة، وأكناف الغبطة، بلين المنصرف، ولا أوعث الله لك سبيلاً، ولا حيرك دليلاً، واستودعه نفسك وديعة لا تضيع ولا تزول بمنه ولطفه إن شاء الله(٥٨٦).
يا أبا إسحاق إن الله قنعنا بعوائد إحسانه، وفوائد امتنانه وصان أنفسنا عن معاونة أوليائه إلا عن الإخلاص في النية وإمحاض النصيحة، والمحافظة على ما هو أتقى وأبقى وأرفع ذكراً(٥٨٧).
قال [إبراهيم بن مهزيار]: فأقفلت عنه حامداً لله عز وجل على ما هداني وأرشدني...
من يختار الأنبياء والأوصياء (٥٨٨)
فأخرج أحمد بن إسحاق(٥٨٩)جرابه من طي كسائه، فوضعه بين يديه فنظر العسكري(٥٩٠) إلى الغلام وقال له:
يا بني فض الخاتم عن هدايا شيعتك(٥٩١).
فقال (عجل الله فرجه): يا مولاي أيجوز أن أمد يداً طاهرة إلى هدايا بخسة وأموال رجسة؟
فقال مولاي (عليه السلام): يا بن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميز بين الحلال والحرام منها.
فأول صرة بدأ أحمد بإخراجها.
قال الغلام (عجل الله فرجه): هذه لفلان بن فلان من محلة (كذا) بقم تشتمل على اثنين وسبعين ديناراً فيها من ثمن حجرة باعها صاحبها، وكانت إرثاً له من أخيه خمسة وأربعون ديناراً، ومن عثمان تسعة أثواب أربعة عشر ديناراً، وفيها من أجرة حوانيت ثلاثة عشر ديناراً.
فقال مولانا (عليه السلام): صدقت يا بني دل الرجل على الحرام منها.
فقال (عجل الله فرجه): فتش على دينار رازي السكة تاريخه سنة (كذا) قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه، وقراضه(٥٩٢) آملية وزنها ربع دينار، والعلة في تحريمها أن صاحب هذه الجملة وزن في شهر (كذا) من سنة (كذا) على حائك من جيرانه من الغزل مناً(٥٩٣) وربع مَنّ فاتت على ذلك مدة فسرق الغزل سارق فأخبر به الحائك صاحبه فكذبه واسترد منه بدل ذلك منّاً ونصف من غزل أدق مما كان دفعه إليه واتخذ من ذلك ثوباً كان هذا الدينار مع القراضة ثمنه(٥٩٤).
فلما فتح أحمد رأس الصرة صادفته رقعة في وسط الدنانير باسم من أخبر عنه وبمقداره على حسب ما قال (عجل الله فرجه) واستخرج الدينار والقراضة بتلك العلامة ثم أخرج صرة أخرى.
فقال الغلام (عجل الله فرجه): هذه لفلان بن فلان من محلة (كذا) بقم، تشتمل على خمسين ديناراً لا يحل لنا مسها.
قال: وكيف ذلك؟
قال (عجل الله فرجه): لأنها ثمن حنطة خان صاحبها على أكّاره(٥٩٥) في المقاسمة(٥٩٦) وذلك أنه قبض حصته منها بكيل واف وكال ما خص الأكّار بكيل بخس.
فقال مولانا (عليه السلام): صدقت يا بني.
ثم قال (عجل الله فرجه): يا ابن إسحاق احملها بأجمعها لتردها أو توصي بردها على أربابها(٥٩٧) فلا حاجة لنا في شيء منها، وأتنا بثوب العجوز.
قال أحمد: وكان ذلك الثوب في حقيبة لي نسيتها، فلما انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إلي مولاي أبو محمد (عليه السلام) فقال:
ما جاء بك يا سعد؟
فقلت: شوقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا.
قال (عليه السلام): فالمسائل التي أردت أن تسأل عنها؟
قلت: على حالها يا مولاي.
قال (عليه السلام): فسل قرة عيني- وأومأ إلى الغلام- عما بدا لك منها.
قلت فأخبرني عن الفاحشة المبينة(٥٩٨) التي إذا أتت المرأة بها في أيام عدتها حل للزوج أن يخرجها من بيته(٥٩٩).
قال (عجل الله فرجه): الفاحشة المبينة هي السحق(٦٠٠) وليست بالزنا، فإن المرأة إذا زنت وأقيم عليها الحد ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لأجل الحد، وإذا سحقت وجب عليها الرجم، والرجم خزي، ومن قد أمر الله عز وجل برجمه فقد أخزاه، ومن أخزاه فقد أبعده، فليس لأحد أن يقربه.
قلت: فأخبرني يا بن رسول الله عن أمر الله تبارك وتعالى لنبيه موسى: (فاخلع نعيلك إنك بالوادي المقدس طوى)(٦٠١) فإن فقهاء الفريقين يزعمون: إنها كانت من إيهاب الميتة.
فقال (عجل الله فرجه): من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوته، لأنه ما خلا لأمر فيها من خطيئتين، إما أن تكون صلاة موسى فيهما جائزة أو غير جائزة، فإن كانت صلاته جائزة جاز له لبسهما في تلك البقعة، وإن كانت مقدسة مطهرة، فليست بأقدس وأطهر من الصلاة وإن كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب على موسى أنه لم يعرف الحلال من الحرام، ولم يعلم ما تجوز به الصلاة وما لم تجز، وهذا كفر(٦٠٢).
قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيها.
قال (عجل الله فرجه): إن موسى ناجى ربه بالوادي المقدس فقال: (يا رب إني قد أخلعت لك المحبة مني وغسلت قلبي عمن سواك) وكان شديد الحب لأهله، فقال الله تعالى: (اخلع نعليك) أي انزع حب أهلك عن قلبك إن كانت محنتك لي خالصة وقلبك من الميل من سواي مغسولاً(٦٠٣).
قلت: فأخبرني يا بن رسول الله عن تأويل (كهيعص).
قال (عجل الله فرجه): هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عليها عبده زكريا ثم قصها على محمد (صلى الله عليه وآله) وذلك أن زكريا سأل ربه أن يعلمه الأسماء الخمسة فأهبط عليه جبرائيل، فعلمه إياها، فكان زكريا إذا ذكر اسم محمد وعلي وفاطمة والحسن سرى عنه همه وانجلى كربه، وإذا ذكر اسم الحسين (عليه السلام) خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة، فقال ذات يوم: (إلهي، ما بالي إذا ذكرت أربعاً منهم تسليت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين (عليه السلام) تدمع عيني وتثور زفرتي)؟ فأنبأه الله تعالى عن قصته وقال: (كهيعص) فالكاف اسم كربلاء والهاء هلاك العترة، والياء وهو يزيد ظالم الحسين (عليه السلام) والعين عطشه، والصاد صبره. فلما سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام، ومنع فيها الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب وكانت ندبته (إلهي أتفجع خير خلقك بولده؟ إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟ إلهي أتلبس علياً وفاطمة ثياب هذه المصيبة؟ إلهي أتحل كربة هذه الفجيعة بساحتهما). ثم كان يقول: (إلهي ارزقني ولداً تقر به عيني على الكبر واجعله لي وارثاً ووصياً واجعل محله مني محل الحسين فإذا رزقتنيه فافتني بحبه ثم فجّعني به كما تفجع محمد (صلى الله عليه وآله) حبيبك بولده) فرزقه الله بيحيى وفجعه به وكان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسين كذلك.
قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم:
قال (عجل الله فرجه): مصلح أو مفسد.
قلت: مصلح.
قال (عجل الله فرجه): فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد.
قلت: بلى.
قال: فهي العلة، أوردتها لك ببرهان يثق به عقلك.
قلت: نعم.
قال: أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل الكتب عليهم وأيدهم بالوحي والعصمة وهم أعلى الأمم وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال عملهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنه مؤمن.
قلت: لا.
قال: فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال عمله ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلاً ممن لا يشك في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين، قال الله عز وجل: (واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا)(٦٠٤) إلى قوله: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم)(٦٠٥) فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعاً على الأفسد دون الأصلح وهو يضن أنه الأصلح دون الأفسد علمنا أن لا اختيار إلا لمن يعلم ما تخفي الصدور وتكن الضمائر ويتصرف عليه السرائر وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح(٦٠٦).
رموز كبرى (٦٠٧)
وسألني عن أهل العراق؟
فقلت: سيدي قد ألبسوا جلباب الذلة وهم بين القوم أذلاء.
فقال لي: (يا بن المازيار لتملكونهم كما ملكوكم(٦٠٨)وهم يومئذ أذلاء).
فقلت: سيدي لقد بعد الوطن وطال المطلب(٦٠٩).
فقال: (يا بن المازيار أبي أبو محمد(٦١٠) عهد إلي أن لا أجاور قوماً غضب الله عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم(٦١١) وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها ومن البلاد إلا فقرها والله - مولاكم(٦١٢) - أظهر التقية فوكلها فأنا في التقية إلى يوم يؤذن لي فأخرج).
فقلت: يا سيدي متى يكون هذا الأمر؟
فقال: (إذا حيل بينكم وبين الكعبة، واجتمع الشمس والقمر(٦١٣) واستدار بهما الكواكب والنجوم(٦١٤).
فقلت: متى يا بن رسول الله؟
فقال لي: (في سنة كذا وكذا(٦١٥) تخرج دابة الأرض(٦١٦) من بين الصفا والمروة(٦١٧) ومعه عصى موسى وخاتم سليمان تسوق الناس إلى المحشر)(٦١٨)،(٦١٩).
قائم الزمان (٦٢٠)
أنا المهدي؛ وأنا قائم الزمان(٦٢١) وأنا الذي أملؤها عدلاً كما ملئت جوراً.
إن الأرض لا تخلو من حجة ولا يبقى الناس في فترة(٦٢٢).
وهذه أمانة لا تحدث بها إلا إخوانك من أهل الحق(٦٢٣).
جعل أنبياءه بشراً (٦٢٤)
افهم عني ما أقول لك: اعلم أن الله تعالى لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان(٦٢٥) ولا يشافههم بالكلام(٦٢٦) ولكنه جلت عظمته يبعث إليهم من أجناسهم وأصنافهم بشراً مثلهم، ولو بعث إليهم رسلاً من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم، ولم يقبلوا منهم(٦٢٧) فلما جاءوهم وكانوا من جنسهم يأكلون الطعاه ويمشون في الأسواق، قالوا لهم: أنتم بشر مثلنا لا نقبل منكم حتى تأتونا بشيء نعجز من أن نأتي بمثله، فنعلم أنكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه، فجعل الله عز وجل لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها(٦٢٨).
فمنهم: من جاء بالطوفان بعد الإعذار والإنذار فغرق جميع من طغى وتمرد(٦٢٩).
ومنهم: من ألقي في النار فكانت عليه برداً وسلاماً(٦٣٠).
ومنهم: من أخرج من الحجر الصلب الناقة، وأجرى من ضرعها لبناً(٦٣١).
ومنهم: من فُلق له البحر وفجر له من العيون وجعل له العصا اليابسة ثعباناً تلقف ما يأفكون(٦٣٢).
ومنهم: من أبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله، وأنبأهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم(٦٣٣).
ومنهم: من انشق له القمر وكلمته البهائم، مثل البعير والذئب وغير ذلك(٦٣٤).
فلما أتوا بمثل ذلك وعجز الخلق من أممهم عن أن يأتوا بمثله، وكان من تقدير الله جل جلاله، ولطفه بعباده وحكمته: أن جعل أنبيائه مع هذه المعجزات في حال غالبين وأخرى مغلوبين وفي حال قاهرين وأخرى مقهورين، ولو جعلهم الله في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين، ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لاتخذهم الناس آلهة من دون الله عز وجل، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والاختيار، ولكنه جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم، ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين، وفي حال العافية والظهور على الأعداء شاكرين، ويكونوا في جميع أحوالهم متواضعين، غير شامخين ولا متجبرين، وليعلم العباد: أن لهم (عليهم السلام) إلهاً هو خالقهم ومدبرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله، وتكون حجة الله ثابتة على من تجاوز الحد فيهم، وادعى لهم الربوبية، أو عاند وخالف، وعصى وجحد(٦٣٥). بما أتت به الأنبياء والرسل، وليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة(٦٣٦).
الأئمة يسألون (٦٣٧)
إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام، وقسم الأرزاق لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم(٦٣٨) ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
وأما الأئمة (عليهم السلام) فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق، ويسألونه فيرزق(٦٣٩) إيجاباً لمسألتهم، وإعظاماً لحقهم(٦٤٠).
نعي عثمان العمري (٦٤١)
إنا لله وإنا إليه راجعون. تسليماً لأمره، ورضاً بقضائه وبفعله(٦٤٢) عاش أبوك سعيداً ومات حميداً(٦٤٣) فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه (عليهم السلام)(٦٤٤) فلم يزل في أمرهم ساعياً فيما يقربه الله عز وجل وإليهم. نضّر الله وجهه، وأقاله عثرته، وأجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء. ورزيت ورزينا، وأوحشك فراقه وأوحشنا(٦٤٥) فسره الله في منقلبه.
وكان من كمال سعادته أن رزقه الله ولداً مثلك، يخلفه من بعده، ويقوم مقامه، ويترحم عليه(٦٤٦).
وأقول: الحمد لله. فإن الأنفس طيبة بمكانك وما جعله الله عز وجل فيك وعندك(٦٤٧). أعانك وقواك، وعضدك ووفقك وكان لك ولياً وحافظاً وراعياً(٦٤٨).
وثيقة محمد بن عثمان (٦٤٩)
... والابن - وقاه الله - لم يزل ثقتنا في حياة الأب - رضي الله عنه وأرضاه، ونضر وجهه - يجري عندنا مجراه، ويسد مسده، وعن أمرنا يأمر الابن وبه يعمل، تولاه الله(٦٥٠).
وثيقة الحسين بن روح (٦٥١)
... نعرفه - عرفه الله الخير كله ورضوانه، وأسعده بالتوفيق - وقفنا على كتابه، وثقتنا بما هو عليه(٦٥٢) وأنه عندنا بالمنزلة والمحل الذين يسرانه - زاد الله في إحسانه إليه، إنه ولي قدير - والحمد لله الذي لا شريك له، وصلى الله على رسوله محمد وآله، وسلم تسليماً كثيراً.
أنا بقية الله (٦٥٣)
أنا بقية الله في أرضه(٦٥٤) والمنتقم من أعدائه، فلا تطلب أقرأ بعد عين(٦٥٥) يا أحمد بن إسحاق(٦٥٦).
أنا خاتم الأوصياء (٦٥٧)
أنا خاتم الأوصياء وبي يرفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي(٦٥٨).
يزري بحده (٦٥٩)

متى ما أقل مولاي أفضل منهما * * * أكن للذي فضلته منتقصا
ألم ترى أن السيف يزري بحده * * * مقالك هذا السيف أجدى من العصا(٦٦٠)

من أخر الصلاة (٦٦١)
ملعونٌ ملعونٌ من أخر العشاء إلى إن تشتبك النجوم(٦٦٢) ملعونٌ ملعونٌ من أخر الغداة إلى أن تنقضي النجوم(٦٦٣).
من أكل من مالنا (٦٦٤)
بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين، على من أكل من مالنا درهماً حراماً(٦٦٥).
أمان من الموت (٦٦٦)
ألا أبشرك في العطاس وهو أمان من الموت ثلاثة أيام(٦٦٧).
لو أذن الله لنا (٦٦٨)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله. عبد الله أولاً وآخر(٦٦٩) غير مستنكف ولا مستكبر(٦٧٠).
زعمت الظلمة: أن حجة الله داحضة، ولو أذن الله لنا لزال الشك(٦٧١).
دعاء بالولد (٦٧٢)
اللهم ارزقه ولداً ذكراً تقر به عينه واجعل هذا الحمل الذي له ولداً ذكراً(٦٧٣).
آجرك الله (٦٧٤)
آجرك الله في صاحبك فقد مات وأوصى بالمال الذي كان معه إلى ثقة يعمل فيها بما يحب(٦٧٥).
أنا القائم (٦٧٦)
أنا القائم من آل محمد (صلَى الله عليه وآله) أنا الذي أخرج في آخر الزمان بهذا السيف -وأشار إليه - فأملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً (قال) فسقطت على وجهي وتعفرت (فقال) لا تفعل أرفع رأسك، أنت فلان من مدينة بالجبل يقال لها همذان (قلت) صدقت يا سيدي ومولاي.
(قال) فتحب أن تؤوب إلى أهلك؟ (قلت) نعم يا سيدي وأبشرهم بما أتاح الله عز وجل لي(٦٧٧).
من يحاجني في الله (٦٧٨)
من يحاجني في الله فأنا أولى بالله.
أيها الناس: من يحاجني في آدم فأنا أولى بآدم.
أيها الناس: من يحاجني في نوح فأنا أولى بنوح.
أيها الناس: من يحاجني في إبراهيم فأنا أولى بإبراهيم.
أيها الناس: من يحاجني في موسى فأنا أولى بموسى.
أيها الناس: من يحاجني في عيسى فأنا أولى بعيسى.
أيها الناس: من يحاجني في محمد فأنا أولى بمحمد.
أيها الناس: من يحاجني في كتاب الله فأنا أولى بكتاب الله(٦٧٩).
بعد ثلاثين سنة (٦٨٠)
هات ما معك.
فناولته الرقعة، فقال من غير أن ينظر إليها: قل له لا خوف عليك في هذه العلة ويكون ما لابد منه بعد ثلاثين سنة.
قال: فوقع علي الدمع حتى لم أطق حراكاً وتركني وانصرف(٦٨١).
الرفعة لله عز وجل (٦٨٢)
روى أنه يكون في راية المهدي (عليه السلام):
الرفعة لله عز وجل(٦٨٣).
لا تخرج (٦٨٤)
لا تخرج في هذه السنة.
فأعاد وقال: هو نذر واجب أفيجوز لي القعود عنه؟
فخرج من الجواب: إن كان ولا بد فكن في القافلة الأخيرة(٦٨٥).
اقبض الحوانيت (٦٨٦)
اقبض الحوانيت من محمد بن هارون بخمسمائة دينار التي لنا عليه(٦٨٧).
وثيقة حاجز (٦٨٨)
ليس فينا شك. ولا فيمن يقوم مقامنا بأمرنا ترد ما معك إلى حاجز بن يزيد(٦٨٩).
طالبهم (٦٩٠)
طالبهم واستقض عليهم(٦٩١).
علامة الظهور (٦٩٢)
أنا صاحب الحق، ليس هذا أوان ظهوري وقد بقي مدة من الزمن ثم قلت له: يا سيدي متى يظهر أمرك؟
قال: علامة ظهور أمري كثرة الهرج والمرج والفتن، وآتي مكة فأكون في المسجد الحرام.
فيقال: انصبوا لنا إماماً.
ويكثر الكلام حتى يقدم رجل من الناس فينظر في وجهي ثم يقول: يا معشر الناس هذا المهدي انظروا إليه(٦٩٣).
خبر أوليائنا (٦٩٤)
يا عيسى: ما كان لك أن تراني لولا المكذبون القائلون: أين هو، وقد كان؟ وأين ولد؟ ومن الذي رآه؟ وما الذي خرج إليكم منه؟ وبأي شيء نبأكم؟ وأي معجز أتاكم؟
أما والله لقد دفعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) - مع ما رووه - وقدموا عليه، وكادوه وقتلوه، وكذلك آبائي (عليهم السلام)، لم يصدقوهم ونسبوهم إلى السحر وخدمة الجن إلى ما تبين.
يا عيسى فخبر أوليائنا ما رأيت، وإياك أن تخبر عدونا فتسلبه.
فقلت: يا مولاي أدع لي بالثبات.
فقال: لو لم يثبتك الله ما رأيتني وامض بنجمك راشداً.
فخرجت أكثر حمداً لله وشكراً.
يا معشر الخلائق (٦٩٥)
يا معشر الخلائق ألا من أراد أن يظهر إلى آدم وشيت فها أنا ذا آدم وشيت.
ألا ومن أراد أن ينظر إلى إبراهيم وإسماعيل فها أنا ذا إبراهيم وإسماعيل.
ألا ومن أراد أن ينظر إلى موسى ويوشع فها أنا ذا موسى ويوشع.
ألا ومن أراد أن ينظر إلى عيسى وشمعون فها أنا ذا عيسى وشمعون.
ألا ومن أراد أن ينظر إلى محمد وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) فها أنا ذا محمد (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام).
ألا ومن أراد أن ينظر إلى الأئمة من ولد الحسين (عليهم السلام) فها أنا ذا الأئمة (عليهم السلام)(٦٩٦).
أجيبوا إلى مسألتي فإني أنبئكم بما نبئتم وما لم تنبئوا به(٦٩٧).
ومن كان يقرأ الكتاب والصحف فليسمع مني(٦٩٨).
معاشر نقبائي (٦٩٩)
يا معاشر نقبائي وأهل خاصتي ومن ذخرهم الله لنصرتي قبل ظهوري على وجه الأرض ائتوني طائعين(٧٠٠).
لا يدخلك الشك (٧٠١)
قل للمهزيار(٧٠٢) قد فهمنا ما حكيته عن موالينا بناحيتكم(٧٠٣) فقل لهم: أما سمعتم الله عز وجل يقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)(٧٠٤).
هل أمر إلا بما هو كائن إلى يوم القيامة؟
أوَ لم ترو أن الله عز وجل جعل لهم معاقل يأوون إليها؟ وأعلاماً يهتدون بها؟ من لدن آدم إلى أن ظهر الماضي (يعني: أباه الحسن العسكري) صلوات الله عليه، كلما غاب علم بدا علم وإذا أفل نجم طلع نجم، فلما قبضه الله تعالى عز وجل إليه ظننتم أن الله قد قطع السبب بينه وبين خلقه؟
كلا ما كان ذلك، ولا يكون حتى تقوم الساعة ويظهر أمر الله وهم كارهون(٧٠٥).
يا محمد بن إبراهيم: لا يدخلك الشك فيما قدمت له(٧٠٦) فإن الله لا يخلي الأرض من الحجة. أليس قال لك أبوك قبل وفاته: احضر الساعة من يعيّر هذه الدنانير التي عندي فلما أبطأ ذلك عليه وخاف الشيخ(٧٠٧)على نفسه الوحي(٧٠٨) قال لك: عيرها على نفسك وأخرج إليك كيساً كبيراً وعندك بالحضرة ثلاثة أكياس، وصرة فيها دنانير مختلفة النقد فعيرتها وختم الشيخ عليها بخاتمه وقال لك: اختم مع خاتمي، فإن أعش فأنا أحق بها وإن أمت فاتق الله في نفسك أولاً ثم فيّ فخلصني وكن عند ظني بك.
أخرج رحمك الله الدنانير التي استفضلتها من بين النقدين من حسابنا وهي بضعة عشر ديناراً، واسترد من قبلك(٧٠٩) فإن الزمان أصعب ما كان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
طلب دعاء ومسائل (٧١٠)
بسم الله الرحمن الرحيم سألت الدعاء عن العلة التي تجدها، وهب الله لك العافية ودفع عنك الآفات، وصرف عنك بعض ما تجده من الحرارة(٧١١) وعافاك وصح جسمك.
وسألت ما يحل أن يصلى فيه من الوبر، والسمور، والسنجاب، والفتك والدلق والحواصل(٧١٢)؟
فأما السمور والثعالب فحرام عليك وعلى غيرك الصلاة فيه، ويحل لك جلود المأكول من اللحم إذا لم يكن فيه غيره(٧١٣) وإن لم يكن لك ما تصلي فيه فالحواصل جائز لك أن تصلي فيه(٧١٤).
الفرا متاع الغنم ما لم يذبح بأرمينية يذبحه النصارى على الصليب فجائز لك أن تلبسه إذا ذبحه أخ لك (أو مخالف تثق به)(٧١٥).
دعاء بالعاقبة (٧١٦)
ألبسك الله العافية وجعلك معنا في الدنيا والآخرة(٧١٧).
إلى الحسن بن الفضل اليماني (٧١٨)
فخرج إلى الرسول: أخطأت إذ لم تعلمه أنا وبما فعلنا ذلك بموالينا وربما سألونا ذلك يتبركون به.
وخرج إلي: أخطأت بردك بدنا، وإذ استغفرت الله فالله يغفر لك، وإذا كان عزيمتك وعقد نيتك أن لا تحدث فيها حدثاً، ولا تنفقها في طريقك فقد صرفناها عنك(٧١٩).
وأما الثوبان(٧٢٠) فلا بد منهما لتحرم فيهما(٧٢١).
الشرطة للجارية (٧٢٢)
أتاني - أبقاك الله - كتابك الذي أنفذته.
أما الرجل الذي استحل بالجارية، وشرط عليها أن لا يطلب ولدها فسبحان من لا شريك له في قدرته، شرطه على الجارية شرط على الله عز وجل؟ هذا ما لا يؤمن أن يكون، وحيث عرض في هذا الشك وليس يعرف الوقت الذي أتاه فيه فليس ذلك بموجب لبراءة في ولده(٧٢٣).
وأما إعطاء المائتي دينار وإخراجه من الوقف فالمال ماله فعل فيه ما أراد(٧٢٤).
قال أبو الحسين: حسب الحساب فجاء الولد مستوياً(٧٢٥).
عهداً من رسول الله (٧٢٦)
اسكت يا فلان، إي والله إن معي عهداً من رسول الله (صلى الله عليه وآله).
هات يا فلان العيبة أو الزنفيلجة.
فيأتيه بها فيقرئه العهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فيقول: جعلني الله فداك أعطني رأسك أقبله.
فيعطيه رأسه فيقبل بين عينيه ثم يقول: جعلني الله فداك جدد لنا بيعة، فيجدد لهم بيعة(٧٢٧).
يا جداه (٧٢٨)
يا جداه وصفتني ودللت علي، نسبتني، وسميتني، وكنيتني، فجحدتني الأمة وتمددت وقالت: ما ولد، ولا كان، وأين هو؟ ومتى كان؟ وأين يكون؟ وقد مات ولم يعقب، ولو كان صحيحاً ما أخره الله إلى هذا الوقت المعلوم.
فصبرت متحسباً، وقد أذن الله فيها بإذنه يا جداه(٧٢٩).
عليك بالأسدي (٧٣٠)
إنه كان له(٧٣١) قبلي ألف دينار وإني وجهت إليه بمائتي دينار لأني شككت وأن الباقي له عندي فكان كما وصف وقال: إن أردت أن تعامل أحداً فعليك بأبي الحسين الأسدي بالري(٧٣٢).

الموجزات

الأجوبة الموجزة من الناحية المقدسة
رسائل كثيرة كانت تكتب إلى الناحية المقدسة، فيها حوائج وأسئلة كان يصدر الجواب عليها باختصار، نثبت هنا نماذج منها - من غير استيعاب - مقتصرين على الأجوبة فقط، دون تفاصيل الرسائل والحوائج:
١ - ستلد ابناً
كتب رجل يسأل الدعاء في حمل له فورد عليه الدعاء في الحمل قبل الأربعة الأشهر:
فجاء كما قال (عليه السلام)(٧٣٣).
٢ - نعى إلى نفسي
وكتب أحمد بن إسحاق - وكيل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - بعد موت الإمام العسكري، إلى الناحية المقدسة يستأذن الإمام المهدي (عليه السلام) في الحج.
فورد الإذن له، وبعث إليه بثوب.
فقال أحمد بن إسحاق: نعى إلي نفسي.
فانصرف من الحج فمات بحلوان(٧٣٤).
٣ - ولادة الصدوق
وبعث الحسين بن علي بن بابويه - والدة الشيخ الصدوق (قدس سرهما) - مع أبي القاسم الحسين بن روح برقعة إلى صاحب الأمر (عليه السلام) يسأله فيه الولد، فكتب (عليه السلام) في الجواب: (قد دعونا الله لك بذلك، وسترزق ولدين ذكرين خيرين).
فولد له أبو جعفر (الصدوق) وأبو عبد الله من أم ولد.
وكان أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله يقول: سمعت أبا جعفر (يعني الشيخ الصدوق قدس سره) يقول: أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر (عليه السلام) ويفتخر بذلك(٧٣٥).
٤- مات الولد
وعن علي بن محمد قال: حدثني بعض أصحابنا قال: ولد لي ولد فكتبت - أي: إلى الناحية المقدسة - أستأذن في تطهيره يوم السابع فورد:
(لا تفعل).
فمات يوم السابع أو الثامن.
ثم كتبت بموته ثم ورد الجواب:
(ستخلف غيره، وغيره، فسمي الأول أحمد، ومن بعد أحمد جعفرَ).
فجاءا كما قال(٧٣٦).
٥ - ثوبان للكفن
وعن سعد بن عبد الله أن الحسن بن النضر - في قصة طويلة - قال:
... وإذ بيت عليه ستر فنوديت منه:
(يا حسن بن النضر أحمد الله على ما منّ به عليك ولا تشكن فود الشيطان إنك شككت).
وأخرج إلى ثوبين وقيل لي:
(خذهما فتحتاج إليهما).
فأخذتهما وخرجت.
قال سعد: فانصرف الحسن بن النضر، ومات في شهر رمضان (يعني: من نفس تلك السنة) وكفن في الثوبين(٧٣٧).
٦ - يبقى
وعن القاسم بن العلاء قال: ولد لي عدة بنين فكنت أكتب وأسأل الدعاء فلا يكتب إلي لهم بشيء، فلما ولد لي الحسن ابني كتبت أسأل الدعاء فأجبت:
(يبقى والحمد لله)(٧٣٨).
وظاهر الخبر: أن من سبعة من الأولاد كانوا يموتون.
٧ - تحول قرمطياً
وعن الحسن بن الفضل بن زياد اليماني قال: كتب أبي بخطه كتاباً فورد جوابه، ثم كتب بخطي فورد جوابه، ثم كتب بخط رجل من فقهاء أصحابنا فلم يرد جوابه.
فنظرنا فكانت العلة: أن الرجل تحول قرمطياً(٧٣٩).
٨ - حصانة الوكلاء
وعن الحسن بن الحسين العلوي قال: كان رجل من ندماء روز حسني وآخر معه فقال له: هو ذا يجبى الأموال (يقصد صاحب الأمر صلوات الله عليه) وله وكلاء وسموا جميع الوكلاء في النواحي وأنهى ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير، فهم الوزير بالقبض عليهم.
فقال السلطان: اطلبوا أين هذا الرجل فإن هذا أمر غليظ.
فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض على الوكلاء. فقال السلطان: لا، ولكن دسوا لهم قوماً لا يعرفون بالأموال فمن قبض منهم شيئاً قبض عليه.
قال: فخرج (يعني: من الناحية المقدسة إلى بعض الوكلاء).
(بأن يتقدم إلى جميع الوكلاء: أن لا يأخذوا من أحد شيئاً وأن يمتنعوا عن ذلك ويتجاهلوا الأمر).
فاندس بمحمد بن أحمد رجل لا يعرفه وخلا به فقال: معي مال أريد أن أوصله فقال له محمد: غلطت أنا لا أعرف من هذا شيئاً، فلم يزل يتلطفه ومحمد يتجاهل عليه، وبثوا الجواسيس وامتنع الوكلاء كلهم لما كان تقدم إليهم(٧٤٠).
٩ - مقام أبيك
وعن محمد بن إبراهيم بن مهزيار قال: اجتمع عند أبي مال كثير - بعد مضي أبي محمد (عليه السلام) - وكان اجتمع عند أبي مال جليل، فحمله وركب في السفينة وخرجت معه مشيعاً له، فوعك وعكاً شديداً، فقال: يا بني ردني فهو الموت، واتق الله في هذا المال وأوصى إلي ومات.
فقلت في نفسي: لم يكن أبي يوصي بشيء غير صحيح أحمل هذا المال إلى العراق وأكتري داراً على الشط، ولا أخبر أحداً، فإن وضح لي شيئاً كوضوحه أيام أبي محمد (عليه السلام) أنفذته وإلا تصدقت به.
فقدمت العراق، واكتريت داراً على الشط وبقيت أياماً فإذا أنا برسول معه رقعة فيها:
(يا محمد معك كذا وكذا في جوفاً كذا وكذا).
حتى قص على الجميع ما معي مما لم أحط به علماً، فسلمت المال إلى الرسول، وبقيت أياماً لا يرفع لي رأس، فاغتممت، فخرج إلي:
(قد أقمناك مقام أبيك فأحمد الله)(٧٤١).
١٠ - جواب الثلاثة
وقال الحسن بن فضل بن زيد اليماني:
كتبت في معنيين (أي: في موضوعين) وأردت أن أكتب في الثالث وامتنعت منه مخافة أن يكره ذلك، فورد جواب:
المعنيين والثالث الذي طويته، مفسراً(٧٤٢).
١١ - إلى أحمد بن الحسن
وقال أحمد بن الحسن: وردت الجبل (أي: إيران) وأنا لا أقول بالإمامة، أحبهم جملة إلى أن مات يزيد بن عبد الملك (وفي نسختي الكافي، وإرشاد المفيد: يزيد بن عبد الملك) فأوصى إلي في علته: أن يدفع الشهري السمند. وسيفه، ومنطقته إلى مولاه (يعني: صاحب الأمر عليه السلام) فخفت إن لم أدفع الشهري إلى (اذكوتكين) (حاكم الجبل آنذاك) فالتي منه استخفاف، فقومت الدابة والسيف والمنطقة بألف دينار في نفسي، ولم أطلع عليه أحداً، فإذا الكتاب قد ورد علي من العراق:
(يا أحمد بن حسن الألف دينار التي لنا عندك ثمن الفرس والسيف سلمها إلى أبي الحسن الأسدي).
قال: فخررت لله ساجداً شكراً لما منّ علي وعرفت أنه حجة الله حقاً لأنه لم يكن وقف على هذا أحد غيري، فأضفت إلى ذلك المال ثلاثة آلاف دينار أخرى سروراً بما منّ الله علي بهذا الأمر(٧٤٣).
الشهري السمند: نوع من الفرس.
١٢ - إماماً لك
وبعد موت القاسم بن العلاء خرج التوقيع إلى ابنه الحسن كتاب تعزية وفي آخره دعاء.
(ألهمك الله طاعته، وجنبك معصيته).
(قد جعلنا أباك إماماً لك، وفعله لك مثلاً)(٧٤٤).
١٣ - كفن لآخر
وكتب محمد بن زياد الصيمري يسأل صاحب الزمان (عليه السلام) كفناً يتيمن بما يكون من عنده فورد:
(إنك تحتاج إليه سنة إحدى وثمانين).
فمات رحمه الله في الوقت الذي حده، وبعث إليه بالكفن قبل موته بشهر(٧٤٥) سنة إحدى وثمانين أي بعد المائتين الهجرية.
١٤ - أصلح الله ذات بينهما
وعن أبي غالب الرازي قال - في حديث طويل - كانت منازعة بيني وبين زوجتي وأهلها مدة طويلة وكانت في بيت أبيها، لا تأتيني، فضقت لذلك، فكتبت إلى صاحب الأمر (عليه السلام) أسأله الدعاء فورد الجواب:
(وأما الزراري وحال الزوج والزوجة فأصلح الله ذات بينهما).
فجاءت إلي، فاسترضتني، واعتذرت ووافقتني ولم تخالفني حتى فرق الموت بيننا(٧٤٦).
١٥ - إنك تحتاج إليها
وقال أبو غالب: وقد كتبت رقعة أسأل فيها أن يقبل ضيعتي، وألححت في ذلك فكتب إلي:
(اختر من تثق به فاكتب الضيعة باسمه فإنك تحتاج إليها).
فكتبتها باسم أبي القاسم موسى بن الحسن الزجوزجي ابن أخي أبي جعفر، ثقتي به وموضعه من الديانة والنعمة.
فلم تمض الأيام حتى أسروني الأعراب، ونهبوا الضيعة التي كنت أملكها، وذهبت فيها من غلاتي ودوابي وآلتي نحواً من ألف دينار، وأقمت في أسرهم مدة إلى أن اشتريت نفسي بمائة دينار وألف وخمسمائة درهم ولزمني من أجرة الرسل نحو من خمسمائة درهم، فخرجت واحتجت إلى الضيعة فبعتها(٧٤٧).
١٦ - لك فيها عشرون درهماً
قال محمد بن شاذان بن نعيم: اجتمع عندي مال للغريم (صلى الله عليه) خمسمائة درهم تنقص عشرين درهم، فأبيت أن أبعثها ناقصة هذا المقدار، فأتممتها من عندي فبعثت بها إلى محمد بن جعفر ولم أكتب مالي فيها، فأنفذ إلي محمد بن جعفر القبض وفيه:
(وصلت خمسمائة درهم لك فيها عشرون درهماً)(٧٤٨).
الغريم: كناية عن مولانا صاحب الزمان (عليه الصلاة والسلام وعجل الله تعالى فرجه).
١٧ - وهو أربعمائة درهم
قال الشيخ العمري - نائب الناحية المقدسة -: صحبت رجلاً من أهل السواد (يعني: أهل العراق) ومعه مال للغريم (عليه السلام)، فأنفذه فرد عليه وقيل له:
(أخرج حق ابن عمك منه وهو أربعمائة درهم).
فبقي الرجل باهتاً متعجباً ونظر في حساب المال، وكانت في يده ضيعة لولد عمه قد كان رد عليهم بعضها وذوى عنهم بعضاً، فإذا الذي نص لهم من ذلك المال أربعمائة درهم كما قال (عليه السلام). فأخرجه وأنفذ الباقي فقبل(٧٤٩).
١٨ - كذب الوقاتون
قال علي بن عاصم الكوفي:
خرج في توقيعات صاحب الزمان (عليه السلام):
(ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس)(٧٥٠).
وقال الشيخ محمد بن عثمان العمري - نائب الناحية المقدسة - قدس الله روحه: خرج توقيع بخطه (عليه السلام) أعرفه:
(من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله).
وكتبت أسأله عن ظهور الفرج؟ فخرج في التوقيع:
(كذب الوقاتون)(٧٥١).
وعن أبي عبد الله الصالحي قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمد (عليه السلام) أن أسأل عن الاسم والمكان فخرج الجواب: (إن دللتم على الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلوا عليه)(٧٥٢).
١٩ - عن قوّامهم
عن محمد بن صالح الهمداني(٧٥٣) قال: كتبت إلى صاحب الزمان (عليه السلام): إن أهل بيتي يؤذوني ويقرعونني بالحديث المروي عن آبائك (عليهم السلام) أنهم قالوا: (قوامنا وخدامنا شرار خلق الله) فكتب (عليه السلام):
(ويحكم أما قرأتم قول الله عز وجل: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة)(٧٥٤) ونحن والله القرى التي بارك الله فيها وأنتم القرى الظاهرة(٧٥٥).


 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) يلاحظ قوله تعالى: (وكانوا يستفتحون على الذين كفروا) - إلى آخره - وغيره ويلاحظ تفاسير القرآن عند الحديث عن ذلك.
(٢) إنما ذكرنا لفظ الكفاءات أيضاً تمشياً مع من يفرون من الألفاظ لنستوقفهم كي يتذكروا ويتدبروا وإلا فالمعجزة كفاءة خاصة جعلها الله تعالى في أفراد معينين من البشر.
(٣) يبقى في مجال التحليل الروحي البحث، بحث لم أعرف من سبق إليه، ولعلي أول من يطرحه، ولا أطرحه لاتخاذ موقف معين، وإنما ليكون إشارة الضوء على هذا الطريق الذي قد يعود بحصائل ترفد كثيراً من الغوامض، وتساهم في الإجابة على العديد من المعضلات الروحية. وتمهيداً لهذا البحث الذي سوف أطرحه في صيغة سؤال نقول:
يمكن أن نسمى مجتمع إبراهيم الخليل بـ (مجتمع الإيمان والتسليم) فالناس كانوا - بعد الطوفان مؤمنين ومسالمين، ولكنهم أخطئوا في توجيه الإيمان إلى الأصنام ونمرود، ونمرود ذاته وجد أن الإيمان هو الطابع العام فاستغله لمصلحته الشخصية وصنع الجنة والنار، وحمورابي وجد أن التسليم ظاهرة عامة فاستغله لوضع قانونه، وإبراهيم الخليل في حد ذاته كان إيمانياً، والجانب الإيماني أبرز ظاهرة طبعت حياته، فشيد الكعبة، وكرس المجتمع في اتجاه العبادة، وشرع الحج.
ويمكن أن نسمي مجتمع موسى بن عمران بـ (مجتمع السحر والعسكر) فاتجه الناس إلى استلهام القوى المنظرة والخفية، فعبدوا رمز القوة، فرعون، وخنعوا بجنوده، وقدسوا سحرته، فكانوا مع القوة ولكنهم أخطئوا في تحديد القوة التي يصح اتّباعها، وموسى بن عمران (عليه السلام) كان رمز القوة في أعلى درجاتها، فهو رسول الله الذي خلق السماوات والأرض، وقد انتزع فرعون من عرشه وغلوائه، وأطبق البحر عليه وعلى جنوده، وأتى بتسع آيات بينات أذهلت جميع المتعاملين مع القوى الخفية حتى (قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون). [سورة الأعراف: الآية ١٢١ - ١٢٢].
ويمكن أن نسمي مجتمع عيسى ابن مريم بـ (مجتمع الطب والمغيبات) فاتجه الناس إلى الأطباء والمخبرين عن المغيبات، حتى منحوهم السيادة والقيادة، واتبعوهم في كل ما يقولون وما يتنبئون. وتكريم الأطباء مقبول، فالطب علم إنساني مستحب، واحترام المخبرين عن المغيبات معقول - إذا كان معتمداً على أسس مشروعة - ولكن المغالاة في حقهم حتى اتّباعهم في الإلحاد، وتقديم كلمتهم على كلمة الأنبياء مرفوض، وعيسى ابن مريم (عليه السلام) تجلت معجزاته في تحديات فسيولوجية، جسدية، يمكن تنظيرها بالطب من صياغة طين بهيئة الوطواط والنفخ فيه لينطلق طيراً في الهواء، وشفاء المصابين بالأمراض المستعصية بمسحة يد، وإحياء الأموات - الذين ابيضت عظامهم في ظلام اللحود - بكلمة، وفي الإخبار عن المغيبات حتى ما يكتنزه الناس في بيوتهم.
ويمكن أن نسمي مجتمع الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بـ (مجتمع البلاغة والسيف) فاتجه الناس إلى عبادة البلاغة والسيف، فلم يكن يستحوذ على مشاعرهم إلا رجل البلاغة، ولم يكن يهيمن على حياتهم إلا رجل السيف، والبلاغة في التعبير فضيلة، والسيف لفتح الطريق أمام الحق لابد منه، والانحراف في ذلك أن يكون رجل البلاغة أو السيف حاكماً غير مسؤول. والرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بلغ في البلاغة درجة التحدي العام المطلق (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) [سورة البقرة: الآية ٢٣ - ٢٤]. وبلغ في مقدرته على حمل السيف، أن أعاد الجزيرة إلى صوابها دون أن يقتل سبعمائة رجل، وكانت قبله دولاب دم، ومفرمة بشرية.
وإذا استعرضنا مجتمعات الأنبياء نجد التجانس بينها وبينهم، بفارق واحد، وهو أنها كانت على باطل، وأنهم كانوا على حق.
إذن فالتجانس بين الأنبياء ومجتمعاتهم موجود وواضح: والسؤال هو:
هل المجتمعات هي الأصل، والأنبياء كانوا امتداداتها؟ أو أن الأنبياء هم الأصل والمجتمعات كانت امتداداتهم؟ مع العلم أن ما يؤيده الاختبار الخارجي والقرآن والكريم والسنة المطهرة هو الثاني دون الأول.
وبتعبير أوضح:
هل المجتمع هو الذي يتقلب في أطواره المختلفة، فتقوده محركاته الذاتية في كل بضعة قرون إلى طور معين، نتيجة لتفاعلاته الداخلية المعقدة، كما يغير النهر مجراه بعوامله الخاصة، وكما تغير الأرض مظاهرها الجغرافية وفق معادلاتها الباطنية، فتجعل من قاعات بحار قمم جبال، وتجعل قمم جبال قاعات بحار. أو أن الأنبياء - وأصحاب الولاية منهم بصورة خاصة - طاقات كونية كبيرة، فهم المحركات الأساسية للمجتمعات، فحينما يتجه أي واحد منهم إلى الوجود البشري، تسبقه موجاته وخصائصه إلى المسرح البشري - وهذه ما تسمى في لغة العصر الحديث بـ (الارهاصات) - فتلقفها المشاعر المرهفة في الناس، وإن كانت محطات الاستقبال الشعورية، تلونها في كل فرد بطابعها الخاص، فتظهر موجاته وخصائصه من خلال كل واحد بشكل، فينال كل فرد زخماً جديداً يرفعه إلى مستوى أعلى من مستواه الذي كان عليه قبل اتجاه نبي زمانه إلى الوجود البشري، ولا ينافي ذلك أن يزداد السعيد سعادة وأن يزداد الشقي شقاوة.
تماماً كالنجوم، فكل نجمة تقترب من الأرض، تسبقها كهربتها الخاصة إلى سطح الأرض، فتكون زخماً جديداً ينشط الكائنات الحية وإن كانت تلك الكهربة - نتيجة للتفاعلات المختلفة - تصطنع في كل كائن حي بطابعه، فتكون حدة في الشوك وسماً في الأفعى، وروعة في الوردة، ووهجاً في المعادن.
أرأيت الشمس، كيف يبادر شعاعها إلى الأفق؟ ثم كيف يعزز ذلك الشعاع في المواشير؟ وكيف يطبع بطابع الزجاجات المختلفة التي يمر عبرها؟ وكيف يمنح العيون صفاءً ويزيد الفحم عتمة، ويعطي الصخر صلابة، ويعقد في السنبلة حبة، ويخلع على الأشجار وشاحاً أخضر؟
هكذا نجد خصال كل نبي في قومه، والسؤال الذي بدأنا به:
هل النبي أخذ خصاله من قومه، وبلورها في صيغة نبوية؟ أو أن النبي منح خصاله لقومه، فطبعها كل واحد منهم بطابعه الخاص به؟.. ولا شك أن الثاني هو الصحيح الذي دلت عليه الآيات والروايات والواقع الخارجي. وإذا أردنا الانتقال من أوضاع الأنبياء وتفاعلاتهم مع مجتمعاتهم إلى وضع الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) وتفاعلاته مع مجتمعه، نجد أن خصائصه بدأت تظهر على المسرح البشري منذ أوائل القرن العشرين، فأبرز خصائصه (العلم والقوة) علم يستثمر كل طاقات الأرض والفضاء، فيعيش كل فرد حتى يرى ابناً من صلبه دون أن يكتسحه بؤس أو عناء، وقوة تلف الأرض براية واحدة، وتدع الذئب يرعى مع الغنم في قطيع، وقد بدأ العلم والقوة يطبعان المجتمع البشري كله وفي كل المجالات، بشكل سريع يوحي بأن نجمة العلم والقوة قد اقتربت من الأفق، وحان ظهورها للأبصار.
(٤) سورة العنكبوت: الآية ١٤.
(٥) وهنا يحاول البعض التخلص من دلالات القرآن والتاريخ على أن الإنسان قد يعيش طويلاً، فيقول: (إن العرب في الجاهلية لم يكونوا يعرفون السنين والحساب، ولم يكونوا يفهمون من الظاهر الكونية سوى القمر، فكانوا يحسبون به الأيام، فكان الشهر عندهم سنة، فإذا قالوا خمسين سنة - مثلاً - عنوا خمسين شهراً).
ويمكن الإجابة على هذا القول:
أولاً: إن العرب في الجاهلية لم يكونوا بهذا المستوى.
ثانياً: إن التعبير بالسنة لم يكن مختصاً بالعرب، فكل الناس كانوا يضبطون أعمارهم وأعمالهم بالسنة كما كانوا يضبطونها بالشهر وبالأسبوع وباليوم وبالساعة.
ثالثاً: إن صح هذا القول فعلينا أن نعدل جميع التواريخ، فكلما وردت كلمة (سنة) نبدلها بكلمة (شهر).
رابعاً: علينا بعد ذلك أن نُخطّئ كل التواريخ، لأنها تقول - مثلاً -: فلان عاش سبعين سنة، وتزوج (كذا) من النساء ورزق (كذا) ولداً، وفتح (كذا) بلداً، مما ﻻ يمكن أن يقوم به طفل كل عمره أقل من ست سنوات.
خامساً: إن النصوص الإسلامية التي تحدد أعمار نوح وخضر وإلياس و... نصوص لم تصدر في الجاهلية، وإنما صدرت في الإسلام.
سادساً: إن القرآن بنفسه يتولى تحديد مفهوم السنة في كل الشرائع، فيركز على أن السنة تهني اثني عشر شهراً في كل الديانات، لأن الله قررها هكذا منذ الأزل، فيقول: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم...) [سورة التوبة: الآية ٣٦]. ولا يمكن أن يعلن القرآن هذا القرار بمثل هذا الزخم، ثم يخرج القرآن ذاته على هذا القرار فيستخدم المفهوم الجاهلي للسنة.
(٦) قد يناقش في ذكر عيسى ابن مريم مع بقية العمرين، بأنه يعيش في السماء، فهو خارج عن نطاق هذا البحث، الذي يدرس حدود حياة إنسان الأرض، ولا يحاول دراسة حدود حياة إنسان السماء التي قد تكون حياة روحية أشبه بحياة الملائكة.
وقد نجيب على هذه المناقشة بما يلي:
الأول: صحيح أن الحديث مكرس لمعرفة دود حياة إنسان الأرض، ولكن عيسى ابن مريم إنسان الأرض، وقد عاش فترة من عمره على الأرض، وسيعيش فترة أخرى من عمره على الأرض، وبين هاتين الفترتين يمضي فترة من عمره في السماء وهذا ﻻ يخرجه من نطاق إنسان الأرض.
الثاني: إن أرضنا هذه وكل الأجرام السابحة في الفضاء وكل السماوات داخلة في نطاق الدنيا، فعالم الأرض وعالم السماء عالم واحد، ولعل مقاييس الجسم البشري فيهما واحدة.
الثالث: إن عيسى ابن مريم يعيش الآن في السماء مجسمة الترابي، ولا يعيش بروحه عيشة روحية كالملائكة، وحينما يرجع من السماء إلى الأرض يرجع بجسمه الترابي، وتأكيد القرآن على أن لم يقتل ولم يصلب، للدلالة على أن الله رفعه إليه بجسمه الترابي، وإلا لم تكن مزية لعيسى ابن مريم على غيره، فكل الأموات يرفعون بأرواحهم إلى الله.
(٧) سورة الصافات: الآية ١٤٧.
(٨) سورة سبأ: الآية ٢٨.
(٩) سورة طه: الآية ٤٣.
(١٠) سورة طه: الآية ٤٢.
(١١) سورة يس: الآية ١٤.
(١٢) سورة مريم: الآية ٥٤.
(١٣) سورة البقرة: الآية ١٢٤.
(١٤) لعل القدماء تلقوا معلومات مشابهة لذلك من الأنبياء، وبسبب انحرافهم عن تعاليم الأنبياء، ومع تفاعل غريزة العبادة بالمعلومات الناقصة أو المشوهة اتجهوا إلى تسمية الملائكة الموكلين بالاقسام التكوينية (آلهة) ثم اتجهوا إلى نحت التماثيل لهم لذلك نجد الشبه بين اختصاصات (آلهة) القداس ومهمات الملائكة الموكلين بالأقسام التكوينية.
(١٥) سورة آل عمران: الآية ٢٠.
(١٦) سورة الغاشية: الآية ٢١.
(١٧) سورة طه: الآيات ٢ و٣.
(١٨) سورة الإسراء: الآية ٣٩.
(١٩) سورة الإسراء: الآيات ٧٤ و٧٥.
(٢٠) سورة الحاقة: الآيات ٤٤ - ٤٧.
(٢١) سورة النجم: الآية ٣-٤.
(٢٢) سورة الأعراف: الآية ١٥٥.
(٢٣) سورة الأعراف: الآية ١٤٣.
(٢٤) سورة البلد: الآية ١٠.
(٢٥) سورة الشورى: الآية ٥١.
(٢٦) سورة النجم: الآية ٩.
(٢٧) سورة النمل: الآية ١٦.
(٢٨) سورة النازعات: الآية ٥.
* يلاحظ أن هذه مصطلحات لا نكاد نعرف مغزاها، فإنها غالباً أعمق من تفكير البشر، وقدرته المعنوية...
(٢٩) سورة الأعراف: الآياات ١٧٥ - ١٧٦.
(٣٠) سورة الشعراء: الآية ٢١٩.
(٣١) من زيارة وارث التي يزار بها الحسين (عليه السلام).
(٣٢) سورة آل عمران: الآية ٣٩.
(٣٣) سورة البقرة: الآية ٣٧.
(٣٤) سورة التحريم: الآية ١٢.
(٣٥) سورة الكهف: الآية ٦٥.
(٣٦) سورة النمل: الآية ٤٠.
(٣٧) سورة الرعد: الآية ٤٣.
(٣٨) سورة البقرة: الآية ١٢٤.
(٣٩) سورة النساء: الآية ١٧١.
(٤٠) سورة آل عمران: الآية ٤٥.
(٤١) سورة البقرة: الآية ٣١.
(٤٢) سورة طه: الآية ١١٥.
(٤٣) سورة البقرة: الآية ٣٧.
(٤٤) البقرة: الآية ٢٥٣.
(٤٥) سورة يونس: الآية ٣٨.
(٤٦) سورة يونس: الآية ٣٨.
(٤٧) سورة هود: الآية ١٣.
(٤٨) غيبة الطوسي: ص٢٤٣.
(٤٩) منتهى المقال: ج١ ص٢٤١.
(٥٠) غيبة الطوسي: ص٢٥٧.
(٥١) جامع الرواة: ج٢ ص١٥٣.
(أقول) يتكرر هنا في هذا الفصل ذكر كتاب (ربيع الشيعة) ونسبته إلى السيد ابن طاووس (قدس سره) لكن في النسبة إشكالاً يظهر مما ذكره المحقق النوري (قدس سره) في المستدرك (ج ٣ ص٤٦٩) كما يلي: عد العلامة المجلسي في أول البحار من كتبه ربيع الشيعة وقال بعد ذلك وكتب السادة الأعلام ابنا طاوس كلها معروفة وتركنا منها كتاب ربيع الشيعة لموافقته لكتاب أعلام الورى في جميع الأبواب والترتيب وهذا مما يقضي منه العجب، وقال العالم الجليل المولى عبد النبي الكاظمي في حاشية كتابه (تكملة الرجال) قد وقفت على أعلام الورى للطبرسي وربيع الشيعة لابن طاوس وتتبعتهما من أولهما إلى آخرهما فوجدتهما واحداً من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم ولا تأخير أبداً إلا الخطبة وهو عجيب من ابن طاوس على جلالته وقدرته وعن هذا العمل ولتعجبي واستغرابي صرت احتمل احتمالات فتارة أقول لعل ربيع الشيعة غيره ونحو هذا حتى رأيت المجلسي (رحمه الله) في البحار ذكر الكتابين ونسبها إليهما ثم قال هما واحد وهو عجيب وقال في حاشية أخرى كنت أنقل عن ربيع الشيعة لابن طاوس وأعلام الورى فرأيتهما من أولهما إلى آخرهما متحدان ﻻ ينقصان شيئاً ولا يتغيران ﻻ عنواناً ولا ترتيباً ولا غير ذالك إلا خطبتهما فأخذ في العجب العجاب وحدست أن ﻻ يكونا كتابين واحتملت أن يكون اشتباهاً من الناس تسمية أحدهما ربيع الشيعة فتتبعت كتب الرجال فلم أجد أحداًٍ ذكر اتحادهما حتى وقفت على البحار فوجدت ذكر كتاب ربيع الشيعة أنه هو بعينه أعلام الورى وتعجب هو من اتحادهما انتهى.
قلت هذا الكتاب غير مذكور في فهرست كتبه في كتاب إجازاته ولا في كشف المحجة وما عثرت على محل أشار إليه وأحال عليه كما هو دأبه غالباً في مؤلفاته بالنسبة إليها وهذان الجليلان مع عثورهما على الاتحاد واستغرابهما لم يذكرا له وجهاً وقد ذاكرت في ذلك مع شيخنا الأستاذ طاب ثراه فقال وأصاب في حدسه أن الظاهر أن السيد عثر على نسخة من الأعلام لم يكن لها خطبة فأعجبه فكتبه بخطه ولم يعرفه وبعد موته وجدوه في كتبه بخطه ولم يكن لهم علم بأعلام الورى فحسبوا أنه من مؤلفاته فجعلوا له خطبة على طريقة السيد في مؤلفاته ونسبوه إليه ولقد أجاد فيما أفاد.
(٥٢) رجال الكشي: ص٤٨٥.
(٥٣) جامع الرواة: ج١ ص٤٤.
(٥٤) غيبة الطوسي: ص١٧١.
(٥٥) جامع الرواة: ج١ ص٣٥ ومستدرك الوسائل: ج٣ ص٥٥٠.
(٥٦) رجال النجاشي: ص٧١.
(٥٧) الغيبة: ص٢٥٨.
(٥٨) إكمال الدين: ص١٨٩.
(٥٩) جامع الرواة: ج١ ص٤٢ - ١٣١.
(٦٠) إكمال الدين.
(٦١) جامع الرواة: ج١ ص٤٢ - ١٣١.
(٦٢) إكمال الدين.
(٦٣) عن رجال الكشي: ص٤٨٥.
(٦٤) جامع الرواة: ج١ ص٤٢ - ١٣١.
(٦٥) جامع الرواة: ج٢ ص٤٢٧ - ٨٣.
(٦٦) جامع الرواة: ج٢ ص٤٢٧ - ٨٣.
(٦٧) إكمال الدين.
(٦٨) فهرست الشيخ (قدس سره): ص١٧٩.
(٦٩) نقلاً عن غيبة الطوسي: ص٢٥٧.
(٧٠) رجال النجاشي: ص٢٥٧.
(٧١) رجال النجاشي: ص٢٥٧.
(٧٢) إكمال الدين.
(٧٣) جامع الرواة: ج٢ ص١٩.
(٧٤) غيبة الشيخ: ص١٨٨ وبعدها.
(٧٥) جامع الرواة: ج٢ ص١٣٠.
(٧٦) جامع الرواة: ج١ ص٦١.
(٧٧) جامع الرواة: ج١ ص٦١.
(٧٨) هو السفير الثاني أو الثالث على الظاهر.
(٧٩) كتاب الغيبة للطوسي (قدس سره): ص١٨٧.
(٨٠) جامع الرواة: ج١ ص٣٣.
(٨١) عن رجال الكشي: ص٥٠٨.
(٨٢) الغيبة: ص٢٥٨.
(٨٣) ترجم له في (خلاصة الرجال) ص٩، والوسائل ج٢٠ ص١٢٢ ومستدرك الوسائل: ج٣ ص٥٥٠.
(٨٤) الوسائل: ج٢٠ ص١٣٣.
(٨٥) جامع الرواة: ج١ ص٤١.
(٨٦) جامع الرواة: ج١ ص٤٢، ترجم له رجال النجاشي: ص٦٦ وخلاصة الرجال: ص٨، والغيبة: ص٢٥٨.
(٨٧) الوسائل: ج٢٠ ص١٤٥.
(٨٨) الغيبة: ص٢١٢، ترجم له أيضاً رجال النجاشي: ص٧٤، والفهرست للطوسي: ص٤٠ وخلاصة الرجال: ص٧.
(٨٩) جامع الرواة: ج١ ص٣٠٧.
(٩٠) إلزام الناصب: ج١ ص٤٢٧.
(٩١) وسائل الشيعة: ج٢٠ ص١٩٠.
(٩٢) جامع الرواة: ج١ ص٣٠٧.
(٩٣) رجال النجاشي: ص١١٣ - ومعالم العلماء: ص٤١ - وخلاصة الرجال: ص٣٤ - ورجال الشيخ الطوسي (قدس سره): ص٤١٤.
(٩٤) الجهة المقدسة قد تكون كناية عن ناحية صاحب الأمر (عليه السلام).
(٩٥) فيكون المقصود بـ (أبي محمد) الإمام الرضا (عليه السلام)، وإلا لو كان المراد به الإمام الحسن العسكري فهو غير صحيح إذ لا أخ لصاحب الامر (عليه السلام).
(٩٦) جامع الرواة: ج١ ص٤١.
(٩٧) بحار الأنوار: ج٥٣ ص١٩٧.
(٩٨) جامع الرواة: ج٢ ص٥٨ - ٦٣.
(٩٩) إلزام الناصب: ج١ ص٤٢٧.
(١٠٠) جامع الرواة: ج١ ص٦١٨.
(١٠١) كان الإمام الشهيد الشيرازي المؤلف (قدس سره) أراد في هذا الفصل أن يسجل العشرات من آيات القرآن المفسرة، والمُأوّلة (بالإمام المهدي) عليه الصلاة والسلام، ويعطي كل واحدة منها شيئاً موجزاً من التحليل والتوضيح.. لكنه - كما يبدو - لم يكن بعد قد سجل سوى مورد واحد من القرآن الحكيم حتى أسرعت إليه الأيدي الظالمة تصرع شهيداً في سبيل الإسلام.. رضوان الله عليه.
(١٠٢) هنا انتهى المؤلف الشهيد (قدس سره) من وضع هذه المقدمة ولم ينته بعد ما أراد إثباته فيها، فهذه المقدمة تعاني من عدم إكمال نتيجة رصاصات الغدر من بعث العراق عصر يوم الجمعة ١٦ جمادى الثانية ١٤٠٠ هجرية فإنا لله وإنا إليه راجعون. الناشر.
(١٠٣) أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، الاحتجاج ص٣٢٢ - ٣٢٤ ج٢ طبع النجف ١٣٨٦هـ. ذكر كتاب ورد من الناحية المقدسة حرسها الله ورعاها في أيام بقيت من صفر سنة عشر وأربعمائة على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان قدس الله روحه ونور ضريحه، ذكر موصله أنه يحمله من ناحية متصلة بالحجاز، نسخته:...
(١٠٤) في إعطاء المفيد هذه الأوصاف (الأخ السديد والولي الرشيد) والأوصاف التالية في الرسالة، والدعاء له بالدوات المتعددة في غضون الرسالة، ثم في تقديم اسمه على اسم الإمام المهدي، تكريم ما فوقه تكريم. والمعروف أن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو الذي أطلق عليه لقب المفيد.
(١٠٥) الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام البغدادي، أول من جسد المرجعية الشيعية، بعد انتهاء الغيبة الصغرى وابتداء الثيبة الكبرى فانعكست الصيغة المرجعية على الطبيعة من خلاله، بعد أن بقيت برهة من الزمان فكرة فضفاضة ﻻ تتراهى على أحد.
ولكن المفيد تصدى للقيادة المرجعية - وبتوجيه مباشر من الإمام المهدي (عجل الله فرجه) - واجتمعت فيه مؤهلات جمعت عليه كلمة الشيعة بلا منازع. فكان أولى من تجتمع عليه كلمة الشيعة بعد الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
وهذه الظاهرة تعبر عن مدى عظمة الرجل إذ الرجل إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما يلي:
١- إن المطامح الشيعية - تعلقت من خلال قيادات النبي والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) - تعلقت بنوع فريد من القيادات السماوية، عز نظيرها في الكون كله، ﻻ في التاريخ المنظر وغير المنظر فحسب، ولذلك كانوا أشد الناس على القيادات الأرضية. وفي الغيبة الصغرى بقي النواب الأربعة - بتوجيهات الإمام المهدي (عجل الله فرجه) - يهدهدون تلك المطامح، فيبادرون بعض مراجعيهم بالجواب قبل أن يبدأ بالسؤال، أو يخبرونه بحين موته أو موعد شفائه من مرضه. بالإضافة إلى أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم مجرد وسطاء بين الإمام المهدي وشعته، وربما يرافقون بعض الأشخاص لمقابلة الإمام فكانوا يتجاوبون مع المطامح الشيعية بشكل أو بآخر.
وبوفاة علي بن محمد السمري، وجد الشيعة أن قيادتهم انحصرت في فقهائهم، وفقهائهم ﻻ يتميزون عنهم إلا بقسط من المعلومات، فأصيبوا بفراغ قيادي ضاغط. فإجماعهم على الشيخ المفيد دليل على أنهم وجدوا فيه أكثر من مجرد فقيه.
٢- بمجرد إعلان الإمام المهدي (عليه السلام) الغيبة الكبرى والقيادة اللامركزية انقطاع الأبواب إليه من خلال التوقيع الذي صدر إلى إسحاق بن يعقوب على يد محمد بن عثمان العمري عادت أفكار الفقهاء إلى ما لديها من تراث روائي في الفقه والتفسير والعقائد وغيرها وبدأوا عملية الاعتماد على النفس في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. فتفرق العلم بين أهله وكان يرى رأيه حجة فيما بينه وبين الله، فاجتماعهم على الشيخ المفيد دليل على أنهم وجدوا فيه أكثر من مجرد فقيه.
وقد بدأ الشيخ المفيد يتجاوب مع المطامح القيادية الشيعية بعض الشيء، ويملأ شيئاً من الفراغ القيادي الذي أصيبت به الشيعة على أثر بدء الغيبة الكبرى من خلال ما يلي:
١- مواهبه الشخصية، فقد كان لغوياً جامعاً، وفقيهاً بارعاً، ومتكلماً لم ينهزم في خصام. ونكتفي في هذا المجال بتسجيل بعض ما كتب عنه أو قيل:
كتب الشيخ الطوسي في رجاله ص٥١٤: (محمد بن محمد بن النعمان جليل ثقة).
وكتب الشيخ الطوسي في (الفهرست) ص١٨٦: (محمد بن محمد بن النعمان المفيد يكنى (أبا عبد الله) المعروف بابن المعلم من جملة متكلمي الإمامية، انتهت إليه رئاسة الإمامية في وقته، وكان مقدماً في العلم، وصناعة الكلام، وكان فقيهاً متقدماً فيه حسن الخاطر، دقيق الفطنة حاضر الجواب). وكتب النجاشي في رجاله ص٣١١: (شيخنا وأستاذنا رضي الله عنه، فضله أشهر من أن يوصف في الفقه، والكلام، والرواية).
وكتب العلامة الحلي في (خلاصة الرجال) القسم الأول ص١٤٧: (محمد بن محمد بن النعمان... من أچل مشايخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، وكل من تأخر عنه استفاد منه).
وكتب الشيخ عباس القمي في كتاب (الكنى والألقاب) ج٣ ص١٦٤: (أبو عبد الله محمد بن النعمان... كثير المحاسن، جم المناقب، حديد الخاطر، حاضر الجواب، بلغ الرواية، خبير بالأخبار والرجال والأشعار. وكان أوثق أهل زمانه بالحديث، وأعرفهم بالفقه والكلام).
وكتب بعض علماء العامة عنه: (شيخ مشايخ الإمامية، ورئيس الكلام والفقه والجدل. وكان يناظر أهل كل عقيدة، وكان كثير الصدقات عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم خشن اللباس، وكان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر... وكان كثير التقشف والانكباب على العلم، وكان يقال: له على كل إمامي منّة...).
قال عنه الشريف أبو يعلى الجعفري - وكان قد تزوج بنت المفيد -: (ما كان ينام الليل إلا هجعة، ثم يقوم، يصلي أو يطالع أو يدرس أو يتلو).
وكتب عنه ابن النديم: (في عهدنا انتهت رياسة متكلمي الشيعة إليه، مقدم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعاً).
٢- مؤلفاته: فلعل الشيخ المفيد أول من ألف بالأسلوب الموسوعي في معارف الشيعة ومجموعة مؤلفاته تعتبر موسوعة شيعية تناول فيها أكثر المواضيع التي يحتاج إليها الفقهاء والرواة والمفسرون. وقد أكثر من التأليف وأحسن.
فقد أثبت النجاشي في ترجمته قائمة بأسماء كتبه، فبلغت (١٧٤) كتاباُ. وقال الشيخ الطوسي والعلامة الحلي وغيرهما: له قريب مائتي مصنف كبار وصغار.
٣- تلامذته، فقد عهد بنفسه تربية طلابه، وكانت له حوزة واسعة تضم خيرة مثقفي الشيعة في عهده حتى نصب له منبر عديد الدرجات للدرس، ولم يكن يكتفي بتثقيفهم فحسب، وإنما يعتني بتربيتهم على التقوى والصلاح، ويكفي أنه ظهر في تلامذته الشريفان: الرضي، والمرتضى، والشيخ الطوسي...
٤- جهاده، فحيث أنه جسد الشيعة علماً، ومثلهم قيادة، تركزت ضده التحديات الطائفية، وقد هاجم المتطرفون السنة أكثر من مرة مسجده، وفتكوا بالشيعة وهم يؤدون فريضة الصلاة، وذات مرة هاجموا منزله وأحرقوا مكتبته التي كانت تضم مخطوطات نفيسة جداً، ولكنه صمد في كل تلك الأزمات واستطاع أن يتغلب - بحكمته - على الموقف دون أن يثير حرباً طائفية.
٥- علاقته بالإمام المهدي، فقد كان يتردد على من عاصرهم من النواب الأربعة، وبقي بعدهم على علاقته بالإمام المهدي بالمراسلة - وربما بالمشاهدة - ويذكر العلامة الحلي - في الرجال الكبير - قصة خلاصتها أن الإمام المهدي هو الذي أطلق عليه لقب: (المفيد)، والمعروف أنه هو الذي أمره بالفتوى، وعندما أخطأ في فتوى صحح الإمام فتواه، وعندما اعتزل الفتوى قال له الإمام: (أيها الشيخ المفيد منك الفتوى ومنا التسديد) ويقال: أنه عندما توفي وقف الإمام المهدي (عليه السلام) على قبره وأبنه بهذه الأبيات:

ﻻ صوت الناعي بفقدك أنه * * * يوم على آل الرسول عظيم
إن كنت قد غيبت في جدث الثرى * * * فالعلم والتوحيد فيك مقيم
والحجة المهدي يفرح كلما تليـ * * * ـت عليك من الدروس علوم

وهكذا كان الشيخ المفيد نموذجاً رائعاً للمرجع الديني في ذلك الوقت المبكر، واستطاع أن يوحد كلمة الشيعة بعد أن تمكنت منهم عوامل التمزق والانهيار.
ولعل الأسباب التي وجهت اهتمام الإمام المهدي (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد تتلخص في أمرين:
١- قابلياته النفسية، وإخلاصه الكبير وعلمه الغزير، وجهاده المتواصل وسائر المواهب التي توفرت فيه بزخم. فالمؤهلات التي جعلته أفضل أهل زمانه كان من الطبيعي أن يعطف عليه اهتمام الإمام، حتى ولو تكن قضيته المرجعية مطروحة.
٢- محاولة الإمام المهدي - من خلاله - توظيف القيادة اللامركزية في إبراز ظاهرة المرجع الأعلى، الذي ﻻ يمنع تنمية القابليات المرجعية ضمن نظام هرمي يحافظ على القمة، في الوقت الذي يشجع حركة التصعيد في المتوهجة من القواعد، حتى ﻻ ينتهي أمر المرجعية إلى إظهار عدد من الفقهاء، تتمزق بينهم الطائفة إلى كتل متنافسة أو متعايشة ﻻ تتمكن منها إرادة شمولية واحدة تستطيع التوجيه العام في أحيان السلم، والتعبئة العامة في مواجهة التحديات.
وعندئذ يكون الفارق بين القيادتين: أن القيادة اللامركزية تعني استناد القيادة إلى مواصفات معينة، في أي شخص توفرت، وفي أي مكان وجد. فيما القيادة المركزية ﻻ تكتفي بمجرد المواصفات، وإنما تنتظر تعيين الأسماء بدلالة واضحة ﻻ لبس فيها ولا غموض.
ولد (رحمه الله) ببغداد سنة ٣٣٨هـ، وتوفي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة ٤١٣ عن عمر يناهز السادسة والسبعين، واشترك في تشييع جثمانه ثمانون ألف نسمة، وأدى الصلاة على جثمانه الشريف المرتضى بميدان (الاشنان) ببغداد حيث ازدحم بالمصلين على سعته ووري جثمانه الثرى في جوار الإمامين الكاظمين (عليهما السلام)، بمدينة الكاظمية، حيث مزاره الآن. ورثاه الإمام المهدي بأبيات من الشعر - مر نقلها - وقد كتبها على ضريحه، ورثاء الشريف المرتضى ومهيار الديلمي بقصيدتين من روائع الشعر فرحمه الله وطيب ثراه.
(١٠٦) في مجموعة من آيات القرآن إشارة إلى (العهد) و(الميثاق) والإهابة بالالتزام بهما، والتأنيب على نقض ذلك العهد، كقوله تعالى: (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) سورة الرعد، آية ٢٠. (ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً) سورة النمل، آية ٩٥. (ألم عهد إليكم يا بني آدم أن ﻻ تعبدوا الشيطان) سورة يس، آية ٦٠. (ومن أوفى بما عاهد عليه الله، فسيؤتيه أجراً عظيماً) سورة الفتح، آية ١٠. (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) سورة الرعد، آية ٢٥.
ولقد أخذ الله العهد والميثاق من الناس في عالم سابق على هذا العالم، لعله عالم الذر الذي تحدث عنه القرآن بقوله: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بل شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) سورة الأعراف، آية ١٧٢.
وصيغة العهد كانت تحتوي على بنود عديدة يمكن تبين بعضها من خلال بعض الروايات وآيات العهد والميثاق، أولها: الإيمان بالله ونبذ كل ما يعبد من دون الله. وثانيها: الإقرار بنبوة الأنبياء ووصاية أوصيائهم. وسائر أصول الدين وبعض فروعه حتى الجهاد في سبيل الله، وعدم الفرار من الزحف، كما يظهر من قوله عز وجل: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) سورة الأحزاب، آية ٢٣. (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ﻻ يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولاً) سورة الأحزاب، آية ١٥. بناءً على أن (عهد الله) - كلما ورد في القرآن - هو العهد الذي سبق خلق الأجساد.
وهذا العهد وإن لم يدخل في ذاكرة الجسد، إلا أنه مخزون في ذاكرة الروح، التي قد يصح التعبير عنها بالعقل الباطن، ونتيجة لتفاعل الروح والجسد ينعكس هذا العهد عليهما وقد يعبر عن نفسه فيما يسمى بالضمير.
والذين يجسدون على الأرض هذا العهد - نيابة عن الله - هم الأنبياء والأوصياء كل منهم في دوره وهذا الدور الذي نعيشه دور الإمام المهدي فهو الذي يجسد ذلك العهد.
فقوله: (مستودع العهد المأخوذ على العباد) يعني نفسه.
(١٠٧) أحمد إليك الله: أحمد معك الله. هكذا ورد في اللغة. والمعنى: أحمد الله موجهاً حمدي إليك. لأن الإنسان قد يحمد الله بينه وبين الله، وربما يحمد الله بينه وبين الناس تعليماً أو شعاراً كما قد يلبي سراً وربما يجهر بها.
(١٠٨) يظهر من هذا النص ما يلي:
أ: إن قرارات الإمام المهدي - باعتباره وصياً معصوماً - ليست قراراته الشخصية وإنما هي قرارات السماء، فهو لم يراسل الشيخ المفيد إلا بإذن من مصدر القرار، وليس معنى إذنه نزول الوحي إليه بمراسلة المفيد، لأن (إذن الله) هو الاستمرار في السماح باستخدام الصلاحيات المخولة، بعدم وضع حد لها، بينما (أمر الله) هو التأسيس، عن طريق التكوين في المجال الكوني، وعن طريق الطلب في المجال الشرعي.
وبهذا توحي موارد استخدام كلمة (الإذن) في القرآن:
(فهزموهم بإذن الله) سورة البقرة، آية ٢٥١.
(وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب) سورة الرعد، آية ٣٨.
(كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) سورة البقرة، آية ٢٤٩.
فإذن الله للإمام المهدي أن يطلق له حرية استخدام الصلاحيات التي خولها إياه، ضمن المقاييس المقررة له.
ب: إن هذه الرسالة فاتحة رسائل عديدة تلقاها المفيد من قبل الإمام المهدي (عليه السلام) وإن لم يصل إلينا منها إلا هذه الرسالة وتاليتها. فقوله: (أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة، وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا... واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما نرسمه) يدل على أن الإمام المهدي (عليه السلام) اختار المفيد للقيام بدور معين مدى تبقى من حياة الثاني.
ج: إن غيبة الإمام المهدي تدرجت في ثلاث مراحل:
الأولى: مرحلة القيادة بالوسائل حيث غيّر الإمام المهدي القيادة المباشرة إلى القيادة بالوسائط فقلص إطلالاته على جماهير الشيعة واكتفى باستقبال من يختار من علماء الشيعة ومحدثيهم، ولكن بلا موعد مسبق، وبدون مكان محدد من قبل، وذلك خلال السنوات الأخيرة من حياة والده العسكري وبعد وفاته بقليل.
الثانية: مرحلة السفراء الأربعة، حيث كان يتصل بالشيعة عبرهم، فيكتب الجواب على رسائلهم بخطه وتوقيعه. وقد يستقبل بعض الشيعة بواسطتهم وذلك خلال ثلاثة أرباع قرن تقريباً.
الثالثة: مرحلة المراسلة، حيث حصر اتصالاته في مراسلة شخص معين هو الشيخ المفيد وهي مرحلة وسطى بين النيابة الخاصة التي تولاها النواب الأربعة، ومرحلة النيابة العامة التي يتولاها الفقهاء المراجع.
وبعدها أصبحت الغيبة الكبرى، حيث ﻻ اتصال بعامة الشيعة وإنما يتصل ببعض خواص الشيعة عبر لقاءات سريعة ومتباعدة وخاصة للغاية، مكتفياً بالقيادة المرجعية.
(١٠٩) لعله يعني بـ (ما تذكره) الروايات المتوفرة لديه.
(١١٠) منزل الإمام المهدي وعائلته في (جزيرة خضراء) ولكنها ليست معروفة بين الجزء المنتشرة على صخار البحار، كل ما هنالك أنها ليست خاضعة لسلطة سياسية، لأن الإمام المهدي هو الوحيد الذي يظهر وليست في عنقه بيعة لأحد ولا يعني ذلك أنه ﻻ ينتقل في المدن ولا يلتقي الناس كل ما هنالك أنه ﻻ يعلن عن نفسه. فعندما يظهر يقول بعض الناس: أهذا هو الإمام المهدي؟ لقد كنا نراه ولا نعرفه.
(١١١) إحاطة الإمام المهدي بأبناء شيعته يمكن أن تكون بإحدى الطرق التالية:
أ: الرؤية الثاقبة الشاملة التي وهبها لرسله وأوصيائهم المعصومين، وتحدث عنها في مقام استعراض المرحلة الأولى من مراحل انفتاح إبراهيم الرسالي قائلاً: (... وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) سورة الأنعام، آية ٧٥. أو كما في الحديث الشريف الذي مضمونه: (إن الأرض لدى الإمام كالدرهم في كف أحدكم، يقلبها كيف يشاء).
ب: الوسائط الملكوتية التي يتعامل معها الإمام المعصوم بمقتضى مقام الولاية ففي الحديث الشريف - ما معناه -: إن الملائكة تعرض أعمال الخلائق على ولي الله كل أسبوع مرتين.
ج: الأجهزة البشرية المؤلفة من كبار الصالحين - الذين يعبر عنهم بأوتاد الأرض - وهم على اتصال شبه مستمر بالإمام المهدي، ويتعامل معهم تعامل الأنبياء والأوصياء مع حواريهم.
وعلى أي حال، الإمام المهدي ﻻ يعدم الوسيلة للاطلاع على أوضاع شيعته، إن لم تكن الوسيلة السماوية فالوسيلة الأرضية، فهو في أدنى الاحتمالات - ﻻ يقل عن أي قائد عادي يتابع أوضاع أتباعه.
(١١٢) أي نعرف الذل الذي أصابكم، ولعل كلمة (معرفتنا) مبتدأ لخبر محذوف هو (ثابتة) أو ما بمعناه.
(١١٣) أي من السلف، باعتبار أن السلف هو الذي عاهد النبي (صلّى الله عليه وآله) وبايعه، والخلف أقر ما عليه السلف باستمراره في الإسلام كما قبله السلف ما لم يصدر منه اعتراض.
(١١٤) فالإمام المهدي يرعى شيعته ويدافع عنهم بمختلف الأساليب المتاحه له، وبشتى قدراته المادية والمعنوية، كما يجند أي إمام طاقاته لحماية جماعته. ولا شك أن لحماية الإمام المهدي أثراً بالغاً في صرف الأخطار عن شيعته.
(١١٥) اللأواء: الشدة وضيق المعيشة.
(١١٦) اصطلمكم: استأصلكم.
(١١٧) انتياشكم: انتشالكم.
(١١٨) أناف على الشيء: طال وارتفع عليه.
(١١٩) الأزوف: الاقتراب.
(١٢٠) سورة الصف: آية ٨.
(١٢١) أي اتقوا من إشعال نار الجاهلية، فإنكم إن أشعلتموها تستغلها عصابات أموية، إن لم تكن أموية النسب فأموية المسلك، وترعب بالنار ذاتها فرقة مهدية هي أنتم، فتكونوا أنتم الذين أشعلتم النار على غيركم ثم ﻻ تخمد إلا وتكونوا أنتم الذين احترقتم بها.
وقال: (اعتصموا بالتقية) بدلاً من الاعتصام بالمسبقات الموروثة التي تتجمع في المذهب والمراد من التقية - هنا - ليس كتمان العقيدة التي يحاربها المجتمع وإنما الهروب من الفتنة التي يشجعها المجتمع. وعبر بـ (نار الجاهلية) عن الحرب الطائفية تشديداً في استنكارها.
(١٢٢) حش - وحشاً الحرب: هيجها. و- النار: أوقدها وحركها بالمحش. والمحش: حديدة تحرك بها النار.
والعصب: جمع عصبة، وهي الجماعة من الرجال والخيل والطير.
(١٢٣) المواطن الخفية هي العورات أي النقاط الحساسة، لأن الإنسان الذي نازل قوماً قد يرميهم في مظاهرهم فلا يوجعهم فلا يبالون به، أو ﻻ يكلفون أنفسهم عناء الرد عليه، وربما يناضلهم فيستهدف مقاتلتهم فلا يملكون الإعراض عليه، فيكون موقفه هو موقف من يدعوهم إلى الإجهاض عليه.
(١٢٤) الظعن منها هو الارتحال عنها.
وقد يكون في طبائع الناس شيء يوزعهم إلى تجار حروب ومصلحين، فهنالك من إذا رأى الحرائق تشتعل يروق له أن يلعب على تناقضاتها، فلا بد أن تمتد ألسنة اللهيب إليه لتخطفه وتزج به الحومة، وإلى جانبه من إذا رأى أزمة تحيط به ﻻ يسمح للأمر الواقع أن يأخذه إلى ما لم يخطط له، وإنما يحاول فرض موقفه على الأزمة - بسحب مبرراتها حتى تنطفئ - أو حسن التخلص منها أن عجز عن الإصلاح.
وقد يلاحظ الفرق بين كلام الإمام المهدي - هذا - وموقفه المبدئي الثابت، فهو هنا يوجه إلى حسن التخلص من الأزمات، بينما هو يهيئ لثورة عالمية شاملة تغطي جميع مظاهر الحياة.
ولكنها ملاحظة ساذجة نتجاوز العوامل المبدئية التي تفرز المواقف والتوجيهات، فقد تكون قضية مقدسة مطروحة على الساحة، تفرض على القيمين عليها الكفاح دونه بلا هوادة، وربما تكون الأنانيات الانفصالية هي التي تنزف مجتمعاً ﻻ خط له ولا هدف فعلى كل قادر أن يعجل لإيقاف النزيف أو النجاة بنفسه من النزف المهدور..
(١٢٥) المارق: النافذ من كل شيء. - ومنه المارق الخارجي لمروقه من الدين الجمع: مارقون ومراق.
(١٢٦) في هذه الرسالة وفي الرسالة التالية تنبؤات لم نحاول استباق القراء إليها، وفضلنا تركها مفتوحة ليفسر كل حسب معلوماته ومستواه.
(١٢٧) ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) يفاجئ العالم غير المؤمن به والمؤمن به على حد سواء، فالعلائم المروية نظمت بشكل تحتمل تطبيقات مختلفة، ولعل الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) تعمدوا صياغها بهذا الشكل - بأمر الله تعالى - لإبقاء كل الأجيال التي عاصرت فترة الغيبة في حالة تهيؤ وترقب، ففي أي يوم يظهر فيه يكون ظهوره مسبوقاً بعلامات ومفاجئة في الوقت ذاته.
وكما يكون ظهوره مفاجئة، تكون تلبيته لنداءات المتوسلين به مفاجئة، فمن الثابت أنه يجيب بعض المتوسلين به ولا يجيب البعض الآخر، فكل متوسل به ﻻ يعلم هل هو ممن يجيبهم أو ممن ﻻ يحبهم، فإذا أجابه كان مسبوقاً بوعد ومفاجئة في الوقت ذاته.
وهذه ظاهرة طبيعية في حالة الغيبة، حيث ﻻ يستطيع أكثر الناس مقابلته ومشافهته، ليعرفوا ما إذا كان على استعداد لإجابتهم أو لا؟
(١٢٨) لعل هذا النص يفسر بيوم الظهور (بعض آيات ربك) في قوله سبحانه: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك ﻻ ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا إنا منتظرون) سورة الأنعام، آية ١٥٨.
وكأن القرآن يقول: لماذا ﻻ يعود الكفار والفساق إلى الإيمان والصلاح، مع تكاثر البراهين والدلائل؟ هل ينتظرون أحد الأيام الثلاثة الحاسمة؟ إذا كانوا ينظرون ذلك فعليهم أن يعرفوا أنه إذا جاء أحد تلك الأيام فلا تنفع أوبة الكفار ولا توبة الفساق. فليبادروا إلى الإيمان والصلاح قبلها. وهذه الأيام الثلاثة هي:
١- يوم الموت، حيث يكشف الغطاء عن المحتضر فيرى الملائكة. وقد رمز إليه القرآن بقوله: (... أن تأتيهم الملائكة).
٢- يوم القيامة، حيث تظهر كل الحقائق والأسرار التي بشر أو أنذر بها الرسل والرسالات وتفعم الأجواء بأكبر قدر من الآيات الواضحة، حتى كأن الله - بكل ما يرمز إليه - قد أتى. وقد أشار إليه القرآن بقوله: (... أو يأتي ربك).
٣- يوم ظهور الإمام المهدي الذي هو التحول الكبير، وقد عبر عنه القرآن بقوله: (... أو يأتي بعض آيات ربك).
فلا يمكن التشكيك في أن الظهور - باعتباره مبدأ الرجعة - أهم المنعطفات في حياة البشر، لأنه تحول من مرحلة التعامل بمقتضى الظاهر إلى مرحلة التعامل بمقتضى الواقع، وانتقال من فترة الانفلات إلى فترة الانضباط، وقفزة من دورة السكون النسبي إلى دورة الانطلاق، أي من دورة التكامل إلى دورة الكمال.
مضافاً إلى أنه حد فاصل بين التجربة الحرة والتجربة المرة.
فالظهور - بطبيعته - آية من آيات الله، على أنه يرافق ويستتبع آيات عظيمة، منها طوارئ جوية وتغييرات جيولوجية في الأرض لم يعرفها البشر من قبل، وخروج الأموات من قبورهم، وانكشاف سرائر الناس... إلى آخر ما تدل علية أحاديث الرجعة.
(١٢٩) الإمام المهدي كان يضع توقيعه المدرج من الألقاب، ولكن الشيخ المفيد حيث استنسخ رسالة الإمام ليطلع عليها الثقات من المؤمنين، كتب مكان التوقيع: (نسخة التوقيع باليد العليا على صاحبها السلام)، وهو يقصد بـ (اليد العليا) يد الإمام عليه السلام.
(١٣٠) لأمر ما كان الإمام المهدي (عليه السلام) يحرص على أن ﻻ يطلع على رسائله إلا من يراسلهم، فالسفراء الأربعة لم يطلعوا على رسائل الإمام المهدي إلا شخصين أو ثلاثة أشخاص فقط من آلاف الناس الذين كانوا يرجعون إليهم خلال ثلاثة أرباع قرن - تقريباُ - وفي هاتين الرسالتين نجد التأكيد على الشيخ المفيد أن ﻻ يطلع عليهما أحداً، مع أن الرسالة التالية لم تكن بخط الإمام المهدي نفسه، وإنما بخط ثقة من ثقاته.
ويلاحظ: أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يكتب بيده شيئاً، وقد برره القرآن بقوله: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب، ولا تخطه بيمينك، إذن لارتاب المبطلون) سورة العنكبوت، آية ٤٨.
والإمام علي (عليه السلام) رغم تفجر نشاطات في مختلف مجالات الحياة، ورغم أنه كان من كتاب الوحي، كتب عدة كتب بخط يده وباملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو باملاء الملائكة على فاطمة الزهراء (عليها السلام) بعد وفاة رسول الله ولكن تلك الكتب صارت من تراث الإمامة مع عصا موسى وخاتم سليمان ومزامير داوود ودرع رسول الله وسيف ذي الفقار، يتوارثها الأئمة فيما بينهم ويحرصون على عدم تسرب شيء منها إلى غيرهم. ورسائله إلى ولاته إمام لم تكن بخط يده، وإما جمعها الأئمة من بعده بطرقهم الخاصة، والنتيجة أنه لم ينتشر خط يده في الناس.
كما لم يحفظ شيء من خطوط سائر الأئمة (عليهم السلام) رغم أنهم كانوا يراسلون كثيراً من أوليائهم، ويجيبون على رسائل ومسائل تتوارد عليهم من مختلف الأقطار، ورغم أن الرواة كانوا حريصين على ضبط كل لفتة منهم.
وأما الإمام المهدي نجده - من خلال هاتين الرسالتين - صريحاً في تأكيده عدم انتشار رسائله حتى ولو كانت بخط كاتبه.
إن لذلك سبباً ﻻ نعرفه، وإن كان من الممكن القول بأن الإمام المهدي منع عن انتشار رسائله تعميقاً الغيبة.
(١٣١) يلاحظ أيضاً - من خلال هاتين الرسالتين إلى الشيخ المفيد - أن الإمام المهدي يضع لرسائله مقدمة وخاتمة، وربما يكرر بعض العبارات، وهذا النوع من الضبط من ظواهر من يتقنون إحكام السيطرة على الأمور بالشكل الذي يرتأون حتى ﻻ يحدث أي خلل فيما يحاولون، ولعل لذلك لم تظهر الصيغ الحرفية الكاملة لرسائل الإمام المهدي إلى نوابه الأربعة وإنما كانوا يكتفون بنقل الفقرات الضرورية منها إلى المراجعين.
وبهذه الصبغة أحكم الإمام المهدي غيبته فلم تعثر أجهزة الحكومات في الدنيا على أثر له.
وبهذه الصفة يحكم الإمام المهدي سيطرة على الدنيا، ويضبط حتى الأمور الداخلية لجميع الناس، في عهده بعد الظهور.
ولعل الأمر بكتمان هذه الرسالة كان موقتاً بما قبل تلك الأحداث، وأما بعد انقضائها فلم تكن الدواعي ملحة على كتمانها، ولذلك أذاعها المفيد ووصلت إلينا.
(١٣٢) الاحتجاج - أبو منصور: أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص٣٢٤ - ٣٢٥:
... وورد عليه (الشيخ المفيد) كتاب آخر، من قبله صلوات الله عليه، يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة، سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، نسخته:...
(١٣٣) الإمام يقصد نفسه من (عبد الله المرابط في سبيله) كما يقصد المفيد من (مهلهم الحق ودليله).
(١٣٤) أي شفعنا مناجاتك، فدعمناها من الموقع الذي نحن فيه.
(١٣٥) شمراخ: هو العذق عليه بسر أو عنب. رأس الجبل. أعالي السحاب. والبهماء: المشكلة المبهمة. الصحراء وإذا فسرنا البهماء بالصحراء وفسرنا الشمراخ برأس الجبل يكون المعنى أن الإمام اختار مسكنه في قمة جبل في صحراء ومن هناك دعم مناجاة المفيد..
(١٣٦) الغماليل: الأمور المستورة المتراكبة.
(١٣٧) السباريت: المساكين.
(١٣٨) وهذا النص قد يدل على أن سابيات بعض الشيعة تنعكس على الإمام فيضطر إلى تغيير بعض أوضاعه السكنية والاجتماعية.
(١٣٩) الضحضح: الماء اليسير.
(١٤٠) وهذا النص يدل على أن الشيخ المفيد سيبقى على اتصال بالإمام بعد تاريخ هذه الرسالة.
(١٤١) تبسل نفوس قوم: توردها الهلكة، واسترهاب المبطلين: تخويفهم، وربما المعنى أن جانبي الفتنة من أهل الباطل، فتترك دماراً يفرج به المؤمنون ويحزن المجرمون.
(١٤٢) اللوثة - بالضم - الاسترخاء والبطء ومنه. (التأثت راحلته): أبطأت في سيرها، وفي الحديث: (إن النفس قد تلتأث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه) المعنى قد تضطرب ولم تنبعث مع صاحبها - مجمع البحرين.
ولعل المقصود من (اللوثة): الغيبة، ومن (حركتنا): الظهور، والحرم المعظم هو المسجد الحرام، فتكون حادثة المسجد الحرام من علامات الظهور.
(١٤٣) الحوادث التي وقعت في المسجد الحرام عديدة، فلا نستطيع التأكد من الحادثة التي يعنيها الإمام هنا، فربما عنى بها حادثة يوم أول محرم عام ١٤٠٠ هو ربما عنى بها غيرها.
(١٤٤) هذا النص عهد من الإمام المهدي (عليه السلام) بأن دفع الحقوق الشرعية ضمان للأمن من المحنة في الدنيا والفتنة في الدين، وأن البخل بها يعرض الدنيا والآخرة للبوار.
ولعل سبب تشديد الإمام المهدي في هذه الرسالة، وفي التوقيع الذي رواه أبو الحسن الأسدي، وفي أجوبته على أسئلة الحميري وغيره: أن العنصر الاقتصادي أهم العناصر في استمرار الحركة الدينية - في غيبته - بعد العنصر البشري.
(١٤٥) المعنى الظاهر لهذه العبارة: أن عدم اجتماع قلوب الشيعة على الوفاء بالعهد الذي أخذه الله عليهم هو الذي يؤدي إلى تأخير الظهور، ولو اجتمعت قلوب العدد الكافي منهم على التضحية المخلصة في سبيل الله - بما ﻻ يقل عن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً - يظهر الإمام المهدي (عليه السلام)، ولكن عدم توفر مثل هذا العدد حتى الآن - في المستوى المطلوب - هو الذي أدى إلى بقاء الإمام المهدي (عليه السلام) رهن الغيبة.
ويحتمل أن يكون المعنى: أن مشاهدة الإمام على حق المعرفة يتوقف على إخلاص القلب للوفاء بالعهد وطهارته من الذنوب. ويضعف هذا الاحتمال: أن كل من يكون مخلص القلب طاهراً من الذنوب يوفق لمشاهدة الإمام عارفاً به، ولو لم يكن على الأرض إلا إنسان واحد من هذا النوع، ولا يحتاج إلى اجتماع القلوب.
(١٤٦) يظهر من هاتين الرسالتين مدى تعظيم الإمام المهدي (عليه السلام) للمخلصين من أوليائه. وقد كان دأب آبائه المهديين، كما قال ضرار لمعاوية ابن أبي سفيان - في وصف الإمام علي (عليه السلام): (... يعظم أهل الدين، ويحب المساكين).
ولعل الإمام المهدي كان يؤدي عملاً تربوياً من خلال مدحه للشيخ المفيد، ليشعره بأنه في هذا المستوى فعليه أن يحرص على أن يرتفع ﻻ أن ينحدر، والتعظيم يصعد النابهين كما يغر التافهين.
(١٤٧) الاحتجاج - أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص٢٩٨ - ٣٠٠ عن أبي الحسن محمد بن جعفر الأسدي قال: كان فيما ورد علي من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائل إلى صاحب الزمان:
(١٤٨) هذا النص ناظر إلى وقت المعاطاة - على ما هو المعروف بين الفقهاء من عدم لزومه - باعتبار أن أكثر الناس يوقفون بالمعاطاة، وهي ﻻ تتم إلا بالتسليم. أو ﻻشتراط القبض فيه وأما الوقف بالصيغة الشرعية فلا يصح العدول عنه.
(١٤٩) سورة الأعراف: آية ٤٣.
(١٥٠) يمكن تفسير هذا النص وأمثاله باعتبارات كيماوية، ويمكن تفسيرها باعتبارات روحية لما ثبت بالكتاب والسنة: إن للجمادات كافة الأرواح والمشاعر - وإن كانت أرواحها ومشاعرها تختلف عن أرواح ومشاعر الإنسان والحيوان والنبات - وأنها مكلفة بتكاليف معينة من قبل الله تعالى - وإن كانت تكاليفها مختلفة عن تكاليف الإنسان والحيوان والنبات:
(... ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات وأوحى في كل سماء أمرها...) سورة فصلت، آية ١١-١٢.
(ولقد آتينا داوود منا فضلاً يا جبال أوبي معه...) سورة سبأ، آية ١٠.
(قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) سورة الأنبياء، آية ٦٩.
(وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ﻻ تفقهون تسبيحهم) سورة الإسراء، آية ٤٤.
(١٥١) ﻻ يجوز - هنا - محمول على الكراهة. ولعل الحكمة فيها أن (العرق دساس) كما يقول الحديث الشريف - فالناس يتعصبون لآبائهم وإن لم يكونوا على نهجهم، ويغارون على كل ما أورثوا من عادات وتقاليد وإن لم يؤمنوا بها.
ذلك أن العوائد تطبع النفوس، فتورث كما تورث الصفات، والذكرى تهيج ذبذبة التراث. فلابد من حجها حتى تطمئن النفوس إلى ما استقرت عليه.
(١٥٢) ذلك أن الناس تعودوا أن يتصرفوا في أموال الله بلا تحرج متناسين أن الله جعلها للأمة، ثم يقيسون عليها أموال الإمام وكأنها من المباحات العامة، غير مكترثين بأن الله جعلها للإمام حتى تصرف في الخدمات الدينية أو على المتفرغين لها. وهذه الظاهرة هي دفعت عدداً من العلماء إلى السؤال وركز الإمام في أكثر من توقيع على أنه حرمتها أشد من حرمة أموال سائر الناس، لأن من يتطاول على مال غيره ينتهك حق شخص وفي التطاول على مال الإمام ينتهك حق الأمة.
(١٥٣) الاحتجاج - أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص٣٠١ - ٣٠٣: ومما خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه من جوابات المسائل الفقهية أيضاً: ما سأله عنها محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري فيما كتب إليه وهو:
(١٥٤) محمد بن عبد الله الحميري من الأفاضل الموثوقين الذين كان يرجع إليه فقهاء الشيعة لمعرفتهم بأنه يراسل الإمام المهدي (عليه السلام) ويتلقى الجواب.
قال العلامة الحلي: في كتاب (خلاصة الرجال) ص٧٥: (محمد بن عبد الله بن جعفر بن الحسين بن جامع بن مالك الحميري، أبو جعفر القمي، كان ثقة ووجهاً كاتب صاحب الأمر (عليه السلام) وسأله مسائل في أبواب الشريعة).
قال النجاشي: (.... وكان له إخوة) جعفر، والحسين، وأحمد (كلهم كان لهم مكاتبة).
والظاهر أنه كتب مسائله وأرفقها بالأدلة التي كانت تحضره ليتثبت مما كان يراه، ثم ترك - في رسالته - فراغات ليكتب الإمام أجوبته في تلك الفراغات، ثم روى الأسئلة والأجوبة معاً وعلم على الجواب بكلمة (التوقيع) أو (الجواب) أو (فأجاب) للتمييز بين كلامه وكلام الإمام.
قال النجاشي: (... وقعت هذه المسائل التي في أصلها والتوقيعات بين السطور).
(١٥٥) أي جعل موتي قبل موتك. وهذا دعاء له بطول العمر.
(١٥٦) لم نعثر على ترجمته.
(١٥٧) الخَتَن - بفتحتين - قريب الزوجة من أب وأخ.
(١٥٨) الشيعة كانوا يرمزون بـ (العالم) عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام).
(١٥٩) أي مات في أثناء الصلاة.
(١٦٠) أي إن لم يقم المأموم الذي تولى تنحية إمام الجماعة عن المحراب بحركات ماحية لصورة الصلاة، يتابع مع الجماعة، فيقوم بدور الإمام.
(١٦١) فأصل الخروج من البيت لحاجة - ﻻ يوجد من ينظر فيها - يجوز، إنما المهم أن ﻻ تبيت خارج بيتها.
(١٦٢) سورة التكوير، آيات ١٩- ٢١.
(١٦٣) يبدو أن الإمام المهدي (عليه السلام) كان يتبع الأسلوب النبوي في عدم الإجابة على الأسئلة التي ﻻ ضرورة منها للسائلين أو هي فوق مستوياتهم.
(١٦٤) الاحتجاج - أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص٣٠٣: كتاب آخر لمحمد بن عبد الله الحميري أيضاً إليه عليه الصلاة والسلام في مثل ذلك:...
(١٦٥) هذه الرسالة - كالرسالة التي تليها - حذفت منها المقدمة استغناءً عنها بالمسائل وأجوبتها.
(١٦٦) كلمة معربة تطلق على نوع من الحديد. وفي بعض النسخ (الجوهر) وإذا صح فالمراد غير الجواهر التي يستحب الصلاة فيها.
(١٦٧) من عادة الأئمة (عليهم السلام) أنهم كانوا يعملون على تربية المواهب لدى أصحابهم، ولعل التفصيل في الجوابين السابقين لتربية ملكة الاجتهاد لدى الحميري.
(١٦٨) حصيرة صغيرة كانت تضع ليسجد عليها - كالسجدة المعمولة من التراب - سميت خمرة لأنها تستر الوجه من الأرض.
(١٦٩) العمارية رقعة مزينة تخاط في المظلة، وتطلق على قماش المظلة، والكنيسية: نوع من المحمل تشبه هندسته الكنيسة. وفي مجمع البحرين: الكنيسة شيء يغرز في المحمل أو الرحل ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ويستتر به.
(١٧٠) أي عليه أن يكفر بذبح شاة والتصدق بها.
(١٧١) الظاهر أن هذين جوابان عن سؤالين دمجا معاً (ويذكره) أي: المنوب عنه في عقد الإحرام.
والهدي من الأنعام: ما يسوقه الحاج المقرن معه، فالقارن يسوق الهدي عند إحرامه، ويتخيّر بين التلبية والإشعار أو التقليد، ويختص البقر والغنم بتقليدها بنعل قد صلى فيه. وأما إن ساق الإبل فيتخير بين تقليدها، وبين إشعارها بأن يشق الجانب الأيمن من سنامها ويلطخ صفحتها بدمها.
وإذا ساق الهدي قرن بين عمرته وحجه بإحرام واحد، وإذا لم يسق تمتع بالعمرة إلى الحج وضحى يوم العيد بما يشتريه من منى.
(١٧٢) البطيط: نوع من الأحذية مفلطح مفتوق عند قبة القدم.
(١٧٣) وادي العقيق، ثاني المواقيت التي يحرم منها الحجاج، ويبعد عن مكة المكرمة مائة كيلومتراً تقريباً، وهو ميقات أهل العراق وأهل نجد، وكل من يمر به في طريقه إلى مكة. وأول هذا الميقات - من جهة العراق - موضع يقال له: (المسلخ) ووسطه (غمرة) وآخره (ذات عرق).
والشيعة يحرمون من (المسلخ) والسنة يحرمون من (ذات عرق).
فإذا اقتضت التقية تأخير الإحرام إلى (ذات عرق) وجب على الحاج أن يلبس ثوبي الإحرام ويلبي سراً من (المسلخ) ثم يلبس المخيط تقية وإن لم يمكنه ذلك أحرم بثيابه ولبى فإذا بلغ (ذات عرق) ينزع المخيط ويفدي للبسه في حالة الإحرام. والحاصل: إن الواجب هو الإحرام من المسلخ.
(١٧٤) أي يخاف التشهير به.
(١٧٥) عطن الجلد: وضع في الدباغ وترك فأنتن، فهو عطين ومعطون، والدباغ ملح يجعل فيه الجلد إلى أن يتفسخ صوفه.
(١٧٦) وجاء في (غيبة الطوسي) بعد تمام الكتاب ما يلي - مخاطباً الحسين بن روح رضوان الله عليه -: (فإن رأيت - أدام الله عزك - أن تسأل لي عن ذلك وتشرحه لي وتجيب في كل مسألة بما العمل به وتقلدني المنة في ذلك - جعلك الله السبب في كل خير وأجراه على يدك - فعلت مثاباً إن شاء الله تعالى. أطال الله بقاءك وأدام عزك وتأييدك وسعادتك وسلامتك وكرامتك وأتم نعمته عليك وزاد في إحسانه إليك وجعلني من السوء فداك وقدمني عنك وقبلك والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم كثيراً.
(١٧٧) الاحتجاج - أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص٣٠٦ - ٣٠٩.
وفي كتاب آخر لمحمد بن عبد الله الحميري إلى صاحب الزمان (عليه السلام)، من جوابات مسائله التي سأله عنها في سنة سبع وثلاثمائة:...
(١٧٨) يمكن أن يكون المراد من (الفقيه) هو الإمام الصادق، باعتبار الرواية عنه في السؤال ويمكن أن يكون المراد من (الفقيه) الإمام الكاظم لأن الشيعة كانوا يعبرون عنه بـ (الفقيه) أو بـ (فقيه أهل البيت). ويمكن أن المراد غيرهما من الأئمة، لأن هذا اللقب كان يطلق على كل منهم في زمانه.
(١٧٩) لابد من التوقف على هذه الكلمات بالعودة إلى أصول هذه الكلمات.
فالملة من الإملال، والإملال والإملاء بمعنى واحد. والملة في الأصل ما شرع الله لعباده على ألسنة الأنبياء وقولهم: (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة) سورة صآية ٧. أي في ديانة عيسى. لأن الدين يكون إملاءً من الله وحياً أو من وراء حجاب أو بواسطة الملائكة.
والإسلام ملة إبراهيم (... وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم) سورة الحج آية ٧٨. لأن أصول الإسلام نزلت على إبراهيم وحفظت عنه لتتابع الرسل والأنبياء، بعده..
والدين: ما يدان، فيحاسب ويجازي، ويطلق الدين على مجمل الشرائع التي يأتي بها رسول من قبل الله، فيجازي ويحاسب الذين يعاصرونه بمقتضاه في الآخرة. ودين الإسلام لمحمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) لأنهه هو الرسول الذي أتى به.
والهداية: الدلالة: وهي - في كل دين - لأوصياء رسوله. وفي الإسلام للأئمة الاثني عشر (عليهم السلام).
س: إبراهيم الخليل ومحمد بن عبد الله وأوصيائه كلهم كانوا يهدون إلى الله وإلى صراط مستقيم، فكيف صارت الهداية للأئمة فقط؟
ج: إن الله يهدي (... ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاًّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل) سورة الأنعام، آية ٨٤.
(إنك ﻻ تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) سورة القصص، آية ٥٦.
وجميع أولياء الله يهدون (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) سورة السجدة، آية ٢٤.
(وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات) سورة الأنبياء، آية ٧٣.
(ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) سورة الأعراف، آية ١٥٩.
(وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) سورة الأعراف، آية ١٨١.
... ولكن الاختصاصات تختلف، فاختصاص الرسل تلقي رسالات السماء وتفريغها على القاعدة البشرية العريضة. فدورهم يشبه دور المؤسسين الكبار أو رؤساء البلاد. واختصاص الأنبياء تنبؤاتهم التي تدخل الحياة الخاصة لكل فرد حتى يبقى في ظل شخصية تؤكد له تداخل العالمين المادي والمعنوي، وسيادة عالم الروح على عالم المادة. فدورهم يشبه دور الحزب الحاكم الذي يملأ دائماً الفجوة التي تحدث - عادة - بين الشعب والدولة. واختصاص الأوصياء تفصيل المجمل، وإيضاح الغامض، وبلورة الأفكار، وشرح المواقف، فدورهم يشبه دور المسؤولين عن التوجيه المعنوي.
وهكذا يمكن أن نقول: أن دور إبراهيم كان دور التأسيس بعد انقراض شريعة، نوح، ودور الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) دور التكميل، ودور الأئمة دور الهداية.
(١٨٠) يقصد من أصحابنا: علماء الشيعة.
(١٨١) عمل في الصلاة، أي عمل خارج عن الصلاة، والعمل الخارج عنها - إذا دخل فيها - يفسدها.
(١٨٢) أي العمل بالخبر المذكور أعلاه في النوافل أفضل فيرد يديه من القنوت على وجهه وصدره، ولا يفعل ذلك في الفرائض وإنما يرد راحتي يديه مع صدره سوية مقابل ركبتيه للركوع.
(١٨٣) لأنها مستحبة، فتقديمها على النافلة أفضل، وتأخيرها ﻻ يضر كما أن تركها ليس حراماً.
(١٨٤) لأن ما يغتصبه السلطان يبقى ملكاً لمالكه الشرعي، فشراؤه من السلطان ليس أكثر من عملية صورية لرفع سلطته، وأما شراؤه الحقيقي فلا يتم إلا من مالكه.
(١٨٥) الاحتجاج - أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص٣٠٩ - ٣١٥. وكتب (الحميري) إليه صلوات الله عليه أيضاً في سنة ثمان وثلاثمائة كتاباً سأله فيه عن مسائل أخر. كتب:...
(١٨٦) أي جعل وفاتي قبل وفاتك.
(١٨٧) قبلنا: عندنا.
(١٨٨) الفقيه في مصطلح الحديث - هو الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ففي عهد الإمام الكاظم كان الإرهاب الرشيدي يلاحق الشيعة، ويكفي دليلاً على مدى إرهاب هارون الرشيد، أن ذرية النبي تنكروا وهربوا إلى أفريقيا وإن الإمام الكاظم بقي سبع سنوات - على المشهور - مسجوناً في الزنزانات الانفرادية تحت الأرض، ثم توفي مسموماً وحمل جثمانه أربعة من الحمالين.
فكان الشيعة يرمزون عن الإمام الكاظم (عليه السلام) بـ (الفقيه) وبـ (العالم) وربما بـ (الرجل). وفي مجمع البحرين: (قد يطلق العالم ويراد به أحد الأئمة من غير تعيين) ولعل أحدهم من غير تعيين هو المعني بـ (العالم) في بعض الأحاديث التالية، لأنها تشير إلى روايات مأثورة عن غير الإمام الكاظم (عليه السلام).
ويلاحظ أن الإمام المهدي (عليه السلام) يستشهد بعض الروايات أو بعض الأئمة - كما نجد في هذا الحديث وأحاديث أخرى - رغم أن قوله حجة كأقوالهم. ولعل سبب ذلك:
١: توجيه العلماء إلى الاعتماد على الروايات المأثورة عن أهل البيت جميعاً وعدم محاولة استقصاء المعارف الإسلامية عن طريق مراسلته فقط، وكأنه يريد إشعارهم بأن أهل البيت جميعاً خطوط متوازية إلى الإسلام وهو واحد نزل من عند الأحد.
٢: تكريم آبائهم (عليهم السلام)، شأن كل الأئمة والأنبياء الذين كانوا يروون عن أسلافهم: ﻻ لقصور فيهم وإنما تخليداً لأولئك الأسلاف في سلسلة الأقداس. كما نجد القرآن الكريم وسائر كتب السماء تروي عن الأنبياء السابقين وربما عن غيرهم كلقمان رغم أنها هبطت من عند الله الذي هو مرسل الرسل ومصدر الرسالات، ولكنه أراد أن يلم البشر بالترابط الوثيق بين شجرة النبوة وجذورها الممتدة حتى المظهر الأولي للإنسان، وأن يتواكب مع توجهات السماء إلى الأرض وتجاوب الرسالات مع تطور الإنسان، حتى ﻻ يحسبها أطروحة مرتجلة أو تجربة مجهولة النتائج والأبعاد.
٣: إن الإمام المهدي (عليه السلام) حيث لم يكن حاضراً يحاور أنصاره وأعدائه حتى الإقناع والإفحام اختار الاستناد إلى المسلمات العقلية أو الإسلامية أحياناً، وأحياناً الاعتماد على الروايات المأثورة عن آبائه ليكون أبعد عن التفنيد والتشكيك.
(١٨٩) لعل المعنى: يصوم عن الأشهر الثلاثة الأيام الفائتة بأن يصومها قضاءً إذا كانت عليه، لأن صوم القضاء مقدم على صوم الندب. وإلا فإن عدداً من الأحاديث تؤكد استحباب صيام الأشهر الثلاثة.
ولعل هذا النهي عن سيدنا ومولانا صاحب الزمان (صلوات الله عليه) إنما هو لأجل أن أبا الخطاب كان قد روى وجوب صوم رجب وشعبان، فنهي الأئمة (عليهم السلام) نهي وجوب، أو نهي انتشار عمل لكي يعرف الاستحباب، قال شيخنا الحر العاملي - قدس الله نفسه الزكية - في الوسائل: (قال الكليني: وجاء في صوم شعبان أن (عليه السلام) سئل عنه فقال: ما صامه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا أحد من آبائي - أقول - حمله الكليني على إرادة نفي الفرض والوجوب وأنهم ما صاموه على ذلك الوجه بل على الاستحباب (قال) وذلك أن قوماً قالوا: أن صومه فرض مثل صوم شهر رمضان وأن من أفطر يوماً من شعبان وجبت عليه الكفارة) وسائل الشيعة: ج٧ ص٣٦١ - ٣٦٢.
وقال في الجواهر: (الثالث عشر والرابع عشر صوم رجب كله أو بعضه ولو يوماً منه أولاً أو آخراً أو وسطاً وكذا شعبان بالضرورة من المذهب أو الدين بل ﻻ يمكن إحصاء ما ورد في فضل صومهما من سُنّة سيد المرسلين وعترته الهادين كما ﻻ يمكن إحصاء ما أعد الله على ذلك على صومهما إلا لرب العالمين بل من شدة ما ورد في شعبان منهما ابتدع أبو الخطاب وأصحابه وجوبه وجعلوا على إفطاره كفارة ولعله لذا ترك كثير من الأئمة صيامه مظهرين للناس بذلك عدم وجوبه في مقابلة بدعة أبي الخطاب جواهر الكلام: ج١٧ ص١٠٨.
وأبو الخطاب هذا كان واحداً من أصحاب أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) واسمه (محمد ابن مقلاص الأسدي) فابتدع في الأحكام وأصبح ملعوناً، ومما كان قد ابتدعه القول بوجوب صوم شهر شعبان. قال في جامع الرواة: (محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي أبو الخطاب غال ملعون... قال أبو جعفر بن بابويه [يعني: الشيخ الصدوق قدس سره]: اسم أبي الخطاب زيد، قال ابن الغضايري: إنه مولى بني أسد لعنه الله، وأمره شهير وأرى ترك ما يقول أصحابنا حدثنا أبو الخطاب في أيام استقامته جامع الرواة: ج٢ ص٢٠٣.
قال المحدث القمي (قدس سره) في سفينة البحار: (كان أبو الخطاب في عصر جعفر بن محمد (عليهما السلام) فكفر وادعى أيضاً النبوة وزعم أن جعفرَ (عليه السلام) إله (تعالى الله عز وجل عن قوله) واستحل المحارم كلها ورخص لأصحابه فيها، وكانوا كلما ثقل عليهم أداء فرض أتوه فقالوا: يا أبا الخطاب خفف عنا فيأمرهم بتركه حتى تركوا جميع الفرائض واستحلوا جميع المحارم وأباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور قال: من عرف الإمام حل له كل شيء كان حرم عليه فبلغ أمره جعفر بن محمد (عليه السلام) فلم يقدر عليه بأكثر من أن لعنه وتبرأ منه وجمع أصحابه فعرفهم ذلك وكتب إلى البلدان بالبراءة منه واللعنة عليه وعظم أمره على أبي عبد الله (عليه السلام) واستفظعه واستهاله انتهى. سفينة البحار: ج١ ص٤٠١.
(١٩٠) الفتوى على أن من أدرك الإمام في حالة الركوع اعتد بتلك الركعة وإن لم يدرك تسبيحه ولا تكبير الركوع، استناداً إلى أحاديث صحيحة معمول بها فيحمل مثل هذا التوقيع على ضروب من الفضيلة أو غيرها إذ لم ينقل القول به عن أحد من الفقهاء قديماً وحديثاً سوى الشيخ في نهاية الأحكام والعلامة في التذكرة مع موافقتهما للمشهور في سائر كتبهما، بل عبارة التذكرة غير ظاهرة في مخالفة المشهور، فلا يبعد تحقق الإجماع عليه، قال في الجواهر: (الأشهر، بل ﻻ أجد فيه خلافاً بين المتأخرين كما اعترف به في الذكرى والرياض فنسباه فيهما إليهم، بل نسبه في السرائر إلى المرتضى ومن عدا الشيخ من الأصحاب، بل في الغنية نفى الخلاف عنه مطلقاً بل الشيخ نفسه حكى عليه الإجماع في الخلاف مكرراً) الخ جواهر الكلام: ج١٣ ص١٤.
وقال الأخ الأكبر في (الفقه) - بعد كلام طويل (خلافاً للمحكي عن التذكرة ونهاية الأحكام فاشترطا إدراك المأموم ذكراً قبل رفع الإمام رأسه وكأن مستندهما خبر الحميري المروي في الاحتجاج عن صاحب الزمان (عليه السلام) ثم ذكر الخبر إلى أن قال: وفيه مضافاً إلى ضعف هذا الخبر مسنداً وإعراض المشهور منه) الخ. الفقه: ج١٥ ص٣٣٧.
وقال في المستمسك: (لكنه - أي: خبر الحميري - ضعيف ﻻ يصلح لتقييد غيره، مع وهنه بإعراض الأصحاب ولاسيما مع آباء بعض ما سبق عن التقييد) الخ المستمسك: ج٧ ص٢٠١.
وقال الفقيه الهمداني في مصباح الفقيه - بعد أن ذكر خبر الحميري -: (وفيه بعد تسليم السندان ظهور صحيحتي الحلبي وسليمان بن خالد في الإطلاق وكون الرفع سبباً للفوات وحداً للإدراك أي إناطة الحكم وجوداً وعدماً بإدراكه راكعاً وعدمه أقوى من ظهور هذه الشرطية المسوقة لنفي اعتبار سماع التكبير في المفهوم فيحتمل أن تكون الشرطية جارية مجرى العادة من عدم حصول الجزم بإدراكه راكعاً في الغالب إلا في مثل الفرض، أو أريد به التمثيل بالفرد الواضح الذي ﻻ يتطرق إليه شبهة عدم اللحوق المانعة عن الاعتداد به - كما ستعرف - الخ. مصباح الفقيه، كتاب الصلاة ص٦٢٧.
ولعل أفضل الاحتمالات الحمل على الفضيلة الذي ليس نادراً - بل هو كثير غايتها - في أخبار الأوامر والنواهي التكليفية والوضعية، الشرطية وغيرها، وقد احتمله أخيراً الفقيه الهمداني (قدس سره) أيضاً فراجع.
وقال المحقق النراقي (قدس سره) في صلاة الجمعة من المستند: (إن خبر الاحتجاج يفيد بالمفهوم عدم الاعتداد لو لم يدرك تسبيحة واحدة ولكن في إفادتها الوجوب نظر فيمكن أن يراد المرجوحية وقلة الكمال) وقد ختم النراقي كلامه بقوله: (ومراعاة مدلوله أحوط). مستند الشيعة ج١ ص٤١٣.
(١٩١) بعض الفتاوى ﻻ يعتمد هذا النص بوجود نصوص معارضة. وعلى العموم هذا الحديث معرض للاجتهاد كبقية الأحاديث. وعملية الاستنباط تتوقف على جميع النصوص الواردة في القضية المطروحة للاجتهاد، والنظر فيها وفق المقاييس المأثورة التي نقحت في علم (أصول الفقه).
ولكي يجلو الأمر لا بأس بتوسع في المسألة. قال الحجة اليزدي في (العورة الوثقى): (إذا تذكر في أثناء العصر أنه ترك من الظهر ركعة قطعها وأتم الظهر، ثم أعاد الصلاتين، ويحتمل العدول إلى الظهر بجعل ما بيده رابعة لها إذا لم يدخل في الركوع الثانية ثم إعادة الصلاتين) العروة الوثقى، كتاب الصلاة - ختام فيه مسائل متفرقة - المسألة السابعة. وطرح بعض الفقهاء المعاصرين احتمالاً آخر هو إلغاء ما صلاها بنية الظهر من أجل إبطال التكبير له، وإتمام ما صلاها عصراً بنية الظهر، ثم قال: وهذا الاحتمال أقرب الوجوه..
وما اعتمده هذا التوقيع الرفيع لصاحب الزمان (عليه السلام) لعله هو الأوفق بالقواعد الشرعية، إذ ليس من المؤكد أن مثل هذا التكبير بنية صلاة أخرى يكون مبطلاً لصلاة الظهر، لانصراف إبطال الركن بزيادته - على فرض تسليم أصله - عن مثل المقام الذي هو بنية صلاة أخرى، هذا إذا قلنا بوجود إطلاق في المسألة، وإلا فالإجمال أو الإهمال ﻻ تكون نتيجته أكثر من الجزئية، دون الكلية.
إذن في مسألة التوقيع الشريف فمقتضى القاعدة: أنه إذا لم يأت بالمنافي يجعل الركعتين اللتين صلاهما بنية العصر يجعلهما أخرتي الظهر، ويكمل الصلاة بنية الظهر، ويسجد سجدتي السهو للسلام الزائد، ولذا أفتى بذلك جمع من فقهاء العصر من أمثال أستاذنا الميلاني والحجة الكوهكمره أي (قدس سرهما) وأخي الأكبر وآخرون غيرهم أيضاً.
ومن الغريب رد جمع له من أمثال البروجردي، والحكيم - طاب ثراهما - فقد علق الأول على المتن بقوله: (هذا - أي احتمال المصنف - ضعيف وإن وردت به رواية شاذة) ويقصد بها هذا التوقيع لعدم ثبوت شق صحيح له يعتمد عليه في الحكم الشرعي. وقال الثاني: في المستمسك: (وهذا الاحتمال ﻻ وجه له ظاهراً... نعم قد يشهد له التوقيع المروي عن الاحتجاج عن محمد بن عبد الله الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام)... إلى أن قال مع ظهور هجره عند الأصحاب وكونه مرسلا فتأمل) المستمسك: ج٧ ص٦٠٤.
(وأما لو كان) قد أتى بالمنافي فمقتضى القواعد الشرعية بطلان الركعتين اللتين صلاهما بنية الظهر لعدم قابلية الاتصال بينها وبين ما صلاها بنية العصر، يبقى افتتاح الصلاة بنية العصر لمن عليه الظهر، فيعول بالنية، ويكملها ظهراً، فالتوقيع نصفه معمول به عندنا لموافقته للقواعد الشرعية، ونصفه غير معمول به عندنا لعدم تطابقه للقواعد الشرعية، مع كونه غير حجة سنداً لبناء الأحكام الشرعية، ولم يعمل الفقهاء حتى يجبره عملهم وتفصيل المسألة محله الكتب المفصلة في الفقه.
(١٩٢) سورة الزخرف: آية ٧١.
(١٩٣) هذه الرواية فقهياً غير معمول بها، لمعارضتها للعمومات الدالة على قبول شهادة غير الفاسق مطلقاً، المعمول بها قديماً وحديثاً، وعدم اعتبار سند هذه الرواية لإثبات الحكم الشرعي، وعدم عمل الفقهاء، بها حتى يجبر السند بالعمل، وعدم شاهد آخر له سوى مرسل الدعائم عن أبي جعفر (عليه السلام) الذي رواه من مستدرك الوسائل بالنسبة للأبرص فقط من هذه الثلاثة، ومطلقاً ﻻ مقيداً بالولادة (إذن) فيجب رد علم هذه الرواية إلى أهلها - صلوات الله عليهم أجمعين - والله أعلم.
(١٩٤) أي عقد عليها ولم يدخل بها، فما لم يدخل بها ﻻ تجب عليه نفقتها ولا تكون من عياله مع امتناعها عن الدخول بها لأنها حينئذ ﻻ تكون ابنتها ربيبته، لقوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم...) سورة النساء آية ٢٣.
(١٩٥) هذا إذا كانت الشهادات والصكوك بحيث يحتمل أن يكون الألف مجموع الديون أما إذا كانت الشهادات والصكوك بحيث تدل على أن الفريق الأول دفع إلى الفريق الثاني مرة ألف ومرة خمسمائة وثالثة ثلاثمائة ورابعة مائتين فعلى الفريق الثاني ألفان ولا ترد اليمين على الفريق الأول.
(١٩٦) المراد من طين القبر كلما ورد مطلقاً في الأحاديث هو طين قبر الإمام الحسين (عليه السلام).
(١٩٧) وقد ورد في عديد الأحاديث ذلك (منها) ما ورد في كتاب آخر للحميري (رحمه الله) إلى صاحب الأمر (عليه السلام) (وسئل هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر وهل فيه فضل؟
فأجاب (عليه السلام): يسبح به فما من شيء من التسبيح أفضل منه ومن فضله أن الرجل ينسى التسبيح ويريد السبحة فيكتب له التسبيح.
وعن الصادق (عليه السلام) قال: من سبح بسبحة من طين قبر الحسين (عليه السلام) تسبيحة كتب الله له أربعمائة حسنة ومحا عنه أربعمائة سيئة وقضيت له أربعمائة حاجة ورفع له أربعمائة درجة (الحديثان من كتاب: جامع أحاديث الشيعة: ج٢ ص٣٣٢).
(١٩٨) أي ولا صلاة زيارة، وهذه الصلاة من النوافل الخاصة التي تستحب بعد زيارات المعصومين - حسب الترتيب المأثور - وليست من النوافل العامة.
(١٩٩) ثبت في السنة: أن الإمام ﻻ يتقدم ولا يساوي. وهذا الحكم عام يشمل إمام الجماعة مطلقاً سواء أكان معصوماً أو غير معصوم، فلا تجوز الصلاة معه في الخطوط التي بينه وبين الكعبة أو في الخط المساوي له، وإنما في الخطوط التي خلفه فقط.
وثبت - أيضاً - عندنا حسب الاستدلال الفقهي عدم جواز الصلاة في حضرة المعصوم مساوياً له أو مقدماً عليه، سواء كان حياً أو ميتاً، لأن المعصومين جميعاً أحياء عند ربهم.
وقد حاول بعض المغرضين التشويش على هذا الحكم بأنه من عبادة القبور ولم ينتهوا إلى أن عدم التقدم على شخص في الصلاة لو كان ﻻ يعني عبادته فكل مأموم يعبد إمام جماعته. مضافاً إلى أن العبادة التي تعبر عن معنى التربيب ﻻ علاقة لها بالآداب وقد يقال أن عدم الجواز هنا محمول على الكراهة، لمعارضة ظاهرة بما ثبت من جواز الصلاة بل استحبابها المؤكد في مسجد رسول الله، مع أن القسم الجنوبي منه مقدم على الإمام، وهو الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله).
(٢٠٠) هذا إذا كان الوقف نوعاً من الهبة، بحيث ﻻ يكون حبس العين الموقوفة مأخوذاً في مضمونه، وإلا فلا يجوز إلا في صور خاصة مستثناة في الفقه الإسلامي، وذلك من أجل أدلة مؤكدة عليه...
(٢٠١) المرتك، نوع من الحشيش خفيف الرائحة، والتوتيا حجر يكتحل به، ولا يعتبر من الطيوب فلا يستعمل في الاكتحال حالة الإحرام لحرمته مهما كانت المادة التي تستعمل فيه، ولا مانع من طلي الإبط به لقطع رائحة العرق.
(٢٠٢) للسؤال جزءان:
الأول: إذا وقع عقد بيع أو وقف أو غيرهما، وكتبت به وثيقة وحضر شاهدان وشحا وثيقة العقد بشهادتهما ثم كف بصر أحدهما، فهل تمضي شهادته الكتبية قائمة إلا ما دام صاحبها قادراً على قراءة خطه لتقريره أو إنكاره، والحاصل هل الخط حجة إذا انفصل عن كاتبه أم ﻻ؟
الثاني: إذا شهد إنسان حادثاً أو عقداً، ثم كف بصره فهل يبقى حاملاً للشهادة أو تعطل قابليته لحمل الشهادة؟
والجواب ناظر إلى الجزء الثاني من السؤال، حيث يركز فقط على قابلية الضرير للشهادة مادامت تتوفر فيه شرائطها من حفظ الشهادة وحفظ الوقت، والعدالة والإيمان وما إلى ذلك. وقد خص الشرطين الأولين بالذكر لأن الإصابة بالعمى ﻻ تفقد المرء إيمانه وعدالته - غالباً- ولكن قد تسلب منه بعض محفوظاته.
(٢٠٣) بأن كان الوقف على شخص الوكيل الأول، ﻻ على أمر عام يمثله الوكيل الأول حتى إذا أصيب تولاه من يخلفه لبقاء ذلك الأمر العام ممثلاً في خليفته.
(٢٠٤) الخداج: النقصان، يقال: خدجت الناقة، فهي خادج إذا ألقت ولدها قبل تمام الأيام وإن كان تام الخلق. ووصفت الصلاة التي ﻻ يقرأ فيها بفاتحة الكتاب بالمصدر للمبالغة.
وهذا الحديث يدل على نقصان الصلاة بدون فاتحة الكتاب مع أنها تقرأ في الأولين فلا يبقى نقص وإن لم يقرأها في الآخرين، ولعل الاستشهاد به للقراءة في الأخيرتين دون التسبيح لما يشعر به من أهمية أم الكتاب في الصلاة ومع هذا فالمشهور بين الفقهاء أفضلية التسبيح فيهما لأدلة أخرى معارضة لهذا الخبر وأقوائية تلك من وجوه عديدة.
(٢٠٥) استحباب التسبيح في مادتين:
الأولى: العليل، الذي يشق عليه الوقوف طويلاً لقراءة الفاتحة فيكتفي بالتسبيح.
الثانية: كثير السهو الذي إن قرأ الفاتحة في الأخريين استشبههما بالأوليين. فيسبح التسبيحات الأربعة حتى يتذكر أنه في الأخريين.
(٢٠٦) أي يسكر سكراً خفيفاً، ويدل على أن المقصود من (يغير) السكر الخفيف قوله: (وإن كان ﻻ يسكر).
(٢٠٧) والحاصل أنه ليس حراماً إن لم يكن بنية التشريع، ولكنه ليس من الاستخارة، وأما الاستخارة فهي (ذات الرقاع) وإنما يدل على أنها الاستخارة التي بينها (العالم) وهو الإمام موسى بن جعفر.
(٢٠٨) مسألة كون القنوت الثاني بعد ركوع الرابعة لم يرد في غير هذا الخبر، وهو مناف للعمومات الدالة على أن القنوت قبل الركوع إلا في صلاة الجمعة، ولذا لم يتعرض لذكره كثير من الفقهاء حتى أن صاحب العروة والوثقى على دقته في استيعاب الفروع لم يتعرض له، ولا تعرض له المعلقون - فيما أعلم - غير أستاذنا الميلاني والحجة الكوهكمره أي من دون تأييد أو ميل.
 (لكن) قد يقال بجواز العمل على هذه الرواية، إذ لم يتحقق إجماع أو شهرة على خلافها، وقاعدة التسامح في أدلة السنن تشملها لولا أن المحقق النراقي (قدس سره) ادعى الإجماع على خلافها قال في المستند: (يستحب القنوت فيها في الركعتين الثانية والرابعة قبل الركوع بعد القراءة والتسبيح إجماعاً للعمومات وخصوص روايتي العيون والاحتجاج إلا أن في الأخيرة (والقنوت فيها مرتان في الثانية قبل الركوع وفي الرابعة بعده) ولم أر قائلاً به والعمل على الأول) مستند الشيعة: ج١ ص٥٢٥). لكنه إجماع منقول، مضافاً إلى عدم ظهوره في عقد السلب، مع علمنا خارجاً بعدم تعرض كثير من الفقهاء له فالعمل على هذه الرواية ﻻ بأس به والله العالم.
(٢٠٩) لعل المصطلح حين صدور هذا التوقيع يختلف عن المصطلح اليوم. فالقرآن لم يصطلح على كلمة (المهر) وإنما ذكر (الصداق) بصيغة الجمع مرة واحدة فقط (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) سورة النساء: الآية ٤.
ولعل المقصود أن ما تبنى عليه عقدة النكاح - من أموال نقدية أو عينية، التي تدرج عادة في وثيقة الزواج - فهو دين لازم في الدنيا والآخرة وأما الهدايا والنقود التي تقدم إلى الخطيبة في فترة الخطوبة أو تعارف الأزواج على القيام بها من ولائم وعزائم وما إليها، سواء كتب فيها كتاب أو لم يكتب بها كتاب، فهي تختص بفترة الخطوبة، وينتهي دورها بالدخول.
ولعل اشتقاق الكلمتين - اللتين استخدمهما الإمام في التوقيع - يساعد على فهم الحكم، و(المهر) ما يمهر عليه أي يختم عليه في وثيقة، فيكون ديناً لازماً. و(الصداق) ما يعبر عن صدق الرجل في محبة خطيبته، فيكون نافلة لها دورها المؤقت إذا لم يشترط وكان تبرعاً.
(٢١٠) المتوكل العباسي من الخلفاء العباسيين، عاصر الإمام علي الهادي، فاستدعاه ونجله الإمام الحسن العسكري (عليهما السلام) من مدينة جدهما الرسول إلى مدينة سامراء وفرض عليهم الاقامة الجبرية في المنطقة العسكرية حتى تنقطع عنهما الشيعة، فلقبا بـ (العسكريين) وقد اشتهر الإمام علي بن محمد بالهادي واشتهر نجله الحسن بالعسكري و(صاحب العسكر) يرمز إلى كل منهما دون تعيين.
(٢١١) مسألة لحم الأرنب من المسائل الخلافية فالسنة على أن لحمه حلال والشيعة على أنه من المسوخ ومن ذوات المخلب وتحيض أنثاه وفيه أدله خاصة ونصوص متعددة بالتحريم أيضاً، فلحمه حرام، وتلحقه أحكام الحيوانات المحرمة.
ولعل تفصيل الإمام في الجواب لعدم اتخاذ موقف جدي مع إعطاء الإشارة للفقهاء إلى أنه من محرمات اللحوم وتبنى عليه أحكامها. علماً بأن المستحصل من مجموع روايات هذا الباب عدم التفريق بين الجلد والوبر، فما حل لحمه تجوز الصلاة فيهما وما ﻻ يحل لحمه ﻻ تجوز الصلاة في شيء منهما.
(ولا يخفى) الحيوان - سواء أكان حلال اللحم أو حرامه - إذا ذبح بالطريقة الشرعية طهر جلده وإلا كان من الميتة، وبما أن الناس ﻻ يعنون بذبح الحيوانات المحرمة اللحوم - غالباً - يكون جلدها نجساً فإذا اتخذ منه كساءً نجس الثوب الذي يليه إذ ﻻ تخلو ملابس الإنسان من رطوبة مسرية من عرقه أو من المياه التي يستعملها.
(٢١٢) تسبيحة الزهراء: أربعة وثلاثون تكبيرة، وثلاثة وثلاثون تحميدة، وثلاثة وثلاثون تهليلة. فإذا تجاوز الأربعة والثلاثين تكبيرة - سهواً - اعتبرها ثلاثة وثلاثين (وبنى عليها) فكسر الرابعة والثلاثين ليضع خاتمتها بإرادته. وإذا حمد أكثر من ثلاثة وثلاثين فكان مجموع التكبيرات والتحميدات أكثر من سبعة وستين عاد إلى ستة وستين أي اعتبر التحميدات اثنتين وثلاثين (وبنى عليها) بأن حمد الثالثة والثلاثين ليضع خاتمتها بإرادته. كل هذا لم يتجاوز التحميد مائة فإذا تجاوزها فقد تجاوز السهو حد التدارك ولا تحسب له تسبيحة الزهراء، ولكن لا شيء عليه لأن أصلها مستحب.
(٢١٣) أ- الشيخ علي اليزدي الحائري، إلزام الناصب، ص٣٤١ ج١ ط النجف ١٣٨٣هـ: نقلاً عن كشف الغمة عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري.
ب - الغيبة - أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي عن جعفر بن محمد بن مالك عن محمد بن جعفر بن عبد الله عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري.
ج - دلائل الإمامة - أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري بسنده عن أبي نعيم.
د - الخرايج - قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي.
هـ - ينابيع المودة - سليمان بن إبراهيم البلخي القندوزي ص٤٦١ عن كامل بن إبراهيم المدني قال:....
(٢١٤) أبو محمد هو الإمام الحسن العسكري والد الإمام المهدي (عليه السلام).
(٢١٥) مما يعتمد دعاة التفرقة المتزمتون في جميع الطوائف والفرق الدينية تكفير وتضليل جميع الناس من عداهم، والتأكيد على أن جميع الناس حصب جهنم سواهم. وهذه النظرة الضيقة تعبر عن انغلاق حاقد، وتنافي الشمولية المطلقة، والرحمة التي وسعت كل شيء. فشرائط الرحمة ﻻ تتجاوز قول الله تعالى: (... قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) سورة الأعراف، آية ١٥٦.
فيكفي في الاستعداد تحمل رحمة الله أن يكون الغرر على درجة من الواقعية تهيئة للإيمان بآيات الله، ولإنفاق بعض ماله في ما أمر الله وللتجنب عما حرم الله، ثم إذا أخطأ المسير فالله أولى به وبالتوبة عليه أو إعادة تجربته يوم القيامة، كما قال سبحانه: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم) سورة التوبة آية ١٠٦.
(٢١٦) المفوضة، فرقة من المسلمين قالوا: إن الله خلق الخلق، ثم ترك للأئمة إدارته، فهم يتصرفون كما يشاءون. وهؤلاء سمعوا بالولاية الكونية ولم يعرفوا أن الله ﻻ يولي أحداً من أوليائه ولاية إلا بقدر قدرته على تنفيذ إرادته تعالى. فأعظم أصحاب الولاية الكونية هو النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) الذي قال الله عنه: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين) سورة الحاقة، آية ٤٤ - ٤٧.
(٢١٧) ذلك أن أولياء الله المعصومين حيث عرفوا مقاييس الكون، واستوعبوا حكمتها، وترفعوا عن العاطفة والأنانية، جسدوا إرادة الله، فلا يحبون إلا ما يحبه الله ولا يكرهون إلا ما يكرهه الله، ولذلك أحال الله أمر العباد عليهم، فقال في شأن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) - قولاً يسري في شأن كل من نصبه الله حجة على خلقه -: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) سورة الحشر، آية ٧.
(٢١٨) هذا النص: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) ورد في موضعين من القرآن، في سورة الإنسان، آية ٣٠. وفي سورة التكوير، آية ٢٩.
(٢١٩) الاحتجاج: أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص٢٨٠ - ٢٨١: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (رحمه الله) قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه قال: ومما خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه رداً على الغلاة من التوقيع جواباً لكتاب كتب إليه على يدي محمد بن علي بن هلال الكرخي:...
(٢٢٠) سورة النمل، آية ٦٥.
(٢٢١) سورة طه آية ١٢٤ - ١٢٦.
(٢٢٢) الغلاة في تاريخ البشر كثيرون، فما من نبي ولا وصي ظهرت على يده معجزات باهرة إلا وغالى فيه جمع من أتباعه في حياته أو بعد وفاته. وقد ابتدأ تاريخ عبادة الأصنام بغلاة اتخذوا أنبيائهم تماثيل توجهوا إليها بشكل من أشكال العبادة.
لأن الناس ﻻ يألفون إلا ما هو في مستواهم، ولا يصدمهم أحد بما هو أرفع إلا وترتبك مقاييسهم ثم يتخبطون في انفعال وارتجال.
والناس ﻻ يألفون سوى المتعاملين مع القوى المتاحة لجميعهم، فإذا ظهر نبي أو وصي يتعامل مع قوى أعلى كثير في محبيه من يغالي فيه وفي أعدائه من يتهمه بالسحر أو بالجنون.
وقد اضطر أصحاب الرسالات التغييرية إلى إثبات ارتباطهم بالسماء بالمعجزات، فآمن بهم الحكماء وألحد فيهم الجهلاء.
والأئمة (عليهم السلام) مارسوا المعجزات لأسباب لعل أهمها إلفات الرأي العام إليهم حتى يتقبل منهم الأحكام التي ما أتيح للرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بيانها أو بيّنها ولم تحفظ عنه. فابتلوا ببلاء الأنبياء، مضافاً إلى أن تطرف أعدائهم في التنكيل بهم وبمحبيهم أدى إلى تطرف أنصارهم في التوغل في التمجيد بهم إلى غير المقبول وغير المعقول - بعامل رد الفعل - ولكن الأئمة تحملوا انقسام الناس حولهم إلى محب غال وعدو قال قل بينهما النمط الأوسط واثقين من عدالة غربال التاريخ.
وأهم ما يتورط فيه الغلاة تجاه صاحب المعجزة أمران:
١- الغيب، حيث يجدونه ينبئ عما تحجبه الحواجز والمسافات أو يخبر عما ﻻ زال ضميراً في أحشاء المستقبل.
٢- القدرة، حيث يرونه يشق القمر أو يفلق البحر أو يحيي الرميم أو يتصرف في سائر الموجودات بدون وسيلة يمكنهم تعاطيها.
وعلى أثر الصدمة بهاتين الظاهرتين يفقدون توازنهم، ويستنتجون أن صاحب المعجزة هو الله أو ﻻ أقل من أنه يشاطر الله علمه وقدرته.

* * *

وفي هذا التوقيع يعالج الإمام المهدي مشكلة الغلاة، ويكشف المؤشرات التي يملكها كإمام معصوم للرد عليهم بشكل قاطع يرفض أي تفسير أو تبرير، ويركز على الأمرين السابقين:
فأولاً: علم الغيب مختص بالله، ولا يعلم الغيب غيره أحد ممن في السماوات والأرض.
س: كيف ذلك وقد سجل القرآن إعلان عيسى ابن مريم لبني إسرائيل: (... وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) سورة آل عمران، آية ٤٩.
وثبت في السنة أن جميع المعصومين كانوا يخبرون عن الحوادث التي تقع في شتى أقطار الدنيا وفي أعمق أبعاد المستقبل بذات الاطمئنان الذي يتحدثون به عن الحوادث الجارية تحت حواسهم، وقد صدقهم التاريخ إلا في موارد معدودة أسرعوا إلى بيان سبب تخلف الحادث من كلامهم، كموت العريس في ليلة زفافه في الحديث المشهور عن عيسى ابن مريم.
ج: علم الغيب شيء والإطلاع على الغيب شيء آخر، وعلم الغيب خاص بالله تعالى، وقد أعلن أوليائه ذلك، فجرى على لسان النبي قرآناً يقول: (ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب الله فانتظروا إني معكم من المنتظرين) سورة يونس، آية ٢٠.
وسئل الإمام علي (عليه السلام) عما أخبر بها من الملاحم: هل من علم الغيب؟ فقال: (كلا! وإنما هو تعلم من ذي علم).
فالله واسع محيط بالغيب وبالشهود على حد سواء، فيعلم كل شيء أولاً وبالذات، وأما غيره من الأولياء فليست لهم ذوات شمولية حتى يحيطوا بالغيب أو بالشهود فيعلموه بإحاطتهم، وإنما ذواتهم محدودة ﻻ تحيط بالغيب - كما ﻻ تحيط حتى بالشهود -.
ولكن الله قد يمدهم فتمتد ذواتهم عبر الغيب فيطلعون عليه، كما قال سبحانه: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً) سورة الجن، آية ٢٦ - ٢٧. وقال تعالى: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء...) سورة آل عمران، آية ١٧٩.
فإخبار الأولياء بالغيب لم يكن علماً بالغيب، وإنما اطلاعاً عليه بإذن الله، كما أن خلق عيسى للوطواط لم يكن بقدرته الذاتية، وإنما بالصلاحية المخوّلة له من قبل الله حسب ما روى القرآن عنه قوله: (إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله) سورة آل عمران، آية ٤٩.
وإذا أردنا التنظير لمجرد التقريب إلى الأذهان - ولا تنظير للخالق بالخلق - نستهدي إلى القول بأن من المفروض أن يكون رئيس الدولة على علم بكل ما يجري في بلاده، عن طريق الأجهزة المتاحة له، وليس من المفروض أن يطلع الموظفون في الدولة على المتغيرات المتوالدة في البلاد، ولكن رئيس الدولة قد يطلع موظفاً أو أكثر على بعض المعلومات لسبب من الأسباب.
ويؤكد هذه الحقيقة ما وقع من (البداء) في إخبار بعض المعصومين بحوادث لم تقع، كإخبار عيسى ابن مريم بموت العريس في ليلة زفافه.
والسبب - لظاهرة البداء - أن المقتضيات الأولية لمجريات الأمور تسجل في لوح يعرف بـ (لوح المحو والإثبات) مع التحفظ تجاه المفاجآت. بينما تسجل النتائج النهائية للمتغيرات - مع مراعاة المفاجآت في لوح آخر يسمى بـ (اللوح المحفوظ) كما يطلق عليه: (أم الكتاب). وقد أشار القرآن إلى هذين اللوحين بقوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) سورة الرعد: الآية ٣٩.
وأرواح المعصومين قد تتصل بـ (لوح المحو والإثبات) فينقلون المثبتات الواردة فيه، وهم يعلمون أنها معرضة للمفاجآت. وربما تتطلع أرواحهم على (اللوح المحفوظ) فينقلون عنها معلومات يؤكدون أنها حتمية.
وقد عبر الإمام علي (عليه السلام) عن تعرض مثبتات لوح المحو والإثبات للمفاجآت بقوله: (لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة) فقالوا: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: (قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)).
وقد قال الإمام علي (عليه السلام) هذا ليضع احتمال المفاجآت على كثير من المغيبات التي أخبر عنها بعض المعصومين، وإلا فالإمام علي نفسه من المطلعين على اللوح المحفوظ بمقتضى قوله تعالى: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) سورة الرعد: الآية ٤٣ والمعني بقوله سبحانه: (ومن عنده علم الكتاب) هو الإمام علي حسب ما ثبتت روايته عن النبي (صلّى الله عليه وآله).
ثانياً: أن جميع الأنبياء والأوصياء، ابتداءً من أول الأنبياء - وهو آدم - وانتهاءً بآخر الأوصياء - وهو الإمام المهدي - كلهم عبيد مخلصون لله عز وجل، وليس بينهم أحد ادعى الربوبية، ولا في أي واحد منهم أي مفهوم من مفاهيم الألوهية، كلما هنالك أنهم كانوا أكثر عبادة وإخلاصاً لله من غيرهم، فخولهم الله صلاحيات أظهروا بما المعجزات.
هذا هو الحق الذي ﻻ مراء فيه، ومن ادعى ذلك فهو مبطل مهما كانت المعجزات التي ظهرت على أيديهم عظيمة وباهرة. إذ ﻻ أحد أعرف بأولياء الله منهم أنفسهم، وكلهم كرسوا طاقاتهم وضحوا بأنفسهم في سبيل الدعوة لله ونبذ الأنداد. فمن قال غير ما قالوا فهو ممن تنطبق عليه الآية الكريمة: (ومن أعرض عن ذكري...) سورة طه: الآية ١٢٤.
(٢٢٣) الإمام المهدي تعرض لحملة شديدة من قبل أجهزة الخلافة العباسية وكل أعداء الإسلام والتشيع قبل ميلاده وبعده. لأنهم - جميعاً - رغم عدائهم المستحكم للنبي وآله كانوا على يقين من صدقهم فيما يقولون، والأحاديث الواردة عن الرسول وآله حول شخصية الإمام المهدي ومواصفاته متواترة - لفظاً أو معنى - وفيها تركيز على أنه (يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً) فكل الطواغيت والمنحرفين كانوا - ولا زالوا - يحذرون مفاجئته الكبرى، فيعبرون عن فزعهم منه بالتربص به والتشويش عليه.
وقد استغل أعداؤه ظاهرة خفاء حمله وغيبته عن المجتمعات لتشديد النكير على المؤمنين به. خاصة وأن أكثرهم محرومون من زيارته والخواص الذين يحضون بلقائه ﻻ يقولون إلا لخواصهم. وقد أدى هذا الأسلوب من التعامل مع الجماهير إلى وقوع الأكثرية الساحقة حتى من الشيعة فريسة إعلام الأعداء. ولكن الله لم يأذن له إلا بهذا الأسلوب في انتظار الوقت المناسب.
وقد أرسل بعض الشيعة هدايا نفيسة وعينية إلى الإمام بواسطة بعض المتصلين به، ثم شكوا في أمره ولم يلبثوا أن ندموا على إظهار شكهم فيه، فقبل الإمام أعذارهم، ولكنه رفض قبول هداياهم بعد ذلك. واعتبر شكهم فيه شكاً في الدين، لأن الوصاية عمق طبيعي للنبوة والنبوة من أصول الدين. وعلى العموم، القيادة السماوية من الدين والشك فيها شك في الدين وقد صح عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قوله: (من أنكر خروج المهدي فقد أنكرني).
(٢٢٤) الاحتجاج، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص٢٨٩ - ٢٩٦ روى أصحابنا: أن أبا محمد الحسن السريعي كان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمد (عليهم السلام) وهو أول من ادعى مقاماً لم يجعله الله فيه من قبل صاحب الزمان وكذب على الله وحججه (عليهم السلام)، ونسب إليهم ما ﻻ يليق بهم وما هم منه براء، ثم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد، وكذلك كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن (عليهما السلام) فلما توفي ادعى البابية لصاحب الزمان، ففضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والغلو والتناسخ، وكان يدعي أنه رسول نبي أرسله علي بن محمد ويقول بالإباحة للمحارم، وكان أيضاً من جملة الغلاة أحمد بن هلال الكرخي، وقد كان من قبل في عداد أصحاب أبي محمد (عليه السلام) ثم تغير عما كان عليه وأنكر بابية أبي جعفر محمد بن عثمان، فخرج التوقيع بلعنه من قبل صاحب الزمان والبراءة منه، في جملة من لعن وتبرأ منه. وكذا كان أبو طاهر محمد بن علي بن بلال، والحسين بن منصور الحلاج، ومحمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقري، لعنهم الله، فخرج التوقيع بلعنهم والبراءة منهم جميعاً على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) ونسخته:
(٢٢٥) (السريعي) هو أبو محمد الحسن (والنميري) هو محمد بن نصير النميري (والهلالي) هو أحمد بن هلال الكرخي (والبلالي) هو محمد بن علي بن بلال (وغيرهم) في البحث في الكتب - عشرة أشخاص في أيام الغيبة الصغرى ذكر بعضهم الشيخ الطوسي (قدس سره) في كتاب الغيبة، وذكر البعض الآخرون.
١- السريعي:
قال الشيخ قدس سره في كتاب الغيبة: أولهم المعروف بالسريعي أخبرنا جماعة، عن أبي محمد التلعكبري، عن أبي علي محمد بن همام قال: كان السريعي يكنى بأبي محمد، قال هارون: أظن أسمه كان الحسن وكان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمد ثم الحسن بن علي بعده (عليهم السلام)، وهو أول من ادعى مقاماً لم يجعله الله فيه، ولم يكن أهلاً له، وكذب على الله وعلى حججه (عليهم السلام) ونسب إليهم ما لا يليق بهم، وما هم منه براء فلعنه الشيعة، وتبرأت منه وخرج توقيع الإمام بلعنه والبراءة منه.
قال هارون: ثم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد قال: وكل هؤلاء المدعين إنما يكون كذبهم أولاً على الإمام وأنهم وكلاؤه فيدعون الضعفة بهذا القول إلى موالاتهم ثم يترقى الأمر بهم إلى قول الحلاجية كما اشتهر من أبي جعفر الشلمغاني ونظرائه عليهم جميعاً لعائن الله تترى.
٢- النميريّ:
ومنهم محمد بن نصير النميري قال ابن نوح: أخبرنا أبو نصر هبة الله بن محمد قال: كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) فلما توفي أبو محمد ادعى مقام أبي جعفر محمد بن عثمان أنه صاحب إمام الزمان وادعى البابية، وفضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والجهل، ولعن أبي جعفر محمد بن عثمان له وتبريه منه واحتجاجه عنه وادعى ذلك الأمر بعد السريعي.
قال أبو طالب الأنباري: لما ظهر محمد بن نصير بما ظهر لعنه أبو جعفر رضي الله عنه وتبرأ منه فبلغه ذلك فقصد أبا جعفر ليعطف بقلبه عليه أو يعتذر إليه فلم يأذن له وحجبه ورده خائباً. وقال سعد بن عبد الله: كان محمد بن نصير النميري يدعي أنه رسول نبي وأن علي بن محمد [يعني: الهادي] (عليه السلام) أرسله، وكان يقول بالتناسخ ويغلو في أبي الحسن [الهادي] ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإجابة للمحارم، وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أن ذلك من التواضع والإخبات والتذلل في المفعول به وأنه من الفاعل إحدى الشهوات والطيبات وأن الله عز وجل ﻻ يحرم شيئاً من ذلك.
وكان محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات يقوي أسبابه ويعضده. أخبرني بذلك عن محمد بن نصير أبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان أنه رآه عياناً وغلام له على ظهره قال: فلقيته فعاتبته على ذلك فقال: إن هذا من اللذات وهو من التواضع لله وترك التجبر.
قال سعد: فلما اعتل محمد بن نصير العلة توفي فيها، قيل له وهو مثقل اللسان: لمن هذا الأمر من بعدم؟ فقال بلسان ضعيف ملجلج: أحمد فلم يدر من هو؟ فافترقوا بعده ثلاث فرق: قالت فرقة أنه أحمد ابنه وفرقة قالت: هو أحمد بن محمد بن موسى بن الفرات وفرقة قالت: أنه أحمد بن أبي الحسين بن بشر بن يزيد فتفرقوا فلا يرجعون إلى شيء.
٣- الكرخيّ:
ومنهم أحمد بن هلال الكرخي قال أبو علي بن همام: كان أحمد بن هلال من أصحاب أبي محمد (عليه السلام) فاجتمعت الشيعة على وكالة أبي جعفر محمد بن عثمان رحمه الله بنص الحسين (عليه السلام) في حياته ولما مضى الحسين (عليه السلام) قالت الشيعة الجماعة له: ألا تقبل أمر أبي جعفر محمد بن عثمان وترجع إليه وقد نص عليه الإمام المفترض الطاعة فقال لهم: لم أسمعه ينص عليه بالوكالة، وليس أنكر أباه يعني عثمان بن سعيد فأما أن أقطع أن أبا جعفر وكيل صاحب الزمان فلا أجسر عليه، فقالوا: قد سمعه غير، فقال: أنتم وما سمعتم، ووقف على أبي جعفر فلعنوه وتبرءوا عنه.
ثم ظهر التوقيع علي يد أبي القاسم بن روح رحمه الله بلعنه والبراءة منه في جملة من لعن.
٤- محمد بن علي بن بلال:
ومنهم أبو طاهر محمد بن علي بن بلال وقصته معروفة فيما جرى بينه وبين أبي جعفر محمد بن عثمان العمري نضر الله وجهه وتمسكه بالأموال التي كانت عنده للإمام وامتناعه من تسليمها وادعائه أنه الوكيل حتى تبرأت الجماعة منه ولعنوه وخرج من صاحب الزمان (عليه السلام) ما هو معروف.
وحكى أبو غالب الزراري قال: حدثني أبو الحسن محمد بن محمد بن يحيى المعاذي قال: كان رجل من أصحابنا قد انضوى إلى أبي طاهر بن بلال بعدما وقعت الفرقة ثم أنه رجع عن ذلك وصار في جملتنا فسألناه عن السبب قال: كنت عند أبي طاهر يوماً وعنده أبو الطيب وابن خزر وجماعة من أصحابه إذ دخل الغلام فقال أبو جعفر العمري على الباب ففزعت الجماعة لذلك وأنكرته للحال التي كانت جرت وقال: يدخل، فدخل أبو جعفر رضي الله عنه فقام له أبو طاهر والجماعة وجلس في صدر المجلس وجلس أبو طاهر كالجالس بين يديه فأمهلهم إلى أنه سكتوا.
ثم قال: يا أبا طاهر نشدتك الله أو نشدتك بالله ألم يأمرك صاحب الزمان (عليه السلام) بحمل ما عندك من المال إلي؟ فقال: اللهم نعم فنهض أبو جعفر رضي الله عنه منصرفاً ووقعت على القوم سكتة فلما تجلت عنهم قال له أخوه أبو الطيب: من أين رأيت صاحب الزمان؟ فقال أبو طاهر: أدخلني أبو جعفر رضي الله عنه إلى بعض دوره فأشرف علي من علو داره فأمرني بحمل ما عندي من المال إليه فقال له أبو الطيب: ومن أين علمت أنه صاحب الزمان (عليه السلام) قال: وقع علي من الهيبة له، ودخلني من الرعب منه ما علمت أنه صاحب الزمان (عليه السلام) فكان هذا سبب انقطاعي عنه. (وقد يحتمل كون ذلك صدر عنه تقية وخوفاً من الظالمين الذين كانوا يتربصون بأصحاب الأئمة (عليهم السلام) كل دائرة - كما مضى منا نقل ذلك عن الشيخ الحر في وسائل الشيعة، في مقدمة الكتاب عند الحديث عن وكلاء آخرين غير النواب الأربعة - والله أعلم).
٥- الحلاّج:
ومنهم الحسين بن منصور الحلاج:
أخبرنا الحسين بن إبراهيم، عن أبي العباس أحمد بن علي بن نوح، عن أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري قال: لما أراد الله تعالى أن يكشف أمر الحلاج ويظهر فضيحته ويخزيه، وقع له أن أبا سهل ابن إسماعيل بن علي النوبختي رضي الله عنه ممن تجوز عليه مخرقته، وتتم عليه حيلته، فوجه إليه يستدعيه، وظن أن أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الأمر بفرط جهله، وقدر أن يستجره إليه فيتمخرق ويتصوف بانقياده على غيره، فيستتب له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة، لقدر أبي سهل في أنفس الناس ومحله من العلم والأدب أيضاً عندهم، ويقول له في مراسلته إياه: إني وكيل صاحب الزمان (عليه السلام) وبهذا أولاً كان يستجر (الجهال) ثم يعلو منه إلى غيره - وقد أمرت بمراسلتك وإظهار ما تريده من النصرة لك، لتقوى نفسك ولا ترتاب بهذا الأمر.
أبو سهل يسأل الحلاج:
فأرسل إليه أبو سهل رضي الله عنه يقول لك: إني أسألك أمراً يسيراً يخف مثله عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين، وهو أني رجل أحب الجواري وأصبو إليهن ولي منهن عدة أتخطاهن والشيب يبعدني عنهن وأحتاج أن أخضبه في كل جمعة وأتحمل منه مشقة شديدة لأستر عنهن ذلك وإلا انكشف أمري عندهن، فصار القرب بعداً والوصال هجراً، وأريد أن تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته، وتجعل لحيتي سوداء، فإنني طوع يديك وصائر إليك، وقائل بقولك، وداع إلى مذهبك، مع ما لي في ذلك من البصيرة، ولك من المعونة.
فلما سمع ذلك الحلاج من قوله وجوابه علم أنه قد أخطأ في مراسلته وجهل في الخروج إليه بمذهبه وأمسك عنه ولم يرد إليه جواباً ولم يرسل إليه رسولاً وصيره أبو سهل رضي الله عنه أحدوثة وضحكة ويطنز به عند كل أحد، وشهر أمره عند الصغير والكبير، وكان هذا الفعل سبباً لكشف أمره وتنفير الجماعة منه.
الحلاج في قم:
وأخبرني جماعة عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه أن ابن الحلاج (وهو الحسين بن منصور، المعروف بالحلاج، وإن كان أصل اللقب لأبيه ولذا قيل هنا (ابن الحلاج)) صار إلى قم وكاتب قرابة أبي الحسن (والد الصدوق) يستدعيه ويستدعي أبا الحسن أيضاً ويقول: أنا رسول الإمام ووكيله، قال: فلما وقعت المكاتبة في يد أبي رضي الله عنه خرقها وقال لموصلها إليه: ما أفرغك للجهالات؟ فقال له الرجل - وأظن أنه قال: إنه ابن عمته أو ابن عمه - فإن الرجل قد استدعانا فلم خرقت مكاتبته وضحكوا منه وهزءوا به، ثم نهض إلى دكانه ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه.
إخراج الحلاج من قم
قال: فلما دخل إلى الدار التي كان فيها دكانه نهض له من كان هناك جالساً غير رجل رآه جالساً في الموضع فلم ينهض له ولم يعرفه أبي فلما جلس وأخرج حسابه ودواته كما تكون التجار، أقبل على بعض من كان حاضراً فسأله عنه فأخبره فسمعه الرجل يسأل عنه فأقبل عليه وقال له: تسأل عني وأنا حاضر فقال له أبي: أكبر تك أيها الرجل وأعظمت قدرك أن أسألك فقال له: تخرق رقعتي وأنا أشاهدك تخرقها فقال له أبي: فأنت الرجل إذاً. ثم قال: يا غلام برجله وبقفاه فأخرج من الدار العدو لله ولرسوله، ثم قال له: أتدعي المعجزات؟ عليك لعنة الله... فما رأيناه بعدها بقم.
من خرافات الحلاج:
قال المحقق النوري في مستدركه - نقلاً عن بعض المجاميع المخطوطة للشهيد الأول قدس سره: (أبو معتب الحسين بن منصور الحلاج الصوفي كان جماعة يستشفون ببوله (وقيل) إنه ادعى الربوبية، ووجد له كتاب فيه: إذا صام الإنسان ثلاثة أيام بلياليها ولم يفطر، وأخذ وريقات هندباء فأفطر عليها أغناء عن صوم رمضان (ومن) صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى الغداة أغنته عن الصلاة بعد ذلك. (ومن) تصدق بجميع ما يملك في يوم واحد أغناه عن الحج (وإذا) أتى قبور الشهداء بمقابر قريش [يعني: الكاظمية] فأقام فيها عشرة أيام يصلي ويدعو ويصوم ولا يفطر إلا على قليل من خبز الشعير والملح أغناه ذلك عن العبادة) (مستدرك الوسائل ج٣ ص٣٧٢).
٦- الشلمغاني:
ومنهم ابن أبي العزاقر أخبرني الحسين بن إبراهيم، عن أحمد بن علي بن نوح عن أبي نصر هبة الله بن محمد بن أحمد الكاتب ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري رضي الله عنه قال حدثتني الكبيرة أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري رضي الله عنهما قالت: كان أبو جعفر ابن أبي العزاقر وجيهاً عند بني بسطام، وذاك أن الشيخ أبا القاسم رضي الله عنه وأرضاه كان قد جعل له عند الناس منزلة وجاهاً فكان عند ارتداده يحكي كل كذب وبلاء وكفر لبني بسطام ويسنده عن الشيخ أبي القاسم فيقبلونه منه ويأخذونه عنه، حتى انكشفت ذلك لأبي القاسم فأنكره وأعظمه ونهى بني بسطام عن كلامه وأمرهم بلعنه والبراءة منه فلم ينتهوا وأقاموا على توليه.
تمويه الشلمغاني على العامة:
وذاك أنه كان يقول لهم: إنني أذعت السر وقد أخذ علي الكتمان فعوقبت بالإبعاد بعد الاختصاص لأن الأمر عظيم ﻻ يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن ممتحن، فيؤكد في نفوسهم عظم الأمر وجلالته.
فبلغ ذلك أبا القاسم رضي الله عنه فكتب إلى بني بسطام بلعنه والبراءة منه وممن تابعه على قوله، وأقام على توليه، فلما وصل إليهم أظهروه عليه فبكى بكاءً عظيماً ثم قال: إن لهذا القول باطناً عظيماً وهو أن اللعنة الإبعاد، فمعنى قوله: لعنه الله أي باعده الله عن العذاب والنار، والآن قد عرفت منزلتي ومرغ خديه على التراب وقال: عليكم بالكتمان لهذا الأمر.
قالت الكبيرة رضي الله عنها: وقد كنت أخبرت الشيخ أبا القاسم أن أم أبي جعفر بن بسطام قالت لي يوماً وقد دخلنا إليها فاستقبلتني وأعظمتني وزادت في إعظامي حتى انكبت علي رجلي تقبلها فأنكرت ذلك وقلت لها: مهلاً يا ستي [يعني: يا سيدتي] فإن هذا أمر عظيم، وانكببت على يدها فبكت.
قوله بالحلول:
ثم قالت: كيف ﻻ أفعل بك هذا وأنت مولاتي فاطمة؟ فقلت لها: وكيف ذاك يا ستي فقالت لي: إن الشيخ يعني أبا جعفر محمد بن علي [الشلمغاني] خرج إلينا بالستر قالت: فقلت لها: وما الستر؟ قالت قد أخذ علينا كتمانه وأفزع إن أنا أذعته عوقبت، قالت: وأعطيتها موثقاً أني ﻻ أكشفه لأحد واعتقدت في نفسي الاستثناء بالشيخ رضي الله عنه يعني أبا القاسم الحسين بن روح.
قالت: إن الشيخ أبا جعفر قال لنا: إن روح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) انتقلت إلى أبيك يعني أبا جعفر محمد بن عثمان رضي الله عنه، وروح أمير المؤمنين علي (عليه السلام) انتقلت إلى بدن الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، وروح مولاتنا فاطمة (عليها السلام) انتقلت إليك فكيف ﻻ أعظمك يا ستنا. فقلت لها: مهلاً ﻻ تفعلي فإن هذا كذب يا ستنا. فقالت لي: سر عظيم وقد أخذ علينا أن ﻻ نكشف هذا لأحد فالله الله في ﻻ يحل بي العذاب ويا ستي لولا حملتني على كشفه ما كشفته لك ولا لأحد غيرك.
قالت الكبيرة أم كلثوم رضي الله عنها: فلما انصرفت من عندها دخلت إلى الشيخ أبي القاسم ابن روح رضي الله عنه فأخبرته بالقصة وكان يثق بي ويركن إلى قولي فقال لي: يا بنية إياك أن تمضي إلى هذه المرأة بعد ما جرى منها، ولا تقبلي لها رقعة إن كاتبتك، ولا رسول إن أنفذته إليك، ولا تلقاها بعد قولها فهذا كفر بالله تعالى وإلحاد قد أحكمه هذا الرجل الملعون في قلوب هؤلاء القوم ليجعله طريقاً إلى أن يقول لهم: بأن الله تعالى اتحد به، وجل فيه، كما تقول النصارى في المسيح (عليه السلام) ويعدو إلى قول الحلاج لعنه الله.
قالت: فهجرت بني بسطام: وتركت المضي إليهم ولم أقبل لهم عذراً ولا لقيت أمهم بعدها، وشاع في بني نوبخت الحديث فلم يبق أحد إلا وتقدم إليه الشيخ أبو القاسم وكاتبه بلعن أبي جعفر الشلمغاني والبراءة منه وممن يتولاه ورضي بقوله أو كلمه فضلاً عن موالاته.
ثم ظهر التوقيع من صاحب الزمان (عليه السلام) بلعن أبي جعفر محمد بن علي والبراءة منه وممن تابعه وشايعه ورضي بقوله، وأقام على توليه بعد المعرفة بهذا التوقيع.
سبب قتل الشلمغاني:
وله حكايات قبيحة وأمور فظيعة ينزه كتابنا عن ذكرها، ذكرها ابن نوح وغيره، وكان سبب قتله أنه لما أظهر لعنه أبو القاسم بن روح واشتهر أمره وتبرأ منه وأمر جميع الشيعة بذلك، لم يمكنه التلبيس، فقال في مجلس حافل فيه رؤساء الشيعة وكل يحكي عن الشيخ أبي القاسم لعنه والبراءة منه: اجمعوا بيني وبينه حتى آخذ يده ويأخذ يدي فإن لم تنزل عليه نار من السماء تحرقه وإلا فجميع ما قاله في حق ورقي ذلك إلى الراضي لأنه كان ذلك في دار ابن مقلة فأمر بالقبض عليه وقتله فقتل واستراحت الشيعة منه (غيبة الطوسي (قدس سره): ص٢٤٤ وما بعدها). (أقول) وكانت له فتاوى فاسدة، ومذاهب باطلة ذكر بعضها الشيخ (قدس سره) في الغيبة، وذكر آخر منها غيره أيضاً ﻻ ضرورة لاستيعابها هنا.
٧- محمد بن أحمد بن عثمان:
أبو بكر المعروف بالبغدادي، ابن أخي محمد بن عثمان العمري - النائب الثاني لصاحب الأمر (عليه السلام) - وحفيد عثمان بن سعيد العمري - النائب الأول -.
وأمره في قلة العلم والمروة أشهر من أن يذكر (غيبة الطوسي (قدس سره): ص٢٥٦).
وكان معروفاً لدى عمه أبي جعفر العمري بالانحراف، ولم يكن معروفاً لدى البعض الآخر من أصحابه.
ومن هنا كان جماعة من الأصحاب الموالين في مجلس العمري (رضي الله عنه) وهم يتذاكرون شيئاً من روايات الأئمة (عليهم السلام)، فأقبل عليهم أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان أبن أخيه، فلما بصر به أبو جعفر رضي الله عنه قال للجماعة مشيراً إليه: أمسكوه فإن هذا الجاني ليس من أصحابكم.
أدعى السفارة، وكان له أصحاب منهم (أبو دلف محمد بن المظفر الكاتب) وكان في ابتداء أمره مخمساً - [جاء في هامش (الغيبة) - ٢٥٦: المخمسة من الغلاة يقولون: أن الخمسة سلمان وأبا ذر والمقداد وعمار وعمرو بن أمية العمري هم الموكلون بمصالح العالم من قبل الرب. (ولكن) في الملل والنحل - للشهرستاني - ج٢ ص١٣ هكذا: (هم فرقة من الغلاة يقولون بألوهية أصحاب الكساء الخمسة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين (صلى الله عليه وعليهم أجمعين) بأنهم نور واحد، والروح حالة فيهم بالسوية ﻻ فضل لواحد على الآخر)] - مشهوراً بذلك، لأنه كان تربية الكرخيين وتلميذهم وصنيعتهم، وكان الكرخيون مخمسة ﻻ يشك في ذلك أحد من الشيعة، وقد كان أبو دلف يقول ذلك ويعترف به ويقول: نقلني سيدنا الشيخ الصالح قدس الله روحه ونور ضريحه عن مذهب أبي جعفر الكرخي إلى المذهب الصحيح - يعني أبا بكر البغدادي - [الغيبة: ص٢٥٥] وسنذكر أبا دلف مستقلاً.
قال الراوي: فلما دخل [أي أبا بكر البغدادي] قام إليه أبو دلف الكاتب وعدل عن الطائفة وأوصى إليه. لم نشك أنه على مذهبه فلعناه وبرئنا منه لأن عندنا أن كل من أدعى الأمر بعد السحري فهو كافر منمس ضال مضل (الغيبة: ص٢٥٥).
وكان أبو دلف هذا يدافع عن أبي بكر البغدادي ويفضله على أبي القاسم بن روح وعلى غيره.
فلما قيل له في وجه ذلك قال: لأن أبا جعفر محمد بن عثمان قدم اسمه على اسمه في وصيته، فقلت له: فالمنصور أفضل من مولانا أبي الحسن موسى (عليه السلام).
قال: وكيف؟
قلت: لأن الصادق (عليه السلام) قد أسماه على اسمه في الوصية.
فقال لي: أنت تعصب على سيدنا ومولانا وتعاديه؟.
فقلت: والخلق كلهم تعادي أبا بكر البغدادي وتتعصب عليه غيرك وحدك وكدنا نتفاءل ونأخذ بالأزياق.
٨ و٩ - الباقطاني وإسحاق الأحمر:
أخرج العلامة المجلسي في البحار (الطبعة القديمة: ج١٣ ص٧٩) عن أبي جعفر الطبرسي بإسناد مرفوع عن أحمد الدينوري أنه حمل معه ستة عشر ألف دينار لصاحب الأمر (عليه السلام) وجاء إلى بغداد وبحث عمن أشير إليه بالنيابة، فقيل له: إن هاهنا رجلاً يعرف بالباقطاني، يدعي النيابة، وآخر معروف بإسحاق الأحمر يدعي النيابة، وآخر يعرف بأبي جعفر العمري يدعي النيابة.
قال فبدأت بالباقطاني وصرت إليه فوجدته شيخاً مهيباً له مروءة ظاهرة وفرس عربي... إلى أن قال فلما لم يأت بحجة فصرت إلى إسحاق الأحمر.. فلم يأت بحجة [تدل على أنه نائب صاحب الأمر عليه السلام].
قال! وصرت إلى أبي جعفر العمري... الخ (قد نقلنا تفصيل هذا الحديث في المقدمة فلا نكرره).
ويظهر من هذا النقل أن الباقطاني والأحمر كانا قد ادعيا النيابة في أوائل الغيبة الصغرى حيث لم تكن الشيعة بعد تعرف النواب الحقيقيين.
كما يظهر منه - أي من تفصيله الذي مر في (المقدمة) - أنهما كانا يزيدان على أنفسهما بالفخفخة، ليموها على السذج والبسطاء الأمر، لكي يعيشا من هذا السبيل.
١٠- أبو دلف الكاتب:
واسمه محمد بن المظفر، كان قد آمن بأبي بكر البغدادي - كما مر - ثم عند موته أوصى أبو بكر البغدادي إليه بالنيابة، وأصبح أبو دلف يدعي السفارة عن صاحب الأمر بعد وفاة (السمري) - آخر النواب الأربعة - رغم صدور التوقيع الرفيع بوقوع الغيبة الكبرى، وانقطاع السفارة الخاصة.
وكان أبو دلف هذا معروفاً بالإلحاد.
فقد أخرج الأردبيلي في رجاله قال:
(أبو دلف المجنون، روى الشيخ الطوسي عن المفيد محمد بن محمد بن النعمان عن أبي الحسن عن بلال المهلبي قال: سمعت أبا القاسم جعفر بن محمد بن قولويه يقول: أما أبو دلف الكاتب - لا حاطه الله - فكنا نعرفه ملحداً ثم أظهر الغلو، ثم صار مفوضاً وما عرفناه قط إذا حضر في مشهد إلا استخف به ولا عرفته الشيعة إلا مديدة يسيرة والجماعة تبرأ منه وممن يتنمس به... الخ) (جامع الرواة ج٢ ص٤٦٩).
وقد مضى بعض ما يرتبط به في الحديث عن أبي بكر البغدادي.
(٢٢٦) سفينة البحار: الشيخ عباس القمي، ج٢ ص٢٤٩: الشيخ الأجل علي بن محمد السمري رضي الله أبو الحسن، قام بأمر النيابة، بعد الحسين بن روح رضي الله عنه، ومضى في النصف من شعبان سنة ٣٢٩هـ.
وفي الاحتجاج للطبرسي ج٢ ص٢٩٧:
فلما حان سفر أبي السمري من الدنيا، وقرب أجله قيل له إلى من توصي؟ فأخرج إليهم توقيعاً نسخته:
(٢٢٧) كان لابد من تكذيب مدعي المشاهدة في الغيبة الكبرى، حتى ﻻ يأتي كل يوم إلى الشيعة من يدعي المشاهدة لتمرير مأرب أو تزوير حقيقة. وهذا هو الأصل، وغيره استثناء، فلا ينافيه صدق من ادعى المشاهدة ممن ﻻ ترقى إليه الشبهات كالصدوق والمقدس الأردبيلي وبحر العلوم كما أن الرؤيا ليست بحجة ولا تنافيه كثرة الرؤيا الصادقة (ولعل) المقصود ادعاء المشاهدة كالنواب الأربعة: المشاهدة الدائمة والاتصال المستمر.
مضافاً إلى أن النظام - شرعاً وقانوناُ - ﻻ يمكن أن يستند إلا إلى أدلة معترف بها لدى الرأي العام، ﻻ إلى دعاوى فردية قابلة للتشكيك وإن تطابقت مع الواقع في كثير من الأحيان، كالجفر والتنجيم والتحضير والتنويم المغناطيسي، ومن هذا النوع دعوى المشاهدة في الغيبة الكبرى.
(٢٢٨) الاحتجاج: أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ص ٢٨١ - ٢٨٤: عن محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري رحمه الله أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عجل الله فرجه):.....
(٢٢٩) ربما كانت هذه الرسالة الجوابية مفتتحة بمقدمة حذفت في النقل، فعادة الأئمة (عليه السلام) افتتاح رسائلهم ببسم الله والحمد وربما الصلاة على النبي وآله.
(٢٣٠) جعفر هو شقيق الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وقد ادعى الإمامة بعد أخيه العسكري، فخرج التوقيع بتكذيبه فلقب بالكذاب، ثم تاب فخرج بحقه هذا النص في هذا التوقيع فلقب بالتواب، وأما ولد جعفر فكانوا مع أبيهم في دعوته وتوبته، فكانوا معه في زلته وعودته. والجدير بالذكر أنه كان لجعفر من صلبه مائة وعشرون ولداً ما عدا الإناث.
(٢٣١) الفقاع: شراب يتخذ من الشعير أو من الأثمار، سمي به لما يعلوه من الزبد ويسمى (بيرة). وهو محرم أسكر أو لم يسكر. والشلحاب أو الشلماب هو ماء الشلجم كما قيل يطبخ ويعصر وهو ليس بمسكر وليس بحرام.
(٢٣٢) غريزة التملك من الغرائز التي ورثها الإنسان من الأرض.
وهذه الغريزة تدفعه إلى أن يحوز أكبر قدر ممكن من الأرض وما فيها وما عليها وتشعره بأن كل ما حازه فهو ملك له.
وجاءت الإشعارات المتتابعة في القرآن الكريم والسنة تقول له: أيها الإنسان! أنت لست سيداً قائماً بذاته وإنما أنت عبد من عباد الله لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. وكل ما تمثله من أعضاء وخلايا وطاقات ومشاعر فهي ليست لك ولا استحصلت عليها بكد يمينك، وإنما هي من ممتلكات الله، وقد وظفك بإدارتها وفق برنامج معين. والأرض وما تمثل ليست كتلة ضائعة انفلتت من محيط ما لكها حتى تحاول استملاكها بالحيازة:
(قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله أفلا تذكرون) سورة المؤمنون، آية ٨٤.
(قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم ﻻ يؤمنون) سورة الأنعام، آية ١٢.
وبقي الإنسان يظن أنه سيد مستقل، وأن ما استولى عليه فهو ملك له. وإذا تنازل عن شيء من اعتباراته أو مما استولى عليه فقد أعطي ما هو حر التصرف فيه، فله المنّ والفضل بما أعطى.

* * *

فلما هاجر الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) واستولى على السلطة في المدينة المنورة وجعل الناس يدخلون في دين الله قناعة أو طمعاً، بدأت غريزة التملك تتفاعل فيهم، وأخذوا يمنون على رسول الله تخليهم عن عبادة الأصنام، رغم أن إيمان بعضهم كان إيماناً مصلحياً - ولعل المصلحين هم الذين كانوا يمنون على رسول الله إسلامهم - فأنزل الله فيهم: (يمنون عليك أن أسلموا قل ﻻ تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) سورة الحجرات، آية ١٧.
وغريزة التملك تحركت بشكل صارخ مع فرض الضرائب في الإسلام، فبدأ بعض الذين أظهروا الإسلام يتكلمون وكأن الإسلام لم ينزل من السماء إلا لنهب أموالهم، رغم تأكيد القرآن على أن الزكاة لأصناف منهم ﻻ للرسول وآله، وأن الخمس لله قبل أن يكون لغيره. ثم شن الرسول والأئمة (عليهم السلام) حملة توعية واسعة النطاق لإقناع المسلمين بأن الضرائب في الإسلام من جملة الفرائض السماوية التي لابد من الالتزام بها كدين، ولكنها لم تستوعب الذهنية العامة، فبقي الكثيرون ولا زالوا يتهربون أو يتأففون من دفعها.

* * *

والإمام المهدي يواصل - من خلال هذا التوقيع - حملة التوعية تلك، ويركز على ثلاث حقائق:
الأولى: أن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) لم يكونوا بحاجة شخصية إلى الأخماس والزكوات، لأنهم - على خلاف القادة الزمنيين والروحيين - كانوا يعملون ويسترزقون من ريع أعمالهم، حتى أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يعمل منذ العاشرة من عمره الشريف حتى استشهد في محراب العبادة، ولم تقطعه مهام الخلافة الإسلامية عن العمل اليدوي. وهكذا كان أكثر الأئمة الطاهرين الذين ربوا الجيل الإسلامي المثالي على الأعمال اليدوية، وعدم الاسترزاق من بيت مال المسلمين. مضافاً إلى التقشف المتناهي الذي كان يعتصر كل نفقاتهم من جميع الجهات.
والإمام المهدي لم تكن له نفقات شخصية تذكر وخاصة بعد غيبته في بطون الأودية وقمم الجبال. فهم - وهو بصورة خاصة - في غني عن الضرائب الإسلامية، وقد لمح الإمام المهدي إلى هذه الحقيقة بقوله: (وما أتانا الله خير مما آتاكم).
الثانية: أن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) لم يمارسوا الضغوط لجباية الضرائب - خاصة بعد ابتعادهم عن السلطة - كل ما في الأمر أنهم أمروا بدفعها تبليغاً لأحكام الشريعة.
على أن الإمام المهدي - بصورة أخص - لم يكن في أي يوم من أيام حياته في وضع يساعد على جباية الأموال.
مضافاً إلى أن انقطاعه عن ممارسة المهام السياسية والاجتماعية بالغيبة الكبرى، ساعد على انصرافه حتى عن التشجيع على دفع الضرائب المالية.
وقد صرح بهذه الحقيقة قائلاً: (فمن شاء فليصل، ومن شاء فليقطع).
الثالثة: مترتبة على الحقيقتين السابقتين وهي أن الأئمة طالما ﻻ يحتاجون إلى الضرائب المالية، وطالما ﻻ يمارسون الضغوط لاستيفائها، فلا يبقى دافع إلى قبولها إلا لتطهير الناس مما عليهم من أموال إن لم يقبلوها دخلت في النطف فخبثتها، وفي المعاملات والعبادات فأفسدتها.
وقد أعلن الإمام المهدي هذه الحقيقة بقوة ووضوح في قوله: (وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا).

* * *

وبما أن أكثر الناس حتى اليوم ﻻ يدفعون الضرائب الإسلامية، أو يدفعون بعضاً منها تحت طائلة الوعيد بعذاب الله، أو بتأثيرات شخصية، ربما أصبح من المناسب أن ننوه إلى بعض فوائدها بصورة مقتضبة، رغم أنها ليست وثيقة الصلة بموضوع التوقيع، ونلخصها كما يلي:
١: الفوائد العبادية.
أ: تنمية علاقة الفرد بالله، ومنع حيلولة المال بين الفرد وربه، لأن دفع الضرائب الإسلامية - في حد ذاته - عمل عبادي. والزكاة - التي تشمل سائر الفرائض المالية إذا لم تقابل بالخمس أو بغيره كما هو الحال في أكثر الآيات والروايات التي شفعت الصلاة بالزكاة - من أهم العبادات.
فليس من باب الصدقة اقتران الصلاة بالزكاة في ست وعشرين آية من القرآن.
وليس من باب الصدقة حشر الزكاة في جملة من العقائد والفرائض الأساسية - كشرط للهداية وعمارة المساجد - في قوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) سورة التوبة، آية ١٨.
ب: توظيف المال في سبيل تسرية المعنى العبادي إلى مختلف نشاطات الفرد، لأن المال طاقة من الطاقات التي وضعها الله تحت تصرف الإنسان لامتحانه بها، فإذا تصرف فيه وفق إرادة الله كان كسبه عبادة واستثماره عبادة واستهلاكه عبادة، وإذا تصرف فيه خلاف إرادة الله كان كسبه حراماً واستثماره حراماُ واستهلاكه حراماً. والالتزام بتحريك المال وفق إرادة الله يطلق المفهوم العبادي من رحاب المسجد إلى الحقل والسوق والمعمل. ومتى تعوّد الفرد على العبادة في نشاطه الاقتصادي سهل عليه التسربل بالعبادة في سائر نشاطاته.
ج: تصعيد الشعور بدور الدنيا من الفكرة إلى الممارسة، لأن الدنيا حلقة في سلسلة العوالم التمهيدية التي يمر بها الإنسان لاستكمال دورته التكاملية، أو كما في الحديث: (الدنيا مزرعة الآخرة) ولا يمكن توجيه الدنيا إلى هدفها إلا باستخدامها في سبيل الآخرة، ﻻ في سبيل تورط أكثر في الدنيا ذاتها، ولا يقبل الإنسان على الاستزادة من شيء إلا ويزداد جشعاً إليه، فإذا أقبل على المعنى زاده جشعاً وإذا أقبل على المادة زادته جشعاً، أوَ ليس في الحديث: (منهومان ﻻ يشبعان: طالب علم وطالب مال)؟
والمال مظهر للدنيا، فإذا استعلى على المعنى استبدت بالإنسان وإذا تذلل للمعنى خضعت للإنسان، وأخذت حجمها في خدمة الآخرة.
د: تجنيب الحرام، لأن الكلمات المستخدمة في النصوص القرآنية والروائية تدل على أن الخمس والزكاة يتعلقان بالأعيان، فمقدارهما خارج عن ملك الفرد، فإذا بقي في أموال الناس دخل في النطف فخبثها وفي العبادات والمعاملات فأفسدها، إن لم يكن في ظاهر الشريعة ففي واقع الأمر.
٢- الفوائد النفسية:
أ: تنقية الأجواء من عبادة المال، لأن الناس بمقتضى تركيبتهم الخاصة يحتاجون إلى أشياء معينة، فإذا توفرت انصرفت اهتماماتهم عنها، وإذا ندرت تمحورت اهتماماتهم حولها. كالماء، ﻻ يلفت انتباه أحد مادام ينساب في كل مكان، ولا يشح إلا ويتقاتل الناس عليه. كالهواء، ﻻ يتشاحن عليه الناس مادام مشاعاً، فإذا تم احتكاره - كما يحدث في الزنزانات التي لها نافذة واحدة ضيقة - انقلب أعز ما يتشاحن الناس عليه. هكذا المال ﻻ يستقطب ما دامت السيولة، فإذا عز التداول قل من يعبد سواه، فيتعبد الفقراء حاجة إليه، والأغنياء استغراقاً فيه.
والضرائب الإسلامية تفرض على المال - في جميع الحالات - نوعاً من السيولة تنزله عن مقام الربوبية.
ب: تسييد القيم على المال وإخضاعها لإرادته، لأن الحياة مركبة من قوى معنوية ومظاهر مادية، فهو عنصر صالح يساعد على عملية الحياة مادام ملتزماً بإرادة القوى المعنوية، وإذا تمرد عليها أصبح عنصراً نشازاً يفسد ويدمر.
والمال ﻻ يخضع للقوى المعنوية إلا من خلال التزام صاحبه بتوظيفه في تنشيط حركة الحياة كسباً واستثماراً واستهلاكاً - فإذا تمرد صاحبه على فرائضه أصبح - هو الآخر - عنصراً نشازاً يفسد ويدمر.
ج: تعميق الشعور بدور المال، لأن المال من جملة المواد التي يستخدمها الإنسان في مصالحه، تماماً كالطعام والشراب والهواء... فهي ضرورات لاستمرار عافيته، مادام يستفيد منها بمقدار حاجته، فإذا استزاد منها انقلبت مضرات تسلب منه عافيته. هكذا المال ضرورة حياتية مادام بمقدار تأمين حاجات الفرد، فإذا زاد أرهق صاحبه، وسلب منه نشاطه في بقية حالات الحياة.
د: توسيع نفسية الفرد الغني، لأن نفس الإنسان قابلة للامتداد بلا حدود - بخلاف جسمه الذي ﻻ يتحمل الامتداد إلا ضمن حدود ضيقة جداً - ويتم تقليص أو توسيع نفسية الفرد باهتماماته وممارساته، فمن كانت اهتماماته أو ممارساته منكفئة على ذاته تتقوقع نفسيته في حدود شخصه، ومن تنطلق اهتماماته وممارساته في آفاق المجتمع تتسع نفسيته بمقدار من يحتضن من أفراد، ولذلك يوجد فرد يمثل نفسه إلى جانب فرد يمثل مليون شخص أو ملايين الأشخاص.
والضرائب الإسلامية - الواجبة منها والمستحبة - تحاول إخراج الفرد الغني من قوقعته الشخصية، إلى الدائرة الاجتماعية.
٣: الفوائد الاجتماعية:
أ: تحليل عقد الحقد والكراهية المتجاوبة بين الطبقة الفقيرة والطبقة الغنية، فالأولى ترى أن الثانية تمتص ثروات المجتمع - بوسائلها المختلفة - بينما هي تعاني من أجل اليسير منها. والثانية ترى أنها بالكد والجهد استطاعت أن تجمع ما لديها، وأن الأولى تريد الاستئثار بما لم تجهد في سبيله، فتتبادل الحقد والكراهية.
وتأتي الضرائب الإسلامية، لتشرك الطبقة الفقيرة مع الطبقة الغنية - ولو بقسط معين ولكنه يكفي لإنقاذ الأولى من المعاناة - بدون أي جهد، ولتشعر الثانية بأن الله الذي وهب لها ما لديها هو الذي يطالبها بهذا الحق وسيعوضها بخير منه في الآخرة، وربما في الدنيا - أيضاً -.
ب: تعميم فكرة وحدة المجتمع، لأن كل فرد يرى نفسه وحدة متكاملة، وينطلق من هذا الموقع لتقييم كل شيء وكل فرد، فكل ماله فهو فضيل وكل ما عليه فهو سيئ، ويزداد تمسك الفرد باستقلالية نتيجة الصدمات التي يتلقاها في سبيل فرض استقلاليته على الآخرين.
والضرائب الإسلامية، تفرض على الغني الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، كما تفرض على الفقير الشعور بالأخوة الاجتماعية، وتجمع الجانبين تحت شعور مشترك بأن استقلالية الفرد ﻻ تنافي وحدة المجتمع، التي تجعل كل فرد مسؤولاً عن المجتمع بمقدار مسؤوليته عن نفسه، فلابد له من الاهتمام بالغير كالاهتمام بالنفس.
٤: الفوائد السياسية:
أ: تخفيف حدة التوتر بين الطبقات التي تتراوح بين طبقة مدقعة، وطبقة ﻻ تحصي أموالها إلا بالعقول الآلية. هذا التوتر المخيف الذي أدى في كل مراحل التاريخ إلى صراع مرير، وقسم العالم أخيراً إلى كتلتين متنافستين على تقرير مصير العالم.
فالضرائب الإسلامية تؤمن الحاجات الضرورية للطبقة الفقيرة، وتحد من تصاعد ثروة الطبقة الغنية بأرقام فلكية، فتحاول التقريب بينهما مع الاحتفاظ بالوازع الداخلي لتأمين الحد الأقصى من الإنتاج.
ب: تأمين المصالح العامة، لأن الأفراد يتكلفون بالمصالح الخاصة وليس باستطاعتهم القيام بالمصالح العامة، لأن الأفراد يتكلفون بالمصالح الخاصة وليس باستطاعتهم القيام بالمصالح العامة، لأن تقديرها يحتاج إلى سلطة ذات سيادة، وتنفيذها تحتاج إلى ثروات ﻻ ينالها الفرد مهما بلغ، فلابد أن تكفل بها الدولة. ولا تؤمن ميزانية الدول - في الغالب - إلا من الموارد العامة - كالمعدن العدو هو الذي ﻻ ينضب - ومن الضرائب. وطالما أن الموارد العامة تختلف من أرض إلى أرض، فالوارد الثابت الذي يمكن أن يكون سنة تستند إليه حكومات العالم هو الضرائب.
وجميع حكومات الدنيا تجبي الضرائب، ولكنها تتراوح بين إفراط وتفريط، فيما الضرائب الإسلامية تأخذ بالحد المعقول بين المصالح العامة وجهود التجار.
ج: تأمين الحد الأدنى من العدالة في توزيع الثروة. لأن المال ﻻ يلمس حركة السوق إلا ويتوتر في مجمعات متبعثرة كقزع الخريف، فطبيعته كالرمال السائبة تمتصها الزوابع من مناطق النفوذ لتوزعها شحنة هنا وأكمة هناك، فتنحر عن جانب حتى المحل وتتكدس في جانب كالثلوج في القطبين.
والضرائب الإسلامية تعالج الفقر والتضخم فيوقت واحد، لكي ﻻ تبقى حاجات معطلة حتى الموت ولا بنوك متخمة حتى الانفجار. ويؤدي إلى إيجاد - ما يسمى - بمجتمع البورجوازية الصغيرة.
(٢٣٣) إن موعد ظهور الإمام المهدي من القضايا التي أراد الله إخفاءها عن الرأي العام كموعد القيامة، وكموعد وفاة كل فرد، وإن كان أولياء الله المعصومون يعرفونها إلا أنهم أخفوها عن الرأي العام. عسى أن يتهيأ لها الناس في كل وقت وحال، ولا يتناساها من هو بعيد عنها.
فكل من يحدد موعد ظهور الإمام المهدي فهو كذاب وإن صادف الواقع، لأنه ﻻ يصدر عن مصدر الوحي، وما عداه معرض للخطأ، أو للبداء - في أفضل الحالات - مضافاً إلى أنه حديث فيما لم يأذن الله به.
(٢٣٤) كفر، لأن الكفر هو الستر، وإنكار قتل الحسين (عليه السلام) ستر لحقيقة ثابتة. وتكذيب لكل الصادقين الذين أخبروا بشهادته قبلها أو بعدها، وضلال يساوي التصدي للوقائع المحسوسة، وهو المدخل الطبيعي إلى السفسطة التي تخبط المحسوسات والمعقولات كافة.
ويلاحظ التشديد في لهجة الإمام المهدي وهو يشجب إنكار قتل الإمام الحسين (عليه السلام) أكثر مما يتوقع منه لرفض فكرة ظاهرة البطلان. ولكننا لو تتبعنا اتجاهات القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة نجد مثل هذا التشديد في محله.
ففي تلك الفترة - التي كانت تودع العهد الأموي وتستقبل العهد العباسي - انتشرت فكرة تقول: بأن الأئمة ملائكة. وقد غذت هذه الفكرة أربعة تيارات:
الأول: تيار المتطرفين الشيعة، الذين غالوا في أهل البيت كرد فعل طبيعي على تطرف السلطتين الأموية والعباسية ضد أهل البيت وشيعتهم.
الثاني: تيار فلاسفة السلاطين الذين وجدوا في مقاتل أهل البيت على أيدي الأمويين والعباسيين إدانة تهيج بهم من الأعماق.
الثالث: تيار الدخلاء الذين رأوا تعاظم المد الإسلامي، فحاولوا ركوب الموج والدس فيه من منطلقاته الأساسية، تشويهاً لوهج الإسلام وطمسه في المتاهات.
الرابع: تيار أصحاب العقول السطحية الذين ﻻ يستوعبون البشر إلا من خلال نماذجه العادية المتكررة. فبينما هم مأخوذون بعظمة أهل البيت فاجأتهم مآسيهم - بتلك الفظاعة التي هزت أعداءهم وأنصارهم على حد سواء - فحاولوا الهروب من وطأة الفزع ولو عن طريق إنكار أصل المأساة.
ورغم اختلاف الدواعي إلى ظهور هذه الفكرة وبراءة بعضها، بقيت الفكرة ذات خطورة قصوى تتبلور في سلبيات عديدة لعل من أهمها:
الأولى: مصادرة أغنى ثروات الإسلام، وهي الثروة العاطفية التي تفتح الطريق إلى القلوب قبل أن يتمكن الفكر من العقول.
الثانية: تعطيل دور أهل البيت كـ (أسوة) وإعفاء الناس من الاقتداء بهم، باعتبارهم ملائكة يتحملون ما ﻻ يتحمله البشر.
الثالثة: تجريح أنسابهم، وإثارة الضباب حول المنتمين إليهم، ومن ثم خطف الأدوار منهم باعتبارهم الامتداد الطبيعي لأهل البيت وعليهم أن يتعمقوا بأهل البيت في كل اتجاه.
الرابعة: تحويل أهل البيت الذين هم من أقوى قادة الفكر في الحياة إلى أشباح ضبابية يسهل التشكيك في كل شيء من سيرهم وأصحابهم ورواة أحاديثهم.
من هنا كان تشديد الأئمة - الذين عاصروا انتشار هذه الفكرة - على شجبها وتأنيب المتعاملين بهذه، دفاعاً عن الحق، وصيانة للكفر الإسلامي من التذبذب، كما لاحظنا في لهجة الإمام المهدي من خلال هذه الكلمات: (كفر وتكذيب وضلال).
(٢٣٥) إن مفهوم القيادة لدى كل فئة منتزع من عقيدتها الفلسفية، وهذا المفهوم - في الإسلام - منتزع من عقيدة التوحيد، التي تؤمن بأن الله وحده هو مصدر الكون والإنسان. ومصدر السلطة الحقيقي هو القائد الحقيقي، وبما أن الله هو المصدر الحقيقي لكل السلطات الكونية والشرعية فمن الطبيعي أن تتجه إليه المفاهيم القيادية عفوياً، فهو القائد الذي ﻻ يمكن أن يطال. ومن ثم تكون القيادة للرسول - كل رسول في زمانه - بتخويل من الله. ومن بعد خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) انتقلت القيادة العامة إلى أوصيائه الذين نص عليهم بأسمائهم ومواصفاتهم.
وكانت القيادة مركزية في عهود جميع الرسل، فكل رسول - في زمانه - هو القائد الوحيد الذي ﻻ ينازع، وبقيت القيادة مركزية في عهود الأئمة الاثني عشر، وكان الإمام المهدي هو القائد الوحيد قبل أن يغيب فلما حانت غيبته الكبرى أصدر هذا التوقيع المذكور أعلاه، فأرجع فيه الناس إلى الفقهاء المراجع، وكان إعلاناً منه عن (ﻻ مركزية القيادة) انسجاماً مع متغيرات مرحلة الغيبة الكبرى التي تتاح فيها للقوى المختلفة أن تتصارع فيها بلا حجة ظاهرة، تماماً كمرحلة الجاهلية.
فكل فقيه توفرت فيه شرائط معينة يجوز اتباعه (تقليده) في أمور الدين، باعتباره (نائباً عاماً) عن الإمام المهدي، ويعتمد فتواه، باعتباره (حكم الله في حقه وحق مقلديه).
(٢٣٦) محمد بن عثمان العمري، هو الثاني من (النواب الأربعة) الذي اعتمدهم الإمام المهدي في غيبته الصغرى.
(٢٣٧) أبو الخطاب الأجدع، من الذين ادعوا النيابة عن الإمام المهدي في الغيبة كذباً، فخرج (التوقيع) لتعريتهم.
(٢٣٨) قد يفسر (المتلبسون بأموالنا) بالمانعين من الخمس. ولكن قد يفهم من فصل موضوع الخمس بـ (أما): إن المقصود من (أموالنا) هي الأموال الخاصة التي تركها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) حين وفاته، ولم يأخذها الإمام المهدي معه إلى مغيبه أو الأعم منها ومن النذورات والوقوف والهدايا التي كثرت في تلك الفترة، فيكون (المتلبسون) بها هم الذين استولوا عليها من أعوان الخليفة العباسي أو جعفر التواب وأنصاره.
(٢٣٩) حمل الفقهاء هذا النص على المناكح من الغنائم كما حملوا الأحاديث الدالة على إباحة الخمس على المناكح والمساكن والمتاجر. ولكن يمكن أن يقال: مبدئياً الخمس للإمام عونه على دينه، يرمم به الثغرات ويلملم به الفرط من ذرية رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ويكون الخمس للإمام باعتباره المسؤول الأعلى عن الشؤون الدينية وولي ذرية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلو لم يدفع أو تصرف فيه غيره دخل في النطف فخبثها، وفي المعاملات فأفسدها.
وفي غيبة الإمام المهدي حيث عجز الناس عن إيصال الخمس إليه أباحه لشيعته ولو ضمن مقاييس، منها التصرف فيه بتوجيه الفقهاء المراجع باعتبارهم متخصصين في مصالح الشيعة.
تماماً كما لو أباح غني ثروته لأقربائه بوضعها تحت تصرف كبارهم لصرفها في مصالح صغارهم، حتى ﻻ يعرض للضياع، فيكون من قبيل إباحة الحق ﻻ إباحة العين.
(٢٤٠) سورة المائدة، آية ١٠١.
(٢٤١) لابد من الاعتراف بأننا ﻻ نعرف السبب الحقيقي للغيبة، ربما لأن العقل البشري في هذه المرحلة - غير مؤهل لاستيعابه، وإعلانه يؤدي إلى مضاعفات سلبية، كما أنه غير مؤهل لهضم أكثر الوقائع اليومية، ولذلك يحوص السياسيون في العالم كله على كتمان أكثر التطورات الحساسة عن الشعوب، إلا بعد أن تفقد وطئتها فتذكر كقصص قديمة في المذكرات.
ولقد مرت بالبشر - فيما نعرف - فترتان احتجبت فيهما عنه مصادر الوحي، الأولى فترة الجاهلية بين عيسى ابن مريم والنبي الأكرم (عليهما السلام)، والثانية فترة الغيبة الكبرى. وفي الفترة الأولى كان عدد من أنبياء الله موجودين كالخضر وإلياس وبعض أوصياء عيسى ابن مريم، ولكن عمدة ولايتهم انحصرت في الجانب التكويني، وفي فترة الغيبة الكبرى، يوجد الإمام المهدي إلى جانب الخضر وإلياس، ولكن معظم ولايته - أيضاً - منحصرة في الجانب التكويني.
ربما لأن العناصر البشرية التي ترسل إلى الحياة الدنيا في هاتين الفترتين دون الحد الأدنى لمعاشرة المعصومين.
وربما لأن الزمان فاسد. والزمان شيء كالمكان بفارق أن فاعلية الزمان أكثر، وإن كان أكثر الناس ﻻ يفهمون الزمان.
وربما لأن الله أراد لوليه المدخر لتطهير الأرض أن يبقى خارجاً على أنظمة الطواغيت. وهذا ما صرح به الإمام المهدي، ولعله من جملة الأسباب للغيبة الكبرى، ولكنه ليس السبب الأساس فالغيبة أهم من ذلك، بل هي أهم من (فترة الرسل) التي سبقت الإسلام، لأنها أطول وأعمق، ولعلها أشمل إذ ربما كان - في تلك الفترة - في بعض قارات الدنيا أنبياء محليون. بينما ﻻ يوجد في فترة الغيبة نبي ولا وصي غير الإمام المهدي وهو غائب ﻻ يظهر حتى يأذن الله له.
(٢٤٢) هذا النص يرمز إلى الولاية الكونية، وإذا أردنا التوسع في هذا المجال نستطيع القول: أن الأنبياء والأوصياء مصنفون إلى ثلاثة أصناف:
الأول: أصحاب الولاية الشرعية، ولعله كان منهم يونس وشعيب ولوط وذا الكفل واليسع وأمثالهم من النبيين الذين خولهم الله صلاحية الوساطة الشرعية بين الله وعباده. فقد كانوا مرسلين إلى أقوامهم يبشرون بشرائع الله، شأن الفقهاء في الإسلام الذين تقتصر مهمتهم على بيان الأحكام الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بفارق أن الأنبياء يتلقون معارفهم من الله وحياً أو من وراء حجاب أو بواسطة ملك من الملائكة، والفقهاء يتلقون معارفهم من الله بواسطة النبي وأوصيائه.
الثاني: أصحاب الولاية الكونية، كالخضر وإلياس ويوشع بن نون وآصف بن برخيا، ونظرائهم الذين خولهم الله صلاحية الوساطة الكونية بين الله وخلقه ولعله اقتصرت مهمتهم على تنظيم الروابط الكونية تلقياً من الله وتفريغاً على الخلق.
ولقد كان إبراهيم الخليل رسولاً يتمتع بالولاية الشرعية قبل أن يمتحنه الله في نفسه وماله وأهله، فلما نجح في الامتحانات الثلاثة خوله الولاية الكونية، وسجله قرآنا للأجيال التي تليه: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال ﻻ ينال عهدي الظالمين) سورة البقرة، آية ١٢٤.
وكان موسى صاحب الخضر رسولاً يمتاز بالشريعة - باعتباره من الرسل - ولكنه لم يؤهل للولاية الكونية فلما وجد الخضر وقد آتاه الله الولاية الكونية أراد أن يتتلمذ عليه حتى يؤهله لها، غير أن الخضر لم يجد في صاحبه موسى قابلية الولايتين في أذهان الأجيال، وربما نرى ملامح هذه القصة متكاملة في سورة الكهف ابتداءً من قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه ﻻ أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً) آية ٦٠ حتى نهاية آية ٨٢.
الثالث: أصحاب الولايتين الشرعية والكونية كإبراهيم الخليل والنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وربما كان في الرسل من يتمتع بالولايتين ولكن ﻻ أذكر دليلاً على ذلك.
وأما الأئمة الاثني عشر فإنهم من أصحاب الولاية الكونية إلى جانب الولاية الشرعية التي انتقلت إليهم من الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) - وصاية ﻻ تأسيساً - والأدلة العقلية والنقلية على ذلك كثيرة يمكن تتبعها في مظانها.

* * *

والولي الكوني هو الذي ترمز إليه الأحاديث الواردة بمضامين تتفرغ في معنى واحد: (لو خليت قلبت)، (لو انقطعت الحجة لساخت الأرض بأهلها)، (أول من خلق الله الحجة وآخر من يموت الحجة) مشيرة أن الواسطة الكونية لم تنقطع ولن تنقطع مادامت الحياة على الأرض.

* * *

ويلاحظ أن أصحاب الولاية الشرعية كانوا مضطرين إلى معايشة الناس لأداء رسالاتهم، وأما أصحاب الولاية الكونية فقط فيفضلون العكوف عليها عن المجتمعات، كالخضر وإلياس ويوشع وآصف.
وعلى الإمام المهدي - باعتباره صاحب الولاية الكونية - أن ينهض بكل شؤونها، ولا تفترض عليه معايشة المجتمع وإن كان صاحب الولاية الشرعية، ولكن بما أنها استمرارية وليست تأسيسية خولها الفقهاء المراجع، واكتفى بالإشراف على سير الشريعة ولو من وراء الغيبة فيرشد ويحذر بأساليبه المعروفة في أوساط الفقهاء والمحدثين.

* * *

وقد عبر الإمام المهدي عن ولايته الكونية من خلال هذا النص - رغم اقتضابه - فهو يمارس ولايته الكونية وإن لم يعرفه الناس باسمه وشخصه، كما أن الشمس تدأب في تربية منظومتها حتى وإن حجتها قطع السحاب عن مناطق من الأرض أو من سائر كرات المنظومة.
(٢٤٣) هذا النص: (النجوم أمان لأهل السماء) ورد - بمناسبات عديدة - في مجموعة من الأحاديث، وكأنه من المسلمات الكونية لدى مصادر الوحي. ولكن العلم الحديث لم يبلغ - بعد - مستوى هذا النوع من الحقائق الكونية.
ونحن ﻻ ننتظر العلم إذا أعلن الوحي حقيقة كونية، لأن ثقتنا بالأنبياء أعمق منها بالعلماء ومتى سبق العلم الوحي أو جاراه؟
نستطيع أن نستخلص من مجموع ما يحضرنا من الأدلة ما يلي:
إن الخامات الأولية للكون عبارة عن موجات ضوئية متناهية القصر والسرعة، وهي تدأب في سيرها ملايين السنين الضوئية ثم تفقد تدريجاً فاعليتها فتتوتر وتنخثر، ومن ثم تتطور إلى ذرات متناهية الصغر وحادة الفاعلية يمكن تسميتها بـ (الذرات الكونية) وهذه الذرات المختلفة - باختلاف الموجات التي تطورات إليها - تفرز إلى ساخنة وباردة فالساخنة تلتقي مثيلاتها لتشكل النجوم، والباردة تلتقي مثيلاتها لتشكل الكواكب وفاعليات النجوم عديدة وما يرتبط بهذا الموضوع اثنتان:
الأولى: مغناطيستها، فالنجوم باعتبارها كتلاً ضخمة تمتاز بجاذبية هائلة تعادل دافعية الكواكب، فيمسك كل نجم بمجموعة من الكواكب في أبعاد متناسبة مع أحجامها، وهذه المغناطيسية تساهم في تنظيم المجرات ومن ثم في تثبيت النسبية العامة.
الثانية: حراريتها، فالنجوم باعتبارها كتلاً ملتهبة، تبعث إلى الكواكب طاقات حرارية تصونها من الانجماد وتؤهلها للحياة.
وهكذا تكون النجوم أماناً للخلائق التي تعيش على الكواكب من الانقراض.
وبما أن أصحاب الولاية الكونية، يؤدون دور الوساطة الكونية صح تشبههم بالنجوم في أنهم يقومون بدورهم للإبقاء على حياة الخلائق.
(٢٤٤) فمعرفة علة الغيبة ليست من الفرائض التي أمر الله بها، حتى يعاقب من لم يتكلف معرفتها. فمن كان في المستوى المناسب فليعرفها، ومن لم يكن في المستوى المناسب ﻻ يفترض عليه تكلفها.
(٢٤٥) هذه الجملة تحتمل تفسيرين:
الأول: إن في مجرد الدعاء بتعجيل الفرج، فرجاً للداعين.
الثاني: إن في فرج الإمام المهدي فرجاً لأوليائه.
(٢٤٦) من وجوه الشيعة، ومن المختصين بالناحية المقدسة.
(٢٤٧) الاحتجاج، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي ج٢ص ٢٧٩ - ٢٨٠: عن سعد بن عبد الله الاشعري، عن الشيخ الصدوق، أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري (رحمه الله): أنه جاء بعض أصحابنا يعلمه أن جعفر بن علي كتب إليه كتاباً يعرفه نفسه، ويعلمه أنه القيم بعد أخيه، وإن عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه، وغير ذلك من العلوم كلها.
قال أحمد بن إسحاق: فلما قرأت الكتاب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) وصيرت كتاب جعفر في درجة، فخرج إلى الجواب في ذلك:...
(٢٤٨) درج الشيء في الشيء: أدخله فيه، وضمنه إياه.
(٢٤٩) وهذا النص يدل على مدى اهتمام الإمام عجل الله فرجه بأوضاع شيعته، حتى يهيب بأحدهم أن ﻻ تكون في رسالته أخطاء.
(٢٥٠) إذ ﻻ شريك له في العطاء حتى يشاركه في الحمد.
(٢٥١) على إحسانه متعلق بـ (الحمد لله) أي الحمد لله على إحسانه وفضله.
(٢٥٢) فالله شاهد علي بما أذكره ويحاسبني إن تجاوزت الحق، وشاهد عليكم بما أقوله إن لم تأخذوا به.
(٢٥٣) وهو جعفر التواب.
(٢٥٤) الذمة: الحرمة. وقيل: ما يجب أن يحفظ ويحمي. وقيل: الذمة: التذمم ممن ﻻ عهد له، وهو أن يلزم الإنسان نفسه حقاً يجري مجرى المعاهدة من غير معاهدة. والمعنى أنه ليس له أي حق وفضل عليكم.
(٢٥٥) يقصد بالأول إبراهيم الخليل. وبالثاني موسى بن عمران. وبالثالث عيسى ابن مريم. وبالرابع سليمان بن داوود.
(٢٥٦) يحاول الإمام المهدي (عليه السلام) من خلال هذه المقدمة إيضاح إحدى الحقائق الكبرى التي قل من يحاول تفهمها واستيعابها، وهي أن اختيار الله تعالى لأنبيائه وأوصيائهم لم تكن عملية ارتجالية أو عفوية تعتمد على مجرد طيبة قلب وطهارة مسلك، فإن الله ﻻ يختار للقيادة التشريعية - التي هي أهم من القيادة التكوينية - أفراداً لأنهم طيبون فحسب، وإنما يختار لها أصلح خلقه من جميع الجهات الخلقية والنفسية.
وتتم عملية الاختيار هذه بمقاييس السماء التي ﻻ تخطئ ولا تحابي. كما ﻻ تخطئ ولا تحابي في سائر العمليات الكونية.
وقد أوضح النبي (صلّى الله عليه وآله) هذه الحقيقة في قولته الشهيرة للإمام علي (عليه السلام): (يا علي! إن الله اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها...).
وهذا يعني أن الله يختار خير أهل كل زمان لرسالته إليهم، واختار خير الخلق - على الإطلاق - لرسالته الكبرى إليهم. حتى لو لم تكن الرسالات لكان الأنبياء ثم أوصيائهم أعلى القمم البشرية، ولكان الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أعلى القمم البشرية على الإطلاق.
فقضية الإمامة ليست قضية منصب يمكن أن يفوز به من هو أشد سعياً إليه، وإنما هي قضية تفوق في المواهب والمؤهلات التي يتم تقييمها بمعادلات السماء بعيداً عن أجواء المساعي والتزاحمات التي يمكن أن تؤثر على حركة المناصب في الأرض.
(٢٥٧) ومن خلال هذا النص يبين مظاهر ذلك التفوق الذي أدى إلى اختيارهم، ويلخصها في ستة في:
الأول: أنهم معصومون من الذنوب ﻻ يرتكبون مخالفة دينية طيلة حياتهم مهما تقلبت بهم الظروف وعصفت بهم الأزمات.
الثاني: أنهم يتمتعون بالكمال الجسماني، فلا يشكون من نقص ولا عاهة.
الثالث: أنهم يمتازون بشموخ الآباء وطهارة الأمهات، فهم منزهون من شرك الآباء وعهر الأمهات.
الرابع: أنهم ﻻ يخطئون في شيء، فلا يصدر منهم خطأ، ولا يتورطون في خطأ.
الخامس: أنهم أعلم الناس وأحكم الناس على الإطلاق.
السادس: أنهم مؤيدون بالمعجزات التي تثبت أنهم يتعاملون مع القوى الماورائية التي ﻻ تتوصل إليها علوم البشر إلا بواسطتهم. وقد أثبت التاريخ أنهم جميعاً - كانوا في هذا المستوى.
(٢٥٨) سورة الأحقاف، الآيات ١-٧.
(٢٥٩) أي اطلب منه أن يأتيك بآية أو بحجة أو بدلالة على إمامته.
(٢٦٠) العوار: العيب.
(٢٦١) أي في محله الواقعي، ومحله في هذه المناسبة هو الإمام المهدي.
(٢٦٢) فلا تكون في الحسن العسكري وفي أخيه جعفر.
(٢٦٣) الاحتجاج: أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص٢٧٧ - ٢٧٩: عن الشيخ الموثوق أبي عمرو العمري (رحمه الله) قال: تشاجر ابن أبي غانم القزويني وجماعة من الشيعة في (الخلف) فذكر ابن أبي غانم: أن أبا محمد (عليه السلام) مضى ولا خلف له، ثم أنهم كتبوا في ذلك كتاباً وأنفذوه إلى (الناحية) وأعلموا بما تشاجروا فيه.
فورد جواب كتابهم بخطه (صلى الله عليه وعلى آبائه):...
(٢٦٤) لقد اعتبر الإمام المهدي - في هذا النص - الارتياب في أحد الأئمة (عليهم السلام) ارتياباً في الدين، لأن الإمامة هي القيادة، والقيادة من صميم الذين، سواءً كانت قيادة الأنباء أو الأوصياء، فكما أن الشك في نبوة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يعود إلى الشك في الدين، كذلك الشك في أي من أوصيائه يعود إلى الشك في الدين، لأن قيادته مستمرة فيهم.
مضافاً إلى أن التشكيك في أي شيء مما أمر الله به تشكيك في الدين، والله تعالى أمر باتّباع النبي وأوصيائه، فالتشكيك فيهم أو في أحدهم تشكيك في ما أمر الله به.
(٢٦٥) إن الله سبحانه وتعالى أراد التسلسل في الخلق، وجرت بذلك سنته - حسب تعبير القرآن - فخلق (كلمات) وجعلها الطبقة الأولى من مخلوقاته. ومن بعضها خلق النور والظلمة، وجعلهما الطبقة الثانية من مخولوقاته. ومن موجات النور والظلمة خلق العناصر الأولية الستة والتسعين - وجعلها الطبقة الثالثة من مخلوقاته. ومن العناصر الأولية خلق الأجسام - اللطيفة والكثيفة - فجعلها الطبقة الرابعة من مخلوقاته.
ولو أراد الله أن يخلق الأجسام ارتجالاً من العدم لاستطاع، ولكنه أراد التسلسل في الخلق، مما أراد تسلسل البشر بالإنجاب. وهذه الإرادة ﻻ تنافي إطلاق قدرته، لأن القدرة لم تتقيد بشيء خارج عنها، وإنما هي التي أرادت ذلك.
ويستظهر من بعض الآيات والروايات: أن أرواح الأنبياء والأوصياء هي كلمات الله تلك، التي ابتدأ بها الخلق.
فقد قال الله عن عيسى ابن مريم (عليه السلام): (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم) سورة النساء، آية ١٧١.
و(إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم) سورة آل عمران، آية ٤٥.
وفي الحديث عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله): (أول ما خلق الله نوري) و(أنا أول ما خلق الله، وأول من تنشق عنه الأرض).
فإذا ثبت أن أرواح الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) كلمات الله، ثبت أنهم الطبقة الأولى من المخلوقات، وأن الله خلق بقيت المخلوقات منهم.
وهذا الموضوع ثابت في الحديث، وقد استقصى العلامة المجلسي قسماً وفيراً منه في (كتاب السماء والعالم) من موسوعته التي أسماها بـ (بحار الأنوار).
وهذا القول يشبه قولنا: إن الله خلق الإنسان والحيوان والنبات من التراب والماء والهواء والشمس.
وإذا ثبت أن الله خلق أرواح الأنبياء والأوصياء مباشرة، ثم خلق منها بقية خلقه، صح أنهم صنائع الله وأن الخلق صنائعهم. فهم أقرب إلى الله - في تسلسل الخلقة - من سائر الناس، فيحتاج إليهم الناس ولا يحتاجون إلى الناس. لاستغنائهم بالله عمن سواه.
وقد أثبت التسلسل الرسالي أنهم أقرب إلى الله، فالله أرشدهم مباشرة وأرشدهم من سواهم بهم.
(٢٦٦) سورة النساء، آية ٥٩.
(٢٦٧) يقصد بالماضي أباه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
(٢٦٨) أي ظننتم أن سلسلة أوصياء رسول الله قد انقطعت، وهذا يساوي بطلان الدين لأن سلسلة الرسل قد اختتمت بخاتم النبيين فلم تبق بعده إلا سلسلة أوصيائه الذين يؤدون دوره من بعده، فلو انتهت بوفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لتعرض دين الله للبطلان، لأن حجة الله في الأرض عاصمة الدين تنفي عنه تحريف المبطلين وبدع الظالمين فانقطاع الحجة يؤدي إلى تعرض الدين للزوال.
(٢٦٩) لأن ولي الله - كل ولي في عهده - صاحب الولاية الكونية، فهو السبب المتصل بين الله وبين للزوال.
(٢٧٠) الكفر: الستر. فكل من ستر حقيقة فهو كافر لغة فإن ستر حقيقة دينية أصبح كافراً ديناً. وللكفر درجات تبدأ بإنكار أدنى الحقائق الدينية، وتنتهي بإنكار أعظم الحقائق، وهو الله عز وجل، فليس كل كافر جاحداً بالله سبحانه بالضرورة، وإنما الكافر يعم الجاحد بالله والملحد في إحدى آياته، والإمامة من أهم آيات الله، فمن حجبها أو انتحلها دون أهلها فقد كفر بهذا المعنى.
وقد فرق الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بين من يتصدى لموضع الإمام أي لقيادة الأمة فاعتبره ظالماً آثماً: (ولا ينازعنا موضعه إلا ظالم آثم) وبين من يتصدى لصفة الإمام أي للسببية التكوينية والتشريعية بين الله وعباده، فاعتبره كافراً جاحداً: (ولا يدعيه دوننا إلا كافر جاحد). لأن الأول يعترض مسيرة الأمة شأن جميع الحكام بغير حق، بينما الثاني يعترض عقيدة الأمة شأن منتحلي الرسالات، وهذا شر من الأول. لأن مسيرة الأمة قابلة للتصحيح مادامت عقيدتها سليمة، فإذا فسدت عقيدتها استعصت على العلاج.
(٢٧١) لأن في غيبة الإمام المهدي سراً يجب أن يبقى طي الكتمان، ويجب - بمقتضاه - على الإمام المهدي أن يغيب عن الأضواء، ولولا ذلك لكان يعلن عن نفسه ويتابع خط المعجزات التي تبهر العقول، شأن جميع الأنبياء والأوصياء من قبله الذين فرضوا على الكفر الإنساني علاقتهم المباشرة بالسماء عن طريق المعجزات، ولكن الإمام المهدي ﻻ يمارس المعاجز - حالياً - لأن الله كتب عليه الغيبة، فاستغل غيبته المصلحيون، فنازعوه القيادة أو ادعوا دونه الإمامة.
(٢٧٢) الظاهر أنه يقصد عمه جعفر بن الإمام علي الهادي (عليه السلام) شقيق الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام).
فجعفر بن علي ادعى الإمامة بعد أخيه الحسن العسكري، فامتحنه علماء الشيعة ورواتهم، فلما لم يجدوا فيه مواصفات الإمام المعصوم أطلقوا عليه لقب (الكذاب) ولم يشفع له أنه عم الإمام المهدي، لأن دين الله ﻻ يؤخذ بالأنساب، وقد قال الله تعالى في شأن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله): (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين) سورة الحاقة آية، ٤٧. إذ ﻻ محاباة في الدين كما ﻻ ممالئة في الحق.
ثم أن جعفر بن علي تاب، فخرج التوقيع من الناحية المقدسة بقبول توبته، وأن: (سبيله سبيل إخوة يوسف) فأطلق عليه لقب (التواب).
وحوله كلام كثير يمكن استشفافه من خلال هذا التوقيع والتوقيع الذي يليه، ولكني ﻻ أود البحث عنه كرامة لنسبه المقدس، خاصة بعد أن قبلت توبته، ولكني - إجلاءً للواقع وإظهاراً للحقيقة - أثبت هنا حديثين، يكفيان لإيضاح وموقف جعفر بن علي الذي أدى إلى صدور توقيعين ضده. وفيما يلي نصهما:
الأول:
أ: ينابيع المودة، سليمان بن إبراهيم البلخي ص٤٦١ عن أبي الأديان.
ب: كمال الدين وتمام النعمة، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه الصدوق عن أبي الأديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد (عليهم السلام)، وأحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت عليه في علته التي توفي فيها صلوات الله عليه فكتب معي كتباً، وقال: (امض بها إلى المدائن فإنك ستغيب أربعة عشر يوماً، وتدخل على سر من رأى يوم الخامس عشر، وتسمع الواعية في داري، وتجدني على المغسل) قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال: (من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي) ثم ذكر (عليه السلام) علامتين أخريين (إحداهما) من يصلي عليه (والثانية) من يخبر بما في الهميان. (وخرجت بالكتب إلى المدائن، وأخذت جواباتها، ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي (عليه السلام)، وإذا أنا بالواعية في داره وإذا به على المغسل، وإذا أنا بجعفر الكذاب بن علي: أخيه بباب الدار، والشيعة من حوله يعزونه، ويهنونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة. لأني أعرفه يشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزيت وهنيت. فلم يسألني عن شيء ثم خرج عقيد (خادم الإمام العسكري) فقال: يا سيدي قد كفن أخوك فقم فصل عليه فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي قبيل (قتيل - نسخة بحار الأنوار) المعتصم المعروف بسلمه، فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي (صلوات الله عليه) على نعشه مكفناً فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه فلما هم بالتكبير خرج صبي صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين بوجهه سمرة بشعرة قطط بأسنانه تفليج، فجذب برداء جعفر بن علي وقال: (تأخر يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي). فتأخر جعفر وقد أربد وجهه واصفر، وتقدم الصبي فصلى عليه، ودفن إلى جانب قبر أبيه (عليه السلام). ثم قال: (يا بصري هات جوابات الكتب التي معك) فدفعتها إليه فقلت في نفسي: هذه بينتان، بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر بن علي، فقال له حاجز الوشا: يا سيدي مَن الصبي؟ ليقيم الحجة عليه. فقال: والله ما رأيته قط ولا أعرفه. فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي (عليه السلام) فعرفوا موته فقالوا: فمن نعزي؟ فأشاروا إلى جعفر بن علي. فسلموا عليه وعزوه وهنوه، وقالوا: معنا كتب ومال فتقول ممن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه، ويقول: تريدون منا أن نعلم الغيب؟ قال: فخرج الخادم فقال: (معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية) فدفعوا إليه الكتب والمال، وقالوا: الذي وجه بك لأجل ذلك هو الإمام. فدخل جعفر بن علي على (المعتمد) وكشف ذلك له فوجه له ذلك (المعتمد) يخدمه فقبضوا على صيقل الجارية فطالبوها بالصبي، وأنكرته، وادعت حبلاً به [حملاً بها] لتغطي على حال الصبي. فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، ونعتهم موت عبيد الله بن خاقان فجأة، وخرج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن أيديهم والحمد لله رب العالمين.
الثاني:
أ: الخرايج، قطب الدين أبو الحسن سعيد بن هبة الله الراوندي بسنده.
ب: كمال الدين وتمام النعمة، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه الصدوق، عن أبي العباس أحمد بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن مهران الأزدي، الأمي العروض رضي الله عنه بمرو، عن الحسين بن زيد بن عبد الله البغدادي عن أبي الحسن علي بن سنان الموصلي قال: حدثنا أبي لما قبض سيدنا أبو محمد الحسن بن علي العسكري صلوات الله عليهما وقدم من قم والجبال وفود بالأموال التي كانت تحمل على الرسم والعادة، ولم يكن عندهم خبر وفاة الحسن (عليه السلام)، فلما أن وصلوا إلى سر من رأى سألوا عن سيدنا الحسن (عليه السلام) فقيل لهم: إنه قد فقد. قالوا: ومن وارثه؟ قالوا: أخوه جعفر بن علي. فسألوا عليه فقيل لهم: أنه خرج متنزهاً، وركب زورقاً في دجلة يشرب ومعه المغنون. قال: فتشاور القوم. قالوا: هذه ليس من صفة الإمام! وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتى نرد هذه الأموال على أصحابها. فقال أبو العباس محمد بن جعفر الحميري القمي: قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل، ونختبر أمره بالصحة، فلما انصرف دخلوا إليه فسلموا عليه، وقالوا: يا سيدنا نحن من قم ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها، وكنا نحمل إلى سيدنا أبي محمد الحسن بن علي الأموال: فقال: أين هي؟ قالوا: معنا! قال: احملوها إلي! قالوا: إلا أن لهذه الأموال خبراً طريفاً: فقال: وما هو؟ قالوا: إن هذه الأموال تجمع. ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران، ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليه، وكنا إذا أوردنا بالمال على سيدنا أبي محمد (عليه السلام) يقول: جملة المال كذا وكذا ديناراً من عند فلان كذا، ومن عند فلان كذا! حتى يأتي على أسماء الناس كلهم، ويقول ما على نقش الخواتيم. فقال جعفر: كذبتم! تقولون على أخي ما لا يفعله؟ هذا علم الغيب ولا يعلمه إلا الله. فلما سمع القوم كلام جعفر جعل بعضهم ينظر إلى بعض، فقال لهم: احملوا هذا المال إلي. قالوا: إنا قوم مستأجرون وكلاء، وإنا ﻻ نسلم المال إلا بالعلامات التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي (عليه السلام)، فإن كنت الإمام فبرهن لنا، وإلا رددنا الأموال إلى أصحابها، يرون فيها رأيهم. فدخل جعفر على الخليفة وكان بسر من رأى، فاستدعى عليهم فلما أحضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر! قالوا: أصلح الله أمير المؤمنين! إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب هذه الأموال، وهذه وداعة الجماعة، وأمرونا أن ﻻ نسلمها إلا بعلامة ودلالة، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمد الحسن بن علي (عليهم السلام)، فقال الخليفة: فما كانت العلامة التي كانت مع أبي محمد؟ قال القوم: كان يصف لنا الدنانير وأصحابها، والأموال وكم هي؟ فإذا فعل ذلك سلمناها إليه، وقد وفدنا إليه مراراً فكانت هذه علامتنا معه، دلالتنا، وقد مات، فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه! وإلا رددناها على أصحابها. فقال جعفر: يا أمير المؤمنين: إن هؤلاء قوم كذابون على أخي، وهذا علم الغيب. فقال الخليفة: القوم رسل، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. قال: فبهت جعفر ولم يرد جواباً. فقال القوم: يتطول أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يبدرقنا حتى نخرج من هذه البلدة. قال: فأمرهم بنقيب فأخرجهم منها. فلما أن خرجوا من البلد، خرج إليهم غلام أحسن الناس وجهاً، كأنه خادم، فصاح: يا فلان! يا فلان بن فلان! أجيبوا مولاكم! فقالوا: أنت مولانا؟ قال: معاذ الله: أنا عبد مولاكم! فسيروا إليه. قال: فسرنا إليه معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي (عليه السلام)، فإذا ولده سيدنا القائم (عليه السلام) قاعد على سرير، كأنه فلقة قمر، عليه ثياب خضر، فسلمنا عليه فرد علينا السلام. ثم قال: (جملة المال كذا وكذا ديناراً! حمل فلان كذا! وحمل فلان كذا!) ولم يزل يصف حتى وصف الجميع، ثم وصف ثيابنا، ورحالنا، وما كان معنا من الدواب، فخررنا سجداً لله عز وجل شكراً لما عرفنا، وقبلنا الأرض بين يديه، وسألناه عما أردنا، فأجاب، فحملنا إليه الأموال، وأمرنا القائم (عليه السلام) أن ﻻ نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئاً من المال، وأنه ينصب لنا ببغداد رجلاً تحمل إليه الأموال، وتخرج من عنده التوقيعات. قالوا: فانصرفنا من عنده، ودفع إلى أبي العباس محمد بن جعفر القمي الحميري شيئاً من الحنوط والكفن. فقال له: (أعظم الله أجرك في نفسك)! قال: فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتى توفي رحمه الله، وكان بعد ذلك تحمل الأموال إلى بغداد، إلى النواب المنصوبين بها وتخرج من عندهم التوقيعات.
(قال الصدوق مصنف كمال الدين): هذا الخبر يدل على أن الخليفة كان يعرف هذا الأمر كيف هو؟ وأين هو؟ وأين موضعه؟، ولهذا كف عن القوم عما معهم من الأموال، ودفع جعفر الكذاب عن مطالبتهم، ولم يأمرهم بتسليمها إليه. إلا أنه كان يجب أن يخفي هذا الأمر ولا ينشره، لئلاّ يهتدي إليه الناس ويعرفونه. وقد كان جعفر الكذاب حمل عشرين ألف ديناراً إلى الخليفة لما توفي الحسن بن علي (عليه السلام)، وقال: يا أمير المؤمنين أتجعل لي مرتبة أخي الحسن ومنزلته؟ فقال الخليفة: اعلم إن منزلة أخيك لم تكن بنا، إنما كانت بالله عز وجل، ونحن كنا جهدنا في حط منزلته والوضع منها، وكان الله عز وجل يأبى إلا أن يزيده كل يوم رفعة لما كان فيه من الصيانة، وحسن السمت، والعلم، والعبادة، فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا، وإن لم تكن بمنزلته، ولم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغن عنك شيئاً..
(٢٧٣) فقد اغتصب حق الزهراء (عليها السلام) وصبرت، واغتصب حق الإمام المهدي حيث استولى جعفر على إرثه من أبيه فصبر، وكان باستطاعته القيام بردود فعل مختلفة أهونها أمر الشيعة بمحاربته، ولكنه لم يفعل، مكتفياً ببيان الحقيقة حتى ﻻ يضل الباحثون عن الحق.
(٢٧٤) بحار الأنوار للعلامة المجلسي (قدس سره): ج٥١ ص٢٩٥- ٢٩٦، عن كتاب الخرائج قال: روي عن أحمد بن أبي روح قال: وجهت إلى امرأة من أهل دينور، فأتيتها فقالت: يا بني أبي روح أنت أوثق من في ناحيتنا ديناً وورعاً، وأني أريد أن أودعك أمانة أجعلها في رقبتك تؤديها وتقوم بها: فقلت: أفعل إن شاء الله تعالى فقالت: هذه دراهم في هذا الكيس المختوم لا تحله، ولا تنظر فيه حتى تؤديه إلى من يخبرك بما فيه [تقصد إمام الزمان صاحب الأمر عليه السلام] وهذا قرطي يساوي عشرة دنانير، وفيه ثلاث جعات تساوي عشرة دنانير، ولي إلى صاحب الزمان (عليه السلام) حاجة أريد أن يخبرني بها قبل أن أسأله عنها.
فقلت: وما الحاجة؟ قالت: عشرة دنانير استقرضتها أمي في عرس لا أدري ممن استقرضتها، ولا أدري إلى من أدفعها، فإن أخبرك بها فادفعها إلى من يأمرك بها.
قال: فقلت في نفسي: وكيف أقول لجعفر بن علي؟ فقلت هذه المحنة بيني وبين جعفر بن علي، فحملت المال وخرجت حتى دخلت بغداد، فأتيت حاجز بن يزيد الوشاء، فسلمت عليه وجلست.
قال: ألك حاجة؟ قلت: هذا مال دفع إلي لا أدفعه إليك حتى تخبرني كم هو؟ ومن دفعه إلي، فإن أخبرتني دفعته إليك.
قال: يا أحمد بن أبي روح توجه به إلى سر من رأى، فقلت: لا إله إلا الله لهذا أجل شيء أردته، فخرجي ووافيت سر من رأى فقلت: ابدأ بجعفر، ثم تنكرت فقلت ابدأ بهم، فإن كانت المحنة من عندهم وإلا مضيت إلى جعفر.
فدنوت من دار أبي محمد (عليه السلام)، فخرج إلي خادم فقال: أنت أحمد بن أبي روح؟ قلت: نعم، قال: هذه الرقعة أقرأها، فإذا فيها مكتوب:..
(٢٧٥) ثم جاء النص بعد ذلك كما يلي:
(قال) فرجعت إلى بغداد، وناولت الكيس حاجزاً، فوزنه فإذا فيه ألف درهم وخمسون دينار فناولني ثلاثين ديناراً، وقال أمرت بدفعها إليك لنفقتك، فأخذتها وانصرفت إلى الموضع الذي نزلت فيه، وقد جاءني من يخبرني أن عمي قد مات، وأهلي يأمروني بالانصراف إليهم فرجعت فإذا هو قد مات، وورثت منه ثلاثة آلاف دينار ومائة ألف درهم.
(٢٧٦) : أ- الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (قدس سره) في كمال الدين وتمام النعمة ج٢ ص١٩٨
ب- معاني الأخبار ص٢٨٦.
ج- بحار الأنوار للعلامة المجلسي (قدس سره) عنها، ج٣٥ ص٧٨، وفي ج٥٣ ص١٩٠ أيضاً...
توقيع منه (عليه السلام) كان خرج إلى العمري وابنه رضي الله عنهما، رواه سعد بن عبد الله قال الشيخ أبو جعفر رضي الله عنه: وجدته مثبتاً بخط سعد بن عبد الله رضي الله عنه:
(٢٧٧) العمري وابنه هما اثنان من النواب الأربعة، عثمان بن سعيد العمري وكيل الهادي والعسكري (عليهما السلام) وأول نائب للحجة في الغيبة الصغرى، وابنه محمد بن عثمان العمري النائب الثاني للحجة صلوات الله عليه.
(٢٧٨) الميثمي لعله (محمد بن الحسن بن زياد الميثمي) الذي قالوا عنه ثقة عين، ومن أصحاب الرضا (عليه السلام)، أو (أحمد بن الحسن الميثمي) الذي قال النجاشي عنه كان واقفاً وقد روى عن الرضا (عليه السلام) وهو على كل حال ثقة صحيح الحديث معتمد عليه- إلى آخره- وتوقف آخرون في نسبته الوقف إليه، ولعله (علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمار) من وجوه المتكلمين من أصحابنا، ولعله غيرهم.
يطلب تفاصيل هذه المعلومات وغيرها في جامع الرواة: ج٢ ص٤٥٢، وفي ص٩٢ أيضاً وج١ ص٥٥٨، وفي ص٤٦ أيضاً، وفي الوسائل: ج٢٠ ض٣٩٠. وفي مستدرك الوسائل: ج٣ص٥٥٣.
(وأما المختار) فهو علم لجماعة لم أثبت- في هذه العجالة- أحدهم بالخصوص.
وقد ذكر عدة أسماء منها صاحب جامع الرواة في ج١ص٢٢١- ٢٢٢.
(٢٧٩) يعني: جعفر التواب عم مولانا وسيدنا صاحب الأمر (عليه السلام).
(٢٨٠) سورة العنكبوت آية ١- ٢.
(٢٨١) أي: غائباً مستوراً عن الأبصار.
(٢٨٢) يعني: صاحب الأمر صلوات الله عليه.
(٢٨٣) نقل العلامة المجلسي (قدس سره) عن كتاب النجوم، في بحار الأنوار (٥١- ص٣٠٠) قال: روينا بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري بإسناده يرفعه إلى أحمد الدينوري السراج المكي بأبي العباس الملقب بآستاره، قال: انصرفت من أردبيل إلى دينور أريد أن أحج وذلك بعد مضي أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) بسنة أو سنتين، وكان الناس في حيرة فاستبشر أهل الدينور بموافاتي واجتمع الشيعة عندي فقالوا: اجتمع عندنا ستة عشر ألف دينار من مال الموالي (جمع: المولى، يعني الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، والمقصود به الخمس على الظاهر، أو النذور ونحوها).
ونحتاج أن نحملها معك وتسلمها بحيث يجب تسليمها.
قال: فقلت: يا قوم هذه حيرة ولا نعرف الباب في هذا الوقت.
قال: فقالوا إنما اخترناك لحمل هذا المال لما نعرف من ثقتك وكرمك فاعمل على أن لا تخرجه من يدك إلا بحجة.
قال: فحمل إلى ذلك المال في صرر باسم رجل رجل، فحملت ذلك المال وخرجت فلما وافيت (قرميسين) [وهو اسم بلد] كان أحمد بن الحسن بن الحسن مقيماً بها، فصرت إليه مسلماً، فلما لقيني استبشرني ثم أعطاني ألف دينار في كيس، وتخوت ثياب ألوان معكمة لا أعرف ما فيها ثم قال لي: احمل هذه معك ولا تخرجه من يدك إلا بحجة.
قال: فقبضت المال والتخوت بما فيها من الثياب، فلما وردت بغداد لم يكن لي همة غير البحث عمن أشير إليه بالنيابة.
فقيل لي: إن هاهنا رجلاً يعرف (بالباقطاني) يدعى بالنيابة، وآخر يعرف بـ (إسحاق الأحمر) يدعى بالنيابة، وآخر يعرف بـ (أبي جعفر العمري) يدعي بالنيابة.
قال: فبدأت بالباقطاني وصرت إليه فوجدته شيخاً مهيباً له مروءة ظاهرة، وفرس عربي، وغلمان كثير، ويجتمع الناس عنده يتناظرون.
قال: فدخلت إليه وسلمت عليه فرحب وقرب وسر وبر قال: فأطلت القعود إلى أن خرج أكثر الناس. قال: فسألني عن ديني فعرفته إني رجل من أهل دينور وافيت ومعي شيء من المال أحتاج أن أسلمه. فقال لي: احمله، قال فقلت: أريد حجة، قال: تعود إلي في غد، قال: فعدت إليه في غد فلم يأتي بحجة، وعدت إليه في اليوم الثالث فلم يأت بحجة.
قال: فصرت إلى إسحاق الأحمر، فوجدته شاباً نظيفاً منزله أكبر من منزل الباقطاني، وفرسه ولباسه ومروءته أسرى، وغلمانه أكثر من غلمانه، ويجتمع عنده من الناس أكثر مما يجتمع عند الباقطاني.
قال: فدخلت وسلمت فرحب وقرب.
قال: فصبرت إلى أن خف الناس قال: فسألني عن حاجتي فقلت له: كما قلت للباقطاني وعدت إليه بعد ثلاثة أيام فلم يأتي بحجة.
قال: فصرت إلى أبي جعفر العمري، فوجدته شيخاً متواضعاً عليه مبطنة بيضاء قاعد على لبد في بيت صغير، ليس له غلمان ولا من المروءة والفرس ما وجدت لغيره.
قال: فسلمت فرد الجواب، وأدناني، وبسط مني، ثم سألني عن حال فعرفته أني وافيت من الجبل، وحملت مالاً.
قال: فقال: إن أحببت أن يصل هذا الشيء إلى من يجب أن يصل إليه تخرج إلى سر من رأى وتسال دار ابن الرضا (عليه السلام) وعن فلان بن فلان الوكيل - وكانت دار ابن الرضا عامرة بأهلها - فإنك تجد هناك ما تريد.
قال: فخرجت من عنده ومضيت نحو سر من رأى، وصرت إلى دار ابن الرضا، وسألت عن الوكيل، فذكر البواب أنه يشتغل في الدار وأنه يخرج آنفاً.
فقعدت على الباب انتظر خروجه فخرج بعد ساعة فقمت وسلمت عليه وأخذ بيدي إلى بيت كان له وسألني عن حالي وما وردت له، فعرفته أني حملت شياً من المال من ناحية الجبل، وأحتاج أن أسلمه بحجة...
قال: فقال: نعم، ثم قدم إلي طعاماً وقال لي: تغد بهذا واسترح، فإنك تعبت، فإن بيننا وبين الصلاة الأولى [يعني: صلاة الظهر] ساعة، فإني أحمل إليك ما تريد.
قال: فأكلت، ونمت، فلما كان وقت الصلاة نهضت وصليت وذهبت إلى المشرعة فاغتسلت ونظفت. انصرفت إلى بيت الرجل، وسكنت إلى أن مضى من الليل ربعه، فجاءني بعد أن مضى من الليل ربعه ومعه درج فيه:
(٢٨٤) ثم جاء النص بعد التوقيع الرفيع كما يلي: قال أحمد بن محمد الدينور: فوسوس إلي الشيطان فقلت إن سيدي أعلم بهذا مني، فما زلت أقرأ ذكره صرة صرة وذكر صاحبها حتى أتيت عليها عند آخرها.
قال: فحمدت الله وشكرته على ما من به علي من إزالة الشك من قلبي، فأمر بتسليم جميع ما حملت إلى حيث يأمرني أبو جعفر العمري، قال: فلما بصر بي أبو جعفر قال: لم لم تخرج فقلت يا سيدي من سر من رأى انصرفت.
قال: فأنا أحدث أبا جعفر بهذا إذ وردت رقعة إلى أبي جعفر العمري من مولانا صاحب الأمر (صلوات الله عليه) ومعه درج مثل الدرج الذي كان معي فيه ذكر المال والثياب وأمرت أن يسلم جميع ذلك إلى أبي جعفر محمد بن أحمد بن جعفر القطان القمي، فليس أبو جعفر العمري ثيابه وقال لي: احمل ما معك إلى منزل محمد بن أحمد بن جعفر القطان القمي.
قال: فحملت المال والثياب إلى منزل محمد بن أحمد بن جعفر القطان، وسلمتها إليه وخرجت إلى الحج فلما رجعت إلى (دينور) اجتمع عندي الناس فأخرجت الدرج الذي أخرجه وكيل مولانا (صلوات الله عليه) إلي وقرأته على القوم، فلما سمع بذكر الصرة باسم الذراع سقط مغشياً عليه وما زلنا نعلله حتى أفاق، فلما أفاق سجد شكراً لله عز وجل، وقال: الحمد لله الذي من علينا بالهداية، الآن علمت أن الأرض لا تخلو من حجة، هذه الصرة دفعها والله إلي هذا الذراع، لم يقف على ذلك إلى الله عز وجل.
قال: فخرجت ولقيت بعد ذلك أبا الحسن المادرائي وعرفته الخبر وقرأت عليه الدرج فقال: يا سبحان الله ما شككت في شيء فلا تشك في أن الله عز وجل لا يخلي أرضه من حجته.
(٢٨٥) الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان ص١٣٠ ط طهران ١٣٩١هـ نقلاً عن الكفعمي: إنه صدر من الناحية المقدسة على يد الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد (رضي الله عنه) هذا التوقيع الشريف: اقرأ في كل يوم من أيام رجب:...
(٢٨٦) في الإسلام يجوز (الإجمال) في الدعاء والقسم، وحتى في تفاصيل العقائد. أما في مجال الدعاء فقد ورد (الإجمال) من أمثال: (اللهم إني أسألك من كل خير أحاط به علمك، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك)... (وأن تدخلني في كل خير أدخلت فيه محمداً وآل محمد، وأن تخرجني من كل سوء أخرجت منه محمد وآل محمد). والإجمال لا يفيد فائدة، ولكن قد لا يكون بد منه للجهل بالتفصيل، أو لعدم وجود مجال مناسب له. وأما في مجال القسم فقد ورد (الإجمال)- أيضاً- من أمثال: (اللهم أني أسألك بكلماتك ومعاقد عرشك وسكان سماواتك وأنبيائك ورسلك أن تستجيب لي...) (اللهم أني أسألك باسمك العظيم الأعظم الأعز الأجل الأكرم الذي إذا دعيت به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة انفتحت... وبكلمتك التي خلقت بها السماوات والأرض... وأسألك اللهم بمجدك الذي كلمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران...).
وأما في مجال العقائد فقد ورد - ما معناه- أنه إذا عرضت عليك أمور لا تعلم فيها ما هو الحق، فيكفي أن تقول: اللهم أني أؤمن بكل ما آمن به رسول الله. أو أن تقول: الله أني أشهد بكل ما أنزلت على أنبيائك. ومن (الإجمال) في الدعاء قول الأمام المهدي: (اللهم إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك...).
(٢٨٧) سر يسر سروراً: أعجبه. والإعجاب بالشيء هو الانشراح به. فإن كان خفيفاً يبقى في الباطن، سمي: سروراً، وإن كان شديداً يطفح على الظاهر، سمي: فرحاً. فكل ما يؤدي إلى السرور فهو سر، ولذلك قيل- في معنى السر-: إنه: خالص الشيء. أطيب الشيء وأفضله. الأرض الطيبة الكريمة. الأصل...
وبما أن أكثر الناس سطحيون يتناولون الأمور ببساطة، ولا يعنون بالتعمق فيها واستيعابها، تبقى لبابها بعيدة عنهم، فإذا كشفت لأحد لبس أمر. يقال: إنك أسررت أليه، لأنك أعجبته. حيث أعفيته عن بذل الجهد في سبيل الوصول إلى لب ذلك الأمر. فالسر: كل ما يعجب وإن لم يكن فيه غموض، ولكنك تعجب كلما تكشف لغيرك اللباب، وتحرق دونه المراحل. أما السر- مفهومه السائد، وهو أن يكون شيء غامضاً محجوباً بالطبع فلا يوجد، لأن كل ما في الكون واضح مفتوح في محله، كلما هنالك أن أكثر العقول لا تواصل البحث عن كثير من الأشياء والأمور، أو تبذل الجهد المناسب لمعرفة بعض الأشياء، ولكنها قاصرة عن إدراكها فكما أن المعادن الجوفية كانت- منذ ملايين السنين- في باطن الأرض وكان الناس منصرفين عنها، فلما توجهوا إليها وبحثوا عنها توصلوا إليها، هكذا الأشياء والأمور كلها مشاعة متروكة لجميع الخلق، وباستطاعة كل من يحاول أن يتوصل إلى ما له الاستعداد لاستيعابه، فالفارق الوحيد هو بين من يحاول ومن لا يحاول، وبين من له قابلية مناسبة ومن ليست له قابلية مناسبة. أي أن الفارق من جانبنا ليس من جانب الأشياء والأمور التي نعتبرها أسراراً. ولذلك قد يكون شيء سراً بالنسبة إلى زيد لأنه لم يبحث عنه، بينما هو ليس سراً بالنسبة إلى عمرو الذي بحث عنه. كما قد يكون شيء سراً بالنسبة إليك لأنك لا تتسع له، فيما هو ليس سراً بالنسبة إلى أستاذك لأنه يتسع له.
فمثلا أبو ذر الغفاري أسبق إسلاماً من سلمان الفارسي ولكن ظرفيته كانت أقل من ظرفيه سلمان، فلم يعط له النبي (صلَى الله عليه وآله) بمقدار ما أعطى لسلمان، وحق فيهما القول المأثور: (لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله) أي لقتله العلم. ويصح أن نتجاوز إلى القول: ولو علم سلمان ما في قلب النبي (صلَى الله عليه وآله) لقتله العلم. وإذا أردنا الاستعانة بالأمثلة المادية نستطيع القول: إن البحر مفتوح لا حصار عليه، ولكنك قد تستقبله بإناء يتسع لرطل من الماء فتكون حصتك رطلاً منه، وربما تستقبله بإناء يسع ألف رطل من الماء فتكون حصتك ألف رطل، وإذا تكاسلت عن تجشم الذهاب إلى البحر والاغتراف منه لا تنال منه شيئاً. وفي جميع الحالات لا شح في البحر، وإنما أنت وظرفك هما الوحيدان اللذان يقرران أن لك حصة أو لا؟ ويحددان كمية حصتك على الفريضة الأولى. وفي الحالة الأولى- أيضاً- إذا كان ظرفك يسع رطلاً واحداً من الماء وأفرغت فيه رطلاً من الماء فإنه يستوعبه بارتياح، وإذا كبست فيه رطلين فقد يستوعبهما بضغط، وإذا حاولت أن تضغط فيه ألف رطل من الماء فسرعان ما ينفجر. وهكذا كل إنسان له ظرفيه فكرية أو نفسية، فإذا حاول معرفة الأشياء والأمور، فأنه يعرف بمقدار ظرفيته، وإذا حاول المزيد تعرض للهلاك، وإذا لم يحاول شيئاً بقي فارغاً، كأكثر الناس الذين يعطلون مواهبهم. وفي كل الحالات يبقى الكون مفتوحاً، ويبقى الكسل أو العجز من جانب الإنسان. وهذان الأمران: الكسل والعجز هما اللذان أوجدا مفهوماً فوقياً أسمه: (السر) بينما الواقع أنه لا توجد لا في الماديات ولا في الماورائيات أشياء أو أمور محجوبة ممروكة بماركة (أسرار).
إلا إذا كان (السر) تعبيراً عن (الغيب) الذي يقابل (الشهور) وهو- أي الغيب- ما لا يدرك بالحواس الخمس، كما يستشعر ذلك من قول الإمام علي الهادي (عليه السلام)- في زيارة الجامعة الكبيرة-: (... وارتضاكم لغيبه، واختاركم لسره...) في إشارة واضحة إلى آيتين من القرآن. فالجملة الأولى: (ارتضاكم لغيبه) إشارة إلى قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً...) سورة جن آية ٢٧ والجملة الثانية: (واختاركم لسره) إشارة إلى قوله سبحانه: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء)- سورة آل عمران آية ١٧٩- حيث وضع الإمام الهادي (عليه السلام) كلمة (اختاركم) موضع كلمة (يجتبي) ووضع كلمة (لسره) موضع كلمة (على الغيب). وأولياء الله (عليهم السلام) يمتازون بأمرين:
١: مواهب متنوعة قابلة للامتداد والاستيعاب بشكل غريب لا تتصوره العقول العادية.
٢: مساع متواصلة لا تعترف بالكلل والملل.
وكلما انطلقت طاقات هائلة بالسرعة القصوى، وبدون أي تردد أو توقف، فإنها تحرز مكاسب ضخمة تعتبر- بالنسبة إلى غير أصحابها- أسراراً. وحيث أن أولياء الله يتجهون في سعيهم إلى اللامتناهي: إلى الله، ترتفع مطامحهم كلما تقدموا إذ تتضح لديهم آفاق جديدة تشجعهم على الاستزادة والسرعة فلا يضعون نقطة الختام لمساعيهم مهما بلغوا، ولا ينالون مكسباً إلا ويستخدمونه في مسيرتهم نحو الكمال لمنحهم زخماً جديداً يساهم في قوة دفعهم نحو الأعلى- على ما في هذه الألفاظ من ضيق في التعبير البشري الذي لا يناسب مقام أولياء الله-. ونحن القاصرين الذين لا نملك مثل تلك المواهب، والكسلين اللذين لا نبذل مثل تلك المساعي الحثيثة، والجامدين الذين لا نستحصل مكسباً إلا ونفرح باستهلاكه، فلا نطوره إلى طاقة دفع جديدة، لا يبقى أمامنا ألا أن نعتبر كثيراً من معارف الأولياء (أسراراً) كما لا يبقى أمامنا ألا أن نستعين بـ (الإجمال) فننشد الله بما يدعوه به ولاة أمره. ومعنى (المأمونون على سرك) أن لأولئك الولاة الظريفة الكافية، لتلك المعارف، فلا يستخدمونها لأغراض أنانية أو غير مشروعة، ولا تتسرب منهم إلى من لا يتحملونها.
(٢٨٨) يحتمل معنيان:
١: أن مشيئة الله نبضت فيهم فأصبحوا أولياء، فيكون التعبير بـ (نطقت) عن تعلق المشيئة بلاغياً، لأن النطق هو الإفصاح بوضوح، وتلك المشيئة كانت واضحة محددة، حتى كأنها نطقت فيهم.
٢: أن مشيئة الله تجسدت فيهم، حتى كأن كلامهم هو نطق مشيئة الله، فيكون المعنى: أنهم يعبرون عن الله، كقوله تعالى: (وما ينطق بالهوى إن هو إلا وحي يوحى) سورة النجم آية ٣- ٤
(٢٨٩) عدن عدناً بالمكان: أقام فيه: البلد توطنه. المعدن: المكان الذي جبل بأحد الأجسام البسيطة والحديد والزئبق. يقال: (فلان معدن الخير والكرام) إذا جبل عليهما وقول الإمام المهدي: (معادن لكلماتك) يحتمل معنيين:
١: المعنى الأول، وهو أنهم موطن كلمات الله.
٢: المعنى الثاني، وهو أنهم مجبولون بكلمات الله.
(٢٩٠) الركن جمعه أركان: ما يعتمد عليه. والمعنى- هنا- أن توحيد الله وآياته ومقاماته يعتمد على ولاة أمره، لأنهم يعطون للناس أدلة التوحيد ودلالات آيات الله ومقاماته.
(٢٩١) المقام جمعه مقامات: موضع القديمين. المنزلة: السيادة. المجلس.. وقيل في تفسير قوله سبحانه: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) سورة الرحمان، آية ٤٦. المراد بالمقام موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب. ولعل هذا المعنى هو المراد بـ (مقاماتك) هنا، أي المواقف التي تتجلى فيها آيات الله.
(٢٩٢) وأولئك الولاة دائبون في توجيه الآخرين إلى الله، فلا تعطيل لفاعليتها، فكل من كان في ذاته تجاوب مع الله فقد عرف الله بهم. وفاعليتهم ليست محصورة بمكان معين وإنما يوجهون إلى الله في كل مكان.
(٢٩٣) فرق يفرق ويفرق فرقاً وفرقاً بينهما: فصل. وفرق البحر: فلقه. وفرق الشيء بدده ووزعه. وفارقه: باينه وانفصل عنه. و(تفرقت بهم الطرق) أي ذهب كل منهم في طريق. انفرق عنهم: انفصل. والفرق: الطريق في شعر الرأس. والفرق: الجماعات المفصولة عن بعضها. وولاة أمر الله متصلون بالله، وليسوا منفصلين عن الله، فلا فرق بينهم وبين الله إلا في شيء واحد، وهو أنه واجب الوجود، وأنهم ممكن الوجود.
وقد نفصل القول بأن مواد اللقاء والفراق ثلاثة.
الأولى: المعرفة، فعلم الله بالأشياء والأمور وعلمهم بهما كلاهما صواب، إذ لا خطأ.
الثانية: العمل، فعمل الله هو هذا الكون المتناسق تحت نظام موحد، وعملهم متناسق مع الكون تحت ذلك النظام، لأن نظام الكون منبعث من إرادة الله. وإرادتهم منشعبة من إرادة الله.
الثالثة: الذات، وفي الذات يختلفون عن الله، لأن الله واجب الوجود وهم ممكن الوجود. فقول الإمام المهدي: (لا فرق بينك وبينها) أي لا فصل بتنك وبينها. وقوله: (إلا عبادك وخلقك...) تفصيل للفارق الذاتي بينهم وبين الله.
(٢٩٤) يلاحظ في قوله عجل الله فرجه: (إلا أنهم عبادك وخلقك، فتقها ورقها بيدك...) استخدم ضمير الجمع المذكر السالم تارة، وضمير المفرد المؤنث أحياناً ولعله حيث عبر عنهم بـ (ولاة أمرك) استخدم ضمير الجماعة، ولما أراد أن يعبر عنهم بـ (عبادك) استخدم ضمير الجمع المذكر، فيكون الضمير أكثر انسجاماً مع المضمر إليه.
(٢٩٥) أعضاء. جمع عضد وعضد، وعضد كل شيء ما شد حواليه من البناء وغيره. ويقال (فلان عضدي) أي ناصري ومعتمدي. والأشهاد: جمع شاهد. ومناة: جمع المنا: كيل أو وزن يساوي رطلين. فالمعنى: أثقال أو موازين. أذود، من الذود، وهو الدفاع. رواد، جمع الرائد، وهو الرسول الذي يرسله القوم لينظر لهم مكاناً ينزلون فيه.
(٢٩٦) لعل المراد بمثل هذه العبارة: أن الأولياء هم الأنوار الأولية التي خلقها الله تعالى ثم تشعبت منها شعب مختلفة وتفاعلت فخلق الله منها بقية المخلوقات العلوية والسفلية.
(٢٩٧) إن رحمة الله تقع مواقع شيء، فربما تقع مواقع الذل الدنيوي بهدف العز الأخروي كما تقع على المقبل الأسير والبائس الفقير، مثل أيوب ويحيى وإسماعيل الصادق الوعد، وأكثر الأنبياء الذين أوذوا في الله. وقد تقع مواقع العز كما وقعت على سليمان فآتاه الملك والحكمة، ووقعت على يوسف فجعله الله ملكاً. والقسم هنا بالنوع الثاني من مواقع الرحمة.
(٢٩٨) إن الله تعالى ظاهر بنفسه للعقل، ولكن العقل البشري يدرك (إجمالاً) وجود الله ولا يدرك الحقيقة الإلهية لأن العقل مخلوق ممكن والله سبحانه خالق واجب فلا سنخية بينهما، فهو ظاهر ظهوراً مجملاً ففي ظهوره بطون، كما أن غيابه عن العقل ليس غياباً كاملاً لأنه ظاهر الوجود وبين الدلالات. ويمكن القول بأن الله ظاهر الوجود باطن الذات، فهو ظاهر من جهة وباطن من جهة والجهتان متداخلتان بحيث لا يمكن فصلهما أو تمييزهما، فليس ظهوره كاملاً حتى يحيط به العقل وليس بطونه شاملاً حتى ينصرف عنه العقل وهذا ما يميز الله عن مخلوقاته التي لها ظهور مطلق أو بطون مطبق.
(٢٩٩) كل إنسان محدود العلاقة بما حوله من الناس والأشياء، فإذا فقد شيء من تلك الأشياء افتقده، بينما علاقة الله شمولية تسع كل ما في الكون لأنه خالق كل شيء، فلا يفقد شيء إلا والله فاقده.
(٣٠٠) الإنسان - باعتباره مركباً - مكيف مجالات وخواص أجزائه وفعل المؤثرات التي تختلف عليه. تختلف كيفياته باختلاف أجزائه والمؤثرات الطارئة عليه. وكما الإنسان كمل سائر المركبات. وأما البسائط- إن ثبت وجودها- فهي أيضاً- تتكيف بأوضاعها، ومراحل وجودها واستمرارها، ولا أقل من انعكاس المركبات عليها من حيثيات القرب والبعد والابتداء والإنهاء وما شابهها. وأما الله عز وجل فلا تختلف الكيفيات من داخله، لأنه ليس مركباً، ولا تنعكس عليه الكيفيات من المركبات، لأنه ليس من نوعها، ولا يزاملها في شيء من الصفات والأوضاع حتى يكون ذلك الجامع المشترك سبب انعكاس المركبات عليه. كما أن لجميع الماديات والماورائيات ظرف معين، فكل شيء إما موجود في مكان معين أو في زمان معين أو في الفكر أو في اللاشعور، بينما الله سبحانه خالق المكان والزمان وسائر الاعتبارات الأينية، فلا ظرف له ولا وعاء يحتويه.

(٣٠١) هذا النص دليل على وجود نوع من البشر لا يدرك بالحواس الخمس، إن لم يكن في المكون القريب منا في الكون البعيد عنا، وتسلسل الصلوات يدل على أن ذلك النوع من البشر دون الرسل وفوق الملائكة. وطالما وردت الصلوات على عموم ذلك النوع بدون قيد أو استثناء فهو نوع مفضل على نوع الإنسان، لأن الإنسان ليس أفضل أنواع المخلوقات، كلما ثبت أنه أفضل من كثير من المخلوقات العاقلة، ولكن القرآن يسجل دلالة واضحة على وجود أنواع مفضلة على نوع الإنسان حيث يقول: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) سورة الإسراء، آية ٧٠. فهو مفضل على أنواع كثيرة من المخلوقات العاقلة وليس على جميعها.
ويحتمل أن يكون المراد من (البشر المحتجبين) أولئك الأفراد الذين غابوا عن المجتمعات كإدريس وعيس والخضر وإلياس ونظرائهم ويضعف هذا الاحتمال أنهم من الأنبياء، فلا يصح تصنيفهم إلى جانب الأنبياء (عليهم السلام).
(٣٠٢) البهم جمع أبهم وهو الأصمت الذي لا يعرف. والصافين: الذين يصفون أقدامهم وأجنحتهم فلا يحركونها. والحافين: الذين يحيطون بالشيء. والمراد هنا الملائكة الصامتون الذين لا يحركون أجنحتهم وهم يطوفون حول العرش. وإنما يكونون صامتين صافين في حالة الطواف خشوعاً لله. وقد ذكرهم الله في قوله: (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) سورة الزمر، آية ٧٥.
(٣٠٣) رجب: وهو الشهر السابع من السنة القمرية، كان يعظم في الجاهلية، وجعله الإسلام أول الأشهر الحرم، وندب فيه إلى العمرة المفردة. والمرجب: المهيب. المعظم.
(٣٠٤) القسم، جمع قسمة: النصيب. والقسم: اليمين بالله تعالى أو غيره. وبر في قوله: صدق. وبرت اليمين صدقت. وبر الله قسمه وأبره أي صدقه. وفي الحديث: (... ولو أقسم على الله لأبر قسمه) أي استجاب له.
(٣٠٥) فكما أن النور شيء مخلوق، وليس عدم النور، ويبدو من بعض النصوص الإسلامية أن الظلمة أسبق خلقه من النور وأن أنواعها أكثر. مثل قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) سورة الأنعام، آية١.
(٣٠٦) المحرمات نشوة جوهر الإنسان، كما أن المخالفات الطبية نشوة جسده، غير أن الإنسان إذ ارتكب الحرام عن سابق علم وتصميم نشوة جوهر، ولكنه لا يعتبر مجرماً يعرض للعقاب، وإن ارتكب الحرام لا عن سابق علم وإصرار، نشوة جوهر ولكنه لا يعتبر مجرماً فلا يتعرض للعقاب وفي كلتا الحالتين يحتاج إلى الغفران، وهو الستر.
(٣٠٧) مهج الدعوات، علي بن موسى بن محمد الطاووس، ط طهران، انتشارات سنائي ص٢٨٠-٢٩٣ رواه عن الحسين بن علي بن هند، عن أبي علي أحمد بن محمد الحسين بن إسحاق بن جعفر بن محمد العلوي العريضي، عن محمد بن علي العلوي الحسيني... ورواه أيضاً عن الحسن، علي بن حماد المصري، عن أبي عبد الله الحسين بن محمد العلوي، عن محمد بن علي العلوي الحسيني، أن صاحب الزمان علمه إياه، وكان مظلوماً ففرج الله عنه، وقتل عدوه، قال محمد بن علي الحسيني، قال (عليه السلام) إذا كان ليلة الجمعة، فقم فاغتسل، وصلي صلاتك، فإذا فرغت من سجدة الشكر فقل – وأنت بارك على ركبتيك-:...
(٣٠٨) الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان ص٥١-٥٣ طبع طهران١٣٩١هـ، عن الكفعمي في المصباح: أن هذه الصلوات مروية عن صاحب الأمر (عليه السلام)، وقد خرج إلى أبي الحسن الضراب الأصفهاني في مكة:...
(٣٠٩) كلمة (المنتجب) ذات دلالات ثلاث: الأولى: دلالة المادة - التي هي النجب - وهي ذات طبيعة لازمة ذاتية من نوع الحلم والصبر والحسد. ويمكن تسميتها بـ (إيجابية ملتزمة).
الثانية: دلالة الصيغة - التي هي صيغة المفعول - وهي ذات طبيعة لازمة غيرية أي لا تتحقق إلا بطرفين لأنها تعني المطاوعة التي تكشف خلفية متعدية، فالمفعول لا يتحقق إلا على أثر صدور فعل من فاعل. ويمكن تسميتها بـ (سلبية ملتزمة).
الثالثة: دلالة الباب - الذي هو باب الافتعال - وهو ذو طبيعة متعدية غيرية مع الإيحاء والصعوبة. ويمكن تسميتها بـ (إيجابية نثرية).
وقلنا: أنه ذو طبيعة متعدية رغم أنه في البعض المواد لا يردف بمفعول به كالاقتتال - حيث يقال: اقتتل زيد وعمرو - لأن الباب يعبر عن الفعل ورد فعل أي عن فعلين متعديين صادرين عن طرفين كل منهما فاعل ومفعول به في وقت واحد فيكتفي بذكر الفاعلين، وإذا أردف بمفعول به، فلمجرد الدلالة على أن الطرف الآخر هو البادئ، لا لدلالة على وحدة الفعل، أي للتمييز بين طرف الفعل وطرف رد الفعل. وهذه الدلالات الثلاث - في كلمة (المنتجب) - تعبر عن لزوم توفر ثلاث شروط - في الشخص (المنتجب) - وهي :
الأول: القابلية الذاتية للنجب. التي - بدونها - تهدر عملية الإنتجاب.
الثانية: المطاوعة لعملية الإنتجاب وعدم رفضها. وعملية الإنتجاب - في حقيقتها - تشبه الاعتراف بالنجب. أو إعطائه صفة الرسمية.
الثالثة: التجاوب الفعلي مع تلك العملية أي أداء رد الفعل.

* * *

ويلاحظ إن الألفاظ التي استخدمت في التعبير عن عملية انتخاب الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لمقام الرسالة الخاتمة أربعة:
١: الإنتجاب، الوارد في هذه الصلوات وأمثالها (المنتجب في الميثاق).
٢: الاختيار، الوارد في الحديث المشهور بين جميع المحدثين، ونصه - حسب رواية السيوطي في شرحه على ألفية ابن مالك -: (يا علي! إن الله اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها...).
٣: الأنباء، الوارد في تتمة هذا الحديث وأمثاله: (... فجعلني نبياً...)
٤: الإرسال: الوارد في كثبر من الأحاديث والآيات مثل قوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً) سورة فتح آية ٨، (وما أرسلناك إلا كافة للناس) سورة سبأ آية ٢٨ وربما نستطيع الدخول في أجواء هذه الألفاظ واستنباط المراحل التي مر بها الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) من خلال هذه الألفاظ، ونمهد لذلك بما يلي:
إن عملية تكريس أي شخص في أي منصب لا يتم إلا عبر مراحل أهمها:
الأولى- اكتشاف شخصيته وتكميل الشروط اللازمة فيه.
الثانية- تعريضه للامتحان ومفاضلته مع أقرانه.
الثالثة- تعيينه المبدئي، أي ترشيحه ودراسة التيارات المتناقضة حوله.
الرابعة- إصدار قرار بتعيينه.
ويبدو - من خلال الأحاديث الواردة في هذا المجال - أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) مر بمراحل مشابهة:
فالأولى- مرحلة اكتشاف شخصيته وتنميتها وبلورتها بالشكل المناسب وقد عبر عنها بمرحلة (الانتجاب). وقد تمت في عالم الظلال. أي قبل خلق السماوات والأرض.
والثانية- مرحلة الامتحان والمفاضلة التي أخبر عنها الرسول (صلّى الله عليه وآله) بقوله: (إن الله اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها... (وقد عبر عنها بمرحلة (الاختيار). وقد تمت بعد خلق السماوات والأرض، ولكن قبل إفراز الأقدار أي في الاطلاعة الأولى.
والثالثة- مرحلة فتح قناة الوحي إليه (صلّى الله عليه وآله) ويعبر عنها بمرحلة (النبوة). وقد ابتدأت قبل خلق آدم (عليه السلام) كما قال (صلّى الله عليه وآله): (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين).
الرابعة- مرحلة المسؤولية القيادية، ويعبر عنها بمرحلة (الرسالة) وقد ابتدأت يوم البعثة في غار حراء.
وإذا تجاوزنا دلالات الألفاظ نجد في مجموعة من الأحاديث، تفصيلاً مسهباً عن (العهد) و(الميثاق) وخلاصته: أن الله استعرض الخلق في بعض العوالم السابقة على عالم الدنيا، وعهد إليهم عهداً وأخذ منهم ميثاقاً، وقد كان (العهد) و(الميثاق) حول أصول الدين وبعض فروعه، وقد أشار القرآن في أكثر من آية إليهما، فقال: (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به) سورة المائدة، آية ٧. (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون) سورة البقرة، آية ٢٧. (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) سورة الرعد، آية٢٥.
فيكون معنى قول الإمام المهدي (عليه السلام) هنا: (المنتجب في الميثاق) أن الاعتراف بنبوة النبوة الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كان من جملة بنود (العهد) الذي أخذ الله عليه الميثاق من عباده قبل أن ينقله إلى عالم الدنيا.
(٣١٠) الظلال جمع ظله: كالتلال جمع تله. والظلة: الفيء. و(عالم الظلال) عالم سبق عالم الدنيا. وفي الحديث: (إن الله خلق الخلق، فخلق ما أحب مما أحب، وكان ما أحب أن خلقه من طينة من الجنة. وخلق ما أبغض مما أبغض، وكان ما أبغض أن خلقه في طينة من النار. ثم بعثهم في الظلال...). وفي كلام للإمام علي (عليه السلام): (... كنا تحت ظل غمامة، اضمحل في الجو متلقفها ومجتمعها). وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الله آخى بين الأرواح في الأظلة، قبل أن يخلق الأجسام بألفي عام...). وفي حديث آخر: (... قلت: وما الظلال؟ قال: ألم تر إلى أن ظلك في الشمس شيء وليس بشيء).
والمراد من (الظلال): الأرواح المجردة من الأجساد، فيكون المقصود من (عالم الظلال) عالم المجردات، أي المخلوقات اللطيفة أو (الطاقة) والتي سبقت خلق المخلوقات الكثيفة. وفي حديث إثبات الصانع: (... أزلياً صمدياً لا ظل يمسكه، وهو يمسك الأشياء بأظلها) أي ليس الله مركباً من جسم وروح، حتى يحفظه روحه، وإنما هو يحفظ الأشياء بأرواحها. وفي عدد من آيات القرآن إشارة إلى ذلك، كقوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال) أي يسجدون هم وأرواحهم.
وعلى هذا فيكون معنى قول الإمام المهدي (عليه السلام): (المصطفى في الظلال) أن اختيار النبي (صلّى الله عليه وآله) لمقام النبوة الخاتمية ثم في عالم الأرواح. وهو تعبير مشابه لقول النبي (صلّى الله عليه وآله): (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين).
(٣١١) فوض تفويضاً إليه الأمر صيره إليه وجعله الحاكم فيه. والمفوض من فوضت إليه إدارة أعمال بلد كالمفوض السامي أو دائرة كمفوض الشرطة، أو من انتدبته دولته أو جماعته ليمثلها في مؤتمر أو نحوه... (المنجد). فوض إليه أمره: رده إليه... (مجمع البحرين) والأمور على نوعين، أمر واحد لا يتجزأ - عرفاً - مثل: (آمن بالله) وأمره واحد هدفاً ولكنه مركب من أمور عديدة، مثل: (أقم الصلاة) والنوع الأول غير القابل للتفويض، لأن المأمور إما يطيع أو لا يطيع، والنوع الثاني قابل للتفويض لأن للتطبيق أنحاء مختلفة يخير المأمور بينها. فلكل عمل من النوع الثاني جانبان، جانب محدود وجانب مطلق، فأنت عندما تكلف شخصاً بإيصال رسالة إلى شخص ثالث فإن له جانباً محدوداً بثلاثة حدود: رسالة معينة، منك بالذات، إلى شخص ثالث بالذات، فإذا التزم الرسول بهذه الحدود الثلاثة يأتي الجانب المطلق، الذي لا يفرق بين إيصالها ليلاً أو نهاراً، وسراً أو جهراً، واقفاً كان الرسول أو قاعداً...
وهذان الجانبان موجدان في عمل محدد بالأصل كإيصال رسالة من شخص إلى شخص، ويتسع الجانبان كلما اتسع العمل.
والله سبحانه عندما أرسل رسالته على النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) - وهي رسالة واسعة تشتمل على تبليغ دين وتركيز دولة وبناء أمة - وضع له مقاييس ثابتة ثم أطلق له حرية التحرك في نطاق تلك المقاييس. وهذا أمر طبيعي.
فرئيس جمهورية عندما يكلف شخصاً بتشكيل وزارة، فإنه يضع لعمله حدوداً مدونة في كتب القانون، ويطلق له صلاحية التحرك في اتّباع ما يراه مناسباً خارج القانون أي في التفاصيل. ويزداد الأمر اتساعاً كلما كانت وجهات النظر متقاربة، كما لو كان المكلف بتشكيل الوزارة أكثر تلامذة رئيس الجمهورية انسجاماً معه.
فإذا تم التوافق في الرأي بين الآمر والمأمور.
وكانت الصلاحية في التفاصيل.
يصبح الأمر أكثر من طبيعي.
ونجد هذين الأمرين - بوضوح - في أحاديث التفويض، ففي بعض الحديث: (إن الله أدب نبيه بتأديبه، ففوض إليه دينه...). وفي حديث آخر: (قد فوض الله إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) أمر دينه، ولم يفوض إليه تعدي حدوده).
ومهما تكن حقيقة التفويض، وكيفما كان مفهومنا من أحاديث التفويض، فالذي لا شك فيه أن النبي (صلّى الله عليه وآله) خرج من هذا التفويض أكثر وهجاً من اليوم تحمله، فقد خرج التقرير النهائي عن مسلكية النبي (صلّى الله عليه وآله) في أداء الرسالة قرآناً: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) سورة النجم، آية ٣ - ٤.
فهذا التفويض كان نوعاً من الصلاحية تكريماً للنبي الأعظم دون سواه من الأنبياء (عليهم السلام)، ولكن النبي (صلّى الله عليه وآله) بقي ملتزماً بحرفية الوحي تعظيماً لله.
(٣١٢) إشارة إلى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) سورة المائدة، آية ٣٥.
(أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة) سورة الإسراء، آية ٥٧.
وفي الحديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله): (سلوا الله لي الوسيلة).
وروي: (إنها أعلى درجة في الجنة...).
وقد تكون في معناها اللغوي أي مطلق ما يتقرب به، وما يتقرب به إلى الله كثير ودرجات القرب كثير، فحتى النبي (صلّى الله عليه وآله) رغم قربه يطمح إلى قرب أخص فيبحث عما يتقرب به أكثر فأكثر، وما دام الله لا يتناهى فالقرب إليه لا يتناهى، فطموح المتقربين إليه لا يتناهى من جانب الله، وأما من جانب الناس فيتناهى بانتهائهم، لأن الممكن متناه مهما بلغ.
(٣١٣) المقام المحمود، قيل: هو المقام الذي يحمده في جميع الخلائق كتعجيل الحساب والإزاحة من طول الوقوف. وقيل: هو الشفاعة.
ويظهر من سياق التعبيرات: أن المقام المحمود اسم لمقام معين هو أفضل مقامات عالم القيامة. ومن الطبيعي أن من يتبوأ ذلك المقام يكون سيد الموقف، فيغبطه به الأولون والآخرون.
(٣١٤) في هذا التكرار تأكيد على أن كل منهم له هذه الصفات.
(٣١٥) مهج الدعوات، علي بن موسى بن محمد الطاووس طبع طهران، انتشارات سنائي ص٢٩٤ - ٢٩٥ قال:
فصل، ورأيت في كتاب (كنوز النجاح) تأليف الفقيه أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي رضي الله عنه، عن مولانا الحجة صلوات عليه ما هذا لفظه: روى أحمد بن الدربي، عن خزامة، عن أبي عبد الله الحسين بن محمد البزوفري، قال: خرج عن الناحية المقدسة: (من كان له إلى الله حاجة، فليغتسل ليلة الجمعة بعد نصف الليل، ويأتي مصلاه، ويصلي ركعتين، يقرأ في الركعة الأولى الحمد، فإذا بلغ إياك نعبد وإياك نستعين يكررها مائة مرة ويتمم في المائة إلى آخرها، ويقرأ سورة التوحيد مرة واحدة ثم يركع ويسجد، ويسبح فيها سبعة سبعة، ويصلي الركعة الثانية على هيئته، ويدعو بهذا الدعاء، فإن الله يقضي حاجته البتة، كائناً ما كان، إلا في قطيعة رحم. والدعاء:...
وفي تتمة الحديث فيستكفي شر من يخاف شره إن شاء الله، ثم يسجد ويسأل حاجته، ويتضرع إلى الله تعالى. فإنه ما من مؤمن ولا مؤمنة صلى هذه الصلاة ودعا بهذا الدعاء خالصاً، إلا فتحت له أبواب السماء للإجابة، ويجاب في وقته وليلته كائناً ما كان، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس).
(٣١٦) المحمدة: ما يحمد المرء به أو عليه، والمحمدة لله، لأن التوفيق منه.
(٣١٧) الروح - بفتح الراء - الراحة، ويطلق على كل ما يرتاح إليه.
(٣١٨) الإنسان وجد بإرادة الله، واعترافه بالله يساعده على النمو والنجاة من سلبيات الكون، فله المن على الإنسان بتوفيقه للإيمان كما له المن عليه بإيجاده. ذلك أن اعتراف الإنسان برئاسة إنسان آخر كمال للثاني دون الأول، وأما اعتراف الإنسان بالله فكمال للأول، لأن الله هو هو لا يزيده إيمان الخلق به ولا ينقصه كفرهم به.
وقد ظن بعض المسلمين البدائيين أن الإسلام يشبه الخضوع لرئيس أو زعيم، فقاس القيم الإيمانية على الاعتبارات السلطوية، فرد الله هذه المعادلة الخاطئة بإعادة كل قيمة إلى نصابها: (يمنون عليك إن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) سورة الحجرات، آية ١٧. فالمنطق الصحيح أن يقول المؤمن مع أصحاب الجنة: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق...) سورة الأعراف، آية ٤٣.
(٣١٩) المعصية - في جميع الحالات - فسوق وخروج على النظام الصحيح. وكل معصية - في حد ذاتها - حجم معين، غير أن هذا الحجم قابل للتضاؤل والتضخم حسب الدوافع التي تكمن ورائها وهذه الدوافع تتراوح بين دركات نذكر منها ما يلي:
الأولى: معصية المكره، كالتي يزنى بها بالرغم منها، وهذه لا تصنف معصية، لا تصدق إلا بشيء من الممارسة الإرادية، وإنما تصنف مصيبة قد يبتلي بها الفرد لبعض الأسباب التي تؤدي إلى إصابة الإنسان بالمصائب.
الثانية: معصية المجبور، كمن يشرب الخمر تحت التهديد بالسلاح. فهو يصاب بأسرها الوضعي (أي بفعلها الكوني في مجال الروح) تماماً كما يصاب بفعلها الكيماوي في مجال الجسد. فشكره، لأن الآثار الكونية - سواء منها الروحية والجسدية - تتبع المؤثرات، ولا تتبع المبررات. أقصى ما هنالك أن الله لا يعاقبه عليها، لقول النبي (صلّى الله عليه وآله): (رفع عن أمتي تسع... وما أجبروا عليه).
وهذه تصنف معصية، لأن فيها قدر من الممارسة الإرادية يكفي لإسباغ صفة المعصية عليها، وإن كانت أخف درجات المعصية إذا كانت المعادلة ترجح إلى جانب الخطر، مثلاً لا يجوز تحمل القتل مقابل الامتناع عن شرب الخمر، ويجب تحمل الضرب مقابل الامتناع عن القتل. ففي الحالة الأولى لو شرب الخمر قد لا يعاقب في الآخرة ويعاقب في الدنيا من خلال آثاره الروحية والجسدية. فتكون محنة ابتلاه الله بها نتيجة لسيئة اقترفها - في ماضي حياته - بمحض اختياره، قد لا يذكرها شعورياً وإنما انطبع بها لا شعورياً، ولكنها صدرت منه قطعاً فأدت إلى هذه النتيجة، إذ لا يصدر فعل في الكون إلا وليد دوافعه، كما لا يكون شيء في الكون إلا نتيجة أسبابه. فكما لا ينفجر نبع إلا إذا اختزنت قطرات المطر في طبقة أعلى منها، كذلك لا يتحقق عمل إلا إذا طفحت النفوس ببواعثها (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل نبرأها) سورة الحديد، آية ٢٢.
الثالثة: معصية المحتاج، كمن يسرق لسد رمقه. وهذه معصية فوق مستوى معصية المجبور، لأن فيها قدراً أكبر من الممارسة الإرادية. ولا يعاقب عليها في الآخرة ولا يقتص منه في الدنيا، ولكن المعصية تأخذ أبعادها وتترك آثارها لا في شخص العاصي فقط، وإنما في المجتمع فتترك الحقد في المقصود منه، وتفتح أمام الآخرين باب السرقة، ولو كعلاج أخير.
الرابعة: معصية المغرور الذي جرفته المغريات وغرته مهلة الله، كمن يفعل المحرمات التذاذاً بها. وهذه فوق مستوى السابقتين، لأنه أقدم عليها بمحض إرادته، فيعاقب عليها في الدنيا والآخرة. وهي معصية أكثر أهل المعاصي الذين يعصون عن سابق تصميم وإصرار.
الخامسة: معصية المستهتر، الذي يقترف تكبراً واستعلاء، كمن يعصى ليعلن أنه صاحب شخصية لا يحدها الدين ولا تخضع للموجهين. وهذه فوق مستوى الثلاث السابقات، ويكون عقابه في الدنيا والآخرة أشد، لأنه أضاف إلى عنصر المعصية عنصراً آخر هو عنصر الاستهتار.
السادسة: معصية المعاندين، كمن يأتي الفاحشة لمجرد أن الله نهى عنها وهذه في حد الكفر بالله، وعقابه الخلود في النار، لأنه أضاف إلى عنصر المعصية عنصر العناد، والعناد يخلد في النار كما في دعاء كميل: (... وقضيت به من إخلاد معانديك...).
والإمام المهدي يلقن الداعين أن يعتذروا إلى الله بأن معاصيهم معاصي المغرورين، حتى لا يفكروا في معاصي المستهترين أو المعاندين.
(٣٢٠) لأن الله هو القدرة المطلقة التي لا تجد أمامها شيئاً يحد منها، وكل شيء يجد نفسه ضئيلاً أمامها، فيترقب المفاجئات والتحويلات، فيخاف الخروج على الله لأنه لا يقاوم، ويحذر التورط في مخالفته لأنه لا يجد مهرباً منه، فلا يطمئن شيء إلا إلى الانقياد له والانسياق في إرادته.
(٣٢١) وطالما القدرة المطلقة مختصة بالله، فإذ ضمن شخصاً حماه من غيره، أو أعطاه من القدرة ما يدفع عنه كل شر وسوء، فرفع نسبة المغناطيس فيه ليتضاءل أمامه الآخرون.
(٣٢٢) الأمالي، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه الصدوق عن محمد بن عثمان بن سعيد العمري - ثاني النواب الأربعة - إنه رآه في بيت الله وهو يقول:...
(٣٢٣) يلاحظ أن هذه الجملة تتكرر في أدعية الإمام المهدي، كما يوصف في جملة من الأحاديث المبشرة به بأن الله ينتقم به من أعدائه.
س: من أين وجدت عقدة الانتقام في نفوس الشيعة؟
ج: التاريخ يكشف أن جميع أئمة أهل البيت وأكثر قادة الشيعة وكثير من أفراد الشيعة قتلوا، وأن التشيع كان ولا يزل محارباً لسببين: الأول: إنه يمثل عنفوان الحق، والحق مر لأنه لا يحابي ولا يساوم. والثاني: أنه يجسد قمة الإسلام في أصالة الفكر وشمول الثقافة. وكل قمة محسودة.
فأمّن التشيع الثروة العاطفية للإسلام، كما أمّن القرآن والسنة الثروة الفكرية للإسلام. ولذلك وجدت عقدة الانتقام لدى الشيعة.
س: ولماذا التركيز على الانتقام في كل البشائر والدعوات التي تتعلق بالإمام المهدي؟
ج: من جملة تضحيات أهل البيت في سبيل الإسلام، أنهم لم يندفعوا نحو الانتقام ولم يدفعوا شيعتهم إلى الانتقام، ليبقى الإسلام غنياً بالعاطفة كما هو غني بالفكر، لأن هذا البشر الهائج المائع لا يأخذ كله بالفكر، فلا بد من أخذ بعضه بالفكر وأخذ بعضه بالعاطفة، فإذا جاءت دولة الحق وتكاملت عقول الناس على يد الإمام المهدي بحيث أصبحت الرقابة الفكرية كافية لشد الجماهير بمصالحها الحقيقية التي تتمثل في الالتزام بالقيم. استغنى الإسلام عن العاطفة بالفكر، وحكم الإمام المهدي السكين في المفصل.
فأئمة أهل البيت كانوا يركزون على أن الإمام المهدي ينتقم من أعداء الله، لينفسوا عقدة الانتقام المستفحلة في نفوس الشيعة.
ولا بد هنا من التوقف عند نقطتين:
الأولى: يزعم بعض المغرورين أن أئمة أهل البيت لم يندفعوا نحو الانتقام ولم يدفعوا شيعتهم إلى الانتقام، لأنهم لم يكونوا قادرين عليه.
ولكن الذي يدرس أئمة أهل البيت يعرف أنهم كانوا قادرين على الانتقام ورفضوه بمحض إرادتهم.
مضافاً إلى إنه لم يتركوا في تراثهم أي توجيه إلى الانتقام، رغم إنهم بنظراتهم الثاقبة كانوا يستطلعون مستقبلاً مشرقاً للشيعة كما قالت السيدة زينب الكبرى للإمام زين العابدين في اليوم الحادي عشر من المحرم لما مروا بأسارى آل الرسول على مصارع قتلاهم، وكاد الإمام زين العابدين يجود بنفسه لما رأى جثث الحسين وأصحابه على التراب: (ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وأخوتي. فوالله إن هذا العهد من الله إلى جدك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة فيوارونها، وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يدرس أثره، ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام. وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا علواً) كامل الزيارات ص٢٦١.
وأمثال هذا المعنى يتردد في أحاديث أهل البيت، وكان باستطاعتهم أن يضمنوا أحاديثهم أي توجيه انتقامي يعمل به الشيعة عندما تستتب لهم الأمور، ولكنهم لم يفعلوا، ولذلك قامت دول عديدة للشيعة في آسيا وأفريقيا فلم ينزلوا المجازر بخصومهم عندما انتصروا، وتحملوا المجازر كلما هزموا، فكانوا - عبر التاريخ - كما قالت السيدة فاطمة الصغرى بنت الحسين لأهل الكوفة:

ملكنا فكان العفو منا سجية * * * فلما ملكتم سال بالدم أبطح
فحسبكموا هذا التفاوت بيننا * * * وكل إناء بالذي فيه ينضح

الثانية: إن التأكيد على أن الإمام المهدي ينتقم من أعداء الله قد يوحي إلى بعض الناس: أنه سيقتل عشرات الملايين أو مئات الملايين من الناس عندما يظهر، خاصة وأنه لا يظهر إلا بعد أن تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً، فيصبح كل أناس ظالماً أو مظلوماً، أو ظالماً ومظلوماً في آن واحد. وتطهير الأرض - في مثل هذه الحالة - لا يتم إلا بإبادة الملايين.
ولكن الذي يدرس حياة الإمام المهدي بعد الظهور يفاجأ بخلاف ذلك، فالخط القتالي للإمام المهدي يبدأ بالحجاز ويمر بدمشق وفلسطين وينتهي بالكوفة في جنوب العراق. ثم تستسلم له حكومات الدنيا، ومن الواضح عسكرياً أن هذا الخط القصير لا يتحمل الكثير من الضحايا. مضافاً إلى أن الانتقام من أعداء الله ليس بالقتل فقط، وإنما بإزاحتهم عن السلطات في العالم، وإبطال مبادئهم، ولعل الثاني هو الانتقام العميق الصحيح في حضارة الإمام المهدي.
(٣٢٤) الاحتجاج أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج٢ ص٣١٧ - ٣١٨: عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري قال: خرج التوقيع من الناحية المقدسة - حرسها الله - بعد المسائل.
(٣٢٥) تدل أحاديث بدء الخلقة على أن الله أوجد كلمة، ثم قسمها قسمين... وتسللت الخلقة - بالشكل المأثور عن أهل البيت (عليهم السلام) - فالكلمة التي خلق الله منها النور، هي روح النبي، أو الحقيقة النبوية - حسب تعبير المتكلمين - فالنبي (صلّى الله عليه وآله) هو كلمة النور.
(٣٢٦) الثابت - بمقتضى أحاديث الخلقة - إن أول ما خلق الله من الكلمة هو النور، وباستمرار تموجات النور وامتداداته حدث تشعب فيه، فصار كل شعبة منه شيئاً مختلفاً عن بقية شعبة، وكل شعبة: منها إذا تفاعلت مع الإنسان تطور إلى شيء، فشعبة منها تطور إلى اليقين وأخرى إلى الإيمان، وثالثة إلى الثبات ورابعة إلى العلم... وهكذا. ولعل الإمام أخذ كل تفاعلات الخلقة بنظر الاعتبار، ثم علمنا أن نسأل الله ذلك...
(٣٢٧) جميع الأنبياء والأوصياء، وربما جميع الأولياء إذا سألوا الله شيئاً أجابهم، كما أنهم يملكون من أسماء الله الحسنى والقدرات الروحية ما أحيوا بها الموتى ومشوا على الماء وأبرءوا الأكمه والأبرص، وفعلوا الأعاجيب، ولكنهم لم يكونوا يستخدمون تلك القدرات في كل صغيرة وكبيرة من حياتهم، وإنما كانوا يعيشون بشراً بالوسائل والأساليب التي يتبعها البشر، فكانوا يفلحون ويصنعون ويبيعون ويشترون كما كانوا يأكلون ويلبسون مثل سائر الناس وإذا قابلهم عدو دافعوا عن أنفسهم بالطرق المألوفة.
فكانوا يخافون من أعدائهم كما يخاف غيرهم من عدوه، بفارق أنهم ما كانوا يتنازلون لأعدائهم عن شيء، ويغيرون مسيرتهم نتيجة الخوف، فشأن الإمام المهدي (عليه السلام) في فترة الغيبة شأن موسى بن عمران فترة ما قبل الرسالة وكما خرج موسى بن عمران - يومئذ - من مصر خائفاً يترقب أن يلحقه الطلب هكذا غاب الإمام المهدي خائفاً يترقب أن يعرفه الأعداء فيجهزوا عليه.
(٣٢٨) أ: الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان ص١١٢ طبع طهران ١٣٩١ هجري: نقلاً عن الكفعمي: أن صاحب الأمر (عليه السلام) علم هذا الدعاء لمحبوس فأفرج عنه.
وقد نقل المؤلف في نفس المصدر ص٤٦ نصاً مشابهاً، ولكن اكتفينا بإثبات هذا النص.
ب: الجنة المأوى - الحاج ميرزا حسين النوري عن فضل بن الحسن الطبرسي في كتاب (كنوز النجاح) قال: دعاء علمه صاحب الزمان (عليه السلام) أبا الحسن محمد بن أحمد ابن أبي الليث في بلدة بغداد في مقابر قريش وكان أبو الحسن قد هرب إلى مقابر قريش والتجأ إليه من خوف القتل فنجى منه ببركة هذا الدعاء. قال أبو الحسن: أنه (عليه السلام) علمني أن أقول:.....
ج: الشيخ محمد بن المشهدي (قدس سره) في (المزار الكبير) ص١٩٤.
د: الشهيد الأول محمد بن مكي في (مزار الشهيد) ص٦٤.
ه: العلامة المجلسي (قدس سره) في بحار الأنوار (ج ١٠٢ - ص١١٩) عن الشيخ المفيد (قدس سره).
(٣٢٩) برح يبرح براحاً: زال. يقال: برح الخفاء: زال فوضح الأمر.
(٣٣٠) انكشف الغطاء: رفع الغطاء فظهرت النوايا والسرائر، وتعزى المنافقون والمزيفون.
(٣٣١) مقتبسة من قوله تعالى: (... وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) سورة التوبة، آية ٢٥.
(٣٣٢) فعندما يتعرى المجرمون ويتجاهرون بالجرائم، تكثر الذنوب، فتمنع السماء خيراتها.
(٣٣٣) مستوحاة من قوله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) سورة النساء، آية ٥٩. و(أولي الأمر) في هذه الآية، الذين قرن الله طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله. هم الأوصياء المعصومون (عليهم السلام)، لأن الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ولأوليائه المعصومين، وأما غير المعصومين فطاعتهم مقيدة بما إذا لم يخرجوا على إرادة الله، فكما قيد عز وجل طاعة الوالدين بذلك فقال: (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) سورة العنكبوت، آية ٨. كذلك طاعة غير معصوم مقيدة بعدم مخالفة الله.
(٣٣٤) مما لا شك فيه أن الأكرم (صلّى الله عليه وآله) والإمام علي وسائر الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) عباد مكرمون، يشفعون عند الله لأوليائهم فيشفعون وقد قال سبحانه: (يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) سورة المائدة، آية ٣٥. وقال: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة...) سورة الإسراء، آية ٥٧.
(٣٣٥) الصلوات من هنا على الإمام المهدي (عليه السلام) نفسه. وقد ينبض سؤال يقول:
كيف يعلم الإمام المهدي (عليه السلام) شيعته الصلوات عليه يضمنها فضائله؟ ويمكن الجواب بما يلي:
١: الصلوات دعاء، وطلب الدعاء من الغير ممدوح، وورد كثيراً من النبي وآله (عليهم السلام).
٢: إن النبي وآله (عليهم السلام) باعتبارهم أشخاصاً يختلفون عنهم باعتبارهم قادة روحيين، وعلى الناس أن يعرفوهم ويضعوهم حيث وضعهم الله، فلابد أن يعرفوا أنفسهم إن لم يجدوا من يعرفهم.
(٣٣٦) أي اجعل كل شيء كما يريد.
(٣٣٧) يمكن أن يكون المراد من (وليك) نفس الإمام المهدي (عليه السلام) فيكون المراد من (ولاة عهدك) ولاته على البلاد بعد الظهور، لأنهم في الواقع ولاة عهد الله، ويكون المراد من (الأئمة من ولده) أولاده الذين هم أئمة بالمعنى اللغوي، ولكنه خلاف مصطلح الحديث.
ويمكن أن يكون المراد من (وليك) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيكون قوله:
(ومد في أعمارهم وزد في آجالهم) باعتبار عهد الرجعة وهو خلاف المألوف.
ولعل في النسخ المتوفرة لدينا بعض الحذف أو التعبير.
(٣٣٨) الأجل: المدة، فتكون الأعمار والآجال من المترادفات.
(٣٣٩) مفاتيح الجنان - الشيخ عباس القمي ص١٥٠ في أعمال يوم السابع والعشرين من شهر رجب وهو يوم مبعث الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) نقلاً عن الحسين بن روح وهو السفير الثالث من سفراء الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ويعرف من بعض ما سبق أنه لا يرسل إلا عن الإمام المهدي..
(٣٤٠) الذل: الصغار والهوان. والله تعالى لا يتجه إلى أوليائه من موقع الضعف، وإنما من موقع الرحمة، لأنه لا يحتاج إليهم، وهم لا يزيدون في كبريائه شيئاً، وهم يتجهون إليه من موقع الذل، وهو يتقبلهم رحمة بهم.
(٣٤١) العورة: كل ما يستحيى به فيحاول الإنسان ستره أنفة وحياء.
(٣٤٢) فالله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن كثير على قدرة وغيره لا يقبل العذر - غالباً - إلا عن عجز.
(٣٤٣) فلا يتماسك الإنسان ولا ينبعث عن صرعة وانحلال إلا بالذخائر الجوفية التي يحفظها الله في أعماق الجسم والروح. للإفادة منها في حالات الضرورة القصوى.
(٣٤٤) هذه الجمل مقتبسة من الآية الكريمة: (.... أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) سورة الأحقاف، آية ١٦.
(٣٤٥) مفاتيح الجنان - الشيخ عباس القمي ص١٢٩ قال الشيخ يستحب أن يقرأ في كل يوم من رجب هذا الدعاء: وقد ذكر في ص٤٠٧ من مفاتيح الجنان في أعمال مسجد صعصعة: أن جماعة رأوا الإمام المهدي في مسجد صعصعة في شهر رجب أنه صلى ركعتين ودعا:...
(٣٤٦) رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس، إقبال الأعمال، طبع طهران ١٣٩٠ هجري ص٦٧٥:....
ذكر شيخنا المفيد في الرسالة الفرية صلاة يوم المبعث، وقال: إنها تصلى صدر النهار، وقال الشيخ سلمان بن الحسن في كتاب (البادية) - عند ذكر صلاة يوم المبعث -: إنها تصلى قبل الزوال. فأحببت أن يكون عند العامل بذلك المعرفة بهذه الحال، وسيأتي في رواية ابن يعقوب الكليني: أنه يصليها أي وقت شاء - يعني من يوم المبعث - ونحن نذكر منها عدة روايات، وإن اتفقت في عدد الركعات، فإنها تختلف في بعض المرادات.
فمن ذلك ما رواه محمد بن علي الطرازي (رحمه الله) في كتابه فقال: صلاة يوم سبعة وعشرين من رجب - وهو اليوم الذي بعث فيه سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وقال) أبو العباس: أحمد بن علي بن نوح - رضي الله عنه - قال: حدثني أبو أحمد المحسن بن عبد الحكم الشجري، وكتبته من أصل كتابه قال: نسخت من كتابي أبي نصر: جعفر بن محمد بن الحسن بن الهيثم، وذكر أنه خرج من جهة أبي القاسم: الحسين بن روح - قدس الله روحه:...
وذكر في ص٦٤٧ ومن الدعوات كل يوم من رجب ما رويناه - أيضاً - عن جدي: أبي جعفر الطوسي - قدس الله جل جلاله روحه - فقال: قال ابن العباس: وخرج إلى أهلي على يد الشيخ أبي القاسم - رضي الله عنه في مقامي عندهم - هذا الدعاء في أيام رجب....
(٣٤٧) أ- الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان ص٢٣١ - ١٣٢ - طبع طهران ١٣٩١ نقلاً عن الكفعمي، روى: أنه صدر من الناحية المقدسة على يد الشيخ أبي القاسم (الحسين بن روح النونجتي).
 ب- علي بن موسى بن جعفر بن طاووس. إقبال الأعمال، طبع طهران ١٣٩٠ هجري، ص٦٤٧: ومن الدعوات كل يوم من رجب ما رويناه - أيضاً - عن جدي: أبي جعفر الطوسي، عن ابن عياش: وخرج إلى أهلي على يد الشيخ أبي القاسم - رضي الله عنه - هذا الدعاء في أيام رجب:...
(٣٤٨) المواليد في رجب كثيرون، سيدهم وأعظمهم هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلعل تخصيص الإمامين الجواد والهادي (عليهما السلام) بالذكر هنا لتوجيه الأضواء إليهما، وأما الإمام علي (عليه السلام) فقد استقطب الأضواء بشكل يغنيه عن مثل هذا التوجيه.
(٣٤٩) المراد من (محمد بن علي) الثاني هو الإمام محمد الجواد (عليه السلام) باعتباره ثاني من سمي بمحمد من الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، والأول هو محمد الباقر (عليه السلام) والمقصود من ابنه الإمام علي بن محمد الهادي العسكري (عليه السلام).
(٣٥٠) المنيفة: العالية المشرفة، لأن وسائل الناس قد تكون قاصرة عن أهدافها، ولكن وسائل الله عالية وفوقية مشرفة على أهدافها.
(٣٥١) أوزعه بكذا: أغراه به، وعلى هذا يكون المعنى: نعمة مغرية مرغوب فيها، لأن بعض النعم مرغوب عنها رغم أنها نعمة في أهدافها ونتائجها، مثل كثير من البلايا والمصائب التي تسمى بالنعم الخفية فيكون السؤال هنا عن النعم الظاهرة التي تتجاوب مع رغبات الداعي.
(٣٥٢) الحافرة: الأرض المحفورة أي القبر، وقد جاء وزن الفاعل لمعنى المفعول كعيشه راضية أي مرضية.
(٣٥٣) أي جميع المراحل المستقبلية التي يمر بها الإنسان كالقبر والبرزخ والقيامة، أو ينتهي إليها كالجنة أو النار.
(٣٥٤) العلامة المجلسي (قدس سره) نقلاً عن كتاب النجوم، في بحار الأنوار (ج ٥١ - ص٣٠٤ - ٣٠٥) قال: بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه، قال حدثنا أبو جعفر محمد بن هارون بن موسى التلعكبري قال: حدثني أبو الحسين بن أبي البغل الكاتب قال... فقال (يعني الإمام المهدي (عليه السلام)): يا أبا الحسين بن أبي البغل أين أنت من دعاء الفرج؟ فقلت: وما هو يا سيدي؟ فقال: تصلي ركعتين وتقول:...
(٣٥٥) حذفنا آداب هذا الدعاء هنا، وهي مثبتة في كتب الأدعية.
(٣٥٦) أ: مهج الدعوات، علي بن موسى بن محمد الطاووس ص٢٩٥ - ٢٩٦ قال:...
ب: مصباح الكفعمي قال: (اعلم أن للمهدي (عليه السلام) دعائين آخرين خفيفين على اللسان ثقيلين في الميزان يليق وصفهما في هذا المكان. الأول: نقلته من كتاب مهج الدعوات والثاني من كتاب الأدعية المستجابات).
ثم نقل حرز الإمام الذي أوله: (يا مالك الرقاب) ثم نقل هذا الدعاء:...
وجدت في مجموع الأدعية المستجابات عن النبي والأئمة (عليهم السلام) دعاء الإمام العالم الحجة (عليه السلام):...
(٣٥٧) الغنى الكفاية واليسار. والغناء - بالفتح والمد - ما يغتنى به.
(٣٥٨) المشاكل التي يعاني منها الأحياء أربعة: الفقر والمرض والجفوة والغربة: والمشكلة التي يعاني منها الأموات واحدة، وهي العذاب، فدعا الإمام المهدي (عليه السلام) لحلها.
وهذا الدعاء وما يليه يعكسان اهتمامات الإمام المهدي عجل الله فرجه.
(٣٥٩) (أ): الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان ص١١٢ - ١١٣ ط طهران ١٣٩١ نقلاً عن الكفعمي: إن هذا الدعاء من الإمام المهدي (عليه السلام):...
(ب): منتخب الأثر: لطف الله الصافي ص٥٢٤ عن مصباح الكفعمي أيضاً.
(٣٦٠) الحرمة جمعه حرم وحرمات: ما وجب القيام به من حقوق الله وحرم التفريط به وما لا يحل انتهاكه وحرمة الرجل: حرمه وأهله.
(٣٦١) إلى هنا يوجه الإمام المهدي (عليه السلام) إلى ما ينبغي الاهتمام به من قبل جميع الناس، ثم يصنف الناس ويركز اهتمام كل صنف إلى أهم ما يحتاج إليه.
(٣٦٢) فالفرد - في توجهاته إلى السلطة - يحتاج إلى الإنصاف في تناول الأمور وعدم الإفراط في مطالبيه التي تعجز عنها السلطة، وعدم التفريط بحقوقه حتى لا يشجع السلطة على الاستهتار بها. تماماً كحاجة السلطة إلى العدل والشفقة.
(٣٦٣) الزوار أعم من زوار المدينة المنورة وسائر المشاهد المشرفة، واكتفي في بقية الدعاء (واقض ما أوجب عليهم من الحج والعمرة) ولم يضف للزوار بالقبول، لأن الزيارة ليست واجبة، وهي تقبل بخلوص النية، وليست لها حدود معينة كالحج والعمرة.
(٣٦٤) مهج الدعوات، علي بن موسى بن محمد الطاووس، طبع طهران انتشارات سنائي ص٦٨ - ٦٩.
(٣٦٥) مهج الدعوات، علي بن موسى بن محمد الطاووس، طبع طهران، انتشارات سنائي ص٦٧ - ٦٨.
(٣٦٦) بحار الأنوار: ج٥٢ ص٣٩١ - عن دلائل الأئمة - محمد بن جرير بن رسم الطبري عن محمد بن هارون بن موسى عن أبيه عن محمد بن همام عن جعفر بن محمد الحميري عن أحمد بن جعفر عن علي بن محمد يرفعه إلى أمير المؤمنين في صفة القائم قال: كأني به وقد عبر من وادي السلام إلى مسجد السهلة على فرس محجل له شمراخ يزهو ويدعو ويقول في دعائه:...
(وادي السلام) هو مقبرة الكبيرة في النجف الأشرف، التي تجتمع بها أرواح المؤمنين، ولعل الإمام المهدي (عليه السلام) يزور - في طريقه إلى الكوفة - فبر جده أمير المؤمنين (عليه السلام) أولاً ثم يذهب إلى مقر قيادته الكبرى مسجد الكوفة مروراً بمسجد السهلة [وفي بعض النسخ مسيل السهلة ولعل المراد به، يعرف اليوم بالخندق القريب من مسجد السهلة].
(محجل) جاء في حاشية بحار الأنوار: ج٩٤ ص٣٦٥ -: (التحجيل بياض في قوائم للفرس كلها. ويكون في رجلين ويد، وفي رجلين فقط، وفي رجل ويد فقط، ولا يكون في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين (والشمراخ) غرة الفرس إذا دقت وسالت وجللت الخيشوم ولم تبلغ الجحفلة).
(٣٦٧) العلامة المجلسي في بحار الأنوار: ج٩٤ ص٢٠٧ نقله عن الدعوات للرواندي آخر تسابيح النبي والأئمة (عليه وعليهم الصلاة والسلام) وقال أنه يقرأ من اليوم الثامن عشر كل شهر إلى آخر الشهر ويمكن أن يكون المقصود بذلك: أنه يكرر هذا التسبيح في هذه الأيام الاثني عشر أو الثلاثة عشر.
(٣٦٨) مهج الدعوات علي بن موسى بن محمد الطاووس (قدس سره) ص٤١٤ -: بإسنادنا إلى محمد بن أحمد بن إبراهيم الجعفي المعروف بالصابوني - في جملة حديث بإسناده - وذكر فيه غيبة المهدي صلوات الله عليه (قلت) كيف تصنع شيعتك؟ (قال) عليكم بالدعاء وانتظار الفرج وأنه سيبدو لكم علم فإذا بدا لكم فاحمدوا الله وتمسكوا بما بدا لكم (قلت) فما ندعو به؟ (قال): تقول:...
(٣٦٩) الكلم الطيب - السيد علي خان أمير نظام أحمد الحسيني الشيرازي قال رأيت بخط بعض أصحابنا عن إسماعيل بن حسين بن علي بن سليمان الجابري الأنصاري عن الحاج علي مكي عن صاحب الأمر أنه أعطاه هذا الدعاء للنجاة من الشدائد:...
(٣٧٠) يقرأ سحراً ثلاثاً إن أمكن وفي الصبح وفي المساء فإذا اشتد الأمر على من يقرأه يقول بعد قراءته ثلاثين مرة (يا رحمان يا رحيم يا أرحم الراحمين أسألك اللطف بما جرت به المقادير).
(٣٧١) الكلم الطيب - للسيد علي خان صدر الدين بن أمير نظام أحمد الحسيني الشيرازي قال: هذا دعاء عظيم عن صاحب الأمر لمن ضاع له شيء أو كانت له حاجة فليكثر الداعي من قراءته عند طلب مهماته وهو:...
(٣٧٢) (أ): البلد الأمين - إبراهيم بن علي بن الحسن الكفعمي عن المهدي (عليه السلام): من كتب هذا الدعاء في إناء جديد بتربة الحسين (عليه السلام) وغسله وشربه شفي من علته:..
(ب): جنة المأوى - الحاج ميرزا حسين النوري قال: رأيت بخط السيد زين الدين علي بن الحسين: أن هذا الدعاء تعلمه رجل كان به علة فشكاها إلى القائم عجل الله فرجه فأمره بكتابته وغسله وشربه ففعل ذلك فبرئ في الحال.
(٣٧٣) الجنة الواقية، إبراهيم بن علي بن الحسن الكفعمي في الفصل السادس والعشرين قال: دعاؤه (يعني صاحب الأمر):...
(٣٧٤) قال الكفعمي: وروي أنه من اختار هذا الدعاء حشر مع صاحب الأمر. وقال العلامة المجلسي (قدس سره) وروى الشهيد رحمه الله نقلاً عن كتاب الاستدراك لبعض قدماء الأصحاب عن الشيخ عبد الله الدورسي عن جده عن أبيه [الظاهر يعني: أبي جده] عن محمد بن بابويه عن أحمد بن ثابت الدواليبي عن محمد بن علي بن عبد الصمد، عن علي بن عاصم عن أبي جعفر الثاني [يعني: محمد بن علي الجواد (عليه السلام)] وسرد قصة مفصلة إلى أن قال: داء المهدي (عليه السلام):
(٣٧٥) مهج الدعوات، علي بن موسى بن محمد الطاووس، طبع طهران انتشارات سنائي، ص٣٠٢ قال: حجاب مولانا صاحب الزمان (عليه السلام):...
قال السيد بن طاووس (قدس سره) بعد نقل هذا الحجاب وما سبقه إلى نقله قبل ذلك من حجب سائر المعصومين عليهم الصلاة والسلام قال: (وهذه الحجب مما ألهمنا أيضاً تلاوتها يوم أحاطت المياه والغرق وأصعبت السلام بكثرة المياه وزادت على إحاطتها بهدم مواقع دخل بها ماء الزيادات وأمكن المقام بإجابة الدعوات ورفع تلك المحذورات وسلامتنا من الدخول في تلك الحادثات والحمد لله).
(٣٧٦) حاشية مفاتيح الجنان - الشيخ عباس القمي ص٥٠٥.
(٣٧٧) (أ): مهج الدعوات، علي بن موسى بن محمد الطاووس، طبع طهران انتشارات سنائي ص٤٥.
(ب): مفاتيح الجنان - الشيخ عباس القمي، حاشية ص٤٣٩.
(٣٧٨) مهج الدعوات، علي بن موسى بن محمد الطاووس، طبع طهران انتشارات سنائي ص٥.
(٣٧٩) (أ): محمد بن حسن الطوسي (قدس سره) في كتاب الغيبة ص١٧٧.
ب: السيد ابن طاووس (قدس سره) في جمال الأسبوع ص٤٩٤.
ج: العلامة المجلسي (قدس سره) في بحار الأنوار: ج٥٢ ص١٧ وقال:
د: في كتاب دلائل الإمامة للطبري مثله.
والنص لجمال الأسبوع:
جماعة بإسنادهم إلى جدي أبي جعفر الطوسي عن الحسن بن عبد الله عن محمد بن أحمد بن داوود والتلعكبري عن أحمد بن علي الرازي فيما رواه في كتاب الشفاء والجلاء عن الأسدي عن الحسين بن محمد بن العامر عن يعقوب بن يوسف الضراب الغساني في منصرفه من إصفهان قال حجبت في سنة إحدى وثمانين ومائتين وكنت مع القوم مخالفين من أهل بلادنا فلما أن قدمنا مكه تقدم بعضهم فأكرى لنا داراً في زقاق بين سوق الليل وهي دار خديجة (عليها السلام) وتسمى دار الرضا (عليه السلام) وفيها عجوز سمراء فسألتها لما وقفت على أنها دار الرضا (عليه السلام) ما تكونين من أصحاب هذا الدار؟ ولم سميت دار الرضا؟ فقالت أنا من مواليهم وهذه دار الرضا بن موسى (عليه السلام) أسكنيها الحسن بن علي (عليهما السلام) فإني كنت في خدمته فلما سمعت ذلك منها آنست بها وأسررت الأمر عن رفاقي المخالفين فكنت إذا انصرفت من الطواف في بالليل أنام معهم في رواق الدار ونغلق الباب ونلقي خلف الباب حجراً كبيراً نديره خلف الباب. فرأيت غير ليلية ضوء السراج في الرواق الذي كنا فيه شبيهاً بضوء المشعل ورأيت الباب قد أنفتح ولا أرى أحداً فتحه من أهل الدار ورأيت رجلاً ربعة أسمر إلى الصفرة ما هو قليل الحم في وجهه سجادة عليها قميصان وإزار رقيق قد تقنع به في رجليه نعل طاق فصعد إلى غرفة في الدار حيث كانت العجوز تسكن وكانت تقول لنا أن في الغرفة ابنته لا تدع أحداً يصعد إليها فكنت أرى الضوء الذي رأيته يضيء في الرواق على الدرجة عند صعود الرجل إلى الغرفة التي يصعدها ثم أراه في الغرفة من غير أن أرى السراج بعينه وكان الذي معي يرون مثل ما أرى فتوهموا أن يكون هذا الرجل يختلف إلى ابنة العجوز وأن يقولوا قد تمتع بها فقالوا هؤلاء العلوية يرون المتعة وهذا حرام لا يحل فيما زعموا وكنا نراه يدخل ويخرج ويجيء إلى الباب وإذا الحجر على حاله الذي تركناه وكنا نغلق هذا الباب خوفاً على متاعنا وكنا لا نرى أحداً يفتح ولا يغلقه والرجل يدخل ويخرج والحجر خلف الباب إلا وقت ننحيه إذ خرجنا.
فلما رأيت هذه الأسباب ضرب على قلبي ووقعت في نفسي هيبة فتلطف العجوز وأحببت أن أقف على خبر الرجل فقلت لها: يا فلانة إني أحب أن أسألك وأفاوضك من غير حضور من معي فلا أقدر عليه فأنا أحب إذ رأيت في الدار وحدي أن تنزلي إلي لأسألك عن أمر فقالت لي مسرعة: وأنا أريد أن أسر إليك شيئاً فلم يتهيأ لي ذلك من أجل أصحابك فقلتما أردت أن تقولي فقالت يقول لك ولم تذكر أحداً لا تحاشن أصحابك وشركاءك ولا تلاحهم فإنهم أعداؤك ودارهم فقلت لها من يقول؟ فقالت: أنا أقول فلم أجسر لما دخل قلبي من الهيبة أن أراجعها، فقلت: أي أصحابي تعنين وظننت إنها تعني رفقائي الذين كانوا حجاجاً معي فقالت: شركاؤك الذين في بلدك وفي الدار معك وكان جرى بيني وبين الذين معي في الدار عتب في الدين فسعوا بي حتى هربت استترت بذلك السبب فوقفت على أنها عنت أولئك فقلت لها: ما تكونين أنتِ من الرضا؟ فقالت: أنا كنت خادمة للحسن بن علي صلوات الله عليه.
فلما استيقنت ذلك قلت: لأسألنها عن الغائب فقلت: بالله عليك أرأيته بعينك فقالت: يا أخي لم أره بعيني فإني خرجت وأختي حبلاً وبشرني الحسن بن علي (عليه السلام) بأنني سوف أراه في آخر عمري وقال لي: تكونين له كما كنت لي وأنا اليوم منذ كذا بمصر وإنما قدمت الآن بكتابة ونفقت وجه بها إلي على يد رجل من أهل خراسان لا يفصح بالعربية وهي ثلاثون دينار وأمرني أن أحج سنتي هذه فخرجت رغبة مني في أن أراه فوقع في قلبي أن الرجل الذي كنت أراه يدخل ويخرج هو فأخذت عشرة دراهم صحاحاً فيها سكة رضوية من ضرب الرضا (عليه السلام) قد كنت خبأتها لألقيها في مقام إبراهيم (عليه السلام) وكنت نذرت ونويت ذلك فدفعها إليها وقلت في نفسي: ادفعها إلى قوم من ولد فاطمة (عليها السلام) أفضل من أن ألقيها في المقام وأعظم ثواباً فقلت لها: ادفعي هذه الدراهم إلى من يستحقها من ولد فاطمة (عليها السلام) وكان في نيتي أن الذي رأيته هو الرجل وأنها تدفعها إليه فأخذت الدراهم وصعدت وبقيت ساعة ثم نزلت فقالت: يقول لك: ليس لنا فيها اجعلها في الموضع الذي نويت ولكن هذه الرضوية خذ منا بدلها وألقيها في الموضع الذي نويت ففعلت وقلت في نفسي: الذي أمرت به من الرجل ثم كانت معي نسخة توقيع خرج إلى القاسم بن العلاء بأذربيجان فقلت لها: تعرضين هذه النسخة على إنسان قد رأى توقيعات الغائب فقالت: ناولني فإني أعرفه فأريتها النسخة وظننت أن المرأة تحسن أن تقرأها فقالت: لا يمكنني أن أقرأها في هذا المكان فصعدت الغرفة ثم أنزلته فقالت: صحيح وفي التوقيع: أبشركم ببشرى ما بشرت به غيرك ثم قالت: إذا صليت على نبيك كيف تصلي عليه؟ فقلت أقول اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. فقالت: لا إذا صليت فصل عليهم كلهم وسمهم فقلت: نعم فلما كان من الغد نزلت ومعها دفتر صغير فقالت: يقول لك إذا صليت على النبي صلى الله عليه وآله فصل عليه وعلى أوصيائه على هذه النسخة فأخذتها وكنت أعمل بها ورأيت عدة ليال قد نزل من الغرفة وضوء السراج قائم وكنت أفتح الباب وأخرج على أثر الضوء وأنا أراه أعني الضوء ولا أرى أحداً حتى يدخل المسجد وأرى جماعة من الرجال من بلدان شتى يأتون باب هذه ال