فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب عجل الله فرجه الجزء الأول
 كتب أخرى

الكتب النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب عجل الله فرجه الجزء الأول

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ الميرزا حسين الطبرسي النوري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ٤٨٠٧٨ التعليقات التعليقات: ٠

النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب عجل الله فرجه (الجزء الأول)

تأليف: خاتمة المحدثين آية الله الشيخ حسين الطبرسي النوري (قدّس سرّه)
تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق: السيّد ياسين الموسوي

فهرس المطالب

تقريظ آية الله العظمى الشيرازي
حياة العلامة النوري - مقدمة الكتاب
سيرته الذاتية
هويّته الشخصية
نشأته
أسفاره
برامجه العبادية
وعظه وخطابته
احياؤه سنة المشي لزيارة الامام الحسين عليه السلام
موقعه في نفوس تلاميذه
معالم شخصيته
حركته السياسية
ثورة التنباك
دور النوري في ثورة التنباك
حياته العلمية ودراسته واساتذته
١ - الشيخ عبد الحسين الطهراني
٢ - الشيخ الرحيم البروجردي
٣ - الشيخ علي الخليلي
٤ - الشيخ علي الكني
٥ - الشيخ فتح علي السلطان آبادي
٦ - الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي
٧ - الشيخ محمد علي المحلاتي
٨ - الشيخ مرتضى الانصاري
٩ - السيد مهدي القزويني
تلاميذه
١ - الشيخ عباس القمي
٢ - الشيخ آغا بزرگ الطهراني
٣ - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
٤ - السيد عبد الحسين شرف الدين
مؤلفاته
شغفه بتحصيل الكتب
مؤلفاته بين الكمّ والكيف
مؤلفاته
أقوال العلماء فيه
منهجه العلمي
القدوة في حياة الشيخ النوري
وفاته
موضوع الكتاب
عملنا في الكتاب
مقدمة المؤلف
الفهرست
الباب الأول: في مجمل تاريخ ولادته ونفحة من حالاته في حياة أبيه صلوات الله عليهما
اختلاف الأقوال في سنة ولادته والقول المرجح
بيان وصول السيدة نرجس اليه عليه السّلام
ذكر ولادته عليه السّلام
كلام العلامة الطباطبائي في تعدد حكيمة
كلام العلامة المجلسي في محل قبر السيدة حكيمة
ذكر خلفاء بني العباس في زمان الغيبة الصغرى
الباب الثاني: في أسماء المهدي وألقابه عليه السّلام
الأول: أحمد
الثاني: الأصل
رواية الكليني عن الحسن بن النضر
الثالث: أوقيدمو
الرابع: ايزد شناس
الخامس: ايزد نشان
السادس: ايستاده
السابع: ابو القاسم
الثامن: ابو عبد الله
التاسع: ابو جعفر
العاشر: ابو محمد
الحادي عشر: ابو ابراهيم
الثاني عشر: ابو الحسن
الثالث عشر: ابو تراب
الرابع عشر: ابو بكر
الخامس عشر: ابو صالح
السادس عشر: امير الأمرة
السابع عشر: الاحسان
الثامن عشر: الأذن الواعية
التاسع عشر: الأيدي
العشرون: بقية الله
الواحد والعشرون: بئر معطلة
الثاني والعشرون: البلد الأيمن
الثالث والعشرون: بهرام
الرابع والعشرون: بنده يزدان
الخامس والعشرون: پرويز
السادس والعشرون: برهان الله
السابع والعشرون: الباسط
الثامن والعشرون: بقية الأنبياء
التاسع والعشرون: التالي
الثلاثون: التأييد
الواحد والثلاثون: التمام
الثاني والثلاثون: الثائر
الثالث والثلاثون: جعفر
الرابع والثلاثون: الجمعة
الخامس والثلاثون: جابر
السادس والثلاثون: الجنب
السابع والثلاثون: الجوار الكنس
الثامن والثلاثون: الحجة وحجة الله

التاسع والثلاثون: الحق
الأربعون: الحجاب
الواحد والأربعون: الحامد
الثاني والأربعون: الحمد
الثالث والأربعون: الحاشر
الرابع والأربعون: خاتم الأوصياء
الخامس والأربعون: خاتمة الائمة عليهم السلام
السادس والأربعون: خجسته
السابع والأربعون: خسرو
الثامن والأربعون: خدا شناس
التاسع والأربعون: الخازن
الخمسون: الخلف و الخلف الصالح
الواحد والخمسون: الخنس
الثاني والخمسون: خليفة الله
الثالث والخسون: خليفة الأتقياء
الرابع والخمسون: دابة الأرض
الخامس والخمسون: الداعي
السادس والخمسون: الرجل
السابع والخمسون: راهنما
الثامن والخمسون: رب الأرض
التاسع والخمسون: زند أفريس
الستون: سروش ايزد
الواحد والستون: السلطان المأمول
الثاني والستون: سدرة المنتهى
الثالث والستون: السناء
الرابع والستون: السبيل
الخامس والستون: الساعة
السادس والستون: السيّد
السابع والستون: شماطيل
الثامن والستون: الشريد
التاسع والستون: الصاحب
السبعون: صاحب الغيبة
الحادي والسبعون: صاحب الزمان
الثاني والسبعون: صاحب الرجعة
الثالث والسبعون: صاحب الدار
الرابع والسبعون: صاحب الناحية
الخامس والسبعون: صاحب العصر
السادس والسبعون: صاحب الكرة البيضاء
السابع والسبعون: صاحب الدولة الزهراء
الثامن والسبعون: الصالح
التاسع والسبعون: صاحب الأمر
الثمانون: الصمصام الأكبر
الحادي والثمانون: الصبح المسفر
الثاني والثمانون: الصدق
الثالث والثمانون: الصراط
الرابع والثمانون: الضياء
الخامس والثمانون: الضحى
السادس والثمانون: طالب التراث
السابع والثمانون: الطريد
الثامن والثمانون: العالم
التاسع والثمانون: العدل
التسعون: عاقبة الدار
الحادي والتسعون: العزّة
الثاني والتسعون: العين
الثالث والتسعون: العصر
الرابع والتسعون: الغائب
الخامس والتسعون: الغلام
السادس والتسعون: الغيب
السابع والتسعون: الغريم
الثامن والتسعون: الغوث
التاسع والتسعون: غاية الطالبين
المائة: الغاية القصوى
الواحد بعد المائة: الخليل
الثاني بعد المائة: غوث الفقراء
الثالث بعد المائة: الفجر
الرابع بعد المائة: الفردوس الأكبر
الخامس بعد المائة: فيروز
السادس بعد المائة: فرخنده
السابع بعد المائة: فرج المؤمنين
الثامن بعد المائة: الفرج الأعظم
التاسع بعد المائة: الفتح
العاشر بعد المائة: الفقيه
الحادي عشر بعد المائة: فيذموا
الثاني عشر بعد المائة: القائم
الثالث عشر بعد المائة: القابض
الرابع عشر بعد المائة: القيامة
الخامس عشر بعد المائة: القسط
السادس عشر بعد المائة: القوة
السابع عشر بعد المائة: قاتل الكفرة
الثامن عشر بعد المائة: القطب
التاسع عشر بعد المائة: قائم الزمان
المائة والعشرون: قيم الزمان
المائة والواحد والعشرون: القاطع
المائة والثاني والعشرون: كاشف الغطاء
المائة والثالث والعشرون: الكمال
المائة والرابع والعشرون: كلمة الحق
المائة والخامس والعشرون: كيقباد دوّم
المائة والسادس والعشرون: كوكما
المائة والسابع والعشرون: كاز
المائة والثامن والعشرون: اللواء الأعظم
المائة والتاسع والعشرون: لنديطارا
المائة والثلاثون: لسان الصدق
المائة والواحد والثلاثون: ماشع
المائة والثاني والثلاثون: مهميد الآخر
المائة والثالث والثلاثون: مسيح الزمان
المائة والرابع والثلاثون: ميزان الحق
المائة والخامس والثلاثون: المنصور
المائة والسادس والثلاثون: محمد
المائة والسابع والثلاثون: نية الصابرين
المائة والثامن والثلاثون: المنتقم
المائة والتاسع والثلاثون: المهدي
المائة والأربعون: عبد الله
المائة والواحد والأربعون: المؤمَّل
المائة والثاني والأربعون: المنتظر
المائة والثالث والأربعون: الماء المعين
المائة والأربع والأربعون: المخبر بما يعلن
المائة والخمس والأربعون: المجازي بالاعمال
المائة والست والأربعون: الموعود
المائة والسابع والأربعون: مظهر الفضائح
المائة والثامن والأربعون: مبلي السرائر
المائة والتاسع والأربعون: مبدئ الآيات
المائة والخمسون: المحسن
المائة والواحد والخمسون: المنعم
المائة والثاني والخمسون: المفضل
المائة والثالث والخمسون: المنّان
المائة والرابع والخمسون: الموتور
المائة والخامس والخمسون: المدبّر
المائة والسادس والخمسون: المأمور
المائة والسابع والخمسون: المقدرة
المائة والثامن والخمسون: المأمول
المائة والتاسع والخمسون: المفرج الأعظم
المائة والستون: المضطر
المائة والواحد والستون: مَن لم يجعل الله له شبيهاً
المائة والثاني والستون: المقتصر
المائة والثالث والستون: المصباح الشديد الضياء
المائة والرابع والستون: الناقور - الصور
المائة والخامس والستون: الناطق
المائة والسادس والستون: النهار
المائة والسابع والستون: النفس
المائة والثامن والستون: نور آل محمد
المائة والتاسع والستون: نور الأصفياء
المائة والسبعون: نور الأتقياء
المائة والواحد والسبعون: النجم
المائة والثاني والسبعون: الناحية المقدسة
المائة والثالث والسبعون: واقيذ
المائة والرابع والسبعون: الوتر
المائة والخامس والسبعون: الوجه
المائة والسادس والسبعون: ولي الله
المائة والسابع والسبعون: الوارث
المائة والثامن والسبعون: الهادي
المائة والتاسع والسبعون: اليد الباسطة
المائة والثمانون: اليمين
المائة والواحد والثمانون: وهوهل
المائة والثاني والثمانون: يعسوب الدين
الباب الثالث: في شمة من أوصاف وشمائل الإمام المهدي وبعض خصائصه
الفصل الأول: في شمائله عليه السّلام
الفصل الثاني: في ذكر جملة من خصائصه
الباب الرابع: في ذكر اختلاف المسلمين في الوجود المبارك للإمام المهدي عليه السّلام
الخلاف الأول: في نسبه وأنه ابن مَن؟
الخلاف الثاني: في اسم أبي الامام المهدي عليه السّلام
الخلاف الثالث: بتعيين شخص المهدي عليه السّلام
الباب الخامس: في اثبات ان المهدي الموعود عليه السّلام هو الحجة بن الحسن العسكري

تقريظ آية الله العظمى الامام المجدد السيد محمد حسن الشيرازي قدس سره الشريف

المتوفى سنة ١٢١٢ هـ. ق

بسم الله الرحمن الرحيم

قد كتب هذا الكتاب بحمد الله تعالى وتأييده وحسن توفيقه وببركات امام العصر ولي الله وحجته في ارضه وبلاده، وخليفته على خلقه وعباده عليه وعلى آبائه البررة الكرام افضل الصلاة والسلام؛ بنهاية القوة، وحسن الترتيب، وجودة التهذيب، واني لا اعرف كتاباً كتب في هذا الباب بهذا الحسن، ويلزم على جميع المتدينين الرجوع اليه لدفع الشبهات وتصحيح العقيدة ليصلوا ان شاء الله تعالى ببريق انوار هدايته الى منزل الايقان والايمان ومحل الأمن والأمان.
جعل الله تعالى عز اسمه كل من له يد في امر الخير هذا من انصاره عليه السلام.

حرره الأحقر
محمد حسن الحسيني

حياة العلامة الشيخ حسين النوري رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الطيّبين الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم ومنكري فضائلهم أجمعين من الأوّلين والآخرين إلى قيام يوم الدين.
فقد كتبت هذه الأوراق في حياة خاتمة المحدّثين الثقة الثبت الفقيه المجتهد الشّيخ حسين النوري قدّس سرّه لتكون مقدّمة لكتاب النجم الثّاقب في أحوال الامام الغائب عليه السلام الذي وفّقنا الله لترجمته الى اللّغة العربيّة مع التحقيق والتعليق والتقديم.
وحاولنا أن نسلك طريق الايجاز في كتابة ترجمة حياة العلامة النوري قدّس سرّه لتكون أنسب لوضعها في مقدّمة كتاب النجم الثاقب، وسمّينا هذه الرسالة "حياة العلامة النوري"، أسأل الله تعالى التوفيق والقبول والله تعالى الموفق للصواب.

سيرته الذاتيّة

هويّته الشّخصيّة
اسمه:
الحسين بن محمّد تقي بن علي محمّد النوري الطبرسي(١).
ولادته:
في ١٨ شوال سنة ١٢٥٤ هـ.ق في قرية (يالو) من قرى (نور) أحد كور طبرستان وهي (مازندران) ولذا يلقّب بالطبرسي وبالمازندراني(٢).
والده:
الميرزا محمّد تقي بن علي محمد بن محمّد تقي النوري ولد في قرية (نور) سنة ١٢٠١ هـ.ق وهاجر الى اصفهان لطلب العلم وحضر على أفاضلها، وقدم العراق وأقام في كربلاء وحضر على علمائها، ثمّ هاجر الى النّجف وعاد الى بلاده حائزاً على درجة الفضل والاجتهاد وأخذ يرشد ويقضي بالخصومات، وصارت له حوزة من الطلاب، وصار مرجعاً للتقليد وكان محتاطاً متحرجاً في فتاواه.
قرأ في اصفهان على المحقّق المولى علي النوري، وتتلمذ في كربلاء عند السيد محمّد المجاهد نجل صاحب الرياض.
تتلمذ عليه المولى عباس النوري. والعالم الفقيه الشيخ محمد التنكابني، والمولى فتح وغيرهم.
له مؤلفات كثيرة منها كتاب المدارج في الأصول، ودلائل العباد في شرح الارشاد يقع في ثلاثة عشر جزءاً، وهو أهمّ ما كتب، وكشف الحقائق، وهداية الأنام، وكشف الأوهام، ورسالة في الفور والتراخي، ورسالة في الصوم، ورسالة في الامامة، ورسالة في الاشتقاق والتصريف، ورسالة في الصيد والذباحة والأطعمة والأشربة، ورسالة في الرضاع وغير ذلك كثير.
توفي في ربيع الأوّل سنة ١٢٦٣ هـ.ق(٣).
إخوته:
١ - الميرزا هادي. وكان عالماً(٤) انتقلت اليه الرئاسة بعد أبيه(٥) فصار مرجعاً للأمور ثلاث عشرة سنة الى أن توفي في حدود ١٢٩٠ هـ.ق(٦).
٢ - الفقيه الحكيم الميرزا علي(٧). كان فقيهاً فيلسوفاً انتهت اليه المرجعية بعد أخيه المذكور الى أن توفي في نيف وتسعين ومائتين وألف هـ.ق(٨).
٣ - الميرزا حسن.
٤ - الميرزا قاسم. الذي توفي شاباً قبل الجميع(٩).
وكانا من الفضلاء الأعلام، كما كانا يدرسان سطوح الفقه والأصول وتوفيا قبل (١٣٠٠ هـ.ق)(١٠).
والشيخ حسين النوري اصغر اخوته جميعاً(١١).
ابن اخته:
الشيخ فضل الله بن المولى الشيخ عباس النوري(١٢). وهو صهره على ابنته(١٣).
وقد استشهد في اضطرابات ثورة الدستور التي وقعت في ايران، وقضيتهُ مشهورة.
نشأته:
نشأ يتيماً فقد توفي والده الحجة الكبير وله ثمان سنين(١٤). وقد أثر اليتم فيه فلم ينسه وفي أواخر أيام حياته عندما كتب ترجمة لنفسه في أواخر كتابه المستدرك متذكراً: "وتوفي والدي العلامة أعلى الله تعالى مقامه... وأنا ابن ثمان سنين، فبقيت سنين لا أحد يربيني..."(١٥).
فنشأ رحمه الله تعالى عصامياً معتمداً على نفسه. وقد وضحت عصاميته جلية في مستقبل حياته وهي تفسر صبره وتحمله المشاق واصراره ومثابرته التي تحتاج الى وقفة خاصة في ملامح شخصيته.

* * *

أسفاره
انحصرت اسفاره بين الأسفار وراء طلب العلم، والأسفار الدينية للحج والزيارة، ويعدّ نسبة الى اقرانه كثير الأسفار.
ولعل الأنسب تسمية اسفاره من القسم الأول بالهجرات كما عبّر عنها تلميذه الوفي الشيخ آقا بزرگ الطهراني رحمه الله.
وكان لهذه الأسفار والهجرات المباركة الأثر الكبير في حياته وتركيب شخصيته العلمية والاجتماعية.
١ - اول هجرة له كانت في مقتبل عمره وبداية شبابه فهاجر الى طهران واتصل فيها بالعالم الجليل الشيخ عبد الرحيم البروجردي فعكف على الاستفادة منه(١٦).
٢ - ثم هاجر الى العراق سنة (١٢٧٣ هـ.ق) وبقي في النجف ما يقارب الأربع سنوات(١٧) ثم رجع الى ايران.
٣ - هاجر الهجرة الثالثة في سنة (١٢٧٨ هـ.ق)، وهي الهجرة الثانية الى العراق(١٨).
قال النوري رحمه الله:
"ثم رجعت ثانياً الى العراق في سنة ١٢٧٨، ولازمت العالم النحرير الفقيه الجامع، أفضل أهل عصره الشيخ عبد الحسين الطهراني طاب ثراه... وبقيت معه برهة في مشهد الحسين عليه السّلام، ثمّ سنتين في الكاظم عليه السّلام"(١٩).
ومن كلامه رحمه الله يظهر أن هجرته الى العراق لم تحظ بالاستقرار الكامل حيث كان يتنقل مع استاذه الآية الكبرى الشيخ عبد الحسين الطهراني الشهير بشيخ العراقين بين كربلاء والكاظمية(٢٠) وهذا شيء طبيعي باعتباره من حواري الشيخ عبد الحسين الطهراني(٢١).
٤ - وفي سنة ١٢٨٠ سافر الى حج بيت الله الحرام(٢٢).
٥ - سافر الى ايران سنة ١٢٨٤، وزار الامام الرضا عليه السّلام(٢٣).
٦ - رجع الى العراق سنة ١٢٨٦، وهي السنة التي توفي فيها شيخه الطهراني(٢٤).
٧ - وفي هذه الفترة سافر الى الحج مرة ثانية(٢٥)، ورجع الى النجف الأشرف وأقام فيه(٢٦).
٨ - ثم هاجر الى سامراء في سنة (١٢٩٢) ملتحقاً باستاذه المجدد الشيرازي وهو اوّل المهاجرين اليها(٢٧).
يقول النوري:
"الى أن ساعدني التقدير الى المهاجرة الى الناحية المقدسة سرّ من رأى لمّا هاجر اليها السيد السند حجة الاسلام، ونادرة الأيام، واستاد ائمة البشر، ومجدد المذهب في القرن الثالث عشر، المنتهى اليه رئاسة الشيعة في عصره، والمطاع الذي انقاد له الجبابرة لنهيه وأمره... الآميرزا محمد حسن الشيرازي"(٢٨).
٩ - وفي هذه الفترة رزق الحج للمرة الثالثة(٢٩).
قال النوري رحمه الله بعد أن تحدّث عن هجرته الى سامراء: "وبقيت فيها سنين ورزقني الله تعالى فيها الحج ثالثاً"(٣٠).
١٠ - ولما رجع من حجه هذا سافر الى ايران للمرة الثالثة في سنة (١٢٩٧) وزار مشهد الامام الرضا عليه السّلام(٣١).
١١ - وبعدما رجع الى العراق سافر الى الحج للمرة الرابعة في سنة (١٢٩٩)(٣٢).
١٢ - ورجع الى سامراء ملازماً استاذه المجدد الى أن توفي سنة (١٣١٢) فبقي المترجم له بعده بسامراء الى سنة (١٣١٤)(٣٣).
١٣ - عاد رحمه الله تعالى الى النجف الأشرف سنة (١٣١٤) عازماً على البقاء بها حتى أدركه الأجل(٣٤).

* * *

برامجه العبادية
وتتضح بعدة ملامح من سلوكه العبادي منها في:
زهده وعبادته:
كان زاهداً عابداً لم تفته صلاة الليل(٣٥).
وكان شديد العبادة كثير الزهادة لم يفته صلاة الليل والقيام في طاعة ربه في آناء الليل(٣٦).
ويتجلى من برنامجه اليومي سلوكه الرباني وانقطاعه الى الحق تعالى وتبتله، وتعرف في انسانية الانسان وتشرق من جوانبه انوار كمال الانسان وكمالية الانسان الكامل، وتبين آثار الاسماء الجلالية والجمالية بنفسها بدون ان تحتاج الى اظهارها وابرازها بالاعتبار والبيان، واليك هذا المقطع الذي صوره تلميذه البار عن حياته اليومية:
"كان أعلى الله مقامه ملتزماً بالوظائف الشرعية على الدوام، وكان لكل ساعة من يومه شغل خاص لايتخلف عنه؛ فوقت كتابته من بعد صلاة العصر الى قرب الغروب؛ ووقت مطالعته من بعد العشاء الى وقت النوم.
وكان لاينام الاّ متطهراً.
ولا ينام من الليل الاّ قليلا. ثم يستيقض قبل الفجر بساعتين فيجدد وضوءه - ولا يستعمل الماء القليل بل كان لا يتطهر الاّ بالكر - ثم يتشرف قبل الفجر بساعة الى الحرم المطهر.
ويقف - صيفاً وشتاءاً - خلف باب القبلة فيشتغل بنوافل الليل الى أنْ يأتي السيد دواد - نائب خازن الروضة - وبيده مفاتيح الروضة، فيفتح الباب، ويدخل شيخنا، وهو اول داخل لها وقتذاك.
وكان يشترك مع نائب الخازن بايقاد الشموع، ثم يقف في جانب الرأس الشريف فيشرع بالزيارة والتهجد الى ان يطلع الفجر، فيصلي الصبح جماعة مع بعض خواصه من العبّاد والاوتاد، ويشتغل بالتعقيب. وقبل شروق الشمس بقليل يعود الى داره، فيتوجه رأساً الى مكتبته العظيمة المشتملة على الوف من نفائس الكتب والآثار النادرة العزيزة الوجود، او المنحصرة عنده، فلا يخرج منها الاّ للضرورة.
وفي الصباح يأتيه مَن كان يعينه على مقابلة ما يحتاج الى تصحيحه، ومقابلته مما صنّفه، أو استنسخه من كتب الحديث وغيرها، كالعلامتين الشيخ علي بن ابراهيم القمي، والشيخ عباس بن محمد رضا القمي، وكان معينه على المقابلة في النجف وقبل الهجرة الى سامراء وفيها ايضاً المولى محمد تقي القمي الباوزئيري"(٣٧).
وعظه وخطابته:
ويقول تلميذه الزكي استمراراً في شرح برنامج استاذه العبادي، فقد كانت تملك سيرته اليومية:
"اما في يوم الجمعة فكان يغير منهجه، ويشتغل بعد الرجوع من الحرم الشريف بمطالعة بعض كتب الذكر والمصيبة لترتيب ما يقرؤه على المنبر بداره، ويخرج من مكتبته بعد الشمس بساعة الى مجلسه العام فيجلس ويحيي الحاضرين ويؤدي التعارفات، ثم يرقى المنبر، فيقرأ ما رآه من الكتب بذلك اليوم، ومع ذلك يحتاط في النقل بما لم يكن صريحاً في الاخبار الجزمية.
وكان اذا قرأ المصيبة تنحدر دموعه على شيبته.
وبعد انقضاء المجلس يشتغل بوظائف الجمعة من التقليم والحلق وقص الشارب والغسل والادعية والآداب والنوافل، وغيرها.
وكان لا يكتب بعد عصر الجمعة - على عادته - بل يتشرف الى الحرم، ويشتغل بالمأثور الى الغروب.
كانت هذه عادته الى ان انتقل الى جوار به "(٣٨).
احياؤه سنة المشي لزيارة الامام الحسين عليه السلام:
وهي من اعظم السنن التي نطقت بها الروايات المروية عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والائمة الطاهرين عليهم السلام ففي رواية ابي الصامت قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام وهو يقول: "مَنْ أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً كتب الله له بكل خطوة الف حسنة، ومحى عنه الف سيئة، ورفع له الف درجة، فاذا أتيت الفرات فاغتسل وعلّق نعليك، وامش حافياً، وامش مشي العبد الذليل، فاذا أتيت باب الحائر فكبر اربعاً.. الحديث"(٣٩).
وفي رواية ابي سعيد القاضي قال: دخلت على ابي عبد الله عليه السلام في غرفة له فسمعته يقول: "مَنْ أتى قبر الحسين ماشياً كتب الله له بكل خطوة وبكل قدم يرفعها ويضعها عتق رقبة من ولد اسماعيل.. الحديث"(٤٠).
وفي رواية علي بن ميمون الصائغ عن ابي عبد الله عليه السلام قال: "يا علي زر الحسين ولا تدعه.
قلت: ما لمن زاره من الثواب؟
قال: مَنْ أتاه ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة، ومحى عنه سيئة، وترفع له درجة.. الحديث"(٤١).
والروايات في ذلك مستفيضة كما وردت الروايات في استحباب الحج مشياً وكذلك زيارة امير المؤمنين عليه السلام، ولذلك كانت السنة المتعارفة عند المتشرعين القيام بهذه الشعيرة الالهية احسن قيام. ولكن يبدو ان هذه السنة حذفت من الاعمال العامة ككثير من المستحبات التي تركت اهمالا وتكاسلا، ولكن الشيخ النوري قدس سره كان همّه احياء السنن الداثرة والقيام بالشعائر الالهية المتروكة فكان " مما سنّه في تلك الاعوام: زيارة سيد الشهداء مشياً على الاقدام".
فقد كان ذلك في عصر الشيخ الانصاري من سنن الاخيار واعظم الشعائر. لكن ترك في الاخير وصار من علائم الفقر وخصائص الادنون من الناس، فكان العازم على ذلك يتخفى عن الناس لما في ذلك من الذل والعار، فلمّا راى شيخنا ضعف هذا الامر اهتم له والتزمه فكان في خصوص زيارة عيد الاضحى يكتري بعض الدواب لحمل الاثقال والامتعة ويمشي هو وصحبه. لكنه لضعف مزاجه لايستطيع قطع المسافة من النجف الى كربلاء بمبيت ليلة كما هو المرسوم عند اهله بل يقضي في الطريق ثلاث ليال يبيت الاولى في (المصلى) والثانية في (خان النصف) والثالثة في (خان النخيلة) فيصل كربلاء في الرابعة، ويكون مشيه كل يوم ربع الطريق نصفه صبحاً، ونصفه عصراً، ويستريح وسط الطريق لاداء الفريضة وتناول الغذاء في ظلال خيمة يحملها معه.
وفي السنة الثانية والثالثة زادت رغبة الناس والصلحاء بالامر، وذهب ما كان في ذلك من الإهانة والذل الى ان صار عدد الخيم في بعض السنين ازيد من ثلاثين لكل واحدة بين العشرين، والثلاثين نفراً)(٤٢).
وفي الواقع ان هذه الشعيرة الالهية ترسخت بعد الشيخ النوري قدس سره وتحولت بمرور الزمن الى ظاهرة سياسية خطرة على الوجود العلماني بالعراق مما دعى بالنظم السياسية العلمانية التي حكمت العراق ان تقف امام هذه الظاهرة بشدة وأعتى مظاهرها مجريات عام (١٩٧٧) للميلاد في ظل نظام البعث الحاكم للعراق والتي ادت الى ثورة دينية سياسية وهياج شعبي.
موقعه في نفوس تلاميذه:
كل من كتب عنه كان معجباً بشخصيته حتى اولئك الذين لم يرتضوه وقدحوا بشيء ما في كتاباته، فانهم ارتضوا اخلاقه وصلاحه غير العادي ووصفوه باعلى صفات الصالحين. وكان له موقع كبير في نفوس تلاميذه واصحابه ومن يراه.
فهذا شيخ الباحثين مع ما اوتي من الفضل والعمل والصلاح والتقوى يقف موقف الرهبة والخشوع عندما يتذكر استاذه النوري بعد خمس وخمسين سنة، فيقول:
"ارتعش القلم بيدي عندما كتبت هذا الاسم، واستوقفني الفكر عندما رأيت نفسي عازماً على ترجمة استاذي النوري، وتمثل لي بهيئته المعهودة بعد ان مضى على فراقنا خمس وخمسون سنة، فخشعت اجلالا لمقامه، ودهشت هيبته له، ولاغرابة فلو كان المترجم له غيره لهان الامر، ولكن كيف بي وهو من اولئك الابطال غير المحدودة حياتهم واعمالهم، اما شخصية كهذه الشخصية الرحبة العريضة فمن الصعب جداً ان يتحمل المؤرخ الامين وزر الحديث عنها، ولا ارى مبرراً في موقفي هذا سوى الاعتراف بالقصور عن تأدية حقه..."(٤٣).
وقال في مكان آخر:
"تشرفت بخدمته للمرة الاولى في سامراء في (١٣١٣) بعد وفاة المجدد الشيرازي بسنة وهي سنة ورودي العراق... وذلك عندما قصدت سامراء زائراً قبل ورودي الى النجف فوفقت لرؤية المترجم له بداره حيث قصدتها لاستماع مصيبة الحسين عليه السلام، وذلك يوم الجمعة الذي ينعقد فيه مجلس بداره، وكان المجلس غاصاً بالحضور والشيخ على الكرسي مشغول بالوعظ، ثم ذكر المصيبة وتفرق الحاضرون، فانصرفت وفي نفسي ما يعلمه الله من اجلال واعجاب واكبار لهذا الشيخ اذ رأيت فيه حين رأيته سمات الابرار من رجالنا الاول. ولما وصلت الى النجف بقيت أُمني النفس لو ان تتفق لي صلة مع هذا الشيخ لاستفيد منه عن كثب"(٤٤).
وقال الشيخ عباس القمي وهو من ابرز تلاميذه في وصف استاذه النوري ومؤبناً له ومتأسفاً بلوعة حرى على ايامه:
"ويحق لي ان اقول ولقد عشت بعد الشيخ عيشة الحوت في البر، وبقيت في الدهر ولكن بقاء الثلج في الحر، فلقد كان [له](٤٥) رحمه الله عليّ من الحقوق الواجب شكرها ما يكل شبا يراعتي وبراعتي عن ذكرها، وهو شيخي الذي اخذت عنه في بدء حالي وانضويت(٤٦) الى موائد فوائده يعملات رحالي، فوهبني من فضله ما لا يضيع، وحنى عليّ حنو الظئر على الرضيع، ففرش لي حجر علومه، وأَلْقَمَني ثدى معلومه، فعادت عليّ بركات انفاسه، واستضاءت من ضياء نبراسه، فما يسفح به قلمي انما هو من فيض بحاره، وما ينفح بها كلمي انما هو من نسيم اسحاره، وانا اتوسل الى رب الثواب والجزاء ان يجعل نصيبه من رضوانه أوفى الانصباء، وكم له رحمه الله من الله تعالى الطاف خفية، ومواهب غيبية، ونعم جليلة، اعظمها انه قدس سره مع كثرة اسفاره الف تأليفات كثيرة رائقة، وتصنيفات جليلة فائقة تبلغ عددها مايقرب من ثلاثين تخبر كل واحد عن طول باعه وكثرة اطلاعه..."(٤٧).

* * *

معالم شخصيته
وأحسن وصف جامع وجدناه مكتوباً عن شخصيته من معاصريه، هو النص الذي كتبه تلميذه الاوحد الشيخ عباس القمي قدس سره العزيز قال:
"وكان رحمه الله حسن المحاضرة، سريع الكتابة، كثير الحافظة، مقبلا على شأنه، مستوحشاً عن اوثق اخوانه، وكان شديد العبادة، كثير الزهادة، لم تفته صلاة الليل والقيام في طاعة ربّه في آناء الليل، وكان جامعاً اعلى كل مكرمة وشرافة، واسنى كل خصلة وفضيلة.
وبلغ من كل خير ذروته، واخذ من كل علم شريف جوهره وحقيقته.
اما علمه فأحسن فنه الحديث، ومعرفة الرجال، والاحاطة بالأقوال، والاطلاع بدقائق الآيات، ونكات الأخبار...
وكان ضنيناً بعمره بحيث لم يدع دقيقة من دقائق عمره، ونفيس جوهر حياته يمضي بلا فائدة، ويفنى بلا عائدة، بل اخذ منه حظه ونصيبه اما بجمع شتات الأخبار، وتأليف متفرقات ماورد عن الائمة الاطهار؛ وأما بالذكر وتلاوة الايات، او بالصلاة والنوافل المندوبات. مواضباً على كل سُنة سنية، ومؤدّ لميسور دقائق الآداب الدينية.
كان واعظاً لغيره بافعاله واقواله، وداعياً الى الله بمحاسن احواله؛ يذكر الله تعالى رؤيتهُ، ويزيد في العلم منطقه، ويُرَغِّبْ في الاخرةِ عمله؛ ما قام أحدٌ من مجلسه إلا بخير مُستفاد جديد، وشوق الى الثواب، وخوف من الوعيد؛ لا يختار من الاعمال المندوبة الاّ احمزها واتعبها، ولايأخذ من السنن الاّ احسنها. افعاله كانت منطبقة على كلامه، وكلامه مقصور على ما خرج عن أمامه.
لازمت خدمته برهة من الدهر في السفر والحضر والليل والنهار، وكنت استفيد من جنابه في البين الى أن نعب بيننا غراب البين، فطوى الدهر ما نشر، والدهر ليس بمأمون على بشر"(٤٨).
وقال تلميذه الآخر العلامة الطهراني مبيناً شيئاً من ملامح العظمة في شخصيته:
" كان الشيخ النوري احد نماذج السلف الصالح التي ندر وجودها في هذا العصر، فقد امتاز بعبقرية فذة، وكان آية من آيات الله العجيبة، كمنت فيه مواهب غريبة، وملكات شريفة اهلته لان يعدّ في الطليعة من علماء الشيعة الذين كرسوا حياتهم طوال اعمارهم لخدمة الدين والمذهب، وحياته صفحة مشرقة من الاعمال الصالحة، وهو في مجموع آثاره ومآثره إنسان فرض لشخصه الخلود على مرّ العصور، والزم المؤلفين والمؤرخين بالعناية به، والاشادة بغزارة فضله..."(٤٩).

* * *

حركته السياسية
عاصر الشيخ النوري قدس سره فترة حرجة من تاريخ الامة وتشمل بداية الغزو الاستعماري غير المعلن لها وباشكال مختلفة، وكان الغزو الاقتصادي والثقافي والفكري والسياسي من اهم واجهات هذا الغزو الاستعماري.
وقد استفاد الغرب من وهن تفكير وضعف شخصية الحكام المتسلطين على البلاد الاسلامية من جهة. ومن جهة اخرى تمكن الغرب من ايجاد مجاميع في قلب المجتمعات الاسلامية تدعو الى التغريب والتقليد للاجانب.
وقد عاش الشيخ النوري بدايات هذه المرحلة والصراع القوي والحاد بين اصالة الاُمة وبين الأجانب. وقد امتلأ تاريخنا باحداث ضخمة في تلك الفترة وكان ابرز تلك الأحداث ثورة التنباك سنة (١٨٩٠م) وثورة المشروطة سنة (١٩٠٥م) الحدثان الكبيران اللذان اثرا على الحركة السياسية للاُمة في حاضرها ومستقبلها. ومع ان الشيخ النوري لم يعاصر الحدث الثاني ثورة المشروطة (الدستور)، ولكن الاشارة إليه في هذا المجال لأنه عاش بدايات هذه الثورة ومقدماتها ولأن ثورة التنباك كانت مقدمة لثورة المشروطة كما ان قرب زعيم ثورة المشروطة الشهيد فضل الله النوري الى الشيخ حسين النوري من حيث النسب فهو ابن اخته وصهره، وعلاقته الوثيقة به، نجد ذلك من خلال حركة التنباك، فان علاقة الشيخ فضل الله (وكان من ابرز قادة الثورة في طهران) مباشرة بالشيخ حسين النوري، وهو بزعيم الثورة الميرزا الشيرازي قدس سره).
فهل لهذا العلامة اثر في فهم حركة الشيخ حسين النوري السياسية؟
ان اقل ما تعطي هذه الملامح ان النوري قدس سره كان من المتصدين لهموم الامة، ولم يكن يعيش منعزلا عن همومها وقد تحمل الكثير من المعارك الجانبية من اجل هذا التصدي، ولعل ضجة (فصل الخطاب) التي سوف يأتي الحديث عنها كان من اهمها هذا العامل الذي اثر على حركته الاجتماعية المستقبلية واوقعته اخيراً بشبه العزلة.
ولا يمكن لاي دارس لذلك العصر ان يتجاوز هذين الحدثين لارتباطهما بعضهما بالبعض الاخر، وبتعبير بعض المحللين السياسيين للتاريخ الايراني ان ثورة التنباك كانت مقدمة لثورة المشروطة(٥٠).
ومع ان التاريخ لم يسجل للشيخ النوري دوراً في هذين الحدثين المهمين الاّ هامشياً، ولكن قربه من قادة الثورة يلزم الباحث ان يتعرض ولو بالاجمال الى علاقة النوري بالقائد الشيرازي.
واما هامشية دوره في الثورة الدستورية فواضح باعتبار عدم معاصرته لها.
واما بالنسبة لثورة التنباك باعتبار ان الحدث وقع في ايران، وكان الشيخ النوري وقتها يعيش في سامراء، واضافة الى ان المتصدي للحركة كان موجوداً وهو الامام المجدد الشيرازي قدس سره، وجرت الطريقة العلمائية من السلف الصالح في العهد القاجاري بحصر التصدي السياسي بشخص المرجع والمجتهدين الذين يجاورون الحدث، وكلما ابتعد الاخرون عن مكان الحدث كلما ضعف دورهم السياسي فيه، كما في ثورة المشروطة نفسها فمع اهمية الحدث فاننا لم نجد انعكاسة على المجتمع النجفي او الكربلائي او غيرهما الابمقدار ضئيل بحدود رد الفعل النفسي والفكري، وغالباً ماكان يأتي متأخراً، كرد فعل المساندين للمشروطة في النجف الاشرف على اعدام آية الله الشيخ فضل الله النوري قدس سره.
ولم تجد الطريقة الصحيحة في العمل السياسي عند الكيان العلمائي في العراق استخدامها في الحركة السياسية الاّ متأخراً. فكان غالباً ما يتسم العمل السياسي بالفردية وعدم وجود جهاز سياسي مرتبط بالمجتهدين او المرجع الاّ بحدود ضيقة تفرضها الحاجة ولمدة مؤقتة كما حدث في موقف العلماء من حركة الجهاد لرد الغزو الاستعماري العسكري البريطاني على العراق. والى حدّ ما في ثورة العشرين في العراق ايضاً.
كما ان المواقف السياسية لم تبتنِ على اسس استراتيجيه وانما كانت تأتي في غالبها على شكل ردّ فعل حاسم لقضية مهمة في الأمة، كما في قضية ثورة التنباك والاحتلال البريطاني وغيرهما من الاحداث.
فكان طبيعياً عدم ظهور دور للحاشية (المستشارين ان صح التعبير) في حركة المرجع او المجتهد الاّ بحدود ما تفرضه طبيعة الحركة الفردية.
ومن خلال ذلك نفهم دور النوري قدس سره الثانوي في حركة التنباك باعتبار موقعه المتميز بمرجعية السيد الشيرازي. وحيث كان المجدد الشيرازي هو قائد الثورة.
ثورة التنباك:
في السفر الثالث للملك ناصر الدين القاجاري الى اورپا سنة ١٣٠٦ هجري قمري(٥١) عقد اتفاقية سنة ١٨٩٠ ميلادي الاقتصادية بسيطرة التجار البريطانيين على تجارة التنباك(٥٢)، وقد تضمنت الاتفاقية على ثلاثين فصلا(٥٣)، وقد اوقع الشاه القاجاري للتصديق على هذه الاتفاقية الأزمة النقدية الحادة(٥٤).
وقد استفاد الانكليز من هذه الاتفاقية اقتصادياً وسياسياً وفكرياً. فقد امكنهم السيطرة على هذه التجارة التي كانت تشكل اهمية خاصة في ايران فقد كان خمس الشعب الايراني يشتغلون في بيع وشراء وزراعة التنباك(٥٥).
وقد تضمنت المعاهدة اجحافاً بحق المسلمين واقتصاد احدى الدول الاسلامية، فقد نصت المعاهدة ان تحتكر جميع المصادر للتنباك الايراني من قبل الشركة البريطانية على ان تؤدي سنوياً حق الامتياز مبلغ خمسة عشر الف ليرة مع اعفاء الشركة من الضرائب الكمركية وغيرها، بالاضافة الى ذلك فلا يحق لأحد المتاجرة بالتنباك والتبغ ومشتقاته وحتى نفاياته، ويخضع المخالف للمتابعات القانونية الشديدة، وتلزم المعاهدة جميع المزارعين بيع جميع محاصيلهم الى الشركة المذكورة(٥٦).
وبالمقايسة الى حقوق الامتياز التركية (العثمانية) نجد الفوارق الكبيرة بينهما، فان حق الامتياز العثماني كان سنوياً (٦٣٠) الف ليرة(٥٧). مع الفوارق الامتيازية الاُخرى. اضف الى ذلك ان مجموع الصادرات من التتن والتنباك الى تركية والهند وافغانستان وصل الى (٤٣٥) طن للسنة الواحدة وقد قدرت عوائدها بـ (٥٠٠) الف ليرة للسنة الواحدة(٥٨).
وقد استفاد البريطانيون من هذه المعاهدة لترسيخ نفوذهم في جميع مراكز المجتمع الايراني، فبعد توقيع المعاهدة مباشرة (جاء من لندن جماعة من الاجانب لا يقل عددهم عن مائة الف نسمة من رجال ونساء، ودخلوا طهران، وشرعوا في تنفيذ مقاصدهم، وارسلوا في كل بلد من بلاد ايران عدة من هيئتهم، وقويت بذلك كل ملة الاّ ملة الاسلام، وكثرت الفواحش، وشرب الخمور فلم تزل كل يوم تكثر هذه الدواهي، وقد فتح الأجانب المدارس لدعوة الناس الى مذهب المسيح، وجعلوا المبشرين البروتستانت في جميع المستشفيات ينفقون اموالا جمة على الفقراء والمساكين، ويستخدمون بنات الاسلام وفتياتها، وصار المسلمون مقهورين تحت ايديهم، وفرقوا اربعمائة الف تومان بين الأمراء والحكام ليوافقوهم في تنفيذ مقاصدهم... واتصل باصحاب الامتياز كثير من الدجالين الذين يريدون التقرب اليهم ويدعون انهم من المسلمين، فكانوا يدلونهم على اعراض الناس ونواميسهم وما ادخروا من التنباك، وجعلوا يصرفون عوام الناس عن اطاعة العلماء، فاضطهد اهل الدين، وكانوا يحبذون السفور لبنات المسلمين، وينصبون الكراسي في المعامل الاسلامية ليجلسوا وينظروا الى بنات المسلمين اللاتي يشتغلن في معامل وهن سافرات، ووقع من امثال ذلك ما لا يحيط بيانه القلم...)(٥٩).
وكان ردّ الفعل الذي واجهه الاستعمار الرفض القاطع والشديد من قبل الشعب الايراني المسلم(٦٠) وقد قاد تلك الحركة الكبيرة العلماء الاعلام(٦١) (واتخذ رجال الدين دور الزعامة في الكثير من المدن الايرانية فوقعت من جراء ذلك معارك بين الاهالي والقوات الحكومية سقط فيها عدد غير قليل من القتلى والجرحى)(٦٢).
وعليه فقد فزع علماء ايران فوراً باطلاع اعلم علماء عصره المرحوم آية الله الميرزا محمد حسن الشيرازي الذي كان يسكن في مدينة سامراء في العراق(٦٣) (فاوجس ذلك الامام اليقظان خيفة على استقلال ايران ان يمسّ بسوء، فتلافى الخطر بفتوى اصدرها تقتضي تحريم التنباك معلناً غضبه وسخطه من الدولتين بما تعاقدتا عليه من الالتزام.
فهاج الشعب الايراني هياج البحر بعواصف الزعازع، وزلزلت الارض زلزالها، واعرض الشعب باجمعه عن استعمال التنباك وعاملوه معاملة الابرار للخمر واستمروا على ذلك)(٦٤).
وكانت نص ترجمة الفتوى:
بسم الله الرحمن الرحيم: اليوم؛ استعمال التنباك والتوتون باي نحو كان بحكم محاربة امام الزمان عجل الله فرجه.
محمد حسين الحسيني(٦٥)
(فلم يكن للدولتين بد من فسخ ذلك الالتزام ونقض ذلك التعاقد على الرغم منهما معاً، وعلى ضرر تكبدتاه في الماديات والمعنويات و(ردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً)(٦٦).
واحد اهم الفوائد العظمى الذي انتجته تلك الحركة المباركة ردّ فعل الشارع الايراني المسلم من الغزو الاستعماري للبلاد الاسلامية تحت عنوان (الحضارة الاوروبية)، فكان لتلك الفتوى اثراً كبيراً في ايجاد حاجز نفسي وفكري بين الشعب المسلم والاساليب الاستعمارية الجديدة التي ارادوا بها ان يسيطروا على البلاد الاسلامية، وقد كَتَبَ الوردي - الذي هو من اركان دعاة التغريب في العراق - عن اثر الثورة بقوله:
"والملاحظ ان موجة من التعصب ضد الحضارة الاوروبية اخذت تظهر في اوساط الشعب الايراني اثناء ذلك، وصارت الاشاعات تدور بين الناس حول مفاسد الحضارة وآفاتها.
والظاهر ان رجال الدين انتهزوا فرصة الاستياء العام من اتفاقية التنباك فارادوا اقتلاع جميع النظم الحديثة التي دخلت الى ايران في عهد الشاه ناصر الدين"(٦٧).
وانطلق الوردي في مقولته هذه من المؤثرات الاستعمارية التي ترسخت في افكاره ومنهجه وطريقة فهمه للاشياء، ولذلك فهو لايهتم باستقلال البلاد وشخصية الانسان المسلم، ويخلط - عن عمد أو عن جهل - على احسن التقادير - بين (الحضارة الاوروبية) ومحاربة مفاسد الحضارة وآفاتها، وبين اقتلاع جميع النظم الحديثة، ويريد ان يقنع القاري بان (رجل الدين) يحارب النظم الحديثة والتقدم وتطور التكنلوجيا والعصرنة السليمة. وهذه النتيجة خلاف الواقع مائة بالمائة. وقد كفتنا التجربة الاسلامية الايرانية الحديثة مؤنة الرد على خزعبلاته واباطيله.
والوردي يخلط - عن عمد او عن جهل - بين الحضارة وبين مفاسد الحضارة وآفاتها.
ان الدين منهج حضاري ضد الفساد سواء جاءنا من الحضارة الاوروبية او من غيرها. واما الذين ادخله الاستعمار الاوروبي في تلك الفترة انما كان نقل الاوبئة الحضارية الاوروبية التي كانت سبب انهيار الحضارة الاوروبية، وكان المخلصون لبلدانهم في اوروبا يسعون جاهدين للتخلص منها. بينما كانوا أنفسهم يبذلون نفس تلك الجهود او اكثر منها من اجل نقل تلك الاوبئة والآفات والامراض الى البلدان الاسلامية من اجل القضاء على الحضارة الاسلامية وتفتيت قوى المجتمع المسلم، وتسهيل سبل السيطرة عليه.
وقد تمكن الاستعمار من خداع مجموعة من اصحاب القلم والمناصب الحكومية في ان يكونوا دعاة له في البلاد الاسلامية وكان احد ابرز اولئك الوردي الذي اعترف بدور الفتوى في محاربة الاستعمار في البلاد الاسلامية.
دور النوري في ثورة التنباك:
ولا يكاد يذكر للنوري دور في هذه الثورة الجليلة ولكن المصادر التي كتبت عن هذه الثورة سجلت اسم النوري في اوراقها ايضاً، وجاء ذلك برسالة بعثها الشيخ النوري قدس سره الى ابن اخته الشهيد الشيخ فضل الله النوري في طهران، وكان من ابرز علماء طهران ومن العلماء المجاهدين الذين كان لهم دور كبير في حركة التنباك في ايران.
وذلك ان عموم المسلمين في طهران فزعوا الى بيت آية الله الميرزا محمد حسن الاشتياني يستوضحونه خبر فتوى التحريم، وكان الناس على اشدّ من النار، وكان الاشتياني ينتظر وصول مثل تلك الفتوى، وكانت الفتوى لم تصل من سامراء، ولكن حديث حرمة استعمال التنباك قد انتشر بين الناس، وقد منعت السلطات الحاكمة الحديث بفتوى حرمة الاستعمال، وكانت تعاقب كل من يتحدث بها، وينسبونها الى اختراع المتحدثين، ويقولون بان الامام الشيرازي لم يحرم ذلك ابداً، وفي هذه الأثناء وصل موزع البريد الى بيت آية الله الاشتياني، وسلّمه نصّ الفتوى وقرأها الاشتياني على الجماهير المتجمعة، فارتفعت اصواتهم بالصلوات، وقد طبعت منها مائة الف نسخة على الفور على نسخة الاصل، ووزعت في البلاد والقرى وجميع المدن الايرانية، وقد اعلنت في المحافل والمساجد وعلى المنابر، ولم يأتِ الليل الاّ والفتوى قد انتشرت بجميع ايران، فامرت الحكومة بجمع نسخ الفتوى وسحبها من ايدي الناس، وكذبوا صدور الفتوى من الامام الشيرازي، ولكنهم لم يحصلوا على فائدة تذكر من ذلك فسعوا للحصول على نسخة الاصل فجاءوا عند آية الله الاشتياني وطلبوا منه نسخة الاصل ولكنه قال لهم: ماذا تفعلون بنسخة الاصل اكتبوا الى سامراء. فكتبت في ذلك الوقت عدة برقيات الى الحاج الميرزا حسين النوري(٦٨) فجاء الجواب من الشيخ حسين النوري إلى آية الله الشيخ فضل الله النوري بما ترجمته:
"جناب شريعتمدار الآقا الشيخ فضل الله النوري سلمه الله تعالى.
سأل جماعة من أهالي طهران عن حكم حضرة حجة الاسلام في خصوص الدخانيات، وهو عجيب. نعم الحكم قد صدر منه، وسوف يصلكم مرة اخرى بخطه المبارك بالبريد. حسين النوري"(٦٩).
وهكذا أبرق علماء باقي مدن البلاد الى سامراء يستفتون الميرزا الشيرازي عن حكم التحريم، فكتب الشيخ حسين النوري قدس سره الى السيد علي المدرس في يزد ما ترجمته:
"يزد - الى جناب القائم على حفظ الشريعة الآقا المير السيد علي المدرس دام علاه.
من المعلوم اطلاعكم على تفصيل الاحكام المحكمة لحضرة المستطاب حجة الاسلام دام ظله العالي بحرمة استعمال الدخان باي نحو كان. ولكن الحكم المذكور باق لحد الآن، وافاد انه ما لم يتحقق عنده على نحو التحقيق رفع الامتياز بالمرة من الداخل والخارج، وما لم يعلن جديداً برفع الحكم السابق؛ فان حكم الحرمة باق ويجب الاجتناب، ولايرخص في ذلك وسوف يصل لكم خطه المبارك بهذا المضمون. حسين النوري".
وكتب الشيخ حسين النوري قدس سره الى الميرزا ابراهيم الشريعتمدار في سبزوار ما ترجمته:
" سبزوار - الى جناب المستطاب عماد الاسلام الاقا الحاج الميرزا ابراهيم الشريعتمدار دام علاه.
لأجل تدخل الأجانب ببلاد الاسلام فقد حكم حضرة حجة الاسلام دام ظله العالي بحرمة استعمال مطلق الدخانيات بأي نحو كان. ومن الطبيعي فقد وصلكم انه لمحض أعلاء الكلمة الحقة، وما زال حكم الحرمة باقياً وما لم يتحقق عنده رفع يدهم تدخلهم من الداخل والخارج، فانه لايعلن السماح، ويبقى حكم الحرمة، ويلزم الاجتناب، ولا رخصة فيه. حسين النوري"(٧٠).
وقد ورد ذكر النوري قدس سره في عدة اماكن اخرى بهذا النحو الذي يظهر له مشاركة في هذه الثورة الكبرى، ولعل منشأ هذه المشاركة هو قرب النوري قدس سره من زعيم الثورة، فقد سجل المؤرخون ان الله اسعد " هذا الامام بوزراء من اركان حوزته كانوا من ذوي العقول الثاقبة والاحلام الراجحة من كل ذي رأي جميع، وقلب واع... ابتلاهم سيدهم فما وجد فيهم الاّ مشير صدق ونصح واخلاص وشفقة، فناط بهم ثقته والقى اليهم مقاليده في تلك الزعامة العظمى، والرئاسة العامة، فاخلصوا له النصح واجتهدوا له المشورة، وكان امره شورى بينه وبينهم"(٧١).
كما ان المؤرخين سجلّوا قرب النوري قدس سره الى الميرزا الشيرازي قدس سره ننقل بعض اقوالهم:
١ - قال المؤرخ الكبير العلامة المحقق الشيخ اغا بزرگ الطهراني " من اعاظم اصحاب السيد المجدد الشيرازي وقدمائهم وكبرائهم، وكان يرجع اليه مهام اموره، وعنه يصدر الرأي، وكان من عيون تلامذته المعروفين في الآفاق فكانت مراسلات سائر البلاد بتوسطه غالباً واجوبة الرسائل تصدر عنه وبقلمه، وكان قضاء حوائج المهاجرين بسعيهِ ايضاً، كما كان سفير المجدد ونائبه في التصدي لسائر الامور كزيارة العلماء والاشراف الواردين الى سامراء واستقبالهم، وتوديع العائدين الى اماكنهم، وتنظيم امور معاش الطلاب وارضائهم، وعيادة المرضى، وتهيئة لوازمهم، وتجهيز الموتى وتشييعهم، وترتيب مجالس عزاء سيد الشهداء عليه السلام، والاطعامات الكثيرة، وسائر اشغال مرجع عظيم كالمجدد الشيرازي... وكانت له عند السيد المجدد مكانة سامية للغاية فكان لا يسميه باسمه بل يناديه بـ (حاج اقا) احتراماً له، وورث ذلك عنه اولاده فقد كان ذلك اسم النوري في ايام سكنانا بسامراء"(٧٢).
٢ - وقال اعتماد السلطنة، ما ترجمته بالمعنى: "وكان هذا العالم العامل والفقيه الفاضل والمحدث الكامل محل ثقة حضرة حجة الاسلام وثقة الانام مجدد الاحكام نائب الامام عليه السلام الحاج الميرزا محمد حسن ومعتمداً عليه ومؤتمناً لديه"(٧٣).
٣ - وقال الباحث المؤرخ الشيخ علي دواني: "الفقيه الجليل الكبير الحاج الميرزا حسين النوري المستشار الخاص للميرزا الشيرازي..."(٧٤).
ومهما يكن التحليل فلا يمكن تجاهل ان لقربه الى زعيم الثورة اعطاه مشاركة في هذه الحركة التاريخية المهمة من تاريخ الأمة.

* * *

حياته العلميّة ودراسته واساتذته
بدأت حياته العلمية منذ نعومة اظفاره فحين بلغ أوان حلمه لازم العالم الجليل الفقيه النبيه الزاهد الورع النبيل المولى محمد علي المحلاتي(٧٥).
وهاجر الى النجف وبقي اربع سنوات يواصل سيره الدراسي، ولكنه لم يكشف عن دراسته ومدرسيه الذين درس عندهم في هذه الفترة الزمنية.
وبعد اربع سنوات من الدراسة رجع الى بلاده، ثم عاد سنة ١٢٧٨ هـ. ق ولازم الآية الكبرى الشيخ عبد الحسين الطهراني الشهير بشيخ العراقين وكان أول من أجازه(٧٦).
وفي حياة استاذه الطهراني حضر بحث الشيخ مرتضى الانصاري اشهراً قلائل الى ان توفي الاستاذ الجديد في سنة (١٢٨١) هـ. ق.
ومنذ سنة ١٢٨٦ هـ. ق لازم درس السيد المجدد الشيرازي حتى توفي سنة (١٣١٢)(٧٧).
وعدّ من شيوخه واساتذته الفقيه الشيخ عبد الرحيم البروجردي قرأ عليه في طهران(٧٨).
وعدّ من شيوخه الشيخ فتح علي السلطان آبادي(٧٩).
وقد تتلمذ على الحاج الملاّ علي كني(٨٠).
ومن مشايخ اجازته السيد مهدي القزويني(٨١).
وكذلك فقد تتلمذ على الفقيه الكبير المولى الشيخ علي الخليلي(٨٢).
ولأهمية الاحاطة بمجمل احوال اساتذته نسجل ذلك بشيء من الايجاز، فان لشخصية الاستاذ اثره على تركيبة شخصية التلميذ ولو ان بعض من سجل ضمن قائمة الاساتذة كانوا شيوخاً له بالاجازة فحسب، ولم يكونوا من اساتذته.
١ - الشيخ عبد الحسين الطهراني:
الشهير بشيخ العراقين وبقي معه في كربلاء مدة وذهب معه الى مشهد الكاظمين عليهما السلام فبقي سنتين ايضاً(٨٣).
وهو: "عالم عامل رباني فقيه دقيق النظر صائب الفكر، عالي الهمة، متقن ضابط لعلم الحديث والرجال وعلوم اللغة العربية. عاد الى طهران مكتفياً عن الحضور، ورجع الى العراق وتوطن كربلاء وصارت له مكانة سامية فيها، رجع إليه في التقليد الكثير من اهل كربلاء، وملك مكتبة فيها من الكتب الخطية النفيسة الشيء الكثير"(٨٤).
وكان حضوره " في النجف على الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر حتى اجازه في الاجتهاد وعاد الى طهران فاصبح زعيماً دينياً كبيراً في طهران، له مرجعية عظيمة ونفوذ كبير، وهو من عباد الله الصلحاء الابرار الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مهما كلفه الامر، ولا يخشى السلطان بل كان السلطان يخشى صولته، وقد عارض ناصر الدين شاه القاجاري في كثير من القضايا التي كان يرى انها لا توافق الشرع الشريف حتى ضجر منه وضاق به المخرج ورغب في نفيه الى العراق لكنه خشي صولته ومكانته في النفوس.."(٨٥).
وقال تلميذه الشيخ النوري قدس سره:
"شيخي واستاذي ومن اليه في العلوم الشرعية استنادي، افقه الفقهاء، وافضل العلماء، العالم العلم الرباني الشيخ عبد الحسين بن علي الطهرني، اسكنه الله تعالى بحبوحة جنته، كان نادرة الدهر، واعجوبة الزمان في الدقة والتحقيق وجودة الفهم وسرعة الانتقال وحسن الضبط، والاتقان، وكثرة الحفظ في الفقه والحديث والرجال واللغة، حامي الدين، ودافع شبه الملحدين، وجاهد في الله في محو صولة المبتدعين، أقام اعلام الشعائر في العتبات العاليات وبالغ مجهوده في عمارة القباب الساميات، صاحبته زماناً طويلا الى ان نعق بيني وبينه الغراب، واتخذ المضجع تحت التراب في اليوم الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة الف ومائتين وسنة وثمانين له كتاب في طبقات الرواة..."(٨٦).
وبالمقارنة بين شخصية التلميذ والاستاذ نرى اثر شخصية الاستاذ واضحة على تلميذه كما سوف نفهرس ذلك ان شاء الله تعالى فيما بعد.
٢ - الشيخ عبد الرحيم البروجردي:
وهو ابو زوجة الشيخ النوري قدس سره واتصل بهذا العالم الجليل في طهران بعد هجرة النوري قدس سره اليها وعكف على الاستفادة منه ثم هاجر معه الى العراق في سنة ١٢٧٣، فعندما اتمّ استاذه الزيارة رجع الى طهران، ولكن النوري قدس سره بقي في النجف قرب اربع سنوات(٨٧).
وقد اثرت شخصية البروجردي على النوري قدس سره باعتباره ثاني شخصية علمية التقى بها وقد لازمه النوري بعد هجرته الى طهران في أوائل امره وقرأ عليه سطوح الفقه والاصول(٨٨).
وصف الشيخ النوري قدس سره استاذه البروجردي بقوله:
"العالم الفقيه النبيه الحاج شيخ عبد الرحيم البروجردي طاب ثراه والد ام اولادي وكان من الفقهاء المتبحرين والعلماء البارعين"(٨٩).
ووصفه الشيخ آغا بزرگ الطهراني بقوله:
"عالم كبير وفقيه جليل، كان من مشاهير طهران، ورجال العلم الافاضل فيها، تتلمذ على المولى اسد الله البروجردي، والشيخ محمد حسين الاصفهاني صاحب الفصول، وصرح المولى حبيب الله الكاشاني في كتابه (لباب الالقاب) بانه كان تلميذ الشيخ موسى واخيه الشيخ علي ابني الشيخ جعفر كاشف الغطاء"(٩٠).
٣ - الشيخ علي الخليلي (١٢٢٦ - ١٢٩٧):
"العالم الفقيه الزاهد العابد، والحبر الجليل الثقة الامين، كان قدس سره مثالا للايمان والتقوى والصلاح، وقد اكتفى من مأكله بالجشب، ومن ملبسه بالخشن زهداً منه واعراضاً عن ترف الدنيا، وكان مرتاضاً، من اهل الاسرار والعلوم الغريبة، وكان واعظاً متعظاً، يرقى المنبر، ويرشد الناس الى صالح دينهم ودنياهم على نهج السلف الصالح من علمائنا الاقدمين، وعلى جلالته وعلو منزلته يحضر مجلس وعظ الشيخ جعفر التستري اعلى الله مقامه المتوفي سنة ١٣٠٣، وكان يعظ الناس في الصحن الشريف الغروي.
حضر على الميرزا جعفر التويسركاني، والمولى سعيد المازندراني المتوفي سنة ١٢٧٠، وشريف العلماء المازندراني الحائري المتوفي سنة ١٢٤٥، والشيخ محمد حسين صاحب الفصول وغيرهم.
الّف خزائن الاحكام في شرح تلخيص المرام للعلامة الحلي قدس سره في الفقه في عدة مجلدات وغيرها.
توفي في النجف ٢٥ صفر سنة ١٢٩٧، وشيّعهُ اهل النجف اجمع، فلم تر الاّ باك وباكية، واغلقت الأسواق، وكثر الصراخ والعويل لفقده. ودفن في مقبرته الخاصة في وادي السلام"(٩١).
وقد وصفه تلميذه النوري قدس سره بقوله:
" فخر الشيعة، وذخر الشريعة، انموذج السلف، وبقية الخلف، العالم الزاهد المجاهد الرباني شيخنا الاجل الحاج مولى علي بن الصالح الصفي الحاج ميرزا خليل الطهراني المتوفي في ارض الغري في شهر صفر سنة ١٢٩٠.
وكان فقيها رجالياً مضطلعاً بالاخبار، وقد بلغ من الزهد والاعراض عن زخارف الدنيا مقاماً لا يحوم حوله الخيال.
كان لباسه الخشن، واكله الجشب من الشعير. وكان يزور ابا عبد الله الحسين عليه السلام في الزيارات المخصوصة ماشياً الى ان طعن في السن، وفارقته القوة"(٩٢).
٤ - الشيخ علي الكني (١٢٢٠ - ١٣٠٦):
الشيخ الملا علي الكني الطهراني عالم معروف، وفقيه موصوف، محقق ثقة عدل ورع، على جانب عظيم من الزهد والعبادة.
تتلمذ على الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، وغيرهما.
الّف كتاب تلخيص المسائل، وكتاب تحقيق الدلائل وغيرهما(٩٣).
توفي في طهران صبح الخميس ٢٧ محرم ١٣٠٦.
"وروى جماعة من الثقاة ان الشيخ الكني والشيخ ملاّ علي الخليلي، والشيخ عبد الحسين الطهراني كانوا يطلبون العلم في النجف الأشرف ثلاثتهم في مكان واحد، وكانوا من الفقر والحاجة في ضر عظيم، فاشتهوا يوماً ان يصنعوا طبيخاً فاشتروا ارزاً وطبخوه حتى اذا نضج ببعض اسقاط البيت عجزوا عن شراء الدهن للادام، فذهب احدهم واقترض من شحم ودك السراج فاكل بعضهم وامتنع الآخر، وصاحبتهم الحاجة سنين صابرين قانعين بها، ثم تفرقوا، وآخر أمْرِهِم وصَبْرِهم على طلب العلم، صار كل فرد منهم مرجعاً لقطره، وبلغوا من الغنى الغاية.
اما الكني وشيخ العراقين الطهراني فقد هاجرا من النجف الى طهران. والخليلي بقي في النجف"(٩٤).
وشاءت الارادة الالهية ان يكون الثلاثة اساتذة للشيخ النوري قدس سره، وقد أثروا عليه في تركيبة شخصيته العلمية والحياتية بشكل واضح.
٥ - فتح علي السلطان آبادي المتوفي سنة ١٣١٧:
قال الشيخ عباس القمي قدس سره ما ترجمته:
"الشيخ العالم الجليل، والمفسر عديم المثيل، العالم الرباني، وابو ذر الثاني، مجمع التقوى والورع واليقين، ومخزن الاخبار وتفسير آيات القرآن، صاحب الكرامات الباهرة، حشره الله مع العترة الطاهرة، شيخ شيخنا المحدث نور الله مرقده، وجلالة شأنه، ورفعة مقامه اكثر من ذلك الذي ذكر"(٩٥).
وقال الشيخ النوري قدس سره في دار السلام:
"حدثني العالم العامل ومن اليه ينبغي شد الرواحل، مستخرج الفوائد الطريفة والكنوز المخفية من خبايا الكتاب المجيد، ومستنبط الفرائد اللطيفة والقواعد المكنونة الالهية من البئر المعطلة والقصر المشيد، رأس العارفين وقائد السالكين الى اسرار شريعة سيد المرسلين، جمال الزاهدين، وضياء المسترشدين، صاحب الكرامات الشريفة، والمقامات المنيفة، أعرف من رأيناه بطريقة ائمة الهدى، واشدهم تمسكاً بالعروة الوثقى من النعم التي نسئل عنها يوم ينادي المنادي، شيخنا الاعظم ومولانا الاكرم المولى فتح علي السلطان آبادي..."(٩٦).
وقال عنه: "شيخ الاتقياء، واونق القرى وابهجها التي امرنا بالسير فيها ليالي واياماً آمنين من فتك الاعداء، معدن المعالي والفضائل التي قصرت عنها ايدي الراسخين من العلماء شيخنا الاجل الاكمل المولى فتح علي السلطان آبادي جعله الله تعالى في كنفه..."(٩٧).
وقال عنه في كتابه دار السلام مفصلا الحديث:
"جمع من كل مكرمة اعلاها، ومن كل فضيلة اسناها، ومن كل خصلة اشرفها، ومن كل خير ذروته، ومن كل علم شريف جوهره وحقيقته، صاحبته منذ سنين في السفر والحضر والليل والنهار والشدة والرخاء، فلم اجد له زلة في مكروه وعثاراً في مرجوح، وما رأيت لخصلة واحدة من خصاله التي تزيد على ماذكره امير المؤمنين عليه السلام لهمام بن عبادة في صفات شيعته مشاركا ونظيراً، وما اظن احد يتمكن من استقصاء معاليه وان وجد ناصراً وظهيراً.
اما علمه فاحسن فنه معرفة دقائق الآيات ونكات الاخبار بحيث تتحير العقول عن كيفية استخراج تلك الجواهر عن كنوزها وترجع الابصار حاسرة عن ادراك طريقته في استنباط اشاراتها ورموزها لم يسئل قط عن آية وخبر الاّ وعنده منهما من الوجوه والاحتمالات والبواطن والتاويلات ما تتعجب منه العقول، ولم يحم حوله لطائف افكاره الفحول كانه فرغ من التامل والنظر فيه في الان وعكف عليه فكرته برهة من الزمان؛ كل ذلك بما لا يخالف شيئاً من الظواهر والنصوص ولا يختلط بمزخرفات جماعة هم للدين لصوص وهو مع ذلك ضنين باظهاره مصر على كتمانه.
واما العمل فهو دائم الذكر طويل الصمت والفكر، قانع من الدنيا من المآكل والملابس وغيرها بأدون ما يمكن التعيش به مع شدة الكياسة في ماخذه لاستجماعه شرايطه التي تاتي في الباب الثاني مواظب لكل سنة يتمكن منها مؤد لميسور دقائق حقوق الاخوان التي سنفصلها اشد من رايناه بلاء في البدن وغيره؛ واشكرهم بمراتبه عليه واصبرهم فيه مارأى متكلما في شيء من امور الدنيا الاّ بعد ملاحظة رجحان كثير ولا مشيراً الى احد بسوء في فعله او قوله في حيوته او مماته ولم يذكرهم الاّ بخير.
وبالجملة فوجوده آية من آيات وجود الائمة عليهم السلام الذين هم الآية الكبرى، وعمله وطريقته مثبت لامامتهم وجداناً من غير ترتيب صغرى ولا كبرى، ويذكّر الله رؤيته، ويزيد في العلم منطقه، ويرغب في الآخرة عمله.
ما قام احدٌ من مجلسه الاّ بخير مستفاد جديد وشوق الى الثواب، وخوف من الوعيد. لم يتعش قط بلا ضيف، ولم ير منه اذى على احد ولا حيف، لا يختار من الاعمال المندوبة الاّ أتعبها، ولايأخذ من السنن الاّ احسنها. افعاله منطبقة على كلامه، وكلامه مقصور على ما خرج من أمامه، وهو دام علاه سبب تأليف هذا الكتاب..."(٩٨).
ثم شرح مفصلا سبب تأليف كتابه دار السلام والذي كان باشارة من استاذه الشيخ فتح علي السلطان آبادي قدس سره.
وقد نقل آية الله العظمى المرحوم السيد محسن الحكيم قدس سره حكاية تبين فضل الاستاذ السلطان آبادي وعظم رأيه، وهي تؤيد ما ذكره الشيخ النوري قدس سره عن استاذه.
قال السيد الحكيم قدس سره:
"حدث بعض الاعاظم دام تأييده، انه حضر يوماً منزل الآخوند ملا فتح علي قدس سره مع جماعة من الأعيان منهم السيد اسماعيل الصدر قدس سره والحاج النوري صاحب المستدرك قدس سره والسيد حسن الصدر دام ظله، فتلا الآخوند قدس سره قوله تعالى: (واعلموا ان فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ولكن الله حبب اليكم الايمان... الآية).
ثم شرع في تفسير قوله تعالى فيها (حبب اليكم... الآية)، وبعد بيان طويل فسرها بمعنى لمّا سمعوه منه استوضحوه، واستغربوا من عدم انتقالهم اليه قبل بيانه لهم.
فحضروا عنده في اليوم الثاني، ففسرها بمعنى آخر غير الاول، فاستوضحوه ايضاً، وتعجبوا من عدم انتقالهم اليه قبل بيانه.
ثم حضروا عنده في اليوم الثالث، فكان مثل ما كان في اليومين الاولين.
ولم يزالوا على هذه الحال كلما حضروا عنده يوماً ذكر لها معنى الى ما يقرب من ثلاثين يوماً، فذكر لها ما يقرب من ثلاثين معنى، وكلما سمعوا منه معنى استوضحوه.
وقد نقل الثقات لهذا المفسر كرامات قدس الله روحه(٩٩).
وكان ينوب عن الميرزا السيد حسن الشيرازي قدس سره في الصلاة بالناس، وكان الميرزا يقتدي به، ويأمر الناس بالاقتداء به، ورجع بعد وفاة الميرزا الشيرازي الى كربلاء وسكن اليه الناس، وبها مات سنة ١٣١٧(١٠٠).
٦ - الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي:
ولد السيد محمد حسن بن الميرزا محمود في شيراز سنة ١٢٣٠(١٠١) فبعد ان اتمّ تعليمه الابتدائي بشيراز انتقل الى اصفهان ودرس عند الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية على المعالم في بحث مخصوص له في مبحث الوضع، وحضر عند المير سيد حسن المدرس حتى حصلت له الاجازة منه قبل بلوغ العشرين، ودرس على العلامة الفقيه الورع الحاج محمد ابراهيم الكلباسي، وبقي في اصفهان يمارس التدريس الى ان تشرف بالعتبات الزاكيات حدود سنة ١٢٥٩(١٠٢).
عندما هاجر الى النجف الاشرف (فانضوى الى اعلامها عاكفاً على التحصيل، لا يألو جهداً في ذلك حتى نصّ استاذه الامام صاحب الجواهر على اجتهاده المطلق.
واختص بامام المحققين المتبحرين الشيخ مرتضى الانصاري، ففاق جميع اصحابه، ولازمه ملازمة الظل حتى قضى الامام الانصاري نحبه، واضطرب الناس في تعيين المرجع العام بعده، فكان هو المتعين في نظر الأعاظم الاساطين من تلامذة ذلك الامام أعلى الله مقامه)(١٠٣).
وقد اثنيت لهذا الامام الهاشمي العظيم وسادة الزعامة والامامة، والقيت اليه مقاليد الامور، وناط اهل الحل والعقد ثقتهم بقدسي ذاته ورسوخ علمه وباهر حلمه وحكمته، وأجمعوا على تعظيمه وتقديمه وحصروا التقليد به، فكان للامة أباً رحيماً تأنس بناحيته وتقضي اليه بدخائلها. وكان للدين الاسلامي والمذهب الامامي قيماً حكيماً، يوقظ لخدمتهما رأيه، ويسهر لرعايتهما قلبه. وكان شاهد اللب، يقظ الفؤاد، كلؤ العين، شديد الحفاظ، ضابطاً لاموره، حارساً لامته، عظيم الخلق، رحيب الصدر، سخي الكف، زاهداً في الدنيا كل الزهد، راغباً فيما عند الله عزّ وجلّ الى الغاية، زعيماً عظيماً تخشع أمامه عيون الجبابرة وتعنو له جباه الاكاسرة، كما قال في رثائه بعض الافاضل من السادة الاشراف:

قدت السلاطين قود الخيل اذ جنبت * * * وما سوى طاعة الباري لها رسن
لك استقيدوا على كره لما علموا * * * بالسوط أدبارهم تدمى اذا حرنوا
لا خوف بعدك أمسى في صدورهم * * * فليفعلوا كيف شاؤوا انهم أمنوا

وحسبك شاهداً لهذا أمر (التنباك) اذ التزمته بريطانيا العظمى من حكومة ايران العلية على عهد ناصر الدين شاه القاجاري، فأوجس ذلك الامام اليقظان خيفة على استقلال ايران أن يمس بسوء، فتلافى الخطر بفتوى أصدرها تقتضي تحريم استعمال (التنباك) معلناً غضبه وسخطه من الدولتين بما تعاقدتا عليه من الالتزام. فهاج الشعب الايراني هياج البحر بعواصف الزعازع، وزلزلت الارض زلزالها، وأعرض الشعب بأجمعه عن استعمال التنباك وعاملوه معاملة الابرار للخمر واستمروا على ذلك، فلم يكن للدولتين بد من فسخ ذلك الالتزام ونقض ذلك التعاقد على الرغم منهما معاً وعلى ضرر تكبدتاه في الماديات والمعنويات و(ردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً).
وكانت وفاته اعلى الله مقامه في سامراء ليلة الاربعاء الرابع والعشرين من شعبان سنة ١٣١٢(١٠٤).
٧ - الشيخ محمد علي المحلاتي:
وصفه النوري قدس سره بقوله:
" العالم الجليل الفقيه النبيه، الزاهد الورع النبيل المولى محمد علي المحلاتي قدس الله تعالى روحه الزكية ابن الورع الزاهد اقا زين العابدين بن المرور موسى رضا المحلاتي. وكان عالماً زاهداً عابداً متبحراً في الاصول، بارعاً في الفقه، مجانباً لأهل الدنيا ولذائذها، مشغولا بنفسه واصلاح رمسه، وكان اعلم اهل زمانه ممّن ادركتهم في تدريس الروضة والرياض والقوانين واترابها، لم يُدْخل نفسه في مناصب الحكومة والفتوى واخذ الحقوق وغيرها، وكان اكثر تلمذة عند العالم الرفيع السيد محمد شفيع الجابلقي وعلامة عصره الحاج المولى اسد الله البروجردي رحمهما الله "(١٠٥).
٨ - الشيخ مرتضى الانصاري:
هو الشيخ مرتضى بن الشيخ محمد أمين بن الشيخ مرتضى بن الشيخ شمس الدين بن احمد بن نور الدين بن محمد صادق الانصاري التستري النجفي.
ولد في دزفول سنة ١٢١٤ هـ.
كان فقيهاً اصولياً متبحراً في الاصول لم يسمح الدهر بمثله، صار رئيس الشيعة الامامية، وكان يضرب به المثل اهل زمانه في زهده وتقواه وعبادته وقداسته(١٠٦).
وكان عالي الهمة أبياً، ومن علو همته انه كان يعيش عيشة الفقراء، ويبسط البذل على الفقراء والمحتاجين سراً، وقال له بعض اصحابه انك مبالغ في ايصال الحقوق الى اهلها.
فاجابه: ليس لي بذلك فخر ولاكرامة، اذ من شأن كل عامي وسوقة أن يؤدي الامانات الى اهلها، وهذه حقوق الفقراء أمانة عندي...
وكان أقل ما يجلب اليه من الحقوق في كل سنة عشرون الف تومان في زمان قلة النقد، ومع هذا توفي فقيراً، وقام بنفقة عياله ومصرف فاتحته ستة أيام رجل نجفي من اهل المجد والشرف والدين، الّف كتباً، وقد اصبحت مصنفاته مدار حركة التدريس في حياته ولحد الآن.
توفي في النجف بداره في محلة الحويش في منتصف ليلة السبت ١٨ جمادي الثانية سنة ١٢٨١ ه(١٠٧).
٩ - السيد مهدي القزويني:
السيد مهدي السيد حسن بن السيد احمد بن محمد بن مير قاسم الحسيني الشهير بالقزويني النجفي الحلي، ولد في النجف سنة ١٢٢٢ هـ.
كان عالماً جامعاً ضابطاً من عيون الفقهاء والاصوليين وشيخ الادباء والمتكلمين، ووجهاً من وجوه الكتاب والمؤلفين، الثقة العدل الامين الورع.
تتلمذ على الشيخ موسى والشيخ علي والشيخ حسن انجال الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وعلى عمه السيد باقر القزويني وكان يعبر عنه: "والدي الروحاني وعمي الجسماني"(١٠٨).
ويعبر عنه ايضاً: "والدي الروحاني وعمي الجسماني جناب المبرور العلامة الفهّامة صاحب الكرامات والإخبار ببعض المغيبات"(١٠٩).
وتخرج على السيد مهدي القزويني قدس سره الكثير من العلماء والافاضل منهم الشيخ ميرزا حسين النوري صاحب مستدرك الوسائل، وعمه السيد علي القزويني ونجله الحجة السيد محمد وغيرهم.
وله مؤلفات كثيرة منها كتاب القواعد الكلية الفقهية، وكتاب مواهب الافهام، وكتاب نفائس الاحكام، وكتاب المهذب وكتاب الفوائد وغيرها كثير.
توفي عصر يوم الثلاثاء ١٣ ربيع الاول سنة ١٣٠٠ ه(١١٠).
وقد اطرى عليه تلميذه النوري في كتبه الثلاثة(١١١) بما لا مزيد عليه، ومنها قوله:
"سيد الفقهاء الكاملين وسند العلماء الراسخين، وافضل المتأخرين، واكمل المتبحرين، نادرة الخلف، وبقية السلف، فخر الشيعة، وتاج الشريعة، المؤيد بالالطاف الجلية والخفية، السيد مهدي القزويني الاصل، المتوطن في الحلة السيفية، وهو من العصابة الذين فازوا بلقاء من الى لقائه تمدّ الاعناق صلوات الله وسلامه عليه ثلاث مرات، وشاهد الآيات البينات، والمعجزات الباهرات"(١١٢) ثم ذكر تفصيلا في بيان كراماته قدس الله روحه الزكية.
تلاميذه
خرجت مدرسته العلمية مجموعة من الفضلاء العلماء الاجلاء الذين كان لكل واحد منهم دور مؤرخ وتأثير على مسيرة الفكر الشيعي الامامي، نقتصر على ذكر اربعة من مشاهير تلاميذه وهم:
١ - الشيخ عباس القمي.
٢ - الشيخ آغا بزرگ الطهراني.
٣ - الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء.
٤ - السيد عبد الحسين شرف الدين.
ويحسن بنا أن نعرف كل واحد منهم بنحو الإيجاز والاختصار، فأمّا:
١ - الشيخ عباس القمي:
فهو عباس بن محمد رضا بن ابي القاسم القمي عالم محدث ومؤرخ فاضل ولد في قم في نيّف وتسعين ومائتين والّف وقرأ مقدمات العلوم وسطوح الفقه والاصول على عدد من علماء قم وفضلائها كالميرزا محمد الارباب.
وفي سنة ١٣١٦ هـ هاجر الى النجف الاشرف فاخذ يحضر حلقات دروس العلماء الاّ انه لازم الشيخ الحجة الميرزا حسين النوري.
وبقي الشيخ عباس القمي مع الشيخ النوري يقضي معظم اوقاته في خدمته واستنساخ مؤلفاته ومقابلة مسوداته، وقد استنسخ من كتبه (خاتمة مستدرك الوسائل) عندما ارسله الى ايران ليطبع، وكذا غيره من آثاره، وحصل على الاجازة منه.
وكان دائم الاشتغال شديد الولع في الكتابة والتدوين والبحث والتنقيب لا يصرفه عن ذلك شيء ولايحول بينه وبين رغبته فيه واتجاهه اليه حائل.
توفي رحمه الله في النجف بعد منتصف ليلة الثلاثاء ٢٣ ذي الحجة سنة ١٣٥٩ هـ ودفن في الصحن الشريف في الايوان الذي دفن فيه شيخنا النوري وبالقرب منه.
ترك المترجم له مجموعة متنوعة قيّمة من الآثار في مختلف المواضيع والعلوم، وهي تدل على مكانته السامية، وسعة اطلاعه وجلده على البحث والتنقيب وهي عربية وفارسية، وكان قد استفاد من مكتبة شيخه النوري عليه الرحمة كثيراً لإنها كانت تضم عدداً كبيراً من الذخائر والنفائس والاسفار النافعة.
ومن مؤلفاته: الكنى والالقاب، وهداية الزائرين وقد امره استاذه النوري قدس سره ان يتم كتابه فأتمّهُ(١١٣).
ومفاتيح الجنان المشهور، ونفس المهموم في مقتل الحسين المظلوم عليه السلام، ووقائع الايام، وترجمة جمال الاسبوع، ومقاليد الفلاح في اعمال اليوم والليلة، وتحفة الاحباب وغيرها(١١٤).
٢ - الشيخ آغا بزرگ الطهراني:
الشيخ محمد محسن المعروف بالشيخ آقا بزرگ الطهراني ولد في طهران ليلة الخميس ١١ ربيع الاول ١٢٩٣ هـ. بعد تعلمه مقدمات العلوم في طهران هاجر في سنة ١٣١٥ هـ الى العتبات المقدسة قال رحمه الله تعالى في وصف علاقته بالشيخ النوري قدس سره:
" تشرفت بخدمته للمرة الاولى في سامراء في ١٣١٣ بعد وفاة المجدد الشيرازي بسنة وهي سنة ورودي العراق... وذلك عندما قصدت سامراء زائراً قبل ورودي الى النجف، فوفقت لرؤية المترجم له بداره حيث قصدتها لاستماع مصيبة الحسين عليه السلام وذلك يوم الجمعة الذي ينعقد فيه مجلس بداره، وكان المجلس غاصاً بالحضور، والشيخ على الكرسي مشغول بالوعظ، ثم ذكر المصيبة وتفرق الحاضرون، فانصرفت وفي نفسي ما يعلمه الله من اجلال واعجاب واكبار لهذا الشيخ اذ رأيت فيه حين رأيته سمات الابرار من رجالنا الاول.
ولما وصلت الى النجف بقيت أُمنّي النفس لو ان تتفق لي صلة مع هذا الشيخ لاستفيد منه عن كثب.
ولما اتفقت هجرته الى النجف في ١٣١٤ لازمته ملازمة الظل ست سنين حتى اختار الله له دار اقامته، ورايت منه خلال هذه المدة قضايا عجيبة لو اردت شرحها لطال المقال..."(١١٥).
وقال اشهر اساتذته في النجف الاشرف الشيخ حسين النوري، والسيد مرتضى الكشميري المتوفي سنه ١٣٢٣، والشيخ محمد طه نجف المتوفي ١٣٢٣، والحاج ميرزا حسين حاج ميرزا خليل المتوفي سنة ١٣٢٦، والشيخ محمد كاظم الخرسان صاحب الكفاية المتوفي سنة ١٣٢٩، والسيد محمد كاظم اليزدي صاحب العروة الوثقى المتوفي سنة ١٣٣٧ والميرزا محمد تقي الشيرازي صاحب ثورة العشرين في العراق المتوفي سنة ١٣٣٨ والشيخ فتح الله شيخ الشريعة الاصفهاني قائد ثورة العشرين في العراق بعد الشيخ محمد تقي الشيرازي المتقدم ذكره، وكانت وفاته سنة ١٣٣٩ ه(١١٦).
وقد عرف عن الشيخ اقا بزرگ الطهراني كثرة تأليفاته فقد انفق عمره في التأليف فاخرج كتباً فريدة في بابها لم يسبق الى مثلها(١١٧).
ومن اشهر كتبه (الذريعة) وقد طبع بـ ٢٩ مجلداً، وكتاب (طبقات اعلام الشيعة) طبعت منه ١٣ مجلداً، وكتاب (مصفى المقال في مصنفي الرجال) و(هدية الرازي الى المجدد الشيرازي)، و(النقد اللطيف في نفي التحريف عن القرآن الشريف)، وغيرها من المؤلفات الكثيرة(١١٨).
توفي يوم الجمعة لثلاثة عشر خلون من ذي الحجة لسنة ١٣٨٩ هـ ودفن في مكتبته في النجف الاشرف(١١٩).
٣ - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء:
ابن الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا بن الشيخ موسى بن شيخ الطائفة الشيخ جعفر صاحب كتاب كشف الغطاء.
ولد في النجف الاشرف في ١٢٩٤ هـ وبعد ان تلقى مقدمات العلوم، وبعد ان اتم دراسة سطوح الفقه والاصول وهو بعد شاب، اخذ بالحضور في دروس الطبقات العليا كالشيخ محمد كاظم الخراساني فقد حضر بحثه ست دورات، والسيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ اغا رضا الهمداني، وتتلمذ في الفلسفة والكلام على الميرزا محمد باقر الاصطهباناتي، والشيخ احمد الشيرازي، والشيخ علي محمد النجف آبادي.
له مؤلفات كثيرة منها شرح العروة الوثقى، وكتاب الدين والاسلام، وكتاب نزهة السمر، وكتاب المراجعات الريحانية وغيرها كثير.
وكان له نشاط سياسي اسلامي كبير وفهم دقيق للعبة الامم تجده واضحاً في كتابة (المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون) وكان هذا الكتاب آخر ما صدر من يراعه.
كتب الشيخ آقا بزرگ عن علاقته بالشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء قائلا:
" وهو من اقدم اصدقائي، وصلتي به قديمة وقديمة جداً يرجع عهدها الى اكثر من خمسين سنة، واتذكر ان بداية هذه الصلة كانت يوم كان يختلف الى دار شيخنا العلامة النوري المتوفي عام ١٣٢٠، ويلازمه سفراً وحضراً، وكان كثير الحب لي وشديد الوفاء بعهود الوداد"(١٢٠).
وقد اجازه جملة من العلماء منهم الميرزا حسين النوري(١٢١) وكانت وفاته بعد صلاة الفجر يوم الاثنين ١٨ ذي القعدة ١٣٧٣ هـ في مدينة كرند، ونقل جثمانه إلى النجف ودفن بمقبرة خاصة اعدها لنفسه في وادي السلام(١٢٢).
٤ - السيد عبد الحسين شرف الدين:
ومن اشهر تلاميذ النوري الاخرين وممن استجازه العلامة المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله تعالى(١٢٣).
ولد في العراق في بلدة الكاظمية سنة ١٢٩٠ هـ ونشأ في العراق.
وتتلمذ على الشيخ محمد كاظم الاخوند الخراساني وحضر على الاستاذ الشيخ محمد طه نجف وعلى الشيخ حسن الكربلائي بالحائر، وعلى الشيخ فتح الله شيخ الشريعة الاصفهاني، والسيد محمد كاظم اليزدي واجيز من الميرزا حسين النوري(١٢٤).
له مؤلفات كثيرة منها: المراجعات، الفصول المهمة، اجوبة مسائل جار الله، وشرح كتاب التبصرة، ورسالة في منجزات المريض، والنصوص الجلية في الامامة، وسبيل المؤمنين في الامامة، وكتاب ابو هريرة، وكتاب النص والاجتهاد، وغيرها. وله مواقف سياسية وفكرية واجتماعية مفصلة في محلها، كما انه اسس مجموعة من المؤسسات الاجتماعية والعلمية مازالت قائمة لحد الآن.
توفي يوم الاثنين ٨ جمادي الثانية سنة ١٣٧٧ هـ ودفن في النجف الاشرف(١٢٥).
مؤلفاته
مكتبته:
عرف عن الشيخ النوري قدس سره شغفه بجمع الكتب لاسيّما القديمة منها والاصول وقد جمع مكتبة من نفائس الكتب والمخطوطات ندرت ان تجتمع عند غيره، وقد حصل على بعض الاصول التي لم يحصل عليها غيره حتى الشيخ المجلسي قدس سره والحر العاملي قدس سره، فقد قال تلميذه الوفي العلامة المرحوم آقا بزرگ الطهراني في ضمن حديثه عن كتاب "الاشعثيات":
"هذا الكتاب مما لم يظفر به العلامة المجلسي ولا المحدث الحر العاملي مع شدة تنقيبهما للكتب، وانما ذخره الله تعالى لشيخنا العلامة النوري، ومنّ عليه بحصول نسخة منه ضمن مجموعة عنده، ثم هيأ له مصادر اخرى مصححة معتبرة، ووفقه لتأليف مستدرك الوسائل.."(١٢٦).
ونالت مكتبته الفريدة اعجاب جميع زائريه فقد تحدث عنها معاصره الشيخ حرز الدين بقوله: "وقد تملك مكتبة فيها نفائس المخطوطات والكتب القديمة"(١٢٧).
وقال عنه السيد الأمين: (وجمع من نفائس المخطوطات كتباً كثيرة دخلت عليه مرة وهي منضدة حوله لكنها تفرقت بعد موته أيدي سبأ"(١٢٨).
شغفه بتحصيل الكتب:
وله في تحصيل الكتب النادرة حالات ابهرت معاصريه، وكان يبذل الكثير من اجلها حتى لو تطلب ذلك بذل اعزّ شيء عنده.
منها ما ذكره تلميذه الوفي العلامة المحقق المؤرخ الكبير الشيخ اغا بزرگ الطهراني في اثناء حديثه عن شخصية استاذه النوري قدس سره:
"وله في جمع الكتب قضايا: مرّ ذات يوم في السوق فرأى اصلا من الاصول الاربعمائة في يد امرأة عرضته للبيع، ولم يكن معه شيء من المال، فباع بعض ما عليه من الالبسة واشترى الكتاب، وامثال ذلك كثير..."(١٢٩).
ونقل صاحب الاعيان قصة شبيهة بهذه القصة التي نقلها تلميذه، ولعلها واحدة وقعت فيها الزيادة قال:
"يحكى عنه رجوعه في السوق(١٣٠) امرأة بيدها كتابان تريد بيعهما فنظرهما فاذا هما من نفائس الكتب وقد كان له مدة يطلبهما ولا يجدهما فساومها عليهما فطلبت منه قيمة فدفع لها باقي نفقته فلم تكف فنزع عباءته واعطاها الدلال فباعها فلم تكف قيمتها فنزع قباءه وباعه واتم لها القيمة"(١٣١).
وقد نقلت هذه القضية او قضية اخرى تشبهها في كتاب (وفيات العلماء) باللغة الفارسية، ما ترجمتها:
"كتب الحاج الميرزا هادي الخراساني في كتاب المعجزات والكرامات ان الحاج النوري تشرف الى كربلاء بصحبة السيد اسد الله الاصفهاني وهو من الاصحاب الذين في الناحية المقدسة(١٣٢).
وقال الشيخ في اثناء الطريق: اني طلبت الكتاب الفلاني كثيراً وكلما بحثت عنه لم اجده، ولكني سوف اطلبه في هذا السفر من سيد الشهداء عليه السلام.
فعندما دخلنا كربلاء ودخلنا الحرم المطهر خرجنا بعد الزيارة والصلاة فرأينا عند محل خلع الاحذية امرأة وبيدها كتابان فسألها المرحوم النوري عن الكتابين، فقال المرأة: انهما للبيع.
فنظرنا الى الكتابين فاذا هما الكتابان اللذان اردناهما.
فقال: بكم تبيعيهما.
فقالت: باثنين وعشرين قراناً.
ولم يكن حينها عند المرحوم النوري الحاج السيد اسد الله الاّ ستة قرانات فقط، وكانت نثرية سفرهما، فاعطاها الى تلك المرأة، ثم باع عباءته فلم تكفِ ايضاً، فباع عمامته فلم تكفِ فباع قباءه فلم تكفِ، فباع اخيراً حذائه فتمت القيمة فاعطاها للمرأة وأخذ الكتابين.
يقول المرحوم السيد اسد الله: وجئنا على تلك الحال وجلسنا في زاوية من الصحن فجاءنا الأصدقاء بالملابس"(١٣٣).
مؤلفاته بين الكم والكيف:
وصفه من أرخ له بانه (كان لا يفتر عن المطالعة والتأليف)(١٣٤).
وقد وصفه العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين قدس سره بقوله: "اعرفه بالتقصي في البحث والتنقيب. شيخ المحدثين في عصره وصدوق حملة الآثار شيخنا ومولانا الاورع الميرزا حسين النوري صاحب المستدركات على الوسائل"(١٣٥).
واما عن حسن نظم مؤلفاته وجودة تأليفه فقد قال تلميذه الطهراني:.
"ترك شيخنا آثاراً هامة قلّما رأت عين الزمان نظيرها في حسن النظم، وجودة التأليف، وكفى بها كرامة له... لو تأمل انسان ما خلّفه النوري من الاسفار الجليلة، والمؤلفات الخطيرة التي تموج بحياة التحقيق والتدقيق، وتوقف على سعة في الاطلاع عجيبة، لم يشك في انه مؤيد بروح القدس"(١٣٦).
ويقول الطهراني ايضاً عن كثرة تأليفاته قدس سره بعد الكلام الذي نقلناه سابقاً عنه بقيامه بجلّ مهامّ واعمال السيد المجدد الشيرازي قدس سره الاجتماعية والمالية والادارية وغيرها:
"أفترى ان من يقوم بهذه الشواغل الاجتماعية المتراكمة من حوله يستطيع ان يعطي المكتبة نصيبها الذي تحتاجه حياته العلمية؟
نعم ان البطل النوري لم يكن ذلك كله صارفاً له عن اعماله، فقد خرج له في تلك الظروف ما ناف على ثلاثين مجلداً من التصانيف الباهرة غير كثير مما استنسخه بخطه الشريف من الكتب النادرة النفيسة.
اما في النجف وبعد وفاة السيد المجدد فلم يكن وضعه المادي كما ينبغي ان يكون لمثله، وأتخطر الى الآن انه قال لي يوماً: اني اموت وفي قلبي حسرة، وهي اني مارأيت احداً آخر عمري يقول لي يا فلان خذ هذا المال فاصرفه في علمك وقرطاسك، او اشتر به كتاباً، او اعطه لكاتب يعينك على عملك.
ومع ذلك فلم يصبه ملل، او كسل فقد كان باذلا جهده، ومواصلا عمله حتى الساعة الاخيرة من عمره.."(١٣٧).
ويقول تلميذه الآخر الشيخ عباس القمي قدس سره:
"وكم له رحمه الله من الله تعالى الطاف خفية ومواهب غيبية: ونعم جليلة؛ اعظمها انه قدس سره مع كثرة اسفاره ألّف تأليفات كثيرة رائقة، وتصنيفات جليلة فائقة، تبلغ عددها مايقرب من ثلاثين، تخبر كل واحد عن طول باعه وكثرة اطلاعه..."(١٣٨).
مؤلفاته:
١ - أجوبة المسائل(١٣٩).
٢ - أخبار حفظ القرآن(١٤٠).
٣ - الاربعونيات.
قال الطهراني: "مقالة مختصرة لشيخنا العلامة النوري كتبها على هامش نسخة الكلمة الطيبة المطبوعة جمع فيها أربعين أمراً من الامور التي اُضيف اليها عدد الاربعين في أخبار الأئمة الطاهرين عليهم السلام"(١٤١).
٤ - البدر المشعشع في ذرية موسى المبرقع.
فرغ منه في ربيع الأول سنة ١٣٠٨، وطبع فيها ببمبي على الحجر وعليها تقريظ المجدد، ونسخة منه بخطه أهداها كتابة للحجة الميرزا محمد الطهراني(١٤٢).
وذكر فيه ترجمة السيد الشريف ابي جعفر موسى المبرقع إبن الامام ابي جعفر محمد الجواد التقي عليه السلام وشرح احواله وهجرته من الكوفة، ووروده الى قم المقدسة سنة ٢٥٦ إلى أن توفي بها سنة ٢٩٦، وذكر ذرياته وأحفاده(١٤٣).
٥ - تحية الزائر.
استدرك به على (تحفة الزائر) للعلامة المجلسي وهو آخر مؤلفاته وقد توفي قبل إتمامه، فأتمه الشيخ عباس القمي حسب رغبة الشيخ وإرادته(١٤٤).
وقد ألَّفه استدراكاً لما تركه العلامة المجلسي في تحفة الزائر من الزيارات المخصوصة أو غيرها لعدم الاعتماد على سندها، فاخرج الشيخ النوري أسانيد لها وأثبت وجه الاعتماد عليها واستدرك أيضاً ما فاته من آداب الزيارة ونكات اُخر(١٤٥).
٦ - ترجمة المجلد الثاني من دار السلام الى اللغة الفارسية.
لم تتم(١٤٦).
٧ - جنة المأوى في مَنْ فاز بلقاء الحجة عليه السلام في الغيبة الكبرى.
جمع فيه من لم يذكره العلامة المجلسي أو من كان بعده، أورد فيه تسعاً وخمسين حكاية، وفرغ منه في ١٣٠٢ ه(١٤٧) طُبع عدة طبعات آخرها مع البحار الجزء ٥٣ الطبعة الحديثة.
٨ - الحواشي على توضيح المقال.
في استدراك جمع ممن فات عن المصنف الحاج الكني من مشايخ الرجال، وقد الحقهم الحاج المذكور بالكتاب في الطبع الثاني مشيراً في آخره انّه من جمع بعض افاضل العصر(١٤٨).
٩ - الحواشي على رجال ابي علي.
لم تتم(١٤٩).
١٠ - دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام.
فرغ من تأليفه في سنة ١٢٩٢، وهي السنة الثانية من نزوله بسامراء(١٥٠).
١١ - ديوان شعره.
باللغة الفارسية، ويسمى بـ (المولودية) لأنه مجموع قصائد نظمها في الأيام المتبركة بمواليد الائمة عليهم السلام، وفيه قصيدة في مدح سامراء وهي قافيتها، وفيه قصيدته التي نظمها في مدح صاحب الزمان عليه السلام سنة ١٢٩٥(١٥١).
وهو صغير ما يقارب الالف بيت، وطبع بقطع صغيرة أيضاً(١٥٢).
١٢ - رسالة في ترجمة المولى ابي الحسن الشريف العاملي الفتوني.
كتبها على ظهر تفسيره في سنة ١٢٧٦(١٥٣).
١٣ - رسالة في ردّ بعض الشبهات على فصل الخطاب.
وهي رد على رسالة (كشف الارتياب عن تحريف الكتاب) للشيخ محمود الطهراني، وأورد فيها بعض الردود وبعثها الى المجدد الشيرازي، فاعطاها للشيخ النوري، وقد اجاب عنها بهذه الرسالة وهي باللغة الفارسية(١٥٤).
وكان يوصي كل مَنْ عنده فصل الخطاب ان يضمّ اليه هذه الرسالة التي هي في دفع الشبهات التي اوردها الشيخ محمود عليه(١٥٥).
وقد كتب الشيخ أغا بزرگ الطهراني في تأييد النوري (النقد اللطيف في نفي التحريف)(١٥٦).
١٤ - سلامة المرصاد.
فارسي في زيارة عاشوراء غير المعروفة واعمال مقامات مسجد الكوفة غير ما هو الشائع الدائر بين الناس الموجود في المزارات المعروفة(١٥٧).
كتبه للمشهدي عباس علي الخيام التبريزي في ١٣١٧ هـ وطبع في تلك السنة(١٥٨).
١٥ - شاخة طوبى. فيما يتعلق بعيد البقر(١٥٩).
وهو كتاب فارسي فيما يناسب الاعياد وايام الفرح والسرور، وفيه قصة الشيخ والمجرم، والجامعة السهامية، يقرب من ثمانية آلاف بيت(١٦٠).
١٦ - الصحيفة السجادية الرابعة.
وقد جمع ٧٧ دعاءاً له غير الادعية المذكورة في الصحيفة السجادية الاولى والصحيفة السجادية الثانية التي هي من تأليف الشيخ الحر العاملي والصحيفة السجادية الثالثة التي هي من تأليف الشيخ عبد الله الافندي(١٦١).
١٧ - الصحيفة العلوية الثانية.
وهي مشتملة على ١٠٣ ادعية من ادعية الامام علي عليه السلام جعلها تكملة واستدراكاً للصحيفة العلوية الاولى التي هي من تأليف وجمع الشيخ عبد الله السماهيجي الماحوزي المتوفي ليلة الاربعاء ٩ ج ٢ سنة ١١٣٥. ومجموع ادعيتها ١٥٦ دعاءاً(١٦٢).
١٨ - ظلمات الهاوية في مثالب معاوية.
ومباحث الكتاب عامة وان كان اسمه خاصاً؛ مرتب على أبواب وفي كل باب أورد الأحاديث المروية والحكايات والنظم والنثر الفارسي والعربي في من إنعقد له الباب، من الباب الى المحراب، ولذا بقي تحت الحجاب، ولم يرفع عن وجهه النقاب وانما يعتبر منه اولوا الالباب، وعناوين ابوابه موشحة بالاسماء والالقاب المرموزة مثل أبي ركب وزفر وفعلان الى غير ذلك(١٦٣).
١٩ - فصل الخطاب في مسألة تحريف الكتاب.
فرغ منه في النجف في ٢٨ ج ٢ ١٢٩٢، وطبع في ١٢٩٨. وبعد نشره وقع الاختلاف فيه، بين ناقد ومؤيد.
والنقطة المركزية لاختلاف الآراء حول الكتاب هو في مسألة إمكان تحريف الكتاب الشريف أو وقوعه - اعوذ بالله عزّ وجلّ - من هذا القول.
فيصّر الناقدون ان الشيخ النوري قدس سره ذكر في كتابه هذا ان الكتاب الشريف قد وقع فيه التحريف - والعياذ بالله عزّ وجلّ -.
يقول الشيخ حرز الدين قدس سره عند عدّ مؤلفات الشيخ النوري قدس سره:
"وكتاب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب). ويا ليته لم يكتبه، اذ به طالت ألسنة اليهود والملحدين ولقد أراد شيئاً فوقع فيما هو أعظم منه..."(١٦٤).
وسبق ان بيّنا ان الشيخ محمود الطهراني كتب رسالة في الرد عليه سمّاها (كشف الارتياب عن تحريف الكتاب)(١٦٥).
وكذلك فقد ردّه العلامة السيد محمد حسين الشهرستاني في رسالة أسماها (حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف)(١٦٦).
وحاول آخرون تأييده باساليب مختلفة، منها ما سلكه تلميذه الوفي في الدفاع عن استاذه وقد سعى جاهداً ان يبرئ استاذه من تهمة القول بالتحريف بعدة أماكن من كتبه بعدما ألّف رسالة بالدفاع عنه تحت عنوان (النقد اللطيف في نفي التحريف)(١٦٧).
ومهما كان عذر الشيخ النوري قدس سره ورأيه فانه يعترف بأنه أخطأ في ذلك(١٦٨) وكان الأنسب به أن يترك تأليف ذلك الكتاب الذي ضرره واقع ونفعه مفقود. وقد نصّ القرآن الكريم بحفظه إلى يوم القيامة بقوله تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)(١٦٩).
وقال عزّ من قائل: (وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)(١٧٠).
ولا يمكن بوجه من الوجوه السكوت عن القول بنقيصة القرآن فضلا عن زيادته او تحريف آياته وسوره، فان جميع تلك الاقوال مردودة باطلة، لا يقبلها حتى من يقول بها، فانهم يحرمون مسك كلماته وحروفه بدون طهارة من الحدث الاكبر والاصغر، كما إنهم يحرمون تنجيس كلمات القرآن وحروفه واهانته - أعوذ بالله تعالى - مع ان القول بالتحريف اشدّ إهانة من مسك كلمات المصحف الشريف بدون طهارة.
ولله درّ آية الله العلامة المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين حينما قال:
"والقرآن الحكيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه انما هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة، ولا لحرف بحرف، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواتراً قطعياً الى عهد الوحي والنبوة، وكان مجموعاً على ذلك العهد الاقدس مؤلفاً على ما هو عليه الآن، وكان جبرئيل عليه السلام يعارض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مراراً عديدة وهذا كله من الاُمور المعلومة لدى المحققين من علماء الامامية ولا عبرة بالحشوية فانهم لا يفقهون"(١٧١).
وعلى كل حال فجمع ذلك الكتاب كانت زلة كبيرة غفر الله تعالى له، ورحم الله تعالى الشيخ حرز الدين عندما قال (ويا ليته لم يكتبه).
وأوضح تعبير يوضح خطأ الشيخ النوري في تأليفه هذا الكتاب ما كتبه الشيخ الصافي بقوله:
"لم نرَ في علماء الامامية ومشايخهم من يعتني بكتاب فصل الخطاب، ويستند إليه، وليس بينهم من يعظم المحدث النوري لهذا التأليف، ولو لم يصنف هذا الكتاب لكان تقدير العلماء عن جهوده في تأليفه غيره من المآثر الرائعة كالمستدرك وكشف الاستار وغيرهما أزيد من ذلك بكثير، ولنال من التقدير والاكبار اكثر ما حازه من العلماء واهل الفضل... وليست جلالة قدر الرجل في العلم والتتبع والاحاطة بالحديث مما يقبل الانكار، وإن خطأه بسبب تأليف هذا الكتاب، وصيّر هدفاً لسهام التوبيخ والاعتراض، فنبذ كتابه هذا وقوبل بالطعن والانكار الشديد بل صنف بعضهم في ردّه، وفي إثبات عدم التحريف كتباً مفردة... الخ"(١٧٢).
٢٠ - الفيض القدسي في أحوال المجلسي.
فرغ منه في سنة ١٣٠٢ هـ وطبع مع البحار(١٧٣). وهو في المجلد ١٠٥ من الطبعة الحديثة المكتبة الاسلامية في طهران.
٢١ - فهرس كتب خزانته.
رتبه على حروف الهجاء(١٧٤).
ألّفه في ١٢٩٧ هـ، وأورد في أوله من الاخبار وأقوال الحكماء والعلماء والشعراء وغيرهم في مدح الكتاب والكتابة، وحفظ الكتب والانس بها ومطالعتها. يتجاوز عن خمسمائة بيت تقريباً(١٧٥).
٢٢ - كشف الاستار عن وجه الغائب عن الابصار.
والّفه ردّاً على القصيدة البغدادية التي تضمنت إنكار المهدي عليه السلام(١٧٦).
فكتبه جواباً للقصيدة في أيام قلائل في ١٣١٨ وطبع في هذه السنة بعينها. ورتبه على مقدمة وفصلين وخاتمة(١٧٧).
وقد كتبه بعد كتابه النجم الثاقب حيث صرّح رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه كشف الاستار: "وقد كشفنا عنها الحجاب، وازلنا الشك والارتياب في كتابنا الموسوم بالنجم الثاقب في احوال الامام الغائب، فانه الوشي الذي ما نسج الاقلام له مثيلا... ولكن حملت الينا السنة الرواة في هذه الاوقات قصيدة فريدة نظمها بعض علماء دار السلام ومدينة الاسلام، استغرب الناظم لها اختفاءه عليه السلام... فحداني ذلك مع تشويش البال وكثرة الاشغال ان أكتب رسالة وافية بالمرام قريبة للافهام... وسميتها كشف الاستار عن وجه الغائب عن الابصار"(١٧٨).
٢٣ - الكلمة الطيبة.
باللغة الفارسية، وهو في الاخبار والأحاديث والحكايات الاخلاقية، وفرغ منه ليلة الخميس الرابع عشر من المحرم سنة ١٣٠١ وطبع في بمبي في ١٣٥٢ في ٦١٦ صفحة. وفيه الترغيب على ترويج الدين واحترام العلماء والمؤمنين ومدح الصدقة وشروطها وآدابها وفضل الاعانة للفقراء والسادة وأفضل أزمنة الاعانة وامكنتها(١٧٩).
٢٤ - اللؤلؤ والمرجان در شرط پله اول ودوم روضة خان.
يعني في الدرجة الاولى والثانية للخطيب يعني بذلك الاخلاص والصدق؛ ألّفه قبل وفاته بسنة(١٨٠) وطبع عدة مرات.
وكان سبب تأليفه استجابة لطلب السيد محمد مرتضى الجونپوري. فرغ منه في يوم جمعة أجمعت مع النوروز وعيد الاضحى من سنة ١٣١٩ في النجف(١٨١).
٢٥ - مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل.
قال الطهراني:
"وأهم آثاره المطبوعة وغير المطبوعة واعظمها شأناً، واجلها قدراً هو (مستدرك الوسائل) استدرك فيه على كتاب (وسائل الشيعة) الذي الّفه المحدث الشيخ محمد الحر العاملي المتوفي في (١١٠٤) والذي هو احد المجاميع الثلاثة المتأخرة. وهذا الكتاب في ثلاث مجلدات كبار بقدر الوسائل اشتمل على زهاء ثلاثة وعشرين الف حديث جمعها من مواضع متفرقة ومن كتب معتمدة مشتتة مرتباً لها على ترتيب الوسائل؛ وقد ذيلها بخاتمة ذات فوائد جليلة لاتوجد في كتب الاصحاب وجعل لها فهرساً تاماً للابواب نظير فهرس الوسائل الذي سماه الحر بـ (من لايحضره الامام). ولكن مباشر الطبع عمل جدولا من نفسه للفهرست وكتب كل باب في جدول فادرج كلما يسعه الجدول من الكلمات واسقط الباقي فصار الفهرس المطبوع ناقصاً؛ وبالجملة لقد حظي هذا الكتاب بالقبول لدى عامة الفحول المتأخرين ممن يقام لآرائهم الوزن الراجح فقد اعترفوا جميعاً بتقدم المؤلف وتبحره ورسوخ قدمه واصبح في الاعتبار كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة، فيجب على عامة المجتهدين الفحول ان يطلعوا عليه ويرجعوا إليه في استنباط الاحكام عن الأدلة كي يتم لهم الفحص عن المعارض ويحصل اليأس عن الظفر بالمخصص حيث أذعن بذلك جل علمائنا المعاصرين للمؤلف ممن أدركنا بحثه وتشرفنا بملازمته، فقد سمعت شيخنا المولى محمد كاظم الخراساني صاحب (الكفاية) يلقي ماذكرناه على تلامذته الحاضرين تحت منبره البالغين الى خمسمائة أو أكثر بين مجتهد أو قريب من الاجتهاد بان الحجة للمجتهد في عصرنا هذا لاتتم قبل الرجوع الى (المستدرك) والاطلاع على ما فيه من الأحاديث " إنتهى.
هذا ما قاله بنفسه عندما وصل بحث: العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص.
وكان بنفسه يلتزم ذلك عملا، فقد شاهدت عمله على ذلك عدة ليال وفقت فيها لحضور مجلسه الخصوصي في داره الذي كان ينعقد بعد الدرس العمومي لبعض خواص تلامذته كالسيد ابي الحسن الموسوي، والشيخ عبد الله الگلپايگاني، والشيخ علي الشاهرودي، والشيخ مهدي المازندراني، والسيد راضي الاصفهاني وغيرهم، وذلك للبحث في اجوبة الاستفتاءات، فكان يأمرهم بالرجوع الى الكتب الحاضرة في ذلك المجلس وهي " الجواهر " و" الوسائل " و" مستدرك الوسائل " فكان يأمرهم بقراءة ما في المستدرك من الحديث الذي يكون مدركاً للفرع المبحوث عنه، واما شيخنا الحجة شيخ الشريعة الاصفهاني فكان من الغالين في المستدرك ومؤلفه، سألته ذات يوم - وكنا نحضر بحثه في الرجال عن مصدره في المحاضرات التي كان يلقيها علينا؛ فاجاب: كلنا عيال على النوري، يشير بذلك الى المستدرك.
وكذا كان شيخنا الاعظم الميرزا محمد تقي الشيرازي، وغير هؤلاء من الفطاحل مقر له بالعظمة رحمه الله(١٨٢).
وقد تحدث الطهراني عن سبب تأليفه النوري قدس سره لكتاب المستدرك، وكان يتحدث عن كتاب الاشعثيات الذي يقال له الجعفريات وهي الف حديث باسناد واحد، وتلك الأحاديث مرتبة على كتب الفقه، الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، الجنائز، الطلاق، النكاح، الحدود، الدعاء، السنن والآداب، وقد روى جميعها السيد الشريف الاجل اسماعيل بن الامام موسى بن جعفر عليه السلام عن ابيه موسى عن ابيه جعفر عن آبائه عليهم السلام ولذا يقال له الجعفريات، قال الطهراني:
"هذا الكتاب مما لم يظفر به العلامة المجلسي ولا المحدث الحر العاملي مع شدة تنقيبهما للكتب، وانما ذخره الله تعالى لشيخنا العلامة النوري ومنّ عليه بحصول نسخة منه ضمن مجموعة عنده ثم هيأ له مصادر أخرى مصححة معتبرة ووفقه لتأليف مستدرك الوسائل عن تلك المصادر كما ذكرها مع براهين صحتها واعتبارها في أول خاتمة المستدرك، وكان حصوله عنده أول داع وأقوى محرك له على هذا التأليف، ولذا بدأ بذكره في الخاتمة قبل سائر المصادر، كما أنه قدم أحاديثه في كل باب على سائر الأحاديث، فاصبح كتاب المستدرك من بركة هذا الكتاب ومصادره المعتبرة كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة في أنه يجب على عامة المجتهدين الفحول أن يطلعوا عليها ويرجعوا اليها في استنباط الأحكام عن الأدلة كي تتم له الفحص عن المعارض ويحصل اليأس عن الظفر بالمخصص، وقد أذعن بذلك جل علمائنا المعاصرين لمؤلفه ممن أدركنا بحثه وتشرفنا بملازمته، فلقد سمعت شيخنا الآية الخراساني صاحب الكفاية يلقي ما ذكرنا على تلامذته الحاضرين تحت منبره البالغين إلى خمسمائة أو أكثر بين مجتهد أو قريب من الاجتهاد مصرحاً لهم بان الحجة للمجتهد في عصرنا هذا لاتتم قبل الرجوع إلى المستدرك والاطلاع على ما فيه من الأحاديث ولقد شاهدت عمله على ذلك في عدة ليال وفقت لحضور مجلسه الخصوصي في داره الذي كان ينعقد بعد الدرس العمومي لبعض خواص تلاميذه للبحث في أجوبة الاستفتاءات بالرجوع إلى الكتب الحاضرة في ذلك المجلس ومنها المستدرك فكان يأمرهم بقراءة ما فيه من الحديث الذي يكون مدركاً للفرع المبحوث عنه وأما شيخنا الحجة شيخ الشريعة الاصفهاني فكان من الغالين في المستدرك ومؤلفه وكذا شيخنا الآية الأتقى ميرزا محمد تقي الشيرازي قدس الله اسرارهم"(١٨٣).
٢٦ - مستدرك مزار البحار.
لم يتم(١٨٤).
٢٧ - معالم العبر في استدراك البحار السابع عشر.
فرغ منه بسامراء سنة ١٢٩٦(١٨٥).
٢٨ - مواقع النجوم ومرسلة الدر المنظوم، والشجرة المونقة العجيبة(١٨٦).
في سلسلة اجازات العلماء من عصره الى زمن الغيبة، وهو أول مؤلفاته فرغ منه ليلة الاثنين ٢٤ رجب ١٢٧٥.
وهو مشجر عجيب ذات فوائد جليلة في كشف طرق رواية المشايخ وكيفية اتصال اسانيدهم وسلسلة اجازاتهم(١٨٧).
٢٩ - مواليد الائمة.
رسالة مختصرة فارسية في تعيين مواليدهم على ما هو الأصح عنده(١٨٨).
٣٠ - ميزان السماء في تعيين مولد خاتم الانبياء صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وهو باللغة الفارسية، اثبت فيه ان مولده صلّى الله عليه وآله وسلّم في السابع عشر من ربيع الاول بالبراهين الحسابية، المنظمة الى مقدمة اجماعية، فرغ منه في الثالث عشر من ربيع الثاني من سنة تسع وتسعين ومائتين والف، وطبع ايضاً في تلك السنة، وذكر في آخره المعجزات الاربعة الواقعة بالنجف في تلك السنة، ومعجزة اخرى وقعت بالسرداب المقدس بسرّ من رأى(١٨٩).
٣١ - النجم الثاقب في احوال الامام الغائب عليه السلام.
بالفارسية في غيبة الامام الثاني عشر عليه السلام، كتبه في ثلاثة اشهر بامر سيدنا الشيرازي المتوفي سنة ١٣١٢ هـ، مرتباً على ١٢ باباً، أشار في أوله الى اسماء جملة من كتب الغيبة، ثم أورد فهرس مطالب الكتاب، فرغ منه سنة ١٣٠٣ ه(١٩٠).
٣٢ - نفس الرحمان في فضائل سيدنا سلمان.
وهو أول ما برز من مؤلفاته(١٩١) بعد تأليفه مواقع النجوم المتقدم، قال النوري قدس سره عند عدّ مؤلفاته " فبرز مني بحمد الله تعالى كتاب نفس الرحمن في فضائل سيدنا سلمان عليه السلام وهو اول مؤلفاتي بعد الشجرة المونقة في سلسلة اجازات العلماء المسماة بمواقع النجوم"(١٩٢).
وقد عارضه بعض المؤلفين، واشيع بان النوري يفضل سلمان على سيدنا العباس بن أمير المؤمنين عليهما السلام - اعوذ بالله تعالى - في هذا الكتاب، ولكن بعد البحث فيه من اوله الى آخره لم نجد هذه الدعوى، فيظهر انها من الافتراءات التي لا اصل لها.
وقد ذكرت له مؤلفات اُخرى:
١ - آداب الزيارة، ذكر المرحوم الشيخ حرز الدين(١٩٣) ولعله نفسه تحية الزائر، أو سلامة المرصاد. والله العالم.
٢ - عدّ السيد محمد مرتضى الجنفوري في رسالته التي الّفها فهرساً لتصانيف الشيخ النوري؛ من تصانيفه الفارسية المطبوعة؛ جوابه عن سؤال السيد محمد حسن الكمال پوري المطبوع في البركات الاحمدية(١٩٤).
٣ - تقريرات بحث استاذه الطهراني(١٩٥).
٤ - تقريرات المجدد الشيرازي(١٩٦).
وقد رأى الكتابين المرحوم الميرزا محمد العسكري، بخطه الشريف في مكتبته، لكن احتمل الميرزا العسكري ان الثاني لغيره وإنما استنسخه بخطه(١٩٧).
٥ - مجموعة من المتفرقات فيها فوائد نادرة(١٩٨).
٦ - وأجوبة الاسئلة والاوراق المتفرقة(١٩٩).
٧ - وقال العلامة الطهراني بعد عدّ مؤلفاته:
"كما انه لم يدع كتاباً في مكتبته الاّ وعلق عليه وشرح موضوعه واحوال مؤلفه، وما هنالك من الفوائد"(٢٠٠).
٨ - وقال: "وقد كتب ما كان يمليه في مجالس وعظه من الأخلاق والآداب جماعة منهم المولى محمد حسين القمشهي الصغير"(٢٠١).

* * *

أقوال العلماء فيه
ويحسن بنا ونحن نستعرض الجوانب العلمية في شخصية النوري قدس سره ان نسجل أقوال العلماء فيه لاجل أن نحيط بها من جميع الجوانب، ولأن اقوال العلماء تثبت شهادة علمية لموقعه العلمي.
١ - العلامة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء رحمه الله تعالى في مقدمة قصيدته التي ردّ بها على القصيدة التي انكر صاحبها وجود الامام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وقد قدّم قصيدته تلك هدية الى صاحب رسالة كشف الأستار حيث قال:
"انه وردت الينا في هذه الايام قصيدة من بعض جماعة دار السلام ولكنها يتيمة وان كانت في سوق الشعراء ما لها قيمة، يسأل فيها عن امور الحجة المنتظر والامام الثاني عشر وتصدى شعراء العصر للجواب عنها ولكنهم لم يبلغوا حقيقته وان اجادوا، وما أصابوا الغرض وان احسنوا بما جاؤا به وأفادوا؛ فقلت في نفسي أعط القوس باريها، فلا يخطي مراسيها، فعرضتها على علامة الفقهاء والمحدثين، جامع اخبار الائمة الطاهرين، حائز علوم الاولين والاخرين، حجة الله على اليقين، من عقمت النساء من ان تلد مثله، وتقاعست اساطين الفضلاء فلا يداني احدٌ فضله ونبله، التقي الأواه، المعجب ملائكة السماء بتقواه، من لو تجلى الله لخلقه لقال هذا نوري، مولانا ثقة الاسلام الحاج ميرزا حسين النوري ادام الله تعالى وجوده الشريف، وحفظ سورة بقائه المبارك من التنقيص والتحريف؛ فكتب أيده الله تعالى رسالة أبهرت العقول والالباب، ولم يأت احدٌ بمثلها في هذا الباب؛ وحيث ان السؤال كان نظماً احببت ان يكون الجواب طبق السؤال، فنظمتها على الوزن والقافية على تشتت البال وجعلتها خدمة لامامنا الحجة ولنوابه الاعلام خصوصاً صاحب الرسالة فان له على جميع المؤمنين منة لا يقوم بواجبها الشكر ولو مدى العمر"(٢٠٢).
٢ - وقال الشيخ حرز الدين قدس سره في وصفه:
"العالم الفاضل الجامع الثقة الجليل... وكان شيخاً عالماً محيطاً بعلم الحديث والرجال"(٢٠٣).
٣ - الشيخ عباس القمي صاحب كتاب مفاتيح الجنان:
"وكان رحمه الله تعالى حسن المحاضرة، سريع الكتابة، كثير الحافظة، مقبلا على شانه، مستوحشاً عن اوثق اخوانه، وكان شديد العبادة، كثير الزهادة، لم يفته صلاة الليل والقيام في طاعة ربه في آناء الليل، وكان جامعاً أعلى كل مكرمة وشرافة، وأسنى كل خصلة وفضيلة، وبلغ من كل خير ذروته، واخذ من كل علم شريف جوهره وحقيقته؛ اما علمه فأحسن فنه الحديث، ومعرفة الرجال، والاحاطة بالاقوال، والاطلاع بدقائق الايات ونكات الاخبار بحيث تتحير العقول عن كيفية استخراجه جواهر الاخبار عن كنوزها، وترجع الابصار حاسرة عن ادراك طريقته في استنباط اشاراتها ورموزها، فسبحان الله المتعال من كثرة اطلاعه، وطول باعه، وشدة تبحره في العلوم والاخبار والسنن والاثار؛ كان بحراً مواجاً وسراجاً وهاجاً، وكان ضنيناً بعمره بحيث لم يدع دقيقة من دقائق عمره، ونفيس جوهر حياته يمضي بلا فائدة، ويفنى بلا عائدة، بل اخذ منه حظه ونصيبه اما بجمع شتات الاخبار، وتأليف متفرقات ماورد عن الائمة الاطهار؛ وأما بالذكر وتلاوة الآيات، او بالصلاة والنوافل المندوبات؛ مواضباً لكل سُنة سنية، ومؤدّ لميسور دقائق الآداب الدينية؛ كان واعظاً لغيره بافعاله والقواله، وداعياً الى الله بمحاسن احواله؛ تذكر الله تعالى رؤيتهُ، ويزيد في العلم منطقه، ويُرَغِّبْ في الآخرةِ عمله؛ ما قام أحدٌ من مجلسه إلا بخير مُستفاد جديد، وشوق الى الثواب، وخوف من الوعيد؛ لا يختار من الاعمال المندوبة الاّ أحمزها واتعبها، ولا يأخذ من السنن الاّ احسنها.
أفعاله كانت منطبقة على كلامه، وكلامه مقصور على ما خرج عن أمامه؛ لازمت خدمته برهة من الدهر في السفر والحضر والليل والنهار، وكنت استفيد من جنابه في البين الى أن نعب بيننا غراب البين"(٢٠٤).
وقال في مكان آخر: "شيخنا الاجل الاعظم، وعمادنا الارفع الاقوم، صفوة المتقدمين والمتأخرين، خاتم الفقهاء والمحدثين، سحاب الفضل الهاطل، وبحر العلم الذي ليس له ساحل، مستخرج كنوز الاخبار، ومحي ما اندرس من الاثار، كنز الفضائل ونهرها الجاري، شيخنا ومولانا العلامة المحدث الثقة النوري أنار الله تعالى برهانه واسكنه بحبوحة جنانه"(٢٠٥).
وقال في كتاب آخر له بعبارة تقرب من هذه العبارة(٢٠٦).
٤ - وقال تلميذهُ الشيخ آغا بزرگ الطهراني:
"وهو سندٌ من اجل الاسناد الثابتة ليوم المعاد، وكيف لا وهو خرِّيت هذه الصناعة، وإمام هذا الفن فقد سبر غور علم الحديث حتى وصل الى الاعماق فعرف الحابل من النابل، وماز الغث من السمين، وهو خاتمة المجتهدين فيه، اخذه عنه كل من تأخر من أعلام الدين وحجج الاسلام، وقلما كتبت اجازة منذ نصف قرن الى اليوم ولم تصدر بأسمه الشريف، وسيبقى خالد الذكر ما بقي لهذه العادة المتبعة من رسم، وهو اول من اجازني والحقني بطبقة الشيوخ في سن الشباب وقد صدرت عنه إجازات كثيرة بين كبيرة ومتوسطة ومختصرة وشفاهية"(٢٠٧).
وقال في مكان آخر: "كان الشيخ النوري احد نماذج السلف الصالح التي ندر وجودها في هذا العصر، فقد امتاز بعبقرية فذة، وكان آية من آيات الله العجيبة، كمنت فيه مواهب غريبة، وملكات شريفة اهلته لان يعدّ في الطليعة من علماء الشيعة الذين كرسوا حياتهم طوال اعمارهم لخدمة الدين والمذهب، وحياته صفحة مشرقة من الاعمال الصالحة، وهو في مجموع آثاره ومآثره إنسان فرض لشخصه الخلود على مرّ العصور، والزم المؤلفين والمؤرخين بالعناية به والاشادة بغزارة فضله، فقد نذر نفسه لخدمة العلم، ولم يكن يهمه غير البحث والتنقيب والفحص والتتبع وجمع شتات الاخبار، وشذرات الحديث، ونظم متفرقات الآثار وتأليف شوارد السير، وقد رافقه التوفيق، واعانته المشيئة الالهية، حتى ليظن الناظر في تصانيفه ان الله شمله بخاصة الطافه، ومخصوص عنايته، وادخّر له كنوزاً قيمة لم يظفر بها اعاظم السلف من هواة الآثار ورجال هذا الفنّ، بل يخيل للواقف على امره ان الله خلقه لحفظ البقية الباقية من تراث آل محمد عليه وعليهم السلام (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم).."(٢٠٨).
وقد شحنت كتب الشيخ الطهراني بمدحه لاُستاذه النوري وقد تقدم منّا نقل بعضها في مواضع متعددة من هذه الرسالة، وخوفاً من التكرار والاطالة اكتفينا بهذا المقدار محيلين الى اماكنها للموارد الاخرى التي ذكرها العلامة الطهراني قدس سره، والطف ما قاله في احدى اجازاته (شيخي العلامة خاتمة المحدثين والمجتهدين المبرّء على رغم غدوه من كل شين التقي النقي الحاج الميرزا حسين نوري الطبرسي...) راجع ضياء الدراية: ص ١٠٢.
٥ - وقال المؤرخ الايراني اعتماد السلطنة - وكان يشغل منصب وزير المطبوعات (الاعلام) في اواخر عصر ناصر الدين شاه - ما تعريبه:
"الحاج الميرزا حسين الطبرسي: من عظماء العلماء، وقد امتاز بجلالة قدره وعلو شأنه عن اقرانه، وبترويج امور المذهب الجعفري، وتشييد بنيان الطريقة الاثني عشرية، ونشر اخبار وآثار اهل بيت العصمة عليهم السلام، وقلما وفق احد من معاصريه لمثل ما وفق اليه في علمي الحديث والتفسير ومعرفة احوال الرواة وطبقات رجال الاسناد، وتراجم علماء الاسلام، وانه حالياً في مقدمة العلماء الايرانيين.
وكان والده الجليل الميرزا محمد تقي المازندراني من فحول المجتهدين ومشاهير رؤساء عهد الخاقان المبرور فتح علي شاه رحمه الله تعالى"(٢٠٩).
وبعد ان ذكر كلاماً له حول شخصية الشيخ النوري قدس سره وتسجيل بعض مؤلفاته والتي ختمها بذكر كتابه المستدرك على الوسائل وقال عنه: "ويعدّ من اجلّ آثار هذا العصر"(٢١٠).
عاد بالحديث عن الشيخ النوري حيث قال ما تعريبه: "وفي الحقيقة انه بجمعه واستخراجه وتتبعه واستقصائه لكل الأحاديث والاصول أحيى سنة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم. وبرهن بالبرهان القاطع على درجة احاطته وتبحره.
وان هذا العالم العامل والفقيه الفاضل والمحدث الكامل محل الثقة والاعتماد والمؤتمن جداً عند حضرة حجة الاسلام ثقة الانام مجدد الاحكام نائب الامام عليه السلام الحاج الميرزا محمد حسن ادام الله ايام افاضاته"(٢١١).
٦ - وقال المؤرخ الرجالي الشيخ الميرزا محمد علي المدرس ما تعريبه:
"العالم الرباني القدوسي، صاحب الفيض القدسي، صفوة خاتم الفقهاء والمحدثين المتقدمين والمتأخرين، ناشر آثار الأئمة الطاهرين، الحاج الميرزا حسين بن محمد تقي بن ميرزا محمد علي النوري الطبرسي، من ثقات الاعيان، ومن اكابر علماء الامامية الاثني عشرية في اوائل القرن الرابع عشر الهجري؛ فقيه، محدث، متتبع، مفسر، رجالي، عابد، زاهد، ورع، تقي، معروف بمقامه القدسي، والورع، والتقوى، والعبادة، والكمالات النفسانية، وليس له نظير في علم الحديث، والتفسير ومعرفة احوال وطبقات المحدثين والرواة، وتراجم احوال علماء الاسلام، وكان مهتماً بترويج احوال المذهب الجعفري، وتشييد مباني الطريقة الحقة الاثنى عشرية، ونشر آثار الائمة الاطهار عليهم السلام. وقلما وفق احد الى رتبته في الخدمات الدينية، وفي الحقيقة فانه كان تالي المحمدين الثلاثة، وثالث المجلسيين، بل كان بعض اعاظم اساتذة عصره يرجحونه على المجلسي ايضاً... الخ"(٢١٢).
٧ - وقد عبّر عنه الامام السيد الخميني قدس سره الشريف:
"المولى العالم الزاهد العابد الفقيه المحدث الاميرزا حسين النوري نوّر الله مرقده الشريف"(٢١٣).
٨ - وقال صاحب الأعيان:
"كان عالماً فاضلا محدثاً متبحراً في علمي الحديث والرجال، عارفاً بالسير والتاريخ، منقّباً، فاحصاً، ناقماً على اهل عصره عدم اعتنائهم بعلمي الحديث والرجال، زاهداً، عابداً، لم تفته صلاة الليل، وكان وحيد عصره في الاحاطة والاطلاع على الاخبار والآثار والكتب الغريبة"(٢١٤).
٩ - وقال العلامة المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين قدس سره وقد نقل عن العلامة النوري قدس سره قصة امر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ابا بكر وعمر بقتل ذي الثدية للمرة الثانية فكان حالهما الامتناع عن تنفيذ امر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كما كانت حالهما في المرة الاولى:
"وذلك فيما حدثني من اثق به في فضله وورعه وتتبعه ان ابا بكر مرّ بهذا المارق بعد ان امر بقتله فكره قتله، فوجده يصلي في بعض الاودية حيث لايطلع عليه سوى الله تعالى فراقه خشوعه وتضرعه فحمد الله تعالى على عدم قتله... " الى آخر القصة، ثم قال السيد شرف الدين قدس سره: "هذا ما حدثني به من اعرفه بالتقصي في البحث والتنقيب يرسله لي ارسال المسلّمات، وقد فاتني سؤاله عن مصدر حديثه هذا " ثم ذكر انه بعد البحث عنه بنفسه وجد الحديث ومصدره.
ثم ذكر بالهامش ان هذا الذي يعرفه بالبحث والتنقيب (هو شيخ المحدثين في عصره، وصدوق حملة الآثار، شيخنا ومولانا الاورع الميرزا حسين النوري صاحب المستدركات على الوسائل)(٢١٥).
وعلى هذا المنوال كانت كلمات جميع من ذكره حتى اولئك الذين لم يرتضوه فانهم ذكروه بالتتبع والاستقصاء والفقاهة وانه كان وحيد عصره بالاحاطة والاطلاع على الاخبار وما الى ذلك.

* * *

منهجه العلمي
من يتتبع مؤلفات الشيخ النوري قدس سره وتلميذيه الشيخ عباس القمي قدس سره والشيخ آغا بزرگ الطهراني قدس سره يجد هناك وحدة منهج في اعمالهم، وانهم ينتمون الى منهج علمي واحد ولو ان بعض معالم المنهج قد تختلف شدة وضعفاً فيما بينهم.
ويمكن ايعاز التأثر الطبيعي بين الاستاذ وتلامذته، كما بينّا سابقاً فان قوة شخصية الاستاذ، اثرت بالعمق في الفكر والحياة العلمية لتلاميذه، حيث صور تلميذه الطهراني بان هناك وحدة بين تلاميذ النوري قدس سره حتى بعد وفاته وكأن دور الاستاذ قدس سره استمر بالعطاء بعد وفاته ايضاً، وقد انقضت على وفاته سنون طويلة، فالطهراني عندما يريد ان يكتب عن حياة احد زملائه الاجلاء وهو العلامة الشيخ عباس القمي قدس سره فانه ومن البداية يحدد علاقة القمي بالنوري ويعتبرها مسألة مهمة يلزم ابتداء الحديث بها، فيقول:
"هاجر الى النجف الاشرف فأخذ يحضر حلقات دروس العلماء الاّ انه لازم شيخنا الحجة الميرزا حسين النوري، وكان يصرف معه اكثر وقته في استنساخ مؤلفاته ومقابلة بعض كتاباته، وكنت سبقته في الهجرة الى النجف بثلاث سنين، وفي الصلة بالمحدث النوري بسنتين حيث هاجر النوري الى النجف في سنة ١٣١٤ هـ...
ولا ازال اتذكر جيداً يوم تعرف المترجم له على شيخنا النوري واول زيارته له، كما اتذكر ان واسطة التعارف كان العلامة الشيخ علي القمي لأنه من اصحابه الاوائل ومساعديه الافاضل....
بقي المترجم له مع شيخنا النوري يقضي معظم اوقاته في خدمته واستنساخ مؤلفاته ومقابلة مسوداته، وقد استنسخ من كتبه خاتمة مستدرك الوسائل عندما ارسله الى ايران ليطبع، وكذا غيره من آثاره، وفي سنة ١٣١٨ هـ تشرف للحج وزيارة قبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم... ثم رجع الى النجف وعاد الى ملازمة الشيخ النوري وحصل على الاجازة منه حتى توفي الاستاذ في سنة ١٣٢٠ هـ.
بقيت الصلة بيننا نحن تلاميذ النوري فقد كانت حلقات دروس العلماء والمشاهير تجمعنا في الغالب... وبقينا على ذلك بعد وفاة شيخنا ايضاً ونحن نواصل القراءة على مشايخنا الاجلاء الآخرين..."(٢١٦).
ومع ان الفترة الزمنية التي لازموا بها شيخهم النوري قدس سره كانت قليلة بالنسبة الى السنين الكثيرة التي حضروا بها دروس العلماء والمشاهير، فانهم اصروا على ان يبقوا مفتخرين بانتمائهم الى النوري ومدرسته، وتجد الشيخ القمي يبقي انتمائه حتى بعد وفاته حيث يدفن (في الصحن الشريف في الايوان الذي دفن فيه شيخنا النوري وبالقرب منه)(٢١٧).
وكان طبيعياً ان يدرس الباحث لمدرسة النوري قدس سره العلمية من خلال تلاميذه الذين ينتمون اليه، والذين يعتبرون الامتداد الطبيعي لشخصيته العلمية وربما الاخلاقية، كما يفرض السير البحثي العلمي ان يدرس النوري بمنهجه العلمي من خلال مؤلفاته.
وهذا ما فعلناه سابقاً عند دراستنا منهج القمي قدس سره العلمي عندما كتبنا في حياته(٢١٨) وقد قلنا هناك: "ان تأثر هؤلاء الافذاذ به وبهذا المقدار الكبير من التأثر لم يكن عن عاطفة جوفاء وصداقة عابرة، بل لهم الحق في ذلك لانه اعطاهم كل وقته، ولم يترك شيئاً لنفسه دونهم بل فضلهم على نفسه وقدمهم على شخصه مع مقامه العلمي ووجاهته الاجتماعية"(٢١٩).
وقلنا هناك ايضاً:
"ان شخصية الاستاذ القوية، ومنهجه الايماني القويم، وجاذبيته الشخصية والمدرسية جذبت اولئك التلاميذ الافذاذ، وخرّجت علماءاً يبقى الزمن يفتخر بهم، ويبقى اتباع مذهب الحق يتباهون بوجود امثالهم كالشيخ القمي والشيخ الطهراني صاحب موسوعة الذريعة وغيرها"(٢٢٠).
وخلاصة الكلام ان هناك ثلاثة مراجع يستفيد منها الباحث ليشخص معالم مدرسة الشيخ النوري:
١ - المرجع الاول مؤلفاته.
٢ - المرجع الثاني تلاميذه الذين تخرجوا على يديه واعتزوا بانتمائهم اليه.
٣ - المرجع الثالث اقوال العلماء في حقه.
وعند مراجعتنا لهذه المراجع الثلاث شخصنا هذه المعالم الاساسية لمدرسة النوري قدس سره، والتي ترجع الى عنصر واحد مشترك وهو اهتمامه بعلم الحديث وعلم الرجال. فكان (ناقماً على اهل عصره عدم اعتنائهم بعلمي الحديث والرجال)(٢٢١)، ولذلك اشتهر بلقب (خاتمة المحدثين)، مع حصوله على ملكة الاستنباط ورجوع البعض اليه برأيه ببعض القضايا التي تحتاج الى فتوى ورأي مستقل وقد عرفت عنه مميزات اختص بها دون علماء عصره اهمها:.
١ - تتبعه واستقصائه واحاطته بالاحاديث، وقد علمت مما تقدم من كلمات العلماء حقيقة ذلك، ولو راجعت اي كتاب من مؤلفاته. وبين يديك كتابه الرائع النجم الثاقب. تجده كالجالس على البحر يأخذ منه مايشاء ويترك مايشاء، وكانه يعمل بجهاز كمبيوتري احاط بجميع الاخبار في جميع مصادرها، وينقلب من روايات في باب الى رواية اخرى في باب اخر لايمت الى الباب الاول بصلة، وهذه الميزة قلما تجدها في غيره، وهذه الميزة بالخصوص جعلت بعض الاعاظم يصفهُ تالي المحمدين وثالث المجلسيين بل يقدمه على العلامة المجلسي قدس سره(٢٢٢).
٢ - كثرة تأليفاته، وقلما وفق احد الى ما وفق النوري قدس سره اليه بكثرة التأليف بعد العلامة المجلسي قدس سره صاحب البحار(٢٢٣).
٣ - احاطته بعلم الرجال، (وقد كان باعتراف جميع معاصريه رجالي عصره والوحيد بفنّه)(٢٢٤).
ويشهد لذلك كتابه الجليل خاتمة المستدرك، فانه لايمكن لباحث في علم الرجال ان يغفل ما ورد فيه من آثار ومناقشات علمية سواءاً وافقه او خالفه فيها.
وقد جمع فيه احوال المتأخرين ومعاصريه وعزّ ان تجدها في غير كتبه، لذلك امست كتبه المصادر الاساسية في دراسة حياة العلماء المعاصرين له والمتقدمين عليه بفترات وجيزة.
٤ - حفظه تراث اهل البيت عليهم السلام.
فان لتقادم الزمن، وبعد التاريخ عن مصادر الشريعة المقدسة سبب اختفاء، وضياع كثير من تلك الآثار الشريفة خصوصاً ما لحق اتباع هذه المدرسة من المحن والخطوب والمصائب الكثيرة التي سجلها المؤرخون لتلك الفترات الحرجة والمظلمة التي مرّ بها شيعة أهل البيت عليهم السلام. وبمراجعة دقيقة الى فهارس مؤلفات اصحابنا رضي الله تعالى عنهم تجد المقدار الكبير الذي فقدناه من تلك المؤلفات المهمة.
ومن جملة تلك الكتب الثمينة كتاب (مدينة العلم) للشيخ الصدوق رحمه الله تعالى الذي يعدّ من الكتب الخمسة التي يرجع اليها في استنباط الاحكام الشرعية وهو بكبر كتاب (التهذيب) للشيخ الطوسي(٢٢٥)، وقد اختفى بالكلية ولم يعد له اثر مع انه كان عند السيد ابن طاووس، وقد نقل منه في كتبه.
وقد احسّ المتأخرون في زمان العلامة المجلسي قدس سره بضرورة جمع ذلك التراث العظيم الذي هو الثقل الثاني (الاصغر)، فسعوا سعيهم وشكلوا اللجان من العلماء والفضلاء، واول واكبر عمل انجز على يد العلامة المجلسي قدس سره فخرج كتاب (بحار الانوار) وكتب السيد عبد الله شبر (جامع المعارف والاحكام) والشيخ عبد الله البحراني (عوالم العلوم والمعارف والاحوال من الآيات والاخبار والاقوال)، والحر العاملي جمع (وسائل الشيعة) والفيض الكاشاني (الوافي) والسيد هاشم البحراني في تفسيره الكبير (البرهان) وغيره؛ ومع كل هذه الجهود العظيمة التي بذلها اولئك الافذاذ فقد فاتهم بعض تلك الاخبار لعدم حصولهم على بعض الكتب والتي اوصلها الله عزّ وجلّ الى العلامة النوري قدس سره، فشمّر عن ساعديه والّف موسوعاته التي ضمنها تلك الاخبار الشريفة. حتى قال تلميذه الطهراني قدس سره: "وقد رافقه التوفيق واعانته المشيئة الالهية حتى ليظن الناظر في تصانيفه ان الله شمله بخاصة الطافه ومخصوص عنايته، وادخر له كنوزاً قيمة لم يظفر بها اعاظم السلف من هواة الاثار ورجال هذا الفن، بل يخيّل للواقف على امره ان الله خلقه لحفظ البقية الباقية من تراث آل محمد عليه وعليهم السلام"(٢٢٦).
وبطبيعي الحال فان جمع تلك الشاردات، وشتات الاخبار، وشذرات الحديث ونظم متفرقات الآثار، وتأليف شوارد السير، يلزم الجامع ان يتغافل عن اجتهاده ورأيه في الحديث - كما فعل ذلك من قبله - ويتركه الى الاخرين ليبدوا ارائهم فيه، وكما هي سنة السلف الصالح والسيرة الصالحة فان الجامع للاخبار عليه ان يبذل جهده بجمع تلك الروايات الشريفة ويقدمها للاجيال فلرب حديث ضعيف عند مجتهد صحيح عند غيره، ولرب حديث صحيح عند مجتهد ضعيف عند غيره خصوصاً في الاداب والاخلاق والسيرة والتاريخ.
وقد اتخذ البعض هذه المسألة نقطة ضعف في مؤلفات الشيخ النوري قدس سره وقال: "ان الغالب على تصانيفه كونها مؤلفة على نزعة اهل الحديث"(٢٢٧).
ولسنا بصدد الدفاع عن الشيخ النوري قدس سره او انتقاده، فان المؤاخذة التي سجلت ليست ببعيدة، ولكنها ليست بهذا الشكل الواسع ايضاً ويكفي مراجعة اقوال العلماء التي نقلها تلميذه الطهراني وغيره عن كتبه وبالخصوص كتاب المستدرك، ويكفي كلمة العلامة المجدد الشيرازي قدس سره حول كتابه النجم الثاقب، فان كتبه وان حوت بعض الروايات الغريبة او الضعيفة والضعيفة جداً فان فيها من قوة التتبع والاحاطة والبرهان العلمي ما جعل باقي العلماء يمجدونها ويعدونها في مصادرهم الاولى المحترمة.
والمنهج العلمي يلزمنا اتخاذ الخط الوسط دائماً بين الافراط والتفريط. نعم اذا اخرجنا كتابه (فصل الخطاب) الذي كان عليه أن لا يكتبه ولا يعدّه في مؤلفاته وكان عليه ان يجمعه ويتلفه - فسوف تبقى كتبه الاخرى شاهداً على منهجه العلمي الذي خدم به تراث آل محمد عليهم السلام من الضياع، ولكن ضمن الملاحظة المتقدمة ان فيها ما يعدّ بالضعاف والغرابة، ولكن قلما يخلو كتاب عند الخاصة والعامة من ذلك.
ولا نردّ على اولئك الذين اتهموه بالاخبارية فانهم لم يراجعوا كتبه واقوال العلماء فيه، والاّ فان اصوليته واجتهاده مسلّمة وطريقته بالاستنباط التي هي طريقة المجتهدين، ولعل الشبهة جاءت من كتابه فصل الخطاب، او من كتاب المستدرك، والاثنان لا يثبتان باي وجه من الوجوه مدعاهم، فاما في فصل الخطاب فانه لا يقول بالتحريف الذي يقول به الاخباريون بل ويرفضه، وانه لا يسلب الحجية من ظواهر الكتاب الكريم بل هو كباقي الاصوليين يقول بحجية ظواهر الكتاب الكريم.
٥ - احياؤه لسنة الاجازة في الرواية.
الاجازة: "هو الكلام الصادر عن المجيز المشتمل على انشائه الاذن في رواية الحديث عنه بعد اخباره اجمالا بمروياته، ويطلق شائعاً على كتابة هذا الاذن المشتملة على ذكر الكتب والمصنفات التي صدر الاذن في روايتها عن المجيز اجمالا او تفصيلا، وعلى ذكر المشايخ الذين صدر للمجيز الاذن في الرواية عنه، وكذلك ذكر مشايخ كل واحد من هؤلاء المشايخ طبقة بعد طبقة الى ان تنتهي الأسانيد الى المعصومين عليهم السلام"(٢٢٨).
ونشأت الاجازة من العصور المتقدمة لاخذ الرواية، وعرف استعمالها بين جميع طوائف المسلمين للحفاظ على الاخبار الشريفة من الوضع والتدليس، واهتمّ المسلمون بها اهتماماً كبيراً، فلابد للرواية المروية عن المعصومين عليهم السلام ان تكون قد وصلت باسانيد معروفة تناقلها رجال السند بعضهم عن البعض الاخر، وكذلك الكتب التى جمعت فيها الاقوال والاخبار، ثم تطورت فكرة الاجازة، فكان لايسمح نقل الخبر من كتاب الاّ باجازة مؤلفه او مِمّن لديه الاجازة منه. فان الاجازة وحدها لاتكفي لصحة الخبر لاحتمال ان يكون ذلك الخبر قد وضع اشتباهاً او من غير المؤلف أو لأسباب اُخرى، فلذلك اشترطوا في الرواية ان تكون منقولة عن الراوي مباشرة، وشددوا على الرواية عندما اشترطوا اخذ الاجازة من الراوي حتى تضبط الرواية من التدليس والتحريف وعدم الضبط وغير ذلك، وذلك لانهم اشترطوا في المجيز ان تكون فيه اهليّة الاجازة، فان من شروطه فضلا عن ان لديه الاجازة، فلابد ان يكون قادراً على التشخيص لمن هو اهل للرواية حيث توفرت فيه شروط الضبط والعدالة والعلم والصدق وغير ذلك مما ذكرت مفصلا في مجالاتها الخاصة بهذا الموضوع.
وكانت للاجازة اهميتها في العصور التي لم تثبت الرواية في الكتب التي صنفت فيها جميع الاخبار التي نقلت عن المعصومين عليهم السلام وحفظها الرواة في صدورهم ومن ثمّ سجلها بعض منهم في سجلات سميت عند الشيعة الامامية بالاصول وكانت اربعمائة اصل او ما يقاربها بالعدد، وسميت بالاصول الاربعمائة ثم جاء المحمدون الثلاثة (الكليني والصدوق والطوسي) فجمعوها في المجاميع الاربعة فسميت بالكتب الأربعة (الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب، الاستبصار)، وبمرور الزمن اصبحت تلك الكتب متواترة مقطوعة الصدور عن اصحابها ومؤلفيها، وبقيت حاجة الفقيه منحصرة بمعرفة الفقيه بالسند الخاص بكل رواية فهو يبحث عن رجال السند الخاص بكل حديث. ولهذا السبب اقتصرت الفائدة العملية للاجازة على هذا الجانب ولذلك قلّ الاهتمام بها، وقد قال الشهيد الثاني قدس سره في حديثه عن الفائدة من الاجازة بعد تدوين الأحاديث الشريفة في كتب " لان فائدة الرواية حينئذ انما هي اتصال سلسلة الاسناد بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تبركاً وتيمّناً، والاّ فالحجة تقوم بما في الكتب، ويعرف القوي منها والضعيف من كتب الجرح والتعديل، وهذا قويّ متين"(٢٢٩).
ولم يرتض الشيخ النوري قدس سره هذا المنهج بالتعامل مع الاجازة في الرواية، وسعى جاهداً في اثبات ان السيرة الصحيحة، والموقف الشرعي يحتم سلوك الطريق القديم باخذ الاجازة بنفسها ففيها فائدة اخرى غير التيمن والتبرك. وذكر ان اول الاصحاب الذين نهجوا منهج التبرك هو الشهيد الثاني حيث قال: "انه قد شاع بين اهل العلم، ويذكر في بعض الاجازات، وصرح به جماعة اولهم فيما اعلم الشهيد الثاني ان اتصال السلسلة الى الائمة المعصومين عليهم السلام، وتحمل الروايات باحدى الطرق الثمانية التي اسهلها واكثرها الاجازة لمجرد التبرك والتيمن، وانه لا حاجة اليه في العمل بالروايات لتواتر الكتب عن مؤلفيها، او قيام القرائن القطعية على صحتها وثبوتها وانتسابها اليهم"(٢٣٠).
ومع ان هذا المنهج هو الشائع بين عصر الشهيد الثاني المتوفى سنة ٩٦٥ هـ، وبين عصر الشيخ النوري المتوفي سنة ١٣٢٠ هـ، لكن النوري قدس سره سعى جاهداً الى اثبات ان المنهج الاصوب هو منهج تحمل الاجازة الذي يقابل المنهج الاول فانه سبب هذا المنهج الى بعض الاصحاب المعاصرين له بل اساتذته وشيوخه حيث قال: "والظاهر من بعض الاصحاب توقف العمل بها عليها، وذهب اليه شيخنا الجليل المبرور الحاج المولى علي بن الحاج ميرزا خليل الرازي الطهراني قدس الله روحه"(٢٣١).
وقد فصل ادلته على هذا الرأي في كتابه الخاتمة وناقش اصحاب المنهج الاول بما لا مزيد عليه بوجوه ثلاثة نوكلها الى المصدر(٢٣٢).
ومع انه رحمه الله تعالى لم يتمكن من تغيير السيرة الجديدة عند الفقهاء اعلى الله تعالى كلمتهم ولم يستطع ان يقنعهم بتوقف العمل بالروايات على الاجازة، ولكنه استطاع ان يعيد للاجازة رونقها والاهتمام بها الى حدّ كبير، واصبحت الاجازة منذ عصره ومازالت مورد اهتمام الفقهاء والاعتناء بها اشدّ كثيراً مما كانت عليه قبل تصدّيه للدفاع عنها.
وقد اعطت هذه الحركة صفحة خاصة للنوري قدس سره فقد عرف اهتمامه بعلم الرجال وتخصصه فيه بحيث كان وحيد عصره في هذا الفنّ ولذلك صار - بتعبير تلميذه المحقق المتتبع الموسوعي الشيخ الطهراني قدس سره -: "سند من اجلّ الاسناد الثابتة ليوم المعاد، وكيف لا وهو خريّت هذه الصناعة، وإمام هذا الفنّ، فقد سبر غور علم الحديث حتى وصل الى الاعماق، فعرف الحابل من النابل، وماز الغث من السمين، وهو خاتمة المجتهدين فيه؛ اخذه عنه كل مَنْ تأخر من اعلام الدين، وحجج الاسلام؛ وقلما كتبت اجازة منذ نصف قرن الى اليوم ولم تصدر باسمه الشريف وسيبقى خالد الذكر ما بقي لهذه العادة المتبعة من رسم"(٢٣٣)..
وبالفعل فاننا لو اردنا استقراء جميع الاجازات التي صدرت من بعده وليومنا الحاضر فاننا لم نجد الاّ نادراً اجازة لم تنتهِ الى الشيخ النوري قدس سره مع كثرة الاجازات والمجيزين.
فقد اصبح الانتساب بالاجازة اليه فضيلة علمية يسعى اليه المجيزون والمجازون؛ وقد عبّر المرحوم آية الله العظمى السيد حسين البروجردي (١٢٩٢ - ١٣٨٠)، عن هذه الحقيقة، فمع انه كان مرجعاً عاماً للشيعة ويتمنى العلماء الافاضل ان يوفقوا للحصول على اجازة منه، ولكنه عندما التقى بالشيخ الطهراني - صاحب الذريعة - في سنة ١٣٦٥ هـ عندما دخل بلدة قم في طريقه لزيارة الامام الرضا عليه السلام عيّن وقتاً لملاقاته، وعطل درسه الليلي من اجله واستغرقت مواجهته قرب ثلاث ساعات اطلعه خلالها على مؤلفاته الجليلة.
قال الطهراني قدس سره:
"وله اجازة الرواية عني حيث لم تحصل له من شيخنا العلامة المحدث النوري اعلى الله مقامه، وقد استجازني لمزيد اختصاصي بالمرحوم ووثيق صلتي به، ولم يزل يتحدث بذلك، ويذكره لمن يستجيزه.."(٢٣٤).

* * *

القدوة في حياة الشيخ النوري قدّس سره
مهمة الأنبياء والأوصياء سلام الله عليهم ايصال الانسان الى اعلى مراحل الكمال، وما خلق الله تعالى الانسان الاّ من اجل ان يكون كاملا ويجلس في منصب الخلافة الالهية قال تعالى: (يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه)(٢٣٥) وقال تعالى: (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة..)(٢٣٦)..
وتحصيل الكمال اما عطائي او كسبي، والاول منحة إلهية للمخلصين من عباده، والثاني يأتي من عمل الانسان بتوفيق الله عزّ وجلّ وهم عباده المخلصون، وجعل الكُمّل من عباده قوة لغيرهم من طالبي الكمال، والكلّ مراتب ودرجات واعلى مراتب القدوة والكمال يكون في اعلى مراتب الكمال تتنزل في قوى النزول من المطلق الحق بصفاته الجمالية والجلالية كما في الحديث " تخلّقوا باخلاق الله "، فالعقل الاول والنور المحمدي والحجاب الاقرب محمد وآله المعصومين سلام الله عليهم. وقد انحصرت فيهم حقيقة الكمال في كليات قوى النزول فلا يرتقي اليهم احد من الموجودات، ولاينال مصابيحهم احدٌ من كمّل العارفين.
واما غيرهم من الناس فما اوتوا من كمال فهو يوقد من شجرتهم المباركة الزيتونة اللاشرقية واللاغربية. وهؤلاء الكاملين على مراتب، ولايمكن تصور تحقق الكمال الاعلى لغير المعصومين عليهم السلام كما انه من الممكن تصور تحقق الكمال بمراتبه الاولى لغيرهم صلوات الله عليهم، وقد تظهر في بعض الناس اسماء من الكمال دون غيرها من الاسماء الحسنى الكمالية كما ان لكل اسم من الاسماء مراتب كمالية متعددة حتى تصل الى اعلاها التي كانت كائنة في الحقيقة المحمدية.
وكل مراتب الكمال سواء بالاسماء الكلية او بالاسم الكامل فهي تجذب غير الكُمّل اليها لتكملهم ولترفعهم الى مرتبتها من الكمال.
والى هذه المعاني القدسية اشارت الروايات المتظافرة الشريفة في مراتب الايمان(٢٣٧).
وملخص هذا الكلام ان القدوة في الكمال، وان الكمال قدوة ذاتية في الموجودات. وان الناس مختلفون في مراتب الكمال، وان القدوة في كمال الكاملين وان كان كمالهم نسبي وبجهة محدودة او بجهات محدودة.
وكانت هذه المقدمة لتوضيح اشتباه يقع به الكثيرون وهم عندما يضعون انساناً قدوة فانهم يفترضون فيه ان يكون جامعاً لكل معاني القدوة في الكمال فلذلك تراهم يتراجعون عن تقييمهم الاول عندما تبدر من ذلك الكامل هفوة وزلة ويصدر منه نص؛ فانهم لا يتراجعون عن تقييمهم لدرجة كمال ذلك الانسان فحسب، بل يقلبون الميزان عكساً فيعتبرون ذلك الكمال نقصاً. فيكونون بحسابهم ذلك من الأخسرين اعمالا ويحسبون انهم يحسنون صنعاً.
واذا اردنا ان ندرس اي عالِم من علمائنا او شخصية كبيرة ظهرت فيها آيات الكمال، فعلينا ان نلتفت الى مظاهر الكمال فيه لتكون اسوة لنا في كماله، ولايشترط عدم صدور خلل او هفوة منه، لان الاقتداء بهم لكمالاتهم لا لاشخاصهم، عكس الاقتداء بالكملين فان الاقتداء بهم وباشخاصهم لانهم ذابت فيهم الانا والانانية وظهرت فيهم الاسماء الحسنى بتجلياتها.
ومهما قيل وما يمكن ان يقال في العلامة النوري قدس سره(٢٣٨) فان ما سجل في شخصية النوري قدس سره له صورة من صور الكمال التي تستحق الخلود كما قال ذلك تلميذه العلامة المحقق الطهراني قدس سره، واهم ما نجده في هذه الشخصية الكريمة ما يلي:
١ - اهتمامه الشديد بطلب العلم فتراه منذ نعومة اظفاره يتجه بكل وجوده ويسافر الى خارج موطنه وراء طلب العلم وقد كان السفر في ذلك الوقت يكلف الانسان كثيراً في نفسه وماله وعلاقاته.
ثم يستمر بطلب العلم الى ساعة وفاته ولم يسقط القلم من بين يديه.
٢ - اهتمامه بحفظ تراث اهل البيت عليهم السلام فهو المصدر الثاني من مصادر الشريعة المقدسة ويأتي بعد القرآن الكريم مباشرة. وللحفظ اشكال متعددة فمنها: جمعه، وتأليفه، والاهتمام به، والتأليف فيه، ودراسته، ودراسة علومه (علم الحديث - الدراية - الرجال وغيرها) واعطائه موقعه بفهم جميع القضايا. مع انكار الاستحسان والقياس وغيرها.
٣ - عدم الاهتمام بما يقول الناس عندما يعلم ان ما يفعله هو الصحيح وهو الذي يرضي ربه، ومثال ذلك نجده في قصة شراء الاصلين في باب صحن الامام الحسين عليه السلام التي تقدمت.
٤ - عشقه لكتب اهل البيت عليهم السلام وحفظ تراثهم وتفهمها بالقصة السابقة وغيرها.
٥ - الجد في حياته فهو لا يفوت دقيقة من حياته دون عمل وجد واشتغال كما قال تلميذه القمي: "وكان ضنيناً بعمره بحيث لم يدع دقيقة من دقائق عمره، ونفيس جوهر حياته يمضي بلا فائدة ويفنى بلا عائدة بل اخذ منه حظه ونصيبه".(٢٣٩)
٦ - النظام في اوقاته وقد تقدم النص الذي نقلناه عن الطهراني في نقباء البشر عندما شرح اوقات عمله اليومي، وهو في سن الشيخوخة(٢٤٠).
٧ - تصديه لارتقاء المنبر الحسيني الشريف ولم يتركه للبسطاء وغير المجتهدين كما هو الشائع سابقاً وحالياً غالباً، حتى اعتبر ارتقاء المنبر الحسيني مهنة يتنزه عنها فضلاء العلماء، بينما نجده في كل يوم جمعة يشتغل بعد الرجوع من الحرم الشريف بمطالعة بعض كتب الذكر والمصيبة لترتيب ما يقرؤه على المنبر بداره، ويخرج من مكتبته بعد الشمس بساعة الى مجلسه العام فيجلس ويحيي الحاضرين ويؤدي التعارفات ثم يرقي المنبر ويقرأ ما رآه في الكتب بذلك اليوم(٢٤١).
بل وفي قرائته المجلس الحسيني يعلم قراء المنبر ان لا يقولوا بغير علم، ولا يعتمدوا على محفوظاتهم القديمة فقط، بل عليهم ان يراجعوا المصادر الصحيحة في نقل ما يقولونه على منبر سيد الشهداء عليه السلام فهو مع من اوتي من حفظ وسعة اطلاع واحاطة بالحديث والفقاهة وغير ذلك لايعتمد على محفوظاته بل يراجع قبل ان يصعد المنبر، ويقضي من وقته ساعات في المراجعة لما يريد ان يلقيه في ذلك اليوم.
ومن حياته القدوة في المنبر الحسيني فانه مع مراجعته واحاطته فقد كان يحتاط في النقل بما لم يكن صريحاً في الاخبار الجزمية(٢٤٢).
ويعلم القراء الحسينيين انهم خدام الحسين عليه السلام والدالون على افضل الكرامات وان مقامهم مقام القدوة فلابد ان يعيشوا مصائب سيد الشهداء عليه السلام في حياتهم وتؤثر مصيبته في نفوسهم، فليست مهمتهم ابكاء الاخرين فقط وانما بالاضافة الى ذلك ابكاء انفسهم فالمصيبة اعظم المصائب التي جرت في السماوات والارض، فلذلك كان الشيخ النوري قدس سره اذا ما قرأ المصيبة تنحدر دموعه على شيبته(٢٤٣).
٨ - وكان مجلسه مملوءاً بالتعليم والارشاد والهداية وتوضيح حركة سيد الشهداء عليه السلام وكانت مجالس خير نافعة في التربية وقد كتب ما كان عليه في مجالس وعظه من الاخلاق والآداب جماعة منهم المولى محمد حسين القمشهي وغيره(٢٤٤).
٩ - وكان مع ما اوتي من الفضل والعلم والقرب الى السيد المجدد الشيرازي يمارس العلاقات والروابط الاجتماعية وموقع العالم في الامة. كما تقدم ذلك(٢٤٥).
١٠ - كما انه لم يجلس بمعزل عن مؤامرات الاستعمار، بل شارك بالمقدار الممكن في الحركة الثورية التي قادها السيد المجدد الشيرازي ضد الاستعمار الانكليزي ولو ان التاريخ لم يذكر ذلك تفصيلا ولكنه لم يغفل من ذكر بعض نشاطاته وتحركه كما تقدم.
١١ - اهتمامه بتربية الطلاب المخلصين الذين يحملون همّ الرسالة وبالفعل تمكن في اخر عمره ان يخرّج علمين كبيرين من علماء الامامية هما الشيخ عباس القمي والشيخ اقا بزرگ الطهراني.
١٢ - عصاميته التي رافقته طيلة حياته والتي استطاع ان يثبت للاخرين ان الانسان بنفسه وليس بغيره. فقد فقد اباه منذ صغره واعتمد على نفسه في الوصول الى مدارج الكمال بمساعدة اساتذته الذين احسن اختيارهم.
١٣ - جلده وصبره على تحمل المشاق، وان لم يذكر هذا المعلم تفصيلا ولكن قد المح اليه في بعض الكتب التي تحدثت عمّا لاقاه من خصومه، خصوصاً موقفه بتأييد السيد المجدد الشيرازي قبل الحركة وبعدها. فان السيد المجدد كان قد عانى الامرّين من الأصدقاء والأعداء ولكن بوقوف النوري الى جنبه استطاع ان يتجاوز العقبات ويخرج منتصراً بكل المعارك الى ان لاقى ربّه.
وهل نتصور ان القوم ينسون ذلك، ويغفرون له موقفه؟
ولكنه صبر وتحمل - وان حاول بعض الناس عزله في آخر حياته بحجة كتابه فصل الخطاب - ولكن وراء فصل الخطاب فصل الخطاب.
ولعل لاولئك يداً في جرّه الى كتابة فصل الخطاب الذي صار سبباً في النيل منه..
١٤ - احترامه للآخرين ولمشاعرهم والذي كان سبب وفاته كما ستأتي ان شاء الله تعالى.
١٥ - اهتمامه بالالتزام بالاداب الشرعية والسنن المحمدية والمستحبات الالهية(٢٤٦).
١٦ - احيائه للسنن؛ ومنه احياء سنة المشي على الاقدام لزيارة سيد الشهداء عليه السلام كما تقدمت(٢٤٧).
والى غير ذلك من الجوانب الجمالية في حياته رضي الله تعالى عنه، ولتلميذه الحق عندما ختم الحديث عنه (فقد رأيته عالماً ربانياً الهياً)(٢٤٨).

* * *

وفاته
تحدث الطهراني عن سبب وفاته ويومه قائلا:
وفي السنة الاخيرة يعني زيارة عرفة (١٣١٩) - وهي سنة الحج الاكبر التي اتفق فيها عيد النيروز والجمعة والاضحى في يوم واحد ولكثرة ازدحام الحجيج حصل في مكة وباء عظيم هلك فيه خلق كثير - تشرفت بخدمة الشيخ الى كربلاء ماشياً، واتفق انه عاد بعد تلك الزيارة الى النجف ماشياً ايضاً - بعد ان اعتاد على الركوب في العودة - وذلك باستدعاء الميرزا محمد مهدي ابن المولى محمد صالح المازندراني الاصفهاني صهر الشيخ محمد باقر بن محمد تقي محشى (المعالم)، وذلك لانه كان نذر ان يزور النجف ماشياً ولما اتفقت له ملاقاة شيخنا في كربلاء طلب منه ان يصحبه في العودة ففعل؛ وفي تلك السفرة بدا به المرض الذي كانت فيه وفاته يوم خروجه من النجف وذلك على اثر اكل الطعام الذي حمله بعض اصحابه في اناء مغطى الرأس حبس فيه الزاد بحرارته فلم ير الهواء وكل من ذاق ذلك الطعام ابتلى بالقي والاسهال، وكانت عدة اصحاب الشيخ قرب الثلاثين ولم يبتل بذلك بعضهم لعدم الأكل - وانا كنت من جملتهم -، وقد ابتلى منهم بالمرض قرب العشرين وبعضهم أشد من بعض وذلك لاختلافهم في مقدار الاكل من ذلك، ونجا اكثرهم بالقي إلا شيخنا فانه لما عرضت له حالة الاستفراغ امسك شديداً حفظاً لبقية الاصحاب عن الوحشة والاضطراب. فبقاء ذلك الطعام في جوفه اثر عليه كما اخبرني به بعد يومين من ورودنا كربلاء قال: اني احسّ بجوفي قطعة حجر لاتتحرك عن مكانها. وفي عودتنا الى النجف عرض له القي في الطريق لكنه لم يجده؛ وابتلى بالحمى وكان يشتد مرضه يوماً فيوماً الى ان توفي في ليلة الاربعاء لثلاث بقين من جمادي الثانية (١٣٢٠) ودفن بوصية منه بين العترة والكتاب يعني في الايوان الثالث عن يمين الداخل الى الصحن الشريف من باب القبلة وكان يوم وفاته مشهوداً جزع فيه سائر الطبقات ولاسيما العلماء. ورثاه جمع من الشعراء وارخ وفاته آخرون منهم الشاعر الفحل الشيخ محمد الملا التستري المتوفي في (١٣٢٢) قال:

مضى الحسين الذي تجسّد من * * * نور علوم من عالم الذر
قدِّس مثوىً منه حوى علماً * * * مقدّس النفس طيب الذكر
اوصافه عطّرت فانشقنا * * * منهن تأريخه (شذى العطر)

ولجثمانه كرامة، فقد حدثني العالم العادل والثقة الورع السيد محمد بن ابي القاسم الكاشاني النجفي قال: لما حضرت زوجته الوفاة أوصت أن تدفن الى جنبه ولما حضرت دفنها - وكان ذلك بعد وفاة الشيخ بسبع سنين - نزلت في السرداب لأضع خدها على التراب حيث كانت من محارمي لبعض الأسباب، فلما كشفت عن وجهها حانت مني التفاتة الى جسد الشيخ زوجها فرأيته طرياً كيوم دفن، حتى ان طول المدة لم يؤثر على كفنه ولم يمل لونه من البياض الى الصفرة(٢٤٩).

* * *
موضوع الكتاب

بمراجعة سريعة لفهرست الكتاب فان موضوعه الحديث عن المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ولا يوجد كتاب جامع مثله في موضوعه وهذا ما شهد له به السيد المجدد رحمه الله تعالى كما في تقريظه على الكتاب..
ومع عظمة تأليفه هذا الكتاب الشريف فلابد من تسجيل ملاحظات عليه كانت بودّنا ان المؤلف رحمه الله تعالى قد تخلص منها في كتابه هذا ليبقى الكتاب بدون ريب:
١ - احتواء الكتاب على بعض الروايات والتي لا تشكل موقعاً مهماً منه، بل بالعكس فان حذفها سوف لا يؤثر على اهمية الكتاب بل كان يعطي للكتاب اهمية اكبر.
ومنها استعانته ببعض الروايات غير المشهورة والتي كان يمكنه ان يستعيض عنها في محلها بروايات مشهورة ومعروفة ومتداولة بين العلماء. ونحن وان كنا - في باب البحث العلمي - نعذره لما بينّاه سابقاً من أنه كان مهتماً بجمع التراث وكان يأمل من الذين يأتون من بعده ان يأخذوا على عاتقهم التمحيص والتمييز.
٢ - نقله بعض الحكايات في من رآه في الغيبة الكبرى والتي احتوت على امور غريبة جداً بل يقطع في بعضها بعدم صحتها. ولكنه رحمه الله تعالى نقلها مع ضعفها الواضح اعتماداً على صحة سندها. ولكن بتتبع سيرة الاقدمين من علمائنا نجدهم قد نزهوا كتبهم من بعض الروايات التي صحّ سندها ولكنها غير صحيحة المعنى. ومنها تركوا العمل ببعض الروايات الصحيحة سنداً كما هو معروف عند اهله.
وللأسف الشديد فان وجود مثل تلك القصص قد يؤثر على الحكايات الاُخرى الصحيحة معنىً وسنداً، فان تلك الحكايات الاولى تدخل الشك في نفس السامع والقارئ بحيث تتوسع دائرتها الى الحكايات الاُخرى.

* * *
عملنا في الكتاب

قمنا بما يلي:
١ - ترجمة الكتاب من لغته الاصلية التي كتب بها وهي اللغة الفارسية الى اللغة العربية.
٢ - ارجاع النص العربي الى اصله من مصدره.
٣ - قمنا بتحقيق النصوص ومقابلتها مع عدة مصادر واصول للتحقق منه.
٤ - وقد كتبنا ترجمة وافية لحياة المؤلف العلامة الشيخ النوري قدس سره وجعلناها في مقدمة الكتاب.
٥ - وقمنا بالتعليق على الموارد التي رأينا من المناسب التعليق عليها وتوضيحها كما تجد كل ذلك في الكتاب الذي بين يديك.
علماً اننا حاولنا جهد الامكان ان نلتزم بالنص الفارسي وترجمته حرفياً وان كان على حساب ترك التزويق اللفظي، فما تجده من بعض العبارات التي تحتاج الى توضيح اكثر فان السبب في ذلك يعود لالتزامنا بالشرط المتقدم الذي آليناه على انفسنا للحفاظ على امانة النقل.
ثم اننا اعتمدنا في الترجمة على النسخة المطبوعة في مشهد "كتابفروشي جعفري"، وهي مطبوعة على النسخة التي طبعها حسين علي بن علي اصغر المطبوعة عن نسخة المؤلف رحمه الله تعالى.
واننا ربما اضفنا كلمة (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد اسم النبي الاكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم أو (عليه السلام) أو (عليهم السلام) بعد اسم المعصومين عليهم السلام. واننا ترجمنا كلمة (آنجناب) بارجاعه الى النبي أو الامام صلوات الله عليهم.
واشكر جميع اخواني وابنائي الاعزاء الذين ساعدوني في المطابقة والمراجعة والطبع والنشر فلهم مني جزيل الشكر ومن الله تعالى الاجر والثواب الذي يؤجرهم على ما بذلوه من جهود مشكورة في محبة حجة العصر وناموس الدهر الغائب المنتظر الحجة بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف.
واخيراً ارفع جهدي المتواضع الى الساحة المقدسة لولي الله الاعظم ارواحنا لتراب قدمه الفدى متضرعاً اليه بقبوله داعياً الله عزّ وجلّ ان يرزقنا رضاه وعفوه ودعائه وخيره ورحمته وان يجعلنا معه في الدنيا والاخرة. واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

١٣ جمادي الثانية ١٤١٥
قم المقدسة عش آل محمد عليهم السلام
ياسين الموسوي
عفى الله تعالى عنه وعن والديه بمحمد وآله الطاهرين

مقدّمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله بلا حدّ ولا قياس، بما هو أهله للقائم بالذات الغائب عن عالم الفكر والحواس، والثناء بلا حدّ ولا إحصاء بما يليق بالصاحب المأمول والمرتجى في زمان الشدة والرخاء، الهادي لما هو جلي، والدليل على ما يعمل بأمره، والتحية التامة على الروح الطاهرة، أول من أجاب بـ (بلى)، والمصطفى من الله الحق قبل أن يلبس آدم خلعة الاصطفاء، فاتح أبواب الخير والرشاد، وخاتم الرسل الأطهار، المنصور المؤيد، المحمود الأحمد أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وعلى المطهرين الأطهار من ذرية سيّد الأنبياء خصوصاً خلف السلف، وصاحب غالية عزة الشرف، قطب الأرض، وغوث الزمان، كنز الرجاء، وكهف الأمان، والجوهرة المضيئة في بحر الامكان، الحجاب الازلي للحق السبحان، والاسم الأعظم الالهي المخفي والمستور، وعنقاء القاف المحيط بالعالم، وحاكم المحتاجين، والطالب بدم المصطفين، ومطهّر اطراف الأرض من لوث الملحدين، وملك ملوك ممالك الأرض والسماء، وحجة الله البالغة على العالم والعالمين بقية الله الحجة بن الحسن العسكري صاحب العصر والزمان عليه وعلى آبائه صلوات الله الملك المنان.
وبعد: يقول العبد المذنب المسيء حسين بن العالم المؤيد محمد تقي النوري الطبرسي احسن الله تعالى عاقبته وجعل من أشرف الخواتيم خاتمته، إنّ صاحب الجاه العالي والرفيع ومحل اكتناه الكمالات الحاج ميرزا حسين علي ابن المرحوم المغفور له الحاج علي اصغر النوري وفّقه الله تعالى لمراضيه، انّه كان - وبحسب سلامة فطرته وطهارة طينته - يفكر في تحصيل الزاد للمعاد والوسيلة للفوز في مقام المرصاد، فرأى أن لا توجد وسيلة أحسن من التشبث بأذيال خليفة الرحمن وإمام الإنس والجان عليه السلام وخدمة هذا الولي العلي القدر، العظيم الشأن.
ولهذا فقد التمس وقبل عدة أشهر من حضرة المستطاب فخر الشيعة وتاج الشريعة رئيس المسلمين وسيد الفقهاء الكاملين وافضل العلماء الراشدين المنتهى اليه رئاسة الامامية في عصره، حجة الاسلام الحاج الميرزا محمد حسن الشيرازي المجاور لبلدة (سُرّ مَنْ رأى) الطيبة متّع الله تعالى اهل الايمان بطول بقائه أن يأمر بترجمة كتاب (كمال الدين) الشريف للشيخ الأقدم أبي جعفر محمد بن عليّ بن بابويه الملقب بالصدوق رضوان الله عليه الى اللغة الفارسية ليقوم بطبعه ونشره في وسط أهل الإيمان.
فاستشارني سماحته دام ظله العالي في اجابة هذا الطلب، فاجبته أن العالم الفاضل السيد علي بن السيد محمد الاصفهاني المعروف بالامامي تلميذ العلامة المجلسي، قد ترجم هذا الكتاب ضمن كتابه " هشت بهشت (ثمان جنات) " التي ترجم فيها ثمانية كتب من امثال العيون والأمالي والخصال.
وكذلك ترجم هذا الكتاب الشريف المذكور بعض الفضلاء المعاصرين من سادات شمس آباد اصفهان.
وعليه فليس هناك فائدة في تحمل أي جهد لتجديد ترجمته، فمن الاحسن أن يُسعى في الحصول على تلك الترجمة لنشرها.
وبعد ذلك انصرف ذهنه عن هذا الموضوع ليهتم في الكتاب الآخر الذي تحدث عنه، ومضت على هذه القضية مدة من الزمن حتى شهر شعبان الماضي من سنة ١٣٠٣ هـ، فقد كنت حاضراً ليلة في مجلسه الشريف وجاء الحديث بالأثناء عن تلك المسألة، وعاد التحقيق بالموضوع، وأخيراً قال: من الأحسن أن يكتب كتاب مستقلٌ في هذا الباب وانك الشخص المناسب للقيام بهذه الخدمة.
ونظراً لقلة البضاعة العلمية عند هذا الحقير، ولكثرة توارد أسباب الإضطراب، ولعدم توفّر أكثر كتبي التي تكون من أسباب القيام بهذا العمل العظيم قلت: إن مقدمات الاقدام على هذا الأمر المهم غير متوفرة، ولكني كتبت رسالة في السنة الماضية سمّيتها بـ (جنة المأوى) جمعت فيها من إلتقى بامام العصر عليه السلام غير اولئك الذين ذكروا في المجلد الثالث عشر من البحار.
فإن رأيتم مصلحة في ترجمتها واضافة ما في البحار اليها، فيصير المجموع كتاباً لطيفاً، ومن السهل عليّ القيام به.
فارتضى هذا الرأي، ولكنه قال: لا تقتصر على ذلك بل ضمّ اليها شمّة(٢٥٠) من حالاته عليه السلام ولو بنحو الايجاز والاختصار.
فاقدمت على القيام بهذه الخدمة حسب أمره المطاع مع نهاية اليأس من نفسي وحالي ولم أجد وسيلة الاّ التوسل بحق مجاورتي للقباب العالية لحرم العسكريين عليهما السلام وطلبت المدد من تلك الأبواب العالية.
وقد تمكّنت بحمد الله وببركة محلِّ البركات الالهية وفي أقلِّ مدة من القيام بهذه الخدمة، فشكرت الله جلّ ثناؤه وسميت هذه الرسالة الجليلة بـ (النجم الثاقب في أحوال الامام الغائب عليه السلام)، وقد بينت مواضيعها في اثني عشر باباً.
وقبل الشروع في الفهرست الاجمالي للأبواب والدخول في مواضيع الكتاب لابد أن ننبّه على مقدمة وهي:
أن الكتب المرتبطة ببيان احواله صلوات الله عليه والتي تعرف بكتب الغيبة كثيرة، والذي يحضرني حالياً من اسمائها:
كتاب الشفاء والجلاء في الغيبة لأبي العباس أو أبي علي احمد بن عليّ الرازي الخصيب آبادي.
كتاب مختصر ما نزل من القرآن في صاحب الامر عليه السلام لأبي عبد الله احمد بن محمد بن عياش.
كتاب ترتيب الأدلة فيما يلزم خصوص الامامية دفعه عن الغيبة والغايب، لأحمد بن حسين بن عبد الله المهراني والد أبي العباس العروضي.
كتاب في ذكر القائم من آل محمد عليهم السلام لأحمد بن رميح المروزي.
كتاب المهدي لأبي موسى عيسى بن مهران.
كتاب الغيبة للحسن بن حمزة العلوي الطبري المرعشي.
كتاب اثبات الرجعة المعروف بالغيبة لأبي محمد الفضل بن شاذان النيسابوري.
كتاب الحجة في ابطاء القائم عليه السلام له ايضاً.
كتاب ازالة الران عن قلوب الاخوان في الغيبة لأبي علي احمد بن محمد بن الجنيد المعروف بابن الجنيد.
كتاب كمال الدين للشيخ الصدوق.
رسالة الغيبة لاهل الري، له ايضاً.
كتاب الغيبة للشيخ الجليل محمد بن مسعود العياشي صاحب التفسير.
كتاب الرجعة له ايضاً.
كتاب الغيبة لأبي عبد الله محمد بن ابراهيم النعماني، تلميذ ثقة الاسلام الكليني، وهذا الكتاب من نفائس الكتب المدونة في هذا الباب وقد مدحه الشيخ المفيد في الإرشاد، وكما يظهر انّه لم يصنف قبله احسن منه في هذا الباب.
رسالة الغيبة للشيخ المفيد.
كتاب المقنع في الغيبة للسيد المرتضى، كتبه للوزير المغربي.
كتاب الغيبة لشيخ الطائفة ابي جعفر الطوسي (رحمه الله).
كتاب البرهان في طول عمر صاحب الزمان عليه السلام لأبي الفتح محمد بن علي بن عثمان، وقد جعله العلامة الكراچكي ضمن كتابه (كنز الفوائد).
كتاب صاحب الزمان عليه السلام لمحمد بن جمهور العمي صاحب كتاب (الواحدة).
كتاب وقت خروج القائم عليه السلام، له ايضاً.
كتاب الفرج الكبير في الغيبة لأبي عبد الله محمد بن هبة بن جعفر الوراق الطرابلسي.
كتاب الغيبة لأبي المظفر علي بن حسين الحمداني، الذي كان من سفراء الامام عليه السلام كما قاله الشيخ منتجب الدين في رجاله.
كتاب توقيعات الغيبة لأبي عبد الله بن جعفر الحميري.
كتاب جنا الجنتين في ذكر ولد العسكريين عليهما السلام للقطب الراوندي.
كتاب السلطان المفرج عن اهل الايمان.
كتاب سرور اهل الايمان في علائم ظهور صاحب الزمان عليه السلام.
كتاب الغيبة، والثلاثة لبهاء الدين عليّ بن عبد الكريم بن عبد الحميد الحسيني النيلي النجفي صاحب المقامات والكرامات واستاذ ابن فهد، وقد احتمل بعضهم أن الكتابين الأخيرين انما هما كتاب واحد، واما ما ذكره الحر العاملي في (أمل الآمل) في ضمن احوال السيد المذكور: أن من تصانيفه الانوار المضيئة في احوال المهدي عليه السلام فهو اشتباه، لأن (الأنوار المضيئة في الحكمة الشرعية) من الكتب التي لا نظير لها ومشتمل على جميع اصول الدين والمذهب وأبواب الفقه والأخلاق والأدعية وغيرها، ومع انّه قد بسط الكلام في احواله عليه السلام في المجلد الاول في ضمن احوال سائر الائمة عليهم السلام، لكنه ليس كتاباً مختصاً به عليه السلام.
كتاب بحار الانوار المجلد الثالث عشر [للمجلسي]، الذي هو أجمع كتاب كتب في الغيبة.
رسالة الرجعة له رحمه الله ايضاً.
كتاب كفاية المهتدي في احوال المهدي للسيد محمد بن محمد لوحي الحسيني الموسوي السبزواري الملقب بالمطهر.
والمتلخص بالنقيبي تلميذ المحقق الداماد واكثر ما في هذا الكتاب نقله عن كتاب الفضل بن شاذان فهو ينقل الخبر سنداً ومتناً اولا، ومن ثمّ يترجمه.
وكان عنده (غيبة) الشيخ الطرابلسي، و(غيبة) الحسن بن حمزة المرعشي ايضاً، وما ننقله عن هذه الكتب الثلاثة فإنّما ننقله عن هذا الكتاب.
رسالة (شرعة التسمية) للمحقق الداماد رحمه الله.
رسالة (كشف التعمية في حكم التسمية) للشيخ المحدث الحر العاملي.
كتاب (ايقاظ الهجعة في اثبات الرجعة) له ايضاً.
رسالة (الرجعة) للأمير محمد مؤمن الاسترآبادي من مشايخ اجازة العلامة المجلسي (رحمه الله).
رسالة في تحريم ذكر اسم الامام صاحب الزمان عليه السلام للعالم المحقق النحرير الشيخ سليمان الماحوزي البحراني.
رسالة (الفلك المشحون) للسيد باقر القزويني.
كتاب (مولد القائم عليه السلام)، وكتاب (المحجة فيما نزل في الحجة)، وكتاب (تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي عليه السلام) والثلاثة للمحدث الخبير السيد هاشم التوبلي البحراني.
كتاب (العوالم) مجلد منه في الغيبة للفاضل الاخوند ملا كاظم هزار جريبي، وهو مختصر لترجمة البحار، أو ترجمة لمختصر البحار.
رسالة (جنة المأوى فيمن فاز بلقاء الحجة عليه السلام في الغيبة الكبرى) للمؤلف الحقير، وهو بمنزلة المستدرك للباب الثالث والعشرين لمجلد غيبة البحار.
ترجمة الثالث عشر من البحار.
ترجمة كمال الدين.
رسالة (الغيبة للسيد الجليل السيد دلدار علي النقوي الهندي النصير آبادي وكان من فحول علماء تلك البلاد وصاحب التصانيف الكثيرة الرائعة وله اجازة من السيد بحر العلوم قدس سره وهذه الرسالة رد على اقوال عبد العزيز الدهلوي في غيبته صلوات الله عليه.
وغير ذلك من المؤلفات التي تعرضت بعضها إلى جميع احواله عليه السلام بمقدار قابلية مؤلفيها، ونقحت من البعض الآخر اموراً متعلقة به عليه السلام.
ومع كل هذه التصانيف فقد بقيت جملة من المطالب المتعلقة به عليه السلام في زوايا كتب الأصحاب لم تجمع في كتب الغيبة لحد الآن، وبما أنه لم يكن مبنى هذا الضعيف عديم البضاعة استقصاء جميع المطالب الموجودة في تلك الكتب لهذا ألفت بين بعض مستطرفات حالاته ونوادر الامور المنسوبة إلى جنابه عليه السلام وقمت بتنظيم بعض المطالب الموجودة في تلك الكتب على امل أن لا تبقى تلك المحاسن والمنافع واللطائف والبدائع مخفية ومستورة على أهل الفضل والعلم.

* * *
الفهرست

هذه مطالب أبواب الكتاب بنحو الإجمال من أجل تسهيل الحصول على كل مطلب في بابه.
الباب الأول: في ذكر شمّة من حالات ولادته صلوات الله عليه بترتيب بديع يتضمن مضامين اغلب اخبار هذا الباب مع ذكر المصدر وحذف المكررات.
وفيه إجمال لأحوال السيدة حكيمة سلام الله عليها.
الباب الثاني: في ذكر اسمائه والقابه وكناه عليه السلام، بما جاء صراحة وتلميحاً في الكتاب والسنة، وما صرح به الرواة والمحدثون وعلماء الرجال وغيرهم. وهي مائة واثنان وثمانون اسماً.
والاسم يطلق على ثلاثة اقسام كما يأتي في الباب الرابع.
الباب الثالث: ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: في شمائله عليه السلام مع استقصاء تام وايجاز في الكلام.
الفصل الثاني: في خصائصه والألطاف الالهية التي خصت به عليه السلام أو التي سوف تخص به والمنسوبة إلى جميع الأنبياء والأوصياء عليهم السلام أو المنسوبة إلى أكثرهم، والتي شاركه عدّة منهم في بعضها.
وسوف يُذكر هنا ستة وأربعون منها.
الباب الرابع: في ذكر اختلاف المسلمين فيه بعد اتفاقهم على صحة صدور الأخبار النبوية في حتميّة مجيء انسان في آخر الزمان باسمه ويلقب بالمهدي يملأ الدنيا عدلا.
وفي ذكر الكتب المؤلفة من أهل السنة في أحواله. ومحل الاختلاف في عدة مواضع:
الاختلاف الأول: في النسب، وأنه ابن مَنْ؟ وفيه أربعة أقوال:
الأول: أنه من أولاد العباس.
الثاني: علوي غير فاطمي.
الثالث: حسني.
الرابع: حسيني. وبيان صحة هذا القول، وإبطال الثلاثة الأخرى على نحو التمام.
الاختلاف الثاني: في اسم ابيه عليه السلام وفيه قولان:
الأول: قول الامامية أن اسم ابيه (الحسن) عليه السلام.
الثاني: قول بعض العامة أن اسمه (عبد الله) وابطال هذا القول.
الاختلاف الثالث: في تشخيصه وتعيينه، وفيه عشرة اقوال:
الأول: قول الكيسانية؛ أنه محمد بن الحنفية، أو ابنه.
الثاني: قول المغيرية؛ أنه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن عليه السلام.
الثالث: الاسماعيلية الخالصة؛ أنه اسماعيل بن الامام الصادق عليه السلام.
الرابع: الناووسية؛ أنه الامام الصادق عليه السلام.
الخامس: المباركية؛ أنه محمد بن اسماعيل بن الامام جعفر الصادق عليه السلام.
السادس: الواقفية؛ أنه الامام الكاظم عليه السلام.
السابع: العسكرية؛ أنه الامام العسكري عليه السلام.
الثامن: المحمدية؛ أنه ابو جعفر محمد بن علي الهادي عليهما السلام.
التاسع: الامامية؛ أنه الخلف الصالح الحجة بن الحسن العسكري عليهما السلام.
العاشر: جمهور اهل السنة؛ وانهم لم يعينوا المهدي بشخص.
وقد ذكرنا هناك اسماء عشرين نفراً من علمائهم من الفقهاء والمحدثين والعرفاء الذين وافقوا الامامية في هذا الموضوع، مع ذكر كلماتهم، ومدحهم وتوثيقهم من علماء رجالهم، وذكر الحديث المسلسل للشيخ البلاذري المعروف، الذي رواه عنه عليه السلام، وذكر شبهة من شبهات اهل السنة على الامامية في هذا المقام وجوابها على نحو لم يجمع في كتاب آخر إلّا قليلا.
وكذلك أبطلنا هناك قولا شاذاً حول وفاة ابن الامام الحسن عليه السلام.
الباب الخامس: في اثبات أن المهدي الموعود هو الحجة بن الحسن العسكري عليه السلام من نصوص اهل السنة، وذكرنا منها ثلاثين حديثاً.
وأمّا نصوص الامامية فكثيرة نقل منها اربعين حديثاً أكثرها من كتب الغيبة للفضل بن شاذان، بالإضافة إلى ما نقله العلامة المجلسي في المجلد التاسع من البحار.
الباب السادس: في اثبات الدعوى المذكورة عن طريق المعجزات الصادرة منه عليه السلام، ونقلنا منها اربعين معجزة بالاضافة إلى غيرها التي سوف تذكر في الأبواب الأخرى، ماعدا ما نقله العلامة المجلسي في كتبه.
الباب السابع: في ذكر اولئك الذين التقوا به عليه السلام أو وقفوا على معجزة من معاجزه عليه السلام، أو على اثر من آثاره عليه السلام الدالة على وجوده.
وهذا الباب هو العمدة في سبب تأليف هذا الكتاب، وقد ذكرت هناك مائة قصة.
وقبل الشروع في ذكرها أدرجت أسماء أولئك الذين تشرفوا بلقائه في الغيبة الصغرى، أو وقفوا على معجزة من معاجزه، كما ألحقت بعض المطالب النفيسة المناسبة، كما ذكر في ذيل أول قصة كيفية الصلاة المنسوبة إلى امام العصر عليه السلام للشدائد والحاجات، وقضية مسجد جمكران في قم الذي بني بأمره صلوات الله عليه كما ذُكر.
وفي الثانية: قصة مدن ابنائه عليه السلام التي اثبتت أن له زوجات وأبناء، وإمكان وجود مثل هذه البلاد على هذه الأرض في البر أو البحر، وانها مخفية عن الأنظار حتى على من يمرون عليها، وحدوث نظائر ذلك بنحو الاختصار والذي بُين مفصلا في ذيل السابعة والثلاثين التي هي قصة الجزيرة الخضراء.
وفي الخامسة: بين اجمالا احوال الشيخ محمد ابن اسماعيل الهرقلي في سامراء الذي شافاه عليه السلام من جرح فخذه.
وفي السادسة: ذكر احدى رقاع الاستغاثة به عليه السلام القليلة الوجود.
وفي السابعة: التحقيق في نعومة كفه المبارك وكف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أو خشونته وغلظته، واختلاف شراح الأحاديث في قرائة (شثن الكف)(٢٥١) في خبر الشمائل، وانها بتاء (قرشت) أو بثاء (ثخذ).
وفي العاشرة: توضيح أن شارح ترددات كتاب الشرايع للمحقق هو الزهدري.
وفي الحادية عشرة: بيان للألطاف الخفية الحاصلة والهدايات الخاصة الالهية، وذكر اسماء بني طاووس المعروفين الذين هم اصحاب التصانيف.
وفي ذيل التاسعة عشرة: اشكال في الخبر المعروف (اللهم أن شيعتنا منا... الخ) وكلام الشيخ رجب البرسي.
وفي العشرين: شرح نسبة كل يوم من ايام الاسبوع إلى امام من الائمة، وكيفية صلاة الهدية التي تقدم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم والائمة عليهم السلام، وترتيبها في أيام الأسبوع، وذكر تسبيح امام العصر عليه السلام الذي لابد أن يقرأ في اليوم الثامن عشر من كل شهر الى آخر الشهر.
وفي الثانية والعشرين: ذكر دعاء العبرات، الذي لقنه امام العصر عليه السلام إلى السيد رضي الدين.
وفي السابعة والعشرين: اشارة إلى أن وجود الاماكن الشريفة مثل المشاهد والمساجد ومقابر اولاد الائمة والصلحاء ومواضع اقدام احد الائمة (الخطوة) التي وضع قدمه عليها، في البلاد انما هي من النعم الالهية السنية.
وفي الثامنة والعشرين: ذكر الدعاء المعروف الذي لابد أن يقرأ في شهر رجب وفي مسجد صعصعة.
وفي الثلاثين: ذكر عدة ادعية معروفة بدعاء الفرج.
وفي الواحدة والثلاثين: ذكر خبر ثواب زيارة ابي عبد الله عليه السلام في ليلة الجمعة الذي حكم امام العصر عليه السلام بصحته.
وفي السابعة والثلاثين: التي هي قصة الجزيرة الخضراء، بيان اعتبار سندها، وبيان حال راويها الفضل بن يحيى، وذكر بعض نظائرها، وكلمات الأشعرية في امكان وجود اغرب منها، وبيان اجمالي عن (جابلسا) و(جابلقا)، وحكم سهم امام العصر عليه السلام من الخمس في ايام الغيبة، والتكليف هو أن يصل إلى يده، وسيرة وسلوك امام الزمان عليه السلام في الغذاء واللباس.
وفي الثامنة والثلاثين: اجمال عن احوال سماحة الميرزا محمد تقي الماسي.
وفي الواحدة والخمسين: ذكر بعض الاحجار المنقوش عليها اسم امام من الائمة.
وفي الثانية والخمسين والثالثة والخمسين: ترجمة التوقيعات الواصلة للشيخ المفيد رحمه الله، وبيان عددها واعتبارها... وعذر عدم التعرض لذكر علامات وآيات الظهور في هذا الكتاب.
وفي الرابعة والستين: بيان اختلاف نسخ الصحيفة الكاملة.
وفي الخامسة والستين: ذكر بعض رواة الصحيفة الكاملة.
وفي السادسة والستين: ذكر كرامة للشيخ محمد بن صاحب المعالم.
وفي السبعين: اختلاف نسخ الزيارة الجامعة، وفضيلة عجيبة لزيارة عاشوراء.
وفي الثانية والتسعين: إشارة إلى بعض المقامات العالية لصاحب الكرامات سماحة السيد باقر القزويني اعلى الله مقامه.
وفي السادسة والتسعين: اجمال لأحوال سيد الفقهاء سماحة السيد مهدي القزويني الحلي ابن أخ المرحوم المذكور.
وفي ذيل الحكاية المائة: ذكر شبهة واستبعاد المخالفين في طول عمر الامام صاحب الزمان عليه السلام وذكر بعض كلماتهم والجواب عليها مفصلا.
وذكر (عبود) الذي قال صاحب القاموس بانه بقي سبع سنوات نائماً في الصحراء.
وذكر كلمات جماعة من اهل السنة ادّعوا رؤيته في ايام الغيبة، وذكر جملة من المعمرين.
وذكر حديث غريب في حال الدجّال الذي هو من اخبارهم الصحيحة، وحكاية عجيبة لإلياس النبي عليه السلام.
وتفصيل حال (المعمر المغربي) وسبب طول عمره، مع بيان رفع التوهم بتعدده.
وبيان امكان طول العمر حسب القواعد النجومية، وبعض الفوائد الطريفة. والمراد من (الخرابات) في الحكاية السادسة والستين.
الباب الثامن: في الجمع بين الحكايات والقصص المذكورة وما وصلنا من اخبار في ضرورة تكذيب مدعي الرؤية في الغيبة الكبرى... وبيان وجوب صرف تلك الأخبار عن ظاهرها، وذكر خمسة وجوه لها ما يناظرها في كلمات العلماء ومطاوي الاخبار، وذكر تصريح جماعة من الاعلام بامكان الرؤية في ايام الغيبة، وبعض من كلمات السيد الجليل عليّ بن طاووس التي يظهر منها دعواه هذا المقام لنفسه.
الباب التاسع: في عذر دخول عدة حكايات من المضطرين في الصحراء وغيرهم في ضمن الحكايات السابقة مع عدم وجود شاهد على أن ذلك الذي انجاهم وأجابهم هو امام العصر عليه السلام، وذلك لما ذكره سائر العلماء وبينوه أن لكل حاجة لابد أن يُتوسَّل بإمام من الائمة فيها، وأثبتوا أن اغاثة الملهوف من المناصب الخاصة بالامام صاحب الزمان عليه السلام.
وذكر لقب غوث وقطب وكنية (أبو صالح) له عليه السلام.
وكلام الشيخ الكفعمي في ذكر القطب والاوتاد والابدال والنجباء والصلحاء.
وتوضيح ان تلك الاجابة والاغاثة كانت على نحو المعجزة له عليه السلام (خارق العادة) أو صادرة من أحد خواصه عليه السلام.
وعلى فرض أن لا يكون ذلك الشخص احدهما، واحتمال أن يكون احد الأولياء، فان في هذا دلالة ايضاً على اصل المقصود وهو وجوده عليه السلام.
الباب العاشر: في ذكر نفحة من تكاليف العباد تجاهه، وآداب وعادات العبودية، وعبودية الخلق في أيام الغيبة، ومنها ذكرت ثمانية أشياء:
الأول: أن يكون مهموماً له عليه السلام، وذكر لذلك ثلاثة اسباب.
الثاني: انتظار الفرج، وثواب فضله.
الثالث: الدعاء لحفظ وجوده المبارك، وقد ذُكر لهذه الحاجة من الأدعية المأثورة المطلقة والمؤقتة سبعة ادعية.
الرابع: التصدق لسلامة وجوده المعظم.
الخامس: الحج عنه أو يبذل ليُحج عنه، ذلك الولي للنعم.
السادس: القيام تعظيماً عند ذكر اسمه المبارك.
السابع: الدعاء لحفظ دينه وايمانه(٢٥٢) من شر شبهات شياطين الجن والإنس الداخلية والخارجية في ظلمات ايام الغيبة، ومن الادعية المأثورة التي ذكرت لهذا المطلب سبعة أدعية.
الثامن: الاستعانة والاستغاثة به حين الشدائد، وحالة وكيفية التوسل، واحدى رقاع الاستغاثة، وإشارة إلى بعض مقاماته في العلم والقدرة الالهية والاحاطة بالرعية واسباب تشبيهه في الغيبة بالشمس إذا ظللها السحاب، وذكر احدى التوسلات به المعروفة والمجربة.
الباب الحادي عشر: في ذكر بعض الأزمنة والاوقات المختصة بامام العصر عليه السلام، وتكليف الرعية في هذه الاوقات بالنسبة اليه، وذكر منها ثمانية أوقات:
الأول: ليلة القدر، بل الليالي الثلاثة المعهودة.
الثاني: يوم الجمعة.
الثالث: يوم عاشوراء.
الرابع: عند اصفرار الشمس إلى غروبها من كل يوم.
الخامس: عصر يوم الاثنين.
السادس: عصر يوم الخميس.
السابع: ليلة ويوم النصف من شعبان.
الثامن: يوم النوروز.
وفي ذكر كل منها اعمال وادعية متعلقة بها، وقد ذكرنا سبب نسبة تلك الأوقات اليه عليه السلام، واشير في آخر الباب باختصاص بعض الأمكنة المنسوبة اليه عليه السلام، وكذلك حضوره في تشييع جنازة كل مؤمن.
الباب الثاني عشر: في ذكر اعمال وآداب قد يُتوصَّل ببركتها إلى يمن ملاقات وشرف حضور باهر النور امام العصر صلوات الله عليه، سواءاً عرف أم لم يعرف، في المنام أم في اليقظة.
واثبات أن المواظبة على عمل من الاعمال أو الاقوال الحسنة أو السيئة في اربعين يوماً يؤثر ويفيض صورة من الصور وينقل من حالة إلى حالة، والله العالم.

* * *
الباب الأول: في مجمل تاريخ ولادته ونفحة من حالاته في حياة أبيه صلوات الله عليهما

ذكر الشيخ المفيد في الارشاد: كان مولده عليه السلام ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.
ووافقه على هذا الشيخ الكليني في الكافي، والكراچكي في (كنز الفوائد)، والشهيد الاول في (الدروس)، والشيخ ابراهيم الكفعمي في (الجنة) وجماعة.
ولكن الشيخ المفيد قال في (مسار الشيعة) انها كانت سنة اربعة وخمسين.
وفي (تاريخ قم) تأليف (حسن بن محمد بن حسن القمي) ذكر أن ولادته يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان.
وبرواية أنه ولد ليلة الجمعة النصف من شهر شعبان سنة مائتين واربعة وخمسين وبرواية سنة سبعة وخمسين، وفي الشجرة ثمانية وخمسين.
وروى الحسين بن حمدان الحضيني في هدايته عن عيسى بن مهدي الجوهري قال: خرجت أنا والحسين بن غياث والحسين بن مسعود والحسن بن ابراهيم واحمد بن حسان وطالب بن ابراهيم بن حاتم والحسن بن محمد بن سعيد ومحجل بن محمد بن احمد بن الخصيب من الحلة إلى سرّ مَنْ رأى في سنة سبع وخمسين ومائتين فعدلنا من المدائن الى كربلاء فزرنا ابا عبد الله الحسين عليه السلام ليلة النصف من شعبان فلقينا اخواننا المجاورين بسرَّ من رأى سيدينا ابي الحسن وابي محمد عليهما السلام وخرجنا للتهنئة بمولد المهدي عليه السلام فبشرنا اخواننا أن المولد كان طلوع الفجر من يوم الجمعة لثمان ليال خلت من شعبان وهو ذلك الشهر... إلى آخر الحديث وهو طويل.
وفي آخره قال:
لقيت هؤلاء المذكورين وهم سبعون (ونيف) رجلا وسألتهم عما حدثني عيسى بن مهدي الجوهري فحدثوني به...
ولقيت عسكر أحد موالي أبي جعفر التاسع عليه السلام ولقيت الريان مولى الرضا عليه السلام فحدثاني بما حدثوني به(٢٥٣).
ولكن ادعى جماعة الشهرة على النصف.
ونقل الشيخ الطوسي وابن طاووس دعاءاً فيه سوف يأتي في الباب الحادي عشر.
ولا يوجد خلاف في أنه في يوم الجمعة.
اختلاف الأقوال في سنة ولادته والقول المرجح:
هناك خلاف شديد في سنة ولادته، فقد قال علي بن الحسين المسعودي في اثبات الوصية انها في سنة ست وخمسين، ولكنه ذكر رواية الخمسة والخمسين كما يأتي.
وقد ضبطه احمد بن محمد الفريابي (الفاريابي) راوي تاريخ مواليد الائمة عليهم السلام لنصر بن عليّ الجهضمي والذي كان موجوداً في عصر ولادته، في ثمانية وخمسين.
ولكن أقوى الأقوال هو الأول وذلك للرواية الصحيحة التي رواها الشيخ الثقة الجليل ابو محمد الفضل بن شاذان - الذي كان موجوداً بعد ولادة الحجة عليه السلام وتوفي قبل وفاة الامام العسكري عليه السلام - في كتابه (الغيبة)، قال:
حدثنا محمد بن حمزة بن الحسن بن عبد الله بن العباس بن عليّ بن ابي طالب صلوات الله عليه؛ قال: سمعت ابا محمد عليه السلام يقول:
قد ولد وليّ الله، وحجته على عباده، وخليفتي من بعدي، مختوناً ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين عند طلوع الفجر.
وكان اوّل مَنْ غسله رضوان خازن الجنان مع جمع من الملائكة المقربين بماء الكوثر والسلسبيل، ثمّ غسلته عمتي حكيمة بنت محمد بن عليّ الرضا عليه السلام.
(ثم سأله الراوي عن امّ صاحب الأمر عليه السلام)، قال: امّه مليكة التي يقال لها بعض الأيام سوسن، وفي بعضها ريحانة، وكان صقيل ونرجس ايضاً من اسمائها(٢٥٤).
ومن هذا الخبر يتبين وجه الاختلاف في اسمها سلام الله عليها فهي تسمى بجميع هذه الأسماء الخمسة.
وروى الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي بعدة اسانيد صحيحة عن السيدة حكيمة انها قالت:
بعث اليّ ابو محمد عليه السلام سنة خمس وخمسين ومائتين في النصف من شعبان ... إلى آخر الخبر.
وقال الشيخ عظيم الشأن الفضل بن شاذان في غيبته:
حدثنا محمد بن عبد الجبار قال: قلت لسيدي الحسن بن عليّ عليهما السلام: يا ابن رسول الله جعلني الله فداك احبّ أن اعلم انّ الامام وحجة الله على عباده مَنْ بعدك؟
قال عليه السلام: أن الامام مِنْ بعدي ابني سَميّ رسول الله وكنيّه صلى الله عليه وآله وسلّم، الذي هو خاتم حجج الله، وآخر خلفائه.
قال: ممّن هو يا ابن رسول الله؟
قال: مِنْ ابنة ابن قيصر ملك الروم... إلى آخره(٢٥٥).
وأما بيان وصول هذه السيدة المعظمة اليه عليه السلام، فقد روى الشيخ المذكور في كتاب (الغيبة)، والصدوق في (كمال الدين) والشيخ الطبري في (الدلائل) والشيخ محمد بن هبة الله الطرابلسي في (غيبته) والشيخ الطوسي وغيرهم وبعبارات مختلفة ومعاني متقاربة، ونحن ننقله بعبارة الشيخ الطوسي في الغيبة.
بيان وصول السيدة نرجس إليه عليه السلام:
روي عن بشر بن سليمان النخاس - وهو من ولد ابي ايوب الأنصاري أحد موالي أبي الحسن وأبي محمد عليهما السلام وجارهما بسر من رأى - [قال] أتاني كافور الخادم فقال: مولانا ابو الحسن علي بن محمّد العسكري عليهما السلام يدعوك اليه فأتيته فلما جلست بين يديه قال لي: يا بشر انك من ولد الأنصار وهذه الموالاة لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، وأنتم ثقاتنا أهل البيت، وإنى مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها الشيعة في الموالاة بها، بسر اطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمة فكتب كتاباً لطيفاً بخط رومي ولغة رومية وطبع عليه خاتمه واخرج شقيقة صفراء فيها مائتان وعشرون ديناراً، فقال خذها وتوجه بها الى بغداد واحضر معبر الفرات ضحوةً يوم كذا، فاذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس وشرذمة من فتيان العرب فاذا رأيت ذلك فاشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك إلى ان تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا لابسة حريرين صفيقين تمتنع من العرض ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها وتسمع صرخة رومية من وراء ستر رقيق (فاعلم) أنها تقول: وا هتك ستراه، فيقول بعض المبتاعين: علي ثلاثمائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول له بالعربية: ولو برزت في زي سليمان بن داوُد وعلى شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة فاشفق على مالك، فيقول النخاس: فما الحيلة ولابد من بيعك، فتقول الجارية: وما العجلة ولابد من اختيار مبتاع يسكن قلبي اليه وإلى وفائه وامانته، فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس وقل له: أن معك كتاباً ملصقاً لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية وخط رومي ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه، فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه فإنْ مالت اليه ورضيَتْهُ فأنا وكيله في ابتياعها منك.
قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حده لي مولاي ابو الحسن عليه السلام في أمر الجارية (فلما نظرت) في الكتاب بكت بكاءً شديداً وقالت لعمر بن يزيد بعني لصاحب هذا الكتاب، وحلفت بالمحرجة والمغلظة إنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت اشاحه في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان اصحبنيه مولاي عليه السلام من الدنانير فاستوفاه مني وتسلمت الجارية ضاحكة مستبشرة، وانصرفت بها إلى الحجيرة التي كنت آوى اليها ببغداد فما اخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولانا عليه السلام من جيبها وهي تلثمه وتطبقه على جفنها وتضعه على خدها وتمسحه على بدنها، فقلت تعجباً منها: تلثمين كتاباً لا تعرفين صاحبه؟ فقالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الانبياء أعرني سمعك وفرغ لي قلبك أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون أنبئك بالعجب: إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل، ومن ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل، وجمع من أمراء الأجناد وقواد العسكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف، وأبرز من بهي ملكه عرشاً مصنوعاً من اصناف الجوهر الى صحن القصر، ورفعه فوق اربعين مرقاة، فلما صعد ابن أخيه واحدقت الصلب وقامت الأساقفة عكفاً ونشرت اسفار الانجيل تسافلت الصلب من الأعلى فلصقت بالأرض وتقوضت اعمدة العرش فانهارت إلى القرار، وخر الصاعد من العرش مغشياً عليه فتغيرت الوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم.
فقال كبيرهم لجدي: أيها الملك اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال دولة هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني فتطير جدي من ذلك تطيراً شديداً (وقال) للأساقفة أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان وأحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جده لأزوجه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده، فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الأول وتفرق الناس وقام جدي قيصر مغتماً فدخل منزل النساء وأرخيت الستور وأريت في تلك الليلة كأن المسيح وشمعون وعدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبراً من نور يباري السماء علواً وارتفاعاً في الموضع الذي كان نصب جدي فيه عرشه، ودخل عليهم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وختنه ووصيه وعدة من ابنائه عليهم السلام، فتقدم المسيح إليه فاعتنقه، فيقول له محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يا روح الله إني جئتك خاطباً من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا - وأومأ بيده إلى أبي محمد عليه السلام ابن صاحب هذا الكتاب - فنظر المسيح الى شمعون وقال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك رحم آل محمد عليهم السلام قال: قد فعلت، فصعد ذلك المنبر فخطب محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وزوجني من ابنه وشهد المسيح عليه السلام وشهد أبناء محمد عليهم السلام والحواريون.
فلما استيقظت أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي وجدي مخافة القتل فكنت أسرها ولا أبديها لهم وضرب صدري بمحبة أبي محمد عليه السلام حتى امتنعت من الطعام والشراب فضعفت نفسي ودق شخصي، ومرضت مرضاً شديداً، فما بقي في مدائن الروم طبيب الاّ أحضره جدي وسأله عن دوائي فلما برح به اليأس (قال:) يا قرة عيني وهل يخطر ببالك شهوة فازودكها في هذه الدنيا؟ فقلت: يا جدي أرى أبواب الفرج علي مغلقة فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين وفككت عنهم الأغلال وتصدقت عليهم ومنيتهم الخلاص رجوت أن يهب لي المسيح وأمه عافية، فلما فعل ذلك تجلدت في اظهار الصحة من بدني قليلا وتناولت يسيراً من الطعام فسر بذلك وأقبل على اكرام الأسارى واعزازهم، فأريت بعد أربع عشرة ليلة كأن سيدة نساء العالمين فاطمة عليها السلام قد زارتني ومعها مريم ابنة عمران وألف من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه سيدة نساء العالمين أم زوجك أبي محمد عليه السلام فأتعلق بها وأبكي واشكو اليها امتناع أبي محمد عليه السلام من زيارتي، فقالت سيدة النساء عليها السلام: إن ابني أبا محمد لا يزورك وانت مشركة بالله على مذهب النصارى، وهذه اختي مريم بنت عمران تبرأ إلى الله تعالى من دينك فإنْ ملت إلى رضاء الله ورضاء المسيح ومريم عليهما السلام وزيارة أبي محمد اياك فقولي: اشهد أن لا اله الّا الله وان أبي محمد رسول الله. فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني إلى صدرها سيدة نساء العالمين وطيبت نفسي وقالت: الآن توقعي زيارة أبي محمد فاني منفذته اليك، فانتبهت وأنا اقول وأتوقع لقاء أبي محمد عليه السلام، فلما كان في الليلة القابلة رأيت أبا محمد عليه السلام وكأني أقول له: جفوتني يا حبيبي بعد أن اتلفت نفسي معالجة حبك، فقال: ما كان تأخري عنك الاّ لشركك، فقد اسلمت وأنا زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله تعالى شملنا في العيان، فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.
(قال بشر) فقلت لها: وكيف وقعت في الأسارى؟ فقالت: أخبرني ابو محمد عليه السلام ليلة من الليالي أن جدك سيسير جيشاً إلى قتال المسلمين يوم كذا وكذا ثم يتبعهم فعليك باللحاق بهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف من طريق كذا، ففعلت ذلك فوقعت علينا طلايع المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت وشاهدت، وما شعر بأنّي ابنة ملك الروم الى هذه الغاية أحد سواك، وذلك باطلاعي اياك عليه، ولقد سألني الشيخ الذي وقعت اليه في سهم الغنيمة عن اسمي فقلت نرجس، فقال: اسم الجواري.
قلت: العجب انك رومية ولسانك عربي، قالت: نعم من ولوع جدي وحمله اياي على تعلم الآداب أن اوعز إلى امرأة ترجمانة لي في الاختلاف الي وكانت تقصدني صباحاً ومساء وتفيدني العربية حتى استمر لساني عليها واستقام.
(قال بشر:) فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دخلت على مولاي ابي الحسن عليه السلام فقال: كيف أراك الله عز الاسلام وذل النصرانية وشرف محمد وأهل بيته عليهم السلام؟
قالت: كيف أصف لك يا بن رسول الله ما أنت أعلم به مني، قال: فاني أحببت أن اكرمك، فما أحب اليك عشرة آلاف دينار أم بشرى لك بشرف الأبد؟ قالت: بشرى بولد لي، قال لها: ابشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً ويملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً، قالت: ممن؟ قال: ممن خطبك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم له ليلة كذا في شهر كذا من سنة كذا بالرومية، قالت: من المسيح ووصيه؟ قال لها: ممن زوجك المسيح عليه السلام ووصيه، قالت: من ابنك أبي محمد عليه السلام؟ فقال: هل تعرفينه؟ قالت: وهل خلت ليلة لم يرني فيها منذ الليلة التي أسلمت على يد سيدة النساء صلوات الله عليها.
قال: فقال مولانا: يا كافور أدع اختي حكيمة، فلما دخلت قال لها: ها هية، فاعتنقتها طويلا وسرت بها كثيراً، فقال لها ابو الحسن عليه السلام: يا بنت رسول الله خذيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن فانها زوجة أبي محمد وأم القائم(٢٥٦).
ذكر ولادته عليه السلام:
روى جماعة من قدماء الاصحاب مثل أبي جعفر الطبري، والفضل بن شاذان، والحسين بن حمدان الحضيني، وعليّ بن الحسين المسعودي، والشيخ الصدوق، والشيخ الطوسي، والشيخ المفيد، وغيرهم كيفية ولادته بعدة اسانيد صحيحة وغيرها عن حكيمة.
وروى الصدوق ذلك بسندين عاليين، احدهما عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليهما السلام عن حكيمة بنت الجواد عليه السلام، والآخر عن محمد بن عبد الله عن حكيمة، والمتن بمضمون واحد، ولكن بما أن الثاني اكثر تفصيلا فلذلك نذكر الخبر بلفظه مع الاشارة إلى الفوارق بينهما في محلها.
روى محمد بن عبد الله المطهري، قال: قصدت حكيمة بنت محمد عليه السلام بعد مضي أبي محمد عليه السلام أسألها عن الحجة وما قد اختلف فيه الناس من الحيرة التي فيها فقالت لي: اجلس فجلست ثم قالت لي: يا محمد! إنّ الله تبارك وتعالى لا يخلي الأرض من حجّة ناطقة أو صامتة ولم يجعلها في أخوين بعد الحسن والحسين تفضيلا للحسن والحسين عليهما السلام وتمييزاً لهما أن يكون في الأرض عديلهما إلا أنّ الله تبارك وتعالى خصّ ولد الحسين بالفضل على ولد الحسن كما خصّ ولد هارون على ولد موسى وإن كان موسى حجة على هارون والفضل لولده [أي ولد الحسين عليه السلام] إلى يوم القيامة، ولابدّ للأمّة من حيرة يرتاب فيها المبطلون ويخلّص فيها المحقّون، لئلا يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرسل، وإن الحيرة لابدّ واقعة بعد مضي أبي محمد الحسن عليه السلام.
فقلت: يا مولاتي هل كان للحسن عليه السلام ولد فتبسّمت ثم قالت لي: إذا لم يكن للحسن عليه السلام عقب فمن الحجة من بعده؟ وقد أخبرتك انّ الامامة لا تكون لأخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام، فقلت: يا سيّدتي حدّثيني بولادة مولاي وغيبته عليه السلام. قالت: نعم، كانت لي جارية يقال لها نرجس، فزارني ابن أخي عليه السلام وأقبل يحدّ النظر اليها، فقلت له: يا سيّدي لعلّك هويتها فأرسلها اليك؟ فقال: لا يا عمّة لكنّي أتعجّب منها، فقلت: وما أعجبك؟ فقال عليه السلام: سيخرج منها ولد كريم على الله عزّ وجلّ الذي يملأ الله الأرض به عدلا وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، فقلت: فأرسلها اليك يا سيدي؟ فقال: استأذني في ذلك أبي، قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن فسلّمت وجلست، فبدأني عليه السلام وقال: يا حكيمة ابعثي بنرجس إلى ابني أبي محمد، قالت: فقلت: يا سيدي على هذا قصدتك أن أستأذنك في ذلك، فقال: يا مباركة انّ الله تبارك وتعالى أحبّ أن يشركك في الأجر ويجعل لك في الخير نصيباً.
قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي وزيّنتها ووهبتها لأبي محمد وجمعت بينه وبينها في منزلي فأقام عندي أيّاماً ثمّ مضى الى والده ووجّهت بها معه.
قالت حكيمة: فمضى ابو الحسن عليه السلام وجلس أبو محمد عليه السلام مكان والده، وكنت أزوره كما كنت أزور والده، فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفّي وقالت: يا مولاتي ناوليني خفّك، فقلت: بل أنت سيّدتي ومولاتي والله لا دفعت اليك خفّي لتخلعيه ولا خدمتيني بل أخدمك على بصري، فسمع أبو محمد عليه السلام ذلك فقال: جزاك الله خيراً يا عمّة فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس، فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لأنصرف [ومن هنا تبتدئ رواية موسى(٢٥٧)، وكذلك رواية محمد المتقدّم، في غيبة الشيخ الطوسي.
وفي الاُولى(٢٥٨) هكذا:
قالت حكيمة: بعث اليّ ابو محمد الحسن بن عليّ عليه السلام فقال: يا عمة اجعلي افطارك الليلة عندنا فانّها ليلة النصف من شعبان...
وفي الثانية(٢٥٩):
قالت حكيمة(٢٦٠): بعث اليّ أبو محمد عليه السلام سنة خمس وخمسين ومائتين في النصف من شعبان وقال: يا عمّة...](٢٦١).
وفي الرواية الاُولى(٢٦٢):
يا عمّتاه بِتي الليلة عندنا(٢٦٣) فانّه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عزّ وجلّ(٢٦٤) الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها.
فقلت: ممّن يا سيدي [ولست أرى بنرجس شيئاً من اثر الحمل](٢٦٥)؟
فقال: من نرجس(٢٦٦).
وبرواية الشيخ:
يا عمّة اجعلي الليلة افطارك عندي فانّ الله عزّ وجلّ سيسرك بوليّه وحجته على خلقه خليفتي من بعدي.
قالت حكيمة: فتداخلني لذلك سرور شديد واخذت ثيابي عليّ وخرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمد عليه السلام وهو جالس في صحن داره وجواريه حوله، فقلت: جعلت فداك يا سيدي، الخلف ممّن هو؟
قال: من سوسن.
فأدرت طرفي فيهنّ فلم أر جارية عليها اثر غير سوسن(٢٦٧).
وفي الرواية الاُولى:
يا سيدي ولست أرى بنرجس شيئاً من اثر الحبل.
فقال: من نرجس لا من غيرها.
قالت: فوثبت اليها فقلبتها ظهراً لبطن فلم أر بها أثر حبل.
فعدت اليه عليه السلام فأخبرته بما فعلت، فتبسّم ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل لأنّ مثلها مثل أم موسى عليه السلام لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها احدٌ إلى وقت ولادتها، لأنّ فرعون كان يشق بطون الحبالى في طلب موسى عليه السلام، وهذا نظير موسى عليه السلام.
قالت حكيمة: فعدت اليها فأخبرتها بما قال، وسألتها عن حالها، فقالت: يا مولاتي ما أرى بي شيئاً من هذا.
وعلى رواية الحسين بن حمدان الحضيني في الهداية عن غيلان الكلابي وموسى بن محمد الرازي واحمد بن جعفر الطوسي وغيرهم من حكيمة...(٢٦٨).
ورواية علي بن الحسين المسعودي في (اثبات الوصية) عن جماعة من شيوخ العلماء منهم علان الكليني(٢٦٩) وموسى بن محمد الغازي واحمد بن جعفر بن محمد بأسانيدهم: انّ حكيمة... كانت تدخل على ابي محمد عليه السلام فتدعو له أن يرزقه الله ولداً.
وانها قالت: دخلت عليه يوماً فدعوت له كما كنت ادعو، فقال لي: يا عمّة الذي تدعين الى الله أن يرزقنيه يولد في هذه الليلة - وكانت ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين(٢٧٠) - المولود الذي كنّا نتوقعه فاجعلي افطارك عندنا - وكانت ليلة الجمعة - فقلت له: ممن يكون هذا المولود العظيم يا سيدي؟ فقال: من نرجس يا عمّة.
قالت: يا سيدي ما في جواريك أحبّ اليّ منها ولا أخفّ على قلبي، وكنت إذا دخلتُ الدار تتلقاني وتقبّل يدي وتنزع خفي بيدها، فلما دخلت اليها فعلت بي كما كانت تفعل، فانكببْتُ على يدها وقبلتها ومنعتها مما كانت تفعله، فخاطبتني بالسيادة، فخاطبتها بمثله، فخاطبتها بمثله، فقالت لي: فديتك، فقلت لها: أنا فداك وجميع العالمين، فأنكرت ذلك، فقلت لها: لا تنكري فإنّ الله سيهب لك في هذه الليلة غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة وهو فرج المؤمنين، قالت: فاستحيت فتأملتها وقلت لسيدي أبي محمّد عليه السلام: أني لست أرى بها أثر حمل؟ فتبسم صلى الله عليه وقال لي: أنّا معاشر الأوصياء لا نُحمل في البطون، ولكنّا نحمل في الجنوب، ولا نخرج من الأرحام، وانما نخرج من الفخذ الأيمن من أمّهاتنا؛ لأننا نور الله الذي لا تناله الدناسات، فقلت له: يا سيدي لقد أخبرتني انّه يولد في هذه الليلة ففي أيّ وقت منها؟ فقال لي: في طلوع الفجر يولد المولود الكريم على الله إن شاء الله تعالى(٢٧١).
وفي الرواية الاُولى:
فلمّا أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت وأخذت مضجعي.
وبرواية الشيخ الطوسي:
فلمّا أن صلّيت المغرب والعشاء الآخرة أتيت بالمائدة فأفطرت أنا وسوسن وبايتُّها في بيت واحد.
وفي الرواية الاُولى:
فلمّا أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي وهي نائمة لا تقلب جنباً إلى جنب.
وبرواية موسى:
ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث، ثم جلست معقبة ثم اضطجعت ثم انتبهت فزعة وهي راقدة، ثم قامت فصلّت ونامت.
قالت حكيمة: وخرجت اتفقّد الفجر، فاذا أنا بالفجر الاول كذنب السرحان وهي نائمة فدخلني الشكوك، فصاح بي أبو محمد عليه السلام من المجلس فقال لا تعجلي يا عمّة فهاك الأمر قد قرب.
قالت: فجلست وقرأت الم السجدة، ويس، فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة، فوثبت اليها وضممتها إلى صدري، فقلت: اسم الله عليك.
ثم قلت لها: أتحسّين شيئاً؟
قالت: نعم يا عمة.
فقلت لها: اجمعي نفسك، واجمعي قلبك فهو ما قلت لك.
فأخذتني فترة وأخذتها فترة، فانتبهت بحسّ سيدي فكشفت الثوب عنه، فاذا أنا به عليه السلام ساجداً يتلقى الأرض بمساجده، فضممته اليّ فاذا به نظيف متنظف.
وفي الرواية الاُولى:
وَثَبَتْ فزعة فضممتها إلى صدري وسمّيت عليها، فصاح أبو محمد عليه السلام وقال: اقرئي عليها إنا أنزلناه في ليلة القدر، فأقبلت أقرأ عليها وقلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر الأمر الذي أخبرك به مولاي، فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني فأجابني الجنين من بطنها يقرأ كما أقرأ وسلّم عليّ قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت، فصاح بي أبو محمد عليه السلام: لا تعجبي من أمر الله عزّ وجلّ، أن الله تبارك وتعالى ينطقنا بالحكمة صغاراً ويجعلنا حجة في أرضه كباراً، فلم يستتمّ الكلام حتى غيّبت عنّي نرجس فلم أرها كأنّه ضرب بيني وبينها حجاب! فعدوت نحو أبي محمد عليه السلام وأنا صارخة، فقال لي: ارجعي يا عمة فانّك ستجدينها في مكانها، قالت: فرجعت فلم ألبث أن كشف الحجاب بيني وبينها وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشي بصري، واذا أنا بالصبي عليه السلام ساجداً على وجهه جاثياً على ركبتيه رافعاً سبّابتيه نحو السماء وهو يقول: أشهد أن لا اله الاّ الله وحده لا شريك له وانّ جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وانّ ابي أمير المؤمنين ثمّ عدّ اماماً اماماً إلى أن بلغ إلى نفسه، فقال عليه السلام: اللهم أنجز لي وعدي وأتمم لي أمري وثبّت وطأتي واملأ الأرض بي عدلا وقسطاً.
وفي رواية:
رأت له نوراً ساطعاً قد ظهر منه وبلغ افق السماء، ورأت طيوراً بيضاء تهبط من السماء وتمسح اجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده، ثم تطير(٢٧٢).
قالت السيدة حكيمة:
فصاح أبو محمد الحسن عليه السلام: يا عمّة تناوليه فهاتيه.
وبرواية المسعودي والحضيني بعد ذكر النوم الاضطراري الذي وقع على السيدتين، قالت السيدة حكيمة:
فلم تنتبه إلاّ بحس مولاي وسيدي تحتها وبصوت أبي محمد عليه السلام وهو يقول يا عمتي هات ابني اليّ.
فكشفت عن سيدي صلى الله عليه فاذا أنا به ساجداً منقلباً إلى الأرض بمساجده، وعلى ذراعه الايمن مكتوب: "جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقاً " فضممته اليّ فوجدته مفروغاً منه يعني مطهر الختانة ولففته في ثوب.
وفي رواية موسى:
فجئت به اليه، فوضع يديه تحت اليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره، ثمّ ادلى لسانه في فيه وأمرّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله ثم قال: تكلم يا بني.
وفي رواية المسعودي:
فأخذه وأقعده على راحته اليسرى وجعل يده اليمنى على ظهره... ثم قال: تكلم يا بني.
فقال [الامام الحجة عليه السلام]:
اشهد أن لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له وان محمداً رسول الله ثم صلّى على أمير المؤمنين وعلى الائمة عليهم السلام إلى أن وقف على ابيه ثم احجم.
وفي رواية المسعودي والحضيني بعد رسول الله: وان علياً أمير المؤمنين، ثم لم يزل يعد السادة الاوصياء صلى الله عليهم إلى أن بلغ إلى نفسه فدعا لأوليائه على يديه بالفرج(٢٧٣).
وفي رواية الشيخ الطوسي:
فتناوله واخرج لسانه فمسحه على عينينه ففتحهما ثم ادخله في فيه فحنكه ثم أدخله في اذنيه وأجلسه في راحته اليسرى فاستوى ولي الله جالساً فمسح يده على رأسه، وقال له: يا بني انطق بقدرة الله(٢٧٤).
وفي رواية الحافظ البرسي في مشارق الانوار:
عن الحسن بن محمد عن حكيمة قالت: فجئت به إلى [ابن اخي] الحسن [بن علي] عليهما السلام، فمسح يده الشريفة على وجهه [الأنور الذي هو نور الأنوار] وقال: تكلم يا حجة الله وبقية الأنبياء [ونور الأصفياء وغوث الفقراء] وخاتم الاوصياء [ونور الاتقياء] وصاحب الكرة البيضاء(٢٧٥) فقال: اشهد أن لا اله الاّ الله [وحده لا شريك له] واشهد ان محمداً عبده ورسوله واشهد أن علياً ولي الله. ثم عدّ الأوصياء.
فقال له الحسن: اقرأ. [فقرأ] ما نزل على الانبياء فابتدأ بصحف ابراهيم فقرأها بالسريانية، ثم قرأ كتاب نوح وادريس وكتاب صالح وتوراة موسى، وانجيل عيسى، وفرقان محمد صلى الله عليه وعليهم اجمعين، ثم قصّ قصص الانبياء(٢٧٦).
وفي رواية الشيخ الطوسي:
فاستعاذ وليّ الله عليه السلام من الشيطان الرجيم واستفتح: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَنُرِيدُ اَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ اَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنْ لَهُمْ فِى الاَْرْضِ وَنرِى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون) وصلّى على رسول الله، وعلى أمير المؤمنين والائمة عليهم السلام واحداً واحداً حتى انتهى إلى أبيه.
[قالت حكيمة](٢٧٧): فناولنيه ابو محمد عليه السلام وقال: يا عمة ردّيه إلى امّه حتى تقرّ عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق ولكنّ اكثر الناس لا يعلمون.
فرددته إلى امّه وقد انفجر الفجر الثاني فصليت الفريضة وعقبت إلى أن طلعت الشمس ثم ودّعت ابا محمد عليه السلام وانصرفت إلى منزلي(٢٧٨).
وفي رواية موسى:
ثم قال ابو محمد عليه السلام: يا عمّة اذهبي به إلى امّه ليسلّم عليها وائتيني به.
[قالت حكيمة](٢٧٩): فذهبت به، فسلّم عليها، ورددته فوضعته في المجلس.
ثم قال: يا عمة إذا كان اليوم السابع فأتينا.
قالت حكيمة: فلمّا اصبحت جئت لأسلِّم على ابي محمد عليه السلام، وكشفت الستر لاتفقد سيدي عليه السلام فلم أرَه، فقلت: جعلت فداك ما فعل سيدي؟
فقال: يا عمة استودعناه الذي استودعته (أم موسى) موسى عليه السلام(٢٨٠).
وفي الرواية الاُولى:
فصاح ابو محمد الحسن عليه السلام فقال: يا عمّة تناوليه وهاتيه فتناولته وأتيت به نحوه فلمّا مثلت بين يدي أبيه وهو على يدي سلّم على ابيه فتناوله الحسن عليه السلام والطير ترفرف على رأسه... فصاح بطير منها فقال له: احمله واحفظه وردّه الينا في كل اربعين يوماً، فتناوله الطير وطار به في جو السماء واتبعهُ سائر الطير فسمعت ابا محمد يقول: أستودعك الذي استودعته أم موسى، فبكت نرجس، فقال لها: اسكتي فإن الرضاع محرم عليه الاّ من ثديك وسيعاد اليك كما ردّ موسى إلى امّه وذلك قوله عزّ وجلّ: (فَرَدَدْنَاهُ اِلى اُمِّهِ كَىْ تَقَر عَيْنهَا وَلاَ تَحْزَن).
قالت حكيمة: فقلت: ما هذا الطير قال: هذا روح القدس الموكل بالائمة عليهم السلام يوفّقهم ويسدّدهم ويربّيهم بالعلم(٢٨١).
وفي رواية المناقب القديمة:
أنه طلب من بعض جواريه التي كانت تعلم، أن تستر خبر هذا المولود، ثم نظر إلى هذا المولود الكريم وقال له سلّم عليها، ثم قبله وقال: استودعتك الله، ورجع وقال: يا عمة، اطلبي نرجس، فطلبتها. وقال: لا تطلبيها حتى تودعه، فودعته ورجعت، وتركناه مع ابيه ورجعنا.
فلما اصبحت جئت لأسلّم عليه فلم أرَه فتعجبت، فقال: يا عمّة أنه في وديعة الله حتى يأذن الله في الخروج(٢٨٢).
وفي رواية الشيخ الطوسي:
[قالت حكيمة]: فلمّا كان في اليوم الثالث اشتدّ شوقي إلى وليّ الله فأتيتهم عائدة فبدأت بالحجرة التي فيها الجارية فاذا بها جالسة في مجلس المرأة النفساء وعليها اثواب صفر وهي معصبة الرأس، فسلّمت عليها والتفتّ إلى جانب البيت واذا بمهد عليه اثواب خضر، فعدلت إلى المهد ورفعت عنه الاثواب فاذا أنا بولي الله نائم على قفاه غير مخروم ولا مقموط، ففتح عينيه وجعل يضحك ويناجيني باصبعه، فتناولته وادنيته إلى فمي لأقبله فشممت منه رائحة ما شممت قط أطيب منها.
وناداني ابو محمد عليه السلام: يا عمتي هلمي فتاي اليّ فتناوله، وقال: يا بني انطق... وذكر الحديث، قالت: ثمّ تناولته منه وهو يقول: يا بني استودعك الذي استودعته ام موسى؛ كن في دعة الله وستره وكنفه وجواره.
وقال ردّيه إلى امّه يا عمة، واكتمي خبر هذا المولود علينا، ولا تخبري به احداً حتى يبلغ الكتاب اجله.
فأتيت [به] أمّه وودعتهم(٢٨٣).
وفي رواية موسى:
قال عليه السلام: يا عمة إذا كان اليوم السابع فأتينا.
..... قالت حكيمة: فلمّا كان في اليوم السابع جئت فسلّمت وجلست، فقال: هلمّي اليّ ابني، فجئت بسيدي عليه السلام وهو في الخرقة [وبرواية الشيخ الطوسي والحضيني والمسعودي في ثياب صفر] ففعل به كفعلته الاولى، ثمّ ادلى لسانه في فيه كأنّه يغذّيه لبناً أو عسلا، ثم قال: تكلم يا بني، فقال: اشهد أن لا اله إلاّ الله وثنّى بالصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين وعلى الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين حتى وقف على ابيه عليه السلام ثم تلا هذه الآية: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَنُرِيدُ اَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ اَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنْ لَهُمْ فِي الاَْرْضِ وَنرِى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون)(٢٨٤).
وفي رواية الحضيني، انّه عليه السلام قال له بعد تلاوة هذه الآية:
اقرأ يا بني مما انزل الله على انبيائه ورسله، فابتدأ بصحف آدم فقرأها بالسريانية، وكتاب ادريس، وكتاب نوح، وكتاب هود، وكتاب صالح، وصحف ابراهيم، وتوراة موسى، وزبور داود، وانجيل عيسى، وفرقان جدي محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، ثم قصّ قصص الأنبياء والمرسلين إلى عهده(٢٨٥).
وفي الرواية الأولى:
قالت حكيمة: فلمّا أن كان بعد اربعين يوماً ردّ الغلام ووجّه اليّ ابن اخي عليه السلام فدعاني فدخلت عليه فاذا أنا بصبي متحرك يمشي بين يديه فقلت: سيدي هذا ابن سنتين! فتبسّم عليه السلام ثم قال: انّ أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشؤون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وانّ الصبي منا إذا أتى عليه شهر كان كمن يأتي عليه سنة، وإن الصبي منّا ليتكلّم في بطن أمّه ويقرأ القرآن ويعبد ربّه عزّ وجل، وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه كل صباح ومساء.
قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي كل اربعين يوماً إلى أن رأيته رجلا قبل مضي أبي محمد عليه السلام بأيّام قلائل فلم أعرفه، فقلت لأبي محمد عليه السلام: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال: ابن نرجس وهو خليفتي من بعدي وعن قليل تفقدوني فاسمعي له وأطيعي، قالت حكيمة: فمضى أبو محمد عليه السلام بعد أيام قلائل وافترق الناس كما ترى ووالله اني لأراه صباحاً ومساء وأنه لينبئني عما تسألوني عنه فأخبركم، ووالله اني لأريد أن اساله عن الشيء فيبدؤني به، وإنه ليرد على الأمر فيخرج إلى منه جوابه من ساعته من غير مسألتي، وقد اخبرني البارحة بمجيئك اليّ وامرني أن اخبرك بالحق.
قال محمد بن عبد الله: فو الله لقد اخبرتني حكيمة بأشياء لم يطّلع عليها أحد إلاّ الله عزّ وجل، فعلمت أن ذلك صدق وعدل من الله عزّ وجل وان الله عزّ وجل قد أطلعه على ما لم يطلع عليه احداً من خلقه(٢٨٦).
وفي رواية المسعودي والحضيني:
[قالت حكيمة]: فلمّا كان بعد اربعين يوماً دخلت دار ابي محمد عليه السلام فاذا بمولانا صاحب الزمان يمشي في الدار فلم أر وجهاً أحسن من وجهه عليه السلام ولا لغة افصح من لغته.
فقال لي ابو محمد عليه السلام: هذا المولود الكريم على الله عز وجل.
قلت له: يا سيدي له اربعون يوماً وانا أرى من أمره ما أرى؟
فقال عليه السلام: يا عمتي أمَا علمت انّا معاشر الاوصياء ننشّؤ في اليوم ما ينشّؤ غيرنا في الجمعة، وننشّؤ في الجمعة ما ينشّؤ غيرنا في السنة؟
فقمت فقبّلت رأسه، فانصرفت، فعدت، وتَفَقَّدتُهُ فلم أرَه، فقلت لسيدي ابي محمد عليه السلام: ما فعل مولانا؟
فقال: يا عمة استودعناه الذي استودعته أم موسى عليه السلام(٢٨٧).
وفي رواية الحضيني:
ثم قال عليه السلام: لما وهب لي ربي مهديّ هذه الامة ارسل ملكين فحملاه إلى سرادق العرش حتى وقف بين يدي الله عز وجل.
فقال له: مرحباً بك عبدي لنصرة ديني، وإظهار أمري، ومهديّ عبادي، آليت اني بك آخذ، وبك اعطي، وبك اغفر، وبك اعذّب؛ اردداه ايها الملكان ردّاه ردّاه على ابيه ردّاً رفيقاً، وابلغاه فانّه في ضماني وكنفي وبعيني إلى أن احق به الحق وازهق به الباطل، ويكون الدين لي واصباً(٢٨٨).
ثم قال الامام الحسن عليه السلام(٢٨٩): لما خرج صاحب الزمان عليه السلام من بطن امّه سقط جاثياً على ركبتيه رافعاً بسبابتيه ثم عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله عبداً ذاكراً لله غير مستنكف ولا مسكتبر. ثم قال: زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة لو اذن لنا لزال الشك(٢٩٠).
والذي يستفاد من سياق رواية الحضيني أن ذيلها المشتمل على حمله إلى السماء انما هو من تتمة خبر السيدة حكيمة، ولكن ظاهر المسعودي في اثبات الوصية أن خبر حكيمة يتم عند قوله عليه السلام: استودعناه... الخ؛ لأنه نقل بعد ذلك: "وحدثني موسى بن محمد أنه قرأ المولد عليه عليه السلام فصححه وزاد فيه ونقص وتقرر بالروايات على ما ذكرناه"(٢٩١).
يعني حديث الولادة مع ما كتب في هذا الباب، صحح أكثره على الامام الحسن العسكري عليه السلام.
وروي عن الامام الحسن عليه السلام أنه قال: لما ولد الصاحب عليه السلام بعث الله عز وجل ملكين فحملاه إلى سرادق العرش حتى وقف بين يدي الله.
فقال له: مرحباً بك.. بك اعطي، وبك اعفو، وبك اعذب(٢٩٢).
وقد نقل العلامة المجلسي في البحار كيفية حمله عليه السلام إلى السماء على نحو ما رواه الحضيني، عن بعض مؤلفات قدماء اصحابنا رضوان الله عليهم.
وروى باسناده عن نسيم ومارية انهما قالتا: لما سقط صاحب الزمان عليه السلام من بطن امّه سقط جاثياً على ركبتيه رافعاً سبابتيه إلى السماء(٢٩٣)... إلى آخر ما تقدم.
ولكن الذي يظهر من تاريخ الجهضمي وغيره أن الفقرة الاخيرة هي من كلام الامام الحسن العسكري عليه السلام، أنه قالها حين ولادة الامام المهدي صلوات الله عليه: "زعم الظلمة انهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل، فكيف رأوا قدرة الله"(٢٩٤).
"ولو اذن الله عزّ وجلّ لنا بالكلام لزال الشك والله يفعل ما يشاء".
يقول المؤلف:
وإنْ كانت الروايات عن السيدة حكيمة مختلفة، لكن مضامينها متحدة أو متقاربة، وما نقل في بعضها ولم ينقل في الاخر اما لاجل الاختصار، أو النسيان، أو انها عليها السلام لم تنقل القصة كاملة إلى الجميع لبعض المصالح.
وأمر الامام العسكري عليه السلام لروح القدس - كما في رواية محمد - أن يردّ المهدي صلوات الله عليه اليهم في كل اربعين يوماً لا يتنافى بمجيئه قبل هذا الوقت كما في خبر موسى وغيره، فانه وبحسب وعده عليه السلام سيعاد إلى السيدة نرجس لترضعه في كل وقت يحتاج الى الرضاعة لأن الرضاع محرم عليه إلاّ من ثدييها.
وقد تكون رؤيته في اليوم السابع من ولادته وفي الثالث لهذا السبب.
وكذلك رؤيته في الليلة الثانية من ولادته كما رواه المسعودي عن علان قال: حدثني نسيم(٢٩٥) خادم ابي محمد عليه السلام قال: قال لي صاحب الزمان عليه السلام وقد دخلت عليه بعد مولده بليلة فعطست عنده، فقال لي: يرحمك الله.
قال نسيم: ففرحت.
فقال لي عليه السلام: ألا أبشرك في العطاس؟
فقلت: بلى.
قال: هو امان من الموت ثلاثة ايام(٢٩٦).
وهكذا في رواية الحضيني ولكنه كان في اليوم الثالث(٢٩٧).
كلام العلامة الطباطبائي في تعدّد حكيمة:
قال العلامة الطباطبائي بحر العلوم في رجاله:
حكيمة بنت الامام أبي جعفر الثاني عليه السلام على اسم عمة ابيها حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام وهي التي حضرت ولادة القائم الحجة (صلوات الله عليه)، كما حضرت حكيمة عمتها ولادة أبي جعفر محمد بن علي الجواد عليهما السلام، وحكيمة بالكاف في الموضعين، أما (حليمة باللام) فمن تصحيف العوام. قال السروى [أي ابن شهر آشوب] في (المناقب): "حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قالت: لما حضرت ولادة (الخيزران) أم أبي جعفر عليه السلام دعاني الرضا عليه السلام فقال لي: يا حكيمة احضري ولادتها وادخلي واياها والقابلة بيتاً، ووضع لنا مصباحاً وأغلق الباب علينا، فلما أخذها الطلق طفئ المصباح، وبين يديها طست فاغتممت بطفء المصباح فبينما نحن كذلك إذ بدر أبو جعفر عليه السلام في الطست، واذا عليه شيء رقيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتى أضاء البيت فابصرناه فأخذته فوضعته في حجري ونزعت عنه ذلك الغشاء فجاء الرضا عليه السلام ففتح الباب وقد فرغنا من أمره فأخذه، فوضعه في المهد، وقال لي: يا حكيمة الزمي مهده، قالت: فلما كان في اليوم الثالث رفع بصره إلى السماء ثم نظر يمينه ويساره ثم قال: أشهد أن لا إله الّا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقمت ذعرة فزعة، فأتيت أبا الحسن عليه السلام، فقلت له سمعت عجباً من هذا الصبي، فقال: وما ذاك؟ فأخبرته الخبر، فقال: يا حكيمة ما ترون من عجائبه اكثر"(٢٩٨).
كلام العلامة المجلسي في محل قبر السيدة حكيمة:
وقال العلامة المجلسي رحمه الله في مزار البحار: "أن في القبة الشريفة - يعني قبة العسكريين عليهما السلام - قبراً منسوباً إلى النجيبة الكريمة العالمة الفاضلة التقية الرضية: حكيمة بنت أبي جعفر الجواد عليه السلام وما أدري لم لم يتعرضوا لزيارتها(٢٩٩) مع ظهور فضلها وجلالتها وانها كانت مخصوصة بالائمة عليهم السلام ومودعة أسرارهم، وكانت أم القائم عليه السلام عندها، وكانت حاضرة عند ولادته، وكانت تراه حيناً بعد حين في حياة أبي محمد العسكري عليه السلام، وكانت من السفراء والابواب بعد وفاته: فينبغي زيارتها بما أجرى الله على اللسان مما يناسب فضلها وشأنها(٣٠٠).
وبعد أن نقل السيد بحر العلوم رحمه الله هذا الكلام قال:
عدم التعرض لزيارتها رضي الله عنها - كما أشار اليه الخال المفضال - عجيب، وأعجب منه عدم تعرض الأكثر - كالمفيد في الارشاد وغيره في كتب التواريخ والسير والنسب - لها في أولاد الجواد عليه السلام بل حصر بعضهم بناته عليه السلام في غيرها:
قال المفيد رحمه الله: "وخلف أبو جعفر الجواد عليه السلام من الولد علياً - ابنه الامام من بعده - وموسى، وفاطمة وامامة ولم يخلف ذكراً غير من سميناه"(٣٠١).
روى الشيخ الصدوق في كمال الدين عن محمد بن عثمان العمري انّه قال:
لما ولد الخلف المهدي عليه السلام سطع نور من فوق رأسه إلى عنان السماء، ثم سقط لوجهه ساجداً لربّه تعالى ذكره، ثمّ رفع رأسه وهو يقول: "شهد الله انّه لا اله الّا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا اله الّا هو العزيز الحكيم أن الدين عند الله الاسلام"(٣٠٢).
وروى الحسن بن المنذر عن حمزة بن ابي الفتح قال: جائني يوماً، فقال لي: البشارة، ولد البارحة في الدار(٣٠٣) مولود لأبي محمد عليه السلام وأمر بكتمانه(٣٠٤). (وان يعق عنه ثلاثمائة كبش)(٣٠٥).
وقد روي في الكتاب المتقدم وغيره: "لما ولد السيد عليه السلام قال ابو محمد عليه السلام: ابعثوا إلى أبي عمرو(٣٠٦)، فبعث اليه، فصار اليه فقال له: اشترِ عشرة آلاف رطل خبز، وعشرة آلاف رطل لحم، وفرقه حُسْبَة على بني هاشم"(٣٠٧).
وجاء في رواية:
لما ولد السيد عليه السلام تباشر اهل الدار بذلك، فلمّا نشأ خرج اليّ الامر ان ابتاع في كل يوم مع اللحم قصب مخ وقيل انّ هذا لمولانا الصغير(٣٠٨).
وروي ايضاً عن طريف الخادم قال: دخلت على صاحب الزمان عليه السلام فقال: عليّ بالصندل الاحمر، فأتيته به.
ثم قال: اتعرفني؟
قلت: نعم.
فقال: مَنْ أنا؟
فقلت: انت سيدي وابن سيدي.
فقال: ليس عن هذا سألتك.
قال طريف: فقلت: جعلني الله فداك فسّر لي(٣٠٩).
قال: أنا خاتم الاوصياء، وبي يدفع الله عزّ وجلّ البلاء عن اهلي وشيعتي(٣١٠).
وفي البحار:
نقل من خط الشهيد عن الصادق عليه السلام قال: انّ الليلة التي يولد فيها القائم عليه السلام لا يولد فيها مولود الّا كان مؤمناً، وان ولد في ارض الشرك نقله الله الى الايمان ببركة الامام عليه السلام(٣١١).
وروى الشيخ المسعودي في (اثبات الوصية) والحسين بن حمدان في (الهداية): انّ ابا الحسن صاحب العسكر احتجب عن كثير من الشيعة الّا عن عدد يسير من خواصه، فلمّا أفضى الأمر إلى أبي محمد عليه السلام كان يكلم شيعته الخواص وغيرهم من وراء الستر الّا في الأوقات التي يركب فيها إلى دار السلطان.
وان ذلك انما كان منه ومن أبيه قبله مقدمة لغيبة صاحب الزمان لتألف الشيعة ذلك ولا تنكر الغيبة، وتجري العادة بالاحتجاب والاستتار.
ذكر خلفاء بني العباس في زمان الغيبة الصغرى:
وفي تسع عشرة سنة من الوقت(٣١٢) توفي المعتمد وبويع لأحمد بن الموفق وهو المعتضد وذلك في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين.
في تسع وعشرين سنة من الوقت(٣١٣) توفي المعتضد وبويع لابنه(٣١٤) علي المكتفي في شهر ربيع الاخر سنة تسع وثمانين ومائتين.
وفي خمس وثلاثين سنة من الوقت توفي المكتفي وبويع لأخيه جعفر المقتدر(٣١٥) في سلخ شوال(٣١٦) سنة خمس وتسعين ومائتين.
وفي سنة ستين من الوقت قتل جعفر المقتدر لليلة(٣١٧) بقيت من شوال سنة عشرين وثلاثمائة وبويع لأخيه محمد القاهر بالله.
وفي سنة اثنين وستين من الوقت خلع القاهر ثم سمل(٣١٨) ووقعت البيعة للراضي محمد بن المقتدر في جمادى الاولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
وبويع لأخيه ابراهيم المتقي لعشر خلون من ربيع الاول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
وللصاحب عليه السلام مذ ولد إلى هذا الوقت وهو شهر ربيع الاول سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ست وسبعون سنة واحد عشر شهراً ونصف شهر(٣١٩).
قام مع ابيه ابي محمد عليهما السلام اربع سنين وثمانية اشهر.
ومنها منفرداً بالامامة واحد وسبعون سنة وشهوراً(٣٢٠).
وقد تركنا بياضاً لمن يأتي بعدنا والسلام(٣٢١).
ويظهر من هذا الكلام أن هذا الكتاب الشريف قد أُلِّفَ في بداية الغيبة الكبرى.

* * *
الباب الثّاني: في أسماء المهدي وألقابه صلوات الله عليه

الشريفة المذكورة في القرآن المجيد وسائر الكتب السماوية واخبار اهل البيت عليهم السلام وألسنة الرواة والمحدثين والمثبتة في كتب الأخبار والسير والرجال، مع الاشارة إلى مصادرها، وسلكت في هذا المقام نفس طريقة العلماء الأعلام عندما ذكروا اسماء والقاب الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلّم والائمة عليهم السلام مع التحفظ من بعض الاستنباطات التي استحسنها جماعة في هذا المقام، ولو راعيناها لصارت اضعاف ما هو موجود هنا.
ويطلق على جميعها اسم، كما يأتي في الباب الرابع.
وما يذكر هنا مائة واثنان وثمانون اسماً:
الأول: "احمد".
روى الشيخ الصدوق في (كمال الدين) عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان - إلى أن يقول - له اسمان اسم يخفى، واسم يعلن. فامّا الذي يخفى فأحمد"(٣٢٢).
وروي في غيبة الطوسي عن حذيفة أنه قال:
"سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم - ذَكَرَ المهدي - فقال: أنه يبايع بين الركن والمقام اسمه احمد وعبد الله والمهدي فهذه اسماؤه ثلاثتها"(٣٢٣).
وروي في تاريخ ابن الخشاب وغيره أن له اسمين(٣٢٤).
والظاهر أن المراد منهما اسما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم المباركان.
الثاني: "الأصل".
روى الشيخ الكشي في رجاله عن أبي حامد بن ابراهيم المراغي، قال: كتب ابو جعفر محمد بن أحمد بن جعفر القمي العطار، وليس له ثالث في الأرض في القرب من الأصل، يصفنا لصاحب الناحية عليه السلام.
فخرج: وقفت على ما وصفت به أبا حامد، أعزه الله بطاعته، وفهمت ما هو عليه تمم الله ذلك له بأحسنه ولا أخلاه من تفضله عليه وكان الله وليه، اكثر السلام وأخصه.
قال أبو حامد: هذا في رقعة طويلة، فيها أمر ونهي إلى ابن أخي كثير، وفي الرقعة مواضع قد قرضت، فدفعت الرقعة كهيئتها إلى علاء بن الحسن الرازي.
وكتب رجل من أجلة اخواننا يسمى الحسن بن النضر بما خرج في أبي حامد وأنفذه الى ابنه(٣٢٥).
والظاهر أن المراد من (الاصل) و(صاحب الناحية) وصاحب التوقيع هو امام العصر عليه السلام(٣٢٦).
رواية الكليني عن الحسن بن النضر:
ان الحسن بن النضر هو نفسه الذي روى عنه الكليني في باب مولده عليه السلام عن سعد بن عبد الله قال: انّ الحسن بن النضر وأبا صدام وجماعة تكلموا بعد مضي أبي محمد عليه السلام فيما في أيدي الوكلاء وأرادوا الفحص(٣٢٧) فجاء الحسن بن النضر إلى أبي الصدام فقال: انّي أريد الحج فقال له أبو صدام: أخّره هذه السنة، فقال له الحسن: انّي أفزع في المنام ولابد من الخروج، وأوصى إلى احمد بن يعلى بن حمّاد، وأوصى للناحية بمال وأمره أن لا يخرج شيئاً الّا من يده إلى يده بعد ظهوره قال: فقال الحسن: لمّا وافيت بغداد اكتريت داراً فنزلتها، فجاءني بعض الوكلاء بثياب ودنانير وخلّفها عندي، فقلت له ما هذا؟ قال هو ما ترى، ثم جاءني آخر بمثلها وآخر حتى كبسوا(٣٢٨) الدار، ثم جاءني أحمد بن إسحاق بجميع ما كان معه، فتعجّبت وبقيت متفكراً، فوردت عليّ رقعة الرجل عليه السلام(٣٢٩) إذا مضى من النهار كذا وكذا فاحمل ما معك(٣٣٠)، فرحلت وحملت ما معي وفي الطريق صُعلوك يقطع الطريق في ستّين رجلا فاجتزت عليه وسلّمني الله منه فوافيت العسكر(٣٣١) ونزلت، فوردت عليّ رقعة ان احمل ما معك، فعبيته في صنان الحمّالين، فلما بلغت الدهليز إذا فيه أسود قائم فقال: أنت الحسن ابن النضر؟ قلت: نعم، قال: ادخل، فدخلت الدار ودخلت بيتاً وفرغت صنان الحمّالين واذا في زواية البيت خبز كثير فأعطى كلّ واحد من الحمّالين رغيفين وأخرجوا، واذا بيت عليه ستر فنوديت منه: يا حسن بن النضر احمد الله على ما منّ به عليك ولا تشكّنّ، فودّ الشيطان انّك شككت، واخرج اليّ ثوبين وقيل: خذها فستحتاج اليهما فأخذتهما وخرجت، قال سعد: فانصرف الحسن بن النضر ومات في شهر رمضان وكفن في الثوبين(٣٣٢).
ويظهر من بعضهم أن الخبر الاول متعلق بالامام الحسن عليه السلام.
وقد ذكر في الكتب الرجالية أن المراد بالاصل هو الامام، واستشهد له بهذا الخبر، وقيل بأن الخبر لم يعيّن بأي منهم، ولكنه لا كلام في أن المراد منه الامام، واما وجه أن المراد منه امام العصر عليه السلام أو أي امام اصل فظاهر، فانّهم اصل كل علم وخير وبركة وفيض.
فليس هناك حق بيد احد الاّ وينتهي بهم.
ولا يصيب احداً نعمة أو سوء الاّ بهم.
وهم مرجع وملاذ العباد في الدنيا والبرزخ والاخرة.
وهم اصل غاية خلقه جميع العوالم العلوية والسفلية.
الثالث: "اوقيدمو".
ذكر الفاضل الالمعي الميرزا محمد النيشابوري في كتاب (ذخيرة الالباب) المعروف بـ (دوائر العلوم) أن اسمه في التوراة بلغة تركوم (اوقيدمو).
الرابع: "ايزد شناس".
الخامس: "ايزد نشان".
وقد ذكر في الكتاب المتقدم أن هذين الاسمين له عند المجوس.
وقال الشيخ البهائي رحمه الله في الكشكول: أن الفرس يدعونه بـ (ايزد شناس) و(ايزد نشان).
السادس: "ايستاده".
وهذا عندهم ايضاً من اسمائه كما في كتاب (شامكوني).
السابع: "ابو القاسم".
روي في الأخبار المستفيضة باسانيد معتبرة من طرق الخاصة والعامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال:
"المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي"(٣٣٣).
وروى في كمال الدين عن أبي سهل النوبختي عن عقيد الخادم أنه قال: "ويكنى ابا القاسم"(٣٣٤).
وروي في تاريخ ابن الخشاب عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال:
"الخلف الصالح من ولدي، وهو المهدي، اسمه محمد، وكنيته ابو القاسم"(٣٣٥).
وروي عن القاسم بن عدي أنه قال: يقال كنية الخلف الصالح ابو القاسم(٣٣٦).
ونهي في بعض الأخبار عن التكني بأبي القاسم إذا كان اسمه محمد(٣٣٧).
وقد صرحت بعضها بحرمة ذكره بهذه الكنية في المجالس وهذا الحكم هو الحكم بالاتيان باسمه الأصلي(٣٣٨).
الثامن: "ابو عبد الله".
روى الكنجي الشافعي في كتاب البيان في اخبار صاحب الزمان عليه السلام عن حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم:
"لو لم يبق من الدنيا الاّ يوم واحد لبعث الله فيه رجلا اسمه اسمي وخُلقه خلقي يكنى أبا عبد الله"(٣٣٩).
وسوف يأتي أنه عليه السلام يكنى بجميع كنى أجداده الطاهرين عليهم السلام.
التاسع: "ابو جعفر".
العاشر: "ابو محمد".
الحادي عشر: "ابو ابراهيم".
قال الحضيني في الهداية: كنيته ابو القاسم وابو جعفر.
وروي أن له جميع كنى الائمة الاحد عشر التي لآبائه وعمه الامام الحسن المجتبى عليهم السلام.
وفي احد كتب المناقب القديمة الذي يبتدئ هكذا:
"اخبرنا احمد بن محمد بن السمط في واسط سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة قال: قرأت هذا الكتاب على أبي الحسن علي بن ابراهيم الانباري في واسط في سنة ست وعشرين وثلاثمائة... الخ".
ويشتمل على مجمل احوال جميع الائمة عليهم السلام ولم يعلم لحد الآن مؤلفه.
وقد نقل هذه الرواية هناك ايضاً؛ وذكر القاباً كثيرة له عليه السلام.
ونحن نعبّر عنه بـ (المناقب القديمة).
وطبق هذا الخبر فسوف تكون من القابه:
الثاني عشر: "ابو الحسن".
والثالث عشر: "ابو تراب".
والكنيتان لأمير المؤمنين عليه السلام، وهناك تأمل في الثاني، الاّ إذا اريد من (أبي تراب) مالك التراب، ومربي الأرض، كما هو أحد الوجوه التي ذكرت في سبب تكنيته بها عليه السلام، وسوف يأتي في تفسير الآية الشريفة: (واشرقت الأرض بنور ربها) انه قال عليه السلام: "رب الأرض يعني امام الأرض".
وانه سوف يستغني الناس بنور المهدي عليه السلام عن ضوء الشمس ونور القمر(٣٤٠).
الرابع عشر: "ابو بكر".
وهي احدى كنى الامام الرضا عليه السلام كما ذكرها ابو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين وغيره.
الخامس عشر: "ابو صالح".
ذكر في (ذخيرة الالباب) أنه يكنّى بأبي القاسم، وأبي صالح.
وان هذه الكنية معروفة له عند الاعراب والبدو فانهم ينادونه بها عند التوسلات والاستغاثات به.
ويذكرها الشعراء والأدباء في قصائدهم ومدائحهم.
وسيظهر من بعض القصص التي تأتي انها كانت شائعة في السابق، وسوف يأتي في الباب التاسع ذكر مصدر لهذه الكنية أن شاء الله تعالى.
السادس عشر: "أمير الأمرة".
وهو لقب لقبه به أمير المؤمنين عليه السلام كما رواه الثقة الجليل الفضل بن شاذان في كتاب غيبته عن الامام الصادق عليه السلام عنه عليه السلام أنه قال بعد ذكر جملة من الفتن والحروب والهرج والمرج: فيخرج الدجال ويبالغ في الإغواء والإضلال ثم يظهر أمير الأمرة، وقاتل الكفرة السلطان المأمول، الذي تحير في غيبته العقول وهو التاسع من ولدك يا حسين يظهر بين الركنين، يظهر على الثقلين(٣٤١).
السابع عشر: "الإحسان".
الثامن عشر: "الاُذن الواعية".
التاسع عشر: "الأيدي".
وعدّ الأول في الهداية والمناقب القديمة من القابه.
والثاني والثالث في الهداية، والظاهر أن المراد من الايدي جمع اليد ويكون هنا بمعنى (النعمة) كما روى الصدوق في (كمال الدين) وابن شهر آشوب في المناقب عن الامام الكاظم عليه السلام أنه قال في تفسير الآية الشريفة: (وأسبغ عليكم نِعَمَهُ ظاهرة وباطنة): النعمة الظاهرة الامام الظاهر، والباطنة الامام الغائب(٣٤٢).
وقد فسرت (النعمة) في مواضع كثيرة من القرآن بالامام عليه السلام.
العشرون: "بقية الله".
قال في الذخيرة: أن هذا الاسم له عليه السلام في كتاب (ذوهر).
وروى في غيبة (الفضل بن شاذان) عن الامام الصادق عليه السلام في ضمن أخبار القائم عليه السلام أنه قال:
"فاذا خرج اسند ظهره إلى الكعبة واجتمع ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا واول ما ينطق به هذه الآية: (بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين)(٣٤٣).
ثم يقول: أنا بقية الله، وحجته، وخليفته عليكم، فلا يسلّم عليه مسلّم الاّ قال: "السلام عليك يا بقية الله في أرضه"(٣٤٤).
وروى فرات بن ابراهيم في تفسيره عن عمران بن واهر(٣٤٥) قال: قال رجل لجعفر بن محمد عليهما السلام: نسلّم على القائم بامرة المؤمنين؟
قال: لا؟ ذلك اسم سمّى الله به أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يُسمّى به احدٌ قبله ولا بعده الا كافر.
قال: فكيف نسلّم عليه؟
قال: تقول: السلام عليك يا بقية الله.
قال: ثم قرأ جعفر: (بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين)(٣٤٦).
الواحد والعشرون: "بئر معطلة".
روى علي بن ابراهيم في تفسيره عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال في تفسير الآية الشريفة (وبئر معطّلة وقصر مشيد)(٣٤٧).
هو مثل لآل محمد صلوات الله عليهم، قوله: "وبئر معطلة " هي التي لا يستقى منها وهو الامام الذي قد غاب فلا يقتبس منه العلم [إلى وقت ظهوره](٣٤٨).
أي لا يقتبس بالأسباب الظاهرية المتداولة لكل أحد وفي كل وقت كما كان ميسراً في عصر كل امام - الذين هم عليهم السلام (قصر مرتفع)، غيره عليه السلام - إذ لم يكن هناك مانع خارجي.
فلا تنافي مع ما سوف نذكره في الباب العاشر من امكان الانتفاع بعلمه وسائر فيوضاته بغير الاسباب المتعارفة للخاصة بل لغيرهم ايضاً.
الثاني والعشرون: "البلد الأمين".
يعني قلعة الله المحكمة التي ليس لأحد سلطة عليها.
وعدّه الفاضل المتتبع الميرزا محمد رضا المدرس في (جنات الخلود) من القابه.
الثالث والعشرون: "بهرام".
الرابع والعشرون: "بنده يزدان" (٣٤٩).
ان هذين الاسمين له عليه السلام في كتاب (ايستاع) كما ذكر في (ذخيرة الالباب).
الخامس والعشرون: "پرويز" (٣٥٠) مع باء پهلوية(٣٥١).
اسمه عليه السلام في كتاب (برزين از رفرس) كما في الكتاب المذكور(٣٥٢).
السادس والعشرون: "برهان الله".
اسمه عليه السلام في كتاب (انكليون)، كما ذكر هناك(٣٥٣).
السابع والعشرون: "الباسط".
عدّه في الهداية والمناقب القديمة من القابه عليه السلام، وفيضه كما قال هو عليه السلام مثل الشمس فانها تصل إلى كل مكان، ويستفيد منها كل موجود، واما حين حضوره وظهوره عليه السلام فسوف ينبسط عدله ويعم، بحيث يرعى الذئب والغنم معاً.
روي في تفسير الشيخ فرات بن ابراهيم عن ابن عباس أنه قال ما يكون عند قيام القائم عليه السلام:
"حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا صاحب ملّة الاّ دخل في الاسلام حتى تأمنُ الشاة والذئب والبقرة والاسد والانسان والحية وحتى لا تقرض فأرة جراباً"(٣٥٤).
وروى الشيخ المقدم احمد بن محمد بن عياش في مقتضب الاثر بسنده عن عبد الله بن ربيعة المكي عن ابيه أنه قال: "كنت مع من عمل مع ابن الزبير في الكعبة، وامر العمال ان يبلغوا في الأرض.
قال: فبلغنا صخراً امثال الابل، فوجدت على بعض تلك الصخور كتاباً موضوعاً... الى ان يقول:
فقرأت فيه: باسم الاول لا شيء قبله؛ لا تمنعوا الحكمة اهلها فتظلموهم، ولا تعطوها غير مستحقها فتظلموها".
وهو طويل، وقد ذكرت فيه بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وصفاته الحميدة واعماله الجميلة ومقرّه ومدفنه، وكذلك كل امام من الائمة الطاهرين عليهم السلام إلى أن يقول في حق الامام الحسن العسكري عليه السلام:
"يدفن في المدينة المحدثة، ثم المنتظر بعده اسمه اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم يأمر بالعدل ويفعله وينهى عن المنكر ويجتنبه، يكشف الله به الظلم ويجلو به الشك والعمى، يرعى الذئب في ايامه مع الغنم، ويرضى عنه ساكن السماء والطير في الجو والحيتان في البحار.
يا له مِنْ عَبْد ما أكرمه على الله، طوبى لِمَن اطاعه، وويل لمن عصاه، طوبى لمن قاتل بين يديه فقَتَلَ أو قُتِلَ، أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وأولئك هم الفائزون(٣٥٥).
الثامن والعشرون: "بقية الأنبياء".
وهذا اللقب مع عدة القاب أخرى مذكورة في خبر رواه الحافظ البرسي في (مشارق الأنوار) عن السيدة حكيمة على نحو ما نقله عنه العالم الجليل السيد حسين المفتي الكركي سبط المحقق الثاني في كتاب (دفع المنادات) قال:
"كان مولد القائم عليه السلام ليلة النصف من شعبان.... إلى أن يقول: فجئت به إلى ابن أخي الحسن بن عليّ عليهما السلام فمسح يده الشريفة على وجهه [الأنور وكان نور الأنوار](٣٥٦) وقال تكلم يا حجة الله وبقية الأنبياء [ونور الأصفياء وغوث الفقراء](٣٥٧) وخاتم الأوصياء [ونور الأتقياء](٣٥٨) وصاحب الكرة البيضاء... فقال: (اشهد أن لا اله الاّ الله) إلى آخر ما تقدم في باب ولادته عليه السلام".
ولكن في نسختي هكذا:
"تكلم يا حجة الله، وبقية الأنبياء، وخاتم الأوصياء، وصاحب الكرة البيضاء، والمصباح من البحر العميق الشديد الضياء.
تكلم يا خليفة الأتقياء والأوصياء"(٣٥٩).
التاسع والعشرون: "التالي".
وقد عدّه يوسف بن قزعلي سبط ابن الجوزي في (المناقب) من القابه عليه السلام(٣٦٠).
الثلاثون: "التأييد".
عدّه في الهداية من القابه، وهو بمعنى معطي القوة.
وروي في كمال الدين عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال بعد ذكر شمائله واسمائه:
"وضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن الاّ صار قلبه اشدّ من زبر الحديد، واعطاه الله تعالى قوة اربعين رجلا"(٣٦١).
الواحد والثلاثون: "التمام".
وعدّه في الهداية من القابه، ومعناه واضح، فانه عليه السلام تام وفيه تمام الصفات الحميدة وكمال الأفعال وشرف النسب والشوكة والحشمة والسلطنة والقدرة والرأفة ومنزه عن العيب والنقص والزوال.
ويحتمل أن يكون المراد من التمام؛ المتمم والمكمل، فان به عليه السلام تتم الخلافة والرئاسة الالهية في الأرض، والآيات الباهرة، وعلوم واسرار الانبياء والاوصياء؛ وهذا الاطلاق شائع في الاستعمال.
الثاني والثلاثون: "الثائر".
عدّه في المناقب القديمة من القابه.
وقيل أن الثائر: من لا يُبقي على شيء حتى يدرك ثأره.
وسوف يطالب عليه السلام بدم جده بل بدماء جميع الاصفياء.
وفي دعاء الندبة: "أين الطالب بذحول الانبياء وابناء الانبياء. أين الطالب بدم المقتول بكربلاء".
الثالث والثلاثون: "جعفر".
روى الشيخ الصدوق في كمال الدين عن حمزة بن الفتح أنه قال: "ولد البارحة في الدار مولود لابي محمد عليه السلام وامر بكتمانه.
فسأله الحسن بن المنذر: وما اسمه؟
قال: سمّي بمحمّد، وكنّي بجعفر"(٣٦٢).
والظاهر أنه ليس المراد الكنية المعروفة بل المقصود هو عدم التصريح باسمه بل يعبر عنه بالكناية بجعفر خوفاً من عمه جعفر.
فعندما يخبر الشيعة بعضهم البعض يقولون رأينا جعفر، أو أنه امام، أو احمل هذا المال إليه، لاجل أن لا يطلع اتباع جعفر على ذلك.
وفي غيبة النعماني خبران عن الامام الباقر عليه السلام عُدّ فيهما أنه كني بعمه أو يكنّى بعمه(٣٦٣).
والظاهر أن المراد من هذين الخبرين هو هذا ايضاً.
واحتمل العلامة المجلسي: "لعل كنية بعض اعمامه ابو القاسم، أو هو عليه السلام مكنّى بأبي جعفر، أو أبي الحسين، أو أبي محمد ايضاً"(٣٦٤).
التي هي كنى الامام المجتبى عليه السلام والسيد محمد المعروف عمه عليه السلام.
وبعد أن ذكر احتمالنا الذي ذكرناه قال: "الاوسط اظهر كما مرّ في خبر حمزة بن أبي الفتح... الخ"(٣٦٥).
وهذا غريب جداً لان في نسخ (كمال الدين) حتى في نسخة المرحوم نفسه التي منها هو (جعفر) لا (ابو جعفر).
وقال في منتهى الارب: ويقال فلان يكنى بأبي عبد الله مجهولا، ولا يقال يكنى بعبد الله.
وهذا الكلام لرفع توهم في حالة التكني مثلا بأبي عبد الله، أو أبي جعفر فلا يقال يكنى بعبد الله أو بجعفر.
فاذن أن ما ذكر هناك كان المقصود منه هو نفس الاسم والله العالم.
الرابع والثلاثون: "الجمعة".
من أساميه كما سيأتي بيانه مفصلا في الباب الحادي عشر.
الخامس والثلاثون: "جابر".
كما عدّه في الهداية والمناقب القديمة من القابه.
والجابر المصلح للكسر، وهذا اللقب من خصائصه عليه السلام المكنونة بوجوده المسعود فهو الفرج الاعظم، وحلّال كل المشاكل(٣٦٦)، وجابر كل القلوب المنكسرة، ومطَمْئِن كل القلوب المغمومة، ومريح كل النفوس المكروبة المحزونة، وشفاء جميع الأمراض المزمنة.
السادس والثلاثون: "الجَنْب".
عدّه في الهداية من القابه.
وقد جاء في الأخبار المتواترة في تفسير الآية الشريفة (يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله) انّ الامام " جنب الله".
السابع والثلاثون: "الجوار الكنس".
يعني النجوم التي تتوارى تحت شعاع الشمس كما تتوارى الظباء في كناسها.
وروي في كمال الدين وغيبة الشيخ الطوسي وغيبة النعماني عن الامام الباقر عليه السلام في تفسير الآية الشريفة: (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) أنه قال: "امام يخنس سنة ستين ومائتين ثم يظهر كالشهاب في الليلة الظلماء"(٣٦٧).
ثم قال للراوي:
"واذا ادركت زمانه قرت عينك"(٣٦٨).
الثامن والثلاثون: "الحجة، وحجة الله".
في العيون وكمال الدين وغيبة الشيخ الطوسي وكفاية الاثر لعلي بن محمد الخراز مروي عن أبي هاشم الجعفري أنه قال: "سمعت ابا الحسن صاحب العسكر عليه السلام(٣٦٩) يقول: الخلف من بعدي ابني الحسن، فكيف بكم بالخلف من بعد الخلف؟
فقلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟
فقال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحلّ لكم ذكره باسمه.
قلت: فكيف نذكره؟
قال: قولوا: الحجة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلّم"(٣٧٠).
وهو من القابه الشائعة المذكورة في كثير من الادعية والأخبار، وقد ذكره اكثر المحدثين، ومع أنه يشارك باقي الائمة عليهم السلام بهذا اللقب، وكلهم حجة الله على الخلق، ولكن مع ذلك فهو مختص به، فكلما ذكر بدون قرينة ولا شاهد فيراد به هو عليه السلام.
وقال بعضهم: لقبه (حجة الله) بمعنى غلبة وتسلط الله على الخلائق، فانهما سوف يكونان بواسطته عند ظهوره.
ونقش خاتمه (أنا حجة الله).
وبرواية (انا حجة الله وخالصته).
وبهذا الخاتم سوف يحكم الأرض.
التاسع والثلاثون: "الحق".
وعدّه في المناقب القديمة والهداية من القابه.
وروي في الكافي عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال في الآية الشريفة: (وقل جاء الحق... الخ)(٣٧١): "اذا قام القائم أَذهبَ دولة الباطل"(٣٧٢).
وطبق هذا التفسير فقد جاء التعبير بالماضي لاجل تأكيد وقوعه، وهو بيان لعدم وجود شك في وقوعه.
وجاء في زيارته عليه السلام: "السلام على الحق الجديد".
والظاهر أن في جميع حالاته وصفاته وافعاله واقواله واوامره ونواهيه تمام المنافع والخيرات والمصالح الثابتة الباقية التامة وليس فيها أي ضرر أو مفسدة أو خطأ في الدنيا او في الاخرة، لا على نفسه، ولا على اتباعه عليه السلام.
الأربعون: "الحجاب".
عدّه في الهداية من القابه.
وفي زيارته: "السلام على حجاب الله الازلي القديم".
الواحد والأربعون: "الحامد".
الثاني والأربعون: "الحمد".
وقد عدّهما في ذلك الكتاب من القابه.
الثالث والأربعون: "الحاشر".
اسمه عليه السلام في صحف ابراهيم كما ذكر في تذكرة الائمة عليهم السلام.
الرابع والأربعون: "خاتم الأوصياء".
من القابه الشائعة، ومعروف عليه السلام بهذا اللقب، كما روى عدة من المحدثين عن ابي نصر طريف خادم الامام العسكري عليه السلام أنه قال: "دخلت على صاحب الزمان عليه السلام فقال: عليّ بالصندل الأحمر، فأتيته به.
ثم قال: أتعرفني؟
قلت: نعم.
فقال: مَنْ أنا؟
فقلت: انت سيدي وابن سيدي.
فقال: ليس عن هذا سألتك.
قال طريف: فقلت: جعلني الله فداك فبيّن لي.
قال: أنا خاتم الاوصياء، وبي يدفع الله عزّ وجلّ البلاء عن اهلي وشيعتي"(٣٧٣).
الخامس والأربعون: "خاتمة الائمة " عليهم السلام.
عدّه في (جنات الخلود) من القابه عليه السلام.
السادس والأربعون: "خجسته".
قال في (الذخيرة) أنه اسمه في كتاب (كندر آل فرنگيان).
السابع والأربعون: "خسرو".
وقد ذكر في (الذخيرة) و(التذكرة) وذكر في كتاب جاويدان أن اسمه (خسرو مجوس).
الثامن والأربعون: "خدا شناس".
مذكور في هذين الكتابين(٣٧٤) أنه اسمه عليه السلام في كتاب (شامكوني)، وباعتقاد كفرة الهند أن صاحب هذا الكتاب كان نبياً بعث لاهل (الختا والختن)(٣٧٥).
وكان مولده في مدينة (كيلواس) ويقال أن الدنيا وحكومتها تتظلل بابن سيد خلائق العالمين وبلسانه يصل اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم اليها، ويحكم على جبال مشرق الدنيا ومغربها ويأمر عليها، ويركب السحاب وتعينه الملائكة ويخدمه الجن والانس، ويملك السودان - التي هي تحت خط الاستواء - إلى ارض تسعين - التي هي تحت القطب الشمالي - وما وراء الاقاليم السبعة - التي هي جنان إرم وجبل قاف - فيكون دين الله ديناً واحداً، واسمه (ايستاده) و(خداشناس).
التاسع والأربعون: "الخازن".
وقد عدّ في الهداية من القابه عليه السلام ايضاً.
الخمسون: "الخلف " و" الخلف الصالح".
عدّهما في الهداية والمناقب القديمة من القابه، وقد ذكر مكرراً بهذين اللقبين في ألسنة الائمة عليهم السلام، بل ذكر في تاريخ ابن الخشاب أنه " يكنّى بأبي القاسم وهو ذو الاسمين خلف ومحمد يظهر في آخر الزمان وعلى رأسه غمامة تظله من الشمس تدور معه حيثما دار تنادي بصوت فصيح (هذا المهدي)"(٣٧٦).
يعني هذا المهدي الذي كنتم تنتظرونه.
وروي ايضاً عن الامام الرضا عليه السلام أنه قال:
"الخلف الصالح من ولد أبي محمد الحسن بن عليّ وهو صاحب الزمان وهو المهدي"(٣٧٧).
وروي ايضاً عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال:
"الخلف الصالح من ولدي المهدي اسمه محمد كنيته ابو القاسم يخرج في آخر الزمان"(٣٧٨).
والمقصود بالخلف: الخليفة.
وهو عليه السلام خلف جميع الانبياء والاوصياء الماضين، وعنده جميع علومهم وصفاتهم وحالاتهم وخصائصهم، وجمعت لديه كل المواريث الالهية التي توارثها بعضُهم عن البعض الآخر.
وفي حديث اللوح المعروف الذي رآه جابر عند الصديقة الطاهرة عليها السلام بعد ذكر الامام العسكري عليه السلام:
"ثم اكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين عليه كمال صفوة آدم، ورفقة ادريس، وسكينة نوح وحلم ابراهيم وشدة موسى وبهاء عيسى وصبر ايوب..."(٣٧٩).
وفي حديث المفضل المشهور أنه عندما يظهر عليه السلام يسند (ظهره إلى الكعبة ويقول: يا معشر الخلائق ألا ومن اراد أن ينظر إلى آدم وشيث فها أنا آدم وشيث)(٣٨٠).
وعلى هذا النحو يذكر نوح وسام وابراهيم واسماعيل وموسى ويوشع وعيسى وشمعون عليهم السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وباقي الائمة عليهم السلام(٣٨١).
وفي رواية النعماني يقول:
"فانا بقية (الله)(٣٨٢) من آدم، وذخيرة من نوح، ومصطفى من ابراهيم، وصفوة من محمد صلوات الله عليهم اجمعين"(٣٨٣).
ويحتمل: بما أنه لم يكن للامام العسكري عليه السلام ولد، وكان الناس يقولون: لا خلف له، وبقى على هذه العقيدة جماعة. فعندما ولد عليه السلام بشر الشيعة بعضهم البعض الآخر انه ظهر الخلف.
ولعله لهذه المسألة لُقّب، بل لقّبه الائمة عليهم السلام بهذا اللقب.
الواحد والخمسون: "الخنس".
وهي الكواكب السيارة التي لها رجعة، وقد ترجع احياناً في اثناء سيرها مثل زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد، وليس للشمس والقمر رجعة.
وروى الحسين بن حمدان عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال في الآية المباركة (فلا اقسم بالخنس)(٣٨٤):
امام يغيب سنة ستين ومائتين(٣٨٥).
وروي في كمال الدين وغيبة الشيخ والنعماني عن أم هاني انها قالت: لقيت ابا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، فسألته عن هذه الآية (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس).
فقال: امام يخنس في زمانه... إلى آخر ما تقدم(٣٨٦).
الثاني والخمسون: "خليفة الله".
في كشف الغمة وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال:
يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها مناد ينادي:
هذا المهدي خليفة الله(٣٨٧).
وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلّم ايضاً أنه قال في خبر ذكره عليه السلام فيه:
"... فانه خليفة الله المهدي"(٣٨٨)، وقد روى هذا الخبر الكنجي الشافعي في كتاب (البيان)(٣٨٩).
الثالث والخسون: "خليفة الأتقياء".
كما تقدم في اللقب الثامن والعشرين.
الرابع والخمسون: "دابة الأرض".
عدّه في الهداية من القابه عليه السلام، وقد ذكر كثيراً في الأخبار أن المراد منها أمير المؤمنين عليه السلام وقد ظنّ المفسّرون من اهل السنة أنه حيوان وروَوْا أن لها ريشاً وأربعة قوائم وطولها ستون ذراعاً ولا يمكن لاحد ادراكها ولا يستطيع احد أن يفرّ منها تنكت بين عيني المؤمن فتكتب مؤمناً، وبين عيني الكافر فتكتب كافراً... إلى آخر ما ذكروه(٣٩٠) من هذه الصفات والاعمال التي لا تناسب غير الانسان كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: اما والله ما لها ذنب، وان لها للحية(٣٩١)، يعني انها انسان.
ولا يخفى على الباحث في علامات واشراط القيامة أن اكثر ما ذكر وروي فيها فهو مذكور في باب آيات وعلامات ظهور المهدي صلوات الله عليه، وعليه فان هذا اللقب يناسب الاثنين، وما يصير هنا يصير هناك وسيأتي في لقب الساعة ما يؤيد هذا الكلام.
الخامس والخمسون: "الداعي".
عدّه في الهداية من ألقابه عليه السلام.
وفي زيارته عليه السلام المأثورة عنه: "السلام عليك يا داعي الله".
فانه يدعو الخلائق إلى الله، وتصل دعوته بحيث لا يدع ديناً في الدنيا الاّ دين جدّه الاعظم صلى الله عليه وآله وسلّم، ويظهر دعوته فيصير مصداق الوعد الصادق (ليظهره على الدين كله) كما سوف يأتي تفسيره.
بل المروي في تفسير علي بن ابراهيم في الآية الشريفة: (يريدون لِيُطْفئوا نورَ الله... الخ)(٣٩٢) أن الله متم نوره بالقائم من آل محمد عليهم السلام(٣٩٣).
السادس والخمسون: "الرجل".
من القابه في وقت التقية حيث كانت الشيعة تدعوه بهذا الاسم كما تقدم شاهد منه في اللقب الثاني.
السابع والخمسون: "راهنما".
ذكر في (الذخيرة) و(التذكرة) أنه اسمه عليه السلام في كتاب (باتنكل) الذي صاحبه من اكابر الكفرة، ونقل من ذلك الكتاب كلمات في بشارة وجوده وظهوره عليه السلام بما لا نحتاج إلى نقله.
الثامن والخمسون: "رب الأرض".
كما جاء في تفسر الآية الشريفة (واشرقت الأرض) وتقدمت اخبارها، وسوف تأتي في الباب اللاحق في ضمن خصائصه عليه السلام.
التاسع والخمسون: "زند أفريس".
قال في (ذخيرة الالباب " أنه اسمه عليه السلام في كتاب (مارياقين)، وهذه عبارة الذخيرة (وفي كتاب مارياقين زند افريس).
ويحتمل أن اصل الاسم هو (افريس) وان المراد من (زند) هو الكتاب المنسوب الى (زردشت) أو صحف ابراهيم عليه السلام، أو فصل منه، والله العالم.
الستون: "سروش ايزد".
ذكر في ذلك الكتاب وفي التذكرة أن هذا اسمه عليه السلام في كتاب (زمزم) زردشت.
الواحد والستون: "السلطان المأمول".
كما تقدم في اللقب السادس عشر، وسيأتي في الباب الخامس في ذكر النصوص الخاصة في الخبر التاسع والعشرين كلام يناسب هذا المقام.
الثاني والستون: "سدرة المنتهى".
عدّه في الهداية من القابه عليه السلام.
الثالث والستون: "السناء".
الرابع والستون: "السبيل".
عدّهما في ذلك الكتاب من القابه عليه السلام.
الخامس والستون: "الساعة".
عُدّ هناك من القابه عليه السلام، وقد روي في حديث المفضل الطويل وغيره عن الامام الصادق عليه السلام أنه هو الساعة في الآية الشريفة: (يسئلونك عن الساعة أيّان مُرساها... إلى آخره)(٣٩٤).
وفي الآية المباركة الشريفة: (يسئلونك عن الساعة... الخ)(٣٩٥) وفي الآية الشريفة: (وعنده علم الساعة)(٣٩٦) وفي الآية الكريمة: (هل ينظرون الاّ الساعة)(٣٩٧) وفي الآية الشريفة: (وما يدريك لعل الساعة...)(٣٩٨) إلى قوله تعالى: (ألا إنّ الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد)(٣٩٩).
فانها جميعاً مؤولة بالمهدي عليه السلام.
قال المفضل: "قلت فما معنى يمارون؟
قال: يقولون متى ولد؟ ومَنْ رأى؟ وأين يكون؟ ومتى يظهر؟ وكلّ ذلك استعجالا لأمر الله، وشكاً في قضائه"(٤٠٠).
وان تشبيهه عليه السلام بالساعة من جهات كثيرة لا تخفى مثل ما امره، ومثل مجيئه والاثنان بغتة، والاشتراك في علامات كثيرة مثل الخسف والمسخ وظهور النار وغيرها، وتميز المؤمن عن الكافر بهما، وهلاك الجبارين، وعدم توقيت الله عزّ وجلّ مجيئهما عند الانبياء والملائكة، واخبار جميع الانبياء أممهم بمجيئهما.
وجاء في تفسير الآية الشريفة: (وذكرهم بايام الله)(٤٠١) انها خطاب إلى موسى عليه السلام أن يذكر بني اسرائيل بايام الله، فان ايام الله تعالى ثلاثة ايام: يوم القائم عليه السلام، ويوم الرجعة، ويوم القيامة(٤٠٢).
وذكر في بعض الأخبار بدل (يوم الرجعة) (يوم الموت)(٤٠٣).
وروى المسعودي في (اثبات الوصية) أنه كان تحت المنبر في ذلك اليوم (الذي ذكرهم موسى عليه السلام لبني اسرائيل)(٤٠٤) ألف نبي مرسل(٤٠٥).
وروي في غيبة الفضل بن شاذان عن الامام الحسن المجتبى عليه السلام انّه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قائلا له: يا رسول الله فمتى يخرج قائمنا أهل البيت؟
قال: يا حسن! مثله مثل السّاعة(٤٠٦) اخفى الله علمها على أهل السماوات والأرض لا تأتي الّا بغتة"(٤٠٧).
وروي في الكافي أنه قال في الآية الشريفة: (حتى إذا رأووا ما يوعدون امّا العذاب واما الساعة)(٤٠٨)؛ قال: "أما قوله: (حتى إذا رأوا ما يوعدون) فهو خروج القائم، وهو الساعة، فسيعلمون ذلك اليوم وما نزل بهم من الله على يدي قائمه"(٤٠٩).
السادس والستون: "السيّد".
ذُكر عليه السلام بهذا اللقب في عدة من الأخبار.
وهو مروي في (كمال الدين) للصدوق عن علي الخيزراني عن جارية له كان أهداها لأبي محمد عليه السلام فلمّا أغار جعفر الكذّاب على الدار جاءته فارّة من جعفر(٤١٠).
قال أبو علي: فحدثتني انها حضرت ولادة السيد عليه السلام، وان اسم أمّ السيّد صقيل، وان أبا محمد عليه السلام حدثها بما يجري على عياله، فسألته أن يدعو الله عزّ وجلّ لها أن يجعل منيتها قبله، فماتت في حياة أبي محمد عليه السلام، وعلى قبرها لوح مكتوب عليه هذا قبر ام محمد.
قال ابو علي: وسمعت هذه الجارية تذكر انّه لما ولد السيّد عليه السلام رأت له نوراً ساطعاً قد ظهر منه وبلغ افق السماء، ورأت طيوراً بيضاء تهبط من السماء وتمسح اجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده، ثم تطير.
فاخبرنا ابا محمد عليه السلام بذلك فضحك، ثم قال: تلك ملائكة نزلت للتبرك بهذا المولود وهي انصاره إذا خرج(٤١١).
وتقدم في الباب السابق عن أبي جعفر محمد بن عثمان النائب الثاني: قال: لمّا ولد السيد عليه السلام... إلى آخره(٤١٢).
السابع والستون: "شماطيل".
قال في الذخيرة أنه اسمه عليه السلام في كتاب (ارماطش).
الثامن والستون: "الشريد".
ذكر مكرراً بهذا اللقب على لسان الائمة عليهم السلام خصوصاً أمير المؤمنين والامام الباقر عليهما السلام.
يعني: الشريد من هذا الخلق المنكوس الذين لم يعرفوه ولم يعلموا قدر نعمة وجوده ولم يشكروه ولم يؤدوا حقه؛ بل بعد أن يأس اوائلهم من التغلب عليه وبعد قتل وقمع الذرية الطاهرة أعان اجلافهم باللسان والقلم جاهدين لتبعيده ونفيه من القلوب واقاموا الادلة على اصل عدم وجوده ونفي ولادته ليمحوا ذكره من الاذهان، وقد قال هو عليه السلام لابراهيم بن علي بن مهزيار:
"انّ أبي عليه السلام عهد اليّ أن لا اوطن من الأرض الاّ أخفاها وأقصاها، إسراراً لأمري، وتحصيناً لمحلّي لمكائد اهل الضلال..."(٤١٣).
إلى أن يقول عليه السلام:"...(٤١٤)، فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض، وتتبع اقاصيها، فانّ لكل وليّ من اولياء الله عزّ وجلّ عدواً مقارعاً وضداً منازعاً..."(٤١٥).
التاسع والستون: "الصاحب".
وهو من القابه المعروفة عليه السلام، وقد صرّح به علماء الرجال، وقال في الذخيرة انه اسمه عليه السلام في صحف ابراهيم عليه السلام.
السبعون: "صاحب الغيبة".
الحادي والسبعون: "صاحب الزمان".
والاثنان من القابه المعروفة، والثاني من القابه المشهورة عليه السلام، ويعني آمر وحاكم الزمان من قبل الله عزّ وجلّ.
وروى الحسين بن حمدان عن الريان بن الصلت أنه قال: "سمعت الرضا علي بن موسى عليهما السلام يقول: القائم المهدي عليه السلام ابن ابني الحسن لا يُرى جسمه، ولا يسمّي باسمه بعد غيبته احدٌ حتى يراه ويعلن باسمه فيتسمه(٤١٦) كل الخلق.
فقلنا له: يا سيدنا فان قلنا صاحب الغيبة، وصاحب الزمان، والمهدي؟
قال: هو كله جايز مطلقاً، وانما نهيتكم عن التصريح باسمه الخفي(٤١٧) عن أعدائنا فلا يعرفوه"(٤١٨).
الثاني والسبعون: "صاحب الرجعة".
في الهداية، أنه من القابه عليه السلام.
الثالث والسبعون: "صاحب الدار".
صرح علماء الرجال أنه من الالقاب المختصة به عليه السلام، وسوف يأتي في ضمن حكايات الباب السابع أنه قال عليه السلام: "أنا صاحب الدار".
الرابع والسبعون: "صاحب الناحية".
كثيراً ما يطلق عليه به في الأخبار، ولكن علماء الرجال قالوا: أنه يطلق ايضاً على الامام الحسن عليه السلام بل ويطلق على الامام علي النقي عليه السلام.
وروى السيد علي بن طاووس في (الاقبال)، ومحمد بن المشهدي في (المزار) وغيرهما انه خرج من الناحية سنة اثنين وخمسين ومائتين على يد الشيخ محمد بن غالب الاصفهاني الزيارة المعروفة المشتملة على اسامي الشهداء.
وقال العلامة المجلسي (رحمه الله تعالى) في البحار:
"أن في تاريخ الخبر اشكالا لتقدمها(٤١٩) على ولادة القائم عليه السلام باربع سنين ولعلها كانت اثنين وستين ومائتين، ويحتمل أن يكون خروجه عن أبي محمد العسكري عليه السلام"(٤٢٠).
ومن هذا الكلام يُعلم قلة اطلاقه على غير امام العصر والزمان عليه السلام.
بل قال الكفعمي في حاشية مصباحه: الناحية كل مكان كان فيه صاحب الأمر صلوات الله عليه في الغيبة الصغرى(٤٢١).
الخامس والسبعون: "صاحب العصر".
وشهرة هذا اللقب ومعروفيته مثل (صاحب الزمان) عليه السلام.
السادس والسبعون: "صاحب الكرة البيضاء".
عدّه في الهداية من القابه؛ وتقدم في اللقب (الثامن والعشرين) مستنداً له.
السابع والسبعون: "صاحب الدولة الزهراء".
أدرجه في ذلك الكتاب في عداد القابه.
الثامن والسبعون: "الصالح".
عدّه صاحب كتاب (تاريخ عالم آرا) والعالم الجليل المقدس الاردبيلي في (حديقة الشيعة) من القابه عليه السلام.
التاسع والسبعون: "صاحب الأمر".
عدّه في (الذخيرة) وغيره من القابه عليه السلام، وهو من الالقاب الشائعة المتداولة.
الثمانون: "الصمصام الأكبر".
قال في (الذخيرة) هذا اسمه عليه السلام في كتاب (كندر آل).
الحادي والثمانون: "الصبح المسفر".
عدّه في (الهداية) من الالقاب المختصة به. ويحتمل أنه استنبط من الآية الشريفة (والصبح إذا اسفر)(٤٢٢)، أو وجد خبراً قد اولّت فيه به(٤٢٣).
وهو يناسبه عليه السلام لان الصبح الصادق مضيء وبيّن.
الثاني والثمانون: "الصدق".
عدّه في المناقب القديمة والهداية من الالقاب المختصة به عليه السلام.
الثالث والثمانون: "الصراط".
عدّه في الهداية من القابه عليه السلام.
وقد اطلق على كل امام كثيراً في الكتاب والسنة. ولم اجد شاهداً على اختصاصه به عليه السلام.
الرابع والثمانون: "الضياء".
كما في ذلك الكتاب، وفي (المناقب) القديمة.
الخامس والثمانون: "الضحى".
ومروي في (تأويل الآيات) للشيخ شرف الدين النجفي(٤٢٤) في تأويل سورة (والشمس وضحاها) المباركة: "الشمس رسول الله صلى الله على وآله وسلّم"(٤٢٥).
وضحى الشمس - وهو عندما يتلالأ نور وضياء الشمس - القائم عليه السلام. وفي بعض النسخ خروجه عليه السلام(٤٢٦)؛ ومن الواضح أن نور الرسالة وشعاع شمسه صلى الله عليه وآله وسلّم سوف يتلألأ بوجوده عليه السلام في شرق وغرب العالم على الصغير والكبير وعلى الشاب والشيخ.
السادس والثمانون: "طالب التراث".
عدّه في الهداية من القابه. وسيأتي بيانه في لقب (الوارث)، وفي الباب الحادي عشر.
السابع والثمانون: "الطريد".
قد تكرر تلقيبه بهذا اللقب في الأخبار. ومعناه قريب إلى (الشريد).
الثامن والثمانون: "العالم".
عدّه في (الذخيرة) من القابه عليه السلام.
التاسع والثمانون: "العدل".
كما في (المناقب القديمة) و(الهداية).
التسعون: "عاقبة الدار".
كما في الهداية.
الحادي والتسعون: "العزّة".
ذكر هناك ايضاً.
الثاني والتسعون: "العين".
هناك ايضاً، يعني (عين الله) كما في زيارته عليه السلام، واطلاقها على جميع الائمة عليهم السلام شائع.
الثالث والتسعون: "العصر".
عدّه في (الذخيرة) من اسمائه عليه السلام المذكورة في القرآن.
الرابع والتسعون: "الغائب".
من القابه عليه السلام الشائعة في الأخبار.
الخامس والتسعون: "الغلام".
وقد ذكر مكرراً في لسان الرواة والاصحاب.
السادس والتسعون: "الغيب".
عدّه في (الذخيرة) من القابه عليه السلام المذكورة في القرآن.
وروي في (كمال الدين) للصدوق عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال في الآية الشريفة: (هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب)(٤٢٧): المتقون شيعة علي عليه السلام، والغيب هو الحجة الغائب.
وشاهد على ذلك قول الله عزّ وجلّ: (ويقولون لولا انزل عليه آية من ربّه فقل انّما الغيب لله فانتظروا اني معكم من المنتظرين)(٤٢٨).
يعني أن ظهوره غيب، وهو من آيات الله(٤٢٩).
السابع والتسعون: "الغريم".
صرّح علماء الرجال أنه من القابه الخاصة.
وإطلاقه عليه عليه السلام شائع في الأخبار.
والغريم بمعنى (الدائن)، وبمعنى (المدين)، وهنا بمعنى الاول. وهذا اللقب مثل (الغلام) كان للتقية، فعندما كانت الشيعة تريد أن تبعث مالا إليه عليه السلام أو إلى وكلائه أو يوصون اليه، أو يطالب هو به عليه السلام، وما شابه ذلك، فقد كانوا ينادونه بهذا اللقب.
وقد كان عليه السلام يطلب أغلب الزراع والتجار وأرباب الحرف والصناعات.
وروى الشيخ المفيد في الارشاد عن محمد بن صالح قال: لما مات أبي، وصار الامر اليّ، كان لأبي على الناس سفاتج من مال الغريم.
قال الشيخ: وهذا رمز كانت الشيعة تعرفه قديماً بينها، ويكون خطابها له للتقية(٤٣٠).
الثامن والتسعون: "الغوث".
من الألقاب المختصة به، وسوف يأتي تفسيره في الباب التاسع.
التاسع والتسعون: "غاية الطالبين".
المائة: "الغاية القصوى".
عدّهما في (الهداية) من القابه.
الواحد بعد المائة: "الخليل".
عدّه في (ذخيرة الالباب) من القابه عليه السلام.
الثاني بعد المائة: "غوث الفقراء".
كما تقدم في اللقب (الثامن والعشرين).
الثالث بعد المائة: "الفجر".
كما هو مروي في (تأويل الآيات) للشيخ شرف الدين النجفي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: في تفسير قوله تعالى (والفجر): "هو القائم عليه السلام"(٤٣١).
وروي ايضاً عنه عليه السلام أنه قال في تفسير سورة: (أنا انزلناه في ليلة القدر) المباركة انّ [(حتى مطلع الفجر) حتى يقوم القائم عليه السلام](٤٣٢).
الرابع بعد المائة: "الفردوس الأكبر".
في (الذخيرة) و(التذكرة) انّ اسمه عليه السلام هذا مذكور في كتاب (قبرس روميان).
الخامس بعد المائة: "فيروز".
قال: في (الذخيرة) أنه اسمه عليه السلام عند (آمان) بلغة (ماچار).
وقال في التذكرة في كتاب (فرنگان ماچار الامان).
السادس بعد المائة: "فرخنده".
وقال في (الذخيرة) أنه اسمه عليه السلام في كتاب (شعيا) النبي.
السابع بعد المائة: "فرج المؤمنين".
الثامن بعد المائة: "الفرج الأعظم".
التاسع بعد المائة: "الفتح".
وعدّ الثلاثة في الهداية من القابه، وتقدم في اخبار ولادته أن السيدة حكيمة قالت للسيدة نرجس: "فان الله سيهب لك في هذه الليلة غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة وهو فرج المؤمنين..."(٤٣٣).
وفي كتاب (التنزيل والتحريف) لاحمد بن محمد السياري مروي، أنه قال في الآية الشريفة: (إذا جاء... الخ) يعني بالفتح القائم عليه السلام(٤٣٤).
وذكر في تفسير علي بن ابراهيم في تفسير الآية المباركة: (نصر من الله)(٤٣٥)، قال: "يعني في الدنيا بفتح القائم عليه السلام"(٤٣٦).
العاشر بعد المائة: "الفقيه".
روى الشيخ الطوسي في التهذيب في باب (حد حرم الحسين عليه السلام) عن محمد بن عبد الله الحميري أنه قال: "كتبت إلى الفقيه عليه السلام اسأله هل يجوز أن يُسبِح الرجل بطين قبر الحسين عليه السلام، وهل فيه فضل؟
فأجاب، وقرأت التوقيع، ومنه نسخت:
سبح به فما من شيء من التسبيح افضل منه ومن فضله، أن المسبح ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له ذلك التسبيح"(٤٣٧).
وروي عنه ايضاً، قال: "كتبت إلى الفقيه عليه السلام اسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك، أم لا؟
فاجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت: يوضع مع الميت في قبره ويخلط بحنوطه أن شاء الله"(٤٣٨).
والمراد بالفقيه هنا، أنه هو عليه السلام قطعاً.
الحادي عشر بعد المائة: "فيذموا".
روى الشيخ الاقدم احمد بن محمد بن عياش في (مقتضب الاثر) عن جابر بن يزيد الجعفي أنه قال(٤٣٩):
"سمعت سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يحدث ابا جعفر محمد بن على عليه السلام بمكة قال: سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ان الله عزّ وجلّ اوحى اليّ ليلة اسري بي: يا محمد من خلّفت في الأرض على اُمتك؟ - وهو اعلم بذلك - قلت: يا رب أخي، قال: يا محمد عليّ بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا رب، قال: يا محمد انّي اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها، فلا اُذكر حتى تذكر معي، انا المحمود وأنت محمد، ثم اطّلعت إلى الأرض اطلاعة أخرى فاخترت منها علي بن أبي طالب فجعلته وصيّك، فأنت سيد الانبياء وعلي سيد الأوصياء، ثمّ اشتققت له اسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي، يا محمد اني خلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين والائمة من نور واحد، ثم عرضت ولايتهم على الملائكة فمن قبلها كان من المقربين، ومن جحدها كان من الكافرين، يا محمد لو انّ عبداً من عبادي عبدني حتى ينقطع ثمّ لقيني جاحداً لولايتهم ادخلته ناري.
ثمّ قال: يا محمد اتحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم قال: تقدم امامك، فتقدمت امامي واذا علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلى بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والحجة القائم كأنه كوكب درّي في وسطهم، فقلت: يا ربّ من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الائمة وهذا القائم، يحل حلالي ويحرّم حرامي وينتقم من اعدائي، يا محمد أحببه فانّي احبه واُحب من يحبّه.
قال جابر: فلمّا انصرف سالم من الكعبة تبعته فقلت: يا أبا عمر اُنشدك الله هل أخبرك احد غير ابيك بهذه الاسماء؟ قال: اللهم امّا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فلا، ولكني كنت مع أبي عند كعب الاحبار فسمعته يقول: انّ الائمة من هذه الاُمة بعد نبيّها على عدد نقباء بني اسرائيل، وأقبل عليّ بن أبي طالب فقال كعب: هذا المقفّي اولهم وأحد عشر من ولده، وسمّاه(٤٤٠) كعب بأسمائهم في التوراة " تقوبيت(٤٤١) قيذوا(٤٤٢) دبيرا مفسورا مسموعا(٤٤٣) دوموه مثبو هذار يثمو(٤٤٤) بطور نوقس(٤٤٥) قيدموا(٤٤٦)".
قال أبو عامر هشام الدستواني: لقيت يهودياً بالحيرة(٤٤٧) يقال له: "عثوا(٤٤٨) ابن اُوسوا" وكان حبر اليهود وعالمهم، وسألته عن هذه الاسماء وتلوتها عليه، فقال لي: من أين عرفت هذه النعوت؟ قلت: هي اسماء، قال: ليست اسماء لو كانت اسماء لتطرزت في تواطي الأسماء، ولكنّها نعوت لأقوام، وأوصاف بالعبرانية صحيحة، نجدها عندنا في التوراة، ولو سألت عنها غيري لعمي عن معرفتها أو تعامى؛ قلت: ولم ذلك؟ قال: اما العمى فللجهل بها، وامّا التعامي لئلا تكون على دينه ظهيراً وبه خبيراً، وانّما أقررت لك بهذه النعوت لاني رجل من ولد هارون ابن عمران مؤمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلّم، اسر ذلك عن بطانتي من اليهود الذين لم أظهر لهم الاسلام، ولن اُظهره بعدك لأحد حتى أموت، قلت: ولم ذاك؟ قال: لانّي أجد في كتب آبائي الماضين من ولد هارون الّا نؤمن بهذا النبي الذي اسمه محمد ظاهراً ونؤمن به باطناً حتى يظهر المهدي القائم من ولده، فمن أدركه منّا فليؤمن به، وبه نعت الأخير من الأسماء، قلت: وبما نعت؟ قال: نعت بأنّه يظهر على الدين كلّه، ويخرج إليه المسيح فيدين به ويكون له صاحباً.
قلت: فانعت لي النعوت لأعلم علمها؛ قال: نعم فعه(٤٤٩) عنّي وصنه الاّ عن اهله وموضعه إن شاء الله، امّا " تقوبيت"(٤٥٠) فهو اوّل الاوصياء ووصي آخر الأنبياء، وامّا " قيذوا"(٤٥١) فهو ثاني الأوصياء واول العترة الأصفياء، وأما " دبيرا"(٤٥٢) فهو ثاني العترة وسيد الشهداء، وأما " مسفورا " فهو سيد من عبد الله من عباده، واما " مسموعا"(٤٥٣) فهو وارث علم الأولين والآخرين، واما " دوموه"(٤٥٤) فهو المدرة الناطق عن الله الصادق، وامّا " مثبو " فهو خير المسجونين في سجن الظالمين، واما "هذار " فهو المنخوع بحقه النازح الاوطان الممنوع، وامّا " يثمو"(٤٥٥) فهو القصير العمر الطويل الأثر، وامّا " بطور " فهو رابع اسمه(٤٥٦) وامّا " نوقس " فهو سمي عمّه، وامّا " قيدموا"(٤٥٧) فهو المفقود من أبيه وامّه الغائب بأمر الله وعلمه والقادم بحكمه"(٤٥٨).
وقال الشيخ النعماني في غيبته:
"أقرأني عبد الحليم(٤٥٩) بن الحسين(٤٦٠) السمري رحمه الله؛ ما أملاه عليه رجل من اليهود بأرّجان يقال له الحسين(٤٦١) بن سليمان من علماء اليهود بها، من اسماء الائمة عليهم السلام بالعبرانية، وعدّتهم، وقد اثبته على لفظه.
وكان فيما قرأه انّه يبعث من ولد اسماعيل(٤٦٢)، في التوراة (اشموعيل)، يسمّى (مأمَّد)(٤٦٣) يعني محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يكون سيداً، ويكون من آله اثنا عشر رجلا ائمة وسادة يُقتدى بهم، واسماؤهم: تقوبيت... إلى آخر ما تقدم وسُئل هذا اليهودي عن هذه الأسماء في أيّ سورة هي؟
فذكر انها في مشلي(٤٦٤) سليمان، ويعني في قصة سليمان عليه السلام"(٤٦٥).
ولا يخفى أن كلمة (فيذموا) في اكثر النسخ بالقاف، وفي بعضها بالفاء، لانها باللغة العبرية، كما أن النسخ القديمة غير مهتمة بضبط ذلك ولا يطمأنّ بغيرها من النسخ.
الثاني عشر بعد المائة: "القائم " صلوات الله عليه.
وهو من القابه الخاصة المتداولة والمشهورة.
وقال في (الذخيرة) أنه اسمه عليه السلام في الزبور الثالث عشر(٤٦٦) وفي كتاب (برليومو) انه (القائم)، يعني القائم بأمر الحق تعالى لأنه عليه السلام دائبٌ في الليل والنهار باعداد أمر الله ليظهر بمجرد الاشارة.
وروى الشيخ المفيد في الإرشاد عن الإمام الرضا عليه السلام(٤٦٧) أنه قال:
"اذا قام القائم عليه السلام دعا الناس إلى الاسلام جديداً"... إلى أن يقول: "وسمّي بالقائم لقيامه بالحق"(٤٦٨).
وروى الشيخ الطوسي في الغيبة عن أبي سعيد الخراساني أنه قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: المهدي والقائم واحد؟
فقال: نعم.
إلى أن يقول: "وسمّي القائم لأنه يقوم بعدما يموت، أنه يقوم بأمر عظيم".
والمراد من (الموت) امّا (موت ذكره) يعني زوال اسمه من الناس.
ولعل لفظة (ذكر) كانت موجودة في الخبر، وقد سقطت من نسخة الشيخ، أو من قلم الراوي، بقرينة خبر (الصقر بن أبي دلف)(٤٦٩).
بل قال الصدوق في معاني الأخبار: "وسمّي القائم قائماً لأنه يقوم بعد موت ذكره"(٤٧٠).
وإمّا أن يكون المراد من (بعدما يموت) كما تخيّل بعض ضعاف العقول الذين سوف يأتي كلامه في الباب الرابع.
ويؤيد هذا الاحتمال ما رواه الشيخ النعماني في غيبته عن الامام الباقر عليه السلام انه قال:
"اذا دار الفلك، وقالوا: مات أو هلك، وبأيّ واد سلك، وقال الطالب له: انّى يكون ذلك وبليت عظامه؟ فعند ذلك فارتجوه"(٤٧١).
وروى ايضاً عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال:
"إنّ القائم إذا قام يقول الناس: انّى ذلك، وقد بليت عظامه؟!!"(٤٧٢).
وفي الرواية الأخرى:
"ذكر القائم عند أبي عبد الله عليه السلام، فقال: امّا أنه لو قد قام لقال الناس: انّى يكون هذا، وقد بليت عظامه مذ كذا وكذا؟!"(٤٧٣).
وروى الصدوق في (كمال الدين) عن الصقر بن أبي دلف قال: "سمعت ابا جعفر محمد بن عليّ الرضا عليهما السلام يقول: انّ الامام بعدي ابني عليّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والامام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه، ثمّ سكت. فقلت له: يا ابن رسول الله فمن الامام بعد الحسن؟ فبكى عليه السلام بكاءً شديداً، ثم قال: انّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر. فقلت له: يا ابن رسول الله لم سمّي القائم؟ قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره وارتداد اكثر القائلين بامامته"(٤٧٤).
وروى أيضاً عن أبي حمزة الثمالي أنه قال:
سألت الامام الباقر صلوات الله عليه، فقلت: يابن رسول الله فلستم كلّكم قائمين بالحق؟ قال: بلى، قلت: فلم سمّي القائم قائماً؟ قال: لمّا قتل جدّي الحسين عليه السلام ضجّت عليه الملائكة إلى الله تعالى بالبكاء والنحيب وقالوا: الهنا وسيدنا أتغفل عمّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك؟
فأوحى الله عزّ وجلّ اليهم: قرّوا ملائكتي فوعزّتي وجلالي لأنتقمنّ منهم ولو بعد حين. ثم كشف الله عزّ وجلّ عن الائمة من ولد الحسين عليه السلام للملائكة فسرّت الملائكة بذلك، فاذا أحدهم قائم يصلي، فقال الله عزّ وجلّ: بذلك القائم انتقم منهم(٤٧٥).
الثالث عشر بعد المائة: "القابض".
عدّه في المناقب القديمة والهداية من القابه عليه السلام.
الرابع عشر بعد المائة: "القيامة".
كما في الهداية، وتظهر وجه النسبة لهذا اللقب في (الساعة).
الخامس عشر بعد المائة: "القسط".
كما ذكر في ذلكما الكتابين.
السادس عشر بعد المائة: "القوة".
عدّه في الهداية من الالقاب.
السابع عشر بعد المائة: "قاتل الكفرة".
تقدم مصدره في اللقب الثامن.
الثامن عشر بعد المائة: "القطب".
وهو من القابه عليه السلام الشائعة عند طائفة العرفاء والصوفية كما سوف تأتي كلماتهم في الباب الرابع.
وقال الشيخ الكفعمي في حاشية (الجنة الواقية) في دعاء أم داود عند قوله: "اللهم صلّ على الأبدال والأوتاد... الخ".
"وقيل أن الأرض لا تخلو من القطب واربعة اوتاد واربعين بدلا وسبعين نجيباً وثلاثمائة وستين صالحاً".
فالقطب هو المهدي عليه السلام(٤٧٦)... إلى آخر ما سوف يأتي في الباب التاسع أن شاء الله تعالى.
التاسع عشر بعد المائة: "قائم الزمان".
وفي حديث الأزدي المروي في (كمال الدين) الذي إلتقى به عليه السلام في المسجد الحرام وناوله عليه السلام حصاة فاذا بها سبيكة ذهب، وقد دعى له، وقال: اتعرفني؟ قال: لا.
"فقال عليه السلام: أنا المهدي، أنا قائم الزمان، أنا الذي املؤها عدلا كما ملئت جوراً"(٤٧٧).
المائة والعشرون: "قيم الزمان".
كما في خبر العلوي المصري، ويأتي في الباب التاسع في الحكاية الثالثة والعشرين.
المائة والواحد والعشرون: "القاطع".
قال في الذخيرة أنه اسمه عليه السلام في كتاب (القنطرة).
المائة والثاني والعشرون: "كاشف الغطاء".
عدّه في الهداية والمناقب من القابه.
المائة والثالث والعشرون: "الكمال".
كما في الكتاب الأول.
المائة والرابع والعشرون: "كلمة الحق".
قال في الذخيرة أنه اسمه عليه السلام في (الصحيفة).
المائة والخامس والعشرون: "كيقباد دوّم".
قال في (الذخيرة) و(التذكرة) أنه اسمه عليه السلام عند المجوس وگبران(٤٧٨) العجم، ويعني العادل على الحق.
المائة والسادس والعشرون: "كوكما".
مذكور في الذخيرة انّ هذا اسمه عليه السلام في كتاب (نجتا).
المائة والسابع والعشرون: "كاز".
عدّه في الهداية والمناقب من القابه، وهو بمعنى الذي يرجع والذي يعود. وظاهره أنه عليه السلام يرجع من عالم الغيب والاستتار ومجانبة مساكن الأشرار.
ويرجع جماعة من الاموات، كما روى الشيخ المفيد في الإرشاد وغيره عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال:
"يُخْرِجُ القائم عليه السلام من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلا؛ خمسة عشر من قوم موسى عليه السلام الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من اهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وابا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالكاً الأشتر، فيكونون بين يديه انصاراً وحكاماً"(٤٧٩).
أو أن المراد بالرجوع بعد (موت ذكره) أو (موته باعتقاد الجهلة) كما تقدم في لقب القائم عليه السلام.
المائة والثامن والعشرون: "اللواء الأعظم".
عدّه في الهداية من القابه.
المائة والتاسع والعشرون: "لنديطارا".
وذكر في الذخيرة والتذكرة أنه اسمه عليه السلام في كتاب (هزار نامه هند).
المائة والثلاثون: "لسان الصدق".
اسمه عليه السلام في الصحيفة، هكذا قال في الذخيرة.
المائة والواحد والثلاثون: "ماشع".
قال في الذخيرة أنه اسمه عليه السلام في التوراة العبرية، وقال في التذكرة في التوراة التي نزلت من السماء.
المائة والثاني والثلاثون: "مهميد الآخر".
في الكتابين [الآنفي الذكر] أنه اسمه عليه السلام في الانجيل.
المائة والثالث والثلاثون: "مسيح الزمان".
ذكر فيهما أنه اسمه عليه السلام في كتاب (فرنگيان).
المائة والرابع والثلاثون: "ميزان الحق".
قال في الذخيرة أنه اسمه عليه السلام في كتاب (آژي) النبي.
المائة والخامس والثلاثون: "المنصور".
ذكر في الذخيرة والتذكرة أنه اسمه عليه السلام في كتاب (ديد براهمه) وباعتقادهم أنه من الكتب السماوية.
ومروي في تفسير الشيخ فرات بن ابراهيم الكوفي عن الامام الباقر عليه السلام انه قال في تفسير الآية الشريفة: (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً)(٤٨٠): قال الحسين(٤٨١) (فلا يسرف في القتل أنه كان منصوراً)، قال: "سمّى الله المهدي منصوراً (المنصور خ.ل) كما سمى أحمد ومحمد محموداً، وكما سمّى عيسى المسيح"(٤٨٢).
ولعل النكتة من التعبير عنه عليه السلام بـ (امام منصور) في زيارة عاشوراء لمناسبة ما ذكر في الآية ووجهها واضح. والله العالم.
المائة والسادس والثلاثون: "محمد " صلى الله عليه وعلى آبائه واهل بيته.
اسمه الأصلي واسمه الأولي الالهي عليه السلام؛ كما في الأخبار المتواترة الخاصة والعامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: "المهدي اسمه اسمي"(٤٨٣).
وقد استفاض في خبر اللوح بل تواتر تواتراً معنوياً عن جابر وقد نقل للامام الباقر عليه السلام أنه رآه عند الصديقة الطاهرة عليها السلام، وانه اهداه الله عزّ وجلّ إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلّم وفيه اسماء اوصيائه.
وقد ثبت اسم المهدي عليه السلام برواية الصدوق في (كمال الدين) و(عيون الأخبار) بهذا النحو:
"أبو القاسم محمد بن الحسن، هو حجة الله [تعالى على خلقه](٤٨٤) القائم، أمه جارية اسمها نرجس صلوات الله عليهم اجمعين"(٤٨٥).
وفي رواية الشيخ الطوسي في الأمالي:
"والخلف محمد يخرج في آخر الزمان على رأسه غمامة بيضاء تظله من الشمس، ينادي بلسان فصيح يسمعه الثقلين والخافقين، وهو المهدي من آل محمد يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً"(٤٨٦).
وفي رواية قال جابر: "فرأيت فيها محمداً محمداً محمداً في ثلاثة مواضع، وعلياً وعلياً في أربعة مواضع"(٤٨٧).
ولا يخفى أنه بمقتضى الأخبار الكثيرة المعتبرة والقريبة إلى التواتر انّ حرمة تسميته بهذا الاسم المبارك في المجالس والمحافل إلى ظهوره موفور السرور، وهذا الحكم من خصائصه؛ وهو مسلّم عند قدماء الامامية من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين حتى أن الشيخ الاقدم ابو محمد الحسن بن موسى النوبختي - وهو من علماء الغيبة الصغرى - انه قد ذكر في كتاب (الفرق والمقالات) الفرقة الثانية عشرة الشيعة بعد وفاة الامام الحسن العسكري عليه السلام وقال: (وهم الامامية) ثم نقل مذهبهم وعقيدتهم، إلى أن يقول:
"ولا يجوز ذكر اسمه، ولا السؤال عن مكانه حتى يؤمن بذلك"(٤٨٨).
ويعلم من هذا الكلام في هذا المقام أن هذا الحكم من خصائص مذهب الامامية ولم ينقل خلاف من احدهم فيه إلى عصر الخواجة نصير الدين الطوسي حيث أنه كان قائلا بجوازه، وخلافه لا يضرّ وذلك لضيق وقته عن مراجعة الكتب النقلية ولهذا فهو يقول أحياناً بمذاهب نادرة بل قد تكون منحصرة به مثل انكار البداء وتوقيفية الاسماء الحسنى وغير ذلك.
ولم ينقل بعده لأحد خلاف الاّ صاحب كشف الغمة عليّ بن عيسى وليس مورد اهتمام العلماء بترجيح وردٍّ وقبول لقوله في امثال هذا المقام مع أنه قد اشتبه هنا اشتباهاً عجيباً عندما قال في هذا الكتاب:
"من العجب أن الشيخ الطبرسي والشيخ المفيد (رحمه الله تعالى) قالا أنه لا يجوز ذكر اسمه، ولا كنيته ثم يقولون: اسمه اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وكنيته كنيته عليهما الصلاة والسلام وهما يظنان انهما لم يذكرا اسمه ولا كنيته وهذا عجيب"(٤٨٩).
ولابد أن يتعجب من هذا التعجب حيث لا يفرق بين التلفظ بالاسم والكنية المحكومين بالحرمة وبين الاشارة إلى الاسم والكنية.
وبالجملة: فقد بحثت هذه المسألة في عصر الشيخ البهائي، وقد وقع النزاع فيها بين الفضلاء وحتى اُلّف فيها رسائل مختلفة مثل (شرعة التسمية) للمحقق الداماد.
وقال (المير لوحى) في (كفاية المهتدي): وقد درس وتتلمذ هذا الضعيف عند النحريرين عديمي النظير يعني الشيخ بهاء الدين محمد، والأمير محمد باقر الداماد عليهما الرحمة، وكانت بينهما مناظرة ومباحثة في جواز التسمية وحرمتها زمان الغيبة.
وقد استمرت هذه المناظرة بينهما إلى مدة، ولهذا الّف السيد المشار إليه الكتاب المذكور. انتهى.
ورسالة تحريم التسمية للعالم الجليل الشيخ سليمان الماحوزي وكشف التعمية للشيخ الحر.
والفلك المشحون لسماحة السيد باقر القزويني.
وادعى في (شرعة التسمية) الاجماع.
ونحن نذكر العبارة على ما نقله تلميذه الرشيد الفاضل قطب الدين الاشكوري في (محبوب القلوب) وسماحة السيد باقر في الفلك المشحون.
قال قطب الدين:
قال السيد السند خاتم الحكماء والمجتهدين طاب ثراه في كتابه شرعة التسمية في زمان الغيبة: "أن شرعة الدين وسبيل المذهب أنه لا يحل لأحد من الناس في زمننا هذا وأعنى به زمان الغيبة إلى أن يحين الفرج ويأذن الله سبحانه لوليه وحجته على خلقه القائم بأمره والراصد لحكمه بسريح الظهور وشروق المخرج أن يسميه ويكنيه صلوات الله عليه في مجمع مجاهراً اسمه الكريم معلناً بكنيته الكريمة انما الشريعة المشروعة المتلقاة عن ساداتنا الشارعين صلوات الله عليهم اجمعين في ذكرنا اياه ما دامت غيبته الكناية عن ذاته المقدس بألقابه القدسية كالخلف الصالح والامام القائم والمهدي المنتظر والحجة من آل محمد عليهم السلام وكنيته، وعلى ذلك اطباق اصحابنا السالفين واشياخنا السابقين الذين سبقونا بضبط مآثر الشرع وحفظ شعائر الدين رضوان الله تعالى عليهم اجمعين والروايات الناصة متظافرة بذلك عن ائمتنا المعصومين صلوات الله عليهم اجمعين وليس يستنكره الاّ ضعفاء التصوّر بالأحكام والأخبار واطفاء الاطلاع على الدقائق والأسرار، والاّ القاصرون الذين درجتهم في الفقه ومبلغهم من العلم أن لا يكون لهم قسط من الخبرة بخفيات مراسم الشريعة ومعالم السنة ولا نصيب من البصيرة في حقايق القرآن الحكيم ولا حظ من تعرف الاسرار الخفية التي استودعها احاديث مهابط الوحي ومعادن الحكمة ومواطن النور وحفظة الدين وحملة السر وعيبة علم الله العزيز".
ونسب السيد نعمة الله الجزائري في شرح عيون الأخبار القول بالحرمة إلى اكثر العلماء، ولم ينسب القول بجوازه الاّ اولئك الثلاثة وبعض معاصريه.
ومع ذلك فانه في مثل هذا الحال يتبع الدليل، وهي الأخبار الكثيرة المعتبرة التي ذكرت متفرقة في هذا الكتاب، وسوف يشار إلى بعضها.
الأول:
الحديث الثالث عشر من الباب الخامس من النصوص الخاصة.
روى الشيخ الجليل الفضل بن شاذان في كتاب (الغيبة) له عن جابر الانصاري:
"دخل جندل بن جنادة اليهودي من خيبر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.. وبعد عدّة اسئلة، سأله صلى الله عليه وآله وسلّم عن اوصيائه، فذكرهم اسماً اسماً إلى أن وصل إلى الامام الحسن العسكري فقال: ثم يغيب عن الناس امامهم.
قال(٤٩٠): يا رسول الله يغيب الحسن منهم(٤٩١)؟
قال: لا، ولكن ابنه الحجة، يغيب عنهم غيبةً طويلة.
قال(٤٩٢): يا رسول الله(٤٩٣) فما اسمه؟
قال(٤٩٤): لا يسمّى حتى يظهره الله"(٤٩٥).
الثاني:
الحديث الثالث والعشرون الذي رواه الصدوق وغيره بطرق معتبرة عن عبد العظيم الحسني أنه قد عرض عقائده ومعالم دينه على الامام علي النقي [الهادي]عليه السلام وعدّ ائمته اماماً اماماً.
"فقال عليه السلام: ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده؟
قال: فقلت: وكيف ذاك يا مولاي؟
قال: لأنه لا يرى شخصه، ولا يحلّ ذكره باسمه، حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً"(٤٩٦).
الثالث:
الحديث السابع والعشرين، روي هناك عن ابراهيم بن فارس النيسابوري عندما دخل على الامام العسكري عليه السلام رأى الحجة عليه السلام جالساً إلى جنبه وأخبره بما في ضميره، فسأل عنه عليه السلام، فقال عليه السلام: "هو ابني وخليفتي من بعدي... إلى أن يقول: هو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكنيّه، ولا يحلّ لاحد أن يسميه باسمه أو يكنيه بكنيته إلى أن يُظهِر الله دولته وسلطنته"(٤٩٧).
الرابع:
الخبر الصحيح والمشهور الذي رواه ثقة الاسلام في الكافي والصدوق في العيون وكمال الدين والطبرسي في الاحتجاج عن الامام محمد التقي [الجواد] عليه السلام في خبر طويل ما حاصله:
"أنه كان أمير المؤمنين عليه السلام يوماً في المسجد الحرام إذ اقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلّم، وسأل عدة اسئلة فاحاله عليه السلام إلى الامام الحسن عليه السلام فاجابه عليه السلام، فقال الرجل: اشهد أن لا اله الاّ الله ولم ازل اشهد بها، واشهد أن محمداً رسول الله ولم ازل اشهد بذلك... ثم شهد على خلافته ووصايته عليه السلام وكذلك شهد على واحد واحد من اوصيائه عليه السلام إلى أن قال:
واشهد على رجل من ولد الحسن بن عليّ لا يسمّى ولا يكنّى حتى يظهر امره فيملأها عدلا كما ملئت جوراً، أنه القائم بامر الحسن بن عليّ، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم قام ومضى.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا محمد اتبعه فانظر أين يقصد...
قال: فما كان الاّ أن وضع رجله خارج المسجد فما دريت أين أخذ من أرض الله عزّ وجلّ... فقال: هو الخضر..."(٤٩٨).
وفي هذا الخبر الشريف عدة فوائد:
أولها: أن عدم ذكر اسمه الشريف كان من صفاته المعروفة المتداولة في عصر الأنبياء والأوصياء الماضين.
ثانيها: أنه كان من جملة التكاليف وعقائد اهل الحق في جميع العصور.
ثالثها: أنه حكم ثابت إلى عصر الظهور وليس مختصاً بزمان الغيبة الصغرى أو اوقات التقية، وهو ما يطابق الاحاديث السابقة والآتية.
وقال العلامة المجلسي بعد أن ذكر عدّة أخبار قائلة بدوام الحرمة إلى عصر الظهور:
"هذه التحديدات مصرحة في نفي قول مَنْ خصّ ذلك بزمان الغيبة الصغرى تعويلا على بعض العلل المستنبطة والاستبعادات الوهمية"(٤٩٩).
رابعها: المروي في الكافي وكمال الدين بسند صحيح عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: "صاحب هذا الامر رجل لا يسمّيه باسمه الّا كافر"(٥٠٠).
قال الفاضل صالح المازندراني في شرح هذا الخبر:
"... المراد بالكافر ها هنا تارك الاوامر وفاعل النواهي دون منكر الرب والمشرك به، وفيه مبالغة في تحريم التصريح باسمه، ولعله مختص بزمان التقية بدليل ما ذكرناه في مواضع متفرقة، ودلالة بعض الأخبار عليه ظاهرة؛ ويؤيده عدم بقاء التحريم فيه في جميع الاوقات والازمان، فاذا تطرق إليه التخصيص جاز حمله على ما ذكرناه فلايكون دليلا على شمول التحريم لزمان الغيبة..."(٥٠١) انتهى.
وجهات الضعف في هذا الكلام غير خفية للناظر، خصوصاً أن ثبوت الجواز في ايام الظهور مخصص لعمومات ادلة التحريم، مع أن في جميعها(٥٠٢) قد اُخذ ذلك الزمان(٥٠٣) فيها غاية للتحريم(٥٠٤) فلم يدخل احياناً(٥٠٥) حتى يخرج جميعاً.
وإنّ القائلين بالحرمة قبل الظهور - والذين هم جمهور العلماء - لم يُخرجوا أي زمان (منها).
وعلى فرض التسليم بخروج زمان، فلا يكون سبباً لجواز التصرف في العموم(٥٠٦).
وان حَمل الكثير منها على التقية ليس له وجه، بل في عدّة ما يحتمل انها شبه وسنذكرها فيما بعد.
الخامس:
المروي في الكافي والعيون وكمال الدين وغيبة الشيخ الطوسي وغيرها عن الامام عليّ النقي عليه السلام قال لأبي هاشم داود بن القاسم الجعفري: "الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟
فقلت: لم جعلني الله فداك؟
قال: انّكم لا ترون شخصه ولا يحلّ لكم ذكره باسمه"(٥٠٧).
السادس:
المروي في الكافي وكمال الدين عن الريان بن الصلت قال: "سمعت ابا الحسن الرضا عليه السلام يقول: وسئل عن القائم، فقال: لا يرى جسمه، ولا يسمّى باسمه"(٥٠٨).
السابع:
المروي في كمال الدين عن الامام الصادق عليه السلام: أنه قال لصفوان بن مهران: [المهدي من ولدي](٥٠٩) الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحلّ لكم تسميته(٥١٠).
ورواه هناك بسند آخر عن عبد الله بن يعقوب(٥١١).
الثامن:
وروي ايضاً هناك عن الامام الكاظم عليه السلام أنه قال عند ذكر القائم عليه السلام: "الذي تخفى على الناس ولادته ولا يحلّ لهم تسميته حتى يظهره الله عزّ وجلّ فيملأ [به](٥١٢) الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً"(٥١٣).
التاسع:
وروي هناك، والخراز أيضاً في كفاية الأثر عن الامام الجواد عليه السلام أنه قال: "[القائم منّا](٥١٤) هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته وهو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكنيّه"(٥١٥).
العاشر:
والمروي هناك ايضاً: "خرج في توقيعات صاحب الزمان عليه السلام: ملعون ملعون مَنْ سمّاني في محفل من الناس"(٥١٦).
الحادي عشر:
والمروي هناك ايضاً عن محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه؛ قال: "خرج توقيع بخط اعرفه: مَنْ سمّاني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله"(٥١٧).
الثاني عشر:
والمروي هناك ايضاً عن الامام الباقر عليه السلام: سأل عمر أمير المؤمنين عليه السلام عن المهدي؛ فقال: يا ابن أبي طالب اخبرني عن المهدي ما اسمه؟
قال: امّا اسمه فلا، أن حبيبي وخليلي عهد اليّ أن لا احدّث باسمه حتى يبعثه الله عزّ وجلّ، وهو ممّا استودع الله عزّ وجلّ رسوله في علمه(٥١٨).
الثالث عشر:
ونقل الشيخ حسن بن سليمان الحلي في كتاب (المختصر) عن السيد حسن بن كبش أنه روى في كتابه باسناده عن الامام الصادق عليه السلام أنه أومأ إلى ابنه موسى عليه السلام وقال: "والخامس من ولده يغيب شخصه ولا يحل ذكره باسمه"(٥١٩).
وهذه الأخبار الكثيرة المعتبرة التامة الحجة والمؤيدة بالاجماع المنقول، والشهرة المحققه وافية في اثبات المدّعى.
ومع ذلك فانها مؤيدة بعدّة أشياء:
الأول:
أنه في جميع اخبار المعراج قد ذكر الله تعالى لنبيّه اسماء ائمّتنا واحداً واحداً إلّا المهدي عليه السلام فانه ذكره بلقبه.
وسوف تأتي هذه الأخبار متفرقة في هذا الباب والباب التالي.
الثاني:
أن في جميع الأخبار النبوية التي ذكر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم اسماء اوصيائه - كما ستأتي جملة منها في الباب الخامس - فانه ذكرهم بأسمائهم إلاّ هو عليه السلام فقد ذكره باللقب أو قال (اسمه اسمي)، مع أن الامامين الباقر ومحمد التقي عليهما السلام كان اسمهما اسمه ايضاً.
الثالث:
كثرة القابه الشائعة والمتعارفة عليه السلام قبل ولادته، والتي كانت شائعة بعد ولادته.
حتى أنه قد بشر في جميع الامم السالفة بظهوره عليه السلام - كما سيأتي في خطبة يوم الغدير، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "ألا أنه قد بشر به من سلف بين يديه " - وعند الجميع باللقب المعروف، وفي زيارته عليه السلام: "السلام على مهدي الأمم".
وأما حمل هذه الأخبار على التقية، فلا يجوز لعدة وجوه:
الأول:
أنه نقل جمع محدثي الخاصة والعامة هذه الفقرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انه قال: (اسمه اسمي) كما سيشار إلى اسانيده ومصادره في الباب الرابع، فالكل اذن يعرفون اسمه عليه السلام، فعلى من يراد اخفاؤه؟
الثاني:
أنه ذكر في كثير من هذه الأخبار وغيرها النهي عن ذكر الاسم مع انها صرحت ان اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، ومعنى ذلك أن الراوي والسامع قد علما باسمه الاصلي، فاذا كان ذلك تقية فقد علما، وان كانت عن الغير فعليهما أن لا يذكراه في مكان آخر، اذن فالحذر من ذكره في ذلك المجلس لا معنى له، بل كان من اللازم تنبيههما على عدم ذكره في مجلس آخر ولم ينبهوا.
الثالث:
أن عدم ذكر الخضر اسمه عليه السلام في المحضر الشريف لأمير المؤمنين عليه السلام اثبت أن عدم ذكر اسمه من اجزاء الشهادة وصفاته عليه السلام، وكذلك عدم ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) اسمه لجندل اليهودي الخيبري فلا يمكن حملها على التقية.
الرابع:
أنه كما تقدم قد ثبت أن غاية الحرمة هي الظهور، وهذا لا يمكن اجتماعه مع كون الحرمة دائرة مدار الخوف.
الخامس:
أنه إذا كان مجرد ذكر الاسم هو منشأ الخوف والفساد بملاحظة أن الجبارين متصدين لاستئصاله وقتله عندما يصلون إليه لأنه على يده عليه السلام زوال ملكهم وانقطاع دولة الظالمين، فيكون من الافضل أن لا يذكر بأي اسم ولقب معروف به، وخصوصاً لقب المهدي، فان في كل تلك الوعود والمواعيد النبوية قد ذكره عليه السلام بهذا اللقب، وعرف به بعد ذلك حتى أن (ابن الخطاب) سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن المهدي، وعبد الملك سأل الزهري، والمنصور سأل (سيف) كما يأتي.
فليس هناك طريق في بيان اختصاصه بهذا الاسم إلاّ أن يكون من الأسرار المكنونة، والخصائص الالهية، مثل كون (أمير المؤمنين) من خصائص جده عليه السلام.
وقد احتمل بعض: أن سبب الحرمة هو أن العوام إذا سمعوا باسمه (عليه السلام) قد يصدقون بمعتقد أهل الكتاب القائل بأن نبي آخر الزمان سيظهر لاحقاً.
وأما تلك التي تدل على الجواز فهي عدة أخبار ضعيفة بحسب السند، مثل الخبر المتقدم في (لقب السيد) أن جارية الخيزراني قالت أن السيدة نرجس ماتت في حياة الامام الحسن العسكري وعلى قبرها لوح مكتوب عليه هذا قبر أم (م ح م د).
وعلاوة على ضعف هذا الخبر وجهالة الراوي وعدم معلومية الكتابة ودلالتها على جواز النطق، فهو معارض لعدة اخبار يأتي بعضها في الباب السادس أن السيدة نرجس خاتون كانت على قيد الحياة بعد وفاته عليه السلام ويحتمل أن أم محمد هي كنية السيدة نرجس خاتون فلا يكون في هذا الخبر دلالة على المدّعى.
وفي نفس خبر الجارية هذا أنه كان اسم امّه عليه السلام (صقيل)، والمروي في (كمال الدين) للصدوق أن صقيل كانت حاضرة وقت وفاة الامام العسكري عليه السلام فدعا بماء قد اُغلي بالمصطكي فجائته به وقد توفي بعد صلاة الصبح وشربه.
ومثل خبر (اللوح) وان كان بغاية الاعتبار ولكن في متنه اختلاف كثير، وفي أحاديث كثيرة ذكر باللقب والكنية، واذا اراد احد أن يراجع المجلد التاسع من البحار فسوف يثبت اكثرها.
علاوة على ذلك، أن ذكره في ذلك اللوح من الاسرار المخزونة، ولم يره أحد غير جابر، فلا يقال أن فيه دلالة على الجواز.
وهناك طريق رواه الصدوق وقد ذُكر فيه الاسم، ولكنه بعد أن ذكر الخبر قال: "جاء هذا الحديث هكذا بتسمية القائم عليه السلام، والذي اذهب إليه ما روي في النهي من تسميته"(٥٢٠).
ومثله الخبر المنقول عن علي بن احمد أنه رأى حجراً في مسجد الكوفة قد نقش عليه اسمه الشريف بحسب الخلقة.
وضعف دلالته واضح ايضاً.
ورواية أبي غانم: "ولد لأبي محمد عليه السلام ولد فسماه... فلان"(٥٢١).
ومن المعلوم أن ذكر اسمه أو مثله من الرواة غير المعروفين ليس حجة، وخصوصاً أن تسمية الاسم هو غير ذكر الاسم.
وقد ذكر بالاسم في بعض الادعية، فهو علاوة على قلته فهو معارض للاكثر التي ذكر فيها باللقب.
ولم يعلم وصوله بهذا النحو فيحتمل أن الامام ذكر اوله وقد احال الباقي على القراء، كما صرّح بذلك في مواضع كثيرة، فهذا يرجع إلى عدم معرفة الراوي، ولا يدل على الجواز في غير ذلك الموضع.
واضعف من الجميع الاستشهاد بكنية الامام الحسن العسكري وهي (أبي محمد)، فالكنية له عليه السلام نظير الاسم، فعندما يكون (عَلَماً) فحينئذ لا يلتفت فيه إلى الولد، مثل ابو الحسن الاول، وابو الحسن الثاني؛ واجزاء الاعلام المركبة لا تدل على جزء المعنى مثل عبد شمس، وأبي بكر وامثال ذلك.
وبالجملة فان رفع اليد عن تلك الأخبار الصحيحة الصريحة والمؤيدة بالاجماع والشهرة والوجوه السابقة بسبب هذا النوع من الأخبار انما هو خروج عن قانون الاستدلال وطريقة الفقهاء.
وتوجد في المقام بعض المباحث العلمية التي لا تتناسب مع الكتاب الفارسي(٥٢٢).
المائة والسابع والثلاثون: "نية الصابرين".
عدّه في الهداية من القابه.
المائة والثامن والثلاثون: "المنتقم".
وعدّه هناك وفي المناقب القديمة من الالقاب.
وفي خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الغديرية في اوصافه عليه السلام: "ألا أنه المنتقم من الظالمين".
وفي خبر الجارود بن المنذر الطويل والمشهور برواية ابن عياش في المقتضب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال:
يا جارود ليلة اُسري بي إلى السماء أوحى الله عزّ وجلّ اليّ أن " سلْ من أرسلنا من قبلك من رسلنا " على ما بعثوا. فقلت: على ما بعثتم؟
قالوا: على نبوّتك، وولاية علي بن أبي طالب والائمة منكما.
ثم أوحى اليّ أن التفت إلى يمين العرش. فالتفت فاذا علي والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمد بن عليّ وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والمهدي في ضحضاح من نور يصلّون.
فقال لي الربّ تعالى: "هؤلاء الحجج اوليائي وهذا(٥٢٣) المنتقم من أعدائي"(٥٢٤).
وروي في علل الشرائع عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال:
أما لو قد قام قائمنا لقد ردت إليه الحميراء حتى يجلدها الحدّ وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة عليها السلام منها.
قلت(٥٢٥): جعلت فداك ولِمَ يجلدها الحد؟
قال: لفريتها على أم ابراهيم.
قلت(٥٢٦): فكيف أخّر الله القائم؟
فقال: لأن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم رحمة وبعث القائم عليه السلام نقمة(٥٢٧).
وروي في الكافي عنه(٥٢٨) عليه السلام أنه قال: إذا تمنّى احدكم القائم فليتمنه في عافية فانّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم رحمة ويبعث القائم نقمة(٥٢٩).
والمروي في (كمال الدين) عن (الامام الحجة عليه السلام)(٥٣٠) وهو في سنته الثالثة قال لأحمد ابن اسحاق: أنا بقية الله في ارضه والمنتقم من اعدائه(٥٣١).
المائة والتاسع والثلاثون: "المهدي " صلوات الله عليه.
وهو اشهر اسمائه والقابه عليه السلام عند جميع الفرق الاسلامية.
روى الشيخ الطوسي في غيبته عن أبي سعيد الخراساني، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لأي شيء سمّي المهدي؟
قال: لأنه يهدي إلى كل امر خفي(٥٣٢).
وروى الشيخ المفيد في الارشاد عنه عليه السلام وانما سمّي القائم مهدياً لأنه يهدي إلى امر قد ضلّوا عنه...(٥٣٣)
وروى يوسف بن يحيى السلمي في كتاب (عقد الدرر في اخبار الامام المنتظر) عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال:
"وانما سمّي المهدي لأنه يهدي إلى أمر خفي".
"...(٥٣٤) ويستخرج التوراة والانجيل من أرض يقال لها انطاكية"(٥٣٥).
وقال(٥٣٦) في رواية أخرى: "انما سمّي المهدي لأنه يهدي إلى اسفار من اسفار التوراة، فيستخرجها من جبال الشام يدعو(٥٣٧) اليها اليهود، فيسلم على تلك الكتب جماعة كبيرة، ثم ذكر نحواً من ثلاثين الفاً"(٥٣٨).
وفي رواية أخرى: "انما سمّي المهدي لأنه يُهْدى إلى جبل من جبال الشام، يستخرج منه اسفار التوراة يحاجّ بها اليهود، فيسلم على يديه جماعة من اليهود"(٥٣٩).
وفي هذه الأخبار اشكال لأن ما ذكروه يتناسب مع معنى (الهادي) الذي بمعنى الذي يهدي وليس مع (المهدي) الذي بمعني الذي يُهدى إلى الطريق الصحيح، واذا ضُمّ الميم يعطى معناه أيضاً لأنه بمعنى أن يبعث شخص بهدية إلى شخص آخر.
وتوضيح الجواب على هذا الاشكال سوف يأتي في لقب (الهادي) أن شاء الله تعالى(٥٤٠).
المائة والأربعون: "عبد الله".
من اسمائه عليه السلام المباركة، كما تقدم في اسم (احمد) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انه قال: "اسمه(٥٤١) احمد وعبد الله والمهدي"(٥٤٢).
المائة والواحد والأربعون: "المؤمَّل".
روى الشيخ الكليني والشيخ الطوسي عن الامام الحسن العسكري عليه السلام انه قال حين ولد الحجة عليه السلام:
"زعم الظلمة انّهم يقتلونني ليقطع هذا النسل، فكيف رأوا قدرة الله، وسمّاه المؤمَّل"(٥٤٣).
والظاهر أنه بفتح الميم الثانية، يعني أن الخلائق يتأملونه، وقد اشير في دعاء الندبة الى هذا المضمون: "بنفسي انت من(٥٤٤) امنية شائق يتمنى من مؤمن ومؤمنة ذكرا فحنّا".
المائة والثاني والأربعون: "المنتظر".
روي في كمال الدين عن الامام محمد التقي عليه السلام أنه قال(٥٤٥): "انّ مِنْ بَعْدِ الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر...(٥٤٦)
فقلت له(٥٤٧): ولِمَ سمّي المنتظر؟
قال: لانّ له غيبة يكثر ايّامها ويطول امدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقاتون، ويهلك فيها المتسعجلون، وينجو فيها المسلّمون"(٥٤٨).
يعني اولئك الذين يسلّمون ولا شأن لهم بالاشكالات عن سبب عدم خروجه.
وعليه فان هذا الخبر بفتح (الظاء) يعني المنتظَر الذي تعلقت كل الخلائق بانتظار قدومه.
المائة والثالث والأربعون: "الماء المعين".
يعني الماء الظاهر الجاري على سطح الأرض.
والمروي في (كمال الدين) و(غيبة الطوسي) عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال في الآية الشريفة: (قل أرأيتم إنْ أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين)(٥٤٩) فقال: هذه نزلت في القائم يقول: أن أصبح إمامكم غائباً عنكم لا تدرون اين هو فمن يأتيكم بامام ظاهر، يأتيكم باخبار السماء والأرض وحلال الله جلّ وعزّ وحرامه، ثم قال عليه السلام: والله ما جاء تأويل هذه الآية ولابد أن يجيء تأويلها(٥٥٠).
وهناك عدة اخبار بهذا المضمون فيهما، وفي (الغيبة) للنعماني، (وتأويل الآيات).
ووجه تشبيهه عليه السلام بالماء، باعتباره سبباً لحياة كل ظاهر، بل أن تلك الحياة قد وجدت وتوجد بسبب وجوده المعظم بمراتب اعلى واتمّ واشد وادوم من الحياة التي يوجدها الماء، بل أن حياة نفس الماء من وجوده عليه السلام.
ومروي في (كمال الدين) عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال في الآية الشريفة: (اعلموا ان الله يحيي الأرض بعد موتها)(٥٥١).
قال: يحييها الله عزّ وجلّ بالقائم عليه السلام بعد موتها - موتها بكفر اهلها - والكافر ميت(٥٥٢).
وفي رواية الشيخ الطوسي في الآية المذكورة: يعني يصلح(٥٥٣) الأرض بقائم آل محمد(٥٥٤) من بعد موتها، يعني من بعد جور اهل مملكتها(٥٥٥).
ولا يخفى أن الناس يستفيدون في ايام الظهور من هذه العين التي هي الفيض الرباني لهذه العين بسهولة وبساطة، مثل العطشان بجنب النهر الجاري العذب فليس عنده من الانتظار الاّ الاغتراف، ولهذا عبّر عنه عليه السلام بـ (الماء المعين).
وبما أن الحق قد رفع من الخلق الالطاف الخاصة في أيام الغيبة وذلك بسوء أعمالهم فلزمهم أن يلتمسوا الفيض ويأخذوا الخير ويتعلموا منه عليه السلام بالمشقّة والتعب والعجز والخضوع والتضرع والانابة مثلهم مثل العطشان إذا أراد أن يخرج الماء من البئر العميقة فليس عنده طريق الاّ بذل الجهد باستخدام الآلات والوسائل ليطفئ نار عطشه. ولهذا عبّر عنه عليه السلام بـ (بئر معطلة)؛ ولا يسع المقام للشرح أكثر من هذا.
المائة والأربع والأربعون: "المخبر بما يعلن".
المائة والخمس والأربعون: "المجازي بالاعمال".
ذُكر الأول في المناقب القديمة، والثاني في (الهداية) وعُدّا من القابه عليه السلام.
المائة والست والأربعون: "الموعود".
عدّه في الهداية من القابه.
وروى الشيخ الطوسي عن الامام السجاد عليه السلام أنه قال في الآية الشريفة: (وفي السماء رزقكم وما توعدون فو ربّ السماء والأرض انّه لحق مثل ما انكم تنطقون)(٥٥٦).
قال: قيام(٥٥٧) القائم عليه السلام من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلّم(٥٥٨).
ونقل ايضاً عن ابن عباس مثله(٥٥٩).
ويحتمل أنه عليه السلام يريد تأويل الرزق في الآية بظهوره عليه السلام الذي يكون سبباً لانتشار الايمان والحكمة وانواع العلوم والمعارف وهي حقيقة الرزق وسند الحياة الانسانية وعيش الخلود، كما فسر الطعام في الآية الشريفة: (فلينظر الانسان إلى طعامه)(٥٦٠) بـ (العلم) وما ذكر بعده من الحب والعنب والزيتون والنخل والبساتين والمراتع وغيره بأنواع العلوم.
والمروي في غيبة النعماني عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: "وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلّم"(٥٦١).
أو يكون المقصود من تفسير (وما توعدون) يعني ذلك الموعود الذي وعدتم به ووعد بمجيئه جميع انبياء الامم هو مجيئه عليه السلام، كما في زيارته عليه السلام: "السلام على المهدي الذي وعد الله به الاُمم أن يجمع به الكلم".
وجاء في احدى الزيارات الجامعة في أوصافه عليه السلام:
"واليوم الموعود وشاهد ومشهود".
المائة والسابع والأربعون: "مظهر الفضائح".
المائة والثامن والأربعون: "مبلي السرائر".
عدّ الأول في المناقب القديمة والهداية والثاني في الهداية من القابه عليه السلام.
وتعلم حقيقة هذين اللقبين من السير في سيرته عليه السلام فقد روى النعماني في (الغيبة) عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال:
"بينا الرّجل على رأس القائم يأمره وينهاه إذ قال: أديروه، فيديرونه إلى قدّامه، فيأمر بضرب عنقه، فلا يبقى في الخافقين شيء الّا خافه"(٥٦٢).
وفي الرواية الاخرى أنه يضرب عنقه في نفس المكان الواقف فيه(٥٦٣).
المائة والتاسع والأربعون: "مبدئ الآيات".
كما في الهداية.
يعني مظهر آيات الله تعالى. أو محل ظهور وبروز الآيات الالهية. لأنه في ذلك اليوم يفرش بساط الخلافة في الأرض، البساط الذي قد وضع جميع الانبياء والرسل عليه أقدامهم فجاؤوا بتلك الآيات البينات والمعجزات الباهرات من اجل هداية الخلق في مقام الارشاد واعلاء كلمة الحق وازهاق الباطل.
ولم يعزّ الله تعالى أحداً بمثل هذا التعظيم ولم يعطِ لأحد مثل هذا المقدار من الآيات كما أعطى لمهديه صلوات الله عليه ويجريها له.
وقد اعطاه الله تعالى عمراً طويلا ولا يُعلم إلى أين سوف يمتد عندما يظهر في هيئة رجل ابن ثلاثين سنة، وتظلله غمامة بيضاء على رأسه، وتنادي بلسان فصيح: "هذا مهدي آل محمد عليهم السلام " ويمسح على رؤوس شيعته فتكمل عقولهم، وانه تظهر الملائكة في عسكره المبارك ويراها الناس كما كانوا يرونها إلى عهد ادريس النبي عليه السلام، وتظهر في جيشه عساكر من الجن.
وليس في عسكره طعام ولا شراب الاّ حجر يحمل وان طعامهم وشرابهم من ذلك الحجر.
وتشرق الأرض وتضيء بنور جماله فتنتفي الحاجة إلى ضوء القمر.
ويزول الشر والضرر من الوحوش والحشرات، ويرفع الخوف والرعب منها.
وتظهر الأرض كنوزها، ويخفف الفلك من سرعة حركته(٥٦٤) ويمرّ جيشه من على وجه الماء، ويخبر الجبل والحجر عن الكافر الذي اختفى فيه، ويعلم الكافر بسيمائه، ويكون كثير من الأموات في ركبه المبارك ويضرب السّيف على هامات الأحياء.
وغير ذلك من الآيات العجيبة، وكذلك الآيات التي تظهر قبل ظهوره وخروجه وهي لا تحصى، وقد ذكرت اكثرها في كتب الغيبة، وانها جميعاً مقدمة لمجيئه عليه السلام، ولم تقم الحجة بعشر منها.
المائة والخمسون: "المحسن".
المائة والواحد والخمسون: "المنعم".
المائة والثاني والخمسون: "المفضل".
وعدّ الثلاثة في الهداية من القابه.
والثلاثة من الاسماء الحسنى، وقد جعله تعالى مظهرها(٥٦٥) الاعظم كما روى السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب الاقبال بسند صحيح في خبر طويل عندما اوفد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى نجران لدعوة النصارى، فجُمع هناك علماؤهم لأجل تبيين صدق دعواه صلى الله عليه وآله وسلّم واُحضرت الكتب السماوية ونظروا فيها، ومنها صحيفة آدم صفي الله الكبرى المستودعة علم ملكوت الله جلّ جلاله وما ذرأ وما برأ في ارضه وسمائه.... فألفوا في المصباح الثاني من فواصلها....
(وبعد عدّة فقرات)(٥٦٦)... " ثم نظر آدم إلى نور قد لمع فسدَّ الجو المنخرق فأخذ بالمطالع من المشارق ثم سرى كذلك حتى طبق المغارب، ثم سما حتى بلغ ملكوت السماء، فنظر فاذا هو نور محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم واذا الأكناف به قد تضوّعت طيباً واذا أنوار أربعة قد اكتنفته عن يمينه وشماله ومن خلفه وامامه، أشبه شيء به أرجاً ونوراً ويتلوها انوار من بعدها تستمد منها واذا هي شبيهةٌ بها في ضيائها وعظمها ونشرها ثمّ دنت منها فتكللت عليها، وحفت بها ونظر فاذا أنوار من بعد ذلك في مثل عدد الكواكب ودون منازل الأوائل جداً جداً، وبعض هذه أضوءُ من بعض، وهي في ذلك متفاوتون جداً، ثم طلع عليه سواد كالليل وكالسيل، ينسلون من كل وجهة وأرب، فاقبلوا كذلك حتى ملأوا القاع والأكم، فاذا هم أقبح شيء صوراً وهيئة، وانتنه ريحاً.
فَبَهر آدم عليه السلام ما رأى من ذلك وقال: يا عالم الغيوب، وغافر الذنوب ويا ذا القدرة القاهرة(٥٦٧) والمشيئة العالية(٥٦٨)، مَنْ هذا الخلق السعيد الذي كرمت ورفعت على العالمين، ومن هذه الأنوار المنيفة المكتنفة له؟
فأوحى الله عزّ وجلّ إليه يا آدم هذا وهؤلاء وسيلَتُك ووسيلة من أسعدت من خلقي، هؤلاء السابقون المقربون والشافعون المشفعون.
وهذا أحمد سيدهم وسيد بريتي اخترته بعلمي واشتققت اسمه من اسمي، فانا المحمود وهو محمد، وهذا صنوه ووصيه آزرته به.
وجعلت بركاتي وتطهيري في عقبه.
وهذه سيدة امائي والبقية في علمي من أحمد نبيي.
وهذان السبطان والخلفان لهم.
وهذه الأعيان المضارع نورها أنوارهم بقية منهم الّا انّ كلا اصطفيت وطهرت، وعلى كلٍّ باركت وترحمت، فكلا بعلمي جعلتُ قدوة عبادي ونور بلادي.
ونظر فاذا شبحٌ(٥٦٩) في آخرهم يزهر في ذلك الصفيح كما يزهر كوكب الصبح لأهل الدنيا.
فقال الله تبارك وتعالى: وبعبدي هذا السعيد أفكّ عن عبادي الأغلال، وأضع عنهم الآصار، وأملأ أرضي به حناناً ورأفة وعدلا كما مُلِئَتْ من قبله قسوةً وقشعريةً وجوراً.
وفي الخبر الشريف ايضاً فبعد مراجعة تلك الجماعة لصلاة (لصحيفة) ابراهيم عليه السلام فكان هناك مذكوراً(٥٧٠) وورَّثه تابوت آدم عليه السلام المتضمن للحكمة والعلم الذي فضله الله عزّ وجلّ به على الملائكة طُرّاً، فنظر ابراهيم عليه السلام في ذلك التابوت فأبصر فيه بيوتاً بعدد ذوي العزم من الأنبياء المرسلين، وأوصيائهم من بعدهم، ونظرهم فاذا بيت محمد صلى الله عليه وآله آخر الأنبياء عن يمينه علي بن ابي طالب آخذٌ بحجزته، فاذا شكل عظيم يتلألأ نوراً فيه: هذا صنوه ووصيه المؤيد بالنصر.
فقال ابراهيم عليه السلام: الهي وسيدي من هذا الخلق الشريف؟
فأوحى الله عزّ وجلّ: هذا عبدي وصفوتي الفاتح الخاتم، وهذا وصيه الوارث.
قال: رب ما الفاتح الخاتم؟
قال: هذا محمد خيرتي، وبكر فطرتي، وحجتي الكبرى في بريتي، نبأته، واجتبيته اذ آدم بين الطين والجسد... (الى أن يقول) ونظر ابراهيم عليه السلام فاذ اثنا عشر عظيماً تكاد تلألأ اشكالهم لحسنها نوراً، فسأل ربّه جلّ وتعالى فقال: رب نبأني بأسماء هذه الصور المقرونة بصورة محمد ووصيه (صلوات الله عليهما)(٥٧١) فأوحى الله عزّ وجلّ اليه: هذه أمَتي والبقيّة من نبيّي فاطمة الصديقة الزهراء وجعلتها مع حليلها عصبةً لذرية نبيي.
هؤلاء، وهذان الحسنان، وهذا فلان، وهذا فلان، وهذا كلمتي التي أنشر به رحمتي في بلادي، وبه أنتاش ديني وعبادي، ذلك بعد إياس منهم وقنوط منهم من غياثي... الى آخره(٥٧٢).
ويكفي في هذا المقام مضمون هذا الخبر الشريف الذي نقله ابن طاووس من اصل كتاب (عمل ذي الحجة) للحسن بن اسماعيل بن اشناس، وهو من معروفي القدماء ومعروف بابن اشناس وهو صاحب أحد نسخ الصحيفة الكاملة وهي تغاير كثيراً في ترتيبها ومقدارها وكلماتها النسخة المتداولة، وان ذلك الاختلاف مذكور في محله.
ومما ذكر يظهر وجه اللقب.
المائة والثالث والخمسون: "المنّان".
كما في الهداية، وهو كالأسماء السابقة من الأسماء الحسنى، وقد ذكر في خبر سابق في (اليد الباسطة) بما يناسب هذا المقام.
المائة والرابع والخمسون: "الموتور".
وقد ذكر هذا اللقب في عدة أخبار شريفة، والموتور بوالده أي قُتل والده ولم يطلب بدمه.
وقال المجلسي رحمه الله: "والمراد بالوالد اما العسكري عليه السلام أو الحسين، أو جنس الوالد ليشمل جميع الائمة عليهم السلام"(٥٧٣).
وهناك خبر فيه (الموتور بأبيه)(٥٧٤) وهو كسابقه.
وبما أنه لم يُطلب بدم الائمة الماضين، وقد وصل ارث الامامة اليه عليه السلام، فقد انتقل هذا الحق اليه وسوف يطلب بدمهم جميعاً؛ بل بما أنه وارث جميع الأنبياء والمرسلين والأوصياء الراشدين فسوف يطلب بكلّ دماء الذين استشهدوا، كما هو مذكور صريحاً في دعاء الندبة.
وبملاحظة ان جميعهم بمنزلة والده عليه السلام لأنّه يرثهم جميعاً، فهو موتور بجميع تلك السلسلة العلية.
وقد روي في غيبة النعماني عن الامام الصادق عليه السلام في حديث انّه قال لأبي بصير:
"يا أبا محمد! انّه يخرج(٥٧٥) موتوراً، غضبان، أسفاً [لغضب الله على هذا الخلق](٥٧٦)، يكون عليه قميص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الذي عليه يوم أحد"(٥٧٧).
يعني ذلك القميص الملطخ بالدم، كما سيأتي في (الوارث).
المائة والخامس والخمسون: "المدبّر".
عدّه في المناقب القديمة من ألقابه عليه السلام.
المائة والسادس والخمسون: "المأمور".
كما مذكور هناك.
المائة والسابع والخمسون: "المقدرة".
كما في الهداية.
وذلك لكثرة ما تظهر وتبرز عجائب القدرة الالهية منه عليه السلام حتى تصل الى حدّ يقال انّه (عين القدرة)، كما تقدّم في اطلاق (العدل) و(القسط) عليه عليه السلام بهذا اللحاظ.
المائة والثامن والخمسون: "المأمول".
كالمؤمل، وروي في غيبة النعماني عن الامام الصادق عليه السلام بعد ان ذكر جملة من العلامات، قال: "ثم يقوم القائم المأمول، والامام المجهول... الخ"(٥٧٨).
وفي غيبة الفضل قال: "السلطان المأمول".
وفي زيارته المأثورة عليه السلام: "السلام عليك أيها الامام المأمول".
وفي مصباح الشيخ الطوسي وغيره المروي عن عاصم بن حميد عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال: وقد ذكر عملا للحاجة (فليصم يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة، فاذا كان يوم الجمعة اغتسل ولبس ثوباً نظيفاً ثم يصعد الى أعلى موضع في داره فيصلى ركعتين...).
ثم يدعو بدعاء، واحدى فقراته هي:
"واتقرّب اليك بالبقية الباقي المقيم بين اوليائه الذي رضيته لنفسك الطيّب الطاهر الفاضل الخيّر نور الأرض وعمادها ورجاء هذه الأمة وسيدها(٥٧٩) الآمر بالمعروف الناهي(٥٨٠) عن المنكر الناصح الأمين المؤدّي عن النبيين وخاتم الأوصياء النجباء الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين..."(٥٨١).
المائة والتاسع والخمسون: "المفرج الأعظم".
عُدَّ من القابه في (الهداية) و(المناقب القديمة).
وقد روى الشيخ المسعودي في (اثبات الوصية)، والحضيني في كتابه غير الهداية عن الامام الرضا عليه السلام انّه قال: "اذا رفع علمكم من بين اظهركم فتوقعوا الفرج [الأعظم](٥٨٢).
المائة والستون: "المضطر".
وروي في تفسير علي بن ابراهيم عن الامام الصادق عليه السلام انه قال في الآية الشريفة: (أمَّن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض)(٥٨٣) "نزلت في القائم(٥٨٤) عليه السلام، هو والله المضطر اذا صلّى في المقام (يعني مقام ابراهيم) ركعتين ودعا الله فأجابه ويكشف السوء ويجعله خليفة في الأرض"(٥٨٥).
وفي تأويل الآيات للشيخ شرف الدين مروي عن الامام الباقر عليه السلام انه قال في الآية المذكورة: "هذه نزلت في القائم عليه السلام اذا خرج تعمّم وصلّى عند المقام وتضرّع الى ربّه فلا تردّ له راية أبداً"(٥٨٦).
يعني أين يوجهها تفتح.
وروي ايضاً عن الامام الصادق (عليه السلام) انّه قال: "إنّ القائم اذا خرج دخل المسجد الحرام فيستقبل الكعبة، ويجعل ظهره الى المقام(٥٨٧)، ثم يصلي ركعتين، ثم يقوم فيقول: [يا أيها الناس انا اولى الناس بآدم، أنا أولى الناس بابراهيم](٥٨٨).
يا أيها الناس أنا أولى الناس باسماعيل، يا أيها الناس أنا أولى الناس بمحمد صلى الله عليه وآله وسلّم، ثم يرفع يديه الى السماء، فيدعو، ويتضرّع حتى يقع على وجهه، وهو قوله عزّ وجلّ: (أمّن يجيب المضطر.. الى آخره)(٥٨٩).
المائة والواحد والستون: "مَن لم يجعل الله له شبيهاً".
عدّه في المناقب القديمة من القابه عليه السلام، ونقل في الهداية (سَمِيّاً) وفسّره: بـ (شبيهاً).
ومن التأمل - في الجملة - في هذا الباب، والباب القادم يعلم انّه لا يوجد له شبيه ونظير، ولم يصل ولن يصل أحد الى عزّته وجلاله.
المائة والثاني والستون: "المقتصر".
عدّه في المناقب القديمة من القابه.
ولعلّ المراد منه انّ جميع الأنبياء والأوصياء الماضين قد ابتلوا في أيام رئاستهم وعزتهم بمعاشرة ومؤانسة وصحبة المنافقين والفاسقين بل الاتصال والزواج منهم، وكانوا مأمورين بمداراتهم وائتلافهم لأجل حفظ وبقاء الدين وعصابة المؤمنين.
أمّا المهدي صلوات الله عليه فسوف يقتصر على الانصار والأعوان والأصحاب المؤمنين المخلصين والعباد الصالحين الذين مدحهم الله تعالى وأخبر عنهم: (عباداً لنا أولي بأس شديد)(٥٩٠)؛ كما رواه العياشي..(٥٩١)
وبقوله: (ان الأرض يرثها عبادي الصالحون)(٥٩٢) كما رواه علي بن ابراهيم...(٥٩٣)
وسوف تنقطع بالمرة جذور الألفة والمجالسة والمؤانسة مع الكفار والمنافقين، ويتميز الصالح عن الطالح والطيب عن الخبيث، ولا يستعين بأحد منهم ابداً كما كان جدّه الأكرم يستعين بالمنافقين لمجاهدة الكفار.
ويحتمل أن تكون الكلمة المذكورة هي (المنتصر)، وقد تكون قد أخذت من الآية الشريفة (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل)(٥٩٤) كما هو مروي في تفسير القمي عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال:
"يعني القائم عليه السلام وأصحابه...(٥٩٥) والقائم اذا قام انتصر من بني امية ومن المكذبين والنصّاب..."(٥٩٦).
المائة والثالث والستون: "المصباح الشديد الضياء".
كما تقدّم في اللقب الثامن والعشرين.
المائة والرابع والستون: "الناقور - الصور".
مثل البوق، ومثل الشيء الذي يقرع به.
وقد روي في غيبة النعماني عن الامام الصادق عليه السلام انه قال في الآية الشريفة: (فاذا نقر في الناقور)(٥٩٧): "إنّ منّا اماماً مستتراً فاذا أراد الله عزّ وجلّ اظهار أمره نكت في قلبه نكتة فظهر فقام بأمر الله عزّ وجلّ"(٥٩٨).
وفي تفسير السياري مروي عنه عليه السلام انّه قال في الآية المذكورة: "إذا نقر في اذن القائم عليه السلام اذن له في القيام"(٥٩٩).
ومروي في اثبات الوصية للمسعودي عن المفضل بن عمر انّه قال: "سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تفسير جابر. فقال: لا تُحدِّث به السفلة فيذيعوه، أما تقرأ في كتاب الله عزّ وجلّ (فاذا نقر في الناقور) انّ منّا مَنْ يكون اماماً مستتراً فاذا أراد الله اظهار أمره نكت في قلبه فيظهر حتى يقوم بأمر الله جلّ ثناؤه"(٦٠٠).
المائة والخامس والستون: "الناطق".
عدّه في المناقب القديمة والهداية من ألقابه عليه السلام.
والمروي في (مقتضب الأثر) في خبر طويل ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ذكر الأئمة عليهم السلام لسلمان إلى أن قال:"... ثم الحسن بن علي الصامت الأمين على دين الله العسكري، ثم ابنه حجة الله فلان سمّاه باسمه ابن الحسن المهدي، والناطق القائم بحق الله"(٦٠١).
وفي زيارة عاشوراء برواية ابن قولويه: "وان يرزقني [طلب](٦٠٢) ثاركم مع امام مهدي [ظاهر](٦٠٣) ناطق لكم"(٦٠٤).
وبرواية الشيخ الطوسي: "امام مهدي ظاهر ناطق [بالحق](٦٠٥) منكم"(٦٠٦).
وكونه عليه السلام ناطق واضح، وذلك لأن آباءَه الطاهرين قد ختموا على أفواههم بختم السكوت ولم يتكلّموا بالعلوم والأسرار والمعارف والحكم الّا قليلا لعدم وجود حملتها، بل انّ كثيراً من الأحكام بقيت في حجاب الخفاء خوفاً من الأعداء. قال محمد بن طلحة الشافعي انّ أمير المؤمنين عليه السلام سمّي بالبطين يعني مبطن ومخفي العلوم والأسرار التي علّمها له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لعدم وجود حملتها وللخوف ولضيق المجال، فكلّ الخزائن الالهية المذخورة تصل للناس عن لسانه المبارك عليه السلام.
وفي دعاء الشهر المبارك: "اللهم اُظْهِرْ به دينك وسنة نبيّك حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة احد من الخَلق"(٦٠٧).
المائة والسادس والستون: "النهار".
روى الشيخ فرات بن ابراهيم في تفسيره عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال: قال الحارث الأعور للحسين عليه السلام: يا ابن رسول الله جعلت فداك أخبرني عن قول الله في كتابه: (والشمس وضحاها)؟
قال: ويحك يا حارث، ذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
قال: قلت: جعلت فداك؛ قوله: (والقمر اذا تلاها)؟
قال: ذلك أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام يتلو محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم.
قال: قلت: (والنهار اذا جلّاها)؟
قال: ذلك القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) يملأ الأرض عدلا وقسطاً(٦٠٨).
وروي في تفسير علي بن ابراهيم عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال في الآية الشريفة: (والليل اذا يغشى) قال: الليل في هذا الموضع فلان(٦٠٩) غشي أمير المؤمنين في دولته التي جرت له عليه(٦١٠) وامير المؤمنين عليه السلام يصبر(٦١١) في دولتهم حتى تنقضي.
قال: (والنهار اذا تجلى) قال: النهار، هو القائم عليه السلام منّا أهل البيت، اذا قام غلب دولته الباطل؛ والقرآن ضرب فيه الأمثال للناس، وخاطب الله نبيّه به ونحن، فليس يعلمه غيرنا(٦١٢).
المائة والسابع والستون: "النفس".
عدّه في الهداية من ألقابه.
المائة والثامن والستون: "نور آل محمد " عليهم السلام.
كما سوف يأتي في خبر في الباب التاسع إن شاء الله عن الامام الصادق عليه السلام، وعدّه في الذخيرة من أسمائه عليه السلام المذكورة في القرآن. وهو مذكور في عدّة اخبار متقدّمة وسوف يأتي بعضها في الآية الشريفة: (والله متمّ نوره)(٦١٣) يعني: بولاية القائم عليه السلام وبظهوره عليه السلام.
وفي الآية: (واشرقتِ الأرضُ بنورِ ربّها)(٦١٤) يعني أشرقت الأرض بنوره عليه السلام.
وجاء في إحدى الزيارات الجامعة في أوصافه عليه السلام: "نور الأنوار الذي تشرق به الأرض عمّا قليل".
ومروي في غاية المرام وغيره عن جابر بن عبد الله الأنصاري: قال: دخلت الى مسجد الكوفة وأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يكتب باصبعه ويتبسّم، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما الذي يضحكك؟ فقال: عجبت لمن يقرأ هذه الآية ولم يعرفها حقّ معرفتها، فقلت له: وأي آية يا أمير المؤمنين؟ فقال: قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة) المشكاة محمد صلى الله عليه وآله، (فيها مصباح) أنا المصباح، (في زجاجة) الزجاجة الحسن والحسين (كأنها كوكب دري) وهو علي بن الحسين، (يوقد من شجرة مباركة) محمد بن علي، (زيتونة) جعفر بن محمد: (لا شرقية) موسى بن جعفر (ولا غربية) علي بن موسى [الرضا] (يكاد زيتها يضيء) محمد بن علي (ولو لم تمسسه نار) علي بن محمد (نور على نور) الحسن بن علي (يهدي الله لنوره من يشاء) القائم المهدي عليهم السلام(٦١٥).
وقد ذكر في جملة من أخبار المعراج ان نوره عليه السلام في عالم الاظلة بين أنوار وأشباح الأئمة عليهم السلام مثل الكوكب الدرّي بين سائر الكواكب، وفي خبر كنجم الصبح لأهل الدنيا.
المائة والتاسع والستون: "نور الأصفياء".
المائة والسبعون: "نور الأتقياء".
تقدّم مصدرهما في الاسم الثامن والعشرين.
المائة والواحد والسبعون: "النجم".
عدّه في الذخيرة من اسمائه عليه السلام المذكورة في القرآن.
المائة والثاني والسبعون: "الناحية المقدسة".
قال في جنات الخلود: كان يُدعى عليه السلام في ايام التقية احياناً بهذا اللقب.
المائة والثالث والسبعون: "واقيذ".
في الكتاب المذكور مسطور ان هذا لقبه عليه السلام في الكتب السماوية يعني الغائب مدّة مديدة.
ومذكور في (تاريخ عالم آرا) انّه اسمه عليه السلام قد كتب في التوراة (واقيذما).
المائة والرابع والسبعون: "الوتر".
عدّه في المناقب القديمة والهداية من القابه.
يعني الوحيد والفريد والفرد والمنفرد في الكمالات والفضائل الممكن تحققها في نوع البشر، وقد كانت فيه خصائص وكرامات الهية اختصت به، وستكون فيه ما لم تمنح لأحد من الحجج قبله عليه السلام.
المائة والخامس والسبعون: "الوجه".
عدّه في الهداية من القابه، وفي زيارته عليه السلام: "السلام على وجه الله المتقلّب بين اظهر عباده".
المائة والسادس والسبعون: "ولي الله".
وقد ذكر في الأخبار مكرراً بهذا اللقب خصوصاً في لسان الرواة، وسيأتي في (اليد الباسطة) انّ الله عزّ وجلّ قال في ليلة المعراج: "ذلك [يعني القائم عليه السلام](٦١٦) وليّ الله حقاً"(٦١٧).
وروي في كفاية الأثر للخراز عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال:
"... فاذا حان وقت خروجه يكون له سيف مغمود، ناداه السيف: قم يا وليّ الله فاقتل أعداء الله"(٦١٨).
وفي خبر آخر قال: (.. له عَلَمٌ)(٦١٩) فينادي بذلك النداء في ذلك الوقت.
المائة والسابع والسبعون: "الوارث".
عدّه في المناقب القديمة والهداية من القابه، ويأتي في الخطبة الغديرية ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "الّا انه وارث كل علم والمحيط به".
ومن الواضح انّه عليه السلام وارث العلوم والكمالات والمقامات والآيات البينات لجميع الانبياء والأوصياء وآبائه الطاهرين عليهم السلام.
وفي حديث طويل ومفصل ان الامام الصادق عليه السلام قال: "حتى يرد الكوفة... ثم يقول الحسني خلّوا بيني وبين هذا، فيخرج اليه المهدي عليه السلام فيقفان بين العسكرين فيقول له الحسني ان كنت مهدي آل محمد صلى الله عليه فأين هراوة جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وخاتمه وبردته، ودرعه الفاضل، وعمامته السحاب، وفرسه المربوع(٦٢٠)، وناقته العضباء، وبغلته الدلدل، وحماره اليعفور، ونجيبه البراق، وتاجه(٦٢١) والمصحف الذي جمعه امير المؤمنين عليه السلام بغير تغيير(٦٢٢) وتبديل.
(فيحضر له السفط الذي فيه جميع ما طلبه)(٦٢٣).
قال المفضل: يا سيدي فهذا كلّه كان في السفط؟
قال: (نعم والله)(٦٢٤) وتركات جميع النبيين حتى عصى آدم، وآلة نجارة نوح، وتركة هود وصالح ومجموع ابراهيم وصاع يوسف، ومكيل شعيب وميزانه، وعصى موسى وتابوته الذي فيه بقية ما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، ودرع داود وعصاته وخاتم سليمان وتاجه، ورحل(٦٢٥) عيسى وميراث النبيين والمرسلين في ذلك السفط(٦٢٦).
وروى الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره انّه جاء عن الصادقَيْن عليهما السلام: (إنّ تابوت وعصى موسى في بحيرة طبرية، وإنَّ الامام صاحب الزمان عليه السلام يخرجهما في عهده من هناك)(٦٢٧).
ومروي في غيبة النعماني عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال: "عصى موسى قضيب آس مِنْ غرس الجنّة أتاه بها جبرئيل عليه السلام لمّا توجّه تلقاء مَدْين، وهي وتابوت آدم في بحيرة طبرية، ولن يَبْلَيا ولن يتغيرا حتى يخرجهما القائم عليه السلام اذا قام"(٦٢٨).
وجاء في عدة اخبار انّ الكتب السماوية الأصلية في غار في انطاكية وانّه عليه السلام سوف يخرجها من هناك.
ومروي في غيبة الفضل بن شاذان عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال: "اوّل ما يبدأ القائم عليه السلام بانطاكية(٦٢٩) فيستخرج منها التوراة من غار فيه عصى موسى، وخاتم سليمان"(٦٣٠).
والمروي في غيبة النعماني عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال ليعقوب بن شعيب: "ألا أريك قميص القائم الذي يقوم عليه؟ فقلت: بلى، قال: فدعا بقِمطَر(٦٣١) ففتحه، وأخرج منه قميص كرابيس فنشره فاذا في كمّه الأيسر دم، فقال: هذا قميص رسول الله صلى الله عليه وآله الذي (كان) عليه يوم ضربت رباعيته(٦٣٢)، وفيه يقوم القائم، فقبّلت الدّم ووضعته على وجهي، ثمّ طواه أبو عبد الله عليه السلام ورفعه"(٦٣٣).
وروي هناك وفي الكافي انّه قال عليه السلام:"... وخرج صاحب هذا الأمر من المدينة الى مكة بتراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
فقلت(٦٣٤): ما تراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم؟ قال: سيف رسول الله، ودرعه، وعمامته، [وبرده](٦٣٥) وقضيبه [ورايته](٦٣٦) ولامته وسرجه(٦٣٧).
المائة والثامن والسبعون: "الهادي".
في تاريخ الجهضمي في باب ألقاب الأئمة عليهم السلام: "لقب القائم عليه السلام الهادي، المهدي"(٦٣٨).
وقد ذكر مكرراً بهذا اللقب في أخبار الأدعية والزيارات.
ولم يجعل الله تعالى احداً هادياً للعالم كافة، ولم يرسله اليهم، بل لم يعده باتمام عمله؛ الّا بعد أن يحصل هو حقيقة الهداية، وبعد أن تفتح له جميع الطرق الى الحق والحقيقة، وبعد أن يصل الى جميع مقاصدها، ويكون قادراً على القيام بالهداية، فبعد ذلك يجعله الله تعالى هادياً، ويشرفه بهذا اللقب، فلابدّ ان يكون مهدياً، ولا يلقب حضرته بالمهدي الّا بعد ان يكون عنده هذا المقام من الهداية ليتمكن على القيام بواسطة جنابه المقدس في مقام هداية الخلق، ويعلم كل واحد طريقاً ويقدر على ان يوصله الى غايته بحسب قابلياته.
وطبق هذه الملاحظة فيمكن تفسير كل واحد منها بالآخر كما تقدّم في لقب (المهدي) عندما سئل الامام الصادق عليه السلام عن معنى المهدي، فانّه قال عليه السلام: "لانّه يهدي الناس.. الخ " يعني انّ ذلك المهدي سمّاه الله تعالى مهدياً لأنّه منح مقام الهداية بحيث يقدر ان يقوم بمقام الهداية عن وجوده الأقدس.
ونظير اشكال تفسير المهدي بالهادي يوجد اشكال في لقب أمير المؤمنين عليه السلام المبارك كما روي في معاني الأخبار والعلل عن الامام الباقر عليه السلام انّه سئل: لم سمّي امير المؤمنين عليه السلام امير المؤمنين؟
قال: لأنّه يميرهم العلم، اما سمعت كتاب الله عزّ وجلّ: (ونمير أهلنا)(٦٣٩).
ووجه الاشكال: انّ الميرة بمعنى جلب الطعام من مار، يمير، ميراً.
وأمير من أمَرَ يأمر.
وقال بعض: انّه على وجه القلب.
وقال بعض: امير فعل مضارع على صيغة المتكلم، ويكون عليه السلام قد قال ذلك ثمّ اشتهر به كما في (تأبط شراً)(٦٤٠).
والوجه الثالث؛ قالوا انّ امراء الدنيا انما يسمّون بالأمير لكونهم متكلّفين لجلب الطعام للخلق وما يحتاجون اليه في أمور معاشهم بزعمهم.
وأمّا أمير المؤمنين عليه السلام فان امارته لأمر أعظم من ذلك حيث انّه عليه السلام يجلب اليهم الطعام الروحاني الذي هو سبب حياتهم الأبدية وقوّتهم الروحانية، وان شارك الأمراء في الميرة الجسمانية.
وقد ارتضى العلامة المجلسي (رحمه الله) هذا الوجه(٦٤١).
والأحسن هو ما قلناه في تفسير (المهدي) وهو انّ الامارة لا تجعل من الله تعالى الّا بعد الكمال والتأهّل والوصول الى مراتب العلوم بحيث يمكنه أن يعلم كل أحد جميع ما يحتاج اليه، فما لم يكن هو نفسه ذا علم راسخ فانّه لا يستطيع ان يجلس على وسادة الامارة الالهية.
فكل من يخبر عن مقامه العلمي هذا فيمكن القول انّه قد وصل الى مقام الامارة.
ومن يقال له امير فلابدّ ان يكون قد طوى درجات العلوم. وليست كامارة المخلوق فيكون كلّ جاهل غبي اميراً.
ولعلّ الوجه الثالث يرجع الى هذا المعنى والله العالم.
المائة والتاسع والسبعون: "اليد الباسطة".
عدّه في الهداية من الألقاب الخاصة به.
يعني يد قدرة الله ونعمته التي بها يوسع رحمته ورأفته ولطفه على العباد، ويبسط رزقه عليهم، وبها يدفع البلاء عنهم.
روى الشيخ الصدوق في الأمالي عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: "لما عرج بي الى السماء السابعة ومنها الى سدرة المنتهى، ومن السدرة الى حجب النور ناداني ربي جلّ جلاله:
يا محمد انت عبدي وأنا ربّك فلي فاخضع وإياي فاعبد وعليّ فتوكّل وبي فثق فاني قد رضيت بك عبداً وحبيباً ورسولا ونبياً، وبأخيك علي خليفة وباباً فهو حجتي على عبادي وامام لخلقي، به يُعرف أوليائي من أعدائي وبه يميز حزب الشيطان من حزبي وبه يقام ديني وتحفظ حدودي وتنفذ أحكامي، وبك وبه وبالأئمة من ولده أرحم عبادي وامائي، وبالقائم منكم أعمر أرضي بتسبيحي وتهليلي وتقديسي وتكبيري وتمجيدي، وبه اُطهّر الأرض من أعدائي وأورثها أوليائي، وبه أجعل كلمة الذين كفروا بي السفلى وكلمتي العليا، وبه احيي عبادي وبلادي بعلمي وله (به) اظهر الكنوز والذخائر بمشيتي، وإياه أظهر على الأسرار والضمائر بارادتي، وامدّه بملائكتي لتؤيده على إنفاذ أمري وإعلان ديني، ذلك وليّي حقاً ومهدي عبادي صدقاً"(٦٤٢).
المائة والثمانون: "اليمين".
عدّه في الهداية من القابه، وهو مثل (اليد الباسطة).
المائة والواحد والثمانون: "وهوهل".
روى الشيخ احمد بن محمد بن عياش في الجزء الثاني من (مقتضب الأثر) باسناده عن حاجب بن سليمان أبي موزج الصيدوى(٦٤٣) قال: "لقيت ببيت المقدس عمران بن خاقان الوافد الى المنصور المنصوب على يهود الجزيرة وغيرها، اسلم على يد أبي جعفر المنصور؛ وكان قد حج اليهود ببيانه وكانوا لا يستطيعون جحده لما في التورية من علامات رسول الله صلى الله عليه وآله والخلفاء من بعده؛ فقال لي يوماً: يا أبا موزج إنّا نجد في التوراة ثلاثة عشر اسماً منها محمد صلى الله عليه وآله واثني عشر من بعده من أهل بيته؛ هم أوصياؤه وخلفاؤه مذكورون في التورية ليس فيهم القائمون بعده؛ من تيم ولا عدي ولا بني اُمية؛ واني لأظن ما يقوله هذه الشيعة حقاً؟ قلت: فأخبرني به، قال لتعطيني عهد الله وميثاقه أن لا تخبر الشيعة بشيء من ذلك فيظهروه عليّ؟ قلت: وما تخاف من ذلك؟ والقوم(٦٤٤) من بني هاشم قال: ليست أسماؤهم أسماء هؤلاء بل هم من ولد الأول منهم؛ وهو محمد صلى الله عليه وآله ومن بقيته في الأرض(٦٤٥) من بعده، فأعطيته ما أراد من المواثيق، وقال لي: حدث به بعدي ان تقدمتك والّا فلا، عليك أن لا تخبر به أحداً؛ قال: نجدهم في التوراة شموعل شماعيسحوا(٦٤٦)، وهي هر(٦٤٧)، حي ابثوا(٦٤٨)، بما مدثين عو شود(٦٤٩)، بستم بوليد، وبشير العوى، فوم(٦٥٠) لوم كودود، عان لاندبود(٦٥١)، وهوهل(٦٥٢)"(٦٥٣).
وقد وجدت النسخة هكذا، وصحتها وسقمها ليس على عهدتي، ولا يخفى ان المراد بالتوراة احياناً هو الكتاب السماوي المنزل على موسى عليه السلام وهو مشتمل على خمسة اسفار.
وتطلق احياناً على جميع الكتب السماوية النازلة من عهده الى قبل عيسى عليه السلام من الأنبياء حيث كانوا في تلك الأزمنة، ويقال لها ايضاً (العهد القديم).
المائة والثاني والثمانون: "يعسوب الدين".
روى الشيخ الطوسي في (الغيبة) عن الامام الصادق عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: لا يزال الناس ينقصون حتى لا يقال (الله) فاذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه فيبعث الله قوماً من أطرافها(٦٥٤) يجيئون قزعاً كقزع الخريف، والله انّي لأعرفهم وأعرف أسماءهم وقبائلهم واسم أميرهم، وهم قوم يحملهم الله كيف شاء من القبيلة الرجل والرجلين حتى بلغ تسعة فيتوافون من الآفاق ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدّة أهل بدر، وهو قول الله (أينما تكونوا يأتِ بكم الله جميعاً اِنَّ الله على كلّ شيء قدير) حتى انّ الرجل ليحتبي فلا يحل حبوته حتى يبلغه الله ذلك(٦٥٥).
وقد نقل السيد (رحمه الله تعالى) في كتابه الشريف (نهج البلاغة) الجزء الأول من هذا الخبر، وهذا نصّه: "فاذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه فيجتمعون اليه كما يجتمع قزع الخريف"(٦٥٦).
قال السيد (رحمه الله تعالى): اليعسوب: السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذ، والقزع: قِطَعُ الغيم التي لا ماء فيها(٦٥٧).
وقد نقل عن الجزري في النهاية والزمخشري وآخرين انهم شرحوا هذه الفقرة بأنّها كناية عن ظهور الامام المهدي صلوات الله عليه.
واليعسوب في الأصل أمير النحل، والذنب كناية عن أنصاره عليه السلام، وما ذكر في الترجمة يطابق التفسير الذي فسّره الزمخشري.
ولا يخفى انّ اكثر هذه الأسماء والألقاب والكنى التي ذكرت انّما هي من الذات المقدسة للباري تعالى، والأنبياء والأوصياء عليهم السلام، وإنَّ جعلَ اللهِ تعالى وخلفائه اسماً لأحد ليس هو كالجعل للأسماء المتعارف بين الخلائق حيث لم يراعوا معنى ذلك الاسم ولم يلاحظوا وجوده وعدم وجوده في ذلك الشخص، وكثيراً ما يُسمّى وضيعوا المنزلة والفطرة ومذمومو الخلقة والخصال بأسماء شريفة.
ولكن الله تعالى وأولياءه لا يضعون اسماً ما لم يصدق معنى ذلك الاسم على مسمّاه، وتُلاحَظ معان وصفات متعددة في اسم شريف واحد، ولذلك يمنح له ذلك الاسم، ولهذا السبب قد بيّنوا، في الأخبار المكررة في مقام جواب السائل علةَ الأسماء والألقاب الشريفة للحجج عليهم السلام. وقد ذُكر لبعضها وجوه متعددة كما في وجه كنية (أبو القاسم) لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال(٦٥٨): "لأنّه كان له ابن يقال له قاسم فكنّي به " وقال ايضاً:".. انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أب لجميع أمته، وعليّ عليه السلام فيهم بمنزلته(٦٥٩).. " وهو(٦٦٠) " قاسم الجنة والنار.. فقيل له ابو القاسم(٦٦١)"(٦٦٢)، وقال أيضاً لأنّه يقسم الرحمة بين الخلق يوم القيامة(٦٦٣) وهكذا في سائر الأسماء والألقاب.
ومن هنا يعلم انّ كثرة الأسماء والألقاب الالهية كاشفة عن كثرة الصفات والمقامات العالية، حيث يدل كلّ واحد منها على خلق وصفة وفضل ومقام، بل انّ بعضها تدل على جملة (مجموعة) منها.
ومنها يترقى الى تلك المقامات بمقدار ما يتحمله اللفظ ويوسعه الفهم، وقد ظهر ايضاً انّ ادراك أدنى مقام من مقامات الامام صاحب الزمان عليه السلام خارج عن قوة البشر.

* * *
الباب الثّالث: في شمّة من أوصاف وشمائل الامام المهدي صلوات الله عليه وبعض خصائصه

في نهاية الاختصار والايجاز، وهو في فصلين:
الفصل الأول: في شمائله عليه السلام
لا يخفى ان شمائله عليه السلام مذكورة في الاخبار المفرقة بعبارات مختلفة ومتقاربة من طرق الخاصة والعامة، وان ذكر جميع تلك الأخبار مع مصادرها يسبب الأطناب، ولذا نكتفي بذكر محل الحاجة من نصّ أيّ منهما (مع ترجمته)، وترجيح بعضها على البعض الآخر وفي صورة الاختلاف وعدم امكان الجمع خارج عن موضوع الكتاب.
روى الشيخ الصدوق في كمال الدين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال:
"المهدي... أشبه الناس بي خَلْقاً وخُلُقاً.."(٦٦٤).
وفي رواية قال: وشمائله شمائلي(٦٦٥)، وروى الخراز في كفاية الأثر عنه صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "بأبي وأمّي سميي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران"(٦٦٦).
وفي غيبة (الفضل بن شاذان) مروي بسند معتبر(٦٦٧) عنه صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال:"... وجعل من صلب الحسين ائمة يقومون بأمري ويحفظون وصيّتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي، ومهدي امّتي، أشبه الناس بي في شمائله، وأقواله، وأفعاله.."(٦٦٨).
وفي غيبة النعماني مروي عن كعب الأحبار انّه قال:"... انّ القائم المهدي من نسل عليّ أشبه الناس بعيسى بن مريم خَلْقاً وخُلُقاً وسَمْتاً وهيبة... الخ"(٦٦٩).
وروى العامة انّه عليه السلام أشبه الناس خلقاً بعيسى(٦٧٠).
وفي العلوي(٦٧١) في شمائله عليه السلام: "أبيض مشرب حمرة"(٦٧٢).
وفي الصادقي(٦٧٣): "اسمر يعتوره مع سمرته صفرة من سهر الليل"(٦٧٤).
وفي اخبار العامة: "لونه لون عربي، وجسمه جسم اسرائيلي"(٦٧٥)، يعني في طول القامة وعظمة الجثة.
وفي العلوي: "شاب مربوع"(٦٧٦).
وفي النبوي: "اجلى الجبينين"(٦٧٧).
وفي الصادقي: "مقرون الحاجبين(٦٧٨) أقنى الأنف"(٦٧٩).
وفي العلوي: "حسن الوجه، ونور وجهه يعلو سواد لحيته ورأسه"(٦٨٠).
وفي النبوي: "وجهه كالدينار(٦٨١) على خدّه الأيمن خال كأنّه كوكب درّي"(٦٨٢).
وفي العلوي: "افلج الثنايا(٦٨٣) حسن الشعر يسيل شعره على منكبيه"(٦٨٤).
وفي خبر سعد بن عبد الله:"... وعلى رأسه فرق بين وفرتين كأنّه الف بين واوين"(٦٨٥).
وفي الباقري: "مشرف الحاجبين غائر العينين بوجهه أثر"(٦٨٦).
وفي الصادقي: "شامة في رأسه"(٦٨٧).
وفي العلوي: "مبدح البطن"(٦٨٨).
وفي العلوي: "ضخيم البطن"(٦٨٩).
وفي الصادقي: "منتدح البطن"(٦٩٠).
ومعنى هذه الفقرات متقاربة.
وفي الباقري: "واسع الصدر مترسل المنكبين(٦٩١) عريض ما بينهما"(٦٩٢).
وفي خبر آخر: "العريض ما بين المنكبين"(٦٩٣).
وفي الصادقي: "بعيد ما بين المنكبين"(٦٩٤).
وفي العلوي: "عظيم مشاش المنكبين بظهره شامتان شامة على لون جلده، وشامة على شبه شامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)"(٦٩٥).
وفي العلوي الآخر: "كث اللحية أكحل العينين براق الثنايا في وجهه خال في كتفه علائم نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم"(٦٩٦).
أي في كتفه علائم نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم المعروفة بخاتم النبوّة، وفي لونه وشكله ونقشه اختلاف كثير.
"عريض الفخذين"(٦٩٧).
وفي العلوي الآخر: "اذيل الفخذين في الفخذة اليمنى شامة"(٦٩٨).
وفي بعض النسخ: "ولربل"(٦٩٩).
وفي الصادقي: "احمش الساقين"(٧٠٠).
وفي البطن والساق كجدّه أمير المؤمنين عليه السلام.
وفي الصادقي أو الباقري: "شامة بين كتفيه من جانبه الأيسر تحت كتفيه ورقة مثل ورقة الآس"(٧٠١).
وفي النبوي: "اسنانه كالمنشار وسيفه كحريق النار"(٧٠٢).
واسنانه كالمنشار في الحدّة أو في انفراج بعضها عن البعض الآخر.
وفي النبوي الآخر: "كأن وجهه كوكب دري في خدّه الأيمن خال أسود(٧٠٣) افرق الثنايا"(٧٠٤).
وفي النبوي الآخر: "المهدي طاووس أهل الجنة وجهه كالقمر الدرّي عليه جلابيب النور"(٧٠٥).
وفي الرضوي: "عليه جيوب النور تتوقد بشعاع ضياء القدس"(٧٠٦).
وحاصل مضمونه على بعض الاحتمالات: انّ عليه (عليه السلام) ثياب قدسية وخلع نورانية ربانية متلألئة بشعاع أنوار فيض وفضل الحضرة الأحدية جلت عظمته.
وفي خبر علي بن ابراهيم بن مهزيار برواية الشيخ: "كأقحوانة ارجوان قد تكاتف عليها الندى، وأصابها ألم الهوى"(٧٠٧).
واحتمل المجلسي ان يكون في اصل النسخة اقحوانة وارجوان، أو يكون الثاني بدل الأول فجمعهما النسّاخ(٧٠٨)، وفي اللطافة واللون مثل ورد البابونج والأرجوان الذي تكاثف عليه الندى وقد كسر الهواء شدة حمرته.
ولعله كان لبيان حنطية لونه عليه السلام فانّ بياض وحمرة ذلكما النوعين من الورود مخلوطة بالسمرة(٧٠٩).
"كغصن بان، أو كقضيب ريحان، ليس بالطويل الشامخ، ولا بالقصير اللازق، بل مربوع القامة مدور الهامة، صلت الجبين، ازج الحاجبين، أقنى الأنف، سهل الخدين، على خدّه الأيمن خال كأنّه فتات مسك على رضراضة عنبر"(٧١٠).
وفي الخبر المذكور برواية الصدوق (رحمه الله تعالى): "رأيت وجهه مثل فلقة قمر لا بالخرق ولا بالنزق... أدعج العينين"(٧١١).
وفي خبر يعقوب بن منقوش: "واضح الجبينين(٧١٢)، أبيض الوجه، دري المقلتين، شثن الكفين، معطوف الركبتين"(٧١٣).
وفي لفظ (شثن الكفين) كلام سوف يأتي في الباب السابع في ذيل الحكاية السابعة.
وفي خبر ابراهيم بن مهزيار: "ناصع اللون، واضح الجبين، ابلج الحاجب، مسنون الخد(٧١٤)، اشمّ"(٧١٥).
أشمّ: الشمم ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، وهو لا يجتمع مع كونه (أقنى الأنف) كما تقدّم الّا انّه هكذا ظهر في نظره وفي الواقع انّه كان فيه احديداب.
كما في شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حيث (يحسبه من لم يتأمّله أشمّ)، وذلك لقلّة الانحداب فلا يحس به بلا تأمّل.
(اروع) يعجب مَنْ رآه من الحُسن والجمال والنور والبهاء.
"كأن صفحة غرته كوكب درّي بخدّه الأيمن خال كأنّه فتات مسك على بياض الفضة واذا برأسه وفرة(٧١٦) سحماء(٧١٧) سبطة(٧١٨) تطالع شحمة أذنه، له سمت(٧١٩) ما رأت العيون اقصد منه"(٧٢٠).
فتبارك الله أحسن الخالقين وصلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين.
ونكتفي في هذا المقام بهذا المقدار.
الفصل الثاني: في ذكر جملة من خصائصه عليه السلام

بالنسبة الى جميع الأنبياء والأوصياء الماضين صلوات الله عليهم، أو بالنسبة الى تلك السلسلة العلية الاّ بعض أجداده الطاهرين عليهم السلام.
ولو أن تفصيل ذلك خارج عن قوّة أمثالنا لأنّ من أخبر عنه الله تعالى جميع الأنبياء من آدم الى الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبشرهم به وانّه سيظهر هذا الرجل العظيم المخزون في خزانة قدرته في آخر الدهر بعدما يتم جميع الأنبياء والأوصياء تبليغهم وهديهم ويغلب الكفر والشقاق وجنود الشياطين في كل عصر ولا يهتدي الّا قليل في بعض البلاد.
وقد هيأ له أسباب السلطنة والرئاسة فيفتح جميع العالم ويهتدي به، ولا تبقى قرية ولا قصبةٌ الّا ويعلوها نداء لا اله الّا الله(٧٢١) [وفي عصره] تظهر نتيجة جهود جميع حجج الله تعالى.
وبالطبع فانّه لابد لمثل هذه الرئاسة الكبرى من التمهيد وتهيئة الأسباب والاستعداد والتحمل، ولابدّ أن تكون ضخامتها وكبرها بحجم هذا العمل العظيم والخدمة الكبرى التي أوكلت لهذا الانسان المعظم، وان ذلك مختص به عليه السلام.
وعليه فجميع تلك المقدمات تكون من خصائصه، ولا يعلم عددها ولا كيفيتها ولا قدرها ولا منزلتها احد الّا الله عزّ وجلّ، ولا يوجد طريق الى إدراكها واحصائها.
وفي دعاء الندبة: "بنفسي أنت من عقيد عزّ لا يسامى".
والمروي في غيبة النعماني عن كعب الأحبار انّه قال: "يعطيه الله جلّ وعزّ ما أعطى الأنبياء، ويزيده ويفضّله"(٧٢٢).
ولكنّا نقول - لمحض التبرّك - مزينين هذه الأوراق بذكر بعض ما وصل عن أهل العصمة عليهم السلام بما يظهر فيه انّه مختص به عليه السلام:
الأول:
امتياز نور ظله وشبحه عليه السلام في عالم الأظلة بين أنوار الأئمة عليهم السلام وانّه كان متميّزاً عن أنوار الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين كما تقدّم في اللقب (المائة والخمسون) و(المائة والثامن والستون).
وفي (الغيبة) للشيخ الجليل الفضل بن شاذان مروي بسندين(٧٢٣) عن عبد الله بن عباس:
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "لما عرج بي الى السماء بلغت سدرة المنتهى، ناداني ربي جلّ جلاله، فقال: يا محمد: فقلت: لبيك لبيك يا رب.
قال: ما أرسلت رسولا فانقضتْ أيّامه الّا أقام بالأمر بعده وصيّه؛ فأنا جعلت عليّ بن أبي طالب خليفتك وامام أمّتك، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى(٧٢٤)، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم الحجة بن الحسن.
يا محمد! ارفع رأسك.

فرفعت رأسي فاذا بأنوار علي والحسن والحسين وتسعة أولاد الحسين، والحجة وسطهم يتلألأ كأنّه كوكب درّي.
فقال الله تعالى: يا محمد! هؤلاء خلفائي وحججي في الأرض، وخلفاؤك وأوصياؤك من بعدك، فطوبى لمن أحبّهم، والويل لمن أبغضهم"(٧٢٥).
وروى الشيخ الجليل أبو الحسين بن محمد بن احمد بن شاذان في (ايضاح دفائن النواصب) وأحمد بن محمد بن عياش في (مقتضب الأثر) عن أبي سليمان راعي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول: ليلة أسري بي الى السماء قال العزيز جلّ ثناؤه: "آمن الرسول بما أنزل اليه من ربّه". قلت: والمؤمنون؛ قال: صدقت يا محمد، من خلفت لأمتك؟ قلت: خيرها، قال: عليّ بن أبي طالب؟ قلت: نعم(٧٢٦).
... الى أن يقول الله عزّ وجلّ: انّي خلقتك، وخلقت علياً، وفاطمة، والحسن والحسين(٧٢٧) من سنخ نوري.
الى أن يقول: يا محمد! تحب أن تراهم؟ قلت: نعم، ياربّ.
فقال لي: التفت عن يمين العرش، واذا بعلي وفاطمة(٧٢٨) والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمد بن عليّ وعليّ بن محمد والحسن بن عليّ والمهدي في ضحضاح من نور قياماً يصلّون وهو في وسطهم - يعني المهدي - كأنّه كوكب درّي(٧٢٩).
وليس خفيّاً انّ اختلاف مضامين اخبار المعراج ليس بسبب اختلاف مضمون الخبر الواحد، وليس بسبب تعدد الراوي، وحفظ بعضهم، ونسيان الآخر، واسقاط الثالث، وغير ذلك من أسباب الاختلاف... بل هو محمول على تعدد المعراج، وقد أكّد في جميعها على الولاية، كما هو مروي في خصال الصدوق: "عرج بالنبي صلى الله عليه وآله مائة وعشرين مرّة، وما من مرّة الّا وقد أوصى الله عزّ وجلّ فيها النبي صلى الله عليه وآله بالولاية لعلي والأئمة عليهم السلام اكثر ممّا أوصاه بالفرائض"(٧٣٠).
وروي ايضاً في (مقتضب الأثر) عن الامام الباقر عليه السلام في ذكر الأئمة عليهم السلام في ليلة المعراج ورؤية أنوارهم.. الى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم:"...(٧٣١) فاذا علي... " وعدّهم الى (الحسن بن علي) عليهم السلام: "والحجة القائم كأنّه كوكب درّي في وسطهم، فقلت: يا ربّ مَنْ هؤلاء؟
فقال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم، يحلّ حلالي، ويحرّم حرامي، وينتقم من أعدائي؛ يا محمد! أحببه فإنّي أحبّه، وأحبّ من يحبّه"(٧٣٢).
الثاني:
شرف النسب؛ فانّ له عليه السلام شرف نسب جميع آبائه الطاهرين عليهم السلام وإن شرف نسبهم أشرف الأنساب.
واختص عليه السلام باتّصال نسبه من جهة الأم الى قياصرة الروم وينتهي الى (شمعون الصفا) وصي عيسى عليه السلام، فتدخل في ذلك مجموعة كثيرة من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام الذي يتّصل بهم شمعون.
الثالث:
حَمله عليه السلام يوم ولادته الى سرادق العرش وقد خاطبه الله تبارك وتعالى: مرحباً بك عبدي لنصرة ديني واظهار امري ومهديّ عبادي، آليت انّي بك آخذ وبك اعطي، وبك اغفر، وبك اعذّب(٧٣٣)... إلى آخر ما تقدّم في الباب الاول.
الرابع:
(بيت الحمد)؛ كما روى النعماني والمسعودي وغيرهما عن الامام الباقر عليه السلام: "انّ لصاحب هذا الامر بيتاً يقال له (بيت الحمد) فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف لا يطفئ"(٧٣٤).
الخامس:
جمعه لكنية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم واسمه المبارك. وروي في المناقب ما معناه أنه قال: دعوا اسمي ولا تدعوا كنيتي(٧٣٥).
السادس:
حرمة التصريح باسمه عليه السلام، كما تقدّم.
السابع:
انّ به ختم وصاية الحجة على وجه الأرض عليه السلام.
الثامن:
الغيبة من حين ولادته واستيداعه روح القدس وتربيته في عالم النور وفضاء القدس بحيث لم يتلوث أي جزء من اجزائه بلوث الرجس والنجس ومعاصي بني آدم والشياطين.
والاستئناس بالملأ الاعلى ومجالسة الارواح القدسية.
التاسع:
عدم معاشرته ومصاحبته الكفار والمنافقين والفساق أو مجاملتهم للخوف والتقية، وتجنبهم وعدم مساكنتهم في منازلهم، كما كان عليه جميع الحجج الالهيّة قبل البعثة وبعدها حتى في ايام عزلتهم وغيبتهم، فكانوا يشيرون عليهم ويؤالفونهم ويناكحونهم، ويزوّجونهم ويتزوّجون منهم، وكانوا سنين يصلون مع الفاسق المنافق حتى مع مثل مروان وكانوا يقبلون أيدي وكانوا أنفسهم يقولون عنها لو تمكنّا من قطعها لقطعناها، ويفطرون معهم في شهر رمضان، وامثال هذه المصائب التي شاهدوها.
وقد حفظ الله تعالى حجته العزيز هذا من جميع ذلك من يوم ولادته وحتى الآن فلم تصل إلى اذياله يد ظالم، ولم يرافق كافراً أو منافقاً، وقد اجتنب عن مساكنهم، ولم يرفع يده من حق خوفاً أو مداراةً ومهادنةً.
كان أنيسه ومواليه وخدمه الخاصة دائماً من أمثال الخضر.
وبالجملة: لم يستقر من غبار عمل وسلوك الاغيار على مرآة وجوده الحق شيء، ولم تغرز شوكة من شوك الاجانب اذيال جلاله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
العاشر:
ليس لأحد من الجبارين في عنقه بيعة كما هو المروي في (اعلام الورى) عن الامام الحسن عليه السلام أنه قال:"... ما منّا أحدٌ الّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانة الّا القائم الذي يصلّي روح الله عيسى بن مريم خلفه..."(٧٣٦).
والمروي في (كمال الدين) عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "صاحب هذا الامر تغيب ولادته عن هذا الخلق كيلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ويصلح الله عزّ وجلّ أمره في ليلة [واحدة]"(٧٣٧).
وروي ايضاً عن الحسن بن فضال عن الامام الرضا عليه السلام أنه قال: "كأنّي بالشيعة عند فقدهم الرابع(٧٣٨) من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه.
قلت له: ولِمَ ذاك يا ابن رسول الله؟
قال: لأنّ امامهم يغيب عنهم.
فقلت له: ولِمَ؟
قال: لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف"(٧٣٩).
الحادي عشر:
له علامة في ظهره كالعلامة التي في ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلّم المبارك التي تسمّى بـ (ختم النبوة) كما تقدّم، ولعلّ الذي فيه اشارة إلى كونه (ختم الوصاية).
الثاني عشر:
خصّه الله عزّ وجلّ في الكتب السماوية وأخبار المعراج بذكره عليه السلام باللقب من سائر الاوصياء عليهم السلام، بل بألقاب متعددة ولم يذكر اسمه، كما تقدّم في اماكن متعددة.
الثالث عشر:
ظهور الآيات الغريبة والبيّنات السماوية والارضية لظهوره السعيد عليه السلام ولم تظهر لولادة وظهور أي حجة غيره، بل روي في الكافي عن الامام الصادق عليه السلام أن الآيات التي في الآية الشريفة: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم حتى يتبيّن لهم انّه الحق)(٧٤٠) فسرها بالآيات التي قبل ظهوره عليه السلام، وفسّر تبيّن الحق بخروج القائم عليه السلام، وقال: "وهو الحق من الله عزّ وجلّ يراه هذا الخلق لابدّ منه"(٧٤١).
وهذه الآيات والبيّنات كثيرة، بل ذكر بعضهم انها قريب الأربعمائة، وقد ثُبِّت في الغيبة جملة منها، وبما أنه لم يكن الهدف في هذا الكتاب استقصاء جميع ما يتعلّق به عليه السلام فلهذا لم نذكرها، ومن تلك العلامات: (حمرة في السماء) فقد وردت في كثير من الأخبار.
وبرواية النعماني عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "وتلك دموع حملة العرش على أهل الأرض"(٧٤٢).
الرابع عشر:
النداء السماوي باسمه حين الظهور كما رواه علي بن ابراهيم في تفسير الآية الشريفة: (واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب)(٧٤٣) عن الامام الصادق عليه السلام ينادي المنادي باسم القائم عليه السلام واسم أبيه عليه السلام، قوله: (يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج)(٧٤٤) قال: صيحة القائم"(٧٤٥).
والمروي في (كمال الدين) عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال: "ينادي مناد من السماء فلان بن فلان هو الامام باسمه"(٧٤٦).
وروي هناك ايضاً عن زرارة عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال: "ينادي مناد باسم القائم عليه السلام.
قلت: خاصٌّ أو عامٌّ؟
قال: عام، يسمع كلّ قوم بلسانهم"(٧٤٧).
والمروي في غيبة النعماني عن أمير المؤمنين عليه السلام:"... فينادي مناد من السماء: ايّها الناس! انّ اميركم (فلان) وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما مُلئت ظلماً وجوراً"(٧٤٨).
والمروي في تفسير العياشي عن الامام الباقر عليه السلام في حديث طويل أنه قال لجابر بعد أن ذكر بعضاً من تلك العلائم:"... فإنْ أشكل عليكم هذا فلا يشكل عليكم الصوت من السماء باسمه وأمره"(٧٤٩).
والمروي في غيبة النعماني عنه عليه السلام في خبر أنه قال:
"... ينادي مناد من السماء باسم القائم عليه السلام فيسمعه مَنْ بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد الّا استيقظ، ولا قائم الّا قعد، ولا قاعد الّا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت..."(٧٥٠).
وقال:(٧٥١) " هو صوت جبرئيل.... في شهر رمضان في ليلة جمعة ليلة ثلاث وعشرين..."(٧٥٢).
والأخبار في هذا المضمون كثيرة بل انها متجاوزة حدّ التواتر.
وعدت في جملة منها انّها من الحتميات، وسوف يأتي في ذيل الحكاية السابعة والثلاثين قصة المدينة العجيبة التي في مفازة الاندلس والتي بنيت قبل الاسكندر وقد عثر عليها في عهد عبد الملك، وقد كتب على سورها ابيات من جملتها:
حتى يقوم بأمر الله قائمهم  من السماء إذا ما باسمه نودي فسأل عبد الملك الزهري عن أمر هذا النداء والمنادي فقال: اخبرني علي بن الحسين عليهما السلام أن هذا المهدي من ولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
فقال: كذبتما... الخ(٧٥٣).
وروى الشيخ الطوسي في غيبته عن سيف بن عميرة أنه قال: كنت عند أبي جعفر المنصور، فسمعته يقول ابتداءاً من نفسه: يا سيف بن عميرة لابدّ من مناد ينادي باسم رجل من ولد أبي طالب من السماء.
فقلت: يرويه احدٌ من الناس؟
قال: والذي نفسي بيده لسمع(٧٥٤) اذني منه يقول: لابدّ من مناد ينادي باسم رجل من السماء.
قلت: يا أمير المؤمنين ان هذا الحديث ما سمعت بمثله قط.
فقال: يا شيخ(٧٥٥) إذا كان ذلك فنحن اوّل من نجيبه(٧٥٦)، امّا أنه احد بني عمّنا.
قلت: أي بني عمّكم؟
قال: رجل من ولد فاطمة عليها السلام.
ثم قال: يا شيخ(٧٥٧) لو لا انّي سمعت ابا جعفر محمد بن علي(٧٥٨) ثم حدّثني به أهل الدنيا ما قبلت منهم، ولكنّه محمد بن علي(٧٥٩)"(٧٦٠).
الخامس عشر:
(لبوث الفلك وبطْء حركته) كما روى الشيخ المفيد عن أبي بصير عن الامام الباقر عليه السلام في حديث طويل عن سير وحركة الامام القائم عليه السلام، إلى أن يقول:"... فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار كلّ سنة عشر سنين من سنينكم هذه، ثم يفعل الله ما يشاء.
قال: قلت له: جعلت فداك، فكيف تطول السنون؟
قال: يأمر الله تعالى الفلك باللبوث وقلّة الحركة، فتطول الايام لذلك والسنون.
قال: قلت له: انهم يقولون: إن الفلك إنْ تغيّر فسد(٧٦١).
قال: ذلك قول الزنادقة، فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك، وقد شقَّ الله القمر لنبيّه عليه السلام، وردّ الشمس من قبله ليوشع بن نون، وأخبر بطول يوم القيامة وانّه (كألف سنة مما تعدّون)(٧٦٢)"(٧٦٣).
وقد روي ايضاً: أن مدّة دولة القائم عليه السلام(٧٦٤) تسع عشرة سنةً تطول ايامها، وشهورها"(٧٦٥).
وروي عن عبد الكريم الخثعمي عن الامام الصادق عليه السلام على نحو الخبر السابق(٧٦٦).
وروى ايضاً الفضل بن شاذان في غيبته عنه عليه السلام انّه قال: "يملك القائم (عليه السلام)(٧٦٧) سبع سنين تكون سبعين سنة من سنيكم هذه"(٧٦٨).
وروي في غيبة الشيخ الطوسي - في خبر طويل -:"... ويأمر الله الفلك في زمانه فيبطئ في دوره حتى يكون اليوم في أيامه كعشرة من ايامكم، والشهر كعشرة اشهر، والسنة كعشر سنين من سنيكم"(٧٦٩).
ولكن ورد في جملة من الاخبار انّ مدة حكمه عليه السلام اكثر من ذلك فقد روي في (الغيبة) للفضل بن شاذان عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال: "انّ القائم يملك ثلاثمائة وتسع سنين كما لبث أهل الكهف في كهفهم يملأ الأرض عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويفتح الله له شرق الأرض وغربها، ويقتل الناس حتى لا يبقى الّا دين محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يسير بسيرة سليمان بن داود..."(٧٧٠).
وهذا الخبر معتبر، كما أنه روي بهذا المضمون خبر آخر صحيح، والله العالم.
السادس عشر:
ظهور مصحف أمير المؤمنين عليه السلام الذي جمعه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بلا تغيير ولا تبديل، وما كان فيه منزلا عليه على سبيل الاعجاز، وقد عرضه بعد جمعه على الصحابة فاعرضوا عنه، فأخفاه بعد ذلك، وبقي كذلك إلى أن يقوم القائم عليه السلام فيظهره ويحمل الناس على قرائته وحفظه، ولأن التأليف فيه يختلف مع هذا المصحف الموجود فسوف يكون حفظه للذين يحفظونه من أصعب ما يُؤمَر به المكلَّفون.
وقد روي في غيبة النعماني أنه قال: "يقوم القائم بأمر جديد، وكتاب جديد، وقضاء جديد"(٧٧١).
وروى ايضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال: "كأني انظر إلى شيعتنا بمسجد
الكوفة قد ضربوا الفساطيط يعلّمون الناس القرآن كما أنزل..."(٧٧٢).
وروى ايضاً عن الأصبغ بن نباته عنه عليه السلام انّه قال: "كأنّي بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلّمون الناس القرآن كما انزل.
قلت: يا أمير المؤمنين أو ليس هو كما أنزل؟
فقال: لا، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما تُرِك أبو لهب إلّا ازراءً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لأنّه عمّه"(٧٧٣).
وروي عن الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "والله لكأنّي انظر اليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد..."(٧٧٤).
وروي في الكافي عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال في تفسير الآية الشريفة (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختُلِفَ فيه)(٧٧٥): اختلفوا(٧٧٦) كما اختلفت هذه الأمة في الكتاب، وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به حتى ينكره ناسٌ كثير، فيقدمهم فيضرب اعناقهم(٧٧٧).
وروى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج عن أبي ذر الغفاري أنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم جمع علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى المهاجرين والانصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فلمّا فتحه أبو بكر خرج في اوّل صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه.
فأخذه عليه السلام وانصرف...
فلمّا استخلف عمر سأل علياً عليه السلام أن يدفع اليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم فقال: يا أبا الحسن أن جئت بالقرآن الذي قد جئت به إلى ابي بكر حتى نجتمع عليه.
فقال عليه السلام: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، انّما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة انّا كنّا عن هذا غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به.
ان القرآن الذي عندي لا يمسّه الّا المطهرون والاوصياء من ولدي.
قال عمر: فهل لاظهاره وقت معلوم؟
فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السنة به (صلوات الله عليه)(٧٧٨)"(٧٧٩).
وتقدم ايضاً في خبر المفضل فيقول الحسني للامام الحجة عليه السلام:
"إن كنت مهدي آل محمد فأين...(٧٨٠) المصحف الذي جمعه أمير المؤمنين [عليه السلام](٧٨١) بغير تبديل ولا تغيير"(٧٨٢).
وروي في ارشاد الشيخ المفيد عن الامام الباقر عليه السلام: "إذا قام قائم آل محمد عليهم السلام ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن على ما أنزل [الله جلّ جلاله](٧٨٣) فأصعب ما يكون على مَنْ حفظه اليوم، لانّه(٧٨٤) يخالف فيه(٧٨٥) التأليف"(٧٨٦).
وقد رويت في غيبة الفضل بن شاذان رواية بهذا المضمون بسند صحيح عن الامام الصادق عليه السلام.
السابع عشر:
تظلّه غمامة بيضاء فوق رأسه المبارك عليه السلام وينادي مناد في تلك الغمامة يُسمعه الثقلين والخافقين كما في خبر اللوح برواية الشيخ الطوسي:
"وهو المهدي من آل محمد يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً"(٧٨٧).
وفي كفاية الأثر للخراز، والبيان للگنجي الشافعي، و(مناقب المهدي) لأبي نعيم الحافظ، و(عقد الدرر) ليوسف بن يحيى السلمي، وكذلك روى احمد بن المنادي في كتاب (الملاحم)، و(ابن شيرويه) في (الفردوس) وأبو العلاء الحافظ في كتاب (الفتن)، كما في الطرائف وغيره خبر الغمامة والمنادي بهذا اللفظ:
"هذا المهدي خليفة الله"(٧٨٨) وبرواية (فاتّبعوه)(٧٨٩).
وهذا النداء هو غير النداء السابق وانه مغاير له من عدّة جهات.
الثامن عشر:
حضور الملائكة والجن في عسكره عليه السلام وظهورهم لأنصاره، كما في خبر المفضل الطويل انه قال للامام الصادق عليه السلام: "يا سيدي وتظهر الملائكة والجن للناس؟
قال: اي والله يا مفضل! ويخالطونهم كما يكون الرجل مع جماعته وأهله.
قلت: يا سيدي، ويسيرون معه؟
قال: اي والله ولينزلنّ أرض الهجرة ما بين الكوفة والنجف وعدد اصحابه ستة وأربعون ألفاً من الملائكة، وستة آلاف من الجن"(٧٩٠).
وفي رواية اُخرى:
"ومثلها من الجن"(٧٩١) " بهم ينصره الله ويفتح على يده"(٧٩٢).
وروي في (كامل الزيارة) و(غيبة) النعماني عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال في ضمن حالاته عليه السلام، إلى أن يقول: فينحطّ عليه ثلاثة عشر آلاف ملك وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً قلت(٧٩٣): كلّ هؤلاء الملائكة؟ قال: نعم الذين كانوا مع نوح في السفينة، والذين كانوا مع ابراهيم عليه السلام حين اُلقي في النار، والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر لبني اسرائيل، والذين كانوا مع عيسى حين رفعه الله اليه(٧٩٤)، وأربعة آلاف ملك مع النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مسوّمين(٧٩٥) وألف مردفين(٧٩٦) وثلاثمائة وثلاثة عشر ملائكة بدريّين، وأربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين بن علي عليهما السلام فلم يؤذن لهم في القتال فهم عند قبره شعث غُبر يبكونه إلى يوم القيامة، ورئيسهم ملك يقال له منصور، فلا يزوره زائر الّا استقبلوه، ولا يودّعه مودّع الّا شيّعوه، ولا يمرض مريض الّا عادوه، ولا يموت ميّت الّا صلّوا على جنازته، واستغفروا له بعد موته، وكلّ هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم الى وقت خروجه عليه السلام(٧٩٧).
التاسع عشر:
عدم تأثير طول الدهر ودوران الليل والنهار وسير الفلك الدوار في بنيته ومزاجه واعضائه وقواه وصورته وهيئته عليه السلام، فمع هذا العمر الطويل - ولحد الآن قد انقضى من عمره الشريف الف وثمانية وأربعون سنة، والله يعلم إلى حين ظهوره بأي سن سوف يصل - ولكن عندما يظهر فانّه يظهر في صورة رجل ابن ثلاثين سنة، أو أربعين سنة.
ولم يكن كطويلي الاعمار من الانبياء الماضين وغيرهم حيث كان احدهم هدفاً لسهم الشيخوخة: (وهذا بعلي شيخاً)(٧٩٨)، والآخر يئنّ من ضعف شيخوخته وينوح: (انّي وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيباً)(٧٩٩).
روى الشيخ الصدوق عن أبي الصلت الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام: ما علامات القائم منكم إذا خرج؟
قال: "علامته أن يكون شيخ السن، شاب المنظر؛ حتى أن الناظر اليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وان من علاماته ألا يهرم بمرور الأيام والليالي حتى يأتيه اجله"(٨٠٠).
وفي (الغيبة) للشيخ الطوسي: روي عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال:
"ويظهر في صورة فتىً موفق ابن ثلاثين سنة"(٨٠١).
وروي ايضاً عنه عليه السلام انّه قال: لو خَرج القائم لقد انكره الناس يرجع اليهم شاباً موفقاً(٨٠٢)".
وروي ايضاً عنه عليه السلام انّه قال: "وان من اعظم البلية أن يخرج اليهم صاحبهم شاباً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً"(٨٠٣).
والمراد من الموفق كما احتمله العلامة المجلسي (رحمه الله): "المتوافق الاعضاء المعتدل الخلق، أو هو كناية عن التوسط في الشباب، بل انتهاؤه أي ليس في بدء الشباب، فان في مثل هذا السن يوفق الانسان لتحصيل الكمال"(٨٠٤).
وقال الشهرستاني العاري من اللباس الانساني في (الملل والنحل) بعد أن ذكر فرق الامامية بعد الامام الحسن العسكري وقد اخذه من رسالة (الفرق) للنوبختي وسرق جملة من كلماته النافعة: "ومن العجب انهم قالوا: الغيبة قد امتدت مائتين ونيفاً وخمسين سنة، وصاحبنا قال: أن خرج القائم وقد طعن في الاربعين فليس بصاحبكم.
ولسنا ندري كيف تنقضي مائتان ونيف وخمسون سنة في اربعين سنة"(٨٠٥) انتهى.
وحاصل هذا الخبر أنه عليه السلام يكون ابن ثلاثين سنة أو أقل فإن كان أكثر فليس هو المهدي عليه السلام.
وحاصل شبهة هذا الأحمق: انكم تقولون بأنه قد غاب ما يقارب المائتين والخمسين سنة فإذا خرج الآن أو يخرج بعد ذلك فكيف يكون عمره أربعين سنة؟
وحاصل جوابه: أن الغاية منه أن تكون صورته وهيئته وبنيته ومزاجه لرجل ابن اربعين سنة حتى لو كان عمره عدة آلاف سنة وان الله تعالى قادرٌ على حفظ شخص في سن على هذا النحو، فاننا قلنا ونقل الفريقان أن من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ما ركب حيواناً الّا بقي الحيوان في ذلك السن.
وروى ابن الاثير في (أسد الغابة) عن عمرو بن الحمق الخزاعي أنه سقى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فقال: اللهم متعه بشبابه.
فمرت عليه ثمانون سنة لا ترى في لحيته شعرة بيضاء(٨٠٦).
بل أحياناً يعود الشيخ إلى شبابه.
بل أن جميع شيوخ الجنة يعيدهم الله تعالى شباباً فيدخلهم الجنة في الآخرة، فتبين للحق تعالى قدرة جديدة.
أو أن الشهرستاني قائل بأن للآخرة اله آخر عنده مثل هذه القدرة.
والعَجبُ منه أنه يقول بحياة الخضر ويقولون أنه اكبر من المهدي عليه السلام عدّة آلاف من السنين ويسيح في الصحراء والبراري.
ولكن إذا كانت حياة الامام المهدي عليه السلام على النحو المتعارف فلابد أن يصير قبضة من الجلد والعظم وقد سقط في زاوية.
ولو افترضنا أنه عليه السلام في صورة وهيئة أي صاحب سنّ فسوف يكون محل ذلك الاعتراض، فاما أن يعطي الله تعالى هؤلاء القوم الانصاف، أو يرزقهم الادراك والشعور، مع خلوّهم منها معاً.
وقال الميبدي في شرح الديوان: أن الله تعالى كان يجدد اسنان واركان الخضر قبل بعثة خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله وسلّم كل خمسمائة سنة، وأما بعد بعثته صلى الله عليه وآله وسلّم فانّه يجددها في كل مائة وعشرين سنة(٨٠٧).
وقد روي في احتجاج الطبرسي عن الامام الحسن عليه السلام انّه قال في ضمن ذكر حالاته عليه السلام: "يطيل الله عمره (في غيبته)(٨٠٨) ثم يظهره بقدرته في صورة شاب (دون)(٨٠٩) اربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير"(٨١٠).
العشرون:
زوال الوحشة والنفور بين الحيوانات، وفيما بينها وبين الانسان، وذهبت العداوة بينها كما كان قبل قتل هابيل.
روى الشيخ الصدوق في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال: "لو قد قام قائمنا.. واصطلحت السباع والبهائم حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها الّا على النبات وعلى رأسها زينتها لا يهيجها سبع ولا تخافه"(٨١١).
وتقدم عن تأويل الآيات للشيخ شرف الدين:
"حتى تأمن الشاة والذئب والبقرة والأسد والانسان والحية"(٨١٢).
وقد روي في عقد الدرر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في قصة المهدي عليه السلام:
"وترعى الشاة(٨١٣) والذئب في مكان واحد وتلعب الصبيان بالحيات والعقارب، لا يضرّهم شيء، ويذهب الشرّ، ويبقى الخير"(٨١٤).
وقد روي في الاحتجاج عنه عليه السلام: "ويصطلح في ملكه السباع"(٨١٥).
وان سائر الحيوانات تطيع اصحابه عليه السلام كما روى الشيخ الصدوق عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال: "كأنّي بأصحاب القائم عليه السلام وقد احاطوا بما بين الخافقين فليس من شيء الّا وهو مطيع لهم حتى سباع الأرض وسباع الطيور، يطلب رضاهم في كل شيء، حتى تفخر الأرض على الأرض وتقول: مرّ بي اليوم رجل من اصحاب القائم عليه السلام"(٨١٦).
وفي خطبة (المخزون) لأمير المؤمنين عليه السلام المروية في (منتخب البصائر) للحسن بن سليمان الحلّي، التي في ذكر الملاحم وما يكون في ايام المهدي عليه السلام، وفيها: "تأمن الوحوش حتى ترتعي في طرف الأرض كأنعامهم"(٨١٧).
الحادي والعشرون:
حضور مجموعة من الاموات في جيشه عليه السلام.
كما تقدم عن الشيخ المفيد في الارشاد: "سبعة وعشرين رجلا (خمسة عشر)(٨١٨) من قوم موسى عليه السلام(٨١٩) وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبا دجانة (الانصاري)(٨٢٠) والمقداد، ومالكاً الاشتر، فيكونون بين يديه انصاراً وحكاماً"(٨٢١).
وقد روي في الارشاد ايضاً عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال:"... واذا آن قيامه مُطِرَ الناس جُمادى الآخرة وعشرة ايام من رجب مطراً لم يرَ الخلائق مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم، فكأنّي انظر اليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب".
وقد روي في (الغيبة) للشيخ الفضل بن شاذان عن الامام الرضا عليه السلام انّه قال: "انّ القائم عليه السلام ينادى باسمه ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، ويقوم يوم عاشوراء، فلا يبقى راقد الّا قام، ولا قائم الّا قعد، ولا قاعد الّا قام على رجليه، وهو صوت جبرئيل عليه السلام، ويقال للمؤمن في قبره: يا هذا قد ظهر صاحبك فإنْ تشاء أن تلحق به فالحق وإنْ تشاء أن تقيم فأقم"(٨٢٢).
وروي عنه عليه السلام انّه قال: إذا ظهر القائم ودخل الكوفة بعث الله تعالى من ظهر الكوفة (يعني وادي السلام)(٨٢٣) سبعين ألف صدّيق فيكونون في اصحابه وانصاره... الخ(٨٢٤).
ونقل في البحار عن (سرور اهل الايمان) لبهاء الدين سيد علي بن عبد الحميد في خبر طويل، قال في آخره: "فيبعث الله الفتية من كهفهم، مع كلبهم، منهم رجل يقال له تمليخا، والآخر كمسلمينا، وهما الشاهدان المسلّمان للقائم عليه السلام"(٨٢٥).
وروى السيد علي بن طاووس وغيره عن الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "من دعا إلى الله أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا، فإنْ مات قبله اخرجه الله تعالى من قبره"(٨٢٦).
والدعاء معروف، وأوّله: "اللهم ربّ النور العظيم، وربّ الكرسي الرفيع".
الثاني والعشرون:
وتُخرج الأرض كنوزها وذخائرها التي استودعت فيها.
وقد تقدم عن كمال الدين(٨٢٧) أن الله تعالى قال لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلّم ليلة المعراج (وله(٨٢٨) اظهر الكنوز والذخائر بمشيتي)(٨٢٩).
وقد روي في ارشاد الشيخ المفيد عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "انَّ قائمنا إذا قام... وتُظهر الأرض كنوزها حتى يراها الناس على وجهها"(٨٣٠).
وقد روي في (الغيبة) للنعماني عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال: "إذا قام قائم أهل البيت قسم بالسوية... إلى أن يقول: وتجمع اليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها"(٨٣١).
وقد روي في (عقد الدرر) عن عبد الله بن عباس انّه قال: "اما المهدي الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً، وتأمن البهائم السباع، وتلقي الأرض افلاذ كبدها.
قلت(٨٣٢): وما افلاذ كبدها؟
قال: امثال الاسطوانة من الذهب والفضة"(٨٣٣).
وقد روي ايضاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في قصّته عليه السلام: (وتستخرج الكنوز)(٨٣٤).
وقد روي في امالي الشيخ الطوسي عنه عليه السلام انّه قال في قضية المهدي عليه السلام: "ويخرج له الأرض أفلاذ أكبادها"(٨٣٥).
وقريب منه مرويٌ في الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام(٨٣٦).
وقد روي في (كمال الدين) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال: "ويُظهر الله عزّ وجلّ له كنوز الأرض ومعادنها"(٨٣٧).
وروي هذا المضمون في غيبة الفضل بعدة أسانيد معتبرة.
الثالث والعشرون:
زيادة الأمطار والزرع والأشجار والثمار وسائر النعم الأرضية بحيث يظهر تغير الأرض في ذلك الوقت عن حالاتها في الأوقات الأخرى ويصدق قول الله تعالى: (يَومَ تُبَدَّلُ الأرضُ غَيرَ الأرْض)(٨٣٨).
كما روى النعماني عن كعب الاحبار أن المهدي هكذا يفعل(٨٣٩).
والمقصود هو تبديل صورة الأرض في عهده عليه السلام بصورة اُخرى لكثرة العدل والامطار والاشجار والنبات وسائر البركات.
وقد روي في كشف الغمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال: "تتنعَّمُ امّتي في زمانه(٨٤٠) نعيماً لم يتنعّموا مثله قط البر والفاجر، يُرسل الله السماء عليهم مدراراً، ولا تدّخر الأرض شيئاً من نباتها(٨٤١)".
وفي رواية الگنجي في البيان: "ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها الّا أخرجته"(٨٤٢).
وبرواية البغوي: "لا تدع السماء من قطرها شيئاً الّا صبته، ولا الأرض من نباتها الّا اخرجته حتى يتمنّى الأحياءُ الأموات"(٨٤٣).
يعني يتمنى الأحياء أن يحيى موتاهم فيرون.
وقد روي في الاحتجاج للشيخ الطبرسي عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال في قصته عليه السلام في عهده: "وتُخرج الأرض نبتها، وتُنزل السماء بركتها"(٨٤٤).
وقد روي قريب منه في الخصال وتقدم أنه قال: "حتى تمشي المرأة (في ذلك الزمان)(٨٤٥) بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها الّا على النبات"(٨٤٦).
وروى الشيخ المفيد في الاختصاص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: "إذا كان عند خروج القائم ينادي مناد من السماء: ايها الناس قطع عنكم مدة الجبارين، وولي الامر خير امة محمد صلى الله عليه وآله وسلّم... إلى أن يقول عن ذلك الزمان: فعند ذلك تفرخ الطيور في أوكارها، والحيتان في بحارها، وتمدّ الانهار، وتفيض العيون، وتنبت الأرض ضعف أكُلها..."(٨٤٧).
وروي في عقد الدرر أنه قال عليه السلام في قصة المهدي عليه السلام: "يفرح به اهل السماء وأهل الأرض، والطير، والوحوش، والحيتان في البحر، وتزيد المياه في دولته، وتمدُّ الانهار، وتضعِّف الأرض أكلها، وتستخرج الكنوز"(٨٤٨).
ونقل السيد علي بن طاووس عن صحيفة ادريس النبي عليه السلام في كتاب سعد السعود عند ذكر سؤال ابليس وجواب الله له قال ربِّ فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال: لا، ولكنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، فانّه يوم قضيتُ وحتمتُ أن أطهّر الأرض ذلك اليوم من الكفر والشرك والمعاصي.
وانتخبت لذلك الوقت عباداً لي امتحنت قلوبهم للايمان، وحشوتها بالورع والاخلاص واليقين والتقوى والخشوع والصدق والحلم والصبر والوقار والتقى والزهد في الدّنيا والرغبة فيما عندي، وأجعلهم دعاة الشمس والقمر وأستخلفهم في الأرض وأمكّن لهم دينهم الذي ارتضيته لهم ثمّ يعبدونني لا يشركون بي شيئاً يقيمون الصلاة لوقتها ويؤتون الزكاة لحينها ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وألقي في تلك الزمان الأمانة على الأرض فلا يضرّ شيء شيئاً، ولا يخاف شيء من شيء، ثمّ تكون الهوام والمواشي بين الناس فلا يؤذي بعضهم بعضاً، وأنزع حمّة كلّ ذي حمّة من الهوام وغيرها واُذهب سمّ كلّ ما يلدغ، واُنزل بركات من السماء والأرض وتزهر الأرض بحسن نباتها وتخرج كلّ ثمارها وانواع طيبها.
وألقي الرّأفة والرّحمة بينهم، فيتواسون ويقتسمون بالسويّة، فيستغني الفقير ولا يعلو بعضهم بعضاً، ويرحم الكبير الصغير، ويوقّر الصغير الكبير، ويدينون بالحقّ وبه يعدلون ويحكمون، اولئك أوليائي اخترت لهم نبيّاً مصطفى وأميناً مرتضى فجعلته لهم نبيّاً ورسولا وجعلتهم له أولياء وانصاراً، تلك اُمّة أخرتها لنبيّي المصطفى واميني المرتضى، ذلك وقت حجبته في علم غيبي، ولابدّ أنه واقع، اُبيدك يومئذ وخيلك ورجلك وجنودك اجمعين، فاذهب فانّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم(٨٤٩).
ولم تظهر هذه الآثار المذكورة في هذا الاثر الشريف لحدّ الآن، وهي مطابقة لأخبار الخاصة والعامة في انها من خصائص المهدي عليه السلام.
وقد روي في الانوار المضيئة للسيد علي بن عبد الحميد عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال في الآية الشريفة: (انك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم)(٨٥٠).
قال: الوقت المعلوم يوم قيام القائم عليه السلام، فاذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة وجاء ابليس حتى يجثو على ركبتيه، فيقول: يا ويلاه من هذا اليوم.
فيأخذ بناصيته، فيضرب عنقه، فذلك: "يوم الوقت المعلوم"(٨٥١).
وروي في تفسير علي بن ابراهيم عنه عليه السلام أنه قال في تفسير " مُدْهَامَّتَان " قال: "تتّصل ما بين مكة والمدينة نخلا"(٨٥٢).
وفي خطبة أمير المؤمنين عليه السلام المذكورة في المنتخب للحسن بن سليمان الحلّي: "فتستبشر الأرض بالعدل، وتُعطي السماء قطرها، والشجر ثمرها، والأرض نباتها، وتتزين لأهلها"(٨٥٣).
الرابع والعشرون:
تكمل عقول الناس ببركة وجوده عليه السلام، ويضع يده المباركة على رؤوسهم فيذهب الحقد والحسد من قلوبهم التي كانت ثابتةً في بني آدم من يوم قتل هابيل إلى الآن... وتكثر علومهم وحكمهم.
كما في أصل زرّاد(٨٥٤) قال: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: نخشى أن لا نكون مؤمنين.
قال: ولِمَ ذاك؟
فقلت: وذلك إنّا لا نجد فينا من يكون أخوهُ عنده آثر من درهمه وديناره، ونجد الدينار والدرهم آثر عندنا من أخ قد جمع بيننا وبينه موالاة أمير المؤمنين عليه السلام.
فقال: كلاّ؛ انكم مؤمنون، ولكن لا تكملون ايمانكم حتى يخرج قائمنا، فعندها يجمع الله احلامكم"(٨٥٥).
وفي خرائج الراوندي وكمال الدين للصدوق عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال: "اذا قام قائمنا عليه السلام وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها احلامهم"(٨٥٦).
وروى الشيخ الكليني عن سعيد بن الحسن قال: "قال أبو جعفر عليه السلام: أيجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه؟
فقلت: ما أعرف ذلك فينا.
فقال أبو جعفر عليه السلام: فلا شيء اذن(٨٥٧).
قلت: فالهلاك إذن.
فقال: إنَّ القوم لم يعطوا أحلامهم بعد"(٨٥٨).
وروي في الاختصاص للشيخ المفيد أنه قيل له عليه السلام: إنَّ اصحابنا بالكوفة جماعة كثيرة، فلو أمرتهم لأطاعوك واتّبعوك.
فقال: يجيء أحدهم إلى كيس أخيه فيأخذ منه حاجته؟
فقال: لا.
قال: فهم بدمائهم أبخل.
ثم قال: إنَّ الناس في هدنة تناكحهم وتوارثهم، ويقيم عليهم الحدود، وتؤدى أماناتهم حتى إذا قام القائم جاءت المزايلة، ويأتي الرجل إلى كيس أخيه فيأخذ حاجته لا يمنعه"(٨٥٩).
وروي في كمال الدين للصدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال في ضمن صفات المهدي عليه السلام: "ووضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن الّا صار قلبه أشد من زبر الحديد"(٨٦٠).
وروي في الخصال عنه عليه السلام انّه قال في ضمن حوادث ايامه عليه السلام: "ولذهبت الشحناء من قلوب العباد"(٨٦١).
وروي في كشف الغمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال في هذا المقام: "ويجعل الله الغنى في قلوب هذه الأمة"(٨٦٢).
والظاهر أنه عند زوال هاتين الصفتين الخبيثتين من القلوب فانه تأتي هذه الصفة المرضية مباشرةً بلا فصل.
وروي في كمال الدين عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال لأبان بن تغلب: "سيأتي في مسجدكم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا - يعني مسجد مكة - يعلم أهل مكة أنه لم يلدهم أباؤهم ولا أجدادهم، عليهم السيوف، مكتوب على كل سيف كلمةٌ تفتح ألف كلمة(٨٦٣).
وبرواية النعماني: "مكتوب عليها ألف كلمة كل كلمة مفتاح ألف كلمة"(٨٦٤).
وقد ذكر في خطبة المخزون لأمير المؤمنين عليه السلام أنه في ذلك الوقت: "يقذف في قلوب المؤمنين العلم فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم فيومئذ تأويل هذه الآية: (يغني اللهُ كُلاّ من سعته)(٨٦٥)"(٨٦٦).
الخامس والعشرون:
القوة الخارقة للعادة في انظار وأسماع اصحابه عليه السلام كما روي في الكافي والخرائج عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "إنَّ قائمنا إذا قام مدّ الله عزّ وجلّ لشيعتنا في اسماعهم وأبصارهم حتى لا يكون بينهم وبين القائم بريد(٨٦٧) يكلّمهم فيسمعون وينظرون اليه وهو في مكانه"(٨٦٨).
وروى الشيخ الجليل الفضل بن شاذان في غيبته عنه عليه السلام أنه قال: "إنَّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق"(٨٦٩).
السادس والعشرون:
طول عمر اصحابه وانصاره عليه السلام.
كما روى الشيخ المفيد في الارشاد والفضل بن شاذان في غيبته عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "ويعمّر الرجل(٨٧٠) في ملكه حتى يولد له ألف ولد ذكر لا يولد فيهم أنثى"(٨٧١).
وروي في تفسير العياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في ضمن بيان حالات ايام ملكه عليه السلام: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليعيش إذْ ذاك ملوك ناعمين، ولا يخرج الرجل منهم من الدنيا حتى يولد لصلبه الف ذكر آمنين من كل بدعة وآفة والتنزيل عاملين بكتاب الله وسنة رسوله قد اضمحلّت عنهم الآفات والشبهات"(٨٧٢).
يعني لا يبتلون بآفة أبداً ولا يصابون بشبهة.
السابع والعشرون:
زوال العاهات والبلايا من أبدان أنصاره عليه السلام كما ذكر في الخبر السابق.
وروي في الخرائج للراوندي عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: "من أدرك قائم اهل بيتي من ذي عاهة برأ ومن ذي ضعف قوي"(٨٧٣).
وروي في غيبة النعماني عن الامام السجاد عليه السلام انّه قال: "إذا قام القائم اذهب الله عن كل مؤمن العاهة وردّ اليه قوته"(٨٧٤).
وان هذا التكريم العظيم ليس كإبراء المرضى الذي أعطي لعيسى وسائر الأنبياء عليهم السلام حيث كان يحدث احياناً لأجل الاعجاز واتمام الحجة على الجاحد أو المنافق في موارد معدودة بشفاء الأكمه أو الأخرس أو الأبرص أو المريض بل أن زوال هذهِ الآفات وذهاب هذهِ البليّات عن جميع المؤمنين والمؤمنات من آثار ظهوره الموفور السرور وطلوع طلعته الغراء، وتكريماً واحتفاءاً بقدومه واعداد آداب لقاء وتحصيل فيض شرف حضور الامام المهدي عليه السلام كأصحاب الجنة فانهم في البداية يغتسلون في عين الحياة والعين المطهرة ويطهر البدن كما طهرت الروح من كل عيب ونقص ليقدر أن يدخل في محفل المقربين ويسمع تحية (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين)(٨٧٥). فالفرق ما بين هذين الشفائين(٨٧٦) اكثر من الفرق ما بين الأرض والسماء.
الثامن والعشرون:
اعطاء قوة اربعين رجل لكل من اعوانه وانصاره عليه السلام.
كما روي في الكافي عن عبد الملك بن أعين قال: "قمت من عند أبي جعفر عليه السلام فاعتمدت على يدي فبكيت؛ فقال: ما لَكَ؟
فقلت: كنت أرجو أن أدرك هذا الأمر وبي قوة.
فقال: أما ترضون أن عدوكم يقتل بعضهم بعضاً وأنتم آمنون في بيوتكم، أنه لو قد كان ذلك اعطي لرجل منكم قوة اربعين رجلا، وجعلت قلوبكم كزبر الحديد، لو قذف بها الجبال لقلعتها، وكنتم قوام الأرض وخزانها"(٨٧٧).
وروي في كمال الدين للصدوق عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "ما كان قول لوط عليه السلام لقومه: "لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد"(٨٧٨) الّا تمنياً لقوة القائم عليه السلام، ولا ذكر الّا شدة أصحابه، وان الرجل منهم لَيُعطى قوة اربعين رجلا"(٨٧٩).
وروي بهذا المضمون في الخصال عن الامام السجاد عليه السلام(٨٨٠)، وابن قولويه في كامل الزيارة(٨٨١).
والفضل بن شاذان في غيبته عن الامام الصادق عليه السلام(٨٨٢).
والعياشي في تفسيره، وتقدم عن كمال الدين، أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "ووضع(٨٨٣) يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن الّا وصار قلبه أشد من زبر الحديد، واعطاه الله تعالى قوة اربعين رجلا"(٨٨٤).
وروي في بصائر الدرجات للصفار عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: "فاذا وقع أمرنا وجاء مهدينا كان الرجل من شيعتنا أجرأ من ليث، وأمضى من سنان، يطأ عدونا برجليه، ويضربه بكفيه، وذلك عند نزول رحمة الله وفرجه على العباد"(٨٨٥).
التاسع والعشرون:
استغناء الخلق بنوره عليه السلام عن ضوء الشمس ونور القمر.
كما روي علي بن ابراهيم في تفسيره عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال في تفسير الآية الشريفة: (وأشرَقَت الاَرضُ بنور ربِّهَا)(٨٨٦) قال: "ربّ الأرض يعني امام الأرض.
قال الراوي(٨٨٧): قلت: فاذا خرج يكون ماذا؟
قال: إذن يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ويجتزون بنور الامام"(٨٨٨).
وروى الشيخ المفيد في الارشاد والشيخ الطوسي في الغيبة عنه عليه السلام أنه قال: "إنَّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها واستغنى الناس عن ضوء الشمس، وذهبت الظلمة"(٨٨٩).
وروى الصدوق بهذا المضمون في كمال الدين عن الامام الرضا عليه السلام، وقال ايضاً: "ولا يكون له ظل"(٨٩٠).
وروى الشيخ الخراز عند ذكره عليه السلام: "وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فاذا خرج أشرقت الأرض بنوره"(٨٩١).
ويعلم بقرينة الخبر الاول أن المقصود منه هو النور الظاهري، والّا فمن الممكن أن يقال إنَّ المراد من النور هو النور المعنوي الذي هو نور العلم والحكمة والعدل.
وروي في غيبة الفضل بن شاذان بسند صحيح عنه عليه السلام أنه قال: "إذا قام قائمنا اشرقت الأرض بنوره، واستغنى العباد عن ضوء الشمس (والقمر)(٨٩٢) وذهبت الظلمة(٨٩٣) ويعمِّر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ذكر لا يولد له فيها انثى، وتُظهر الأرض كنوزها حتى يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله، ويأخذ منه زكاته، ولا يجد احداً يقبل ذلك منه، استغنى الناس بما رزقهم الله من فضله"(٨٩٤).
الثلاثون:
إنَّ معه عليه السلام راية رسول الله ولم تنشر الّا في بدر ويوم الجمل.
روى الشيخ النعماني عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال في خبر: "وهي راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم نزل بها جبرائيل يوم بدر...(٨٩٥) ما هي والله قطن ولا كتان ولا قز ولا حرير.
قال الراوي(٨٩٦): قلت فمن أي شيء هي؟
قال: من ورق الجنة، نشرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يوم بدر، ثم لفّها ودفعها إلى علي عليه السلام، فلم تزل عند علي عليه السلام حتى إذا كان يوم البصرة نشرها أمير المؤمنين عليه السلام، ففتح الله عليه، ثم لفّها وهي عندنا هناك لا ينشرها احدٌ حتى يقوم القائم، فاذا هو قام نشرها، فلم يبق احد في المشرق والمغرب الّا لعنها(٨٩٧)، ويسير الرعب قدامها شهراً، وورائها شهراً، وعن يمينها شهراً، وعن يسارها شهراً"(٨٩٨).
وروي ايضاً عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال لأبي حمزة: يا ثابت كأنّي بقائم اهل بيتي قد اشرف على نجفكم هذا، وأومأ بيده إلى ناحية الكوفة.
فاذا هو أشرف على نجفكم نشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فاذا هو نشرها انحطت عليه ملائكة بدر.
قلت: وما راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم؟
قال: عمودها من عمد عرش الله ورحمته، وسايرها من نصر الله، لا يهوي بها إلى شيء الّا أهلكه الله(٨٩٩).
وبرواية الصدوق في كمال الدين: "فاذا نشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انحط اليه ثلاثة عشر الف ملك وثلاثة عشر ملكاً كلهم ينتظر القائم عليه السلام..."(٩٠٠) ثم يبيّن اولئك الملائكة ويذكرهم بنحو ما تقدّم.
وروي في غيبة النعماني عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال:
"لمّا التقى أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البصرة نشر الرّاية - راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم - فزلزلت أقدامهم فما اصفرّت الشمس حتى قالوا: آمنّا يا ابن أبي طالب، فعند ذلك قال: "لا تقتلوا الأسرى ولا تجهّزوا الجرحى، ولا تتبعوا مولّياً، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن " ولمّا كان يوم صفين سألوه نشر الرّاية فأبى عليهم فتحمّلوا عليه بالحسن والحسين عليهما السلام وعمّار بن ياسر رضي الله عنه فقال للحسن: يا بنيّ انّ للقوم مدّة يبلغونها، وانّ هذه راية لا ينشرها بعدي الّا القائم صلوات الله عليه"(٩٠١).
الحادي والثلاثون:
لا يستوي درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الّا عليه عليه السلام كما روي في بصائر الدرجات عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال بعد أن ذكر جملة مما عنده عليه السلام من السلاح ومواريث الانبياء: "وان قائمنا مَنْ لبس درع رسول الله فملأها، وقد لبسها أبو جعفر عليه السلام فخطت عليه.
فقلت له(٩٠٢): أنت أَلحَمْ أم أبو جعفر؟
قال: كان أبو جعفر أَلحَمْ منّي، وقد لبستها أنا، فكانت وكانت"(٩٠٣).
وروي بسند آخر قريب بهذا المعنى، وفي متن آخر الخبر صعوبة في الجملة ذكرت ما حاصلها.
وروي هناك ايضاً، وروى الراوندي في الخرائج عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك انّي اُريد أنْ أمسَّ صدرك.
فقال: إفعل.
فمسست صدره ومناكبه.
فقال: ولِمَ يا أبا محمد؟
فقلت: جعلت فداك انّي سمعت أباك وهو يقول: إنَّ القائم واسع الصدر مسترسل المنكبين عريض ما بينهما.
فقال: يا أبا محمد أن أبي لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكانت تستخب على الأرض، وأنا لبستها فكانت وكانت، وانها تكون من القائم كما كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم مشمّرة كأنه ترفع نطاقها بحلقتين"(٩٠٤).
وبرواية الراوندي: "وهي (ذلك الدرع)(٩٠٥) على صاحب هذا الأمر مشمّرة (أي مرفوعة الاطراف)(٩٠٦) كما كانت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم"(٩٠٧).
وبهذا المضمون اخبار عدة.
وقال العلامة المجلسي في سابع البحار: "ويظهر من الأخبار أن عندهم عليهم السلام(٩٠٨) درعين: احدهما علامة الامامة تستوي على كل امام؛ والاخرى علامة القائم عليه السلام لا تستوي الّا عليه صلوات الله عليه"(٩٠٩).
الثاني والثلاثون:
خصه الله تعالى بسحاب ذخره له فيه رعد وبرق.
كما روى الصفار في البصائر والشيخ المفيد في الاختصاص بأسانيد متعددة عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: أما إنّ ذا القرنين قد خُيّر السحابتين فاختار الذلول، وذخر لصاحبكم الصعب.
قال(٩١٠): قلت: وما الصعب؟
فقال: ما كان من سحاب فيه رعد أو صاعقة أو برق فصاحبكم يركبه؛ أما أنه سيركب السحاب، ويرقى في الأسباب، اسباب السماوات السبع، والأرضين السبع؛ خمس عوامر واثنان خرابان(٩١١).
وروي ايضاً عن الامام الصادق أنه قال: إنَّ الله خيّر ذا القرنين السحابين الذلول والصعب فاختار الذلول، وهو ما ليس فيه برق ولا رعد، ولو اختار الصعب لم يكن له ذلك، لأنَّ الله ادَّخره للقائم عليه السلام(٩١٢).
الثالث والثلاثون:
ارتفاع التقية والخوف من الكفار والمشركين والمنافقين والتمكن من عبادة الله تعالى والسلوك في امور الدنيا والدين حسب القوانين الالهيّة والأوامر السماوية بدون حاجة إلى رفع اليد عن بعضها خوفاً من المخالفين وارتكاب اعمال غير صحيحة تطابق سلوك الظالمين كما وعد الله تعالى في كلامه: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً)(٩١٣).
ولا يخفى على أيّ منصف أن وعد هذهِ الخلافة - الذي وعد به الله تعالى بأنّه سيعطيه لبعض مَن لهم مراتب الايمان ودرجات العمل الصالح في الدنيا بعد نبيّه صلى الله عليه وآله وسلّم وان في عهد خلافته سيتمكن من اقامة كل الدين الذي ارتضاه الله لهم ويؤمنهم من بعد خوف اصيبوا به من الخلق وتكون عبادته أو سائر خلق الله تعالى بدون تقية. ولو أن ذلك بحسب العمل نوع من الشرك ولكنه يجب مع اجتماع شروطه، فمع طمأنينة وسكينة القلب بحقيقة الايمان لا يؤاخذ على شرك وكفر الجوارح واللسان إذا توقف عليه حفظ النفس، لم يتحقق لحدّ الآن مثل هذا الخليفة والخلافة ومثل هذهِ الطمأنينة والأمان ومثل هذا التمكن للمذهب والأمة؛ ولم يخبر أحدٌ عن هذا العصر ولن يخبر عنه الّا ما أخبر به جميع المسلمين بما وعد به النبي الاكرم أنه سيأتي عصر ذلة وحقارة الظالمين والمنافقين والملحدين ويوم عزة ورفعة وعبادة وعبودية المؤمنين وهو يوم ظهور الامام المهدي عليه السلام حيث لا يبقى شيء من جميع مراتب الدين غير معروفة أو معروفة ولم يؤمر بها أو اُمر بها ولم يتمكن من الاتيان بها أحد، كما هو معلوم ومبيّن في أخبار الفريقين؛ وقد قال بعض المخالفين إنَّ مصداق الآية الشريفة هو عصر الخلفاء الأربعة.
وكلام الواسطي بأنه مخصوص بعصر الثلاثة شبيهُ بالسفسطة وانكار البديهي كما هو مشروح في كتب الامامية.
ولا يخفى على أي خبير بأحوال السلف انّه لم يمض مثل هذا اليوم على المسلمين تحققت فيه هذه الشروط الثلاثة فضلا عن مرور شهر أو سنة ولهذا فلقد جاء في جملة من أخبار الامامية أن سبب نزول هذه الآية في شأن القائم عليه السلام.
وقال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: "والمروي عن أهل البيت عليهم السلام انها في المهدي من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلّم، وروى العياشي باسناده عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قرأ الآية وقال: "هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منّا وهو مهدي هذهِ الأمة"(٩١٤).
وروي في كمال الدين للصدوق عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال بعد أن ذكر نوحاً عليه السلام وانتظار المؤمنين الفرج حتى اعطاهم الله تعالى الاستخلاف والتمكين: "وكذلك القائم عليه السلام فانه تمتد ايام غيبته ليصرح الحق عن محضه، ويصفو الايمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف والتمكين والأمن(٩١٥) المنتشر في عهد القائم عليه السلام".
قال الراوي:(٩١٦) (فقلت: يا ابن رسول الله فان هذه النواصب تزعم)(٩١٧) انّ هذه الآية نزلت في (أبي بكر وعمر وعثمان)(٩١٨) وعلي عليه السلام؟
فقال: لا يهدي الله قلوب الناصبة(٩١٩)، متى كان الدين الذي ارتضاه الله ورسوله متمكناً بانتشار الأمن(٩٢٠) في الأمة وذهاب الخوف من قلوبها وارتفاع الشك من صدورها في عهد واحد من هؤلاء، وفي عهد علي عليه السلام مع ارتداد المسلمين والفتن التي تثور في ايامهم والحروب التي كانت تنشب بين الكفار وبينهم(٩٢١).
وروي عن الامام الرضا عليه السلام أنه قال: "لا دين لمن لا ورع له، ولا ايمان لمن لا تقية له، انّ اكرمكم عند الله اعملكم بالتقية (قبل خروج قائمنا)(٩٢٢)، فمن ترك (التقية)(٩٢٣) قبل خروج قائمنا فليس منّا"(٩٢٤).
الرابع والثلاثون:
انبساط ملكه عليه السلام على جميع الأرض من المشرق إلى المغرب، برّاً وبحراً، معمورةً وخراباً، والجبل والسهل، ولا يبقى مكان لا يكون فيه ملكه ولا ينفذ امره. والأخبار في هذا المعنى متواترة.
روى الشيخ الصدوق في العلل والعيون وكمال الدين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في خبر طويل انّه قال: فنظرت (ليلة المعراج)(٩٢٥) الى ساق العرش فرأيت اثني عشر نوراً، في كل نور سطر اخضر مكتوب عليه اسم كل وصي من اوصيائي؛ أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم مهدي امتي.
فقلت: يا ربّ! أهؤلاء اوصيائي من بعدي؟
فنوديت: يا محمد! هؤلاء أوليائي وأحبائي وأصفيائي، وحججي بعدك على بريتي وهم اوصياؤك وخلفاؤك، وخير خلقي بعدك.
وعزتي وجلالي لأظهرنَّ بهم ديني، ولأعلينَّ بهم كلمتي، ولأطهرنَّ الأرض بآخرهم من اعدائي، ولأملكنَّهُ مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرنَّ له الرياح، ولأذللنَّ له الرقاب الصعاب، ولأرقينَّه في الاسباب(٩٢٦)، ولأنصرنّه بجندي، ولأمدنّه بملائكتي حتى يعلن دعوتي، ويجمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأديمنَّ ملكه، ولأداولنَّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة..."(٩٢٧).
وروي عنه عليه السلام في كمال الدين أنه قال بعد أن ذكر ملك ذي القرنين: "وان الله تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من ولدي فيبلغه شرق الأرض وغربها حتى لا يبقى منهلا ولا موضعاً من سهل ولا جبل وطئهُ ذو القرنين الّا وطئه"(٩٢٨).
وقد تقدّم عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: "كأنّي باصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين"(٩٢٩).
وروي في تفسير العياشي عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال في تفسير الآية الشريفة: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً)(٩٣٠) قال: "إذا قام القائم عليه السلام لا يبقى ارض الّا نودي فيها بشهادة أنْ لا إله الّا الله وأنَّ محمداً رسول الله"(٩٣١).
وروي عن الامام الكاظم عليه السلام في تفسير الآية المذكورة قال: "انزلت في القائم عليه السلام إذا خرج باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردة والكفار في شرق الأرض وغربها، فعرض عليهم الاسلام فمن أسلم طوعاً أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب لله عليه؛ ومن لم يسلم ضرب عنقه حتى لا يبقى في المشارق والمغارب الّا وحّد الله.
قلت له: جعلت فداك إن الخلق اكثر من ذلك؟
فقال: إنَّ لله إذا أراد أمراً قلّل الكثير وكثّر القليل"(٩٣٢).
وقد ذكر يوسف بن يحيى السلمي في الباب التاسع من كتاب عقد الدرر اخباراً كثيرة في كيفية فتوحاته عليه السلام وفتح القسطنطينية والروم وبني الاصفر والصين وكابل والجزائر وغيرها مما ليس هنا محل ذكرها.
الخامس والثلاثون:
يملأ الأرض قسطاً وعدلا وقلما ترد الاخبار الالهية أو النبوية الخاصة أو العامة التي ذكرت المهدي عليه السلام ولم يذكر له عليه السلام فيها هذه البشارة وهذه الفضيلة.
وروي في العيون عن الامام الرضا عليه السلام أنه قال: "فاذا خرج أشرقت الأرض بنور ربِّها(٩٣٣) ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلمُ أحدٌ أحداً"(٩٣٤).
وروي في كمال الدين عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال في تفسير الآية الشريفة: (سيروا فيها ليالي وايّاماً آمنين)(٩٣٥) فقال: مع قائمنا أهل البيت"(٩٣٦).
يعني: في عصره عليه السلام كل من يسير ليلا ونهاراً والى أي مكان فهو في أمان ومحفوظ.
وروي في تفسير العياشي عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: "يقاتلون(٩٣٧) والله حتى يوحّد الله ولا يشرك به شيئاً، وحتى تخرج العجوز الضعيفة من المشرق تريد المغرب ولا ينهاها احدٌ"(٩٣٨).
وروى الشيخ المفيد عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: إذا قام القائم عليه السلام حكم بالعدل، وارتفع في ايامه الجور، وأمنت به السبل، واخرجت الأرض بركاتها، ورُدَّ كلُّ حق إلى أهله، ولم يبق أهل دين حتى يظهروا الاسلام ويعترفوا بالايمان"(٩٣٩).
وروي في كمال الدين، عن الريان بن الصلت(٩٤٠) قال: قلت للرضا عليه السلام: انت صاحب هذا الأمر؟
فقال: انا صاحب هذا الأمر، ولكنّي لست بالذي أملأها عدلا كما ملئت جوراً"(٩٤١).
السادس والثلاثون:
يحكم بين الناس بعلمه كامام، ولا يطلب بينه وشاهداً من أحد.
كما روى الصفار في بصائر الدرجات عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال:
"لن تذهب الدنيا حتى يخرج رجل منّا اهل البيت يحكم بحكم داود ولا يسئل الناس بيّنة"(٩٤٢).
وفي رواية أخرى قال عليه السلام: "يعطي كل نفس حكمها"(٩٤٣).
وروي ايضاً عنه عليه السلام أنه قال:
"اذا قام قائم آل محمد حكم بحكم داود وسليمان لا يسئل الناس بيّنة"(٩٤٤).
وروي في دعوات السيد فضل الله الراوندي عن الامام العسكري عليه السلام أنه كتب في جواب مَنْ سأله عن القائم إذا قام بم يقضي بين الناس؟: "سألت عن الامام فاذا قام يقضي بين الناس بعلمه كقضاء داود عليه السلام لا يسأل بيّنة"(٩٤٥).
وروي في الخرائج للراوندي عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "كأنّي بطائر ابيض فوق الحجر، فيخرج من تحته رجل يحكم بين الناس بحكم آل داود وسليمان لا يبتغي بيّنة"(٩٤٦).
وروي في ارشاد الشيخ المفيد، وغيبة الفضل عنه عليه السلام أنه قال: إذا قام قائم آل محمد عليه وعليهم السلام حكم بين الناس بحكم داود. لا يحتاج إلى بيّنة، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويُخبِرُ كلَّ قوم بما استبطنوه"(٩٤٧).
وروي في تفسير العياشي أن يوم خروجه عليه السلام: "وجبرئيل على الميزاب في صورة طائر ابيض"(٩٤٨).
وروي في غيبة النعماني عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "ثم يأمر منادياً ينادي(٩٤٩): هذا المهدي يقضي بقضاء داود وسليمان لا يسأل على ذلك(٩٥٠) بيّنة"(٩٥١).
وروي في كمال الدين للصدوق عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "فيبعث الله تبارك وتعالى ريحاً فتنادي بكل واد: هذا المهدي، يقضي بقضاء داود وسليمان عليهما السلام لا يريد عليه بيّنة"(٩٥٢).
وروي في غيبة الفضل بن شاذان عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: إنَّ القائم يملك ثلاثمائة وتسع سنين كما لبث اهل الكهف في كهفهم يملأ الأرض عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويفتح الله له شرق الأرض وغربها، ويقتل الناس حتى لا يبقى الّا دين محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يسير بسيرة سليمان بن داود (عليهما السلام)(٩٥٣).
يدعو الشمس والقمر فيجيبانه، ويطوى له الأرض فيوحي الله اليه فيعمل بأمر الله"(٩٥٤).
السابع والثلاثون:
أنه يأتي بأحكام خاصة لم تظهر ولم يعمل بها احد إلى حين ظهوره عليه السلام.
روي في الكافي وكمال الدين عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "دمان في الاسلام حلالٌ من الله [عزّ وجلّ](٩٥٥) لا يقضي فيهما احد [بحكم الله](٩٥٦) حتى يبعث الله [عزّ وجلّ](٩٥٧) القائم(٩٥٨) من أهل البيت عليهم السلام، [فاذا بعث الله عزّ وجلّ قائمنا أهل البيت](٩٥٩) فيحكم(٩٦٠) فيهما بحكم [الله عزّ وجلّ](٩٦١) لا يريد [الله على ذلك](٩٦٢) بيّنة: الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب رقبته(٩٦٣)"(٩٦٤).
وروي في الخصال عن الامام الصادق والامام الكاظم عليهما السلام انهما قالا: لو قد قام القائم(٩٦٥) لحكم بثلاث لم يحكم بها احدٌ قبله: يقتل الشيخ الزاني، ويقتل مانع الزكاة، ويورث الأخ أخاه في الاظلة"(٩٦٦).
يعني: الأخوين الذي عقد بينهما عقد الاخوة هناك فانّه يورث أحدهما الآخر.
وروي في غيبة النعماني عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "انّ علياً عليه السلام قال: كان لي أن أقتل المولِّي، وأجهز على الجريح، ولكنّي تركت ذلك للعاقبة من أصحابي إنْ جرحوا لم يُقْتَلوا، والقائم له أن يقتل المولّي ويجهر على الجريح"(٩٦٧).
وروى الشيخ الجليل الفضل بن شاذان عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: يقضي القائم بقضايا ينكرها بعض أصحابه ممّن قد ضرب قدّامه بالسّيف وهو قضاء آدم عليه السلام فيقدّمهم فيضرب أعناقهم، ثمّ يقضي الثانية فينكرها قوم آخرون ممّن قد ضرب قدّامه بالسّيف وهو قضاء داود عليه السلام فيقدّمهم فيضرب أعناقهم، ثمّ يقضي الثالثة فينكرها قوم آخرون ممّن قد ضرب قدّامه بالسّيف وهو قضاء ابراهيم عليه السلام فيقدّمهم فيضرب أعناقهم ثمّ يقضي الرابعة وهو قضاء محمد صلى الله عليه وآله وسلّم فلا ينكرها أحد عليه(٩٦٨).
وقد جاء في مجموعة من الاخبار أنه عليه السلام لا يقبل الجزية(٩٦٩)، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير.
وروى الشيخ الطبرسي في أعلام الورى أنه عليه السلام: "يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقّه في الدين"(٩٧٠).
وروي في مزار محمد بن المشهدي عن أبي بصير سأل الامام الصادق عليه السلام عن حكم من نصب العداوة لهم، فقال: لا، يا أبا محمد، ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب، انّ الله قد احلّ لنا دمائهم عند قيام قائمنا، فاليوم محرّم علينا وعليكم ذلك فلا يغرّنك احدٌ، إذا قام قائمنا انتقم لله ولرسوله ولنا أجمعين"(٩٧١).
الثامن والثلاثون:
يخرج كل مراتب العلوم.
كما روى القطب الراوندي في الخرائج عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال:
"العلمُ سبعةٌ وعشرون حرفاً فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فاذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس، وضم اليها الحرفين، حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً"(٩٧٢).
وروى الشيخ الصفار في البصائر عنه عليه السلام أنه قال: كان في ذوابة سيف عليّ عليه السلام(٩٧٣) صحيفة صغيرة وانّ عليّاً عليه السلام دعا ابنه الحسن عليه السلام فدفعها اليه ودفع اليه سكّيناً وقال له افتحها فلم يستطع أن يفتحها ففتحها له ثمّ قال له اقرأ فقرأ الحسن الألف والباء والسين واللام وحرفاً بعد حرف، ثمّ طواها فدفعها إلى ابنه الحسين فلم يقدر على أن يفتحها ففتحها له ثمّ قال له: اقرأ يا بني، فقرأها كما قرأ الحسن، ثمّ طواها فدفعها إلى ابنه ابن الحنفيّة فلم يقدر على أن يفتحها ففتحها له فقال له اقرأ فلم يستخرج منها شيئاً، فاخذها علي عليه السلام وطواها ثمّ علّقها من ذوابة السيف(٩٧٤). قال: قلت لأبي عبد الله(٩٧٥): وأي شيء كان في تلك الصحيفة، قال: هي الأحرف التي يفتح كلّ حرف الف حرف. قال أبو بصير: قال أبو عبد الله فما خرج منها الّا حرفان الى الساعة"(٩٧٦).
وروي بسند آخر عن أبي بصير أنه سأله عليه السلام ما كان في ذؤابة سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) على نحو ما جاء في الخبر السابق(٩٧٧). والظاهر أن هذين الخبرين من الشيخ انما هما خبر الراوندي.
وان نشر بقية حروف هذه الصحيفة النبوية انما هو من خصائص الدولة المهدوية، والله العالم.
التاسع والثلاثون:
نزول السيوف السماوية لانصاره واصحابه عليه السلام.
كما روى النعماني في غيبته عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "إذا قام القائم نزلت سيوف القتال على كل سيف اسم الرجل واسم أبيه"(٩٧٨).
وروى الشيخ المفيد في الاختصاص عنه عليه السلام أنه قال: "إذا قام القائم أتى رحبة الكوفة فقال(٩٧٩) برجله هكذا وأومأ بيده إلى موضع.
ثم قال: إحفروا ههنا؛ فيحفرون، فيستخرجون اثني عشر الف درع، واثني عشر الف سيف، واثني عشر الف بيضة لكل بيضة وجهين؛ ثم يدعو اثني عشر الف رجل من الموالي من العرب والعجم فيلبسهم ذلك؛ ثم يقول: من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه"(٩٨٠).
الأربعون:
اطاعة الحيوانات لأنصاره عليه السلام كما تقدم عن أمير المؤمنين عليه السلام.
الحادي والأربعون:
ظهور نهرين من الماء واللبن دائماً في ظهر الكوفة التي هي مقر حكومته عليه السلام من حجر موسى عليه السلام الذي معه عليه السلام.
كما روي في الخرائج عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال:
اذا قام القائم بمكّة وأراد أن يتوجّه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاماً ولا شراباً، ويحمل حجر موسى الذي انبجست منه اثنتي عشرة عيناً فلا ينزل منزلا الاّ نصبه، فانبجست منه العيون، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان ظمآن روي، فيكون زادهم حتّى ينزلوا النّجف من ظاهر الكوفة، فاذا نزلوا ظاهرها انبعث منه الماء واللبن دائماً، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان عطشاناً روي(٩٨١).
الثاني والأربعون:
تمييزه عليه السلام من قبل الله تبارك وتعالى في ليلة معراج نبيّه صلى الله عليه وآله وسلّم بعد ظهور الاشباح النورانية للأئمة عليهم السلام له صلى الله عليه وآله وسلّم من أمير المؤمنين عليه السلام وحتى حجة العصر عليه السلام؛ إلى أن قال برواية ابن عباس: "هذا القائم يحل حلالي ويحرم حرامي وينتقم(٩٨٢) من أعدائي؛ يا محمد أحببهُ (فإنّي أحبّه)(٩٨٣) وأحبب(٩٨٤) من يحبّه"(٩٨٥).
الثالث والأربعون:
نزول روح الله عيسى بن مريم عليه السلام لنصرة المهدي صلوات الله عليه والصلاة خلفه عليه السلام.
لا يخفى بل لا يبعد دعوى استقرار المذهب في هذه العصور على أفضلية الائمة الأطهار عليهم السلام على جميع الأنبياء والمرسلين حتى أولي العزم والذين منهم عيسى؛ ولكن:
أولا:
ان هذه المسألة كانت في العصور السابقة من المسائل النظرية، وكانت هناك جماعة من علمائنا تخالف ذلك، فضلا عن أهل السنة، حيث أن قسماً منهم يحكم بتكفير من يرجّح أحداً من غير الأنبياء عليهم.
وقال الشيخ المفيد في كتاب المقالات: "قد قطع قوم من أهل الامامة(٩٨٦) بفضل الائمة عليهم السلام من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلّم على سائر من تقدم من الرسل والانبياء سوى نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم، وأوجب فريق منهم لهم الفضل على جميع الانبياء سوى أولي العزم منهم عليهم السلام، وأبى القولين فريق منهم آخر وقطعوا بفضل الأنبياء كلّهم على سائر الائمة عليهم السلام، وهذا باب ليس للعقول في ايجابه والمنع منه مجال، ولا على أحد الاقوال فيه اجماع؛ وقد جاءت آثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في أمير المؤمنين عليه السلام وذريّته من الائمة، والاخبار عن الائمة الصادقين ايضاً من بعد، وفي القرآن مواضع تقوّي العزم على ما قاله الفريق الأول في هذا المعنى"(٩٨٧).
ثانياً:
دور الأفضلية من حيث الأدلة والبراهين؛ وهو مختص بأهل الانصاف وأرباب المعرفة والنظر، وعوام أهل الحق مع انهم لا يستفيدون منها الّا الاعتقاد بها من دون دليل وعلى وجه التقليد.
وأما غير اولئك؛ فامّا انهم ليس لديهم علم أو ليس لديهم انصاف أو ليس لديهم معرفة؛ فان افضلية الائمة عليهم السلام على الرسل لكل الامة فضلا عن غيرهم لم تصل إلى الدرجة الاُولى من الثبوت فضلا على أن تكون ضرورية ووجدانية (بديهية) الّا لطائفة منهم قد وصلت إلى حدّ الضروري في بعض العصور.
وبنزول عيسى عليه السلام وصلاته خلف المهدي عليه السلام واتباعه واطاعته له عليه السلام امام جميع العالم فانهم سوف يعرفونه بالمعرفة الالهية، ويكون هذا الموضوع محسوساً ووجدانياً لكل العالمين؛ فلم يفرق احد بين اولي العزم.
ولهذا عدّ في الاخبار نزول وصلاة عيسى عليه السلام من فضائله الخاصّة والمناقب المختصة به عليه السلام، وقد افتخروا مكرراً بذلك في المجالس والمحافل، بل عدّه الله تعالى من مناقبه وفضائله عليه السلام كما روي في كتاب المختصر للحسن بن سليمان الحلي في خبر طويل إنَّ الله تعالى قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في ليلة المعراج: "واعطيتك أن اخرج من صلبه احد عشر مهدياً كلّهم من ذريّتك من البكر البتول؛ وآخر رجل منهم يصلّي خلفه عيسى بن مريم، يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت منهم ظلماً وجوراً، أنجي به من المهلكة، وأهدي به من الضلالة، وأبريء به من العمى، وأشفي به المريض..."(٩٨٨).
وروي في كمال الدين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: "والذي بعثني بالحق نبياً لو لم يبق من الدنيا الّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفه..."(٩٨٩).
وروي ايضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في حديث الدجال: "يقتله الله عزّ وجلّ بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق... على يد من يصلّي المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام خلفه..."(٩٩٠).
وروى الشيخ الطبرسي في (اعلام الورى) عن الامام الحسن المجتبى عليه السلام أنه قال: "ما منّا احدٌ الّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه الّا القائم الذي يصلّي روح الله عيسى بن مريم خلفه..."(٩٩١).
وروي في غيبة الطوسي عنه صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال لفاطمة عليها السلام:
يا بنيّة إنّا اُعطينا أهل البيت سبعاً لم يُعْطَهَا أحدٌ قبلنا: نبيّنا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصيّنا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عمّ أبيك حمزة، ومنّا من له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة وهو ابن عمّك جعفر، ومنّا سبطا هذه الأمّة وهما ابناك الحسن والحسين، ومنّا والله الذي لا اله الّا هو مهديُّ هذه الأمة الذي يصلّي خلفه عيسى بن مريم ثمّ ضرب بيده على منكب الحسين عليه السلام فقال: من هذا ثلاثاً(٩٩٢).
وروي في الكافي عنه صلى الله عليه وآله وسلّم: "خرج صلى الله عليه(٩٩٣) ذات يوم وهو مستبشر يضحك مسروراً.
فقال له الناس: أضحك الله سنّك يا رسول الله، وزادك سروراً؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: انّه ليس من يوم ولا ليلة الّا ولي فيهما تحفة من الله، ألا وانّ ربي أتحفني في يومي هذا بتحفة لم يتحفني بمثلها فيما مضى، انّ جبرئيل عليه السلام أتاني فأقرأني من ربّي السلام وقال: يا محمد! انّ الله جلّ وعزّ اختار من بني هاشم سبعة لم يخلق مثلهم فيمن مضى ولا يخلق مثلهم فيمن بقي: أنت يا رسول الله سيد النبيّين، وعلي بن أبي طالب وصيّك سيد الوصيّين، والحسن والحسين سبطاك سيّدا الأسباط، وحمزة عمّك سيد الشهداء، وجعفر ابن عمّك الطيّار في الجنة يطير مع الملائكة حيث يشاء، ومنكم القائم يصلّي عيسى بن مريم خلفه إذا أهبطه الله إلى الأرض من ذرّية عليّ وفاطمة ومن ولد الحسين عليه السلام"(٩٩٤).
وروي في كمال الدين(٩٩٥) عن الامام الباقر عليه السلام أنه ذكر سِيَر الخلفاء(٩٩٦) الراشدين(٩٩٧) فلمّا بلغ آخرهم قال: "الثاني عشر الذي يصلّي عيسى بن مريم عليه السلام خلفه"(٩٩٨).
وروى الگنجي الشافعي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال في جملة أحوال المهدي عليه السلام وهو عليه السلام يصلّي بأصحابه صلاة الصبح في بيت المقدس: "إذ انزل عليهم عيسى بن مريم عليه السلام (الصبح)(٩٩٩) فيرجع (ذلك الامام)(١٠٠٠) ينكص يمشي القهقرى ليتقدّم عيسى عليه السلام، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول تقدّم"(١٠٠١).
وروي ايضاً أنه قال لأبي هريرة: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وامامكم منكم؟"(١٠٠٢).
وبهذا المضمون أخبار مكررة، وقد شرحها الگنجي وبيّن دلالة امامته عليه السلام بعيسى وافضليّته عليه عليهما السلام باعتبار ان الامام لابد أن يكون أقْرَأ وأعلم وأفقه وأصبح... ونحن لسنا بحاجة إلى ذكره.
وروي في عقد الدرر عنه صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: "يلتفت المهدي، وقد نزل عيسى ابن مريم كأنما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي تقدّم وصلِّ بالناس فيقول عيسى ابن مريم: انما اقيمت الصلاة لك.
فيصلّي عيسى خلف رجل من ولدي، فاذا صُلِّيَتْ قام عيسى حتى جلس في المقام فيبايعه"(١٠٠٣).
وروي ايضاً عن السدي أنه قال: يجتمع المهدي، وعيسى ابن مريم في وقت الصلاة، فيقول المهدي لعيسى: تقدّم، فيقول عيسى: أنت اولى بالصلاة. فيصلّي عيسى وراءه مأموماً"(١٠٠٤).
ولم أنظر هذا المضمون بأخبار الخاصة، وعلى فرض صحة تقديمه عليه السلام فهو نظير تقديم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم جبرئيل في ليلة المعراج للصلاة ورفض جبرئيل وقوله: "انّا لا نتقدّم الآدميين منذ اُمرنا بالسجود لآدم عليه السلام"(١٠٠٥).
ولعل قصده بيان أفضليته على عيسى عليهما السلام للخلق على لسانه، وليس هو مجرد التقديم في الصلاة، فبحسب قواعد كثير من أهل السنة أنه ليس فيه فضل وروَوْا جواز الصلاة وراء كل برٍّ وفاجر؛ ونسوا كلام نبيّهم: "لا أفلح قوم قدموا عليهم اماماً وفيهم من هو افضل منه"(١٠٠٦).
الرابع والأربعون:
عدم جواز التكبير سبع مرات على جنازة احد بعد أمير المؤمنين عليه السلام الّا على جنازته عليه السلام.
كما روي في البحار في حديث وفاته عليه السلام في ضمن وصاياه للامام الحسن عليه السلام بعد أن ذكر الكفن والحنوط وحمله الى موضع القبر الشريف؟ قال: ثمّ تقدم يا أبا محمد وصلِّ عليّ يا بنيّ يا حسن وكبّر عليّ سبعاً، واعلم أنه لا يحلّ ذلك على احد غيري الّا على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه القائم المهدي من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق..."(١٠٠٧).
الخامس والأربعون:
قتل الدجّال اللعين الذي هو من العذاب الالهي لأهل القبلة.
كما روي في تفسير علي بن ابراهيم عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال في الذي في الآية الشريفة: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم)(١٠٠٨):
"هو الدجال والصيحة"(١٠٠٩).
وقال: "ما بعث الله عزّ وجلّ نبيّاً الّا وقد أنذر قومه الدجال"(١٠١٠).
كما روي في (كمال الدين) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
وكيف لا تكون فتنة وهو يخرج في تلك الصورة والقوة في سنة قحط شديد، ويسير بالآفاق إلى مكة والمدينة.
وروى الحسن بن سليمان الحلي في مختصر البصائر عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
"من أراد أن يقاتل شيعة الدجال فليقاتل الباكي على دم عثمان، والباكي على أهل النهروان؛ أن مَنْ لقى الله عزّ وجلّ مؤمناً بان عثمان قتل مظلوماً لقي الله عزّ وجلّ ساخطاً عليه، ويدرك الدجال.
فقال رجل: يا أمير المؤمنين، فإنْ مات قبل ذلك؟
قال: يُبعث من قبره حتى يؤمن به وان رغم أنفه"(١٠١١).
وتقدّم عن كمال الدين أن الملعون يقتل في عقبة (افيق) بالشام على يده عليه السلام.
وروي عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال:
"انّ الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر الف عام فهي أرواحنا.
فقيل له: يا ابن رسول الله، ومن الأربعة عشر؟
فقال: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال، ويطهّر الأرض من كل جور وظلم"(١٠١٢).
وقد نسب بعض العامة قتل هذا اللعين الى عيسى.
وقد أعرضنا عن تفصيل أحوال الدجال لأن الهدف الأهم هو غير هذا.
السادس والأربعون:
انقطاع سلطة الجبابرة ودولة الظالمين في الدنيا بوجوده عليه السلام، وسوف لا يحكمون على وجه الأرض بعد ذلك، لأن دولته عليه السلام تتصل بالقيامة طبق رأي بعض العلماء؛ أو تتصل برجعة باقي الائمة عليهم السلام طبق رأي جماعة وظواهر اخبار كثيرة، بل قد اُلِّفت في هذا الباب تصانيف عدة؛ أو انها تتصل بدولة ابنائه عليه السلام كما قال الشيخ المفيد في الارشاد: "وليس بعد دولة القائم عليه السلام لأحد دولة الّا ما جاءت به الرواية من قيام ولده إن شاء الله [تعالى](١٠١٣) ذلك(١٠١٤)، ولم ترد به على القطع والثبات، وأكثر الروايات أنه لن يمضي مهدي هذه الأمة عليه السلام(١٠١٥) الّا قبل القيامة بأربعين يوماً... إلى آخر ما قاله"(١٠١٦).
وقد تكرر عن الامام الصادق عليه السلام أنه كان يترنّم بهذا البيت:

لكل أناس دولة يرقبونها * * * ودولتنا في آخر الدهر تظهر

وروي في غيبة النعماني عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: "دولتنا آخر الدول، ولم يبق أهل بيت لهم دولة الّا ملكوا قبلنا لئلاّ يقولوا إذا رأوا سيرتنا إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عزّ وجلّ: (والعاقبة للمتقين)(١٠١٧)"(١٠١٨).
وروي هذا الخبر في غيبة الفضل بن شاذان بسند صحيح عن الامام الصادق عليه السلام.
ولا يخفى أن ما ذكرناه كان نموذجاً من الخصائص والمكارم الالهية المهدوية يعلم منه مقداراً يسيراً من مقاماته الرفيعة صلوات الله عليه، وعظمة دولته عليه السلام التي لم ير مثلها أحد ولم يسمع بمثلها ولن ير مثلها ويُرتفع استغراب بعض ما رد في حقه عليه السلام.
روى الشيخ النعماني في غيبته: "سئل أبو عبد الله عليه السلام(١٠١٩): هل ولد القائم عليه السلام:
فقال: لا، ولو أدركته لخدمته أيام حياتي"(١٠٢٠).
وسوف يأتي عنه عليه السلام كان يدعو للقائم عليه السلام بعد صلاة الظهر، قال الراوي: "أليس قد دعوت لنفسك جعلت فداك؟(١٠٢١)
قال: دعوت لنور آل محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وسائقهم(١٠٢٢) والمنتقم [بأمر الله](١٠٢٣) من اعدائهم"(١٠٢٤).
وسوف يأتي عن الامام الكاظم عليه السلام أنه كان يقول مكرراً عند ذكر صفاته واحواله: "فداه أبي من كذا وكذا...".
وروي في كامل الزيارة عن الامام الصادق عليه السلام في ضمن حوادث خروجه عليه السلام أنه قال: "ولا يبقى مؤمن ميت الّا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره، وذلك حيث يتزاورون في قبورهم، ويتباشرون بقيام القائم عليه السلام..."(١٠٢٥).
وروى هذا المضمون الصدوق في (كمال الدين) عن أمير المؤمنين عليه السلام وفيه أن ذلك السرور يدخل على قلب ذلك المؤمن(١٠٢٦).
وروى النعماني عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: "نظر موسى بن عمران في السفر الاول إلى ما يعطى قائم آل محمد من التمكين والفضل، فقال موسى: ربّ اجعلني قائم آل محمد؛ فقيل له: انّ ذاك من ذرية احمد.
ثم نظر في السفر الثاني فوجد فيه مثل ذلك.
فقال مثله؛ فقيل له مثل ذلك.
ثم نظر في السفر الثالث فرأى مثله، فقال مثله؟ فقيل له مثله"(١٠٢٧).
وروي في (مهيج الأحزان) عن كتاب (رأي العين) أن سيد الشهداء عليه السلام قال لأصحابه ليلة عاشوراء: "ان جدي أخبر إن ولدي الحسين يقتل في صحراء كربلاء غريباً وحيداً عطشاناً فمن نصره نصرنا ونصر ولده القائم المنتظر"(١٠٢٨).
وروي في (بشارة المصطفى) لعماد الدين الطبري(١٠٢٩) وتحف العقول(١٠٣٠) وفي بعض نسخ نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال لكميل: "ما من علم الّا وانا افتحه، وما من سرّ الّا والقائم عليه السلام يختمه "، وفي نسخة (ما من سرّ)(١٠٣١) وفي رواية:"... وما من شيء الّا والقائم عليه السلام يختمه".
فأنت تعلم أن جميع الانبياء والأوصياء انما بعثوا لعمارة القلوب وتحليتها بنور الايمان وتطهيرها وتزكيتها من قذارات وأوساخ العقائد والأخلاق [المنحرفة]؛ ونظراً لوجود موانع كثيرة فانهم لم يتمكنوا من اظهار جميع الافكار، وبيان الرموز والاسرار، وان يوعدوا ويبشروا ويرجعوا ويحبلوا الخلق دائماً اليه عليه السلام عهد حكومته ورئاسته، وبما أنه لا توجد دولة بعدها، فلابد أن لا يبقى شيء لا يقوله عليه السلام ولا يوصله إلى الخلق، ولا يربطهم بالله تعالى، كما اوضح الله تعالى بهذا النحو في آية وعد الاستخلاف بأنه لا خوف بعد ذلك من أحد على الخليفة وانصاره بما يسبب خفاء حق.
وروى الشيخ الجليل علي بن الخراز في كفاية الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال لعلي عليه السلام: "يا علي أنت منّي وأنا منك، وأنت أخي ووزيري، فاذا متُّ ظهرت لك ضغائن في صدور قوم، وستكون بعدي فتنة صماء صيلم يسقط فيها كل وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان شيعتك الخامس من السابع من ولدك، يحزن لفقده الأرض والسماء، فكم مؤمن ومؤمنة متأسف متلهف حيران عند فقده.
ثم أطرق مليّاً، ثم رفع رأسه وقال: بأبي وأمي سميّي، وشبيهي، وشبيه موسى بن عمران عليه جبوب(١٠٣٢) النور - أو قال: جلابيب النور - يتوقد(١٠٣٣) من شعاع القدس، كأنّي بهم آيس من كانوا، ثم نودي بنداء يسمعه من البعد كما يسمعه من القرب"(١٠٣٤) إلى آخر الخبر.
وروى الطبرسي في الاحتجاج، وابن طاووس في (كشف اليقين)(١٠٣٥) خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم البليغة والطويلة في حجة الوداع في غدير خم التي خطبها في ذلك المحضر العظيم، ومن جملة فقرات تلك الخطبة: "معاشر الناس! الا واني منذر، وعليّ هاد.
معاشر الناس! انّي نبي وعلي وصي؛ ألا ان خاتم الائمة منّا القائم المهدي صلوات الله عليه.
ألا أنه فاتح الحصون، وهادمها.. ألا أنه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك.. ألا أنه المدرك بكل ثار لأولياء الله عزّ وجلّ.. ألا انه الناصر لدين... ألا أنه الغراف من بحر عميق (وبرواية السيد: المبتاح من بحر عميق الا أنه يسم.. وبرواية السيد: المجازي) كل ذي فضل بفضله وكل ذي جهل بجهله..
ألا أنه خيرة الله ومختاره..
ألا أنه وارث كل علم، والمحيط به..
ألا أنه المخبر عن ربّه عزّ وجلّ، والمنبّه بأمر ايمانه..
ألا أنه الرشيد السديد..
ألا أنه المفوض اليه..
ألا أنه قد بشر به مَنْ سلف بين يديه..
ألا أنه الباقي حجة، ولا حجة بعده؛ ولا حق الّا معه، ولا نور فوز الّا عنده الّا عنده..
ألا أنه لا غالب له، ولا منصور عليه..
ألا وانه ولي الله في أرضه، وحكمه في خلقه، وامينه في سرّه وعلانيته..(١٠٣٦)

* * *
الباب الرّابع: في ذكر اختلاف المسلمين في الوجود المبارك للامام المهدي صلوات الله عليه

من عدة جهات، وبيان الفرق، ونقل بعض كلماتهم على نحو الايجاز والاختصار.
لا يخفى انّه لا خلاف بين فرق المسلمين المعروفة بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أخبر بمجيء شخص في آخر الزمان يقال له (المهدي) وهو سميّه وينشر دينه صلى الله عليه وآله وسلّم ويملأ الأرض عدلا وقسطاً؛ ولم يخالف احد في ذلك الاّ قول ضعيف نقل من السنة " أن لا مهدي الاّ عيسى ينزل من السماء".
ونقل خبر في هذا الباب، وان نفس اولئك الجماعة يحكمون بضعفه وشذوذه، فضلا عن الامامية؛ ونظيره في الضعف والسخافة ما نقله الميبدي في شرح الديوان عن بعض: أن روح عيسى عليه السلام تظهر في المهدي عليه السلام، وان نزول عيسى عبارة عن هذا الظهور فيطابق حديث " لا مهدي الاّ عيسى بن مريم " انتهى.
وبالجملة أنه قد اُلِّفَتْ كتب كثيرة عند تلك الجماعة في اثبات وجوده وحالاته عليه السلام، مثل: (مناقب المهدي) للحافظ ابي نعيم الاصفهاني.
و(صفة المهدي) له ايضاً؛ والظاهر أنه نفسه الذي يقال له (نعوت المهدي)؛ أو أنه كتاب آخر له.
و(البيان في اخبار صاحب الزمان عليه السلام) لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الشافعي الگنجي.
و(عقد الدرر في أخبار الامام المنتظر) لأبي بدر يوسف بن يحيى السلمي.
و(أخبار المهدي) للسيد علي الهمداني.
و(كشف المخفي في مناقب المهدي عليه السلام) ولو أن مؤلفه شيعي، ولكن جميع أخباره المائة والعشرة مأخوذة من كتب أهل السنة.
و(الملاحم) لأبي الحسن أحمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله المنادي، المعروف بابن المنادي.
وكتاب (سعد الدين الحمويني) خليفة نجم الدين.
و(البرهان في أخبار صاحب الزمان عليه السلام) للملاّ علي المتقي صاحب (كنز العمال).
و(أخبار المهدي) لعباد بن يعقوب الرواجني.
و(العرف الوردي في أخبار المهدي عليه السلام) لعبد الرحمن السيوطي..
وغير ذلك؛ بل في كثير من الكتب السماوية المتداولة نقل عنها عبارات تطابق ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في حقه عليه السلام؛ بل أنه معروف بين الكُهّان، وكلمات سطيح الكاهن واخباره عن صفاته وأحداث ايامه عليه السلام معروفة، وكان معهوداً عند ملوك الفرس كما روى احمد بن محمد بن عياش في مقتضب الأثر أن آخر ملوك الفرس (يزدجرد) عندما أراد أن يهرب من المدائن وقف على أيوان كسرى وقال: السلام عليك أيها الايوان ها أنذا منصرف عنك، وأرجع اليك أنا، أو رجل من ولدي لم يدن زمانه، ولا آن أوانه.
قال سليمان الديلمي: فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فسألته عن ذلك، وقلت له: ما قوله: أو رجل من ولدي؟
فقال عليه السلام: ذلك صاحبكم القائم يأمر الله عزّ وجلّ السادس من ولدي، قد ولده يزدجرد فهو ولده"(١٠٣٧).
ولا توجد فائدة في ذكر هذا النوع من الأخبار في كتب الغيبة المتداولة الّا الحفظ والتبرك وبعض الفوائد الجزئية التي فيها.
كما أنه ليس بحجة على غير المسلمين، وليس فيه عليه السلام خلاف حتى يكون محتاجاً إلى ذكر ذلك، وانما الخلاف في عدة جهات:
الخلاف الأول: في نسبه، وانه ابن مَنْ؟
وفيه عدة اقوال:
الأول:
أن المهدي عليه السلام من أولاد العباس بن عبد المطلب.
وروى محب الدين الطبري في (ذخائر العقبى) عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال للعباس: "منك المهدي في آخر الزمان، به ينتشر الهدى، وبه تطفأ نيران الضلالات انّ الله عزّ وجلّ فتح بنا هذا الأمر وبذريتك يختم"(١٠٣٨).
وروى عن أبي هريرة ايضاً قريباً الى هذا المضمون.
وروى ايضاً عن عثمان، أنه صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "المهدي من ولد العباس"(١٠٣٩).
ولشناعة هذا القول ومخالفة هذه الأخبار للأخبار المتواترة المروية من طرق الفريقين فغير خفى على أي بصير نقّاد كونه عليه السلام من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم غير قابل للخلاف والنزاع؛ ولهذا اوّل ابن حجر وغيره هذه الأخبار بان للعباس أبوة له وذلك لأنّ جدّ المهدي عليه السلام قد رضع من حليب ام الفضل زوجة العباس، وعليه فيمكن أن يقال إنَّ المهدي عليه السلام من ولده.
ولو انهم حملوا تلك الأخبار على الجعل والوضع ارضاءاً لخلفاء بني العباس كما كانت العادة هي كذلك في ذلك الزمان، لكان أحسن من هذا التوجيه الركيك الذي لكثرة برودته اطفأ (صواعق) ابن حجر.
الثاني:
أنه من اولاد أمير المؤمنين عليه السلام، وهو ابن محمد بن الحنفية، وهذا هو مذهب الكيسانية كما قال ذلك الشيخ الجليل أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي - ابن اخت ابي سهل النوبختي - وهو من علماء عصر الغيبة الصغرى، في كتاب (الفرق والمقالات)؛ أنه بعد شهادة الامام سيد الشهداء عليه السلام قالت فرقة: "أن محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى أنه الامام (الهادي)(١٠٤٠) المهدي وهو وصي علي بن أبي طالب عليه السلام؛ ليس لأحد من أهل بيته أن يخالفه، ولا يخرج عن امامته ولا يشهر سيفه الّا بأذنه " وانما خرج الحسن بن علي إلى معاوية محارباً بإذن محمد ووادعه وصالحه بإذنه"(١٠٤١) وان الحسين انما خرج لقتال يزيد بأذنه، ولو خرجا(١٠٤٢) بغير اذنه هلكا وضلاّ، وان من خالف محمد بن الحنفية كافر مشرك، وان محمد استعمل المختار (بن أبي عبيد)(١٠٤٣) على العراق بعد قتل الحسين وأمره بالطلب بدم الحسين عليه السلام (وثأره)(١٠٤٤) وقتل قاتليه وطلبهم حيث كانوا وسمّاه كيسان لكيسيه ولما عرف من قيامه ومذهبه فيهم فهم يسمون المختارية ويدعون الكيسانية.
فلما توفي محمد بن الحنفية بالمدينة في المحرم سنة احدى وثمانين...(١٠٤٥) تفرق اصحابه فصاروا ثلاث فرق:
فرقة قالت: "إن محمد بن الحنفية هو المهدي سمّاه علي عليه السلام مهديّاً لم يمت (ولا يموت)(١٠٤٦) ولا يجوز ذلك ولكنه غاب ولا يدرى أين هو وسيرجع ويملك الأرض ولا امام بعد غيبته إلى رجوعه"(١٠٤٧).
وبعد أن ذكر طائفة منهم قالوا بألوهية محمد ومذاهبهم الفاسدة قال:
وفرقة قالت إن محمد بن الحنفية حي لم يمت، وأنه مقيم بجبال رضوى بين مكة والمدينة تغذوه(١٠٤٨) الارام(١٠٤٩) تغدو عليه وتروح فيشرب من البانها ويأكل من لحومها، وعن يمينه اسد وعن يساره اسد يحفظانه إلى أوان خروجه وقيامه.
وقال بعضهم: "عن يمينه أسد وعن يساره نمر وهو(١٠٥٠) عندهم الامام المنتظر الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أنه يملأ الأرض عدلا وقسطاً، فثبتوا على ذلك حتى فنوا وانقرضوا إلاّ قليلا من أنبائهم وهم احدى فرق الكيسانية"(١٠٥١).
ثم نقل سائر فرقهم، حيث قال بعضهم بموته، وان ولده (ابو هاشم) عبد الله بن محمد هو المهدي الموعود.
وغيرهم من المذاهب الفاسدة المنكرة المنقرضة، وان انقراضها كاف في بطلانها، مع أن قولهم مخالف للاجماع والأخبار المتواترة، وقد مات مهديهم ولم يملأ يوماً قرية واحدة من العدل عند جميع علماء الأمة من الامامية وأهل السنة.
الثالث:
أن المهدي الموعود عليه السلام من ابناء الامام الحسن المجتبى عليه السلام، وقد قوّى هذا القول ابن حجر وآخرون، ومستندهم رواية رواها الترمذي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "المهدي من ولد الحسن"(١٠٥٢).
وقال ابن حجر في الصواعق: "وكأن سر ترك الحسن الخلافة لله عزّ وجلّ شفقة على الأمة، فجعل الله القائم بالخلافة الحق [عند شدة الحاجة اليها](١٠٥٣) من ولده [ليملأ الأرض عدلا](١٠٥٤)، ورواية كونه من ولد الحسين واهية [جداً](١٠٥٥)، ومع ذلك لا حجة فيه لما زعمته الرافضة أن المهدي [عليه السلام](١٠٥٦) [هو الامام أبو القاسم محمد](١٠٥٧) الحجة بن الحسن العسكري"(١٠٥٨).
إلى أن يقول: "ومن المجازفات والجهالات زعم بعضهم(١٠٥٩) أن رواية أنه من أولاد الحسن وهم(١٠٦٠) وزعمه ايضاً أن الأمة اجتمعت على أنه من أولاد الحسين، وانّى لهم بتوهيم الرواة بالتشهي، ونقل الاجماع بمجرد التخمين والحدس(١٠٦١)"(١٠٦٢) انتهى.
الجواب:
أما أولا:
فان الخبر المذكور بعينه مروي في الجمع بين الصحاح الستة بلفظ الحسين، لا الحسن.
فعلى هذه الصورة يكون المتن مضطرباً، وباضطرابه سوف يسقط من درجة الحجية، ويكون غير قابل للتعارض.
أو تقول: إنَّ النسخة التي بلفظ (حسين) مؤيدة بأخبار الخاصة وأهل السنة فتكون هي الصحيحة والمقدمة، فيصير خبر ان المهدي من أولاد الحسين عليهما السلام متفقاً عليه؛ ففي مقام التعارض يؤخذ به، ويطرح ما تفرد به الخصم؛ وهذا هو المراد من الاجماع الذي ادعي في هذا المقام، ولم يفهمه ابن حجر ونسبه إلى التشهي والحدس؛ وعليه فلابد من حمل خبر الترمذي مراعاةً لابن حجر على احد هذه المحامل:
الأول:
خطأ النساخ، أو الراوي؛ فان هذين اللفظين متقاربان بينهما جداً، فيمكن أن يقع بينهما الاشتباه بل وقع لمرات. وقد وقع كثير من الأسماء في الكتب الرجالية للفريقين محل نظر هل هو الحسن أو هو الحسين، ومن الطرائف في هذا المقام أن ابن حجر العسقلاني؛ وهو مقدم على ابن حجر المكي - صاحب الصواعق - وهو وحيد عصره في علم الحديث والرجال، ومعاصر لآية الله العلامة الحلي؛ قال في كتاب (الدرر الكامنة في أحوال المائة الثامنة) في باب (الحسن):
"الحسن ابن يوسف بن مطهر الحلي جمال الدين الشهير بابن المطهر الأسدي يأتي في باب الحسين".. ثم قال في باب الحسين:
"الحسين بن يوسف بن مطهر الحلي المعتزلي جمال الدين الشيعي " ثم نقل مختصراً من احواله؛ وقد اشتبه على مثل هذا العالم النقاد في كتاب وضعه لضبط هذه المسائل، اسم مثل هذا الشخص المعاصر الذي نقل نفسه أنه كان مشهوراً؛ فلا استبعاد باشتباه الناسخ أو الراوي لخبر لم يكن موضع حاجة، وقد مضت عليه قرون.
الثاني:
حمله على الوضع من اتباع محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن عليه السلام فانّهم كانوا يرون انّه المهدي وخرج في المدينة وقتل كما هي مسطورة احواله في كتب التواريخ والسير.
الثالث:
إنَّ نسبة المهدي إلى الحسن عليهما السلام مثل نسبة الحسن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فانه متصل من طرف الأم، وفي كثير من أخبار الفريقين قد عدّ صلى الله عليه وآله وسلّم الحسن عليه السلام ابنه وولده وذرّيته، وقد سمّاه بهذا اللقب، وان المهدي عليه السلام ينتهي من طرف الأم اليه عليه السلام فان ام الامام محمد الباقر عليه السلام هي (ام الحسن) بنت الامام الحسن عليه السلام، فمن الجائز أن يقال أنه عليه السلام من أبنائه، ولا يتعارض مع ذلك الخبر الذي يقول بأنه من أولاد الحسين عليه السلام.
ويؤيد هذا الاحتمال أن الحافظ (أبو نعيم احمد بن عبد الله) قد روى في (مناقب المهدي عليه السلام) عن علي بن هلال عن أبيه انه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم، وهو في الحالة التي قبض فيها، فاذا فاطمة عند رأسه، فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم طرفه اليها، فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك... إلى أن قال: ومنّا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما والذي بعثني بالحق خيرٌ منهما.
يا فاطمة والذي بعثني بالحق أن منهما مهدي هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً.. إلى آخر الخبر وهو طويل(١٠٦٣).
ومن عجائب التعصبات أن ابن حجر قد جمع خبره مع الأخبار السابقة في أنه عليه السلام من ابناء العباس بان جده رضع من حليب ام الفضل، ولم يرض بطرحها مع أن سندها غير صحيح وان قائله غير معروف؛ واما في هذا المقام فلم يحاول الجمع مع ان رعاية الجمع هنا لها أولوية وذلك:
أولا: أن الخبر الدال على أن المهدي يكون من أولاد الحسين عليه السلام في نهاية الاعتبار كما يأتي.
وثانياً: أن القائلين به من أهل السنة كثيرون.
وثالثاً: أنه مؤيد بأخبار الامامية المتواترة وأقوال جميع علمائهم.
ورابعاً: أن الوجه الذي ذكره للجمع فانه هنا اقرب لأن حليب ام الفضل قد شربه الامام الحسين عليه السلام كما روي في المناقب من فضائل الصحابة وغيره عن ام الفضل زوجة العباس انها قالت: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يا رسول الله صلى الله عليك رأيت في المنام كأن عضواً من أعضائك جنبي، فقال صلى الله عليه وآله وسلّم: تلد فاطمة عليها السلام ولداً أن شاء الله يكون في حجرك فترضعيه، فولدت فاطمة عليها السلام الحسين عليه السلام ودفعه إلى أم الفضل فارضعته بلبن قثم بن العباس(١٠٦٤).
الرابع:
الحمل على الجعل والوضع فان صاحب كتاب الترمذي هو نفسه قد وضع الخبر وكتبه عناداً للامامية؛ كما أنه قد لوحظ في ذلك الكتاب موضوعات عديدة، وبما انها خارجة عن امكان الحمل فلذا حكم مهرة الفن على توهمه كما في خبر سفر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى الشام واشرافه على بحيرا الراهب وبعد أن ذكر ما جرى هناك ورؤية الراهب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فلم يناشد الراهب أبا طالب لارجاعه صلى الله عليه وآله وسلّم حتى ردّه أبو طالب وبعث معه ابو بكر بلالا(١٠٦٥).
وقد صرّح الذهبي وجماعة - وان نقل عبارتهم يوجب التطويل - أن ابابكر في ذلك الوقت كان طفلا فان كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم في سفره ذاك تسعة أعوام، وان ابابكر أصغر منه صلى الله عليه وآله وسلّم بسنتين، والظاهر أن بلال لم يكن مولوداً في ذلك الوقت، وعلاوةً على ذلك فان بلالا لم ينتقل لأبي بكر الّا بعد ذلك السفر بأكثر من ثلاثين عاماً، فانه كان لبني خلف الجمحيين، وعندما عذب اشتراه واعتقه(١٠٦٦).
وقد صرح ابن حجر العسقلاني بان رجال سند هذا الحديث ثقات وليس في المتن فكر سوى هذه اللفظة أن ابا بكر بعث بلالا(١٠٦٧).
وروى ايضاً عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمَّهُمْ غيره"(١٠٦٨).
وقد صرّح ابن الجوزي في كتاب (الموضوعات) انّ هذا الخبر موضوع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
وروى ايضاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: "اللهم اعزّ الاسلام باحبِّ هذين الرجلين اليك؛ بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب".
قال: وكان أحبهما اليه عمر(١٠٦٩).
وفي هذا الحديث تحريف غريب على فرض حجته بتصريح علمائهم؛ فقد روى السيوطي في رسالة (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة) عن عكرمة ابن أبي جهل أنه سئل عن هذا الحديث فقال: معاذ الله أن دين الاسلام اعزّ من ذلك انما قال صلى الله عليه وآله وسلّم اللهم عزّ عمر بالاسلام أو أبو جهل(١٠٧٠).
وروى برهان الدين الشافعي في السيرة الحلبية عن عائشة انها قالت: "انما قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم: اللهم عزّ عمر بالاسلام لأن الاسلام يُعِز ولا يُعَز"(١٠٧١).
وروى أيضاً: "اُتي النبي صلى الله عليه (وآله) وسلّم بجنازة رجل ليصلّي عليه، فلم يصلّ عليه...(١٠٧٢) قال: انّه كان يبغض عثمان...(١٠٧٣) "(١٠٧٤).
وقد عدّ ابن الجوزي هذا الخبر في كتاب (الموضوعات) من الموضوعات.
ونقل عن أحمد بن حنبل ان محمد بن زياد الذي هو أحد رواة هذا الخبر كان كذاباً خبيثاً ويضع الأحاديث، وقال يحيى بن معين: كان كذاباً خبيثاً، وقال سعدي والدار قطني والبخاري والنسائي وفلاسي(١٠٧٥) وأبو حاتم الرازي: متروك الحديث، وقال أبو حيان(١٠٧٦): كان ممن يضع الحديث على الثقات لا يحل ذكره في الكتب الّا على جهة القدح(١٠٧٧).
والأعجب من كلّ ذلك انّه روى عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منّا وحضرت الصلاة، فقدّموني، فقرأت " قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون " فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون)(١٠٧٨).
ونزول آية تحريم الخمر قبل نزول هذه الآية الشريفة والتي - والعياذ بالله - شرب عليه السلام الخمر حينها.
وتفصيل جرح هذا الخبر لا تسعه دفاتر، ولكن العالم الجليل والحبر النبيل سيف الشيعة ومصباح الشريعة النقّاد عديم النظير والمتبحّر الخبير سماحة مير حامد حسين الهندي المعاصر أدى في الجملة حق الاسلام والايمان في المجلّد الأول في (كتاب استقصاء الافحام) وقد سجّل سطراً من فضايحه وشنائعه، جزاه الله تعالى عنّا خير الجزاء.
وأمّا ثانياً:
انّ ما قاله في رواية ان المهدي عليه السلام من أولاد الحسين عليه السلام واهية؛ فلعلّه لم يصدر منه في حالة الشعور، فان جميع فرق الشيعة، وجميع علماء ورواة الاماميّة قد نقلوه، ورواه يوسف بن يحيى السلمي في كتاب (عقد الدرر) عن الامام أبي عبد الله نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن الأعمش عن أبي وائل(١٠٧٩) قال: نظر علي إلى الحسين(١٠٨٠) عليهما السلام، فقال: ان ابني هذا سيّد، كما سمّاه رسول الله صلى الله عليه (وآله)
وسلّم، سيخرج من صلبه رجل باسم نبيّكم، يملأ الأرض عدلا، كما ملئت ظلماً وجوراً"(١٠٨١).
وروى قريباً منه عن ابي اسحاق(١٠٨٢).
وروى شيخ حديث أهل السنة ابو الحسن الدار قطني وقد اعتمد عليه جماعة كثيرون ممن سوف نذكر اسمائهم. ونحن نذكر الخبر بالنحو الذي نقله الكنجي الشافعي في كتاب (البيان).
قال هناك: الباب التاسع: في تصريح النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بأن المهدي عليه السلام من ولد الحسين عليه السلام.
أخبرنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قراءة عليه وأنا اسمع بمدينة حلب.
قال: أخبرنا أبو الفتح ناصر بن محمد بن أبي الفتح اسماعيل بن الفضل السراج، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم، أخبرنا الحافظ شيخ أهل الحديث وقدوتهم في النقل أبو الحسن علي بن عمر ابن أحمد بن مهدي بن مسعود الشافعي المعروف بالدار قطني، حدّثنا احمد بن محمد ابن سعيد، حدّثنا ابراهيم بن محمد بن اسحاق بن يزيد، حدّثنا سهل بن سليمان عن أبي هارون العبدي قال: أتيت أبا سعيد الخدري، فقلت له: هل شهدت بدراً؟ فقال: نعم، فقلت: ألا تحدّثني بشيء ممّا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في علي عليه السلام وفضله، فقال: بلى، أخبرك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم مرض مرضة نقه(١٠٨٣) منها فدخلت عليه فاطمة عليها السلام تعوده وأنا جالس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فلمّا رأت ما برسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من الضعف خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدّها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ما يبكيك يا فاطمة؟ أما علمت ان الله تعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك فبعثه نبياً، ثم اطلع ثانية فاختار بعلك، فأوحى اليّ فأنكحته واتّخذته وصيّاً، أما علمت انك بكرامة الله تعالى أباك زوجك أعلمهم علماً، وأكثرهم حلماً وأقدمهم سلماً، فضحكت واستبشرت، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أن يزيدها مزيد الخير كلّه الذي قسمه الله لمحمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلّم فقال لها: يا فاطمة ولعلي ثمانية اضراس - يعني مناقب -: ايمان بالله ورسوله، وحكمته، وزوجته، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر.
يا فاطمة انّا أهل البيت أعطينا ست خصال لم يُعطَها أحد من الأولين، ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا أهل البيت، نبيّنا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصيّنا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عم أبيك، ومنّا سبطا هذه الأمة وهما ابناك، ومنّا مهدي الأمة الذي يصلي عيسى خلفه، ثم ضرب على منكب الحسين عليه السلام، فقال: من هذا مهدي الأمة(١٠٨٤).
قال الكنجي: "هذا الخبر أخرجه بتمامه الدار قطني صاحب الجرح والتعديل"(١٠٨٥).
يعني انّه مقبول جرحه وتعديله في علماء أهل السنة في علم الحديث والرجال، ومتّبع، وجلالة قدر (أبو الحسن الدار قطني) عند أهل السنة اكثر مما أشير إليه.
وقال الذهبي في (العبر) في وقائع سنة خمس وثمانين وثلاثمائة: الدار قطني أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الحافظ المشهور صاحب التصانيف، روى عن البغوي وطبقته ذكره الحاكم فقال: صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع؛ اماماً في القراءات والنحو، صادفته فوق ما وصف لي...
وقال الخطيب: كان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وامام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل واسماء الرجال مع الصدق، وصحة الاعتقاد، والاضطلاع من علوم سوى علم الحديث منها القراءات..."(١٠٨٦).
ونقل عن القاضي ابي الطيب الطبري: "الدار قطني أمير المؤمنين في الحديث"(١٠٨٧).
انتهى ملخصاً، ونحن سوف نذكر مدح الگنجي وشواهد اُخرى على اعتبار هذا الحديث ان شاء الله تعالى.
وأمّا ثالثاً:
ما ذكره من سرّ ان المهدي عليه السلام من أولاد الامام الحسن عليه السلام وتعارضه مع السر الأظهر والأتمّ والأقوى المروي بأسانيد متعددة عن أهل البيت وهو شهادة الامام سيد الشهداء عليه السلام وقد عوضه الله عزّ وجلّ بعدة مكرمات احدها: ان جعل الائمة من ولده(١٠٨٨).
وهذا الموضوع واضح وبيّن لجميع المسلمين، فان سلسلة ذريّته المتّصلة عليه السلام من الامام السجاد عليه السلام إلى الامام الحسن العسكري عليه السلام كل منهم من العلماء الحلماء العاملين الزاهدين صاحب كرامات ومقامات وأهل للخلافة والرئاسة العامة، وإنْ لم يتحقق لهم بحسب الظاهر.
وقد تقدّم في باب ألقابه في تفسير الآية الشريفة: (ومن قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً)(١٠٨٩) ان المقصود من المظلوم الامام الحسين عليه السلام(١٠٩٠) وان وليّه الامام المهدي عليه السلام وهو المنصور الذي يطلب بدمه عليه السلام(١٠٩١).
وروى الحاكم في المستدرك بعدة طرق - كما اعترف بذلك ابن حجر - أوحى الله تعالى(١٠٩٢) إلى محمد صلى الله عليه (وآله) وسلّم انّي قتلت بيحيى بن زكريا سبعين الفاً وانّي قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً [وسبعين الفاً](١٠٩٣).."(١٠٩٤).
وأمّا رابعاً:
ان ما قاله كونه عليه السلام من ولد الحسين... لا حجّة فيه للامامية، بأنّ المهدي لابد أن يكون ابن الامام الحسن العسكري عليه السلام(١٠٩٥).
إنَّ ما قاله صحيح، ولكن لحدّ الآن لم يستدل أحد من عوام الشيعة فضلا عن علمائهم بذلك على المدّعى، وانما هو ردّ على قول من قال بأنه عليه السلام من أولاد العباس، أو الامام الحسن؛ فعندما يعني شخصه عليه السلام فينتج ان اباه هو الامام العسكري عليه السلام ولهذا يكون سهلا، وحاشا علماء الامامية ان يتمسكوا بأدلة غير محكمة، أو يحتاجون اليها؛ واذا كانت هذه النسبة صحيحة فلماذا لم يُسمَّ القائل وكتابه؟ انما هو من عمله هو نفسه حيث يتمسك بكل ما لا أساس له وليستدل به على الدعاوى الكبيرة؛ ولو لم يستلزم الخروج عن موضوع الكتاب لنقلنا قسماً منه.
القول الرابع:
"انّه عليه السلام من أولاد الامام الحسين عليه السلام".
وهذا القول كما تقدّم هو مذهب جميع الاماميّة واكثر فرق الشيعة الأخرى وقد وافق الاماميّة في شخصه عليه السلام جماعة من أهل السنة ايضاً وسوف يذكرون، ويتّضح مستندهم من مطاوي هذا الباب والباب الآتي.
الخلاف الثاني: في اسم ابي الامام المهدي عليه السلام.
أمّا الامامية فمذهبهم معروف وهو ما يطابق النصوص الخاصة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وباقي الائمة عليهم السلام الثابتة امامتهم، وقولهم حجة في مكانه، يعتقدون انّه الامام الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام؛ وقد روي في اخبار العامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال عن المهدي: اسمه اسمي(١٠٩٦)، وفي بعضها زيادة " وكنيته ككنيتي"(١٠٩٧).
وجماعة من أهل السنة يقولون بأنَّ اسم أبيه عليه السلام اسم أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، يعني عبد الله.
وقال ابن حجر في الصواعق بعد كلامه السابق: "لا حجة فيه لما زعمته الرافضة... الخ".
"وممّا يرد عليهم ما صح ان اسم ابي المهدي يوافق اسم أبي النبي صلى الله عليه (وآله) وسلّم، واسم ابي محمد الحجة لا يوافق ذلك..."(١٠٩٨).
وعدّ من مجازفات وجهالات الرافضة: "زعم بعضهم ان رواية انه من اولاد الحسن، ورواية اسم ابيه اسم ابي كلّ منهما وَهمٌ"(١٠٩٩).
والجواب:
أما أولا: ففي جميع الأحاديث النبويّة عند الاماميّة، التي أخبر بها صلى الله عليه وآله وسلّم بمجيء المهدي عليه السلام، فلا توجد فيها هذه الزيادة، بل ذكر في بعضها ان كنيته كنيتي.
وكذلك ليست هذه الزيادة في معظم أحاديث أهل السنة. وان هذه الزيادة زادها زائدة بنص الگنجي الشافعي، وهو يزيد في الحديث، وقد بين هذا الموضوع في غاية التوضيح في كتابه (البيان) بعد أن ذكر حديثاً باسناده عن سنن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وهو أحد(١١٠٠) الصحاح الستة عن مسدد عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن عاصم عن زر بن حبيش، عن عبد الله [يعني عبد الله بن مسعود](١١٠١) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي"(١١٠٢).
ثم قال: "اخبرنا(١١٠٣) الحافظ ابو الحسن محمد بن الحسين بن ابراهيم بن عاصم الأبري(١١٠٤) في كتاب مناقب الشافعي ذكر هذا الحديث وقال فيه: وزاد زائدة في روايته: لو لم يبق من الدنيا الّا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلا منّي، أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً".
ثم قال الكنجي: وقد ذكر الترمذي الحديث ولم يذكر قوله: واسم أبيه اسم أبي.
وذكره أبو داود وفي معظم روايات الحفاظ والثقات من نقلة الأخبار: "اسمه اسم أبي " فقط؛ والذي رواه: "واسم أبيه اسم أبي " فهو زائدة، وهو يزيد في الحديث"(١١٠٥).
ثم ذكر الجواب الثاني الذي يأتي ذكره، ثم قال: "والقول الفصل في ذلك ان الامام أحمد مع ضبطه وإتقانه روى هذا الحديث في مسنده عدّة مواضع " واسمه اسمي"(١١٠٦).
يعني بدون زيادة.
ثم نقل الرواية باسناده عن احمد في مسنده عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "لا تذهب الدنيا... إلى أن يقول: يواطئ اسمه اسمي"(١١٠٧).
وجمع الحافظ ابو نعيم طرق هذا الحديث عن الجمّ الغفير في (مناقب المهدي) كلّهم عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم؛ فمنهم سفيان بن عيينة، كما أخرجناه وطرقه عنه بطرق شتى.
ومنهم: قطر بن خليفة، وطرقه عنه بطرق شتى.
ومنهم: الأعمش، وطرقه عنه بطرق شتى.
ومنهم: أبو اسحاق سليمان بن فيروز الشيباني وطرقه عنه بطرق شتى.
ومنهم: حفص بن عمر.
ومنهم: سفيان الثوري، وطرقه بطرق شتى.
ومنهم: شعبة، وطرقه بطرق شتى.
ومنهم: واسط بن الحارث.
ومنهم: يزيد بن معاوية أبو شيبة، له فيه طريقان.
ومنهم: سليمان بن قرم، وطرقه عنه بطرق شتى.
ومنهم: جعفر الأحمر، وقيس بن الربيع، وسليمان بن قرم، وأسباط جمعهم في سند واحد.
ومنهم: سلام أبو المنذر(١١٠٨).
ومنهم: أبو شهاب محمد بن ابراهيم الكناني، وطرقه عنه بطرق شتى.
ومنهم: عمر بن عبيد الطنافسي، وطرقة عنه بطرق شتى.
[ومنهم: أبو بكر بن عياش، وطرقه عنه بطرق شتى](١١٠٩).
ومنهم: أبو الجحاف داود بن أبي العوف وطرقه عنه بطرق شتى.
ومنهم: عثمان بن شبرمة وطرقه عنه بطرق شتى.
ومنهم: عبد الملك بن أبي عيينة.
ومنهم: محمد بن عياش عن عمرو العامري وطرقه بطرق شتى وذكر سنداً وقال فيه حدّثنا أبو غسان حدّثنا قيس ولم ينسبه.
ومنهم: عمرو بن قيس الملائي.
ومنهم: عمّار بن زريق.
ومنهم: عبد الله بن حكيم بن جبير الأسدي.
ومنهم: عمر بن عبد الله بن بشر.
ومنهم: أبو الأحوص(١١١٠).
ومنهم: سعد بن الحسن بن أخت ثعلبة(١١١١).
ومنهم: معاذ بن هشام قال: حدّثني ابي عن عاصم.
[ومنهم: يوسف بن يونس.
ومنهم: غالب بن عثمان.
ومنهم: حمزة الزيات.
ومنهم: شيبان](١١١٢).
ومنهم الحكم بن هشام.
ورواه غير عاصم عن زر وهو عمرو بن مرّة [عن زر](١١١٣)، كل هؤلاء روَوْا (اسمه اسمي) الّا ما كان من عبيد الله بن موسى عن زائدة، عن عاصم فانّه قال فيه: "واسم أبيه اسم أبي "، ولا يرتاب اللبيب ان هذه الزيادة لا اعتبار بها مع اجتماع هؤلاء الائمة على خلافها(١١١٤).
انتهى كلام الگنجي، وملخّصه: هو ان سند هذا الخبر ينتهي إلى عبد الله بن مسعود الذي هو من أعيان الصحابة، وقد رواه عنه (زر بن حبيش) وهو من فضلاء أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وقد رواه عنه (عاصم بن ابي النجود) وهو أحد القراء السبعة المعروفين، وقد رواه عن عاصم أكثر من ثلاثين نفر بينهم المعروفين من مهرة المحدّثين المتّقين عندهم، بل ان بعضهم عندنا ايضاً كالأعمش والسفيانين وأبو بكر بن عياش وأمثالهم.
فكيف يجيز عاقل أن تسقط هذه الزيادة من قلم هؤلاء جميعاً سهواً؛ فإمّا أن تكون قد أسقطت عمداً، أو تكون تلك الزيادة قالها عاصم لزائدة فقط ولم يقلها لهذه الجماعة؟
الحق انّه كان على ابن حجر أن يطأطئ رأسه من الخجل والندم، أو يخفي نفسه في حجر حيوان؛ حيث رضي لنفسه بتخطئة كل هذه الأحاديث، ويقدّم زائدة عليهم جميعاً، مع انّه بنص الگنجي الشافعي كانت عادته أن يزيد في الأحاديث، لمجرد ان يشكل باشكال سخيف على الامامية.
ونقل عن الخواجة محمد پارسا في حاشية كتابه (فصل الخطاب) بعد أن ذكر خبر زائدة في المتن؛ قال: "ان أهل البيت لا يصححون هذا الحديث لأنه قد ثبت عندهم اسمه واسم أبيه، ونقل جمهور أهل السنة ان زائدة يزيد في الأحاديث، وذكر الامام الحافظ أبو حاتم البستي رحمه الله في كتاب المجروحين من المحدّثين؛ زائدة مولى عثمان روى عنه أبو زياد، حديثه منكر قطعاً، وهو مدني لا يحتج به ولو وافق الثقات، فكيف إذا انفرد.
وزائدة بن أبي الرقاد الباهلي من أهل البصرة يروي المنكرات من المشهورات فلا يحتج بحديثه ولا يكتب الّا للاعتبار"(١١١٥).
فانكشف لكل بصير ان هذه الزيادة مختصة بزائدة وليست حجة على احد وبالخصوص الاماميّة.
وان الحكم برد الزائد عن المقدار المنقول المتّفق عليه معتاد بينهم، كما ان الفخر الرازي بعد أن حكم في (نهاية العقول) يضعف حديث الغدير، فانّه صححه لمحض مما شاة التسليم، ولكنه أورد: انّ صدر الحديث هو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ولا يتم الاستدلال بهذا الحديث - حسب اعتقاده – الّا اذا كان ذلك الكلام في الصدر الذي هو من زيادة الشيعة فلا يوجد في متون أسانيد أهل السنة، فيكون ساقطاً عن درجة الاعتبار والحجيّة.
والغاية من نقل هذا الكلام هو مجرّد الاشارة إلى ان هذه الطريقة طبيعية، والّا فان كلامه مخدوش من عدّة جهات، فالمسكين ما فعل في معقولاته التي صرف فيها عمره، حتى يتصرّف في المنقولات ويعلم من كتب أخبارهم ان اكثر من ثلاثين نفر من المهرة وأكابر محدّثيهم قبله قد روَوْا الصدر وهو موجود في كتبهم بحمد الله.
وقد تقدّم احتمال أن تكون هذه الزيادة للدعوة إلى محمد بن عبد الله بن الحسن؛ فكان المنصور قبل خلافته يمشي في ركابه احياناً ويقول: "هذا مهديّنا أهل البيت "؛ أو لأجل استمالة أبي حنيفة لأنه كان يدعو إلى محمد المذكور.
وأما ثانياً: فعلى فرض صحة الحديث، فلابد من التصرّف في ظاهر الحديث للجمع بين الأخبار، وذلك ان يكون المقصود من الأب هو الجد، كما تكرر في القرآن اطلاق الأب على الجد؛ فقال: (ملّة أبيكم ابراهيم)(١١١٦)، وقال يوسف عليه السلام: (واتبعت ملّة آبائي ابراهيم واسحاق)(١١١٧)، وقال ابناء يعقوب لأبيهم: (نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق)(١١١٨).
وفي أخبار ليلة المعراج ان جبرئيل قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: "هذا أبوك ابراهيم".
والمراد من الأب هنا كما قاله محمد بن طلحة الشافعي، والگنجي انّه الامام الحسين عليه السلام.
والمراد من الاسم الكنية فان كنيته عليه السلام هي "أبو عبد ا لله "؛ فانّه يقال لها اسماً مقابل الاسم، ومن الشائع أن يقال للاسم كنية كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سهل الساعدي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم سمّى علياً بأبي تراب، وما كان له اسم أحبّ إليه منه(١١١٩).
وجاء في أشعار العرب ايضاً.
وعلى هذا الاحتمال فيمكن أن يجاب بجواب آخر وان محذوره أقل وهو: ان المراد من الأب هو الامام الحسن العسكري عليه السلام فان كنيته ابي محمد، وكنية عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أبي محمد ايضاً، كما ذكر في (ضياء العالمين).
واحتمل الگنجي احتمالا ثالثاً؛ فلعلّ أصل (واسم أبيه اسم ابني) أي الحسن [ووالد المهدي اسمه حسن فيكون الراوي](١١٢٠) قد توهّم ابني فصحفه(١١٢١) فقال: (أبي)، فوجب حمله على هذا جمعاً بين الروايات(١١٢٢).
ثم قال: "والقول الفصل... " إلى آخر ما تقدّم.
الخلاف الثالث: بتعيين شخص المهدي عليه السلام.
ومن هنا يظهر خلاف آخر وهو: هل انّه ولد أم بعد لم يولد؟
أما الشيعة غير الاماميّة فبين فرقهم آراء سخيفة وأقوال مختلفة ومذاهب غريبة كثيرة وقد انقرضت أغلبها بل اكثرها بحمد الله، وبيان كلماتهم تفصيلا تضييع للعمر والوقت، ولأجل التسجيل فاننا نشير إلى أقوالهم على نحو الاجمال:
الاُولى:
الكيسانية(١١٢٣)؛ ففرقة منهم ادّعت ان محمد بن الحنفيّة هو المهدي.
وفرقة ادّعت ابنه (أبو هاشم عبد الله)، كما تقدّم.
وفرقة ادّعت عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
الثانية:
المغيريّة؛ وهم أصحاب المغيرة بن سعيد، وقد اخترع له مذهباً بعد وفاة الامام محمد الباقر عليه السلام، ويدّعون ان محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام هو المهدي بسبب خبر زائدة المتقدّم، ويقولون هو حي ولم يمت ومقيم بجبل يقال له (العلمية) وهو الجبل الذي في طريق مكة ونجد(١١٢٤) الحاجز عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وهو الجبل الكبير، وهو عندهم مقيم فيه حتى يخرج(١١٢٥).
وخرج محمد في المدينة، وقتل فيها.
الثالثة:
الناووسية؛ وقد انكروا موت الامام الصادق عليه السلام وزعموا انّه عليه السلام المهدي(١١٢٦).
الرابعة:
الاسماعيليّة الخالصة؛ وقد انكروا موت اسماعيل بن الامام الصادق عليه السلام وزعموا انّه الامام بعده عليه السلام وانه حي وانّه المهدي القائم(١١٢٧).
الخامسة:
المباركية؛ وهي فرقة من الاسماعيلية، ويقولون انّه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم سبعة أئمة لا اكثر؛ أمير المؤمنين عليه السلام امام ونبي، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد عليهم السلام، ومحمد بن اسماعيل بن جعفر وهو امام العالم والنبي والمهدي، ويزعمون ان معنى القائم هو أن يبعث برسالة جديدة ينسخ بها شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلّم(١١٢٨).
السادسة:
الواقفية؛ ويقولون ان الامام موسى بن جعفر عليهما السلام هو القائم والمهدي الموعود، ولكن بعضهم يعترف بوفاته عليه السلام ويقولون انّه يحيى ويسخر العالم؛ ويقول بعضهم انّه خرج من حبس السندي في يوم ولم يره أحد، وقد شبه أصحاب هارون على الناس بأنه مات ولكنّه لم يمت وانما غاب(١١٢٩).
السابعة:
المحمدية؛ ويزعمون ان الامام بعد الامام علي النقي عليه السلام هو محمد ابنه الذي توفي في حياته عليه السلام، ويقولون بأنه لم يمت وهو حي وهو القائم المهدي.
ومزار السيد محمد المذكور يقع في ثمانية فراسخ من سامراء قرب قرية بلد، وهو من اجلاء السادات وصاحب الكرامات المتواترات حتى عند أهل السنة وأعراب البادية وانهم يجلونه غاية الاجلال، ويخافون منه عليه السلام ولا يحلفون به كذباً ويبعثون إليه النذور من النواحي على الدوام، بل ان اغلب الدعاوى تحل في سامراء ونواحيها بالقسم به عليه السلام وقد رأينا عدّة مرّات عندما يكون البناء أن يقسم فان المنكر يرجع المال إلى صاحبه، ومن يحلف به كاذباً يتأذى.
وخلال أيام وجودي في سامراء ظهرت عدّة كرامات باهرات منه عليه السلام وقد عزم بعض العلماء على أن يجمعها ويكتب رسالة في فضله وفقه الله تعالى.
الثامنة:
الفرقة العسكرية؛ ويزعمون ان الامام الحسن العسكري عليه السلام غائب وهو القائم، وانّه لم يمت.
وبعضهم قال توفي ولكنه سوف يحيى بعد ذلك! ودليل هذه الجماعة أما خبر ضعيف قد انفردوا في نقله؛ أو خبر معتبر لا دلالة له على مقصودهم أبداً، وإمّا تأويل في أخبار معتبرة ولكنها لا تصلح شاهداً وبرهاناً؛ أو الحدس والتخمين الذي لا يتجاوز الوهم والظن.
وكيف يجيز عاقل مثل هذا الموضوع الخطير والمنصب العظيم ويثبت لشخص زمام دين وروح وعرض ومال كل العباد بيده، وقدرة القيام على حفظها وحراستها وتكميلها وقوّتها؛ معتمداً بذلك على خبر ضعيف ومستند سخيف وان لم يكن له معارض ومناف؟!
التاسعة:
الطائفة المحقة، والفرقة الناجية، والعصابة المهتدية الامامية الاثنا عشرية أيّدهم الله تعالى، وانهم يقولون انه بحسب النصوص المتواترة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم وأمير المؤمنين عليه السلام - كما سوف يشار إليه اجمالا في الباب الآتي - انّ الخلف الصالح الحجة بن الحسن العسكري عليهم السلام هو المهدي الموعود والقائم المنتظر والغائب عن الأنظار والسائر في الأقطار.
وجاء من جميع الائمة الماضين عليهم السلام التصريح باسمه ووصفه وشمائله وغيبته عليه السلام وقد ثبتت قبل ولادته عليه السلام في الكتب المعتبرة لثقات أصحابهم، وان جملةً منها موجودة لحدّ الآن.
وقد رآه ناس كثيرون على نحو من أخبروا عنه ووصفوه، وكان اسمه ونسبه وأوصافه مطابقاً لما قالوا.
فلا يبقى للمنصف العاقل ريب وشك في ان هذا الموجود المبارك هو ذلك المهدي الموعود.
كما ان منصفي أهل الكتاب من اليهود والنصارى بمجرّد انهم رأوا ما ذكر في الكتب السماوية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم وشمائله تنطبق عليه فانهم اسلموا، مع ان تلك الخصوصيّات والمعرفات هناك عندهم أقل بمراتب مما هو موجود هنا، والعمدة هو بعد عصر الأنبياء هناك وقرب عصر رسول الله وأوصيائه صلوات الله عليهم اجمعين هنا، فان اكثر ما قالوه بقي محفوظاً حتى انّه نقله جملة من مخالفينا، كما يأتي في الباب الآتي ان شاء الله تعالى.
وقد وافقنا في هذا المذهب والاعتقاد جماعة من أهل السنة، ونحن مضطرون إلى ذكر اسمائهم والاشارة إلى علو مقاماتهم عند تلك الجماعة لكي يستحوا لا محالة من علمائهم ومحدّثيهم وأهل الكشف واليقين واقطاب الأرض عندما يكونوا في مقام الطعن والاشكال، لا شيء عنده في المقابل ولا يظهر الاّ عدم العلم وعدم المعرفة، وبعض الاستبعادات والشبهات التي يأتي جوابها بنفي دعوة الاماميّة وسيأتي توضيح اكثر من هذا ان شاء الله تعالى.
وأما موافقينا من أهل السنة:
فالأول: "أبو سالم كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد القرشي النصيبي " في كتاب (مطالب السؤول) في (الباب الثاني عشر) فانه اعتقد بهذا المطلب جازماً وأصرّ مبالغاً، وقد ذكر قسماً من شبهات المنكرين وردّها، ومدحه عليه السلام بأبيات رائقة وعبارات مونقة، وان نسخ هذا الكتاب شائعة وقد طبع في طهران وكذلك في لكنهور من بلاد الهند.
ولا يخفى ان اكثر ما نقلناه هنا من كتب أهل السنة من التراجم منقول من المجلّد الأول من كتاب (استقصاء الأفحام) وبعض مجلدات (عبقات الأنوار) لحامي الدين، وماحي بدع الملحدين، سلطان المحدّثين، وملاذ المتكلّمين سماحة مير حامد حسين، المعاصر الهندي دام علاه؛ فقد أخذها جميعاً من كتبهم الصحيحة بدون تصرّف وواسطة في النقل، جزاه الله عن الاسلام والمسلمين خير جزاء المحسنين.
قال عبد الله بن أسعد اليافعي(١١٣٠) المعروف في تاريخ (مرآة الجنان) في حوادث سنة اثنين وخمسين وستمائة قال توفي فيها كمال الدين محمد بن طلحة النصيبي الشافعي، وكان رئيساً محتشماً بارعاً في الفقه والخلاف، ولي الوزارة مرّة ثم زهد وجمع نفسه(١١٣١)... ثم نقل كرامة له ليس هنا مقام ذكرها.
وقال الشيخ جمال الدين عبد الرحيم بن حسن بن علي الاسنوي الفقيه الشافعي صاحب التصانيف الكثيرة المعروفة، في طبقات فقهاء الشافعيّة بعد أن ذكره على المتقدّم: "كان اماماً بارعاً في الفقه والخلاف، عارفاً بأصول الفقه والكلام رئيساً كبيراً معظماً، وتراسل معه الملوك وأقام في المدرسة الأمينيّة بدمشق وقلّده الملك الناصر الوزارة وكتب له امراً في ذلك فتنصل واعتذر فلم يقبل منه فتولاها يومين، ثم انسل خفية وترك الأموال وذهب فلم يدر أين ذهب، سمع الحديث ورواه... الخ"(١١٣٢).
وقال تقي الدين احمد بن أبي بكر بن القاضي شهبة، في طبقات الشافعية: محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن الشيخ كمال الدين أبو سالم الطوسي العدوي القرشي النصيبي مصنّف كتاب العقد الفريد: كان أحد الصدور والرؤساء المعظمين وتفقه وشارك في العلوم وكان فقيهاً بارعاً عارفاً بالمذهب والأصول والخلاف - وبعد أن ذكر وزارته وتزهده، قال -: "وكان مشتغلا بعلم الحروف ويستخرج منها اشياء من المغيّبات"(١١٣٣).
وقال السيد عز الدين: "كان أحد العلماء المشهورين والرؤساء المعروفين ومقدماً عند الملوك وتصل إليه المراسلات منهم ثم زهد في آخر أمره وترك التقدّم في الدنيا وتوجّه إلى ما ينفع، ومضى من الدنيا بالسداد والجميل"(١١٣٤).
وقال عبد الغفار بن ابراهيم العلوي العكي العدناني الشافعي في (عجالة الراكب وبلغة الطالب): كان أحد العلماء المشهورين.
وقال الكاتب الچلبي القسطنطيني في (كشف الظنون في اسماء الكتب والفنون):
الدر المنظم في السر الأعظم " المعظم " للشيخ كمال الدين ابي سالم محمد بن طلحة العدوي الجفار (الشافعي) المتوفى سنة ٦٥٢ اثنتين وخمسين وستمائة مختصر أولّه الحمد لله الذي اطلع من اجتباه من عباده الأبرار على خبايا الأسرار الخ... ذكر فيه ان له اخاً صالحاً كشف له في خلواته عن لوح شاهده فأخذه فوجده دائرة وحروفاً وهو لا يعرف معناها فلمّا أصبح نام فرأى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو يعظم هذا اللوح ثم قال له اشياء لم يفهمها وأشار إلى كمال الدين انّه يشرحه فحضر ذلك الرجل عنده وعرف الواقعة وصورة الدائرة فعلق هذه الرسالة عليها فاشتهر بجفر ابن طلحة، وقال البوني في شمس المعارف الكبرى ان هذا الرجل الصالح قد اعتكف ببيت الخطابة بجامع حلب وكان اكثر تضرّعه إلى مولاه أن يريه الاسم الأعظم فبينما هو كذلك ذات ليلة واذا بلوح من نور فيه اشكال مصوّرة فأقبل على اللوح يتأمله واذا هو أربعة أسطر وفي الوسط دائرة وفي الداخل دائرة اُخرى، وذكر البسطامي ان ذلك الرجل الشيخ أبو عبد الله محمد بن الحسن الأخميمي وان تلميذه ابن طلحة استنبط اشارات رموزها على انقراض العالم لكن على سبيل الرمز(١١٣٥).
وان نسبة الكتاب(١١٣٦) له من الوضوح بدرجة ان ابن تيمية مع كل عناده ولجاجه في منهاجه(١١٣٧) حيث ينكر احياناً المتوترات فانه لم يتمكّن ان ينكره، وقد نسب إليه هذا الكتاب والحمد لله.
وقد سجّلت جملة من مؤلفاته في (كشف الظنون)(١١٣٨).
الثاني: أبو عبد الله محمد بن يوسف الگنجي الشافعي، فقد كتب كتاباً مستقلا في ذلك مشتملا على اربعة وعشرين باباً، ونقل اخباراً مسندة عن الكتب المعتبرة. واثبت بنحو أتم ما عليه مذهب الاماميّة، وردّ شبهات أصحابه.
وقال في كشف الظنون: "البيان في اخبار صاحب الزمان للشيخ ابي عبد الله محمد بن يوسف الگنجي المتوفى سنة ٦٥٨"(١١٣٩).
وقال ايضاً: "كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب للشيخ الحافظ ابي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الگنجي الشافعي"(١١٤٠).
وقد عبّر عنه في (الفصول المهمة) بالامام الحافظ.
وفي اصطلاح أهل الحديث عند علماء أهل السنة ان الحافظ من يحيط بعلم مائة الف حديث من حيث المتن والسند.
وعند الحقير نسخة قديمة من (كفاية الطالب) كتبت في عصر المصنّف، وكتب على ظهرها بخط بعض الأفاضل: "كتاب كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام املاء سيّدنا الشيخ الامام العالم العارف الحافظ المتبحّر فخر الدين شرف العلماء قدوة الفقهاء ومفتي الفرق فقيه الحرمين محيي السنة قامع البدعة رئيس المذاهب ابي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد القرشي الگنجي الشافعي جعل الله سعيه مرضياً وأعلاه على الأشياء والأنظار فلا يقال أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً".
الثالث: العالم الفقيه الواعظ شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزعلي بن عبد الله البغدادي الحنفي سبط العالم الواحد ابي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي المترجم في تاريخ ابن خلگان، ومرآة الجنان لليافعي، وروضة المناظر، وكفاية المتطلّع، وكشف الظنون، واعلام الأخبار للكفوي وغيره.
قال في اعلام الأخبار:
يوسف بن قزعلي بن عبد الله البغدادي سبط الحافظ ابي الفرج بن الجوزي الحنبلي صاحب مرآة الزمان في التاريخ ذكره الحافظ شمس الدين في معجم شيوخه كان والده من موالي الوزير عون الدين بن هبيرة، ويقال في والده قز علي بحرف القاف وبالقاف أصح ولد في سنة ٥٨١ ببغداد وتفقه وبرع وسمع من جدّه لامة وكان حنبلياً فتحنبل في صغره لتربية جدّه، ثم دخل إلى الموصل ثم رحل إلى دمشق وهو ابن نيف وعشرين سنة وسمع بها وتفقه بها على جمال الدين الحصيري وتحوّل حنفياً لما بلغه ان قز علي بن عبد الله كان على مذهب الحنفية وكان اماماً عالماً فقيهاً جيداً نبيهاً يلتقط الدرر من كلمه ويتناثر الجوهر من حكمه يصلح المذنب القاصي عندما يلفظ ويتوب الفاسق العاصي حينما يعظ يصدع القلب بخطابه وبجمع العظام النخرة بحنابه لو استمع له الضجرة لانقلق والكافر الجحود لآمن وصدّق، وكان طلق الوجه دائم البشر حسن المجالسة مليح المحاورة يحكي الحكايات الحسنة وينشد اشعار المليحة وكان فارساً في البحث عديم النظير مفرد الذكاء إذا سلك طريقاً ينقل فيه أقوالا ويخرج أوجها، وكان من وحداء الدهر لوفور فضله وجودة قريحته وغزارة علمه وحدّة ذكائه وفطنته وله مشاريحة في العلوم ومعرفة بالتواريخ وكان من محاسن الزمان وتواريخ الأيام وله القبول التام عند العلماء والأمراء والخاص والعام، له تصانيف معتبرة مشهورة منها: شرح للجامع الكبير، وكتاب ايثار الانصاف، وتفسير القرآن العظيم، ومنتهى السؤال في سيرة الرسول، واللوامع في احاديث المختصر، والجامع، وله كتاب التاريخ المسمّى بمرآة الزمان.
مات ليلة الثلاثاء ٢١ من ذي الحجة سنة ٦٥٤ انتهى ما أردنا نقله منه.
الرابع: الشيخ نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المالكي المكي بيّن في كتاب (الفصول المهمّة في معرفة الائمة عليهم السلام) احواله عليه السلام بشكل واف، واثبت امامة ومهدوية الحجة بن الحسن العسكري عليه السلام بنحو ما تقوله الاماميّة وردّ شبهات العامة الواعية وما عن علماء العامة.
وقال في ضمن احوال الامام العسكري عليه السلام: "خلف أبو محمد الحسن [رضي الله عنه](١١٤١) من الولد ابنه الحجة القائم المنتظر لدولة الحق، وكان قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت وخوف السلطان، وتطلّبه للشيعة وحبسهم والقبض عليهم"(١١٤٢).
وقال احمد بن عبد القادر العجيلي الشافعي في (ذخيرة المآل) في مسألة الخنثى: "هذه المسألة وقعت في زماننا في بلاد الحيرة على ما أخبرنا سيدي العلامة نور بن خلف الحيرتي وذكر لي انّه ماتت خنثى مع ولدين احدهما كان من بطنها والآخر من ظهرها وخلفت تركة كثيرة، وتحيّر العلماء عندنا في ميراثها واحكامها واختلفوا... إلى أن قال: انّه ذهب ليسأل علماء المغرب خصوصاً علماء الحرمين وبعد الحصول على حكمها بعامين حصلت على حكم أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب (الفصول المهمة في فضل الائمة عليهم السلام) تصنيف الشيخ الامام علي بن محمد المعروف بابن الصباغ من علماء المالكية"(١١٤٣).
والشيخ في اصطلاح محدّثيهم يطلقونه على الأستاذ الكامل.
وقال عبد الله بن محمد المطيري المدني الشافعي المذهب، الأشعري العقيدة، النقشبندي الطريقة، في خطبة كتاب (الرياض الزاهرة في فضل آل بيت النبي وعترته الطاهرة عليهم السلام):
جمعت في هذا الكتاب ما اطلعت عليه مما ورد في هذا الشأن واعتنى بنقله العلماء العاملين الأعيان، واكثره من الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ومن الجوهر الشفاف للخطيب... الخ(١١٤٤).
وينقل من الكتاب المذكور(١١٤٥) علماؤهم ويعتمدون عليه، مثل نور الدين علي بن عبد الله السمهودي في (جواهر العقدين)؛ وبرهان الدين علي بن ابراهيم الحلبي الشافعي في (انسان العيون في سيرة الأمين المأمون) المعروفة بالسيرة الحلبية؛ وعبد الرحمن بن عبد السلم الصفوري في (نزهة المجالس)، وصاحب تفسير (شاهي)، وفاضل رشيد وجملة من علماء الهند حيث نقل آية الله وحيد عصره سماحة المولى المير حامد حسين المعاصر دام تأييده في المجلّد السادس من (عبقات الأنوار) عين عباراتهم، واقتنعنا بهذا المقدار هنا خوفاً من الاطالة؛ ونقل في المجلّد الأول من (استقصاء الافحام) عن كتاب (الضوء اللامع في احوال القرن التاسع) تأليف شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المصري التلميذ الرشيد لابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري في شرح البخاري انه قال في ترجمة صاحب (الفصول المهمة):
"علي بن محمد بن احمد بن عبد الله نور الدين الاسفافسي الغري الأصل المكي المالكي المعروف بابن الصباغ، وقد ولد في العشر الأول من ذي الحجة سنة ٧٨٤ بمكة ونشأ هناك، وحفظ القرآن ورسالة في الفقه وألفية ابن مالك... إلى أن نقل حجر اجازة مجموعة من العلماء له، وقال:
له مؤلفات منها الفصول المهمة لمعرفة الائمة وانهم اثني عشر نفراً وعبر في من سفه النظر، واجازنا، وتوفي في السابع من ذي القعدة سنة ٨٨٥"(١١٤٦).
الخامس: الشيخ الأديب أبو محمد عبد الله بن احمد بن احمد بن الخشاب وقد صرّح في كتاب (تاريخ مواليد ووفيات أهل البيت عليهم السلام) بمذهب الامامية، وقال هناك بعد أن ذكر الامام الحسن العسكري عليه السلام؛ ذكر الخلف الصالح؛ حدّثنا صدقة بن موسى، حدّثنا ابي عن الرضا عليه السلام انّه قال: "الخلف الصالح من ولد أبي محمد الحسن بن علي، وهو صاحب الزمان، وهو المهدي"(١١٤٧).
وحدّثني(١١٤٨) أبو القاسم طاهر بن هارون بن موسى العلوي عن أبيه هارون، عن أبيه موسى، قال: قال سيدي جعفر بن محمد: الخلف الصالح من ولدي وهو المهدي، اسمه محمد، وكنيته أبو القاسم، يخرج في آخر الزمان، يقال لأمّه صقيل.
قال لنا أبو بكر الدارع(١١٤٩) وفي رواية اُخرى بل امّه حكيمة.
وفي رواية ثالثة: يقال لها نرجس. ويقال: بل سوسن. والله اعلم بذلك. ويكنّى بأبي القاسم، وهو ذو الاسمين خلف، ومحمد، يظهر في آخر الزمان وعلى رأسه غمامة تظلّه من الشمس تدور معه حيث دار، تنادي بصوت فصيح هذا المهدي.
حدّثني محمد بن موسى الطوسي، قال: حدّثنا أبو السكين(١١٥٠) عن بعض أصحاب التاريخ ان اُمّ المنتظر يقال لها حكيمة.
حدّثني محمد بن موسى الطوسي حدّثني عبيد الله بن محمد عن القاسم(١١٥١) بن عدي قال: يقال كنية الخلف الصالح ابو القاسم، وهو ذو الاسمين(١١٥٢).
وقال ابن خلگان في تاريخه: "أبو محمد عبد الله بن احمد بن احمد(١١٥٣) المعروف بابن الخشاب البغدادي، العالم المشهور في الأدب والنحو والتفسير والحديث والنسب والفرائض والحساب وحفظ الكتاب العزيز(١١٥٤) بالقراءات الكثيرة، وكان متضلعاً في العلوم، وله فيها اليد الطولى، وكان خطّه في نهاية الحسن"(١١٥٥).
وقال بعد أن ذكر مجموعة من مؤلفاته: "مولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة...(١١٥٦) وكانت وفاته...(١١٥٧) سنة سبع وستين وخمسمائة"(١١٥٨).
واثنى عليه السيوطي في (طبقات النحاة) ثناءاً بليغاً.
السادس: محيي الدين [بن](١١٥٩) محمد بن علي بن محمد العربي(١١٦٠) الحاتمي(١١٦١) الطائي الاندلسي الحنبلي؛ قال في الباب السادس والستين والثلاثمائة من كتابه الفتوحات(١١٦٢) طبق ما نقله الشعراني في اليواقيت:
"واعلموا انّه لابدّ من خروج المهدي عليه السلام لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلا، ولو لم يبق من الدنيا الّا يوم واحد طوّل الله تعالى ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من ولد فاطمة رضي الله عنها، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، ووالده الحسن العسكري ابن الامام علي النقي - بالنون - ابن الامام محمد التقي - بالتاء - ابن الامام علي الرضا ابن الامام موسى الكاظم ابن الامام جعفر الصادق ابن الامام محمد الباقر ابن الامام زين العابدين علي بن الامام الحسين ابن الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يواطئ اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، يبايعه المسلمون ما بين الركن والمقام، يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في الخَلْق (بفتح الخاء) وينزل عنه في الخُلُق - بضمّها - إذ لا يكون أحد مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في أخلاقه والله تعالى يقول: (وانّك لعلى خُلُق عظيم).
هو أجلى الجبهة أقنى الأنف أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال بالسويّة ويعدل في الرعية، يأتيه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني وبين يديه المال فيحثى له في ثوبه ما استطاع أن يحمله، يخرج على فترة من الدين يزع الله به ما لا يزع بالقرآن، يمسي الرجل جاهلا وجباناً وبخيلا فيصبح عالماً شجاعاً كريماً، يمشي النصر بين يديه، يعيش خمساً أو سبعاً وتسعاً يقفو أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لا يخطئ له ملك يسدده من حيث لا يراه، يحمل الكل ويعين الضعيف ويساعد على نوائب الحق، يفعل ما يقول ويقول ما يفعل ويعلم ما يشهد.
يصلحه الله في ليلة يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألف من المسلمين من ولد اسحاق، يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكا(١١٦٣)، يبيد الظلم وأهله ويقيم الدين وأهله وينفخ الروح في الاسلام، يعزّ الله الاسلام بعد ذلّه ويحييه بعد موته، يضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قُتل ومن نازعه خُذل.
يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه، حتى لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حياً لحكم به، فلا يبقى في زمانه الّا الدين الخالص عن الرأي يخالف في غالب أحكامه مذاهب العلماء فينقبضون منه لذلك لظنّهم أن الله تعالى لا يحدث بعد أئمتهم مجتهداً".
وقال بعد كلمات في ذكر وقائعه مع العلماء:
"يفرح به عامة المسلمين اكثر من خواصهم(١١٦٤)....(١١٦٥) من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف الهي له رجال الهيون يقيمون دعوته وينصرونه هم الوزراء يحملون أثقال المملكة ويعينونه على ما قلّده الله، ينزل عليه عيسى ابن مريم بالمنارة البيضاء بشرقي دمشق بين مهر ودتين متكئ على ملكين ملك عن يمينه وملك عن يساره [يقطر رأسه ماءً مثل الجمان يتحدر كأنما خرج من ديماس](١١٦٦) والناس في صلاة العصر فيتنحى له الامام من مقامه فيتقدّم فيصلي بالناس، يؤم الناس بسنة محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويقبض الله المهدي إليه طاهراً مطهراً، وفي زمانه يقتل السفياني عند شجرة بغوطة دمشق ويخسف بجيشه في البيداء [بين المدينة ومكة حتى لا يبقى من الجيش الّا رجل واحد من جهينة يستبيح هذا الجيش مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم ثلاثة أيام ثم يرحل يطلب مكة فيخسف الله به في البيداء](١١٦٧) فمن كان مجبوراً من ذلك الجيش مكرها يحشر على نيّته...
وقد جاءكم زمانه وأظلكم أوانه وظهر في القرن الرابع اللاحق بالقرون الثلاثة الماضية قرن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وهو قرن الصحابة ثم الذي يليه ثم الذي يلي الثاني ثم جاء بينهما فترات وحدثت أمور وانتشرت أهواء وسفكت دماء [وعاءَت الذئاب في البلاد وكثر الفساد إلى أن طم الجور وطمى سيله وأدبر نهار العدل بالظلم حين أقبل ليله](١١٦٨) فشهداؤه خير الشهداء وأمناؤه أفضل الأمناء، وان الله يستوزر له طائفة خبأهم له في مكنون غيبه أطلعهم كشفاً وشهوداً على الحقائق وما هو أمر الله عليه في عباده فمبشاورتهم يفصل ما يفصل... وهم على أقدام رجال من الصحابة صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم من الأعاجم ما فيهم عربي لكن لا يتكلّمون الّا بالعربيّة لهم حافظ ليس من جنسهم ما عصى الله قط هو أخص الوزراء وأفضل الأمناء(١١٦٩).
وشرح كيفية حكم المهدي عليه السلام وعصمته وحرمة القياس عليه وتسديده بملك، وغير ذلك مما يوجب التطويل.
وعلو مقام وجلالة قدر ابن عربي عند أهل السنة فوق ما يسعه الوصف، وغالباً ما يعبّرون عنه بالشيخ الأكبر.
قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في لواقح الأخبار في طبقات الأخيار:
"أجمع المحقّقون من أهل الله عزّ وجلّ على رفعته في جميع العلوم، ووصفه صفي الدين بن منصور وغيره بالولاية الكبرى والصلاح والعلم والعرفان(١١٧٠).
وقال: هو الشيخ الامام المحقق رأس اجلاء العارفين والمقرّبين، صاحب الاشارات الملكوتيّة، والنفحات القدسيّة، والأنفاس الروحانيّة، والفتح المونق، والكشف المشرق، والبصائر الخارقة، والحقائق الزاهرة، له المحل الأرفع من مقام القرب في منازل الأنس، والمورد العذب من مناهل الوصل، والطول الأعلى من مدارج الدنو، والقدم الراسخ في التمكين من أحوال النهاية، والبارع الطويل بالتصرّف في احكام الولاية، وهو احد أركان هذه الطائفة".
وقال الصفدي في الوافي بالوفيات: "وكأن المنقول والمعقول ممثلان بين عينيه في صورة محصورة يشاهدها متى أراد"(١١٧١).
وذكر ايضاً: "فرأيتها(١١٧٢) من أولها إلى آخرها عقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري ليس فيها يخالف رأيه"(١١٧٣) ونقل الميبدي عن شرح الفصوص للجندي انه جلس في اوّل المحرم في اشبيلية من بلاد الاندلس إلى الخلوة لا يأكل طعاماً تسعة أشهر وأمر في أول العيد أن يخرج وبُشر بختم الولاية المحمدّية وقال: من دلائله الحتمية كانت بين كتفيه علامة في الموضع التي كانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم مثل تلك العلامة ولكن في عمق العضو، وليس كما في المقدمات الظاهرة اشارة إلى علامة ختمية النبوة الظاهريّة الفعلية، وختمية الولاية الباطنية الانفعالية.
وغير ذلك من الكلمات والعبارات، ولأن عناده وتعصبه ضد الطائفة الامامية اكثر فلذلك كان مدحه بين تلك الطائفة اكثر من غيره.
وقد صرح في كتاب (سامِره)(١١٧٤) ان الرافضة بصورة الخنزير، وان عمر معصوم.
بل قال في الفتوحات ذلك، واكثر ما ظهر من الضلالة بحسب الأصل الصحيح عند الشيعة لا سيما الامامية منهم فأدخل فيهم الشياطين حبّ أهل البيت واستفرغ المحبة منهم، واعتقدوا انها من أحسن القربات إلى الله تعالى والرسول، وهكذا إذا وقفت عند محبة أهل البيت ولا تتعدى إلى بغض الصحابة وسبّهم(١١٧٥).
وقال في مقام حالات الأقطاب: "ومنهم من يكون ظاهر الحكم، ويجوز الخلافة الظاهرة كما جاز الخلافة الباطنة من جهة المقام لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ومعاوية بن يزيد وعمر بن عبد العزيز والمتوكّل".
وهذا المتوكل الذي يدّعي انه الخليفة الظاهر وقطب العالم هو الذي ذكره السيوطي في (تاريخ الخلفاء) وقال:
"وفي سنة ست وثلاثين(١١٧٦) أمر بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من الدور، وان يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وخُرِّب وبقي صحراء، وكان المتوكّل معروفاً بالتعصّب(١١٧٧)... وهجاه الشعراء، فمما قيل في ذلك:

بالله ان كانت أمية قد أتت * * * قبل ابن بنت نبيّها مظلوماً
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * * * هذا لعمري قبره مهدوماً
اسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * * * في قتله فتتبعوه رميماً"(١١٧٨)

وقال ايضاً في محلّ آخر ما ملخّصه: ان شخصين من الشافعية كانا ظاهري الصلاح؛ قال أحد الأولياء انه رآهما في صورة خنزير، وقد تعجبت لذلك ثم علمت انهما كانا رافضيين في الباطن.
وليس هنا مقام الزيادة.
"ولا يخفى ان عبارة الفتوحات التي ذكرها في هذا المقام مختلفة، وذلك لاختلاف نسخ الفتوحات كما صرّح الشعراني في لواقح الأنوار القدسيّة المنتقات من الفتوحات المكية.
ونقل في كشف الظنون في باب الفاء عنه انّه قال هناك: انه اختصر الفتوحات وحذف بعضاً منها:
"حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين السيد محمد بن السيد ابي الطيب المدني المتوفى سنة ٩٥٥ خمس وخمسين وتسعمائة، فذاكرته في ذلك فأخرج الي نسخة من الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه بقونية فلم أرَ فيها شيئاً مما توقّفت فيه وحذفته، فعلمت أنَّ النسخ التي في مصر الآن كلّها كتبت من النسخة التي دسّوا على الشيخ فيها... إلى ما قاله هناك..."(١١٧٩).
السابع: الشيخ عبد الوهاب بن احمد بن علي الشعراني العارف المشهور صاحب التصانيف المنثورة؛ له كتاب اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر في المبحث السادس والستين، قال:
في بيان ان جميع اشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حق لابد أن تقع كلّها قبل قيام الساعة، وذلك كخروج المهدي ثم الدجال ثم نزول عيسى وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها ورفع القرآن وفتح سد يأجوج ومأجوج حتى لو لم يبقَ من الدنيا الّا مقدار يوم واحد لوقع ذلك كلّه.
قال الشيخ تقي الدين بن أبي منصور في عقيدته: وكل هذه الآيات تقع في المائة الأخيرة من اليوم الذي وعد به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أمته بقوله: إنْ صلحت أمتي فلها يوم، وإنْ فسدت فلها نصف يوم. يعني من ايام الرب المشار اليها بقوله تعالى: (وإنَّ يوماً عند ربّك كألفِ سنة مما تعدون). قال بعض العارفين: وأول ألف محسوب من وفاة علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء، فان تلك المدّة كانت من جملة ايام نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ورسالته فمهد الله تعالى بالخلفاء الأربعة البلاد، ومراده صلى الله عليه وآله وسلّم ان شاء الله بالألف قوة سلطان شريعته إلى انتهاء الألف، ثم تأخذ في ابتداء الاضمحلال إلى أن يصير الدين غريباً كما بدأ وذلك الاضمحلال يكون بدايته من مضي ثلاثين سنة من القرن الحادي عشر فهناك يترقّب خروج المهدي عليه السلام وهو من أولاد الامام الحسن العسكري عليه السلام ومولده عليه السلام ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم عليه السلام فيكون عمره إلى وقتنا هذا وهي سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، ست وسبعمائة سنة. هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الريش المطل على بركة رطلي بمصر المحروسة عن الامام المهدي عليه السلام حين اجتمع به، ووافقه على ذلك شيخنا سيدي علي الخواص رحمهما الله تعالى(١١٨٠).
ونحن قد نقلنا قصة لقاء الشيخ حسن العراقي به عليه السلام عن كتاب لواقح الأنوار للشعراني المذكور في أواخر الباب السابع في ذيل احوال المعمّرين، مع نقل ثناء جماعة من علماء اهل السنة لكتاب اليواقيت حتى قال شهاب الدين الرملي الشافعي لا يختلف اثنان بأنه ما صُنف مثله"(١١٨١).
وقال آخر: "لا يقدح في معاني هذا الكتاب الّا معاند مرتاب، أو جاحد كذّاب"(١١٨٢).
الثامن: الشيخ حسن العراقي.
وقد وصفه الشعراني المذكور في كتاب اللواقح: "الشيخ الصالح العابد الزاهد ذو الكشف الصحيح والحال العظيم"(١١٨٣) وبعد ذلك نقل قصة لقائه تلك بالامام المهدي عليه السلام كما سيأتي.
التاسع: السيد علي الخواص: استاذ وملاذ عبد الوهاب الشعراني كما صرّح في اللواقح واليواقيت انّه صدق دعوى الشيخ حسن العراقي في لقائه الامام المهدي عليه السلام، ومقدار عمره عليه السلام إلى ذلك التاريخ.
وقال في لواقح الأنوار القدسيّة في مدح العلماء والصوفيّة: "ومنهم شيخي واستاذي (الكامل الراسخ الأمي المحمدي)(١١٨٤) سيدي على الخواص البراسي (صاحب الكشوف التي لا تخطأ)(١١٨٥) وكان اميّاً لا يكتب ولا يقرأ (الّا من لوح قلبه)(١١٨٦)، يتكلّم على معاني القرآن العظيم والسنّة المشرفة كلاماً نفيساً (تحيّر فيه العلماء)(١١٨٧) وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو (والاثبات)(١١٨٨) كما حدّثنا بذلك الشيخ محمد بن داوُد الذي كان قد صاحبه عشرين عاماً(١١٨٩)؛ وكان مطّلعاً على خواطر الناس وكنت اُرسل له (الأخوة غالباً)(١١٩٠) يشاورونه في احوالهم، (فما كان قط يحوجهم إلى كلام بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتى لأجلها قبل أن يتكلّم)(١١٩١) فيقول: سافر... تزوج، أو لا تفعل... إلى آخر ما قال من الفضائل والكرامات(١١٩٢).
وقال في آخر كلامه: توفّي في جمادى الأخرى ٩٣٩ ودفن في زاوية الشيخ بركات خارج باب النصر مقابل حوض الطيّار في مصر.
العاشر: نور الدين عبد الرحمن بن احمد بن قوام الدين محمد الدشتي الجامي الحنفي المعروف بالملاّ جامي، والذي ينتهي نسبه إلى محمد بن الحسن الشيباني تلميذ ابي حنيفة والسابق بعناده وتعصّبه ضدّ الاماميّة حتى انه يعتبر جرح أمير المؤمنين عليه السلام بسيف اللسان مثل جرح عبد الرحمن بن ملجم له عليه السلام بالسيف القاطع، ومع ذلك ففي كتاب (شواهد النبوّة) عدّه عليه السلام الامام الثاني عشر - واعتبر العالم المشهور القاضي حسين بن محمد بن حسن الديار بكري المالكي في أول كتاب (تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس) ذلك الكتاب من الكتب المعتبرة - ونقل مفصلا غرائب ولادته عليه السلام مطابقاً لأخبار الاماميّة مع جملة من الأخبار المصرّحة لخلافته ومهدويّته عليه السلام كما يأتي بعضها.
وقال محمود بن سليمان الكفوي في (أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار): الشيخ العارف بالله، والمتوجه بالكليّة إلى الله، دليل الطريقة، ترجمان الحقيقة، والمنسلخ عن الهياكل الناسوتيّة، والمتوسّل إلى السبحات اللاهوتيّة، شمس سماء التحقيق، بدر فلك التدقيق، معدن عوارف المعارف، مستجمع الفضائل، جامع اللطائف، المولى جامي نور الدين... إلى آخره، ولا حاجة لنقله ونقل غيره بعد وضوح جلالة قدره عند تلك الجماعة.
الحادي عشر: محمد بن محمد بن محمود الحافظ البخاري المعروف بخواجه پارسا الذي صرّح في كتاب (فصل الخطاب) كما سوف تأتي عبارته في آخر الباب السابع، وفي حاشية ذلك الكتاب نقل ذلك سماحة المولى مير حامد حسين (دام تأييده) من نسخة معتبرة بعد أن ذكر خبراً معتبراً حكاية المعتضد بالله العباسي على النحو الذي سوف ننقله في الباب القادم عن كتاب (شواهد النبوّة)، قال: والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، ومناقب المهدي رضي الله عنه صاحب الزمان الغائب عن الأعيان الموجود في كل زمان كثيرة، وقد تظافرت الأخبار على ظهوره وإشراق نوره، يجدد الشريعة المحمدية، ويجاهد في الله حقّ جهاده، ويطهّر من الأدناس أقطار البلاد، زمانه زمان المتّقين، وأصحاب خلصوا من الريب، وسلموا من العيب، وأخذوا بهديه، وطريقه، واهتدوا من الحق إلى تحقيقه، به ختمت الخلافة والامامة، وهو الامام من لدن مات أبوه إلى يوم القيامة، وعيسى عليه السلام يصلّي خلفه، ويصدّقه على دعواه ويدعو إلى ملّته التي هو عليها (وهي ملّة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم)(١١٩٣).
وقال الكفوي السابق الذكر في (أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار): محمد بن محمد بن محمود الحافظ البخاري المعروف بخواجه محمد پارسا أعز خلفاء الشيخ الكبير الخواجه بهاء الدين النقشبندي، من نسل حافظ الدين الكبير تلميذ شمس الائمة الكرّودي، ولد سنة ٧٥٦، وقرأ العلوم على علماء عصره، وفاق على أقرانه في دهره، وحصل الفروع والأصول، وبرع في المعقول والمنقول... الخ.
ومن مؤلفات ملا عبد الرحمن الجامي شرح كلمات الخواجه پارسا(١١٩٤).
الثاني عشر: الشيخ عبد الحق الدهلوي صاحب المؤلفات المعتبرة والمشهورة بين أهل السنة في فن الرجال والحديث وغيره، ومؤلف كتاب (جذب القلوب إلى ديار المحبوب) وهو في تاريخ المدينة الطيّبة وقد طبع مراراً حتى الآن.
قال في رسالة (مناقب وأحوال الائمة الأطهار عليهم السلام): "وأبو محمد الحسن العسكري ولده (م ح م د) رضي الله عنهما معلوم عند خواص اصحابه وثقات أهله.
ويروي ان حكيمة بنت أبي جعفر محمد الجواد رضي الله عنه عمة أبي محمد الحسن العسكري كانت تحبّه وتدعو له وتتضرّع أن ترى له ولداً وكان أبو محمد الحسن العسكري اصطفى جارية يقال لها نرجس، فلما كان ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين دخلت حكيمة فدعت لأبي محمد الحسن العسكري عليه السلام فقال لها: يا عمّة كوني الليلة عندنا لأمر فأقامت كما رسم، فلما كان وقت الفجر اضطربت نرجس فقامت اليها حكيمة، فلمّا رأت المولود أتت به أبا محمد الحسن العسكري رضي الله عنه وهو مختون مفروغ منه فأخذه وأمرّ يده على ظهره وعينيه وأدخل لسانه في فمه وأذَّن في أذنه اليمنى وأقام في الأخرى. ثم قال: يا عمّة اذهبي به إلى أمّه، فذهبت به ورددته إلى أمه.
قالت حكيمة: فجئت إلى أبي محمد الحسن العسكري رضي الله عنه فاذا المولود بين يديه في ثياب صفر وعليه من البهاء والنور ما أخذ بمجامع قلبي، فقلت: سيدي! هل عندك من علم في هذا المولود المبارك فتلقيه إليّ. فقال أي عمّة هذا المنتظر، هذا الذي بشرنا به. فقالت حكيمة: فخررت لله تعالى ساجدة شكراً على ذلك. قالت: ثم كنت أتردّد إلى أبي محمد الحسن العسكري رضي الله عنه فلما لم أره فقلت له يوماً: يا مولاي ما فعلت بسيدّنا ومنتظرنا؟ قال: استودعناه الذي استودعته أم موسى ابنها(١١٩٥).
وعبد الحق المذكور هو من معتبري أهل السنة ودائماً يستشهد علماء الهند بكتب احاديثه ورجاله ويعتمدون عليه، وان شرح حاله موجود في (سبحة المرجان في آثار هندوستان) وقيل هناك ان مؤلفاته وصلت إلى مائة مجلّد، وتوفي في سنة ١٠٥٢.
الثالث عشر: السيد جمال الدين الحسيني المحدّث مؤلف كتاب (روضة الأحباب) الذي هو من الكتب المعروفة المشهورة عند أهل السنة، وعدّه القاضي حسين الدياربكري في أول تاريخ الخميس من الكتب المعتمدة.
ونقل في الاستقصاء: ان الملاّ علي القاري في المرقاة شرح المشكاة، وعبد الحق الدهلوي في (مدارج النبوة) و(شرح رجال المشكاة)، وشاه ولي الله الدهلوي والد شاه صاحب عبد العزيز المعروف في (إزالة الخفاء) قد نقلوا مكرراً من هذا الكتاب، واستدلّوا به واحتجّوا به؛ وقد كتب في ذلك الكتاب:
"كلام في بيان الامام الثاني عشر المؤتمن محمد بن الحسن (عليهما السلام) كانت ولادته المباركة في درج الولاية، وجوهر معدن الهداية بقول اكثر الروايات في منتصف شعبان سنة ثمان وخمسين ومائتين، وكانت امّه الجليلة ام ولد وتسمّى بصيقل، أو سوسن، وقيل نرجس، وقيل حكيمة.
وهذا الامام ذو الاكرام يواطئ في كنيته واسمه خير الأنام عليه وآله تحف الصلاة والسلام، وقد انتظم في ألقابه: المهدي المنتظر، والخلف الصالح، وصاحب الزمان (عليه السلام).
وكان له في حياة أبيه عليه السلام بالرواية الأولى وهي أقرب إلى الصحة خمس سنوات. وبالقول الثاني سنتان، وقد كرّم واهب العطايا ذلك النور الأبهج مثل يحيى وزكريّا سلام الله عليهما في حالة الطفولة، وقد وصل في وقت الصبا إلى مرتبة الامامة الرفيعة. وقد غاب صاحب الزمان - يعني المهدي - في عصر المعتمد الخليفة في سنة خمس أو ست وستين ومائتين على اختلاف القولين في السرداب في سرّ من رأى عن خرق البرايا".
وذكر عدّة كلمات في الاختلاف في حقه عليه السلام وبعض الروايات الصريحة في ان المهدي عليه السلام هو الحجة بن الحسن العسكري عليهما السلام.
قال: يقول كاتب هذه الحروف: وعندما وصل الكلام إلى هنا أوجب جواد حسن الدلال طي قماش بساط الانبساط برجاء الواثق ووثوق الصادق، حيث وصلت ليالي هجرة محبي البيت المصطفوي وأيام صبر مخلصي الآل المرتضوي إلى النهاية؛ وتشرق شمس طلعة صاحب الزمان البهيّة بأسرع وقت من مطلع النصر والتأييد، حتى تأتي راية الهداية التي هي مظهر أنوار الفضل والاحسان بالاُمنية من المشرق؛ يجلي سحب الحجاب عن وجه عالم النور، فترتفع وتمتد بيمن همة ذلك السيّد عظيم الشأن أسس أبنية الأمة البيضاء كاستواء ايوان الفلك الأخضر، وتنخفض وتنعدم بحسن جهد واجتهاد ذلك السيّد ذو الجلال قواعد ابنية الظلم والظلام واثره في وسيع الغبراء، وأهل الاسلام في ظلال أعلام الظفر، اعلامهم من ضياء الشمس حوادث الأمان.
والخوارج أشقياء العاقبة تلقوها باصابة حسام سفكهم جزاء أعمالهم يُهوى بهم إلى قعر جهنم.
والله درّ من قال الأبيات:

أقدم أيها الامام يا من شعارك الهداية * * * فقد وصل إلى حدّه غم الانتظار
واكشف النقاب عن وجه السعادة * * * واجعل الطلعة مكشوفة للعيان كالشمس
اظهر من منزل الاختفاء * * * وأظهر آثار المحبّة والوفاء(١١٩٦)

وهذه الكلمات صريحة في ان عقيدته مثل عقيدة الاماميّة بوجوده عليه السلام وغيبته واختفائه عليه السلام، وانه منتظر ومترقّب ظهوره عليه السلام.
ونقل في حواشي كتاب (الاستقصاء) انه ينقل عبارات علماء أهل السنة من الكتاب المذكور على نحو الاعتماد عليه، وذكره موجب للاطناب.
ويظهر من رسالة الأصول لعبد العزيز الدهلوي صاحب (تحفة الاثني عشرية) ان جمال الدين المذكور من مشايخ الاجازة، وهو السيد جمال الدين عطاء الله بن السيد غياث الدين فضل الله بن السيد عبد الرحمن.
الرابع عشر: عبد الرحمن الصوفي الذي يقول في (مرآة الأسرار):
ذِكْرُ شمس الدين ودولته الهادية لجميع الأمم، وأمته القائمة مقام الطهارة الأحمديّة، الامام على الحق أبو القاسم محمد بن الحسن المهدي رضي الله عنه. وهو الامام الثاني عشر من ائمة أهل البيت. أمّه أمّ ولد اسمها نرجس، وكانت ولادته ليلة الجمعة الخامس عشر من شهر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين؛ وبرواية (الشواهد النبويّة) بتاريخ الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين، في سرّ منْ رأى، وتعرف بسامراء.
والامام الثاني عشر يواطئ في كنيته واسمه خاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلّم. وألقابه الشريفة: المهدي، والحجة، والقائم، والمنتظر، وصاحب الزمان، وخاتم الاثني عشر.
وكان لصاحب الزمان حين وفاة أبيه الامام الحسن العسكري عليه السلام خمس سنين، فجلس على مسند الامامة، كما أكرم الحق تعالى يحيى بن زكريا الحكمة في الطفولة، وأوصل عيسى بن مريم حين صباه إلى المرتبة الرفيعة؛ وهكذا جعله اماماً في صغر سنّه، وان كمالاته ومعاجزه الخارقة للعادة لا يمكن احصاؤها في هذا المختصر، وروى الملاّ عبد الرحمن الجامي في (شواهد النبوّة) عن حليمة أخت الامام علي النقي عمّة الامام الحسن العسكري... الخ.
واعتمد الشاه ولي الله الدهلوي في كتاب (الانتباه في سلاسل أولياء الله) على كتاب (مرآة الأسرار) المذكور، ونقل منه.
وننقل ايضاً عن عبد الرحمن المذكور حكاية عجيبة في أواخر الباب السابع في كتاب (الرسالة المدارية) يقول:
"يقول الشيخ محيي الدين بن عربي في الباب الثامن والستين وثلاثمائة من كتاب الفتوحات المكية: واعلموا ايها المسلمون انّه لابدّ من خروج المهدي الذي والده الحسن العسكري ابن الامام علي النقي بن الامام محمد التقي... إلى آخره.
اسعد الناس به أهل الكوفة.
ويدعو إلى الله بالسيف فمن أبى قتل، ومن نازعه خذل...".
كما بيّن مفصلا في الكتاب المذكور في هذا المكان جميع احوال الامام المهدي عليه السلام فمن اراده فليراجعه هناك.
وروى مولانا عبد الرحمن الجامي وهو رجل صوفي الطريقة وشافعي المذهب جميع أحوال وكمالات وحقيقة ولادة واختفاء الامام محمد بن الحسن العسكري عليه السلام مفصلا في كتاب (شواهد النبوّة) ألّفه على أحسن وجه عن ائمة أهل بيت العترة وأرباب السيرة.
وكتب صاحب كتاب (المقصد الأقصى) ان الشيخ سعد الدين الحموي خليفة الشيخ نجم الدين صنّف كتاباً في حق الامام المهدي.
وتكون معه اشياء اُخرى كثيرة. ولا يمكن أن تكون لمخلوق آخر تلك الأقوال والأفعال التي تكون له عندما يظهر، وتظهر الولاية المطلقة عياناً، ويرتفع اختلاف المذاهب والظلم، والجور، كما وردت اوصافه الحميدة في الأحاديث النبويّة؛ ان المهدي يظهر في آخر الزمان ويطهّر جميع الربع المسكون من الجور والظلم، ويأتي بمذهب واحد.
فبالجملة: "إذا كان الدجال الظالم موجوداً وحياً ومختفياً، وان عيسى عليه السلام قد وجد واختفى عن الخلق، فليس بعجيب ان يختفي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الامام محمد المهدي ابن الحسن العسكري عليهما السلام ايضاً عن نظر العامة، ويظهر بوقته مثل عيسى عليه السلام والدجال بما يتّفق والتقدير الالهي. وان انكار ما في أقوال عدّة من الأجلّة وأقوال ائمة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انما هو بسبب التعصّب، وليس ضرورياً".
الخامس عشر: علي اكبر بن أسد الله المودودي(١١٩٧) من متأخري علماء أهل السنة، قال في كتاب (المكاشفات) الذي جعله كالحواشي على كتاب (نفحات الانس) للملاّ عبد الرحمن الجامي، في ترجمة علي بن سهل بن الأزهر الاصفهاني، وقد صرّح بوجود المهدي الموعود عليه السلام وقطبيته بعد ابيه الامام الحسن العسكري عليه السلام الذي كان قطباً ايضاً.
وسوف ننقل مقدار الحاجة من عبارته في آخر الباب السابع، وجميعها موجودة في (الاستقصاء) وقد صدق هناك الشعراني وحكاية الشيخ حسن العراقي وملاقاته معه عليه السلام وعمره عليه السلام.
السادس عشر: احمد بن محمد بن هاشم البلاذري، وهو من أجلّة وأكابر علماء أهل السنة ومحدّثيهم، وقد نقل عن امام العصر عليه السلام حديثاً مسلسلا، وقد صرّح فيه بامامته وغيبته عليه السلام.
وقد نقل هذا الخبر الشريف شاه ولي الله الدهلوي الذي وصفه صاحب (التحفة الاثنا عشرية) بـ (خاتم العارفين وقاصم المخالفين وسيد المحدّثين وسند المتكلّمين وحجة الله على العالمين)؛ قال في كتاب (المسلسلات) المشهور بـ (الفضل المبين):
قلت: شافهني ابن عقلة باجازة جميع ما يكون له روايته، ووجدت في مسلسلاته حديثاً مسلسلا بانفراد كل راو من رواته بصفة عظيمة تفرد بها.
قال: اخبرني فريد عصره الشيخ حسن بن علي العجمي(١١٩٨)، اخبرنا حافظ عصره جمال الدين الباهلي(١١٩٩)، اخبرنا مسند وقته محمد الحجازي الواعظ، اخبرنا صوفي زمانه الشيخ عبد الوهاب الشعراني(١٢٠٠)، اخبرنا مجتهد عصره جلال الدين(١٢٠١) السيوطي، اخبرنا حافظ عصره ابو نعيم رضوان العقبى، اخبرنا مقرئ زمانه الشمس محمد ابن الجزري، اخبرنا الامام جمال الدين محمد بن محمد الجمّال زاهد عصره..
اخبرنا الامام محمد ابن مسعود محدّث بلاد فارس في زمانه..
اخبرنا شيخنا اسماعيل بن مظفر الشيرازي عالم وقته..
اخبرنا عبد السلام بن أبي الربيع الحنفي محدّث زمانه..
اخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن شابور القلانسي شيخ عصره..
اخبرنا عبد العزيز؛ حدّثنا محمد الآدمي امام أوانه..
اخبرنا سليمان بن ابراهيم بن محمد بن سليمان نادرة عصره..
حدّثنا أحمد بن محمد بن هاشم البلاذري حافظ زمانه..
حدّثنا محمد بن الحسن بن علي المحجوب امام عصره(١٢٠٢).. حدّثنا الحسن بن علي، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي جدّه علي بن موسى الرضا عليهم السلام..
حدّثنا موسى الكاظم، قال: حدّثنا ابي جعفر الصادق، حدّثنا أبي محمد الباقر بن علي.. حدّثنا أبي علي بن الحسين زين العابدين السجاد.. حدّثنا ابي الحسين سيد الشهداء.. حدّثنا أبي علي بن أبي طالب عليهم السلام سيد الأولياء..
قال: اخبرنا سيد الأنبياء محمد بن عبد الله [صلى الله عليه وآله وسلّم] قال: اخبرني سيد الملائكة جبرئيل؛ قال: قال الله تعالى سيد السادات: "إنّي أنا الله لا إله الّا أنا مَنْ أقرّ لي بالتوحيد دخل حصني ومن دخل حصني أمِنَ من عذابي".
قال الشمس ابن الجزري: كذا وقع الحديث من المسلسلات السعيدة، والعهدة فيه على البلاذري.
وقال الشاه ولي الله المذكور في رسالة (النوادر من حديث سيد الأوائل والأواخر) ايضاً: حديث محمد بن الحسن الذي يعتقد الشيعة انّه المهدي، عن آبائه الكرام؛ وجدت في مسلسلات الشيخ محمد بن عقلة المكي، عن العجيمي(١٢٠٣)، اخبرنا ابو طاهر أقوى اهل عصره سنداً، اجازةً لجميع ما تصح له روايته، قال: اخبرنا فريد عصره الشيخ حسن بن العجيمي... إلى آخره.
وذكر في الأنساب للسمعاني: "أبو محمد احمد بن ابراهيم بن هاشم المذكور الطوسي البلاذري الحافظ من أهل طوس، كان حافظاً، فهماً، عارفاً بالحديث... " وبعد أن ذكر جملة من مشايخه قال: سمع منه الحاكم أبو عبد الله الحافظ.
وأبو محمد البلاذري الواعظ الطوسي كان واحد عصره في الحفظ والوعظ، ومن احسن الناس عشرة، واكثرهم فائدة، وكان يكثر المقام بنيسابور ويكون له في كل اسبوع مجلسان عند شيخي البلد أبي الحسين المحمي، وأبي نصر العبدي.
وكان أبو علي الحافظ، ومشايخنا يحضرون مجالسه ويفرحون بما يذكره على الملأ من الأسانيد، ولم أرهم غمزوه قط في اسناد، أو اسم، أو حديث.
وكتب بمكة عن امام أهل البيت عليهم السلام أبي محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام(١٢٠٤)... إلى آخر ما قاله هو والآخرون في مدح البلاذري.
السابع عشر: ملك العلماء وشهاب الدين بن شمس الدين بن عمر الدولة آبادي، صاحب تفسير (البحر الموّاج)، وهو من عظماء أهل السنة ومعروف بلقب (ملك العلماء) ومشهور به.
قال في كتاب (هداية السعداء): "ويقول أهل السنة ان خلافة الخلفاء الأربعة ثابتة بالنص كذا في عقيدة الحافظية.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: خلافتي ثلاثون سنة "، وقد تمت بعلي.
وكذلك خلافة الائمة الاثنى عشر؛ اولهم: الامام علي كرم الله وجهه، وفي خلافته ورد حديث الخلافة ثلاثون سنة.
والثاني: الامام الشاه حسن رضي الله عنه قال صلى الله عليه وآله وسلّم: انّ ابني هذا سيد وسيصلح بين المسلمين.
الثالث: الشاه حسين رضي الله عنه قال صلى الله عليه وآله وسلّم: ان ابني هذا سيد وستقتله الفئة الباغية.
وتسعة من ولد الشاه حسين رضي الله عنه، ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
قال صلى الله عليه وآله وسلّم: بعد الحسين بن علي تسعة ائمة من ذريّته آخرهم القائم عليهم السلام.
وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: دخلت على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وبين يديها ألواح وفيها أسماء الائمة من ولدها، فعددت أحد عشر اسماً منهم القائم عليهم السلام.
سؤال: ما هي الحكمة بعدم ادعاء الشاه زين العابدين الخلافة؟
الجواب: لمّا كتبت الفتوى على الخطأ في عصر الصحابة عائشة ومعاوية والزبير وطلحة، وقامت طائفة البغاة تحارب علياً.
وفي عصر التابعين قتل الشاه حسين قتلا فجيعاً مثلما اخبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلّم، وقد غلب وقهر أهله الف شهر وغلبهم وقهرهم الأشرار كما جاء في الخزانة الجلاليّة: ان المصطفى صلى الله عليه وآله وسلّم رأى في المنام جراءاً(١٢٠٥) على منبره تعوي وقد عبّر عنه صلى الله عليه وآله وسلّم انه يتغلّب فلان وفلان اليزيديّة ويلعنون على المنبر أهل البيت.
وفي روضة العلماء قال: عندما نزلت الآية (خير من ألف شهر) قال جبرئيل: يا محمد! ألف شهر تلك التي تكون ملك اليزيديين، ويلعنون آل البيت وهو يوم غلبة أهل البيت.
فوضع فرسان الدين وابطال الديانة حدّ العزم وعنان اولوية الاختيار بكمّ القضاء والقدر، ووضعوا اصبع رخصة العجز في فم الضرورات تبيح المحظورات لتخليص أنفسهم، فعندما رأى الشاه زين العابدين ان هذا النوع باق إلى الامام المهدي في كل مرآة، فلذلك سكت عن دعوى الامامة، وصحّت إلى أن يحين وقت ظهور الامام المهدي السيد محمد بن عبد الله ابو القاسم.
"يستفاد من هذا الكلام ان من اسماء الامام الحسن العسكري عليه السلام (عبد الله). وقد ضعفنا سابقاً خبر الجامي المعروف على فرض صحّة حمله على الظاهر وهو اسم أبي المهدي عليه السلام اسم أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ولا يمكن حمله على ما قاله ابن حجر وأمثاله، قال ذيل الخبر صريح على ما يقوله الاماميّة بل ان صدره كذلك غير خفي على المتأمل"(١٢٠٦).
فتصيب مضحي بيت العلم الغلبة، وتقرع نقارة الأولوية، ويكونون جميعاً هاجرين حدّ الاختيار غرباء عن الدنيا (إلى أن يظهر عليه السلام)(١٢٠٧) " فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً " وهم تسعة أبناء:
الأول: زين العابدين.
الثاني: الامام محمد الباقر.
الثالث: الامام جعفر الصادق.
الرابع: الامام موسى الكاظم.
الخامس: الامام علي الرضا، ابنه.
السادس: الامام محمد التقي، ابنه.
السابع: الامام علي النقي، ابنه.
الثامن: الامام الحسن العسكري، ابنه.
التاسع: الامام حجة الله القائم الامام المهدي ابنه وهو غائب، وعمره طويل، كما بين المؤمنين عيسى، والياس والخضر؛ وبين الكفار الدجال والسامري، وبلعم، وشمر قاتل الشاه حسين، وامثالهم، والله اعلم بالأصواب.
وتظهر المحامد العليّة والمناقب السنيّة للدولت آبادي المذكور من كتاب (أخبار الأخيار) لعبد الحق الدهلوي، و(سبحة المرجان في آثار هندوستان) لغلام علي آزاد بلكرامي، وكان قريباً إلى عصر الصفوية.
وقد نقل الفاضل الألمعي المير محمد أشرف في (فضائل السادات) عن (هداية السعداء) المعروف بـ (مناقب السادات) مكرراً؛ قال في (سبحة المرجان):
"القاضي شهاب الدين بن شمس الدين بن عمر الزاولي الدولت آبادي نوّر الله ضريحه، ولد القاضي بدولت آباد دهلي، وتتلمذ على القاضي عبد المقتدر الدهلوي، ومولانا خوجكي الدهلوي؛ وهو من تلامذة مولانا معين الدين العمراني، وفاق اقرانه، وسبق اخوانه.
وكان القاضي المقتدر يقول في حقه: يأتيني من الطلبة مَنْ جلده علم، وعَظْمه علم... إلى أن قال: والّف كتباً سارت بها ركبان العرب والعجم؛ وأزكى سرجاً أهدى من النار الموقدة على العلم منها: البحر الموّاج تفسير القرآن العظيم بالفارسية.
والحواشي على كافية النحو، وهي اشهر تصانيفه.
والارشاد وهو متن في النحو التزم فيه تمثيل المسألة في ضمن تعريفها.
وبديع الميزان؛ وهو متن في فنّ البلاغة بعبارات مسجعة.
وشرح البزدوي في اصول الفقه إلى بحث الأمر.
وشرح بسيط على قصيدة بانت سعاد.
ورسالة في تفسير العلوم بالعبارة الفارسية.
ومناقب السادات، بتلك العبارة، وغيرها.
توفي لخمس بقين من رجب المرجب سنة تسع واربعين وثمانمائة، ودفن بحونفور في الجانب الجنوبي من مسجد سلطان ابراهيم الأشتر " انتهى منه نوّر الله قلبه.
الثامن عشر: نصر بن علي الجهضمي النصري وهو من ثقات أهل السنة، وقد مدحه الخطيب البغدادي في تاريخه، وقال الگنجي في الباب الثامن من مناقبه: "شيخ الامامين البخاري ومسلم"(١٢٠٨).
قال في تاريخ مواليد الائمة عليهم السلام في ذكر اولاد الحسن بن علي عليهما السلام: "ولد [للحسن بن علي العسكري عليهما السلام](١٢٠٩) محمد [عليه السلام](١٢١٠)، وموسى، وفاطمة، وعائشة"(١٢١١).
وقال: "جاء عن الحسن بن علي العسكري عليهما السلام عند ولادة محمد بن الحسن عليه السلام في كلام كثير: "زعمت الظلمة انهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل، كيف رأوا قدرة القادر، وسمّاه المؤمل"(١٢١٢).
وقال في باب أمّهات الائمة عليهم السلام: "أمّ القائم عليه السلام صغير(١٢١٣) ويقال: حكيمة. ويقال: نرجس. ويقال: سوسن.
قال ابن همام: حكيمة هي عمة ابي محمد، ولها حديث بولادة صاحب الزمان، وهي روت انّ أمّ الخلف اسمها نرجس"(١٢١٤).
وقال في باب ألقاب الائمة عليهم السلام: "القائم عليه السلام: الهادي والمهدي"(١٢١٥).
وقال في باب (أبواب الائمة عليهم السلام):
"القائم صلوات الله عليه بابه عثمان بن سعيد، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه ابي جعفر محمد بن عثمان بعهد عهده إليه أبو محمد الحسن بن علي عليه السلام، روى عنه ثقات الشيعة انّه قال: هذا وكيلي، وابنه وكيل ابني، يعني ابا جعفر محمد بن عثمان العمري.
ولما حضرته الوفاة فأوصى إلى ابي القاسم الحسين بن روح النميري.
ثم أُمِرَ أبو القاسم ابن روح ان يعقد لأبي الحسن السمري. ثم بطن الباب"(١٢١٦) يعني سدّ الباب.
ويحتمل ان ذكر الأبواب من كلام احمد بن محمد الفاريابي أو أبيه، أو كلام أبي بكر محمد بن احمد بن محمد بن عبد الله بن اسماعيل المعروف بابن ابي الثلج، لأن نصر لم يروِ عن الامام الرضا عليه السلام، فإنَّ كل الأبواب التي ذكرت تظهر مع القرائن الأخرى انها من نفس التاريخ.
ونقل الشهيد الاول انّه روى نصر المذكور عند المتوكل العباسي:
إنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أخذ بيد الحسن والحسين فقال: من أحبني وأحبّ هذين [وأباهما](١٢١٧) وأمهما كان معي في درجتي [في الجنة](١٢١٨) يوم القيامة(١٢١٩).
فأمر المتوكّل أن يضرب ألف سوط.
فقال أبو جعفر بن عبد الواحد: انّه شخص سني. فعفى عنه(١٢٢٠).
التاسع عشر: المحدث الفاضل الملا علي القارئ(١٢٢١).
ويعدونه من أكابر محدثيهم.
قال في شرح المشكاة بعد ذكر الحديث النبوي سيكون بعده اثنا عشر خليفة: "وقد حمل الشيعة الاثنا عشرية على انهم من اهل النبوة متوالين اعم من ان تكون لهم خلافة حقيقة، يعني ظاهراً أو استحقاقاً".
أولهم علي، وعدّهم إلى المهدي على ما ذكرهم زبدة الأولياء الخواجة محمد پارسا في كتاب (فصل الخطاب) مفصلا، وقد تابعه مولانا نور الدين عبد الرحمن الجامي في أواخر (شواهد النبوة).
وقد ذكر فضائلهم ومناقبهم وكراماتهم، وفيه ردّ على الروافض حيث يزعمون انّ اهل السنة يبغضون اهل البيت باعتقادهم الفاسد ووهمهم الكاسد.
العشرون: القاضي جواد الساباطي، وكان نصرانياً وتسنن، نقل في كتاب (البراهين الساباطية) وهو ردّ على النصارى عن كتاب (اشعيا) قوله: "اند ذير شل كم قورث اراداوت آف ذي ستم آف حيي اندا برنج شل كر داوت آف هز دوقس اند ذي سيرت آف كوسل اند سبت ذي سيرت آف نالج انداف مير آب ذي لارد اند شل سيك هم اكوك اندر ستيذان ذي فير اب لارداند شل مات حج افتر ذي سيت آف هزا پس نيزرز بروف افتر ذي بيريك آف هزير بس"(١٢٢٢).
وترجمته(١٢٢٣): "وسيخرج من (قنس الاسى) غصن، وينبت من عروقه غصن، وسوف يستقر عليه روح الرب، اعني روح الحكمة والمعرفة، وروح الشورى والعدل، وروح العلم وخشية الله، ويجعله صاحب فكر وقّاد مستقيم في خشية الرب، فلا يحكم على الظاهر والسمع(١٢٢٤)...".
وقال بعد ابطاله قول اليهود والنصارى في تأويل هذا الكلام: "وهذا نص صريح في المهدي عليه السلام حيث اجمع المسلمون انّه رضي الله عنه لا يحكم بمجرد السمع والظاهر، ومجرد البينة بل لا يلاحظ الّا الباطن، ولم يتفق ذلك لأحد من الانبياء والاولياء"(١٢٢٥).
إلى أن يقول: "وقد اختلف المسلمون في المهدي، فأما أصحابنا من أهل السنة، وجماعة قالوا: انّه رجل من اولاد فاطمة عليها السلام، اسمه محمد، واسم ابيه عبد الله واسم اُمّه آمنة(١٢٢٦).
وقال الاماميون: بل هو محمد بن الحسن العسكري الذي ولد سنة خمس وخمسين ومائتين من جارية للحسن العسكري اسمها نرجس في سرّ مَنْ رأى في عصر المعتمد، ثم غاب سنة، ثم ظهر(١٢٢٧)، ثم غاب، وهي الغيبة الكبرى ولا يرجع بعدها الّا حين يريد الله تعالى.
ولمّا كان قولهم اقرب لما يتناوله هذا النص وان هدفي هو الدفاع عن امّة محمد صلى الله عليه وآله وسلّم مع قطع النظر عن التعصب لمذهب، لذلك ذكرت لك ان ما يدعيه الاماميون يتطابق مع هذا النص " انتهى.
وقد طبع هذا الكتاب قبل مدة طويلة، وكان صاحبه في عصر المحقق صاحب القوانين، وصاحب الرياض رضوان الله تعالى عليهما.
ولا يخفى ان هذه الجماعة كما علمت هم علماء ومحدثون وعرفاء أهل السنة ومعروفوهم، والمعتمدون عليهم، ولم احصل في وقت تأليف هذا الكتاب على اكثر من هذا الذي ذكرته ممّن يوافقون الامامية في هذا المدعى(١٢٢٨).
وقالت طائفة اُخرى من أهل السنة بولادته بل وصوله إلى المقامات العالية ولكنه توفي؛ مثل احمد بن محمد السمناني المعروف بعلاء الدولة السمناني كما في تاريخ الخميس وغيره، فنقل عنه انّه قال: في ذكر الأبدال وأقطابهم؛ وقد وصل إلى الرتبة القطبية محمد بن الحسن العسكري وهو لمّا اختفى دخل في دائرة الابدال وترقى متدرجاً طبقة طبقة إلى أن صار سيد الأفذاذ، وكان القطب حينئذ علي بن الحسين البغدادي فلمّا جاد بنفسه ودفن في الشونيزية صلّى عليه محمد بن الحسن العسكري وجلس مجلسه وبقي في الرتبة القطبية تسع عشرة سنة، ثم توفّاه الله بروح وريحان، وأقام مقامه عثمان بن يعقوب الجويني الخراساني وصلّى عليه هو وجميع اصحابه ودفنوه في مدينة الرسول(١٢٢٩) [صلى الله عليه وآله وسلّم].. إلى آخر المزخرفات التي لابد للقلم والورق ان يجلّ عنها.
وقال الملاّ حسين الميبدي شارح الديوان قريباً من هذه الكلمات في شرح الديوان، ولعلّه اخذه من علاء الدولة فهو من الأقاويل الكثيرة المردودة لدى الطرفين.
ويقولون ان جميع الأمة من أهل الجنة؛ اما بالشفاعة، وأما الفرقة الناجية وهي منحصرة في واحدة وهي التي تدخل الجنة بلا شفاعة.
بل في اصل مذهبهم اضطراب كما نقل في الرياض عن بعض رسائلهم انّه قال: "نحن نقول في بعض المسائل بقول الشيعة وفي بعضها بقول أهل السنة، ونثني على عائشة وباقي زوجات النبي، فيلومنا الشيعة، ونلعن يزيد ونظائره فيوبخنا أهل السنة ويشتموننا".
وجاء في اعتذار القاضي نور الله رحمه الله من سلامة الفطرة عن هذا السمناني:
يمكن أن يقال بأن محمد بن الحسن العسكري هذا الذي اتخذه شيخاً له هو غير محمد بن الحسن العسكري الذي ولد في سامراء بغداد بل هو (محمد بن الحسن) آخر كان في عسكر الاهواز، أو في عسكر مصر، ولم يتوضح حاله للشيخ، مع ان ما في تلك الرسالة المنسوبة إليه يتعارض مع ما في (فصل النبوات وما يضاف اليها) من رسالة (بيان الاحسان لأهل العرفان) عندما ذكره وقال: "المهدي عليه سلام الله وسلام جدّه خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلّم كان له من النطف الثلاث يعني الصلبية، والقلبية، والحقية، النصيب الاكمل، والحظ الأوفر من حيث الاعتدال؛ لا غالباً ولا مغلوباً، إذا كان في حياته؛ وعندما غاب فكان سبب غيبته تكميل هذه الصفات لتكون كذلك في الحدّ الأوسط ويأمن من الافراط والتفريط ويثبت على الحق، وإذا لم يتحقق لحدّ الآن، فبدون شك انّه سوف يتحقق، ويصل إلى الكمال الذي بشأن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلّم وتشمل دعوته أهل العالم، ويكون هو قطب دهره في مقام السلطنة بعد أمير المؤمنين علي عليه السلام " انتهى.
وبالجملة: ولو انّ صدق الشرطية الجزئية لا يستلزم صدق المقدم. ولكنه يعطي الاحتمال بوجوده وغيبته عليه السلام. وتقديم هذا الاحتمال على احتمال العدم ناظر إلى ترجيحه، فمن يحكم جزماً ولو لمرة واحدة بوفاة المهدي عليه السلام لا يسوق الكلام بهذا الأسلوب، كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام " تمّ كلام القاضي نور الله قلبه(١٢٣٠).
ولا ثمرة لهذا القول السخيف للامامية الّا لرد أبي محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم الاموي الذي نقل عنه الذهبي في تاريخ الاسلام ان الامام العسكري عليه السلام توفي ولم يعقب.
وقال ابن خلكان في احوال ابن حزم:
"وكان كثير الوقوع في العلماء المتقدّمين، لا يكاد احدٌ يسلم من لسانه فنفرت عنه القلوب واستهدف لفقهاء وقته، فتمالأوا على بغضه وردوا قوله وأجمعوا على تضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم عن الدنوّ إليه والأخذ عنه، فأقصته الملوك، وشردته عن بلاده حتى انتهى إلى لبلبة فتوفي بها... سنة ست وخمسين وأربعمائة..."(١٢٣١).
وعلى هذا نقول: إذا كان مراده، العقب والخلف ان يكون ظاهراً بين الخلق، فلم يدع احد ذلك، وإذا كان مراده نفي الخلف مطلقاً حتى بنحو ما تقوله الامامية وجماعة انّه كان مقرراً من يوم ولادته الاختفاء والستر عن الاجانب ولا يراه احد الّا الثقات والخواص احياناً.
وكانت الاسباب المتعارفة لاختفائه موجودة فضلا عن الاسباب الخفيّة الالهيّة.
فيكفي لرد ابن حزم في هذا المقام شهادته على نفيه فان طريق علمه مسدود على مثله وأمثاله.
فمع كثرة خدم وحاشية الامام العسكري عليه السلام وكثرة خواصه وثقاته الذين يقدمون ارواحهم تلبية لأوامره عليه السلام، ومع كثرة زوجاته وجواريه فانّه إذا كان يولد من احداهنّ ولد كان يأمر بكتمانه.
وفي رواية المسعودي انّه أرسله مع جدّته في سنة وفاته، ولم يذكر في المحافل اسم أحد من تلك الجماعة والأعوان الذين رافقوه(١٢٣٢)، فضلا عن اظهار سائر المطالب.
فمن أي طريق يمكنه لابن حزم ان يحصل على النفي الّا طريق التخمين والظن، وانّه: "لا يغني من الحق شيئاً"(١٢٣٣).
قال الذهبي في تاريخ الاسلام في احوال الامام العسكري عليه السلام: أمّا ابنه محمد بن الحسن الذي تدّعي الرافضة انّه القائم والخلف والحجة، فقد ولد سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقال بعض: سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش بعد ابيه سنتين وعُدم ولم يعرف كيف توفي... الخ(١٢٣٤).
فصل
ولم يعين جمهور اهل السنة المهدي الموعود في شخص، وقالوا حدساً انّه لم يولد، ونفوا ان يكون المهدي عليه السلام هو من يدّعيه الامامية وسخروا منهم واستهزؤا بهم، وعدّوا هذه الدعوى من الخرافات والجهل، بل عابوا عليهم ذلك في المنظوم والمنثور، وهجوهم، ولم يكتفوا بذلك حتى الصق علماؤهم الذين يدّعون لهم الفهم التتبع والانصاف الافتراءات في هذا المقام على الامامية، وانهم يذكرون كلماتهم عند نقلها لردها وتوهينها بالبشاعة والتوبيخ، ولسنا محتاجين إليه؟ مثل ما نسبه ابن خلدون والذهبي في تاريخ الاسلام وابن حجر في الصواعق وغيرهم انّه غاب في ذلك السرداب وما زال هناك في طول هذا الزمان، وانّه يخرج من هناك، ونسب ابن حجر انهم يحضرون الخيل على ذلك السرداب ويصيحون بأنْ يخرج اليهم من السرداب.
بل صرّح البعض منهم ان هذا السرداب في الحلة، وهكذا يفعلون الشيعة يوم الجمعة.
ونقل قطب الدين الاشكوري في محبوب القلوب عن كتاب (عجائب البلدان):
"كان عند باب السرداب الذي غاب فيه مولانا صاحب الأمر سلام الله عليه فرس اصفر اللون، سرجه ولجامه من الذهب إلى زمان السلطان سنجر بن ملك شاه فجاء يوم الجمعة للصلاة، فقال: ما سبب وقوف هذا الفرس هنا؟
قالوا: سيخرج من هذا الموضع خير الخلق ويركب عليه.
فقال: لا يخرج منها خير منّي فركبه.
وزعم الشيعة ان هذا الركوب لم يكن له مباركاً فسلط عليه طائفة الغز فأخذوا الملك منه"(١٢٣٥).
وعبارة الصواعق هي: "ولقد صاروا بذلك وبوقوفهم بالخيل على ذلك السرداب وصياحهم بأنْ يخرج اليهم ضحكة لأولي الألباب ولقد أحسن القائل:

ما آن للسرداب ان يلد الذي * * * كلمتموه بجهلكم ما آنا
فعلى عقولِكُمُ العفاء فانّكم * * * ثلثتمُ العنقاء والغيلانا"(١٢٣٦)

والحق ان مكان التعجب المخجل لتلك الجماعة مَنْ ينثر الشعير ليالي الجمع في حضائر الحيوانات التي بنوها على سطوح مساجدهم وبيوتهم لحمار الله، لأنه ينزل من العرش، وحتى لا يبقى الحيوان جائعاً.
فمن الطبيعي أن يعترضوا بهذا النوع من الاعتراضات على غيرهم.
والجواب: انّه لم يُرَ ولم يُسمع لحدّ الآن في أي كتاب من كتب الشيعة من المتقدمين والمتأخرين، والفقهاء، والمحدثين، والمؤمنين، والمنتحلين، الامامية بأنّ المهدي عليه السلام بقي في السرداب منذ غيبته، وسوف يوضح الجواب في اواخر الباب السابع بشكل اكثر عن هذا الافتراء، ويُعلم مَنْ هو الجاهل والذي يقول جزافاً، وعلى مَنْ لابد أن يُضحك؟
فالحلة بنيت سنة ثمان وتسعين واربعمائة كما صرح بذلك ابن خلكان في احوال صدقة بن منصور الملقب بسيف الدولة، وغيره من المؤرخين، ولذلك فهي معروفة بالحلة السيفية.
وان اكثر مؤرخيهم نسبوا سرداب الغيبة إلى هناك، ولم يكن وقت الولادة حتى اسمها، كما يقول الشهرستاني في الملل والنحل مع ادعائه طول الباع وكثرة الاطلاع ان قبر الامام علي النقي عليه السلام في قم.
ولا ادري إذا كانت منقولاته في اللغة والنحو والصرف هكذا بلا اساس فوا ويلاه بحال تلك العلوم.
وبما ان موضوع الكتاب خارج عن هذا النوع من العبارات لهذا يُسدّ هذا الباب، ونرجع إلى الاصل فنقول:
انّ هذه الجماعة باقرارهم واعترافهم بل ان اجماعهم انعقد على اخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بخروج ولد منه يقال له المهدي، واعترفوا بأنّه لم يعين ذلك الشخص، فحينئذ ان يقال على كل سيد حسيني تنطبق عليه هذه الأوصاف بأنّه المهدي الموعود إذْ لا يوجد مانع في البين.
ولا طريق لهذه الجماعة لنفي من تسمية الامامية بالمهدي بالنص والمعجزة مع وجود الامكان والجواز الّا عدم العلم، واحياناً تكون بعض الشبهات مانعاً للاعتراف والقبول.
اما عدم علمهم فلا ينافي علم الآخرين، غايته ان يطلبوا الدليل من الامامية: ما هو طريق علمكم إلى امامته ومهدويته عليه السلام؟
فيقول الامامية: انّ بكل دليل اثبتم نبوة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلّم لليهود والنصارى، فنحن نثبت مدعانا بنفس تلك الادلة والطريق، ونفس اجوبتكم تلك التي أجبتم بها على اشكالاتهم واعتراضاتهم فهي جوابنا على اشكالاتكم على تلك الادلة.
كما هو مفصل في كتب الامامية خصوصاً كتاب (الابانة) للكراچكي الذي رتبه على هذا النسق.
ولو كان لديهم اطلاع بمقدار ما عند الامامية من أخبارهم وأحاديثهم لما سقطوا في هذا الوادي... وسوف تأتي الاشارة إلى جملة من النصوص والمعجزات؛ في الباب الآتي.
واما شبهات هذه الطائفة فقد اجيب عليها بما تقدم وما يأتي وبقيت بعضُها، ونحن نذكر جميعها على شكل السؤال والجواب بنحو الاختصار، حيث يكون تسجيلها اسهل، وليرجع إلى الكتب المبسوطة الشائعة والرائجة فقد فصل ذلك فيها.
السؤال الأوّل:
انّ هذا الذي تقولونه انتم الامامية بأنّه المهدي من اولاد الحسين عليه السلام، بينما المهدي الموعود حسني.
الجواب:
قد اتّضح في هذا الباب بحمد الله بطلان هذا السؤال بالنحو الأوفى.
السؤال الثاني:
ان اسم ابي المهدي الموعود عليه السلام عبد الله، بينما اسم ابي مهديّكم (الحسن) عليهما السلام.
الجواب:
انّ هذا قد تقدم ايضاً، وان سند هذه الدعوى ينتهي إلى زائدة وهو مجروح ووضاع عندهم.. مع انّه يتعارض مع روايات خلق كثير من معتبريهم الذين تقدم ذكرهم.
السؤال الثالث:
انكم تدّعون انّه عليه السلام غاب منذ سنين طويلة ولم تتحقق مثل هذه الغيبة لأحد لحدّ الآن، فلماذا لم يُشِرْ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى وصفه بهذا الوصف والحال عندما ذكر المهدي عليه السلام بالاسم والوصف، بل ذكرها(١٢٣٧) كان اولى من ذكر باقي الصفات، فانّ الغيبة بهذه الطول من خوارق العادات؟
وهذه الشبهة لابن حجر في الصواعق(١٢٣٨).
الجواب:
أمّا أولا: ان السكوت عن وصف وانْ كان اولى بذكره من سائر الاوصاف الاخرى لا يضرّ في صحة انطباق سائر الاوصاف، ووجود تلك الاوصاف يدلّ على انّه هو المقصود، فليس هو الّا مجرد استبعاد.. ولعلّ المصلحة قائمة في ترك ذلك الوصف وانْ كنّا لا نعرفها.
وأما ثانياً: انّ عدم الحصول على هذا الوصف في الأخبار المنقولة في هذا الباب لا يدل على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لم يذكر هذا الوصف؛ فانّ ذلك متوقف على اثبات ان كل ما قاله صلى الله عليه وآله وسلّم قد سجّل وثبت عند طبقة الصحابة، وقد تناقل جميع ذلك الرواة الناقلون يداً بيد بدون اسقاط وتغيير وسهو وخطأ.
وفي كل ذلك نظر، بل قطع على خلافه، فكثيراً ما رؤي انّه نقل في خبر ما لم ينقل في الآخر، أو ان فيه مضمون وفي النقل الآخر خلافه.
وظهور التغيير والتحريف والزيادة والنقيصة العمدية والسهوية فوق الاحصاء، حتى انّه قد ألّفت كتب في ذكر الأخبار الموضوعة وكتب في ردّها. وقد جمعت في كتب الدراية كثير من الأخبار المصحفة والمحرفة.
فالذي لا يتخوف من وضع الخبر أو تغييره لنصرة مذهبه أو توهين المذهب الذي يخالفه، فما هو رادعه في اسقاط ما لا يوافق مذهبه؟
وقد جُمع في كتب الامامية المطولة كثير من ذلك عن أهل السنة بما يرتبط بهم.
وأما ثالثاً: فدعوى عدم الورود امّا عن جهل أو تجاهل.
فقد نقل الامامية عنه صلى الله عليه وآله وسلّم وعن أمير المؤمنين عليه السلام بما يفيد التواتر، وفيهم جماعة من أهل السنة الذين مدحوهم وأثنوا عليهم وحكموا عليهم بالصدق والديانة.
وأما اصحاب ابن حجر فانّهم نقلوا ايضاً اخباراً صريحة بغيبة المهدي عليه السلام، وكذلك بالضمن فرووا نصّه صلى الله عليه وآله وسلّم على أنّ ابن الامام الحسين عليه السلام التاسع هو المهدي.
وروَوْا ايضاً انّه عليه السلام يخرج في آخر الزمان.
ولا يمكن الجمع بين الروايات الّا بالقول بوجوده وغيبته عليه السلام. وسوف يشار إلى هذه الأخبار في الباب الآتي ان شاء الله تعالى.
السؤال الرابع:
انه قرر في الشريعة المطهرة ان الصغير لا تصح ولايته، ولا يسلط طفل على مال وروح وعرض محترم، وانتم معشر الامامية تدّعون الامامة والرئاسة الكبرى لمهديكم الذي عمره اربع أو خمس سنوات، وهذا لا يتفق مع الشرع.
وكذلك لم يوصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بانّه يؤتى الحكمة والامامة في صباه في ضمن صفات المهدي عليه السلام، مع انها من الصفات الجميلة والجليلة.
ولابد من نقل عبارة ابن حجر في الصواعق لتكون عبرة للناظرين، وهي:
"ثم المقرر في الشريعة المطهرة ان الصغير لا تصح ولايته فكيف ساغ لهؤلاء الحمقاء(١٢٣٩) المغفلين ان يزعموا امامة من عمره خمس سنين وانّه اوتي الحكم صبياً مع انّه صلى الله عليه وآله وسلّم لم يخبر به؟ ما ذلك الّا مجازفة وجرأة على الشريعة الغراء"(١٢٤٠).
وقال في موضع آخر: "وكذا كان اللازم توصيفه بأنّه يؤتى الحكم صبياً ولم يخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلّم".
ومن ظرائف المقولات التي ترتبط بهذا الموضوع ما قاله ابن عربي في الفتوحات في ضمن حالات الامام المهدي عليه السلام:
"يقسم المال بالسوية، ويعدل في الرعية، يأتيه الرجل فيقول يا مهدي اعطني، وبين يديه المال فيجيء له ما استطاع أن يحمله؛ يخرج على فترة من الدين، يزع الله به ما لا يزع بالقرآن، يمسي الرجل جاهلا، وجباناً وبخيلا فيصبح عالماً شجاعاً كريماً..."(١٢٤١) إلى آخر ما ترجمناه سابقاً.
وان مضمون الفقرة الأخيرة ان بركاته وفيوضاته تصل في زمانه إلى حدّ ان الانسان يمسي جاهلا، وجباناً وبخيلا، فيصبح ببركة فيوضه عليه السلام عالماً وشجاعاً وكريماً.
وظاهر هذه العبارة غير خفي على ادنى طلبة.
قال المولوي عبد العلى الهندي - الملقب عند العلماء هناك ببحر العلوم - في رسالة (فتح الرحمن)، بعد كلام في ذكر المهدي عليه السلام: "وقال الشيخ قدس سرّه: "يمسي جاهلا بخيلا فيصبح اعلم الناس اكرم الناس، يعني حينما يتصف بهذه الصفات كان ليلتها جباناً وكان بخيلا وبعد مرور ليلة واحدة صار في وقت الصبح اعلم الناس وصار اشجع الناس وصار اكرم الناس، يعني يكون معدوم النظير في العلم والشجاعة والجود.
ومقصود هذا الكلام هو: ان الله تعالى يكرم هذا الخليفة في ليلة واحدة بكل هذه المراتب والمنازل، واكثر من ذلك فانّه يتصف بالاضداد، كما يقول الشيعة ان الامام المهدي عليه السلام معصوم من ايّام طفولته مثل عصمة الانبياء عليهم السلام، انتهى.
الانصاف هو ان مثل هذا الفهم على طرفي نقيض بين ان يكون له هذا اللقب الجليل وهذا الاعتقاد وبين مذهب الامامية.
فانّه يوصف في حال رجولته بثلاث صفات حسنة وبثلاث صفات رذيلة خبيثة التي هي اقبح من كل أو اكثر الصفات القبيحة، وتتشعب منها مثل الحرص والطمع والحقد والحسد وحبّ الدنيا وجميع الشهوات واللذائذ وامثال ذلك، وهي نادراً ما تجتمع في شخص واحد، بينما هي اجتمعت في هذا الخليفة الالهي سنيناً، وما وجد مثل هذا الشخص الجاهل المبتلى بأنواع المعاصي.
الجواب:
وبالله التوفيق؛ ان حفظ النفس والمال وعرض النفس المحترمة متوقف على: مقدار من العلم الذي يعلم به كيف يحفظها من الحوادث والآفات.
ومن القدرة بحيث يتمكن ان يعمل بما علم.
ومن الدين والتقوى ليعمل بما علمه ويقدر عليه؛ حتى لا يماطل ولا يخالف.
ولهذا قرر الشارع المقدس انّه لابد من توفر شروط في اولئك، وعين طرقاً لمعرفة واحراز تلك الشروط فيهم، والزم أن لا تتخطّاها زيادة ولا يجوز ان تنقص، لأن الطرفين يسببان اختلال النظام في أمور المعاش والمعاد، وبذلك نقض الغرض لبعثة الانبياء.
وامّا الامامة التي هي الرئاسة الكبرى، والنيابة الخاصة عن النبي المرسل على جميع العباد، بل ان جميع الأشياء من المكلفين وغيرهم وزمام الدين والروح والعرض جميعاً بكف كفايته.
ولصاحب ذلك المقام شروط واوصاف اُخرى لابد أن تكون متوفرة فيه ليتمكن ان يقوم بعهدة تلك الرئاسة والولاية.
وحسب مذهب الامامية فان جملة من تلك الشروط موهوبية، وانها لا تحصل بالكسب والتعب والمشقة والرياضات والعبادة وتحصيل العلوم حتى لو انفق عمر الدنيا كلّه.
فانّه يتميز عن سنخ الرعية من عالم الطينة إلى اصل النطفة وانعقادها وولادته ونشؤوه وتربيته يخالفهم ويغايرهم في العقل والنفس والروح والجسد.
ولا طريق لمعرفة الشخص الذي فيه هذه الشروط واحرازها فيه الّا من طريق النص الالهي، وصدور المعجز منه مقارناً لدعواه كما هو ثابت في محلّه.
وان ولاية أولئك ليس هي كولاية الولي والوصي والمتولي والقيم والوكيل وأمثالهم، فان وجود هؤلاء وعدمهم بيد المكلفين فانهم يعطونها إلى من يشاؤون، وتكون لها شروط فاذا اجتمعت بشخص قادر طُوّقت رقبته بطوق الولاية الّا بزعم ابن حجر واصحابه فانهم يدّعون ان اساس غاية وعمل الامامة هو السياسة واجراء الحدود وحفظ الثغور، فمن كان فيه ذلك امكنه ان يكون اماماً ولو كان فاسقاً! كما صرح بذلك الغزالي الشافعي في مبحث الامامة من (الاحياء) في ضمن الاصول التسعة التي ذكرها، وعليه فانّه يكون طريق ولاية الامام من سنخ ولاية متولي الاوقاف والقيم على الايتام، ومن جهة ادنى.
فيمكن لكل جماعة لها وجود سياسي ان تجعل ملكاً اماماً ولو كان مثل (شير شخص القزويني) لم يتحلّى بأي صفة من صفات الانسانية فضلا عن الوصول إلى كمالات اهل الصفوة والخلة؛ ولو كان مثل معاوية الغدار ويزيد الخمار القمار والوليد الجبار ومروان الحمار؛ فانهم وحسب اصول هذه الجماعة كانوا من أهل الامامة الحقة ونواب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، واولوا الامر الواجبي الاتباع.
وعلى هذا يأتي اشكال ابن حجر على الامامية، فكيف جمع ذلك - والعقل غير قادر على القيام بأمور السياسة وحفظ الثغور - فكان اماماً للمسلمين؟
واما الامامية فيقولون: ان تعيين الامام من الله عزّ وجلّ فمن ارادة صنعه(١٢٤٢) وآتاه الحكمة(١٢٤٣) وجعله اهلا للرئاسة والامامة، وعند الله تعالى يتساوى الصغير والكبير والأسود والأبيض، فيمكن ان يهبها لكل احد وعلى اية حال كان وصفة.
وجميع الأشاعرة يقولون - وابن حجر منهم: انّه من الممكن ان يرى الانسان أو يسمع ويفهم ويحفظ بيده أو رجله كما يكون ذلك بأذنه وعينه وحواسّه الباطنية!
فلا كلام اذن في امكان أن يؤتي الله تعالى الحكمة إلى طفل، وان ذلك ينطبق على قواعدهم، ولا يكون محلا للاعتراض.
وامّا وقوعه فيكفيه قصة عيسى عليه السلام حينما اعترض اليهود على مريم باعتراض ابن حجر: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيّاً)(١٢٤٤).
فكيف يكلّم العاقل الفاهم طفلا في المهد لا يعرف شيئاً ولا يقدر ان يتكلم؟
قال عيسى عليه السلام: "انّي عبد الله".
انّي عبد الذات الاحدية الذي له جميع الصفات الجميلة والقدرة التامة التي اعطى لطفل كلما اعطاه إلى كليمه وخليله.
"آتاني الكتاب".
وقد اعطاني الكتاب الذي اعطاه لرسله وجعله علامة لنبوتهم.
"وجعلني نبياً".
وشرفني بخلعة النبوة ورفعني بمنصب الرسالة والسفارة.
"وجعلني مباركاً اينما كنت".
وحيثما كنت فانّه فتح ابواب خيراتي الدينية والدنيوية والبرزخية والاُخروية والظاهرية والباطنية إلى عباده، وقد أجرى عيون الفيوضات والمنافع والبركات من قلبي ولساني وعملي لعباده.
"وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً".
ودعاني في جميع حياتي إلى الصلاة التي هي المعراج إلى حضرته المقدسة، وامرني بحبس النفس عن اللذائذ والشهوات والمنهيات.
"وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً".
واحسن اليّ إذ عرفني حق نعمة واحسان وتربية والدتي فاقوم بشكر وحمد مشقتها وتعبها، ولم يجعلني عاصياً وشقياً أرى نفسي مستحقاً لكل احسان وخدمة ولا ارى لأحد حقاً على نفسي.
"والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّاً".
وسلام وأمان الله لي من شرور وفتنة شياطين الجنّ والانس، ومن البلاء والعذاب البرزخي، ومن اهوال وشدائد يوم البعث إذ كنت من يوم الولادة وحتى ذلك اليوم في أمن وأمان من الآفات الدينية والامراض القلبية حتى آتي في محضر القرب الالهي بقلب سليم(١٢٤٥).
فمع التأمل والتدبّر في الجملة يظهر ان جميع اصول الشرائع وخصائص النبوة قد بينها هذا النبي المرسل ابن الاربعين يوماً مع اصول اعمال الجوارح لاُمّته.
فلم ير ولم يسمع بهذه الآيات، الجاهل الغافل ابن حجر، أو انّه اصاب القدرة الكاملة نقص. أو انّه زال القابل(١٢٤٦) لهذه النعمة من العباد.
وانهم لا يشترطون الاستعداد والقابلية لشيء.
وروى نعيم بن حماد في كتاب (الفتن) ان عيسى يقول للمهدي عليه السلام: (انما بعثت وزيراً ولم ابعث اميراً).
ولا شك ان الأمير أفضل من الوزير؛ وكيف يمكن مع الوزير هكذا، بينما يبقى الأمير المدة المديدة في وادي الجهل والخطأ، ومع ذلك فهو افضل منه؟!
ونظير عيسى عليه السلام يحيى عليه السلام فانه تعالى اخبر باننا فعلنا به من صباه ذلك: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً).
وقد اجرى الله تعالى على قلم ابن حجر هذه الآية اقتبسها في جوابه عندما قال في مقام الطعن على الامامية انّهم يقولون في حق المهدي عليه السلام: (آتيناه الحكم صبياً) وهذا مجازفة وجرأة على الشريعة الغراء(١٢٤٧).
والحمد لله الذي ظهر من هو المتجرأ.
ومن الطرائف ان علماء اهل السنة ادّعوا لبعض اطفالهم مقامات عالية، ولكنهم استغربوا ذلك لابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
يقول ابن عربي في الفتوحات: "اعلم ان الناس لا يستغربون من الحكمة الّا من الطفل الصغير لانها غير متعارفة بينهم الّا الحكمة الظاهرة التي هي من الفكر والتدبر، وليس الصبي عادةً محلا لها، فيقال ان ذلك الصبي نطق بالحكمة. وتظهر رعاية الله تعالى بهذا المحل ظاهراً وزاده في يحيى وعيسى عليهما السلام فانهم نطقوا بالحكمة يعني علموا بما قالوه، لا انّه اجري على ألسنتهم، وذلك علم ذوقي لأنه لا يصح مثل هذا التكلم في مثل هذا الزمان والعمر الّا ان يكون عن ذوق، فاعطاهم الله تعالى الحكمة في حال الصغر، وهذه الحكمة هي النبوة ولا تكون الّا بالذوق(١٢٤٨)... إلى أن يقول:
"وقد نطق في المهد جماعة اعني في حال الرضاعة، وقد رأينا اعظم من هذا، رأينا من تكلّم في بطن اُمّه وأدى واجباً، وذلك ان اُمّه عطست وهي حامل به، فحمدت الله، فقال لها من بطنها: يرحمك الله؛ بكلام سمعه الحاضرون!
وامّا ما يناسب الكلام فان ابنتي زينب سألتها كالملاعب لها وهي في سنّ الرضاعة وكان عمرها في ذلك الوقت سنة، أو قريباً منها؛ فقلت لها بحضور امّها وجدتها: يا بنية ما تقولين في الرجل يجامع أهله، ولا ينزل؟
فقال: يجب عليه الغسل!
فتعجب الحاضرون من ذلك وغشي على جدّتها من نطقها، وفارقت هذه البنت في تلك السنة وتركتها عند امّها، وغبت عنها، واذنت لأمها في الحج في تلك السنة، ومشيت انا على العراق إلى مكة، فلما جئنا المعرف خرجت في جماعة معي أطلب أهلي في الركب الشامي، فرأتني وهي ترضع ثدي امها، فقالت: يا أمّي هذا أبي قد جاء!
فنظرت الأم حتى رأتني مقبلا على بُعْد وهي تقول: هذا أبي، هذا أبي.
فناداني خالها، فاقبلت، فعندما رأتني ضحكت ورمت بنفسها عليّ، وصارت تقول لي يا أبت يا أبت...(١٢٤٩)
وهذا وأمثاله من هذا الباب.
يقول المؤلف:
ان هذه المسألة التي سألها ابن عربي ابنته هي نفس المسألة التي ابتلي بها في عصر الخليفة الثاني ولم يتمكن الخليفة عليها، ويحكى جميع الصحابة عنها واجاب أمير المؤمنين عليه السلام الطفلة التي ترضع فبيض وجوه ائمتهم..
ونقل ايضاً ابن الصلاح في (علوم الحديث)، والخطيب في (الكفاية) عن ابراهيم بن سعيد الجوهري انّه قال: "رأيت صبياً ابن اربع سنين قد حُمل الى المأمون قد قرأ القرآن، ونظر في الرأي غير انّه إذا جاع يبكي"(١٢٥٠).
وهناك حكايات من هذا النوع في تراجم جملة من عرفائهم، وان ذكرها يوجب التطويل؛ حتى انهم قالوا ان الشيخ عبد القادر كان لا يرضع من ثدي اُمّه في شهر رمضان، وانهم رجعوا إليه في سنة اشتبهوا فيها.
امّا ما قيل أنّه لماذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلّم هذه المنقبة في ضمن اوصافه عليه السلام فيجاب عليه: انّه يعرف من الجواب السابق، وبالاضافة إلى ذلك نقول: ان هذا الوصف في أهل بيته كان شائعاً ومرتكزاً في الاذهان فكانوا من طفولتهم اصحاب العلم والحكمة والكمال بدون أي تردد، ولم يتعلموا عند احد، وهو ثابت ومبين في محلّه؛ وان الحسنين داخلان في آية التطهير، وليس هناك رجس اقبح من الجهل وعدم العلم؛ وفي الأخبار المشهورة عند الفريقين ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم اشار اليهما عليهما السلام وقال: "هذان ولداي امامان قاما أو قعدا"(١٢٥١).
يعني قاما إلى الجهاد، أو سكتا وقعدا؛ سواءاً دعيا الناس إلى انفسهما، ام لم يدعوا.
أو انّه كناية عن ثبوت هذا المنصب لهما على كل حال.
وظاهر العبارة، بل صريحها ان هذا المنصب ثابت لهما من ذلك الوقت - فانّه من المستهجن جداً أن يقول أحد ان هذا الشخص الحاضر عالم أو شجاع أو كريم، ويقصد به انّه يكون كذلك بعد ثلاثين سنة، أو بعد أربعين سنة! - وان عمر هذين الامامين لم يتجاوز السبع أو الثمان سنين حين وفاة الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلّم، والله أعلم في أي وقت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم هذه العبارة.
روى يوسف السلمي في عقد الدرر عن الحافظ ابي عبد الله نعيم بن حماد انّه روى عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال: يكون هذا الأمر في اصغرنا سناً، واجملنا ذكراً، ويورثه الله علماً، ولا يكِلُهُ إلى نفسه"(١٢٥٢).
السؤال الخامس:
ان عمراً بهذا الطول من خواريق العادة، ولم يحدث لحدّ الآن في هذه الأمة مثله.
وسيأتي جوابه في آخر الباب السابع مفصلا، ولا فائدة هنا في تكراره.
السؤال السادس:
تقولون معاشر الامامية ان المهدي دخل سرداب بيت أبيه، وأمّه تنظر إليه، وما زال هناك وينتظر حتى يخرج من هناك، ولم يره احد هناك، وهذا بعيد من جهتين:
أولاهما: عدم وجود الطعام والشراب، ولازمه ان يعيش انسان بدون غذاء.
والاُخرى: عدم رؤيته في ذلك المكان مع توفر شروط الرؤية.
ويظهر من الگنجي وغيره ان هذه النسبة مسلّمة عند علمائهم، وهذه عبارة الذهبي في تاريخ الاسلام: "محمد ابن الحسن العسكري بن عليّ الهادي بن الجواد بن علي الرضا؛ أبو القاسم العلوي الحسيني خاتم الاثنى عشر اماماً للشيعة وهو منتظر الرافضة الذين يزعمون انّه المهدي، وانّه صاحب الزمان، وانه الخلف الحجة، وهو صاحب السرداب بسامراء"... إلى أن يقول:
"ولهم اربعمائة سنة وخمسون سنة ينتظرون ظهوره، ويدّعون انّه دخل سرداباً في البيت الذي لوالده وأمّه تنظر إليه، ولم يخرج منه إلى الآن، فدخل السرداب وعدم وهو ابن تسع سنين".
وقال في أحوال الامام العسكري عليه السلام بعد أن ذكر انّه والد الامام الحجة:
"وهم - أي الرافضة - يدّعون بقاءهُ في السرداب من أربعمائة سنة، وانّه صاحب الزمان، وانّه حيّ يعلم علم الاولين والآخرين، ويعترفون انّه لم يره احدٌ.
وبالجملة جهل الرافضة عليه مزيد فنسأل الله ان يثبت عقولنا وايماننا".
وسيأتي الجواب مفصلا في الباب السابع، مع انّه لم يدّعِ أحد من علماء الامامية مثل هذا الادّعاء في أي كتاب فضلا عن نسبة ذلك اليهم جميعاً؛ ومع هذا الافتراء العظيم فانّه يدعو الله ان يثبت عقله وايمانه.
وعلى فرض التسليم؛ فقد اجبنا على الاستبعاد الاول هناك كما أجاب به الگنجي ايضاً.
وقد أجبنا على الاستبعاد الثاني على النحو الاوفى هناك في ذيل الحكاية الثانية قصة مدن اولاده عليه السلام، والحكاية السابعة والثلاثين قصة الجزيرة الخضراء، ونكتفي بنقل عبارة الميبدي في شرح الديوان؛ روى عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال:
"انّ لله تبارك وتعالى ثلاثمائة شخص قلوبهم على قلب آدم عليه السلام، وله أربعون شخص قلوبهم على قلب موسى عليه السلام، وله سبعة اشخاص قلوبهم على قلب ابراهيم عليه السلام، وله خمسة اشخاص قلوبهم على قلب جبرئيل عليه السلام، وله ثلاثة اشخاص قلوبهم على قلب ميكائيل، وله شخص واحد قلبه على قلب اسرافيل كلما مات واحد جعل الله تعالى محلّه واحداً من الثلاثة، وكلما مات واحد من الثلاثة جعل الله تعالى مكانه واحداً من الخمسة، وكلما مات واحداً من الخمسة جعل الله مكانه واحداً من السبعة، وكلما مات واحد من السبعة جعل الله تعالى مكانه واحداً من الاربعين، وكلما مات واحد من الاربعين جعل الله تعالى مكانه واحداً من الثلاثمائة، وكلما مات واحد من الثلاثمائة جعل الله تعالى مكانه واحداً من العامة؛ بهم يدفع الله تعالى البلاء عن هذه الامة"(١٢٥٣).
وقال الشيخ علاء الدولة في العروة:
"يطوى لهم الأرض ويمشون على الماء، ويتسترون عن أعين الناس، ويجتمعون في مكان ضيق مملوء من أهل الشهادة ولا يكون بدنهم غير ممسوس، ولا يرى لهم ظل، ويرتلون القرآن عالياً وينشدون الشعر ويبكون وتأخذهم الوجد والرقص ولا يسمع احد انشادهم؛ ويمكن ان يجعلون من الخسيس نفيساً، ومن النفيس خسيساً ويؤثرون على المحتاجين، ويمشون في بلاد الربع المسكون، ويجتمعون بالسنة مرّتين، مرة في يوم عرفة بعرفات، ومرة في رجب في المكان الذي يؤمرون به".
وملاّ حسين الميبدي من علمائهم المعروفين وهو من الذين يستشهدون بكلامه وقد ذكر جملة من مؤلفاته الكاتب الچلبي في (كشف الظنون)، مثل (شرح هداية الحكمة) و(شرح الكافية) و(جام گيتي نما) و(شرح الديوان) المذكور.
وما قيل بأنهم يثبتون له علم الاولين والآخرين فهو قول صحيح، ولكن من غير المعلوم ان ما يقوله جمهور الامامية في حقه عليه السلام اكثر مما يقوله اهل السنة لأقطابهم ومشايخهم.
نقل الشيخ عبد الوهاب الشعراني في المبحث الخامس والأربعين من (اليواقيت) عن أبي الحسن الشاذلي: ان للقطب خمس عشرة علامة؛ ان يمدّ بمدد العصمة والرحمة والخلافة والنيابة، ومدد حملة العرش، ويكشف له عن حقيقة الذات - يعني ذات الحق جلّ وعلا - واحاطة الصفات.. الخ(١٢٥٤).
وبحسب أصولهم وقواعدهم فلا يمكن ان تنكشف حقيقة الذات ويبقى شيء من الممكن في ستر الخفاء.
ونقل الميبدي في شرح الفصوص عن الجندي: "انه نقل الشيخ صدر الدين عن ابن عربي: عندما وصلت إلى بحر الروم من بلاد الاندلس قررت في نفسي حينها ان لا أجلس في السفينة فانكشفت لي تفاصيل احوالي الظاهرة والباطنة إلى آخر عمري، والتي ظهرت كلها بعد التوجه التام والمراقبة الكاملة حتى صحبة ابيك اسحاق بن محمد وجميع أحوالك واتباعك من الولادة إلى الموت وأحوالكم في البرزخ، وكان ثابتاً حينها ان منشأ هذا الاطلاع هو معدن العلم الالهي " انتهى.
ومع تمكن الاطلاع على المعدن المذكور فلا يبقى فرق بين الماضي والمستقبل، والقلة والكثرة، والعلوم الظاهرة والباطنة، واما ما قاله وقد اعترف به انّه لا يمكن لأحد ان يرى ذلك، فهو ايضاً كذب لم يخجل من ارتكابه، مع تلك الجلالة والشأن الذي اعطوه له.
أما في الغيبة الصغرى وهي حدود سبعين سنة فقد وصل إلى خدمته عليه السلام خلق كثير، وقد ثبتت اسماؤهم في اغلب كتب الامامية، وقد ألّفت بعضها في ايام ولادته، وبعضها في الغيبة الصغرى، وقريب منها، وهي موجودة إلى الآن، والظاهر ان الذهبي لم ير شيئاً منها.. بل قد تقدّم ان البلاذري الحافظ المعتبر عندهم قد روى عنه عليه السلام في الحديث المسلسل الذي جميع سلسلته من المعروفين وكل واحد منهم يوصف بصفة متفرد بها في عصره مثل السيوطي والجزري ونظائرهما؛ وسوف يأتي انه تشرف بخدمته عليه السلام جماعة في الغيبة الكبرى ايضاً، حتى ان منهم من تشرّف إلى لقائه عليه السلام وقد أشرنا إلى اسمائهم سابقاً.
السؤال السابع:
ما هي الحكمة في غيبة هذا الامام، فانّه مع هذا العمر الطويل قد تجنب الخلق خائفاً على الدوام، ولم ير احد من الخاصة والعامة شيئاً منه؛ يقول ابن تميمية الحنبلي - مؤسس الطريقة وباني طائفة الوهابية الخبيثة في نجد، وقد أخذ الشيخ عبد الوهاب تلك المذاهب الفاسدة من كتبه - في كتاب (منهاج السنة) الذي كتبه رداً على (منهاج الكرامة) لآية الله العلامة الحلي: (مهدي الرافضة لا خير فيه إذْ لا نفع ديني ولا دنيوي لغيبته).
الجواب:
بعد الاعتراف بامامة الحجة بن الحسن عليه السلام وبقائه بالنصوص والمعجزات وقاعدة اللطف، فكيف يترك العباد إلى انفسهم مع كل هذا الجهل والحسد والتباغض والتكالب والتقارب والتضاد واتّباع الهوى بدون رئيس وبلا اضطرار يبين لهم الصلاح والفساد والنفع والضرر الديني والدنيوي في دينهم وعقلهم وروحهم وبدنهم وعرضهم ومالهم، ويحركهم الى ذلك ويفعلون ما يقول لهم ويحفظهم ويؤمنهم من الخطأ والنسيان والسهو والمعصية، فانّ ذلك سيكون نقضاً لغرض التكليف وبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، لأنهم عليهم أن يطيعوا وينقادوا ويسمعوا لكلامه ويطيعوا لأوامره بلا استثناء لأنّ الحجة قد تمّت عليهم به وخرس لسان عذرهم، كما هو مفصل في الكتب الكلامية.
أو انّهم يعترفون ويسلمون بهذا المدّعى مماشاة مع الخصم، لأن هناك مسائل اُخرى فلا موقع لهذا السؤال، حتى من معاشر الامامية.
أمّا من ناحية اهل السنة؛ أولا:
ان طول عمر المهدي عليه السلام واخفاؤه عن الخلق انما هو من الافعال الالهية، وهم لا يرون لأفعاله تعالى علّة، فلا يفعل الاّ اذا كان في الفعل صلاح وخير وانّما كل ما يفعل فهو خير فانّنا لا نعرف الصالح والأصلح، ولا يجب على الله فعل ما نراه صالحاً أو أصلح، وليس قبيحاً أن يدخل جميع الانبياء جهنم، أو يدخل الكفار والشياطين الجنة؛ بل ان في ذلك الخير والحكمة والصلاح.
وعليه فلا يحق لأهل السنة أن يسألوا عن وجه الحكمة لهذا الفعل الالهي وباقي افعاله.
وثانياً: لا ضرر من عدم العلم بوجه الحكمة في فعل الهي على وجوب الاعتقاد بصدور ذلك الفعل، كما قد خفيت الحكمة عن الأمة في أكثر أحكام الدين واسرار العبادات، وخفيت اغلب مفاسد كثير من النواهي.
وكذلك لم تكن جملة من أفعال وأوامر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الّا من جهة الوحي والأمر الالهي، ولم يكن هذا الجهل سبباً لضعف العقيدة بالصدور أو رفع اليد عمّا كان محلا للتكليف بالضرورة.
وثالثاً: النقض بالدجال؛ بانّه موجود في خبر بل في اخبار في كتب صحاحهم، ويأتي في آخر الباب السابع، انّه كان موجوداً قبل مدّة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وهو محبوس في جزيرة في اطراف الجزائر المغربية وعالمٌ بفتن آخر الزمان وما سوف يفعله بنفسه، وسوف يبقى حيّاً إلى أن يقتل بيد المهدي عليه السلام أو عيسى عليه السلام.
وهو شريكه عليه السلام في طول العمر والغيبة؛ فاذا كانوا لعدم علمهم بحكمة وجوده وغيبته رفعوا ايديهم عن الدجال؛ فنحن - نعوذ بالله - نسحب أيدينا عن مهدينا صلوات الله عليه.
وللگنجي الشافعي هناك كلام ذكرناه في الباب المذكور.
ورابعاً: وفي الأخبار الصحيحة عند الفريقين - ونحن قد سجلنا اكثر من خمسين طريق في كتاب فصل الخطاب - وجاء في جملة من صحاحهم ما مضمونه: إن كل ما وقع للاُمم السابقة وخصوصاً بني اسرائيل فسوف يقع لهذه الأمة، حتى لو كانوا قد دخلوا في جحر حيوان، فهذه الامة تدخل ذلك ايضاً.
وكان لأكثر الانبياء عليهم السلام غيبات طويلة وغير طويلة ابتعدوا فيها عن اممهم بأمر الهي ولم يكن لأحد علم عنهم.
ذكر شيخ المؤرخين علي بن الحسين المسعودي (الذي ينقل أهل السنة من كتبه، مثل مروج الذهب واخبار الزمان، ويعتمدون عليه، وقد مدحه محمد بن شاكر الكتبي في فوات الوفيات وذكر كتبه) غيبات للأنبياء والاوصياء في كتاب (اثبات الوصية).
وإذا لم يكن في هذه الامة غيبة للحجة - الذي باعترافهم افضل من عيسى عليه السلام، وانّه افضل من جميع الانبياء والمرسلين غير اولي العزم منهم، وانّه لا يأتي حجة غيره بعد ذلك إلى يوم القيامة - فيلزم تكذيب تلك الأخبار الصريحة المتواترة بحسب المضمون.
ولا فرق بين طول وقصر زمان الغيبة لأن هذا الاختلاف كان موجوداً هناك ايضاً.
وأما من ناحية معاشر الامامية فانهم يعترفون ان لغيبته عليه السلام حكمة طبعاً، بل حِكَم؛ ولكنهم ممنوعون من ائمتهم عليهم السلام عن البحث والتفتيش في فهم سرّها.
بل ان بعض العلماء حرّم ذلك؛ قال الشيخ المقدم ابو محمد الحسن بن موسى النوبختي في كتاب (الفرق والمقالات) بعد أن ذكر مذهب الامامية في حق المهدي صلوات الله عليه وغيبته عليه السلام:
"لأنه ليس للعباد أن يبحثوا عن امور الله ويقضوا بلا علم لهم، ويطلبوا آثار ما ستر عنهم، ولا يجوز ذكر اسمه، ولا السؤال عن مكانه حتى يؤمر بذلك، إذ هو عليه السلام مغمود خائف، مستور بستر الله، وليس علينا البحث عن امره، بل البحث عن ذلك وطلبه محرم لا يحل ولا يجوز... الخ"(١٢٥٥).
والمروي في علل الشرائع، واكمال الدين انّه قال عليه السلام(١٢٥٦): "ان لصاحب هذا الامر غيبة لابدّ منها، يرتاب فيها كل مبطل.
فقلت له(١٢٥٧): ولِمَ جعلت فداك؟
قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم.
قلت(١٢٥٨): فما وجه الحكمة في غيبته؟
قال: وجه الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره؛ ان وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف الّا بعد ظهوره، كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، واقامة الجدار، لموسى عليه السلام الّا وقت افتراقهما.
يا ابن الفضل! ان هذا الأمر امرٌ من الله، وسرٌّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا انّه عزّ وجلّ حكيم صدّقنا بأن أفعاله كلّها حكمة، وان كان وجهها غير منكشف لنا"(١٢٥٩).
ومع ذلك فقد ورد ان بعض الرواة عندما يسألون عن حكمة الغيبة فانهم عليهم السلام يجيبون بما يسكت الراوي، ويظهر من الخبر المتقدم ان ما يقولونه عليهم السلام ليس هو السرّ الحقيقي وليس هو تمام وجه الحكمة، كما ورد في اخبار كثيرة ان سبب غيبته عليه السلام هو خوف القتل.
وقد اعتمد الشيخ الطوسي رحمه الله في كتاب الغيبة على هذا السبب، وانّه لا علة تمنع من ظهوره الّا خوفه، وان منع الله تعالى الظالمين من قتله عليه السلام من غير طريق النهي بل بأسباب الالهية يوجب الجبر وينافي التكليف وينقض الغرض به باستحقاق الثواب!
والفرق بينه عليه السلام وبين آبائه الطاهرين عليهم السلام فقد كانوا ظاهرين بين الناس وكان سلاطين الجور في كل عصر واكثر الناس يخالفونهم ويعادوهم، بخلافه عليه السلام فانّه صار مستوراً عليه السلام. وأما سبب ستره دونهم عليهم السلام لأنّ السلاطين والولاة كانوا مطمئنين انهم عليهم السلام لا يرون الخروج عليهم، ولا يعتقدون انّهم يقومون بالسيف.
وليس كذلك صاحب الزمان عليه السلام لأنّ المعلوم منه انّه يقوم بالسيف ويزيل الممالك ويقهر كل سلطان ويبسط العدل على جميع وجه الأرض، فمن كانت هذه صفته فهو يعارض ويضاد الملك فبالطبع يكون خائفاً، ويسعون جاهدين في قلع جذوره وقمعه.
وبما انّه آخر الحجج فان قتله يكون ابطالا للوعد الالهي، لأنه لا يوجد أحدٌ يأتي مكانه، فلذلك أمن بحسب الامر الالهي من القتل الى ذلك الزمان الذي يظهر فيه.
فكانت غيبته واستتاره بملاحظة هذا الخوف واجبة بالحكمة(١٢٦٠).
وروي في العلل وكمال الدين وجه آخر للحكمة من الغيبة:
قال الراوي(١٢٦١): قلت له: ما بال أمير المؤمنين عليه السلام لم يقاتل فلاناً وفلاناً وفلاناً؟(١٢٦٢)
قال: لآية في كتاب الله عزّ وجلّ: (لو تزيلو لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً اليماً)(١٢٦٣).
قال: قلت(١٢٦٤): وما يعني بتزايلهم؟
قال: ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين، وكذلك القائم (عليه السلام) لن يظهر أبداً حتى تخرج ودائع الله تعالى، فاذا خرجت ظهر على مَنْ ظهر من اعداء الله فقتلهم"(١٢٦٥).
ونتيجة هذا الخبر الشريف هي ان وجه الغيبة لاستخلاص النطف التي يكون منها أهل الايمان من اهل النفاق؛ لأنّ بسط اليد بسبب الظهور يوجب قتل أهل الخلاف، وبقتلهم تذهب هذه الذرية الصالحة الذين هم في اصلابهم.
وفي الحكمة البالغة ان هذا امرٌ مطلوب وكان هو علّة صبر وسكوت وترك أمير المؤمنين عليه السلام جهاد الذين تقدموه، لأنه كان عليه السلام يعلم ان في اصلاب أهل الردّة نطف المؤمنين كما هو مشاهد ومحسوس بكثرة.
وان صبره وقعوده عليه السلام عن طلب حقّه هو مثل اختفاء امام العصر عليه السلام بل روى الفاضل الخبير قطب الدين الاشكوري تلميذ المحقق الداماد في (محبوب القلوب) عن سيد الشهداء عليه السلام عندما حمل يوم عاشوراء على معسكر ابن زياد فكان يقتل بعضاً ويترك آخرين مع وضوح تمكنه من قتلهم، فسئل عليه السلام عن سبب ذلك، فقال: رفع الحجاب الذي امام عيني فرأيت نطفاً في اصلابهم فعرفت اولئك الذين يخرج من نطفهم اهل الايمان فتركت قتلهم، ورأيت الذين لا يخرج منهم صالح فقتلتهم.
وأمثال هذه الاعمال التي هي عمل أهل الولاية في تدبير امور الخلق بنحو لا يلفت، اذن لا يصح ان يعترض على افعالهم، بل يجب حملها على الحكمة الاجمالية والمصالح العامة بدون حاجة للعلم التفصيلي بها.
وروي في كمال الدين ايضاً عن سدير عنه عليه السلام انّه قال: "انّ للقائم منّا غيبة يطول امدها.
فقلت له(١٢٦٦): يا ابن رسول الله ولِمَ ذلك؟
قال: لأنّ الله عزّ وجلّ أبى الّا ان تجري فيه سنن الانبياء عليهم السلام في غيباتهم، وانّه لابدّ له - يا سدير - من استيفاء مدد غيباتهم، قال الله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طبقاً عن طبق)(١٢٦٧) أي سنن مَنْ كان قبلكم"(١٢٦٨).
وهذا اشارة إلى ذلك الوجه الذي ذكرناه سابقاً.
السؤال الثامن:
مع كل هذه الاختلافات التي ظهرت بين الشيعة في الفروع والاصول، فلماذا لم يظهر لعدة من مخلصي الشيعة المسموعة أقوالهم ويرفع به الاختلاف الذي صار سبباً لتفسيق وتضليل وتكفير بعضهم لبعض، فهو الأمان الذي لا خوف فيه.
الجواب:
ان اكثر البشر على وجه الأرض ينكرون وجود الذات الأحدية المقدسة جلّ ثناؤه، يعترفون انّ كلّ ذلك الاختلاف مراتب توحيده وصفاته وأفعاله(١٢٦٩) باطل وقائله ضال ويسبب الخلود في النار لأكثرهم الّا طريقة واحدة وفي كل ذلك، فلم يحذر الله تعالى أبداً من أي شيء، ولم يستخدم قدرته في رفع الاختلاف الموجود وحلّ الخصام المتنازع فيه، وايجاد المعرفة الضرورية والعلم الوجداني في النفوس والقلوب بما لا يبقى في القلب شيء الّا الحق... وهذا(١٢٧٠) أهم باضعاف غير متناهية من وليّه ونائبه وخليفته في الأرض.
وكل عذر يقال لترك الله عزّ وجلّ ذلك، فان وليّه اولى بذلك العذر لتركه رفع الاختلاف.
السؤال التاسع:
تقولون انتم الامامية بامامة امام سُلبت منه جميع لوازم الامامة وذاتيات الرئاسة العامة والنيابة الالهية والخلافة النبوية مثل بيان الأحكام وحلّ الخصومات واجراء الحدود وحفظ الثغور واخذ الحقوق، واعانة المظلوم، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفع الظالم وتجهيز العساكر وامثال ذلك الذي هو الغرض من نصب الامام سواء كان بالنص أو بالاجماع. فعليه القيام بالأمور المذكورة وتنظيم القظايا الشرعيّة واصلاح المفاسد الدينيّة والدنيويّة للمسلمين.
ومع انتفاء هذه الواجبات المذكورة عنه بسبب عدم تمكّنه من القيام بها فانّه يسقط عن الامامة، ولا يبقى شيء صار من اجله امام، والذي يليق بهذا المنصب من هو جدير بهذا اللقب. وأما مهديكم فهو من قال عنه ابن تيمية في منهاج السنة: "لا خير فيه إذ لا نفع ديني ولا دنيوي لغيبته".
الجواب:
امّا على طريقة أهل السنة؛ فأولاً:
فينقض بغيبة أغلب الأنبياء عليهم السلام مع ان الغرض من بعثتهم هو انفاذ الاحكام المذكورة واجراء الواجبات المعروفة اصالةً؛ واما الامام فهو مكلف بذلك بالنيابة عنهم.
وغيبة اولئك مذكورة في كتب السير والتواريخ والأخبار النبوية عند الفريقين، ولا تقبل الانكار، ويكفي لاثبات هذا المدعى غيبة يونس عليه السلام عن قومه، بل عن كل متحرك في الأرض، بل تحت الأرض الّا ذلك الحوت الذي كان فيه بطنه، بنص القرآن المجيد.
ولا يمكن لأي مسلم ان يسلب النبوة عنه بسبب هذه الغيبة، وانّه لم يكن نبيّاً في كل هذه المدة التي فارق بها الامة وسار في السفينة وفي بطن الحوت إلى حين عودته إلى قومه، وان نبوته ونبوة غيره تدور في دائرة حضوره وسلطته التي تذهب احياناً وتعود اُخرى، ويكون النبي في بعض الاحيان رعية وتابعاً.
فانه من البديهي ان الخلق لا يخلون عن هذين الصنفين.
ولم يحتمل احد لحدّ الآن هذا الاحتمال السخيف والقول البديهي البطلان.
وأيضاً فان وقت اعتزالهم يكون عندما يراد هلاك اُمتهم؛ كما روى الثعلبي وغيره يؤمر النبي الذي يراد عذاب امّته بهلاكهم أن يأتي إلى مكة المكرمة ويبقى فيها يعبد الله تعالى إلى ان يحين اجله.
وأوضح واعجب من كل ذلك اختفاء وغيبة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم، كما في السيرة الحلبية لبرهان الدين الشافعي، وغيرها؛ فقد روي عن ابن اسحاق انّه صلى الله عليه وآله وسلّم اختفى ثلاث سنين بعد نزول السورة المباركة: (يا أيها المدّثر، قم فأنذر) في بيت الأرقم؛ فاذا أراد الصلاة، ذهب مع جماعة ممن آمن إلى شعب من شعاب مكة وصلّوا.
وقوّى هناك ان مدة الاختفاء في بيت الأرقم استمرت حتى ظهرت الدعوة وهي أربع سنوات؛ وهكذا في المدة التي حوصروا فيها بشعب أبي طالب بل حبسوا فيها به.
وهكذا في الغار، ومدة من بعدها. بل في جميع ايام البعثة لم يكن له قوة وسلطة لانفاذ تلك الامور الّا الدعوة إلى التوحيد والرسالة وقليل من اعمال الجوارح.
وطبق سياق السؤال فلابد من سلب النبوة عنه صلى الله عليه وآله وسلّم - والعياذ بالله - في تلك المدة المذكورة.
ومثل هذا الشخص - الذي يقول هذه المقالة(١٢٧١) - خارج عن دائرة الاسلام.
وثانياً: صرح علماء أهل السنة على ان القوة والسلطنة الفعلية ليست شرطاً في النبوة والامامة حيث إذا فقدت ذهبت النبوة والامامة.
قال الشيخ ابو مشكور السلمي الحنفي؛ محمد بن عبد الرشيد بن شعيب الكشي - ويعدونه مجدد الالف الثاني - في كتاب (التمهيد في بيان التوحيد) ونقل العبارة الاولى، فلعل العلماء رأوا عدم الحاجة في نقلها في الكتب العربية:
"قال: قال بعض الناس بانّ الامام إذا لم يكن مطاعاً فانّه لا يكون اماماً؛ لأنه إذا لم يكن القهر والغلبة له فلا يكون اماماً.
قلنا: ليس كذلك؛ لان طاعة الامام فرض على الناس، فان لم يكن القهر فذلك يكون من تمرد الناس؛ وهو لا يعزله عن الامامة.
فلو لم يُطَع الامام فالعصيان حصل منهم، وعصيانهم لا يضرّ بالامامة، ألا ترى انّ النبي ما كان مطاعاً في اول الاسلام، وما كان له القهر على اعدائه من طريق العادة والكفرة(١٢٧٢)، وقد تمردوا عن أمره ودينه، وقد كان هذا لا يضرّه ولا يعزله عن النبوة.
وكذا الامام خليفة النبي لا محالة.
وكذلك علي عليه السلام ما كان مطاعاً من جميع المسلمين، ومع ذلك ما كان معزولا، فصحّ ما قلنا؛ ولو ان الناس كلهم ارتدوا عن الاسلام - والعياذ بالله تعالى - فانّ الامام لا ينعزل(١٢٧٣) عن الامامة، فكذلك بالعصيان"(١٢٧٤).
وخلاصة العبارة هو ما ذكر بان النبوة والامامة من المناصب الالهية وليست كالسلطنة والحكومة العرفية فاذا وصل القهر والغلبة وامكان اجراء الأوامر والنواهي الى مقام العفلية فهي باقية والّا فيكون مثله مثل السلطان بلا مُلك ولا عسكر ولا يقال له حينئذ سلطان.
وقد ورد في اخبار أهل السنة ايضاً ان الائمة من قريش.
وفي جملة منها ان الخلافة تبقى في قريش دائماً(١٢٧٥)، كما في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال: "لا يزال هذا الامر (الخلافة، كما صرّح الشراح)(١٢٧٦) في قريش ما بقي منهم اثنان"(١٢٧٧).
وفي رواية اُخرى ما بقي من الناس احدٌ.
وقال الشيخ شمس الدين محمد بن العلقمي الشافعي تلميذ السيوطي في الكوكب المنير، وهو شرح للجامع الصغير لاُستاذه، بعد ذكر ما تقدم:
"ولأنّ الناس كانوا يتبعون قريش في الجاهلية، وكانوا رؤساء العرب، فصاروا تبعاً لهم في الاسلام، وهم اصحاب الخلافة، وهذه الخلافة مستمرة لهم إلى آخر الدنيا ما بقي في الناس اثنان"(١٢٧٨).
وقد ظهر ما قاله صلى الله عليه وآله وسلّم فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك، ومن تغلب على الملك لا ينكر ان الخلافة في قريش(١٢٧٩)، فاسم الخلافة باق لهم ولو انه بقي مجرد اسم.
وقد احتمل ابن حجر العسقلاني في فتح الباري الذي هو شرح على صحيح البخاري، هذا المعنى وعدّه احد احتمالات الخبر المذكور(١٢٨٠).
واحتمل ايضاً انّه لم يقصد منه الإخبار بل انّه امر جاء به بصورة الخبر، يعني عليكم ان تتخذوا خليفة من قريش دائماً(١٢٨١).
وعلى طريقتهم فان الرعية هي التي تصنع الخليفة ومن ثمّ يأتمّون به.
وأجاب الكرماني على الاشكال ان الحكم في زماننا في غير قريش:
بانّ الخليفة في بلاد المغرب ومصر من قريش(١٢٨٢).
وقال في فتح الباري: "ان هذا صحيح ولكنه غير مبسوط اليد وليس له من الخلافة الّا الاسم فقط"(١٢٨٣).
وهذه العبارة صريحة في ان التسلط والحكومة ليستا شرطاً للخلافة والامامة، بل ان الخليفة والامام مَنْ قال الله تعالى والرسول صلى الله عليه وآله وسلّم بانّه خليفة وامام وان لم يمكّنه الغاصبون والمتغلبون.
وفي هذا المعنى فلا فرق حينئذ بين الحضور والغياب والظهور والاختفاء.
وقال ملك العلماء شهاب الدين بن عمر الدولت آبادي في كتاب (مناقب السادات) المسمّى بـ (هداية السعداء): "ان يزيد باغ متغلب خارجي، وان الخروج على الامام حرام في جميع الاديان، وان يزيد اللعين خرج على الحسين عليه السلام بدون تأويل وقتله محاربة".
وقال هناك ايضاً: "عندما قُتل علي بن ابي طالب عليه السلام كانت الخلافة منه إلى الحسن بن علي عليهما السلام ثم منه إلى الحسين بن علي عليهما السلام، وبغى في عهد الحسين يزيدُ بن معاوية بغياً صار مسلطاً به".
ويكفي لاثبات هذا المدّعى وجواب ذلك السؤال الذي لا اساس له هذا المقدار من العبارة ان شاء الله.
ولا فائدة من جمع كل كلماتهم وتناقضاتهم وهفواتهم فان هذا المقدار كاف وشاف للمنصف، وان المعاند لا يقتنع باضعاف ذلك.
واما على طريقة معاشر الامامية ايدهم الله تعالى فانهم يقولون:
ان الله إذا اراد أن يخلق الامام انزل قطرة من ماء المزن فتقع على ثمرة من ثمرات الأرض فيأكل منها حجة ذلك العصر فتنعقد نطفة الامام منها(١٢٨٤).
فاذا مضى له أربعون ليلة سمع الصوت(١٢٨٥).
فاذا مضى له اربعة أشهر كتب على عضده الأيمن: "وتمت كلمة ربّك صدقاً وعدلا لا مبدّل لكلماته وهو السميع العليم"(١٢٨٦).
فاذا ولد رُفع له عمود يشرف به على الخلائق يرى اعمال العباد(١٢٨٧).
وينزل عليه امر الله في ذلك العمود، وان ذلك العمود نصب عينه في كل مكان ذهب(١٢٨٨).
ونظر وملأ الله وليه من محبته بحيث لا يمكن أن يقبل ذلك غيره، وملأه ايضاً من خوفه بحيث لا يخاف من شيء غيره، وملأه من الزهد فلا يرغب في شيء من الدنيا وغير الدنيا الّا ما يأمره به، وملأه من الكرم والجود بحيث انّه في ايثاره لا يرغب بنفسه عن بذلها في طريقه.
وملأه من الشجاعة حتى لا يهاب من اي مخلوق.
وملأه من التوكل فانّه لا يعرف ولا يرى شيئاً غيره يضرّ أو ينفع.
وعلى هذا المنوال فانّ جميع الصفات الحسنة مستقرة ومحفوظة في قلبه.
وبعكس ذلك فلم يظهر على مرآة قلبه شيء من رجس الأخلاق الذميمة، وتظهر بها حقيقة الأشياء، ويعرف ويرى قبائح بواطن المعاصي فينفر منها بالطبع، ويوكل به روح القدس فيؤيده ويسدده ولا يفارقه.
وليس يعتريه غفلة أو سهو أو نسيان.
وقلبه مثل البيت المعمور والعرش فهو محل نزول الملائكة وطوافها وعروجها دائماً.
وقد اعطي انواعاً من ابواب العلوم.
وهو علة حركة الفلك وايجاد الخلائق من الفلك إلى الأفلاك، فكلّها كانت به ووحدت لأجله.
ويحيى من طفولة وجوده يأكل ويشرب، ويعبد الله كما يريده الله تعالى ويفعل ما يشاءه ويسبّح ويمجّد ويهلّل ويكبّر ويصلّي ويصوم ويحجّ ويفعل كلّ ذلك.
وبعد أن ألطفه من ألطافه واحسانه ونعمه غير المتناهية وأوصله إلى الكمال الذي يمكن للممكن أن يصله؛ زينه بأمر ارشاد وهداية خلقه بما لا يخرجه عن اختياره ورغبته ويكون قابلا لاستحقاق الثواب والمكرمة.
وانه عليه السلام يُظهِر الدعوة مع عدم وجود مفسدة(١٢٨٩) في اظهارها، فمن سمع أحسن لنفسه؛ الا(١٢٩٠) جلس في فلك كبريائه سكت أو غاب. وان جميع مراتب هدايته وارشاده للخلق التي هي من مناصبه انما هي بالنسبة إلى مقاماته عليه السلام بنسبة القطرة الى البحر، وكلّما كان ممكناً فانّه لا يظهر فيه نقص ولا ينقص من مقاماته الّا ما شاء الله بمضمون قوله: (ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي اوحينا اليك)(١٢٩١) يأخذ كل ما اعطاه.
فلو ان عالماً عابداً زاهداً متبحراً يسقط عن مقامه لو حبس في مطمورة ويذهب منه علمه وزهده، ولا يقال له عالم زاهد، فكذلك الامام فيسقط من مقام الامامة بغيبته عن الخلق، مع ان الفرق بينهما اكثر من ما بين الثرى والثريّا.
ويقولون ثانياً: ان كل اقسام الخير والنعم والبركة قد وصلت منه عليه السلام إلى جميع الخلائق، ودفع بوجوده عليه السلام كل انواع البلاء والعذاب على اختلافه الذي استحقوه بأعمالهم القبيحة وافعالهم السيئة، بينما فنت الاُمم السابقة بارتكاب عشر معشار ذلك وانتهت بالمسخ والخسف والغرق والحرق.
وانّه عليه السلام قائم مقام جدّه الاكرم صلى الله عليه وآله وسلّم في دفع العذاب لوجوده بين الخلق، بمضمون: "ما كان الله ليعذبهم وانت فيهم"(١٢٩٢).
ويقولون: لو لم يكن الامام ولو يوماً واحداً في الأرض لتلاشت جميع اجزاء وجود الخلق منها.
فبسببه ينزل المطر إلى الأرض، وتخضر وتثمر الاشجار ويدرّ الحيوان لبناً، ويدرك العقل، وتبصر العين، وتسمع الاذن، ويتكلم اللسان.
له الطاف خاصة لمحبيه ويتلطف عليهم بأنواع الألطاف والاحسان يدركوها احياناً ولا يدركوها احياناً اُخرى، بل ان بوجوده وبقاءه بقاء الشريعة وحفظ قوانينها من التغيير والتبديل، وهو اصل ثبت به وجوب نصب الامام والحاجة إلى وجوده. فلا يلزم من تعذّر تصرّفه في الاحكام الجزئية أي ضرر مع حفظ الاصول والقوانين الكليّة.
فامتناع تنفيذ الامور الجزئية لعارض خارجي لا يمنع ثبوت اصل الولاية ولا في تحققها باعتبارها من الامور الكليّة المهمّة، وكذلك فانّ ذلك المانع لا يمكن ان يردها أو يعطّلها.
وروي ايضاً في اخبار الفريقين ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "النجوم أمان لأهل السماء واهل بيتي أمان لأهل الأرض..."(١٢٩٣).
وسوف يأتي في الباب السابع والعاشر توضيح اكثر ان شاء الله تعالى لاثبات خيره ونفعه عليه السلام في الغيبة الكبرى.
ويقولون ثالثاً: انّ الامام الذي نقول به ونعترف بامامته هو حجة من الله تبارك وتعالى على الملائكة والانس وجميع انواع الحيوانات والجن ومخلوقات جميع العوالم، والبلدان والمدن التي هي خارج سلطة الجبارين مثل (جابلسا وجابلقا) وغيرها مما سوف يشار اليها في قصة الجزيرة الخضراء، وانها جميعاً في دائرة قدرته وسلطته الفعلية عليه السلام ويأتمرون بأمره وانهم لا يعصونه ويطيعونه بكل ما يقوله لهم ويعملون بأمره الّا هذا لنوع من بني آدم في وجهي الأرض الذين لا وجود لهم بالنسبة إلى اولئك.
وعلى فرض التسليم ان من شروط الامامة القدرة الفعلية، فاننا لا نسلم انها يجب ان تكون له القدرة الفعلية على كل من يبعث اليهم والّا لزم سقوط جميع الانبياء والخلفاء عن مرتبة النبوة والخلافة، لأنّه لم يتحقق الاقتدار الكامل لأحد منهم.
السؤال العاشر:
إذا أراد سلاطين الجور ان يتوبوا ويرجعوا حقه إليه فلا طريق لهم إليه ليسلموا إليه حقه ويفرغوا ذمتهم، فلا يمكن قبول توبتهم ابداً.
الجواب:
يكفي لتوبتهم برفع أيديهم عن ما هم مشغولون به، ويندمون على جلوسهم في مقام لم يجز لهم ان يجلسوا فيه، ويعزمون على عدم العود إليه.
وهو عليه السلام وحسب الأمر الالهي اعلم بتكليفه في ان يظهر حينئذ أو لا يظهر.
وغير ذلك من الشبهات التي هي شبيهة ببيت العنكبوت وصاحبها كالغريق يتشبث بكل قشة، كما قال بعضهم: من أين له أن يطمئن بأنّه إذا ظهر لم يُقتَل؟
وان ذكرها والجواب عليها مضيعة للوقت والورق والقلم ووقت القراء.
ولا يخفى ان جملة من الشبهات المذكورة تعرض اليها علماؤنا المتكلمون في الكتب الكلامية وكتب الامامة واجابوا عليها طبق الاصول الامامية والقواعد الكلامية، وكذلك عن الاشكالات الواردة عليها(١٢٩٤).
وبما انه لم يكن مبنى المؤلف استقصاء جميع المطالب المتعلقة به عليه السلام، بل كان بنائه جمع نوادر ومستطرفات الحالات التي قلّما جمعت في كتاب، بالاضافة إلى ذلك فان الطرف المقابل ليس له ذلك المقدار من المعرفة بالادلة العقلية؛ فلذلك اقتنعت بالنقض ونقل اخبار وكلمات علمائهم فانّه احسن طريق لاسكاتهم، وليس المقصود الّا هذا؛ والّا فانّهم لا يرجعون عن سيرتهم بهذه الأجوبة أبداً.
وأما استبصار بعض علمائهم أو عامتهم فانما يكون من طرق اخرى(١٢٩٥).
نعم انها تنفع(١٢٩٦) أهل العلم خاصة بأنْ لا يقعوا بتلك الشبهات، وليس للعوام حظّ منها، وانهم ينتفعون بصورة أحسن بأمثال ما ذكرناه.
وبما ان هدف هذا الكتاب هو نفع العامة المتكلمين باللغة الفارسية فلذلك لاحظنا حالهم عند نقل تلك الكلمات، وبحمد الله تعالى فهي موجودة في كثير من الكتب الفارسية ومنتشرة في كل البلاد، وأملي بالألطاف الالهية ان لا يكون انتفاعهم من هذا الكتاب أقل من الانتفاع من كثير من الكتب المؤلفة في هذا الباب والحمد لله.

* * *
الباب الخامس: في اثبات ان المهدي الموعود صلوات الله عليه هو الحجة بن الحسن العسكري عليهما السلام

بنص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وأمير المؤمنين عليه السلام وبعض الائمة الذين لا خلاف في فضلهم وعلمهم وتديّنهم وزهدهم وتقواهم؛ من طرق أهل السنة ومن طرق الخاصة بدون استيفاء لتمام متن اخبارهم لما يوجب التطويل، بل الهدف ايصال هذا المقدار من المدّعى وهو ان هذا الشخص المخصوص هو نفسه الموعود المنتظر بنص رسول الله والائمة صلوات الله عليهم نصاً متواتراً بالتواتر اللفظي أو المعنوي المورث للقطع للمنصف الخالي من العناد والشبهة.
وليس لجميع أحاديث وأخبار أهل السنة المعتبرة معارض، فأنت تدري انّ جمهورهم لا يدّعي المهدوية لشخص مخصوص، ويسمحون لكل وضيع ان يكون محلا للمهدوية فيكون هو المهدي!
فباب تأويل تلك الأخبار مسدود بالمرّة، فضلا عن عدم المعارض العقلي كما ظهر في الباب السابق، وعن المعارض النقلي حيث اعترفوا هم انفسهم بذلك. وبعد وضوح ضعف وبطلان عدة من الأخبار المتقدمة، فلا يجوز التصرف والتأويل في النص الصحيح القطعي وكلام النبي الصريح المؤيد في هذا المقام بالخبر المتفق عليه بين الفريقين في " انّ مَنْ مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية"(١٢٩٧).
يعني يخرج من الدنيا على غير فطرة الاسلام.
روى السيوطي في تاريخ الخلفاء بعدة طرق عن البخاري، ومسلم، واحمد، وابي داوُد، والبزاز وغيرهم بألفاظ مختلفة ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "يمضي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش"(١٢٩٨).
وبرواية احمد والبزاز: "اثنا عشر كعدّة نقباء بني اسرائيل"(١٢٩٩).
وبرواية المسدد في المسند الكبير:"... اثنى عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق..."(١٣٠٠).
ثم نقل عن القاضي عياض المالكي انّه قال:
"لعلّ المراد بالاثني عشر في هذه الاحاديث وما شابهها انهم يكونون في مدة عزّة الخلافة وقوّة الاسلام، واستقامة اموره، والاجتماع على مَنْ يقوم بالخلافة، وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى ان اضطرب أمر بني امية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد، فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم.
قال شيخ الاسلام ابن حجر في شرح البخاري: كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث... " إلى أن يقول: "والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفّين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين امر بل قُتِلَ قبل ذلك، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمّه هشام فوُلّي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيّرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك " انتهى(١٣٠١).
ويظهر من هذا الكلام ان يزيد بن معاوية من الخلفاء الاثني عشر الذين اخبر عنهم صلى الله عليه وآله وسلّم انهم هداة والعلماء الذين هم بين الحق والخلق، وهم على الحق، ومن يخرج عليهم باغ وخارج على امام زمانه، وهذا من الشواهد الواضحة على ما تدّعيه الامامية ان سيد الشهداء عليه السلام بقواعد اهل السنة خارج على امام زمانه.
والأدلة والبراهين والشواهد على هذا المدّعى كثيرة، ولا يسع المقام اكثر من هذا؛ ومن ذلك صرّح ابن حجر المذكور في كتاب (التقريب) ان عمر بن سعد ثقة وان ارتكاب ذلك الامر العظيم لا ينافي عدالته.
وقد وقع علماء أهل السنة في حرج - وأي حرج - من هذا الخبر الشريف كلما ارادوا ان يتخلصوا منه لم يتمكنوا بحمد الله، واعطوا احتمالات افتضحوا فيها، فهم يقولون احياناً انهم خلفاء بني اُمية وبني العباس الارجاس، ومن لم يقتدِ بأولئك المتجاهرين باكثر الكبائر الضروريّة(١٣٠٢) المقطوع عليها عند أهل الاسلام ولم يجعلهم اماماً مات كافراً وعلى هذا النسق سائر السلاطين.
وأحياناً اخذوا القرآن اماماً لكل زمان.
وهذا الخبر واضح وبيّن طبق طريقة الامامية، وهو مؤيد أيضاً بعدة انواع من الأخبار الاخرى في باب اثبات امامة الائمة الاثني عشر عليهم السلام الثابتة بأسانيد معتبرة وليس هنا محل ذكرها.
أمّا من طريق أهل السنة، فيذكر عدة اخبار:
الأول:
روى العالم الحافظ منتخب الدين محمد بن مسلم بن ابي الفوارس في كتاب اربعينه باسناده عن احمد بن أبي رافع البصري(١٣٠٣) قال:
قال: حدثني أبي وكان خادماً للامام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام، قال: حدّثني ابي العبد الصالح موسى بن جعفر، قال: حدّثني ابي جعفر الصادق، قال: حدّثني أبي باقر علم الانبياء محمد بن علي، قال: حدّثني أبي سيد العابدين علي بن الحسين، قال: حدّثني ابي سيد الشهداء الحسين بن علي، قال: حدثني ابي سيد الاوصياء علي بن أبي طالب عليهم السلام، انّه قال: قال لي اخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: من أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو مقبل عليه غير معرض عنه فليوالِ علياً عليه السلام، ومن سره أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو راض عنه فليوالِ ابنك الحسن عليه السلام، ومن أحبّ أن يلقى الله ولا خوف عليه فليوالِ ابنك الحسين، ومن أحبّ أن يلقى الله وهو تمحص عنه(١٣٠٤) ذنوبه فليوالِ علي بن الحسين عليهما السلام فانّه كما قال الله تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود)، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو قرير العين فليوالِ محمد بن علي عليهما السلام، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ فيعطيه كتابه بيمينه فليوالِ جعفر بن محمد عليهما السلام، ومن أحبّ أن يلقى الله طاهراً مطهراً فليوالِ موسى ابن جعفر النور الكاظم عليهما السلام، ومن أحبّ أن يلقى الله وهو ضاحك فليوالِ علي بن موسى الرضا عليهما السلام، ومن أحبّ أن يلقى الله وقد رفعت درجاته وبدّلت سيئاته حسنات فليوالِ ابنه محمد، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ فيحاسبه حساباً يسيراً ويدخله جنة عرضها السماوات والأرض فليوالِ ابنه علي، ومن أحبّ أن يلقى الله وهو من الفائزين فليوالِ ابنه الحسن العسكري، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وقد كمل ايمانه وحسن اسلامه فليوالِ ابنه صاحب الزمان المهدي، فهؤلاء مصابيح الدجى وائمة الهدى واعلام التقى فمن أحبّهم وتولاّهم كنت ضامناً له على الله الجنة(١٣٠٥).
الثاني:
روى اخطب خطباء خوارزم ابو المؤيد موفق بن احمد المكي في مناقبه عن ابي سليمان(١٣٠٦) راعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول: ليلة أسري بي إلى السماء، قال لي الجليل جل وعلا: (آمن الرسول بما انزل إليه من ربّه) قلت: والمؤمنون قال: صدقت يا محمد، من خلفت في امتك قلت: خيرها، قال: علي بن ابي طالب، قلت: نعم يا رب، قال يا محمد انّي اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فشققت لك اسماً من أسمائي فلا اُذكر في موضع الّا ذُكِرْتَ معي فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطلعت الثانية فاخترت علياً وشققت له اسماً من أسمائي فأنا الأعلى وهو علي. يا محمد! انّي خلقتك وخلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ولده من سنخ نور من نوري وعرضت ولايتكم على أهل السماوات وأهل الأرض فمن قَبِلَهَا كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين. يا محمد! لو ان عبداً من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي، ثم أتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت له حتى يقرَّ بولايتكم. يا محمد! أتحبّ أن تراهم، قلت: نعم يا رب، فقال لي: التفت عن يمين العرش، فالتفتُّ فاذا أنا بعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد ابن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والمهدي في ضحضاح من نور قياماً يصلون وهو في وسطهم " يعني المهدي " كأنّه كوكب دري، قال: يا محمد! هؤلاء الحجج وهو الثائر من عترتك، وعزّتي وجلالي انّه الحجة الواجبة لأوليائي والمنتقم من أعدائي.
يقول المؤلف(١٣٠٧):
نقل هذا الخبر الشريف ابن شاذان في (المناقب المائة) بسند الخوارزمي هذا، وكذلك ابن عياش في (مقتضب الأثر) بنفس السند، نقلوه جميعاً عن رواته.
وفي نسخة مناقب الخوارزمي والمناقب المائة التي عند الحقير، وكذلك نقله المير لوحي في كفاية المهتدي: (عن أبي سليمان راعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم).
وفي المقتضب، وغيبة الشيخ الطوسي: (ابو سلمى)، والظاهر انّه هو الصحيح كما قال ابن اثير الجزري في (اسد الغابة) في باب الكنى: "أبو سلمى راعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قيل: اسمه حريث كوفي. وقيل: شامي.
روى عنه ابو سلام الأسود، وأبو معمر عباد بن عبد الصمد.. إلى آخر ما قاله..."(١٣٠٨).
ونقل عن الاستيعاب وابي نعيم وأبي موسى وصرح انّه بالسين المضمومة.
وراوي هذا الخبر الشريف عنه هو ابو سلام الذي عدّ من رواة أبي سلمى.
الثالث:
ونقل هناك بسنده عن علي بن ابي طالب عليه السلام انّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم:
"أنا واردكم على الحوض، وانت يا علي الساقي، والحسن الذائد، والحسين الآمر، وعلي بن الحسين الفارط، ومحمد بن علي الناشر، وجعفر بن محمد السائق، وموسى بن جعفر محصي المحبين والمبغضين وقامع المنافقين، وعلي بن موسى مزين المؤمنين، ومحمد بن علي منزل أهل الجنة درجاتهم، وعلي بن محمد خطيب شيعته ومزوجهم الحور العين، والحسن بن علي سراج أهل الجنة يستضيئون به، والمهدي شفيعهم يوم القيامة حتى لا يأذن الله الّا لمن يشاء ويرضى"(١٣٠٩).
ونقله ابن شاذان في (المناقب المائة) بنفس اسناد الخوارزمي، وكذلك رواه ابراهيم بن محمد الحمويني شيخ الاسلام في (فرائد السمطين) مسنداً.
الرابع:
روى أبو عبد الله احمد بن محمد بن عياش في (مقتضب الأثر) عن أبي الحسن ثوابة بن احمد الموصلي الوراق الحافظ من علماء العامة بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام عن سالم بن عبد الله بن عمر(١٣١٠) انّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: ان الله تعالى أوحى اليّ ليلة اُسري بي: يا محمد:.... إلى آخر ما تقدم مختصراً في باب الخصائص.
وقال أبو عبد الله بن عياش بعد ان ذكر الخبر: وقد كنت قبل كتبي هذا الحديث عن ثوابة الموصلي رأيته في نسخة وكيع بن الجراح التي كانت عند أبي بكر محمد بن عبد الله بن عتاب، حدّثنا بها عن ابراهيم بن عيسى القصار الكوفي عن وكيع بن الجراح رأيتها في أصل كتابه، فسألت أن يحدّثني به فأبى(١٣١١)، وقال: لست أحدث بهذا الحديث عداوة ونصباً، وحدّثنا بما سواه، ومن فروع كتاب أخرج فيه احاديث وكيع بن الجراح، ثم حدثني به بعد ذلك ثوابة، ورواية ابن عتاب أعلى لو كان حدّثني"(١٣١٢).
يقول المؤلف:
انظر إلى مقدار ما كانوا يهتمون بنقل الأخبار خصوصاً إذا نقلوها عن أهل السنة، فمع انّه رأى الخبر في كتاب وكيع بن الجراح فانه لم ينقله عنه لأنه لم يأذن له بذلك؛ وان نقل الخبر في ذلك العصر بهذه الصورة كان سبباً لضعفه وعدم اعتباره ويسمونه (وجادة).
وكذلك فهو يتأسف حيث ذهب من يده سند (وكيع) لأنّه كان اعلى، يعني ان واسطته أقل، وبذلك تكون قوة الخبر اكثر.
و (وكيع) المذكور، والموجود هذا الخبر في كتابه من العلماء المعروفين؛ وهو (وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي) وينتهي نسبه الى عامر بن صعصعة الرواسي.
نقل في (عبقات الانوار) عن كتاب (الثقات) لمحمد بن حيان البستي: انّه كان حافظاً متقناً.
ويقول الفياض ابن زهير: ما رأينا في يد وكيع كتاباً، يقرأ كتابه من حفظه.
وتوفي سنة ١٩٧.
وعن النووي في (تهذيب الاسماء) بعد ان ذكر مشايخه مثل الاعمش والسفيانين والاوزاعي وامثالهم، ورواته مثل ابن حنبل وابن راهويه، والحميدي، وابن المبارك، وابن معين، وابن المدائني ونظائرهم من اعيان المحدثين، قال: واجمعوا على جلالته ووفور علمه وحفظه واتقانه وورعه وصلاحه وعبادته وتوفيقه واعتماده.
وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت اَعْرَفَ بالعلوم واَحْفَظَ من وكيع.
وقال ابن عمار: لم يكن في الكوفة في زمان وكيع أفقه وأعلم بالحديث منه.
وغير ذلك مما اثبته اهل الرجال في حقّه من المناقب والثناء.
الخامس:
نقل أبو عبد الله احمد بن عياش في (المقتضب) باسناده إلى وكيع بن الجراح المذكور عن الربيع بن سعد بن عبد الرحمن بن سليط(١٣١٣) قال: قال الحسين بن علي عليه السلام: منّا اثنا عشر مهديّاً اولهم أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وآخرهم التاسع من ولدي وهو القائم بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويُظهر به الدين على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة، يرتد فيها قوم ويثبت على الدين فيها آخرون، فيؤذَوْن [ويقال لهم: متى هذا الوعد ان كنتم صادقين](١٣١٤) اما ان الصابر في غيبته على الاذى والتكذيب، بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم(١٣١٥).
السادس:
وروى هناك عن عبد الرحمن بن صالح بن رعيدة قال:
حدثني الحسين بن حميد بن الربيع، قال: حدّثنا الاعمش، عن محمد بن خلف الطاطري، عن زاذان عن سلمان قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يوماً فلما نظر اليّ قال: يا سلمان! ان الله عزّ وجلّ لم يبعث نبياً ولا رسولا الّا جعل له اثني عشر نقيباً، قال:
قلت له: يا رسول الله! لقد عرفت هذا من أهل الكتابين، قال: يا سلمان! فهل عرفت مَنْ نقبائي الاثنا عشر الذين اختارهم الله للامامة من بعدي، فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: يا سلمان خلقني الله من صفوة نوره، ودعاني فأطعته وخلق من نوري نور علي عليه السلام فدعاه إلى طاعته فأطاعه، وخلق من نوري ونور علي فاطمة فدعاها فأطاعته، وخلق منّي ومن علي وفاطمة الحسن والحسين فدعاهما فأطاعاه، فسمانا الله عزّ وجلّ بخمسة اسماء من أسمائه، فالله محمود وانا محمد، والله العليّ وهذا عليّ، والله فاطر وهذه فاطمة، والله ذو الاحسان وهذا الحسن والله المحسن وهذا الحسين، ثم خلق منّا ومن نور الحسين تسعة ائمة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله عزّ وجلّ سماءاً مبنية، أو أرضاً مدحية، أو هواءاً وماءاً وملكاً أو بشراً، وكنّا بعلمه أنواراً نسبّحه ونسمع له ونطيع. فقال سلمان: قلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي ما لمن عرف هؤلاء؟ فقال: يا سلمان! من عرفهم حق معرفتهم واقتدى بهم، فوالى وليّهم وتبرّأ من عدوهم فهو والله منّا، يرد حيث نرد ويسكن حيث نسكن. قال: قلت: يا رسول الله فهل يكون ايمان بهم بغير معرفة بأسمائهم وأنسابهم؟ فقال: لا يا سلمان، فقلت: يا رسول الله فأنّى لي لجنابهم؟ قال قد عرفت الحسين، قال: ثم سيد العابدين: علي بن الحسين؛ ثم ولده: محمد بن علي باقر علم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم جعفر بن محمد لسان الله الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبراً في الله، ثم علي بن موسى الرضا لأمر الله، ثم محمد بن علي الجواد المختار من خلق الله، ثم علي بن محمد الهادي إلى الله، ثم الحسن بن علي الصامت الامين [على دين الله العسكري](١٣١٦)، ثم [ابنه حجة الله](١٣١٧) فلان سمّاه باسمه ابن الحسن المهدي، والناطق القائم بحق الله(١٣١٨).
وفي بعض النسخ (الصامت الامين العسكري ثم حجة الله ابن الحسن المهدي) إلى آخر الحديث وهو طويل.
وقال ابن عياش بعد ان ذكر الخبر بكامله:
سألت أبا بكر محمد بن عمر الجعابي الحافظ عن محمد بن خلف الطاطري؟
فقال: هو محمد بن خلف بن موهب الطاطري ثقة مأمون، وطاطر سيف(١٣١٩) من اسياف البحر تنسج فيها الثياب تسمّى الطاطرية كانت تنسب اليها(١٣٢٠).
ومن هذا الكلام يظهر ان باقي رجال السند من الثقات المعروفين عند اهل السنة.
السابع:
وروى ايضاً عن أبي محمد عبد الله بن اسحاق بن عبد العزيز الخراساني المعدل - وهو من رجال أهل السنة - عن شهر بن حوشب عن سلمان الفارسي قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم والحسين بن علي عليهما السلام على فخذه، إذ تفرس في وجهه، وقال له: يا أبا عبد الله أنت سيد من السادة، وانت امام ابن امام، أخو امام، أبو ائمة تسعة تاسعهم قائمهم، امامهم اعلمهم احكمهم افضلهم(١٣٢١).
الثامن:
وروى عن محمد بن عثمان بن محمد الصيداني وغيره بطريق معتبر عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: انّ الله اختار من الايام يوم الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الشهور شهر رمضان، واختارني وعليّاً، واختار من عليّ الحسن والحسين، واختار من الحسين حجة العالمين تاسعهم قائمهم اعلمهم احكمهم(١٣٢٢).
التاسع:
وروى عن أبي الحسن محمد بن احمد بن عبد الله بن احمد بن عيسى المنصوري الهاشمي باسناده خبراً طويلا انّه عثر في عهد عبد الله بن الزبير على كتاب قديم كتب فيه احوال وصفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكذلك واحداً واحداً من الائمة بالاسم والوصف، وقد ذكرنا ما هو متعلق بالامام المهدي عليه السلام في باب الالقاب في اللقب السادس عشر.
العاشر:
وروى ايضاً هناك خبراً شريفاً عجيباً يكفي ان يقال انّه يوازي كل ما رواه أهل السنة.
والخبر الذي رواه هو خبر ام سليم صاحبة الحصاة وليست بحبابة الوالبية ولا بأم غانم صاحبتي الحصاة هذه ام سليم غيرهما وأقدم منهما، من طريق العامة حدّثنا أبو صالح سهل بن محمد الطرطوسي القاضي - قدم علينا من الشام في سنة أربعين وثلاثمائة - قال: حدّثنا أبو فروة زيد بن محمد الرهاوي قال: حدّثنا عمار بن مطر، قال: حدّثنا أبو عوانة عن خالد بن علقمة، عن عبيدة بن عمرو السلماني، قال: سمعت عبد الله بن خباب بن الأرت قتيل الخوارج يقول: حدّثني سلمان الفارسي والبراء بن عازب قالا: قالت ام سليم.
ومن طريق أصحابنا حدّثني أبو القاسم علي بن حبشي بن قوني، قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن ملك الفزاري، قال: حدّثني الحسين بن أحمد المنقري التميمي، قال: حدّثني الحسن بن محبوب، قال: حدّثني أبو حمزة الثمالي عن زر بن حبيش الاسدي، عن عبد الله بن خباب بن الأرت قتيل الخوارج عن سلمان الفارسي والبراء بن عازب، قالا: قالت ام سليم وبين الحديثين خلاف في الالفاظ وليس في عدد الاثنى عشر خلاف الّا اني سقت حديث العامة لما شرطناه في هذا الكتاب، قالت ام سليم: كنت امرأة قد قرأت التوراة والانجيل، فعرفت اوصياء الانبياء وأحببت ان أعرف وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم، فلما قدمت ركابنا المدينة أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وخلفت الركاب مع الحي فقلت له: يا رسول الله ما من نبي الّا وكان له خليفتان خليفة يموت قبله وخليفة يبقى بعده؛ وكان خليفة موسى عليه السلام في حياته هارون فقبض قبل موسى، ثمّ كان وصيّه بعد موته يوشع بن نون، وكان وصي عيسى في حياته كالب بن يوقنا فتوفي كالب في حياة عيسى ووصيّه بعد وفاته شمعون بن حمون الصفا ابن عمّة مريم. وقد نظرت في الكتب الاولى فما وجدت لك الاّ وصياً واحداً في حياتك وبعد وفاتك؛ فبيّن لي - بنفسي أنت يا رسول الله! - من وصيّك؟ فقال رسول الله: انّ لي وصياً واحداً في حياتي وبعد وفاتي؛ قلت له: من هو؟ فقال ايتني بحصاة، فرفعت إليه حصاة من الأرض فوضعها بين كفّيه ثم فركها بيده كسحيق الدقيق، ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ختمها بخاتمه، فبدا النقش فيها للناظرين، ثم أعطانيها وقال: يا أمّ سليم من استطاع مثل هذا فهو وصيّي، قالت: ثم قال لي: يا اُمّ سليم وصيي من يستغني بنفسه في جميع حالاته كما أنا مستغن. فنظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وقد ضرب بيده اليمنى الى السقف وبيده اليسرى إلى الأرض قائماً لا ينحني في حالة واحدة إلى الأرض؛ ولا يرفع نفسه بطرف قدميه، قالت: فخرجت فرأيت سلمان يكنف علياً ويلوذ بعَقْوَتِهِ(١٣٢٣) دون من سواه من أسرة محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وصحابته على حداثة من سنه، فقلت في نفسي: هذا سلمان صاحب الكتب الاولى قبلي صاحب الاوصياء وعنده من العلم ما لم يبلغني، فيوشك أن يكون صاحبي، فأتيت علياً فقلت: انت وصي محمد؟ قال: نعم، وما تريدين؟ قلت له: وما علامة ذلك؟ فقال: ايتيني بحصاة؛ قالت: فرفعت إليه حصاة من الأرض فوضعها بين كفيه؛ ثم فركها بيده، فجعلها كسحيق الدقيق؛ ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء، ثم ختمها فبدا النقش فيها للناظرين، ثم مشى نحو بيته فاتبعته لأسأله عن الذي صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فالتفت اليّ ففعل مثل الذي فعله، فقلت: من وصيك يا أبا الحسن؟ فقال: من يفعل مثل هذا، قالت ام سليم: فلقيت الحسن بن علي عليه السلام فقلت: أنت وصي ابيك؟ هذا وأنا أعجب من صغره وسؤالي ايّاه، مع انّي كنت عرفت صفتهم الاثنى عشر اماماً وأبوهم سيّدهم وأفضلهم، فوجدت ذلك في الكتب الاولى، فقال لي: نعم أنا وصي أبي فقلت: وما علامة ذلك؟ فقال ايتيني بحصاة، قالت: فرفعت إليه حصاة من الأرض فوضعها بين كفيه ثم سحقها كسحيق الدقيق ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء، ثم ختمها فبدا النقش فيها ثم دفعها اليّ فقلت له: فمن وصيّك؟ فقال: من يفعل مثل هذا الذي فعلت، ثم مدّ يده اليمنى حتى جاوزت سطوح المدينة وهو قائم، ثم طأطأ يده اليسرى فضرب بها الأرض من غير أن ينحني أو يتصعد، فقلت في نفسي: من يرى وصيّه؟ فخرجت من عنده فلقيت الحسين عليه السلام وكنت عرفت نعته من الكتب السالفة بصفته وتسعة من ولده أوصياء بصفاتهم، غير أني انكرت حليته لصغر سنّه، فدنوت منه وهو على كسرة رحبة المسجد(١٣٢٤) فقلت له: من أنت يا سيدي؟ قال: أنا طلبتك يا أم سليم انا وصي الاوصياء وأنا أبو التسعة الائمة الهادية؛ أنا وصي أخي الحسن وأخي وصيّ أبي عليّ وعليّ وصي جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فعجبت من قوله، فقلت: ما علامة ذلك؟ فقال: ايتيني بحصاة، فرفعت إليه حصاة من الأرض، قالت ام سليم: فلقد نظرت إليه وقد وضعها بين كفيه؛ فجعلها كهيئة السحيق من الدقيق ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء، فختمها بخاتمه فثبت النقش فيها ثم دفعها اليّ وقال لي: انظري فيها يا اُمّ سليم، فهل ترين فيها شيئاً؟ قالت ام سليم: فنظرت فاذا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وعلي والحسن والحسين وتسعة ائمة صلوات الله عليهم أوصياء من ولد الحسين عليه السلام، قد تواطأت أسماؤهم الّا اثنين منهم أحدهما جعفر والآخر موسى. وهكذا قرأت في الانجيل فعجبت ثم قلت في نفسي: قد أعطاني الله الدلائل ولم يعطها من كان قبلي؛ فقلت: يا سيدي أعد علي علامة اُخرى! قالت: فتبسم وهو قاعد ثم قام فمدّ يده اليمنى إلى السماء فو الله لكأنها عمود من نار تخرق الهواء حتى توارى عن عيني وهو قائم لا يعبأ بذلك ولا يتحفز؛ فأسقطت وصعقت فما أفقت الّا به، ورأيت في يده طاقة من آس يضرب بها منخري، فقلت في نفسي: ماذا أقول له بعد هذا؟ وقمت وأنا والله أجدالى ساعتي رائحة هذه الطاقة من الآس، وهي والله عندي لم تذو ولم تذبل(١٣٢٥) ولا تنقص من ريحها شيء. وأوصيت أهلي ان يضعوها في كفني، فقلت: يا سيدي من وصيك؟ قال: من فعل مثل فعلي، قالت: فعشت إلى أيام علي بن الحسين عليه السلام.
"قال زر بن حبيش خاصة دون غيره، وحدّثني جماعة من التابعين سمعوا هذا الكلام من تمام حديثها، منهم: مينا مولى عبد الله بن عوف وسعيد بن جبير مولى بني اسد، سمعاها تقول هذا، وحدّثني سعيد بن المسيب المخزومي ببعضه عنها".
قالت: فجئت إلى علي بن الحسين عليه السلام وهو في منزله قائماً يصلّي، وكان يطول فيها ولا يتحوز(١٣٢٦) فيها، وكان يصلى ألف ركعة في اليوم والليلة فجلست مليّاً فلم ينصرف من صلواته، فأردت القيام فلمّا هممت به حانت منّي التفاتة إلى خاتم في اصبعه، عليه فص حبشي، فاذا هو مكتوب مكانك يا اُمّ سليم انبؤك بما جئتني له قالت: فأسرع في صلاته فلمّا سلّم قال لي: يا أم سليم! ايتيني بحصاة - من غير ان أسأله عمّا جئت له - فدفعت إليه حصاة من الأرض فأخذها فجعلها بين كفيه فجعلها كهيئة الدقيق السحيق ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ثم ختمها فثبت فيها النقش، فنظرت والله إلى القوم بأعيانهم كما كنت رأيتهم يوم الحسين عليه السلام، فقلت له: فمن وصيك جعلني الله فداك؟ قال: الذي يفعل مثل ما فعلت ولا تدركين من بعدي مثلي، قالت اُمّ سليم: فاُنسيت ان أسأله أن يفعل مثل ما كان قبله من رسول الله وعلي والحسن والحسين صوات الله عليهم، فلما خرجت من البيت ومشيت شوطاً، ناداني يا ام سليم! قلت: لبيك؛ قال: ارجعي؛ فرجعت فاذا هو واقف في صرحة داره وسطاً، ثم مشى فدخل البيت وهو يتبسّم، ثم قال: اجلسي يا اُمّ سليم فجلست، فمدّ يده اليمنى فانخرقت الدور والحيطان وسكك المدينة، وغابت يده عني، ثم قال: خذي يا ام سليم! فناولني والله كيساً فيه دنانير وقرطان من ذهب وفصوص كانت لي! من جزع في حق لي كانت في منزلي، فقلت: يا سيدي اما الحق فأعرفه، وأما ما فيه فلا أدري ما فيه غير انّي أجدها ثقيلا، قال: خذيها وامضي لسبيلك، قالت: فخرجت من عنده فدخلت منزلي وقصدت نحو الحق فلم أجد الحق في موضعه، فاذا الحق حقّي، قالت: فعرفتهم حق معرفتهم بالبصيرة والهداية فيهم من ذلك اليوم والحمد لله ربّ العالمين.
قال الشيخ أبو عبد الله: سألت أبا بكر محمد بن عمر الجعابي عن هذه ام سليم؛ وقرأت عليه اسناد الحديث للعامة واستحسن طريقها وطريق أصحابنا فيه، فما عرفت أبا صالح الطرطوسي القاضي فقال: كان ثقة عدلا حافظاً؛ وأما أم سليم فهي امرأة من النمر بن قاسط، معروفة من النساء اللاتي روين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، قال: وليست أم سليم الانصارية ام انس بن مالك، ولا ام سليم الدوسية، فانها لها صحبة ورواية(١٣٢٧)؛ ولا أم سليم انما الخافضة التي كانت تخفض الجواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ولا أمّ سليم الثقفية وهي بنت مسعود اخت عروة بن مسعود الثقفي فانها اسلمت وحسن اسلامها وروت الحديث(١٣٢٨) انتهى.
ولو ان كل الحديث لا يناسب الموضوع ولكنّا تبرّكنا بنقله كلّه لشرفه وقلّة وجوده واتقان سنده.
الحادي عشر:
وروى هناك عن طريق أهل السنة عن داود بن كثير الرقي؛ قال: دخلت على جعفر بن محمد، فقال لي: ما الذي أبطأ بك عنّا يا داود؟ فقلت له: حاجة عرضت لي بالكوفة هي التي أبطأت بي عنك جعلت فداك، فقال لي: ماذا رأيت بها؟ قلت: رأيت عمك زيداً على فرس ذَنُوب(١٣٢٩) قد تقلّد مصحفاً وقد حفّ به فقهاء الكوفة وهو يقول: يا أهل الكوفة انّي العلم بينكم وبين الله تعالى، قد عرفت ما في كتاب الله من ناسخه ومنسوخه، فقال أبو عبد الله: يا سماعة بن مهران ايتني بتلك الصحيفة؛ فأتاه بصحيفة بيضاء فدفعها اليّ وقال لي: اقرأ هذه مما أخرج الينا أهل البيت يرثه كابر عن كابر منّا من لدن رسول لله صلى الله عليه وآله وسلّم، فقرأتها فاذا فيها سطران: السطر الاول لا اله الّا الله محمد رسول الله، والسطر الثاني: ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم على علي بن أبي طالب؛ والحسن بن علي، والحسين بن علي، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والخلف منهم الحجة لله. ثم قال لي: يا داود أتدري أين كان ومتى كان مكتوباً؟ قلت: يا ابن رسول الله! الله أعلم ورسوله وأنتم! قال: قبل أن يُخلق آدم بألفي عام، فأين يتاه بزيد ويذهب به(١٣٣٠).
الثاني عشر:
وروى ايضاً عن الشيخ ابو الحسين(١٣٣١) عبد الصمد بن علي وأخرجه اليّ من أصل كتابه وتاريخه في سنة خمس وثمانين ومائتين سماعة من عبيد بن كثير ابي سعد العامري قال: حدّثني نوح بن دراج(١٣٣٢) عن يحيى ابن الاعمش عن زيد بن وهب عن ابن أبي جحيفة السوائي(١٣٣٣) - من سواة بن عامر - والحرث بن عبد الله الحارثي الهمداني، والحرث بن شرب، كل حدّثنا انهم كانوا عند علي بن أبي طالب عليه السلام، فكان إذا أقبل ابنه الحسن عليه السلام يقول: مرحباً يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وإذا أقبل الحسين يقول: بأبي أنت وأمّي يا أبا ابن خير الاماء فقيل له: يا أمير المؤمنين ما بالك تقول هذا للحسن وتقول هذا للحسين؟ ومن ابن خيرة الاماء؟ فقال: ذلك الفقيد الطريد الشريد: محمد بن الحسن بن علي [بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي](١٣٣٤) بن الحسين عليهم السلام هذا ووضع يده على رأس الحسين عليه السلام(١٣٣٥).
الثالث عشر:
وقال هناك:
ومن اتقن الأخبار المأثورة وغريبها وعجيبها ومن المصون المكنون في اعداد الائمة وأسمائهم من طريق العامة مرفوعاً وهو خبر الجارود بن المنذر واخباره عن قس بن ساعدة ما حدّثنا به ابو جعفر محمد بن لاحق بن سابق بن قرين الانباري، قال: حدّثني جدّي ابو النصر سابق بن قرين في سنة ثمان وسبعين ومائتين بالانبار في دارنا، قال: حدّثني أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: حدّثني أبي، عن الشرقي بن القطامي، عن تميم بن وهلة المري قال: حدّثني الجارود بن المنذر العبدي وكان نصرانياً فأسلم عام الحديبية وحسن اسلامه، وكان قارئاً للكتب، عالماً بتأويلها بصيراً بالفسلفة والطب، ذا رأي أصيل ووجه جميل أنشأ يحدثنا في امارة عمر بن الخطاب قال... ثم نقل مفصلا خبر وفوده مع قبيلته من عبد القيس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكيفية لقائه معه صلى الله عليه وآله وسلّم وسؤاله صلى الله عليه وآله وسلّم لهم عن قس بن ساعدة الايادي وشرح الجارود لحاله وانّه عمّر خمسمائة عام ادرك رأس الحواريين [شمعون وادرك](١٣٣٦) لوقا ويوحنا.. وذكر جملة من مواعظه، ونصائحه وأشعاره إلى أن قال:
ثم اقبلت على اصحابه فقلت: على علم به آمنتم به قبل مبعثه كما آمنت به أنا؟ فنصت إلى رجل منهم وأشارت إليه وقالوا: هذا صاحبه وطالبه على وجه الدهر وسالف العصر، وليس فينا خير منه ولا أفضل فبصرت به أغر أبلج قد وفذته الحكمة أعرف ذلك في أساير وجهه(١٣٣٧) وان لم أحط علماً بكنهه قلت: ومن هو؟ قالوا: هذا سلمان الفارسي ذو البرهان العظيم، والشأن القديم فقال سلمان: عرفته يا أخا عبد القيس من قبل اتيانه، فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وهو يتلألأ ويشرق وجهه نوراً وسروراً، فقلت: يا رسول الله ان قساً كان ينتظر زمانك ويتوكف ابّانك(١٣٣٨) ويهتف باسمك واسم أبيك وأمك، وبأسماء لست اصيبها معك ولا أراها فيمن اتبعك، قال سلمان: فأخبرنا فأنشأت أحدّثهم ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يسمع والقوم سامعون واعون، قلت: يا رسول الله لقد شهدت قسّاً خرج من ناد من أندية اياد، إلى صحصح(١٣٣٩) ذي قتاد وسمرة وعتاد(١٣٤٠)، وهو مشتمل بنجاد، فوقف في أضحيان ليل كالشمس(١٣٤١) رافعاً إلى السماء وجهه واصبعه، فدنوت منه وسمعته يقول: اللهم ربّ هذه السبعة الارقعة(١٣٤٢) والارضين الممرعة(١٣٤٣) وبمحمّد والثلاثة المحامدة معه، والعليّين الاربعة، وسبطيه النبعة والارفعة الفرعة(١٣٤٤) والسرى اللامعة(١٣٤٥) وسمي الكليم الضرعة، والحسن ذي الرفعة اولئك النقباء الشفعة والطريق المهيعة(١٣٤٦) درسة الانجيل وحفظة التنزيل، على عدد النقباء من بني اسرائيل، محاة الاضاليل ونفاة الاباطيل، الصادقو القيل، عليهم تقوم الساعة وبهم تنال الشفاعة، ولهم من الله تعالى فرض الطاعة، ثم قال: اللهم ليتني مدركهم ولو بعد لأي(١٣٤٧) من عمري ومحياي ثم أنشأ أبياتاً، ثمّ آب يكفكف دمعه ويرن رنين البكرة وقد برئت ببراة.
وأنشد ابياتاً؛ ثم سأل الجارود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عن اسمائهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ما رآه ليلة المعراج من الاشباح النورانية للائمة عليهم السلام وذكر الله تعالى اسمائهم واحداً واحداً إلى المهدي عليه السلام كما تقدم في باب الالقاب في لقب المنتقم؛ ثم قال الجارود(١٣٤٨): هؤلاء المذكورون في التوراة والانجيل والزبور(١٣٤٩).
وهذا الخبر طويل وكلماته فصيحة واشاراته مليحة وقد اختصرناه خوف التطويل.
الرابع عشر:
روى ملك العلماء شهاب الدين بن عمر الدولت آبادي في هداية السعداء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال: بعد الحسين بن علي عليهما السلام تسعة من ابنائه ائمة آخرهم القائم عليه السلام(١٣٥٠).
الخامس عشر:
وروى هناك ايضاً عن جابر بن عبد الله الانصاري انّه قال: دخلت على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وبين يديها الواح وفيها أسماء الائمة من ولدها فعددت أحد عشر اسماً آخرهم القائم عليه السلام(١٣٥١).
السادس عشر:
روى العالم العارف المشهور عند أهل السنة الملاّ عبد الرحمن الجامي في كتاب (شواهد النبوة):
وروى عن آخر(١٣٥٢) قال: دخلت على أبي محمد عليه السلام فقلت: يا ابن رسول الله من الخلف والامام بعدك؟ فدخل الدار ثم خرج وقد حمل طفلا كأنّه البدر في ليلة تمامه في سن ثلاث سنين فقال: يا فلان لو لا كرامتك على الله لما أريتك هذا الولد اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكنيته كنيته هو الذي يملأ الأرض عدلا وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً(١٣٥٣).
السابع عشر:
وروي هناك:
وروي عن آخر قال: دخلت يوماً على أبي محمد عليه السلام ورأيت على طرفه الأيمن بيتاً اسبل عليه ستراً، فقلت: يا سيدي من صاحب هذا الامر بعد هذا، فقال: ارفع الستر فرفعت الستر فخرج صبي في غاية من الطهارة والنظافة على خدّه الايمن خال وله ذوائب فجلس في حجر أبي محمد عليه السلام، فقال أبو محمد: هذا صاحبكم ثم قام من حجره، فقال أبو محمد عليه السلام: يا بني أدخل إلى الوقت المعلوم، فدخل البيت وكنت أنظر إليه ثم قال لي أبو محمد عليه السلام: قم وانظر من في هذا البيت فدخلت البيت فلم أرَ فيه أحداً(١٣٥٤).
الثامن عشر:
روى أبو محمد عبد الله بن احمد المعروف بابن الخشاب البغدادي في كتاب مواليد الائمة عليهم السلام بسنده عن الامام الرضا عليه السلام انه قال: الخلف الصالح من ولد أبي محمد الحسن بن علي وهو صاحب الزمان وهو المهدي(١٣٥٥).
التاسع عشر:
وروى قريباً منه عن الامام الصادق عليه السلام.
وقد ذكر الخبران سابقاً في ضمن احواله.
العشرون:
روى نور الدين علي بن محمد المكي المالكي المشهور بابن الصباغ في (الفصول المهمة)؛ عن محمد بن علي بن بلال قال: خرج اليّ أبي محمد الحسن بن علي العسكري قبل مضيه بسنتين(١٣٥٦) يخبرني بالخلف مِنْ بعده ثم خرج اليّ قبل مضيّه بثلاثة أيام يخبرني بالخلف بانه ابنه من بعده(١٣٥٧).
الحادي والعشرون:
وروى ايضاً عن أبي هاشم الجعفري قال: "قلت لأبي محمد الحسن بن علي: جلالتك تمنعني من مُساءلتك، فتأذن أن أسألك؟ فقال: سَلْ.
فقلت: يا سيدي! هل لك ولد؟ قال: نعم.
قلت: فإنْ حدث حادث فأين اسأل عنه؟ قال: بالمدينة"(١٣٥٨).
الثاني والعشرون:
وروى السيد جمال الدين عطاء الله بن سيد غياث الدين فضل الله بن سيد عبد الرحمن المحدث المعروف في كتاب (روضة الاحباب) والذي بيّن في الباب السابق اعتباره واعتبار كتابه... بعد أن ذكر الاختلاف فيه عليه السلام وانطباق اخبار وصحاح ومسانيد كتب أهل السنة في حق المهدي عليه السلام الذي تقول به الامامية.. عن جابر بن يزيد الجعفي قال:
سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) يقول: لمّا انزل الله عزّ وجلّ على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلّم: (يَا اَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اَطِيعُوا اللهَ وَاَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولِى الاَْمْرِ مِنْكُمْ)(١٣٥٩) قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: هم خلفائي من بعدي أوّلهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن ثم الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فاذا لقيته فأقرأه منّي السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى ابن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم حجة الله في أرضه، وبقيّته في عباده محمد ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله عزّ وجلّ على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بامامته الّا من امتحن الله قبله للايمان، قال جابر: فقلت له: يا رسول الله! فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟(١٣٦٠) فقال عليه السلام: اي والذي بعثني بالنبوّة انهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته(١٣٦١) كانتفاع الناس بالشمس وان تجلّلها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ الله، ومخزون علمه، فاكتمه الّا عن أهله(١٣٦٢).
الثالث والعشرون:
قال الحافظ البخاري الحنفي محمد بن محمد المعروف بالخواجة پارسا في كتاب (فصل الخطاب) بعد أن ذكر رواية ولادة الامام المهدي عليه السلام مختصراً عن السيدة حكيمة: قالت حكيمة: فجئت إلى أبي محمد الحسن العسكري رضي الله عنه فاذا المولود بين يديه في ثياب صفر وعليه من البهاء والنور ما أخذ بمجامع قلبي، فقلت: سيدي هل عندك من علم في هذا المولود المبارك فتلقيه اليّ. فقال أي عمّة هذا المنتظر هذا الذي بشّرنا به. فقالت حكيمة: فخررت لله تعالى ساجدة شكراً على ذلك. قالت: ثم كنت أتردد إلى أبي محمد الحسن العسكري رضي الله عنه فلما لم أره فقلت له يوماً: يا مولاي ما فعلت بسيدنا ومنتظرنا؟ قال: استودعناه الذي استودعته ام موسى ابنها(١٣٦٣).
الرابع والعشرون:
روى أبو الحسن محمد بن احمد بن شاذان في (ايضاح دفائن النواصب) عن طريق أهل السنة عن الامام الصادق جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة جلّ جلاله انّه قال: من علم أنْ لا اله الّا أنا وحدي وأنَّ محمداً عبدي ورسولي وأنَّ علي بن أبي طالب خليفتي وأنَّ الائمة من ولده حججي أدخلته الجنّة برحمتي، ونجّيته من النار بعفوي، وأبحت له جواري، وأوجبت له كرامتي، وأتممت عليه نعمتي وجعلته من خاصّتي وخالصتي، إن ناداني لبيته وإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإن سكت ابتدأته، وإن أساء رحمته، وإن فرّ منّي دعوته، وإن رجع إليّ قبلته، وإن قرع بابي فتحته.
ومن لم يشهد أن لا اله الّا أنا وحدي أو شهد بذلك ولم يشهد أنَّ محمداً عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنَّ علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنَّ الأئمة من ولده حججي فقد جحد نعمتي وصغّر عظمتي وكفر بآياتي وكتبي ورسلي إن قصدني حجبته وإن سألني حرمته وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أستجب دعاءه، وإن رجاني خيّبته، وذلك جزاؤه منّي، وما أنا بظلاّم للعبيد.
فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله ومن الائمة من ولد علي بن أبي طالب؟ قال: الحسن والحسين سيّدا شباب اهل الجنّة، ثم سيد العابدين في زمانه علي بن الحسين، ثم الباقر محمد بن علي، وستدركه يا جابر، فاذا أدركته فاقرأه منّي السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم الكاظم موسى بن جعفر، ثم الرضا علي بن موسى، ثم التقي محمد بن علي، ثم النقي علي بن محمد، ثمّ الزكي الحسن بن علي، ثمّ ابنه القائم بالحق مهدي اُمّتي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما مُلئت ظلماً وجوراً.
هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحداً منهم فقد أنكرني، وبهم يمسك الله السماء أن تقع على الأرض الّا باذنه، وبهم يحفظ الله الأرض أن تميد بأهلها(١٣٦٤).
الخامس والعشرون:
روى شيخ الاسلام ابراهيم بن محمد الحمويني في فرائد السمطين عن الامام الرضا عليه السلام، قيل له: يا ابن رسول الله، ومَن القائم منكم أهل البيت؟
قال: الرابع من ولدي ابن سيدة الاماء يطهّر الله به الأرض من كل جور، ويقدّسها من كل ظلم.
وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه...(١٣٦٥)
السادس والعشرون:
وروي هناك عنه عليه السلام انه قال لدعبل: "يا دعبل الامام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه عليّ، وبعد عليّ ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره.."(١٣٦٦).
السابع والعشرون:
روى الموفق بن احمد الخوارزمي في مناقبه عن سلمان المحمدي قال: "دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلّم واذا الحسين على فخذه، وهو يقبل عينيه، ويلثم فاه ويقول: انك سيد [ابن سيد](١٣٦٧) أبو سادة، انك امام [ابن امام](١٣٦٨) أبو ائمة، انك حجة ابن حجة [اخو حجة](١٣٦٩) ابو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم"(١٣٧٠).
الثامن والعشرون:
روى ابن شهر آشوب في (المناقب) من طريق أهل السنة عن عبد الله بن مسعود قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول: الائمة بعدي اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين والتاسع مهديهم"(١٣٧١).
التاسع والعشرون:
وروى هناك عن عبد الله بن محمد البغويّ، عن علي بن الجعد، عن احمد بن وهب بن منصور، عن أبي قبيصة شريح بن محمد العنبري، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: [قال] النبي صلى الله عليه وآله وسلّم:
(يا علي أنا نذير اُمتي، وأنت هاديها، والحسن قائدها، والحسين سائقها، وعلي بن الحسين جامعها، ومحمد بن علي عارفها، وجعفر بن محمد كاتبها، وموسى بن جعفر محصيها، وعلي بن موسى معبّرها ومنجيها وطارد مبغضيها ومُدني مؤمنيها، ومحمد بن علي قائدها وسائقها، وعلي بن محمد سائرها وعالمها، والحسن بن علي نادبها ومعطيها، والقائم الخلف ساقيها وناشدها وشاهدها (ان في ذلك لآيات للمتوسّمين)(١٣٧٢))(١٣٧٣).
الثلاثون:
روى الشيخ اسعد بن ابراهيم بن حسن بن علي الأربلي الحنبلي في اربعينه باسناده عن محمد النوفلي انه قال: حدّثني أبي وكان خادماً لعلي بن موسى الرضا عنه قال: حدّثني ابي الكاظم، قال: حدّثني أبي الصادق، قال: حدّثني أبي الباقر، قال: حدّثني أبي زين العابدين قال: حدّثني أبي سيد الشهداء، قال: حدّثني أبي سيد الأوصياء، قال: حدّثني أخي وحبيبي رسول الله وسيد الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم قال: يا علي من أحبّ ان يلقى الله عزّ وجلّ وهو مقبل عليه راض عليه، فلْيوالِكَ ويوالِ ذريّتك إلى من اسمه اسمي وكنيته كنيتي ويختم الائمة به عليهم السلام(١٣٧٤).
يقول المؤلف:
الظاهر انّه كان في هذا الخبر اسم كل امام ولكن حذفها للاختصار أو خوفاً من اتّهامه بالتشيّع، وبالتأمل يتّضح انه هو الخبر الأول الذي نقلناه من أربعين محمد بن أبي الفوارس.
وهذا الخبر في الاثنين هو الرابع من الأربعين.
وبهذا الترتيب يطابق اكثر، وحتى الباقي منه فانه يطابقه غالباً، ولكن في الغالب يختصر تلك الأخبار، وفي بعضها يسقط اكثر المتن.
ولقلة البضاعة وضيق المجال اقتنعنا بهذا المقدار وننبه على عدّة امور:
الأول(١٣٧٥):
في انّ بعض هذه الأخبار وإنْ لم تكن صريحة في المدعى ولكن مضمونها لا يتطابق الّا مع مذهب الاماميّة الاثني عشرية، فلا ضرورة من دخولها في سلك الأخبار المنصوصة وعليه فلا محالة من بقائها مؤيدة ومقوية ولو انه يكفينا في هذا المقام أقل من ذلك فلا مجال للخصم من قبول الخبر المعتبر عندهم مع عدم المعارض له بل انه مؤيد بالأخبار المتواترة في طرق الامامية.
بل في صورة التعارض يقدم ايضاً لأن مضمونه متّفق عليه والذي يرجع إليه عند النزاع. ولا يمكن للخصم أن يأتي بالخبر الذي ينفرد به في هذا المقام لأنه ليس حجة عند الخصم. مع ان المعارض مفقود ولله الحمد.
الثاني(١٣٧٦):
كثيراً ما يتوهّم ان هذه الجماعة مع نقلهم هذه الأخبار الصريحة في مذهب الاماميّة، فكيف انهم يختارون مذهباً آخراً في الأصول: الأشعري، أو المعتزلي؛ وفي الفروع: المالكي، أو الحنفي، أو الشافعي، أو الحنبلي؛ واخذوا أصولهم وفروعهم من اولئك، وانهم لم يأخذوا من تلك الجماعة الذين يعلمون أنهم ائمة، ولا يقتدون بهم؟
الجواب:
وجواب هذه الشبهة هو ان اكابر علمائهم في هذا المقام ونظائره سلكوا عدّة مسالك سدّوا بمسلك التخيل على الآخرين الاستدلال بها ودلالة تلك الأخبار على مذهب الاماميّة:
الأول: بتضعيف اسانيد تلك الأخبار ونسبة بعض رواتها إلى الوضع والكذب والتدليس والتشيّع حتى المشهورين من محدّثيهم حيث ان كتبهم مملوءة من تلك الأخبار.
فانّهم ينسبون اليهم ذلك احياناً؛ مثل:
(الف): أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي الفقيه صاحب أبي حنيفة.
قال الذهبي في الميزان انه "علامة كبير"(١٣٧٧).
وقال أبو حاتم: كان مرجئاً كذاباً(١٣٧٨).
وقال الجوزقاني: "ممن يضع الحديث"(١٣٧٩).
وقال ابن الجوزي: انه وضّاع(١٣٨٠).
وقال احمد بن حنبل: "لا ينبغي أن يُروى عنه بشيء"(١٣٨١).
(ب): ذو النون المصري، من أكابر صوفيتهم.
اتهمه ابن الجوزي بالوضع، وقال الجوزقاني انه وضاع، كما قيل في (مختصر تنزيه الشريعة).
(ج): احمد بن صالح.
قال الذهبي في الميزان: "الحافظ الثبت، احد الأعلام"(١٣٨٢).
ومدحه آخرون.
ويقول أبو داوُد: ليس بثقة ولا مأمون(١٣٨٣).
ويقول يحيى: كذّاب(١٣٨٤).
(د): محمد بن عمر الواقدي.
وقد ادّعوا: انّه عالم دهره(١٣٨٥).
وانّه " امين الناس على الاسلام"(١٣٨٦).
وادّعى بعضهم انه: "أمير المؤمنين في الحديث"(١٣٨٧).
ومع ذلك فقد نقل الخوارزمي في مسند ابي حنيفة عن يحيى بن معين انّه قال: وضع الواقدي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عشرين الف حديث.
وعن احمد بن حنبل قال: الواقدي يركب الأسانيد(١٣٨٨).
وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه(١٣٨٩).
وقال الشافعي: كتبه كذب.
(هـ): محمد بن اسحاق. صاحب السير والمغازي.
قال الشافعي: كل متبحر في السير محتاج إليه.
وقال سعيد بن الحجاج: ابن اسحاق أمير المؤمنين في الحديث(١٣٩٠).
ولكنه معروف عند مالك بالكذب، ويعدّه من الكذّابين كما في ميزان الاعتدال للذهبي(١٣٩١).
(و): نعيم بن حماد صاحب كتاب الفتن وغيره.
نقل في الميزان عن الأزدي: "كان ممن يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات مزوّرة في ثلب النعمان كلها كذب"(١٣٩٢).
(ز): الحافظ محمد بن عثمان ابن أبي شيبة وهو من أكابر العلماء ومدحه السمعاني في الأنساب مدحاً بليغاً.
وقال الذهبي في الميزان: "[العالم](١٣٩٣) الحافظ [وكان](١٣٩٤) بصيراً بالحديث والرجال"(١٣٩٥).
مع ذلك يقول عبد الله بن احمد بن حنبل: كذاب(١٣٩٦).
وقال ابن خراش: "كان يضع الحديث"(١٣٩٧).
ونقل عن عبد الله بن اسامة الكلبي، وابراهيم بن اسحاق الصواف، وداود بن يحيى يقولون: [محمد بن عثمان](١٣٩٨) كذاب(١٣٩٩).
وقال داود: قد وضع اشياء على قوم ما حدّثوا بها قط(١٤٠٠).
(ح): الزبير بن بكار المعروف وهو من أكابر العلماء والأستاذ في فنّ التاريخ والنسب وكان قاضي مكة، وقد أثنوا عليه بمناقب جليلة؛ عدّه الشيخ الحافظ أبو الفضل احمد بن علي بن عنبر السليماني كما في الميزان في عداد وضّاعي الحديث وقال: منكر(١٤٠١).
(طـ): عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري اللغوي النحوي صاحب كتاب المعارف، وقد مدحه ابن خلگان وغيره.
ونقل في الميزان عن الحاكم: أجمعت الأمة على ان القتيبي كذّاب(١٤٠٢).
(ي): اسد بن عمر، من أعاظم العلماء وكان التلميذ المقدم لابي حنيفة وولي القضاء في بغداد وواسط.
وفي الميزان بعد توثيقه عن الخطيب وغيره(١٤٠٣). نقل عن يحيى بن معين: "كذوب ليس بشيء"(١٤٠٤).
وقال ابن حبان: "كان يسوي الحديث على مذهب ابي حنيفة"(١٤٠٥).
ولأجل المثال لابدّ أن يقتنع بهذه العشرة المنذرة.
الثاني: نسبة صاحب الكتاب إلى التشيّع والرفض كما قال ذلك بعض في حق ابن طلحة.
الثالث: انكار أن يكون ذلك الكتاب الذي أخذ منه ذلك الخبر إلى مؤلفه ونسبته إلى تدليس الشيعة فانهم هم الذين ألفوا ذلك الكتاب ونسبوه إلى علمائنا.
وليس موضوع هذا الكتاب شرح هذا المطلب ليتّضح من هو المدلس المفتري الغريق المتشبّث بكل قشّة.
الرابع: حملها على المطالب الباطنيّة والرئاسة القلبية، وليست هي الرئاسة الظاهرية، والرئاسة في السياسة، وبيان الأحكام الظاهرية؛ فلا تضاد اذن بين امامة كل واحد منهم وفي كل عصر وظهور الكرامات منهم مع الخلافة الظاهرة مثل يزيد ومروان مثلا في ذلك الزمان.
قال شاه ولي الله الهندي - الذي هو من أكابر علماء أهل السنة - في المقالة (الوضعية):
"فظهر لهذا الحقير ان الائمة الاثني عشر رضي الله عنهم كانوا اقطاباً نَسَبيين (من النسب) وظهر انتشار التصوف مقارناً لانقراضهم؛ ولكن العقيدة والشرع لا يمكن أن يؤخذا الّا من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلّم. وأما قطبيتهم فهي أمر باطني لا دخل له بالتكليف الشرعي؛ وان نص واشارة كل منهم على المتأخر بلحاظ هذه القطبية، وان اُمور الأمامة التي يقولون بها راجعة إلى هذا المعنى الذي أطْلعوا بعض خلص أصحابهم عليها؛ وبعد فترة تعمق قوم وحملوا قولهم على محمل آخر " انتهى.
فمع هذه الشبهات والاحتمالات فليس هو بعيد أبداً أن لا يحتملوا صحة مذهب الاماميّة حتى مع رؤية اكثر هذه الأخبار الواضحة الصحيحة في كتبهم؛ كما رأيت ان محيي الدين يقول بامامة كل امام من الائمة عليهم السلام في الفتوحات ويصرّح بكل الائمة الاثني عشر، ولكنّه يعتقد ان الاماميّة هم اصل الضلالة، وضلال أيّة فرقة من فرق المسلمين عندما تميل اليهم.
وليس هذا الّا لأنّه يعتقد ان الامامة من سنخ القطبيّة.
ولهذا كان مبنى جميع اقطابهم إلى ذلك الوقت أن يرجعوا بالأحكام الظاهريّة إلى أحد الائمة الأربعة: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل.
الثالث(١٤٠٦):
انّنا نقلنا بعض تلك الأخبار المتقدّمة بواسطة بعض العلماء الأعلام، ولا شبهة في صحة نقلهم عن اولئك فهم علاوة على علوّ مقامهم وتقواهم وصدقهم وديانتهم؛ فانّهم كانوا غالباً في الأزمنة السابقة تحت سلطة تلك الجماعة بلحاظ سلاطين تلك العصور؛ ومن غير الممكن عادةً أن ينقل خبر عن كتاب لهم معروف أو عن عالم معتبر منهم في كتبهم(١٤٠٧) ويحتجون به وينشر كتابهم، وهو غير موجود في ذلك الكتاب(١٤٠٨) وان ذلك العالم لم يقله(١٤٠٩).
وقد ذكروا جملة من علمائنا بالعلم والصدق والتقوى في كتبهم مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى والكراچكي وابن شهر آشوب ونظائرهم(١٤١٠) كما هو مذكور في محلّه.
فصل
وأما نصوص الاماميّة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم والائمة صلوات الله عليهم على ان المهدي الموعود هو الامام الثاني عشر الحجة بن الحسن العسكري عليهما السلام فهي اكثر من أن تحصى، وذكر جميع ما موجود يوجب الاطالة، وهي موجودة بحمد الله في كثير من كتب الأحاديث العربية والفارسية خصوصاً المجلّد التاسع من البحار(١٤١١) وترجمته للفاضل آقا رضا ابن ملا محمد نصير بن ملاّ عبد الله بن العالم الجليل ملاّ محمّد تقي المجلسي، وفي المجلّد الثالث عشر من البحار(١٤١٢) وترجمته؛ ولكنّا اقتنعنا هنا بذكر عدّة اخبار من كتاب سليم وبعض أخبار الكتب التي لم تكن عند العلاّمة المجلسي:
الأول:
سليم بن قيس الهلالي - وكان من اصحاب أمير المؤمنين عليه السلام - في كتابه(١٤١٣) عنه عليه السلام انه سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم تبيين أولي الأمر:
"أنت يا علي أوّلهم... ثم عدّهم الى الامام الحسن العسكري عليه السلام ثم قال: ثم ابنه الحجة القائم خاتم اوصيائي وخلفائي والمنتقم من اعدائي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً..."(١٤١٤).
الثاني:
وروى هناك ايضاً عنه عليه السلام؛ ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر، وعلي من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر".
ثم ذكرهم إلى الامام الباقر عليه السلام على هذا المنوال، وقال:
"... ثم يكون في عقب محمد رجال واحد بعد واحد ليس منهم أحد الّا وهو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر، كلّهم هادون مهتدون... " إلى أن يذكر جنّة عدن فيقول: "ومعي ثلاثة عشر(١٤١٥) من أهل بيتي اخي علي [وابنتي فاطمة](١٤١٦) وابناي الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين....".
ثم ذكر جملة من أوصافهم من العصمة والتبليغ والهداية وغير ذلك(١٤١٧).
الثالث:
وروى هناك ايضاً عنه عليه السلام انه قال:
"يا سليم! ان أوصيائي أحد عشر رجلا من ولدي ائمة كلّهم(١٤١٨) محدّثون.
قلت: يا أمير المومنين مَنْ هم؟
قال: ابني الحسن، ثم ابني هذا الحسين ثم ابني هذا وأخذ بيد ابن ابنه علي بن الحسين وهو رضيع، ثم ثمانية من ولده واحداً بعد واحد... الى(١٤١٩): هؤلاء الأحد عشر(١٤٢٠) أوصياء"(١٤٢١).
الرابع:
وقال ايضاً:
أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه فنزل العسكر قريباً من دير نصراني..
وبعد أن ذكر خروج راهب من الدير اسمه شمعون بن حمون من ذرية شمعون من حواري عيسى عليه السلام ومعه كتاب بخط شمعون واملاء عيسى عليه السلام وقد ذكر فيه اوصاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ووزارة وخلافة أمير المؤمنين عليه السلام وانه ولي كل مؤمن بعده، ثم أحد عشر من ولده وولد ولده، أولهم شبر، والثاني شبير، وتسعة من ولد شبير واحداً بعد واحد آخرهم الذي يصلّي عيسى عليه السلام خلفه فيه تسمية كل من يملك منهم، ومن يستقر بدينه، ومن يظهر.
فأول من يظهر منهم يملأ جميع بلاد الله قسطاً وعدلا ويملك ما بين المشرق والمغرب حتى يظهره الله على الأديان كلّها..
ثم بيّن احوال جملة من ائمة الضلال..
وفي آخر الخبر يقول سليم: "فقال علي عليه السلام لرجل من أصحابه قم مع الرجل فانظر ترجماناً يفهم كلامه فلينسخه لك بالعربيّة؛ فلمّا أتاه به، قال لابنه الحسن: يا بني ائتني بالكتاب الذي دفعته اليك يا بني اقرأه، وانظر أنت يا فلان في نسخة هذا الكتاب فانه خطي بيدي واملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فقرأه، فما خالف حرفاً واحداً ليس فيه تقديم ولا تأخير كأنّه املاء واحد(١٤٢٢).
الخامس:
روى الشيخ الثقة الجليل القدر العظيم الشأن ابو محمد الفضل بن شاذان النيسابوري - (وقد ألّف مائة وثمانين كتاباً، وروى عن الامام الرضا عليه السلام والامام الجواد عليه السلام وقد توفّي في آخر حياة الامام العسكري وقد ترحّم عليه عليه السلام) - في كتاب غيبته المسمّى بـ (اثبات الرجعة) عن الحسن بن محبوب عن علي بن رباب انه قال: حدّثنا ابو عبد الله عليه السلام حديثاً طويلا عن أمير المؤمنين عليه السلام (وقد بيّن عليه السلام في آخره جملة من فتن آخر الزمان وحتى خروج الدجال) فقال: ثم يظهر أمير الأمرة وقاتل الكفرة السلطان المأمول، الذي تحيّر في غيبته العقول، وهو التاسع من ولدك يا حسين.
يظهر بين الركنين، يظهر على الثقلين ولا يترك في الأرض الأدنين، طوبى للمؤمنين الذين ادركوا زمانه ولحقوا أوانه وشهدوا أيامه ولاقوا أقوامه...(١٤٢٣)
السادس:
وروى عن أبي عمير عن حماد بن عيسى عن أبي شعبة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن عمّه الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: سألت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عن الائمة بعده:
فقال: الائمة بعدي عدد نقباء بني اسرائيل اثنا عشر اعطاهم الله علمي وفهمي، وأنت منهم يا حسن.
فقلت: يا رسول الله! فمتى يخرج قائمنا أهل البيت؟
قال: يا حسن مثله مثل الساعة اخفى الله علمها على أهل السماوات والأرض لا تأتي الّا بغته(١٤٢٤).
السابع:
وروى عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن ابي حمزة [الثمالي](١٤٢٥) عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لأمير المؤمنين عليه السلام: يا علي! انّ قريشاً ستظهر عليك ما استبطنته، وتجمع كلمتهم على ظلمك وقهرك، فإنْ وجدت اعواناً فجاهدهم، وإنْ لم تجد اعواناً فكفّ يدك، واحقن دمك، فإنّ الشهادة من ورائك، فاعلم ان ابني ينتقم من ظالميك، وظالمي اولادك، وشيعتك في الدنيا، ويعذّبهم الله في الآخرة عذاباً شديداً.
فقال سلمان الفارسي: مَنْ هو يا رسول الله؟
قال: التاسع من ولد ابني الحسين الذي يظهر بعد غيبته الطويلة(١٤٢٦)، فيعلن أمر الله، ويظهر دين الله، وينتقم من اعداء الله، ويملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً.
قال: متى يظهر يا رسول الله؟
قال صلى الله عليه وآله وسلّم: لا يعلم ذلك الّا الله، ولكن لذلك علامات، منها نداء في السماء، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بالبيداء(١٤٢٧).
الثامن:
وروى عن صفوان بن يحيى عن أبي أيوب ابراهيم بن أبي زياد الخراز عن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي، قال: دخلت على مولاي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فرأيت في يده صحيفة كان ينظر اليها ويبكي بكاءاً شديداً، فقلت: فداك أبي وأمي يا ابن رسول الله، ما هذه الصحيفة؟
قال عليه السلام: هذه النسخة اللوح الذي اهداه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلّم، الذي كان فيه اسم الله تعالى، ورسوله، وأمير المؤمنين، وعمّي الحسن بن علي، وأبي عليهم السلام، واسمي، واسم ابني محمد الباقر، وابنه جعفر الصادق، وابنه موسى الكاظم، وابنه علي الرضا، وابنه محمد التقي، وابنه علي النقي، وابنه الحسن الزكي، وابنه حجة الله القائم بأمر الله المنتقم من اعداء الله الذي يغيب غيبة طويلة ثم يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً(١٤٢٨).
التاسع:
وروى ايضاً عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر بن جابر بن يزيد الجعفي سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: لما خلق الله تعالى ابراهيم الخليل عليه السلام كشف عن بصره فرأى نوراً إلى جنب العرش، فقال: الهي ما هذا النور؟ قال: يا ابراهيم! هذا نور محمد صفوتي من خلقي.
ورأى نوراً إلى جنبه، فقال: الهي ما هذا النور؟
قال: نور علي ناصر ديني.
ورأى في جنبه ثلاثة أنوار، فقال: الهي ما هذه الأنوار؟
فقال: نور فاطمة بنت محمد، والحسن والحسين ابنيها وابني علي.
قال: الهي! انّي أرى تسعة انوار قد أحدقوا بالخمسة؟
قال: هذه أنوار علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن محمد، ومحمد بن علي، والحسن بن علي، والحجة ابن الحسن الذي يظهر بعد غيبة عن شيعته وأوليائه.
فقال ابراهيم: انّي أرى أنواراً قد احدقوا بهم، لا يحصي عددهم الّا أنت؟
قال: يا ابراهيم! هذه أنوار شيعتهم، شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام.
فقال ابراهيم: فبِمَ تعرف شيعة أمير المؤمنين عليه السلام؟
قال: بصلاة احدى وخمسين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، والقنوت قبل الركوع، وتعفير الجبين، والتختم باليمين.
فقال ابراهيم: اللهم اجعلني من شيعة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام.
قال تبارك وتعالى: يا ابراهيم! قد جعلتك منهم.
فلهذا أنزل الله فيه في كتابه الكريم: (وَاِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لاِبْرَاهِيم)(١٤٢٩).
قال المفضل بن عمر: "مروي لنا(١٤٣٠) ان ابراهيم عليه السلام لما أحس بالموت روى هذا الخبر لأصحابه، وسجد، وقبض في سجدته [صلوات الله وسلامه عليه](١٤٣١)"(١٤٣٢).
العاشر:
وروى عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي.
وروى ايضاً عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس انّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:
لمّا عرج بي إلى السماء بلغت سدرة المنتهى ناداني ربّي جلّ جلاله فقال: يا محمد!
فقلت: لبيك لبيك يا ربّ.
قال: ما أرسلت رسولا فانقضت ايامه الّا أقام بالأمر بعده وصيّه، فأنا جعلت علي بن أبي طالب خليفتك وامام أمتك، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم الحجة بن الحسن، يا محمد ارفع رأسك!
فرفعت رأسي، فاذا بأنوار علي والحسن والحسين وتسعة أولاد الحسين والحجة في وسطهم يتلألأ كأنه كوكب درّي.
فقال الله تعالى: يا محمد! هؤلاء خلفائي، وحججي في الأرض، وخلفاؤك وأوصياؤك من بعدك، فطوبى لمن أحبّهم، والويل لمن أبغضهم(١٤٣٣).
الحادي عشر:
وروى عن محمد بن ابي عمير واحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبان بن عثمان الأحمر عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس قال: قدم يهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقال له نعثل، فقال: يا محمد! انّي أسئلك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين فإنْ أجبتني عنها اسلمت على يدك.
قال صلى الله عليه وآله وسلّم: سل يا أبا عمارة. قال: يا محمد! صف لي ربّك.
فقال صلوات الله عليه ان الخالق لا يوصف الّا بما وصف به نفسه. كيف يوصف الخالق الواحد الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والبصائر أن تحيط قدرته، جلّ عن ما يصفه الواصفون، نأى في قربه، وقرب في نأيه، كيّف الكيف فلا يقال كيف، وأيّن الأين فلا يقال أين تنقطع الأفكار عن معرفته، وليعلم ان الكيفية منه، والاينونية، فهو الله الأحد(١٤٣٤) الصمد(١٤٣٥) كما وصف الواصفون، لا يبلغون نعته (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد).
قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن قولك انّه واحد لا شبيه له؛ أليس الله واحد والأنسان واحد، ووحدانيّته قد اشبهت(١٤٣٦) وحدانية الانسان.
فقال صلى الله عليه وآله وسلّم: الله واحد، واحد المعنى(١٤٣٧)، والانسان واحد ثنوي(١٤٣٨) جسم وعرض وروح، وانما التشبيه في المعاني لا غير(١٤٣٩).
قال: صدقت يا محمد! فأخبرني عن وصيّك من هو؟ فما من نبي الّا وله وصي، وانّ نبيّنا موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون.
فقال: نعم؛ ان وصيي والخليفة من بعدي علي بن أبي طالب عليه السلام، وبعده سبطاي الحسن والحسين يتلوه تسعة من صلب الحسين ائمة ابرار.
قال: سمّهم لي يا محمد.
قال: نعم، إذا مضى الحسين، فابنه علي، فاذا مضى علي فابنه محمد، فاذا مضى محمد فابنه جعفر، فاذا مضى جعفر فابنه موسى، فاذا مضى موسى فابنه علي، فاذا مضى علي فابنه محمد، فاذا مضى محمد فابنه علي، فاذا مضى علي فابنه الحسن، وبعد الحسن الحجة بن الحسن بن علي. فهذه(١٤٤٠) اثنا عشر اماماً على عدد نقباء بني اسرائيل.
قال: فأين مكانهم في الجنّة؟
قال: معي في درجتي.
قال: اشهد أن لا اله الّا الله، وانك لرسول الله، واشهد انهم الأوصياء بعدك، ولقد وجدت هذا في الكتب المتقدّمة، فأخبرني يا رسول الله عن الثاني عشر من أوصيائك.
قال صلى الله عليه وآله وسلّم: يغيب حتى لا يرى، ويأتي على أمتي زمان لا يبقى من الاسلام الّا اسمه ومن القرآن الّا رسمه، فحينئذ يأذن الله له بالخروج.
فانتفض نعثل وقام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ويقول: صلوات الله عليك يا سيد المرسلين، وعلى أوصيائك الطاهرين والحمد لله ربّ العالمين(١٤٤١).
وفي بعض الروايات زيادات في آخر هذا الحديث بانشاء نعثل شعراً في مدح النبي والائمة الاثني عشر صلوات الله عليهم اجمعين ورضوانه.
الثاني عشر:
وروى عن فضالة بن أيوب عن أبان بن عثمان عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أنت يا علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ الحسن اولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم جعفر بن محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم موسى بن جعفر أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم علي بن موسى أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم علي بن محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم الحسن بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم الحجة بن الحسن الذي تنتهي إليه الخلافة والوصاية، ويغيب مدّة طويلة، ثم يظهر ويملأ الأرض عدلا وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً(١٤٤٢).
الثالث عشر:
وروى عن محمد بن الحسن الواسطي رضي الله عنه، قال: حدّثنا زقر بن الهذيل قال: حدّثنا سليمان بن مهران الأعمش قال: حدّثنا مورق قال: حدّثنا جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخل جندل بن جنادة اليهوديّ من خيبر على رسول الله صلى الله - عليه وآله - فقال: يا محمد أخبرني عمّا ليس لله وعمّا ليس عند الله وعمّا لا يعلمه الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: امّا ما ليس لله فليس لله شريك، وأمّا ما ليس عند الله فليس عند الله ظلم، وأما ما لا يعلمه الله فذلكم قولكم معاشر اليهود: انّ عزيراً ابن الله. والله لا يعلم له ولداً.
فقال جندل: أشهد أن لا اله الّا الله وأنّك رسول الله حقاً، ثم قال: يا رسول الله انّي رأيت البارحة في النوم موسى ابن عمران عليه السلام فقال لي: يا جندل أسلم على يد محمد، استمسك بالأوصياء من بعده، فقد أسلمتُ ورزقني الله ذلك، فأخبرني بالأوصياء بعدك لأستمسك بهم، فقال: يا جندل، أوصيائي من بعدي بعدد نقباء بني اسرائيل.
فقال: يا رسول الله انهم كانوا اثنا عشر، هكذا وجدنا في التوراة. قال: نعم الذين هم أوصيائي من بعدي اثنا عشر. فقال: يا رسول الله، كلّهم في زمن واحد؟ قال:
لا، خلف بعد خلف، فانك لن تدرك منهم الّا ثلاثة. قال: فسمّهم لي يا رسول الله. قال: نعم، انّك تدرك سيّد الأوصياء ووارث علم الأنبياء وأبا الائمة الأتقياء علي بن أبي طالب بعدي، ثمّ ابنيه الحسن، والحسين، فاستمسك بهم من بعدي فلا يغرّنك جهل الجاهلين، فاذا كانت وقت ولادة ابني علي بن الحسين زين العابدين يقضي الله عليك، ويكون آخر زادك من الدّنيا شربة لبن تشربه. فقال: يا رسول الله فما أسامي الأوصياء الذين يكونون ائمة المسلمين بعد علي بن الحسين؟ قال صلوات الله عليه وآله فاذا انقضت مدّة علي قام بالأمر محمد ابنه يدعى بالباقر، فاذا انقضى مدّة محمد قام بالأمر بعده جعفر ابنه يدعى بالصادق، فاذا انقضت مدّة جعفر قام بالأمر بعده موسى ابنه يدعى بالكاظم، فاذا انقضت مدّة موسى قام بالأمر بعده على ابنه يدعى بالرضا، فاذا انقضت مدّة علي قام بالأمر بعده محمد ابنه يدعى بالتقي، فاذا انقضت مدّة محمّد قام بالأمر علي ابنه يدعى بالنقي، فاذا انقضت مدّة عليّ قام بالأمر بعده الحسن ابنه يدعى بالزكي، ثم يغيب عن الناس امامهم. قال: يا رسول الله يغيب الحسن منهم؟
قال: لا، ولكن ابنه الحجة يغيب عنهم غيبة طويلة. قال: يا رسول الله فما اسمه؟ قال: لا يسمّى حتّى يظهره الله. فقال جندل: قد بشّرنا موسى بن عمران بك وبالأوصياء من ذريّتك. ثمّ تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: (وعد الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَملُوا الصَّالِحَات ليَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم وَلَيمَكنَنّ لَهُمْ دِينهمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْناً)(١٤٤٣) قال جندل: فما خوفهم؟
قال: يا جندل في زمن كل واحد منهم شيطان يعتريه ويُؤذيه، فاذا أذن الله للحجة خرج وطهر الأرض من الظالمين فيملؤها قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً، طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للسالكين في محجّته والثابتين في موالاته ومحبّته اولئك ممن وصفهم الله في كتابه فقال: (الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالْغَيْبِ) وقال: (اُولئِكَ حِزْب الله ألا اِنَّ حِزْب الله هُمُ الْمُفْلِحُون).
ثم قال جابر: عاش جندل بن جنادة إلى أيام الحسين بن علي عليهما السلام ثم خرج إلى الطائف فمرض فدعا بشربة من لبن فشربه وقال: وكذا عهد إليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انّه يكون آخر زادي من الدنيا شربة من لبن. ثمّ مات ودفن بالطائف في الموضع المعروف بالكوراء، رحمه الله تعالى(١٤٤٤).
الرابع عشر:
وروى عن الحسن بن علي بن سالم، عن أبيه عن أبي حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: لمّا خلق الله الدنيا أطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيّاً، ثم اطلع الثانية فاختار منها علياً فجعله اماماً ثم أمرني أن اتّخذه أخاً ووصيّاً وخليفةً ووزيراً فعليّ منّي وأنا من علي وهو زوج ابنتي وأبو سبطيَّ الحسن والحسين، ألاَ وان الله تبارك وتعالى جعلني وايّاهم حججاً على عباده وجعل من صلب الحسين ائمة يقومون بأمري ويحفظون وصيّتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي، ومهدي امّتي، أشبه الناس بي في شمايله وأقواله وأفعاله يظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة(١٤٤٥) فيعلن أمر الله، ويظهر دين الله ويؤيد بنصر الله وينصر بملائكة الله فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً(١٤٤٦).
الخامس عشر:
وروى عن علي بن الحكم عن جعفر بن سليمان(١٤٤٧) الضبعي عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن سلمان الفارسي رضوان الله عليه قال:
خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فقال: معاشر الناس! انّي راحل عن قريب، ومنطلق إلى المغيب، أوصيكم في عترتي خيراً، واياكم والبدع، فانّ كل بدعة ضلالة، ولا محالة انها في النار.
معاشر الناس! من فقد الشمس فلْيتمسك بالقمر، ومن فقد القمر فلْيتمسّك بالفرقدين؛ فاذا فقدتم الفرقدين فتمسّكوا بالنجوم الزاهرة بعدي.
أقول لكم فاعلموا ان قولي قول الله، فلا تخالفوه فيما آمركم به، والله يعلم انّي بلغت اليكم ما أمرني به واُشهد الله عليّ وعليكم.
قال: فلما نزل عن المنبر تبعته حتى دخل بيت عائشة، فدخلت عليه فقلت: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله سمعتك تقول: اذا فقدتم الشمس فتمسّكوا بالقمر واذا فقدتُم القمر فتمسّكوا بالفرقدين، واذا فقدتم الفرقدين فتمسّكوا بالنجوم، فقد ظننت أن يكون في هذه الإبانة اشارة؟
قال: قد أصبت يا سلمان. فقلت: بيّن لي يا رسول الله ما الشمس وما القمر وما الفرقدان وما النجوم الزاهرة؟
فقال: أنا الشمس، وعلي القمر، فاذا فقدتموني فتمسّكوا به بعدي، وأما الفرقدان فالحسن والحسين، فاذا فقدتم القمر فتمسّكوا بهما.
وأمّا النجوم الزاهرة فهم الائمة التسعة من صلب الحسين، والتاسع مهديّهم.
ثم قال صلى الله عليه وآله وسلّم: انهم هم الأوصياء والخلفاء بعدي ائمة ابرار عدد اسباط يعقوب وحواري عيسى.
فقلت: سمّهم لي يا رسول الله.
قال: أوّلهم وسيدهم علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، وبعدهما علي بن الحسين زين العابدين، وبعده محمد بن علي باقر علم النبيين، وبعده الصادق جعفر بن محمد، وبعده الكاظم موسى بن جعفر، وبعده الرضا علي بن موسى الذي يقتل بأرض الغربة، ثم ابنه محمد، ثم ابنه علي، ثم ابنه الحسن، ثم ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره، فانهم عترتي من لحمي ودمي، علمهم علمي، وحكمهم حكمي؛ من آذاني فيهم فلا أناله الله شفاعتي(١٤٤٨).
السادس عشر:
وروى عن عثمان بن عيسى عن أبي حمزة الثمالي عن أسلم عن أبي الطفيل عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الوفاة دعا بعلي عليه السلام فسارّه طويلا ثم رفع صوته وقال: يا علي أنت وصيي ووارثي، قد اعطاك الله تعالى علمي وفهمي، فاذا متّ ظهرت لك ضغائن في صدور قوم، وغُصب على حقك.
فبكت فاطمة عليها السلام، وبكى الحسن والحسين عليهما السلام.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لفاطمة: يا سيدة النساء ممّ بكاؤك؟
قالت: أخشى الضيعة يا أبت بعدك.
قال: أبشري يا فاطمة فانك أوّل من يلحقني من أهل بيتي لا تبكي ولا تحزني، فانك سيدة نساء أهل الجنة، وأباك سيد الأنبياء، وابن عمك سيد الأوصياء، وابنيك سيدا شباب أهل الجنة، ومن صلب الحسين يُخرج الله الائمة التسعة المطهرين المعصومين؛ ومنّا مهدي هذه الأمة(١٤٤٩).
السابع عشر:
وروى عن الحسن بن علي بن فضّال رضي الله عنه، عن عبد الله بن بكير، [عن عبد الملك بن اسماعيل الأسدي](١٤٥٠) عن أبيه عن سعيد بن جبير، قال: قيل لعمّار بن ياسر: ما حملك على حبّ علي بن أبي طالب؟ قال: قد حملني الله ورسوله وقد أنزل الله تعالى فيه آيات جليلة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فيه أحاديث كثيرة. فقيل له: هلاّ تحدّثني بشيء ممّا قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم؟ قال: ولِمَ لا اُحدّث ولقد كنتُ بريئاً من الذين يكتمون الحق ويظهرون الباطل. ثمّ قال: كنت مع رسول الله فرأيت عليّاً عليه السلام في بعض الغزوات قد قتل عدّة من أصحاب راية قريش، فقلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: يا رسول الله انّ عليّاً قد جاهد في الله حقّ جهاده. فقال: وما يمنعه منه، انّه منّي وأنا منه وانّه وارثي وقاضي ديني ومنجز وعدي وخليفتي من بعدي ولولاه لم يُعرف المؤمن المحض في حياتي وبعد وفاتي، حربه حربي وحربي حرب الله، وسمله سلمي وسلمي سلم الله، ويُخرج الله من صلبه الائمة الراشدين، فاعلم يا عمّار انّ الله تبارك وتعالى عهد إليّ أن يعطيني اثني عشر خليفة منهم علي وهو أوّلهم وسيّدهم. فقلت: ومَنْ الآخرون منهم يا رسول الله؟ قال: الثاني منهم الحسن بن علي بن أبي طالب، والثالث منهم الحسين بن علي بن أبي طالب، والرابع منهم علي بن الحسين زين العابدين، والخامس منهم محمد بن علي، ثمّ ابنه جعفر، ثم ابنه موسى، ثم ابنه علي، ثم ابنه محمد، ثم ابنه علي، ثم ابنه الحسن، ثم ابنه الذي يغيب عن الناس غيبة طويلة وذلك قوله تبارك وتعالى: (قُلْ اَرَاَيْتُمْ اِنْ اَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غوراً فَمَنْ يَأتِيكُم بِمَاء معِين)(١٤٥١) ثم يخرج ويملأ الدنيا قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً.
يا عمّار سيكون بعدي فتنة فاذا كان ذلك فاتّبع عليّاً وحزبه فانّه مع الحق والحق معه، وانّك ستقاتل الناكثين والقاسطين معه ثمّ تقتلك الفئة الباغية ويكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن تشربه. قال سعيد بن جبير: فكان كما أخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم(١٤٥٢).
الثامن عشر:
وروى عن محمد بن أبي عمير رضي الله عنه عن غياث بن ابراهيم، عن أبي عبد الله، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام قال: سُئل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: "إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " مَن العترة؟ فقال: أنا والحسن والحسين والائمة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم، لا يفارقون كتاب الله عزّ وجلّ ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله حوضه(١٤٥٣).
التاسع عشر:
روى عن عبد الله بن جبلة عن عبد الله المستنير عن المفضل بن عمر عن جابر بن يزيد الجعفي عن عبد الله بن عباس قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم والحسن على عاتقه والحسين على فخذه يلثمهما ويقبلهما ويقول: اللهمّ والِ من والاهما وعادِ من عاداهما.
ثم قال: يا ابن عباس! كأنّي انظر إلى شيبة ابني الحسين تخضب من دمه، يدعو فلا يُجاب، ويستنصر فلا يُنصر.
قلت: ومن يفعل ذلك؟
قال: أشرار أمتي، لا أنالهم الله شفاعتي.
ثم قال: يا ابن عباس! من زاره عارفاً بحقه كتب الله له ثواب ألف حجة، وألف عمرة، ألاَ ومن زاره فقد زارني، ومن زارني فكأنما قد زار الله، وحق الزائر على الله أن لا يعذّبه بالنار.
ألاَ انّ الاجابة تحت قبته، والشفاء في تربته، والائمة من ولده.
قال: قلت: يا رسول الله، فكم الائمة بعدك؟
قال: بعدد اسباط يعقوب، ونقباء بني اسرائيل، وحواري عيسى.
قال: قلت: يا رسول الله، فكم كانوا؟
قال: كانوا اثنا عشر، والائمة بعدي اثنا عشر، أوّلهم علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، فاذا انقضى الحسين، فابنه علي، فاذا انقضى علي فابنه محمد، فاذا انقضى محمد فابنه جعفر، فاذا انقضى جعفر فابنه موسى، فاذا انقضى موسى فابنه علي، فاذا انقضى علي فابنه محمد، فاذا انقضى محمد فابنه علي، فاذا انقضى علي فابنه الحسن، فاذا انقضى الحسن فابنه الحجة.
قال: قلت: يا رسول الله أسامي(١٤٥٤) ولم اسمع بهنّ قط.
قال: هم الائمة بعدي وانْ قُهِرُوا، اُمناء معصومون نجباء أخيار.
يا ابن عباس! مَنْ أتى يوم القيامة عارفاً بحقّهم اخذت بيده فأدخلته الجنة.
يا ابن عباس! مَنْ انكرهم وردّ واحداً منهم فكأنما قد انكرني وردّني، ومَنْ انكرني وردّني فكأنما انكر الله وردّه.
يا ابن عباس! سوف يأخذ الناس يميناً وشمالا، فاذا كان ذلك ما تبع عليّاً وحزبه، فانه مع الحق والحق معه، فلا يفترقان(١٤٥٥) حتى يردا عليّ الحوض.
يا ابن عباس! ولايتهم ولايتي، وولايتي ولاية الله، وحربهم حربي، وحربي حرب الله، وسلمهم سلمي، وسلمي سلم الله.
ثم تلا: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون)(١٤٥٦).(١٤٥٧)
العشرون:
وروى عن الحسن بن محبوب عن مالك بن عطية عن ثابت بن دينار عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام لأصحابه قبل أن يُقتل بليلة واحدة، ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال لي: يا بني انك ستُساق الى العراق، وتنزل في أرض يقال لها (عمورا) و(كربلاء) وانك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة.
وقد قرب ما عهد اليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وانّي راحل إليه غداً فمن احبّ منكم الانصراف فلينصرف في هذه الليلة، فانّي قد أذنت له، وهو منّي في حل.
وأكّد فيما قاله تأكيداً بليغاً، وقالوا: والله ما نفارقك أبداً حتى نرد موردك.
فلمّا رأى ذلك، قال: فأبشروا بالجنة، فو الله انّما نمكث ما شاء الله تعالى بعدما يجري علينا، ثم يخرجنا الله وايّاكم حين يظهر قائمنا فينتقم من الظالمين وإنّا وأنتم نشاهدهم في السلاسل والأغلال وانواع العذاب والنكال.
فقيل له: مَنْ قائمكم يا ابن رسول الله؟
قال: السابع من ولد ابني محمد بن علي الباقر وهو الحجة بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابني وهو الذي يغيب مدّة طويلة ثم يظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً(١٤٥٨).
الحادي والعشرون:
وروى عن صفوان بن يحيى رضي الله عنه عن ابراهيم عن أبي زياد عن ابي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي قال:
دخلت على سيدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، فقلت: يا ابن رسول الله أخبرني بالذين فرض الله تعالى طاعتهم ومودّتهم وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
فقال: يا كابلي! انّ أولي الأمر الذين جعلهم الله عزّ وجلّ ائمة للناس، وأوجب عليهم طاعتهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم الحسن عمّي، ثم الحسين أبي، ثم انتهى الأمر الينا، وسكت، فقلت: يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السلام ان الأرض لا تخلو من حجة لله عزّ وجلّ على عباده، فمن الحجة والامام بعدك؟
فقال: ابني محمد، وفي الصحف الاولى باقر يبقر العلم بقراً. هو الحجة والامام بعدي. ومن بعد محمد ابنه جعفر واسمه عند أهل السماء الصادق.
قلت: يا سيدي وكيف صار اسمه الصادق وكلكم صادقون؟
قال: حدّثني أبي عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فسمّوه الصادق، فان الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدّعي الامامة اجتراءاً(١٤٥٩) على الله عزّ وجلّ وكذباً عليه، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله جلّ جلاله، والمدّعي ما ليس له بأهل، المخالف لأبيه، والحاسد لأخيه، وذلك الذي يروم كشف سرّ الله جلّ جلاله عند غيبة ولي الله.
ثم بكى علي بن الحسين عليه السلام بكاءاً شديداً ثم قال: كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله، والمغيّب فى حفظ الله، والتوكيل بحرم أبيه، جهلا منه برتبته، وحرصاً على قتله ان ظفر به، وطمعاً في ميراث أخيه حتى يأخذه بغير حق.
قال أبو خالد: فقلت: يا ابن رسول الله! وان ذلك لكائن؟!
فقال: اي وربّي ان ذلك لمكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
فقال أبو خالد: فقلت: يا ابن رسول الله ثم يكون ماذا؟
قال: ثم تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بعده.
يا أبا خالد! إنّ أهل زمان غيبته القائلين بامامته والمنتظرين لظهوره أفضل من كل أهل زمان، فانّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والافهام والمعرفة ما صارت به الغيبة بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بالسيف، اولئك المخلصون حقاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله عزّ وجلّ سرّاً وجهراً.
وقال عليه السلام: "انتظار الفرج من افضل الفرج"(١٤٦٠).
الثاني والعشرون:
وروى عن علي بن الحكم رضي الله عنه عن سيف بن عميره، عن علقمة بن محمد الحضرمي، عن الصادق عليه السلام قال: الائمة اثنا عشر. قلت: يا بن رسول الله فسمّهم لي فداك أبي وأمي. قال: من الماضين علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي، ثمّ أنا، قلت: مَنْ بعدك يا بن رسول الله؟ فقال: انّي اوصيت إلى ولدي موسى وهو الامام بعدي. قلت: فمن بعد موسى؟ قال: علي ابنه يدعى بالرّضا يدفن في أرض الغربة من خراسان، ثم من بعد علي ابنه محمد، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، وبعد الحسن المهدي ابنه، وانّه إذا خرج يجتمع عليه ثملاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدد رجال بدر، واذا كان وقت خروجه يكون له سيف مغمود يخرج من غمده فناداه: قُم يا ولي الله اقتل أعداء الله(١٤٦١).
الثالث والعشرون:
وروى عن سهل بن زياد الآدمي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني رضي الله عنه قال: دخلت على سيّدي علي بن محمد عليهما السلام، فلمّا بصرني قال لي: مرحباً بك يا أبا القاسم، أنت وليّنا حقاً. فقلت له: يا بن رسول الله، انّي اُريد أن أعرض عليك ديني فان كان مرضيّاً ثبتُّ عليه حتى ألقى الله عزّ وجلّ: فقال: هات يا أبا القاسم. فقلت: انّي أقول ان الله تبارك وتعالى واحدٌ ليس كمثله شيء، خارج عن الحدّين حدّ الابطال وحدّ التّشبيه، وانّه ليس بجسم ولا صورة ولا عَرَض ولا جوهر، بل هو مُجسِّم الأجسام ومصوّر الصور وخالق الأعراض والجواهر وربّ كل شيء ومالكه وجاعله ومحدثه وانّ محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة، وأقول انّ الامام والخليفة ووليّ الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم من بعده ولده الحسن والحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم أنت يا مولاي. فقال عليه السلام: ومِنْ بعدي الحسن ابني فكيف للناس بالخلف من بعده؟ قال: فقلت: فكيف ذلك يا مولاي؟ قال: لأنه لا يُرى شخصه ولا يحلُّ ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً. قال: فقلت: أقررتُ وأقول انّ وليّهم ولي الله وعدوّهم عدوّ الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله، وأقول انّ المعراج حقّ والمساءلة في القبر حق، وانّ الجنة حقّ والنار حقّ والصراط حق والميزان حق وانّ الساعة آتية لا ريب فيها وانّ الله يبعث مَنْ في القبور، وأقول انّ الفرائض الواجبة بعد الولاية: الصلوة والزكوة والصوم والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال عليّ بن محمد عليهما السلام: يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده فاثبت عليه، ثبّتك الله بالقول الثابت في الحيوة الدنيا والآخرة(١٤٦٢).
الرابع والعشرون:
وروى عن محمد بن عبد الجبّار قال: قلت لسيدي الحسن بن علي عليه السلام: يا بن رسول الله جعلني الله فداك اُحبُّ أن اعلم مَن الامام وحجة الله على عباده من بعدك؟ قال عليه السلام: انّ الامام والحجة من بعدي ابني سميّ رسول الله وكنيّه صلى الله عليه وآله وسلّم، الذي هو خاتم حجج الله، وآخر خلفائه. قال: فقلت: ممّن يتولّد هو يا بن رسول الله؟ قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم، الّا انّه سيولد فيغيب عن الناس غيبة طويلة، ثم يظهر ويقتل الدجال. فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً، فلا يحلّ لأحد أن يسمّيه باسمه وكنيته قبل خروجه صلوات الله عليه(١٤٦٣).
الخامس والعشرون:
وروى عن احمد بن عبد الله الأشعري قال: "سمعت أبا محمد بن علي العسكري عليه السلام يقول: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف بعدي، أشبه الناس برسول الله خلقاً وخلقاً، يحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته، ثم يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً"(١٤٦٤).
السادس والعشرون:
وروى عن محمد بن حمزة بن الحسن بن عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال سمعت أبا محمد عليه السلام: يقول: قد ولد وليّ الله وحجّته على عباده وخليفتي من بعدي، مختوناً ليلة النصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين عند طلوع الفجر، وكان اوّل من غسله رضوان خازن الجنان مع جمع من الملائكة المقرّبين بماء الكوثر والسلسبيل، ثمّ غسلته عمّتي حكيمة بنت محمد بن علي الرضا عليهما السلام فسأل محمد بن علي بن حمزة رضي الله عنه عن أمّه عليه السلام، قال: اُمّه مليكة التي يقال لها في بعض الأيام سوسن، وفي بعضها ريحانة، وكان صقيل ونرجس أيضاً من أسمائها(١٤٦٥).
السابع والعشرون:
وروى عن ابراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري، قال: لمّا هَمَّ الوالي عمرو بن عوف بقتلي وهو رجل شديد النصب، وكان مولعاً بقتل الشيعة، فأخبرت بذلك، وغلب علي خوف عظيم. فودعت أهلي وأحبائي، وتوجّهت إلى دار أبي محمد عليه السلام لأودّعه وكنت أردت الهرب، فلمّا دخلت عليه رأيت غلاماً جالساً في جنبه، وكان وجهه مضيئاً كالقمر ليلة البدر، فتحيّرت من نوره وضيائه وكاد أن ينسيني ما كنت فيه من الخوف والهرب فقال: يا ابراهيم لا تهرب. فانّ الله تبارك وتعالى سيكفيك شرّه فازداد تحيّري، فقلت لأبي محمد عليه السلام: يا سيدي جعلني الله فداك من هو؟ فقد أخبرني عمّا كان في ضميري. فقال: هو ابني وخليفتي من بعدي، وهو الذي يغيب غيبة طويلة، ويظهر بعد امتلاء الأرض جوراً وظلماً فيملؤها عدلا وقسطاً. فسألته عن اسمه قال: هو سميّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكنيّه، ولا يحلّ لأحد أن يسمّيه باسمه ويكنّيه بكنيته، إلى أن يُظهر الله دولته وسلطنته، فاكتم يا ابراهيم ما رأيت وسمعت منّا اليوم الّا عن أهله، فصلّيت عليهما وآبائهما وخرجت مستظهراً بفضل الله تعالى، واثقاً بما سمعته من الصاحب عليه السلام فبشّرني علي بن فارس بانّ المعتمد قد أرسل أبا احمد أخاه وأمره بقتل عمرو بن عوف، فأخذه أبو احمد في ذلك اليوم وقطعه عضواً عضواً والحمد لله ربّ العالمين(١٤٦٦).
الثامن والعشرون:
وروى عن [أبو محمد](١٤٦٧) عبد الله ابن الحسين بن سعد الكاتب رضي الله عنه: قال: قال أبو محمد عليه السلام: قد وضع بنو أمية وبنو العباس سيوفهم علينا لعلّتين: احداهما انّهم كانوا يعلمون ليس لهم في الخلافة حقّ، فيخافون من ادعائنا اياها وتستقرّ في مركزها، وثانيهما انّهم قد وقفوا من الأخبار المتواترة على انّ زوال ملك الجبابرة والظلمة على يد القائم منّا، وكانوا لا يشكّون انّهم من الجبابرة والظلمة، فسعوا في قتل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وابادة نسله طمعاً منهم، في الوصول إلى منع تولّد القائم عليه السلام أو قتله(١٤٦٨)، فأبى الله أن يكشف أمره لواحد منهم(١٤٦٩) الّا يتم نوره ولو كره المشركون(١٤٧٠).
التاسع والعشرون:
وروى عن فضالة بن أيوب، قال: حدّثنا عبد الله بن سنان، قال: سأل أبي من أبي عبد الله عليه السلام عن السلطان العادل، قال: هو من افترض الله طاعته بعد الأنبياء والمرسلين على الجنّ والانس أجمعين، وهو سلطان بعد سلطان الى أن ينتهي إلى السّلطان الثاني عشر.
فقال رجل من أصحابه: صف لنا من هم يا بن رسول الله؟ قال: هم الذين قال الله تعالى فيهم (اَطِيعُوا اللهَ وَاَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولِى الاَْمْرِ مِنْكُمْ)(١٤٧١) والذين خاتمهم الذي ينزل في زمن دولته عيسى عليه السلام من السماء ويصلّي خلفه وهو الذي يقتل الدجال ويفتح الله على يديه مشارق الأرض ومغاربها ويمتد سلطانه إلى يوم القيامة(١٤٧٢).
مما يناسب ذكره هنا ما رواه الشيخ المتقدم(١٤٧٣) عن محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى، قالا: حدّثنا جميل بن درّاج عن الصادق عليه السلام عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام انّه قال: الاسلام والسلطان العادل اخوان توأمان لا يصلح واحد منهما الّا بصاحبه؛ الاسلام أسّ والسلطان العادل حارس، ما لا أسّ له فمنهدم وما لا حارس له فضايعٌ، فلذلك إذا رحل قائمنا لم يبق أثر [من الاسلام واذا لم يبق أثر من الاسلام لم يبق أثر](١٤٧٤) من الدنيا(١٤٧٥).
الثلاثون:
وروى عن محمد بن أبي عمير رضي الله عنه عن عمر بن أذينه عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
انّ الله عزّ وجلّ خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا.
فقيل له: يا ابن رسول الله! من الأربعة عشر؟
فقال: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبة طويلة ويقتل الدجال، ويطهر الأرض من كل جور وظلم(١٤٧٦).
الحادي والثلاثون:
وروى عن الحسن بن علي بن فضال وابن ابي نجران عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن مسكان عن أبان بن تغلب عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: ألاَ أبشركم ايها الناس بالمهدي؟
قالوا: بلى.
قال: فاعلموا أنّ الله يبعث إلى أمتي سلطاناً عادلا. واماماً قاسطاً، يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً، وهو التاسع من ولد ولدي الحسين، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي؛ ألاَ لا خير في الحياة بعده، ولا يكون انتهاء دولته الّا قبل القيامة بأربعين يوماً(١٤٧٧).
الثاني والثلاثون:
نقل في كفاية المهتدي في أحوال المهدي عليه السلام عن كتاب الغيبة للحسن بن حمزة العلوي الطبري انّه قال: ابو علي محمد بن همام رضي الله عنه في كتابه (نوادر الأنوار):
حدّثنا محمد بن عثمان بن سعيد الزيات رضي الله عنه قال: سمعت أبي يقول: سُئل أبو محمد عليه السلام عن الحديث الذي روي عن آبائه عليهم السلام: ان الأرض لا تخلو من حجة الله تعالى على خلقه إلى يوم القيامة، فانّ من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتةً جاهلية.
فقال: ان هذا حق كما ان النهار حق.
فقيل له: يا ابن رسول الله! من الحجة والامام بعدك؟
قال: ابني هو الامام والحجة بعدي، مَنْ مات ولم يعرفه مات ميتةً جاهلية، أما انّ له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون؛ ثم يخرج، كأني أنظر إلى الأعلام التي تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة(١٤٧٨).
وهذا الشيخ أبو علي المذكور هو من اعيان علمائنا، وان أغلب المحدّثين نقلوا من كتابه هذا المعروف بكتاب الأنوار، ونقل الشيخ الشهيد الأول منه مراراً في مجاميعه.
وان محمد بن عثمان وأباه من الوكلاء المعروفين.
الثالث والثلاثون:
وروي علي بن الحسين المسعودي في (اثبات الوصية) عن سعد بن عبد الله عن هارون بن مسلم عن مسعدة باسناده عن الكاظم عليه السلام(١٤٧٩) انّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: ان الله عزّ وجلّ اختار من الأيام يوم الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الشهور شهر رمضان، واختارني من الرسل، واختار منّي عليّاً، واختار من علي الحسن والحسين واختار منهما تسعة تاسعهم قائمهم وهو ظاهرهم وهو باطنهم(١٤٨٠).
الرابع والثلاثون:
وروى ايضاً عن الحميري باسناده عن ابن أبي عمير عن سعيد بن غزوان عن أبي بصير عن أبي جعفر الباقر عليه السلام انّه قال: "يكون منّا بعد الحسين تسعة تاسعهم قائمهم وهو أفضلهم"(١٤٨١).
الخامس والثلاثون:
وروى ايضاً عن الحميري عن امية القيسي عن الهيثم التميمي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:
"إذا توالت ثلاثة أسماء محمد وعلي والحسن كان رابعهم قائمهم"(١٤٨٢).
السادس والثلاثون:
وروى ايضاً بالاسناد المتقدّم عن أبي السفاتج عن جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال:
"دخلت على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ذات يوم وبين يديها لوح يكاد يغشى ضوئه الأبصار فيه ثلاثة اسماء في ظاهره وثلاثة اسماء في باطنه، وثلاثة اسماء في احد طرفيه، وثلاثة اسماء في الطرف الآخر؛ يرى من ظاهره ما في باطنه، ويرى من باطنه ما في ظاهره، فعددت الأسماء فاذا هي اثنى عشر؛ فقلت: من هؤلاء؟
فقالت: هذه اسماء الأوصياء من ولدي آخرهم القائم.
قال جابر:
فرأيت فيها محمداً في ثلاثة مواضع [وعلياً في ثلاثة مواضع](١٤٨٣)"(١٤٨٤).
السابع والثلاثون:
وروى ايضاً عن الحميري عن احمد بن هلال عن محمد بن أبي عمير عن سعيد بن غزوان عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: انّ الله عزّ وجلّ اختار من الأيام يوم الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الناس الأنبياء، ومن الأنبياء الرسل، واختارني من الرسل، واختار منّي عليّاً، واختار من علي الحسين والحسين، واختار من الحسين الأوصياء ينفون عن التنزيل تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، تاسعهم قائمهم وهو ظاهرهم وهو باطنهم(١٤٨٥).
الثامن والثلاثون:
وقال ايضاً: حدّثنا الحميري عن محمد بن عيسى عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن علي بن أبي حمزة قال: كنت مع أبي بصير ومعنا مولى لأبي جعفر فحدّثنا انّه سمع أبا جعفر عليه السلام انّه قال: "منّا اثنا عشر محدّثاً القائم السابع بعدي".
فقام إليه أبو بصير، فقال: اشهد لسمعت أبا جعفر عليه السلام يذكر هذا منذ أربعين سنة.
التاسع والثلاثون:
وروى ايضاً عن الحميري عن محمد بن خالد الكوفي عن منذر بن محمد بن قابوس عن نظر(١٤٨٦) بن السندي عن أبي داود(١٤٨٧) عن ثعلبة(١٤٨٨) عن أبي مالك الجهني عن الحرث بن المغيرة عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فوجدته ينكت في الأرض(١٤٨٩)، فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي أراك مفكراً تنكت في الأرض ارغبة منك فيها؟ قال: لا والله ما رغبت فيها قط، ولكنني فكرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي يملأها عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يكون له غيبة وفي أمره حيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون(١٤٩٠).
الأربعون:
وروى ايضاً عن سعد بن عبد الله عن الحسن بن عيسى [العلوي](١٤٩١) قال: حدّثني [أبي عيسى بن محمد عن أبيه](١٤٩٢) محمد بن علي(١٤٩٣) بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال لي:(١٤٩٤) إذا فقد الخامس من ولد السابع [من الائمة عليهم السلام](١٤٩٥) فالله الله في أديانكم(١٤٩٦) فانه لابدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة يغيبها حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به(١٤٩٧) انما(١٤٩٨) هي محنة من الله امتحن الله بها خلقه [لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصح من هذا الدين لاتّبعوه](١٤٩٩) فقلت(١٥٠٠): يا سيدي من الخامس من ولد السابع، قال(١٥٠١): عقولكم تصغر عن هذا، وأحلامكم تضيق عن حمله ولكن ان تعيشوا تدركوه(١٥٠٢).
ونختم هذا الكلام بهذا العدد الميمون.

* * *


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) راجع خاتمة المستدرك: ج ٣، ص ٨٧٧ - الفوائد الرضويّة (الشيخ عباس القمي): ص ١٤٩ - ريحانة الأدب (ميرزا محمّد علي المدرّس): ج ٣، ص ٣٨٩ - نقباء البشر (آقا بزرگ الطهراني): ج ٢، ص ٥٤٣ - ٥٤٤ - معارف الرّجال (الشّيخ محمّد حرز الدين): ج ١، ص ٢٧١ - هديّة الأحباب: ص ١٨٠ وغيرها.
(٢) راجع معارف الرجال: ج ١، ص ٢٧١.
(٣) راجع معارف الرجال (حرز الدين): ج ٢، ص ٢٠٥ - ٢٠٧ - الكرام البررة (آقا بزرگ): ج ١، ص ٢٢٢ - ٢٢٤.
(٤) معارف الرجال: ج ٢، ص ٢٠٧.
(٥) الكرام البررة: ج ١، ص ٢٢٤.
(٦) نقباء البشر: ج ٢، ص ٥٥٥.
(٧) الكرام البررة: ج ١، ص ٢٢٤.
(٨) نقباء البشر: ج ٢، ص ٥٥٥.
(٩) الكرام البررة: ج ١، ص ٢٢٤.
(١٠) نقباء البشر: ج ٢، ص ٥٥٥.
(١١) نقباء البشر: ج ٢، ص ٥٥٥.
(١٢) معارف الرجال: ج ٢، ص ٢٠٦ - الكرام البررة: ج ١، ص ٢٢٤.
(١٣) نقباء البشر: ج ٢، ص ٥٤٤.
(١٤) نقباء البشر: ج ٢، ص ٥٤٤.
(١٥) خاتمة المستدرك: ج ٣، ص ٨٧٧، الطبعة الحجرية.
(١٦) راجع نقباء البشر: ج ٢، ص ٥٤٤ - خاتمة المستدرك: ج ٣، ص ٨٧٧، الحجرية.
(١٧) نقباء البشر: ج ٢، ص ٥٤٤ - خاتمة المستدرك: ج ٣، ص ٨٧٧، الطبعة الحجرية.
(١٨) خاتمة المستدرك: ج ٣، ص ٨٧٧، الطبعة الحجرية - نقباء البشر: ج ٢، ص ٥٤٤ - وقال الشيخ حرز الدين في (معارف الرجال): ج ١، ص ٢٧١:"... هاجر من طهران الى النجف سنة ١٢٧٧".
وفي كلامه اشتباهان:
اولاهما: ان هجرته الأولى كانت سنة (١٢٧٣) كما نصّ هو رحمه الله تعالى.
وثانيهما: ان الهجرة الثانية كانت سنة (١٢٧٨) ك