|
((المهدي المنتظر
ما الحكمة من هذه الفترة الطويلة الممتدة ما بين
ولادته وظهوره؟؟
لماذا الغيبة))
ان القائم بأمر الله ليس في مقام الإمام المعصوم
الثاني عشر فحسب , ولو كان مقامه ينحصر بهذا لكان
ظهوره للعامة أمر ضروري يفرضه طبيعة المقام الذي
يستوجب تواجده بين الناس شأنه شأن آبائه المعصومين
عليهم الصلاة والسلام , بل هو في مقام خليفة الله
والقائم بأمره والكيان المقدس الذي تتجلى فيه كل سمات
هوية الله الوجودية, فظهوره إنما يعني ظهور الله تعالى
مجده , ولهذا هو غائب عن العامة ريثما تنضج النشأة
وتبلغ الكمال الذي يؤهلها لظهوره
.
والسؤال هنا : إذا كان ظهور القائم بأمر الله عليه
الصلاة والسلام متعلق بنضج وكمال النشأة , فلماذا لا
يترك الله هذا الكيان المقدس الذي يتجلى فيه للمستقل
الذي تكون فيه النشأة مؤهلة لظهوره فيولد في ذلك
الزمان ويمارس دوره الذي صمم لأجله؟؟ ما الحكمة من هذه
الفترة الطويلة الممتدة ما بين ولادته وظهوره؟؟ للجواب
نقول: إن هذا الأمر يتبع قانون عام شامل يحكم جميع
عناصر النشأة , وهو قانون النمو والتكامل, فجميع
الموجودات من الذرة إلى المجرة مرايا لتجلي هوية الله
فيها على حسب استعدادها ومرتبتها , وهي لا تندفع إلى
الوجود دفعة واحدة وبكامل هويتها الوجودية , بل على
حسب سنة النمو والتكامل , فكل ما حولنا من أشياء وأمور
اعتبارية تشير وتدلل على أن ظهور الله في الموجودات
والاعتبارات لا يكون إلا على حسب سنة التكامل الجارية
في النشأة.
وكما
هو معلوم إن الكائنات الحية ( النبات والإنسان
والحيوان) لا تظهر للوجود دفعه واحدة, بل تبدأ من ابسط
وحداتها ثم تنمو وتتكامل وتظهر هويتها الوجودية شيئاً
فشيئاً كلما نمت وتكاملت , فالشجرة العملاقة ذات
الثمار لا تندفع إلى الوجود دفعة واحدة, بل تبدأ من
ابسط وحداتها (وهي البذرة) ثم تنبت وتنمو وتخرج هويتها
الوجودية شيئاً فشيئاً حتى تصبح شجرة تامة تنقل هويتها
الوجودية إلى الجيل اللاحق بواسطة الثمار أو البذور.
والإنسان لا يندفع إلى الوجود رجلاً تاماً سوياً أو
امرأة تامة سوية , بل يبدأ خلقه من ابسط وحداته ,
يُخلق من خلية واحدة مخصبة تنقسم وتتكاثر فيصير جنيناً
نامياً, ثم يولد طفلاً صغيراً نامياً مرشحاً لجميع
الاحتمالات , وخلال مراحل العمر ينمو وتخرج هويته
الوجودية شيئاً فشيئاً حتى يصير رجلاً تاماً سوياً أو
امرأة تامة سوية , وهكذا بقية الكائنات الحية , بل
النشأة كلها بدأت من ابسط وحداتها ( من المادة
الأولى), ثم نمت وتكاملت عبر ملايين السنين حتى بدأت
الحياة , والحياة ما زالت تنمو وتتكامل حتى لقاء الله
في تلك النشأة التامة ذات الديمومة والبقاء.
وليست الأمور التكوينية تخضع لسنة النمو والتكامل فحسب
, بل الأمور الاعتبارية أيضاً , فالشرائع السماوية قد
بدأت من بذرة صغيرة بآدم عليه السلام حيث كان تكليفه
الشرعي هو وزوجته في غاية البساطة والمحدودية وهو: كل
شيء مباح إلا شجرة واحدة في الجنة محرمة عليهما ,
(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا
وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ
الظَّالِمِينَ
)
ومن
بعد آدم نمت الحياة وتنوعت عناصرها باطراد, وكلما بلغت
مرتبة متقدمة من الكمال كلما أرسل الله الأنبياء وأنزل
الرسالات المتناسبة مع ذلك النمو والكمال الذي تبلغه
النشأة , وهكذا استمرت سنة الله حتى خاتم الأنبياء صلى
الله عليه وآله وسلم والكتاب الكريم الذي هو (..
تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً
وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ), والدستور الصالح للحياة
حتى قيام الساعة
.
فكل الأشياء والاعتبارات في النشأة إنما هي مظاهر
لهوية الله على حسب استعداها ومرتبها , ولما كانت هذه
الأشياء والاعتبارات لا تظهر دفعة واحدة بل على حسب
سنة النمو والتكامل , فإن الله لا يظهر في النشأة
بواسطة مخلوقاته دفعة واحدة, بل على حسب النمو
والتكامل , وهذا قانون عام شامل يحكم جميع مظاهر الكون.
فكما ظهور الله في كيان الإنسان يتطلب فترة حمل تعقبها
الولادة والحضانة والطفولة و المراهقة والشباب ثم
النضج التام , كذلك ظهور الله في كيان القائم بأمره
وباسط عدله( المهدي) عليه الصلاة والسلام يتطلب فترة
زمانية تتعين وتتحدد على حسب سير نمو وتكامل النشأة,
فالفترة الممتدة ما بين ولادته وظهوره التام للعامة
أمر وجودي محكوم بطبيعة النشأة التي تسير وفق قانون
النمو والتكامل , فلو تأملنا في خلق السماوات والأرض
نجد أن ما بين مرحلة وأخرى ملايين إلى مليارات السنين
من النمو والتكامل البطيء, مما يعني ان تجلّى أسماء
وصفات وأفعال الله يكون على حسب استعداد عناصر النشأة
, وهذا هو السر في طول الفترة ما بين ولادته عليه
السلام وبين ظهوره للناس في آخر الزمان.
متى
يظهر المهدي المنتظر ؟
والآن بعد أن بيّنا ان ظهور هوية الله بتمام كمالها
في شخص القائم بأمره وباسط عدله محكوم بنمو وتكامل
النشأة , نأتي إلى السؤال التالي
:
ترى
ما هو المقدار المطلوب تحققه من الكمال كي تكون النشأة
مستعدة لظهور هوية الله فيها بتمام كمالها؟
الجواب واضح وهو –كما أشرنا من قبل- ان ظهور هوية الله
في النشأة يحكمها قانون النمو والتكامل, وقد ضربنا
أمثلة على أن الهوية التامة للموجودات تظهر في نهاية
المطاف (في آخر مرحلة من مراحل النمو والتكامل).
أما عن المقدار المطلوب تحققه من الكمال تمهيداً
لظهوره التام فهو نهاية المرحلة ما قبل الأخيرة , فإذا
كانت مراتب الكمال على سبيل المثال عشرة مراتب, فإن
ظهور المرتبة الأخيرة يكون بعد المرتبة التاسعة كما هو
بيّن, وكما لا تظهر مراتب الكمال في هوية الموجودات
دفعة واحدة بل بالتدريج البطيء, كذلك مراتب هوية الله
بما فيها المرتبة التامة لا تظهر دفعة واحدة بل
بالتدريج البطيء المحكوم بقانون النمو والتكامل العام
الشامل, ولا أحد يستطيع أن يعين بالتحديد الفترة
الزمنية التي تظهر فيها تلك المرتبة التامة من هوية
الله في مقام الظاهر , إلا بالاستعانة بالظواهر
الطبيعية أو ما يسمى بالعلامات الكبرى التي ستشهدها
النشأة في آخر الزمان, ولم يترك القرآن الكريم -الذي
هو تبياناً لكل شيء-هذه الحوادث الكبرى التي يتعين
عليها مستقبل النشأة وتمام كمالها دونما إشارة واضحة,
بل سجلها في الكثير من الآيات المفصلات نذكر منها
:
(سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ
بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)
(أَوَلَمْ
يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ
يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ
بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)
(فَارْتَقِبْ
يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ*يَغْشَى
النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)
(أَفَلَمْ
يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ
نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ
كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
)
(فَلا
أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ*وَاللَّيْلِ وَمَا
وَسَقَ*وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ*لَتَرْكَبُنَّ
طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ)
(فَإِذَا
بَرِقَ الْبَصَرُ*وَخَسَفَ الْقَمَرُ*وَجُمِعَ
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ*يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ
أَيْنَ الْمَفَرُّ
)
(اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ*وَإِنْ يَرَوْا آيَةً
يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)
(وَلَوْ
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ
فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ*لَقَالُوا إِنَّمَا
سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ
مَسْحُورُونَ)
ومن خلال هذه الآيات البينات نستطيع أن نستنتج بوضوح
الحوادث الكبرى التي ستشهدها السماء الدنيا في آخر
مرحلة من مراحل كمالها ونسجلها بالنقاط التالية
:
(1)
ظهور دخان كثيف في السماء ينزل إلى الأرض فيغشى الناس
ويسبب لهم عذاب مؤقت ثم يزول, وليس هذا الدخان إلا
الغازات والأبخرة والمواد الكيمياوية المنبعثة من
مخلفات الحروب والمصانع والمحروقات المتجمعة في
الطبقات العليا من أجواء الأرض , ولعل علة نزولها إلى
سطح الأرض هو ازدياد وزنها الذري بسبب ما يسمى
بالاحتباس الحراري الذي يزداد باطراد في جو الأرض.
(2)
سقوط كسفاً( قطعا) من السماء على سطح الأرض, وما هي
تلك القطع إلا الأقمار الاصطناعية السابحة في الحلقة
العليا من نطاق الجاذبية الأرضية , ولعل سقوطها يكون
بنفس الأسباب التي أدت إلى نزول الدخان إلى سطح الأرض
.
(3)
اختفاء زرقة السماء وظهور الشفق -وهو اللون الأحمر
المائل إلى الصفرة - تمهيداً لدخول السماء الدنيا
(النظام الشمسي) مرحلة الثقب الأسود ,وهي المرحلة
النهائية التي تعقبها القيامة الكبرى في نشأة ذات
ديمومة وبقاء.
(4) ظلام
يظهر بالتدريج عند بداية دخول النظام الشمسي مرحلة
الثقب الأسود (وَاللَّيْلِ
وَمَا وَسَقَ) من بعد مرحلة الشفق, يسبب تشوش
الرؤية (فَإِذَا بَرِقَ
الْبَصَرُ)
.
(5)
انشقاق القمر وانفلاته عن مدار الأرض وانجذابه إلى
الشمس والدوران في فلكها باتساق مع حركة الكواكب
السيارة (وَالْقَمَرِ إِذَا
اتَّسَقَ), ولعل ذلك يكون بسبب ازدياد الطاقة
الحرارية للشمس ونظامها( الاحتباس الحراري في النظام
الشمسي) , ولما كانت الطاقة عبارة عن مادة , فإن
ازدياد الحرارة يعني بالضرورة ازدياد كتلة الشمس
وبالتالي جاذبيتها , فتجذب القمر ليدور في فلكها أولاً
فتتسق حركته مع حركة الكواكب السابحة في فلك الشمس (وَالْقَمَرِ
إِذَا اتَّسَقَ), ومن ثم- بعد ازدياد جاذبيتها
أكثر- تجذبه إلى أعماقها (وَجُمِعَ
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ).
ومن خلال رصد الظواهر الطبيعية والاستعانة بالقوانين
العلمية المستنبطة من القرآن الكريم يمكن حساب الفترة
الزمنية بصورة تقريبية -دقيقية- لظهور تلك العلامات
التي يؤكد تحققها القرآن الكريم, وأعلم أن ما يسمى بـ
ثقب طبقة الأوزون الذي يتسع باطراد ما هو ألا بداية
ظهور العلامات التكوينية الكبرى التي يتحدث عنها
القرآن الكريم وهو المشار إليه بقوله (وَلَوْ
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ
فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ*لَقَالُوا إِنَّمَا
سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ
مَسْحُورُونَ)
وقد تناولنا هذا الموضوع بكثير من التفصيل في كتابنا
الموسوم بـ ( القرآن يتحدث عن آخر الزمان) وفسرناها
تفسيراً علمياً معززاً بالبراهين العلمية الحديثة في
كتابنا الآخر ( النظرية التي تفسر كل شيء..باب تكامل
الخلق) |