((الحسين والمهدي.. الشهادة والخلاص التغيير والإمامة))

التضحية بالنفس قيمة عليا يستحق بها الانسان اسمى عطاء الاخرة فكانت الشهادة عنوانا انسانيا للتعبير عن اقصى ما يقدمه الانسان في سبيل عقيدته

تتبنى العقيدة الاسلامية فكرة وعملية التغيير وفق اطر معرفية وقيمية تتجاوز في مفاهيمها الظروف الاجتماعية والتاريخية التي يراد تغييرها، وتبني موقفها من امكانية التغيير الجذري للخروج من واقع فاسد باتجاه الخلاص من واقع منحرف اهدر انسانية الانسان ليحقق مطامع ضيقة، وفي ضوء عنصر الزمن يصبح التغيير موقفا مستقبليا يحرك الامة باتجاه الزمن القادم وفي الوقت نفسه يحميها من النكوص والارتداد، مستوعبا في ذات الوقت ذلك التفاعل المتبادل بين الانسان والمستقبل، حتى يصبح المستقبل نتاجا لعمل الانسان، باعتبار ان الزمان يسير نحو غاية او هدف يجسد قيمة جهد الانسان عبر حركة التاريخ.

ولما كان التغيير يمثل فكرة الصراع بين الاسلام كفكر كوني يمثل مشروعا حضاريا، وبين النزعات والاتجاهات القبلية الساعية الى تهميش كونية العقيدة الاسلامية وكونية الامة عن طريق الفصل بين ما هو روحي وما هو حضاري، وهذا ما سيدفع الامة الى تجاوز معيارية الملك القبلي المتمثل في العصبية القبلية ومبدأ الانصياع والرضوخ للواقع الفاسد، للوصول الى المعايير الاسلامية الداعية الى التحرر من ربق الانحراف والتبعية والانية، هذا المعيارية التي تتجسد في الامامة موقفا وعنوانا، وبذا تصبح الامامة هي القيادة الفاعلة والرئيسية لعملية التغيير، فتعمل على توجيه الامة بالاتجاه الصحيح والشرعي للقيام بحركة التغيير المرجوة باعتبار ان الامامة حقيقة تاريخية تتجاوز في مفهومها المنظور القبلي الضيق والذي يعد اهم عناصر الانحراف اذ تسعى الاتجاهات القبلية الى وضع الولاء للقبيلة مقابل الولاء لله عزوجل. من هنا يصبح الملك مغتصبا للحقيقة التاريخية من بين ايدي الامة لصالح السلطة القبلية، ومتنكرا للامامة التي تمثل المشروع المستقبلي للامة خلال حركة التاريخ، ولما كانت عملية التغيير لاتمثل انفعالا عطفيا، او فورانا مؤقتا، وهي تستلهم حركة التاريخ وتتجذر عند اصول الشريعة الالهية فبالتاكيد لن ترضى بغير الامامة قيادة باعتبارها حقيقة تاريخية، ونص تشريعي.

وكما ان عملية التغيير تستلهم التاريخ والتشريع والمجتمع، فهي في الوقت نفسه تتجلى في الفعل الانساني الذي قدم عطاءه لتحقيق الامل المنشود، وقد اعتبرت الشريعة ان التضحية بالنفس قيمة عليا يستحق بها الانسان اسمى عطاء الاخرة فكانت الشهادة عنوانا انسانيا للتعبير عن اقصى ما يقدمه الانسان في سبيل عقيدته، فكانت شهادة الامام الحسين عليه السلام تجسيدا لاقصى قيم العطاء، كما كانت تجسيدا للشريعة حد الفداء. لقد استوعبت شهادة الحسين كل القيم التاريخية المثلى والتي سعت اليها منذ هبوط ابينا آدم عليه السلام لتحقيق انسانية الانسان في العيش كريما وفق نظام كوني يعتمد على الانسان الخليفة في تحقيق غايات الشريعة السماوية.