فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم عليه السلام / الجزء الثاني
 كتب أخرى

الكتب مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم عليه السلام / الجزء الثاني

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد محمد تقي الموسوي الاصفهاني الشخص المحقق: السيد علي عاشور تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ٢١٠٧٠ التعليقات التعليقات: ٢

مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم عليه السلام / الجزء الثاني

المؤلف: ميرزا محمد تقي الأصفهاني - ت ١٣٤٨
تحقيق: السيد علي عاشور
الطبعة: الأولى – ١٤٢١

فهرس المطالب

الباب السادس من كتاب مكيال المكارم
ايضاح
تتميم: نفعه عميم
تكميل
تكميل
تتميم نفعه عميم
الباب السابع من الكتاب يشتمل على ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
المقصد الثاني في كيفية الدعاء بتعجيل فرجه وظهوره (عليه السلام) تصريحا وتلويحا
المقصد الثالث في ذكر بعض الدعوات المروية عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) في هذا الباب غير ما تقدم في الباب السادس من هذا الكتاب
تنبيه
ومن الدعوات المأثورة في طلب الفرج لمولانا القائم المهدي عجل الله تعالى فرجه وظهوره
صلاة أخرى
دعاء الندبة
توضيح مقال لدفع إشكال
تنبيه نبيه
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل
الباب الثامن: في سائر ما يتقرب به إليه ويسره ويزلف لديه من تكاليف العباد، بالنسبة إليه صلوات الله وسلامه
تنبيهات
الأمر الثالث
الأمر الرابع: تحبيبه إلى الناس
الأمر الخامس: انتظار فرجه وظهوره صلوات الله عليه، والكلام فيه في مقامات
المقام الثاني: في وجوب انتظار القائم (عليه السلام) على كل أحد
المقام الثالث: في معنى الانتظار المأمور به في تلك الأخبار
المقام الرابع
الأولى: في بيان ما يعتبر فيه النية
المقدمة الثانية في بيان المراد من قصد القربة المعتبر في العبادات
المقام الخامس
الأمر السادس
الأمر السابع
الأمر الثامن
الأمر التاسع
الأمر العاشر: اقامة المجالس التي يذكر فيها مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) وتنشر فيها مناقبه وفضائله
مسألة فقهية
ايقاظ وتنبيه
الأمر الحادي عشر والثاني عشر
الأمر الثالث عشر
الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر
واما ما يدل على فضل البكاء في فراقه، وما يجري عليه من المحن بالخصوص
الأمر السابع عشر
تبيين وتوضيح
الأمر الثامن عشر
التاسع عشر
المتمم عشرين
الواحد والعشرون
تصديق فيه تشويق
الثاني والعشرون التسليم، وترك الاستعجال
الثالث والعشرون
تنبيه وارشاد للسالك المرتاد
الرابع والعشرون
الخامس والعشرون والسادس والعشرون
السابع والعشرون والثامن والعشرون
التاسع والعشرون
تنبيه
المتمم للثلاثين
الواحد والثلاثون
وههنا أمور ينبغي التنبيه عليها والاشارة إليها
الثاني والثلاثون
تنبيه
الثالث والثلاثون
الرابع والثلاثون
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل
تبصرة
الخامس والثلاثون
توضيح
وينبغي التنبيه على أمرين
السادس والثلاثون
السابع والثلاثون
الثامن والثلاثون: النصيحة له (عليه السلام)
تذكرة
توضيح وتبيين
تتميم فيه تنبيه
التاسع والثلاثون
المتمم أربعين
الواحد والأربعون: الصلاة عليه
تذكرة
الثاني والأربعون اهداء ثواب الصلاة إليه سلام الله عليه
الثالث والأربعون
ما يهديه إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام)
ما يهديه إلى فاطمة (عليها السلام)
ما يهديه إلى الحسن (عليه السلام)
ما يهديه إلى الحسين (عليه السلام)
ما يهديه إلى علي بن الحسين (عليه السلام)
ما يهديه إلى محمد بن علي (عليهما السلام)
ما يهديه إلى جعفر بن محمد (عليهما السلام)
ما يهديه إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام)
ما يهديه إلى الرضا علي بن موسى (عليهما السلام)
ما يهديه إلى محمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي (عليهم السلام)
الرابع والأربعون صلاة الهدية إليه بنحو خاص في وقت خاص
الدعاء بين كل ركعتين منها
الخامس والأربعون اهداء قراءة القرآن إليه (عليه السلام)
السادس والأربعون
السابع والأربعون
تنبيه
الثامن والأربعون
التاسع والأربعون
المتمم خمسين
الواحد والخمسون: أن يظهر العالم علمه
الثاني والخمسون التقية عن الاشرار، وكتمان الاسرار عن الاغيار
الثالث والخمسون الصبر على الاذى والتكذيب وسائر المحن
تنبيه
الرابع والخمسون
الخامس والخمسون
السادس والخمسون
تنبيه
السابع والخمسون مصانعة أهل الجور والباطل
الثامن والخمسون الاختفاء والتجافي عن الاشتهار فإن الشهرة آفة والخمول راحة
التاسع والخمسون تهذيب النفس
المكمل ستين
الواحد والستون
الثاني والستون والثالث والستون
تذكرة وإرشاد للطالب المرتاد
الرابع والستون
الخامس والستون أن يكون بدنك خاشعا له
السادس والستون
السابع والستون
الثامن والستون
أما المقام الأول
تنبيه وتحقيق
المقام الثاني
تنبيه
تذنيب
التاسع والستون والمتمم سبعين
تبيين
تبيين
تنبيه
تتميم وتبيين
توضيح
تنبيه
تنبيه وتتميم
تذييل فيه تأييد
الواحد والسبعون
تنبيه
تتميم نفعه عميم
وههنا أمران ينبغي التنبيه عليهما
الثاني والسبعون
واعلم
تتميم نفعه عميم
الثالث والسبعون
توضيح
الرابع والسبعون
توضيح
ايقاظ وارشاد
الخامس والسبعون
تنبيه وتتميم نفعه عميم
السادس والسبعون
السابع والسبعون
الثامن والسبعون
تنبيه
التاسع والسبعون
المتمم ثمانين
توضيح
وينبغي التنبيه لأمرين

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
الباب السادس: من كتاب مكيال المكارم
في ذكر الأوقات والحالات التي يتأكد فيها الدعاء لمولانا الغائب (عليه السلام)

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين الباب السادس من كتاب مكيال المكارم في ذكر الأوقات والحالات التي يتأكد فيها الدعاء لمولانا الغائب عن الأبصار ومسألة تعجيل فرجه من خالق الليل والنهار وما يشهد لذلك من الآيات والأخبار ودليل العقل والاعتبار فمنها: بعد كل فريضة، ويشهد لذلك ذكر الدعاء لذلك الأمر في أدعية عديدة مأثورة عن الأئمة الطاهرين.
- منها: ما روي في أصول الكافي(١)، مرسلا عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال: إذا انصرفت من صلاة مكتوبة فقل: رضيت بالله ربا وبمحمد (صلى الله عليه وآله) نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن كتابا، وبفلان وفلان أئمة، اللهم وليك فلان فاحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته وامدد له في عمره واجعله القائم بأمرك، والمنتظر(٢) لدينك وأره ما يحب وتقر به عينه في نفسه وذريته، وفي أهله وماله، وفي شيعته وفي عدوه، وأرهم منه ما يحذرون وأره فيهم ما يحب، وتقر به عينه، واشف صدورنا، وصدور قوم مؤمنين.
- ورواه الشيخ الصدوق في الفقيه عنه (عليه السلام) مرسلا وهذا لفظه: وقال (عليه السلام) إذا انصرفت من صلاة مكتوبة فقل: " رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن كتابا، وبمحمد (صلى الله عليه وآله) نبيا، وبعلي وليا، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة بن الحسن بن علي (عليهم السلام) أئمة.
اللهم وليك الحجة فاحفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، وامدد له في عمره واجعله القائم بأمرك المستنصر لدينك، وأره ما يحب وتقر به عينه في نفسه، وفي ذريته، وأهله، وماله وفي شيعته، وفي عدوه، وأرهم منه ما يحذرون، وأره فيهم ما يحب(٣) وتقر به عينه، واشف به صدورنا، وصدور قوم مؤمنين(٤).
أقول: فلان وفلان في رواية الكافي(٥) كناية عن الأئمة الماضين (عليهم السلام).
وقوله: اللهم وليك فلان كناية عن مولانا صاحب الزمان، وقد صرح الصدوق (رضي الله عنه) بأسمائهم الشريفة في روايته، وهذا الحديث يدل على تأكد الدعاء لفرج مولانا الحجة، بعد كل صلاة مكتوبة.
- ويشهد لذلك أيضا ما روي في البحار نقلا من كتاب الاختيار للسيد بن الباقي، عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: من قرأ بعد كل فريضة هذا الدعاء فإنه يرى الإمام " م ح م د " بن الحسن عليه وعلى آبائه السلام في اليقظة أو في المنام:
" بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم بلغ مولانا صاحب الزمان أينما كان وحيثما كان من مشارق الأرض ومغاربها، سهلها وجبلها، عني وعن والدي وعن ولدي وإخواني التحية والسلام، عدد خلق الله، وزنة عرش الله، وما أحصاه كتابه وأحاط به علمه.
اللهم إني أجدد له في صبيحة هذا اليوم وما عشت فيه من أيام حياتي عهدا وعقدا، وبيعة له في عنقي، لا أحول عنها ولا أزول أبدا.
اللهم اجعلني من أنصاره والذابين عنه والممتثلين لأوامره، ونواهيه في أيامه، والمستشهدين بين يديه.
اللهم فإن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتما مقضيا، فأخرجني من قبري مؤتزرا كفني، شاهرا سيفي، مجردا قناتي ملبيا دعوة الداعي في الحاضر والبادي.
اللهم أرني الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة واكحل بصري بنظرة مني إليه وعجل فرجه وسهل مخرجه.
اللهم اشدد أزره، وقو ظهره، وطول عمره، واعمر اللهم به بلادك وأحي به عبادك فإنك قلت وقولك الحق: * (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) * فأظهر اللهم لنا وليك، وابن بنت نبيك، المسمى باسم رسولك (صلى الله عليه وآله) حتى لا يظفر بشئ من الباطل إلا مزقه ويحق الله الحق بكلماته، ويحققه.
اللهم اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بظهوره إنهم يرونه بعيدا، ونراه قريبا، وصلى الله على محمد وآله ".
أقول: سيأتي نظير هذا الدعاء في الباب الثامن، إن شاء الله تعالى.
- ومما يشهد لتأكد الدعاء لفرجه (عليه السلام) بعد كل من الفرائض اليومية أيضا ما روى في مكارم الأخلاق(٦) قال: روي أن من دعا بهذا الدعاء عقيب كل فريضة، وواظب على ذلك، عاش حتى يمل الحياة، ويتشرف بلقاء صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه وهو:
اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم إن رسولك الصادق المصدق صلواتك عليه وآله قال: إنك قلت ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته.
اللهم فصل على محمد وآل محمد وعجل لأوليائك الفرج، والنصر والعافية ولا تسؤني في نفسي، ولا في " فلان " قال: وتذكر من شئت.
أقول: وروى العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في صلاة البحار(٧) نقلا عن كتاب فلاح السائل، للعالم الرباني السيد علي بن طاووس (رضي الله عنه) قال: ومن المهمات لمن يريد طول البقاء، أن يكون من تعقيبه بعد كل صلاة:
- ما رواه أبو محمد هارون بن موسى (رضي الله عنه) عن أبي الحسين علي بن محمد بن يعقوب العجلي الكسائي، عن علي بن الحسن بن فضال، عن جعفر بن محمد بن حكيم، عن جميل ابن دراج قال: دخل رجل إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: يا سيدي، علت سني، وماتت أقاربي، وأنا خائف أن يدركني الموت وليس لي من آنس به، وأرجع إليه.
فقال (عليه السلام) له: إن من إخوانك المؤمنين من هو أقرب نسبا أو سببا وأنسك به خير من أنسك بقريب، ومع هذا فعليك بالدعاء، وأن تقول عقيب كل صلاة: اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم إن الصادق الأمين (عليه السلام) قال: إنك قلت: " ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ".
اللهم فصل على محمد وآل محمد، وعجل لوليك الفرج والعافية والنصر، ولا تسؤني في نفسي، ولا في أحد من أحبتي، وإن شئت أن تسميهم واحدا واحدا فافعل وإن شئت متفرقين، وإن شئت مجتمعين.
قال الرجل: والله لقد عشت حتى سئمت الحياة قال أبو محمد هارون بن موسى (رضي الله عنه) أن محمد بن الحسن بن شمون البصري كان يدعو بهذا الدعاء، فعاش مائة وثمان وعشرين سنة في خفض، إلى أن مل الحياة فتركه فمات رحمه الله تعالى.
- وروى أن المجلسي(٨) أيضا نقلا عن دعوات الراوندي والمكارم ومصباح الشيخ وجنة الأمان والبلد الأمين بهذا اللفظ روى من دعا بهذا الدعاء عقيب كل فريضة، وواظب على ذلك عاش حتى يمل الحياة.
أقول: قد ذكرنا في المكرمة الثامنة والعشرين من الباب السابق وجه كون هذا الدعاء سؤالا لتعجيل فرج مولانا الحجة (عليه السلام) وبينا ما سنح بالبال من الحجة.
إيضاح

وأما قوله: " ما ترددت في شيء أنا فاعله " الخ، فقد ورد مثله في روايات عديدة مروية في أصول الكافي وغيره.
قال الشيخ البهائي (رضي الله عنه) في شرح الأربعين: ما تضمنه هذا الحديث من نسبة التردد إليه سبحانه يحتاج إلى التأويل، وفيه وجوه:
الأول: إن في الكلام إضمارا والتقدير لو جاز علي التردد ما ترددت في شيء كترددي في وفاة المؤمن.
الثاني: إنه لما جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه، ويوقره كالصديق الوفي، والخل الصفي وأن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة، كالعدو والحية والعقرب بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردد ولا تأمل: صح أن يعبر بالتردد، والتأمل في مساءة الشخص عن توقيره واحترامه، وبعدمهما عن إذلاله واحتقاره.
قوله سبحانه: ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في وفاة المؤمن المراد - به والله أعلم - ليس لشئ من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية.
الثالث: إنه قد ورد في الحديث من طرق الخاصة والعامة: إن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف والكرامة، والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار، فيقل تأذيه به، ويصير راضيا بنزوله، راغبا في حصوله، فاشتبهت هذه المعاملة، معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه لما يتعقبه نفع عظيم، فهو يتردد في أنه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقل تأذيه به، فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من الله من اللذة الجسمية، والراحة العظيمة، إلى أن يتلقاه بالقبول، ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول. انتهى كلامه رفع مقامه.
- ويدل على المقصود أيضا ما روي في كتاب جمال الصالحين عن مولانا الصادق (عليه السلام) أنه قال: إن من حقوقنا على شيعتنا أن يضعوا بعد كل فريضة أيديهم على أذقانهم ويقولوا ثلاث مرات: " يا رب محمد عجل فرج آل محمد يا رب محمد احفظ غيبة محمد، يا رب محمد، انتقم لابنة محمد (عليها السلام) ". انتهى.
واعلم أنه قد ذكر فضل الدعاء المذكور بالفارسية وقد نقلته إلى العربية.
تتميم: نفعه عميم

إذا عرفت ما يدل على المقصود من الأخبار المروية عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) فاعلم أن السر في ذلك أن حقيقة العبادة وأصلها وشرط قبولها هو معرفة الإمام، والتولي له فينبغي للمؤمن أن يظهر حقيقة إيمانه وصدق ولايته لمولاه، بعد كل صلاة بالدعاء له ومسألة فرجه من الله عز وجل، حتى تقترن صلاته بما يكون سببا لقبولها ويدل على ذلك ما رويناه في الباب الأول، والخامس ويأتي في الباب الثامن مضافا إلى الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم)(٩).
وفي قوله تعالى: * (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله) * وغيرهما مما يتعسر أو يتعذر جمعها، وضبطها من الأخبار الكثيرة، وكذا الحال في الصوم، والحج، وسائر العبادات ولذا ورد الصلاة على محمد وآله (عليهم السلام) والدعاء لفرج مولانا (عليه السلام) في أيام شهر رمضان ولياليه.
- ويعجبني هنا ذكر حديث شريف مروي في تفسير البرهان(١٠) في تفسير قوله تعالى * (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله)(١١) بإسناده عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: نحن جنب الله، ونحن صفوة الله، ونحن خيرة الله ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن أمناء الله عز وجل، ونحن حجج الله، ونحن حبل الله، ونحن رحمة الله على خلقه، ونحن الذين بنا يفتح الله وبنا يختم، ونحن أئمة الهدى، ونحن مصابيح الدجى، ونحن منار الهدى، ونحن العلم المعروف لأهل الدنيا، ونحن السابقون، ونحن الآخرون من تمسك بنا لحق، ومن تخلف عنا غرق، ونحن قادة الغر المحجلين، ونحن حرم الله، ونحن الطريق والصراط المستقيم إلى الله عز وجل، ونحن من نعم الله على خلقه ونحن المنهاج، ونحن معدن النبوة، ونحن موضع الرسالة.
ونحن أصول الدين، وإلينا تختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء بنا ونحن السبيل لمن اقتدى بنا، ونحن الهداة إلى الجنة ونحن عرى الإسلام، ونحن السجور، ونحن القناطر، من مضى علينا سبق، ومن تخلف عنا محق، ونحن السنام الأعظم، ونحن الذين بنا تنزل الرحمة، وبنا تسقون الغيث، ونحن الذين بنا يصرف الله عز وجل عنكم العذاب، فمن أبصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا.
تكميل

وقد اختلج بالبال سر آخر، لتأكد الدعاء في حقه في تلك الحال:
- وهو أنه قد ورد في عدة من الروايات: إن لكل مؤمن بعد كل صلاة فريضة دعوة مستجابة - وهي مذكورة في الوسائل وغيره - فينبغي للمؤمن الكامل الذي يكون مولاه في نظره أعز من نفسه، ومن أعز أهله، أن يجعل ذلك الدعاء في حقه.
٢ - ومن الأوقات التي يتأكد فيها الدعاء بتعجيل فرج مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه بعد خصوص صلاة الظهر - ويدل على ذلك ويشهد له ما روي في البحار(١٢) والمستدرك وجمال الصالحين عن الصادق (عليه السلام): إن من قال بعد صلاة الصبح والظهر: اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم، لم يمت حتى يدرك القائم (عليه السلام) وقد مر في الباب السابق أيضا.
ويدل على ذلك أيضا ما روي في صلاة البحار(١٣) نقلا عن كتاب فلاح السائل للسيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه) قال السيد (رضي الله عنه) من المهمات عقيب صلاة الظهر الاقتداء بالصادق (عليه السلام) في الدعاء للمهدي الذي بشر به محمد رسول الله أمته، في صحيح الروايات ووعدهم أنه يظهر في أواخر الأوقات.
- كما رواه أبو محمد هارون الدنبلي(١٤) عن أبي علي محمد بن الحسن بن محمد بن جمهور العمي، عن أبيه محمد بن جمهور عن أحمد بن الحسين السكري، عن عباد بن محمد المدايني، قال: دخلت على أبي عبد الله بالمدينة حين فرغ من مكتوبة الظهر وقد رفع يديه إلى السماء وهو يقول: أي سامع كل صوت، أي جامع كل فوت، أي بارئ كل نفس بعد الموت، أي باعث، أي وارث، أي سيد السادات أي إله الآلهة، أي جبار الجبابرة، أي مالك(١٥) الدنيا والآخرة، أي رب الأرباب، أي ملك الملوك أي بطاش، أي ذا البطش الشديد، أي فعالا لما يريد، أي محصي عدد الأنفاس ونقل الأقدام، أي من السر عنده علانية، أي مبدئ، أي معيد:
أسألك بحقك على خيرتك من خلقك، وبحقهم الذي أوجبت لهم على نفسك أن تصلي على محمد وأهل بيته، وأن تمن علي الساعة بفكاك رقبتي من النار، وأنجز (لوليك وابن نبيك، الداعي إليك بإذنك، وأمينك في خلقك، وعينك في عبادك وحجتك على خلقك عليه صلواتك وبركاتك) وعده.
اللهم أيده بنصرك، وانصر عبدك، وقو أصحابه وصبرهم، وافتح لهم من لدنك سلطانا نصيرا، وعجل فرجه، وأمكنه من أعدائك، وأعداء رسولك، يا أرحم الراحمين.
قال: أليس قد دعوت لنفسك جعلت فداك؟ قال: دعوت لنور آل محمد، وسابقهم، والمنتقم بأمر الله من أعدائهم.
قلت: متى يكون خروجه جعلني الله فداك؟ قال (عليه السلام) إذا شاء من له الخلق والأمر.
قلت: فله علامة قبل ذلك؟ قال (عليه السلام) نعم علامات شتى قلت: مثل ماذا قال: خروج راية من المشرق، وراية من المغرب، وفتنة تضل أهل الزوراء، وخروج رجل من ولد عمي زيد باليمن، وانتهاب ستارة البيت ويفعل الله ما يشاء انتهى.
قال العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في البحار(١٦) ومصباح الشيخ والبلد الأمين، وجنة الأمان، والاختيار: مما يختص عقيب الظهر: يا سامع كل صوت، إلى آخر الدعاء وفي الجميع، (يا) مكان (أي) في المواضع كلها. انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
أقول: سند الحديث وإن كان ضعيفا بحسب الاصطلاح لكن لا بأس به بمقتضى قاعدة التسامح، المقررة المثبتة في أصول الفقه، ولذلك عول عليه مشايخ علمائنا الذين عرفت أسماءهم الشريفة، رحمهم الله تعالى.
وكيف كان، فيستفاد منه ومن الدعاء المذكور أمور:
الأول: استحباب الدعاء في حق الحجة (عليه السلام)، ومسألة تعجيل فرجه بعد صلاة الظهر.
الثاني: استحباب رفع اليدين حال الدعاء له (عليه السلام).
الثالث: استحباب الاستشفاع بهم، والمسألة بحقهم، قبل طلب الحاجة.
الرابع: استحباب تقديم التحميد والثناء على الله عز وجل.
الخامس: استحباب تقديم الصلاة على محمد وآله (عليهم السلام) على طلب الحاجة.
السادس: تطهير النفس من الذنوب بالاستغفار ونحوه ليكون نقيا مستعدا للإجابة يدل على ذلك طلبه المغفرة وفكاك الرقبة من النار.
وأما توجيه طلبهم (عليهم السلام) ذلك، مع أنهم مطهرون معصومون إجماعا، وعقلا ونقلا، فقد قيل فيه وجوه ليس هنا محل ذكرها.
السابع: إن المراد بالولي المطلق في ألسنتهم ودعواتهم هو مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) وقد مر في الباب الخامس ما يدل عليه، ويأتي ما يدل عليه أيضا.
الثامن: استحباب الدعاء في حق أصحابه وأنصاره.
التاسع: كون الإمام شاهدا على أعمال العباد، مبصرا لهم، ولأفعالهم في كل حال، يدل عليه قوله وعينك في عبادك وقد مر ما يدل عليه أيضا.
العاشر: إن من ألقاب مولانا الحجة (عليه السلام) نور آل محمد، وقد ورد في الروايات ما يشهد لذلك، وقد ذكر المحقق النوري (رضي الله عنه) بعضها في كتابه المسمى بالنجم الثاقب.
الحادي عشر: كونه أفضل من سائر الأئمة (عليهم السلام) بعد أمير المؤمنين والحسنين صلوات الله عليهم أجمعين ويؤيده بعض الروايات أيضا.
الثاني عشر: إن الله عز اسمه قد ادخره وأخره للانتقام من أعدائه وأعداء رسوله والروايات بذلك متواترة.
الثالث عشر: إن زمان ظهوره من الأمور الخفية التي اقتضت المصلحة الإلهية إخفاءها، وقد تواترت الروايات في ذلك أيضا.
الرابع عشر: إن تلك العلامات المذكورة ليست من العلائم المحتومة، لقوله (عليه السلام) في آخر الكلام ويفعل الله ما يشاء.
٣ - ومن الأوقات المؤكدة لذلك بالخصوص بعد صلاة العصر.
- ويدل على ذلك ما روى في فلاح السائل(١٧) للسيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه) قال:
ومن المهمات بعد صلاة العصر الاقتداء بمولانا موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) في الدعاء لمولانا المهدي، صلوات الله عليه كما رواه محمد بن بشير الأزدي، عن أحمد بن عمر الكاتب، عن الحسن بن محمد بن جمهور القمي، عن أبيه محمد بن جمهور، عن يحيى بن الفضل النوفلي، قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر ببغداد، حين فرغ من صلاة العصر فرفع يديه إلى السماء وسمعته يقول: " أنت الله لا إله إلا أنت، الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنت الله لا إله إلا أنت إليك زيادة الأشياء ونقصانها، وأنت الله لا إله إلا أنت، خلقت خلقك بغير معونة من غيرك، ولا حاجة إليهم وأنت الله لا إله إلا أنت، منك المشية، وإليك البداء أنت الله لا إله إلا أنت، قبل القبل، وخالق القبل وأنت الله لا إله إلا أنت، بعد البعد، وخالق البعد أنت الله لا إله إلا أنت، تمحو ما تشاء، وتثبت، وعندك أم الكتاب.
أنت الله لا إله إلا أنت، غاية كل شيء ووارثه، أنت الله لا إله إلا أنت، لا يعزب عنك الدقيق، ولا الجليل أنت الله لا إله إلا أنت، لا تخفى عليك اللغات ولا تتشابه عليك الأصوات كل يوم أنت في شأن، لا يشغلك شأن عن شأن، عالم الغيب وأخفى، ديان يوم الدين، مدبر الأمور، باعث من في القبور، محيي العظام وهي رميم.
أسألك باسمك المكنون المخزون الحي القيوم، الذي لا يخيب من سألك به أسألك أن تصلي على محمد وآله وأن تعجل فرج المنتقم من أعدائك، وأنجز له ما وعدته يا ذا الجلال والإكرام.
قال: قلت: من المدعو له؟ قال (عليه السلام): ذاك المهدي من آل محمد (صلى الله عليه وآله).
ثم قال (عليه السلام): بأبي المنتدح البطن، المقرون الحاجبين، أحمش الساقين بعيد ما بين المنكبين، أسمر اللون، يعتوره مع سمرته صفرة من سهر الليل، بأبي من ليله يرعى النجوم ساجدا وراكعا، بأبي من لا يأخذه في الله لومة لائم، مصباح الدجى، بأبي القائم بأمر الله.
قلت: ومتى خروجه؟ قال: إذا رأيت العساكر بالأنبار على شاطئ الفرات والصراة ودجلة وهدم قنطرة بالكوفة، وإحراق بعض بيوتات الكوفة فإذا رأيت ذلك فإن الله يفعل ما يشاء، لا غالب لأمر الله، ولا معقب لحكمه.
٤ - ومنها: بعد صلاة الصبح، ويدل على ذلك مضافا إلى ما مر بعد صلاة الظهر، - ما رواه المجلسي (رضي الله عنه) في المقباس في تعقيب صلاة الصبح أن يقول مائة مرة قبل أن يتكلم يا رب صل على محمد وآل محمد، وعجل فرج آل محمد وأعتق رقبتي من النار.
٥ - ومنها: بعد كل ركعتين من صلاة الليل، ويشهد لذلك وروده بالخصوص في الدعاء المأثور، الذي ذكره علماؤنا رحمهم الله تعالى، في عدة من الكتب المعتبرة.
- وقد ذكره بعض الأصحاب(١٨) في الأدعية الواردة بعد الركعتين الأوليين من صلاة الليل وهو هذا:
اللهم إني أسألك، ولم يسأل مثلك، أنت موضع مسألة السائلين، ومنتهى رغبة الراغبين، أدعوك ولم يدع مثلك وأرغب إليك، ولم يرغب إلى مثلك، أنت مجيب دعوة المضطرين، وأرحم الراحمين.
أسألك بأفضل المسائل وأنجحها، وأعظمها، يا الله، يا رحمن، يا رحيم، وبأسمائك الحسنى، وأمثالك العليا، ونعمك التي لا تحصى وبأكرم أسمائك عليك، وأحبها إليك، وأقربها منك وسيلة، وأشرفها عندك منزلة، وأجزلها لديك ثوابا وأسرعها في الأمور إجابة.
وباسمك المكنون الأكبر الأعز الأجل الأعظم الأكرم، الذي تحبه وتهواه وترضى به عمن دعاك به فاستجبت له دعاءه، وحق عليك أن لا تحرم سائلك، ولا ترده.
وبكل اسم هو لك في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم وبكل اسم دعاك به حملة عرشك وملائكتك وأنبياؤك، ورسلك، وأهل طاعتك من خلقك، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعجل فرج وليك، وابن وليك، وتعجل خزي أعدائه.
أقول: وجدت في كتاب جمال الصالحين زيادة في هذا الدعاء، وهي هذه: وتجعلنا من أصحابه وأنصاره وترزقنا به رجاءنا وتستجيب به دعاءنا.
٦ - ومنها: في قنوت الصلوات ويشهد لذلك دعاؤهم (عليهم السلام) لهذا الأمر في جملة من القنوتات المأثورة عنهم، ونحن نذكر منها ما وصل إلينا والله الموفق.
- أحدها: ما ذكره السيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه) في مهج الدعوات(١٩) في حديث تركنا ذكره في هذا الكتاب، حذرا من الإطناب، عن مولانا زين العابدين (عليه السلام) اللهم إن جبلة البشرية وطباع الإنسانية، وما جرت عليه تركيبات النفسية، وانعقدت به عقود النشأة تعجز عن حمل واردات الأقضية إلا ما وفقت له أهل الاصطفاء، وأعنت عليه ذوي الاجتباء.
اللهم وإن القلوب في قبضتك، والمشيئة لك في ملكتك وقد تعلم أي رب ما الرغبة إليك في كشفه واقعة لأوقاتها بقدرتك واقفة بحدك من إرادتك، وإني لأعلم أن لك دار جزاء من الخير والشر، مثوبة وعقوبة، وأن لك يوما تأخذ فيه بالحق وأن أناتك أشبه الأشياء بكرمك وأليقها بما وصفت به نفسك في عطفك وترؤفك وأنت بالمرصاد لكل ظالم في وخيم عقباه، وسوء مثواه.
اللهم وإنك قد أوسعت خلقك رحمة وحلما، وقد بدلت أحكامك، وغيرت سنن نبيك (صلى الله عليه وآله) وتمرد الظالمون على خلصائك واستباحوا حريمك وركبوا مراكب الاستمرار على الجرأة عليك.
اللهم فبادرهم بقواصف سخطك، وعواصف تنكيلاتك واجتثاث غضبك، وطهر البلاد منهم، واعف عنها آثارهم واحطط من قاعاتها ومظانها منارهم واصطلمهم ببوارك حتى لا تبقي منهم دعامة لناجم ولا علما لآم، ولا مناصا لقاصد ولا رائدا لمرتاد.
اللهم امح آثارهم، واطمس على أموالهم وديارهم وامحق أعقابهم وافكك أصلابهم وعجل إلى عذابك السرمد انقلابهم وأقم للحق مناصبه واقدح للرشاد زناده وأثر للثأر مثيره. وأيد بالعون مرتاده، ووفر من النصر زاده حتى يعود الحق بجدته وينير معالم مقاصده، ويسلكه أهله حق سلوكه إنك على كل شيء قدير.
أقول: غير خفي على المتتبع البصير العارف المستأنس بكلمات الأئمة الأطهار أن هذا دعاء لظهور مولانا الغائب عن الأبصار وطلب فرجه من خالق الليل والنهار وفيه قرائن عديدة قطعية يعرفها أهل الاعتبار.
فإن قلت: إن المراد بمن يثير الثار لعله المختار.
قلت: لا ريب في أن المراد به هو صاحب الدار، ويدل على ذلك عدة من الأدعية والأخبار وسيأتي ذكره في القنوت المروي عنه عجل الله تعالى فرجه.
- الثاني: القنوت المروي في الحديث(٢٠) المذكور عن مولانا أبي جعفر الباقر (عليه السلام) وهو هذا: يا من يعلم هواجس السرائر ومكامن الضمائر وحقائق الخواطر، يا من هو لكل غيب حاضر، ولكل منسئ ذاكر، وعلى كل شيء قادر وإلى الكل ناظر، بعد المهل وقرب الأجل وضعف العمل وأراب الأمل، وآن المنتقل وأنت يا الله الآخر كما أنت الأول، مبدئ ما أنشأت، ومصيرهم إلى البلى ومقلدهم أعمالهم ومحملها ظهورهم إلى وقت نشورهم من بعثة قبورهم، عند نفخة الصور، وانشقاق السماء بالنور، والخروج بالمنشر إلى ساحة المحشر، لا ترتد إليهم أبصارهم وأفئدتهم هواء، متراطمين في غمة ما أسلفوا، ومطالبين بما احتقبوا ومحاسبين هناك على ما ارتكبوا.
الصحاف على الأعناق منشورة والأوزار على الظهور مأزورة، لا انفكاك ولا مناص ولا محيص عن القصاص قد أفحمتهم الحجة، وحلوا في حيرة المحجة، همسوا الضجة معدول بهم عن المحجة إلا من سبقت له من الله الحسنى، فنجا من هول المشهد وعظيم المورد، ولم يكن ممن في الدنيا تمرد، ولا على أولياء الله تعند، ولهم استعبد وعنهم بحقوقهم تفرد.
اللهم فإن القلوب قد بلغت الحناجر والنفوس قد علت التراقي، والأعمار قد نفدت بالانتظار لا عن نقص استبصار، ولا عن اتهام مقدار، ولكن لما تعاني من ركوب معاصيك والخلاف عليك في أوامرك ونواهيك والتلعب بأوليائك، ومظاهرة أعدائك.
اللهم فقرب ما قد قرب، وأورد ما قد دنا، وحقق ظنون الموقنين، وبلغ المؤمنين تأميلهم، من إقامة حقك ونصر دينك وإظهار حجتك، والانتقام من أعدائك.
- الثالث: القنوت المروي في(٢١) الحديث الذي أشرنا إليه، عن مولانا أبي جعفر محمد ابن علي الجواد، صلوات الله عليه وعلى آبائه وأولاده الأمجاد:
منائحك متتابعة، وأياديك متوالية، ونعمك سابغة، وشكرنا قصير، وحمدنا يسير، وأنت بالتعطف على من اعترف جدير.
اللهم وقد غص أهل الحق بالريق، وارتبك أهل الصدق في المضيق.
وأنت اللهم بعبادك وذوي الرغبة إليك شفيق، وبإجابة دعائهم وتعجيل الفرج عنهم حقيق.
اللهم فصل على محمد وآل محمد وبادرنا منك بالعون الذي لا خذلان بعده والنصر الذي لا باطل يتأكده وأتح لنا من لدنك متاحا يأمن فيه وليك، ويخيب فيه عدوك، وتقام فيه معالمك، وتظهر فيه أوامرك، وتنكف فيه عوادي عداتك.
اللهم بادرنا منك بدار الرحمة وبادر أعداءك من بأسك بدار النقمة.
اللهم أعنا وأغثنا، وارفع نقمتك عنا، وأحلها بالقوم الظالمين.
أقول: إن الشاهد على ما ذكرناه من كون هذا الدعاء دعاء بتعجيل فرج مولانا صاحب الزمان، صلوات الله عليه وآله، أن الأمور المذكورة لا تصير ميسورة بمقتضى الأخبار المأثورة إلا بظهوره وتجلي نوره، فبه ترفع التقية، ويأمن الأولياء، ويخيب الأعداء، وتقام معالم دين الله وتظهر أوامره.
- الرابع قنوت آخر مروي عنه (عليه السلام) في(٢٢) الحديث المشار إليه، وهو مشتمل على الدعاء لمنتظري ظهور صاحب الأمر، عجل الله تعالى فرجه وظهوره، وأوليائه والداعين له (عليه السلام) وهو هذا:
اللهم أنت الأول بلا أولية معدودة، والآخر بلا آخرية محدودة أنشأتنا لا لعلة اقتسارا، واخترعتنا لا لحاجة اقتدارا وابتدعتنا بحكمتك اختيارا وبلوتنا بأمرك ونهيك اختبارا وأيدتنا بالآلات، ومنحتنا بالأدوات وكلفتنا الطاقة، وجشمتنا(٢٣) الطاعة فأمرت تخييرا ونهيت تحذيرا وخولت كثيرا وسألت يسيرا فعصي أمرك فحلمت وجهل قدرك فتكرمت فأنت رب العزة والبهاء والعظمة والكبرياء، والإحسان والنعماء والمن والآلاء والمنح والعطاء، والانجاز والوفاء، لا تحيط القلوب لك بكنه، ولا تدرك الأوهام لك صفة، ولا يشبهك شيء من خلقك، ولا يمثل بك شيء من صنيعتك تباركت أن تحس أو تمس أو تدركك الحواس الخمس وأنى يدرك مخلوق خالقه! وتعاليت يا إلهي عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
اللهم أدل لأوليائك من أعدائك الظالمين، الباغين الناكثين، القاسطين المارقين الذين أظلوا عبادك، وحرفوا كتابك، وبدلوا أحكامك وجحدوا حقك وجلسوا مجالس أوليائك جرأة منهم عليك وظلما منهم لأهل بيت نبيك، عليهم سلامك، وصلواتك، ورحمتك، وبركاتك، فضلوا، وأضلوا خلقك وهتكوا حجاب سترك عن عبادك، واتخذوا مالك دولا، وعبادك خولا، وتركوا اللهم عالم أرضك في بكماء عمياء ظلماء مدلهمة، فأعينهم مفتوحة، وقلوبهم عمية، ولم يبق لهم اللهم عليك من حجة لقد حذرت اللهم عذابك وبينت نكالك، ووعدت المطيعين إحسانك، وقدمت إليهم بالنذر، فآمنت طائفة.
فأيد اللهم الذين آمنوا على عدوك، وعدو أوليائك فأصبحوا ظاهرين وإلى الحق داعين وللإمام المنتظر القائم بالقسط تابعين وجدد اللهم على أعدائك وأعدائهم نارك وعذابك الذي لا تدفعه عن القوم الظالمين.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وقو ضعف المخلصين لك بالمحبة المشايعين لنا بالموالاة، المتبعين لنا بالتصديق والعمل، الموازين لنا بالمواساة فينا، المحيين ذكرنا عند اجتماعهم.
وشد اللهم ركنهم وسدد اللهم دينهم الذي ارتضيته لهم، وأتمم عليهم نعمتك وخلصهم، واستخلصهم، وسد اللهم فقرهم، والمم اللهم شعث فاقتهم واغفر اللهم ذنوبهم، وخطاياهم ولا تزغ قلوبهم بعد إذ هديتهم، ولا تخلهم يا رب بمعصيتهم، واحفظ لهم ما منحتهم من الطهارة بولاية أوليائك والبراءة من أعدائك، إنك سميع مجيب.
- الخامس: قنوت مولانا أبي الحسن علي بن محمد الهادي المروي في الحديث المذكور(٢٤) وهو هذا: يا من تفرد بالربوبية وتوحد بالوحدانية، يا من أضاء باسمه النهار، وأشرقت به الأنوار، وأظلم بأمره حندس الليل وهطل بغيثه وابل السيل، يا من دعاه المضطرون فأجابهم ولجأ إليه الخائفون فآمنهم وعبده الطائعون فشكرهم، وحمده الشاكرون فأثابهم، ما أجل شأنك وأعلى سلطانك، وأنفذ أحكامك.
أنت الخالق بغير تكلف والقاضي بغير تحيف، حجتك البالغة، وكلمتك الدامغة، بك اعتصمت وتعوذت من نفثات العندة، ورصدات الملحدة، الذين ألحدوا في أسمائك ورصدوا المكاره لأوليائك وأعانوا على قتل أنبيائك وأصفيائك وقصدوا لاطفاء نورك بإذاعة سرك، وكذبوا رسلك، وصدوا عن آياتك، واتخذوا من دونك ودون رسولك ودون المؤمنين وليجة رغبة عنك وعبدوا طواغيتهم وجوابيتهم بدلا منك، فمننت على أوليائك بعظيم نعمائك وجدت عليهم بكريم آلائك وأتممت لهم ما أوليتهم بحسن جزائك حفظا لهم من معاندة الرسل، وضلال السبل وصدقت لهم بالعهود ألسنة الإجابة، وخشعت لك بالعقود قلوب الإنابة.
أسألك اللهم باسمك الذي خشعت له السماوات والأرض، وأحييت به موات الأشياء وأمت به جميع الأحياء وجمعت به كل متفرق، وفرقت به كل مجتمع، وأتممت به الكلمات، وأريت به كبرى الآيات، وتبت به على التوابين وأخسرت به عمل المفسدين فجعلت عملهم هباء منثورا، وتبرتهم تتبيرا أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تجعل شيعتي من الذين حملوا فصدقوا، واستنطقوا فنطقوا آمنين مأمونين.
اللهم إني أسألك لهم توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل الصبر، وتقية أهل الورع، وكتمان الصديقين حتى يخافوك اللهم مخافة تحجزهم عن معاصيك، وحتى يعملوا بطاعتك لينالوا كرامتك وحتى يناصحوا لك وفيك خوفا منك، وحتى يخلصوا لك النصيحة في التوبة حبا لك، فتوجب لهم محبتك التي أوجبتها للتوابين وحتى يتوكلوا عليك في أمورهم كلها حسن ظن بك، وحتى يفوضوا إليك أمورهم ثقة بك.
اللهم لا تنال طاعتك إلا بتوفيقك، ولا تنال درجة من درجات الخير إلا بك، اللهم يا مالك يوم الدين، العالم بخفايا صدور العالمين طهر الأرض من نجس أهل الشرك، وأخرس الخراصين عن تقولهم على رسولك الإفك، اللهم اقصم الجبارين، وأبر المغيرين، وأبد الأفاكين الذين إذا تتلى عليهم آيات الرحمن قالوا أساطير الأولين، وأنجز لي وعدك إنك لا تخلف الميعاد، وعجل فرج كل طالب مرتاد بك إنك لبالمرصاد للعباد.
وأعوذ بك من كل لبس ملبوس، ومن كل قلب عن معرفتك محبوس ومن كل نفس تكفر إذا أصابها بؤس ومن واصف عدل عمله عن العدل معكوس، ومن طالب للحق وهو عن صفات الحق منكوس، ومن مكتسب إثم بإثمه مركوس(٢٥) ومن وجه عند تتابع النعم عليه عبوس أعوذ بك من ذلك كله ومن نظيره، وأشكاله، وأشباهه، وأمثاله إنك علي عليم حكيم.
السادس: قنوت مولانا أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) المروي في الحديث المذكور(٢٦) وقد ذكره الشيخ الطوسي (رضي الله عنه) فيما يستحب أن يزاد في قنوت الوتر، ويظهر من الرواية كونه من الدعوات المطلقة، التي لا تختص بوقت من الأوقات وحال من الحالات، قال السيد في مهج الدعوات: ودعا (عليه السلام) في قنوته وأمر أهل قم بذلك لما شكوا من موسى بن بغا. انتهى وسنذكره في الباب الآتي إن شاء الله تعالى شأنه.
- السابع: قنوت مولانا الحجة عجل الله تعالى فرجه المروي في الحديث المذكور(٢٧) " اللهم صل على محمد وآل محمد، وأكرم أولياءك بإنجاز وعدك، وبلغهم درك ما يأملونه من نصرك واكفف عنهم بأس من نصب الخلاف عليك، وتمرد بمنعك على ركوب مخالفتك، واستعان برفدك على فل حدك، وقصد لكيدك بأيدك، ووسعته حلما لتأخذه على جهرة أو تستأصله على غرة فإنك اللهم قلت وقولك الحق * (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) * الآية.
وقلت: * (فلما آسفونا انتقمنا منهم) * وأن الغاية عندنا قد تناهت، وإنا لغضبك غاضبون، وعلى نصر الحق متغاضبون، وعلى(٢٨) ورود أمرك مشتاقون ولانجاز وعدك مرتقبون، ولحلول وعيدك بأعدائك متوقعون.
اللهم فأذن بذلك وافتح طرقاته، وسهل خروجه، ووطئ مسالكه، وأشرع شرائعه وأيد جنوده وأعوانه، وبادر بأسك القوم الظالمين، وابسط سيف نقمتك على أعدائك المعاندين وخذ بالثار إنك جواد مكار.
- الثامن: قنوت آخر مروي عنه (عليه السلام) في(٢٩) الحديث المشار إليه: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، يا ماجد يا جواد، يا ذا الجلال والإكرام، يا بطاش يا ذا البطش الشديد، يا فعالا لما يريد، يا ذا القوة المتين، يا رؤوف يا رحيم، يا لطيف يا حي حين لا حي.
أسألك باسمك المخزون المكنون الحي القيوم، الذي استأثرت به في علم الغيب عندك، لم تطلع عليه أحدا من خلقك.
وأسألك باسمك الذي تصور به خلقك في الأرحام كيف تشاء، وبه تسوق إليهم أرزاقهم في أطباق الظلمات، من بين العروق والعظام.
وأسألك باسمك الذي ألفت به بين قلوب أوليائك وبه ألفت بين الثلج والنار لا هذا يذيب هذا، ولا هذا يطفئ هذا.
وأسألك باسمك الذي كونت به طعم المياه، وأسألك باسمك الذي أجريت به الماء في عروق النبات بين أطباق الثرى، وسقت الماء إلى عروق الأشجار بين الصخرة الصماء.
وأسألك باسمك الذي كونت به طعم الثمار وألوانها، وأسألك باسمك الذي به تبدئ وتعيد.
وأسألك باسمك الفرد الواحد، المتفرد بالوحدانية، المتوحد بالصمدانية وأسألك باسمك الذي فجرت به الماء من الصخرة الصماء، وسقته من حيث شئت.
وأسألك باسمك الذي خلقت به خلقك، ورزقتهم كيف شئت، وكيف تشاء(٣٠) يا من لا تغيره الأيام والليالي، أدعوك بما دعاك به نوح حين ناداك، فأنجيته ومن معه وأهلكت قومه.
وأدعوك بما دعاك به إبراهيم خليلك حين ناداك، فأنجيته، وجعلت عليه النار بردا وسلاما.
وأدعوك بما دعاك به موسى كليمك حين ناداك ففرقت له البحر، فأنجيته وبني إسرائيل، وأغرقت فرعون وقومه في اليم.
وأدعوك بما دعاك به عيسى روحك حين ناداك فنجيته من أعدائه وإليك رفعته.
وأدعوك بما دعاك به حبيبك وصفيك ونبيك محمد (صلى الله عليه وآله) فاستجبت له، ومن الأحزاب نجيته، وعلى أعدائك نصرته.
وأسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت، يا من له الخلق والأمر، يا من أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا.
يا من لا تغيره الأيام والليالي ولا تتشابه عليه الأصوات، ولا تخفى عليه اللغات ولا يبرمه إلحاح الملحين أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، خيرتك من خلقك فصل عليهم بأفضل صلواتك وصل على جميع النبيين والمرسلين، الذين بلغوا عنك الهدى وعقدوا لك المواثيق بالطاعة، فصل على عبادك الصالحين.
يا من لا يخلف الميعاد، أنجز لي ما وعدتني، واجمع لي أصحابي، وصبرهم وانصرهم على أعدائك وأعداء رسولك ولا تخيب دعائي فإني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، أسير بين يديك.
سيدي أنت الذي مننت علي بهذا المقام، وتفضلت به علي دون كثير من خلقك، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تنجز لي ما وعدتني، إنك أنت الصادق، لا تخلف الميعاد، وأنت على كل شيء قدير.
- التاسع: ما نقله صاحب المستدرك(٣١) من كتاب الذكرى للشيخ الشهيد، قال: واختار ابن أبي عقيل الدعاء بما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في القنوت: اللهم إليك شخصت الأبصار، ونقلت الأقدام، ورفعت الأيدي، ومدت الأعناق وأنت دعيت بالألسن، وإليك سرهم ونجواهم في الأعمال * (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) *.
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة إمامنا، وقلة عددنا، وكثرة أعدائنا وتظاهر الأعداء علينا، ووقوع الفتن بنا، ففرج ذلك اللهم بعدل تظهره، وإمام حق نعرفه، إله الحق آمين رب العالمين.
قال: وبلغني أن الصادق (عليه السلام) كان يأمر شيعته أن يقنتوا بهذا بعد كلمات الفرج.
- العاشر: ما نقل في الكتاب المذكور، عن الشيخ الطوسي " ره " في المصباح قال:
ويستحب أن يقنت في الفجر بعد القراءة وقبل الركوع فيقول لا إله إلا الله الحليم الكريم.
وساق كلمات الفرج إلى قوله: رب العالمين، يا الله الذي ليس كمثله شئ، وهو السميع العليم، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تعجل فرجهم.
اللهم من كان أصبح وثقته ورجاؤه غيرك فأنت ثقتي ورجائي في الأمور كلها، يا أجود من سئل، ويا أرحم من استرحم، ارحم ضعفي وقلة حيلتي، وامنن علي بالجنة طولا منك، وفك رقبتي من النار وعافني في نفسي، وفي جميع أموري كلها، برحمتك يا أرحم الراحمين.
- الحادي عشر: ما ذكره الصدوق في الفقيه(٣٢) لقنوت الوتر والجمعة قال في الكتاب المذكور: قال أبو جعفر (عليه السلام): القنوت في يوم الجمعة: تمجيد الله والصلاة على نبي الله (عليه السلام)، وكلمات الفرج. ثم هذا الدعاء والقنوت في الوتر كقنوتك في يوم الجمعة، ثم تقول قبل دعائك لنفسك.
- ورواه السيد الأجل علي بن طاووس بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قنوت يوم الجمعة تقول قبل دعائك لنفسك: اللهم تم نورك، فهديت. فلك الحمد ربنا، وبسطت يدك فأعطيت، فلك الحمد ربنا وعظم حلمك فعفوت، فلك الحمد ربنا، وجهك أكرم الوجوه، وجهتك خير الجهات، وعطيتك أفضل العطيات وأهنؤها، تطاع ربنا فتشكر، وتعصى ربنا فتغفر لمن شئت، فلك الحمد، تجيب المضطر، وتكشف الضر، وتنجي من الكرب العظيم، وتقبل التوبة، وتشفي السقيم، وتعفو عن المذنب، لا يجزي بآلائك أحد، ولا يحصي نعماءك قول قائل.
اللهم إليك رفعت الأبصار، ونقلت الأقدام، ومدت الأعناق، ورفعت الأيدي ودعيت بالألسن، وإليك سرهم ونجواهم في الأعمال، ربنا اغفر لنا وارحمنا، وافتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين.
اللهم إليك نشكو فقد نبينا، وغيبة ولينا، وشدة الزمان علينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء علينا، وكثرة عدونا وقلة عددنا، فافرج ذلك يا رب عنا بفتح منك تعجله، ونصر منك تعزه، وإمام عدل تظهره، إله الحق آمين رب العالمين ثم تقول سبعين مرة: أستغفر الله ربي وأتوب إليه.
أقول: قد ذكرنا الدعاء برواية السيد الأجل لكونه أتم وأكمل.
- الثاني عشر: ما رواه السيد الأجل في كتاب(٣٣) جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع، عن مقاتل بن مقاتل(٣٤) قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام) أي شيء يقولون في قنوت صلاة الجمعة؟ قال: قلت: ما يقول الناس. فقال (عليه السلام) لي: لا تقل كما يقولون، ولكن قل: اللهم أصلح عبدك وخليفتك بما أصلحت به أنبياءك ورسلك، وحفه بملائكتك، وأيده بروح القدس من عندك، وأسلكه من بين يديه ومن خلفه رصدا يحفظونه من كل سوء، وأبدله من بعد خوفه أمنا، يعبدك لا يشرك بك شيئا، ولا تجعل لأحد من خلقك على وليك سلطانا، وائذن له في جهاد عدوك وعدوه، واجعلني من أنصاره، إنك على كل شيء قدير.
أقول: قد ظهر من الروايات المذكورة تأكد الدعاء لمولانا صاحب الزمان (عليه السلام) في مطلق القنوتات، لكونها من الحالات التي يرجى فيها استجابة الدعوات، ولا سيما قنوت الجمعة، والوتر، والفجر. وفقنا الله تعالى لذلك ورزقنا به عظيم الأجر.
ومن الحالات: التي يتأكد فيها ذلك أيضا حال السجود للخالق المعبود لأنها أقرب الحالات إلى قاضي الحاجات كما نطقت به الروايات، عن الأئمة السادات فينبغي للعبد أن يسأل فيها أهم المهمات وينبغي الاهتمام بذلك في سجدة الشكر بالخصوص التفاتا إلى ما أنعم الله به علينا ببركة مولانا صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين ونظرا إلى أن الدعاء لولي النعم، والواسطة فيها، من أهم أصناف الشكر، كما بينا في الباب السابق ويشهد لما قلناه ورود ذلك في خصوص سجدة الشكر.
- فقد ذكر في تحفة الأبرار، نقلا عن المقنعة للشيخ المفيد رحمه الله عند ذكر ما يقال فيها هذا الدعاء: اللهم إليك توجهت وبك اعتصمت وعليك توكلت.
اللهم أنت ثقتي ورجائي، فاكفني ما أهمني وما لم يهمني وما أنت أعلم به مني عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك صل على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم " الخبر ".
هذا مضافا إلى التأسي به صلوات الله وسلامه عليه، فقد ورد في صريح الأخبار أن مولانا الغائب عن الأبصار دعا لهذا الأمر في حال السجود، حين ولادته وهذا مما يدل على أهميته وتعليمه لمحبيه وشيعته.
- روى رئيس المحدثين في كتاب كمال الدين(٣٥) بإسناده عن حكيمة، في حديث طويل، إلى أن قالت: وإذا أنا بها وعليها من النور ما غشى بصري، وإذا أنا بالصبي عليه وعلى آبائه السلام ساجدا لوجهه، جاثيا على ركبتيه رافعا سبابتيه، وهو يقول: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأن جدي محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن أبي أمير المؤمنين " ثم عد إماما إماما إلى أن بلغ نفسه ثم قال (عليه السلام)، " اللهم أنجز لي ما وعدتني، وأتمم لي أمري، وثبت وطأتي، واملأ الأرض بي عدلا وقسطا ".. الخبر.
ومنها: في سجدة الشكر بعد الركعة الرابعة من صلاة الليل.
- فقد ذكر بعض علمائنا في كتاب آداب صلاة الليل، من آدابها أن يقال في السجدة بعد الركعة الرابعة: ما شاء الله مائة مرة، ثم يقال " يا رب أنت الله ما شئت من أمر يكون، فصل على محمد، وآل محمد، واجعل لي فيما تشاء، أن تعجل فرج آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وعجل فرجي وفرج إخواني، مقرونا بفرجهم وتفعل بي ما أنت أهله ".
ومنها: كل صباح ومساء ويشهد لذلك العقل، والنقل. أما الأول فلا ريب عند العاقل العارف في حسن الاهتمام بذلك أداء لبعض ما يجب مراعاته من حقوقه عليه الصلاة والسلام، وليزين به صحيفة أعمال يومه وليلته الحفظة الكرام ألا ترى العبيد والخدام كيف يحضرون عند مواليهم وساداتهم في كل صبيحة وعشية إظهارا للخدمة، وشكرا للنعمة.
فنحن أحق بذلك لأنا نعلم أن جميع ما أنعم الله عز وجل به علينا من أصناف النعم، وصنوف الإحسان، إنما هو ببركة مولانا صاحب الزمان. كما أثبتنا لك ذلك بواضح البرهان فينبغي لك أن تحضر نفسك بجميع أركان وجودك في كل صباح ومساء بحضرته، وتعلم أنك بمرأى منه ومسمع، وهو يراك، وإن لم تكن تراه، ويهتم بأمر من يحبه ويهواه.
- كما نطق بذلك كتابه(٣٦) إلى الشيخ المفيد (رضي الله عنه) حيث قال في جملة كلام له (عليه السلام): وإنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء، واصطلمكم الأعداء.. الخ، فافتح مسامع قلبك تهيأ لخدمته، وأطع أمره الذي أمرك به إجابة لدعوته، فقد أمر أولياءه بذلك، فيما قدمناه من الباب السابق بقوله (عليه السلام): وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم.. الخ، وفيما ذكرناه كفاية والله تعالى ولي الهداية.
- وأما الثاني: فلورود ذلك في دعاء مخصوص بكل صباح ومساء، عن مولانا الصادق (عليه السلام) فقد روى ثقة الإسلام الكليني رحمه الله تعالى في أصول الكافي(٣٧) بإسناده عن فرات بن الأحنف عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مهما تركت من شيء فلا تترك أن تقول في كل صباح ومساء اللهم إني أصبحت أستغفرك في هذا الصباح، وفي هذا اليوم لأهل رحمتك، وأبرأ إليك من أهل لعنتك.
اللهم إني أصبحت أبرأ إليك في هذا اليوم، وفي هذا الصباح ممن نحن بين ظهرانيهم من المشركين، ومما كانوا يعبدون، أنهم كانوا قوم سوء فاسقين.
اللهم اجعل ما أنزلت من السماء إلى الأرض في هذا الصباح وفي هذا اليوم بركة على أوليائك، وعقابا على أعدائك اللهم وال من والاك، وعاد من عاداك.
اللهم اختم لي بالأمن والإيمان، كلما طلعت شمس أو غربت.
اللهم اغفر لي ولوالدي، وارحمهما كما ربياني صغيرا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم إنك تعلم منقلبهم ومثواهم.
اللهم احفظ إمام المسلمين بحفظ الإيمان وانصره نصرا عزيزا، وافتح له فتحا يسيرا، واجعل له وليا من لدنك سلطانا نصيرا.
اللهم العن فلانا وفلانا والفرق المختلفة على رسولك، وولاة الأمر بعد رسولك والأئمة من بعده وشيعتهم، وأسألك الزيادة من فضلك والإقرار بما جاء به من عندك، والتسليم لأمرك، والمحافظة على ما أمرت به لا أبتغي به بدلا، ولا أشتري به ثمنا قليلا.
اللهم اهدني فيمن هديت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، ولا يذل من واليت تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت، تقبل مني دعائي، وما تقربت به إليك من خير فضاعفه لي أضعافا كثيرة وآتنا من لدنك أجرا عظيما رب ما أحسن ما أبليتني، وأعظم ما أعطيتني، وأطول ما عافيتني، وأكثر ما سترت علي فلك الحمد يا إلهي كثيرا طيبا مباركا عليه ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما يشاء ربي كما يحب ويرضى وكما ينبغي لوجه ربي ذي الجلال والإكرام.
أقول: ويشهد لما ذكرنا أيضا دعاء العهد، الذي يأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثامن من هذا الكتاب، ويؤيده أيضا ما مر من الدعاء للفرج بعد صلاة الصبح فتدبر، ويؤيده أيضا ما ورد من عرض الأعمال(٣٨) كل صباح ومساء على الأئمة (عليهم السلام) ودعائهم لشيعتهم في هذا الحال، فينبغي للمؤمن أيضا الاشتغال بالدعاء في حق الإمام، والروايات كثيرة مذكورة في الكافي والبصائر(٣٩) والبرهان(٤٠) وغيرها من كتب علمائنا الأعلام.
ويؤيده أيضا ما ورد من الحث على الذكر والدعاء عند الأصباح والامساء فإن ذلك الدعاء، من أفضل أصناف الدعاء، لما نبهنا عليه فيما مضى من هذا الكتاب والله الهادي إلى نهج الصواب.
ومنها: الساعة الأخيرة من كل يوم فإن النهار ينقسم إلى اثنتي عشرة قسمة وكل قسمة تسمى ساعة وكل ساعة منها منسوبة إلى واحد من الأئمة (عليهم السلام) وفيها دعاء مختص بها، في التوسل والاستشفاع بالإمام الذي تنسب تلك الساعة إليه وقد ذكرها علماؤنا الأخيار في كتبهم الموضوعة لذكر أعمال الليل والنهار وذكروا أن الساعة الأخيرة مختصة بالإمام الغائب عن الأبصار.
- وذكروا لتلك الساعة هذا الدعاء: يا من توحد بنفسه عن خلقه يا من غني عن خلقه بصنعه، يا من عرف نفسه خلقه بلطفه، يا من سلك بأهل طاعته مرضاته، يا من أعان أهل محبته على شكره، يا من من عليهم بدينه، ولطف لهم بنائله، أسألك بحق وليك الخلف الصالح بقيتك في أرضك المنتقم لك من أعدائك وأعداء رسولك، وبقية آبائه الصالحين " محمد بن الحسن " وأتضرع إليك به وأقدمه بين يدي حوائجي ورغبتي إليك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تفعل بي كذا وكذا وأن تدركني، وتنجيني مما أخاف وأحذر، وألبسني به عافيتك وعفوك، في الدنيا والآخرة، وكن له وليا وحافظا وناصرا، وقائدا، وكالئا، وساترا، حتى تسكنه أرضك طوعا، وتمتعه فيها طويلا يا أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم.
اللهم صل على محمد وآل محمد، أولي الأمر الذين أمرت بطاعتهم وأولي الأرحام الذين أمرت بصلتهم، وذوي القربى الذين أمرت بمودتهم، والموالي الذين أمرت بعرفان حقهم، وأهل البيت الذين أذهبت عنهم الرجس، وطهرتهم تطهيرا، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تفعل بي كذا وكذا(٤١).
ومنها يوم الخميس - ويشهد على الاهتمام فيه بالدعاء لتعجيل فرج مولانا عليه الصلاة والسلام ما رواه السيد في جمال الأسبوع(٤٢) قال: ومن وظائف يوم الخميس، أنه يستحب أن يصلي فيه الإنسان على النبي صلوات الله عليه وعلى آله ألف مرة ويستحب أن يقول اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم.
- قال: وفي رواية أخرى(٤٣) يقول مائة مرة وفيه فضل كثير، اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم، وأهلك عدوهم من الجن والإنس من الأولين والآخرين. انتهى.
ويشهد لما قلناه أيضا ما ورد في الأخبار من أنه يوم عرض الأعمال على النبي المختار والأئمة الأطهار، وفي بعضها أن الإمام يدعو لمواليه.
أقول: فينبغي للمؤمن أن يكافي مولاه، ويساعده في الدعاء تأسيا به، وموافقة له صلوات الله عليه، وأخبار عرض الأعمال كثيرة مذكورة في أصول الكافي(٤٤) والبصائر(٤٥) وتفسير البرهان(٤٦) وغيرها تركنا ذكرها حذرا من الإطالة.
ومنها: ليلة الجمعة يستفاد التأكيد والاهتمام بالدعاء فيها للخلف المنتظر (عليه السلام) من أمور:
أحدها: اختصاص يوم الجمعة به، لوجوه نشير إليها إن شاء الله تعالى، فينبغي في ليلتها الدعاء له صلوات الله عليه.
الثاني: إنها ليلة عرض الأعمال، بناء على رواية رواها صاحب كتاب لطائف المعارف.
- الثالث: ما ورد في بعض الكتب المعتبرة(٤٧) الإمامية أن من أعمال ليلة الجمعة أن يقال مائة مرة: اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم، وأهلك عدوهم من الجن والإنس من الأولين والآخرين.
- وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمة الله عليه في كتاب مختصر المصباح، عند ذكر وظائف ليلة الجمعة: وتقول في الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم وأهلك عدوهم، من الجن والإنس من الأولين والآخرين إما مائة مرة، أو ما تمكن منه.
الرابع: ما نقله صاحب النجم الثاقب من استحباب قراءة دعاء الندبة في ليلة الجمعة، كاستحباب قراءته في يوم الجمعة.
الخامس: الأخبار الواردة بالحث والترغيب في الدعاء ليلة الجمعة، بضميمة ما يدل على استحباب تقديم المؤمن الدعاء في حق مولاه على الدعاء في حقه.
السادس: فحوى ما ورد من الأمر بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات في تلك الليلة، فإنه (عليه السلام) أحق بذلك من جميع المؤمنين.
ومنها: يوم الجمعة في جميع ساعاته عموما، وخصوصا بعد صلاة الغداة، وعند الزوال، وعند الرواح إلى المسجد، وبعد صلاة العصر، وفي قنوت صلاة الظهر منه وفي قنوت صلاة الجمعة، وفي خطبة صلاة الجمعة، وفي آخر ساعة من يوم الجمعة ويشهد لما ذكرناه ورود الدعاء في حقه في تلك الأوقات عن الأئمة الهداة.
- أما بعد صلاة الغداة فقد روى في البحار(٤٨) دعاء طويلا قد ذكرناه في كتابنا المسمى بأبواب الجنات في آداب الجمعات وهو دعاء شريف ينبغي المداومة عليه ومحل الشاهد منه قوله " اللهم وكن لوليك في خلقك وليا وحافظا وقائدا وناصرا حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه منها(٤٩) طويلا وتجعله وذريته فيها الأئمة الوارثين واجمع له شمله وأكمل له أمره وأصلح له رعيته وثبت ركنه وأفرغ النصر(٥٠) منك عليه حتى ينتقم فيشتفي ويشفي حزازات(٥١) قلوب نغلة وحرارات صدور وغرة وحسرات أنفس ترحة، من دماء مسفوكة، وأرحام مقطوعة، وطاعة مجهولة، قد أحسنت إليه البلاء، ووسعت عليه الآلاء، وأتممت عليه النعماء، في حسن الحفظ منك له.
اللهم اكفه هول عدوه وأنسهم ذكره وأرد من أراده، وكد من كاده، وامكر بمن مكر به، واجعل دائرة السوء عليهم "، إلى آخر الدعاء وفي آخره: " اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم تقول ذلك ألف مرة إن استطعت ".
أقول قد قدمنا بشهادة الروايات، أن فرجهم (عليهم السلام) بل فرج جميع أولياء الله إنما يكون بفرجه وظهوره، صلوات الله عليه فيتم المطلوب، مضافا إلى ما قدمنا من استحباب، أن يقال بعد صلاتي الصبح والظهر في كل يوم: اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم.
وأما عند الزوال فيشهد له ما روينا في المكرمة الثالثة والعشرين وهو حديث شريف، يشتمل على دعاء خاتم النبيين والأئمة المعصومين (عليهم السلام).
وأما عند الرواح إلى المسجد فورد فيه ما يستحب أن يقال في العيدين عند الرواح، وهو مشتمل على الدعاء لمولانا القائم صلوات الله عليه، وسنذكره في محله إن شاء الله تعالى في هذا الباب.
- وأما بعد صلاة العصر فقد روى في كتاب جمال الأسبوع(٥٢) بإسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا كان يوم القيامة بعث الله تعالى الأيام ويبعث الجمعة أمامها كالعروس ذات كمال وجمال، تهدى إلى ذي دين ومال، فتقف على باب الجنة والأيام خلفها، فيشفع لكل من أكثر الصلاة فيها على محمد وآل محمد (عليهم السلام) قال ابن سنان:
فقلت كم الكثير في هذا؟ وفي أي زمان أوقات الجمعة أفضل؟ قال (عليه السلام): مائة مرة، وليكن ذلك بعد العصر.
قال: وكيف أقولها؟ قال (عليه السلام): تقول اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم مائة مرة.
ويدل على ذلك أيضا كلام السيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه) في جمال الأسبوع عند ذكر الدعاء المروي عن الشيخ الجليل، المتقدم عثمان بن سعيد رضي الله تعالى عنه وسنذكره إن شاء الله تعالى في الباب الآتي والله المستعان، وهو الهادي.
وأما في قنوت الظهر والجمعة: فقد مر ما يدل عليه في باب تأكيد ذلك في القنوت.
وأما في خطبة صلاة الجمعة فيشهد لتأكده رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر المروية في الكافي(٥٣) والوافي، فراجع وتدبر.
وأما آخر ساعة من يوم الجمعة: فيدل ورود ذلك بالخصوص في بعض الدعوات المذكورة، بعد دعاء السمات وهو مما يرجى فيه إجابة الدعوات.
- ففي جمال الصالحين ذكر هذا الدعاء: اللهم إني أسألك بحرمة هذا الدعاء وبما فات منه من الأسماء وبما يشتمل عليه من التفسير، والتدبير الذي لا يحيط به إلا أنت، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعجل فرجهم في عافية وتهلك أعداءهم في الدنيا والآخرة، وأن ترزقنا بهم خير ما نرجو وخير ما لا نرجو وتصرف بهم عنا شر ما نحذر، وشر ما لا نحذر، إنك على كل شيء قدير، وأنت أكرم الأكرمين.
- وذكر في بعض الكتب المعتبرة دعاء آخر، يدعى به بعد دعاء السمات آخر يوم الجمعة، فيه دلالة على المطلوب، وهو هذا: اللهم بحق هذا الدعاء وبحق هذه الأسماء، التي لا يعلم تفسيرها ولا يعلم باطنها غيرك، افعل بي ما أنت أهله، ولا تفعل بي ما أنا أهله، وانتقم لي من ظالمي، وعجل فرج آل محمد وهلاك أعدائهم من الجن والإنس، واغفر لي ما تقدم من ذنبي، وما تأخر ووسع علي من حلال رزقك، واكفني مؤنة إنسان سوء، وشيطان سوء إنك على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.
ويدل على تأكد الدعاء له (عليه السلام) في يوم الجمعة ورود دعاء الندبة فيه، وفي العيدين، ونذكره إن شاء الله تعالى، في الباب الآتي ولعل المتتبع في كتب الأخبار المروية عن الأئمة الأطياب يطلع على شواهد أخر لهذا الباب، والله الهادي إلى نهج الصواب.
تكميل

إعلم أن ليوم الجمعة اختصاصا وانتسابا إلى مولانا الحجة (عليه السلام) من وجوه عديدة، تقتضي الاهتمام فيه بالدعاء له (عليه السلام) قد ذكرناها في كتاب أبواب الجنات في آداب الجمعات ونشير إليها في هذا الكتاب، تذكرة لأولي الألباب:
الأول: وقوع ولادته فيه.
الثاني: انتقال الإمامة إليه.
الثالث: وقوع ظهوره فيه.
الرابع: استيلاؤه فيه على أعدائه.
الخامس: إنه يوم أخذ العهد والميثاق له ولآبائه الأطهار.
السادس: إنه يوم خصه الله تعالى بلقب القائم (عليه السلام).
السابع: إنه من جملة ألقابه الشريفة وقد ذكرنا هناك وجوها أخرى من أرادها فليرجع إلى ذلك الكتاب.
ومن الأوقات التي يتأكد فيها الدعاء له (عليه السلام) وطلب ظهوره، وفرجه صلوات الله عليه يوم النيروز، ويدل عليه رواية المعلى بن خنيس، المذكورة في البحار(٥٤) وزاد المعاد(٥٥) ويستفاد تأكد ذلك فيه من مواقع عديدة من الرواية المذكورة يعرفها المتفطن إن شاء الله تعالى فراجع وتدبر.
ومنها: يوم عرفة، ويشهد لذلك دعاء سيد الساجدين (عليه السلام) المذكور في الصحيفة ودعاء مولانا الصادق (عليه السلام)، المروي في الإقبال(٥٦) وزاد المعاد.
ومنها يوم الفطر: ويشهد لتأكد هذا الدعاء فيه وروده في الدعاء المذكور في كتاب الإقبال (ص ٢٨٣) عند إرادة الخروج إلى صلاة الفطر، أو الأضحى وسنذكره.
- والدعاء الذي يدعى به في الطريق عند الخروج إلى صلاة الفطر قال رحمه الله تعالى: فصل: فيما نذكره من الدعاء في الطرق، قال: استفتح خروجك بهذا الدعاء، إلى أن تدخل مع الإمام في الصلاة، فإن فاتك منه شيء فاقضه بعد الصلاة: اللهم إليك وجهت وجهي وساق الدعاء إلى قوله: اللهم صل على وليك المنتظر أمرك، المنتظر لفرج أوليائك، اللهم اشعب به الصدع، وارتق به الفتق وأمت به الجور، وأظهر به العدل، وزين بطول بقائه الأرض، وأيده بنصرك وانصره بالرعب، وقو ناصرهم، واخذل خاذلهم، ودمدم على من نصب لهم، ودمر على من غشهم إلى آخر الدعاء.
واستحباب دعاء الندبة فيه أيضا واشتمال الدعاء الوارد حين الخروج إلى صلاة العيد عليه.
- وما ورد(٥٧) عن الصادق (عليه السلام) أنه ما من يوم عيد فطر ولا أضحى إلا ويتجدد للأئمة (عليهم السلام) حزن، لأنهم يرون حقهم في أيدي الغاصبين.
أقول: فينبغي للمؤمن أن يلح في طلب ظهور مولاه ونصرته لرفع حزن أئمته.
ومنها: يوم الأضحى، ويدل عليه تمام ما ذكرناه في عيد الفطر.
- وأما الدعاء المأثور الذي يقال حين الخروج إلى صلاة العيد، فهو ما روي في كتاب الإقبال(٥٨) بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ادع في الجمعة والعيدين، إذا تهيأت للخروج: اللهم من تهيأ في هذا اليوم أو تعبأ، أو أعد واستعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده، وجائزته، ونوافله، فإليك يا سيدي كانت وفادتي، وتهيئتي، وإعدادي واستعدادي رجاء رفدك، وجوائزك ونوافلك.
اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وخيرتك من خلقك، وعلى أمير المؤمنين ووصي رسولك وصل يا رب على أئمة المؤمنين الحسن، والحسين، وعلي ومحمد وتسميهم إلى آخرهم حتى تنتهي إلى صاحب الزمان (عليهم السلام) وقل: اللهم افتح له فتحا يسيرا وانصره نصرا عزيزا.
اللهم أظهر به دينك وسنة رسولك، حتى لا يستخفي بشئ من الحق مخافة أحد من الخلق.
اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة اللهم ما أنكرنا(٥٩) من حق فعرفناه، وما قصرنا عنه فبلغناه.
وتدعو الله تعالى له وعلى عدوه وتسأل حاجتك ويكون آخر كلامك اللهم استجب لنا اللهم اجعلنا ممن تذكر فيه فيذكر.
ومنها: يوم دحو الأرض وهو اليوم الخامس والعشرون من شهر ذي القعدة. ويدل على الاهتمام بالدعاء فيه لمولانا صاحب الزمان ومسألة تعجيل فرجه من الخالق المنان: الدعاء المنقول في الإقبال(٦٠) وزاد المعاد(٦١) وقد اختلج بالفؤاد نكت شريفة لهذا الارتياد نذكرها تشويقا للعباد.
منها: إنه اليوم الذي وعد في مثله ظهوره صلوات الله عليه فإذا رأى المؤمن أن هذا اليوم من هذه السنة قد أتى ولما يظهر إمامه (عليه السلام) تجدد حزنه، وعظم غمه وبعثه عقله وإيمانه على الدعاء له وطلب تعجيل فرجه.
ومنها: إن في هذا اليوم تنشر الرحمة وتستجاب الدعوة: كما ورد في الرواية فالمؤمن الذي يكون إمامه أعز عليه من نفسه وأهله وولده وعشيرته يجعل خالص دعاه لكشف الكرب عن وجه مولاه.
ومنها: إن هذا يوم أنعم الله عليه، بأن دحى الأرض(٦٢) لتعيشه، وسكناه، وتلذذه، وانتفاعه بما يهواه من صنوف ما يخرج من الأرض، وما ينزل إليها، ويعيش فيها، وإذا علم أن جميع ذلك إنما هو ببركة مولاه، كما نبهنا عليه في الباب الثالث، حتم على نفسه التشكر له بالدعاء، لأنه الواسطة في تنعمه بهذه النعماء، ولم يتسامح في ذلك.
ومنها: إنه قد ورد الحث والترغيب في هذا اليوم على الاشتغال بذكر الله عز وجل ولا ريب أن الاشتغال بالدعاء في حق مولانا صاحب الزمان من أفضل مصاديق ذلك العنوان.
ومن الأوقات التي يتأكد فيها ذلك يوم عاشوراء:
- ويدل عليه الدعاء المروي في الإقبال(٦٣) والمزار وزاد المعاد(٦٤) عن الصادق (عليه السلام) رواه عبد الله بن سنان (رضي الله عنه) وأوله: اللهم عذب الفجرة الذين شاقوا رسولك. الخ، والسر في ذلك أن في مثل هذا اليوم ورد ما ورد من المصائب والبلاء على مولانا سيد الشهداء وقد وعد الله عز وجل أن ينتقم من ظالميه بمولانا القائم عجل الله فرجه، كما نطقت به الروايات فإذا تذكر المؤمن في هذا اليوم لمصائب الإمام المظلوم، وعلم أن الله تعالى قد قدر لذلك منتقما، بعثه إيمانه ووده على الدعاء، وطلب ظهور ذلك المنتقم من سلطان السماء ولذا ورد هذا السؤال في الدعاء المذكور بهذا المنوال.
ومن هنا قلنا في الباب السابق: إن الداعي لهذا الأمر الجليل يدرك به ما لا يحصي ثوابه إلا الله تعالى، وهو طلب ثار مولانا المظلوم الشهيد صلوات الله وسلامه عليه.
ومنها: ليلة النصف من شعبان لأنها مولد صاحب الزمان (عليه السلام)، فينبغي أن يشتغل بالدعاء له أهل الإيمان وقد ورد في الروايات أن هذه الليلة يستجاب فيها الدعوات.
قلت: قد بينا سابقا أن ذلك الدعاء أهم الدعوات عند ذوي العقول، فينبغي لهم أن يقدموه في أوقات الإجابة على كل مأمول ويؤيد ما قلنا إن صاحب جمال الصالحين ذكر في أدعية هذه الليلة الدعاء المأثور عن مولانا الحجة، أوله: اللهم صل على محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين.. الخ، وهو دعاء شريف، سنذكره في صدر الباب السابع، ونبين الاهتمام به في جميع المواقع.
- ويشهد لما ذكرناه أيضا الدعاء المذكور في الإقبال، وزاد المعاد أوله: اللهم بحق ليلتنا هذه ومولودها (الخ،) ومن هذه العبارة تقدر على استفادة عظمة شأن تلك الليلة، فإياك أن يذهب عمرك فيها بالغفلة، وتترك فيها الخدمة، والدعوة للذي حصل ببركة ولادته ذاك الشأن لتلك الليلة.
- وينبغي لك أن تذكر قول مولانا الصادق (عليه السلام) في حقه: ولو أدركته لخدمته أيام حياتي مضافا إلى أن ذلك من أقسام الشكر لتلك النعمة السنية أعني ولادة مولانا الحجة، ومضافا إلى أنها ليلة عرض الأعمال، على ما ورد في بعض الروايات، وهو ما روي في مستدرك الوسائل.
ومنها: يوم النصف من شعبان ويشهد للاهتمام فيه بذلك الدعاء جميع ما ذكرناه آنفا مضافا إلى أن الاشتغال في هذا اليوم وتلك الليلة أسوة به صلوات الله عليه، فإنه قد دعى لذلك الأمر حين ولادته وهو ساجد، فقال: اللهم أنجز لي وعدي، وأتمم لي أمري، وثبت وطأتي، واملأ الأرض بي عدلا وقسطا.
ومنها: جميع شهر رمضان خصوصا لياليه لأنه شهر لدعاء أفضل الدعوات ولذلك ورد الأمر، والاهتمام منه، عجل الله تعالى فرجه، بدعاء الافتتاح، في ليالي هذا الشهر، فلا تغفل عنه فإنه دعاء نفيس شريف جدا. جامع لمطالب الدنيا والآخرة.
- ويؤيد ذلك أيضا ما رواه رئيس المحدثين، شيخنا الصدوق، رحمة الله تعالى عليه، في كتاب فضائل شهر رمضان بإسناده: عن الرضا (عليه السلام)، في ذكر فضائل شهر رمضان قال:
الحسنات في شهر رمضان مقبولة، والسيئات فيه مغفورة، من قرأ في شهر رمضان آية من كتاب الله عز وجل كان كمن ختم القرآن في غيره من الشهور، ومن ضحك فيه في وجه أخيه المؤمن لم يلقه يوم القيامة إلا ضحك في وجهه وبشره بالجنة، ومن أعان فيه مؤمنا أعانه الله تعالى على الجواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام ومن كف فيه غضبه، ومن أغاث فيه ملهوفا آمنه الله من الفزع الأكبر يوم القيامة، ومن نصر فيه مظلوما، نصره الله على كل من عاداه في الدنيا، ونصره يوم القيامة عند الميزان، والحساب.
شهر رمضان: شهر البركة، وشهر الرحمة، وشهر المغفرة، وشهر التوبة والإنابة ومن لم يغفر له في شهر رمضان، ففي أي شهر يغفر له، فاسألوا الله أن يتقبل منكم فيه الصيام، ولا يجعله آخر العهد منكم، وأن يوفقكم فيه لطاعته، ويعصمكم من معصيته، إنه خير مسؤول.
أقول: قد بينا في الباب الخامس، أن الدعاء بتعجيل فرج مولانا الحجة عجل الله تعالى فرجه من أقسام الإعانة والنصرة، وقد حث على ذلك في هذا الحديث الشريف، أن يعمل به في هذا الشهر المكرم، وإعانة الإمام (عليه السلام) أفضل من سائر أصنافه وأتم.
- ويشهد لما ذكرنا من الاهتمام بذلك الدعاء في شهر الصيام أيضا، الدعاء المروي في الإقبال(٦٥) وزاد المعاد عن سيد العابدين وابنه أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أوله: اللهم هذا شهر رمضان، وفيه: أسألك.. أن تنصر وصي محمد، وخليفة محمد، والقائم بالقسط من أوصياء محمد، صلواتك عليه وعليهم، اعطف عليهم نصرك الخ.
- ويشهد لذلك أيضا ما رواه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني " ره " في كتاب الصوم من فروع الكافي(٦٦) عن محمد بن عيسى بإسناده، عن الصالحين (عليهم السلام)، قال: يكرر في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان هذا الدعاء ساجدا، وقائما، وقاعدا، وعلى كل حال وفي الشهر كله وكيف أمكنك ومتى حضرك من دهرك تقول بعد تحميد الله تبارك وتعالى والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله):
اللهم كن لوليك فلان ابن فلان في هذه الساعة، وفي كل ساعة وليا، وحافظا، وناصرا، ودليلا، وقائدا، وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا، وتمتعه فيها طويلا.
أقول: دل هذا الحديث الشريف على أن الدعاء لذاك الأمر المنيف في الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان أهم، وآكد من سائر الأزمان كما أنه في شهر الصيام أهم وآكد من سائر شهور العام، ووجهه اجتماع جهات الإجابة والإنابة والإثابة في الليلة المزبورة ونزول الملائكة والروح وانفتاح ما لا يفتح في غيرها من أبواب الفتوح بل يظهر من صريح بعض الروايات أنها ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر:
- وهو ما رواه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني (رضي الله عنه) في أصول الكافي(٦٧) في باب النوادر آخر أبواب كتاب فضل القرآن، بإسناده عن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله)، أنه قال: أنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان.
فهذا الحديث بضميمة قوله عز وجل: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * يدل على أنها ليلة ثلاث وعشرين وهذا واضح لأهل التبيين.
- وذكر المحقق النوري رحمة الله تعالى عليه في كتاب النجم الثاقب الدعاء المذكور بوجه أبسط نقلا عن كتاب المضمار تأليف سيد العلماء الأبرار، الذي ينبغي أن يقتدي به عامة أولي الأبصار السيد علي بن طاووس رحمة الله تعالى عليه وهو هذا(٦٨): اللهم كن لوليك القائم بأمرك الحجة بن الحسن المهدي عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا، وحافظا، وقائدا وناصرا، ودليلا، ومؤيدا(٦٩) حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طولا وعرضا وتجعله وذريته من الأئمة الوارثين، اللهم انصره وانتصر به واجعل النصر منك له، وعلى يده، واجعل النصر له، والفتح على وجهه، ولا توجه الأمر إلى غيره.
اللهم أظهر به دينك وسنة نبيك (صلى الله عليه وآله) حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق اللهم إني أرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، واجمع لنا خير الدارين، واقض عنا جميع ما تحب فيهما، واجعل لنا في ذلك الخيرة برحمتك ومنك في عافية آمين رب العالمين، وزدنا من فضلك، ويدك الملأى فإن كل معط ينقص من ملكه، وعطاؤك يزيد في ملكك.
ومنها الليلة السادسة من شهر الصيام:
- ويستفاد ذلك من الدعاء المنقول في الإقبال(٧٠) من كتاب محمد بن أبي قرة:
اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى. اللهم أنت الواحد القديم والآخر الدائم والرب الخالق والديان يوم الدين تفعل ما تشاء بلا مغالبة، وتعطي من تشاء بلا من وتصنع ما تشاء بلا ظلم وتداول الأيام بين الناس وتركبون طبقا عن طبق، أسألك يا ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، وأسألك يا الله، وأسألك يا رحمن، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تعجل فرج آل محمد وفرجنا بفرجهم وتقبل صومي، وأسألك خير ما أرجو وأعوذ بك من شر ما أحذر، إن أنت خذلت فبعد الحجة، وإن أنت عصمت فبتمام النعمة يا صاحب محمد يوم حنين، وصاحبه ومؤيده يوم بدر وخيبر والمواطن التي نصرت فيها نبيك عليه وآله السلام. يا مبير الجبارين ويا عاصم النبيين أسألك وأقسم عليك بحق يس، والقرآن الحكيم وبحق طه وسائر القرآن العظيم أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تحصرني عن الذنوب والخطايا وأن تزيدني في هذا الشهر العظيم تأييدا تربط به على جأشي وتسد به على خلتي اللهم إني أدرأ بك في نحور أعدائي، لا أجد لي غيرك ها أنا بين يديك، فاصنع بي ما شئت، لا يصيبني إلا ما كتبت لي. أنت حسبي ونعم الوكيل.
ومنها اليوم الثامن من شهر الصيام - ويستفاد الاهتمام بذلك من الدعاء المروي في الإقبال(٧١): اللهم إني لا أجد من أعمالي عملا أعتمد عليه وأتقرب به إليك أفضل من ولايتك، وولاية رسولك وآل رسولك الطيبين، صلواتك عليه وعليهم أجمعين.
اللهم إني أتقرب إليك بمحمد وآل محمد، وأتوجه بهم إليك، فاجعلني عندك يا إلهي بك وبهم وجيها في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، فإني قد رضيت بذلك منك تحفة وكرامة، فإنه لا تحفة ولا كرامة أفضل من رضوانك، والتنعم في دارك مع أوليائك، وأهل طاعتك، اللهم أكرمني بولايتك، واحشرني في زمرة أهل ولايتك اللهم اجعلني في ودائعك التي لا تضيع، ولا تردني خائبا بحقك وحق من أوجبت حقه عليك، وأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وتعجل فرج آل محمد وفرجي معهم، وفرج كل مؤمن ومؤمنة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ومنها الليلة الثانية عشرة منه - ويشهد للاهتمام به الدعاء المذكور في الكتاب المزبور: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وكلماتك التامة، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر فإنك لا تبيد ولا تنفد، أن تصلي على محمد وآل محمد، وتقبل مني ومن جميع المؤمنين والمؤمنات صيام شهر رمضان وقيامه، وتفك رقابنا من النار، اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعل قلبي بارا، وعملي سارا، ورزقي دارا، وحوض نبيك عليه وآله السلام لي قرارا ومستقرا وتعجل فرج آل محمد في عافية يا أرحم الراحمين.
ومنها اليوم الثالث عشر منه - وهذا دعاؤه: اللهم إني أدينك بطاعتك، وولايتك، وولاية محمد نبيك (صلى الله عليه وآله) وولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) حبيب نبيك، وولاية الحسن والحسين، سبطي نبيك، وسيدي شباب أهل جنتك، وأدينك يا رب بولاية علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي وعلي بن محمد، والحسن بن علي، وسيدي مولاي صاحب الزمان، أدينك يا رب بطاعتهم وولايتهم، وبالتسليم بما فضلتهم راضيا غير منكر، ولا متكبر، على معنى ما أنزلت في كتابك.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وادفع عن وليك وخليفتك، ولسانك، والقائم بقسطك، والمعظم لحرمتك، والمعبر عنك، والناطق بحكمك، وعينك الناظرة، وأذنك السامعة، وشاهد عبادك، وحجتك على خلقك والمجاهد في سبيلك والمجتهد في طاعتك، واجعله في وديعتك التي لا تضيع وأيده بجندك الغالب، وأعنه وأعن عنه، واجعلني ووالدي وما ولدا، وولدي من الذين ينصرونه، وينتصرون به في الدنيا والآخرة.
اشعب به صدعنا، وارتق به فتقنا، اللهم أمت به الجور، ودمدم بمن نصب له، واقصم به رؤوس الضلالة، حتى لا تدع على الأرض منهم ديارا.
ومنها: اليوم الثامن عشر: والليلة التاسعة عشرة منه، ويستفاد الاهتمام به من ملاحظة الدعوات الواردة المنقولة في الإقبال، والله المستعان في كل حال.
ومنها: اليوم الحادي والعشرون منه، خصوصا بعد أداء فريضة الصبح:
- ويدل على ذلك ما رواه السيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه) في الإقبال(٧٢) بالإسناد عن حماد بن عثمان، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، فقال لي يا حماد، اغتسلت؟ قلت: نعم جعلت فداك، فدعا بحصير، ثم قال: إلى لزقي فصل، فلم يزل يصلي، وأنا أصلي إلى لزقه، حتى فرغنا من جميع صلاتنا، ثم أخذ يدعو، وأنا أؤمن على دعائه، إلى أن اعترض الفجر فأذن، وأقام، ودعا بعض غلمانه فقمنا خلفه فتقدم وصلى بنا الغداة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وإنا أنزلناه في ليلة القدر في الأولى، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد.
فلما فرغنا من التسبيح، والتحميد، والتقديس، والثناء على الله تعالى والصلاة على رسوله (صلى الله عليه وآله)، والدعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأولين والآخرين، خر ساجدا لا أسمع منه إلا النفس، ساعة طويلة.
ثم سمعته يقول: لا إله إلا أنت مقلب القلوب والأبصار لا إله إلا أنت خالق الخلق بلا حاجة فيك إليهم، لا إله إلا أنت مبدئ الخلق لا ينقص من ملكك شيء، لا إله إلا أنت باعث من في القبور، لا إله إلا أنت مدبر الأمور، لا إله إلا أنت ديان الدين، وجبار الجبابرة، لا إله إلا أنت مجري الماء في الصخرة الصماء لا إله إلا أنت مجري الماء في النبات، لا إله إلا أنت مكون طعم الثمار لا إله إلا أنت محصي عدد القطر وما تحمله السحاب، لا إله إلا أنت محصي عدد ما تجري به الرياح في الهواء، لا إله إلا أنت محصي ما في البحار من رطب ويابس، لا إله إلا أنت محصي ما يدب في ظلمات البحار، وفي أطباق الثرى.
أسألك باسمك الذي سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، وأسألك بكل اسم سماك به أحد من خلقك، من نبي أو صديق، أو شهيد، أو أحد من ملائكتك وأسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به أعطيت وأسألك بحقك على محمد وآل محمد، وأهل بيته صلواتك عليهم وبركاتك، وبحقهم الذي أوجبته على نفسك، وأنلتهم به فضلك، أن تصلي على محمد عبدك، ورسولك الداعي إليك بإذنك، وسراجك الساطع بين عبادك في أرضك وسمائك وجعلته رحمة للعالمين ونورا استضاء به
المؤمنون، فبشرنا بجزيل ثوابك، وأنذرنا الأليم من عقابك أشهد أنه قد جاء بالحق، وصدق المرسلين، وأشهد أن الذين كذبوه ذائقو العذاب الأليم.
أسألك يا الله يا الله يا الله، يا رباه يا رباه يا رباه، يا سيدي يا سيدي يا سيدي، يا مولاي يا مولاي يا مولاي، أسألك في هذه الغداة أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تجعلني من أوفر عبادك وسائليك نصيبا، وأن تمن علي بفكاك رقبتي من النار يا أرحم الراحمين.
وأسألك بجميع ما سألتك وما لم أسألك، من عظيم جلالك ما لو علمته لسألتك به أن تصلي على محمد وأهل بيته، وأن تأذن لفرج من بفرجه فرج أوليائك وأصفيائك، من خلقك، وبه تبيد الظالمين وتهلكهم، عجل ذلك يا رب العالمين، وأعطني سؤلي يا ذا الجلال والإكرام. في جميع ما سألتك لعاجل الدنيا وآجل الآخرة، يا من هو أقرب إلي من حبل الوريد، أقلني عثرتي واقلبني بقضاء حوائجي يا خالقي، ويا رازقي، ويا باعثي، ويا محيي عظامي وهي رميم، صل على محمد وآل محمد، واستجب لي دعائي يا أرحم الراحمين.
فلما فرغ رفع رأسه، قلت: جعلت فداك وأنت تدعو بفرج من بفرجه فرج أصفياء الله وأوليائه أو لست أنت هو؟ قال (عليه السلام): لا، ذاك قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله) قلت: فهل لخروجه علامة؟
قال: نعم كسوف الشمس عند طلوعها، ثلثي ساعة من النهار، وخسوف القمر ثلاث وعشرين، وفتنة تظل أهل مصر البلاء وقطع النيل، اكتف بما بينت لك، وتوقع أمر صاحبك ليلك ونهارك، فإن الله كل يوم هو في شأن، لا يشغله شأن عن شأن، ذلك الله رب العالمين وبه تحصين أوليائه وهم له خائفون.
ومنها: بعد ذكر مصيبة سيد الشهداء (عليه السلام)، لأنه قسم من الانتصار له (عليه السلام) كما ذكرنا في الباب السابق، في المكرمة السابعة والأربعين، ويؤيد ذلك ما ذكر بعض أصدقائي الصالحين، أنه رأى مولانا الحجة (عليه السلام) في المنام، فقال ما معناه إني لأدعو لمؤمن يذكر مصيبة جدي الشهيد، ثم يدعو لي بتعجيل الفرج والتأييد.
ومنها: بعد زيارته أي زيارة مولانا صاحب الزمان (عليه السلام)، وقد صرح بذلك الشهيد في الدروس.
أقول: ويشهد لذلك ورود الدعاء له بالخصوص بعد الزيارات المأثورة، المنقولة، في الكتب المعمولة، وسنذكرها أو بعضها في الباب الثامن، إن شاء الله تعالى ويشهد لذلك العقل والعرف أيضا فإن المتعارف بين الناس الدعاء للأكابر والأعاظم حين الحضور بين أيديهم، فينبغي للمؤمن العارف بما هو المتعارف أن لا يغفل عن ذلك حين يجعل نفسه حاضرا بين يدي مولاه لزيارته خصوصا إذا علم أن ذلك موافق لميل قلبه وإرادته بمقتضى ما قدمنا رواية من التوقيع المأثور عن ناحيته(٧٣) حيث قال (عليه السلام) وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج.. الخ.
ومنها: عند البكاء من خشية الله تعالى لأنه أقرب الحالات ومظنة استجابة الدعوات فينبغي للمؤمن أن يذكر مولاه بالدعاء له أداء لبعض ما يجب عليه من حقوقه صلوات الله عليه.
- ويشهد لذلك ما روي في الوسائل(٧٤) في أبواب قواطع الصلاة، عن محمد بن علي ابن الحسين يعني الصدوق (رضي الله عنه) بإسناده عن منصور بن يونس بزرج، أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يتباكى في الصلاة المفروضة حتى يبكي فقال (عليه السلام) قرة عين والله وقال (عليه السلام): إذا كان ذلك فاذكرني عنده.
أقول: لا يخفى أن الأمر بذلك لكونه إمام زمانه، وصاحب حق عليه، فينبغي لكل مؤمن ومؤمنة العمل بذلك، بالنسبة إلى إمام زمانه أداء لحقه بجنانه ولسانه.
ومنها: عند تجدد كل نعمة، وزوال كل محنة لأنه واسطة كل نعمة وببركته يدفع عنا كل محنة وقد ذكرنا سابقا أن الدعاء في حق واسطة النعم من أقسام شكر المرغوب إليه.
ومن هنا نقول برجحان الصلاة على محمد وآل محمد (عليهم السلام) عند تجدد كل نعمة أيضا فإنهم أولياء النعم كما في الزيارة الجامعة(٧٥) والروايات المستفيضة، بل المتواترة.
ومنها: عند عروض الهم والغم، لأن من آثار الدعاء له (عليه السلام) دعاؤه في حق الداعي كما مر، فيكون دعاؤه سببا لزوال غم الداعي ولما تقدم في عدة روايات أن الإمام (عليه السلام) يحزن لحزن أوليائه، ولا ريب في دعائه لهم عند ذلك، كما أشير إليه في الرواية أيضا، فينبغي لأوليائه التأسي به في الدعاء لكشف همه وغمه مضافا إلى أنه قد يكون همه سببا لهم أوليائه كما في بعض الروايات فيتأكد لهم الدعاء له حينئذ.
ويمكن التأييد لما ذكرناه بقوله (عليه السلام) في التوقيع الذي قدمناه " وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإن ذلك فرجكم " بناء على احتمال رجوع اسم الإشارة إلى الدعاء يعني أن هذا الدعاء يكون سببا لفرجكم، واستراحتكم من كل شدة وغم إن شاء الله تعالى.
ومنها: في الشدائد والبليات، فينبغي الإكثار من الدعاء بتعجيل فرجه عند ذلك لوجوه.
الأول: إنه باعث لدعائه كما مر.
الثاني: دعاء الملائكة، فإنهم يدعون لمن يدعو في حق المؤمن الغائب، كما مر ودعاؤهم مستجاب إن شاء الله تعالى.
الثالث: قوله (عليه السلام): وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم، بناء على ما ذكرنا آنفا.
الرابع: إن الدعاء له نحو من التوسل به، صلوات الله عليه وهو وسيلة النجاة من الشدائد والبليات.
ومنها: بعد صلاة التسبيح، يعني صلاة جعفر بن أبي طالب، خصوصا إذا صليتها يوم الجمعة، ويشهد لذلك الدعاء المأثور، عن مولانا الكاظم (عليه السلام) المروي في كتاب جمال الأسبوع(٧٦) وغيره وفقنا الله وسائر المؤمنين إن شاء الله تعالى.
ومنها: قبل الدعاء لنفسك وأهلك، ويدل على ذلك ما ذكرناه في المكرمة الرابعة عشرة فراجع مضافا إلى أن ذلك مقتضى حقيقة الإيمان.
- فقد ورد في الحديث النبوي ما حاصله: إن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعز عليه من نفسه، وأهله أعز عليه من أهله، وما أهمه أهم عنده من مهمه ولا ريب في أن الدعاء بتعجيل فرج مولانا صاحب الزمان من مهام الأمور، وبه يحصل شفاء الصدور، فينبغي للمؤمن أن يبتدئ به قبل الدعاء لنفسه وأهله، رعاية لحق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهله.
ومنها: يوم الغدير لأنه اليوم الذي خص الله فيه أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين بالولاية على المؤمنين، وبخلافة خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله)، وهي الولاية التي يرثها مولانا صاحب الزمان عن آبائه المعصومين (عليهم السلام)، فإذا رأى المؤمن في هذا اليوم تسلط الغاصبين، وتغلب الظالمين واختفاء حافظ الدين بعثه إيمانه ووداده على الدعاء بتعجيل فرجه ومسألة ظهوره وسهولة مخرجه ولأنه يوم تجديد العهد المأخوذ، والميثاق المشهود، والدعاء لفرج صاحب الزمان مما يصدق ذلك العنوان.
- ويشهد لتأكد ذلك الدعاء في هذا اليوم لأهل الوداد، وروده بالخصوص في الدعاء المذكور في الإقبال(٧٧) وزاد المعاد(٧٨).
أوله: اللهم إني أسألك بحق محمد نبيك، وعلي وليك، والشأن والقدر الذي خصصتهما به دون خلقك.
وآخره: اللهم فرج عن أهل بيت محمد، واكشف عنهم، وبهم عن المؤمنين الكربات، اللهم املأ الأرض بهم عدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنجز لهم ما وعدتهم إنك لا تخلف الميعاد.
ويستحب أيضا في هذا اليوم أن تسأل الله تعالى أن يجعلك من أنصاره عجل الله تعالى فرجه، وظهوره.
- فقد ورد ذلك في دعاء شريف طويل مذكور في كتاب الإقبال(٧٩) وهذه العبارة آخر الدعاء: اللهم إني أسألك بالحق الذي جعلته عندهم وبالذي فضلتهم على العالمين جميعا، أن تبارك لنا في يومنا هذا الذي كرمتنا فيه بالوفاء بعهدك الذي عهدت إلينا، والميثاق الذي واثقتنا به من موالاة أوليائك، والبراءة من أعدائك، وتمن علينا بنعمتك وتجعله عندنا مستقرا ثابتا، ولا تسلبناه أبدا ولا تجعله عندنا مستودعا فإنك قلت * (فمستقر ومستودع) * فاجعله مستقرا ثابتا، وارزقنا نصر دينك، مع ولي هاد من أهل بيت نبيك، قائما رشيدا هاديا مهديا من الضلالة إلى الهدى، واجعلنا تحت رايته، وفي زمرته شهداء صادقين مقتولين في سبيلك، وعلى نصرة دينك. انتهى.
وقد ورد قريب من هذه العبارة في الدعاء المذكور في زاد المعاد، وفيما ذكرناه كفاية لأهل البصيرة والارتياد.
ومنها: مطلق الأوقات الشريفة والليالي والأيام المتبركة:
- ويدل على ذلك ما في مزار البحار(٨٠) بإسناده عن فيض بن المختار عن سادس الأئمة الأطهار، عليهم صلوات الملك الغفار، إنه سئل عن زيارة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فقيل: هل في ذلك وقت هو أفضل من وقت؟ فقال (عليه السلام) زوروه صلى الله عليه في كل وقت، وفي كل حين، فإن زيارته خير موضوع، فمن أكثر منها فقد استكثر من الخير، ومن قلل قلل له، وتحروا بزيارتكم الأوقات الشريفة، فإن الأعمال الصالحة فيها مضاعفة، وهي أوقات تهبط الملائكة لزيارته، الحديث.
أقول: محل الشاهد قوله (عليه السلام): فإن الأعمال الصالحة فيها مضاعفة إذ لا ريب في أن الدعاء من أفضل العبادات، ولا سيما الدعاء المذكور، أعني مسألة تعجيل الفرج والظهور، لإمامنا المظلوم المستور، وما ذكرناه واضح كالنور، على شاهق الطور.
ومنها: إذا حضرت مجالس المخالفين وغاصبي حقوق الأئمة الطاهرين.
- لما روي في كامل الزيارة في باب زيارات الحسين (عليه السلام) أن يونس بن ظبيان قال لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، إني أحضر مجالس هؤلاء القوم، يعني ولد س ا ب ع، فما أقول؟
قال (عليه السلام) إذا حضرتهم وذكرتنا فقل: اللهم أرنا الرخاء والسرور فإنك تأتي على كل ما تريد " الخ " إذ لا يخفى أن هذا دعاء لحصول الفرج وظهور الدولة الحقة، وهو دعاء جامع كما نبه عليه بقوله (عليه السلام) فإنك تأتي على كل ما تريد.
ثم لا يخفى أن الدعاء بهذه العبارة لمكان التقية، فلا خصوصية لها بل يستفاد منها محبوبية الدعاء لفرجهم، والاهتمام به عند حضور مجالس المخالفين بكل ما تيسر للمؤمن من كيفيات الدعاء لحصول فرجهم، وظهور دولتهم: التي وعدها الله عز وجل بمنه وكرمه إنه قريب مجيب.
ومنها: أن يداوم بالدعاء للفرج أربعين يوما فإن للمداومة بكل عبادة أربعين يوما أثرا خاصا وفوائد مخصوصة ولذلك ورد الترغيب بذلك في الأخبار المأثورة عن الأئمة (عليهم السلام) عموما وخصوصا:
- أما الأول فالحديث النبوي المعروف المروي في عدة من الكتب المعتبرة(٨١) من أخلص لله أربعين صباحا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه انتهى.
وورد بهذا المضمون أو قريب منه روايات عديدة.
- وأما الثاني فهو ما روي في البحار(٨٢) عن تفسير العياشي عن الفضل بن أبي قرة قال:
سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول أوحى الله إلى إبراهيم أنه سيولد لك فقال لسارة فقالت: أألد وأنا عجوز فأوحى الله إليه أنها ستلد ويعذب أولادها أربعمائة سنة بردها الكلام علي قال فلما طال على بني إسرائيل العذاب ضجوا وبكوا إلى الله أربعين صباحا فأوحى الله إلى موسى وهارون أن يخلصهم من فرعون، فحط عنهم سبعين ومائة سنة.
قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام) هكذا أنتم لو فعلتم لفرج الله عنا فأما إذا لم تكونوا فإن الأمر ينتهي إلى منتهاه، انتهى.
أقول: قد مر ما يتعلق بشرح هذا الحديث في الباب السابق، ويدل على المقصود أيضا الترغيب بقراءة دعاء العهد، المروي(٨٣) عن الصادق (عليه السلام) أربعين صباحا فلا تغفل.
ومنها: شهر المحرم، وكل يوم وقع فيه ظلم من الأعداء على الأئمة النقباء فإن إيمان المؤمن ووده لهم وحزنه عليهم يبعثه على المطالبة بذحولهم، وأوتارهم، وظلامتهم وذلك لا يتيسر في مثل هذه الأزمان إلا بمسألة تعجيل ظهور مولانا صاحب الزمان كما لا يخفى.
تتميم نفعه عميم

إعلم أنه كما يتأكد الدعاء بتعجيل فرج مولانا الحجة (عليه السلام) في أزمنة مخصوصة كذلك يتأكد في أمكنة مخصوصة إما للتأسي به (عليه السلام) أو لرواية ذلك عن الأئمة الكرام أو لاعتبارات عقلية مقبولة عند أولي الأفهام.
فمنها: المسجد الحرام، ويشهد لذلك مضافا إلى أنه من مظان الإجابة فينبغي الاهتمام فيه بما علم أهميته عند الله عز وجل، وعند أوليائه، وعرف أعمية نفعه لأحبائه: دعاؤه لذلك في ذاك المقام.
- فقد روى الشيخ الصدوق في كمال الدين(٨٤) قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري (رضي الله عنه) قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) فقلت له أرأيت صاحب هذه الأمر؟ فقال نعم وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام، وهو يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني.
- وقال الصدوق أيضا(٨٥) حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: سمعت محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) يقول: رأيته صلوات الله عليه متعلقا بأستار الكعبة في المستجار، وهو يقول: اللهم انتقم لي من أعدائي.
ومنها: عرفات، في محل الوقوف ويدل على ذلك وروده في الدعاء المروي عن الصادق (عليه السلام)، في ذلك المقام والدعاء مذكور في زاد المعاد(٨٦) فليرجع إليه أخيار العباد.
ومنها: السرداب يعني سرداب الغيبة في سامراء ويشهد للاهتمام بالدعاء هناك ما ورد في كتب الزيارات، ولعلنا نذكر بعضها في الباب الثامن إن شاء الله تعالى.
ومنها: المقامات المنسوبة إليه ومشاهده ومواقفه المباركة بيمن وقوفه (عليه السلام) فيها كمسجد الكوفة ومسجد السهلة، ومسجد صعصعة، ومسجد جمكران وغيرها لأن عادة أهل المودة جارية على أنهم إذا شهدوا موقفا من مواقف محبوبهم تذكروا لأخلاقه وتألموا لفراقه، ودعوا في حقه، بل يأنسون بمواقفه ومنزله حبا له كما قيل:

أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا

وقيل أيضا في هذا المعنى:

ومن مذهبي حب الديار لأهلها * وللناس فيما يعشقون مذاهب

فينبغي للمؤمن المخلص إذا دخل السرداب المبارك أو شهد موقفا من مواقفه الكريمة المشرفة، أن يتذكر صفات مولاه، من صفات الجمال، والجلال، والكمال وما هو فيه من بغي أهل العناد والضلال، ويتفجع غاية التفجع من تصور تلك الأحوال ويسأل من القادر المتعال، أن يسهل فرج مولاه، ويعطيه ما يتمناه، من دفع الأعداء ونصر الأولياء.
هذا: مضافا إلى أن المقامات المذكورة مواقف عبادته ودعائه (عليه السلام)، فينبغي للمؤمن المحب التأسي به في ذلك، فإن الدعاء بتعجيل فرجه، وكشف الكرب عن وجهه من أفضل العبادات وأهم الدعوات.
ومنها حرم مولانا الشهيد المظلوم أبي عبد الله (عليه السلام) لأن المؤمن إذا تصور في حرمه الشريف ما وقع عليه وعلى أهله من أنواع الظلم والمصائب وعلم أن الطالب بدمه والمنتقم من أعدائه وظالميه، مولانا الصاحب بعثه عقله وحبه إلى الدعاء بتعجيل فرجه وظهوره دعاء المحب الراغب.
- ويشهد لذلك ما في رواية أبي حمزة الثمالي المروية في كامل الزيارات(٨٧) في الباب التاسع والسبعين عن الصادق (عليه السلام) حيث قال في موضع من تلك الزيارة بعد الصلاة على الحسين صلوات الله عليه: وتصلي على الأئمة (عليهم السلام) كلهم، كما صليت على الحسين (عليه السلام) وتقول اللهم أتمم بهم كلماتك وأنجز بهم وعدك (الخ).
وفي موضع آخر(٨٨) منها قال (عليه السلام) ثم ضع خدك عليه وتقول اللهم رب الحسين اشف صدر الحسين اللهم رب الحسين أطلب بدم الحسين (عليه السلام) الخ.
ووجه الدلالة واضح لأن مولانا الحجة (عليه السلام) هو الذي يطلب بدم الحسين (عليه السلام) ويشفي صدره بالانتقام من أعدائه.
ومنها حرم مولانا الرضا (عليه السلام) لورود ذلك في الزيارة المروية في كامل الزيارات.
- ففيها(٨٩) بعد الصلاة على كل واحد من الأئمة (عليهم السلام) اللهم صل على حجتك ووليك القائم في خلقك صلاة تامة باقية تعجل بها فرجه وتنصره بها " الخ ".
ومنها: حرم العسكريين (عليهما السلام) بسر من رأى - ويشهد له ما ورد في زيارة مذكورة لهما في الكتاب المذكور: اللهم عجل فرج وليك وابن وليك واجعل فرجنا مع فرجهم يا أرحم الراحمين.
ومنها مشهد كل واحد من الأئمة (عليهم السلام) لأنه من أفضل ما يتقرب به إليهم، ويسرهم ويزلف لديهم ويشهد لذلك ما ورد في كامل الزيارات(٩٠) في باب الزيارة لجميع الأئمة (عليهم السلام) فراجع. بل يمكن أن يقال إن هذا الدعاء من أهم وظائف الأنام، في كل مكان له خصوصية واحترام قال الله تعالى شأنه * (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) * الآية فإن ذلك الدعاء من أفضل الأذكار، وأحبها عند أولي الأبصار وأهمها عند أهل الاعتبار فينبغي الاهتمام به في آناء الليل وأطراف النهار.

في ذكر شروط وآداب الدعاء لمولانا الغائب (عليه السلام)

الباب السابع من الكتاب يشتمل على ثلاثة مقاصد

المقصد الأول

في ذكر مطالب ينبغي التنبيه عليها قبل الشروع في المقصود وهي أمور:
الأول: إعلم أن الفوز بجميع الفوائد والمثوبات المذكورة في الباب الخامس يتوقف على المداومة والاكثار من الدعاء، بتعجيل مولانا الغائب عن الأبصار. لأن جملة من الفوائد المذكورة، إنما تترتب على امتثال أمره المطاع الأعلى في التوقيع الشريف الذي مر ذكره " وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج " الخ، فراجع وتدبر.
الثاني: ينبغي ويؤكد للداعي تهذيب النفس عما يمنع عن قبول العبادة من الصفات الردية، والملكات المردية، والأعمال الموبقة كحب الدنيا الدنية، والكبر، والحسد، والغيبة والنميمة، وغيرها لأن الدعاء من أفضل العبادات الشرعية، خصوصا الدعاء لمولانا الحجة بالفرج، والظهور والعافية، ويجب أن تكون نيته في الدعاء خالصة عن جميع الشوائب النفسانية، والأهوية الشيطانية فإن تخليص القصد من أهم ما يجب على الإنسان مراعاته كما دلت على ذلك من القرآن آياته وتواتر عليه من قول النبي (صلى الله عليه وآله) رواياته وفقنا الله وسائر المؤمنين إن شاء الله تعالى.
الثالث: يتوقف كمال المثوبات والمكارم المذكورة على تحصيل التقوى، لقوله تعالى * (إنما يتقبل الله من المتقين) * فكما أن للتقوى درجات فللقبول أيضا درجات فمن كانت التقوى فيه أقوى، فالمكارم الحاصلة له من ذلك الدعاء أكمل، وأجلى. وكذا الحال في سائر العبادات الشرعية من أقسامها الفرضية، والنفلية.
وإنما قلنا: يتوقف كمال المثوبات على ذلك لأن الظاهر من جملة من الآيات كقوله تعالى * (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا)(٩١) *وقوله تعالى: * (إن الله لا يضيع أجر المحسنين)(٩٢) *
وقوله تعالى * (إن الله لا يضيع عمل عامل منكم)(٩٣) * وقوله تعالى * (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون)(٩٤) * ونحوها ترتب الثواب على الأعمال الصالحة، وإن كان العامل مذنبا فمقتضى الجمع بشهادة الروايات الكثيرة ترتب كمال الثواب على التقوى، ولبسط الكلام مقام آخر.
الرابع: قد ظهر من مطاوي كلماتنا فيما سبق، ترتب المثوبات والمكارم المذكورة على إكثار الدعاء له (عليه السلام)، بتعجيل الفرج والظهور، سواء كان بالفارسية أم العربية أم غيرها من اللغات والألسنة، لإطلاق الأدلة، والروايات المأثورة المذكورة كقوله (عليه السلام): وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، وقول العسكري (عليه السلام): ووفقه للدعاء بتعجيل فرجه، وغيرها.
الخامس: إنه لا فرق في ذلك بين النظم والنثر، وكذا لا فرق بين أن يكون عبارة الدعاء من منشآت الداعي أو غيره لعين ما مر.
السادس: يجوز تأليف الدعاء باللغة العربية للعارف باللسان وبكيفية الدعاء للأصل وللعمومات والاطلاقات الآمرة بالدعاء، من غير تخصيص بلغة من اللغات، أو نحو من الأنحاء.
- ويؤيد ذلك ما روي في التاسع عشر من البحار(٩٥) نقلا عن خط الشهيد (رضي الله عنه) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الدعاء يرد البلاء، وقد أبرم إبراما.
قال الوشاء: فقلت لعبد الله بن سنان، هل في ذلك دعاء موقت؟ فقال: أما إني سألت الصادق (عليه السلام) فقال (عليه السلام): نعم أما دعاء الشيعة المستضعفين ففي كل علة من العلل دعاء موقت وأما المستبصرون البالغون فدعاؤهم لا يحجب (انتهى).
- ويشهد لما ذكرنا أيضا ما روي في الكافي(٩٦) والتهذيب والوسائل(٩٧) مسندا عن إسماعيل بن الفضل قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت وما يقال فيه قال: ما قضى الله على لسانك، ولا أعلم فيه شيئا موقتا. انتهى إذ لا فرق بين القنوت وغيره ويشهد لذلك روايات أخر تركناها اختصارا.
- فإن قلت: قد روي في الكافي(٩٨) والفقيه عن عبد الرحيم القصير، قال: دخلت، على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقلت: جعلت فداك، إني اخترعت دعاء قال (عليه السلام) دعني من اختراعك إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وصل ركعتين تهديهما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). الحديث.
فقد أمر الصادق (عليه السلام) بترك الدعاء المخترع.
قلت: إن هذا الأمر ليس على سبيل الحتم والالزام، بقرينة ما تقدم من الأدلة على جواز الدعاء بكل نحو من الكلام بل المراد بيان الأفضل وهو ما أخذ عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، فإن أفضلية الدعوات المأثورة عنهم مما لا ريب فيه، ولا كلام لأنهم العارفون بصفات الخالق المتعال، وكيفية المسألة والمناجاة والتذلل له عز وجل وما ورد عنهم آكد تأثيرا، وأسرع إجابة البتة، ومنهم تعلمت الملائكة التسبيح والتقديس، كما ورد في الحديث.
السابع: هل يكفي إخطار الدعاء بالجنان من دون إظهار باللسان؟ الظاهر عدم الكفاية، لعدم صدق العنوان عند أهل العرف واللسان.
- فإن قلت: قد روى في أصول الكافي(٩٩) بسند صحيح عن زرارة عن أحدهما، يعني الباقرين (عليهما السلام)، قال: لا يكتب الملك إلا ما سمع وقال الله عز وجل * (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة) * فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غير الله عز وجل لعظمته انتهى.
فكما أن الذكر بالقلب يكون ذكرا ويثاب عليه فكذلك الدعاء لأنه من أقسام الذكر.
قلت: الدعاء أخص من الذكر ولما كان الذكر مقابلا للغفلة والذهول، صدق على الذاكر بالقلب، أنه ذاكر لله تعالى، والدعاء مقابل للسكوت، فلا يصدق إلا بإجرائه على اللسان. كما نبهنا عليه في أول العنوان.
الثامن: قال الشيخ الكبير في كشف الغطاء: الدعاء قائما أفضل من الجلوس والجلوس من الاضطجاع.
التاسع: قد تقدم أن الدعاء بما روي عن الأئمة المعصومين أفضل وأولى، لما سبق في الأمر السادس، مضافا إلى ما ورد في الآيات والروايات، من الأمر باتباعهم، وأخذ العلم وكيفية الطاعة والعبادة عنهم كقول الله تعالى * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * وقوله تعالى
* (فاسألوا أهل الذكر) * لأن الذكر هو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لقوله تعالى شأنه * (إنا أرسلنا إليكم ذكرا رسولا شاهدا عليكم) * الخ.
فأهل بيته المعصومون هم أهل الذكر، كما ورد تفسيره بهم، صلوات الله عليهم أجمعين في روايات عديدة مذكورة في محلها، ومضافا إلى الأمر بقراءة الأدعية المروية عنهم، والمثوبات الموعودة المترتبة عليها المضبوطة في كتب الدعوات، ومضافا إلى ذكرهم ونقلهم الأدعية الواردة عن كل واحد، ليعرف المؤمنون، ويعملوا عليها وغير ذلك من الشواهد التي توجب القطع بأفضلية الدعوات المأثورة عنهم على غيرها مضافا إلى أن شرف الكلام بقدر شرف المتكلم، ولهذا قيل إن كلام الملوك ملوك الكلام.
والحاصل أن تقدم اختيار ما ورد عنهم من الأدعية على الدعاء الذي يؤلفه الشخص بسليقته ولسانه مما لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه، لكن قد ورد حديثان يوهم ظاهرهما خلاف ذلك فلا بد من توجيههما رواهما المحدث العاملي في الوسائل(١٠٠).
- أحدهما عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) علمني دعاء فقال إن أفضل الدعاء ما جرى على لسانك.
- والثاني من كتاب عبد الله بن حماد الأنصاري، بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنه سأله سائل أن يعلمه دعاء فقال إن أفضل الدعاء ما جرى على لسانك.
أقول: يحتمل أن يكون ذلك السائل زرارة وهذا الراوي نقل سؤاله، وعلى كل حال، يحتمل كل منهما وجوها.
أحدها: أن يكون المراد بما جرى على اللسان ذكر فضائل الأئمة، ورواية أحاديثهم، ونشر أحكام الشريعة عنهم، ومجادلة أعدائهم، والاحتجاج عليهم، فإنها أفضل من الدعاء، لما فيه من إبقاء آثار الدين وإعلاء أعلام اليقين، ودعوة الناس إلى اتباع سيد المرسلين، ومنافع ذلك عامة، بالنسبة إلى سائر الخلق.
- ويشهد لذلك ما روى في أصول الكافي(١٠١) بإسناده عن معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ولعل عابدا من شيعتكم ليست له هذه الرواية أيهما أفضل؟ قال (عليه السلام) الراوية لحديثنا، يشد به في قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد. انتهى ولما كان زرارة أهلا لذلك أمره به وبين أنه أفضل مما سأله.
والحاصل أن الدعاء بالمعنى اللغوي قسمان أحدهما نداء الله تعالى للسؤال منه عز وجل.
والثاني نداء الخلق لدعوتهم، وهدايتهم إلى الله عز وجل فهما فردان للدعاء والراوي لما سأله (عليه السلام) من القسم الأول، وكان من أهل القسم الثاني، حثه عليه وبين له أنه أفضل بقوله (عليه السلام) أفضل الدعاء ما جرى على لسانك وهذا وجه لطيف يظهر للمتدرب المأنوس بكلماتهم، عليهم الصلاة والسلام.
الوجه الثاني: أن يكون المراد بالدعاء ما هو المتداول المعهود، المروي عنهم (عليهم السلام)، يعني أن الأفضل اختيار ما جرى على لسانك من الدعوات المأثورة لأن ذلك إنما يكون بسبب أمر قلبي زمامه بيد الله عز وجل.
الوجه الثالث: أن يكون المراد بما جرى من الدعاء على اللسان ما يكون مقترنا بالخضوع، وحضور القلب فإنه أفضل من الدعاء بغير هذا الحال، وإن كان مأثورا عنهم (عليهم السلام).
فالغرض من هذا الكلام: التنبيه على أن المهم حضور القلب والتوجه التام إلى الملك العلام فإنه المقصود الأصلي من الدعاء، ولما كان الجريان على اللسان ناشئا عما في الجنان، بين المطلب بهذا العنوان، والحاصل أن النسبة بين الدعاء وحضور القلب عموم من وجه، فقد يجتمعان وقد يفترقان، والمطلوب هو الاجتماع سواء كان في الدعاء بالمأثور أم بغير المأثور.
وهذا لا يدل على أفضلية الدعاء بغير المأثور، بل يدل على أفضلية الدعاء المقرون بالخضوع وحضور القلب بأي لفظ كان(١٠٢).
العاشر: يجب الترتيب في الأدعية المنقولة عنهم (عليهم السلام) لأنها توقيفية كسائر العبادات فمخالفة الترتيب المأثور عنهم بقصد الورود بدعة بلا شبهة لكن قراءة بعض فقراتها بقصد مطلق الدعاء لا ضير فيه للأصل ولعمومات الأمر بالدعاء كما لا يخفى.
الحادي عشر: قد ظهر مما ذكرنا آنفا أنه لا يجوز الزيادة في الدعوات المروية بقصد الورود لأنها تشريع وأما الزيادة بقصد مطلق الذكر ففيها وجهان:
أحدهما: الجواز لما ورد في روايات عديدة أن ذكر الله حسن في كل حال وقد جوزوا ذلك في الصلاة أيضا نظرا إلى ذلك، فالأمر في الدعاء أسهل.
- والثاني المنع لما روي في أصول الكافي(١٠٣) مسندا بسند معتبر كالصحيح عن العلاء ابن كامل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: * (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول) * عند المساء: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، ويميت ويحيي، وهو على كل شيء قدير. قال: قلت: بيده الخير قال (عليه السلام) بيده الخير، ولكن قل كما أقول لك عشر مرات، وأعوذ بالله السميع العليم حين تطلع الشمس، وحين تغرب عشر مرات. فإن ترك الاستفصال في هذا الحديث خصوصا بملاحظة ورود كلمة بيده الخير في ذلك التهليل في عدة روايات مروية في الكتاب المذكور، يدل على لزوم متابعتهم (عليهم السلام) في الدعوات والأذكار المأثورة عنهم من غير زيادة ونقصان فإنهم أهل الذكر، الذين أمرنا بالسؤال عنهم واقتفاء آثارهم وهو (عليه السلام) لم يستفصل بين أن يقوله بقصد الورود أو بقصد مطلق الذكر.
- ويدل على ذلك أيضا ما روى في كمال الدين(١٠٤) عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق. قلت: كيف دعاء الغريق؟ قال: يقول يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقلت: " يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك " قال: إن الله عز وجل مقلب القلوب والأبصار ولكن قل كما أقول لك، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
- وفي الوسائل(١٠٥) عن الخصال بإسناده عن إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) * فقال (عليه السلام) فريضة على كل مسلم أن يقول قبل طلوع الشمس عشر مرات وقبل غروبها عشر مرات لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير قال: فقلت لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي فقال (عليه السلام): يا هذا لا شك في أن الله يحيي ويميت، ويميت ويحيي ولكن قل كما أقول.
أقول: يمكن الجمع بين الوجهين بأن يقال إن لكل دعاء وذكر أثرا خاصا كالأدوية والعقاقير لكن لا يحصل الأثر المقصود منها إلا بالترتيب والتركيب المأخوذ عن الطبيب الحاذق، وإن كان لها أثر أيضا بغير ذلك الترتيب فكذلك الدعوات والأذكار لا يحصل الأثر الخاص منها إلا بمراعاة الكيفية الخاصة المأثورة عن الأئمة الطاهرين الذين هم أطباء النفوس ولذلك قال (عليه السلام) إن الله مقلب القلوب والأبصار ولكن قل كما أقول لك وعلى هذا يكون الأمر إرشاديا فلا ينافي أدلة الجواز فتدبر، أو يحمل على الأفضل كما هو المقرر في أدلة المندوبات لو قلنا بكون الأمر مولويا.
الثاني عشر: هل يجوز التكلم في أثناء الدعوات المأثورة للأصل وهل ينافي ذلك الأثر المطلوب أم لا؟ الظاهر أنه إذا كان بمقدار لا ينافي صدق الاشتغال عرفا، لم يضر بالمقصود وإلا فالوجه الاستئناف لأن الأوامر الواردة بالدعوات المنقولة غير مقيدة بالسكوت، وعدم التكلم في أثنائها فتحمل على ما هو المتعارف، لكن لا ريب في منافاته للكمال فينبغي مراعاة ما يقتضيه في كل حال.
ومن هنا: ظهر أنه لو نذر ترك التكلم في أثناء الدعاء انعقد نذره لرجحان ذلك كما لا يخفى.
الثالث عشر: يجوز قطع الدعاء للأصل.
وإن قلت: إن قوله تعالى: * (لا تبطلوا أعمالكم) * يدل على عدم الجواز.
قلنا: يحتمل أن يكون المراد النهي عن إبطال العمل التام، بأن يأتي العامل بعد إتمام فعله بما يوجب فساده، كالعجب، والإيذاء والشرك وسائر ما يحبط أثر العبادة ومن هذا القبيل قوله تعالى * (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)(١٠٦) *(ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك)(١٠٧) *.
ويحتمل أن يكون المراد النهي عن إيجاد العمل على وجه باطل، من قبيل ضيق فم الركية، يعني أوجده ضيقا، وأجلسته أي جعلته جالسا وأوسعت الدار أي بنيتها واسعة، ويحتمل أن يكون المراد: لا تقطعوا أعمالكم، والظاهر كما ذكره بعض الأساطين هو الاحتمال الأول وإن أبيت عن ذلك، وقلت بتساوي الاحتمالات سقط الاستدلال أيضا وبقي الأصل سليما فتدبر.
الرابع عشر: يستحب رفع الصوت بالدعاء لتعجيل فرج خاتم الأوصياء (عليه السلام) ولا سيما في المجالس المعدة للدعاء لأن ذلك من تعظيم شعائر الله وشعائر الله معالمه، وعلامات دينه * (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) *.
- ولقول الإمام (عليه السلام) في دعاء الندبة: إلى متى أجأر فيك يا مولاي، وإلى متى. في القاموس جأر كمنع جأرا وجؤرا رفع صوته بالدعاء، وتضرع واستغاث وفي المجمع قوله تعالى * (وإليه تجأرون) * أي ترفعون أصواتكم بالدعاء يقال جأر القوم إلى الله جؤرا: إذا دعوا إليه وعجوا برفع أصواتهم.
- ومنه الحديث كأني أنظر إلى موسى (عليه السلام) له جؤر إلى ربه بالتلبية، يريد الاستغاثة ورفع الصوت.
- الخامس عشر: يستحب الاجتماع في الدعاء لما روي في أصول الكافي(١٠٨) بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من رهط أربعين رجلا اجتمعوا فدعوا الله عز وجل في الأمر إلا استجاب لهم فإن لم يكونوا أربعين فأربعة يدعون الله عز وجل عشر مرات إلا استجاب لهم، فإن لم يكونوا أربعة فواحد يدعو الله أربعين مرة، فيستجيب الله العزيز الجبار له.
- وفيه(١٠٩) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: كان أبي إذا أحزنه أمر جمع النساء والصبيان ثم دعا وأمنوا.
السادس عشر: يجوز بل يستحب إهداء ثواب الدعاء له (عليه السلام) إلى الأموات لعموم ما ورد في الإهداء إليهم كما أنه يجوز بل يستحب النيابة عنهم في ذلك كسائر الأعمال المندوبة، بأن يدعو المؤمن في حق مولاه صاحب الزمان (عليه السلام) ويسأل من الله عز وجل اسمه تعجيل فرجه وظهوره بقصد النيابة عن والديه، أو سائر أمواته، بل أموات المؤمنين والمؤمنات.
ويدل على المقصود عموما وخصوصا عدة روايات:
- منها في الوسائل(١١٠) عن حماد بن عثمان، في كتابه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من عمل من المؤمنين عن ميت عملا أضعف الله له أجره وينعم به الميت.
- وعن(١١١) عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من عمل من المؤمنين عن ميت عملا صالحا أضعف الله أجره، وينعم بذلك الميت.
- وعن(١١٢) حماد بن عثمان عن الصادق (عليه السلام) قال: إن الصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة وكل عمل صالح ينفع الميت، حتى أن الميت يكون في ضيق فيوسع عليه، ويقال:
هذا بعمل ابنك فلان، وبعمل أخيك فلان.
- وعن(١١٣) هشام بن سالم وهو من رجال الصادق والكاظم (عليهما السلام)، قال: قلت له: يصل إلى الميت الدعاء والصدقة والصوم ونحوها؟ قال: نعم قلت: ويعلم من يصنع ذلك به؟ قال:
نعم. ثم قال: يكون مسخوطا عليه فيرضى عنه.
- وعن(١١٤) العلاء بن رزين عن الصادق (عليه السلام) قال: " يقضى عن الميت الحج والصوم والعتق وفعال الخير ".
- وعن(١١٥) البزنطي عن الرضا (عليه السلام) قال: يقضى عن الميت الصوم والحج والعتق وفعله الحسن.
- وعن صاحب الفاخر قال: مما أجمع عليه وصح من قول الأئمة (عليهم السلام) يقضى عن الميت أعماله الحسنة كلها إلى غير ذلك من الأخبار التي تركنا ذكرها للاختصار.
- ويشهد لذلك أيضا ما ورد في الدعاء " اللهم بلغ مولاي صاحب الزمان (عليه السلام) عن جميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها " إلى آخره.
السابع عشر: يجوز بل يستحب النيابة في ذلك العمل المبارك عن الأحياء " أيضا " خصوصا الوالدين وذوي القرابة ويدل على ذلك تصريحا أو تلويحا روايات:
- منها في الوسائل(١١٦) عن علي بن أبي حمزة قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): أحج وأصلي وأتصدق عن الأحياء والأموات من قرابتي وأصحابي؟ قال: نعم تصدق عنه وصل عنه ولك أجر بصلتك إياه.
قال ابن طاووس " ره " فيما حكى عنه بعد نقل الحديث: يحمل في الحي على ما تصح فيه النيابة، انتهى.
- وعن(١١٧) محمد بن مروان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين؟ يصلي عنهما ويتصدق عنهما ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيرا كثيرا " قال " في الوسائل(١١٨) الصلاة في الحي مخصوص بصلاة الطواف والزيارة لما يأتي " انتهى ".
- أقول: الظاهر أن غرضه مما يأتي خبر(١١٩) عبد الله بن جندب قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن الرجل يريد أن يجعل أعماله من البر والصلاة والخير أثلاثا ثلثا له وثلثين لأبويه أو يفردهما من أعماله بشيء مما يتطوع به، وإن كان أحدهما حيا والآخر ميتا، فكتب إلي أما الميت فحسن جائز وأما الحي فلا إلا البر والصلة انتهى.
وليس غرضنا الآن بيان جواز النيابة عن الأحياء في الصلوات المندوبة وعدمه فإن لتحقيقه محلا آخر، بل غرضنا الآن بيان رجحان النيابة عن أحياء المؤمنين وأمواتهم في الدعاء في حق مولانا صاحب الزمان، وبتعجيل فرجه وظهوره، والحديث المذكور دال على ذلك، لأن الدعاء في حق مولانا (عليه السلام) من أفضل أفراد البر بلا كلام، وقد دل الخبر على حسن النيابة، ولو عن الحي في البر والصلة وكذا خبر محمد بن مروان دل على حسن بر الوالدين حيين أو ميتين.
والظاهر أن ذكر الصلاة والتصدق والحج من باب المثال. فمن ملاحظة جميع ما ذكرناه بضميمة قوله في دعاء العهد: اللهم بلغ مولاي صاحب الزمان (عليه السلام) عن جميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وسهلها وجبلها حيهم وميتهم، وعن والدي، وولدي وعني من الصلوات والتحيات إلى آخره وبضميمة ما ورد من النيابة عن الأحياء في الزيارات، ودعواتها والحج، والطواف ونحوها، تحصل حسن النيابة في الدعاء لمولانا صاحب الزمان (عليه السلام) وقراءة الدعوات المأثورة في حقه بل سائر أصناف الدعوات عن أحياء المؤمنين والمؤمنات، ولا سيما ذوي الحقوق والقرابات كما ثبت رجحان النيابة في ذلك كله عن الأموات وبذلك يدرك الحي والميت والنائب والمنوب عنه أزواجا من الفوائد والمثوبات.
فإن قلت: إن حديث عبد الله بن جندب ليس صريحا في النيابة بل يحتمل أن يكون المراد فيه إهداء ثواب البر والصلة والصلاة.
قلت: الظاهر أن صدر السؤال كان سؤالا عن الإهداء، وقوله: أو يفردهما " الخ، " كان سؤالا عن النيابة، وهذا واضح بأدنى تأمل إن شاء الله تعالى.
الثامن عشر: قد تبين مما ذكرنا في الأمرين السابقين أن الدعاء، في حق مولانا صاحب الزمان، ومسألة تعجيل فرجه وظهوره نيابة عن أهل الإيمان، يوجب فوائد زائدة على ما قدمناه من صنوف الفائدة.
منها: تضاعف المكارم والفوائد المذكورة بمقتضى ما سمعت من الروايات المأثورة.
ومنها: أنه إحسان إليهم، ووسيلة لرفع العذاب عن موتاهم أو زيادة الثواب لهم كما عرفت.
ومنها: أنه أكد في استباق زمان فرجه وظهوره صلوات الله عليه، لأنه بمنزلة اتفاقهم في الدعاء لذلك وقد تبين لك مما أسلفناه أن الاتفاق في ذلك الدعاء مما يوجب استباق الفرج والظهور إن شاء الله تعالى.
التاسع عشر: يستحب الدعاء لأوليائه وأنصاره، لعموم ما ورد في الحث والترغيب إلى الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ولأنه إعانة على البر والتقوى ولورود ذلك في الدعوات المأثورة عنهم (عليهم السلام) كما مر وسنذكر شطرا منها في المقصد الثالث إن شاء الله تعالى.
المتمم للعشرين: الدعاء لهلاك أعدائه وطلب خذلانهم كما ورد في الأدعية المروية واللعن عليهم لأنه مقتضى التبري منهم، وللتأسي بالله تعالى، وبرسوله وبالأئمة ولما ورد في الروايات من الحث والترغيب في ذلك:
- منها: في البحار(١٢٠) عن علي بن عاصم الكوفي عن مولانا الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام)(١٢١) قال: حدثني أبي عن جدي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من ضعف عن نصرتنا أهل البيت ولعن في خلواته أعداءنا بلغ الله صوته إلى جميع الملائكة فكلما لعن أحدكم أعداءنا ساعدته الملائكة، ولعنوا من لا يلعنهم فإذا بلغ صوته إلى الملائكة استغفروا له، وأثنوا عليه، وقالوا: اللهم صل على روح عبدك هذا الذي بذل في نصرة أوليائه جهده، ولو قدر على أكثر من ذلك لفعل فإذا النداء من قبل الله تعالى يقول: يا ملائكتي إني قد أجبت دعاءكم في عبدي هذا وسمعت نداءكم، وصليت على روحه مع أرواح الأبرار، وجعلته من المصطفين الأخيار.
المقصد الثاني: في كيفية الدعاء بتعجيل فرجه وظهوره (عليه السلام) تصريحا وتلويحا

إعلم أن هذا المقصد الأسنى والمطلب الأعلى يحصل بأنحاء نشير إليها ليكون الناظر فيها على بصيرة، ويقدر على استخراج أمثالها بلطيف النظر وحسن السريرة:
الأول: أن يسأل الله تعالى ذلك مصرحا بالفارسية أو العربية أو غيرهما مثل أن يقول:
اللهم عجل فرج مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) وعجل الله تعالى فرجه وظهوره.
الثاني: أن يسأل من الله عز اسمه تعجيل فرج آل محمد (عليهم السلام) لأن فرجه فرجهم كما ورد في الدعوات والروايات.
الثالث: أن يسأل تعجيل الفرج لجميع المؤمنين والمؤمنات أو لأولياء الله تعالى فإن بفرجه فرج أولياء الله كما في الرواية.
الرابع: أن يؤمن على دعاء من دعا لذلك لأن " آمين " بمعنى استجب وهو دعاء أيضا ولأن الداعي والمؤمن شريكان في الدعاء كما ورد في الرواية.
الخامس: أن يسأل من الله عز وجل استجابة دعاء من يدعو، بتعجيل فرج مولانا (عليه السلام)، والفرق بين هذا وسابقه أن التأمين لا يكون إلا بمحضر من يدعو وهذا ليس من شرطه الحضور.
السادس: أن يسأل تهيئة أسباب توجب تعجيل فرجه.
السابع: أن يسأل رفع ما يمنع من ظهوره (عليه السلام).
الثامن: أن يسأل مغفرة الذنوب الباعثة لتأخير فرجه الصادرة من الداعي وغيره من أهل الإيمان.
التاسع: أن يسأل الله تعالى العصمة والحفظ من أمثال تلك الذنوب فيما يأتي من الزمان.
العاشر: أن يطلب هلاك أعدائه، الذين يمنع وجودهم عن التعجيل في فرج أوليائه.
الحادي عشر: أن يسأل من الله رفع الظالمين عن جميع المؤمنين، فإن ذلك يحصل ببركة ظهور إمامهم المنتظر.
الثاني عشر: أن يسأل بسط العدل في مشارق الأرض ومغاربها فإنه لا يحصل إلا بظهوره (عليه السلام) على حسب وعد الله عز وجل وأنبيائه وأوليائه (عليهم السلام).
الثالث عشر: أن يقول اللهم أرنا الرخاء والسرور ناويا حصوله بذاك الظهور فإن الرخاء والسرور الكامل التام لا يحصل للمؤمن إلا بظهور الإمام الغائب عن أبصار الأنام وقد مر ما يدل على ورود الدعاء بهذا اللفظ بالخصوص في الباب السادس في أواخره فراجع ولا تغفل.
الرابع عشر: أن يسأل من الله عز وجل أن يجعل أجر عباداته وأعماله التعجيل في أمر فرج مولاه وظهوره (عليه السلام) على نحو يرضاه.
الخامس عشر: أن يطلب توفيق هذا الدعاء أي الدعاء لمولانا (عليه السلام) ومسألة التعجيل في أمر فرجه لجميع المؤمنين والمؤمنات، لأنا قد بينا سابقا أن في اتفاق المؤمنين في ذلك تأثيرا خاصا كما ورد في الرواية فإذا سأل المؤمن تسهيل مقدمات مطلوبه فقد سعى في تحصيل المطلوب بنحو مرغوب.
السادس عشر: أن يسأل من الله عز وجل أن يظهر دين الحق وأهل الإيمان على جميع الملل والأديان فإن ذلك لا يحصل بحسب وعده إلا بظهور مولانا صاحب الزمان كما وردت به الروايات في كتاب البرهان(١٢٢).
السابع عشر: أن يسأل الله عز اسمه الانتقام من أعداء الدين وظالمي أهل بيت سيد المرسلين، لما ورد في الأخبار أنه يحصل بظهور الإمام الغائب عن الأبصار وخاتم الأئمة الأطهار.
الثامن عشر: أن يصلي عليه، ويريد بذلك طلب رحمة خاصة إلهية يتيسر بها استباق فرجه وظهوره.
ويستفاد هذا من العبارة المروية في الصلوات عليه وعلى آبائه (عليهم السلام) المذكورة في كامل الزيارات(١٢٣) وغيره في باب زيارة مولانا الرضا (عليه السلام).
- ففيها بعد الصلاة على كل واحد منهم: اللهم صل على حجتك ووليك القائم في خلقك صلاة تامة نامية باقية تعجل بها فرجه وتنصره بها الخ.
التاسع عشر: أن يسأل التعجيل في كشف الكرب عن وجهه وتفريج الهم والغم عن قلبه (عليه السلام) لأن هذا من لوازم استيلائه وهلاك أعدائه.
المكمل للعشرين: أن يسأل الله تعالى التعجيل في طلب ثأر مولانا الشهيد المظلوم أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) فإن هذا في الحقيقة دعاء بتعجيل ظهور ولده الحجة لأنه الطالب بثاره والمنتقم من قتلته.
المقصد الثالث: في ذكر بعض الدعوات المروية عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) في هذا الباب غير ما تقدم في الباب السادس من هذا الكتاب

- فمنها: دعاء الصلوات المروي في كتاب الغيبة(١٢٤) للشيخ الأجل أبي جعفر الطوسي " ره " عن صاحب الأمر (عليه السلام) وله حكاية طويلة تركنا ذكرها روما للاختصار:
بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم صل على محمد سيد المرسلين، وحجة رب العالمين، المنتجب في الميثاق، المصطفى في الظلال المطهر من كل آفة البريء من كل عيب، المؤمل للنجاة، المرتجى للشفاعة، المفوض إليه دين الله، اللهم شرف بنيانه وعظم برهانه وأفلج حجته، وارفع درجته، وأضئ نوره، وبيض وجهه، وأعطه الفضل والفضيلة والدرجة، والوسيلة الرفيعة، وابعثه مقاما محمودا، يغبطه به الأولون والآخرون.
وصل على أمير المؤمنين ووارث المرسلين وقائد الغر المحجلين، وسيد الوصيين، وحجة رب العالمين.
وصل على الحسن بن علي، إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على الحسين بن علي إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على علي بن الحسين(١٢٥) إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على محمد بن علي إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على جعفر بن محمد إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على موسى بن جعفر إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على علي بن موسى إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على محمد بن علي إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على علي بن محمد إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على الحسن بن علي إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
وصل على الخلف الصالح الهادي المهدي إمام المؤمنين، ووارث المرسلين وحجة رب العالمين.
اللهم صل على محمد وأهل بيته الأئمة الهادين المهديين العلماء الصادقين. الأبرار المتقين، دعائم دينك، وأركان توحيدك، وتراجمة وحيك، وحججك على خلقك، وخلفائك في أرضك، الذين اخترتهم لنفسك، واصطفيتهم على عبادك، وارتضيتهم لدينك، وخصصتهم بمعرفتك، وجللتهم بكرامتك، وغشيتهم برحمتك وربيتهم بنعمتك، وغذيتهم بحكمتك، وألبستهم نورك، ورفعتهم في ملكوتك، وحففتهم بملائكتك، وشرفتهم بنبيك.
اللهم صل على محمد وعليهم صلاة كثيرة دائمة طيبة لا يحيط بها إلا أنت ولا يسعها إلا علمك ولا يحصيها أحد غيرك.
اللهم صل على وليك المحيي سنتك، القائم بأمرك، الداعي إليك، الدليل عليك، وحجتك على خلقك، وخليفتك في أمرك، وشاهدك على عبادك.
اللهم أعز نصره ومد في عمره وزين الأرض بطول بقائه، اللهم اكفه بغي الحاسدين، وأعذه من شر الكائدين، وازجر عنه إرادة الظالمين، وخلصه من أيدي الجبارين.
اللهم أعطه في نفسه، وذريته، وشيعته، ورعيته، وخاصته، وعامته، وعدوه وجميع أهل الدنيا ما تقر به عينه، وتسر به نفسه، وبلغه أفضل أمله في الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير.
اللهم جدد به ما محي من دينك، وأحي به ما بدل من كتابك، وأظهر به ما غير من حكمك، حتى يعود دينك به وعلى يديه غضا جديدا خالصا مخلصا لا شك فيه ولا شبهة معه ولا باطل عنده ولا بدعة لديه.
اللهم نور بنوره كل ظلمة، وهد بركنه كل بدعة، واهدم بعزته كل ضلالة واقصم به كل جبار، وأخمد بسيفه كل نار، وأهلك بعدله كل جبار(١٢٦) وأجر حكمه على كل حكم، وأذل لسلطانه كل سلطان.
اللهم أذل كل من ناواه، وأهلك كل من عاداه، وامكر بمن كاده واستأصل من جحد حقه واستهان بأمره وسعى في إطفاء نوره وأراد إخماد ذكره.
اللهم صل على محمد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن الرضا، والحسين المصفى،(١٢٧) وجميع الأوصياء مصابيح الدجى، وأعلام الهدى، ومنار التقى، والعروة الوثقى، والحبل المتين، والصراط المستقيم وصل على علي وليك وولاة عهده، والأئمة من ولده، ومد في أعمارهم، وزد في آجالهم وبلغهم أقصى آمالهم دينا ودنيا وآخرة، إنك على كل شيء قدير.
أقول: هذا الدعاء الشريف من الدعوات الجليلة التي ينبغي أن يداوم بها ويواظب عليها في كل وقت من الأوقات وكل حين من الأحيان خصوصا الأوقات التي لها مزيد اختصاص بمولانا صاحب الزمان عليه صلوات الله الملك المنان، كليلة النصف من شعبان، ويومه، وليلة الجمعة، ويومها ولعله لهذا ذكره صاحب جمال الصالحين في أعمال تلك الليلة، مع أن الظاهر من الرواية التي نبهنا عليها عدم اختصاصه بوقت من الأوقات، بل وروده لمطلق الأوقات، وذكره السيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه) في كتاب جمال الأسبوع(١٢٨) في أعمال يوم الجمعة عند ذكر ما يدعى به بعد صلاة العصر من ذلك اليوم فقال ره: ذكر صلاة على النبي وآله صلوات الله عليه وعليهم، مروية عن مولانا المهدي، صلوات الله عليه، وهي ما إذا تركت تعقيب عصر يوم الجمعة لعذر فلا تتركها أبدا، لأمر أطلعنا الله جل جلاله عليه، ثم ذكر إسناده بطوله مع ذكر الحكاية التي تركنا ذكرها حذرا من الإطالة ويستفاد من قوله (رضي الله عنه) فلا تتركها أبدا لأمر أطلعنا الله جل جلاله عليه، صدور أمر إليه من مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه في ذلك، فهو دليل لصحة الرواية، والله ولي النعمة والهداية.
- ومن الدعوات المروية في هذا الباب ما رواه جمع من الأصحاب منهم السيد الأجل علي بن طاووس في ذلك الكتاب(١٢٩) قال (رضي الله عنه) ذكر الدعاء لصاحب الأمر (عليه السلام) المروي عن الرضا (عليه السلام) أفضل: حدثني جماعة " الذين قدمت ذكرهم في عدة مواضع في هذا الكتاب " هم بإسناد إلى جدي أبي جعفر الطوسي تلقاه الله جل جلاله بالأمان والرضوان يوم الحساب، قال: أخبرنا ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن سعيد بن عبد الله والحميري وعلي بن إبراهيم ومحمد بن الحسن الصفار كلهم عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مولد وصالح بن السندي عن يونس بن عبد الرحمن.
قال السيد (رضي الله عنه): ورواه جدي أبو جعفر الطوسي فيما يرويه عن يونس بن عبد الرحمن بعدة طرق، تركت ذكرها كراهية للإطالة في هذا المكان يروي عن يونس بن عبد الرحمن، أن الرضا (عليه السلام) كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر (عليه السلام) بهذا:
اللهم ادفع عن وليك، وخليفتك، وحجتك على خلقك، ولسانك المعبر عنك بإذنك، الناطق بحكمتك، وعينك الناظرة على بريتك، وشاهدك على عبادك الجحجاح المجاهد، العائذ بك عندك، وأعذه من شر جميع ما خلقت وبرأت، وأنشأت، وصورت، واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظ فيه رسولك، وآباءه أئمتك، ودعائم دينك واجعله في وديعتك التي لا تضيع، وفي جوارك الذي لا يخفر، وفي منعك وعزك الذي لا يقهر، وآمنه بأمانك الوثيق، الذي لا يخذل من آمنته به، واجعله في كنفك الذي لا يرام من كان فيه، وانصره بنصرك العزيز، وأيده بجندك الغالب، وقوه بقوتك، وأردفه بملائكتك.
ووال من والاه، وعاد من عاداه، وألبسه درعك الحصينة، وحفه بالملائكة حفا.
اللهم وبلغه أفضل ما بلغت القائمين بقسطك من أتباع النبيين.
اللهم اشعب به الصدع، وارتق به الفتق، وأمت به الجور، وأظهر به العدل، وزين بطول بقائه الأرض، وأيده بالنصر، وانصره بالرعب، وقو ناصريه، واخذل خاذليه، ودمدم على من نصب له، ودمر من غشه، واقتل به جبابرة الكفر وعمده، ودعائمه، واقصم به رؤوس الضلالة، وشارعة البدعة، ومميتة السنة، ومقوية الباطل، وذلل به الجبارين، وأبر به الكافرين وجميع الملحدين في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها، وبحرها، وسهلها، وجبلها، حتى لا تدع منهم ديارا، ولا تبقي لهم آثارا.
اللهم طهر منهم بلادك، واشف منهم عبادك، وأعز به المؤمنين.
وأحي به سنن المرسلين، ودارس حكمة النبيين، وجدد به ما امتحى من دينك وبدل من حكمك، حتى تعيد دينك به وعلى يديه، جديدا غضا، محضا صحيحا، لا عوج فيه، ولا بدعة معه، وحتى تنير بعدله ظلم الجور، وتطفئ به نيران الكفر، وتوضح به معاقد الحق، ومجهول العدل، فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك، واصطفيته من خلقك، واصطفيته على عينيك، وائتمنته على غيبك، وعصمته من الذنوب، وبرأته من العيوب، وطهرته من الرجس، وسلمته من الدنس.
اللهم فإنا نشهد له يوم القيامة، ويوم حلول الطامة، أنه لم يذنب ذنبا، ولا أتى حوبا، ولم يرتكب معصية، ولم يضيع لك طاعة، ولم يهتك لك حرمة، ولم يبدل لك فريضة، ولم يغير لك شريعة، وأنه الهادي المهدي، الطاهر التقي، النقي، الرضي الزكي.
اللهم أعطه في نفسه، وأهله، وولده، وذريته، وأمته، وجميع رعيته ما تقر به عينه، وتسر به نفسه، وتجمع له ملك المملكات كلها قريبها وبعيدها، وعزيزها وذليلها، حتى يجري حكمه على كل حكم، ويغلب بحقه كل باطل.
اللهم اسلك بنا على يديه منهاج الهدى والمحجة العظمى، والطريقة الوسطى التي يرجع إليها الغالي، ويلحق بها التالي.
وقونا على طاعته، وثبتنا على مشايعته، وامنن علينا بمتابعته، واجعلنا في حزبه، القوامين بأمره، الصابرين معه، الطالبين رضاك بمناصحته حتى تحشرنا يوم القيامة في أنصاره، وأعوانه، ومقوية سلطانه.
اللهم واجعل ذلك لنا خالصا من كل شك وشبهة، ورياء، وسمعة، حتى لا نعتمد به غيرك، ولا نطلب به إلا وجهك، وحتى تحلنا محله، وتجعلنا في الجنة معه، وأعذنا من السأمة والكسل والفترة والفشل، واجعلنا ممن تنتصر به لدينك، وتعز به نصر وليك، ولا تستبدل بنا غيرنا، فإن استبدالك بنا غيرنا عليك يسير وهو علينا عسير.

اللهم صل على ولاة عهده، والأئمة من بعده، وبلغهم آمالهم، وزد في آجالهم، وأعز نصرهم، وتمم لهم ما أسندت إليهم من أمرك لهم، وثبت دعائمهم، واجعلنا لهم أعوانا، وعلى دينك أنصارا فإنهم معادن كلماتك وخزان علمك، وأركان توحيدك ودعائم دينك، وولاة أمرك، وخالصتك من عبادك، وصفوتك من خلقك، وأولياؤك وسلائل أوليائك، وصفوة أولاد رسلك، والسلام عليهم ورحمة الله وبركاته، انتهى.
ثم قال السيد رضي الله تعالى عنه: قد تضمن هذا الدعاء قوله (عليه السلام): " اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده " ولعل المراد بذلك أن الصلاة على الأئمة الذين يرتبهم في أيامه للصلاة بالعباد في البلاد، والأئمة في الأحكام، في تلك الأيام، وأن الصلاة عليهم تكون بعد ذكر الصلاة عليه " صلوات الله عليه " بدليل قوله: ولاة عهده.
لأن ولاة العهود يكونون في الحياة فكان المراد:
اللهم صل بعد الصلاة عليه على ولاة عهده والأئمة وقد تقدم الرواية عن مولانا الرضا (عليه السلام) " والأئمة من ولده " ولعل هذه قد كانت صل على ولاة عهده والأئمة من ولده.
فقد وجدت ذلك كما ذكرناه في نسخة غير ما رويناه وقد روي أنهم من أبرار العباد في حياته، ووجدت رواية متصلة الإسناد بأن للمهدي صلوات الله عليه جماعة أولاد، ولاة في أطراف بلاد البحار، على غاية عظيمة من صفات الأبرار وروي تأويل غير ذلك مذكور في الأخبار.
- ثم قال السيد (رضي الله عنه): ووجدت هذا الدعاء برواية تغني عن هذا التأويل وأذكرها لأنها أتم في التفصيل وهي ما حدث به الشريف الجليل، أبو الحسين زيد بن جعفر العلوي المحمدي.
قال: حدثنا أبو الحسين إسحاق بن الحسن العفراني(١٣٠) قال: حدثنا محمد بن همام بن سهيل الكاتب، ومحمد بن شعيب بن أحمد المالكي جميعا، عن شعيب بن أحمد المالكي، عن يونس بن عبد الرحمن، عن مولانا أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، أنه يأمر بالدعاء للحجة صاحب الزمان (عليه السلام).
فكان من دعائه له صلوات الله عليهما:
اللهم صل على محمد وآل محمد، وادفع عن وليك، وخليفتك، وحجتك على خلقك، ولسانك المعبر عنك، الناطق بحكمتك، وعينك الناظرة في بريتك، وشاهدك على عبادك الحاج المجاهد، المجتهد، عبدك العائذ بك.
اللهم وأعذه من شر ما خلقت، وذرأت، وبرأت، وأنشأت، وصورت واحفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظ فيه رسولك، ووصي رسولك وآباءه: أئمتك ودعائم دينك، صلواتك عليهم أجمعين.
واجعله في وديعتك التي لا تضيع وفي جوارك الذي لا يخفر، وفي منعك وعزك الذي لا يقهر.
اللهم وآمنه بأمانك الوثيق الذي لا يخذل من آمنته به، واجعله في كنفك الذي لا يضام من كان فيه، وانصره بنصرك العزيز، وأيده بجندك الغالب، وقوه بقوتك وأردفه بملائكتك.
اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وألبسه درعك الحصينة، وحفه بالملائكة حفا.
اللهم وبلغه أفضل ما بلغت القائمين بقسطك من أتباع النبيين.
اللهم اشعب به الصدع وارتق به الفتق، وأمت به الجور، وأظهر به العدل، وزين بطول بقائه الأرض، وأيده بالنصر، وانصره بالرعب، وافتح له فتحا يسيرا، واجعل له من لدنك سلطانا نصيرا.
اللهم اجعله القائم المنتظر، والإمام الذي به تنتصر، وأيده بنصر عزيز، وفتح قريب، وورثه مشارق الأرض ومغاربها، اللاتي باركت فيها، وأحي به سنة نبيك صلواتك عليه وآله، حتى لا يستخفي بشئ من الحق مخافة أحد من الخلق وقو ناصره، واخذل خاذله ودمدم على من نصب له، ودمر على من غشه.
اللهم واقتل به جبابرة الكفر وعمده، ودعائمه، والقوام به واقصم به رؤوس الضلالة، وشارعة البدعة ومميتة السنة ومقوية الباطل وأذلل به الجبارين وأبر به الكافرين والمنافقين وجميع الملحدين حيث كانوا وأين كانوا، من مشارق الأرض ومغاربها وبرها وبحرها.
وسهلها وجبلها، حتى لا تدع منهم ديارا، ولا تبق لهم آثارا.
اللهم وطهر منهم بلادك، واشف منهم عبادك، وأعز به المؤمنين وأحي به سنن المرسلين ودارس حكم النبيين وجدد به ما محي من دينك وبدل من حكمك حتى تعيد دينك به وعلى يديه، غضا جديدا صحيحا محضا، لا عوج فيه، ولا بدعة معه حتى تنير بعدله ظلم الجور، وتطفئ به نيران الكفر وتظهر به معاقد الحق، ومجهول العدل، وتوضح به مشكلات الحكم.
اللهم وإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك، واصطفيته من خلقك، واصطفيته على عبادك، وائتمنته على غيبك، وعصمته من الذنوب، وبرأته من العيوب، وطهرته من الرجس، وصرفته عن الدنس، وسلمته من الريب.
اللهم فإنا نشهد له يوم القيامة، ويوم حلول الطامة، أنه لم يذنب ذنبا، ولم يأت حوبا، ولم يرتكب لك معصية، ولم يضيع لك طاعة، ولم يهتك لك حرمة ولم يبدل لك فريضة، ولم يغير لك شريعة، وأنه الإمام التقي الهادي، المهتدي، الطاهر، النقي، الوفي، الرضي، الزكي.
اللهم فصل عليه وعلى آبائه، وأعطه في نفسه، وولده، وأهله، وذريته، وأمته، وجميع رعيته، ما تقر به عينه، وتسر به نفسه، وتجمع له ملك المملكات كلها: قريبها وبعيدها، وعزيزها وذليلها حتى يجري حكمه على كل حكم، ويغلب بحقه كل باطل.
اللهم اسلك بنا على يديه منهاج الهدى، والمحجة العظمى والطريقة الوسطى التي يرجع إليها الغالي، ويلحق بها التالي.
اللهم وقونا على طاعته، وثبتنا على مشايعته، وامنن علينا بمتابعته، واجعلنا في حزبه القوامين بأمره الصابرين معه، الطالبين رضاك بمناصحته، حتى تحشرنا يوم القيامة في أنصاره، وأعوانه، ومقوية سلطانه.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعل ذلك كله منا لك خالصا من كل شك وشبهة، ورياء، وسمعة، حتى لا نعتمد به غيرك، ولا نطلب به إلا وجهك، وحتى تحلنا محله، وتجعلنا في الجنة معه، ولا تبتلنا في أمره بالسأمة والكسل، والفترة والفشل، واجعلنا ممن تنتصر به لدينك وتعز به نصر وليك ولا تستبدل بنا غيرنا فإن استبدالك بنا غيرنا عليك يسير وهو علينا كبير إنك على كل شيء قدير.
اللهم وصل على ولاة عهوده، وبلغهم آمالهم وزد في آجالهم وانصرهم، وتمم لهم ما أسندت إليهم من أمر دينك، واجعلنا لهم أعوانا وعلى دينك أنصارا، وصل على آبائه الطاهرين، الأئمة الراشدين.
اللهم فإنهم معادن كلماتك، وخزان علمك، وولاة أمرك وخالصتك من عبادك، وخيرتك من خلقك، وأوليائك، وسلائل أوليائك، وصفوتك وأولاد أصفيائك، صلواتك ورحمتك وبركاتك عليهم أجمعين.
اللهم وشركاؤه في أمره، ومعاونوه على طاعتك، الذين جعلتهم حصنه، وسلاحه، ومفزعه، وأنسه، الذين سلوا عن الأهل والأولاد، وتجافوا الوطن، وعطلوا الوثير من المهاد، قد رفضوا تجاراتهم، وأضروا بمعايشهم وفقدوا في أنديتهم بغير غيبة عن مصرهم، وحالفوا البعيد، ممن عاضدهم على أمرهم، وخالفوا القريب ممن صد عن وجهتهم، وائتلفوا بعد التدابر والتقاطع في دهرهم، وقطعوا الأسباب المتصلة بعاجل حطام من الدنيا.
فاجعلهم اللهم في حرزك، وفي ظل كنفك، ورد عنهم بأس من قصد إليهم بالعداوة من خلقك، وأجزل لهم من دعوتك من كفايتك، ومعونتك لهم، وتأييدك ونصرك إياهم ما تعينهم به على طاعتك، وأزهق بحقهم باطل من أراد إطفاء نورك، وصل على محمد وآله واملأ بهم كل أفق من الآفاق، وقطر من الأقطار قسطا وعدلا، ومرحمة وفضلا.
واشكر لهم على حسب كرمك وجودك وما مننت به على القائمين بالقسط من عبادك، وادخر لهم من ثوابك ما ترفع لهم به الدرجات(١٣١) إنك تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد آمين رب العالمين.
ومنها ما رواه الشيخ الصدوق(١٣٢) في كتاب كمال الدين وتمام النعمة(١٣٣) عن أبي محمد الحسين بن أحمد المكتب، قال: حدثنا أبو علي بن همام بهذا الدعاء وذكر أن الشيخ العمري قدس الله روحه أملاه عليه، وأمره أن يدعو به وهو الدعاء في غيبة القائم (عليه السلام).
- ورواه السيد الأجل علي بن طاووس في جمال الأسبوع(١٣٤) بإسناده عن الشيخ الطوسي (رضي الله عنه) عن جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري (رضي الله عنه) أن أبا علي محمد ابن همام (رضي الله عنه) أخبره بهذا الدعاء، وذكر أن الشيخ أبا عمرو العمري قدس الله روحه، أملاه عليه وأمره أن يدعو به، وهو الدعاء في غيبة القائم من آل محمد (عليهم السلام) " اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني نبيك فإنك إن لم تعرفني نبيك لم أعرف حجتك اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني ".
اللهم لا تمتني ميتة جاهلية، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم وكما هديتني بولاية من فرضت طاعته علي من ولاة أمرك بعد رسولك، صلواتك عليه وآله حتى واليت ولاة أمرك: أمير المؤمنين، والحسن والحسين وعليا ومحمدا وجعفرا وموسى وعليا ومحمدا وعليا والحسن والحجة القائم المهدي صلواتك عليهم أجمعين.
اللهم فثبتني على دينك، واستعملني بطاعتك، ولين قلبي لولي أمرك، وعافني مما امتحنت به خلقك، وثبتني على طاعة ولي أمرك الذي سترته عن خلقك فبإذنك غاب عن بريتك وأمرك، ينتظر.
اللهم وأنت العالم غير معلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له في إظهار أمره، وكشف ستره فصبرني على ذلك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت ولا أكشف عما سترت، ولا أبحث عما كتمت، ولا أنازعك في تدبيرك ولا أقول لم؟ وكيف وما بال ولي الأمر لا يظهر! وقد امتلأت الأرض من الجور، وأفوض أموري كلها إليك.
اللهم إني أسألك أن تريني ولي أمرك ظاهرا نافذ الأمر مع علمي بأن لك السلطان، والقدرة، والبرهان، والحجة، والمشية والحول والقوة، فافعل ذلك بي، وبجميع المؤمنين، حتى ننظر إلى وليك صلواتك عليه وآله ظاهر المقالة، واضح الدلالة، هاديا من الضلالة، شافيا من الجهالة، برز يا رب مشاهدته(١٣٥) وثبت قواعده واجعلنا ممن تقر عينه برؤيته، وأقمنا بخدمته، وتوفنا على ملته، واحشرنا في زمرته.
اللهم أعذه من شر جميع ما خلقت، وبرأت، وذرأت، وأنشأت وصورت واحفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به واحفظ به(١٣٦) رسولك، ووصي رسولك (عليهم السلام).
اللهم ومد في عمره، وزد في أجله، وأعنه على ما أوليته واسترعيته، وزد في كرامتك له فإنه الهادي المهتدي، والقائم المهدي، الطاهر التقي النقي، الزكي الرضي المرضي، الصابر الشكور، المجتهد.
اللهم ولا تسلبنا اليقين بطول الأمد في غيبته وانقطاع خبره، ولا تنسنا ذكره وانتظاره والإيمان به وقوة اليقين في ظهوره والدعاء له، والصلاة عليه حتى لا يقنطنا طول غيبته من ظهوره وقيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسولك صلواتك عليه وآله، وما جاء به من وحيك وتنزيلك، وقو قلوبنا على الإيمان به، حتى تسلك بنا على يده منهاج الهدى، والمحجة العظمى، والطريقة الوسطى وقونا على طاعته، وثبتنا على متابعته، واجعلنا في حزبه، وأعوانه، وأنصاره والراضين بفعله ولا تسلبنا ذلك في حياتنا، ولا عند وفاتنا، حتى تتوفانا ونحن على ذلك، لا شاكين، ولا ناكثين، ولا مرتابين، ولا مكذبين.
اللهم عجل فرجه، وأيده بالنصر، وانصر ناصريه واخذل خاذليه ودمر(١٣٧) على من نصب له وكذب به وأظهر به الحق، وأمت به الباطل، واستنقذ به عبادك المؤمنين من الذل، وانعش به البلاد، واقتل به جبابرة الكفر، واقصم به رؤوس الضلالة وذلل به الجبارين والكافرين وأفن(١٣٨)به المنافقين، والناكثين وجميع المخالفين، والملحدين في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها وسهلها وجبلها حتى لا تدع منهم ديارا ولا تبقي لهم آثارا طهر منهم بلادك واشف منهم صدور عبادك وجدد به ما انمحى من دينك، وأصلح به ما بدل من حكمك، وغير من سنتك حتى يعود دينك به وعلى يديه غضا جديدا صحيحا لا عوج فيه، ولا بدعة معه حتى تطفي بعدله نيران الكافرين فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك وارتضيته لنصرة نبيك(١٣٩) واصطفيته بعلمك وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب وأطلعته على الغيوب وأنعمت عليه وطهرته من الرجس ونقيته من الدنس.
اللهم فصل عليه وعلى آبائه الأئمة الطاهرين، وعلى شيعتهم(١٤٠) المنتجبين، وبلغهم من آمالهم أفضل ما يأملون، واجعل ذلك منا خالصا من كل شك وشبهة، ورياء وسمعة، حتى لا نريد به غيرك ولا نطلب به إلا وجهك.
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا وشدة الزمان علينا، ووقوع الفتن بنا وتظاهر الأعداء علينا وكثرة عدونا وقلة عددنا اللهم فافرج ذلك بفتح منك تعجله، ونصر منك تعزه، وإمام عدل تظهره إله الحق رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تأذن لوليك في إظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك حتى لا تدع للجور يا رب دعامة إلا قصمتها، ولا بقية إلا أفنيتها ولا قوة إلا أوهنتها ولا ركنا إلا هددته، ولا حدا إلا فللته، ولا سلاحا إلا أكللته، ولا راية إلا نكستها، ولا شجاعا إلا قتلته، ولا جيشا إلا خذلته وارمهم يا رب بحجرك الدامغ واضربهم بسيفك القاطع وببأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين وعذب أعداءك وأعداء دينك، وأعداء رسولك بيد وليك وأيدي عبادك المؤمنين.
اللهم اكف وليك وحجتك في أرضك هول عدوه، وكيد من كاده، وامكر بمن مكر به، واجعل دائرة السوء، على من أراد به سوء واقطع عنه مادتهم، وأرعب له قلوبهم وزلزل له أقدامهم وخذهم جهرة وبغتة وشدد عليهم عقابك واخزهم في عبادك والعنهم في بلادك، وأسكنهم أسفل نارك، واحلل بهم أشد عذابك واصلهم نارا، واحش قبور موتاهم نارا، وأصلهم حر نارك، فإنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وأذلوا(١٤١) عبادك.
اللهم وأحي بوليك القرآن وأرنا نوره سرمدا لا ظلمة فيه وأحي به القلوب الميتة واشف به الصدور الوغرة.
واجمع به الأهواء المختلفة على الحق وأقم به الحدود المعطلة، والأحكام المهملة، حتى لا يبقى حق إلا ظهر، ولا عدل إلا زهر، واجعلنا يا رب من أعوانه، ومقوية سلطانه، والمؤتمرين لأمره، والراضين بفعله، والمسلمين لأحكامه، وممن لا حاجة به إلى التقية من خلقك، أنت يا رب الذي تكشف السوء(١٤٢) وتجيب المضطر إذا دعاك، وتنجي من الكرب العظيم، فاكشف يا رب الضر عن وليك، واجعله خليفة في أرضك، كما ضمنت له.
اللهم لا تجعلني من خصماء آل محمد، ولا تجعلني من أعداء آل محمد، ولا تجعلني من أهل الحنق والغيظ على آل محمد (صلى الله عليه وآله)، فإني أعوذ بك من ذلك فأعذني وأستجير بك فأجرني اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني بهم فائزا عندك في الدنيا والآخرة ومن المقربين آمين رب العالمين.
تنبيه

قال السيد الأجل علي بن طاووس في كتاب جمال الأسبوع عند ذكر الدعاء المذكور وبيان الحض والترغيب عليه في يوم الجمعة بعد صلاة العصر ما هذا لفظه: وهو مما ينبغي إذا كان لك عذر عن جميع ما ذكرناه من تعقيب العصر يوم الجمعة، فإياك أن تهمل الدعاء به، فإننا عرفنا ذلك من فضل الله جل جلاله الذي خصنا به فاعتمد عليه.
ثم ذكر الدعاء المذكور، بالإسناد الذي قدمنا ذكره. وهذا الكلام يدل على صدور أمر في ذلك، عن مولانا صاحب الزمان - عجل الله تعالى فرجه - إليه. وهذا غير بعيد من مقامات السيد وكراماته، أفاض الله عليه من سني بركاته.
ومن الدعوات المأثورة في طلب الفرج لمولانا القائم المهدي عجل الله تعالى فرجه وظهوره

دعاء القنوت المروي عن مولانا الزكي الرضي، الحسن بن علي العسكري عليهما الصلاة والسلام، الذي ذكره الشيخ الطوسي (رضي الله عنه) في المصباح ومختصر المصباح، في باب أدعية قنوت صلاة الوتر وذكره السيد ابن طاووس (رضي الله عنه) في مهج الدعوات في باب قنوتات الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، لكن الظاهر من بعض الروايات عدم اختصاصه بوقت من الأوقات، وإن كان الأفضل أن يدعى به في أفضل الأوقات والحالات.
ويظهر من رواية السيد وغيره، أن لهذا الدعاء تأثيرا تاما في دفع الظالم، والانتصار منه للمظلوم، بل يمكن أن يستفاد من ذلك أن من جملة فوائد الدعاء في فرج صاحب الزمان (عج) وطلب ظهوره، ونصرته دفع الظالم، والخلاص من بأسه وسطوته.
قال السيد عند ذكر الدعاء المشار إليه: ودعا (عليه السلام) يعني الإمام الزكي الحسن بن علي العسكري في قنوته، وأمر أهل قم بذلك، لما شكوا من موسى بن بغى، انتهى كلامه رفع مقامه.
- وحكى صاحب كتاب منح البركات وهو شرح لمهج الدعوات، عن كتاب إعلام الورى في تسمية القرى تأليف أبي سعيد إسماعيل بن علي السمعاني الحنفي، أن موسى بن بغى بن كليب بن شمر بن مروان بن عمرو بن غطة كان من أصحاب المتوكل العباسي " لع " وأمرائه، وكان عاملا له على بلدة قم، وهو الخبيث الذي كان يحرض المتوكل على تخريب قبر مولانا المظلوم أبي عبد الله الحسين عليه الصلاة والسلام، وحرثه، وكان ظالما، سفاكا، هتاكا وكان عاملا على قم، حاكما على أهله أكثر من عشر سنين، وكان أهل قم خائفين منه، لأنه كان شديد العناد، للأئمة الأمجاد وكان يلقي الفساد بينهم، ويهددهم بالقتل، وعزم عليهم فشكوا ذلك إلى مولانا الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) فأمرهم بأن يصلوا صلاة المظلوم، ويدعوا عليه بهذا الدعاء فلما فعلوا ذلك أخذه الله في الحال أخذ عزيز مقتدر ولم يمهله طرفة عين.
أقول: هذا كلام صاحب كتاب منح البركات، قد نقلته بالمعنى، لأنه كان باللغة الفارسية ولم يذكر صفة صلاة المظلوم ونحن نذكر ما وجدناه في كتاب مكارم الأخلاق(١٤٣)، عند ذكر جملة من الصلوات.
- ففي موضع منه عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: إذا ظلمت فاغتسل وصل ركعتين في موضع لا يحجبك عن السماء ثم قل: اللهم إن فلان ابن فلان ظلمني وليس لي أحد أصول به غيرك، فاستوف لي ظلامتي الساعة الساعة، بالاسم الذي سألك به المضطر فكشفت ما به من ضر ومكنت له في الأرض وجعلته خليفتك على خلقك فأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تستوفي لي ظلامتي الساعة الساعة قال (عليه السلام) فإنك لا تلبث حتى ترى ما تحب.
- وقال في المكارم في موضع آخر: صلاة المظلوم: تصلي ركعتين بما شئت من القرآن، وتصلي على محمد وآله ما قدرت عليه ثم تقول: اللهم إن لك يوما تنتقم فيه للمظلوم من الظالم، لكن هلعي وجزعي لا يبلغان بي الصبر على أناتك وحلمك، وقد علمت أن فلانا ظلمني، واعتدى علي بقوته على ضعفي، فأسألك يا رب العزة، وقاسم الأرزاق وقاصم الجبابرة، وناصر المظلومين أن تريه قدرتك. أقسمت عليك يا رب العزة الساعة الساعة(١٤٤).
صلاة أخرى

- محمد بن الحسن الصفار يرفعه قال: قلت له: إن فلانا ظالم لي. فقال: أسبغ الوضوء، وصل ركعتين، واثن على الله تعالى، وصل على محمد وآله، ثم قل: اللهم إن فلانا ظلمني، وبغى علي، فابله بفقر لا تجبره، وبسوء لا تستره. قال: ففعلت فأصابه الوضح.
- وفي رواية أخرى قال: ما من مؤمن ظلم، فتوضأ وصلى ركعتين ثم قال: اللهم إني مظلوم فانتصر وسكت. إلا عجل الله له النصر انتهى.
- وفي موضع آخر منه(١٤٥) عن يونس بن عمار قال شكوت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) رجلا كان يؤذيني فقال: ادع عليه قلت: دعوت عليه قال: ليس هكذا ولكن أقلع عن الذنوب، وصم، وصل، وتصدق، فإذا كان آخر الليل فاسبغ الوضوء، ثم قم فصل ركعتين، ثم قل وأنت ساجد:
اللهم إن فلان ابن فلان قد آذاني اللهم أسقم بدنه، واقطع أثره، وانقص أجله، وعجل له ذلك في عامه هذا قال: ففعلت فما لبث أن هلك.
- وفي موضع(١٤٦) آخر قال: اغتسل وصل ركعتين، واكشف عن ركبتيك، واجعلهما مما يلي المصلى، وقل مائة مرة يا حي يا قيوم، يا حي لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، فصل على محمد وآل محمد. وأغثني الساعة الساعة، فإذا فرغت من ذلك فقل:
أسألك اللهم أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تلطف لي وأن تغلب لي، وأن تمكر لي، وأن تخدع لي، وأن تكيد لي، وأن تكفيني مؤنة فلان ابن فلان قال: فإن هذا كان دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) يوم أحد، انتهى.
- أما الدعاء المشار إليه(١٤٧) فهو هذا:
الحمد لله شكرا لنعمائه، واستدعاء لمزيده واستجلابا لرزقه، واستخلاصا له به دون غيره، وعياذا به من كفرانه، والإلحاد في عظمته وكبريائه، حمد من يعلم أن ما به من نعماء فمن عند ربه، وما مسه من عقوبته فبسوء جناية يده، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وذريعة المؤمنين إلى رحمته، وآله الطاهرين، ولاة أمره.
اللهم إنك ندبت إلى فضلك، وأمرت بدعائك وضمنت الإجابة لعبادك، ولم تخيب من فزع إليك برغبته وقصد إليك بحاجته ولم ترجع يد طالبة صفرا من عطائك ولا خائبة من نحل هباتك، وأي راحل رحل إليك فلم يجدك قريبا أو أي وافد وفد عليك فاقتطعته عوائد الرد دونك! بل أي محتفر من فضلك لم يهمه فيض جودك! وأي مستنبط لمزيدك أكدى دون استماحة سجال عطيتك.!!
اللهم وقد قصدت إليك برغبتي، وقرعت باب فضلك يد مسألتي، وناجاك بخشوع الاستكانة قلبي ووجدتك خير شفيع لي إليك. وقد علمت اللهم ما يحدث من طلبتي قبل أن يخطر بفكري، أو يقع في خلدي، فصل اللهم دعاي إياك بإجابتي واشفع مسألتي بنجح طلبتي.
اللهم وقد شملنا زيغ الفتن، واستولت علينا عشوة الحيرة، وقارعنا الذل والصغار، وحكم علينا غير المأمونين في دينك وابتز أمورنا معادن الابن ممن عطل حكمك وسعى في إتلاف عبادك وإفساد بلادك.
اللهم وقد عاد فيئنا دولة بعد القسمة. وإمارتنا غلبة بعد المشورة، وعدنا ميراثا بعد الاختيار للأمة فاشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة ورعى في مال الله من لا يرعى له حرمة، وحكم في أبشار المؤمنين أهل الذمة وولي القيام بأمورهم فاسق كل قبيلة، فلا ذائد يذودهم عن هلكة ولا راع ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا ذو شفقة يشبع الكبد الحرى من مسغبة، فهم أو لو ضرع بدار مضيعة وأسراء مسكنة وحلفاء كآبة وذلة.
اللهم وقد استحصد زرع الباطل وبلغ نهايته واستحكم عموده واستجمع طريده وخذرف وليده، وبسق فرعه، وضرب بجرانه.
اللهم فأتح له من الحق يدا حاصدة تصرع قائمه وتهشم سوقه وتجب سنامه، وتجدع مراغمه ليستخفي الباطل بقبح صورته ويظهر الحق بحسن حليته.
اللهم ولا تدع للجور دعامة إلا قصمتها، ولا جنة إلا هتكتها، ولا كلمة مجتمعة إلا فرقتها، ولا سرية ثقل إلا خففتها ولا قائمة علو إلا حططتها ولا رافعة علم إلا نكستها ولا خضراء إلا أبرتها.
اللهم فكور شمسه، وحط نوره، واطمس ذكره، وارم بالحق رأسه، وفض جيوشه، وأرعب قلوب أهله.
اللهم ولا تدع منه بقية إلا أفنيت، ولا بنية إلا سويت، ولا حلقة إلا قصمت ولا حدا إلا أفللت ولا سلاحا إلا أكللت، ولا كراعا إلا اجتحت، ولا حاملة علم إلا نكست.
اللهم وأرنا أنصاره عباديد بعد الألفة وشتى بعد اجتماع الكلمة ومقنعي الرؤوس بعد الظهور على الأئمة. اللهم وأسفر لنا عن نهار العدل وأرناه سرمدا لا ظلمة فيه ونورا لا شوب معه وأهطل علينا ناشئته وأنزل علينا بركته وأدل له ممن ناواه وانصره على من عاداه.
اللهم وأظهر به الحق، وأصبح به في غسق الظلم وبهم الحيرة، اللهم وأحي به القلوب الميتة واجمع به الأهواء المتفرقة، والآراء المختلفة. وأقم به الحدود المعطلة، والأحكام المهملة وأشبع به الخماءك الساغبة، وأرح به الأبدان المتعبة اللهم وكما ألهجتنا بذكره، وأخطرت ببالنا دعاءك له ووفقتنا للدعاء إليه وحياشة أهل الغفلة عليه وأسكنت في قلوبنا محبته، والطمع فيه وحسن الظن لإقامة مراسمه.
اللهم فآتنا لنا منه على أحسن يقين يا محقق الظنون الحسنة، ويا مصدق الآمال المبطئة(١٤٨).
اللهم وأكذب به المتألين عليك فيه، وأخلف به ظنون القانطين من رحمتك والآيسين منه.
اللهم اجعلنا سببا من أسبابه وعلما من أعلامه، ومعقلا من معاقله ونضر وجوهنا بتحليته وأكرمنا بنصرته واجعل فينا خيرا تظهرنا له وبه ولا تشمتن بنا حاسدي النعم، والمتربصين بنا حلول الندم ونزول المثل في دار النقم فقد ترى يا رب براءة ساحتنا وخلو ذرعنا من الإضمار لهم على إحنة والتمني لهم وقوع جائحة وما تنازل من تحصينهم بالعافية، وما أضبأوا لنا من انتهاز الفرصة، وطلب الوثوب بنا عند الغفلة.
اللهم وقد عرفتنا من أنفسنا وبصرتنا من عيوبنا خلالا، نخشى أن تقعد بنا عن استئهال إجابتك، وأنت المتفضل على غير المستحقين والمبتدي بالإحسان على غير السائلين فآت لنا من أمرنا على حسب كرمك وجودك وفضلك وامتنانك إنك تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد إنا إليك راغبون، ومن جميع ذنوبنا تائبون.
اللهم والداعي إليك والقائم بالقسط من عبادك الفقير إلى رحمتك المحتاج إلى معونتك على طاعتك إذ ابتدأته بنعمتك وألبسته أثواب كرامتك وألقيت عليه محبة طاعتك وثبت وطأته في القلوب من محبتك ووفقته للقيام بما أغمض فيه أهل زمانه من أمرك وجعلته مفزعا لمظلومي عبادك وناصرا لمن لا يجد له ناصرا غيرك ومجددا لما عطل من أحكام كتابك ومشيدا لما دثر(١٤٩) من أعلام سنن نبيك عليه وآله سلامك وصلواتك ورحمتك وبركاتك فاجعله اللهم في حصانة من بأس المعتدين، وأشرق به القلوب المختلفة من بغاة الدين، وبلغ به أفضل ما بلغت به القائمين بقسطك من أتباع النبيين.
اللهم وأذلل به من لم تسهم له في الرجوع إلى محبتك ومن نصب له العداوة وارم بحجرك الدامغ من أراد التأليب على دينك بإذلاله وتشتيت جمعه واغضب لمن لا ترة له، ولا طائلة، وعادى الأقربين والأبعدين فيك، منا منك عليه، لا منا منه عليك.
اللهم فكما نصب نفسه غرضا فيك للأبعدين، وجاد ببذل مهجته لك في الذب عن حريم المؤمنين، ورد شر بغاة المرتدين المريبين حتى أخفى ما كان جهر به من المعاصي، وأبدى ما كان نبذه العلماء وراء ظهورهم، مما أخذت ميثاقهم على أن يبينوه للناس ولا يكتموه ودعا إلى الإقرار لك(١٥٠) بالطاعة، وأن لا يجعل لك شريكا من خلقك يعلو أمره على أمرك، مع ما يتجرعه فيك من مرارات الغيظ الجارحة بمواس القلوب وما يعتوره من الغموم ويفرغ عليه من أحداث الخطوب، ويشرق به من الغصص التي لا تبتلعها الحلوق، ولا تحنو عليها الضلوع من نظرة إلى أمر من أمرك، ولا تناله يده بتغييره ورده إلى محبتك.
فاشدد اللهم أزره بنصرك وأطل باعه فيما قصر عنه من اطراد الراتعين في حماك وزده في قوته بسطة من تأييدك ولا توحشنا من أنسه، ولا تخترمه دون أمله من الصلاح الفاشي في أهل ملته، والعدل الظاهر في أمته.
اللهم وشرف بما استقبل به من القيام بأمرك لدى موقف الحساب مقامه، وسر نبيك محمدا صلواتك عليه وآله برؤيته، ومن تبعه على دعوته، وأجزل له على ما رأيته قائما به من أمرك ثوابه، وأبن قرب دنوه منك في حياته، وارحم استكانتنا من بعده، واستخذاءنا لمن كنا نقمعه به إذ أفقدتنا وجهه، وبسطت أيدي من كنا نبسط أيدينا عليه لنرده عن معصيته وافتراقنا بعد الألفة والاجتماع تحت ظل كنفه، وتلهفنا عند الفوت على ما أقعدتنا عنه من نصرته، وطلبنا من القيام بحق الله ما لا سبيل لنا إلى رجعته.
واجعله اللهم في أمن مما يشفق عليه منه، ورد عنه من سهام المكائد ما يوجهه أهل الشنآن إليه، وإلى شركائه في أمره، ومعاونيه على طاعة ربه، الذين جعلتهم سلاحه وحصنه، ومفزعه، وأنسه، الذين سلوا عن الأهل والأولاد، وجفوا الوطن وعطلوا الوثير من المهاد ورفضوا تجاراتهم وأضروا بمعايشهم، وفقدوا في أنديتهم بغير غيبة(١٥١) عن مصرهم وحالفوا البعيد ممن عاضدهم على أمرهم وقلوا القريب ممن صد عنهم وعن جهتهم وائتلفوا بعد التدابر والتقاطع في دهرهم وقطعوا الأسباب المتصلة بعاجل حطام الدنيا.
فاجعلهم اللهم في أمن حرزك وظل كنفك، ورد عنهم بأس من قصد إليهم بالعداوة من عبادك، وأجزل لهم على دعوتهم من كفايتك ومعونتك، وأمدهم(١٥٢) بتأييدك ونصرك، وأزهق بحقهم باطل من أراد إطفاء نورك واملأ اللهم بهم كل أفق من الآفاق، وقطر من الأقطار قسطا وعدلا، ومرحمة وفضلا، واشكرهم على ما مننت به على القائمين بالقسط من عبادك، وادخرت لهم من ثوابك، على حسب كرمك وجودك ما ترفع لهم به الدرجات، إنك تفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد(١٥٣) وصلى الله على خيرته من خلقه، محمد وآله الأطهار.
اللهم إني أجد هذه الندبة امتحت دلالتها، ودرست أعلامها وعفت آلاء ذكرها وتلاوة الحجة بها.
اللهم إني أجد بيني وبينك مشتبهات تقطعني دونك، ومبطئات تقعدني عن إجابتك، وقد علمت أن عبدك لا يرحل إليك إلا بزاد، وأنك لا تحجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الأعمال دونك، وقد علمت أن زاد الراحل إليك عزم إرادة يختارك بها، ويصير بها إلى ما يؤدي إليك اللهم وقد ناداك بعزم الإرادة قلبي، واستبقى نعمتك بفهم حجتك لساني وما تيسر لي من إرادتك.
اللهم فلا أختزلن عنك وأنا أؤمك، ولا أختلجن عنك وأنا أتحراك، اللهم وأيدنا بما تستخرج به فاقة الدنيا من قلوبنا وتنعشنا من مصارع هوانها، وتهدم به عنا ما شيد من بنيانها، وتسقينا بكأس السلوة عنها، حتى تخلصنا لعبادتك، وتورثنا ميراث أوليائك، الذين ضربت لهم المنازل إلى قصدك وآنست وحشتهم حتى وصلوا إليك.
اللهم وإن كان هوى من هوى الدنيا أو فتنة من فتنها علق بقلوبنا حتى قطعنا عنك، أو حجبنا عن رضوانك أو قعد بنا عن إجابتك، اللهم فاقطع كل حبل من حبالها جذبنا عن طاعتك، وأعرض بقلوبنا عن أداء فرائضك، واسقنا عن ذلك سلوة وصبرا يوردنا على عفوك، ويقدمنا على مرضاتك إنك ولي ذلك.
اللهم واجعلنا قائمين على أنفسنا بأحكامك، حتى تسقط عنا مؤن المعاصي واقمع الأهواء أن تكون مشاورة(١٥٤) وهب لنا وط ء آثار محمد وآله عليه وعليهم السلام واللحوق بهم حتى يرفع الدين(١٥٥) أعلامه ابتغاء اليوم الذي عندك.
اللهم فمن علينا بوطء آثار سلفنا، واجعلنا خير فرط لمن ائتم بنا، فإنك على كل شيء قدير وذلك عليك يسير وأنت أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين الأبرار وسلم تسليما.
[دعاء الندبة] ومن الأدعية الشريفة المروية في هذا الباب دعاء الندبة المروي في زاد المعاد(١٥٦) بحذف الإسناد عن سادس الأئمة الأمجاد المؤكد في أربعة أعياد، أعني الجمعة، والفطر، والأضحى، والغدير

- ورواه في مزار البحار(١٥٧) نقلا عن السيد ابن طاووس، عن بعض أصحابنا قال: قال محمد بن علي بن أبي قرة: نقلت من كتاب محمد بن الحسين بن سفيان البزوفري (رضي الله عنه) دعاء الندبة، وذكر أنه الدعاء لصاحب الزمان، صلوات الله عليه ويستحب أن يدعى به في الأعياد الأربعة، ورواه العالم الأجل النوري (رضي الله عنه) في تحية الزائر من مصباح الزائر للسيد ابن طاووس ومزار محمد بن المشهدي، عن محمد بن علي بن أبي قرة، نقلا عن كتاب البزوفري (رضي الله عنه) ورواه النوري (رضي الله عنه) أيضا عن كتاب المزار القديم وزاد استحبابه في ليلة الجمعة كاستحبابه في الأعياد الأربعة:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لا إله إلا هو، وله الحمد رب العالمين وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم تسليما.
اللهم لك الحمد على ما جرى به قضاؤك في أوليائك، الذين استخلصتهم لنفسك ودينك، إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم، الذي لا زوال له ولا اضمحلال، بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها، فشرطوا لك ذلك، وعلمت منهم الوفاء به، فقبلتهم وقربتهم، وقدمت لهم الذكر العلي، والثناء الجلي، وأهبطت عليهم ملائكتك، وأكرمتهم بوحيك، ورفدتهم بعلمك، وجعلتهم الذرائع إليك، والوسيلة إلى رضوانك.
فبعض أسكنته جنتك إلى أن أخرجته منها وبعض حملته في فلكك ونجيته ومن آمن معه من الهلكة برحمتك، وبعض اتخذته خليلا، وسألك لسان صدق في الآخرين فأجبته.
وجعلت ذلك عليا، وبعض كلمته من شجرة تكليما، وجعلت له من أخيه ردءا ووزيرا، وبعض أولدته من غير أب، وآتيته البينات، وأيدته بروح القدس.
وكلا شرعت له شريعة، ونهجت له منهاجا، وتخيرت له أوصياء مستحفظا بعد مستحفظ، من مدة إلى مدة، إقامة لدينك، وحجة على عبادك، ولئلا يزول الحق عن مقره، ويغلب الباطل على أهله، ولا يقول أحد: لولا أرسلت إلينا رسولا منذرا وأقمت لنا علما هاديا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى إلى أن انتهيت بالأمر إلى حبيبك ونجيبك محمد (صلى الله عليه وآله) فكان كما انتجبته سيد من خلقته وصفوة من اصطفيته، وأفضل من اجتبيته، وأكرم من اعتمدته، قدمته على أنبيائك وبعثته إلى الثقلين من عبادك وأوطأته مشارقك ومغاربك.
وسخرت له البراق وعرجت به إلى سمائك وأودعته علم ما كان وما يكون إلى انقضاء خلقك ثم نصرته بالرعب، وحففته بجبرئيل وميكائيل، والمسومين من ملائكتك، ووعدته أن تظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وذلك بعد أن بوأته مبوأ صدق من أهله، وجعلت له ولهم * (أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا) * وقلت * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * وجعلت أجر محمد صلواتك عليه وآله مودتهم في كتابك فقلت: * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * وقلت * (ما سألتكم من أجر فهو لكم) * وقلت * (ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) * فكانوا هم السبيل إليك، والمسلك إلى رضوانك.
فلما انقضت أيامه، أقام وليه علي بن أبي طالب صلواتك عليهما وآلهما هاديا، إذ كان هو المنذر ولكل قوم هاد.
فقال والملأ أمامه: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره، واخذل من خذله، وقال: من كنت أنا نبيه، فعلي أميره وقال: أنا وعلي من شجرة واحدة، وسائر الناس من شجر شتى. وأحله محل هارون من موسى فقال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وزوجه ابنته سيدة نساء العالمين، وأحل له من مسجده ما حل له، وسد الأبواب إلا بابه.
ثم أودعه علمه وحكمته، فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها.
ثم قال له: أنت أخي ووصيي ووارثي، لحمك من لحمي، ودمك من دمي وسلمك سلمي، وحربك حربي، والإيمان مخالط لحمك ودمك، كما خالط لحمي ودمي وأنت غدا على الحوض(١٥٨) خليفتي وأنت تقضي ديني، وتنجز عداتي، وشيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي في الجنة وهم جيراني.
ولولا أنت يا علي لم يعرف المؤمنون بعدي، وكان بعده هدى من الضلال، ونورا من العمى، وحبل الله المتين وصراطه المستقيم.
لا يسبق بقرابة في رحم ولا بسابقة في دين ولا يلحق في منقبة من مناقبه، يحذو حذو الرسول - صلى الله عليهما وآلهما -، ويقاتل على التأويل، ولا تأخذه في الله لومة لائم.
قد وتر فيه صناديد العرب، وقتل أبطالهم، وناوش ذؤبانهم، فأودع قلوبهم أحقادا بدرية وخيبرية وحنينية وغيرهن، فأضبت على عداوته واكبت على مبارزته حتى قتل الناكثين والقاسطين، والمارقين، ولما قضى نحبه وقتله أشقى الأشقياء من الأولين والآخرين، يتبع أشقى الأولين، لم يمتثل أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الهادين بعد الهادين، والأمة مصرة على مقته مجتمعة على قطيعة رحمه وإقصاء ولده إلا القليل ممن وفى لرعاية الحق فيهم فقتل من قتل، وسبي من سبي، وأقصي من أقصي وجرى القضاء لهم بما يرجى له حسن المثوبة إذ كانت الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
* (وسبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا) * ولن يخلف الله وعده وهو العزيز الحكيم.
فعلى الأطايب من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما فليبك الباكون وإياهم فليندب النادبون، ولمثلهم فلتذرف الدموع وليصرخ الصارخون، ويضج الضاجون ويعج العاجون.
أين الحسن أين الحسين أين أبناء الحسين صالح بعد صالح، وصادق بعد صادق، أين السبيل بعد السبيل، أين الخيرة بعد الخيرة، أين الشموس الطالعة، أين الأقمار المنيرة، أين الأنجم الزاهرة، أين أعلام الدين، وقواعد العلم.
أين بقية الله التي لا تخلو من العترة الطاهرة، أين المعد لقطع دابر الظلمة، أين المنتظر لإقامة الأمت والعوج، أين المرتجى لإزالة الجور والعدوان، أين المدخر لتجديد الفرائض والسنن، أين المتخير لإعادة الملة والشريعة، أين المؤمل لإحياء الكتاب وحدوده، أين محيي معالم الدين وأهله أين قاصم شوكة المعتدين، أين هادم أبنية الشرك والنفاق، أين مبيد أهل الفسوق والعصيان، أين حاصد فروع الغي والشقاق، أين طامس آثار الزيغ والأهواء، أين قاطع حبائل الكذب والافتراء، أين مبيد العتاة والمردة، أين مستأصل أهل العناد والتضليل والإلحاد.
أين معز الأولياء ومذل الأعداء، أين جامع الكلم على التقوى أين باب الله الذي منه يؤتى، أين وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء أين السبب المتصل بين أهل الأرض والسماء أين صاحب يوم الفتح، وناشر رايات الهدى، أين مؤلف شمل الصلاح والرضا أين الطالب بذحول الأنبياء وأبناء الأنبياء أين الطالب بدم المقتول بكربلاء.
أين المنصور على من اعتدى عليه وافترى أين المضطر الذي يجاب إذا دعا. أين صدر الخلائق ذو البر والتقوى.
أين ابن النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) وابن علي المرتضى وابن خديجة الغراء وابن فاطمة الزهراء الكبرى، بأبي أنت وأمي ونفسي لك الوقاء والحمى يا بن السادة المقربين يا بن النجباء الأكرمين، يا بن الهداة المهتدين يا بن الخيرة المهذبين يا بن الغطارفة الأنجبين يا بن الخضارمة المنتجبين.
يا بن القماقمة الأكرمين، يا بن الأطايب المعظمين المطهرين يا بن البدور المنيرة، يا بن السرج المضيئة يا بن الشهب الثاقبة يا بن الأنجم الزاهرة، يا بن السبل الواضحة يا بن الأعلام اللائحة يا بن العلوم الكاملة يا بن السنن المشهورة، يا بن المعالم المأثورة يا بن المعجزات الموجودة، يا بن الدلائل المشهودة، يا بن الصراط المستقيم يا بن النبأ العظيم يا بن من هو في أم الكتاب لدى الله علي حكيم.
يا بن الآيات البينات، يا بن الدلائل الظاهرات يا بن البراهين الواضحات الباهرات، يا بن الحجج البالغات، يا بن النعم السابغات يا بن طه والمحكمات يا بن يس والذاريات، يا بن الطور والعاديات، يا بن من دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى دنوا واقترابا من العلي الأعلى، ليت شعري أين استقرت بك النوى، بل أي أرض تقلك أو الثرى أبرضوى أم غيرها أم ذي طوى؟.
عزيز علي أن أرى الخلق ولا ترى، ولا أسمع لك حسيسا ولا نجوى عزيز علي أن لا تحيط بي دونك البلوى ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى بنفسي أنت من مغيب لم يخل منا بنفسي أنت من نازح ما نزح عنا، بنفسي أنت أمنية شائق تمنى، من مؤمن ومؤمنة ذكرا فحنا، بنفسي أنت من عقيد عز لا يسامى، بنفسي أنت من أثيل مجد لا يحاذى، بنفسي أنت من تلاد نعم لا تضاهى، بنفسي أنت من نصيف شرف لا يساوى.
إلى متى أجأر(١٥٩) فيك يا مولاي، وإلى متى، وأي خطاب أصف فيك وأي نجوى، عزيز علي أن أجاب دونك وأناغى، عزيز علي أن أبكيك ويخذلك الورى، عزيز علي أن يجري عليك دونهم ما جرى هل من معين فأطيل معه العويل والبكاء، هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا، هل قذيت عين فتسعدها عيني على القذى.
هل إليك يا بن أحمد سبيل فتلقى هل يتصل يومنا منك بغده فنحظى، متى نرد مناهلك الروية فنروى متى ننتفع من عذب مائك فقد طال الصدى، متى نغاديك ونراوحك فتقر عيوننا، متى ترانا ونراك، وقد نشرت لواء النصر ترى أترانا نحف بك وأنت تؤم الملأ، وقد ملأت الأرض عدلا، وأذقت أعداءك هوانا وعقابا، وأبرت العتاة وجحدة الحق وقطعت دابر المتكبرين، واجتثثت أصول الظالمين، ونحن نقول الحمد لله رب العالمين.
اللهم أنت كشاف الكرب والبلوى، وإليك أستعدي فعندك العدوي، وأنت رب الآخرة والأولى، فأغث يا غياث المستغيثين، عبيدك المبتلى، وأره سيده يا شديد القوى، وأزل عنه به الأسى والجوى، وبرد غليله يا من على العرش استوى، ومن إليه الرجعى والمنتهى.
اللهم ونحن عبيدك التائقون إلى وليك المذكر بك وبنبيك، الذي خلقته لنا عصمة وملاذا وأقمته لنا قواما ومعاذا، وجعلته للمؤمنين منا إماما، فبلغه منا تحية وسلاما، وزدنا بذلك يا رب إكراما واجعل مستقره لنا مستقرا ومقاما. وأتمم نعمتك بتقديمك إياه أمامنا حتى توردنا جنانك ومرافقة الشهداء من خلصائك.
اللهم صل على حجتك وولي أمرك، وصل على جده محمد رسولك السيد الأكبر، وصل على أبيه السيد القسور، وحامل اللواء في المحشر، وساقي أوليائه من نهر الكوثر، والأمير على سائر البشر، الذي من آمن به فقد ظفر، ومن لم يؤمن به فقد خطر وكفر، صلى الله عليه وعلى أخيه، وعلى أنجالهما الميامين الغرر، ما طلعت شمس وما أضاء قمر، وعلى جدته الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله) وعلى من اصطفيت من آبائه البررة، وعليه أفضل وأكمل وأتم وأدم وأكثر وأوفر ما صليت على أحد من أصفيائك وخيرتك من خلقك وصل عليه صلاة لا غاية لعددها، ولا نهاية لمددها، ولا نفاد لأمدها.
اللهم وأقم به الحق وادحض به الباطل وأدل به أولياءك، وأذلل به أعداءك وصل اللهم بيننا وبينه، وصلة تؤدي إلى مرافقة سلفه، واجعلنا ممن يأخذ بحجزتهم ويمكث في ظلهم وأعنا على تأدية حقوقه إليه والاجتهاد في طاعته والاجتناب عن معصيته، وامنن علينا برضاه، وهب لنا رأفته ورحمته، ودعاءه وخير ما ننال به سعة من رحمتك، وفوزا عندك، واجعل صلاتنا به مقبولة وذنوبنا به مغفورة، ودعاءنا به مستجابا، واجعل أرزاقنا به مبسوطة، وهمومنا به مكفية، وحوائجنا به مقضية وأقبل إلينا بوجهك الكريم، وأقبل تقربنا إليك وانظر إلينا نظرة رحيمة، نستكمل بها الكرامة عندك، ثم لا تصرفها عنا بجودك، واسقنا من حوض جده صلى الله عليه وآله، بكأسه وبيده ريا رويا هنيئا سائغا، لا ظمأ بعده يا أرحم الراحمين.
توضيح مقال لدفع إشكال

إعلم أن قوله: وعرجت به إليك موافق للنسخة التي نقلها العالم الرباني الحاج ميرزا حسين النوري (رضي الله عنه) في كتاب تحية الزائر عن كتاب المزار القديم ومزار الشيخ محمد بن المشهدي (رضي الله عنه) ومصباح الزائر للسيد ابن طاووس (رضي الله عنه) ومأخذ الكل كتاب محمد بن علي بن أبي قرة لكن قد وقعت في زاد المعاد(١٦٠): وعرجت بروحه إليك والظاهر أنه تصحيف وقع في المصباح الذي نقل منه المجلسي (رضي الله عنه) ثم اشتهر وصار سببا لشبهة بعض القاصرين والمعاندين مع أن المعراج الجسماني من ضروريات المذهب بل الدين وتواترت به الروايات عن الأئمة الطاهرين ونطق به القرآن المبين.
تنبيه نبيه

قد ألهمت عند تأملي في تلك العبارة أن هذا الدعاء بنفسه يشهد ويدل على أن الأصل الصحيح هو ما نقلناه وذكرناه وأن في عبارة زاد المعاد تصحيفا، لعله وقع من بعض أهل العناد، وجه الدلالة والاستشهاد أن اقتران كلمة وسخرت له البراق بقوله وعرجت به إليك، يظهر منه بالتأمل التام لأولي الأفهام، صحة ما قلنا لأن عروج الروح لا حاجة به إلى البراق، ولا يخفى ذلك على من سلم قلبه من الشرك والنقاق.
وإن قيل: إن المقام مقام تعداد فضائل سيد المرسلين والعطف بالواو لا يقتضي كون العروج إلى السماء بتوسط البراق.
قلنا فالعبارة على فرض كونها بروحه لا تدل على نفي المعراج الجسماني لأنه فضيلة لا ينافي ثبوتها ثبوت فضيلة أخرى لسيد الورى.
ويمكن أن يقال بعدم منافاة هذه العبارة، لما دل على كون العروج ببدنه الشريف لوجه آخر، وهو أن إطلاق الروح على البدن وارد في لغات العرب والعجم.
أما الأول: فكما ورد في الزيارة، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، إذ الظاهر أن أبدان الشهداء حلت بفنائه، وسكنت في جواره.
وأما الثاني: فكقول أملح الشعراء وأفصحهم العارف السعدي.

جانا هزاران آفرين برجانت از سرتا قدم * صانع خدائي كاين وجود آورد بيرون از عدم

فصل
- ومن الدعوات التي تصلح لزمان الغيبة ما ذكره السيد ابن طاووس (رضي الله عنه) في مهج الدعوات(١٦١) قال: رأيت في المنام من يعلمني دعاء يصلح لأيام الغيبة وهذه ألفاظه: يا من فضل إبراهيم وآل إسرائيل على العالمين باختياره، وأظهر في ملكوت السماوات والأرض اقتداره، وأودع محمدا صلى الله عليه وآله وأهل بيته غرائب أسراره، صل على محمد وآله واجعلني من أعوان حجتك على عبادك وأنصاره.
فصل

قال السيد (رضي الله عنه): حدثني صديقنا الملك مسعود ختم الله جل جلاله له بإنجاز الوعود أنه رأى في منامه شخصا يكلمه من وراء حائط، ولم ير وجهه، ويقول يا صاحب القدر والأقدار والهمم والمهام عجل فرج عبدك ووليك والحجة القائم بأمرك في خلقك، واجعل لنا في ذلك الخيرة.
فصل

- ومن الدعوات المأثورة ما رواه السيد في الكتاب المذكور، في حديث ذكر فيه غيبة المهدي (عليه السلام) قلت كيف تصنع شيعتك قال: عليكم بالدعاء وانتظار الفرج إلى أن قال: قلت:
فما ندعو به قال: تقول: اللهم أنت عرفتني نفسك، وعرفتني رسولك وعرفتني ملائكتك، وعرفتني نبيك، وعرفتني ولاة أمرك اللهم لا آخذ إلا ما أعطيت ولا واقي إلا ما وقيت اللهم لا تغيبني عن منازل أوليائك ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني اللهم اهدني لولاية من افترضت طاعته(١٦٢).
فصل

ومن الدعوات التي ينبغي المواظبة عليها ما ذكره المحقق المحدث النوري (رضي الله عنه) في تحية الزائر، نقلا عن كتاب مصباح الزائر للسيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه).
- وهو هذا: اللهم صل على محمد وأهل بيته وصل على ولي الحسن ووصيه ووارثه القائم بأمرك والغائب في خلقك، والمنتظر لإذنك، اللهم صل عليه وقرب بعده، وأنجز وعده وأوف عهده، واكشف عن بأسه حجاب الغيبة، وأظهر بظهوره صحائف المحنة، وقدم أمامه الرعب، وثبت به القلب، وأقم به الحرب، وأيده بجند من الملائكة مسومين، وسلطه على أعداء دينك أجمعين، وألهمه أن لا يدع منهم ركنا إلا هده ولا هاما إلا قده ولا كيدا إلا رده، ولا فاسقا إلا حده، ولا فرعون إلا أهلكه، ولا سترا إلا هتكه، ولا علما إلا نكسه، ولا سلطانا إلا كبته ولا شيطانا إلا كبسه، ولا رمحا إلا قصفه ولا مطردا إلا خرقه، ولا منبرا إلا أحرقه، ولا جندا إلا فرقه ولا سيفا إلا كسره ولا صنما إلا رضه ولا دما إلا أراقه ولا جورا إلا أباده ولا حصنا إلا هدمه ولا بابا إلا ردمه، ولا قصرا إلا أخربه، ولا مسكنا إلا فتشه، ولا سهلا إلا وطأه ولا جبلا إلا صعده، ولا كنزا إلا أخرجه برحمتك يا أرحم الراحمين.
فصل
- ومن الأدعية المهمة المروية لقضاء الحاجة المشتملة على الدعاء لتعجيل فرج خاتم الأئمة، والتوسل به لدفع كل ملمة، ما في كتاب جنة المأوى نقلا عن كتاب كنوز النجاح، للشيخ الطبرسي الفضل بن الحسن صاحب التفسير قال: دعاء علمه صاحب الزمان عليه سلام الله الملك المنان، أبا الحسن محمد بن أحمد بن أبي الليث، رحمه الله تعالى، في بلدة بغداد، في مقابر قريش، وكان أبو الحسن قد هرب إلى مقابر قريش والتجأ إليه من خوف القتل، فنجى منه ببركة هذا الدعاء.
قال أبو الحسن المذكور: إنه علمني أن أقول: اللهم عظم البلاء وبرح الخفاء وانقطع الرجاء، وانكشف الغطاء، وضاقت الأرض ومنعت السماء، وإليك يا رب المشتكى وعليك المعول في الشدة والرخاء.
اللهم فصل على محمد وآل محمد، أو لي الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم فعرفتنا بذلك منزلتهم، ففرج عنا بحقهم، فرجا عاجلا كلمح البصر أو هو أقرب، يا محمد يا علي أكفياني فإنكما كافياي، وانصراني فإنكما ناصراي، يا مولاي يا صاحب الزمان، الغوث الغوث الغوث أدركني أدركني أدركني.
قال الراوي: إنه (عليه السلام) عند قوله يا صاحب الزمان كان يشير إلى صدره الشريف.

الباب الثامن: في سائر ما يتقرب به إليه ويسره ويزلف لديه من تكاليف العباد، بالنسبة إليه صلوات الله وسلامه عليه

وهي أمور:
الأول: تحصيل معرفة صفاته وآدابه وخصائص جنابه والمحتومات من علامات ظهوره وهذا لازم بالعقل والنقل:
أما الأول: فلأنه إمام يفترض طاعته، وكل من يفترض طاعته يجب معرفة صفاته لئلا يشتبه بغيره ممن يدعي مقامه كذبا وبغيا فمولانا الحجة (عليه السلام) يجب معرفة صفاته. وليعلم أن اللازم من تحصيل المعرفة بصفاته الخاصة ما يمتاز به عن غيره، بحيث يفرق به بين المحق والمبطل في دعواه كما لا يخفى وسيجيء لهذا الدليل مزيد توضيح وتبيين في طي الكلام إن شاء الله تعالى.
- وأما الثاني: فلما رواه الصدوق عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: من شك في أربعة فقد كفر بجميع ما أنزل الله تبارك وتعالى أحدها معرفة الإمام في كل زمان وأوان بشخصه ونعته.
- ويؤيده ما رواه أيضا في كمال الدين(١٦٣) بإسناده عن الصادق عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال في خطبة له على منبر الكوفة: اللهم إنه لا بد لأرضك من حجة لك على خلقك، تهديهم إلى دينك، تعلمهم علمك، لئلا تبطل حجتك ولا يضل أتباع أوليائك بعد إذ هديتهم به إما ظاهر ليس بالمطاع، أو مكتتم مترقب، إن غاب عن الناس شخصه في حال هدنتهم لم يغب عنهم علمه، وآدابه في قلوب المؤمنين مثبتة، فهم بها عاملون أقول: الآداب: جمع دأب وهو كما في القاموس الشأن والعادة، فالمعنى إما أن يكون ثبوت عاداته وأوصافه الرضية في قلوبهم سببا لعملهم بما يرضيه، بناء على كون اللام تعليلية، أو أن آدابه مثبتة في قلوبهم، وهم يعملون أعمالا تماثل آدابه وأعماله الشريفة، فيكون " اللام " بمعنى الباء، كما في بعض الروايات، وأنهم يعملون الأعمال الصالحة في زمان غيبته لكي يتأدبوا بآدابه، ويتصفوا بصفاته فيكون اللام للغاية، وأيا ما كان، فيثبت المطلوب، وهو كون ثبوت آدابه وأخلاقه في القلب من صفات المؤمنين، ولوازم الإيمان.
ويشهد، لما ذكرنا أيضا شدة اهتمام النبي والأئمة (عليهم السلام)، في كل زمان ببيان صفاته وخصائصه المميزة له عن غيره من الأئمة، فضلا عن سائر الناس كما لا يخفى على المتتبع.
وليس، ذلك إلا للزوم معرفة صفاته، وخصائصه " صلوات الله عليه " على جميع الناس، والوجه فيه ظاهر، وهو توفر دواعي طالبي الرياسة على ادعاء منصبه كذبا وأدل شيء على ذلك وقوعه، فوجب على كل مؤمن أن يعرف إمام زمانه بصفاته الخاصة وآدابه المخصوصة حتى لا يختلج في قلبه شبهة بدعوى ملحد ما ليس أهلا له هذا.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما فيه كفاية لأولي الألباب، في هذا الباب فعليك بالنظر فيه بابا بعد باب، والله الهادي إلى نهج الصواب.
تنبيه: قد عقدنا في صدر هذا الكتاب بابا في وجوب معرفته والغرض ثمة وجوب معرفة شخصه باسمه ونسبه، وأن الأعمال لا تتم إلا بمعرفة الإمام (عليه السلام) والغرض هنا إثبات وجوب معرفة صفاته وآدابه الخاصة في الجملة، فلا تغفل هذا.
ويدل على وجوب معرفة مولانا صلوات الله عليه بكلا الوجهين، مضافا إلى ما مر أخبار كثيرة:
- منها: ما روي في أصول الكافي(١٦٤) بسند صحيح عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال اعرف إمامك فإنك إذا عرفته لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر.
- وفيه:(١٦٥) بإسناده عن فضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: * (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) * فقال: يا فضيل اعرف إمامك، فإنك إذا عرفت إمامك لم يضرك، تقدم هذا الأمر أو تأخر، ومن عرف إمامه ثم مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر كان بمنزلة من كان قاعدا في عسكره، لا بل بمنزلة من قعد تحت لوائه قال: وقال بعض أصحابه: بمنزلة من استشهد مع رسول الله (عليه السلام).
- وفيه(١٦٦) بسند صحيح عن فضيل بن يسار (رضي الله عنه) قال: سمعت أبا جعفر (رضي الله عنه) يقول: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية ومن مات وهو عارف لإمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر، ومن مات وهو عارف لإمامه كان كمن هو مع القائم في فسطاطه.
- وفيه(١٦٧) في الصحيح عن عمر بن أبان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اعرف العلامة فإذا عرفته لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر، إن الله عز وجل يقول * (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) * فمن عرف إمامه كان كمن كان في فسطاط المنتظر.
أقول: قوله: اعرف العلامة كلمة جامعة في معرفة الإمام وكلام الملوك ملوك الكلام، بيان ذلك أن المراد بالعلامة ما يمتاز به صاحبها عن غيره، بحيث لا يشتبه على من عرف علامته، وعلامة الإمام إما راجعة إلى نسبه، أو إلى بدنه أو إلى علمه وأخلاقه، أو إلى خصائصه في حال ظهوره، والعلامات المحتومة التي أخبر بها الأئمة الأطهار، ومن علامات الإمام أيضا ظهور المعجزة على يده، والشخص الطالب السالك في طريق المعرفة إذا عرف علامة الإمام لم يشتبه عليه إمامه، وإن كثر من يدعي ذاك المقام.
- ولهذا قالوا: إن أمرنا أبين من الشمس، وإنه كالصبح ليس به خفاء، فقد اتضح بحمد الله وجوب معرفة صفاته وعلاماته، وأخلاقه ودلائله، لأن معرفته تحصل بذلك إذا عرفت هذا.
فنقول: لا ريب أن المقصود من المعرفة التي أمرنا أئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بتحصيلها بالنسبة إلى إمام زماننا هو أن نعرفه على ما هو عليه، بحيث يكون سببا لسلامتنا من شبهات الملحدين، ونجاة لنا من إضلال المفترين المضلين وذلك لا يحصل إلا بأمرين:
أحدهما: معرفة شخص الإمام باسمه ونسبه.
والثاني: معرفة صفاته وخصائصه وتحصيل هاتين المعرفتين من أهم الواجبات.
أما الأولى: فواضح ويدل على وجوب تحصيلها مضافا إلى ما مر في الباب الأول.
- ما رواه الشيخ الأجل محمد بن إبراهيم النعماني(١٦٨) بإسناده عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل يتولاكم ويبرأ من عدوكم، ويحل حلالكم، ويحرم حرامكم ويزعم أن الأمر فيكم لم يخرج منكم إلى غير كم، إلا أنه يقول إنهم قد اختلفوا فيما بينهم، وهم الأئمة القادة، وإذا اجتمعوا على رجل فقالوا: هذا، قلنا: هذا. فقال (عليه السلام) إن مات على هذا فقد مات ميتة جاهلية.
وروى من طريق آخر(١٦٩) عن سماعة بن مهران عن الصادق (عليه السلام) ومن طريق آخر(١٧٠) عن حمران بن أعين عن الصادق (عليه السلام) مثل هذا الكلام، فانظر كيف أوجب معرفة شخص الإمام باسمه ونسبه ولم يكتف بما دون ذلك وما ذكرنا كاف للمرتاد السالك.
وأما الثانية: فلأننا لأجل عدم تشرفنا بلقاء مولانا وإمام زماننا حرمنا من معرفته بصورته فلو ادعى مدع في هذا الزمان إنني صاحب الزمان لم يعرف صدقه وكذبه إلا بأمرين:
أحدهما ظهور المعجزة على يده، والثاني ظهور العلامات التي بينها الأئمة الطاهرون للإمام المنتظر القائم فيه، فإذا عرف المؤمن تلك العلامات وفهم تلك المكارم لم يصغ إلى كل ناعق، وميز بين الكاذب والصادق.
ولهذا قال مولانا الصادق (عليه السلام) لعمرو بن أبان، وهو من أجلاء صحبه الكرام: اعرف العلامة الخ، لأنه إذا عرف العلامة لم يضل بعد الهداية ولم يجنح إلى أهل الغواية.
والعجب من بعض شراح الكافي حيث قال في معنى الحديث: المراد بالعلامة الإمام، لأنه علامة يعرف به أحوال المبدأ والمعاد، والقوانين الشرعية، وليت شعري أي شيء دعاه إلى هذا التوجيه، وصرف اللفظ عما هو حقيقة فيه.
ولما كان أمر القائم (عليه السلام) من أعظم الأمور وأعجبها، ومقامه من أرفع المقامات وأمنعها، بحيث افتخر النبي وأوصياؤه في كثير من الروايات بقولهم: منا مهدي هذه الأمة وجب أن تكون خصائصه وعلامات ظهوره من أفضل الصفات وأبين العلامات بحيث لا يختفي على أحد من الرجال والنساء وأهل البوادي والأمصار، وأن تكون تلك العلامات والصفات، خارقة لما جرت عليه العادات، مايزة بذلك بين الصادقة والكاذبة من الدعاوى، مبينة في كلام الأئمة السادة الهداة، وهذه الجملة التي بيناها واضحة بحكم العقل والنقل. غير خفية على أولي النهى والفضل.
وحسبك شاهدا لما ادعيناه، وموضحا لما دريناه، ما ورد عنهم (عليهم السلام) في ذكر تلك العلامات، وبيان صفات القائم، من إشراق نوره في زمان ظهوره، والنداءات العامة البينة، والصيحة الموحشة المعلنة والغمامة المظلة على رأسه، المعلنة بأن هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه، وإجابة الشمس والقمر لدعوته وكشف الآلام والأمراض عن المؤمنين ببركته وظهور حجر موسى وعصاه على يده وغيرها مما ذكرنا جلا منه في الباب الرابع من هذا الكتاب، ورواه الأصحاب في كتبهم جزاهم الله عن الإسلام وأهله أفضل الجزاء.
- وإلى ما ذكرنا نبه مولانا أبو جعفر الباقر (عليه السلام) في الحديث المروي في البحار(١٧١) عن النعماني أنه قال اسكنوا ما سكنت السماوات والأرض، أي لا تخرجوا على أحد فإن أمركم ليس به خفاء، ألا إنها آية من الله عز وجل، ليست من الناس، ألا إنها أضوأ من الشمس لا يخفى على بر ولا فاجر، أتعرفون الصبح؟ فإنه كالصبح ليس به خفاء إلى غير ذلك من الأخبار المروية عن الأئمة الأخيار.
- ومما يدل صريحا على وجوب تحصيل هاتين المعرفتين ما روي في البرهان(١٧٢) عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان معرفة الرب، والإقرار له بالعبودية وحد المعرفة أن يعرف الله أن لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير وأن يعرف أنه قديم مثبت موجود غير فقيد موصوف من غير شبيه له، ولا نظير له ولا مبطل، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير وبعده معرفة الرسول، والشهادة له بالنبوة، وأدنى معرفة الرسول الإقرار بنبوته وأن ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي فذلك عن الله عز وجل وبعده معرفة الإمام الذي تأتم بنعته وصفته واسمه في حال العسر واليسر.
وأدنى معرفة الإمام أنه عدل النبي (عليه السلام) إلا درجة النبوة ووارثه وأن طاعته طاعة الله وطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتسليم له في كل أمر والرد إليه والأخذ بقوله ويعلم أن الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب وبعده الحسن، ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر بعده ثم علي بن موسى بعده ثم محمد بن علي وبعده علي بن محمد ابنه وبعد علي الحسن ابنه، والحجة من ولد الحسن ثم قال (عليه السلام):
يا معاوية جعلت لك في هذا أصلا فاعمل عليه، الخبر.
الأمر الثاني: رعاية الأدب بالنسبة إلى ذكره بأن لا يذكره المؤمن إلا بألقابه الشريفة المباركة، مثل الحجة والقائم والمهدي وصاحب الأمر وصاحب الزمان وغيرها وترك التصريح باسمه الشريف الأصلي وهو اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) " م ح م د ". واختلف أصحابنا رحمهم الله تعالى في حكم تسمية مولانا المهدي (عليه السلام) باسمه الأصلي.
فمنهم من جوزه مطلقا إلا في حال التقية كالمحدث العاملي في الوسائل(١٧٣) ومنهم من منعه مطلقا وهو ظاهر المحكي عن الشيخين الأقدمين: المفيد والطبرسي رضي الله عنهما ومنهم من قال بالحرمة مطلقا إلا في الأدعية الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) وهو إسماعيل بن أحمد العلوي العقيلي الطبرسي (رضي الله عنه) في كفاية الموحدين.
ومنهم من جوزه على كراهة، كالشيخ المحقق الأنصاري (رضي الله عنه) ومنهم من خص الحرمة بذكره في المحافل والمجامع دون غيرها، كالسيد المحقق الداماد والعالم المدقق النوري رضي الله عنهما.
ومنهم من خص الحرمة بزمان الغيبة الصغرى دون غيره ولا أعرف القائل بهذا القول إلا أن الظاهر من كلام الفاضل المجلسي (رضي الله عنه) في البحار(١٧٤) وجود قائل له والله العالم.
ويمكن ارجاع هذا القول إلى القول الأول: لأجل شدة التقية في زمان الغيبة الصغرى كما لا يخفى.
وكيف كان فتحقيق القول في هذا المقام أن ذكر اسمه الشريف المعهود (عليه السلام) يتصور على أقسام:
أحدها: ذكره في الكتب، ولا ريب في جوازه للأصل، ولعدم شمول أدلة المنع لذلك، ولما نشاهده من استقرار سيرة سلفنا الصالحين، وعلمائنا الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين من زمن الكليني (رضي الله عنه) إلى زماننا هذا على ذكر اسمه (عليه السلام) في كتبهم من غير نكير.
ثانيها: ذكره بالإشارة والكناية كأن يقال: اسمه اسم رسول الله وكنيته كنيته وهذا جائز لما مر في القسم الأول.
- مضافا إلى روايات عديدة من طرق الخاصة والعامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قد صرح فيها بأن المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي.
وليعلم أن الجواز في هذا القسم والقسم الأول مخصوص بغير حال الخوف فإنه من العناوين الطارئة، التي توجب حرمة كل جائز كما لا يخفى.
ثالثها: ذكره في الدعاء والمناجاة، بنحو لا يصدق عليه التسمية في المحافل والمجامع.
والظاهر هنا الجواز أيضا لجريان ما تسمعه من الأدلة للجواز في القسم السابع في هذا القسم مضافا إلى ورود ذلك في بعض الأدعية والتعقيبات لكن الأحوط الترك إلا أن يكون في رواية صحيحة فتأمل جيدا.
رابعها: ذكره في المجامع أو غيرها في نفسه سرا. والحق فيه الجواز أيضا لانصراف أدلة المنع عن هذا القسم فيبقى الأصل وأدلة الجواز سليمة عن المعارض..
- مضافا إلى ما روي في المستدرك(١٧٥) مسندا عن حذيفة بن اليمان، عن رسول الله في خبر في صفة المهدي (عليه السلام) قال وهو الذي لا يسميه باسمه ظاهرا قبل قيامه إلا كافر به.
ويؤيده أيضا تخصيص الحرمة في معقد الإجماع، الذي نقله المحقق الداماد (رضي الله عنه) بقوله معلنا مجاهرا، وسيأتي كلامه.
خامسها: ذكر هذا الاسم الشريف في مواضع الخوف، كمحافل أعداء الدين ومجامعهم، الذين يجب التقية عنهم، ولا خلاف في حرمة ذلك من أحد من المتقدمين والمتأخرين، ويدل عليه أيضا جميع أدلة التقية، وأحاديث المنع عن التسمية اتفاقا.
سادسها: ذكره في سائر المحافل والمجامع التي لا خوف فيها ولا تقية وهذا القسم قد صار معركة للآراء.
والمختار عندي هو القول بالحرمة، وفاقا للشيخ الصدوق، والمفيد، والطبرسي، والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي، والعالم المحقق النوري، بل حكي الإجماع في ذلك في كلام المحقق الداماد، والشهرة في كلام بعض آخر للأخبار الصحيحة والمعتبرة المستفيضة، بل المتواترة معنى:
- منها ما رواه الشيخ(١٧٦) الصدوق بسند صحيح عن أبي هاشم الجعفري (رضي الله عنه) قال:
سمعت أبا الحسن العسكري (عليه السلام) يقول: الخلف من بعدي ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف قلت: ولم جعلني الله فداك؟ قال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه قلت فكيف نذكره؟ قال (عليه السلام) قولوا: الحجة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى آبائه الطاهرين المعصومين.
ورواه ثقة الإسلام الكليني ره في الكافي(١٧٧) مرسلا.
- ومنها: ما رواه الصدوق بسند صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: صاحب هذا الأمر رجل لا يسميه باسمه إلا رجل كافر.
- ورواه الشيخ الكليني(١٧٨) بسند صحيح أيضا هكذا صاحب هذا الأمر لا يسميه باسمه إلا كافر.
- ومنها ما في الكافي(١٧٩) وكمال الدين(١٨٠) بسند معتبر عن الريان بن الصلت قال:
سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول، وسئل عن القائم لا يرى جسمه، ولا يسمى باسمه.
- ورواه في المستدرك مسندا عن الريان بن الصلت، قال: سمعت الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) يقول: القائم المهدي ابن ابني الحسن، لا يرى جسمه، ولا يسمي باسمه بعد غيبته أحد حتى يراه ويعلن باسمه فليسمه كل خلق، الخبر.
- ومنها: ما في المستدرك(١٨١) مسندا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خبر في صفة المهدي (عليه السلام) قال: وهو الذي لا يسميه باسمه ظاهرا قبل قيامه إلا كافر به.
- ومنها: ما فيه(١٨٢) أيضا عن الحسين بن علوان عن الصادق (عليه السلام) في عدد الأئمة قال: هم اثنا عشر من آل محمد (صلى الله عليه وآله) علي، والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومن شاء الله، قلت: جعلت فداك إنما أسألك لتفتيني بالحق قال (عليه السلام): أنا وابني هذا " وأومى إلى ابنه موسى " والخامس من ولده يغيب شخصه ولا يحل ذكره باسمه.
- ومنها: التوقيع الشريف(١٨٣) ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس.
- ومنها: توقيع آخر(١٨٤) من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله - رواهما الصدوق في كمال الدين(١٨٥).
- ومنها ما رواه الصدوق(١٨٦) بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سأل عمر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن المهدي فقال: يا بن أبي طالب أخبرني عن المهدي ما اسمه قال (عليه السلام) أما اسمه فلا، إن حبيبي وخليلي عهد إلي أن لا أحدث باسمه حتى يبعثه الله عز وجل وهو مما استودع الله عز وجل رسوله في علمه.
- ومنها: حديث الخضر، الذي رويناه في الباب الثاني، بسند صحيح وفيه وأشهد على رجل من ولد الحسين لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره، الخبر.
- ومنها: ما رواه الصدوق(١٨٧) بسند صحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه، ولا يحل لكم تسميته.
- ومنها: ما رواه(١٨٨) بسند صحيح عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال في وصفه، هو الذي تخفى على الناس ولادته ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته. الخبر، وقد مر بطوله في الباب الرابع في حرف الغين في أخبار الإمام الجواد بغيبته.
- ومنها: ما رواه(١٨٩) الصدوق عن عبد العظيم الحسني في حديث عرض دينه على أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) فعد الأئمة إلى أبي الحسن (عليه السلام) فقال (عليه السلام): ومن بعدي الحسن ابني فكيف الناس بالخلف من بعده! قال: فقلت وكيف ذلك يا مولاي!
قال (عليه السلام): لأنه لا يرى شخصه، ولا يحل ذكره باسمه، حتى يخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا.. الخبر.
- ومنها ما رواه(١٩٠) أيضا في الصحيح عن محمد بن زياد الأزدي، قال: سألت سيدي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) * فقال (عليه السلام) النعمة الظاهرة: الإمام الظاهر، والباطنة الإمام الغائب فقلت له: ويكون في الأئمة من يغيب؟
قال (عليه السلام): نعم يغيب عن أبصار الناس شخصه ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر، يسهل الله له كل عسير، ويذلل له كل صعب، ويظهر له كنوز الأرض، ويقرب له كل بعيد ويفني به كل جبار عنيد، ويهلك على يديه(١٩١) كل شيطان مريد ذلك ابن سيدة الإماء، الذي تخفى على الناس ولادته، ولا يحل لهم تسميته، حتى يظهره الله فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما.
- ومنها: ما رواه الشيخ الجليل علي بن محمد الخزاز الرازي أو القمي في كتاب كفاية الأثر(١٩٢) في النصوص على الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: دخل جندل بن جنادة اليهودي من خيبر على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال يا محمد (صلى الله عليه وآله) أخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه الله.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أما ما ليس لله، فليس لله شريك، وأما ما ليس عند الله فليس عند الله ظلم للعباد، وأما ما لا يعلمه الله، فذلك قولكم يا معشر اليهود عزير ابن الله، والله لا يعلم أن له ولدا. فقال جندل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله حقا.
ثم قال: يا رسول الله إني رأيت البارحة في النوم موسى بن عمران (عليه السلام) فقال لي يا جندل أسلم على يد محمد، واستمسك بالأوصياء من بعده، فقد أسلمت ورزقني الله ذلك فأخبرني بالأوصياء بعدك لأتمسك بهم.
فقال: يا جندل أوصيائي من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل، فقال: يا رسول الله إنهم كانوا اثني عشر هكذا وجدناهم في التوراة قال (صلى الله عليه وآله) نعم: الأئمة بعدي اثنا عشر فقال: يا رسول الله كلهم في زمن واحد؟ قال: لا ولكن خلف بعد خلف، فإنك لن تدرك منهم إلا ثلاثة قال:
فسمهم لي يا رسول الله قال (صلى الله عليه وآله) نعم إنك تدرك سيد الأوصياء ووارث الأنبياء، وأبا الأئمة علي بن أبي طالب عليه السلام بعدي ثم ابنه الحسن ثم الحسين فاستمسك بهم من بعدي ولا يغرنك جهل الجاهلين، فإذا كانت وقت ولادة ابنه علي بن الحسين، سيد العابدين يقضي الله عليك، ويكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن.
فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) هكذا وجدت في التوراة " إليا اليابقطو شبرا وشبيرا " فلم أعرف أساميهم، فكم بعد الحسين، من الأوصياء؟ وما أساميهم؟ فقال (صلى الله عليه وآله): تسعة من صلب الحسين (عليه السلام) والمهدي منهم فإذا انقضت مدة الحسين قام بالأمر بعده علي ابنه يلقب بزين العابدين، فإذا انقضت مدة علي، قام بالأمر بعده محمد ابنه ويدعى بالباقر، فإذا انقضت مدة محمد، قام بالأمر بعده جعفر، ويدعى بالصادق (عليه السلام)، فإذا انقضت مدة جعفر (عليه السلام)، قام بالأمر بعده موسى (عليه السلام) ويدعى بالكاظم، ثم إذا انتهت مدة موسى (عليه السلام) قام بالأمر بعد ابنه علي، ويدعى بالرضا (عليه السلام) فإذا انقضت مدة علي (عليه السلام) قام بالأمر ابنه محمد (عليه السلام) ويدعى بالزكي، فإذا انقضت مدة محمد (عليه السلام)، قام بالأمر بعده علي ابنه، ويدعى بالنقي، فإذا انقضت مدة علي، قام بالأمر من بعده الحسن ابنه ويدعى بالأمين.
ثم يغيب عنهم إمامهم قال: يا رسول الله هو الحسن يغيب عنهم قال: لا ولكن ابنه الحجة قال: يا رسول الله فما اسمه؟ قال (صلى الله عليه وآله) لا يسمى حتى يظهره الله.
قال جندل: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد وجدنا ذكرهم في التوراة، وقد بشرنا موسى بن عمران بك، وبالأوصياء بعدك من ذريتك.
ثم تلا رسول الله * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف)(١٩٣) *.
فقال جندل: يا رسول الله فما خوفهم قال (عليه السلام): يا جندل في زمن كل واحد منهم من يعتريه ويؤذيه فإذا عجل الله خروج قائمنا يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، ثم قال (صلى الله عليه وآله): طوبى للصابرين في غيبته طوبى للمقيمين على محجتهم، أولئك وصفهم الله في كتابه * (والذين يؤمنون بالغيب) * وقال * (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) *.
قال ابن الأسفع ثم عاش جندل بن جنادة إلى أيام الحسين بن علي (عليه السلام) ثم خرج إلى الطائف فحدثني نعيم بن أبي قيس، قال: دخلت عليه بالطائف وهو عليل ثم إنه دعا بشربة من لبن فشربه، وقال: هكذا عهد إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنه يكون آخر زادي من الدنيا شربة من لبن.
ثم مات رحمه الله تعالى ودفن بالطائف في الموضع المعروف بالكوراء.
- ومنها: ما رواه الفاضل المتبحر النوري في مستدرك الوسائل(١٩٤) عن كتاب الغيبة للشيخ الثقة الجليل فضل بن شاذان عن محمد بن عبد الجبار قال: قلت لسيدي الحسن بن علي (عليه السلام) يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعلت فداك، أحب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟
قال (عليه السلام): إن الإمام والحجة بعدي ابني سمي رسول الله (عليه السلام) وكنيه الذي هو خاتم حجج الله وخلفائه إلى أن قال فلا يحل لأحد أن يسميه أو يكنيه باسمه وكنيته قبل خروجه.
- ومنها ما في المستدرك(١٩٥) عن الكتاب المذكور قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري، قال: لما هم الوالي عمرو بن عوف بقتلي، وهو رجل شديد، وكان مولعا بقتل الشيعة، فأخبرت بذلك، وغلب علي خوف عظيم، فودعت أهلي وأحبائي وتوجهت إلى دار أبي محمد (عليه السلام) لأودعه، وكنت أردت الهرب فلما دخلت عليه رأيت غلاما جالسا في جنبه كأن وجهه مضيئا كالقمر ليلة البدر، فتحيرت من نوره وضيائه، وكاد أن أنسى ما كنت فيه من الخوف والهرب.
فقال: يا إبراهيم، لا تهرب. فإن الله تبارك وتعالى سيكفيك شره فازداد تحيري، فقلت لأبي محمد (عليه السلام): يا سيدي، جعلني الله فداك من هو وقد أخبرني بما كان في ضميري؟
فقال: هو ابني وخليفتي من بعدي وهو الذي يغيب غيبة طويلة ويظهر بعد امتلاء الأرض جورا وظلما فيملأها قسطا وعدلا. فسألته عن اسمه فقال (عليه السلام) هو سمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنيه ولا يحل لأحد أن يسميه أو يكنيه بكنيته إلى أن يظهر الله دولته وسلطنته فاكتم يا إبراهيم ما رأيت وسمعت منا اليوم إلا عن أهله فصليت عليهما وآبائهما وخرجت مستظهرا بفضل الله تعالى، واثقا بما سمعت من الصاحب (عليه السلام). الخبر أقول: هذه جملة من الأخبار الدالة على حرمة ذكر اسمه الشريف، وقد تركنا جملة منها حذرا من الإطناب وهذه الأخبار كما سمعت طائفتان، فطائفة منها تدل على حرمة ذكر الاسم المعهود في المجامع وغيرها سواء كان في حال التقية والخوف أم غير ذلك، وسواء كان في زمان الغيبة الصغرى أم الكبرى، والطائفة الأخرى خصت الحرمة بالمجامع وذكر اسمه الشريف المعهود ظاهرا مجاهرا، وهذه الطائفة مبينة للمراد من الطائفة السابقة، مقيدة لإطلاقاتها، ويشهد لذلك القرائن الآتية التي منها انعقاد الإجماع المنقول في كلام المحقق الداماد (رضي الله عنه) على التحريم، في خصوص المجامع ظاهرا مجاهرا فتدبر.
فإن قلت: يمكن أن تكون هذه الأخبار ناظرة إلى حال التقية والخوف بقرينة بعض الأخبار الأخر، فلا يجوز التعدي إلى غيرها:
- مثل ما روى في أصول الكافي(١٩٦) عن علي بن محمد عن أبي عبد الله الصالحي قال: سألني بعض أصحابنا بعد مضي أبي محمد (عليه السلام)، أن أسأل عن الاسم والمكان فخرج الجواب إن دللتهم على الاسم أذاعوه، وأن عرفوا المكان دلوا عليه.
- وفي كمال الدين(١٩٧) عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن عثمان العمري، في حديث أنه قال له: أنت رأيت الخلف؟ قال أي والله إلى أن قال: قلت فالاسم قال: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أن أحلل ولا أحرم، ولكن عنه فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمد (عليه السلام) مضى ولم يخلف ولدا إلى أن قال: وإذا وقع الاسم وقطع الطلب، واتقوا الله وأمسكوا عن ذلك.
قلت: إن ما ذكر في هذين الخبرين ونحوهما وجه لتشريع الحكم وحكمة للنهي عن التسمية كما أن غسل الجمعة شرع لئلا يتأذى الناس بأرياح آباط الأنصار كما روي في الفقيه وغيره، فكما لا يرتفع حكم غسل الجمعة بسبب انتفاء تلك الحكمة، كذلك لا يرتفع حكم التسمية بسبب انتفاء الحكمة المذكورة.
فإن قلت الظاهر من التعليل في الرواية الثانية كون الخوف علة للتحريم فإذا ارتفع الخوف ارتفع الحكم.
قلت: لا يجوز حمل ذلك على العلة الحقيقية، لوجوه:
الأول: إن نظير هذه العبارة وقع في مواضع متعددة، وحملها الأصحاب على حكمة التشريع فلا ظهور لها في المدعى.
نعم لو ورد النص بانحصار علة تحريم شيء في أمر مخصوص، جاز رفع اليد عن عموم التحريم.
وهذا في المقام غير معلوم. لعدم الصراحة وعدم العلم بانحصار العلة في ملاحظة الخوف والتقية، لما ستعرف إن شاء الله تعالى.
الثاني: إن ذلك لو كان علة لما أبى النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذكر اسمه لجندل الخيبري ولما نهى الصادق (عليه السلام) أصحابه عن ذكر اسمه الشريف، إذ لم يكن تقية في هذا الأمر في زمانهم، لعدم ولادة المهدي عجل الله تعالى فرجه.
وما قد يتخيل من أن ما ورد عنهم في النهي عنه والحكم بحرمته، وعدم حليته أخبار عن حال الموجودين في زمان الحجة (عليه السلام)، بأنه يحرم عليهم تسميته للتقية والخوف فبعيد في الغاية وضعيف في النهاية لأن الظاهر كونهم في مقام بيان الحكم، مضافا إلى امتناع هذا التخيل في بعض النصوص المذكورة، كقوله (عليه السلام)، لا يسميه باسمه إلا كافر.
الثالث: إنه لو كانت التقية علة لهذا الحكم، لما جاز إظهار اسمه الشريف لهم أصلا مع أن الأخبار المتكثرة من طرق الفريقين دلت على تنصيص النبي (صلى الله عليه وآله) بأن اسمه اسمي وكنيته كنيتي فقد عرفوا بذلك اسمه الشريف.
الرابع: إنه لو كانت علة النهي عن الاسم التقية والخوف لا غير، لوجب أن لا يذكر باسم ولا لقب أصلا إذ يجب اطراد العلة، ولئلا يعرفه الأعداء مع أنه (عليه السلام) كان معروفا بألقابه أكثر من اسمه خصوصا لقبه المهدي (عليه السلام) والعامة كانوا يعرفونه بلقبه ونسبه ولم ينقل خبر في النهي عن ذكر ما سوى هذا الاسم الشريف من ألقابه بل خص المنع في التوقيع الآتي وغيره بذكر اسمه بخصوصه فهذا دليل على أن العلة في التحريم أمر خفي علينا، وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخبر المروي عن كتاب كمال الدين.
الخامس: إنه لو كانت الحرمة دائرة مدار الخوف والتقية لما صح جعل ظهوره غاية لذلك لأن التقية قد تكون، وقد لا تكون.
السادس: ما عرفت من ترك الخضر (عليه السلام) ذكر اسمه الشريف، مع أنه لم يكن في ذلك المجلس خوف أصلا.
السابع: ما ذكرنا المحقق النوري: من أن في جملة من أخبار المنع وما لم يذكر فيه اسمه، تصريحا بأنه سمي النبي، فالسامع الراوي عرف اسمه فإن كانت التقية منه فقد عرفه، وإن كان من غيره فلا وجه لعدم ذكره في هذا المجلس، بل اللازم تنبيه الراوي بأن لا يسميه في مجلس آخر.
الثامن: إن المسمى باسم محمد (صلى الله عليه وآله) لم يكن منحصرا في القائم (عليه السلام) حتى يكون ذكره به منهيا عنه لكي لا يعرفه الأعداء بل لو كان العلة الخوف لوجب النهي عن ذكره بالحجة وصاحب الغيبة. ونحوهما فإنها مما لم يعهد تسمية غيره به، بل كان اللازم أن لا يعبر عنه بابن العسكري أيضا لكونه صريحا في حياته وبقائه (عليه السلام) فيطلبه الأعداء ومن هنا ظهر ضعف القول باختصاص التحريم بزمان الغيبة الصغرى، إذ لو كان الخوف والتقية هي العلة للزم النهي عن ذكر ألقابه المخصوصة أيضا.
والحاصل: إن حرمة ذكر هذا الاسم الشريف ليست دائرة مدار الخوف وعدمه بخلاف سائر أسمائه وألقابه، فإن جواز ذكرها وعدمه دائر مدار الخوف والتقية فيحرم عند التقية، ويجوز عند عدمها وكذا الحال في ذكر سائر الأئمة (عليهم السلام) فهم في هذا الحكم سواء كما دلت عليه الروايات وهذا الوجه مما اختلج بالبال في هذا المقال، وسيجيء له زيادة تبيين وتوضيح إن شاء الله تعالى، فانتظر لتمام الكلام.
والوجوه السابقة قد ذكر بعضها المحقق النوري (رضي الله عنه) فمن ملاحظة ذلك كله يحصل الجزم للفقيه الماهر، بكون الخوف المشار إليه في الخبرين المرقومين حكمة في جعل هذا الحكم لا علة له.
مضافا إلى أن حمل الكلام على التقية خلاف الأصل لأن الظاهر من طريقة العقلاء وأهل اللسان كونهم في محاورتهم في بيان مقام الحكم الواقعي فصرف الكلام إلى غيره يحتاج إلى دليل صريح يوجب رفع اليد عن العمومات الكثيرة وهو مفقود في المقام.
وأيضا القول بالتحريم (مطلقا) هو مقتضى ظهور العام كما عرفت فتخصيص الحرمة ببعض الأفراد إخراج للعام عن ظاهره من غير دليل فتدبر.
وأيضا تخصيص الحرمة بحال الخوف والتقية يوجب إخراج الأكثر عن تحت العموم وهو غير جائز كما لا يخفى على من تدبر.
إذا عرفت ذلك فنقول إن ما اخترناه من القول بحرمة ذكر اسمه الشريف المعهود في المحافل والمجامع مؤيد بأمور.
أحدها: إنه لم ينقل في أحاديث المعراج خبر واحد صرح فيه الرب جل جلاله باسم المهدي روحي فداه كما لا يخفى على المتتبع.
الثاني: إنه لم ينقل في الأحاديث النبوية مع كثرتها وتظافرها حديث صرح النبي (صلى الله عليه وآله) فيه باسمه الشريف بل كان يذكره بألقابه أو يقول (صلى الله عليه وآله) اسمه اسمي وكنيته كنيتي وهذان الوجهان ذكرهما المحدث النوري (رضي الله عنه) وفي كليهما نظر.
الثالث: الإجماع المنقول في كلام السيد المحقق الداماد، ولا بأس بنقل كلامه على ما حكاه بعض الأوتاد للتأييد والاستشهاد قال (رضي الله عنه) في كتابه " شرعة التسمية في زمان الغيبة ":
إن شرعة الدين وسبيل المذهب أنه لا يحل لأحد من الناس في زمننا هذا - وأعني به زمان الغيبة - إلى أن يحين حين الفرج، ويأذن الله سبحانه لوليه وحجته على خلقه القائم بأمره، والراصد لحكمه بصريح الظهور، وشروق المخرج، أن يسميه ويكنيه صلوات الله عليه في محفل مجمع، مجاهرا باسمه الكريم، معلنا بكنيته الكريمة، وإنما الشريعة المشروعة المتلقاة عن ساداتنا الشارعين صلوات الله عليهم أجمعين في ذكرنا إياه ما دامت غيبته الكناية عن ذاته القدس بألقابه القدسية: كالخلف الصالح والإمام القائم، والمهدي المنتظر والحجة من آل محمد (عليه السلام) وكنيته.
وعلى ذلك إطباق أصحابنا السالفين وأشياخنا السابقين الذين سبقونا بضبط مآثر الشرع وحفظ شعائر الدين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين والروايات الناصة متظافرة بذلك عن أئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وليس يستنكره إلا ضعفاء التصور بالأحكام والأخبار وإطفاء الاطلاع على الدقائق والأسرار وإلا القاصرون الذين درجتهم في الفقه ومبلغهم من العلم أن لا يكون لهم قسط من الخبرة بخفيات مراسم الشريعة، ومعالم السنة، ولا نصيب من البصيرة في حقائق القرآن الحكيم ولاحظ من تعرف الأسرار الخفية، التي أستودعها أحاديث مهابط الوحي، ومعادن الحكمة، ومواطن النور، وحفظة الدين، وحملة السر، وعيبة علم الله العزيز. انتهى كلامه رفع مقامه.
الرابع: استقرار سيرة قاطبة أهل الإيمان في جميع الأمصار والبلدان في كل زمان من الأزمان على ترك التصريح باسم مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) بحيث لم يعهد من أحد منهم، ولم يسمع التصريح باسمه الشريف في محفل من المحافل، ومجمع من المجامع، وهذه الأمور بعد ضمها إلى النصوص المذكورة الصحيحة توجب الاطمئنان بحرمة التصريح باسمه الشريف في مجمع من مجامع الناس، والله العالم وهو العاصم.
سابعها: ذكر اسمه الشريف في غير المجامع للخواص، أعني الشيعة رضوان الله عليهم.
والأقرب هنا الجواز لورود أخبار عديدة متعاضدة بذكر هذا الاسم الشريف فعلا وتقريرا عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام):
منها: حديث اللوح، المروي بسند معتبر في أصول الكافي وكمال الدين(١٩٨) وغيرهما من الكتب المعتبرة.
- ونحن نذكر ما رواه ثقة الإسلام في أصول الكافي(١٩٩) بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبي (عليه السلام) لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك، فأسألك عنها، فقال له جابر: أي الأوقات أحببته. فخلا به في بعض الأيام، فقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب.
فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة (عليها السلام) في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهنيتها بولادة الحسين (عليه السلام) ورأيت في يديها لوحا أخضر ظننت أنه من زمرد، ورأيت فيه كتابا أبيض شبه لون الشمس فقلت لها: بأبي وأمي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟
فقالت: هذا لوح أهداه الله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه اسم أبي، واسم بعلي واسم ابني، واسم الأوصياء من ولدي وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك، قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة (عليها السلام) فقرأته واستنسخته.
فقال أبي (عليه السلام): فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ قال: نعم فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق، فقال: يا جابر انظر في كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته، فقرأه أبي فما خالف حرف حرفا فقال جابر: فأشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبا:
" بسم الله الرحمن الرحيم " هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه، ونوره وسفيره، وحجابه، ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين: عظم يا محمد أسمائي، واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي إني أنا الله لا إله إلا أنا قاصم الجبارين، ومديل المظلومين، وديان الدين، إني أنا الله لا إله إلا أنا فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فإياي فاعبد وعلي فتوكل.
إني لم أبعث نبيا فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيا، وإني فضلتك على الأنبياء، وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك وسبطيك " حسن وحسين " فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه، وجعلت حسينا خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة جعلت كلمتي التامة معه، وحجتي البالغة عنده. بعترته أثيب وأعاقب.
أولهم: علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه شبه جده المحمود محمد الباقر علمي(٢٠٠) والمعدن لحكمي، سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد علي، حق القول مني: لأكرمن مثوى جعفر، ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، أتيحت بعده بموسى فتنة عمياء حندس لأن خيط فرضي لا ينقطع، وحجتي لا تخفى وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى، من جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي.
ويل للمفترين، الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي وحبيبي وخيرتي في علي، وليي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوة، وأمتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر، يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح، إلى جنب شر خلقي، حق القول مني:
لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، فهو معدن علمي وموضع سري وحجتي على خلقي لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار.
واختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن، وأكمل ذلك بابنه " م ح م د " رحمة للعالمين. عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب، فتذل أوليائي في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين مرعوبين، وجلين تصبغ الأرض بدمائهم، وتفشو الويل والرنة في نسائهم أولئك أوليائي حقا بهم ادفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل وأدفع الآصار والأغلال، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون.
قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك فصنه إلا عن أهله.
- ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين(٢٠١) عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه) قال: حدثنا الحسن بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عمرو سعيد بن محمد بن نصر القطان، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد السلمي، قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن سعيد، قال: حدثنا العباس بن أبي عمرو عن صدقة عن أبي نضرة قال:
لما احتضر أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) الوفاة دعا بابنه الصادق (عليه السلام) فعهد إليه عهدا فقال له أخوه زيد بن علي: لو امتثلت في بمثال الحسن والحسين (عليهما السلام)، لرجوت أن لا تكون أتيت منكرا.
فقال: يا أبا الحسن، إن الأمانات ليست بالتمثال، ولا العهود بالرسوم، وإنما هي أمور سابقة عن حجج الله تبارك وتعالى.
ثم دعا بجابر بن عبد الله، فقال له: يا جابر حدثنا بما عاينت في الصحيفة، فقال له جابر:
نعم، يا أبا جعفر دخلت على مولاتي فاطمة (عليها السلام) لأهنئها بمولود الحسن (عليه السلام) فإذا هي بصحيفة بيدها من درة بيضاء، فقلت يا سيدة النسوان ما هذه الصحيفة التي أراها معك؟
قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي، فقلت لها: ناوليني لأنظر فيها قالت يا جابر لولا النهي لكنت أفعل، لكنه نهي أن يمسها إلا نبي أو وصي، أو أهل بيت نبي، ولكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها.
قال جابر: فقرأت فإذا فيها أبو القاسم محمد بن عبد الله المصطفى، أمه آمنة بنت وهب، أبو الحسن علي بن أبي طالب المرتضى، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، أبو محمد الحسن بن علي البر، أبو عبد الله الحسين بن علي التقي أمهما فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله)، أبو محمد علي بن الحسين بن العدل أمه شهربانويه بنت يزدجرد بن شاهنشاه، أبو جعفر محمد بن علي الباقر، أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، أبو إبراهيم موسى بن جعفر الثقة، أمه جارية اسمها حميدة، أبو الحسن علي بن موسى الرضا، أمه جارية اسمها نجمة، أبو جعفر محمد بن علي الزكي أمه جارية اسمها خيزران، أبو الحسن علي بن محمد الأمين أمه جارية اسمها سوسن، أبو محمد الحسن بن علي الرفيق، أمه جارية اسمها سمانة، وتكنى بأم الحسن، أبو القاسم محمد بن الحسن هو حجة الله تعالى على خلقه، القائم، أمه جارية اسمها نرجس، صلوات الله عليهم أجمعين.
قال الشيخ الصدوق (رضي الله عنه): جاء هذا الحديث هكذا بتسمية القائم (عليه السلام) والذي أذهب إليه ما روي في النهي من تسميته.
- ومنها: ما في تاسع البحار(٢٠٢) عن كتاب الروضة وكتاب الفضائل بإسناده يرفعه إلى عبد الله بن أبي أوفى، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لما خلق الله إبراهيم الخليل (عليه السلام) كشف الله عن بصره، فنظر إلى جانب العرش، فرأى نورا، فقال إلهي وسيدي ما هذا النور؟
قال: يا إبراهيم، هذا محمد صفيي، فقال: إلهي وسيدي، أرى إلى جانبه نورا آخر! فقال:
يا إبراهيم، هذا علي ناصر ديني، فقال: إلهي وسيدي، أرى إلى جانبهما نورا ثالثا! قال: يا إبراهيم هذه فاطمة، تلي أباها وبعلها، فطمت محبيها من النار.
قال: إلهي وسيدي، أرى نورين يليان الثلاثة الأنوار؟ قال: يا إبراهيم هذا للحسن والحسين يليان أباهما وجدهما وأمهما.
فقال: إلهي وسيدي أرى تسعة أنوار أحدقوا بالخمسة الأنوار قال: يا إبراهيم هؤلاء الأئمة من ولدهم، فقال: إلهي وسيدي، فبمن يعرفون؟ قال: يا إبراهيم، أولهم علي بن الحسين، ومحمد ولد علي، وجعفر ولد محمد، وموسى ولد جعفر، وعلي ولد موسى، ومحمد ولد علي، وعلي ولد محمد، والحسن ولد علي، ومحمد ولد الحسن القائم المهدي.
قال: إلهي وسيدي أرى عدة أنوار حولهم لا يحصي عدتهم إلا أنت؟ قال: يا إبراهيم هؤلاء شيعتهم، ومحبوهم قال: إلهي وبما يعرفون شيعتهم ومحبوهم؟ قال: بصلاة الإحدى والخمسين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، والقنوت قبل الركوع، وسجدة الشكر، والتختم باليمين.
قال إبراهيم: اللهم اجعلني من شيعتهم ومحبيهم، قال قد جعلتك فأنزل الله فيه: * (وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم) *.
- ومنها: ما في تاسع البحار(٢٠٣) أيضا عن غيبة الشيخ الطوسي (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسندا في حديث الوصية التي كتبها أمير المؤمنين (عليه السلام) بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمر بأن يسلمها كل إمام إلى الإمام الذي يكون بعده، إلى أن قال: فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن البر الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد باقر العلم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الثقة التقي.
فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد. الخبر.
- ومنها: ما في كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثني عشر بإسناده عن أبي هريرة قال: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إن لكل نبي وصيا وسبطين فمن وصيك وسبطاك؟ فسكت ولم يرد علي الجواب، فانصرفت حزينا، فلما حان الظهر قال: (صلى الله عليه وآله) أدن يا أبا هريرة فجعلت أدنو وأقول: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله (صلى الله عليه وآله)!.
ثم قال (صلى الله عليه وآله) إن الله بعث أربعة آلاف نبي، وكان لهم أربعة آلاف وصي، وثمانية آلاف سبط، فوالذي نفسي بيده لأنا خير النبيين، ووصيي خير الوصيين، وأن سبطي خير الأسباط.
ثم قال (عليه السلام): سبطاي خير الأسباط الحسن والحسين، سبطا هذه الأمة، وأن الأسباط كانوا من ولد يعقوب (عليه السلام)، وكانوا اثني عشر رجلا، وأن الأئمة بعدي اثنا عشر رجلا من أهل بيتي علي (عليه السلام) أولهم، وأوسطهم محمد، وآخرهم محمد مهدي هذه الأمة، الذي يصلي عيسى خلفه. ألا إن من تمسك بهم بعدي فقد تمسك بحبل الله، ومن تخلى منهم فقد تخلى من حبل الله(٢٠٤).
- ومنها: ما في كفاية الأثر(٢٠٥) أيضا بإسناده عن مفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين (عليه السلام) عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أسري بي إلى السماء أوحى إلي ربي جل جلاله. فقال: يا محمد، إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها، وجعلتك نبيا وشققت لك من اسمي اسما، فأنا المحمود، وأنت محمد ثم اطلعت ثانية فاخترت منها عليا، وجعلته وصيك وخليفتك، وزوج ابنتك، وشققت له اسما من أسمائي فأنا العلي الأعلى، وهو علي. وجعلت فاطمة والحسن والحسين من نور كما ثم عرضت ولايتهم على الملائكة، فمن قبلها كان عندي من المقربين.
يا محمد، لو أن عبدا عبدني حتى ينقطع كالشن البالي، ثم أتاني جاحدا لولايتهم، ما أسكنته جنتي، ولا أظللته تحت عرشي.
يا محمد، أتحب أن تراهم؟ قلت نعم يا ربي، فقال عز وجل: ارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا بأنوار علي وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر ابن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسين بن علي و" م ح م د " بن الحسن، القائم في وسطهم كأنه كوكب دري يوقد. قلت يا رب، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم يحل حلالي، ويحرم حرامي، وبه أنتقم من أعدائي، وهو راحة لأوليائي وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين، والكافرين.
- ومنها: ما رواه الصدوق (رضي الله عنه) في كمال الدين(٢٠٦) بسند معتبر بل صحيح، أن أبا محمد (عليه السلام) بعث إلى بعض من سماه شاة مذبوحة، وقال: هذه من عقيقة ابني محمد.
- ومنها: ما رواه المحدث العاملي (رضي الله عنه) في الوسائل(٢٠٧) بإسناده عن الصدوق عن محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب الكليني (رضي الله عنه) عن علان الرازي، عن بعض أصحابنا أنه لما حملت جارية أبي محمد (عليه السلام) قال: ستحملين ولدا واسمه محمد، وهو القائم من بعدي.
- ومنها: ما رواه أيضا في الوسائل(٢٠٨) بإسناده عن ابن بابويه، عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه) عن أبي علي محمد بن همام، عن محمد بن عثمان العمري، عن أبيه، عن أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) في الخبر الذي روي عن آبائه (عليهم السلام) أن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
فقال: إن هذا حق كما أن النهار حق فقيل يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمن الحجة والإمام بعدك؟
فقال: ابني محمد هو الإمام والحجة بعدي فمن مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية.
- ومنها: ما رواه المجلسي(٢٠٩) في باب ولادته عجل الله تعالى فرجه عن كشف الغمة(٢١٠).
قال: قال ابن الخشاب: حدثني أبو القاسم طاهر بن هارون بن موسى العلوي عن أبيه عن جده، قال: قال سيدي جعفر بن محمد: الخلف الصالح من ولدي، وهو المهدي اسمه " م ح م د " وكنيته أبو القاسم يخرج في آخر الزمان الخبر.
إذا عرفت ما ذكرنا فنقول: إن مقتضى الجمع بين الدليلين أعني أخبار الحرمة والأخبار المجوزة، هو ما اخترناه من التفصيل بين مجامع الناس وغيرها فيقال بالحرمة في المجامع، وبالجواز في غيرها، لأن أخبار الجواز كما ترى إما نقل فعل أو تقرير، وليس لها عموم أو إطلاق يوجب رفع اليد عن الأخبار الناهية فوجب الأخذ بالقدر المتيقن، وتخصيص أدلة الحرمة بهذا المقدار، وهو غير المجامع من الناس ويبقى ذكر اسمه الشريف في المجامع تحت عموم أدلة الحرمة.
- ويؤيد ما ذكرنا، ويؤكده التوقيعان المرويان في كمال الدين(٢١١) أحدهما: ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس.
- والثاني: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه) قال: سمعت أبا علي محمد بن همام يقول: سمعت محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه يقول: خرج توقيع بخط نعرفه: من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله.
ويؤيد ما ذكرنا أيضا ما سمعته في كلام السيد المحقق الداماد (رضي الله عنه) من إطباق العلماء السابقين على حرمة التصريح باسمه المبارك في مجمع من الناس.
ويؤيده أيضا الاعتبار العقلي والعرفي لأن في التعبير عن شخص جليل بألقابه في المجامع والمحافل وترك التصريح باسمه نوعا من التعظيم والاحترام لا يخفى على أحد من العوام، فضلا عن الخواص والأعلام، والله العالم بحقائق الأحكام.
ويؤيده أيضا ما عرفت في حديث اللوح، أن أبا جعفر (عليه السلام) طلب من جابر أن يلقاه في الخلوة فكان ذكر اسمه منهما في غير مجمع من الناس.
ويؤيده أيضا لزوم تخصيص الأكثر لو قلنا بخروج غير مورد الخوف والتقية مطلقا عن العمومات المذكورة فتدبر.
ويؤيده أيضا حديث حذيفة بن اليمان الذي ذكرناه في القسم الرابع من ذلك العنوان.
فإن قلت: يمكن أن يقال بخروج غير موضع الخوف والتقية عن العمومات المذكورة السابقة مطلقا سواء كان في المجامع أم غيرها.
- لما رواه الشيخ الصدوق (رضي الله عنه) في كمال الدين(٢١٢) عن أبي جعفر (عليه السلام) عن آبائه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنبر: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان، وذكر صفة القائم إلى أن قال: له اسمان اسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يعلن فمحمد، الحديث.
فإن هذا الحديث يدل على جواز التصريح بهذا الاسم الشريف، في مجامع الناس فعلا وقولا، لتصريح أمير المؤمنين (عليه السلام) به على المنبر، وقوله وأما الذي يعلن فمحمد. ومن هنا يمكن أن يقال بأن اسمه الذي لا يجوز التصريح به هو أحمد.
قلت: لا يجوز تخصيص عمومات الحرمة بمجرد هذا الحديث لوجوه:
الأول: إنه ضعيف السند لاشتماله على إسماعيل بن مالك المجهول، وأبي الجارود رئيس الزيدية الجارودية الذي نقل عن ابن طاووس أنه قال في حقه: زياد بن المنذر أبو الجارود الأعمى السرحوب مذموم لا شبهة في ذمه سمي سرحوبا باسم شيطان أعمى يسكن البحر.
وفي نقد الرجال ومنتهى المقال عن الكشي (رضي الله عنه) في أبي الجارود الأعمى السرحوب نسب إليه السرحوبية من الزيدية وسماه بذلك الباقر (عليه السلام).
وذكر أن سرحوبا اسم شيطان أعمى يسكن البحر وكان أبو الجارود مكفوفا أعمى، أعمى القلب ثم ذكر روايات متعددة في ذمه ولعنه وكذبه.
وقال السيد التفريشي (رضي الله عنه) في النقد، ثم فيه رواية تدل على كذبه وكفره. انتهى.
الثاني: إن تصريح أمير المؤمنين (عليه السلام) باسمه على المنبر لا يكون دليلا على الجواز لغيره لإمكان اختصاص هذا الحكم به (عليه السلام) ونظير ذلك كثير لا يخفى على الخبير، مثل جواز دخوله في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) جنبا واختصاص لقب أمير المؤمنين به، وجواز الإيثار مع كون أهل بيته في حال الاضطرار وغيرها مما لا يخفى على المتتبع في أخبار الأئمة الأطهار.
الثالث: إن قوله (عليه السلام) وأما الذي يعلن فمحمد يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون المراد أن له اسمين يعرف الناس واحدا منهما وهو محمد ولا يعرفون الآخر وهو أحمد وهذا أمر نشاهده بالعيان.
وثانيهما: أن يكون المراد الإعلان بهذا الاسم المبارك في حين ظهوره فقد وردت أخبار بأنه ينادى باسمه واسم أبيه في ذلك الزمان، وقد مر ما يدل على ذلك في الباب الرابع في حرف النون وغيره.
وأما احتمال كون المراد بالاسم الذي لا يجوز التصريح به هو اسمه " أحمد " فلم يقل به أحد بل لم يحتمله أحد من علمائنا رضوان الله عليهم من الصدر الأول إلى زماننا ولا حملة الأحاديث ورواتها، الذين منهم وصلت إلينا كما لا يخفى على المتتبع.
فإن قلت: يمكن أن يكون المراد بالناس في التوقيعين المذكورين خصوص العامة فتكون قرينة على كون الحرمة مخصوصة بمورد الخوف والتقية. كما ذكره صاحب الوسائل(٢١٣) مستشهدا بإطلاق الناس على خصوص العامة في الروايات كثيرا.
قلت: قد أطلق الناس عليهم في الأخبار مع القرينة، وهي في المقام مفقودة فلا يجوز رفع اليد عن الأخبار الصحيحة الصريحة بمجرد الاحتمال.
فإن قلت قد روى في المستدرك عن حسين بن حمدان في كتابه رواية رضوية، مصرحة بجواز ذكر اسمه الشريف المعهود وغيره، عند الأمن من الخوف وأن العلة في النهي ليست إلا الخوف والتقية.
- وهي ما رواه عن علي بن الحسن بن فضال عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا علي بن موسى (عليه السلام) يقول: القائم المهدي (عليه السلام) ابن ابني الحسن لا يرى جسمه ولا يسمي باسمه بعد غيبته أحد حتى يراه ويعلن باسمه فليسمه كل الخلق فقلنا له: يا سيدنا فإن قلنا:
صاحب الغيبة وصاحب الزمان والمهدي قال: هو كله جائز مطلقا وإنما نهيتكم عن التصريح باسمه الخفي عن أعدائنا فلا يعرفوه:
قلت لا يجوز التعويل على ذلك لوجوه.
أحدها: إن حسين بن حمدان ضعيف كما في الوجيزة وفي نقد الرجال عن النجاشي:
حسين بن حمدان الحضيني الجنبلاني أبو عبد الله كان فاسد المذهب له كتب. وكذا في منتهى المقال.
وفيه عن الخلاصة: الحسين بن حمدان الجنبلاني بالجيم المضمومة والنون الساكنة والموحدة الحضيني بالمهملة المضمومة والمعجمة والنون بعد الياء أبو عبد الله كان فاسد المذهب كذاب صاحب مقالة ملعون لا يلتفت إليه ومثله عن رجال ابن داود (رضي الله عنه) لكن ضبط الخصيني بالمعجمة والمهملة والمثناة تحت والمفردة.
ومما يدل على عدم صحة الاعتماد عليه أن المحقق العالم النوري (رضي الله عنه) لم يعتمد عليه في هذا المقام مع أنه رواه في باب ألقاب الحجة عجل الله تعالى فرجه وهذا العالم الجليل من أجلاء العارفين بأحوال الرواة كما لا يخفى على من نظر في كتبه جزاه الله تعالى عن الإسلام وأهله خير الجزاء فكيف يجوز التمسك بمثل هذا الحديث في صرف عمومات أدلة التحريم عن ظواهرها.
والوجه الثاني: أن هذا الحديث على فرض صدوره ليس صريحا في المدعى فراجع وتدبر.
الثالث: إنه على فرض دلالته لا يدل على انحصار علة التحريم في ذلك كي يقتصر على مورد وجود العلة بل لا يمكن أن يكون ذلك علة حقيقية لأن الضمير في قوله: فلا يعرفوه؟
إن كان راجعا إلى الاسم يعني لا يجوز ذكر هذا الاسم لئلا يعرفه الأعداء كان هذا خلفا. لأنهم عرفوه بالأخبار الكثيرة المروية عن النبي والأئمة المصرحة بأن اسمه اسم رسول الله فقد عرفوا أن اسمه محمد، وإن كان الضمير راجعا إلى القائم يعني لا يجوز ذكر هذا الاسم لئلا يعرفوا المقصود بهذا الاسم فهذا غير سديد أيضا لوجهين:
الأول: إن المسمين بمحمد كثيرون في كل زمان فلو قال شيعي لشيعي آخر في مجلس الأعداء مثلا: قال محمد أو رأيت محمدا وأراد به إمامه لم يعرف الأعداء من المراد من الاسم ولم يكن خوف ولا تقية كما لا يخفى.
الوجه الثاني: إن هذا لو كان هو السبب الحقيقي للتحريم لوجب النهي عن ذكره (عليه السلام) بألقابه المخصوصة به كصاحب الغيبة وصاحب الزمان والحجة من آل محمد إذ لو قال شيعي لمثله في محفل الأعداء: رأيت صاحب الغيبة، أو الحجة من آل محمد لعرف الأعداء أن مراده الشخص الخاص إذ لم يعهد تسمية أحد بهذه الأسماء حتى يكون الذاكر لها في فسحة ومجال لأن يقول أردت به أحدا من الناس بل لنهض العدو للفحص والتفتيش عن المسمى بالاسم الخاص. فيجب حمل الخبر على الحكمة أو حمله على نحو من التأويل.
فإن قلت: يمكن الجمع بين أدلة الطرفين بوجه آخر، وهو حمل أخبار الحرمة على الكراهة، كما صنعه بعض المشايخ وهذا الجمع كثير النظير في أبواب الفقه.
قلت: إن هذا الجمع ليس مرضيا في هذا المقام لوجوه:
الأول: إن أدلة الحرمة كما عرفت آبية عن الحمل على الكراهة وهذا واضح.
والثاني: إن الأمر دائر بين التخصيص والمجاز، وقد تقرر في محله أن التخصيص أولى منه.
والثالث: إن أدلة الجواز لم يثبت بها إلا الجواز في غير المجامع كما أوضحناه، فكيف تقدم على أدلة الحرمة مطلقا.
والرابع: إنه مخالف للإجماع المنقول، والشهرة المتقدمة.
والخامس: إن حمل مثل هذه الأخبار على الكراهة إنما يكون إذا كان دليل معتبر بخلافها، فلا بد من تقديمه على ظواهر أدلة المنع وأما ما نحن فيه فلا سبيل لصرف أدلة المنع عن ظواهرها، إذ لا حجة في قبالها، كما لا يخفى على من راعى الإنصاف وجانب الاعتساف فقد اتضح بعون الله تعالى وبركة أوليائه سلام الله عليهم أجمعين تمامية ما ادعيناه والحمد لله أولا وآخرا.
تنبيهات

الأول: قد ظهر من مطاوي ما ذكرنا الوجه في سائر الأقوال والجواب عنها فلا نطيل الكتاب بالإعادة.
الثاني: لا ريب في أن الأولى والأحوط في غير المجامع أيضا ذكره (عليه السلام)، بألقابه الشريفة وترك التصريح باسمه المبارك المعهود، خروجا عن شبهة الخلاف ولما فيه من التعظيم والاحترام للإمام (عليه السلام) بل هو المعهود المتعارف في كلام الأئمة وأتباعهم (عليهم السلام).
الثالث: قد ظهر من بعض الروايات السابقة أن من جملة أسمائه الشريفة، أحمد، فهل يحرم ذكره بهذا الاسم الشريف في المجامع أيضا أم يختص المنع باسمه المعروف وهو محمد؟ صرح صاحب كفاية الموحدين بعدم الفرق بينهما في الحرمة ونسبه إلى المشهور، وفيه تأمل، لانصراف الاسم إلى ما هو الشائع المعروف أعني محمدا، وكلام القائلين بالحرمة ليس نصا، ولا ظاهرا في حرمة تسميته بغير " م ح م د " من الأسماء، بل لم أعرف أحدا منهم ذكر القول بمنع ذكر هذا الاسم أعني أحمد، ولو احتمالا، لكن الاحتياط خير سبيل والله تعالى خير دليل.
الرابع: هل يلحق بالاسم الشريف كنيته المباركة التي هي كنية جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) موضوعا، أو حكما؟ الأحوط نعم والأقوى العدم لانصراف لا التسمية إلى غير اللقب والكنية كما هو الظاهر من ملاحظة العرف العام الذي هو مبنى موضوعات الأحكام.
وما في حديث الخضر أنه قال: " لا يسمى ولا يكنى " لا يكتفى بمجرده في إثبات التكليف لتطرق الاحتمالات فيه فأصل البراءة سالم عما ينافيه، وكذا الحال في الإجماع المنقول، فإنه لا يكفي وحده عند الفحول، كما تبين في علم الأصول، ولذا خص مولانا المحقق النوري قدس الله تعالى نفسه، وطيب رمسه، المنع بخصوص ذكر اسمه المبارك المعهود ومع ذلك كله فليس بناكب عن الصراط، من سلك سبيل الاحتياط. والخروج عن شبهة الخلاف مطلوب في كل حال، والله الهادي إلى أصوب الأقوال.
الأمر الثالث

من الأمور المتعلقة به صلوات الله عليه من تكاليف العباد بالنسبة إليه محبته بالخصوص ولازم ذلك شدة الاهتمام فيما هو مقتضى الحب بالنسبة إليه إعلم أنه لا ريب في وجوب محبة جميع الأئمة الطاهرين، سلام الله عليهم أجمعين، وأن حبهم جزء الإيمان، وشرط قبول الأعمال، والأخبار في ذلك متواترة، وقد مر بعض منها في الباب الأول من هذا الكتاب، وبعضها في الأمر الثاني من هذا الباب، لكن في الاهتمام بمحبة مولانا الحجة (عليه السلام) خصوصية اقتضت الأمر به بالخصوص من وجهين:
الأول: العقل، بيانه أن الطبائع مجبولة بحب من يحسن إليها، ومن يكون واسطة في الإحسان إليها.
- ولذلك ورد في الحديث عن تفسير الإمام إن الله تعالى أوحى إلى موسى: حببني إلى خلقي، وحبب خلقي إلي قال: يا رب، كيف أفعل؟ قال: ذكرهم آلائي ونعمائي ليحبوني.
- وفي حديث آخر في دار السلام، عن قصص الأنبياء، بإسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
قال الله عز وجل لداود (عليه السلام) أحببني وحببني إلى خلقي قال: يا رب أنا أحبك، فكيف أحببك إلى خلقك! قال: اذكر أيادي عندهم، فإنك إذا ذكرت ذلك لهم أحبوني.
- وفي مجالس الصدوق(٢١٤) (رضي الله عنه) بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله عز وجل، وأحبوا أهل بيتي لحبي.
وإذ قد عرفت مما قدمنا في أبواب هذا الكتاب نبذا من إحسان مولانا الحجة (عليه السلام) إلينا، وحقوقه علينا، وأن جميع ما نتقلب فيه من نعم الله المتكاثرة، وآلائه المتواترة، إنما هو ببركة مولانا (عليه السلام) وبواسطته فالعقل يحكم بحبه، بل طبائعنا مجبولة على ذلك.
- الوجه الثاني: النقل: فقد روى السيد المحدث البحراني (رضي الله عنه) في غاية المرام(٢١٥) عن النعماني بإسناده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إن الله أوحى إلي ليلة أسري بي: يا محمد من خلفت في الأرض على أمتك؟ وهو أعلم بذلك قلت: يا رب، أخي قال:
يا محمد، علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا رب قال: يا محمد، إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها، فلا أذكر حتى تذكر معي أنا المحمود وأنت محمد ثم إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة أخرى فاخترت منها علي بن أبي طالب فجعلته وصيك فأنت سيد الأنبياء، وعلي سيد الأوصياء، ثم شققت له اسما من أسمائي فأنا الأعلى وهو علي.
يا محمد إني خلقت عليا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من نور واحد ثم عرضت ولايتكم على الملائكة، فمن قبلها كان من المؤمنين، ومن جحدها كان من الكافرين.
يا محمد لو أن عبدا من عبادي عبدني حتى ينقطع، ثم يلقاني جاحدا لولايتكم أدخلته النار. ثم قال: يا محمد أتحب أن تراهم قلت نعم فقال: قم أمامك فتقدمت أمامي فإذا علي ابن أبي طالب، والحسن بن علي، والحسين بن علي، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة القائم، كأنه الكوكب الدري في وسطهم.
فقلت: يا رب: ومن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الأئمة وهذا القائم يحل حلالي ويحرم حرامي، وينتقم من أعدائي، يا محمد أحبه فإني أحبه وأحب من يحبه.
أقول: إن هذا الحديث يدل على أن في حبه (عليه السلام) خصوصية اقتضت الأمر به بالخصوص من الله تعالى مع أن حب جميع الأئمة (عليهم السلام) واجب والسر في ذلك أمور:
منها: إن حبه ومعرفته لا ينفكان عن حب سائر الأئمة ومعرفتهم، ولا عكس فإذا عرفه وأحبه الإنسان كملت فيه حقيقة الإيمان.
- ويشهد لهذا ما في تاسع البحار(٢١٦) عن الفضائل بالإسناد عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه، عن علي (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث ذكر فيه أسماء الأئمة (عليهم السلام) إلى أن قال (صلى الله عليه وآله): ومن أحب أن يلقى الله وقد كمل إيمانه، وحسن إسلامه، فليتول الحجة صاحب الزمان المنتظر فهؤلاء مصابيح الدجى، وأئمة الهدى، وأعلام التقى، ومن أحبهم وتولاهم كنت ضامنا له على الله تعالى بالجنة.
ومنها: إن ظهور الدين وغلبة المسلمين على الكافرين يجري على يده ويكتمل بظهوره كما مر في الباب الرابع، وهذا أمر يوجب حبه بخصوصه عقلا وشرعا كما لا يخفى.
ومنها: ما ورد في بعض الروايات أنه أفضل من سائر الأئمة (عليهم السلام) بعد أمير المؤمنين والسبطين (عليهم السلام).
- وهو ما رواه السيد البحراني في غاية المرام(٢١٧) في الباب الثالث والعشرين عن النعماني بإسناده عن أبي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله اختار من الأيام يوم الجمعة ومن الشهور شهر رمضان ومن الليالي ليلة القدر، واختار من الناس الأنبياء واختار من الأنبياء الرسل، واختارني من الرسل واختار مني عليا، واختار من علي الحسن والحسين، واختار من الحسين الأوصياء ينفون من التنزيل تأويل القائلين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، تاسعهم باطنهم ظاهرهم، وهو أفضلهم.
- ويؤيده ما في البحار عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل: هل ولد القائم؟ قال (عليه السلام) لا ولو أدركته لخدمته أيام حياتي.
ومر في حرف النون قول الصادق (عليه السلام) في حديث عباد بن محمد المدائني: دعوت لنور آل محمد (صلى الله عليه وآله) وسابقهم. ويأتي في فضل البكاء في فراقه (عليه السلام) ما يؤيد ذلك أيضا.
- فإن قلت: ينافي ذلك ما روي في تاسع البحار(٢١٨) عن النعماني بإسناد عن زيد الشحام قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أيما أفضل الحسن أم الحسين؟ قال: إن فضل أولنا يلحق فضل آخرنا، وفضل آخرنا يلحق فضل أولنا، فكل له فضل قال: فقلت له: جعلت فداك، وسع علي في الجواب، والله ما أسألك إلا مرتادا.
فقال (عليه السلام): نحن من شجرة برأنا الله من طينة واحدة، فضلنا من الله، وعلمنا من عند الله، ونحن أمناء الله على خلقه والدعاة إلى دينه والحجاب فيما بينه وبين خلقه أزيدك يا زيد؟
قلت: نعم فقال (عليه السلام) خلقنا واحد وعلمنا واحد وفضلنا واحد وكلنا واحد عند الله عز وجل.
فقلت: أخبرني بعدتكم، فقال: نحن اثنا عشر هكذا حول عرش ربنا جل وعز في مبتدأ خلقنا، أولنا محمد، وأوسطنا محمد، وآخرنا محمد.
قلت: لا تنافي بين هذا الحديث وبين ما سبق لأن هذا في بيان اتحاد طينتهم وكونهم مخلوقين من نور واحد. وإنهم في العلم والفضل سواء كما وردت به أخبار أخر أيضا وهذا لا ينافي كون بعضهم أفضل من بعض، بملاحظة بعض الخصوصيات كما وردت روايات في أفضلية مولانا أمير المؤمنين عن سائر الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ومع ذلك كله فعلم هذا وأمثاله موكول إليهم، وليس علينا البحث عنه والله تعالى العالم وهو العاصم.
الأمر الرابع: تحبيبه إلى الناس

ويدل عليه جميع ما ذكرنا في الأمر الثالث لدلالة العقل على أن من يحب ويحسن حبه يرجح تحبيبه.
ويدل عليه أيضا فحوى قوله تعالى في حديث موسى: حببني إلى خلقي الخ.
- ويدل عليه صريحا ما روى في روضة الكافي، بإسناده(٢١٩) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
رحم الله عبدا حببنا إلى الناس، ولم يبغضنا إليهم. أما والله لو يروون محاسن كلامنا لكانوا به أعز، وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشيء ولكن أحدهم يسمع الكلمة فيحط إليها عشرا.
- وفي مجالس(٢٢٠) الصدوق (رضي الله عنه) بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلينا فحدثهم بما يعرفون وترك ما ينكرون.
الأمر الخامس: انتظار فرجه وظهوره صلوات الله عليه، والكلام فيه في مقامات

أحدها: فضل ذلك، وثواب المنتظر، وانتظار الأنبياء والأئمة لذلك ويكفي في ذلك صلوات سيد الساجدين في دعاء عرفة على المنتظرين ودعائه لهم بعد الدعاء لمولاهم صلوات الله عليه ويدل على المقصود مضافا إلى ذلك الروايات المتضافرة.
- ففي كمال الدين(٢٢١) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من مات منكم على هذا الأمر منتظرا، كان كمن كان في فسطاط القائم.
- وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)(٢٢٢) قال: ما أحسن الصبر وانتظار الفرج أما سمعت قول الله عز وجل: * (فارتقبوا إني معكم رقيب) * * (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) * فعليكم بالصبر فإنه إنما يجيء الفرج على اليأس وقد كان من قبلكم أصبر منكم.
- وفي بصائر الدرجات بإسناده(٢٢٣) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج أمير المؤمنين بالناس يريد صفين حتى عبر الفرات، فكان قريبا من الجبل بصفين إذ حضرت صلاة المغرب فأمعن بعيدا ثم توضأ. وأذن فلما فرغ من الأذان، انفلق الجبل عن هامة بيضاء ووجه أبيض فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته مرحبا بوصي النبيين، وقائد الغر المحجلين، والأعز المأثور، والفاضل والفائق بثواب الصديقين، وسيد الوصيين قال له: وعليك السلام يا أخي شمعون وصي عيسى ابن مريم روح القدس: كيف حالك؟ قال: بخير، يرحمك الله، أنا منتظر روح الله ينزل فلا أعلم أحدا أعظم في الله بلاء ولا أحسن غدا ثوابا ولا أرفع مكانا منك، الخبر.
أقول: وجه الاستشهاد بهذا الحديث، إنه يدل على كون شمعون منتظرا لهذا الظهور المبارك الميمون، والتشبه بأولياء الله، والاقتداء بهم أمر محبوب عند الله عز وجل مضافا إلى سائر ما ورد في فضيلة الانتظار.
- وفي كمال الدين(٢٢٤) عن أبي عبد الله، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله.
- وعن الصادق (عليه السلام)(٢٢٥) أيضا قال: طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته والمطيعين له في ظهوره، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.
- وعن سيد العابدين (عليه السلام)(٢٢٦) قال: انتظار الفرج من أفضل العمل.
- وعن أبي خالد الكابلي(٢٢٧) قال: دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) فقلت: له: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني بالذين فرض الله عز وجل طاعتهم ومودتهم، وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال لي: يا كابلي أن أولي الأمر الذين جعلهم الله أئمة للناس وأوجب عليهم طاعتهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم الحسن، ثم الحسين ابنا علي بن أبي طالب، ثم إنتهى الأمر إلينا ثم سكت.
فقلت: يا سيدي روي لنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن الأرض لا تخلو من حجة لله على عباده. فمن الحجة والإمام بعدك؟
فقال (عليه السلام): ابني محمد، واسمه في التوراة باقر، يبقر العلم بقرا، هو الحجة والإمام بعدي.
ومن بعد محمد ابنه جعفر، واسمه عند أهل السماء الصادق.
فقلت له: يا سيدي فكيف صار اسمه الصادق، وكلكم صادقون.
فقال: حدثني أبي عن أبيه (عليهما السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) فسموه الصادق. فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراء على الله عز وجل، وكذبا عليه، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله، والمدعي ما ليس له بأهل، المخالف على أبيه والحاسد لأخيه ذلك الذي يروم كشف ستر الله عند غيبة ولي الله عز وجل.
ثم بكى علي بن الحسين (عليه السلام) بكاء شديدا، ثم قال: كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله، والمغيب في حفظ الله، والموكل بحرم أبيه جهلا منه بولادته، وحرصا منه على قتله إن ظفر به، طمعا في ميراث أخيه حتى يأخذه بغير حق.
قال أبو خالد: فقلت له: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن ذلك لكائن؟ فقال أي وربي، إنه لمكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال أبو خالد: فقلت يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم ماذا يكون؟ قال (عليه السلام) ثم تمتد الغيبة بولي الله عز وجل الثاني عشر من أوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة بعده عليه الصلاة والسلام يا با خالد، إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان، لأن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا والدعاة إلى دين الله عز وجل سرا وجهرا.
- وفي كتاب الغيبة(٢٢٨) للشيخ الطوسي (رضي الله عنه) عن كتاب الغيبة لفضل بن شاذان (رضي الله عنه) بإسناده عن المفضل بن عمر قال: ذكرنا القائم (عليه السلام) ومن مات من أصحابنا ينتظره فقال لنا أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قام أتي المؤمن في قبره فيقال له يا هذا إنه قد ظهر صاحبك فإن تشأ أن تلحق به فالحق وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربك فأقم.
- وفي كمال الدين(٢٢٩) بإسناده عن الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمد ابن علي الرضا (عليه السلام) يقول: إن الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه وطاعته طاعة أبيه ثم سكت.
فقلت له: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمن الإمام بعد الحسن، فبكى (عليه السلام) بكاء شديدا، ثم قال: إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر.
فقلت: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم سمي القائم؟ قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته.
فقلت له: ولم سمي المنتظر قال: لأن له غيبة يكثر أيامها، ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ بذكره الجاحدون ويكذب فيه الوقاتون ويهلك فيه المستعجلون وينجو فيه المسلمون.
- وعن علي بن مهزيار، قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) أسأله عن الفرج، فكتب إلي: إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقعوا الفرج.
- وفي أصول الكافي(٢٣٠) عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك متى الفرج؟ فقال: يا أبا بصير وأنت ممن يريد الدنيا من عرف هذا الأمر فقد فرج عنه لانتظاره.
أقول: الظاهر أنه لما كان المقصود من الفرج النصرة للإمام، والجهاد بين يديه، بين (عليه السلام) إن هذا المقصد حاصل للشيعة بانتظارهم للفرج، ونبه على أن الحقيق عليهم أن يكون غرضهم من الانتظار هذا المقصد الأسنى لا الأصول من الشهوات النفسانية، واللذات الجسمانية، كما هو دأب الأكثرين وسيأتي ما يؤيد ذلك في المقام الرابع.
- وفي البحار(٢٣١) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله فإن أحب الأعمال إلى الله عز وجل انتظار الفرج.
- و(٢٣٢) عنه (عليه السلام) قال: الآخذ بأمرنا معا غدا في حظيرة القدس، والمنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله.
- وعن الفيض بن المختار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كان كمن هو مع القائم في فسطاطه، قال: ثم سكت هنيئة، ثم قال: لا بل كمن قارع معه بسيفه ثم قال (عليه السلام) لا والله، كمن استشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)(٢٣٣).
- وعن أبي عبد الله عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أفضل عبادة المؤمن انتظار فرج الله.
- وفي الكافي(٢٣٤) بسند صحيح عن عبد الله بن المغيرة، قال: قال محمد بن عبد الله للرضا (عليه السلام) وأنا أسمع: حدثني أبي، عن أهل بيته، عن آبائه، أنه قال لبعضهم: إن في بلادنا موضع رباط يقال له قزوين، وعدوا يقال له الديلم، فهل من جهاد؟ أو هل من رباط؟
فقال (عليه السلام): عليكم بهذا البيت فحجوه.
فأعاد عليه الحديث فقال (عليه السلام) عليكم بهذا البيت فحجوه أما يرضى أحدكم أن يكون في بيته ينفق على عياله من طوله ينتظر أمرنا! فإن أدركه كان كمن شهد مع رسول الله (عليه السلام) بدرا، وإن مات منتظرا لأمرنا كان كمن كان مع قائمنا صلوات الله عليه هكذا في فسطاطه - وجمع بين السبابتين - ولا أقول هكذا - وجمع بين السبابة والوسطى - فإن هذه أطول من هذه فقال أبو الحسن (عليه السلام) صدق.
أقول: لا تنافي هذه الرواية ما ورد في الأخبار من استحباب المرابطة حتى في زمان الغيبة، فإن الظاهر أن غرض السائل الفوز بثواب الرباط والجهاد فدله (عليه السلام) على الحج والانتظار، فيحصل له ثواب الجهاد والرباط والحج جميعا وأما الرباط فلا يدرك به ثواب الحج.
ويؤيد ما ذكرناه أنه (عليه السلام) قال: عليكم بهذا البيت الخ، ولم يقل لا ترابطوا أو لا يجوز أو لا يحل، ونحوها والله العالم(٢٣٥).
- وفي تفسير النعماني (رضي الله عنه) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول (صلى الله عليه وآله): يا أبا الحسن حقيق على الله أن يدخل أهل الضلال الجنة. وإنما عنى بهذا المؤمنين الذين قاموا في زمن الفتنة على الإئتمام بالإمام الخفي المكان المستور عن الأعيان، فهم بإمامته مقرون، وبعروته مستمسكون، ولخروجه منتظرون، موقنون غير شاكين، صابرون مسلمون، وإنما ضلوا عن مكان إمامهم وعن معرفة شخصه، يدل على ذلك أن الله تعالى إذا حجب عن عباده عين الشمس التي جعلها دليلا على أوقات الصلاة، فموسع عليهم تأخير الوقت ليتبين لهم الوقت بظهورها فيستيقنوا أنها قد زالت. فكذلك المنتظر لخروج الإمام، المتمسك بإمامته موسع عليه جميع فرائض الله الواجبة عليه، مقبولة منه بحدودها، غير خارج عن معنى ما فرض عليه فهو صابر محتسب، لا تضره غيبة إمامه.
- وفي كمال الدين(٢٣٦) عن محمد بن النعمان عن أبي عبد الله (عليه السلام): أقرب ما يكون العبد إلى الله عز وجل وأرضى ما يكون عنه، إذا افتقدوا حجة الله، فلم يظهر لهم، وحجب عنهم فلم يعلموا بمكانه، وهم في ذلك يعلمون أنه لا تبطل حجج الله ولا بيناته عندها فليتوقعوا الفرج صباحا ومساء، فإن أشد ما يكون الله غضبا على أعدائه إذا أفقدهم حجته فلم يظهر لهم وقد علم أن أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنهم يرتابون ما أفقدهم حجته طرفة عين.
- و(٢٣٧) عنه (عليه السلام) في قول الله عز وجل * (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب) * قال: المتقون شيعة علي، والغيب هو الحجة الغائب وشاهد ذلك قول الله عز وجل * (ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين)(٢٣٨) *.
- وفي أصول الكافي(٢٣٩) بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما ضر من مات منتظرا لأمرنا أن لا يموت في وسط فسطاط المهدي أو عسكره.
- وفي رواية(٢٤٠) عمار الساباطي الآتية إن شاء الله تعالى، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
أما والله يا عمار لا يموت منكم ميت على الحال التي أنتم عليها إلا كان أفضل عند الله من كثير ممن شهد بدرا واحدا، فأبشروا.
- وفيه(٢٤١) عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: واعلموا أن المنتظر لهذا الأمر له مثل أجر الصائم القائم، ومن أدرك قائمنا فخرج معه فقتل عدونا كان له مثل أجر عشرين شهيدا، ومن قتل مع قائمنا كان له مثل أجر خمسة وعشرين شهيدا.
- وفي مجمع البيان(٢٤٢) عن الحرث بن المغيرة، قال: كنا عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال:
العارف منكم هذا الأمر المنتظر له المحتسب فيه الخير كمن جاهد والله مع قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله) بسيفه، ثم قال بل والله كمن جاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسيفه، ثم قال الثالثة: بل والله كمن استشهد مع رسول الله في فسطاطه.
- وفي تفسير البرهان(٢٤٣) عن الحسن بن أبي حمزة عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك قد كبر سني، ودق عظمي واقترب أجلي وقد خفت أن يدركني قبل هذا الأمر الموت، قال: فقال: يا أبا حمزة من آمن بنا وصدق حديثنا وانتظرنا كان كمن قتل تحت راية القائم، بل والله تحت راية رسول الله (صلى الله عليه وآله).
- وفي كمال الدين(٢٤٤) عن مفضل بن عمر قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول من مات منتظرا لهذا الأمر كان كمن كان مع القائم في فسطاطه، لا بل كان كالضارب بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف.
- وفي البرهان بإسناده عن مسعدة قال: كنت عند الصادق (عليه السلام)، إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى، متكئا على عصاه، فسلم، فرد عليه أبو عبد الله (عليه السلام) الجواب.
ثم قال: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ناولني يدك لأقبلها، فأعطاه، فقبلها ثم بكى ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما يبكيك يا شيخ؟
فقال: جعلت فداك أقمت على قائمكم منذ مائة سنة أقول: هذا الشهر، وهذه السنة، وقد كبر سني ورق جلدي، ودق عظمي واقترب أجلي، ولا أرى فيكم ما أحب، أراكم مقتولين مشردين، وأرى أعداءكم يطيرون بالأجنحة وكيف لا أبكي؟
فدمعت عينا أبي عبد الله (عليه السلام) ثم قال: يا شيخ إن أبقاك الله حتى ترى قائمنا كنت في السنام الأعلى وإن حلت بك المنية جئت يوم القيامة مع ثقل محمد (صلى الله عليه وآله) ونحن ثقله فقال (صلى الله عليه وآله) إني مخلف فيكم الثقلين، فتمسكوا بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي فقال الشيخ: لا أبالي بعدما سمعت هذا الخبر.
ثم قال (عليه السلام) يا شيخ اعلم أن قائمنا يخرج من صلب الحسن العسكري، والحسن يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب محمد، ومحمد يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب موسى ابني هذا وهذا خرج من صلبي، نحن اثنا عشر كلنا معصومون مطهرون.
الخبر(٢٤٥).
- وفي روضة الكافي(٢٤٦) بإسناده عن إسحاق بن عمار قال: حدثني رجل من أصحابنا، عن الحكم بن عيينة قال: بينا أنا مع أبي جعفر (عليه السلام) والبيت غاص بأهله إذ أقبل شيخ يتوكأ على عنزة له، حتى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك يا بن رسول الله، ورحمة الله وبركاته ثم سكت فقال أبو جعفر (عليه السلام): وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال: السلام عليكم ثم سكت حتى أجابه القوم جميعا وردوا عليه السلام.
ثم أقبل بوجهه على أبي جعفر (عليه السلام) ثم قال: يا بن رسول الله أدنني منك جعلني الله فداك فوالله إني لأحبكم وأحب من يحبكم، والله ما أحبكم وأحب من يحبكم لطمع في دنيا وإني لأبغض عدوكم وأبرأ منه، ووالله ما أبغضه وأبرأ منه لوتر كان بيني وبينه والله إني لأحل حلالكم، وأحرم حرامكم وأنتظر أمركم فهل ترجو لي جعلني الله فداك؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): إلي إلي حتى أقعده إلى جنبه ثم قال (عليه السلام) أيها الشيخ، إن علي بن الحسين (عليه السلام) أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه فقال له أبي (عليه السلام) إن تمت ترد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي والحسن والحسين، وعلي بن الحسين ويثلج قلبك ويبرد فؤادك، وتقر عينك وتستقبل الروح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسك ههنا " وأومى بيده إلى حلقه " وإن تعش تر ما يقر الله به عينك وتكون معنا في السنام الأعلى.
قال الشيخ: كيف قلت يا أبا جعفر؟ فأعاد عليه الكلام فقال الشيخ الله أكبر يا با جعفر، إن أنا مت أرد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين، وتقر عيني، ويثلج قلبي، ويبرد فؤادي وأستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسي إلى ههنا، وإن أعش أر ما يقر الله به عيني فأكون معكم في السنام الأعلى.
ثم أقبل الشيخ ينتحب ينشج ها ها ها حتى لصق بالأرض وأقبل أهل البيت ينتحبون وينشجون لما يرون من حال الشيخ وأقبل أبو جعفر (عليه السلام) يمسح بإصبعه الدموع من حماليق عينيه وينفضها.
ثم رفع الشيخ رأسه فقال لأبي جعفر (عليه السلام) يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ناولني يدك جعلني الله فداك فناوله يده فقبلها ووضعها على عينيه، وخده، ثم حسر عن بطنه وصدره.
ثم قام فقال السلام عليكم وأقبل أبو جعفر (عليه السلام) ينظر في قفاه وهو مدبر، ثم أقبل بوجهه على القوم فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فقال الحكم بن عيينة لم أر مأتما قط يشبه ذلك المجلس.
المقام الثاني: في وجوب انتظار القائم (عليه السلام) على كل أحد

- ويدل على ذلك مضافا إلى بعض ما مر ما رواه ثقة الإسلام الكليني (رضي الله عنه) في أصول الكافي(٢٤٧) بإسناده عن إسماعيل الجعفي، قال: دخل رجل على أبي جعفر (عليه السلام) ومعه صحيفة فقال له أبو جعفر (عليه السلام): هذه صحيفة مخاصم سأل عن الدين الذي يقبل فيه العمل فقال: رحمك الله هذا الذي أريد فقال أبو جعفر (عليه السلام) شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وتقر بما جاء من عند الله والولاية لنا أهل البيت، والبراءة من عدونا والتسليم لأمرنا، والورع والتواضع وانتظار قائمنا فإن لنا دولة إذا شاء الله جاء بها.
- وفيه(٢٤٨) عن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) يا بن رسول الله هل تعرف مودتي لكم، وانقطاعي إليكم، وموالاتي إياكم؟ قال فقال: نعم، فقلت إني أسألك مسألة تجيبني فيها فإني مكفوف البصر، قليل المشي ولا أستطيع زيارتكم كل حين قال: هات حاجتك قلت: أخبرني بدينك الذي تدين الله عز وجل به أنت وأهل بيتك لأدين الله عز وجل به.
قال (عليه السلام) إن كنت أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة، والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله عز وجل به: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإقرار بما جاء به من عند الله والولاية لولينا، والبراءة من عدونا، والتسليم لأمرنا، وانتظار قائمنا والاجتهاد والورع.
- وفي غيبة النعماني(٢٤٩) بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال ذات يوم:
ألا أخبركم بما لا يقبل الله عز وجل من العباد عملا إلا به؟ فقلت بلى، فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله (صلى الله عليه وآله) والإقرار بما أمر الله والولاية لنا والبراءة من أعدائنا - يعني الأئمة خاصة - والتسليم لهم والورع، والاجتهاد والطمأنينة والانتظار للقائم (عليه السلام).
ثم قال (عليه السلام) إن لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء ثم قال: من سره أن يكون من أصحاب القائم، فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه فجدوا وانتظروا هنيئا لكم أيتها العصابة المرحومة.
أقول: قوله يعني أئمة خاصة يحتمل أن يكون من كلام الإمام (عليه السلام) ويحتمل أن يكون من أبي بصير ولما كان المراد بالولاية جعل الإمام وليا له في أموره، مفروضا عليه اتباعه، في وروده وصدوره بين أن من يجب ولايته هو الذي خصه الله عز وجل بالعصمة والإمامة، لا كل من ينتمي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وينتسب إليه، ويجب المعاداة لمعاند الإمام سواء كان المعاند من ذرية النبي (صلى الله عليه وآله) أم غيرهم.
- ومما يدل على وجوب الانتظار ما رواه الشيخ الصدوق (رضي الله عنه) في كمال الدين(٢٥٠) بإسناده عن عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيدي محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) وأنا أريد أن أسأله عن القائم هو المهدي أو غيره فابتدأني فقال لي: يا أبا القاسم إن القائم منا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره وهو الثالث من ولدي.
- وفيه(٢٥١) بسندين صحيحين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أقرب ما يكون العباد من الله عز وجل وأرضى ما يكون عنهم إذا فقدوا حجة الله فلم يظهر لهم ولم يعلموا بمكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجج الله عز وجل ولا بيناته فعندها فتوقعوا الفرج صباحا ومساء وإن أشد ما يكون غضب الله على أعدائه إذا افتقدوا حجته، فلم يظهر لهم وقد علم أن أولياءه لا يرتابون ولو علم أنهم يرتابون ما غيب عنهم حجته طرفة عين ولا يكون ذلك إلا على رأس شرار الناس.
المقام الثالث: في معنى الانتظار المأمور به في تلك الأخبار

وهو كيفية نفسانية ينبعث منها التهيؤ لما تنتظره، وضده اليأس فكلما كان الانتظار أشد كان التهيؤ آكد ألا ترى أنه إذا كان لك مسافر تتوقع قدومه ازداد تهيؤك لقدومه كلما قرب حينه، بل ربما تبدل رقادك بالسهاد لشدة الانتظار، وكما تتفاوت مراتب الانتظار من هذه الجهة، كذلك تتفاوت مراتبه من حيث حبك لمن تنتظره، فكلما اشتد الحب ازداد التهيؤ للحبيب، وأوجع فراقه بحيث يغفل المنتظر عن جميع ما يتعلق بحفظ نفسه، ولا يشعر بما يصيبه من الآلام الموجعة والشدائد المفظعة.
فالمؤمن المنتظر لقدوم مولاه كلما اشتد انتظاره ازداد جهده في التهيؤ لذلك بالورع والاجتهاد، وتهذيب نفسه عن الأخلاق الرذيلة، واقتناء الأخلاق الحميدة حتى يفوز بزيارة مولاه ومشاهدة جماله في زمن غيبته كما اتفق ذلك لجمع كثير من الصالحين الأخيار، ولذلك أمر الأئمة الطاهرون (عليهم السلام)، فيما سمعت من الروايات وغيرها بتهذيب الصفات، وملازمة الطاعات.
بل رواية أبي بصير السابقة مشعرة، أو دالة على توقف الفوز بذلك الأجر على العمل بالورع ومحاسن الأخلاق، حيث قال (عليه السلام): من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل من أدركه الخ.
ولا ريب أنه كلما اشتد الانتظار ازداد صاحبه مقاما وثوابا عند الله عز وجل، جعلنا الله تعالى من المخلصين المنتظرين لمولانا صاحب الزمان، عجل الله تعالى فرجه.
المقام الرابع

هل يعتبر في الانتظار قصد القربة أم لا، وتوضيح الحال في المقال موقوف على مقدمتين.
الأولى: في بيان ما يعتبر فيه النية

فنقول إن الأوامر الصادرة من الشارع على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علم انحصار المصلحة فيها في الإتيان بها على وجه التعبد كالصلاة.
وثانيها: ما علم عدم انحصار المصلحة فيها في الإتيان بها على وجه التعبد بل المقصود حصول المأمور به على أي وجه اتفق.
- كقوله اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه إذ نعلم أن الغرض انغسال الثوب فقط من دون نظر إلى قصد الغاسل.
وثالثها: ما لم يعلم انحصار المصلحة فيها في الإتيان بها على وجه التعبد، كزيارة المؤمن، ونحوها.
ولا ريب في اعتبار النية في القسم الأول، فلو أخل بها لم يسقط عنه التكليف كما أنه لا ريب في عدم اعتبارها في القسم الثاني وأما القسم الثالث فإن أتى المكلف بها بقصد التعبد استحق الثواب، وإن أتى بها من دون قصد التعبد لم يستوجب الثواب، ولم يستوجب العقاب والفرق بين هذا وبين المباحات التي يترتب عليها الثواب إذا صدر من المكلف بقصد الطاعة أن هذا تعلق به الأمر رأسا والمباحات التي يترتب عليها الثواب لا يتعلق بها الأمر رأسا، لأن المفروض كونها مباحة، بل يتعلق بها الأمر لكونها وصلة إلى أمر راجح في الشرع.
المقدمة الثانية: في بيان المراد من قصد القربة المعتبر في العبادات

فنقول: المراد منها: الإتيان بالمأمور به بقصد الإطاعة لله جل شأنه، وامتثال أمره عز اسمه، سواء كان الداعي له إلى قصد الإطاعة أنه وجده أهلا لذلك، أم كان الداعي حبه لله أو الشكر له، أو التقرب إليه، أو رجاء الثواب، أو خوف العقاب درجات بعضها فوق بعض، وكل يعمل على شاكلته، والدليل على اعتبار النية على النحو المذكور في العبادات مذكور في كتب الفقه من الإجماع، والآيات كقوله تعالى * (فاعبدوا الله مخلصين له الدين) * وغيرها.
- والأحاديث منها الصحيح المروي في أصول الكافي(٢٥٢) عن سيد العابدين (عليه السلام) قال:
لا عمل إلا بنية.
- ومنها ما روي في الوسائل(٢٥٣) بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث قال: إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن غزى ابتغاء ما عند الله عز وجل فقد وقع أجره على الله ومن غزى يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا لم يكن له إلا ما نوى.
- وفيه(٢٥٤) عن الصادق (عليه السلام) قال الله عز وجل أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمل لم أقبله، إلا ما كان لي خالصا. إلى غير ذلك من الأحاديث المدونة في كتب علمائنا رحمهم الله.
إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أن الأقرب كون الانتظار المأمور به في الأخبار من القسم الثالث فحينئذ يتصور فيه أقسام:
الأول: أن يكون غرض المنتظر إطاعة أمر الله سواء كان الباعث له على الإطاعة رجاء الثواب الموعود أم لا.
الثاني: أن يكون الباعث له على الانتظار إطاعة الأمر، والفوز بالثواب الدنيوي، أو الأخروي ويكون قصد الثواب تبعا، وقصد الإطاعة مستقلا، وهذان القسمان يوجبان الفوز بجميع ما ورد في الروايات من المثوبات والعطيات، وينبغي للمؤمن أن يختار القسم الأول، بل يختار أعلى أصنافه، التي أشرنا إليها.
والقسم الثالث: أن يكون الانتظار بقصد الفوز بالمثوبات، والمواهب الأخروية أو الدنيوية، لعلمه باجتماع لوازم التعيش، وطول العمر، وسعة الرزق، وازدياد النعم، وانكشاف الهم والغم والألم في زمان ظهور مولانا صلوات الله عليه بحيث لا يريد بانتظاره سوى ذلك، ولا يكون له نظر إلى الإطاعة لأمر الله.
القسم الرابع: عكس القسم الثاني، والظاهر أنه لا يستحق الثواب الموعود في الروايات، في هذين القسمين، لأن استحقاق الثواب بالعبادة موقوف على قصد الإطاعة كما سمعت في صريح الرواية.
والمفروض أنه لم يأت بالمأمور به تعبدا، فليس انتظاره عبادة وكما لا يستحق الثواب، كذلك لا يستحق العقاب أيضا، لأنا لم نعلم انحصار المصلحة فيه في الإتيان به بقصد التعبد فقط، بل الظاهر من الممارسة في أخبار المقام أن الغرض أن لا ييأس المؤمن من ظهور الإمام عليه الصلاة والسلام.
ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحديث الذي قدمناه في المقام الأول: انتظروا الفرج، ولا تيأسوا من روح الله.. الخ، فإن الظاهر أن قوله: لا تيأسوا بيان لأول درجات الانتظار.
ويومئ إلى ذلك أيضا كلام مولانا الصادق (عليه السلام) في رواية أبي بصير(٢٥٥) السابقة: يا با بصير وأنت ممن يريد الدنيا.. الخ، معترضا عليه بهذا القول. يعني أن الحقيق على مثلك أن يكون منصرفا عن إرادة النيل باللذات الدنيوية بانتظار الفرج، وهذا البيان يدل على ما ذكرنا من عدم استحقاق العقاب، لو كان همه مقصورا على نيل الثواب، ونظير ذلك كثير في الأعمال كزيارة المؤمن، وعيادة المريض، وتشييع الجنائز، وقضاء حوائج الإخوان وغيرها إذ لم يقل أحد بأن المؤمن إذا قضى حاجة لأخيه المؤمن ولم يقصد بذلك التعبد يستوجب عقابا بهذا العمل نعم استحقاق الثواب في هذا ونحوه موقوف على قصد التعبد، كما نبهنا عليه فتدبر.
فإن قلت: يمكن القول بوجوب قصد التقرب في الانتظار وحرمة خلافه.
- نظرا إلى الحديث المروي في تحف العقول عن المفضل بن عمر (رضي الله عنه) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: افترق الناس فينا على ثلاث فرق: فرقة أحبونا انتظار قائمنا ليصيبوا من دنيانا فقالوا، وحفظوا كلامنا، وقصروا عن فعلنا فسيحشرهم الله إلى النار، الخبر.
قلت: هذه صفة المنافقين الذين أظهروا حب أهل البيت بألسنتهم، وتأبى قلوبهم وما ذكرناه ظاهر من قوله (عليه السلام) فقالوا إلى آخره، فالمقصود والله العالم أن هؤلاء المنافقين أظهروا حبنا بألسنتهم، ليصيبوا أغراضهم الدنية الدنيوية إذا ظهر القائم بالسيف من أهل البيت، وفعلهم مخالف لقولهم وهذا دليل نفاقهم ومصيرهم إلى النار.
- وهم الذين ورد في بعض الروايات أن القائم عجل الله تعالى فرجه يأمر بضرب أعناقهم حال كونهم واقفين عنده، والله العالم.
المقام الخامس

في بيان حكم ضد الانتظار وهو اليأس فنقول إنه يتصور على أقسام:
الأول: اليأس من أصل ظهور القائم بالكلية، ولا شبهة في حرمة ذلك اتفاقا لأن ظهور القائم وقيامه من ضروريات مذهب الإمامية بأجمعهم بل يحتمل أن يكون أصل ظهور القائم من ضروريات دين الإسلام، لأن الأحاديث فيه متواترة عن خير الأنام من طرق الخاص والعام بل اعتراف علمائهم بهذا المرام وإنما الخلاف في تعيين شخصه ووجوده فعلا، في قبال العامة القائلين بأنه سيوجد فإنكاره بالكلية تكذيب للنبي (صلى الله عليه وآله).
ويشهد لما ذكرنا ما حكاه المجلسي (رضي الله عنه) عن ابن أبي الحديد(٢٥٦) الذي هو من أعيان العلماء العامة أنه قال: قد وقع اتفاق الفرق من المسلمين على أن الدنيا والتكليف لا ينقضي إلا على مهدي، انتهى.
القسم الثاني: اليأس من ظهور القائم (عليه السلام) في مدة معينة بحسب الحدسيات والوهميات بأن يقال مثلا إن القائم صلوات الله عليه لا يظهر إلى خمسين سنة، ولازم ذلك عدم الانتظار في تلك المدة والظاهر من ملاحظة الأحاديث الآمرة بالانتظار في كل صباح ومساء حرمة هذا القسم من اليأس لظهور الأمر في الوجوب، وترك الواجب محرم قطعا.
وأما الأحاديث الدالة على المطلوب فقد مر جملة منها.
ومنها: رواية حماد بن عثمان المروية في الإقبال(٢٥٧) عن الصادق (عليه السلام) قال وتوقع أمر صاحبك ليلك ونهارك فإن الله كل يوم هو في شأن لا يشغله شأن عن شأن، الخبر وقد مر في الباب السادس(٢٥٨).
- ومنها أيضا ما في البحار(٢٥٩) في حديث عن المفضل عن الصادق (عليه السلام) قال أقرب ما يكون العباد إلى الله عز وجل وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة الله فلم يظهر لهم، ولم يعلموا بمكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجة الله فعندها فتوقعوا الفرج كل صباح ومساء الخبر.
- ومنها ما روي فيه أيضا(٢٦٠) عن القمي في حديث رواه عن أبيه عن محمد بن الفضيل، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) إلى أن قال: قلت جعلت فداك، فمتى يكون ذلك؟
قال: أما إنه لم يوقت لنا فيه وقت، ولكن إذا حدثناكم بشيء فكان كما نقول فقولوا: صدق الله ورسوله وإن كان بخلاف ذلك فقولوا صدق الله ورسوله تؤجروا مرتين ولكن إذا اشتدت الحاجة والفاقة، وأنكر الناس بعضهم بعضا، فعند ذلك توقعوا هذا الأمر صباحا ومساء.
قلت جعلك فداك، الحاجة والفاقة عرفناها، فما إنكار الناس بعضهم بعضا قال: يأتي الرجل أخاه في حاجة فيلقاه بغير الوجه الذي كان يلقاه فيه، ويكلمه بغير الكلام الذي كان يكلمه.
أقول: المقصود من توقع الفرج صباحا ومساء هو الانتظار للفرج الموعود في كل وقت يمكن فيه وقوع هذا الأمر المسعود، ولا ريب في إمكان وقوع ذلك في جميع الشهور والأعوام، بمقتضى أمر المدبر العلام فيجب الانتظار له على الخاص والعام ومنها الأحاديث المستفيضة الناهية عن التوقيت للظهور وسنذكرها في طي تلك الأمور لأن مقتضى نفي الظهور في مدة معينة من الأعوام والشهور هو التوقيت بمضي هذا المقدار من الدهور، وهو محرم بنص الأخبار الواردة عن الأئمة الصدور.
ويشهد لما ذكرناه ويؤيده طوائف من الأخبار، المروية عن الصادقين الأطهار.
منها: ما دل على كون وقت ظهوره من الأمور البدائية القابلة للتقديم والتأخير بمقتضى حكمة العالم الخبير كما أشار إليه مولانا الصادق عليه الصلاة والسلام في رواية حماد بن عثمان السابقة وقد مر ما يدل على ذلك من الأحاديث اللائقة.
ومنها: الأحاديث الآمرة بإعداد السلاح، والمرابطة الدائمة بحسب الحكمة اللازمة إذ الأمر بذلك مع اليأس عن الظهور في مدة معينة لغو لأن ذلك ونحوه من آثار الانتظار المأمور به في الأخبار.
- ومنها ما في أصول الكافي(٢٦١) بإسناده في حديث أنه قال يقطين لابنه علي بن يقطين ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن قال فقال له: على أن الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد، غير أن أمركم حضر فأعطيتم محضه فكان كما قيل لكم، وأن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا إن هذا الأمر لا يكون إلى مأتي سنة، أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب، ولرجع عامة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا ما أسرعه، وما أقربه تألفا لقلوب الناس، وتقريبا للفرج.
وروي في البحار(٢٦٢) عن غيبتي النعماني والطوسي مثله.
- وعن العلل بإسناده يرفعه إلى علي بن يقطين، قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام) ما بال ما روي فيكم من الملاحم ليس كما روي وما روي في أعاديكم قد صح فقال (عليه السلام) إن الذي خرج في أعدائنا كان من الحق، فكان كما قيل، وأنتم عللتم بالأماني، فخرج إليكم كما خرج.
- ومنها ما في غيبة النعماني(٢٦٣) (رضي الله عنه) مسندا عن أبي المرهف عن الصادق (عليه السلام) قال هلكت المحاضير قال: قلت وما المحاضير؟ قال (عليه السلام): المستعجلون ونجى المقربون، الخبر.
- وفيه(٢٦٤) أيضا مسندا عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال (عليه السلام) هلك أصحاب المحاضير، ونجى المقربون الخ، لأن الظاهر كون " المقربون " بكسر الراء يعني المؤمنين المنتظرين الذين يرون ظهوره (عليه السلام) قريبا وينتظرونه دائما.
- ويؤيده ما ورد في دعاء العهد(٢٦٥) المروي عن الصادق (عليه السلام) إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا.
ومنها: إن من جملة حكم إخفاء وقت ظهوره (عليه السلام) أن يكون المؤمنون منتظرين له في عامة أوقاتهم، وجميع سنواتهم كما أشير إليه في حديث ابن يقطين فتدبر.
ومنها: ما دل على كون ظهوره صلوات الله عليه هو الساعة التي يختص العلم بوقتها بالله جل جلاله كما مر.
- ومنها: ما دل على كون ظهوره (عليه السلام) بغتة، كقوله (عليه السلام) في التوقيع المروي في الاحتجاج(٢٦٦) فإن أمرنا يبعثه فجأة حين لا ينفعه توبة الخ.
- والنبوي (صلى الله عليه وآله): المهدي منا يصلح الله له أمره في الليلة.
- والنبوي الآخر: إنه يقبل كالشهاب الثاقب.
- والنبوي الآخر المروي في حديث عن الرضا (عليه السلام) في كمال الدين(٢٦٧) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال (صلى الله عليه وآله) مثله مثل الساعة التي لا يجليها لوقتها إلا هو عز وجل، لا يأتيكم إلا بغتة.
- وفي أصول الكافي(٢٦٨) عن الرضا (عليه السلام) قال: إذا رفع علمكم من بين أظهركم، فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم.
أقول: الظاهر أن قوله (عليه السلام) فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم كناية عن ظهوره بغتة فيجب انتظاره زمان غيبته في كل حال يحتمل ظهوره بالنصر والاقبال.
فإن قلت: إن ظهوره (عليه السلام) بغتة ينافي ما ورد في الأحاديث المستفيضة بل المتواترة " معنى " من أن له علامات محتومة، لجميع الناس معلومة كالسفياني والصيحة السماوية وقتل النفس الزكية.
قلت: أولا إن انتظار لوازم ظهوره انتظار له في الحقيقة، فإذا علمت صدقا أن ظهوره يقع بعد ظهور علاماته، لا جرم تكون منتظرا لظهور تلك العلامات لكونها آية ظهور القائم.
والحاصل أن الانتظار المأمور به في الأخبار هو انتظار ظهور مولاك بما يكون له من العلامات والآثار، وهذا واضح على أهل الاعتبار. ونضرب لك مثلا في هذا المقام حتى يتضح المرام.
فنقول: إذا واعدك سلطان مقتدر بنزول منزلك في يوم من الأسبوع ألست تتوقع نزوله بإعداد تشريف مجموع وتزيين مطبوع وفرش مرفوع وأثاث موضوع من ابتداء ذلك الأسبوع، بحيث لو نزل بك في كل من تلك الأيام كنت عاملا بموجبات الاحترام، غير معدود في أهل الآثام!! مع أنك تعلم قطعا بأن لنزوله أمارات معلنة وعلامات مبينة لكن لما كان ظهور تلك العلامات غير منفك عن نزوله، كنت منتظرا له بجميع ما يتقدمه من اللوازم على حصوله.
وثانيا: إن الظاهر من عدة من الأخبار المروية عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وقوع تلك الآثار بأجمعها في سنة واحدة، فيجب أن يكون المؤمن المنتظر مستعدا لظهور مولاه في كل سنة، لاحتمال وقوع هذا الأمر في تلك السنة، بل الظاهر من روايات عديدة كون ظهوره، ووقوع تلك العلامات متقاربة.
- أما السفياني ففي البحار(٢٦٩) عن سيد العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه قال في بيان علامات ظهور القائم: يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له عوف السلمي، بأرض الجزيرة ويكون مأواه تكريت، وقتله بمسجد دمشق، ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند.
ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي (عليه السلام) ثم يخرج بعد ذلك.
أقول: يستفاد من هذا الحديث كون ظهور القائم (عليه السلام) مقارنا لخروج السفياني أو قريبا منه وذلك لا ينافي ما ورد في روايات عديدة من كون مدة ملك السفياني ثمانية أشهر، وكون خروج السفياني قبل قيام القائم (عليه السلام) لأن المراد بقيام القائم (عليه السلام) فيها خروجه جهارا علنا، في بيت الله الحرام، وظهوره للخاص والعام إذ قد وردت روايات دالة بأن له ظهورات متعددة قبل هذا الظهور التام، الكاشف للظلام، المنكشف لجميع الأنام كما أشرنا إليه سابقا في غير هذا المقام.
- وأما قتل النفس الزكية ففي كمال الدين(٢٧٠) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال ليس بين قائم آل محمد وبين قتل النفس الزكية إلا خمس عشرة ليلة.
وأما الصيحة السماوية فهي من العلامات المقارنات، كما يظهر من ملاحظة الروايات وما ذكرنا كاف لأهل الدرايات.
القسم الثالث: اليأس من قرب زمان فرجه وظهوره (عليه السلام) بمعنى نفي احتمال قرب ذلك كما هو حال بعض أهل زماننا ذلك الذين يبنون عقائدهم على الحدس والتخمين والظاهر من الأدلة حرمة هذا أيضا، لعين ما سمعت من الأدلة التي ذكرناها في القسم الثاني، فإن المستفاد من الأخبار المروية عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) أنه إنما أخفي عن المؤمنين وقت الظهور ليكونوا منتظرين له في جميع الأزمنة والدهور، وإن كان لذلك حكم آخر أيضا والله هو العالم بحقائق الأمور.
الأمر السادس

إظهار الشوق إلى لقائه وهو من علامات أحبائه وأهل ولائه ولا ريب في رجحانه واستحبابه لورود ذلك في الأدعية المروية لجنابه ونعم ما قيل:

قلبي إليك من الأشواق محترق * ودمع عيني من الآماق مندفق

الشوق يحرقني والدمع يغرقني * فهل رأيت غريقا وهو محترق

ويدل على المقصود أن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يظهر الشوق إلى رؤيته كما عرفت في الحديث المروي عنه في وصف المهدي (عليه السلام) في حرف العين المهملة حيث قال بعد أن بين جملة من صفاته وعلاماته، وأمر ببيعته وإجابة دعوته " هاه " وأومى بيده إلى صدره شوقا إلى رؤيته وقد مر الخبر بطوله في علمه صلوات الله عليه.

- ويدل على ما ذكرنا أيضا ما روى في البحار(٢٧١) عن كتاب المزار الكبير بإسناده عن أحمد بن إبراهيم قال: شكوت إلى أبي جعفر محمد بن عثمان شوقي إلى رؤية مولانا (عليه السلام) فقال لي: مع الشوق تشتهي أن تراه؟ فقلت له: نعم فقال لي شكر الله لك شوقك وأراك وجهه في يسر وعافية لا تلتمس يا أبا عبد الله أن تراه فإن أيام الغيبة تشتاق إليه ولا تسأل الاجتماع معه إنه عزائم الله والتسليم لها أولى ولكن توجه إليه بالزيارة. الخبر.
أقول: حسن الشوق إليه أمر واضح لا سترة فيه لأن ذلك من لوازم المحبة التي لا تنفك عن الأحبة وقوله: شكر الله لك شوقك، فيه إيماء إلى ما يترتب على ذلك من الثواب الجميل كما يدل عليه قول الصادق (عليه السلام) في الحديث الآتي مع ما فيه من التبجيل والتجليل.
وأما قوله: لا تلتمس يا أبا عبد الله أن تراه (الخ) فالمراد رؤيته بنحو الأئمة السابقين صلوات الله عليهم أجمعين يعني رؤيته في كل وقت يراد لنيل هذا المراد وأما طلب رؤيته مطلقا فهو أمر غير ممنوع، بل هو من وظائف أهل العمل المشروع وفوزهم بذلك ليس بنادر الوقوع.
ويشهد لما دللنا عليه قوله: فإن أيام الغيبة تشتاق إليه، ولا تسأل الاجتماع معه إنه عزائم الله الخ، إذ لو كان رؤيته والاجتماع معه ولو في بعض الأحيان من عزائم الله في صاحب الزمان لم يتفق ذلك لأحد من أهل الإيمان وهذا مخالف للعيان لأن الروايات والحكايات في الفائزين بهذا المرام من المؤمنين يوجب اليقين لأهل اليقين.
ثم لا يخفى أن قوله: تشتاق إليه جملة خبرية في مقام الإنشاء مفادها الأمر بالشوق إليه صلوات الله وسلامه عليه.
- ويدل على فضل الشوق إليه لأهل الإخلاص ما روي في البحار(٢٧٢) عن الاختصاص بإسناده عن محمد بن مسلم قال: خرجت إلى المدينة وأنا وجع ثقيل فقيل له: محمد بن مسلم وجع فأرسل إلي أبو جعفر بشراب مع الغلام مغطى بمنديل فناولنيه الغلام وقال لي أشربه فإنه قد أمرني أن لا أرجع حتى تشربه فتناولت فإذا رائحة المسك منه وإذا شراب طيب الطعم بارد فلما شربته قال لي الغلام: يقول لك إذا شربت فتعال، ففكرت فيما قال لي ولا أقدر على النهوض قبل ذلك على رجلي فلما استقر الشراب في جوفي كأنما أنشطت من عقال، فأتيت بابه فاستأذنت عليه فصوت بي: فصح الجسم ادخل، فدخلت أنا، وأنا باك فسلمت وقبلت يده ورأسه فقال لي: وما يبكيك يا محمد؟ فقلت: جعلت فداك أبكي على اغترابي وبعد الشقة وقلة المقدرة على المقام عندك، والنظر إليك.
فقال (عليه السلام) لي: أما قلة المقدرة فكذلك جعل الله أولياءنا وأهل مودتنا وجعل البلاء إليهم سريعا وأما ما ذكرت من الغربة فلك بأبي عبد الله أسوة بأرض ناء عنا بالفرات وأما ما ذكرت من بعد الشقة فإن المؤمن في هذه الدنيا غريب وفي هذا الخلق منكوس حتى يخرج من هذه الدار إلى رحمة الله وأما ما ذكرت من حبك قربنا والنظر إلينا وأنك لا تقدر على ذلك، فالله يعلم ما في قلبك وجزاؤك عليه.
أقول: رواه في المزار عن كامل الزيارة(٢٧٣) مع زيادات فيه متعلقة بفضل التربة المباركة الحسينية صلوات الله وسلامه عليه.
الأمر السابع

ذكر فضائله ومناقبه ويدل على استحباب ذلك جميع الأخبار الواردة في الحث على ذكر فضائل الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).
- فمنها ما روى في أصول الكافي(٢٧٤) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن من الملائكة الذين في السماء الدنيا ليطلعون إلى الواحد والاثنين والثلاثة وهم يذكرون فضل آل محمد (صلى الله عليه وآله) قال فتقول أما ترون إلى هؤلاء في قلتهم وكثرة عدوهم يصفون فضل آل محمد قال فتقول الطائفة الأخرى من الملائكة: * (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) *.
- وفيه(٢٧٥) بإسناده عن ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي أتخلون وتتحدثون وتقولون ما شئتم؟ فقلت أي والله إنا لنخلوا ونتحدث ونقول ما شئنا فقال (عليه السلام): أما والله لوددت أني معكم في بعض تلك المواطن أما والله إني لأحب ريحكم وأرواحكم وإنكم على دين الله، ودين ملائكته، فأعينوا بورع واجتهاد.
- وفيه(٢٧٦) عن أبي الحسن يعني موسى (عليه السلام) يقول ليس شيء أنكى لإبليس وجنوده من زيارة الإخوان في الله بعضهم لبعض قال: وإن المؤمنين يلتقيان فيذكران الله ثم يذكران فضلنا أهل البيت فلا يبقى على وجه إبليس مضغة لحم إلا تخدد حتى أن روحه لتستغيث من شدة ما تجد من الألم فتحس ملائكة السماء وخزان الجنان، فيلعنونه، حتى لا يبقى ملك مقرب إلا لعنه، فيقع خاسئا حسيرا مدحورا.
- ويدل على المقصود أيضا ما ورد في مكافاة من أحسن إليك بالذكر الجميل كقول مولانا سيد العابدين في رسالة الحقوق المروية في المكارم(٢٧٧) وتحف العقول وغيرهما قال:
وأما حق ذي المعروف عليك فأن تشكره وتذكر معروفه وتنشر له المقالة الحسنة وتخلص له الدعاء مما بينك وبين الله سبحانه فإنك إذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سرا وعلانية ثم إن أمكن مكافأته بالفعل كافأته وإلا كنت مرصدا له موطنا نفسك عليها.
هذا وقد أسمعناك نبذة من حقوقه علينا ومراحمه إلينا في الباب الثالث والرابع من هذا الكتاب المبارك فإن أردتها فاطلبها هنالك لشرح صدرك وإصلاح حالك ويدل على المقصود أيضا ما ذكرناه في شواهد الحث على التحبيب وما يأتي إن شاء الله في فضل دعوة الناس إلى هذا الحبيب.
ويشهد لذلك أيضا ما يأتي من الروايات الآمرة بإظهار العالم علمه عند ظهور البدع ويشهد له أيضا جميع ما ورد في الترغيب والحث على ذكر الله تعالى فإن ذكرهم من ذكر الله كما ورد في الرواية وسيأتي في الأمر التاسع إن شاء الله.
الأمر الثامن

أن يكون المؤمن محزونا مهموما لفراقه وهذا من علامات حبه واشتياقه وفي الديوان المنسوب إلى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في بيان دلائل المحبة الصادقة:

ومن الدلائل أن يرى من شوقه * مثل السقيم في الفؤاد غلائل

ومن الدلائل أن يرى من أنسه * مستوحشا من كل ما هو شاغل

ومن الدلائل ضحكه بين الورى * والقلب محزون كقلب الثاكل

والدليل على أن ذلك من علامات أهل الإيمان وكونه في أعلى مراتب الحسن والرجحان كثير من الأخبار المروية عن الأئمة الأطهار:
فمنها: ما ورد أن من علامات الشيعة أن يكون محزونا في حزن الأئمة (عليهم السلام) ولا ريب في أن غيبة مولانا الحجة وما يرد عليه وعلى شيعته من أسباب الحزن والمحنة من أعظم ما يكون سببا لحزن الأئمة كما يتبين لك بالحديث الآتي في فضل البكاء لفرقته وطول غيبته إن شاء الله تعالى.
- ومنها: ما في كمال الدين(٢٧٨) بإسناده عن مولانا أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: كم من حرى مؤمنة وكم من مؤمن متأسف حيران، حزين، عند فقدان الماء المعين الخبر.
- ومنها ما روي في الكافي(٢٧٩) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال نفس المهموم لنا، المغتم لظلمنا تسبيح، وهمه لأمرنا عبادة، وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله. قال محمد بن سعيد أحد رواة الحديث: أكتب هذا بالذهب فما كتبت شيئا أحسن منه.
ومنها: ما مر في صدر الباب الرابع في حديث ابن أبي يعفور الظاهر منه أن أحد(٢٨٠) حقوق المؤمن على المؤمن أن يحزن لحزنه إذ لا ريب في ثبوت هذا الحق لمولانا صاحب الزمان على جميع أهل الإيمان بالأولوية القطعية.
- ومنها: ما في ثالث البحار(٢٨١) عن مسمع كردين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض وأن الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه.
يا مسمع، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، ولم يشق(٢٨٢) بعدها أبدا، وهو في برد الكافور، وريح المسك، وطعم زنجبيل أحلى من العسل وألين من الزبد وأصفى من الدمع وأزكى من العنبر يخرج من تسنيم ويمر بأنهار الجنان تجري على رضراض الدر والياقوت، فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء يوجد ريحه من مسيرة ألف عام قدحانه من الذهب والفضة، وألوان الجواهر، يفوح في وجه الشارب منه كل فائحة حتى يقول الشارب منه: ليتني تركت ههنا، لا أبغي بهذا بدلا، ولا عنه تحويلا. أما إنك يا كردين ممن تروى منه.
وما من عين بكت لنا إلا نعمت بالنظر إلى الكوثر وسقي منه من أحبنا وأن الشارب منه ليعطى من اللذة والطعم والشهوة له أكثر مما يعطاه من هو دونه في حبنا.... إلى آخر الخبر.
الأمر التاسع

الحضور والجلوس في المجالس التي تذكر فيها فضائله ومناقبه وما يتعلق به صلوات الله عليه ويدل على ذلك " مضافا إلى أنه من لوازم المحبة وعلاماتها وأنه من الخيرات التي أمرنا بالاستباق إليها: قال الله * (فاستبقوا الخيرات) *.
- قول مولانا الرضا (عليه السلام) في الحديث المروي في أمالي الصدوق(٢٨٣) وعاشر البحار(٢٨٤) من جلس مجلسا يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.
- ويدل عليه أيضا قول الصادق (عليه السلام) لفضيل في الحديث المروي في البحار(٢٨٥) وغيره تجلسون وتحدثون؟
قال فضيل: نعم جعلت فداك.
قال (عليه السلام): إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا يا فضيل فرحم الله من أحيى أمرنا.
- ويشهد لما ذكرنا أيضا جميع ما ورد في الحث والترغيب على الحضور في مجالس الذكر كقول النبي (صلى الله عليه وآله) ارتعوا في رياض الجنة قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال (صلى الله عليه وآله) مجالس الذكر، الخبر.
- وقوله في حديث(٢٨٦) آخر إن الله يغفر لمن يجلس في مجلس الذاكرين ويؤمنه مما يخافه فتقول الملائكة: إن فيهم فلانا وإنه لم يذكرك فيقول الله: قد غفرت له بمجالسته لهم فإن الذاكرين من لا يشقى بهم جليسهم، رواهما الشيخ أحمد بن فهد (رضي الله عنه) في عدة الداعي، ووجه الاستشهاد أن ذكره وذكر آبائه (عليه السلام) ذكر الله عز وجل.
- لما رواه الشيخ محمد بن يعقوب (رضي الله عنه) في الكافي(٢٨٧) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما اجتمع في مجلس قوم لم يذكروا الله عز وجل ولم يذكرونا إلا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) إن ذكرنا من ذكر الله وذكر عدونا من ذكر الشيطان.
- ويدل على المقصود أيضا ما روى في الوسائل وغيره(٢٨٨) عن عباد بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إني مررت بقاص يقص وهو يقول هذا المجلس لا يشقى به جليس قال:
فقال أبو عبد الله عليه الصلاة والسلام: هيهات هيهات، أخطأت استهم الحفرة إن لله ملائكة سياحين سوى الكرام الكاتبين فإذا مروا بقوم يذكرون محمدا وآل محمد (صلى الله عليه وآله) قالوا قفوا فيجلسون فيتفقهون معهم فإذا قاموا عادوا مرضاهم وشهدوا جنائزهم وتعاهدوا غائبهم فذلك المجلس الذي لا يشقى به جليس، انتهى هذا مضافا إلى أن الجلوس في تلك المجالس تكثير لسواد المحبين والأنصار وهو محبوب عند الخالق الجبار والأئمة الأبرار كما أن تكثير سواد المعاندين والأشرار مبغوض عندهم.
- يدل عليه ما في البحار(٢٨٩) من المناقب سأل عبد الرحمن بن رياح القاضي أعمى عن عمائه؟
فقال: كنت حضرت بكربلاء، وما قاتلت فنمت فرأيت شخصا هائلا قال لي: أجب رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقلت: لا أطيق فجرني إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوجدته حزينا، وفي يده حربة، وبسط قدامه نطع وملك قبله قائم في يده سيف من النار يضرب أعناق القوم وتقع النار فيهم فتحرقهم ثم يحيون ويقتلهم أيضا هكذا فقلت السلام عليك يا رسول الله والله ما ضربت بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت سهما.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله) ألست كثرت السواد؟ فسملني وأخذ من طست فيه دم فكحلني من ذلك الدم فاحترقت عيناي، فلما انتبهت كنت أعمى.
الأمر العاشر

إقامة المجالس التي يذكر فيها مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) وتنشر فيها مناقبه وفضائله ويدعى له فيها وبذل النفس والمال في ذلك لأنه ترويج لدين الله، وإعلاء كلمة الله وإعانة على البر والتقوى، وتعظيم شعائر الله ونصرة ولي الله.
- ويدل على ذلك مضافا إلى اجتماع العناوين المذكورة، وغيرها فيه قول الصادق (عليه السلام) في حديث مروي في الوسائل(٢٩٠) وغيره: تزاوروا فإن في زيارتكم إحياء لقلوبكم وذكرا لأحاديثنا، وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم وإن تركتموها ضللتم، وهلكتم فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم.
وجه الدلالة: تعليله الأمر بالتزاور بكونه سببا ووسيلة لأحياء أمرهم وذكر أحاديثهم فإقامة مجالس التزاور التي يذكر فيها الإمام (عليه السلام) ومناقبه، وما يتعلق بأمره مما لا ريب في رجحانها واستحبابها عندهم.
- ويدل على المقصود أيضا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الأربعمائة(٢٩١) إن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض فاختارنا واختار لنا شيعة ينصروننا، ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا أولئك منا وإلينا، الخبر.
مسألة فقهية

الظاهر من الأدلة: جواز صرف الزكاة الواجبة في هذه الجهة الراجحة فإنها من سبيل الله الذي جعله الله تعالى أحد مصارف الزكاة في آية * (إنما الصدقات) * الخ، وبسط الكلام موكول إلى الفقه.
إيقاظ وتنبيه

يمكن القول بوجوب إقامة تلك المجالس في بعض الأحيان، كأن يكون الناس في معرض الانحراف والضلال وتكون إقامة تلك المجالس سببا لردعهم عن الردى وإرشادا لهم إلى سبيل الهدى، نظرا إلى أدلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وإرشاد الضال، وردع أهل البدعة والضلال والله تعالى هو العاصم في كل حال.
الأمر الحادي عشر والثاني عشر

إنشاء الشعر وإنشاده في فضائله ومناقبه عليه الصلاة والسلام لأنهما من أقسام النصرة للإمام.
- ويدل على ذلك ما في الوسائل(٢٩٢) في آخر كتاب المزار مسندا عن أبي عبد الله (عليه السلام) من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتا في الجنة.
- وعنه (عليه السلام)(٢٩٣) ما قال فينا قائل بيت شعر حتى يؤيد بروح القدس.
- وعن الرضا (عليه السلام)(٢٩٤) ما قال فينا مؤمن شعرا يمدحنا به إلا بنى الله له مدينة في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرات، يزوره فيها كل ملك مقرب، وكل نبي مرسل.
أقول: لعل الاختلاف في الثواب من جهة اختلاف مراتبهم في المعرفة والإيمان.
- وعن زرارة(٢٩٥) قال: دخل الكميت بن زيد على أبي جعفر (عليه السلام) وأنا عنده، فأنشده: من لقلب متيم مستهام - فلما فرغ منها قال (عليه السلام) للكميت: لا تزال مؤيدا بروح القدس ما دمت تقول فينا.
- وفي روضة الكافي(٢٩٦) بإسناده عن الكميت بن زيد الأسدي، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال والله يا كميت لو أن عندنا مالا لأعطيناك منه، ولكن لك ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحسان بن ثابت لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنا، الخبر.
ويدل على المقصود أيضا جميع ما ورد من إنشاء الشعراء في مدائحهم (عليهم السلام) وإنشادهم بمحضرهم وإعطائهم العطايا الجزيلة والمواهب الجسيمة وهذه الوقائع كثيرة مذكورة في أبواب أخلاقهم وأحوالهم، صلوات الله عليهم أجمعين وفيما أشرنا إليه كفاية للمؤمنين.
الأمر الثالث عشر

القيام عند ذكر اسمه أو ألقابه الشريفة واستقر على ذلك سيرة الإمامية الاثني عشرية ويشهد لذلك مضافا إلى ما فيه من التعظيم والاحترام المطلوب في كل مقام ما رواه بعض الأعلام في النجم الثاقب، عن السيد عبد الله سبط السيد نعمة الله الجزائري (رضي الله عنه) أنه وجد في بعض الروايات أنه ذكر الصاحب (عليه السلام) يوما في مجلس الصادق (عليه السلام) فقام (عليه السلام) تعظيما واحتراما لاسمه الشريف.
أقول: أما الاستحباب فيكفي في إثباته هذا المقدار، نظرا إلى قاعدة التسامح المقررة عند العلماء الأخيار، ويمكن القول بالوجوب في بعض الأوقات، بملاحظة بعض الجهات مثل أن يذكر اسمه الشريف أو بعض ألقابه المباركة في مجلس فيه جماعة فيقوم الجميع احتراما له، ففي تلك الحالة إن لم يقم بعض أهل المجلس من غير عذر كان عدم قيامه توهينا وهتكا لاحترامه (عليه السلام) ولا شك في حرمته لأنه توهين لله عز شأنه كما لا يخفى.
الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر

البكاء والإبكاء والتباكي على فراقه وما ورد عليه من المصائب والمحن والأحزان ويدل على ذلك بالعموم والخصوص عدة من النصوص.
- منها ما في عاشر البحار(٢٩٧) وغيره عن الرضا (عليه السلام) قال: من تذكر مصابنا فبكى وأبكى لما ارتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة ومن ذكر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون.
- وفيه(٢٩٨) عن الصادق (عليه السلام) قال: من ذكرنا أو ذكرنا عنده، فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر.
ومر في حديث مسمع عنه(٢٩٩) (عليه السلام) أنه قال: ما من عين بكت لنا إلا نعمت بالنظر إلى الكوثر، وسقي منه من أحبنا الخ.
- وفي حديث مسمع(٣٠٠) أيضا أن الصادق (عليه السلام) قال: فما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلا رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه فإذا سال دموعه على خده فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرها، حتى لا يوجد لها حر.
- وفي البحار عنه (عليه السلام)(٣٠١) قال: من دمعت عينه فينا دمعة لدم سفك لنا أو حق أنقصناه، أو عرض انتهك لنا، أو لأحد من شيعتنا بوأه الله تعالى بها في الجنة حقبا.
- وفيه(٣٠٢) عن كتابي الأمالي للشيخ الطوسي وابنه بالإسناد عن مولانا الحسين بن علي (عليه السلام) قال ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله تعالى بها في الجنة حقبا.
قال أحمد بن يحيى الأودي فرأيت الحسين بن علي (عليه السلام) في المنام، فقلت: حدثني مخول بن إبراهيم عن الربيع بن المنذر عن أبيه عنك أنك قلت: ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله تعالى بها في الجنة حقبا قال (عليه السلام): نعم قلت، سقط الإسناد بيني وبينك.
- وفي كامل الزيارة(٣٠٣) والبحار، عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) قال: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي (عليه السلام) دمعة، حتى تسيل على خده، بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا وأيما مؤمن دمعت عيناه دمعا حتى تسيل على خده لأذى مسنا من عدونا في الدنيا، بوأه الله مبوأ صدق في الجنة، وأيما مؤمن مسه أذى فينا، فدمعت عيناه حتى يسيل دمعه على خديه من مضاضة ما أوذي فينا، صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار.
- وفي البحار(٣٠٤) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال لفضيل: يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر.
- وفي(٣٠٥) حديث آخر عنه قال: من ذكرنا عنده ففاضت عيناه حرم الله وجهه على النار.
- وقال السيد ابن طاووس (رضي الله عنه) في الملهوف: روي عن آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنهم قالوا:
من بكى وأبكى فينا مائة فله الجنة، ومن بكى وأبكى خمسين فله الجنة، ومن بكى وأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن بكى وأبكى عشرين فله الجنة ومن بكى وأبكى عشرة فله الجنة ومن بكى وأبكى واحدا فله الجنة ومن تباكى فله الجنة.
- وفي كتاب الروضة من الكافي(٣٠٦) بإسناده عن عبد الحميد الوابشي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له إن لنا جارا ينتهك المحارم كلها حتى أنه ليترك الصلاة فضلا عن غيرها فقال سبحان الله، وأعظم ذلك، ألا أخبركم بمن هو شر منه قلت: بلى، قال (عليه السلام) الناصب لنا شر منه أما إنه ليس من عبد يذكر عنده أهل البيت فيرق لذكرنا إلا مسحت الملائكة ظهره وغفر له ذنوبه كلها إلا أن يجيء بذنب يخرجه من الإيمان، وأن الشفاعة لمقبولة، وما تقبل في ناصب وأن المؤمن ليشفع لجاره وما له حسنة، فيقول: يا رب جاري كان يكف عني الأذى، فيشفع فيه فيقول الله تبارك وتعالى: أنا ربك وأنا أحق من كافى عنك، فيدخله الجنة وما له من حسنة وأن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنسانا، فعند ذلك يقول أهل النار: * (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) *.
- وفي كامل(٣٠٧) الزيارة وغيره في حديث معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه دعا في سجوده إلى أن قال (عليه السلام): وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم الصرخة التي كانت لنا.
وأما ما يدل على فضل البكاء في فراقه، وما يجري عليه من المحن بالخصوص

- فمنه ما روي في الكافي والنعماني(٣٠٨) وكمال الدين(٣٠٩) عن المفضل عن أبي عبد الله (عليه السلام) ففي الكافي(٣١٠) بإسناده عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
إياكم والتنويه أما والله ليغيبن إمامكم سنينا من دهركم، ولتمحصن حتى يقال: مات، قتل، هلك، بأي واد سلك؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيده بروح منه، وليرفعن اثنا عشرة راية مشتبهة لا يدرى أي من أي.
قال فبكيت ثم قلت فكيف نصنع؟ قال فنظر إلى الشمس داخلة في الصفة فقال: يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس قلت: نعم فقال (عليه السلام): والله لأمرنا أبين من هذه الشمس.
- وفي النعماني(٣١١) عن المفضل قال: سمعت الشيخ - يعني أبا عبد الله (عليه السلام) - يقول إياكم والتمويه(٣١٢) أما والله ليغيبن سبتا من دهركم، وليخملن حتى يقال مات، هلك، أي واد سلك ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، الخبر.
- وفي كمال الدين بإسناده(٣١٣) عن المفضل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول:
إياكم والتنويه أما والله ليغيبن إمامكم شيئا من دهركم وليمحصن حتى يقال مات أو هلك بأي واد سلك ولتدمعن عليه عيون المؤمنين وليلقون كما تلقى السفن في أمواج البحر، ولا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، الخبر.
- وروى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة(٣١٤) بإسناده عن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إياكم والتنويه أما والله ليغيبن إمامكم سنين من دهركم وليخملن حتى يقال مات أو قتل(٣١٥) بأي واد سلك ولتدمعن عليه عيون المؤمنين ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، الخبر.
أقول: أنظر وتأمل كيف جعل (عليه السلام) البكاء عليه علامة الإيمان ودل على أمر لا ينكره الوجدان بل يشهد له بالعيان فإن البكاء عليه دليل المعرفة والمحبة الثابتة في الجنان وهما جزء الإيمان بل حقيقة لأهل الإيقان فيبعثان صاحبه على البكاء في فراق مولانا صاحب الزمان وما يرد عليه من المحن والأحزان ولنعم ما قيل بالعربية:

قلبي إليك من الأشواق محترق * ودمع عيني من الآماق مندفق

الشوق يحرقني والدمع يغرقني * فهل رأيت غريقا وهو محترق

وبالفارسية: گواه عاشق صادق در آستين باشد.
ولهذا ترى المحب الصادق كلما كانت معرفته وحبه لمحبوبه أكثر وأعظم، كان بكاؤه أكثر(٣١٦) وأدوم.
 - وقد روى رئيس المحدثين (رضي الله عنه) في كتاب كمال الدين(٣١٧) بإسناده عن سدير الصيرفي، قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر، وأبو بصير، وأبان بن تغلب، على مولانا أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح خيبري مطوق بلا جيب، مقصر الكمين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى، ذات الكبد الحرى قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغيير في عارضيه، وأبلى الدموع محجريه وهو يقول: سيدي غيبتك نفت رقادي وضيقت علي مهادي، وابتزت مني راحة فؤادي، سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد وفقد الواحد بعد الواحد، يفني الجمع والعدد، فما أحس بدمعة ترقى في عيني، وأنين يفتر من صدري عن دوارج الرزايا، وسوالف البلايا إلا ما لقيني.
- في البحار(٣١٨) هكذا: إلا مثل لعيني عن عوائر أعظمها وأفزعها، وتراقي أشدها(٣١٩) عن غوائل أعظمها، وأفظعها وبواقي أشدها وأنكرها ونوائب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك.
قال سدير: فاستطارت عقولنا ولها، وتصدعت قلوبنا جزعا من ذلك الخطب الهائل، والحادث الغائل وظننا أنه سمة لمكروهة قارعة أو حلت به من الدهر بائقة فقلنا لا أبكى الله يا بن خير الورى عينيك، من أية حادثة تسترق(٣٢٠) دمعتك وتستمطر عبرتك، وأية حالة حتمت عليك هذا المأتم؟ قال: فزفر الصادق (عليه السلام) زفرة انتفخ منها جوفه، واشتد منها خوفه، وقال: ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، الذي خص الله به محمدا والأئمة من بعده (عليهم السلام). وتأملت مولد غائبنا(٣٢١) وغيبته، وإبطائه وطول عمره وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان وتولد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته، وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم التي قال الله جل ذكره: * (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) * يعني الولاية فأخذتني الرقة، واستولت علي الأحزان.
فقلنا يا بن رسول الله كرمنا وفضلنا بإشراكك إيانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك قال (عليه السلام) إن الله تبارك وتعالى أدار للقائم منا ثلاثة أدارها لثلاثة من الرسل قدر مولده تقدير مولد موسى (عليه السلام) وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى (عليه السلام) وقدر إبطائه تقدير إبطاء نوح (عليه السلام) وجعل من بعد ذلك عمر العبد الصالح أعني الخضر (عليه السلام) دليلا على عمره.
فقلنا: اكشف لنا يا بن رسول الله عن وجوه هذه المعاني.
قال (عليه السلام) أما مولد موسى فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يده أمر بإحضار الكهنة، فدلوه على نسبه وأنه يكون من بني إسرائيل فلم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين ألف مولود وتعذر عليه الوصول إلى قتل موسى بحفظ الله تبارك وتعالى إياه كذلك بنو أمية وبنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملك الأمراء والجبابرة منهم على يد القائم منا ناصبونا العداوة ووضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول (صلى الله عليه وآله) وإبادة نسله طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم ويأبى الله عز وجل أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
وأما غيبة عيسى (عليه السلام) فإن اليهود والنصارى اتفقت على أنه قتل فكذبهم الله جل ذكره بقوله عز وجل: * (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) * كذلك غيبة القائم فإن الأمة ستنكرها لطولها، فمن قائل يقول إنه لم يولد وقائل يقول: إنه ولد ومات وقائل يكفر بقوله: إن حادي عشرنا كان عقيما، وقائل يمرق بقوله إنه يتعدى إلى ثالث عشر فصاعدا(٣٢٢) وقائل يعصي الله عز وجل بقوله: إن روح القائم ينطق في هيكل غيره.
وأما إبطاء نوح (عليه السلام): فإنه لما استنزل العقوبة على قومه من السماء بعث الله تبارك وتعالى جبرئيل الروح الأمين معه سبع نويات فقال: يا نبي الله إن الله تبارك وتعالى يقول لك إن هؤلاء خلائقي وعبادي لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجة فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فإني مثيبك عليه فاغرس هذا النوى فإن لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت، الفرج والخلاص فبشر بذلك من اتبعك من المؤمنين.
فلما نبتت الأشجار وتأزرت وتسوقت وأغصنت وزهى الثمر عليها بعد زمان طويل استنجز من الله العدة فأمر الله تبارك وتعالى أن يغرس نوى تلك الأشجار ويعاود الصبر والاجتهاد ويؤكد الحجة على قومه فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به فارتد منهم ثلاثمائة رجل وقالوا: لو كان ما يدعيه نوح حقا لما وقع في وعد ربه خلف.
ثم إن الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كل مرة بأن يغرسها مرة بعد أخرى إلى أن غرسها سبع مرات فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتد منهم طائفة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا فأوحى الله تبارك وتعالى عند ذلك إليه وقال: يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرح الحق عن محضه وصفى الإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة فلو أني أهلكت الكفار وأبقيت من قد ارتد من الطوائف التي كانت آمنت بك لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك واعتصموا بحبل نبوتك بأن أستخلفهم في الأرض وأمكن لهم دينهم وأبدل خوفهم بالأمن لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشك من قلوبهم.
وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبدل الخوف بالأمن مني لهم مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا وخبث طينتهم وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق وسنوخ الضلالة فلو أنهم تنسموا من الملك الذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذا أهلكت أعداءهم لنشقوا(٣٢٣) روائح صفائه ولاستحكمت سرائر نفاقهم وتأبد خيال ضلالة قلوبهم ولكاشفوا إخوانهم بالعداوة وحاربوهم على طلب الرئاسة والتفرد بالأمر والنهي.
وكيف يكون التمكين في الدين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب كلا فاصنع الفلك بأعيننا ووحينا.
قال الصادق (عليه السلام) وكذلك القائم (عليه السلام) فإنه تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف، والتمكين والأمر المنتشر في عهد القائم (عليه السلام).
قال المفضل: فقلت: يا بن رسول الله فإن هذه النواصب تزعم أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر، وعثمان، وعلي.
فقال (عليه السلام): لا هدى الله قلوب الناصبة متى كان الدين الذي ارتضاه الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) متمكنا بانتشار الأمن في الأمة وذهاب الخوف من قلوبها وارتفاع الشك من صدورها في عهد واحد من هؤلاء! أو في عهد علي (عليه السلام) مع ارتداد المسلمين والفتن التي كانت تثور في أيامهم
والحروب التي كانت تنشب بين الكفار وبينهم. ثم تلا الصادق (عليه السلام) هذه الآية مثلا لإبطاء القائم (عليه السلام) * (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا) * الآية.
وأما العبد الصالح أعني الخضر (عليه السلام) فإن الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له ولا لكتاب ينزله عليه ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء (عليهم السلام) ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها ولا لطاعة يفرضها له، بلى إن الله تعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر عمر القائم في أيام غيبته ما يقدره(٣٢٤) وعلم من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول طول عمر العبد الصالح من غير سبب يوجب ذلك إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم وليقطع بذلك حجة المعاندين لئلا يكون للناس على الله حجة. انتهى الحديث الشريف.
وقد أوردناه بطوله لاشتماله على فوائد جمة وأمور مهمة فتدبر فيه.
الأمر السابع عشر

طلب معرفته من الله عز وجل فإنه ليس العلم بكثرة التعليم والتعلم بل هو نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه ومن يهد الله فهو المهتد.
- وفي الكافي(٣٢٥) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل * (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) * فقال: طاعة الله ومعرفة الإمام.
- وفيه(٣٢٦) عن أبي بصير قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): هل عرفت إمامك؟
قال: قلت: أي والله قبل أن أخرج من الكوفة.
فقال (عليه السلام): حسبك إذا.
- وفيه(٣٢٧) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالى الطاعة للإمام بعد معرفته.
- وفيه(٣٢٨) عن أبي خالد الكابلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) * فقال: يا أبا خالد النور والله الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة وهم والله نور الله الذي أنزل وهم والله نور الله في السماوات وفي الأرض، والله يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار، وهم والله ينورون قلوب المؤمنين، ويحجب الله عز وجل نورهم عمن يشاء، فتظلم قلوبهم والله يا أبا خالد، لا يحبنا عبد، ولا يتولانا حتى يطهر الله قلبه ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا، ويكون سلما لنا، فإذا كان سلما لنا سلمه الله من شديد الحساب، وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر.
تبيين وتوضيح

قد عرفت فيما سبق، أن أهم الأمور وأوجبها بعد معرفة الله ورسوله معرفة ولي الأمر، وصاحب الزمان، لأنه ركن من أركان الإيمان ومن مات ولا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ومعرفته مفتاح جميع أبواب الخير والسعادة والرحمة، وقد أمر الله عباده بتحصيل معرفته، والدعاء من الأبواب التي أمر الله تعالى أن يؤتى منها فقال * (ادعوني أستجب لكم) *، * (واسألوا الله من فضله) * وقال تعالى أيضا: * (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) *.
- وفي الكافي(٣٢٩) بإسناده عن محمد بن حكيم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) المعرفة من صنع من هي؟ قال: من صنع الله ليس للعباد فيها صنع.
والآيات والروايات الدالة على هذا المطلب كثيرة، فاللازم على العبد أن يسأل الله تعالى أن يرزقه ويكمل له معرفة إمام زمانه. ويؤيد ما ذكرنا ويدل عليه أيضا ورود الدعاء لذلك بالخصوص كما سيأتي في الأمر الآتي إن شاء الله.
وهذا لا ينافي كون العبد مختارا ومأمورا بالطلب والنظر في وسائل المعرفة لأنه نظير الرزق الذي أمر العباد بطلبه والدعاء له أيضا والله هو الرازق جل شأنه فإن المجاهدة والسعي وظيفة العبد والإيصال وظيفة الخالق المتعال قال تبارك وتعالى * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) * الآية كما أن الزرع والسقي ونحوهما وظيفة العباد لكونها تحت قدرتهم والإنبات، والإنماء والحفظ من الآفات، إلى حصول النتيجة، وبلوغ المراد وظيفة الله لخروجها عن قدرة العباد، لكن عليهم الدعاء والمسألة لحصول النتيجة المقصودة.
وكذلك معرفة الإمام لها وسائل وأسباب، رتبها الله تعالى لعباده، وهي مقدورة لهم مثل النظر في معجزاته، وأخلاقه، وإخبار الأئمة السابقين به، وبخصائصه، وبطول غيبته، وما يرد على المؤمنين في زمان غيبته وبالشؤون التي خصه الله تعالى بها، والدلائل التي دل عليها، وغير ذلك فعليهم السعي في تحصيل معرفته بالأسباب المذكورة ونحوها ولكن لما كانت المعرفة من صنع الله عز وجل، وجب عليهم وتأكد لهم بحكم العقل والنقل الدعاء، وطلب معرفته من الله تعالى، فإن * (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له) * الآية.
الأمر الثامن عشر

- المداومة بالدعاء الذي رواه ثقة الإسلام الكليني والشيخ النعماني(٣٣٠) والطوسي (رضي الله عنه) بأسانيدهم عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن للغلام غيبة قبل أن يقوم.
قال: قلت: ولم؟
قال يخاف. وأومى بيده إلى بطنه ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يشك في ولادته منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين وهو المنتظر غير أن الله عز وجل يحب أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة إذا أدركت ذلك الزمان فادع بهذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني، الخبر.
- ورواه رئيس المحدثين في كتاب كمال الدين(٣٣١) بإسناده عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن للقائم غيبة قبل أن يقوم قلت له: ولم؟
قال (عليه السلام): يخاف - وأومى بيده إلى بطنه - ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، منهم من يقول: هو حمل ومنهم من يقول: هو غائب، ومنهم من يقول:
ما ولد ومنهم من يقول ولد قبل وفاة أبيه بسنتين غير أن الله تبارك وتعالى يحب أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون.
قال زرارة فقلت جعلت فداك، فإن أدركت ذلك الزمان، فأي شيء أعمل؟
قال (عليه السلام): يا زرارة: إذا أدركت ذلك الزمان، فأدم هذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك.. الخ.
الأمر التاسع عشر

- الدعاء الذي رواه الشيخ الصدوق(٣٣٢) بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلا من دعا دعاء الغريق قلت: كيف دعاء الغريق؟ قال (عليه السلام) يقول: يا الله يا رحمن يا رحيم، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت: يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلبي على دينك قال (عليه السلام) إن الله مقلب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول لك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
- وروى الشيخ النعماني(٣٣٣) (رضي الله عنه) في الغيبة، بإسناده عن حماد بن عيسى عن عبد الله ابن سنان قال: دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال (عليه السلام): كيف أنتم إذا صرتم في حال لا يكون(٣٣٤) فيها إمام هدى، ولا علما يرى فلا ينجو من تلك الحيرة إلا من دعا بدعاء الغريق(٣٣٥)،؟ فقال أبي: هذا والله البلاء فكيف نصنع جعلت فداك حينئذ؟
قال (عليه السلام): إذا كان ذلك ولن تدركه فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الأمر.
المتمم عشرين

- الدعاء الذي ذكره السيد ابن طاووس (رضي الله عنه) في مهج الدعوات(٣٣٦) في حديث ذكر فيه غيبة المهدي - عجل الله تعالى فرجه - قال الراوي: قلت: كيف تصنع شيعتك؟
قال: عليكم بالدعاء وانتظار الفرج إلى أن قال: قلت: فما ندعو به؟
قال (عليه السلام): تقول: " اللهم أنت عرفتني نفسك، وعرفتني رسولك، وعرفتني ملائكتك، وعرفتني نبيك، وعرفتني ولاة أمرك اللهم لا آخذ إلا ما أعطيت، ولا واقي إلا ما وقيت، اللهم لا تغيبني عن منازل أوليائك ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم اهدني لولاية من فرضت طاعته.
الواحد والعشرون

معرفة علامات ظهوره (عليه السلام) ولا سيما العلامات المحتومة التي أخبر بها الأئمة الطاهرون (عليهم السلام) والدليل على ذلك العقل والنقل:
أما الأول: فلأنك قد عرفت وجوب معرفته سلام الله عليه بشخصه ومعرفة العلامات المحتومة التي تقع مقارنة لظهوره أو قريبا منه مقدمة لمعرفته.
وإن قلت: يمكن معرفته بغير تلك العلامات أيضا فلا يكون طريق المعرفة منحصرا في ذلك.
قلنا: قد ورد في الروايات الأمر بالسعي إليه حين ظهوره.
- كما في رواية النعماني(٣٣٧) بإسناده عن الباقر (عليه السلام) بعد ذكر النداء والخسف بالبيداء:
فاسعوا إليه ولو حبوا، والله كأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس.. الخ،.
ولا ريب أن السعي إليه حين ظهوره من البلاد لا يمكن إلا بعد العلم بظهوره بسبب ظهور العلامات المحتومة الموعودة وأما معرفته بالمعجزات الصادرة منه فإنها تحصل للمشاهدين كما لا يخفى.
- وأما النقل: فقول الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن عمان المروي في الكافي(٣٣٨) في الصحيح أعرف العلامة فإذا عرفته لم يضرك تقدم هذا الأمر أو تأخر. الخبر.
مضافا إلى أن الأئمة الطاهرين قد بينوا العلامات التي جعلها الله تعالى لظهور القائم (عليه السلام) ليتميز المحق من المبطل وقد ذكروا في جملة من الروايات وقوع بعض ما يفتتن به أهل الضلال وأن الذين رووا أحاديث الأئمة والذين استمعوا وعرفوا الوقائع التي أخبر الأئمة (عليهم السلام) بوقوعها لا يفتتنون، ولا يضلون وذلك لأنهم عرفوا المحق من المبطل بسبب معرفة العلامات على حسب الروايات المأثورة عن أئمتهم (عليهم السلام) ألا ترى أن كثيرا من الذين ارتدوا عن الدين واتبعوا المضلين الملحدين في زماننا وما قبله إنما ارتدوا وضلوا بسبب جهلهم بعلامات ظهور صاحب الأمر وخصائصه (عليه السلام) فضلوا وأضلوا.
فلو أنهم سعوا في طلب العلم وتحصيل المعرفة بما يجب عليهم من صفات صاحب الأمر وعلاماته ودلائله وعلامات ظهوره كانوا من الناجين ولم يرتدوا عن الدين نسأل الله عز وجل أن يرزقنا العلم والعمل ويعصمنا من الخطأ والزلل إنه سميع مجيب. ويأتي في الأمر الآتي مزيد توضيح وتبيين لذلك إن شاء الله تعالى.
ويدل على المقصود أيضا أن إطاعة أوامره واجبة لقوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وحينئذ يجب على المؤمن معرفة علامات ظهوره، ليطيع أوامره إذا ظهر، وليتميز الحق من الباطل، ونحن نذكر هنا بعض ما رواه الشيخ الأجل محمد ابن إبراهيم النعماني (رضي الله عنه) في كتاب الغيبة(٣٣٩):
- فمنها بإسناده عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: للقائم (عليه السلام) خمس علامات: السفياني واليماني، والصيحة من السماء وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء.
- وفي خبر آخر عنه(٣٤٠) (عليه السلام) أنه قال: العام الذي فيه الصيحة قبله الآية في رجب، قلت:
وما هي؟ قال: وجه يطلع في القمر، ويد بارزة.
- وعن عبد الله بن سنان عنه(٣٤١) (عليه السلام) أنه قال النداء من المحتوم، والسفياني من المحتوم، واليماني من المحتوم وقتل النفس الزكية من المحتوم، وكف تطلع من السماء من المحتوم قال: وفزعة في شهر رمضان توقظ النائم، وتفزع اليقظان، وتخرج الفتاة من خدرها.
- وعن البزنطي (رضي الله عنه) عن الرضا (عليه السلام)(٣٤٢) أنه قال: قبل هذا الأمر السفياني، واليماني، والمرواني، وشعيب بن صالح، وكف يقول هذا وهذا.
- وعن أبي بصير(٣٤٣) عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) قال: إذا رأيتم نارا من المشرق شبه الهردي العظيم، تطلع ثلاثة أيام أو سبعة، فتوقعوا فرج آل محمد (صلى الله عليه وآله) إن شاء الله عز وجل إن الله عزيز حكيم.
ثم قال (عليه السلام): الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان لأن شهر رمضان شهر الله، وهي صيحة جبرئيل إلى هذا الخلق.
ثم قال: ينادي مناد من السماء باسم القائم (عليه السلام) فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد إلا استيقظ، ولا قائم إلا قعد، ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعا من ذلك الصوت فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب، فإن الصوت صوت جبرئيل الروح الأمين.
وقال (عليه السلام): الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ليلة ثلاث وعشرين، فلا تشكوا في ذلك، واسمعوا وأطيعوا وفي آخر النهار صوت إبليس اللعين، ينادي ألا إن فلانا قتل مظلوما، ليشكك الناس، ويفتنهم، فكم ذلك اليوم من شاك متحير قد هوى في النار فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان فلا تشكوا فيه، أنه صوت جبرئيل، وعلامة ذلك أنه ينادي باسم القائم، واسم أبيه (عليهما السلام) حتى تسمعه العذراء في خدرها فتحرض أباها وأخاها على الخروج.
وقال (عليه السلام) لا بد من هذين الصوتين قبل خروج القائم: صوت من السماء، وهو صوت جبرئيل باسم صاحب هذا الأمر واسم أبيه والصوت الثاني الذي من الأرض هو صوت إبليس اللعين، ينادي باسم فلان أنه قتل مظلوما يريد بذلك الفتنة فاتبعوا الصوت الأول، وإياكم والأخير أن تفتنوا به.
- وعن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قلنا له (عليه السلام) السفياني من المحتوم؟ فقال (عليه السلام):
نعم وقتل النفس الزكية من المحتوم، والقائم من المحتوم وخسف البيداء من المحتوم، وكف تطلع من السماء من المحتوم، والنداء فقلت: وأي شيء النداء؟ فقال (عليه السلام) مناد ينادي باسم القائم واسم أبيه.
- وعن ابن أبي يعفور، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) امسك بيدك هلاك الفلاني، وخروج السفياني وقتل النفس، وجيش الخسف والصوت، قلت وما الصوت هو المنادي؟
فقال (عليه السلام) نعم وبه يعرف صاحب هذا الأمر.
- وعن زرارة(٣٤٤) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) النداء حق؟ قال (عليه السلام) أي والله، حتى يسمعه كل قوم بلسانهم.
- وعن عبد الله بن سنان(٣٤٥) قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسمعت رجلا من همدان يقول له: إن هؤلاء العامة يعيرونا ويقولون لنا إنكم تزعمون أن مناديا ينادي من السماء باسم صاحب هذا الأمر، وكان (عليه السلام) متكئا فغضب وجلس.
ثم قال (عليه السلام): لا ترووا عني وارووه عن أبي، ولا حرج عليكم في ذلك أشهد أني قد سمعت أبي (عليه السلام) يقول: والله، إن ذلك في كتاب الله عز وجل لبين حيث يقول: * (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) * فلا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلا خضع، وذلت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء، ألا إن الحق في علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشيعته: قال: فإذا كان من الغد، صعد إبليس في الهواء حتى يتوارى عن الأرض، ثم ينادي ألا إن الحق في عثمان بن عفان وشيعته فإنه قتل مظلوما، فاطلبوا بدمه.
قال (عليه السلام): فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق وهو النداء الأول، ويرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض، والمرض والله عداوتنا، فعند ذلك يتبرأون منا، ويتناولونا، فيقولون، إن المنادي الأول سحر من سحر أهل هذا البيت.
ثم تلا أبو عبد الله (عليه السلام) قول الله عز وجل: * (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) *.
- وعن محمد بن الصامت(٣٤٦) قلت للصادق (عليه السلام): ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟
فقال (عليه السلام): بلى، قلت: وما هي؟ قال: هلاك العباسي وخروج السفياني، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء، والصوت من السماء، فقلت: جعلت فداك أخاف أن يطول هذا الأمر، فقال (عليه السلام): لا، إنما هو كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا.
- وعن حمران بن أعين عن الصادق (عليه السلام)(٣٤٧) أنه قال: من المحتوم الذي لا بد أن يكون من قبل قيام القائم (عليه السلام) خروج السفياني، وخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكية، والمنادي من السماء.
- وعن زرارة بن أعين(٣٤٨) قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ينادي مناد من السماء أن فلانا هو الأمير، وينادي مناد إن عليا وشيعته هم الفائزون.
قلت فمن يقاتل المهدي (عليه السلام) بعد هذا؟
فقال (عليه السلام): إن الشيطان ينادي أن فلانا وشيعته هم الفائزون، يعني رجلا من بني أمية.
قلت: فمن يعرف الصادق من الكاذب؟
قال (عليه السلام): يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: أنه يكون قبل أن يكون، ويعلمون أنهم هم المحقون الصادقون.
- وفي حديث(٣٤٩) آخر عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) عجبت أصلحك الله، وإني لأعجب من القائم (عليه السلام) كيف يقاتل مع ما يرون من العجائب من خسف البيداء بالجيش، ومن النداء الذي يكون من السماء فقال (عليه السلام) إن الشيطان لا يدعهم حتى ينادي كما نادى برسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم العقبة.
- وعن هشام بن سالم قال(٣٥٠) سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: هما صيحتان صيحة في أول الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية قال: فقلت: كيف ذلك؟ فقال: واحدة من السماء، وواحدة من إبليس فقلت: وكيف تعرف هذه من هذه؟ فقال (عليه السلام): يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون.
- وعن عبد الرحمن بن مسلمة(٣٥١) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن الناس يوبخونا ويقولون: من أين يعرف المحق من المبطل، إذا كانتا.
فقال (عليه السلام): ما تردون عليهم؟ قلت: فما نرد عليهم شيئا. قال: فقال (عليه السلام) قولوا لهم يصدق بها إذا كانت من كان مؤمنا يؤمن بها قبل أن تكون قال الله عز وجل * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) *

- وعن عبد الله بن سنان(٣٥٢) قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) قال: لا يكون هذا الأمر الذي تمدون إليه أعناقكم، حتى ينادي مناد من السماء: ألا إن فلانا صاحب الأمر فعلى ما القتال؟
- وعن محمد بن مسلم(٣٥٣) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: السفياني، والقائم (عليه السلام) في سنة واحدة.
- وعن بدر بن الخليل الأسدي، قال: كنت عند أبي جعفر بن علي الباقر (عليه السلام) فذكر آيتين يكونان قبل القائم، لم يكونا منذ أهبط الله آدم (عليه السلام) أبدا وذلك أن الشمس تنكسف في النصف من شهر رمضان، والقمر في آخره فقال رجل يا بن رسول الله لا بل الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف فقال له أبو جعفر (عليه السلام) إني لأعلم بما تقول، ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم.
- وعن ورد أخي الكميت عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: إن بين يدي هذا الأمر انكساف القمر لخمس تبقى والشمس لخمس عشرة، وذلك في شهر رمضان وعند ذلك يسقط حساب المنجمين.
أقول: من هذا الحديث ظهر أن المراد بالآخر في الحديث السابق هو الآخر العرفي، لا الحقيقي، فلا اختلاف بينهما، والحمد لله.
- وعن عبد الملك بن أعين قال: كنت عند أبي جعفر، فجرى ذكر القائم فقلت له:
أرجو أن يكون عاجلا ولا يكون سفياني فقال: لا والله إنه لمن المحتوم الذي لا بد منه.
- وعن حمران بن أعين عن أبي جعفر(٣٥٤) في قوله تعالى * (فقضى أجلا وأجل مسمى عنده) *.
فقال: إنهما أجلان أجل محتوم وأجل موقوف، فقال له حمران: ما المحتوم؟
قال: الذي لا يكون غيره.
قال: وما الموقوف؟
قال: الذي لله فيه المشيئة قال حمران إني لأرجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف.
فقال أبو جعفر (عليه السلام): لا والله إنه لمن المحتوم.
- وعن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن من الأمور أمورا موقوفة، وأمورا محتومة، وأن السفياني من المحتوم الذي لا بد منه(٣٥٥).
- وعن خلاد الصائغ(٣٥٦) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: السفياني لا بد منه، ولا يخرج إلا في رجب فقال رجل: يا أبا عبد الله، إذا خرج فما حالنا؟
قال: إذا كان ذلك فإلينا.
- وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) السفياني أحمر، أصفر، أزرق لم يعبد الله قط ولم ير مكة، ولا المدينة قط يقول: يا رب ثاري والنار يا رب ثاري والنار.
- وعن الصادق(٣٥٧) عليه الصلاة والسلام قال: إذا قام القائم (عليه السلام) بعث في أقاليم الأرض في كل إقليم رجلا يقول: عهدك في كفك.
فإذا ورد عليك ما لا تفهمه، ولا تعرف القضاء فيه فانظر إلى كفك واعمل بما فيها قال (عليه السلام):
ويبعث جندا إلى القسطنطنية، فإذا بلغوا الخليج كتبوا على أقدامهم شيئا، ومشوا على الماء، فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء، فكيف هو فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة، فيدخلونها فيحكمون فيها ما يريدون.
أقول: وجيش السفياني الذين يخسف بهم الأرض في البيداء ما بين مكة ومدينة قد ورد في حديث مفصل أنهم ثلاثمائة ألف والحديث طويل مذكور في أنوار النعمانية(٣٥٨) وبحار الأنوار(٣٥٩).
- وقد ورد في بعض الروايات: أنهم إذا نزلوا بالبيداء نزل جبرئيل (عليه السلام) فصاح يا بيداء أبيدي القوم. ونكتفي هنا بهذا المقدار، وفيه كفاية وغنى لأهل الاعتبار.
وروى الصدوق وغيره رحمهم الله كثيرا من تلك الأخبار.
- وروى الصدوق(٣٦٠) بإسناده عن عبد الله بن عجلان، قال: ذكرنا خروج القائم (عليه السلام) عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: كيف لنا أن نعلم ذلك؟ فقال يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب طاعة معروفة.
تصديق فيه تشويق

- قد روي في كتاب نور العيون في جملة علامات الظهور، أن الناس في آخر الزمان يتركون العمامة، ويبدلونها بالقلنسوة.
- وروي أيضا منها أن الناس يفرحون بفقد الأولاد، ويتبشر ويتشكر من لا ولد له.
أقول: قد ظهر صدق هاتين في هذه السنة وهي سنة ست وأربعين وثلاثمائة بعد ألف من الهجرة النبوية، فقد رأيت جمعا من الناس تركوا العمامة، وبدلوها بالقلنسوة، تشبها بأهل الباطل وتقربا إليهم ورأيت الناس يفرحون بفقد الأولاد، ويتبشر ويتشكر من لا ولد له بسبب النظام الإجباري وإلى الله تعالى نشكو غيبة وليه، ونسأله أن يعجل في فرجه ويجعلنا من أنصاره.
الثاني والعشرون التسليم، وترك الاستعجال

والكلام هنا في مقامين:
- الأول: في ذكر جملة من الروايات الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) في الكافي(٣٦١) بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه مهزم، فقال له، جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو؟ فقال (عليه السلام) مهزم كذب الوقاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون.
- وعن إبراهيم(٣٦٢) بن مهزم عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكرنا عنده ملوك آل فلان فقال (عليه السلام): إنما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إن الله لا يعجل لعجلة العباد، إن لهذا الأمر غاية ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا.
- وعن منصور(٣٦٣) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا منصور إن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد إياس، ولا والله حتى تميزوا ولا والله حتى تمحصوا، ولا والله وحتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد.
- وعن محمد بن منصور الصيقل(٣٦٤) عن أبيه قال: كنت أنا والحارث بن المغيرة وجماعة من أصحابنا جلوسا، وأبو عبد الله (عليه السلام) يسمع كلامنا فقال لنا: في أي شيء أنتم هيهات هيهات، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تغربلوا لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تمحصوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تميزوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم إلا بعد إياس، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد.
- وفي(٣٦٥) حديث آخر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن حديثكم هذا لتشمئز منه قلوب الرجال، فمن أقر به فزيدوه ومن أنكره فذروه، إنه لا بد من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة ووليجة، حتى يسقط فيها من يشق الشعر بشعرتين، حتى لا يبقى إلا نحن وشيعتنا.
- وفي الوافي(٣٦٦) عن الكافي بإسناده عن أبي المرهف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الغبرة على من أثارها، هلك المحاضير، قلت: جعلت فداك، وما المحاضير، قال (عليه السلام) المستعجلون الحديث.
قال في الوافي: المحاضير، أما بالمهملات من الحصر، بمعنى ضيق الصدر، وأما بالمعجمة بين المهملتين من الحضر بمعنى العدو.
وقال المجلسي (رضي الله عنه) في البحار المحاضير جمع المحضير وهو الفرس الكثير العدو.
- وفي غيبة النعماني(٣٦٧) بإسناده عن أبي المرهف، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) هلكت المحاضير؟
قال: قلت وما المحاضير؟
قال: المستعجلون ونجا المقربون، وثبت الحصن على أوتادها الخبر.
- وبإسناده عن عبد الرحمن بن كثير قال: كنت عند أبي عبد الله وعنده مهزم الأسدي، فقال جعلني الله فداك متى هذا الأمر فقد طال علينا، فقال كذب المتمنون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون، وإلينا تصيرون.
- وبإسناده عن أبي جعفر الباقر أنه قال هلك أصحاب المحاضير، ونجا المقربون وثبت الحصن على أوتادها، إن بعد الغم فتحا عجيبا(٣٦٨).
- وبإسناده عن إبراهيم بن هليل قال: قلت لأبي الحسن جعلت فداك، مات أبي على هذا الأمر، وقد بلغت من السنين ما قد ترى، أموت ولا تخبرني بشيء؟
فقال: يا أبا إسحاق، أنت تعجل فقلت: أي والله أعجل، وما لي لا أعجل، وقد بلغت أنا من السن ما قد ترى! فقال (عليه السلام): أما والله يا أبا إسحاق، ما يكون ذلك حتى تميزوا وتمحصوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأقل(٣٦٩).
- وبإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عز وجل * (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) * قال (عليه السلام): هو أمرنا أمر الله عز وجل لا يستعجل به، يؤيده ثلاثة أجناد: الملائكة، والمؤمنون والرعب. وخروجه (عليه السلام) كخروج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك قوله تعالى * (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)(٣٧٠) *.
- وروي في البرهان(٣٧١) والمحجة عن غيبة المفيد بإسناده مثله.
- وفيهما أيضا عن مسند فاطمة. للشيخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري بإسناده عن أبان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أراد الله قيام القائم (عليه السلام) بعث جبرئيل في صورة طائر أبيض، فيضع إحدى رجليه على الكعبة، والأخرى على بيت المقدس.
ثم ينادي بأعلى صوته، أتى أمر الله فلا تستعجلوه قال: فيحضر القائم فيصلي عند مقام إبراهيم ركعتين.
ثم ينصرف وحواليه أصحابه وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، إن فيهم لمن يسري عن فراشه ليلا، فيخرج ومعه الحجر، فيلقيه فتعشب الأرض.
- وروى رئيس المحدثين في كتاب كمال الدين(٣٧٢) بإسناد صحيح عن الصادق (عليه السلام)، قال: أول من يبايع القائم (عليه السلام)، جبرئيل (عليه السلام) ينزل في صورة طير أبيض، فيبايعه، ثم يضع رجلا على بيت الله الحرام، ورجلا على بيت المقدس، ثم ينادي بصوت ذلق تسمعه الخلائق * (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) *.
أقول: هذان الحديثان يدلان على أن المراد بأمر الله في الآية ظهور القائم عجل الله تعالى فرجه وقراءة جبرئيل في تلك الحالة للدلالة على ذلك، وتعيير للمنكرين والمستعجلين والله العالم.
- وفي البرهان(٣٧٣) عن العياشي، عن هشام بن سالم عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله تعالى * (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) * قال (عليه السلام) إذا أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بشيء إلى الوقت فهو قوله * (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) * حتى يأتي ذلك الوقت قال: إن الله إذا أخبر أن شيئا كائن فكأنه قد كان.
- وفي كتاب حسين بن حمدان بإسناده عن المفضل عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى في سورة حم عسق * (وما يدريك لعل الساعة قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد) *: إن المراد بالساعة وقت ظهور القائم قلت: يا مولاي ما معنى يمارون قال: يقولون متى ولد؟
ومن رآه؟ وأين هو؟ وأين يكون؟ ومتى يظهر؟ كل ذلك استعجالا لأمر الله، وشكا في قضائه، أولئك الذين خسروا الدنيا والآخرة، وإن للكافرين لشر مآب.
- وفي حديث الأربعمائة عن أمير المؤمنين، قال مزاولة قلع الجبال أيسر من مزاولة ملك مؤجل، واستعينوا بالله، واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه فتندموا ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم.
- وفي كمال الدين وتمام النعمة(٣٧٤) لابن بابويه، بإسناده إلى الصقر بن أبي دلف، قال:
سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) يقول: إن الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن أمره أمر أبيه وقوله قول أبيه وطاعته طاعة أبيه ثم سكت فقلت يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمن الإمام بعد الحسن؟
فبكى (عليه السلام) بكاء شديدا. ثم قال: إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق، المنتظر فقلت له:
يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم سمي القائم؟
قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته.
فقلت له: ولم سمي المنتظر؟
قال: لأن له غيبة يكثر أيامها، ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون ويكذب فيه الوقاتون، ويهلك فيه المستعجلون.
وينجو فيه المسلمون.
- و(٣٧٥) بإسناده عن سيد العابدين (عليه السلام) قال: فينا أنزلت هذه الآية * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * وفينا أنزلت هذه الآية * (وجعلها كلمة باقية في عقبة) * والإمامة في عقب الحسين (عليه السلام) إلى يوم القيامة، وإن للقائم منا غيبتين إحداهما أطول من الأخرى، أما الأولى فستة أيام، أو ستة أشهر أو ست سنين وأما الأخرى فيطول أمدها حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به، فلا يثبت عليه إلا من قوي يقينه وصحت معرفته، ولم يجد في نفسه حرجا مما قضيناه، وسلم لنا أهل البيت.
- وعنه (عليه السلام)(٣٧٦) قال: إن دين الله عز وجل لا يصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقاييس الفاسدة، ولا يصاب إلا بالتسليم، فمن سلم لنا سلم، ومن اقتدى بنا هدي ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك ومن وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجا كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم، وهو لا يعلم.
- وفي كفاية الأثر(٣٧٧) للشيخ الأقدم علي بن محمد بن علي الخزاز الرازي، ويقال القمي (رضي الله عنه) بإسناده عن مولانا الحسن المجتبى (عليه السلام) قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما، فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه: معاشر الناس كأني أدعى وأجيب وأني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا فتعلموا منهم، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، لا تخلو الأرض منهم، ولو خلت إذا لساخت بأهلها.
ثم قال (عليه السلام) اللهم إني أعلم أن العلم لا يبيد ولا ينقطع وأنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور لكيلا تبطل حجتك، ولا يضل أولياؤك بعد إذ هديتهم، أولئك الأقلون عددا، الأعظمون قدرا عند الله فلما نزل عن منبره قلت: يا رسول الله، أما أنت الحجة على الخلق كلهم قال: يا حسن إن الله يقول: * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) * فأنا المنذر وعلي الهادي.
قلت: يا رسول الله فقولك: إن الأرض لا تخلو من حجة قال: نعم هو الإمام والحجة بعدي، وأنت الحجة والإمام بعده، والحسين الإمام والحجة بعدك ولقد نبأني اللطيف الخبير أنه يخرج من صلب الحسين ولد يقال له علي، سمي جده علي، فإذا مضى الحسين قام بالأمر علي ابنه وهو الحجة والإمام ويخرج الله من صلب علي ولدا سميي، وأشبه الناس بي، علمه علمي، وحكمه حكمي. وهو الإمام والحجة بعد أبيه ويخرج من صلبه مولودا يقال له جعفر، أصدق الناس قولا وهو الإمام والحجة بعد أبيه ويخرج الله من صلب جعفر مولودا سمي موسى بن عمران أشد الناس تعبدا فهو الإمام والحجة بعد أبيه.
ويخرج الله من صلب موسى ولدا، يقال له علي. معدن علم الله وموضع حكمته فهو الإمام والحجة بعد أبيه. ويخرج الله من صلب علي مولودا، يقال له محمد، فهو الإمام والحجة بعد أبيه. ويخرج الله من صلب محمد مولودا يقال له علي، فهو الإمام والحجة بعد أبيه ويخرج الله تعالى من صلب علي مولودا يقال له الحسن فهو الإمام والحجة بعد أبيه، ويخرج الله من صلب الحسن الحجة القائم إمام زمانه ومنقذ أوليائه، يغيب حتى لا يرى، يرجع عن أمره قوم ويثبت عليه آخرون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتى يخرج قائمنا، فيملأها قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما فلا يخلو الأرض منكم، أعطاكم الله علمي، وفهمي، ولقد دعوت الله أن يجعل العلم والفقه في عقبي وعقب عقبي، ومن زرعي وزرع زرعي.
المقام الثاني: في بيان أقسام العجلة المذمومة، وما يترتب عليها من الفساد وسببيتها للكفر والإلحاد.
الأول: إنه قد يوجب العجلة في ذلك الأمر وعدم التحمل والصبر اتباع المضلين والملحدين الذين ادعوا الظهور، وأضلوا العارين الصدور، الغافلين عن أخبار الأئمة، فقد موهوا بتسويلاتهم ودعوا العوام إلى خرافاتهم وضلالاتهم فبعثتهم العجلة في هذا الأمر إلى متابعتهم بلا بينة ولا برهان، مع أن أئمتنا (عليهم السلام) ذكروا وبينوا لنا علامات صاحب الزمان، والعلامات الحتمية التي تقع وتظهر عند ظهوره بأوضح بيان، وأمرونا بالتمسك بالأمر الأول والثبات عليه، وترك النهوض إلى إجابة من يدعي النيابة، أو الظهور قبل ظهور تلك العلامات، نسأل الله العصمة من تسويلات الشيطان.
الثاني: إنه قد توجب العجلة في ذلك اليأس من وقوعه فتكون ثمرة تلك العجلة تكذيب النبي والأئمة (عليهم السلام) فيما ورد عنهم من الأخبار المتواترة والآثار المتكاثرة من الوعد بوقوعه، والأمر بانتظاره وقد مر شطر مما يدل على ذلك فتدبر.
الثالث: أنه قد تكون العجلة في ذلك باعثة لإنكار صاحب الأمر (عليه السلام) وهذا أشد من سابقه.
إذ يمكن أن يكون الشخص معتقدا بإمامة الإمام الثاني عشر، وبقائه ويكون آيسا من ظهوره بسبب طول الغيبة وكونه مستعجلا فيكون من الهالكين وهذا هو القسم الثاني من أقسام العجلة التي توجب الهلاك والخسران والقسم الثالث أن العجلة تجره وتفضي به إلى إنكاره من أصله، فيقول بزعمه الفاسد: لو كان لظهر إلى الآن.
والرابع: إن العجلة توقعه في الشك والارتياب وهذا كسابقه يوجب الخروج عن الإيمان والدخول في زمرة أولياء الشيطان.
- وقد قال أئمتنا في جملة من الروايات: إن الله تعالى لو علم أن أولياءه يرتابون ما غيب عنهم حجته طرفة عين والروايات مذكورة في كمال الدين وغيبة النعماني(٣٧٨) وغيرهما من كتب الأخبار.
والخامس: ما يوجب الاعتراض على الله تعالى في قضائه وقدره. والاعتراض على الإمام في تأخيره للظهور، فيقول: لم لا يظهر؟ ونحو ذلك، فيكون المستعجل فيه بسبب اعتراضه تابعا للشيطان، حيث اعترض على أمر الله له بالسجود لآدم، فقال: * (أأسجد لمن خلقت طينا) * وقد قال الله * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله..) * الآية.
- وروى الكليني(٣٧٩) بإسناد صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه رسول الله (عليه السلام) ألا صنع خلاف الذي صنع؟ أو وجدوا ذلك في قلوبهم، لكانوا بذلك مشركين ثم تلا (عليه السلام) هذه الآية * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): عليكم بالتسليم.
والسادس: قد توجب العجلة نفي الحكمة عن الغيبة وهذا في الحقيقة إنكار لعدل الله تعالى، ونسبة للقبيح إليه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد مر بعض حكم الغيبة وطولها في حرف الغين من الباب الرابع فراجع وبعض أسرارها يظهر بظهوره صلوات الله عليه.
السابع: إنه قد توجب العجلة وترك التسليم الاستخفاف بأحاديث الأئمة الأبرار، الآمرة بالانتظار لظهور الإمام الغائب عن الأبصار، فالعجول بسبب استعجاله يستخف بما ورد من الأخبار، فيدخل باستخفافه في زمرة الكفار، لأن الاستخفاف بكلام الأئمة استخفاف بهم، والاستخفاف بهم استخفاف بالله عز وجل والاستخفاف بالله عز وجل كفر بالله تعالى، نعوذ بالله تعالى من الغواية بعد الهداية:
- روى في كتاب تحف العقول(٣٨٠) عن الصادق (عليه السلام)، في بيان الكفر والإيمان، قال: وقد يخرج من الإيمان بخمس جهات من الفعل، كلها متشابهات، معروفات: الكفر، والشرك، والضلال والفسق وركوب الكبائر، فمعنى الكفر كل معصية عصى الله بها بجهة الجحد والإنكار والاستخفاف والتهاون في كل ما دق وجل، وفاعله كافر، ومعناه معنى كفر، الحديث.
الثامن: قد توجب العجلة رد الأخبار المشتملة على أمر الفرج، وظهور مولانا (عليه السلام) فإن العجول بسبب ضيق صدره وقلة صبره لما طال عليه الأمد تسلط عليه الشيطان، فقال: لعل هذه الأخبار لم تكن صادرة عن الأئمة الأطهار، ولعل المنتحلين لهذا المذهب أو بعض رواتها وضعوها لبعض المصالح الراجعة إليهم، فيقوى في باله هذا الخيال حتى يؤول أمره إلى رد الأخبار، ويرد دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار مع أن رد ما يرويه ثقاتهم عنهم (عليهم السلام) رد عليهم وكفر بحقهم.
- كما في رواية عمر بن يزيد المروية في الوسائل(٣٨١) وغيره قال: قلت لأبي عبد الله:
أرأيت من لم يقر بأنكم في ليلة القدر كما ذكرت، ولم يجحده قال (عليه السلام): أما إذا قامت عليه الحجة ممن يثق به في علمنا فلم يثق به، فهو كافر.
التاسع: قد تكون العجلة في بعض الأشخاص سببا لتأويل الأخبار الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) إلى ما يشتهيه، مما هو خلاف صريح الأخبار، أو ظاهرها. فيقع بذلك في وادي الضلال، لأنه يؤدي إلى نسبة الإضلال، إلى حجج الخالق المتعال، ألا ترى أن كثيرا من الضالين المضلين من الأولين والآخرين قد ضلوا وأضلوا بسبب فتح باب التأويل في كلام الإله الجليل، ورسوله وخلفائه (عليهم السلام)، ولم يدروا أن التكلم بكلام له ظاهر، وإرادة غيره من غير نصب دلالة ظاهرة، وقرينة واضحة، إضلال للناس وقبيح عند العقلاء!
وقد قال الله تعالى في خصوص متشابهات القرآن * (أما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * الآية.
وهؤلاء الحمقى يؤولون ظواهر الأخبار، ونصوصها إلى ما تهواه أنفسهم، بآرائهم الفاسدة، وتخيلاتهم الكاسدة. من غير دليل يقتضيه، ولا شاهد يرتضيه، وذلك لضيق صدرهم، وقلة صبرهم في طول الغيبة وشدة المحنة.
اللهم إنا نعوذ بك من الضلالة بعد الهداية، فأعذنا يا رب بحق أوليائك المقربين آمين رب العالمين.
العاشر: قد توجب قلة الصبر والعجلة في الأمر العزم القلبي بأنه لو لم يقع إلى الوقت الفلاني لأنكره وكفر به وهذا يدخله في زمرة الشاكين الهالكين فإن هذا ناشئ من أحد أمرين:
إما الشك في صدق أقوال الأئمة (عليهم السلام) نعوذ بالله تعالى.
وإما الشك في صدق الرواة الثقات، الذين أمرنا الأئمة (عليهم السلام) بتصديقهم فيما أدوا عن الأئمة (عليهم السلام).
- وقد ورد في التوقيع الشريف الوارد على القاسم ابن العلا المروي في جملة من الكتب المعتبرة، كالوسائل(٣٨٢) وغيره ما هذا لفظه: لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يؤديه ثقاتنا، قد عرفوا بأنا نفوضهم سرنا ونحملهم إياه إليهم، الحديث.
وفي معناه روايات كثيرة.
الحادي عشر: قد يوجب ذلك الشك في صدق سائر الأخبار المروية عن الأئمة (عليهم السلام) أوردها زعما من العجول الذي لم يبن اعتقاده على أساس قويم، وأصل ثابت أن الأخبار الصادرة في الوعد بالفرج والظهور غير صادقة، من حيث الشك في الراوي أو المروي عنه، ومقايسة لسائر الأخبار المروية عنهم في سائر الأمور من الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، وغيرها على تلك الأخبار فيدخل بذلك في زمرة الضالين والكفار نعوذ بالله تعالى.
الثاني عشر: قد يستهزئ الشخص العجول بسبب عدم اعتقاده أو شكه، المسبب عن قلة صبره، وضيق صدره، بالمؤمنين الموقنين المنتظرين للفرج والظهور، فيكون بذلك مستهزئا بالله عز وجل، وبأوليائه (عليهم السلام).
ولا ريب في كفر هذا المستعجل، وعناده لله تعالى شأنه. * (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) * وسبيله سبيل قوم نوح، الكافرون الذين قال الله تعالى فيهم: * (ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) *.
الثالث عشر: قد يوجب الاستعجال السخط على الخالق المتعال وعدم الرضا بقضائه وهذه الصفة من الصفات الموبقة والأخلاق المردية.
- ولهذا ورد في(٣٨٣) الدعاء المروي عن العمري (رضي الله عنه)، وهو مأخوذ عن صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه: وأنت العالم غير معلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك، في الإذن له بإظهار أمره، وكشف ستره، فصبرني على ذلك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت، ولا أكشف عما سترت، ولا أبحث عما كتمت، ولا أنازعك في تدبير.. الخ.
الرابع عشر: قد يوجب التعجيل وعدم الصبر في بعض الأشخاص ترك الدعاء بتعجيل فرج صاحب الزمان سلام الله عليه فيحرم من المكارم، والفوائد المرتبة عليه، أي على الدعاء بتعجيل فرجه وذلك بسبب أنه يدعو لذلك الأمر مدة من زمانه، وبرهة من أوانه، ويرى أهل الدعاء والولاء أيضا مشتغلين بهذا الدعاء، ثم يرى تأخر الفرج والظهور، وعدم نيله بالفرح والسرور، فيزعم بسبب عدم صبره واستعجاله في أمره أن تلك الدعوات غير مؤثرة في حصول مطلوبه، فيصير هذا سببا لتركه الدعاء بتعجيل الفرج، غافلا عن كون هذا الدعاء كسائر الدعوات مشروط بشروط وصفات لا يظهر أثره إلا بعد حصولها فيه.
وهذا لا ينافي الأمر به، وترتب الفوائد عليه كما أن الصلاة مثلا مأمور بها، وتترتب عليها آثار جليلة ومثوبات جزيلة، لكن إذا أتى شخص بصورة الصلاة من دون اجتماع الشرائط فيها لم يكن ممتثلا لأمر مولاه، ولا يحصل له ما يتمناه من فوائد الصلاة وآثارها، بل يكون معاقبا أيضا فاللازم على الداعي أن يجتهد في تحصيل شروط الدعاء حتى يفوز بما يلتمسه ويتمناه.
فإن قلت: قد ورد في الروايات أن النبي والأئمة (عليهم السلام) يدعون بتعجيل ظهور صاحب الأمر (عليه السلام)، ولا ريب فإن دعاءهم جامع لجميع شرائط الصحة والكمال، ومع ذلك لم يقع الظهور إلى الآن، مع أن استجابة دعواتهم مما لا ريب فيه عند أهل الإيمان.
قلنا: الجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: إن الأخبار ناطقة بأن ظهور صاحب الأمر (عليه السلام) من الأمور البدائية التي تقبل التقديم والتأخير، وإن كان أصل وقوعه من الأمور المحتومة التي وعد الله تعالى بوقوعها البتة، وهو لا يخلف الميعاد. فيمكن أن يقع في وقت أسرع بسبب دعائهم (عليهم السلام) وهذا الوقت لم يأن إلى الآن، ولولا دعاؤهم لتأخر عنه أيضا.
والثاني: إن الأخبار ناطقة أيضا بأن لتعجيل ظهوره موانع عديدة، سوى ترك الدعاء، وترك الدعاء أيضا، أحد الموانع، فإذا اهتم المؤمنون به ارتفع ذلك وتقدم وقت الفرج بسبب الدعاء، فيجب الاهتمام أيضا في رفع سائر الموانع، وقد تقدم ذكر تلك الموانع في حرف الغين المعجمة من الباب الرابع فاغتنم وراجع ولو ترك الدعاء لكان التأخير أكثر.
ومما ذكرنا ظهر أنه لا منافاة بين الأمر بالدعاء في تعجيل الفرج والظهور، والأخبار الناهية عن الاستعجال، وأن العجلة المذمومة ما كانت من قبيل الأقسام المذكورة التي فصلناها لك.
وأما الدعاء بتعجيل الفرج مع كون الداعي من أهل التسليم والرضا بما حتمه الله عز وجل في قضائه وقدره فهو مما أمر الله تعالى وأولياؤه به، وحثوا عليه. فالداعي يفوز بإحدى الحسنيين: إما ظهور مولاه في زمانه، مع نيله سائر فوائد الدعاء، إن لم يكن التأخر عن ذلك الزمان من المحتومات، التي لا أثر للوسائل في تبديلها.
- كما ورد(٣٨٤) في الدعاء عن سيد الساجدين (عليه السلام): " ويا من لا تبدل حكمته الوسائل " فيكون ذلك نظير طول العمر الموقوف على صلة الأرحام مثلا إذا لم يكن غيره محتوما. وإما فوزه بسائر الفوائد، ودخوله في زمرة الداعين والمنتظرين، فالدعاء بتعجيل الفرج على كل حال مأمور به، ومرغوب فيه ولا تنافي بينه وبين النهي عن العجلة.
والحاصل: إن العجلة المذمومة ضد الصبر والتسليم، وجميع الأقسام التي فصلناها تدخل تحت هذا العنوان، ولا ريب أن الدعاء ومسألة تعجيل فرج صاحب الزمان (عليه السلام) من الخالق المنان خارج عن ذلك العنوان، بل هو إظهار يقين وإيمان بأن ظهوره وتهيئة أسباب فرجه خارجة عن قدرة كل أحد إلا الله تعالى، وامتثال لأمره بالدعاء فلذلك يسأله العبد من الله تعالى.
وبتقرير آخر نقول: إن التعجيل من العبد إظهار للاختيار، وترك للتسليم ومعاجلة للأمر قبل بلوغه، وهو يوجب الندامة. كما سبق في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومسألة التعجيل من الملك الجليل تعالى شأنه اعتراف بالعبودية وإذعان لله عز وجل بالقدرة والمشيئة، والحول والقوة، ولنفسه بالعجز، وبأن لا حول ولا قوة ولا حيلة.
فحقيقة الدعاء الانقطاع بكلية وجوده إلى الله تعالى، واستجابة لأمره عز وجل واعتراف من العبد لنفسه بالعجز والانكسار، وأن لا حول ولا قوة له، ولا اختيار، ولهذا ورد أن الدعاء مخ العبادة، وفقنا الله تعالى وسائر المؤمنين للاهتمام بالدعاء، مع الرضا والتسليم، أنه مجيب كريم.
الثالث والعشرون

التصدق عنه بنيابته وهذا من علامات مودته، وولايته، ويدل على حسنه ورجحانه ما ورد في مدح التصدق عن سائر المؤمنين، والصلاة عنهم، كما مر فإن مولاهم أفضلهم، والصدقة عنه أفضل من الصدقة عنهم، مضافا إلى فحوى ما ورد في الحج، بنيابة الإمام، والطواف، والزيارة، وغيرها، فمن تتبع ذلك ونحوه يعرف رجحان الإتيان بكل عمل صالح بنيابته، صلوات الله وسلامه عليه.
وقد أوصى السيد الأجل علي بن طاووس رضي الله عنه وأمر ولده في كتاب كشف المحجة(٣٨٥) في كيفية آدابه، ووظائفه بالنسبة إلى مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) بأمور، إلى أن قال:
فكن في موالاته، والوفاء له وتعلق الخاطر به على قدر مراد الله ومراد رسوله (صلى الله عليه وآله)، ومراد الأئمة (عليهم السلام) منك، وقدم حوائجه على حوائجك، عند صلوات الحاجات والصدقة عنه قبل الصدقة عنك، وعمن يعز عليك، والدعاء له قبل الدعاء لك وقدمه في كل خير تكون فاعله فإنه يكون مقتضيا لإقباله عليك، وإحسانه إليك إلى آخر ما قال أعلى الله تعالى شأنه مقامه وزاد إكرامه: هذا مضافا إلى أن ذلك من أقسام الصلة للإمام (عليه السلام)، ويأتي فضل الصلة إن شاء الله تعالى.
- ويدل على المقصود وعلى كون التصدق ونحوه صلة خبر علي بن أبي حمزة، المروي في الوسائل(٣٨٦) والبحار وغيرهما، قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) أحج وأصلي وأتصدق عن الأحياء والأموات من قرابتي وأصحابي؟ قال (عليه السلام) نعم تصدق عنه، وصل عنه، ولك أجر آخر، بصلتك إياه. انتهى.
أقول: لفظ السؤال وإن كان خصوص القرابة والأصحاب، لكن لا ريب في أن ذكرهما بالخصوص، من جهة أن الغالب من حال الإنسان، أنه لا يحج ولا يتصدق ولا يصلي ولا يزور ولا يفعل فعلا حسنا إلا عمن كان له خصوصية وارتباط بينه وبين هذا النائب، الذي يفعل ذلك الفعل الحسن كما نرى بالعيان، من حال أفراد الإنسان ولهذا ذكرهما في السؤال فتبين أن ذكرهما من باب المثال.
والمراد هو السؤال عن جواز النيابة في الطاعات، والخيرات عن الأحياء والأموات، من المؤمنين والمؤمنات فأجاب الإمام (عليه السلام) عن سؤاله بنحو أبلغ وأتم حيث أنه (عليه السلام) بين للسائل جواز ذلك، بقوله: نعم ثم أراد بيان حسنه واستحبابه، فأمر بذلك بعد أن بين له جوازه، بقوله: تصدق عنه، وصل عنه ثم أراد حضه وترغيبه إلى هذا العمل، ببيان فضله وثوابه، فقال (عليه السلام): ولك أجر آخر ثم أراد بيان وجه استحقاقه الأجر والثواب فنبه عليه، بقوله: بصلتك إياه فجمع له في هذا الكلام الحكم بالجواز، بالمعنى الأعم، والاستحباب، والترغيب إليه، بذكر الأجر والثواب، وإنه بسبب كونه صلة للقرابة والأصحاب فانظر وتدبر أيها العاقل المتفطن، أنه إذا كان الشخص يستحق الأجر لصلته أحدا من إخوانه المؤمنين بالتصدق عنه، فكيف لا يستحق أعظم من ذلك بصلته صاحب الأمر (عليه السلام) بالتصدق عنه، بلى يستحق، ويفوز بأفضل ثواب المتصدقين لصدور هذه العبادة نيابة عنه عن أفضل العالمين، ولا ريب أنه كلما كان الارتباط والخصوصية بينه وبين إمامه سلام الله عليه أكمل وأتم، كان ثوابه في التصدق عنه أوفى وأتم نسأل الله تعالى أن يمن علينا وعلى سائر المؤمنين بكمال مودته وخدمته، إنه قريب مجيب ويشهد لما ذكرنا من كون التصدق عن الإمام (عليه السلام) أفضل من الصدقة عن غيره، مضافا إلى حكم العقل بذلك ومضافا إلى كونه من أقسام الصلة للإمام، وسيأتي ما يدل على فضله ما في تفسير العسكري (عليه السلام) وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى فانتظر.
تنبيه وإرشاد للسالك المرتاد

إعلم أنه يستفاد من خبر علي بن أبي حمزة المذكور(٣٨٧) جواز النيابة في الأعمال البرية من الصلوات والصدقات وغيرها عن أحياء المؤمنين والمؤمنات وجه الدلالة أن الظاهر من سؤال الراوي وجواب الإمام (عليه السلام) كون ذكر الحج والصلاة والصدقة من باب المثال، لا لخصوصية في المذكورات والمراد السؤال عن جواز النيابة في جميع المندوبات والطاعات وذلك من وجهين.
أحدهما: إن الإمام اقتصر في الجواب على ذكر الصدقة والصلاة وترك الحج، مع كون النيابة في الحج معروفا ثابتا بحسب الروايات والآثار، ولم ينقل الإشكال فيه عن العلماء الأخيار، فيظهر من ذلك أن الإمام (عليه السلام) فهم المثالية أيضا من ذكر الصدقة والصلاة والحج في سؤاله، ولهذا لم يكن حاجة إلى ذكر جميع ما سئل عنه.
والثاني: تعليله (عليه السلام) الجواز بل الاستحباب بقوله: ولك أجر آخر بصلتك إياه: دل على كون النيابة في الطاعات والعبادات عن المؤمنين والمؤمنات صلة لهم وإحسانا إليهم، ولهذا استحق النائب أجرا آخر مضافا إلى أجر أصل العبادة بسبب صلته لهم، وإحسانه إليهم.
أما العبادات الواجبة فقد ثبت بالدليل شرطية المباشرة فيها وعدم جواز النيابة عن الأحياء، إلا الحج وبيان ذلك موكول إلى محله.
والخبر المذكور وإن كان ضعيفا بعلي بن أبي حمزة الواقفي، لكن قد ثبت في موضعه الاكتفاء في المستحبات بالخبر الضعيف أيضا.
- والدليل على ذلك عدة روايات مستفيضة مذكورة في الكافي(٣٨٨) والوافي وغيرهما من كتب الأخبار والفقه والأصول، دالة على أن من بلغه ثواب على شيء من الخير فعمله رجاء ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث على ما بلغه.
فهاهنا أمران ثابتان أحدهما كون مطلق العبادات خيرا، والثاني كون النيابة فيها، إلا ما خرج عن الأحياء والأموات أمرا مرغوبا إليه، بمقتضى الخبر المذكور ولا مانع فيه سوى تخيل كونه تشريعا، ويدفعه الإتيان بها رجاء، نظرا إلى الخبر المذكور، وأخبار من بلغه ثواب على عمل. ويمكن الاستدلال للمطلوب بوجه آخر، وهو أن يقال: قد ثبت بالخبر المذكور جواز النيابة، بل استحبابها عن الأحياء في الصلوات المندوبة فيسري الحكم المذكور في سائر الطاعات والعبادات المرغوبة بعدم القول بالفصل لأن من قال بالجواز في الصلاة، قال في غيرها، ومن لم يقل فيها، لم يقل في غيرها فالقول بالصلاة دون غيرها إحداث قول ثالث، وهو خرق للإجماع المركب وهذا الوجه ذكره الشيخ المحقق الأنصاري (رضي الله عنه) في بعض رسائله، وفيه نظر للتأمل في حجية الإجماع المنقول كما تقرر في محله لكنه يصلح للتأييد.
ويمكن الاستدلال للمطلوب أيضا بالاستقراء لأن عمدة العبادات المندوبة الصلاة والحج، والصدقات، والطواف، والرباط، والزيارات، والأضحية، وقد ثبت بالروايات جواز النيابة بل استحبابها فيها فيتعدى إلى غيرها.
ويمكن الخدشة في ذلك أيضا لأنه استقراء ظني وليس حجة عندنا. ولكن يمكن أن يستظهر من التعليلات الواردة في أخبار النيابة في الحج والطواف وغيرهما بكونها صلة للذي يفعلها نيابة عنه، ولذلك يضاعف للنائب الأجر إن فعل العبادات المستحبة نيابة عن المؤمنين مطلقا، صلة لهم، وإحسانا إليهم، ورجحان الصلة والإحسان إلى أهل الإيمان غير خفي عي مستقيمي الأذهان، فتدبر.
- وقد يستدل لصحة النيابة في الصلاة عن الحي بخبر محمد بن مروان المروي في أصول الكافي(٣٨٩) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين!
يصلي عنهما، ويتصدق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك، فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيرا كثيرا. انتهى.
وجه الاستدلال ظهور قوله (عليه السلام) يصلي عنهما إلى آخره، في بيان كيفية بر الوالدين في حياتهما ومماتهما فقد فهم ذلك جمع من فقهائنا رحمهم الله، وادعوا ظهور هذا الكلام في ذلك المرام لكن العلامة المجلسي الثاني في مرآة العقول (٣٩٠) جعله بيانا لكيفية البر حال مماتهما. فتأمل.
ويمكن الاستدلال للمقصود بقوله عز وجل * (تعاونوا على البر والتقوى) * فإن التعاون قد يستعمل في التظاهر على أمر يريده المتعاونان وقد يستعمل في تحمل شخص عن آخر أمرا فيه صلاحه وانتفاعه والنيابة عن المؤمن في الطاعات من هذا القبيل، كما لا يخفى على من سلك سواء السبيل والحاصل أن المستفاد من جميع ما ذكرنا دليلا وتأييدا استحباب النيابة في الطاعات المندوبة عن الميت والحي من المؤمنين والمؤمنات.
وممن يظهر منه الميل إلى ذلك الشيخ المحقق الأنصاري (رضي الله عنه) في رسالة القضاء عن الميت حيث إنه بعد نقل خبر(٣٩١) علي بن أبي حمزة قال: وظاهر الصلاة عن الغير النيابة عنه لا فعلها وإهداء الثواب إليه.
فيدل على جواز النيابة عن الحي في الصلاة، وإطلاق الصلة والبر على ذلك يشعر بعموم رجحان النيابة عن الحي في كل فعل حسن.
ثم إذا جاز الصلاة عنه جاز غيرها لعدم القول بالفصل " ظاهرا " بينها وبين غيرها بل قد روي جواز الاستنابة في الصوم الواجب بالنذر على الحي فقد روي في الفقيه عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار بل يمكن استفادة عموم النيابة في كل الأعمال الواجبة عدا ما دل الإجماع على عدمه، من الأخبار الدالة على مشروعية قضاء دين الله عمن هو عليه تبرعا ثم إثبات مشروعية النيابة في المستحبات بعدم القول بالفصل فتأمل. انتهى كلامه، رفع مقامه.
وممن يظهر منه القول بذلك الشيخ المحقق صاحب الجواهر في كتاب الوكالة، أنه رضي الله تعالى عنه بعد التصريح بجواز النيابة في صلاة الطواف والزيارة قال: وأما غير هما من النوافل ومطلق الصوم المندوب ففي المسالك في جواز التوكيل فيه نظر وإطلاق جماعة من الأصحاب المنع من الاستنابة في العبادات يشملها وأن تقيد الإطلاق في غيرها.
قلت: قد يستفاد من النصوص مشروعية إهداء الثواب في جميع المندوبات للحي والميت بل قد يستفاد منها فعلها عنه على وجه يترتب الثواب له كما أشرنا إليه سابقا في العبادات نعم لا دليل على شرعية النيابة فيه على وجه يسقط خطاب الندب عن المكلف بل هو باق على ندبيته له، وإن ترتب ثواب له على فعل الغير بنية النيابة عنه فلاحظ وتأمل.
ومن ذلك يعلم الحال في إطلاق عدم جواز النيابة في العبادات حتى جعله في المسالك أصلا، وإن خرج منه ما خرج بالأدلة الخاصة وفيه أنه ليس في العبادات إلا الفعل بقصد القربة وأن الشارع جعل ذلك سببا لترتب الثواب عليه وهو غير مناف للنيابة فيه فيندرج في عمومها، الذي مقتضاه مشروعية جعل فعل الغير فعل الإنسان نفسه، بالإذن والتوكيل من الطرفين وهذا أمر شامل للعبادة وغيرها، فتأمل. فإنه دقيق نافع، وأنه من ثمرات الأصل الذي ذكرناه وخصوصا بعد التأمل فما جاز من النيابة فيها حال الحياة، وبعد الموت، وخصوصا المالية منها. فتأمل جيدا والله العالم. انتهى كلامه رفع مقامه.
أقول: مراده بالأصل الذي أشار إليه أصالة جواز النيابة والوكالة في جميع الأشياء إلا ما علم خروجه عن هذا الأصل بالدليل، وقد جعل (رضي الله عنه) هذا الأصل مرجعا في كل ما شك في كونه قابلا للنيابة وعدمه لكن في ثبوت هذا الأصل نظر وما ذكره مستندا لا ينهض دليلا وتفصيل القول في ذلك موكول إلى محله.
وممن يظهر منه جواز النيابة في الصلوات المندوبة عن الأحياء المحقق (رضي الله عنه) في الشرائع فإنه خص المنع من النيابة في حال الحياة بالصلوات الواجبة حيث قال أما ما لا تدخله النيابة فضابطه ما تعلق قصد الشارع بإيقاعه من المكلف مباشرة كالطهارة مع القدرة، وإن جازت النيابة في غسل الأعضاء عند الضرورة والصلاة الواجبة ما دام حيا إلى آخر كلامه زيد في علو مقامه.
- وربما يتوهم التعارض بين خبر علي بن أبي حمزة السابق، وما روي(٣٩٢) عن عبد الله بن جندب قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن الرجل يريد أن يجعل أعماله من البر والصلاة والخير أثلاثا: ثلثا له وثلثين لأبويه، أو يفردهما من أعماله بشيء مما يتطوع به وإن كان أحدهما حيا والآخر ميتا فكتب إلي: أما الميت فحسن جائز، وأما الحي فلا، إلا البر والصلة. انتهى.
أقول: لا معارضة بينهما، لأن الظاهر من هذه المكاتبة السؤال عن الإهداء، لا النيابة، فيقع التعارض بينها وبين الأخبار الدالة على جواز إهداء الأعمال وثوابها، المذكورة في محلها.
ولو سلم كون المراد منها النيابة، فالجمع بينها وبين الخبر السابق المؤيد بما عرفت: ما حكي عن السيد ابن طاووس رضي الله تعالى عنه، من حمل الصلاة في المكاتبة على الصلاة الواجبة.
قال بعد نقل المكاتبة: لا يراد بهذه الصلاة المندوبة لأن الظاهر جوازها عن الأحياء في الزيارات والحج وغيرهما. انتهى كلامه رفع مقامه.
الرابع والعشرون

التصدق بقصد سلامته ولا ريب في رجحان ذلك واستحبابه نظرا إلى أنه من أقسام المودة في القربى التي أمر الله بها عباده في كتابه ألا ترى أنك إذا أحببت ولدك أو أحدا يعز عليك وتحذر عليه تتصدق بقصد سلامته، فمولاك أحق من كل أحد بذلك، مضافا إلى أنه من أقسام الصلة للإمام، وهذا واضح لأولي الأفهام كما أن الفرق بين هذا وسابقه واضح بأدنى تأمل إن شاء الله.
- ومما يشهد لما ذكرناه من الاهتمام في التصدق بنيابته أو بقصد سلامته ما رواه الصدوق (رضي الله عنه) في مجالسه(٣٩٣) بإسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأهلي أحب إليه من أهله، وعترتي أحب إليه من عترته، وذاتي أحب إليه من ذاته.
وقد مر هذا الخبر بطريق آخر ومقتضاه محبوبية إظهار المحبة بالنسبة إليهم سلام الله عليهم بنحو ما يعمل المؤمن لنفسه وأهله، وأولاده، وعترته وهذا باب واسع، يستفاد منه فوائد كثيرة كما لا يخفى على أهل البصيرة، وسنشير إلى أصناف صلة الإمام (عليه السلام) إن شاء الله تعالى.
الخامس والعشرون والسادس والعشرون

الحج بنيابته صلوات الله عليه وبعث النائب ليحج عنه وهذا كان أمرا متداولا ومعتادا في الشيعة في قديم الأزمان ويدل على حسنه ورجحانه مضافا إلى أنه صلة وبر ومودة من المؤمن إلى إمام زمانه (عليه السلام) عدة روايات مروية في كتب أصحابنا، رضي الله تعالى عنهم منها:
ما ورد في استحباب الحج نيابة عن المؤمنين مطلقا، وفضل ذلك.
- كرواية ابن مسكان المروية في الكافي(٣٩٤) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له (عليه السلام) الرجل يحج عن آخر ما له من الأجر والثواب؟ قال (عليه السلام) للذي يحج عن رجل أجر وثواب عشر حجج.
- وروى الصدوق في الفقيه(٣٩٥) عن الصادق (عليه السلام)، سئل عن الرجل يحج عن آخر أله من الأجر والثواب شيء فقال (عليه السلام): للذي يحج عن الرجل أجر وثواب عشر حجج ويغفر له ولأبيه، ولأمه، ولابنه، ولابنته، ولأخيه، ولأخته، ولعمه، ولعمته، ولخاله، ولخالته، إن الله تعالى واسع كريم.
- وفي الكافي(٣٩٦) بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من حج فجعل حجته عن ذي قرابة يصله بها، كانت حجته كاملة وكان للذي حج عنه مثل أجره إن الله عز وجل واسع لذلك.
أقول: دل هذان الحديثان وغيرهما مما لم نذكره طلبا للاختصار على استحباب النيابة في الحج عن المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات خصوصا إذا كانوا من ذوي القرابات، فالنيابة فيه عن مولانا صاحب الزمان، أعظم قدرا وأفضل أجرا، لأنه أعظم أهل الإيمان قدرا وأفضلهم شأنا وأجرا، خصوصا بملاحظة ما قدمناه من الروايات المصرحة، بأن رعاية قرابة الرسول (صلى الله عليه وآله) أهم وأفضل، وأعظم.
- ومنها الروايات الدالة على فضل إشراك المؤمنين مطلقا في الحج المندوب، فإنها تدل بفحاويها على استحباب الحج التام عن كل مؤمن، بطريق أولى، فيظهر منها استحباب الحج عن إمام المؤمنين، بنحو أولى فأولى، كرواية محمد بن الحسن المروية في الكافي(٣٩٧) وغيره عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لو أشركت ألفا في حجتك، لكان لكل واحد حجة من غير أن تنقص حجتك شيئا.
- وفيه(٣٩٨) بإسناده عن محمد بن إسماعيل قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) كم أشرك في حجتي؟ قال: كم شئت.
- وفيه(٣٩٩) عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له (عليه السلام) أشرك أبوي في حجتي؟ قال: نعم.
قلت: أشرك أخوتي في حجتي؟
قال: نعم إن الله عز وجل جاعل لك حجا ولهم حجا ولك أجر بصلتك إياهم قلت فأطوف عن الرجل والمرأة وهم بالكوفة؟
فقال (عليه السلام): نعم تقول حين تفتتح الطواف اللهم تقبل من فلان الذي تطوف عنه.
أقول: ذيل الحديث مصرح بأن المراد الإشراك في الفعل من أول الأمر لا الإشراك في الثواب بعد فعله لنفسه فتدبر.
ومنها: ما دل على بعثهم (عليهم السلام) النائب إلى مكة ليحج عنهم، وإعطائهم الأجرة، فيظهر من ذلك حسن النيابة فيه عن الإمام الحي (عليه السلام)، للجزم بعدم الخصوصية في بعضهم (عليهم السلام) في هذا الحكم، وعدم خصوصيته في كون النيابة بأجرة، بل المتبرع بذلك أفضل قدرا وأعظم أجرا كما لا يخفى.
- روى في الوسائل(٤٠٠) عن تهذيب الشيخ بإسناده عن محمد بن عيسى اليقطيني قال بعث إلي أبو الحسن الرضا (عليه السلام) رزم ثياب، وغلمانا، وحجة لي، وحجة لأخي موسى بن عبيد، وحجة ليونس بن عبد الرحمن، وأمرنا أن نحج عنه فكانت بيننا مائة دينار أثلاثا بيننا، الحديث.
- ومنها في الكافي(٤٠١) بإسناده عن موسى بن القاسم البجلي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) يا سيدي إني أرجو أن أصوم بالمدينة شهر رمضان فقال: تصوم بها إن شاء الله قلت: وأرجو أن يكون خروجنا في عشر من شوال، وقد عود الله زيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، وزيارتك، فربما حججت عن أبيك، وربما حججت عن أبي وربما حججت عن الرجل من إخواني وربما حججت عن نفسي، فكيف أصنع؟ فقال (عليه السلام): تمتع قلت إني مقيم بمكة منذ عشر سنين فقال (عليه السلام) تمتع.
أقول: الاستشهاد للمطلوب بهذا الحديث في موضعين.
أحدهما: قول الراوي ربما حججت عن أبيك. وتقرير الإمام له على ذلك بضميمة الاطلاقات الدالة على عدم الفرق في النيابة عن الحي، والميت، فإذا تحقق رجحان النيابة في الحج عن الإمام الماضي، ثبت الرجحان للنيابة عن الإمام الحي صلوات الله عليه.
والثاني: تقرير الإمام لقول الراوي: ربما حججت عن الرجل من إخواني. فإنه يدل على رجحان هذا العمل، إذا كان عن إمام زمانه بنحو أوفى، وطريق أولى.
- ومنها: ما ذكره القطب الراوندي (رضي الله عنه) في الخرائج والجرائح(٤٠٢) قال: إن أبا محمد الدعلجي كان له ولدان، وكان من خيار أصحابنا وكان قد سمع الأحاديث، وكان أحد ولديه على الطريقة المستقيمة، وهو أبو الحسن وكان يغسل الأموات وولد آخر يسلك مسالك الأحداث في فعل الحرام، وكان قد دفع إلى أبي محمد حجة يحج بها عن صاحب الزمان (عليه السلام)، وكان ذلك عادة الشيعة يومئذ، فدفع إلى ولده المذكور بالفساد شيئا منها وخرج إلى الحج فلما عاد حكى أنه كان واقفا بالموقف فرأى إلى جانبه شابا حسن الوجه أسمر اللون بذؤابتين مقبلا على شأنه في الابتهال والدعاء، والتضرع وحسن العمل. فلما قرب نفر الناس التفت إلي وقال: يا شيخ أما تستحي؟
فقلت: من أي شيء يا سيدي؟
قال: يدفع إليك حجة عمن تعلم فتدفع منها إلى فاسق يشرب الخمر يوشك أن تذهب عينك، وأومى إلى عيني، وأنا من ذلك اليوم على وجل ومخافة وسمع أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ذلك، قال: فما مضى عليه أربعون يوما بعد مورده حتى خرج في عينه التي أومى إليها قرحة، فذهبت.
أقول: ينبغي التدبر في هذا الحديث من أوله إلى آخره ففيه فوائد جمة ومطالب مهمة.
منها: إخباره (عليه السلام) بالغيب.
ومنها: الاهتمام في الوجوه الراجعة إلى الإمام، بأن لا يعطيها إلا الصالحين من الأنام، فإن الظاهر من الحديث المذكور من بدئه إلى الختام، أن أبا محمد أعطى من وجه الحجة المذكورة شيئا إلى ولده المقارف للآثام، لا أنه أعطاه الحجة، كما زعمه بعض الأعلام، فتدبر فيه حتى يتضح لك المرام.
ومنها: سرعة عقوبة المؤمن على فعله ما لا ينبغي من الأعمال وأن هذا لطف إليه من الخالق المتعال.
ومنها: تقريره عليه الصلاة والسلام نيابة عنه (عليه السلام)، وكذا بعث النائب ليحج عنه، عليه الصلاة والسلام كما لا يخفى. ومما يستأنس منه استحباب النيابة في الحج عن الإمام (عليه السلام) وبعث النائب ليحج عنه الروايات الدالة على استحباب الطواف عنهم (عليهم السلام) فاستمع لما يتلى عليك أحسن الله تعالى إلينا وإليك.
السابع والعشرون والثامن والعشرون

طواف بيت الله الحرام نيابة عن الإمام (عليه السلام) وبعث النائب ليطوف عنه بعد ما أثبتنا استحباب الطواف نيابة عنه، فاستحباب بعث النائب ليطوف عنه واضح، لأنه مودة وإحسان، مضافا إلى أنه مقدمة للطواف بنيابته (عليه السلام) فيحكم العقل بحسنه، ورجحانه للأنام.
ويدل عليه أيضا فحوى ما دل على استحباب بعث النائب ليحج عنه صلوات الله عليه، بل يمكن أن يقال لما ثبت رجحان أصل العمل، فشرطية المباشرة منفية بالأصل وإن كان لو باشره المؤمن بنفسه أدرك مرتبة عالية من الفضل.
- وأما ما يدل على استحباب الطواف عن الإمام الحي خصوصا، فما رواه ثقة الإسلام الكليني في الكافي(٤٠٣) بإسناده عن موسى بن القاسم، قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) قد أردت أن أطوف عنك، وعن أبيك، فقيل لي إن الأوصياء لا يطاف عنهم فقال (عليه السلام) لي: بل طف ما أمكنك فإن ذلك جائز.
ثم قلت له بعد ذلك بثلاث سنين: إني كنت استأذنتك في الطواف عنك وعن أبيك فأذنت لي في ذلك، فطفت عنكما ما شاء الله، ثم وقع في قلبي شيء، فعملت به قال وما هو؟ قلت: طفت يوما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال (عليه السلام) ثلاث مرات: صلى الله على رسول الله.
ثم اليوم الثاني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم طفت اليوم الثالث عن الحسن، والرابع عن الحسين، والخامس عن علي بن الحسين، والسادس عن أبي جعفر محمد بن علي، واليوم السابع عن جعفر بن محمد، واليوم الثامن عن أبيك موسى، واليوم التاسع عن أبيك علي، واليوم العاشر عنك يا سيدي، وهؤلاء الذين أدين الله بولايتهم فقال إذا والله تدين الله بالدين الذي لا يقبل من العباد غيره.
قلت وربما طفت عن أمك فاطمة وربما لم أطف، فقال (عليه السلام) استكثر من هذا فإنه أفضل ما أنت عامله إن شاء الله.
- وأما ما يدل على استحباب الطواف عن عموم المؤمنين، فمنه ما روى في الكافي(٤٠٤) بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من وصل أبا أو ذا قرابة له، فطاف عنه كان له أجره كاملا، وللذي طاف عنه مثل أجره، ويفضل هو بصلته إياه بطواف آخر.
التاسع والعشرون

زيارة مشاهد رسول الله والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، نيابة عن مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه. ويمكن الاستناد في ذلك " مضافا إلى أنه من أقسام صلة الإمام وسيأتي ما يدل على أنه من مهمات أعمال الأنام " بما سبق في استحباب التصدق عنه وبفحاوى ما دل على استحباب الحج وطواف البيت الحرام نيابة عن الإمام (عليه السلام) وبما ورد في زيارة المشاهد نيابة عن عامة أهل الإيمان.
- كما روى في الكافي(٤٠٥) عن علي بن إبراهيم الحضرمي، عن أبيه، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، في حديث إلى أن قال (عليه السلام) فإذا أتيت قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فقضيت ما يجب عليك، فصل ركعتين ثم قف عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قل السلام عليك يا نبي الله من أبي وأمي وزوجتي وولدي، وجميع حامتي، ومن جميع أهل بلدي حرهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم فلا تشاء أن تقول للرجل إني أقرأت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنك السلام إلا كنت صادقا، انتهى.
وبأن من الأمور المتداولة المتعارفة في خواص الشيعة وعوامهم في الأزمنة السالفة إلى زماننا هذا النيابة في زيارة المشاهد الشريفة وقد ذكر أصحابنا رضي الله تعالى عنهم عنوانها، وكيفيتها في كتبهم المعدة للزيارات وغيرها والفرق في ذلك بين الإمام وسائر المؤمنين مما لا ترتضيه قلوب أهل الدين وأهل البصيرة واليقين وبأنا لما علمنا رجحان النيابة عنه (عليه السلام) في الحج والطواف، بسبب ما مر ونظرنا إلى ما ورد في أفضلية زيارة مشاهدهم من الحج والعمرة والطواف، وإلى سرورهم بنيابة شيعتهم عنهم في الحج والطواف جزمنا بأنه أعظم سرورا إذا زار المؤمن مشاهد آبائه بنيابته وهذا الوجه وإن كان لا يتم على قواعد علم الأصول لكنه قطعي عند أرباب العقول.
- وبما حكاه العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في مزار البحار(٤٠٦) عن مؤلف المزار الكبير وهذه عبارته المحكية عنه قال وقد أنفذ أبو الحسن العسكري (عليه السلام) زائرا عنه إلى مشهد أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: إن لله مواطن يحب أن يدعى فيها فيجيب وإن حائر الحسين (عليه السلام) من تلك المواطن، انتهى.
أقول: إذا ثبت استحباب النيابة عنه في زيارة بعض مشاهدهم فلا شبهة في عدم الفرق بينه وبين سائر مشاهدهم صلوات الله عليهم أجمعين.
تنبيه

إعلم أنه ممن قد صرح باستحباب زيارة مشاهد النبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام) نيابة عن المعصومين (عليهم السلام) وعن المؤمنين العالم المحدث العاملي (رضي الله عنه) في كتاب الوسائل(٤٠٧) حيث قال باب استحباب الزيارة عن المؤمنين وعن المعصومين (عليهم السلام).
- ثم ذكر رواية داود الصرمي عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام) قال: قلت له إني زرت أباك وجعلت ذلك لك فقال (عليه السلام) لك بذلك من الله ثواب وأجر عظيم ومنا المحمدة.
أقول: لا دلالة في هذا الحديث على المطلوب لأن الظاهر منه إهداء الزيارة لا النيابة وإن أبيت عن ذلك فلا أقل من الاحتمال وبه يسقط الاستدلال.
المتمم للثلاثين

بعث النائب ليزور عنه (عليه السلام)، ورجحان ذلك ظاهر بعد ثبوت استحباب النيابة لأنه إعانة على البر والتقوى ومودة لذوي القربى وصلة للإمام بل يمكن الاستناد في رجحان ذلك بجميع ما مر في الحج والطواف وبعث النائب ليحج وليطوف عنه فتدبر.
الواحد والثلاثون

السعي في خدمته بما تيسر لك في أيام حياتك التي تبين بمقتضى الروايات أنها ببركته تأسيا بملائكة الله المأمورين بخدمته، والروايات في أن الملائكة خدامهم وأنهم مؤتمرون بأوامرهم، وأنهم لا يجلسون في محضرهم إلا بإذنهم، كثيرة لا نطول الكتاب بذكرها، وهي مذكورة في مظانها، وحسبك شاهدا على ما دللنا عليه، وداعيا إلى ما دعونا إليه قول الصادق (عليه السلام) في الحديث، الذي تقدم في ذكر شرفه، حيث قال: ولو أدركته لخدمته أيام حياتي.
أقول: تدبر أيها المحب اللبيب في هذا الكلام أتزعم فيه إغراقا أو خلاف واقع؟ حاشا، وكلا بل هو عين الحقيقة، ودلالة إلى نكات دقيقة منها بيان فضل القائم (عليه السلام) وشرفه ومنها الإشارة إلى أن خدمته أفضل العبادات، وأقرب الطاعات لأن الإمام الصادق الذي لم يصرف عمره الشريف إلا في صنوف طاعة الله وعبادته في يومه وليلته بين أنه لو أدرك القائم لصرف أيام حياته في خدمته.
فظهر من هذا الكلام أن السعي في خدمة القائم (عليه السلام) أفضل الطاعات، وأشرف القربات لترجيحه واختياره خدمته على سائر أصناف الطاعة وأقسام العبادة، ومنها الإيماء إلى أن أتباعه أفضل الأتباع ورعيته أفضل من غيرهم، وأصحابه أشرف الأصحاب كما أن أمة خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) أفضل الأمم، وأشرفهم لأن مرتبة أهل كل شخص وأتباعه تتفاوت بحسب شرافة هذا الشخص وعلو قدره فإذا تبين علو مقام مولانا صاحب الزمان ظهر علو مرتبة رعيته، وأتباعه والمؤمنين الثابتين على ولايته جعلنا الله تعالى منهم وهذا ظاهر لا سترة عليه وله شواهد كثيرة من الروايات:
- أحدها التعبير عنهم في النبوي (صلى الله عليه وآله) بإخوان النبي (صلى الله عليه وآله) ففيه أنه قال ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه اللهم لقني إخواني، مرتين فقال من حوله من أصحابه أما نحن من إخوانك يا رسول الله؟
فقال: لا، إنكم أصحابي، وإخواني قوم في آخر الزمان، آمنوا ولم يروني لقد عرفنيهم الله بأسمائهم، وأسماء آبائهم من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، لأحدهم أشد تقية على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء أو كالقابض على جمر الغضا أولئك مصابيح الدجى، ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة.
- الثاني إنهم أفضل أهل كل زمان ففي حديث(٤٠٨) أبي خالد عن سيد العابدين قال:
يا أبا خالد إن أهل زمان غيبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان لأن الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف، أولئك المخلصون حقا، وشيعتنا صدقا، والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا.
- الثالث: تضاعف ثواب عبادتهم كما في رواية(٤٠٩) عمار عن الصادق (عليه السلام) قال: يا عمار الصدقة في السر والله أفضل من الصدقة في العلانية وكذلك عبادتكم في السر مع إمامكم المستتر في دولة الباطل أفضل لخوفكم من عدوكم في دولة الباطل وحال الهدنة ممن يعبد الله في ظهور الحق مع الإمام الظاهر في دولة الحق واعلموا أن من صلى منكم صلاة فريضة وحدانا مستترا بها من عدوه في وقتها كتب الله عز وجل له بها خمسة وعشرين صلاة فريضة وحدانية، ومن صلى منكم صلاة نافلة في وقتها فأتمها كتب الله عز وجل له بها عشر صلوات نوافل، ومن عمل منكم حسنة كتب الله له بها عشرين حسنة ويضاعف الله تعالى حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله ودان الله بالتقية على دينه وعلى إمامه وعلى نفسه وأمسك من لسانه، أضعافا مضاعفة كثيرة إن الله عز وجل كريم، إلى آخر الحديث وهو مذكور في الكافي(٤١٠) وكمال الدين(٤١١) والبحار(٤١٢) وغيرها من كتب الأخبار.
- الرابع: إنهم أعظم يقينا وأعجب إيمانا ففي كمال الدين(٤١٣) بإسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال في حديث طويل في وصيته لأمير المؤمنين (عليه السلام) يا علي، واعلم أن أعجب الناس إيمانا وأعظمهم يقينا قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبي (صلى الله عليه وآله) وحجبتهم(٤١٤) الحجة فآمنوا بسواد على بياض.
- الخامس: إنهم رفقاء النبي (صلى الله عليه وآله) وأكرم أمته يوم القيامة ففي كمال الدين(٤١٥) بإسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو يأتم به في غيبته قبل قيامه ويتولى أولياءه ويعادي أعداءه ذلك من رفقائه وذوي مودتي وأكرم أمتي علي يوم القيامة.
- السادس: ما في غيبة الشيخ الطوسي(٤١٦) نقلا من كتاب فضل بن شاذان بإسناد صحيح عال عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم قالوا: يا رسول الله نحن كنا معك ببدر واحد وحنين ونزل فينا القرآن فقال (صلى الله عليه وآله) إنكم لو تحملوا لما حملوا لم تصبروا صبرهم.
- السابع: ما في غيبة(٤١٧) الشيخ الطوسي وغيره من علمائنا بأسانيدهم عن الصادق (عليه السلام) قال: أقرب ما يكون العباد من الله وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة الله فلم يظهر لهم ولم يعلموا بمكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجة الله ولا ميثاقه، فعندها فتوقعوا الفرج صباحا ومساء فإن أشد ما يكون غضب الله على أعدائه إذا افتقدوا حجته فلم يظهر لهم وقد علم أن أولياءه لا يرتابون ولو علم أنهم يرتابون ما غيب عنهم حجته، طرفة عين، ولا يكون ذلك إلا على رأس أشرار الناس.
- الثامن: إن بهم يدفع البلاء، وينزل المطر من السماء - ففي البحار(٤١٨) وغيرها عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان إن أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم الباري عز وجل: عبادي آمنتم بسري وصدقتم بغيبي فأبشروا بحسن الثواب مني، فأنتم عبادي وإمائي حقا منكم أتقبل، وعنكم أعفو ولكم أغفر، وبكم أسقي عبادي الغيث وأدفع عنهم البلاء ولولاكم لأنزلت عليهم عذ أبي، الخبر.
أقول: يا إخواني إذا عرفتم بما ذكرت لكم بعض ما فضل الله به أتباع مولانا والساعين في خدماته، فعليكم بالسعي والاجتهاد في طاعته، وخدمته، واشكروا تلك النعمة العظمى، والموهبة الكبرى، واستديموها بجدكم واجتهادكم، ولا تنسوا ذكر، بطول الأمد، واعملوا لتحصيل السعادة وتكميل الراحة إلى الأبد، ولا تركنوا إلى الدنيا وأهلها واصبروا على المحن في المدة القليلة لتفوزوا براحة طويلة، جعلنا الله تعالى وإياكم من أهل ذلك بفضله وكرمه إنه قريب مجيب.
وههنا أمور ينبغي التنبيه عليها والإشارة إليها:

الأول: إنه قد تجمع وتكمل في سيدنا ومولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه أمور كل واحد منها سبب مستقل يقتضي السعي في خدمته والاجتهاد في طاعته.
منها: ولايته المطلقة وخلافته لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله).
ومنها: حق العالم فقد دل العقل والنقل على أنه ينبغي خدمة العالم.
- ففي الكافي(٤١٩) بإسناده عن محمد بن سنان، رفعه، قال: قال عيسى ابن مريم (عليه السلام): يا معشر الحواريين لي إليكم حاجة اقضوها لي قالوا: قضيت حاجتك يا روح الله، فقام، فقبل أقدامهم(٤٢٠) فقالوا: كنا نحن أحق بهذا يا روح الله فقال: إن أحق الناس بالخدمة العالم إنما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم ثم قال عيسى (عليه السلام) بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر وكذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل.
ومنها: حق الأبوة فإنه الوالد الشفيق كما في الرواية ومر في الباب الثالث ما فيه غنية وكفاية إن شاء الله تعالى.
- ومنها: حق الإيمان والإسلام، ففي أصول الكافي(٤٢١) في حديث مرفوع عن أبي المعتمر، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيما مسلم خدم قوما من المسلمين إلا أعطاه الله تعالى مثل عددهم خداما في الجنة.
أقول: لا ريب في أنه لو وزن إيمان جميع المسلمين مع إيمان مولانا صلوات الله عليه لرجح إيمانه على إيمانهم. وعلى هذا فقس فضل خدمته على خدمتهم مضافا إلى ما لا أقدر على وصفه من فضائله، فإن إحصاء ذلك خارج عن الطاقة البشرية.
ومنها: إن منزلتنا بالنسبة إليه منزلة العبد بالنسبة إلى مولاه فإن الناس عبيد الأئمة في الطاعة كما دلت عليه الرواية وشهدت به الدراية.
ومنها: قرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد نبهنا على ما ينفعك هنا في الباب الخامس عند ذكر المكرمة الثانية عشرة، وإن شئت أن أذكر جميع الأمور المقتضية للسعي في خدمته (عليه السلام) خرج عن طاقتي، ولم تسعه كتابتي، لأنها أكثر من أن تحصى، وأوسع من أن تستقصى ولما سبق ذكره، من أن جميع ما نتقلب فيه من نعم الله الظاهرة والباطنة، ليس إلا ببركة وجوده (عليه السلام) ففي كل نعمة أحسن الله بها إلينا: حق ثابت له علينا فيحق علينا أداء شكره، كما يحق علينا شكر باريه تعالى شأنه، وعظمت آلاؤه فثبت أن الأمور المقتضية للسعي في خدمته أكثر من أن تحصى، لقوله تعالى: * (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) *.
الأمر الثاني: إعلم أن الخدمة أخص من النصرة من جهتين:
إحداهما: إن الخدمة تحصل بالمباشرة، أعني مباشرة الخادم لما يفعله، والنصرة، تحصل بغير المباشرة أيضا.
وثانيهما: إن الخدمة تشتمل على التواضع، والتذلل للمخدوم، بخلاف النصرة فكل خدمة نصرة، ولا عكس كما لا يخفى.
الأمر الثالث: إن خدمة مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه تحصل بمباشرة فعل أمر به (عليه السلام) أو فعل فيه توقير وتجليل، أو نصرة له أو إحسان إليه، سلام الله عليه وإن لم يأمر به بالخصوص. وقد تجتمع هذه العناوين في بعض الأعمال الحسنة، كالدعاء بتعجيل فرجه، وإقامة المجالس المعدة لذكره، وتأليف الكتب الراجعة إليه، ونشرها، ومدارستها، والصلاة والتسليم عليه، والإحسان إلى مواليه وشيعته إذا صدر بقصد خدمته فإن الروايات تدل على أن الإحسان إلى شيعتهم ومواليهم، إحسان إليهم، وصلتهم بمنزلة صلتهم، والاستخفاف بهم، استخفاف بهم والعقل أيضا قاض بذلك.
- فمن الأخبار الدالة على ما ذكرنا ما في كامل الزيارة(٤٢٢) بإسناده عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: من لم يقدر أن يزورنا فليزر صالحي موالينا، يكتب له ثواب زيارتنا، ومن لم يقدر على صلتنا فليصل صالحي موالينا، يكتب له ثواب صلتنا.
- ومنها ما في روضة الكافي(٤٢٣) بإسناده عن أبي هارون، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
قال (عليه السلام) لنفر عنده، وأنا حاضر: ما لكم تستخفون بنا! قال: فقام إليه رجل من خراسان، فقال: معاذ لوجه الله أن أستخف بك، أو بشئ من أمرك فقال (عليه السلام) بلى إنك أحد من استخف بي فقال: معاذ لوجه الله أن أستخف بك فقال (عليه السلام) له ويحك أو لم تسمع فلانا ونحن بقرب الجحفة، وهو يقول لك: احملني قدر ميل، فقد والله أعييت والله ما رفعت به رأسا ولقد استخففت به ومن استخف بمؤمن فبنا استخف، وضيع حرمة الله عز وجل.
الثاني والثلاثون

الاهتمام بنصرته، فإن من نصره فقد نصر الله عز وجل قال الله تعالى: * (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) * وقال عز وجل * (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) * والكلام في هذا المقام يقع في ثلاثة مطالب:
أحدها: إنه لا ريب في عدم حاجة القادر المتعال إلى نصرة أحد فإنه تعالى بوجوب وجوده غني بالذات، والخلق محتاجون إليه كما قال تعالى شأنه * (إن الله هو الغني وأنتم الفقراء) * فالمراد بنصرته كما ذكره المفسرون، ودلت عليه الأخبار: هو نصرة دينه، ونصرة النبي والأئمة الأطهار، والأولياء الأبرار، وبعبارة أخرى كل من يكون في نصرته يكون في رضى الله تعالى، فنصرته نصرة الله وهذا المطلب من غاية الوضوح بمكان لا يحتاج إلى شاهد وبرهان.
المطلب الثاني: إعلم أن المراد بنصرته هو الإقدام والمساعدة في كل أمر علم تعلق غرضه بوقوعه، ولهذا تتفاوت كيفية النصرة بحسب تفاوت الأزمان والأحوال والأمكنة فالنصرة في زمان حضوره تحصل بوجه، وفي زمان غيبته بوجه آخر فقد تكون النصرة بالتقية وقد تكون بالدعوة إليه وقد تكون بالجهاد بين يديه وقد تكون بالدعاء في تعجيل فرجه، وقد تكون بذكر فضائله، وصفاته، ودلائله، وعلاماته، وقد تكون بنصرة أوليائه وأحبائه وقد تكون بتأليف الكتب ونشرها، إلى غير ذلك من أصناف النصرة، وهي كثيرة لا تخفى على أهل البصيرة.
المطلب الثالث: في كيفية النصرة الإلهية، التي جعلها جزاء لنصرة العبد أولياء الله تعالى ودينه ورسله بحسب ما استفدناه من الروايات.
فنقول: يمكن أن يكون المراد بهذه النصرة أن ينصر الله تعالى عبده في اليسر والعسر والسراء والضراء بأن يحفظه مما يبعده عن رحمته من الأشر، والبطر، والطغيان، ونحوها من المهلكات، والموبقات، التي تعرض للعبد في حال الرخاء، ومن الجزع والهلع والكسل والفشل، ونحوها، مما يعرض للعبد في حال البلاء.
وأما النصرة على الأعداء في دار الفناء فهي تابعة للمصالح والحكم الإلهية، فإنها تتفاوت بحسب المقتضيات والأزمنة، فقد يكون أولياؤه في الدنيا غالبين، وقد يكونون مغلوبين، وذلك لحكم وعلل، قد ذكر بعضها في الأخبار المروية عن الأئمة الأطهار وذكرها ينافي الاختصار.
وأما قوله تعالى: * (ويثبت أقدامكم) * فيمكن أن يكون في الآخرة على الصراط كما هو الظاهر من قضية ظهور العطف بالحروف في تغاير المعطوف عليه والمعطوف ويحتمل بعيدا أن يكون عطف تفسير للأول فيكون المعنى تثبيت الأقدام في الدنيا وحفظها في مزال الأقدام، مما يكون سببا لزللها من الموبقات والآثام.
تنبيه

إعلم أنه قد اجتمع فيه صلوات الله عليه أمور: كل واحد منها يقتضي الاهتمام بنصرته فإن نصرته نصرة المظلوم، ونصرة الغريب، ونصرة العالم، ونصرة ذوي القربى ونصرة ولي النعمة ونصرة واسطة النعم ونصرة من ينصر الله ونصرة الكريم، ونصرة الشريف، ونصرة الطريد، ونصرة الموتور ونصرة المهجور، إلى غير ذلك من الأمور التي تتضح للمتدبر الأنيس بمولاه جعلنا الله تعالى من كل سوء وقاه، والعقل أدل شاهد على ما نبهنا عليه.
ولو أردنا ذكر الشواهد النقلية لصار كتابا مستقلا. ولما بلغ الكلام إلى هذا المقام، عزمت على أن أستخير الله تعالى شأنه في ذكر بعض ما ورد من الأخبار المروية عن أئمة الأنام (عليهم السلام) من شواهد هذا المرام، ففتحت المصحف الكريم، فرأيت هذه الآية الشريفة * (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) *.
الثالث والثلاثون

العزم القلبي الجزمي على نصرته في زمان حضوره وظهور نوره، ويدل على ذلك مضافا إلى أنه من لوازم الإيمان وعلامات الإيقان، ما ورد في فضل نية الخير والعزم على العمل الصالح، وإن لكل امرئ ما نوى وغير ذلك مما لا يخفى، على المحب السالك.
- ويدل على المرام كلام مولى الأنام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) المروي في(٤٢٤) نهج البلاغة: الزموا الأرض واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه، وهو على معرفة حق ربه، وحق رسوله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته مات شهيدا ووقع أجره على الله واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله وقامت النية مقام إصلاته بسيفه وإن لكل شيء مدة وأجلا.
- ويدل عليه أيضا ما رواه ثقة الإسلام محمد الكليني (رضي الله عنه) في روضة الكافي(٤٢٥) بإسناده عن عبد الحميد الواسطي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: أصلحك الله لقد تركنا أسواقنا انتظارا لهذا الأمر، حتى ليوشك الرجل منا أن يسأل في يده، فقال (عليه السلام):
يا عبد الحميد، ترى من حبس نفسه على الله لا يجعل الله له مخرجا بلى والله، ليجعلن الله له مخرجا رحم الله عبدا حبس نفسه علينا، رحم الله عبدا أحيى أمرنا.
قلت أصلحك الله، إن هؤلاء المرجئة يقولون: ما علينا أن نكون على الذي نحن عليه، حتى إذا جاء ما تقولون كنا نحن وأنتم سواء فقال: يا عبد الحميد، صدقوا من تاب تاب الله عليه ومن أسر نفاقا فلا يرغم الله إلا بأنفه ومن أظهر أمرنا أهرق الله دمه يذبحهم الله على الإسلام، كما يذبح القصاب شاته.
قال: قلت فنحن يومئذ والناس فيه سواء؟
قال (عليه السلام): لا أنتم يومئذ سنام الأرض وحكامها لا يسعنا في ديننا إلا ذلك قلت: فإن مت قبل أن أدرك القائم (عليه السلام) قال (عليه السلام) إن القائل منكم إذا قال: إن أدركت قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله) نصرته، كالمقارع معه بسيفه، والشهادة معه شهادتان(٤٢٦).
- ويدل على المقصود أيضا ما رواه السيد نعمة الله الجزائري (رضي الله عنه) في شرح الصحيفة المباركة السجادية مرسلا وهذه عبارته: قال: قال الصادق (عليه السلام): إني لا أخرج نفسي من شهداء الطفوف، ولا أعد ثوابي أقل منهم لأن من نيتي النصرة، لو شهدت ذلك اليوم، وكذلك شيعتنا هم الشهداء، وإن ماتوا على فرشهم.
وكان (عليه السلام) ينهى الشيعة على إلحاحهم(٤٢٧) بظهور صاحب الزمان واستكشاف أحواله، وكان يقول: إن لكم ثواب من استشهد معه بنياتكم وإن متم على فرشكم. انتهى كلامه، رفع في الخلد مقامه.
- ومما يشهد لما ذكرناه، ويؤكده ما رواه ثقة الإسلام الكليني (رضي الله عنه) في أصول الكافي(٤٢٨) بسند صحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: إن العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب ارزقني حتى افعل كذا وكذا من البر، ووجوه الخير، فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نية، كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله إن الله واسع كريم.
يقول مصنف هذا الكتاب محمد تقي الموسوي الأصفهاني جعله الله تعالى شأنه بفضله ومنه من أنصار صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه: لا ريب أن المؤمن المخلص إذا سأل الله تعالى أن يعجل فرج مولاه ليجاهد الكفار بين يديه وكان عازما على ذلك، بصدق نيته أعطاه الله تعالى ثواب الجهاد بين يديه بمدلول تلك الروايات، وجعله من أهل العنايات وهذا واضح عند أهل الدرايات.
وأما فضل الجهاد بين يديه:
- ففي أصول الكافي(٤٢٩) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ومن أدرك قائمنا فخرج معه فقتل عدونا كان له مثل أجر عشرين شهيدا، ومن قتل مع قائمنا كان له مثل أجر خمسة وعشرين شهيدا.
أقول: إذا كان من عزم المؤمن ونيته ذلك، فاز بهذا الثواب الجزيل في زمن غيبة إمامه، صلوات الله عليه، على حسب ما تقدم من الروايات عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
الرابع والثلاثون

تجديد البيعة له بعد كل فريضة من الفرائض الخمس اليومية، أو في كل يوم، أو في كل جمعة، والكلام هنا تارة في معنى البيعة، وأخرى في حكمها فهاهنا بحثان:
الأول: في معنى البيعة لغة وشرعا فنقول قد يطلق البيعة والمبايعة على المعاهدة والمعاقدة.
قال في مجمع البحرين(٤٣٠) المبايعة المعاقدة والمعاهدة، كأن كلا منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، ودخيلة أمره.
وقال الشيخ أبو الحسن الشريف تلميذ المجلسي الثاني صاحب البحار في كتاب مرآة الأنوار(٤٣١) ومشكاة الأسرار: البيعة عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه. انتهى.
أقول: الحاصل من معنى المبايعة هو التزام المبايع وعهده المؤكد وميثاقه المسدد بأن ينصر من يبايعه بنفسه، وماله، ولا يبخل عنه بشيء من ذات يده وما يتعلق به في نصرته، ويجعل نفسه وماله فداء، ووقاء له.
والبيعة بهذا المعنى مذكورة في دعاء العهد. المروي لكل يوم، وفي دعاء العهد المروي(٤٣٢) لأربعين صباحا وسنذكرهما إن شاء الله تعالى.
وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميع الأمة بمبايعة الأئمة (عليهم السلام) بهذه البيعة الشاهد منهم والغائب في خطبة الغدير المروية في الاحتجاج(٤٣٣) ولا شك أن المبايعة بهذا المعنى من لوازم الإيمان، وعلاماته، بل لا يتحقق الإيمان بدونه فالمبايع هو المؤمن والمشتري هو الله عز وجل ولذلك قال عز من قائل * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) * إلى آخر الآية.
وقد بعث الله تعالى أنبياءه ورسله لتجديد تلك المبايعة وتأكيدها فمن بايعهم فقد بايع الله، ومن تولى عنهم فقد تولى عن الله ولهذا قال جل شأنه * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) *.
وفي هذه الآية الشريفة أيضا دلالة على كون المراد بالبيعة والمبايعة هو العهد المؤكد والميثاق المسدد مع الله ورسوله، ووعد الموفين بتلك المعاهدة الأجر العظيم وهذه البيعة إنما تتم بأمرين:
أحدهما: العزم القلبي الثابت الراسخ على إطاعة أمر الإمام ونصرته ببذل النفس والمال.
كما نبه عليه في الآية الشريفة بقوله تعالى * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) * (الخ) فإن الواجب على البائع تسليم ما يبيعه إلى المشتري إذا طلب منه من دون تأمل وتأخير وتصديق ما عقد عليه الضمير.
والثاني: إظهار ما قصده وعزم عليه قلبا بلسانه مقترنا لهما عند إرادة البيعة فإذا تمت البيعة كما أن عقد البيع لا يتحقق في سائر الأمور إلا بشيئين:
أحدهما: قصد إنشاء البيع بمقتضى ما بنى عليه المتبايعان، والآخر التلفظ باللسان بما عقدا عليه ضميرهما. وبهما يتم البيع وقد تطلق البيعة والمبايعة على المصافقة باليد، كما كان متداولا بين العرب في بعض الأحيان، عند تمامية البيع أو المبايعة ويستفاد هذا الإطلاق من قوله تعالى * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم) * (الخ) لدلالة لفظة يد على ذلك، مضافا إلى ما ورد من أنهم كانوا يبايعون رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأيديهم فراجع.
- وفي الاحتجاج في قضية إكراه مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) على مبايعة الغاصب اللعين الأول قال: ثم مدوا يده وهو يقبضها حتى وضعوها فوق يد أبي بكر وقالوا: بايع بايع، وصيح في المسجد بايع بايع، أبو الحسن الخبر.
- وفي الاحتجاج(٤٣٤) أيضا في الرواية عن مولانا الباقر (عليه السلام) أن أسامة حين ورد المدينة لما رأى اجتماع الخلق على أبي بكر انطلق إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: ما هذا؟ قال له علي (عليه السلام): هذا ما ترى فقال له أسامة فهل بايعته فقال نعم يا أسامة فقال طائعا أو كارها فقال (عليه السلام) لا بل كارها، الخبر.
فظهر مما ذكرنا وغيره أن إطلاق المبايعة والبيعة على المصافقة والصفقة كان متداولا معروفا وكذا تطلق الصفقة على البيعة أيضا كما ذكره أهل اللغة يقال: صفقة رابحة أو خاسرة أي: بيعة.
- وفي الحديث: بارك الله في صفقة يمينك.
وقال الشاعر:

الدهر ساومني عمري فقلت له * ما بعت عمري بالدنيا وما فيها

ثم اشتراه بتدريج بلا ثمن * تبت يدا صفقة قد خاب شاريها

- وفي الكافي(٤٣٥) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من فارق جماعة المسلمين ونكث صفقة الإمام جاء إلى الله عز وجل أجذم، انتهى.
هذا ولكن لا يخفى عليك أن نفس المصافقة ليست بيعة حقيقة، بل هي علامة لوقوع البيعة وتماميتها، والظاهر أن إطلاق المبايعة والبيعة على المصافقة من باب تسمية المسبب باسم السبب، وأصل البيعة وحاقها كما حققنا، هو العهد والميثاق المؤكد وبه يدخل الإنسان حقيقة في زمرة أهل الإيمان المشترين للجنان، وإن لم يبايع الرسول أو الإمام بالمصافقة باليد كما هو الحال في أكثر المؤمنين الحاضرين في زمن الأئمة (عليهم السلام) وسننبهك على ما يشهد لهذا المرام، بعون الملك العلام فانتظر لتمام الكلام فإن هنا من مزال الأقدام.
نسأل الله تعالى العصمة ببركة أهل بيت العصمة عليهم الصلاة والسلام.
البحث الثاني: في حكم البيعة. فنقول إن البيعة بالمعنى الأول واجبة على كل أحد من ذكر وأنثى وحر ومملوك، بل لا يتحقق الإيمان بدونه لأن حاق الإيمان هو الالتزام قلبا ولسانا بإطاعة أمر النبي والإمام، والتسليم لهما، والنصرة لهما ببذل النفس والمال. قال الله عز وجل: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) * (الخ) وقال تعالى * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * فالتسليم لأمر النبي والإمام فيما يتعلق بالنفس والأهل والمال علامة تحقق الإيمان.
ومما يدل على وجوب المبايعة لجميع الأئمة (عليهم السلام) ما روي في الاحتجاج(٤٣٦) في خطبة يوم الغدير من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر معاشر الناس بمبايعة أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين (عليهم السلام) ولقنهم العهد والميثاق بإطاعتهم، مع أنهم (عليهم السلام) لم يكونوا معاصرين لأهل ذلك الزمان وما هذا إلا لوجوب التزام الناس قلبا ولسانا وتعهدهم بالعهد المؤكد والميثاق المسدد بموالاتهم ونصرهم وبذل أنفسهم وأموالهم دونهم ولإطاعة أمرهم (عليهم السلام).
وإلى جميع ما نبهنا عليه يرشد قوله تعالى: * (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) * وهذا لكمال وضوحه لا يكاد يحتاج إلى إقامة دليل وبرهان.
- ويدل عليه من طرق العامة ما عن صحيحي مسلم والبخاري(٤٣٧)، وربيع الأبرار للزمخشري، عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من مات وليس في عنقه لإمام المسلمين بيعة، فميتته ميتة جاهلية.
فصل

إذا عرفت ما ذكرناه فنقول: يستحب تجديد تلك البيعة في كل يوم، بما ذكره السيد الأجل علي بن طاووس في كتاب مصباح الزائر، وذكره غيره أيضا من علمائنا في كتبهم(٤٣٨) حيث إنهم ذكروا فيما تستحب قراءته كل يوم بعد صلاة الفجر أن يقال:
- اللهم بلغ مولاي صاحب الزمان صلوات الله عليه، عن جميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وسهلها وجبلها، حيهم وميتهم، وعن والدي، وولدي، وعني، من الصلوات والتحيات زنة عرش الله. ومداد كلماته ومنتهى رضاه، وعدد ما أحصاه كتابه، وأحاط به علمه.
اللهم إني أجدد له في هذا اليوم وفي كل يوم عهدا وعقدا وبيعة له في رقبتي اللهم كما شرفتني بهذا التشريف، وفضلتني بهذه الفضيلة، وخصصتني بهذه النعمة، فصل على مولاي وسيدي صاحب الزمان، واجعلني من أشياعه وأنصاره، والذابين عنه، واجعلني من المستشهدين بين يديه طائعا غير مكره، في الصف الأول الذي نعت أهله في كتابك فقلت صفا كأنهم بنيان مرصوص على طاعتك وطاعة رسولك، وآله عليهم السلام اللهم إن هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة. قال المولى المجلسي (رضي الله عنه) في مزار البحار(٤٣٩) بعد ذكر هذا العهد: وجدت في بعض الكتب القديمة بعد ذلك ويصفق بيده اليمنى على اليسرى، انتهى كلامه رفع مقامه.
فصل

ويستحب أيضا تجديد هذه البيعة بعد كل فريضة بما روي عن الصادق (عليه السلام) والرواية منقولة في صلاة البحار(٤٤٠) عن كتاب الاختيار للسيد ابن باقي " ره " وقد ذكرنا الرواية والدعاء في أول الباب السادس من هذا الكتاب.
فصل
- ومن الأدعية المأثورة المشتملة على تجديد البيعة لصاحب الأمر (عليه السلام) ما رواه السيد وغيره بأسانيدهم إلى مولانا الصادق (عليه السلام) أنه قال: من دعا بهذا الدعاء أربعين صباحا كان من أنصار القائم (عليه السلام) وإن مات قبل ظهوره أحياه الله تعالى، حتى يجاهد معه، ويكتب له بعدد كل كلمة منه ألف حسنة، ويمحى عنه ألف سيئة وهو هذا:
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم رب النور العظيم ورب الكرسي الرفيع ورب البحر المسجور، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور، ورب الظل والحرور ومنزل القرآن العظيم، ورب الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين، اللهم إني أسألك بوجهك الكريم وبنور وجهك المنير، وملكك القديم يا حي يا قيوم أسألك باسمك الذي أشرقت به السماوات والأرضون وباسمك الذي يصلح به الأولون والآخرون يا حي قبل كل حي، يا حي بعد كل حي يا حي حين لا حي، يا محيي الموتى، ومميت الأحياء، يا حي لا إله إلا أنت.
اللهم بلغ مولانا الإمام الهادي المهدي القائم بأمرك، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، عن جميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها، وسهلها وجبلها، وبرها وبحرها، وعني وعن والدي، وولدي، وإخواني، من الصلوات زنة عرش الله، ومداد كلماته، وما أحصاه علمه وأحاط به كتابه.
اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت في أيام حياتي عهدا، وعقدا، وبيعة له في عنقي، لا أحول عنها ولا أزول أبدا اللهم اجعلني من أنصاره وأعوانه والذابين عنه والمسارعين إليه في قضاء حوائجه والممتثلين لأوامره ونواهيه والمحامين عنه، والسابقين إلى إرادته والمستشهدين بين يديه.
اللهم إن حال بيني وبينه الموت، الذي جعلته على عبادك حتما فأخرجني من قبري، مؤتزرا كفني، شاهرا سيفي، مجردا قناتي، ملبيا دعوة الداعي في الحاضر والبادي.
اللهم أرني الطلعة الرشيدة، والغرة الحميدة، وأكحل ناظري بنظرة مني إليه، وعجل فرجه، وسهل مخرجه، وأوسع منهجه، واسلك بي محجته، وأنفذ أمره، واشدد أزره، واعمر اللهم به بلادك وأحي به عبادك فإنك قلت وقولك الحق * (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) * فأظهر اللهم لنا وليك، وابن وليك وابن بنت نبيك المسمى باسم رسولك (صلى الله عليه وآله) حتى لا يظفر بشئ من الباطل إلا مزقه، ويحق الحق ويحققه.
واجعله اللهم مفزعا للمظلوم من عبادك وناصرا لمن لا يجد له ناصرا غيرك ومجددا لما عطل من أحكام كتابك ومشيدا لما ورد من أعلام دينك وسنن نبيك (صلى الله عليه وآله) واجعله اللهم ممن حصنته من بأس المعتدين.
اللهم سر نبيك محمدا (صلى الله عليه وآله) برؤيته ومن تبعه على دعوته وارحم استكانتنا بعده.
اللهم اكشف هذه الغمة عن الأمة بحضوره، وعجل لنا ظهوره، إنهم يرونه بعيدا، ونراه قريبا برحمتك يا أرحم الراحمين.
وفي بعض الروايات ثم تضرب على فخذك الأيمن بيدك ثلاث مرات وتقول: العجل يا مولاي يا صاحب الزمان " ثلاثا ".
فصل

ويستحب تجديد العهد والبيعة له في كل جمعة، نظرا إلى ما قدمنا من الرواية، أن الملائكة يجتمعون في كل جمعة في البيت المعمور، ويجددون عهد ولاية الأئمة (عليهم السلام) مضافا إلى الدعاء المروي عن سيد الساجدين (عليه السلام)، المشتمل على ذلك الذي ذكرناه في كتاب أبواب الجنات في آداب الجمعات، ومضافا إلى أن يوم الجمعة يوم أخذ الله العهد والميثاق بولايتهم (عليهم السلام) من العالمين كما ذكرنا الرواية في ذلك الكتاب المذكور ومضافا إلى مزيد اختصاص ذلك اليوم به صلوات الله وسلامه عليه من وجوه قدمنا ذكرها في الباب السادس من هذا الكتاب.
وينبغي مزيد الاهتمام بذلك في الجمعة أيضا بسبب ما ورد من الروايات من تضاعف الحسنات في ذلك اليوم ولا ريب في أن هذه المبايعة من أفضل الحسنات وأهمها وأكمل العبادات وأتمها كما لا يخفى على السالك في مسالك الإيمان وأهل الرشد والايقان.
فصل

وأما حكم البيعة بالمعنى الثاني أعني: المصافقة باليد فالكلام فيه تارة في حكم زمان حضور المعصوم، وأخرى في زمان غيبته.
أما في زمان حضوره، فلا ريب في وجوب البيعة بالمعنى المذكور، عند استدعاء الإمام وطلبه ذلك على من طلبه منه، ودعاه إليه. لأن أمره (عليه السلام) يقتضي الوجوب. فإن أمر أحدا بمبايعته بنفسه أو مبايعة غيره النائب عنه بخصوصه وجب إجابته في ذلك، ولهذا لما دعى النبي (صلى الله عليه وآله) المسلمين إلى بيعته بالمعنى المذكور في يوم الغدير، وغيره، كانوا يتسابقون ويتبادرون إلى إجابته، صلوات الله عليه وهذا مما لا شبهة فيه.
وأما لو دعا في زمن حضور المعصوم غير المعصوم إلى بيعته فهل يجوز إجابته إلى ذلك أم لا؟ فنقول: إن كان ذلك الداعي منصوبا بخصوصه من قبل الإمام، وأمر الإمام بمبايعته، فيجب إجابته، ومبايعته لأن مبايعته، مبايعة الإمام وأمره (عليه السلام) يقتضي الوجوب. وإن لم يكن منصوبا بخصوصه، ولم يأمر الإمام بمبايعته، فمبايعته غير جائزة، سواء دعا الناس إلى بيعة نفسه لنفسه أم دعاهم إلى بيعته نفسه بعنوان النيابة عن الإمام وأن مبايعته مبايعة الإمام.
والدليل على عدم الجواز " مضافا إلى أن أمور الشرع توقيفية، يجب تلقيها من الشارع، وأنه لم يعهد في زمانهم مبايعة المؤمنين غير الأئمة، نيابة عنهم. والنهي عن اتباع غيرهم ممن كان يدعو الناس إلى البيعة " إن تلك البيعة قد كانت من لوازم الرياسة العامة، وآثار السلطنة الكلية، إذ قد عرفت أن حاق معناها التعهد والالتزام برياسته، ولزوم مبايعته، ومحكومية المبايع ومرؤوسيته، والانقياد لأوامر الرئيس، وبذل المال والنفس في نصرته، ولا شبهة عندنا في أن الرياسة العامة والولاية المطلقة والسلطنة الكلية، مخصوصة من الله عز وجل بمحمد رسوله (صلى الله عليه وآله) والأئمة الاثني عشر خلفائه صلوات الله عليهم أجمعين. قال الله عز وجل * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) * وقال تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * وقال عز وجل * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * والروايات الدالة على هذا المدعى أكثر من أن تحصى بعضها مذكور في أصول الكافي(٤٤١) وبصائر الدرجات.
- وفي دعاء سيد الساجدين (عليه السلام) ليوم الجمعة والعيدين: اللهم إن هذا المقام لخلفائك، ومواضع أمنائك، في الدرجة الرفيعة، التي اختصصتهم بها قد ابتزوها. الخ.
وعلى ما بينا ظهر أنه لا يجوز مبايعة غير النبي والإمام، إذ لو بايع غيره جعل له شريكا في المنصب، الذي اختصه الله تعالى به ونازع الله في خيرته وسلطانه قال الله عز وجل * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) *.
- وقد ورد في تفسير قوله تعالى * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) * روايات بأن المراد لئن أشركت في الولاية غير علي معه والروايات مذكورة في البرهان(٤٤٢) وغيره.
فصل

وقد تبين مما ذكرنا عدم جواز مبايعة أحد من الناس، من العلماء وغيرهم لا بالاستقلال، ولا بعنوان نيابتهم عن الإمام (عليه السلام) في زمان غيبته لما قدمناه آنفا من أن ذلك من خصائصه ولوازم رياسته العامة وولايته المطلقة وسلطنته الكلية، فإن بيعته، بيعة الله:
- كما ورد في خطبة الغدير وغيرها، فمن بايعه فقد بايع الله تعالى، ومن تولى عنه فقد تولى عن الله.
- ويدل على عدم جوازه مضافا إلى ما عرفت من كونه من خصائص الإمام، وكون أمور الشرع توقيفية ما روي في البحار(٤٤٣) ومرآة الأنوار عن المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: يا مفضل كل بيعة قبل ظهور القائم (عليه السلام) فبيعة كفر ونفاق وخديعة، لعن الله المبايع بها(٤٤٤) والمبايع له، الحديث.
وهذا كما ترى صريح في عدم جواز مبايعة غير الإمام، من غير فرق بين كون المبايع له فقيها أو غير فقيه ومن غير فرق بين أن تكون البيعة لنفسه أو بعنوان النيابة عن الإمام (عليه السلام).
ويؤيد ما ذكرنا من كون المبايعة بالمعنى المذكور من خصائص الإمام ولوازم رياسته العامة وولايته المطلقة وعدم جوازه لغيره أمور:
منها: إنه لم يعهد ولم ينقل في زمان أحد من الأئمة (عليهم السلام) تداول المبايعة بين أصحابهم وكذا سائر المؤمنين الموجودين في زمانهم.
ومنها: إنه لم يرد منهم (عليهم السلام) إذن في مبايعة غيرهم من أصحابهم بنيابتهم.
ومنها: عدم معهودية ذلك في ألسنة العلماء ولا في كتبهم ولم ينقل في آدابهم وأحوالهم وأفعالهم بل لم يكن معهودا في سائر المؤمنين من زمن الأئمة (عليهم السلام) إلى زماننا أن يبايعوا أحدا بعنوان أن بيعته بيعة الإمام (عليه السلام).
ومنها: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أراد أن يأخذ البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ورأى أنه يعسر على جميع المؤمنين أن يصافقوه بيده أمرهم بإظهار العهد والبيعة بألسنتهم ولم يأمرهم بأن يصافقوا غيره من صالحي أصحابه وخواصهم نيابة عنه مع أنه كان ذلك ممكنا والحديث مذكور في كتاب الاحتجاج(٤٤٥) للشيخ الطبرسي (رضي الله عنه) من أراده فليطلبه هناك.
ومنها: إنه لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكة، وبايع الرجال جاءته المؤمنات لمبايعته، فقال:
إني لا أصافح النساء، فدعا بقدح من ماء، فأدخل يده ثم أخرجها فقال أدخلن أيديكن في هذا الماء، فهي البيعة. وهذا الحديث وغيره بمضمونه مذكور في الكافي والبرهان وغيرهما ووجه التأييد والاستشهاد أنه (صلى الله عليه وآله) لم يأذن لهن في مصافقة امرأة من المؤمنات الصالحات، ولا في مصافقة محارمهن من المؤمنين بعنوان أن مصافقتهم مصافقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) نيابة عنه.
ومنها: ما تقدم من المجلسي (رضي الله عنه) في البحار(٤٤٦) بعد ذكر دعاء تجديد العهد والبيعة في زمان الغيبة، أنه قال: وجدت في بعض الكتب القديمة بعد ذلك ويصفق بيده اليمنى على اليسرى (انتهى).
فانظر كيف جوزوا أن يصفق بيده على يده ولم يجوزوا مصافقة الغير.
- ومنها: ما في الاحتجاج(٤٤٧) عن مولانا الباقر (عليه السلام) بعد ذكر وقعة الغدير وخطبة البشير النذير وأخذ البيعة للأمير (عليه السلام) قال: وواصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول كلما بايع قوم: الحمد لله الذي فضلنا على جميع العالمين. قال (عليه السلام) وصارت المصافقة سنة ورسما، يستعملها من ليس له حق فيها، انتهى.
أقول: فمن جميع ما ذكرنا وغيره يحصل الجزم بأن المبايعة من خصائص النبي والإمام، ولا يجوز لأحد التصدي لذلك، إلا من جعله النبي أو الإمام نائبا له في ذلك، فيكون وكيلا في هذا الأمر، مثل الوكالة في سائر الأمور.
فإن قلت: بناء على القول بثبوت الولاية العامة للفقيه يمكن أن يقال بأن الفقهاء خلفاء الإمام (عليه السلام) ونوابه، فيجوز لهم أخذ البيعة من الناس، نيابة عن الإمام ويجوز للناس مبايعتهم.
قلت أما أولا فالولاية العامة غير ثابتة للفقيه.
وأما ثانيا: فعلى فرض ثبوت الولاية العامة إنما هي فيما لم يكن مختصا بالنبي والإمام وقد ظهر من الروايات دليلا وتأييدا كما ذكرنا اختصاص المبايعة بهما فليس للنائب العام نيابة في هذا المقام وهذا نظير الجهاد، حيث إنه لا يجوز إلا في زمان حضور الإمام وبإذنه ونظير وجوب إقامة صلاة العيدين على الإمام، ونظير كون سلوكهم في أكلهم وشربهم، ومعاشهم، ولباسهم، عند بسط أيديهم، وظهور رياستهم بسيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) كما في عدة روايات، يوجب ذكرها التطويل ونظير جواز الإيثار مع كون الأهل والأولاد في حال الاحتياج والاضطرار، ونظير عدم كراهة الأكل باليسار ونحوها مما يختص بالنبي والإمام (عليهما السلام).
وأما ثالثا: فعلى فرض عدم ثبوت الاختصاص نقول إنما يجوز تصدي الفقيه لما ثبت شرعيته. وشرعية مبايعة غير المعصوم أو نائبه الخاص المأمور بأخذ البيعة من الناس للمعصوم غير ثابتة.
فإن قلت: يمكن إثبات شرعية ذلك بالآيات الدالة على رجحان المتابعة والتأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) كقوله تعالى * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * وقوله تعالى: * (ولكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) * ونحوها، وجه الاستدلال أن الآيات دلت على حسن اتباع النبي (صلى الله عليه وآله) في أفعاله، ومن أفعاله التي صدرت منه بشهادة الآيات والروايات مبايعة المؤمنين والمؤمنات فيستحب لهم التأسي به في المبايعة والمصافقة.
قلت أولا: إن دلالة الآيات المذكورة على وجوب التأسي والاتباع في تمام الأفعال الصادرة عنه أو استحبابه غير ظاهرة كما حققناه في محله، بل هي ظاهرة في وجوب الإيمان به، وامتثال أمره ونهيه. وتفصيل الكلام في هذا المقام يوجب الخروج عما هو المقصود والمرام.
وثانيا: لو فرض ثبوت دلالتها على رجحان المتابعة مطلقا، قلنا: إنها إنما تدل على رجحان الإتيان بالفعل الصادر عنه على النحو الذي صدر عنه وذلك ممتنع فيما نحن فيه، لأن البيعة الصادرة في زمانه كانت مقيدة بمصافقة يده الشريفة أو كانت بأمره، كما أن مبايعة مسلم بن عقيل كانت بأمر مولانا الحسين (عليه السلام).
أما في مثل زماننا هذا فجواز المبايعة على وجه المصافقة مما لا دليل له، فهي من البدع المحرمة التي توجب اللعنة والندامة، وبهذا يتبين لك وجه قول مولانا الصادق (عليه السلام) في حديث مفضل السابق: كل بيعة قبل ظهور القائم.. الخ.
ومما ذكرنا لك يظهر فساد ما زعمه بعض العلماء الزنجانيين في كتابه المعمول لصيغ العقود حيث إنه جزم باستحباب مبايعة الفقهاء واخترع صيغة لعقد المبايعة وتكلم في أنه من العقود الجائزة أو اللازمة ومما يدل على فساد زعمه ما اعترف به في أول كلامه من أن عقد البيعة وصيغته ليس مذكورا في كتب أحد من العلماء من المتقدمين والمتأخرين.
أقول: أنظر أيها الفطن العاقل هل يتصور عادة أن يغفل جميع العلماء من زمن الأئمة المعصومين إلى زماننا هذا عن أمر شائع اسمه في القرآن المجيد والأخبار العديدة، ويكون هذا الأمر مما يكلف به الناس عموما وجوبا أو استحبابا ولا يتعرض أحد منهم لذكره ولا يسمع منهم في محاوراتهم ومكالماتهم، ولا يعنون في محافلهم ومجالسهم أليس ذلك إلا لوضوح عدم مشروعية المصافقة بعنوان المبايعة، إلا مع المعصوم أو نائبه الخاص وتوافقهم على ذلك بحيث لم يذكر ذلك أحد منهم على سبيل الاحتمال كما هو دأبهم في كثير من المسائل الفقهية. نسأل الله تعالى العصمة من الخطأ والخطل في القول والعمل.
ولما كان كتاب هذا الشخص فارسيا رأينا أن نذكر حاصل كلامه هنا بالعربية فنقول إنه قد استدل لاستحباب البيعة في هذا الزمان ونحوه بقوله تعالى * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) * فقال: معلوم أن ما وعد الله عليه أجرا عظيما ويكون بمنزلة الوفاء بعهد الله فهو مستحب مؤكد إن لم يكن واجبا.
ثم قال: إن الأصل في كل فعل وترك يكون مقدمة لإطاعة النبي (صلى الله عليه وآله) في رسالته الرجحان.
ثم قال بعد كلام له: إذا ثبت الرجحان فيكون راجحا للإمام ونوابه بدليل أصالة الاشتراك.
هذا محصل كلامه في إثبات مرامه وأنت خبير بأن مثل هذا الكلام لا ينبغي أن يصدر من العلماء الأعلام، لأن الآية الشريفة إنما دلت على وجوب الوفاء بالمبايعة التي صدرت ممن بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن من وفى فله أجر عظيم ومن نكث فقد أضر بنفسه وحاق به سوء علمه، وفساد ضميره، وخبث سريرته، ولا دلالة لها على رجحان مبايعة غير النبي (صلى الله عليه وآله) فإثبات مقصود هذا المستدل بهذه الآية دونه خرط القتاد.
وأما الأصل الذي ذكره ففيه أولا أن رجحان ما يتوقف عليه إطاعة النبي (صلى الله عليه وآله) أمر عقلي، لا يوصف بالاستحباب الشرعي الذي له أجر وثواب زائد على أصل العمل الذي أمر به النبي (صلى الله عليه وآله) فهو من قبيل طلب الماء لتحصيل الطهارة. فإثبات الاستحباب الشرعي بذلك مما يأباه أصاغر الطلبة فضلا عن أكابر العلماء.
وثانيا: أنه لا تتوقف إطاعة النبي (صلى الله عليه وآله) في رسالته وأحكامه على المبايعة بالمعنى المذكور أصلا، بل هي فعل كسائر الأفعال، مما يجب أخذ حكمها عن النبي (صلى الله عليه وآله) ففي كل مقام ثبت أمره أو نهيه وجب امتثاله وإطاعته فعلا أو تركا وفي كل مقام لم يثبت عنه أمر ولا نهي، فإن كان من الأمور العادية كالأكل والشرب وغيرهما من الأفعال والعاديات فإن أتى به المكلف بغير عنوان التشريع، كان قد فعل مباحا، وإن أتى به بعنوان أنه من الشرع وجوبا أو استحبابا فهو بدعة محرمة وما نحن فيه من هذا القبيل لأن مبايعة غير النبي والإمام على نحو المصافقة مما لم يرد فيه عنهم (عليهم السلام) أمر أصلا بل ورد عنهم النهي كما عرفت فهي بدعة محرمة.
فإن قلت: يمكن أن يأتي بهذا الفعل رجاء كي يتخلص من حرمة التشريع.
قلت: أولا بعد ما أثبتنا كون ذلك من خصائص النبي والإمام وبينا ورود النهي عن هذا الفعل عنهم (عليهم السلام) فلا مجال لرجاء المطلوبية واحتمال المحبوبية.
وثانيا: لو أغمضناه عن ذلك كله، وفرضنا عدم الاختصاص، وعدم ورود النهي قلنا: إن موضوع إخبار من بلغه ثواب على عمل فعمله رجاء ذلك الثواب هو أن يرد في فعل من الأفعال حديث عنهم في فضله وثوابه بحسب الطرق المتعارفة ويأتي به المؤمن رجاء ذلك الثواب نظرا إلى بلوغ الخبر عنهم فإن كان في الواقع غير صادر عنهم، وأتى به المؤمن رجاء، آتاه الله تعالى ذلك الثواب فضلا وإحسانا.
فنقول لهذا القائل: أي خبر ضعيف دل على رجحان مبايعة غير الإمام (عليه السلام)؟ أم أي فقيه أفتى باستحبابه؟ أم أي عالم احتمل رجحان ذلك رجاء ثوابه مع أن هذا القائل اعترف في أول كلامه كما عرفت، بأنه لم يقف على أحد من العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين ذكر ذلك، نسأل الله تعالى العصمة من الزلة، بمنه وكرمه.
وأما مسألة أصالة الاشتراك في التكليف فنقول بعون الله تعالى وتأييده: إن مقتضى الأدلة بل هو من الضروريات التي يعرفها أهل الملة المحمدية (صلى الله عليه وآله)، أن شريعته باقية إلى يوم القيامة، وجميع الناس من زمن بعثته إلى يوم القيامة مكلفون باتباع شريعته، وموافقة أوامره ونواهيه وأحكامه، وهذا مقتضى خاتميته، وصريح كتاب الله العزيز في آيات عديدة، لكن لا ريب ولا خفاء في أن الأحكام تتفاوت موضوعاتها وشروطها، وفي كل واقعة حكم، من الله عز وجل.
وملخص القول في ذلك أن الأحكام والأفعال الصادرة عنه (صلى الله عليه وآله) على أربعة أقسام:
الأول: ما دل الدليل على اختصاصه بنفسه الشريفة كوجوب صلاة الوتر وما ذكره الفقهاء في كتاب النكاح من خصائصه (صلى الله عليه وآله).
الثاني: ما دل الدليل على اشتراك الحاضرين والغائبين والموجودين في زمانه والذين يأتون بعده فيه كوجوب الصلوات المفروضات واستحباب الصلوات المسنونات ووجوب الزكاة والحج وغيرها من الواجبات والسنن، وحرمة المحرمات وكثير من الأحكام التي دل الدليل على اشتراك الجميع فيها.
الثالث: ما دل الدليل على اختصاصه بالحاضرين في زمانهم كوجوب الجهاد ووجوب صلاة العيدين ووجوب صلاة الجمعة عينا وغيرها.
الرابع: ما أمر به في واقعة أو مورد يحتمل اختصاص ذلك الحكم بخصوص ذاك المورد وتعلق التكليف بخصوص الحاضرين في ذاك الزمان، لعدم قيام دليل على شموله للغائبين وتعدية الحكم إلى غير ذاك المورد كما في جملة من الأحكام التي وردت للرجل مثلا فتعديتها إلى غيره مما لا دليل له وكما في مسألة البيعة التي أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بها الحاضرين لو فرضنا عدم الدليل على اختصاصها بالحاضرين وأغمضنا عما ذكرنا من الدليل على الاختصاص فرضنا والمرجع في هذه المسألة وأمثالها أصل البراءة لا أصل الاشتراك في التكليف لأن التكليف المشكوك منفي بالأصل عقلا وشرعا.
فالتمسك بأصالة الاشتراك في التكليف كما صدر من هذا القائل لا حجة له كما لا يخفى على أهل التحقيق بل يمكن أن يقال لو سلمنا أصالة الاشتراك حتى في مثل هذا المقام لم يك ناهضا لإثبات استحباب البيعة، بنحو المصافقة في زمان الغيبة لأن جميع ما له دخل في توجه الخطاب يجب أن يكون موجودا في غير الحاضر وقت الخطاب حتى يثبت توجهه إليه أيضا بأصالة الاشتراك، على مذاق هذا القائل وهذا غير ممكن فيما نحن فيه لأن المفروض وجوب مبايعة الحاضرين مع النبي والوصي (عليهما السلام).
وذلك في حق الغائبين مثل أهل هذا الزمان - مثلا - سالبة بانتفاء الموضوع فلا يمكن تكليفهم بذلك. وأيضا لا يثبت تكليفهم بذلك لوجه آخر، وهو أن النبي قد أمر الحاضرين في زمانه بالمصافقة في وقائع خاصة، وزمان مخصوص فلا يثبت تكليف الحاضرين بذلك الأمر بعد خروج ذاك الوقت، ومضي تلك الواقعة، فضلا عن المعدومين في زمانه.
وذلك لأنا قد أثبتنا في محله أن القضاء بأمر جديد، وإن الأمر بشئ في وقت معين لا يقتضي وجوبه بعد انقضاء ذلك الوقت إلا أن يقوم دليل آخر عليه والمفروض هنا العدم.
ويرد على هذا القائل نقض آخر على مذهبه وهو أن مقتضى ما أقام من الدليل على مختاره لو تم لزوم القول بوجوب المبايعة بالمصافقة على جميع الناس في جميع الأزمنة، لأن أمر النبي (صلى الله عليه وآله) كان على وجه الإيجاب على الحاضرين، فمقتضى أصالة الاشتراك في التكليف بزعمه يوجب القول بالوجوب على الغائبين والمعدومين في زمانه (صلى الله عليه وآله) وهذا القائل غير ملتزم به كما عرفت كلامه.
تبصرة

قد اتضح بما ذكرناه فساد ما تداول على ألسنة بعض الصوفية، وتعارف بينهم من وجوب البيعة مع الشيخ، ومصافقة يده، وزعموا أن مبايعة الشيخ واجبة، وأنها جزء الإيمان، والإيمان لا يتحقق بدونه، وسموا هذه البيعة بالبيعة الولوية، وبالبيعة الخاصة الإيمانية، وجعلوا الأخذ بالبيعة من خصائص مشايخ الصوفية ومناصبهم.
وقالوا: إن الأخذ بالبيعة لا يجوز إلا لمن كان له إجازة ذلك من مشايخهم بطرقهم المقررة المثبتة عندهم وهذا من أصولهم التي اتخذوها أساسا للرئاسة، وشبكة لاصطياد العوام، الذين هم كالأنعام، وقد تكرر ذكر هذه البيعة ووجوبها وعدم تحقق الإيمان بدونها في كلام بعض رؤسائهم في تفسيره المسمى ببيان السعادة، ولا بأس بنقل بعض كلماته، ثم التكلم عليه بما سنح لنا بتأييد الله عز وجل ليكون الناظر على بصيرة من أمرهم.
قال في تفسير سورة يونس: في عدم جواز أخذ البيعة من غير إجازة من المشايخ قال:
كما اجترأ المتشبهة المبطلة بالصوفية فدخلوا في ذلك من غير إذن من مشايخ المعصومين إلى أن قال: وكذا الصوفية المحقة لا يدخلون في الأمر والنهي، وبيان الأحكام والاستغفار للخلق وأخذ البيعة منهم إلا إذا أجيزوا، وسلاسل إجازاتهم مضبوطة عندهم. وقال في تفسير سورة التوبة بعد كلام له في وجوب البيعة في كل زمان من الأزمنة ولزوم التعلق بيد الشيخ: إن تلك البيعة كانت سنة قائمة من لدن آدم إلى زمان ظهور دولة الخاتم (صلى الله عليه وآله) بحيث كان أهل كل دين لا يعدون من أهل الدين أحدا إلا بالبيعة مع صاحب ذلك الدين، أو مع من نصبه لأخذ البيعة من الناس، ولتلك كانت شرائط وآداب مقررة مكتومة عندهم ولشرافة تلك البيعة والضنة بابتذالها عند من ليس لها بأهل كانت تختفي في كل دين بعد قوته ورحلة صاحبه. انتهى ما أردت نقله.
أقول: إن ما ذكر ادعاء بلا دليل ولا شاهد له من عقل ولا نقل ولو كان له وجه ضعيف لذكره لحرصه على إثبات لزوم البيعة مع الشيخ، لأن ذلك مدار رياستهم، كما أشرنا إلى ذلك. ويرد عليه مضافا إلى ما ذكرنا سابقا، أولا إنه لو كانت المبايعة بنحو المصافقة واجبة في الإسلام، أو الإيمان، لوجب على النبي والإمام وعلى أصحابهما بل على كل مؤمن أن يأمروا من يدخل في الإسلام أو التشيع بتلك البيعة، بل كان اللازم عليهم الأمر بذلك، قبل الأمر بالصلاة وسائر الفرائض لأنها جزء الإيمان بزعم هذا القائل، وللزومها في كل حين، وعدم توقيتها بوقت من الأوقات.
ونحن مع ما تيسر لنا من التصفح والتتبع في الأخبار والروايات لم نظفر بذلك، بل من الواضح أن هذا المدعى أيضا لم يظفر به ولو ظفر به لذكره في طي كلامه حرصا على إثبات مرامه.
وثانيا: إنه يلزم على طريقة هذا المدعى أن يكون جميع المؤمنين من زمن المعصومين (عليهم السلام) إلى زماننا علماؤهم وعوامهم خارجين عن زمرة أهل الإيمان لعدم تداول تلك البيعة بينهم في زمن من الأزمان.
وثالثا: إنه قد ورد في عدة من الأخبار، أن جمعا من الأبرار من أصحاب الأئمة الأطهار (عليهم السلام) عرضوا إيمانهم، وما يجب عليهم في حقيقة إيمانهم على الأئمة وقررهم الأئمة على ذلك، وقالوا بتمامية إيمانهم، ولم يكن في كلام السائل ولا الإمام ذكر للبيعة أصلا، ولو كان للبيعة دخل في تحقق الإيمان أو كماله لنبهوا عليه، كما لا يخفى وبعض تلك الروايات مذكور في أصول الكافي.
ورابعا إنه قد وردت أخبار كثيرة عن أئمتنا (عليهم السلام) في بيان صفات المؤمنين وآدابهم، وأخلاقهم، وبيان علامات الإيمان وذكر علامات تحققه وكماله ولم يذكر في واحد منها اسم البيعة تصريحا ولا تلويحا.
وخامسا: إن قوله: لشرافة تلك البيعة الخ، نعترض عليه فنقول أي مفسدة كانت تترتب على إظهار المؤمنين بعضهم لبعض مصافقة رئيسهم للبيعة معه؟ وأي مفسدة كانت تترتب على تلك المبايعة؟ ولا شك أن التعلق باليد أهون وأسهل على الطباع البشرية من بذل المال وإنا نرى بالعيان عدم مضايقة صالحي أهل الإيمان من بذل سهم الإمام روحي فداه في زمان غيبته للعلماء الأعلام.
فكيف يتضايقون من مصافقة أيديهم لو علموا من شرعهم وجوب البيعة بهذه الكيفية أو استحبابها! وليس هذا إلا مثل المصافحة الشائعة المتداولة بينهم، ولا فرق إلا في القصد والعنوان.
وسادسا: إن إظهار خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) كان أعظم خطبا، وأشد خوفا وخطرا، كما يظهر من الآية والروايات والتواريخ، ومع ذلك أمر رسول الله (عليه السلام) بالإظهار لكونه جزءا للإيمان، ولو كان بيعة غيره جزءا كما زعمه هذا المدعي لبينه النبي وخلفاؤه (عليهم السلام).
وسابعا: كيف خفي هذا العمل الواجب العظيم الذي يدعى أن أحدا لا يكون من أهل الدين إلا به، على جميع المؤمنين، وقاطبة أهل هذا الدين، إلا على طائفة الصوفية. إن هذا إلا إفك مبين نسألهم فنقول: هذا التقصير كان من النبي وخلفائه! العياذ بالله حيث حرموا جميع الخلق من بيان هذا الحكم، أو كان من جميع المؤمنين حيث ستروا حكم الله من الظالمين؟ مع كمال اهتمامهم بنشر الأحكام وبيانها نعوذ بالله تعالى من مضلات الفتن والابتلاء بالبلايا والمحن.
وثامنا: لو كان هذا الأمر واجبا وكان له دخل في تحقق الإيمان، لوجب أن ينقل ويذكر في كتب العلماء، ويعنون بينهم فكيف يدعى ذلك مع عدم ذكر له في شيء من الأخبار والآثار، ولو قال هذا المدعي بوجوده في كتاب من كتب أهل العلم فعليه البيان.
وتاسعا: أنتم تدعون أن هذا الأمر من الأسرار الخفية التي كان الاهتمام بإخفائها، فكيف تخالفون السابقين بزعمكم، وتفشون هذا السر المكتوم، وتعمدون إلى إظهاره في كتبكم وألسنتكم.
وإن قلتم بزعمكم أنكم أصحاب الأسرار والأسرار لا تكتم عن أهلها، قلنا: أما كان في جميع المؤمنين وأصحاب النبي والأئمة الراشدين صاحب سر ليبين له هذا السر مع وجود الخواص فيهم بحيث كان لكل واحد منهم جمع من أهل السر والستر، ولم يذكر في حالاتهم وأقوالهم وأفعالهم هذا الأمر فبأي وسيلة ومن أي طريق، وصل هذا الأمر إلى الصوفية واختصوا بهذا الحكم من بين جميع الأمة؟
وعاشرا: مع غمض العين عن جميع ما ذكرنا نقول: إن ما تدعونه من وجوب كون البيعة بيد الشيخ، وتخصون شخصا معينا لأخذ البيعة، هذا التعين هل هو من باب النيابة الخاصة أو العامة؟ فإن قلتم: إنه بسبب النيابة الخاصة قلنا لا خلاف بين الإمامية في انقطاع النيابة الخاصة في زمن الغيبة الكبرى، مع أنه دعوى بلا دليل كسائر مقالته. وإن قلتم بالنيابة العامة، فالتخصيص بشخص خاص لماذا؟ وإن قلت: إن تعين الشخص الخاص بتعيين الشيخ وإجازته له، قلنا: يرد كلامنا على الشيخ.
فنقول أولا: تعين الشيخ لماذا وثانيا تعيينه الشخص الخاص لماذا لأنه لا حجية في قول غير المعصوم إلا أن ينتهي إلى المعصوم ومقايسة الإجازة المتداولة بينهم بالإجازة المتداولة بين الفقهاء وحملة الأخبار فاسدة، لأن الإجازة المتداولة بين الفقهاء إنما هي لاتصال سند الحديث إلى المعصوم، واحتفاظه من الإرسال، وهذه لا تثبت منصبا خاصا لأحد ولهذا الاختصاص لتلك الإجازة بخصوص المجتهدين.
وأما تصديق الاجتهاد فهو أمر لا ملازمة بينه وبين إجازة الرواية، وفائدته جواز رجوع غير المجتهد إليه في مسائله، وهذا بخلاف الإجازة المتداولة بين الصوفية كما عرفت في كلامه.
ثم إنه يرد على قوله: وكذا الصوفية المحقة لا يدخلون في الأمر والنهي وبيان الأحكام والاستغفار للخلق، وأخذ البيعة منهم إلا إذا أجيزوا الخ إن ذلك خلاف مقتضى الآيات والروايات المروية عن الأئمة السادات (عليهم السلام) لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان الأحكام وظيفة كل مسلم عارف بالحكم والأمر والنهي مع الأمن من المفسدة ولا اختصاص لها بشخص دون آخر وكذا الاستغفار فإنه من أقسام الدعاء.
وقد ورد الترغيب والأمر بالدعاء لعموم المؤمنين والمؤمنات والدعاء للإخوان بظهر الغيب، والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات. والدعاء والاستغفار لأهل الإيمان من وظائف جميع المؤمنين والمؤمنات وما ذكرنا واضح للمتتبع في الآيات والروايات ولو ذكرناها لطال الكتاب.
وأما أخذ البيعة فهو من خصائص النبي، والإمام أو المنصوب من قبلهما بنصب خاص ولا يجوز لغيرهما وفيما ذكرناه كفاية وغنى لأهل الإخلاص.
الخامس والثلاثون

صلته بالمال بأن يجعل المؤمن بعض ماله هدية لإمام زمانه سلام الله عيه، وأن يداوم بذلك العمل في كل سنة. ويستوي في هذا العمل الشريف، الغني والفقير، والوضيع والشريف، والرجل والمرأة، إلا أن الغني يكلف بحسب استطاعته والفقير بحسب استطاعته قال الله عز وجل: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * وقال تعالى شأنه: * (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) * ولم يبين في الروايات مقدار خاص لصرف المال في تلك الجهة الشريفة، لأن الظاهر كون ذلك من المستحبات المؤكدة، التي يعبر عنها في لسانهم بالفريضة.
- ويدل على ما ذكرناه ما رواه الشيخ الكليني(٤٤٨) رضي الله تعالى عنه في الكافي بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من شيء أحب إلى الله من إخراج الدراهم إلى الإمام وإن الله ليجعل له الدرهم في الجنة مثل جبل أحد ثم قال: إن الله يقول في كتابه: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) *.
قال: هو والله في صلة الإمام خاصة.
- وعنه في حديث(٤٤٩) آخر قال: إن الله لم يسأل خلقه ما في أيديهم قرضا من حاجة به إلى ذلك، وما كان لله من حق فإنما هو لوليه.
- وفيه(٤٥٠) في الصحيح عن إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم) * قال (عليه السلام): نزلت في صلة الإمام.
- وبإسناده(٤٥١) عن الحسن بن مياح عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا مياح درهم يوصل به الإمام أعظم وزنا من أحد.
- وفيه(٤٥٢) في المرسل كالصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: درهم يوصل به الإمام أفضل من ألفي ألف درهم فيما سواه من وجوه البر.
- وفي(٤٥٣) الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى * (الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) *.
قال: نزلت في رحم آل محمد (صلى الله عليه وآله) وقد يكون في قرابتك ثم قال (عليه السلام): فلا تكونن ممن يقول للشيء أنه في شيء واحد.
- وفي الموثق عنه (عليه السلام) قال: إني لآخذ من أحدكم الدرهم وإني لمن أكثر أهل المدينة مالا ما أريد بذلك إلا أن تطهروا.
- وفيه(٤٥٤) في حديث مرفوع قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من زعم أن الإمام يحتاج إلى ما في أيدي الناس فهو كافر إنما الناس يحتاجون أن يقبل منهم الإمام قال الله عز وجل * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) *.
- وفي الفقيه في باب صلة الإمام (عليه السلام) سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) * قال (عليه السلام)، نزلت في صلة الإمام وقال (عليه السلام): درهم يوصل به الإمام أفضل من ألف ألف درهم في غيره في سبيل الله.
- وفيه(٤٥٥) في باب فضائل الحج روي أن درهما في الحج خير من ألف ألف درهم في غيره ودرهم، يصل إلى الإمام مثل ألف ألف درهم في حج.
- وقال: روي أن درهما في الحج أفضل من ألفي ألف درهم فيما سواه في سبيل الله عز وجل.
- وفي المجلد العشرين من البحار عن ثواب الأعمال(٤٥٦) بأسناده عن إسحاق بن عمار، قال: قلت للصادق (عليه السلام): ما معنى قوله تبارك وتعالى(٤٥٧) * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) *؟
قال (عليه السلام): صلة الإمام.

- وفيه(٤٥٨) عن بشارة المصطفى(٤٥٩) بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: لا تدعوا صلة آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين من أموالكم، من كان غنيا فعلى قدر غناه، ومن كان فقيرا فعلى قدر فقره، ومن أراد أن يقضي الله أهم الحوائج إليه فليصل آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين وشيعتهم بأحوج ما يكون إليه من ماله.
- وفي البحار والبرهان(٤٦٠) عن تفسير العياشي(٤٦١) بإسناده عن مفضل بن عمر، قال:
دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) يوما، ومعي شيء فوضعته بين يديه فقال: ما هذا؟ فقلت هذه صلة مواليك وعبيدك قال فقال (عليه السلام) لي: يا مفضل إني لأقبل ذلك وما أقبل من حاجة بي إليه، وما أقبله إلا ليزكوا به ثم قال (عليه السلام) سمعت أبي يقول: من مضت له سنة لم يصلنا من ماله قل أو كثر لم ينظر الله إليه يوم القيامة إلا أن يعفو الله عنه.
ثم قال: يا مفضل إنها فريضة فرضها الله تعالى على شيعتنا في كتابه، إذ يقول(٤٦٢) * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) * نحن البر والتقوى، وسبيل الهدى، وباب التقوى لا يحجب دعاؤنا عن الله، اقتصروا على حلالكم وحرامكم فاسألوا عنه وإياكم أن تسألوا أحدا من الفقهاء عما لا يعنيكم وعما ستر الله عنكم.
- وعنه أيضا(٤٦٣) عن الحسن بن موسى قال روى أصحابنا: أنه سئل أبو عبد الله (عليه السلام)، عن قوله(٤٦٤) تعالى * (الذي يصلون ما أمر الله به أن يوصل) * قال (عليه السلام) هو صلة الإمام في كل سنة مما قل أو كثر ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) وما أريد بذلك إلا تزكيتكم.
- وعن أمالي(٤٦٥) الشيخ الصدوق بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من وصل أحدا من أهل بيتي في دار هذه الدنيا بقيراط كافيته يوم القيامة بقنطار.
توضيح

قال في المجمع(٤٦٦): القيراط نصف دانق وعن بعض أهل الحساب القيراط في لغة اليونان حبة خرنون وأصله قراط بالتشديد لأن جمعه قراريط فأبدل. وفي القاموس: القيراط والقراط بكسرهما يختلف وزنه بحسب البلاد في مكة ربع سدس دينار، وبالعراق نصف عشره.
وعن النهاية: القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشر في أكثر البلاد وأهل الشام يجعلونه جزءا من أربعة وعشرين.
وفي القاموس: القنطار: وزن أربعين أوقية من ذهب أو ألف ومأتا دينار، أو ألف ومأتا أوقية، أو سبعون ألف دينار، أو ثمانون ألف درهم، أو مائة رطل من ذهب، أو فضة أو ألف دينار، أو ملء مسك ثور ذهبا أو فضة.
وفي المجمع قيل في تفسيره: هو ألف ومأتا أوقية، وقيل: مائة وعشرون رطلا، وقيل هو ملء مسك الثور ذهبا، وقيل: ليس له وزن عند العرب.
وعن ثعلب المعمول عليه عند العرب الأكبر إنه أربعة آلاف دينار فإذا قالوا قناطر مقنطرة فهي اثنا عشر ألف دينار وقيل ثمانون ألفا والمقنطرة المكملة كما تقول بدرة مبدرة وألف مؤلف أي تام.
وعن الفراء المقنطرة المضعفة، ككون القناطر ثلاثة، والمقنطرة تسعة.
وفي الحديث: القنطار خمسة عشر ألف مثقال من الذهب، والمثقال: أربعة وعشرون قيراطا، أصغرها مثل جبل أحد، وأكبرها ما بين السماء والأرض.
وفي معاني الأخبار فسر القنطار من الحسنات بألف ومأتي أوقية، وأوقية أعظم من جبل أحد، انتهى.
- وفي الاحتجاج(٤٦٧) للشيخ الطبرسي (رضي الله عنه) عن محمد بن يعقوب والظاهر أنه نقل من كتاب الرسائل لمحمد بن يعقوب الكليني (رضي الله عنه) عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)، أن يوصل لي كتابا، قد سألت فيه من مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان، إلى أن قال: وأما أموالكم فما نقبلها إلا لتطهروا، فمن شاء فليصل، ومن شاء فليقطع فما آتانا الله خير مما آتاكم.. الخ، وفيما رويناه كفاية إن شاء الله.
وينبغي التنبيه على أمرين

أحدهما أن صلة الإمام (عليه السلام) في مثل هذا الزمان أفضل من الصلة في زمان ظهور الدولة الحقة وبسط يده.
ويشهد لذلك ما روي في الكافي(٤٦٨) وغيره، بالإسناد عن عمار الساباطي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أيما أفضل العبادة في السر مع الإمام منكم، المستتر في دولة الباطل أو العبادة في ظهور الحق ودولته، مع الإمام منكم الظاهر؟ فقال: يا عمار، الصدقة في السر والله أفضل من الصدقة في العلانية وكذلك والله عبادتكم في السر مع إمامكم المستتر في دولة الباطل وتخوفكم من عدوكم في دولة الباطل وحال الهدنة أفضل ممن يعبد الله جل ذكره في ظهور الحق مع إمام الحق الظاهر في دولة الحق وليست العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة والأمن في دولة الحق.
واعلموا أن من صلى منكم اليوم صلاة فريضة في جماعة مستترا بها من عدوه في وقتها، فأتمها، كتب الله عز وجل له خمسين صلاة فريضة في جماعة ومن صلى منكم صلاة فريضة وحده مستترا بها من عدوه في وقتها، فأتمها، كتب الله عز وجل له بها خمسا وعشرين صلاة فريضة وحدانية ومن صلى منكم صلاة نافلة لوقتها فأتمها كتب الله له بها عشر صلوات نوافل ومن عمل منكم حسنة، كتب الله له بها عشرين حسنة، ويضاعف الله عز وجل حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله، ودان بالتقية على دينه، وإمامه ونفسه، وأمسك من لسانه أضعافا مضاعفة، إن الله عز وجل كريم. الحديث.
ومن المؤيدات لما ذكرنا، أني رأيت في المنام في بعض تلك الأعوام شخصا جليلا من الكرام، فقال: إن المؤمن إذا بذل شيئا من ماله لإمامه في زمان غيبته كان ثوابه كواحد وألف مثله يبذله له في زمان حضوره.
أقول: يشهد لصدق تلك الرؤيا وحقية هذه المقالة قوله (عليه السلام) في خبر عمار: ويضاعف الله حسنات المؤمن منكم إلى قوله أضعافا مضاعفة ثم دفع الاستبعاد في ذلك بقوله (عليه السلام) إن الله عز وجل كريم.
الأمر الثاني: إن صلة الإمام (عليه السلام) في زمان الغيبة تحصل بصرف المال في المصارف التي يعلم رضاه بها، وحبه لها، وبقصد صلته، مثل طبع الكتب المتعلقة به، وإقامة مجالس ذكره، والدعوة إليه، وصلة شيعته ومحبيه، خصوصيا الذرية العلوية، والعلماء المروجين، ورواة أحاديث الأئمة الطاهرين ونحوهما، مما لا يخفى على أهله، وأسأل الله تعالى التوفيق لي ولسائر المؤمنين.
السادس والثلاثون

صلة الصالحين من شيعتهم ومواليهم بالمال وإنما أفردنا هذا العمل بالخصوص لوروده والترغيب إليه في بعض النصوص.
- ففي الفقيه قال الصادق (عليه السلام): من لم يقدر على صلتنا فليصل صالحي موالينا(٤٦٩) يكتب له ثواب صلتنا ومن لم يقدر على زيارتنا فليزر صالحي موالينا يكتب له ثواب زيارتنا.
وفي كامل الزيارات(٤٧٠) بإسناده عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: من لم يقدر أن يزورنا فليزر صالحي موالينا، يكتب له ثواب زيارتنا، ومن لم يقدر على صلتنا فليصل صالحي موالينا، يكتب له ثواب صلتنا.
وفي التهذيب(٤٧١) بإسناده عنه (عليه السلام) قال: من لم يقدر على زيارتنا فليزر صالح(٤٧٢) إخوانه يكتب له ثواب زيارتنا، ومن لم يقدر أن يصلنا فليصل صالح(٤٧٣) إخوانه يكتب له ثواب صلتنا.
السابع والثلاثون

إدخال السرور على أهل الإيمان فإنه يوجب سرور مولانا صاحب الزمان، وإدخال السرور قد يكون بالإعانة بالمال، وقد يكون بإعانتهم بالأبدان، وقد يكون بقضاء حوائجهم وتنفيس كربتهم وقد يكون بالشفاعة وقد يكون بالدعاء في حقهم وقد يكون بتبجيلهم والاحترام لهم، وقد يكون بإعانة أهلهم وذراريهم وقد يكون بإقراضهم، أو التأخير في مطالبة ديونهم، وقد يكون بغير ذلك مما لا يخفى على السالك في تلك المسالك، فإذا قصد المؤمن المحب بهذه الأمور إدخال السرور على صاحب الأمر (عليه السلام) فاز بثواب ذلك، مضافا إلى سائر المثوبات الجليلة المعدة لإدخال السرور على المؤمنين.
- ويدل على ما نبهنا عليه ما روى في الكافي(٤٧٤) عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمن سرورا أنه عليه أدخله فقط، بل والله علينا بل والله على رسول الله (صلى الله عليه وآله).
- وفيه(٤٧٥) بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: من أدخل السرور على مؤمن فقد أدخله على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن أدخله على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد وصل ذلك إلى الله، وكذلك من أدخل عليه كربا.
- وفيه(٤٧٦) في الصحيح عنه (عليه السلام) قال: أوحى الله عز وجل إلى داود (عليه السلام) أن العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فأبيحه جنتي فقال داود: يا رب، وما تلك الحسنة قال: يدخل على عبدي المؤمن سرورا ولو بتمرة قال داود: يا رب، حق لمن عرفك أن لا يقطع رجاءه منك.
والروايات في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية لأهل البصيرة.
الثامن والثلاثون: النصيحة له (عليه السلام)

- ففي الكافي(٤٧٧) بسند صحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما نظر الله عز وجل إلى ولي له يجهد نفسه بالطاعة لإمامه، والنصيحة، إلا كان معنا في الرفيق الأعلى.
- وفيه(٤٧٨) بإسناده الصحيح أو الموثق كالصحيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب الناس في مسجد الخيف فقال نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وحفظها وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمة المسلمين واللزوم لجماعتهم فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافى دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.
- وفيه(٤٧٩) في حديث مرسل عن رجل من قريش قال: قال سفيان الثوري: إذهب بنا إلى جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: فذهبت معه إليه، فوجدناه قد ركب دابته، فقال له سفيان: يا أبا عبد الله حدثنا بحديث خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف قال (عليه السلام) دعني حتى أذهب في حاجتي فإني قد ركبت، فإذا جئت حدثتك، فقال أسألك بقرابتك من رسول الله لما حدثتني. قال: فنزل، فقال له سفيان: مر لي بدواة وقرطاس حتى أثبته فدعا به.
ثم قال أكتب خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف: نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم تبلغه أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافى دماؤهم وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم.
فكتبه سفيان ثم عرضه عليه وركب أبو عبد الله (عليه السلام)، وجئت أنا وسفيان فلما كنا في بعض الطريق، فقال لي: كما أنت، حتى أنظر في هذا الحديث فقلت له: قد والله ألزم أبو عبد الله رقبتك شيئا لا يذهب من رقبتك أبدا، فقال: وأي شيء ذلك؟ فقلت له: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، قد عرفناه. والنصيحة لأئمة المسلمين، من هؤلاء الأئمة الذين يجب علينا نصيحتهم؟ معاوية بن أبي سفيان؟ ويزيد بن معاوية؟
ومروان بن الحكم؟ وكل من لا يجوز شهادته عندنا، ولا يجوز الصلاة خلفهم.
وقوله: واللزوم لجماعتهم. فأي الجماعة؟ مرجئ يقول: من لم يصل، ولم يصم ولم يغتسل من جنابة، وهدم الكعبة، ونكح أمه، فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل، أو قدري يقول: لا يكون ما شاء الله عز وجل، ويكون ما شاء إبليس، أو حروري يبرأ من علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشهد عليه بالكفر!! أو جهمي يقول: إنما هي معرفة الله وحده، ليس الإيمان شيء غيرها!! قال ويحك، وأي شيء يقولون؟ فقلت: يقولون إن علي بن أبي طالب والله الإمام الذي يجب علينا نصيحته، ولزوم جماعتهم أهل بيته فأخذ الكتاب فخرقه ثم قال: لا تخبر بها أحدا.
تذكرة

قد مر في المكرمة المكملة للأربعين، وفي المكرمة التاسعة والخمسين، من الباب الخامس ما يدل على المقصود هنا فارجع إلى ج ١.
توضيح وتبيين

قوله (صلى الله عليه وآله) " ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم " الخ، يحتمل أن يكون يغل بفتح الياء من الغلول بمعنى الخيانة، وهو الظاهر كما في قوله تعالى: * (ما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) *.
ويحتمل أن يكون من الغل بمعنى الحقد والشحناء كما في قوله تعالى * (ونزعنا ما في صدورهم من غل) * وعلى التقديرين يمكن أن يكون إخبارا، ويمكن أن يكون إنشاء.
ويحتمل أن يقرأ يغل بضم الياء، من الغل كما في قوله تعالى * (غلت أيديهم) * فيكون ضد الانشراح، وموافقا لقوله تعالى: * (وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم) * وعلى التقادير يمكن أن يكون " على " في عليهن للاستعلاء المعنوي، ويمكن أن يكون بمعنى " في " كقوله تعالى * (دخل المدينة على حين غفلة من أهلها) * ويمكن أن يكون بمعنى " مع " كقوله تعالى * (وآتى المال على حبه) * أي مع حبه وأن يكون للسببية كقوله تعالى * (ولتكبروا الله على ما هداكم) *.
والمسلم يحتمل أن يراد به الأعم من المؤمن وأن يراد به الأخص، أي المؤمن الكامل.
والنصيحة من النصح، وهو في الأصل الخلوص، وإنما سميت النصيحة نصيحة للخلوص من شوائب الأغراض النفسانية ثم إن النصيحة قد تستعمل في إرادة الخير للمنصوح له، وقد تستعمل في كل فعل أو قول يراد به الخير للمنصوح له.
واللزوم لجماعتهم، الظاهر أن المراد جماعة الأئمة (عليهم السلام)، بمعنى أن المؤمن من يعتقد ويقر بتمامهم، وإن من أنكر واحدا منهم كمن أنكر الجميع.
فإن دعوتهم محيطة من ورائهم:
الظاهر أن الضمير الأول راجع إلى الأئمة (عليهم السلام) والثاني راجع إلى المسلمين والدعوة يحتمل أن تكون بمعنى الدعاء، ويحتمل أن يكون المراد دعوة الخلق إلى الإيمان، والمعرفة بدلائلهم الظاهرة، وآثارهم الباهرة فإنهم الدعاة للخلق إلى الله، والأدلاء على الله بألسنتهم، وأفعالهم، وأخلاقهم، وصفاتهم، ومعجزاتهم وكراماتهم.
والحاصل من الاحتمالات المذكورة في معنى الحديث وجوه:
أحدها: إن هذه الأمور الثلاثة أمور يجب أن لا يكون قلب مسلم خائنا فيها وهذا الوجه مبني على كون الجملة إنشائية، ويكون " على " بمعنى في، وأن تكون النصيحة بمعنى إرادة الخير للمنصوح.
وعلى هذا تكون الأمور الثلاثة أمورا قلبية، ويترتب عليها وينبعث منها الأعمال القالبية ويكون الحديث الشريف بصدد بيان التكاليف القلبية المتعلقة بالمكلف الراجعة إلى الله تعالى وإلى أوليائه (عليهم السلام) فالإخلاص في العمل راجع إلى الله عز وجل، وإرادة الخير لأوليائه، واللزوم لجميعهم، راجعان إلى رسوله وخلفائه وهما يحصلان بأن يكون قلب المؤمن مهتما بإرادة الخير لهم والملازمة لهم بأجمعهم، ولا يقصد التوجه والتشبث بغيرهم، ممن يدعي مقامهم وذلك تكليف إسلامي متوجه إلى الخلق كافة، من غير فرق بين المسلم والكافر لأن الكفار أيضا مكلفون بذلك وبغيره من التكاليف الشرعية الإلهية.
وتخصيص المسلم بالذكر في هذا المقام وفي غيره من الأحكام، تشريف له بتوجيه الحكم والخطاب إليه بسبب توجهه إلى الحق، وأخذ معالم الدين، وخذلان للكافر، وإعراض عنه بسبب إعراضه عن الحق، قال الله عز وجل * (نسوا الله فنسيهم) * وقال تعالى * (ويضل الله الظالمين) * وقال عز اسمه * (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) *.
الوجه الثاني: إن الأمور المذكورة أي الإخلاص، والنصيحة للأئمة، والملازمة لهم، وسيلة وأسباب لاحتفاظ القلب من الخيانة، وهذا الوجه مبني على كون الجملة خبرية، ويكون " على " بمعنى مع، أو للسببية والنصيحة على هذا الوجه يمكن أن يراد بها النصيحة القلبية، وهي إرادة الخير للمنصوح في جميع ما يتعلق به، أو النصيحة في الأعمال البدنية، والمصارف المالية، وهي كل فعل أو قول يراد به الخير للمنصوح فتدبر.
الوجه الثالث: أن تكون الجملة خبرية، ويكون الحديث بصدد بيان علامات المؤمن، وهو المسلم الواقعي المنعوت في القرآن المجيد بقوله عز وجل * (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) * فإن حقيقة الإيمان معرفة الله عز وجل وإخلاص العمل له، ومعرفة ولاة الأمر، رسول الله والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) وملازمتهم (عليهم السلام)، والنصيحة لهم وهذه أمور لا يغل عليهن قلب المسلم الواقعي، وهذا الوجه يلائم كون يغل من الغلول بمعنى الخيانة، وكونه من الغل ضد الانشراح كما لا يخفى.
الوجه الرابع: أن تكون الجملة خبرية، ويقرأ " يغل " بضم الياء مبنيا للمفعول ويكون " على " بمعنى مع، أو للسببية ويكون المسلم بمعناه المعروف وهو أعم من المؤمن ويراد بأئمة المسلمين أمير المؤمنين. والأئمة المعصومين من ولده (عليهم السلام).
وحاصل المعنى أن كل مسلم اجتمعت فيه تلك الأمور وهي إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، انشرح قلبه وسلم من طبع القلب وكان ممن شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه وإذا لم تجتمع فيه تلك الأمور طبع الله على قلبه، وكان مصداقا لقوله تعالى * (وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم..) * الخ، فإن للكفر مراتب ودرجات بعضها فوق بعض، ولكل مرتبة آثار خاصة نعوذ بالله تعالى كما أن للإيمان أيضا مراتب ودرجات بعضها فوق بعض ولكل مرتبة آثار خاصة، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لتكميل مراتب الإيمان، والنصيحة لمولانا صاحب الزمان (عليه السلام).
تتميم فيه تنبيه

إعلم أن الناصح لإمام زمانه (عليه السلام) على ما ذكرنا وبينا في هذا المقام: من يراقب حاله، ويواظب أعماله، بحيث تكون أفعاله ونياته الراجعة إلى إمامه خالصة عما يسوء إمامه، ويهتك احترامه، ويلاحظ في كل مقام ما هو الخير لمولاه (عليه السلام) وذلك المقصود، لا يحصل للسالك إلا بمراقبة تامة ومواظبة مستدامة، وبصيرة في دين ومجالسة لأهل التقوى واليقين ومجانبة عن المرتابين والفاسقين وإن لم يجد من يجالسه ممن وصفناه اختفى في البيوت، ولازم السكوت، وإن لم يجد بدا من مجالسة من لا ينبغي مجالسته اكتفى بقدر الضرورة.
وسنذكر ما يدل على هذه الجملة إن شاء الله.
التاسع والثلاثون

زيارته بالتوجه إليه، والتسليم عليه في كل مكان، وفي كل زمان عموما وفي بعض الأمكنة والأزمنة خصوصا وسنذكر فضل ذلك، وكيفيته في خاتمة الكتاب إن شاء الله تعالى شأنه.
المتمم أربعين

زيارة المؤمنين الصالحين، والتسليم عليهم، بقصد الفوز بفضل زيارته، والتسليم عليه صلوات الله وسلامه عليه وقد مر ما يدل على ذلك في الأمر السادس والثلاثين وفيه بشارة وقرة عين لأهل الإخلاص واليقين.
الواحد والأربعون: الصلاة عليه

والذي يدل على فضل ذلك وتأكيده أمور:
منها أنه من أقسام الدعاء فيشمله جميع ما ورد في فضل الدعاء له، فإن الصلاة منا طلب الرحمة من الله عز وجل، وبرحمته تصلح أمور الدنيا والآخرة فإذا صلينا على إمام زماننا (عليه السلام) بقولنا: اللهم صل على مولانا وسيدنا صاحب الزمان ونحو ذلك كان ذلك طلب الرحمة له (عليه السلام) في جميع ما يتعلق به في الدارين، فسؤالنا هذا من الله عز اسمه يندرج فيه طلب حفظه وحفظ أنصاره، وأوليائه من جميع ما يسوؤه وطلب كشف كل هم وغم عن قلبه، وقلوب أوليائه ومسألة تعجيل فرجه وظهوره وموجبات سروره من الغلبة على أعداء الدين، وإقامة المعروف، وبسط العدل في الأرضين وفوز أتباعه والمؤمنين به بجنات النعيم، إلى غير ذلك من أقسام الرحمة الواسعة الإلهية التي خص بها أولياءه التي لا يحصيها غيره نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أنصار مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) وأوليائه المخصوصين بكرامته في الدنيا والآخرة إنه قريب مجيب.
ومنها: جميع ما ورد في فضل الصلاة على أهل بيت النبوة (عليهم السلام)، وما ورد من عدم تمامية الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) إلا بالصلاة عليهم، وهو كثير مذكور في كتب الروايات.
ومنها ورود الصلاة عليه بالخصوص في كثير من الدعوات المأثورة عنهم (عليهم السلام) وذلك غير خفي على من حام حول هذا المقال.
ومنها ورود طلب التوفيق للصلاة عليه بخصوصه في الدعاء المروي عن ناحيته الشريفة، بتوسط الشيخ الأجل أبي عمرو العمري قدس الله سره، وقد قدمنا الدعاء المذكور في الباب السابع ومحل الشاهد من هذه العبارة: ولا تنسنا ذكره وانتظاره والإيمان به وقوة اليقين في ظهوره والدعاء له والصلاة عليه إلى آخر الدعاء.
ومنها: الأمر بالصلاة عليه بخصوصه في عدة من الأخبار ومن جملتها ما رواه السيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه) في كتاب جمال الأسبوع(٤٨٠).
- ورواه غيره أيضا مسندا إلى مولانا الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) من ذكر الصلاة على كل واحد من الأئمة (عليهم السلام) بالخصوص، وفيها الصلاة على ولي الأمر المنتظر، الحجة بن الحسن (عليه السلام): اللهم صل على وليك وابن أوليائك الذين فرضت طاعتهم وأوجبت حقهم وأذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا اللهم انصره وانتصر به لدينك، وانصر به أولياءك وأولياءه وشيعته وأنصاره واجعلنا منهم.
اللهم أعذه من شر كل طاغ وباغ ومن شر جميع خلقك واحفظه من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله واحرسه وامنعه أن يوصل إليه بسوء واحفظ فيه رسولك وآل رسولك وأظهر به العدل وأيده بالنصر وانصر ناصريه واخذل خاذليه واقصم به جبابرة الكفر واقتل به الكفار، والمنافقين، وجميع الملحدين، حيث كانوا من مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها وسهلها وجبلها واملأ به الأرض عدلا وأظهر به دين نبيك عليه وآله السلام، واجعلني اللهم من أنصاره وأعوانه وأتباعه وشيعته وأرني في آل محمد (عليهم السلام) ما يأملون وفي عدوهم ما يحذرون إله الحق رب العالمين آمين.
تذكرة

قد ذكرنا في آخر الباب السابع صلاة مشتملة على الدعاء له مروية عن مصباح الزائر فاغتنم وراجع.
الثاني والأربعون إهداء ثواب الصلاة إليه سلام الله عليه

- والدليل على ذلك: ما رواه السيد ابن طاووس في جمال الأسبوع(٤٨١) قال (رضي الله عنه):
حدث أبو محمد الصيمري قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الله البجلي بإسناد رفعه إليهم، صلوات الله عليهم، قال: من جعل ثواب صلاته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين، والأوصياء من بعده، صلوات الله عليهم أجمعين وسلم، أضعف الله له ثواب صلاته أضعافا مضاعفة، حتى ينقطع النفس ويقال له قبل أن يخرج روحه من جسده: يا فلان، هديتك إلينا، وألطافك لنا، فهذا يوم مجازاتك، فطب نفسا، وقر عينا بما أعد الله لك وهنيئا لك بما صرت إليه.
قال: قلت كيف يهدي صلاته ويقول؟ قال: ينوي ثواب صلواته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الخ.
يقول مصنف هذا الكتاب محمد تقي الموسوي عفا الله تعالى عنه: مقتضى هذا الحديث الشريف استحباب إهداء ثواب الصلوات مطلقا، واجبة كانت أم مندوبة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو صاحب الدار(٤٨٢) أو سائر الأئمة الأطهار، (عليهم السلام) ويشهد لذلك ما بعد هذا الكلام المذكور في الحديث المسطور.
الثالث والأربعون

أن يصلي المؤمن صلاة مخصوصة بعنوان الهدية إليه (عليه السلام) أو إليهم (عليهم السلام) ولا حد، ولا وقت ولا عدد لهذه الصلاة، وإن المؤمن ليهدي إلى محبوبه بقدر محبته واستطاعته ويخدمه على حسب طاقته.
- والدليل على ما ذكرنا ما رواه في الحديث المزبور بعد الكلام المذكور سابقا قال:
ولو أمكنه أن يزيد على صلاة الخمسين شيئا، ولو ركعتين في كل يوم ويهديها إلى واحد منهم، يفتتح الصلاة في الركعة الأولى مثل افتتاح صلاة الفريضة بسبع تكبيرات أو ثلاث مرة أو مرة في ركعة ويقول بعد تسبيح الركوع والسجود ثلاث مرات: صلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين في كل ركعة فإذا شهد وسلم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام يا ذا الجلال والإكرام صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأخيار وأبلغهم مني أفضل التحية والسلام اللهم إن هذه الركعات هدية مني إلى عبدك ونبيك ورسولك محمد بن عبد الله خاتم النبيين وسيد المرسلين اللهم فتقبلها مني، وأبلغه إياها عني، وأثبني عليها أفضل أملي، ورجائي فيك، وفي نبيك (عليه السلام)، ووصي نبيك، وفاطمة الزهراء ابنة نبيك، والحسن والحسين سبطي نبيك وأوليائك من ولد الحسين (عليهم السلام) يا ولي المؤمنين، يا ولي المؤمنين، يا ولي المؤمنين.
ما يهديه إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام)

" يدعى بالدعاء إلى قولك ": اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى عبدك ووليك، وابن عم نبيك، ووصيه أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب (عليه السلام) اللهم فتقبلهما مني، وأبلغه إياهما عني، وأثبني عليهما أفضل أملي ورجائي فيك، وفي نبيك، ووصي نبيك وفاطمة الزهراء ابنة نبيك والحسن والحسين سبطي نبيك، وأوليائك من ولد الحسين، يا ولي المؤمنين، يا ولي المؤمنين، يا ولي المؤمنين.
ما يهديه إلى فاطمة (عليها السلام)

" يقول ": اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى الطاهرة المطهرة الطيبة الزكية، فاطمة بنت نبيك، اللهم فتقبلهما مني، وأبلغها إياهما عني، وأثبني عليهما أفضل أملي ورجائي فيك، وفي نبيك، صلوات الله عليه وآله ووصي نبيك، والطيبة الطاهرة، فاطمة بنت نبيك، والحسن والحسين سبطي نبيك، يا ولي المؤمنين يا ولي المؤمنين، يا ولي المؤمنين.
ما يهديه إلى الحسن (عليه السلام)

اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى عبدك وابن عبدك، ووليك وابن وليك، الحسن ابن علي (عليهما السلام)، اللهم فتقبلهما مني وأبلغه إياهما عني، وأثبني عليهما أفضل أملي، ورجائي فيك، وفي نبيك، ووليك، وابن وليك، يا ولي المؤمنين، ثلاثا.
ما يهديه إلى الحسين (عليه السلام)

اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى عبدك وابن عبدك، ووليك وابن وليك، سبط نبيك، الطيب الطاهر، الزكي الرضي، الحسين بن علي المجتبى (ويأتي بالدعاء إلى آخره يا ولي المؤمنين، يا ولي المؤمنين، يا ولي المؤمنين).
ما يهديه إلى علي بن الحسين (عليه السلام)

اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى عبدك وابن عبدك، ووليك وابن وليك، سبط نبيك، زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) (ويأتي بالدعاء إلى آخره) يا ولي المؤمنين، ثلاثا.
ما يهديه إلى محمد بن علي (عليهما السلام)

اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى عبدك وابن عبدك، ووليك وابن وليك، سبط نبيك، محمد بن علي الباقر علمك، ويأتي بالدعاء إلى خره يا ولي المؤمنين، ثلاثا.
ما يهديه إلى جعفر بن محمد (عليهما السلام)

اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى عبدك وابن عبدك، ووليك وابن وليك، سبط نبيك، جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) ويقول الدعاء إلى آخره يا ولي المؤمنين، ثلاثا.
ما يهديه إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام)

اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى عبدك وابن عبدك، ووليك وابن وليك، سبط نبيك، موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وارث علم النبيين والدعاء إلى آخره يا ولي المؤمنين ثلاثا.
ما يهديه إلى الرضا علي بن موسى (عليهما السلام)

اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى عبدك وابن عبدك، ووليك وابن وليك، سبط نبيك، علي بن موسى الرضا ابن المرضيين، (عليهم السلام) والدعاء إلى آخره يا ولي المؤمنين، ثلاثا.
ما يهديه إلى محمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي (عليهم السلام)

مثل ذلك، حتى يصل إلى صاحب الزمان (عليه السلام) فادع بالدعاء إلى قولك اللهم إن هاتين الركعتين هدية مني إلى عبدك وابن عبدك، ووليك وابن وليك، سبط نبيك في أرضك وحجتك على خلقك إلى قولك يا ولي المؤمنين، ثلاثا.
قال السيد الأجل علي بن طاووس في جمال الأسبوع(٤٨٣) لعلك لا تنشط لهذه الهدايا إما أنك تقول: إن الهداة مستغنون عنها، أو لعلك تستكثرها لتكرارها في كل يوم فيميل طبعك إلى التفرغ منها واعلم أن القوم صلوات الله عليهم مستغنون عن هديتك، ولكن أنت غير مستغن عن الهدية إليهم، وقرب مثوبتك لديهم كما أن الله جل جلاله مستغن عن هذه الأحوال فليكن في نيتك وسريرتك عند ابتداءه الهداية لهذه الأعمال، أن المنة لله جل جلاله ولهم صلوات الله عليهم، كيف هداك الله جل جلاله، وهدوك به جل جلاله إلى السعادة، والأمان والخلود في كمال إحسان ديار الرضوان * (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) *.
وأنت كما قال بعض أهل البيان:

أهدي لمجلسه الكريم وإنما * أهدي له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما له * من عليه لأنه من مائه

وأما استكثارك لهديتك، أو ميلك إلى تفرغك من الصلاة لتحصيل سعادتك، فاعلم أن هذه الهداية إلى الهدية إنما حصلت لك بطريق عناية الله، جل جلاله، بأدلتك الصفوة المرضية وإخلاصهم في معاملة الجلالة الإلهية، وخاصة فإنك تقول لولا حجج الله جل جلاله على العباد ما خلق الله جل جلاله أرضا ولا سماء، ولا أحدا في البلاد ولا نارا ولا جنة للمعاد، ولا شيئا من النعيم والإرفاد، فهل ترى أعمالك جميعها إلا في ميزان مآبهم وديار رضوان ثوابهم لأن إخلاصهم في العبادة كان بفضل الله جل جلاله عليهم سبب ما يبلغ إليه من السعادة فإذا كان عملك في ميزانهم على كل حال، فاهده إليهم، لتظفر بمكسب ما كان في الحساب ولا دار على بال، ولا كنت تبلغه لولا عموم الكرم والأفضال، ولو كنت عارفا بمقدار حق الله تعالى جل جلاله بهم، وحقهم عليك بالله جل جلاله، وما يضيع من حقوقهم بالليل والنهار كنت قد رأيت ما تهديه يحتاج إلى اعتذار، وكنت قلت كقول بعض أهل الاعتبار:

فإن تقبلوا مني هدية قاصر * عددت لكم ذاك القبول من الفضل
وكان قبول عندكم فضل رحمة * يعز بها قلب الولي من الذل
ويوجب شكرا عنده لمقامكم * وفرض حقوق لا يقوم لها مثلي

وقال لي بعض أصحابنا إنني أستصغر نفسي وعملي أن أهدي إليهم، فقلت له إذا كنت لا تستصغر نفسك عن خدمة الله جل جلاله، بحمده وشكره وسائر خدمته وهو أعظم من كل عظيم فلا معنى لاستصغار نفسك عن خدمة نوابه لا سيما وقد رضوا هم خدمتك لهم، انتهى كلامه رفع مقامه.
الرابع والأربعون صلاة الهدية إليه بنحو خاص في وقت خاص

- وقد روي ذلك في كتاب جمال الأسبوع أنه يصلي العبد في يوم الجمعة ثماني ركعات أربعا يهدي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأربعا يهدي إلى فاطمة (عليها السلام) ويوم السبت أربع ركعات، يهدي إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم كذلك كل يوم إلى واحد من الأئمة (عليهم السلام) إلى يوم الخميس أربع ركعات يهدي إلى جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) ثم الجمعة أيضا ثماني ركعات أربعا يهدي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأربع ركعات يهدي إلى فاطمة (عليها السلام) ثم يوم السبت أربع ركعات يهدي إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) كذلك إلى يوم الخميس أربع ركعات يهدي إلى صاحب الزمان (عليه السلام).
الدعاء بين كل ركعتين منها

- اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام حينا ربنا منك بالسلام اللهم إن هذه الركعات هدية مني إلى فلان ابن فلان فصل على محمد وآل محمد وبلغه إياها وأعطني أملي ورجائي فيك وفي رسولك صلواتك عليه وآله وتدعو بما أحببت إن شاء الله.
الخامس والأربعون إهداء قراءة القرآن إليه (عليه السلام)

- ويدل على فضل ذلك واستحبابه ما رواه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني (رضي الله عنه) في الكافي(٤٨٤) عن علي بن المغيرة، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له إن أبي سأل جدك عن ختم القرآن في كل ليلة، فقال له جدك في كل ليلة فقال له في شهر رمضان فقال له جدك: في شهر رمضان فقال له أبي: نعم ما استطعت، فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان.
ثم ختمته بعد أبي، فربما زدت، وربما نقصت على قدر فراغي وشغلي، ونشاطي وكسلي، فإذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ختمة، ولعلي (عليه السلام) أخرى، ولفاطمة (عليها السلام) أخرى ثم للأئمة (عليهم السلام) حتى انتهيت إليك، فصيرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال فأي شيء لي بذلك؟ قال (عليه السلام) لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة قلت: الله أكبر لي بذلك قال نعم ثلاث مرات، انتهى.
أقول: وجه الاستدلال أن الظاهر من كلام الإمام ترتب الثواب على ذلك العمل لكونه إهداء إلى النبي والإمام وتقربا إليهم (عليهم السلام) ولا خصوصية للمذكورين منهم بل الظاهر من كلام الراوي إنه جعل ختمة لأبي الحسن (عليه السلام) لكونه إمام زمانه ولهذا قال منذ صرت في هذا الحال وقرره الإمام على فعله واستحسنه.
والحاصل من ملاحظة الحديث والتأمل فيه استحباب إهداء قراءة القرآن مطلقا إلى النبي، والصديقة وكل واحد من الأئمة سلام الله عليهم أجمعين.
ويؤيده إهداء الصلاة إليهم كما سبق آنفا، وله شواهد أخرى تظهر للمتتبع في رواياتهم، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وجميع المؤمنين لذلك، إن شاء الله بمحمد وآله الطاهرين.
السادس والأربعون

التوسل والاستشفاع به إلى الله عز وجل فإنه باب الله المأتي منه، والسبيل والمسلك إلى رضوانه، وهو الشفيع إلى الله تعالى، وهو اسم الله الذي أمر عباده بالتوسل إليه.
- كما ورد في الروايات عنهم (عليهم السلام) في قوله تعالى * (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) *:
نحن والله الأسماء الحسنى، التي أمر الله عباده أن يدعوا بها. والشواهد لهذا المطلب كثيرة وهي واضحة لأهل البصيرة، فلنكتف بهذا المقدار، روما للاختصار.
- وفي البحار(٤٨٥) عن مولانا الرضا (عليه السلام) قال: إذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا على الله عز وجل وهو قوله عز وجل * (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) *.
- وفيه(٤٨٦) عن قبس المصباح في ذكر أدعية التوسل إلى الله تعالى بالأئمة (عليهم السلام) ذكر التوسل بمولانا صاحب الزمان بهذا العنوان:
اللهم إني أسألك بحق وليك وحجتك صاحب الزمان إلا أعنتني به على جميع أموري وكفيتني به مؤذ كل موذ، وطاغ، وباغ، وأعنتني به فقد بلغ مجهودي وكفيتني كل عدو، وهم، وغم ودين وولدي وجميع أهلي، وإخواني، ومن يعنيني أمره، وخاصتي آمين رب العالمين.
- وفي البحار عن عدة الداعي، عن سلمان الفارسي قال: سمعت محمدا (صلى الله عليه وآله) يقول:
إن الله عز وجل يقول: يا عبادي أوليس من له إليكم حوائج كبار لا تجودون بها إلا أن يتحمل عليكم بأحب الخلق إليكم، تقضونها كرامة لشفيعهم ألا فاعلموا أن أكرم الخلق علي وأفضلهم لدي محمد (صلى الله عليه وآله) وأخوه علي ومن بعده الأئمة الذين هم الوسائل إلى الله ألا فليدعني من أهمته حاجة يريد نفعها أو دهته داهية يريد كشف ضررها بمحمد وآله الطيبين الطاهرين أقضها له أحسن ما يقضيها من تستشفعون بأعز الخلق عليه.
السابع والأربعون

الاستغاثة به والتوجه إليه، وعرض الحاجة عليه فإنه الغوث كما في الزيارة المروية(٤٨٧) عنه وغياث لمن استغاث به كما في قضية أبي الوفاء المذكورة في البحار وغيره وهو الكهف الحصين وغياث المضطر المستكين وملجأ الهاربين، ومنجى الخائفين وعصمة المعتصمين كما ورد(٤٨٨) في حقه وفي حق آبائه الطاهرين، في الدعاء المروي عن زين العابدين، في أيام شهر شعبان المعظم وفي الزيارة الجامعة(٤٨٩): فاز من تمسك بكم، وأمن من لجأ إليكم. إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة للمطلوب بل يمكن أن يقال إن وظيفة الرعية كما نشاهده في أحوال الناس عامة الرجوع في مهماتهم ودفع أعدائهم إلى رئيسهم في كل زمان كما كان ذلك عادة أهل الولاية والعرفان في جميع الأحيان، حيث كانوا يبثون شكواهم ويرفعون حوائجهم إلى أئمتهم (عليهم السلام) كما هو واضح للمتتبع في أخبارهم والعارف بآثارهم.
بل يمكن أن يقال إن من جملة فوائد وجود الإمام ووظائفه وعاداته ومناصبه على ما يظهر من الروايات إعانة الملهوفين، وإغاثة المستغيثين بل لا ريب في أن أحدا من الناس إذا كان من رعية رئيس قادر مطاع وبغي عليه دله أحبته إلى التظلم لدى ذلك الرئيس ولو ترك ذمه العقلاء بتركه عرض حاجته عليه.
ومن هنا يمكن أن يقال: لو تركنا الإقبال على صاحبنا ومولانا (عليه السلام) في مهماتنا وحوائجنا، لم نأمن من الخذلان، لأنا تركنا وظيفتنا التي أمرنا الله تعالى بها كما يظهر مما ورد في قوله تعالى: * (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) * المفسر في حديث جابر بالأوصياء (عليهم السلام) فوظيفة كل أحد أن لا يلتجئ في أموره إلا إلى إمام زمانه وإن ترك ذلك وأصابه ما أصابه كان من الملومين الخاسرين، المخاطبين بقوله تعالى: * (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) * وأمرنا أيضا بأن نأتي البيوت من أبوابها، وجعل الإمام والحجة في كل زمان بابه الذي يؤتى منه وأمرنا بالتضرع إليه بوسيلته.
فإذا عرفت ذلك، فنقول: لا فرق بين حضور الإمام وغيبته، فإنه صاحب المرأى والمسمع كما في زيارته المأثورة عنه ولا يخفى على الإمام شيء من أحوال الأنام كما هو المصرح به في الروايات المستفيضة بل المتواترة معنى، بل هو من القطعيات عندنا، وليست الجدران والجبال والستور حائلة بينه وبين أحد من الخلق كما ورد في الأخبار.
- ويشهد لذلك مضافا إلى ما ذكرنا ما رواه السيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه) في كشف المحجة، نقلا عن كتاب الرسائل للشيخ الأقدم محمد بن يعقوب الكليني (رضي الله عنه) عمن سماه قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): إن الرجل يحب أن يفضي إلى إمامه ما يحب أن يفضي إلى ربه قال فكتب (عليه السلام) إن كان لك حاجة فحرك شفتيك فإن الجواب يأتيك.
يقول مصنف هذا الكتاب محمد تقي الموسوي الأصفهاني ثبته الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة: قد كثرت علي الديون، وضاقت بي الأحوال في بعض من السنين الماضية، فدخل شهر رمضان، فتوجهت إليه، وعرضت حاجتي عليه صلوات الله وسلامه عليه في وقت السحر من بعض الليالي فلما صليت الفجر في المسجد، ورجعت إلى منزلي، نمت فتشرفت بلقائه (عليه السلام) في المنام، فقال لي بالفارسية " قدرى بايد صبر كنى، تا از مال خاص دوستان خاص خود بگيريم وبتو برسانيم " فانتبهت من رقدتي، فوجدت الهواء طيبة وقد زال عني الهم والكرب فما مضت إلا أشهر قليلة إذ جاءني بعض المتدينين، بوجوه قد أديت بها ديوني، وقال لي هذا من سهم الإمام (عليه السلام) والحمد لله رب العالمين ولي الإنعام.
تنبيه

إعلم أن الاستغاثة به وعرض الحاجة عليه ليست مقيدة بلسان خاص، وكيفية خاصة، ووقت مخصوص بل المهم في ذلك إصلاح القلب، والتوجه التام، والتوبة من الآثام، واليقين الثابت، والاعتقاد الراسخ ولكن قد ورد للاستغاثة وعرض الحاجة كيفيات ودعوات ورقعات ينبغي استعمالها، منضمة إلى ما نبهنا عليه، ليكون أبلغ في التقرب إليه، وآكد في التحبب لديه، سنذكرها في خاتمة الكتاب إن شاء الله تعالى.

الثامن والأربعون

دعوة الناس إليه، ودلالتهم عليه وهذا من أعظم الطاعات، وأوجب العبادات ويدل على فضله تمام ما ورد في فضل الأمر بالمعروف من الآيات والروايات، وجميع ما ورد في فضل هداية العباد، وإرشادهم إلى سبيل الرشاد مضافا إلى أن أفضل الخلق بعدهم من أحبهم ودعا الناس إليهم.
- كما في الرواية: وأن العالم الذي يعلم الناس معالم دينهم ويدعوهم إلى إمامهم، أفضل من سبعين ألف عابد.
- وروى الكليني(٤٩٠) (رضي الله عنه) بسند صحيح، عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن لي أهل بيت وهم يسمعون مني أفأدعوهم إلى هذا الأمر؟
فقال (عليه السلام): نعم إن الله عز وجل يقول في كتابه(٤٩١) * (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) *، انتهى.
- وكفاك في هذا المقام، ما في تفسير الإمام(٤٩٢) في تفسير قوله تعالى(٤٩٣) * (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى) * قال: وأما قوله عز وجل " واليتامى " فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: حث الله عز وجل على بر اليتامى لانقطاعهم عن آبائهم، فمن صانهم صانه الله، ومن أكرمهم أكرمه الله، ومن مسح يده برأس يتيم رفقا به، جعل الله له في الجنة بكل شعرة مرت تحت يده قصرا أوسع من الدنيا بما فيها، وفيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون.
وقال الإمام وأشد من يتم هذا اليتيم يتيم ينقطع عنه إمامه، لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه، فيما يبتلى به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا، وهدى الجاهل بشريعتنا، المنقطع عن مشاهدتنا، يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى، حدثني بذلك أبي عن آبائه، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): من كان من شيعتنا، عالما بشريعتنا، وأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيامة وعلى رأسه تاج من نور يضيئ لأهل جميع تلك العرصات، وحلة لا يقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها.
ثم ينادي مناد من عند الله: يا عباد الله، هذا عالم من تلامذة بعض آل محمد (صلى الله عليه وآله) ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله، فليتشبث بنوره، ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى ذروة الجنان، فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيرا، أو فتح عن قلبه من الجهل، أو أوضح له عن شبهة.
قال (عليه السلام): وحضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء، فقالت لها إن لي والدة ضعيفة وقد لبس عليها في أمر صلاتها شئ، وقد بعثتني إليك أسألك فأجابتها فاطمة (عليها السلام) عن ذلك فثنت فأجابتها ثم ثلثت فأجابتها إلى أن عشرت فأجابت ثم خجلت من الكثرة فقالت لا أشق عليك يا بنت رسول الله.
قالت فاطمة (عليها السلام) هاتي، وسلي عما بدا لك أرأيت من اكترى يوما يصعد إلى سطح بحمل ثقيل، وكراؤه مائة ألف دينار أيثقل عليه؟ فقلت لا فقالت: اكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤا، فأحرى أن لا يثقل علي سمعت أبي (صلى الله عليه وآله) يقول: إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم، وجدهم في إرشاد عباد الله، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلة من نور.
ثم ينادي منادي ربنا عز وجل: أيها الكافلون لأيتام آل محمد، الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم، الذين هم أئمتهم، هؤلاء تلامذتكم، والأيتام الذين كفلتموهم، ونعشتموهم فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدنيا فيخلعون على كل واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم، حتى أن فيهم - يعني في الأيتام - لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة(٤٩٤) وكذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلم منهم.
ثم إن الله تعالى يقول أعيدوا على هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام، حتى يتموا لهم خلعهم، ويضعفوها فيتمم لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم ويضاعف لهم، وكذلك من مرتبتهم، ممن يخلع عليه على مرتبتهم وقالت فاطمة (عليها السلام) يا أمة الله إن سلكة من تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة، وأفضل، فإنه مشوب بالتنقص والكدر.
وقال الحسن بن علي (عليه السلام) فضل كافل يتيم آل محمد المنقطع عن مواليه الناشب في تيه الجهل، يخرجه من جهله، ويوضح له ما اشتبه عليه، على فضل كافل يتيم، يطعمه ويسقيه، كفضل الشمس على السهى.
وقال الحسين بن علي (عليه السلام): من كفل لنا يتيما قطعته عنا محبتنا باستتارنا فواساه من علومنا، التي سقطت إليه، حتى أرشده وهداه إلا قال الله تعالى له: يا أيها العبد الكريم المواسي، أنا أولى بهذا الكرم، اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر، وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعم.
وقال علي بن الحسين (عليهما السلام) أوحى الله تعالى إلى موسى: حببني إلى خلقي، وحبب خلقي إلي قال: يا رب، كيف أفعل؟ قال ذكرهم آلائي ونعمائي، ليحبوني فلأن ترد آبقا من بابي، أو ضالا عن فنائي، أفضل لك من عبادة مائة(٤٩٥) سنة، بصيام نهارها وقيام ليلها.
قال موسى: ومن هذا العبد الآبق منك؟
قال: العاصي المتمرد.
قال: فمن الضال عن فنائك؟
قال: الجاهل بإمام زمانه يعرفه، والغائب عنه بعدما عرفه، الجاهل بشريعة دينه يعرفه شريعته، وما يعبد به ربه، ويتوسل به إلى مرضاته. قال علي عليه الصلاة والسلام: فأبشروا معاشر علماء شيعتنا بالثواب الأعظم، والجزاء الأوفر.
وقال محمد بن علي (عليه السلام): العالم كمن معه شمعة تضئ للناس، فكل من أبصر بشمعته دعا له بخير. وكذلك العالم معه شمعة تزيل ظلمة الجهل والحيرة، فكل من أضاءت له، فخرج بها من حيرة، أو نجا بها من جهل، فهو من عتقائه من النار والله يعوضه عن ذلك بكل شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل له من الصدقة بمائة ألف قنطار، على غير الوجه الذي أمر الله عز وجل به، بل تلك الصدقة وبال على صاحبها، لكن يعطيه الله ما هو أفضل من مائة ألف ركعة بين يدي الكعبة.
وقال جعفر بن محمد (عليه السلام) علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب ألا فمن أنتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم، والترك، والخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم.
وقال موسى بن جعفر (عليه السلام): فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عنا، وعن مشاهدتنا، بتعليم ما هو محتاج إليه، أشد على إبليس من ألف عابد لأن العابد همه ذات نفسه فقط، وهذا مع همه ذات نفسه ذات عباد الله وإمائه، لينقذ من يد إبليس ومردته، ولذلك هو أفضل عند الله من ألف ألف عابد.
وقال علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) يقال للعابد يوم القيامة: نعم الرجل كنت همتك ذات نفسك وكفيت الناس مؤنتك، فادخل الجنة. ويقال للفقيه: يا أيها الكافل لأيتام آل محمد (صلى الله عليه وآله)، الهادي لضعفاء محبيه ومواليه، قف حتى تشفع لكل من أخذ عنك، أو تعلم منك، فيقف فيدخل الجنة، ومعه فئام وفئام، حتى قال عشرا، وهم الذين أخذوا عنه علومه، وأخذوا عمن أخذ عنه إلى يوم القيامة، فانظروا كم فرق ما بين المنزلتين.
وقال محمد بن علي (عليهما السلام) إن من تكفل بأيتام آل محمد (صلى الله عليه وآله) المنقطعين عن إمامهم المتحيرين في جهلهم، الأسرى في أيدي شياطينهم، وفي أيدي النواصب من أعدائنا، فاستنقذهم منهم، وأخرجهم من حيرتهم وقهر الشياطين برد وساوسهم، وقهر الناصبين بحجج ربهم، ودليل أئمتهم، ليفضلون عند الله على العباد بأفضل المواقع، بأكثر من فضل السماء على الأرض والعرش والكرسي والحجب وفضلهم على هذا العابد كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء.
وقال علي بن محمد (عليهما السلام) لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن دينه، بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة، كما يمسك صاحب السفينة سكانها أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل.
وقال الحسن بن علي (عليه السلام) يأتي علماء شيعتنا القوامون بضعفاء محبينا وأهل ولايتنا يوم القيامة والأنوار تسطع من تيجانهم على رأس كل واحد منهم تاج بها قد انبثت تلك الأنوار في عرصات القيامة ودورها مسيرة ثلاثمائة ألف سنة، فشعاع تيجانهم ينبث فيها كلها، فلا يبقى هناك يتيم قد كفلوه ومن ظلمة الجهل قد علموه، ومن حيرة التيه أخرجوه، إلا تعلق بشعبة من أنوارهم، فرفعتهم إلى العلو، حتى تحاذي بهم فوق الجنان، ثم تنزلهم على منازلهم المعدة في جوار أستاديهم، ومعلميهم، وبحضرة أئمتهم، الذين كانوا يدعون إليهم ولا يبقى ناصب من النواصب يصيبه من شعاع تلك التيجان إلا عميت عينه وأصمت أذنه وأخرس لسانه ويحول عليه أشد من لهب النيران فيحملهم حتى يدفعهم إلى الزبانية فيدفعهم إلى سواء الجحيم. انتهى الحديث الشريف بطوله.
ويدل على المقصود قول الله عز وجل في سورة النحل(٤٩٦) * (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) * الآية.
والكلام في الاستشهاد بالآية الشريفة مبني على ثلاثة أمور:
الأول: إن ظاهر الخطاب وإن كان متوجها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن مفاده تكليف عام لسائر أهل المعرفة والديانة بشهادة الآيات والروايات الدالة على لزوم الدعوة، والدلالة كقوله تعالى:(٤٩٧) * (إن الذين يكتمون ما أنزلناه من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) * وقوله تعالى(٤٩٨) * (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف) * الخ.
وقد ورد أن القرآن نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة مضافا إلى دلالة العقل، من حيث إن الغرض من بعث الأنبياء، ونصب الأوصياء، وجعل العلماء وحثهم على بث العلم ورواية الأحاديث، وترغيب الناس إليهم، وأمرهم بسؤال أهل الذكر، إنما هو لمعرفة سبيل الله، والوصول إلى طريق النجاة والسعادة فظهر أن الدعوة إلى سبيل الرب وظيفة كل مسلم عارف.
الأمر الثاني: لا ريب في أن المراد بسبيل الرب هو السبيل الذي يحصل بسلوكه رضى الله تعالى كما أنه لا ريب في كون ذلك السبيل معرفة الأئمة، وأتباعهم، فهي العلة التامة التي لا يحصل رضى الله تعالى عن العبد بدونها وإن كان معتقدا بالتوحيد والنبوة، كما أن معرفة مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه، واتباعه، هي العلة التامة لرضى الله تعالى عن العبد، التي لا يحصل رضى الله تعالى عنه ونجاته بدونها وإن كان مقرا معتقدا بسائر الأئمة.
ولهذا ورد في الرواية التي قدمناها في بعض مواضع هذا الكتاب عن الصادق (عليه السلام) إن من أقر بسائر الأئمة، وأنكر الثاني عشر، كمن أقر بسائر الأنبياء، وأنكر محمدا (صلى الله عليه وآله).
ولذلك اختص منصب الشفاعة بمولانا الحجة، في الحديث الذي قدمناه أيضا عن النبي (صلى الله عليه وآله) في وصف الأئمة وذكر مناصبهم في يوم القيامة، إلى أن قال (صلى الله عليه وآله): والمهدي شفيعهم الخ، مع أن الأئمة والأنبياء أيضا شفعاء يوم القيامة.
وقد ورد في الزيارة الجامعة: أنتم السبيل الأعظم، والصراط الأقوم. وهذا لا ينافي تفسير السبيل بدين الله ونحوه، لما ذكرنا من أن كمال الدين ليس إلا بمعرفة الإمام (عليه السلام) ولهذا نزل قوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * الخ، بعد أن نصب النبي (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) للخلافة، ودل على معرفته ومعرفة الأئمة من بعده (عليه السلام) فتحصل مما ذكرنا حرمة الكتمان، ووجوب الدعوة إلى معرفة مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) وإطاعته بحكم الآية الشريفة.
الأمر الثالث: إن للدعوة إليه كيفيات ثلاث بحسب اقتضاء الحال، وتفاوت مراتب المدعوين في النقص والكمال فقد يجب إعمال جميع مراتب الدعوة وقد يحصل الغرض بإعمال بعضها فأول مراتب الدعوة بحسب الشأن والرتبة الدعوة بالحكمة، ولهذا قدم ذكرها على الموعظة والمجادلة.
وقد فسرت الحكمة في بعض الروايات بطاعة الله، ومعرفة الإمام، وفي بعضها بمعرفة الإمام واجتناب الكبائر، التي أوجب الله عليها النار والعقاب، وفي بعضها بالمعرفة والتفقه في الدين. وقد روي غير ذلك أيضا.
والكلمة الجامعة لمعنى جميع ما ذكر في ذلك: العلم والعمل، وهو المناسب للمعنى اللغوي أيضا فإنها مستعارة من الحكمة بفتحتين، ما أحاط بحنكي الدابة من لجامها، يمنعها من الخروج. وكذلك العلم والعمل يمنعان صاحبهما من الخروج عن طاعة الله عز وجل، والدخول في طاعة الشيطان، والورود في المزلات، والاقتحام في الهلكات كما قال الله تعالى(٤٩٩)* (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ومن يتق الله يجعل له مخرجا) * ولذلك قال عز من قائل:(٥٠٠) * (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب) * فمن وفق للعلم والعمل فاز حقيقة بمعرفة الأئمة (عليهم السلام) وهي الخير الكثير.
- ومن هنا يظهر لك معنى ما ورد من تفسير الخير الكثير بمعرفة أمير المؤمنين والأئمة، ومعنى قول الصادق (عليه السلام): نحن أصل الخير، وفروعه طاعة الله وعدونا أصل الشر، وفروعه معصية الله، الخبر. فتدبر في هذا المقام، ليتضح لك المرام وقد ظهر لك بما بيناه، أن طرق الدعوة إليه أربعة:
الأولى: الدعوة إليه، باستعانة الحكمة العلمية.
والثانية: الدعوة بالحكمة العملية.
والثالثة: الدعوة بالموعظة الحسنة.
والرابعة: الدعوة بطريق المجادلة بالتي هي أحسن.
إذا عرفت ما ذكرناه فنقول: إن الدعوة بالحكمة العلمية تحصل ببيان وجوب معرفة المدعو إليه، وكيفية المعرفة، ووسائل المعرفة، وبيان صفاته وخصائصه وفضائله ودلالاته وبيان وظائف الناس بالنسبة إليه وذكر ما يوجب الزلفة لديه ونحو ذلك. والدعوة بطريق الحكمة العملية، تحصل بمواظبة الداعي، فيما هو وظيفته في كل مرتبة من المراتب المذكورة، واهتمامه فيما يبعث الناس على الرغبة في مراقبة حقوق الإمام وتكميل معرفته ليتأسى العارف به في الأعمال ويتنبه الجاهل للسؤال ولهذا القسم من الدعوة تأثير خاص في القلوب، وامتياز تام لحصول المطلوب.
- ولذا قال الصادق (عليه السلام) كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم. الحديث. وأما الدعوة بالموعظة الحسنة، فهي تحصل بالنصح، والترغيب، والترهيب، وبيان ما يترتب على معرفة الحجة، ومراقبة حقوقه من الثواب، وما يترتب على الجهل به، وترك اتباعه، والمسامحة في أداء حقوقه، من النكال والعذاب، على حسب ما يقتضيه الحال، ويبعث على الإجابة والامتثال.
- وأما المجادلة بالتي(٥٠١) هي أحسن فعن الصادق (عليه السلام) يعني بالقرآن.
- وعن(٥٠٢) العسكري (عليه السلام) ما حاصله أنها المجادلة بالحجة والبرهان، من غير أن ترد حقا أو تدعي باطلا.
أقول: ولتفصيل الكلام في كل من الأقسام مقام آخر، وفيما ذكرناه كفاية لأولي الأفهام، ويأتي في الأمر الثاني والخمسين ما ينفعك في هذا الباب، إن شاء الله تعالى.
التاسع والأربعون

مراقبة حقوقه سلام الله عليه والمواظبة على أدائها، ومراعاة الوظائف بالنسبة إليه، فإن الإمام أعظم حقا بعد الله ورسوله على جميع أهل العالم، نظرا إلى المراتب التي خصه الله تعالى بها دون سائر الخلق وأنه الواسطة في وصول كل فيض إليهم، ويرشد إلى ذلك أيضا ما مر في الباب الخامس من أهمية حق قرابة النبي (صلى الله عليه وآله)، من القربى النسبي.
- وقد روي عنهم (عليهم السلام): إن ما كان لله تعالى من حق فهو لنا.
- وقد روي أيضا ما حاصله: إن قدر المؤمن عند الإمام بحسب قدر الإمام عنده والشواهد لما ذكرناه كثيرة، وهي غير خفية على أهل البصيرة، وإذ قد تبين أن رعاية حق الله تعالى تحصل برعاية حقه (عليه السلام) فرعاية حقه توجب القرب إلى الله والزلفى لديه، والاستخفاف بحقه، توجب البعد عن الله، والتبغض إليه.
- كما قال مولانا السجاد (عليه السلام) في دعاء أبي حمزة الثمالي(٥٠٣): أو لعلك رأيتني مستخفا بحقك فأقصيتني الخ.
المتمم خمسين

خشوع القلب لذكره، والاهتمام فيما يوجب الخشوع بالمراقبة والحضور في مجالس أحبائه، وتذكر حقوقه، ومصائبه، والاجتناب عما يوجب القسوة والتجافي عن المجالس، الموجبة للحسرة والندامة في قوله تعالى: * (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) * انها نزلت في القائم (عليه السلام) وتأويلها جار في زمان الغيبة، والأمد أمد الغيبة.
الواحد والخمسون: أن يظهر العالم علمه

- ففي الكافي(٥٠٤) عن النبي (صلى الله عليه وآله) إذا ظهرت البدع في أمتي، فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله.
- وفيه(٥٠٥) بسند صحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي، فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم والقول فيهم، والوقيعة، وباهتوهم، كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة.
أقول: هذا عند الأمن من الضرر، وإلا كان التكليف التقية، كما يظهر لك مما يتلى عليك فتدبر.
الثاني والخمسون التقية عن الأشرار، وكتمان الأسرار عن الأغيار

- ففي الكافي(٥٠٦) بإسناد صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عز وجل * (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) * قال: بما صبروا على التقية * (ويدرأون بالحسنة السيئة) * قال: الحسنة التقية، والسيئة الإذاعة.
- وفيه(٥٠٧) في الصحيح عنه (عليه السلام) قال: التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له إن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا، فيدين الله عز وجل به، فيما بينه وبينه، فيكون له عزا في الدنيا، ونورا في الآخرة وإن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيذيعه فيكون له ذلا في الدنيا وينزع الله عز وجل ذلك النور منه.
- وفيه(٥٠٨) في الصحيح عن هشام الكندي(٥٠٩) قال: سمعت أبا عبد الله عليه الصلاة والسلام يقول إياكم أن تعملوا عملا نعير به، فإن ولد السوء يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا عليه شينا صلوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير، فأنتم أولى به منهم والله ما عبد الله بشئ أحب إليه من الخباء قلت: وما الخباء؟ قال: التقية.
- وفيه(٥١٠) في حديث آخر عنه (عليه السلام) قال: نفس المهموم لنا المغتم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة، وكتمانه لأمرنا جهاد في سبيل الله.
قال محمد بن سعيد أحد رواة هذا الحديث: أكتب هذا بالذهب فما كتبت شيئا أحسن منه.
- وفي كمال الدين(٥١١) عن الصادق (عليه السلام) وقد سئل عن أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان، يعني زمان غيبة الإمام، قال (عليه السلام): حفظ اللسان، ولزوم البيت.
- وفي تفسير النيسابوري، إنه قرئ عند ابن مسعود قوله تعالى(٥١٢) * (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) * فقال: إن هذا في آخر الزمان.
أقول: والروايات في هذا الباب كثيرة، تركنا ذكرها حذرا من الإطالة والمهم في هذا المقام دفع ما ربما يسبق إلى بعض الأوهام، من وقوع الاختلاف في الأخبار المروية عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وهذا لمن لم يمعن النظر فيها، ولم يتدبر حق التدبر، فيوهمه في بادئ النظر تطرق التهافت بين الروايات، من حيث أمرهم في بعضها بالدعوة والإظهار، وفي بعضها بالكتمان والاستتار.
وتوضيح ذلك بحسب ما استفدنا من الأخبار ببركة الأئمة الأبرار (عليهم السلام): أن الناس على قسمين: إما عالم عارف بالحق، أو غير عالم، والقسم الثاني منهم على ثمانية أصناف:
الصنف الأول: العوام الجاهلون الذين لا يأبون قبول الحق إذا عرفوه.
الصنف الثاني: أهل الشبهة والحيرة، الذين هم بصدد تحقيق الحق، ولكن وقعوا في الشبهة والحيرة بسبب من الأسباب.
الثالث: أهل الضلال، الذين وقعوا في ذلك من جهة مجالسة المضلين، أو إخطائهم في طريق تحصيل العلم والمعرفة أو نحوهما، وهؤلاء الثلاثة يجب على العالم إرشادهم، وهدايتهم ودعوتهم عقلا ونقلا.
- وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) ما حاصله لأن يهدي الله بك أحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس.
الصنف الرابع: الجاحدون المعاندون للحق، الذين إذا ذكر الحق عندهم استهزأوا به، وسخروا بالإمام وبالداعي إلى الحق.
الصنف الخامس: الجاحدون المعاندون الذين يصير إظهار الحق عندهم سببا للضرر على النفس أو العرض، أو المال وهذان الصنفان يجب التقية عنهم، وكف اللسان عندهم عقلا ونقلا كما لا يخفى على البصير.
- ففي الكافي(٥١٣) بإسناد صحيح عن عبد الأعلى، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إنه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله. فأقرئهم السلام وقل لهم رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلى نفسه، حدثوهم بما يعرفون، واستروا عنهم ما ينكرون ثم قال (عليه السلام) والله ما الناصب لنا حربا بأشد علينا مؤنة من الناطق علينا بما نكره. الخبر.
- وفيه(٥١٤) في حديث آخر عنه (عليه السلام) قال: المذيع لأمرنا كالجاحد له.
- وفي آخر عنه(٥١٥) أيضا قال: إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له. الخبر.
وفي هذا المعنى روايات كثيرة.
الصنف السادس: ضعفاء العقول والمعرفة من أهل الإيمان الذين لا طاقة لهم بتحمل الأسرار وقبولها أو بحفظها وسترها وهذا الصنف أيضا يجب كتمان الأسرار عنهم عقلا ونقلا كما ذكر في الأحاديث السابقة.
- وفي الكافي(٥١٦) في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: والله أحب أصحابي إلي أورعهم، وأفقههم، وأكتمهم لحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالا وأمقتهم الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يقبله، اشمأز منه، وجحده، وكفر من دان به، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج، وإلينا أسند، فيكون بذلك خارجا عن ولايتنا.
- وفي بصائر الدرجات(٥١٧) بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خالطوا الناس بما يعرفون، ودعوهم مما ينكرون ولا تحملوا على أنفسكم وعلينا، إن أمرنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان.
- وبإسناده(٥١٨) إلى الصادق (عليهما السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: ذكرت التقية يوما عند علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال: والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ولقد آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينهما فما ظنكم بسائر الخلق، إن علم العالم صعب مستصعب، لا يحتمله إلا نبي مرسل، أو ملك مقرب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان قال وإنما صار سلمان من العلماء لأنه امرؤ منا أهل البيت (عليهم السلام) فلذلك نسبه إلينا.
- وبإسناده عن الباقر (عليه السلام) قال حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل أو مؤمن ممتحن، أو مدينة حصينة فإذا وقع أمرنا وجاء مهدينا كان الرجل من شيعتنا أجرأ من ليث، وأمضى من سنان، يطأ عدونا برجليه ويضرب بكفيه، وذلك عند نزول رحمة الله وفرجه على العباد(٥١٩).
الصنف السابع: هم الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، بسبب إعراضهم عن الحق، واختيارهم الباطل فلا تؤثر فيهم الدعوة، ولا تنفعهم الموعظة وإن كان ضررهم مأمونا لكن لا رجحان في دعوتهم وإظهار الحق عندهم، بل الراجح ترك دعائهم، وإظهار الحق لديهم لأنه لا فائدة فيه سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ولذلك ورد الأمر في الروايات بترك دعائهم:
- ففي الكافي(٥٢٠) بإسناده عن ثابت أبي سعيد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا ثابت، ما لكم وللناس، كفوا عن الناس، ولا تدعوا أحدا إلى أمركم فوالله لو أن أهل السماء والأرض اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هداه ما استطاعوا، كفوا عن الناس ولا يقول أحدكم أخي، وابن عمي، وجاري فإن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه، فلا يسمع بمعروف إلا عرفه ولا بمنكر إلا أنكره، ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره.
- وفي تحف العقول(٥٢١) في وصايا الصادق (عليه السلام) لمؤمن الطاق مثل ذلك الكلام.
- وفي الكافي(٥٢٢) أيضا في الصحيح عن الفضيل قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ندعو الناس إلى هذا الأمر؟
فقال: يا فضيل إن الله إذا أراد بعبد خيرا أمر ملكا فأخذ بعنقه حتى أدخله في هذا الأمر طائعا أو كارها.
- وفيه(٥٢٣) في حديث آخر عن الصادق (عليه السلام) قال: لا تخاصموا بدينكم الناس فإن المخاصمة ممرضة للقلب إن الله عز وجل قال لنبيه ?صلى الله عليه وآله?(٥٢٤) * (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) * وقال: * (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) *.
الصنف الثامن: مجهول الحال والمراد به من لا تعرف أنه من أهل الدعوة والقبول أوليس كذلك ووظيفة العالم بالنسبة إلى هذا الشخص:
- ما رواه الشيخ الأقدم محمد بن الحسن الصفار (رضي الله عنه) في البصائر بإسناده(٥٢٥) عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن حديثنا صعب مستصعب خشن مخشوش، فانبذوا إلى الناس نبذا، فمن عرف فزيدوه، ومن أنكر فأمسكوا لا يحتمله إلا ثلاث: ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان.
- وبإسناده(٥٢٦) عن فرات بن أحمد قال: قال علي (عليه السلام) إن حديثنا تشمئز منه القلوب فمن عرف فزيدوهم ومن أنكر فذروهم.
- وفيه(٥٢٧) في حديث مرفوع عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن حديثنا هذا تشمئز منه قلوب الرجال فمن أقر به فزيدوه ومن أنكره فذروه إنه لا بد من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة ووليجة، حتى يسقط فيها من كان يشق الشعر بشعرتين حتى لا يبقى إلا نحن وشيعتنا. ورواه النعماني في كتاب(٥٢٨) الغيبة:
- وفيه بعد قوله قلوب الرجال: فانبذوه إليهم نبذا فمن أقر به فزيدوه ومن أنكره فذروه.
الثالث والخمسون: الصبر على الأذى والتكذيب وسائر المحن

إعلم يا أخي أن الله تبارك وتعالى شأنه قد امتحن عباده في زمان غيبة وليه سلام الله عليه بأنواع المحن والبلايا ليميز الخبيث من الطيب، فيرفع درجات الطيبين ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم وقد قال الله عز وجل * (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) * الخ، وهذه سنة الله في الماضين والتالين، كما قال تعالى * (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم) * الخ.
- وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) أيها الناس إن الله تعالى قد أعاذكم من أن يجور عليكم ولم يعذكم من أن يبتليكم وقد قال جل من قائل * (إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين) *.
أقول: ومن جملة تلك المحن والبلايا أنك ترى كثيرا من أهل الباطل يعيشون في سعة وثروة، وهم أصحاب شوكة وقوة، وترى كثيرا من أهل الحق يعيشون في ضيق ومسكنة ولا يعتنى بهم، ولا يقبل قولهم ويؤذيهم أهل الباطل قولا وفعلا، ويستهزئون بهم، ويكذبون ما يعتقدونه في أمر إمامهم، وغيبته وظهور دولته وفي هذا المقام يتنازع النفس والعقل، فالنفس تأمر باتباع أهل الباطل لتعيش في سعتهم وتلتذ من دنياهم الفانية. والعقل يأمر بالصبر على أذاهم، وتكذيبهم ويرغب في اتباع أهل الحق، وانتظار الدولة الحقة للفوز بالنعم الأخروية الباقية فالطيب الفطن من اختار العقبى وصبر على ذلك التكذيب والأذى.
- أنظر إلى ما قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) في صحيح طويل مروي في روضة الكافي(٥٢٩) لحمران لما سأله إلى متى هؤلاء يملكون؟ أو متى الراحة منهم؟ فقال (عليه السلام): أليس تعلم أن لكل شيء مدة؟ قال بلى فقال (عليه السلام)، هل ينفعك علمك أن هذا الأمر إذا جاء كان أسرع من طرفة عين أنك لو تعلم حالهم عند الله عز وجل، وكيف هي كنت لهم أشد بغضا، ولو جهدت وجهد أهل الأرض أن يدخلوهم في أشد مما هم فيه من الإثم لم يقدروا، فلا يستفزنك الشيطان، فإن العزة لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون، ألا تعلم أن من أنتظر أمرنا وصبر على ما يرى من الأذى والخوف هو غدا في زمرتنا، الحديث.
- وفي تحف العقول(٥٣٠) في وصايا الصادق (عليه السلام) لمؤمن الطاق يا بن النعمان ولا يكون العبد مؤمنا حتى تكون فيه ثلاث سنن سنة من الله وسنة من رسوله وسنة من الإمام، فأما السنة من الله جل وعز فهو أن يكون كتوما للأسرار يقول الله جل ذكره عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. وأما السنة من رسول الله فهو أن يداري الناس ويعاملهم بالأخلاق الحنيفية وأما التي من الإمام فالصبر في البأساء والضراء حتى يأتيه الله بالفرج.
- وفي روضة الكافي(٥٣١) أيضا بإسناده عن الحسن بن شاذان الواسطي قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا أشكو جفاء أهل واسط، وحملهم علي وكانت عصابة من العثمانية تؤذيني فوقع (عليه السلام) بخطه أن الله تعالى ذكره أخذ ميثاق أوليائنا على الصبر في دولة الباطل، فاصبر لحكم ربك فلو قد قام سيد الخلق لقالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون.
أقول: المراد بسيد الخلق هو القائم عجل الله فرجه، قوله (عليه السلام) لقالوا هذا ما وعد الرحمن " الخ " إشارة إلى أنه يحييهم بإذن الله تعالى وينتقم منهم كما في الروايات.
- وفي أصول الكافي(٥٣٢) عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلا بالقتل والتجبر، ولا الغنى إلا بالغصب والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل وهو يقدر على العز آتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي.
- وفي الخرائج قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيأتي قوم من بعدكم الواحد منهم له أجر خمسين منكم قالوا: يا رسول الله نحن كنا معك ببدر، وأحد وحنين، ونزل فينا القرآن قال (صلى الله عليه وآله): إنكم لن تحملوا ما حملوا ولن تصبروا صبرهم.
أقول: هذا إشارة إلى حال المؤمنين الصابرين في زمان غيبة الإمام المنتظر كما يشهد له سائر الأخبار.
- وفي البرهان في تفسير قوله تعالى(٥٣٣) * (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) * عن الصادق (عليه السلام) اصبروا على الأذى فينا.
قلت: فصابروا قال (عليه السلام) على عدوكم مع وليكم ورابطوا قال (عليه السلام) المقام مع إمامكم، الخبر.
وفي هذا المعنى روايات كثيرة لا نطيل الكتاب بذكرها هذا كله مضافا إلى سائر ما ورد من الآيات والروايات في فضل الصبر، والأمر به فإن الصبر على النوائب في زمان غيبة الإمام (عليه السلام) من أعظم أقسام الصبر وأوضحها كما لا يخفى.
- روى ثقة الإسلام الكليني (رضي الله عنه) في أصول الكافي(٥٣٤) أخبارا عديدة فيها الصحاح، والحسان، عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد وكذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان.
- وفيه(٥٣٥) في حديث آخر عن حفص بن غياث، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن من صبر صبر قليلا(٥٣٦)، وإن من جزع جزع قليلا ثم قال: عليك بالصبر في جميع أمورك، فإن الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله)، فأمره بالصبر والرفق فقال: * (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين أولي النعمة) * وقال تبارك وتعالى * (ادفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) * فصبر (صلى الله عليه وآله)، حتى نالوه بالعظائم، ورموه بها، فضاق صدره، فأنزل الله عز وجل * (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين) * ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك فأنزل الله عز وجل * (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا) * فألزم النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه الصبر فتعدوا فذكر الله تبارك وتعالى، وكذبوه، فقال (صلى الله عليه وآله): قد صبرت في نفسي وأهلي وعرضي ولا صبر لي على ذكر إلهي فأنزل الله عز وجل(٥٣٧): * (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون) *
فصبر (صلى الله عليه وآله) في جميع أحواله ثم بشر في عترته بالأئمة، ووصفوا بالصبر فقال جل ثناؤه * (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) * فعند ذلك قال (صلى الله عليه وآله):
الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد فشكر الله عز وجل ذلك له، فأنزل الله عز وجل * (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) * فقال (صلى الله عليه وآله): إنه بشرى وانتقام فأباح الله عز وجل له قتال المشركين، فأنزل * (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد واقتلوهم حيث ثقفتموهم) * فقتلهم الله على يدي رسوله (صلى الله عليه وآله) وأحبائه وجعل له ثواب صبره مع ما ادخر له في الآخرة، فمن صبر واحتسب لم يخرج من الدنيا حتى يقر الله عينه في أعدائه مع ما يدخر له في الآخرة.
- وفيه(٥٣٨) في الصحيح عن أبي الصباح الكناني(٥٣٩) قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه شيخ فقال: يا أبا عبد الله أشكو إليك ولدي وعقوقهم وإخواني وجفاهم، عند كبر سني فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا هذا إن للحق دولة وللباطل دولة، وكل واحد منهما في دولة صاحبه ذليل، وإن أدنى ما يصيب المؤمن في دولة الباطل العقوق من ولده، والجفا من إخوانه، وما من مؤمن يصيب شيئا من الرفاهية في دولة الباطل إلا ابتلي قبل موته، إما في بدنه، وإما في ولده، وإما في ماله حتى يخلصه الله مما اكتسب في دولة الباطل، ويوفر له حظه في دولة الحق فاصبر وأبشر.
- وفيه(٥٤٠) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما حضرت أبي علي بن الحسين الوفاة ضمني إلى صدره، وقال: يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أن أباه أوصاه به يا بني اصبر على الحق وإن كان مرا.
- وفي كمال الدين(٥٤١) بإسناده عن البزنطي قال: قال الرضا (عليه السلام) ما أحسن الصبر، وانتظار
الفرج، أما سمعت قول الله عز وجل * (فارتقبوا إني معكم رقيب)(٥٤٢) * وقوله عز وجل(٥٤٣) * (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) * فعليكم بالصبر فإنه إنما يجيء الفرج على اليأس وقد كان الذين من قبلكم أصبر منكم.
- وفيه(٥٤٤) بإسناده عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه الصلاة والسلام يقول: إن قدام القائم عليه الصلاة والسلام علامات، تكون من الله عز وجل للمؤمنين قلت:
وما هي جعلني الله فداك؟
قال: ذلك قول الله عز وجل:(٥٤٥) * (ولنبلونكم - يعني المؤمنين قبل خروج القائم (عليه السلام) - بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) * قال:
لنبلونكم بشيء من الخوف من ملوك بني فلان، في آخر سلطانهم، والجوع بغلاء أسعارهم، ونقص من الأموال، قال: فساد التجارات وقلة الفضل ونقص من الأنفس، قال: موت ذريع.
ونقص من الثمرات لقلة ريع ما يزرع وبشر الصابرين عند ذلك بتعجيل خروج القائم (عليه السلام) ثم قال (عليه السلام) لي: يا محمد، هذا تأويله إن الله تعالى يقول(٥٤٦) * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) *.
- وفي تفسير النيسابوري عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا ما رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، ودع أمر العوام وأن من ورائكم أياما، الصبر فيهن كقبض الجمر، للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله.
- وفي النعماني(٥٤٧) بإسناده عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) أنه قال: المؤمنون يبتلون، ثم يميزهم الله عنده، إن الله لم يؤمن المؤمنين من بلاء الدنيا ومرائرها ولكن آمنهم فيها من العمى والشقاء في الآخرة ثم قال (عليه السلام) كان الحسين بن علي (عليهما السلام) يضع قتلاه بعضهم إلى بعض ثم يقول قتلانا قتلى النبيين.
- وفيه(٥٤٨) بإسناده عن زين العابدين (عليه السلام) قال: لوددت أن تركت فكلمت الناس ثلاثا، ثم قضى الله في ما أحب، ولكن عزمة من الله أن يصبر، ثم تلا هذه الآية * (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) *.
- وفيه(٥٤٩) عنه (عليه السلام) في حديث يأتي في المرابطة إن شاء الله، إلى أن قال: ويرابط الذين آمنوا ويصبرون ويصابرون حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة، المذكورة في محلها، وبالجملة فحال المؤمن في البليات ما ذكر في الديوان المنسوب إلى مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام):

إذا زيد شرا زاد صبرا كأنما * هو المسك ما بين الصلابة والفهر
لأن فتيت المسك يزداد طيبه على * السحق والحر اصطبارا على الشر

تنبيه

قد تبين مما ذكرنا أن الصبر في زمان غيبة الإمام (عليه السلام) على أقسام فمنها الصبر على طول الغيبة بأن لا يكون من المستعجلين، الذين تقسو قلوبهم بسبب طول الغيبة فيرتابون في أمر الإمام (عليه السلام)، وقد مر هذا العنوان في الأمر الثاني والعشرين فراجع.
ومنها الصبر على ما يصيب المؤمن من أذى المخالفين واستهزائهم وتكذيبهم ونحوها.
ومنها الصبر على أقسام البلايا والمحن الواردة التي ذكر بعضها في الآية الشريفة في قوله تعالى * (ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع) * (الخ).
ومنها الصبر على ما يرى من ابتلاء المؤمنين بالمعاندين وإيذاء المعاندين لهم إذا لم يتمكن من استخلاصهم والمدافعة عنهم فإن وظيفته حينئذ الصبر والدعاء إلى غير ذلك من الأقسام التي يقف عليها المؤمن عند ابتلائه.
الرابع والخمسون

طلب الصبر من الله تعالى يعني من وظائف المؤمن في زمان الغيبة أن يسأل ربه عز وجل ليوفقه للصبر في مواقع تكون وظيفته ذلك وذلك لوجوه:
منها أنه قد ورد في الأدعية المأثورة عنهم (عليهم السلام):
- ففي دعاء العمروي (رضي الله عنه) وصبرني على ذلك (الخ).
ومنها ما ورد من الأمر بمسألة كل شيء يحتاج إليه المؤمن لاستصلاح آخرته ودنياه من الله عز وجل فإن بيده مفاتيح كل شيء ويشهد للمرام قوله تعالى مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (واصبر وما صبرك إلا بالله) * (الخ) والباء للسببية، أو الاستعانة وعلى كليهما يشهد للمقصود، فالمؤمن ينبغي أن يطلب الصبر من الله عز وجل ويجوز أن يكون الباء بمعنى من، وإن لم يذكره صاحب المغني إذ لا عبرة بإنكاره شيئا يوجد له شاهد في فصيح الكلام كما أن جمعا منهم أنكروا كون الباء للتبعيض، مع ورود النص به عن الأئمة (عليهم السلام) فتدبر.
- وعن النبي (صلى الله عليه وآله): سلوا الله عز وجل ما بدا لكم من حوائجكم، حتى شسع النعل فإنه إن لم ييسره لم يتيسر.
- وقال (صلى الله عليه وآله) ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها. حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع. والأخبار في هذا المعنى كثيرة، ويدل على المقصود أيضا إطلاق ما ورد في الآيات القرآنية من الأمر بالدعاء فينبغي للمؤمن الدعاء لإعطائه الصبر في مواقعه، فإنه شيء يستصلح به أمر آخرته ودنياه ويستجلب به محبة مولاه وطاعته ورضاه.
ومنها أنه كثيرا ما يشتبه على الإنسان موارد الصبر بغيرها، فيصبر في غير مورد الصبر، ويتكلم في موقع الصمت، ويصمت في موقع الكلام، والتوفيق لوضع كل شيء في موضعه إنما هو من الله عز وجل، فوظيفة المؤمن الطالب لسلوك سبيل الهدى الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، ليوفقه للصبر في مواقع الصبر، والدعوة في مواقع الدعوة، والطيش في موارد الطيش، والبطش في مواقع البطش، والغضب في موقع الغضب وقس على ما ذكرنا غيره.
ومنها: أنه قد ورد في الروايات الأمر بمسألة الصبر من الله عز وجل:
- فقد روى في الكافي(٥٥٠) عن الصادق عليه الصلاة والسلام أنه قال: إن الله عز وجل خص رسله بمكارم الأخلاق فامتحنوا أنفسكم فإن كانت فيكم، فاحمدوا الله، واعلموا أن ذلك من خير، وإن لا تكن فيكم، فاسألوا الله، وارغبوا إليه فيها قال: فذكر عشرة: اليقين، والقناعة، والصبر، والشكر، والحلم، وحسن الخلق، والسخاء، والغيرة، والشجاعة، والمروءة، قال: وروى بعضهم بعد هذه الخصال العشرة: وزاد فيها الصدق وأداء الأمانة.
- وفيه(٥٥١) في حديث آخر عنه (عليه السلام) قال إنا لنحب من كان عاقلا، فهما، فقيها، حليما، مداريا، صبورا، صدوقا، وفيا، إن الله عز وجل خص الأنبياء بمكارم الأخلاق فمن كانت فيه، فليحمد الله على ذلك ومن لم تكن فيه، فليتضرع إلى الله عز وجل وليسأله إياها.
قال: قلت: جعلت فداك، وما هن؟
قال: هن الورع، والقناعة، والصبر، والشكر، والحلم، والحياء، والسخاء، والشجاعة والغيرة، والبر، وصدق الحديث، وأداء الأمانة.
الخامس والخمسون

التواصي بالصبر في زمن غيبة القائم (عليه السلام) وهذا من الأمور المهمة التي ينبغي الاهتمام بها والمواظبة عليها ويدل عليه وجوه:
الأول: جميع أدلة الأمر بالمعروف.
الثاني: التأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار كما يظهر لك من تتبع الأخبار.
- الثالث: خصوص ما رواه السيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه) في كتاب الإقبال(٥٥٢) عن النبي (صلى الله عليه وآله) في خطبة يوم الغدير أنه قال: وفي علي نزلت والعصر، وتفسيرها: ورب عصر القيامة إن الإنسان لفي خسر: أعداء آل محمد إلا الذين آمنوا بولايتهم وعملوا الصالحات بمواساة إخوانهم وتواصوا بالصبر في غيبة غائبهم الخ.
أقول: المراد بالتواصي بالصبر: أن يوصي ويأمر المؤمن أولاده، وأحفاده، وأهله، وعياله، وعشيرته، وإخوانه، وأحباءه، وسائر المؤمنين بأمر القائم (عليه السلام) والصبر في غيبته على طول الغيبة، وعلى ما يصيبهم من الفتن والبليات والمحن والأذيات وما يرون من الأعداء وجفاء الأخلاء وغيرها بأن يذكر لهم فضائل الصبر وتعقبه بالظفر والفرج حتى لا ييأسوا بسبب طول الغيبة ولا يرتابوا لما يرون أعداءهم في الراحة، والسعة والنعمة. ويعلموا أن ذلك مما أخبر به الصادقون فكما ظهر صدق ما قالوه من ابتلاء أهل الإيمان وغلبة الأعداء كذلك يظهر صدقهم في ظهور الفرج والرخاء لهم إن شاء الله تعالى.
وليعلموا أن من صبر، وانتظر فاز بالفرج والظفر إما بالفرج الأعظم، أو بما دونه من أقسام الفرج بل نفس الانتظار من أقسام الفرج ألا ترى أنه لو كان شخص مبتلى بديون كثيرة، لكن يعلم أنه يأتيه السعة بعد مدة من بعض النواحي، تسلت نفسه بانتظار تلك السعة وانقضاء تلك المدة ليستريح من مشقة تحمل ديونه أو كان شخص مريضا مبتلى بأمراض عديدة لكنه يعلم أن في بعض النواحي طبيبا حاذقا يأتيه بعد مدة فيعالجه ويستريح من تلك الأمراض كان انتظاره لانقضاء هذا الأمد ومجيء ذلك الطبيب المعتمد تسلية لنفسه، وتقوية لقلبه وتفريجا لهمه وتسكينا لغمه.
- ولذلك قال الصادق (عليه السلام) لأبي بصير(٥٥٣) لما قال له جعلت فداك متى الفرج؟! يا با بصير أنت ممن يريد الدنيا من عرف هذا الأمر فقد فرج عنه بانتظاره.
- وعن محمد بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام)(٥٥٤) قال: سألته عن شيء من الفرج فقال (عليه السلام) أليس انتظار الفرج من الفرج؟ إن الله عز وجل يقول: * (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) *.
- وعن الحسن بن(٥٥٥) جهم قال: سألت أبا الحسن عن شيء من الفرج فقال أو لست تعلم أن انتظار الفرج من الفرج؟ قلت: لا أدري إلا أن تعلمني. فقال (عليه السلام): نعم، انتظار الفرج من الفرج.
- وفي النعماني(٥٥٦) عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال هلك أصحاب المحاضير ونجا المقربون، وثبت الحصين على أوتادها، إن بعد الغم فتحا عجيبا.
- وعن علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام) إن الشيعة تربى بالأماني، منذ مأتي سنة، وقال يقطين لابنه علي: ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ فقال علي: إن الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد، غير أن أمركم حضر وقته، فأعطيتم محضه، وكان كما قيل لكم، وأن أمرنا لم يحضر، فعللنا بالأماني، ولو قيل لنا إن هذا الأمر لا يكون إلى مأتي سنة، أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجعت عامة الناس عن الإسلام ولكن قالوا ما أسرعه وما أقربه تألفا للقلوب وتقريبا للفرج.
السادس والخمسون

الاحتراز والتجافي عن مجالس أهل البطالة والضلالة، الذين يستهزؤون بذكر الإمام، أو يذكرونه بسوء أو يعيبون عليه، أو ينكرونه، أو يعرضون عن ذكره، أو يستهزؤون بالمؤمنين المنتظرين له قال الله عز وجل(٥٥٧) * (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) *.
- وفي تفسير(٥٥٨) علي بن إبراهيم القمي (رضي الله عنه) قال آيات الله: هم الأئمة (عليهم السلام).
- وفي أصول الكافي(٥٥٩) بسند صحيح عن شعيب العقرقوفي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها) * إلى آخر الآية فقال (عليه السلام) إنما عنى بهذا: الرجل يجحد الحق، ويكذب به، ويقع في الأئمة (عليهم السلام) فقم من عنده ولا تقاعده كائنا من كان.
- وفيه(٥٦٠) في الصحيح عنه (عليه السلام) قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس مجلسا ينتقص فيه إمام أو يعاب فيه مؤمن.
- وفيه(٥٦١) عنه (عليه السلام) قال ثلاثة مجالس يمقتها الله ويرسل نقمته على أهلها فلا تقاعدوهم ولا تجالسوهم: مجلسا فيه من يصف لسانه كذبا في فتياه، ومجلسا ذكر أعدائنا فيه جديد وذكرنا فيه رث، ومجلسا فيه من يصد عنا وأنت تعلم، قال: ثم تلا أبو عبد الله (عليه السلام) ثلاث آيات من كتاب الله، كأنما كن في فيه - أو قال: كفه - * (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) * * (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) * * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) *.
- وفيه عنه (عليه السلام) قال: إذا ابتليت بأهل النصب ومجالستهم فكن كأنك على الرضف - الحجارة المحماة - حتى تقوم فإن الله يمقتهم ويلعنهم فإذا رأيتهم يخوضون في ذكر إمام من الأئمة فقم فإن سخط الله ينزل هناك عليهم(٥٦٢).
- وفيه في الصحيح عنه (عليه السلام) قال: من قعد عند ساب لأولياء الله فقد عصى الله(٥٦٣).
- وفيه عنه (عليه السلام) قال: من قعد في مجلس يسب فيه إمام من الأئمة يقدر على الانتصاف فلم يفعل ألبسه الله الذل في الدنيا وعذبه في الآخرة وسلبه صالح ما من به عليه من معرفتنا(٥٦٤).
- وفي البرهان(٥٦٥) عن الكشي بإسناده عن محمد بن عاصم قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول يا محمد بن عاصم بلغني أنك تجالس الواقفية؟
قلت: نعم جعلت فداك أجالسهم وأنا مخالف لهم.
قال (عليه السلام): لا تجالسهم، قال الله عز وجل * (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم) * يعني بالآيات: الأوصياء، والذين كفروا: يعني الواقفية.
أقول: ذكر الواقفية من باب ذكر أحد المصاديق كما أن ذكر الأوصياء من باب ذكر أحد مصاديق آيات الله كما لا يخفى.
تنبيه

المستفاد من الآية الشريفة بضميمة ما ورد في تفسيرها وبضميمة سائر الروايات حرمة الجلوس في مجالس أهل الضلالة الذين أشرنا إلى ذكر بعض أصنافهم في صدر العنوان للنهي الظاهر في التحريم بل المستفاد من الآية الشريفة عده في الكبائر لقوله عز وجل * (إنكم إذا مثلهم) * الدال على كون من يجالسهم مثلهم بل عبر عن من يجالسهم بالمنافقين ووعدهم نار جهنم فقال: * (إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) * فقد ظهر عظم ذلك وكونه من جملة المعاصي الكبيرة نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لمرضاته ويحفظنا من موجبات سخطه ونقماته وفي الدعاء: أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني.
أقول: وكفى بذلك حسرة ونقمة نعوذ بالله من ذلك وسيأتي في الأمر الثامن والخمسين ما يدل على المقصود إن شاء الله تعالى.
السابع والخمسون: مصانعة أهل الجور والباطل

- ففي البحار(٥٦٦) عن كشف الغمة من طريق العامة عن حذيفة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ويح هذه الأمة من ملوك جبابرة كيف يقتلون ويخيفون المطيعين إلا من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه ويفر منهم بقلبه فإذا أراد الله عز وجل أن يعيد الإسلام عزيزا قصم كل جبار عنيد وهو القادر على ما يشاء أن يصلح أمة بعد فساد. فقال (صلى الله عليه وآله) يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي يجري الملاحم على يديه ويظهر الإسلام لا يخلف وعده وهو سريع الحساب.
- وفي تحف العقول(٥٦٧) في وصايا الصادق لمؤمن الطاق قال (عليه السلام) يا بن النعمان إذا كانت دولة الظلم فامش واستقبل من تتقيه بالتحية، فإن المتعرض للدولة قاتل نفسه وموبقها، إن الله يقول * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) *.
- وفي النعماني(٥٦٨) بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: كونوا كالنحل في الطير ليس الشيء من الطير إلا وهو يستضعفها ولو علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم تفعل بها ذلك، خالطوا الناس بألسنتكم، وأبدانكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم.
فوالذي نفسي بيده ما ترون ما تحبون، حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتى يسمي، بعضكم بعضا كذابين، وحتى لا يبقى منكم أو قال: من شيعتي (إلا) كالكحل في العين، أو كالملح في الطعام وسأضرب لكم مثلا، وهو مثل رجل كان له طعام فنقاه وطيبه، ثم أدخله بيتا، وتركه فيه ما شاء الله، ثم عاد إليه فإذا هو أصابه السوس، فأخرجه ونقاه وطيبه، ثم أعاده إلى البيت، فتركه ما شاء الله ثم عاد إليه، فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس، فأخرجه ونقاه وطيبه، وأعاده ولم يزل كذلك حتى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر لا يضره السوس شيئا وكذلك أنتم تميزون حتى لا يبقى منكم إلا عصابة لا تضرها الفتنة شيئا.
الثامن والخمسون: الاختفاء والتجافي عن الاشتهار فإن الشهرة آفة والخمول راحة

- وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: إن استطعت أن لا يعرفك أحد فافعل.
- وفي كمال الدين(٥٦٩) بسند صحيح عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، يا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان إن أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم الباري جل جلاله فيقول عبيدي وإمائي آمنتم بسري، وصدقتم بغيبي، فأبشروا بحسن الثواب مني، أي عبيدي وإمائي، حقا منكم أتقبل وعنكم أعفو ولكم أغفر وبكم أسقي عبادي الغيث وأدفع عنهم البلاء لولاكم لأنزلت عليهم عذابي.
قال جابر: فقلت: يا بن رسول الله ما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان قال (عليه السلام) حفظ اللسان ولزوم البيت.
- وفي نهج البلاغة(٥٧٠) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: وذلك زمان لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نومة، إن شهد لم يعرف، وإن غاب لم يفتقد أولئك مصابيح الهدى، وأعلام السرى، ليسوا بالمساييح ولا المذاييع البذر، أولئك يفتح الله لهم أبواب رحمته ويكشف عنهم ضراء نقمته، أيها الناس سيأتي عليكم زمان يكفأ فيه الإسلام كما يكفأ الإناء بما فيه (الخ).
قال السيد الرضي قوله (عليه السلام) كل مؤمن نومة، فإنما أراد الخامل الذكر القليل الشر، والمساييح جمع مسياح، وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها، ونوه بها، والبذر جمع بذور، وهو الذي يكثر سفهه، ويلغو منطقه.
- وفي النعماني(٥٧١) عن الصادق (عليه السلام)، أنه قال: خبر تدريه خير من عشر ترويه، إن لكل حق حقيقة، ولكل صواب نورا ثم قال: إنا والله لا نعد الرجل من شيعتنا فقيها حتى يلحن له، فيعرف اللحن. إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال على منبر الكوفة: إن من ورائكم فتنا مظلمة، عمياء منكسفة، لا ينجو منها إلا النومة. قيل: يا أمير المؤمنين وما النومة قال (عليه السلام): الذي يعرف الناس ولا يعرفونه.
واعلموا أن الأرض لا تخلو من حجة لله عز وجل، ولكن الله سيعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم، وإسرافهم على أنفسهم، ولو خلت الأرض ساعة واحدة من حجة الله لساخت بأهلها، ولكن الحجة يعرف الناس ولا يعرفونه، كما كان يوسف يعرف الناس، وهم له منكرون.
- وفيه(٥٧٢) أيضا بإسناده أنه دخل على الصادق (عليه السلام) بعض أصحابه، فقال له: جعلت فداك، إني والله أحبك وأحب من يحبك يا سيدي. ما أكثر شيعتكم فقال (عليه السلام) له: أذكرهم.
فقال: كثير فقال (عليه السلام) تحصيهم فقال هم أكثر من ذلك فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي يريدون ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، وشحناؤه بدنه، ولا يمدح بنا غاليا ولا يخاصم بنا واليا ولا يجالس لنا غائبا، ولا يحدث لنا ثالبا، ولا يحب لنا مبغضا، ولا يبغض لنا محبا.
فقلت، فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنهم يتشيعون فقال (عليه السلام) فيهم التمييز، وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل يأتي عليهم سنون تفنيهم وسيف يقتلهم، واختلاف يبددهم، إنما شيعتنا من لا يهر هرير(٥٧٣) الكلب ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل الناس بكفه وإن مات جوعا.
قلت: جعلت فداك، فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة.
فقال (عليه السلام) اطلبهم في أطراف الأرض، أولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن خطبوا لم يزوجوا وإن ماتوا لم يشهدوا أولئك الذين في أموالهم يتواسون وفي قبورهم يتزاورون ولا تختلف أهواؤهم وإن اختلفت بهم البلدان.
ورواه بطريق آخر وزاد فيه: وإن رأوا مؤمنا أكرموه، وإن رأوا منافقا هجروه وعند الموت لا يجزعون، وفي قبورهم يتزاورون، تمام الحديث.
أقول: محل الشاهد قوله (عليه السلام): الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا الخ، فإنه - عليه الصلاة والسلام - دل بهذا الكلام على حسن الاختفاء من الناس، وذم الاشتهار بينهم، وإنما ذكرت الحديث بطولة لكثرة فوائده، ومما يناسب ذلك الزمان الأبيات:

خفيت عن العيون فأنكرتني * فكان به ظهوري للقلوب
وأوحشني الأنيس فغبت عنه * لتأنيسي بعلام الغيوب
وكيف يروعني التفريد يوما * ومن أهوى لدي بلا رقيب
إذا ما استوحش الثقلان مني * أنست بخلوتي ومعي حبيبي

التاسع والخمسون: تهذيب النفس

من الصفات الخبيثة وتحليتها بالأخلاق الحميدة وهذا الأمر واجب في كل زمان، لكن تخصيصه بالذكر في وظائف زمن غيبة ولي العصر عجل الله تعالى فرجه لأجل أن درك فضيلة صحبته والكون في جملة أصحابه منوط بذلك.
- لما رواه النعماني(٥٧٤) (رضي الله عنه) بإسناده عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم (عليه السلام) بعده، كان له من الأجر مثل أجر من أدركه. فجدوا وانتظروا هنيئا لكم أيتها العصابة المرحومة.
أقول: في هذا الحديث دلالة على اشتراط الفوز بثواب الانتظار بملازمة الورع ومحاسن الأخلاق وقد مر في ما مضى ما يؤيده.
المكمل ستين

الاتفاق والاجتماع على نصرته فإن في الاجتماع تأثيرا لا يكون في الانفراد وإن كانت النصرة وظيفة لكل من الأفراد قال الله(٥٧٥) * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) * الآية فإن الإمام هو حبل الله المتين بين عباده في كل زمان من الأزمنة، والاعتصام به لا يحصل إلا بموالاته ونصرته.
- وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: أيها الناس لو لم تخاذلوا عن نصر الحق ولم تهنوا عن توهين الباطل لم يطمع فيكم من ليس مثلكم ولم يقو من قوي عليكم، لكنكم تهتم متاه بني إسرائيل ولعمري ليضعفن عليكم التيه من بعدي أضعافا بما خلفتم الحق وراء ظهوركم الخ.
- وفي التوقيع(٥٧٦) الرفيع الصادر إلى الشيخ المفيد رحمه الله تعالى من الناحية المقدسة: ولو أن أشياعنا وفقهم الله لطاعته، على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا الخ.
الواحد والستون

الاتفاق على التوبة الواقعية ورد الحقوق إلى أصحابها إذ قد تقدم سابقا، أن من أسباب طول غيبة الإمام - عليه وعلى آبائه التحية والسلام - ما يراه من آثام الأنام كما ورد عنه عليه الصلاة والسلام في التوقيع(٥٧٧) المشار إليه بعد العبارة المذكورة: فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الثاني والستون والثالث والستون

مداومة ذكره والعمل بآدابه. بيان ذلك، أنه لا ريب بدلالة الأخبار الكثيرة القطعية المروية عنهم (عليهم السلام) في أن الإمام (عليه السلام) ناظر إلينا، وشاهد علينا ومطلع على حالاتنا في حركاتنا وسكناتنا فأنت في كل حال وفي كل مكان نصب عينيه فإنه عين الله الناظرة وأذنه السامعة فإذا علمت ذلك وأيقنت أنك نصب عينه وحذاء وجهه لا جرم جعلته نصب عينك ونظرت إليه بعين قلبك، بل كونه نصب عينك لازم كونك نصب عينه وغير متوقف على جعلك وهذا ظاهر لا يخفى لمن لا تكون عين قلبه عمياء * (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) * وإذا علمت أنه نصب عينك، فلا جرم كان همك في رعاية آدابه ومراقبة الأدب والإتيان بما هو وظيفتك بالنسبة إليه، بحسب مراتب معرفتك، وإن لم تره بعين رأسك.
مثال ذلك: إنه لو حضر رجل أعمى في مجلس السلطان وقام بين يديه لرعى جميع الآداب التي ينبغي رعايتها بحضرة السلطان كما يرعاها المبصرون الناظرون إليه، القائمون بين يديه مع أن الأعمى لا يراه ولا يمكنه النظر إليه، وليس ذلك إلا بسبب علمه بكونه نصب عين السلطان وكون السلطان نصب عينه وإن كان لا يبصره بعينه وهذا حال المؤمن في زمان غيبة الإمام (عليه السلام) عن أعين الأنام لأنه لأجل إيمانه ويقينه يعلم علما قطعيا بأنه في جميع أحواله نصب لعين إمامه فإمامه نصب لعينه وإن كان لا يراه بعينه فيجعل همه في رعاية آدابه ومراقبة وظائفه بالنسبة إلى جنابه.
- وتبين ذلك كله في كلام مولانا أمير المؤمنين في حديث رواه رئيس المحدثين الشيخ الصدوق في كتاب كمال الدين(٥٧٨) بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال في خطبة له على منبر الكوفة: اللهم إنه لا بد لأرضك من حجة لك على خلقك، تهديهم إلى دينك، تعلمهم علمك لئلا تبطل حجتك، ولا يضل أتباع أولئك بعد إذ هديتهم، إما ظاهر ليس بالمطاع أو مكتتم مترقب إن غاب عن الناس شخصه في حال هدنتهم لم يغب عنهم علمه، وآدابه في قلوب المؤمنين مثبتة فهم بها عاملون.
أقول: هذا الحديث مشهور مروي عنه (عليه السلام) في الكافي(٥٧٩) والنعماني وغيرهما بتفاوت يسير وفي هذا الكلام المبارك فنون من العلم والمعرفة والتنبيه والتذكرة فعليك بالتأمل التام ليتضح لك المرام إن شاء الله تعالى.
تذكرة وإرشاد للطالب المرتاد

إعلم أن المؤمنين في ذكر مولاهم (عليه السلام) بمقتضى تفاوت درجات إيمانهم ومراتب معرفتهم ويقينهم على درجات متفاوتة ومراتب مختلفة:
فمنهم من يكون حاله في ذكر مولاه كما قال الشاعر:

الله يعلم أني لست أذكركم * فكيف أذكركم إذ لست أنساكم

أو كما قيل:

أما والذي لو شاء لم يخلق النوى * لئن غبت عن عيني فما غبت عن قلبي

فهو غير غافل عن مولاه ولا ذاهل عما ينبغي مراعاته من آدابه في جميع أوقاته وحالاته، فهنيئا لهذا القوم، ثم هنيئا لهم على ما أوتوا من الحكمة، ورزقوا من العلم والعمل والمعرفة أسأل الله تعالى أن يجعلني منهم بمنه وجوده وكرمه، فإني كما قال الشاعر:

أحب الصالحين ولست منهم * لعل الله يرزقني صلاحا

غير أني أذكر نبذا مما ينبغي تذكره، تذكرة لنفسي ولغيري من المؤمنين بحسب ما عرفته ببركة مولاي صلوات الله عليه فاعلم أنه يجب أن تستيقن أنك بمرأى ومسمع من مولاك (عليه السلام) يرى مكانك، ويعرف أحوالك، فإن كنت ممن يواظب على مراعاة الآداب التي ينبغي لك مراعاتها بالنسبة إليه نلت بذلك كمال محبته لك، ونظره إليك.
وإن كنت من أهل الغفلة والإعراض عنه، فوا أسفا عليك قال الله عز وجل: * (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) * فأي ضنك وضيق أشد من ظلمة الغفلة والجهالة أم أي حسرة أعظم من العمى في يوم القيامة! أم أي فزع أفجع وأفظع من تلك الندامة يا لها من مصيبة ما أعظمها وأفجعها، فالبدار البدار في استخلاص نفسك، وفكاك رقبتك وهذا لا يحصل لك إلا بذكر مولاك ليأخذ بيدك في أولاك وأخراك فإن الله تبارك وتعالى شأنه يقول * (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) * فكن وفقك الله تعالى ممن يذكر إمامه ليذكره.
فإذا أصبحت فاعلم أن حياتك التي أعطاك الله ببركته، فاشكره، واشكر الله على نعمته، وراقب نفسك لئلا تصرف هذه النعمة في غير مرضاته، فتكون لك نكالا وعليك وبالا فإن عرضت لك معصية فتذكر أن مولاك يراك في هذه الحالة القبيحة والهيئة المنكرة فاتركها إجلالا له وإن عرضت لك حسنة فاستبق إليها، واعلم أنها نعمة إلهية، أنعم الله تعالى (بها) عليك ببركة مولاك، فاشكر الله على ذلك، واجعلها هدية إلى مولاك، وصاحب زمانك وقل بلسان حالك ومقالك: * (يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) * وكن في جميع أحوالك خاضعا خاشعا، كالعبد الذليل الواقف بين يدي مولاه الجليل وسلم عليه كل صباح ومساء سلام عبد شائق للقائه متألم بفراقه سلام مخلص يجري دموعه على خديه موقن بأنه واقف بين يديه.
وإذا حان وقت صلاتك فتذكر حال مولاك حين وقوفه بين يدي الله جل جلاله وتأس به في إحضار قلبك، وخشوع أطرافك، وغمض العين عما سوى الله تعالى، واعلم أن توفيقك لها ليس إلا ببركة مولاك، وأنها لا تقبل منك إلا بموالاته ومعرفته وكلما ازددت موالاة له، ومعرفة به، وانقيادا لأمره، زادك الله تعالى درجة وأجرا وكرامة وفخرا وإذا فرغت من صلاتك فاجعله وسيلة إلى الله عز وجل، وشفيعا في قبولها منك وابدأ بالدعاء له، قبل الدعاء لكل أحد لعظمة حقه عليك وكثرة إحسانه إليك وإذا عرضت لك حاجة أو دهتك شديدة فاعرضها عليه وتضرع إليه ليشفع إلى الله تعالى في كشفها عنك فإنه الوسيلة إلى الله عز وجل الذي يؤتى منه وقد قال الله عز شأنه * (وأتوا البيوت من أبوابها) *.
ويشهد لذلك أخبار كثيرة، وقد ألم بي في بعض ما مضى من الأعوام أمر مهم، شغل قلبي، وأطال فكري، وسلبني بعض لبي فرأيت في بعض الليالي في المنام جدي من طرف أمي، وكان من السادات الصلحاء رضي الله تعالى عنه، فرأيته في بستان من أحسن ما يوصف من البساتين، على ما كان يتمناه في زمان حياته وهو في أحسن حال، وأجمل هيئة، فسلمت عليه، فأجابني ووقع بيننا مكالمات:
منها أني قلت له: ادع الله عز وجل في المهم الفلاني ليكفيه ويكشف عني همه فقال (رضي الله عنه) بالفارسية ما معناه بالعربية إنا لا ندعو لشئ فوق دعاء إمام الزمان فكلما وقع أمر عرضناه عليه فإن أذن وأمضى دعونا لإصلاح ذلك وإلا فلا الخ.
فقد تبين أنه المفزع والمرجع في جميع الأمور فوظيفتك الرجوع إليه، والاستغاثة والاستشفاع به فاجعله شفيعا إلى الله عز وجل ليدعو لك، ويجعلك في همه. فإن من وظائف الإمام ومراحمه في كل زمان بمقتضى ما ورد من الأخبار الدعاء للمؤمنين كما أن من وظائف المؤمنين في كل زمان الدعاء لإمامهم، كما بينا لك في هذا الكتاب، بدلائل العقل والنقل، وإذا عرضك غفلة أو نسيان عن ذكره (عليه السلام) في بعض الأحيان - كما هو الغالب في غالب أهل الزمان - فاعلم أنه لمة الشيطان فابتهل وتضرع إلى الله تعالى شأنه في صرف كيده عنك واستغفر الله تعالى وتب إليه توبة نصوحا، ليكفر عنك سيئتك، ويوفقك لذكر مولاك في كل حال، إنه جل ثناؤه لما يشاء فعال، وعليك بإمعان النظر، وإجالته فيما ذكرناه ونذكره، من وظائفك وآدابك لمولاك أسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك للعلم والعمل، ويعصمنا من الخطأ والزلل إنه قريب مجيب.
الرابع والستون

أن تسأل الله عز وجل ليحفظك من نسيان ذكره والدليل على ذلك مضافا إلى ما بينا لك آنفا من أن الله عز وجل جعل لك بالنسبة إليه وظائف وآدابا لا تتأتى منك إلا بدوام ذكره.
- ما ورد عنه (عليه السلام) في الدعاء المروي عن الشيخ العمري رضي الله تعالى عنه في حديث عال صحيح مروي في كمال الدين(٥٨٠) وهو قوله ولا تنسنا ذكره (الخ) فتدبر كيف جعل ذلك من الأدعية المهمة، التي أمر بها الشيعة في تلك المكالمات الشريفة، فلا تغفل عن ذلك، وتضرع إلى الله تعالى في كل حين، ولا سيما مواقع الاستجابة، لئلا تبتلى بنسيان ذكره (عليه السلام) ولا تؤخر الدعاء إلى حين الابتلاء فإنه قد ورد في الروايات المأثورة عنهم في آداب الدعاء أن يبادر المؤمن بالدعاء قبل نزول البلاء، واسأل الله عز وجل أن يعصمك ويحفظك من الذنوب، التي تورث الابتلاء بنسيان ذكر إمامك فإن هذا من أشد النقم وأعظمها.
- وقد ورد في بعض ما روي عنهم من الدعوات: " اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم " ولا ريب أن نسيان ذكر الإمام والغفلة عنه (عليه السلام) نقمة شديدة، تترتب عليها نقمات الدنيا والآخرة.
الخامس والستون: أن يكون بدنك خاشعا له

- والدليل على ذلك ما رواه السيد الأجل علي بن طاووس (رضي الله عنه) في جمال الأسبوع(٥٨١) بإسناده عن محمد بن سنان عن الصادق (عليه السلام) في دعاء يوم الجمعة وقد ذكرناه في كتاب أبواب الجنات في آداب الجماعات: اللهم إني أتقرب إليك بقلب خاضع، وإلى وليك ببدن خاشع، وإلى الأئمة الراشدين بفؤاد متواضع.. الخ، فقد دل حصول التقرب إلى الله عز وجل بخشوع البدن لوليه (عليه السلام)، والمراد بالولي هنا بقرينة ذكر الأئمة، وبقرينة التعبير بهذا اللفظ عن مولانا الحجة (عليه السلام)، في عدة من الدعوات والروايات الشريفة: هو الإمام المنتظر (عليه السلام).
وإن قلت يحتمل أن يكون المراد بالولي إمام كل زمان، أو المؤمن الكامل، قلنا وإن كان هذا الاحتمال بعيدا لكن يثبت المقصود على كل هذين التقديرين أيضا، لأن المؤمن الكامل الحقيقي منصرف فيه، كما لا يخفى. والمراد بخشوع البدن على ما يستفاد من التأمل في كتب اللغة وموارد الاستعمال ويستأنس به المتتبع المتدبر في الآيات والأخبار: أن تستعمل جوارحك في خدمة مولاك وإقامة أمره وأنت مسكين متذلل، تعرف عظمته، واستعلاءه عليك وترى في نفسك التذلل له، ووجوب حقه وإطاعته عليك، على ما هو حال العبد بالنسبة إلى مولاه.
فإن العبد العارف بمعنى العبودية والمولوية يعلم أن من لوازم عبوديته استعمال جوارحه في خدمة مولاه وإطاعته وهو في ذلك لا يتصور أن له منة أو يدا على مولاه بل يعلم أنه لو تهاون في خدمته أو إطاعة أوامره كان مقصرا، ولو استطال عليه أو استنكف كان عند العقلاء مذموما مطرودا فإذا كان هذا حال العبد الذي اشتراه أحد من الناس بدراهم معدودة، وكان لذلك المولى عليه هذا المقدار من الحق والمولوية فكيف حال المولى الذي جعل الله تعالى له المولوية التامة وقد أفصح عنه في كتابه العزيز بقوله تعالى: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) * وجعل هذا المقام بعد النبي (صلى الله عليه وآله) للإمام (عليه السلام) ومن كان من أهل التتبع والتدبر في أخبار فضلهم ومآثرهم لا يرتاب في شيء مما ذكرناه، ولو ذكرناها لطال الكتاب وفيما ذكرناه عبرة وكفاية لأولي الباب:

هر كس كه ز شهر آشنائى است * داند كه متاع ما كجائى است

السادس والستون

أن تؤثر هواه (عليه السلام) على هواك بأن تتفكر في كل أمر يرد عليك، وتريد الإقدام عليه: هل هو موافق لرضاه، أو مخالف له، فإن كان موافقا لرضاه أتيت به وأقدمت عليه، لا لهوى نفسك، بل لموافقته لرضاه وإن كان مخالفا لرضاه تركته وخالفت هوى نفسك طلبا لمرضاته - سلام الله عليه - فإذا كنت كذلك كنت محبوبا له محمودا على لسانه وعلى ألسنة آبائه الأئمة البررة سلام الله عليهم أجمعين.
- ويشهد لما ذكرنا ما رواه الفاضل المحدث النوري (رضي الله عنه) في كتاب نفس الرحمن عن أمالي(٥٨٢) الشيخ الطوسي (رضي الله عنه) بإسناده عن منصور برزج(٥٨٣) قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) ما أكثر ما أسمع منك يا سيدي ذكر سلمان الفارسي فقال (عليه السلام) لا تقل سلمان الفارسي ولكن قل: سلمان المحمدي (صلى الله عليه وآله) أتدري ما كثرة ذكري له؟ قلت: لا قال (عليه السلام) لثلاث خصال:
إحداها: إيثاره هوى أمير المؤمنين (عليه السلام) على هوى نفسه.
والثانية: حبه للفقراء، واختياره إياهم على أهل الثروة والعدد.
والثالثة: حب العلم والعلماء، إن سلمان كان عبدا صالحا حنيفا وما كان من المشركين.
أقول: تأمل في هذه الصفات وما يترتب عليها من الآثار الحسنة ومن جملتها محبة الأئمة (عليهم السلام) لصاحبها، ومدحهم وتمجيدهم له. واعمل بهذا الحديث الشريف حتى تفوز بسعادة الدارين وفقنا الله وإياكم يا إخواني المؤمنين إنه قريب مجيب.
السابع والستون

تعظيم من يتقرب به، وينتسب إليه بقرابة جسمانية أو روحانية، كالسادة العلوية، والعلماء الدينية والأخوة الإيمانية، فإن توقيرهم وتبجيلهم تعظيم وتوقير له سلام الله عليه وهذا أمر مشاهد بالوجدان نراه من معاشرة العقلاء وآدابهم فقد جرى دينهم على توقير أبناء العظماء وإخوانهم ومن يتقرب بهم وينتسب إليهم، تعظيما لهؤلاء، وتفاوت مراتب تعظيمهم وتوقيرهم بحسب تفاوت مراتب المنتسبين ويرون التعظيم والتوقير لهم تعظيما وتوقيرا لهؤلاء العظماء، ويرون ترك التعظيم والتوقير لهم استخفافا بشأن هؤلاء وهذا مما لا يرتاب فيه أحد من العقلاء وقد دل أئمتنا الطاهرون (عليهم السلام) على هذا الأمر في عدة الأحاديث المروية عنهم وقد ذكرنا بعضها في الأمر الواحد والثلاثين والسابع والثلاثين والثامن والأربعين وغيرها هذا مضافا إلى ما ستسمع في الأمر الثامن والستين، فإنه يدل على هذا الأمر أيضا فحوى أو منطوقا، فعليك بالرجوع، والتدبر، والمراقبة على تعظيم المنسوبين إليه من السادات، والعلماء والمؤمنين، وتوقيرهم وتبجيلهم على حسب شؤونهم ومراتبهم في العلم والتقوى والورع، وما يوجب الزلفى والتقرب والتحبب إلى مولاك صلوات الله عليه لكي تفوز بقربه وتسعد بحبه أسأل الله تعالى أن يوفقني وجميع المحبين بمنه وكرمه.
الثامن والستون

تعظيم مواقفه ومشاهده كمسجد السهلة والمسجد الأعظم بالكوفة، والسرداب المبارك بسامراء ومسجد جمكران، وغيرها من المواضع التي رآه فيها بعض الصالحين أو ورد في الروايات وقوفه فيها كالمسجد الحرام وتعظيم سائر ما يختص به، وينتسب إليه كأسمائه، وألقابه، وكلماته، وتوقيعاته، وملابسه، والكتب المذكورة فيها أحواله، وما يتعلق به، ونحو ذلك. والكلام أولا في استحباب ذلك ورجحانه وثانيا في بيان كيفية تعظيم تلك المشاهد وما يحصل التعظيم به.
أما المقام الأول

فنقول وبالله التوفيق إن الذي يدل عليه أو يؤيده أمور:
منها قوله عز وجل(٥٨٤)* (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) * وتقرير ذلك من وجهين:
أحدهما: إن المراد بشعائر الله تعالى بحسب ما استفدناه من التدبر في الآيات والروايات وملاحظة معنى الشعار والإشعار، وتتبع موارد الاستعمال: كل شيء له انتساب خاص، وإضافة خاصة إلى الله عز وجل، سواء كان بلا واسطة أم بواسطة، بحيث يعد تعظيمه تعظيما لله، وتوهينه وتحقيره توهينا وتحقيرا لله عز وجل بحسب الشرع والعرف كأسمائه وكتبه وأنبيائه وملائكته ومساجده وأوليائه وأهل الإيمان به، والأزمنة المخصوصة التي أوجب احترامها والبيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ومواقف أوليائه، ومشاهدهم، ومعابدهم، وأحكام الله تعالى من الفرائض، وغيرها، وحدوده، والحج ومناسكه وأعماله، قال الله عز وجل * (والبدن جعلناهم لكم من شعائر الله) * وفي هذه الآية دلالة على عدم انحصار الشعائر في البدن " كما توهمه بعض " إلى غير ذلك من المصاديق الكثيرة، التي يتعذر أو يتعسر إحصاؤها. ولا يخفى أن مواقف الأئمة ومشاهدهم ومعابدهم وملابسهم وذراريهم من تلك المصاديق، فإنها منتسبة إلى الله تعالى بالواسطة، أو بوسائط عديدة ألا ترى أن الله تعالى قد جعل البدن من شعائر الله، مع أنها تساق إلى البيت الحرام، الذي نسبه الله تعالى إليه فأي فرق بينها وبين مشاهد الأئمة (عليهم السلام) ومواقفهم، وذراريهم وما ينتسب إليهم فإنهم حجج الله وبيناته وهم أعز وأشرف من البيت الحرام.
- بل ورد في بعض الروايات أن المؤمن أعز من الكعبة المشرفة. ووجهه أن الإيمان بالله تعالى أعز الأمور وأشرفها ولهذا قال الله تعالى * (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) * في مقام بيان فضل تعظيم الشعائر تنبيها على أن تقوى القلوب أعظم الأمور وأشرفها وأنها مما يستغنى عن ذكر فضله وبيان علو مقامه وشرف منزلته عند الله عز وجل وبيان ذلك أن الله تعالى بعدما بين جملة من الأحكام في سورة الحج أمر بالتوحيد والإخلاص والتبري من الشرك بقوله * (حنفاء لله غير مشركين به) * ثم نبه على نتيجة الإشراك وعاقبته بقوله * (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) *.
ثم نبه على علامة التوحيد والإيمان بقوله * (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) * تنبيها على أن علامة من خلص قلبه من الشرك وتحلى بزينة الإيمان، واستنار بنور التوحيد، تعظيم شعائر الله وذلك لأن من أحب شيئا أحب كل ما يختص به، وينتسب إليه وهذا أمر مشاهد بالوجدان، مؤيد بالعقل والنقل فالمؤمن بسبب معرفته بالله تعالى وحبه له، يحب كل شيء يضاف وينتسب إليه تعالى بخصوصية يمتاز بها عما سواه ولهذا تتفاوت مراتب التعظيم والتوقير بتفاوت مراتب إيمان المؤمن وحبه وإخلاصه لله عز وجل وتفاوت مراتب الشيء المنتسب إلى الله تعالى في الخصوصيات والأسباب التي أوجبت انتسابه إلى الله واختصاصه به.
فتحصل مما ذكرناه أن كل ما كان له انتساب خاص إلى الله تعالى أوجب شرفا له وكان من جملة شعائر الله وكان تعظيمه تعظيم شعائر الله، سواء كان انتسابه بلا واسطة، أو مع الواسطة، ومواقف الإمام ومشاهده من جملتها، فهي نظير المساجد التي تنتسب إلى الله تعالى، بسبب وضعها لعبادة الله عز وجل لكن هذا لا يستلزم المشاركة مع المساجد في جميع الأحكام، لأن الأحكام الخاصة التي وردت في الشرع لمكان خاص مخصوصة به لا يتعدى فيها إلى غيره إلا بدليل خاص.
نعم يشتركان في كل ما يعد في العرف تعظيما وتوقيرا للمكان وسيأتي بيان ذلك في المقام الثاني إن شاء الله، ثم إنه لا ينافي ما ذكرناه في بيان معنى الشعائر لما ذكره بعض من التفسير بدين الله كله وبعض آخر بمعالم دين الله وبعض آخر بالأعلام التي نصبها لطاعته وبعض بحرمات الله وبعض بمناسك الحج.
وما سيأتي في قول أمير المؤمنين " نحن الشعائر " لأن الظاهر من ملاحظة الأشباه والنظائر أن كلا منها ذكر لبعض المصاديق أو أظهرها والكل يرجع إلى ما ذكرناه وبيناه بتأييد الله وبركة أوليائه.
- الوجه الثاني: أنه قد روي في مرآة الأنوار(٥٨٥) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلا أنه قال:
" نحن الشعائر، والأصحاب " ولا يخفى أن المراد بقوله نحن إما رسول الله والأئمة أو الأئمة فإنهم أعظم شعائر الله وأفضلها ولا ريب في أن تعظيم ما ينتسب إليهم تعظيم لهم وهم شعائر الله فتعظيم ما يختص بهم وينتسب إليهم تعظيم لهم وهم شعائر الله وهذا واضح لا سترة فيه فقد ظهر بحمد الله رجحان تعظيم وتوقير كل ما ينتسب إلى مولانا الحجة وكذا سائر الأئمة ويضاف إليهم بإضافة خاصة من مواقفهم ومشاهدهم وضرائحهم، وخطوطهم، وكتبهم، وملابسهم، وأحاديثهم وكلماتهم، وذراريهم وشيعتهم، وغير ذلك واستحباب ذلك مما لا مجال للتأمل فيه.
تنبيه وتحقيق

في معنى قوله (عليه السلام): نحن الشعائر والأصحاب. إعلم أن هذا يحتمل وجوها:
أحدها: أن يكون إشارة إلى ما ورد في دعاء ليلة النصف من شعبان أنهم أصحاب الحشر والنشر.
- وروي عنه (عليه السلام) في حديث(٥٨٦) محكي عن البصائر: أنا الحاشر إلى الله - الخبر ومر في شفاعته في الباب الرابع حديث يدل على ذلك أيضا ولا استبعاد فيه لأنهم محال مشيئة الله وأنهم مناة وأذواد، كما ورد في دعاء رجب عن الحجة (عليه السلام)، وقد قال الله تعالى لعيسى * (وإذ تحيي الموتى بإذني) * ولا شك أنهم أفضل من عيسى ومن إسرائيل صاحب الصور وقد صدر منهم إحياء الموتى بإذن الله في دار الدنيا كرارا بحيث بلغ حد التواتر، ولهذا المطلب مؤيدات لا يسع المقام ذكرها، ويحتمل أن يكون المراد بكونهم أصحاب الحشر والنشر في زمان الرجعة والله العالم.
الوجه الثاني: أن يكون المراد بقوله والأصحاب إنهم أصحاب السر والنجوى.
- ويؤيده ما ورد في الروايات أن الله تعالى ناجى عليا يوم الطائف ويوم خيبر ويوم حنين وتبوك وهي مذكورة في البرهان وكتب عديدة معتبرة.
- ويؤيده أيضا ما روي عنهم في البصائر(٥٨٧) وغيره: إن أمرنا سر مستسر وسر لا يفيده إلا سر وسر على سر وسر مقنع بسر.
- وفي حديث آخر(٥٨٨) إن أمرنا هو الحق وحق الحق وهو الظاهر وباطن الظاهر وباطن الباطن وهو السر وسر السر، وسر المستسر، وسر مقنع بالسر وشرح هذا الكلام مما لا يتحمله كثير من الأفهام.
- كما روي عنهم (عليه السلام) في كثير من الروايات أن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان فلهذا رأينا الإجمال أولى وطوينا عنه كشحا.
ويؤيد ما ذكرنا أيضا ما ورد في أبواب علومهم أن منها النقر في الآذان وفيه روايات عديدة معتبرة مذكورة في الكافي والبصائر وغيرهما.
- ومنها ما روي في البصائر(٥٨٩) في وصف الإمام وبعض شؤونه عن مولانا الباقر (عليه السلام):
يسمع في بطن أمه فإذا وصل إلى الأرض كان على منكبه الأيمن مكتوبا: * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) * ثم يبعث أيضا له عمودا من نور تحت بطنان العرش إلى الأرض يرى فيه أعمال الخلائق كلها ثم يتشعب له عمود آخر من عند الله إلى أذن الإمام كلما احتاج إلى مزيد افرغ فيه إفراغه.
- الوجه الثالث: أن يكون قوله (عليه السلام): والأصحاب إشارة إلى ما روي عنهم: لنا مع الله حالات: هو فيها نحن، ونحن هو، وهو هو، ونحن نحن.
- وفي الدعاء المروي في الإقبال(٥٩٠) عن صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه بتوسط الشيخ الكبير أبي جعفر محمد بن عثمان (رضي الله عنه) لكل يوم من شهر رجب: لا فرق بينك وبينهم إلا أنهم عبادك وخلقك، فتقها ورتقها بيدك، بدؤها منك، وعودها إليك - الخ.
وهذه المرتبة أعلى المراتب وهي مرتبة لا يمكن للممكن أعلى منها وهي مرتبة محمد والأئمة الطاهرين ويسمى بعالم لها هوت، أي ها هو، وهو عالم الوجه الأعلى من الفؤاد الذي هو الطرف الأعلى من الحقيقة المحمدية مع قطع النظر إلى ما تحته، وليس فوق هذا المقام مقام، إلا عالم الأزل الأصلي أي عالم الذات البحت الباري الذي لا اسم له، ولا رسم وهو غيب الغيوب، وهو عالم الربوبية، وهو في العالم، وليس في العالم، ليس في مكان ولا يخلو منه مكان، لا يجري عليه الزمان، ولا يخلو منه زمان وإن شئت توضيح مقام اللاهوت فانظر إلى الحديدة المحماة كيف صارت بمصاحبة النار نارا، وليست بنار فهي هي وليست هي والنار نار، وللحديدة المحماة حديدة، فقوله هو فيها نحن، ونحن هو، لظهور جميع آثار الواجب تعالى شأنه منهم وفيهم وهو الواجب المنزه عن شبه المخلوقين فهو هو، ونحن عبيد مربوبون محتاجون إليه، فنحن نحن.
- ومما ذكرناه ظهر معنى ما روي عنه: يا سلمان نزلونا عن الربوبية وادفعوا عنا حظوظ البشرية فإنا عنها مبعدون وعما يجوز عليكم منزهون، ثم قولوا فينا ما شئتم (الخ).
- وقوله(٥٩١) في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) السلام على نفس الله القائمة فيه بالسنن.
- وفي زيارة أخرى له السلام على نفس الله العليا.
- وما روي في تأويل * (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) * أن المراد بنفس الله أمير المؤمنين.
- ومنه يظهر معنى قوله (عليه السلام) في خطبته: ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير الخ.
- ومعنى ما روي عنهم أن أحدا لا يقدر أن يصفهم إلى غير ذلك. ومن هنا يظهر أنه لا استبعاد في كون أمير المؤمنين حاشرا إلى الله ومقلب الأحوال كما في زيارته ولا تنافي بين كونه حاشرا ومحشورا، ومحشورا إليه ومحاسبا ومجازيا كما ورد في روايات عديدة في معنى قوله تعالى * (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم) * فارجع إلى الكافي والبرهان(٥٩٢) وغيرهما وهذه الوجوه الثلاثة مما اختلج بالبال في معنى هذا الكلام الشريف.
والوجه الرابع: ما احتمله صديقنا المسمى(٥٩٣) باسم خامس الأئمة (عليهم السلام) وهو أن يكون المراد بقوله (عليه السلام) نحن الشعائر والأصحاب هم الأئمة (عليهم السلام) ويكون معنى قوله والأصحاب إشارة إلى ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم يعني أن مراده (صلى الله عليه وآله) بالأصحاب هم الأئمة الأطياب وشفعاء يوم الحساب لا كل من صاحب النبي أياما واقترف في عمره آثاما كما يزعمه العامة العمياء وقد ذكر صديقنا المذكور ورود حديث في تفسير قوله (صلى الله عليه وآله) أصحابي كالنجوم بما ذكر، والله العالم.
- والحديث ما رواه الصدوق في معاني الأخبار(٥٩٤) بإسناده عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما وجدتم في كتاب الله عز وجل فالعمل لكم به لا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله، وكانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي وما ليس لكم فيه سنة مني، فما قال أصحابي فقولوا به فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم، بأيها أخذ اهتدى وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة فقيل يا رسول الله من أصحابك؟ قال (صلى الله عليه وآله) أهل بيتي.
ولنرجع إلى أصل المطلب فنقول ومما يدل على ذلك:
- ما روي في الخلاصة للعلامة، والبحار(٥٩٥) بإسناد صحيح عن سليمان بن جعفر، قال:
قال لي علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)(٥٩٦) أشتهي أن أدخل على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أسلم عليه قلت فما يمنعك من ذلك قال الإجلال والهيبة له والتقى عليه قال: فاعتل أبو الحسن (عليه السلام) علة خفيفة، وقد عاده الناس فلقيت علي بن عبيد الله فقلت قد جاءك ما تريد، قد اعتل أبو الحسن (عليه السلام) علة خفيفة، وقد
عاده الناس، فإن أردت الدخول عليه فاليوم قال فجاء إلى أبي الحسن (عليه السلام) عائدا فلقيه أبو الحسن بكل ما يحب من المنزلة والتعظيم، ففرح بذلك فرحا شديدا.
ثم مرض علي بن عبيد الله فعاده أبو الحسن (عليه السلام) وأنا معه، فجلس حتى خرج من كان في البيت، فلما خرجنا أخبرتني مولاة لنا، أن أم سلمة امرأة علي بن عبيد الله كانت من وراء الستر تنظر إليه، فلما خرج (عليه السلام) خرجت وانكبت على الموضع الذي كان أبو الحسن (عليه السلام) فيه جالسا تقبله، وتتمسح به قال سليمان، ثم دخلت على علي بن عبيد الله فأخبرني بما فعلت أم سلمة، فخبرت به أبا الحسن (عليه السلام) قال: يا سليمان إن علي بن عبيد الله وامرأته وولده من أهل الجنة، إن ولد علي وفاطمة (عليهما السلام) إذا عرفهم الله هذا الأمر لم يكونوا كالناس.
أقول: الدليل على المطلوب تقريره (عليه السلام) لفعلها ثم التمجيد والمدح لذلك بقوله: إنها من أهل الجنة، وبقوله إن ولد علي وفاطمة (الخ) تعني أن تقبيلها موضع جلوسه (عليه السلام) والتمسح به من جهة معرفتها بحق الإمام وشأنه بخلاف أكثر الناس.
ومنها قوله عز وجل(٥٩٧) * (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) * بضميمة ما ورد في تفسيره وتبيين المراد منه.
- ففي غاية المرام(٥٩٨) والبرهان وغيرهما من كتب الأعيان بأسانيدهم المعتبرة من طرق العامة والخاصة أن رسول الله قرأ * (في بيوت أذن الله أن ترفع) * (الخ) فقام رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله): بيوت الأنبياء.
فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت علي وفاطمة (عليهما السلام) قال (صلى الله عليه وآله) نعم من أفضلها.
- وعن عيسى بن داود عن موسى بن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) في قوله تعالى * (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) * الخ، قال بيوت آل محمد، بيت علي وفاطمة والحسن والحسين وحمزة وجعفر صلوات الله عليهم أجمعين (الخ،) وفي هذا المعنى روايات عديدة تركناها اختصارا.
وتقريب الاستدلال أن الإذن في هذا المقام، إما بمعنى الأمر كقوله تعالى * (وداعيا إلى الله بإذنه) * أو بمعنى الإرادة كقوله تعالى * (وإذ تخرج الموتى بإذني) * وعلى كلا التقديرين ينتج أن بيوت آل محمد (صلى الله عليه وآله) بيوت يحب الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولو فرض كون الإذن بمعنى الإرادة التشريعية بقرينة قوله تعالى * (ويذكر فيها اسمه) * ولا يجوز أن يكون الإذن هنا بمعنى الرخصة، إذ لا ريب في رجحان ذكر الله واستحبابه، وإذا كان الإذن بمعنى الرخصة، كان منافيا لذلك فتعين أن يكون الإذن بمعنى الأمر فحاصل المعنى: في بيوت أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، لاشتراك المعطوف عليه في الحكم، ومعنى الرفع التعظيم والاحترام لا الرفع الحسي كما لا يخفى ولا فرق في صدق البيوت بين ما يسكنه الشخص في بعض الأوقات، وما يسكنه في جميع الأوقات، بحسب الصدق العرفي فكل ما يصدق عليه أنه من بيوت آل محمد (عليه السلام) دخل في رجحان التعظيم والاحترام، نعم كلما كان وقوفهم فيه واختصاصهم به أكثر وأتم كان تعظيمه واحترامه أحسن وأهم.
ومما يعضد ما ذكرناه واقعة شريفة نذكرها في المقام الثاني إن شاء الله تعالى وإن نازع مكابر غير منصف، وجادل فقال: لا نسلم صدق البيت على كل ما كان موقفا للشخص في بعض الأحيان.
قلنا أولا: إن صدق ما قلناه مشاهد بالعيان.
وثانيا لو لم تقبل ذلك حكمنا بتساويهما في ذلك بالفحوى لأن الذي صار سببا لاحترام البيوت التي سكنها آل محمد (صلى الله عليه وآله) انتساب تلك البيوت إليهم، لوقوفهم فيها وهذا موجود في كل مقام كان انتسابه إلى وقوفهم فيه كما لا يخفى.
ومنها قوله عز وجل: * (فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) * فإن التوصيف بالمقدس مشعر برجحان التعظيم والاحترام في كل مكان مقدس وقد اشتهر أن التقييد بالوصف مشعر بالعلية كما لا يخفى.
ومنها ما دل على حسن تعظيم الإمام، ورجحان ما تيسر له من التبجيل والاحترام فإن من مصاديق تعظيمه وتكريمه تكريم ما ينتسب إليه، بسبب انتسابه إليه وهذا أمر واضح لا غبار عليه، وهذا الوجه إنما يدل على تعظيم مقاماته، وما ينتسب إليه بعنوان أنه تعظيم الإمام، وتكريمه، وتعظيمها بعنوان تعظيم شعائر الله عنوان آخر كما لا يخفى فلا اتحاد ولا تكرار في ما بيناه.
- ومنها ما في كتب المزار كمصباح السيد والبحار(٥٩٩) في آداب ورود مسجد الكوفة:
فإذا أتيته فقف على باب الفيل، وقل: السلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله وآله الطاهرين، السلام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورحمة الله وبركاته، وعلى مجالسه، ومشاهده، ومقام حكمته، وآثار آبائه آدم وإبراهيم وإسماعيل الخ.
وجه الاستشهاد: إن السلام على مشاهده ومواقفه يدل على أن كل مكان كان مشهدا وموقفا له (عليه السلام) يحصل له بذلك شرف ومزية يوجب التعظيم والاحترام ولذلك يختص بالتحية والسلام.
وإذا ثبت ذلك لمواقف مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ومشاهده ومجالسه، ثبت لمواقف مولانا الحجة وسائر الأئمة البررة عليهم الصلاة والسلام، لاشتراكهم في تلك الفضائل، وأمثالها التي اختصهم الله عز وجل بها من بين خلقه كما لا يخفى.
ومن هنا يمكن أن يقال برجحان السلام والتحية لكل موقف ومشهد من مواقف الأئمة، ومشاهدهم، وإن لم يرد في كل واحد منها نص خاص، نظرا إلى ما ثبت من رجحان تعظيم مشاهدهم ومجالسهم، ودلالة ما نقلناه من التحية والسلام على مواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) ومجالسه، على كون ذلك من أقسام التعظيم والاحترام. كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
ومنها ما دل على استحباب إظهار المحبة لمن يحبه المؤمن من أهل الإيمان وكذا ما دل على فضيلة التوادد والتحابب فإنه غير المحبة لأن الحب والود أمر قلبي، وهو حقيقة الإيمان، والتوادد والتحابب إظهار الحب القلبي بوسيلة الأعمال وهذا علامة الحب القلبي، ومن ثمراته.
وإلى هذا ينظر ما ورد من الأمر بحب الأئمة (عليهم السلام) باليد واللسان فإن معنى الحب باليد واللسان إظهار الحب القلبي بهما وبسائر الجوارح والأعمال والأموال وتخصيص اليد واللسان بالذكر، بملاحظة أن ما يظهر من آثار الحب كلا أو جلا، عملا أو مالا، إنما يظهر بهما دون سائر الأعضاء، فباليد واللسان يبذل الأموال، ويوجد الأعمال، وينصر الإخوان، ويدفع عنهم أهل البغي والعدوان وقس هكذا.
ومن جملة أقسام التوادد وإظهار المحبة تعظيم ما ينتسب إلى المحبوب من مجالسه ومواقفه، وألبسته، وكتابته، وما يختص به وينتسب إليه، كما نرى من ملاحظة أحوال المحبين وأعمالهم بالنسبة إلى حبيبهم كما قيل:

أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
فما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا

ومنها قوله عز وجل * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) * الخ فإن ذلك تعظيم واحترام له (صلى الله عليه وآله) ولبيوته المنتسبة إليه ومواقف الأئمة ومشاهدهم ملحقة ببيوت النبي (صلى الله عليه وآله) موضوعا أو حكما. وتقرير الاستدلال كما مر في الاستدلال بقوله تعالى * (في بيوت أذن الله أن ترفع) * الخ.
- ومنها: ما في مزار البحار(٦٠٠) وغيره عن الأزدي قال: خرجنا من المدينة نريد منزل أبي عبد الله (عليه السلام)، فلحقنا أبو بصير خارجا من زقاق من أزقة المدينة، وهو جنب، ونحن لا علم لنا حتى دخلنا على أبي عبد الله، فسلمنا عليه، فرفع رأسه إلى أبي بصير فقال: يا أبا بصير، أما تعلم أنه لا ينبغي للجنب أن يدخل بيوت الأنبياء فرجع أبو بصير، ودخلنا.
أقول: وقد ورد في هذا المعنى روايات أخر أيضا وتخصيص المنع بصورة حضور الإمام في ذاك المكان ممنوع، لأن المورد لا يكون مخصصا، بل هو من أفراد العام، مضافا إلى أن عموم العام أفرادي، وصورة حضور الإمام حال من الأحوال، فلا يجوز تنزيل العام على تلك الحال فقط ودعوى انصراف العام إلى حال حضور الإمام لو ادعاه مدع ممنوعة بالدليل فتدبر.
- ومنها: ما في البحار(٦٠١) وغيره عن عدة من أصحابنا قال لما قبض أبو جعفر (عليه السلام) أمر أبو عبد الله (عليه السلام) بالسراج في البيت الذي كان يسكنه، حتى قبض أبو عبد الله (عليه السلام) ثم أمر أبو الحسن (عليه السلام) بمثل ذلك في بيت أبي عبد الله (عليه السلام) حتى خرج به إلى العراق ثم لا أدري ما كان.
أقول: دل هذا الحديث على استحباب تعظيم مواقف الأئمة ومساكنهم، وعلى أن الإسراج فيها من أقسام التعظيم والاحترام، فبهذا يمكن أن يستدل لاستحباب الإسراج في كل مكان يكون تعظيمه مصداقا لتعظيم شعائر الله بلا واسطة، أو مع الواسطة وإن لم يكن في ذلك المكان من ينتفع بالسراج، لأن الاحترام لمن ينتسب إليه المكان وتعظيمه يحصل بالإسراج في المكان المنسوب إليه عرفا، وإن لم يكن فيه من ينتفع به أو كان فيه سرج متعددة بحيث لا يحتاج إلى الإسراج لأن التعظيم والاحترام في نفسه غرض صحيح مرغوب فيه، والانتفاع غرض آخر، فإذا اجتمع الغرضان ضوعف الأجر والثواب.
ومن هنا يتجه القول باستحباب إيقاد السرج الكثيرة في المواضع الشريفة، كالمساجد، والمنابر، ومجالس تعزية الأئمة، والمشاهد، والمعابد، ومقابر العلماء، والصالحين، وأولاد الأئمة الراشدين، وفي الأزمنة المنتسبة إليهم، كليالي ولادتهم، وهذا أصل شريف تتفرع عليه فروع كثيرة، وقد خفي على جمع ممن يدعي العلم والبصيرة.
ومنها: فحوى ما دل على فضيلة الأرض التي دفن فيها الإمام وتجليلها إذ لا ريب في أن تلك الفضيلة إنما هي بواسطة كون الأرض موقفا ومقرا لجسده الشريف بعد موته، وهذا السبب جار في كل مكان، كان موقفا له في زمان حياته كما لا يخفى.
ومنها فحوى ما دل على فضل ليلة ولادته، عجل الله تعالى فرجه، وما ورد في تعظيمها، وتشريفها، لوضوح أن ذلك بسب انتسابها إليه، لوقوع ولادته فيها. وهذا السبب أعني الانتساب إليه موجود في مواقفه ومشاهده وسائر ما ينتسب إليه.
ومما يؤيد جميع ما ذكرناه ويؤكده أنه لا ريب في تساوي جميع الأمكنة والأراضي بحسب الخلقة الأصلية، ولا فضل لبعضها على بعض، إلا بسبب عروض شيء أوجب شرفه وفضله على غيره ولا شبهة في أن من أعظم الأسباب الموجبة لذلك أن يكون موقفا لأحد من الأئمة أو مدفنا له ولا ريب أيضا في أن لأبدانهم الشريفة آثارا في كل ما له قابلية لظهور الآثار فيه.
ولهذا لم تؤثر النار في منديل مسح رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده به إجلالا له (صلى الله عليه وآله) ولا خفاء أيضا في أن من تبرك بذلك المنديل لانتسابه إليه (صلى الله عليه وآله) عد فعله في أنظار المؤمنين تعظيما لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن استشفى بالتمسح به من بعض الأوجاع كان شفاء له البتة، كما أن من أساء الأدب إليه عد مسيئا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذا جار في كل شيء ينتسب إليه، أو إلى أحد من الأئمة الطاهرين.
ومن المؤيدات والمقربات للمطلب أيضا، ما ظهر في بعض الأراضي من تأثير أيديهم (عليهم السلام) بحيث صار ذهبا أو فضة، وفي بعض المياه بحيث انقلب ياقوتا وزبرجدا وأمثال ذلك كثيرة، مذكورة في حالاتهم، ومعجزاتهم، وقد ورد اهتزاز الأرض بسبب أقدام الرمكة التي ركبها جبرئيل (عليه السلام) يوم غرق فرعون، ولذلك قال السامري: * (بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها) * الخ:
وفيما ذكرناه كفاية لأهل الدراية والله تعالى ولي التوفيق والهداية.
المقام الثاني

في بيان كيفية تعظيم تلك المواقف والمشاهد والإشارة إلى ما يحصل التعظيم به فنقول: الضابطة في ذلك، إن ما صدق عليه تعظيم تلك المواقف والمشاهد ودخل تحت عنوان التجليل والتوقير، والتكريم لصاحبها، كان راجحا محبوبا شرعا، بالأدلة التي ذكرناها وبيناها في المقام الأول سواء علمنا كون ذلك الأمر مصداقا للتعظيم بحسب الشرع أو العرف.
فالأول: كالصلاة والذكر والدعاء، فإن الآيات والأخبار الدالة على استحباب صلاة التحية، والذكر في المساجد، يفهم منها حصول تعظيم المسجد بها وبأمثالها فتدل على استحبابها في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
والثاني كتزيينها وتقبيلها، والدخول فيها حافيا ونحوها، وظهر بما ذكرنا أنه لو نذر شخص واحدا مما يصدق عليه تعظيم تلك المشاهد والمواقف، صح نذره، لثبوت رجحانه بما بيناه لك، وحرم مخالفته، ووجب عليه الكفارة إن تخلف عنه فلا مجال للتأمل في انعقاد نذر الإسراج في مواقفهم، والمجالس المنتسبة إليهم وعند المنابر التي تذكر عليها مناقبهم ومصائبهم، ونحو ذلك كما صدر عن بعض الموسوسين أو القاصرين عن درجات التحصيل والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل. إذا عرفت ذلك، فلنذكر بعض أفراد التعظيم والتجليل، تذكرة لنفسي ولإخواني المؤمنين.
فمنها: عمارتها، والبناء عليها وتزيينها، وتقبيلها وبسط الفرش والاسراج فيها، وتعاهدها، والاختلاف إليها، والدخول فيها حافيا متطهرا متطيبا، مقدما للرجل اليمنى بسكينة ووقار، والاشتغال بذكر الله تعالى وقراءة القرآن والدعاء والصلاة فيها والسلام عليه وعلى آبائه وعلى مواقفه، والاحتراز من تنجيسها، وتطهيرها لو تنجست، وكنسها، وأن لا يدخلها جنبا، ولا يدخل فيها نجسا، ولا متنجسا، ولا يبصق، ولا يتنخع فيها ولا يشتغل بأمور الدنيا، ولا يتكلم بها، ولا يدخلها المرأة حائضا، ولا نفساء، وأن لا يكشف فيها العورة، ولا يدخلها إذا كان في فيه رائحة بصل أو ثوم ونحوهما، ولا ينشد فيها الشعر، وأن يجتنب فيها المحرمات والمكروهات ويجتنب المزاح والضحك والعبث والجدال والمراء ورفع الصوت ونحوها، مما ينافي التعظيم والتوقير.
هذا ما حضرني من الأمور التي يحصل بها تعظيم تلك المواقف والمشاهد بحسب التأمل والتدبر في الأمور العرفية، والآداب الواردة لتعظيم المساجد وغيرها ولأنها إنما وردت بسبب كونها تعظيما وتكريما كما نبهنا عليه. ولعلك بالتأمل والتتبع تطلع على أزيد مما ذكرناه وأشرنا إليه، وههنا فروع:
الأول: الظاهر نظرا إلى رواية أبي بصير السابقة كراهة الدخول والمكث في مواقفهم ومشاهدهم جنبا وذهب بعض الفقهاء إلى الحرمة، تمسكا بروايات لا دلالة لها على مطلوبهم وإلحاقا بالمساجد وهو قياس لا نقول به وتعظيما لها وفيه تفصيل سنذكره في الفرع الآتي.
الثاني لو فعل ما ينافي التعظيم، فإن كان الفعل بمجرده مما يحصل به الهتك كإدخال العذرة مثلا فيها، كان حراما بلا شبهة وأما إن لم يكن كذلك فإن فعله بقصد التهتك والإهانة كان حراما أيضا وإلا فلا.
الثالث: لو رأى من يفعل فيها ما ينافي التعظيم، فإن كان من القسم الأول أو الثاني وجب نهيه وردعه، وإن كان من القسم الثالث استحب نهيه.
الرابع: من سبق إلى مكان من تلك المواقف لاستيفاء المنفعة المقصودة المعدة لها تلك المواقف والمشاهد، كان أولى من غيره، وثبت له حق الأولوية طول يومه أو ليلته ما لم يعرض عنه سواء ارتحل عنه لحاجة أم لا وسواء بقي له رحل في ذلك الموضع أم لا وسواء طالت غيبته عنه أم لا.
- والدليل على ذلك صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: نكون بمكة أو بالمدينة، أو بالحير، أو بالمواضع التي يرجى فيها الفضل، فربما يخرج الرجل يتوضأ ويجيء آخر فيصير مكانه قال (عليه السلام) من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليلته.
أقول: هذا الحديث وإن كان مرسلا لكنه مجبور بعمل الأصحاب رضي الله عنهم واعتمادهم عليه وتأيده بالحديثين الآتيين، مضافا إلى كون المرسل من الأجلاء والتعبير عن المرسل عنه ببعض أصحابه، إذ فيه إشعار تام بالوثاقة ولا كذلك التعبير برجل ونحوه.
تنبيه

احتمل بعض الأصحاب أن يكون الواو في الحديث المذكور بمعنى أو..
- نظرا إلى رواية طلحة بن زيد، عن الصادق (عليه السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل.
- وما روي مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله): إذا قام أحدكم من مجلسه في المسجد فهو أحق به إلى الليل.
أقول: لا حاجة إلى جعل الواو بمعنى أو، بل الواو لبيان اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم كما هو الأصل في ذلك وهذا ما يعبر عنه الأصوليون بقولهم الواو لمطلق الجمع وفي هذا الحديث إن جعلنا مرجع الضمير السبق، كان واضحا، يعني من سبق إلى موضع فهو أحق به يوم السبق وكذلك أن جعلنا المرجع الشخص، فالمعنى أن من سبق إلى موضع فهو أحق به في اليوم الذي سبق فيه إن كان السبق في اليوم وفي الليلة التي سبق فيها إن كان ليلا فتدبر حتى يتضح لك ما ذكرناه. وعلى ما ذكرناه لا تنافي بينه وبين الخبرين الآخرين، كما زعمه بعض فأوجب التكلف للجمع بينهما ببعض الوجوه. واعلم أن كلمات القوم في هذه المسألة مختلفة، وأنا أصنف فيها تصنيفا مفردا إن شاء الله تعالى.
تذنيب

- حكى العالم المحدث النوري في جنة المأوى(٦٠٢) عن كتاب رياض العلماء أنه: رأيت في بعض المواضع نقلا عن خط الشيخ زين العابدين علي بن الحسن بن محمد الخازن الحائري (رضي الله عنه) تلميذ الشهيد (رضي الله عنه) أنه قد رأى ابن أبي جواد النعماني مولانا المهدي (عليه السلام) فقال:
يا مولاي لك مقام بالنعمانية ومقام بالحلة فأي تكون فيهما؟
فقال (عليه السلام) له: أكون بالنعمانية ليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء ويوم الجمعة وليلة الجمعة أكون بالحلة. ولكن أهل الحلة ما يتأدبون في مقامي، وما من رجل دخل مقامي بالأدب يتأدب ويسلم علي وعلى الأئمة (عليهم السلام) وصلى علي وعليهم اثنتي، عشرة مرة ثم صلى ركعتين بسورتين وناجى الله بهما المناجاة، إلا أعطاه الله تعالى ما يسأله.
فقلت: يا مولاي علمني ذلك.
فقال (عليه السلام): قل اللهم قد أخذ التأديب مني حتى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين وإن كان ما اقترفته من الذنوب أضعاف ما أدبتني به، وأنت حليم، ذو أناة، تعفو عن كثير، حتى يسبق عفوك ورحمتك عذابك، وكررها علي ثلاثا حتى فهمتها.
التاسع والستون والمتمم سبعين

ترك التوقيت وتكذيب الموقتين. إعلم وفقك الله وإيانا أن الحكمة الإلهية اقتضت إخفاء وقت ظهور صاحب الأمر عن عباده، قبل حين ظهوره، لأمور خفيت علينا ويستفاد من أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بعضها، وسنشير إليه إن شاء الله تعالى لأن العلم بذلك من أسرار الله التي سترها عن خلقه كما ورد في الدعاء المروي عنه على يد الشيخ العمري (رضي الله عنه): وأنت العالم غير معلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له بإظهار أمره وكشف ستره، فصبرني على ذلك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت ولا أكشف عما سترت ولا أبحث عما كتمت ولا أنازعك في تدبيرك.. إلى آخر الدعاء وقد ذكرناه في الباب السابع.
- وفي كتاب الحسين بن حمدان بإسناده عن المفضل قال: سألت سيدي أبا عبد الله (عليه السلام) هل للمأمول المنتظر المهدي إليه التسليم من وقت موقت يعلمه الناس؟
فقال (عليه السلام): حاش لله أن يوقت له وقتا أو يوقت له شيعتنا قال: قلت يا مولاي ولم ذلك؟ قال لأنه هو الساعة التي قال الله عز وجل * (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) * وقوله تعالى:
* (يسألونك عن الساعة قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * وقوله * (وعنده علم الساعة) * ولم يقل عند أحد دونه.

وقوله * (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم) *، وقوله * (اقتربت الساعة وانشق القمر) * وقوله * (وما يدريك لعل الساعة قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد) *.
قلت: يا مولاي! ما معنى يمارون؟
قال (عليه السلام): يقولون متى ولد ومن رآه وأين هو وأين يكون ومتى يظهر؟ كل ذلك استعجالا لأمر الله وشكا في قضائه أولئك الذين خسروا الدنيا والآخرة وإن للكافرين لشر مآب.
قال المفضل قلت يا مولاي فلا يوقت له وقت؟
قال (عليه السلام): يا مفضل لا توقت فإن من وقت لمهدينا وقتا فقد شارك الله في علمه وادعى أنه أظهره الله تعالى على سره. انتهى موضع الحاجة والحديث طويل.
- وفي النعماني(٦٠٣) بإسناده عن محمد بن مسلم، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام يا محمد من أخبرك عنا توقيتا بوقت فلا تهابن أن تكذبه فإنا لا نوقت لأحد وقتا.
- وعن أبي بكر الحضرمي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنا لا نوقت هذا الأمر.
- وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له جعلت فداك، متى خروج القائم (عليه السلام) فقال (عليه السلام): يا أبا محمد إنا أهل بيت لا نوقت وقد قال محمد (صلى الله عليه وآله) كذب الوقاتون يا أبا محمد إن قدام هذا الأمر خمس علامات: أولاهن النداء في شهر رمضان، وخروج السفياني، وخروج الخراساني، وقتل النفس الزكية وخسف بالبيداء. ثم قال: يا أبا محمد، إنه لا بد أن يكون قدام ذلك الطاعونان: الطاعون الأبيض والطاعون الأحمر.
قلت: جعلت فداك وأي شيء هما؟
فقال (عليه السلام): أما الطاعون الأبيض فالموت الجارف، وأما الطاعون الأحمر فالسيف، ولا يخرج القائم (عليه السلام) حتى ينادى باسمه في جوف السماء، في ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان ليلة جمعة.
قلت: بم ينادى؟
قال: باسمه واسم أبيه: ألا إن فلان ابن فلان قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله) فاسمعوا له وأطيعوه فلا يبقى شيء من خلق الله فيه الروح إلا سمع الصيحة فتوقظ النائم، ويخرج إلى صحن داره، وتخرج العذراء من خدرها، ويخرج القائم مما يسمع، وهي صيحة جبرئيل (عليه السلام).
- وفي الكافي(٦٠٤) والنعماني بإسنادهما أن مهزم قال للصادق (عليه السلام) جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو؟
فقال: يا مهزم، كذب الوقاتون وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون.
- وبإسنادهما(٦٠٥) عن أبي بصير قال سألته يعني أبا عبد الله عن القائم (عليه السلام) فقال: كذب الوقاتون إنا أهل بيت لا نوقت.
- وفي النعماني(٦٠٦) أنه قال (عليه السلام): أبى الله إلا أن يخلف وقت الموقتين.
- وعن الفضيل(٦٠٧) بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له إن لهذا الأمر وقتا فقال:
كذب الوقاتون كذب الوقاتون كذب الوقاتون.
- وفي الكافي(٦٠٨) عن أحمد بإسناده قال: قال: أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين.
- وفيه بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن القائم (عليه السلام).
فقال: كذب الوقاتون إنا أهل بيت لا نوقت.
- وفي غيبة(٦٠٩) الشيخ الطوسي بإسناده عن الفضل بن شاذان بإسناده عن الفضيل، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل لهذا الأمر وقت؟
فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون.
- وبإسناده(٦١٠) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كذب الموقتون، ما وقتنا فيما مضى ولا نوقت فيما يستقبل.
- وبإسناده(٦١١) عن عبد الرحمن بن كثير قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه مهزم الأسدي، فقال أخبرني جعلت فداك متى هذا الأمر الذي تنتظرونه فقد طال؟
فقال (عليه السلام): يا مهزم كذب الوقاتون وهلك المستعجلون ونجا المسلمون وإلينا يصيرون.
- وبإسناده(٦١٢) الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من وقت لك من الناس شيئا فلا تهابن أن تكذبه فلسنا نوقت لأحد وقتا.
- وفي الاحتجاج(٦١٣) للشيخ الطبرسي (رضي الله عنه) عن محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق ابن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) أن يوصل لي كتابا، قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) إلى أن قال وأما ظهور الفرج، فإنه إلى الله عز وجل، وكذب الوقاتون.. الخ.
- ورواه(٦١٤) الشيخ الطوسي (رضي الله عنه) عن جماعة من مشايخه عن جعفر بن محمد بن قولويه، وأبي غالب الزراري، وغيرهما، عن محمد بن يعقوب الكليني (رضي الله عنه) عن إسحاق بن يعقوب.
أقول: إسحاق بن يعقوب لم أر توثيقه في ما عندي من كتب الرجال، لكن يكفي في وثاقته وجلالته رواية الكليني عنه معتمدا عليه، مضافا إلى قرائن أخر كما لا يخفى على الفطن البصير فتدبر.
تبيين

قد ظهر من جميع ما تلوناه عليك أن من الوظائف المهمة ترك التوقيت، وتكذيب من وقت ظهور حجة الزمان كائنا من كان، وينبغي التنبيه على أمور:
- أحدها: إنه قد يتوهم التنافي بين ما ذكر وما رواه المشايخ الثلاثة(٦١٥) بأسانيدهم عن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إن عليا (عليه السلام) كان يقول: إلى السبعين بلاء وكان يقول: بعد البلاء رخاء وقد مضت السبعون ولم نر رخاء فقال أبو جعفر (عليه السلام) يا ثابت إن الله تعالى كان وقت هذا الأمر في السبعين فلما قتل الحسين (عليه السلام) اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع السر فأخره الله ولم يجعل له بعد ذلك وقتا عندنا * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) * قال أبو حمزة وقلت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: قد كان ذاك.
- وروى الشيخ بإسناده عن الفضل بن شاذان بإسناده عن أبي بصير قال: قلت له:
ألهذا الأمر أمد نريح إليه أبداننا، وننتهي إليه؟ قال بلى، ولكنكم أذعتم فزاد الله فيه.
- وبإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: كان هذا الأمر في، فأخره الله تعالى، ويفعل بعد في ذريتي ما يشاء(٦١٦).
- وروى النعماني بإسناده عن إسحاق بن عمار الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول قد كان لهذا الأمر وقت وكان في سنة أربعين ومائة فحدثتم به وأذعتموه فأخره الله عز وجل(٦١٧).
- وفيه في حديث آخر عنه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا إسحاق، إن هذا الأمر قد أخر مرتين(٦١٨).
يقول مصنف هذا الكتاب، المعتصم بحبل الله المتين ولاية الأئمة الطاهرين محمد تقي الموسوي الأصفهاني عفي عنه: لا تنافي بين هذه الأحاديث وما سبق، إذ لا صراحة ولا ظهور في هذه الأحاديث بكون المراد بهذا الأمر ظهور الإمام الثاني عشر عجل الله تعالى فرجه، بل لا يمكن أن يكون المراد به ظهوره (عليه السلام)، لأن السبعين وأربعين ومائة كانتا قبل ولادته وهكذا الحديث الثالث نص على ما ذكرناه.
فالمراد به استيلاء الأئمة (عليهم السلام) وظهور دولة الحق وغلبة المؤمنين على المخالفين وهذا غير مقيد بظهوره (عليه السلام) بحسب هذه الروايات وليست منافية لترتيب الإمامة وكون عددهم اثني عشر والظاهر من هذه الأحاديث أن ظهور دولة الحق وغلبة الأئمة وشيعتهم، واستيلائهم على أهل الباطل وبسطهم العدل في الدنيا كانت مقدرة في السبعين بشرط اتفاق الناس على نصرة الحسين (عليه السلام) فإن ذلك كان تكليفا على عامتهم كما ورد في أحاديث سنذكر بعضها إن شاء الله تعالى فلما فسقوا عن أمر ربهم وقعدوا عن نصرة وليهم، اشتد غضب الله تعالى عليهم فأخر نجاتهم، واستخلاصهم من أيدي أعدائهم، وبسط العدل فيهم، إلى أربعين ومائة سنة وهذا يوافق زمن الصادق (عليه السلام) كما صرح به في الرواية الثالثة.
فلما خالف الشيعة أمر الأئمة في كتمان أسرارهم، وأذاعوا ما أمروا بكتمانه وستره، وكان هذا كفرانا لما أنعم الله به عليهم، جاز أهم الله تعالى بتأخير نجاتهم وخلاصهم كما نطق به الحديث قال الله عز وجل: * (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) *.
وأما الأحاديث التي وعدنا ذكرها:
- فمنها ما في عاشر(٦١٩) البحار من كتاب النوادر لعلي بن أسباط، عن ثعلبة بن ميمون،
عن الحسن بن زياد العطار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة) * قال (عليه السلام): نزلت في الحسن بن علي (عليه السلام) أمره الله بالكف، قال: قلت: * (فلما كتب عليهم القتال) * قال (عليه السلام) نزلت في الحسين بن علي (عليه السلام) كتب الله عليه وعلى أهل الأرض أن يقاتلوا معه.
أقول: هؤلاء الثلاثة كلهم ثقات أمناء إماميون كما نص عليه علماء الفن فالحديث في غاية الصحة وفي معناه روايات عديدة تركنا ذكرها اختصارا.
وقد ظهر بما بينا أنه لا وجه لحمل الأخبار السابقة على كون النهي عن التوقيت على سبيل الحتم والصراحة، أو على تخصيص النهي بغير الأئمة، كما ارتكبه بعض العلماء لأنك قد عرفت عدم دلالة الأخبار الخمسة المذكورة على توقيت زمان ظهور مولانا صاحب الزمان (عج) أصلا بل لا دلالة في الحديث الثاني والثالث على بيان وقت الفرج أيضا إذ لا يظهر منهما إلا كون الأئمة عالمين بوقته، إلا أنهم أعلموا غيرهم بذلك، هذا مضافا إلى أن التوجيه الذي ذكره ذلك البعض مخالف لصريح قولهم (عليهم السلام) إنا أهل بيت لا نوقت، وقولهم ما وقتنا فيما مضى، ولا نوقت فيما يستقبل، وقولهم لسنا نوقت لأحد وقتا. وغير ذلك فالروايات السابقة على صحتها وصراحتها لا معارض لها حتى نحتاج إلى توجيهها وتأويلها.
- فإن قلت قد يعارضها وينافيها ما في البحار(٦٢٠) والبرهان من العياشي عن أبي لبيد المخزومي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا لبيد، إن في حروف القرآن المقطعة لعلما جما إن الله تعالى أنزل * (ألم ذلك الكتاب) * فقام محمد (صلى الله عليه وآله) حتى ظهر نوره وثبتت كلمته وولد يوم ولد، وقد مضى من الألف السابع مائة سنة وثلاث سنين.
ثم قال وتبيانه في كتاب الله في الحروف المقطعة إذا عددتها من غير تكرار وليس من حروف مقطعة حرف ينقضي إلا وقيام قائم من بني هاشم عند انقضائه، ثم قال: الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون والصاد تسعون فذلك مائة وإحدى وستون ثم كان بدء خروج الحسين بن علي (عليه السلام) ألم الله فلما بلغت مدته قام قائم ولد العباس عند * (المص) * ويقوم قائمنا عند انقضائه ب‍ * (الر) * فافهم ذلك وعه واكتمه.
- وفي البحار(٦٢١) وشرح الأربعين للمجلسي الثاني من كتاب المحتضر للحسن بن سليمان تلميذ الشهيد (رضي الله عنه) قال: روي أنه وجد بخط مولانا أبي محمد العسكري (عليه السلام) ما صورته: قد صعد ناذري الحقائق بأقدام النبوة والولاية وساقه، إلى أن قال: وسيسفر لهم ينابيع الحيوان بعد لظى النيران، لتمام ألم، وطه، والطواسين من السنين، انتهى.
قلت: إن هاتين الروايتين قاصرتان عن معارضة ما قدمنا من الروايات سندا ودلالة، لأن الرواية الأولى مرسلة إلى خثيمة بن عبد الرحمن الراوي، عن أبي لبيد وخثيمة غير مذكور في الرجال، وأبو لبيد لم يتعرضوا له بمدح أو قدح فالرواية ضعيفة سندا لا يعتمد عليها.
والثانية مضافا إلى كونها مرسلة وجادة لا رواية، وهما مع ذلك كله من متشابهات الأخبار، فيرد علمها إليهم (عليهم السلام) هذا مضافا إلى أن الثانية لم يذكر فيها ظهور القائم (عليه السلام) أصلا والله العالم بالمراد من ظهور ينابيع الحيوان.
والأولى لا صراحة فيها بأن المراد بقائمنا هو مولانا صاحب الزمان لإطلاق القائم في جملة من الروايات على من يقوم بأمر الحق أو يقوم لنصرتهم كما لا يخفى على المتتبع في رواياتهم سلام الله عليهم أجمعين.
- ومن جملة تلك الروايات ما رواه الشيخ النعماني(٦٢٢) (رضي الله عنه) بإسناده عن الصادق (عليه السلام) أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه حدث عن أشياء تكون بعده إلى قيام القائم (عج) فقال الحسين (عليه السلام) يا أمير المؤمنين متى يطهر الله الأرض من الظالمين؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يطهر الله الأرض من الظالمين حتى يسفك الدم الحرام، ثم ذكر أمر بني أمية، وبني العباس في حديث طويل ثم قال: إذا قام القائم بخراسان وغلب على أرض كوفان(٦٢٣) والملتان وحاز جزيرة بني كاوان وقام منا قائم بجيلان، وأجابته الآبر والديلم، وظهرت لولدي رايات الترك(٦٢٤) متفرقات في الأقطار والجنات(٦٢٥) وكانوا بين هنات وهنات، إذا خربت البصرة وقام أمير الأمراء بمصر فحكى (عليه السلام) حكاية طويلة.
ثم قال: إذا جهزت الألوف، وصفت الصفوف، وقتل الكبش الخروف، هناك يقوم الآخر، ويثور الثائر، ويهلك الكافر، ثم يقوم القائم المأمول، والإمام المجهول له الشرف والفضل، وهو من ولدك يا حسين لا ابن مثله يظهر بين الركنين في دريسين باليين، يظهر على الثقلين ولا يترك في الأرض الأدنين طوبى لمن أدرك زمانه ولحق أوانه وشهد أيامه، انتهى.
الأمر الثاني: قد ظهر من جميع ما قدمناه أن العلم بوقت ظهور مولانا صاحب الأمر (عليه السلام) من أسرار الله، التي سترها عن خلقه، ولم يظهرها لهم، وهو العالم بوجه ذلك، ورسوله وحججه (عليهم السلام) لكن الذي استفدناه من كلماتهم وجوه:
أحدها أن العباد لا يقدرون على تحمله والصبر على كتمانه وهذا الوجه يستفاد من روايتي أبي حمزة وأبي بصير السابقتين، وبيان ذلك أن المؤمنين على طبقات مختلفة:
فمنهم من لا يقدر على تحمل الأسرار لضعف إيمانه، فهو لا يحتمل العلم بها، بل لو ذكر له بعض الأسرار سبق إلى قلبه بعض الشكوك والشبهات، بسبب عدم طاقته، وضعف إيمانه:
- كما ورد في بيان مراتب الإيمان، أنه لو حمل على صاحب الاثنين الثلاثة، لا نكسر كما تنكسر البيضة على الصفا.
- وورد لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، إلى غير ذلك.
ومنهم من يكون إيمانه قويا، ويقينه ثابتا، ويقدر على احتمال بعض الأسرار، ولا يدخله خلل في ذلك. لكن لا طاقة له بالصبر على طول الزمان، فلو عين له الوقت من أول الأمر، وقيل له إن الحجة (عليه السلام) لا يظهر مثلا إلى ألف سنة، لمات حزنا على طول المدة، أو عرضه المرض والشدة، فالمصلحة في إخفاء الوقت عن هذا أيضا.
ومنهم من يكون أقوى منه، ولكن لا صبر له على كتمانه فإذا أخبر بالسر أذاعه وأفشاه فالمصلحة في إخفاء السر عنه أيضا ولعله ينظر إلى ما ذكرناه بتأييد الله تعالى وبركة أوليائه (عليهم السلام).
- ما روى في البصائر(٦٢٦) بإسناده عن أبي الصامت قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
إن من حديثنا ما لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد مؤمن قلت فمن يحتمله؟
قال (عليه السلام): نحن نحتمله.
- وفيه(٦٢٧) في حديث آخر عنه (عليه السلام) قال: إن حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان زكي، وعر لا يحتمله ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن ممتحن قلت فمن يحتمله جعلت فداك؟
قال (عليه السلام): من شئنا يا أبا الصامت. قال أبو الصامت فظننت أن لله عبادا هم أفضل من هؤلاء الثلاثة.
- وفي الكافي(٦٢٨) عن بعض أصحابنا، قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) جعلت فداك، ما معنى قول الصادق (عليه السلام) حديثنا (صعب مستصعب)، لا يحتمله ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان فجاء الجواب إنما معنى قول الصادق (عليه السلام) - أي: لا يحتمله ملك ولا نبي ولا مؤمن - أن الملك لا يحتمله حتى يخرج إلى ملك غيره، والنبي لا يحتمله حتى يخرجه إلى نبي غيره، والمؤمن لا يحتمله حتى يخرجه إلى مؤمن غيره فهذا معنى قول جدي (عليه السلام).
الوجه الثاني: إن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون المؤمنون في جميع الأزمان منتظرين لظهور مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) كما يرشد إليه قوله تعالى * (فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين) * ويدل عليه الأخبار الكثيرة، التي قدمناها في بحث الانتظار فلو علموا وقت ظهوره انتقض الغرض، ويئسوا عن ظهوره قبل بلوغ الأمد وحضور الوقت المعين وفي ذلك تفويت لمصالح عديدة فستر عنهم وقت ظهوره قبل حضور وقته رعاية لتلك المصالح.
- وهذا الوجه يستفاد مما روي في الكافي(٦٢٩) وغيره من كتب الأخبار، عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): الشيعة تربى بالأماني منذ مأتي سنة قال: وقال يقطين لابنه علي: ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن قال: فقال له على أن الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد غير أن أمركم حضر فأعطيتم محضه وكان كما قيل لكم وإن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني فلو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلى مأتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجع عامة الناس عن الإسلام ولكن قالوا ما أسرعه وما أقربه! تألفا لقلوب الناس، وتقريبا للفرج.
تبيين

الذي يقوي في نفسي لمعنى قوله (عليه السلام): إن الشيعة تربي بالأماني منذ مأتي سنة إنه لما عظم المصاب بشهادة الحسين (عليه السلام) واشتد جزع الأحباب لذلك كان الأئمة (عليهم السلام) يمنونهم ويسلونهم بظهور الفرج بظهور القائم - عجل الله تعالى فرجه - وكانت المدة بين قتل مولانا المظلوم إلى إمامة القائم (عليه السلام) مأتي سنة، وقيل في معناه وجوه لا تخلو عن بعد وتكلف والله تعالى هو العالم ويحتمل أن يكون ابتداء المدة المذكورة من زمن البعثة، فتكون إلى وقت صدور هذا الحديث قريبا من مأتين.
قال بعض أصحابنا، ويمكن تأييده بأن المؤمنين كانوا من أول زمان البعثة في المحنة والشدة، وكذا بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وفي زمان أمير المؤمنين والحسن (عليهما السلام) وكل منهم كانوا يسلون شيعتهم بظهور الفرج، وسلطنة القائم (عليه السلام)، والله العالم.
الوجه الثالث: في سر إخفاء العلم بوقت الظهور عن الناس إنه لما كان أحد الحكم المقتضية للغيبة تمحيص الناس وامتحانهم، اقتضت هذه الحكمة إخفاء العلم بوقت ظهور الحجة (عليه السلام) عنهم وإلا لم يتم التمحيص والامتحان لكثير ممن يظهر الإيمان حتى يتبين المستعجلون عن غيرهم وهذا الوجه يستفاد من الأخبار الكثيرة التي علل فيها غيبة القائم بذلك، وقد ذكرنا بعضها في هذا الكتاب ومنها..
- في النعماني(٦٣٠) عن عبد الله بن أبي يعفور عن الصادق قلت: جعلت فداك كم مع القائم (عليه السلام) من العرب؟
قال (عليه السلام): شيء يسير.
فقلت: والله إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير فقال (عليه السلام) لا بد للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا، ويخرج من الغربال خلق كثير وفي حديث آخر عن أبي بصير مثله.
- وفيه(٦٣١) عن الحسن بن علي(٦٣٢) قال: لا يكون الأمر الذي تنتظرون حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، فيشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضا فقيل له: ما في ذلك الزمان من خير قال (عليه السلام) الخير كله في ذلك الزمان، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كله.
- وفي حديث آخر(٦٣٣) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض قال الراوي: فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عند ذلك من خير؟ قال الخير كله عند ذلك، يا مالك عند ذلك يقوم قائمنا (عليه السلام) الخبر.
- وعن الصادق (عليه السلام) قال والله لتكسرن تكسر الزجاج، وإن الزجاج ليعاد فيعود، والله لتكسرن تكسر الفخار، وإن الفخار ليكسرن ولا يعود كما كان والله لتغربلن، ووالله لتميزن، ووالله لتمحصن حتى لا يبقى إلا الأقل، وصفر كفه(٦٣٤).
- وعن موسى بن جعفر (عليه السلام) أما والله ما يكون ذلك حتى تميزوا وتمحصوا وحتى لا يبقى منكم إلا الأقل(٦٣٥).
- وعن الرضا (عليه السلام) والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تمحصوا وتميزوا وحتى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر(٦٣٦).
- وعن الباقر (عليه السلام) قال هيهات هيهات لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تمحصوا، والله لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تميزوا ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تغربلوا، والله لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم إلا بعد إياس ولا والله لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى يشقى من شقي، ويسعد من سعد(٦٣٧).
وروي مثله عن محمد بن يعقوب بإسناده وفيما ذكرناه غنى وكفاية لأهل الهداية والدراية.
الوجه الرابع: إن ذلك تفضل كامل وعناية خاصة على أهل الإيمان الموجودين في زمن غيبة صاحب الزمان وبيان ذلك أن الظاهر من الروايات كما مر سابقا أن وقت ظهور الفرج من الأمور البدائية، التي يمكن تقدمها وتأخرها بسبب بعض المصالح والحكم وتحقق بعض الشرائط أو عدمها من الأمور الخفية عن العباد، فلو أخبرهم الأئمة (عليهم السلام) بوقت ثم تأخر لأجل بعض الأسباب والحكم ارتاب كثير من الخلق، لكون ذلك خلفا لميعاد الله تعالى شأنه، في إنظارهم أو تطرق الشكوك والشبهات في قلوبهم.
- وإلى هذا الوجه أشار مولانا أبو جعفر الباقر (عليه السلام) في الحديث المروي في الكافي(٦٣٨) وغيره، عن فضيل بن يسار، قال: قلت: لهذا الأمر وقت؟ فقال (عليه السلام): كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون إن موسى (عليه السلام) لما خرج وافدا إلى ربه، واعدهم ثلاثين يوما، فلما زاد الله على الثلاثين عشرا قال قومه قد أخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا فإذا حدثناكم الحديث، فجاء على ما حدثناكم [به]، فقولوا: صدق الله وإذا حدثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله تؤجروا مرتين.
أقول: يحتمل أن يكونوا مأجورين مرتين، مرة لإيمانهم، وأخرى لصبرهم وتحمل غير ذلك والله العالم.
تنبيه

المراد بالبداء ظهور تقدير شيء على العباد بعد خفائه عنهم، لحكم إلهية، ومصالح ربانية وهو عالم بما يخفى وما يبدو، وقد اشتبه معنى البداء على العامة فأنكروه زعما منهم لزوم الجهل على الله تعالى شأنه وقد تقدم منا في ذكر المكرمة الثانية والعشرين من الباب الخامس ما ينفعك فراجع.
تتميم وتبيين

إعلم أن الوجوه الثلاثة الأول من الوجوه التي استفدناها من كلمات أئمتنا الأبرار (عليهم السلام) قد أوضحت سر إخفاء العلم بوقت ظهوره (عليه السلام) مطلقا، أعني الوقت الحتمي والبدائي فإنها حكم ومصالح تقتضي ستر كلا الوقتين عن الناس، كما لا يخفى على من له خبرة واستئناس.
وأما الوجه الرابع فهو ناظر إلى سر إخفاء الوقت البدائي عنهم فقط إذ لو أخبروا به ثم اقتضت الحكمة التأخير عنه إلى وقت آخر لارتاب أكثر الناس، ودخل في صدورهم الوسواس ووقعوا في الحيرة والشبهة كما اتفق لبني إسرائيل.
فإن قلت فكيف أخبروا ببعض الأمور البدائية، ثم وقع خلافه لبعض المصالح، كما في قضية الشاب الذي أخبر داود بموته والمرأة التي أخبر عيسى بموتها واليهودي الذي أخبر نبينا (صلى الله عليه وآله) بموته ثم لم يموتوا وأخبروا بوقوع الفرج في زمان، ولم يقع في ذلك الزمان وتأخر لبعض الحكم والأسباب كما ذكر في رواية أبي حمزة السابقة وكيف لم يوجب ذلك ضلالة المؤمنين، ولم يقعوا في الحيرة والشبهة.
قلت إنما كان ذلك بسبب حضور الحجج فيهم وتبيينهم سر البداء والتأخير لهم وتيسر السؤال عنهم والمؤمنون في زمان غيبة الإمام (عليه السلام) محجوبون عن رؤيته، محرومون من لقائه واستكشاف المسائل عنه فلو أخبروا بوقوع الظهور في وقت بدائي، ثم تأخر عنه لمصلحة إلهية، ولم يكن فيهم الإمام والحجة ليردهم عن الحيرة والشبهة، ويبين لهم صدق الأخبار ووجه المصلحة، وقعوا في الحيرة والشبهة، وتاهوا في وادي الضلالة، فلذلك لم يوقتوا لهم وقتا حتميا ولا بدائيا أما الحتمي فللوجوه السابقة، وأما البدائي فلهذا الوجه الذي بيناه رأفة بهم وشفقة عليهم وحفظا لهم من الزلة والضلالة.
فإن قلت: إن المؤمنين إذا أيقنوا بصدق أئمتهم، واعتقدوا وقوع البداء في المقدرات الإلهية، والإخبارات الغيبية، لم يقعوا في الحيرة والضلالة ولم يتزلزلوا في عقائدهم الحقة، سواء كان الإمام حاضرا فيهم أم غائبا عنهم.
قلت هذا حال المؤمنين الكاملين، الذين رسخ في قلوبهم الإيمان ببينة وبرهان، وأيدهم الله تعالى بروح منه وهم قليل بالنسبة إلى ما سواهم وأما الأكثرون فهم ضعفاء العقول والإيمان، كخامة الزرع يميل يمينا وشمالا بهبوب الرياح، يسقط مرة ويقوم أخرى. فأرادوا رعايتهم ومحافظتهم حتى تكمل قوتهم، وتسلم عدتهم ودفع ما يوجب السقوط والاضمحلال عنهم ولهذا كان الأئمة (عليهم السلام) يسترون كثيرا من المطالب عن كثير من أصحابهم وشيعتهم حفظا لهم، وشفقة عليهم فإن الإمام هو الوالد الشفيق كما في حديث صفات الإمام وفضله المروي في الكافي(٦٣٩) وغيره.
وقد ظهر مما ذكرنا أن إخبار موسى بني إسرائيل بالوقت البدائي لم يكن إضلالا لهم، وتقصيرا في حقهم، بل كان امتحانا وتمحيصا لهم بأمر الله عز وجل، لأنه استخلف عليهم أخاه هارون حين أراد الغيبة عنهم، وجعله حجة عليهم فكانوا هم المقصرين في إعراضهم عن الحجة وتركهم الرجوع إليه في كشف الحيرة والشبهة بل أرادوا قتله كما قال: * (يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) * وقال تبارك وتعالى * (ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) *.
- فإن قلت قد ورد عن الحجة (عليه السلام)(٦٤٠) وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله.
فجعل العلماء في زمان غيبته حجة على العباد ومرجعا لهم فكما أن المؤمنين الموجودين في زمن حضور الأئمة تمت عليهم الحجة، ووضح لهم السبيل في كشف الحيرة والشبهة، ورفع ما يوجب الزلة والضلالة بالسؤال عن الأئمة وكذلك المؤمنون الموجودون في زمن الغيبة، تمت عليهم الحجة ووضح لهم السبيل بالرجوع إلى العلماء الأبرار، الناقلين لآثار الأئمة الأطهار، الحاملين لعلومهم في كل ما يرد عليهم مما لا يفهمون وجهه، ويختلج في صدورهم من الشبهة فلا ضير في أخبارهم بالوقت البدائي للظهور المحتمل تأخيره لوجه من الحكمة والمصلحة.
قلت أما أولا فإنه قد يكون في بعض أزمنة الغيبة زمان يختفي العلم، إما بفقد العلماء، أو باختفائهم لغلبة الباطل وأهله ويسمى ذلك الزمان في الأخبار بزمان الفترة والسبطة، وحينئذ لا يجد المؤمن من يدفع عنه الشبهة والحيرة، ويبين له وجه المصلحة والحكمة.
- ويدل على ما ذكرناه ما رواه الشيخ النعماني(٦٤١) قدس الله تعالى سره في كتاب الغيبة، بإسناده عن أبان بن تغلب (رضي الله عنه) عن أبي عبد الله، أنه قال: يأتي على الناس زمان يصيبهم فيها سبطة يأرز العلم كما تأرز الحية في جحرها فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم نجم قلت: فما السبطة قال الفترة قلت فكيف نصنع فيما بين ذلك فقال (عليه السلام) كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم.
توضيح

يأرز على وزن ينضر ويضرب ويعلم بتقديم الراء المهملة على المعجمة أي يختفي وأما ثانيا فإن العلماء الأبرار وإن كانوا نوابا عن الإمام (عليه السلام) في زمان الغيبة ومراجع للعباد فيما يرد عليهم من القضايا والأحكام، وحجة عليهم في مسائل الحلال والحرام لكنهم ليسوا عالمين بحكم التقديرات، ومصالح التغييرات، ووجوه البداء، وأسباب القضاء، وكثيرا ما يكون أنه لا ترفع الحيرة ولا تندفع الشبهة إلا ببيان وجه المصلحة وتوضيح الحكمة، كما عرفت من حديث أبي حمزة حيث إنه لم يتخلص من الحيرة إلا بعد أن بين له الإمام (عليه السلام) وجه تأخير الفرج عن الوقت الذي أخبر به أمير المؤمنين (عليه السلام) وهكذا في نظائره وأشباهه كما لا يخفى على المتتبع في الأخبار والسير وذكرها خارج عما نحن بصدده في هذا الكتاب والله تعالى هو الهادي إلى نهج الصواب.
والحاصل أن كشف المعضلات وحل تلك المشكلات وأمثالها من وظائف الإمام وشؤونه وعدم الكشف في زمان الغيبة مستند إلى الخلق لأنهم السبب في خفائه من الله تعالى علينا بتعجيل فرجه ولقائه مع تيسير العافية لنا بمنه وكرمه إنه قريب مجيب.
وأما ثالثا فإن الله تعالى شأنه لطيف بعباده، وألطافه على قسمين: قسم يجب عليه بحكم العقل والنقل، وهو ما يكون خلافه قبيحا، والله لا يفعل القبيح أصلا فإنه ممتنع على الله عز شأنه وهذا هو الذي تداول واشتهر في الألسن، من أن اللطف واجب على الله تعالى، ولا تفاوت في هذا القسم بين الأزمان والأشخاص، مثل التكليف بغير المقدور فإنه قبيح ممتنع على الله تعالى والتكليف بما لا طريق للعباد إلى العلم به ولهذا كان بعث الأنبياء واجبا بقاعدة اللطف وإعطاؤهم المعجزة واجبا بقاعدة اللطف وفي هذا القسم يستوي جميع أهل العالم في جميع الأزمنة والأمكنة.
والقسم الثاني: ما لا يكون واجبا بحكم العقل بل يكون تفضلا وإحسانا في حق من يشاء لما يشاء كيف يشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
ومن هذا القسم لطفه على الأمة المرحومة المحمدية (صلى الله عليه وآله) برفع التكليفات الشاقة عنهم كما في الآية الشريفة: * (ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) * ومن هذا القسم أيضا ستر العلم بالوقت البدائي لظهور الإمام (عليه السلام) عن المؤمنين المحبين له، فإنه عز وجل وإن أتم عليهم الحجة وأوضح لهم المحجة بالعقل والنقل فبين لهم صدق أئمتهم وتمامية حجتهم، بحيث لا يبقى لأحد عذر في تطرق الشبهة والتورط في الحيرة لكنه من عليهم نظرا إلى شأن أئمتهم ورعاية أضعفهم وقلة عدتهم فزوى عنهم الأخبار بوقت علم تأخير الظهور عنه، لحكمة ومصلحة لطفا بهم وتفضلا وشفقة عليهم، ومرحمة وإحسانا إليهم، كيلا يقعوا في الحيرة، ولا تختلج في صدورهم شبهة.
ومما ذكرنا - ولله الحمد وله المنة - تبين السر في كتمان العلم بوقت ظهور الإمام (عليه السلام) عن سائر الأنام من الخاص والعام سواء كان حتميا أم بدائيا وعليك بإمعان النظر فيما ذكرناه والتأمل التام فإنه مأخوذ من كلمات الأئمة البررة الكرام، أسكننا الله تعالى في جوارهم في دار السلام.
الأمر الثالث: الظاهر من العمومات المتكثرة الواردة في الروايات المتضافرة الدالة على أن الأئمة (عليهم السلام) عالمون بما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وما ورد في وصف الإمام بأنه عالم لا يجهل وما ورد من أن علم كل شيء في القرآن لقوله تعالى * (فيه تبيان كل شيء) * وأن الإمام يستخرجه منه، وقوله تعالى * (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) *.
وقوله عز وجل(٦٤٢) * (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) * وهم الأئمة كما في الرواية، وقوله عز وجل(٦٤٣) * (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) * وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) كما ورد عنهم بضميمة ما دل على أنهم في العلم والشجاعة سواء وأن ما علمه أمير المؤمنين (عليه السلام) علمه من بعده من الأئمة.
- وهكذا قول الصادق (عليه السلام): إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شيء فيقول: لا أدري.
- وقول أبي جعفر (عليه السلام): إن من علم ما أوتينا تفسير القرآن وأحكامه وعلم تغير الزمان وحدثانه، إذا أراد الله بقوم خيرا أسمعهم، ولو أسمع من لم يسمع لولي معرضا كأن لم يسمع ثم أمسك هنيئة ثم قال: ولو وجدنا أوعية أو مستراحا لقلنا، والله المستعان.
وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة المروية في البصائر والكافي وغيرهما: إن الإمام (عليه السلام) يعلم وقت ظهوره، لكنه لم يؤذن بإظهاره كما أن الأئمة الماضين لم يؤذنوا بإظهاره لأن الأئمة (عليهم السلام) وإن كانوا عالمين بكل شيء، عدا ما استثنى مثل الاسم الأعظم، الذي ادخره الله عز وجل لنفسه، لم يطلع عليه أحدا من خلقه، لكنهم * (عباد مكرمون لا يسبقون بالقول وهم بأمره يعملون) * ولا يخبرون العباد إلا بما أمرهم الله تعالى بإظهاره لهم، كما ورد ذلك في روايات عديدة مذكورة في البصائر(٦٤٤) وغيره.
وحاصلها أن الله تعالى أمر العباد بأن يسألوا الأئمة الأمجاد، فقال تعالى(٦٤٥)* (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * فعليهم السؤال، وليس الإمام ملزما بالجواب بل هو موكول إلى مشيئته، بحسب ما يراه من المصلحة، فإن شاء أجاب وإن شاء أمسك كما قال عز وجل:
* (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) * فهو يعمل بمقتضى المصلحة من الجواب والتقية، والكتمان والتورية.
ولو أردنا ذكر الروايات الواردة في كل باب من هذه الأبواب لطال الكتاب وخرج عما هو المقصود، وأوجب الإطناب، والعارف يكفيه الإشارة ولم أجد في الأخبار المأثورة ما يتوهم منه المنافاة لما ذكرناه سوى حديثين:
- أحدهما: ما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما يكون إلى يوم القيامة، والآية قوله تعالى(٦٤٦) * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) * وروي نظيره عن غيره من الأئمة (عليهم السلام) أيضا.
والثاني: خبر أبي حمزة الثمالي المتقدم في التنبيه الأول، عن مولانا أبي جعفر (عليه السلام) حيث قال في ذيل كلامه: ولم يجعل له بعد ذلك وقتا عندنا * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) * ولا دلالة فيهما عند التأمل التام على نفي علم الإمام بوقت ظهوره عليه الصلاة والسلام.
أما الأول فلأن معناه أن قوله تعالى * (يمحو الله ما يشاء) * الخ، مانع عن أخبار الناس بما يكون إلى يوم القيامة لأنه (عليه السلام) لم يقل: لولا آية في كتاب الله لعلمت ما يكون وإنما قال لولا تلك الآية لأخبرتكم بما يكون وكلمة لولا تدل على امتناع الجملة الفعلية، بسبب وجود الجملة الاسمية، الواقعة بعد لولا وتسمى لولا الامتناعية.
وتحقيق الكلام في هذا المقام إن الحكمة الإلهية اقتضت إخفاء كثير من الأمور عن العباد، وإظهار جملة منها لهم بعد خفائها عنهم، وجعل كثيرا من التقديرات موقوفة على وقوع أمور أو عدم أمور أخرى وفيها يكون المحو والإثبات وهو عالم بما يمحو وما يثبت في أزل الآزال، وعنده أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، الذي جرى فيه القلم بأمره عز وجل، بجميع ما يكون كما يكون، وإنما أخبر عباده بوقوع المحو والإثبات لحكم كثيرة، ومصالح عديدة:
منها دلالتهم على عموم قدرته، ونفوذ مشيئته لئلا يقولوا كما قالت اليهود والزنادقة يد الله مغلولة.
ومنها أن يتعبدوا له ويتضرعوا إليه، ويدعوه فيفوزوا بإحدى الحسنيين أعني نيل مقاصدهم في الدار العاجلة، إن كانت من الأمور الموقوفة، والفوز بثواب الدعاء والتعبد والتضرع في الدار الآخرة، إن كانت من الأمور المحتومة.
ومنها التمحيص لقوم والامتحان لقوم آخرين، ليميز الله الخبيث من الطيب وهذا التمحيص والامتحان قد يقع في أصل الإذعان للمحو والإثبات فيؤمن به قوم مؤمنون وينكره قوم آخرون، كما زعمه قوم من الفلاسفة الزنادقة، وقد يقع في تصديق الأئمة الطاهرين، وحجج الله على العالمين، فيما أخبروا بوقوع البداء فيه، لكونه من الأمور الموقوفة، التي يجري فيها المحو والإثبات، فصدقهم المؤمنون لاعتقادهم به، وبصدق أئمتهم.
وإليه أشار مولانا الباقر (عليه السلام) في حديث فضيل بن يسار الذي مر في الوجه الرابع، فاغتنمه وراجع. وكذبهم المعاندون ونسبوهم إلى الافتراء على الله جل شأنه في ذلك، وزعموا أن ذلك مما وضعه الأئمة (عليهم السلام)، ليكون مندوحة لهم فيما يخبرون به شيعتهم، ثم يقع على خلاف ما حدثوهم به فقد دل جل وعز في كتابه الكريم على وقوع المحو والإثبات تصديقا لما يحدث به ويبينه حججه وبيناته، وينكره الجاهلون به وعصاته، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وقد يقع التمحيص والامتحان في الآثار المترتبة على الاعتقاد بوقوع المحو والإثبات، في مرحلة التوكل والتعبد، والتصدق، والتضرع، والدعاء، والاهتمام، في الأمور الباعثة للتبديل والتغيير في التقديرات الموقوفة، القابلة للمحو والإثبات، وفي التمحيص والامتحان أيضا، حكم كثيرة ومصالح خفية وجلية، يظهر لأهلها بالتتبع والتدبر في الآيات القرآنية، والروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) ولتحقيق القول فيها وبسطها مقام آخر.
والحاصل أن الله عز وجل قد أخبر بوقوع المحو والإثبات حفظا لحكم كثيرة ومصالح خفية وجلية قد أشرنا إلى بعضها، والمتدبر في الآيات والروايات يطلع على غير ما ذكرناه إن شاء الله تعالى فلو أخبر الإمام بما يؤول إليه أمر كل أحد، وبما يقع في العالم إلى الأبد لانتقض الغرض وبطلت الحكم الكثيرة الموجبة لجعل المحو والإثبات ولذا قال (عليه السلام): لولا تلك الآية لأخبرتكم بما يكون إلى يوم القيامة.
فتبين بما بيناه أن آية المحو والإثبات إنما تقتضي منعهم (عليهم السلام) عن الإخبار بما يكون إلى يوم القيامة لا نفي علمهم صلوات الله عليهم أجمعين.
تنبيه

إعلم أن الذي يدل عليه الحديث المذكور وأمثاله أنهم غير مأذونين في إخبار الناس بجميع ما يقع في العالم، وهو مقتضى الحكمة أيضا ولكنهم أمروا بإظهار جملة مما يحدث في العالم لحكم كثيرة أيضا.
منها: الدلالة على صدقهم في سائر ما يحدثون به من الحوادث، والقضايا والأحكام ومسائل الحلال والحرام وغيرها.
ومنها: تكميل إيمان المؤمنين، وإتمام الحجة على الكافرين.
ومنها: تسلية قلوب أهل الإيمان وحثهم وبعثهم على انتظار صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه وظهوره ولذلك قد أخبروا بكثير مما يقع في آخر الزمان قبل ظهور الحجة (عليه السلام) وقد وقع منها أمور، ومن جملة ما وقع في زماننا هذا من العلامات التي ورد الإخبار بها عن النبي (صلى الله عليه وآله) أمران:
أحدهما: تبديل العمائم بالقلانس في هذه السنة بأمر السلطان.
والثاني: سرور العباد وتشكرهم لفقد الأولاد والسبب في ذلك أمر السلطان ".. " بأخذ الشبان البالغين إحدى وعشرين سنة للنظام الإجباري منذ سنتين وهذه السنة السابعة والأربعون بعد ألف وثلاثمائة من الهجرة النبوية (صلى الله عليه وآله) نسأل الله تعالى أن يعجل في ظهور وليه صاحب الزمان (عليه السلام) لهدم أساس الظلم والطغيان.
وقد روى في كتاب نور العيون المصنف بمائة وسبعين سنة تقريبا قبل هذا الزمان وقوع هذين الأمرين في آخر الزمان قبل ظهور القائم (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقد شاع في هذا الزمان أيضا تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال في الملابس والزينة والتجمل وغيرها، ظهرت المنكرات وشاعت ووضعت المعازف وآلات اللهو والمزامير على الشوارع والطرق علانية، وشاع الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وترى الفاسق مكرما عزيزا، والمؤمن موهونا ذليلا، ويرى الناس الزكاة مغرما، والإثم مغنما.
وكل هذه مما أخبر به الصادق المصدق وأوصياؤه (عليهم السلام) ونسأل الله تعالى التعجيل في ظهور وليه، المفرج عن المؤمنين في خير وعافية وقد وقع جملة من العلامات التي أخبر بها في سنوات قبل هذا الزمان ولا ريب أن مشاهدة تلك الأمور توجب قوة يقين المؤمنين، وإتمام الحجة على الجاحدين، والمرتابين، والمكذبين.
وأما: الحديث الثاني وهو خبر أبي حمزة الثمالي فصدره وذيله يدلان على أن غرض الإمام (عليه السلام) إخفاء المطلب عنه، والحديث ينادي بأعلى صوته بأنه أراد الستر والكتمان، وبين وجهه في جواب السؤال.
وتوضيح الكلام أن الله عز وجل خلق اللوح المحفوظ في السماء وأثبت فيه جميع العلوم والوقائع والحوادث والقضايا والأحكام كما قال تعالى(٦٤٧)* (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) * وفي سورة طه قال * (علمها عند ربي في كتاب) * وفي سورة النمل(٦٤٨) * (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) *.
وفي سورة سبأ(٦٤٩)* (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) * وفي فاطر * (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) *
وفي سورة ق(٦٥٠)* (وعندنا كتاب حفيظ) * وفي سورة الحديد * (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) * وفي الواقعة(٦٥١) * (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون) *.
وخلق نظير اللوح المحفوظ السماوي في الأرض وهو الإمام (عليه السلام) فهو لوح عالم الملك، كما أن الأول لوح عالم الملكوت، وقد أثبت فيه وأودعه جميع ما أودع اللوح السماوي وأثبت فيه فقال تعالى(٦٥٢) * (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) * وقال تعالى(٦٥٣) * (حم والكتاب المبين) * فإنه قد ورد في روايات عديدة أن أمير المؤمنين هو الإمام المبين.
- وفي الكافي(٦٥٤) عن الكاظم في حديث النصراني الذي أسلم، أن " حم " رسول الله (صلى الله عليه وآله) والكتاب المبين: علي أمير المؤمنين والروايات في أبواب علوم الأئمة وكيفياتها أكثر من أن تحصى، إذا أردت الاطلاع على جملة منها فعليك بكتاب بصائر الدرجات(٦٥٥) جزى الله تعالى مصنفه أحسن الجزاء.
وقد ورد في روايات مستفيضة أن جميع الأئمة (عليهم السلام) في العلم سواء، وكذا في الشجاعة، وغيرهما من الصفات الحسنة، وأن ما علمه أمير المؤمنين علمه الإمام بعده وهكذا إذا عرفت هذا فنقول كما أن اللوح المحفوظ السماوي أثبت الله فيه علم كل شيء لكن لا يظهر الله تعالى منه لأهل العالم، إلا ما كان الصلاح في إظهاره ويستر عنهم ما دون ذلك بحسب اقتضاء أحوال الأشخاص والأزمان كذلك اللوح المحفوظ الذي جعله في الأرض، وأثبت فيه كل علم أودعه في اللوح السماوي، لا يظهر منه لأهل العالم إلا ما كان الصلاح في إظهاره، ويستر عنهم ما دون ذلك كما قال عز وجل * (ولكن ينزل بقدر ما يشاء) * وقال تعالى:(٦٥٦) * (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) * فإن الإمام هو الشجرة الطيبة كما في روايات كثيرة، بل متواترة وثمرها علمه، يفيض منه ما يشاء بإذن ربه على من يشاء كيف يشاء، كما يظهر من الروايات الكثيرة، المتواترة، المروية عنهم (عليهم السلام).
وملخص الكلام أن الإمام أراد ستر المطلب عن الراوي بذلك البيان ويشهد لذلك صدر الكلام من السؤال والجواب.
- ويشهد لما ذكرناه أيضا قول الصادق (عليه السلام) لأبي جعفر محمد بن النعمان الأحول في حديث طويل شريف، مروي في تحف العقول(٦٥٧) وغيره: يا بن النعمان، إن العالم لا يقدر أن يخبرك بكل ما يعلم لأنه سر الله الذي أسره إلى جبرئيل وأسره جبرئيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وأسره محمد إلى علي (عليه السلام)، وأسره علي إلى الحسن، وأسره الحسن إلى الحسين (عليه السلام)، وأسره الحسين إلى علي (عليه السلام) وأسره علي إلى محمد وأسره محمد (عليه السلام) إلى من أسره فلا تعجلوا فوالله لقد قرب هذا الأمر ثلاث مرات فأذعتموه فأخره الله والله ما لكم سر إلا وعدوكم أعلم به منكم، الحديث.
فانظر إلى هذا الكلام، وتأمل فيه، فإنه ينادي لمن له قلب بعلمهم (عليهم السلام) بوقت الفرج، ولكنهم مأمورون من الله تعالى بكتمانه لعدم تحمل الشيعة.
فإن قلت يلزم على هذا أن يكون كلام الإمام في خبر أبي حمزة كذبا لأنه (عليه السلام) قال: ولم يجعل له بعد ذلك وقتا عندنا.
- قلت قد روى الشيخ الأجل محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات(٦٥٨) بإسناده الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إني لأتكلم بالكلمة بها سبعون وجها لي من كلها المخرج.
- وبإسناده(٦٥٩) عن علي بن أبي حمزة قال: دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبد الله (عليه السلام) فبينا نحن قعود إذ تكلم أبو عبد الله (عليه السلام) بحرف، فقلت أنا في نفسي: هذا مما أحمله إلى الشيعة هذا والله حديث لم أسمع مثله قط قال فنظر (عليه السلام) في وجهي ثم قال إني لأتكلم بالحرف الواحد لي فيه سبعون وجها إن شئت أخذت كذا، وإن شئت أخذت كذا.
- وبإسناده(٦٦٠) الصحيح عن أبي عبد الله قال أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا إن كلامنا لينصرف على سبعين وجها. وفي معنى هذه الروايات روايات مستفيضة، بل متواترة وهي تدل على أنه لو صدر عنهم (عليهم السلام) كلام يخالف بظاهره سائر أحاديثهم أو يتوهم من ظاهره الكذب أو نحو ذلك فإنهم لم يريدوا ظاهره، ولهم المخرج منه فيجب علينا تصديقهم وإرجاع العلم به إليهم.
فربما ينكرون شيئا بحسب بعض الحكم والمصالح، والتقية من بعض الحاضرين وفي كلامهم تورية أو وجه من الوجوه لا نعرفها وهم العالمون بها وأنت إن كنت من أهل التتبع والممارسة في كلماتهم وقفت على شواهد متكثرة لصحة ما ذكرناه بعون الله تعالى وبركة أوليائه.
- ومن جملة تلك الشواهد، ما في الكافي(٦٦١) وغيره عن سدير قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله (عليه السلام) إذ خرج إلينا وهو مغضب فلما أخذ مجلسه قال: وا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي.
قال سدير: فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله، دخلت أنا وأبو بصير وميسر، وقلنا له جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك ونحن نعلم أنك تعلم علما كثيرا، ولا ننسبك إلى علم الغيب قال: فقال: يا سدير ألم تقرأ القرآن؟
قلت: بلى.
قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل * (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) *.
قال قلت جعلت فداك قد قرأته.
قال (عليه السلام): فهل عرفت الرجل وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟
قال قلت: أخبرني به.
قال (عليه السلام): قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر فما يكون ذلك من علم الكتاب.
قال قلت: جعلت فداك ما أقل هذا.
فقال (عليه السلام): يا سدير، ما أكثر هذا أن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به.
يا سدير فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضا * (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) *؟.
قال قلت: قد قرأته جعلت فداك.
قال (عليه السلام): فمن عنده علم الكتاب كله أفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه؟
قلت: لا بل من عنده علم الكتاب كله.
قال: فأومى بيده إلى صدره، وقال علم الكتاب والله كله عندنا علم الكتاب والله كله عندنا.
تنبيه وتتميم

أنظر إلى هذا الحديث الشريف، وتدبر فيه من صدره إلى ذيله يظهر لك صحة ما قلناه، من أن ما صدر منهم (عليهم السلام) مما يشتمل على سلب العلم عن أنفسهم ليس على ظاهره، بل صدر عنهم لنوع من المصلحة كما أنه (عليه السلام) نفى عن نفسه، العلم بمكان الجارية، إما لاشتمال المجلس على أهل النفاق أو الغلو، أو لغير ذلك من الجهات التي هو العالم بها ثم لما ارتفع المانع أوضح (عليه السلام) وفور علمه، وأنه عالم بكل شيء وأنه يعلم الغيب، حيث إنه أقسم باسم الله جل جلاله بأن علم الكتاب كله عنده، وهذا يدل على أنه عالم بالغيب، وبما كان وما يكون لما عرفت من الآيات الدالة على أن الله عز وجل أثبت جميع ذلك في الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، وهذا الحديث كغيره دل على علمه بجميع ما في اللوح المحفوظ، ولذلك عبر في عدة من الزيارات والروايات عن الإمام (عليه السلام) بعيبة علم الله وعليك بالتتبع والتدبر في كلماتهم (عليهم السلام) لتزداد إيمانا وتكمل يقينا ومن الله التوفيق.
تذييل فيه تأييد

قال الحافظ البرسي رحمه الله تعالى في كتاب مشارق أنوار اليقين(٦٦٢): الإمام أفضل وأعلى من اللوح المحفوظ بوجوه:
الأول: إن اللوح وعاء الحفظ وظرف السطور، والإمام محيط بالسطور وأسرار السطور فهو أفضل من اللوح.
الثاني: إن اللوح المحفوظ بوزن مفعول، والإمام المبين بوزن فعيل، وهو بمعنى فاعل، فهو عالم بأسرار اللوح، واسم الفاعل أشرف من اسم المفعول.
الثالث: إن الولي المطلق ولايته شاملة للكل، ومحيط بالكل، واللوح داخل فيها، فهو دال على اللوح، وعال عليه، وعالم بما فيه، انتهى كلامه (رضي الله عنه).
الواحد والسبعون

تكذيب من ادعى الوكالة والنيابة الخاصة عنه (عليه السلام) في زمان الغيبة الكبرى. إعلم أنه اتفقت الإمامية على انقطاع الوكالة، واختتام النيابة الخاصة، بوفاة الشيخ الجليل علي بن محمد السمري (رضي الله عنه) وهو الرابع من النواب الأربعة، الذين كانوا مرجعا للشيعة في زمان الغيبة الصغرى، وأنه ليس بعد وفاة السمري إلى زمان ظهور الحجة (عج) نائب مخصوص عنه في شيعته، وأن المرجع في زمان غيبته الكبرى هم العلماء العاملون، الحافظون لحدود الله وأن من ادعى النيابة الخاصة فهو كاذب مردود بل يعد ذلك من ضروريات مذهب الإمامية التي يعرفون بها، ولم يخالف في ذلك أحد من علمائنا، وكفى بهذا حجة وبرهانا.
- ويدل على المقصود أيضا ما رواه الشيخ الجليل رئيس المحدثين المعروف بالصدوق الذي بشر بولادته سيدنا ومولانا الحجة (عج) في كتاب كمال الدين(٦٦٣) قال حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب (رضي الله عنه) قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري (رضي الله عنه) فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فأجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب(٦٦٤) مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال: فنسخنا هذا التوقيع، وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه، وهو يجود بنفسه، فقيل له من وصيك من بعدك؟ فقال (رضي الله عنه) لله أمر هو بالغه، ومضى (رضي الله عنه)، فهذا آخر كلام سمع منه، رحمة الله ورضوانه عليه.
أقول: الكلام هنا في مقامين:
أحدهما في سند الحديث الشريف المذكور.
والثاني في دلالته على المقصد المزبور.
أما الأول: فاعلم أن هذا حديث صحيح عال اصطلاحا لأنه مروي عن مولانا صاحب الزمان (عج) بتوسط ثلاثة أشخاص:
الأول: الشيخ الأجل أبو الحسن علي بن محمد السمري، وهو لجلالته واشتهاره غني عن البيان.
والثاني: الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، وهو أيضا لاشتهاره واشتهار كتابه وجلالة قدره لا يحتاج إلى التوضيح.
والثالث: أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب، وهو كما ذكره الفاضل الألمعي المولى عناية الله في مجمع الرجال، أبو محمد الحسن بن الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب. ويروي عنه الصدوق مكررا مترضيا مترحما وهذا (٦٦٥) من أمارات الصحة والوثاقة، كما نبه على ذلك المولى المزبور في مجمعه، وذكر له شواهد عديدة، ليس هنا موضع ذكرها والمكتب بكسر التاء المشددة من يعلم الكتابة.
تنبيه

قد وقع هنا سهوان في كتابين من كتب علمائنا رحمهم الله تعالى، ينبغي التنبيه عليهما:
الأول: في كتاب الغيبة(٦٦٦) للشيخ الأجل أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (رضي الله عنه) ففيه في النسخة التي عندي، هكذا أخبرنا جماعة عن أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، قال: حدثني أبو محمد أحمد بن الحسن المكتب، قال: كنت بمدينة السلام، وساق الحديث مثل ما نقلناه عن كمال الدين(٦٦٧)لابن بابويه (رضي الله عنه) وقد عرفت أن الذي روى عنه ابن بابويه حسن بن أحمد، والظاهر أن السهو في كتاب الشيخ الطوسي وقع من النساخ ويؤيد وقوع السهو فيه من بعض النساخ أن الحاج ميرزا حسين النوري (رضي الله عنه) نقل هذا الحديث في جنة المأوى(٦٦٨) من غيبة الشيخ عن الحسن بن أحمد المكتب والله تعالى هو العالم.
والثاني: في كتاب مستدرك الوسائل للعالم المحدث المتتبع الحاج ميرزا حسين النوري (رضي الله عنه) فإنه مع سعة باعه، وكثرة اطلاعه، واهتمامه في استقصاء أسماء مشايخ الصدوق، غفل عن ذكر هذا الشخص الجليل، الذي روى عنه الصدوق مكررا مترضيا مترحما وأمثال هذه الأمور مما يبعث العالم على الفحص والتتبع، ويوجب له الظفر بما غفل عنه من قبله، فعليكم يا إخواني بالسعي، والاجتهاد، فإن الله لا يخيب كل طالب مرتاد.
ومما يدل أيضا على وقوع السهو والاشتباه في كتاب الشيخ، وعلى غفلة صاحب المستدرك عن ذكر ذلك الشيخ (رضي الله عنه) أن المولى عناية الله المذكور، نقل الحديث المسطور، عن كتاب ربيع الشيعة لابن طاووس، حاكيا عن الحسن بن أحمد المكتب، فتبين بحمد الله تعالى وعونه، أن الراوي عن أبي الحسن السمري (رضي الله عنه) هو الحسن بن أحمد الذي روى عنه ابن بابويه (رضي الله عنه).
ومما يدل على صحة هذا الحديث وصدوره عن الإمام أيضا، أن الشيخ الطبرسي (رضي الله عنه) صاحب كتاب الاحتجاج(٦٦٩) ذكره مرسلا، من دون ذكر السند، والتزم في أول الكتاب وصرح بأنه لا يذكر فيه سند الأحاديث التي لم يذكر أسانيدها، إما بسبب موافقتها للإجماع، أو اشتهارها بين المخالف والمؤالف، أو موافقتها لحكم العقل. فظهر أن الحديث المذكور أيضا كان غنيا عن ذكر السند. إما لموافقة الإجماع أو لاشتهاره، أو لكليهما جميعا.
ومما يدل أيضا على صحته، أن علمائنا من زمن الصدوق (رضي الله عنه) إلى زماننا هذا استندوا إليه، واعتمدوا عليه ولم يناقش ولم يتأمل أحد منهم في اعتباره كما لا يخفى على من له أنس وتتبع في كلماتهم ومصنفاتهم فتبين من جميع ما ذكرناه أن الحديث المذكور من الروايات القطعية، التي لا ريب فيها، ولا شبهة تعتريها، وهو مما قال فيه الإمام (عليه السلام) فإن المجمع عليه لا ريب فيه.
المقام الثاني: في دلالة الحديث المذكور على المطلب المزبور وتقرير ذلك أن قوله (عليه السلام):
فقد وقعت الغيبة الثانية تعليل لقوله: ولا توص إلى أحد يقوم مقامك فيدل على أن الغيبة الكبرى هي التي انقطعت الوكالة والنيابة الخاصة فيها ثم أكد ذلك بقوله (عليه السلام) وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة.. الخ، ولا شبهة بقرينة صدر الكلام في أن المراد بدعوى المشاهدة هي المشاهدة على نحو ما وقع للسفراء الأربعة، المحمودين المعروفين في زمان الغيبة الأولى، وقد صرح بأن من ادعاها في الغيبة الكبرى فهو كذاب مفتر ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
والحاصل أن المراد بالمشاهدة هي المشاهدة المقيدة بكونها بعنوان البابية والنيابة الخاصة مثل ما كان للسفراء الأربعة، الموجودين في زمان الغيبة الصغرى، لا مطلق المشاهدة فهو من باب ذكر المطلق، وإرادة المقيد أو ذكر العام وإرادة الخاص وهذا النحو من الاستعمال كثير شائع في العرف واللغة كما تقول اشتريت اللحم أو اشتر اللحم وتريد لحم الغنم بخصوصه لا مطلق اللحم والقرينة في الكلام موجودة كما ذكرنا. ومن هذا القبيل قوله عز وجل(٦٧٠)* (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) * فإن الأسباط لفظ عام أريد به الخاص، لأن جميع الأسباط لم ينزل عليهم كتاب، ولا وحي، ولا حكم، وإنما نزل على بعض منهم، وكذلك في التوقيع الشريف أريد بالمشاهدة نحو خاص، كما بينا لك بعون الله تعالى.
وبهذا الوجه يتبين أنه لا تنافي بين هذا التوقيع الشريف وبين الوقائع الكثيرة، المذكورة في كتب عديدة كالبحار ونجم الثاقب ودار السلام للشيخ العراقي، وغيرها الدالة على وقوع المشاهدة في زمان الغيبة الكبرى لكثير من المؤ