فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » الأربعون في المهدي وقصة الجزيرة الخضراء
 كتب المركز

الكتب الأربعون في المهدي وقصة الجزيرة الخضراء

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: السيد جلال الموسوي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ١٠٥٧٤ التعليقات التعليقات: ٠

الأربعون في المهدي عليه السلام وقصة الجزيرة الخضراء

تأليف: السيد جلال الموسوي

الفهرس

الإهداء
المقدمة
الآية الأولى
تشرف السيد بن طاووس
الآية الثانية
تشرف السيد بحر العلوم
الآية الثالثة
تشرف الشيخ الأعظم
الآية الرابعة
تشرف السيد أبو الحسن الاصفهاني
الآية الخامسة
دعاء الفرج
الآية السادسة
تشرف آية الله العلامة الحلي
الآية السابعة
تشرف السيد محسن الجبل عاملي
الآية الثامنة
تشرف المقدس الاردبيلي
الآية التاسعة
مسجد جمكران
الآية العاشرة
تشرف السيد محمد مهدي بحر العلوم
الآية الحادية عشرة
تشرف الحاج مؤمن
الآية الثانية عشرة
تشرف السيد بن طاووس
الآية الثالثة عشرة
تشرف السيد الرشتي
الآية الرابعة عشرة
تشرف الشيخ الحر العاملي
الآية الخامسة عشرة
تشرف الشيخ حسين آل رحيم
الآية السادسة عشرة
تشرف الشيخ محمد بن عيسى
الآية السابعة عشرة
تشرف ابن أبي الجواد النعماني
الآية الثامنة عشرة
مسجد الإمام الحسن المجتبى
الآية التاسعة عشرة
تشرف الشيخ الخوئي
الآية العشرون
تشرف السيد بحر العلوم
الآية الحادية والعشرون
تشرف الشيخ علي البغدادي
الآية الثانية والعشرون
تشرف محمد علي جولاگر
الآية الثالثة والعشرون
دعاء الفرج
الآية الرابعة والعشرون
تشرف الشيخ محمد الكوفي
الآية الخامسة والعشرون
تشرف السيد عبد الكريم
الآية السادسة والعشرون
تشرف الشيخ محمد جواد الأنصاري
الآية السابعة والعشرون
تشرف الشيخ الأعظم
الآية الثامنة والعشرون
تشرف الحاج محمد علي فشندي
الآية التاسعة والعشرون
الحكاية التاسعة والعشرون
الآية الثلاثون
تشرف السيد بحر العلوم
الآية الحادية والثلاثون
تشرف السيد هاشمي نژاد
الآية الثانية والثلاثون
تشرف كريمة الشيخ الاراكي
الآية الثالثة والثلاثون
تشرف السيد الأبطحي
الآية الرابعة والثلاثون
تشرف الشيخ فريدة الإسلام
الآية الخامسة والثلاثون
ضربة صفين
الآية السادسة والثلاثون
تشرف علي بن مهزيار
الآية السابعة والثلاثون
تشرف السيد القاضي
الآية الثامنة والثلاثون
تشرف الميرزا الاصفهاني
الآية التاسعة والثلاثون
تشرف الشيخ البافقي
الآية الأربعون
تشرف السيد بحر العلوم
الملحقات
قصة الجزيرة الخضراء
زيارة آل ياسين
دعاء العهد

الإهداء

اليك يبن السّادة المقرّبين
يبن النجباء الاكرمين
يبن الهداة المهديين
يبن سيدة نساء العالمين
ايها المهدي اهدي هذا الجهد المتواضع قائلا:
(يَا أيُّها اَلْعَزِيزُ مَسَّنَا وأهْلَنَا الضُّرُّ وجِئْنَا بِبِضعَة مُزْجة فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنَا اِنَّ اللَّهَ يَجْزِى اَلْمُتَصَدِّقِينَ)
بحق عمّك الُمحسن (عليه السلام)

المقدمة
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ

الحمد للّه والصّلواة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله آل اللّه واللّعن على اعدائهم اعداء اللّه.
روى الشيخ الطوسي (قدس سره) في كتاب الغيبة، والطبرسي في الاحتجاج، انه خرج التوقيع الى ابي الحسن السمري النائب الرابع للامام الحجة ابن الحسن (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، في الغيبة الصغرى، جاء فيه:
(يا علي بن محمد السمري أعظم اللّه اجر اخوانك فيك فانك ميّت ما بينك وبين ستّة أيام.فاجمع أمرك ولا توصي الى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور الاّ بعد اذن اللّه تعالى ذكره وذلك بعد طول الامد، وقسوة القلوب، وامتلاء الارض جورا، وسيأتي الى شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر ولا حول ولا قوّة الاّ باللّه العلي العظيم).
وقع هذا الخبر الشريف مثاراً للجدل والنقاش وخصوصاً في كيفية الجمع بينه وبين عشرات الحكايات التي تدل على مشاهدة الجمال الانور لمولانا صاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في عالم اليقظة لا النوم، خاصة وان كبار علمائنا كالشيخ الانصاري والعلامة بحر العلوم والسيد ابو الحسن الاصفهاني والمقدس الاردبيلي وغيرهم، كانوا من جملة من تشرف بلقائه (صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الطاهرين).
فمن جهة لا نحتمل ادنى احتمال، كذب هؤلاء المقدّسين في دعواهم، ومن جهة اخرى فان الحديث يكذّب مدعي المشاهدة، فكان لابد من الجمع بينهما بنحو من انحاء الجمع.
وقد تصدى جمع من علمائنا الابرار للجمع بينهما وذكروا وجوها عديدة لذلك، ورعاية للاختصار نذكر وجهاً واحدا مضافاً الى ما قيل في تضعيف هذا الخبر من جهة جهالة الراوي وهو ابو محمد الحسن بن أحمد المكتب.
توجيه الخَبَر:
ذكر العلامة المجلسي (قدس سره) في البحار في خصوص هذا الخبر ما يلي:
(لعلّه محمول على من يدّعي المشاهدة مع النيابة وايصال الاخبار من جانبه (عليه السلام) الى الشيعة على مثال السفراء).
اذن، فالمراد من المشاهدة التي يكذّب مدعيها في زمن الغيبة الثانية (الكبرى) هو المشاهدة مع ادّعاء النيابة الخاصة التي انتهت بصريح الرواية بموت النائب الرابع علي بن محمد السمري، وتوضيح هذا الوجه كما يلي:
النيابة أو السفارة الخاصة للامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) تحتاج الى تعيين من قبله (عليه السلام)، وهكذا كان بالنسبة للنائب الأول وهو عثمان بن سعيد.
وحينما دنى اجل عثمان بن سعيد اخبره الامام (عليه السلام) بذلك وأمره بالوصية الى محمد بن عثمان الخلاّني ليخلفه في النيابة الخاصة، فاضحى الاخير، النائب الثاني للامام في الغيبة الصغرى وكان يشاهد الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ويتلقى منه الأوامر والتعليمات واجوبة المسائل التي كانت توجه اليه.
وحينما دنى اجل محمد بن عثمان نعيت اليه نفسه من قبل الامام (عليه السلام) وأمر بالوصية الى الحسين بن روح ليكون النائب الخاص الثالث.
وهكذا الأمر بالنسبة الى الحسين بن روح حيث أوصى بامر من الامام (عليه السلام) الى علي بن محمد السمري الذي صار النائب الرابع للامام (عليه السلام) والسفير الخاص في الغيبة الصغرى التي استمرت لسبعين عاماً تقريباً، حيث بدأت من وفاة الامام العسكري (عليه السلام) في أوائل سنة ٢٦٠ هـ الى وفاة السمري سنه ٣٢٩.
والنكتة المهمة هنا هي انه في كلّ مرّة كان يخرج توقيع من الامام (عليه السلام) للنائب الفعلي يبيّن له النائب اللاحق ولم يرد في ايّ من تلك التواقيع مسألة تكذيب مدّعي المشاهدة الاّ التوقيع الاخير الذي ادرجناه في اول المقدمة.
ومن ثَمّ تتضح لنا اهمية تضمين التوقيع الشريف فقرة تكذيب مدعي المشاهدة، فان ذلك انّما هو لسدّ باب افتراء النيابة الخاصة وتضليل الشيعة واغوائهم.
اذن، فمن أخذ هذه الفقرة بدون ملاحظة ظروف صدور التوقيع ومناسباته، فانه سيقع حتما في ذلك التوهّم وهو تكذيب مدّعي المشاهدة المجرّدة عن النّيابة الخاصّة وأمّا لو لوحظت الفقرة منظمّة الى صدر الخبر مضافاً الى تلك القرائن السياقيّة، فانه لن يشتبه الأمر على أحد في امكان التشرف بخدمته من دون ادعاء النيابة او السفارة الخاصة.
ولعلّه، يمكن لنا من خلال التدقيق في نفس هذا الخبر ان نستكشف أنّ المراد من المشاهدة هنا هو (الظهور) وانتهاء أمد الغيبة الكبرى، خصوصا اذا علمنا ان من العلامات القريبة من الظهور هو خروج السفياني والصيحة.
فتكذيب مدعى المشاهدة قبل هاتين العلامتين، يعني عدم تكذيبه بعدها، فيكون المراد من المشاهدة، المشاهدة زمن الحضور بعد الغيبة الكبرى، وهو منفيّ في كل الحكايات التي نقلت عن تشرفات العلماء بلقاء الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فلا يدعي احد منهم انتهاء الغيبة الكبرى.
واللّه العالم.
إشارة:
ورد في بعض الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه شبّه استفادة الناس من الامام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في غيبته باستفادتهم من الشمس اذا حجبتها الغيوم.
وهذا التشبيه منه (صلوات اللّه عليه) قد يكون ناظرا الى نكتة من جملة نكات اخرى ذكرها العلماء في خصوص هذا التشبيه.
وهذه النكتة هي ان للشمس غروبان، غروب اصغر وغروب اكبر، ويتحقق الغروب الاصغر بمجرد اختفاء قرصها، ولكن يبقى الناس يستفيدون من نورها حتى ذهاب الحمرة المغربية حيث يبدأ الغروب الاكبر للشمس.
وهكذا بالنسبة الى المهدي من آل محمد (صلوات اللّه وسلامه عليه) فقد كان له غيبة صغرى استمرت زهاء السبعين سنة وكان الناس يستفيدون من وجوده الشريف على الرغم من غياب شخصه، وذلك عن طريق سفرائه الاربعة، واستمرت تلك الغيبة حتى وفاة النائب الرابع وبدأت الغيبة الكبرى.
ثم ان للشمس شروقان، اصغر واكبر، ويبدأ الشروق الاصغر بالفجر الصادق، وشيئا فشيئا تضيء السماء وان كان قرص الشمس بعد لم يظهر للانظار، ويستمر ذلك حتى ظهور القرص فيبدأ الشروق الاكبر.
وهكذا الحال بالنسبة للمهدي من آل محمد (صلوات اللّه وسلامه عليهم اجمعين) فان له ظهورٌ اكبر يسبقه ظهور اصغر كالشمس بالضبط، وظهوره الاكبر يبدأ بظهور شخصه الشريف بجسده الظاهري، ويسبق ذلك ظهور أصغر يقترن بغياب شخصه عن عامة الناس، الاّ ان بعض المؤمنين يتشرف بزيارته ولقائه والاستفادة منه.
وفي الحقيقة ان هذه المرحلة، برزخ بين الظهور الاكبر والغيبة الكبرى التامّة.
ويعتقد بعض العلماء ان عصرنا الحاضر هو نفس هذه المرحلة البرزخيّة أو الظهور الاصغر.
ويمكن الاستشهاد لهذه الدعوى ببعض القرائن والمعالم، منها:
انتشار فكرة المهدوية على مدى واسع في الفكر الاسلامي بل وحتى في الفكر غير الاسلامي بعنوان المصلح الاكبر للعالم الخاضع تحت هيمنة الظلم والجور. وهذا ما لم يكن موجوداً قبل مائتي سنة، مثلاً.
ومنها تسمية الناس اولادهم باسم: مهدي ومنتظر، وتسمية المؤسسات والمراكز الثقافية والتعليمية وغيرها بمثل تلك الاسماء والعناوين، وبالنتيجة نشر هذا الاسم الشريف على مستوى واسع في العالم، وهذا الأمر لم يكن موجوداً قبل عقود من الزمن.
ومنها ازدياد عدد الاشخاص الذين يتشرفون بلقائه والاستفاضة من وجوده الشريف، في اماكن متعددة ومختلفة، حتى قيل بان اصل نشوء الاسلام في أميركا كان على يد رجل تشرف بلقاء المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
هذه الامور وغيرها من القرائن تكشف عن ان هذا العصر، هو عصر الظهور الاصغر، الذي سيتصل قريباً بالظهور الاكبر انشاء اللّه تعالى.
الاربعون:
كما سيتضح للقارى الكريم، فاننا ذكرنا في هذا الكتاب اربعين آية، واربعين رواية، واربعين حكاية واربعين اشارة، وذلك تيمناً بهذا الرقم فانه رقم متميز، ولعلّ فيه خصوصيات لها تاثيرها في عالم التكوين، وقد ذكرت بعض الشواهد على امتياز هذا العدد او شرفه، في بعض كتب علمائنا الابرار، مضافاً الى وروده في بعض الروايات الشريفة.
فقد ورد: في النبوي المروي في كتاب لبّ اللباب للقطب الراوندي:
(من اخلص العبادة للّه أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه).
وورد: ان آدم بكى على خطيئته اربعين عاما حتى غفر اللّه له.
وورد: في الكافي: (ما اخلص عبد الايمان باللّه اربعين صباحاً الاّ زهّده اللّه في الدنيا وبصره داءها ودواءها واثبت الحكمة في قلبه وانطق بها لسانه).
وورد: ان بهلول النباش التجأ الى بعض جبال المدينة اربعين يوماً يستغفر ويتضرع حتى قبلت توبته في اليوم الاربعين ونزلت فيه آية من القرآن.
وورد: ان داود بكى على الخطيئة اربعين يوماً.
وورد: ان النبى الاكرم (صلى الله عليه وآله) بعث وهو ابن اربعين سنة.
وورد: في الذكر الحكيم ان اللّه تعالى جعل ميقات نبيّة موسى بن عمران (عليه السلام)، اربعين يوماً.
وورد: في النبوي ان موسى ما اكل وما شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه اربعين يوماً شوقاً الى ربّه.
وورد: ان النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) أُمر ان يهجر خديجة اربعين يوماً قبل بعثته.
وورد: ان من ترك اكل اللحم اربعين صباحا ساء خلقه، ومن اكل اللحم اربعين صباحا ساء خلقه.
وورد: ان من اكل الزيت وادّهن به لم يقربه الشيطان اربعين يوماً.
وورد: في اكمال الدين للصدوق في ولادة المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) (انه (عليه السلام) لما ولد وسجد وشهد بالتوحيد والرسالة وامامة آبائه (عليهم السلام)، قالت حكيمة: فصاح ابو محمد الحسن (عليه السلام) فقال: يا عمّة تناوليه فها تيه.قالت: فتناولته واتيت به نحوه فلما مثلت بين يَدَي ابيه وهو على يدي، سلّم على أبيه، فتناوله الحسن (عليه السلام) والطير ترفرف على رأسه، فصاح بطير منها فقال: احمله واحفظه وردّه الينا في كلّ اربعين يوماً.
وورد: عن كشّاف الحقائق الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: (من دعا الى اللّه تعالى اربعين صباحاً بهذا العهد كان من انصار قائمنا (عليه السلام)، فان مات قبله، اخرجه اللّه من قبره واعطاه بكل كلمة الف حسنة ومحى عنه الف سيئة، وهو:
(اللّهم رب النور العظيم ورب الكرسي الرفيع … الخ).
وورد: ان الامام الحجة بن الحسن (عليه السلام)، يظهر وهو ابن اربعين سنة.
وهناك عشرات الموارد التي ذكر فيها هذا الرقم ولا يسع المجال لاحصائها هنا، كلها تدلّ على امتياز هذا العدد.
لا مؤاخذة:
قد يعترض علينا بأن هذا الكتاب لم يأت بجديد، وانما نقل الموجود في بطون الكتب المعروفة وغير المعروفة لعامة الناس.
قلت: نعم، الحكايات الواردة في هذا الكتاب، ليست من نسج خيالي وفكري وانما هي من الكتب المعتبرة عندي وعند القارىء العزيز، فهذا صحيح، ولكن؛
اولاً:
لم يرد مثل هذا الترتيب والجمع في كتاب آخر، حيث ذكرت في الكتاب اربعين آية من آيات الذكر الشريف ترتبط بالامام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) أو بعصره واصحابه.
ثم اربعين رواية عن النبي واهل بيته (عليهم السلام) في نفس الجهة.
ثم نقلت اربعين حكاية تشرف بلقاء الامام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) مع اشارة مختصرة عقيب كل حكاية.
وهذا الترتيب لم نجده في مصنف آخر.
ثانياً:
ان الحكايات التى اوردتها في الكتاب هي حكايات تشرف مشاهير علمائنا، الا ما ندر كحكاية كريمة الشيخ الاراكي (قدس سره) والتى نقلها نفس سماحة آية اللّه العظمى الشيخ محمد علي الاراكي وحكاية الحاج علي البغدادي.
وهذه ميزة يمتاز بها هذا الكتاب، حيث جمع بعض حكايات العلماء خاصة.
ثالثاً:
ان هذه الحكايات، نقلت من عدّة كتب قد يصل عددها الى العشرة، وجمعها في كتاب واحد يغنى القارىء العزيز عن الرجوع الى تلك الكتب المتفرقة، والتى يصعب على عامة الناس اقتناؤها خصوصاً ان بعضها غير معرّب.

السيد جلال الموسوي
١٥ شعبان ١٤٢٢

الآية الأولى:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(الم * ذَلِكَ ألكِتَبُ لَا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ * ألَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِألغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلوةَ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنفِقُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة البقرة الآية ١-٣
ابن بابويه قال: حدثنا علي بن أحمد بن محمد الدقاق (رضى اللّه عنه) قال: حدثنا محمد (أحمد) بن ابي عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عمران الحنفي عن عمه الحسين بن يزيد عن علي ابن حمزة عن يحيى بن (ابي) القاسم قال سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل (الم * ذَلِكَ ألكِتَبُ لَا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ * ألَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِألغَيْبِ) فقال: المتقون شيعة عليّ (عليه السلام) والغيب فهو الحجة (الغائب) وشاهد ذلك قول تعالى: (وَيَقُولُونَ لَو لا اُنزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ اِنَّما اَلْغيبِ لِلَّه فَانْتَظِرُوا إنّى مَعَكُمْ مِن المُنْتَظِرِينْ).
الحكاية الاولى: السيد بن طاووس
ذكر في ملحقات كتاب انيس العابدين نقلا عن السيد ابن طاووس (رضي) انه قال:
سمعت سحراً في السرداب عن صاحب الأمر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) كان يناجي ويقول:
(اللهمَّ انَّ شيعتنا خلقت من شعاع أنوارنا وبقيّة طينتنا وقد فعلوا ذنوباً كثيرةً اتكالاً على حبّنا وولايتنا فان كانت ذنوبهم بينك وبينهم فاصفح بينهم وقاصّها عن خمسنا وادخلهم الجّنة وزحزحهم عن النار ولا تجمع بينهم وبين أعدائنا في سخطك).
إشارة:
في هذه المناجات والدعاء نكات مهمة:
الاولى: ترتبط بخلقة شيعة اهل البيت (عليهم السلام) حيث تصرّح الفقرة الاولى من المناجات ان خلقتهم متميزة عن خلقة سائر الناس، فهم مخلوقون من فاضل طينة ائمتهم الاطهار وشعاع انوارهم المطهرة، وهذا الأمر كما يكون مدعاة لافتخار الشيعة بخلقهم ينبغي ان يكون محفزا لهم على التأسي باهل البيت (عليهم السلام) والتخلق باخلاقهم الفاضلة وتطبيق الشريعة الاسلامية كما كان اهل البيت (عليهم السلام) يفعلون.
الثانية: ان بعض الشيعة قد يتكل على حبه وولائه لاهل البيت (عليهم السلام) فتنزل قدمه عند المغريات فينخدع بزينة الدنيا وزخارفها وهذا وان كان مكروها للائمة (عليهم السلام) الاّ انهم (عليهم السلام)؛ لبعث الامل في نفوس شيعتهم ورحمة منهم بهم يتوسلون الى الله للتشفع لهم عنده ولزحزحتهم عن النار وادخالهم الجنّة بعيداً عن اعداء الله الكائنين في سخطه، فانه لا توجد مسانخة بين انوار أهل البيت (عليهم السلام) وطينتهم وبين النار، وكذا شيعتهم.
وبطبيعة الحال فان هذا لا يعني ان هناك تشجيعا على التفريط بالخوف ولكنّه من باب الموازنة بين الخوف والرجاء كما امرنا به في الذكر الحكيم والروايات الشريفة.
الآية الثانية:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(سَنُريهِم آياتِنا في الافاق وفيانْفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم اَنَّهُ اَلحَقُّ) صدق اللّه العلي العظيم سورة حم.سجده الآية ٥٣
محمد بن عباس قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مالك عن القاسم بن اسماعيل الانباري عن الحسن بن علي بن ابي حمزة عن ابيه عن ابراهيم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: (سَنُريهِم آياتنا في اَلآفاق وَفي اَنفُسهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم اَنَّهُ اَلحَقُّ) قال: في الافاق انتقاص الاطراف عليهم، وفي أنفسهم بالمسخ حتى يتبيّن انّه الحق اي انّه القائم (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وروى الحافظ القندوزي، باسناده عن ابي بصير قال: سئل الباقر (عليه السلام) عن هذه الآية: (سَنُريهِم آياتنا في اَلآفاق وفي اَنفُسهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم اَنَّهُ اَلحَقُّ).
قال: يرون قدرة اللّه في الافاق، وفي انفسهم الغرائب والعجائب، حتى يتبيّن لهم ان الخروج (القائم) هو الحق في اللّه عز وجل يراه الخلق لابد منه.
الحكاية الثانية: السيد محمد مهدي بحر العلوم
نقل جناب المولى السلماسي طاب ثراه قال: صلّينا مع جنابه (السيد بحر العلوم) في داخل حرم العسكريين (عليها السلام) فلما اراد النهوض من التشهد إلى الركعة الثالثة عرضته حالة فتوقف هنيئة ثم قام.
ولما فرغنا تعجبنا كلنا، ولم نفهم ما كان وجهه ولم يتجرأ احدٌ منّا على السوأل عنه الى ان أتينا المنزل فاشار إليّ بعض السادة من اصحابنا ان اسأله عنه فقلت: لا، وانت اقرب منّا، فالتفت السيد رحمة الله عليه إلىّ وقال: فيمَ تقاولون؟
قلت (وكنت أجسر الناس عليه): انهم يريدون الكشف عمّا عرض لكم في حال الصلوة.
فقال: ان الحجّة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) دخل الروضة للسلام على ابيه (عليه السلام) فعرضني ما رأيتم من مشاهدة جماله الانور الى ان خرج منها.
إشارة:
السيد محمد مهدي الطباطبائي (بحر العلوم) من علماء الشيعة الفطاحل، تشرف مراراً بخدمة ولي اللّه الاعظم الامام الحجة بن الحسن العسكرى المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وقد نقل المحدث القمي (ره) في كتاب رجاله ثمان حكايات ترتبط بكرامات هذه العالم الجليل وتشرفاته بخدمة ناموس العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ورد في احداهما ان الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ولفرط حبّه ولطفه وكرمه بالسيد، احتضنه وضمّه الى صدره الشريف.
فهنيئاً له وقدس الله نفسه ونور رمسه.
الآية الثالثة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَذَكِّرْهُمْ بِاَيَّامِ اَللَّه) صدق اللّه العلي العظيم سورة ابراهيم الآية ٥.
الصدوق، قال:
حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدثنا ابراهيم بن هاشم عن محمد بن ابي عمير عن مثنى الحنّان عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال:
أيام الله (عزّ وجل) ثلاثة: (يوم يقوم القائم ويوم الكرّة ويوم القيامة).
الحكاية الثالثة: الشيخ الاعظم مرتضى الانصاري (قدس سره).
نقل السيد حسن الابطحي في كتابة الكمالات الروحية الجزء الثاني أنّ احد تلامذة الشيخ الانصاري قال: خرجت ذات ليلة من منزلي في مدينة كربلاء المقدسة بعد منتصف الليل، وكان الظلام دامسا والازقة مملوءة بالوحل على أثر هطول المطر، وكنت احمل معي سراجا.
وبينما انا سائر في الطريق، رأيت من بعيد شخصاً يقترب، فدقّقت النظر فعرفت انه الاستاذ الشيخ الانصاري (ره) وبرؤيته في ذلك الظلام تسائلت مع نفسي ترى الى اين يذهب الاستاذ في هذا الليل المظلم وفي هذه الازقة الموحلة مع ما به من ضعف في البصر؟
وتخوفا عليه من ان يكون قد كمن له احد في الطريق مشيت خلفه دون ان يشعر.
وسار الشيخ حتى وصل الى باب دار ووقف عندهاا وأخذ يقرأ الزيارة الجامعة بخشوع.
وبعد ان اتمّ قراءة الزيارة فُتِحَتْ له الباب ودخل الى داخل الدار، فلم أعُدْ ارى شخصه ولكنّي سمعته يتحدث مع شخص في داخل الدار.
بعد ساعة تشرفت بزيارة الحرم المطهر ورأيت الشيخ هناك.
وفي ما بعد وعندما زرت سماحته سألته عن قصّته تلك الليلة، وبعد اصرار كثير أجابني قائلاً:
أحيانا احصل على اذن للتشرف بخدمة امام العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ولقائه، فأذهب واقف الى جنب تلك الدار وازوره بالزيارة الجامعة، فان صدر اذن ثان، تشرفت بزيارته في تلك الدار وسألته عن بعض المطالب وأستمدّ منه العون واعود.
ثم إن الشيخ (قدس سره) أخذ مني عهداً على عدم افشاء هذا الأمر مادام هو على قيد الحياة.
إشارة:
يستفاد من هذه القضية امور؛
منها: مقام الشيخ الانصاري (قدس سره)، فهو مضافا الى كونه من كبار علماء الطائفة حتى صارت مصنفاته متوناً تدور حولها أبحاث الخارج فقهاً واصولاً، مضافاً الى ذلك نجده قد وصل الى درجة عالية من التقوى والورع والزهد حتى حظى باذن ولي اللّه الاعظم (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) لزيارته والتشرف بخدمته والاستفادة من علومه، ولعمرى انه لمقام شامخ.
ومنها: اعتبار الزيارة الجامعة من جهة انه (قدس سره) لم يستأذن للدخول الى ساحة الامام الشريفة الّا بهذه الزيارة العالية سنداً ومتنا رغم وجود من يحاول التشكيك فيها لعدم توفيقه لدرك معانيها السامية واللطيفة.
ومنها: ان للامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) بيتا في كربلا، ولا يستبعد ان يكون له بيتاً ايضا في النجف والكاظمين وسامراء والمدينة المنورة ومكة المكرمة بل وفي غيرها من البلاد ولكن هذه البيوت لا يهتدي اليها الا من حظى بتوفيق الهي للتشرف بخدمته (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) والا فانه لن يهتدي الى ذلك المكان مهما حاول وبحث عنه.
نسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا لطاعته واجتناب معصيته ويؤهلنا للوصول الى مقام خدام خدام مولانا ومولى الكونين أبى القاسم الحجة ابن الحسن العسكرى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) آمين.
الآية الرابعة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(يَسْئَلُوْنَكَ عَنِ اَلْسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاها قُلْ إِنَّما عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِهآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِى اَلْسَّموَاتِ واَلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَاَنَّكَ حَفِّىٌ عَنْهَا قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اَللَّهِ ولَكِنَّ اَكثَرَ اَلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الأعراف الآية ١٨٧.
روى الحافظ سليمان القندوزي في قوله تعالى: (يَسْئَلُوْنَكَ عَنِ اَلْسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاها).
قال: روى المفضل ابن عمر عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ساعة قيام القائم.
الحكاية الرابعة: السيد ابو الحسن الاصفهاني (قدس سره).
كان أحد علماء بلاد اليمن ويلقب بـ (بحر العلوم) وهو زيدي المذهب ينكر الوجود المقدس لمولانا صاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وكان هذا العالم قد كتب رسائل كثيرة الى علماء الشيعة في زمانه طالبا منهم الادلة المقنعة على اثبات وجوده الشريف ولكنه لم يقتنع باجوبتهم وادلتهم.
فكتب اخيراً رسالة مفصلة الى سماحة الحجة آية الله السيد ابو الحسن الاصفهانى (قدس سره) والذي كان في النجف الاشرف، طالباً منه الادلة القاطعة على اثبات وجود الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
اجابه السيد ابو الحسن الاصفهانى برسالة جاء فيها: اقدم الى النجف الاشرف وسأُجيبك شفاهة عن مسألتك.
ولما كان هذا العالم الزيدي طالبا للحقيقة في واقع الأمر، لذا شدّ الرحال مع ولده سيد ابراهيم وجمع من مريديه الى النجف الاشرف.
وعندما وصل الى النجف التقى السيد الاصفهانى وقال له: لقد جئت إلى النجف كما دعوتنى وآمل ان تجيبني كما وعدتني.
قال له السيد: نعم، تعال غداً مساءً إلى منزلى وسأُجيبك عن سؤالك.
وفي مساء اليوم الثاني جاء بحر العلوم اليماني مع ولده الى منزل السيد الاصفهاني، وبعد تناول طعام العشاء والبحث في بعض المطالب العلمية حول وجود المولى صاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، انصرف بقيّة الضيوف وبقى بحر العلوم وولده عند السيد مع بعض الخواص.
وبعد انتصاف الليل قال المرحوم السيد الاصفهانى لخادمه (مشهدي حسين): احمل السراج وتعال معنا.
وقال للسيد بحر العلوم وولده: هيّا بنا نذهب لترون بانفسكما صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
يقول السيد مير جهاني: كنّا حضورا هناك فاردنا ان نذهب معهم فلم يقبل السيد الاصفهاني وقال: ليأت بحر العلوم وولده فقط.
فذهبوا ولم نعرف الى أين يذهبون، ولكن في اليوم الثاني وعندما التقينا ببحر العلوم وولده سالناه عمّا جرى في الليلة السابقة فقال:
بحمد اللّه، لقد تشرفنا باعتناق مذهبكم ونحن الان نعتقد بوجود ولّى العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) قلت: وكيف ذاك؟
قال: لقد أرانا السيد الاصفهاني الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فسألته: وكيف اراكم بقية الله (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)؟
قال: عندما خرجنا من المنزل لم نكن ندري الى اين يذهب بنا السيد، حتى وصلنا الى وادي السّلامو في وسط الوادي محل يقال له (مقام صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)) عندما وصلنا الى المقام، اخذ السيد الاصفهاني السراج من مشهدي حسين واخذنى معه الى داخل المقام وهناك جدد وضوءه وصلى اربع ركعات في المقام وتلفّظ ببعض الكلمات التى لم افهمها في حين كان ابني يضحك على افعاله تلك.
وفجأة اضاء الفضاء.
وهناك يقول ابراهيم ابن بحر العلوم: في هذه الاثناء كنت خارج المقام وكان ابي والسيد ابو الحسن الاصفهاني داخل المقام وبعد عدة دقائق سمعت صوت ابي الذي كان يصيح بصوت عال ثم أُغمي عليه.
اقتربت منه فرأيت السيد الاصفهاني يمرّغ له كتفيه حتى افاق.
وعندما رجعنا من هناك قال لى ابى: لقد رأيت حضرة بقية الله وولى العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وقد شرّفني باعتناق المذهب الشيعي الاثني عشري، ولم يقل أبي اكثر من ذلك.
بعد عدة ايام رجع بحر العلوم وولده ومن معهم الى اليمن وصار سبباً في تشيّع اربعة الاف يماني زيدي واعتقادهم بالمذهب الاثني عشري.
إشارة:
لا يخفى ان الاسلوب الذي اتبعه السيد ابو الحسن الاصفهاني مع بحر العلوم اليمني لاثبات وجود الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) هو من افضل اساليب الاقناع ولكن ليس هو الاسلوب الوحيد بل هناك أساليب كثيرة، يمكن اعتمادها في هذا المجال، ولعلّ السيد الاصفهاني كان قاطعاً بان تلك الاساليب لا تنفع مع هذا الرجل ولان هناك فائدة كبيرة في اقناعة بوجود الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) كتشيّع آلاف الناس، بتشيّعة اضطر السيد لاستعمال هذا الاسلوب، ولا شك في انه انما تمّ باجازة الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) والّا فان الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ليس روحا يمكن احضارها وتسخيرها متى ما شاء الاخرون-نعوذ بالله من مثل هذه التصورات-بل لا يمكن لأحد ان يراه ويتعرف عليه إلا بارادة الله تعالى.
فكل ما جرى إذَن، انما جرى لحكمة ومصلحة الهية وقد لا تتوفر هذه المصلحة في الموارد الاخرى.
اللّهم أحينا حياة محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله) وامتنا مماتهم وتوفنا على ملتهم انك سميع الدعاء.
الآية الخامسة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الأنبياء الآية ١٠٥.
روى الحافظ القندوزي في عقد الدرر باسناده عن الامام الباقر والامام الصادق (عليهما لاسلام) في قوله تعالى: (ولَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ) انه (عليه السلام) قال: (هم القائم واصحابه).
الحكاية الخامسة:
ذكر الشيخ الجليل امين الاسلام الفضل بن الحسن الطبرسي (صاحب تفسير مجمع البيان) في كتابه كنوز النجاح قال:
دعاءٌ علّمه صاحب الزمان عليه سلام اللّه الملك المنان، أبا الحسن محمد بن أحمد بن ابي الليّث (رحمة الله تعالى عليه) في بلدة بغداد في مقابر قريش.
وكان ابو الحسن هذا قد هرب الى مقابر قريش والتجأ اليها خوفا من القتل فنجّي منه ببركه هذا الدعاء.
قال ابو الحسن المذكور انه علّمنى ان اقول:
(الّلهمَ عظمَ البلاء وبرح الخفاء وانقطع الرجاء وانكشف الغطاء وضاقت الارض ومنعت السماء واليك يا ربى المشتكى وعليك المعّول فى الشدّة والرخاء اللّهم فصلّ على محمد وآل محمد أولى الأمر الّذين فرضت علينا طاعتهم وعرّفتنا بذلك منزلتهم ففرّج عنّا بحقّهم فرجاً عاجلا قريبا كلمح البصر او هو اقرب يا محمد يا على اكفيانى فانكما كافياى وانصرانى فانكما ناصراى يا مولاى يا صاحب الزمان الغوث الغوث (الغوث) ادركنى ادركنى ادركنى).
قال الرّاوى: انه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) عند قوله (يا صاحب الزمان) كان يشير الى صدره الشريف.
إشارة:
هذه الحكاية وان لم يرد فيها تفاصيل اللقاء والتشرف الّا ان نقل الطبرسي لها وذكر هذا الدعاء يدل على قبوله لها.
والمستفاد من هذه الحكاية ان الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) يتلطف على شيعته ومواليه عندما نضيق بهم الامور.
وهذا المعنى يستفاد من كثير من الحكايات، كما انه هو المستفاد من القابه وكناه صلوات الله عليه حيث يلقب بـ (الغوث).
الآية السادسة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّة مَّعْدُودَة لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وحَاقَ بِهِم ما كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة هود الآية ٨.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) باسناده الى الامام محمد الباقر (عليه السلام) والامام جعفر الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّة مَّعْدُودَة لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وحَاقَ بِهِم ما كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ).
انهما قالا:
الامّة المعدودة هم اصحاب المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في آخر الزمان ثلاثمأة وثلاثة عشر رجلاً كعدّة أهل بدر، يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخريف.
الحكاية السادسة: آية الله العلامة الحلّي (قدس سره)
نقل السيد الشهيد القاضى نور الله الشوشتري (قدس سره) في (مجالس المؤمنين) انه اشتهر عند اهل الايمان ان بعض علماء اهل السّنة ممّن تتلمذ عليه العلاّمة في بعض الفنون، ألّف كتابا في ردّ الامامية ويقرأه للناس في مجالسه ويضلّهم وكان لايعطيه أحداً خوفاً من ان يردُّه أحد من الامامية.
فاحتال العلامة رحمه اللّه في تحصيل هذا الكتاب الى ان جعل تتلمذة عليه وسيلة لاخذه الكتاب منه عارية، فالتجأ الرجل واستحيى من ردّه وقال:
اني آليت على نفسي ان لا أعطيه احداً ازيد من ليلة واحدة، فاغتنم الفرصة في هذا المقدار من الزمان.
فاخذه منه العلامة واتى به الى بيته لينقل منه ما تيسر منه للردّ عليه.
فلما اشتغل بكتابته وانتصف الليل، غلبه النوم فحضر الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وقال:
ولّني الكتاب وخُذْ في نومك.
فانتبه العلّامة وقد تمّ الكتاب باعجازه (عليه السلام).
وفي بعض المؤلفات انه كتب في آخر الكتاب: (كتبه الحجة).
إشارة:
من هذه الحكاية يستفاد امور؛
الاول:
عناد المخالفين واصرارهم على الكيل والنيل من اتباع اهل البيت (عليه السلام) على الرغم من كل ما ورد في كتبهم في أحقية مذهب اهل البيت عليهم الصلوة والسلام.
فهؤلاء ولتعصبهم الاعمى على مرّ الازمنة وليوم الناس هذا يحاولون اطفاء نور الله بافواههم واقلامهم حتى ان هذا المعاند الوارد ذكره في القصة سطَّر بزعمه الفي دليل على ابطال الحق!! فردّه. العلّامة (قدس سره) بالفي دليل لاثبات مذهب الحق وسمّى الكتاب بالالفين.
الثانى:
جِدُّ اتباع المذهب كالعلامة وغيره وتحملهم العناء من اجل نصرة المذهب والحق حتى اضطر العلّامة ان يحتال ويتتلّمذ عند هذا الشخص الذي لا يليق لان يكون تلميذا عند العلامة، كل ذلك من اجل الدفاع عمّن امرنا بمودتهم ومتابعتهم في القران الكريم والذين جعلهم النبى الاكرم محمد (صلى الله عليه وآله) عِدلْ القرآن.
الثالث:
لطف الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) بهؤلاء العلماء وبالشيعة والطائفة الحقّة والفرقة المحقة، ولا شك في ذلك وهو مظهر الرحمة الالهية واللطف الربانيّ حيث رأيت كيف انه (سلام اللّه عليه) تدخل بنفسه الشريف لنصرة اتباع مذهب اجداده الطاهرين (عليهم السلام).
الآية السابعة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(يُعْرَفُ الُْمجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فيُؤْخَذُ بِاَلنَّوَصِي والْأَقْدَامِ * فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الرحمن/ الآية ٤١-٤٢.
روى محمد بن الحسن الصفّار عن ابراهيم بن هاشم عن سليمان الديلمي عن معاوية الدهني عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه تبارك وتعالى: (يُعْرَفُ الُْمجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فيُؤْخَذُ بِاَلنَّوَصِى والْأَقْدَامِ).
فقال (عليه السلام): يا معاوية ما يقولون في هذا؟
قلت: يزعمون ان اللّه تبارك وتعالى يعرف المجرمين بسيماهم في القيامة، فيأمر بهم فيؤخذ بنواصيهم واقدامهم فيلقون في النار.
فقال (عليه السلام) لي: وكيف يحتاج تبارك وتعالى الى معرفة خلق انشأهم وهو خلقهم؟
فقلت: جُعلت فداك وما ذاك (ذلك)؟
قال (عليه السلام): (ذلك) لو قام قائمنا (عليه السلام) اعطاه اللّه السّيما فيأمر بالكافر فيؤخذ بنواصيهم واقدامهم ثم تُخْبَط بالسيف خبطا.
وقرأ ابو عبد الله (عليه السلام): هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان تصليانها لا تموتان ولا تحييان.
الحكاية السابعة: السيد محسن الجبل عاملي
نقل صاحب كتاب (آثار الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)) قال:
قال جناب الحاج ميرزا علي الحيدري: سمعت هذه القضية من حجة الاسلام والمسلمين الشيخ اسحاق الرشتي ابن المرحوم آية الله الشيخ حبيب الله الرشتي.
وفي سفري الى الشام لزيارة مرقد العقيلة زينب بنت امير المؤمنين (عليها السلام)، التقيتُ بجناب المرحوم آية الله الحاج السيد محسن الجبل عاملى وسمعت قصته من لسانه، قال:
تشرفت بزيارة بيت الله الحرام أيّام حكومة الشريف علي على ارض الحجاز، وكنت سلفا قد عرفت اني سأتشرف بخدمة حضرة بقية الله الاعظم ارواحنا فداه، في موسم الحج.
ولذا عندما كنت اُؤدي مناسك الحج كنت دائم الفكر في المولى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ولكن لم اوفق لشرف لقائه في ذلك الموسم.
فكّرت في الرجوع الى وطني، فوجدت ان الطريق بين مكة ولبنان طويل جداً، ففضلت البقاء في مكة المكرمة برجاء ادراك توفيق زيارته (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في السنة القابلة.
ولكني لم اوفق لذلك في السنة الثانية ولا الثالثة والرابعة وحتى الخامسة أو حتى السابعة (والترديد بين الخامسة والسابعة من جناب الحالج ميرزا علي الحيدري).
وفي هذا البين تعرفت على حاكم مكة (الشريف علي) وكنت اتردد عليه احيانا.
والشريف علي من سادات وشرفاء مكة المكرمة وكان زيدي المذهب (يعتقد بامامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب، فهو متوقف عند الامام الرابع).
وفي السنة الاخيرة، وبعد اداء مناسك الحج، وبعدما وجدت اني لم اوفق في هذه السنة أيضا لشرف لقاء ولى العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) تألّمت واضطربت فخرجت من مكة الى احد الجبال المحيطه بها.
ولما وصلت الى اعلى الجبل، شاهدت واحةً خضراء جميلة مزروعة بالثّيل لم أرها قبل ذلك الوقت، فَلِمْتُ نفسي على عدم المجيء الى هذا المكان طيلة تلك السنوات التي قضيتها في مكة!!
وعندما وصلت الى تلك الواحة الخضراء شاهدت خيمة قد اقيمت في وسط تلك الحديقة الغنّاء وقد جلس جمعٌ من الرجال في تلك الخيمة يتوسطهم رجل تبدو عليه آثار الجلالة والهيبة والعلم، كأنه يلقى عليهم الدرس، وقد سمعته يقول:
(ان أولاد وذراري جدّتنا حضرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يُلَقَنون الايمان والولاية ساعة الاحتضار ولا يخرج احدُهم من الدنيا الاّ على المذهب الحق والايمان الكامل).
وفي هذه الاثناء، جاء شخص من جهة مكة، وقال لذلك السيد الجليل:
ان الشريف في حال احتضار، فتفضل وشرّف.
عندما سمعت هذا الكلام من ذلك الشخص أسرعت على الفور في الرجوع الى مكة، ودخلت مباشرة الى قصر الملك فوجدت الشريف في حال الاحتضار وقد اجتمع حوله العلماء والقضاة من أهل السنّة وهم يلقنونه بحسب مذهبهم، ولكنه كان صامتا لم يتفوه بحرف واحد، وكان ابنه بجوار سريره متأثرا مغتما لذلك.
وفجأة، دخل علينا ذلك السيد الجليل الذي كان جالسا وسط الخيمة وهو يُدرِّس اولئك النفر من الرجال، فجلس عند رأس (الشريف علي) ولكن بدا لي ان احدا غيري لم يلتفت بل لم يشعر بدخوله ووجوده عند رأس الشريف، ذلك لاننى كنت انظر اليه ولكن الاخرين كانوا غافلين تماما عن وجوده.هذا وقد سلبت عني قدرة التكلم معه والسلام عليه تماما حتى كأن حواسي قد خرجت عن اختياري ولم اكن اقدر حتى على الحركة ولو خطوة واحدة.
التفت ذلك السيد الى الشريف علي وقال:
(قل اشهد ان لا إله الا الله)
فقال الشريف: (اشهد ان لا اله الا الله)
قال ذلك السيد: (قل اشهد ان محمدا رسول الله)
فقال الشريف: (اشهد ان محمدا رسول الله)
قال السيد: (قل اشهد ان عليا حجة الله)
قال الشريف: ( اشهد ان عليا حجة الله)
وهكذا على هذا المنوال، اخذ السيد يُلَقِّن الشريف ويُشْهدُه على ولاية الأئمة (عليهم السلام) واحدا بعد واحد حتى وصل الى الاقرار بامام الحجة بن الحسن العسكرى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فقال للشريف: (يا شريف قل اشهد انك حجة اللّه).
فقال الشريف علي لذلك السيد: (اشهد انك حجة اللّه).
وهنا علمت اني تشرفت مرّتين بلقاء حضرة بقيّة اللّه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ولكن للأسف كانت القدرة قد سلبت منى تماما فلم اتمكن حتى من السلام عليه والكلام معه.
توفي المرحوم آية اللّه السيد محسن الجبل عاملى، سنة ١٣٧١ (هـ.ق) ودفن في صحن السيدة زينب بنت امير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليها).
إشارة:
يستفاد من هذه الحكاية امور؛
منها:
ان الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) يكون موجودا كل عام في موسم الحج، ويكون معه بعض أصحابه الذين يتشرفون بخدمته والاستفادة من علومه الالهية، ولعلّ هذه الاستفادة لا تنحصر بموسم الحج وانما يكون ذلك في مناطق ومناسبات اخرى عندما يحظون بالفوز بلقائه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
ومنها:
شدة شوق بعض العلماء الى التشرف بخدمته حتى ان البعض يكرر السفر الى الحج مرات ومرات كي يفوز بلقائه كما في قضية على بن مهزيار الآتية في هذا الكتاب، كما ان بعضهم ممن عاش في الازمنة السابقة حيث صعوبة السفر وطول مدته، كان يبقى في مكة المعظمة الى العام القادم في ما لو فاته ادراك الموسم كما حكى عن السيد محمد مهدي بحر العلوم، او فاته الهدف من سفره كما في هذه الحكاية.
فلمثل هذا فليتنافس المتنافسون.
ومنها:
ما قاله (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في قضية اولاد وذراري امّ الأئمة فاطمة الزهراء (عليه السلام) وانهم لن يخرجوا من الدنيا حتى يقرّوا بولاية الأئمة الاثني عشر (صلوات الله عليهم اجمعين)، ليردوا الى القيامة على عقيدة صحيحة سليمة كاملة، وكلّ ذلك كرامة لفاطمة بنت محمد (صلوات الله وسلامه عليها).
وليس ذلك على اللّه بعزيز وهو الذي خلق الخلق لاجلها كما روي في الحديث القدسي الشريف:
(يا محمد لو لاك لما خلقت الافلاك ولو لا علي لما خلقتك ولو لا فاطمة لما خلقتكما).
الآية الثامنة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَرَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وقَدَّرْنَا فِيْهَا ألسَّيرَ سِيرُوا فِيْها لَيَالِىَ وأَيَّاماً ءَامِنِينَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة سبأ الآية ١٨.
الشيخ الطوسي، في الغيبة، قال: روى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه عن محمد بن صالح الهمداني قال:
كتبت الى صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ان أهل بيتي يؤذونني ويقرعوني بالحديث الذي روي عن آبائك (عليهم السلام) انهم قالوا: خدّامنا وقوّامنا شرار خلق الله.
فكتب (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف):
(ويحكم ما تقرأون ما قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَرَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً) فنحن واللّه القرى التى بارك (اللّه) فيها وانتم القرى الظاهرة.
وفي رواية ابن بابوية في غيبته باسناده الى الصادق (عليه السلام) انه قال: (يا أبا بُكير، سيروا فيها ليالي واياما آمنين) قال: مع قائمنا اهل البيت (عليهم السلام).
الحكاية الثامنة: المقدّس الاردبيلي (قدس سره)
يقول احد خواص تلامذة المقدس الاردبيلي (وهو بدوره من علماء زمانه البارزين وواقفا على خصوصيّات حياة استاذه):
ذات ليلة كنت اتمشى في صحن امير المؤمنين علي ابن ابي طالب (عليه السلام) وكان الليل قد تجاوز منتصفه بعد ان أعيتني المطالعة.
وفجأة وفي ذلك الفضاء النوراني، رأيت شخصا من بعيد يتقدم نحو الحرم الشريف في حين كانت أبواب الصحن والحرم مغلّقة بالاقفال! فدفعنى حبّ الاطلاع على تعقيبه، فرأيت ان هذا الشخص كلما اقترب من أحد الابواب انفتح له القفل وفتحت الباب ودخل الرجل منها، فكلما وضع يده على باب انفتحت الى ان وصل بكل وقار وسكينة الى جنب الضريح الشريف للامام (عليه السلام).
وقف هناك وسلّم على امير المؤمنين (عليه السلام)، وقد سمعت جواب سلامه ومن ثمّ بدأ بالحديث مع صاحب ذلك الصوت.
لم تمض برهه من كلامهما حتى خرج ذلك الرجل من الصحن الشريف متجهاً نحو مسجد الكوفة.
وسرت خلفه بحيث لايراني، للوقوف على حاله.
وصل الرجل الى مسجد الكوفة، وتقدم الى المحراب ورأيته يتحدث مع احد الاشخاص ولم اسمع ما كانا يقولان.
وبعد ان تمّت محادثتهما رجع صاحبي الى النجف ولما اقترب من بوابتها كان الفجر قد حان لتوّه وبدأت حركة الناس في ازقة المدينة.
في هذه الاثناء اعترضتني حالة عطاس لم اقدر على الحدّ منها، فسمعنى ذلك الرجل ونظر اليّ، ولمّا نظرت في وجهه فاذا هو استاذي المرحوم آية الله المقدس الاردبيلي.
سلّمت عليه واديت التحيّة والاحترام وقلت له:
لقد كنت طوال الليلة معك، منذ لحظة دخولك الى الحرم الشريف والى الآن، فتفضل عليّ واخبرني مع من كنت تتحدث في الحرم الشريف وفي مسجد الكوفة؟
في البدء أخذ الاستاذ مني العهد على ان لا افشي سرَّه هذا مادام حيّا، ثم قال:
يا ولدي، احيانا تشكل عليّ بعض المسائل فاعجز عن حلّها، فاتشرف بزيارة حلّال المشكلات علي ابن ابي طالب (عليه السلام) وأخذ اجوبة تلك المسائل منه.
وفي الليلة الماضية احالني امير المؤمنين (عليه السلام) الى ولده صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وقال لي:
(ان ولدى المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في مسجد الكوفة الآن وهو امام زمانك، فاذهب اليه وتعلم مسائلك منه).
ولذا فقد ذهبت الى مسجد الكوفة بامره (عليه السلام)، وتشرفت بخدمة مولانا المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وسألته مسائلي وهو الذي كان واقفا في محراب المسجد.
إشارة:
المقدس الاردبيلي عالم جليل القدر عُرِفَ بالعلم والورع والتقوى والعبادة حتى صار مضربا للمثل في التقوى والورع.توفي سنة ٩٩٣ (هـ.ق).
اشتهر عنه ما ورد في هذه الحكاية وانه كان يتوسل بامير المؤمنين (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) محلِّ المشكلات والمسائل، ولا غرابة في ذلك، فعليّ (عليه السلام) هو باب مدينة العلم ولن يلج احد المدينة الاّ من بابها، وكل علم لم يؤخذ من علي فهو جهل.
فما احرانا ان نحاول ونحاول التقرب الى هذا المنهل الصافي العذب الفرات ونغترف من نميره المعين ولا شك ان ذلك لا يحصل الاّ بالجدّ والمثابرة في الطاعات والتقوى والاجتهاد في طلب العلم والمعرفة.
انشاء اللّه تعالى.
الآية التاسعة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(فَلَآ أُقْسِمُ بِاَلْخُنَّسْ) صدق اللّه العلي العظيم سورة التكوير الآية ١٥.
روى الحافظ القندوزي في ينابيعه قال:
رُوي عن هاني عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى:
(فَلَآ أُقْسِمُ بِاَلْخُنَّسْ) قال:
الخنّس: امامٌ يخنس اي: يرجع من الظهور الى الغيبة سنة ستين ومأتين، ثم يبدو كالشهاب الثاقب.
الحكاية التاسعة: مسجد جمكران
ذكر العّلامة النوري (قدس سره) في النجم الثاقب في احوال الامام الحجة الغائب (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) الجزء الثاني، الباب السابع، الحكاية الاولى قال:
نقل الشيخ الفاضل حسن بن محمد بن حسن القمّي المعاصر للصدوق في كتابه (تاريخ قم) عن كتاب (مؤنس الحزين في معرفة الحق واليقين) من مصنفات الشيخ ابي جعفر محمد بن بابويه القمي: باب ذكر بناء مسجد جمكران بأمر الامام الحجة المهدى (عليه صلوات الله الرحمن) سبب بناء المسجد المقدس في جمكران بأمر الامام (عليه السلام) على ما اخبر به الشيخ العفيف الصالح حسن بن مثله الجمكراني قال:
كنت ليلة الثلاثاء السابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث وتسعين وثلاثمئة نائما في بيتي فلمّا مضى نصف من الليل فاذا بجماعة من الناس على باب بيتي فأيقظوني، وقالوا: قم وأجب الامام المهدى صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فانّه يدعوك.
قال: فقمت وتعبّأت وتهيّأت، فقلت: دعوني حتّى ألبس قميصي، فاذا بنداء من جانب الباب، (هو ما كان قميصك) فتركته وأخذت سراويلي، فنودي (ليس ذلك منك، فخذ سراويلك) فألقيته وأخذت سراويلى ولبسته، فقمت إلى مفتاح الباب أطلبه فنودي: (الباب مفتوح).
فلمّا جئت إلى الباب، رأيت قوما من الأكابر، فسلّمت عليهم، فردّوا ورحّبوا بي، وذهبوا بى إلى موضع هو المسجد الآن، فلمّا أمعنت النظر رأيت أريكة فرشت عليها فراش حسان، وعليها وسائد حسان ورأيت فتى في زيّ ابن ثلاثين متكأّ عليها، وبين يديه شيخ، وبيده كتاب يقرؤه عليه، وحوله أكثر من ستّين رجلا يصلّون في تلك البقعة، وعلى بعضهم ثياب بيض، وعلى بعضهم ثياب خضر.
وكان ذلك الشيخ هو الخضر (عليه السلام) فأجلسنى ذلك الشيخ (عليه السلام) ودعاني الامام (عليه السلام) باسمي، وقال: اذهب الى حسن بن مسلم، وقل له: انّك تعمر هذه الأرض منذ سنين وتزرعها ونحن نخرّبها، زرعت خمس سنين، والعام ايضا انت على حالك من الزراعة والعمارة ولا رخصة لك في العود أليها وعليك ردّما انتفعت به من غلّات هذه الأرض ليبنى فيها مسجد، وقل لحسن بن مسلم انّ هذه أرض شريفة قد اختارها الله تعالى من غيرها من الأراضي وشرّفها، وأنت قد أضفتها الى أرضك، وقد جزاك اللّه بموت ولدين لك شابّين، فلم تنتبه عن غفلتك، فان لم تفعل ذلك لأصابك من نقمة اللّه من حيث لا تشعر.
قال حسن بن مثلة: قلت: يا سيّدي لابدّ لي في ذلك من علامة، فان القوم لا يقبلون ما لا علامة ولا حجّة عليه، ولا يصدّقون قولي.قال: انّا سنعلِّم هناك فاذهب وبلّغ رسالتنا، واذهب الى السيّد أبي الحسن وقل له: يجىء ويحضره ويطالبه بما أخذ من منافع تلك السنين، ويعطيه الناس حتى يبنوا المسجد، ويتمّ ما نقص منه من غلّة دهق ملكنا بناحية أردهال ويتمّ المسجد، وقد وقفنا نصف دهق على هذا المسجد ليجلب غلّته كل عام ويصرف الى عمارته.
وقل للناس: ليرغبوا الى الموضع ويعزّروه ويصلّوا هنا أربع ركعات للتحية في كلّ ركعة يقرأ سورة الحمد مرّة، وسورة الاخلاص سبع مرّات ويسبح في الركوع والسجود سبع مرّات، وركعتان للامام صاحب الزمان (عليه السلام) هكذا: يقرأ الفاتحة، فاذا وصل الى (ايّاكَ نَعْبُدُ واِيَّاكَ نَسْتَعِين) كرّره مائة مرّة ثم يقرؤها الى آخرها وهكذا يصنع في الركعة الثانية في الركوع والسجود سبع مرّات، فأذا اتمّ الصلوة يهلّل، ويسبح تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فاذا فرغ من التسبيح يسجد ويصلي على النبي وآله مائة مرّة.ثم قال (عليه السلام) ما هذه حكاية لفظه: فمن صلّاها فكأنّما صلّى في البيت العتيق.
قال حسن بن مثله: قلت في نفسى: كأنّ هذا موضع أنت تزعم انّما هذا المسجد للامام صاحب الزمان مشيرا الى ذلك الفتى المتكى على الوسائل، فأشار ذلك الفتى الىّ أن اذهب.
فرجعت، فلما سرت بعض الطريق دعاني ثانية، وقال: انّ في قطيع جعفر الكاشاني الراعي معزا يجب ان تشتريه، فان أعطاك أهل القرية الثمن تشتريه والّا فتعطي من مالك، وتجىء به الى هذا الموضع، وتذبحه الليلة الآتية، ثمّ تنفق يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر رمضان المبارك لحم ذلك المعز على المرضى ومن به علّة شديدة فانّ اللّه يشفي جميعهم، وذلك المعز أبلق، كثير الشعر، وعليه سبع علامات سود وبيض، ثلال على جانب وأربع على جانب، سود وبيض كالدراهم.
فذهبت فأرجعونى ثالثة، وقال (عليه السلام): تقيم بهذا المكان سبعين يوما أو سبعا، فان حملت على السبع انطبق على ليلة القدر وهو الثالث والعشرون وان حملت على السبعين انطبق على الخامس والعشرين من ذي القعدة، وكلاهما يوم مبارك.
قال حسن بن مثلة: فعدت حتى وصلت الى داري ولم أزل الليل متفكرا حتى أسفرّ الصبح فأدّيت الفريضة، وجئت الى عليّ بن المنذر، فقصصت عليه الحال، فجاء معي حتىّ بلغت المكان الذي ذهبوا بي اليه البارحة، فقال: واللّه انّ العلامة التي قال لي الامام (عليه السلام) واحد منها ان هذه السلاسل والأوتاد ههنا.
فذهبنا الى السيد الشريف أبي الحسن الرّضا فلما وصلنا الى باب داره رأينا خدّامه وغلمانه يقولون: انّ السيد أبا الحسن الرضا ينتظرك من السحر، أنت من جمكران؟
قلت: نعم، فدخلت عليه الساعة: وسلّمت عليه وخضعت فأحسن في الجواب وأكرمني ومكّن لي في مجلسه، وسبقني قبل أن احدّثه وقال: يا حسن بن مثله انّي كنت نائما فرأيت شخصا يقول لي: انّ رجلا من جمكران يقال له حسن بن مثله يأتيك بالغدوّ، ولتصدّقنّ ما يقول، واعتمد على قوله، فانّ قوله قولنا، فلا تردنّ عليه قوله، فانتبهت من رقدتي، وكنت أنتظرك الآن.
(فقصّ عليه الحسن بن مثلة القصص مشروحا، فأمر بالخيول لتسرج، وتخرّجوا فركبوا فلمّا قربوا من القرية رأوا جعفر الراعي وله قطيع على جانب الطريق فدخل حسن بن مثلة بين القطيع، وكان ذلك المعز خلف القطيع فأقبل المعز عاديا الى الحسن بن مثلة فأخذه الحسن ليعطي ثمنه الراعي ويأتي به فأقسم جعفر الراعي: انّي ما رأيت هذا المعز قطّ، ولم يكن في قطيعي الّا انّي رأيته وكلّما اريد أن آخذه لا يمكنني، والآن جاء اليكم، فأتَوْا بالمعز كما أمر به السيد الى ذلك الموضع وذبحوه.
وجاء السيد أبو الحسن الرضا (رضى اللاه عنه) الى ذلك الموضع، وأحضروا الحسن بن مسلم واستردّوا منه الغلّات وجاؤا بغلّات دهق، وسقّفوا المسجد بالجذوع وذهب السيد أبوا الحسن الرضا (رضي الله عنه) بالسلاسل والأوتاد وأودعها في بيته فكان يأتي المرضى والأعلّاء ويمسّون أبدانهم بالسلاسل فيشفيهم اللّه تعالى عاجلا ويصحّون.
قال أبوا الحسن محمد بن حيدر: سمعت بالاستفاضة انّ السيد أبا الحسن الرضا الساكن في المحلّة المدعوّة بموسويان من بلدة قم، قد مرض بعد وفاته ولد له، فدخل بيته وفتح الصندوق الذي فيه السلاسل والأوتاد، فلم يجدها.
إشارة:
في الحكاية نكات لطيفة؛
منها:
ان هناك مواضع في هذه الارض، مقدسة وشريفة لا يهتدي اليها أحد الّا بتعليم الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فهو العارف باسرار الكون وما فيه، ومنها هذه البقعة المباركة التى اضحت الآن مسجدا ومزارا يقصده الآلاف من المؤمنين كل ليلة اربعاء وليلة الجمعة ويومها وبقية الايام، ومن كافة الاقطار للتبرك به ولنيل المطالب، وعلى أمل التشرف بلقاء بقية الله الاعظم ارواحنا فداه.
والكرامات التي حصلت في هذا المقام والمسجد الشريف كثيرة جدا، وللوقوف على بعضها يراجع مكتب ادارة هذا المكان الشريف.
ومنها:
ان هناك بعض الصالحين يكونون مع الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في كثير من الاوقات والاماكن ومنهم الخضر (عليه السلام) حيث رأينا كيف انه يمثُل بين يدى الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ويقرأ عليه كتابا، فيأخذ العلوم والمعارف عنه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
ومنها:
ان بعض الناس يتجاوز بعض الحقوق المفروضة عليه كما ورد في (حسن بن مسلم) المزارع في اراضي اهل البيت (عليهم السلام)، وقد ابتلاه الله بولديه ولكنه لم يلتفت: ولم يتنبه من غفلته، فما اكثر الغافلين مع كثرة ما يبتلون به من مصائب.
ومنها:
الاستشفاء بتلك السلاسل الحديدية التي مسّتها يد الرحمة الالهية، فاذا كان هذا الأثر حاصلا من مجرد المماسة لهذا العنصر، فكيف بمن يتشرف بتقبيل يده الشريفة (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه).
ومنه يعلم صحة ما يقوم به الشيعة والمؤمنون بالتمسح باضرحتهم الشريفة والتوسل الى الله بحقهم طلبا للشفاء من الامراض الصعبة والعلل الشديدة.
(اللهم اني لو وجدت شفعاء اقرب اليك من محمد واهل بيته الاخيار لجعلتهم شفعائي، اللهم بحقهم الذي اوجبت لهم عليك اسئلك ان تدخلني في جملة العارفين بهم وبحقهم وفي زمرة المرحومين بشفاعتهم انك ارحم الراحمين وصلّى اللّه على محمد وآله الطاهرين).
الآية العاشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(أَمَّنْ يُجِيْبُ اَلْمُضْطَرَ إِذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفآءَ اَلْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اَللَّهِ قَلِيْلاً مَا تَذَكَّرُونَ). صدق اللّه العلي العظيم سورة النمل الآية ٦٢.
محمد بن عباس عن حميد أحمد بن زياد عن الحسين بن محمد بن سماعة عن ابراهيم بن عبد الحميد، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:
انّ القائم (عليه السلام) اذا خرج دخل المسجد الحرام فيستقبل القبلة الكعبة ويجعل ظهره الى المقام ثم يصلي ركعتين ثم يقوم فيقول:
يا ايها الناس أنا اولى الناس بادم (عليه السلام)، يا ايها الناس أنا اولى الناس بابراهيم (عليه السلام)، يا ايها الناس انا اولى الناس بإسماعيل عليه السلام، يا ايها الناس انا اولى الناس بمحمد (صلى الله عليه وآله).
ثم يرفع يديه الى السماء ويدعوا ويتضرع حتى يقع على وجهه، وهو قول اللّه عزّ وجل:
(أَمَّنْ يُجِيْبُ اَلْمُضْطَرَ إِذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفآءَ اَلْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اَللَّهِ قَلِيْلاً مَا تَذَكَّرُونَ).
الحكاية العاشرة: السيد محمد مهدي بحر العلوم (قدس سره)
نقل جناب المولى السلماسي (طاب ثراه) عن ناظر أموره في أيام مجاورته بمكّة قال: كان (رحمه اللّه) مع كونه في بلد الغربة منقطعا عن الأهل والأخوة، قويّ القلب في البذل والعطاء، غير مكترث بكثرة المصارف.
فاتّفق في بعض الأيام أن لم نجد الى درهم سبيلا فعرّفته الحال، وكثرة المؤنة، وانعدام المال، فلم يقل شيئا.
وكان دأبه أن يطوف بالبيت بعد الصبح ويأتي الى الدار، فيجلس في الغرفة المختصّة به ونأتي اليه بغليان فيشربه، ثم يخرج الى غرفة اخرى يجتمع فيها تلامذته، من كلّ المذاهب فيدرس لكلّ على مذهبه.
فلمّا رجع من الطواف في اليوم الذي شكوته في أمسه نفوذ النفقة، وأحضرت الغليان على العادة، فاذا بالباب يدقّه أحد، فاضطرب أشدّ الاضطراب، وقال لي:
خذ الغليان وأخرجه من هذا المكان.
وقام مسرعا خارجا عن الوقار والسكينة والآداب، ففتح الباب ودخل شخصٌ جليل في هيئة الأعراب، وجلس في تلك الغرفة وقعد السيد عند بابها، في نهاية الذلّة والمسكنة، وأشار اليّ أن لا اُقرِّب اليه الغليان.
فقعدا ساعة يتحدّثان، ثمّ قام، فقام السيد مسرعا وفتح الباب، وقبّل يده وأركبه على جمله الذي أناخه عند الباب، ومضى لشأنه ورجع السيد متغير اللون وناولني براة وقال: هذه حوالة على رجل صرّاف، قاعد في جبل الصفا، فاذهب اليه وخذ منه ما أحيل عليه.
قال: فأخذتها وأتيت بها الى الرجل الموصوف، فلمّا نظر اليها قبّلها وقال: عليّ بالحماميل، فذهبت وأتيت بأربعة حماميل فجاء بالدارهم من الصنف الذي يقال له ريال فرانسة، يزيد كلّ واحد على خمسة قرانات العجم وما كانوا يقدرون على حمله، فحملوها على أكتافهم، وأتينا بها الى الدار.
ولمّا كان في بعض الأيّام، ذهبت إلى الصرّاف لأسأل منه حاله، وممّن كانت تلك الحوالة فلم أر صرّافا ولا دكّانا.
فسألت من بعض من حضر في ذلك المكان عن الصرّاف، فقال: ما عهدنا في هذا المكان صرّافا أبدا وانّما يقعد فيه فلان.
فعرفت انّه من أسرار الملك المنّان، وألطاف وليّ الرحمان.
وحدّثني بهذه الحكاية الشيخ العالم الفقيه النحرير المحقّق الوجيه، صاحب التصانيف الرائقة، والمناقب الفائقة، الشيخ محمد الكاظمي المجاور بالغرىّ (أطال الله بقاه) عمّن حدّثه من الثقات عن الشخص المذكور.
إشارة:
ذكر في سبب بقاء السيد بحر العلوم في مكة المكرمة انه سافر اليها قاصدا الحج فلم يدرك الموسم، فاختار المكث فيها الى العام القابل، لصعوبة السفر آنداك واستغراقه مدة طويلة، هذا في ظاهر الحال.
ولعلّ هناك اسباب اخري حقيقية هي التي دفعت السيد الى البقاء، وقد يكون ذلك بامر من ولي اله (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) لكي ينتفع الناس من هذا البحر الزاخر الذي هو قطرة من علم الأئمة (عليهم افضل الصلوة والسلام).
ولا يخفى عليك عزيري القارىء الالطاف التي حظي بها هذا السيد من قبل الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) كما ذكر في الحكاية.
وباعتقادنا، ان مراجعنا العظام ومروجي المذهب الحق يعيشون دائما في ظل الطاف الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وانه يتلطف عليهم باستمرار، فما احرانا بتجليل مراجعنا واكبارهم والانقياد لنصائحهم وارشاداتهم فانهم حجّة الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) علينا.
اللّهم ارحم الماضين منهم واحفظ الباقين وايدهم بتأييداتك الوافرة.
الآية الحادية عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ) صدق اللّه العلي العظيم سورة ص/ آية ٨٨.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) باسناده قال:
عن عاصم بن حميد عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى:
(وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ)
قال: لتعلمن نبأه أى: نبأ القائم عند خروجه.
الحكاية الحادية عشرة: الحاج مؤمن
ذكر الشهيد السيد عبد الحسين دستغيب في كتابه (القصص العجيبة) قال: حدثنى صاحب مقام اليقين المرحوم (الحاج عباس علي) المعروف (بالحاج مؤمن) وهو من اهل المكاشفات والكرامات قال: في اوائل شبابي، كنت اشتاق كثيراً للتشرّف وزيارة مولاى الامام الحجّة، حتّى سلبت منّي الرّاحة والاستقرار شوقا اليه ووصل بي الأمر ان حرّمت على نفسي الطعام والشراب حتى احظى بلقائه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، (ولا شك في ان هذا التصميم منّي كان ناشئا عن قلة المعرفة وشدة الاشتياق).
بقيت يومين وليلتين لم اذق طعاما ولا شرابا، وفي الليلة الثالثة اضطررت الى شرب قليل من الماء، ثم عرضتني حالة غشوة فرأيت في تلك الحالة مولاى الامام الحجّة (عليه السلام) فاعترض عليّ وقال: لماذا تفعل هذا بنفسك؟ سابعث اليك بطعام، فكله.
عدت الى حالتي الطبيعية وكان قد مضى من الليل ثلثه وكنت حينئذ في المسجد (مسجد مردزك) وكان المسجد مغلقا في تلك الساعة وخاليا من الناس.
وفجأة سمعت طرقات الباب، فتحت الباب فرأيت رجلا قد غطّى رأسه بعباءة، فأخرج ظرفا من تحت العباءة وكان مملوءا طعاما وقال لي مرتين: كله ولا تعط منه شيئا لأحد.ثم وضع الظرف تحت منبر المسجد وانصرف.
اغلقت الباب ودخلت الى المسجد فوجدت ان ذلك الاناء مملوء بالرز والدجاج المشوي، فأكلت منه وكان لذيذا لا توصف لذته.
وفي اليوم الثاني، قبل الغروب جاءني المرحوم الميرزا محمد باقر وهو من الأخيار وابرار ذلك الزمان، فطالبني أولا بالاناء، ثم اعطاني مقدارا من النقود كان قد وضعها في كيس وقال لي:
أنت مأمور بالسفر، فخذ هذه النقود وسافر الى مشهد الامام الرضا (عليه السلام) مع قافلة السيد هاشم (وهو امام جماعة مسجد سردزك) وستلتقي في الطريق برجل جليل القدر وتستفيد منه كثيرا.
يقول الحاج مؤمن:
سافرت بذلك المال مع المرحوم السيد هاشم، وعندما تجاوزنا مدينة طهران، صادفنا شيخا عجوزا على قارعة الطريق، أشّر لنا بالتوقف، فتوقفنا عن السير واركبناه في السيارة بعد الاستئذان من السيد هاشم.
صعد الشيخ وجلس الى جانبي، وتحركت السيارة.في اثناء الطريق علمني الشيخ وكان طيب القلب نيرّ الضمير، علمني بعض الأمور والارشادات والمواعظ، كما انه اخبرني ببعض ما سيجري عليّ الى أواخر حياتى واخبرنى عن كل ما فيه مصلحتي.و قد حصل كلّ الذي اخبرني به.
ومن جملة ما أمرني به هذا الرجل هو انه نهاني عن الاكل في المطاعم والمقاهي الكائنة على الطرق الخارجية العامة وقال: ان طعام الشبهة يترك اثرا سيئا على القلب.
وكان مع هذا الرجل سفرة طعام يفرشها متى ما اراد أن يأكل، وكان يخرج منها الخبز الطازج الشهي حتى ما اشهيت الطعام وكان احياناً يعطيني الكشمش الاخضر.
ولما ان وصلنا الى موضع (قدمگاه) قال لى:
لقد اقترب اجلي، ولن أصل الى مشهد الامام الرضا (عليه السلام)، واعلم ان تجهيزي سيكون على يد السيد هاشم.
يقول الحاج مؤمن: لما سمعت ذلك منه، اضطربت كثيرا فقال لي: لا تخف، واهدأ ولا تخبر احدا بشيء حتى تكون وفاتي، وسلم أمرك الى اللّه.
وعندما وصلنا الى جبل (طرق) وكان طريق الزوار حينذاك يمرّ من هناك، توقفت السيارة ونزل المسافرون واشتغلوا بالسلام على الامام الرضا (عليه السلام) وكان معاون السائق يرشد الناس الى منظر القبة الذهبيّة السامية للامام (عليه السلام) ويأخذ منهم الهدية على ذلك.
في هذه الاثناء، اتجه الشيخ العجوز الى موضع هناك ثم نظر الى قبة الامام الرضا (عليه السلام) وبعد السلام والتحية على الامام (عليه السلام) بكى كثيرا، ثم قال:
يا مولاى، لم اكن لائقا للوصول الى قبرك الشريف!!.
ثم نام على الارض مستقبلا القبلة ووضع عباءته على رأسه.
بعد لحظات، ذهبت عند رأسه وكشفت العباءة عن وجهه فاذا هو مفارق للحياة.
جلست عند رأسه ابكي وانحب وانوح عليه، فاجتمع المسافرون حولي، وسألوني عن الموضوع فاخبرتهم بالقصة كاملة وبيّنت لهم بعض احواله فأخذوا بالبكاء والحسرة.
اخذنا جنازة الرجل الى مشهد الامام الرضا (عليه السلام)، وجهزناها ودفناه في صحن الامام (عليه السلام) كما أخبرني هو بذلك.
إشارة:
من هذه الحكاية العجيبة، يمكن استفادة امور؛
منها: انّه على الرغم من ان السعي الى التشرف بخدمة الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) أمر مطلوب بل هو غاية كل مؤمن، الّا انه لا ينبغي للانسان ان يتوسل باي طريقة للوصول الى ذلك حتى لو كانت تدخل الضرر على نفسه بل هناك سبل يمكن اتّباعها للتشرف والفوز بلقائه بعد الاذن منه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
ومنها: ان أولياء اللّه في هذه الارض كثيرون ولكنهم لا يظهرون أنفسهم الّا في الموارد الضرورية وعندما تكون هناك مصلحة في ذلك، وكما ورد عن امير المؤمنين (عليه السلام): ان اللّه اخفى اوليائه في عباده، فلا تحتقرن احدا من عباده فقد يكون وليا من أوليائه.
ولو لا وجود هؤلاء الصالحين والابدال في هذه الارض، لتغير حال الناس، كما ورد ذلك في الاخبار وفي الآيات القرآنية أيضا فان اللّه عز وجل يرفع العذاب عن اقوام لوجود امثال هؤلاء الابدال فيهم.
الآية الثانية عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(أُولَئِك حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة المجادلة الآية ٢٢.
اخرج الحافظ القندوزي في ينابيعه، بسنده قال:
عن جابر بن عبد الله الانصاري عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قال في حديث طويل عندما يسئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن اوصيائه، فعدّهم النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) الى ان قال:
ومن بعده (اي بعد الحسن العسكري) ابنه محمد، يدعى بالمهدى والقائم والحجّة، فيغيب ثم يخرج، فاذا خرج يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبته اولئك الذين وصفهم اللّه في كتابه وقال:
هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب
وقال تعالى: (…وَاُولئكَ حِزبُ اَللَّه اِنَّ حِزْبَ اَللَّه هُمُ اَلْمُفْلِحُون).
الحكاية الثانية عشرة: السيد بن طاووس (قدس سره)
روى السيد ابن طاووس في (جمال الاسبوع) زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الأحد، برواية من شاهد في اليقظة صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وهو يزوره بها.
والزيارة هي:
(السلام على الشجرة النبوية والدوحة الهاشمية المضيئة المثمرة بالنبوّة المونقة بالامامة، وعلى ضجيعيك آدم ونوح (عليهما السلام) السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى الملائكة المحدقين بك والحافّين بقبرك، يا مولاى يا أمير المؤمنين هذا يوم الأحد وهو يومك وباسمك وأنا ضيفك فيه وجارك فأضفنى يا مولاى وأجرنى فانّك كريم تحبّ الضيافة ومأمور بالاجارة فافعل ما رغبت اليك فيه ورجوته منك بمنزلتك وآل بيتك عند اللّه، ومنزلته عندكم، وبحقّ ابن عمّك رسول اللّه صلى اللّه عليه وعليكم أجمعين).
إشارة:
لعلّ المشاهد هو نفس السيد ابن طاووس (قدس سره) لكنه لم يفصح عن ذلك لورعه، حيث عرفت عزيزي انَّه نقل ايضا المناجات التي سمعها هو بنفسه عن الحجّة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في السرداب سحرا، والتي ذكرناها في الحكاية الاولى في هذا الكتاب.
ثم اعلم ان هذه الزيارة للأمير (عليه السلام)، باعتبار تقسيم ايام الاسبوع على المعصومين (صلوات اللّه عليهم) حيث ان يوم السبت خفيره رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ويوم الأحد خفيره امير المؤمنين (عليه السلام) واضاف اليه السيد، مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) ولعله استفاد ذلك من اخبار اخرى. وتقسيم باقى ايام الاسبوع على الائمة (عليهم السلام).
وللمحقق النوري تحقيق في هذا الباب.
واعلم حفظك اللّه ورعاك ان ورود هذه الزيارة على لسان المعصومين (عليهم السلام) انما هي لطف منهم للمؤمنين حيث انهم يعلمونهم ادب مخاطبة هذه الوجودات الطاهرة، ولو لا ذاك لوقع الناس في محاذير كثيرة في مخاطبتهم للأئمة (عليهم السلام)، وقد يفرّط البعض وينتقص من مقامهم السامي ويفرط البعض ويغلو بهم فجاءت زيارتهم على لسانهم صونا لنا عن ذلك ولله الحمد والشكر، ولحججه المنة واللطف علينا ما بقينا وبقي الليل والنهار.
الآية الثالثة عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِاَلْهُدَى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْكَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). صدق اللّه العلي العظيم سورة الفتح الآية ٢٨، سورة التوبة الآية ٣٣، سورة القصص الآية ٩.
اخرج العلامة الكنجي في (البيان) والشبلنجي في (نور الأبصار) قالا:
جاء في تفسير الكتاب عن سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى:
(ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون) قالا: هو المهدي من ولد فاطمة (عليها السلام).
وروى الحافظ القندوزي باسناده عن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) فى قوله تعالى:
(هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِاَلْهُدَى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْكَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
قال (عليه السلام): واللّه ما يجيء تأويلها حتى يخرج القائم المهدى (عليه السلام).
فاذا خرج (القائم) لم يبق مشرك الا كره خروجه.
ولا يبقى كافر الاّ قتل حتى لو كان كافر في بطن صخرة قالت:
يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله.
الحكاية الثالثة عشرة: السيد الرشتي
نقل المحقق الشيخ حسين النوري (قدس سره) في النجم الثاقب هذه الحكاية الشريفة، فقال:
قد تشرّف بزيارة النجف الأشرف جناب المستطاب التقي الصالح السيد احمد بن السيد هاشم بن السيد حسن الرشتي ساكن رشت أيّده اللّه، قبل سبعة عشر سنة تقريبا.
وقد جائنى الى المنزل مع العالم الرّباني والفاضل الصمداني الشيخ علي الرشتي ـ طاب ثراه ـ
فلمّا نهضنا للخروج نبّهني الشيخ الى أن السيد احمد من الصلحاء المسدّدين ولمّح اليّ انّ له قصّة عجيبة ولم يسمح المجال حينها في بيانها.
وبعد عدّة أيام من اللقاء قال لي الشيخ: انّ السيد قد ذهب، ثم نقل لى جملة من حالات وأحوال السيد مع قصّته، فتأسّفت لذلك كثيرا لعدم سماعي القصّة منه شخصا، ولو انّ مقام الشيخ (رحمهم الله) أجلّ من أن ينقل شيئا خلاف ما نقل له.
وبقي هذا الموضوع في ذهني من تلك السنة وحتى جمادى الآخره من هذه السنة حيث كنت راجعا من النجف الأشرف الى الكاظمين فالتقيت بالسيد الصالح المذكور وهو راجع من سامراء وكان عازما على السفر الى بلاد العجم، فسألته عن ما سمعته من أحواله ومن جملتها المعهود، فنقل كل ذلك ما طابق النقل الأول، والقضية بما يلي؛ قال:
عزمت على الحج في سنة ألف ومائتين وثمانين فجئت من حدود رشت الى تبريز ونزلت في بيت الحاج صفر علي التاجر التبريزي المعروف ولعدم وجود قافلة فقد بقيت متحيّرا الى أن جهز الحاج جبارجلودار السدهي الاصفهاني قافلة الى (طربوزن) فاكتريت منه مركبا لوحدي وسافرت.
وعندما وصلت الى أوّل منزل التحق بي ـ وبترغيب الحاج صفر علي ـ ثلاثة أشخاص آخرين، أحدهم الحاج الملّا باقر التبريزى، الذي كان يحج بالنيابة وكان معروفا لدى العلماء، والحاج سيد حسين التاجر التبريزى ورجل يسمى الحاج علي وكان يشتغل بالخدمة.
ثم ترافقنا بالسفر الى أن وصلنا الى (أرضروم)، وكنّا عازمين على الذهاب من هناك الى (طربزون) وفي أحد تلك المنازل التي تقع بين هاتين المدينتين جاءني الحاج جبار جلو دار وقال: بأن هذا المنزل الذي قدامنا مخيف فعجّلوا حتى تكونوا مع القافلة دائما، وذلك لأننا كنّا غالبا ما نتخلّف عن القافلة بفاصلة في سائر المنازل، فتحرّكنا سويّة بساعتين ونصف، أو ثلاث ساعات بقيت الى الصبح ـ على التخمين ـ وابتعدنا عن المنزل الذي كنّا فيه مقدار نصف أو ثلاثة أرباع الفرسخ فاذا بالهواء قد تغيّر واظلمت الدنيا وابتدأ الثلج بالتساقط، فحينئذ غطى كل واحد منّا ومن الرفقاء رأسه وأسرع بالسيد.و قد فعلت أنا كذلك لألتحق بهم ولكنّي لم أتمكن على ذلك فذهبوا وبقيت وحدي. ثم نزلت بعد ذلك من فرسي وجلست على جانب الطريق، وقد اضطربت اضطرابا شديدا لأنه كان معي قرابة ستمائة تومان لنفقة الطريق.
وبعد أن فكّرت وتأملت بأمري قررت أن أبقى في هذا الموضع الى أن يطلع الفجر، ثم ارجع الى الموضع الذي جئت منه، وآخذ معي من ذلك الموضع عدّة اشخاص من الحرس فألتحق بالقافلة مرّة ثانية.
وبهذه الأثناء رأيت بستانا أمامي، وفي ذلك البستان فلاح بيده مسحاة يضرب بها الأشجار فيتساقط الثلج منها، فتقدّم اليّ بحيث بقيت فاصلة قليلة بينه وبيني، ثم قال: من أنت؟
قلت ذهب اصدقائي وبقيت وحدي ولا أعرف الطريق فتهتُ.
فقال باللغة الفارسية: نافله بخوان تا راه پيدا كنى.
(أىْ صلّ النافلة ـ والمقصود منها صلاة الليل ـ لتعرف الطريق).
فاشتغلت بصلاة النافلة وبعدما فرغت من التهجد، عاد اليّ مرّة اخرى وقال:
ألم تذهب بعد؟!
قلت واللّه لا أعرف الطريق.
قال: جامعه بخوان. (اقرأ الجامعة).
ولم أكن احفظ الجامعة وما زلت غير حافظ لها مع انّي تشرّفت بزيارة العتبات المقدّسة مرارا … ولكنني وقفت مكاني وقرأت الجامعة كاملة عن ظهر الغيب، ثم جاء وقال الم تذهب بعد؟!
فأخذتني العبرة بلا ارادة وبكيت وقلت: ما زلت موجودا ولا أعرف الطريق.
قال: عاشورا بخوان. (اقرأ عاشوراء).
وكذلك انّي لم أكن احفظ زيارة عاشوراء وما زلت غير حافظ لها، فقمت من مكاني واشتغلت بزيارة عاشوراء من الحافظة عن ظهر غيب الى أن قرأتها جميعا وحتى اللعن والسلام ودعاء علقمة، فرأيته عاد اليّ مرّة اخرى وقال: (نرفتي، هستي). ألم تذهب؟ بعدك؟!.
فقلت: لا، فاني موجود وحتى الصباح.
قال: أنا أوصلك الى القافلة الآن (من حالا ترا به قافله مي رسانم).
ثم ذهب وركب على حمار ووضع مسحاته على عاتقه وجاء فقال، اصعد خلفي على حماري (برديف من بر الاغ سوار شو).
فركبت وأخذت بعنان فرسي فلم يطاوعني ولم يتحرّك، فقال: (جلو اسب را بمن ده) ناولني لجام الفرس.فناولته، فوضع المسحاة على عاتقة الأيسر وأخذ الفرس بيده اليمنى وأخذ بالسير، فطاوعه الفرس بشكل عجيب وتبعه.
ثم وضع يده على ركبتي وقال: (شما چرا نافله نمى خوانيد؛ نافله، نافله، نافله …).
(لماذا لا تصلّوا النافلة؟ النافلة …النافلة …النافلة) قالها ثلاث مرّات.
ثم قال: (شما چرا عاشورا نمي خوانيد؟ …عاشورا …عاشورا …عاشورا)
لماذا لا تقرأون عاشوراء؟ عاشوراء …، عاشوراء …عاشوراء …؟ قالها ثلاث مرّات.
ثم قال: (شما چرا جامعه نمي خوانيد: جامعه …جامعه …جامعه).
لماذا لا تقرءوا الجامعة؟ (الجامعة …الجامعة … الجامعة).
وعندما كان يطوي المسافة كان يمشي بشكل مستدير، فجأة رجع وقال: (آنست رفقاي شما) هؤلاء اصحابك.
وكانوا قد نزلوا على حافة نهر فيه ماء يتوضون لصلاة الصبح.فنزلت من الحمار لأركب فرسي فلم أتمكن فنزل هو وضرب المسحاة في الوفر وأركبني وحول رأس فرسي الى جهة أصحابي وبهذه الأثناء وقع في نفسى: من يكون هذا الانسان الذي يتكلم باللغة الفارسية علماً ان اهل هذا المنطقة لا يتكلّمون الّا باللغة التركية، ولا يوجد بينهم غالبا الّا اصحاب المذهب العيسوي (المسيحيّون) وكيف أوصلني الى أصحابي بهذا السرعة؟!فنظرت ورائي فلم أر أحدا ولم يظهر لي أثر منه، فالتحقت برفقائي.
إشارة:
في هذه الحكاية امور مهمة جدا ينبغى الاهتمام بها كثيرا لكل من اراد قضاء الحوائج من قاضى الحاجات عز وجل.
الأمر الاول: أهمية صلاة الليل، حيث اكّد الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) على ضرورتها ثلاثا، ولا غرابة في ذلك بعد التأكيد الحثيث عليها في القرآن الكريم حتى ورد في فضلها (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا) حيث جعل الوصول الى المقام المحمود مشروطا بها.
كما ان الروايات الشريفة عن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) وردت في بيان ثمرات هذه الطاعة الكريمة وآنهاوسيلة للرزق وقضاء الحوائجو بنور الوجه والعزة في الدنيا والاخرة منها ما ورد عنهم (عليه السلام): (المال والبنون زينة الحياة الدنيا وركعتان يصليهما المؤمن في جوف الليل زينة الحياة الاخرة).
الأمر الثاني: اهمية الزيارة الجامعة وشرفها حتى ورد ان كبار علمائنا كانوا لا يزورون الائمة (عليهم السلام) الّا بها لفضلها وشرفها.
وأمّا التشكيك في سندها ـ نعوذ باللّه ـ فهو من تخرصات قليلي الاطلاع والتوفيق.فقد ذكر العلامة المجلسي (أعلى اللّه مقامه) (انها من اصح الزيارة سندا واعمّها موردا وافصحها لفظا وابلغها معنى واعلاها شأنا).
الأمر الثالث: ما يرتبط بزيارة عاشوراء، التي لا تسانخها سائر الزيارات، بل هي كما يعبِّر عن ذلك المحقق النوري (قدس سره) انها من سنخ الاحاديث القدسية نزلت بهذا الترتيب من الزيارة واللعن والسلام والدعاء من الحضرة الاحدية جلّت عظمته الى جبرئيل الامين ومنه الى خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) والمداومة عليها له آثار لا تخفى على اهل الايمان فبها يستدفع الضُرّ والبلاء والمرض، وبها يستجلب الرزق والعافية والعلم والعزّ.
وقد ورد في بيان فضلها واهميتها حكايات كثيرة جدا فراجع دار السلام للمحقق النوري (قدس سره).
واعلم ايها العزيز، ان الأمر من قبل الحجّة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) بهذه الأمور الثلاثة مجتمعة، لم يكن بلا دليل وبلا ثمرة لاجتماعها، وحاشاه وحاشا آبائه الطاهرين من ان يقولوا ما ليس فيه فائدة عظمى واهمية قصوى، فهم الذين زقّوا العلم زقّا وهم ابناء مدينة العلم وبابها.
ولا يخفى عليك ان صلوة الليل تهذب الانسان على الاخلاص في الطاعة والعبادة.
وان الزيارة الجامعة تهذبه عقائديا.
وان زيارة عاشوراء تهذبه اجتماعيا وسياسيا، لانها ثورة على الظلم والجور والفساد الذي تجسد في بني امية واتباعهم، والزائر بهذه الزيارة يتبرأ من هؤلاء واتباعهم ويعلن ثورته ولعنه لهم ولاتباعهم.
فزيارة عاشوراء تربى الثوار.
وبضم الجامعة والنافلة، يتخرج هذا الانسان من مدرسة اهل البيت (عليهم السلام) عابدا مخلصا صحيح الاعتقادات ثائراً على الظلم والجور، وهذه هي اهم صفات انصار الامام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ولعلّه لهذا ولغيره جاء تأكيد الإمام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ثلاثا على المداومة على هذه الامور الثلاثة بل والظاهر من كلامه التأنيب واللوم على تركها كما هو واضح من تصفح الحكاية المذكورة.
(اللّهم العن اول ظالم ظلم حقّ محمد وآل محمد واخر تابع له على ذلك، اللهم العن العصابة التى جاهدت الحسين (عليه السلام) وشايعت وبايعت وتابعت على قتله اللهم العنهم جميعا).
آمين يا رب العالمين.
الآية الرابعة عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ السَّاعَةَ أَن تأتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ اِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرهُمْ) صدق اللّه العلي العظيم سورة محمد (صلى الله عليه وآله) الآية ١٨.
روى السيوطي (الشافعي) في تفسير هذه الآية عن الترمذي، ونعيم بن حماد، عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
(ينزل بامتى في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم، حتى تضيق عليهم الأرض، فيبعث اللّه رجلا من عترتي فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يرضى عنه ساكن السماء والأرض الخ).
وفي حديث ابن ماجة والحاكم عن ثوبان، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله):
(فانه خليفة اللّه المهدى).
الحكاية الرابعة عشرة: الشيخ الحر العاملي (قدس سره)
يقول الشيخ الاجلّ المرحوم الحرّ العاملي المدفون في صحن الامام الرضا (عليه الصلوة والسلام):
عندما كنت في سن العاشرة من العمر، ابتليت بمرض صعب، عجز الاطباء جميعا عن علاجه، حتى وصل الأمر ان اقربائي جميعا اجتمعوا حول سريري وهم يبكون على حالي بعد ان يأسوا من شفائي وتيقنوا موتي كما اخبرهم الاطباء.
وفي تلك الليلة رأيت النبي الاكرم والائمة الاثني عشر (عليهم الصلوة والسلام) واقفين حولى.
سلمت عليهم وصافحتهم واحدا واحدا، وجرت بينى وبين الامام الصادق (عليه السلام) مذاكرة نسيت الآن تفاصيلها، ولكنني اتذكر انه دعا في حقي.
وعندما صافحت المولى ولى العصر والزمان (ارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء)، اخذت بالبكاء وقلت له: سيدي ومولاي اخاف ان اموت في مرضي ولا اوفق لتحصيل العلم والعمل به.
فقال (عليه السلام): لا تخف، فانك لن تموت من مرضك هذا، فان اللّه سيمنّ عليك بالشفاء وتعيش عمرا طويلا.
ثم ناولني (عليه السلام)، قدحا من الماء كان بيده المباركة فشربت من ذلك الماء وشفيت من مرضي فورا.
وفي اليوم التالي تعجب الاقرباء وتحيّروا جميعا لشفائي المفاجئ، وبعد عدة ايام اخبرتهم بالقصة.
إشارة:
اعلم انه وان لم يصّرح الشيخ (قدس سره) بانه رآهم (عليهم الصلوة والسلام) في عالم اليقظة، الا انه من الواضح وبعد شفائه من مرضه، ان ذلك لم يكن في عالم المنام، فان لم يكن في عالم اليقظة فهو في عالم غير عالم المنام جزما، وعلمُ ذلك العالم عند خالق العوالم عز وجل.
وايضا يستفاد من القصة بان هؤلاء الصلحاء انما يطلبون طول العمر من اجل العلم وتحصيله والعمل به، لا من اجل الالتذاذ بالملذات الدنيوية، وهذا ما ينبغي ان يسعى اليه كل انسان عاقل، فلا كرامة للحياة مع الجهل، فالجهل موت والعلم حيوة وكما قال الشاعر:
(الناس موتى واهل العلم احياء)
وقد وفق هذا العالم الجليل لتأليف كتابه النبيل (وسائل الشيعة) الذي هو محل استفادة طلاب العلم كافة.
الآية الخامسة عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَإِذْ ابْتَلى إِبْرهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَت فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلْنَّاسِ إِمَاماً قَالَ ومِن ذُرِّيِّتِى قَالَ لَا يَنالُ عَهْدِىْ اَلْظَّلِمِينَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة البقرة الآيه ١٢٤.
روى الحافظ القندوزي باسناده عن المفضل بن عمر، قال: سألت جعفراً الصادق (عليه السلام) عن قوله عز وجل:
(وَإِذْ ابْتَلى إِبْرهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَت فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلْنَّاسِ إِمَاماً قَالَ ومِن ذُرِّيِّتِى قَالَ لَا يَنالُ عَهْدِىْ اَلْظَّلِمِينَ).
قال (ع): هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه وهو انه قال:
(يا رب اسألك بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين الاّ تبت علىّ).
(فتاب عليه انه هو التواب الرحيم).
فقلت له: يا ابن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فما يعني بقوله (فأتمّهنّ)؟
قال: يعنى، اتمّهنّ الى القائم المهدى اثني عشر اماماً، تسعة من (ولد) الحسين.
الحكاية الخامسة عشر: الشيخ حسين آل رحيم
قال العلامة المحدث النوري في النجم الثاقب:
حدث الشيخ العالم الفاضل الشيخ باقر الكاظمي نجل العالم العابد الشيخ هادي الكاظمي المعروف بآل طالب انه كان هناك رجل مؤمن في النجف الأشرف من البيت المعروف بـ (آل رحيم) يقال له الشيخ حسين رحيم.
وحدّثني ايضاً العالم الفاضل والعابد الكامل مصباح الأتقياء الشيخ طه من آل سماحة العالم الجليل والزاهد العابد بلا بديل الشيخ حسين نجف وهو امام الجماعة في المسجد الهندي في النجف الأشرف ومقبول في التقوى والصلاح والفضل لدى الخواص والعوام.
وكان الشيخ حسين المذكور رجلا طاهر الطينة والفطرة ومن مقدسي المشتغلين.
وكان معه مرض السّعال اذا سعل يخرج من صدره مع الاخلاط دم، وكان مع ذلك في غاية الفقر والاحتياج، لا يملك قوت يومه.
وكان يخرج في أغلب أوقاته الى البادية الى الأعراب الذين في أطراف النجف الأشرف، ليحصل له قوت ولو شعير، وما كان يتيسر ذلك على وجه يكفيه، مع شدّة رجائه.
وكان مع ذلك المرض والفقر قد تعلّق قلبه بالتزويج بامرأة من أهل النجف، وكان يطلبها من أهلها وما أجابوه الى ذلك لقلّة ذات يده.
وكان في همّ وغمّ شديد من جهة ابتلائه بذلك.
فلمّا اشتدّ به الفقر والمرض، وأيس من تزويج البنت، عزم على ما هو معروف عند أهل النجف من أنّه من أصابة أمر فواظب الرّواح الى مسجد الكوفة أربعين ليلة أربعاء، فلابدّ أن يرى صاحب الأمر (عجل الله فرجه) من حيث لا يعلم ويقضى له مراده.
قال الشيخ باقر (قدس سره): قال الشيخ حسين: فواظبت على ذلك أربعين ليلة أربعاء، فلمّا كانت الليلة الأخيرة وكانت ليلة شتاء مظلمة، وقد هبّت ريح عاصفة، فيها قليل من المطر، وأنا جالس فى الدكّة التي هي داخل في باب المسجد وكانت الدكّة الشرقيّة المقابلة للباب الأوّل الأيسر، عند دخول المسجد، ولا أتمكن الدّخول في المسجد من جهة سعال الدّم، ولا يمكن قذفه في المسجد وليس معي شيء أتّقي فيه عن البرد، وقد ضاق صدري، واشتدّ عليّ هميّ وغميّ، وضاقت الدّنيا في عيني، وافكر انّ الليالي قد انقضت، وهذه آخرها، وما رأيت أحدا ولا ظهر لي شيء، وقد تعبت هذا التعب العظيم، وتحمّلت المشاقّ والخوف في أربعين ليلة، اجيء فيها من النجف الى مسجد كوفة، ويكون لي الأياس من ذلك.
فبينما أنا افكّر في ذلك وليس في المسجد أحد أبدا وقد أوقدت ناراً لاسخّن عليها قهوة جئت بها من النجف، لا أتمكن من تركها لتعوّدي بها، وكانت قليلة جدّا، اذا بشخص من جهة الباب الأوّل متوجّها اليّ، فلمّا نظرته من بعيد تكدّرت وقلت في نفسي: هذا أعرابي من أطراف المسجد، قد جاء اليّ ليشرب من القهوة وأبقى بلا قهوة في هذا الليل المظلم، ويزيد عليّ همّي وغمّي.
فبينما أنا افكر اذا به قد وصل اليّ وسلّم عليّ باسمي وجلس في مقابلي فتعجبت من معرفته باسمي، وظننته من الذين أخرُج اليهم في بعض الأوقات من اطراف النجف الاشرف فصرت أسأله من أىّ العرب يكون؟ قال: من بعض العرب، فصرت أذكر له الطوائف التي في أطراف النجف، فيقول: لا، لا، وكلّما ذكرت له طائفة قال: لا لست منها.
فأغضبني وقلت له: أجل أنت من (طريطرة)، مستهزءا (وهو لفظ بلا معنى).
فتبسّم من قولي ذلك، وقال: لا عليك من أينما كنتُ، ما الذي جاء بك الى هنا؟
فقلت: وأنت ما عليك السؤال عن هذه الأمور؟
فقال: ما ضرّك لو أخبرتني؟
فتعجبت من حسن أخلاقه وعذوبة منطقه، فمال قلبي إليه، وصار كلّما تكلّم ازداد حبّي له، فعملت له السبيل من التتن، وأعطيته، فقال: أنت اشرب فأنا ما أشرب.
وصببت له في الفنجان قهوة وأعطيته، فأخذه وشرب شيئا قليلا منه، ثمّ ناولني الباقي وقال: أنت اشربه.
فأخذته وشربته، ولم ألتفت الى عدم شربه تمام الفنجان، ولكن كان يزداد حبّي له آنا فآنا.
فقلت له: يا اخي قد ارسلك اللّه الىّ في هذه الليلة تأنسني أفلا تروح معي لنجلس في حضرة مسلم (عليه السلام) ونتحدّث؟
فقال: سأروح معك، فحدّث حديثك.
فقلت له: سأحكي لك الواقع أنا في غاية الفقر والحاجة، مذ شعرت على نفسي، ومع ذلك معي سعال أتنخّع الدّم، وأقذفه من صدري منذ سنين، ولا أعرف علاجه وما عندي زوجة، وقد علق قلبي بامرأة من أهل محلّتنا في النجف الاشرف، ومن جهة قلّة ما في اليد ما تيسّر لي أخذها، وقد غرّني هؤلاء الملّائية وقالوا لي: اقصد في حوائجك صاحب الزمان (عليه السلام) وبتّ أربعين ليلة اربعاء في مسجد الكوفة، فانّك تراه، ويقضي لك حاجاتك وهذه آخر ليلة من الأربعين، وما رأيت فيها شيئا وقد تحمّلت هذه المشاقّ في هذه الليالي فهذا الذي جاء بى هنا، وهذه حوائجي.
فقال لي وأنا غافل غير ملتفت: (أمّا صدرك فقد برأ، وأمّا الامرأة فتأخذها عن قريب، وأمّا فقرك فيبقى على حالة حتّى تموت).
كل هذا وأنا غير ملتفت الى هذا البيان أبدا.
فقلت: ألا تروح الى حضرة مسلم؟
قال: قم، فقمت وتوجّه امامي، فلمّا وردنا أرض المسجد قال: ألا تصلّي صلاة تحية المسجد؟ فقلت: أفعل.
فوقف هو قريبا من الشاخص الموضوع في المسجد، وأنا خلفه بفاصلة، فأحرمت للصلاة وصرت أقرأ الفاتحة.
فبينما أنا أقرأ واذا به يقرأ الفاتحة قراءة ما سمعت أحدا يقرأ مثلها أبدا، فمن حسن قراءته قلت في نفسي: لعلّه هذا هو صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وذكرت بعض كلمات له تدلّ على ذلك ثمّ نظرت اليه بعد ما خطر في قلبي ذلك، وهو في الصلوة واذا به قد أحاطه نور عظيم منعني من تشخيص شخصه الشريف، وهو مع ذلك يصلّي وأنا أسمع قراءته، وقد ارتعدت فرائصي، ولا أستطيع قطع الصلاة خوفا منه فأكملتها على أىّ وجه كان، وقد علا النور من وجه الارض، فصرت أندبه وأبكي وأتضجّر وأعتذر من سوء أدبي معه في باب المسجد، وقلت له: أنت صادق الوعد، وقد وعدتني الرواح معي الى مسلم.
فبينما أنا اكلم النور، واذا بالنور قد توجه الى جهة مسلم، فتبعته فدخل النور الحضرة، وصار في جوّ القبّة، ولم يزل على ذلك ولم أزل أندبه وأبكي حتى اذا طلع الفجر، عرج النور.
فلمّا كان الصباح التفتّ الى قوله: أمّا صدرك فقد برأ، واذا أنا صحيح الصدر، وليس معي سعال أبدا.
وما مضى أسبوع الّا وسهّل اللّه علىّ أخذ البنت من حيث لا أحتسب، وبقى فقري على ما كان كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين.
إشارة:
من هذه القصة يمكن استفادة بعض الامور التي تهم المؤمن في حياته؛
منها: ما يرتبط بالرياضات والمواظبة على بعض الاعمال أو الاوراد والاذكار أربعين صباحا، فلا شك في انه ورد في بعض النصوص فضل المداومة على بعض الاعمال اربعين صباحا كالاخلاص في العمل حيث ورد (من اخلص للّه اربعين صباحا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه).
أو ما ورد في القرآن الكريم في قصة نبي اللّه موسى بن عمران (عليه السلام) والميعاد الذي أتمه عز وجل أربعين ليلة وهو ما تعرّضنا اليه في المقدّمة، كلّ هذا صحيح، ولكن وكما اشرنا الى ذلك سابقا بان التشرف بلقاء الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) لا يخضع لهذه الأمور فهو ليس موجودا يمكن احضاره بمجرد القيام بعمل معين أربعين يوما أو ليلة أو صباحا.
نعم، قد تسمو روح الانسان من خلال الممارسات العبادية والأذكار والأوراد، ويعيش حالة الابتعاد عن التّعلقات الدنيويّة والمشتهيات النفسية، ويصل الى الصفاء الذي يقربه اكثر فأكثر من الوجود الشريف للامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فيُتلطف عليه بفوز اللقاء، والله العالم.
ومنها: فضل هذه الاماكن المقدسة التي ورد ذكرها في القصة وهي مسجد الكوفة والسهلة والمقامات التي فيها، فهي مضان تواجده الشريف (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، وكذا كل مكان مقدس.
ولذا ينبغي للمؤمن ان لا يترك زيارة هذه الاماكن بنيّةِ التشرف بخدمة والنظر الى طلعته.
ومنها: ان حاجات الانسان التي يتوسل الى اللّه تعالى ويشفّع اوليائه في قضائها، حتى لو كانت مشروعة، ليس بالضرورة ان تقضى حتى بالتشرف بخدمة المولى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف). إذ لعلّ في فقدان الانسان لهذه الحاجة مصلحة لا يهتدي اليها نفس الانسان وامّا قاضي الحاجات فهو اعرف بتلك المصلحة فعدم قضاء الحاجات احيانا يدخل في مثل هذا المعنى وغيره مما لا مجال لبيانه هنا.
فطلب رفع الفقر وان كان مشروعا ولكن قد تقتضي المصلحة بقاء الانسان على حالة فقره، وكم من أولياء اللّه عاشوا حالة الفقر المدقع حتى اضطر بعضهم الى السكنى في المساجد والحسينيات العامة لعجزه عن دفع اجرة المنزل.
المهم ان يكون الانسان غنيا بنفسه عزيزاً لا يتذلل للمال وموارده، وان يكون عزيزاً بدينه وسجاياه وسلوكه فان الغنى غنى النفس والدين والاخلاق.
(اللهم ارزقنا العفاف والكفاف).
الآية السادسة عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(يُرِيدُ اَللَّهُ اَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ الْكافِريِنَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الانفال/ الآية ٧.
العياشي: عن جابر بن عبد اللّه الانصاري قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن تفسير هذه الآية في قول اللّه عز وجل: (يُرِيدُ اَللَّهَ اَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ الْكافِريِنَ) قال ابو جعفر (عليه السلام):
(تفسيرها في الباطن يريد اللّه فانه شيء يريده ولم يفعله بعد، واما قوله: (يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمتِهِ) فانه يعني يحقّ حقّ آل محمد، واما قوله: بِكَلِمتِهِ قال: كلماته في الباطن، على هو كلمة اللّه في الباطن، واما قوله: (ويَقْطَعَ دَابِرَ الْكافِريِنَ) فهم بنو امية، هم الكافرون يقطع اللّه دابرهم، واما قوله (لِيُحِقَّ الْحَقَّ) فانه يعني ليحق حق آل محمد عليهم السلام حين يقوم القائم (عليه السلام) واما قوله: (ويُبطِلَ اَلباطِل) يعني القائم عليه السلام، فاذا قام يبطل باطل بني امية وذلك قوله: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ ويُبطِلَ اَلْباطِل ولَو كَرِه اَلُْمجْرِمُون).
الحكاية السادسة عشرة: الشيخ محمد بن عيسى
العلامة المجلسي قال: اخبرني بعض الافاضل الكرام والثقات الأعلام، قال: أخبرني بعض من أثق به يرويه عمّن يثق به، ويطريه انّه قال: لمّا كان بلدة البحرين تحت ولاية الافرنج، جعلوا واليها رجلا من المسلمين، ليكون أدعى الى تعميرها وأصلح بحال أهلها، وكان هذا الوالي من النواصب، وله وزير أشدّ منه يظهر العداوة لاهل البحرين لحبّهم لأهل البيت (عليهم السلام) ويحتال في اهلاكهم واضرارهم بكلّ حيلة.
فلمّا كان في بعض الأيام دخل الوزير على الوالي وبيده رمّانة فأعطاها الوالي فاذا كان مكتوبا عليها (لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ خلفاء رسول اللّه).
فتأمّل الوالي فرأى الكتابة من أصل الرمانة بحيث لا يحتمل عنده أن يكون صناعة بشر، فتعجّب من ذلك وقال للوزير: هذه آية بيّنة وحجة قويّة على ابطال مذهب الرافضة فما رأيك في أهل البحرين.
فقال له: أصلحك اللّه انّ هؤلاء جماعة متعصّبون، ينكرون البراهين وينبغي لك أن تحضرهم وتريهم هذه الرمانة، فان قبلوا ورجعوا الى مذهبنا كان لك الثواب الجزيل بذلك، وان أبوْا الّا المقام على ضلالتهم فخيّرهم بين ثلاث: امّا أن يؤدّوا الجزية وهم صاغرون، أو يأتوا بجواب عن هذه الآية البيّنة التي لا محيص لهم عنها، أو تقتل رجالهم وتسبي نساءهم وأولادهم وتأخذ بالغنيمة أموالهم.
فاستحسن الوالي رأيه وأرسل الى العلماء والأفاضل الأخيار والنجباء والسادة الأبرار من أهل البحرين وأحضرهم وأراهم الرمانة، وأخبرهم بما رأى فيهم ان لم يأتوا بجواب شاف، من القتل والأسر وأخذ الأموال أو أخذ الجزية على وجه الصّغار كالكفّار.
فتحيّروا في أمرها ولم يقدروا على جواب وتغيّرت وجوههم وارتعدت فرائصهم.فقال كبراؤهم: أمهلنا أيّها الأمير ثلاثة أيّام لعلّنا نأتيك بجواب ترتضيه والّا فاحكم فينا ما شئت.
فأمهلهم، وخرجوا من عنده خائفين، مرعوبين، متحيّرين، فاجتمعوا في مجلس وأجالوا الرأي في ذلك، فاتفق رأيهم على أن يختاروا من صلحاء البحرين وزهّادهم عشرة، ففعلوا ثم اختاروا من العشرة ثلاثة فقالوا لأحدهم: اخرج الليلة الى الصحراء واعبد اللّه فيها واستغث بامام زماننا وحجة اللّه علينا، لعلّه يبيّن لك ما هو المخرج من هذه الداهية الدهماء.
فخرج وبات طول ليلته متعبّدا خاشعا داعيا باكيا يدعو اللّه ويستغيث بالامام (عليه السلام) حتى أصبح ولم يَرَ شيئا.
فأتاهم وأخبرهم فبعثوا في الليلة الثانية الثاني منهم، فرجع كصاحبه ولم يأتهم بخبر، فازداد قلقهم وجزعهم.
فأحضروا الثالث وكان تقيا فاضلا اسمه محمد بن عيسى، فخرج الليلة الثالثة حافيا حاسر الرأس الى الصحراء وكانت ليلة مظلمة فدعا وبكى وتوسّل الى اللّه تعالى في خلاص هؤلاء المؤمنين وكشف هذه البليّة عنهم، واستغاث بصاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فلما كان في آخر الليل اذا هو برجل يخاطبه ويقول: يا محمد بن عيسى!ما لي أراك على هذه الحالة، ولماذا خرجت الى هذه البريّة؟
فقال له: ايّها الرجل! دعني فانّي خرجت لامر عظيم وخطب جسيم، لا أذكره الّا لامامي، ولا أشكوه الاّ الى من يقدر على كشفه عنّي.
فقال: يا محمد بن عيسى أنا صاحب الأمر فاذكر حاجاتك.
فقال: ان كنت هو فأنت تعلم قصّتي ولا تحتاج الى أن أشرحها لك.
فقال له: نعم، خرجت لما دهمكم من أمر الرمّانة وما كتب عليها وما أوعدكم الأمير به.
قال: فلمّا سمعت ذلك توجّهت اليه وقلت له: نعم يا مولاي، قد تعلم ما أصابنا وأنت امامنا وملاذنا والقادر على كشفه عنّا.
فقال (صلوات الله عليه): يا محمد بن عيسى، انّ الوزير لعنه اللّه في داره شجرة رمّان، فلمّا حملت تلك الشجرة صنع شيئا من الطين على هيئة الرّمانة وجعلها نصفين وكتب في داخل كلّ نصف بعض تلك الكتابة ثم وضعها على الرمانة وشدّهما عليها وهي صغيرة فأثر فيها وصارت هكذا.
فاذا مضيتم غدا الى الوالي فقل له: جئتك بالجواب ولكنّي لا أبديه الّا في دار الوزير، فاذا مضيتم الى داره فانظر عن يمينك تري فيها غرفة، فقل للوالي: لا اجيبك الّا في تلك الغرفة، وسيأبى الوزير عن ذلك، وأنت بالغ في ذلك ولا ترضّ الّا بصعودها، فاذا صعد فاصعد معه ولا تتركه وحده يتقدّم عليك، فاذا دخلت الغرفة رأيت كوّة فيها كيس ابيض، فانهض اليه وخذه فترى فيه تلك الطينة التي عملها لهذه الحيلة، ثم ضعها أمام الوالي وضع الرمانة فيها لينكشف له جلّية الحال.
وايضا يا محمد بن عيسى قل للوالي: انّ لنا معجزة اخرى، وهي أنّ هذه الرمانة ليس فيها الّا الرماد والدّخان، وان أردت صحة ذلك فأمر الوزير بكسرها، فاذا كسرها طار الرماد والدخّان على وجهه ولحيته.
فلمّا سمع محمد بن عيسى ذلك من الامام فرح فرحا شديدا وقبّل الأرض بين يدى الامام (صلوات اللّه عليه) وانصرف الى أهله بالبشارة والسرور.
فلمّا أصبحوا مضوا الى الوالي، ففعل محمد بن عيسى كلّ ما أمره الامام به، وظهر كلّ ما أخبره، فالتفت الوالي الى محمد بن عيسى وقال له: من أخبرك بهذا؟
فقال: امام زماننا وحجّة اللّه علينا.
فقال: ومن امامكم؟
فأخبره بالائمة واحدا بعد واحد الى أن انتهى الى صاحب الأمر (صلوات اللّه عليه).
فقال الوالي: مدّ يدك فأنا اشهد أن لا اله الّا اللّه وانّ محمّدا عبده ورسوله وأنّ الخليفة بعده بلا فصل أمير المؤمنين علىّ (عليه السلام)، ثم أقرّ بالائمّة (عليهم السلام) الى آخرهم وحسن ايمانه، وأمر بقتل الوزير، واعتذر الى أهل البحرين وأحسن اليهم وأكرمهم.
قال: وهذه القصّة مشهورة عند أهل البحرين وقبر محمد بن عيسى عنهم معروف يزوره الناس.
إشارة:
في الحكاية الشريفة نكات مهمة؛
منها: استمرار عناد الناصبين العداء لأهل البيت (عليهم السلام) واتباعهم على الرغم من بيان العلماء للادلة القاطعة على حقانية مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
فهؤلاء المعاندون لا زالوا يتآمرون وينصبون الفخاخ للقضاء على هذا المذهب واتباعه ويحاولون اطفاء هذا النور الذي أبى اللّه الا ان يتمّه ولو كره الكافرون والمشركون وانت ترى عزيزي القارئ مدى خبث هؤلاء في محاولاتهم الرامية لتحقيق غرضهم الدني، ولو انهم صرفوا جزءاً صغيرا من هذا الوقت الذي يصرفونه للتأمر علينا، في البحث عن الحق لكان خيراً لدينهم ودنياهم، ولكنهم (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها).
ومنها: التجاء أتباع مذهب الحق الى أئمتهم ساعة الشدة والعسر واعتقادهم الراسخ بوجود المنجي والمخلّص لهم من الشدائد والابتلاءات.و هذا ما نحتاجه جميعا وعلى الدوام، فهؤلاء الاطهار هم الملاذ والمأمن الذي لابد ان نلجأ اليه دوما لا القوى التي نتصور أنها عظمى.
فاذا كان هذا ظننا بامامنا المغيّب الغوث (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فانه بلا شك سيسرع الى انقاذنا من الويلات التي نعيشها.
ومن المعاني اللطيفة في هذه الحكاية ـ طبعا لنقلها الثاني الذي قرأته في مصدر آخر ـ ان الشيخ محمد بن عيسى وهو ثالث العلماء الذين فزعوا اليه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) سأله في آخر المحاورة التي جرت بينه وبين الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) قائلا: سيدي، لماذا لم تدركنا في اول ليلة جئنا فيها للقائك؟
فقال (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف): (لأنّكم استمهلتم هؤلاء ثلاثة أيّام، ولو انكم استمهلتموهم يوما واحداً، لجئتكم في اليوم الاول)!.
فعلينا عزيزي القاري ان نحسن الظن اكثر فاكثر بائمتنا وخاصة بامامنا المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) لانه معنا بكل وجوده الشريف فلابد ان يكون هذا يقيننا.
الآية السابعة عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الْسَّاعَةَ قَرِيْبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِها اَلَّذِيْنَ لاَ يُؤمِنُونَ بِهَا والَّذِيْنَ أَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا ويَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إنَّ الَّذِيْنَ يُمَارُونَ فِى الْسَّاعَةِ لَفِىْ ضَلل بَعِيْد) صدق اللّه العلي العظيم سورة الشورى/ الآيه ١٧ـ١٨.
روى الحافظ القندوزي باسناده عن المفضل بن عمر، عن جعفر ابن محمد الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى:
(وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الْسَّاعَةَ قَرِيْبٌ) قال: السّاعة؛ قيام؛ القائم، قريب.
الحكاية السابعة عشرة: ابن ابي الجواد النعماني
روي العلامة النوري في النجم الثاقب عن كتاب رياض العلماء وحياض الفضلاء في ترجمة الشيخ ابن ابي الجواد النعماني انه ممن رآى القائم (عليه السلام) في زمن الغيبة الكبرى وروى عنه (عليه السلام).
ورأيت في بعض المواضع نقلا عن خط الشيخ زين الدّين علي بن الحسن بن محمد الخازن الحائري تلميذ الشهيد انه قد رأى ابن أبي النعماني مولانا المهدى (عليه السلام) فقال له:
يا مولاي لك مقام بالنعمانية، ومقام بالحلّة فأين (متى) تكون فيهما؟
فقال له: أكون بالنّعمانيّة ليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء، ويوم الجمعة وليلة الجمعة أكون بالحلّة، ولكن أهل الحلّة ما يتأدّبون في مقامي، وما من رجل دخل مقامي بالأدب يتأدّب ويسلّم عليّ وعلى الأئمّة وصلّى عليّ وعليهم اثني عشر مرّة ثمّ صلّى ركعتين بسورتين، وناجى اللّه بهما المناجاة، الاّ أعطاه اللّه تعالى ما يسأله، أحدها المغفرة.
فقلت: يا مولاي علّمني ذلك، فقال: قل:
(اللّهم قد أخذ التأديب منّي حتّى مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين، وان كان ما اقترفته من الذّنوب استحقّ به أضعاف أضعاف ما أدّبتني به، وأنت حليم ذو أناة تعفو عن كثير حتّى يسبق عفوُك ورحمتُك عذابَك)، وكرّرها علي ثلاثا حتّى فهمتها.
إشارة:
بعض الأماكن تسمّى بمقام الامام المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، وسبب التسمية انه (عليه السلام) يظهر في تلك البقعة لبعض شيعته المؤمنين ويقضى حوائجهم، فيؤمها الناس للتبرك بها وطلب الحوائج فتسمى بمقام الامام المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وهذه المقامات كثيرة في العراق وايران وغيرها من البلدان، مع تعددها في البلد الواحد ايضا.
ولعلّ تلك الاماكن، في أصلها اماكن شريفة، فتزداد شرفا بقدوم الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، حيث اننا ذكرنا سابقا انه (عليه السلام) أعرف ببقاع الأرض وشرفها كما ورد في مسجد جمكران، وكما سيأتي في قصّة بناء مسجد الامام الحسن (عليه السلام).
ومن هنا فان زيارة الاماكن لها ادب خاص لابد من التأدب به قبل الدخول اليها، واثناء الكون فيها وحين الخروج منها.
وفي القصة أيضا، تعليم منه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) شيعته واصحاب الحوائج فى كيفيّة التوسل الى اللّه عز وجل لقضائها ولا يمكن ان لا يكون ذلك التوسل والمناجات غير موثر في قضاء الحاجة الاّ اذا كانت هناك مصلحة في عدم قضائها كما هو مذكور في موضوع الدعاء.
فعلى المرء ان يدعو وأن يأمل من اللّه الاجابة ببركة النبي محمد وآله الطاهرين (عليهم السلام).
قال تعالى: (ادعوني استجب لكم).
الآية الثامنة عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(فَإِذا نُفِخَ فِى الْصُّورِ فَلاَ اَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ ولاَ يَتَسآءَلُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة المؤمنون الآية ١٠١.
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، قال: اخبرني ابو الحسين، عن ابيه، عن ابن همام قال: حدثناسعدان بن مسلم، عن جهم جرهم بن ابي جهمة جهنة قال: سمعت ابا الحسن موسى (عليه السلام) يقول:
ان اللّه تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد الابدان بألفي عام، ثم خلق الابدان بعد ذلك، فما تعارف منها في السماء تعارف في الأرض، وما تناكر منها في السماء تناكر في الأرض، فاذا قام القائم (عليه السلام) ورِّث الاخ في الدين ولم يورث الاخ في الولادة، وذلك قول اللّه عز وجل في كتابه:
(قد افلح المؤمنون فَإِذا نُفِخَ فِى الْصُّورِ فَلاَ اَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ ولاَ يَتَسْآءَلُونَ).
الحكاية الثامنة عشرة: مسجد الامام الحسن المجتبى (عليه السلام)
نقل العلّامة آية اللّه الشيخ لطف اللّه الصافي في كتابه (أجوبة المسائل العشرة) قال:
ومن الحكايات العجيبة والصادقة التي وقعت في زماننا هذه الحكاية التي نقلت لي حين البدء بطبع هذا الكتاب، ولمّا كان فيها بعض النكات والعِبَرْ، ادرجتها في هذا الكتاب لكي يزداد القرّاء بصيرة.
كما يعرف اهل قم، والمسافرون الذين يقدمون من طهران الى مدينة قم المقدسة، انّ جناب الحاج (يد اللّه رجبيان) قد بنى مسجدا كبيرا باسم (مسجد الامام الحسن المجتبى (عليه السلام)) في مكان كان سابقا صحراء خارج مدينة قم على جانب الطريق الواصل بين قم وطهران، وهذا المسجد الآن عامر بالمصلّين حيث تعقد فيه الجماعة والمراسم الاسلامية.
في ليلة الربعاء المصادفة للثاني والعشرين من شهر رجب المبارك، سمعت هذه الحكاية المرتبطة بهذا المسجد من نفس صاحب الحكاية وهو جناب السيد احمد العسكري الكرمانشاهي وهو من الاخيار الساكن لسنوات طوال في طهران، سمعتها منه في بيت الحاج رجبيان وبحضوره وبحضور بعض المحترمين.
يقول السيد العسكري: قبل حوالي سبعة عشر عاما وفي يوم الخميس، كنت مشتغلا بتعقيبات صلوة الفجر، فدُقَّت باب المنزل.
فتحت الباب فوجدت ان ثلاثة شبّان وكلهم يعملون في حقل ميكانيك السيارات، جاءوا بسيارة لهم وقالوا: نلتمس منك ان تأتي معنا اليوم الى مسجد جمكران في قم، فأليوم الخميس وهو يوم مبارك، ونريد ان تأتي معنا لتدعو لنا هناك فان لنا حاجة شرعيّة مهمّة.
(الفت نظركم الى انني كنت اعقد جلسة في المسجد اجمع فيها الشباب لتعليم الصلوة والقرآن وهؤلاء الثلاثة كانوا من جملة اولئك الشباب الذين يجتمعون في المسجد).
خجلت كثيرا من طلبهم، فطأطأت برأسي الى الارض وقلت لهم: ومن اكون حتى تطلبون منّي الدعاء لكم بقضاء الحاجة؟
وعلى أىّ حال، وبعد اصرار شديد منهم، رأيت ان المصلحة في عدم ردّ طلبهم فوافقت على السفر معهم.
ركبنا في السيارة وتحركنا باتجاة مدينة قم المقدسة.
ولما وصلنا بالقرب من مدينة قم، لم يكن في وقتها هذه المباني الكائنة الآن، وانما كان هناك محطة قديمة وخربه فقط باسم (مقهى علي الاسود).
وعلى مقربة من هذا المكان الذي بنى فيه الحاج رجبيان مسجد الامام الحسن المجتبى (عليه السلام)، انطفأ محرك السيارة وتوقفت عن الحركة!.
ولما كان رفقائي الثلاثة من اهل الاختصاص والخبرة في تصليح السيارات، هبّوا ثلاثتهم لمعرفة العطل فيها.
في هذه الاثناء اخذت مقدارا من الماء من احدهم وكان يدعى علي، واتجهت الى الصحراء على قارعة الطريق لقضاء الحاجة والتطهير.
وعندما وصلت الى قطعة الارض التي هي الآن مكان المسجد الفعلي، رأيت سيدا جميلا جدا، بهيّاً جميل الوجه، ازجّ الحاجبين، أبيض الاسنان، على وجهه المبارك خال، وكان يرتدي ملابس بيضاء، وعباءة رقيقة تحكي ما تحتها ونعلين صفراوين وعلى رأسه عمامة خضراء كعمائم الخراسانيين اليوم، واقف وبيده رمح طويل بقدر ثمانية او تسعة امتار وهو يخطط الارض.
قلت في نفسي: ما بال هذا الرجل، قد جاء مبكرا الى هذه البيداء التي لا تخلوا من خطر الاعداء المارّين على هذا الطريق، وهو قابض على هذا الرمح بيده؟!
قال السيد العسكري (وكان يعتذر ويندم على تلك العبارات التي كان قد قالها في ذلك الوقت):
قلت: يا هذا، اليوم يوم الدبابات والمدافع والذرّة، فماذا تفعل بهذا الرمح، اذهب واقرأ دروسك!
قلت له ذلك، وذهبت الى زاوية لقضاء الحاجة، فصاح بي من بعيد: يا سيد عسكري لا تجلس في هذا المكان فانني قد خططت لمسجد هنا.
ولم التفت الى انه من اين عرف اسمي، وانما ائتمرت بأمره كالطفل الصغير وبدون مناقشة، أطعت كلامه وقلت: نعم سأقوم.
فقال لي اذهب خلف ذلك المرتفع.
ذهبت الى المكان الذي أشار اليه، وقلت في نفسي: حين اعود اقول له يا حبيبي يبن رسول اللّه اذهب واقرأ دروسك.
وفكرت في نفسي بثلاثة اسئلة اطرحها عليه هي:
١ ـ لمن تريد بناء هذا المسجد، للجن ام للملائكة، حتى قمت في هذا الصباح الباكر وجئت الى هذه الصحراء لتخطط لبناء مسجد، أمهندس انت، بدون دراسة؟!
٢ ـ ما دام المسجد بعد لم يُبْنَ، لماذا تمنعني من قضاء الحاجة هنا؟
٣ ـ من الذي سيبني هذا المسجد، الجن ام الملائكة؟
أعددت هذه الأسئلة في ذهني، وتقدمت اليه لأسلّم عليه، فبادرني هو بالسلام، وركّز الرمح في الارض، واحتضنني الى صدره الشريف، وكنت اود المزاح معه، حيث انه كلما كنّا نواجه سيدا حَرِكاً كنا نمزح معه ونقول له: يا سيد هل اليوم يوم أربعاء؟
فقررت في ذهني ان اقول له يا سيد اليوم ليس أربعاء انما هو الخميس، ولكن وقبل ان ابدأ بالكلام معه قال لي مبتسما: اعلم ان اليوم الخميس وليس أربعاء، فما هي اسئلتك الثلاثة هاتها لنرى!
لم التفت الى انه من اين عرف ان في ذهني ثلاثة اسئلة قبل ان اتفوه بحرف واحد.
قلت: يا سيد، يبن رسول اللّه، تركت درسك وجئت الى هذه البيداء، ألم تعلم ان الزمن زمن الدبابات والمدافع، فاخذت هذا الرمح بيدك وجئت الى هذه المنطقة التي يرتادها الصديق والعدو، اذهب، اذهب واقرأ درسك!
ابتسم (روحى فداه) واشار بعينه الى الارض وقال:
انى اخطط لبناء مسجد هنا.
قلت: للجن ام للملائكة؟
قال: للبشر.
قلت: أخبرني من فضلك، لماذا منعتني من قضاء الحاجة في ذلك الموضع، وبعدُ لَم يُبنَ المسجد؟
قال: ان احد اعزاء فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وقد سقط في ذلك الموضع شهيداً، وقد خططت ذلك المستطيل ليكون محرابا للمسجد.
وهنا، سقطت قطرات دمه، وسيكون هذا الموضع مكان وقوف المصلّين المؤمنين.
وهناك ستكون المرافق الصحيّة، حيث سقط اعداء اللّه ورسوله.
ثم أدار وجهه وحولني الى جهة الوراء وقال:
(وهنا ستبنى حسينية). وتقاطرت دموعه من عينيه فبكيت انا ايضا.
ثم قال: مشيرا الى موضع آخر: وهنا ستقام مكتبة فهل تتبرع انت بكتبها؟
قلت: بثلاث شروط يبن رسول الله، الأول: ان ابقى حيّا الى ذلك الوقت، قال: انشاء اللّه.
الشرط الثاني: ان يبنى مسجد هنا، قال: بارك الله.
الشرط الثالث: ان يكون ذلك بقدر استطاعتي وان كان كتابا واحدا، وذلك استجابة لامرك لانك ابن رسول الله، ولكن ارجوك ان ترجع وتقرأ درسك.
يا سيد اطرد هذه الافكار عن مخيلتك!!
فتبسم ثانية، وضمني الى صدره.
فقلت له: لم تخبرني بعد، من الذي سيبني هذا المسجد؟
قال (عليه السلام): يد اللّه فوق ايديهم.
قلت: يا سيدي، ان دراستي تؤهلني لان أعرف معنى هذه الآية.
قال: سترى بنفسك في آخر الأمر، وعندما ستراه مبنيا، ابلغ سلامي لبانيه.
ثم ضمني مرّة اخرى الى صدره وقال: جزاك اللّه خيرا.
رجعت الى رفقائي، فوجدت بانهم اصلحوا السيارة، فسألتهم عن سبب العطل؟
قالوا: وضعنا عود كبريت تحت هذا الشريط الكهربائي وعندما رجعت انت اشتغل المحرّك، ولكن اخبرنا مع من كنت تتحدث تحت الشمس؟!
قلت: ألم تشاهدوا هذا السيد المهيب بهذا الرمح الطويل الذي بيده؟كنت اتحدث معه.
قالوا: ايّ سيد هذا الذي تتحدث عنه؟!
قال العسكري: ادرت وجهي، لاشير لهم اليه، فلم ار سيداً، ورأيت الأرض مسطّحة بدون تعاريج ولا تلال ولا أحد هناك.
انتفضت من غفلتي، ودخلت وجلست في السيّارة ولم اتفوه بكلمة واحدة.
ذهبنا الى حرم السيدة فاطمة بنت الامام موسى بن جعفر (عليها السلام) ولم ادر كيف صلّيت صلاة الظهر والعصر، واتجهنا الى مسجد جمكران.
وعلى اي حال، وصلنا الى جمكران، فتغدينا هناك، ولكني كنت مضطربا، فكان رفقائي يتكلمون معي ولكني لم اكن اسمع ما يقولون ولا اقدر على جوابهم.
وفي مسجد جمكران جلست في زاوية وكان قد جلس على احد جانبّي شيخ كبير وعلى الجانب الآخر أحد الشباب وانا جالس وسطهما أبكي واناجي.
أدّيت صلاة المسجد، واردت الى اسجد السجدة الواردة بعد الصلوة بذكر الصلوات على محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله)، فرأيت سيداً تفوح منه رائحة طيّبة، فقال لى: السلام عليك يا سيد عسكرى، ثم جلس الى جنبي واخذ يقدم لي النصيحة.
لقد كان صوته نفس صوت السيد الذي رأيته صباحا الى جانب الشارع.
اشتغلت بالسجود والذكر، ولكن كان بالي قد اشتغل به، فصممت ان أرفع رأسي من السجود وأسئله عن نفسه وانه من أين يعرف اسمي؟
ولكن ما ان رفعت رأسي لم اجده الى جانبي.
سألت ذلك الشيخ الذي كان الى جانبي عن السيد الذي كان يكلمني واين ذهب؟
فقال الشيخ: ما رأيت احدا، وسألت الشاب الذي بجنبي، فانكر وجوده ايضا.
وهنا كأنّ زلزلة أصابتنى فعلمت ان ذلك السيد هو المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فتغير حالي واغمي علي فجاء رفقائي ورشوا الماء على وجهي، وسألوني عن القضية.
المهم أديت اداب المسجد، وقفلنا راجعين الى طهران سريعا.
التقيت لدى وصولي الى طهران مباشرة بالمرحوم الحاج الشيخ جواد الخراساني، وحكيت له القصة، فسألني عن اوصاف السيد، فوصفته له، فقال: لقد كان المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فأصبر لنرى هل سيشير المسجد في المكان الذي وصفه ام لا.
قبل فترة، توفي والد أحد اصدقائنا، فحملنا جنازته بمعية رفقاء المسجد واتجهنا الى مدينة قم لدفنه ولما وصلنا الى ذلك المحل، رأيت ان بناءاً قد شُيِّد في ذلك المكان، فسألت عنه فقيل لي انه مسجد باسم مسجد الامام الحسن المجتبى (ع)، يقوم ابناء الحاج حسين السوهاني ببنائه. (وكانوا قد اشتبهوا في الاسم.)
وردنا مدينة قم، وأخذنا الجنازة الى المقبرة ودفنّاها، وكنت مضطربا، فقلت للأصدقاء، اسمحوا لي ان اذهب لحاجة ما دمتم مشغولين باكل الغداء.
استأجرت سيارة وذهبت الى دكان أولاد الحاج حسين السوهاني.
وصلت الى هناك، وسألت ابن الحاج حسين قائلا: أصحيح انكم مسئولون عن بناء مسجد في طريق طهران القديم؟
قال: لا.
قلت: اذن من المسئول عن بناء ذلك المسجد؟
قال: الحاج يد الله رجبيان!
وما ان نطق بكلمة (يد اللّه) انتاب قلبي الخفقان، واضطربت!
فقال لي: ماذا حصل؟
وجاء بكرسي، واجلسني عليه، بينما كان العرق يتصبب من جبيني وقلت في نفسي: يد اللّه فوق ايديهم، انه الحاج يد الله رجبيان. ولم اكن الى ذلك الوقت قد تعرفت على هذا الرجل.
رجعت الى طهران، واخبرت المرحوم الحاج الشيخ جواد الخراساني بالقضية، فقال: اذهب الى الحاج يد الله رجبيان وتابع الموضوع.
فسافرت الى قم، بعد أن اشتريت اربعمائة كتاب واتجهت الى محل عمل الحاج رجبيان وهو معمل نسيج.
سألت الحارس عن الحاج رجبيان فأخبرني انه ذهب الى منزله.فالتمست منه أن يتصل هاتفيّا بالحاج ويخبره بان شخصا جاء من طهران للقائه.
اتصل الحارس بالحاج، وتحدثت معه هاتفياً وقلت: لقد جئت من طهران وقد اوقفت اربعمائة نسخة كتاب لمكتبة المسجد، فلمن اسلمها؟
قال الحاج يد الله رجبيان: وكيف فعلت ذلك، وكيف تعرّفت علينا؟
قلت: يا حاج انها وقف للمسجد.
قال: لابد ان تخبرنى عن مصدر هذه الكتب.
قلت: لا يمكنني هاتفياً.
قال: اذن، انتظرك ليلة الجمعة القادمة، فهات الكتب الى منزلنا.
واعطاني عنوان المنزل.
رجعت الى طهران، وارزمت الكتب رُزَما رُزَما.و يوم الخميس جئت الى قم بسيارة احد الاصدقاء حاملا تلك الكتب وقصدت منزل الحاج.
قال لي الحاج: لا يمكنني ان اقبل هذه الكتب ما لم تخبرني بقصّتك.
وعلى اي حال، اخبرته بقصتي ودفعت اليه الكتب.
ذهبت الى المسجد، وصليت ركعتي صلوة الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وبكيت كثيراً.
رأيت ان المسجد والحسينية قد بنيا طبق المخطط الذي رسمه الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
قال لي الحاج يد الله رجبيان: جزاك الله خيرا؛ لقد وفيت بعهدك.
هذه حكاية مسجد الامام الحسن (عليه السلام).
ومضافا الى هذه الحكاية، نقل الحاج يد الله رجبيان حكاية لطيفة اخرى ترتبط بهذا المسجد، انقلها اليكم باختصار.
قال الحاج رجبيان: طبقا للمعمول في اعمال البناء وهو ان اجور العمال تدفع لهم ليلة الجمعة، وذات ليلة جمعة كنت قد عزلت المال اللازم لدفع اجور العمّال فجاء رئيس العمّال طبقا للعادة لأخذ اجور عملته، وقال:
جاء اليوم احد السادة بباب المسجد واعطاني هذه الورقة المالية من فئة خمسين تومان، تبرعاً منه للمسجد.
فقلت له: ان باني هذا المسجد لا يقبل مالا من احد فقال لي السيد بحدّة: خذها فانه سيقبلها:
اخذت منه الورقة المالية وكان قد كتب عليها لمسجد الامام الحسن المجتبى (عليه السلام)!
يقول الحاج رجبيان: اخذت الورقة المالية، وبعد يومين أو ثلاثة، جاءت امرأة تستعطي وشرحت لي حالها وحاجتها وحاجة يتيميها الى المال، فادخلت يدي في جيبي فلم اجد فيها شيئاً من المال وكأنّي غفلت عن اخذ شىء من المال من منزلي، فاضطررت الى ان اعطيها تلك الورقة المالية (الخمسون تومانا) وقلت في نفسي: سأضع من مالي عوضا عنها لبناء المسجد.و اعطيت للمرأة لكي تأتي الي أُساعدُها باكثر من هذا المقدار.
أخذت المرأة الورقة وانصرفت ولم تَعُدْ بعد ذلك مع اني أعطيتها العنوان لمراجعتي.
ولكني تأسّفت وندمت على اعطاءها.الورقة المالية لانها كانت مخصصة للمسجد.
وفي الاسبوع اللاحق، جاء كبير العملة لأخذ اجور العمّال، وقال لي: يا حاج، عندي اليك حاجة، فان وعدتني بقضائها اخبرتك عنها. قلت له: قل، وساقضي حاجتك ان كان بوسعي ذلك.
قال: يمكنك ذلك.
قلت له: قل حتى اعدك بقضائها.
وهكذا استمر الاخذ والرّد بيني وبينه.
وأخيرا قلت له: قل، فاني سأفعل.
وبعد ان أخذ مني العهد على ذلك قال:
اريد تلك الورقة المالية التي جئتك بها الاسبوع الماضي، والتي دفعها ذلك السيد لبناء المسجد.
قلت: يا استاذ، لا تصب الزيت على ناري، لقد جددت جرحي (لاني ندمت كثيرا بعد اعطاء الورقة لتلك المرأة وبقيت لمدة سنتين، كلما وقعت في يدي ورقة مالية من فئة الخمسين تومانا، دققت النظر فيها علّها تكون تلك الورقة التي فرطت فيها بسهولة.
قلت لأستاذ البنّائين: في تلك الليلة لم تشرح لي جيدا قصة هذه الورقة المالية، واليوم اطلب منك ذلك.
قال: نعم، لقد كان الوقت حوالي الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، وكان الطقس حارا جدا، وكنا مشغولين بالبناء انا وبعض العملة، وفجاة رأيت سيّداً ورد من احد ابواب المسجد، وكان نورانيا جذابا، تبدو عليه الهيبة والجلال، فاختطف قلبي، ولم تعد يدي تطاوعني للعمل، وانما كنت فقط اريد التمتع بمشاهدة جماله.
جاء السيد ودخل الى صالة المسجد واخذ يتمشى فيها، ثم تقدم نحوي وكنت على منصة العمل فادخل يده تحت عباءته واخرج ورقة نقدية وقال: يا استاد خذ هذا المال واعطه لباني المسجد.
قلت: يا سيد ان باني المسجد لا يقبل مالا من احد واخشى ان آخذ المال منك ولا يقبله أيضا، ويغضب عليّ.
فقال: قلت لك خذها، وانه سيقبلها.
ائتمرت بامره واخذت المال منه، وخرج من الصالة الى الخارج.
قلت في نفسي: ترى من يكون من هذا السيد الذي جاء في هذا الطقس الحار؟
ناديت أحد العملة باسم (مشهدي علي) وقلت له: اذهب خلف هذا السيد وانظر الى اين يذهب ومع من وبأيّ واسطة نقل جاء الى هنا.
ذهب مشهدي علي، ومضت اربعة دقائق، وخمسة دقائق ولم يعد مشهدي علي، فتشتّتت افكاري جدا، فناديت مشهدي علي وكان واقفا خلف اسطوانه في المسجد، قلت له: لماذا لا تأتي؟
قال: انا واقف اتفرج على هذ السيد.
قلت: تعال.
وعندما جاء قال: لقد ذهب السيد.
قلت: بأي وسيلة نقل ذهب؟هل كانت سيارة؟
قال: لا، ليس من وسيلة نقل، انما ذهب ماشياً.
قلت: فلماذا وقفت ولم ترجع لتخبرني؟
قال: كنت واقفا اتمتع بمشاهدته.
قال الحاج رجبيان: هذه قصة الخمسين تومانا، ولكن صدّقوني لقد كان لهذه الورقة النقدية اثراً بالغا في بناء المسجد، ولم اكن واثقاً انّي استطيع بمفردي اكمال بناء هذا المسجد بهذه الهيئة، ومن حين وصول هذه الورقة النقدية بيدي تركت اثرا كبيرا على عمل المسجد وعلى عملى الشخصى ايضا.
نهاية الحكاية.
إشارة:
عند تتبّع سيرة اهل البيت (عليهم السلام)، نجد ويجد معنا كلُّ منصف مهما كان مذهبه وعقيدته، انهم ما دعوا الاّ الى مكارم الاخلاق، والى الخير والى كلّ ما من شأنه ان يؤدى بهذا الانسان الى السعادة والكمال.
فاذا ما اخذت كتابا، اىّ كتاب، ذكرت فيه حياتهم الشريفة، ما وجدت فيه الاّ العلم، والورع، والتقوى، والصدق، والوفاء، والاحسان، والعفو، والايثار، والسماح، والشجاعة، والاباء، والانتصار للمظلوم، لن تجد ولن يجد احدٌ مهما دقق في سيرتهم، منقصة يمكن ان تنسب اليهم (عليهم السلام)، هذا اذا كان منصفا، حتى لو كان عدواً.
فها هو معاوية بن ابي سفيان، الدُّ اعداء امير المؤمنين (عليه السلام) لم يجد الى النيل من شخصية علي بن ابي طالب (عليه السلام)، سبيلا مما اضطره الى اللعن والشتم وهي حيلة العاجز، فماذا يقول؟ هل يصف علياً بالكذب؟حاشا للّه.هل يصفه بالجبن؟ هل يصفه بالكفر؟هل يصفه بالبخل؟ هل يصفه بعدم الوفاء؟
 لا يقدر معاوية على ذلك، ولا يجرؤ عاقل على ذلك مهما كان عداؤه شديداً لامير المؤمنين (عليه السلام) لان نسبة هذه الامور الى علي (عليه السلام)، ينكره كل عاقل بعد ان شهد اللّه لعلي (عليه السلام) بانه الصراط المستقيم، وانه النبأ العظيم وانه باب حطة من دخله كان آمنا وانه شرى نفسه للّه، وانه صدق ما عاهد اللّه عليه. وانه …وانه ….
كلّ هذا واضح للجميع، للشيعي وللسنّي، للمسلم ولغير المسلم، ولم نات بجديد اذا ما ذكرنا ذلك.
وحينئذ يحق لنا أن نتساءل قائلين: ترى اذا كان أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)، يتصف بكل ذلك، اذن لماذا هذا العداء السافر له؟
ولماذا هذا العداء السافر لاولاده؟
فعلى مرّ التاريخ، وكلّما جاءت حكومة، صبّت حِمَمَ غضبها على رؤوس اولاد علىّ (عليه السلام)، فاضطهدوهم …وطاردوهم … وشردوهم …و سجنوههم … وصادروا أموالهم …و قتلوهم جماعات جماعات، بشتى انواع القتل.
فالتاريخ ينقل لنا صور مروّعة لعمليات قتل جماعي اقدم عليها خلفاء بني العباس وغيرهم، لاولاد علي (عليه السلام).
وها هي الارض، على سعتها تضمّ اجساداً طاهرة هنا وهناك، لاولاد علي الذين فرّوا من نير ظلم الحكّام، الذين طاردوهم تحت كل حجر ومدر.
الحكاية السابقة، تبين جانباً من هذه الجرائم فالعشرات من اولاد الامام علي (عليه السلام) قتلوا وبقيت قبورهم مجهولة، ومخفية لعشرات السنين او لمئات السنين، الى ان شاءت الارادة الالهية، الكشف عن تلك القبور لتكون مزارا لاهل الحق والحقيقة، ولتكون شاهدا على ظلم الجاحدين للقيم والمبادىء الاسلامية.
فنجد في الحكاية كيف ان الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) قد كشف انّه قد سقط في هذا المكان احد اولاد فاطمة وعلي (عليهما السلام) شهيدا مضرجا بدمه وصار موضع استشهاده محرابا يعبد به اللّه عز وجل وان تلك الارض التي سقطت عليها قطرات دمه الزّاكي، ستكون موضع وقوف المصلّين لربهم تعالى، ذاكرين آلاء الرحمن ومتذكرين مظلومية اهل البيت (عليهم السلام).
(يريدون ليطفئوا نور اللّه بافواههم واللّه متِمُّ نوره ولو كره الكافرون).
الآية التاسعة عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيرٌ لَّكُمْ اِن كُنتُمْ مُؤمِنِينَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة هود/ الآية ٨٦.
اخرج السيد المؤمن الشبلنجي في (نور الابصار) وابن الصباغ المالكي قال: عن أبى جعفر (قدس سره) قال ـ في حديث طويل ذكره، وفيه:
(فاذا خرج (يعني: المهدى) أسند ظهره الى الكعبة، واجتمع اليه ثلاثمأة وثلاثة عشر رجلا من أتباعه، فاوّل ما ينطق به هذه الآية: (بَقِيَّة اللَّهِ خَيرٌ لَّكُمْ اِن كُنتُمْ مُّؤمِنِينَ) ثم يقول: (أنا بقيّة اللّه، وخليفته، وحجته عليكم)،
فلا يسلِّم عليه أحد الا قال:
(السّلام عليك يا بقيّة الله في الأرض) …الخ.

الحكاية التاسعة عشرة: عبد الغفار الخوئي
في زمن المرحوم الحاج الشيخ محمد حسين المحلّاتي جدُّ المرحوم آية اللّه الحاج الشيخ بهاء الدّين المحلّاتي، ورد رجل بلباس مندرس مدرسة (خان شيراز) في مدينة شيراز، وطلب من خادم المدرسة ان يسمح له بالسكن في احدى غرف تلك المدرسة.
قال له الخادم: ان هذا الأمر بيد متصدي المدرسة وليس بيدي، فاذهب اليه - وكان المتصدي في ذلك الوقت رجل يدعى سيد رنگرز - واطلب منه ذلك.
يراجع الرجل متصدي المدرسة ويطلب منه غرفة للسكن فيها فيقول له المتصدي: هذه مدرسة ولا نُعطي غرفة الا لطلاب العلوم الدينيّة.
فيقول الرجل: أعلم ذلك، ولكنني اريد منك غرفة لاسكن فيها لعدّة أيّام فقط.
وأمر متصدي المدرسة - بلا ارادة - خادم المدرسة بان يعطي هذا الرجل غرفة في المدرسة ليرتاح فيها!
ويدخل الرجل في غرفته، ويغلق الباب على نفسه ولا يعاشر احداً في تلك المدرسة.
كان خادم المدرسة وطبعا للمعمول في المدارس يغلق باب المدرسة مساءاً ويقفله ولكنه عندما يستيقظ صباحا يجد بان الباب مفتوح.
ويتكرر ذلك عدة ايام، فيتحيّرالخادم بذلك ويخبر متصدي المدرسة بالأمر، فيأمره المتصدي بان يقفل الباب هذه الليلة ويعطيه المفتاح بيده ليرى من الذي يفتح القفل كل ليلة ويخرج من المدرسة.
وفي الصباح، يجد المتصدي ان الباب قد فتح أيضا وان شخصا قد خرج من المدرسة.
ولان هذا الأمر بدأ يحدث من حين ورود ذلك الرجل الغريب الى المدرسة، اتجهت الشكوك نحوه، فيقول متصدي المدرسة لنفسه: لابدّ ان هناك سرّا مّا في هذا الرجل الغريب.
ومع ذلك فان متصدي المدرسة يخفي هذا في نفسه ويحاول التقرب الى الرجل العجوز لاكتشاف ذلك السرّ، فأخذ يتردد على غرفته ويلاطفة ويظهر حبه له، ويطلب منه ان يعطيه ملابسه ليغسلها له وان يعاشر طلاب المدرسة، ولكن الرجل رفض كل ذلك وكان يقول: لا احتاج لأحد.
ومرّت فترة على هذا المنوال.
وذات ليلة دعى الرجل الغريب كُلاً من المرحوم الحاج الشيخ محمد حسين المحلاتى ومتصدي المدرسة، الى حجرته، وقال لهما: لما كانت منيتي قد دنت، فاني احب ان اقصَّ عليكما قصتي وارجوا منكما ان تدفناني في محل لائق بعد موتي.
قال: اسمي عبد الغفّار، وشهرتي المشهدي الخوئي، من اهل خوي وانا جندي.
عندما كنت في الخدمة العسكرية، كان هناك ضابط سنّي تجاسر على مولاتي فاطمة الزهراء (عليه السلام) فلم اتمالك نفسي وكان الى جانبي سكّين وكنت انا والضابط لوحدنا، فاخذت السكين وقتلت الضابط وفررت من خوي وعبرت الحدود الى العراق وذهبت الى كربلاء.بقيت مدة من الزمن في كربلاء ثم في النجف ثم في الكاظمين وسامراء.
ذات يوم فكّرت في الرجوع الى ايران والاقامة في مشهد المقدسة جنب قبر الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) الى آخر عمري.
وفي طريق العودة وصلت الى شيراز وأخذت غرفة في هذه المدرسة كما تلاحظون.
في اواخر الليل وعندما كنت اقوم للتهجد، كنت ارى قفل وباب المدرسة ينفتحان لي فكنت اخرج الى جنب جبل القبلة واصلّى صلوة الصبح خلف مولاى ولى العصر روحي فداه، واني لاسف جدا لاهل هذا البلد، إذ من بين كل هؤلاء السكّان لا يخرج الاّ خمسة افراد للصلوة خلف امام الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وهنا ينبري المرحوم شيخ محمد حسين المحلاتي ومتصدي المدرسة ويقولان له؛ دفع الله عنك البلاء انشاء الله وستبقى حيّا، وخاصة وانك لا تشكو من علّة.
فيقول الرجل في جوابهما: محالٌ ان يخطأ قول مولاى ولى العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فانه اخبرني اليوم باني ساموت في هذه الليلة.
وعلى اي حال، اوصى الرجل بوصاياه، وغطى رأسه بلحاف ونام، وما هي الاّ لحظة حتى فارق الدنيا.
وفي اليوم الثاني، يخبر المرحوم الشيخ محمد حسين المحلاتي علماء شيراز بالقضية، ويعلن هو والمرحوم الحاج شيخ مهدي الكجوري عن تعطيل البلد تجليلا لذلك الرجل، ويُشيِّع جثمانه الطاهر بكل احترام وتجليل، فيدفن في مقبرة دار السلام في شيراز في الطرف الشرقي، ومدفنه اليوم مزار لخواص أهل شيراز، حتى ان البعض يتوسلون به الى الله لقضاء الحوائج، كما ان علماء شيراز ومراجع التقليد كالمرحوم المحلاتي كانوا على الدوام يزورون قبره.
وقبره في شيراز معروف بقبر الجندي أو (الطوبچي).
إشارة:
ورد عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) انه قال في ضمن ما قال:
(ان اللّه اخفى اولياءه في عباده، فلا تحتقرنّ احدا من عباده، فقد يكون وليا من أوليائه).
وهذه حقيقة واضحة من خلال الوجدان، وكل كلام امير المؤمنين (عليه السلام) حقيقة لا تقبل الشك.
وهذا الأمر يرتبط بامور منها؛ ان اولياء اللّه قد وصلوا الى مرتبة من الكمال تعصمهم عن الرياء وحب الظهور والاستعلاء على الناس، ومثل هذه الامراض الروحيّة انّما هي شأن الجهّال والنّاقصين الّذين يحاولون سدّ النقص فيهم عن طريق الاستعلاء والتغطرس على الاخرين بامور لم تكن يوما ما مقياسا للكمال، كالملابس والمساكن والمناصب وحتى العبادات الظاهرية المجرّدة عن الروح والخشوع.
امّا الاولياء، فيتسترون على عباداتهم وطاعاتهم، وفضائلهم، وقدراتهم، ولا يبدون ذلك للناس، بل ان التستر والتكتم والابتعاد عن الظهور، يعدّ واحدا من اهم الاصول عندهم في السير والتكامل.
ومن هنا تجد ان سيرة هؤلاء ومقاماتهم تبقى خافية على عامة الناس، حتى يرحل هؤلاء من الدنيا فيظهر شيء قليل من مقاماتهم على لسان هذا أو ذاك الشخص الذي اعطى تعهداً بعدم افشاء الاسرار مادام ذلك الولي على قيد الحياة الظاهرية.
وللوقوف على هذه الحقيقة اكثر فاكثر، يكفي مطالعة بعض المؤلفات التي تناولت حياة هؤلاء الاولياء الذين وصل بعضهم الى مقام الانسان الكامل.
وقد قرأنا في الحكاية السابقة كيف ان هذا الولي قد وصل الى مقام يؤهله للصلوة يومياً خلف الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في زمن الغيبة الكبرى وهو شرف لا يناله الاّ الاوحدي من الناس.
الآية العشرون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِى إِلَى رُكْن شَديد) صدق اللّه العلي العظيم سورة هود/ الآية ٨٠.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) باسناده قال: عن جعفر الصادق (عليه السلام) انه قال:
ما كان قول لوط (عليه السلام) لقومه:
(قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِى إِلَى رُكْن شَديد).
الا تمنيا لقوة (القائم المهدى) وشدة أصحابه، وهم الركن الشديد، فان الرجل منهم يُعطى قوة أربعين رجلا، وان قلب رجل أشد من زبر الحديد، لو مروا بالجبال الحديد لتدكدكت، لا يكفون سيوفهم حتّى يرضى اللّه عز وجل.
الحكاية العشرون: السيد بحر العلوم (قدس سره)
نقل العلّامة النوري في جنّة المأوى قال:
حدّثني العالم الصالح المتدين التقي جناب الميرزا حسين اللاهيجاني الرشتي المجاور بالنجف الأشرف وهو من أعزّة الصلحاء والأفاضل الأتقياء والثقة الثبت عند العلماء قال:
حدّثني العالم الربّاني والمؤيد من السماء المولى زين العابدين السلماسي المتقدّم ذكره، قال:
ان السّيد الجليل بحر العلوم طاب ثراه ورد يوما في حرم أمير المؤمنين عليه آلاف التحيّة والسّلام فجعل يترنم بهذا المصرع:

چه خوش است صوت قرآن * * * زتو دل ربا شنيدن
كم هو جميل صوت القرآن من * * * لسانك انه حقا يخطف القلوب.

فسُئل رحمه اللّه عن سبب قرائته هذا المصرع، فقال:
لما وردت في الحرم المطهر رأيت الحجّة (عليه السلام) جالسا عند الرأس يقرأ القرآن بصوت عال، فلمّا سمعت صوته قرأت المصرع المزبور، ولما وردت الحرم ترك قراءة القرآن، وخرج من الحرم الشريف.
إشارة:
كثير من الناس يقرأ القرآن الكريم، ولكنه لا يلتفت حتى الى معانيه، وانما يعجبه فيه انه كلام بديع، جميل، انيق.
ومثل هؤلاء لا يستفيدون من القرآن الاّبهذا المقدار.
وبعض الناس يقرأ القرآن ويعجبه فيه تلك الحقائق الرائعة التي يبينها القرآن، من علوم وقصص وأمثال ويقف عند هذا الحدّ وهو مبلغه من الاستفادة منه.
والقليل من الناس، يتفاعل مع القرآن الكريم ويعيش مع هذا القانون والمنهج الالهي العظيم ويجعله دستورا لحياته، وكلما ازداد علما بحقائق القرآن وعلومه، كلما ازداد شرفاً وكمالاً بتطبيقه.
وامّا المعصوم، فعلاقته بالقرآن الكريم، تتجاوز كلّ ذلك، فالمعصوم لا ينفك لحظة عن القرآن الكريم في كل حركاته وسكناته، فهو القرآن المجسّد والناطق، واذا قرأ المعصوم القرآن، فليس فقط يقف عند كل آية ويتفكر في سبب نزولها وتفسيرها وتأويلها بل ان المعصوم عندما يقرأ القرآن، كأنه يسمع القرآن مشافهة من صاحب القرآن.
فالقران كلام اللّه والمعصوم يقرأ كلام اللّه الذي يسمعه بكل وجوده، لا بعينيه ولسانه فقط، ويرى حقيقة القرآن من خلال معرفته بحقيقة اللّه الصفاتية، ومن ثمّ تجد ان دعاء المعصوم ومناجاته وتضرعه الى اللّه تختلف كل الاختلاف عن دعاء ومناجات سائر اولياء اللّه، بل لا يمكن المقايسة بينهما، ومن ثمّ، اذا سمعت المعصوم يقرأ كلام اللّه، تجد ان قراءته تختلف عن قراءة سائر الاولياء بل لا يمكن المقارنة بينهما.
ولذا نجد ان السيد بحر العلوم مع ما اوتي من علم وفضل وتقوى وكمال، يقف مبهوتا عندما يسمع قراءة الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) للقرآن الكريم، فيترنّم بقراءة ذلك المصرع من الشعر.
ومن هذه الحكاية ومن غيرها من الحكايات المرتبطة بتشرف هذا السيد الجليل بلقاء الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) نستكشف ان السيد بحر العلوم كان اذا رأى الامام (عليه السلام)، عرفه، وهذا يدل على كثرة تشرفاته بلقاء الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فهنيئا له هذا الشرف الذي ما ناله الاّ بالتقوى والجد والاخلاص في الطاعات، وبفضل اهل البيت (عليهم السلام) عليه.
الآية الحادية والعشرون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(كَمَثَلِ حَبَّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فيكُلِّ سُنْبُلَة مِأْةُ حَبَّة واَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يِشَآءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) صدق اللّه العلي العظيم سورة البقرة الآية ٢٦١.
اخرج العالم (الشافعي) جمال الدين المقدسي السلمي الدمشقي في كتابه (عقد الدرر) - بسنده -عن علي بن ابي طالب -كرم اللّه وجهه - في وصف الامام (المهدى) (عليه السلام) قال:
(فيبعث المهدى الى امرائه بسائر الامصار: بالعدل بين الناس) -الى أن قال-:
(ويذهب الشر، ويبقى الخير).
(يزرع مُدّاً يخرج سبعمائة مُد - كما قال اللّه تعالى:
(كَمَثَلِ حَبَّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَة مِّأْة حَبَّة واَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يِشَآءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ).
الحكاية الحادية والعشرون: الشيخ علي البغدادي
قال العلّامة النوري في النجم الثاقب:
قضية الصالح الصفي التقي الحاج علي البغدادي الموجود حاليا في وقت تأليف هذا الكتاب وفّقه اللّه، وهي تناسب الحكاية السابقة، ولو لم يكن في هذا الكتاب الشريف الّا هذه الحكاية المتقنة الصحيحة التي فيها فوائد كثيرة، وقد حدثت في وقت قريب، لكفت في شرفه ونفاسته.
وتفصيلها كما يلي:
في شهر رجب السنة الماضية كنت مشغولا بتأليف رسالة جنّة المأوى فعزمت على السفر الى النجف الأشرف لزيارة المبعث، فجئت الكاظمين ووصلت بخدمة جناب العالم العامل والفقيه الكامل السيد السند والحبر المعتمد الآقا السيد محمد ابن العالم الأوحد السيد احمد ابن العالم الجليل والدوحة النبيل السيد حيدر الكاظميني أيّده اللّه وهو من تلامذه خاتم المجتهدين وفخر الاسلام والمسلمين الاستاذ الأعظم الشيخ مرتضى أعلى اللّه تعالى مقامه، ومن أتقياء علماء تلك البلدة الشريفة، ومن صلحاء أئمة جماعة الصحن والحرم الشريف، وكان ملاذا للطلاب والغرباء والزوار،. أبوه وجدّه من العلماء المعروفين، وما زالت تصانيف جدّه سيد حيدر في الأصول والفقه وغيرهما موجودة.
فسألته اذا كان رأى أو سمع حكاية صحيحة في هذا الباب ان ينقلها منقل هذه القضية وكنت قد سمعتها سابقا ولكني لم اضبط اصلها وسندها فطلبت منه ان يكتبها بخط يده.
فقال: سمعتها من مدّة وأخاف أن أزيد فيها أو انقص، فعليَّ أن ألتقي به واسئله ومن ثمّ اكتبها، ولكن اللقاء به والأخذ منه صعب فانّه من حين وقوع هذه القضيّة قلّ انسه بالناس وسكناه في بغداد وعندما يأتي للتشرّف بالزيارة فانّه لا يذهب الى مكان ويرجع بعد أن يقضي وطرا من الزيارة، فيتّفق أن لا أراه في السنة الّا مرّة أو مرّتين في الطريقِ وعلى ذلك فانّ مبناه على الكتمان الاّ على بعض الخواص ممن يأمن منه الافشاء والاذاعة خوف استهزاء المخالفين المجاورين المنكرين ولادة المهدى (عليه السلام) وغيبته، وخوفا من أن ينسبه العوام الى الفخر وتنزيه النفس.
قلت: انّي أطلب منك أن تراه مهما كان وتسأله عن هذه القضية الى حين رجوعي من النجف، فالحاجة كبيرة والوقت ضيق.
ففارقته لساعتين أو ثلاث ثمّ رجع اليّ وقال: من أعجب القضايا انّي عندما ذهبت الى منزلي جائني شخص مباشرة وقال جاؤوا بجنازة من بغداد ووضعوها في الصحن الشريف وينتظرونك للصلوة عليها.
فقمت وذهبت وصلّيت فرأيت الحاج المذكور بين المشيّعين فأخذته جانبا، وبعد امتناعة سمعت هذه القضية، فشكرت اللّه على هذه النعمة السنية، فكتبت القصة بكاملها وثبّتها في جنّة المأوى.
وقد تشرّفت بعد مدّة مع جماعة من العلماء الكرام والسادات العظام بزيارة الكاظمين (عليهما السلام) وذهبت من هناك الى بغداد لزيارة النوّاب الأربعة رضوان الله عليهم فبعد أداء الزيارة وصلت بخدمة جناب العالم العامل والسيد الفاضل الآقا سيد حسين الكاظميني، وهو أخ جناب الآقا السيد محمد المذكور، وكان يسكن في بغداد وعليه مدار الأمور الشرعية لشيعة بغداد أيّدهم اللّه، وطلبت منه أن يحضر الحاج علي المذكور، وبعد أن حضر طلبت منه أن ينقل القضية في ذلك المجلس، فأبى، وبعد الاصرار رضي أن ينقلها ولكن في غير ذلك المجلس، وذلك بسبب حضور جماعة من أهل بغداد، فذهبنا الى مكان خال ونقل القضية، وكان الاختلاف في الجملة في موضعين أو ثلاثة وقد اعتذر عن ذلك بسبب طول المدّة.
وكانت تظهر من سيمائه آثار الصدق والصلاح بنحو واضح، بحيث ظهر لجميع الحاضرين مع كثرة تدقيقهم في الأمور الدينية والدنيوية القطع بصدق الواقعة.
نقل الحاج المذكور ايّده اللّه: اجتمع في ذمّتي ثمانون توماناً من مال الامام (عليه السلام) فذهبت الى النجف الأشرف فأعطيت عشرين تومانا منه لجناب علم الهدى والتقى الشيخ مرتضى اعلى اللّه مقامه وعشرين تومانا الى جناب الشيخ محمد حسين المجتهد الكاظميني وعشرين تومانا لجناب الشيخ محمد حسن الشروقي وبقي في ذمّتي عشرون تومانا، كان في قصدي أن أعطيها الى جناب الشيخ محمد حسن الكاظميني آل ياسين أيّده اللّه عند رجوعي.
فعندما رجعت الى بغداد كنت راغبا في التعجيل بأداء ما بقي في ذمّتي، فتشرّفت في يوم الخميس بزيارة الامامين الكاظمين (عليهما السلام) وبعد ذلك ذهبت الى خدمة جناب الشيخ سلّمه اللّه وأعطيته مقدارا من العشرين تومانا وواعدته بأني سوف أعطي الباقي بعد ما أبيع بعض الأشياء تدريجيا، وأن يجيزني أن أوصله الى أهله، وعزمت على الرجوع الى بغداد في عصر ذلك اليوم، وطلب جناب الشيخ منّي أن أتأخر فاعتذرت بأن عليّ أن أوفّي عمّال النسيج أجورهم، فانّه كان من المرسوم أن أسلّم أجرة الأسبوع عصر الخميس، فرجعت وبعد أن قطعت ثلث الطريق رأيت سيّدا جليلا قادما من بغداد من أمامي، فعندما قرب منّي سلّم عليّ وأخذ بيدي مصافحا ومعانقا وقال: أهلاً وسهلاً وضمني الى صدره وعانقني وقبّلني وقبّلته، وكانت على رأسه عمامة خضراء مضيئة مزهرة، وفي خدّه المبارك خال أسود كبير، فوقف وقال: حاج علي على خير، على خير، أين تذهب؟
قلت: زرت الكاظمين (عليهما السلام) وأرجع الى بغداد.
قال: هذه الليلة ليلة الجمعة فارجع.
فقلت: يا سيدي لا اتمكّن.
فقال: في وسعك ذلك، فارجع حتى أشهد لك بأنّك من موالي جدّي أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن موالينا، ويشهد لك الشيخ كذلك، فقد قال تعالى: (واستشهدوا شهيدين).
وكان ذلك منه اشارة الى مطلب كان في ذهني أن ألتمس من جناب الشيخ أن يكتب لي شهادة بأنّى من موالي أهل البيت عليهم السلام لأضعها في كفني.
فقلت: أي شيء تعرفه، وكيف تشهد لي؟
قال: من يوصل حقّه اليه، كيف لا يعرف من أوصله؟
قلت اىُّ حق؟
قال: ذلك الذي أوصلته الى وكيلي.
قلت: من هو وكيلك.
قال: الشيخ محمد حسن.
قلت: وكيلك؟
قال: وكيلى، وكذلك السيد محمد.
قال الحاج علي: وكان قد خطر في ذهني أن هذا السيد الجليل يدعوني باسمي مع أنّي لا أعرفه، فقلت في نفسي لعلّه يعرفني وأنا نسيته. ثمّ قلت في نفسي ايضا: انّ هذا السيد يريد منّي شيئا من حقّ السادة، وأجيب أن اوصل اليه شيئا من مال الامام (عليه السلام) الذي عندي.
فقلت: يا سيد بقي عندي شيء من حقّكم فرجعت في أمره الى جناب الشيخ محمد حسن لأؤدّي حقّكم يعني السادات بأذنه.
فتبسّم في وجهي وقال: نعم قد أوصلت بعضا من حقّنا الى وكلائنا في النجف الأشرف.
فقلت: هل قبل ذلك الذي أدّيته؟
فقال: نعم.
خطر في ذهني أن هذا السيد يقول بالنسبة الى العلماء الأعلام (وكلائنا) فاستعظمت ذلك، فقلت: العلماء وكلاء في قبض حقوق السادات وغفلت.
ثم قال: ارجع وزر جدّي.
فرجعت وكانت يده اليمنى بيدي اليسرى فعندما سرنا رأيت في جانبنا الأيمن نهراً ماؤه أبيض صاف جار، وأشجار الليمون والنارنج والرمّان والعنب وغيرها كلّها مثمرة في وقت واحد مع انّه لم يكن موسمها، وقد تدلت فوق رؤوسنا.
قلت: ما هذا النهر وما هذه الأشجار؟
قال، انها تكون مع كل من يزورنا ويزور جدّنا من موالينا.
فقلت، أريد أن أسئلك؟
قال اسأل.
قلت: كان الشيخ المرحوم عبد الرزاق رجلا مدرسا فذهبت عنده يوما فسمعته يقول: لو أن أحدا كان عمره كلّه صائما نهاره قائما ليله وحج أربعين حجة واربعين عمرة ومات بين الصفا والمروة ولم يكن من موالي أمير المؤمينين (عليه السلام) فليس له شيء؟
قال: نعم، واللّه ليس له شيء.
فسألته عن بعض أقربائي هل هو من موالي أمير المؤمنين؟
قال: نعم هو وكلّ من يرتبط بك.
فقلت: سيّدنا!لي مسئلة.
قال: اسأل.
قلت: يقرأ قرّاء تعزية الحسين (عليه السلام) أن سليمان الأعمش جاء عند شخص وسأله عن زيارة سيد الشهداء (عليه السلام) فقال: بدعة. فرأى في المنام هودجا بين الأرض والسماء، فسأل: من في الهودج؟فقيل له: فاطمة الزهراء وخديجة الكبرى (عليهما السلام). فقال: الى أين تذهبان؟
فقيل: الى زيارة الحسين (عليه السلام) في هذه الليلة فهي ليلة الجمعة ورأى رقاعا تتساقط من الهودج مكتوب فيها: (أمان من النار لزوّار الحسين (عليه السلام) في ليلة الجمعة أمان من النار يوم القيامة).
فهل هذا الحديث صحيح؟
قال: نعم، صحيح وتام.
قلت: سيدنا يقولون: من زار الحسين (عليه السلام) ليلة الجمعة فهي له أمان.
قال: نعم واللّه. (وجرت الدموع من عينيه المباركتين وبكى).
قلت: سيدنا مسألة.
قال: اسأل.
قلت: زرنا الإمام الرضا (عليه السلام) سنة تسع وستين ومائتين وألف والتقينا بأحد الأعراب الشروقيين من سكّان البادية في الجهة الشرقية من النجف الأشرف في درود، واستضفناه وسألناه كيف هى ولاية الرضا (عليه السلام)؟
قال: الجنة. ولي خمسة عشر يوما آكل من مال مولاي الامام الرضا (عليه السلام) فكيف يجرؤ منكر ونكير أن يدنيا منّي في قبري وقد نبت لحمي ودمي من طعامه (عليه السلام) في مضيفه؟!
فهل هذا صحيح انّ علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يأتي ويخلصه من منكر ونكير؟
فقال: نعم واللّه، انّ جدي هو الضامن.
قلت: سيدنا أريد أن أسألك مسألة صغيرة؟
قال: اسأل.
قلت: وهل زيارتي للامام الرضا (عليه السلام) مقبولة؟
قال: مقبولة ان شاء اللّه.
قلت: سيدنا مسألة؟
قال: بسم اللّه.
قلت: الحاج محمد حسين القزاز (بزاز باشي) ابن المرحوم الحاج احمد القزاز (بزاز باشي) هل زيارته مقبولة أم لا (وقد كان رفيقنا في السفر وشريكنا في الصرف في طريق مشهد الرضا (عليه السلام)؟
قال: العبد الصالح زيارته مقبولة.
قلت سيدنا مسألة؟
قال: بسم اللّه.
قلت: انّ فلاناً من أهل بغداد - وكان رفيقنا في السفر - هل زيارته مقبولة؟
فسكت.
قلت: سيدنا مسألة؟
قال: بسم اللّه.
قلت: هل سمعت هذه الكلمة أم لا؟ فهل انّ زيارته مقبولة أم لا؟ فلم يجبني.
(ونقل الحاج المذكور انّه كان ذلك الشخص وعدّة نفر من أهل بغداد المتوفين قد انشغلوا في السفر باللهو واللعب، وكان ذلك الشخص قد قتل أمه).
فوصلنا في الطريق الى مكان واسع على طرفيه بستانين مقابل بلده الكاظمين الشريفة وكان موضع من ذلك الطريق متصلا ببستانين من جهته اليمنى لمن يأتي من بغداد وهو ملك لبعض الأيتام السادة وقد أدخلته الحكومة ظلما في الطريق، وكان أهل التقوى والورع من سكنة هاتين البلدتين يجتنبون دائما المرور من تلك القطعة من الارض.
ورأيته (عليه السلام) يمشي في تلك القطعة فقلت: يا سيدي هذا الموضع ملك لبعض الأيتام السادة ولا ينبغي التصرّف فيه.
قال: هذا الموضع ملك جدّنا امير المؤمنين (عليه السلام) وذرّيته وأولادنا ويحلّ لموالينا التصرف فيه.
وكان في القرب من ذلك المكان على الجهة اليسرى بستان ملك لشخص يقال له الحاج الميرزا هادي، وهو من أغنياء العجم المعروفين، وكان يسكن في بغداد؛ قلت: سيدنا هل صحيح ما يقال بأن أرض بستان الحاج ميرزا هادي ملك الامام (عليه السلام)؟
قال: ما شأنك بهذا؟ (وأعرض عن الجواب).
فوصلنا الى ساقية ماء فُرِّعت من شط دجلة للمزارع والبساتين في تلك المنطقة، وهي تمرُّ في ذلك الطريق، وعنهما يتشعّب الطريق الى فرعين باتّجاه البلدة؛ أحد الطريقين سلطاني، والآخر طريق السادة، فاختار (عليه السلام) طريق السادة.
فقلت: تعال نذهب من هذا الطريق، يعني طريق السلطاني.
قال: لا، نذهب من طريقنا.
فما خطونا الاّ عدّة خطوات فوجدنا أنفسنا في الصحن المقدّس عند موضع خلع الأحذية من دون أن نمر بزقاق ولا سوق.
فدخلنا الايوان من جهة باب المراد التي هي الجهة الشرقية مما يلي الرجل.
ولم يمكث (عليه السلام) في الرواق المطهر، ولم يقرأ اذن الدخول، ودخل، ووقف على باب الحرم، فقال: زر.
قلت، انّى لا أعرف القراءة.
قال: أقرأُ لك؟
قلت: نعم.
فقال: أأدخل يا اللّه، السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا أمير المؤمنين ….
وهكذا سلّم على كلّ امام من الأئمة عليهم السلام حتى بلغ في السلام الى الامام العسكري (عليه السلام) وقال: السلام عليك يا أبا محمد الحسن العسكري، ثم قال: تعرف امام زمانك؟
قلت: وكيف لا أعرفه؟
قال: سلّم على امام زمانك.
فقلت: السلام عليك يا حجّة اللّه يا صاحب الزمان يا ابن الحسن.
فتبسّم وقال: عليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته.
فدخلنا في الحرم المطهّر وأنكببنا على الضريح المقدّس، وقبّلناه، فقال لى: زر.
قلت: لا أعرف القراءة.
قال: أقرُأ لك الزيارة؟
قلت: نعم.
قال: أيُّ زيارة تريد؟
قلت: زوّرني بأفضل الزيارات.
قال: زيارة أمين اللّه هي الأفضل.
ثم أخذ بالقراءة وقال: السّلام عليكما يا أميني اللّه في أرضه وحجتيه على عباده …الخ.
وأضيئت في هذه الأثناء مصابيح الحرم فرأيت الشموع مضاءه ولكن الحرم مضاء ومنوّر بنور آخر مثل نور الشمس والشموع تضيء مثل المصباح في النهار في الشمس.
وكنت قد أخذتني الغفلة بحيث لم انتبه الى هذه الآيات.
فعندما انتهى من الزيارة جاء الى الجهة التي تلي الرجل فوقف في الجانب الشرقي خلف الرأس، وقال: هل تزور جدّي الحسين (عليه السلام)؟
قلت: نعم أزوره فهذه ليلة الجمعة.
فقرأ زيارة وارث، وقد فرغ المؤذنون من اذان المغرب، فقال لي: صلّ والتحق بالجماعة، فجاء الى المسجد الذي يقع خلف الحرم المطهّر وكانت الجماعة قد انعقدت هناك، ووقف هو منفردا في الجانب الأيمن لامام الجماعة محاذيا له، ودخلت أنا في الصفّ الأول حيث وجدت مكان لي هناك.
فعندما انتهيت لم أجده، فخرجت من المسجد وفتّشت في الحرم فلم أره، وكان قصدي أن ألاقيه وأعطيه عدّة قرانات واتضيفه في تلك الليلة.
ثم جاء بذهني: من يكون هذا السيد؟!و انتبهت للآيات والمعجزات المتقدّمة ومن انقيادي لأمره في الرجوع مع ما كان لي من الشغل المهم في بغداد، وتَسْمِيَتُهُ لي باسمي، مع أنّي لم أكن قد رأيته من قبل، وقوله (موالينا) وانّي اشهد، ورؤية النهر الجاري والأشجار المثمرة في غير موسم، وغير ذلك مما تقدّم مما كان سببا ليقيني بأنّه الامام المهدي (عليه السلام)، وبالخصوص في فقرة اذن الدخول وسؤاله لي بعد السلام على الامام العسكري (عليه السلام)، هل تعرف امام زمانك؟فعندما قلت اعرفه، قال: سلّم، فعندما سلّمت، تبسّم وردّ السلام.
فجئت عند حافظ الأحذية وسألت عنه، فقال: خرج …وسألني: هل كان هذا السيد رفيقك؟
قلت: نعم.
فجئت الى بيت مضيفي وقضيت الليلة، فعندما صار الصباح، ذهبت الى جناب الشيخ محمد حسن ونقلت له كلّما رأيت.
فوضع يده على فمي ونهاني عن اظهار هذه القصة وافشاء هذا السر، وقال: وفقك اللّه تعالى.
فاخفيت ذلك ولم أظهره لاحد الى ان مضى شهر من هذه القضية، فكنت يوماً في الحرم المطهر، فرأيت سيداً جليلاً قد اقترب منّي وسألني: ما ذا رأيت؟
واشار الي قصة ذلك اليوم!
قلت: لم أرَ شيئاً.
فاعاد علىّ ذلك الكلام، وانكرت بشدّة.
فاختفى عن نظري ولم أره بعد ذلك.
إشارة:
من الاماكن التي يمكن للانسان التشرف بلقاء المولى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فيها، هي المراقد المقدسة لآبائه الطاهرين عليهم السلام، حيث ورد في كثير من حكايات التشرف بحضرته، انه يلتقي في تلك البقاع الطاهرة، كما في قضية السيد بحر العلوم في حرم امير المؤمنين (عليه السلام) وفي حرم العسكريين (عليهما السلام) وفي هذه الحكاية في حرم الكاظمين الجوادين موسى ومحمد عليهما آلاف التحيّة والثناء، وكذا في حرم الامام الرضا (عليه السلام) والسيده المعصومة (عليها سلام).
وكيف لا يكون كذلك، وهذه البقاع هي أشرف بقاع الارض، مهبط الملائكة، ومضانّ اجابة الدعاء ونزول الخيرات والبركات والرحمة الالهية على المؤمنين.
ومن جملة تلك المراقد الشريفة هي، مرقد أبي الاحرار وسيد الشهداء الامام الحسين بن علي (عليه الصلوة والسلام) وخصوصا ليلة الجمعة، حيث يظن وجود الامام الحجة ابن الحسن (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في ذلك المكان الطاهر، مع اجداده الطاهرين، وامّه الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كما ورد في الخبر.
فعلى عشاق الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ان يكثروا من مراودة تلك البقاع، ليحظوا بهذا الشرف الرفيع وهو مشاركة تلك الانوار الطاهرة في زيارة الحسين (عليه السلام)، مضافاً الى ما في هذه الزيارة من الثواب، ورجاءاً للتشرف بخدمة المولى صاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
هذا وقد ورد في بعض حكايات التشرف بخدمته (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ان بعض المؤمنين سأل من الامام (عليه السلام) قائلا:
سيدي اىّ مكان يكثر تواجدك فيه؟
فاجاب (عليه السلام) قائلا:
(في بيت الاحزان).
الآية الثانية والعشرون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَالعَصْرِ إنَّ اَلاِنْسَانَ لَفِي خُسْر الاَّ اَلَّذِيْنَ آمَنُوا وعَمِلِوا اَلْصَّالِحات وتَوَاصَوا بِاَلْحَقِّ وتَوَاصَوا بِاَلْصَّبْر) صدق اللّه العلي العظيم سورة العصر/ الآية ١-٣.
ابن بابويه: قال: حدثنا احمد بن هارون الفامي القاضي وجعفر بن محمد بن مسرور وعلي بن الحسين بن شاذويه المؤدب (رضى اللّه عنهم) قالوا: حدثنا محمد بن جعفر بن جامع الحميري قال: حدثنا ابي، عن محمد بن الحسين (بن زياد الزيات) بن ابي الخطّاب الدقاق، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر قال:
سألت الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن قول اللّه عز وجل: (والعَصْر إنَّ اَلْاِنْسَانَ لَفِي خُسْر) قال: (العَصْر) عصر خروج القائم (عليه السلام) (إنَّ اَلْاِنْسَانَ لَفِي خُسْر) يعني اعداءنا، (الاَّ اَلَّذِيْنَ آمَنُوا) يعني بآياتنا، (وعَمِلِوا اَلْصَّالِحات) يعني بمواسات الاخوان، (وتَوَاصَوا بِاَلْحَقِّ) يعني بالإمامة (وتَوَاصَوا بِاَلْصَّبْر) يعني في الفترة.
الحكاية الثانية والعشرون: محمد على جولاگر
يقول الحاج محمد حسين التبريزي وهو من محترمي تجّار تبريز وقد حُرِم من نعمة الولد وكان قد استعمل كل الادوية والعقاقير فلم تنفعه للانجاب، يقول: تشرفت بزيارة النجف الاشرف ولطلب الحاجة ذهبت الى مسجد السهلة وتوسلت بالامام صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وفي الليل رايت في عالم المكاشفة ان رجلا جليلا قال لي: اذهب الى دزفول عند محمد على الجولاگر (الحائك) لكي تقضى حاجتك.
ذهبت الى دزفول وسألت عن عنوان ذلك الشخص فدلّوني عليه وعندما رأيته اعجبني لانه كان رجلا فقيرا طيب السريرة نيّر الضمير وكان له دكان صغير يشتغل فيه بالحياكة.
سلمت عليه فقال لي: وعليك السلام يا حاج محمد حسين لقد قُضِيَت حاجتك.
تعجبتُ من معرفته باسمي، ومن قوله ان حاجتي قد قُضيت.و طلبت منه ان يسمح لي بالمبيت عنده تلك الليلة، فوافق على ذلك.
دخلت الى دكانه المتواضع.
وحينما كان وقت الغروب أذَّنَ الرجل أذان المغرب وصلّينا المغرب والعشاء سويّة.
ولما مضى من الليل بعضه، وجاء ببعض خبز الشعير على المائدة وقليل من اللبن فاكلنا عشائنا معا.
بتنا معا تلك الليلة في المكان وحينما طلع الفجر قمنا وصلينا صلوة الصبح، وبعد تعقيبات طويلة عاد الى عمله واخذ يشتغل بالحياكة.
قلت له: لقد جئت اليك لأمرين الأول هو ما اخبرتنى بقضائه وهو حاجتي والثاني هو انّى اريد ان أسألك باي عمل وصلت الى هذا المقام حتى يحولني الامام (عليه السلام) عليك؟
انك مطلع على اسمي وما في قلبي!!
قال: ايها السيد ما هذا السؤال، ان حاجتك قد قُضِيَت فارجع الى اهلك ودعك من هذه الأسئلة.
قلت له: اني ضيفك ولابد من اكرام الضيف وطلبي هو ان تخبرني عن حالك واعلم بانّي لن انصرف من هنا ما لم تخبرني عن ذلك.
قال: كنتُ في نفس هذا الدكان مُشتغلاً في عملي هذا. وكان مقابل دكاني هذا منزل احد موظفي الدولة وكان رجلا ظالما جبّارا.
وكان احد الجنود يحرس بيت ذلك الموظف الظالم.
ذات يوم جاءني ذلك الجندي وقال: هل تعمل الطعام لنفسك بنفسك؟
قلت له: اني اشتري سنويا مائة مَنْ من الحنطة والشعير واطحنها، واخبزمقدارا منها يوميا وآكله وليس لي زوجة واولاد.
قال: اني اعمل حارسا على هذا البيت ولا احب ان اكل من طعام هذا الظالم لان ذلك حرام، فان سمحت اشتر لي مائة مَنْ من الشعير واخبز لي يوميا قرصين من الخبز وسأكون لك شاكرا.
قبلت ذلك، وكان ياتي يوميا ويأخذ قرصيه منّي وينصرف الى عمله.
وذات يوم وكنت قد خبزت له خبزه، وانتظرته ليأتي كالمعتاد لأخذِ خُبزه ولكنه لم يأت في الوقت المقرر.
ذهبت لاسأل عن حاله فقالوا لي انه مريض.
ذهبت الى عيادته واستأذنته بالاتيان بالطبيب لمعالجة فقال: لا حاجة الى ذلك، فاني ساموت الليلة وعندما اموت سياتيك شخص في منتصف الليل ويخبرك بموتي، فتعال الى هنا وقم بكل ما يأمرونك به وما بقي من الطحين فهو لك.
اردت ان ابقى تلك الليلة الى جنبه فلم يقبل، ولذا رجعت الى دكانى.
وفي منتصف الليل استيقضت على صوت طرقات باب الدكان فسمعت شخصا يقول لي: قم يامحمد على!!
قمت مسرعا فوجدت رجلا لا اعرفه فاخذني الى المسجد وعندما دخلنا المسجد وجدت جنازة الجندى مسجاة وكان رجلان الى جنب جثمانه، فقالا لي: تعال وساعدنا في أخذ الجنازة الى جنب النهر وغسلناها وكفّنّاها وصلّيا عليها وجئنا بها الى المسجد ودفنّاها الى جنبه.و رجعت الى دكّانى.
بعد عدة ليال من تلك الحادثة، سمعت طرقات الباب.خرجت من الدكان فرأيت رجلا يقول لي: السيد يدعوك، تعال معي لتتشرف بخدمته.
اطعت ذلك الرجل بدون نقاش، وذهبت معه حتى وصلنا الى صحراء كانت نيّرة وكأنّ القمر في ليلة تمامه وكماله مع ان الشهر كان في آخره، فتعجبت من ذلك كثيرا.
بعد عدة لحظات وصلنا الى صحراء النور (وتقع من شمال مدينة دزفول الايرانية) فرأيت من بعيد عدة اشخاص يجلسون حول بعضهم البعض ورأيت رجلا يقف في خدمتهم وكان أحد اولئك الرجال الجالسين عظيما جليلا جدا فعرفت انه حضرة صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
سيطر علي الرعب والخوف كثيرا، فقال لي الرجل الذى جاء لي الى الدكان: تقدم، فتقدمت قليلا ثم وقفتُ، فقال الرجل الذى يقف بخدمة اولئك الاشخاص: تقدم ولا تخف فتقدمت قليلا الى الامام.
فقال صاحب العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) لأحد اولئك الاشخاص:
امنحه منصب الجندى لاجل ما قام به من خدمة للشيعة.
قلت: سيدي انّي كاسب حائك فكيف اكون جنديا؟
(وكنت قد تصورت بانه يريد أن يجعلني حارسا على بيت ذلك الظالم بدلا من الجندي).
فتبسم الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وقال: نحن نريد ان نمحك منصب الجندي.
كررت نفس الكلام السابق.
فقال (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف): نحن نريد ان نعطيك مقام الجندي المرحوم، لا أنّ تكون جنديا حارسا، اذهب فانك في مقامه.
رجعت لوحدي، ولكن كان الظلام دامسا جداً ولا اثر لذلك النور الذي كان قد انتشر في الصحراء.
وبحمد اللّه منذ ذلك اليوم والى الآن تصلني حوالات واوامر مولاى صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وانّي على ارتباط به ومن جملة ذلك قضّيتُك التي اخبرني بها.
إشارة:
الطعام الذي يأكله الانسان له أثر كبير في حياته، ليس فقط مادياً وجسدياً، بل معنوياً وروحياً.
والاثر الروحي المعنوي للغذاء، اذا لم يكن اكبر أهمية من الاثر الجسدي، فهو على الاقل مساو له، فان الامراض الجسدية الناشئة من تناول بعض الاطعمة يمكن معالجتها بسرعة وبسهولة، ولكن الامراض الروحية الناشئة من تناول الاطعمة، يصعب علاجها وقد يتعذر الى الأبد.
فاكل المال الحرام، له آثار سلبية جداً على روح الانسان قد تودي الى ان يصبح هذا الانسان سفّاحاً ظالماً متجبراً عالياً في الارض، يهلك الحرث والنسل، وحينئذ لا طريق له للعودة.
ومن هنا اكّدت الآيات الشريفة والروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، على ضرورة التنزّه عن اكل المال الحرام، بل وحتى المال المشتبه، كل ذلك فراراً من تلك الاثار السيّئة.
والعكس بالعكس، فكلما كان طعام الانسان منزها عن الحرام، كلما اثر ذلك في صفاء روحه ونقائها وسرّع في كمالها، وقد ذكرت في كتب السير كثير من الحكايات التى وصل ابطالها الى مقامات عالية في الدنيا وفي الآخرة بسبب اجتنابهم اكل الحرام.
ومن جملة ذلك ما ورد في قضية هذا الجندي الذي أبى ان ياكل الاّ الطاهر من الحرام، وقد ادّى ذلك به الى ان يصير من أعوان الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في قضاء حاجات المؤمنين المتوسلين به (عليه السلام).
ولعمري، فان الانسان يكفيه قرصان من الخبز يومياً وعدة تميرات ياكلها لتقوّيه على حياته ومعاشه وعبادته، فلماذا كلّ هذا الطمع والجشع الذي يؤدي بالانسان في نهاية المطاف الى اكل المشبوه والحرام مع ان اللّه تعالى تكفّل له بالرزق الحلال والقوت الذي يحتاجه ويغنيه عمّا في ايدي الناس.
(اللّهم ارزقنا العفاف والكفاف).
الآية الثالثة والعشرون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(فَإذا نُقِرَ فِي النَّاقوُرِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِير) صدق اللّه العلي العظيم سورة المدثر/ الآية ٨-١٠.
روى الحافظ القندوزى قال: رُويَ عن المفضل بن عمر، الصادق (رضي الله عنه) في قوله تعالى:
(فَإذا نُقِرَ فِى النَّاقوُرِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِير).
قال: اذا نودي في اذن (القائم) بالأذن في قيامه فيقوم، فذلك اليوم عسير على الكافرين.
قال (الصادق): والقرآن ضرب منه الأمثال، ونحن نعلمه فلا يعلمه غيرنا.
الحكاية الثالثة والعشرون: دعاء الفَرَجْ
نقل السيد رضي الدين علي بن طاووس في كتاب (فرج المهموم) والعلامة المجلسي في البحار عن كتاب الدلائل للشيخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري انّه قال:
حدّثنا أبو جعفر محمد بن هارون بن موسى التلعكبري قال: حدّثني أبو الحسين بن أبي البغل الكاتب قال: تقلّدت عملا من أبي منصور الصالحان وجرى بيني وبينه ما أوجب استتاري عنه، فطلبني وأخافني فمكثت مستترا خائفا ثم قصدت مقابر قريش ليلة الجمعة واعتمدت المبيت هناك للدعاء والمسألة، وكانت ليلة ريح ومطر، فسألت أبا جعفر القيّم يقفل الابواب وأن يجتهد في خلوة الموضع لاّخلو بما أريده من الدعاء والمسألة خوفا من دخول انسان لم آمنه واخاف من لقائه، ففعل وقفل الأبواب.
وانتصف الليل فورد من الريح والمطر ما قطع الناس عن الموضع، فمكثت أدعو وأزور وأصلّي.
فبيّنا أنا كذلك اذ سمعت وطئا عند مولانا موسى (عليه السلام) واذا هو رجل يزور فسلّم على آدم وعلى أولي العزم ثم على الائمة واحدا واحدا الى أن انتهى الى صاحب الزمان (عليه السلام) فلم يذكره، فتعجبت من ذلك وقلت في نفسي لعلّه نسي أو لم يعرف أو هذا مذهب لهذا الرجل.
فلمّا فرغ من زيارته صلّى ركعتين واقبل الى مولانا ابي جعفر (عليه السلام)، وزار مثل تلك الزيارة وسلم ذلك السلام وصلى ركعتين وأنا خائف منه اذ لم أعرفه، شابامن الرجال عليه ثياب بيض وعمامة محنك بها وله ذوابة ورداء على كتفه، فالتفت اليّ وقال:
يا أبا الحسين ابن أبي البغل، أين أنت عن دعاء الفرج.
قلت: فما هو يا سيدي؟
قال: تصلّي ركعتين وتقول: (يا من أظهر الجميل وستر القبيح، يا من لم يؤاخذ بالجريرة، ولم يهتك الستر، يا عظيم المنّ، يا كريم الصفح، يا حسن التجاوز ويا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، يا منتهى كلّ نجوى وغاية كلّ شكوى، يا عون كلّ مستعين، يا مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها يا ربّاه (عشر مرّات)، يا منتهى غاية رغبتاه (عشر مرّات)، أسألك بحق هذه الأسماء، وبحقّ محمد وآله الطاهرين (عليهم السلام) الاّ ما كشفت كربي، ونفَّسْتَ همي، وفرَّجتَ غمّي، وأصلحت حالى).
وتدعو بعد ذلك ما شئت وتسأل حاجتك، ثم تضع خدّك الأيمن على الأرض وتقول مائة مرّة في سجودك:
يا محمد يا علي (يا علي يا محمد) اكفياني فانّكما كافياي وانصراني فانكما ناصراي.
ثم تضع خدّك الأيسر على الأرض وتقول:
أدركنى (يا صاحب الزمان).
وتكرّر ذلك كثيرا وتقول (الغوث الغوث الغوث) حتى ينقطع النفس وترفع رأسك، فانّ اللّه بكرمه يقضي حاجاتك ان شاء اللّه.
فلمّا اشتغلت بالصلوة والدعاء خرج، فلمّا فرغت خرجت الى أبي جعفر لأسأله عن الرجل وكيف دخل فرأيت الأبواب على حالها مقفلة، فعجبت من ذلك وقلت: لعلّ بابا هنا آخر لم أعلمه، وانتهيت الى أبي جعفر القيم فخرج اليّ من باب الزيت، فسألتهُ عن الرجل ودخوله، فقال: الأبواب مقفلة كما ترى ما فتحتها، فحدّثته الحديث، فقال: هذا مولانا صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) وقد شاهدته دفعات في مثل هذه الليلة عند خلوتها من الناس.
فتأسّفت على ما فاتني منه، وخرجت عند قرب الفرج وقصدت الكرخ الى الموضع الذي كنت مستترا فيه.
فما أضحى النهار الاّ وأصحاب ابن ابي الصالحان يلتمسون لقائي ويسألون عنّي أصحابي وأصدقائي، ومعهم أمان من الوزير ورقعة بخطّه فيها كل جميل.
فحضرت مع ثقة من أصدقائي، فقام والتزمني وعاملني بما لم أعهده وقال:
انتهت بك الحال الى أن تشكوني الى صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) فانّي رأيته في النوم البارحة - يعني ليلة الجمعة - وهو يأمرني بكل جميل، ويجفو عليّ في ذلك جفوة خفتها، فقلت لا اله الّا اللّه أشهد انّهم الحق ومنتهى الحق، رأيت البارحة مولانا في اليقظة، وقال لي كذا وكذا، وشرحت ما رأيته في المشهد، فعجب من ذلك، وجرت منه أمور عظام حسان في هذا المعنى وبلغتُ منه غاية لم اظنّها، وذلك ببركة مولانا (صلوات اللّه عليه).
إشارة:
في التخاطب آداب لابد من مراعاتها،
فخطاب الولد مع والديه له ادب خاص، وخطاب الاخ مع اخيه له ادب خاص، وخطاب التلميذ مع معلمه له ادب خاص، وخطاب العبد مع مولاه له ادبه الخاص به.
ومقام المخاطَب، له دخل كبير في تعيين ذلك الادب المشروط به تاثير الخطاب، فكلما كان مقامه عالياً، لزم نوع من الادب يتناسب مع ذلك المقام وعدم مراعاة هذه المرتبة اللازمة من الادب قد يؤثر سلبا في استجابة المخاطَب للمخاطِب.
ولما كان مقام الحضرة الالهية، لا تناله أوهام الناس وعقولهم، لم يكن احدّ منهم قادراً على التأدب اللازم في مخاطبة المولى عز وجل، الاّ اولئك الاطهار المعصومين من الانبياء والائمة (عليهم الصلوة والسلام)، فهم يعرفون كيف يتأدبون مع اللّه وكيف يتملقون له لقضاء الحوائج، وكيف يتوسلون اليه باحبّ الاشياء اليه لنيل المطالب، لانهم الاعرف بصفات جلاله وجماله.
ومن هنا نجد انَّ ألاَئمة عليهم السلام، وفي موارد عديدة، علّموا شيعتهم ادب الدعاء والمناجات والتوسل الى قاضي الحاجات.
ويكفينا للوقوف على صحة هذا المدعى، اطلالة على ما ورد عنهم (عليهم السلام) من الأدعية والمناجات فاننا سنجد غاية الادب وأعذب الكلمات وخير التوسلات التي يمكن ان تؤثر في الاستجابة للداعي وقضاء حوائجه.
ولو لا مثل هذه الادعية والمناجات الماثورة عنهم، لما اهتدى انسان الى أدب مخاطبه الباري جلّ شأنه.
على انه ورد في بعض الحكايات ان الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، له مناجات خاصة به يناجي بها مولاه، ومثل هذا الدعاء وهذه المناجات تتناسب مع مقام الامام (عليه السلام) وعلاقته بربّه، حيث صرّح الامام (عليه السلام) في تلك الحكايات بان هذا الدعاء خاص به.
وتعليم الائمة عليهم السلام شيعتهم ادب الدعاء، لطف الهيّ، ووسيلة لنيل المنى، تستحق منّا شكراً لبارينا وامتنانا لأئمتنا (عليه السلام) عليها.
الآية الرابعة والعشرون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلومِ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الحجر/ الآية ٣٦-٣٨.
ابو جعفر محمد بن جرير الطبري: قال: اخبرني ابو الحسن علي قال: حدثني ثناابو جعفر قال: حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود، عن ابيه، عن علي بن الحسن بن فضال قال: حدثني (ثنا) العباس بن عامر، عن وهب بن جميع مولى اسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ابليس قوله: رب فانظرني الى يوم يبعثون قال فانك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم. ايّ يوم هو؟ (قال يا وهب) اتحسب انه يوم يبعث اللّه تعالى الناس؟ لا ولكن اللّه عز وجل انظره الى يوم يبعث اللّه عز وجل قائمنا، فاذا بعث اللّه عز وجل قائمنا فيأخذ بناصيته ويضرب عنقه فذلك يوم الوقت المعلوم.
الحكاية الرابعة والعشرون: الشيخ محمد الكوفي
يقول السيد حسن الابطحي (حفظه اللّه):
في سنة ١٩٥٣م وعند ما ذهبت الى الكوفة، كان هناك شخص باسم الحاج الشيخ محمد الكوفي، يقال انه تشرف بخدمة حضرة بقيّة اللّه الاعظم (ارواحنا فداه) مرارا.
فحدثنا الشيخ محمد الكوفي بقصّة هي:
سابقاً، لم تكن وسائل النقل مستخدمة في طريق العراق - الحجاز، فتشرفت بزيارة بيت اللّه الحرام على الجمل، وحين العودة من هناك، تخلفت عن القافلة وضللت الطريق حتى وصلت الى بعض المستنقعات فطمست رجلا البعير في تلك الاوحال، ولم يكن بوسعي النزول عن ظهر البعير فكاد البعير ان يموت.
وفجأة صحت من اعماق قلبي:
(يا ابا صالح المهدى ادركنى) وكررت ذلك عدة مرات، فرأيت فارسا يتقدم نحوي، ولم يكن يتأثر بذلك الطين، حتى وصل الىّ وهمس بكلمات في اذني البعير لم أسمع منها الا آخرها حيث سمعته يقول: (حتى الباب).
نهض بعيري من ذلك المستنقع وتحرك بعد ان اخرج رجليه من الطين وسار باتجاه الكوفة بسرعة.
التفت الى ذلك السيد وقلت له: (من أنت)؟
قال: (أنا المهدي).
قلت: (اين اراك ثانية)
قال: (متى شئت!)
ابتعد البعير عن ذلك السيد وسار حتى وصل الى بوابة الكوفة وسقط الى الارض.
جئت الى البعير وهمست في اذنه قائلا: (حتى الباب) وكررت ذلك، فنهض البعير وسار حتى اوصلني الى باب منزلي، وسقط هناك ومات لفوره.
يقول السيد حسن الابطحي:
لقد كان الحاج الشيخ محمد الكوفي طاهرا متقيا الى درجة ان الانسان لا يحتمل اصلا ان يُكلّم هذا الرجل الصالح بما يخالف الحقيقة: ثم اضاف الشيخ محمد الكوفي قائلا: بعد تلك القضية تشرفت بخدمة بقية اللّه (ارواحنا فداه) خمسة وعشرين مرّة.
إشارة:
التشرف بخدمة المولى صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ولقائه تارة يكون في عالم الرؤيا واخرى في عالم اليقظة وثالثة يكون في عالم الكشف.
والالتقاء به في عالم اليقظة له انحاء هو الآخر.
فتارة يتشرف الانسان بلقائه (عليه السلام)، ولا يتعرف عليه، واخرى يتعرف عليه بعد انصرافه وثالثة يتعرف عليه حين اللقاء.
وافضل انواع التشرف بخدمته (عليه السلام) هو التشرف الناشىء من الارتباط الروحي الدائم به (عليه السلام).
ولعلّ الامام (عليه السلام) يشير الى هذا الارتباط عندما يقول لبعض الاشخاص الذين يسألون منه قائلين: سيدي متى اتشرف بلقائك ثانية؟
فيجيبهم الامام (عليه السلام): متى شئت!.
فالامام (عليه السلام) يحث هولاء على ايجاد حالة الارتباط الروحي الدائم به، وان يظن الانسان انه مع امام زمانه وان الامام (عليه السلام) حاضر معه على الدوام، وهذا يدفع مثل هذا الانسان الى التخلق بالاخلاق المرضيّة من قبل الامام (عليه السلام)، والاتصاف بصفات الاولياء الصالحين وحينئذ لا تكون هناك حواجز وحجب تمنعه من الالتقاء به (عليه السلام) متى شاء.
وبطبيعة الحال، فان هذا الارتباط الروحي لا يحصل بسهوله وانما يحتاج الى اكثر من الالتزامات الاخلاقية فضلاً عن الالتزامات الشرعية (الواجبات والمحرمات) ولكنه غير محال.
الآية الخامسة والعشرون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطناً فَلا يُسْرِفْ فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورا) صدق اللّه العلي العظيم سورة الأسراء/ الآية ٣٣.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) باسناده قال: عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن علي الرضا ابن موسى الكاظم (رضي اللّه عنهما) في قوله تعالى:
(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطناً فَلا يُسْرِفْ فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورا).
انه قال: نزل في الحسين والمهدي.
الحكاية الخامسة والعشرون: السيد عبد الكريم
يحكي انه كان في طهران سيد مؤمن طاهر السريرة اسمه السيد عبد الكريم وكان من كسبة طهران، يعتقد اكثر علماء السير والسلوك ان حضرة بقيّة اللّه الاعظم (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) يأتي احيانا الى دكانه المتواضع ويجلس معه ويحادثه ويؤانسه.و لذا فان بعض هؤلاء العلماء وعلى امل التشرف بلقاء الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) كان يجلس ساعات وساعات في دكان ذلك السيد ينتظرون النظر الى الطلعة الرشيدة، وقد يكون البعض منهم قد وفق لذلك وتشرف بخدمته.
لم يكن السيد عبد الكريم من أهل الدنيا حتى ان مسكنه كان مستأجرا ولم يكن يملك دارا للسكنى.
يروي أحد تجار طهران وهو مورد ثقة كبار العلماء ومراجع التقليد ويقول: كان السيد عبد الكريم قد استأجر دارا من أحد اهالي طهران ومع ان مالك الدار كان يرعى حال السيد عبد الكريم الاّ انه وعندما حان موعد الاجارة رفض ان يجدّد له العقد لسنة ثانية وامهله عشرة أيام لاستئجار منزل آخر.
وفي اليوم العاشر من المهلة، وعندما كان السيد بعد لم يحصل على منزل، اضطر الى تخلية الدار وفاءً للوعدالذى اعطاه لصاحب الدار، فنقل اثاث المنزل الى زاوية من زوايا الزقاق وجلس حائرا لا يدري ماذا يصنع.
وفي هذه الثناء يتفضل حضرة بقيّة اللّه الاعظم ارواحنا فداه بتفقّده ويقول له: لا تبتئس فان اجدادنا قد تحملوا مصائب كثيرة.
فقال له السيد عبد الكريم: نعم يا سيدي ولكن لم يبتلى احد منهم بذلة الاستئجار.
فيتبسم صاحب الأمر ارواحنا فداه ويقول له ما مضمونه: صحيح، لقد رتبنا لك الأمور، أنا ذاهب الآن وستُحلُّ مشكلتك بعد عدة دقائق.
ويضيف التاجر الطهراني الذي ينقل هذه القضية قائلا: في الليلة السابقة، تلك الحادثة، رأيت صاحب العصر (ارواحنا فداه) في عالم الرؤيا وقال لي: اذهب غدا صباحا واشترِ منزل فلان باسم السيد عبد الكريم، وفي الساعة الفلانية تذهب الى الزقاق الفلاني وستجد السيد عبد الكريم جالساً في ذلك الزقاق واثاثه في الشارع فتعطيه مفتاح المنزل.
استيقظت من النوم في الساعة الثامنة صباحا وذهبت الى المنزل الذي اعطاني اوصافه، فقال لي صاحب المنزل: (كنت مدينا بمبلغ من المال فتوسلت بحضرة بقية اللّه ارواحنا فداه ليفرّج اللّه عنّي ببيع هذا المنزل لاسدّد ديوني بثمنه).
اشتريت المنزل من الرجل واخذت مفتاحه وعندما وصلت الى المرحوم السيد عبد الكريم كان الامام ولي العصر (روحى فداه) قد فارقه لتوِّه.
رحم اللّه ذلك التاجر والسيد عبد الكريم.
إشارة:
كل ما يختاره اللّه لعبده، فيه مصلحة ذلك العبد أو مصلحة النوع البشري أو المخلوقات الاخرى، وبعبارة اخرى ان اختياره عز وجل مرتبط بالنظام العام للكون.
وفي اغلب الاحيان ان لم نقل فيها جميعا تخفى على الانسان العادي، تلك المصالح والارتباطات الموجودة في هذا النظام الحاكم للكون، فيتصور الأمر الذي فيه مصلحة النظام، ضارا، وبالعكس، وليس ذلك الاّ لما ذكرناه من الجهل بالمصالح والمفاسد.
ومن جملة الامور التي يشتبه حالها على الانسان، مسألة الفقر المادي.
فقد يتصور البعض بان مصلحته في الغنى المادي، مع ان الواقع غير ذلك، ويمكن ان يكون الامر على العكس.
والمهم في الأمر هو انه ليس لاىّ من الفقر او الغنى دخل مباشر في كمال الانسان، فلا الفقر كمال ولا الغنى نقص بطبيعته، لكن قد يودي الفقر الى الكمال وقد يجرّ الى التمرّد.و قد يأخذ الغنى بيد الانسان الى الكمال، وقد يؤدي به الى ان يكون كالانعام بل أضلّ.
فالصبر مع الفقر كمال، والسخط معه نقص وتسافل، والشكر مع الغنى، كمال، والعبث والبذخ والترف معه، تسافل.
فلا يمنع الفقر ذاتاً من الكمال، حيث رأينا في الحكاية اعلاه كيف ان هذا السيد الجليل، مع فقره المدقع الذي ادّى به الى ان يبيت ليلته تلك في الشارع من دون مأوى، مع كل ذلك، نجد بانه قد وصل الى مرتبة من الكمال يغبطه عليها الكثير من الاغنياء، الا وهو شرف لقاء المولى صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
نعم، بنحو الاجمال، الفقر المقرون بالصبر ممدوح، كما هو المستفاد من روايات ذمّ الدنيا، ولعلّ السرّ في ذلك ان اغلب الناس لا يستطيعون مقاومة اغراءات المال، فيقعون في حبائله وهي كثيرة، وهو على اىّ حال فتنة وابتلاء، كما ان الانسان يحاسب على حلاله ويعاقب على حرامه ويعاتب على مشتبهه.
ومن ثَمَّ، ورد ان آخر من يدخل الجنّة من الانبياء هو النبي سليمان على نبينا وآله وعليه السلام.
وبطبيعة الحال، يجب ان لا يكون ذلك داعياً للانسان الى الخمول والكسل والتسكع بل ان ذلك يعني ان يقنع الانسان يما يكفيه ويقوّم حياته، ولا يشغله المال عن ذكر ربّه.
كما ان عليه ان يدعو ربّه لان يكفيه موؤنته وموؤنة عياله ليكف يده عمّا في ايدي الناس، وان لا يحتاج الى المخلوقين، فضلا عن ان يتملّق لهذا الشخص وذاك من اجل بعض الدراهم فيؤول امره الى ان مدح من اعطاه وذمّ من منعه، فيكون حاله حال الحيوان الذي يحرك ذيله لمن اطعمه، وينبح في وجه من منعه.نعوذ باللّه.
الآية السادسة والعشرون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَأذَانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ اَلْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اَللَّهَ بَرِىءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِيْنَ ورَسُولُهُ فَِان تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاَعْلَمُواْ اَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اَللَّهِ وبَشِّرِ اَلَّذِيْنَ كَفَرُوا بِعَذاب أَلِيْم) صدق اللّه العلي العظيم سورة التوبة/ الآية ٣.
العياشي: عن جابر، عن جعفر بن محمدو أبي جعفر (عليهما السلام) في قوله عز وجل:
(وَاَذَانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ اَلْحَجِّ الْأَكْبَرِ) قال: خروج القائم عليه السلام واُذَانُ دعوته الى نفسه.
الحكاية السادسة والعشرون: الشيخ محمد جواد الانصاري
نقل مؤلف كتاب (در كوى بى نشانها) (في منتدى المجهولين):
انّ العارف باللّه آية اللّه المرحوم الشيخ نجابت سأل استاذه المرحوم آية اللّه الشيخ محمد جواد الانصارى - وكان آية اللّه الشهيد السيد عبد الحسين دستغيب وآية اللّه السيد أحمد الفهري حاضرين حينذاك - قائلا: هل تشرفتم بلقاء امام العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)؟
اجاب الانصاري (رحمة اللّه عليه): (ما ازددت يقينا).
إشارة:
في قول الشيخ آية اللّه الانصاري (ما ازددت يقينا) معاني لطيفة يمكن الوقوف عليها بعد أن نعرف ان من خصوصياته الكتمان الشديد على سيره وسلوكه وهو ما كان يحث تلامذه عليه، حتى ان بعض تلامذته عندما يسأله قائلا: متى يمكننا ان نتشرف بلقا المولى صاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)؟
يجيت الشيخ قائلا: عندما يكون حضوره وغيبته عندنا على حدًّ سواء.
ويسأله آخر عن امكان التشرف بحضرته (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فيقول في الجواب: يا رجل، انه يمكن التشرف بالحضرة الالهيّة المقدسة، فكيف لا يمكن التشرف بحضرة عباده.
وامثال هذه التسترات على واقعة، ومن خلال ذلك نعرف بان مراده من قوله (ما ازددت يقينا) انه قد تشرف بلقائه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ولكن بما انه كان يعيش الارتباط الروحي الدائم مع الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) لانه كان على يقين بان الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) يراه ويرى افعاله ومثل هذا الشخص لا يختلف الامر بالنسبة له وايضا يمكن ان يضم كلامه معنى آخر وهو ان البعض قد يشك بوجوده (صلوات اللّه وسلامه عليه) ما لم يتشرف.بلقائه، ولكن هذا هو شأن ذوي الاعتقادات الضعيفة، اما اولي الالباب واليقين والاعتقاد الراسخ، فانهم حتى اذا لم يتشرفوا برؤيته (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في عالم الظاهر، فانهم لن يشكوا بوجوده الشريف الثابت بالادلّة الكثيرة، وحينئذ فمثل هؤلاء الاشخاص لن يزدادوا يقينا في مسألة وجوده الشريف عندما يتشرف بلقائه.
الآية السابعة والعشرون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِيْنَ كَفَرُواْ مِنْ دِيْنِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ). صدق اللّه العلي العظيم سورة المائدة/ الآية ٣.
العياشي: عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قال أبوا جعفر (عليه السلام) في هذه الآية:
(اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِيْنَ كَفَرُواْ مِنْ دِيْنِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ).
يوم يقوم القائم (عليه السلام)، يئس بنوا امية، فهم الذين كفروا يئسوا من آل محمد عليهم السلام.
الحكاية السابعة والعشرون: الشيخ الاعظم (قدس سره)
بعد وفاة المرحوم آية اللّه الشيخ محمد حسن النجفي صاحب كتاب (جواهر الكلام) رجع المسلمون الى المرحوم الشيخ مرتضى الانصارى وطلبوا منه نشر رسالته العملية لتقليده.
فقال لهم الشيخ الاعظم (قدس سره): مع وجود سيد العلماء المازندراني الذى هو اعلم منّي ويعيش الآن في بابل، لن اطبع رسالتى العمليّة.
ولذا فان نفس الشيخ الاعظم (قدس سره) كتب رسالة وبعثها الى سيد العلماء المازندراني وطلب منه الانتقال الى النجف الاشرف للتصدي للمرجعية الدينية.
اجابه سيد العلماء برسالة جاء فيها: صحيح أنّي كنت اقوى منك في الفقه عندما كنّا نتباحث ايام وجودي في النجف الاشرف، ولكن وبسبب مرور سنوات طويلة علىّ وأنا اعيش في، مدينة بابل بعيدا عن المباحثة والدرس، ولذا فاني اعتقد باعلميّتك انت!
ومع ذلك فان الشيخ الاعظم (نور اللّه رمسه) كان يقول: لا أجد في نفسي اللياقة للتصدي للمرجعية، الاّ أن يجيزني مولاي ولي العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) بالاجتهاد، ويعيّنني في مقام المرجعية فانّي حينئذ فقط ساتصدى لهذا المقام.
وذات يوم، وبينما كان المعظّم له في مجلس الدرس وحوله تلامذته، رأوا شخصا عليه آثار العظمة والجلال ورد الى مجلس درس الشيخ، فأخذ الشيخ باحترامه واكباره وبمحضر الطلاب توجه ذلك الشخص الى الشيخ الانصاري بالسؤال قائلا: ما هو نظرك في امراة مُسِخَ زوجها؟
(وهذه المسألة لم تطرح في اي كتاب من كتبنا الفقهية وذلك لرفع المسخ عن امة محمد (صلى الله عليه وآله)).
قال الشيخ الانصاري: هذه المسألة غير معروفة في كتبنا، ولذا فليس عندي الآن لها جواب.
قال الشخص: افرض ان مثل هذه الامر حدث ومسخ الرجل فما هو حكم زوجته؟
قال الشيخ الاعظم: بنظري ان هذا الرجل لو مسخ الى صورة حيوان فان على زوجته ان تعتدّ عدّة الطلاق ثم تتزوج بعد ذلك، لأن الرجل له روح، وأما اذا مسخ الى الجماد فعلى زوجته ان تعتدّ عدة الوفاة لان الرجل فقد الروح.
فقال ذلك الشخص: (انت المجتهد... انت المجتهد... انت المجتهد) ثم نهض وخرج من مجلس الدرس.
وكان الشيخ يعلم ان هذا الشخص هو الامام الحجّة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فقال لتلامذته، اطلبوا الرجل، فهرع الطلاب في أثره فلم يجدوه.
وبعد هذه الاجازة من الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) تصدى الشيخ الاعظم للمرجعية.
إشارة:
من هذه الحكاية الشريفة نستفيد امورا؛
منها: ان الشيخ الاعظم كان يعرف الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ونهتدي الى ذلك من خلال احترامه وتجليله واكباره له عند دخوله مجلس الدرس، ومن خلال تصدية للمرجعية بعد سماع الاذن منه في الاجتهاد.
ومنها: شدّة تقوى علمائنا (رضوان اللّه عليهم) حيث انه لمجرد احتماله وجود من هو أعلم منه، يرفض التصدي للمرجعية.
وقد ذكر في احوال الشيخ الاعظم (قدس سره) ما يدهش الانسان في شدة تقواه وورعه خصوصا ايام مرجعيته المباركة.
ومنها: تَدَخُلِّ الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في ظروف الحرجة التي يمرُّ بها الشيعة لاجل انقاذهم من العمل بلا هُدى، وقد ذكر لنا المورخون حالات كثيرة لتدخله ولطفه باحوال الشيعة أيدهم الله.
ومنها: مدى سعة هذا الشيخ الجليل واحاطته بذوق الشريعة، فعلى الرغم من عدم عنونة هذه المسألة في كتب المسلمين الفقهية الّا انه استطاع ان يستنبط الجواب الصحيح عنها، وهذا يدل على التأييدات الالهية لعلمائنا الربانيين (رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين) ويكفي في سعة الشيخ الانصاري العلمية ان كتبه لازالت تُدَرِّسْ الى الان كاصول ومتون بحوث الخارج في الفقه والاصول، بل ان الكثير من آرائه العلمية لازالت ثابتة ومحكمّة لم يتمكن أحد من اثبات بطلانها أو التشكيك فيها على الرغم من تطور وتقدم علم الاصول وهذا هو النور الذي يقذفه اللّه في قلب من يشاء.
الآية الثامنة والعشرون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ اَلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الروم/ الآية ٦.
روى العلامة الشافعي، المقدسي الدمشقي بسنده عن حذيفة بن اليمان، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
ويل هذه الامة من ملوك جبابرة، كيف يقتلون ويخيفون المطيعين الاّ من اظهروا طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه يعرفهم بقلبه (فاذا) اراد اللّه عز وجل أن يعيد الاسلام عزيزا قصم كل جبار عنيد وهو القادر على ما يشاء أن يصلح امة بعد فسادها.
ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا الاّ يومٌ واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي تجري الملاحم على يديه ويظهر الاسلام.
ثم قال (صلى الله عليه وآله): (لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ) وهو سريع الحساب.
الحكاية الثامنة والعشرون: الحاج محمد علي فشندي
يقول سماحة السيد حسن الابطحي (حفظه اللّه): حدثني جناب حجة الاسلام والمسلمين السيد القاضى الزاهدي الگلبايگاني قال: سمعت في طهران من جناب السيد الحاج محمد علي فشندي وهو من اخيار طهران قال:
في ايام شبابي كنت ملتزما حدّ الامكان بعدم ارتكاب الذنوب، وان أذهب الى الحج مرارا حتى اتشرف برؤية مولاي بقيّة اللّه روحي فداه، ولذا تشرفت سنوات عديدة بزيارة مكة المعظمة.
وفي احدى تلك السنين وكنت متعهدا بامور جمع من الحاج، وفي ليلة الثامن من ذي الحجة ذهبت الى صحراء عرفات مع الاثاثية واللوازم وما يحتاجه الحاج، وكان قصدي ان اصل الى هناك قبل بقية الحجيج بليلة واحدة لانتخب المكان الانسب لقافلتي.
وصلت الى صحراء عرفات عصر اليوم السابع، فانزلت الاثاث واللوازم ووضعتها في خيمة كانت قد أعدَّت لنا (وقد وجدت بان احدا من الناس لم يصل بعد الى عرفات فكنت وحيدا فيها).
في هذه الاثناء، جاءني احد الشرطة الذين كانوا موكلين بحفظ الخيام هناك وقال لي: لماذا جئت بكل هذه الوسائل والاثاث في هذه الليلة، الم تعلم بانه يمكن ان تتعرض للسرقة في هذا الصحراء الواسعة؟! وعلى اي حال، الآن وقد جئت، عليك ان تبقى يقظاً حتى الصباح لتحرسها.
في تلك الليلة، وفي ذلك المكان، اشتغلت بالعبادة والمناجات مع ربّي وبقيت مستيقظا، الى ان كان منتصف الليل، فرأيت سيدا جليلا على رأسه شال أخضر، جاء الى خيمتي وناداني باسمي وقال: السلام عليك يا حاج محمد علي!
قلت: وعليك السلام، وقمت من مكاني، فدخل ذلك السيد الى الخيمة.
وبعد عدة لحظات، جاء جمع من الشبّان الذين نبتت لحاهم للتوّ، وكانوا كالخدم لذلك السيد.
في البدء خفت منهم، ولكن بعد ان تكلمت عدة كلمات مع ذلك السيد ذهب الخوف من روعي ودخل حبُّه في قلبي فوثقت بهم واطمئننت اليهم.
كان الشبّان يقفون بباب الخيمة، وامّا السيد فقد دخل الى داخل الخيمة.
قال لي ذلك السيد: يا حاج محمد علي هنيئا لك …هنيئا لك.
قلت: ولم ذاك؟
قال: لانك تبيت في صحراء عرفات في هذه الليلة التي بات في مثلها جدي الامام الحسين (عليه السلام) فيها.
قلت: وماذا علىّ ان افعل في هذه الليلة؟
قال: تصلي ركعتين تقرأ في كل منهما بعد الحمد سورة قل هو اللّه احد، احد عشرمرة.
ولذا، قمنا وصلّينا مع السيد وبعد الفراغ من الصلوة قرأ السيد دعاء بمضامين لم اكن قد سمعت بمثلها، وكان يقرأها بتوجه وخشوع والدموع تجري من عينيه.
حاولت ان احفظ ذلك الدعاء، فقال السيد: هذا الدعاء خاص بالامام المعصوم: وانك ستنساه!
ثم قلت للسيد: اريد منك ان تسمع الى عقائدي في التوحيد وهل هي صحيحة؟
قال: قل.
فشرعت بالاستدلال على وجود اللّه بالآيات الآفاقيّة والآنفسيّة، وقلت: انني اعتقد بوجود اللّه لهذه الادلة.
قال: يكفيك هذا المقدار من معرفة اللّه.
ثم عرضت بخدمته اعتقادي بمسألة الولاية.
فقال: اعتقادك حسن.
فسألت منه قائلاً: بنظرك اين الامام الحجة (عجل اللاه تعالى فرجه الشريف) الآن؟
قال امام الزمان في الخيمة الآن!
سألت منه: يقولون بان حضرة ولي العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) يكون في عرفات يوم عرفة، ففي ايّ مكان من صحراء عرفات يقف؟
قال: في حدود جبل الرحمة.
قلت: فلو ذهب احد الى ذلك المكان فهل سيراه؟
قال: نعم يراه ولكن لا يعرفه.
قلت: غدا مساء ليلة عرفة، فهل يأتي حضرة ولي العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) الى خيام الحجّاج ويتلطف عليهم؟
قال سيأتي الى خيمتكم، لانكم ستتوسلون بعمي ابي الفضل العباس (عليه السلام) في الليلة القادمة.
وفي هذه الاثناء قال لي السيد: يا حاج محمد علي هل عندك شاي؟
(وفجأة التفت الى اني جئت بكل الوسائل الاّ الشاي)
قلت: سيدنا، اتفاقا لقد نسيت ان اجلب الشاي معي، والحمد لله ان ذَكَّرتَني، فانّي ساذهب غدا واجلب الشاي للمسافرين.
قال السيد: الشاي علىّ الآن.
فخرج من الخيمة وجاء بشيء ظاهره انه شاي ولكن عندما قمنا بتحضيره كان معطرا وحلوا بحدٍّ تيقنت معه انه ليس من شاي الدنيا، فشربت من ذلك الشاي.
ثم قال لي: هل عندك طعام ناكله؟
قلت: نعم، عندي خبز وجبن.
قال: انا لا آكل الجبن.
قلت: وعندي لبن ايضا.
قال: هاته.
فقدمت له مقدارا من الخبز واللبن، فاكل شيئا منهما ثم التفت الىّ وقال: يا حاج محمد علي، ساعطيك مئة ريال (سعودي) لتأتي بعمرة نيابة عن والدي.
قلت: سمعا وطاعة، فما اسم ابيك؟
قال اسم أبي (سيد حسن).
قلت: وما اسمك انت؟
قال: سيّد مهدي.
فاخذت المال، وفى هذه الاثناء قام ذلك السيد ليخرج من الخيمة، ففتحت ذرّاعي وعانقته مودعا وعندما اردت ان اقبّل وجهه شاهدت على وجنته اليمنى خالا أسوداً جميلا، فوضعت شفتي على ذلك الخال وقبلت وجهه.
وبعد لحظات من افتراقنا، تفحّصت الصحراء يمينا وشمالا فلم أرَ احدا، وفجأة انتبهت من غفلتي وعرفت ان ذلك السيد هو حضرة بقية اللّه ارواحنا فداه، خاصة وانه؛ كان يعرف اسمي!
ويتكلم الفارسية!
واسمه مهدي!
وابن امام الحسن العسكري!
وعلى اي حال، جلست تلك الليلة ابكي وانحب وانشج نشيجا عاليا حتى اسمعني الشرطة فظنوا ان السرّاق سرقوا متاعي، فاجتمعوا حولي وسألوني فقلت لهم: كنت مشغولا بالمناجات، فاشتد بكائي!
وفي اليوم التالي وعندما وصلت مجموعتي، وذكرت القصة لروحانىّ المجموعة، نقل بدوره ذلك الى الحجّاج، فازداد شوقهم وحنينهم للمولى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وفي اوائل وقت الغروب من ليلة عرفة، صلّينا صلوة المغرب والعشاء، وبعد الصلوة (ومع اني لم اكن قد قلت لهم انَّ الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) كان قد ذكر لي باننا سنتوسل بعمه العباس (عليه السلام) وانّه سيتلطف ويشرفنا بقدومه الى الخيمة) قام روحاني المجموعة وبدأ بقراءة مصيبة أبى الفضل العباس (عليه السلام) وكان البكاء والنحيب والتوجه يسيطر على أجواء المجلس، ولكنني كنت دائما اترقب مجيء الامام بقية اللّه روحي وارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.
وعلى اي حال، كاد مجلس العزاء ينفض ويُختِم، فنفذ صبري وقمت وخرجت من الخيمة، فرأيت حضرة ولي العصر روحى فداه، واقف بباب الخيمة يستمع الى مجلس العزاء ويبكي، فاردت ان اُعلِمَ الناس بوجوده الشريف فاشار بيده المباركة اليّ ان اسكت، فكأنّ يدا قد تصرفت بلساني فلم استطع ان اتفوه بحرف واحد ولذا وقفت بجانب باب الخيمة والامام بالجانب الآخر وكنّا نبكي على مصائب ابي الفضل العباس (عليه السلام)، ولم أقدر ان اتحرك خطوة واحدة باتجاهه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وعندما انتهت قراءة المصيبة، ترك بقية اللّه الأعظم (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) المكان وانصرف.
إشارة:
يستفاد من هذه الحكاية امور؛
منها: ما ذكرناه سابقا من تشرف الديار المقدسة بزيارة الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) لها في كل عام، فهو يقف مع الحجيج في عرفة ويطوف حول البيت ويسعى بين الصفا والمروة مع الناس، ولذا فان الكثير من الناس يكرر السفر الى بيت اللّه الحرام للحج وللتشرف بخدمة المولى مخصوصا في صحراء عرفات فانه قطعا يكون موجودا من الزوال الى الغروب يدعو للمؤمنين ويؤمِن على دعاء الصالحين.
ومنها: علاقة الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) الخاصة بمصيبة عمّه ابي الفضل العباس (عليه السلام) ولذا ينبغي على المؤمنين الاكثار من التوسل بساحة ابي الفضل العباس (عليه السلام) فان في ذلك ادخال السرور على قلب الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
ومنها: جواز النيابة بالعمرة عن الائمة عليهم الصلوة والسلام، بل ان في ذلك ثواب عظيم حتى للنائب، وقد وجدنا كيف ان الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) استناب الحاج فشندي للزيارة عن ابيه الامام العسكري (عليه السلام)، وحرىّ بالمؤمنين ان يعتمروا نيابة عن ائمتهم فان في ذلك عظيم الثواب لهم.
الآية التاسعة والعشرون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِىْ الْأَرْضِ ونُرِىَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة القصص/ الآية ٦.
روى صاحب تفسير (البرهان) عن العالم الحنفي (الشيباني) انه روى عن الباقر والصادق (عليهما السلام) انهما قالا:
ان فرعون وهامان هنا شخصان من جبابرة قريش يحييهما اللّه تعالى عند قيام (القائم) من آل محمد في آخر الزمان، فينتقم منهما بما أسلفا.
الحكاية التاسعة والعشرون:
روى العالم الجليل الفقيه السيد حسن بن حمزة وهو من كبار علماء الشيعة وينتهي نسبه الشريف الى سيد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام) بستة آباء، ان رجلا من صلحاء الشيعة قال: خرجت من منزلي في سنة من السنين قاصدا زيارة بيت اللّه الحرام واداء مناسك الحج، وقد اتفق ان تلك السنة كانت شديدة الحر وقد تفشت الامراض المعدية اثناء الطريق، ونتيجة لغفلتي تأخرت عن القافلة كثيرا، وأخذ العطش شيئا فشيئا يؤثر بي ويضرّ بحالي في تلك الصحراء الحارة فسقطت على الارض لشدة العطش وكدت ان اهلك.
وفجأة سمعت صهيل جواد بالقرب منّي.
عندما فتحت عيني رأيت شابا حسن الوجه طيب الرائحة ممتطياً ظهر الجواد فوقف عند رأسي وكان يحمل بيده قدحاً من الماء.
نزل الشاب عن ظهر جواده واعطاني ذلك القدح فشربت منه وكان الماء باردا وحلوا لم اشرب مثله طيلة حياتي الى الآن.
سألت من ذلك الشاب قائلا: من انت حتى تلطفت علىّ بهذا اللطف؟!
قال: انا حجّة اللّه على عباد ربّي، انا بقية اللّه في الارض، أنا الذي سيملأ الارض قسطا وعدلا بعد ان تملأ ظلما وجورا، أنا ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن ابي طالب (عليهما السلام).
وعندما عرفت انه امام العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) قال لي: اغمض عينيك.
امتثلت لأمره واغمضت عيني وبعد لحظات قال لي: افتح عينيك، فتحت عيني واذا بي وانا اسير مع القافلة، فنظرت اليه فغاب عن بصري.
إشارة:
تقدم منّا ان احد القابه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) هو (الغوث) ولذا نجد بانه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) يغيث الملهوفين والضالين والمحتاجين ايام غيبته الشريفة، واعظم مصاديق الغوث يتحقق ايام ظهوره (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) حيث ينتقم للمستضعفين من المستكبرين والجبابرة ويملاء الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً كما قال هو صلوات اللّه عليه في هذه الحكاية.
اللّهم عجّل فرجه الشريف واجعل فرجنا بفرجه عاجلا قريبا.
الآية الثلاثون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَنُهُمْ ولاَ هُمْ يُنظَرُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة السجده/ الآية ٢٩.
روى الحافظ سليمان القندوزي (الحنفي) باسناده قال: عن ابن دراج عن الصادق (رضي الله عنه) في قوله تعالى:
(قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَنُهُمْ ولاَ هُمْ يُنظَرُونَ)
انّه كان يقول - في هده الآية-:
(يوم الفتح) يوم تفتح الدنيا على القائم، ولا ينفع احدا تقرب بالايمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمنا.
وأما من كان قبل هذا الفتح موقنا بامامته ومنتظرا لخروجه، فذلك الذي ينفعه ايمانه، ويعظم اللّه عز وجل عنده قدره وشأنه، وهذا أجر الموالين لأهل البيت.
الحكاية الثلاثون: السيد محمد مهدي بحر العلوم (قدس سره)
ركضة طويريج، معروفه عند العراقيين خصوصا، وهو عزاء يقام يوم العاشرمن المحرم، حيث تأتي افواج الناس من قضاء (طويريج) الذي يبعد اربعة فراسخ عن مدينة كربلاء المقدسة على مشرفها آلالف التحية والثناء ياتون مهرولين حتّى يصلوا الى حرم سيد الشهداء الامام الحسين بن علي (عليه السلام) ثم يخرجون الى حرم ابي الفضل العباس (عليه السلام)، حفاة، باكين شعث غُبْر يندبون مولاهم الحسين (عليه السلام)، حتى ان علماء الدين وبعض المراجع كانوا يشتركون ايضا في هذا العزاء حيث يقفون لاستقبال تلك الجموع على مشارف كربلاء ثم يشاركون في العزاء في بكاء ونحيب.
وعندما تسأل هؤلاء المراجع، ما هو الدليل على استحباب المشاركة في هذا العزاء؟يجيبك أحدهم وكيف لا اشارك وقد شارك العلامة السيد بحر العلوم (رض) الناس في هذه الركضة وهذا العزاء؟و كان السيد بحر العلوم (رض) كان ذات يوم عاشورا في احدى السنين، يقف مع عدة من طلبة العلوم الدينية في كربلاء لاستقبال تلك الجموع التي جاءت من طويريج لاقامة عزاء سيد الشهداء وابي الاحرار الحسين بن فاطمة (عليه السلام) وفجأة، يرى الطلّاب ان السيد بحر العلوم على عظمته ومقامه العلمي الشامخ دخل وسط تلك الجموع لاطماً وجهه وصدره باكيا مهرولا معهم وحاول الطلاب منع السيد والحدِّمن كل تلك الاحاسيس الطاهرة والخالصة فلم يفلحوا فاضطروا الى الاستسلام للأمر الواقع ولكنهم حاولوا الحفاظ على السيد من ان يقع على الارض ومن وقع على الارضْ في هذا العزاء لا ينجوا من الموت الّا بمعجزة لان الناس في هذه الركضة كالسيل العارم وكامواج البحر الهائج لا يقف بوجهها شيء.
(وذات مرّة سقط بعض الاشخاص على الارض فداستهم الجموع بالارجل فحدثت مأساة فضيعة راح ضحيتها اكثر من اربعين شهيدا عند باب الحرم الحسينى). احاط الطلبة بالسيد بحر العلوم حتى فرغ من المشاركة في العزاء.
وبعد اتمام العزاء سأل بعض الخواص من السيد عن علة مشاركته على ذلك النحو فقال (رض): عندما وصلت الى تلك المجاميع المعزّية، رأيت بقيّة اللّه الاعظم (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) حافيا حاسرا بين تلك الجموع وهو يلطم على صدره ويضرب على رأسه ويبكي، فلم اطق الاّ ان شاركت بخدمته فى العزاء.
إشارة:
مصيبة الحسين (عليه السلام) لا تقر بها مصيبة، ومظلوميته (ع) منار يقتدي به الثوار والمظلومون لنيل حقوقهم والصبر والصمود ضد الطغاة.
ولعظم مصيبة الحسين (ع) ورد في الاحاديث على لسان عدد من الائمة عليهم السلام انهم كانوا يقولون: (لا يوم كيومك يا ابا عبد اللّه).
والكل يبكي ويندب الحسين (ع)، ولكل منهم اسلوب خاص في بيان انزجاره لقتل الحسين (عليه السلام) واهل بيته ولبيان حزنه
عليه.
والعراقيون لهم أساليب كثيرة لذلك منها ركضة طويريج التي تعد ثورة عارمة على الظلم، ولذاحاولت الانظمة الجائرة منع هذه العزاء لانها ترى ان فيه تهديداً لكياناتها الظالمة.
ومهما حاولنا وصف اهمية هذا العزاء فان القارىء لن يقف على ذلك الاّ ان يرى بنفسه ويحضر في تلك المراسم فانه سيعرف كم لها من الاثر في تاجيج الحزن والبكاء والنحيب على الحسين (عليه السلام) ولذا ما فات الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) يشارك فيه أيضا وهو احق الناس بذلك فهو الطالب بثار جدّه الحسين (عليه السلام).
الآية الحادية والثلاثون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(سَلامٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) صدق اللّه العلي العظيم سورة القدر الآية ٥.
محمد بن العباس: عن احمد بن هودة، عن ابراهيم بن اسحاق، عن عبد اللّه بن حماد، عن ابى يحيى الصنعاني، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال لي ابي محمد (عليه السلام): قرأ علي بن ابي طالب (عليه السلام) (انا انزلناه في ليلة القدر) وعنده الحسن والحسين (عليهما السلام) فقال له الحسين يا ابتاه كأنّ بها من فيك حلاوة.
فقال له: يا بن رسول اللّه و(ابني): انّي اعلم فيها ما لا تعلم، انها لمّا انزلت بعث اليّ جدُك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فقرأها عليّ ثم ضرب على كتفي الأيمن وقال:
يا اخي ووصيّي ووليّي (على) امتي بعدي وحرب اعدائي الى يوم يبعثون، هذه السورة لك من بعدي ولولديك (ولولدك) من بعدك، ان جبرئيل اخي (عليه السلام) من الملائكة احدث الىّ احداث امتي في سُنَّتها واللّه وانّه ليحدث ذلك اليك كاحداث النبوة وله نور ساطع في قلبك وقلوب اوصيائك الى مطلع فجر القائم (عليه السلام).
الحكاية الحادية والثلاثون: السيد عبد الكريم هاشمي نژاد
نقل العلّامة السيد حسن الابطحي (حفظه اللّه) قال: حدثني الشهيد حجة الاسلام والمسلمين الحاج السيد عبد الكريم هاشمي نژاد الذي كان له استاذ يسمى الشيخ علي فريدة الاسلام الكاشاني قال: ذات ليلة كنت مع المرحوم استاذي بالكونِ في غرفته الكائنة في الطابق العلوي في مدينة قم المقدسة وكان الاستاذ واقفا ووجهه الى ساحة المنزل يزور مولانا صاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) بزيارة آل ياسين الشريفة.
وكنت انا بجواره أُعِدُ الموقد للتدفئة.
وفجأة وجدت ان استاذي انتفض في اثناء القراءة وازداد توجهه وخضوعه وخشوعه وبكاؤه.
رفعت رأسي لاقف على السبب فرأيت ان حضرة بقية اللّه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) واقف بين السماء والارض مقابل استاذي ينظر اليه مبتسما، حتى انني كنت قادرا على تمييز خصوصيات قيافته الشريفة وحتى لون ملابسه وكنت ارى ذلك بوضوح.
ثم عُدتُ ثانية الى عملي، ومرّة ثانية رفعت رأسي فرأيت مولاى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) بنفس الخصوصيات والملامح السابقة، وهكذا كررت ذلك عدة مرّات وفي كل مرّة كنت اشاهد جماله الانور (صلوات اللّه وسلامه عليه) وفي المرة الاخيرة اشتغلت بايجار الفحم فوجدت استاذي قد هدأ وذهبت عنه تلك الحالة وانهى الزيارة، فرفعت رأسي الى السماء فلم أجد المولى صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وعندما جلست انا واستاذي في الغرفة بعد هذا الجريان، وكان استاذي قد اخفى على ذلك ظنا منه بأنّي لم أرَ شيئا، فسألته قائلا:
حضرة الاستاذ، بايّ هيئة كنت ترى صاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)؟!
فتعجب الاستاذ وقال: فهل كنت تراه انت ايضا؟
قلت: نعم كنت أراه بملابس مخططة وعمامة خضراء وقيافة جذابة وعلى وجهه خال.
ثم بيَّنتُ له كل الخصوصيات التي كنت أراها وكان الاستاذ يصدّق ذلك مؤيدا، ثم اثنى علىّ وسُرَّ لما حصلتُ عليه من لياقة للتشرف بلقاء الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
إشارة:
زيارة آل ياسين (عليه السلام) من الزيارات المعتبرة الشريفة التي يزار بها الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) يوم الجمعة وغيرها.
وبالتتبع وجدت أن أولياء اللّه يواظبون عليها ويوكدون على قرائتها، وانّي لقاطع عزيزي القارىء باننا لو واظبنا عليها فاننا سنجد تحولا عميقا قد حصل في روحياتنا وحتى في سلوكنا، ولذا فان هذه الزيارة الشريفة من كنوزنا التي لابد من المحافظة عليها وسنورد متن هذه الزيارة في ملحقات الكتاب انشاء اللّه.
واشير هنا الى ان السيد عبد الكريم هاشمي نژاد من الشخصيات المرموقة في عالمنا الاسلامي له دور كبير في الثورة الاسلامية المباركة في ايران، استشهد على يد أعداء الاسلام في مدينة مشهد الامام الرضا (عليه السلام).
وقد ذكر السيد الابطحى في كتابه الكمالات الروحية ـ الجزء الثاني ـ في ذيل هذه الحكاية انه عندما كان يدرس في النجف الاشرف كان السيد هاشمى نژاد معه، وذات ليلة جمعة كانا في حرم ابي الفضل العباس (عليه السلام) للزيارة فتوسل السيد الابطحي بابي الفضل العباس (عليه السلام) ان يزيد في يقينه بوجود الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، ولما انصرفا لزيارة مرقد الامام الحسين (عليه السلام) وبدون اطلاع من السيد هاشمي نژاد بالأمر، نقل الاخير قصة تشرفه بلقاء الحجة وهي الحكاية أعلاه، ويضيف السيد الابطحي فعرفت ان هذه منحة من مولاي ابي الفضل العباس (عليه السلام).
الآية الثانية والثلاثون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَاَشْرَقَتِ أِلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ووُضِعَ اَلْكِتبُ وجِاْىءَ باَلْنَّبِيّيِنَ والْشُّهَدَآءِ وقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِاَلْحَقِّ وهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الزمر الآية ٦٩.
أخرج العلاّمة (الحنفي) الحافظ القندوزي في ينابيعه بسنده قال: عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا - رضى اللّه عنه - في حديث ذكر فيه (المهدى) وانه الرابع من ولده - الى أن قال - فاذا خرج:
(وَاَشْرَقَتِ أِلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) الحديث.
الحكاية الثانية والثلاثون: كريمة الشيخ الأراكي
نقل مؤلف كتاب گنجينه علما (خزانة العلماء) في الجزء الثاني - ص٦٤ عن سماحة آية اللّه العظمى المرجع الراحل الشيخ محمد علي الاراكي انه نقل له قائلا:
ارادت ابنتي وهى زوجة حجة الاسلام السيد الاراكي ان تتشرف بحج بيت اللّه الحرام، وكانت تخاف ان لا تتمكن من اداء مناسك الحج لشدة الزحام، قلت لها: اذا داومت على ذكر (يا حفيظ يا عليم). فان اللّه سيعينك على ذلك.
تشرفت ابنتى بزيارة بيت اللّه الحرام وبعد عودتها نقلت لي هذه الحكاية وقالت:
داومت على ذلك الذكر الشريف وللّه الحمد فقد اديت المناسك براحة، الى ان اردت ذات يوم الطواف وكان جمع من الحجاج الافارقة يطوفون وكان الزحام شديداً جدا، فقلت في نفسي: كيف يمكننى في هذا الزحام الطواف؟
وتحسرت على وجود رجل محرم معي حتى يحافظ عليّ من ملامسة الرجال حال الطواف.
وفجأة سمعت صوت شخص يقول لي:
لوذي بامام الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) حتى تطوفي على راحتك.
قلت: واين هو امام الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)؟
قال: هو ذا هذا الرجل الذى يسير امامك.
نظرت الى تلك الجهة فرأيت رجلا جليلا يمشي امامي وحوله دائرة مفرغة قطرها حوالي المتر، ولا يدخل أحد من الحجيج في تلك الدائرة واذا بالهاتف يقول لي: ادخلي في هذا الحريم وطوفي خلف حضرة ولي العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، وكنت قريبة جدا منه بحيث ان يدي كانت تصل اليه، وقد مسحت يدى على عباءته ومسحت بها وجهيوكنت أقول له: سيدي فديتك بنفسي مولاي فديتك بروحى ….
وكنت مسرورة جدا الى درجة انى نسيت ان اسلّم عليه.
والحاصل، اني طفت سبعة أشواط خلف الامام (عليه السلام) حول الكعبة بدون ان يلمس بدني بدن رجل غريب على الرغم من كل ذلك الزحام، وكنت اتعجب من انه كيف لا يدخل احد من هؤلاء الناس في حريم هذه الدائرة؟
ويضيف الشيخ الاراكي قائلا: ولان حاجة ابنتي كانت منحصرة في هذا الأمر، لذا فانها لم تطلب شيئا آخر في تلك السّاعة.
إشارة:
لا شك ان الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) رحمة للعالمين وخصوصا لاولئك الذين يحاولون تطبيق الشريعة والابتعاد عن المعاصي والتنزة عن المحرمات حتى غير الاختيارية منها، وكما ورد في الحديث الشريف: عبدي تقدم الىّ خطوة اتقدم اليك خطوتين (فان اللّه تعالى يهيء لمثل هذا الانسان الدليل على الطاعات واجتناب المحرمات.
ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، بل ان بعض النساء ولا سباب معينة قد يصلن الى الكمال أسرع من الرجال مع ما يتمتعن به من روح لطيفة عاطفية، وهناك الكثير من النساء وصلن الى حالات كمال عالية وبعضهن الى حالة الارتباط الروحي بالامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ولا مجال هنا لذكرهنّ.
اذن، طريق التشرف بلقاء المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ليس حكرا على الرجال، وعلى نسائنا السعي والجد لنيل هذا الشرف العظيم، وذلك بالطاعات والعبادات واداء الوظائف الشرعية.
الآية الثالثة والثلاثون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَنُرِيْدُ اَنْ نَّمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِىْ الْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلُهُمُ اَلْورِثِينَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة القصص الآية ٥.
روى في تفسير (البرهان) عن العالم الحنفي (الشيباني) في كشف البيان، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهما قالا:
ان هذه الآية مخصوصة بصاحب الأمر الذى يظهر في آخر الزمان، ويبيد الجبابرة والفراعنة، ويملك الأرض شرقا وغربا، فيملأها عدلا كما ملئت جورا.
وأخرج الحافظ سليمان القندوزي (الحنفي) قال: - في حديث - قال ابو محمد العسكرى للمهدي (عليه السلام) في اليوم السابع من ولادته: تكلم يا بنيّ، فشهد الشهادتين، وصلّى على آبائه واحدا بعد واحد، ثم قال (قوله تعالى):
(وَنُرِيْدُ اَنْ نَّمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِىْ الْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلُهُمُ اَلْورِثِينَ).
الحكاية الثالثة والثلاثون: السيد الابطحي حفظه اللّه
يقول السيد حسن الأبطحي في كتابه (الكمالالت الروحية) الجزء الثاني: تشرفت بزياره المدينة المنورة سنة ١٩٧٤م وذات ليلة وبعد منتصف الليل كنت جالسا بمعية الحاج خادمي خلف باب مسجد النبي (ص) وكانت ابواب المسجد مغلقة والناس نيام والهدوء يعم الأطراف وكانت الساحة امام باب المسجد واسعة جدا وذلك بعد تخريب المباني امام باب السلام وحتى مسجد الغمامة.
كان الحاج خادمي وعلى عادته، مشغولا بذكر مولاه صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، فكان يطرق كل باب يؤدى به الى العشق المهدوي وذكر حالاته (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، يظهر الحب والود والولاء.
قال لي: عندي سؤال.
قلت: تفضل واسأل.
قال: هل يمكن ان لا يكون لبقية اللّه ارواحنا فداه، منزلٌ في المدينة؟
قلت: ولم لا يمكن ذلك، فانه لا يجب ان يكون له منزل خاص به والحال ان بيوت شيعته ومحبيه كلها منزله ومتعلقة به.
قال: انه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) له منزل في المدينة المنورة.
قلت: فاين هو ذلك المنزل؟
قال: لو كنت اعلم بمكانه لما جلست هنا.
(كنت اعلم ان هذه الحالالت عندما تحصل لمحبّي المولى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فانه ببعض المتابعة يمكن الاستفادة منها).
قلت: لو كنتُ اعتقد بذلك اي لو كنت متيقنا من انه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) له منزل خاص في المدينة المنورة لحاولت خلال هذه الايام القليلة العثور عليه من خلال طرق ابواب البيوت بيتاً بيتاً والاستفسار عن اسم صاحب المنزل الى ان أجده، فانه لن تستغرق هذه العملية اكثر من خمسة او ستة ايام مع الجدّية والبرمجة الصحيحة، فان بيوت المدينة ليست كثيرة، والوصول الى هذا الهدف المقدس يستحق العناء حتى لو لقينا التعب وايذاء الناس لنا وطردنا، مع انني اعتقد ان غيرة الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ولطفه ومحبته لا تسمع له بان يترك وليه يتحمل كل ذلك من أجل الوصول اليه فانه سيساعده ليهتدي الى منزله بعد طرق باب او بابين فقط.ولكن ولاني غير متيقن من وجود منزل خاص به (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فانّي لم اقم بهذا العمل سابقا.
المهم، اني حاولت تشجيعه واثارته الى درجة انه قام واقفا على رجلية في تلك الليلة الظلماء، ووقفت انا أيضا، وكان الحاج خادمي متحيرا من اين يبدأ بالبحث، وكان يلتفت يمينا وشمالا، وكنت انا انتظر لطفا من صاحب الأمر (عليه السلام) في كل لحظة.
وفجأة، ومع ان هذا الميدان الواسع كان هادئا، ساكتا جدا، سمعنا صوت رجل من طرف الشارع المقابل لمسجد الغمامة ينادى بلسان فارسي ويقول: (من هنا … من هنا)!!
تحركنا الى جهة الصوت، فرأينا من بعيد رجلا لم نتمكن من رؤية ملامحه وقيافته وملابسه، ولكن كان يبدو انه ينادينا نحن.
فقال الحاج خادمي ودموعه تجري من عينيه: انه يرشدنا الى بيت ولي العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وبدون تأخير تحرك باتجاه ذلك المكان.
ولما كنت بطيء التصديق، قلت في نفسي: لعلّ احد الايرانيين من رفقائنا تصور باننا ضللنا الطريق فحاول هدايتنا الى منزلنا.
ولكن هذا الشخص بعد ان ارشدنا الى الجهة، ذهب الى احدى الازقة في المنطقة ولم نعد نراه.
كان الحاج خادمي يسير مسرعا الى تلك الجهة ويقول: اني أشمّ عطرا عجيبا.
وأخيراً وبعد دقائق وصلنا الى ذلك المحل، وكان مفترق ثلاث طرق فوقفنا حائرين في، أىُّ طريق نسير؟
ولكن هذه الحيرة وهذا الترديد لم يستمر الاّ لحظات، حين سمعنا صوت دراجه نارية كسر الهدوء المخيم على المكان في آخر الشارع المقابل لمسجد الغمامة وعندما وصل الينا خفّف من سرعته وتوقف عندنا وقال مشيرا الى شارع فرعي خلف فندق الحرم: (من هذه الجهة…من هذه الجهة…) قالها بلسان فارسي طليق ثم انطلق بدراجته مسرعا.
هنا، بدأت اشعر بان هذه الارشادات ليست طبيعية، اذ لو كان الشخص الاول قد ارشدنا صدفة فان هذا السائق للدراجة لا يمكن ان يكون امرا عفويا خصوصا وانه كان يتكلم الفارسية والايرانيون لا يستفيدون من الدراجات النارية الضخمة، ولا يمكن ان يكون هذا الرجل قد ظن اننا من رفقائه التائهين.
وعلى أي حال، فان الحاج خادمي، وبينما كانت دموعه تجري على خديه، وذكرُ يا صاحب الزمان جار على لسانه، تحرك باتجاه ذلك الشارع الفرعي وكنت اسير معه متحيرا مبهوتا.
وما ان مشينا عدة خطوات حتى شاهدنا جماعة من الشباب يصل عددهم الى العشرة تقريبا يتوسطهم رجل مهيب بلباس عربي، وهو يتحدث وهم يستمعون له، وكانوا يتقدمون نحونا وكان واضحا انهم خرجوا من احد تلك البيوت يريدون الذهاب الى مكان ما، ولما وصلوا بحذائنا، التفت ذلك الشخص الجليل الينا وقال: السلام عليكم.
اجبنا السلام، وكانت نظرته الينا خاطفة للقلوب الى درجة اننا وقفنا مبهوتين ننظر اليه.
اتكأ الحاج خادمي على الحائط ودموعه تجري وكان ينظر اليهم وقد اجتازونا.
واخذت افكر في نفسي، تُرى من اي المنازل خرج هؤلاء.
وعندما نظرت ورائي وجدت ان مصباحا يضيء عند باب أحد البيوت، وكان واضحا ان هؤلاء القوم قد خرجوا من ذلك المنزل وكان ذلك المنزل له باب خشبية، وبدل الزجاج كانت قضبان حديدية وضعت على الباب كالشبابيك وكان المنزل من الطراز القديم وبناؤه بسيط، وكان خلف الباب مصباح مضيء ورجل يقف عند الباب يبدو انه الخادم، وفي اعلى الباب لوح كتب عليه بهذا الترتيب وبخط ذهبي بارز:
منزل
(المهدي الغوث)
عندما نظر الحاج خادمي الى هذه اللوحة تيقن انه قد وصل بسهولة الى مقصدة، وانه قد اهتدى الى منزل حضرة بقية اللّه ارواحنا فداه، ولذا فقد جلس خلف الباب على الارض.
واما أنا، فقد كنت احاول التحقيق اكثر في القضية ولذا، اوصلت نفسي الى قضبان الحديد المثبتة على الباب الخشبية، وسألت الرجل الذي كان واقفا تحت ذلك الضوء خلف الباب، سألته بالعربية قائلا: صاحب البيت فيه؟
قال الرجل بلطف وابتسامة: (الآن راح).
فعرفت ان الرجل الجليل الذي كان يتوسط اولئك الشباب هو صاحب المنزل وان اسمه (المهدي)، وان لقبه (الغوث)، ولكن هل حقيقة هو صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ام انه شخص آخر صادف ان اسمه ولقبه هو (المهدي الغوث)؟! وانه يسكن هنا؟!
ولكني فى اعماقي، كدت ان اسقط لوجهي فهل حقا انّي قد تشرفت بخدمة المولى ونلت هذا الفيض العظيم؟!
ومن جهة اخرى، مع الالتفات بان راكب الدراجة قد ارشدنا بالفارسية الى هذا الموضع، وان اهل السُنَّة لا يتسمون باسم المهدي، وحتى الشيعة في المدينة المنورة قلَّ ما يتسمَّون بهذا الاسم تقيةً، كل هذه الامور كانت تبعث الامل في قلبي بأنّي قد اكون حصلت على لياقة الفوز بهذا اللقاء.
وعلى اي حال، بقينا حدود الساعة من الوقت عند باب ذلك المنزل، حتى أطفأت المصابيح ويبدو ان الخادم ذهب للنوم.
رجعنا باتجاه محل اقامتنا، وفي صبيحة تلك الليلة، تحركت قافلتنا نحو مكة المعظمة ولم استطع في ذلك السفر ان اذهب الى ذلك المنزل، ولكن في السفرات التالية وحين وفقت لزيارة المدينة المنورة، ذهبت الى ذلك الشارع، فرأيت عدة بيوت مشابهة لبعضها البعض الآخر ولا يوجد على اىّ منها ذلك اللوح الذهبي، ولكن الحاج خادمي كان يقول: في كل سفرة تشرفت بزيارة المدينة المنورة، ذهبت الى زيارة ذلك البيت بنفس المواصفات والخصوصيات.
إشارة:
تقدم في قضية الشيخ الاعظم مرتضى الانصاري (قدس سره) انه كان يزور احياناً الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في منزله في كربلاء المقدسة وأشرنا هناك انه ليس من البعيد ان يكون للامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) منزل او اكثر في البلدان المختلفة، وهذه الحكاية تؤيد ما ذكرناه سابقا.
ومما يمكن استفادته من هذه الحكاية ان نار الشوق اذا استعرت في قلب العاشق لرؤية الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، فانه سيكون اقرب لدرك هذا الشرف بل ورد في بعض النقولات ان الامام (عليه السلام) في معرض الاجابة عن سؤال يطرحه بعض من يتشرف بخدمته ولقائه وهو: (سيدى متى نراك ثانية؟).
يقول (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف): (متى شئت).
وبالطبع، فانّ هذه الرغبة في التشرف بحضرته (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) والتي تنتهي بلقائه، ليست الرغبة العابرة السطحية وانما تلك الرغبة الاكيدة الممزوجة بالحرقة والشوق والتوسل والبكاء على فراقه حقيقة، تلك الرغبة التي تسلب النوم من عيني العاشق وتسهده ليلة وتغصب راحته فلا يقرّ له قرار حتى يلتقي بحبيبه وهنا تشمله العناية واللطف والمحبة المهدوية ويتفضل عليه بنظرة لطلعته الرشيدة وغرّته الحميدة فيتبدل الفراق الى وصال وكلاهما لذيذ عند العاشق.
وقد ورد في بعض قضايا عشّاقه ومواليه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ان الامام روحي فداه أبلغهم سلامه من خلال بعض الوسائط، لانهم كانوا على الدوام بذكره والدعاء له والبكاء على فراقه.
فحرىٌّ بنا جميعا ان لا ننسى امامنا، صباحا ومساءاً وعلى الدوام نشتغل بالدعاء له بتعجيل الفرج، وخصوصا دعاء العهد الّذي ورد استحباب قراءته صباح كل يوم لتجديد البيعة له (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
وسنذكر دعاء العهد انشاء اللّه في ملحقات الكتاب.
الآية الرابعة والثلاثون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(إِن نَّشَأْ نُنَزِّلُ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خضِعِينَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الشعرا الآية ٤.
أخرج الحافظ القندوزي باسناده قال: عن على بن موسى الرضا (رضي الله عنه) - في حديث - انه قال:
ان الرابع من ولدي ابن سيدة الإماء، يُطهِّر اللّه به الأرض من كل جور وظلم (الى أن قال):
وهو الذى له ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض:
(ألا ان حجة اللّه قد ظهر عند بيت اللّه فاتّبعوه فان الحق فيه ومعه)
(ثم قال):
وهو قول اللّه عز وجل:
(إِن نَّشَأْ نُنَزِّلُ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خضِعِينَ).
الحكاية الرابعة والثلاثون: الشيخ علي فريدة الاسلام
نقل سماحة السيد حسن الابطحي (حفظه اللّه) في كتابه الكمالات الروحية عن سماحة حجة الاسلام والمسلمين المرحوم شيخ علي الكاشاني فريدة الاسلام انه قال: ذات ليلة كنت في غرفة الضيوف في منزل آية اللّه الشيخ الكوهستاني في مدينة كوهستان مشتغلا باداء صلوة المغرب وفجأة شاهدت الجمال الانور لمولانا صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) حيث دخل الى الغرفة وجلس في زاوية منها وظهره الى القبلة بنحو كنت ارى وجهه اثناء صلوتي.
فكرت في نفسي أني اذا قطعت الصلوة للسلام عليه فانه لن يرضى بذلك وسيغادر المحل، فالافضل ان أتمّ صلوتي، فان كان مريدا للتلطف على والسماح لي بمحادثته فانه سيصبر الى ان اتمّها ولذا اكملت صلوتي وكان صلوات اللّه عليه يُلْقِنُنّي اثناء الصلوة ببعض الجملات وخصوصا جملة: (يا من له الدنيا والاخرة ارحم من ليس له الدنيا والآخرة)، التي كنت اقرأها في السجدة الأخيرة، فكان الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) يكررها بتوجه وخشوع أكبر.
وبمجرد ان اردت الخروج من الصلوة بالتسليم، غادر ولي العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) المكان.
إشارة:
الشيخ على الكاشاني، فاضل جليل له حالات روحانية عجيبة، نقل بعضها السيد حسن الابطحي في كتابه عروج الروح (پرواز روح)، ولا شك ان الارض لا تخلو من مثل هؤلاء الصالحين الذين قضوا اعمارهم بالطاعات والرياضات والمجاهدات ومن هذه الحكاية يظهر لنا بوضوح انه كان قد تشرف مراراً بخدمة المولى صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فانه عرفه بمجرد رؤيته، فان بعض الاشخاص يتشرفون بخدمة المولى ولا يتعرفون عليه الّا بعد التفرق، وبعضهم يتعرف عليه اثناء التشرف والبعض الآخر والمعظم له منهم يعرفون ملامحه الشريفة فما ان تقع اعينهم عليه حتى يعلمون انه هو، وهكذا كان حال السيد مهدي بحر العلوم (رض) كما اتضح لنا سابقا، وانه تعرف على الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) بمجرد ان رأه يركض مع المعزّين في كربلاء يوم عاشوراء.
وا مّا الشيخ الكوهستاني، فهو صاحب الكرامات الكثيرة وله مقام جليل، حتى ورد في النقولات الصحيحة ان الملائكة كانت تخدمه وتحرسه على باب غرفته فلا يتجرأ احد على الدخول عليه، وكان منزله منتدى عشاق الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، وطبقا لما نُقل فانّ روحانية خاصة كانت تُهيمن على داره، وقدذكر ايضا في (عروج الروح) بعض حالاته وكراماته.
الآية الخامسة والثلاثون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِه ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللَّهُ إِنَّ اَللَّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الحج الآية ٦٠.
روى الحافظ القندوزي سليمان الحنفي باسناده قال: عن سلام بن المستنير عن الصادق (رضى اللّه عنه) في قوله تعالى:
(وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِه ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللَّهُ إِنَّ اَللَّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ) قال:
ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لما أخرجته قريش من مكة وهرب منهم الى الغار وطلبوه، ليقتلوه فعوقب، ثم في (بدر) عاقب لأنه قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وحنظلة بن ابي سفيان، وأبا جهل، وغيرهم، فلما قبض رسول اللّه صلّى اللّهعليه وآله وسلّم بغى عليه ابن هند (يعني: معاوية بن ابي سفيان) بخروجه عن طاعة امير المؤمنين، وبقتل ابنه يزيد الحسين بغياً وعدواناً، ثم قال تعالى:
(لَيَنْصُرَنَّهُ اَللَّهَ) يعني بالقائم المهدي من ولده.
الحكاية الخامسة والثلاثون: ضربة صفين
نقل العلامة النوري في النجم الثاقب عن كتاب (السلطان المفرّج عن اهل الايمان) قال: ومن ذلك ما نقله عن بعض اصحابنا الصالحين من خطّه المبارك ما صورته: عن محيي الدين الأربلي انّه حضر عند أبيه ومعه رجل، فنعس فوقعت عمامته عن رأسه، فبدت في رأسه ضربة هائلة، فسأله عنها، فقال له: هي من صفّين. فقيل له وكيف ذلك ووقعة صفّين قديمة؟ فقال: كنت مسافرا الى مصر فصاحبني انسان في غزّة فلمّا كنّا في بعض الطريق تذاكرنا وقعة صفّين.
فقال لي الرجل: لو كنت في أيّام صفيّن لروّيت سيفي من علىّ وأصحابه، فقلت: لو كنت في أيّام صفّين لرويّت سيفي من معاوية وأصحابه، وها أنا وأنت من أصحاب علي (عليه السلام) ومعاوية لعنة اللّه عليه.فاعتركنا عركة عظيمة، واضطربنا فما أحسست بنفسي الاّ مرميّاً لما بي.
فبينما أنا كذلك واذا بانسان يوقظنى بطرف رمحة، ففتحت عيني فنزل الىّ ومسح الضربة فتلاءمت، فقال: البث هنا، ثمّ غاب قليلا وعاد ومعه رأس مخاصمي مقطوعا والدوابّ معه، فقال لي: هذا رأس عدوّك، وأنت نصرتنا فنصرناك، ولينصرنّ اللّه من نصره، فقلت: من أنت؟فقال: فلان بن فلان يعنى صاحب الأمر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ثمّ قال لي: واذا سُئلت عن هذه الضربة فقل: ضُربُتها في صفّين.
إشارة:
ورد في الاخبار: ان من احبَّ عمل قوم حشر معهم، (وانّ من أحبّ (تولى) حجرا حشر معه)، وغير ذلك من الاخبار التي تدل على هذا المعنى.
ومن هذه القضية يبدو أكثر من ذلك، حيث يظهر بان من كان محبا لاهل الحق، فان اللّه يعينه ويقوّيه ويرد عنه كيد الباغين، بشتّى الوسائل واليوم، الحامي للشريعة المحمدية وللقيم الحقيقية هو الامام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، ولا شك انه يتولى المؤمنين بالتسديد والتأييد والحراسة فما أحرانا الصعود والثبات على الحق والدفاع عنه باخلاص فان لنا سندا وعمادا وحاميا وحارسا عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف.
الآية السادسة والثلاثون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ولاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ المجْرِمِينَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة يوسف الآية ١١٠.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) باسناده عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) قال:
ما يجيء نصر اللّه حتّى كانوا أهون على الناس من الميتة، وهو قول ربّي عز وجل في كتابه في سورة يوسف:
(حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ولَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمجْرِمِينَ).
وذلك عند قيام (قائمنا) المهدي.
الحكاية السادسة والثلاثون: على بن مهزيار الاهوازي
قال حدثنا ابو الحسن علي بن موسى بن أحمد بن ابراهيم بن محمد بن عبد اللّه بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام)، قال: وجدت في كتاب ابي رضي اللّه عنه، قال: حدثنا محمد بن أحمد الخوال عن أبيه عن الحسن بن علي الطبري عن ابي جعفر محمد بن الحسن بن علي بن ابراهيم بن مهزيار، يقول: كنت نائما في مرقدي اذ رأيت في ما يرى النائم قائلا يقول لي: حجّ فانك تلقى صاحب زمانك (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
قال علي بن ابراهيم: فانتبهت وانا فرح مسرور، فما زلت في الصلوة حتى انفجر عمود الصبح.و لمّا فرغت من صلوتي وخرجت اسأل عن الحج فوجدت فرقة تريد الخروج، فبادرت مع أوّل من خرج، فما زلت كذلك حتى خرجوا وخرجت بخروجهم اريد الكوفة، فلما وافيت نزلت عن راحلتي وسلّمت متاعي الى ثقات اخواني وخرجت أسأل عن آل ابي محمد (عليه السلام) فما زلت كذلك فلم أجد أثرا ولا سمعت خبرا وخرجت في اول من خرج أريد المدينة فلما دخلتها لم اتمالك ان نزلت عن راحلتي وسلمت رحلي الى ثقات اخواني وخرجت اسأل عن الخبر واقفو الأثر، فلا خبرا سمعت، ولا أثرا وجدت، فلم أزل كذلك الى ان نفر الناس الى مكة وخرجت مع من خرج حتى وافيت مكة، ونزلت فاستوثقت من رحلي وخرجت اسأل عن آل ابي محمد (عليه السلام)، فلم اسمع خبرا ولا وجدت أثرا، فما زلت بين اليأس والرجاء متفكرا في أمري وعائبا على نفسي وقد جنّ الليل.فقلت: ارقب الى ان يخلولي وجه الكعبة لاطوف بها واسأل اللّه عز وجل ان يعرّفني أملي فيها.فبينما أنا كذلك وقد خلالي وجه الكعبة اذ قمت الى الطواف فاذا أنا بفتى مليح الوجه طيب الرائحة، متّزر ببردة، متّشح باخرى، وقد عطف بردائه على عاتقه، فرعته، فالتفت اليّ وقال: ممّن الرجل؟
فقلت: من الاهواز.
فقال: أتعرف منها ابن الخصيب؟
فقلت: رحمه اللّه دُعي فاجاب.
فقال: رحمه اللّه، لقد كان بالنهار صائما وبالليل قائما وللقرآن تاليا ولنا مواليا، فقال: أتعرف بها علىّ بن ابراهيم بن مهزيار؟
فقلت أنا علىّ.
فقال: أهلا وسهلا بك يا أبا الحسن، أتعرف الصريحين (الضريحين)؟
فقلت: نعم.
قال: ومن هما؟
قلت: محمد وموسى.
ثم قال: ما فعلت العلامة التي بيّنك وبين ابي محمد (عليه السلام)؟
فقلت: معي.
فقال: أخرجها الىّ.
فاخرجتها اليه خاتما حسنا على فصِّه (محّمد وعليّ).
فلما راى ذلك بكى ملّيا ورنّ شجّيا فاقبل يبكي بكاء طويلا وهو يقول: رحمك اللّه يا أبا محمد فلقد كنت اماما عادلا ابن ائمة وأبا امام، اسكنك اللّه الفردوس الاعلى مع آبائك عليهم السلام.
ثم قال: يا أبا الحسن صِر الى رحلك وكن على أهبة من كفايتك حتّى اذا ذهب الثلث من الليل وبقى الثلثان. فالحق بنا فانك ترى مُناك (ان شاء اللّه). قال ابن مهزيار: فصرت الى رحلي اطيل واصلحته وقدمت راحلتي وحملتها وصرت في متنها حتى لحقت الشعب فاذا أنا بالفتى هناك يقول: اهلا وسهلا بك يا أبا الحسن طوبى لك فقد أذن لك.
فسار وسرت بسيره حتى جاذبى عرفات ومنى وصرت في اسفل ذروة جبل الطائف، فقال لي: يا أبا الحسن انزل وخذ في أهبة الصلوة.
فنزل ونزلت حتى فرغ وفرغت.ثم قال لي: خذ في صلوة الفجر وأوجز.فاوجزت فيها وسلّم وعفّر وجهه في التراب، ثم ركب وأمرني بالركوب فركبت، ثمّ سار وسرت بسيره حتى علا الذروة فقال: المح، هل ترى شيئا؟
فقلت: يا سيدي ارى بقعة نزهة كثيرة العشب والكلاء.
فقال لي: هل ترى في أعلاها شيئا؟
فلمحت فاذا انا بكثيب من رمل فوقه بيت من شعر يتوقد نورا؟
فقال لي: هل رأيت شيئا؟
فقلت: ارى كذا وكذا، فقال لي: يا ابن مهزيار طب نفسا وقَرَّ عينا فانّ هناك أمل كلّ مؤمّل.
ثم قال لي: انطلق بنا.فسار وسرت حتى صار في أسفل الذروة ثم قال: انزل فها هنا يذل لك كلّ صعب.
فنزل ونزلت حتى قال لي: يا ابن مهزيار خل عن زمام الراحلة.
فقلت: على من أخلفها وليس ههنا أحد؟
فقال: انّ هذا حرم لا يدخله الاّ ولىّ ولا يخرج منه الاّ ولىّْ.
فخلّيت عن الراحلة، فسار وسرت فلما دنا من الخباء سبقني وقال لي: قف هنا الى ان يؤذن لك.
فما كان الّا هنيهة فخرج الىّ وهو يقول: طوبى لك، قد أعطيت سؤلك.
فدخلت عليه صلوات اللّه عليه وهو جالس على نمط عليه نطع أديم أحمر متّكيء على مسورة أديم، فسلمت عليه وردّ علىّ السلام ولمحته فرأيت وجهه مثل فلقة القمر لا بالخرق ولا بالبزق، ولا بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللاصق، محدود القامة، صلت الجبين أزجّ الحاجبيّن، ادعج العينين، اقنى الأنف، سهل الخدّين، على خدّه الأيمن خال.
فلما ان بصرت به حار عقلي في نعته وصفته، فقال لي: يا ابن مهزيار كيف خلّفت اخوانك في العراق؟
قلت: في ضنك عيش وهناة، قد تواترت عليهم سيوف بني الشيصبان، فقال: قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون كأني بالقوم قد قتلوا في ديارهم واخذهم أمر ربّهم ليلا ونهارا.
فقلت: متى يكون ذلك يبن رسول اللّه؟
قال: اذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة باقوام لا خلاف لهم واللّه ورسوله منهم براء، وظهرت الحمرة في السماء ثلاثا فيها اعمدة اللّجين تتلاءلاء نوراً ويخرج السروسيّ من ارمينيّة واذر بايجان يريد وراء الرّي الجبل الاسود المتلاحم بالجبل الأحمر، لزيق جبل طالقان، فيكون بينه وبين المروزىّ وقعة صيلمانيّة يشيب فيها الصغير ويهرم منها الكبير ويظهر القتل بينهم، فعندها توقعوا خروجه الى زوراء العراق فيقيم بها سنة أو دونها ثم يخرج الى كوفان فيكون بينهم وقعة من النجف الى الحيرة الى الغرىّ وقعة شديدة تذهل منها العقول، فعندها يكون بوار الفئتين وعلى اللّه حصاد الباقين، ثم تلا قوله تعالى: (بسم اللّه الرحمن الرحيم أتها أمرنا ليلاً أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس).
فقلت: سيدي يا ابن رسول اللّه ما الأمر؟
قال: نحن أمر اللّه وجنوده.
قلت: سيدي يا ابن رسول اللّه حان الوقت؟
قال: واقتربت الساعة وانشقّ القمر.
إشارة:
ورد في البحار للمجلسي ان علي بن مهزيار حج عشرين حجّة، وكان يأمل في كلّ مرّة ان يتشرف بلقاء المولى صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، حتى يئس من ذلك.و قرر عدم السفر ثانية.
وذات ليلة سمع هاتفاً يأمره بالحج ليصل الى مناه، وفعلاً وصل الى مناه كما مرّ بنا عزيزي القاريء في الحكاية اعلاه.
ومن هذا، يتبين لنا مدى شوق اولئك الصالحين الى هذا الشرف الرفيع، وتحملهم عناء السفر المتكرر، وخصوصا في تلك الازمنة، حيث كان السفر الى بيت اللّه الحرام يستغرق وقتا طويلا مضافا الى المخاطر المحتملة فيه في الطريق.
وبمراجعة الحكاية يتضح لنا جليّا، بان ابن مهزيار الاهوازي لم يكن يأمل من تشرفه بلقاء الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، شفاء مريض، أو اداء دين، أو دفع عدوّ وغير ذلك من الحوائج الدنيوية المباحة، كما هو ديدن الكثير من المؤمنين الذي يلتزمون بالاربعينات للقاء المولى وقضاء حوائجهم، وانما كان همُّ ابن مهزيار هو النظر الى تلك الطلعة الرشيدة والتملّي من تلك الغرّة الحميدة، وهذا لعمري غاية الشوق واشرفه واكمله.و هذه هي، الهجرة الى اللّه ورسوله.
فينبغي ان يكون ذلك، همّ طلّاب اللقاء والرؤية، بل وحتى زوّار مراقد المعصومين الطاهرة، لا الاغراض الدنيويّة وان كانت مباحة وأن يترفع الانسان عن مودة التجّار ليصل الى مودة العشاق، كي يحظى بلذّة الوصال، فتهون كلّ مصائب الدنيا عنده.
الآية السابعة والثلاثون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَقتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلْدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اَللَّهَ بِما يَعمَلُونَ بَصِيرٌ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الانفال/ الآية ٣٩.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) باسناده قال: عن محمد بن مسلم قال: قلت للباقر (عليه السلام) ما تأويل قوله تعالى في الانفال:
(وَقتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلْدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اَللَّهَ بِما يَعمَلُونَ بَصِيرٌ).
قال: لم يجىء تأويل هذه الآية، فاذا جاء تأويلها يقتل المشركون حتّى يوحدوا اللّه عز وجل، وحتّى لا يكون شرك: وذلك في قيام (قائمنا).
الحكاية السابعة والثلاثون: السيد حسين القاضي (قدس سره)
يعتبر السيد حسين القاضي التبريزي من المتقين الصالحين وله كرامات كثيرة وبركات جمّة، حتى نقل ان الامام الخميني (قدس سره) وعندما ابتليت احدى بناته بحالة مرضية، امر بعض اهله ان يذهبوا الى بيت السيد حسين القاضي - في قم - ويطلبوا منه جرعة من الماء للاستشفاء، وهذا يدل على بركة هذا السيد الجليل وقربه من الرب تعالى.
وهذه الحكاية مرتبطة بهذه التقى الورع، قال (قدس سره): في مجلس كنت مع بعص الاشخاص وتشرفنا بمحضر بقية اللّه الاعظم (ارواحنا فداه)، وكان (عليه السلام) ينظر الينا واحدا واحدا ويتفدقنا، وعندما وصل الدور الىّ قال لي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف): وانت، ماذا تريد؟
قلت: اريد ان أكون اقرب هؤلاء الاشخاص اليك.
ففسح الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) مجالا وأجلسني الى جنبه.
إشارة:
ليس غريبا من مثل هؤلاء المقدسين ان يصلوا الى هذه الكمالات ويحظون بهذه الألطاف وقد افنوا أعمارهم في طاعة اللّه عز وجل والتوسل باهل بيت نبي الرحمة (صلوات اللّه عليهم اجمعين) ويبدوا واضحا من هذه الحكاية مدى شوق هؤلاء الاوتاد وحبهم لمولاهم، فهو لا يريد الّا القرب والقرب فقط، لا المال، ولا المقام، ولاشفاءً من الاسقام، ولا الولد، ولا الخلاص من الابتلإات الدنيوية، بل يريد فقط القرب من الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، وهذه هي المحبّة الصادقة الخاصة من كل شائبة.
فيا أيها العزيز، تعال لنحترق شوقا على فراق حبيبنا ولنبك ليلا ونهارا طلبا للوصال، فان وصاله غاية ليس بعدها غاية شرفا وكرامة وعزّا وحينئذ، يوفقنا اللّه لزيارته وخدمته والاستفاضة من فيوضاته الربانية … آمين.
الآية الثامنة والثلاثون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(حم * عسق) صدق اللّه العلي العظيم سورة الشورى الآية ١-٢.
أخرج (الحجة الشافعي) جمال الدين المقدسي السلمي في (عقد الدرر) بسنده عن ابي اسحاق الثعلبي في تفسير قوله تعالى:
(حم * عسق).
قال عبد اللّه بن عباس:
(ح) حرب يكون بين قريش والموالي فتكون الغلبة لقريش عليهم.
(م) ملك بني امية.
(ع) علو ولد عباس.
(س) سنّي المهدي.
(ق) نزول عيسى وقوته (خل).
الحكاية الثامنة والثلاثون: الميرزا الاصفهاني (قدس سره)
نقل المرحوم الحاج الشيخ مجتبى القزويني قضية عن استاذه المرحوم اية اللّه الميرزا مهدي الاصفهاني انه قال:
في ايام التحصيل في النجف الاشرف، كنت استفيد من محضر السيد أحمد الكربلائى وهو من كبار العرفاء في السير والسلوك وتزكية النفس، حتى وصلت، بنظر استاذي الى حدّ الكمال وبحسب الاصطلاح الى مقام القطبية والفناء في اللّه.
وقد منحني استاذي سمة تربية الآخرين في هذا المضار، وكان يعتبرني عارفا كاملا وقطبا وفانيا في اللّه واستاذاً في الفلسفة الاشراقية.
ولكنني ولاني أعرف بنفسي، كنت معتقدا باني بعدُ لم اعرف شيئا من المعارف الحقة، ولذا لم يهدأ لي قرار وكنت اعتبر نفسي ناقصا في الكمالات، فخطر في ذهني ان اذهب ليالي الاربعاء الى مسجد السهلة للتوسل بمولانا بقيّة اللّه ارواحنا فداه، فقد جعله اللّه غوثا وملاذا للخلق، علّه يتلطف علىّ ويدلني على الصراط المستقيم.
ولذا، ذهبت الى مسجد السهله تاركا خلفي كلّ ما تعلمته من الافكار العرفانية والافكار الصوفية والمنسوجات الفلسفية، وسلمت أمري بكل اخلاص وتوبة لمولاي صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وفجأة، ظهر لي نور جمال المولى بقيّة اللّه ارواحنا فداه وتلطف علىّ كثيرا، وبيَّن لي ميزانا اسيرُ عليه حيث قال:
(طلب المعارف من غير طريقنا أهل البيت مساو لانكارنا)
إشارة:
لا شك في ان كلّ علم لا ينتهي الى اهل البيت (ع) لا يمكن الوثوق بصحته، ذلك لان علوم الناس يحتمل فيها عدم الصدق لانهم غير معصومين وهذا هو الذي ادى الى ضرورة بعثة الانبياء والرسل والاوصياء والائمة المعصومين الذين ينطقون بحكم اللّه وبعلم اللّه الذي لا يقبل الخطاء والبطلان.
وهذه القاعدة جارية حتى على العرفاء فكل ورد وذكر ودعاء وارشاد ونصيحة تصدر من هؤلاء بدون أن تنتسب الى المعصوم كتابا وسنّة، لا يمكن الوثوق بها، ويحتمل في حقها الخطأ والبطلان، بل لعلّ فيها الآثار السيّئة، اذ ليس كلّ من قرأ الكتب الطبية صار طبيبا، فضلا عن اولئك الذين لم يقرأوها وانما اتبعوا اهواءهم واذواقهم ونتايج تخيلاتهم ومن هنا، نجد بان العرفاء الحقيقيين، يعتمدون على الآيات القرآنية والادعية الصادرة عن اهل البيت عليهم السلام.
ومن هنا أيضا نجد بان الصوفية يحاولون الصاق أنفسهم بطرق تنتهي في سلسلتها الى أمير المؤمنين على بن ابي طالب (عليه السلام).
فهذا الميزان الذي بيّنه الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) صادقُ في كلّ مكان وزمان ولعمري فهو خير ميزان لمعرفة العلماء الربانيين وتمييزهم عن القراصنة والشياطين.
اللّهم ثبّتنا على الحق واجعلنا مع الصادقين.
الآية التاسعة والثلاثون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنآ اِذا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الانبياء الآية ١٢.
علي بن ابراهيم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد اللّه ابن محمد، عن أبي داود، عن سليمان بن سفيان، عن ثعلبة، عن زرارة، عن ابي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل: (فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنآ) يعني بني امية اذا احسوا بالقائم من آل محمد عليهم السلام (اِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُون لا تَرْكُضُوا واَرْجِعُوا إلى ما اُتْرِفْتُمْ فِيِه ومَسْاكِنُكُم لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُون).
يعني الكنوز التى كنزوها.
قال (عليه السلام): فيدخل بنو اميّة الى الروم اذا طلبهم القائم (عليه السلام) ثم يخرجهم من الروم ويطالبهم بالكنوز التي كنزوها.
الحكاية التاسعة والثلاثون: الشيخ محمد تقي البافقي
لقد كان المرحوم آية اللّه الحاج الشيخ محمد تقي البافقي رحمه اللّه قوياً جداً في ارتباطه بالمولى صاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وكان ايمانه في هذا المجال كاملاً الى درجة انه كلّما احتاج شيئا، ذهب الى مسجد جمكران وتشرّف بلقاء الحجّة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وأخذ حاجته.
يقول مؤلف كتاب (خزانة العلماء): قال أحد علماء الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة:
ان سماحة آية اللّه السيد محمد رضا الگلبايگاني (قدس سره) قال:
فى زمن آية اللّه العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري (مؤسس الحوزة العلميّة في قم)، جاء اربعمائة من طلبة العلوم الدينيّة في الحوزة العلمية الى المرحوم الشيخ محمد تقي البافقي الذي كان مقسماً لشهرية المرحوم الحائري، وطلبوا منه عباءات شتوية.
وما كان من المرحوم البافقي الاّ ان عرض الاءمر على سماحة آية اللّه الحائري، فقال الاخير:
من اين أئتي لهم باربعمائة عباءة شتوية؟
فقال له الشيخ البافقي: نأخذها من حضرة ولي العصر ارواحنا فداه قال: الشيخ الحائري: ليس عندى سبيل لاخذها منه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فيقول الشيخ البافقي: سآخذها انا منه انشاء اللّه.
وفي ليلة الجمعة، يذهب الشيخ البافقي الى مسجد جمكران ويتشرف بخدمة المولى (عليه السلام).
وفي يوم الجمعة، يقول الشيخ البافقي للمرحوم آية اللّه الحائري:
لقد وعدني صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) انه سيتفضل علينا غداً بارسال العباءات!!
وفي يوم السبت، جاء احد تجّار طهران ومعه اربعمائة عباءة شتوية، وزّعت على الطلّاب.
إشارة:
كما ذكرنا سابقا، ان مثل هذه الالطاف ليس غريبة من مثل اهل البيت (عليهم السلام).
والامام الحجّة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) وارث آبائه، وهو مظهر الكرم الالهي.
ولكن، لعلَّ الغريب فيها هو ثقة الشيخ البافقي المطلقة والكاملة بهذه الالطاف الالهية، وخصوصا في عصرنا الحاضر، حيث انّ اغلب الناس يفتقدون لمثل هذا الايمان الراسخ، والارتباط الوثيق، وليس ذلك الاّ بسبب انشغالهم بالدنيا وتعلّقهم بالاسباب الطبيعيّة.
ولو كان الناس جميعا لهم مثل هذا الارتباط واليقين لكان حالهم غير الذي هم عليه الآن من البؤس والفاقة والحرمان.
(ان اللّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم).
الآية الأربعون:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فَي الزَّبُوِر مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ) صدق اللّه العلي العظيم سورة الانبياء الآية ١٠٥.
روى الحافظ القندوزي سليمان الحنفي باسناده قال: عن الباقر والصادق (رضى اللّه عنهما) في قوله تعالى (ولَقَدْ كَتَبْنَا فَي الزَّبُوِر مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ).
قالا: هم القائم واصحابه.
الحكاية الاربعون: السيد بحر العلوم (قدس سره)
يقول العلامة المرحوم الميرزا القمي صاحب كتاب (القوانين): كنت أتباحث مع العلامة بحر العلوم في درس الاستاذ الوحيد البهبهاني وكنت غالبا ما اقرّر البحث له الى ان جئت الى ايران، ثم اشتهر شيئا فشيئا علم السيد بحر العلوم بجميع الصقاع، وكنت استغرب واتعجب من ذلك الى ان وفقني اللّه تعالى لزيارة العتبات المقدسة فعندما تشرفت بزيارة النجف الاشرف التقيت بالسيد وطرحت مسألة فرأيت السيد بحر العلوم بحرا موّاجا وعميقاً من العلوم.
فقلت: سيدنا عندما كنّا نتباحث معا لم تكن لك هذه المرتبة، وكنت تستفيد منّي، ولكنك الآن مثل البحر؟!
فقال: يا ميرزا هذه من الاسرار، اقولها لك فلا تحدث بها أحدا ما دمت حيا واكتمها.
وكيف لا أصير كذلك وقد الصقني سيدي بصدره الشريف في ليلة من الليالي في مسجد الكوفة.
قلت: كيف تشرفتم بلقائه؟
قال: ذات ليلة، ذهبت الى مسجد الكوفة، فرأيت سيدي ومولاي ولى العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) مشتغلا بالعبادة، فوقفت وسلمت، فاجابنى وقال: تعال.فتقدمت خطوة اليه، ثم قال: تقدم.فتقدمت خطوة اليه، ثم قال: تقدم.فتقدمت حتى فتح ذراعيه وضمنّي الى صدره المبارك، وهنا انتقل الى صدري ما شاء اللّه تعالى ان ينتقل.
إشارة:
ورد في الخبر (ان العلم نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء)
ولا شك في ان الاتقياء الورعين والصالحين العاملين العابدين أحق الناس بهذا الشرف وهذا اللطف.و مجرد المطالعة والبحث لا يوصلان الانسان الى العلم الحقيقي ما دام بعيدا عن الطاعات واداء الواجبات والانتهاء عن المنهيات، فقد يكون المرء حافظا للروايات والقواعد الاصولية، لكنه لا يوفق لاستنباط الحكم الصحيح، وان ذلك يحتاج الى توفيق منه عز وجل، وهذا التوفيق قد يكون بوسيلة الامام المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فان اهل البيت عليهم السلام هم الوسائل الى اللّه وهم أسباب الفيوضات الالهية والتوفيقات الربانية، فان عندهم ما نزلت به رسله وهبطت به ملائكته، وبهم يسلك الى الرضوان ويكتسب الجنان.
فعلى اهل العلم ان لا يتكلوا على مطالعاتهم وفقط في التوصل الى مقام العلماء، بل لابد من ان يقرنوا ذلك بالجدّ في العبادة والتوسل باهل البيت عليهم السلام، وبطبيعة الحال فان هذا لا يعني التكاسل والخمول في طلب العلم والتحصيل، فان التوفيق الالهي انما يشمل المجتهدين المخلصين والعاملين لا الخاملين.
وقل ربّ زدني علما والحقني بالصالحين

الملحقات

الجزيرة الخضراء
نتبرّك اخيرا بذكر هذه الحكاية الشريفة وهي قصة البحر الابيض والجزيرة الخضراء والتى وجدت فى رسالة مخصوصة فى خزانة أمير المؤمنين (عليه السلام) بخط العالم الفاضل الفضل بن يحيى بن علىّ، والتى نقلها العلامة المجلسي والعلامة النوري.
قال العلامة المجلسي (قدس سره):
اقول: وجدت رسالة مشتهرة بقصة الجزيرة الخضراء في البحر الابيض احببت ايرادها لاشتمالها على ذكر من رآه، ولما فيه من الغرائب.
وانما افردت لها بابا لاني لم اظفر به في الاصول المعتبرة. ولنذكرها بعينها كما وجدتها:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي هدانا لمعرفته والشكر له على ما منحنا للاقتداء بسنن سيد بريته محمد الذى اصطفاه من بين خليقته وخصّنا بمحبة علىّ والائمة المعصومين من ذرّيته صلى اللّه عليهم اجمعين الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد: فقد وجدت فى خزانة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وسيّد الوصيّين، وحجة ربّ العالمين، وامام المتّقين، علىّ بن ابي طالب (عليه السلام)، بخط الشيخ الفاضل والعالم العامل، الفضل بن يحيى بن علىّ الكوفى (قدس اللّه روحه) ما هذا صورته:
الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على محمد وآله وسلّم.
وبعد: فيقول الفقير الى عفو اللّه سبحانه تعالى الفضل بن يحيى بن علىّ الطيّبي الامامىّ الكوفى (عفا اللّه عنه): قد كنت سمعت من الشيخين الفاضلين العاملين الشيخ شمس الدين بن نجيح الحلّي والشيخ جلال الدّين عبد اللّه بن الحزام الحلّي (قدّس اللّه روحيهما ونوّر ضريحيهما) فى مشهد سيد الشهداء وخامس أصحاب الكساء مولانا وامامنا أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) فى النصف من شهر شعبان سنة تسع وتسعين وستمائة من الهجرة النبويّة على مشرّفها محمد وآله أفضل الصلاة وأتمّ التحيّة، حكاية ما سمعاه من الشيخ الصالح التقي والفاضل الورع الزّكىّ زين الدين علي بن فاضل المازندراني، المجاور بالغرىّ - على مشرّفه السلام - حيث اجتمعا به فى مشهد الامامين الزكييّن الطاهرين المعصومين السعيدين (عليهما السلام) بسرّ من رأى وحكى لهما حكاية ما شاهده ورآه فى البحر الأبيض، والجزيرة الخضراء من العجائب فمرّ بى باعث الشوق الى رؤياه، وسألت تيسير لقياه، والاستماع لهذا الخبر من لقلقة فيه باسقاط رواته، وعزمت على الانتقال الى سرّ من رأى للاجتماع به.
فاتّفق انّ الشيخ زيد الدين علي بن فاضل المازندراني انحدر من سرّ من رأى الى الحلّة فى أوائل شهر شوال من السنة المذكورة ليمضى على جارى عادته ويقيم فى المشهد الغروي على مشرّفه السلام.
فلمّا سمعت بدخوله الى الحلّة وكنت يومئذ بها قد انتظر قدومه فاذا أنا به وقد أقبل راكبا يريد دار السيد الحسيب، ذي النسب الرّفيع، والحسب المنيع، السيد فخر الدين الحسن بن علىّ الموسوي المازندراني نزيل الحلّة (اطال اللّه بقاه) ولم أكن اذ ذاك الوقت أعرف الشيخ الصالح المذكور لكن خلج فى خاطري انّه هو.
فلمّا غاب عن عينى تبعته الى دار السيد المذكور فلمّا رآني مقبلا ضحك فى وجهي وعرّفني بحضوره فاستطار قلبى فرحا وسرورا ولم أملك نفسي على الصبر على الدخول اليه فى غير ذلك الوقت.
فدخلت الدّار مع السيد فخر الدّين فسلّمت عليه، وقبّلت يديه، فسأل السيد عن حالي، فقال له: هو الشيخ فضل بن الشيخ يحيى الطيّبي صديقكم فنهض واقفا وأقعدني فى مجلسه ورحّب بي وأحفى السؤال عن حال أبي وأخي الشيخ صلاح الدّين لأنّه كان عارفا بهما سابقا، ولم أكن فى تلك الأوقات حاضرا بل كنت فى بلدة واسط، أشتغل فى طلب العلم عند الشيخ العالم العامل الشيخ أبي اسحاق ابراهيم بن محمد الواسطي الامامي تغمّده اللّه برحمته، وحشره فى زمرة ائمته (عليهم السلام).
فتحادثت مع الشيخ الصالح المذكور متّع اللّه المؤمنين بطول بقائه فرأيت فى كلامه امارات تدلّ على الفضل فى أغلب العلوم من الفقه والحديث، والعربيّة بأقسامها، وطلبت منه شرح ما حدّث به الرجلان الفاضلان العالمان العاملان الشيخ شمس الدين والشيخ جلال الدين الحلّيان المذكوران سابقا (عفا اللّه عنهما) فقصّ لي القصّة من أوّلها الى آخرها بحضور السيد الجليل السيد فخر الدين نزيل الحلّة صاحب الدّار، وحضور جماعة من علماء الحلّة والأطراف، قد كانوا أتوا لزيارة الشيخ المذكور وفّقه اللّه، وكان ذلك فى اليوم الحادى عشر من شهر شوال سنة تسع وتسعين وستمائة وهذه صورة ما سمعته من لفظه أطال اللّه بقائه، وربّما وقع فى الألفاظ التى نقلتها من لفظه تغيير، ولكنّ المعاني واحدة قال حفظه اللّه تعالى:
قد كنت مقيما فى دمشق الشام، منذ سنين، مشتغلا بطلب العلم، عند الشيخ الفاضل الشيخ عبد الرحيم الحنفي وفّقه اللّه لنور الهداية فى علمي الاصول والعربيّة، وعند الشيخ زين الدّين بن علي المغربي الأندلسي المالكي فى علم القراءة لأنّه كان عالما فاضلا عارفا بالقراءات السبع، وكان له معرفة فى أغلب العلوم من الصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان والأصولَيْن وكان ليّن الطبع لم يكن عنده معاندة فى البحث ولا فى المذهب لحسن ذاته.
فكان اذا جرى ذكر الشيعة يقول: (قال علماء الاماميّة)، بخلاف من المدرّسين فانّهم كانوا يقولون عند ذكر الشيعة: قال علماء الرّافضة، فاختصصت به وتركت التّرددالى غيره، فأقمنا على ذلك برهة من الزّمان أقرأ عليه فى العلوم المذكورة.
فاتّفق انّه عزم على السّفر من دمشق الشام، يريد الدّيار المصريّة، فلكثرة المحبّة التى كانت بيننا عزّ علىّ مفارقته، وهو ايضا كذلك، فآل الأمر الى انّه هداه اللّه صمّم العزم على صحبتى له الى مصر، وكان عنده جماعة من الغِباء مثلي، يقرؤون عليه فصحبه أكثرهم.
فسرنا فى صحبتة الى أن وصلنا مدينة بلاد مصر المعروفة بالقاهرة، وهي أكبر من مدائن مصر كلّها، فأقام بالمسجد الأزهر مدّة يدرّس، فتسامع فضلاء مصر بقدومه، فوردوا كلّهم لزيارته وللانتفاع بعلومه، فأقام فى قاهرة مصر مدّة تسعة أشهر، ونحن معه على أحسن حال واذا بقافلة قد وردت من الأندلس ومع رجل منها كتاب من والد شيخنا الفاضل المذكور يعرّفه فيه بمرض شديد قد عرض له انّه يتمنّى الاجتماع به قبل الممات، ويحدّثه فيه على عدم التأخير.
فرّق الشيخ من كتاب أبيه وبكى، وصمّم العزم على المسير الى جزيرة الأندلس، فعزم بعض تلامذة على صحبته، ومن الجملة أنا، لأنّه هداه اللّه قد كان أحبّني محبّة شديدة وحسّن لي المسير معه، فسافرت الى الأندلس فى صحبته فحيث وصلنا الى أوّل قرية من الجزيرة المذكورة، عرضت لي حمّى منعتني عن الحركة.
فحيث رآني الشيخ على تلك الحالة رقّ لي وبكى، وقال: يعزّ علىّ مفارقتك، فأعطى خطيب تلك القرية التى وصلنا اليها عشرة دراهم، وأمره أن يتعاهدني حتى يكون منّي أحد الأمرين، وانّ منَّ اللّه بالعافية اتّبعه الى بلده، هكذا عهد اليّ بذلك وفّقه اللّه بنور الهداية الى طريق الحقّ المستقيم، ثمّ مضى الى بلد الأندلس، ومسافة الطريق من ساحل البحر الى بلده خمسة أيام.
فبقيت فى تلك القرية ثلاثة أيام لا أستطيع الحركة لشدّة ما أصابني من الحمّى ففي آخر اليوم الثالث فارقتني الحمّي، وخرجت أدور فى سكك تلك القرية فرأيت قَفلا قد وصل من جبال قريبة من شاطىء البحر الغربي يجلبون الصوف والسمن والأمتعة، فسألت عن حالهم فقيل: انّ هؤلاة يجيئون من جهة قريبة من أرض البربر، وهي قريبة من جزائر الرافضة.
فحيث سمعت ذلك منهم ارتحت اليهم، وجذبني باعث الشوق الى أرضهم، فقيل لي: انّ المسافة خمسة وعشرون يوما، منها يومان بغير عمارة ولا ماء، وبعد ذلك فالقرى متّصلة، فاكتريت معهم من رجل حمارا بمبلغ ثلاثة دراهم، لقطع تلك المسافة التى لا عمارة فيها، فلمّا قطعنا معهم تلك المسافة ووصلنا ارضهم العامرة، تمشيت راجلاً وتنقلت على اختيارى من قرية الى اخرى الى أن وصلت الى اوّل تلك الأماكن، فقيل لي: انّ جزيرة الروافض قد بقي بينك وبينها ثلاثة أيام، فمضيت ولم أتأخر.
فوصلت الى جزيرة ذات أسوار أربعة، ولها أبراج محكمات شاهقات، وتلك الجزيرة بحصونها راكبة على شاطيء البحر، فدخلت من باب كبيرة يقال لها: باب البربر، فدرت فى سككها أسأل واقعا عن مسجد البلد، فهديت عليه، ودخلت اليه فرأيته جامعا كبيرا معظما واقعا على البحر من الجانب الغربي من البلد، فجلست فى جانب المسجد لأستريح واذا بالمؤذن يؤذن للظهر ونادى بحىّ على خير العمل ولمّا فرغ دعا بتعجيل الفرج للامام صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فأخذتني العبرة بالبكاء، فدخلت جماعة بعد جماعة الى المسجد، وشرعوا فى الوضوء على عين ماء تحت شجرة فى الجانب الشرقي من المسجد، وأنا أنظر اليهم فرحا مسرورا لما رأيته من وضوئهم المنقول عن ائمة الهدى (عليهم السلام).
فلمّا فرغوا من وضوئهم واذا برجل قد برز من بينهم بهىّ الصورة، عليه السكينة والوقار، فتقدّم الى المحراب، وأقام الصلاة، فاعتدلت الصفوف وراءه وصلّى بهم اماما وهم به مامومون صلاة كاملة بأركانها المنقولة عن ائمتنا (عليهم السلام) على الوجه المرضىّ فرضا ونفلا وكذا التعقيب والتسبيح، ومن شدة ما لقيته من وعثاء السفر، وتعبي فى الطريق لم يمكنّي أن أصلّى معهم الظهر.
فلمّا فرغوا ورأوني أنكروا علىّ عدم اقتدائي بهم، فتوجّهوا نحوي باجمعهم وسألوني عن حالي ومن أين أصلي، وما مذهبى؟
فشرحت لهم أحوالي وانّي عراقي الأصل، وامّا مذهبي فانّني رجل مسلم أقول أشهد ان لا اله الّا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد انّ محمد عبده ورسوله أرسله (بالهدى) ودين الحقّ ليظهره على الأديان كلّها ولو كره المشركون.
فقالوا لي: لم تنفعك هاتان الشهادتان الاّ لحقن دمك فى دار الدنيا لم لا تقول الشهادة الأخرى لتدخل الجنّة بغير حساب؟
فقلت لهم: ما تلك الشهادة الأخرى؟ اهدونى اليها يرحمكم اللّه فقال لي امامهم: الشهادة الثالثة هى أن تشهد أنّ أمير المؤمنين، ويعسوب المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين علي بن أبي طالب والأئمة الأحد عشر من ولده أوصياء رسول اللّه وخلفائه من بعده بلا فاصلة، قد أوجب اللّه عز وجل طاعتهم على عباده، وجعلهم أولياء أمره ونهيه، وحججا على خلقه فى أرضه، وأماناء لبريّته، لأنّ الصادق الأمين محمدا رسول ربّ العالمين (صلى الله عليه وآله) أخبر بهم عن اللّه تعالى مشافهة من نداء اللّه عز وجل له (عليه السلام) فى ليلة معراجه الى السماوات السبع، وقد صار من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، وسمّاهم له واحدا بعد واحد (صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم اجمعين).
فلمّا سمعت مقالتهم هذه حمدت اللّه سبحانه على ذلك، وحصل عندي أكمل السرور، وذهبت عنّي تعب الطريق من الفرح، وعرّفتهم انّي على مذهبهم، فتوجّهوا الىّ توجّه اشفاق، وعيّنوا لي مكانا فى زوايا المسجد وما زالوا يتعاهدوني بالعزّة والاكرام مدة اقامتي عندهم وصار امام مسجدهم لا يفارقني ليلا ولا نهارا.
فسألته عن ميرة أهل بلده من أين تأتي اليهم فانّي لا أرى لهم أرضا مزروعة؟
فقال: تأتي اليهم ميرتهم من الجزيرة الخضراء من البحر الأبيض، من جزائر أولاد الامام صاحب الأمر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فقلت له: كم تأتيكم ميرتكم فى السنة؟
فقال: مرّتين، وقد أتت مرّة وبقيت الأخرى.
فقلت: له: كم بقي حتى تأتيكم؟
قال: أربعة أشهر.
فتأثرت لطول المدّة، ومكثت عندهم مقدار أربعين يوما أدعوا اللّه ليلا ونهاراً بتعجيل مجيئها، وأنا عندهم فى غاية الاعزاز والاكرام.
وفى آخر يوم من الأربعين ضاق صدري لطول المدّة فخرجت الى شاطىء البحر انظر الى جهة المغرب التى ذكر أهل البلد انّ ميرتهم تأتي اليهم من تلك الجهة.
فرأيت شبحا من بعيد يتحرّك، فسألت عن ذلك الشبح أهل البلد وقلت لهم: هل يكون فى البحر طير أبيض؟فقالوا لي: لا، فهل رأيت شيئا؟ قلت: نعم، فاستبشروا وقالوا: هذه المراكب التى تأتي الينا فى كلّ سنة من بلاد أولاد الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فما كان الّا قليلا حتّى قدمت تلك المراكب، وعلى قولهم انّ مجيئها كان فى غير الميعاد، فقدم مركب كبير وتبعه آخر وآخر حتّى كملت سبعا، فصعد من المركب الكبير شيخ مربوع القامة، بهىّ المنظر، حسن الزىّ، ودخل المسجد فتوضأ الوضوء الكامل على الوجه المنقول عن ائمة الهدى (عليهم السلام) وصلّى الظهرين، فلمّا فرغ من صلاته التفت نحوي مسلما علىّ، فرددت عليه السلام، فقال: ما اسمك وأظنّ أنّ اسمك علي؟قلت: صدقت.
فحادثني بالسرّ محادثة من يعرفني فقال: ما اسم ابيك؟ ويوشك أن يكون فاضلا؟
قلت: نعم، ولم أكن أشك فى انّه قد كان فى صحبتنا من دمشق.
فقلت: أيّها الشيخ! ما أعرفك بي وبأبي؟ هل كنت معنا حيث سافرنا من دمشق الشام الى مصر؟
فقال: لا.
قلت: ولا من مصر الى الأندلس؟
قال: لا، ومولاي صاحب العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
قلت له: فمن أين تعرفني باسمي واسم أبي؟
قال: اعلم أنّه قد تقدّم الىّ وصفك، وأصلك، ومعرفة اسمك وشخصك وهيئتك واسم أبيك، وأنا أصحبك معي الى الجزيرة الخضراء.
فسررت بذلك حيث قد ذُكِرْتُ ولي عندهم اسم، وكان من عادته انّه لا يقيم عندهم الّا ثلاثة أيام فأقام اسبوعا وأوصل الميرة الى أصحابها المقرّرة لهم، فلمّا أخذ منهم خطوطهم بوصول المقرّر لهم، عزم على السفر، وحملني معه، وسرنا فى البحر.
فلمّا كان فى السادس عشر من مسيرنا فى البحر رأيت ماء أبيض فجعلت أطيل النظر اليه، فقال لي الشيخ واسمه محمد: ما لي أراك تطيل النظر الى هذا الماء؟
فقلت له: انّي أراه على غير لون ماء البحر.
فقال لي: هذا هو البحر الأبيض، وتلك الجزيرة الخضراء، وهذا الماء المستدير حولها مثل السّور من اىّ الجهات أتيته وجدته، وبحكمة اللّه تعالى ان مراكب اعدائنا اذا دخلته غرقت وان كانت محكمة ببركة مولانا وامامنا صاحب العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف). فاستعملته وشربت منه، فاذا هو كماء الفرات.
ثمّ انّا لمّا قطعنا ذلك الماء الأبيضّ وصلنا الى الجزيرة الخضراء لا زالت عامرة آهلة، ثم صعدنا من المركب الكبير الى الجزيرة الخضراء ودخلنا البلد، فرأيته محصّنا بقلاع وأبراج وأسوار سبعة واقعة على شاطىء البحر، ذات أنهار وأشجار مشتملة على انواع الفواكه والأثمار المنوّعة، وفيها أسواق كثيرة، وحمّامات عديدة، وأكثر عمارتها برخام شفّاف، وأهلها فى أحسن الزىّ والبهاء، فاستطار قلبي سرورا لما رأيته.
ثمّ مضى بي رفيقي محمد بعد ما استرحنا فى منزله الى الجامع المعظّم، فرأيت فيه جماعة كثيرة وفى وسطهم شخص جالس عليه من المهابة والسكينة والوقار ما لا أقدر (أن) أصفه، والناس يخاطبونه بالسيد شمس الدين محمد العالم، ويقرؤون عليه القرآن والفقه، والعربيّة بأقسامها، وأصول الدين والفقه الذى يقرؤونه عن صاحب الأمر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) مسألة مسألة، وقضيّة قضيّة، وحكما حكما.
فلمّا مثلت بين يديه، رحبّ بي وأجلسني فى القرب منه، وأحفى السؤال عن تعبي فى الطريق وعرّفني انّه تقدّم اليه كلّ أحوالي، وانّ الشيخ محمد رفيقي انّما جاء بى بأمر من السيد شمس الدين العالم أطال اللّه بقاءه.
ثمّ أمر لي بتخلية موضع منفرد فى زاوية من زوايا المسجد، وقال لي: هذا يكون لك اذا اردت الخلوة والراحة، فنهضت ومضيت الى ذلك الموضع، فاسترحت فيه الى وقت العصر، واذا أنا بالموكّل بي قد أتى الىّ وقال لى: لا تبرح من مكانك حتى يأتيك السيد وأصحابه لأجل العشاء معك، فقلت: سمعا وطاعة.
فما كان الّا قليلا واذا بالسيد سلّمه اللّه قد أقبل، ومعه أصحابه، فجلسوا ومدّت المائدة فأكلنا ونهضنا الى المسجد مع السيد لأجل صلاة المغرب والعشاء، فلمّا فرغنا من الصلاتين ذهب السيد الى منزله، ورجعت الى مكاني وأقمت على هذه الحال مدّة ثمانية عشر يوما، ونحن فى صحبته أطال اللّه بقائه.
فأوّل جمعة صلّيتها معهم رأيت السيد سلّمه اللّه صلّى الجمعة ركعتين فريضة واجبة.
فلمّا انقضت الصلاة قلت: يا سيّدي قد رأيتكم صلّيتم الجمعة ركعتين فريضة واجبة؟
قال: نعم، لأنّ شروطها المعلومة قد حضرت فوجبت.
فقلت فى نفسى: ربّما كان الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) حاضرا.
ثم فى وقت آخر سألت منه فى الخلوة: هل كان الامام حاضراً؟فقال: لا، ولكنّي أنا النائب الخاص بأمر صدر عنه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فقلت: يا سيدي! و هل رأيت الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)؟
قال: لا، ولكنّي حدّثني أبي (رحمة اللّه عليه) انّه سمع حديثه ولم ير شخصه وانّ جدّي (رحمة اللّه عليه) سمع حديثه ورأى شخصه.
فقلت له: ولم ذاك يا سيدي يختصّ بذلك رجل دون آخر؟
فقال لي: يا أخى!انّ اللّه سبحانه وتعالى يؤتي الفضل من يشاءمن عباده، وذلك لحكمة بالغة وعظيمة قاهرة كما انّ اللّه تعالى اختصّ من عباده الأنبياء والمرسلين، والأوصياء المنتخبين، وجعلهم اعلاما لخلقه، وحججا على برّيته، ووسيلة بينهم وبينه ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيي من حىّ عن بيّنة، ولم يخل أرضه بغير حجّة على عباده للطفه بهم، ولابدّ لكلّ حجة من سفير يبلغ عنه.
ثمّ انّ السيد سلّمه اللّه أخذ بيدى الى خارج مدينتهم، وجعل يسير معى نحو البساتين، فرأيت فيها أنهارا جارية، وبساتين كثيرة، مشتملة على أنواع الفواكه، عظيمة الحسن والحلاوة، من العنب والرّمان، والكمّثرى وغيرها ما لم أرها فى العراقين، ولا فى الشامات كلّها.
فبينما نحن نسير من بستان الى آخر اذ مرَّ بنا رجل بهىّ الصورة، مشتمل ببردتين من صوف أبيض، فلمّا قرب منّا سلّم علينا وانصرف عنّا، فأعجبنى هيئته فقلت للسيد سلّمه اللّه: من هذا الرجل؟
قال لي: اتنظر الى هذا الجبل الشاهق؟
قلت: نعم.
قال: انّ فى وسطه لمكانا حسنا وفيه عين جارية، تحت شجرة ذات اغصان كثيرة وعندها قبّة مبنيّة، بالآجر وانّ هذا الرجل مع رفيق له خادمان لتلك القبّة، وأنا أمضي الى هناك فى كلّ صباح جمعة، وأزور الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) منها وأصلّي ركعتين، وأجد هناك ورقة مكتوب فيها ما أحتاج اليه من المحاكمة بين المؤمنين، فمهماتضمّنته الورقة أعمل به، فينبغي لك أن تذهب الى هناك وتزور الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) من القبّة.
فذهبت الى الجبل فرأيت القبّة على ما وصف لي سلّمه اللّه، ووجدت هناك خادمين، فرحّب بي الذي مرّ علينا وأنكرني الآخر، فقال له: لا تنكره فانّي رأيته فى صحبة السيد شمس الدين العالم، فتوجه الىّ ورحّب بي وحادثاني وأتيا لي بخبز وعنب فأكلت وشربت من ماء تلك العين التى عند تلك القبّة، وتوضّأت وصلّيت ركعتين.
وسألت الخادمين عن رؤية الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، فقالا لي: الرؤية غير ممكنة وليس معنا اذن فى اخبار أحد، فطلبت منهم الدعاء، فدعيا لي، وانصرفت عنهما، ونزلت من ذلك الجبل الى أن وصلت الى المدينة.
فلمّا وصلت اليها ذهبت الى دار السيد شمس الدين العالم، فقيل لي: انّه خرج فى حاجة له، فذهبت الى دار الشيخ محمد الذي جئت معه فى المراكب فاجتمعت به وحكيت له عن مسيري الى الجبل، واجتماعي بالخادمين، وانكار الخادم علىّ، فقال لي: ليس لأحد رخصة فى الصعود الى ذلك المكان، سوى السيد شمس الدين وامثاله، فلهذا وقع انكار منه لك، فسألته عن أحوال السّيد شمس الدّين أدام اللّه افضاله، فقال: انّه من أولاد الامام، وانّ بينه وبين الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) خمسة آباء وانّه النائب الخاص عن أمر صدر منه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
قال الشيخ الصالح زين الدين علي بن فاضل المازندراني المجاور بالغري على مشرّفه السلام: واستأذنت السيد شمس الدين العالم، أطال اللّه بقاءه فى نقل بعض المسائل التى يحتاج اليها عنه، وقراءة القرآن المجيد، ومقابلة المواضع المشكلة من العلوم الدينيّة وغيرها فأجاب الى ذلك وقال: اذا كان ولابدّ من ذلك فابدأ أوّلا بقراءة القرآن العظيم.
فكان كلّما قرأت شيئا فيه خلاف بين القرّاء أقول له: قرأ حمزة كذا، وقرأ الكسائي كذا، وقرأ عاصم كذا، وأبو عمرو بن كثير كذا.
فقال السيد سلّمه اللّه: نحن لا نعرف هؤلاء، وانّما القرآن نزل على سبعة أحرف، قبل الهجرة، من مكة الى المدينة وبعدها لمّا حجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّمحجّتة الوداع، نزل عليه الروح الأمين جبرئيل (عليه السلام)، فقال: يا محمد اتل علىّ القرآن حتّى أعرفك أوائل السور، وأواخرها، وشأن نزولها.
فاجتمع اليه علىّ بن أبي طالب، وولده الحسن والحسين (عليهما السلام)، وابّي بن كعب، وعبد اللّه بن مسعود، وحذيفه بن اليمان، وجابر بن عبد اللّه الانصاري، وأبو سعيد الخدري، وحسّان بن ثابت، وجماعة من اصحابه رضى اللّه عن المنتجبين منهم، فقرأ النبي صلّى اللّه عليه واله القران من اوّله الى آخره، فكان كلّما مرّ بموضع فيه اختلاف بيّنه له جبرئيل (عليه السلام) وأمير المؤمينين (عليه السلام) يكتب ذاك فى درج من أدم، فالجميع قراءة أمير المؤمنين ووصىّ رسول ربّ العالمين.
فقلت له: يا سيدي أرى بعض الآيات غير مرتبطة بما قبلها وبما بعدها، كأنّ فهمي القاصر لم يصر الى غورية ذلك.
فقال: نعم، الأمر كما رأيته أو ذلك (انّه) لمّا انتقل سيّد البشر محمد بن عبد اللّه من دار الفناء الى دار البقاء وفعل صنما قريش ما فعلاه، من غصب الخلافة الظاهرية، جمع أمير المؤمنين (عليه السلام) القرآن كلّه، ووضعه فى ازار وأتى به اليهم وهم فى المسجد.
فقال لهم: هذا كتاب اللّه سبحانه امرني رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلّم أن أعرضه اليكم لقيام الحجّة عليكم، يوم العرض بين يدي اللّه تعالى، فقال له فرعون هذه الأئمة ونمرودها: لسنا محتاجين الى قرآنك، فقال (عليه السلام): لقد أخبرني حبيبي محمد صلّى اللّه عليه واله وسلّم بقولك هذا، وانّما أردت بذلك القاء الحجة عليكم.
فرجع أمير المؤمنين (عليه السلام) به الى منزله، وهو يقول: لا اله الّا انت، وحدك لا شريك لك، لا رادّ لما سبق فى علمك، ولا مانع لما اقتضته حكمتك، فكن أنت الشاهد لي عليهم يوم العرض عليك.
فنادى ابن ابي قحافة بالمسلمين، وقال لهم: كلّ من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها.
فجاءه أبو عبيدة بن الجراح، وعثمان وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد اللّه، وأبو سعيد الخدري، وحسّان بن ثابت، وجماعات من المسلمين وجمعوا هذا القرآن، وأسقطوا ما كان فيه من المثالب التى صدرت منه، بعد وفاة سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله).
فلهذا ترى الآيات غير مرتبطة والقرآن الذي جمعه أمير المؤمنين (عليه السلام) بخطّه محفوط عند صاحب الأمر (عليه السلام) فيه كلّ شىء حتى أرش الخدش، وأمّا هذا القرآلن، فلا شك ولا شبهه فى صحّته، وانّما كلام اللّه سبحانه هكذا صدر عن صاحب الأمر (عليه السلام).
قال الشيخ فاضل علىّ بن فاضل: نقلت عن السيد شمس الدين حفظه اللّه مسائل كثيرة تنوف على تسعين مسألة، وهي عندي جمعتها فى مجلّد وسمّيتها بالفوائد الشمسيّة ولا أطلع عليها الاّ الخاص من المؤمنين، وستراه ان شاء اللّه تعالى.
فلمّا كانت الجمعة الثانية وهي الوسطى من جمع الشهر، وفرغنا من الصلوة وجلس السيد سلّمه اللّه فى مجلس الافادة للمومنين واذا أنا أسمع هرجا ومرجا وجزلة عظيمة خارج المسجد، فسألت من السيد عمّا سمعته، فقال لي: انّ أمراء عسكرنا يركبون فى كل جمعة من وسط كلّ شهرّو ينتظرون الفرج فاستأذنته فى النّظر اليهم فأذن لي.
فخرجت لرؤيتهم، واذا هم جمع كثير يسبحون اللّه ويحمدونه، ويهلّلون جلّ وعزّ، ويدعون بالفرج للامام القائم بأمر اللّه والناصح لدين اللّه محمد بن الحسن المهدي الخلف الصالح، صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
ثمّ عدت الىّ مسجد السيّد سلّمه اللّه فقال لي: رأيت العسكر؟
فقلت: نعم.
قال: فهل عددت أمراءهم؟
قلت: لا.
قال: عدّتهم ثلاثمأة ناصر، وبقي ثلاثة عشر ناصرا، ويعجّل اللّه لوليّه الفرج بمشيّته انّه جواد كريم.
قلت: يا سيدي ومتى يكون الفرج؟
قال: يا أخي انّما العلم عند اللّه والأمر متعلّق بمشيّته سبحانه وتعالى، حتى انّه ربّما كان الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) لا يعرف ذلك بل له علامات وأمارات تدلّ على خروجه، من جملتها أن ينطق ذو الفقار بأن يخرج من غلافه، ويتكلّم بلسان عربي مبين: قم يا ولىّ اللّه، فاقتل بى اعداء اللّه.
ومنها ثلاثة أصوات يسمعها الناس كلّهم، الصوت الأوّل: أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين.
والصوت الثاني: ألا لعنة اللّه على الظالمين لآل محمد عليهم السلام.
والثالث بدن يظهر فيُرى فى قرن الشمس يقول: انّ اللّه بعث صاحب الأمر محمد بن الحسن المهدي (عليه السلام) فاسمعوا له وأطيعوا.
فقلت: يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث عن صاحب الأمر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) انّه قال لمّا أمر بالغيبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟!
فقال: صدقت انّه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) انّما قال ذلك فى ذلك الزّمان لكثرة اعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس، حتى انّ الشيعة يمنع بعضها بعضا عن التحدّث بذكره، وفى هذا الزمان تطاولت المدّة وأيس منه الأعداء وبلادنا نائية عنهم وعن ظلمهم وعنائهم، وببركته عليه السلام لا يقدر أحد من الأعداء على الوصول الينا.
قلت: يا سيدي!قد روت علماء الشيعة حديثا عن الامام عليه السلام انّه أباح الخمس لشيعته، فهل رويتهم عنه ذلك؟
قال: نعم، انّه عليه السلام رخّص وأباح الخمس لشيعته من ولد علي عليه السلام وقال: هم فى حلّ من ذلك.
قلت: وهل رخّص للشيعة أن يشتروا الاماء والعبيد من سبي العّامة؟ قال: نعم، ومن سبي غيرهم لأنّه عليه السلام قال: عاملوهم بما عاملو به أنفسهم، وهاتان المسألتان زائدتان على المسائل التى سمّيتها لك.
وقال السيّد سلّمه اللّه: انّه يخرج من مكة بين الرّكن والمقام فى سنة وتر فليرتقبها المؤمنون.
فقلت: يا سيدي قد أحببت المجاورة عندكم الى أن يأذن اللّه بالفرج، فقال لي: اعلم يا أخي انّه تقدّم الىّ كلام بعودك الى وطنك، ولا يمكنني وايّاك المخالفة، لأنّك ذو عيال وغبت عنهم مدّة مديدة، ولا يجوز لك التخلّف عنهم أكثر من هذا.
فتأثّرت من ذلك وبكيت.
وقلت: يا مولاي وهل تجوز المراجعة فى أمري؟
قال: لا.
قلت: يا مولاي وهل تأذن لي فى أن أحكي كلّما قد رأيته وسمعته؟
قال: لا بأس أن تحكي للمؤمنين لتطمئن قلوبهم، الّا كيت وكيت، وعيّن ما لا أقوله.
فقلت: يا سيدي أما يمكن النظر الى جماله وبهائه عليه السلام؟
قال: لا، ولكن اعلم يا أخي انّ كلّ مؤمن مخلص يمكن أن يرى الامام ولا يعرفه، فقلت: يا سيّدي أنا من جملة عبيده المخلصين، ولا رأيته.
فقال لي: بل رأيته مرّتين؛ مرّة منها لمّا أتيت الى سرّ من رأى وهي أوّل مرّة جئتها، وسبقك أصحابك وتخلّفت عنهم، حتى وصلت الى نهر لا ماء فيه فحضر عندك فارس على فرس شهباء، وبيده رمح طويل، وله سنان دمشقي، فلمّا رأيته خفت على ثيابك، فلمّا وصل اليك قال لك: لا تخف اذهب الى أصحابك، فانّهم ينتظرونك تحت الشجرة.
فأذكرني واللّه ما كان، فقلت: قد كان ذلك يا سيّدي.
قال: والمرّة الأخرى حين خرجت من دمشق تريد مصرا مع شيخك الأندلسي، وانقطعت عن القافلة، وخفت خوفا شديدا، فعارضك فارس على فرس غرّاء محجّلة، وبيده رمح ايضا، وقال لك: سر ولا تخف الى قرية على يمينك ونم عند أهلها الليلة، وأخبرهم بمذهبك الذي ولدت عليه، ولا تتّق منهم فانّهم مع قرى عديدة جنوبي دمشق، مؤمنون مخلصون، يدينون بدين علي بن ابي طالب والأئمة المعصومين من ذرّيته عليهم السلام.أكان ذلك يا ابن الفضل؟
قلت: نعم وذهبت الى عند أهل القرية ونمت عندهم فأعزّوني وسألتهم عن مذهبهم، فقالوا لي - من غير تقيّة منّي -: نحن على مذهب أمير المؤمنين، ووصيّى رسول ربّ العالمين علي بن ابي طالب والأئمة المعصومين من ذرّيته عليهم السلام.
فقلت لهم من أين لكم هذا المذهب؟و من أوصله اليكم؟
قالوا: أبو ذر الغفاري رضي اللّه عنه حين نفاه عثمان الى الشام، ونفاه معاوية الى أرضنا هذه، فعمّتنا بركته، فلمّا أصبحت طلبتُ منهم اللحوق بالقافلة فجهّزوا معي رجلين الحقاني بها، بعد أن صرّحت لهم بمذهبي.
فقلت له: يا سيدي هل يحجّ الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فى كلّ مدّة بعد مدّة؟
قال لي: يا ابن فاضل!الدّنيا خطوة مؤمن، فكيف بمن لم تقم الدّنيا الّا بوجوده ووجود آبائه عليهم السلام نعم يحجّ فى كلّ عام ويزور آباءه فى المدينة والعراق، وطوس، على مشرّفيها السلام، ويرجع الى أرضنا هذه.
ثمّ انّ السيّد شمس الدين حثّ علىَّ بعدم التأخير بالرجوع الى العراق وعدم الاقامة فى بلاد المغرب، وذكر لي انّ دراهمهم مكتوب عليها: لا اله الّا اللّه، محمد رسول اللّه، علي ولي اللّه، محمد بن الحسن القائم بأمر اللّه. وأعطاني السيّد منها خمسة دراهم وهى محفوظة عندي للبركة.
ثمّ انّه سلّمه اللّه، وجّهني مع المراكب التى أتيت معها الى أن وصلنا الى تلك البلدة التى أوّل ما دخلتها من أرض البربر، وكان قد أعطاني حنطة وشعيرا فبعتها فى تلك البلدة بمائة وأربعين دينارا ذهبا من معاملة بلاد المغرب، ولم أجعل طريقى على الأندلس امتثالا لأمر السيّد شمس الدين العالم أطال اللّه بقائه، وسافرت منهامع الحجيج المغربىّ الى مكة شرّفها اللّه تعالى وحججت، وجئت الى العراق وأريد المجاورة فى الغرىّ على مشرّفه السلام حتى الممات.
إشارة:
الخلاف فى صدق وجود الجزيرة الخضراء والبحر الأبيض وكذبه، قائم منذ زمن طويل، وكذا الخلاف فى صحّة الرواية وعدمها، فانّ مصب الخلاف على امرين، الاول: وجود مثل هذا المكان على الكرة الارضية والامر الثانى: هو صحة هذه الرواية وعدمها حتى على فرض وجود تلك الجزيرة، ومن هنا فالمختلفون ثلاثة اقسام على اقل التقادير، فقسم ينكر الامرين معا، وقسم ينكر الرواية فقط وقسم يقبلهما معا وهناك اقسام اخرى مثل اؤلئك الذين يناقشون فى بعض ما جاء فى الرواية وليس كله وهؤلاء متفاوتون أيضا فى هذا.
ولكن الكثير من كبار علمائنا المتقدمين ذكروا القصة فى كتبهم وقد ذكر الشيخ النوري (قدس سره) اسمائهم فى النجم الثاقب، وقال السيد ياسين الموسوي في تعليقته على النجم الثاقب: ولم نجد نصّا لاحد من علمائنا السابقين قد انكرها الّا ما نسب الى الشيخ جعفر الكبير (قدس سره) صاحب كشف الغطاء.
نعم، فى تأليفات بعض افاضل علمائنا القريبين بعض الاعتراضات على القصة او بعضها حيث قد يظهر التهافت فى بعض الفقرات، ولكن هذه التهافتات فى بعض الفقرات، تهافتات ظاهرية يمكن بالتدقيق تصحيحها وتقويمها.
ومن أراد زيادة الاطلاع، فليراجع النجم الثاقب الجزء الثاني منه.
ثم انه ظهرا أخيرا ما يدل على وجود هذا المكان ببعض الخصوصيات التى وردت فى القصة، او ما يدل على وجود اماكن ونقاط فى هذا العالم لم تصل اليها اقدام الانسان، كما هو المعروف اليوم فى قضايا مثلث برمودا، وبعض الجزر والغابات الكبيرة المجهولة عندنا، فلعلّ تلك الغابات والجزر مسكونة ولها اهلها ولها حياتها الاجتماعية الخافية علينا.
فانكار مثل هذه الجزيرة لمجرد وجود بعض العبارات الموهمة أو المتهافتة فيها، غير صحيح.
هذا وقد اخبرني احد اساتذتي الذي لا أشك فى علو قدره وفضله وتقواه، انّ هناك من يزور هذه الجزيرة فى كل سنّة، ويبقى فيها اياما، ولعلّ ذلك يكون فى ايام شهر محرم، شهر شهادة الامام الحسين (عليه السلام) واقامة العزاء عليه.
فهنيئا لمن يوفق لذلك ويتشرف بلقاء اولاد الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) او يتشرف بالنظر الى الطلعة الرشيدة والغرّة الحميدة لمولانا ومولى العالمين (الحجّة بن الحسن المهدي المنتظر عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
زيارة آل ياسين
سَلامٌ عَلَى آلِ يس
اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا داعِىَ اللّهِ ورَبّانِىَّ اياتِهِ
السَّلامُ عَلَيْكَ يا بابَ اَللّهِ ودَيّْانَ دينِهِ
السَّلامُ عَلَيْكَ يا خَليفَةَ اَللَّهِ وناصِرَ حَقِّهِ
السَّلامُ عَلَيْكَ يا حُجَّةَ اَللّه ودَليلَ اِرادَتِهِ
السَّلامُ عَلَيْكَ يا تالِى كِتابِ اَللّهِ وتَرْجُمانَهُ
السَّلامُ عَلَيْكَ في آناءِ لَيلِكَ واَطرافِ نَهارِكَ
السَّلامُ عَلَيْكَ يا بَقِيَّةَ اَللّهِ في اَرضِهِ
السَّلامُ عَلَيْكَ يا مِيثاقَ اَللّه اَلَّذي اَخَذَهُ ووَكَّدَهُ
السَّلامُ عَلَيْكَ يا وَعدَ اَللّهِ اَلَّذي ضَمِنَهُ
السَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّها اَلعَلمُ المَنصُوبُ والعِلمُ المَصبُوبُ والغَوْثُ
والرَّحمَةُ الواسِعَةُ وَعداً غَيرَ مَكذُوب
السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَقُومُ السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَقْعُدِ
السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَقْرَءُ وتُبَيِّنُ
السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تُصَلِّي وتَقنُتُ السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَركَعُ وتَسجُدُ
السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تُهَلِّلُ وتَكَبِّرُ السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَحمَدُ وتَستَغفِرُ
السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تُصبِحُ وتُمسي السَّلامُ عَلَيْكَ في اَللَّيلِ اِذا يَغشى واَلنَّهارِ اِذا تَجَلّى
السَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّها اَلاِمامَ اَلمَأمُونُ السَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّها اَلمُقَدَّمُ اَلمَأمُولُ
السَّلامُ عَلَيْكَ بِجَوامِعِ السَّلامُ
اُشهِدُكَ يا مَولاىَ اَنِّي اَشهَدُ اَنْ لا اِله اِلاّ اَللّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ واَنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسُولُهُ لا حَبيبَ اِلاّ هُو واَهلُهُ واُشهِدُكَ يا مَولاىَ اَنَّ عَلَيّا اَميرَ اَلمُؤمِنينَ حُجَّتَهُ واَلحَسَنَ حُجَّتَهُ واَلحُسَينَ حُجَّتَهُ وعَلِىَّ بنَ اَلحُسَينِ حُجَّتُهُ ومُحَمَّدَ بنَ عَلِىّ حُجَّتُهُ وجَعفَرَ بنَ مُحَمَّد حُجَّتُهُ ومُوسى بنَ جَعفَر حُجَّتُهُ وعَلِىِّ بنَ مُوسى حُجَّتُهُ ومُحَمَّدَ بنَ عَلِىٍّ حُجَّتُهُ وعَلِىِّ بنَ مُحَمَّد حُجَّتُهُ واَلحَسَنَ بنَ عَلِىٍّ حُجَّتُهُ واَشهَدُ اَنَّكَ حَجَّةُ اَللّهِ
اَنتُمْ اَلاَوّلُ واَلآخِرُ واَنَّ رَجْعَتُكُمْ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيها يَوْمَ لا يَنْفَعُ نَفْساً ايمانُها لَمْ تَكُنْ امَنَت مِنْ قَبلُ اَو كَسَبَت فى ايمانِها خَيراً
وَاَنَّ اَلمَوتَ حَقٌّ واَنَّ ناكِراً ونَكيراً حَقٌّ
وَاَشهَدُ اَنَّ اَلنَّشرَ حَقٌّ واَلبَعثَ حَقٌّ واَنَّ اَلصِراطَ حَقٌّ واَلمِرصادَ حَقّ واَلمِيزانَ حَقٌّ واَلحَشرَ حَقٌّ واَلحِسابِ حَقٌّ واَلجَنَّةَ واَلنّارَ حَقٌّ واَلوَعدَ واَلوَعيدَ بِهِما حَقٌّ
يا مَولاىَ شَقِىَ مَنْ خالَفَكُمْ وسَعِدَ مَنْ اَطاعَكُمْ فَاِشهَدْ عَلَى ما اَشهَدتُكَ عَلَيهِ واَنا وَلِىٌّ لَكَ بَرِىٌء مِنْ عَدُوِّكَ فَاَلحَقُّ ما رَضيتُمُوهُ واَلباطِلُ ما اَسخَطْتُمُوهُ واَلمَعرُوفُ ما اَمَرتُمْ بِهِ واَلمُنْكِرُ ما نَهَيتُمْ عَنهُ فَنَفسي مُؤمِنَةٌ بِاَللّهِ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وبِرَسُولِهِ وبِاَميرِ اَلمُؤمِنينَ وبِكُمْ يا مَولاىَ اَوَّلِكُم وآخِرِكُمْ ونُصرَتِى مُعَدَّةٌ لَكُمْ ومَوَدَّتى خالِصَةٌ لَكُم آمينَ آمينَ.
دعاء العهد
(اللّهمَ ربَّ النّورِ العظيمِ وربَّ الكرسىِّ الرَّفيعِ وربَّ البحرِ المسجورِ ومُنزلَ التّوريةَ والانجيلِ والزَّبورِ وربَّ الظِّلِّ والحرورِ ومُنْزِلَ القرآنِ العظيمِ وربَّ الملئكةِ المقرَّبينَ والانبياءِ والمرسلينَ.
اللّهمَ انّى أسئلكَ بوجهكَ الكريمِ وبنورِ وجهِكَ المنيرِ ومُلكِكَ الْقَديمِ يا حَىُّ يا قَيُّومُ
أَسْئَلُكَ بِاسمكَ الَّذى اَشرَقَتْ بِهِ اْلسَّمواتُ والاَرَضُونَ وبِاِسمِكَ اْلّذى يَصلَحُ بِهِ الاَوَّلوُنَ والآخِرُونَ يا حَيَّا قَبلَ كُلِّ حَىٍّ ويا حَيّاً بَعدَ كُلِّ حَىٍّ ويا حَيّاً حينَ لا حَىَّ يا مُحيِى الْمَوتى ومُميتَ الْأحْياءِ يا حَىُّ لا اِلهَ اِلاَّ اَنْتَ
اللّهُمَّ بَلِّغُ مَوْلانا الاِمامَ اَلْهادِىَ اَلْمَهْدِىَّ اْلقائِمَ بِأَمرِكَ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيهِ وعَلَى ابائِهِ الْطَّاهِرِينَ عَنْ جَميعِ الْمُؤمِنينَ واَلْمُؤمِناتِ فى مَشارِقِ الْأرْضِ ومَغارِبِها سَهلِها وجَبَلِها وبَرِّها وبَحرِها وعَنّى وعَنْ والِدَىَّ مِنَ الصَّلَواتِ زِنَةَ عَرشِ اللّهِ ومِدادَ كَلِماتِهِ وما اَحصاهُ عِلمُهُ واَحاطَ بِهِ كِتابُهُ
اَللّهُمَّ اِنِّى اُجَدِّدُ لَه ُ فى صَبيحَةِ يَومى هذا وما عِشْتُ مِنْ اَيّامى عَهداً وعَقداً وبَيْعَةً لَهُ فى عُنُقى لا اَحُولُ عَنها ولا اَزُولُ اَبَداً
اَللَّهُمَّ اجعَلنى مِنْ اَنصارِهِ واَعوانِهِ والذّابّينَ عَنهُ والمُسارِعينَ اِلَيهِ فى قَضاءِ حَوائِجِهِ والمُمتَثِلينَ لِأَوامِرِهِ والُْمحامِلِينَ عَنهُ واَلسَّابِقِينَ اِلى اِرادَتِهِ والمُستَشْهِدِينَ بَينَ يَدَيهِ
اَللّهُمَّ اِن حالَ بَينِى وبَينَهُ المَوتُ الَّذِى جَعَلتَهُ عَلى عِبادِكَ حَتماً مَقضِيَّاً فَاَخرِجنى مِنْ قَبرى مُؤتَزِراً كَفَنى شاهِراً سَيفى مُجَرَّداً قَناتى مُلَبِّياً دَعوَةَ الدَّاعِى فى الحاضِرَ واَلبادى
اَللّهُمَّ اَرِنى الطَّلعَةَ الرَّشِيدَةَ والغَرَّةَ الْحَميدَةَ واكْحُلْ ناظِرى بِنَظْرَة مِنّى اِلَيْهِ وعَجِّلْ فَرَجَهُ وسَهِّل مَخْرَجَهُ واَوسِعْ مَنهَجَهُ واِسْلُكْ بى مَحَجَّتَهُ واَنفِذْ اَمرَهُ واشدُد اَزرَهُ واَعمُر اَللّهُمَّ بِهِ بَلادَكَ واَحيى بِهِ عِبادَكَ فَاِنَّكَ قُلتَ وقَولُكَ اَلحَقُّ ظَهَرَ الفَسادُ فى البَرِّ والبَحرِ بِما كَسَبَتْ اَيدى النّاسِ.
فَاَظهِرِاَللّهُمَّ لَنا وَليِّكَ وابنَ بِنتِ نَبيِّكَ المُسَمّى بِاِسْمِ رَسُولِكَ حَتّى لا يَظفَرَ بِشَىْء مِنَ الباطِلِ اِلاَّ مَزَّقَه ويُحِقَّ الحَقَّ ويُحَقِّقَهُ
وَاجْعَلهُ اَللّهُمَّ مَفزَعاً لِمَظْلُومِ عِبادِكَ
وَناصِراً لِمَنْ لا يَجِدُ لَهُ ناصِراً غَيرَكَ
وَمُجَدِّداً لِما عُطِّلَ مِنْ اَحكامِ كِتابِكَ
وَمُشَيِّداً لِما وَرَدَ مِنْ اَعلامِ دينِكَ وسُنَنِ نَبيِّكَ صَلّى اللّهُ عَلَيهِ والِهِ
وَاجعَلهُ اَللّهُمَّ مِمَّنْ حَصَّنتَهُ مِن بَاسِ المُعتَدينَ
اَللّهُمَّ وسُرَّ نَبِيَّكَ مُحَمَّداً صَلّى اللّهُ عَلَيهِ والِهِ بِرُؤيَتِهِ ومَن تَبِعَهُ عَلى دَعوَتِهِ
وَارحَمُ استِكانَتَنا بَعدَهُ
اَللّهُمَّ اكشِف هذِهِ الغُمَّةَ عَن هذِهِ الاُمَّةِ بِحُضُورِهِ وعَجِّلْ لَنا ظُهُورَهُ اِنَّهُمْ يَرَونَهُ بَعيداً ونَريهُ قَريباً
بِرَحمَتِكِ يا ارحَمَ الرّاحِمِينَ
ثم تظرب على فخذك الايمن بيدك ثلاث مرّات وتقول في كلّ مرّة:

(اَلعَجَلْ اَلعَجَل يا مَولاى يا صاحِب اَلزَّمانِ)

التقييم التقييم:
  ١ / ٤.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016