فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الرجعة بين الظهور والمعاد - الجزء الثالث
 كتب أخرى

الكتب الرجعة بين الظهور والمعاد - الجزء الثالث

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ محمد السند تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٩/٠٣/٠٤ المشاهدات المشاهدات: ٦٥٠ التعليقات التعليقات: ٠

الرجعة بين الظهور والمعاد - الجزء الثالث

تقرير أبحاث سماحة المرجع الديني الشيخ مُحمَّد السند
بقلم جمع من الفضلاء

فهرس الموضوعات

تمهيد
تتمة أقوال الأعلام في الرجعة
رواة من الفريقين والرجعة
تلازم الرجعة والارتباط بأهل البرزخ الرجعة سر آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
ملاحظة
المدخل: الرجعة فِي الكتب السماوية
١ - الرجعة فِي الزبور
٢ - الرجعة فِي الإنجيل
٣ - الرجعة فِي التوراة
٤ - الرجعة فِي كتب وصحف الأنبياء والرُسُل
وجه ارتباط الرجعة ببقية العوالم
الجهة الأُولى
الجهة الثَّانية
الجهة الثَّالثة
الجهة الرابعة: الرجعة إلى الدُّنْيَا والرجعة لعوالم الآخرة
الخامسة: عموم الحساب في الرجعة شامل للعوالم السابقة على الحياة الدنيا كما سيأتي
قاعدة: تقوّم معرفة الرجعة بمعرفة العوالم السابقة
جملة أخرى من النقاط المهمة:
الفصل الأول: الرجعة أعظم علامات الظهور
إطلاق الرجعة عَلَى الظهور وإطلاق الظهور عَلَى الرجعة
الصيحة للظهور ينادى فيها بالرجعة
الصيحة تلازم وتزامن الرجعة
الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والنداء السماوي:
تزامن دولتهم الظاهرة مع الرجعة تلازماً
سر ارتباط ظهور المهدي بحصول الرجعة قبله كعلامة للظهور
المفيد وبن فتال والطبرسي
لا ظهور بلا رجعة ولا رجعة بلا ظهور
تزامن وتلاحم الرجعة والظهور
إنباء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعلامة العجب كل العجب
أسماء السبعة والعشرين الراجعين قبيل الظهور
تشابك حقيقة الرجعة مع الظهور
استدلال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالآية على تزامن الظهور والرجعة
رجعة حواريي الأئمة عند الظهور وعداً إلهياً مفعولاً
أعضاء الحكومة المركزية للقائم (عجّل الله فرجه) مِنْ الراجعين مِنْ الموت فِي شهر رجب
أول أصحاب المهدي (عليه السلام) اتصالا به، السبعة والعشرون أهل الرجعة
السبعة والعشرون الراجعون يوطئون (يمهدون) العراق والحجاز للظهور
كثرة الراجعين النخب للنصرة عند الظهور
النساء اللاتي يرجعن للحياة مع القائم (عليه السلام)
عظم عجبه (عليه السلام) من وقوع الرجعة في رجب
توطئة أهل الرجعة العراق للظهور
تمهيد أهل الرجعة البلاد الإسلامية للظهور
اشتهار علامة العجب كل العجب
رجوع حواري الأئمة مع المهدي (عجّل الله فرجه)
أول من يبايع المهدي (عجّل الله فرجه) حواريي الأئمة الراجعين
أربعة آلاف من الأموات يكرّون مع القائم (عجّل الله فرجه) التي بريادة عبد الله بن شريك العامري
مطر الرجعة في جمادي ورجب ورجعة أموات المؤمنين زمراً زمراً
رجعة الأموات قبل الظهور أعجب إعجازا من الصيحة السماوية
رجعة الأموات في رجب قبيل الظهور من الميعاد ووعد قرآني لا بداء فيه بخلاف العلامات الخمس المحتومة
تمهيد الراجعين الحجاز للظهور
تدرج توافد اصحاب المهدي (عليه السلام) عنده بدءا بالسبعة والعشرين
تعجيل اصحاب المهدي (عليه السلام) له بالظهور
للمهدي (عجّل الله فرجه) ظهور أصغر وأكبر وبدأ حركته بالسبعة والعشرين في الكوفة
شعيب بن صالح ممن يرجع قبل الظهور
فلسفة البداء في علامات الظهور المحتومة
للمهدي (عجّل الله فرجه) دولتان
رجعة الأشرار عِنْدَ الظهور رجوع مَنْ يعادي الحجة (عجّل الله فرجه) عِنْدَ الظهور
خروج وظهور أهل جابرسا وجابلقا لنصرة المهدي (عجّل الله فرجه)
الرجعة وعشر آيات تكوينية
تزامن يأجوج ومأجوج والرجعة والظهور
تزامن الدجال ويأجوج ومأجوج
القائم يقتل إبليس:
تمرد إبليس قبل خلق آدم (عليه السلام)
صعود إبليس الى ما دون العرش الى زمان أيوب
الفصل الثاني: الرجعة والبرزخ
حقيقة البرزخ
مراتب الحشر والنشر والرجعة والبرزخ
درجات البرزخ ومراتبه
الرجعة والبرزخ... درجات ومراتب الرجعة
البرزخ مِنْ الدُّنْيَا لا مِنْ الآخرة
نوم البرزخ لا حلم فيه
جنّة الرجعة أو جنّة البرزخ:
الفصل الثالث: الفرق بين الرجعة والنزول وحالات غريبة
نزول أهل الكساء عِنْدَ ظهور المهدي (عجّل الله فرجه) وخلط بعض بين النزول والرجعة:
النزول والرجعة
الفرق بين النزول والرجعة
الْنَّبِيّ وأهل بيته لهم رجعة ولهم نزول
نزول أصحاب الكساء قبل رجعة الحسين (عليه السلام):
تبشير الحسين يوم عاشوراء أصحابه بالرجعة
كثرة اسهام الملكوت والبرزخ ومشاركتهما فِي أحداث ووقائع الأرض
مراقبتهم للأعمال وشهادتهم شاهد ديمومة أدوارهم
نزول وتنزل الموتى الأخيار والأشرار إلى الدُّنْيَا
حقيقة النزول قبل الحياة الدُّنْيَا
الفصل الرابع: كيفية حصول الرجعة
البدن الأصلي والطينة الأصلية فِي القبر
الرجعة بإرادة ولي الله (عليه السلام)
النشر الأوَّل والنشر الآخر مِنْ الرجعة بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) بإذن مِنْ الله:
الرجعة بإحياء ولي الله
صلة الرجعة بتنشيط البدن
الرجعة ظهور بَعْدَ غيبة الموت:
نزول وتنزل الروح إلى حيث الجسد
أنواع الرجعة وكيفيات درجات الإحياء
الفرق بين نوعي الرجعة وكيفيات الاحياء
أنماط أُخرى مِنْ إحياء الموتى
للبدنين في الدنيا احياءان في الأولى وإماتتان في نهايتها ثم احياءان في بعث الرجعة
أنماط عروج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
من أنماط الرجوع رجعة الروح للبدن قبل أن يبلى
قاعدة في حقيقة فِي النوم واليقظة
أنماط ارتباط الروح بالجسد
الفرق بين إحياء الموتى وبين إخراج الموتى كيفية الإحياء فِي الرجعة
طبقات ودرجات النزول متعاكسة مَعَ طبقات ودرجات العروج والمعراج
تطابق حقيقة النزول مَعَ أواخر الرجعة
طبقات الرجعة ودرجاتها
الفصل الخامس: الرجعة والجنان
اشتداد وتضاعف خيرية أهل الخير وشرية أهل الشر في الرجعة
الرجوع إلى الدُّنْيَا بَعْدَ دخول الجنّة البرزخية لا الجنّة الأخروية:
جبال رضوى الجنة البرزخية آل مُحمَّد ويلقاهم ثلة خاصة مِنْ المؤمنين
جنّات الرجعة فِي قِبال جنّات الآخرة الكبرى:
حياة ما قبل الدُّنْيَا
قاعدة بدء التكليف من العوالم العلوية قبل الدنيا
نهاية الحياة الأولى ونهاية الرجعة:
تكامل القدرات في الرجعة
جنّة آدم وعين الحياة والرجعة
تطوّر الأحكام التكوينية فِي الرجعة
معنى مُلئت ظلماً وجوراً
الجنّة والأحكام التكوينية المقارنة بين الرجعة الآخرة في النعيم والعذاب
الفصل السادس: الرجعة والمعراج
ارتباط الرجعة والمعراج
المعراج الروحي فِي قِبال معراج البدن
المعراج بالبدن دوما
تنوع المعراج الروحي
المعراج من الدنيا ومن البرزخ
العروج حركة في مراتب العوالم الجسمانية
ما فوق المعراج الجسماني الأخروي
تعدد معاني وحقائق العرش
حقيقة العرش مجردة أم روحانية
حقيقة المعراج مِنْ حقيقة الرجعة
الفرق بين العروج والموت في الرجعة
عروج علي (عليه السلام) مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
١ - تعريف المعجزة
٢ - القرآن وأنماط المعراج
عروج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع مثال علي (عليه السلام)
٣ - زمن المعراج مبدأ ومنتهى
٤ - أهمية المعراج
استخلاف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) علياً (عليه السلام) على امته فترة عروجه
٥ - غايات المعراج
٦ - المعراج جسماني وروحي
عروج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بجسده مقرون بعروج مثال علي (عليه السلام) او بفتح النظر له
قاعدة في المعراج
٧ - المدة المستغرقة للمعراج
٨ - الإسراء من مكة الى اين
المسجد الاقصى البيت المقدس، تحريف اليهود لأسم البيت المقدس
منتهى المعراج
٩ - الرؤية الإلهية والمعراج
١٠ - مركوب ومركبة المعراج
١١ - موقف كفار قريش من المعراج
١٢ - نوع الكلام الإلهي في المعراج
١٣ - خلق الجنة والنار
١٤ - المعراج نافذ من أقطار السماوات
١٥- المعراج والعلوم الحديثة
فائدة: نبوة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منذ أول خلقته النورية في العوالم السابقة
البيت المعمور والضراح
المعراج وعالم الأظلة
الطواف بالعرش، العروج الروحي والأظلة، عروج أرواحهم للعرش
عروج أمير المؤمنين (عليه السلام) الى السماء الرابعة

تمهيد

لابُدَّ أنْ نُحيط القارئ والباحث الكريم بعدة نقاط:
أولا: أنَّ ما تَقَدَّمَ تنقيحه وبلورته وتبويبه مِنْ البابين السابقين الأوَّل والثاني وفي هذا الباب الثَّالِث لَيْسَ مستخلصاً عَنْ جميع كُتب الحديث الَّتِي أُلِّفت فِي أحاديث الرجعة، أو التي عُقِد باب فيها لأحاديث الرجعة، بَلْ إنَّما هُوَ عَنْ بَعْض أمهات تلك الكتب مما قَدْ سنحت الفرصة لتداول البحث فيها مَعَ الأخوة الفُضلاء طوال سبع سنين نظير كتاب البحار للمجلسي،(١) حَيْثُ أورد مائتي رواية فِي الرجعة وكتاب مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي (قدّس سرّه) وكتاب الإيقاظ مِنْ الهجعة فِي إثبات الرجعة للحر العاملي (قدّس سرّه).
هَذَا مَعَ أنَّ ما قمنا به مِنْ تحليل وتدبُّر فِي معاني الأحاديث، ومحاولة اكتشاف شبكية المعلومات وقواعد البيانات والمنظومة المعرفية فيها لا يعتبر المحاولة الأخيرة، بَلْ إنَّما هُوَ محاولة أولية.
ثانيا: قد تسرب تقرير أخير أن حصيلة تعداد الافلام المنتجة في هوليود والهادفة للتحذير من رجوع الاموات إلى مشاركة الاحياء في الحياة الدنيا، وتصويرهم بموجودات بشعة دموية وحشية هادمة للنظام المدني البشري ومخربة للحضارات، وكأن الاموات الراجعين إلى الحياة الدنيا أمثال الشياطين والعفاريات والأبالسة، وأنهم يدمرون كل الانجازات البشرية، إلى غير ذلك من التصوير الرامي لإعطاء صورة مخيفة سوداء ظلامية عن الموتى الراجعين إلى الدنيا، فبلغ تعداد هذه الافلام ما يقارب من الثلاثمائة فيلما، ومعظم هذا الانتاج من مدينة هوليود السينمائية ومؤسساتها التي يديرها اليهود، رغم أن التوراة والتلمود من أكثر الكتب السماوية عدا القرآن تعرضا لعقيدة الرجعة، حتى أن الكاتب أحمد أمين المتحامل قد طعن على مدرسة أهل البيت في عقيدة الرجعة بأنها عقيدة يهودية وتوراتية، وقد نقلنا جواب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ المظفر عن ذلك.
ثالثا: لا بد من الإلفات إلى أن الرجعة ليست مجرد باب عقائدي في عرض الأبواب الأخرى بل هي في الحقيقة نمط قراءة لكل أبواب العقائد، ولغة يقرأ بها منظومة العقائد بدءا من باب التوحيد والنبوة والمعاد، كما هو الحال في المعراج فإن الكثير يظنه مجرد باب من أبواب الاعتقادات، والحال أنه لا يقتصر على ذلك بل هو نمط ولغة قراءة لكل العقائد، حيث إن عروجه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انطلق من الدنيا إلى البرزخ ثم إلى السماوات وإلى الآخرة والجنة والنار وإلى ما فوق ذلك من العوالم الربوبية، فهو سفر صعود ونزول أوجها التوحيد مرورا بحقيقة النبوة والإمامة ومشاهدة مشاهد القيامة والجنة والنار.
ومن ثم يشير حديث الباقر (عليه السلام) إلى أن معرفة الرجعة بلوغ في المعرفة، لا مجرد كونه بابا اعتقاديا بل لأنه طور ونمط ولغة في قراءة منظومة العقائد.(٢)
وروى سورة بن كليب قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول «نحن المثاني الذي أعطاه الله نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونحن وجه الله في الأرض نتقلب بين أظهركم عرفنا عن عرفنا وجهلنا من جهلنا فمن جهلنا فأمامه اليقين».(٣)
 فبعد ما بين (عليه السلام) انهم السبع المثاني وهي أعظم من القرآن العظيم أشار الى أن من لم يبلغ في المعرفة ههنا فلا محالة سيتعرف على مقاماتهم بعد الموت (فأمامه اليقين)، مما يدلل على ان معرفتهم بمقاماتهم في الرجعة والقيامة بلوغ في المعرفة بهم فإما أن يحصل البلوغ ههنا في دار الدنيا، وهو الإيمان البالغ أو يحصل بعد الموت ولكنه ليس بنافع بعد المعاينة.
 رابعا: قَدْ مَرَّ فِي البابين السابقين آثار وفوائد عظيمة للمعرفة بالرجعة مِنْ أهمها تكامل المعرفة بأهل البيت وهم الْنَّبِيّ وآله، فَإنَّ معرفة مقاماتهم فِي الرجعة والقيامة والجنّة مِنْ أكمل درجات المعرفة بهم.
وَمِنْ أهم الفوائد أيضاً الاستقامة وعدم الفتنة والافتتان وعدم الزيغ، لَيْسَ فِي دار الدُّنْيَا الأولى فحسب بَلْ الأعظم مِنْ ذَلِكَ عدم الفتنة فِي القبر، وأعظم مِنْه عدم الافتتان فِي الرجعة أيّ عدم وقوع الشبهة والالتباس لديه وزيغ القلب بَعْدَ البصيرة، إذ مع عدم معرفة عاقبة الأُمُور تشتبه للإنسان جملة مِنْ الأحوال الغامضة فِي الرجعة أو البرزخ أو القيامة، وتشتبه عَلَيْهِ الأُمُور مما قَدْ يؤدي إلى افتتانه عَنْ إيمانه إلى الكفر والجحود والتكذيب بَعْدَ التصديق، وَمِنْ ثمَّ وَرَدَ التعبير بحصول الفتنة في القبر.
وإنَّ معرفة الرجعة رافعة للالتباس الذي يحصل لأهل العناد والضلال فِي الرجعة كَمَا قَالَ المفيد أنَّهم يظنّون ببعثهم أنّهم مكرمون بتمكينهم فِي الأجسام مرة أخرى، أو يعتقدون بعقيدة الدهرية وأنَّ ما أصابهم إلَّا منام وأنَّ ما يصيبهم فِي الرجعة لَيْسَ استحقاق عقوبة بَلْ عَلَى وجه ترفيع الدرجة، وَهَذَا تسويل مِنْ انفسهم وتخيلهم ومخادعة يخادعون به أنفسهم.
ومِنْ فوائد المعرفة بالرجعة: البصيرة وعدم الفتنة فِي كُلّ المواطن حَتّى نهاية القيامة والصراط.
ومِنْ أعظم فوائد الرجعة أيضا عدم زيغ قلب المؤمن لا عِنْدَ الموت ولا في القبر ولا فِي البرزخ ولا فِي الرجعة ولا فِي القيامة ولا فِي أواخر القيامة، فلا يفتتن فِي هَذِهِ المواطن.
 خامسا: إن معرفة الرجعة بعمق يساهم بشكل كبير في الإعداد والتمهيد وتهيئة الأرضية لمشروع الظهور المهدوي، وذلك لأن رجعة أئمة أهل البيت (عليه السلام) وإقامة دولتهم في الرجعة تعتبر بمثابة الغاية لظهور المهدي (عجّل الله فرجه) ومعرفة غاية الشيء معرفة للشيء بكنهه، والجهل بغاية الشيء معرفة سطحية به.
هذا مضافا إلى أن معرفة الرجعة يشكل معرفة عظيمة بحقيقة ظهور المهدي (عجّل الله فرجه)، وذلك أن رجعة أموات المؤمنين زمرا زمرا لنصرة الإمام المهدي قبيل الظهور كما دلت عليه الروايات الكثيرة يبعثون زمرا زمرا احياء في شهر رجب، لاسيما حواريي أصحاب الأئمة كسلمان ومقداد ومالك الأشتر ومعهم أصحاب الكهف ونقباء بني إسرائيل، حيث يكونون وزراء في حكومة الإمام المهدي ويوطئون ويمسكون بأرض العراق وبلاد الحجاز تمهيدا لظهور الصاحب (عليه السلام)، وهذا البعث والرجعة لهؤلاء الأنصار عبر عنه في الروايات المستفيضة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بأنه سيحدث تعجبا عظيما وامتحانا شديدا لأصحاب الريبة في الايمان، وتبوء بالفشل كل مكائد ومكر المعسكر المعادي لأهل البيت، بالوعي الذي يحدثه هؤلاء كما نص على ذلك في روايات كثيرة كما في معتبرة عمار بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) الواردة في وصف كيفية موت المؤمن والمؤمنين ومكثهم في البرزخ فقال (عليه السلام) في معرض ذلك: (ثم يزور آل محمد في جنان رضوى فيأكل معهم من طعامهم ويشرب من شرابهم ويتحدث معهم في مجالسهم حتى يقوم قائمنا أهل البيت فإذا قام قائمنا بعثهم الله فأقبلوا معه يلبون زمرا زمرا فعند ذلك يرتاب المبطلون ويضمحل المحلون وقليل ما يكونون، هلكت المحاضير ونجى المقربون من أجل ذلك قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام): أنت أخي وميعاد ما بيني وبينك وادي السلام)(٤). 
ولا ريب أن مجيء أفواج أفواج من موتى المؤمنين لا سيما ممن سيقود المسيرة تحت ظل المهدي (عجّل الله فرجه) إذا كانوا من الموتى ممن يبعثون أحياء سيشكل ذلك زلزالا روحيا وفكريا في عقل الأمة وروحها، فلا بد من اعداد فكري كبير لمفهوم الرجعة وحقيقتها كي تستعد الامة لهذه الخطوة المصيرية من احداث ظهور المهدي، وهذا احد وجوه ضرورة معرفة الرجعة كإسهام وتهيئة لمشروع الظهور. ومن ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف الرجعة قبيل الظهور كرارا مرارا (العجب كل العجب بين جمادى ورجب) فلم يصف الرجعة بأنها بعض العجب ولا أنها أكثر العجب بل لم يقتصر على أنها أهم العجب كما لم يقتصر على أنها أبلغ العجب بل قال العجب كل العجب أي تمام جنس العجب.
وهذا الوصف حظيت به الرجعة ولم يصف بذلك (عليه السلام) أي من العلامات الخمس الكبيرة كالصيحة في السماء والخسف للبيداء وخروج الحسني وخروج اليماني وخروج السفياني من العلامات الخمس الحتمية، والتي ربما يقع فيها البداء، فلم يجعل هذا الأمور الخمسة أيا منها شيئا مركزيا في إرهاصات الظهور يبلغ درجة دور وتأثير الرجعة، فجعل هذا الحدث هو النقطة المركزية المزلزلة في فتح باب الظهور، وهذه الحقيقة لأهمية الرجعة في الظهور مما اغفل البحث عنها والالتفات إليها الكثير من الباحثين في دراساتهم عن الظهور وعلاماته وذلك كله بسبب الغفلة وعدم الخوض في المعرفة التفصيلية بباب الرجعة.
سادسا: قد مضى في الباب الأول والثاني أن التكليف والاختيار والمسؤولية للدين لا ينحصر بعالم الحياة الأولى بل يشمل البرزخ والرجعة والقيامة والجنة الأبدية، وفي هذا الباب (الرجعة والعوالم) سيتبين أن عموم التكليف بالدين والمسؤولية اصل يعم نشآت الإنسان السابقة على الدنيا من بدء نشأته وإنما المختص بالدنيا هو الشريعة.
سابعا: إن الرجعة تنقسم إلى الرجعة بالمعنى الأخص والرجعة بالمعنى الاعم. فأما الرجعة بالمعنى الأخص: فهي البعث من القبر إلى دار الدنيا مرة أخرى.
وأما الرجعة بالمعنى الأعم: فهو رجوع الإنسان إلى أي نشأة في عالم سبق كانت له كينونة فيه، فيشمل كما سيأتي القيامة وكل عود، وبهذا اللحاظ سميت القيامة معادا كما سيأتي توضيحه في عالم الأظلة والأشباح.
تتمة أقوال الأعلام في الرجعة:
ثامنا: في تتمة لأقوال الأعلام حول الرجعة:
قال الشيخ حسن الحلي في المحتضر: وقد عد من أركان الإيمان المتعة والرجعة وهما من خصوصيات الإمامية التي خصوا بها دون غيرهم.(٥)
وقال الاسترابادي: ويجب على من يقر لآل محمد بالإمامة وفضل الطاعة ان يسلم إليهم فيما يقولون ولا يرد شيئا من حديثهم المروي عنهم إذا لم يخالف الكتاب والسنة المتفق عليهما، ورجعتهم (عليه السلام) جاءت في الكتاب والسنة لا ريب فيها والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.(٦) 
وقال المجلسي في مرآة العقول: واعلم أن الرجعة أي رجوع جماعة من المؤمنين إلى الدنيا قبل القيامة في زمن القائم (عليه السلام) أو قبله أو بعده ليروا دولة الحق ويفرحوا بذلك وينتقموا من أعدائهم وجماعة من الكافرين والمنافقين لينتقم منهم مما انفردت به الإمامية وأجمعوا عليه وتواترت به الأخبار ودلت عليه بعض الآيات، وقد وقعت مناظرات كثيرة في ذلك بين علماء الفريقين وكتب علماؤنا في إثباتها كتبا مبسوطة، منهم أحمد بن داود الجرجاني، والحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني، والفضل بن شاذان النيسابوري والصدوق محمد بن بابويه، ومحمد بن مسعود العياشي والحسن بن سليمان تلميذ الشهيد، وقد ذكرها متكلمو علمائنا كالمفيد وشيخ الطائفة وسيد المرتضى والعلامة والكراجكي (رضي الله عنهم) وغيرهم من علماء الإمامية، وجميع كتب الحديث المتداولة الآن مشحونة بذكرها، وقد أوردت في المجلد الثالث عشر من كتاب بحار الأنوار أزيد من مائتي حديث نقلا عن نيف وأربعين أصلا من الأصول المعتبرة وكلها صريحة في إثبات الرجعة، وأما رجعة الأئمة صلوات الله عليهم فالأخبار متواترة في رجعة أمير المؤمنين والحسين صلوات الله عليهما، وفي رجعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضا وردت أخبار كثيرة مستفيضة، وأما سائر الأئمة (عليه السلام) فقد وردت في رجعتهم أيضا روايات كثيرة لكن ليست في الكثرة بتلك المثابة.
وأما خصوصيات الرجعة فقد اختلفت الأخبار فيها هل هي مقارنة لظهور القائم (عليه السلام) أو بعده أو قبله مقارنا له وامتدادات أزمنتهم أيضا مختلفة، ولا ضرورة في تحقيق تلك الخصوصيات بل يكفي الإيمان مجملا واختلاف الأخبار في خصوصيات شيء لا يوجب إنكار أصله فإن في المعاد وكثير من أصول الدين وردت أخبار مختلفة الظواهر مع أن أصلها قطعي.
ففي بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله بسند صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي (عليهما السلام)، وأن الرجعة ليست بعامة وهي خاصة لا يرجع إلا من محض الإيمان محضا أو محض الشرك محضا.
وبأسانيد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن أول من يرجع لجاركم الحسين (عليه السلام) فيملك حتى تقع حاجباه على عينيه من الكبر، وبسند آخر عنه (عليه السلام) قال: إن الذي يلي حساب الناس قبل يوم القيامة الحسين بن علي (عليهما السلام) فأما يوم القيامة فإنما هو بعث إلى الجنة وبعث إلى النار.
وفي الصحيح أيضا عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الأمور العظام من الرجعة وأشباهها، فقال: إن هذا الذي تسألون عنه لم يجيء أوانه وقد قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾.
وفي الموثق عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) ينكر أهل العراق الرجعة؟ قلت: نعم قال: أما يقرؤن القرآن: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾.
وعن أبي الصباح قال: قال: أبو جعفر (عليه السلام): عن الكرات تسألني؟ فقلت: نعم، فقال: تلك القدرة ولا ينكرها إلا القدرية لا تنكر تلك القدرة لا تنكرها.
وروى العياشي في تفسيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ قال: خروج الحسين (عليه السلام) في الكرة في سبعين رجلا من أصحابه الذين قتلوا معه، عليهم البيض المذهبة لكل بيضة وجهان يؤدون إلى الناس أن هذا الحسين قد خرج حتى لا يشك المؤمنون فيه وأنه ليس بدجال ولا شيطان، والحجة القائم (عليه السلام) بين أظهرهم، فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين إنه الحسين (عليه السلام) جاء الحجة الموت، فيكون الذي يغسله ويكفنه ويحنطه ويلحده في حفرته الحسين بن علي (عليه السلام) ولا يلي الوصي إلا الوصي.
وروى علي بن إبراهيم في الحسن عن علي بن الحسين (عليه السلام) في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: يرجع إليكم نبيكم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وروى الصدوق في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: ليس منا من لم يؤمن بكرتنا و[لم] يستحل متعتنا.
وروى الشيخ في كتاب الغيبة بإسناده عن المفضل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا قام القائم أتى المؤمن في قبره فيقال له: يا هذا إنه قد ظهر صاحبك فإن تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربك فأقم.
وفي المسائل السروية للشيخ المفيد (قدّس سرّه) أنه سئل عما يروي عن مولانا جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في الرجعة وما معنى قوله: ليس منا من لم يقل بمتعتنا ويؤمن برجعتنا أهي حشر في الدنيا مخصوص للمؤمن أو لغيره من الظلمة الجبارين قبل يوم القيامة؟ فكتب الشيخ نور الله مرقده بعد الجواب عن المتعة، وأما قوله (عليه السلام) من لم يؤمن برجعتنا فليس منا فإنما أراد بذلك ما يختصه من القول به في أن الله تعالى يحشر قوما من أمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد موتهم قبل يوم القيامة، وهذا مذهب يختص به آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والقرآن شاهد به، قال الله (عزَّ وجلَّ) في ذكر الحشر الأكبر يوم القيامة: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ وقال سبحانه في حشر الرجعة قبل يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون﴾ فأخبر أن الحشر حشران: عام وخاص، وقال سبحانه مخبرا عمن يحشر من الظالمين أنه يقول يوم الحشر الأكبر: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ وللعامة في هذه الآية تأويل مردود.
ثم بسط (رحمه الله) القول في ذلك ثم قال: والرجعة عندنا يختص بمن محض الإيمان محضا، أو محض الكفر دون من سوى هذين الفريقين، فإذا أراد الله تعالى ذلك على ما ذكرناه أوهم الشياطين أعداء الله (عزَّ وجلَّ) أنهم إنما ردوا إلى الدنيا لطغيانهم على الله، فيزدادون عتوا فينتقم الله منهم بأوليائه المؤمنين، ويجعل لهم الكرة عليهم، فلا يبقى منهم إلا من هو مغموم بالعذاب والنقمة والعقاب، وتصفو الأرض من الطغاة، ويكون الدين لله، والرجعة إنما هي لممحضي الإيمان من أهل الملة وممحضي النفاق منهم، دون من سلف من الأمم الخالية، انتهى.
وذكر السيد المرتضى (رضي الله عنه) في أجوبة مسائل الري فصلا مشبعا في ذلك وكذا الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان، والصدوق (قدّس سرّه) في كتاب العقائد، وقد أوردت جميع ذلك في الكتاب الكبير، وإنما أوردت هنا قليلا من كثير.(٧) انتهى كلام المجلسي في مرآة العقول.
قال الخليل الفراهيدي في كتابه العين في باب العين: والرجعة: مراجعة الرجل أهله بعد الطلاق. وقوم يؤمنون بالرجعة إلى الدنيا قبل يوم القيامة.(٨)
رواة من الفريقين والرجعة:
وهناك جملة من أعلام رواة الإمامية او العامة ممن نعتهم العامة بأنهم يؤمنون بالرجعة:
١ - ما في مقدمة فتح الباري لابن حجر قال الدارقطني: توفى عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فعجب الناس لموتهما واختلاف رأيهما عكرمة يظن به رأى الخوارج يكفر بالذنب وكثير شيعي مؤمن بالرجعة إلى الدنيا قال مات عكرمة وكثير عزة الشاعر في يوم واحد سنة خمس ومائة.(٩)
٢ - وقال زائدة: جابر الجعفي كان كذابا يؤمن بالرجعة(١٠). 
وقد وردت عناوين لفصول الرجعة في كتب العامة كعنوان دابة الأرض، ونزول عيسى، والميسم، كما في البخاري وغيره.
تلازم الرجعة والارتباط بأهل البرزخ الرجعة سر آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
 ٣ - وقالوا في: رشيد الهجري. يروي عن أبيه، عداده في أهل الكوفة، كان يؤمن بالرجعة.
قال: فهل تعرف رشيد الهجري؟ قال الشعبي: نعم، بينما أنا واقف في الهجريين إذ قال لي رجل: هل لك في رجل علينا يحب أمير المؤمنين؟ قلت: نعم. فأدخلني على رشيد فقال: خرجت حاجا، فلما قضيت نسكي، قلت: لو أحدثت عهدا بأمير المؤمنين، فمررت بالمدينة، فأتيت باب علي (رضي الله عنه)، فقلت لإنسان: استأذن لي على سيد المسلمين، فقال: هو نائم، وهو يحسب أني أعني الحسن، قلت: لست أعني الحسن إنما أعني أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين.
قال: أوليس قد مات! فبكى. فقلت: أما والله إنه ليتنفس الآن بنفس حي، ويعترق من الدثار الثقيل. فقال: أما إذ عرفت سر آل محمد، فادخل عليه، فسلم عليه. فدخلت على أمير المؤمنين، فسلمت عليه، وأنبأني بأشياء تكون. قال الشعبي: فقلت لرشيد: إن كنت كاذبا، فلعنك الله، ثم خرجت وبلغ الحديث زيادا، فبعث إلى رشيد، فقطع لسانه وصلبه على باب دار عمرو بن حريث.(١١)
 ويظهر من الرواية انه مرتكز لدى العامة تلازم القول بالرجعة مع بقاء نشاط وارتباط أهل البرزخ بالدنيا. وأن عقيدة الرجعة عنوان يعني الإيمان بالدولة الخفية التي يشترك في إدارتها أو يساهم في نشاطها كل من أهل البرزخ والأحياء.
٤ - وقالوا: يقول يزيد بن هارون: سمعت أبا حمزة الثمالي يؤمن بالرجعة(١٢).
٥ - وعن مسلم بن نذير السعدي من بني سعد بن زيد مناة بن تميم وهو ابن عم عتي بن ضمرة السعدي الذي روى عن أبي بن كعب وقد روى مسلم بن نذير عن علي وحذيفة وكان قليل الحديث ويذكرون أنه كان يؤمن بالرجعة.(١٣)
٦ - وأبو يزيد داود بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الزعافري، من أهل الكوفة، وهو عم عبد الله بن إدريس، يروي عن أبيه والشعبي، روى عنه وكيع والمكي، مات سنة إحدى وخمسين ومائة، وكان ممن يقول بالرجعة، وكان الشعبي يقول له ولجابر الجعفي: لو كان لي عليكما سلطان ثم لا أجد إلا إبرا لسبكتها ثم غللتكما بها.(١٤)
٧ - وقال ابن حزم أيضا: إن أبا الطفيل مقدوح لأنه كان حامل راية المختار وهو يؤمن بالرجعة، وأجيب عن ذلك بأنه إنما خرج مع المختار على قاتلي الحسين، وبأنه لم يعلم من المختار الايمان بالرجعة.(١٥)
وقال بن قتيبة: ويروون عن أبي الطفيل عامر بن واثلة صاحب راية المختار وعن جابر الجعفي وكلاهما يقول بالرجعة(١٦)
٨ - قال الذهبي: عبد الله بن الحسين الأزدي أبو حريز قاضي سجستان عن قيس بن أبي حازم والشعبي وعنه فضيل بن ميسرة وابن أبي عروبة مختلف فيه وقد وثق وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد وجاء عنه أنه يؤمن بالرجعة: رجعة علي! فالله أعلم.(١٧)
وقال التبوذكي: حدثنا هشام السجستاني، قال: قال لي أبو حريز: تؤمن بالرجعة؟ قلت: لا. قال: هو في اثنتين وسبعين آية من كتاب الله.(١٨)
ولا يخفى ان أبا حريز السجستاني الأزدي البصري من تلاميذ الشعبي ومن قضاة العامة ولم يصفوه بالتشيع ومن رجال السنن الأربع واستشهد به البخاري في الصحيح كما ذكره المزي.
٩ - أبو عبد الله المحاربي الكوفي السوداني. يروي عن: أبي كريب محمد بن العلاء، وهشام بن يونس، وحسين بن نصر بن مزاحم، وسفيان بن وكيع. قال أبو الحسن بن حماد الحافظ: توفي في صفر. ما رؤى له أصل قط.
وحضرت مجلسه، وكان ابن سعيد يقرأ عليه كتاب النهي، عن حسين بن نصر بن مزاحم. قال: وكان يؤمن بالرجعة.
قلت: روى عنه: محمد بن عبد الله الجعفي، وأبو الحسن الدارقطني. محمد بن محمد بن إسحاق بن راهويه الحنظلي. سكن ببغداد، وتولى بها القضاء نيابة في هذه السنة. وكان إماماً عارفاً بمذهب مالك. روى عن: محمد بن المغيرة الهمداني. وعنه: أبو الفضل الشيباني.(١٩)
ولا يخفى ان المحاربي الكوفي السوداني من ائمة المالكية كما ذكره الذهبي.
١٠ - وقال العقيلي: أصبغ بن نباتة الحنظلي كوفي كان يقول بالرجعة.(٢٠)
١١ - عثمان بن عمير الثقفي: وقال أبو أحمد الزبيري: كان يؤمن بالرجعة
. وقال ابن عدي: ردئ المذهب، يؤمن بالرجعة، على أن الثقات قد رووا عنه مع ضعفه.(٢١) 
ونقل أبو محمد التميمي الحنبلي في رسالته المسماة: عقيدة الإمام المبجل احمد بن حنبل، قال: يذهب إلى نفي القول بالرجعة ويكفر من يقول بها ويتلو «ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون» من غير ذكر الرجعة ومن قال غير ذلك فهو ضال.(٢٢) 
وروى المشهدي وبن طاووس في المصباح في زيارة السرداب: «اللهمَّ أرنا وجه وليّك الميمون فِي حياتنا وَبَعْدَ المنون، اللهمَّ إنِّي أُدين لك بالرجعة بين يدي صاحب هَذِهِ البقعة الغوث الغوث الغوث يا صاحب الزمان».
ومفاده أن الرجعة أصل من الدين بصريح العبارة وأمَّا عبارة: «بين يدي....» فتحتمل أمرين: الأوَّل: أُقاتل تحت رايته.
الثَّانِي: اعتقد بالرجعة قبل ظهوره الأكبر بأن يرجع المؤمنون.
أيّ قبل ظهوره بسبعة أشهر وهو مفاد قوله (عليه السلام) (العجب كُلّ العجب بين جمادي ورجب)، أيّ أواخر جمادي وأوائل رجب، والمدة ما بين رجب إلى العاشر مِنْ محرَّم أيّ ما يقرب مِنْ سبعة أشهر يعبَّر عنه بالظهور الأصغر وَهُنَاك حوادث كثيرة تقع فِي هَذِهِ البرهة الزمنية.
فمبدأ الرجعة قبيل ظهور الإمام (عليه السلام) ومرتبطة بأئمّة أهل البيت ولذلك قال الحرّ العاملي: «إنّا مأمورون بالاعتقاد بالرجعة والاعتراف بها والإقرار فِي كُلّ الأدعية والزيارات وَيَوُم الجمعة...». فَإذَنْ للرجعة شأن كبير مِنْ شؤون الإمامة.
ونظيره ما رواه أصحابنا فِي (المزار) كالشهيد والمفيد وابن طاووس وغيرهم فِي زيارة القائم (عليه السلام) فِي السرداب: «ووفّقني يا ربّ للقيام بطاعته، والمثوى فِي خدمته، فَإنْ توفَّيتني قبل ذَلِكَ فاجعلني ممَّن يكرُّ فِي رجعته، ويملك فِي دولته، ويمكَّن فِي أيامه».
وهذا تأصيل لعقيدة الرجعة في مراسم آداب السرداب رواها السِّيّد ابن طاووس وقبله الشَّيْخ المفيد في المزار وَهُوَ قريب العهد مِنْ الغيبة الصغرى.
و(يكرّ فِي رجعته) رواه أصحابنا فِي المزار: فهَلْ هُوَ الظهور والرجوع هُنَا بمعنى الظهور لما فِي الغيبة مِنْ خفاء وأفول عَنْ مسرح الحياة الظاهرة أو رجعته ويَدُلّ عَلَى رجعته.
وقال الحرّ العاملي فِي الباب الثَّانِي - الأمر الثَّامِن: «إنّا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها فِي الأدعية والزيارات وَيَوُم الجمعة، وَكُلّ وقت كَمَا أنّا مأمورون بالإقرار فِي كثير مِنْ الأوقات بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة، وَكُلّ ما كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ حقّ والصغرى ثابتة بالنقل المتواتر الآتي، والكبرى بديهية فالرجعة حقّ».
ومفاد كلامه:
١ - العبارة ناظرة إلى أُمُور ثلاثة: الإقرار والاعتقاد وتجديد الاعتراف، أيّ لَيْسَ فَقَطْ التركيز عَلَى الجانب التنظيري بَلْ الجانب العملي وفي كُلّ آنٍ.
٢ - جعلها في مجمع أصول الدين الخمسة.
٣ - الزيارة فيها تجديد عقيدة لإيمان المؤمن.
٤ - العقائد لَيْسَ فكر فَقَطْ، بَلْ تعايش عملي مع المعصوم.
وعَنْ عبد الله بن جندب، قَالَ: سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) عمّا أَقُوُل فِي سجدة الشكر فَقَدْ أختلف أصحابنا فيه؟ فَقَالَ: «قل وَأَنْتَ ساجد: اللهمَّ إنِّي وأشهد ملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك انك الله ربي والإسلام ديني وَمُحمَّد نبيي وعلياً وفلاناً وفلاناً إلى آخرهم أئمتي بهم أتولى وَمِنْ عدوهم أتبرأ، اللهمَّ إنِّي أنشدك دم المظلوم - ثلاثاً - اللهمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ بِإِيوَائِكَ عَلَى نَفْسِكَ(٢٣) لِأَوْلِيَائِكَ لَتُظْفِرَنَّهُمْ بِعَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى المُسْتَحْفَظِينَ مِنْ آلِ مُحَمَّد...»(٢٤)
وهذا استحباب لتجديد العهد بالرجعة فِي كُلّ سجدة شكر وابتداءً بالحسين (عليه السلام) لِإنَّهُ أوَّل الراجعين، ومعه أثنى عشر ألف مِنْ أجيال المؤمنين.
هذا وقد دلت الآيات العديدة على رجوع الموتى الى الحياة الدنيا بعد ما ماتوا وقبل يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.
وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُون﴾.
وكقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُون فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾.
وكقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُون ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾
وغيرها من الآيات الدالة على رجوع الموتى الى دار الدنيا وليس هذا خرقا للناموس الذي تشير اليه الآيات التي استدل بها على نفي الرجعة بل هو منبه على ان مفادها هو الإشارة الإجمالية الى تعقب القيامة بعد الموت من دون نفيها لما يتخلل فيما بين ذلك.
ملاحظة:
ربما نورد الرواية الواحدة في عدة مواضع وذلك لتعدد مواضع الاستشهاد فيها، وقد نضطر لإيراد كل الرواية الواحدة لأجل صيرورة القارئ والباحث في جو الرواية ووصوله الى ظاهر موضع ومحل الاستشهاد فيها، وربما نضطر الى تكرار الفقرة الواحدة من الرواية لأجل ذلك أيضا، فليس التكرار لأجل زيادة حجم صفحات الكتاب، بل لما ذكرنا من الحاجة، والحوالة لا تؤدي النقد الماثل امام القارئ.
المدخل: الرجعة فِي الكتب السماوية:
١ - الرجعة فِي الزبور:
فَقَدْ روى فِي تفسير القُمّي فِي ذيل قوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قَالَ: الكتب كلها ذكر، و﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون﴾ قال: القائم (عليه السلام) وأصحابه: قَالَ والزبور فيه ملاحم وتحميد وتمجيد ودعا(٢٥). 
وفي موضع آخر روى علي بن إبراهيم، قَالَ أُعطي داود وسليمان ما لَمْ يُعطَ أحد مِنْ أنبياء الله مِنْ الآيات، علَّمهُما منطق الطير، وألان لهما الحديد، والصفر مِنْ غَيْر نار، وجُعلت الجبالُ يُسبحن عَلَى داود، وأنزل الله عَلَيْهِ الزبور، وفيه توحيده وتمجيدهُ، ودُعاؤه، وأخبارُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والائمة مِنْ ذرّيِّتهما، وأخبار الرجعة والقائم (عجّل الله فرجه) لقوله ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون﴾(٢٦). 
٢ - الرجعة فِي الإنجيل:
وفي رؤيا يوحنا اللاهوتي الإصحاح التاسع عشر الآية الحادية عشر: ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أمينا وصادقا وبالعدل يحكم ويحارب وعيناه كلهيب نار وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم مكتوب ليس احد يعرفه إلا هو، وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويدعى اسمه كلمة الله والأجناد الذين السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزا أبيض ونقيا ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضري به الأمم وهو سيرعاهم بعصى من حديد وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء وله على ثوبه وفخذه اسم مكتوب ملك الملوك ورب الأرباب))
وذكر الشيخ مُحمَّد آل عبدالجبار فِي كتابه الرجعة عَنْ رؤيا يوحَنّا في الفصل الثَّانِي:
وأما الغالب فإني سأتفضل عليه بالأكل من شجرة الحياة المتوسطة في فردوس الله.. وأما الغالب فلن تضره الموتة الأخرى.. وأمَّا الغالب فإنِّي سأتفضل عَلَيْهِ بالأكل مِنْ المن المكنون وسأعطيه حجرة بيضاء قد كتب عليها اسم جديد.. فَأمَّا الغالب وَالذي يحفظ أعمالي إلى عاقبة الأمر فَإنِّي سأهبُ لَهُ الاقتدار عَلَى العوام (عَلَى الأمم) وسيرعاهم بعصى مِنْ الحديد وسيتكسرون تكسر كوز الكواز عَلَى ما أمرني به أبي وسأهَبُ لَهُ نجمة الصبح.
وفي الفصل الثَّالِث «المظفر يلبس ثياباً بيضاء ولا أمحوا اسمه مِنْ سفر الحياة واعترف باسمه أمام أبي وأمام ملائكته».
وفي البرهان الثَّامِن مِنْ أشعيا «صوت صارخ في البرية أعدوا طرق الرب وهيئوا سبله فإن كُلّ واد سيمتلئ وَكُلّ جبل وأكمة ستضع وتعتدل المعوجّات وتلين الصعاب وشاهد خلاص الله كُلّ ذي جسد».
وفي التَّاسِع مِنْ اليهود زكريا «إنَّ الرب قَدْ جاء معه ربوات ملائكته القديسين لينشئ قضاء عَلَى جميع الناس ويوبخ المنافقين أعمال نفاقهم الَّتِي نافقوا عَلَيْهَا».
وفي العاشر مِنْ إنجيل لوقا: «لوعده الذي لا خلف لَهُ ولا يَتِمُّ إلَّا بالعموم».
٣ - الرجعة فِي التوراة:
وروى عَنْ الأصبغ بن نباتة، قَالَ: قَالَ لي معاوية: «يا معشر الشيعة تزعمون أنَّ عليّاً دابة الأرض، فقلتُ: نحن نقول واليهود تقوله، فأرسل إلى رأس الجالوت فَقَالَ: ويحك تجدون دابة الأرض عندكم، فقال نعم، فَقَالَ: ما هِيَ؟ فَقَالَ: رجل، فَقَالَ: أتدري ما اسمه؟ قَالَ: نعم، اسمه إليا، قَالَ: فالتفت إليّ فَقَالَ: ويحك - يا أصبغ - ما أقرب إليا مِنْ عليّاً(٢٧). 
٤ - الرجعة فِي كتب وصحف الأنبياء والرُسُل:
روى الكليني عَنْ الحسين بن شاذان الواسطي قَالَ: كتبتُ إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أشكو جفاء أهل واسط وحملهم عليَّ وكانت عصابة مِنْ العثمانية تؤذيني فوقّع بخطّه (عليه السلام): إنَّ الله تَعَالَى ذكره أخذ ميثاق أوليائنا عَلَى الصبر فِي دولة الباطل فاصبر لحكم ربك فلو قَدْ قام سيد الخلق لقالوا ﴿يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ المُرْسَلُون﴾(٢٨). 
ومفاد الرواية أن المؤمنين مبتلون في دولة الباطل وأن انتهاء هذا الابتلاء بقيام دولة آل محمد في دار الدنيا بمقتضى التقابل، بدأ من دولة الظهور للمهدي (عجّل الله فرجه) الشريف واستمرارا بدول الرجعة، والمراد بسيد الخلق إما الإمام الثاني عشر أو سيد الانبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويحتمل أنه أمير المؤمنين أيضا، وعلى أي تقدير بقرينة الآية المراد بذلك فترة الرجعة ورجوع الأشرار أيضا، وحينئذ يكون تأويل الآية (وصدق المرسلون) هو أن كل المرسلين كانوا قد أنبأوا وأخبروا بالرجعة كما أنبأوا وأخبروا بالمعاد الأكبر، ومن ثم كان الراجعون في الرجعة يقرون بصدق المرسلين، وفي هذه الرواية دلالة على أن الوعد الإلهي بالرجعة في كل بعثات الأنبياء كان على حذو الوعد بالمعاد الأكبر وان اطلاق المعاد الأصغر على الرجعة أصله وحياني وقرآني.
وروى فِي كامل الزيارات عَنْ بريد بن معاوية العجلي قَالَ: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اخبرني عَنْ إسماعيل الذي ذكره الله فِي كتابه... قَالَ (عليه السلام): «ذَلِكَ إسماعيل بن حزقيل الْنَّبِيّ (عليه السلام) بعثه الله إلى قومه فكذّبوه فقتلوه وسلخوا وجهه فغضب الله لَهُ عليهم فوجّه إليه... فأوصى الله إليه فما حاجتك يا إسماعيل قَالَ:.... وَإنَّك وعدت الحسين (عليه السلام) أنْ تكرّه إلى الدُّنْيَا حَتّى ينتقم بنفسه ممن فعل ذَلِكَ به فحاجتي إليك يا ربّ أنْ تكرّني إلى الدُّنْيَا حَتّى انتقم ممن فعل ذَلِكَ بي كَمَا تكرّ الحسين...»(٢٩). 
وَهَذَا يقتضي أنَّ الرجعة مِنْ أصول الدِّين الذي أخذه الله عَلَى جميع الأنبياء وَلَيْسَ مِنْ الشرائع، وَهَذَا يُطابق ما عقدناه فِي العنوان.
وقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين﴾(٣٠)الآية، والضمير فِي ﴿لَتَنصُرُنَّه﴾ يرجع إلى أمير المؤمنين.
فقد روى فِي مختصر البصائر بسنده عَنْ قيصر بن أبي شيبة قَالَ: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «وتلا هَذِهِ الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين﴾ قَالَ: ليؤمنّن برسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولينصرنّ عليّاً أمير المؤمنين (عليه السلام)، قلت: ولينصرنّ أمير المؤمنين؟ قَالَ: نعم والله مِنْ لدن آدم (عليه السلام) فهلم جرا، فَلَمْ يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلَّا ردّ جميعهم إلى الدُّنْيَا حَتّى يقاتلون بين يدي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين صلوات الله عَلَيْهِ»(٣١). 
وروى العيّاشي عَنْ سلام بن المستنير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «لقد تسمّوا ما سمى الله به أحدا إلَّا علي بن أبي طالب وما جاء تأويله، قلت: جُعلت فداك متى يجيء تأويله، قَالَ: إذَا جاء جمع الله أمامه النبيين والمؤمنين حَتّى ينصروه وَهُوَ قول الله ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين﴾ فيومئذ يدفع راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اللواء إلى علي بن أبي طالب فيكون أمير الخلايق كلهم أجمعين يكون الخلائق كلهم تحت لوائه ويكون هُوَ أميرهم فَهَذَا تأويله»(٣٢). 
وما رواه القُمّي فِي تفسيره فِي ذيل الآية، قَالَ: وجعلت الجبال يُسبّحن مَعَ داود، وأنزل الله عَلَيْهِ الزبور فيه: توحيد وتمجيد ودُعاء، وأخبار رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين والأئمة، وأخبار القائم، وأخبار الرجعة وَهُوَ قوله ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون﴾(٣٣)،(٣٤). 
وجه ارتباط الرجعة ببقية العوالم:
يمكن تصوير العلاقة بين الرجعة والعوالم الأخرى كعالم الأظلة والأشباح في عدة جهات: 
الجهة الأُولى:
إنَّ الرجعة ولوج للروح فِي البدن الأرضي الدنيوي بعدما كانت فِي البرزخ ببدن مثالي، فتلج الروح بما لها مِنْ قالب رقيق فِي القالب الكثيف، لكن ذَلِكَ فِي قوس الصعود، أيّ ما بَعْدَ الحياة الأُولى مِنْ الدُّنْيَا ومفارقة الروح للبدن فِي نهاية الحياة الاولى مِنْ الدُّنْيَا، وَهَذَا بعينه يجري فِي تنزّل الروح من عوالم الأظلّة والأشباح ثمَّ الذَّر والميثاق إلى البدن الأرضي، فتلج الروح بما لها مِنْ قوالب جسمانية لطيفة وشفّافة فِي القالب الكثيف مِنْ البدن الأرضي بنفخ الروح في ذلك البدن فِي قوس النزول وهو ما قبل الحياة الأُولى مِنْ الدُّنْيَا من مبادئ نشآتها، فنفخ الروح فِي البدن بما لها مِنْ أبدان رقيقة ولطيفة فِي النفخة الأُولى يُضاهي ويُقابل نفخ الروح الثَّانِي فِي الرجعة بَعْدَ الموت، فالرجعة بما لها مِنْ طبقات تقابل وتحاذي النزول من طبقات عالم الأظلة كتقابل قوس الصعود مَعَ قوس النزول لا سيما مَعَ ما حرّرناه فِي مبحث الرجعة والمعراج مِنْ تعدد طبقات الرجعة كتعدد طبقات العروج.
الجهة الثَّانية:
مِنْ الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قَالَ: «إنْ لَمْ تعلم مِنْ أين جئت، لَمْ تعلم إلى أين تذهب»(٣٥). 
وَهَذَا الحديث يتضمَّن الإشارة والبُرهان لضرورة معرفة العوالم السابقة للإنسان عَلَى عالم الدُّنْيَا ليتسنّى معرفة الرجعة والمعاد، وَأنَّهُ بدون ذَلِكَ لا تعرف حقيقتهما.
ومفاد الحديث يوضح الربط بين الرجعة وجملة مِنْ العوالم السابقة كالرجعة والميثاق، والرجعة وعالم الذَّر، والرجعة والمعراج، والرجعة وعالم الأشباح والأظلة وغيرها مِنْ العوالم.
وَمِنْ ثمَّ تنبثق قاعدة تقوّم معرفة الرجعة بمعرفة العوالم السابقة.
الجهة الثَّالثة:
إنَّ الروح حَيْثُ إنَّها جسم لطيف كَمَا سيتّضح فِي تضاعيف البحث هَذَا مِنْ جهة وَمِنْ جهة أُخرى فَإنَّ الروح فِي ذاتها وحقيقتها ذَاتَ طبقات، فالروح ذَات أجسام مختلفة لطافةً ورقّةً.
وَمِنْ تلك الطبقات عالم الأظلة والأشباح.
وَمِنْ جهة ثالثة فَإنَّ الموت عبارة عَنْ نزع الروح مِنْ الجسد، والبعث نفخ الروح فِي البدن، وَكُلّ مِنْ الموت والبعث طبقات، وَهَذَا يقتضي أنَّ النزع درجات وطبقات كَمَا يقتضي أنَّ النفخ طبقات ودرجات كَذَلِكَ، كَمَا سيأتي بيانه مُفصلاً.
وبالتالي يتصل بحث الرجعة فِي قِبال الموت بطبقات فِي كُلٍّ منهما ترتقي إلى عالم الأظلة والأشباح كَمَا سياتي بيانه.
ومن ثم يكون للرجعة معنى واسع ينطبق على المعاد الاكبر حقيقة بل وعلى عوالم فوقه حقيقة أيضا، وسيأتي أن للإنسان كينونات سابقة علي العوالم العلوية تنزل منها، ولذلك يستدعي بحث الرجعة البحث عَنْ جملة مِنْ العوالم الجسمانية المخلوقة دون العرش الجسماني.
الجهة الرابعة: الرجعة إلى الدُّنْيَا والرجعة لعوالم الآخرة:
نوعان وقسمان: إنَّ المعاد كَمَا مَرَّ فِي البابين السابقين نحو مِنْ الرجعة والرجوع بالمعنى العام وَمِنْ ثمَّ فَإنَّ كُلّ مرحلة مِنْ مراحل المعاد رجوع ورجعة، وَكُلّ معاد هُوَ أوبة المخلوقات والإنسان إلى الأصل المخلوق مِنْهُ، فَإنَّهُ إذَا تقرَّر للإنسان نشأة وكينونة سابقة عَلَى النشأة الأرضية نظير خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، وأنَّ الإنسان كائن سماوي وكائن أخروي، كَمَا قَالَ (عليه السلام) «فليصدق رائد أهله وليحضر عقله وليكن من ابناء الآخرة فإنه منها قدم وإليها ينقلب»(٣٦) فيكون الذهاب إلى الآخرة رجوع ورجعة، فَكَمَا للدُّنيا رجعة فكذلك لكل نشأة أخروية سبق للإنسان كينونة فيها فإن لَهُ رجعة إليها مَرَّة أُخرى.
وسيأتي أنَّ حقيقة الرجعة - كَمَا هِيَ حقيقة - كغاية لعالم الدُّنْيَا وأنَّ للدُّنيا حياة أولى وحياة أُخرى وآخرة فكذلك لِكُلِّ عالم مِنْ العوالم كينونة أولى وكينونة لاحقة تسمّى بالرجعة، فالرجعة حقيقة ومعادلة كينونية لِكُلِّ عالم ولا تختصّ بعالم الدُّنْيَا، وَهَذَا ما سيتبيَّن مِنْ مبحث مراتب الرجعة ومبحث الرجعة والمعاد.
وبذلك يتّضح أنَّ الرجعة كَمَا تكون نزولا - وإنْ غايرت الرجعة هويّة التنزُّل كَمَا مَرَّ مِراراً - فكذلك الرجعة منها ما هو صعود ومنها ما هو عروج، فالرجعة نوعان وقسمان.
وبالتالي دخول الجنّة رجعة إليها ودخول عالم القيامة رجوع إليها، وَقَدْ وَرَدَ فِي روايات الطّينة كَمَا سيأتي أنَّ أرواح المؤمنين لما عرضت عَلَيْهِم (عليهم السلام) كانت أرواح أعدائهم فِي النار، نعم لا بُدَّ مِنْ التوفيق بين كينونة الإنسان السابقة وطينته مِنْ علّيين أو مِنْ سجّين أيّ كينونة جسمانية لطيفة روحية لَهُ فِي علّيين أو كينونة جسمانية روحانية فِي النار وبين الامتحان والاختيار فِي عالم الدُّنْيَا، بَلْ مَعَ عموم التكليف بالدين فِي العوالم، وإنْ لَمْ تكن شريعة فِي العوالم الأُخرى، وَهَذَا ما يُفسِّر ورود روايات المعراج مِنْ رؤية الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أشخاصا بأعيانهم يتعذّبون فِي نار جهنّم مَعَ أنَّ أولئك لَمْ تقم عَلَيْهِم القيامة بَعْد وَلَمْ يدخلوا النار بَعْد فكيف رآهم فِي النار.
الخامسة: عموم الحساب في الرجعة شامل للعوالم السابقة على الحياة الدنيا كما سيأتي:
وهو مما يكشف عن ارتباط بين الرجعة وتلك العوالم من جهة كما يكشف أن التكليف والمسؤولية بالدين ليس كما يظن مبدؤه دار الدنيا وإنما المختص بدار الدنيا الشريعة، واما المسؤولية والتكليف بالدين فهي عامة منذ بدء نشآت الإنسان في العوالم السابقة العلوية كما سيأتي بيان ذلك في عالم الاظلة والاشباح وغيرها من العوالم.
قاعدة: تقوّم معرفة الرجعة بمعرفة العوالم السابقة:
١ - روى فِي مختصر بصائر الدرجات عَنْ كتاب فيه خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) خطّ السِّيّد بن طاووس وفيه خطبة تسمى المخزون: بإسناد ذكره عَنْ الصادق (عليه السلام) خطبة لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) تسمى المخزون وفيها: «أمَّا بَعْدَ فَإنَّ روح البصر [فِي نسخة: نور] روح الحياة الذي لا ينفع إيمان إلَّا به مَعَ كلمة الله والتصديق بها فالكلمة مِنْ الروح والروح مِنْ النور والنور نور السماوات فبأيديكم سبب وصل إليكم، مِنْهُ إيثار واختيار نعمة الله لا تبلغوا شكرها خصصكم بها واختصكم لها ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾.
٢ - والمُراد بكلمة الله كَمَا فِي إطلاق الكلمة عَلَى عيسى (عليه السلام)، حجة الله وحججه الناطقين مِنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآله، قَالَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «وَهُمْ النّعمة وَهُمْ السبب الواصل إلى الله» أيّ السبب المتصل بين الأرض والسماء ثمَّ يُبيِّن (عليه السلام) أنَّ طبقات وجودهم تبدأ مِنْ أبدانهم الشريفة بين أظهرنا إلى عالم الروح الأمري وعالم الأمر إلى أنوارهم مِنْ عالم النور، فمقتضى هَذَا البيان أنَّ عالم النور أعظم مِنْ عالم الروح الأمري، وعالم الأمر وعالم الروح الأمري أعظم مِنْ عالم الكلمة (كلمة الله تَعَالَى)، نعم الكلمة قَدْ تطلق عَلَى عالم النور أيضاً وعوالم أُخرى إلَّا أنَّهُ فِي المقام أطلقت عَلَى عالم الحجة الظاهرة.
والحاصل أن هذه الرواية تبين أن للإنسان كينونات ونشآت سابقة منها تنزّل.
٣ - وفي صحيح زرارة قَالَ: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ هذه الأُمُور العظام مِنْ الرجعة وأشباهها، فَقَالَ: «إنَّ هَذَا الذي تسألون عنه لَمْ يجيء أوانه، وَقَدْ قَالَ (عزَّ وجلَّ): ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾(٣٧). 
وروى العيّاشي بسنده عَنْ مسعدة بن صدقة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «سئل عَنْ الأُمُور العظام التي تكون مما لَمْ يكن فَقَالَ: لَمْ يئن أوان كشفها بَعْد وَذَلِكَ قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾(٣٨). 
روى العيّاشي بسنده عَنْ حمران قَالَ: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عَنْ الأُمُور العظام وغيرها؟
فَقَالَ: «إنَّ هَذَا الذي تسألوني عنه لَمْ يأتِ أوانه، قَالَ الله ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾»(٣٩). 
قد قرنت الرجعة ضمن أمور عظام كان قد سمعها زرارة من الإمام الصادق (عليه السلام)، أي أن هناك عوالم عظام أخرى نظير الرجعة في الهول والعظمة.
ومن ثم عطفها بلفظ - وأشباهها – وأن وجه الشبه كما هو من عظمة هذه العوالم الأخرى كذلك ارتباطها بالرجعة أيضا.
جملة أخرى من النقاط المهمة:
١ - إنَّ كثيراً مما يظنّ أنَّها مِنْ أحكام الآخرة فهِيَ مِنْ أحكام الرجعة.
٢ - إنَّ ما حسبهُ الكلاميون والفلاسفة والعُرفاء معاداً جسمانيا فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ رجعة، وأمَّا المعاد فَلَمْ يرسموه بحسب ما سيأتي من بيانات طوائف روايات الرجعة المتعرضة إلى نشأة القيامة.
٣ - إنَّ القيامة عالم وَلَيْسَ يَوُما مِنْ أربعة وعشرين ساعة كمقدار قصير زماني، بَلْ هُوَ أطول عمراً وزماناً مِنْ عالم الدُّنْيَا بأضعاف مضاعفة.
٤ - إنَّ البرزخ لَيْسَ متوسطاً بين الدُّنْيَا والآخرة الأبدية، بَلْ بين الدُّنْيَا الأولى وآخرة الدُّنْيَا وَهِيَ (الرجعة).
٥ - اختلاف أنواع الرجعة بحسب اختلاف الآجال كالاخترامي والحتمي وغيرهما.
٦ – كيفية الإحياء في الرجعة ورجعة الحيوان: روى القمي مرسلا في تفسيره في سورة الكهف من قصة موسى وفتاه: «فأخرج وصي موسى (عليه السلام) الحوت وغسله بالماء ووضعه عَلَى الصخرة.. وَكَانَ ذَلِكَ الماء ماء الحيوان فحيي الحوت ودخل في الماء»(٤٠) 
ويشهد لهذا المفاد قول الله تعالى في سورة الكهف: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.
وَهَذِهِ الواقعة دالَّة عَلَى حقيقة مُهمّة فِي الرجعة أنَّها ذَاتَ صلة بأمر فيزيائي وفسيولوجي وبيولوجي حيوي في أبدان الموتى، وأنَّها لو نشطت فسيولوجياً بماء الحياة كمادّة تتعلق بها الروح لحييت، كَمَا يحصل مِنْ رشّ الماء عَلَى المُغمى عَلَيْهِ نظير ما رواه الصدوق فِي كمال الدِّين عَنْ بَعْض الكتب السماوية «إنَّ مَنْ شرب مِنْها (عين الحياة) لَمْ يمت حَتّى يسمع الصيحة.. وأنَّه (ذا القرنين) خرج فِي طلبها حتى انتهى إلى موضع فيه ثلاث مائة وستون عينا وكان الخضر على مقدمته وكان من أحب الناس إليه فأعطاه حوتاً مالحاً واعطى كل واحد من اصحابه حوتا مالحا.. فانطلقوا وانطلق الخضر إلى عين من تلك العيون فلما غمس الحوت فِي الماء حَييَ فانساب في الماء فلما رأى الخضر ذلك علم أنَّهُ ظفر بماء الحياة.. فقال له ذو القرنين فابشر بالبقاء فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَعَ الغيبة عَنْ الأبصار إلى النفخ فِي الصور»(٤١). 
٧ - وروى فِي الخرائج والجرائح: إنَّ نبيا (عزير) مر على قرية وهي خاوية على عروشها ورأى أهلها كلهم موتى فعلم أنهم أهلكوا بسخط الله فدعى الله فقال تعالى رشّ عَلَيْهِم الماء، ففعل فأحياهم الله وَهُمْ ألوف وبعثه إليهم رسولاً فعاشوا سنين.(٤٢)
٨ - الراوندي وتعجبه ممن ينكر الرجعة في الدين
قال الراوندي في ذيل الرواية السابقة: فمن أقر بصحة ذلك جميعه كيف ينكر الرجعة في الدنيا على ما ذكرناه، وقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ما جرى في أمم الأنبياء قبلي شيء إلا ويجري في أمتي مثله).
وقد عقد الرواندي فصلا في الرجعة في كتابه الخرائج(٤٣) وأورد فيه رواية رجوع أمير المؤمنين وسيد الشهداء (عليه السلام).
٩ - وروى فِي الكافي أن الْنَّبِيّ عيسى (عليه السلام) سأل ربه أن يحيي له الْنَّبِيّ يحيى (عليه السلام) «فدعاه فأجابه وخرج إليه مِنْ القبر فَقَالَ لَهُ ما تريد مني: فقال أُريد أنْ تؤنسني كَمَا كُنْت فِي الدُّنْيَا فقال له يا عيسى ما سكنت عني حرارة الموت وَأَنْتَ تريد أنْ تعيدني إلى الدُّنْيَا وتعود عليّ حرارة الموت، فتركه فعاد إلى قبره»(٤٤). 
ومفاد الحديث دالٌّ عَلَى أنَّهُ قبل الإحياء للرجعة يتحقّق تنزّل ونزول للروح إلى حَيْثُ الجسد وَهُوَ القبر، ويزامن ذَلِكَ نمط مِنْ الإرهاصات قبل بعث الروح فِي البدن(٤٥). 
١٠ - وروى في الكافي بسنده عَنْ أبي ربيع الشامي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) فِي حديث عَنْ معراج الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «حيث أسري به إلى بيت المقدس أن حشر الله عَزَّ ذكره الأولين والآخرين مِنْ النبيين والمرسلين ثمَّ أمر جبرائيل (عليه السلام) فأذن شفعا وأقام شفعاً وَقَالَ فِي آذانه حي عَلَى خير العمل ثمَّ تَقَدَّمَ مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...»(٤٦) ومفاد الحديث أنَّ للحشر والنشر مراتب، وبعضها ملكوتي سماوي.
١١ - وفي الخصال ومعاني الأخبار عَنْ أبي جعفر (عليه السلام): «وذكّرهم بأيام الله» قَالَ: أيام الله ثلاثة: يَوُم القائم وَيَوُم الكرّة وَيَوُم القيامة.
وفي تفسير علي بن إبراهيم (يوم القائم ويوم الموت ويوم القيامة).
وفي المحتضر عَنْ الصادق (عليه السلام): أنَّ أيام الله ثلاثة: يوم القائم يوم الكرّة وَيوم القيامة)(٤٧). 
ومفاد اليوم هو بمعنى العالم التكويني، وتعدّد اليوم هو تعدد العوالم بلحاظ تعدد الأحكام التكوينية، وبدء وقوع التغيّرات في الأحكام التكوينية فِي عهد ظهوره، ثم تشتد تغييرا في عالم الرجعة أكثر منها في عالم الظهور، ثم تشتد أكثر فأكثر في عالم القيامة، فهذا اللسان من الروايات والذي هو مستفيض جدا يشير إلى تسلسل تدريجي في تغير أحكام عالم الدنيا إلى الأحكام التكوينية لعالم القيامة، وأن عالم الظهور للقائم (عليه السلام) يمهد ويوطأ كمرحلة أولى لسلسلة هذه التغيرات ثم يتوسط عالم الرجعة بينهما في التغير.
ومن ثم أطلق على عالم الظهور أنه قيامة صغرى كما أطلق ذلك على الموت، كما أطلق عنوان المعاد والقيامة على الرجعة، أي قيامة وسطى.
وكل ذلك تبيان لتغير الاحكام التكوينية عن الحياة الاولى في الدنيا.
ثم إن اضافة الأيام إلى الله له دلالة على ظهور سلطان قاهرية ملكوت الله في هذه الايام الثلاثة، ومن ثم لا يكون فيها دولة ولا ملك لغير الدولة الإلهية والملك الإلهي، ولذلك ورد عنهم أن ليس لغيرهم دولة في الرجعة أو بعد الظهور، وان دولتهم لا تزول وأنهم أوتوا الملك في ثلاثة مواطن ملك دولة الظهور وملك الرجعة وملك القيامة، فضلا عن ملك الجنة لهم.
وبالتالي فإن ملكهم يشتد أكثر في الرجعة من الظهور، بل يشتد في أثناء كل من الظهور والرجعة على مراتب إلى أن يتدرج في الاشتداد إلى أوجه يوم القيامة، فضلا عن شدته في الجنة على القيامة.
وفي جملة من الروايات أن ملك الرجعة أعطيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، أي يكون المحور فيه أمير المؤمنين كما استفاضت بذلك الروايات، وملك القيامة وملك الجنة أعطيه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي يكون المحور فيه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ثم ان وراء عالم القيامة عالم الجنة الابدية وقد ورد مستفيضا أيضا أن لهم (عليهم السلام) ملك الجنة وهو أعظم من ملك القيامة.
ثم إن التعبير باليوم فِي الاستعمال القرآني والروائي بمعنى العالم كَمَا فِي قوله تَعَالَى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ يعني عالم القيامة وقوله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ إشارة إلى عالم الرجعة ومما يوضح أنَّ اليوم عالم قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾(٤٨).

الفصل الأول: الرجعة أعظم علامات الظهور

إطلاق الرجعة عَلَى الظهور وإطلاق الظهور عَلَى الرجعة:
أمَّا إطلاق الرجعة عَلَى ظهور الإمام الثَّانِي عشر (عجّل الله فرجه) فَقَدْ وَرَدَ فِي مصباح الزائر وفي زيارة القائم (عجّل الله فرجه) فِي السرداب «... ووفقني فَإنَّ توفيتني قبل ذَلِكَ فاجعلني فيمن يكرّ فِي رجعته ويملك في دولته»(٤٩). وفي مزار المشهدي فِي زيارة الإمام الثَّانِي عشر فِي السرداب «... اللهمَّ إنِّي أدين لك بالرجعة بين يدي صاحب هَذِهِ البقعة»(٥٠). 
وفي مصباح المُتهجّد فِي دعاء يَوُم دحو الأرض «... وعجّل فرج أوليائك واردد عَلَيْهِم مظالمهم وأظهر بالحق قائمهم واجعله لدينك مُنتصراً... اللهمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى جميع آبائه واجعلنا مِنْ صحبه وأسرته وابعثنا فِي كرّته حَتّى نكون فِي زمانه مِنْ أعوانه»(٥١). 
أمَّا إطلاق الظهور عَلَى الرجعة فَقَدْ وَرَدَ فِي زيارة الأئمة كثيراً كزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وزيارة الحسين (عليه السلام) وغيرها.
وَقَدْ وَرَدَ إطلاق الغيبة عَلَى الموت والظهور عَلَى بعث الرجعة فِي زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) «لائذٌ ببابك الذي فيه غبت وَمِنْهُ تظهر حَتّى تمكّن دينه الذي ارتضى وتبدِّل بَعْدَ الخوف أمناً»(٥٢). 
الصيحة للظهور ينادى فيها بالرجعة:
إنَّ بدء الرجعة للمؤمنين وكذا الكافرين قُبيل ظهور الحجة (عجّل الله فرجه) وإنَّ أوَّل ما يُنادى فِي الصيحة مِنْ السماء، كَمَا وَرَدَ فِي الروايات يُنادى بالرجعة «هَذَا عليٌّ قَدْ كرّ...» قبلَ أنْ يُنادي بظهور المهدي (عجّل الله فرجه) مما يَدُلّ عَلَى أنَّ الرجعة هِيَ العنوان الأكبر للظهور، وأنَّ الظهور فاتحة للرجعة وفاتحة دولة أئمة أهل البيت الاثني عشر.
ونذكر جملة من الروايات في التلازم بينهما:
الأولى: روى قطب الدين الراوندي وقال الرضا (عليه السلام): لابد من فتنة صماء صيلم يسقط فيها كل بطانة ووليجة وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض وكم من مؤمن متأسف حران حيران حزين عند فقدان الماء المعين كأني بهم شر ما يكونون وقد نودوا نداء يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، يكون رحمة للمؤمنين، وعذابا على الكافرين.
فقال له الحسن بن محبوب: وأي نداء هو؟ قال: ينادون في [شهر] رجب ثلاثة أصوات من السماء:
صوتا: ألا لعنة الله على الظالمين. والصوت الثاني: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَة﴾ يا معشر المؤمنين.
والصوت الثالث - يرون بدنا بارزا نحو عين الشمس -: هذا أمير المؤمنين قد كرّ في هلاك الظالمين.
وفي رواية الحميري: والصوت الثالث: بدن يرى في قرن الشمس يقول: «إن الله بعث فلانا فاسمعوا له وأطيعوا»(٥٣) وفي غيبة الطوسي «هذا أمير المؤمنين قد كر في هلاك الظالمين».(٥٤)
ونظير رواية الحميري رواية النعماني(٥٥). وكذلك رواية الطبري في دلائل الإمامة(٥٦). 
وفي رواية الخزاز القمي «والثالث ترون بدنا بارزا مع قرن الشمس ينادي» ألا أن الله قد بعث فلان بن فلان - حتى ينسبه إلى علي - فيه هلاك الظالمين»، فعند ذلك يأتي الفرج ويشفي الله صدورهم ويذهب غيظ قلوبهم.(٥٧)
الثانية: روى الكليني بسنده عن الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اختلاف بني العباس من المحتوم والنداء من المحتوم وخروج القائم من المحتوم، قلت: وكيف النداء؟ قال: ينادي مناد من السماء أول النهار: ألا إن عليا وشيعته هم الفائزون، قال: وينادي مناد [في] آخر النهار: ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون(٥٨). وروى قريبا منه في الخرائج.(٥٩)
الثالثة: روى عبد الله بن سنان، قال: قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسمعت رجلا من همدان يقول له: إن هؤلاء العامة يعيرونا، ويقولون لنا: إنكم تزعمون أن مناديا ينادي من السماء باسم صاحب هذا الأمر، وكان متكئا فغضب وجلس، ثم قال: لا ترووه عني، وأرووه عن أبي، ولا حرج عليكم في ذلك، أشهد أني قد سمعت أبي (عليه السلام) يقول: والله إن ذلك في كتاب الله (عزَّ وجلَّ) لبين حيث يقول: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين﴾، فلا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلا خضع وذلت رقبته لها فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء: ألا إن الحق في علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشيعته، ثم ينادي: ألا إن الحق في عثمان بن عفان وشيعته فإنه قتل مظلوما فاطلبوا بدمه، قال: فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق وهو النداء الأول ويرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض، والمرض والله عداوتنا، فعند ذلك يتبرأون منا ويتناولونا، فيقولون: إن المنادي الأول سحر من سحر أهل هذا البيت، ثم تلا أبو عبد الله (عليه السلام) قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِر﴾(٦٠).
ولا يخفى أن النداء باسم علي (عليه السلام) هو نداء للرجعة وللبشارة بالرجعة وبدء وقوعها، ومع ذلك جعل هذا النداء في روايات مستفيضة هو شعار ونداء وبشارة لظهور المهدي القائم (عجّل الله فرجه)، بل في جملة من الروايات المستفيضة جعل تأويل الآية التي تظهر في السماء وتظل أعناقهم لها خاضعين هي النداء باسم القائم وابيه مما يدلل على ان النداء للرجعة وللظهور متحد ومتطابق ومتداخل ومتشابك.
الرابعة: رواية ابن راشد البجلي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «أما إن النداء من السماء باسم القائم في كتاب الله لبين».
فقلت: فأين هو أصلحك الله؟ فقال: في ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ المُبِين﴾ قوله: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين﴾، قال: «إذا سمعوا الصوت أصبحوا وكأنما على رؤوسهم الطير»(٦١). 
الخامسة: وفي رواية اخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام)...... والنداء من السماء. فقلت: وأي شيء يكون النداء؟ فقال: «مناد ينادي باسم القائم واسم أبيه (عليهما السلام)»(٦٢)
السادسة: روى ناجية القطان أنه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إن المنادي ينادي: إن المهدي من آل محمد فلان ابن فلان باسمه واسم أبيه، فينادي الشيطان: إن فلانا وشيعته على الحق - يعني رجلا من بني أمية.(٦٣)
السابعة: موثق زرارة بن أعين، قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ينادي مناد من السماء: إن فلانا هو الأمير، وينادي مناد: إن عليا وشيعته هم الفائزون».
قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟ فقال: إن الشيطان ينادي: «إن فلانا وشيعته هم الفائزون - لرجل من بني أمية»(٦٤). 
ومفاده ان في النداء الواحد يجمع بين اسم المهدي (عليه السلام) واسم علي (عليه السلام) فهو صريح في الجمع بين الظهور وعنوان الرجعة.
الصيحة تلازم وتزامن الرجعة:
الثامنة: ما رواه القمي في الصيحة في حديث طويل صحيح لعبد الله بن سنان، قال علي بن إبراهيم: حدثني أبي عن عبد الله بن المغيرة الخزاز (الجزار ط) عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: إذا سألتم الله فاسألوه الوسيلة فسألنا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الوسيلة،... قال فيخلق الله خلقا يومئذ يملأ بهم الجنة قال أبو عبد الله (عليه السلام): طوبى لهم انهم لم يروا غموم الدنيا وهمومها...
﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ المُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيب﴾ قال ينادي المنادي باسم القائم (عليه السلام) واسم أبيه (عليه السلام) قوله ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج﴾ قال صيحة القائم من السماء، ذلك يوم الخروج قال هي الرجعة.(٦٥) 
وبحسب هذا البيان للآية تطابق يوم الصيحة السماوية للظهور مع يوم خروج الأموات من القبور راجعين الى الدنيا اي بدء وقوع الرجعة. وما دلت عليه الآية بتفسير الرواية هو ما ورد في روايات أخرى أن أوائل شهر رجب يوم لكل من الصيحة السماوية ولرجوع الأموات لنصرة المهدي (عليه السلام) لاسيما السبعة والعشرين.
التاسعة: وروى عن أحمد بن إدريس قال حدثنا محمد بن أحمد عن عمر بن عبد العزيز عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج﴾ «قال هي الرجعة».
قال علي بن إبراهيم في قوله ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ قال في الرجعة(٦٦). 
العاشرة: وروى في مختصر البصائر عن احمد بن محمد بن عيسى عن عمر بن عبد العزيز عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له قول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد﴾ قال ذلك والله في الرجعة اما علمت أن أنبياء الله كثيرا لم ينصروا في الدنيا وقتلوا وائمة قد قتلوا ولم ينصروا فذلك في الرجعة قلت واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج قال هي الرجعة(٦٧). 
الحادية عشر: وفي فرائد السمطين عن الحسن بن خالد قال:
قال علي بن موسى الرضا (عليه السلام): «لا دين لمن لا ورع له، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم: أي أعملكم بالتقوى. ثم قال: إن الرابع من ولدي ابن سيدة يطهر الله به الأرض من كل جور وظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة، فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربها، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحد أحدا، وهو الذي تطوى له الأرض، ولا يكون له ظل، وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه، فان الحق فيه ومعه، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين﴾. وقول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿يَوْمَ يُنَادِ المُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيب * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج﴾» أي خروج ولدي القائم المهدي (عليه السلام)»(٦٨). 
الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والنداء السماوي (٦٩):
ذكر أهل البيت في الكتاب المقدس:
يمكن أن نلحظ من خلال بشارة (يوحنا) الإشارة إلى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) حيث جاء في (سفر يوحنا).
وا ايريه ملآخ - معوفيف بحتسي هشاميم - أو بفيو بسورت عولام لبسير إت يوشويه هآرتس - وي لا شون واعم - ويقرا بقول گدول:
يرؤا إت ها إيلوهيم - وا هابوا لو كابود - كي باءى عيت مشفاطو وي هشتحوو الا عوسيه شامايم - وا آرتس إت هيام أو قعينوت همايم
ويعني هذا النص:
ثم رأيت ملاكا طائرا في وسط السماء معه بشارة أبدية ليبشر الساكنين على الأرض وكل أمة وقبيلة ولسان وشعب. مناديا بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجدا لأنه قد جاءت ساعة حكمه واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه.
نجد في هذا النص الذي أخبر عنه (يوحنا) إشارة إلى (الصيحة الحق)، قال تعالى: (فاستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج). فالقائم (عجّل الله فرجه) ينادي باسمه واسم أبيه حسب ما جاء في الآية، وما جاء في آية (الصيحة بالحق) هي صيحة القائم من السماء وذلك يوم الخروج، ونلاحظ بعد تحليل (النص العبري) من الناحية اللغوية أن المنادي الذي ينادي في السماء حيث عبر عنه (بالملاك الطائر) يحمل بشارة أبدية للعالم:
(بسورت عولام)، ولفظة (بسورت) اسم مضافه إلى (عولام): أي العالم وهي مشتقة من الفعل (بسير): أي: (بشر، نبأ).
وهذه البشارة الأبدية لجميع سكان الأرض: (يوشويه هآرتس) ولفظة يوشويه: سكان مشتقة من الفعل (ياشو): (سكن وأقام) وأما (هآرتس) فتعني: (الأرض). ثم هناك تفصيل آخر بأن هذه «البشارة الأبدية» حسب النص العبري تشمل: (كل گوي): كل أمة، و(كل مشبحا): كل قبيلة، و(كل لا شون): كل لغة، و(كل عام): كل شعب.
ثم نجد تأكيدا على مسألة مهمة أخرى وهي الإخبار بقرب ساعة حكم الرب. بواسطة دولة الإمام (عجّل الله فرجه): (باءى عيت مشفاطو) أي: (قرب وقت حكمه)، (فباءى) مشتقة من الفعل (با) أي: (قرب، جاء)، وعيت: تعني: (وقت، مدة) وأما (مشفاطو) فجاء هنا كإسم بمعنى (حكم، قضاء)، والفعل منه (شافط): (حكم، قضى).
تزامن دولتهم الظاهرة مع الرجعة تلازما:
﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾.
والآية تبين التلازم بين أمر موعود به العصاة الأعداء لله ولرسوله وهو الانتقام منهم بالدولة الظاهرة لآل محمد والرجعة للأموات وبها يزداد عدد الأنصار وقوة الناصر كما سيأتي عدة آيات من سور أخرى(٧٠) دالة هي الأخرى على ذلك ومفاده التلازم بين الظهور والرجعة، بل استدل بها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة على تلازم وتزامن الظهور والرجعة وأن رجعة أنصار آل محمد وحوارييهم هي قبيل الظهور.
وتشرح هذا التلازم في الآية وعلله عدة روايات كما سيأتي.
الثانية عشر: روى القمّي فِي تفسيره قوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ قَالَ القائم وأمير المؤمنين (عليه السلام) فِي الرجعة ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ قَالَ: هُوَ قول أمير المؤمنين صلوات الله عَلَيْهِ لزُفَر «والله يا بن صهّاك لولا عهد مِنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكتاب مِنْ الله سبق لعلمت أيّنا أضعف ناصراً وأقلّ عدداً» قَالَ فلما أخبرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يكون مِنْ الرجعة قالوا: متى يكون هَذَا؟ قَالَ الله تَعَالَى [قل] يا مُحمَّد ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾(٧١). 
والرواية تشير بوضوح على دلالة الآية عَلَى التلازم بين ظهور دولتهم ووقوع الرجعة من أن كليهما من الوعد الإلهي الذي لا خلف له.
وان الظهور مشتبك في حقيقته مع حقيقة الرجعة وتقارن دولتهم عند قرب إقامتها وقيامها مَعَ تحقُّق الرجعة معها.
وقريب من مضمونها انه كتاب مؤجل سابق في علم الله تعالى ما رواه الصدوق في علل الشرايع(٧٢)، والطبري في المسترشد(٧٣)، والكليني في الكافي(٧٤) وسليم بن قيس في كتابه(٧٥). 
الثالثة عشر: روى فِي الكافي بسنده عَنْ عبد الله بن القاسم البطل عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ قال: قتل الحسين (عليه السلام) ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ إذَا جاء نصر دم الحسين ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ﴾ قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم فلا يدعون وتراً لآل مُحمَّد إلَّا قتلوه ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولا﴾ خروج القائم (عليه السلام) ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾ خروج الحسين (عليه السلام) في سبعين من أصحابه»(٧٦).
ورواه العياشي عن صالح بن سهل(٧٧). 
ويحتمل إرادة البعث من القبور وان احتمل ارادة الخروج والنهضة من البعث لكن سيأتي عدة من الروايات(٧٨) التي تشير الى ان مفاد الآية في رجعة المؤمنين مع القائم (عجّل الله فرجه) وأئمة اهل البيت (عليه السلام).
 مما يعين صحة تفسير البعث في الآية بمعنى البعث من القبور والرجعة، ولا ينافي ذلك تأويلها أو تفسيرها بمعنى الخروج والحركة والنهوض بعد احتمال الآية الواحدة لجملة من المعاني تفسيرا أو تأويلا.
ورواه في كامل الزيارات بسند حسن عن عبد الله بن قاسم الحضرمي، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) وطعن الحسن بن علي (عليهما السلام)، ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾، قتل الحسين بن علي (عليهما السلام)، ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا﴾، قال: إذا جاء نصر الحسين (عليه السلام)، ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ﴾، قوما يبعثهم الله قبل قيام القائم (عليه السلام)، لا يدعون وترا لآل محمد الا أحرقوه، ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولا﴾.(٧٩) 
وذيل الرواية يستشهد بذيل الآية الذي هو وعد مفعول اي لا يقع فيه بداء لأن الله لا يخلف وعده وميعاده، بينما بقية العلامات الحتمية للظهور فيها المشية الإلهية والبداء كما سيأتي دلالة الروايات على ذلك.
فبعث الأموات ورجعتهم ممن يقومون بنصرة آل محمد من الوعد الإلهي المفعول المضمون.
الرابعة عشر: رواية النعماني بسنده عن جابر، قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): كيف تقرأون هذه السورة؟ قلت: وأية سورة؟ قال: سورة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع﴾. فقال: ليس هو سأل سائل بعذاب واقع، إنما هو سال سيل وهي نار تقع في الثوية، ثم تمضي إلى كناسة بني أسد، ثم تمضي إلى ثقيف فلا تدع وترا لآل محمد إلا أحرقته»(٨٠).
وروى ايضا بسنده عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع﴾ قال: «تأويلها فيما يأتي في عذاب يقع في الثوية - يعني نارا - حتى ينتهي إلى الكناسة كناسة بني أسد حتى تمر بثقيف لا تدع وترا لآل محمد إلا أحرقته، وذلك قبل خروج القائم (عليه السلام)»(٨١)
وهاتان الروايتان تفصح عن وعد إلهي في آية ثالثة بأن الذي يأخذ بالوتر لآل محمد قبيل الظهور هو حركة منطلقها من الثوية بالكوفة، المعبر عنها في الرواية بالنار تقع وتمضي حتى تبلغ الحجاز لأن ثقيف هي بالحجاز وأما كناسة بني أسد فهي في الكوفة، وأمّا الثوية فإشارة الى ظهر الكوفة وظهر الكوفة إشارة الى بعث ورجوع الأموات الموعود به في روايات عديدة.
فخريطة مبدأ ومسير هذه الحركة والنهضة ومنتهاها منطبق تماما على ما رسم في الروايات الأخرى لأهل الرجعة الأموات الراجعين الى الحياة الدنيا من دور لعدة منهم السبعة والعشرين ومن يصاحبهم من بقية الموتى الراجعين، وهي شديدة الانطباق على حركة أهل الرجعة من الأموات الراجعين الذين يبعثون ويظهرون من ظهر الكوفة وهو ينطبق على الثوية.
 وقد اشارت الروايات الآتية الى ان الموتى الراجعين يشهرون سيوفهم ويضربون كل عدو لله ولرسوله ولأهل البيت.
سر ارتباط ظهور المهدي بحصول الرجعة قبله كعلامة للظهور:
المفيد وبن فتال والطبرسي:
الخامسة عشر: روى فِي الإرشاد فِي ذكر علامات قيام القائم (عجّل الله فرجه)، قَالَ: وَرَدَتْ الآثار بذكر علامات لقيام القائم المهدي (عجّل الله فرجه) وحوادث تكون أمام قيامه وآيات ودلالات:..... ونداء من السماء يسمعه أهل الأرض كل أهل لغة بلغتهم ووجه وصدر يظهران للناس في عين الشمس وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاوجون ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتصل فتحيى بها الأرض بعد موتها وتعرف بركاتها ويزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي (عليه السلام) فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه لنصرته كما جاءت بذلك الأخبار(٨٢). 
وروى ذلك بنفس اللفظ بن فتال في روضة الواعظين(٨٣). 
قال الشَّيْخ الطبرسي فِي سورة النمل ذيل الآية: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾، قَالَ: «قَدْ تظاهرت الأخبار عَنْ أئمة الهدى مِنْ آل مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي أنَّ الله تَعَالَى سيعيد عِنْدَ قيام المهدي قوماً ممن تَقَدَّمَ موتهم مِنْ أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته ويعيد أيضاً قوماً مِنْ أعدائه لينتقم منهم وينالوا بَعْض ما يستحقونه مِنْ العذاب فِي القتل عَلَى أيدي شيعته والذل والخزي بما يشاهدون مِنْ علو كلمته»(٨٤). 
وسبب التلازم:
١ - أنَّ دولتهم توجب تطوّر الطبيعة وتكاملها بما يُؤهِّل رجوع الموتى الى الدنيا ليستوفوا تكاملهم ولا سيما بأنَّ البرزخ مِنْ حاشية وأطوار الدُّنْيَا ومرحلة عبور إلى الرجعة.
٢ - وأنَّ مُقتضى العدالة الَّتِي تقام فِي رجعتهم هُوَ المُقاضاة والانتصاف للمظلومين الشامل للموتى المظلومين مِنْ الظالمين ولو كانوا موتى لعموم وعمومية العدل للكلّ مِنْ الأحياء والأموات لا سيما وأنَّ الموت مُضطجَع قريب مِنْ الدُّنْيَا كَمَا تقدم تقريره وتحريره فِي حقيقة الموت والرجعة، وَهَذَا مِنْ خواص دولتهم أيّ عمومية العدل الشمولي.
٣ - أن النصر المؤزر للظهور لا يتم إلا بإسهام رجوع الموتى الحواريين من أصحاب الأئمة إذ لهم قابليات تفوق الأحياء بسبب ذهابهم الى البرزخ فيعودون بقدرات تفوق الأحياء.
السادسة عشر: روى الطبري بسنده عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا قام القائم (عليه السلام) استنزل المؤمن الطير من الهواء، فيذبحه، فيشويه، ويأكل لحمه، ولا يكسر عظمة، ثم يقول له: إحي بإذن الله. فيحيا ويطير، وكذلك الظباء من الصحارى..... ولا يكون لإبليس هيكل يسكن فيه - والهيكل: البدن - ويصافح المؤمنون الملائكة، ويوحى إليهم، ويحيون - ويجتمعون - الموتى بإذن الله...(٨٥). 
لا ظهور بلا رجعة ولا رجعة بلا ظهور:
تزامن وتلاحم الرجعة والظهور:
قَدْ وَرَدَ فِي الروايات مضافا الى السابقة أنَّ قبل الظهور بستة أشهر أيّ فِي العشرة الأولى مِنْ شهر رجب يرجع إلى الدُّنْيَا أعضاء الحكومة المركزية للإمام (عليه السلام)، وَهُنَاك رجعة مواكبة لنفس أيام الظهور لأفواج للمؤمنين، وأن أعظم علامات الظهور (العجب كل العجب ما بين جمادي ورجب) وهو عبارة عن محاور:
أولها: أن هذا العجب مغاير للعلامات الخمس الحتمية وهو أعظم منها بل وأعظم من الصيحة السماوية وأعظم من الخسف لجيش السفياني بالبيداء، وهو عبارة عن رجوع سبعة وعشرين شخصا من الأموات الى الحياة الدنيا، وهم يشكلون الحكومة المركزية لدولة الأمام المهدي (عجّل الله فرجه) وهم عبارة عن سلمان والمقداد ومالك الأشتر وأبو دجانة الأنصاري وأصحاب الكهف ونقباء بني إسرائيل، وهؤلاء هم وزراء الأمام المهدي (عجّل الله فرجه) من أصحابه الثلاثمائة وثلاثة عشر.
ثانيها: إن رجوع هؤلاء مصاحب مع رجوع آلاف الأموات من المؤمنين الى الحياة الدنيا، وهم أنصار للأمام المهدي (عجّل الله فرجه) وأعوان لوزرائه المتقدم رجوعهم ايضا. وكل من الوزراء والأعوان يرجعون من أرض ظهر الكوفة.
ثالثها: إن هذه العلامة للظهور لا بداء فيها كما هو الحال في ظهور الأمام المهدي (عجّل الله فرجه) لا بداء فيه لأنهما من الميعاد، ولا يخلف الله تعالى وعده، اي أن الظهور والرجعة من الميعاد الإلهي، بخلاف العلامات الخمس من الصيحة السماوية والسفياني والخسف لجيشه بالبيداء والحسني واليماني، فإن فيها البداء وإن كانت من المحتوم.
رابعها: إن السبعة والعشرين نفر من الموتى الراجعين الى الحياة يوطئون لظهور المهدي (عجّل الله فرجه) وذلك بسيطرتهم على العراق فيطهرون الكوفة من كل مرتاب في فضل اهل البيت ومن كل مناوئ لهم، فيمسكون بالأرض والأوضاع ثم يذهبون الى الحجاز ويسيطرون عليها، ثم يعجلون بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لكي يظهر، وهم أول من يبايعه عند الركن والمقام.
خامسها: إن هذه العلامة التي هي الأعظم من بين علامات الظهور تقع في أول رجب متزامنة مع العلامات الخمس لأنها أيضا تبدء في الوقوع في أول رجب عدا الخسف بالبيداء.
سادسها: كل هذه المحاور مروية في روايات عديدة بألفاظ مختلفة وبتجميعها وتنسيقها تعطي صورة واضحة عن الظهور.
سابعها: إن العلامات الأخرى قد يلبسها ويتصنعها بتزييف الأدعياء والكذابين والمفترين والدجالين، وهذا بخلاف هذه العلامة وهي رجعة الأموات من وزراء المهدي (عجّل الله فرجه) وأعوانه، وتكون فاضحة لكل دجال ولكل دعي زيفي.
ثامنها: إن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) قد كرر ذكر هذه العلامة على منبر الكوفة كرارا تكرارا مرارا الى درجة أخذ اطفال الكوفة بالرجز بها وهي (العجب كل العجب بين جمادي ورجب) والى درجة اصبحت هذه العبارة من أمثلة العرب التي تضرب في المحاورات. وقد روى ذلك كل من الفريقين في طرقهم.(٨٦)
تاسعها: إن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يذكرا في وصف هذه العلامة العجب أعظم العجب ولا غالب العجب ولا أكثر العجب ولا أهم العجب ولا أكبر العجب، بل حصر كل العجب في ما بين جمادي ورجب ثم فسره بالرجعة بأنه رجوع أموات الى الحياة الدنيا يضربون هامات الأحياء فكأنهما صلوات الله عليهما لا يقيما أهمية للخمس العلامات في قبال هذه العلامة.
والروايات في هذه المحاور مضافا للسابقة:
إنباء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعلامة العجب كل العجب:
السابعة عشر: ما رواه بن طاووس – وغيره أيضاً - بسنده عن أبي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «تكون آية في رمضان، ثم تظهر عصابة في شوال، ثم تكون معمعة في ذي القعدة، ثم يسلب الحاج في ذي الحجة، ثم تنتهك المحارم في المحرم، ثم يكون الصوت في صفر، ثم تنازع القبائل في شهري ربيع، ثم العجب كل العجب بين جمادى ورجب، ثم ناقة مقتبة خير من دسكرة تغل مائة ألف».(٨٧) ورواه نعيم بن حماد في الفتن(٨٨) ورواه الحاكم في المستدرك.(٨٩)
أسماء السبعة والعشرين الراجعين قبيل الظهور:
الثامنة عشر: وروى الطبري – وغيره كما سيأتي - في دلائل الإمامة بسنده عن زاذان، عن سلمان (رضي الله عنه)، قال: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إن الله (تبارك وتعالى) لم يبعث نبيا ولا رسولا إلا جعل له اثني عشر نقيبا. فقلت: يا رسول الله، لقد عرفت هذا من أهل الكتابين. فقال: يا سلمان: هل علمت من نقبائي ومن الاثني عشر الذين اختارهم الله للأمة من بعدي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم.
فقال: يا سلمان، خلقني الله من صفوة نوره، ودعاني فأطعته، وخلق من نوري عليا، ودعاه فأطاعه، وخلق من نور علي فاطمة، ودعاها فأطاعته، وخلق مني ومن علي وفاطمة: الحسن، ودعاه فأطاعه، وخلق مني ومن علي وفاطمة: الحسين، فدعاه فأطاعه.
ثم سمانا بخمسة أسماء من أسمائه، فالله المحمود وأنا محمد، والله العلي وهذا علي، والله الفاطر وهذه فاطمة، والله ذو الاحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين.
ثم خلق منا ومن نور الحسين، تسعة أئمة، فدعاهم فأطاعوه، قبل أن يخلق سماء مبنية، وأرضا مدحية، ولا ملكا ولا بشرا، وكنا نورا نسبح الله، ونسمع له ونطيع. قال سلمان: فقلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فما لمن عرف هؤلاء؟
فقال: يا سلمان، من عرفهم حق معرفتهم، واقتدى بهم، ووالى وليهم، وتبرأ من عدوهم، فهو والله منا، يرد حيث نرد، ويسكن حيث نسكن.
فقلت: يا رسول الله، وهل يكون إيمان بهم بغير معرفة بأسمائهم وأنسابهم؟ فقال: لا يا سلمان.
 فقلت: يا رسول الله، فأنى لي بهم وقد عرفت إلى الحسين؟ قال: ثم سيد العابدين علي بن الحسين، ثم ابنه محمد بن علي باقر علم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم ابنه جعفر بن محمد لسان الله الصادق، ثم ابنه موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبرا في الله (عزَّ وجلَّ)، ثم ابنه علي بن موسى الرضي لأمر الله، ثم ابنه محمد بن علي المختار من خلق الله، ثم ابنه علي بن محمد الهادي إلى الله، ثم ابنه الحسن بن علي الصامت الأمين لسر الله، ثم ابنه محمد بن الحسن الهادي المهدي الناطق القائم بحق الله.
تشابك حقيقة الرجعة مع الظهور:
ثم قال: يا سلمان، إنك مدركه، ومن كان مثلك، ومن تولاه بحقيقة المعرفة. قال سلمان: فشكرت الله كثيرا ثم قلت: يا رسول الله وإني مؤجل إلى عهده؟.
استدلال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالآية على تزامن الظهور والرجعة:
قال: يا سلمان اقرأ ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.
قال سلمان: فاشتد بكائي وشوقي، ثم قلت: يا رسول الله، أبعهد منك؟
فقال: إي والله، الذي أرسل محمدا بالحق، مني ومن علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة، وكل من هو منا ومعنا، ومضام فينا، إي والله يا سلمان، وليحضرن إبليس وجنوده، وكل من محض الإيمان محضا ومحض الكفر محضا، حتى يؤخذ بالقصاص والأوتار، ولا يظلم ربك أحدا.
ويحقق تأويل هذه الآية: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون﴾ قال سلمان: فقمت من بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما يبالي سلمان متى لقي الموت، أو الموت لقيه.(٩٠) ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى بطريق آخر ورواه ايضا ابن عياش الجوهري في مقتضب الأثر بطريق ثالث في وسط الطريق(٩١) والثلاثة متقاربون في الطبقة. ومفاد الرواية عدة أمور:
رجعة حواريي الأئمة عند الظهور وعدا إلهيا مفعولاً:
منها: أن رجعة سلمان - ومن هو مثله في رتبته ممن تولى القائم (عجّل الله فرجه) بحقيقة المعرفة من قبيل بقية السبعة والعشرين وغيرهم من حواريي الأئمة - مع ظهور المهدي (عجّل الله فرجه) قد وعد بها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)،، بل وعد بها الله تعالى في محكم كتابه كما ينبه على ذلك النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في استشهاده بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولا﴾ أن رجعة - ورجوع حواريي المعصومين عند أوان قيام دولة الحق دولة الظهور – هو وعد إلهي مفعول لا بداء فيه بنص الآية. ثم إن هناك عدة روايات من ائمة أهل البيت وعدوا برجوع حوارييهم مع القائم (عليه السلام) أو في رجعتهم استشهادا بالآية المزبورة.
فرجعتهم كالرجعة العامة من الميعاد كالمعاد، ولا يخلف الله وعده وانها من الوعد الإلهي بالاستخلاف في الأرض، وهذا بخلاف العلامات الحتمية الخمس الأخرى فرغم أنها من المحتوم فإن فيها البداء كما سيأتي.
ومنها: تكرر رجوع سلمان وأمثاله مع رجعة كل المعصومين.
ومنها: بيانه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن الظهور مرتبط بحقيقة ووقوع الرجعة ومن ثم استشهد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بآية الكرة وأن مجيء الوعد الإلهي بظهور دولة الحق مزامن (لرددنا لكم الكرة) وهي الرجعة.
ومنها: أن الراجعين لهم بأس شديد لما يمتلكون من أطوار تكوينية مروا بها نتيجة الموت والبرزخ ثم الإحياء مرة أخرى، كما هو مشاهد عند من حصلت له تجربة الموت.
وأسند الثعلبي في تفسير ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ إلى أنس قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة، وذكر نفسه وخمسة سماهم من أهل بيته، ثم قال: والمهدي، وفي تفسيره أن أهل الكهف يحييهم الله للمهدي.
وقال الطبرسي في ذيل قوله تعالى ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون﴾: وروى أصحابنا أنهم يخرجون مع قائم آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
أعضاء الحكومة المركزية للقائم (عجّل الله فرجه) مِنْ الراجعين مِنْ الموت فِي شهر رجب:
التاسعة عشر: وروى العياشي عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله «(عليه السلام)» قال: إذا قام قائم آل محمد استخرج من ظهر الكعبة [الكوفة](٩٢) سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكهف، ويوشع وصي موسى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي، وأبا دجانة الأنصاري، ومالك الأشتر.(٩٣) 
أول أصحاب المهدي (عليه السلام) اتصالا به، السبعة والعشرون أهل الرجعة:
العشرون: وروى المفيد في الإرشاد وبن فتال في روضة الواعظين والطبرسي في أعلام الورى عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يخرج القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلا، خمسة عشر من قوم موسى (عليه السلام) الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالك الأشتر، فيكونون بين يديه أنصارا وحكاما».(٩٤) وبنفس اللفظ للرواية في روضة الواعظين.(٩٥) 
وقد أشارت بعض الروايات أن ظهوره الأصغر - والذي يلابسه نمط من الخفاء كالحال في الغيبة الصغرى - الذي يبدأ من أول رجب عند الصيحة السماوية - حيث جعلت غاية ومنتهى للغيبة الكبرى في التوقيع المبارك الذي ورد على يد النائب الرابع السمري - هو في الكوفة ثم ينتقل خفاءً الى الحجاز وينتقل فيما بين المدينة ومكة.
 ومفاد رواية الإرشاد وروضة الواعظين ورواية العياشي التي قبلهما: ان الراجعين السبعة والعشرين هم أول من يرتبط به من أصحابه لاسيما انهم يوطئون أرض العراق وسكك الكوفة كما تشير الروايات الآتية، وكذلك هم الذين يقبل معهم في البيت الحرام عند الظهور الأكبر كما في بعض الروايات الآتية. ومن ثم ورد التعبير في بعض آخر من الروايات الآتية انه (عليه السلام) يخرجهم من ظهر الكعبة، وإن كان التعبير في بعض آخر انه (عليه السلام) يخرجهم من ظهر الكوفة ولا تنافي بينهما بهذا اللحاظ أو بلحاظ أن الكوفة تقع باتجاه ظهر الكعبة باعتبار أن ضلع الكعبة الذي فيه بابها هو وجهها.
السبعة والعشرون الراجعون يوطئون (يمهدون) العراق والحجاز للظهور:
الواحدة والعشرون: وروى الطبري في دلائل الإمامة بسند عن المفضل بن عمر، قال: قال أبوعبد الله (عليه السلام): إذا ظهر القائم (عليه السلام) من ظهر هذا البيت، بعث الله معه سبعة وعشرين رجلا، منهم أربعة عشر رجلا من قوم موسى (عليه السلام)، وهم الذين قال الله (تعالى): ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون﴾، وأصحاب الكهف ثمانية، والمقداد وجابر الأنصاري، ومؤمن آل فرعون، ويوشع بن نون وصي موسى (عليهما السلام).(٩٦) 
وهذه الرواية ايضا دالة على اختصاص وقرب السبعة والعشرين الراجعين للمهدي (عجّل الله فرجه) نصرة وتدبيرا.
وأيضا مفادها اختصاص السبعة والعشرين بالمهدي (عجّل الله فرجه) في أوائل ظهوره من البيت الحرام وأنهم أول من يتصل به من أصحابه الثلاثمائة والثلاثة عشر وأن السبعة والعشرين كما يوطئون العراق للظهور هم الذين يوطئون له في أرض الحجاز وسيأتي أن أوائل من يتصل به من أصحابه في مكة يعجلون به لكي يبادر الى الظهور.
كثرة الراجعين النخب للنصرة عند الظهور:
الثانية والعشرون: فِي حديث مِنْ خطبة المخزون لأمير المؤمنين (عليه السلام) وفيها... ويقول القائم... وعدّة أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر، منهم: تسعة مِنْ بني إسرائيل، وسبعون مِنْ الجنّ، ومائتان وأربعة وثلاثون، [منهم] فيهم: سبعون الَّذِيْنَ غضبوا للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذْ هجته مشركو قريش [الذين عصموا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ هجمته مشركوا قريش]، فطلبوا إلى نبيّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يأذن لهم فِي إجابتهم، فأذن لهم حَيْثُ نزلت هَذِهِ الآية: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا الله كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون﴾.
وعشرون مِنْ أهل اليمن، منهم: المقداد بن الأسود، ومائتان وأربعة عشر الَّذِيْنَ كانوا بساحل البحر مما يلي عدن، فبعث إليهم [نبيا] نبيّ الله برسالة فأتوا مسلمين، [وتسعة من بني إسرائيل]، ومن أفناء الناس ألفان وثمانمائة وسبعة عشر. ومن الملائكة أربعون ألفا من ذلك من المسومين ثلاثة آلاف ومن المردفين خمسة آلاف فجميع أصحابه (عليه السلام) سبعة وأربعون ألفا ومائة وثلاثون من ذلك تسعة رؤوس مع كل رأس من الملائكة أربعة آلاف من الجن والإنس عدة يوم بدر فبهم يقاتل وإياهم ينصر الله وبهم ينتصر وبهم يقدم النصر ومنهم نضرة الأرض(٩٧). 
ومفاد الرواية أن أكثر أنصار المهدي (عجّل الله فرجه) هم من النخب الراجعين من الموت سواء في عدة الثلاثمائة والثلاثة عشر أو في جيش الحلقة (العشرة آلاف). وأن إسهام الرجعة من الراجعين من الموت الى الحياة الدنيا في الظهور كبير جدا. كما قد ذكرت اسماء عدة ممن تعرضت لهم الروايات السابقة كالثلة من بني إسرائيل والمقداد بن الأسود الكندي - وهو من اليمن - أنه يبعث معه زمرة من الأموات من اليمن.
وفي الرواية الطويلة للخصيبي بسنده عن المفضل عن الصادق (عليه السلام):... ثم يسير المهدي (عليه السلام) إلى الكوفة وينزل ما بين الكوفة والنجف وعدة أصحابه في ذلك اليوم ستة وأربعون ألفا من الملائكة ومثلها من الجن [وستة آلاف من الجن] والنقباء ثلاثمائة وثلاثة عشر نفسا [رجلا].(٩٨)
النساء اللاتي يرجعن للحياة مع القائم (عليه السلام):
الثالثة والعشرون: عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يكر مع القائم (عليه السلام) ثلاث عشرة امرأة.
قلت: وما يصنع بهن؟ قال: يداوين الجرحى، ويقمن على المرضى، كما كان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). قلت: فسمهن لي. فقال القنواء بنت رشيد، وأم أيمن، وحبابة الوالبية، وسمية أم عمار بن ياسر، وزبيدة، وأم خالد الأحمسية، وأم سعيد الحنفية، وصبانة الماشطة، وأم خالد الجهنية.(٩٩)
وجوابه (عليه السلام) عن دورهن ليس في مقام الحصر بقرينة جعلهن من الثلاثمائة ونيف مما يدلل أن دورهن قيادي ضمن الوسط الداخلي لمجموعة اصحاب المهدي (عليه السلام).
كما في رواية العياشي عن جابر الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) - في حديث علامات الظهور -.... فيقوم القائم بين الركن والمقام فيصلى وينصرف ومعه وزيره، فيقول: يا أيها الناس انا نستنصر على من ظلمنا وسلب حقنا من يحاجنا في الله فانا أولى بالله ومن يحاجنا في آدم فانا أولى الناس بآدم، ومن حاجنا في نوح فانا أولى الناس بنوح، ومن حاجنا في إبراهيم فانا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجنا بمحمد فانا أولى الناس بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومن حاجنا في النبيين فانا أولى الناس بالنبيين ومن حاجنا في كتاب الله فنحن أولى الناس بكتاب الله، انا نشهد وكل مسلم اليوم انا قد ظلمنا وطردنا وبغي علينا وأخرجنا من ديارنا وأموالنا وأهالينا وقهرنا، الا انا نستنصر الله اليوم وكل مسلم ويجيئ (والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكة على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف يتبع بعضهم بعضا وهي الآية التي قال الله ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ فيقول رجل من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهي القرية الظالمة أهلها ثم يخرج من مكة هو ومن معه الثلاثمائة وبضعة عشر يبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد نبي الله ورايته وسلاحه ووزيره معه، فينادى المنادى بمكة باسمه وأمره من السماء حتى يسمعه أهل الأرض كلهم اسمه اسم نبي...)(١٠٠)
عظم عجبه (عليه السلام) من وقوع الرجعة في رجب:
الرابعة والعشرون: روى الصدوق بسنده عن الشعبي، قال: قال ابن الكواء لعلي (عليه السلام): يا أمير المؤمنين أرأيت قولك: «العجب بين جمادي ورجب» قال (عليه السلام): ويحك يا أعور هو جمع أشتات، ونشر أموات، وحصد نبات، وهنات بعد هنات، مهلكات مبيرات لست أنا ولا أنت هناك).(١٠١) 
توطئة أهل الرجعة العراق للظهور:
الخامسة والعشرون: روى في مختصر بصائر الدرجات خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) تسمى بالمخزون:.... إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان لا يعي حديثنا الا حصون حصينة أو صدور أمينة أو أحلام رزينة.
يا عجبا كل العجب بين جمادى ورجب فقال رجل من شرطة الخميس ما هذا العجب يا أمير المؤمنين قال ومالي لا أعجب وقد سبق القضاء فيكم وما تفقهون الحديث الا صوتات بينهن موتات حصد نبات ونشر أموات يا عجبا كل العجب بين جمادى ورجب.
قال أيضا رجل يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه قال ثكلت الآخر أمه وأي عجب يكون أعجب من أموات يضربون هامات الاحياء قال أنى يكون ذلك يا أمير المؤمنين.
قال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة كأني انظر إليهم قد تخللوا سكك الكوفة وقد شهروا سيوفهم على مناكبهم يضربون كل عدو لله ولرسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وللمؤمنين وذلك قول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور﴾.(١٠٢) 
وسيأتي في صحيح الفضيل بيان مفاد الآية انه في الرجعة قبيل الظهور وانها اكبر علامة للظهور على الإطلاق واعظم من العلامات الخمس المحتومة.
وهلاك اعداء آل محمد في العراق قبيل الظهور اشارت اليه روايات اخرى ايضا متطابقة مع دور السبعة وعشرين الراجعين من الموت نظير
رواية جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) عن قول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ﴾، فقال: يا جابر، ذلك خاص وعام، فأما الخاص من الجوع فبالكوفة، ويخص الله به أعداء آل محمد فيهلكهم، وأما العام فبالشام يصيبهم خوف وجوع ما أصابهم مثله قط. أما الجوع فقبل قيام القائم (عليه السلام). وأما الخوف فبعد قيام القائم (عليه السلام)(١٠٣)
السادسة والعشرون: ما رواه بطريق وبلفظ آخر محمد بن العباس بن ماهيار بسنده عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عمن سمع عليا (عليه السلام) يقول «العجب كل العجب بين جمادى ورجب» فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟
تمهيد أهل الرجعة البلاد الإسلامية للظهور:
فقال: ثكلتك أمك! وأي عجب أعجب من أموات يضربون كل عدو لله ولرسوله ولأهل بيته، وذلك تأويل هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور﴾ فإذا اشتد القتل قلتم: مات أو هلك أو أي واد سلك.
وذلك تأويل هذه الآية ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.(١٠٤)
وهذه الرواية اطلقت منطقة عمل الراجعين الممهد للظهور.
السابعة والعشرون: المدايني في كتاب «صفين» قال: خطب علي (عليه السلام) بعد انقضاء أمر النهروان فذكر طرفا من الملاحم وقال: ذلك أمر الله وهو كائن وقتا مريحا، فيا ابن خيرة الإماء متى تنتظر أبشر بنصر قريب من رب رحيم، فبأبي وأمي من عدة قليلة، أسماؤهم في الأرض مجهولة، قد دان حينئذ ظهورهم، يا عجبا كل العجب بين جمادى ورجب، ومن جمع أشتات، وحصد نبات، ومن أصوات بعد أصوات. ثم قال: سبق القضاء سبق.
قال رجل من أهل البصرة إلى رجل من أهل الكوفة في جنبه: أشهد أنه كاذب. قال الكوفي: والله ما نزل علي من المنبر حتى فلج الرجل، فمات من ليلته.(١٠٥) 
وقوله: قد دان حينئذ ظهورهم يحتمل التعبير بالظهور لهم الإشارة الى بعث العدة من أصحاب المهدي (عليه السلام) من الموت لما مر من إطلاق الظهور على الرجعة أيضا وإن احتمل إرادة بروز حركتهم من (ظهورهم).
الثامنة والعشرون: وروى المتقي الهندي في كتابه البرهان عن كتاب عقد الدرر(١٠٦) عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):.... وظهور نار عظيمة من قبل المشرق تظهر في السماء ثلاث ليال، وخروج ستين كذّاباً كل يدعي أنه مرسل من عند الله الواحد المعبود، وخسف قرية من قرى الشام تسمّى حرستا، وهدم مسجد الكوفة مما يلي دار ابن مسعود، وطلوع نجم بالمشرق يضئ كما يضئ القمر ثم ينعطف حتى يلتقي طرفاه أو يكاد، وحمرة تظهر في السماء وتنشر في أفقها وليست كحمرة الشفق المعتاد وعند الجسر ممّا يلي الكرخ بمدينة السلام، وارتفاع ريح سوداء بها، وخسف يهلك فيه كثير من الأنام ويتوفر الفرات حتى يدخل الماء على أهل الكوفة فيخرب كوفتهم، ونداء من السماء يعمّ أهل الأرض ويسمع أهل كل لغة بلغتهم، ومسخ قوم من أهل البدع، وخروج العبيد من طاعة ساداتهم، وصوت في ليلة النصف من رمضان يوقظ النائم ويفزع اليقظان ومعمعة في شوال وفي ذي القعدة حرب وقتال، ينهب الحاج في ذي الحجة، ويكثر القتل حتى يسيل الدم على المحجّة، وتهتك المحارم وترتكب العظائم عند البيت المعظم، ثم العجب كل العجب بين جمادى ورجب ويكثر الهرج، ويطول فيه اللبث، ويقتل الثلث ويموت الثلث ويكون ولاة الأمر كل منهم جائراً(١٠٧).
التاسعة والعشرون: ما رواه في المناقب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وقوله (عليه السلام) في خطبة القصية من قوله: العجب كل العجب بين جمادى ورجب. وقوله: وأي عجب أعجب من أموات يضربون هامات الاحياء.(١٠٨)
الثلاثون: في خطبة له (عليه السلام) ايضا قال: فيا لهفا على ما اعلم رجب شهر ذكر رمضان تمام السنين شوال يشال فيه أمر القوم ذو القعدة يقتعدون فيه ذو الحجة الفتح من أول العشر ألا ان العجب كل العجب بين جمادى ورجب جمع اشتات وبعث أموات وحديثات هونات هونات بينهن موتات رافعة ذيلها داعية عولها معلنة قولها بدجلة أو حولها.
ألا ان منا قائما عفيفة احسابه سادة أصحابه ينادى عند اصطلام أعداء الله باسمه واسم أبيه في شهر رمضان ثلاثا بعد هرج وقتال وضنك وخبال وقيام من البلاء على ساق وانى لأعلم إلى من تخرج الأرض ودائعها وتسلم إليه خزائنها ولو شئت ان اضرب برجلي فأقول اخرجى من ههنا بيضا ودروعا.
كيف أنتم يا ابن هنات إذا كانت سيوفكم بإيمانكم مصلتات ثم رملتم رملات ليلة البيات ليستخلفن الله خليفة يثبت على الهدى ولا يأخذ على حكمه الرشا إذا دعى دعوات بعيدات المدى دامغات للمنافقين فارجات عن المؤمنين الا ان ذلك كائن على رغم الراغمين.(١٠٩) 
ورواه ابن المنادي في الملاحم عن الأصبغ بن نباته قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب بالكوفة فحمدالله وأثنى عليه وقال...(١١٠)
وقوله (عليه السلام) بدجلة وحولها تعيين لموضع رجوع الأموات وهي الكوفة وحواليها.
اشتهار علامة العجب كل العجب:
الواحدة والثلاثون: روى النجاشي في رجاله بسنده عن عبد الله بن خفقة: قال لي أبان بن تغلب: مررت بقوم يعيبون علىّ روايتي عن جعفر (عليه السلام)، قال: فقلت: كيف تلوموني في روايتي عن رجل ما سألته عن شيء إلا قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: فمر صبيان وهم ينشدون: العجب كل العجب بين جمادى ورجب، فسألته عنه فقال: لقاء الاحياء بالأموات).(١١١)
رجوع حواري الأئمة مع المهدي (عجّل الله فرجه):
وقد تقدم في الروايات السابقة قول ووعد الله تعالى بذلك في القرآن كما وعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك أيضا استشهادا بالآية وكذا وعد عدة من أئمة أهل البيت بذلك لسلمان برجوعه وأمثاله ممن هم في رتبته من موالي أهل البيت.
الثانية والثلاثون: صحيح فضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن خرج السفياني ما تأمرني؟ قال: إذا كان ذلك كتبت إليك. قلت: فكيف أعلم أنه كتابك؟ قال: أكتب إليك بعلامة كذا وكذا. وقرأ آية من القرآن.
قال: فقلت لفضيل: ما تلك الآية؟ قال: ما حدثت بها أحدا غير بريد العجلي. قال زرارة: أنا أحدثك بها، هي ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾. قال: فسكت الفضيل، ولم يقل لا، ولا نعم.(١١٢) ورواه العياشي في ذيل الآية.
وظاهر الرواية وعد الصادق (عليه السلام) للفضيل بأن يكتب إليه بالرجعة ويأذن له بها وهو شأن هام للفضيل وقد وصفه (عليه السلام) بأنه منا أهل البيت (عليه السلام).
أول من يبايع المهدي (عجّل الله فرجه) حواريي الأئمة الراجعين:
الثالثة والثلاثون: روى الطبري بسنده عن عمرو بن شمر، قال: قلت لجابر: إذا قام قائم آل محمد كيف السلام عليه؟
قال: إنك إذا أدركته، ولن تدركه إلا أن تكون مكرورا، فستراني إلى جنبه، راكبا على فرس لي، ذنوب، أغر، محجل، مطلق يد اليمنى، عليّ عمامة لي من عصب اليمن، فأنا أول من يسلم عليه.(١١٣)
وهذه الرواية من جابر دالة على ان الموتى الحواريين للأئمة المبعوثين قبيل وعند الظهور هم أول من يبايع المهدي (عجّل الله فرجه) ويناصره ويكون معه.
الرابعة والثلاثون: وروى ايضا بسنده عن المفضل بن عمر، قال: قال أبوعبد الله (عليه السلام): يا مفضل، أنت وأربعة وأربعون رجلا تحشرون مع القائم، أنت على يمين القائم تأمر وتنهى، والناس إذ ذاك أطوع لك منهم اليوم.(١١٤) 
وهذه الرواية دالة على ان حواريي الأئمة الراجعين يكونون حكاما وحواريي للمهدي (عجّل الله فرجه).
الخامسة والثلاثون: وروى الكشي عن أبي عبد الله البرقي رفعه قال: نظر أبو عبد الله (عليه السلام) إلى داود الرقي وقد ولى، فقال: «من سره أن ينظر إلى رجل من أصحاب القائم (عليه السلام) فلينظر إلى هذا». وقال في موضع آخر: «أنزلوه فيكم بمنزلة المقداد (رحمه الله)» والظاهر من وصفه (عليه السلام) لداود الرقي بأنه من أصحاب القائم (عجّل الله فرجه) انه من أصحابه الثلاثمائة ونيف.
أربعة آلاف من الأموات يكرّون مع القائم (عجّل الله فرجه) التي بريادة عبد الله بن شريك العامري:
السادسة والثلاثون: وروى الكشي ايضا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كأني بعبد الله بن شريك العامري عليه عمامة سوداء وذؤابتاه بين كتفيه، مصعداً في لحف الجبل بين يدي قائمنا أهل البيت في أربعة آلاف مكرّون يكبرون».(١١٥)
مطر الرجعة في جمادي ورجب ورجعة أموات المؤمنين زمرا زمرا:
السابعة والثلاثون: روى المفيد في الإرشاد عن عبد الكريم الخثعمي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كم يملك القائم (عليه السلام)؟ قال: «سبع سنين، تطول له الأيام والليالي حتى تكون السنة من سنيّه مقدار عشر سنين من سنيّكم، فيكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه، وإذا آن قيامه مطر الناس جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطرا لم ير الخلائق مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم، فكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب»(١١٦)
وروى في الإرشاد بسنده عن سعيد ابن جبير قال: إن السنة التي يقوم فيها المهدي (عليه السلام) تمطر الأرض أربعا وعشرين مطرة، ترى آثارها وبركاتها.(١١٧)
وروى الراوندي: وقال (عليه السلام): إن قدام القائم (عليه السلام) لسنة غيداقة يفسد التمر [الثمر] في النخل فلا تشكوا في ذلك.(١١٨) أي سنة مطيرة.
الثامنة والثلاثون: فِي المحتضر عَنْ الفضل بن شاذان فِي كتاب - القائم - بسند متصل عَنْ زيد الشحّام عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ أرواح المؤمنين ترى آل مُحمَّد فِي جبال رضوى فتأكل مِنْ طعامهم وتشرب مِنْ شرابهم وتتحدّث معهم فِي مجالسهم حَتّى يقوم قائمنا أهل البيت فإذا قام قائمنا بعثهم الله - تَعَالَى - وأقبلوا معه يلبون زمراً زمراً فَعِنْدَ ذَلِكَ يرتاب المُبطلون ويضمحل المنتحلون وينجو المُقرّبون»(١١٩) 
ورواه في الكافي(١٢٠) في المعتبر عن مروان عن ابي عبد الله (عليه السلام) «... ثم يقال له - اي للمؤمن اذا مات في القبر -: نم نومة العروس على فراشها أبشر بروح وريحان وجنة نعيم ورب غير غضبان، ثم يزور آل محمد في جنان رضوى فيأكل معهم من طعامهم ويشرب من شرابهم ويتحدث معهم في مجالسهم حتى يقوم قائمنا أهل البيت.
فإذا قام قائمنا بعثهم الله فأقبلوا معه يلبون زمرا زمرا فعند ذلك يرتاب المبطلون ويضمحل المحلون وقليل ما يكونون، هلكت المحاضير ونجى المقربون من أجل ذلك قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام): أنت أخي وميعاد ما بيني وبينك وادي السلام». الحديث
وبيان الحديث فِي نقاط:
١) قوله (عليه السلام) إذَا قام قائمنا بعثهم الله تَعَالَى زمراً أيّ بعث أرواح الموتى مِنْ المؤمنين كما في قوله تعالى: يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا(١٢١) وَهَذَا مما يَدُلّ عَلَى أنَّ التفويج في الرجعة مواكب لبدء الظهور وقوله تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون﴾(١٢٢).
٢) وَقَدْ تقرَّر مبسوطا فِي البابين السابقين - فِي فصل الأدلّة القُرآنية عَلَى الرجعة - دلالة الآيتين عَلَى الرجعة لا حشر القيامة فِي قوله تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾(١٢٣). 
فَإنَّ الحشر يوم القيامة الكبرى لِمجموع الناس وجميعهم فالتفويج إنَّما هُوَ فِي حشر الرجعة.
٣) إنَّ هَذِهِ الرواية تُبيِّن مدى التلاحم الوطيد والارتباط التكويني الوثيق بين عالم الرجعة وعالم ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وأنَّ بين العالمين موازاة ومحاذاة فِي الأحكام التكوينية بدرجة بالغة جداً، وَهَذَا أصل يفتح بابا واسعا فِي مباحث الرجعة والظهور ويكشف عَنْ حقائق الدولة المهدوية للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) المُرتبطة والمُتصلة بدولة الرجعة ودول الرجعة لآبائه الأئمة المعصومين وبيان وجه كون دولته ابتداءً ومبدأً لمجيء دول الرجعة.
رجعة الأموات قبل الظهور أعجب إعجازا من الصيحة السماوية:
٤) إنَّ مواكبة أفواج الرجعة لظهور القائم (عجّل الله فرجه) سيكون مِنْ الآيات الباهرة لظهوره ودولته ولأمر أهل البيت كَمَا أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي البابين السابقين أنَّ نفس الظهور مِنْ أوَّل آيات وعلامات الرجعة، وَهَذَا مِنْ تشاهد الآيات لبعضها البعض وآية الرجعة المواكبة لظهوره تسبب ريبة كبرى لدى المخالفين لمدرسة أهل البيت كما سيأتي في رواية ابي بصير.
كَمَا أنَّهُ سوف تسبب انكشاف المُنافقين فِي صفوف المؤمنين ممن ينتحل الولاء لأهل البيت أي يتقنع به فِي الظاهر دون الباطن فلا ينجو مِنْ هَذَا الامتحان والافتتان إلَّا المقربون مِنْ أهل الإيمان، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى شدّة هَذَا الامتحان فِي المعرفة والبصيرة لا سيما وَأنَّهُ ظهور لجملة مِنْ أحكام الملكوت.
 ٥) إذْ كيف تتصوَّر أنَّ مئات أو آلاف مِنْ الموتى يرجعون إلى حياة الدُّنْيَا فيشاهدهم الأحياء ولا يحصل لديهم ارتباك ولا تشويش وَهُمْ يشاهدون أُناس جُدد لَمْ يولدوا مِنْ الأرحام ولا مِنْ الأصلاب وَهُمْ يدّعون المجيء مِنْ البرزخ فلربما قَائلَ: يقول: «إنَّما هَذَا سحر» وآخر يقول: «إنَّ هؤلاء شياطين تكثّفوا وتجسّدوا» وثالث يقول: «إنَّ هؤلاء أتوا مِنْ بلدان أُخرى» ورابع يقول: «إنَّ هؤلاء كُهّان» وخامس يقول: «إنَّ هؤلاء قَدْ تصرفوا فِي هيئات سيماء وجوههم وأشكالهم عَلَى هيئة مَنْ مات» إلى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الأقاويل والظنون الَّتِي يتخرصها البشر غَيْر العارفين بحقيقة الرجعة وعقيدتها، وَهُوَ دالٌّ عَلَى مدى الزلزال الذي يصيب أذهان البشر مِنْ هول الرجعة وهول أحداث الظهور وَالَّتِي هِيَ أحداث متقارنة.
 ٦) إنَّ المجاميع الأولى الراجعين مَعَ الظهور يمتازون بكمالات خاصّة مِنْ بين سائر المؤمنين، والقرينة عَلَى ذَلِكَ أنَّ فِي صدر الرواية وصف هؤلاء بزوار آل مُحمَّد فِي البرزخ والعشرة معهم فِي مجالسهم، وَمِنْ الواضح بحسب الروايات الواردة فِي أحوال البرزخ أنَّ جميع المؤمنين لا يرقى إلى تلك الدرجة، بَلْ هَذِهِ خاصّة لِمَنْ ارتقى منهم إلى درجات مِنْ الإيمان عَلَى اختلاف تلك الدرجات فِي العلو.
 والقرينة الأُخرى أنَّ هؤلاء قَدْ تَمَّ اختيارهم للانخراط فِي صفوف جيش الإمام القائم وبوسام خاصّ وَهُو كونهم راجعين مِنْ البرزخ فَلابُدَّ أنْ تكون لهم أهلية خاصّة.
والقرينة الثالثة أنَّ رجوع هؤلاء لنصرة المهدي (عجّل الله فرجه) فِي ظهوره كوظيفة مقرّرة لهم لا أنَّهُ خيار يخيرون بينه وبين البقاء فِي البرزخ، كَمَا وَرَدَ فِي عموم المؤمن الصالح أنَّهُ يُقَال لَهُ فِي قبره أنَّ صاحبك قَدْ ظهر فإنْ شئت فاخرج إلى الدُّنْيَا لنصرته أو أقم فِي كرامة الله.
رجعة الأموات في رجب قبيل الظهور من الميعاد ووعد قرآني لا بداء فيه بخلاف العلامات الخمس المحتومة:
التاسعة والثلاثون: روى أبو بصير قَالَ: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾.؟ قَالَ: فَقَالَ لي: «يا أبا بصير ما تقول فِي هَذِهِ الآية؟ قَالَ: قلت: إنَّ المشركين يزعمون ويحلفون لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنَّ الله لا يبعث الموتى قَالَ: فَقَالَ تباّ لِمَنْ قَالَ هَذَا، سلهم هَلْ كَانَ المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى؟ قَالَ: قلت: جعلت فداك فأوجدنيه، قَالَ: فَقَالَ لي: يا أبا بصير لو قَدْ قام قائمنا بعث الله إليه قوماً مِنْ شيعتنا قباع سيوفهم عَلَى عواتقهم فيبلغ ذَلِكَ قوماً مِنْ شيعتنا لَمْ يموتوا فيقولون بعث فلان وفلان مِنْ قبورهم وَهُمْ مَعَ القائم فيبلغ ذَلِكَ قوماً مِنْ عدونا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم هَذِهِ دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب لا والله ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يَوُم القيامة، قَالَ: فحكى الله قولهم فَقَالَ: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ﴾»(١٢٤). وتتمة الآية ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾
والرواية دالة على آية رابعة في القرآن – بإضافة ما تقدم في صدر البحث من الثلاث آيات(١٢٥) في ثلاث سور - دالة بوضوح على ان الرجعة قبيل الظهور من الوعد الإلهي القرآني، بل مع الآية الأولى في صدر البحث فهذه ثلاث آيات في سور متعددة دالة على هذا الوعد بالخصوص.
الاربعون: روى أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) فجرى ذكر السفياني، وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟
قال: نعم. قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم. فقال: «إن القائم من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد»(١٢٦) 
والرواية دالة بوضوح على وقوع البداء في العلامات المحتومة الخمس من السفياني او الحسني او اليماني او الصيحة او الخسف بالبيداء او قتل النفس الزكية، إما في أصل وقوع هذه العلامات أو في تفاصيلها فليس من الضروري وقوع تفاصيل ما ذكر من الأحداث لكل علامة بلا تغيير.
وهذا يبين وجه اختلاف الروايات في ذكر التفاصيل لكل علامة لعله لأجل بيان الاحتمالات المتعددة في عالم القضاء والتقدير الإلهي لتلك العلامات.
 بحسب ما يقوم به المؤمنون من أداء للمسؤولية وتعهد وجدية ومثابرة في كفاح العدو وإعداد واستعداد أو لا سمح الله تقاعس واستكانة وضعف وتخاذل.
وهذا لا ينافي كون هذه العلامات من المحتوم والذي وصف بأنه لابد منه كالذي رواه الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن من الأمور أمورا موقوفة وأمورا محتومة، وإن السفياني من المحتوم الذي لا بد منه»(١٢٧)، إلا أن المحتوم لا يأبى ان تقع فيه المشية الإلهية بالتغيير والبداء كما يأتي في الرواية اللاحقة ايضا كالذي وقع في قوم يونس ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ (يونس: ٩٨) فإن عذابهم كان من المحتوم قد أنبأهم به النبي يونس (عليه السلام)، ومعنى حتميته توفر أرضية وقوعه وتواجد أسباب حصوله وحيث أنه لم يقع بعد فلله فيه المشية بعد مادام لم يبرم وجوده ولم يفض حدوثه.
الواحدة والأربعون: روى النعماني بسنده عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾، فقال: إنهما أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف. فقال له حمران: ما المحتوم؟ قال: الذي لله فيه المشيئة.
قال حمران: إني لأرجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف.
فقال أبو جعفر (عليه السلام): «لا والله إنه لمن المحتوم»(١٢٨). 
وصحيح آخر - أعلائي - لحمران أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ قال: نعم ليلة القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الا واخر فلم ينزل القرآن إلا في ليلة القدر قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ قال: يقدر في ليلة القدر كل شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل خير وشر وطاعة ومعصية ومولود وأجل أو رزق فما قدر في تلك السنة وقضى فهو المحتوم ولله (عزَّ وجلَّ) فيه المشيئة.(١٢٩) 
الثانية والأربعون: روى القمي في تفسيره: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾ فإنه حدثني أبي عن بعض رجاله يرفعه إلى أبى عبد الله (عليه السلام) قال «ما يقول الناس فيها؟» قال يقولون نزلت في الكفار.
 قال: «إن الكفار كانوا لا يحلفون بالله وإنما نزلت في قوم من أمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قيل لهم ترجعون بعد الموت قبل القيامة فحلفوا انهم لا يرجعون فرد الله عليهم فقال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِين﴾» يعني في الرجعة يردهم فيقتلهم ويشفي صدور المؤمنين فيهم.(١٣٠)
تمهيد الراجعين الحجاز للظهور:
الثالثة والأربعون: روى الصدوق بسنده عن العوام بن الزبير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يقبل القائم (عليه السلام) في خمسة وأربعين رجلا من تسعة أحياء: من حي رجل، ومن حي رجلان ومن حي ثلاثة، ومن حي أربعة، ومن حي خمسة، ومن حي ستة، ومن حي سبعة، ومن حي ثمانية، ومن حي تسعة، ولا يزال كذلك حتى يجتمع له العدد».(١٣١)
قد تقدمت عدة روايات بطرق متعددة أن المهدي (عجّل الله فرجه) يخرج من ظهر الكعبة أو من الكوفة السبعة وعشرين رجلا من الأموات، ولا تنافي بين تسمية المكانين لعدة وجوه ذكرناها في ذيل احدى روايات المقام، بل إن في التثنية مزيد تأكيد على الصلة والارتباط بينه وبينهم في كلا المكانين، اي الكوفة ومكة وأن تخصيص ذكرهم وارتباطهم به إشارة الى أهمية خاصة لدورهم معه، وأن تعدد ذكر مكان رجعتهم ليس اشتباها من الرواة في النقل.
تدرج توافد اصحاب المهدي (عليه السلام) عنده بدءا بالسبعة والعشرين:
الرابعة والأربعون: روى العياشي عن عبد الأعلى الجبلي (الحلبي) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «يكون لصاحب هذا الامر غيبة في بعض هذه الشعاب، ثم أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى، حتى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الذي يكون بين يديه حتى يلقى بعض أصحابه، فيقول: كم أنتم هاهنا؟ فيقولون نحو من أربعين رجلا، فيقول: كيف أنتم لو قد رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: والله لو يأوى بنا الجبال لآويناها معه، ثم يأتيهم من القابلة (القابل خ) فيقول لهم أشيروا إلى ذوي أسنانكم وأخياركم عشيرة [عشرة] فيشيرون له إليهم فينطلق بهم حتى يأتون صاحبهم، ويعدهم إلى الليلة التي تليها».
ثم قال أبو جعفر: «والله لكأني أنظر إليه وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثم ينشد الله حقه ثم يقول: يا أيها الناس من يحاجني في الله فأنا أولى الناس بالله ومن يحاجني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، يا أيها الناس من يحاجني في نوح فانا أولى الناس بنوح، يا أيها الناس من يحاجني في إبراهيم فانا أولى بإبراهيم، يا أيها الناس من يحاجني في موسى فأنا أولى الناس بموسى، يا أيها الناس من يحاجني في عيسى فانا أولى الناس بعيسى، يا أيها الناس من يحاجني في محمد فأنا أولى الناس بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يا أيها الناس من يحاجني في كتاب الله فانا أولى بكتاب الله، ثم ينتهى إلى المقام فيصلى [عنده] ركعتين، ثم ينشد الله حقه».
قال أبو جعفر (عليه السلام): هو والله المضطر في كتاب الله، وهو قول الله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ﴾ وجبرئيل على الميزاب في صورة طاير أبيض فيكون أول خلق الله يبايعه جبرئيل، ويبايعه الثلاثمائة والبضعة العشر رجلا، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): فمن ابتلى في المسير وافاه في تلك الساعة، ومن لم يبتل بالمسير فقد عن فراشه، ثم قال: هو والله قول علي بن أبي طالب (عليه السلام): المفقودون عن فرشهم، وهو قول الله: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ أصحاب القائم الثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، قال: هم والله الأمة المعدودة التي قال الله في الكتاب: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ قال: يجمعون في ساعة واحدة قزعا كقزع الخريف فيصبح بمكة فيدعو الناس(١٣٢)
واشتمال الرواية على ان الدفعة الاولى ممن يتوافد من اصحابه عليه هم اربعون لا يتنافى مع كون المجموعة الاولى هي السبعة والعشرين حيث خصتهم بالعدد والاسم جملة من الروايات وانه يخرجهم ويظهرهم من الكعبة او من ظهر البيت، وفي بعضها أنه يخرجهم من الكوفة ولا تنافي بينهما كما أوضحنا في ذيل بعض الروايات في المقام.
وسيأتي تخصيص ذكر خمسين منهم أنهم من أهل الكوفة وانطباق ذلك على السبعة وعشرين بالتضمن وتمييز تخصيص لهم، وقد مر أن جابر الجعفي أول من يسلم على القائم (عليه السلام).
تعجيل اصحاب المهدي (عليه السلام) له بالظهور:
الخامسة والاربعون: وبالإسناد يرفعه إلى أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل إلى أن قال: يقول القائم (عليه السلام) لأصحابه: يا قوم إن أهل مكة لا يريدونني، ولكني مرسل إليهم لاحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم.
فيدعو رجلا من أصحابه فيقول له: امض إلى أهل مكة فقل: يا أهل مكة أنا رسول فلان إليكم وهو يقول لكم: إنا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة ونحن ذرية محمد وسلالة النبيين، وأنا قد ظلمنا واضطهدنا، وقهرنا وابتز منا حقنا منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا فنحن نستنصركم فانصرونا.
فإذا تكلم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس الزكية، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: ألا أخبرتكم أن أهل مكة لا يريدوننا، فلا يدعونه حتى يخرج فيهبط من عقبة طوى في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر حتى يأتي المسجد الحرام، فيصلي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات، ويسند ظهره إلى الحجر الأسود.
ثم يحمد الله ويثني عليه، ويذكر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويصلي عليه ويتكلم بكلام لم يتكلم به أحد من الناس. فيكون أول من يضرب على يده ويبايعه جبرئيل وميكائيل، ويقوم معهما رسول الله وأمير المؤمنين فيدفعان إليه كتابا جديدا هو على العرب شديد بخاتم رطب، فيقولون له: اعمل بما فيه، ويبايعه الثلاثمائة وقليل من أهل مكة الحديث.(١٣٣) 
لا يخفى أن كون رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) متواجدين لا يراد به رجوعهما الى الدنيا ورجعتهما بل هو نزولهما وقد مر الفرق بين النزول كتنزل الملائكة غير المرئي وبين الرجعة والرجوع الذي هو خروج بالجسد الدنيوي من القبر، وفي بعض الروايات انهما أول من يصافح المهدي (عليه السلام) اي مصافحة وبيعة تخويل وتنويب منهما له وإذن منهما له.
وروى عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «ينادى باسم القائم فيؤتى وهو خلف المقام، فيقال له: قد نودي باسمك فما تنتظر؟ ثم يؤخذ بيده فيبايع. قال: قال لي زرارة: الحمد لله قد كنا نسمع أن القائم (عليه السلام) يبايع مستكرها فلم نكن نعلم وجه استكراهه، فعلمنا أنه استكراه لا إثم فيه».(١٣٤)
السادسة والأربعون: روى الحسيني النيلي في (سرور أهل الإيمان) وبإسناد يرفعه إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) في ذكر القائم (عليه السلام) في خبر طويل قال: فيجلس تحت شجرة سمرة، فيجيئه جبرئيل في صورة رجل من كلب، فيقول: يا عبد الله ما يجلسك ههنا؟ فيقول: يا عبد الله إني أنتظر أن يأتيني العشاء فأخرج في دبره إلى مكة وأكره أن أخرج في هذا الحر قال: فيضحك فإذا ضحك عرفه أنه جبرئيل قال: فيأخذ بيده ويصافحه، ويسلم عليه، ويقول له: قم ويجيئه بفرس يقال له البراق فيركبه ثم يأتي إلى جبل رضوى، فيأتي محمد وعلي فيكتبان له عهدا منشورا يقرؤه على الناس ثم يخرج إلى مكة والناس يجتمعون بها. قال: فيقوم رجل منه فينادي أيها الناس هذا طلبتكم قد جاءكم، يدعوكم إلى ما دعاكم إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: فيقومون، قال: فيقوم هو بنفسه، فيقول:
أيها الناس أنا فلان بن فلان أنا ابن نبي الله، أدعوكم إلى ما دعاكم إليه نبي الله. فيقومون إليه ليقتلوه، فيقوم ثلاثمائة وينيف على الثلاثمائة فيمنعونه منه خمسون من أهل الكوفة، وسائرهم من أفناء الناس لا يعرف بعضهم بعضا اجتمعوا على غير ميعاد.(١٣٥) 
ولعل التقييد والتخصيص بالذكر للخمسين بأنهم من أهل الكوفة إشارة للسبعة وعشرين حيث يخرجهم المهدي من ظهر الكوفة ونسبتهم للكوفة بهذا اللحاظ، لاسيما وأنهم يقومون بأدوار مميزة في الكوفة وتمييز ذكرهم من باقي الثلاثمائة ونيف لعلو رتبتهم في أصحابه، وقد مر أن جابر الجعفي أول من يسلم على القائم (عليه السلام).
واما ذكر ذهاب المهدي (عليه السلام) الى جبال رضوى والتقائه بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووصيه (عليه السلام) فهو إشارة الى ما ذكر في عدة روايات تقدم إحداها من أن جبال رضوى موقع تعلق الوجود البرزخي للجنة البرزخية لآل محمد، ولا ريب في وجود طريق تواصل بين الامام الحي وبين أهل البرزخ، إذ الإمام له تواصل مع العرش والكرسي فكيف بنشأة البرزخ التي هي على هامش وجود الدنيا الأرضية.
السابعة والأربعون: وروى الخصيبي بسنده عن المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) - في حديث طويل عن المهدي (عجّل الله فرجه) وظهوره والرجعة -... «ثم يظهر بمكة والله يا مفضل كأني انظر إليه وهو داخل مكة وعليه بردة جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى رأسه عمامة صفراء وفي رجله نعل رسول الله المخصوفة وفي يده هراوة يسوق بين يديه عنوز عجاف حتى يقبل بها نحو البيت وليس أحد يوقته ويظهر وهو شاب غرنوق [غرنوف] [حزور]» فقال له المفضل: يا سيدي يعود شابا ويظهر في شيعته قال «سبحان الله وهل يعزب عليك يظهر كيف شاء وباي صورة إذا جاءه الامر من الله جل ذكره».
 قال المفضل: يا سيدي فيمن يظهر وكيف يظهر قال يا مفضل: «يظهر وحده ويأتي البيت وحده فإذا نامت العيون ووسق الليل نزل جبرئيل وميكائيل والملائكة صفوفا فيقول له جبريل يا سيدي قولك مقبول وأمرك جائز ويمسح يده على وجهه ويقول الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين.
ثم يقف بين الركن والمقام ويصرخ صرخة ويقول معاشر نقبائي وأهل خاصتي ومن ذخرهم الله لظهوري على وجه الأرض أتوني طائعين فتورد صيحته عليهم وهم في محاريبهم وعلى فرشهم وهم في شرق الأرض وغربها فيسمعوا صيحة واحدة في اذن رجل واحد فيجيئوا نحوه ولا يمضي لهم الا كلمح البصر حتى يكونوا بين يديه بين الركن والمقام فيأمر الله النور ان يصير عمودا من الأرض إلى السماء فيستضئ به كل مؤمن على وجه الأرض ويدخل عليه نوره في بيته.
 فتفرح نفوس المؤمنين بذلك النور وهم لا يعلمون بظهور قائمنا القائم (عليه السلام) ثم تصبح نقباؤه بين يديه وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرا بعدد أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيوم بدر». الحديث(١٣٦)
الثامنة والأربعون: روى المفضل بن عمر قَالَ: ذكرنا القائم (عليه السلام) وَمَنْ مات مِنْ أصحابنا ينتظره، فَقَالَ لنا أبو عبد الله (عليه السلام) «إذَا قام أتي المؤمن فِي قبره فَيُقَال لَهُ يا هَذَا إنَّهُ قَدْ ظهر صاحبك فإنْ تشاء أنْ تلحق به فَالحَقّ وإنْ تشاء أنْ تقيم فِي كرامة ربك فأقم»(١٣٧). 
للمهدي (عجّل الله فرجه) ظهور أصغر وأكبر وبدأ حركته بالسبعة والعشرين في الكوفة:
قد تقدم الإشارة الى انه (عجّل الله فرجه) له ظهور خفي وظهور جلي والأول بدأه إما في الكوفة أو ما بين المدينة ومكة والثاني هو الذي يسند ظهره الى الكعبة ويعقد البيعة.
أما الأول فيدل عليه جملة من القرائن:
منها: أنه قد جعل غاية الغيبة الكبرى في التوقيع الشريف الذي صدر للنائب الرابع السمري هو الصيحة السماوية وخروج السفياني وهما يقعان في يوم واحد وهو أول رجب اي قبل الظهور الأكبر العلني بستة اشهر.
(... فقد وقعت الغيبة الثانية [التامة] فلا ظهور إلا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ) وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر).(١٣٨)
القرينة الأولى: ما مر في روايات متعددة ان السبعة وعشرين من الموتى الذين يرجعون يرجعهم المهدي (عليه السلام) من ظهر الكوفة وهم يرجعون كما في روايات اخرى في رجب وهم يمهدون ويوطئون الكوفة للظهور اي للظهور الأكبر، مما يشير الى ان إخراج المهدي (عليه السلام) لهم وإحيائه لهم بدء لعمليات خطوات الظهور في الكوفة، وقد أشرنا في مواضع من أبواب الرجعة أنها يجريها الله تعالى على يدي الإمام المعصوم (عليه السلام)، ومن ثم فإن ائمة اهل البيت هم أصحاب النشر والحشر.
القرينة الثانية: ما رواه العياشي عن جابر الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) - في علامات الظهور -..... وإن أهل الشام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات الأصهب والأبقع والسفياني، ومن معه بنى ذنب الحمار مضر، ومع السفياني أخواله من كلب فيظهر السفياني ومن معه على بنى ذنب الحمار حتى يقتلوا قتلا، لم يقتله شيء قط ويحضر رجل بدمشق فيقتل هو ومن معه قتلا لم يقتله شيء قط وهو من بنى ذنب الحمار، وهي الآية التي يقول الله تبارك وتعالى ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيم﴾ ويظهر السفياني ومن معه حتى لا يكون له همة الا آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وشيعتهم، فيبعث بعثا إلى الكوفة، فيصاب بأناس من شيعة آل محمد بالكوفة قتلا وصلبا وتقبل راية من خراسان حتى تنزل ساحل الدجلة يخرج رجل من الموالي ضعيف ومن تبعه، فيصاب بظهر الكوفة، ويبعث بعثا إلى المدينة فيقتل بها رجلا ويهرب المهدى والمنصور منها، ويؤخذ آل محمد صغيرهم وكبيرهم لا يترك منهم أحد الا حبس ويخرج الجيش في طلب الرجلين ويخرج المهدى منها على سنة موسى خائفا يترقب حتى يقدم مكة ويقبل الجيش حتى إذا نزلوا البيداء وهو جيش الهملات خسف بهم فلا يفلت منهم الا مخبر فيقوم القائم بين الركن والمقام فيصلى وينصرف ومعه وزيره، فيقول:...)(١٣٩)
والظاهر ان اختفاء (يهرب) المهدي والمنصور وزيره من الكوفة اولا لان الكلام في الرواية عن الكوفة وإن ذكر بعث جيش السفياني الى المدينة في عرض الكلام، بقرينة قوله (عليه السلام) بعد ذلك (ويخرج الجيش في طلب الرجلين - اي بعد ما هربا - ويخرج المهدي منها على سنة موسى) فهذا الخروج الثاني هو من المدينة الى مكة، وان احتمل بعيدا انه عطف تفسيري للهروب السابق ذكره.
وعلى ذلك يتطابق مفاد الرواية مع ما يظهر من مفاد الروايات السابقة من أن بدأ حركته (عليه السلام) في الظهور الأصغر هي من الكوفة ثم ينتقل الى المدينة ابتعادا عن سيطرة جيوب فلول السفياني.
وأن السبعة والعشرين يرتبطون بالمهدي (عليه السلام) منذ أول رجوعهم الى الحياة الدنيا في ظهر الكوفة ويقومون بالتمهيد والتوطئة للظهور بالتنسيق معه (عليه السلام) فضلا عما يقومون به من تمهيد وتوطئة في أرض الحجاز المدينة ومكة.
وعلى كلا الاحتمالين فإن الرواية دالة على حركة ظهور - تبدأ في أول رجب عند وقوع الصيحة - متوسطة ما بين الخفاء والعلانية للمهدي (عليه السلام) قبل ظهوره المعلن.
القرينة الثالثة: ومثل الرواية السابقة في الدلالة روايات رواها بن حماد في الفتن فقد روى بسنده عن أرطاة قال يدخل السفياني الكوفة فيسبيها ثلاثة أيام ويقتل من أهلها ستين ألفا ثم يمكث فيها ثمانية عشر ليلة يقسم أموالها ودخوله مكة بعدما يقاتل الترك والروم بقرقيسياء، ثم ينفتق عليهم خلفهم فتق فترجع طائفة منهم إلى خراسان فتقبل خيل السفياني ويهدم الحصون حتى يدخل الكوفة ويطلب أهل خراسان.
ويظهر بخراسان قوم يدعون إلى المهدي ثم يبعث السفياني إلى المدينة فيأخذ قوما من آل محمد حتى يرد بهم الكوفة ثم يخرج المهدي ومنصور من الكوفة هاربين ويبعث السفياني في طلبهما فإذا بلغ المهدي ومنصور مكة نزل جيش السفياني البيداء فيخسف بهم ثم يخرج المهدي حتى يمر بالمدينة فيستنقذ من كان فيها من بني هاشم وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون ثم ينزل الكوفة حتى يستنقذ من فيها من بني هاشم ويخرج قوم من سواد الكوفة يقال لهم العصب ليس معهم سلاح إلا قليل وفيهم نفر من أهل البصرة فيدركون أصحاب السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهدي.(١٤٠)
وروى أيضا ابن حماد في الفتن بسنده عن أبي رومان عن علي قال يبعث بجيش إلى المدينة فيأخذون من قدروا عليه من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويقتل من بني هاشم رجال ونساء فعند ذلك يهرب المهدي والمبيض [المنصور] من المدينة إلى مكة فيبعث في طلبهما وقد لحقا بحرم الله وأمنه.(١٤١) 
وروى نعيم بن حماد قال: حدثنا الوليد عن أبي عبد الله عن عبد الكريم عن ابن الحنفية، قال: بين خروج الراية السوداء من خراسان وشعيب بن صالح وخروج المهدي وبين أن يسلم الامر للمهدي اثنان وسبعون شهرا)(١٤٢). 
ولعل التفرقة بين خروجه (عليه السلام) وبين تسليم الأمر اليه اشارة الى تعدد ظهوره الى الأصغر والأكبر، لاسيما وأن الأول كما مر مزامن لخروج الرايات من خراسان اي خروج الحسني وهو أول رجب.
القرينة الرابعة: وروى حذلم بن بشير قال: قلت لعلي بن الحسين (عليهما السلام): صف لي خروج المهدي وعرفني دلائله وعلاماته؟.
فقال:... ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند. ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان، فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يخرج بعد ذلك.(١٤٣) 
وفي الرواية دلالة على بدء خروج وظهور للمهدي لكنه يختفي بمقدار نسبيا بظهور وتصاعد مد السفياني، وهذا متطابق مع بقية الروايات الدالة على اختفائه من الكوفة او من المدينة الى مكة قبيل الظهور الأكبر.
القرينة الخامسة: ما رواه النعماني بسنده عن الحارث الهمداني، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «المهدي أقبل، جعد، بخده خال، يكون من قبل المشرق، وإذا كان ذلك خرج السفياني، فيملك قدر حمل امرأة تسعة أشهر....».(١٤٤) 
فقوله (عليه السلام) يكون من قبل المشرق اي خروج وظهور أصغر للمهدي وهو بالكوفة وانه يزامن ظهوره الأصغر خروج السفياني في رجب.
شعيب بن صالح ممن يرجع قبل الظهور:
١ - روى الراوندي في الخرائج والجرائح: أما شعيب بن صالح: فقد ذكر بن بابويه في كتابه النبوة عن سهل بن سعيد أنه قال:
وأيضا قال الراوندي في قصص الأنبياء: أخبرنا السيد ذو الفقار بن معبد الحسني عن الشيخ ابي جعفر الطوسي عن المفيد عن ابي جعفر بن بابويه عن محمد بن موسى المتوكل عن علي بن الحسين السعد آبادي عن احمد بن ابي عبد الله البرقي عن الحسن بن محبوب عن يحيى بن زكريا عن سهل بن سعيد:
 أنه قال: بعثني هشام بن عبد الملك أستخرج له بئرا في رصافة عبد الملك فحفرنا فيها مائتي قامة، ثم بدت جمجمة رجل طويل، فحفرنا ما حولها، فإذا رجل قائم على صخرة عليه ثياب بيض، وإذا كفه اليمنى على رأسه على موضع ضربة برأسه، فكنا إذا نحينا يده عن رأسه سالت الدماء، وإذا تركناها عادت فسدت الجرح، وإذا في ثوبه مكتوب «أنا شعيب بن صالح، رسول رسول الله شعيب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى قومه، فضربوني وأضروا بي، وطرحوني في هذا الجب وهالوا علي التراب» فكتبناها إلى هشام بما رأينا، فكتب إلينا: أعيدوا عليه التراب.(١٤٥) 
وظاهر كلام الراوندي في الخرائج في موضعين تطبيق الشخص المسمى بشعيب بن صالح الذي يكون على مقدمة جيش الحسني ثم جيش المهدي (عليه السلام) هو هذا الذي كان رسول رسول الله شعيب بن صالح، وقد قتل في الشام.
اي انه يحيى مرة اخرى ويكون من أهل الرجعة والكرة قبيل الظهور، والأوصاف التي ذكرت في جملة اخرى من الروايات تكاد تؤيد هذا الاحتمال، ففي بعضها أنه من الموالي اي فيكون مولى لبني تميم، وأنه أصفر، ونحو ذلك.
٢ - وروى حذلم بن بشير قال: قلت لعلي بن الحسين (عليهما السلام): صف لي خروج المهدي وعرفني دلائله وعلاماته؟.
فقال: «يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له: عوف السلمي بأرض الجزيرة، ويكون مأواه تكريت وقتله بمسجد دمشق ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند. ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان، فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يخرج بعد ذلك».(١٤٦) 
٣ - في رواية الخصيبي الطويلة عن المفضل عن ابي عبد الله (عليه السلام):... «ثم يخرج الحسني الفتى الصبيح من نحو الديلم يصيح بصوت فصيح له يا آل أحمد أجيبوا الملهوف والمنادي من حول الضريح فتجيبه كنوز الله بالطالقان كنوز لا من ذهب ولا من فضة بل رجال كزبر الحديد كأني انظر إليهم على البراذين الشهب في أيديهم الحراب يتعاوون شوقا للحرب كما تتعاوى الذئاب أميرهم رجل من تميم يقال له شعيب بن صالح فيقبل الحسني اليهم وجهه كدائرة القمر يريع الناس جمالا أنيقا فيبقى على اثر الظلمة [كدارة البدر يريع الناس جمالا أنيقا فيعفي على أثر الظلمة]، فيأخذ بسيفه الكبير والصغير والعظيم والرضيع ثم يسير بتلك الرايات كلها حتى يرد الكوفة وقد جمع بها أكثر أهلها [وقد صفا أكثر الأرض] فيجعلها معقلا ويتصل به [وبأصحابه] خبر المهدي (عليه السلام) فيقولون: يا بن رسول الله من هذا الذي نزل بساحتنا فيقول: اخرجوا بنا إليه حتى ننظره من هو وما يريد والله يعلم انه المهدي».(١٤٧)
ومفاد الرواية كالعديد من الروايات الأخرى ان مد وجيوب وفلول السفياني تنحسر وتهزم عن أكثر المناطق بتوسط الحسني وغيره من الرايات المناصرة لآل محمد قبل مجيئ جيش المهدي (عليه السلام) من مكة.
٤ - وروى الطوسي بسنده عن عمار بن ياسر أنه قال: إن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان، ولها إمارات...... وينادي مناد من سور دمشق: ويل لأهل الأرض من شر قد اقترب، ويخسف بغربي مسجدها حتى يخر حائطها، ويظهر ثلاثة نفر بالشام كلهم يطلب الملك، رجل أبقع، ورجل أصهب، ورجل من أهل بيت أبي سفيان يخرج في كلب، ويحضر الناس بدمشق، ويخرج أهل الغرب إلى مصر. فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني، ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد (عليهم السلام) ، وتنزل الترك الحيرة، وتنزل الروم فلسطين، ويسبق عبد الله (عبد الله) حتى يلتقي جنودهما بقرقيسياء على النهر، ويكون قتال عظيم، ويسير صاحب المغرب فيقتل الرجال ويسبي النساء، ثم يرجع في قيس حتى ينزل الجزيرة السفياني، فيسبق اليماني [فيقتل] ويحوز السفياني ما جمعوا. ثم يسير إلى الكوفة فيقتل أعوان آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويقتل رجلا من مسميهم. ثم يخرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح، وإذا رأى أهل الشام قد اجتمع أمرها على ابن أبي سفيان فالتحقوا بمكة، فعند ذلك تقتل النفس الزكية وأخوه بمكة ضيعة فينادي مناد من السماء: أيها الناس إن أميركم فلان، وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.(١٤٨).
فلسفة البداء في علامات الظهور المحتومة:
٥ - روى نعيم قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن (أبي) عبد الله عن عبد الكريم أبي أمية عن محمد بن الحنفية، قال: «تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان أخرى سوداء، قلانسهم سود، وثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح، أو: صالح بن شعيب من تميم، يهزمون أصحاب السفياني حتى ينزل بيت المقدس، ويوطئ للمهدي سلطانه، ويمد إليه ثلاثمائة من الشام يكون بين خروجه وبين أن يسلم الامر للمهدي اثنان وسبعون شهرا»(١٤٩). 
وهذه الرواية قريبة مفادها من رواية الخصيبي في الهداية من أن دحر وهزيمة السفياني بل وفتح الشام قد يقدر أن تتم قبل الظهور الأكبر للمهدي (عليه السلام).
وأما الكوفة فكثير من الروايات دالة على تطهيرها من فلول وجيوب السفياني قبل مجيء المهدي (عليه السلام) لها بجيشه العشرة آلاف رجل من مكة.
وهذه التقادير المذكورة في جملة من الروايات من دحر ووأد فتنة السفياني في مهدها قبل امتدادها الى كثير من البلدان، لا تنافي كثير من الروايات الأخرى الدالة على تمدد جيوبه وفلوله اليها، وذلك لما مر في طائفة ثالثة من الروايات من السفياني وإن كان من المحتوم إلا ان لله فيه المشية والبداء والتغيير سواء في أصل حركته او في تفاصيلها.
ومن ثم فبقدر تحمل المؤمنين المسؤولية وثقل الكفاح والجهاد فإنهم يكتب لهم النصر والنجاح ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، ﴿إِن تَنصُرُوا الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم﴾، ﴿لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وهذا معنى أو فلسفة البداء والمشية الإلهية في العلامات المحتومة، ومن ثم فلا تضارب في مفاد واختلاف تفاصيل روايات علائم الظهور بعد حملها على تعدد التقادير الإلهية بحسب تحمل المسؤولية فلا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، وهذا أحد أعظم معاني البداء والمشية.
٦ - وروى نعيم: حدثنا الوليد ورشدين عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن أبي رومان عن علي (رضي الله عنه) قال «إذا هزمت الرايات السود خيل السفياني التي فيها شعيب بن صالح تمنى الناس المهدي فيطلبونه فيخرج من مكة ومعه راية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيصلي ركعتين بعد أن يئس الناس من خروجه لما طال عليهم من البلاء فإذا فرغ من صلاته انصرف فقال أيها الناس ألح البلاء بأمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبأهل بيته خاصة قهرنا وبغي علينا».(١٥٠)
ومفادها كما تقدم في جملة من الروايات أن جيوب وفلول السفياني تنهزم وتندحر قبل مجيئ جيش المهدي الى الكوفة من مكة بل قبل أخذ البيعة للمهدي (عليه السلام) عند الكعبة.
للمهدي (عجّل الله فرجه) دولتان:
ذهب الشَّيْخ مُحمَّد علي آل عبدالجبار أنَّ ما وَرَدَ فِي دولة وظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لَيْسَ كلها فِي دولة الظهور بَلْ بعضها فِي دولته فِي الرجعة وما ذكره مِنْ تعدد الدولة للمهدي (عجّل الله فرجه) عَلَى مقتضى القاعدة مِنْ أنَّ كُلّ إمام يرجع مَعَ أهل قرنه ويقيم دولة الرجعة.
رجعة الأشرار عِنْدَ الظهور رجوع مَنْ يعادي الحجة (عجّل الله فرجه) عِنْدَ الظهور:
١ - روى فِي مختصر بصائر الدرجات صحيح أبي حمزة الثمالي، قَالَ: أبو جعفر (عليه السلام) «كَانَ أمير المؤمنين صلوات الله عَلَيْهِ يقول: مَنْ أراد أنْ يقاتل شيعة الدجال فليقاتل الباكي عَلَى دم عثمان، والباكي عَلَى أهل النهروان إنَّ مَنْ لقي الله (عزَّ وجلَّ) مؤمناً بأن عثمان قتل مظلوماً لقي الله ساخطاً عَلَيْهِ ويدرك الدجّال، فَقَالَ رجل يا أمير المؤمنين فإنْ مات قبل ذَلِكَ؟ قَالَ فيبعث مِنْ قبره حَتّى يؤمن به وإنْ رغم أنفه»(١٥١).
٢ - وروى أيضا بسنده عَنْ أبي بصير قَالَ: دخلت عَلَى أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت وفي نسخة (فقلت لَهُ): إنّا نتحدّث أنَّ عمر بن ذرّ لا يموت حَتّى يقاتل قائم آل مُحمَّد (عليه السلام)، فَقَالَ: «إنَّ مثل ابن ذرّ مثل رجل كَانَ فِي بني إسرائيل يُقَال لَهُ: عبد ربّه، وَكَانَ يدعو أصحابه إلى ضلالة فمات، فكانوا يلوذون بقبره ويتحدّثون عنده، إذْ خرج عَلَيْهِم مِنْ قبر ينفض التراب مِنْ رأسه ويقول لَهمُ: كيت وكيت»(١٥٢). 
 روى البسوي فِي المعرفة والتاريخ: حدثنا ابن نمير حدثنا مُحمَّد بن الصلت، حدثنا منصور بن أبي الأسود عَنْ الأعمش عَنْ زيد بن وهب عَنْ حذيفة: مَنْ كَانَ مخرج الدجّال تبعه، فإنْ مات قبل أنْ يخرج آمن به فِي قبره(١٥٣). قيل إن في الحديث سقط أو إسقاط اسم (عثمان)، ومما يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قول البسوي وَهُوَ يحاول ردّ روايات «زيد بن وهب» قائلاً:
«وَهَذَا مما يستدل به عَلَى ضعف حديث زيد كيف يقول فِي الحديث الأوَّل: إنْ خرج الدجّال تبعه مَنْ كَانَ يحب عثمان. وإنْ كَانَ قَدْ مات آمن به فِي قبره، ثمَّ جعل قتله أوَّل الفتن»(١٥٤). 
وزيد بن وهب تابعي كبير مِنْ رجال الصحيحين فِي السنن.
 - قَالَ الذهبي مُشيراً إلى رواية البسوي مُدافعاً عَنْ زيد بن وهب بقوله: «زيد بن وهب مِنْ أجلّ التابعين وثقاتهم ومتفق عَلَى الاحتجاج به. إلَّا ما كَانَ مِنْ يعقوب الفسوي فَإنَّهُ قَالَ فِي تاريخه فِي حديثه خلل كثير، وَلَمْ يصب الفسوي، ثمَّ إنَّهُ ساق مِنْ روايته قول عمر: يا حذيفة بالله أنا مِنْ المنافقين؟ قَالَ: وَهَذَا محال أخاف أنْ يكون كذب».
قَالَ: ومما يستدل به عَلَى ضعف حديثه روايته عَنْ حذيفة: إنْ خرج الدجال تبعه مَنْ كَانَ يحب عثمان... فَهَذَا الذي استنكره الفسوي مِنْ حديثه ما سبق إليه، ولو فتحنا هَذِهِ الوساوس علينا لرددنا كثيراً مِنْ السنن الثابتة بالوهم الفاسد»(١٥٥). 
خروج وظهور أهل جابرسا وجابلقا لنصرة المهدي (عجّل الله فرجه):
 وحسبما يأتي في الروايات الآتية وغيرها مما لم نورده يظهر جملة من الأمور في وصفهم:
الأول: هم كائنات ليست من الملائكة طيارة بل ممن يدبون على الأرض ولا من الجن ولا من النسناس ولا من الإنس لكنها ذات نورانية فائقة وقوة شديدة وذات أجسام لطيفة، قد يسميها الفلاسفة والعرفاء بالجسم المثالي من عالم المثال، وهم نظير الخضر (عليه السلام) لا يموتون الى يوم القيامة.
الثاني: هم أقرب ما يكونون ما بين الآدميين والملائكة لوصفهم في الروايات بالقوم وبالذكور والفرد منهم بالرجل وبالأمم اي لهم حياة اجتماعية ولغات آدمية للتكلم، لكن لم تسم الروايات لهم اسما مخصوصا في قبال أنواع المخلوقات، ويزيد تعدادهم أضعاف مضاعفة على أمم الآدميين لكنهم لم تركب فيهم الشهوة ولا الغرائز الباعثة على المعاصي والعداوات فيما بينهم.
الثالث: أن بدء خلقتهم بعد خلقة الملائكة والجن والنسناس لكن لا تواصل بينهم معهم بل هم معزولون عنهم وقبل خلقة بني آدم.
لكن قد مر وسيأتي أن الأجسام في درجات ومراتب اللطافة والشفافية أو الغلظة والثخانة متفاوتة بدرجات هائلة لا تحصى وبحدود إذا قيس بينها تكون اللطيفة جسما مثاليا أو روحا مجردة مع ما دونها وكأن أفعالها كن فيكون وإبداع.
لكن اللطيفة كثيفة وغليظة وتدريجية بقدر، بالقياس الى الألطف منها وهلم جرا، مع المراتب الأعلى فالأعلى فالأعلى الى ما لا يحصى من المراتب في اللطافة والشفافية فتحسب العقول المحدودة أنها جسما مثاليا أو روحا مجردة بتجرد مطلق من الجسم والمقادير.
 والحال أنها كلها أجسام ومقادير لكن لا بوحدة قياسية موحدة للمقادير، نظير الفرق بين الوحدات القياسية بين الأوزان الذرية وأوزان الأجسام الكبيرة، أو نظير الفرق بين الوحدات القياسية بين الطاقات والأشعة المختلفة، فما بالك بما يزيد فرقا على ذلك بدرجات ومراتب لا تحصى ونظير الفرق بين عالم الصغائر (الذرة والكوانتم والنانو والفيمتو).
الرابع: إن هذه الكائنات الآتي وصفها في الروايات هي تعيش وتقطن خارج الغلاف الجوي للكرة الأرضية، بل يظهر من الروايات أنها تعيش خارج منظومتنا الشمسية، بل يظهر من بعضها انها خارج السماء الأولى الدنيا لأن فيها وصفهم انهم لا يرون كوكبا ولا شمسا ولا قمرا، مع ان السماء الدنيا زينت بزينة الكواكب من المجرات والشموس والأقمار.
ويظهر من الروايات أن ذا القرنين لم يصل إليهم.
 كما انهم من اللطافة لا تؤثر فيها الأجسام والأليات اللطيفة لدينا فضلا عن الغليظة، بل يظهر من الروايات انهم ألطف من أجسام الجن والشياطين.
الخامس: أنهم مكلفون بالدين الحنيف وبجملة من أحكام الشريعة لا كلها، وأنه قد بعث إليهم خاتم النبيين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأوصياؤه خاصة دون بقية الأنبياء، وهم أطوع للأئمة آل محمد من عموم بني آدم.
السادس: هم مدد وإمداد نصرة للمهدي (عليه السلام) في ظهوره، بل لكل الأئمة في إقامة دول الرجعة، وأنهم من جنود الله تعالى المدخرة لنصرة الحق وإقامة العدل في الأرض وفي أقطار أماكن الكائنات في المنظومات الشمسية والقمرية الأخرى، فمن ثم يستشهد الأئمة بوجودهم كمظهر من مظاهر قوة الدولة والإمامة الإلهي، بل يظهر من عدة روايات أن عمدة رحى الحروب العظيمة ضد أهل الشر والشرور إنما تقوم بعونهم ومددهم.
ولنستعرض نبذة من الروايات الواردة:
 ١ - روى في بصائر الدرجات بسنده عن هشام الجواليقي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال «إن لله مدينة خلف البحر سعتها، مسيرة أربعين يوما [للشمس] فيها قوم لم يعصوا الله قط ولا يعرفون إبليس ولا يعلمون خلق إبليس نلقاهم في كل حين فيسألونا عما يحتاجون إليه ويسألونا الدعاء فنعلمهم.
ويسألونا عن قائمنا متى يظهر وفيهم عبادة واجتهاد شديد ولمدينتهم أبواب ما بين المصراع إلى المصراع مائة فرسخ لهم تقديس واجتهاد شديد لو رأيتموهم لاحتقرتم عملكم يصلى الرجل منهم شهرا لا يرفع رأسه من سجوده طعامهم التسبيح ولباسهم الورق ووجوههم مشرقة بالنور.
إذا رأوا منا واحد لحسوه [احتوشوه] واجتمعوا إليه واخذوا من اثره إلى الأرض يتبركون به لهم دوى إذا صلوا أشد من دوى الريح العاصف.
 فيهم جماعة لم يضعوا السلاح منذ كانوا ينتظرون قائمنا يدعون [الله] ان يريهم إياه وعمر أحدهم الف سنة إذا رأيتهم رأيت الخشوع والاستكانة وطلب ما يقربهم إليه إذا احتبسنا ظنوا ان ذلك من سخط يتعاهدون أوقاتنا [ساعة] التي نأتيهم فيها لا يسئمون ولا يفترون.
يتلون كتاب الله كما علمناهم وان فيما نعلمهم ما لو تلى على الناس لكفروا به ولأنكروه يسألوننا عن الشيء إذا ورد عليهم من القرآن ولا يعرفونه فإذا اخبرناهم به انشرحت صدورهم لما يسمعون منا ويسألون الله لنا طول البقاء وان لا يفقدونا ويعلمون ان المنة من الله عليهم فيما نعلمهم عظيمة.
ولهم خرجة مع الامام إذا قام يسبقون فيها أصحاب السلاح منكم ويدعون الله ان يجعلهم ممن ينتصر به لدينه.
فيهم كهول وشبان وإذا رأى شاب منهم الكهل جلس بين يديه جلسة العبد لا يقوم حتى يأمره.
لهم طريق هم اعلم به من الخلق إلى حيث يريد الامام فإذا أمرهم الامام بأمر قاموا إليه ابدا حتى يكون هو الذي يأمرهم بغيره، لو أنهم وردوا على ما بين المشرق والمغرب من الخلق لأفنوهم في ساعة واحدة لا يختل الحديد فيهم ولهم سيوف من حديد غير هذا الحديد لو ضرب أحدهم بسيفه جبلا لقدّه حتى يفصله.
 يغزو بهم الامام الهند والديلم والكرد والترك والروم وبربر [وفارس] وما بين جابرسا إلى جابلقا وهما مدينتان واحدة بالمشرق وأخرى بالمغرب لا يأتون على أهل دين الا دعوهم إلى الله والى الاسلام والى الإقرار بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن لم يسلم قتلوه حتى لا يبقى بين المشرق والمغرب وما دون الجبل أحد الا أقر.(١٥٦)
[لا يأتون على أهل دين إلا دعوهم إلى الله (عزَّ وجلَّ)، وإلى الاسلام، والاقرار بمحمد – (صلّى الله عليه وآله وسلّم) -، والتوحيد، وولايتنا أهل البيت، فمن أجاب منهم ودخل في الاسلام تركوه وأمروا عليه أميرا منهم، ومن لم يجب ولم يقر بمحمد – (صلّى الله عليه وآله وسلّم). ولم يقر بالإسلام ولم يسلم قتلوه، حتى لا يبقى بين المشرق والمغرب وما دون الجبل أحد إلا آمن.](١٥٧)
ورواه في مختصر البصائر بسند صحيح عن محمد بن مسلم.(١٥٨)
٢ - موثقة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ لله - تعالى - بالمشرق مدينة يقال لها «جابلقا»، لها اثنا عشر ألف باب من ذهب ما بين كلّ باب إلى صاحبه فرسخ، على كلّ باب برج فيه اثنا عشر ألف مقاتل يهيّؤون الخيل ويشهرون السيوف والسلاح ينتظرون قيام قائمنا، وان لله (عزَّ وجلَّ) بالمغرب مدينة يقال لها جابرسا لها اثنا عشر
الف باب من ذهب بين كل باب إلى صاحبه مسيرة فرسخ على كل باب برج فيه اثنا عشر الف مقاتل يلهبون الخيل ويشحذون السلاح ينتظرون قائمنا وانا الحجة عليهم وإنّي الحجّة عليهم».(١٥٩)
 ٣ - وروى ايضا بسنده عن عجلان أبى صالح قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قبة آدم فقلت له هذه قبة آدم فقال «نعم ولله قباب كثيرة اما ان خلف مغربكم هذا تسعة وثلاثون مغربا أرضا بيضاء ومملوة خلقا يستضيئون بنورنا لم يعصوا الله طرفة عين.
 لا يدرون اخلق الله آدم أم لم يخلقه يتبرؤون من فلان وفلان. قيل له كيف هذا يتبرؤن من فلان وفلان وهم لا يدرون أخلق الله آدم أم لم يخلقه فقال للسائل عن ذلك: أتعرف إبليس قال لا الا بالخبر قال فأمرت باللعنة والبراءة منه قال نعم قال فكذلك امر هؤلاء.(١٦٠)
قال الفيض في الوافي: كأن ذلك إشارة إلى عالم المثال فإنه عالم نوراني نوره من نور نفسه، ولذا قال: يستضيئون بنوره، أي بنور ذلك العالم.(١٦١)
ونقل عن بعض قوله: أن في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسي لا تتناهى عجائبه ولا تحصى مدنه من جملة تلك المدن جابلقا وجابرصا وهما مدينتان عظيمتان لكل منهما ألف باب لا يحصى ما فيهما من الخلائق..... وخلق الله من جملة عوالمها عالما على صورنا إذا أبصرها العارف يشاهد نفسه فيها» ثم قال «وكل ما فيها حي ناطق وهي باقية لا تفنى ولا تتبدل وإذا دخلها العارفون إنما يدخلون بأرواحهم لا بأجسامهم فيتركون هياكلهم في هذه الأرض الدنيا ويتجردون وفيها مدائن لا تحصى بعضها يسمى مدائن النور لا يدخلها من العارفين إلا كل مصطفى مختار، وكل حديث وآية وردت عندنا فصرفها العقل عن ظاهرها وجدناها على ظاهرها في هذه الأرض وكل جسد يتشكل فيه الروحاني من ملك وجن وكل صورة يرى الإنسان فيها نفسه في النوم فمن أجساد هذه الأرض».(١٦٢)
وقال المجلسي في البحار: و(جابلقا) و(جابرسا) ذكرهما اللغويون على وجه آخر، قال الفيروزآبادي: جابلص بفتح الباء واللام أو سكونها: بلد بالمغرب وليس وراءه إنسي وجابلق بلد بالمشرق (انتهى) ويقال إن فيهما أو في إحداهما أصحاب القائم (عليه السلام) والصوفية والمتألهون من الحكماء أوّلوا أكثر هذه الأخبار بعالم المثال.(١٦٣)
وقال الميرزا النوري: وبحسب ظاهر الشرع المطهّر وطريقة أهل الشريعة فانّه لا يمكن حمل كل تلك التفاصيل على عالم المثال، أو المنازل القلبية لأهل الحال كما يفعله أهل التأويل.(١٦٤)
وقال المقريزي: وأسري به (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فاجتمع بالأنبياء (عليهم السلام) ، وصلى بهم فيه، ثم رقا إلى السماء، [و] قد روى أنه نزل في ليلة الإسراء بطيبة، وطور سيناء [و] بيت لحم، وبقبر إبراهيم الخليل، وأنه ذهب إلى يأجوج ومأجوج، وإلى مدينة جابلقا بالمشرق، وإلى مدينة جابرسا بالمغرب.(١٦٥)
٤ - وروى يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) رفع الحديث إلى الحسن بن علي (عليه السلام) أنه قال إن لله مدينتين أحدهما بالمشرق والأخرى بالمغرب عليهما سور من حديد وعلى كل مدينة منهما سبعون الف الف مصراع من ذهب وفيها سبعون الف الف لغة يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبه وانا اعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجة غيري وغير الحسين (عليه السلام) أخي.(١٦٦)ورواه بطريق آخر عن ابي سعيد الهمداني عن الحسن بن علي (عليه السلام) إلا ان فيه (سبعون ألف لغة آدميين [آدمي]).
وقال في كتاب ألقاب الرسول وعترته لبعض قدماء المحدثين: وروى العامة والخاصة ان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال ابناي هذان امامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما، وهما حجتان بجابلقا وجابلسا وما بينهما وهما مدينتان بالمشرق والمغرب فيهما خلق لم يهموا بمعصية الله قط.(١٦٧)
٥ - قال الحسن (عليه السلام) لأصحابه: «ان لله تعالى مدينتين أحديهما بالمشرق والأخرى بالمغرب فيهما خلق الله تعالى لم يهموا بمعصية له قط والله ما فيهما وبينهما حجة لله تعالى على خلقه غيري وغير أخي الحسين».
وقال الحسين (عليه السلام): «في يوم الطف لأصحاب ابن زياد لعنهم الله: ما لكم تناصرون علي؟ اما والله لئن قتلتموني لتقتلن حجة الله عليكم لا والله ما بين جابلقا وجابرسا ابن نبي احتج الله به عليكم غيري».(١٦٨)
٦ - وروى الراوندي موثقة جابر عن ابي جعفر (عليه السلام) قال سئل أمير المؤمنين (عليه السلام): هل كان في الأرض خلق من خلق الله تعالى يعبدون الله قبل آدم وذريته فقال (عليه السلام) «نعم قد كان في السماوات والأرض خلق من خلق الله يقدسون الله ويسبحونه ويعظمونه بالليل والنهار لا يفترون.....
ثم خلق الله خلقا على خلاف خلق الملائكة وعلى خلاف خلق الجن وعلى خلاف خلق النسناس يدبون كما يدب الهوام في الأرض يأكلون ويشربون كما تأكل الانعام من مراعى الأرض كلهم ذكران ليس فيهم إناث لم يجعل الله فيهم شهوة النساء ولا حب الأولاد ولا الحرص ولا طول الأمل ولا لذة عيش لا يلبسهم الليل ولا يغشاهم النهار ليسوا ببهائم ولا هوام لباسهم ورق الشجر وشربهم من العيون الغزار والأودية الكبار.
 ثم أراد الله ان يفرقهم فرقتين فجعل فرقة خلف مطلع الشمس من وراء البحر فكوّن لهم مدينة أنشأها تسمى جابرسا طولها اثنى عشر الف فرسخ في اثنى عشر الف فرسخ وكوّن عليها سورا من حديد يقطع الأرض من السماء ثم أسكنهم فيها، واسكن الفرقة الأخرى خلف مغرب الشمس من وراء البحر كوّن لهم مدينة أنشأها تسمى جابلقا طولها اثنا عشر الف فرسخ في اثنى عشر الف فرسخ وكوّن لهم سورا من حديد يقطع إلى السماء فاسكن الفرقة الأخرى فيها لا يعلم أهل جابرسا بموضع أهل جابلقا ولا يعلم أهل جابلقا بموضع أهل جابرسا، ولا يعلم بهم أهل أوساط الأرض من الجن والنسناس، فكانت الشمس تطلع على أهل أوساط الأرضين من الجن والنسناس فينتفعون بحرها ويستضيئون بنورها ثم تغرب في عين حمئة فلا يعلم بها أهل جابلقا إذا غربت ولا يعلم بها أهل جابرسا إذا طلعت لأنها تطلع من دون جابرسا وتغرب من دون جابلقا».
 فقيل يا أمير المؤمنين فكيف يبصرون ويحيون وكيف يأكلون ويشربون وليس تطلع الشمس عليهم فقال (عليه السلام) «انهم يستضيئون بنور الله فهم في أشد ضوء من نور الشمس ولا يرون ان الله تعالى خلق شمسا ولا قمرا ولا نجوما ولا كواكب ولا يعرفون شيئا غيره».
فقيل يا أمير المؤمنين فأين إبليس عنهم قال «لا يعرفون إبليس ولا سمعوا بذكره لا يعرفون الا الله وحده لا شريك له لم يكتسب أحد منهم قط خطيئة ولم يقترف اثما لا يسقمون ولا يهرمون ولا يموتون إلى يوم القيمة يعبدون الله ولا يفترون، الليل والنهار عندهم سواء وقال إن الله أحب ان يخلق خلقا وذلك بعد ما مضى للجن والنسناس سبعة آلاف سنة فلما كان من خلق (شأن) الله ان يخلق آدم....»(١٦٩)
٧ - وفي تفسير العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): تغرب الشمس في عين حامية في بحر دون المدينة التي مما يلي المغرب - يعني جابلقا -.(١٧٠)
٨ - وروى في الهداية الكبرى في رواية المفضل الطويلة عن الصادق (عليه السلام):... قال بخطبته -أمير المؤمنين (عليه السلام) -... ولأسيرن من دار هجرتي الكوفة حتى افني العالم قدما قدما بسيفي ذي الفقار حتى آتي جبل الديلم فاصعده واستهل طريقه واقطع خبره، ولآتين بلقاء الهند وبيضاء الصين التي كلتا جواريها حور العين ولآتين مصر واعقد على نيلها جسرا ولأنصبن على مجراها منبرا ولأخطبن عليه خطبة طوبى لمن عرفني فيها ولم يشك فيّ، والويل والعويل والنار والثبور لمن جهل أو تجاهل أو نسي أو تناسى أو انكر أو تناكر، ولآتين جابلقا وجابرصا ولأنصبن رحى الحرب واطحن بها العالم طحن الرحى لباب البر ولآتين كورا ولأسبكن الخلق فيها سبك خالص التبر، وحرق اللجين....(١٧١)
٩ - صحيح جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول إن من وراء هذه أربعين عين شمس ما بين شمس إلى شمس أربعون عاما فيها خلق كثير ما يعلمون ان الله خلق آدم أو لم يخلقه.
 وان من وراء قمركم هذا أربعين قمرا ما بين قمر إلى قمر مسيرة أربعين يوما فيها خلق كثير ما يعلمون ان الله خلق آدم أولم يخلقه قد الهموا كما ألهمت النحل لعنة الأول والثاني في كل وقت من الأوقات وقد وكل بهم ملائكة متى ما لم يلعنوهما عذبوا.(١٧٢) ورواه في مختصر بصائر الدرجات.(١٧٣)
١٠ - وروى في تحف العقول خطبة للحسن المجتبى (عليه السلام): فقال معاوية أظن نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة؟ فقال (عليه السلام): ويلك يا معاوية إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعمل بطاعة الله، ولعمري إنا لأعلام الهدى ومنار التقى ولكنك يا معاوية ممن أبار السنن وأحيا البدع واتخذ عباد الله خولا ودين الله لعبا فكان قد أخمل ما أنت فيه، فعشت يسيرا وبقيت عليك تبعاته.
يا معاوية والله لقد خلق الله مدينتين إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب أسماهما جابلقا وجابلسا، ما بعث الله إليهما أحدا غير جدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).(١٧٤)
وقال الحسين (عليه السلام) لمروان: والله ما بين جابرسا وجابلقا رجل ممن ينتحل الاسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك...(١٧٥)
١١ - وروى الصدوق بطريق عامي عن أنس بن سيرين قال: حدثنا الحسن بن علي (عليه السلام) يوم كلم فقال: ما بين جابرسا وجابلقا رجل جده نبي غيري وغير أخي وانى رأيت أن أصلح بين أمة محمد وكنت أحقهم بذلك فانا بايعنا معاوية ولعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.(١٧٦)
١٢ - وروى من كتاب الواحدة عن الصادق (عليه السلام) أن لله مدينتين: إحداهما بالمغرب، والأخرى بالمشرق، يقال لهما جابلقا وجابرسا، طول كل مدينة منهما اثنا عشر ألف فرسخ، في كل فرسخ باب، يدخلون في كل [يوم من كل] باب سبعون ألفا، ويخرج منها مثل ذلك، ولا يعودون إلى يوم القيامة، لا يعلمون أن الله خلق آدم، ولا إبليس، ولا شمس، ولا قمر، هم والله أطوع لنا منكم، يأتونا بالفاكهة في غير أوانها، موكلين بلعنة فرعون وهامان وقارون.(١٧٧)
الرجعة وعشر آيات تكوينية:
في موثق عامر بن وائلة، عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «عشر قبل الساعة لا بد منها: السُّفْيَانِي، والدجال، والدخان، وخروج القائم (عجّل الله فرجه)، وطلوع الشمس مِنْ مغربها، ونزول عيسى بن مريم...» الحديث.
والسُّفْيَانِي الملعون لَهُ تأثير خطير وأحداث خطيرة، من جهة الفوضى والاضطراب الامني الذي تثيره عصاباته. والدجال مع كونه شخصا فهو حدث فيزيائي كبير وَلَيْسَ حدثا سياسيا فَقَطْ بل ذو أبعاد شتى فكرية وكونية. ومَعَ ملف الدجال فِي روايات أهل البيت الساعة، القيامة والحساب ودابة الأرض وهَذِهِ الأُمُور العشرة منعطفات حضارية، بَقيَّة العلامات خسف بالمشرق وخسف فِي جزيرة العرب.
تزامن يأجوج ومأجوج والرجعة والظهور:
قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُون * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُون * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِين﴾(١٧٨). 
ولا يخفى أن الآية الأولى مرتبطة بالرجعة كما أوضحته الروايات الواردة في ذيلها الشارحة لألفاظ ظهورها، وقد مرت الإشارة اليها في البابين السابقين. ثم إردافها بمجيء يأجوج ومأجوج واقتراب الوعد الإلهي الحق أي ظهوره إشارة على تزامن الثلاثة.
وهذا ما تشير إليه جملة من الروايات:
١) روى فِي الكافي بسنده عَنْ ابن عباس قَالَ: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عَنْ الخلق، فَقَالَ: «خلق الله الفا ومائتين فِي البر وألفا ومائتين فِي البحر وأجناس بني آدم سبعون جنساً والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج»(١٧٩). 
٢) وروى فِي الإرشاد فِي خطبة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «لا تقوم الساعة حَتّى يقبض الله العلم... وتطلع الشمس مِنْ مغربها وتخرج الدّابة ويظهر الدجال وينتشر يأجوج ومأجوج وينزل عيسى بن مريم...»(١٨٠). 
٣) روى فِي روضة الواعظين عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَقَالَ: «إنَّكم لا ترون الساعة حَتّى تروا قبلها عشر آيات: طلوع الشمس مِنْ مغربها والدجّال ودابة الأرض وثلاثة خسوف تكون فِي الأرض: خسف بالمشرق وخسف فِي المغرب وخسف فِي جزيرة العرب وخروج عيسى (عليه السلام) وخروج يأجوج ومأجوج...»(١٨١). 
٤) وروى فِي المختصر نفس الرواية إلَّا عبارة «نزول عيسى» بينما «خروج عيسى (عليه السلام)» فِي رواية روضة الواعظين(١٨٢). 
٥) روى الليثي الواسطي عَنْ كتاب الخصال للشيخ الصدوق نفس رواية روضة الواعظين والمختصر لكنَّ توجد عبارة و«وخروج المهدي مِنْ ولدي» ذكرها الواسطي ولا توجد فِي الروضة والمختصر، ولا فِي الخصال المطبوع(١٨٣). 
٦) روى الثعالبي بسنده إلى حذيفة بن اليمان، قَالَ: قَالَ: رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أوَّل الآيات الدجّال ونزول عيسى (عليه السلام)... قَالَ حذيفة، قلت يا رسول الله ما يأجوج ومأجوج؟ قَالَ:.... فيوحي الله سبحانه إلى عيسى (عليه السلام) أنْ احرز عبادي بالطور وما يلي ثمَّ إنَّ عيسى (عليه السلام) يرفع يديه إلى السماء ويؤمن المسلمون فيبعث الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِم دابة يُقَال لها النغف تدخل فِي مناخرهم فيصبحون موتى...»(١٨٤). 
٧) روى في تهذيب تاريخ بن عساكر: يخرج عيسى بن مريم عِنْدَ المنارة عِنْدَ الباب الشرقي... فيخرج عَلَى أثره يأجوج فيهلك الله عَلَى يديه ولا يبقى مِنْهُم عين تطرف وترد إلى الأرض بركاتها...»(١٨٥). 
ومفادها تزامن نزول عيسى (عليه السلام) وخروج يأجوج ومأجوج وأن استئصالهم يطهر الأرض ويفتح بركاتها وهذه سنة إلهية تكوينية في منع الأرض بركاتها مع وجود الأشرار وأن استئصالهم يفتح على الأرض بركاتها.
٨) روى فِي كمال الدِّين بسنده عَنْ عبد الله بن سليمان وَكَانَ قارئا للكتب: قَالَ: إنَّ ذا القرنين كَانَ رجلاً مِنْ الإسكندرية... فلما أحست تلك الأمم بهم وسمعوا همهمتهم استغاثوا بذي القرنين... ثمَّ بنى وقاس ما بين الصدفين... فيأجوج ومأجوج ينتابونه فِي كُلّ سنة مَرَّة... فلا يزالون كَذَلِكَ حَتّى تقترب الساعة وتجيء أشراطها فإذا جاء أشراطها وَهُوَ قيام القائم (عجّل الله فرجه) فتحه الله لهم وَذَلِكَ قوله (عزَّ وجلَّ) ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِين﴾(١٨٦). 
تزامن الدجال ويأجوج ومأجوج:
٩) روى ابن حمّاد عَنْ كعب قَالَ: بينما هُمْ يقتسمون غنائم القسطنطينية إذْ يأتيهم خبر الدجّال فيرفضون ما فِي أيديهم ثمَّ يقبلون فيلحقون بيت المقدس فيصلي خلف مِنْ يلي أمر المسلمين ثمَّ يوحي الله تَعَالَى إلى عيسى بن مريم أنْ يسير إلى مأجوج ومأجوج ثمَّ يرجع إلى بيت المقدس...»(١٨٧). 
والرواية تشير الى تزامن خروج الدجال مع الثلاثة أمور بل إن جملة الروايات الواردة في الدجال - وأنه يخرج ويبرز عند الظهور وأنه يرسل المهدي (عليه السلام) عليه عيسى بن مريم مع المسلمين فيقتله – ويستفاد هذا التزامن.
القائم يقتل إبليس:
إنَّ لإبليس قتلات ودولته مستمرة إلى يَوُم الوقت المعلوم.
الأُولى: عَلَى يد الحجة (عجّل الله فرجه): قال المسعودي في إثبات الوصية: وروي... ثم قال ابليس: يا رب اعفني من السجود لآدم حتى أعبدك عبادة لم يعبدك بها أحد. فأوحى الله تعالى: لست أقبل شيئا من عبادتك الا الطاعة لآدم. فأبى ابليس اللعين ذلك، فلعنه الله وغضب عليه وأمر الملائكة بإخراجه ثم قال له ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِين  إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ المَعْلُوم﴾ فسئل العالم عن السبب في اجابته الى الإنظار. فقال له: انه لما هبط الى الأرض تحكّم فيها وغيّر وبدل، فغضب الله عليه فسجد أربعة آلاف سنة سجدة واحدة فجعل الله تلك السجدة سببا للاجابة للنظرة الى قيام صاحب الامر (عليه السلام) وهو يوم الوقت المعلوم. قال: فقال اللعين ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِين﴾ فروي أنه لا سلطان لابليس على المؤمنين في اخراجهم من ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) الى ولاية الجبت والطاغوت، وله عليهم سلطان فيما سوى ذلك. وروي ان رجلا سأل العالم (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِين﴾ فقال: ما زال مذ خلق الله آدم في كل زمان دولتين دولة لله جل وعز وهي دولة الأنبياء الاوصياء، ودولة لا بليس. فاذا كانت الدولة للانبياء والاوصياء عبد الله نبيّه في الظاهر، واذا كانت دولة ابليس (لعنه الله) عبد الله في السر(١٨٨)
وروى العيّاشي عَنْ وهب بن جميع مولى إسحاق بن عمار، قَالَ سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ قول إبليس ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِين إِلَى يَومِ الْوَقْتِ المَعْلُوم﴾ قَالَ لَهُ وهب: جُعلت فداك، أيّ يَوم هُوَ؟ قَالَ: «يا وهب أتحسبُ أنَّهُ يَوم يبعث الله فيه الناس؟ إنَّ الله أنظره إلى يَوم يُبعثُ فيه قائمنا، فإذا بعث الله قائمنا كَانَ فِي مسجد الكوفة، وجاء إبليس حَتّى يجثو بين يديه عَلَى ركبتيه، فيقول: يا ويلي مِنْ هَذَا اليوم، فيأخُذ بناصيته فيضرب عُنقه، فَذَلِكَ اليوم هُوَ الوقت المعلوم»(١٨٩). ورواه الطبري في دلائل الإمامة مسندا عن وهب(١٩٠) 
وروى في البحار عن الأنوار المُضيئة للسيد علي بن عبدالحميد بإسناده الى أحمد بن محمد الأيادي رفعه الى إسحاق بن عمار قال: سألته عن إنظار الله تعالى إبليس وقتا معلوما ذكره في كتابه، فقال: «فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم» قال: الوقت المعلوم يوم قيام القائم، فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتى يجثو على ركبتيه، فيقول، يا ويلاه من هذا اليوم فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك: «يوم الوقت المعلوم» منتهى أجله(١٩١). 
الثانية: قتله عَلَى يد أمير المؤمنين دابة الأرض: فَقَدْ روى نعيم بن حمّاد فِي الفتن عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): قَالَ: «خروج الدّابة بَعْدَ طلوع الشمس، فإذا خرجت قتلت الدّابة إبليس وَهُوَ ساجد، ويتمتع المؤمنون فِي الأرض بَعْدَ ذَلِكَ أربعين سنة، لا يتمنّون شيئاً إلا أعطوه ووجدوه؛ فلا جور ولا ظلم وَقَدْ أسلمت أشياء لربّ العالمين طوعاً وكرهاً والمؤمنون طوعاً والكفّار كرهاً، والسبع والطير كرهاً، حَتّى أنَّ السبع لا يؤذي دابة ولا طيراً، ويلد المؤمن فلا يموت حَتّى يَتِمُّ أربعين سنة بَعْدَ خروج دابة الأرض، ثمَّ يعود فيهم الموت فيمكثون بذلك ما شاء الله...»(١٩٢). 
الثالثة: قتله عَلَى يد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَقَدْ روى القمي فِي تفسيره بسنده عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي قول الله تَبَارَكَ وتعالى ﴿فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِين إِلَى يَومِ الْوَقْتِ المَعْلُوم﴾. قَالَ: يَوم الوقت المعلوم يوم يذبحه رسول الله عَلَى الصخرة الَّتِي في بيت المقدس(١٩٣). 
الرَّابِعة: ما رواه فِي مختصر بصائر الدرجات بسنده عَنْ عمرو الخثعمي، قَالَ: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام)، يقول أنَّ إبليس قَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ فأبى الله ذَلِكَ عَلَيْهِ ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِين إِلَى يَومِ الْوَقْتِ المَعْلُوم﴾ فإذا كَانَ يَوم الوقت المعلوم ظهر إبليس لعنه الله في جميع أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يَوم الوقت المعلوم، وَهِيَ آخر كرّة يكرّها أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقلت: وإنّها لكرّات؟ قَالَ: «نعم، أنها لكرّات وكرّات، ما مِنْ إمام في قرن إلَّا ويكرّ معه البرّ والفاجر في دهره حَتّى يديل الله (عزَّ وجلَّ) المؤمن مِنْ الكافر».
فإذا كَانَ يَوم الوقت المعلوم كرّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أصحابه وجاء إبليس فِي أصحابه، ويكون ميقاتهم فِي أرض مِنْ أراضي الفرات، يُقَال لها: الروحاء قريب مِنْ كوفتكم، فيقتتلون قتالاً لَمْ يقتتل مثله منذ خلق الله (عزَّ وجلَّ) العالمين، فكأنّي أنظر إلى أصحاب عليّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه قَدْ رجعوا إلى خلفهم القهقري مائة قدم، وكأنّي أنظر اليهم وَقَدْ وقعت بَعْض أرجلهم فِي الفرات، فَعِنْدَ ذَلِكَ يهبط [أمر] الجبّار (عزَّ وجلَّ) فِي ظلل مِنْ الغمام والملائكة وقضى الأمر ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمامه بيده حربة مِنْ نور، فإذا نظر إليه إبليس رجع القهقري ناكصاً عَلَى عقبيه، فيقولون لَهُ أصحابه: أين تريد وَقَدْ ظفرت؟ فيقول: ﴿إِلَى يَومِ الْوَقْتِ المَعْلُوم﴾ ﴿إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين﴾ فيلحقه الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيطعنه طعنة بين كتفيه، فيكون هلاكه وهلاك جميع أشياعه، فَعِنْدَ ذَلِكَ يعبد الله (عزَّ وجلَّ) ولا يشرك به شيئاً(١٩٤). 
وَعَلَى هَذَا فَيَوم الوقت المعلوم عَلَى تأويلات عديدة، ويؤوَّل عَلَى رجعة إبليس بَعْدَ القتل حَيْثُ عُبِّرَ فِي الرواية الرابعة «يظهر إبليس في جميع أشياعه» ولا يخفى أنَّ الظهور استعمل بمعنى رجوع، فالجمع بين هَذِهِ القتلات وتعدّدها هِيَ بتعدد رجعات إبليس.
الخامسة: ما رواه الصدوق أنه يوم ينفخ في الصور وهو خلاف أكثر الروايات إلا بتأويل ما تقدم من تعدد الرجعات، بسنده عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ الرَّازِيِ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون﴾  - وَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ الله (عزَّ وجلَّ) لِإِبْلِيسَ ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِين إِلَى يَومِ الْوَقْتِ المَعْلُوم﴾ قَالَ وَيَوْمُ الْوَقْتِ المَعْلُومِ يَوْمٌ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ فَيَمُوتُ إِبْلِيسُ مَا بَيْنَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَة(١٩٥)
السادسة: أنه كل دول آل محمد كمارواه بن طاووس في سعد السعود وجادة عن صحف إدريس (عليه السلام) قال: فيما نذكره من القائمة الثامنة من الكراس الخامس من سؤال إبليس وجواب الله بلفظ ما وجدناه ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ قال لا ولكنك ﴿ مِنَ المُنظَرِين إِلَى يَومِ الْوَقْتِ المَعْلُوم﴾ فإنه يوم قضيت وحتمت أن أطهر الأرض في ذلك اليوم من الكفر والشرك والمعاصي وأنتخب لذلك الوقت عبادا لي امتحنت قلوبهم للإيمان وحشوتها بالروح والإخلاص واليقين والتقوى والخشوع والصدق والحلم والصبر والوقار والشعار والزهد في الدنيا والرغبة فيما عندي بعد الهدى وأجعلهم دعاة الشمس والقمر وأستخلفهم في الأرض وأمكن لهم دينهم الذي ارتضيته لهم ﴿يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ يقيمون الصلاة لوقتها ويؤتون الزكاة لحينها ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وألقي في ذلك الزمان الأمانة على الأرض فلا يضر شيء شيئا ولا يخاف شيء من شيء ثم تكون الهوام والمواشي بين الناس فلا يؤذي بعضهم بعضا وأنزع حمة كل ذي حمة من الهوام وغيرها وأذهب سم كل ما يلدغ وأنزل بركات من السماء والأرض وتزهر الأرض بحسن نباتها وتخرج كل ثمارها وأنواع طيبها وألقي الرأفة والرحمة بينهم فيتواسون ويقتسمون بالسوية، فيستغني الفقير ولا يعلو بعضهم على بعض بل يخضع بعضهم لبعض ويرحم الكبير الصغير ويوقر الصغير الكبير ويدينون ﴿بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون﴾ ويحكمون.
أولئك أوليائي اخترت لهم نبيا مصطفى وأمينا مرتضى فجعلته لهم نبيا ورسولا وجعلتهم له أولياء وأنصارا تلك أئمة اخترتها للنبي المصطفى وأميني المرتضى ذلك وقت حجبته في علم غيبي ولا بد أنه [قائمكم](١٩٦) واقع ليبيدك يومئذ وخيلك ورجلك وجنودك أجمعين فاذهب ﴿فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِين إِلَى يَومِ الْوَقْتِ المَعْلُوم﴾ (١٩٧). 
وهذا المفاد جامع لكل دول أهل البيت بدءا من دولة الظهور للمهدي (عجّل الله فرجه) ودول الرجعة لهم حيث يطهر الله تعالى بها الأرض ويظهر دينه على أرجاء الأرض، فيتطابق مع الروايات الاربع الأولى.
ومثلها في المفاد رواية يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان ليلة الجمعة أهبط الرب تبارك وتعالى ملكا إلى السماء الدنيا، فإذا طلع الفجر نصب لمحمد وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) منابر من نور عند البيت المعمور، فيصعدون عليها ويجمع لهم الملائكة والنبيين والمؤمنين ويفتح أبواب السماء فإذا زالت الشمس قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا رب ميعادك الذي وعدت في كتابك وهو هذه الآية ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآية ويقول الملائكة والنبيون مثل ذلك ثم يخر محمد وعلي والحسن والحسين سجدا، ثم يقولون: يا رب اغضب فإنه قد هتك حريمك، وقتل أصفياؤك وأذل عبادك الصالحون، فيفعل الله ما يشاء وذلك وقت معلوم(١٩٨). 
تمرد إبليس قبل خلق آدم (عليه السلام):
روى البكري في أنوارمولد النبي في حديث عن عوالم الخلق عن علي (عليه السلام): الى أن قال:.... إِلَى أَنْ أَرَادَ الله تَعَالَى أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ فَأَمَرَ جَبْرَئِيلُ أَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ ويقْبِضُ مِنْهَا قَبْضَةً فَنَزَلَ فَسَبَقَهُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ الله إِلَى الْأَرْضِ وَقَالَ إِنَّ الله تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْكَ خَلْقاً وَيُعَذِّبْهُ بِالنَّارِ فَإِذَا أَتَاكَ المَلك فَقُولِي أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ إِنْ أَخَذَتْ مِنِّي شَيْئاً يَكُونُ لِلنَّارِ فِيهِ نَصِيبٌ قَالَ فَلَمَّا أَتَاهَا المَلك جَبْرَئِيلُ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِاللهِ الَّذِي أَرْسَلَكَ بِأَنْ لَا تَأْخُذُ مِنِّي شَيْئاً يَكُونُ فِيهِ نَصِيبٌ لِلنَّارِ قَالَ فَرَجَعَ وَلَمْ يَقْبِضُ مِنْهَا شَيْئاً وَقَالَ يَا رَبِّ استعاذت بِكَ فَرَحِمْتُهَا فَبَعَثَ مِيكَائِيلَ فأقسمت عَلَيْهِ فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئاً وَقَالَ كَذَلِكَ ثُمَّ بَعَثَ إِسْرَافِيلَ فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئاً ثُمَّ بَعَثَ عَزْرَائِيلَ فَقَالَتْ أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ أَنْ تَأْخُذُ مِنِّي شَيْئاً فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا فَقَبَضَ مِنْهَا قَبْضَةً وَرَجَعَ بِهَا إِلَى الله فَقَالَ الله جَلَّ اسْمُهُ خُذْ مِنْ أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا وَأبيضها وَأسودها وَأحمرها وَأصفرها وَأَخْشَنِهَا وَأَنْعَمَهَا فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ فَمِنْهُمْ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَحْمَرِ ثُمَّ قَالَ الله تَعَالَى لعزرائيل أَلَمْ تَتَعَوَّذُ الْأَرْض مِنْكَ بِي؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي لَمْ أَلْتَفِتَ إِلَيْهَا لِأَنَّ طَاعَتِكَ أَوْلَى مِنْ رَحْمَتِي لَهَا فَقَالَ الله تَعَالَى اعْلَمْ أَنِّي سأخلق مِنْهَا أَنْبِيَاءِ وَصَالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ وَأَجْعَلْكَ تقْبضْ أَرْوَاحَهُمْ قَالَ فَبَكَى عَزْرَائِيل لِمَا سَمِعَ ذَلِكَ وَقَالَ إِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ كرهوني الْخَلَائِق فَقَالَ الله تَعَالَى لَا تَخَفْ فَإِنِّي أَخْلَقَ لَهُمْ عللا ينسبون المَوْتِ إِلَيْهَا(١٩٩)
صعود إبليس الى ما دون العرش الى زمان أيوب:
وفي موثق أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ بَلِيَّةِ أَيُّوبَ (عليه السلام) الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا فِي الدُّنْيَا - لِأَيِّ عِلَّةٍ كَانَتْ قَالَ لِنِعْمَةٍ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَأَدَّى شُكْرَهَا وَكَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يُحْجَبُ إِبْلِيسُ مِنْ دُونِ الْعَرْشِ فَلَمَّا صَعِدَ وَرَأَى شُكْرَ نِعْمَةِ أَيُّوبَ حَسَدَهُ إِبْلِيسُ وَقَالَ يَا رَبِّ إِنَّ أَيُّوبَ لَمْ يُؤَدِّ إِلَيْكَ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ - إِلَّا بِمَا أَعْطَيْتَهُ مِنَ الدُّنْيَا - وَلَوْ حَرَمْتَهُ دُنْيَاهُ مَا أَدَّى إِلَيْكَ شُكْرَ نِعْمَةٍ أَبَداً - فَسَلِّطْنِي عَلَى دُنْيَاهُ - حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَيْكَ شُكْرَ نِعْمَةٍ أَبَداً، فَقِيلَ لَهُ قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَى مَالِهِ وَوُلْدِهِ - قَالَ فَانْحَدَرَ إِبْلِيسُ فَلَمْ يُبْقِ لَهُ مَالًا وَوَلَداً إِلَّا أَعْطَبَهُ - فَازْدَادَ أَيُّوبُ شُكْراً للهِ وَحَمْداً قَالَ فَسَلِّطْنِي عَلَى زَرْعِهِ، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَجَاءَ مَعَ شَيَاطِينِهِ فَنَفَخَ فِيهِ فَاحْتَرَقَ فَازْدَادَ أَيُّوبُ للهِ شُكْراً وَحَمْداً - فَقَالَ يَا رَبِّ! سَلِّطْنِي عَلَى غَنَمِهِ، فَسَلَّطَهُ عَلَى غَنَمِهِ فَأَهْلَكَهَا - فَازْدَادَ أَيُّوبُ للهِ شُكْراً وَحَمْداً - وَقَالَ يَا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَى بَدَنِهِ - فَسَلَّطَهُ عَلَى بَدَنِهِ مَا خَلَا عَقْلَهُ وَعَيْنَهُ - فَنَفَخَ فِيهِ إِبْلِيسُ فَصَارَ قَرْحَةً وَاحِدَةً مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ فَبَقِيَ فِي ذَلِكَ دَهْراً طَوِيلًا يَحْمَدُ الله وَيَشْكُرُهُ - حَتَّى وَقَعَ فِي بَدَنِهِ الدُّودُ(٢٠٠) وَكَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ بَدَنِهِ - فَيَرُدُّهَا وَيَقُولُ لَهَا ارْجِعِي إِلَى مَوْضِعِكِ - الَّذِي خَلَقَكِ الله مِنْهُ - وَنَتِنَ حَتَّى أَخْرَجَهُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ مِنَ الْقَرْيَةِ - وَأَلْقَوْهُ فِي المَزْبَلَةِ خَارِجَ الْقَرْيَةِ - وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ رَحِيمَةُ - بِنْتُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَعَلَيْهَا تَتَصَدَّقُ مِنَ النَّاسِ وَتَأْتِيهِ بِمَا تَجِدُهُ - قَالَ فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ وَرَأَى إِبْلِيسُ صَبْرَهُ - أَتَى أَصْحَاباً لَهُ كَانُوا رُهْبَاناً فِي الْجِبَالِ وَقَالَ لَهُمْ: مُرُّوا بِنَا إِلَى هَذَا الْعَبْدِ المُبْتَلَى - وَنَسْأَلَهُ عَنْ بَلِيَّتِهِ فَرَكِبُوا بِغَالًا شُهْباً وَجَاءُوا - فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ نَفَرَتْ بِغَالُهُمْ مِنْ نَتْنِ رِيحِهِ - فَقَرَنُوا بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ مَشَوْا إِلَيْهِ - وَكَانَ فِيهِمْ شَابٌّ حَدَثُ السِّنِّ فَقَعَدُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا أَيُّوبُ لَوْ أَخْبَرْتَنَا بِذَنْبِكَ - لَعَلَّ الله كَانَ يُهْلِكُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ(٢٠١) وَمَا نَرَى ابْتِلَاءَكَ بِهَذَا الْبَلَاءِ - الَّذِي لَمْ يُبْتَلَ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ أَمْرٍ كُنْتَ تَسْتُرُهُ فَقَالَ أَيُّوبُ وَعَزَّةِ رَبِّي إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنِّي مَا أَكَلْتُ طَعَاماً - إِلَّا وَيَتِيمٌ أَوْ ضَيْفٌ يَأْكُلُ مَعِي - وَمَا عَرَضَ لِي أَمْرَانِ كِلَاهُمَا طَاعَةٌ للهِ - إِلَّا أَخَذْتُ بِأَشَدِّهِمَا عَلَى بَدَنِي - فَقَالَ الشَّابُّ سَوْأَةً لَكُمْ عَمَدْتُمْ إِلَى نَبِيِّ الله - فَعَيَّرْتُمُوهُ حَتَّى أَظْهَرَ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ مَا كَانَ يَسْتُرُهَا، فَقَالَ أَيُّوبُ: يَا رَبِّ لَوْ جَلَسْتُ مَجْلِسَ الْحَكَمِ مِنْكَ - لَأَدْلَيْتُ بِحُجَّتِي فَبَعَثَ الله إِلَيْهِ غَمَامَةً فَقَالَ: [يَا] أَيُّوبُ أَدْلِنِي بِحُجَّتِكَ فَقَدْ أَقْعَدْتُكَ مَقْعَدَ الْحَكَمِ - وَهَا أَنَا ذَا قَرِيبٌ وَلَمْ أَزَلْ - فَقَالَ يَا رَبِّ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لِي أَمْرَانِ قَطُّ - كِلَاهُمَا لَكَ طَاعَةٌ إِلَّا أَخَذْتُ بِأَشَدِّهِمَا عَلَى نَفْسِي - أَلَمْ أَحْمَدْكَ أَلَمْ أَشْكُرْكَ أَلَمْ أُسَبِّحْكَ قَالَ فَنُودِيَ مِنَ الْغَمَامَةِ بِعَشَرَةِ أَلْفِ لِسَانٍ - يَا أَيُّوبُ مَنْ صَيَّرَكَ تَعْبُدُ الله وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ - وَتَحْمَدُهُ وَتُسَبِّحُهُ وَتُكَبِّرُهُ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ - أَتَمُنُّ عَلَى الله بِمَا للهِ فِيهِ الْمِنَّةُ عَلَيْكَ قَالَ: فَأَخَذَ أَيُّوبُ التُّرَابَ فَوَضَعَهُ فِي فِيهِ - ثُمَّ قَالَ لَكَ الْعُتْبَى يَا رَبِّ أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِي، فَأَنْزَلَ الله عَلَيْهِ مَلَكاً فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ - فَخَرَجَ المَاءُ فَغَسَلَهُ بِذَلِكَ المَاءِ - فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ وَأَطْرَأَ وَأَنْبَتَ الله عَلَيْهِ رَوْضَةً خَضْرَاءَ - وَرَدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ وَزَرْعَهُ - وَقَعَدَ مَعَهُ المَلَكُ يُحَدِّثُهُ وَيُؤْنِسُهُ.(٢٠٢)
وفي الهداية الكبرى رواية طويلة - وفيها -..... قَالَ المُفَضَّلُ يَا مَوْلَايَ: أَوَلَيْسَ يُقَالُ إِنَّ إِبْلِيسَ مِنَ المَلَائِكَةِ، قَالَ بَلَى يَا مُفَضَّلُ هُوَ مِنَ المَلَائِكَةِ، لَا الرُّوحَانِيَّةِ وَلَا النُّورَانِيَّةِ، وَلَا سُكَّانِ السَّمَاوَاتِ، وَمَعْنَى مَلَائِكَةٍ هُوَ اسْمٌ وَاحِدٌ فَيُصْرَفُ فَهُوَ مَلَكٌ وَمَالِكٌ وَمَمْلُوكٌ هَذَا كُلُّهُ اسْمٌ وَاحِدٌ وَكَانَ أَمْلَاكَ الْأَرْضِ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾  وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُوم﴾  وَقَالَ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ قَالَ المُفَضَّلُ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي عَلِمْتُ وَفَهِمْت(٢٠٣).

الفصل الثاني: الرجعة والبرزخ

حقيقة البرزخ:
مراتب الحشر والنشر والرجعة والبرزخ:
١) الكليني بسنده صحيح إلى أبي الربيع قَالَ: حججنا مَعَ أبي جعفر (عليه السلام) فِي السنة الَّتِي حجّ فيها هشام وَكَانَ معه نافع مولى عبد الله بن عمر... فتلا أبو جعفر (عليه السلام) هَذِهِ الآية ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ فَكَانَ مِنْ الآيات... أنَّ حشر الله (عزَّ وجلَّ) ذكره الأولين والآخرين مِنْ النبيين والمُرسلين ثمَّ أمر جبرائيل...(٢٠٤). ولا يخفى أن هذا الحشر للأولين والآخرين حشر برزحي.
٢) وروى فِي الكافي بسند مُعتبر عَنْ عمر بن يزيد قَالَ قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) «إنَّي سمعتك وَأَنْتَ تقول كُلّ شيعتنا فِي الجنّة عَلَى ما كَانَ فيهم؟ قَالَ صدقتك كلهم والله في الجنّة، قلت أنَّ الذنوب كثيرة كبار فَقَالَ أمَّا في القيامة فكلكم فِي الجنة بشفاعة الْنَّبِيّ المُطاع أو وصي الْنَّبِيّ ولكنّي والله أتخوّف عليكم في البرزخ، قلت وما البرزخ؟ قال القبر منذ حين موته إلى يَوم القيامة»(٢٠٥). 
وموضع الشاهد فِي الرواية ذيلها حَيْثُ بيَّن (عليه السلام) أنَّ البرزخ عنوان يُطلق عَلَى فترة ما بين الموت إلى يَوُم القيامة، والظاهر مِنْ عنوان القيامة إرادة القيامة الكُبرى بقرينة ما فِي وسط الرواية مِنْ ذكر دخول الجنّة بشفاعة الْنَّبِيّ أو الوصي لا القيامة الصغرى وَهِيَ البعث إلى الرجعة الذي قَدْ استعمل فِي هَذَا العنوان فِي روايات الرجعة أيضاً.
وإطلاق البرزخ عَلَى كُلّ فترة ما بَعْدَ الموت إلى القيامة الكُبرى يحتمل فيه وجوه:
١ - أنْ يكون المُراد أنَّ البرزخ وَمِنْ بعده الرجعة والرجعات وما بينها مِنْ البرازخ حَتّى فترة الساهرة إلى ما قبل عالم القيامة الكبرى سنخ كُلّ هَذِهِ المراحل هي مِنْ الحالات والدرجات البرزخية، وأنَّ الجسم فِي كُلّ هَذِهِ المراحل هو مِنْ الجسم البرزخي، غاية الأمر يتفاوت فِي مراتب اللطافة والكثافة درجات وإنْ كَانَ مجموع درجاته ألطف مِنْ الجسم الغليظ فِي الحياة الأولى مِنْ الدُّنْيَا، وَهَذَا الاحتمال هُوَ الذي ذهب إليه الشَّيْخ أحمد الإحسائي فِي تفسير حقيقة الرجعة والجسم فِي الرجعة، إلَّا أنَّه قَدْ تَقَدَّمَ فِي البابين السابقين ضعف هَذَا الاحتمال، وأنَّ الجسم فِي الرجعة يُغاير الجسم فِي البرزخ حَيْثُ إنَّ الروح فِي بعث الرجعة تعود وترجع إلى البدن الأصلي فِي القبر وتبعث فيه، وإنْ كَانَ الجسم الأصلي للإنسان فِي القبر غَيْر مرئي لما مرت الإشارة إليه فِي البابين السابقين، مِنْ أنَّ الجسم الدنيوي للإنسان اثنان، أحدهما أصلي غَيْر مرئي مِنْ الطينة الَّتِي خلق منها بدنه الدنيوي، والثاني غَيْر أصلي وَهُوَ مرئي غليظ وَهُوَ الذي يحصل فيه التبدل والتغيّر فِي الأكل والشرب ودفع الفضولات خارج البدن، ويطرأ عليه التبدد.
والبدن الأولي الدنيوي يُغاير البدن البرزخي وتجري عَلَيْهِ أحكام الجسم الدنيوي مِن التقدير بالأجل وانفصال الروح عنه مَرَّة أُخرى، وإنْ كَانَ أنماط الرجعة فِي البدن بالقبر هِيَ أنماط وأنواع كثيرة جداً كَمَا مَرَّ فِي كيفية الإحياء فِي الرجعة بتفاوت كثير مِنْ الأحكام.
٢ - أنْ يكون المُراد خصوص حالات الموت الَّتِي تقع منذ أوَّل الموت إلى عالم القيامة، حَيْثُ إنَّ للإنسان رجعات كَمَا مرّت الإشارة إليه فِي البابين السابقين، وبين تلك الرجعات موتات أعم مِنْ الموت والقتل، وفي تلك الموتات تنتقل الروح مِنْ البدن الدنيوي الغليظ إلى البرزخ، فبلحاظ وجود هَذِهِ البرازخ المُتعدّدة وما يلقى الإنسان فيها مِنْ مجازات لأعماله كانت الإشارة بقوله (عليه السلام) «أتخوَّف عليكم في البرزخ» وَمِنْ ثمَّ حدَّد (عليه السلام) البرزخ بنفس القبر المُمتد زمانه مِنْ حين الموت إلى عالم يَوم القيامة، فلا يشمل الخروج مِنْ القبر وَهُوَ الرجعة فينطبق عَلَى البرازخ بالقبر خاصّة ما بين أوَّل موته إلى عالم القيامة.
٣ - قَدْ مَرَّ أنَّ الراجع مِنْ البرزخ فِي الرجعة كَمَا هُوَ الحال في الذين حصلت لهم تجربة الموت يرجع ملما بتفعيل وفاعلية عِدَّة مِنْ القوى النفسانية، فتكون فاعلة لديه كَمَا لو كان متواجدا فِي البرزخ، وقد يقوى على بعض أفاعيل وأفعال أهل البرزخ حين رجوعه إلى البدن الدنيوي، فَلَهُ بَعْض أحكام أهل البرزخ مُضافاً إلى استفاضة الروايات الواردة عنهم مِنْ تلازم منْ يساءل فِي القبر مَعَ مَنْ يرجع، بَلْ فِي بَعْض الروايات أنَّ المساءلة فِي القبر والبرزخ مُلازمة للمساءلة والمجازاة فِي الرجعة أيضاً كَمَا فِي مُعتبرة أبي بكر الحضرمي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «لا يُسأل فِي القبر إلَّا مَنْ محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، ولا يُسأل فِي الرجعة إلَّا محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً» قُلتُ لَهُ: فسائر الناس؟ فَقَالَ: «يُلهى عنهم»(٢٠٦).
وروى الكليني صدره ولم يروي ذيله الذي في الرجعة، إلا أن سعد بن عبد الله في المختصر في باب الكرات رواها كاملة.
وَعَلَى ضوء هَذَا التلازم فما يتخوّفه (عليه السلام) عَلَى المُحبين فِي القبر (البرزخ) يشمل الرجعة أيضاً قبل عالم القيامة.
٤ - روى فِي مختصر بصائر الدرجات بسند صحيح عَنْ زرارة قَالَ: كرهت أنْ أسأل أبا جعفر (عليه السلام) فاحتلت مسألة لطيفة لأبلغ بها حاجتي منها، فقلت: أخبرني عمّن قتل مات؟ قَالَ لا: «الموت موت والقتل قتل» فقلت لَهُ: ما أحد يقتل إلَّا وَقَدْ مات، قَالَ: فَقَالَ: «يا زرارة قول الله أصدق مِنْ قولك قَدْ فرّق بين القتل والموت فِي القرآن فَقَالَ: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ وقَالَ الله (عزَّ وجلَّ) ﴿وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُون﴾ فَلَيْسَ كَمَا قُلت يا زرارة، فالموت موت والقتل قتل، وَقَدْ قَالَ الله (عزَّ وجلَّ) يقول ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ قال فقلت: إن الله (عزَّ وجلَّ) يقول ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ﴾ أفرأيت مَنْ قُتل لَمْ يذق الموت فَقَالَ: «لَيْسَ مَنْ قُتل بالسيف كَمَنْ مات عَلَى فراشه إنَّ مَنْ قتل لابُدَّ أنَّ يرجع إلى الدُّنْيَا حَتّى يذوق الموت»(٢٠٧). 
وَهَذِهِ التفرقة فِي درجة ونمط انفصال الروح عَنْ البدن ليست فِي السبب (سبب الانفصال) فَقَطْ بَلْ أيضاً فِي نمط ما يحصل منهما مِنْ علاقة بين الروح والبدن، كَمَا أنَّهُ يختلف فِي كيفية مفارقة الروح للبدن فلاحظ قوله تَعَالَى ﴿وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾(٢٠٨) وقوله تَعَالَى لعيسى (عليه السلام) ﴿وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾(٢٠٩) وقوله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾(٢١٠). 
ومجموع هَذِهِ الآيات يقرر بأن حالة الْنَّبِيّ عيسى (عليه السلام) نمط مِنْ التوفّي وينفى عنه الموت كَمَا ينفى عنه القتل، فَلَهُ حالة غيرهما.
٥ - روى القمي بسنده عن عبدالملك بن هارون عن ابي عبد الله عن آبائه قال: (كان فيما سأل ملك الروم الحسن بن علي أن سأله عن أرواح المؤمنين أين يكونون إذا ماتوا؟ قال: تجتمع عند صخرة بيت المقدس في ليلة الجمعة وهو عرش الله الأدنى، منها يبسط الله الأرض وإليها يطويها وإليه المحشر ومنها استوى ربنا إلى السماء والملائكة، ثم سأل عن أرواح الكفار أين تجتمع؟ قال: تجتمع في وادي حضر موت وراء مدينة اليمن).
٦ - وروى فِي بصائر الدرجات بسنده عَنْ بريدة الأسلمي قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «كيف أَنْتَ إذَا استيأست أمتي مِنْ المهدي فيأتيها مثل قرن الشمس يستبشر به أهل السماء وأهل الأرض؟ فقلت: يا رسول الله بَعْدَ الموت؟ فَقَالَ: والله إنَّ بَعْدَ الموت هدى وإيماناً ونوراً» فقلت يا رسول الله: أيّ العمرين أطول؟ قَالَ: «الآخر بالضعف»(٢١١). 
ويمكن تقريب مفاد الرواية بأنَّ الوجود البرزخي يتكاثف ويتصرّف فِي الحياة الأرضية، لكنَّ سيأتي أنَّ هَذَا التفسير ينطبق عَلَى النزول لا عَلَى الرجعة.
درجات البرزخ ومراتبه:
إنَّ البرزخ فِي النظرة الكلامية والفلسفية هِيَ وجهة للإنسان هُوَ مولّيها وجهه وجهته ومرحلة مرتبطة بالأبد الأخروي، فَهِيَ برزخ بين الدُّنْيَا وأبد الآخرة والقيامة الكبرى، والحال أنَّهُ بحسب روايات الرجعة وبياناتها كَمَا مَرَّ مراراً أنَّ البرزخ مرحلة مُتوسطة بين الحياة الأولى فِي الدُّنْيَا والحياة الأُخرى مِنْ الدُّنْيَا، ومُقتضى ذَلِكَ بضميمة تكامل الحياة لدى الإنسان حَيْثُ إنَّ الذي ذاق الموتة الأولى وشاهد البرزخ ثمَّ رجع إلى الدُّنْيَا يتوفَّر عَلَى قدرة شعور وإدراك وإحساس بدرجات مِنْ عالم الملكوت أكثر مِنْهُ قبل أنْ يموت الموتة الأولى، وَهَذَا مجرَّب للأشخاص الَّذِيْنَ حدثت لهم تجربة الموت، أيّ الموت غَيْر المستقر ثمَّ عادوا إلى أبدانهم، فَإنَّ شعورهم الباطن ينشط بقوة بَعْدَ رجوعهم ويرون ويسمعون ما لَمْ يكن يقدرون عَلَيْهِ مِنْ قبل.
فبمقتضى كُلّ ذَلِكَ لا محال تكون الموتة الثانية لأهل الرجعة ذَاتَ درجة أعلى مِنْ البرزخ الأوَّل فضلاً عمّا إذَا كَانَ للإنسان رجعات، فَإنَّ البرزخ ذو درجات ومراحل يتوسّط بين الرجعات، وفي نهاية المطاف كَمَا سنحققه فِي هَذَا الباب تكون مرحلة الساهرة، وَهِيَ رفع للروح مِنْ دون حالة برزخية، وإنْ كَانَ هُنَاك بعث للقيامة الكبرى.
قال القمي في تفسيره: واما الرد على من انكر الثواب والعقاب فقوله ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيد فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيق خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ واما قوله ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ إنما هو في الدنيا، فإذا قامت القيامة تبدل السماوات والأرض، وقوله ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ فالغدو والعشي إنما يكون في الدنيا في دار المشركين، واما في القيامة فلا يكون غدوا ولا عشيا قوله ﴿لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ يعني في جنان الدنيا التي تنتقل إليها أرواح المؤمنين، فأمّا في جنات الخلد فلا يكون غدوا ولا عشيا وقوله ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ فقال الصادق (عليه السلام): «البرزخ القبر وفيه الثواب والعقاب بين الدُّنْيَا والآخرة والدليل عَلَى ذَلِكَ أيضاً قول العالم (عليه السلام): والله ما نخاف عليكم إلَّا البرزخ، وقوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾.
قَالَ الصادق (عليه السلام): «يستبشرون والله فِي الجنّة بمَن لَمْ يلحقوا بهم مِنْ خلفهم مِنْ المؤمنين فِي الدُّنْيَا ومثله كثير مما هُوَ ردّ عَلَى مَنْ أنكر الثواب والعقاب وعذاب القبر»(٢١٢). 
الرجعة والبرزخ... درجات ومراتب الرجعة:
قال في مختصر بصائر الدرجات عن كتاب الواحدة بسند متصل إلى أبي جعفر (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث.. وأخذ ميثاق الأنبياء بالإيمان والنصرة لنا وذلك قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾. يعني لتؤمنن بمُحمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولتنصرنَّ وصيّه وسينصرونه جميعاً، وإنَّ الله أخذ ميثاقي مَعَ ميثاق مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنصرة بعضنا لبعض فَقَدْ نصرت محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجاهدت بين يديه وقتلت عدوّه ووفيت لله بما أخذ عليَّ مِنْ الميثاق والعهد والنصرة لمُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَلَمْ ينصرني أحد مِنْ أنبياء الله ورسله، وَذَلِكَ لما قبضهم الله إليه، وسوف ينصرونني ويكون لي ما بين مشرقها إلى مغربها وليبعثنّهم الله أحياء مِنْ آدم إلى مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كُلّ نبي مرسل يضربون بين يديّ بالسيف هام الأموات والأحياء والثقلين جميعاً(٢١٣). 
وضرب هامات الأموات وَرَدَ فِي بعث الأنبياء لنصرة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وَوَرَدَ في الَّذِيْنَ يرجعون فِي الكوفة بين جمادى ورجب أنهم يضربون هام الأموات والأحياء.
فَهَلْ المُراد من ضرب هامات الأموات أي الذين رجعوا من الأموات إلى الدنيا مقابل الاحياء الذين لم يموتوا أم أن المراد ضربهم للأموات فِي البرزخ وَهُمْ فيه، كَمَا وَرَدَ أنَّ قتلة الأئمة يقتلون فِي البرزخ، وَالقتل لهم في البرزخ انفصال لروحهم عَنْ بدن البرزخ إلى برزخ أبطن وهلم جرا، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى مراتب البرزخ ومراتب البطون فِي درجات الروح.
وضرب هامات الأموات في الرواية المتقدمة كضرب الثقلين جميعاً يَدُلّ عَلَى حالة فيزيائية تكوينية خاصّة لدى الأنبياء الراجعين من الموت وقدرة إشراف الراجعين إلى الدنيا على التصرف في البرزخ وفي الجن أيضا، وأن موت أهل البرزخ لابد أن يكون إلى برزخ أبطن كَمَا هُوَ الحال فِي موت الجنّ مَعَ كون وجودهم الجسماني الدنيوي خفي فإنَّهم بالموت ينتقلون إلى جسم أخفى وأبطن بكثير، وَكَمَا هُوَ الحال فِي موت الملائكة وَالملائكة عَلَى طبقات وأبدانهم أخفى مِنْ الجنّ فِي غالب طبقاتهم، فإنَّ الملائكة إذا ماتوا ينتقلون بالموت إلى بدن أخفى.
والحاصل أنَّ البرزخ درجات مِنْ البرازخ صعودية ودرجات مِنْ العروج إلى الآفاق العُليا وإلى الأُفق الأعلى فالأعلى، وَهَذِهِ آفاق تكوينية لأهل الرجعة كَمَا دلَّت الروايات عَلَى صعود البشر إلى السماء ونحو ذَلِكَ.
البرزخ مِنْ الدُّنْيَا لا مِنْ الآخرة:
ومما يدل على كون البرزخ نشأة أرضية قَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِين قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّين﴾(٢١٤). 
وتقريب دلالة الآية عَلَى كون البرزخ مِنْ اللبث فِي الأرض والنشأة الدنيوية أنَّ السُّؤال لَمْ يكن عَنْ عمرهم فِي الحياة الأولى مِنْ الدُّنْيَا إذْ لا يترددون فِي إحصائه لعلمهم به ولا يتأتى ما احتملوه فِي جوابهم أنَّهُ يَوُم أو بَعْض يَوُم، وَإنَّما هَذَا ترديد بلحاظ مكثهم ولبثهم فِي البرزخ وَهُوَ كحالة منامية لا يستذكروها بتبدل الأحوال عَلَى النفس مما ينسيها التفاصيل وإنْ لَمْ تنعدم لديها أصل المعلومات بنحوٍ إجمالي، وَمِنْ ثمَّ يستبين مفاد قوله تَعَالَى: ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾(٢١٥). 
نوم البرزخ لا حلم فيه:
١ - قَدْ وَرَدَ بِهَذَا المفاد روايات مُستفيضة كالصحيح إلى إبراهيم بن أبي البلاد عَنْ بَعْض أصحابه عَنْ أبي الحسن (عليه السلام) قَالَ: «يُقَال للمؤمن فِي قبره: مَنْ ربك؟ قَالَ: فيقول الله، فيُقال لَهُ: ما دينُك فيقول الإسلام، فيُقال لَهُ: منْ نبيك فيقول: مُحمَّد، فيُقال لَهُ: منْ إمامك؟ فيقول: فُلان، فيُقال لَهُ: كيف علمت بذلك؟ فيقول أمر هداني الله لَهُ وثبتني عَلَيْهِ، فيُقال لَهُ: نم نومة لا حلم فيها نومة العروس، ثمَّ يفتح لَهُ باب إلى الجنّة فيدخل عَلَيْهِ مِنْ روحها وريحانها فيقول...»(٢١٦). 
٢ - وَعَنْ مُحمَّد بن يحيى فِي المعتبرة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «يجيء الملكان مُنكر ونكير... فيقول أشهد أنَّهُ رسول الله فيقولان لَهُ نم نومة لا حلم فيها...»(٢١٧). 
٣ - الكليني عَنْ عِدَّة مِنْ أصحابنا عَنْ أبي بصير قَالَ: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إذَا وُضِع الرجل فِي قبره... إذَا كَانَ مؤمناً أعن مُحمَّد رسول الله تسألاني فيقولان لَهُ نم نومة لا حلم فيها»(٢١٨). 
وهَذِهِ قاعدة معرفية أنَّ الموت والقبر (نوم لا حلم فيه) فيقع الكلام في أنَّ وصف النوم هَلْ هُوَ وصف للنشأة البرزخية والجسم والحياة البرزخية، وكيف تكون حياة برزخية ذَاتَ نشاط وأفاعيل للبدن وَهُوَ نائم، أم أنَّهُ وصف للبدن الدنيوي غَيْر المرئي الذي هُوَ كالطينة الأصلية للإنسان ويسيخ فِي تربة القبر.
وبعبارة أُخرى إنَّ قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كَمَا تنامون تموتون» وصف للموت أنه مِنْ جنس النوم، كَمَا وَرَدَ العكس فِي الآيات مِنْ أنَّ النوم مِنْ جنس الموت، وَقَدْ مَرَّ بسط الكلام في ذلك فِي البابين السابقين، فَهَلْ مفاد هَذِهِ القاعدة بمقتضى تجانس النوم مَعَ الموت (نوم لا حلم فيه) وصف للبدن الدنيوي غير المرئي أنَّهُ نائم وقد مات، أم أنَّهُ للبدن البرزخي؟
ثمَّ كيف ربط هَذَا بقاعدة (نم نومة لا حلم فيها) فَأيّ سنخ مِنْ النوم هَذَا الذي يختلف عَنْ نوم الدُّنْيَا الذي فيه حلم؟
والظاهر أنَّ المُتعيّن كون وصف النوم هُوَ للبدن الدنيوي غَيْر المرئي الموصوف أنَّهُ فِي القبر الذي هُوَ الطينة الأصلية.
حَيْثُ إنَّ هَذَا البدن الدنيوي غَيْر المرئي يظلّ ويبقى فِي القبر وترابه لا نشاط لَهُ وإنْ كانت لَهُ علاقة غَيْر مقطوعة عَنْ الروح، بينما الروح فِي قالب البدن البرزخي تمارس حياة وتصدر الأفعال والحركات، وَبِهَذَا اللحاظ يكون البدن الدنيوي غَيْر المرئي نائم أيّ جامد غَيْر متحرِّك فِي القبر، وَمِنْ ثمَّ كَانَ لسان الروايات خطاب المؤمن بالنوم فِي القبر لا في البرزخ، والذي فِي القبر هُوَ البدن الدنيوي غَيْر المرئي لا البدن البرزخي، إذْ البدن البرزخي بماله مِنْ لطافة مِنْ عالم المثال أكثر لطافة وخفاء مِنْ البدن الدنيوي غَيْر المرئي، وظرف هَذَا البدن البرزخي عالم المثال لا القبر، وما يرى مِنْ الخلط بين البدنين فِي كلمات المُتكلمين والفلاسفة أو العُرفاء فتسامح فِي التفرقة بينهما.
وَعَلَى ضوء ذَلِكَ فالبدن الدنيوي يوصف بأنه نائم، وفِي حين أنَّ هَذَا النوم للبدن الدنيوي فِي القبر فإن ما يقع للروح لَيْسَ حلما ولا رؤيا عما سيكون مُستقبلاً، بَلْ ما يقع للروح معايشة حقيقية لعالم البرزخ والمثال، فَلَيْسَ هُوَ رؤيا وحلم بَلْ هُوَ عالم مثال وبرزخ تعايشه الروح وتعيش فيه، ويسمى فِي الاصطلاح العقلي بالبرزخ الصاعد فِي قِبال عالم المثال (البرزخ النازل) الذي تعرج إليه الروح فِي النوم ويتراءى لها صور برزخية عما سيقع، فالنوم واليقظة والموت والإحياء يكون وصفا للبدن الدنيوي غَيْر المرئي فِي القبر الذي يظلّ كالطينة فِي القبر.
فتبين أنَّ نوم القبر يختلف عَنْ النوم فِي الدُّنْيَا حَيْثُ إنَّ الروح فِي نوم الدُّنْيَا تتصل بالبرزخ النازل وتعرج إليه، وَهُوَ الذي يتمثَّل فيه الصور للوقائع والأحداث المستقبلية، بينما الروح فِي نوم القبر تذهب إلى البرزخ الصاعد والحلم هُوَ البرزخ وعالم المثال (النازل) السابق عَلَى الدُّنْيَا الذي تعرج إليه الروح فِي نوم الدُّنْيَا.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الدُّعاء للمؤمنين الموتى «اللهمَّ جافي الأرض عَنْ جنوبهم وصاعد إليك أرواحهم ولقّهم منك رضوانا وأسكن إليهم من رحمتك ما تصل به وحدتهم وتؤنس به وحشتهم»(٢١٩) فَالدُّعاء لَهُم بإصعادهم وتصاعد روحهم برفعها بينما وَرَدَ فِي الدُّعاء عَلَى الميت المخالف لِلحَقّ كَمَا فِي صحيح الحلبي عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: (إذَا صليت على عدو الله فقل اللهمَّ إنَّ فلاناً لا نعلم مِنْهُ إلَّا أنَّهُ عدو لك ولرسولك... فإذا رفع فقل اللهمَّ لا ترفعه ولا تزكه)(٢٢٠). 
وأيضاً قَدْ وَرَدَ فِي الدُّعاء للأموات «اللهمَّ جاف الأرض عَنْ جنبه واصعد بروحه إليك ولقّنه منك بُرهاناً»(٢٢١). 
وروى العيّاشي عَنْ زرارة وحمران وَمُحمَّد بن مسلم عَنْ أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) قالا: «إذَا وضع الرجل فِي قبره... ويقول إذَا كَانَ مؤمناً... مُحمَّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَيُقَال لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ نمْ نومة لا حلم فيها»(٢٢٢). 
وروى العيّاشي بسنده إلى أبي بصير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الميّت إذَا خرج مِنْ بيته... وما عندنا خير لَهُ ثمَّ يقولان لَهُ نمْ نومة العروس نَمْ نومة لا حلم فيها»(٢٢٣). 
جنّة الرجعة أو جنّة البرزخ:
وروى مُحمَّد بن قولويه القُمّي فِي حديث موثّق عن المفضل بن عمر، قَالَ: قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «كَأنَّي والله بالملائكة قَدْ ازدحموا المؤمنين عَلَى قبر الحسين (عليه السلام)، قَالَ: قُلت: فيتراءون لَهُ، قَالَ: هيهات هيهات قَدْ لزموا والله المؤمنين حَتّى أنَّهم ليمسحون وجوههم بأيديهم، قَالَ: وينزل الله عَلَى زوّار الحسين (عليه السلام) غدوة وعشية مِنْ طعام الجنّة وخدّامهم الملائكة، لا يسأل الله عبد حاجة مِنْ حوائج الدُّنْيَا والآخرة إلَّا أعطاها إياه، قَالَ: قلتُ هَذِهِ والله الكرامة...»(٢٢٤). 
ومفاد الرواية ناظر إلى تنزل الملائكة كحالة برزخية بل تنزل دنيوي من البرزخ على زوار الحسين (عليه السلام).
وروى العياشي عَنْ حمران قَالَ: سألت أبا جعفر (عليه السلام) قلت: جُعلت فداك قول الله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ لأهل النار، أفرأيت قوله تَعَالَى لأهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذ﴾ قَالَ: «نعم إنْ شاء جعل لهم دُّنْيَا فردهم وما شاء» وسألته عَنْ قول الله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذ﴾ فَقَالَ: «هَذِهِ فِي الَّذِيْنَ يخرجون مِنْ النار»(٢٢٥). 
والظاهر أنها ناظرة لجنة البرزخ لا جنة الآخرة الأبدية وردهم إلى الدنيا هي الرجعة، وكذلك ذيل الرواية يحتمل أن الاخراج من نار البرزخ فإنه الذي يخرج من النار كما يحتمل أنه في غير المخلدين، وقد مر كلام تفسير القمي من حملها على جنان الدنيا لا جنان الخلد في ذيل سورة هود.
وروى في كتاب شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار لابن حيون في حديث قبض روح المؤمن: (ثم تسل روحه سلا خفيفا ثم ينزل إليه بكفن من الجنة وحنوط وحلة خضراء يكفن بها ويحنط فإذا وضع في قبره قيل له نم نومة عروس على فراش أبشر بروح وريحان ورب غير غضبان وجنة نعيم، ثم يفتح له في قبره مسيرة شهر أمامه وعن يمينه وعن شماله ومن خلفه ويفتح له باب من الجنة فيدخل عليه روحها وريحانها إلى أن يبعث)(٢٢٦) 
وروى في بصائر الدرجات عن سدير الصيرفي قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (انى لأعرف رجلا من أهل المدينة اخذ قبل انطباق – انطاق - الأرض إلى الفئة التي قال الله في كتابه ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون﴾ لمشاجرة كانت فيما بينهم وأصلح بينهم ورجع ولم يقعد فمر بنطفكم فشرب منها يعنى الفرات ثم مر عليك يا أبا الفضل فقرع عليك بابك ومر برجل عليه مسوح معقل به عشرة موكلون يستقبل به في الصيف عين الشمس ويوقد حوله النيران، ويدورون به حذاء الشمس حيث دارت كلما مات من العشرة واحد أضاف إليه أهل القرية واحدا، الناس يموتون والعشرة لا ينقصون فمر به رجل فقال ما قصتك قال له الرجل ان كنت عالما فما أعرفك بأمري؟ ويقال انه ابن آدم القاتل وقال محمد بن مسلم وكان الرجل محمد بن علي)(٢٢٧).
وهذه الرواية صريحة في ترابط وتداخل عالم الدنيا وعالم البرزخ وأن الأئمة (عليه السلام) لهم قدرة وهم أحياء في دار الدنيا على الولوج في البرزخ والتصرف فيه وإدارته.
بل في هذه الرواية دلالة على ولاية اهل البيت في فصل الخصومة بين أوصياء الانبياء السابقين، لأن المراد من القوم في الآية الائمة من قوم موسى.. وهم الذين سيرجعون في رجب عام الظهور في السبعة والعشرين الوزراء في أصحاب القائم (عجّل الله فرجه) كما تقدم.
وفي البصائر بطريقه إلى سدير بحديثه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كنت مع أبي جعفر في سقيفة بابه إذ مر اعرابي من أهل اليمن فسأله أبو جعفر (عليه السلام) عن عالم أهل اليمن فاقبل يحدث عن الكهنة والسحرة وأشباههم، فلما قام الاعرابي قال له أبو جعفر: ولكن أخبرك عن عالم أهل المدينة انه يذهب إلى مطلع الشمس ويجئ في ليلة وانه ذهب إليها ليلة فأتاها فإذا رجل معقول برجل وإذا عشرة موكلون به، اما في البرد فيرشون عليه الماء البارد ويروحونه، واما في الصيف فيصبون على رأسه الزيت ويستقبلون به عين الشمس..)(٢٢٨)
وفي هذه الرواية والتي قبلها دليل على احاطة الإمام الحي بشؤون البرزخ وامتداد ولايته وتصرفه إليه.
ولا سيما أن المراد من مطلع الشمس السفر في فضاء السماء.
وفي البصائر عن اسماعيل بن موسى عن أبيه عن جده عن عمه عبد الصمد بن علي قال: دخل رجل على علي بن الحسين (عليه السلام) فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): من أنت قال انا منجم، قال فأنت عراف، قال فنظر إليه ثم قال هل أدلك على رجل قد مر مذ دخلت علينا في أربع عشر عالما كل عالم أكبر من الدنيا ثلاث مرات لم يتحرك من مكانه قال من هو؟ قال: انا وان شئت أنبأتك بما اكلت وما ادخرت في بيتك)(٢٢٩). 
وهذه الرواية بيان لإحاطتهم وهم في دار الدنيا لجملة من العوالم وإمامتهم للخلائق فيها وسعة قدرتهم في التصرف.
وفي البصائر عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فركض برجله الأرض فإذا بحر فيه سفن من فضة فركب وركبت معه حتى انتهى إلى موضع فيه خيام من فضة فدخلها، ثم خرج فقال: أرأيت الخيمة التي دخلتها أولا، فقلت نعم قال تلك خيمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والأخرى خيمة أمير المؤمنين (عليه السلام)، والثالثة خيمة فاطمة، والرابعة خيمة خديجة، والخامسة خيمة الحسن، والسادسة خيمة الحسين، والسابعة خيمة علي بن الحسين، والثامنة خيمة أبي، والتاسعة خيمتي، وليس أحد منا يموت الا وله خيمة يسكن فيها)(٢٣٠). 
وهذه الرواية والتي قبلها وكثير من الروايات المستفيضة دالة على أن الإمام الحي على اتصال مباشر مع المعصومين في البرزخ.

الفصل الثالث: الفرق بين الرجعة والنزول وحالات غريبة

نزول أهل الكساء عِنْدَ ظهور المهدي (عجّل الله فرجه) وخلط بعض بين النزول والرجعة:
قَالَ المجلسي فِي شرح قوله (عليه السلام): «مؤمن بإيابكم مصدق برجعتكم...»:
أيّ اعتقد أنكم ترجعون إلى الحياة الظاهرة فِي الدُّنْيَا فِي الرجعة الصغرى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾(٢٣١). 
وَقَدْ وَرَدَتْ الروايات المتواترة عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي الرجعة، وأنَّهم يرجعون في الدُّنْيَا فِي زمان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ويرجعون...).
أقول ويمكن حمل الأخبار عَلَى إرادة بدأ رجوعهم وكونها رجعة صغرى مقابل المعاد الأكبر رجعة كبرى وَإلَّا فما وَرَدَ فِي روايات نزول الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي (عليه السلام) وكذلك الحسنين (عليهما السلام) عِنْدَ عقد البيعة للمهدي (عجّل الله فرجه) فَلَيْسَ برجعة بَلْ نزول.
وَقَالَ صاحب العوالم:
إنَّ لعلي (عليه السلام) رجعة قبل قيام القائم ورجعة معه وبعده.
والظاهر أنه خلط بين النزول والرجعة.
النزول والرجعة:
وقيل: إنّ الذي دلّهم على المسيح كان رجلا من الحواريّين وكان منافقا، وذلك أنّ عيسى جمعهم تلك الليلة، وأوصاهم، وقال: ليكفرنّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديك، ويبيعني بدارهم يسيرة، وخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأتى أحد الحواريّين إليهم فقال(٢٣٢): ما تجعلون لي إن دللتكم عليه؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلّهم عليه، فألقى الله عليه شبه عيسى (عليه السلام) لما دخل البيت، ورفع عيسى فأخذ وقال: أنا الّذي دللتكم عليه! فلم يلتفتوا إلى قوله، وقتلوه وهم يظنّون أنّه عيسى.
فلمّا رفع عيسى وأتى عليه سبعة أيّام قال الله له: اهبط على مريم لتجمع لك الحواريّين، وتبثّهم في الأرض دعاة، فهبط عليها، واشتعل الجبل نورا، فجمعت له الحواريّين، فبثّهم في الأرض دعاة، ثمّ رفعه الله تعالى في تلك الليلة، وهذه الليلة هي الليلة الّتي تسمّيها النصارى ليلة الدخنة ويدخّنوا فيها.
فلمّا أصبح الحواريّون حدّث كلّ واحد منهم بلغة من أرسله إليه(٢٣٣) عيسى (عليه السلام)(٢٣٤). 
الفرق بين النزول والرجعة:
١ - إنَّ الرجعة عود بالبدن الأصلي السابق وبعث مِنْ القبر، بينما النزول هُوَ عود إلى الدُّنْيَا بالبدن الثَّانِي أو التمثّل بالبدن، نظير قوله تَعَالَى: ﴿نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾(٢٣٥)، فِي شأن الملك، وروي أنَّ كُلّ إمام قبل أنْ يتوفّى يرى والده الإمام الذي قبله، وَهَذَا مِنْ النزول وَهُوَ كثير.
٢ - إن الرجعة تنقسم إلى الرجعة بالمعنى الأخص والرجعة بالمعنى الاعم، وكذلك النزول ينقسم إلى النزول بالمعنى الأخص والنزول بالمعنى الاعم.
فأما الرجعة بالمعنى الأخص: فهي البعث من القبر إلى دار الدنيا مرة أخرى.
وأما الرجعة بالمعنى الأعم: فهي رجوع الإنسان إلى أي نشأة في عالم سبق له كينونة فيه، فيشمل كما سيأتي العود والقيامة، وبهذا اللحاظ سميت القيامة معادا كما سيأتي توضيحه في عالم الأظلة والأشباح.
وأما النزول بالمعنى الأخص:
فهو نزول الأرواح لا بالجسد الدنيوي بل بتكثف أجسام برزخية أو سماوية إما قبل مجيئها إلى الحياة الأولى من الدنيا أو بعد الموت في نهاية الحياة الأولى من الدنيا أي النزول من البرزخ، بل يعم أيضا النزول إلى دار الدنيا من البرازخ الأخرى في الموتات اللاحقة في الرجعة، لا بالجسد الدنيوي المنبعث من القبر بل بتكثف الاجسام البرزخية أو السماوية.
وأما النزول بالمعنى الأعم:
فهو يعم النزول بالمعنى الأخص والنزول بالجسد الدنيوي من السماوات كما حصل في معراج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكما سيحصل في نزول عيسى (عليه السلام) بل في رواية تقدمت في البابين السابقين أن لعيسى نزلة في كل عام خفاء يلتقي فيها بخاصة الأولياء.
والرجعة والنزول بالمعنى الأعم يتصادق في الجملة، فبينهما عموم وخصوص من وجه.
٣ - إنَّ النزول منهم أكثر بأضعاف مِنْ الرجعات، بَلْ لَمْ يفتأ مُستمرّاً قبل تولدهم في دار الدنيا ولا زال مستمراً منذ رحيلهم وسيستمرّ في زمن الرجعة ممَّن لَمْ يرجع منهم مَعَ مَنْ رجع منهم.
٤ – إن النزول لا يقتصر على من مضى من أهل الدنيا إلى البرزخ بأن يتنزلوا من البرزخ إلى دار الدنيا، بل يشمل تنزل الأرواح ذات الاجسام الرقيقة اللطيفة قبل تولدها في دار الدنيا كما هو مروي من تنزل روح أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) من قبل مع الأنبياء السابقين، وهذا بين واضح في عموم التنزل للأرواح في عالم الاظلة والاشباح إلى طبقات العوالم الدونية النازلة بناء على خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام.
فظهر أن التنزل والنزول للأرواح بالأجسام اللطيفة الرقيقة سابق على الدنيا ولاحق لها.
٥ - إنَّ تباشيرهم وبشاراتهم بالنزول إلى الأرض عَلَى حذو بشاراتهم بالخروج فِي الرجعة، فَهَذَا فرق واشتراك.
وبعبارة أخرى إن مباشرتهم للأمور مع أشياعهم من المؤمنين بالنزول والتنزل على حذو الخروج في الرجعة.
روى فِي مختصر البصائر مِنْ كتاب الخرائج والجرائح بسنده المُتَّصل كَالصحيح عَنْ جابر، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ:
«قَالَ الحسين (عليه السلام) لأصحابه قبل أنْ يُقتل: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ لي: يا بني إنَّك ستساق إلى العراق، وَإنَّك تستشهد ويستشهد معك جماعة مِنْ أصحابك، لا يجدون ألم مسّ الحديد، وتلا ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾(٢٣٦)، يكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً، فابشروا فوالله لئنَّ قتلونا فإنّا نردّ إلى نبيّنا، قَالَ: ثمَّ أمكث ما شاء الله فأكون أوَّل مِنْ تنشقّ عنه الأرض، فأخرج خرجة توافق خرجة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقيام قائمنا. ثمَّ لينزلنَّ إليَّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وجنود مِنْ الملائكة، وليركبنَّ مُحمَّد وعلي وأنا وأخي وجميع من منَّ الله عَلَيْهِ فِي حمولات مِنْ حمولات الربّ، جمال مِنْ نور لَمْ يركبها مخلوق. ثمَّ ليهزنَّ مُحمَّداً لواءه، وليدفعنّه إلى قائمنا مَعَ سيفه. ثمَّ إنّا نمكث ما شاء الله. ثمَّ إنَّ الله يخرج مِنْ مسجد الكوفة عيناً مِنْ ذهب، وعيناً مِنْ ماء، وعيناً مِنْ لبن. ثمَّ إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يدفع إليَّ سيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيبعثني إلى المشرق والمغرب، فلا آتي عَلَى عدوّ إلَّا أهرقت دمه، ولا أدع صنماً إلَّا أحرقته، حَتّى آتي عَلَى الهند فأفتحها. وإنَّ دانيال ويونس يخرجان إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يقولان: صدق الله ورسوله، وليبعثنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معهما إلى البصرة سبعين رجلاً، فيقتلون مقاتليهم، ويبعث بعثاً إلى الروم فيفتح الله لَهُ. ثمَّ لأقتلنَّ كُلّ دابّة حرام أكله، حَتّى لا يكون عَلَى وجه الأرض إلَّا الطيّب، وتعرض عليَّ اليهود والنصارى وسائر أهل الملل كلّها لأخيّرهم بين الإسلام والسيف، فَمَنْ أسلم مننت عَلَيْهِ، وَمَنْ أبى الإسلام أهرق الله دمه، ولا يبقى أحد مِنْ شيعتنا إلَّا بعث الله إليه ملكاً يمسح عَنْ وجهه التراب، ويعرّفه أزواجه ومنزلته فِي الجنّة، ولا يبقى عَلَى وجه الأرض أعمى ولا مقعد ولا مُبتلى إلَّا كشف الله عنه بلاءه بنا أهل البيت. ولتنزلنَّ البركات مِنْ السماء إلى الأرض حَتّى أنَّ الشجرة لتنقصف بما يزيد الله فيها مِنْ الثمرة. ولتؤكل ثمرة الصيف فِي الشتاء، وثمرة الشتاء فِي الصيف، وذلك قوله تَعَالَى، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون﴾(٢٣٧) ثمَّ إنَّ الله ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفى عليهم شيء فِي الأرض وما كَانَ فيها».(٢٣٨)
وَهَذِهِ الرواية صريحة فِي النزول عند رجعة الحسين (عليه السلام) لقوله (لينزلن عليّ وفد من السماء) تأييدا ومؤازرة لدولة الحسين (عليه السلام) في الرجعة، وأما ذيل الرواية عند قوله (ثم ليهزن محمد لواءه) فهو التفات منه إلى ظهور القائم (عجّل الله فرجه) الشريف، وانه عند ظهوره أيضا سيكون هناك نزول للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) عند بدأ ظهور المهدي (عجّل الله فرجه).
وقد ذكرت روايات أخرى تفاصيل هذا النزول في غار حراء تارة وعند الكعبة تارة أخرى.
ولا يخفى أن كثيرا من فقرات الرواية تشتمل على فوائد:
أولا: في صدد النزول المختلط إما بظهور المهدي أو المتشابك مع الرجعة مما ينبه على أن نشاط دور النزول لهم هو فاعل وحاصل.
ثانيا: وأن نزولهم كان من قبل ولادتهم ومجيئهم إلى دار الدنيا لحكمة تأييد وتسديد الأنبياء السابقين.
ثالثا: وكذلك هو مستمر بعد مماتهم (عليه السلام) وغير منقطع.
رابعا: وكذلك النزول دور فاعل ونشط لهم مستمر متزامن مع ظهور المهدي من ابتدائه وأثنائه وآخره.
خامسا: وتنزلهم ونزولهم له دور فاعل مع رجعة كل واحد منهم، ومع رجوع مجموعة منهم فإن للبقية دور تنزل ونزول أيضا.
سادسا: ويتجلى من هذه الرواية المتطابقة مضمونا مع روايات مستفيضة أخرى أن النزول من الادوار والأطر الأشد فاعلية في أنماط أفعالهم في عالم الدنيا.
الْنَّبِيّ وأهل بيته لهم رجعة ولهم نزول:
سابعا: النزول لَيْسَ برجعة لأنه عبارة عَنْ نزول بجسم برزخي أو مثالي سابق على الحياة الاولى من الدنيا أو لاحق لها للقيام بأدوار غَيْر مرئية خفيّة نظير نزول الملائكة وقيامهم بأدوار مُعيَّنة فِي الأرض، ولذلك النزول يعقبه ارتفاع وَلَيْسَ موتا، بينما الرجعة بالجسم الدنيوي وتنتهي بموت أو قتل، وستأتي فوارق عديدة أخرى بين النزول والرجعة.
ثامنا: للحجّة (عجّل الله فرجه) دور فِي الغيب مُفعَّل ولَيْسَ مُغيّباً، فموت أحد الأئمة لا يفقده دوره فِي الأرض، فدوره لا يتعارض مَعَ دور الإمام اللاحق.
وقوله (عليه السلام) في الرواية «وليركبنَّ» نزول وَلَيْسَ برجعة.
نزول أصحاب الكساء قبل رجعة الحسين (عليه السلام):
وفِي الرواية لفّ ونشر غَيْر مُرتَّب، وفيها ترميز وإشارات مِنهم بغرض إما اخفاء مراحل الاحداث أو اخفاء بيان حقيقة النزول في مقابل الرجعة والايهام بأنه رجعة، وذلك لصعوبة معرفة النزول أو الايمان به بينما قد تكون الرجعة أسهل معرفة لمن استأنس بعقيدة ومعرفة الرجعة. والرواية طويلة وعظيمة الفائدة وفيها تحف كثيرة ويأتي بيانها في الباب الرابع.
تبشير الحسين يوم عاشوراء أصحابه بالرجعة:
وفي رواية أُخرى (أو تظهر عينان) وَلَيْسَ ثلاثة عيون.
وقوله (عليه السلام): (ثمَّ إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يدفع إلي سيف رسول الله) مقطع متعرض للرجعة وَلَيْسَ بنزول.
وقوله (عليه السلام): (حتى آتي على الهند فأفتحها) التركيز على فتح بلاد الهند في رجعة سيد الشهداء لما لها من عراقة وعمق فِي التاريخ البشري وهويته.
وأما قوله (عليه السلام): (وإن دانيال ويونس يخرجان إلى أمير المؤمنين) خروج يونس في رجعة أمير المؤمنين وكذلك دانيال يشير إلى علاقة دورهما وارتباطه بالعراق في دولة الرجعة لأمير المؤمنين (عليه السلام).
وقوله (عليه السلام): (وليبعثن رسول الله معهما) يشير إلى الدور المنظومي المهيمن لرسول الله سواء في دولة الظهور مع الحجة أو في دولة الرجعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالرغم مِنْ أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي عالم الملكوت، وكلما رجع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رجع علي (عليه السلام) لا العكس.
وقوله (عليه السلام): (وليبعثن رسول الله معهما إلى البصرة سبعين رجلا) يظهر منه أن البصرة تمر بمراحل متعددة من الامتحانات لتصفيتها عن المناوئين لفضل وحق أهل البيت لا سيما وأن عنوان البصرة كان يطلق في الروايات على مطلق الجنوب العراقي.
ويظهر من هذه الرواية أن أحد أهداف الرجعة وإن كان زيادة الخير والنعم والفتح، لكنَّ يوجد فيها رغم ذَلِكَ من يكفر ويزداد البعض كفراً.
وما في ذيل الرواية من تخيير الحسين (عليه السلام) الملل كلها بين القتل والإسلام إمَّا هُوَ فِي آخر الرجعة أو للمشاققين فَقَطْ، وإلا فإن نهج أهل البيت لَيْسَ على الإكراه في الدين، والجهاد الابتدائي في مدرسة أهل البيت حقيقته جهاد دفاعي حقوقي.
وروى في مختصر بصائر الدرجات بالإسناد السابق، قَالَ سمعت أبا عبد الله يقول: «إنَّ إبليس قَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾، فأبى الله ذَلِكَ عليه وَقَالَ: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِين إِلَى يَومِ الْوَقْتِ المَعْلُوم﴾(٢٣٩)، فإذا كَانَ ذَلِكَ اليوم ظهر إبليس فِي جميع أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يَوم الوقت المعلوم، وَهِيَ آخر كرّة يكرّها أمير المؤمنين (عليه السلام)»، فقلتُ: وإنَّها لكرّات؟ قَالَ: «نعم إنَّها لكرّات وكرات، ما مِنْ إمام فِي قرن إلَّا ويكرُّ معه البرّ والفاجر في دهره حَتّى يديل الله (عزَّ وجلَّ) المؤمن مِنْ الكافر، فإذا كَانَ يَوُم الوقت المعلوم كرَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في أصحابه، وجاء إبليس في أصحابه، ويكون ميقاتهم في أرض من أراضي الفرات يقال لها الروحاء قريب من كوفتكم فيقتتلون قتلاً لَمْ يقتتل مثله منذ أن خلق الله العالمين...» إلى أنْ قَالَ: «فيهبط الجبار (عزَّ وجلَّ) في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الامر ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمامه بيده حربة من نور فإذا نظر إليه إبليس رجع القهقرى ناكصا على عقبيه فيقولون له أصحابه أين تريد وقد ظفرت؟ فيقول إني أرى ما لا ترون إني اخاف الله رب العالمين فيلحقه النبي فيطعنه طعنة بين كتفيه فيكون هلاكه وهلاك جميع أشياعه، فعند ذلك يعبد الله ولا يشرك به شيئا ويملك أمير المؤمنين (عليه السلام) أربعاً وأربعين ألف سنة، حَتّى يلد الرجل مِنْ شيعة علي (عليه السلام) ألف ولد مِنْ صلبه...»(٢٤٠). 
ودور الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هذه الرواية نزول وتنزل وليس برجعة ورجوع، ولا يخفى أن الجسم البرزخي في النزول إذَا تكثَّف يكون أقوى طاقة مِنْ جسم الرجعة، وإن كان جسم الرجعة أقوى طاقة مِنْ الجسم الدنيوي في الحياة الأولى؛ ومن ثم كان طعن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لإبليس قاتل له.
كثرة اسهام الملكوت والبرزخ ومشاركتهما فِي أحداث ووقائع الأرض:
وقوله (عليه السلام): فِي حمولات مِنْ حمولات الرَّب خيل بلق مِنْ نور لَمْ يركبها مخلوق: دال عَلَى أنَّ للبرزخ وللملكوت حمولات (حملات بالتنزل) كثيرة مُتعدّدة فِي أحداث الأرض وأنّها نحو مشاركة مِنْ أهل البرزخ وأهل الملكوت لمجريات الوقائع فِي دار الدُّنْيَا وأنَّ هَذِهِ المشاركة تتمّ بموجودات جسمانية نورية غَيْر مرئية وإنْ كانت عِنْدَ تنزّلها قَدْ تتكثف ويحس بها كَمَا فِي قوله تَعَالَى: فِي شأن السامري وخطاب موسى لَهُ ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾.
فَقَدْ وَرَدَ فِي تفسير القمي فَقَالَ لَهُ موسى ما خطبك يا سامري؟ قَالَ السامري بصرت بما لَمْ يبصروا به فقبضت قبضة مِنْ أثر الرسول فنبذتها: يعني مِنْ تحت حافر رمكة جبرائيل فِي البحر.
أيّ أنَّ السامري رمق نزول جبرائيل عَلَى فرس مِنْ الملكوت، ورأى أنَّ حافر تلك الفرس كُلّما وضع عَلَى تراب الأرض أنبتت مِنْ ساعتها فقبض مِنْ تراب أثر فرس جبرائيل يَوم قطع البحر معهم.
 وموضع الشاهد فِي ذَلِكَ أنَّ عبور الْنَّبِيّ موسى (عليه السلام) مَعَ بني إسرائيل كَانَ مَعَ معونة نزول جبرائيل، وَهَذَا ما يدلل عَلَى أنَّ فِي المنعطفات الصعبة فِي مسيرة الأنبياء والأوصياء يكون هُنَاك مُشاركة وعون مِنْ الملكوت لمسير الهداية ولأصحاب الهدى.
فقوله (عليه السلام) حمولات الرَّب دالٌّ عَلَى كثرة هَذَا الإسهام. قاعدة في بقاء أدوار كل منهم بعد الممات بالنزول شواهد على دوام نشاطهم بنمط النزول
إنَّ فِي النزول والتنزل تستمر أدوار الأئمة عَلَى حالها، فدورهم موجود مُستمرّ فِي المُجتمع إلا أنه خفي، وكُلّ الأئمة في البرزخ لهم دور خفي في دار الدنيا، ولا يقتصر ذلك الدور الخفي على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في الغيبة، فأدوارهم جميعا مُفعَّلة وإن كانت خفية.
روى في البصائر عن سماعة قال دخلت على أبى عبد الله (عليه السلام) وانا أحدث نفسي فرآني فقال مالك تحدث نفسك تشتهى ان ترى أبا جعفر (عليه السلام) قلت نعم قال قم فادخل البيت فإذا هو أبو جعفر (عليه السلام) قال أتى قوم من الشيعة الحسن بن علي (عليه السلام) بعد قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) فسألوه قال تعرفون أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا رأيتموه قالوا نعم قال فارفعوا الستر فرفعوه فإذا هم بأمير المؤمنين (عليه السلام) لا ينكرونه وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يموت من مات منا وليس بميت ويبقى من بقي منا حجة عليكم)(٢٤١).
وقَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا سلمان ويا جُندُب»، قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين، قَالَ: «إنَّ ميّتنا لَمْ يمت وغائبنا لَمْ يغب، وإنَّ قتلانا لم [لن] يقتلوا، يا سلمان ويا جندب قالا لبيك صلوات الله عليك، قال: أنا أمير كل مؤمن ومؤمنة ممن مضى وممن بقي، وأيدت بروح العظمة»(٢٤٢). 
قوله: «أُيدت بروح العظمة» هذا مقام زائد على معرفة اسم الله الأعظم.
وفي زيارة الحسين (عليه السلام): «أشهد انك قتلت ولم تمت بل برجاء حيوتك حييت (حيت) قلوب شيعتك وبضياء نورك اهتدى الطالبون إليك واشهد انك نور الله الذي لم يطف ولا يطفأ ابدا وانك وجه الله الذي لم يهلك ولا يهلك ابدا واشهد ان هذه التربة تربتك وهذا الحرم حرمك وهذا المصرع مصرع بدنك».(٢٤٣)
وهناك موارد مستفيضة كثيرة ربما حملها الحر العاملي والمجلسي وغيرهم من الأعلام على أنها من الرجعة والرجوع لهم والحال أنها من النزول والتنزل.
ومنها ما ورد فِي الزيارة: «السلام على ساكن كربلاء»(٢٤٤) وفي الزيارة «السلام على ساكن التربة الزاكية»(٢٤٥) والوصف للمعصوم صاحب المرقد بالساكن دال على أن له درجة من التواجد في تلك البقعة، أي أن طبقة منهم لها حضور في تلك البقعة.
وقوله: «إنَّ ميّتنا لَمْ يمت وغائبنا لَمْ يغب...». يشير إلى مراتب ولاياتهم ومراتب مقاماتهم.
فالفيض الإلهي يبدأ مِنْ ادارة النبي ثم علي وفاطمة ثم الحسن والحسين وهلم جرى بحسب المراتب بين الغائب والحاضر والحاضر والغائب.
وَعَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ ميّتنا إذَا مات لَمْ يمت ومقتولنا لَمْ يقتل وغائبنا إذَا غاب لَمْ يغب ولا نلد ولا نولد فِي البطون...»(٢٤٦). 
وفي زيارة لسائر أئمة المؤمنين (عليه السلام): (الحمد لله الذي وفقني لقصد وليه، وزيارة حجته، وأوردني حرمه ولم يبخسني حظي من زيارة قبره والنزول بعقوة مغيبه)(٢٤٧).
وفي زيارة لأمير المؤمنين (عليه السلام): (لائذ ببابك الذي فيه غبت ومنه تظهر، حتى تمكن دينه الذي ارتضى)(٢٤٨).
 والمراد بالغائب والغيبة والمغيب ليس خصوص الإمام الثاني عشر (عليه السلام) بل أيضا الذي غاب غيبة موت منهم والمغيب محل الموت.
ومفادها لزوم الاعتقاد بالنزول والتنزل واستمرار الدور الفاعل لهم بتوسّط النزول سواء فيما مضى أو فِي الوقت الراهن الحالي فضلاً عَنْ عالم الرجعة أيضاً، إذْ يتداخل عالم النزول مَعَ كُلّ مِنْ عالم الحياة الأولى مِنْ الدُّنْيَا وعالم آخرة الدُّنْيَا وَهُوَ الرجعة.
وبعبارة أُخرى إنَّ لأدوارهم دواما سواء فِي الغيبة أو قبل مجيئهم إلى الدُّنْيَا أيّ قبل أوان زمانهم فِي الدُّنْيَا مِنْ قرون الدُّنْيَا السابقة أو بعد مماتهم أو فِي الرجعة أو فِي القيامة أو فِي الجنّة.
ومفاد هَذِهِ الطائفة مِنْ الروايات - المنتشر فِي الزيارات وروايات المعارف وغيرها مُضافاً لأدلّة عديدة أُخرى مِنْ الآيات والروايات - هُوَ لزوم الاعتقاد باستمرار دورهم الفاعل الحالي الممتد إلى المستقبل وبلا أمد ولا حد ينتهي إليه، وإنَّ مبحث النزول هُوَ أحد الآليات المُهِمَّة لتصوير دورهم الفاعل الحالي وإنْ لَمْ تنحصر الآليات لأدوارهم به حالياً ومستقبلاً، فأدوارهم لا تنقطع كَمَا هُوَ الحال فِي غيبة الإمام الثَّانِي عشر (عليه السلام) فَإنَّ غيبته بمعنى الخفاء مقابل الظهور وَلَيْسَ بمعنى الغياب مقابل الحضور، وكذلك أدوارهم مِنْ موقع مقاماتهم بَعْدَ الممات وفي الرجعة مُستقبلاً وفي عالم القيامة وفي عالم الجنّة بَلْ فِي العوالم الَّتِي سبقت عالم الدُّنْيَا بدءًا مِنْ عالم الأنوار ثمَّ عالم الأظلة ثمَّ عالم الأشباح وعوالم الميثاق والذّر بَلْ وكذا فِي عوالم الأصلاب والأرحام، وَهَذَا هُوَ المعنى الدقيق لتفسير هَذِهِ الطوائف وغيرها مِنْ الأدلّة مِنْ أنَّ نفي الموت عَنْ موتهم ونفي القتل عَنْ قتلهم بِهَذَا المعنى أيّ نفي انقطاع تأثيرهم وفاعليتهم وأدوارهم وتصرفهم.
وبعبارة أُخرى: إنَّ تصرفاتهم وصلاحياتهم التكوينية الَّتِي مكّنهم الله منها لا تنحصر بالنشأة الَّتِي تتواجد بَعْض أبدانهم فيها، بَلْ تعم النشآت الأُخرى لتعدّد كينونتهم الواحدة المتّصلة وجودياً بطبقات وجود واحد سار فِي نشآت عديدة.
إذْ الإنسان العادي لَهُ كينونة فِي نشآت عديدة بطبقات وجود واحد لِكُلِّ فرد بحسبه (حسب كماله) فكيف بمَن هُمْ أكمل البشر والمخلوقات عَلَى الإطلاق.
مراقبتهم للأعمال وشهادتهم شاهد ديمومة أدوارهم:
قال السيد بن طاووس: (روى أصحابنا أنَّ أعمال الأُمَّة تعرض عَلَى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي كُلّ يَوُم اثنين وخمسين فيعرفها، وكذلك تعرض عَلَى الأئمة القائمين مقامه (فيعرفونها)، وَهُمْ المعنيون بقوله (والمؤمنون) (وتردون) أيّ وسترجعون إلى الله الذي يعلم السرّ والعلانية (فينبئكم) بأعمالكم ويجازيكم عَلَيْهَا)(٢٤٩). 
وقال المجلسي: وفِي تفسير قوله تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ روى أصحابنا أنَّ أعمال الأُمَّة تعرض عَلَى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي كُلّ يَوُم اثنين وخميس فيعرفها وكذلك تعرض عَلَى الأئمة القائمين مقامه وَهُمْ المعنيون بقوله (المؤمنون)(٢٥٠). 
وهذا المطلب قد رواه الفريقان في روايات مستفيضة إن لم تكن متواترة، وهي نص مفاد القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
ومطابق لمستفيض دلالة الآيات على شهادة النبي وأهل بيته (عليه السلام) على الأعمال.
وفي الكافي بسنده إلى سماعة قَالَ: قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام) فِي قوله تَعَالَى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا ْ﴾ قَالَ: نزلت فِي أُمَّة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاصّة فِي كُلّ قرنٍ منهم إمام منّا شاهد عليهم وَمُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شاهد علينا(٢٥١). 
وفي الكافي بسنده إلى سليم بن قيس الهلالي: عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) قَالَ: «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء عَلَى خلقه وحجته فِي أرضه وجعلنا مَعَ القرآن وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا»(٢٥٢). 
والكافي بسنده عَنْ مُحمَّد بن يحيى بسنده إلى علي بن أبي حمزة عَنْ أبي بصير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «تعرض الأعمال عَلَى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - أعمال العباد - كُلّ صباح أبرارها وفُجّارها فاحذروها وَهُوَ قول الله تَعَالَى ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ وسكت»(٢٥٣). 
وفي الكافي بسنده إلى سماعة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: سمعته يقول: «ما لكم تسوؤن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فَقَالَ رجل: كيف نسوؤه؟ فَقَالَ: أما تعلمون أنَّ أعمالكم تُعرض عَلَيه فإذا رأى فيها معصية ساءه ذَلِكَ؟ فلا تسوؤوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسرّوه»(٢٥٤). 
وفي الكافي بسنده إلى عبد الله بن أبان الزيّات، وَكَانَ مكينا عِنْدَ الرضا (عليه السلام) - قَالَ: قلت للرضا (عليه السلام) ادع الله لي ولأهل بيتي، فَقَالَ: «أولستُ أفعل؟ والله إنَّ أعمالكم لتعرض عليَّ فِي كُلّ يَوُم وليلة قَالَ: فَقَالَ لي: أمَّا تقرأ كتاب الله (عزَّ وجلَّ) ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ...﴾ قَالَ: هُوَ والله علي بن أبي طالب (عليه السلام)»(٢٥٥). 
وفي الكافي بسنده إلى يحيى بن مساور: عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) أنَّهُ ذكر هَذِهِ الآية ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، قَالَ: «هُوَ والله علي بن أبي طالب (عليه السلام)»(٢٥٦). 
وورد عرض الأعمال كُلّ يَوُم خميس واثنين - الحديث، رواه مسلم عَنْ أبي هريرة ورواه الطبراني عَنْ أسامة بن زيد بلفظ تعرض الأعمال عليَّ)(٢٥٧). 
وعَنْ حفص البختري عنه (عليه السلام) قَالَ: «تعرض الأعمال يَوُم الخميس عَلَى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَعَلَى الأئمة»(٢٥٨). 
وإنَّ حقيقة النزول قبل الحياة الدُّنْيَا وبعدها تغاير الرجعة، وَقَدْ وَرَدَ أنَّ الإنسان قبل الدُّنْيَا تنزل مِنْ مقام إلى مقام، أي ينشأ له مراتب لخلقته مُتداخلة مِنْ سماء إلى سماء ثمَّ إلى الأرض ونشأته الأرضية كَمَا فِي قوله تَعَالَى ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ وَكَمَا فِي قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «بعث علي مع كل النبيين سراً وَمَعَي جهراً»(٢٥٩). 
وروى في بصائر الدرجات بسنده عَنْ عباية الأسدي قَالَ: دخلتُ عَلَى أمير المؤمنين (عليه السلام) وعنده رجل رثّ الهيئة وأمير المؤمنين (عليه السلام) مقبل عَلَيْهِ يكلّمه، فلما قام الرجل، قلتُ: يا أمير المؤمنين مَنْ هَذَا الذي شغلك عنّا؟ قَالَ: «وصيّ موسى بن عمران (عليه السلام)»(٢٦٠). 
وروى الراوندي بسنده عَنْ عبد الله بن كثير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: خرج علي (عليه السلام) يريد صفّين فلما عبر الفرات وقرب مِنْ الجبّل وحضر وقت صلاة العصر أمعن بعيداً ثمَّ توضّأ وأذّن، فلما فرغ مِنْ الأذان انفلق الجّبل عَنْ هامة بيضاء ولحية بيضاء ووجه أبيض فَقَالَ: «السَّلامُ عليك يا امير المؤمنين ورحمة الله وبركاته مرحباً بوصيّ خاتم النبيين وقائد الغرّ المُحجّلين وسيّد الوصيّين».
فَقَالَ علي (عليه السلام): «وعليك السَّلامُ يا أخي شمعون بن حنّون الصفا وصي روح القدس عيسى بن مريم كيف حالك؟
قَالَ: بخير يرحمك الله أنا منتظر نزول روح القدس فاصبر يا اخي عَلَى ما أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ الأذى حَتّى تلقى الحبيب غداً فَلَمْ أعلم أحداً أحسن بلاء فِي الله منكم ولا أعظم ثواباً ولا أرفع مكاناً وَقَدْ رأيت ما لقى أصحابك بالأمس مِنْ بني إسرائيل وأنّهم نشروا بالمناشير وصلبوا عَلَى الخشب.
فلو تعلم تلك الوجوه المارقة المفارقة لك ما أعدّ الله لها مِنْ عذاب النّار والسخط والنكال لأبصرت [لأقصرت] ولو تعلم هَذِهِ الوجوه الملتئمة بك ما لها مِنْ الثواب فِي طاعتك لتمنّت أنْ تقرض بالمقاريض وعليك السَّلامُ يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته».
قَالَ والتأم [عليه] الجبل وخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى القتال فسأله عمّار بن ياسر ومالك الأشتر وهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص وأبو أيوب الأنصاري وقيس بن سعد الأنصاري وعمرو بن الحمق الخزاعي وعبادة بن الصامت عن الرجل؟ فأخبرهم أنه شمعون بن حنون الصفا وصي عيسى، وكانوا سمعوا كلامهما فازدادوا بصيرة فِي المجاهدة معه.
وَقَالَ: عبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري: بأمّهاتنا وآبائنا نفديك يا أمير المؤمنين فوالله لننصرنّك كَمَا نصرنا أخاك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والله ما تأخّر عنك مِنْ المهاجرين والأنصار إلَّا شقي فدعا لهما بخير(٢٦١). 
وروى فِي بصائر الدرجات بسنده عَنْ عطيّة الأبزاري أنَّهُ قَالَ: طاف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالكعبة فإذا آدم بحذاء الركن اليماني فسلَّم عَلَيْهِ ثمَّ انتهى إلى الحجر فإذا نوح - وَهُوَ رجل طويل - فسلَّم عَلَيْهِ)(٢٦٢). 
وروى الصدوق فِي الأمالي بسنده عَنْ المفضل بن عمر قَالَ قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): «كيف كَانَ ولادة فاطمة (عليها السلام) فَقَالَ نعم إنَّ خديجة لما تزوج بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هجرتها نسوة مَكَّة فكنّ لا يدخلنّ عَلَيْهَا ولا يسلمن عَلَيْهَا ولا يتركن امرأةً تدخل عَلَيْهَا فاستوحشت خديجة لذلك وَكَانَ جزعها وغمّها حذراً عَلَيْهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلما حملت بفاطمة (عليها السلام) كانت فاطمة تحدّثها من بطنها وتصبّرها... فَلَمْ تزل خديجة (عليه السلام) عَلَى ذَلِكَ إلى أنْ حضرت ولادتها (عليها السلام) فوجهت إلى نساء قريش وبني هاشم فأرسلنا إليها أنتِ عصيتنا وَلَمْ تقبلي قولنا وتزوجتي مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتيم أبي طالب فقير لا مال لَهُ فلسنا نجي ولا نلي مِنْ أمركِ شيئاً، فاغتمت خديجة (عليها السلام) لذلك فبينما هِيَ كَذَلِكَ إذْ دخل عَلَيْهَا أربع نسوة سمراً طوال كأنَّهنّ مِنْ نساء بني هاشم ففزعت منهنَّ لما رأتهن فقالت إحداهن لا تحزني يا خديجة فأنّا رسل ربكِ إليكِ ونحن أخواتكِ أنا سارة وَهَذِهِ آسيا بنت مزاحم وَهِيَ رفيقتكِ بالجنة وَهَذِهِ مريم بنت عمران وَهَذِهِ كلثم أخت موسى بن عمران بعثنا الله إليكِ لنلي منكِ ما تلي النساء مِنْ النساء فجلست واحدة عَنْ يمينها وَأُخرى عَنْ يسارها والثالثة بين يديها والرابعة مِنْ خلفها فوضعت فاطمة (عليها السلام) طاهرة مُطهّرة» الحديث(٢٦٣). 
وروى الراوندي فِي الخرائج والجرائح بسند آخر عَنْ المفضل بن عمر عنه (عليه السلام) قريب مِنْ ذَلِكَ)(٢٦٤). 
وروى عَنْ عبّاد بن سليمان، عَنْ أبيه، عَنْ عيثم بن أسلم عَنْ معاوية بن عمّار الذهني قَالَ: دخل أبو بكر عَلَى عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَمْ يحدث إلينا فِي أمرك شيئاً بَعْدَ أيام الولاية بالغدير، وأنا أشهد أنَّكَ مولاي مقرّ لك بذلك وَقَدْ سلّمت عليك عَلَى عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بإمرة المؤمنين، وأخبرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّك وصيّه، ووارثه، وخليفته مِنْ أهله ونسائه وَأنَّكَ وارثه، وميراثه صار إليك، وَلَمْ يخبرنا أنَّكَ خليفته فِي أمته مِنْ بعده، ولا جرم لي فيما بيني وبينك، ولا ذنب لنا فيما بيننا وبين الله.
فَقَالَ علي (عليه السلام): «إنْ أريتك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَتّى يخبرك بأني أولى بالأمر الذي أَنْتَ فيه منك، وَأنَّكَ إنْ لَمْ تعتزل عنه فَقَدْ خالفت» قَالَ: إنَّ رأيته حَتّى يخبرني ببعض هَذَا اكتفيت به. قَالَ: فنلتقي إذَا صلّيت المغرب حَتّى أريكاه قَالَ: فرجع إليه بَعْدَ المغرب فأخذ بيده فأخرجه إلى مسجد قبا فإذا هُوَ برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جالس فِي القبلة... فَقَالَ لَهُ: يا فلان وثبت عَلَى مولاك علي وجلست مجلسه وَهُوَ مجلس النبوة لا يستحقه غيره، لِإنَّهُ وصييّ، ونبذت أمري وخالفت ما قلت لك، وتعرّضت لسخط الله وسخطي، فانزع هَذَا السربال الذي تسربلته بغير حق، ولا أَنْتَ مِنْ أهله، وَإلَّا فموعدك النار. قَالَ فخرج مذعوراً ليسلم الأمر إليه، - ثمَّ ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) كَيفية تمرده عَلَيْهِ ثانية(٢٦٥). 
نزول وتنزل الموتى الأخيار والأشرار إلى الدُّنْيَا:
روى فِي بصائر الدرجات بسند صحيح عَنْ علي بن المُغيرة قَالَ نزل أبو جعفر بوادي ضجنان(٢٦٦) فَقَالَ ثلاث مرّات. لا غفر الله لك، ثمَّ قَالَ لأصحابه أتدرون لِمَ قلت ما قلت؟ قالوا لم قلت جعلنا الله فداك. قَالَ مَرَّ معاوية يجر سلسلة قَدْ أدلى لسانه يسألني أنْ استغفر لَهُ وَأنَّهُ يُقَال هَذَا وادي ضجنان(٢٦٧). 
وفي معتبرة بشير النبّال عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) أنَّهُ قَالَ: «كُنْت خلف أبي وَهُوَ عَلَى بغلته فنفرت بغلتهُ فإذا رجل شيخ فِي عنقه سلسلة ورجل يتبعه، فَقَالَ يا علي بن الحسين اسقني اسقني فَقَالَ الرجل لا تسقه لا سقاه الله»(٢٦٨) وَكَانَ الشَّيْخ معاوية.
وفي صحيح مالك بن عطية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كنت أسير مع أبي في طريق مكة ونحن على ناقتين فلما صرنا بوادي ضجنان خرج رجل في عنقه سلسلة يجرها فقال يا أبا جعفر اسقني سقاك الله فتبعه رجل آخر فاجتذب السلسلة وقال يا بن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا تسقه لا سقاه الله قال ثم التفت إلى أبى فقال يا أبا جعفر عرفت هذا معاوية.(٢٦٩)
وفي رواية أبي حمزة الثمالي عَنْ أبي جعفر قَالَ حججتُ مَعَ أبي حَتّى انتهينا إلى وادي ضجنان خرج مِن جبله رجل يجرّ شعره وفي عنقه سلسلة وَهُوَ يقول اسقني يا بني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فخرج رجل فِي أثره عَلَيْهِ ثياب بيض وجذب السلسلة وَهُوَ يقول لا تسقه لا سقاه الله(٢٧٠). 
وروى فِي الكافي صحيح ضريس الكناسي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «إنَّ لله جنّة خلقها الله فِي المغرب وماءُ فراتكم هَذِهِ يخرج منها وإليها تخرج أرواح المؤمنين مِنْ حفرهم عند كُلّ مساء، فتسقط عَلَى ثمارها وتأكل منها وتتنعم فيها وتتلاقى وتتعارف فإذا طلع الفجر هاجت مِنْ الجنّة فكانت فِي الهواء فيما بين السماء والأرض تطير ذاهبة وجائية، وتعهد حفرها إذَا طلعت الشمس وتتلاقى فِي الهواء وتتعارف... الحديث».
ويستفاد من مفادها نشاط للأرواح بأجسامها البرزخية في النهار يوميا في منطقة ما بين السماء والأرض وهذا يفيد ما نحن فيه من ان لأرواح الموتى أنشطة في الدنيا والأرض عبر آلية النزول.
لا سيما مع التعبير بذاهبة وجائية مما يفيد عروج ونزول للأرواح كما أن التعبير بتطير دال على أن الأجسام البرزخية من اللطافة يسهل معها العروج، كما أن من أنشطتها التلاقي والتعارف في الهواء، بل في ذيل الرواية أن أرواح الكفار تتلاقى في النهار وتتعارف في وادي برهوت، فقال (عليه السلام): (إن لله نارا في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار ويأكلون من زقومها ويشربون من حميمها ليلهم فإذا طلع الفجر هاجت إلى وادي باليمن يقال له برهوت أشد حرا من نيران الدنيا كانوا فيها يتلاقون ويتعارفون فإذا كان المساء عادوا إلى النار فهم كذلك إلى يوم القيامة.. الحديث).
حقيقة النزول قبل الحياة الدُّنْيَا:
إنَّ حقيقة النزول والتنزل قبل الحياة الدُّنْيَا يغاير الولادة مِنْ الرحم كَمَا يغاير الرجعة أيضاً، كَمَا هُوَ الحال فِي مغايرة التنزل والنزول بَعْدَ الحياة الدُّنْيَا للرجعة.
وَقَدْ وَرَدَ أنَّ الإنسان قبل الدُّنْيَا تنزل مِنْ مقام إلى مقام وَمِنْ سماء إلى سماء ثمَّ إلى الأرض كَمَا فِي قوله تَعَالَى ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، وعَلَى أي تقدير فالنزول فِي هَذِهِ المراحل إلى أنْ وقع الإنسان فِي الأصلاب والأرحام يغاير فِي الجملة أيضاً النزول مِن مقاماته وكينوناته السابقة العليا إلى الدار الدُّنْيَا مِنْ دون أنْ يمرّ بالأصلاب والأرحام لما هُوَ مقرّر فِي بحث عالم الأظلة والأشباح مِنْ أنَّهُ عالم جسماني لطيف بَلْ عالمان جسمانيان لطيفان أعلى وألطف مِنْ عوالم السموات تنزّل منهما الإنسان ويلبس كُلّ جسم ألطف - مِنْ العالم الأعلى عِنْدَ نزوله إلى العالم الأدنى مِنْهُ - بلباس جسم العالم الأدنى الآخر الذي هُوَ أكثف وأغلظ.
وَهَذَا نحو تكثّف إلَّا أنَّ هَذَا النزول يتّخذ ممرين وطريقين، طريق النزول ضمن دائرة قوس نزول عوالم الخلقة المقرّر تراتبياً، فِي دائرة قوس العوالم المتعاقبة نزولاً، بتعاقب ترتيبي.
وَأُخرى عبر ممر آخر وطريق نزول مِنْ بَعْض تلك العوالم مِنْ دون تلبس بأجسام العوالم الأدنى.
فَهَذَا نزول وتنزل لَيْسَ مِنْ ضمن سلسلة حركة أطوار الخلقة بَلْ كنزول الملائكة وعروجها كَمَا هُوَ الفرق بين النزول بَعْدَ الممات والرجعة، فَإنَّ الرجعة نزولٌ مَرَّة أُخرى بمعنى ما، أي نزول ومرور بأطوار الخلقة كَمَا وَرَدَ عنهم (جمع أشتات ونشر أموات وحصد نبات)(٢٧١) بنفخ الروح وبعثها فِي البدن الدنيوي مَرَّة أُخرى.
وإذا اتّضح الفرق بين النزول ما بَعْدَ الموت إلى دار الدُّنْيَا عَنْ الرجعة يتّضح الفرق بين النزول قبل الدُّنْيَا لبعض المصطفين عَنْ النزول - فِي أطوار الخلق مِنْ العوالم العلوية - للدنيا والذي يمرّ بنحو متعاقب رتيبي.
وَمِنْ ثمَّ فَإنَّ ما وَرَدَ مِنْ قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (بعث علي مَعَ النبيين سرّاً وَمَعَي جهراً) محمول عَلَى هَذَا النزول قبل حياة الدُّنْيَا، واما كونه مَعَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جهراً فَهُوَ النزول عبر أطوار الخلقة، وَمِنْ خواص النزول ما قبل الدُّنْيَا المغاير لما هُوَ مِنْ أطوار الخلقة أنَّهُ غَيْر مرئي إلَّا ما قَدْ يكون بنحو التمثل فِي بَعْض المواطن لا بجسم كثيف غليظ.
ومما يشير إلى أنَّ أصل نشأة الإنسان علوية - فِي عالم الأظلة والأشباح تنزل منها إلى الارض - التعبير بالهبوط لآدم وبنيه فِي جملة مِنْ الآيات كقوله تَعَالَى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُون﴾(٢٧٢) وكذا قوله تعالى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُون﴾(٢٧٣). حَيْثُ أنَّ الرجوع المُراد به فِي هَذِهِ الآية بَعْدَ نفخ الصور والبعث للحياة الأبدية لا البعث للرجعة إلى الدُّنْيَا، بَلْ البعث للرجعة إلى النشآت العلوية، وَمِنْ ثمَّ كَانَ المعاد الأكبر رجعة كبرى والرجعة إلى الدُّنْيَا رجعة صغرى ومعاد أصغر.
وَسيأتي تطابق أواخر الرجعة مَعَ عالم القيامة، لِأنَّ القيامة رجعة بالمعنى الأعم أيضاً، وَالقيامة رجعة وسطى أو كبرى بلحاظين.

الفصل الرابع: كيفية حصول الرجعة

البدن الأصلي والطينة الأصلية فِي القبر:
١) روى الكليني فِي الكافي بسنده عَنْ عمّار بن موسى عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: سُئل عَنْ الميّت يبلى جسده، قَالَ: «نعم حَتّى لا يبقى لَهُ لحم ولا عظم إلَّا طينته الَّتِي خلق منها فإنّها لا تبلى، تبقى فِي القبر مُستديرة حَتّى يخلق منها كَمَا خلق أوَّل مرة»(٢٧٤). 
ورواه الصدوق فِي مَنْ لا يحضره الفقيه عَنْ عمّار الساباطي(٢٧٥). 
قَالَ فِي تعليقة الفقيه: لعله مأخوذ مِنْ دار يدور دوراً بمعنى منتقلة مِنْ حال إلى حال وَمِنْ شأن إلى شأن، والحاصل ما سوى النطفة لا يبقى إنَّما تبقى الطينة مستديمة مستمرة ويؤيِّد ما فِي بَعْض النسخ مِنْ لفظ «مستديمة» بدل مستديرة فالنطفة مستديمة فِي جميع مراتب التغيير دايرة متنقلة مِنْ حال إلى حال مَعَ بقائها فِي ذاتها حَتّى يخلق منها كَمَا خلق أوَّل مَرَّة(٢٧٦). 
وقد قرر في العلوم الروحية الحديثة وجود بدن للإنسان يتكون من طاقة الاكتوبلازم وهو غير مرئي إلّا بالأجهزة المسلحة الحديثة، وذلك البدن لونه كلون السحاب والبخار إلا أنه أصغر من هذا البدن المرئي، ولعله هو البدن الذي يشاهده العرفاء وأصحاب المكاشفات ويسمونه بالبدن البخاري، لان له شبه بالبخار الابيض أو السحاب..
هذا فضلاً عن ما يحيط ببدن الإنسان من أمواج طاقية وهالات أخرى، وقد توصلوا إلى أن أول ما يتشكل من الإنسان هو هذا البدن وهو الذي يسبب تركب الحيمن المنوي من الذكر مع بويضة المرأة، فيندمج الحيمن في البويضة.
وقالوا أن اتصال الجن والشياطين انما هو بذلك الجسم كما في قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ وسواء كان الجسم الأصلي للإنسان هو ذاك الجسم أو غيره مما هو ليس بمرئي فهو الطينة الأصلية.
 ٢) روى الصدوق فِي الأمالي صحيحة جميل بن درّاج، عَنْ الصادق جعفر بن مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «إذَا أراد الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يبعث الخلق أمطر السماء عَلَى الأرض أربعين صباحاً، فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم»(٢٧٧).
٣) وروى الطبرسي فِي الاحتجاج عَنْ هشام بن الحكم فِي خبر الزنديق الذي سأل الصادق (عليه السلام) عَنْ مسائل إلى أنْ قَالَ السائل فما أنكرت أنْ يكون الإنسان مثل ذَلِكَ أنوار السراج إذَا انطفأ إذَا مات وفارق الروح البدن لَمْ يرجع إليه أبداً كَمَا لا يرجع ضوء السراج إليه أبداً إذَا انطفأ).
قَالَ (عليه السلام): «لَمْ تصب القياس إنَّ النار فِي الأجسام كامنة والأجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت مِنْ بينها نار يقتبس منها سراج لَهُ ضوء فالنار ثابتة فِي أجسامها والضوء ذاهب والروح جسم رقيق قَدْ ألبست قالباً كثيفاً وَلَيْسَ بمنزلة السراج الذي ذكرت أنَّ الذي خلق فِي الرحم جنيناً مِنْ ماءٍ صافٍ وركب فيه ضروب مختلفة مِنْ العروق وعصب وأسنان وشعر وعظام وَغَيْر ذَلِكَ وَهُوَ يحيى بَعْدَ موته ويعيده بَعْدَ فنائه قلت فأين الروح قَالَ فِي بطن الأرض حَيْثُ مصرع البدن إلى وقت البعث... قَالَ: وَهَلْ يوصف بخفة وثقل ووزن قَالَ الروح بمنزلة الريح فِي الزق إذَا نفخت فيه امتلأ الزق منها فلا يزيد فِي وزن الزقّ ولوجها فيه ولا ينقصه خروجها مِنْهُ كَذَلِكَ الروح لَيْسَ لها ثقل ولا وزن... قَالَ فيتلاشى الروح قبل خروجه عَنْ قالبه أم هُوَ باق، قَالَ بَلْ هُوَ باق إلى وقت يَوُم ينفخ فِي الصور فَعِنْدَ ذَلِكَ تبطل الأشياء وتفنى فلا حس ولا محسوس ثمَّ أُعيدت الأشياء كَمَا بدأها مُدبّرها وَذَلِكَ أربعمائة سنة يُسبت فيه الخلق وَذَلِكَ بين النفختين»(٢٧٨).
وفي الرواية جملة من الفوائد:
أولا: قوله (عليه السلام) (والروح جسم رقيق قد ألبس قالبا كثيفا) وهذه معادلة كلية يبين فيها أن الروح ليس جوهرا مجردا عن الجسم مطلقا بتجرد مطلق، بل الروح جسم رقيق لطيف مجرد نسبي عن المادة الغليظة ولا سيما وأن الروح طبقات ودرجات مختلفة متفاوتة لطافة وكثافة.
ثانيا: قوله: (الروح بمنزلة الريح في الزق اذا نفخت فيه امتلأ) فهو تصوير لولوج الروح في البدن وأن هذا الولوج والنفخ للروح من ولوج الجسم اللطيف في الجسم الغليظ أو الجسم الطاقي في البدن الأكثف والأقل طاقة، وأن نفخ الروح في البدن ولوج واحتباس الجسم ذو الطاقة في الجسم الأكثف والأغلظ، وتشبيه نفخ الريح في الزق إشارة إلى ذلك.
ثالثا: قوله (ببقاء الروح وعدم تلاشيه إلى يوم ينفخ في الصور عند ذلك تبطل الاشياء وتفنى فلا حس ولا محسوس) بيان لما يعتور الروح في النفخة الاولى وحيث إن الروح طبقات كما مر فيحصل خلع روح من روح وجسم ألطف من جسم لطيف، فبطلان الأشياء بهذا اللحاظ.
الرجعة بإرادة ولي الله (عليه السلام):
١) ما رواه الشَّيْخ فِي (المصباح) والكفعمي أيضاً فِي (مصباحه) فِي أدعية يَوُم الجمعة فِي دعاء السمات المروي عَنْ العمري (رض).
اللهمَّ إنِّي أسألك باسمك العظيم الأعظم الأعزّ الأجل الأكرم الذي إذَا دُعيت به عَلَى مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة انفتحت وإذا دُعيت به عَلَى مضايق أبواب الأرض للفرج انفرجت، وإذا دُعيت به عَلَى العسر لليسر تيّسرت وإذا دُعيت به عَلَى الأموات للنشور انتشرت).(٢٧٩)
أَقُوُل والقول للحر العاملي فِي إيقاظه.
لا شكَّ أنّهم يعلمون ذَلِكَ الاسم، فإذا دعا المهدي (عجّل الله فرجه) به نشر الله لَهُ الأموات.
فَهُوَ دالّ عَلَى إمكان الرجعة قطعاً وعَلَى وقوعها أيضاً، باعتبار أنَّ «إذا» موضوعة لما هُوَ مُحقّق الوقوع كَمَا تقرّر، فَهُوَ مؤيّد للتصريحات الكثيرة.
٢) روى القمي فِي تفسيره فِي صحيح أبي حمزة الثمالي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام): إلى أنَّ قَالَ: «كُنْت ميتاً فرأيت رجلين مِنْ بين يدي ربي الساعة ساجدين يسألانه أنْ يحييني فأحياني، قَالَ تعرفهما إذَا رأيتهما قَالَ نعم... الحديث»(٢٨٠). 
وروى فِي المحتضر قَالَ: وروى الفضل بن شاذان مِنْ كتاب القائم (عجّل الله فرجه) أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قَالَ على منبر الكوفة: «والله أنَّي لديّان الناس يَوم الدِّين... وأنا صاحب النشر الأوَّل والنشر الآخر وصاحب القضاء وصاحب الكرّات ودولة الدول»(٢٨١). 
النشر الأوَّل والنشر الآخر مِنْ الرجعة بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) بإذن مِنْ الله:
فَقَدْ روى فِي المحتضر بسند عَنْ حسن بن عبد الله عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: قَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام): «وأنا الفاروق الأكبر والقرن مِنْ الحديد وباب الإيمان وصاحب الميسم وصاحب السنين»(٢٨٢). 
وَقَدْ استدل الإمام الصادق (عليه السلام) عَلَى الرجعة وأنّها فضل ومقام لهم بجملة مِنْ الآيات وَقَالَ (عليه السلام) للمفضل لو تدبر القرآن شيعتنا لما شكوا في فضلنا (وَهُوَ القول برجعتهم بحسب الفقرة المتقدمة فِي الرواية) أمَّا سمعوا قول الله (عزَّ وجلَّ)، ثمَّ ذكر جملة مِنْ الآيات ومنها قوله فِي قصة عيسى (عليه السلام) ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾(٢٨٣) هذا يا مفضل ما أقمنا به الشاهد من كتاب الله لشيعتنا مما يعرفونه في الكتاب ولا يجهلونه ولئلا يقولوا الا ان الله لا يحيي الموتى في الدنيا ويردهم الينا ولزمهم الحجة من الله إذا أعطى أنبياءه ورسله الصالحين من عباده، فنحن بفضله علينا أولى فأعطانا ما أعطوا ويزاد عليه(٢٨٤). 
الرجعة بإحياء ولي الله:
روى الراوندي في الخرائج والجرائح أنَّ المسيح (عليه السلام) بعث رجلاً إلى ملك توفي لَهُ أبن، وعلّمه الدُّعاء الذي يُحيي به الموتى فدخل الروم، وَقَالَ: أنا أعلم مِنْ طبيب الملك فسمع مقالته الملك فَقَالَ: أقتلوه، فَقَالَ لَهُ الطبيب: لا تفعل، ولكن ادخله، فإنْ عرفت خطأه قتلته ولك الحجّة، فدخل عَلَيْهِ فَقَالَ: أنا أُحيي الموتى وَكَانَ الملك قَدْ توفي لَهُ ابن فركب الملك والناس معه إلى قبر ابنه فدعا رسول المسيح، وأمّن طبيب الملك - الذي هُوَ رسول المسيح أيضاً - أوَّلاً فانشقّ القبر عَنْ ابن الملك، ثمَّ جاء يمشي حَتّى جلس فِي حجر أبيه، فَقَالَ يا بُنيّ مَنْ أحياك، فنظر إلى رسوليّ المسيح (عليه السلام) وَقَالَ هَذَا وَهَذَا وقالا: أمَا كلانا رسولا المسيح. فآمن الملك وأهل بلدته الحاضرون فِي الحال، وأعظم أهل مملكته أمر المسيح - عَلَى نبينا وَعَلَيْهِ أفضل الصَّلاة وَالسَّلامُ -.
وقريب مِنْ ذَلِكَ حال رجل أعجمي كبير المنزلة، قَدْ أتى حاجّاً بأهله، وكانا صالحين ودخلا أوَّلاً المدينة، فزار الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ أتى جعفر بن مُحمَّد (عليه السلام) وَقَدْ مرضت زوجته وأشرفت عَلَى الموت، ويئس منها فماتت وسجّاها. وخرج إلى الصادق (عليه السلام) وأخبره بأن زوجته قَدْ ماتت، ورآه حزيناً قَدْ غلبت عَلَيْهِ الكآبة.
فدعا بدعاء، ثمَّ قَالَ: أخرج فَهِيَ حيّة. فلما انصرف الرجل إلى منزله، رآها قاعدة، ثمَّ رحلوا إلى مَكَّة وخرج الصادق (عليه السلام) أيضاً حاجّاً، فبينما زوجة الأعجمي تطوف معه بالبيت، رأت الصادق (عليه السلام) فقالت لزوجها: هَذَا الرجل هُوَ الذي شفع إلى الله تَعَالَى حَتّى أحياني وَكُنْت ميّتة. فَقَالَ زوجها: هُوَ إمام الهدى جعفر بن مُحمَّد الصادق (عليه السلام)(٢٨٥).
٢) الكافي بسنده عَنْ أبان بن تغلب عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّهُ سُئل هَلْ كَانَ عيسى بن مريم أحيا أحدا بَعْدَ موته حَتّى كَانَ لَهُ أكل ورزق ومدة وولد؟ فقال: «نعم كَانَ لَهُ صديق... غاب عنه حيناً ثمَّ مَرَّ به ليسلم عَلَيْهِ فخرجت أُمَّه فسألها عنه فَقَالَت: مات... فوقف عَلَيْهِ عيسى (عليه السلام) ثمَّ دعا الله (عزَّ وجلَّ) فانفرج القبر وخرج ابنها حياً... فعاش عشرين سنة وتزوّج وولد له»(٢٨٦). 
وَقَدْ وَرَدَ مُستفيضاً فِي رواياتهم أنهم أصحاب الحشر والنشر سواء فِي الزيارات أو الروايات كَمَا وَرَدَ خصيصاً هَذَا الوصف لأمير المؤمنين (عليه السلام) فِي جملة مِنْ خطبه الشريفة، وَهُوَ يقضي بظاهره أنَّ الحشر يجريه الله تَعَالَى عَلَى أيديهم كَمَا يجريه عَلَى يدي إسرافيل النافخ فِي الصور، كيف لا وَقَدْ أمر الملائكة أجمعين بالسجود والخضوع والانقياد لخليفة الله ومنهم اسرافيل، وأحد المعاني المحتملة لكونه (عليه السلام) صاحب الرجعة هُوَ هَذَا المعنى أي أن احياء الموتى بإرادته بإذن الله، مضافاً إلى كونه يرجع إلى الدُّنْيَا كرّات ومرّات، والمعنى الثالث أنَّ لَهُ دولاً متعدّدة فِي الرجعة.
صلة الرجعة بتنشيط البدن:
١) إنَّ هُنَاك جملة مِنْ الدلالات فِي روايات الرجعة دالّة عَلَى حقيقة مُهمّة في الرجعة وَهِيَ أنّها ذَاتَ صلة أكيدة بالحال الحيوي، وأنَّ الموتى مِنْ جهة فيزيائية وبيولوجية وفسيولوجية وأنَّ أبدان الموتى لو نشطت بماء الحياة لعادت إليها الروح كَمَا يحصل مِنْ رش الماء عَلَى المغمى عَلَيْهِ مثلاً.
فَقَدْ روى الصدوق فِي كمال الدِّين أنَّ فِي بَعْض الكتب السماوية، «أنَّ مِنْ شرب مِنْ عين الحياة لَمْ يمت حَتّى يسمع الصيحة وأنَّ ذا القرنين خرج فِي طلبها وَأنَّهُ أعطى كُلّ قائد مِنْ جنوده حوتاً مملوحاً حَتّى أدرك الخضر فلما غمس الحوت فِي الماء حَيّ وانساب في الماء فلما رأى الخضر ذَلِكَ فرمى بثيابه وسقط فجعل يرتمس فيه ويشرب مِنْهُ فرجع كُلّ واحد منهم إلى ذي القرنين ومعه حوته ورجع الخضر وَلَيْسَ معه الحوت فسأله عَنْ قصته فَقَالَ لَهُ أشربت مِنْ ذَلِكَ الماء قَالَ: نعم قَالَ أَنْتَ صاحبها وَأَنْتَ الذي خلقت لهذه العين»(٢٨٧). 
وفي الرواية دلالة عَلَى أنَّ البدن الأرضي فيه مِنْ القابلية للاستمرار لكنها مما تحتاج إلى عوامل مساعدة عَلَى ذَلِكَ ولَمْ يهتد إليها البشر، وأنَّ حقيقة إحياء الموتى مما يرتبط بذلك.
ويعضد هَذَا المفاد رواية أُخرى رواها القمي فِي تفسيره أنَّ الْنَّبِيّ موسى (عليه السلام) عِنْدَمَا أُمِرَ بأنْ يلتقي بالخضر (عليه السلام) عِنْدَ مُلتقى البحرين، وأنَّ وصيّه يوشع بن نون تزود حوتاً مملوحاً وخرجا وبلغا ذَلِكَ المكان وجدا رجلاً مستلقيا عَلَى قفاه فَلَمْ يعرفاه فأخرج وصيّ موسى الحوت وغسله بالماء ووضعه عَلَى الصخرة ومضيا ونسيا الحوت وَكَانَ ذَلِكَ الماء ماء الحيوان فحيي الحوت ودخل فِي الماء الحديث(٢٨٨). 
ويشهد لمفاد الرواية ما فِي الآية ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وَهَذِهِ الواقعة دالَّة عَلَى هَذِهِ الحقيقة المُهِمَّة فِي الرجعة وأنّها ذَات صلة بحالات البدن، بدن الميت وأبدان الموتى فسيولوجياً وبيولوجياً وفيزيائياً أو غَيْر ذَلِكَ مِنْ شؤون حالات البدن، وَأنَّهُ لو أنبت البدن ونُشّط بماء الحياة لعادت الروح إليه كَمَا يحصل مِنْ رش الماء عَلَى المُغمى عَلَيْهِ وإنْ اختلفت الدرجة.
ومما يعضد هَذِهِ الحقيقة فِي الرجعة وإحياء الأموات أنَّ معجزة الْنَّبِيّ عيسى عَلَى نبينا وآله السَّلامُ هِيَ فِي الطب وَهِيَ إحياء الموتى مما يدلّل عَلَى صلة إحياء الموتى بالطب وبأسرار الطب الخفيّة عَلَى البشر.
ويعضد ما نحن فيه ما مر مِنْ أنَّ بدن الإنسان الأصلي كالطينة واللبنة الَّتِي تسيخ فِي تراب القبر وَهِيَ الطينة الأصلية الَّتِي خُلق منها الإنسان وَهُنَاك ارتباط بين حالات البدن وحالات الروح.(٢٨٩)
وروى فِي الخرائج والجرائح قَالَ وكذلك مَرَّ نبيٌّ عَلَى قرية وَهِيَ خاوية عَلَى عروشها، ورأى أهلها كلهم موتى فعلم أنّهم أُهلكوا بسخط الله تَعَالَى فدعا الله (عزَّ وجلَّ)، فقال تعالى رُشّ عليهم الماء ففعل فأحياهم الله تَعَالَى وَهُمْ ألوف وبعثه الله إليهم رسولاً وعاشوا سنينا.
وَقَدْ ذكر ذَلِكَ فِي معرض الاستشهاد بروايات عَلَى موارد الرجعة فِي الدُّنْيَا(٢٩٠). 
الرجعة ظهور بَعْدَ غيبة الموت:
قَدْ أُطلق فِي كثير مِنْ روايات الرجعة عنوان الظهور عَلَى الرجعة وإطلاق عنوان المغيب عَلَى القبر، وَأنَّهُ مكان غيبة.
ووجه الإطلاق بلحاظ المعنى اللغوي بيّن، حَيْثُ إنَّ الموت انتقال للروح مِنْ الحياة الدنيوية الجسدانية بالجسد الغليظ إلى عالم البرزخ، وَهَذَا الانتقال نحو غيبة للإنسان، ورجوعه مَرَّة أُخرى مِنْ البرزخ إلى الجسد الدنيوي ظهور مَرَّة أُخرى لَهُ فِي دار الدُّنْيَا، وَهُوَ رجوع أيضاً مِنْ جهة أُخرى.
ونظير هَذَا الاستعمال ما رواه فِي الهداية الكبرى بسنده عَنْ المفضل عَنْ الصادق (عليه السلام) قَالَ المفضل: قلتُ يا سيدي والاثنان والسبعون رجلاً أصحاب الحسين بن علي (عليه السلام) يظهرون معه؟ قال «يظهر معهم الحسين بن علي (عليه السلام) باثني عشر ألف صديق مِنْ شيعته وَعَلَيْهِ عمامة سوداء،...»(٢٩١) - ثمَّ سرد الإمام الصادق (عليه السلام) أحداث دولة المهدي (عجّل الله فرجه) إلى أنْ يقول (عجّل الله فرجه) -:
ثمَّ تثور رجاله إلى سرايا السُّفْيَانِي بدمشق فيأخذوه ويذبحونه عَلَى الصخرة ثمَّ يظهر الحسين فِي اثني عشر ألف صديق واثنتي وسبعين رجلاً مِنْ أصحابه فِي كربلاء، فيا لك عندها مِنْ كرّة زهراء ورجعة بيضاء، ثمَّ يخرج الصِّدّيق الأكبر أمير المؤمنين... ثمَّ يظهر الصِّديق الأكبر الأجل السيد مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي أنصاره إليه وَمِنْ آمن به وصدق واستشهد معه ويحضر مكذّبوه(٢٩٢). 
وفيها استعمل الظهور في رجوع المعصومين إلى دار الدنيا، كما أن قوله (عليه السلام): (فيالها من كرة زهراء ورجعة بيضاء) إشارة إلى أن الانجاز الذي سيحصل في دولة الرجعة ودول الكرة أعظم مما يحصل في دولة الظهور للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الشريف. فمن ثم وصف بأن الأرض تزهر وعالم الدنيا يبيض، أي تتقشع أجواء الظلمة والظلام ويزول خريف الأرض، وهو أوجز وأجزل أوصاف الرجعة.
و(يا) النداء في (ويا لك) لبيان التعجب، وهو لبيان مدى الفارق في التطور.
نزول وتنزل الروح إلى حيث الجسد:
وهو القبر قبيل احياء الرجعة
أنواع الرجعة وكيفيات درجات الإحياء:
فَقَدْ روى الكليني بسنده عَنْ العامري عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): قَالَ: إنَّ عيسى بن مريم جاء إلى قبر يحيى بن زكريا وَكَانَ سأل ربه أنْ يُحييه لَهُ، فدعاه فأجاب وخرج إليه مِنْ القبر، فَقَالَ لَهُ ما تريد مني، فَقَالَ أريد أنْ تؤنسني كَمَا كُنْت فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ يا عيسى ما سكنت عني حرارة الموت وَأَنْتَ تريد أنْ تعيدني إلى الدُّنْيَا وتعود عليّ حرارة الموت فتركه فعاد إلى قبره(٢٩٣). 
ومُقتضى ذيل الحديث أنَّهُ لَمْ يَتم ليحيى (عليه السلام) الرجوع التامّ رغم التعبير فِي صدر الحديث بأنه خرج إليه مِنْ قبره إلَّا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يكن عوداً إلى الدُّنْيَا، وَكَأنَ ما فِي ذيل الحديث مِنْ (عوده إلى قبره) فِي مقابلة (خرج إليه مِنْ قبره) لَيْسَ بمعنى الإماتة بَعْدَ الإحياء، وَإلَّا لوقع المحذور الذي توقاه الْنَّبِيّ يحيى (عليه السلام) مِنْ خوفه مِنْ حرارة الموت الذي يحصل بالموت ونزع الروح، مما يدلّل عَلَى أنَّ هَذَا الخروج مِنْ القبر إعداد للإحياء وَلَمْ يستتم الإحياءُ بَعْدَ، وأنَّ دُعاء الْنَّبِيّ عيسى للنبي يحيى وإجابته نحو جذب من الْنَّبِيّ عيسى لروح الْنَّبِيّ يحيى إلى حَيْثُ جسده ليبعث فيه كي يستتم الإحياء، إلَّا أنَّ الْنَّبِيّ يحيى (عليه السلام) رفض ذَلِكَ، وَكَانَ سؤال الْنَّبِيّ عيسى (عليه السلام) مِنْ الرَّب تَعَالَى لإحياء الْنَّبِيّ يحيى (عليه السلام) هُوَ الذي أعطى الْنَّبِيّ عيسى قوة جذب فِي دعائه للنبي يحيى (عليه السلام) وَهُوَ نداؤه لَهُ.
وحاصل مفاد الحديث دالٌّ عَلَى أنَّ قبيل إحياء الرجعة نزول وتنزّل للروح إلى حَيْثُ الجسد فِي القبر ويلابس نمط مِنْ الإرهاصات الروحية قبيل بعث الروح فِي البدن.
وروى الراوندي فِي كتاب الخرائج والجرائح مُرسلاً قَالَ: إنَّ عيسى كَانَ لَهُ مُعجزات كثيرة لَمْ تكن اليهود ينظرون فيها فيؤمنون بها فسألوه أنَّ يحيى لهم سام بن نوح فأتى قبره وَقَالَ قم يا سام بإذن الله فانشقّ القبر فأعاد الكلام فتحرّك وأعاد الكلام فخرج فَقَالَ لَهُ المسيح إيّما أحب إليك تبقى أو تعود، فَقَالَ يا روح الله بَلْ أعود إنَّي لأجد لذعة الموت فِي جوفي إلى يومي هَذَا(٢٩٤). 
وصريح هَذِهِ الرواية وما قبلها أنَّ عودهما إلى القبر لَمْ يكن موتاً ولا إماتة وَإلَّا لما اختلف الحال بين أنَّ يبقيا أو يعودا، مَعَ أنَّ ما حصل لهما درجة مِن الإحياء، وَهَذَا مما يدلِّل ويُشير إلى أنَّ الإحياء والرجعة عَلَى درجات.
وروى الصدوق فِي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عَنْ النوفلي الهاشمي فِي باب ذكر مجلس الرضا (عليه السلام) مَعَ أهل الأديان وأصحاب المقالات فِي التوحيد قوله (عليه السلام): «لقد اجتمعت قريش عَلَى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسألوه أنْ يُحيي لهم موتاهم فوجّه معهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ اذهب إلى الجبانة فنادي بأسماء هؤلاء الرهط الَّذِيْنَ يسألون عنهم بأعلى صوتك يا فلان ويا فلان ويا فلان، يقول لكم مُحمَّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوموا بإذن الله (عزَّ وجلَّ) فقاموا ينفضون التراب عَنْ رؤوسهم فأقبلت قريش تسألهم عَنْ أمورهم ثمَّ أخبروهم بأن مُحمَّداً بعث نبياً، فقالوا وددنا أنّا أدركناه فنؤمن الحديث...»(٢٩٥). 
وَمِنْ المعلوم أنَّهم لَمْ يرجعوا ويبقوا أحياء، وَإنَّما أحيوا للقاء لفترة يسيرة ثمَّ يعودوا فِي القبور، وَهَذَا لَيْسَ نزولا وَإلَّا لما كَانَ إحياء بينما سمي هذا الفعل في هذه الروايات - وروايات عديدة مستفيضة فِي مثل هَذَا المعنى بَلْ متواترة - أنه احياء للموتى وأنّهم يحيون الموتى. وكَذَلِكَ الأنبياء السابقون لكنَّ الموتى بَعْدَ الإحياء لا يبقون بَلْ إحياءهم يَتمُّ لفترة وجيزة لمجرد الملاقاة والمحادثة ثم يعودون إلى القبور.
وَهَذَا نمط ودرجة مِنْ الإحياء والرجعة غامضٌ فِي معناه، وَوَرَدَ فِي العديد مِنْ هَذِهِ الروايات أنَّهم ينفضون التراب مِنْ رؤوسهم ببدنهم الدنيوي المادي الكثيف.
ولا يخفى أن رفع الصوت في الدعاء لإحياء الموتى ونداءهم مما له مسيس تأثير في كيفية الاحياء وأنها بمثابة الزجرة.
وَقَدْ روي فِي الكافي بسنده عَنْ عيسى شلقان قَالَ: قَالَ سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لَهُ خؤوله فِي بني مخزوم وإنَّ شاباً منهم أتاه فَقَالَ: يا خالي إنَّ أخي مات وَقَدْ حزنت عَلَيْهِ حزناً شديداً قَالَ: فَقَالَ لَهُ: تشتهي أنْ تراه؟ قَالَ: بلى، قَالَ فأرني قبره، قَالَ فخرج معه ببردة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مئتزراً بها فلما انتهى إلى القبر تلملمت (تململت) (تملمت) شفتاه ثمَّ ركضه برجله فخرج مِنْ قبره وَهُوَ يقول بلسان الفرس، فَقَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام): ألم تمت وَأَنْتَ رجل مِنْ العرب؟ قَالَ: بلى ولكنّا متنا عَلَى سنة فلان وفلان فانقلبت ألسنتنا»(٢٩٦). 
وروى علي بن إبراهيم فِي تفسير سورة الحجر عَنْ عبد الله بن سنان وأبي حمزة الثمالي قالوا: سمعنا أبا عبد الله جعفر بن مُحمَّد الصادق (عليه السلام) يقول: «لمّا حجّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حجّة الوداع نزل بالأبطح ووضعت لَهُ وسادة فجلس عَلَيْهَا ثمَّ رفع يده إلى السماء وبكى بكاءً شديداً، ثمَّ قَالَ «يا ربّ إنَّك وعدتني فِي أبي وأمي وعمي أنْ لا تعذبهم قَالَ: فأوحى الله إليه: إنِّي آليت عَلَى نفسي أنْ لا يدخل جنتي إلَّا مِنْ شهد أنْ لا إله إلَّا الله وَأنَّكَ عبدي ورسولي، ولكن ائت الشِعب فنادهم فإنْ أجابوك فَقَدْ وجبت لهم رحمتي، فقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الشِعب فقال: يا أبتاه ويا أمّاه ويا عمّاه فخرجوا ينفضون التراب عَنْ رؤوسهم فَقَالَ لهم: ألا ترون إلى هَذِهِ الكرامة الَّتِي أكرمني الله بها، فقالوا: نشهد أنَّ لا إله إلَّا الله وَأنَّكَ رسول الله حقاً حقاً وأنَّ جميع ما جئت به فَهُوَ الحَقّ، فَقَالَ: أرجعوا إلى مضاجعكم ودخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَكَّة وقدم علي (عليه السلام) مِنْ اليمن فَقَالَ ألا أبشرك يا علي؟ ثمَّ أخبره الخبر فَقَالَ علي (عليه السلام) الحمد لله»»(٢٩٧). 
والتعبير فِي الرواية فخرجوا ينفضون التراب عَنْ رؤوسهم ظاهر بين بخروجهم مِنْ القبر، نعم ربما يتساءل فِي هَذِهِ الرواية أنَّ قبر والد الرسول فِي المدينة المنورة وقبر والدة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي الأبواء وقبر أبي طالب فِي الحجون مقبرة المعلى فكيف اجتمعوا؟
وَهَذَا نظير ما وَرَدَ فِي إحياء الموتى فِي شهر رجب مِنْ ظهر الكوفة وعدّتهم سبعة وعشرون قبل ظهور المهدي (عجّل الله فرجه)، فِي شهر محرم وَهُمْ وزراؤه الخاصّون فِي دولته كسلمان ومالك الأشتر وأبو دجانة الأنصاري والمقداد وأصحاب الكهف وغيرهم، وَقَدْ مرَّت الرواية فِي ذَلِكَ بالبابين السابقين مَعَ أنَّ قبورهم فِي بلدان ومدن شتّى، فكيف يكون بعثهم كلهم مِنْ ظهر الكوفة؟
الفرق بين نوعي الرجعة وكيفيات الاحياء:
ولعلَّ هَذَا النمط مِنْ الإحياء الذي فِي روايات المقام ونظائرها مما تَقَدَّمَ بما لا يبقى الأشخاص بَعْدَ إحيائهم مِنْ القبور إلى مدّة طويلة بَلْ يرجعون إلى قبورهم بعد فترة وجيزة كَمَا نصّ فِي هَذِهِ الرواية (ارجعوا إلى مضاجعكم) مما هُوَ صريح أنَّ هَذَا إحياء ورجوع وليس نزولا بل رجعة إلى فترة وجيزة، ثمَّ يرجعون إلى مضاجعهم وأنَّ هَذَا الرجوع إنَّما يَتِمُّ بالبدن الدنيوي من الطينة الأصلية للإنسان، وَهِيَ غَيْر مرئية بالحسّ العادي لا بالبدن الدنيوي الغليظ الكثيف المرئي.
وَقَدْ مَرَّت الإشارة إلى ذَلِكَ فِي البابين السابقين روايةً وتفسيراً، وَهَذَا بخلاف الرجعة والإحياء للميّت برجوع يبقى، فَإنَّهُ يَتِمُّ علاوة عَلَى ذَلِكَ بإنبات اللحم والعظام للبدن الغليظ الكثيف الدنيوي كَمَا أُشير إلى ذَلِكَ فِي روايات بعث الأموات بين جمادي ورجب أنَّهُ تمطر السماء أربعين يوماً حَتّى يشم مِنْهُ رائحة المني، فتنبت اللحوم والعظام وَهُوَ لباس البدن الثَّانِي الدنيوي، وَعَلَى أيّ حال فتفسير هَذَا النوع مِنْ الرجعة يحتاج إلى المزيد مِنْ التدبُّر واستقصاء الشواهد والإشارات والمواد فِي بيانات الروايات.
أنماط أُخرى مِنْ إحياء الموتى:
فَقَدْ روى الحميري فِي قرب الإسناد مصحح صفوان بن مهران الجمّال عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لجبرائيل: يا جبرائيل أرني كيف يبعث الله العباد يَوُم القيامة، قَالَ: نعم، فخرج إلى مقبرة بني ساعدة فَقَالَ لَهُ: أخرج بإذن الله فخرج رجل ينفض التراب عَنْ رأسه وَهُوَ يقول: والهفاه - واللهف هُوَ الثبور - ثمَّ قَالَ: ادخل فدخل ثمَّ قصد به إلى قبر آخر، فَقَالَ: اخرج بإذن الله فخرج شاب ينفض رأسه مِنْ التراب وَهُوَ يقول: أشهد أنْ لا إله إلَّا الله، ثمَّ قَالَ: هكذا تبعثون يَوم القيامة»(٢٩٨). 
وهذا المورد من الواضح أنه من الرجوع وليس من النزول لأنه خروج من القبر إلا أن هذا الرجوع ليس رجوعا بمدة ولا بإماتة بعده، فهو نمط من الإحياء غير التام ومن ثم لم يحتج إلى إماتة.
ولعله نظير ما مر في بعض الروايات من أن الميت في الحياة الأولى من الدنيا يجلس في القبر ليساءل من قبل منكر ونكير أو مبشر وبشير. ثم بعد ذلك يموت موتة أخرى حيث يقال له (نم نومة العروس) وهذا مما يدلل على أن هناك موتة من هذا البدن الغليظ وأخرى عن البدن الدنيوي الإصلي غير المرئي وهو الذي يبقى مستديرا في القبر كما مر.
فالمساءلة والإجلاس لذلك البدن، ثم تقبض روحه من ذلك البدن بعد المساءلة ويقال له (نم نومة العروس) إذا كان مؤمنا والنوم لذلك البدن، وهو باق كما مر وإن تآكل البدن الغليظ.
للبدنين في الدنيا احياءان في الأولى وإماتتان في نهايتها ثم احياءان في بعث الرجعة:
وعلى ذلك فالبعث والإحياء أيضا هما احياءان يقابلان هاتين الموتتين، فيكون البعث الاول في البدن اللطيف الذي هو عبارة عن الطينة المستديرة، ويكون البعث الثاني في البدن الغليظ.
وما في الروايات المتقدمة وأمثالها من الروايات إنما هو احياء للبدن الأول غير المرئي لا للبدن الغليظ وهو لا يحتاج إلى إماتة بمدة.
فيتحصل أن مقتضى تعدد البدن الدنيوي تعدد الإماتة وبالتالي تعدد الإحياء.
وقد مرت الإشارة إلى ان الاحياء الاول للإنسان في الرحم هو الآخر إنما يتم بإنعقاد البدن غير المرئي اللطيف، الذي مر أنه يمكن أن يشارك فيه الشيطان فيكون شرك شيطان إن لم يبسمل.
ثم ينعقد بناء البدن الثاني من حيمن الرجل وبويضة المرأة، ومنه يعرف أن الذرية في الاصلاب ليست بالبدن الغليظ بل هي في البدن اللطيف والتنقل من صلب لآخر بلحاظ البدن اللطيف، وأن سلالة البدن اللطيف تختلف عن سلالة البدن الغليظ، نظير ما ورد من اخراج سلالة الانبياء من يد النبي يوسف بهيئة نور عندما ارتكب ترك الأولى، وأودعت في صلب أخيه لاوي، فقد روى القمي في تفسيره (فنزل جبرئيل فقال له يا يوسف اخرج يدك فأخرجها فخرج من بين أصابعه نور، فقال ما هذا النور يا جبرئيل؟ فقال هذه النبوة أخرجها الله من صلبك لأنك لم تقم لأبيك فحط الله نوره ومحى النبوة من صلبه وجعلها في ولد لاوي أخي يوسف وذلك لأنهم لما أرادوا قتل يوسف قال ﴿لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب﴾ فشكر الله له ذلك)(٢٩٩)
أنماط عروج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
ومن ذلك قد يحتمل في معراج وعروج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إن قرر أن لبدنه الدنيوي الشريف بدنين وطينتين أو أكثر أن يكون المعراج أيضا على أنماط في العروج الواحد فضلا عن الاختلاف بين العروج البدني والعروج الروحي الذي ربما ابتدأ بعد سدرة المنتهى.
وروى الصدوق في الاعتقادات أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كفن فاطمة بنت أسد (عليه السلام) في قميصه بعد ما فرغ النساء من غسلها، وحمل جنازتها على عاتقه فلم يزل تحت جنازتها حتى أوردها قبرها، ثم وضعها ودخل القبر واضطجع فيه، ثم قام فأخذها على يديه ووضعها في قبرها، ثم انكب عليها يناجيها طويلا ويقول لها: ابنك ابنك، ثم خرج وسوّى عليها التراب، ثم انكب على قبرها، فسمعوه وهو يقول: (اللهم إني استودعتها إياك) ثم انصرف.
فقال له المسلمون:.. وإنما سئلت عن ربها فقالت الله، وسئلت عن نبيها فأجابت، وسئلت عن وليها وإمامها فارتج عليها، فقلت لها: ابنك، ابنك. فقالت ولدي وليي وإمامي، فانصرفا عنها وقالا: لا سبيل لنا عليك، نامي كما تنام العروس في خدرها، ثم إنها ماتت موتة ثانية. وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى قوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيل﴾(٣٠٠).
وعلى هذه الرواية فتأويل الآية بيانه ما ذكرنا من أن للإنسان بدنين، بدن غير مرئي وبدن مرئي، وأن احياء البدن غير مرئي متقدم على المرئي وفي الإماتة بالعكس.
ومما يدل على تعدد البدنين وتعدد الإماتتين غير ما مر في الروايات وأن بين الموتتين حركة للروح ما في جملة من الروايات نظير رواية موثق علي بن عقبة عن أبيه عن الصادق (عليه السلام) يا عقبة: لن تموت نفس مؤمنة أبدا حتى تراهما (رسول الله وعلي).
قلت فإذا نظر إليهما المؤمن أيرجع إلى الدنيا؟
قال: لا، يمضى أمامه..)(٣٠١)
فقوله (عليه السلام): (لا يرجع إلى الدنيا) دال على أن المعاينة درجة من حركة الروح وانتقالها عن البدن، لا سيما أن تعبيره (عليه السلام): (يمضي أمامه) دال على حركة وأن الموت درجات.
وفي رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: (اذا حيل بينه وبين الكلام أتاه رسول الله ومن شاء الله... ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك من الجنة فإن شئت رددناك إلى الدنيا ولك فيها ذهب وفضة فيقول لا حاجة لي في الدنيا فعند ذلك يبيض لونه ويرشح جبينه وتقلص شفتاه وتنتشر منخراه وتدمع عينه اليسرى، فأي هذه العلامات رأيتها فاكتفي بها فاذا خرجت النفس من الجسد فيعرض عليها كما عرض عليه وهي في الجسد فتختار الآخرة فتغسله فيمن يغسله وتقلبه فيمن تقلبه، فإذا أدرج في اكفانه ووضع على سريره خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدما وتلقاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه ويبشرونه بما أعد الله له جل ثناؤه من النعيم فإذا وضع في قبره رد إليه الروح إلى وركيه...)(٣٠٢)
وفي الرواية ذكرت مراحل من الموت منها (اذا حيل بينه وبين الكلام)، ومن ثم يقول له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (فإن شئت رددناك إلى الدنيا) والمرحلة اللاحقة قوله (عليه السلام): (فإذا خرجت النفس من الجسد) وأن تلك مرحلة أخرى من الموت.
ثم بيانه (عليه السلام) بأن النفس تغسل البدن وتقلبه فيمن يغسله ويقلبه، الظاهر أن النفس حينئذ تكون في البدن غير المرئي.
ثم قوله (عليه السلام): (وخرجت روحه تمشي) فغاير اسناد الخروج إلى الروح بينما من قبل أسند الخروج إلى النفس.
ثم قوله: (رد إليه الروح إلى وركيه) هي نحو من الحركة القهقرية في الموت مما يدلل على تعدد درجات الخروج والولوج.
وفي معتبرة عمار بن مروان عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن قال: (أنه ليس بين أحدكم وبين أن يغتبط ويرى السرور وقرة العين إلا أن تبلغ نفسه هذه وأومأ بيده إلى حلقه.. ثم قال: إنه إذا كان ذلك واحتضر حضره رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي (عليه السلام) وجبرئيل وملك الموت (عليهما السلام) فيدنو منه علي (عليه السلام) فيقول: يا رسول الله.. ثم يسل نفسه سلا رفيقا ثم ينزل بكفنه من الجنة وحنوطه من الجنة بمسك أذفر، فيكفن بذلك الكفن ويحنط بذلك الحنوط ثم يكسى حلة صفراء من حلل الجنة، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب الجنة يدخل عليه من روحها وريحانها، ثم يفسح له عن أمامه مسيرة شهر وعن يمينه وعن يساره، ثم يقال له.... فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب الجنة.. ثم يقال له: نم نومة العروس على فراشها.. ثم يزور آل محمد في جنان رضوى فيأكل معهم من طعامهم ويشرب من شرابهم ويتحدث معهم في مجالسهم حتى يقوم قائمنا أهل البيت فإذا قام قائمنا بعثهم الله فأقبلوا معه يلبون زمرا زمرا فعند ذلك يرتاب المبطلون ويضمحل المحلون [المنتحلون] وقليل ما يكونون، هلكت المحاضير ونجى المقربون من أجل ذلك قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام): أنت أخي وميعاد ما بيني وبينك وادي السلام...(٣٠٣).
وفي هذه الرواية أيضا إشارة إلى مراحل الموت المتعددة منها بلوغ النفس إلى الحلق، وهذه المرحلة تسمى الاحتضار لأنه يحضره رسول الله وعلي وملك الموت، والمرحلة الأخرى سل نفسه سلا رفيقا، وقد مر أن هذه المرحلة من الموت لا يزال الميت ببدنه الدنيوي غير المرئي، أي أن المرحلة الأولى السابقة هي خروج البدن الدنيوي غير المرئي عن البدن الغليظ ومما يشهد على ذلك وصفه (عليه السلام) المرحلة الثانية بنزول الكفن من الجنة والحنوط وكسوة الحلة الصفراء فهذا كفن وحنوط وكسوة غير مرئية، والظاهر انها للبدن الدنيوي غير المرئي، فلكل من البدنين الدنيوين كفن وحنوط وكسوة على حدة، وهذا الذي يبلى انما هو البدن الغليظ وكفنه وكسوته فيما عدى الأولياء دون البدن اللطيف غير المرئي الذي يكون كالطينة المستديرة في القبر، وتوصيفه بالطينة المستديرة لعله لأن شكله لا يبقى بهيئة الأعضاء السابقة بل يتحول إلى شكل كتلة دائرية كروية.
ثم المرحلة الثالثة قوله (عليه السلام): (يقال له نم نومة العروس على فراشها) وهذا هو الذي مر الاشارة له بموت البدن غير المرئي، وأطلق عليه في بعض الروايات بالموتة الثانية.
فبعد حصول هذه الموتة له يتنقل في جنان البرزخ جنان آل محمد وهي جنان رضوى، وأنه يبقى في البرزخ إلى أن يبعث مرة أخرى مع ظهور القائم (عليه السلام).
وقوله (عليه السلام): (قال رسول الله لعلي أنت أخي وميعاد ما بيني وبينك وادي السلام) يشير بإسم الإشارة إلى أن لكل إنسان بعد البرزخ بعثا للرجوع إلى دار الدنيا وهي الرجعة، وهذه الرجعة شاملة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولأمير المؤمنين (عليه السلام) وأن موعد تلاقيهم هو وادي السلام من الكوفة.
وهناك جملة من الروايات الاخرى نظير رواية معتبرة عامر بن عبد الله بن جذاعة عن أبي عبد الله سمعته يقول: إن النفس إذا وقعت في الحلق أتاه ملك فقال له يا هذا أما ما كنت ترجو فآيس منه، وهو الرجوع إلى الدنيا أما ما كنت تخاف فقد أمنت منه)(٣٠٤)
وتقريب دلالتها كما مر في الرواية السابقة.
وعن يحيى بن سابور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في الميت: تدمع عينه عند الموت، فقال: ذلك عند معاينة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيرى ما يسره ثم قال أما ترى الرجل يرى ما يسره وما يحب فتدمع عينه لذلك ويضحك)(٣٠٥). 
ومفاد الرواية دال على ان ذلك عند مشارف الموت وهو ما يسمى بالمعاينة وهو احد مراحل سرادقات الموت، كما انه من مجموع الروايات المتقدمة أن المعاينة قد تحصل في مواطن عديدة إما في مشارف الموت أو بقية منازله ومراحله.
وما رواه الحافظ البرسي فِي كتابه عَنْ زاذان قال: لما جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ليغسل سلمان وجده قَدْ مات فرفع عَنْ وجهه فتبسم وتحرّك وَهَمَّ أنْ يقعد فَقَالَ لَهُ علي (عليه السلام): عد إلى موتك فعاد(٣٠٦). 
وفيه إشارة إلى قدرة سلمان على الرجوع بعد الموت وإن لم يكن رجوعا كاملا.
وما رواه الراوندي عَنْ الشَّيْخ الصدوق بسنده عَنْ مُحمَّد الحلبي قَالَ: عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي حديث عيسى (عليه السلام): أنهم سألوه أنْ يُحيي لهم سام بن نوح فأتى إلى قبره فَقَالَ: «قم يا سام بإذن الله فانشقّ القبر ثمَّ أعاد الكلام فتحرّك ثمَّ أعاد الكلام فخرج سام، فَقَالَ: إيما أحب إليك تبقى أو تعود؟ قَالَ بَلْ أعود يا روح الله إنِّي لأجد لذعة الموت فِي جوفي إلى يومي هذا»(٣٠٧). 
هَذَا وَقَدْ ذكر الحرّ فِي الإيقاظ فِي ذيل حديث سام بن نوح: أنه قَالَ البعض أنَّ احتمال كون الرجعة الموعود بها هِيَ مِنْ هَذَا القبيل لمساواة أحوال ما يجري عَلَى هَذِهِ الأُمَّة لأحوال الأُمم السابقة.
وأجاب عنه بما مضمونه: إنَّ هَذِهِ الأنماط مِنْ الرجعة وإنْ كانت رجعة ضعيفة لا يكاد يعتدّ بها، بَلْ بعضها لَيْسَ برجعة حقيقية؛ ولهذا فَإنَّ مِنْ جملة موارد هَذِهِ الروايات فهِيَ رجعة فِي الجملة غَيْر الرجعة الموعود بها وَمِنْ ثمَّ فِي كثير مِنْ موارد هَذِهِ الأحاديث منْ رجع إلى الدُّنْيَا لَمْ يعش زماناً طويلاً إلَّا نادراً، وفي غالبها رجوع أفراد وَهِيَ تُغاير الرجعات العظيمة الهائلة، نعم فِي بعضها رجوع خمسة وثلاثين ألفا وفي بعضها سبعون ألفا وَهِيَ تقارب نمط الرجعة الموعودة، فالمقصود مِنْ وقوع أحداث فِي هَذِهِ الأُمَّة نظير ومثل ما وقع فِي الأمم السابقة وقوع ما هُوَ أعظم مِنْهُ وأفضل وأزيد وَذَلِكَ لِأنَّ نبينا أفضل الأنبياء وأمته أشرف الأمم ألا ترى للغيبة وأمثالها مما وقع فِي هَذِهِ الأُمَّة أضعاف ما وقع فِي الأُمم السابقة.
وعَنْ أبي بصير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) «إنَّ المؤمن إذَا أخرج مِنْ بيته شيعته الملائكة إلى قبره يزدحمون عَلَيْهِ حَتّى إذَا انتهى به إلى القبر قالت لَهُ الأرض مرحباً بك وأهلاً، أمَّا والله لقَدْ كُنْت أحب أنْ يمشي عَلَي مثلك، لترين ما أصنع بك فتوسع لَهُ مدّ بصره ويدخل عَلَيْهِ فِي قبره ملكا القبر وَهُمَا قعيدا القبر منكر ونكير فيلقيان فيه الروح إلى حقويه.. وللكافر نفس الشيء»(٣٠٨). 
وفي حديث آخر «يعيدان فيه الروح»(٣٠٩). 
وتفيد الرواية أن الارض هي الأخرى ذات جسم مرئي وجسم ثان غير مرئي، وأن الذي يوسع هو القبر غير المرئي.
وبناء على ما بين في روايات الرجعة من أن نشأة البرزخ نشأة من توابع الدنيا، وليست نشأة من الآخرة الأبدية بل هي من آخرة الدنيا، واطلق على القبر والموت الآخرة بهذا اللحاظ، وعلى هذا التقريب فقد يصور للأرض جسم ثالث وهو البرزخي وهي أرض البرزخ.
من أنماط الرجوع رجعة الروح للبدن قبل أن يبلى:
روى في البصائر بسنده عَنْ عمر بن أبي شعبة، قَالَ: لما حضر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الموت دخل عَلَيْهِ علي (عليه السلام) فأدخل رأسه معه ثمَّ قَالَ: «يا علي إذَا أنا متُّ فغسلني وكفني ثمَّ أقعدني واسألني واكتب»(٣١٠). 
وفي البصائر عَنْ عمر بن سليمان الجعفي عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير الؤمنين (عليه السلام): «إذَا أنا متُّ فغسلني وحنطني وكفني واقعدني وما أملي عليك فاكتب قَالَ: قلتُ: ففعل؟ قَالَ: نعم»(٣١١). 
وروى فِي الجرائح والخرائج عَنْ سعد بن عبد الله بسنده عَنْ إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عَنْ أبيه قَالَ: قَالَ علي بن أبي طالب (عليه السلام): «أمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذَا توفي أنْ استقي سبع قرب مِنْ بئر غرس فاغسله بها فإذا غسلته أخرجت منْ فِي البيت فإذا أخرجتهم. قَالَ: فضع فاك عَلَى فيّ ثمَّ سلني أخبرك عمّا هُوَ كَائن إلى يَوم الساعة مِنْ أمر الفتن، قَالَ علي (عليه السلام) ففعلت ذَلِكَ فأنبأني بما يكون إلى أنْ تقوم الساعة وما مِنْ فتنة تكون إلَّا وأنا أعرف أهل ضلالتها مِنْ أهل حقّها»(٣١٢). 
وقد مر نظير ذلك في تغسيل سلمان وقول علي: (عد إلى موتك).
وروى فِي الخرائج والجرائح بسنده عَنْ المنهال بن عمرو قَالَ: أنا والله رأيت رأس الحسين (عليه السلام) حين حمل وأنا بدمشق وبين يديه رجل يقرأ الكهف حَتّى بلغ قوله ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾(٣١٣) فأنطق الله الرأس بلسان ذرب ذلق فَقَالَ: أعجب مِنْ أصحاب الكهف قتلي وحملي.
وفي الكشي فِي ترجمة الفضيل بن يسار: قَالَ ربعي بن عبد الله قَالَ: حدثني غاسل الفضيل بن يسار، قَالَ: إنِّي لأغسل الفضيل بن يسار وأنَّ يده لتسبقني إلى عورته فخبرت بذلك أبا عبد الله (عليه السلام) فَقَالَ: «رحم الله الفضيل بن يسار وَهُوَ منّا أهل البيت»(٣١٤). 
ولا يخفى أن هذه الموارد درجة من الرجعة ودرجة منها ليس بالكامل ولكنه رجوع بدرجة إلى البدن السابق قبل أن يبلى، وقد مر قول أمير المؤمنين لسلمان: (عد إلى موتك فعاد).
قاعدة في حقيقة فِي النوم واليقظة:
روى الراوندي فِي كتابه قصص الأنبياء بسنده عَنْ ابن عباس فِي حديث أهل الكهف: إنَّهُم لما أووا إلى الكهف أوحى الله إلى ملك الموت أنْ يقبض أرواحهم ووكل بكُلِّ رجل منهم ملكين يقلبانه ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال فمكثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين فلما أراد الله أنْ يُحييهم أمر إسرافيل الملك أنْ ينفخ فيهم الروح فنفخ فقاموا مِنْ رقدهم فَقَالَ بعضهم لبعض: قَدْ غفلنا فِي هَذِهِ الليلة(٣١٥). 
والظاهر مِنْ هَذِهِ الرواية أنَّ أرواح أصحاب الكهف قَدْ قبضها ملك الموت ويمكن أنْ تكون هَذِهِ حالة متوسطة بين النوم والموت، وَقَدْ تَقَدَّمَ مراراً أنّهما مِنْ جنس واحد وَإنَّهما درجات لهذا الجنس الواحد، وَمِنْ ثمَّ كَانَ هُنَاك أنماط متوسّطة غريبة جداً عَنْ المألوف المُتعارف مِنْ حالات النوم والموت، ويقابلها بالتالي حالات غريبة أيضاً مِنْ الإحياء، نظير حالة أصحاب الكهف فإنهم وُكّل بكُلِّ رجل منهم ملكان يقلبان بدنه ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال، وَذَلِكَ للحفاظ عَلَى سلامة البدن طيلة الثلاثمائة والتسع سنين كَمَا أنَّ بعثهم كَانَ بنفخ إسرافيل الملك للروح فِي أبدانهم، وَمَعَ ذَلِكَ عبر في الرواية كَمَا هُوَ فِي سورة الكهف (بالقيام من الرقدة).
وعليه فَهَلْ يمكن الخروج بقاعدة: أنَّ النوم قبض لجملة من أرواح النائم بتوسّط عزرائيل أيضاً، وأنَّ اليقظة مِنْ النوم نفخ لتلك الأرواح المقبوضة بتوسط إسرافيل بمقتضى قوله تَعَالَى ﴿الله يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾(٣١٦) فالقبض والإرسال فِي الآية هو قبض للروح وهو إرسال لها، أسند إلى فعله تَعَالَى لا إلى فعل الروح بنفسها، فَعَلَى هَذَا يشترك النوم بدرجاته ومراتبه مَعَ الموت بدرجاته ومراتبه، فَإنَّ النوم إماتة بقبض ملك الموت، كَمَا يشترك البعث مِنْ الموت مع البعث في اليقظة من النوم بدرجاته ومراتبه فِي كونه نفخا للروح مِنْ إسرافيل، ولعلَّ التنزيل والتشبيه بين النوم والموت فِي الحديث النبوي يشير إلى الاشتراك في هذه الجهة.
وقد روى الصدوق بإسناده عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا بني عبدالمطلب إنَّ الرائد لا يكذب أهله والذي بعثني بالحق تموتون كَمَا تنامون ولتبعثن كَمَا تستيقظون وما بَعْدَ الموت دار إلَّا جنّة أو نار»(٣١٧). 
والتشبية شامل للجهة الفاعلية في النوم واليقظة.
وروى الشَّيْخ فِي الغيبة بسنده عَنْ علي بن الخطّاب عَنْ مؤذن مسجد الأحمر قَالَ سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هَلْ فِي كتاب الله مثل القائم (عجّل الله فرجه) قَالَ «نعم آية صاحب الحمار أماته الله تَعَالَى مائة عام ثمَّ بعثه»(٣١٨). 
وَقَالَ الحرّ فِي تفسير الرواية المراد بالقائم هُنَا معناه اللغوي يعني منْ قام بالأمر، ويكون مخصوصاً بمن عدا المهدي (عجّل الله فرجه)، ويحتمل الحمل عَلَى المشابهة مِنْ بَعْض الوجوه فَإنَّ كُلاّ منهما غاب مدّةً ثمَّ ظهر وإنْ كَانَ أحدهما مات والآخر لم يمت أو المراد من الموت أعم من المجازي والحقيقي فإن أحدهما مات والآخر مات ذكره لطول غيبته(٣١٩). 
وفي صحيح أبي بصير قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) بقول: (مثل أمرنا في كتاب الله مثل صاحب الحمار أماته الله مائة عام ثم بعثه)(٣٢٠) والظاهر أن التشبيه بلحاظ موت الذكر لأمرهم مدة.
وروى مرسلا فِي أوائل كتاب «الغيبة» قَالَ: - «وَقَدْ كَانَ مِنْ أمر صاحب الحمار الذي نزل بقصّته القرآن وأهل الكتاب يرون أنَّهُ كَانَ نبيّاً فأماته الله مائة عام ثمَّ بعثه»(٣٢١). 
وَعَلَى ضوء هاتين الروايتين الأخيرتين يكون مفاد الرواية فِي الرجعة لا فِي ظهور الصاحب لكنَّ الشَّيْخ الطوسي أيضاً استدلّ بهما عَلَى خوارق العادة فِي أفعال الله تَعَالَى وقدرته تَعَالَى عَلَى ذلك، كَمَا أنَّ الشَّيْخ الطوسي فسَّر الروايات الواردة المُتضمّنة لكون صاحب الزمان يموت ثمَّ يعيش أو يقتل ثمَّ يعيش، حملها وفسرها عَلَى موت ذكره (عليه السلام) وأنه يعتقد أكثر الناس أنَّهُ بليَت عظامه ثمَّ يظهره الله كَمَا أظهر صاحب الحمار بَعْدَ موته الحقيقي.
 كَمَا فِي ما رواه بسنده عَنْ أبي سعيد الخراساني قَالَ قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «لأيّ شيء سمي القائم قَالَ لِإنَّهُ يقوم بَعْدَ ما يموت أنَّهُ يقوم بأمر عظيم يقوم بامر الله تَعَالَى»(٣٢٢). 
وأيضاً روى بسنده عَنْ حمّاد بن عبدالكريم قَالَ: قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): إنَّ القائم (عليه السلام) إذَا قام قَالَ الناس أنى يكون هَذَا وَقَدْ بليت عظامه منذ دهر طويل(٣٢٣). 
وَلعل الحديث الأخير - مضافا إلى الأدلة القطعية على بقائه حيا - هو القرينة عَلَى حمل الروايات السابقة، وتأويلها الذي ذكره الشَّيْخ.
وَقِيلَ أنَّهُ (عجّل الله فرجه) لَهُ القدرة عَلَى الانتقال فِي درجات أحكام المادة الفيزيائية انتقالاً عوالمياً وَأنَّهُ تفسير للغيبة والظهور وأنَّ الله يبعثه (عجّل الله فرجه) كما بعث عزيرا، غاية الامر حيث أن هذا الانتقال باختيار منه كَانَ عنوانه ظهور وغيبة، بخلاف ما إذَا كَانَ قهرياً فَإنَّهُ يكون موتا عبر القبر ورجعة مِنْهُ فالتشابه مَعَ عزير مِنْ جهة الانتقال إلى عالم آخر، والفارق أنَّ فِي عُزير رجعة لكونه قهرياً بخلاف الظهور والغيبة، وَقَدْ مَرَّ فِي البابين السابقين ما روي عنهم من أنَّ عيسى بن مريم له نزول مِنْ السماء كُلّ عام مَرَّة.
أنماط ارتباط الروح بالجسد:
١) روى فِي الفقيه: - قَالَ الصادق (عليه السلام) «... إذَا قبضت وَهِيَ مظلّة (مطلة) فوق الجسد، روح المؤمن وغيره، ينظر إلى كُلّ شيء يصنع به، فإذا كفن ووضع عَلَى السرير وحمل عَلَى أعناق الرجال عادت الروح إليه ودخلت فيه فيمدّ لَهُ فِي بصره فينظر إلى موضعه مِنْ الجنّة أو مِنْ النار، فينادي بأعلى صوته إنْ كَانَ مِنْ أهل الجنّة: عجلوني عجلوني، وإنْ كَانَ مِنْ أهل النار: ردّوني ردوني وَهُوَ يعلم كُلّ شيء يصنع به، ويسمع الكلام»(٣٢٤). 
وفي هذه الرواية حالة أخرى من عود ارتباط الروح بالجسد الغليظ تميزت به هذه الرواية عن غيرها من الروايات وهذه الظاهرة لعلها تحصل لكثير من الموتى لا كلهم، لكن ظاهر الرواية أنه المسير العام لكل الأرواح ذلك.
وعلى أي تقدير فمحصل هذه الرواية والرواية السابقة أن المعاينة على درجات وطبقات إما بحسب اختلاف الاشخاص وحالاتهم أو بحسب درجات ما يعاين الميت.
٢) وروى فِي الكافي صحيح ضريس الكناسي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «إنَّ لله جنّة خلقها الله فِي المغرب وماءُ فراتكم هَذِهِ يخرج منها وإليها تخرج أرواح المؤمنين مِنْ حفرهم عند كُلّ مساء، فتسقط عَلَى ثمارها وتأكل منها وتتنعم فيها وتتلاقى وتتعارف فإذا طلع الفجر هاجت مِنْ الجنّة فكانت فِي الهواء فيما بين السماء والأرض تطير ذاهبة وجائية، وتعهد حفرها إذَا طلعت الشمس وتتلاقى فِي الهوءا وتتعارف... الحديث»(٣٢٥). 
ومفاده يشير إلى تعدد الجنان البرزخية وقد مر أن البرزخ من شؤون وتوابع الدنيا فله ارتباط جغرافي بمواقع الأرض.
كما يستفاد من مفادها نشاط للأرواح بأجسامها البرزخية في الليل وبين الطلوعين في منطقة ما بين السماء والأرض وهذا يفيد ما مر من ان لأرواح الموتى أنشطة في الدنيا والأرض عبر آلية النزول.
 ٣) روى الكشي بسند متصل عَنْ حذيفة بن أسيد، قَالَ سمعت أبا ذر يقول وَهُوَ مُتعلّق بحلقة باب الكعبة: أنا جندب بن جنادة لِمَنْ عرفني وأنا أبو ذرّ لِمَنْ لَمْ يعرفني، أنَّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «مَنْ قاتلني فِي الأولى وفي الثانية فَهُوَ فِي الثالثة مِنْ شيعة الدجّال، إنَّما مثل أهل بيتي فِي هَذِهِ الأُمَّة مثل سفينة نوح فِي لجّة البحر مَنْ ركبها نجا وَمَنْ تخلّف عنها غرق، ألا هَلْ بلّغتُ»(٣٢٦). 
قَالَ المجلسي فِي بحار الأنوار المُراد مِنْ الثانية هُوَ خروجهم وقتالهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
أَقُوُل والظاهر مِنْ الثالثة هُوَ فِي الرجعة لِأنَّ الدجّال زمنه فِي آخر الزمان فلا محال يكون جزاء مَنْ قاتل الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي الأولى لا يمتدّ عمره إلى الثالثة، وَإنَّما يرجع من الموت فِي الثالثة وأنَّ جزاء غيّه فِي الأولى والثانية ضلاله فِي الرجعة لمقتضى قوله تَعَالَى ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ أيّ فِي الحياة الأولى فِي آخر الدينا ﴿فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا﴾ فِي آخرة الدُّنْيَا وَهِيَ الرجعة كَمَا فسر فِي روايات أهل البيت فِي ذيل الآية.
والظاهر من مقاتلته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي الثانية كَمَا هُوَ الحال في الثالثة هو بتوسّط مقاتلة أهل بيته بقرينة ذيل الرواية.
كَمَا أنَّ المحتمل تفسير الثانية بالرجعة أيضاً وإنْ كَانَ ما ذكره المجلسي محتمل أيضاً كَمَا أنَّ المراد مِنْ الثلاثة تعدد دولهم.
الفرق بين إحياء الموتى وبين إخراج الموتى كيفية الإحياء فِي الرجعة:
ولبيان الفرق والكيفية لا بد من ذكر نقاط:
١) قوله تعالى للنبي عيسى (عليه السلام): ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ المَوتَى بِإِذْنِي﴾(٣٢٧). 
والفرق بين إحياء الموتى وإخراج الموتى مِنْ القبر أنَّ الثاني لَيْسَ بالضرورة رجعة كاملة تامة بخلاف الأول كما مر في أنماط إحياء الرجعة.
٢) بينما قَالَ تَعَالَى فِي وصف عيسى فِي سورة آل عمران ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾(٣٢٨). 
فنلاحظ في هاتين الآيتين ثلاث عناوين أو أربعة: عنوان الخلق مِنْ الطين كهيئة الطير وعنوان النفخ ويكون بذلك طيراً، وعنوان إخراج الموتى بإذن الله، وعنوان إحياء الموتى. ولا ريب أنَّ النفخ فِي الطين فيكون طيراً إحياءاً لَهُ، ولكن لَيْسَ مِنْ القبر بَلْ ابتداءً فَلَيْسَ برجعة، لِإنَّهُ لَمْ يكن فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ مسبوقا بحياة فيها ولا جسم ولا قبر، كَمَا أنَّهُ لَيْسَ تنسيلا مِنْ الأصلاب والأرحام.
٣) قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُون﴾(٣٢٩). 
وَقَدْ فسَّر ﴿كُن فَيَكُون﴾ فِي قوله تَعَالَى الآخر ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُون فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِين﴾(٣٣٠). 
ففسَّر التكوين هُنَا بنفخ الروح فِي البدن.
٤) وقَالَ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾(٣٣١) وفي تفسير المنسوب للعسكري (عليه السلام) أنه قال «قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لكفّار قريش واليهود ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ الذي دلكم عَلَى طريق الهدى وجنبكم أنَّ اطعتموه سبل الردى ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً﴾ فِي أصلاب آبائكم وأرحامكم وأمهاتكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أخرجكم أحياء ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا ويقبركم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فِي القبور. وينعم فيها المؤمنين بنبوة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وولاية علي (عليه السلام) ويعذّب فيها الكافرين بهما ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ فِي الآخرة بأن تموتوا فِي القبور بَعْد ثمَّ تحيوا للبعث يَوُم القيامة ترجعون إلى ما وعدكم مِنْ الثواب عَلَى الطاعات إنْ كنتم فاعليها وَمِن العقاب عَلَى المعاصي إنْ كنتم مقارفيها»(٣٣٢). 
وقد فرقت الآية بين الإحياء والرجعة أن الاحياء كما يقع في دار الدنيا يقع بالبعث في البرزخ أيضا نحو إحياء وهو الإحياء في القبور. ثم بين (عليه السلام) ان هذه الحياة في البرزخ يعتريها الموت وذلك عند نفخة القيامة، والمقصود من البرزخ الذي يعتريه الموت آخر برازخ الدنيا أي ما بعد الرجعات وقد مر وسيأتي أن الموت طبقات، فهناك موت عن الجسم البرزخي أيضا.
٤) وذكر القمّي فِي ذيل الآية ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ أيّ نطفة ميتة وعلقة وأجرى فيكم الروح ﴿فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فِي القيامة ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ والحياة فِي كتاب الله عَلَى وجوه كثيرة فَمِن الحياة ابتداء خلق الإنسان فِي قوله ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِين﴾. فهي الروح المخلوق خلقه الله وأجرى في الإنسان، والوجه الثَّانِي مِنْ الحياة يعني به إنبات الأرض وَهُوَ قوله يحيي الأرض بَعْدَ موتها والأرض الميتة لا نبات لها فأحياها بنباتها.
ووجه آخر مِنْ الحياة وَهُوَ دخول الجنّة وَهُوَ قوله ﴿اسْتَجِيبُواْ للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ «يعني الخلود فِي الجنة والدليل عَلَى ذَلِكَ قوله» ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون﴾(٣٣٣). 
وفي الرواية موارد افتراق الإحياء عن الرجعة التي هي اخراج الموتى كما هو الحال في ابتداء الخلق، وأما دخول الجنة فهو أيضا احياء وليس هو بمعنى الرجعة بالمعنى الأخص لكنه رجعة بالمعنى الاعم، لما سيأتي في بحث الرجعة وعالم الاظلة والاشباح، أن نشآت الإنسان الأصلية العلوية إما من طينة الجنة أو طينة النار، أي كينونة الإنسان السابقة إما في ومن الجنة إن كان من أهل الخير، أو من كينونة الإنسان في النار إن من أهل الشر، فدخول اهل الجنة إلى الجنة رجوع بالمعنى الاعم، وكذلك دخول اهل النار النار.
وقد أشرنا في مقدمة هذا الباب أن مبحث الرجعة لا يقتصر على دار الدنيا والرجوع إليها فإن ذلك من الرجعة بالمعنى الأخص. واما الرجعة بالمعنى الاعم فهي شاملة لجملة من العوالم، ومن ثم عقدنا هذا الباب الثالث بعنوان الرجعة وعوالم أخرى.
٥) وفِي التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام): - فِي قصة ذبح البقرة لبني إسرائيل فِي ذيل الرواية قوله (عليه السلام): ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ ببعض البقرة ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى﴾ فِي الدُّنْيَا والآخرة كَمَا أحيا الميّت بملاقاة ميت آخر لَهُ أمَّا فِي الدُّنْيَا فيلاقي ماء الرجل ماء المرأة فيحيى الله الذي كَانَ فِي الأصلاب والأرحام حياً.
وأمَّا فِي الآخرة فَإنَّ الله تَعَالَى ينزل بين نفختي الصور - بعدما ينفخ النفخة الأولى من دون السماء الدنيا من البحر المسجور والذي قال الله فيه ﴿وَالْبَحْرِ المَسْجُور﴾ وهي مني كمني الرجل فيمطر ذَلِكَ عَلَى الأرض فيلقي الماء المني مَعَ الأموات البالية فينبتون مِنْ الأرض ويحيون»(٣٣٤). 
وفي هذه الرواية بيّن (عليه السلام) أن الإحياء لا يقتصر على دار الدنيا وأن الذي يحيى في دار الدنيا كانت له كينونة في الاصلاب وهي نمط من الحياة ثم أعطي طورا آخر من الحياة بملاقاة ماء الرجل وماء المرأة.
واما الإحياء في الآخرة فالظاهر تفسير الرواية للنفختين أن الأولى بمعنى بعث الرجعة وإحياء الرجعة ويطلق عليها الآخرة بلحاظ آخرة الدنيا في قبال النفخة الثانية وهي نفخة البعث إلى يوم القيامة، وهذا التأويل محتمل في مفاد هذه الرواية ولا يتنافى مع تفسير النفختين بالنفختين عند القيامة نفخة الصعق ونفخة البعث.
طبقات ودرجات النزول متعاكسة مَعَ طبقات ودرجات العروج والمعراج:
تطابق حقيقة النزول مَعَ أواخر الرجعة:
١) قَدْ مَرَّ أن غَيْر واحد مِنْ الأعلام قَدْ مزج بين موارد النزول والرجعة مَعَ أنَّ بين النمطين بونا فارقا، فَهَلْ النزول مِنْ السماء إلى الأرض هُوَ بجسم نوراني لطيف كَمَا هُوَ مفاد بَعْض الروايات الآتية؟
٢) أمَّ أنَّ هُنَاك فرقا بين بدايات الرجعات أيّ فِي الرجعات الأولى وبين حقيقة الرجعة فِي الرجعات الأخيرة ولا سيما المراحل الأخيرة مِنْ الرجعة؟
٣) بأنْ تكون الرجعة فِي الرجعات الأولى مِنْ القبر والأرض بينما الرجعات الأخيرة ليست مِنْ القبر وأرض الدُّنْيَا؟
٤) بَلْ هُوَ رجوع مِنْ أرض وسطى فضلاً عَنْ الأراضي العليا إذْ هُنَاك طبقات مِنْ الأراضي كَمَا أنَّ هُنَاك طبقات مِنْ السموات.
٥) ويمكن تقريب الاستدلال عَلَى هَذَا المدّعى أيّ تطابق حقيقة النزول مَعَ حقيقة الرجعات الأخيرة دون الرجعات الأولى، والاستدلال عَلَيْهِ بأن المعاد الأكبر مَعَ أنَّهُ رجوع بالمعنى الأعم ورجعة بالمعنى العام الوسيع.
كَمَا أنَّ الرجعة بالمعنى الأخص هِيَ معاد أصغر كَمَا مَرَّ ذَلِكَ فِي غَيْر موضع مِنْ بحوث الرجعة - إلَّا أنَّ المعاد الأكبر كَمَا مَرَّت الإشارة فِي غَيْر موضع مِنْ مباحث الرجعة المتصيدة مِنْ الآيات والروايات أنَّهُ رجوع لا مِنْ القبر الدنيوي وأرض الدُّنْيَا بَلْ بعث مِنْ أرض القيامة لا أرض الدُّنْيَا، فإذا كَانَ منتهى الرجعة هِيَ القيامة ومبدؤها وبدايتها رجوع مِنْ قبر أرض الدُّنْيَا، فلا محالة يكون ما بينهما مِنْ متوسّطات الرجعة كلما اقترب مِنْ البدايات أخذ حكم عالم الدنيا وقاربها فِي الأحكام، وكُلّما كانت المتوسّطات مِنْ الرجعة مقاربة إلى المعاد الأكبر أخذت حكم الرجوع فِي المعاد الأكبر.
٦) وَلك أنْ تقول أنَّ النصف الأوَّل مِنْ الرجعات يُقَارِب الحكم التكويني لمنشأ ومنطلق الرجعة الأوَّل بينما النصف الثَّانِي مِنْ الرجعات يأخذ منشأ ومنطلق الرجوع فِي المعاد الأكبر. وبالدقة فإن كل رجعة لاحقة تختلف عن سابقتها لطافة وهلما جرى تتصاعد في اللطافة، بل قد دلت وأشارت الروايات الكثيرة على أن الراجع من الموت ومن القبر يختلف في اللطافة وقوة الإحساس والإدراك عن نفسه في الحياة الأولى من الدنيا، فالصحيح أن الرجعات تتصاعد لطافة وقوة وقدرة.
٧) وبرهان ثانٍ على ما تقدم بأنَّ الرجعة وإنْ كَانَ مبتدؤها الرجوع مِنْ القبر مِنْ أرض الدُّنْيَا إلَّا أنَّ الرجعات اللاحقة بحكم تلطف البدن تكون الرجعة مِنْ أراضي ألطف ومناشئ أقل كثافة، فكلما تكرّرت الرجعة وتكرر الموت يتلطّف البدن ويتلطّف الموت (مِن ذَلِكَ البدن) وبالتالي تتلطّف الرجعة والرجوع مِنْ ذَلِكَ الموت اللطيف.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الباب الأوَّل أنَّ للموت مراتب ودرجات كثيرة جداً متصاعّدة شدّة وضعفاً ورتبة فِي الوجود ولا محالة يكون الرجوع والأوبة مِنْ الموت هُوَ بحس درجة ونمط ورتبة الموت طرداً وعكساً. كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾(٣٣٥)
٨) وبرهان ثالث: ويعضد ذَلِكَ ما يشاهد فِي الروايات مِنْ الإشارة أو التلويح أو التصريح بأنَّ الرجوع فِي الرجعة الأولى مِنْ القبر والمثوى الذي غيب فيه الإنسان أو مِنْ بقعة مِنْ الأرض - أرض الدُّنْيَا - بينما فِي الرجعات الأُخرى كخروج دابة الأرض لَيْسَ مِنْ القبر الذي دفن وغيب فيه الإنسان، بَلْ مِنْ بقاع أُخرى وَمِنْ دون إعداد مادي أرضي كنزول المطر أربعين يوماً ونحو ذَلِكَ كَمَا فِي الرجعة الأولى.
وَعَلَى هَذَا يمكن أنَّ يفسر ما رواه الراوندي فِي الخرائج بسنده إلى جابر عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) فِي حديث عَنْ رجعة الحسين (عليه السلام) قَالَ قَالَ الحسين بن علي لأصحابه قبل أنْ يقتل: «... ثمَّ أمكث ما شاء الله - فِي البرزخ بَعْدَ الشهادة - فأكون أوَّل مِنْ تنشقّ الأرض عنه... ثمَّ لينزلنّ عليّ وفد مِنْ السماء... ولينزلنَّ مُحمَّد وعلي وأنا وأخي وجميع مَنْ مَنَّ الله عليه..» وتَقَدَّمَ نقل مواضع مِنْ متنها فِي مواضع سابقة مِنْ بحث الرجعة، وتقدم أنَّ فقرات منها منطبق عَلَى الرجعة وفقرات منها منطبق عَلَى النزول فيضاف إلى ذَلِكَ تفسير آخر أنَّ التباين بين الرجعة والنزول إنما هو فِي الرجعات الأولى ويتطابقان فِي الرجعات الأخيرة كما هو محتمل قوله (عليه السلام) «ولينزلنَّ مُحمَّد وعلي وانا وأخي وجميع مَنْ مَنَّ الله عَلَيْهِ فِي حمولات مِنْ حمولات الرَّب خيل بلق مِنْ نور لَمْ يركبها مخلوق»(٣٣٦). 
طبقات الرجعة ودرجاتها:
٩) وعلى ما مر في المقالة السابقة ينبغي الالتفات إلى انه قَدْ وَرَدَ فِي روايات مُستفيضة(٣٣٧) فِي ذيل قوله تَعَالَى فِي سورة الفجر ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾(٣٣٨) تأويله بنزول الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَعَ حمولة مِن الملائكة نصرة لأمير المؤمنين (عليه السلام) فِي حربه مَعَ إبليس، فينزل ليقتل إبليس. كَمَا أنَّ فِي بَعْض الروايات نزول الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ وجبرائيل غار حراء عِنْدَ ظهور المهدي فيملي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى عليّ كتاباً فيأخذه جبرائيل فيسلمه إلى الحجة عِنْدَ الكعبة لينفذ ما فيه مِنْ الأوامر(٣٣٩). 
لكنه قَدْ مَرَّ أنَّ النزول مِنْ السماء عِنْدَ ظهور القائم لَيْسَ رجعة ولا كرّة بَلْ نزول غير مرئي إلى الأرض كنزول الملائكة فِي بدر وبقية حروب الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولذلك لا يرى نزول الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَمَا فِي سورة الفجر إلَّا إبليس فيقول ﴿إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ لكنَّ جملة مِنْ النزول ينطبق مَعَ الرجعات الأخيرة كما مر.
١٠) قَدْ يتقرّر ويتنقح مما مَرَّ أنَّ النزول هُوَ الآخر ذو درجات وطبقات فَإنَّ أهل السَّماء السَّابعة ينزلون إلى السَّماء السَّادسة كَمَا أنَّ أهل كُلّ سماء عليا ينزلون إلى ما دونهم مِنْ أهل السَّماء، وفِي المقابل بحكم التقابل والتعاكس فإن العروج ذو طبقات ودرجات أيضاً، وَحَيْثُ أنَّ الرجعة - كَمَا عرفت فيما مر وسيأتي تفصيله فِي فصل الرجعة والمعراج - هي عروج ومعراج عام بشري بتطوّر الأحكام التكوينية للحياة الدنيوية لمجموع نشأة الحياة بخلاف المعراج بالمعنى الأخص فإنه عروج لمخلوق خاص بمفرده من دون تبدل النشأة العامة التي كان فيها.
فيستنتج مِنْ هَذِهِ القواعد الثلاث – طبقات التنزل وكون الرجعة عروج عام للنشأة وكون المعراج خاص - أنَّهُ يتطابق درجات وطبقات مِنْ النزول متنازلة مَعَ طبقات ودرجات مِنْ الرجعة متصاعدة كَمَا أنَّهُ لِكُلِّ رجعة كُلّما تصاعدت هناك نزول يغايرها مِنْ مرتبة وجودية فوقها، فيكون تغاير الرجعة مع النزول إضافي بلحاظ النشأة التي فوقها.
١١) روى فِي الإيقاظ عَنْ مشارق أنوار اليقين: عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) فِي خطبة لَهُ قَالَ: «هيهات هيهات وإذا كشف المستور وحصل ما فِي الصدور لقد كرّرتم كرّات وكم بين كرة وكرة مِنْ آية مِنْ آيات - إلى أنَّ قَالَ - وباعث مُحمَّد وإبراهيم لأقتلنَّ أهل الشَّام بكم قتلات وَأيّ قتلات...»(٣٤٠). 
والظاهر أن مفاد الرواية حيث ذكر في صدرها وقت كشف المستور وتحصيل ما في الصدور هو إقامة الامتحان على صعيد أفعال القلب، والمعروف بحسب ظاهر الأدلة هو في نشأة عالم القيامة، وأما كشف المستور في القلب إلى العلن فهو يقع في متوسطات عالم الرجعات عند خروج الدابة بالميسم، وكشف المستور مقدم على ابتلاء السرائر، ولكن الظاهر من ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور﴾ إشارة إلى ما في قوله تعالى ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور﴾ أنه إشارة إلى الرجعة في مراتب متوسطاتها أيضا، وتحصيل ما في الصدور ظاهره يتطابق مع كشف المستور، فيغاير ابتلاء السرائر في عالم القيامة.
وعلى أية حال ففي الرواية إشارة إلى أن الرجعات اللاحقة المتوسطات فما بعدها يحصل تغير في النشأة وفي الأحكام التكوينية بحيث يبدو وتبرز نوايا الإنسان وما يكنّه في ذات الصدور وتبرز آيات متعاقبة عظيمة، مما يبين مدى لطافة تلك النشأة من الرجعة بحيث تنعكس أفعال القلب والروح جلية على البدن.
١٢) ذكر القمّي فِي تفسيره فِي سورة الدخان فِي ذيل قوله تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيم رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُون﴾(٣٤١). ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُون﴾(٣٤٢). 
قَالَ إن ذَلِكَ الدخان المبين فِي الرجعة وإنكم عائدون يعني إلى القيامة.
ولو كَانَ قوله ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين﴾. فِي القيامة لَمْ يقل ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُون﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الآخرة والقيامة حالة يعودون إليها ثمَّ قَالَ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُون﴾(٣٤٣) يعني فِي القيامة وظاهره أنَّ الرجعة مراتب، والرجعة والعود محدد انتهاءه وغايته بالقيامة فِي سورة الدخان، فَلَيْسَ بَعْدَ القيامة عود.
وكون القيامة انتهاء للعود هَلْ بنحو دخول الغاية في المغيا أم أن خروج الغاية مِنْ المغيا، أيّ أنَّ انتهاء عالم الرجعة وانتهاء العود هَلْ هُوَ ببدء عالم القيامة او بإنتهاءه؟
والظاهر كَمَا نقّحنا فِي مواضع عديدة فِي هَذَا الكتاب أنَّ بَعْدَ عالم القيامة الكبرى موتا وبعثا أخيرا إلى عالم الجنّة والنار الأبديتين لا سيما مَعَ ما سيأتي مِنْ تطابق أواخر عالم الرجعة مَعَ عالم القيامة.
١٣) روى الطبرسي فِي الاحتجاج عَنْ موسى بن جعفر عَنْ آبائه أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قَالَ حين سأله اليهودي عَنْ معجزات الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّهُ أُسري به مِنْ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر وعرج به فِي ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف عام فِي أقل مِنْ ثلث ليلة حَتّى انتهى إلى ساق العرش فدنا بالعلم فتدلّى مِن الجنة رفرف أخضر وغشى النور بصره فرأى عظمة ربه بفؤاده وَلَمْ يرها بعينه...»(٣٤٤). ومفاد الرواية التفصيل بين عنوان الإسراء وعنوان العروج وأن الإسراء هو بمسيرة شهر إلى المسجد الأقصى، وقد فسر في الروايات بالبيت المعمور في السماء الرابعة، بينما قدر العروج في ملكوت السماوات بخمسين الف عام وهو التقدير الذي ذكر في الآيات القرآنية لمقدار عالم القيامة، ثم بعد هذا المقدار انتهى إلى الجنة الأبدية، فكانما ذكر في الرواية المقدارين والحد الفاصل بينهما، وهما مقدار عالم الرجعة وعالم القيامة، فالمسجد الأقصى والبيت المعمور هو الحد الفاصل بينهما، وأنهما ينتهيان بعدهما إلى عالم الجنة الأبدية، والحاصل أن مفاد الرواية دال على طبقات للرجعة ودرجات لها، لا سيما بمقتضى ما مر وسيأتي في فصل الرجعة والمعراج ان العروج له ارتباط مطرد مع الرجعة.
١٤) قال النمازي في مستدرك سفينة البحار أن في كلام السيد المرتضى فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلاَّ أَن يَشَاء الله﴾(٣٤٥). دفع ما يوهم الجبر، وتقدم فِي (شيء) ما يتعلق بالآية.
وأمَّا الاستثناء فِي قوله تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ ففي رواية المفضل بن عمر عَنْ الصادق (عليه السلام) فِي الرجعة ما يظهر مِنه أنه فسر الآية بزمان الرجعة، بأن يكون المراد بالجنّة والنار ما يكون فِي عالم البرزخ كَمَا وَرَدَ فِي خبر آخر(٣٤٦). 
وسيأتي في مبحث الرجعة والجنان أن جملة من الجنان تظهر في عالم الرجعة، وهو بلحاظ طبقات الرجعة اللاحقة لطافة.

الفصل الخامس: الرجعة والجنان

اشتداد وتضاعف خيرية أهل الخير وشرية أهل الشر في الرجعة:
الرجوع إلى الدُّنْيَا بَعْدَ دخول الجنّة البرزخية لا الجنّة الأخروية:
قَالَ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد﴾.(٣٤٧)
روى العيّاشي بسنده عَنْ حمران قَالَ سألت أبا جعفر (عليه السلام): جعلت فداك قول الله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ لأهل النار، أفرأيت قوله لأهل الجنّة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ قَالَ: «نعم إنْ شاء جعل لهم الدُّنْيَا فردّهم وما شاء» وسألته عَنْ قوله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّك﴾ فَقَالَ: «هَذِهِ فِي الَّذِيْنَ يخرجون مِنْ النار»(٣٤٨). 
 والظاهر حملها إن لم يكن متعينا على جنة البرزخ ونار البرزخ إذ قد استفاضت الروايات الواردة في شأن آدم ان جنته لم تكن أبدية، وإلا لم يخرج منها، بل كانت جنة دنيوية. فهذه ضابطة تكوينية في الفرق بين جنان الأبد الاخروي وما دونها من جنان عوالم الرجعة والبرزخ، وهكذا في المقابل في شأن النار والنيران.
وقد روى المجلسي في البحار رواية عن كشف اليقين بسنده عن بن عباس حول اسجاد الملائكة لآدم ثم خروجه وانه أراه الله الاشباح الخمسة لأصحاب الكساء قدام العرش، فلما اقترف الخطيئة هبط على الأرض، وروى رواية أخرى عن معاني الاخبار أيضا بسنده المعتبر عن بن سيابة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث حول توبة آدم واستقالة آدم من ربه فقال الله (عزَّ وجلَّ): (قد أقلتك عثرتك وغفرت لك ذنبك وسأعيدك إلى الدار التي أخرجتك منها)(٣٤٩).
ثم قال المجلسي بعد الخبرين: لا يخفى ان هذا الخبر مما يدل على ان جنة آدم هي جنة الخلد وكذا خبر المفضل حيث قال: (فنظر إلى منزلة محمد وعلي) إذ الظاهر أنه رأى منازلهم في جنة، إلا أن يقال: كان جنته في الأرض الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين في البرزخ كما تدل عليه الأخبار، والمراد بالعود العود إليها في البرزخ، وكذا المراد برؤية المنازل رؤية منازلهم في تلك الجنة.
والصحيح ما مر أنها جنة برزخية وهي جنة دنيوية، لأن البرزخ من توابع الدنيا، واما رؤيته للأشباح الخمسة قدام العرش فلا ينحصر ذلك بالجنة الاخروية (الخلد) إذ الأنبياء يرون بقلوبهم شؤون العرش وهم في دار الدنيا بأبدانهم الغليظة كما ورد في الروايات المستفيضة، مع أن عالم الأشباح والاظلة فوق جنة الخلد كما سيأتي دون العرش، وأما تسمية النزول من البرزخ والبدن البرزخي إلى دار الدنيا والاجسام الغليظة هبوطا إلى الأرض فهو بلحاظ تكثف البدن وصيرورته غليظا في حين انه ليس برجعة وهذه الظاهرة في آدم تحتاج إلى مزيد من تمحيص الحال فيها وتحليل كيفية وقوعها.
وقد أطلق على هبوط الشياطين انه تنزل، في قوله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم﴾ مع ان أجسام الجن والشياطين اجسام دنيوية غير مرئية، ومن ثم أشارت الروايات المستفيضة إلى ارتباط وتماس بين الشياطين والأشرار من أهل البرزخ، مما يدلل على نحو من التجانس.
جبال رضوى الجنة البرزخية آل مُحمَّد ويلقاهم ثلة خاصة مِنْ المؤمنين:
ذكر الفضل بن شاذان فِي «كتاب القائم» أيضاً قَالَ: حدّثنا مُحمَّد بن إسماعيل عَنْ مُحمَّد بن سنان عَنْ عمّار بن مروان عَنْ زيد الشحام عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «إنَّ أرواح المؤمنين ترى آل مُحمَّد فِي جبال رضوى، فتأكل مِنْ طعامهم وتشرب مِنْ شرابهم وتتحدّث معهم فِي مجالسهم حَتّى يقوم قائمنا أهل البيت فإذا قام قائمنا بعثهم الله تَعَالَى فأقبلوا معه يلبّون زمراً زمراً فَعِنْدَ ذَلِكَ يرتاب المُبطلون ويضمحل المُنتحلون وينجو المُقرّبون»(٣٥٠). 
وروى فِي الكافي بسند مُعتبر عَنْ عمّار بن مروان عن منْ سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «منكم والله يقبل ولكم والله يغفر إنَهُ لَيْسَ بين أحدكم وبين أنْ يغتبط ويرى السرور وقرّة العين إلَّا ان تبلغ نفسه - وأومأ بيده إلى حلقة - ثم قَالَ إنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ واحتضر حضره رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ (عليه السلام) وجبرائيل وملك الموت - ثمَّ ذكر أنَّ ملك الموت يسل نفسه سلاً رفيقاً ثمَّ يُقَال لَهُ نم نومة العروس عَلَى فراشها أبشر بروح وريحان وجنة نعيم وربّ غَيْر غضبان، ثمَّ يزور آل مُحمَّد فِي جنان رضوى فيأكل معهم ويشرب مِنْ شرابهم ويتحدّث معهم فِي مجالسهم حَتّى يقوم قائمنا أهل البيت فإذا قام قائمنا بعثهم الله فاقبلوا معه يلبون زمراً زمراً فَعِنْدَ ذَلِكَ يرتاب المُبطلون ويضمحل المُحلون وقليل ما يكونون، هلكت المحاضير ونجى المقربون....»(٣٥١). 
وإضافتها إلى جبال رضوى هو كما مر بلحاظ الارتباط والنسبة بين أجسام البرزخ اللطيفة والاجسام الدنيوية الغليظة حيث إن البرزخ من توابع الدنيا كما مر فهناك نحو نسبة محاذاة جسمانية بين النشأة البرزخية اللطيفة مع النشأة الدنيوية الغليظة.
جنّات الرجعة فِي قِبال جنّات الآخرة الكبرى:
قوله تَعَالَى: ﴿مُدْهَامَّتَان﴾(٣٥٢)، يعني وصف الجنَّتين أنهما من شدة خضرتهما أسودتا أو شديدتا الخضرة.
روى الطبري فِي كتابه دلائل الإمامة بسنده عَنْ المفضَّل بن عمر الجعفي، قَالَ: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: «إنَّ قائمنا إذَا قام أشرقت الأرض بنور ربّها، واستغنى العباد عَنْ ضوء الشمس، وصار الليل والنهار واحداً، وذهبت الظلمة، وعاش الرجل فِي زمانه ألف سنة، يولد لَهُ فِي كُلّ سنة غلام، لا يولد لَهُ جارية، يكسوه الثوب فيطول عَلَيْهِ كُلّما طال، ويتلوَّن عَلَيْهِ أيّ لون شاء»(٣٥٣). 
ولعل المراد بالقائم في الرواية هو كل إمام من الأئمة يقوم ويقيم في دولة الرجعة أو يراد دولة الرجعة للقائم عجل الله فرجه، أو يراد آخر دولة الظهور.
وروى أيضاً فِي كتابه دلائل الإمامة، وكذا نوادر المعجزات بسنده عَنْ المفضَّل بن عمر، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إذَا قام القائم (عليه السلام) استنزل المؤمن الطير مِنْ الهواء، فيذبحه، فيشويه، ويأكل لحمه، ولا يكسر عظمه، ثمَّ يقول لَهُ: أحي بإذن الله. فيحيا ويطير، وكذلك الظباء مِنْ الصحارى. ويكون ضوء البلاد نوره، ولا يحتاجون إلى شمس ولا قمر، ولا يكون عَلَى وجه الأرض مؤذٍ، ولا شرٍّ، ولا إثمٍ، ولا فسادٍ أصلاً، لِأنَّ الدعوة سماوية، ليست بأرضية، ولا يكون للشيطان فيها وسوسة، ولا عمل، ولا حسد، ولا شيء مِنْ الفساد، ولا تشوك الأرض والشجر، وتبقى زروع الأرض قائمة، كُلّما أُخذ منها شيء نبت مِنْ وقته، وعاد كحاله... ولا يكون لإبليس هيكل يسكن فيه - والهيكل البدن -، ويصافح المؤمنون الملائكة، ويوحى إليهم، ويُحْيُون ويجتمعون مَعَ الموتى بإذن الله»(٣٥٤)، وفي هَذِهِ الصفات لنشأة الرجعة وهي نمط مِنْ صفات الجنَّة كَمَا فِي سورة الدهر: ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا﴾(٣٥٥) مِنْ تجدّد حياة الحيوانات والنباتات، ورُقيّ كمالات المؤمنين إلى درجة الأبدال والأوتاد...
وقوله (عليه السلام): (ولا يكن لإبليس هيكل يسكن فيه) هذا فضلا عن بقية الأبالسة والشياطين والجن، وذلك لرقي أبدان المؤمنين وقدراتهم النفسية، كما أن مصافحة المؤمنين للملائكة كناية عن قدرة ارتباطهم بهم وأن الهداية الإلهية التي من سنخ الولاية تشتد لكل مؤمن بخصوصه وسيأتي تكامل خصوص المؤمنين في الرجعة إلى جملة من شؤون الاوتاد والأبدال والتي منها الانفتاح على الموتى والارتباط بهم.
حياة ما قبل الدُّنْيَا:
الرجعة ما بَعْدَ الحياة الأولى من الدُّنْيَا وهي تقابل الحياة في العوالم السابقة ما قبل عالم الحياة الدُّنْيَا الأولى، وهي قد تسمى بالأكوار والأدوار السابقة.
قاعدة بدء التكليف من العوالم العلوية قبل الدنيا:
وفي روايات الرجعة دلالة عَلَى أنَّ الحساب والمحاسبة يَوم الحساب لا تقتصر على ما ارتكب في الحياة الأولى للدنيا بل تشمل ما وقع من الإنسان فِي الأكوار والأدوار السابقة.
وروى في دلائل الإمامة للطبري عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث في وصف مصحف فاطمة (عليه السلام) (وأن فيه أسماء الائمة وصفتهم وما يملك واحدا واحدا، وفيه صفة كرتهم، وفي صفة جميع من تردد في الاداور من الاولين والآخرين. قال: قلت: جعلت فداك وكم الأدوار؟
قال: خمسون ألف عام، وهي سبعة أدوار وفيه أسماء جميع من خلق الله من الاولين والآخرين وآجالهم).(٣٥٦)
وَلَيْسَ هَذَا بمعنى التناسخ كَمَا يتوهَّم بَلْ هُوَ نظير الإقرار بعوالم الذرّ المُتعدّدة وعوالم الميثاق والأظلّة، وَعَلَى كون الحساب على جملة العوالم السابقة لجملة مِنْ الشواهد والروايات، وهذا المبحث وإن كان هو انسب لمبحث الرجعة وارتباطه بعالم الأظلة والاشباح إلا أنه في المقام لا يخلو من مناسبة وارتباط، وهذه نبذة من الروايات:
١) ما رواه فِي مختصر بصائر الدرجات عَنْ الحسين بن حمدان الخصيبي - صاحب الهداية الكبرى - بسنده عَنْ المفضَّل بن عمر عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) حَيْثُ ذكر (عليه السلام) ما يقوم به صاحب الأمر (عجّل الله فرجه) مِنْ إخراج الأوَّل والثاني وإحراقهما ثمَّ إحيائهما مرَّة ثانية «فيحييهما بإذن الله تَعَالَى ويأمر الخلائق بالاجتماع ثمَّ يقصُّ عليهم قصص فعالهما فِي كُلّ كور ودور حَتّى يقصّ عليهم قتل هابيل بن آدم (عليه السلام) وجمع النار لإبراهيم (عليه السلام)، وطرح يوسف (عليه السلام) فِي الجبّ، وحبس يونس (عليه السلام) فِي الحوت، وقتل يحيى (عليه السلام)، وصلب عيسى (عليه السلام) وعذاب جرجيس ودانيال (عليهما السلام)، وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار عَلَى باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين لإحراقهم بها وضرب يد الصدّيقة الكبرى فاطمة بالسوط ورفس بطنها وإسقاطها محسناً، وسمّ الحسن وقتل الحسين وذبح أطفاله وبني عمّه وأنصاره وسبي ذراري رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإراقة دماء آل مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَكُلّ دم سفك وَكُلّ فرج نكح حراماً وَكُلّ زنا وخبث وفاحشة وإثم وظلم وجور وغشم منذ عهد آدم (عليه السلام) إلى وقت قيام قائمنا (عليه السلام)، كُلّ ذَلِكَ يعدّده عليهما ويلزمهما إيّاه فيعترفان به...»(٣٥٧). 
ومفاد هذه الرواية يتضمن أن للروح قبل المجيء لعالم الدنيا أنشطة مؤثرة في الدنيا، كما أن للروح بعد الذهاب للبرزخ أنشطة مؤثرة في الدنيا كما مرت الإشارة إلى ذلك في الرجعة والنزول، فيتصور للروح تنزل إلى الدنيا قبل نفخها في الجسد كما يتصور لها تنزل بعد الذهاب إلى البرزخ، وأما قبل عالم الدنيا فهو مبني على خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، كما سيأتي في بحث العوالم السابقة على الدنيا من عالم الاظلة والأشباح وعالم الذر والميثاق، ثم تنزل الروح من سماء إلى سماء إلى ان تبعث وتنفخ في الجسد ولا سيما ان للروح طبقات، والطبقات النازلة منها لها كينونة في الاصلاب ثم في الارحام ثم ينفخ في الجسد الطبقات الأعلى من الروح ثم لما يبلغ أشده بعد التولد يزاد له من الطبقات العليا.
والحاصل أن للروح نشآت سابقة قبل التولد ببدن الدنيا فبلاحظ تلك النشآت يكون لها كينونة، وقد تقدم وسيأتي أيضا أن الروح جسم رقيق، ومهما تلطفت وتصاعدت في اللطافة والتجرد فإنها تتلطف بلحاظ الجسم الرقيق لها وليست مجردة عن الجسم مطلقا، بل إنما يقال روح في مقابل جسد أي الجسد اللطيف في مقابل الجسد الغليظ أو الالطف في مقابل اللطيف، وسيأتي في مبحث الرجعة وعالم الاظلة والاشباح وعالم الذر والميثاق أن للروح أنشطة ولها تكليف بالدين ومسؤوليات ونمط من الاختيار في الأفعال، فالمسؤولية والتكليف والمحاسبة لا تختص بعالم الدنيا وقد أشارت إلى ذلك جملة من الآيات والروايات في طوائف عديدة كل منها مستفيض.
وبناءا على هاتين القاعدتين من كينونة الروح في عوالم سابقة وأن لها درجة من الاختيار وقاعدة عموم التكليف بالدين بحسب كل النشآت السابقة والراهنة واللاحقة يتبين بوضوح مفاد هذه الروايات، نعم في هذه الرواية مفاد متميز آخر، وهو أن أئمة الضلال والباطل لهم دور الدعوة إلى النار، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾(٣٥٨) ومقتضى الإطلاق في الآية عمومية إمامتهم للنار وهدايتهم أهل الباطل إلى النار.
وقد ورد في ذيل سورة القدر في رواية طويلة ما يشير إلى ذلك، وهي ماراوه الكليني - في باب شأن ليلة القدر - أنه قال أبو جعفر (عليه السلام): (لما ترون من بعثه الله (عزَّ وجلَّ) للشقاء على أهل الضلالة من أجناد الشياطين وأرواحهم [أزواجهم] أكثر مما ترون خليفة الله الذي بعثه للعدل والصواب من الملائكة، قيل: يا أبا جعفر وكيف يكون شئ أكثر من الملائكة؟ قال: كما شاء الله (عزَّ وجلَّ): قال السائل: يا أبا جعفر إني لو حدثت بعض الشيعة بهذا الحديث لأنكروه قال: كيف ينكرونه؟ قال، يقولون: إن الملائكة (عليهم السلام) أكثر من الشياطين.
قال: صدقت افهم عني ما أقول: إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا وجميع الجن والشياطين، تزور أئمة الضلالة ويزور إمام الهدى عددهم من الملائكة حتى إذا أتت ليلة القدر، فيهبط فيها من الملائكة إلى ولي الأمر، خلق الله – أو قال قيض الله - (عزَّ وجلَّ) من الشياطين بعددهم ثم زاروا ولي الضلالة فأتوه بالإفك والكذب حتى لعله يصبح فيقول: رأيت كذا وكذا، فلو سأل ولي الأمر عن ذلك لقال رأيت شيطانا أخبرك بكذا وكذا حتى يفسر له تفسيرا ويعلمه الضلالة التي هو عليها)(٣٥٩).
وقوله (عليه السلام): (اجناد الشياطين وأرواحهم) دال بوضوح على أن الارتباط بين أرواح الأشرار وأئمة الضلالة ليس بمرئي بل حسب ذيل الرواية أن أئمة الضلالة لا يشعرون تفصيلا بهذا الإتصال والارتباط، ومن ثم بيّن (عليه السلام) أنه لا يدري تفصيل ما يرى ولا ما أوعز له في روحه الباطن، ولا يعلم تفصيلا الضلالة التي هو عليها وأن هذا الارتباط على مدار الساعة وأن كل ذلك يصب في تدبير الشر والشرور، وقد أطلق (عليه السلام) عليه في الرواية تارة (أئمة الضلالة) وأخرى (ولي الضلالة) وثالثة (أهل الضلالة).
والحاصل أن الرواية تثبت ارتباط أرواح الأشرار بأئمة الضلالة في كل زمان وأن ما يصدر منهم من تدبيرات الشر هو بإيعاز تلك الأرواح، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾(٣٦٠) وتشير الآيات إلى أن هذا الإرتباط خفي وغير مرئي، وأن الأوراح الشريرة بما لها من أجسام ألطف من أجسام الأحياء أن ارتباطها مع الأحياء من الأنس من أهل الشر عن طريق التنزل والنزول.
٢) ويمكن تخريج وجود الأشخاص بهويتهم قبل الحياة الأولى من الدُّنيا لا مِنْ باب التناسخ الباطل بَلْ مِنْ باب أنَّ الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، وخلق الأرواح وإنْ كَانَ وَلابُدَّ أنْ تتعلَّق بمادّة ما، فَمِنْ ثَمَّ يكون لتلك الأرواح تواصل وارتباط إيحائي مَعَ بعضها البعض كَمَا أثبتته البحوث العلمية الروحية الجديدة نظير التخاطر بينها، والإلهام الذي تقوم به روح لروح أُخرى، كَمَا هُوَ الحاصل الآن بالنسبة إلى ارتباط الأرواح المنتقلة إلى البرزخ مَعَ الأرواح الَّتِي تعيش فِي دار الدُّنْيَا بأبدانها الغليظة.
وَمِما يشير إلى النشأة السابقة روايات الاظلة والأشباح نظير ما وَرَدَ عن محمد بن حمران قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لما كان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان، ضجت الملائكة إلى الله بالبكاء وقالت: يفعل هذا بالحسين صفيك وابن نبيك؟ قال: فأقام الله لهم ظل القائم (عليه السلام) وقال: بهذا أنتقم لهذا)(٣٦١). 
وفي بَعْض الروايات (وَهُوَ يصلّي، ولعلَّه بجسده النوري)، وَأنَّهُ تَعَالَى قَالَ: بِهَذَا انتقم)، فعن الثمالي قال سألت الباقر (عليه السلام): (لما قتل جدي الحسين (عليه السلام) ضجت عليه الملائكة إلى الله تعالى بالبكاء والنحيب وقالوا: إلهنا وسيدنا أتغفل عمن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك، فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليهم قروا ملائكتي فوعزتي وجلالي لانتقمن منهم ولو بعد حين، ثم كشف الله (عزَّ وجلَّ) عن الأئمة من ولد الحسين (عليه السلام) للملائكة فسرت الملائكة بذلك فإذا أحدهم قائم يصلى فقال الله (عزَّ وجلَّ) بذلك القائم انتقم منهم)(٣٦٢). وسيأتي بحث الرجعة وعوالم الأظلة والاشباح مفصلا.
٣) وكذا ما وَرَدَ فِي رواية كمال الدِّين للصدوق فيما روى عَنْ الصادق (عليه السلام) فِي النصّ عَلَى الإمام الثَّانِي عشر (عليه السلام) مِنْ خطابه (عليه السلام) للحجة (عليه السلام): «سيّدي غيبتك نفت رقادي، وضيَّقت عليَّ مهادي، وابتزَّت منّي راحة فؤادي، سيّدي غيبتك أوصلت مصابي بفجايع الأبد»(٣٦٣) وَهُوَ مِنْ خطاب الحيّ للحيّ، مما يشير إلى أن روح القائم (عليه السلام) حية ماثلة في عوالم سابقة يخاطبها الصادق (عليه السلام) قبل تولده في دار الدنيا، وهو ليس من باب المجاز والتمثيل بل من الخطاب الحقيقي، والتوجه من الصادق (عليه السلام) إلى كينونة حقيقية للقائم في عالم سابق.
٤) وكذا ما روي عَنْ الرضا (عليه السلام) أنَّهُ كَانَ يقوم قائماً عِنْدَ ذكر القائم (عجّل الله فرجه) ويضع يديه عَلَى رأسه، وَهُوَ مِنْ الإجلال والتعظيم مِنْ الحيّ للحيّ لا للمعدوم.(٣٦٤) وقيل إنه روي عن الصادق (عليه السلام).
نهاية الحياة الأولى ونهاية الرجعة:
قَالَ الشَّيْخ أحمد الإحسائي فِي كتاب الرجعة حول الروايات الواردة مِنْ أنَّ أجسادهم لا تبقى إلَّا ثلاثة أيّام أو أكثر إلى أربعين يوماً ثمَّ ترفع إلى السّماء(٣٦٥)، وَمِنْ أنَّ الحسين (عليه السلام) لو نبش فِي أيّامه(٣٦٦) لوجد فِي قبره وأمَّا الآن فلا يوجد لِإنَّهُ رفع إلى السماء وَأنَّهُ معلَّق بالعرش ينظر إلى موضع قبره وزوّاره ويستغفر لهم ويسأل أباه أنْ يستغفر لهم وَأنَّهُ يسأل الله وينتظر متى يُؤمر بحمل العرش وَأنَّهُ إنما تزار مواضع حفرهم فَقَالَ فِي شرح ذَلِكَ: إنَّ أجساد المعصومين تبقى بشريَّتها ملازمة لها ثلاثة أيّام إلى أربعين يوماً عَلَى اختلاف مراتب المعصومين فِي اللطافة وشدَّة النورية، فالقوي تبقى ثلاثة أيّام والضعيف تبقى أربعين يوماً وما بينهما بالنسبة، فما دامت البشرية موجودة فِي الأجساد (فهي) موجودة فِي الأرض، ولو نُبشت رؤيت وإذا فارقت صورة البشرية الَّتِي هِيَ الكثافة لَمْ تُرَ الأجساد، ولو نُبشت لَمْ توجد وإنْ كَانَت فِي محالها للطافتها فلا تراها إلا عيُن المعصومين، ويعبَّر عَنْ هَذِهِ الغيبوبة الَّتِي حصلت مِنْ خلعها الكثافة بالرفع إلى السماء وبالنزول إلى الأرض بلبسها كثافة البشرية، وأمَّا أبصار المعصومين فيرونها فلو نبشها المعصوم وجدها فِي كُلّ وقت إلى يَوُم القيامة، ولهذا نبش نوح آدم (عليه السلام) مِنْ مَكَّة وحمله إلى النجف الأشرف، فإن قلت إنما حمل عظامه، قلت إن الروايات الواردة في رفعها إلى السماء مصرحة برفع اللحوم والعظام وغيرهما والمراد بالعظام جميع الجسد والعرب يعبَّرون عَنْ الجسد بالعظام.
.. وأمَّا أنَّ الحسين (عليه السلام) معلَّق بالعرش فلأنَّه يُراد به جسمه الذي هُوَ الروح الشريفة أو مَعَ الجسد بَعْدَ خلع البشرية فإنَّه فِي رتبة العرش حينئذٍ، ومعنى أنَّهُ ينتظر متى يأمر بحمل العرش أنَّهُ ينتظر متى يكرّ فيطلب بدمه ودماء أصحابه، لِأنَّ المُراد بالعرش هنا أي مقام حمل عرش الدِّين، فإذا كرَّ أقام الدِّين الذي مِنْ جملته الطلب بدمائهم.(٣٦٧)
ثمَّ ذكر رجوعهم وخرجاتهم قَالَ: وموتهم الثَّانِي ورفعهم إلى السماء رفعاً حقيقياً لَيْسَ كَمَا قلنا فِي رفع أجسادهم بَعْدَ الموت بثلاثة أيّام.(٣٦٨)
وقال: وليس بين رفعه (أي الحسين) مع آبائه وأبنائه الطاهرين وبين نفخة إسرافيل نفخة الصعق إلا أربعين يوما يكون فيها هرج ومرج..(٣٦٩)
وقال: إذا أراد لله سبحانه نقل محمد وأهل بيته ونقل شيعتهم إلى جزيل ثوابه ونعيم جنته ورضوانه ونقل اعدائهم على عظيم عقابه ودائم سخطه وعذابه رفع محمدا وأهل بيته إليه مكرمين ولعل العود كالبدء فمن سبق في البدء كونه تأخر في العود رفعه، فإذا رفعهم من الأرض بقي الناس في هرج ومرج أربعين يوما ثم ينفخ اسرافيل في الصور. انتهى
فيظهر مِنْهُ أنَّ ارتفاعهم إلى السماء هُوَ نهاية الرجعة، نظير ارتفاع عيسى وإدريس (عليهما السلام).
تكامل القدرات في الرجعة:
وقد مر جملة من الروايات ذات الصلة بذلك، وروى الكليني فِي الكافي بسنده عَنْ أبي الربيع الشامي، قَالَ: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ قائمنا إذَا قام مدَّ الله (عزَّ وجلَّ) لشيعتنا فِي أسماعهم وأبصارهم حَتّى لا يكون بينهم وبين القائم بريد، يكلّمهم فيسمعون وينظرون إليه وَهُوَ فِي مكانه»(٣٧٠). 
وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: إذا قام القائم، يأمر الله الملائكة بالسلام على المؤمنين، والجلوس معهم في مجالسهم، فإذا أراد واحد حاجة أرسل القائم من بعض الملائكة أن يحمله، فيحمله الملك حتى يأتي القائم، فيقضي حاجته، ثم يرده.
ومن المؤمنين من يسير في السحاب، ومنهم من يطير مع الملائكة، ومنهم من يمشي مع الملائكة مشيا، ومنهم من يسبق الملائكة، ومنهم من تتحاكم الملائكة إليه، والمؤمنون أكرم على الله من الملائكة، ومنهم من يصيره القائم قاضيا بين مائة ألف من الملائكة)(٣٧١). 
وهذان الخبران يدلان عَلَى أنَّ إيمان المؤمنين مِنْ شيعة أهل البيت يقتضي في الرجعة آثاراً للكمال تتميَّز عَنْ باقي البشر مِنْ غَيْر المؤمنين، كَمَا هُوَ الحال مَعَ الأبدال وما يتميَّزون به عَنْ غيرهم، بل ما في الخبر الثاني من وصول بعض المؤمنين من المشي على السحاب ورد في مصباح الشريعة: قال الصادق (عليه السلام): (اليقين يوصل العبد إلى كل حال سني ومقام عجيب، كذلك أخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن عظم شأن اليقين، حين ذكر عنده أن عيسى بن مريم (عليه السلام) كان يمشي على الماء، فقال: لو زاد يقينه لمشى على الهواء)(٣٧٢) 
وقد ورد نظيره في أحوال أصحاب القائم، فعن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لقد نزلت هذه الآية في المفتقدين من أصحاب القائم (عليه السلام) قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ إنهم ليفتقدون عن فرشهم ليلا فيصبحون بمكة، وبعضهم يسير في السحاب يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه قال: قلت: جعلت فداك أيهم أعظم إيمانا؟ قال: الذي يسير في السحاب نهارا)(٣٧٣). 
وما روي عَنْ المفضَّل بن عمر قوله للإمام الصادق (عليه السلام): «وتظهر الملائكة والجنّ للناس - عِنْدَ الظهور -؟ قَالَ: «أيّ والله يا مفضَّل، ويخاطبونهم كَمَا يكون الرجل مَعَ حاشيته وأهله»، قلت: يا سيدي ويسيرون معه؟ قَالَ: «أيّ والله يا مفضَّل...»(٣٧٤). 
وما روى فِي الخرائج والجرائح عَنْ جابر، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ الحسين بن علي (عليه السلام) لأصحابه قبل أنْ يقتل: «... ثمَّ إنَّ الله ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفى عليهم شيء فِي الأرض، وما كَانَ فيها، حَتّى أنَّ الرجل منهم يريد أنْ يعلم علم أهل بيته، فيخبرهم بعلم ما يعلمون»(٣٧٥)
 وَهَذَه الرواية تبيِّن زيادة قدرات الشيعة المؤمنين عَلَى درجة قدرات الأبدال وكرامتهم كما هو الحال في الرواية الثانية التي مرت.
وكذلك فِي روايةأخرى في الخرائج والجرائح: «ولا يبقى رجل مِنْ شيعتنا إلَّا أنزل الله إليه ملكاً يمسح عَنْ وجهه التراب ويعرّفه أزواجه ومنازله فِي الجنّة»(٣٧٦). 
جنّة آدم وعين الحياة والرجعة:
فَقَدْ وَرَدَ فِي جملة مِنْ الروايات أنَّ جنة آدم ليست الجنَّة الأخروية بَلْ هِيَ جنَّة الدُّنْيَا، وَقَدْ وَرَدَتْ الآيات فِي وصف تلك الجنَّة.
الطائفة الأولى مِنْ الآيات: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِين فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾(٣٧٧). 
وصف العيش فيها بالرغد.
الطائفة الثانية: قوله تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾(٣٧٨). 
فوصف العيش فيها بالسعادة وبعدم الشقاء، وأن لا يتكبد فيها الإنسان الجوع ولا الظمأ. كما أنه لا يصيبه العري والظاهر أن المراد أن العورة لا تكون بادية في خلقة الإنسان، وأنه لا يصيب الإنسان هجير الشمس فيها.
ثالثاً: إنَّ مكان هَذِهِ الجنّة مكان صاعد عالي فِي الحياة الأرضية والدنيوية سواء مِنْ جهة الشرافة - وأُشير إلى ذَلِكَ بالهبوط كَمَا أُشير إليه بالصِغار لإبليس عِنْدَمَا أُخرج منها، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين﴾.
رابعاً: إنَّ العيش فِي هَذِهِ الجنَّة لابُدَّ أنْ يكون بطاعة وخضوع فائق لربّ العالمين فالعصيان والتكبّر موجبان للحرمان والخروج منها كَمَا أُشير إلى ذَلِكَ فِي الآيات فِي شأن إبليس، وقوله تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا﴾(٣٧٩). 
ووجه ارتباط وصلة جنَّة آدم (عليه السلام) مَعَ الرجعة أنَّ جنَّة آدم (عليه السلام) كَمَا يستشف مِنْ الآيات ونبَّهت عَلَيْهِ الروايات هِيَ جنَّة فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ يعني التكامل الكامل لهذه الدُّنْيَا وَهُوَ ما تصبوا إلى تحقيقه الرجعة، فكأنَّما ما ذُكر مِنْ أحكام تكوينية لجنَّة آدم (عليه السلام) هُوَ ما ستكون عَلَيْهِ غايات الأحكام التكوينية فِي نشأة الرجعة.
وأمَّا الروايات:
فأوَّلاً: ما رواه الكافي في الصحيح إلى الحسين بن ميسر، قَالَ: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ جنَّة آدم (عليه السلام)، فَقَالَ: «جنَّة مِنْ جنان الدُّنْيَا تطلع فيها الشمس والقمر ولو كانت مِنْ جنان الآخرة ما خرج منها أبداً»(٣٨٠). 
وثانياً: ما رواه عَنْ ضريس الكناسي، قَالَ: سألت أبا جعفر (عليه السلام) أنَّ الناس يذكرون أنَّ فراتنا يخرج مِنْ الجنَّة فكيف هُوَ وَهُوَ يقبل مِنْ المغرب وتصبُّ فيه العيون والأودية؟ قَالَ: فَقَالَ أبو جعفر (عليه السلام) وأنا أسمع: «إنَّ لله جنَّة خلقها الله فِي المغرب وماء فراتكم يخرج منها وإليها تخرج أرواح المؤمنين مِنْ حفرهم عِنْدَ كُلّ مساء فتسقط عَلَى ثمارها وتأكل منها وتتنعَّم فيها وتتلاقى وتتعارف فإذا طلع الفجر هاجت مِنْ الجنَّة فكانت فِي الهواء فيما بين السماء والأرض، تطير ذاهبة وجائية وتعهد حفرها إذَا طلعت الشمس وتتلاقى فِي الهواء وتتعارف»، قَالَ: «وأنَّ لله ناراً فِي المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفّار ويأكلون مِنْ زقّومها ويشربون مِنْ حميمها ليلهم، فإذا طلع الفجر هاجت إلى وادٍ باليمن يُقَال لَهُ: برهوت أشدّ حرّاً مِنْ نيران الدُّنْيَا كانوا فيها يتلاقون ويتعارفون فإذا كَانَ المساء عادوا إلى النار، فَهُمْ كَذَلِكَ إلى يَوُم القيامة»، قَالَ: قلت: أصلحك الله فما حال الموحّدين المقرّين بنبوّة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِنْ المسلمين المذنبين الَّذِيْنَ يموتون وَلَيْسَ لهم إمام ولا يعرفون ولايتكم؟ فَقَالَ: «أمَّا هؤلاء فإنَّهم فِي حفرتهم لا يخرجون منها فَمِنْ كَانَ منهم لَهُ عمل صالح وَلَمْ يظهر مِنْهُ عداوة فَإنَّهُ يخد لَهُ خد إلى الجنّة الَّتِي خلقها الله فِي المغرب فيدخل عَلَيْهِ منها الروح فِي حفرته إلى يَوُم القيامة فيلقي الله فيحاسبه بحسناته وسيئاته فإمّا إلى الجنَّة وَإمَّا إلى النار فهؤلاء موقوفون لأمر الله»، قَالَ: «وكذلك يفعل الله بالمستضعفين والبله والأطفال وأولاد المسلمين الَّذِيْنَ لَمْ يبلغوا الحلم، فَأمَّا النصّاب مِنْ أهل القبلة فإنَّهم يخد لهم خدّا إلى النار الَّتِي خلقها الله فِي المشرق فيدخل عليهم منها اللهب والشرر والدخان وفورة الحميم إلى يَوُم القيامة، ثمَّ مصيرهم إلى الحميم ثمَّ فِي النار يسجرون، ثمَّ قِيلَ لهم: أينما كنتم تدعون مِنْ دون الله؟ أين إمامكم الذي اتَّخذتموه دون الإمام الذي جعله الله للناس إماماً؟»(٣٨١). 
ومفاد الرواية يبين وجود نار برزخية كما هو حال وجود جنة برزخية كما أن مفاد الرواية يبين أن الامتحان والتكامل مستمر إلى يوم القيامة بل وفي يوم القيامة، وأن هناك جزاء في البرزخ وفي الرجعة وإن لم يحسم المصير النهائي للإنسان بعد، لكنه يجازى بالحسنى لأعمال حسنى صدرت منه في الحياة الأولى من الدنيا، وإن لم يكن ذلك بمعنى قبول تلك الاعمال لأن قبولها وعدم قبولها إنما مدارها الإيصال إلى الجنة الأبدية والجزاء فيها، وقد مر في البابين السابقين وسيأتي أن المدار في قبول العمل او حبطه ليس الجزاء في دار الدنيا أو في البرزخ أو في القيامة بل المدار الايصال أو الجزاء في جنة الابد، والحبط عدم ذلك.
 وكذلك في مجازاة أعمال الشر بالشر في دار الدنيا أو في البرزخ أو في الرجعة او يوم القيامة لا يدل على سوء العاقبة فقد يمحص المؤمن الموالي ليطهر ويدخل الجنة الأبدية والعكس كذلك فقد ينعم غير الموالي لكن عاقبته عاقبة سوء، فلا يدخل الجنة الأبدية بل يذهب به إلى النار، كما أشار إلى هذا المفاد حديث الرضا (عليه السلام) وكيف أن الصحابة الذين يذهب بهم إلى النار يقتربون من الحوض فيحال بينهم وبينه.
وروى العياشي عَنْ زرارة، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ آدم (عليه السلام) كَانَ لَهُ فِي السماء خليل مِنْ الملائكة، فلمَّا هبط آدم مِنْ السماء إلى الأرض استوحش الملك وشكا إلى الله تَعَالَى وسأله أنْ يأذن لَهُ فيهبط عَلَيْهِ فأذن لَهُ فهبط عَلَيْهِ فوجده قاعداً فِي فقرة مِنْ الأرض، فلمّا رآه آدم وضع يده عَلَى رأسه وصاح صيحة - قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): يروون أنَّهُ أسمع عامّة الخلق -، فَقَالَ لَهُ الملك: يا آدم ما أراك إلَّا قَدْ عصيت ربّك وحملت عَلَى نفسك ما لا تطيق، أتدري ما قَالَ الله لنا فيك فرددنا عَلَيْهِ؟ قَالَ: لا، قَالَ: قَالَ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قلنا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾ فَهُوَ خلقك أنْ تكون فِي الأرض يستقيم أنْ تكون فِي السماء؟»، فَقَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «والله عزّى بها آدم ثلاثاً»(٣٨٢). 
والظاهر أن المراد السماء الدنيا كما هو مراد الرواية السابقة وان هناك إمكانية عيش فوق كوكب الأرض في جو السماء الدنيا. كما أن مفاد الرواية يبين أن الملائكة قد تتعلق روحيا بالانبياء والأولياء والصلحاء بل في جملة مستفيضة أو متواترة من الروايات ان جملة من المخلوقات كذلك ترتبط روحيا بهم كما يبين أن الوحشة والسرور تطرأ على روح الملائكة وغير ذلك من صفات الروح في الانسان إلا أنهم ليس فيهم شهوة ولا غضب حيواني، كما في حنين الجذع لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الحادثة المعروفة المروية متواترا عند الفريقين.
وروى في معاني الأخبار بسنده عَنْ ابن سيابة، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «لقد طاف آدم (عليه السلام) بالبيت مائة عام ما ينظر إلى حوّاء، ولقد بكى عَلَى الجنَّة حَتّى صار عَلَى خدّيه مثل النهرين العجاجين العظيمين مِنْ الدموع، ثمَّ أتاه جبرئيل (عليه السلام) فَقَالَ حيّاك الله وبيّاك، فلمّا أنْ قَالَ لَهُ: حيّاك الله تبلَّج وجهه فرحاً وعلم أنَّ الله قَدْ رضي عنه»، قَالَ: «وبيّاك فضحك، وبيّاك: أضحكك»، قَالَ: «ولقد قام عَلَى باب الكعبة وثيابه جلود الإبل والبقر، فَقَالَ: اللهمَّ أقلني عثرتي، واغفر لي ذنبي، وأعدني إلى الدار الَّتِي أخرجتني منها، فَقَالَ الله (عزَّ وجلَّ): قَدْ أقلتك عثرتك، وغفرت لك ذنبك، وسأُعيدك إلى الدار الَّتِي أخرجتك منها»(٣٨٣). 
قال المجلسي: «لا يخفى أنَّ هَذَا الخبر ممّا يَدُلّ عَلَى أنَّ جنَّة آدم هِيَ جنَّة الخلد، وكذا خبر المفضَّل حَيْثُ قَالَ: فنظر إلى منزلة مُحمَّد وعليّ، إذْ الظاهر أنَّهُ رأى منازلهم فِي جنَّة الخُلد إلَّا أنْ يُقَال: كَانَ جنَّته فِي الأرض الجنَّة الَّتِي تأوي إليها أرواح المؤمنين فِي البرزخ كَمَا تدلَّ عَلَيْهِ الأخبار، والمُراد بالعود العود إليها فِي البرزخ، وكذا المُراد برؤية المنازل رؤية منازلهم فِي تلك الجنَّة»(٣٨٤). 
تطوّر الأحكام التكوينية فِي الرجعة:
روى فِي كتاب الخرائج والجرائح:
عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: قَالَ الحسين بن علي (عليه السلام) لأصحابه قبل أنْ يقتل: «... ولتنزلنَّ البركة مِنْ السماء إلى الأرض حَتّى أنَّ الشجرة لتقصف بما يزيد الله فيها مِنْ الثمر، وليأكلنَّ ثمرة الشتاء فِي الصيف، وثمرة الصيف فِي الشتاء وَذَلِكَ قول الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون﴾(٣٨٥)...»(٣٨٦). 
وما رواه في البحار عن محمَّد بن العبّاس، عَنْ مُحمَّد بن عيسى، عَنْ يونس، عَنْ المفضَّل بن صالح، عَنْ زيد الشحّام، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: ﴿مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾(٣٨٧)، الرجعة».(٣٨٨)
وفي مختصر بصائر الدرجات حدثنا الحسين بن محمد قال حدثنا محمد بن عيسى حدثنا يونس عن مفضل بن صالح عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (العذاب الأدنى دابة الأرض)(٣٨٩)
 ومفاد هذه الرواية نظير مفاد كثير من الروايات أنَّ الرجعة فِي حين أنَّها ليست مِنْ القيامة ولها بينونة عنها إلا أن لها بعض أحكام القيامة، وتبيِّن هذه الآية أنَّ الحكّام فِي الرجعة هُمْ حكّام الحقّ والحكّام فِي القيامة.
وقد مرت الإشارة في البابين السابقين وفي مواضع من هذا الباب وستأتي أن روايات الرجعة تفيد أنَّ البرزخ مِنْ توابع الدُّنْيَا، وقوله تَعَالَى: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾(٣٩٠)، يعني بعث الرجعة.
واما تسالم المُتكلّمين والفلاسفة أن البرزخ بين الدُّنْيَا واالآخرة وإرسالهم ذلك إرسال المسلمات، فيفنده بيان الروايات المستفيضة وكذلك مفاد الآيات من ان البرزخ يتوسط بين الأولى من الحياة الدنيا وبين الآخرة منها وهي الرجعة.
وأمَّا الذي يتوسط بين الرجعة والقيامة الكبرى بحسب روايات الرجعة فلَيْسَ هُوَ البرزخ حيث يقول عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) سرّ مكتوم أوصاني رسول الله أنَّ لا أحدث به إلَّا ذريتي، وفي بَعْض الروايات يعبّر عنه بـ«الساهرة» كما ستأتي رواياتها.
معنى مُلئت ظلماً وجوراً:
وهناك قاعدة فِي ارتباط معارف المعراج والمعاد والبرزخ بالرجعة سيتم بيانها في الفصول المعقودة الآتية لارتباط كل منها مع الرجعة.
وروى في الكافي، عن أبي حمزة قال دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: أنت صاحب هذا الامر؟ فقال: لا، فقلت: فولدك؟ فقال: لا، فقلت: فولد ولدك هو؟ قال: لا، فقلت: فولد ولد ولدك؟
فقال: لا، قلت: من هو؟ قال: الذي يملاها عدلا كما ملئت ظلما وجورا، على فترة من الأئمة، كما أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعث على فترة من الرسل)(٣٩١).
وغيرها من الروايات بهذا المضمون، وليس مفادها كما قد يتوهم توحد وانفراد الظلم والجور بملئ الأرض بنحو يكون ماحيا للخير تماما، بل بمعنى هيمنة الظلم والجور وسيطرته في العلن على النظام الدولي، من دون أن يعني ذلك اجتثاث أصل شجرة الخير وعروق الحق وهي التي تعد الأرضية لدولة الظهور، وفيها كل الخير رغم ما يكابد فيها المؤمنون.
فعن عميرة بنت نفيل، قالت: «سمعت الحسين بن علي (عليهما السلام) يقول: لا يكون الأمر الذي تنتظرونه حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضا.
فقلت له: ما في ذلك الزمان من خير؟ فقال الحسين (عليه السلام): الخير كله في ذلك الزمان، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كله»(٣٩٢).
الجنّة والأحكام التكوينية المقارنة بين الرجعة الآخرة في النعيم والعذاب:
١) قوله تَعَالَى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾(٣٩٣). 
عَنْ جابر بن يزيد، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «لَيْسَ مِنْ مؤمن إلَّا وَلَهُ قتلة وموتة، إنَّهُ مِنْ قتل نشر حَتّى يموت، وَمَنْ مات نشر حَتّى يقتل». ثمَّ تلوت عَلَى أبي جعفر (عليه السلام) هَذِهِ الآية: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ﴾(٣٩٤)، فَقَالَ: «ومنشورة»، قلت: قولك: «ومنشورة» وما هُوَ؟ فقالك «هكذا أنزل بها جبرئيل عَلَى مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كُلّ نفس ذائقة الموت ومنشورة»، ثمَّ قَالَ: «ما فِي هَذِهِ الأُمَّة أحد برّ ولا فاجر إلَّا وينشر، أمَّا المؤمنون فينشرون إلى قرّة أعينهم، وأمَّا الفجّار فينشرون إلى خزي الله إيّاهم، ألم تسمع أنَّ الله تَعَالَى يقول: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا المُدَّثِّر قُمْ فَأَنذِر﴾(٣٩٥)، يعني بذلك مُحمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقيامه فِي الرجعة ينذر فيها، وقوله: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَر نَذِيرًا لِّلْبَشَر﴾(٣٩٦)، يعني مُحمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نذير للبشر فِي الرجعة، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُون﴾(٣٩٧)، قَالَ: «يظهره الله (عزَّ وجلَّ) فِي الرجعة، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُون﴾(٣٩٨)، هوعلي بن أبي طالب صلوات الله عَلَيْهِ إذَا رجع فِي الرجعة» قَالَ جابر: قَالَ أبو جعفر (عليه السلام): «قَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام) فِي قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِين﴾(٣٩٩)، قَالَ: هُوَ أنا إذَا خرجت أنا وشيعتي وخرج عثمان بن عفّان وشيعته، ونقتل بني أميّة، فعندها يودّ الَّذِيْنَ كفروا لو كانوا مسلمين»(٤٠٠). 
٢) قوله تَعَالَى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُون فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيم رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُون أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِين ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُون إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُون يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُون﴾(٤٠١). 
فِفي تفسير علي بن إبراهيم ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أيّ اصبر ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين﴾، قَالَ: «ذَلِكَ إذَا خرجوا فِي الرجعة مِنْ القبر تغشى الناس كلّهم الظلمة فيقولوا: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيم رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُون﴾، فَقَالَ الله ردَّاً عليهم: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ فِي ذَلِكَ اليوم ﴿وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِين﴾ أيّ رسول قَدْ بيَّن لهم، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُون﴾ قَالَ: «قالوا ذَلِكَ لمّا نزل الوحي عَلَى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأخذه الغشي فقالوا: هُوَ مجنون»، ثمَّ قَالَ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُون﴾ يعني إلى القيامة ولو كَانَ قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين﴾ فِي القيامة، لَمْ يقل: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُون﴾ لِإنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الآخرة والقيامة حالة يعودون إليها»، ثمَّ قَالَ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ يعني فِي القيامة ﴿إِنَّا مُنتَقِمُون﴾(٤٠٢). 
ومفاد هاتين الروايتين أشدية عذاب الآخرة الأبدية من عذاب الرجعة وكذلك نعيمها، بل التفاوت بينهما شاسع فإن عنوان (الأدنى) صيغة تفضيل، فالأدنى أقل من الدني، كما أن الأكبر صيغة تفضيل فلم يجعل الفارق بينهما كالفارق بين الدني والكبير، وإنما بين الأدنى والأكبر وبينهما درجات متوسطة كثيرة.
والظاهر من توحيد العذاب رغم التفاوت بالشدة أنه نموذج، كما أن التعبير في قوله تعالى ﴿بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ في مقابل كل الأبواب في الآخرة.

الفصل السادس: الرجعة والمعراج

ارتباط الرجعة والمعراج:
وبيان هذا الارتباط ضمن نقاط:
١ - إنَّ هُنَاك ارتباطا وطيدا بين المعراج والرجعة بالمعنى الأعم باعتبار أنَّ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انتقل وسار فِي المعراج مِنْ عالم الدُّنْيَا إلى البرزخ والسماوات، ثمَّ إلى الآخرة والجنّة ثمَّ رجع إلى الدُّنْيَا، فَالمعراج لَيْسَ رجعة فحسب بَلْ كينونة فِي نشأة الآخرة ورجوع عنها إلى عالم الدُّنْيَا.
وبعبارة أخرى: إذَا كانت الرجعة رجوعا إلى عالم الدُّنْيَا بَعْدَ الانتقال إلى البرزخ فمعارج الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رجوع إلى عالم الدُّنْيَا بَعْدَ الانتقال إلى عالم الآخرة الأبدية مِنْ عالم القيامة وما وراءه مِنْ عالم الجنّة، فَهُوَ نمط مِنْ الرجعة لأفق أوسع فِي دور العوالم، وهُوَ نمط فريد مِنْ الرجعة لَمْ تتضمّنه تعاريف ماهية الرجعة السابقة.
٢ - قَدْ استدل الحرّ العاملي بالآيات الواردة فِي المعراج عَلَى إثبات الرجعة. منها: قوله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون﴾(٤٠٣).
وقوله تَعَالَى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِين﴾(٤٠٤) ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِين﴾.
وَقَدْ روى فِي الكافي عَنْ أبي حمزة الثمالي وأبي الربيع عَنْ أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّ نافع مولى عمر سأله عَنْ قول الله تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون﴾(٤٠٥). 
مَنْ الذي سأل مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَكَانَ بينه وبين عيسى (عليه السلام) خمسمائة سنة قَالَ فتلى أبو جعفر (عليه السلام) ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾(٤٠٦). 
فَكَانَ مِنْ الآيات الَّتِي أراه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُحمَّدا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَيْثُ أسرى به إلى بيت المقدس أنْ حشر الله (عزَّ وجلَّ) الأولين والآخرين مِنْ النبيين والمُرسلين.. ثمَّ تقدم محمد فصلّى بالقوم فلما انصرف قَالَ لهم عَلَى ما تشهدون وما كنتم تعبدون قالوا نشهد أنْ لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأنَّك رسول الله أخذ على ذَلِكَ عهودنا ومواثيقنا.
 - فَقَالَ نافع صدقت يا أبا جعفر... الحديث(٤٠٧). 
وقد استشهد الحر العاملي بحشر جميع النبيين لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيت المقدس بأنه نمط من رجعة النبيين والمرسلين، ولكن الصحيح أنه نزول للنبيين والمرسلين وليس برجوع، نعم معراج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى البرزخ وإلى الآخرة ثم هبوطه إلى الأرض هو رجعة بالمعنى الأعم، كما أنه نزول بالمعنى الأعم وليس نزولا بالمعنى الأخص الذي تقدم افتراقه عن الرجعة بالمعنى الأخص، ولذلك أطلق النزول بالمعنى الأعم على نزول عيسى.
وعن الفضل بن شاذان قال، قال على بن موسى الرضا (عليه السلام): (من أقر بتوحيد الله ونفى التشبيه ونزهه عما لا يليق به، وأقر بأن له الحول والقوة والإرادة والمشية والخلق والامر والقضاء والقدر وأن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، وشهد أن محمدا رسول الله وأن عليا والأئمة بعده حجج الله ووالى أولياءهم واجتنب الكبائر، وأقر بالرجعة والمتعتين وآمن بالمعراج والمساءلة في القبر والحوض والشفاعة وخلق الجنة والنار والصراط والميزان والبعث والنشور والجزاء والحساب فهو مؤمن حقا، وهو من شيعتنا أهل البيت»(٤٠٨). 
ومفاد هَذَا الحديث يُبيِّن الصلة والارتباط بين المعراج والرجعة والمعاد والعوالم بمقامات ولايتهم، فهذه المقامات تجليات للولاية وملك تصرفهم من الله كمقامات يبدو فيها ملكهم الإلهي، أي الذي بإذن من الله.
والحاصل أنَّ عروج الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونزوله نموذجٌ رائد كامل لمسير الإنسانية ذهاباً إلى الآخرة فضلاً عَنْ البرزخ ثمَّ رجوعه.
وروى الصدوق عَنْ عبدالرحمن بن غنم عَنْ مُحمَّد بن علي الباقر (عليه السلام) قَالَ جاء جبرئيل (عليه السلام) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بدابة دون البغل وفوق الحمار رجلاها أطول مِنْ يديها خطوها مَدّ البصر... فركب... ثمَّ مضى... حَتّى انتهى إلى باب بيت المقدس... ثمَّ أمَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي بيت المقدس سبعين نبياً... ثمَّ صعد إلى السماء... فمرَّ عَلَى شيخ قاعد تحت شجرة إبراهيم (عليه السلام)... ثمَّ مضى فمرَّ عَلَى شيخ قاعد آدم (عليه السلام)... ثمَّ مضى... فمرَّ عَلَى موسى (عليه السلام)... وكذلك عِنْدَ نزوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَرَّ بهم أيضاً تباعاً)(٤٠٩). 
٣ - باعتبار أنَّ السماوات السبع تمثِّل عوالم جسمانية ذات سبع طبقات وأنماط من الكثافة واللطافة في سنخ نمط المادة تفاوتا، ولّيست مجرد مناطق وجودية مِنْ الأجسام منطبقة فوق بعضها البعض، ولا مجرد وجود سماء أدنى كجسم صغير فِي سماء أعلى كجسم كبير، بَلْ هِيَ بالحقيقة درجات تلطف فِي العالم الجسماني ببون كبير بين كُلّ عالم سماء وسماء، وبالتالي فَهِيَ درجات فِي شدّة وضعف الحياة والطاقة بين هَذِهِ العوالم الجسمانية، وَهِيَ كلّها دون الجنّة والنار الأخروية فِي السماء السابعة أو السادسة أو دون سدرة المنتهى، والرجعة معراج عام بشري بتطوّر أحكام عالم الحياة الدنيوية، بخلاف المعراج وبخلاف التفسير المقرّر عند المتكلمين والفلاسفة والعرفاء للبرزخ بأنَّهُ درجات بين أسافل الدُّنْيَا وأعالي الموجودات مِنْ طبقة العالم الأخروي.
٤ - قَدْ تَقَدَّمَ بسط وتفصيل الكلام فِي عموم درجات الموت ومسانخته مَعَ درجات النوم، كَمَا أنَّ القتل مِنْ درجات الموت بالمعنى الأعم وأنَّ الموت بعمومه لَيْسَ انفصالا تاما بين الروح والجسد ولا انقطاعاً كاملاً بينهما، بَلْ ضعف ارتباط العلاقة بين الروح والبدن وهو على درجات وأنماط، ولعلَّ هُنَاك نوعا ثالثا لهذه العلاقة بينهما كَمَا هُوَ الحال فِي الساهرة حسبما قرّر فِي تعريفها الذي جاء فِي الروايات.
وَقَدْ احتمل الحكيم الزنوزي تشفّف الجسم ورقيّه وترقيه وَأنَّهُ يذهب حَيْثُ مكان ومكانة الروح، وهو ظاهر بَعْض الروايات في المعاد، وجعل الزنوزي هَذَا التفسير تبياناً لماهية المعاد الجسماني وَقَدْ مال إليه المحقق الأصفهاني.
فالموت والقتل لَيْسَ هما الكمال النهائي لطبيعة العلاقة بين الروح والبدن كَمَا يتخيّله الفلاسفة والمتكلمون بَلْ إعداد لعلاقة وارتباط مِنْ نوع ثالث أعظم أو أنواع أُخرى أخطر.
وَعَلَى ضوء ذَلِكَ يقرّر أنَّ الرجعة نوع مِنْ المعاد الجسماني وأنّها بعث موقوت بالدنيا.
٥ - وَقَدْ ذكر فِي تفسير القمي فِي قوله تَعَالَى ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون﴾(٤١٠) قَالَ المطر ينزل مِنْ السماء فيخرج به أقوات العالم مِنْ الأرض وما توعدون وَمِنْ أخبارالرجعة والقيامة والأخبار الَّتِي فِي السماء ثمَّ أقسم (عزَّ وجلَّ) بنفسه فَقَالَ ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُون﴾. يعني ما وعدتكم(٤١١). 
والظاهر أنَّ الرجعة عَلَى نمط تقرّر الرزق بالأسباب التكوينية، وَهِيَ التقدير فِي السماء فكذلك الحال هُوَ فِي أخبار الرجعة والقيامة ونحوهما مما هُوَ مِنْ أحوال السماء، وَهَذَا مما يفيد ويشخّص أنَّ نشأة الرجعة والقيامة تشفف عَنْ غلظة نشأة الدنيا أو يفيد أنَّ أسبابها إمداد من السماء إلى الأرض فِي تكوين نشأة الرجعة.
وقَدْ وَرَدَتْ روايات عديدة بمضمون لَيْسَ مِنْ شيعتنا مَنْ أنكر أربعة أشياء «المعراج والمسألة فِي القبر وخلق الجنة والنار والشفاعة»(٤١٢) وَمِنْ الواضح اقتران المعراج والبرزخ والآخرة الأبدية وكلها عوالم وراء الحياة الأولى من الدنيا أو وراء رجعة الدُّنْيَا.
المعراج الروحي فِي قِبال معراج البدن:
روى فِي بصائر الدرجات بطريقين عَنْ يحيى الصنعاني، وروى في الكافي بطريق عنه أيضاً عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «قَالَ لي: يا أبا يحيى إنَّ لنا فِي ليالي الجمعة لشأناً مِنْ الشأن، قَالَ: قلت: جعلت فداك وما ذاك الشأن قَالَ: يؤذن لأرواح الأنبياء الموتى وأرواح الأوصياء الموتى وروح الوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السماء حَتّى توافي عرش ربها، فتطوف به أسبوعاً وتصلي عِنْدَ كُلّ قائمة مِنْ قوائم العرش ركعتين ثمَّ ترد إلى الأبدان الَّتِي كانت فيها فتصبح الأنبياء والأوصياء قَدْ ملئوا سروراً ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وَقَدْ زيد فِي علمه مثل جم الغفير»(٤١٣). 
ويستفاد من هذه الرواية عدة أمور:
١ - إنَّ هُنَاك معراجا روحيا فِي قِبال معراج بالبدن الغليظ وقِبال معراج بالبدن البرزخي.
المعراج بالبدن دوما:
٢ - إنَّ هَذَا المعراج الروحي لَيْسَ كَمَا اشتهر فِي كلام المُتكلمين والفلاسفة والعُرفاء أنَّ معراج الروح يُراد مِنْهُ الروح المجرّدة عَنْ كُلّ جسم، بَلْ المراد عروج الروح والنفس ببدن ألطف، فالمعراج دوماً ببدن غاية الامر يتنوّع إلى أقسام بلحاظ نوع البدن الذي يَتِمُّ العروج به، فَعِنْدَمَا يُقَال بلسان الوحي أنَّ العروج للروح فِي قبال البدن فإنَّما يُراد عروج الروح ببدن ألطف فِي قبال بدن أغلظ.
وفي صحيح هشام بن سالم في المعراج عن ابي عبد الله (عليه السلام):... قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَلَمَّا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ رَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَسَأَلْتُ جَبْرَئِيلَ عَنْ تِلْكَ الْبِحَارِ وَهَوْلِهَا وَأَعَاجِيبِهَا فَقَالَ هِيَ سُرَادِقَاتُ الْحُجُبِ الَّتِي احْتَجَبَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا وَلَوْ لَا تِلْكَ الْحُجُبُ لَتَهَتَّكَ نُورُ الْعَرْشِ(٤١٤) وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ وَانْتَهَيْتُ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى فَإِذَا الْوَرَقَةُ مِنْهَا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الْأُمَم(٤١٥).... فَقَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَانْحَدَرْتُ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى (عليه السلام) فَقَالَ مَا صَنَعْتَ يَا مُحَمَّدُ فَقُلْتُ قَالَ رَبِّي فَرَضْتُ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ كَانَ قَبْلَكَ خَمْسِينَ صَلَاةً وَفَرَضْتُهَا عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ فَقَالَ مُوسَى (عليه السلام) يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أُمَّتَكَ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَضْعَفُهَا وَإِنَّ رَبَّكَ لَا يَزِيدُهُ شَيْءٌ(٤١٦) وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِهَا فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى فَخَرَرْتُ سَاجِداً ثُمَّ قُلْتُ فَرَضْتَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً وَلَا أُطِيقُ ذَلِكَ وَلَا أُمَّتِي فَخَفِّفْ عَنِّي...(٤١٧)
تنوع المعراج الروحي:
٣ - ألا ترى فِي الرواية قد جعل المعراج الروحي لأرواح الأنبياء الموتى وأرواح الأوصياء الموتى فِي قبال عروجهم ببدنهم البرزخي، وفي قبال عروج الوصي الحي فِي عالم الدُّنْيَا بروحه لا ببدنه الدنيوي، فَهَذَا مؤكَّد لتنوّع المعراج الروحي وَأنَّهُ عَلَى حال لا يَتِمُّ العروج المذكور في الرواية إلَّا ببدن ألطف بمفارقة البدن الأدنى مرتبة هَذَا كله فِي المعراج الروحي.
المعراج من الدنيا ومن البرزخ:
٤ - إنَّ المعراج الروحي كَمَا يَتِمُّ فِي عالم الدُّنْيَا يَتِمُّ فِي البرزخ أيضاً، ولا يبعد أنَّ المعراج البدني أيّ بالبدن الأدنى رتبةً كَمَا يَتِمُّ فِي عالم الدُّنْيَا يَتِمُّ فِي البرزخ أيضاً، وَهَذَا بيّن واضح بَعْدَ ما تنقّح فِي مباحث الرجعة سابقاً أنَّ بيان رواياتها دالّ عَلَى أنَّ البرزخ مِنْ هوامش عالم الدُّنْيَا وَمِنْ النشأة المحتفة بها فَهُوَ مِنْ ضواحي الوجود الدنيوي المُكتنفة به.
العروج حركة في مراتب العوالم الجمسانية:
٥ - إنَّ العروج دوماً وأبداً إنَّما هُوَ للروح ذَاتَ البدن وَلَيْسَ للجوهر المُجرّد لحقيقة الإنسان كَمَا مَرَّ وَذَلِكَ، لِأنَّ الجوهر المُجرَّد عَنْ كُلّ الأبدان لا معنى لتوصيف حاله وشأنه بالعروج إذْ العروج فِي العوالم الجسمانية مِنْ عالم غليظ أو أقل لطافة إلى عالم جسماني ألطف أو أقل كثافة أو أكثر لطافة، فالعروج تكويناً حركة الروح فِي أبدانها بحسب اختلاف تلك الأبدان فِي مراتب اللطافة والكثافة، وحركة الروح فِي تلك الأبدان فِي العوالم والنشأة الجسمانية المختلفة كثافة ولطافة.
ما فوق المعراج الجسماني الأخروي:
٦ - وأمَّا الجوهر اللطيف الروحاني لحقيقة الإنسان عَنْ كُلّ الأجسام الغليظة، فَلعل الإشارة إليه فِي بيانات الوحي والتعبير عَنْ تكامله بغير عنوان وماهية العروج، بَلْ بعنوان الزخّ فِي عالم النور أو بحور النور المُختلفة أو عنوان الزجّ أو عنوان الرمس وغيرها مِنْ العناوين الواردة في روايات المعراج، وَهُوَ شأن وشؤون أرفع مِنْ العروج. وَقَدْ وَرَدَ عنوان ذَلِكَ فِي القرآن الكريم فِي سورة النجم بعنوان (الرؤيا للآيات الكبرى): ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾(٤١٨) ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾(٤١٩). فكأنما سورة الإسراء للمعراج الجسماني وسورة النجم لما بعد وفوق المعراج في الرتبة الوجودية لا الرتبة الجغرافية. ولعل المعراج الجسماني منتهاه سدرة المنتهى بالجسم الأخروي، وما فوق ذلك وبعده فهي عوالم الأظلة والاشباح وما فوقها، وسيأتي مزيد تفصيل ذلك في الجزء الرابع من كتابنا الرجعة.
تعدد معاني وحقائق العرش:
٧ - إنَّ المُرَاد بالعرش فِي الرواية الشريفة مُنتهى العوالم الجسمانية وعرشها، لا العرش المعنوي المُجرّد عَنْ مراتب من الجسم واللوازم الجسمانية الذي هُوَ العلم الإلهي فِي مقام الفِعْل الذي يحمله ثمانية كَمَا فِي الآية الشريفة ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة﴾(٤٢٠) بناءا على أن العرش المعنوي مجرد مطلقا أو عن مراتب من الجسم وليس من الأرواح العالية.
وبعبارة أُخرى: إنَّ العرش يُطلق فِي بيانات الوحي عَلَى معاني عديدة فِي الآيات والروايات وعلى حقائق عينية مُتعددة المراتب، وَهُوَ أعلى رتبة مِنْ سدرة المُنتهى فضلاً عَنْ السماء السابعة، كَمَا وَرَدَ بذلك روايات مُستفيضة فِي الكافي وغيره مِنْ مصادر الحديث المُبيّنة لمراتب خلقة العوالم الجسمانية، بَلْ وَرَدَ أنَّ عالم الأظلة والأشباح فوق سدرة المُنتهى وأن عالم الأظلة فوق عالم الأشباح، وأنَّ عالم الأظلة طبقات من العوالم وليس عالما وحدانيا، وان بين عالم الأظلة والأشباح وبين السماء السابعة عوالم جسمانية عديدة مُختلفة فِي التعاظم سعة ولطافة وكبرا، فَكُلّ عالم أدنى بالقياس إلى العالم الاعلى مِنْهُ كحلقة حديدة فِي فلاة قِيّ.
حقيقة العرش مجردة أم روحانية:
٨ - إنَّ مُقتضى ما وَرَدَ فِي روايات مُستفيضة بين الفريقين مِنْ وجود قوائم للعرش وساق العرش وجوانبهِ ومعاقد العزّ فيه والطواف به كَمَا فِي هَذِهِ الرواية وروايات عديدة تبيّن أجزاء وأقسام العرش، كَمَا قَدْ يؤول ويحمل عَلَى الإشارة والتلويح إلى مقامات العلم الإلهي المُجرّد إن أُريد به العلم الإلهي فِي مقام الفِعْل، لكنَّ لا يمتنع إرادة ظاهر التعبير وتنزيله على منتهى العوالم الجسمانية لطافة وتشففا لا امتدادا ومقدارا، غاية الأمر أنَّ هَذَا العرش للعوالم الجسمانية الذي قَدْ يُطلق عَلَيْهِ الفلاسفة (مُحدّد الجهات ومُحيط الأفلاك) لَيْسَ كَمَا تصوروه بأذهانهم بما هُوَ مُرتكز لديهم مِنْ حسّ بالأجسام الكثيفة الغليظة، وَذَلِكَ لما قرر فِي علم الفلسفة أنَّ عقلية الفيلسوف تتأثّر بنسبة ما لا مُطلقا بمستوى العلوم الطبيعية فِي عصره.
وهكذا الحال فيما ذكره الفلاسفة بالنسبة للجسم الكل المحيط بكُلِّ الأجسام الذي وصوفه بأنه (مُحدّد الجهات والمحيط بالمحيطات والأفلاك) إلَّا أنهم لَمْ يتصوروا مدى تفاوت الأجسام فِي اللطافة والكثافة، ومِنْ ثمَّ حسب الكثير منهم أنَّ الأجسام اللطيفة روحاً مجردا مطلقا عن الجسد إلا أنها مجردة عن هذا الجسم الغليظ، وإنْ كَانَ نفاذ تصرف الجسم اللطيف بالجسم الغليظ بمثابة الروح إلى الجسد.
وَقَدْ أُطلق هَذَا الاستعمال فِي الوحي أيضاً إلَّا أنَّهُ بمعنى التلطّف والتشفف وسرعة الحركة ونفاذ الأجسام اللطيفة الرقيقة فِي الأجسام الغليظة وكأنّ أفعال الجسم اللطيف دفعية إبداعية كإبداع الفعل الموجود المُجرّد «كُنْ فيكون»، فكيف إذَا بلغ التفاوت بالسرعة والشدّة واللطافة والشفافية والخفّة والنورية إلى درجات ونور مضاعف أضعافا في اللطافة وكأنّه جوهر نور قاهر، حَتّى أنَّ علم الفيزياء والرياضيات الحديثة والبحوث الهندسية لا زالت عاجزة عَنْ رسم أُسس معادلات تبين نظام المحاذات والموازات بين هَذِهِ العوالم الجسمانية، وكيفية الاتصال والارتباط بينها مِنْ حَيْثُ الزمان مَعَ اختلافها فيه والمكان مَعَ أنّها مُتباينة ومتداخلة، بَلْ إنَّهُ قد وصف نفوذ العالم الجسماني الشديد اللطافة فِي العوالم الجسمانية الَّتِي هِيَ دونه فِي ذَلِكَ إلى درجة يوصف ذَلِكَ العالم الجسماني الأشد لطافة بأنّه داخل فيها لا بممازجة وخارج عنه لا بمزايلة.
 وَمِنْ ذَلِكَ وقعت الغفلة عِنْدَ أحد أعلام الفلسفة المعاصرين حَيْثُ جعل أنواع الطاقة الفيزيائية جنسا فوقيا جوهريا للمادة والصورة الجسمانيتين، لِإنَّهُ بتكثّفها تصبح جسماً، ويرده أنَّ الطاقة الفيزيائية هِيَ جسم لطيف بالاصطلاح العقلي وإنْ لَمْ تكن جسماً باصطلاح علم الفيزياء قبل عقدين من الزمن، فَإنَّ الاصطلاح للجسم مختلف بين علم الفيزياء والعلوم العقلية، فَإنَّ الجسم باللغة العقلية كُلّ ما لَهُ طول وعرض وعمق جغرافي سواء كَانَ مرئياً بقدرة الحسّ الضعيف أو غَيْر مرئي بدرجة ذَلِكَ الحسّ، فَإنَّ للأجسام والعوالم الجسمانية درجات فِي قوة وقدرة الإحساس لطافة ونفاذاً، كَمَا وَرَدَ فِي دعاء السمات «وأسألك اللهمَّ بمجدك الذي كلّمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران (عليه السلام) فِي المقدسيين فوق إحساس الكروبيين»، وَهَذَا التفاوت بالحسّ والمحسوس يخيل لواهمة العقل أنَّهُ مُجرّد بسبب شدّة الفارق وعظمة وكثرة الفوارق، وَهَذَا أصل بالغ الخطورة فِي إدراك عوالم الخلقة. وسيأتي بحث مفصل في العرش في فصل الرجعة والعرش.
٩ - قَدْ روى فِي الكافي بسنده عَنْ المفضل روايتين بِهَذَا المضمون قَالَ: قَالَ لي أبو عبد الله (عليه السلام) ذَاتَ يَوُم وَكَانَ لا يكنيني قبل ذَلِكَ: «يا أبا عبد الله، قَالَ قلتُ لبيك، قَالَ إنَّ لنا فِي كُلّ ليلة جمعة سروراً، قلتُ: زادك الله وما ذاك، قَالَ إذَا كَانَ ليلة الجمعة وافى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) العرش ووافى الأئمة معه ووافينا معهم فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلَّا بعلم مُستفاد ولولا ذَلِكَ لانفدنا».
وفي الرواية الثانية «ووافيت معهم فما أرجع إلَّا بعلم مُستفاد ولولا ذلك لنفد ما عندي»(٤٢١). ورواهما فِي بصائر الدرجات.
وروى فِي بصائر الدرجات بسنده عَنْ الحسن بن عباس بن حريش عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنَّ لنا فِي ليالي الجمعة لشأنا مِنْ الشأن قلت جعلت فداك أيّ شأن قَالَ: يؤذن للملائكة والنبيين والأوصياء الموتى ولأرواح الأوصياء الأحياء والوصي الذي بين ظهرانيكم، يعرج بها إلى السماء فيطوفون بعرش ربهم سبعا وَهُمْ يقولون سبّوح قدّوس رب الملائكة والروح، حَتّى إذَا فرغوا صلّوا خلف كل قائمة لَهُ ركعتين، ثمَّ ينصرفون فتنصرف الملائكة بما وضع الله فيها مِنْ الاجتهاد شديدا إعظامهم لما رأوا وَقَدْ زيد فِي اجتهادهم وخوفهم مثله، وينصرف النبيون والأوصياء وأرواح الأحياء شديداً عجبهم وَقَدْ فرحوا أشد الفرح لأنفسهم. ويصبح الوصي والأوصياء قَدْ أُلهموا إلهماماً مِنْ العلم علماً جماً مثل جم الغَفيْر، لَيْسَ شيء أشد سروراً منهم أكتم، فوالله لهَذَا أعزّ عِنْدَ الله مِنْ كذا وكذا عندك [حصنة] حسبته قَالَ يا محبور والله ما يُلهم الإقرار بما ترى إلَّا الصالحون، قلت والله ما عندي كثير صلاح، قَالَ: لا تكذب عَلَى الله فَإنَّ الله قَدْ سمّاك صالحاً حَيْثُ يقول: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾(٤٢٢)يعني الَّذِيْنَ آمنوا بنا وبأمير المؤمنين وملائكته وأنبيائه وجميع حججه عَلَيْهِ وَعَلَى مُحمَّد وآله الطَّيْبِين َالطَّاهِرين الأخيار الأبرار السلام»(٤٢٣). 
وقد صرح في الرواية بعروج أرواح الأوصياء الأحياء، ولكن في رواية ابي يحيى الصنعاني المتقدمة ان ارواح الأنبياء والأوصياء الموتى ايضا يعرج بأرواحهم الى العرش، مما يدلل على ان الروح طبقات فالروح البرزخية ايضا تفارق البدن البرزخي وتعرج ببدن ألطف، ويفتح ذلك قاعدة ان الارواح البرزخية لها حالة منامية او موت عن البدن البرزخي كما في نفخة الصور وكما في موت سكان السماوات من الملائكة مع لطافة ابدانهم فوق لطافة اهل البرزخ الأرضي.
وفي رواية أُخرى فِي بصائر الدرجات في نفس الباب عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): «قَالَ إنَّ لنا فِي كُلّ ليلة الجمعة وفدة إلى ربنا فلا ننزل إلَّا بعلم مستطرف»(٤٢٤). 
وَقَدْ أورد فِي بصائر الدرجات سبع روايات بهَذَا المضمون مَعَ تعدّد ألفاظها والحاصل مِنْ هَذِهِ الطائفة مِنْ الروايات مَعَ تنوّع دلالاتها عَلَى الخصوصيات دالّة بمجموعها أنَّ العروج بالأرواح بأبدان ألطف تطوف حول العرش الجسماني، وتصلّي عِنْدَ قوائم العرش ثمَّ تردّ الأرواح إلى الأبدان إمَّا الدنيوية أو البرزخية، وأنَّ هَذَا العروج كُلّ ليلة جمعة مصدر مِنْ مصادر العلم اللدني والعلم الإلهامي. ثم إن في هذه الروايات وغيرها أن للعرش قوائم أو أركان أربع وفي رواية العلل(٤٢٥) للصدوق أن الكعبة مربعة لأنها بحذاء البيت المعمور وهو مربع، وهو بحذاء العرش وهو مربع، لأن الكلمات التي بني عليها الأسلام اربع، وسيأتي في مبحث الرجعة والعرش انه ايضا من الأرواح اي ذو جسم لطيف فوق لطافة روح العقل.
١٠ - إنَّ هَذَا العروج تكامل لثلّة مِنْ الملائكة والظاهر أنَّ عروج الملائكة أيضاً عروج بأرواحها، وإنَّ لأرواح الملائكة أبدان ألطف مِنْ أبدانها السفلية فِي السماوات وَمِنْ ثمَّ يقع لها موت وإحياء، حَتّى قَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي شأن جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، إلَّا أنّهم بَعْدَ قبض أرواحهم يبعثون بَعْدَ نفخ الصور ثمَّ يكون إسرافيل النافخ بالصور لبقية البشر.
نعم إنَّ هَذَا التكامل للملائكة فِي العلم العملي والفطري يختلف عَنْ تكامل الأنبياء والأوصياء فللملائكة تكامل رهبة وللأنبياء والأوصياء تكامل رغبة.
١١ - لا يخفى أنَّ مقتضى مجمل ما مَرَّ مِنْ الأُمُور دالّ عَلَى أنَّ هُنَاك مراتب مِنْ الموت بحسب ما للروح مِنْ طبقات لا تعد ولا تحصى، كَمَا أنَّ لها إحياء وبعث فِي مقابل تلك المراتب مِنْ الموت وبهذا يتم لها رجوع ورجعة بالمعنى الأعم، وَقَدْ مَرَّ تفصيل ذَلِكَ فِي الباب الأوَّل وفي المباحث السابقة من هذا الباب، وأنَّ النوم نوع مِنْ الموت وأنَّ للنوم مراتب وأنَّ اليقظة مِنْ مراتب الإحياء فرجوع الأرواح بَعْدَ معراجها الروحي نمط مِنْ الرجعة بالمعنى الأعم لا الرجعة بالمعنى الأخص، وَقَدْ جعلها الحر العاملي نمط مِنْ الرجعة واستدلَّ ببعض هَذِهِ الروايات عَلَى الرجعة.
١٢) يتبيِّن مما تَقَدَّمَ فِي الأمر السابق أنَّ الرجعة عَلَى أنواع فَكَمَا أنَّ هُنَاك رجعة إلى الدُّنْيَا، فكذلك أنَّ هُنَاك رجعة إلى البرزخ مِنْ العروج لما فوقه وكذلك رجعة ثالثة إلى السماوات مِنْ العروج لما فوقها، وبذلك يتبيّن قاعدة عامّة فِي الرجعة بالمعنى الأعم أنَّ الرجعة تقابل العروج والمعراج كَمَا أنَّ العروج والمعراج قوس صعود، فالرجعة قوس نزول خاصّ إلى البدن الذي فارقته الروح سواء كَانَ بدنا دنيويا أو برزخيا أو سماويا، ولكل سماء بدن وجسم مِنْ السماوات السبعة أو بدن مما فوق السماء السابعة مِنْ عوالم الأجسام اللطيفة، إلى أنْ تصل إلى عالم الأشباح وفوقها عالم الأظلة وَهِيَ ذَاتَ مراتب الى أنْ تصل إلى عالم عرش العوالم والنشآت الجسمانية وهو عرشها في اللطافة والصفاء والنور، لكن سيأتي أن دخول الجنة أو النار هو من الرجعة بالمعنى عام الأعم وهو يتطابق مع العروج تطابق ما، لا التطابق التام وكذلك عود الأرواح الى عالم الأظلة والأشباح.
١٣ - ومما مَرَّ فِي الأمر السابق يظهر مدى العلاقة التكوينية والحقيقة الماهوية المُتّحدة بين المعراج والرجعة، وأنّها حركة انتقال مُتعاكسة، وأنَّ بينهما هَذِهِ الصلة الوطيدة فِي الحقيقة التكوينية، وَأنَّهُ لا تقع الرجعة إلَّا بَعْدَ معراج وعروج روحي، وأنَّ هُنَاك مراتب وأنواع عديدة مِنْ الرجعة بحسب ما لروح الإنسان مِنْ مراتب عديدة للعروج، وَهَذَا هُوَ الذي بنى عَلَيْهِ الصدوق والحر العاملي فِي تقرير النظام العقلي للرجعة بحسب ما تقتضيه بيانات روايات الرجعة، نعم الرجعة الاصطلاحية الخاصّة مِنْ القبور هِيَ من عروج الروح إلى البرزخ ثمَّ عودها إلى هَذَا البدن الغليظ.
١٤ - إنَّ طبقات عوالم الأجسام مختلفة لطافة وشفافية وقدرة وقوة وسعة وفسحة وسرعة وشدّة، ويعتبر كُلّ عالم أرقى رتبة هو ملكوت للعالم الأدنى لَهُ، كَمَا أنَّ هَذَا العالم الأرقى نشأة ودرجة مما دونه يعتبر بالقياس لما فوقه عالم ملك وما فوقه ملكوت لَهُ وهلم جرى فالوصفان نسبيان.
 وَمِنْهُ يظهر أنَّ الملكوت طبقات ألا ترى إلى قوله تَعَالَى ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾(٤٢٦). فتقرر الآية قاعدة عامة أنَّ كُلّ شيء لَهُ ملكوت وَهَذَا ينطبق عَلَى نفس الملكوت أيضاً أنَّهُ شيء مِنْ الأشياء لَهُ ملكوت أيضاً وهكذا دواليك، وكذا قوله ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾(٤٢٧)، 
 ولذلك فَإنَّ السماوت عوالم جسمانية فإنها وان كانت تعتبر بالقياس إلى الأرض ملكوتا، إلَّا أنَّ السموات أيضاً لها ملكوت كَمَا فِي قوله تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾(٤٢٨). 
وما راوه الصدوق بسنده: قَالَ: حدثنا جعفر بن مُحمَّد بن عمّار، عَنْ أبيه، قَالَ: قَالَ الصادق جعفر بن مُحمَّد: «مَنْ أنكر ثلاثة أشياء فَلَيْسَ مِنْ شيعتنا: المعراج، والمساءلة فِي القبر، والشفاعة» وفيه إشارة الى ارتباط المعراج بالبرزخ وبالآخرة وبالتالي لامحالة بالرجعة.
حقيقة المعراج مِنْ حقيقة الرجعة:
قَدْ دلَّت روايات عديدة بدلالات مُختلفة مُضافاً إلى الَّتِي مرَّت في هذا الفصل عَلَى أنَّ الرجعة دار أُخرى للدنيا لاحقة لدار الدُّنْيَا الأولى وأنّها تلي دار الدُّنْيَا الأولى رتبةً فِي الوجود ومُقتضاه أنَّ الرجعة:
عروج وجودي فِي مجموع عالم الطبيعة إلى المستقر الأعلى وأنَّ الدُّنْيَا الأولى أسفل وجوداً مِنْ حياة الرجعة.
وفي الكافي صحيح اعلائي للوليد بن صبيح:
عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّهُ قَالَ: «دخلتُ عَلَيْهِ يوما فألقى إليَّ ثياباً وَقَالَ: «يا وليد ردّها عَلَى مطاويها» فقمت بين يديه فَقَالَ أبو عبد الله (عليه السلام) «رحم الله المعلى بن خنيس» فظننت أنَّهُ شبّه قيامي بين يديه بقيام المعلّى بن خنيس بين يديه.
ثمَّ قَالَ لي: «أفٍّ للدُّنيا، أفّ للدنيا إنَّما الدُّنْيَا دار بلاء سلَّط الله فيها عدوّه عَلَى وليّه وإنَّ بعدها داراً ليست هكذا» فقلتُ: جُعلت فداك وأين تلك الدار؟ فَقَالَ: «ها هُنَا وأشار بيده إلى الأرض»(٤٢٩). 
فَإنَّ تعبيره (عليه السلام) بالرجعة بأنَّها بَعْدَ هَذِهِ الدار إشارة إلى أنَّها داراً تأتي فِي رتبة الوجود بَعْدَ الدُّنْيَا الأولى لاحقة لها فِي طريق سلسلة وجود العوالم إلى الآخرة الأبدية.
ثمَّ إنَّ إشارَته (عليه السلام) بيده إلى الأرض للدلالة عَلَى الرجعة، وأنَّها رجوع إلى الأرض، وأنَّها نشأة أرضية وإنْ كانت متفوّقة فِي نمط الوجود عَلَى الحياة الأولى الدنيوية، نعم قَدْ احتملنا فِي البابين السابقين أنْ تكون الإشارة إلى نشأة دار البرزخ بَعْدَ الموتة الأولى، وأنَّها نشأة أرضية بهامش وجودي للحياة الأولى مِنْ الدُّنْيَا.
الفرق بين العروج والموت في الرجعة:
الأوَّل: إنَّ العروج إمَّا جسماني أو روحي روحاني، أمَّا العروج الروحي وإنْ كَانَ حالة منامية والموت أيضاً حالة منامية، إلَّا أنَّ العروج الروحي لَيْسَ انفصالا للروح عَنْ البدن بدرجة شديدة وكبيرة، أمَّا العروج الجسماني فافتراقه عَنْ الموت واضح إذْ لَيْسَ فيه انفصال للروح عَنْ البدن بتاتاً، وإنْ كَانَ الموت كَمَا عرفت فِي موارد نقّحناها ذو طبقات، وَلَيْسَ هُوَ انفصالا تاما عَنْ البدن كَمَا يتخيّل؛ لِإنَّهُ حالة منامية أيضاً لكنه حالة منامية أعمق شدة مِنْ النوم المُتعارف.
الثَّانِي: إنَّ فِي العروج تتالي وتعاقب لخلع الروح لأبدان متفاوتة فِي الغلظة والشفافية واللطافة وإنْ لَمْ يكن بنحو الانقطاع، فتتصاعد ارتفاعاً فِي العوالم، وأمَّا الموت فالموتة الواحدة ليست إلَّا انتقال الروح مِنْ بدن إلى بدن لاحق بدون تتالي وتعاقب في خلع الأبدان، إلَّا أنَّ تتوالى موتات أُخرى كما هو الحال في نفخ الصور.
الثَّالِث: قَدْ يقع الترديد فِي جملة مِنْ الأمثلة أنَّها عروج أو موت كَمَا فِي شأن الْنَّبِيّ عيسى (عليه السلام) فِي قوله تَعَالَى ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾(٤٣٠)، وقوله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾(٤٣١) فَقَدْ اختلف فِي أمر عيسى أنَّهُ عروج أو توفي موت.
وكذلك الحال فِي شأن إدريس قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾
عروج علي (عليه السلام) مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
١) روى فِي مختصر بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله بسنده عَنْ بريدة الأسلمي عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «يا علي إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أشهدك معي فِي سبعة مواطن: أمَّا أوّلهنّ: فليل أُسري بي إلى السماء فَقَالَ لي جبرئيل (عليه السلام) أين أخوك؟ فقلت ودّعته خلفي قَالَ: فادع الله تعالى فليأتك به فدعوت الله فإذا أَنْتَ معي...
الموطن الثَّانِي: - أتاني جبرئيل (عليه السلام) فأسرى بي فَقَالَ: لي أين أخوك؟ فقلت: ودّعته خلفي قَالَ: فادع الله فليأتك به فدعوت الله فإذا أَنْتَ معي فكشط لي...
الموطن الثَّالِث: ذهبت إلى الجنّ وما معي غيرك فَقَالَ لي جبرئيل: أين أخوك فقلت: ودّعته خلفي فَقَالَ: فادع الله فليأتك به فدعوت الله (عزَّ وجلَّ) فإذا أَنْتَ معي....
الموطن الرَّابِع: إنِّي ما سألت الله (عزَّ وجلَّ) شيئاً إلَّا أعطيته فيك إلَّا النبوة...
الموطن السادس: أتاني جبرئيل فأُسري بي إلى السماء فَقَالَ أين أخوك؟ فقلت: ودّعته خلفي قَالَ: فادع الله فليأتك به، فدعوت الله فإذا أَنْتَ معي فأذّن جبرئيل فصليت بأهل السماوات جميعاً وَأَنْتَ معي.....»(٤٣٢). 
٢) وروى القمّي بسنده عَنْ أبي بردة الأسلمي قَالَ سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول لعلي (عليه السلام): «يا علي! إنَّ الله أشهدك معي فِي سبعة مواطن: (أمَّا أوَّل ذَلِكَ» فليلة أُسري بي إلى السماء قَالَ لي جبرئيل أين أخوك؟ فقلت خلفته ورائي قَالَ ادع الله فليأتك به فدعوت الله وإذا مثالك معي، وإذا الملائكة وقوف صفوف، فقلت: يا جبرئيل مَنْ هؤلاء؟ قَالَ: هُمْ الَّذِيْنَ يباهيهم الله بك يَوُم القيامة، فدنوت فنطقت بما كَانَ وبما يكون إلى يَوُم القيامة (والثاني) حين أُسري بي فِي المرّة الثانية فَقَالَ لي جبرئيل أين أخوك؟ قلت خلفته ورائي! قَالَ: ادع الله فليأتك به فدعوت فإذا مثالك معي فكشط لي عَنْ سبع سموات حَتّى رأيت سكانها وعمّارها وموضع كُلّ ملك منها (والثالث) حين بعثت إلى الجن فَقَالَ لي جبرئيل: أين أخوك؟ قلت خلفته ورائي فَقَالَ ادع الله فليأتك به فدعوت الله فإذا أَنْتَ معي فما قلت لهم شيئاً ولا ردّوا عَلَى شيء إلَّا سمعته (والرابع) خصصّنا بليلة القدر وليست لأحد غيرنا (والخامس) دعوت الله فيك وأعطاني فيك كُلّ شيء إلَّا النبوة فَإنَّهُ قَالَ خصصتك يا مُحمَّد بها وختمتها بك (وأمَّا السَّادِس) لما أُسري بي إلى السماء جمع الله لي النبيين فصليت بهم ومثالك خلفي (معي ط) (السَّابِع) هلاك الأحزاب بأيدينا)(٤٣٣). والظاهر ان رواية القمي هي رواية المختصر فلعله يحمل العروج على عروج مثاله (عليه السلام) مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولعله يعكس فتحمل رواية القمي على وهم الراوي بزيادة لفظ مثالك وسيأتي ان رواية الامالي الآتية ايضا فيها نسختان.
٣) روى الطوسي فِي الأمالي بسنده عَنْ أبي بصير عَنْ أبي عبد الله جعفر بن مُحمَّد (عليه السلام) عَنْ آبائه عَنْ علي قَالَ: قَالَ لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا علي لما أُسري بي... يا علي إنَّ الله أشهدك معي فِي سبعة مواطن حتى أنست بك:
أمَّا أوَّل ذَلِكَ: فليلة أُسري بي إلى السماء قَالَ لي جبرئيل أين أخوك يا مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقلت: يا جبرئيل خلفته ورائي فَقَالَ: ادع الله (عزَّ وجلَّ) فليأتك به فدعوت الله فإذا مثالك معي...
الثَّانِي: حين أُسري بي إلى ذي العرش فَقَالَ لي جبرئيل أين أخوك يا مُحمَّد؟ فقلت خلفته ورائي: قَالَ: ادع الله (عزَّ وجلَّ) فليأتك به فدعوت الله فإذا مثالك معي....
والخامس: ناجيت الله (عزَّ وجلَّ) ومثالك معي....
والسادس: لما طفت بالبيت المعمور كَانَ مثالك معي...»(٤٣٤). 
ملاحظة: فِي طبعة الأمالي للشيخ الطوسي طبعة دار الثقافة والنشر - قم لسنة ١٤١٤ ذكرت فِي المجلس ٣٢ ورقم الحديث ١٣٣٥ - ٢١ [لفظ الحديث وَأَنْتَ معي بدل مثالك معي] وَهَذَا يبين أنَّ هَذَه طبعة ثانية للأمالي الَّتِي ذكرت أَنْتَ معي.
٤) روى الصفار فِي البصائر عَنْ بريدة الأسلمي عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «يا علي إنَّ الله أشهدك معي سبعة مواطن حَتّى ذكر الموطن الثَّانِي أتاني جبرئيل فأسرى بي إلى السماء فَقَالَ: أين أخوك؟ فقلت ودعته خلفي قَالَ: ادع الله يأتيك به قَالَ: فدعوت فإذا أَنْتَ معي فكشط لي عَلَى السموات السبع والأرضين السبع حَتّى رأيت سكانها وعمّارها وموضع كُلّ ملك منها فَلَمْ أرَ مِنْ ذَلِكَ شيئاً إلَّا وَقَدْ رأيته كَمَا رأيته»(٤٣٥). 
٥) روى ايضا فِي البصائر عَنْ بريدة عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): قَالَ: «يا علي ألم أشهدك معي سبعة مواطن؟ حَتّى ذكرالموطن الرَّابِع ليلة الجمعة أُريت ملكوت السموات والأرض فرفعت لي حَتّى نظرت إلى ما فيها فاشتقت إليك فدعوت الله فإذا أَنْتَ معي فَلَمْ أرَ مِنْ ذَلِكَ شيئاً إلَّا وَقَدْ رأيت»(٤٣٦). 
٦) روى الشَّيْخ الطوسي فِي الأمالي عَنْ عبد الله بن العباس: قَالَ سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «أعطاني الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خمساً وأعطى علياً خمساً... وأُسري بي إليه وفُتح لَهُ أبواب السموات والحُجُب حَتّى نظر إليَّ فنظرت إليه. قال: ثمَّ بكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «.... إنَّ أوَّل ما كلمني به أنْ قَالَ: يا مُحمَّد انظر تحتك فنظرت إلى الحُجُب قَدْ انخرقت وإلى أبواب السماء قَدْ فتحت ونظرت إلى عليّ وَهُوَ رافع رأسه إليَّ فكلمني وكلمته وكلمني ربي (عزَّ وجلَّ)... فلما هبطت جعلت أُخبره بذلك وَهُوَ يخبرني به فعلمتُ أنَّي لَمْ أطأ موطئاً إلَّا وَقَدْ كشف لعلي عنه حَتّى نظر إليه»(٤٣٧). وهذه الرواية تبين ان مشاركته (عليه السلام) للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المعراج بكشف الحجب عنه حتى شاهد كل ماشاهده النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولعل الشأن يختلف في مرات المعراج فتارة ببدن علي ّ وأخرى عروج عليّ (عليه السلام) بالمثال، واخرى برفع الحجب ولكشط السماوات والارضين والبحث يحتاج الى مزيد تدبر وتتبع.
ولا يخفى أن الكشط هو برؤية ملكوت السموات والأرضين المهيمن على نفس السموات والارضين ومن ثم قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه رأى موضع كل ملك فيها وموضع كل سكانها وعمارها وهي رؤية جمعية جامعة وليست إلا رؤية للملكوت المهيمن على السموات وعلى الأرضين.
 ٧) روى فِي مشارق أنوار اليقين خطبة الافتخار عَنْ طريق الأصبغ بن نباتة قَالَ خطبنا أمير المؤمنين فَقَالَ: «أنا الماضي مَعَ رسول الله فِي السموات»(٤٣٨). وهذه الرواية تناسب تعدد وتباين العروج به او بمثاله عن رفع الحجب وكشطها بل هي اقرب للعروج ببدنه (عليه السلام) من العروج بمثاله وان لم يمتنع ما تقدم من المحتملات.
٨) روى الطبري بسنده عن جابر، قال رأيت الحسن بن علي (عليهما السلام) وقد علا في الهواء، وغاب في السماء، فأقام بها ثلاثا ثم نزل بعد الثلاث وعليه السكينة والوقار، فقال: بروح آبائي نلت ما نلت.(٤٣٩)
١ - تعريف المعجزة:
 تعرف المعجزة وعدم إختصاصها بالانبياء والرسل بأمور:
١ - ما يعجز عنه المخلوقين من الإتيان به الى يوم القيامة.
 ٢ - يكون الإتيان بها على سبيل التحدي للمنكرين والجاحدين.
 ٣ - وتقترن بدعوى صاحب المعجزة لمنصب ومقام إلهي.
 ٤ - ومن ثم تعم المعجزة لإثبات كل المناصب الإلهية على إختلاف الصلاحيات، فتشمل دعوى الإمامة ايضا. كما في شأن طالوت وملك إمامته لبني اسرائيل وأن آية مقامه بسطته في العلم والجسم، نظير أقضاكم علي (عليه السلام) وأشجعهم، ومجيئ التابوت فيه سكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون من مواريث النبوة.
٥ - وكذا تعم غير ذلك من المناصب كما في مقام مريم حيث أن الله تعالى اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين، فجعل لإدعاها ذلك المقام آية ومعجزة وهو نطق النبي عيسى في المهد فكان آية لكل من مقام والدته ومقام نبوته ورسالته، كما أن مصحف فاطمة (عليه السلام) آية هيمنة مقامها على الأئمة من ولدها..
٢ - القرآن وأنماط المعراج:
وقد ورد في كتاب الله العزيز شي عن الاسراء والمعراج عدة آيات في سورة الإسراء وسورة النجم، وسور أخرى.
 قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد رءاه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى)
 فضلا عن متواتر الروايات من الفريقين لاسيما عن أهل البيت (عليه السلام) الذين هم أدرى بما في بيت الوحي. والإسراء السير ليلا سواء على الأرض أو في الفضاء والسماء ومبدأ الإسراء وهو معراج من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى وهو البيت المعمور في السماء الرابعة، كما ورد في جملة من الروايات عن ائمة أهل البيت (عليه السلام) بشواهد بينة من ألفاظ الآيات
وقال الله (عزَّ وجلَّ) عن إدريس (عليه السلام): ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾(٤٤٠) وقال لعيسى (عليه السلام): ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقيل أن قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَق﴾(٤٤١) إشارة الى المعراج ما فوق السماوات. وكذا قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِين﴾.
بل كذلك ما في سورة الرحمن من قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان﴾.
وروى بن فتال في روضة الواعظين قَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ لِرَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَخْبِرْنِي عَنْ مَوْضِعِ الْبَابِ الَّذِي فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ فَنَزَلَتْ مِنْهُ المَلَائِكَةُ بِالرَّحْمَةِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيُّ مَوْضِعٍ هُوَ (قَالَ مُقَابِلُ الصَّخْرَةِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ وَمِعْرَاجُ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ بُقْعَةٌ جَمَعَ الله فِيهَا خِيَارَ خَلْقِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ وَالْمُقَرَّبِينَ)(٤٤٢).، وظاهر الرواية أن المعراج من نصيب الأنبياء، على اختلاف درجات المعراج بحسب مراتبهم ومقاماتهم.
وجاء في رواية السيّد ابن طاوس في اليقين(٤٤٣): فقال جبرئيل: هذه سدرة المنتهى، كان ينتهي الأنبياء من قبلك إليها، ثمّ لا يجاوزونها وأنت تجوزها إن شاء الله ليريك من آياته الكبرى.
وروى الرواندي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سمعتُهُ يَقُولُ إِنَّ جَبْرَئِيلُ احْتَمَلَ رَسُولُ الله حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى مَكَانٍ مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ تَرَكَهُ وَقَالَ مَا وَطِئَ نَبِيٍّ قَطُّ مكانك....)(٤٤٤). 
عروج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع مثال علي (عليه السلام):
فقد ورد بذلك جملة من الروايات كما في رواية بن طاوس عن تفسير بن ماهيار بسنده عن زيد بن علي قالا: قال رسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... يَا مُحَمَّدُ أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ قَالَ فَقُلْتُ رَبِّي وَكَيْفَ لِي بِهِ وَقَدْ خَلَّفْتُهُ فِي الْأَرْضِ قَالَ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ قَالَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا أَنَا بِهِ مَعَ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ الْأَعْلَى قَالَ فَضَحِكْتُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدِي قَالَ فَقُلْتُ يَا رَبِّ الْيَوْمَ قَرَّتْ عَيْنِي قَالَ ثُمَّ قِيلَ لِي يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ لَبَّيْكَ ذَا الْعِزَّةِ لَبَّيْكَ قَالَ إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي عَلِيٍّ عَهْداً فَاسْمَعْهُ قَالَ قُلْتُ مَا هُوَ يَا رَبِّ قَالَ عَلِيٌّ رَايَةُ الْهُدَى وَإِمَامُ الْأَبْرَارِ وَقَاتِلُ الْفُجَّارِ وَإِمَامُ مَنْ أَطَاعَنِي وَهُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْزَمْتُهَا المُتَّقِينَ أَوْرَثْتُهُ عِلْمِي وَفَهْمِي فَمَنْ أَحَبَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَقَدْ أَبْغَضَنِي إِنَّهُ مُبْتَلًى وَمُبْتَلًى بِهِ فَبَشِّرْهُ بِذَلِكَ يَا مُحَمَّد.... ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ أَلَا أُبَشِّرُكَ قَالَ قُلْتُ بَشِّرْنِي يَا رَسُولَ الله قَالَ يَا عَلِيُّ صَوَّبْتُ(٤٤٥) بِعَيْنِي إِلَى عَرْشِ رَبِّي جَلَّ وَعَزَّ فَرَأَيْتُ مِثْلَكَ فِي السَّمَاءِ الْأَعْلَى وَعَهِدَ إِلَيَّ فِيكَ عَهْدا)(٤٤٦). 
وروي عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) أنّه قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: أعطاني الله تبارك وتعالى خمسا وأعطى عليّا خمسا، أعطاني جوامع الكلم وأعطى عليّا جوامع العلم، وجعلني نبيّا وجعله وصيّا، وأعطاني الكوثر وأعطاه السلسبيل، وأعطاني الوحي وأعطاه الإلهام، واسري بي وفتح له أبواب السماوات والحجب حتّى نظر الى ما نظرت إليه. قال: ثمّ بكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقلت له: ما يبكيك فداك أبي وأمي؟
فقال: يا ابن عبّاس إنّ أوّل ما كلّمني به ربّي أن قال: يا محمّد انظر تحتك، فنظرت الى الحجب قد انخرقت وإلى أبواب السماء قد فتحت حتّى نظرت الى عليّ وهو رافع رأسه الى السماء فكلّمني وكلّمته. فقلت: يا رسول الله حدّثني بما كلّمك به. قال: قال لي ربّي: يا محمّد إنّي جعلت عليّا وصيّك ووزيرك وخليفتك من بعدك، فأعلمته وأنا بين يدي ربّي.
فقال لي: قد قبلت، فأمر الله (عزَّ وجلَّ) الملائكة أن تسلّم عليه، ففعلت، فردّ (عليهم السلام) . ورأيت الملائكة يتباشرون، ثمّ ما مررت بصفّ من الملائكة إلّا وهم يهنّوني ويقولون: يا محمّد والذي بعثك بالحقّ نبيّا لقد دخل السرور على جميع الملائكة، ورأيت حملة العرش قد نكسوا رءوسهم. فقلت: يا جبريل لم نكسوا رءوسهم؟ قال: يا محمّد ما من ملك من الملائكة إلّا وقد نظر الى عليّ ما خلا حملة العرش فانّهم استأذنوا الله في هذه الساعة أن ينظروا الى عليّ (عليه السلام)، فأذن لهم، فلمّا هبطت الى الأرض جعلت اعلمه ذلك وهو يخبرني، فعلمت أنّي لم أطأ موطئا إلّا وقد كشف لعلي عنه حتى نظر إليه كما رأيت من أمره)(٤٤٧).
وسنذكر نبذة أخرى من الروايات في ذلك في مبحث كون المعراج جسمانيا وروحانيا.
قال في المناقب لابن آشوب في الفرق بين فضائل سيد الانبياء مع موسى: وَمِعْرَاجُ مُوسَى (عليه السلام) بَعْدَ المَوْعُودِ وَمِعْرَاجُ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِلَا وَعْد ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ طُورِ سَيْنَاءَ وَنَاجَى الله مُحَمَّداً ﴿عِندَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى﴾  وَكَانَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَبَيْنَ مُوسَى (عليه السلام) وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَرَبِّهِ أَحَدٌ ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ (٤٤٨) وَلَيْسَ مَنْ مَشَى بِرِجْلَيْهِ كَمَنْ أُسْرِيَ بِسِرِّهِ(٤٤٩) وَلَيْسَ مَنْ نَادَاهُ كَمَنْ نَاجَاهُ وَمَنْ بَعُدَ نُودِيَ وَمَنْ قَرُبَ نُوجِيَ وَلَمْ يُكَلَّمْ مُوسَى (عليه السلام) إِلَّا بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَمُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَانَ نَائِماً فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِي فَعُرِجَ بِهِ وَمِعْرَاجُ مُوسَى (عليه السلام) بَعْدَ المَوْعُودِ وَمِعْرَاجُ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِلَا وَعْد... معْرَاجُ مُوسَى (عليه السلام) نَهَاراً وَمِعْرَاجُ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَيْلًا مِعْرَاجُ مُوسَى عَلَى الْأَرْضِ وَمِعْرَاجُ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ أَخْبَرَ بِمَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوسَى (عليه السلام) وَكَتَمَ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾(٤٥٠). 
وفي رواية إِبْرَاهِيمُ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى(٤٥١) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ أَصْحَابِ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَانُوا جُلُوساً يَتَذَاكَرُونَ وَفِيهِمْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِذْ أَتَاهُمْ يَهُودِيٌّ فَقَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدِ مَا تَرَكْتُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ دَرَجَةٍ إِلَّا نحلتموها لِنَبِيِّكُمْ فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنْ مُوسَى (عليه السلام) كَلَّمَهُ رَبِّهِ عَلَى طُورِ سَيْنَاءَ فَإِنْ الله تَعَالَى كَلَّمَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ)(٤٥٢). 
مَا رُوِيَ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ (عليه السلام)  أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَانُوا جُلُوساً يَتَذَاكَرُونَ وَفِيهِمْ عَلِيٌّ (عليه السلام) إِذْ أَتَاهُمْ يَهُودِيٌّ فَقَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا تَرَكْتُمْ دَرَجَةً لِلْأَنْبِيَاءِ إِلَّا نَحَلْتُمُوهَا(٤٥٣) لِنَبِيِّكُمْ فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ مُوسَى (عليه السلام) كَلَّمَ رَبَّهُ عَلَى طُورِ سَيْنَاءَ(٤٥٤) فَإِنَّ الله كَلَّمَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي السَّمَاءِ السَّابِعَة)(٤٥٥). 
زِيَادٌ الْقَنْدِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ (عليه السلام) قَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)  لَمَّا كَلَّمَ الله مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَى جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ اطَّلَعَ عَلَى الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً فَخَلَقَ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ الْعَقِيقَ وَقَالَ أَقْسَمْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُعَذِّبَ كَفَّ لَابِسِكَ إِذَا تَوَالَى عَلِيّاً بِالنَّار)(٤٥٦). 
وروى الصدوق محاججة الرضا (عليه السلام) مع أهل الأديان:... فَقَالَ لَهُ الرِّضَا (عليه السلام) هَلْ تُنْكِرُ أَنَ(٤٥٧) التَّوْرَاةَ تَقُولُ لَكُمْ جَاءَ النُّورُ مِنْ قِبَلِ طُورِ(٤٥٨) سَيْنَاءَ وَأَضَاءَ لَنَا مِنْ جَبَلِ سَاعِيرَ وَاسْتَعْلَنَ عَلَيْنَا مِنْ جَبَلِ فَارَانَ قَالَ رَأْسُ الْجَالُوتِ أَعْرِفُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَمَا أَعْرِفُ تَفْسِيرَهَا قَالَ الرِّضَا (عليه السلام) أَنَا أُخْبِرُكَ بِهِ أَمَّا قَوْلُهُ جَاءَ النُّورُ مِنْ قِبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ فَذَلِكَ وَحْيُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى (عليه السلام) عَلَى جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَأَضَاءَ لَنَا مِنْ جَبَلِ سَاعِيرَ فَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي أَوْحَى الله (عزَّ وجلَّ) إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (عليه السلام) وَهُوَ عَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَاسْتَعْلَنَ عَلَيْنَا مِنْ جَبَلِ فَارَانَ فَذَاكَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا يَوْم)(٤٥٩). 
وفي الهداية الكبرى عمن يثق به من مشايخه عن حكيمة بنت محمد بن علي الرضا (عليه السلام):.... فَقُمْتُ فَقَبَّلْتُ رَأْسَهُ فَانْصَرَفْتُ فَعُدْتُ وَتَفَقَّدْتُهُ فَلَمْ أَرَهُ فَقُلْتُ لِسَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام) مَا فَعَلَ مَوْلَانَا فَقَالَ يَا عَمَّةِ اسْتَوْدَعْنَاهُ الَّذِي اسْتَوْدَعَتْهُ أُمُّ مُوسَى (عليه السلام) ثُمَّ قَالَ (عليه السلام) لَمَّا وَهَبَ لِي رَبِّي مَهْدِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَرْسَلَ مَلَكَيْنِ فَحَمَلَاهُ إِلَى سُرَادِقِ الْعَرْشِ حَتَّى وَقَفَا بِهِ بَيْنَ يَدَيِ الله (عزَّ وجلَّ) فَقَالَ لَهُ مَرْحَباً بِكَ عَبْدِي لِنُصْرَةِ دِينِي وَإِظْهَارِ أَمْرِي وَمَهْدِيِّ عِبَادِي آلَيْتُ أَنِّي بِكَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي وَبِكَ أَغْفِرُ وَبِكَ أُعَذِّبُ ارْدُدَاهُ أَيُّهَا المَلَكَانِ رُدَّاهُ رُدَّاهُ عَلَى أَبِيهِ رَدّاً رَفِيقاً وَأَبْلِغَاهُ فَإِنَّهُ فِي ضَمَانِي وَكَنَفِي وَبِعَيْنِي إِلَى أَنْ أُحِقَّ بِهِ الْحَقَّ وَأُزْهِقَ بِهِ الْبَاطِلَ وَيَكُونَ الدِّينُ لِي وَاصِباً ثُمَّ قَالَتْ لَمَّا سَقَطَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ إِلَى الْأَرْضِ وُجِدَ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْهِ رَافِعا)(٤٦٠). 
وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة﴾
وروى الطبري في نوادر المعجزات:... ثمّ قال: إنّ الله تبارك وتعالى لما أراد زيارة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعث إليه ثلاثة من عظماء الملائكة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وبعث معهم حمولة من حمولته تعالى، يقال لها «البراق». ثمّ فتح لهم فتصاعد بهم في الهواء حتّى انتهى إلى سدرة المنتهى وهو الموضع الذي لم يكن يجوزه جبرئيل (عليه السلام) وقد تخلف صاحباه قبل ذلك، وكان يأنس بجبرئيل ما لا يأنس بغيره. فلمّا تخلّف جبرئيل (عليه السلام) قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا جبرئيل! في هذا الموضع تخذلني؟ فقال له: تقدّم أمامك، فو الله لقد بلغت مبلغا ما بلغه [خلق من] خلق الله (عزَّ وجلَّ) قبلك)(٤٦١). 
٣ - زمن المعراج مبدأ ومنتهى:
وأما بدأ معراج الرسول الاعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فالتقييد للمعراج والإسراء بالليل في الآية لا يستلزم الحصر بذلك بعد الالتفات الى تكرر الإسراء والمعراج، وتصريح جملة من الروايات لدى الفريقين، لاسيما الواردة من أهل البيت بوقوع مرات منه نهارا.
أما عدد مرات الإسراء والمعراج فبحسب المستفيض من روايات المعراج تكرر مرارا كثيرة جدا، وفي احدى الروايات أنه اسري وعرج به (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مائة وعشرين مرة، وهذا المفاد يتوافق اجمالا مع مستفيض الروايات المبينة لتفاصيل متباينة من ناحية المبدأ المكاني للإسراء أو الزماني أو الأحداث المتضمنة فيه أو المصاحبة له.
وفي رواية: أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نودي ألف مرّة بالدنوّ، وفي كلّ مرّة قضيت لي حاجة، ثمّ قال الله (عزَّ وجلَّ) لي: سل تعط)(٤٦٢). 
قال بن طاوس في سعد السعود في ذيل رواية للمعراج وفيها اختلاف عن بقية الروايات في عدة الانبياء الذين صلوا خلف النبي في المسجد الأقصى: ولعل هذا الإسراء كان دفعة أخرى غير ما هو مشهور فإن الأخبار وردت مختلفة في صفات الإسراء المذكور ولعل الحاضرين من الأنبياء كانوا في هذه الحالة دون الأنبياء الذين حضروا في الإسراء الآخر لأن عدد الأنبياء الأجناد مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي ولعل الحاضرين من الأنبياء كانوا في هذه هم المرسلون أو من له خاصة وسر مصون وليس كل ما جرى من خصائص النبي وعلي (عليه السلام) عرفناه وكل ما يحتمله العقل وكرم الله جل جلاله لا يجوز التكذيب في معناه..)(٤٦٣). 
فقد روى الصفار: عن علي بن محمد بن سعيد، عن حمدان بن سليمان، عن عبد الله بن محمد اليماني، عن منيع، عن يونس، عن صباح المزني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «عرج بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بولاية علي (عليه السلام) والأئمة من بعده، أكثر مما أوصاه بالفرائض»(٤٦٤). 
نعم روى علي بن أبي حمزة، قال سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر، فقال: جعلت فداك، كم عرج برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقال: «مرتين، فأوقفه جبرئيل (عليه السلام) موقفا فقال له: مكانك - يا محمد - فلقد وقفت موقفا ما وقفه ملك قط ولا نبي...»(٤٦٥) ولعله محمول على تعداد أهم مرات المعراج التي حصل فيها افترضت فيها فرائض الدين.
ومن جهة المبدأ الزماني لوقوع الإسراء والمعراج فقد ورد عنهم (عليه السلام) أن أول صلاة صلاها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت في المعراج، ولا ريب في الأدلة أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان متعبدا منذ نعومة أظفاره، مما ينبه عن أن المعراج منذ ذلك، كما أن احد روايات المعراج المفصلة الظاهرة في أوائل مرات المعراج ظاهرة في وقوعه قبل سن الأربعين.
ففي موثق إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) كيف صارت الصلاة ركعة وسجدتين، وكيف إذا صارت سجدتين لم تكن ركعتين؟
فقال: «إذا سألت عن شيء ففرغ قلبك لتفهم، إن أول صلاة صلاها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنما صلاها في السماء بين يدي الله تبارك وتعالى قدام عرشه جل جلاله، وذلك أنه لما أسري به وصار عند عرشه تبارك وتعالى، قال: يا محمد، ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك، فدنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى حيث أمره تبارك وتعالى، فتوضأ وأسبغ وضوءه، ثم استقبل الجبار تبارك وتعالى قائما، فأمره بافتتاح الصلاة ففعل....»(٤٦٦).
وأما من جهة منتهى سلسلة تكرر وقوع المعراج ففي عيون الأخبار بسنده إلى عبدالعظيم بن عبد الله الحسني عَنْ مُحمَّد بن علي الرضا عَنْ أبيه الرضا عَنْ أبيه موسى بن جعفر عَنْ أبيه عَنْ آبائه عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) قَالَ: «دخلت أنا وفاطمة عَلَى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... فَقَالَ يا علي ليلة البارحة أُسري بي إلى السماء رأيت نساء مِنْ أمتي فِي عذاب شديد فأنكرت شأنهن فبكيت لما رأيته مِنْ شدّة عذابهنّ ورأيت امرأة معلّقة بشعرها يغلي دماغ رأسها ورأيت امرأة معلّقة بلسانها والحميم فِي حلقها و... أمَّا المعلقّة بشعرها فإنّها كانت لا تغطي شعرها مِنْ الرجال وأمَّا المعلّقة بلسانها فَإنَّها تؤذي زوجها و...»(٤٦٧). وهذه الرواية بقرينة دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ناصة على أن المعراج والإسراء استمر تكرره لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المدينة المنورة.
وروى الفضل بن شاذان بسنده عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه عن جابر بن عبد الله، قال: لمّا زوّج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فاطمة من عليّ، أتاه اناس من قريش فقالوا: إنّك زوّجت عليّا بمهر خسيس. فقال: «ما أنا زوّجت عليّا ولكنّ الله زوّجه ليلة أسري بي عند سدرة المنتهى، أوحى الله إلى السدرة أن انثري ما عليك، فنثرت الدرّ والجوهر والمرجان، فابتدر الحور العين فالتقطن فهنّ يتهادينه ويتفاخرن ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت محمّد (عليها السلام)». فلمّا كانت ليلة الزفاف أتى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ببغلته الشهباء وثنى عليها قطيفة وقال لفاطمة: اركبي...) ورواه الصدوق في الفقيه(٤٦٨). 
كما أن المبدأ المكاني للإسراء والمعراج قد اختلف بإختلافه فتارة من منزل أم هاني بنت أبي طالب وثانية من المسجد الحرام كان نائما في ظل الكعبة وثالثة من الأبطح وروى عبد الصمد بن بشير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: «جاء جبرئيل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو بالأبطح بالبراق، أصغر من البغل وأكبر من الحمار، عليه ألف ألف محفة(٤٦٩) من نور، فشمس(٤٧٠) البراق حين أدناه منه ليركبه، فلطمه جبرئيل (عليه السلام) لطمة عرق البراق منها، ثم قال: اسكن، فإنه محمد، ثم زف(٤٧١) به من بيت المقدس إلى السماء»(٤٧٢) الحديث. وكذلك مفاد عدة من الروايات أنه إسري به من الأبطح قبل بعثته بالرسالة، وهو يغاير اسرائه من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، نعم الروايات المتضمنة لإحتجاجه على قريش بالإسراء والمعراج فهي بعد البعثة.
وروى القمي في تفسيره قَالَ فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي خَالِدٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَسَارٍ [سَيَّارٍ] عَنْ مَالِكٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيِ قَالَ كُنْتُ فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ قَاعِداً - وَأَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي نَاحِيَةٍ فَرَفَعَ رَأْسَهُ - فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ مَرَّةً وَإِلَى الْكَعْبَةِ مَرَّةً - ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى ﴾ وَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: «أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُونَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَا عِرَاقِيُّ» قُلْتُ يَقُولُونَ - أَسْرَى بِهِ مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْبَيْتِ المُقَدَّسِ فَقَالَ: «لَا لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ، وَلَكِنَّهُ أَسْرَى بِهِ مِنْ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ مَا بَيْنَهُمَا حَرَمٌ، قَالَ فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى تَخَلَّفَ عَنْهُ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يَا جَبْرَئِيلُ فِي هَذَا المَوْضِعِ تَخْذُلُنِي فَقَالَ تَقَدَّمْ أَمَامَكَ - فَوَ الله لَقَدْ بَلَغْتَ مَبْلَغاً - لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ الله قَبْلَكَ - فَرَأَيْتُ مِنْ نُورِ رَبِّي وَحَالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ السَّبَخَةُ [التَّسْبِيحَةُ]،» - قُلْتُ: وَمَا السَّبَخَةُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَأَوْمَى بِوَجْهِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَأَوْمَى بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ - وَهُوَ يَقُولُ «جَلَالُ رَبِّي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَبِّ - قَالَ فِيمَ اخْتَصَمَ المَلَأُ الْأَعْلَى قَالَ قُلْتُ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لِي إِلَّا مَا عَلَّمْتَنِي - قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ - أَيْ يَدَ الْقُدْرَةِ(٤٧٣) بَيْنَ ثَدْيَيَّ - فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ كَتِفِي - قَالَ فَلَمْ يَسْأَلْنِي عَمَّا مَضَى وَلَا عَمَّا بَقِيَ إِلَّا عَلِمْتُهُ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ اخْتَصَمَ المَلَأُ الْأَعْلَى قَالَ قُلْتُ: يَا رَبِّ فِي الدَّرَجَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحَسَنَاتِ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدِ انْقَضَتْ نُبُوَّتُكَ وَانْقَطَعَ أَكْلُكَ فَمَنْ وَصِيُّكَ فَقُلْتُ يَا رَبِّ قَدْ بَلَوْتُ خَلْقَكَ - فَلَمْ أَرَ مِنْ خَلْقِكَ أَحَداً أَطْوَعَ لِي مِنْ عَلِيٍّ فَقَالَ وَلِي يَا مُحَمَّدُ فَقُلْتُ يَا رَبِّ إِنِّي قَدْ بَلَوْتُ خَلْقَكَ - فَلَمْ أَرَ فِي خَلْقِكَ أَحَداً أَشَدَّ حُبّاً لِي مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَالَ: وَلِي يَا مُحَمَّدُ فَبَشِّرْهُ بِأَنَّهُ رَايَةُ الْهُدَى - وَإِمَامُ أَوْلِيَائِي وَنُورٌ لِمَنْ أَطَاعَنِي - وَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْزَمْتُهَا المُتَّقِينَ، مَنْ أَحَبَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَقَدْ أَبْغَضَنِي، مَعَ مَا أَنِّي أَخُصُّهُ بِمَا لَمْ أُخُصَّ بِهِ أَحَداً، فَقُلْتُ يَا رَبِّ أَخِي وَصَاحِبِي وَوَزِيرِي وَوَارِثِي، فَقَالَ إِنَّهُ أَمْرٌ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ مُبْتَلًى - وَمُبْتَلًى بِهِ مَعَ مَا أَنِّي قَدْ نَحَلْتُهُ وَنَحَلْتُهُ وَنَحَلْتُهُ - وَنَحَلْتُهُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ عَقَدَهَا بِيَدِهِ - وَلَا يُفْصِحُ بِهَا عَقْدَهَا»(٤٧٤). 
والرواية صريحة في كون هذه المرة والدفعة من المعراج هي في اواخر حياة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٤ - أهمية المعراج:
وأما حيز معراج الرسول الاعظم في احاديث المعصومين فلايخفى أن الإسراء والمعراج هو باب عظيم في معرفة النبوة والوحي، بل باب عظيم في معرفة الولاية والمعاد والبرزخ والجنة والنار وفي كثير من حقائق فصول وأبواب العقائد، ولمزيد من توضيح ذلك نذكر:
١ - بحسب الإشارات والتنبيهات لأهل البيت الوحي في المعراج أعظم درجة وشأنا من الوحي بنزول جبرائيل (عليه السلام) على الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الأرض بمراتب شاسعة جدا، وكان أسبق من نزوله على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٢ - أن أركان الفروع والتي هي من أصول الدين، لأنها أركان للفروع وليست من الفروع، فوجوب الصلاة يغاير الصلاة كفعل من الفروع، فوجوبها من اصول الدين وهو ركن يرتكز عليه فروع الدين، فسميت بأركان الفروع لا أنها من الفروع، هذه الأركان لم ينزل بها الوحي في الأرض بتوسط جبرئيل (عليه السلام)، بل هي مما أوحي بها الى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المعراج، وأن المعراج مخصص للوحي بأصول الدين وأركان الفروع والأمور البالغة الخطورة نظير الأذان كشعيرة كبرى للدين.
٣ - أن الوحي في المعراج طبقات ومراتب بحسب درجة عروج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في العوالم، فكلما صعد كان الوحي أرفع درجة فولاية أمير المؤمنين وأهل البيت أوحي فرضها في أعالي درجات العروج فوق سدرة المنتهى، حيث لم يستطع جبرئيل (عليه السلام) الصعود مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولو اقترب أنملة لإحترق.
فروى علي بن أبي حمزة، قال سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر، فقال: جعلت فداك، كم عرج برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقال: «مرتين، فأوقفه جبرئيل (عليه السلام) موقفا فقال له: مكانك - يا محمد - فلقد وقفت موقفا ما وقفه ملك قط ولا نبي، إن ربك يصلي. فقال: يا جبرئيل، وكيف يصلي؟ قال: يقول: سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح، سبقت رحمتي غضبي. فقال: اللهم عفوك عفوك - قال - وكان كما قال الله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ». فقال له أبو بصير: جعلت فداك، وما قاب قوسين أو أدنى؟ قال: «ما بين سيتها إلى رأسها، فقال: كان بينهما حجاب يتلألأ - ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد - فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد، قال: لبيك ربي. قال: من لأمتك من بعدك؟ قال: الله أعلم. قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد العز المحجلين».
قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) لأبي بصير: «يا أبا محمد، والله ما جاءت ولاية علي (عليه السلام) من الأرض، ولكن جاءت من السماء»(٤٧٥). 
وممّا رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه (رحمه الله) في كتابه الموسوم بمولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): انّ الله تعالى أوصى نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مائة وعشرين مرّة، ما من مرّة إلّا وقد أوصى الله تعالى فيها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) والأئمة أكثر ممّا أوصاه بالفرائض(٤٧٦). 
استخلاف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) علياً (عليه السلام) على امته فترة عروجه:
فقد ورد في جملة من أحاديث المعراج أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) استخلف عليا (عليه السلام) على امته فترة ذهابه الى المعراج.
فقد روى بن طاوس عن تفسير بن ماهيار بسنده الى زيد بن علي قالا: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... ثُمَّ قَالَ لِي جَبْرَئِيلُ يَا مُحَمَّدُ تَقَرَّبْ إِلَى رَبِّكَ فَقَدْ وَطِئْتُ الْيَوْمَ مَكَاناً بِكَرَامَتِكَ عَلَى الله (عزَّ وجلَّ) مَا وَطِئْتُهُ قَطُّ وَلَوْ لَا كَرَامَتُكَ لَأَحْرَقَنِي هَذَا النُّورُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيَّ قَالَ فَتَقَدَّمْتُ فَكُشِفَ لِي عَنْ سَبْعِينَ حِجَاباً قَالَ َقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ فَخَرَرْتُ سَاجِداً وَقُلْتُ لَبَّيْكَ رَبَّ الْعِزَّةِ لَبَّيْكَ قَالَ فَقِيلَ لِي يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ حَبِيبِي وَصَفِيِّي وَرَسُولِي إِلَى خَلْقِي وَأَمِينِي فِي عِبَادِي مَنْ خَلَّفْتَ فِي قَوْمِكَ حِينَ وَفَدْتَ إِلَيَّ قَالَ فَقُلْتُ مَنْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَخِي وَابْنُ عَمِّي وَنَاصِرِي وَوَزِيرِي وَعَيْبَةُ عِلْمِي وَمُنْجِزِ وَعَدَاتِي فَقَالَ لِي رَبِّي وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَجُودِي وَمَجْدِي وَقُدْرَتِي عَلَى خَلْقِي لَا أَقْبَلُ الْإِيمَانَ بِي وَلَا بِأَنَّكَ نَبِيٌّ إِلَّا بِالْوَلَايَةِ لَهُ يَا مُحَمَّدُ أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ قَالَ فَقُلْتُ رَبِّي وَكَيْفَ لِي بِهِ وَقَدْ خَلَّفْتُهُ فِي الْأَرْضِ قَالَ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ قَالَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا أَنَا بِهِ مَعَ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ الْأَعْلَى قَالَ فَضَحِكْتُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدِي قَالَ فَقُلْتُ يَا رَبِّ الْيَوْمَ قَرَّتْ عَيْنِي ثُمَّ قِيلَ لِي يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ لَبَّيْكَ ذَا الْعِزَّةِ لَبَّيْكَ قَالَ إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي عَلِيٍّ عَهْداً فَاسْمَعْهُ قَالَ قُلْتُ مَا هُوَ يَا رَبِّ قَالَ عَلِيٌّ رَايَةُ الْهُدَى وَإِمَامُ الْأَبْرَارِ وَقَاتِلُ الْفُجَّارِ وَإِمَامُ مَنْ أَطَاعَنِي وَهُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْزَمْتُهَا المُتَّقِينَ أَوْرَثْتُهُ عِلْمِي وَفَهْمِي فَمَنْ أَحَبَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَقَدْ أَبْغَضَنِي إِنَّهُ مُبْتَلًى وَمُبْتَلًى بِهِ فَبَشِّرْهُ بِذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ ثُمَّ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ قَالَ فَقَالَ لِي يَقُولُ الله لَكَ يَا مُحَمَّدُ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَلَايَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب..(٤٧٧). 
٥ - غايات المعراج:
قد ذكرت الآيات والروايات عدة غايات:
١ - لأجل تلقي الوحي الأعظم لتلقي أركان الدين فقد روى في الكافي صحيح اعلائي لابن أذينة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: «ما تروي هذه الناصبة»؟ فقلت: جعلت فداك، في ماذا؟ فقال: «في أذانهم وركوعهم وسجودهم». فقلت: إنهم يقولون: إن أبي بن كعب، رآه في النوم. «فقال: كذبوا، إن دين الله (عزَّ وجلَّ) أعز من أن يرى في النوم».
قال: فقال له سدير الصيرفي: جعلت فداك، فأحدث لنا من ذلك ذكرا؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إن الله (عزَّ وجلَّ) لما عرج بنبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى سماواته السبع...»(٤٧٨). 
وهو يبين أن الوحي في المعراج أعظم شأنا من الوحي الذي ينزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو في الأرض، وأن معالم الدين وأركانه لا يمكن أن توحى الى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالوحي النازل الى الأرض فضلا عن أن يكون بتوسط رؤيا.
٢ - منها رؤية الآيات بالقلب لنريه من آياتنا، فَجَاوَزْتُ سِدْرَةَ المُنْتَهَى عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى حَتَّى تَعَلَّقْتُ بِسَاقِ الْعَرْشِ فَنُودِيتُ مِنْ سَاقِ الْعَرْشِ إِنِّي ﴿أَنَا الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا... السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ وَرَأَيْتُهُ بِقَلْبِي وَمَا رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي فَهَذَا أَفْضَل
وفي صحيح ثابت بن دينار، قال: سألت زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن الله (عزَّ وجلَّ) هل يوصف بمكان؟ فقال: «لا، تعالى الله عن ذلك». قلت: فلم أسرى بنبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى السماء؟ قال: «ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه»(٤٧٩). 
وروى الطبرسي عن الرضا (عليه السلام) أن ابا قرة المحدث: سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ الله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) قَدْ أَخْبَرَ الله تَعَالَى أَنَّهُ أَسْرَى بِهِ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لِمَ أَسْرَى بِهِ فَقال ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ فَآيَاتُ الله غَيْرُ الله فَقَدْ أَعْذَرَ وَبَيَّنَ لِمَ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَمَا رَآهُ..(٤٨٠). 
٣ - التكريم والإعظام للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): في مناقب لإبن شهر آشوب: وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ نُودِيَ أَلْفَ مَرَّةٍ بِالدُّنُوِّ وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ قُضِيَتْ لِي حَاجَةٌ ثُمَّ قَالَ لِي سَلْ تُعْطَ فَقُلْتُ يَا رَبِّ اتَّخَذْتَ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا وَكَلَّمْتَ مُوسى تَكْلِيماً عَلَى بِسَاطِ الطُّورِ وَأَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكاً عَظِيماً فَمَا ذَا أَعْطَيْتَنِي فَقَالَ اتَّخَذْتُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَاتَّخَذْتُكَ حَبِيباً وَكَلَّمْتُ مُوسَى تَكْلِيماً عَلَى بِسَاطِ الطُّورِ وَكَلَّمْتُكَ عَلَى بِسَاطِ النُّورِ وَأَعْطَيْتُ سُلَيْمَانَ مُلْكاً فَانِياً وَأَعْطَيْتُكَ مُلْكاً بَاقِياً فِي الْجَنَّةِ)(٤٨١). 
٤ - لإَبلاغ الناس بمقامه المكرم وأن عليا وزيره: ففي المناقب: رُوِيَ أَنَا المَحْمُودُ وَأَنْتَ مُحَمَّدٌ شَقَقْتُ اسْمَكَ مِنْ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَكَ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكَ بَتَلْتُهُ انْزِلْ إِلَى عِبَادِي فَأَخْبِرْهُمْ بِكَرَامَتِي إِيَّاكَ وَأَنَّى لَمْ أَبْعَثْ نَبِيّاً إِلَّا جَعَلْتُ لَهُ وَزِيراً وَأَنَّكَ رَسُولِي وَأَنَّ عَلِيّاً وَزِيرُك
وقيل: فَالْأَوَّلُ مِعْرَاجُ الْعَجَائِبِ وَالثَّانِي مِعْرَاجُ الْكَرَامَة)(٤٨٢). 
٥ - إكرام وتشريف الملائكة وسكان السماوات بمشاهدته (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
٦ - أن يخبر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) البشر بعجائب عظمة الله تعالى وبغيبه بعد هبوطه، روى يونس بن عبد الرحمن قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): لأي علة عرج الله بنبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى السماء، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور وخاطبه وناجاه هناك، والله لا يوصف بمكان؟ فقال (عليه السلام): «إن الله لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنه (عزَّ وجلَّ) أراد أن يشرف به ملائكته وسكان سماواته، ويكرمهم بمشاهدته، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقوله المشبهون، سبحانه وتعالى عما يصفون»(٤٨٣). 
وروى إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي طَرِيقٍ مَرَّ عَلَى عِيرٍ فِي مَكَانٍ مِنَ الطَّرِيقِ، فَقَالَ لِقُرَيْشٍ - حِينَ أَصْبَحَ - يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ إِنَّ الله (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) قَدْ أَسْرَى بِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى﴾  - يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ - حَتَّى رَكِبْتُ عَلَى الْبُرَاقِ، وَإِنَّ الْعِنَانَ بِيَدِ جِبْرِيلَ (عليه السلام) وَهِيَ دَابَّةٌ أَكْبَرُ مِنَ الْحِمَارِ، وَأَصْغَرُ مِنَ الْبَغْلِ، خُطْوَتُهَا مَدَّ الْبَصَرِ، رَكِبْتُ عَلَيْهِ وَصَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ، وَصَلَّيْتُ بِالْمُسْلِمِينَ وَبِالنَّبِيِّينَ أَجْمَعِينَ وَبِالْمَلَائِكَةِ كُلِّهِمْ، وَرَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَمَا فِيهَا، وَالنَّارَ وَمَا فِيهَا، وَاطَّلَعْتُ عَلَى المُلْكِ كُلِّهِ)(٤٨٤). 
٦ - المعراج جسماني وروحي:
والعروج للرسول الاعظم بروحه وجسده، قال الصدوق في الامالي في وصف دين الإمامية على الإيجاز والاختصار فقال رضوان الله عليه دين الإمامية هو... والإقرار بالمساءلة في القبر حين يدفن الميت وبمنكر ونكير وبعذاب القبر والإقرار بخلق الجنة والنار وبمعراج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى السماء السابعة ومنها إلى سدرة المنتهى ومنها إلى حجب النور وبمناجاة الله (عزَّ وجلَّ) إياه وأنه عرج به بجسمه وروحه على الصحة والحقيقة لا على الرؤيا في المنام وأن ذلك لم يكن لأن الله (عزَّ وجلَّ) في مكان هناك لأنه متعال عن المكان ولكنه (عزَّ وجلَّ) عرج به (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تشريفا به وتعظيما لمنزلته وليريه ملكوت السماوات كما أراه ملكوت الأرض ويشاهد ما فيها من عظمة الله (عزَّ وجلَّ) وليخبر أمته بما شاهد في العلو من الآيات والعلامات)(٤٨٥).
وقال بن شهر أشوب في متشابه القرآن: ثم إن الناس مختلفون في المعراج - فالخوارج ينكرونه وقالت الجهمية عرج بروحه دون جسمه على طريق الرؤيا وقالت المعتزلة بل عرج بروحه وجسمه إلى بيت المقدس وقال أصحابنا وجميع أصحاب الحديث والتأويل والجبائي والطوسي بل عرج بروحه وبجسمه إلى السماوات حتى بلغ سدرة المنتهى في السماء السابعة.
وقال في المناقب: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمِعْرَاجِ فَالْخَوَارِجُ يُنْكِرُونَهُ وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ عُرِجَ بِرُوحِهِ دُونَ جِسْمِهِ عَلَى الطَّرِيقِ الرُّؤْيَا وَقَالَتْ الْإِمَامِيَّةُ وَالزَّيْدِيَّةُ وَالمُعْتَزِلَةُ بَلْ عُرِجَ بِرُوحِهِ وَبِجِسْمِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ عُرِجَ بِرُوحِهِ وَجِسْمِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ(٤٨٦) وَحُذَيْفَةَ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ هَانِئٍ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ ذَلِكَ إِذَا قَامَتِ الدَّلَالَةُ وَقَدْ جَعَلَ الله مِعْرَاجَ مُوسَى إِلَى الطُّورِ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ وَلِإِبْرَاهِيمَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ وَلِعِيسَى إِلَى الرَّابِعَةِ بَلْ رَفَعَهُ الله إِلَيْهِ وَلِإِدْرِيسَ إِلَى الْجَنَّةِ وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا وَلِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)  فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى وَذَلِكَ لِعُلُوِّ هِمَّتِهِ فَلِذَلِكَ يُقَالُ المَرْءُ يَطِيرُ بِهِمَّتِهِ فَتَعَجَّبَ الله مِنْ عُرُوجِهِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى وَأَقْسَمَ بِنُزُولِهِ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى فَيَكُونُ عُرُوجُهُ وَنُزُولُهُ بَيْنَ تَأْكِيدَيْن)(٤٨٧).
وظاهر كلامه أن ضرورة جسمانية المعراج هي الى المسجد الاقصى في السماء الرابعة، واما ما زاد فهو بحسب الادلة لا قيام الضرورة.
قال السيد هاشم البحراني في حلية الأبرار في أحوال محمد وآله الأطهار: والأحاديث في خبر المعراج بالغ حدّ التواتر، منقول من طرق كثيرة من الفريقين، وحديث تخفيف الصلاة وسؤال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ربّه، ورجوع الخمسين الصلاة إلى خمس صلوات حين قال له موسى (عليه السلام): إرجع إلى ربّك، وسله التخفيف حديث منقول عن أئمتنا بطرق عديدة)(٤٨٨). 
وفي موثق بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَذَّبَ بِالْمِعْرَاجِ فَقَدْ كَذَّبَ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٤٨٩). 
وفي رواية عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ الله الْحَسَنِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَلَمَّا بَصُرَ بِي قَالَ لِي مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَنْتَ وَلِيُّنَا حَقّاً قَالَ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ الله إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ دِينِي فَإِنْ كَانَ مَرْضِيّاً ثَبَتُّ عَلَيْهِ حَتَّى أَلْقَى الله (عزَّ وجلَّ) فَقَالَ هَاتِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقُلْتُ إِنِّي أَقُولُ إِنَّ الله تَعَالَى وَاحِدٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ... وَأَقُولُ إِنَّ الْمِعْرَاجَ حَقٌّ وَالمُسَاءَلَةَ فِي الْقَبْرِ حَقٌّ وَإِنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ وَالصِّرَاطَ حَقٌّ وَالْمِيزَانَ حَقٌّ وَإِنَ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَإِنَ الله يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَأَقُولُ إِنَّ الْفَرَائِضَ الْوَاجِبَةَ بَعْدَ الْوَلَايَةِ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) يَا أَبَا الْقَاسِمِ هَذَا وَالله دِينُ الله الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ فَاثْبُتْ عَلَيْهِ أَثْبَتَكَ الله بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَة)(٤٩٠). 
عروج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بجسده مقرون بعروج مثال علي (عليه السلام) او بفتح النظر له:
وعن عَبْدِ الله بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: أَعْطَانِي الله (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) خَمْساً، وَأَعْطَى عَلِيّاً خَمْساً: أَعْطَانِي جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَأَعْطَى عَلِيّاً جَوَامِعَ الْعِلْمِ، وَجَعَلَنِيَ نَبِيّاً وَجَعَلَهُ وَصِيّاً، وَأَعْطَانِي الْكَوْثَرَ، وَأَعْطَاهُ السَّلْسَبِيلَ، وَأَعْطَانِي الْوَحْيَ، وَأَعْطَاهُ الْإِلْهَامَ، وَأَسْرَى بِي إِلَيْهِ، وَفَتَحَ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَالْحُجُبِ حَتَّى نَظَرَ إِلَيَّ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ [حتى نظر الى مانظرت اليه].....(٤٩١) 
وروى الصفار في بصائر الدرجات وعلي بن إبراهيم: بإسناده عن أبي برزة الأسلمي، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): «يا علي، إن الله تعالى أشهدك معي في سبعة مواطن.
أما أول ذلك: فليلة أسري بي إلى السماء، قال لي جبرئيل: أين أخوك؟ فقلت: خلفته ورائي قال: ادع الله فليأتك به، فدعوت الله فإذا مثالك معي، وإذا الملائكة وقوف صفوف، فقلت: يا جبرئيل، من هؤلاء؟ قال: هم الذين يباهيهم الله بك يوم القيامة، فدنوت فنطقت بما كان وبما يكون إلى يوم القيامة.
والثاني: حين أسري بي في المرة الثانية فقال لي جبرئيل: أين أخوك؟ قلت: خلفته ورائي، قال: ادع الله فليأتك به؛ فدعوت الله فإذا مثالك معي، فكشط(٤٩٢) لي عن سبع سماوات حتى رأيت سكانها وعمارها وموضع كل ملك منها.... وأما السادس: لما أسري بي إلى السماء جمع الله لي النبيين، وصليت بهم ومثالك خلفي)(٤٩٣). 
والرواية صريحة في كون اسراءه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بجسده بينما كان اسراء علي (عليه السلام) معه بجسده المثالي.
وروى الشيخ في اماليه معتبرة ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) يا علي، إن الله تعالى أشهدك معي في سبعة مواطن حتى أنست بك.
أما أول ذلك: فليلة أسري بي إلى السماء، قال لي جبرئيل (عليه السلام): أين أخوك يا محمد؟ فقلت: خلفته ورائي، فقال: ادع الله (عزَّ وجلَّ) فليأتك به؛ فدعوت الله (عزَّ وجلَّ) فإذا مثالك معي، وإذا الملائكة وقوف صفوف، فقلت: يا جبرئيل، من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يباهيهم الله (عزَّ وجلَّ) بك يوم القيامة، فدنوت فنطقت بما كان وبما يكون إلى يوم القيامة.
والثاني: حين أسري بي إلى ذي العرش (عزَّ وجلَّ)، قال جبرئيل: أين أخوك يا محمد؟ فقلت: خلفته ورائي. فقال: ادع الله (عزَّ وجلَّ) فليأتك به؛ فدعوت الله (عزَّ وجلَّ) فإذا مثالك معي، وكشط لي عن سبع سماوات حتى رأيت سكانها وعمارها وموضع كل ملك منها....
والخامسة: ناجيت الله (عزَّ وجلَّ) ومثالك معي، فسألت فيك خصالا أجابني إليها إلا النبوة، فإنه قال: خصصتها بك، وختمتها بك....
والسادسة: لما طفت بالبيت المعمور كان مثالك معي....)(٤٩٤). والرواية هذه ايضا تؤكد على الجسد المثال لأمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الإسراء في مقابل وصف حال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه كان بجسده الأرضي.
وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «خلق الله تعالى نور محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكان النور يطوف بالقدرة، فإذا وصل إلى العظمة سجد لها تعظيما لله، ففتق النور فتقين، فكان الفتق الأوّل محمّدا، والثاني عليّ، فكان نور محمّد يحيط بالعظمة، ونور عليّ يحيط بالقدرة، ثمّ قسم نور محمّد على أربعة أقسام، فخلق من الجزء الأوّل: العرش، ومن الثاني: الجنان، ومن الثالث: الحجب؛ ثمّ قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأوّل: العقل، ومن الثاني: الأرواح، ومن الثالث: المعرفة والعلم، والرابع ركّبه في أبصار العباد وأسماعهم وقلوبهم، ومنه ضوء النهار وإشراق الشمس والقمر، وبذلك عرج محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى ملكوت السماوات والعرش وأدخله الجنّة في الدنيا وخرق به الحجب المتلألئة، وبه يعقل دين الإسلام ويهتدى للإيمان، وثبّت الأرواح في الأجسام، ومنه تتشعّب معارف ذوي الألباب، وعلوم ذوي الأذكار، وسمعوا الحقّ وفهموه»(٤٩٥). فكلّ ذلك نور محمّد وعليّ، أكرمهما وشرّفهما وذكرهما في الكتاب المكتوب الذي كتبه قبل خلق العالم في الذّكر المكتوب والعلم المنصوب.(٤٩٦)
وروى القمي فِي صحيح بن سنان عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): أوَّل مِنْ سبق مِنْ الرسل إلى بلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَذَلِكَ أنَّهُ كَانَ أقرب الخلق إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَكَانَ بالمكان الذي قَالَ لَهُ جبرائيل - لما أُسري به إلى السماء - تَقَدَّمَ يا مُحمَّد فَقَدْ وطأت موطئاً لَمْ يطأه ملك مقرّب ولا نبي مُرسل ولولا أنَّ روحه ونفسه كانت مِنْ ذَلِكَ المكان لما قدر أنَّ يبلغه فَكَانَ مِنْ الله (عزَّ وجلَّ) كَمَا قَالَ الله ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ أيّ بَلْ أدنى)(٤٩٧). 
ويُستفاد مِنْ الروايتان جملة أُمُور:
قاعدة في المعراج:
منها:
١ - قوله (عليه السلام) «ولولا أنَّ روحه ونفسه كانت مِنْ ذَلِكَ المكان لما قَدر أنَّ يبلغه، فَكَانَ مِنْ الله (عزَّ وجلَّ) كَمَا قَالَ الله قاب قوسين أو أدنى أيّ بَلْ أدنى»(٤٩٨) دالٌّ عَلَى أنَّ المراحل العليا مِنْ المعراج النبوي كَانَ روحانيا روحيا مِنْ الجسم الرقيق للروح لا للجسم الأرضي، نعم المراحل الاولى مِنْ المعراج كَانَ بالجسم الأرضي ولعلَّه بمقدار عروج البراق دون الرفرف.
وبعبارة أُخرى: يُستفاد مِنْ هَذِهِ الصحيحة ونظيرها مما هو بنفس المفاد أنَّ العروج فِي كُلّ عالم جسماني لابُدَّ أنْ يكون بالجسم الذي هُوَ مِنْ طينة ذَلِكَ العالم لعجز الجسم الغليظ عَنْ الولوج فِي عالم جسماني ألطف مِنْهُ إلَّا أنْ يتلطّف بدرجة ذَلِكَ العالم ومقتضى التلطّف تبدل الجسم مِنْ سنخ غليظ إلى لطيف ويؤول ذَلِكَ إلى نفس الضابطة، وَهَذَا ما بيَّنه (عليه السلام) فِي قوله «لما قدر أنْ يبلغه» وقوله (عليه السلام) «لولا أنَّ روحه ونفسه مِنْ ذَلِكَ المكان».
وتقرَّر فِي مواضع مِنْ هَذَا الفصل أنَّ كُلّ سماء مِنْ السموات السبع، بَلْ والأرضين السبع ذَاتَ طبيعة جسمانية تختلف فِي الكثافة واللطافة والغلظة والرقّة بين واحدة وَأُخرى.
ومنها:
٢ - عجز جبرائيل فِي المعراج عَنْ الاستمرار فِي العروج مَعَ الْنَّبِيّ دالٌّ عَلَى أنَّ سيد الأنبياء لديه مِنْ الأجسام اللطيفة والرقيقة مِنْ عوالم جسمانية علوية ما لا يتوفّر لدى الملائكة المقربين ولا الأنبياء المرسلين، وَمِنْ ثمة لدى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أرواح بطبقات عالية فوق روح الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، وَقَدْ فسَّر سبب قدرته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى العروج أزيد مِنْ جبرائيل وفي رواية أُخرى أزيد مِنْ ميكائيل الذي هو فوق جبرائيل، وأزيد مِنْ عروج دردائيل الذي هو فوق ميكائيل، وَهَذَا مما يشير إلى أنَّ قدرة أبدان الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تفوق كُلّما وَرَدَ مِنْ أوصاف لِكُلِّ أبدان الملائكة.
 مَعَ أنَّ ما وَرَدَ مِنْ أوصاف بدنية لأجنحة عظام الملائكة أمر مهول إلَّا أنَّ مقتضى عروجه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي الطبقات العليا بروحه أيّ بجسمه الرقيق إلى درجات يعجز عنها كُلّ الملائكة هُوَ كون طبقات أجسامه الرقيقة هُيَ أعظم الأجسام عَلَى الإطلاق.
ولعلَّ الى ذلك الإشارة فِي جملة مِنْ الروايات أنَّ الإمام مِنْ أهل البيت يحيط بالفعل دفعة بما دون العرش إلى الأرض السفلى، وكذا ما وَرَدَ فِي وصف الإمام المعصوم منهم أنه عين الله الَّتِي لا يخفى عَلَيْهِ خافية وأذن الله الواعية فِي الأُمَّم ويده الباسطة بالنعم وجنبه الأقرب.
٧ - المدة المستغرقة للمعراج:
والفترة التي غابها الرسول الاعظم اثناء معراجه عن مكة والمدة مختلفة بحسب مفاد الروايات وذلك بحسب مرات المعراج وليست سواء:
فروى هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صلى العشاء الآخرة، وصلى الفجر في الليلة التي اسري به بمكة)(٤٩٩). 
٢ - روى الطبرسي في (الاحتجاج): عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب [في احتجاجه على] يهودي يخبره عما اوتي الأنبياء من الفضائل، ويأتيه أمير المؤمنين (عليه السلام) بما أوتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما هو أفضل مما اوتي الأنبياء من الفضائل، فكان فيما ذكر له اليهودي أن قال له: فإن هذا سليمان بن داود قد سخرت له الرياح فسارت به في بلاده غدوها شهر ورواحها شهر.
فقال له علي (عليه السلام): «لقد كان كذلك، ومحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اعطي ما هو أفضل من هذا، إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقل من ثلث ليلة حتى انتهى إلى ساق العرش...»(٥٠٠). 
٣ - وروى القمي: عن الصادق (عليه السلام) عن أحد المرات لعروج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه كان نائما في الأبطح وحوله ينام علي (عليه السلام) وحمزة وجعفر (عليه السلام): قَالَ ثُمَّ أَدْرَكَهُ جَبْرَائِيلُ بِالْبُرَاقِ وَأَسْرَى بِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَحَارِيبَ الْأَنْبِيَاءِ وَآيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ - فَصَلَّى فِيهَا وَرَدَّهُ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى مَكَّة)(٥٠١). 
٤ - وفي تفسير العياشي: وفي رواية أخرى عن هشام عنه لما أسري برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حضرت الصلاة - فأذن جبرئيل وأقام جبرئيل للصلاة - فقال: يا محمد تقدم - فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): تقدم يا جبرئيل، فقال له: إنا لا نتقدم الآدميين - منذ أمرنا بالسجود لآدم)(٥٠٢). 
وعن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما أسري برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حضرت الصلاة فأذن جبرئيل (عليه السلام)، فلما قال: الله أكبر، الله أكبر. قالت الملائكة: الله أكبر، الله أكبر...)(٥٠٣). 
وصحيح زُرَارَةَ وَالْفَضْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِلَى السَّمَاءِ فَبَلَغَ الْبَيْتَ المَعْمُورَ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذَّنَ جَبْرَئِيلُ وَأَقَامَ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَصَفَّ المَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ خَلْفَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(٥٠٤). ومفاد الصحيحين يشير الى أحد المرات العروج التي استغرقت تحقق وقت أحد الفرائض والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المعراج لا في الأرض.
٥ - كما ورد في روايات أخرى أن وقت الزوال ظهر الجمعة كان أحد مرات العروج، وأنها أول صلاة تم تشريع افتراضها.
٦ - ويظهر من بعض الروايات آنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صلى الظهرين والمغربين والفجر في المعراج كالذي روى الصدوق عن محمد بن حمزة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لأي علة يجهر في صلاة الفجر وصلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة، وسائر الصلوات مثل: الظهر والعصر لا يجهر فيها؟ ولأي علة صار التسبيح في الركعتين الأخيرتين أفضل من القراءة؟
قال (عليه السلام): «لأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما أسري به إلى السماء، كان أول صلاة فرضها الله عليه صلاة الظهر يوم الجمعة، فأضاف الله (عزَّ وجلَّ) إليه الملائكة تصلي خلفه، وأمر الله (عزَّ وجلَّ) نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يجهر بالقراءة، ليبين لهم فضله، ثم افترض عليه العصر، ولم يضف إليه أحدا من الملائكة، وأمره أن يخفي القراءة، لأنه لم يكن وراءه أحد، ثم افترض عليه المغرب، ثم أضاف إليه الملائكة، فأمره بالإجهار وكذلك العشاء الآخرة، فلما قرب الفجر افترض الله تعالى عليه الفجر فأمره بالإجهار ليبين للناس فضله كما بين للملائكة، فلهذه العلة يجهر فيها»(٥٠٥). 
٧ - والرواية المتقدمة لحفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لما أسري رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حضرت الصلاة - فأذن جبرئيل..
٨ - الإسراء من مكة الى اين:
المسجد الاقصى البيت المقدس، تحريف اليهود لاسم البيت المقدس:
 وكان الاسراء من مكة الى بيت المقدس، لكن هناك تحريفان أو ثلاثة في التسمية جريا في مسجد بيت حظيرة المحاريب أو بيت محاريب الأنبياء في فلسطين، وقفنا منذ عقدين على الإشارة اليه في روايات أهل البيت (عليه السلام).
الأول: اطلاق البيت المقدس عليه من قبل اليهود والنصارى.
الثاني: تسميته من قبلهم ببيت الصخرة.
الثالث: تسميته بالمسجد الأقصى، وقد جرى هذا من قبل المستولين على الحكم بعد رحيل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مع أن بناء المسجد في عهد الإسلام في باحة بيت الصخرة إنما تم بعد رحيل سيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مع أن البيت المقدس هو البيت المعمور في السماء الرابعة لا في فلسطين، وكذلك الصخرة هي في البيت المعمور في السماء الرابعة أو السابعة كما سيأتي في الروايات أو هي في مسجد السهلة كما في رواية أخرى، وان كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد مر ونزل بمسجد بيت محاريب الأنبياء في فلسطين الذي شاع بأسم بيت الصخرة والذي هو أول القبلتين، لكن ذلك لا يعني انه بيت المقدس ذلك والحديث طويل في هذا الشأن، كما أن المسجد الاقصى هو البيت المعمور وهو الذي في السماء الرابعة.
ثم إن المسجد الأقصى الذي ذكر في آية الإسراء ليس المراد به بيت محاريب الأنبياء الذي شاع تسميته ببيت الصخرة بفلسطين كما اشتهر بين المفسرين، بل المراد به البيت المعمور في السماء الرابعة كما ورد عن أهل البيت (عليه السلام) وهم أدرى بحقايق الأشياء، وهو المسمى بالبيت المقدس أيضا إما كوصف عام أو كعلم.
بل وردت روايات عديدة انه البيت المعمور وانه الذي اسري اليه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لا في فلسطين بل الصخرة هي في مسجد السهلة، وإن كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد ذهب ونزل في اسراءه بفلسطين،
وان الذي في فلسطين ليس اسمه مسجد الصخرة ولا بيت المقدس ولا المسجد الأقصى بل اسمه الحقيقي هو (بيت محاريب الأنبياء) أو (حظيرة الأنبياء) واليهود بعد النبي عيسى حرفوا اسمه الى بيت المقدس كما ورد في رواية عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ينفي اسم مسجد بيت المقدس عنه وآنه مسجد المحاريب.
وأما ما في أكثر الروايات - من تسميته والاطلاق عليه مسجد بيت المقدس واقل عددا تسميه الاقصى - فهو مجاراة للاسم الذي وضعه الناس وليس هو المشعر للاسم الإلهي للمكان، واذا دقق النظر فيها فنرى المواربة موجودة في لسانها بنحو لا تأبى الروايات التي تصرح بالحقيقة.
فالذي في فلسطين هو مسجد المحاريب كما ورد في جملة من الروايات:
١ - قد روى في الكافي حديث الراهب النصراني مع الكاظم (عليه السلام) (... ثُمَّ أَقْبَلَ الرَّاهِبُ يَسْأَلُهُ فَكَانَ يُجِيبُهُ فِي كُلِّ مَا يَسْأَلُهُ فَقَالَ الرَّاهِبُ قَدْ كُنْتُ قَوِيّاً عَلَى دِينِي وَمَا خَلَّفْتُ أَحَداً مِنَ النَّصَارَى فِي الْأَرْضِ يَبْلُغُ مَبْلَغِي فِي الْعِلْمِ وَلَقَدْ سَمِعْتُ بِرَجُلٍ فِي الْهِنْدِ إِذَا شَاءَ حَجَّ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَنْزِلِهِ بِأَرْضِ الْهِنْدِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ بِأَيِّ أَرْضٍ هُوَ فَقِيلَ لِي إِنَّهُ بِسُبْذَانَ(٥٠٦) وَسَأَلْتُ الَّذِي أَخْبَرَنِي فَقَالَ هُوَ عَلِمَ الِاسْمَ الَّذِي ظَفِرَ بِهِ آصَفُ صَاحِبُ سُلَيْمَانَ لَمَّا أَتَى بِعَرْشِ سَبَإٍ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الله لَكُمْ فِي كِتَابِكُمْ وَلَنَا مَعْشَرَ الْأَدْيَانِ فِي كُتُبِنَا... فَقَالَ لَهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) عُدْ إِلَى حَدِيثِ الْهِنْدِيِّ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ سَمِعْتُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَلَا أَدْرِي مَا بِطَانَتُهَا وَلَا شَرَائِحُهَا وَلَا أَدْرِي مَا هِيَ وَلَا كَيْفَ هِيَ وَلَا بِدُعَائِهَا فَانْطَلَقْتُ حَتَّى قَدِمْتُ سُبْذَانَ الْهِنْدِ فَسَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ فَقِيلَ لِي إِنَّهُ بَنَى دَيْراً فِي جَبَلٍ فَصَارَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُرَى إِلَّا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ وَزَعَمَتِ الْهِنْدُ أَنَّ الله فَجَّرَ لَهُ عَيْناً فِي دَيْرِهِ وَزَعَمَتِ الْهِنْدُ أَنَّهُ يُزْرَعُ لَهُ مِنْ غَيْرِ زَرْعٍ يُلْقِيهِ وَيُحْرَثُ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَرْثٍ يَعْمَلُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَى بَابِهِ فَأَقَمْتُ ثَلَاثاً - لَا أَدُقُّ الْبَابَ وَلَا أُعَالِجُ الْبَابَ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَتَحَ الله الْبَابَ وَجَاءَتْ بَقَرَةٌ عَلَيْهَا حَطَبٌ تَجُرُّ ضَرْعَهَا يَكَادُ يَخْرُجُ مَا فِي ضَرْعِهَا مِنَ اللَّبَنِ فَدَفَعَتِ الْبَابَ فَانْفَتَحَ فَتَبِعْتُهَا وَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُ الرَّجُلَ قَائِماً يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَبْكِي وَيَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ فَيَبْكِي وَيَنْظُرُ إِلَى الْجِبَالِ فَيَبْكِي فَقُلْتُ سُبْحَانَ الله مَا أَقَلَّ ضَرْبَكَ فِي دَهْرِنَا هَذَا فَقَالَ لِي وَالله مَا أَنَا إِلَّا حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ رَجُلٍ خَلَّفْتَهُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ فَقُلْتُ لَهُ أُخْبِرْتُ أَنَّ عِنْدَكَ اسْماً مِنْ أَسْمَاءِ الله تَبْلُغُ بِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ - بَيْتَ المَقْدِسِ وَتَرْجِعُ إِلَى بَيْتِكَ فَقَالَ لِي وَهَلْ تَعْرِفُ بَيْتَ المَقْدِسِ قُلْتُ لَا أَعْرِفُ إِلَّا بَيْتَ المَقْدِسِ الَّذِي بِالشَّامِ قَالَ لَيْسَ بَيْتَ المَقْدِسِ وَلَكِنَّهُ الْبَيْتُ المُقَدَّسُ وَهُوَ بَيْتُ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَقُلْتُ لَهُ أَمَّا مَا سَمِعْتُ بِهِ إِلَى يَوْمِي هَذَا فَهُوَ بَيْتُ المَقْدِسِ فَقَالَ لِي تِلْكَ مَحَارِيبُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ لَهَا حَظِيرَةُ المَحَارِيبِ حَتَّى جَاءَتِ الْفَتْرَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَعِيسَى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَقَرُبَ الْبَلَاءُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَحَلَّتِ النَّقِمَاتُ فِي دُورِ الشَّيَاطِينِ فَحَوَّلُوا وَبَدَّلُوا وَنَقَلُوا تِلْكَ الْأَسْمَاءَ وَهُوَ قَوْلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْبَطْنُ لآِلِ مُحَمَّدٍ وَالظَّهْرُ مَثَلٌ - ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ فَقُلْتُ لَهُ إِنِّي قَدْ ضَرَبْتُ إِلَيْكَ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ تَعَرَّضْتُ إِلَيْكَ بِحَاراً وَغُمُوماً وَهُمُوماً وَخَوْفاً وَأَصْبَحْتُ وَأَمْسَيْتُ مُؤْيَساً أَلَّا أَكُونَ ظَفِرْتُ بِحَاجَتِي فَقَالَ لِي مَا أَرَى أُمَّكَ حَمَلَتْ بِكَ إِلَّا وَقَدْ حَضَرَهَا مَلَكٌ كَرِيمٌ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَبَاكَ حِينَ أَرَادَ الْوُقُوعَ بِأُمِّكَ إِلَّا وَقَدِ اغْتَسَلَ وَجَاءَهَا عَلَى طُهْرٍ وَلَا أَزْعُمُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ دَرَسَ السِّفْرَ الرَّابِعَ مِنْ سَهَرِهِ ذَلِكَ فَخُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ ارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَانْطَلِقْ حَتَّى تَنْزِلَ مَدِينَةَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الَّتِي يُقَالُ لَهَا طَيْبَةُ وَقَدْ كَانَ اسْمُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَثْرِب...)(٥٠٧) 
والرواية صريحة في عدم تسمية المبني في فلسطين ببيت المقدس وأن اسمه حظيرة الأنبياء والذي بدل وحول ونقل الأسماء عن محالها هم اهل الشرك في الفترة بين النبي عيسى وبين سيد الأنبياء، «فَقَالَ لِي وَهَلْ تَعْرِفُ بَيْتَ المَقْدِسِ قُلْتُ لَا أَعْرِفُ إِلَّا بَيْتَ المَقْدِسِ الَّذِي بِالشَّامِ قَالَ لَيْسَ بَيْتَ المَقْدِسِ وَلَكِنَّهُ الْبَيْتُ المُقَدَّسُ وَهُوَ بَيْتُ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَقُلْتُ لَهُ أَمَّا مَا سَمِعْتُ بِهِ إِلَى يَوْمِي هَذَا فَهُوَ بَيْتُ المَقْدِسِ فَقَالَ لِي تِلْكَ مَحَارِيبُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ لَهَا حَظِيرَةُ المَحَارِيبِ حَتَّى جَاءَتِ الْفَتْرَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَعِيسَى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَقَرُبَ الْبَلَاءُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَحَلَّتِ النَّقِمَاتُ فِي دُورِ الشَّيَاطِينِ فَحَوَّلُوا وَبَدَّلُوا وَنَقَلُوا تِلْكَ الْأَسْمَاءَ وَهُوَ قَوْلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْبَطْنُ لآِلِ مُحَمَّدٍ وَالظَّهْرُ مَثَلٌ - ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾، وفيه تصريح أن التسمية تشعير إلهي، لكن أهل الكتاب حرفوا اسماء وتسميات هذه المشاعر عما وضع لها من أسماء كمشعر إلهي، وفي ذيل الرواية تقرير الكاظم (عليه السلام) لكلام حواريه، وقد يستشعر ذلك من قوله تعالى في شأن مريم (عليها السلام) في ذلك المسجد ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ وفي شأن زكريا (عليه السلام) في ذلك المسجد ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ و﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ وفي شأن داود (عليه السلام) في ذلك المسجد ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَاب﴾ وفي شأن سليمان (عليه السلام) في ذلك المسجد ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾.
ثم إنه قد بسطنا الكلام في كتاب الدائرة الإصطفائية الثانية لأهل البيت (عليه السلام)، في عنوان أهل البيت وبيت المقدس وأنه عنوان واسم مشعر إلهي عام شامل لكل من المسجد الحرام والمسجد النبوي ومراقد أهل البيت (عليه السلام)، ولجملة من البيوت في السموات، وأن المراد من البيت في آية التطهير هو البيت المقدس المشعر الإلهي العام الشامل لكل هذه المواطن السابقة كما تشير اليه كثير من روايات أهل البيت (عليه السلام)، وأن ولي وأولياء هذه البيوت هم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقرباه المصطفون.
٢ - وقد روى العياشي عن سلام الحناط عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن المساجد التي لها الفضل، فقال: المسجد الحرام ومسجد الرسول، قلت: والمسجد الأقصى جعلت فداك فقال: ذاك في السماء، إليه أسري رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقلت: إن الناس يقولون: إنه بيت المقدس فقال: مسجد الكوفة أفضل منه)(٥٠٨). والرواية نظيرها روايات عديدة تنفي أفضلية بيت المحاريب أو بيت محاريب الأنبياء على مسجد الكوفة بل لا يصل الى درجة فضيلته ولا يقاربه في الفضيلة بل دونه بكثير، فهي صريحة في أن البيت المقدس إن اريد به بيت محاريب الأنبياء بفلسطين الذي شاع اطلاق مسجد وبيت الصخرة عليه فمسجد الكوفة افضل منه، فكيف يباهي الله تعالى به في الاسراء بنبيه إليه.
مع أنه روى الشيخ أحمد بن محمد بن خالد البرقي في المحاسن: عن أبيه، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن إسماعيل بن مسلم السكوني، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي قال: الصلاة في بيت المقدس ألف صلاة)(٥٠٩). وقول الباقر (عليه السلام) في الرواية السابقة يشير الى أن المراد من فضيلة الصلاة في بيت المقدس معنى الحقيقة الشرعية له، لا الشائع عند أهل الكتاب وعموم الناس.
ونظيره مارواه الصدوق في الفقيه: وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لأبي حمزة الثمالي: المساجد الأربعة: المسجد الحرام، ومسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومسجد بيت المقدس، ومسجد الكوفة، يا أبا حمزة الفريضة فيها تعدل حجة، والنافلة تعدل عمرة)(٥١٠). 
٣ - وروى الطبري في نوادر المعجزات بسنده عن إسماعيل الجعفيّ، قال: كنت في المسجد الحرام قاعدا وأبو جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) في ناحية، رافع رأسه إلى السماء مرّة، وإلى الكعبة مرّة، ويقول: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى المَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ فكرّر ذلك [ثلاث مرات] ثمّ التفت إليّ فقال: أيّ شيء يقول أهل العراق في هذه الآية يا عراقيّ؟ قلت: يقولون أسري به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس.
قال: ليس كما يقولون، ولكنّه أسري به من هذه - يعني الأرض - إلى هذه - وأومئ بيده إلى السماء وما بينهما - ثمّ قال: إنّ الله تبارك وتعالى لما أراد زيارة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعث إليه ثلاثة من عظماء الملائكة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وبعث معهم حمولة من حمولته تعالى، يقال لها «البراق».
فأخذ له جبرئيل (عليه السلام) بالركاب، وأخذ ميكائيل (عليه السلام) باللجام، وكان إسرافيل (عليه السلام) يسوّي عليه ثيابه، فتصاعدا به في العلوّ في الهواء حتّى انفتحت لهم سماء الدنيا والثانية والثالثة والرابعة، فلقي فيها إبراهيم (عليه السلام) فقال له: يا محمّد، أبلغ أمّتك السلام [وأخبرهم] أنّ الجنّة تشتاق إليهم. ثمّ تصاعدا بهم في الهواء، ففتحت لهم السماء الخامسة والسادسة، واجتمعوا عند السابعة)(٥١١).. الحمولة: بفتح الحاء، ما يحتمل عليه الناس من الدوابّ سواء كانت عليها الأحمال أو لم تكن كالركوب.
٤ - وروى الطبري بسند آخر عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) جالسا في المسجد وقد احتبى بسيفه، وألقى ترسه خلف ظهره، والناس حوله، إذ أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، آية في القرآن قد اشتدّت على قلبي، وشكّكتني في ديني! فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): وما تلك الآية؟ قال الرجل: قوله (عزَّ وجلَّ) ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا﴾، فهل في [ذلك] الزمان من سبق محمّدا؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): اجلس أيّها الرجل أشرح لك صدرك فيما شككت فيه، إن شاء الله. فجلس الرجل بين يدي أمير المؤمنين، فقال (عليه السلام): يا عبد الله، إنّ الله يقول في كتابه وقوله الحقّ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. فكان من آيات الله تعالى التي أراها محمّدا أن أسرى به حتّى انتهى إلى السماء السادسة فقام فأذّن مرّتين وأقام الصلاة مرّتين، يقول فنادى به «حيّ على خير العمل». فلمّا أقام الصلاة قال: يا محمّد، قم فصلّ بهم واجهر بالقرآن، إلى خلفك زمر من الملائكة والنبيّين لا يعلم عددهم إلّا الله. فتقدّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فصلّى بهم جميعا ركعتين، فجهر بهما بالقراءة ب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ فلمّا سلّم وانصرف من صلاته، أوحى الله تعالى إليه كلمح البصر: يا محمّد ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون﴾ . قال: فالتفت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى من خلفه من الأنبياء، فقال: على ما تشهدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله، وأنّ كلّ نبيّ منّا خلّف وصيّا من أهله، ما خلا هذا، فإنّه لا عصبة له - يعنون بذلك عيسى بن مريم (عليه السلام) - ونشهد أنّك سيّد النبيّين، ونشهد أنّ عليّا وصيّك سيّد الأوصياء. وعلى ذلك أخذت مواثيقنا. ثمّ أقبل على الرجل فقال: يا عبد الله، هذا تأويل ما سألت عنه من كتاب الله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا﴾(٥١٢). 
وهذه الرواية بعينها رواها بن طاووس من رواية ابي بكر بن محمد الشامي بسنده ابي الصباح الطائي (الكناني) عنه (عليه السلام)، ولكن الرواة أوهموا في اللفظ ففرقوا بين البيت المقدس والبيت المعمور مما ينبه على تطرق الوهم من الرواة في نقل خصوصيات البيت المقدس كما أشارت اليه أهل البيت (عليه السلام) في روايات كثيرة:
٥ - فروى بن طاووس عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الطَّائِيِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) قَالَ: أَتَى رَجُلٌ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ قَدِ احْتَبَى(٥١٣) بِسَيْفِهِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَةً قَدْ أَفْسَدَتْ قَلْبِي وَشَكَّكَتْنِي فِي دِينِي قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَمَا هِيَ قَالَ قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ) ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا﴾(٥١٤) هَلْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ غَيْرُهُ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) اجْلِسْ أُخْبِرْكَ إِنْ شَاءَ الله إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾(٥١٥) فَكَانَ مِنْ آيَاتِ الله (عزَّ وجلَّ) الَّتِي أَرَاهَا مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنَّهُ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فَاحْتَمَلَهُ مِنْ مَكَّةَ فَوَافَى بِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ فِي سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ أَتَاهُ بِالْبُرَاقِ فَرَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ إِلَى الْبَيْتِ المَعْمُورِ فَتَوَضَّأَ جَبْرَئِيلُ وَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَوُضُوئِهِ وَأَذَّنَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) وَأَقَامَ مَثْنَى مَثْنَى وَقَالَ لِلنَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تَقَدَّمْ وَصَلِّ وَاجْهَرْ بِصَلَاتِكَ فَإِنَّ خَلْفَكَ صُفُوفاً مِنَ المَلَائِكَةِ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا الله وَفِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَبُوكَ آدَمُ وَنُوحٌ وَهُودٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَكُلُّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ الله مُذْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إِلَى أَنْ بَعَثَكَ يَا مُحَمَّدُ فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَصَلَّى بِهِمْ غَيْرَ هَائِبٍ وَلَا مُحْتَشَمٍ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْحَى الله إِلَيْهِ ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ الْآيَةَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَقَالَ بِمَ تَشْهَدُونَ قَالُوا نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ الله وَأَنَّ عَلِيّاً أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَوَصِيُّكَ وَكُلُّ نَبِيٍّ مَاتَ خَلَّفَ وَصِيّاً مِنْ عُصْبَتِهِ غَيْرَ هَذَا وَأَشَارَ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَإِنَّهُ لَا عُصْبَةَ لَهُ وَكَانَ وَصِيُّهُ شَمْعُونَ الصَّفَا بْنَ حَمُّونَ بْنِ عامة [عمَامَةَ] وَنَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله سَيِّدُ النَّبِيِّينَ وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ أُخِذَتْ عَلَى ذَلِكَ مَوَاثِيقُنَا لَكُمَا بِالشَّهَادَةِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَحْيَيْتَ قَلْبِي وَفَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين)(٥١٦). 
 ٦ - وفي صحيح أبان بن عثمان الأحمر البجلي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام)، قال: لما أسري برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى بيت المقدس حمله جبرئيل على البراق فأتيا بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلى بها ورده فمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في رجوعه بعير لقريش وإذا لهم ماء في آنية وقد أضلوا بعيرا لهم وكانوا يطلبونه فشرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من ذلك الماء وأهرق باقيه. فلما أصبح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لقريش: إن الله جل جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس وأراني آثار الأنبياء ومنازلهم، وإني مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك فقال أبو جهل: قد أمكنتكم الفرصة منه فاسألوه كم الأساطين فيها والقناديل؟ فقالوا: يا محمد إن هاهنا من قد دخل بيت المقدس فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه؟ فجاء جبرئيل فعلق صورة بيت المقدس تجاه وجهه فجعل يخبرهم بما يسألونه عنه فلما أخبرهم، قالوا: حتى يجيء العير ونسألهم عما قلت، فقال لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تصديق ذلك أن العير يطلع عليكم مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق. فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة ويقولون هذه الشمس تطلع الساعة فبينما هم كذلك إذ طلعت عليهم العير حين طلع القرص يقدمها جمل أورق فسألوهم عما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقالوا: لقد كان هذا: ضل جمل لنا في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماء فأصبحنا وقد أهريق الماء فلم يزدهم ذلك إلا عتوا)(٥١٧). 
وفي الرواية تنبيه على إرادة مسجد محاريب الأنبياء بفلسطين من اسم بيت المقدس الذي أخذه جبرئيل (عليه السلام) اليه، فالتسمية مجاراة لما هو شائع عند الناس، لا أنه اسمه الذي وضعه الوحي له، ومما ينبه على ذلك أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أشار الى محاريب وآثار الأنبياء في التعريف بالمسجد الذي يسمى عند الناس ببيت المقدس.
٧ - وروى القمي في تفسيره عن عبدالملك بن هارون عن ابي عبد الله (عليه السلام): قال –في حديث مسائل ملك الروم للحسن بن علي (عليه السلام)..... ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَرْوَاحِ المُؤْمِنِينَ أَيْنَ تَكُونُ إِذَا مَاتُوا قَالَ: تَجْتَمِعُ عِنْدَ صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ وَهُوَ عَرْشُ الله الْأَدْنَى مِنْهَا بَسَطَ الله الْأَرْضَ - وَإِلَيْهَا يَطْوِيهَا وَمِنْهَا المَحْشَرُ - وَمِنْهَا اسْتَوَى رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ - أَيِ اسْتَوْلَى عَلَى السَّمَاءِ وَالمَلَائِكَةِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ أَيْنَ تَجْتَمِعُ قَالَ: تَجْتَمِعُ فِي وَادِي حَضْرَمَوْتَ وَرَاءِ مَدِينَةِ الْيَمَنِ ثُمَّ يَبْعَثُ الله نَاراً مِنَ المَشْرِقِ - وَنَاراً مِنَ المَغْرِبِ - وَيُتْبِعُهُمَا بِرِيحَيْنِ شَدِيدَتَيْنِ - فَيُحْشَرُ النَّاسُ عِنْدَ صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَيُحْشَرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ عَنْ يَمِينِ الصَّخْرَةِ وَيُزْلَفُ الْمِيعَادُ وَتَصِيرُ جَهَنَّمُ عَنْ يَسَارِ الصَّخْرَةِ فِي تُخُومِ الْأَرَضِينَ السَّابِعَةِ - وَفِيهَا الْفَلَقُ وَالسِّجِّينُ فَتَفَرَّقُ الْخَلَائِقُ مِنْ عِنْدِ الصَّخْرَةِ - فَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ دَخَلَهَا - وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ دَخَلَهَا - وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير﴾(٥١٨). 
ومفادها:
١ - أن الصخرة مفصل مهم لأحداث تكوينية هامة فاصلة.
٢ - أن بيت المقدس الذي فيه الصخرة عرش الله الأدنى مما يدلل على وجود مراتب للعرش ومنه ما هو اعلى وعالي واوسط ووسط.
٣ - قد تقدم في بحث المعراج أن بيت المقدس هو البيت المعمور في السماء الرابعة، وهو المسجد الأقصى الذي اليه الإسراء وصلى فيه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالأنبياء، نعم قد مر ايضا رواية مسجد السهلة أن فيه الصخرة الخضراء وهي الصخرة المعهودة، لكن ما ورد في هذه الرواية من كون يسار الصخرة الأرضين السابعة ويمينها مستقر أهل الجنة في ابتداء المحشر يتبين أن هذه الصخرة تحيط بالأرضين والسموات، لاسيما وأنه ورد أن البيت المعمور وهو البيت المقدس وهوالمسجد الأقصى في السماء السابعة وأنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صلى بالأنبياء في السابعة، فعلى هذا يكون البيت المقدس الذي فيه الصخرة محيطا بالسموات، ويناسبه التفريع أن الإستيلاء على السموات والملائكة نشأ منها.
٤ - أن بسط الأرض من الصخرة وإليها تطوى الأرض عند طيها وطوي السموات.
٥ - أن المحشر الى الصخرة كما في روايات كثيرة.
٦ - أنها نهاية دار الدنيا الأولى والآخرة، وبداية القيامة والمعاد بحسب ما فوقها.
٧ - أنها نقطة تحكم في السموات وفي الملائكة.
٨ - أن الصخرة ورد فيها أن نفخ الصور عندها أيضا.
٩ - الظاهر من الرواية أن بوابة ومبدأ دخول أهل الجنة للجنة هي الصخرة وكذلك دخول أهل النار للنار، ومن ذلك يتبين أن لصخرة بيت المقدس شأن عظيم في عالم القيامة.
وروى القمي بسنده عن عبدالملك بن هارون عن ابي عبد الله عن آبائه قال: (كان فيما سأل ملك الروم الحسن بن علي أن سأله عن أرواح المؤمنين أين يكونون إذا ماتوا؟ قال: تجتمع عند صخرة بيت المقدس في ليلة الجمعة وهو عرش الله الأدنى، منها يبسط الله الأرض وإليها يطويها وإليه المحشر ومنها استوى ربنا إلى السماء والملائكة، ثم سأل عن أرواح الكفار أين تجتمع؟ قال: تجتمع في وادي حضر موت وراء مدينة اليمن)(٥١٩). 
وروى غيره عَنْ أبي الصامت، قَالَ: «طين الجنان جنّة عدن وجنّة المأوى وجنّة النعيم والفردوس والخُلد وطين الأرْض مَكَّة والمدينة وبيت المقدس والحائر»(٥٢٠). ومفاده يتطابق مع الرواية السابقة من ارتباط طين الأرض وبسطها من بيت المقدس.
 ٨ - وقال ابن عبّاس (رضي الله عنهما) في خبر: أنّه هبط مع جبريل (عليه السلام) ملك لم يطأ الأرض قطّ، معه مفاتيح خزائن الأرض، فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: هذه مفاتيح خزائن الأرض فإن شئت فكن نبيّا عبدا، وإن شئت فكن نبيّا ملكا؟ فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): بل أكون نبيّا عبدا. فإذا بسلّم من ذهب، قوائمه من فضّة، مركّب باللؤلؤ والياقوت، يتلألأ نورا، وأسفله على صخرة بيت المقدس، ورأسه في السماء، فقال: اصعد يا محمّد. فلمّا صعد السماء رأى شيخا قاعدا تحت شجرة وحوله أطفال، فقال جبريل: هذا أبوك آدم إذا رأى من يدخل الجنّة من ذرّيته ضحك، وإذا رأى من يدخل النار من ذرّيته حزن وبكى. ورأى ملكا باسرا وجهه وبيده لوح مكتوب بخطّ من النور وخطّ من الظلمة، فقال: هذا ملك الموت)(٥٢١). 
 وظاهره أن مسجد محاريب الأنبياء الذي شاع اطلاق بيت الصخرة عليه هو بيت المقدس لكن يرفع هذا الظهور الرواية الآتية وإن التبس ذلك على الرواة.
٩ - وروى بن فتال: قَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ لِرَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَخْبِرْنِي عَنْ مَوْضِعِ الْبَابِ الَّذِي فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ فَنَزَلَتْ مِنْهُ المَلَائِكَةُ بِالرَّحْمَةِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيُّ مَوْضِعٍ هُوَ قَالَ مُقَابِلُ الصَّخْرَةِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ وَمِعْرَاجُ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ بُقْعَةٌ جَمَعَ الله فِيهَا خِيَارَ خَلْقِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ وَالمُقَرَّبين)(٥٢٢). والتقابل بين الصخرة وبيت المقدس يقتضي التغاير وأن الطريق السماوي هو من الصخرة الى بيت المقدس وهو معراج الأنبياء والأولياء والملائكة المقربين.
١٠ - صحيح أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَقَدِ احْتَبَى بِحَمَائِلِ سَيْفِهِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَةً قَدْ أَفْسَدَتْ عَلَيَّ دِينِي وَشَكَّكَتْنِي فِي دِينِي قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ قَوْلُ الله (عزَّ وجلَّ) ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون﴾  فَهَلْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ نَبِيٌّ غَيْرُ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَيَسْأَلُهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) اجْلِسْ أُخْبِرْكَ إِنْ شَاءَ الله إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ فَكَانَ مِنْ آيَاتِ الله الَّتِي أَرَاهَا مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنَّهُ انْتَهَى جَبْرَئِيلُ إِلَى الْبَيْتِ المَعْمُورِ وَهُوَ المَسْجِدُ الْأَقْصَى فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ أَتَى جَبْرَئِيلُ عَيْناً فَتَوَضَّأَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ تَوَضَّأ ثُمَّ قَامَ جَبْرَئِيلُ فَأَذَّنَ ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تَقَدَّمْ فَصَلِّ وَاجْهَرْ بِالْقِرَاءَةِ فَإِنَّ خَلْفَكَ أُفُقاً مِنَ المَلَائِكَةِ لَا يَعْلَمُ عِدَّتَهُمْ إِلَّا الله جَلَّ وَعَزَّ وَفِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ آدَمُ وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَهُودٌ وَمُوسَى وَعِيسَى وَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُنْذُ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إِلَى أَنْ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَتَقَدَّمَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَصَلَّى بِهِمْ غَيْرَ هَائِبٍ وَلَا مُحْتَشِمٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَوْحَى الله إِلَيْهِ كَلَمْحِ الْبَصَرِ سَلْ يَا مُحَمَّدُ ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون﴾ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِجَمِيعِهِ فَقَالَ بِمَ تَشْهَدُونَ قَالُوا نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ الله وَأَنَّ عَلِيّاً أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَصِيُّكَ وَأَنْتَ رَسُولُ الله سَيِّدُ النَّبِيِّينَ وَأَنَّ عَلِيّاً سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ أُخِذَتْ عَلَى ذَلِكَ مَوَاثِيقُنَا لَكُمَا بِالشَّهَادَةِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَحْيَيْتَ قَلْبِي وَفَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ)(٥٢٣). والصحيح صريح في كون المسجد الأقصى هو البيت المعمور وهو في السماء الرابعة.
١١ - فقد ورد عنهم (عليه السلام) أن عظمة مسجد الكوفة أعظم من بيت محاريب الأنبياء في فلسطين الذي شاع اطلاقه اسم بيت المقدس أو بيت الصخرة عند الناس وعند اليهود والنصارى، أي أن انطباق وصف المقدس على مسجد الكوفة كمعنى وصفي أحرى من انطباقه على مسجد المعروف بالصخرة في فلسطين، فضلا عن المسجدين للحرمين مكة والمدينة، بل ورد أن مرقد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومراقدهم (عليهم السلام) أعظم حرمة من المسجدين، وقد نقل السمهودي في كتابه الوفاء بالوفاء الإجماع والضرورة بين علماء الامة على تفضيل قبر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الكعبة المكرمة، والتفضيل تقديس، وقد ورد عنهم عدة من ألسن من الروايات دالة على كون عنوان بيت المقدس عنوان وصفي ذو مراتب.
 فظاهر بعض الروايات الواردة أن بيت ومسجد الصخرة التي فيها المعراج وفيه ينفخ في الصور واليه المحشر هو مسجد سهيل (السهلة)
كما في رواية كَامِلِ الزِّيَارَةِ معتبرة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن كثير عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِأَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ يَا أَبَا حَمْزَةَ هَلْ شَهِدْتَ عَمِّي لَيْلَةَ خَرَجَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ سُهَيْلٍ قَالَ وَأَيْنَ مَسْجِدُ سُهَيْلٍ لَعَلَّكَ تَعْنِي مَسْجِدَ السَّهْلَةِ قال نعم.... وَفِيهِ صَخْرَةٌ خَضْرَاءُ فِيهَا صُورَةُ جَمِيعِ النَّبِيِّينَ وَتَحْتَ الصَّخْرَةِ الطِّينَةُ الَّتِي خَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) مِنْهَا النَّبِيِّينَ وَفِيهَا الْمِعْرَاجُ وَهُوَ الْفَارُوقُ الْأَعْظَمُ مَوْضِعٌ مِنْهُ وَهُوَ مَمَرُّ النَّاسِ وَهُوَ مِنْ كُوفَانَ وَفِيهِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَإِلَيْهِ المَحْشَر)(٥٢٤). وظاهر المعتبرة أن الصخرة التي اليها المحشر وعندها النفخ في الصور وهي الفارق بين أهل الجنة وأهل النار في المحشر هي هذه الصخرة في مسجد السهلة وكأنه بيت المقدس الذي فيه الصخرة.
١٢ - كما ورود النص عنهم (عليه السلام) أن المسجد الأقصى هو البيت المعمور في السماء الرابعة لا مسجد الصخرة المعروف حاليا ببيت المقدس.
ففي صحيح بن أذينة عن الصادق (عليه السلام) - أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صلى بالأنبياء في السماء الرابعة في البيت المعمور -: ((... ثم عرج بي حتى انتهيت إلى السماء الرابعة فلم تقل الملائكة شيئا، وسمعت دويا كأنه في الصدور، فاجتمعت الملائكة ففتحت أبواب السماء وخرجت إلي شبه المعانيق، فقال جبرئيل (عليه السلام): حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح.... ثم أوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليه: يا محمد، استقبل الحجر الأسود وكبرني على عدد حجبي. فمن أجل ذلك صار التكبير سبعا لأن الحجب سبع، فافتتح عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنة، والحجب متطابقة.... ثم التفت فإذا بصفوف من الملائكة والمرسلين والنبيين، فقيل: يا محمد، سلم عليهم. فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فأوحى الله إليه: أن السلام والتحية والرحمة والبركات أنت وذريتك...)(٥٢٥). 
١٣ - وروى الشيخ في اماليه معتبرة ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا علي، إني رأيت اسمك مقرونا باسمي في أربعة مواطن فأنست بالنظر إليه: إني لما بلغت بيت المقدس في معارجي إلى السماء وجدت على صخرتها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله أيدته بوزيره ونصرته به. فقلت: يا جبرئيل: ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب (عليه السلام). فلما انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت مكتوبا عليها: لا إله إلا الله، أنا وحدي، ومحمد صفوتي من خلقي، أيدته بوزيره ونصرته به. فقلت يا جبرئيل ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب. فلما جاوزت السدرة وانتهيت إلى عرش رب العالمين وجدت مكتوبا على قائمة من قوائم العرش: أنا الله، لا إله إلا أنا وحدي، محمد حبيبي وصفوتي من خلقي، أيدته بوزيره وأخيه ونصرته به.)(٥٢٦). 
 وهذه الرواية دالة على كون بيت المقدس الذي اسري اليه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو في السماء في معراجه وفيه الصخرة وهو ظاهر في انطباقه على البيت المعمور وهو المسجد الأقصى أيضا المذكور في آية الإسراء، كما أن الحديث دال ايضا على تكرر المعراج مرارا وأنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتكرر فيها بلوغه الى بيت المقدس وهو المسجد الأقصى في آية الإسراء، وأن ما في الآية وصف كلي عام لمسير الإسراء والمعراج الذي تكرر كرارا.
وروى أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)  فِي قَوْلِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى  ﴿فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِين إِلَى يَومِ الْوَقْتِ المَعْلُوم﴾  قَالَ يَوْمُ الْوَقْتِ المَعْلُومِ - يَوْمٌ يَذْبَحُهُ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي بَيْتِ المَقْدِسِ)(٥٢٧). 
وعلى هذا التفسير للصخرة بالبيت المعمور في السماء الرابعة يكون الذبح لإبليس في السماء الرابعة وهو نهاية الرجعة قبيل القيامة.
وفِي الخصال عَنْ علي بن أبي طالب (عليه السلام) عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّهُ قَالَ فِي وصيّته لي: «يا علي إنِّي رأيت اسمك مقروناً بأسمي فِي أربعة مواطن فأنست بالنظر إليه: إنِّي لما بلغت بيت المقدس فِي معراجي إلى السَّماء وجدت عَلَى صخرتها مكتوباً لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله أيدته بوزير، ونصرته بوزير، فقلت لجبرائيل مَنْ وزيري؟ فَقَالَ علي بن أبي طالب، فلما انتهيت إلى سدرة المنتهى، فلما جاوزت السدرة انتهيت إلى عرش رب العالمين، فلما رفعت رأسي وجدت عَلَى بطنان العرش...»(٥٢٨). ومفادها قريب مماثل للسابقة.
١٤ - وروى بن طاوس بطريق عامي عن عبد الرزاق معمر عن ابن هماد عن أبيه عن جده قال قال رسول الله بينما أنا في الحجر أتاني جبرئيل فنهرني برجلي فاستيقظت فأخذ بضبعي فوضعني في شيء كوكر الطير فلما أطرقت ببصري طرفة فرجعت إلي وأنا في مكاني فقال أتدري أين أنت فقلت لا يا جبرئيل فقال هذا بيت المقدس بيت الله الأقصى فيه المحشر والنشر ثم قام جبرئيل فوضع سبابته اليمنى في أذنه فأذن مثنى مثنى يقول في آخرها حي على خير العمل حتى إذا قضى أذانه أقام الصلاة مثنى مثنى وقال في آخرها قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة فبرق نور في السماء ففتحت به قبور الأنبياء فأقبلوا من كل أوب يلبون دعوة جبرئيل فوافى أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة عشر نبي فأخذوا مصافهم ولا شك أن جبرئيل سيقدمنا فلما استووا على مصافهم أخذ جبرئيل بضبعي ثم قال يا محمد تقدم فصل بإخوانك فالخاتم أولى من المختوم - فالتفت من يميني وإذا أنا بأبي إبراهيم (عليه السلام) عليه حلتان خضروان وعن يمينه ملكان وعن يساره ملكان ثم التفت عن يساري وإذا أنا بأخي ووصيي علي بن أبي طالب (عليه السلام) عليه حلتان بيضاوان عن يمينه ملكان وعن يساره ملكان فاهتززت سرورا فغمزني جبرئيل بيده فلما انقضت الصلاة قمت إلى إبراهيم فقام إلي فصافحني وأخذ يميني بكلتا يديه فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح والمبعوث الصالح في الزمان الصالح وقام إلى علي بن أبي طالب فصافحه وأخذ بيمينه بكلتا يديه وقال مرحبا بالابن الصالح ووصي الصالح يا أبا الحسن فقلت يا أبت كنيته بأبي الحسن ولا ولد له فقال كذلك وجدته في صحفي وعلم غيب ربي باسمه علي وكنيته بأبي الحسن والحسين ووصي خاتم أنبياء ذريتي ثم قال في بعض تمام الحديث ما هذا لفظه أصبحنا في الأبطح لم يباشر تابعنا وإني محدثكم بهذا الحديث وسيكذب قوم فهو الحق فلا تمترون)(٥٢٩). 
والرواية مع كونها من طرق العامة كالصريحة في كون بيت المقدس هو البيت الأقصى أي المسجد الأقصى وأنه برق نور في السماء وأن المراد بكونه فيه المحشر والنشر هو المسجد الأقصى في السماء الرابعة وهو البيت المعمور، نعم ورد في روايات ائمة أهل البيت (عليه السلام) أن البيت المعمور كان في الأرض وارتفع في وقت طوفان نوح وأنه سينزل الى الأرض مرة أخرى في الرجعة. وأن فيه تشريع الأذان من جبرئيل وقد استفاضت النصوص أنه في السماء في المعراج.
وبضميمة الصحيح الى أَبِي حَمْزَةَ ثَابِتِ بْنِ دِينَارٍ الثُّمَالِيِّ وَأَبِي مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي السَّنَةِ الَّتِي كَانَ حَجَّ فِيهَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ وَكَانَ مَعَهُ نَافِعٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَنَظَرَ نَافِعٌ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي رُكْنِ الْبَيْتِ وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ نَافِعٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنْ هَذَا الَّذِي قَدْ تَدَاكَّ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ هَذَا نَبِيُّ أَهْلِ الْكُوفَةِ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ اشْهَدْ لآَتِيَنَّهُ فَلَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ مَسَائِلَ لَا يُجِيبُنِي فِيهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوِ ابْنُ نَبِيٍّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ قَالَ فَاذْهَبْ إِلَيْهِ وَسَلْهُ لَعَلَّكَ تُخْجِلُهُ فَجَاءَ نَافِعٌ حَتَّى اتَّكَأَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ أَشْرَفَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَقَالَ يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ إِنِّي قَرَأْتُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ وَقَدْ عَرَفْتُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا وَقَدْ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسَائِلَ لَا يُجِيبُ فِيهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ أَوِ ابْنُ نَبِيٍّ قَالَ فَرَفَعَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) رَأْسَهُ فَقَالَ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ..... قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ الله (عزَّ وجلَّ) لِنَبِيِّهِ - ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُون﴾ مَنِ الَّذِي سَأَلَ مُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ قَالَ فَتَلَا أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) هَذِهِ الْآيَةَ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى المَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا) فَكَانَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي أَرَاهَا الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى - مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَيْثُ أَسْرَى بِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ أَنْ حَشَرَ الله عَزَّ ذِكْرُهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ ثُمَّ أَمَرَ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) فَأَذَّنَ شَفْعاً وَأَقَامَ شَفْعاً وَقَالَ فِي أَذَانِهِ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ ثُمَّ تَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَصَلَّى بِالْقَوْمِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُمْ عَلَى مَا تَشْهَدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ الله أَخَذَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا فَقَالَ نَافِعٌ صَدَقْتَ يَا أَبَا جَعْفَر)(٥٣٠). 
وبضميمة هذا المصحح وجملة أخرى من الروايات التي اوردناها يتبين أن المسجد الأقصى التي بارك الله تعالى حوله وأراه من الآيات هو في السماء الرابعة حيث أسري به اليه أن حشر له الأنبياء جميعهم.
ثم لابد من التنبيه على أمور:
١ - لا يخفى أن البيت المقدس أو الصخرة أو المسجد الأقصى أو البيت المعمور أو الضراح لاسيما احد الثلاثة الأول هو محور لجملة من مفاصل احداث عقائدية معرفية خطيرة، ككونه (اليه المحشر) ومنه انطلق (المعراج الى السموات) وان كان الاسراء الى السماء الرابعة بناءا على تغاير عنوان المعراج والاسراء ولو في الجملة، وأنه آخر و(منتهى مراحل الرجعة) وأول (عالم القيامة)، ومنه (النفخ في الصور).
٢ - نزول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيت محاريب الأنبياء الذي شاع الاطلاق عليه بيت الصخرة (بيت المقدس) ثابت وصلى بالأنبياء، فيه ولكن في صحيح بن أذينة في بعض المرات من المعراج أنه صلى بهم في السماء الرابعة بالبيت المعمور أو أن الصلاة بهم تم في معراج واحد مرتين، كما نزل في مواطن مقدسة أخرى وصلى فيها لقدسيتها كالمدينة المنورة ومسجد الكوفة وبيت لحم وطور سيناء، بل في رواية مسجد سهيل (السهلة) أن صخرة المعراج موجودة فيه، فهل يحمل صلاته بالأنبياء بالبيت المعمور على تعدد الواقعة مع صلاته بهم في بيت محاريب الأنبياء الذي شاع الإطلاق عليه بيت المقدس سواء وقع التعدد في مرتين من المعراج أم في مرة واحدة، أم أن المراد بالبيت المقدس المعنى الوصفي للبيت أي كل بيت قدسه الله تعالى.
كما قد ورد في عدة من الروايات ما عسى يستظهر منه أن الإسراء أرضا وقع الى بيت محاريب الأنبياء - الذي شاع الإطلاق عليه مسجد الصخرة - بتوسط البراق ثم المعراج وقع من فوق الصخرة الى السموات. لكن صريح الكثير من الروايات الأخرى أن الإسراء هو المعراج وأنه تم بالبراق نفسه الى سدرة المنتهى ثم بالرفرف من السدرة الى حجب النور، ويمكن حمل الإختلاف إما على سهو الراوي عن ضبط الخصوصيات أو على تعدد مرات المعراج وأنماطه.
٣ - قد ورد في شأن أحوال الرجعة والقيامة دور هام لموطن ومقام بيت المقدس وسوق الناس في الحشر اليه، فبيت المقدس محطة هامة في باب المعارف سواء في المعراج أو في القيامة والحشر أو نفخ الصور أو غيرها من أحوال النشآت القادمة، وعلى ضوء ذلك يتبين أهمية تنقيح المراد به في ألسنة الوحي، وكذلك عنوان ودور بيت المقدس في آية التطهير وعنوان أهل البيت (عليه السلام) باعتبار إرادة الأولياء من الأهل أي أولياء البيت، فالبيت يراد من المسجد الحرام في مكة أو المدينة أو البيت المعمور أو البيت الذي يستقر فيه الإمام الحي من آل محمد (عليه السلام) أو بيوت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو بيت النبوة (أهل بيت النبوة) وورد في أحد زياراتهم (عليه السلام) (... أَشْهَدُ أَنَّكُمْ يَا سَادَاتِي إِلَى الله تَدْعُونَ، وَإِلَيْهِ تُرْشِدُونَ، وَبِقَوْلِهِ تَحْكُمُونَ، لَمْ تَزَالُوا بِعَيْنِهِ، وَعِنْدَهُ فِي مَلَكُوتِهِ تَأْمُرُونَ، وَلَهُ تُخْلِصُونَ، وَبِعَرْشِهِ مُحْدِقُونَ، وَلَهُ تُسَبِّحُونَ وَتُقَدِّسُونَ، وَتُمَجِّدُونَ وَتُهَلِّلُونَ، وَتُعَظِّمُونَ، وَبِهِ خافون [حَافُّونَ].
حَتَّى مَنَّ عَلَيْنَا فَجَعَلَكُمْ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ، فَتَوَلَّى جَلَّ ذِكْرُهُ تَطْهِيرَهَا، وَأَمَرَ خَلْقَهُ بِتَعْظِيمِهَا، فَرَفَعَهَا عَلَى كُلِ بَيْتٍ طَهَّرَهُ فِي الْأَرْضِ، وَعَلَاهَا عَلَى كُلِّ بَيْتٍ قَدَّسَهُ فِي السَّمَاءِ، لَا يُوَازِيهَا خَطَرٌ، وَلَا يَسْمُو إِلَيْهَا الْفِكَرُ، يَتَمَنَّى كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُ مِنْكُمْ، وَلَا تَتَمَنَّوْنَ أَنْتُمْ أَنَّكُمْ مِنْ غَيْرِكُم)(٥٣١). واللفظ صريح في كون عنوان بيت المقدس عنوان وصفي لا علم لبيت محاريب الأنبياء الذي شاع اطلاق مسجد الصخرة عليه في فلسطين.
٤ - وفي رواية:... فقال له علي (عليه السلام): «لقد كان كذلك، ومحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اعطي ما هو أفضل من هذا، إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام أقل من ثلث ليلة حتى انتهى إلى ساق العرش»(٥٣٢) الحديث.
٥ - نعم بعض روايات المعراج ظاهرة في بيت محاريب الأنبياء بفلسطين الذي شاع أنه مسجد الصخرة إلا أن ذلك لا يعين عنوان اسم بيت المقدس عليه في روايات المعراج، فضلا عن عنوان المسجد الأقصى به، بل كما إما هو مجاراة مع الشائع من تسميته بذلك، وذكر في ذيلها أن ذلك محتمل أن يراد دخوله ما يقال له خطأ بيت المقدس وهو حظيرة الأنبياء في بعض مرات الإسراء، وإما من وهم الرواة لتخيلهم صحة ما هو شاع من اطلاق بيت المقدس وبيت الصخرة على بيت محاريب الأنبياء، فإنطبع عندهم هذا المعنى من اللفظة وحملوه على ذلك.
كصحيح هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) - كالصريح في إرادة محاريب الأنبياء بفلسطين الذي شاع اطلاق مسجد الصخرة عليه -:.... ثُمَّ رَكِبْتُ فَمَضَيْنَا مَا شَاءَ الله - ثُمَّ قَالَ لِي انْزِلْ فَصَلِّ فَنَزَلْتُ وَصَلَّيْتُ - فَقَالَ لِي أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ فَقُلْتُ لَا، قَالَ صَلَّيْتَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ بِنَاحِيَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) ثُمَّ رَكِبْتُ فَمَضَيْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ فَرَبَطْتُ الْبُرَاقَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْبِطُ بِهَا - فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ وَمَعِي جَبْرَئِيلُ إِلَى جَنْبَيِ فَوَجَدْنَا إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِيمَنْ شَاءَ الله مِنْ أَنْبِيَاءِ الله قَدْ جُمِعُوا إِلَيَّ وَأَقَمْتُ الصَّلَاةَ وَلَا أَشُكُّ إِلَّا وَجَبْرَئِيلُ اسْتَقْدَمَنَا، فَلَمَّا اسْتَوَوْا أَخَذَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) بِعَضُدِي - فَقَدَّمَنِي فَأَمَّمْتُهُمْ وَلَا فَخْر.. وَانْتَهَيْتُ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى فَإِذَا الْوَرَقَةُ مِنْهَا تَظَلُّ بِهِ أُمَّةٌّ مِنَ الْأُمَم... ثُمَّ أَمَمْتُ المَلَائِكَةَ فِي السَّمَاءِ - كَمَا أَمَمْتُ الْأَنْبِيَاءَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، قَالَ ثُمَّ غَشِيَتْنِي صَبَابَةٌ فَخَرَرْتُ سَاجِداً - فَنَادَانِي رَبِّي إِنِّي قَدْ فَرَضْتُ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ - كَانَ قَبْلَكَ خَمْسِينَ صَلَاةً - وَفَرَضْتُهَا عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ فَقُمْ بِهَا أَنْتَ فِي أُمَّتِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَانْحَدَرْتُ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مَا صَنَعْتَ يَا مُحَمَّد...)(٥٣٣). 
والتدقيق في متن الصحيحة يلاحظ أن القمي قد قطعها وقدم وأخر منذ بدء الرواية فلا يعتمد على السياق الذي يتراءى من متنها، لاسيما أن مراحل المعراج يعسر ضبطها وترتيبها فضلا عن تعدد مرات المعراج.
ومثل هذا التقطيع قام به القطب الرواندي في بعض الروايات بل ذلك يوجب امتزاج الروايات من العامة مع التي من الخاصة وقد صرح بذلك قال وفي بعض الروايات:... فَأَتَى جَبْرَئِيلُ بِالْبُرَاقِ فَكَانَ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ خَدَّهُ كخد الْإِنْسَانُ وَذَنْبِهِ كذنب الْبَقَرِ وَعَرَفَهُ كعرف الْفَرَسِ وَقَوَائِمِهِ كقوائم الْإِبِلِ عَلَيْهِ رَحْلِ مِنْ الْجَنَّةِ وَلَهُ جَنَاحَانِ مِنْ فَخِذَيْهِ خطوه مُنْتَهَى طَرْفَهُ فَقَالَ ارْكَبْ فَرَكِبْتُ وَمَضَيْتَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ وَلِمَا انْتَهَيْتَ إِلَيْهِ إِذَا المَلَائِكَةُ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ بِالْبِشَارَةِ وَالْكَرَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعِزَّةِ وَصَلَّيْتُ فِي بيت المَقْدِسِ وَفِي بَعْضُهَا بِشْرٍ لِي إِبْرَاهِيمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ وَصَفَ مُوسَى وَعِيسَى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثُمَّ أَخَذَ جَبْرَئِيلُ بِيَدِي إِلَى الصَّخْرَةِ فأقعدني عَلَيْهَا فَإِذَا مِعْرَاجٌ إِلَى السَّمَاءِ لَمْ أَرَ مِثْلُهَا حَسَناً وَجَمَالًا فَصَعِدَتْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَرَأَيْتَ عجائبها وَملكوتها وَملائكها يُسَلِّمُونَ عَلِيِّ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَة)(٥٣٤). 
وروى بن طاوس عن تفسير بن ماهيار بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وعلي بن ابي طالب (عليه السلام) قَالا قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)  كُنْتُ نَائِماً فِي الْحِجْرِ إِذْ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ فَحَرَّكَنِي تَحْرِيكاً لَطِيفاً ثُمَّ قَالَ لِي عَفَا الله عَنْكَ يَا مُحَمَّدُ قُمْ وَارْكَبْ فَأَفِدْ إِلَى رَبِّكَ فَأَتَانِي بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ خَطْوُهَا مَدَّ الْبَصَرِ لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ جَوْهَرٍ يُدْعَى الْبُرَاقَ قَالَ فَرَكِبْتُ حَتَّى طَعَنْتُ فِي الثَّنِيَّةِ.... قَالَ فَلَمَّا جُزْتُ الرَّجُلَ وَانْتَهَيْتُ إِلَى بَيْتِ المَقْدِس... قَالَ فَنَزَلْتُ عَنْ دَابَّتِي عَمْداً قَالَ فَأَخَذَ جَبْرَئِيلُ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي المَسْجِدَ فَخَرَقَ بِيَ الصُّفُوفَ وَالمَسْجِدُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ قَالَ فَإِذَا بِيَدٍ مِنْ فَوْقِي تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَقَدَّمَنِي جَبْرَئِيلُ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ قَالَ ثُمَّ وُضِعَ لَنَا مِنْهُ سُلَّمٌ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا مِنْ لُؤْلُؤٍ فَأَخَذَ بِيَدِي جَبْرَئِيلُ فَخَرَقَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً.... ثُمَّ وُضِعَ لَنَا مِنْهَا سُلَّمٌ مِنْ يَاقُوتٍ مُوَشَّحٍ بِالزَّبَرْجَدِ الْأَخْضَرِ قَالَ فَصَعِدْنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَرَعَ جَبْرَئِيلُ الْبَابَ فَقَالُوا مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَقَالَ جَبْرَئِيلُ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَفُتِحَ لَنَا ثُمَّ وُضِعَ لَنَا سُلَّمٌ مِنْ نُورٍ مَحْفُوفٍ حَوْلُهُ بِالنُّورِ قَالَ فَقَالَ لِي جَبْرَئِيلُ يَا مُحَمَّدُ تَثَبَّتْ وَاهْتَدِ هُدِيتَ ثُمَّ ارْتَفَعْنَا إِلَى الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَالسَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ بِإِذْنِ الله..)(٥٣٥). وظاهره كما مر التقسيم الى الإسراء الى بيت المقدس مسجد الصخرة والى المعراج من الصخرة الى السماء، والطريق فيه من رجال العامة.
 وكموثق أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام)، - ظاهر مفاده أن الإسراء منهتاه في احد المرات هو بيت المقدس بفلسطين - قال: «لما أسري برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى بيت المقدس حمله جبرئيل على البراق، فأتيا بيت المقدس، وعرض عليه محاريب الأنبياء فصلى بها ورده، فمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في رجوعه بعير لقريش وإذا لهم ماء في آنية، وقد أضلوا بعيرا لهم وكانوا يطلبونه، فشرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من ذلك الماء وأهرق باقيه. فلما أصبح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال لقريش: إن الله جل جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس وأراني آثار الأنبياء ومنازلهم، وإني مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا، وقد أضلوا بعيرا لهم، فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك. فقال أبو جهل: قد أمكنتكم الفرصة منه، فاسألوه كم الأساطين فيها والقناديل؟...)(٥٣٦). لكن يمكن حمله على بيان مبتدأ الإسراء وترك تفصيل ما بعده.
منتهى المعراج:
١ - ما رواه الطبرسي في الاحتجاج: (... قَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هُوَ قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ وَحُمِلْتُ عَلَى جَنَاحِ جَبْرَئِيلَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَجَاوَزْتُ سِدْرَةَ المُنْتَهَى ﴿عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى﴾  حَتَّى تَعَلَّقْتُ بِسَاقِ الْعَرْشِ فَنُودِيتُ مِنْ سَاقِ الْعَرْشِ إِنِّي ﴿هُوَ الله الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ وَرَأَيْتُهُ بِقَلْبِي وَمَا رَأَيْتُهُ بِعَيني...)(٥٣٧). 
٢ - مارواه في كشف اليقين عن كتاب أخبار الزهراء (عليه السلام) للصدوق بأسانيده عن بن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):.... لَمَّا وَصَلْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَتَخَلَّفَ عَنِّي جَمِيعُ مَنْ كَانَ مَعِي مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاوَاتِ وَجَبْرَئِيلَ (عليه السلام) وَالمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وَوَصَلْتُ إِلَى حُجُبِ رَبِّي دَخَلْتُ سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ بَيْنَ كُلِّ حِجَابٍ إِلَى حِجَابٍ مِنْ حُجُبِ الْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْبَهَاءِ وَالْكَرَامَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ وَالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ وَالْوَقَارِ حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى حِجَابِ الْجَلَالِ فَنَاجَيْتُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَقُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَقَدَّمَ إِلَيَّ عَزَّ ذِكْرُهُ بِمَا أَحَبَّهُ وَأَمَرَنِي بِمَا أَرَادَ وَلَمْ أَسْأَلْهُ لِنَفْسِي شَيْئاً وَفِي عَلِيٍّ (عليه السلام) إِلَّا أَعْطَانِي وَوَعَدَنِي الشَّفَاعَةَ فِي شِيعَتِهِ وَأَوْلِيَائه...)(٥٣٨). 
وروى فِي كتاب المحتضر للحسن بن سليمان مِنْ كتاب المعراج بإسناد مُتّصل عَنْ سلمان رضوان الله عَلَيْهِ، قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لما عرج بي إلى السَّماء الدُّنْيَا... فلما صرت إلى السَّماء السابعة.... فسرنا فَلَمْ نزل ندفع مِنْ نور إلى ظلمة وَمِنْ ظلمة إلى نور حَتّى وقفت عَلَى سدرة المنتهى، فإذا جبرائيل (عليه السلام) ينصرف... وما زلت واقفاً حَتّى قذفت فِي بحار النور فَلَمْ تزل الأمواج تقذفني مِنْ نور إلى ظلمة وَمِنْ ظلمة إلى نور حَتّى أوقفني ربي الموقف الذي أحب أنْ يقفني عنده مِنْ ملكوت الرَّحْمَن... انصرفت... قذفت فِي بحار النور، فَلَمْ تزل الامواج تقذفني حَتّى تلقاني جبرائيل فِي سدرة المنتهى...»(٥٣٩). 
٩ - الرؤية الإلهية والمعراج:
وقد يشكل البعض بقولهم ان الله تعالى لا يحده مكان كما اطبقت عليه الإمامية فكيف معراج الرسول الاعظم الى السماء ومنها الى سدرة المنتهى ومنها الى حجب النور ومناجاته لله تعالى اسمه؟
فقد روى الطبرسي في احتجاج الرضا (عليه السلام) على ابي قرة المحدث من علماء العامة - في قوله بالتجسيم -... فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ فَإِنَّا رُوِّينَا أَنَّ الله قَسَمَ الرُّؤْيَةَ وَالْكَلَامَ بَيْنَ نَبِيَّيْنِ فَقَسَمَ لِمُوسَى (عليه السلام) الْكَلَامَ وَلِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الرُّؤْيَةَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) فَمَنِ المُبَلِّغُ عَنِ الله إِلَى الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَنَّهُ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أَلَيْسَ مُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قَالَ بَلَى - قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فَكَيْفَ يَجِيءُ رَجُلٌ إِلَى الْخَلْقِ جَمِيعاً فَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله وَأَنَّهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الله بِأَمْرِ الله وَيَقُولُ إِنَّهُ ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ و﴿لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي وَأَحَطْتُ بِهِ عِلْماً وَهُوَ عَلَى صُورَةِ الْبَشَرِ أَمَا تَسْتَحْيُونَ مَا قَدَرَتِ الزَّنَادِقَةُ أَنْ تَرْمِيَهُ بِهَذَا أَنْ يَكُونَ أَتَى عَنِ الله بِأَمْرٍ ثُمَّ يَأْتِي بِخِلَافِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ إِنَّهُ يَقُولُ و﴿لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ (٥٤٠) فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) إِنَّ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا رَأَى حَيْثُ قَالَ ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ (٥٤١) يَقُولُ مَا كَذَبَ فُؤَادُ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَا رَأَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا رَأَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ (٥٤٢) فَآيَاتُ الله غَيْرُ الله وَقَالَ و﴿لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾(٥٤٣) فَإِذَا رَأَتْهُ الْأَبْصَارُ فَقَدْ أَحَاطَ بِهِ الْعِلْمُ وَوَقَعَتِ المَعْرِفَةُ فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ فَتُكَذِّبُ بِالرِّوَايَةِ؟ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) إِذَا كَانَتِ الرِّوَايَةُ مُخَالِفَةً لِلْقُرْآنِ كَذَّبْتُهَا وَمَا أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُحَاطُ بِهِ عِلْماً و﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ الله ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى المَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾  فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) قَدْ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَسْرَى بِهِ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لِمَ أَسْرَى بِهِ فَقال ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا﴾ فَآيَاتُ الله غَيْرُ الله فَقَدْ أَعْذَرَ وَبَيَّنَ لِمَ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَمَا رَآهُ وَقَالَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ غَيْرُ اللَهِ فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ أَيْنَ الله؟ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) الْأَيْنُ مَكَانٌ وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ شَاهِدٍ مِنْ غَائِبٍ فَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ بِغَائِبٍ وَلَا يَقْدَمُهُ قَادِمٌ وَهُوَ بِكُلِّ مَكَانٍ مَوْجُودٌ مُدَبِّرٌ صَانِعٌ حَافِظٌ مُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ أَلَيْسَ هُوَ فَوْقَ السَّمَاءِ دُونَ مَا سِوَاهَا؟ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) هُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ وَهُوَ الَّذِي ﴿اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾  وَهُوَ الَّذِي ﴿اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾  وَهُوَ الَّذِي ﴿اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ - قَدْ كَانَ وَلَا خَلْقَ وَهُوَ كَمَا كَانَ إِذْ لَا خَلْقَ لَمْ يَنْتَقِلْ مَعَ المُنْتَقِلِينَ فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ فَمَا بَالُكُمْ إِذْ دَعَوْتُمْ رَفَعْتُمْ أَيْدِيَكُمْ إِلَى السَّمَاءِ؟ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) إِنَّ الله اسْتَعْبَدَ خَلْقَهُ بِضُرُوبٍ مِنَ الْعِبَادَةِ وَللهِ مَفَازِعُ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ وَمُسْتَعْبَدٌ فَاسْتَعْبَدَ عِبَادَهُ بِالْقَوْلِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالتَّوَجُّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ اسْتَعْبَدَهُمْ بِتَوَجُّهِ الصَّلَاةِ إِلَى الْكَعْبَةِ وَوَجَّهَ إِلَيْهَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَاسْتَعْبَدَ خَلْقَهُ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَالطَّلَبِ وَالتَّضَرُّعِ بِبَسْطِ الْأَيْدِي وَرَفْعِهَا إِلَى السَّمَاءِ لِحَالِ الِاسْتِكَانَةِ وَعَلَامَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّذَلُّلِ لَه...)(٥٤٤). 
١٠ - مركوب ومركبة المعراج:
 وأما اوصاف التي تناقلها الروايات لمركبة الرسول الاعظم (البراق) فقد اختلف المركب للمعراج بحسب مرات المعراج ولم يكن على الدوام البراق، بل إن المرات التي كان المركب هو البراق لم يكن مركبا لتمام المعراج بل كان الى سدرة المنتهى، ثم استمر المعراج الى ما فوق من الحجب فركب (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الرفرف، وعلى أي تقدير فقد اختلف المركب:
١ - جناح جبرئيل (عليه السلام) فقد روى الطبرسي في الإحتجاج: قَالَتِ الْيَهُودُ مُوسَى خَيْرٌ مِنْكَ قَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَلِمَ؟ قَالُوا لِأَنَّ الله (عزَّ وجلَّ) كَلَّمَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ كَلِمَةٍ وَلَمْ يُكَلِّمْكَ بِشَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَقَدْ أُعْطِيتُ أَنَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هُوَ قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (٥٤٥) وَحُمِلْتُ عَلَى جَنَاحِ جَبْرَئِيلَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَجَاوَزْتُ سِدْرَةَ المُنْتَهَى ﴿عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى﴾  حَتَّى تَعَلَّقْتُ بِسَاقِ الْعَرْشِ فَنُودِيتُ مِنْ سَاقِ الْعَرْشِ إِنِّي ﴿ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ وَرَأَيْتُهُ بِقَلْبِي وَمَا رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ ذَلِك)(٥٤٦). 
وروى أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إن جبرئيل احتمل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى انتهى به إلى مكان من السماء، ثم تركه وقال له: ما وطئ شيء قط مكانك»(٥٤٧). 
٢ - البراق دابة من الجنة: روى القمي صحيح هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ جَاءَ جَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ بِالْبُرَاقِ إِلَى رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَأَخَذَ وَاحِدٌ بِاللِّجَامِ وَوَاحِدٌ بِالرِّكَابِ - وَسَوَّى الْآخَرُ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ - فَتَضَعْضَعَتِ الْبُرَاقُ فَلَطَمَهَا جَبْرَئِيلُ ثُمَّ قَالَ لَهَا اسْكُنِي يَا بُرَاقُ فَمَا رَكِبَكِ نَبِيٌّ قَبْلَهُ وَلَا يَرْكَبُكِ بَعْدَهُ مِثْلُهُ - قَالَ فَرَقَّتْ بِهِ وَرَفَعَتْهُ ارْتِفَاعاً لَيْسَ بِالْكَثِيرِ - وَمَعَهُ جَبْرَئِيلُ يُرِيهِ الْآيَاتِ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)(٥٤٨). 
٣ - محمل من نور في آنواع من النور كانت محدقة بعرش الله: كما في الصحيح الاعلائي لابن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)... قال: «إن الله (عزَّ وجلَّ) لما عرج بنبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى سماواته السبع، أما أولهن فبارك عليه، والثانية علمه فرضه، فأنزل الله محملا من نور، فيه أربعون نوعا من أنواع النور، كانت محدقة بعرش الله، تغشي أبصار الناظرين، أما واحد منها فأصفر، فمن أجل ذلك اصفرت الصفرة، وواحد منها أحرم، فمن أجل ذلك احمرت الحمرة، وواحد منها أبيض، فمن أجل ذلك أبيض البياض، والباقي على سائر عدد الخلق من النور، والألوان في ذلك المحمل حلق وسلاسل من فضة..... قال: ثم زادني ربي أربعين نوعا من أنواع النور، لا تشبه النور الأول، وزادني حلقا وسلاسل، وعرج بي إلى السماء الثانية... قال: ثم زادني ربي أربعين نوعا من أنواع النور، لا تشبه الأنوار الأولى، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة.... قال: ثم زادني ربي أربعين نوعا من أنواع النور لا تشبه تلك الأنوار الاولى، ثم عرج بي حتى انتهيت إلى السماء الرابعة....)(٥٤٩). 
وروى العياشي: عن عبد الصمد بن بشير، قال: ذكر عند أبي عبد الله (عليه السلام) بدء الأذان، فقيل: إن رجلا من الأنصار رأى في منامه الأذان فقصه على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأمره رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يعلمه بلالا. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «كذبوا، إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان نائما في ظل الكعبة فأتاه جبرئيل (عليه السلام) ومعه طاس فيه ماء من الجنة، فأيقظه وأمره أن يغتسل به، ثم وضع في محمل له ألف ألف لون من نور، ثم صعد به حتى انتهى إلى أبواب السماء...)(٥٥٠). 
٤ - أنه الصخرة كما في رواية للقطب الرواندي وأن البراق كان فقط للوصول الى البيت المقدس، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم):.... فَأَتَى جَبْرَئِيلُ بِالْبُرَاقِ فَكَانَ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ خَدَّهُ كخد الْإِنْسَانُ وَذَنْبِهِ كذنب الْبَقَرِ وَعَرَفَهُ كعرف الْفَرَسِ وَقَوَائِمِهِ كقوائم الْإِبِلِ عَلَيْهِ رَحْلِ مِنْ الْجَنَّةِ وله جناحان من فخِذَيْهِ خطوه مُنْتَهَى طَرْفَهُ فَقَالَ ارْكَبْ فَرَكِبْتُ وَمَضَيْتَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ وَلِمَا انْتَهَيْتَ إِلَيْهِ إِذَا المَلَائِكَةُ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ بِالْبِشَارَةِ وَالْكَرَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعِزَّةِ وَصَلَّيْتُ فِي بيت المقدس.... وَفِي بَعْضُهَا - الروايات - بِشْرٍ لِي إِبْرَاهِيمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ وَصَفَ مُوسَى وَعِيسَى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثُمَّ أَخَذَ جَبْرَئِيلُ بِيَدِي إِلَى الصَّخْرَةِ فأقعدني عَلَيْهَا فَإِذَا مِعْرَاجٌ إِلَى السَّمَاءِ لَمْ أَرَ مِثْلُهَا حَسَناً وَجَمَالًا فَصَعِدَتْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَرَأَيْتَ عجائبها وَملكوتها وَملائكها يُسَلِّمُونَ عَلِيِّ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَة)(٥٥١). 
 ٥ - وكر كوكر الطير كما روى بن طاوس بسند عن عبد الرزاق معمر عن ابن هماد عن أبيه عن جده قال قال رسول الله بينما أنا في الحجر أتاني جبرئيل فنهرني برجلي فاستيقظت فأخذ بضبعي فوضعني في شيء كوكر الطير فلما أطرقت ببصري طرفة فرجعت إلي وأنا في مكاني فقال أتدري أين أنت فقلت لا يا جبرئيل فقال هذا بيت المقدس بيت الله الأقصى فيه المحشر والنشر ثم قام جبرئيل فوضع سبابته اليمنى في أذنه فأذن مثنى مثنى...)(٥٥٢). 
٦ - سلم وسلالم كما رواه بن طاوس عن تفسير بن ماهيار بسنده الى زيد بن علي قالا: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):.... كُنْتُ نَائِماً فِي الْحِجْرِ إِذْ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ فَحَرَّكَنِي تَحْرِيكاً لَطِيفاً ثُمَّ قَالَ لِي عَفَا الله عَنْكَ يَا مُحَمَّدُ قُمْ وَارْكَبْ فَأَفِدْ إِلَى رَبِّكَ فَأَتَانِي بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ خَطْوُهَا مَدَّ الْبَصَرِ لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ جَوْهَرٍ يُدْعَى الْبُرَاقَ قَالَ فَرَكِبْتُ حَتَّى طَعَنْتُ فِي الثَّنِيَّةِ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَائِمٍ مُتَّصِلٍ شَعْرُه.... قَالَ فَلَمَّا جُزْتُ الرَّجُلَ وَانْتَهَيْتُ إِلَى بَيْتِ المَقْدِس... قَالَ فَنَزَلْتُ عَنْ دَابَّتِي عَمْداً قَالَ فَأَخَذَ جَبْرَئِيلُ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي المَسْجِدَ فَخَرَقَ بِيَ الصُّفُوفَ وَالمَسْجِدُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ قَالَ فَإِذَا بِيَدٍ مِنْ فَوْقِي تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَقَدَّمَنِي جَبْرَئِيلُ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ قَالَ ثُمَّ وُضِعَ لَنَا مِنْهُ سُلَّمٌ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا مِنْ لُؤْلُؤٍ فَأَخَذَ بِيَدِي جَبْرَئِيلُ فَخَرَقَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً قَالَ فَقَرَعَ جَبْرَئِيلُ الْبَابَ فَقَالُوا لَهُ مَنْ هَذَا قَالَ أَنَا جَبْرَئِيلُ قَالُوا مَنْ مَعَكَ قَالَ مَعِي أَخِي مُحَمَّدٌ قَالُوا وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفَتَحُوا.... ثُمَّ وُضِعَ لَنَا مِنْهَا سُلَّمٌ مِنْ يَاقُوتٍ مُوَشَّحٍ بِالزَّبَرْجَدِ الْأَخْضَرِ قَالَ فَصَعِدْنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَرَعَ جَبْرَئِيلُ الْبَابَ فَقَالُوا مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَقَالَ جَبْرَئِيلُ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَفُتِحَ لَنَا ثُمَّ وُضِعَ لَنَا سُلَّمٌ مِنْ نُورٍ مَحْفُوفٍ حَوْلُهُ بِالنُّورِ قَالَ فَقَالَ لِي جَبْرَئِيلُ يَا مُحَمَّدُ تَثَبَّتْ وَاهْتَدِ هُدِيتَ ثُمَّ ارْتَفَعْنَا إِلَى الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَالسَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ بِإِذْنِ الله....
وقال ابن عبّاس (رضي الله عنه) ما في خبر: أنّه هبط مع جبريل (عليه السلام) ملك لم يطأ الأرض قطّ، معه مفاتيح خزائن الأرض، فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: هذه مفاتيح خزائن الأرض فإن شئت فكن نبيّا عبدا، وإن شئت فكن نبيّا ملكا؟ فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): بل أكون نبيّا عبدا. فإذا بسلّم من ذهب، قوائمه من فضّة، مركّب باللؤلؤ والياقوت، يتلألأ نورا، وأسفله على صخرة بيت المقدس، ورأسه في السماء، فقال: اصعد يا محمّد. فلمّا صعد السماء رأى شيخا قاعدا تحت شجرة وحوله أطفال، فقال جبريل: هذا أبوك آدم إذا رأى من يدخل الجنّة من ذرّيته ضحك، وإذا رأى من يدخل النار من ذرّيته حزن وبكى. ورأى ملكا باسرا وجهه وبيده لوح مكتوب بخطّ من النور وخطّ من الظلمة، فقال: هذا ملك الموت)(٥٥٣). 
٧ - سرير من ياقوتة حمراء وَمِنْ كِتَابِ الْمِعْرَاجِ، لِلشَّيْخِ الصَّالِحِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ (رضي الله عنه) بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مِهْرَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا صَعِدَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِلَى السَّمَاءِ صَعِدَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ مُكَلَّلَةٍ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ تَحْمِلُهُ المَلَائِكَةُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ يَا مُحَمَّدُ أَذِّنْ فَقَالَ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله(٥٥٤) فَمَا فَعَلَ وَصِيُّكَ عَلِيٌّ قَالَ خَلَّفْتُهُ فِي أُمَّتِي قَالُوا نِعْمَ الْخَلِيفَةُ خَلَّفْتَ أَمَا إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) فَرَضَ عَلَيْنَا طَاعَتَهُ ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ مِثْلَ مَا قَالَتْ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا(٥٥٥))(٥٥٦). 
١١ - موقف كفار قريش من المعراج:
واما تلقى مشركو مكة والعرب نبأ معراج الرسول فقد كان جاحدا ومنكرا، فعن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لما أخبرهم(٥٥٧) أنه أسري به - قال بعضهم لبعض: قد ظفرتم، فاسألوه عن أيلة(٥٥٨) قال: فسألوه عنها - قال: فأطرق فسكت - فأتاه جبرئيل فقال: يا رسول الله ارفع رأسك فإن الله قد رفع لك أيلة وقد أمر الله كل منخفض من الأرض فارتفع، وكل مرتفع فانخفض - فرفع رأسه فإذا أيلة قد رفعت له، قال: فجعلوا يسألونه ويخبرهم - وهو ينظر إليها، ثم قال: إن علامة ذلك عير لأبي سفيان يحمل برا(٥٥٩) يقدمها جمل أحمر مجمع - تدخل غدا هذا مع الشمس فأرسلوا الرسل وقالوا لهم: حيث ما لقيتم العير فاحبسوها - ليكذبوه بذلك قوله، قال فضرب الله وجوه الإبل فأقربت(٥٦٠) على الساحل - وأصبح الناس فتشرفوا - فقال أبو عبد الله فما رئيت مكة قط أكثر متشرفا - ولا متشرفة منها يومئذ - لينظروا ما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: فأقبلت الإبل من ناحية الساحل - فقال: يقول القائل: الإبل، الشمس، الإبل قال: فطلعتا جميعا(٥٦١). 
وروى القمي عن الصادق (عليه السلام):... قال لقريش: إن الله قد أسرى بي في هذه الليلة إلى بيت المقدس، فعرض علي محاريب الأنبياء وآيات الأنبياء، وإني مررت بعير لكم في موضع كذا وكذا، وإذا لهم ماء في آنية فشربت منه وأهرقت باقي ذلك الماء، وقد كانوا أضلوا بعيرا لهم. فقال أبو جهل: قد أمكنتكم الفرصة من محمد، سلوه كم الأساطين فيها والقناديل؟ فقالوا: يا محمد، إن ها هنا من قد دخل بيت المقدس، فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه؟ فجاء جبرئيل فعلق صورة بيت المقدس تجاه وجهه، فجعل يخبرهم بما يسألونه، فلما أخبرهم، قالوا: حتى تجيء العير، ونسألهم عما قلت. فقال لهم: وتصديق ذلك أن العير تطلع عليكم مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أحمر. فلما أصبحوا أقبلوا ينظرون إلى العقبة ويقولون: هذه الشمس تطلع الساعة؛ فبيناهم كذلك إذ طلعت العير مع طلوع الشمس يقدمها جمل أحمر، فسألوهم عما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقالوا: لقد كان هذا، ضل جمل لنا في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماء وأصبحنا وقد أهرق الماء. فلم يزدهم ذلك إلا عتوا»(٥٦٢). 
١٢ - نوع الكلام الإلهي في المعراج:
واما كيفية الكلام الإلهي في المعراج فقد ورد في الكثير من المصادر أن الله تعالى كلم رسوله الاعظم في جملة من الامور، والكلام الإلهي أنواع من الوحي والذي تم بينه تعالى وبين نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان متنوعا بحسب أنواع كثيرة من الوحي فتارة بالصوت شبيه صوت علي (عليه السلام)، وأخرى بالإلهام القلبي وثالثة بالتجلي بنور العظمة في القلب ورابعة بالرؤية القلبية للآيات الكبرى، وخامسة بتوسط جبرئيل (عليه السلام) في أوائل المعراج والإسراء وغيرذلك.
١٣ - خلق الجنة والنار:
 تحدث الروايات بكثير من الاسهاب عما شاهده الرسول الاعظم من كواكب ومجرات وملائكة والتقاءه بالانبياء السابقين وانه قد دخل الجنة وشاهد النار وقد ورد في المعتبرة ان الجنة والنار خلقتا لا أنهما تخلقان في البعث والنشور وادلتها كثيرة وهي تغاير جنة آدم (عليه السلام) التي تحدث عنها القرآن وهي من جنان الدنيا، والمقرر بالضرورة من دين الإمامية أن الجنة والنار مخلوقتان وأن التكذيب بذلك تكذيب للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما أخبره في المعراج وتكذيب لأهل البيت، بل ورد عنهم أن خلقهما قبل خلق الأرض وعالم الدنيا، وقد تضمن بيان الوجه العقلي لذلك من تقدم خلق الآخرة على عالم الدنيا.
وروى الشَّيْخ الصدوق بسنده عَنْ الهروي، قَالَ: قلتُ للرضا (عليه السلام):...... يا بن رسول الله أخبرني عَنْ الجَنّة وَالنَّار أهما اليوم مخلوقتان؟ فَقَالَ: «نعم، وإنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَدْ دخل الجَنّة ورأى النَّار لما عرج به إلى السَّماء» قَالَ: فقلتُ لَهُ: إنَّ قوماً يقولون أنَّهما اليوم مقدرتان غَيْر مخلوقتين؟ فَقَالَ: «لا [أولئك] هم منّا ولا نحن منهم، مَنْ أنكر خلق الجَنّة وَالنَّار فَقَدْ كذّب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكذّبنا وَلَيْسَ مِنْ ولايتنا على شيء ويخلّد فِي نار جهنّم، قَالَ الله تَعَالَى:
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا المُجْرِمُون. يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آن﴾، وَقَالَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لما عرج بي إلى السَّماء أخذ بيدي جبرائيل (عليه السلام) فأدخلني الجَنّة فناولني مِنْ رطبها فأكلته فتحوّل ذَلِكَ نطفة فِي صلبي، فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة (عليه السلام) ففاطمة حوراء أنسية فَكُلّما اشتقت إلى رائحة الجَنّة شممت رائحة ابنتي فاطمة (عليه السلام)»(٥٦٣). 
١٤ - المعراج نافذ من أقطار السماوات:
ومعراج الرسول الاعظم لم يكن منحصرا ولا مقتصرا داخل المنظومة الشمسية بل خارج أقطارها وقد نصت الروايات والآيات على أن الإسراء قد تجاوز ونفذ خارج اقطار السماء الدنيا بل استمر نفوذا خارج اقطار السموات السبع الى سدرة المنتهى والى الجنة من العالم الاخروي الأبدي بل الى ما فوقهما من حجب النور وساق العرش.
١٥ - المعراج والعلوم الحديثة:
وهنالك جملة من الامور العلمية الحديثة استشكل بها جملة من المستشرقين اعتراضا على الايمان المعراج مما يجعله امرا مستحيلا منها
أ - مشكلة الحرارة وهي أول مشكلة تعترض سبيل أي رحلة فضائية التي تتغير درجاتها في طبقات الجو بصورة غير عادية وهذه المشكلة كبيرة اذا اعتبرنا رحلة الرسول الاعظم بدون مركبة ذات كبسولة تعدل درجات الحرارة؟
ب - مشكلة التخلص من الجاذبية والجميع يعلم ان ان الجاذبية هي قوة جذب الارض للاجسام وهي التي للاجسام وزنا وأن الجاذبية الآرضية تسبب للاجسام الساقطة عجلة ثابتة مقدارها ٣٢ قدما في الثانية وللتخلص من الجاذبية يحتاج الى سرعة مماثلة لسرعة دوران الارض حول محورها أي ما لا يقل عن ٨ كم في الثانية فهل كانت حركة الرسول الاعظم بمثل تلك السرعة؟
ج - مشكلة انعدام الوزن بعد التخلص من الجاذبية الأرضية وما تتركه من أثر بيولوجي على الجسم بحيث ان الاجسام تصبح طائرة في الفضاء بمجرد الخروج من الغلاف الجوي فما هو ردكم؟
 د - مشكلة تخطي الغلاف الجوي الذي هو خليط من الغازات التي تحيط بالارض ويعتبر مانعا في طريق الرحلات الفضائية لأن الاحتكاك يؤدي الى الاحتراق فما هو ردكم؟
هـ - مشكلة الشهب والنيازك والخوف من اصطدامها بالمركبات الفضائية فلا بد من صنع غلاف خاص يحول دون تمزق المركلات الفضائية فما هو تعليقكم؟
و - مشكلة انعدام الاوكسجين فيما وراء الغلاف الجوي للأرض حيث لا يوجد هواء وينعدم الاوكسجين تماماً والذي هو عنصر الحياة الاساسي فتكون الرحلة بانعدام الاوكسجين مستحيلة؟
ي - مشكلة الاشعة الفوق البنفسجية والاشعة السيفية التي تسببان حروقا شديدة في الانسجة الحية فيما وراء الغلاف الجوي حيث يوجد منهما الشي الكثير؟
والجواب أن ما ذكروه من موانع طبيعية ليست بمانع:
١ - انما هو مع فرض عدم وجود جسم واقي يدفع هذه الموانع نظير جسم الطائرة في يومنا هذا الواقي للركاب من سرعة وقوة التيار الهوائي الصادم كما أن مادة جسم الطائرة مصنوع من مادة واقية من تصاعد الحرارة بجسمها نتيجة احتكاك الهواء به، وكما هو الحال في المركبة الفضائية وركوب رواد الفضاء فيها، مع أنه قبل اكتشاف العلمي لذلك ربما كان يظن البشر أنه من الممتناعات، وكما هو الحال في الالبسة العازلة من الاحتراق.
٢ - وبعبارة اخرى ان عناصر المواد لا تنحصر بالموجود في كوكب الأرض بل الموجود في كوكب الأرض لم يكتشف كله بل المكتشف لم تعرف كل خواصه الفيزيائية والكيمائية أو آثاره البيولوجية.
٣ - إن المعادلات الطبيعية سواء الفيزيائية أو الميكانيكية او الكيميائية والاحيائية لم تكتشف كلها بل ولا معشار منها وإن المسيرة العلمية مقدر لها أن تستمر آلاف القرون بل لا الى نهاية من الزمان، ومع هذا الوصف في حال منظومة العلوم الطبيعية التجريبية فمن اين يقطع باستحالة صعود جسم أرضي الى السماء مع وجود آليات معالجة، فضلا عما يرى من حالات مجربة لدى البشر ينقطع فيها الهواء والاكسجين مثلا ومع ذلك لا تسبب موت الانسان كالذي في المثلجة أو القبر وبعد فترة تعود له الحياة بل قد وقعت حالات نادرة عجيبة جدا في أمثلة ذلك.
٤ - لا يخفى أنه مرت الإشارة الى تعدد المركوب والمركبة الحامل للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المعراج سواء كان بشكل غطاء واقي كرواية الوكر كوكر الطير او لا وذلك لأن المركب الذي من الملكوت له موج يحيط بالراكب كالقبة والغطاء كما مر في عدة من الروايات أن إبل قريش نفرت عند مرور البراق بها في الطريق.
عن عبد الصمد بن بشير(٥٦٤) قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول أتى جبرئيل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو بالأبطح بالبراق أصغر من البغل وأكبر من الحمار عليه ألف ألف محفة(٥٦٥) من نور - فشمس(٥٦٦) حين أدناه منه ليركبه - فلطمه جبرئيل (عليه السلام) لطمة عرق البراق منها، ثم قال: اسكن فإنه محمد ثم زف به(٥٦٧) من بيت المقدس إلى السماء - فتطايرت الملائكة من أبواب السماء، فقال جبرئيل: الله أكبر الله أكبر فقالت الملائكة: عبد مخلوق، قال: ثم لقوا جبرئيل فقالوا: يا جبرئيل من هذا قال: هذا محمد فسلموا عليه - ثم زف به إلى السماء الثانية، فتطايرت الملائكة -...)(٥٦٨). فقوله (عليه السلام) (عليه ألف ألف محفة من نور) أي مليون غرفة من المادة النورية العازلة الواقية، والمحفة: مركب من مراكب النساء كالهودج)(٥٦٩). 
فائدة: نبوة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منذ أول خلقته النورية في العوالم السابقة:
قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ هَذَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا (عليه السلام) يُقَالُ إِنَّهُ أُوتِيَ الْحُكْمَ صَبِيّاً وَالْحِلْمَ وَالْفَهْمَ - وَإِنَّهُ كَانَ يَبْكِي مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ وَكَانَ يُوَاصِلُ الصَّوْمَ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) لَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ ومُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا إِنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا كَانَ فِي عَصْرٍ لَا أَوْثَانَ فِيهِ وَلَا جَاهِلِيَّةَ وَمُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُوتِيَ الْحُكْمَ وَالْفَهْمَ صَبِيّاً بَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَحِزْ (قدّس سرّه) بِ الشَّيْطَانِ فَلَمْ يَرْغَبْ لَهُمْ فِي صَنَمٍ قَطُّ وَلَمْ يَنْشَطْ لِأَعْيَادِهِمْ وَلَمْ يُرَ مِنْهُ كَذِبٌ قَطُّ وَكَانَ أَمِيناً صَدُوقاً حَلِيماً وَكَانَ يُوَاصِلُ الصَّوْمَ الْأُسْبُوعَ وَالْأَقَلَّ وَالْأَكْثَرَ فَيُقَالُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِهِمْ إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي وَكَانَ يَبْكِي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَتَّى تَبْتَلَّ مُصَلَّاهُ خَشْيَةً مِنَ الله (عزَّ وجلَّ) مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ فَإِنَّ هَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ ﴿فِي المَهْدِ صَبِيًّا﴾ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) لَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ وَمُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سَقَطَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَاضِعاً يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ وَرَافِعاً يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى السَّمَاءِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ وَبَدَا مِنْ فِيهِ نُورٌ رَأَى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْهُ قُصُورَ بُصْرَى مِنَ الشَّامِ وَمَا يَلِيهَا وَالْقُصُورَ الْحُمُرَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ وَمَا يَلِيهَا وَالْقُصُورَ الْبِيضَ مِنْ إِصْطَخْرَ وَمَا يَلِيهَا وَلَقَدْ أَضَاءَتِ الدُّنْيَا لَيْلَةَ وُلِدَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَتَّى فَزِعَتِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالشَّيَاطِينُ وَقَالُوا حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ - وَلَقَدْ رُئِيَ المَلَائِكَةُ لَيْلَةَ وُلِدَ تَصْعَدُ وَتَنْزِلُ وَتُسَبِّحُ وَتُقَدِّسُ وَتَضْطَرِبُ النُّجُومُ وَتَتَسَاقَطُ عَلَامَةً لِمِيلَادِهِ وَلَقَدْ هَمَّ إِبْلِيسُ بِالظَّعْنِ فِي السَّمَاءِ لِمَا رَأَى مِنَ الْأَعَاجِيبِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَكَانَ لَهُ مَقْعَدٌ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَالشَّيَاطِينُ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ فَلَمَّا رَأَوُا الْعَجَائِبَ أَرَادُوا أَنْ يَسْتَرِقُوا السَّمْعَ فَإِذَا هُمْ قَدْ حُجِبُوا مِنَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا - وَرُمُوا بِالشُّهُبِ دَلَالَةً(٥٧٠) لِنُبُوَّتِهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) »(٥٧١)
البيت المعمور والضراح:
وفي تفسير القمي: بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ - وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ قال: الطور جبل بطور سينا وَكِتابٍ مَسْطُورٍ أي مكتوب فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ المَعْمُورِ قال: هو في السماء الرابعة وهو الضراح يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا وَالسَّقْفِ المَرْفُوعِ قال: السماء وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ قال: يسجر يوم القيامة وهذا قسم كله - وجوابه إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ.
وفي مجمع البحرين: وفي الحديث أن الله أمر ملكا من الملائكة أن يجعل له بيتا في السماء يسمى «الضراح» وهو بالضم، قيل البيت المعمور في السماء الرابعة من المضارحة وهي المقابلة، ومن رواها بالصاد فقد صحف.
وفي دلائل الامامة للطبري بسند معتبر عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: اللَّيْلَةُ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ يَنْزِلُ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ)، وَجَبْرَئِيلُ (عليه السلام)، عَلَى حِرَاءَ، فَيَقُولُ لَهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام): أَجِبْ. فَيَخْرُجُ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رَقّاً مِنْ حُجْزَةِ إِزَارِهِ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَيَقُولُ لَهُ: اكْتُبْ:
 «بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا عَهْدٌ مِنَ الله، وَمِنْ رَسُولِهِ، وَمِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ الله (عزَّ وجلَّ) فِي كِتَابِهِ: ﴿وَالطُّور وَكِتَابٍ مَّسْطُور فِي رَقٍّ مَّنشُور﴾ وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَالرِّقُّ المَنْشُورُ الَّذِي أَخْرَجَهُ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِنْ حُجْزَةِ إِزَارِهِ. قُلْتُ: وَالْبَيْتِ المَعْمُورِ، أَهُوَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قَالَ: نَعَمْ، المُمْلِي رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَالْكَاتِبُ عَلِيٌّ (عليه السلام)(٥٧٢).) تفسير البيت المعمور بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نظير ما ورد بتفسيره بقلب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو محل النمط الأول من نزول القرآن. ثم إن نزول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ليس من باب الرجعة والرجوع الى الدنيا، بل نظير تنزل الملائكة، وقد بسطنا الفرق بين حقيقة النزول والرجوع في الرجعة الى دار الدنيا في مباحث الرجعة.
﴿وَالطُّور﴾ قيل يريد طور سنين وهو جبل بمدين سمع فيها موسى (عليه السلام) كلام الله والقمّي ما يقرب منه. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ مكتوب. ﴿فِي رَقٍّ مَّنشُور﴾ الرقّ الجلد الذي يكتب فيه استعير لما كتب فيه الكتاب وتنكيرهما للتعظيم والاشعار بانّهما ليسا من المتعارف بين الناس. ﴿وَالْبَيْتِ المَعْمُور﴾ القمّي قال هو في السماء الرابعة وهو الضراح يدخله كلّ يوم سبعون الف ملك ثم لا يعودون اليه ابداً.
وفي المجمع عن الباقر (عليه السلام) انّه قال انّ الله وضع تحت العرش اربع أساطين وسمّاهنّ الضراح وهو ﴿وَالْبَيْتِ المَعْمُور﴾ وقال للملائكة طوفوا به ثمّ بعث ملائكة فقالوا ابنوا في الأرض بيتاً بمثاله وقدره وامر من في الأرض ان يطوفوا بالبيت.
وعن امير المؤمنين (عليه السلام) قال ويدخله كلّ يوم سبعون الف ملك ثم لا يعودون اليه ابداً وعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)  ﴿وَالْبَيْتِ المَعْمُور﴾ في السماء الدنيا.
وعنه (عليه السلام) البيت الذي في السماء يقال له الضُّراح وهو بفناء البيت الحرام لو سقط لسقط عليه يدخله كلّ يوم الف ملك ثم لا يعودون فيه ابداً.
أقولُ: وفي حديث المعراج انّه في السماء السابعة رواه القمّي والعيّاشي)(٥٧٣). 
وفي رواية المفضل بن عمر عن ابي عبد الله (عليه السلام):... فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ قَدِيمٌ فَقَالَ نَعَمْ وَهُوَ مُصَلَّى الْأَنْبِيَاءِ (عليه السلام) وَلَقَدْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حِينَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَسْجِدُ أَبِيكَ آدَمَ (عليه السلام) وَمُصَلَّى الْأَنْبِيَاءِ (عليه السلام) فَانْزِلْ فَصَلِّ فِيهِ فَنَزَلَ فَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ إِنَّ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ)(٥٧٤). وظاهر هذه الرواية أن أحد معارج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تم من مسجد الكوفة.
المعراج وعالم الأظلة:
من البحوث المهمة التي نشير اليها بإقتضاب وتفصيله في أبواب الرجعة، هو ما ورد كثيرا في روايات الفريقين المستفيضة من رؤية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المعراج كل أجيال أمته الى يوم القيامة ومن يدخل منهم في النار وكيف يتعذب فيها، مع أنهم لم يولدوا بعد في دار الدنيا، فكيف يفترض دخولهم النار ورؤيته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لهم في النار، وهذا مرتبط ومتصل بإرتباط المعراج وعالم الأظلة وبعروجه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الى عالم الأظلة.
فعَنْ زيد بن علي قالا: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... قَالَ: «ثمَّ التفت فإذا أنا برجال يقذف بهم فِي نار جهنم قَالَ: فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبرائيل، فَقَالَ لي: هؤلاء المرجئة والقدرية والحرورية وبنو أمية والنواصب لذريتك العداوة، هؤلاء الخمسة لا سهم لهم فِي الإسلام...»(٥٧٥). 
وظاهر هَذِهِ الرواية نظير مستفيض روايات الفريقين أنَّ هؤلاء الَّذِيْنَ يقذف بهم فِي نار جهنّم ورآهم الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي المعراج معظمهم لَمْ يولد فِي دار الدُّنْيَا بعدُ بَلْ هُمْ فِي الأصلاب وَلَمْ يلجوا الأرحام.
وفي ذيل هَذِهِ الرواية، قَالَ علي (عليه السلام): «يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَمَنْ الذي كانوا يقذف بهم فِي نار جهنم؟ قَالَ: أولئك المرجئة والحرورية والقدرية وبنو أمية ومناصبك العداوة، يا علي هؤلاء الخمسة لَيْسَ لهم فِي الإسلام نصيب»(٥٧٦). 
٤ - قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «رأيت ليلة أُسري بي قوما تقرض شفاههم بالمقاريض كُلّما قرضت وَفَت، فَقَالَ جبرائيل: هؤلاء خطباء أمتك الَّذِيْنَ يقولون ما لا يفعلون»(٥٧٧). 
٥ - وروى أحمد بن عبيدالله بن عيّاش الجوهري - المتوفي ٤٠١هـ - فِي مقتضب الأثر فِي النص عَلَى الاثني عشر بسند متّصل عَنْ جارود بن المنذر العبدي، وَكَانَ نصرانياً فأسلم عام الحديبية وحسن إسلامه، وَكَانَ قارئاً للكتب عالماً بتأويلها عَلَى وجه الدهر وسالف العصر بصير بالفلسفة والطب ذا رأي أصيل ووجه جميل، أنشاء يحدثنا فِي إمارة عمر بن الخطّاب، قَالَ وفدت عَلَى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي رجال مِنْ عبد القيس ذو أحلام وأسنان وفصاحة وبيان وحجة وبرهان فلما بصروا به (صلّى الله عليه وآله وسلّم) راعهم منظره ومحضره وأفحموا عَنْ بيانهم وإعتراهم العرواء فِي أبدانهم - إلى أنْ قَالَ - وَقَدْ سأله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنْ خبر قسّ بن ساعدة الإيادي مِنْ أسباط العرب عمّر خمسمائة عام، وَكَانَ لا يفتر مِنْ الرهبانية ويدين الله بالوحدانية ويسبّح فِي الأرض، وَإنَّهُ كَانَ يتوسّل إلى الله بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت، قال الجارود: قلت يا رسول الله: أنبئني أنبأك الله بخير عَنْ هَذِهِ الأسماء الَّتِي لَمْ نشهدها وأشهدنَا قسّ ذكرها فَقَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا جارود ليلة أُسري بي إلى السماء أوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليَّ أنْ سل مِنْ أرسلنا مِنْ قبلك مِنْ رسلنا عَلَى ما بعثوا، فقلت عَلَى ما بعثتم، قالوا عَلَى نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما، ثم أوحي إليَّ أنَّ التفت عَنْ يمين العرش، فإلتفت فإذا علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين وَمُحمَّد بن علي، وجعفر بن مُحمَّد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى وَمُحمَّد بن علي وعلي بن مُحمَّد والحسن بن علي والمهدي فِي ضحضاح مِنْ نور يصلّون فَقَالَ الرب تَعَالَى هؤلاء الحجج لأوليائي وَهَذَا المنتقم مِنْ أعدائي»(٥٧٨). الحديث
فكنّا أنواراً بأرواح وأسماع وأبصار ونطق وحسّ وعقل وَكَانَ الله الخالق ونحن المخلوقون، والله المكوّن ونحن المكونون والله البارئ ونحن البرية، موصولون لا مفصولون، فهلّل نفسه فهللناه، وكبّر نفسه فكبّرناه، وسبّح نفسه فسبحناه وقدّس نفسه فقدّسناه، وحمد نفسه فحمدناه.
وَلَمْ يغيبنا وأنوارنا تتناجى وتتعارف مسمين متناسبين أزليّين لا موجودين، مِنْهُ بدؤنا وإليه نعود، نور مِنْ نور بمشيئته وقدرته لا ننسى تسبيحه ولا نستكبر عَنْ عبادته، ثمَّ شاء فمدّ الأظلّة)(٥٧٩). 
وهناك مباحث عديدة أخرى في الإسراء والمعراج كالعروج الروحي وَعالم الأظِلَّة، والطواف بالعرش (عروج أرواحهم للعرش)، والفرق بين العروج والموت، وعروج روح المؤمن أو الإنسان فِي المنام، وهذه نستوفيها في أبواب الرجعة.
الطواف بالعرش، العروج الروحي والأظلة، عروج أرواحهم للعرش:
١) روى فِي بصائر الدرجات بسنده عَنْ المفضل عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: قَالَ لي أبو عبد الله (عليه السلام) ذَاتَ يَوُم وَكَانَ لا يكنيني، قبل ذَلِكَ: «يا أبا عبد الله» فقلتُ: لبيك جُعلت فداك، قَالَ: «إنَّ لنا فِي كُلّ ليلة جمعة سروراً» قلتُ: زادك الله وما ذاك؟ قَالَ: قَالَ: «إنَّهُ إذَا كَانَ ليلة الجمعة وافى رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) العرش ووافى الأئمة معه ووافينا معهم فلا تردّ أرواحنا إلى أبداننا إلَّا بعلم مُستفاد ولولا ذَلِكَ لنفد ما عندنا»(٥٨٠). 
٢) روى فِي البصائر بِسَنَدٍ عَنْ الحسن بن العباس بن حريش عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ لنا فِي ليالي الجمعة لشأناً مِنْ الشأن» قلتُ جُعلت فداك، أيّ شأن؟ قَالَ: «تؤذن للملائكة والنبيين والأوصياء الموتى وأرواح الأوصياء والوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السَّماء فيطوفون بعرش ربّها أسبوعاً وَهُمْ يقولون: سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والرُّوُح، حَتّى إذَا فرغوا صلّوا خلف كُلّ قائمة لَهُ ركعتين، ثمَّ ينصرفون فتنصرف الملائكة بما وضع الله فيها مِنْ الاجتهاد شديداً إعظامهم لما رأوا، وَقَدْ زيد فِي اجتهادهم وخوفهم مثله وينصرف النبيّون والأوصياء وأرواح الأحياء شديداً حبّهم وَقَدْ فرحوا أشد الفرح لأنفسهم ويصبح الوصي والأوصياء قَدْ ألهموا إلهاماً مِنْ العلم علماً جمّاً مثل جم الغفير لَيْسَ شيء أشدّ سروراً منهم، أُكتُم فوالله لهذا أعزّ عِنْدَ الله مِنْ كذا وكذا عندك حصنة، قَالَ: يا محبور والله ما يلهم الإقرار بما ترى إلَّا الصالحون، قلت: والله ما عندي كثير صلاح، قَالَ: لا تكذب عَلَى الله فَإنَّ الله قَدْ سمّاك صالحاً، حَيْثُ يقول ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ يعني: الَّذِيْنَ آمنوا بنا وبأمير المُؤْمِنِين وملائكته وأنبيائه وجميع حججه عَلَيْهِ وَعَلَى مُحمَّد وآله الطَّيْبِين الطَّاهِرين الأخيار الأبرار السلام»(٥٨١). 
٣) روى فِي بصائر الدرجات بِسَنَدِهِ عَنْ أبي يحيى الصنعاني عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «يا أبا يحيى إنَّ لنا فِي ليالي الجمعة لشأناً مِنْ الشأن» قَالَ: فقلتُ لَهُ: جُعلت فداك: وما ذَلِكَ الشأن؟ قَالَ: «يؤذن لأرواح الأنبياء الموتى وأرواح الأوصياء الموتى وروح الوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السَّماء حَتّى توافي عرش ربها فتطوف به أسبوعًا وتصلّي عِنْدَ كُلّ قائمة مِنْ قوائم العرش ركعتين، ثمَّ ترد إلى الأبدان الَّتِي كانت فيها فتصبح الأنبياء والأوصياء قَدْ ملئوا وأعطوا سروراً ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وَقَدْ زيد فِي علمه مثل جم الغفير»(٥٨٢). 
عروج أمير المؤمنين (عليه السلام) الى السماء الرابعة:
وروى فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَاشِمٍ الدُّورِيُّ مُعَنْعَناً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ آبَائِهِ قَالَ: هَبَطَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) عَلَى النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهُوَ فِي بَيْتِ [مَنْزِلِ] أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ مَلَأً مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ يُجَادِلُونَ فِي شَيْءٍ حَتَّى كَثُرَ بَيْنَهُمُ الْجِدَالُ فِيهِ وَهُمْ مِنَ الْجِنِّ مِنْ قَوْمِ إِبْلِيسَ الَّذِينَ قَالَ الله فِي كِتَابِهِ ﴿ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾  فَأَوْحَى الله [تَعَالَى] إِلَى المَلَائِكَةِ قَدْ كَثُرَ جِدَالُكُمْ فَتَرَاضَوْا بِحَكَمٍ مِنَ الْآدَمِيِّينَ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ قَالُوا قَدْ رَضِينَا بِحَكَمٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَأَوْحَى الله إِلَيْهِمْ بِمَنْ [فَمَنْ] تَرْضَوْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ] قَالُوا [قَدْ] رَضِينَا بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَأَهْبَطَ [فهبط] الله مَلَكاً مِنْ مَلَائِكَةِ سَمَاءِ الدُّنْيَا بِبِسَاطٍ وَأَرِيكَتَيْنِ فَهَبَطَ [فأهبط] عَلَى [إِلَى] النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي جَاءَ فِيهِ فَدَعَا النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَأَقْعَدَهُ عَلَى الْبِسَاطِ وَوَسَّدَهُ [وسداه] بِالْأَرِيكَتَيْنِ ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ ثَبَّتَ [ثَبَّتَكَ] الله قَلْبَكَ وَصَيَّرَ حُجَّتَكَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ [فَإِذَا نَزَلَ] قَالَ [فَقَالَ] يَا مُحَمَّدُ [إِنَ] الله يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم﴾(٥٨٣)
ومفاد الرواية مضافا الى عروج امير المؤمنين (عليه السلام) بجسده الى السماء الرابعة نزوله بالآية الكريمة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد تقرر عند كثير من المفسرين نصوصا بحسب النمط الثاني للقرآن، أنه ينزل من البيت المعمور والذي هو في السماء الرابعة.

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) البحار، ٥٣.
(٢) مختصر بصائر الدرجات / ٣٠
(٣) بصائر الدرجات ج٢ ب٤ الحديث ٥.
(٤) الكافي٣ / ١٣٢.
(٥) المحتضر، الحسن بن سليمان الحلي/ ٣٣.
(٦) الرجعة، الميرزا الأسترابادي / ١٨٩.
(٧) مرآة العقول للمجلسي الثاني ج٣ ص ٢٠٠.
(٨) كتاب العين للفراهيدي باب العين والجيم والراء معهما.
(٩) مقدمة فتح الباري في شرح البخاري لابن حجر العسقلاني ص ٤٢٦.
(١٠) الأنساب للسمعاني ٢/٦٨.
(١١) المجروحين لابن حبان ١/٢٩٨، تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٨٤، سير أعلام النبلاء للذهبي ٤/٣١٠، الأنساب للسمعاني ٥/٦٢٧.
(١٢) معرفة علوم الحديث للحاكم النيشابوري ص ١٣٧.
(١٣) الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/٢٢٨.
(١٤) الأنساب للسمعاني ٣/١٥٢.
(١٥) نيل الأوطار للشوكاني ٣/٢٦٢.
(١٦) مختلف الحديث لابن قتيبة ص١٧.
(١٧) الكاشف في معرفة من له رواية للذهبي ١/٥٤٥.
(١٨) ميزان الاعتدال ٢/٤٠٨، تهذيب الكمال للمزي ١٤/٤٢٢.
(١٩) تاريخ الإسلام للذهبي ٢٤/١٩٧.
(٢٠) ضعفاء العقيلي ١/١٢٩.
(٢١) ميزان الاعتدال للذهبي ٣/٥٠.
(٢٢) طبقات الحنابلة لابن ابي يعلى ٢/٢٧٥.
(٢٣) اريد به الوعد ولم يأت في اللغة ولا يدلّ على العدم. والمراد بالوعد قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾، وقوله: (لتظفرنهم) متعلق بالايواء واللام جواب للقسم الذي تضمنه الايواء. (آت)
(٢٤) الكافي ج ٣ ص ٣٢٥.
(٢٥) تفسير القمي٢/ص٧٧.
(٢٦) تفسير القمي٢، ص١٢٦.
(٢٧) مختصر بصائر الدرجات: ص٥٧٣، [٥٤٧/٣٦]. وتأويل الآيات الباهرات: السيد شرف الدين/ ٤٠٥
(٢٨) الكافي: ج٨، ص٢٤٧، فصل ما جاء في معرفة الله تعالى: ح٣٤٦.
(٢٩) كامل الزيارات: ب١٩، ح١٦٣ - ٣/ص١٣٩؛ مختصر البصائر، تتمة ما تقدم من أحاديث الرجعة: ح [٥٠٥١٣] ص٥١٢.
(٣٠) سورة آل عمران: الآية ٨١.
(٣١) مختصر البصائر، باب الكرّات، ح٨٦ - ٣٢، ص١٤٢.
(٣٢) تفسير العيّاشي: ج١، ح٧٧، ص١٨١، قوله تعالى (وإذ أخذ...)؛ وأيضاً البحار: ج٥٣، باب الرجعة، ح٦٧، ص٧٠.
(٣٣) سورة الأنبياء: الآية ٢١ /١٠٥.
(٣٤) تفسير القُمّي: ٢/١٢٦.
(٣٥) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج٢٠، حكمة رقم ٣٤٣ ص٢٩٣.
(٣٦) نهج البلاغة٢، ٤٤.
(٣٧) مختصر بصائر الدرجات: ص١٣٧، باب الكرّات وحالاتها.
(٣٨) تفسير العيّاشي: ج٢/ ص١٢٢/ ح١٩/ الآية ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ..﴾.
(٣٩) تفسير العيّاشي: ج٢، ص١٢٢/ ح٢٠/ ذيل الآية ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن...﴾.
(٤٠) تفسير القمي ٢/ص٣٧.
(٤١) كمال الدين، الصدوق/ ١٣١.
(٤٢) الخرائج والجرائح٢ / ٩٣٤.
(٤٣) المصدر السابق٢/ ٨٤٨.
(٤٤) الكافي ٣/ ٢٦٠.
(٤٥) الكافي: ج٣، ص٢٦٠ ح٣٧.
(٤٦) الكافي: ج٨، ص١٢٠ ح٩٣.
(٤٧) تفسير القمّي: ج١ ص٢٦٧، سورة إبراهيم، ذيل آية ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ... بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ المختصر: ح٢٠٦/ ص١٧٦، باب تفضيل محمود.
(٤٨) السجدة: ٥.
(٤٩) مصباح الزائر: فِي زيارة القائم (عجّل الله فرجه) فِي السرداب.
(٥٠) المزار للمشهدي: ب٢، ص٦٥٨.
(٥١) مصباح المتهجِّد: أعمال شهر ذي القعدة، دعاء دحو الأرض: ص٦٧٠.
(٥٢) المزار الكبير: الباب/ ١٣، الزيارة/ ١٥.
(٥٣) الخرائج والجرائح للراوندي ٣/١١٦٨.
(٥٤) الغيبة للطوسي الحديث ٤٣١ ص٤٤٠.
(٥٥) الغيبة للنعماني: ١٨٠/٢٨ وعنه فِي بحار الأنوار: ٥٢/ ٢٩٠/ ذيل ح٢٨، وتقدم مثله برقم ١٠٨، وباختلاف يسير.
(٥٦) دلائل الإمامة للطبري الحديث ٤٤١/٤٥.
(٥٧) كفاية الأثر / ١٥٩.
(٥٨) الكافي للكليني ج٨ / ٣١٠، الحديث ٤٨٤.
(٥٩) الخرائج والجرائح للراوندي ٣/١١٦١.
(٦٠) الغيبة للنعماني ب ١٤ ح ١٩ ص ٣٦٧.
(٦١) الغيبة للنعماني ب١٤ ح ٢٣ ص ٢٧٠.
(٦٢) الغيبة للنعماني ب ١٤ ح ١٥ ص ٢٦٥.
(٦٣) الغيبة للنعماني ب١٤ ح ٢٦ ص ٢٧٢.
(٦٤) الغيبة للنعماني ب ١٤ ح ٢٨ ص ٢٧٢.
(٦٥) تفسير القمي ذيل الآية ٤٢ سورة ق ج١ ص ٣٢٧.
(٦٦) تفسير القمي ذيل الآية ٤٢ سورة ق ج١ ص ٣٢٧.
(٦٧) مختصر بصائر الدرجات الحديث ٦٠/٦ ص ١٢٠.
(٦٨) ينابيع المودة للقندوزي ج٣ ص٢٩٨ الباب ٨٧ نقلا عن فرائد السمطين.
(٦٩) أهل البيت في الكتاب المقدس لمؤلفه كاظم النصيري الواسطي ص١٢٩.
(٧٠) فالآية الأولى الآية ٤٢ سورة ق / والثانية الآية ٢٤ سورة الجن / الثالثة الآية ٥ من سورة الإسراء / والرابعة الآية ١ من سورة المعارج / والخامسة الآية ٣٨ سورة النحل.
(٧١) تفسير القمي ذيل الآية ٢٤ سورة الجن.
(٧٢) علل الشرايع للصدوق ج ١ ب ١٥١ / ١٩٢.
(٧٣) المسترشد / ٤٥٢ والاحتجاج ج١ / ١٣٧.
(٧٤) الكافي ج١ / ٤٣٤ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ح ٩١.
(٧٥) كتاب سليم بن قيس / ٣٨٨.
(٧٦) الكافي: ج٨ ح٢٥٠.
(٧٧) تفسير العياشي الحديث ٢٠ ج ٢ /٢٨١.
(٧٨) دلائل الإمامة للطبري الحديث ٤٢٤ /٢٨، والهداية الكبرى ب١٤ الحديث ٥٢ و٦٦، ومقتضب الأثر لابن عياش / ٧.
(٧٩) كامل الزيارات لابن قولويه ب ١٨ الحديث ١٥٣ /١، ١٣٣.
(٨٠) الغيبة للنعماني ب ١٤ ح ٤٩ / ٢٧٢.
(٨١) الغيبة للنعماني ب ١٤ ح٤٨ / ٢٧٢.
(٨٢) الإرشاد للمفيد: ج٢، ص٣٧، باب ذكر علامات قيام القائم (عجّل الله فرجه).
(٨٣) روضة الواعظين لابن فتال النيشابوري / ٢٦٣.
(٨٤) مجمع البيان للشيخ الطبرسي: ج٧، ص٤٠٥، سورة النمل: الآية ٨٣.
(٨٥) دلائل الإمامة للطبري الحديث ٤٤٣/٤٧.
(٨٦) وهذا الحديث معروف بين المسلمين منذ الصدر الأول، قال البلاذري في الحديث: (١٠٥) من ترجمة الإمام الحسن وأولاده في ترجمة النفس الزكية محمد بن عبد الله المحض من كتاب أنساب الأشراف: ج ١ ص ٤٥٩ من النسخة المخطوطة ج٣ ص٩٤ طبعة المحمودي: وسارع أهل المدينة إلى بيعة محمد، وقالوا: هذا الذي كنا نسمع به: «العجب كل العجب بين جمادى ورجب». وقال بن حبان في الثقات ٢/٢٨٣ قال: قد أكثر علي (عليه السلام) من قول العجب كل العجب.
(٨٧) الملاحم والفتن لابن طاووس ب ٦٨ الحديث ٧٩.
(٨٨) الفتن لنعيم بن حماد المروزي ص ١٣١.
(٨٩) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيشابوري ٤/٥١٧.
(٩٠) دلائل الإمامة للطبري الحديث ٤٢٤/٢٨.
(٩١) والهداية الكبرى الحديث ٥٢، ب ١٤، ص ٤٤٥، مقتضب الأثر لابن عياش ص٧.
(٩٢) في نسخة تفسير البرهان عن العياشي "الكوفة".
(٩٣) تفسير العياشي ذيل الآية ١٥٩ سورة الأعراف.
(٩٤) الإرشاد للمفيد ٢/٣٨٦.
(٩٥) روضة الواعظين لابن فتال النيشابوري ص٢٦٥، وأعلام الورى للطبرسي ج٢ ص ٢٩٢.
(٩٦) دلائل الإمامة للطبري الحديث ٤٤٤/٤٨.
(٩٧) مختصر بصائر الدرجات: الحديث ٥٢٥/١٤ ص٥٥٩، خطبة المخزون من كتاب خطب مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) للسيد رضي الدين بن طاووس ونقل تلك الخطبة عنه ايضا الإسترابادي في كتابه الرجعة ص١٥٦.
(٩٨) الهداية الكبرى للخصيبي ب١٤ الحديث ٦٦.
(٩٩) دلائل الإمامة للطبري الحديث ٤٨٠/٨٤، ص ٤٨٤.
(١٠٠) تفسير العياشي ذيل الآية ١٤٨ سورة البقرة الحديث ١١٧.
(١٠١) معاني الأخبار الحديث ٨١ ص ٤٠٦.
(١٠٢) مختصر بصائر الدرجات الحديث ٥٢٥/١٤ ص ٥٥٢.
(١٠٣) الغيبة للنعماني ب ١٤ الحديث ٧ ص ٢٥٩.
(١٠٤) تأويل الآيات الظاهرة للاسترابادي ذيل الاية ١٣ من سورة الممتحنة.
(١٠٥) ينابيع المودة للقندوزي عنه وشرح النهج لابن ابي حديد ٦/١٣٥.
(١٠٦) كتاب عقد الدرر للمقدسي ص ١٠٧ - ١٠٨ - ١١٥.
(١٠٧) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان للمتقي الهندي صاحب كنز العمال، ص ١٣٦، وكنز العمال الحديث٣٨٧٢٤.
(١٠٨) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٢/١٠٨.
(١٠٩) مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ٢/٣٦٣ الحديث ٢١٩/١١٢، نقلا عن كنز العمال للمتقي الهندي الحديث ٣٩٦٧٩.
(١١٠) الملاحم لابن المنادي ص ٦٤.
(١١١) فهرست النجاشي في ضمن ترجمة أبان بن تغلب. وذكر ذلك عنه في الطبقات الكبرى ٦/٣٦٠.
(١١٢) دلائل الإمامة للطبري الحديث ٤٤٩/٥٣ وتفسير العياشي ذيل الآية النحل ٣٨.
(١١٣) دلائل الإمامة للطبري الحديث ٤٦١/٦٥.
(١١٤) دلائل الإمامة للطبري الحديث ٤٤٧/٥١. ورواه في إثبات الهداة عن كتاب مناقب فاطمة وولدها ب٣٢ ف ٤٨ ح٧٠٩.
(١١٥) الكشّي: ح٣٩٠، ص٢٣٤.
(١١٦) الإرشاد للمفيد ٢/٣٨١.
(١١٧) الإرشاد للمفيد ٢/٣٧٣.
(١١٨) الخرائج والجرائح للراوندي ٣/١١٦٤.
(١١٩) المحتضر: ح١٠، باب الروايات الدَّالَّة عَلَى إمكان الرؤية فِي الحياة وَبَعْدَ الممات، ص٢٠؛ وأيضاً فِي الكافي: ج٣: باب ما يعاين المؤمن والكافر: ص١٣٢.
(١٢٠) الكافي ٣ / ١٣٢.
(١٢١) سورة النبأ: الآية ١٨.
(١٢٢) سورة النمل: الآية ٨٣.
(١٢٣) سورة الكهف: الآية ٤٧.
(١٢٤) الكافي: ج٨، ص٥١.
(١٢٥) فالآية الأولى ٢٤ من سورة الجن والثانية الآية ٥ من سورة الإسراء والآية ١ من سورة المعارج وهذه الآية ٣٨ من سورة النحل.
(١٢٦) الغيبة للنعماني ب ١٨ الحديث ١٠ ص ٣١٥.
(١٢٧) الغيبة للنعماني ب ١٨ الحديث ٦ ص ٣١٣.
(١٢٨) الغيبة للنعماني ب ١٨ الحديث ٥، ص ٣١٢.
(١٢٩) الكافي ج٤ ص ١٥٧ ب ليلة القدر ح٦، الفقيه للصدوق ج٢ ص ١٥٨ ح ٢٠٢٤.
(١٣٠) تفسير القمي ذيل الآية ٣٨ سورة النحل.
(١٣١) الخصال للصدوق، في التسع الحديث ٢٦ ص ٤٢٤.
(١٣٢) تفسير العياشي ذيل الآية ٣٨ سورة الأنفال.
(١٣٣) بحار الأنوار ٥٢/٣٠٧، ب٢٦ الحديث ٨١ نقلا عن كتاب سرور أهل الإيمان في علامات ظهور صاحب الزمان للسيد بهاء الدين الحسيني النيلي النجفي تلميذ فخر المحققين.
(١٣٤) الغيبة للنعماني ب ١٤ ح ٢٥ ص ٢٧١.
(١٣٥) بحار الأنوار ٥٢/٣٠٦ ب٢٦ الحديث ٧٩، نقلا عن المصدر السابق ايضا.
(١٣٦) الهداية الكبرى للحضيني ب ١٤، الحديث ٦٦ ص ٤٦٧.
(١٣٧) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٤٦٩.
(١٣٨) كمال الدين للصدوق ب ٤٥ الحديث ٤٤ ص ٥١٦.
(١٣٩) تفسير العياشي ذيل الآية ١٤٨ سورة البقرة الحديث ١١٧.
(١٤٠) الفتن لنعيم بن حماد ص١٨٧.
(١٤١) الفتن لنعيم بن حماد ص ١٩٩.
(١٤٢) الفتن لنعيم بن حماد ص ١٦٥، ونقل عنه الملاحم والفتن لابن طاووس ص ١١٣الباب ٨٤ الحديث ٨٩.
(١٤٣) الغيبة للطوسي الحديث ٤٣٧ ص ٤٤٤.
(١٤٤) الغيبة للنعماني ب ١٨، ح ١٤ ص ٣١٦.
(١٤٥) الخرائج والجرائح للراوندي ٢/٥٥٢، وقصص الأنبياء للراوندي ح ١٥٤ ص١٤٥.
(١٤٦) الغيبة للطوسي الحديث ٤٣٧ ص ٤٤٤.
(١٤٧) الهداية الكبرى للخصيبي ب ١٤ الحديث ٦٦، ص ٤٠٣.
(١٤٨) الغيبة للطوسي الحديث ٤٧٩ ص ٤٦٣.
(١٤٩) الفتن نعيم بن حماد ح٩٠١ ب٣٧ ج٤.
(١٥٠) الفتن لنعيم بن حماد / ٢١٣ باب اجتماع الناس بمكة.
(١٥١) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرّات، ٦٤/ ١٠، ص١٢٤، بحار الأنوار: ٥٢: ١٩/٨١، وج٥٣: ٩٠/ ٩٢ عَنْ المختصر.
(١٥٢) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرّات: ٦٨/١٤.
(١٥٣) المعرفة والتاريخ: ج٢، ص٧٦٨
وَهَذَا الحديث فيه حذفٌ لاسم عثمان وَقَدْ أشار المؤلف إلى ذَلِكَ والذهبي أيضاً وكذلك المحقق بقوله: - قَالَ محقق الكتاب: «ينبغي أنْ يكون اسم «عثمان» رضي الله عنه. قَدْ سقط مِنْ الأصل بَعْدَ «يحب» كَمَا يتبيِّن مِنْ ص٧٧٠، والذهبي فِي ميزان الاعتدال ٢/١٠٧» انتهى كلام المحقق.
(١٥٤) المعرفة والتاريخ: ج٢، ص٧٧٠.
(١٥٥) ميزان الاعتدال: ج٢، ص١٠٧.
(١٥٦) بصائر الدرجات الجزء ١٠، الباب ١٤، الحديث ١٧٢٨/٤.
(١٥٧) مدينة المعاجز للسيد البحراني الحديث ١٨٢١/٢٥١ رواه عن بصائر الدرجات لسعد بن عبدالله، وكذا في البحار ٥٤/٣٣٣.
(١٥٨) مختصر بصائر الدرجات الحديث ٣٩/٣٩ ص ٩٤.
(١٥٩) مختصر بصائر الدرجات الحديث ٤٦/٤٦ ص ١٠٢. المحتضر للحسن بن سليمان الحلي الحديث٢٢٢، ص ١٨٤.
(١٦٠) بصائر الدرجات الجزء ١٠، ب ١٤ ح ١٧٣٢/٨. ورواه في مختصر بصائر الدرجات الحديث٤٣/٤٣.
(١٦١) الوافي للفيض ج ٢٦ ص ٤٧٩.
(١٦٢) الوافي للفيض ج ٢٦ ص ٤٨٠.
(١٦٣) بحار الأنوار ٥٤/٣٥١.
(١٦٤) النجم الثاقب للنوري ٢/٢٠٥.
(١٦٥) إمتاع الأسماع للمقريزي ج٨/ص١٧٤.
(١٦٦) بصائر الدرجات الجزء ١٠، ب ١٤، ح ١٧٣٥/١١. ورواه في الكافي ج١ ص ٤٦٣ ب مولد الحسن (عليه السلام)، والاختصاص ص ٢٩١، والإرشاد للمفيد ٢/٢٩، ومختصر بصائر الدرجات الحديث ٤٥/٤٥.
(١٦٧) كتاب ألقاب الرسول وعترته لأحد قدماء المحدثين ق ٤، ص ٤٨.
(١٦٨) روضة الواعظين بن فتال ص ١٦٦، والإرشاد للمفيد٢/٢٩.
(١٦٩) قصص الأنبياء للراوندي ب١ ف ١ ص ٣٨ - ٤١.
(١٧٠) تفسير العياشي ذيل الآية ٩٠ سورة الكهف ج٢ ص ٣٥٠.
(١٧١) الهداية الكبرى ب ١٤ الحديث ٦٦ ص ٥١٩.
(١٧٢) بصائر الدرجات الجزء ١٠، ب١٤، ح ١٧٣٣/٩.
(١٧٣) مختصر بصائر الدرجات ٤٤/٤٤.
(١٧٤) تحف العقول لابن شعبة الحراني ص ٢٣٣.
(١٧٥) المناقب لابن شهر آشوب ٣/٢١٠.
(١٧٦) علل الصدوق ب ١٥٩، ص ٢١٩، المناقب لابن شهر آشوب ٣/١٩٦.
(١٧٧) بحار الأنوار ٥٤/٣٣٦، نقلا عن كتاب الواحدة.
(١٧٨) سورة الأنبياء: الآية٩٥-٩٦-٩٧.
(١٧٩) الكافي: ج٨، ص٢٢٠ ح٢٧٤.
(١٨٠) الإرشاد للمفيد: ١/١٤١.
(١٨١) روضة الواعظين: ص٤٨٤.
(١٨٢) مختصر البصائر: ص٢٠٤.
(١٨٣) عيون الحكم والمواعظ (علي بن مُحمَّد الليثي الواسطي) عَنْ الخصال المخطوط.
(١٨٤) الكشف والبيان عَنْ تفسير القرآن - الثعالبي - ج٦ ص٣٠٧.
(١٨٥) تهذيب تاريخ بن عساكر: ص٤٩.
(١٨٦) كمال الدِّين: ص٤٠٣، ما روي فِي ذي القرنين.
(١٨٧) بن حمّاد: ص١٦١.
(١٨٨) إثبات الوصية للمسعودي ص ٢٠.
(١٨٩) تفسير العياشي ج٢ص٢٤٢، ذيل الآية٣٨ سورة الحجر، سورة ص: الآية ٧٩.
(١٩٠) دلائل الإمامة للطبري ص ٤٥٣.
(١٩١) بحار الأنوار ٥٢/٣٧٦، ب٢٧ ح ١٧٨ من حياة المهدي (عجّل الله فرجه)، منتخب الأنوار المضيئة في ذكر القائم الحجة (عليه السلام)، فصل ١٢، ص ٢٠٣.
(١٩٢) الملاحم والفتن: ص٤٠٢، باب خروج الدابة.
(١٩٣) تفسير القمي: ج٣ ص٢١٥.
(١٩٤) مختصر بصائر الدرجات: الحديث ٩١ /٣٧، ص ١٤٥.
(١٩٥) ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع ج ٢ ص ٤٠٢.
(١٩٦) كما فيما نقله عنه كتاب إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب لليزدي الحائري٢/٢٤٦، والأنسب على تقدير وجود اللفظة هو (قائمهم).
(١٩٧) ابن طاووس، على بن موسى، سعد السعود للنفوس، ص٣٤ - ٣٥.
(١٩٨) الغيبة للنعماني ب ١٤ ح٥٦ ص ٢٧٦.
(١٩٩) البكرى، احمد بن عبد الله، الأنوار في مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ص ١١ - ١٦. وبحار الأنوار ج١٥ ص ٣١.
(٢٠٠) وَفِي تَفْسِيرِ الصَّافِي (ص ٤٥٠) عَنِ الصَّادِقِينَ (عليهما السلام): أَنَّ أَيُّوبَ (عليه السلام) ابْتُلِيَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ سَبْعَ سِنِينَ وأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ لَا يذنبون ولَا يزيغون ولَا يرتكبون ذَنْباً صَغِيراً ولَا كَبِيراً.
(٢٠١) هَكَذَا فِي النُّسْخَةِ والْأَوْلَى «فَعَلْنَاهُ» ج. ز
(٢٠٢) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي - ج٢ ص ٢٣٩ سورة ص الآية ٣٨.
(٢٠٣) الخصيبى، حسين بن حمدان، الهداية الكبرى - ص ٤٣٧، باب ١٤ ح ٦٦.
(٢٠٤) الكافي: ج٨، ح٩٣ ص١٢٠، وفي طبعة أخرى ج١٥ ح١٤٩٠٨/٩٣.
(٢٠٥) الكافي: ج٣، كتاب الجنائز، ب٨٩/ح٣.
(٢٠٦) الكافي: ٣: ٢٣٥/١ و٢٣٦/٤؛ محتصر البصائر: ٧١/١٧/ص١٢٩.
(٢٠٧) مختصر بصائر الدرجات، باب الكرّات وحالاتها: ح٦١ - ٧/ص١٢٢.
(٢٠٨) سورة النساء: الآية ١٥٧ - ١٥٨.
(٢٠٩) سورة آل عمران: الآية ٥٥.
(٢١٠) سورة النساء: الآية ١٥٩.
(٢١١) مختصر البصائر، باب الكرّات وحالاتها/ حديث [٥٧/٣] ص١١٩.
(٢١٢) تفسير القمي١/١٩. البُرهان في تفسير القُرآن: ج١، ص٩٢.
(٢١٣) مختصر بصائر الدرجات، أحاديث الرجعة: ص١٦١، ح١٠٢/٢.
(٢١٤) سورة المؤمنون: الآية ١١١ - ١١٢.
(٢١٥) سورة البقرة: الآية ٣٦؛ سورة الأعراف: الآية ٢٤.
(٢١٦) الكافي: ج٣، ص٢٣٧.
(٢١٧) الكافي: ج٣، ص٢٣٧.
(٢١٨) الكافي: ج٣، ص٢٣٨.
(٢١٩) من لا يحضره الفقيه١/١٨١ ح٥٤٠.
(٢٢٠) الكافي: ج٣، ص١٨٩.
(٢٢١) الدعوات (سلوة الحزين) ص٢٦٦.
(٢٢٢) العيّاشي: ج٢، ح١٧، ص٢٢٥.
(٢٢٣) العيّاشي: ج٢، ح١٨، ص٢٢٦.
(٢٢٤) كامل الزيارات /٢٥٩.
(٢٢٥) تفسير نور الثقلين: ج٣، ص٣٢٢؛ تفسير العيّاشي: ٢/١٦٠/ح٦٨.
(٢٢٦) شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار، ابن حيون ج٣/ ٤٩٣
(٢٢٧) البصائر ٢/ ب١٢/ح١٤٠٠ - ١١/ انهم اعطوا القدرة أن يسيروا في الأرض.
(٢٢٨) البصائر، ج٢ / ب١٢ / ح١٤٠١ - ١٢
(٢٢٩) البصائر، ج٢ / ب١٢ / ح١٤٠٢ - ١٣ص٤٢١.
(٢٣٠) البصائر، ج٨ / ب١٣ / ح١٤١٠ - ٥ ص ٧٣٣.
(٢٣١) روضة المتقين: ج٥ ص٤٨٧.
(٢٣٢) كذا في المجمع - وهو الصحيح -، وفي الأصل: وقالوا.
(٢٣٣) في المجمع: إليهم.
(٢٣٤) مجمع البيان: ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩.
(٢٣٥) سورة مريم: الآية ١٧.
(٢٣٦) سورة الأنبياء: الآية ٦٩.
(٢٣٧) سورة الأعراف: الآية ٩٦.
(٢٣٨) الخرائج والجرائح: ٢: ٨٤٨ و٨٤٩/ح٦٣. وروى هذه الرواية بتمامها الشَّيْخ الثقة الجليل قطب الدِّين سعيد بن هبة الله الراوندي فِي نوادر المعجزات مِنْ كتاب الخرائج والجرائح فِي فصل الرجعة بسند معتبر عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام).
(٢٣٩) سورة الحجر: الآية ٣٦ - ٣٧.
(٢٤٠) مختصر بصائر الدرجات ح٩١ /٣٧ / ١٤٥ باب الكرات
(٢٤١) البصائر / ٢٩٥
(٢٤٢) البحار٢٦ / ٦. نقلا عن كتاب المناقب للعلوي الذي ينقل عنه صاحب البحار باسم كتاب عتيق.
(٢٤٣) مصباح الكفعمي/ ٤٩٨ زيارة النصف من شعبان.
(٢٤٤) المزار للمشهدي / ٤٩٧
(٢٤٥) المصدر السابق / ٤٩٩.
(٢٤٦) مشارق أنوار اليقين عنه عيون الحكمة والمواعظ ص١٦٧، ط: دار الحديث للواسطي.
(٢٤٧) مزار المشهدي /٢٩٣
(٢٤٨) المصدر السابق/٣٠٨
(٢٤٩) جمال الأسبوع فيما نذكره مما يختصّ بكلّ يوم اثنين من الأسبوع: ف٧ ص١١٥.
(٢٥٠) بحار الأنوار: ج٥٦ ص٤٠.
(٢٥١) الكافي: ج١، ح١ ص١٩٠ باب أنّ الأئمة شهداء...
(٢٥٢) الكافي: ج١ ح٥ ص١٩١ باب أن الأئمة شهداء....
(٢٥٣) الكافي: ج١ ص٢١٩ ح١ باب عرض الأعمال.
(٢٥٤) الكافي: ج١ ح٣ ص٢١٩.
(٢٥٥) الكافي: ج١، ح٣ ص٢.
(٢٥٦) الكافي: ج١ ح٥ ص٢٢٠.
(٢٥٧) كشف الخفاء العجلوني: ج١ ص٣٠٦.
(٢٥٨) بصائر الدرجات: ص٤٤٦ ح١٦.
(٢٥٩) جامع الاسرار، سيد حيدر الآملي/ ٣٨٢
(٢٦٠) الخرائج: ج٢ ص٨٢٠ الباب السادس عشر؛ البصائر: ص٣٠٢، ١٩ح/ث: ج٦باب أن الأئمة يزورون الموتى وأن الموتى يزورونهم.
(٢٦١) الخرائج والبصائر: ج٢، ح٦٢/ص٧٤٥ باب في الدلالات والبراهين على صحة إمامة الاثني عشر إماماً؛ أمالي المفيد: ح٥ ص١٠٤.
(٢٦٢) الخرائج والجرائح: ٢: ٨١٩/٣١؛ بصائر الدرجات: ٢٩٨/١٣.
(٢٦٣) أمالي الصدوق: المجلس ٨٧/ح٩٤٧/ص٦٩٠.
(٢٦٤) الخرائج والجرائح: ج٢/ص٥٢٤/١.
(٢٦٥) الخرائج والجرائح: مجلد ٢ ح١٦ ص٨٠٧.
(٢٦٦) البصائر: الجزء السادس، الباب السابع: ح٣.
(٢٦٧) البصائر: الجزء السادس، الباب السابع: ح١ ح٥ ح٧.
(٢٦٨) المصدر السابق نفسه.
(٢٦٩) بصائر الدرجات / ٣٠٦.
(٢٧٠) ضجنان وادي في الطريق من المدينة الى مكة بالقرب من وادي عسفان.
(٢٧١) معاني الأخبار: ص٤٠٦ ح٨١.
(٢٧٢) سورة الأعراف: الآية ٢٤ - ٢٥.
(٢٧٣) سورة المؤمنون: الآية ١١٥.
(٢٧٤) الكافي: ج٣ ص٢٥١ رقم.
(٢٧٥) مَنْ لا يحضره الفقيه: ح١ ص١٩١ رقم ٥٨٠.
(٢٧٦) مِنْ لا يحضره الفقيه: ح١ ص١٩١/٥٨٠.
(٢٧٧) الأمالي للصدوق: ٢٥٨/٦ ص٢٤٣.
(٢٧٨) احتاج الطبرسي: ج٢، باب احتجاجات الصادق (عليه السلام) : ص٢٤٤ ح٣٢٢.
(٢٧٩) مصباح الكفعمي: ٢: ٤٦؛ مصباح المتهجّد: ٣٧٤.
(٢٨٠) تفسير القمي: علي بن إبراهيم القمّي - ج٢، ص٢١٤.
(٢٨١) مختصر: ص١٦١ /١٧٠.
(٢٨٢) نفس المصدر.
(٢٨٣) سورة آل عمران: الآية ٤٩.
(٢٨٤) الهداية الكبرى: الباب ١٤ ص٤٢.
(٢٨٥) الخرائج والجرائح/ ج٢/ ص٩٤٨.
(٢٨٦) مشارق أنوار اليقين/ رقم الخطبة: ١٤٥ - النورانية - ص٣٠٥؛ مختصر بصائر الدرجات: ٢/١٠٢، ص١٦٠ - ١٦٤؛ بحار الأنوار: ج٢٦ باب نادر فِي معرفتهم ص٤؛ الكافي/ ج٨، ص٣٣٧، ح٥٣٢.
(٢٨٧) كمال الدِّين: ص٣٨٥ - ٣٨٦/ ب٣٨.
(٢٨٨) تفسر القمي: مجلد ٢، ص٣٧.
(٢٨٩) الكافي ٣ /٢٥١. والفقيه١ / ١٩١ ح٥٨٠
(٢٩٠) الخرائج والجرائح: ص٩٣٤.
(٢٩١) الهداية الكبرى: الباب الرَّابِع عشر: ص٤٠٥.
(٢٩٢) الهداية الكبرى، الباب الرَّابِع عشر: ص٤٠٥.
(٢٩٣) الكافي: ج٣، ص٢٦٠.
(٢٩٤) الخرائج والجرائح: ج٢، ص٩٤٩؛ قصص الأنبياء: ب١٨ ص٢٦٨.
(٢٩٥) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج١ ص١٤٤ باب ١٢ ح٢.
(٢٩٦) الكافي: ج١، ص٤٥٦، ب مولد أمير المؤمنين (عليه السلام) : ح٦. والبصائر ١
(٢٩٧) تفسير القمي: ١/٣٨٠ - ٣٨١.
(٢٩٨) قُرب الإسناد: ٥٨/١٨٧، الإيقاظ عَنْ قرب الإسناد: ص٢١٨، الباب السَّابِع.
(٢٩٩) تفسير القمي١/ ٣٥٧
(٣٠٠) اعتقادات الصدوق/ ١٣٨، ١٤٠.
(٣٠١) المحاسن١/ ١٧٦، الكافي٣ /١٢٨.
(٣٠٢) الكافي ٣ / ١٣٠
(٣٠٣) الزهد للحسين بن سعيد الاهوازي ص ٨٢، الكافي ج ٣ ص١٣٢.
(٣٠٤) الكافي ٣/ ١٣٣
(٣٠٥) الكافي٣ / ١٣٣.
(٣٠٦) المجلسي عَنْ مشارق أنوار اليقين: ٢٢: ٣٨٤/ ٢١ - الحائري شجرة طوبى: ١: ٧٤.
(٣٠٧) قصص الأنبياء للراوندي: ٢٦٩ - ٣١٠ -؛ الإيقاظ: ص٢٤٠ ح٤١ ب٨، الرجعة وقت للأنبياء والأئمة.
(٣٠٨) الكافي: ج٥/٥٩١/ح٤٧٠٦/١٢.
(٣٠٩) الكافي: /ج٥/ص٥٨٩/ح٤٧٠٥/١١.
(٣١٠) البصائر: الجزء السَّادِس/ الباب السَّادِس/ح١ ص٣٦٩.
(٣١١) البصائر: الجزء السَّادِس/الباب السَّادِس/ ح٧ ص٣٧٠.
(٣١٢) الخرائج والجرائح: ج٢/ج٩/ص٨٠٠/ الباب السَّادِس عشر فِي نوارد المعجزات، ورى قريب مِنْهُ فِي الكافي ج١/ص٢٩٦ ح٧/باب الإشارة والنص عَلَى أمير المؤمنين (عليه السلام).
(٣١٣) الخرائج: ج٢، فِي فضل أعلام الحسين (عليه السلام) : ج١/ص٥٧٧.
(٣١٤) أخبار معرض الرجال ترجمة الفضيل بن يسار: ح٣٨١/ص٢٣٠.
(٣١٥) قصص الأنبياء: ٢٥٩/٣٠٠؛ البحار: ١٤ - ص٤١٦ - ٤١٧؛ الإيقاظ: ب٧ ح٤٠ ص٢٣٨، وَهَذَا الاحتجاج بين أمير المؤمنين (عليه السلام) ونفر مِنْ اليهود نقله ابن عباس.
(٣١٦) سورة الزمر: الآية ٤.
(٣١٧) الاعتقادات للصدوق، باب الاعتقاد في البعث بَعْدَ الموت/٦٤.
(٣١٨) الغيبة للشيخ الطوسي: ٤٢٣/٤٠٥.
(٣١٩) الإيقاظ مِنْ الهجعة: ب٦ ح٤١.
(٣٢٠) الغيبة للطوسي ح ٤٠٤ / ٤٣١.
(٣٢١) الغيبة للشيخ الطوسي: ١١١.
(٣٢٢) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٤٢٢/٤٠٣.
(٣٢٣) الغيبة للشيخ الطوسي: ص ٤٢٣/٤٠٦.
(٣٢٤) مِنْ لا يحضره الفقيه: ١/١٩٣ رقم ٥٩٢/ باب النوادر.
(٣٢٥) الكافي: ج٣ ص٢٤٧.
(٣٢٦) رجال الكشّي: ح٥٣/ص٥٦.
(٣٢٧) سورة المائدة: الآية ١١٠.
(٣٢٨) سورة آل عمران: الآية ٤٩.
(٣٢٩) سورة آل عمران: الآية ٥٩.
(٣٣٠) سورة الحجر: الآية ٢٩... وسورة ص: الآية ٧٢.
(٣٣١) سورة البقرة: الآية ٢٨.
(٣٣٢) تفسير الإمام العسكري/ حديث نعيم القبر، رقم ٩٧/ص٢١٠.
(٣٣٣) تفسير القمي: ج١/ص٣٥/معاني الحياة.
(٣٣٤) تفسير العسكري: ص٢٨٢، قصة ذبح البقرة: سورة البقرة.
(٣٣٥) البقرة / ٣٦.
(٣٣٦) الخرائج والجرائح: ج٢، فصل الرجعة: ح٦٣/ص٨٤٨.
(٣٣٧) لاحظ ما ورد في ذيل الآية في التفاسير الروائية.
(٣٣٨) الفجر/ ٢٢.
(٣٣٩) دلائل الإمامة للطبري/ ٢٥٦.
(٣٤٠) مشارق أنوار اليقين: ص٢٦٤، خطبة التطنجية؛ الإيقاظ: ب١٠، ح١٤٠، ص٣٧٤.
(٣٤١) سورة الدخان: الآية ٩ - ١٠ - ١١.
(٣٤٢) سورة الدخان: الآية ١٥.
(٣٤٣) سورة الدخان: الآية ١٦.
(٣٤٤) الاحتجاج: ج١، ص٢٢٧، باب احتجاج علي (عليه السلام) عَلَى اليهودي.
(٣٤٥) جديد: ج٧٦/ ٣٠٧، كمباني: ح١٤/٨٦.
(٣٤٦) مستدرك سفينة البحار: باب شيئاً ص١٠٠.
(٣٤٧) سورة هود آية (١٠٧)
(٣٤٨) العياشي: ج٢، ج٢، ص١٦٠، ذيل الآية [فمنهم شقي وسعيد].
(٣٤٩) بحار ١١ /ح٢٠ وح٢١ /١٧٥و١٥٦
(٣٥٠) المُحتضر/ الروايات الدالّة عَلَى إمكان الرؤية فِي الحياة وَبَعْدَ الممات/ ح١٠/ص٢٠، الزهد للاهوازي ٨٢.
(٣٥١) الكافي: ج٣، باب ما يعاين المؤمن والكافر: ح٤، ص١٣٢.
(٣٥٢) سورة الرَّحْمَن: الآية ٦٤.
(٣٥٣) دلائل الإمامة: ٤٥٤/ ح (٤٣٣/٣٧).
(٣٥٤) دلائل الإمامة: ٤٧/٤٤٣.
(٣٥٥) سورة الإنسان: الآية ١٣.
(٣٥٦) دلائل الإمامة الطبري الشيعي/ح٣٤ / ٣٤ /١٠٥. خبر مصحفها (عليها السلام).
(٣٥٧) مختصر بصائر الدرجات: ١٨٧، عَنْ الهداية الكبرى: ٤٠١ و٤٠٢.
(٣٥٨) القصص/ ٤١
(٣٥٩) الكافي ج ١ ص ٢٥٣.
(٣٦٠) مريم / ٣١١
(٣٦١) الكافي١/ ٤٦٥.
(٣٦٢) علل الشرائع١ / ١٦٠
(٣٦٣) كمال الدِّين: ٣٥٣/باب ٣٣/ ح٥٠.
(٣٦٤) النجم الثاقب ب٩ ص ٦٠٥، والزام الناصب ج١ ص٢٤٩.
(٣٦٥) تهذيب الأحكام ٦/ ١٠٦.
(٣٦٦) كامل الزيارات /ب٣٢ ثواب من بكى على الحسين ح٢٩٢ / ٢٠٦.
(٣٦٧) الرجعة، الإحسائي/ ٣٠٥ و٣٠٦ فصل رجعة الحسين (عليه السلام)
(٣٦٨) نفس المصدر/ ٣١٠.
(٣٦٩) المصدر السابق/ ٣٠٧.
(٣٧٠) الكافي: ٨: ٢٤٠ و٢٤١/ ح٣٢٩.
(٣٧١) دلائل الإمامة /٣٨/٤٣٤
(٣٧٢) مستدرك الوسائل ١١/١٩٨
(٣٧٣) كمال الدين وتمام النعمة/٦٧٢، الغيبة، النعماني ٣٢٧. / ح٣.
(٣٧٤) بحار الأنوار: ٥٣: ١٠؛ مختصر بصائر الدرجات: ١٨٥ بتفاوت.
(٣٧٥) الخرائج والجرائح: ٢: ٨٥٠/ ح٦٣.
(٣٧٦) الخرائج والجرائح: ٢: ٨٤٩/ ح٦٣.
(٣٧٧) سورة البقرة: الآية ٣٥ - ٣٦.
(٣٧٨) سورة طه: الآية ١١٧ - ١٢٤.
(٣٧٩) سورة طه: الآية ١٢١ - ١٢٣.
(٣٨٠) الكافي: ٣: ٢٤٧/باب جنَّة الدُّنْيَا/ ح٢؛ علل الشرائع ٢: ٣٨٥ ح٥٥؛ تفسير القمي ١: ٤٣.
(٣٨١) الكافي: ٣: ٢٤٦ و٢٤٧/ باب جنَّة الدُّنْيَا/ ح١.
(٣٨٢) بحار الأنوار: ١١: ٢١١ و٢١٢/ باب كيفية نزول آدم (عليه السلام) / ح١٨، عَنْ تفسير العيّاشي: ١: ٣٢/ح١٠.
(٣٨٣) معاني الأخبار: ٢٦٩/ باب معنى قول جبرئيل (عليه السلام) لآدم صلّى الله عَلَيْهِ: (حيّاك الله وبيّاك) /ح١.
(٣٨٤) بحار الأنوار: ١١: ١٧٦/ ذيل الحديث ٢١.
(٣٨٥) سورة الأعراف: الآية ٩٦.
(٣٨٦) الخراج والجرائح: ٢: ٨٤٩ و٨٥٠/ ح٦٣.
(٣٨٧) سورة السجدة: الآية ٢١.
(٣٨٨) بحار الأنوار ٥٣/١١٤، وراوه القمي في ذيل الآية.
(٣٨٩) مختصر بصائر الدرجات/ ٢١٠.
(٣٩٠) سورة المؤمنون: الآية ١٠٠.
(٣٩١) الكافي١/ ٣٤١.
(٣٩٢) الغيبة، النعماني/ ٢١٣
(٣٩٣) سورة السجدة: الآية ٢١.
(٣٩٤) سورة آل عمران: الآية ١٨٥.
(٣٩٥) سورة المدّثر: الآية ١ - ٢.
(٣٩٦) سورة المدّثر: الآية ٣٥ - ٣٦.
(٣٩٧) سورة التوبة: الآية ٣٥.
(٣٩٨) سورة المؤمنون: الآية ٧٧.
(٣٩٩) سورة الحجر: الآية ٢.
(٤٠٠) مختصر البصائر: ١٠٣ - ١٠٥/ ح١. بحار الأنوار: ٥٣: ٦٤ و٦٥/ ح٥٥.
(٤٠١) سورة الدخان: الآية ٩ - ١٦.
(٤٠٢) بحار الأنوار: ٥٣: ٥٧/ ح٣٩، عَنْ تفسير القمّي: ٢: ٢٩٠ و٢٩١.
(٤٠٣) سورة الزخرف: الآية ٤٥.
(٤٠٤) سورة يونس: الآية ٩٤. ٩٥
(٤٠٥) سورة الزخرف: الآية ٤٥.
(٤٠٦) سورة الإسراء: الآية ٢.
(٤٠٧) الكافي: مجلد ٨، ص١٢٠ ح٩٣.
(٤٠٨) صفات الشيعة، الصدوق/ ٥١
(٤٠٩) أمالي الصدوق / ٥٣٤، باب عروج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(٤١٠) سورة الذاريات: الآية ٢٢.
(٤١١) تفسير القمي: ج٢، ص٢٣٠.
(٤١٢) صفات الشيعة للصدوق، بحار الأنوار: ج١٨، ص٣١٢، ح٢٢.
(٤١٣) الكافي: ج١، ص٢٥٣؛ ٢٥٤، بصائر الدرجات: ص١٨٣. وصورة المتن كما في الكافي.
(٤١٤) في نسخة امين الضرب: لتهتك عن نور العرش.
(٤١٥) تفسير القمي سورة الإسراء، بحار الأنوار: ج١٨؛ ص٣٢٨.
(٤١٦) في المصدر: وان ربك لا يرد عليك شيئا.
(٤١٧) تفسير القمي ج ٢ ص ١١، سورة الإسراء، بحار الأنوار ج ١٨ ص ٣٢٨.
(٤١٨) سورة النجم: الآية ١٨.
(٤١٩) سورة النجم: الآية ١١.
(٤٢٠) سورة الحاقّة: الآية ١٧.
(٤٢١) الكليني: ج١، ص٢٥٤.
(٤٢٢) سورة النساء: الآية ٦٩.
(٤٢٣) بصائر الدرجات: ج٣، ب١١/ح٢
(٤٢٤) بصائر الدرجات: ج٢، ب٨/ ح٣.
(٤٢٥) علل الصدوق ج٢ ب١٣٨ح٢
(٤٢٦) سورة يس: الآية ٨٣.
(٤٢٧) سورة المؤمنون: الآية ٨٨.
(٤٢٨) سورة الأعراف: الآية ١٨٥.
(٤٢٩) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرّات: ح١٤٧/ ٤٧/ ص١٩٩.
(٤٣٠) النساء: ١٥٨_١٥٩.
(٤٣١) سورة آل عمران: ٥٥.
(٤٣٢) مختصر البصائر: باب فضل الأئمة: ص٢٥٥/ ح[٢٠٩/٤٧].
(٤٣٣) تفسير القمي: ج٢، ص٣٣٦، تفسير قوله تَعَالَى [عندها جنّة المأوى].
(٤٣٤) أمالي الشَّيْخ الطوسي: مجلس ٣٢/ ح١٣٣٥ - ٢١/ ص٦٤١.
(٤٣٥) بصائر الدرجات: ج٢/ ب٢٠/ ح٣/ ص١٥٢.
(٤٣٦) بصائر الدرجات: ج٢/ ب٢٠/ ح١١/ ص١٥٣.
(٤٣٧) أمالي الشَّيْخ الطوسي المجلس الرَّابِع: ح١٥ - ١٦/ ص١٠٤.
(٤٣٨) مشارق أنوار اليقين، خطبة الافتخار/ ص٣٠٩/ فصل ١٤٨.
(٤٣٩) دلائل الإمامة للطبري الحديث ٧٦/٧، ص ١٦٦.
(٤٤٠) مريم: ٥٧.
(٤٤١) الانشقاق: ١٩.
(٤٤٢) روضة الواعظين وبصيرة المتعظين (ط - القديمة)، ج٢، ص: ٤١٠
(٤٤٣) اليقين لابن طاووس ص ٢٩٨.
(٤٤٤) قصص الأنبياء للراوندي ص ٣٢٥.
(٤٤٥) ق وم: صونت. وفي البحار: نظرت إلي، وخ ل: صويت.
(٤٤٦) اليقين باختصاص مولانا علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين، النص، ص: ٢٩١.
(٤٤٧) بحار الأنوار: ج ١٨ ص ٣٧٠ باب ٣ ح ٧٧.
(٤٤٨) النجم: ١٠.
(٤٤٩) أي بشخصه وحقيقته.
(٤٥٠) مناقب بن شهر آشوب ج١ ص ٢٢٢.
(٤٥١) هكذا في المورد الثّاني من البحار وفي المورد الاول: إبراهيم بن عبد الرّحمن وفي النّسخ الخطية: إبراهيم بن عبد الرّحمن الأعلى. والظّاهر أنّه: إبراهيم بن أبي المثنّى عبد الأعلى، كما يدلّ عليه ما في رجال الشّيخ حيث عدّه من أصحاب الصّادق ص (١٤٥)، برقم: (٥٤).
(٤٥٢) قصص الأنبياء (عليهم السلام) (للراوندي)، ص: ٣١٠.
(٤٥٣) الانتحال: ادعاء قول أو شعر يكون قائله غيره.
(٤٥٤) قال الصدوق في معاني الأخبار: معنى طور سيناء أنّه كان عليه شجرة الزيتون وكل جبل لا يكون عليه شجرة الزيتون أو ما ينتفع به الناس من النبات أو الاشجار من الجبال فانه يسم جبلا وطورا ولا يقال طور سيناء ولا طور سينى (قاله الطريحى في مادة طور وقيل جبل البركة، وقيل الجبل المشجر، وقيل غير ذلك. راجع كتب التفاسير في سورة المؤمنون: ٢٠ «وشجرة تخرج من طور سيناء...».
(٤٥٥) الخرائج والجرائح، ج٢، ص: ٥٠٥.
(٤٥٦) ثواب الأعمال للصدوق ص ١٧٥.   
(٤٥٧) خ ل «تنكرون».
(٤٥٨) خ ل «من قبل طور». طور سيناء. جبل بالشام وهو طور اضيف الى سيناء وهي شجر.
(٤٥٩) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج١، ص: ١٦٥.
(٤٦٠) الهداية الكبرى ب ١٤ ص ٣٥٧ - بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج٥١، ص: ٢٧.
(٤٦١) نوادر المعجزات ص ١٧٠.
(٤٦٢) المناقب لابن شهرآشوب: ج ١ ص ١٧٩.
(٤٦٣) سعد السعود ص ١٠١.
(٤٦٤) بصائر الدرجات ج١ ص ٧٩.
(٤٦٥) الكافي ج ١ / ٤٤٣.
(٤٦٦) علل الشرائع ج٢ / ٣٣٤.
(٤٦٧) عيون أخبار الرضا/ ح٢٤/ ج٢/ ص١٣.
(٤٦٨) فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ص: ١٠٦ - من لا يحضره الفقيه، ج٣، ص: ٤٠١ - الأمالي (للطوسي)، النص، ص: ٢٥٨
(٤٦٩) المحفة: مركب من مراكب النساء كالهودج. «مجمع البحرين - حفف - ٥: ٣٩».
(٤٧٠) الشّموس من الدوابّ: إذا شردت وجمحت ومنعت ظهرها. «لسان العرب - شمس - ٦: ١١٣».
(٤٧١) زفّ: أسرع. «لسان العرب - زفف - ٩: ١٣٦».
(٤٧٢) تفسير العياشي سورة البقرة الآية ٢٨٥.
(٤٧٣) وَهَذَا كَإِطْلاقِ الْيَدِ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ج. ز
(٤٧٤) تفسير القمي، ج٢، ص: ٢٤٤
(٤٧٥) الكافي للكليني ج ١ ص ٤٤٣.
(٤٧٦) كتاب مولد النبيّ للشيخ الصدوق: مفقود. الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم، ص: ١٠٦
(٤٧٧) اليقين باختصاص مولانا علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين، النص، ص: ٢٩١.
(٤٧٨) الكافي للكليني ج٣ ص ٤٨٢.
(٤٧٩) أمالي الصدوق المجلس ٢٩ ص ١٥٠.
(٤٨٠) الاحتجاج للطبرسي ج٢ ص ٤٠٦.
(٤٨١) مناقب بن شهر آشوب ج ١ ص ١٧٩.
(٤٨٢) مناقب بن شهر آشوب ج١ ص ١٧٧.
(٤٨٣) التوحيد للصدوق ص ١٧٥.
(٤٨٤) الهداية الكبرى، ص: ٥٨
(٤٨٥) امالي الصدوق ص ٦٣٩ المجلس ٩٣.
(٤٨٦) وفي نسخة: وجابر.
(٤٨٧) مناقب بن شهر آشوب ج١ ص ١٧٧.
(٤٨٨) حلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ج١، ص: ٤٣١.
(٤٨٩) صفات الشيعة، للصدوق ص: ٥٠.
(٤٩٠) الأمالي (للصدوق)، النص، ص: ٣٤٠.
(٤٩١) الخصال للصدوق ص ١٩٣، الأمالي (للطوسي) ص١٠٥ المجلس ٤ ح ١٦١\١٥.
(٤٩٢) الكشط: القلع والكشف. «لسان العرب - كشط - ٧: ٣٨٧».
(٤٩٣) بصائر الدرجات ج١ ص ١٠٧، ب٢٠ ح ٣ - تفسير القمي سورة النجم الآية ١ - ٢٠، ج٢ ص ٣٣٥.
(٤٩٤) أمالي الطوسي المجلس ٣٢ ص ٦٤٢.
(٤٩٥) انظر: مشارق أنوار اليقين: ٥٦ - ٥٨.
(٤٩٦) غرر الأخبار للحسن بن محمد الديلمي ص ١٩٨.
(٤٩٧) تفسير القمي سورة الأعراف الآية ١٧٢.
(٤٩٨) القمي: ج١، ص٢٤٦، ميثاق النبيين فِي الذّر.
(٤٩٩) تفسير العياشي سورة الإسراء الآية ١، ج ٢ ص ٢٧٩.
(٥٠٠) الاحتجاج للطبرسي ج١ ص ٢٢٠.
(٥٠١) تفسير القمي سورة الإسراء الآية ١، ج ٢ ص ١٣.
(٥٠٢) تفسير العياشي سورة الإسراء الآية ١، ج ٢ ص ٢٧٧.
(٥٠٣) الفقيه للصدوق ج١ ص ٢٨١ الحديث ٨٦٤.
(٥٠٤) الكافي للكليني ج٣ ص ٣٠٢.
(٥٠٥) علل الشرائع ج٢ ص ٣٢٣ ب ١٢.
(٥٠٦) في بعض النسخ [بسندان] وكذا فيما يأتي.
(٥٠٧) الكافي (ط - الإسلامية)، ج١، ص: ٤٨٣)
(٥٠٨) تفسير العياشي سورة الإسراء الآية ١، ج١ ص ٢٧٩.
(٥٠٩) المحاسن للبرقي ج١ ص ٥٥.
(٥١٠) الفقيه للصدوق ج١ ص ٢٢٩، الحديث ٦٨٤.
(٥١١) نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة (عليهم السلام)، ص: ١٧٠.
(٥١٢) نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة (عليهم السلام)، ص: ١٧٦.
(٥١٣) أي اشتمل به.
(٥١٤) سورة الزخرف: الآية ٤٥، وفي النسخ: «من أرسلنا قبلك».
(٥١٥) سورة الإسراء: الآية ١.
(٥١٦) اليقين باختصاص مولانا علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين، النص، ص: ٤٠٦.
(٥١٧) سورة الإسراء الآية١ ج٢ ص ١٣.
(٥١٨) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي سورة الشورى الآية ٥ - ٧.
(٥١٩) تفسير القمي سورة الشورى الآية٥ - ٧، ج٢ ص ٢٧٢.
(٥٢٠) الكافي: ج١، ح٣، ص٣٩٠، باب التسليم وفضل المسلمين.
(٥٢١) المناقب لابن شهرآشوب: ج ١ ص ١٧٨ - ١٧٩.            
(٥٢٢) روضة الواعظين وبصيرة المتعظين (ط - القديمة)، ج٢، ص: ٤١٠.
(٥٢٣) اليقين باختصاص أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن طاووس عن تفسير بن ماهيار /ص٢٩٤.
(٥٢٤) كامل الزيارات ب٨ الحديث ١٠ ص ٣٠.
(٥٢٥) الكافي للكليني ج ٣ ص ٤٨٥.
(٥٢٦) أمالي الطوسي المجلس ٣٢ ص ٦٤٣.
(٥٢٧) تفسير القمي سورة ص الآية ٧٦.
(٥٢٨) الأمالي، الشَّيْخ الصدوق: ٣٧٦.
(٥٢٩) سعد السعود للنفوس للسيد بن طاووس، النص، ص: ١٠١.
(٥٣٠) الكافي (ط - الإسلامية)، ج٨، ص: ١٢١.
(٥٣١) المزار الكبير ذبن المشهدي ص ٢٤٩.
(٥٣٢) الاحتجاج للطبرسي ج ١ ص ٢٢٠.
(٥٣٣) تفسير القمي سورة الإسراء الآية ١، ج٢ ص ١٢.
(٥٣٤) قصص الأنبياء (عليهم السلام) للراوندي، ص: ٣٢٦.
(٥٣٥) اليقين باختصاص مولانا علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين، النص، ص: ٢٩٠.
(٥٣٦) أمالي الصدوق المجلس ٦٩ ص ٤٤٨.
(٥٣٧) الاحتجاج للطبرسي ج١ ص ٤٨.
(٥٣٨) بحار الأنوار ج١٨، ص: ٣٩٩.
(٥٣٩) المحتضر ص ١٣٥. بحار الانوار ج١٣ ص ٣١٣ ب٣.
(٥٤٠) النجم - ١٣.
(٥٤١) النجم - ١١.
(٥٤٢) النجم - ١٨.
(٥٤٣) طه - ١١٠.
(٥٤٤) الإحتجاج على أهل اللجاج (للطبرسي)، ج٢، ص: ٤٠٧.
(٥٤٥) الإسراء: ١.
(٥٤٦) الاحتجاج ج١ ص ٤٤.
(٥٤٧) تفسير العياشي سورة الإسراء الآية ١ ج٢ ص ٢٧٧.
(٥٤٨) تفسير القمي سورة الإسراء الآية ١ ج ٢ ص٣.
 (٥٤٩) الكافي للكليني ج ٣ ص ٤٨٤.
(٥٥٠) تفسير العياشي سورة البقرة الآية ٢٨٥ ج١ ص ١٥٧.
(٥٥١) قصص الأنبياء (عليهم السلام) للراوندي، ص: ٣٢٦.
(٥٥٢) سعد السعود لابن طاووس ص ١٠٠.
(٥٥٣) المناقب لابن شهرآشوب: ج ١ ص ١٧٨ - ١٧٩.
(٥٥٤) في المصدر: نشهد أن محمّدا رسول الله.
(٥٥٥) في المصدر: السماء الأولى.
(٥٥٦) بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج١٨، ص: ٣٠٣.
(٥٥٧) أي كفار مكة.
(٥٥٨) أيلة - بالفتح -: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام. وقيل هي آخر الحجاز وأول الشام. وقال المجلسي (رحمه الله): لعله إيليا (وهو مدينة القدس) على وفق الأخبار الأخر فصحف.
(٥٥٩) وفي بعض النسخ «ندا» وهو طيب معروف، أو هو العنبر. وفي آخر «قداً» وهو بالفتح: جلد السخلة وبالكسر: إناء من جلد. وفي ثالث «بزاً» أي متاعاً.
(٥٦٠) وفي نسخة «فنفرت».
(٥٦١) تفسير العياشي سورة الإسراء الآية ١، ج٢ ص ١٧٩. البرهان ج ٢: ٤٠١. البحار ج ٦: ٣٩٢.
(٥٦٢) تفسير القمي سورة الإسراء ١ ج٢ ص ١٣.
(٥٦٣) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ج١/ ص١٠٦/ ج٣؛ تفسير النظر إلى وجه الله تَعَالَى..
(٥٦٤) هذا هو الظاهر الموافق لنسختي البحار والبرهان لكن في نسخة الأصل كنسخة إثبات الهداة «عبد الصمد بن مسيب».
(٥٦٥) المحفة: مركب كالهودج.
(٥٦٦) أي أبى وامتنع.
(٥٦٧) أي أسرع.
(٥٦٨) تفسير العياشي سورة البقرة الآية ٢٨٥ ج١ ص ١٥٧.
(٥٦٩) كما في مجمع البحرين - حفف - ٥: ٣٩».
(٥٧٠) في بعض النسخ: «جلالة».
(٥٧١) الإحتجاج على أهل اللجاج (للطبرسي)، ج١، ص: ٢٢٢
(٥٧٢) دلائل الإمامة (ط - الحديثة)، ص: ٤٧٨ - الحديث: ٤٦٩/ ٧٣.
(٥٧٣) تفسير الصافي، ج٥، ص: ٧٧.
(٥٧٤) كافي ٨ ص ٢٨١ الحديث ٤٢١.
(٥٧٥) كشف اليقين للعلّامة: ص٨٣ - ٨٧؛ البحار: ج١٨ ص٣٩٠.
(٥٧٦) نفس المصدر.
(٥٧٧) المجازات النبوية للشريف الرضي: ص٢٤٥.
(٥٧٨) مقتضب الأثر فِي النص عَلَى الأئمة الاثني عشر لأحمد بن مُحمَّد بن عيّاش/ج٢ ص٣٧ - ٤٣.
وأخرجه أيضاً الكراجكي فِي كنز الفوائد: ٢٥٦/ ٢٨٥؛ البحار: ج١٥ ص٢٤١.
(٥٧٩) الهداية: ب١٤/ ح٥٦/ ص٤٤٩ ط ج، ط ق ص٣٨٠.
(٥٨٠) البصائر: ج٣، ب٨/ ح١، ص١٩٣.
(٥٨١) البصائر: ج٣، ب٨، ح١، ص١٨٣.
(٥٨٢) البصائر: ج٣، ب٨، ح٢، ص١٨٣.
(٥٨٣) الكوفى، فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي - سورة يوسف الآية ٧٦ - ص ١٩٩.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016