فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب حقيقة السفارة المهدوية

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: العتبة الكاظمية المقدسة تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٦/٠٧/٢٧ المشاهدات المشاهدات: ٥٤٨٤ التعليقات التعليقات: ٠

حقيقة السفارة المهدوية

الأمانة العامة للعتبة الكاظمية المقدسة - ١٤٣٣هـ

الفهرس

المقدمة
المحور الأول: مسألة الغيبة والسفارة
السفير الأول
السفير الثاني
السفير الثالث
السفير الرابع
الخلاصة
المحور الثاني: أدعياء السفارة الكاذبة
محمد بن نصير
أحمد بن هلال
محمد بن علي بن بلال
محمد بن علي الشلمغاني
الغيبة الكبرى
الوكلاء في الغيبة الكبرى
من هم رواة الحديث
الخاتمة

المقدمة

إن من أهم الأمور التي تواجه العالم وخاصة العالم الإسلامي بصورة دائمة هي مسألة ادعاء الزعامة الإلهية والمبعوث من الله مما أدى إلى بعض المجتمعات الغربية إلى رفض أي فكرة أو منهج ديني إلهي، بل جعلهم يبتعدون ابتعاداً كبيراً عن روح الدين والعبودية لله تعالى بسبب هذه الادعاءات الكاذبة التي تتشدق بالدين وتدعي السفارة الإلهية وأن أمره يجب أن يطاع حتى وإن كان في نظر عامة الناس ظلم وسلب لحقوق الناس.
أما بالنسبة للمجتمع الإسلامي فكانت الطامة أكبر فقد تسنم الحكم ودفة الأمور أناس لا تأمنهم على كومة قش ومع ذلك فإن لقبه أمير المؤمنين أو خليفة الله في أرضه وعلى الرعية الطاعة له والانصياع لأوامره مع دفع الأموال لوضّاع الحديث في كتابة بعض الأحاديث المكذوبة على لسان رسول البشرية محمد صلّى الله عليه وآله وسلم والذي بُعِثَ لتحرير الإنسان من العبودية لغير الله، فوضعوا له أحاديثا لا يقولها إلا إنسان ذو سلطة دنيوية لا تمت لله بأي صلة أمثال هذا الحديث:
وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع !!.. فهذا الحديث وأمثاله يعطي الصلاحية الشرعية لكل حاكم طالح بتولي أمر الرعية والناس، بل لا يعطي لأي شخص الحق في الامتناع عن تنفيذ أمره ورغباته، ولكن الحق يبقى هو المنتصر وله الكفة الراجحة مهما طال الزمن، فكان الاعتقاد الصحيح في كون الخليفة لله ورسوله والذي تعتقده مدرسة أهل البيت عليهم السلام هو شخص يحمل علم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ولا يصل إليه الشك في أي أمر يفعله لكونه معصوماً منصوباً من قبل النبي والإمام الذي قبله.
ولكن الأمر لم يخلُ من التلاعب واندساس أصحاب التوجهات الدنيوية المنحرفة فظهرت على لسان بعض الأشخاص أنهم وكلاء الإمام المعصوم وأنه رحمة الله للناس وقد أرسل إليهم لينقذهم من أخطار هذه الدنيا ولكي لا يكونوا من أصحاب النار في الآخرة، فلأجل رد مثل هكذا ادعاءات باطلة كاذبة قد عقدنا هذا البحث ونسأل الله تعالى أن يسددنا، إنه من وراء القصد.

المحور الأول.. مسألة الغيبة والسفارة

بعد أن أرسل الله نبيه الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم وكانت الرسالة المحمدية هي الخاتمة لكل الأديان، كان لا بد لهذه الدنيا من حفظة يحفظون هذا الدين من الانحرافات التي قد تواجهه بعد رحيل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، فكان هناك نصاً على اثني عشر خليفة، كلهم من قريش(١).
ثم بعد ذلك أوضح صلّى الله عليه وآله وسلم أن هؤلاء الأئمة هم من عترته وأنهم لن يفترقوا حتى يردوا على رسول الله يوم القيامة فقال إني مستخلف فيكم خليفتين كتاب الله وعرتي ما إن تمسكتم بهما لن تظلوا بعدي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض(٢).
فبدأت الإمامة الإلهية بعلي بن أبي طالب عليه السلام ثم أوصى بها إلى الحسن ثم الحسين عليهما السلام ثم تسعة من أبناء الحسين آخرهم المهدي المنتظر عجل الله فرجه، وكان هذا هو التخطيط الإلهي الحق لهذه الأمة وللعالم أجمع.. ولكن المسلمين لم يستجيبوا للدعوة الإلهية والتخطيط الإلهي الأصلح لهم فانحرفوا انحرافاً شديداً عن ذلك التخطيط الإلهي بل وصل الأمر إلى قتل هؤلاء المستحفظين للدين واحداً تلو الآخر حتى وصل الأمر إلى آخرهم وهو الإمام محمد بن الحسن عجل الله فرجه آخر الأئمة عليهم السلام، فشاء الباري عز وجل أن يغيب ذلك الإمام حفاظاً عليه وضماناً لسلامته من أيدي الأعداء الضالين عن فريق الحق.
ولكن كان هناك جماعة مستضعفة من المسلمين وهم من يمثلون أتباع أهل البيت وشيعتهم كان لهم ارتباط وثيق بأئمتهم صلوات الله عليهم لأنهم كانوا يمثلون الامتداد الطبيعي لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وأن الدين لا بد أن يؤخذ منهم وليس من غيرهم، لأنهم عِدل الكتاب العزيز والثقل الثاني لهذا الدين والتشريع، فكانوا ينتظرون الإمام الثاني عشر انتظاراً يملؤه الأمل والخلاص لما وردت في حقه من روايات عن آبائه عليهم السلام من أنه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجورا، فكانت مسألة الغيبة التامة عن الشيعة الاثني عشرية أمراً غير مألوف لهم خاصة لدى الذهنية العامة، فكان لا بد من وجود فترة تمهيدية تمهد النفوس والعقول لتلقي أمر الغيبة التامة، وسفارة تمهد لتلك الغيبة، إذ تعوّد الناس على مقابلة الإمام عليه السلام وسؤاله مباشرة، فغيبته بشكل مفاجئ يشكل خطراً على العقيدة الإمامية، فلا بد من حصول غيبة جزئية واتصال بواسطة حتى يعتادوا من خلالها على عدم مقابلة الإمام كي يتسنى لهم قبول فكرة حصول الغيبة التامة له، ثم إن هناك فائدة أخرى من هذا التمهيد وهي الخوف على الناس من ارتدادهم وخاصة القاعدة الموالية لأهل البيت عليهم السلام كما حصل عند ارتداد الناس بعد وفاة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلم عن الإسلام فلو حصل هذا الانقطاع في الإمامة مباشرة من دون تمهيد فقد تحصل نفس تلك النتيجة، ثم أن هناك فائدة ثالثة لهذه الغيبة وقد تكون أهمها وأكثرها فائدة وهي التمحيص لهذه الأمة وهذه القاعدة التي لا بد لها من اختيار وامتحان وتمحيص قال تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) العنكبوت/ آية ٢.
ونعتقد أن غيبة الإمام والقائد لهذه الأمة من أشد الابتلاءات والافتتان للأمة الإسلامية عامة ولأتباع أهل البيت عليهم السلام خاصة.
فابتدأت في سنة ٢٦٠ هجرية في أغلب الروايات السفارة الخاصة للإمام الثاني عشر محمد بن الحسن عجل الله فرجه.
بقي أمر واحد ومهم وهو أن وظيفة السفير الخاص للإمام المهدي هي أن يكون حلقة وصل بين الإمام وبين قاعدته الشعبية في توصيل الاستفسارات والأسئلة الشرعية والأموال من الخمس والزكاة وإيصال الإرشادات والتوصيات من الإمام المهدي إلى شيعته ومريديه.
فهذه السفارة الخاصة لا تتم لأحد إلا بتعيينه من قبل الإمام خاصة وباسمه وكنيته، ولم تترك مسألة تعيينه من قبل الناس كما سيمر علينا في مطاوي هذا البحث، أما مسألة التعيين فإنها تكون عن طريق خروج كتاب والمعروف بال توقيع من الناحية المقدسة أي الإمام الحجة حيث يعين فيه السفير وأنه هو موضع الثقة والأمانة عند الإمام ولابد للناس أن يباشروا الأوامر الصادرة عن طريقه من قبل الإمام المهدي عجل الله فرجه.
والآن لابد من أخذ صورة عن أحوال السفارة الخاصة وأحوال السفراء الأربعة قبل الدخول في موضوع السفارة الكاذبة.
السفير الأول:
هو الشيخ الموثوق محمد بن عثمان بن سعيد العمري، أبو عمرو الأسدي، وإنما سمي العمري نسبة إلى جده ويقال له: السمان لأنه كان يتجر بالسمن تغطية على الأمر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمد عليه السلام ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو، فيجعله في جراب السمن وزقاقه، ويحمله إلى أبي محمد عليه السلام تقية وخوفاً، له من الأولاد: محمد وهو السفير الثاني، وأحمد
لم يرد في المصادر التأريخية تحديد عام ولادته، ولا عام وفاته، وإنما يرد اسمه أول ما يرد كوكيل خاص للإمام الهادي عليه السلام وكان يستوثقه ويمدحه بمثل قوله: هذا أبو عمر الثقة الأمين، ما قاله لكم فعني يقول، وما أداه إليكم فعني يؤديه(٣)، وهذا النص بنفسه، يدل على نوع النشاط الذي كان يقوم به أبو عمرو، وهو نقل المال والمقال من الإمام الهادي عليه السلام، وإليه فكان يمثل مع جماعة آخرين دور الوساطة بينه وبين قواعده الشعبية.
في الفترة التي سبقت السفارة للإمام المهدي عرفنا أن الامام الهادي عليه السلام بدأ بتطبيق مسلك الاحتجاب عن مواليه تعويداً لهم على الغيبة التي سوف يواجهونها في حفيده المهدي.
وحين يلقى الإمام الهادي عليه السلام ربه عام ٢٥٤ ه، يصبح أبو عمرو وكيلاً خاصاً موثوقاً للإمام العسكري عليه السلام، ذا نشاط ملحوظ وبراعة في العمل، فقد ورد في بعض الأخبار كيف كان يحمل المال في زقاق السمن، ويسير على المسلك الذي يخطه له الإمام في الإخفاء والتكتم، ويظهر أمام الناس كتاجر اعتيادي بالسمن، تغطية على حاله ومسلكه وعقيدته.
وكان الإمام العسكري عليه السلام يكثر من مدحه والثناء عليه في مناسبات مختلفة، وأمام أناس كثيرين، فمن ذلك أنه عليه السلام قال: هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فع يقوله، وما أدى إليكم فع يؤدي(٤)، فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالته وتتسالم على وثاقته وجلالة قدره.
وحين يولد للإمام العسكري عليه السلام ولده المهدي يبعث إلى أبي عمرو يأمره بأن يشتري عشرة آلاف رطل خبز وعشرة آلاف رطل لحم ويفرقه على بني هاشم، وأن يعق بكذا وكذا شاة وينص الإمام العسكري عليه السلام في مجلس حافل بالخاصة، يعدون بأربعين رجلاً، عرض فيه ولده المهدي ونص فيه على امامته وغيبته... كما ينص على وكالة عثمان بن سعيد عن المهدي وسفارته له قائلاً: فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه(٥).
وحين يلقى الإمام العسكري عليه السلام ربه، عام ٢٦٠ ه، يحضر أبو عمرو وعثمان بن سعيد تغسيله، ويتولى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه ودفنه، وبرّر الشيخ الطوسي ذلك بأنه كان مأموراً بذلك للظاهر من الحال التي لا يمكن جحدها ولا دفعها إلا بدفع حقائق الأشياء في ظواهرها يشير إلى اختفاء المهدي وعدم تمكنه من القيام بتغسيل والده والقيام بأمره.
وعلى أي حال، فهو يصبح من ذلك الحين السفير الأول للمهدي، بنص الإمام العسكري عليه السلام، كما ورد في الأحاديث، فيضطلع بالمهمة العظمى في ربط الإمام بقواعده الشعبية وتبليغ توجيهاته وتعاليمه وأنحاء تدبيره وإدارته إليه وتنفيذ أوامر الإمام وتوجيهاته فيهم.
ويبقى أبو عمرو مضطلعاً بمهام السفارة، قائماً بها خير قيام، إلى أن يوافيه الأجل.
وقبره الآن مشيد معروف ببغداد، يزار ويتبرك به.
ولم يترك السفير الأول مسألة السفارة من دون تعيين قبل وفاته، فبلغ أصحابه وقواعده الشعبية، ما هو مأمور به من قبل الإمام المهدي عجّل الله فرجه، من إيكال السفارة بعده إلى ابنه محمد بن عثمان، وجعل الأمر كله مردوداً إليه(٦).
ويكون لوفاته رنة أسى في قلوب عارفي فضله ومقدري منزلته وخاصة الإمام المهدي نفسه، فنراه يكتب إلى ابنه السفير الثاني يعزيه بأبيه قائلاً: إنا لله وإنا إليه راجعون، تسليماً لأمره ورضاءً بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه عليهم السلام، فلم يزل مجتهداً في أمرهم ساعياً فيما يقربه إلى الله عز وجل وإليهم، نضر الله وجهه وأقال عثرته.
وفي فصل آخر من كتابه إليه يقول عليه السلام: أجزل الله لك الثواب وأحسن لك العزاء، رزيت ورزينا وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسره
الله في منقلبه، كان من كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحم عليه، وأقول: الحمد لله، فإن الأنفس طيبة بمكانك وما جعله الله تعالى فيك وعندك. أعانك الله وقواك وعضدك ووفقك، وكان لك ولياً وحافظاً وراعياً وكافياً(٧).
السفير الثاني:
هو الشيخ الجليل محمد بن عثمان بن سعيد العمري، تولى السفارة بعد أبيه، بنص من الإمام العسكري عليه السلام، حيث قال عليه السلام لوفد اليمن واشهدوا عليّ أن عثمان بن سعيد وكيلي، وإن ابنه محمد وكيل ابني مهديّكم وبنص أبيه السفير الأول على سفارته بأمر من الإمام المهدي عجل الله فرجه(٨).
وكانت القواعد الشعبية الموالية مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته، لا يختلف في ذلك اثنان من الإمامية، وكيف لا وفيه وفي أبيه قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام، لبعض أصحابه: العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما واطعهما فإنهما الثقتان المأمونان(٩).
والتوقيعات كانت تخرج على يده، من الإمام المهدي في المهمات، طوال حياته، بالخط الذي كانت تخرج في حياة أبيه عثمان، ولا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيره ولا يرجع إلى أحد سواه، وقد نقلت عنه دلائل كثيرة، ومعجزات الإمام ظهرت على يده، وأمور أخبرهم بها عنه زادتهم في هذا الأمر بصيرة وبقي مضطلعاً بمسؤولية السفارة نحواً من أربعين سنة حتى لقي ربه العظيم في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثمائة أو أربع وثلاثمائة.
وإذ يكون تأريخ وفاة أبيه مجهولاً، مع الأسف، يكون مبدأ توليه للسفارة مجهولاً أيضاً، غير أننا نعرف أنه كان سفيراً قبل عام ٢٦٧ ه لأن ابن هلال الكرخي طعن في سفارته، وكان أحد المنحرفين عن خطه على ما سيأتي من بحث السفارات الكاذبة وكانت وفاة ابن هلال عام ٢٦٧ ه أي بعد وفاة الإمام العسكري بسبع سنين، وبذلك يمكن القول على وجه التقريب: أن الشيخ عثمان بن سعيد تولى السفارة خمس سنوات وتولاها ابنه أربعين سنة.
وبهذا التحديد لمدة سفارته، نستطيع أن نعرف، أنه رضي الله عنه، أطول السفراء بقاء في السفارة ومن ثم يكون أكثرهم توفيقاً في تلقي التعاليم من الإمام المهدي وأوسعهم تأثيراً في الوسط الذي عاش فيه، والذي كان مأموراً بقيادته وتدبير شؤونه.
ولم يفت أبو جعفر العمري رضي الله عنه، أن يوصي إلى خلفه السفير الثالث الحسين بن روح، بأمر من الحجة المهدي عجل الله فرجه، وسنعرف تفاصيل ذلك فيما يأتي:
فعندما توفي أبو جعفر العمري، دفن عند والدته في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره ومنازله فيه وقبره الآن مشيد معروف *-/بالخلاني*/- يزار مرقده ويتبرك به، قدس الله روحه.
السفير الثالث:
هو الشيخ الجليل أبو القاسم الحسين بن روح ابن أبي بحر النوبختي، من بني نوبخت.
وهو كغيره من السفراء، لم تذكر عام ولادته، ولا تأريخ مبدأ حياته، وإنما يلمع نجمه أول لمعانه كوكيل مفضل لأبي جعفر محمد بن عثمان العمري، ينظر في أملاكه، ويلقي بأسراره لرؤساء الشيعة وكان خصيصاً به، حتى أنه كان يحدثه بما يجري بينه وبين جواريه لقربه منه وأنسه، فحصل في أنفس الشيعة محصلاً جليلاً لمعرفتهم برجوعه لأبي جعفر وتوثيقه عندهم، ونشر فضله ودينه، وما كان يحتمله من هذا الأمر السفارة المهدوية فمهدت له الحال في طوال حياة أبي جعفر، إلى أن انتهت الوصية إليه بالنص عليه، فلم يختلف في أمره ولم يشك فيه أحد.
وقد قدم بعض الموالين بمال على أبي جعفر العمري مقداره أربعمائة دينار للإمام عليه السلام فأمره بإعطائها إلى الحسين بن روح وحين تردد هذا الشخص في ذلك، باعتبار عدم وصول السفارة إليه يومئذ فأكد أبو جعفر عليه ذلك وأمره مكرراً بإعطاء المال لابن روح، وذكر له أن ذلك بأمر الإمام المهدي عجل الله فرجه(١٠).
وكان تحويله إلى أبي القاسم ابن روح قبل موته بسنتين أو ثلاث حتى ما إذا اشتدت بأبي جعفر العمري حاله، اجتمع لديه جماعة من وجوه الشيعة، منهم: أبو علي بن همام وأبو عبد الله بن محمد الكاتب وأبو عبد الله الياقطاني وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي، وأبو عبد الله بن الوجناء، وغيرهم من الوجوه والأكابر، فقالوا له: إن حدث، فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر، والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه في مهماتكم، فبذلك أُمرت وقد بلغت.
ويروي عن أبي جعفر، أحمد بن متيل، وهو من متقدمي أصحابه وأجلائهم، أنه قال: لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري الوفاة، كنت جالساً عند رأسه أسأله وأحدثه، وأبو القاسم ابن روح عند رجليه، فالتفت إليّ ثم قال: أُمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، قال ابن متيل: فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني، وتحولت إلى عند رجليه إلى غير ذلك من تأكيدات أبي جعفر عليه، وإعلان وكالته، والسبب المهم في هذا التأكيد، هو كون الحسين بن روح، لم يكن قد عاش تاريخاً زاهراً حافلاً بإطراء وتوثيق الأئمة عليهم السلام، كالتأريخ الذي عاشه السفيران السابقان، حتى قبل توليهما للسفارة، ومن ثم احتاج أبو جعفر العمري، من أجل ترسيخ فكرة نقل السفارة إلى الحسين بن روح، وتوثيقه في نظر قواعده الشعبية الموالية لخط الأئمة عليهم السلام أن يكرر الإعراب عن مهمته في إيكال الأمر إليه، وأن يأمر بدفع أموال الإمام عليه السلام إليه قبل وفاته بعامين أو أعوام بأمر من الإمام المهدي عجّل الله فرجه.
على أن أبا القاسم ابن روح، على جلالة قدره وقربه من السفير الثاني واختصاصه به، لم يكن خير أصحابه، ولم يكن الأخص تماماً به، فقد كان لأبي جعفر من يتصرف له ببغداد نحو من عشرة أنفس وأبو القاسم ابن روح فيهم، وكلهم كانوا أخص به من ابن روح، حتى أنه كان إذا احتاج إلى حاجة أو إلى سبب فإنه ينجزه على يد غيره، لما لم تكن له تلك الخصوصية، فلما كان وقت مضى أبو جعفر وقع الاختيار عليه، وكانت الوصية إليه(١١).
فكان في إيكال السفارة إليه، مصلحتان مزدوجتان أولاهما:
وصول هذا المنصب إلى الشخص المخلص إخلاصاً بحيث لو كان المهدي تحت ذيله وقرض بالمقاريض، لما كشف الذيل عنه، كما سُئِل ابو سهل النوبختي وهو أحد الوجوه المقربة آنذاك وقد كان الأصحاب من الشيعة يعتقدونه هو السفير من بعد محمد بن عثمان السفير الثاني، فقال لهم: هم أعلم وما اختاروه ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة لعلّي كنت أدل على مكانه وأبو القاسم فلو كان الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه إن مهمة السفارة إنما تستدعي هذه الدرجة من الإخلاص لأهميتها وخطر شأنها، ولا تستدعي العمق الكبير في الثقافة الإسلامية، أو سبق التأريخ مع الأئمة عليهم السلام، فإنها إنما تعني بشكل مباشر نقل الرسائل من المهدي وإليه، وتطبيق تعاليمه.. وهذا يكفي فيه ما كان عليه أبو القاسم بن روح، من الإخلاص والثقافة الإسلامية.
المصلحة الثانية: غلق الشبهة التي تصدر من المرجفين، من أنه إنما أوكل الأمر إلى ابن روح، باعتبار كونه أخص أصحاب أبي جعفر العمري، وألصقهم به.. فإنه لم يكن بأخصهم ولا بألصقهم، وإن كان من بعض أخصائه في الجملة، وعلى أي حال، فقد تولى الحسين بن روح السفارة فعلاً، عن الإمام المهدي بموت أبي جعفر العمري عام ٣٠٥ ه، كما عرفنا إلى أن لحق بالرفيق الأعلى في شعبان عام ٣٢٦ ه، فتكون مدة سفارته حوالي الواحدة والعشرين سنة، وكان أول كتاب تلقاه من الإمام المهدي، كتاب يشتمل على الثناء عليه، ومشاركة الحملة التي بدأها أبو جعفر العمري في تعريف الحسين بن روح للرأي العام والأصحاب، ممن مشى على خط الأئمة عليهم السلام، وقد مثل هذا الكتاب آخر وأهم خطوة في هذا الطريق لكي يبدأ هذا السفير بعدها مهمته بسهولة ويسر، وقد دعا له المهدي الكتاب، وقال: عرفه الله الخير كله ورضوانه، وأسعده بالتوفيق وقفنا على كتابه، وثقتنا بما هو عليه، وإنه عندنا بالمنزلة والمحل اللذين يسرانه زاد الله في إحسانه إليه، إنه ولي قدير، والحمد لله لا شريك له وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.
وقد وردت هذه الرقعة يوم الأحد لست خلون من شوال سنة ٣٠٥ ه، بعد حوالي خمسة أشهر من وفاة أبي جعفر العمري، الذي توفي في جمادى الأولى من العام نفسه.
وقد اضطلع أبو القاسم منذ ذلك الحين بمهام السفارة، وقام بها خير قيام، وكان من مسلكه الالتزام بالتقية المضاعفة، بنحو ملفت للنظر، ويجلب بها قلوب الكثيرين، على ما يأتي التعرض له فيما يلي من البحث، حتى أننا نسمع أنه يدخل عليه عشرة أشخاص، تسعة يلعنونه وواحد يشكك، فيخرجون منه تسعة منهم يتقربون إلى الله بمحبته وواحد واقف، يقول الراوي: لأنه كان يجارينا من فضل الصحابة ما رويناه وما لم نروِهِ، فنكتبه نحن عنه(١٢).
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على لباقته وسعة اطلاعه وتوجيهه على هذا المسلك من قبل الإمام المهدي عجّل الله فرجه، وقد تولى أيام سفارته الحملة الرئيسية ضد ظاهرة الانحراف عن الخط، وادعاء السفارة زوراً، بتبليغ القواعد الشعبية توجيهات الإمام المهدي في ذلك، وبقي مضطلعاً بمهامه العظمى، حتى لحق بالرفيق الأعلى عام ٣٢٦ ه وقبره اليوم في بغداد معروف يقصده الزوار.
السفير الرابع:
هو الشيخ الجليل أبو الحسن علي بن محمد السمري أو السيمري أو الصيمري، لم يذكر عام ميلاده، ولا تأريخ فجر حياته، وإنما ذكر أولاً كواحد من أصحاب الإمام العسكري عليه السلام ثم ذكر قائماً بمهام السفارة المهدوية ببغداد، بعد الشيخ ابن روح، بإيعاز منه عن الإمام المهدي ولم يرد في هذا الإيعاز خبر معين، وإنما يُعرف بالتسالم والاتفاق الذي وجد على سفارة السمري بين الموالين، الناشئ لا محالة من تبليغ ابن روح عن الإمام المهدي، وأن لمثل هذا التسالم والاتفاق كانت القواعد الشعبية الموالية للإمام تعتمده وتتبعه فيتبع
في ذلك الجاهل العالم والبادي الحاضر ووجود هذا التسالم مأخوذ في التأريخ جيلاً بعد جيل عن جيل الغيبة الصغرى، مما يعلم بوجوده ويحرز تحققه بالقطع واليقين.
تولى السفارة من حين وفاة أبو القاسم بن روح عام ٣٢٦ ه، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى عام ٣٢٩ ه في النصف من شعبان فتكون مدة سفارته عن الإمام المهدي ثلاثة أعوام كاملة إلا أيام.
ولم ينفتح للسمري، خلال هذا الزمان القصير، بالنسبة إلى أسلافه القيام بفعاليات موسعة، كالتي قاموا بها، ولم يستطع أن يكتسب ذلك العمق والرسوخ في القواعد الشعبية كالذي اكتسبوه، وإن كان الاعتقاد بجلالته ووثاقته كالاعتقاد بهم.
فما ذكره بعض المستشرقين، من أنه - أي السمري – ربما أدركته الخيبة، فشعر بتفاهة منصبه وعدم حقيقته كوكيل معتمد للإمام المفترض(١٣)، ناشئ من عقيدة ذلك المستشرق في إنكار الإسلام وإنكار وجود المهدي، وإلا فأي تفاهة في مثل هذا المنصب الخطير الذي عرفنا خطوطه وأهميته، وهو يمثل القيادة العامة للملايين، بالنيابة عن إمامهم، في ظروف معاكسة خطرة، ودولة مراقَبة ومطارَدة لهذا الخط وللسائرين عليه.
كما أن الشعور بعدم حقيقة الوكالة، أمر لا معنى له على الإطلاق بالنسبة إلى موقفه المباشر من الامام المهدي عجل الله فرجه، وتلقّي التعليمات والتوقيعات منه، واستيثاق قواعده الشعبية وعلماء الطائفة يومئذ به وركونهم إليه، وإنما كلام هذا المستشرق ناشئ من عقائده الخاطئة ولله في خلقه شؤون.
نعم، لا يبعد أن يكون لما ذكره ذلك المستشرق من كون تلك السنوات مليئة بالظلم والجور وسفك الدماء دخل كبير في كفكفة نشاط هذا السفير، وقلة فعالياته، فإن النشاط الاجتماعي يقترن وجوده دائماً بالجو المناسب والفرصة المواتية، فمع صعوبة الزمان وكثرة الحوادث وتشتت الأذهان، لا يبقى هناك مجال مهم لمثل عمله المبني على الحذر والكتمان، وهذا بنفسه من الأسباب الرئيسة لانقطاع الوكالة بوفاة السمري وعزم الإمام المهدي على الانقطاع عن الناس، كما انقطع الناس عنه، وفرقتهم الحوادث عن متابعة وكلائه.. إلى
أسباب أخرى ولذا نجد السمري يخرج إلى الناس قبل وفاته بأيام، بتوقيع من الإمام المهدي، يعلم فيه انتهاء الغيبة الصغرى وعهد السفارة بموت السمري، ويمنعه من أن يوصي بعد موته إلى أحد ليكون سفيراً بعده.
ويقول فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
يا علي محمد بن السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً وسيأتي لشيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كان هذا آخر خطاب خرج من الإمام المهدي عجل الله فرجه، عن طريق السفارة الخاصة.. وآخر ارتباط مباشر بينه وبين الناس في
الغيبة الصغرى.
قال الراوي: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: *-/لله أمر هو بالغه*/- وقضى، فهذا آخر كلام سمع منه. رضي الله عنه وأرضاه(١٤).
الخلاصة
ظهر مما سبق أن فترة الغيبة الصغرى دامت على التحديد تسعاً وستين عاماً وستة أشهر وخمسة وعشرين يوماً، شغل منها السفير الأول عثمان بن سعيد، حوالي خمس سنوات، أي أنه لم يتعد فترة خلافة المعتمد العباسي، فكما عاصر هذا الخليفة وفاة الإمام العسكري عليه السلام عاصر أيضاً وفاة السفير الأول رضي الله عنه.
وشغل السفير الثاني محمد بن عثمان حوالي أربعين عاماً منها عاصر فيها بقية خلافة المعتمد العباسي، ثم خلافة المعتضد العباسي، ثم خلافة المكتفي العباسي ثم عشر سنوات من خلافة المقتدر، حين توفى عام ٣٠٥ من الهجرة.
وشغل السفير الثالث الحسين بن روح، بعد وفاة سلفه، واحداً وعشرين عاماً، عاصر فيها بقية خلافة المقتدر العباسي، وقسماً من خلافة الراضي العباسي حيث خلفه السفير الرابع علي بن محمد السمري، فبقي في السفارة ثلاث سنين، وتوفي في نفس السنة التي توفي فيها الراضي العباسي، وإن عاصر خلفه المتقي العباسي مدة خمسة أشهر وخمسة أيام.
فما ينقل عن بعضهم من أن مدة الغيبة الصغرى أربعاً وسبعين سنة مبني على التسامح في الحساب، أو على ادعاء أن الغيبة الصغرى تبدأ من حين ميلاد الإمام المهدي نفسه عام ٢٥٥ ه أي قبل خمس سنوات من وفاة الإمام العسكري عليه السلام، فإذا أضفناها إلى التسع وستين سنة، كان المجموع أربعا وسبعين عاماً.
إلا أن هذه الدعوى، مبنية على التسامح في الاعتبار أيضاً، فإن الإمام المهدي وإن كان غائباً في حياة أبيه عليه السلام، كما سبق أن عرفنا، إلا أن هذه الغيبة لا تعد من الغيبة الصغرى البتة، لأن المهدي كان طوال مدتها معاصراً لأبيه عليه السلام، والإمام في زمان أبيه غير متحمل للمسؤولية، ولا تربع على منصب الإمامة، وإنما تولاها بعد أبيه لا محالة، إذن فالإمام المهدي عجل الله فرجه، إنما تولى الإمامة بعد وفاة أبيه عليه السلام.
ونحن إنما نتحدث عن غيبته وعن قواعده الشعبية بصفته إماماً مفترض الطاعة عليهم، حيث يكون المفروض – لولا الغيبة - أن يكون مرتبطاً بهم وقائداً لهم وموجهاً لمجتمعهم، وهذا مما لم يكن له في حياة أبيه، إذن فيتعين القول: بأن الغيبة الصغرى للإمام المهدي، هي غيبته بصفته إماماً، مع اقترانها بفكرة السفارة، ومعه تكون مدتها ما قلناه لا ما ادعوه.

المحور الثاني: أدعياء السفارة الكاذبة في الغيبة الصغرى

لقد اعتادت الدعوات الربانية الصادقة في مواجهة دعوات كاذبة ومزيفة تدّعي لنفسها الارتباط بالله عز وجل والممثلية عنه وأنه باب الله ووجه الله الذي يجب أن يتوجه إليه الناس عن طريقه وذلك لسببين:
الأول: جلب المنفعة المادية كاستحصال الأموال والواجهة والزعامة للناس والتسلط على رقابهم وآمالهم.
الثاني: دفع الناس عن السفارة الحقة المتمثلة في الأنبياء والأوصياء وتشويش الأذهان مما له النتيجة البالغة في فشل هذه السفارة الإلهية إذا واجهت الناس بالحق والرجوع إلى الله عز وجل والالتزام بتقاليده وإرشاداته.
ومن الملاحظ أيضاً أن كثرة الأدعياء الكاذبين في المجال الديني والرباني أكثر من غيره في باقي المجالات العلمية لصعوبة الكذب والادعاء فيها وسرعة انكشافه من قبل أهل الخبرة من أهل ذلك العلم، فلذلك سنلقي نظرة سريعة في من ادعى السفارة الكاذبة في زمن الغيبة الصغرى أي مع وجود السفراء الحقيقيين الموجودين والمعيّنين من قبل الإمام المهدي عجل الله فرجه.
بدأ - التزوير على ما يدل عليه تأريخنا الخاص - في عهد السفير الثاني الشيخ محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه، وأما أبوه السفير الأول، فقد كان أقوى وأسمى من أن يعارضه معارض، بعد تأريخه المجيد مع الإمامين العسكريين الماضيين وثناؤهما العاطر عليه، وأداؤه لمختلف أنواع الجهاد في عهدهما وبموجب توجيهاتهما وتعاليمهما، فلم يكن للظنون أن تحوم وللمطامح أن تطمح لمعارضته أو مضايقته، فإنها ستجابه بالنقد والإنكار من كل جانب.
كما أن الظرف لم يكن ليساعد على دعوى السفارة، فإن الغيبة الصغرى لا زالت في أولها، وتتبع السلطات ومطاردتهم لإمام المهدي عجل الله فرجه، ولكل من يمت إليه بصلة قوية، وقد كانت سفارة عثمان بن سعيد جهاداً كبيراً وتضحية عظمى، فكيف أن يعرض الشخص نفسه للمطاردة والخطر تلقائياً بانتحال السفارة.
وقد توفر المزورون خلال الفترة الطويلة التي قضاها السفير الثاني في سفارته، في تأريخنا الخاص، وإن لم يضع النقاط على الحروف من حيث تواريخ التزوير وعدد من جهاته، على ما سنسمع.. إلا أنه على أي حال يدل على بدء السفارة الكاذبة في زمن هذا السفير.
فقد ادعى السفارة زوراً عن الإمام المهدي في زمان أبي جعفر محمد بن عثمان العمري أشخاص عدة، أولهم: أبو محمد الشريعي، قال الراوي: وأظن اسمه كان الحسن، وهو أول من ادعى مقاماً لم يجعله الله فيه ومحمد بن نصير النميري، ادعى ذلك الأمر بعد الشريعي، وأحمد بن هلال الكرخي وأبو طاهر محمد بن علي بن بلال البلالي وأبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان المعروف بالبغدادي، ابن اخ أبي جعفر العمري، واسحاق الأحمر ورجل يعرف بالباقطاني(١٥).
وقد كان بعضهم صالحين في مبدأ أمرهم، ومن أصحاب الإمامين الهادي والعسكري، لكنهم انحرفوا وسلكوا مسلك التزوير، فجابههم العمري بكل قوة وانتصر عليهم، وخرجت من المهدي التواقيع والبيانات بلعنهم والبراءة منهم، والتأكيد على كذب سفارتهم وسوء سريرتهم.
وأما الشيخ الحسين بن روح السفير الثالث، فقد ابتلي بأشدهم تأثيراً، وأوسعهم صحبة: محمد بن علي الشلمغاني العزاقري وكان في مبدأ امره مؤمناً مستقيماً، بل وكيلاً لابن روح، ثم ظهر انحرافه وسقم عقيدته على ما سيأتي تفصيله.
وآخرهم في دعوى السفارة الكاذبة - على ما يظهر من عبارة الشيخ الطوسي- أبو دلف الكاتب، حيث كان على ذلك إلى ما بعد وفاة السمري السفير الرابع، قال الراوي، فلعنّاه وبرئنا منه، لأن عندنا أن كل من ادعى الأمر بعد السمري، فهو كافر ضال مضل.
بقي شخص ممن نسبت إليه دعوى السفارة، هو الحسين بن منصور الحلاج، المعروف بمذهبه الصوفي، وله في هذه الدعوى مكاتبة مع أبي سهل ابن إسماعيل بن علي النوبختي.. كشفه فيها ابو سهل وأفحمه، ولم يعين تأريخ هذه المكاتبة، إلا أنها كانت - على المظنون - في زمن الحسين بن روح.
فهذه الأسماء هي مجموع الأدعياء الذين ادعوا السفارة الكاذبة عن الإمام المهدي وسوف نتعرض إلى أهمهم من الذين كان له الأثر الواضح في الانحراف لبعض الموالين عن مسيرة أهل البيت واتباع السفارة الحقة والانطواء تحت راية الهدى والحق.
١ - محمد بن نصير

النميري الفهري كان من أصحاب الإمام العسكري عليه السلام فانحرف وافتتن، وأصبح يستخدم اسم صحبته للإمام العسكري عليه السلام، هذا العنوان العظيم الذي يعرف الناس شأنه وجلالته، في الربح المادي والمنفعة الشخصية.
فكتب الإمام العسكري عليه السلام كتاباً شديد اللهجة ضده وضد شخص آخر يدعى ابن بابا القمي ويسمى الحسن بن محمد.. يكشف فيه انحرافهما ويظهر البراءة منهما(١٦)، ويقول مخاطباً أحد أصحابه: أبرأ إلى الله من الفهري والحسن بن محمد بن بابا القمي، فابرأ منهما، فإني محذرك وجميع موالي، وأني ألعنهما، عليهم لعنة الله، مستأكلين، يأكلان بنا الناس، فتانين مؤذيين، آذاهما الله وأرساهما في اللعنة وأركسهما في الفتنة ركساً إلى آخر بيانه(١٧).
وكان يدّعي أنه رسول نبي، وأن علي بن محمد الهادي عليه السلام أرسله وكان يقول بالتناسخ، ويغلو في أبي الحسن الهادي عليه السلام ويقول فيه بالربوبية، ويقول بإباحة المحارم وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم ويزعم أن ذلك من التواضع والاخبات والتذلل في المفعول به وأنه من الفاعل إحدى الشهوات والطيبات، وإن الله لا يحرم شيئاً من ذلك.
وتبعه في أقواله جماعة، سموا بالنميرية، وذكروا أن منهم: محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات وهو لا محالة، والد علي بن محمد بن موسى بن الفرات الذي وزر بعد ذلك للمقتدر العباسي المعاصر لسفارة ابن روح، استوزره عام ٢٩٩ ه وبقي ما يزيد على ثلاث سنين في الوزارة، فمن هذا يظهر كيف تؤيد السلطات خط الانحراف الداخلي عن الأئمة عليهم السلام، بنحو خفي لا يكاد يلتفت إليه.
وعلى أي حال، فإنه حين اعتل محمد بن نصير النميري العلة التي توفي فيها، قيل له - وهو مثقل اللسان - لمن الأمر من بعدك؟!. فقال بلسان ضعيف ملجلج: أحمد: فلم يدروا من هو، فافترقوا بعده ثلاث فرق، قالت فرقة: إنه أحمد ابنه، وفرقة قالت: هو أحمد بن محمد بن موسى بن الفرات *-/وهو أخو علي بن محمد بن موسى وزير المقتدر*/-، وفرقة قالت: إنه أحمد بن أبي الحسين بن بشر بن يزيد، فتفرقوا فلا يرجعون الى شيء(١٨).
٢ - أحمد بن هلال

الكرخي العبرتائي ولد عام ١٨٠ ه وتوفي عام ٢٦٧ ه أي أنه عاصر الإمام الرضا عليه السلام ومَن بعده حتى الأمام العسكري عليه السلام الذي توفي عام ٢٦٠ ه، وعاصر الغيبة الصغرى لمدة سبع سنوات، ادعى خلالها الوكالة عن المهدي، وله كتاب يوم وليلة، وكتاب نوادر يرويه النجاشي في رجاله عنه بسنده إليه، اتخذ مسلك التصوف وحج أربعا وخمسين حجة، عشرون منها على قدميه، لقيه أصحابنا في العراق وكتبوا عنه(١٩).
ذمه الإمام العسكري عليه السلام على ما روي عنه، وبعده تبنى المهدي التحذير منه فكتب إلى قومه بالعراق احذروا الصوفي المتصنع، وورد على القاسم بن العلا نسخة ما كان خرج من لعن ابن هلال.
فانكر رواة أصحابنا بالعراق ذلك، لما كانوا كتبوا من رواياته فحملوا القاسم بن العلا على أن يراجع في أمره، فخرج إليه من الإمام المهدي بيان مفصل، هذا نصه: قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنع ابن هلال - لا رحمه الله - بما قد علمت، ولم يزل - لا غفر الله ذنبه ولا أقال عثرته - يداخلنا في أمرنا بلا إذن منا ولا رضى، يستبد برأيه فيتحامى ديوننا، ولا يمضي من أمرنا إياه إلا بما يهواه ويريده، أرداه الله في ذلك في نار جهنم، فصبرنا عليه حتى بتر الله بدعوتنا عمره، وكنا قد عرّفنا خبره قوماً من موالينا في أيامه وأمرناهم بإلقاء ذلك إلى الخاص من موالينا، ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال - لا رحمه الله - ولا ممن لا يبرأ منه، وأعلم الإسحاقي سلمه الله وأهل بيته بما أعلمناك من حال هذا الفاجر، وجميع من كان سألك ويسألك عنه من أهل بلده والخارجين ومن كان يستحق أن يطلع على ذلك، فإنه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنا ثقاتنا، قد عرفوا بأننا نفاوضهم بسرنا ونحمله إليهم، وعرفنا ما يكون من ذلك إن شاء الله تعالى(٢٠).
والواضح من هذا البيان أنه صادر بعد موت ابن هلال، ولعله مات بعد التوقيع السابق وقبل هذا البيان، كما يتضح منه أن ابن هلال كان يتلقى الأوامر من الإمام المهدي – ولو بالواسطة - إلا أنه كان يستبد برأيه فيها، ولا يطبق منها إلا ما يريد وكيف يريد، فدعا عليه الإمام المهدي فبتر الله عمره.
ومهما يكن من أمر، فقد ثبت قوم على إنكار ما خرج في حقه، ولم يفد فيهم هذا القول البليغ، فعادوا القاسم بن العلا على أن يراجع فيه، فخرج إليهم من الإمام المهدي عجل الله فرجه: لا شكر الله قدره، لم يدع المرزأة بأن لا يزيغ قلبه بعد أن هداه، وأن يجعل ما مَنّ به عليه مستقراً ولا يجعله مستودعاً، وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان - لعنه الله – وخدمته وطول صحبته فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل، فعاجله الله بالنقمة ولم يمهله، والحمد لله لا شريك له وصلى الله على محمد وآله وسلم(٢١).
وهذا التوقيع في واقعه، بيان لانحراف هذا الشخص بعد الإيمان، وكيفية ذلك بحسب القواعد العقائدية الإسلامية، إنه - في الحقيقة - راجع إلى سوء عمل الشخص الناشئ من بعض نقاط الضعف في إيمانه وإخلاصه، فيترتب على عمله ازدياد البعد عن الإيمان والإخلاص أكثر فأكثر.. فيزيغ الله قلبه ويبدله بعد الإيمان كفراً.
والذي يظهر من تأريخنا أن ابن هلال بقي مؤمناً صالحاً، خلال سفارة السفير الأول، ولكنه بمجرد أن ذهب السفير الأول إلى ربه بدأ بالتشكيك بسفارة السفير الثاني، بحجة إنكار النص عليه من قبل الإمام العسكري عليه السلام، ويقول: لم أسمعه ينص عليه بالوكالة.
وليس أنكر أباه - يعني عثمان بن سعيد - فإما أن أقطع أن أبا جعفر وكيل صاحب الزمان، فلا أجسر عليه، فقالوا قد سمعه غيرك، فقال: أنتم وما سمعتم، ووقف على أبي جعفر، فلعنوه وتبرؤوا منه.
وترتب على تشكيكه هذا في أبي جعفر، عدم دفعه أموال الإمام عليه السلام إليه وعصيانه للأوامر الصادرة منه عن المهدي عجّل الله فرجه، مما أدى به إلى منزلق الكفر والجحود.
٣ - محمد بن علي بن بلال
أبو طاهر، البلالي كان من أصحاب الإمام العسكري عليه السلام قال الشيخ الطوسي: وقصته معروفة فيما جرى بينه وبين أبي جعفر محمد بن عثمان العمري - نضّر الله وجهه – وتمسكه بالأموال التي كانت عنده للإمام عليه السلام، وامتناعه من تسليمها وادعاؤه أنه هو الوكيل، حتى تبرأت الجماعة منه ولعنوه، وخرج فيه من صاحب الزمان ما هو معروف.
وقد كان له جماعة من الأصحاب والمؤيدين، منهم أخوه أبو الطيب وابن حرز ورجل من أصحابنا، وقد انفصل منه هذا الأخير، لما سنذكره فيما يأتي.
وقد جاهد أبو جعفر العمري رضي الله عنه، واستعمل الأساليب لردعه وتقويم انحرافه، وأخذ الأموال منه لإيصالها إلى الإمام عليه السلام فلم يفلح وبقي ابن بلال على انحرافه وتمسكه بالأموال والأصحاب.
فمن ذلك: أن أبا جعفر قصد ابن بلال في داره، وكان عنده جماعة، فيهم أخوه ابو الطيب وابن حرز، فدخل الغلام فقال:
أبو جعفر العمري على الباب، ففزعت الجماعة لذلك وأنكرته للحال التي كانت جرت، ولم يستطع ابن بلال أن يحجبه، فقال: يدخل.
فدخل أبو جعفر، فقام له أبو طاهر والجماعة وجلس في صدر المجلس، وجلس أبو طاهر كالجالس بين يديه، فأمهلهم إلى أن سكتوا، ثم قال العمري: يا أبا طاهر أنشدتك بالله ألم يأمرك صاحب الزمان بحمل ما عندك من المال إليّ؟ فقال ابن بلال: اللهم نعم، فنهض أبو جعفر منصرفاً ووقعت على القوم سكتة، فلما تجلت عنهم قال له أخوه أبو الطيب: من أين رأيت صاحب الزمان؟ فقال أبو طاهر أدخلني أبو جعفر إلى بعض دوره فأشرف عليّ - يعني صاحب الزمان - من علو داره فأمرني بحمل ما عندي من المال إليه - يعني إلى العمري -.
فقال له أبو الطيب: ومن أين علمت أنه صاحب الزمان؟ قال:
قد وقع عليّ من الهيبة له، ودخلني من الرعب منه لما علمت أنه صاحب الزمان، قال ذلك الرجل من أصحابنا: فكان، هذا سبب انقطاعي عنه(٢٢).
فنجد أن أبا جعفر العمري السفير الثاني رضي الله عنه، قام تجاه ابن بلال بعملين مهمين:
أولهما: أنه وفر له طريق مقابلة الإمام المهدي ليأخذ منه الأمر بدفع المال إليه، وهذه حادثة كبرى في حدود ما عرفناه من السرية والتكتم والحذر، ومبنيّ على الاطمئنان من ابن بلال، ولو باعتبار ابتناء مصالحه على عدم الإفشاء والإيصال إلى السلطات، كما سبق أن ذكرناه.
ثانيهما: تذكيره بهذه الحادثة، ونشدانه بالله تعالى بصدور الأمر من الإمام المهدي بدفع المال، وذلك أمام جماعة من أصحابه، وإقامة الحجة عليهم في ذلك، مما أوجب انفصال أحدهم ورجوعه إلى خط السفراء الصادقين، وقد يوجب انفصال غيره مما لم يروهِ التأريخ، كما أن الجماعة الحاضرين في مجلسه، لاحظوا منه خضوعه لأبي جعفر وارتباكه من حضوره، واعترافه بعدم المعرفة السابقة بشخص الإمام المهدي وتهيبه ورعبه منه عند مقابلته، وكل ذلك يؤثر عليهم نفسياً، في الابتعاد عن ابن بلال والشعور بالنفرة منه بصفته مدعياً للسفارة إذ لو كان صادقاً لما حدث كل ذلك.
٤ - محمد بن علي الشلمغاني
المعروف بابن أبي العزاقر أو العزاقري، أبو جعفر، نسبته إلى شلمغان، وهي قرية بنواحي واسط.
كان شيخاً مستقيم العقيدة والسلوك صالحاً متقدماً في أصحابنا حتى أن الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح نصبه وكيلاً عنه عند استتاره من المقتدر وكان الناس يقصدونه ويلقونه في حوائجهم ومهماتهم(٢٣).
وكانت تخرج على يده التوقيعات من الإمام المهدي عن طريق الحسين ابن روح السفير الثالث.
له من الكتب التي عملها في حال الاستقامة: كتاب التكليف، قال الشيخ الطوسي: أخبرنا به جماعة عن أبي جعفر ابن بابويه عن ابيه عنه إلا حديثاً واحداً منه في باب الشهادات، أنه يجوز للرجل أن يشهد لأخيه إذا كان له شاهد واحد من غيره(٢٤).
كان الشلمغاني يكتب باباً باباً من هذا الكتاب، ويعرضه على الشيخ أبي القاسم فيصححه، فاذا صح الباب خرج، فنقله وامرنا بنسخه، يعني أمرهم ابن روح فكثرت نسخه عند الأصحاب.
وفي رواية أخرى: أنه لما انتهى من الكتاب طلبه ابن روح لينظر فيه، فجاءوا به فقرأه من أوله إلى آخره، فقال: ما فيه شيء إلا وقد روى الأئمة عليهم السلام إلا موضعين أو ثلاثة، فإنه كذب عليهم في روايتهما لعنه الله(٢٥).
وله كتاب *-/التأديب*/- أخذه الشيخ الحسين بن روح منه، وأنفذ الكتاب إلى قم، وكتب إلى جماعة الفقهاء بها، وقال لهم:
انظروا في هذا الكتاب وانظروا فيه شيء يخالفكم؟ فكتبوا إليه: أنه كله صحيح، وما فيه شيء يخالف، إلا قوله: الصاع في الفطرة نصف صاع من طعام، والطعام عندنا مثل الشعير من كل واحد صاع(٢٦).
فمن هنا نجد أن في كل من هذين الكتابين، قد دس الشلمغاني فرعاً فقهياً مخالفاً لما عليه مذهب الأصحاب، وإن كان مستقيماً مؤمناً، وهذا يدل على ما قلناه من وجود ضعف في إيمان كل شخص ينحرف في حياته بحيث يكون منذ البداية قابلاً لهذا الانحراف عند اجتماع ظروفه وشرائطه.
ويمكن أن نفهم وضوح ذلك لابن روح رضي الله عنه، حين كان يتوجس من كتب الشلمغاني، فيحاول أن يشرف عليها أو يعرضها على الموثوقين من أصحابه وعلماء مذهبه.
ثم أنه حمله الحسد لأبي القاسم بن روح على ترك المذهب والدخول في المذاهب الردية وظهر منه مقالات منكرة وأصبح غالياً يعتقد بالتناسخ وحلول الألوهية فيه.
وكان يقول لأصحابه وتابعيه: إن روح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتقلت إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، وروح أمير المؤمنين علي عليه السلام انتقلت إلى بدن الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه، وروح فاطمة الزهراء انتقلت إلى أم كلثوم بنت أبي جعفر، وكان يزعم لهم إن هذا سر عظيم ويأخذ عليهم أن لا يكشفوه لأحد(٢٧).
وشاع هذا الحديث في بني نوبخت، فلم يتبق أحد إلا وتقدم إليه الشيخ أبو القاسم وكاتبه بلعن أبي جعفر الشلمغاني والبراءة منه، وممن تولاه ورضي بقوله أو كلامه، ثم ظهر توقيع من صاحب الزمان يلعن أبا جعفر محمد بن علي والبراءة منه وممن تابعه وشايعه بقوله وأقام على توليه، بعد المعرفة بهذا التوقيع.
وكان خروج التوقيع ضده سنة ٣١٢ ه، ويقول الإمام المهدي فيه: إن محمد بن علي المعروف بالشلمغاني، وهو ممن عجل الله له النقمة، ولا أمهله، وقد ارتد عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله، وادعى ما كفر معه بالخالق جل وعلا وافترى كذباً وزوراً وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيداً وخسروا خسراناً مبيناً.
وإننا قد برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله وآله صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته عليهم منه، ولعناه عليه لعائن الله تترى في الظاهر من والباطن، في السر والجهر، وفي كل وقت وعلى كل حال، وعلى من شايعه وتابعه أو بلغه هذا القول منا وأقام على توليه بعده.
وأعلمهم أننا في التوقي والمحاذرة منه على ماكنا عليه ممن تقدمه من نظرائه من الشريعي والنميري والهلالي والبلالي وغيرهم، وعادة الله عندنا جميلة، وبه نثق، وإياه نستعين وهو حسبنا في كل أمورنا ونعم الوكيل.
وقد صدر هذا التوقيع حين ألقي القبض على الشيخ الحسين بن روح رضي الله عنه، وأنفذ الكتاب من السجن في دار المقتدر إلى أحد أصحابه شيخنا أبي علي بن همام، فوزعه أبو علي توزيعاً عاماً، ولم يدع أحداً من الشيوخ إلا أقرأه إياه وكتب بنسخته إلى سائر الأمصار، فاشتهر ذلك في الطائفة، فاجتمعت على لعنه والبراءة منه(٢٨).
وحين أحس الشلمغاني بالتحدي والمجابهة من قبل الشيخ ابن روح والمجتمع الموالي له، أراد أن يباهل ابن روح حتى يضع المجتمع أمام حد الواقع، وذلك: أنه بعد أن اشتهر أمره وتبرأ منه ابن روح واجتمع الشلمغاني بجماعة من رؤساء الشيعة في مجلس الوزراء ابن مقلة - وزير الراضي عام ٣٢٢ ه- فوجد أن كل فرد منهم يحكي عن الشيخ أبي القاسم لعنه والبراءة منه، فقال: اجمعوا بيني وبينه حتى آخذ بيده ويأخذ بيدي فإن لم تنزل عليه نار من السماء تحرقه، وإلا فجميع ما قاله فيّ حق.
فبلغ ذلك إلى الراضي فأمر بالقبض عليه، وقتله فقتل، واستراحت الشيعة منه(٢٩).
هذه بعض أهم التراجم لمن ادعوا السفارة عن الإمام المهدي كذباً وزوراً ويمكننا أن نفهم من خلال هذه الجولة السريعة أمور عدة:
١ - إن السفارة الكاذبة كانت تخرج على يد المقربين أو الأصحاب للأئمة عليهم السلام من الذين يتمتعون بحسن السيرة والسلوك في
بادئ أمرهم مما يعطيهم الدافع القوي في أن يتقمصوا أدوار الوكالة أو السفارة الكاذبة أمام الموالين من الشيعة على الخصوص.
٢ - إن أغلب دوافعهم التي دفعتهم إلى تولي هذه السفارة والادعاءات الكاذبة هي دوافع مادية ودنيوية تتلخص تحت عنوان الأموال الطائلة والوجاهة بين الناس.
٣ - إن هناك غض للبصر عن هذه السفارات الكاذبة من قبل الحكومات الموجودة آنذاك وتركهم يتمتعون بمطلق الحرية والتنقل بين الناس ويقابله الضغط على السفارة الحقيقية وجعلها تعيش في حالة مكثفة من التقية والتواري عن أنظار السلطة.
وذلك لكون أن هذه السفارات الكاذبة تعطي صوراً مشوهة عن العقيدة الحقة في الإمام المهدي وتحجب النظر عن السفارة الحقيقية التي تحاول بدورها ربط الإمام المهدي بقواعده الشعبية الموالية له فيكون أثر ها بالمجتمع دوراً هامشياً مشوشاً في الواقع المعاشي مع وجود أكثر من مدعي للسفارة عن الإمام المهدي وكلها تحمل راية الحق في الظاهر.
٤ - إن دور الإمام المهدي قد بادر في فضح وإشهار زيف تلك السفارات عن طريق إرسال الرسائل إلى بعض الموالين الذين لهم الأثر الواضح في القواعد الشعبية عن طريق سفارته الحقيقية كما مر بنا في مطاوي البحث.
الغيبة الكبرى
بعد وفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري ابتدأت مرحلة جديدة في التأريخ والبناء العقدي الشيعي الاثني عشري، وهي غيبة الإمام الكاملة عن قواعده الشعبية ومواليه بحيث لم يكن هناك فسحة من المجال في أن يلتقي به أحد داخل الغيبة الكبرى ويقوم بمهمة إيصال الأجوبة أو الأوامر إلى الموالين وهذا واضح من خلال آخر توقيع كتاب صدر على يد الإمام المهدي عن طريق السفير الرابع الذي يقول
فيه بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري عظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره بعد طول الأمد وقسوة القلب وامتلاء الأرض جورا وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(٣٠).
فمن خلال هذا التوقيع الصادر من الناحية المقدسة نفهم أمور عدة منها:
١ - إن الإمام المهدي يعلن انتهاء وظيفة السفارة الخاصة عنه بموت السفير الرابع فلا يوجد سفير خامس بعده.
٢ - إن أي مسألة أو مهمة من مهام السفارة كإيصال الأحكام الفقهية أو العقائدية وكذلك التوصيات العامة للشيعة قد أوقفت تماماً ولا يمكن لأي أحد أن يدعي الوساطة أو السفارة بل هو كذاب مفترٍ ضال مضل.
٣ - إن الإمام ينذر شيعته ومواليه من أن ظهوره موكل إلى مشيئة الله وقدره لا إلى نفسه، ومن هذه النكتة نفهم أن أمر الغيبة الكبرى لم يكن باختيار الإمام، بل هي باختيار الله وإرادته، وحتى أمر ظهوره ونشر راية الحق في أرجاء المعمورة أيضاً موكول إلى أمر الله وإرادته، فكما أن الإمام المهدي منتَظر، فهو أيضاً منتِظر.
٤ - إن الإمام المهدي وضع شرائط أو علامات لظهوره وهي طول الأمد وقساوة القلوب وامتلاء الأرض جورا وخروج السفياني ووقوع الصيحة في السماء.
٥ - إن أي مقام من مقامات السفارة الخاصة لا يكون لأحد بعده أبداً.
٦ - نستطيع أن نفهم من خلال كلمات الإمام وتوقيعه الشريف أن مسألة الغيبة مجهولة حتى بالنسبة للإمام ومتى يظهر، بل كله موكول لأمر الله وحكمته عز وجل وهذا الغموض وهذا الجهل بتأريخ ظهوره له فائدة كثيرة وهي بقاء القواعد الشعبية منتظرة في كل حين متوقعة ظهوره في أي يوم من الأيام وهذا الشعور له الأثر الواضح في صقل السلوك الفردي لدى الشيعة الإمامية في أن يكونوا دوماً على ترقب ومحاسبة أنفسية على الدوام وتقويم النفس تقويماً مستمراً غير منقطع.
٧ - الإشارة إلى قسوة القلوب هي من إحدى علامات ظهوره الشريف وهذا يدل على أن الضعف في الدافع الإيماني سيكون واضحاً ومنتشراً بين الأمة الإسلامية على الخصوص والعالم بأجمعه على العموم.
إذا تبين هذا بقي هناك سؤال لا بد من الإجابة عليه.. وهو أن هنالك الكثير من الأشخاص الذين وردت على ألسنتهم الكثير من المقابلات الشخصية مع الإمام المهدي عجل الله فرجه؟ فكيف يستقيم هذا الكلام مع كلام الإمام المهدي وتوقيعه الشريف من تكذيب كل من يدعي المشاهدة قبل الصيحة والسفياني.
وللرد على هذا الإشكال نستطيع أن نقول إن الرد يكون على أكثر من وجه:
الوجه الأول:
إن الإمام حين صدر منه التوقيع الشريف كان في معرض توضيح أن السفارة الخاصة عنه قد انتهت وكل من يدعي المشاهدة بصفته سفيراً للإمام المهدي فهو مفترٍ كاذب، ولم يكن يقصد المشاهدة على إطلاقها فإنه كان في بداية التوقيع يتحدث عن انقطاع السفارة بعد السمري ووقوع الغيبة الكبرى فتحمل لفظة المشاهدة على ادعاء المشاهدة مع دعوة السفارة فقط لا على كل المشاهدات التي تجري مع الإمام عليه السلام التي لا تقع فيها دعوى السفارة عنه.
الوجه الثاني:
أن كل من شاهد أو التقى بالإمام لا يحصل عنده اليقين والقطع من أنه شاهد الإمام المهدي، نعم قد يفهم من خلال القرائن أنه هو الإمام فبالتالي من كان له هذه الحالة من عدم القطع واليقين في رؤية شخص الإمام يلزمه أن لا تكون له دعوى المشاهدة المشمولة باللعن والضلال.
الوجه الثالث:
إن لفظة ادعى المشاهدة تحمل على أن المشاهد يدعي أنه شاهد الإمام وبلّغه بتكليف الناس بكذا وكذا، فإنه يكون مشمولاً في اللعن والضلال، أما مَن شاهد أو التقى بالإمام المهدي من دون أداء التكاليف للناس فإنه يكون خارج عن نص التوقيع الصادر من الإمام المهدي، وهذا الوجه قد وقع مع أكثر الناس الذي قد شاهدوا الإمام المهدي فإنهم يتبركون به فقط ويسألونه في قضاء حوائجهم من دون نقل أي تكليف إلى أي أحد من الناس.
وهناك وجوه أخرى أعرضنا عنها طلباً للاختصار والإيجاز.
الوكلاء في الغيبة الكبرى
لعل من الأسئلة التي تطرح بعد هذا الاستعراض للسفارة هو:
من هو الذي يدير شؤون الناس في الغيبة الكبرى؟ أم أنهم يتركون سداً لا راعي لهم ولا موجه ولا معين؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال المحوري، لا بد من إيضاح مسألة مهمة وهي أن مسألة غياب الإمام عن القواعد الشعبية لم تكن بدايتها في عصر وزمان الإمام المهدي فحسب، بل إن هذه الأدوار الملازمة لغيبة الإمام عن قواعده الشعبية قد مورست من قبل الأئمة عليهم السلام في حياتهم التي مارسوها في عصر الطغاة خاصة في زمان التقية المكثفة كالإمام زين العابدين عليه السلام حين جعل عمه محمد بن الحنفية وكيلاً عنه في طلب الثأر بدم أبيه الحسين عليه السلام حين قال يا عم لو أن عبداً زنجياً تعصب لنا أهل البيت عليهم السلام لوجب على الناس مؤازرته وقد ولّيتك هذا الأمر فاصنع ما شئت(٣١).
أو كما حصل مع الإمام الباقر عليه السلام حينما جعل من جابر بن يزيد الجعفي باباً له، قال الإمام الصادق عليه السلام: إنه كان يصدق علينا كان باب الإمام الباقر عليه السلام(٣٢)، وكذا الإمام الكاظم عليه السلام حين كان في السجن وكان له وكلاء وأبواب يتابعون شؤون الخاصة والموالين ويتولون إدارة القضاء بينهم وإيصال الحقوق الشرعية إليهم حتى وصل الأمر إلى الإمامين الهادي والعسكري حينما كانا داخل القصر العباسي ومحاطين بالرقابة الشديدة من قِبل عيون الطغاة فكانوا أيضا يواصلون الناس ويتصلون بهم عن طريق الوكلاء والأبواب، فالمهم في هذا الموضوع أن مسألة غيبة الإمام واحتجابه عن الناس لم تكن بالغريبة على كل الشيعة والموالين.
وكذا الأمر بالنسبة للإمام المهدي فقد ورد عن طريق السفير الثاني محمد بن عثمان العمري توضيحه الشريف وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله(٣٣)، فمن خلال هذا الحديث الشريف نفهم أن الإمام المهدي لم يترك شأن الأمة سدى من دون راعٍ أو موجه بل ع الحجة على الناس باعتباره حجة غائبة عنهم فيكون الرواة لحديث الأئمة صلوات الله عليهم الحجة على الناس في حال غياب الحجة عن الناس وهو الإمام.
وقد نفهم من خلال هذا النص عدة أمور نستطيع تلخيصها بعدة نقاط:
١ - إن هناك حوادث ستقع في غيبة الإمام لا بد لها من مجيب وموضح.
٢ - إن الرجوع إلى رواة الحديث أو الفقهاء بشرط الحوادث من الأمور فقط ولا يشمل الثوابت من الدين والمذهب كرسالة النبي الخاتم صلّى الله عليه وآله وسلم أو أصل الإمامة أو يوم المعاد وغيرها من الثوابت التي لا تعد من الحوادث من الأمور.
٣ - إن مقام هؤلاء الرواة أو الفقهاء هو مقام الحجة ومعنى الحجة أي يكون مطاع الأمر في ما يحكم به من الأمور الحادثة وليس لأحد أن ينقض حكمه أو رأيه.
٤ - إن هؤلاء الرواة قد وكل بهم الإمام الحجة نفسه بصفته حجة عليهم فبالتالي سيكونون تحت رعايته وإرشاده عن طريق مباشر أو غير مباشر ولكن الكل مشمول باللطف الإلهي عن طريق حجة الله في أرضه.
٥ - إن المكلف في زمن الغيبة الكبرى مأمور بالرجوع إلى رواة الحديث وليس له الخيار أو عدم القبول بهم لحجة عليه لوضوح صيغة الأمر في لفظة ارجعوا.
٦ - إن الإمام نسب الحديث إلى أنفسهم ولم يقل حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أو حديث الله، بل سماه رواة حديثنا أي أن هناك إشارة واضحة في أن من كان راوياً للحديث ولكنه ليس الحديث والمنقول عن أهل البيت عليهم السلام فإنه لا حجة له على الناس وهذه نفس الإشارة التي أشار إليها الإمام الصادق عليه السلام حين قال:
من كان منكم ممن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا فقال حلالنا وحرامنا ولم يقل حلال الله وحرام الله فإن الكثير ممن يزعمون أن أخذ الحكم هو من حلال الله وحرامه وهو ليس منه، فحتى لا يدخل من ليس عالماً بمنهج أهل البيت عليهم السلام وسائراً عليه تحت عنوان الحجة على الناس الذي صدّره الإمام المهدي عجّل الله فرجه.
من هم رواة الحديث:
لعل هذا التوضيح الذي صدر من الناحية المقدسة قد ب مَن هم الحجة على الناس في زمن الغيبة الكبرى وجعلهم رواة الحديث، ولكنه لم يعطِ ما هي مواصفات هؤلاء الرواة، وبعبارة أخرى هل أن كل من روى أحاديث للأئمة عليهم السلام وله هذا المقام وهو مقام الحجية على الناس من قبل الإمام المهدي أم أن هناك أوصافاً خاصة؟
ويمكن الإجابة عن هكذا سؤال جوهري أن نقدم مقدمة بسيطة.. وهي أن الإمام الذي يجعل حكماً من الأحكام يكون مستنداً بطبيعة الحال على مقدمات بديهية أصّل لها الإمام الذي قبله، فلا حاجة للإعادة في شرح المقدمات التي أصبحت بديهية لدى الذهنية المثقفة والعامة في الشيعة، ومثال على ذلك حين صدر من الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام حديث السلسلة الذهبية الذي نصه إن الله عز وجل يقول الإيمان حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي ومن قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، ثم ضرب راحلته وسار قليلاً والناس خلفه ثم التفت إليهم ثم قال بشرطها وشروطها وأنا من شروطها(٣٤).
فنجد أن الإمام الرضا عليه السلام لم يوضح للناس معنى أنه من شروط الإيمان ولكنه اعتمد على الفهم العام الموجود عند الشيعة الإمامية المستوحى من تأريخ الأئمة وأقوالهم وما أصّلوا له من العقيدة من أن الإيمان لا يتم إلا بوجود الولاية لأهل البيت عليهم السلام باعتبارهم الحجج والهداة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ولكونه أي الإمام الرضا فهو شرط من شروط الإيمان وقبول الأعمال من الإنسان لأن الإمامة هي أصل من أصول الإيمان والعقيدة السليمة، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أشار في يوم الغدير عندما ع فيه الإمام علي عليه السلام من أنه ولي كل مسلم ومسلمة تطبيقاً للآية القرآنية:
(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) المائدة/ الآية ٣.
وبالتالي نجد أن الإمام المهدي قد سلك نفس الطريق في توضيح من هو الوكيل والحجة على الناس في زمن الغيبة الكبرى فقال عليه السلام: في النص الوارد عنه فأما الحوادث... ولم يحدد ما هي مواصفات أولئك الرواة للحديث أو الفقهاء ولكننا لو رجعنا إلى روايات أهل البيت عليهم السلام نجدهم قد وضّحوا تلك المواصفات لرواة الحديث عنهم عليهم السلام وذلك في نصوص عدة.
الأول: عن الإمام الصادق عليه السلام... فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم(٣٥).
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام قال: من كان منكم ممن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله(٣٦).
فمن خلال هذين النصين الشريفين نستظهر بعض الخصائص والشروط لرواة الحديث منها:
١ - إن الراوي يجب أن يكون فقيهاً بدلالة النص من كان منكم ممن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا.
٢ - أن يكون مختصاً بمدرسة أهل البيت لا غيرهم بدلالة قوله عليه السلام حلالنا وحرامنا.
٣ - أن يكون معروفاً بين الناس بحسن سيرته وتدينه بين الناس بدلالة صائنا لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه.
٤ - ليس كل من تسمّى فقيها جاز الرجوع إليه بدلالة وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم.
٥ - يجب أن يكون الراوي للحديث ناظراً محكماً عقله ومستدلاً على فتواه بالرواية لأهل البيت عليهم السلام بدلالة وناظراً في حلالنا وحرامنا.
٦ - أن يكون عارفاً بالأحكام الصادرة عن الأئمة بدلالة وعرف أحكامنا.
٧ - على الناس أن ترضى بحكمه وأن لا تستخف بأحكامه بدلالة فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله.
٨ - إن حكم الحاكم نابع من حكم الله وبالتالي الراد عليه كالراد على الله بدلالة فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله.
٩ - إن من أنكر ولايته على الناس فإنه وصل إلى حد الشرك بالله بدلالة وهو على حد الشرك بالله.
١٠ - وأخيراً، إن الراوي والفقيه على حد سواء فكل فقيه يجب أن يكون راويا للحديث وليس كل راوٍ للحديث هو فقيه بدلالة الجمع بين النصين.
فمن خلال النتائج المستحصلة من هذين الروايتين نفهم معنى التوقيع الصادر من الناحية المقدسة حين أحال الناس إلى رواة الحديث، اعتماداً على ما أصّله آباؤه عليهم السلام في المواصفات والشرائط الواجب توفرها في راوي الحديث أو الفقيه.

الخاتمة

من هذا البيان السريع والموجز في حياة السفارة والغيبة الكبرى لا يبقى أي شك في دعوى من يدعي أن الائمة عليهم السلام قد تركوا شيعتهم ومواليهم بلا ولي أو مرشد أو موجه بعدهم أو أثناء غياب الحجة الثاني عشر، ومنه أيضاً نفهم أن كل من قال أني وليّ المهدي أو أنا سفيره في الغيبة الكبرى أو أنه يدعي أن الإمام قد بعثه لتحذير الناس أو طلب البيعة له كما نرى في الوقت الحاضر فإن كل هؤلاء مُحيَلون على راية الضلال واللعن من الله ورسوله والأئمة عليهم السلام.
ثم أننا نجد في الآونة الأخيرة قد ظهرت بعض الأصوات التي تريد أن تستجلب قلوب الناس من خلال عبارات نورانية في الظاهر ولكنها سوداوية مظلمة في الباطن والحقيقة.
فنجد هذا ينادي بحب الله وحده وهو من أنصار المهدي وقد وجهه الإمام إلى الناس لكي يقيم ثورة العشق الإلهي.
والآخر يقول: أنه ابن الإمام المهدي ومن نسله وقد بعثه للناس لكي يكون وصيه عليهم وممهدا لخروجه، وثالث يقول أنا اليماني الموعود الذي سيكون على يديّ تمهيد دولة الحق الإلهي، اعتماداً على الروايات الواردة في فضل اليماني وأن رايته أهدى الرايات، وهكذا نجد أن في كل حقبة زمنية يأتي من يدعي أنه على علاقة مباشرة بالمهدي المنتظر عجّل الله فرجه، ولكن الذي يؤيد الحقيقة الراسخة من أن هؤلاء إنما هم أشخاص قد جُنِّدوا ليجعلوا من المنتظرين للإمام المهدي منحرفين.
والذي يؤيده أن هؤلاء مُجيعون على أمر واحد وهو عزل الناس عن المرجعية الدينية والفقهاء وفقد الثقة بهم والانسلاخ عن توجيهاتهم وإرشاداتهم خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي تشهد من التكالب والعداء ضد أتباع أهل البيت عليهم السلام ومحبيهم ربما هي من أشدها على مر العصور، فبالتالي تكون الحرب عليهم من جهتين الأولى الضرب المباشر لهم وتقتيلهم ومحاربتهم.
والثانية: انسلاخهم عن فقهائهم وعلمائهم الذين نصبهم الإمام المهدي نفسه وأقام لهم الحجة على الناس.
فما أن يظهر أحد هؤلاء المدعين الكاذبين الملعونين على لسان الأئمة عليهم السلام إلا ويصب غضبه ونقده اللاذع على المرجعية والفقهاء وأنهم لا يمثلون الخط الذي أراده لهم أهل البيت عليهم السلام وأنهم قد انحرفوا انحرافاً كبيراً عن خط أهل البيت عليهم السلام.
مدعين أنه يجب على الفقهاء مناظرتهم إذا أرادوا أن يواجهونهم ويثبتوا كذبهم، فحين لا يجد له من يناظره من الفقهاء لا عجزاً عن المناظرة وإنما تجاهلاً لهذه البدع والأهواء المدسوسة يعلن أن هؤلاء الفقهاء قد انهزموا أمامه وأنهم خافوه لأنه لا حجة لهم عليه، إلى آخر هذه الدعاوى التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وجلّ أدلتهم على ما هم عليه من الدعوى والسفارات الكاذبة تقتصر على الأحلام والحيل الخفية التي يستخدمها أصحاب الألعاب السحرية التي نراها في وسائل الإعلام.
نسأل الله أن يكفينا شر هؤلاء الملعونين الضالين المضلين وأن يعجل فرج مولانا صاحب العصر والزمان حتى يستأصل أصل الكفر والنفاق والضلال إنه سميع الدعاء وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) راجع صحيح مسلم/ ج ٦ ص ٣.
(٢) بحار الأنوار/ ج ٢ ص ٢٢٦.
(٣) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٣٥٤.
(٤) نفس المصدر/ ص ٣٥٤.
(٥) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٣٥٧.
(٦) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٢٢١.
(٧) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٣٦١.
(٨) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٢١٨.
(٩) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٢٤٣.
(١٠) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٢٢٤.
(١١) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٣٦٩.
(١٢) الغيبة للشيخ الطوسي ٣٨٦.
(١٣) عقيدة الشيعة لرونلدسن ص ٢٥٧.
(١٤) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٣٩٥.
(١٥) البحار ج ١٣ ص ٧٩.
(١٦) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٢٤٤.
(١٧) رجال الكشي ص ٤٣٨.
(١٨) انظر الغيبة للشيخ الطوسي ص ٣٩٩. وفرق الشيعة ص ٩٤. ورجال الكشي ص ٤٣٨.
(١٩) رجال الكشي ص ٤٤٩.
(٢٠) رجال الكشي، ص ٤٥٠.
(٢١) رجال الكشي، ص ٤٥٠.
(٢٢) الغيبة، للشيخ الطوسي ص ٤٠١.
(٢٣) أنظر في كتاب الغيبة، ص ٣٠٣.
(٢٤) الفهرست، للشيخ الطوسي ص ٢٢٤.
(٢٥) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٢٥٢.
(٢٦) الغيبة للشيخ الطوسي ص ٣٩٠.
(٢٧) الكامل لابن الاثير، ج ٦ ص ٢٤١.
(٢٨) الغيبة للشيخ الطوسي، من ص ٤١١ – ٢٥٤.
(٢٩) الغيبة للشيخ الطوسي، ص ٢٥٠.
(٣٠) بحار الأنوار/ ج ٥١ ص ٣٦١.
(٣١) معجم رجال الحديث/ ج ١٩ ترجمة المختار ص ١٠٩.
(٣٢) وسائل الشيعة/ ج ١٩ ص ٣٣٨.
(٣٣) بحار الأنوار/ ج ٢ ص ٩٠.
(٣٤) عوالي اللئالي/ ج ٤ ص ٩٤.
(٣٥) وسائل الشيعة/ ج ٢٧ ص ١٣١.
(٣٦) الكافي/ ج ١ ص ٦٧.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved