فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الرجعة بين الظهور والمعاد (الجزء الأول)
 كتب أخرى

الكتب الرجعة بين الظهور والمعاد (الجزء الأول)

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ محمد السند تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٤/١٢/١٦ المشاهدات المشاهدات: ٦٦٧٠٤ التعليقات التعليقات: ٠

الرجعة بين الظهور والمعاد (الجزء الأول)
تقرير أبحاث/ الشيخ مُحمَّد السند

بقلم: جمع من الفضلاء

فهرس الموضوعات

المقدمة
الباب الأول: حقيقة الرجعة وبعدها المعرفي
الفصل الأول: أصول المنهج فِي بحوث المعارف وبحث الرجعة
الأمر الأوَّل: سبب قلّة الجهود في الرجعة
الأمر الثاني: المنهج الرجالي في الرجعة
الترادف اللغوي:
الترادف العقلي:
الترادف الوجودي:
منهاج الأعلام فِي بحث كتب الرجعة
الأول: منهج الشيخ الصدوق
الثاني: منهج الحر العاملي
الثالث: منهج الشيخ أحمد الإحسائي
الرابع: منهج الشيخ محمد آل عبدالجبار القطيفي
وقفة أُخرى مَعَ منهج الصدوق والحر العاملي
الخامس: منهج الشيخ حسين بن علي بن زعل
مناهج الأعلام في بحث الرجعة إثباتاً وتفسيراً:
ملاحظات على منهج الطباطبائي والإحسائي في الرجعة:
الفصل الثاني: حقيقة الرجعة
تفاسير الرجعة
التفسير الأوَّل: الرجعة والمعراج
التفسير الثاني: الرجعة تناسخ
التفسير الثالث: الرجعة هي عدم الموت
التفسير الرابع: الرجعة والتبري
التفسير الخامس: الرجعة هي الظهور
الأول: الرجعة والدولة الإلهية للإمامة
الثاني: الحساب في الرجعة
التفسير السادس: الرجعة معاد
التفسير السابع: حقيقة البرزخ والرجعة والترابط بينهما
التفسير الثامن: الرجعة هي نزول
التفسير التاسع: الرجعة يقظة من نوم الموت
اختلاف القتل عن الموت والموت عن النوم
أنواع الموت:
مراتب الرجوع والرجعة فِي مقابل مراتب الوفاة والتوفّي والنوم
حقيقة الرجعة وأقسام الموت والعلاقة بين الروح والجسد
نزول ورجوع عيسى كل عام
التفسير العاشر: الرجعة نوع من البرزخ
التفسير الحادي عشر: تفسيرها بالبرزخ
التفسير الثاني عشر: الرجعة إحياء الإمام عليه السلام للموتى بإذن الله
التفسير الثالث عشر: تفسير الرجعة بالتناسخ
الفرق بين الرجعة والتناسخ ـ إبطال قواعد الرجعة لأصول التناسخ
الفرق بين الرجعة والظهور
الفرق بين الرجعة والإياب والكرة
قاعدة في تكليف أهل الرجعة ودرجات الإختيار فيها
الفرق بين الدين والشريعة
الجبر والاختيار في الرجعة
شواهد بيانية في الروايات عَلَى استمرار التكليف فِي الرجعة
الشاهد الأول: درجات الاختيار والرجعة
تعدد مراتب الإختيار بمراتب سد التوبة
الشاهد الثاني: تخيير المؤمن في قبره
الشاهد الثالث: التمادي في المسير المعنوي وأثره
تكليف أهل الرجعة ودرجة اختيارهم
التكليف ومدار الحجية في الرجعة
درجة الإختيار في أفعال يوم القيامة
إغلاق باب التوبة
غلق باب التوبة وانقطاعها تدريجيٌ
الفرق في الاختيار بين نشأة الملكوت ونشأة الدُّنْيَا
بين الاختيار والحساب والجزاء
الرجعة وتصوير كيفية الاختيار والامتحان
اشتداد التكليف في الرجعة
حقيقة عدم قبول التوبة
تعدد مواطن انقطاع ورفع التوبة
السعي والاختيار في جهنم
الافتتان في الرجعة والعوالم الأُخرى ـ الأدوار فِي الرجعة وليدة أعمال الدُّنْيَا الأولى
الرجعة خروج من التراب لا من الأرحام
امتحان المستضعفين في الرجعة ـ فِي مقطع أخير مِنْ آخرة الدُّنْيَا
وقوع المسخ في الرجعة
الرجعة تكامل نوعي خطير:
الرجعة ذات صلة بقواعد أحكام الطبيعة:
تنزل للروح إلى جنب الجسد فِي القبر قُبيل الإحياء فِي الرجعة
الرجعة فتح الفتوح ـ الرجعة مشروع بناء معرفة مُتعالية ودلة حضارية
النظام القرآني الراسم للرجعة
الفصل الثالث: غايات وفلسفات الرجعة ونمط تفسير آخر
الغاية الأولى: معرفة الرجعة فريضة كبرى عَلَى جميع الأُمَّة كمعرفة المعاد الأكبر
الغاية الثانية: القدرة الإلهية في الرجعة
الإيمان والمعرفة بالقدرة الالهية
الرجعة والقدرة والمشيئة الإلهية
الغاية الثالثة: تحقيق ووقوع غاية الخلقة من دار الدُّنْيَا
الغاية الرابعة: معرفة الرجعة وعلوّ الهمة
الغاية الخامسة: الثبات بمعرفة الرجعة عَلَى الإيمان عِنْدَ البعث الأوَّل
الغاية السادسة: الاعتقاد بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه ـ توطئة وتمهيد للاعتقاد والمعرفة بالرجعة
الغاية السابعة: نصرة الأنبياء والرُّسل والأوصياء
الغاية الثامنة: استكمال الامتحان للنفوس
الغايه التاسعة: تولد الأمل وقوته وشدة الطموح
الغاية العاشرة: الانتقام من الظالمين
الغاية الحادي عشر: استكمال الطاعة للإمام عجل الله فرجه
الغاية الثانية عشر: إكمال الدين وإتمام الموعد الإلهي
الأربعة عشر معصوم لكل مقام محمود في الرجعة
الغاية الثالثة عشر: ظهور مقامات خاصة لأمير المؤمنين عليه السلام
الغاية الرابعة عشر: إنجاز الوعد وإقامته وإظهاره في الرجعة
الفصل الرابع: مراحل وأدوار الرجعة وأقسامها
محطات مسير الرجعة
المحطة الأولى: بداية الرجعة
المحطة الثانية: اجتماع أجيال متباينة فِي الرجعة
المحطة الثالثة: الرجعة عامة لِكُلِّ النَّاس وخاصة للبعض
طوائف الروايات في من يرجع في الرجعة:
الأولى: الطائفة الخاصة
الثانية: الطوائف الدالة على عموم الرجعة
اختصاص الرجعة بمن محض فِي المسائلة لا فِي نفس الرجوع
معنى من محض الإيمان ومحض الكفر
سر سبق من محض الإيمان ومحض الكفر عَلَى المستضعفين فِي الرجعة
المحطة الرابعة: قائمة أسماء مِنْ يكر مِنْ أهل الخير وأهل الشر
رجعة إبليس والشياطين والجن
المحطة الخامسة: مرحلة خروج دابة الأرض وما بعده
المحطة السادسة: رجعة الحيوان
المحطة السابعة: أواخر الرجعة
الفصل الخامس: موقعية الرجعة فِي العقيدة والإيمان
الفصل السادس: الرجعة كمال وبلوغ فِي معرفة أصول الدين
الرجعة ومعرفة التوحيد والمعاد
الرجعة ومعرفة النبوة
الرجعة ومعرفة الإمامة
الرجعة وحقيقة الإمامة ـ إطلاق الكرة والرجعة عَلَى القيامة
الفصل السابع: الرجعة ومقامات الإمامة
الرجعة من الأدلة الكبرى للإمامة
الدولة الإلهية في الرجعة في الآيات القرآنية
ظهور مقامات للإمامة في الرجعة
معالم الرجعة المروية عند العامة بعناوين خاصة
الحوض في الرجعة
اللواء
الساعة
الساعة إنباء النبي بالرجعة
أحد أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة والإنجيل: الحاشر
إنجاز الوعد وإقامة الدين وإظهار الحق في الرجعة
إنجاز الوعد على يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
ملاحم الرجعة
الفصل الثامن: الرجعة ونظام الإمامة
رجعة الائمة ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده ـ المعارف وفقه متون الروايات
تحقيق في صناعة الدراية والحديث
المقام المحمود في دولة الرجعة
مفاهيم الرجعة في زيارة عاشوراء
المهديون الاثنا عشر هم الأئمة الاثنا عشر فِي مقام الرجعة
المغالطة في فهم الرواية
دفع التوهّم
الشاهد الأول:
الشاهد الثاني:
أول المهديين واحد من الائمة الاثني عشر
علي عليه السلام المهدي الأكبر مِنْ المهديين الاثني عشر
الشاهد الثالث:
الشاهد الرابع:
الشاهد الخامس:
الشاهد السادس:
الشاهد السابع:
تنبيه على أمور
التنبيه الأوَّل:
التنبيه الثاني:
التنبيه الثالث:
التنبيه الرابع:
قرعة الخيرة في العقائد ـ استقسام بالأزلام والنصب الشيطانية
الاعتماد على الرؤى في الدين كهانة شيطانية:
قاعدة: نظام الإمامة فِي الرجعة
تنبيه وتحقيق:
الفصل التاسع: فلسفة علائم كُلّ مِنْ الظهور والرجعة

المقدمة

نُنوِّه فيها على نقاط:
الأولى: إنَّ ما تم عرضه في الكتاب من أبواب وفصول ومقالات ومسائل وبحوث الرجعة، لم يتمُّ إيفاء البحث فيها ولا توفية المطالب بتمامها، نظراً إلى سعة بحوثها وتشعبها وقلة الجهود المبذولة فيها وترامي آفاق ميادين المسائل، وهذا مما يجعل إنجاز العمل بتمامه مستحيلاً في الظرف الراهن، رغم أنَّ البحث في الرجعة تواصل عندنا قرابة ستة أعوام، لكننا نجد أنفسنا لا زلنا في ضفاف ساحل بحار ومحيطات باب الرجعة، ولا نصف الحال بذلك خيالاً وشاعرية بلْ إنَّ حقيقة الرجعة باب في المعرفة من الغيوب الداهية الدهياء وتتوقف على جهود أجيال من أهل التحقيق والبحث والتبحر، ولا يقوم به جيل واحد فضلاً عن شخص فارد.
وبين هَذَا الحال والشأن في مباحث الرجعة نجد التعطش والإلحاح الشديد لدى أهل الفضل والتحقيق على التعرف والوقوف على إضاءات وومضات ونتف وإثارات تحرك المسيرة العلمية في درب وطريق معرفة الرجعة.
فبين ذا وذا رأينا أننا لو أخذنا على عاتقنا الجانب الأوَّل لطال بنا الزمان والمقام، وكان ما حررناه ونقحناه من فتات ونكات علمية عرضة للضياع والبعثرة والشتات.
فكان الأوفق مع كل هذا الحال إخراجها بهذا الثوب من دون أنْ يجعل ذلك حسماً نهائياً ومنتهى المطاف، بلْ هو انطلاقة لأوَّل الغيث ليخضرم وينضج المسير العلمي في باب معرفة الرجعة إلى المزيد من الغور والتوغل، لا سيما وأن الحقائق المفاجئة في بحوث الرجعة تعيد النظر والتقييم لكثير من المباحث في منظومة العقائد إلى مستويات أعمق مما هي عليه.
ونسأل الله أن يديم علينا مواصلة البحث طيلة ما قدر لنا من أجل في الحياة الأولى من الدنيا.
الثانية: إنَّ من الأهمية والغايات الخطيرة لمعرفة الرجعة أمورا عديدة سيأتي ذكرها في الكتاب، إلا أنه يحسن في التقديم أن نذكر على نحو الايجاز واحدة منها تستهوي العقول وأرواح النفوس، وهي أن المعرفة بها يهون على الإنسان خشية الموت ويبعد عنه كراهته، بل سيأنس به لما سيطلع عليه من المستقبل الذي ينتظره بعد ذلك، ولا يفوت عنه ما يحرص عليه، ومن ثم ينبثق له قوة الأمل الصادق فينزاح عنه اليأس والإياس وتتعاظم همته وبالتالي تكبر نفسه.

الباب الأول: حقيقة الرجعة وبُعدها المعرفي

الفصل الأول: أصول المنهج في بحوث المعارف وبحث الرجعة
قدْ يتساءل عن المنهج المتبع في بحث الرجعة لدينا، حيث إنَّ غاية ما يطفح من كلمات علماء الإمامية هي كون أصل الرجعة ضرورة إيمانية لا تفاصيلها، فالخوض في تفاصيلها قدْ يعترض عليه بأنَّه لا يمكن بناؤه على أساس رصين، لا سيما وأنَّ المعروف في الأذهان أنَّ تعداد الروايات الواردة في الرجعة إنَّما تبلغ من الروايات مأتين وأكثر، ومن ثمّ لم يخض غالب علماء الإمامية في تفاصيلها.هذا وللجواب عن ذلك وفي البدء ينبغي الإشارة إلى أمور:
الأمر الأوَّل: سبب قلّة الجهود في الرجعة:
ما هو سبب عدم خوض كثير من أجيال علماء الإمامية في تنقيح صور تفاصيل أحداث ومراحل الرجعة كظاهرة تكوينية مستقبلية سيشهدها البشر؟ أي ما هو السبب في انحسار جهود الأعلام طيلة هذهِ القرون وعدم توسعهم في بحوث الرجعة؟
تلخيص الجواب:
يمكن تلخيصه في جملة من الأسباب، وهي كالتالي:
١) إشتغال معظم الأصحاب بالدفاع والحوار الجدلي مع بقية الفرق والأديان، مما استنزف كثيرا من الجهود، وليسَ ذلك فحسب بلْ إن هذا الاشتغال حبس دائرة ودرجة مستوى البحث العلمي إلى مستوى متواضع يعيشهُ فكر الطرف الآخر من الأديان والمذاهب.
٢) صعوبة البحث في الرجعة وغموض جملة من المباحث والأبواب مع قلة الجهود المبذولة في هذا الباب، مما يجعل طرق البحث فيه وعرة.
٣) عدم جمع روايات الرجعة في ضمن موسوعة كتاب وعدم تبويبها، لا سيما من المتقدمين، وهذا مما يستلزم صعوبة تكوين وتصوير نظرة جامعة حول الرجعة لدى الباحث.
٤) صعوبة فهم الرجعة على كثير من الفرق والأديان، حتّى أنَّ كثيراً منهم خلط بين الرجعة والتناسخ، نظير الخلط الذي حصل لدى الفرق الأُخرى في مبحث الإمامة، حيث التبس الأمر لديهم بينها وبين النبوة، واستعصى عليهم تمييزهُ وتفكيكه عن بحث (النبوة)، فكذلك حصل الخلط بين مبحث الرجعة وبين مباحث أُخرى كمبحث المعاد، فإنَّه يصعب تفكيكه وتمييزهُ عن المعاد الأكبر الذي هو عقيدة حقّة، وكذلك يصعب تمييزهُ على كثيرين عن التناسخ ونحوهِ صعوبة تميز الرجعة عن العقائد الباطلة، هذا مع انضمام بعض الأسباب الأُخرى سبب إحجام كثير من الأعلام عن الخوض في الرجعة وتفاصيلها، لا سيما وأنَّ كثيراً من أهل الخلاف قدْ شدّد الإنكار والتشنيع على عقيدة الرجعة.
٥) إنَّ عقيدة الرجعة مع كونها من المسائل والأبواب الاعتقادية المهمة إلّا أنها ذات طابع سياسي خطير، لأنَّها ترمز إلى دولة آل مُحمَّد صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا مما يقلق الدولة العباسية والدول والأنظمة السياسية التي نشأت بعدها، فكان الخوض في الرجعة - ولا زال - نظير الخوض في الظهور والمشروع المهدوي ذو طابع سياسي تتحسس منه السلطات والحكومات، لأنَّه مشروع إقامة دولة.
الأمر الثاني: المنهج الرجالي في الرجعة:
في بيان المنهج الرجالي الذي نعتمده في الروايات في بحث باب الرجعة، بلْ في عموم أبواب المعارف ـ وقد استوفينا البحث فيه في كتاب الإمامة الإلهية(١)، وكذا في كتاب بحوث في مباني علم الرجال(٢)، وكذا في كتاب أصول استنباط العقائد(٣)، ولكننا نشير هنا إلى مجمل مقتضب لا يغني عن الرجوع إلى تلك المصادر ـ نطرح عِدَّة نقاط:
الأولى: إنَّ هناك فرقا بين المسائل العقيدية التي هي من أصول الاعتقادات وأساسياته وهي أصل لباب وفصل اعتقادي وبين تفاصيل العقائد.
فإنَّ رأي ومسلك جماعة عديدة من أعلام الإمامية ومحققيهم على الاكتفاء بالظن المعتبر في التفاصيل دون الأساسيات والأصول وما يجري مجراها، وبسط ذلك ذكرناه في المصادرالتي تقدمت الإشارة إليها.
الثانية: إنَّ اعتبار الروايات الظنية في بحوث العقائد والمعارف لا يتوقف ولا ينحصر في خصوص الصدور التعبدي واعتبار طريق الرواية، بلْ الشأن الأعظم في الروايات هو البيان العلمي والدلائل المشار إليها في مضمون الرواية، حيث تتفق مع أصول وقواعد وثوابت الكتاب والسنة القطعية.
فيكون التنبه لذلك هو الفائدة العظمى التي تفوق على الاعتبار الظني والصدور، بلْ هَمُّ الباحث المحقق هو اكتشاف المنظومة المعرفية من مجموع مضامين الروايات، ولا يقتصر في ذلك على جهة تراكم الصدور وبلوغه إلى درجة الاستفاضة والتواتر فحسب، بلْ من جهة أخرى أعظم منها أيضاً، وهي وضوح واتضاح حلقات المنظومة والنظام المعرفي لكل فصل وباب اعتقادي فضلاً عن اكتشاف الارتباط بين الأبواب والفصول الاعتقادية في المنظومة الكبرى والنظام الأكبر واكتشاف هذا الترابط البنيوي والكيان البُنياني، فإنَّ البحث في ذلك ثبوتي، بينما التركيز على جهة الصدور واعتبار الطريق إثباتي محض.
 وكم فرق بين الثبوت والإثبات وبين اكتشاف نظام الثبوت ومنظومته وبين متناثرات دلالات الإثبات، فإنَّ النمط الأوَّل والمنهاج الأوَّل أقرب ما يكون من البرهان اللّمي واكتشاف الملازمات العامة والخاصة، بينما المنهج الثاني استدلال إنّي ظني إجمالي.
الثالثة: إنَّ الروايات الضعيفة ـ على اختلاف درجات ضعفها ـ لا يمكن إهمالها، فإنّها بالتكاثر والتعاضد ترتقي عن الضعف إلى درجة الاستفاضة بلْ التواتر، فكيف يهمل ما هو مادة للتواتر والاستفاضة.
وبعبارة أُخرى إنَّ هناك نظرة ومنهجاً مجموعياً لمعطيات ومواد الأدلة إلى جانب النظرة والمنهج الأحادي لآحاد الأدلة، ولا يغني الثاني عن الأوَّل، كما لا يتفرد الأوَّل عن الثاني، وإنْ كان الشائع خطأً في البحث العلمي في عصرنا الحاضر العكوف والاقتصارعلى المنهج الثاني.
الرابعة: إنَّ الاستفاضة والتواتر المعنوي لا يقتصران على تكرر المعنى الظاهر، بلْ يشمل تكرر المعنى المستخرج نظرياً ولو بوسائط، فيكون من المعنى الخفي المتكرر في الأدلة، وهذا لا يقتنص تكرره في الأدلة إلّا صاحب التحقيق المقتدر على استنباط المعاني والحقائق من الأدلة، ذو الباع الطويل والتضلع الوفير.
ولا يخفى أنَّ دائرة هذا التواتر ومساحته كبيرة جداً، ولكن لا ينالها عموم الباحثين من ذوي الفضيلة، بلْ مختصة بالمحققين المدققين، فهم الذين يدركون هذا التواتر من مجموع الأدلة الظنية سواء كانت آحادها معتبرة وغير معتبرة، وأنَّ هذهِ الأدلة الظنية تنطوي على مواد قطعية كثيرة، وكذا الحال في الاستفاضة النظرية، أي أن الباحث يقف عليها بإمعان النظر والتدبُّر والتدقيق.
والصعوبة في الوصول إلى المعنى النظري والالتفات والتنبه إلى تكرره في الأدلة تفوقُ الصعوبة المبذولة للفحص عن التواتر المعنوي المعتاد في قبال سهولة التواتر اللفظي.
ومن هنا يتبين أنَّ بحث المضمون مقدم على اعتبار الصدور على هذا التقدير، وأنَّ الاعتبار اليقيني والاطمئناني بالطرق متوقفٌ على بحث مضمون الروايات، وهذا التوقف لا يقتصر على التواتر النظري والاعتيادي والاستفاضة النظرية والاعتيادية، بلْ يشمل درجة الوثوق، فإنَّ الوثوق منهُ ما يعتمد على قرائن اعتيادية، ومنه ما يعتمد على قرائن نظرية لا تستخرج إلّا بحذاقة النظر، لا سيما الذي يعتمد في المضمون.
ومنهُ يظهر أنّ مبنى الوثوق في الصدور في الرواية هو الآخر يعتمد على دراسة المضمون في الجملة دراسة اجتهادية تحقيقية.
ولا يخفى أنَّ هذا الاستخراج النظري للمعاني من المضمون هو وفق قواعد وموازين، وليس ابتدارا من القريحة واستحسانا من الذوق، بلْ قدْ بيَّنا في الجزء الثاني والثالث من كتاب (بحوث في علم الرجال) أنَّ كثيراً من علماء الرجال ـ إنْ لَمْ يكن الأغلب ـ تتكون لهم رؤية حول المفردة الرجالية من الرواة بتوسط دراسة مضامين الروايات التي يرويها الراوي، وهذا توقف واضح لاعتبار الطريق على المضمون لا العكس، وتوقف ذلك بُيّن وقُرر صناعياً في مباحث علم الأصول.
الخامسة: إنَّ الترادف ـ كعنصر مؤثر في الاستظهار والاستنباط من الأدلة، وكمقدمة ذات دخالة في مواد الاستدلال البرهاني ـ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ترادف لغوي، وترادف عقلي، وترادف وجودي عيني.
الترادف اللغوي:
أمّا الترادف اللغوي: ـ والذي عادةً تكون مفرداته لغوية ـ فإن اكتشافه لم ينجز بشكل وافر وكامل في اللغة لحد الآن، لتوقفه على الترادف المعنوي، والترادف المعنوي يتوقف على تحليل علمي للمعاني الكثيرة، وعلى تنقيب ونقض وإبرام وتأمل وتدبر في المواد الواصلة، وعلى ذلك فالترادف اللغوي متوقف على الترادف العقلي الآتي، إذْ الترادف العقلي موطنه المعنى والمعاني، ومن ثم قدْ يسمى بالترادف المعنوي.
كما أنَّ لفصول الرجعة ومسلسل أحداثها أسماءٌ لم تكتشف فيما كُتب عن الرجعة، ولم ينقح البحث عنها في ذلك، مع أنها مقررة وموجودة في الروايات، نظير فصول مسلسل (دابة الأرض)، مع أنها من أخطر حلقات مسلسل الرجعة، وقد وصف هذا الحدث في روايات الفريقين المستفيضة والمتواترة أنها طامة وهولٌ عظيم، وأنه إذا قيس حدث ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه إلى حدث ظهور دابة الأرض فهو كالقطرة في البحيرة، هذا بالقياس إلى المفاجئات الكونية الحاصلة عند ذلك الحدث.
وقد أطلق عليها (الطامة الكبرى) أيضاً، أي نسبياً بالقياس إلى ما تقدمها من أحداث، إلى غير ذلك من أحداث وتفاصيل كثيرة لم يقع الخوض والبحث والتنقيب فيها مليّاً، ولا زالت الكثير الكثير من المباحث كمواد خام غير منقب عنها.
والعامّة لم يلتفتوا إلى جملة من فصول الرجعة، مع أنَّهم رووها بطرق مستفيضة ومتواترة، إلّا أنها لم تتضمن لفظة الرجعة.
وسنتعرض إلى جملة من العناوين التي رووها من فصول وأبواب الرجعة مع أنهم لم يلتفتوا إلى كونها منها.
ومن أمثلة الترادف اللفظي المغفول عنه في الرجعة، ما أشير إليه في عِدَّة آيات من علامات الرجعة وإرهاصاتها، وهو مجيء آيات الرب.
وهذا العنوان القرآني للرجعة عنوان أصيل في كتب الحديث لدى الفريقين، لكنه مغفول عن كونه من فصول الرجعة المهمة، وهذا نمط من أنماط الترادف اللفظي.
الترادف العقلي:
وأمّا الترادف العقلي فهو اشتراك شيئين وذاتين وماهيتين وهويتين في جزء من معنيهما كالجنس القريب المشترك والجنس البعيد والجنس المتوسط وفصل الفصل والفصل الفوقي، واللازم هو وجود وتقرر جزء مشترك، فإذا تقرر وجود ذلك الجزء المشترك فلا محالة تكون آثار ذلك الجزء وأحكامه التكوينية مشتركة بينهما، فيكون ما دلَّ على آثار وأحكام الشيء الأوَّل دالاً على ترتبها على الثاني أيضا إذا كان ترتب تلك الآثار من حيثية ذلك الجزء المشترك، فلا محالة يكون ذلك الدليل دالّا ً على تلك الآثار والأحكام في الشيء الثاني.
ومن الواضح أنَّ هذا المنهج توسع في استنطاق الأدلة وتحليل مفادها ومعانيها بطريق أعمق وأغور، فلا يقتصر الاستدلال على الألفاظ المشتركة، ولا على سطح المعاني، أي لا يقتصر على المعنى المتحد في سطح الإدراك الأولي، وإنما يعتمد على المعنى المتحد المطوي بخفاء في طيات معاني متعددة، وهذا يؤدي إلى اكتشاف الأجزاء المشتركة بين المعاني كنظام موحِّد بينها، وهو اكتشافٌ لبنيان النظام في المعاني.
وهذا بحث وتنقيح وتحر ثبوتي للواقعيات، وليسَ مجرد استكشاف دلالي وإثباتي.
وأحد ثمرات هذا المنهج ما مر من اكتشاف المعنى المتواتر النظري والمستفيض والموثوق النظريين المكتشف بقوة الاجتهاد والتحقيق، بلْ كما تبيَّن هنا أنّ الفائدة في الترادف العقلي أعظم من اكتشاف مجرد التواتر، بلْ ترجع الفائدة إلى اكتشاف نظام التوافق والموافقة مع قواعد الكتاب والسنة كبنيان منظومي.
الترادف الوجودي:
وأمّا الترادف الوجودي فهو يغاير كلاً من الترادف اللفظي والعقلي، لأنَّه لا يعتمد على وحدة تمام المعنى والمعنى الظاهر كما في الترادف اللفظي، كما أنّه لا يعتمد على الجزء المشترك من المعنى الخفي كما في الترادف العقلي، بلْ لا يعتمد على الوحدة في المعنى أصلاً، وإنَّما يعتمد على وجود الرابطة الوجودية بين شيئين وإنْ لم تكن بينهما رابطة وارتباط في المعنى أصلا.
واكتشاف هذا الترادف أصعب بكثير من اكتشاف الترادف العقلي رغم صعوبة الترادف العقلي كما مرَّ، لا سيما مع اختلاف درجات الترادف العقلي في الخفاء، وذلك لأنَّ الترادف الوجودي يتخطى عالم المعنى إلى تقصي العينية الواقعية وملاحظة الآثار والتأثيرات في الوجود، وملاحظة أنَّ التقارن بسبب الملازمة والتسبب في التأثير أم لا.
 وبعبارة أُخرى إنَّ منظومة الوجود وأنظمته أوسع ترابطاً بين الأشياء المختلفة من ترابط الأشياء في جانب معانيها اللغوية وذاتياتها، فإنَّ الترابط بين الأشياء في جانب المعنى من ناحية ذواتها - أجناساً وأنواعاً وأصنافاً - أضيق دائرةً من ترابطها في جانب الوجود العيني.
السَّادسة: ليعلم القارئ الكريم والباحث اللبيب أنَّ مسير البحث عن الرجعة طويل، ولم يبلغ كماله فضلاً عن نهايته، إذْ لا يزال البحث في الرجعة أقرب إلى الإثارات والتساؤلات وتجميع المواد التحليلية المتناثرة بقدر الوسع أكثر من كونه بناءا منظوميا لقوالب وأُطر منضدة، فلا يزال البحث في مسير التدقيق والتحقيق والتنقيب عن مفاصل هيكلية الرجعة ومدى تأثيرها في تعميق قراءة جملة منظومة العقائد؛ لأنَّ الرجعة ليست مرحلة زمانية ومعادا أصغر وبعثا صغيرا فحسب، بلْ هي نمط قراءة ولغة في تفسير مجمل أصول العقائد، ويتطلب ذلك منهجية في تتبع الإثارات وتحليل المواد لبناء فهرسي كاشف عن نظم ومنظومة بنية الرجعة ولو بنحو محتمل، تتمثل للباحث كالصورة المرئية يتواصل فيه تكامل البحث وإنْ لم يصل إلى درجة الجزم، ولو لم يستنفذ البحث في كل الأبعاد، لكنه يتمُّ التثبت والتنقيح لخطوات عديدة، وإنْ كان ذلك لا يسد الطريق أمام المزيد من البحث والتحقيق من قبل آخرين، بل من قبل أجيال عديدة فضلاً عن أفراد جيل واحد، فإنه طريق بعيد المدى.
السَّابعة: إنَّ هناك محاور ومفاصل معرفية كثيرة وعديدة في منظومة المعارف يجدها الباحث المستقرئ في الآيات والروايات والأدعية والزيارات، فضلاً عن التفاصيل الكثيرة، وكثير منها غير موجود في أبواب علم الكلام وعلم الفلسفة وعلم العرفان، وليس ذلك بمستغرب؛ للفرق الفارق بين قصور البشر وبين لا تناهي الوحي، وهذا القصور والنقص المعرفي صار منشأً لتساؤلات وشبهات وإشكاليات، ولغياب محاور في أصول الدين، وأبواب المعرفة مفقودة في هذه العلوم، بينما هي متوفرة في بيانات الوحي.
منهاج الأعلام في بحث كتب الرجعة
الأول: منهج الشيخ الصدوق:
اتخذ الشيخ الصدوق قدس سره في كتاب الاعتقادات منهجا خاصا، حيث ذكر أنواعاً وألواناً من الرجعة معتمداً على تقسيم الموت إلى أنواع ودرجات تتداخل فيها حقيقة النوم غير الطبيعي مع الموت.
وهذا يدلل على أنَّ الصدوق نقَّح بعداً عقلياً في الرجعة معتمداً على إشارات في روايات الرجعة تشير إلى سعة وكثرة أنواع انفصال الروح من الجسد وعودها إليه، وجعل هذا البعد العقلي محوراً مهماً في تفسير وتحليل حقيقة الرجعة، لكنه لم يبسط فيه الكلام بلْ التفت إليه إجمالاً وبنحو ارتكازي.
الثاني: منهج الحر العاملي:
اعتمد الحر العاملي في كتابه (الايقاظ من الهجعة في اثبات الرجعة) على لغة وقراءة عقلية ونظرة تعقلية في تحليل مضمون ومضامين الآيات والروايات الواردة في الرجعة، وهذهِ النظرة والمنهجية ترتكر على تحليل منظومة أنواع الموت وبأزائها أنواع الرجوع.
أي أن الشيخ الحر انطلق من التركيز على مباحث وأقسام درجات الموت، وفي مقابلها البعث من تلك الدرجات من الموت، وهذا المنهج والهيكل هو الطابع الهندسي والصناعي في كل كتابه وكافة أبوابه وفصوله، والظاهر أنه اتخذ هذا المنهج من كتاب اعتقادات الصدوق، إلّا أنَّ الحر العاملي فتق هذهِ الالتفاتة وبلورها بشكل مبسوط إلى حدٍّ ما، وترقى فخاض في بحوث الموت والحياة بلغة عقلية وذوق شهودي في مضامين الآيات والروايات لم يسبقه في هذا المضمار غيره من الأعلام، حتّى أنَّ ما سطره الحكيم ملا صدرا في أسفاره في بحث كتاب (المبدأ والمعاد) لم يتطرق فيه إلى هذهِ الكثرة من التصورات والاحتمالات والآفاق العقلية من أقسام ومراتب وأنواع الموت والحياة التي تطرق إليها الحر العاملي.
فما أنجزه الحر يعدُّ بكراً في هذا المضمار، وهو ذو تأثير بالغ في فهم مباحث الرجعة، هذا مضافاً إلى ما تميَّز به من إحاطته بعدد من روايات انتخبها مما ورد في الرجعة.
وسيأتي بيان تعداد ومصادر تلك الروايات في الباب الثاني، وهي أضعاف على ما انتخبه الحر في كتابه، كما أنَّه إمتاز بإحاطة وافرة في تتبع الأقوال والمصادر، وبترتيب منطقي في المقدمات الشارحة لحقيقة الرجعة والبرهان عليها، وكان ذلك منهاجاً عقلياً عميقاً أدركه فكره الثاقب من البنيان العلمي المذكور في الآيات والروايات الخاصة بالرجعة.
والمنظومة العقلية والفكرية والتكوينية للرجعة المبينة لحقيقتها في الآفاق التي رصدها في بيانات روايات الرجعة تجاوزت مستوى الأفق المطروح لدى الحكيم الملا صدرا حول أصول حقيقة الموت والبعث والنشر إلى آفاق أوسع، واكتشاف أنواع وحالات للنفس والروح لا تجد رائحتها في مبحث الموت والمعاد في كتاب الأسفار، وذلك بفضل المعطيات وأفق المعلومات الموجود في روايات الرجعة.
وبالمقارنة بين تأليف الحر العاملي وجملة كتب من عاصره وتقدم وتأخَّر عليه يلاحظ أنَّه اعتمد على تبويب ومنهجية في البحث ترتبط بأعمدة تنتظم في الصناعة العقلية البالغة حذاقة في التحليل لمضامين أحاديث الرجعة، ونظمها ضمن مسلسل، وقدْ اكتشف المسلسل المنظومي لها بفهم قراءة عقلية، بينما لا يشاهد ذلك فيما كتبه المجلسي حول الرجعة في بحار الأنوار، مع أنه لا ينكر ما انجز المجلسي في رجعة البحار من إثارات وبيانات ذات فوائد عميقة مهمة.
الثالث: منهج الشيخ أحمد الإحسائي:
 أمّا ما ألفه الشيخ أحمد الاحسائي في كتابه (الرجعة) فسرد متناثر لم يعتمد فيه على منهجية راسمة للبحث رغم أنَّه متأخر عن الحر، لكنه قام بالتركيز على العلاقة بين الظهور والرجعة، وقد أقتفى في ذلك مسلك جملة من المتقدمين من الأعلام، حيث أنَّهم مزجوا بين روايات الظهور وروايات الرجعة؛ وذلك لشدة الصلة والارتباط بينهما حيث أنَّ الظهور فاتحة للرجعة، كما أنَّ رجعة أئمة أهل البيت عليهم السلام وهي بعث إلى دار الدنيا مرة أُخرى قدْ أطلق عليه ـ في الروايات المستفيضة ـ «ظهور»، أي أنَّ ذلك الرجوع هو ظهور لهم في دار الدنيا بعد غيبتهم بالموت في دار البرزخ.
ومن ثم فإنَّ الكتب الحديثية المؤلفة في ظهور المهدي عجل الله فرجه أحد منابع روايات الرجعة، وقد وقع الخلط لدى كثير من الباحثين بين العديد من فصول الرجعة وبين فصول وأحداث الظهور.        
وعكس ذلك لدى علماء العامة حيث مزجوا بين روايات الرجعة وروايات القيامة والساعة، فرووا جلّ فصول الرجعة في اشراط الساعة وعلامات القيامة؛ وذلك بسبب أنّ الرجعة تقع قبل القيامة، وهي من المعالم الكبرى لها، وذات ارتباط وصلة وطيدة بالقيامة.
ولذا قال علماء الإمامية: أنّ الرجعة معاد أصغر في قبال القيامة الكبرى والمعاد الأكبر، فمن ثم صارت الكتب الحديثية للجمهور حول القيامة واشراط الساعة والملاحم والفتن في آخر الزمان أحد المنابع المهمة والمصادر المليئة لروايات الرجعة.
وقد وقع الخلط لدى كثير من الباحثين لديهم بين العديد من فصول الرجعة وأحداث الظهور والساعة والقيامة والمعاد.
الرابع: منهج الشيخ محمد آل عبدالجبار القطيفي:
وممن كتب في الرجعة الشيخ محمد بن عبد علي آل عبد الجبار القطيفي تليمذ الاحسائي، قال في كتابه: (القول بالرجعة كما نقول وهي شرط في تحقق المعاد الجسماني، ومقدمة من مقدماته، بل لا يتحقق بدونها؛ لأنه يفاض على الأبدان زمنها قسط من ولايتهم عليهم السلام، ومن إنكارهم حتى تكمل وتصاغ صيغة لا تحتمل الفساد بالنفخ الثاني بعد النفخ الأول، لأنها تحتاج إلى صوغة وكسر غير هذا الصوغ والكسر لتصلح إلى البقاء السرمدي) انتهى كلامه.
أقول: وما ذكره في تصويرها والتي هي معاد مطابق لنظرية المعاد الجسماني عند الحكيم الزنوزي(٤)، ولعلَّ استاذه الشيخ احمد الاحسائي قدس سره قدْ سبقه إلى ذلك، وقد تبنى هذه النظرية المرحوم الاصفهاني الكمباني قدس سره في رسالته في المعاد، وفي هذه النظرية يسير البدن في أطوار تكامل كي يصل إلى محل الروح وتكاملها عكس نظرية الملا صدرا في المعاد حيث يصِّور الحركة الجوهرية بقاءا في الروح لا في البدن ثم تنشئ الروح بدناً معاديّاً، وعلى النظرية الأولى تكون الرجعة شرطا ضروريا في حصول المعاد الجسماني الأكبر ومقدمة ضرورية له، وروى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن ابي عبدالله عليه السلام في قول الله عَزَّ وَجَلَّ (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُون)(٥) قال يكسرون في الكرة كما يكسر الذهب حتى يرجع كل شيء إلى شبهه، يعني الى حقيقته»، وفي رواية أبي اسحاق الليثي عن أبي محمد بن علي الباقر عليهما السلام في حديث طويل عن طينة المؤمن وطينة الكافر قال فيه عليه السلام في تفسير جعل أعمال النواصب هباءا منثورا في قوله عَزَّ وَجَلَّ (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا)(٦)... خلق الله عَزَّ وَجَلَّ الأشياء كلها لا من شيئ، فكان مما خلق الله عَزَّ وَجَلَّ أرضا طيبة ثم فجر منها ماءاً عذباً زلالاً فعرض عليها ولايتنا أهل البيت عليهم السلام فقبلتها...، وأخذ من صفوة ذلك الطين طينا فجعله طين الأئمة عليهم السلام، ثم أخذ ثفل ذلك الطين فخلق منه شيعتنا، ولو ترك طينتكم ـ يا إبراهيم ـ على حاله كما ترك طينتنا لكنتم ونحن شيئاً واحداً...خلق الله عَزَّ وَجَلَّ بعد ذلك أرضا سبخة خبيثة نتنة ثم فجر ماءا أُجاجا آسنا مالحاً فعرض عليها ولايتنا أهل البيت عليهم السلام ولم تقبلها...، ثم أخذ من ذلك الطين فخلق منه الطغاة وأئمتهم، ثم مزجه بثفل طينتكم، ولو ترك طينتهم على حاله ولم يمزج بطينتكم لم يشهدوا الشهادتين ولا صلّوا ولا صاموا ولا زكوا ولاحجوا ولا أدّوا أمانة ولا اشبهوكم في الصور، وليس شيء أكبر على المؤمن من أنْ يرى صورة عدوه مثل صورته...، ثم خلط بينهما فوقع من سنخ المؤمن وطينته على سنخ الكافر وطينته، ووقع من سنخ الكافر وطينته على سنخ المؤمن وطينته...فإذا عرضت هذه الأعمال كلها على الله عَزَّ وَجَلَّ قال أنا عدل لا أجور، ومنصف لا أظلم، وحكم لا احيف، ولا أميل ولا أشطط، وألحق الأعمال السيّئة التي أجترحها المؤمن بسنخ الناصب وطينته، وألحق الأعمال الحسنة التي اكتسبها الناصب بسنخ المؤمن وطينته ردوها كلها إلى أصلها، فاني أنا الله لا اله الا أنا، علم السر وأخفى وانا المطّلع على قلوب عبادي، لا أحيف ولا أظلم ولا ألزم أحدا الا ما عرفته منه قبل أخلقه...اقرأ يا ابراهيم أقرأ هذه الآية...قوله تعالى: (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذًا لَّظَالِمُون)(٧) هو في الظاهر ما تفهمونه وهو والله في الباطن هذا بعينه...كذلك يعود كل شيء إلى سنخه وجوهره وأصله، فإذا كان يوم القيامة نزع الله عَزَّ وَجَلَّ سنخ الناصب وطينته مع أثقاله وأوزاره من المؤمن فيلحقها كلها بالناصب، وينزع سنخ المؤمن وطينته مع حسناته وأبواب بره واجتهاده من الناصب فيلحقها كلها بالمؤمن،...أفترى ههنا ظلماً وعدواناً...هذا والله القضاء الفاصل والحكم القاطع والعدل البين (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ)، هذا ـ يا إبراهيم ـ الحق من ربك فلا تكن من الممترين هذا من حكم الملكوت...حكم الله وحكم أنبياءه، وقصة الخضر وموسى عليه السلام حين استصحبه فقال انك لن تستطيع معي صبرا...وإنَّ ما اخبرتك لموجود في القران كله...يوجد في اكثر من ثلاثين موضع في القرآن... قال الله عَزَّ وَجَلَّ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُون * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ)(٨)... قال: (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُون)... قال (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا) يبدل الله سيئات شيعتنا حسنات، ويبدل الله حسنات أعدائنا سيئات، وجلال الله إنَّ هذا لمن عدله وإنصافه لا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه وهو السميع العليم ألم أبين لك أمر المزاج والطينتين من القرآن؟ قلت: بلى يا بن رسول الله، قال اقرأ يا ابراهيم (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ) يعني من الأرض الطيبة والأرض المنتنة (فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) يقول لا يفتخر أحدكم لكثرة صلاته وصيامه وزكاته ونسكه لأن الله عَزَّ وَجَلَّ أعلم بمن اتقى منكم فإن ذلك من قبل اللمم وهو المزاج، أزيدك يا ابراهيم؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله) يعني أئمة الجور دون أئمة الحق (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُون) خذها اليك يابا اسحاق، فوالله أنه من غرر أحاديثنا وباطن سرائرنا ومكنون خزائننا، وانصرف ولا تطلع على سرّنا أحداً إلّا مؤمنا مستبصراً، فإنك إن اذعت سرنا بليت في نفسك ومالك واهلك وولدك»(٩).
ولا يخفى التطابق الشديد بين الروايتين حيث إنه في الرواية الأولى وَرَدَ التصريح برجوع كل شيء إلى شبهه، أي أصله، فيفرز بين الطينات، كما هو الحال في تصفية المعادن بالنار، وكذلك هو مفاد رواية الليثي، ولعلَّ اطلاق لفظ القيامة في رواية الليثي هو على الرجعة، كما هو أحد اطلاقات لفظ القيامة، فكما يطلق على القيامة الكبرى يطلق على الرجعة، وحينئذ يكون تمحيص الطينة أحد ملاحم الرجعة كما قال المجلسي في البحار في بيان الحديث الأول (لعله اشارة إلى ما مرَّ في الأخبار من المزج بين الطينتين والمراد افتتانهم حتى تظهر حقائقهم)(١٠)، وأن الرواية الثانية دالة على أن الحساب وأحد درجاته يحصل في الرجعة.
وروى الصدوق في العلل رواية أخرى بسنده عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قريبة لمضمون رواية الليثي عن أبي جعفر عليه السلام، وفيها قول أبي بصير قلت: جعلت فداك فتعود طينتنا ونورنا كما بدا فقال اي والله...كذلك والله شيعتنا من نور الله خلقوا واليه يعودون، والله انكم لملحقون بنا يوم القيامة الحديث(١١).
وروى الصدوق في العلل بسنده عن اسحاق القمي مثله، وفيه ولكن الله تبارك وتعالى جمع الطينتين طينتكم وطينتهم فخلطهما وعركهما عرك الأديم ومزجهما بالمائين، فما رأيت من أخيك من شر...فليس من جوهريته ولا من إيمانه، إنما بمسحة الناصب إجترح هذه السيئات التي ذكرت، ومارأيت من الناصب من حسن...فليس من جوهريته إنما تلك الافاعيل من مسحة الإيمان اكتسبها، وهو اكتساب مسحة الايمان.  
قلت جعلت فداك فاذا كان يوم القيامة فمه؟ قال لي... يا اسحاق أيجمع الله الخير والشر في موضع واحد؟ إذا كان يوم القيامة نزع الله مسحة الايمان منهم فردها الى شيعتنا، ونزع مسحة الناصب بجميع ما اكتسبوا من السيئات فردها على أعدائنا، وعاد كل شيء الى عنصره الأول الذي منه ابتدا...نعم يا اسحاق كل شيء يعود الى جوهره الذي بدأ الحديث»(١٢).
والحاصل إن اطلاق لفظ القيامة في رواية الطينة لا يبعد كونه بلحاظ بعث الرجعة والقيام من القبور، وبالتالي فأحد غايات الرجعة تصفية الطينة، أي طينة الأبدان الأصلية.
ولعله لأجل ذلك يشير ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في مختصر بصائر الدرجات ـ في حديث الرجعة ـ «لكفرة من الكفر بعد الرجعة أشد من كفرات قبلها»؛ وذلك لأن أهل العناد تصفى الطينة الخبيثة لهم، ولا يعني ذلك الجبر في حال من الأحوال، وإنما تهيئة البيئة المناسبة لكل من الارادة الحسنة لاهل الخير، وتهيئة البيئة السيئة لإرادة السوء، نظير ما يمارسه العقلاء من وضع طلاب المدارس ـ الذين يتوسم فيهم الجد والمثابرة والاجتهاد ـ في المدارس النموذجية الخاصة من أول السنة الدراسية، وكذلك وضع الخاملين والعاطلين والبطالين في المدراس الاعتيادية دون المستوى؛ وذلك تفادياً من تضييع الامكانيات هدرا، وكل ذلك بمقتضى العدل والإنصاف والحكمة البالغة.
وقفة أُخرى مع منهج الصدوق والحر العاملي
إنَّ الصدوق رسم للرجعة رسماً عقلياً متخذاً من الرسم القرآني، حيث جعل نومة أصحاب الكهف ويقظتهم منه برهاناً على عود وبعث الأموات إلى المعاد كما أشار إلى ذلك القرآن في جملة من الآيات، كما في قوله تعالى: (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)(١٣)، فأطلق على اللبث في القبر أنه نوم في المضجع.
وكذا قوله تعالى: (الله يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)(١٤)، فتشير الآية إلى حقيقة مشترك بين الموت والمنام.
وكذلك الحديث النبوي المعروف «كما تنامون تموتون، وكما تستيقضون تبعثون»، وغيرها من بيانات القرآن والسنة المطهرة للمعصومين عليهم السلام، من أنَّ هناك ترادفاً عقلياً بين النوم والموت وهو انفصال الروح عن البدن، وهو على درجات متفاوتة، بلْ إنَّ النوم على درجات كبيرة كما أنَّ الموت أيضاً على درجات كثيرة، وأنَّ هناك اشتراكا وترادفا عقليا بين اليقظة من النوم والبعث من الموت في جزءٍ من ماهيتهما وهو عود الروح إلى البدن.
الخامس: منهج الشيخ حسين بن علي بن زعل:
وممن ألَّف في الرجعة الشيخ حسين بن علي بن زعل في رسالة له، حيث قام بالتركيز على بحوث البرزخ ومراحله المختلفة، وتداخله مع الرجعة، وأنواع ارتباط أهل البرزخ مع مستقبل الرجعة، وما روي من أنَّ بعض أهل البرزخ في جنة الخلد في السماء، وأنَّ البعض الآخر في جنان الدنيا.
مناهج الأعلام في بحث الرجعة إثباتاً وتفسيراً:
ولتوضيح مناهجهم نستعرض جملة من النماذج:
١) التركيز على بحوث البرزخ من مراحله المختلفة وتداخله مع الرجعة، وارتباط أهله مع مستقبل الرجعة، وقدْ قام بالتركيز على هذهِ الجهة الشيخ حسين بن علي بن زعل في رسالته في الرجعة كما مرَّ.
٢) ركّز الشيخ الإحسائي على العلاقة بين ظهور المهدي عجل الله فرجه والرجعة.
٣) ركَّز الحر العاملي على ألوان وأنواع الموت والرجوع وأنماط الحياة والرجعة.
٤) ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسيره (الميزان) من وجود وحدة وسنخية بين القيامة والرجعة وظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه، ومن ثم وردت الروايات عن أهل البيت عليهم السلام في تفسير آية واحدة بيوم القيامة تارة وبالرجعة والظهور تارة أخرى.
فنقول الذي يتحصل من كلامه تعالى في ما ذكره تعالى من أوصاف يوم القيامة ونعوته أنَّه يوم لا يحجب فيه سبب من الأسباب ولا شاغل من الشواغل عنه سبحانه، فيفنى فيه جميع الأوهام، ويظهر فيه آياته كمال الظهور، وهذا يوم لا يبطل وجوده وتحققه تحقق هذهِ النشاة الجسمانية ووجودها، فلا شيء يدلُّ على ذلك من كتاب وسنة بلْ الأمر على خلاف ذلك.
ولا مزاحمة بين النشأتين أعني نشأة الدنيا ونشاة البعث حتّى يدفع بعضها بعضاً كما أنَّ النشأة البرزخية وهي ثابتة الآن للأموات منّا لا تدفع الدنيا ولا الدنيا تدفعها قال تعالى: (تَالله لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم)(١٥).
فهذهِ حقيقة يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء، ولذلك ربما يُسمى يوم الموت بالقيامة لارتفاع حجب الأسباب عن توهم الميت، فعن علي عليه السلام «من مات قامت قيامته».
والروايات المثبتة للرجعة وإنْ كانت مختلفة الآحاد إلّا أنها على كثرتها متحدة في معنى واحد وهو أنَّ سير النظام الدنيوي متوجِّه إلى يوم تظهر فيه آيات الله كل الظهور، فلا يعصى فيه سبحانه وتعالى بلْ يعبد عبادة خالصة، لا يشوبها هوى نفس، ولا يعتريه إغواء الشيطان، ويعود فيه بعض الاموات من أولياء الله تعالى وأعدائه إلى الدنيا، ويفصل الحق من الباطل، وهذا يفيد أنَّ يوم الرجعة من مراتب يوم القيامة، وإنْ كان دونه في الظهور لإمكان الشر والفساد فيه في الجملة دون يوم القيامة، ولذلك ربما ألحق به يوم ظهور المهدي عجل الله فرجه أيضاً لظهور الحق فيه أيضاً تمام الظهور وإنْ كان أيضاً دون الرجعة، وقد ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام «أيام الله ثلاثة: يوم الظهور ويوم الكرة ويوم القيامة»...وهذا المعنى أعني الاتحاد بحسب الحقيقة، والاختلاف بحسب المراتب هو الموجب لما ورد من تفسيرهم عليهم السلام بعض الآيات بالقيامة تارة وبالرجعة أُخرى وبالظهور ثالثة، وقد عرفت مما تقدم من الكلام أنَّ هذا اليوم ممكن في نفسه بلْ واقع، ولا دليل مع المنكر يدلُّ على نفيه» انتهى كلامه.
ملاحظات على منهج الطباطبائي والإحسائي في الرجعة:
أقول:
١ ـ يمكن إثارة بعض الملاحظات على ما قرّره قدس سره من بنيان لتصوير الرجعة ـ من أنه يوم ونشأة لا يبطل وجوده وتحققه تحقق هذه النشأة الجسمانية ووجودها ولا مزاحمة بين النشأتين ونشأة البعث كما لاتتدافع النشأة البرزخية مع الدنيا وأن سير النظام الدنيوي متوجه إلى ظهور الآيات ـ أنه كيف يجمع بينه وبين قوله في معنى الرجعة ويعود فيه بعض الأموات من أولياء الله تعالى وأعدإءه إلى الدنيا ويفصل الحق من الباطل؟ ووجه التدافع أنه من جانب يجعل نشأة الرجعة نشأة مغايرة لنشاة الدنيا كتغاير نشاة القيامة مع نشأة الدنيا وأن هذا التعدد لا يستلزم ابطال أحدهما للآخر كما هو الحال في تعدد نشأة البرزخ مع الدنيا من دون التدافع بينهما، فإذا كان والحال هذه تعدد في النشاءات، فكيف تكون الرجعة عود إلى نشأ الدنيا، بخلاف ما لو تبنى أن الرجعة عود إلى الله كما أن القيامة عود إلى الله ومعاد وعود إليه تعالى وليس عود إلى الدنيا، أمَّا أن يجعل الرجعة معاداً أصغر وعود إلى الدنيا، فكيف تكون مع ذلك نشأتين متعددتين مختلفتين في الأحكام التكوينية.
٢ـ أنَّه قدس سره جعل ظهور المهدي عجل الله فرجه أيضاً نشأة تختلف عن نشأة الدنيا نظير اختلاف نشاة القيامة مع نشأة الدنيا وإن كان الفارق بين نشأة الدنيا والقيامة أكثر من الفارق بين نشأة الدنيا والظهور، وهذا التفسير لكل من الرجعة والظهور تطابق مع ما يذهب اليه الشيخ احمد الاحسائي وتلميذه آل عبد الجبار في تفسير الرجعة والظهور ويؤاخذ على هذا المسلك أنه كيف يجعل الرجعة والظهور مع ذلك سير للنظام الدنيوي وتوجه لذلك النظام إلى منزلة ونشأة تظهر فيها آيات الله ومع ذلك نشأة الدنيا باقية على درجتها وحالها وتباينها مع نشأة الظهور والرجعة والقيامة ومع هذا كله فإن الشواهد التي اعتمدها من مفاد الآيات القرانية والروائية والعقلية تامة حقة في نفسها إلا أن الكلام في تفسيرها بمعنى يتوافق ويتلائم مع كون الرجعة عود إلى الدنيا وفصل الحق من الباطل فيها.

الفصل الثاني: حقيقة الرجعة

* تفاسير الرجعة.
* علامات الرجعة.
* الفرق بين الرجعة والتناسخ.
* الفرق بين الرجعة والنزول.
* الفرق بين الرجعة والإياب والكرّة.
* تفسير البرزخ على ضوء الرجعة.
* التكليف في الرجعة.
* الجبر والاختيار في الرجعة.
* موقعية الأدوار في الرجعة وليدة الأعمال في الحياة الأولى من الدنيا.
* خروج الناس في الرجعة من التراب لا من الأرحام.
* امتحان المستضعفين في الرجعة وهي مقطع أخير في الرجعة إلى الدنيا.
* وقوع المسخ في الرجعة.
* إنّ الرجعة ذات صلة بقواعد في الطبيعة الفيزيائية والبيولوجية للأبدان وكذا فسيولوجياً وأنّه تعود الروح بتنشيط البدن.
* الرجعة تكامل نوعي خطير.
* نزول وتنزّل للروح إلى جنب الجسد في القبر قبل إحيائه في الرجعة.
* الرجعة فتح الفتوح
* النظام القرآني الراسم للرجعة.
* بقاء مجال التوبة في الرجعة وكيفية بقاء الاختيار والتوفيق بين ذلك وبين معاينة البرزخ والعذاب.
* استمرار الفتنة والامتحان والافتتان في العوالم الأخرى.
تفاسير الرجعة
قد ذكرت للرجعة عدة تفاسير بعض منها خاطئة وأخرى صائبة، ويمكن اصطياد تعاريف أُخرى لها من إشارات وبيانات الروايات، وإليك جملة منها:
التفسير الأوَّل: الرجعة والمعراج:
الرجعة ذات صلة بالمعراج، باعتبار أنّ السماوات تمثّل درجات في التلطّف بنحو متفاوت كبير لأنماط من الحياة دون الجنّة والنار الأخروية في السابعة والسادسة ودون سدرة المنتهى، والرجعة معراج عامّ بشري لتطوّر أحكام الحياة الدنيوية، بخلاف المعراج الذي هو خاص بسيد الأنبياء.
وهذا التفسير للرجعة يستلزم تفسيراً آخر للبرزخ وهو أنّه درجات بين أسافل الدنيا وأعالي الموجودات من السطح الأخروي.
التفسير الثاني: الرجعة تناسخ:
ما تخيّله العامّة من أنّ الرجعة تناسخ وإنكار للآخرة، كما ذهب إلى ذلك بعض الفرق الباطنية والغلاة والحلّاجية، وتوهمه عدة من أهل الخلاف، والحال أن التناسخ إنما هو رجوع الروح ببدن جديد دنيوي، بينما الرجعة هي رجوع في البدن الأصلي للإنسان كما هو الحال في المعاد الجسماني، وسيأتي تفصيل الفوارق بينهما.
التفسير الثالث: الرجعة هي عدم الموت:
ما توهمه العامة أيضاً من أنّ الرجعة بمعنى عدم الموت والبقاء حيّاً، وذكروه عند تعرّضهم في كتب التاريخ والرجال لعبد الله بن سبأ، وفسّروا على طبق هذا التوهم أنّ القول بالرجعة تأليه لعلي عليه السلام، وذكر ذلك النوبختي(١٦)، نظير توهّم النصارى من حياة نبي الله عيسى ورجوعه، وقال: السبئية فرقة قالت إن علياً لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة(١٧).
وهذا خلط بين الرجعة وبين ما توهمه العامة من تفسير لها، ونسبوا توهمهم إلى عبدالله بن سبا، كما هو مطرد لدى العامة من تفاسير لظواهر معرفية ذات جذر قرآني يستعصي فهمها وترجمتها عليهم، نظير تخيلهم أن كل اتصال بالغيب نبوة، ومن ثم نسبوا إلى الإمامية القول بالنبوة في أهل البيت، ونظير أن كل فعل خارق للعادة هو فعل إلهي وألوهية، والخطورة تكمن في إعتماد الباحثين وبعض الإمامية على هذه التوهمات والتفاسير الخاطئة لدى العامة، ومجاراتهم فيما ينسبونه إلى الأشخاص من مقالات.
التفسير الرابع: الرجعة والتبري:
إنّ القول بالرجعة تبري من الشيخين والخلفاء الثلاثة، لأنّ معناه رجوع الحقّ لأهله.
ويشير إليه ما رواه في منتخب بصائر الدرجات بالإسناد عن حماد، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: «لا تقولوا الجبت والطاغوت، ولا تقولوا الرجعة، فإن قالوا لكم: قد كنتم تقولون ذلك، فقولوا: أمّا اليوم فلا نقول، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد كان يتألّف الناس بالمائة ألف درهم ليكفّوا عنه، فلا تتألّفوهم بالكلام»(١٨).
حيث إنّ البراءة كانت قويّة، وهي من أهم معالم الدين، وإنّ الرجعة من شعب الولاية والبراءة، أمّا كونها من شعب الولاية فلإنّها مقام لأدوار الأئمّة عليهم السلام، وأمّا كونها من شعب البراءة فلأنه يتم فيها الانتقام من أعداء أهل البيت عليهم السلام.
وروى الشيخ المفيد قدس سره في كتاب الفصول عن الحارث بن عبدالله الربعي أنّه قال:...فقال سوار (قاضي أبي منصور الدوانيقي العباسي): يا أمير المؤمنين إنّه يقول بالرجعة، ويتناول الشيخين بالسبّ والوقيعة فيهما، فقال السيّد (الحميري): أمّا قوله إنّي أقول بالرجعة، فإنّي أقول بذلك على ما قال الله تعالى: (وَيَوْمَ نَحشُرُ مِنْ كُلّ أمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُم يُوزَعُونَ)(١٩)، وقد قال في موضع آخر: (وَحَشَرْناهُم فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُم أحَداً)(٢٠)، فعلمنا أنّ هاهنا حشرين أحدهما عامّ والآخر خاصّ، وقال سبحانه: (ربَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وَأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذنُوبِنا فَهَل إلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)(٢١) وقال تعالى: (فَأماتَهُ الله مِائة عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)(٢٢)، وقال تعالى: (ألمْ تَرَ إلى الّذِينَ خَرَجوا مِنْ دِيارِهمْ وَهُمْ أُلوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فقالَ لَهُمُ الله مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُم)(٢٣)، فهذا كتاب الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «يحشر المتكبّرون في صورة الذرّ يوم القيامة»، وقال صلى الله عليه وآله: «لم يجر في بني إسرائيل شي ء إلّا ويكون في أمّتي مثله، حتّى الخسف والمسخ والقذف»، وقال حذيفة: «والله ما أبعد أن يمسخ الله عَزَّ وَجَلَّ كثيراً من هذه الأمة قردة وخنازير، فالرجعة التي أذهب إليها ما نطق به القرآن، وجاءت به السنّة، وإنّي لأعتقد أنّ الله عَزَّ وَجَلَّ يرد هذا ـ يعني سواراً ـ إلى الدنيا كلباً وقرداً وخنزيراً وذرّة فإنّه والله متجبّر متكبّر كافر»(٢٤).
كما أنّه ينطبع عند العامة حالياً، وعند الذهنية العصرية البشرية أن العقيدة لدى الشيعة بالإمام المهدي عجل الله فرجه وظهوره وبالرجعة عنوان لمشروع سياسي عالمي يطيح بالأنظمة الراهنة في البلدان لإقامة الدولة المنشودة لإرساء العدل، فكان هذا المشروع مخيفاً لبني أمية وبني العباس، فهي نوع رمز لإدانة أئمة المخالفين وحكام الجور وسلاطينهم، إذ الرجعة تعني المقاصة والمداينة حيث يُدين الله ويديل لأئمة الحق من أئمة الباطل، بعد إنباء القرآن بملحمة عظيمة، وهي كون العاقبة للمتقين في عمر الأرض.
ومن ثم كان ذكر الرجعة عند الأئمة عليهم السلام على خلاف التقية، نظراً للتحسس البالغ عند السلطات منها.
وَحَيْثُ أنَّ الرجعة عنوان لمشروع سياسي لإقامة دولة أهل البيت، فكان الحديث عن الرجعة مقلقا لبني أمية وبني العباس.
التفسير الخامس: الرجعة هي الظهور:
إنّ الرجعة تعني ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه ورجوع الملك إليهم بيد ولدهم الثاني عشر عليه السلام، كما روى ذلك الخصيبي في (الهداية الكبرى)(٢٥) أن هذا التفسير للرجعة قول لشذاذ من مقصرة الشيعة، قال الإمام الصادق عليه السلام:
«أحسنت يا مفضّل، فمن أين قلت برجعتنا ومقصّرة شيعتنا (يقولون) إنّ معنى الرجعة أن يرد الله إلينا ملك الدنيا فيجعله للمهدي عجل الله فرجه، ويحهم متى سلبنا الملك حتّى يرد إلينا؟».
وفي ذيل التفسير الخامس نذكر مطلبين لرفع هذه الشبهة:
الأول: الرجعة والدولة الإلهية للإمامة:
هناك تفسير سطحي سائد للرجعة، وهو أنَّ في الرجعة يتمُّ إقامة بنيان دولة مُحمَّد وآل مُحمَّد عليهم السلام، وبالتالي يرجع الملك الإلهي إليهم.
وهذا التفسير للرجعة مبني على تصورات خاطئة أُخرى، وهي كون أئمة أهلا لبيت عليهم السلام معزولون عن الإمساك بزمام أمور الأرض وإدارة المجتمعات؛ وذلك بسبب ظلم الجائرين وإقصائهم عن سُدَّة الحكم، وأنَّ نشاطهم في هذا الموقع مُجمَّدٌ إلى أنْ يحين آون الظهور والرجعة.
هكذا بُني التصوُّر عند كثيرين، وإلى فساد هذا التوهُّم تشير رواية المفضل الطويلة التي استخرجها المجلسي رحمه الله (ورواها الخصيبي في الهداية الكبرى) فمن أين قلت برجعتنا، ومقصرة شيعتنا تقول إن معنى الرجعة أنْ يرد الله إلينا ملك الدنيا، وأنْ يجعله للمهدي عجل الله فرجه، ويحهم متى سُلبنا الملك حتّى يُردّ علينا، قال المفضّل: لا والله وما سلبتموه ولا تسلبونه؛ لأنَّه ملك النبوة والرسالة والوصية والإمامة(٢٦).
إذْ اللازم الاعتقاد والمعرفة بوجود الدولة الإلهية التي يقودها خليفة الله في الأرض، وهي منذ بدء قيامها خفيّة، واستمرت في الخفاء، وإنَّما تظهر عند ظهور المهدي عجل الله فرجه والرجعة، ومن ثم سُمي الظهور ظهورا؛ لأنَّه بروز هذهِ الدولة من الخفاء إلى العلن، وكذلك الرجعة سميت بالظهور، أي ظهور كل معصوم عليه السلام من مغيبه وقبره.
فقد أُطلق الظهور على رجوع كل معصوم من مغيبه، وهو رمسُهُ وقبرُهُ، والوجه في إطلاق الظهور على رجوعهم عليهم السلام رغم رحيلهم من الحياة الدنيا إلى البرزخ لأنَّهم لم ينقطعوا عن تدبير وإدارة أمور العباد عبر آليات وأدوات خفية، نظير التصرف عبر خدامهم وأعوانهم من الملائكة، كما تشير سبع سور من القرآن الكريم إلى إنقياد وتبعية وطاعة جميع نظام الملائكة لخليفة الله في الأرض، كقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ)(٢٧)، وغيرها من السور(٢٨).
وَقَدْ روى الكليني في الكافي بسنده عن أبي خالد الكابلي عن أبي عبدالله عليه السلام أنَّه قال: «إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ جعل الدين دولتين؛ دولة آدم ـ وهي دولة الله ـ ودولة إبليس ـ فإذا أراد الله أنْ يعبد علانية كانت دولة آدم، وإذا أرد الله أنْ يعبد في السرِّ كانت دولة إبليس، والمذيع لما أراد الله ستره ما رقَ من الدين»(٢٩). ورواه بطريق آخر في روضة الكافي(٣٠).
ومفاد هذا الحديث أنَّ هاتين الدولتين قائمتان على طوال التاريخ منذ نشأة آدم عليه السلام وعداوة إبليس له إلى يومنا هذا، غاية الأمر أنَّ الغلبة الظاهرية تارة يجعلها الله للدولة الإلهية الحقّة، وأُخرى يجعلها لدولة إبليس، وأنَّ الدولة العظمى للشر التي تسير بقية دول الشر ومعسكره هي دولة إبليس في الحقيقة، وأنَّ دول الشرّ الظاهرية يتحكَّم فيها في الخفاء ويسيطر عليها دولة إبليس، فدولة الحق لا زالت قائمة إلّا أنَّ لها خفاء وظهورا لا أنَّ لها زوال ثم تتولد وتظهر للوجود.
ومن ثم كان قيام الإمام المهدي عجل الله فرجه ظهوراً لدولة الحق، وكذلك أُطلق على الرجعة أنَّها ظهور كما مرَّت الإشارة إليها، بلْ إنَّ لإطلاق الظهور على الرجعة وجه مناسبة آخر معاضد للذي سبق، وهو أنَّهم عليهم السلام رغم كونهم في البرزخ إلّا أنَّهم حسب روايات مستفيضة في الرجعة لهم نزول غير مرئي إلى الدنيا يقومون بتصرفات كنزول الملائكة لنصرة المؤمنين، كما في بدر وأُحُد وغيرها من المشاهد.
 وقد عبَّر في مستفيض الروايات عن ذلك بالنزول، وهو غير الرجعة، وقد فصَّلنا الفارق بين حقيقة الرجعة والنزول فيما سيأتي.
 وعلى ضوء ذلك فتدبيرهم وإداراتهم للأمور ضمن منظومة مُحمَّد وآل مُحمَّد عليهم السلام ومراتبهم ومقاماتهم التي رتَّبهم الله فيها، فيكون رجوع كل منهم إلى دار الدنيا وخروجه من القبر الشريف في بعث الرجعة لإقامة دولة الرجعة حسب نوبة كل منهم ظهورا له بعد غيبته في البرزخ والقبر، وظهورا لإدارته وتدبيره وولايته بعد أنْ كانت خفية حين كينونته في البرزخ.
وقد وَرَدَ إطلاق الغيبة على موتهم ورحيلهم إلى البرزخ، وإطلاق الظهور على بعثهم في الرجعة في روايات وزيارات عديدة، نظير ما وَرَدَ في زيارة أمير المؤمنين التي رواها بن المشهدي في المزار الكبير(٣١)، فقد وَرَدَ ضمن الزيارة «موقن بآتيك، مؤمن برجعتك، منتظر لأجرك، مترقِّب لدولتك، آخذ بقولك، عامل بأمرك مستجيراً بك»، فتبيَّن أنَّ دولة الحق ما زالت وكانت منذ آدم عليه السلام إلى يومنا هذا في الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر عجل الله فرجه، وأنَّ الظهور والرجعة ظهورٌ لها.
كما أنَّ دولة إبليس دولة الباطل والشرور كانت وما زالت قائمة، وهي في حين كونها دولة خفية غير مرئية إلّا أنَّ دول الباطل الظاهرة أجنحة لها وبروز لها، غاية الأمر أنَّ في الظهور والرجعة ينكسر ظهور دولة إبليس ولكنَّها لا تزول، بلْ هي باقية في الصراع إلى قريب أواخر الرجعة، رغم أنَّ إبليس يقتل عِدَّة مرات ولكنه يرجع عِدَّة مرات إلى أنْ تكون آخر قتلته على يد رسول الله، فيكون تقويضاً لدولة الباطل فيعبد الله حقّ عبادته في أرجاء الأرض.
الثاني: الحساب في الرجعة:
ومما يدلُّ على وقوع الحساب في أواخر الرجعة قوله تعالى: (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون)(٣٢).
فقد ورد في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام التي رواها المشهدي في المزار الكبير(٣٣) يخاطبه الزائر بهذهِ الكلمات «...موقن بآياتك مؤمن برجعتك منتظرٌ لأمرك مترقِّب لدولتك آخذ بقولك عامل بأمرك مستجيرٌ بك مفوِّض أمري إليك متوكِّلٌ فيه عليك، زائر لك لائذٌ ببابك الذي فيه غبت ومنه تظهر حتّى تمكن الذي ارتضى وتبدل بعد الخوف أمنا، وتعبد المولى حقّاً ولا تشرك به شيئاً، ويصير الدين كله لله، وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق، وهم لا يظلمون، والحمد لله رب العالمين...».
ففيها إشارة واضحة إلى أنَّ فصل القضاء في الحساب هو في الرجعة، وأنّ الأرض التي تشرق هي أرض الدين كما وَرَدَ في ذيل الآيات، وأنَّ الأرض التي تشرق بنور ربها هي أرض الدنيا، فهناك روايات عديدة معتبرة تشير إلى أنَّ الأرض أرض الدنيا عند الظهور والرجعة.
كما أنَّ الآية اللاحقة لهذه الآية هي الأُخرى دالَّة على أنَّ إشراق الأرض قبل البعث إلى الجنة وإلى النار(٣٤).
ووردت روايات في تفسير القمي وإرشاد المفيد مفادها ذلك.
التفسير السادس: الرجعة معاد:
إنّ الرجعة نوع مصغر من المعاد الجسماني، ومعجزة من المعجزات كإحياء عيسى للموتى، وقد ذكره الشيخ المظفّر في (عقائد الإمامية)(٣٥) قال: «أمّا أنّ الرجعة مستحيلة فقد قلنا: إنّها من نوع البعث والمعاد الجسماني غير أنّها بعث موقوت في الدنيا».
وقد ذهب إلى هذا التفسير من أنها معاد أصغر جملة من علماء الإمامية سيأتي ذكر كلماتهم لاحقا.
التفسير السابع: حقيقة البرزخ والرجعة والترابط بينهما:
بأن يقال بأن الرجعة تكثّف للوجود البرزخي ليتصرف في الشؤون الأرضية، وقد يدعى استظهاره من عدة من الأدلة الواردة، وأن الرجعة هي من عالم البرزخ، حيث إن الطينة الأصلية الباقية في القبر - التي بها يرجع الموتى وهي غير مرئية - تكاد تكون مماثلة للمادة والجسم البرزخي، ويظهر احتماله في كلمات الشيخ أحمد الاحسائي، وحكايته عن بعض.
قال الشيخ أحمد الاحسائي بعدما ذكر أن ما ورد من الحساب في الرجعة، إنما هو الحساب في البرزخ على الأعمال: «لأن الرجعة من نوع البرزخ، ألا ترى أن المؤمن إذا مات التحقت روحه بجنة الدنيا، وإن كان كافراً ومشركاً ومنافقاً التحقت روحه بنار الدنيا، وجنة الدنيا هي الجنتان المدهامتان، وهي تخرج في الرجعة، كما يأتي عند مسجد الكوفة» انتهى.
والصحيح ـ كَمَا سيأتي بيانه ـ أن البرزخ حالة متوسطة بين مقاطع من الدنيا وقل يتوسط البرزخ مرات ودفعات بين الحياة الأولى في الدنيا وحياة الآخرة من الدنيا، وهي الرجعة لا أن الحياة البرزخية هي الرجعة، فالبرزخ كالحالة المنامية بين يقظتين وأما حياة الرجعة في الدنيا فهي بعث من القبر، وهي الواسطة بين الحياة الأولى من الدنيا وعالم القيامة، وقال: «و لذلك تظهر في الرجعة الجنتان المدهامتان، وتظهر أحكام الباطن الملكوتي، وأسرار مقامات أهل البيت عليهم السلام عياناً، ويزول الشرك ظاهراً وباطناً، ويحاسب الحسين عليه السلام أكثر الخلق في أواخر الرجعة».
وقد روى بريدة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «كيف أنت إذا استيأست أمّتي من المهدي، فيأتيها مثل قرن الشمس، يستبشر به أهل السماء وأهل الأرض؟ فقلت: يا رسول الله بعد الموت؟ فقال: والله إنّ بعد الموت هدى وإيماناً ونوراً، قلت: يا رسول الله، أيّ العمرين أطول؟ قال: الآخر بالضعف»(٣٦)، بدعوى تقريب أنَّ الوجود البرزخي يتكاثف فتتكون لديه قدرة على التصرف في الحياة الأرضية.
وَقَدْ يستظهر ذلك من التفرقة بين الوجودات البرزخية كالذي ورد من التفرقة بين الموت العادي وبين الموت بالقتل، كما نبهت عليها الآيات والروايات ففي قوله تعالى: (ولئن مُتُّم أوْ قُتِلْتُم لإلى الله تُحْشَرُونَ)(٣٧)، وقوله تعالى: (أفإن ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُم على أعْقابِكُم)(٣٨).
وما رواه في مختصر بصائر الدرجات من صحيح زرارة، قال: كرهت أن أسأل أبا جعفر عليه السلام فاحتلت مسألة لطيفة لأبلغ بها حاجتي منها،فقلت: أخبرني عمَّن قتل مات؟ قال: لا، الموت موت، والقتل قتل، فقلت له: ما أحد يقتل إلّا مات، قال: فقال: يا زرارة، قول الله أصدق من قولك قد فرَّق بين القتل والموت في القرآن، فقال: (أفإنْ ماتَ وقُتِلَ)، وقال: (ولَئِن مُتُّم وقُتِلْتُم لإلى الله تُحْشَرون)، فليس كما قلت يا زرارة، فالموت موت والقتل قتل.وقد قال الله عَزَّ وَجَلَّ: (إنّ الله اشترى من المُؤمِنينَ أنْفُسَهم وَأمْوالَهُم بأنَّ لَهُمُ الجنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلون وَعْداً عليه حَقّا)(٣٩)، قال: فقلت: إنّ الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: (كُلّ نَفْسٍ ذائِقةُ المَوْتِ)، أفرأيت من قتل لم يذق الموت؟ فقال: «ليس من قتل بالسيف كمن مات على فراشه، إنّ من قتل لابدَّ أن يرجع إلى الدنيا حتّى يذوق الموت(٤٠)»، فهل التفرقة تقتصر على السبب، أم في ما يحصل منهما من وجود برزخي، أم في كيفية مفارقة الروح للبدن؟.
وقوله تعالى: (ومَا قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)، وقوله تعالى: (إنّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إلَيَّ)، وقوله تعالى: (وإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلَّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)، فهو موصوف أنه متوفّى أومرّ به هذا الوصف اثناء الرفع وان أعيد له روحه في السماء بعد رفعه، فليس بميت فعلاً وما قتل أصلاً.
التفسير الثامن: الرجعة هي نزول:
أنّ الرجعة هي النزول من السماء والنزول من البرزخ.
وروى الراوندي في الخرائج عن كتاب سهل الآدمي بسند محسّن عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «قال الحسين بن علي عليهما السلام لأصحابه قبل أن يقتل: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي: يا بني إنَّك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيّون، وأوصياء النبيّين، وهي أرض تدعى: (عمورا)، وإنَّك تستشهد بها ويستشهد جماعة معك من أصحابك لا يجدون ألم مسّ الحديد، وتلا: (يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً على إبْراهِيمَ)، تكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً فأبشروا، فوَالله لئن قتلونا فإنّا نرد على نبيّنا صلى الله عليه وآله، ثمّ أمكث ما شاء الله، فأكون أوّل من تنشقّ عنه الأرض، فأخرج خرجة يوافق ذلك خرجة أمير المؤمنين عليه السلام، وقيام قائمنا عجل الله فرجه، وحياة رسول الله صلى الله عليه وآله، ثمّ لينزلنّ إليَّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وجنود من الملائكة، ولينزلنّ محمّد وعلي وأنا وأخي وجميع من منَّ الله عليه في حمولات من حمولات الربّ، خيل بلق من نور، لم يركبها مخلوق، ثمّ ليهزنَّ محمّد صلى الله عليه وآله لواءه وليدفعنَّه إلى قائمنا عجل الله فرجه مع سيفه، ثمّ إنّا نمكث بعد ذلك ما شاء الله، ثمّ إنّ الله يخرج من مسجد الكوفة عيناً من دهن وعيناً من لبن وعيناً من ماء، ثمّ إنَّ أمير المؤمنين عليه السلام يدفع إليَّ سيف رسول الله صلى الله عليه وآله فيبعثني إلى الشرق والغرب، ولا آتي على عدوّ لله إلّا أهرقت دمه، ولا أدع صنماً إلّا أحرقته، حتّى أقع إلى الهند فأفتحها، وإنّ دانيال ويونس يخرجان إلى أمير المؤمنين عليه السلام يقولان: صدق الله ورسوله، ويبعث معهما إلى البصرة سبعين رجلاً فيقتلون مقاتلتهم، ويبعث بعثاً إلى الروم فيفتح الله لهم، ثمّ لأقتلنَّ كلّ دابّة حرم الله لحمها حتّى لا يكون على وجه الأرض إلّا الطيّب، وأعرض على اليهود والنصارى وسائر الملل ولأخيّرنّهم بين الإسلام والسيف، فمن أسلم مننت عليه، ومن كره الإسلام أهرق الله دمه، ولا يبقى رجل من شيعتنا إلّا أنزل الله إليه ملكاً يمسح عن وجهه التراب، ويعرفه أزواجه ومنازله في الجنّة، ولا يبقى على وجه الأرض أعمى ولا مقعد ولا مبتلى إلّا كشف الله عنه بلاءه بنا أهل البيت، ولتنزلنَّ البركة من السماء إلى الأرض حتّى أنّ الشجرة لتقصف بما يريد الله فيها من الثمر، وليأكلنَّ ثمرة الشتاء في الصيف، وثمرة الصيف في الشتاء وذلك قوله تعالى: (وَلَو أنَّ أهْلَ القُرى آمَنوا واتَّقَوا لَفَتَحْنا عَلَيْهم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِوالأرْضِ ولكِنْ كَذَّبُوا فأخَذْناهُم بِما كانُوا يَكْسِبونَ)، ثمّ إنّ الله ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفى عليهم شي ء من الأرض وما كان فيها، حتّى أنّ الرجل منهم يريد أن يعلم علم أهل بيته فيخبرهم بعلم ما يعملون»(٤١).
فهل الرجعة هي انشقاق الأرض والخروج منها كما في صدر الرواية، ونزول من السماء بجسم نوراني كما هو مفاد أواسط هذا المتن، أم هناك فرق بين بدايات الرجعات ونهاياتها كما هو مقتضى تصوير بداية ونهاية الرواية مع الفصل ب (ثمّ)؟
ويدعمه ما ورد في روايات مستفيضة في ذيل قوله تعالى: (وَجاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)، حيث أوّل بنزول النبي صلى الله عليه وآله مع حمولة من الملائكة لنصرة أمير المؤمنين عليه السلام في حربه مع إبليس، فينزل ليقتل إبليس.
وفي بعض الروايات أنّه عند ظهوره عجل الله فرجه ينزل النبيّ وعلي وجبرئيل في غار حراء، فيملي رسول الله صلى الله عليه وآله على عليّ عليه السلام كتاباً، فيأخذه جبرئيل ويسلّمه إلى الحجّة عند الكعبة لينفّذ ما فيه من أوامر.
لكن الظاهر ـ كَمَا سيأتي تحقيقه مفصلاً ـ أنّ النزول من السماء ليس رجعة ولا كرّة، ولكنّه نزول غير مرئي إلى الأرض كنزول الملائكة في بدر وغيرها من حروب رسول الله صلى الله عليه وآله، ولذلك لا يرى أحد النبي صلى الله عليه وآله حينما ينزل لقتل ابليس كما أشير الى ذلك في سورة الأنفال، إلّا إبليس فيقول: (إنّي أرَى ما لا تَرَوْنَ).
والقرينة الأُخرى قول الحسين عليه السلام في الرواية السابقة: «ثمّ إنّا نمكث بعد ذلك ما شاء الله وهو مكث البرزخ كقوله في صدر الرواية أنه بعدما يستشهد: «أمكث ما شاء الله، ثم أكون أول من تنشق الأرض عنه».
وأما قوله عليه السلام في وسط الرواية: «ولينزلن محمد وعلي وأنا وأخي» فهو من باب الالتفات والانتقال من بحث الرجعة إلى بحث النزول والذي حقيقته متداخلة زمنا مع الظهور والرجعة ـ كَمَا سيأتي في الباب الثَّالِث ـ بل هو زمنا أعم مطلقاً، وقد عقد الجلسي في البحار في كتاب الامامة بابا تحت عنوان «أنَّهم عليهم السلام يظهرون بعد موتهم وتظهر منهم الغرائب»(٤٢)، وهذا الظهور ليس رجعة وانما حقيقته نزول وتنزل.
وقد توهم جملة من الأعلام الباحثين في الرجعة أن النزول الذي تتعرض إليه كثير من الروايات رجعة، فاختلط لديهم كثير من مباحث الرجعة بمباحث النزول، وقد تمّم العنوان بعبارة «وتأتيهم أرواح الأنبياء وتظهر لهم الأموات من أولياءهم وأعداءهم» ومراده من هذا التتمة أن الائمة الاحياء عليهم السلام تأتيهم ارواح الانبياء ممن قد ماتوا، أي تتنزل إليهم أرواح الانبياء، كما أن ظهور الاموات للاحياء منهم قدْ يكون بنحو تنزل الاموات لهم، وقد يكون بنحو كشف الغطاء عن ابصارهم، كما أن الروايات التي أوردها دالة على أن التنزل والنزول لايختص بأهل الخير من الأموات، بل يعم الاشرار من أعداءهم لكن لا بمعنى أن الاشرار مطلقي العنان، وإنما ذلك ضمن تدبير الهي وفق حكمة معينة.
وكذلك عقد في بصائر الدرجات بابا بعنوان «أنَّ الائمة عليهم السلام يزورون الموتى وأن الموتى يزورونهم»(٤٣)، وهذا العنوان هو الذي اقتبس منه المجلسي عنوانه السابق.
 ومما رواه المجلسي في ذلك الذي هو ظهور من نمط النزول ما رواه في بصائر الدرجات بسند صحيح أعلائي عن إبراهيم ابن ابي البلاد، قال قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام حدثني عبدالكريم ابن حسان عن عبيدة بن عبدالله بن بشير الخثعمي عن أبيك أنه قال: كنت ردف أبي وهو يريد العريض، فلقيه شيخ أبيض الرأس واللحية يمشي قال فنزل إليه، فقبل بين عينيه فقال إبرهيم: ولا أعلمه إلا أنه قبل يده، ثم جعل يقول له جعلت فداك والشيخ يوصيه فكان في آخر ما قال له أنظر الاربع ركعات فلا تدعها، قال وقام أبي حتى توارى الشيخ ثم ركب، فقلت يا ابة من هذا الذي صنعت به ما لم أرك صنعته بأحد قال: هذا ابي يابني»(٤٤) والصحيحة تشير الى ظهور الباقر عليه السلام ونزوله وتنزله للإمام الصادق عليه السلام.
وروى في بصائر الدرجات موثق سماعة، قال دخلت على أبي عبدالله عليه السلام وانا أحدث نفسي فرآني فقال: مالك تحدث نفسك تشتهى ان ترى أبا جعفر عليه السلام؟
قلت: نعم، قال: قم فادخل البيت، فدخلت فإذا هو أبو جعفر عليه السلام.وقال اتى قوم من الشيعة الحسن بن علي عليه السلام بعد قتل أمير المؤمنين عليه السلام فسألوه قال: تعرفون أمير المؤمنين عليه السلام إذا رأيتموه، قالوا نعم قال فارفعوا الستر فرفعوه فإذا هم بأمير المؤمنين عليه السلام لا ينكرونه، وقال أمير المؤمنين عليه السلام «يموت من مات منا وليس بميت ويبقى من بقي منا حجة عليكم».(٤٥)
وقوله عليه السلام: «يموت من مات منا وليس بميت» إشارة إلى أن من مات منهم وانتقل إلى البرزخ لا ينقطع تصرفه وتدبيره لشؤون الدنيا، ومن أحد آليات هذا التصرف نزوله وتنزله إلى الأرض، هذا مضافاً الى ولاية الطاعة لكل منهم على منظومة الملائكة.
ولا يخفى ما في الرواية من تنزل الباقر عليه السلام في عهد الصادق عليه السلام، وتنزل أمير المؤمنين عليه السلام في عهد الحسن عليه السلام.
وروى في بصائر الدرجات موثقة أخرى لسماعة، قال كنت عند ابي الحسن عليه السلام فأطلت الجلوس عنده فقال اتحب ان ترى ابا عبدالله، فقال وددت والله، فقال قم وادخل ذلك البيت فدخلت البيت فاذا ابو عبدالله قاعد(٤٦).
وروى في بصائر الدرجات صحيح الوشاء عن ابي الحسن الرضا عليه السلام قال قال لي في خراسان رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله هاهنا والتزمته(٤٧).
وروى روايات عديدة بطرق كثيرة مستفيضة جدا أن أمير المؤمنين عليه السلام حاجج أبا بكر وأراه رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد قبا، وزجر رسول الله أبا بكر عن غصب الخلافة، وذكر روايات أُخرى عن تنزل الانبياء والاوصياء السابقين لرسول الله صلى الله عليه وآله في حياته، ولأمير المؤمنين عليه السلام أيضا.
التفسير التاسع: الرجعة يقظة من نوم الموت:
ويستدعي بيان هذا التفسير الإشارة إلى حقيقة الموت ومراتبه المنامية:
فإن للنوم والموت مراتب ذات صلة وطيدة بتفسير الرجعة، وعليه لا بدَّ من ذكر النقاط الآتية:
١ ـ إنّ الموت نوم أعمق من النوم العادي.
٢ ـ قوله تعالى: (فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِم في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً)(٤٨)، فسّرها الصدوق بالموت(٤٩).
٣ ـ قوله تعالى: (قالوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ المُرْسَلونَ)، فسَّرها الصدوق في الاعتقاد في الرجعة بأنّ الرقود هو الموت، ووَرَدَ بذلك روايات كما ساتي.
٤ ـ قوله تعالى: (الله يتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ التِي قَضى عليها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأخْرَى)، تبين الآية الكريمة اشتراك الموت والنوم في حقيقة واحدة، وهو التوفّي، ومعناه قبض الروح وخروجها من التعلق بالبدن درجة لا بدرجة الانقطاع التام.
٥ ـ قوله تعالى (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)(٥٠) فسمَّ القبر مضجعاً.
٦ ـ قوله تعالى: (إذْ قالَ الله يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إلَيَّ)(٥١).
وفي حديث: «...ما شبّه أمر أحد من أنبياء الله وحججه للناس إلّا أمر عيسى بن مريم عليه السلام وحده، لأنَّه رفع من الأرض حيّاً، وقبض روحه بين السماء والأرض، ثمّ رفع إلى السماء وردّ عليه روحه وذلك قول الله تعالى: (إذْ قَالَ الله يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إليَّ وَمُطَهِّرُكَ)(٥٢)...»(٥٣).
وقوله تعالى: (وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ الله إلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً)(٥٤) (وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ إلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً)(٥٥).
٧ ـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «كما تنامون تموتون، وكما تستيقظون تبعثون»(٥٦).
٨ ـ قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ الله فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا * وَتَرَى الشَّمْسَ إذا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الله مَن يَهْدِ الله فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ...).... (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا(٥٧). فجعل الله تعالى بعث اصحاب الكهف من رقودهم مئات السنين بالكهف ـ وهو نحو من الرجعة ـ برهاناً على البعث في المعاد الأكبر، ومن ثم قال عدة من علماء الامامية بأنَّ الرجعة معادا أصغر وبرهان على المعاد الاكبر.
٩ ـ الفرق بين البعث والإحياء للموتى من قبل الأنبياء والأوصياء كمعجزه، أنَّ البعث في الرجعة هو أن يبقى الذي بعث من قبره عمراً لحياة أخرى يستكمل فيها الامتحان والتكليف، بينما صرف الإحياء من القبر ومن الموت كمعجزة للأنبياء والأوصياء ليس بالضرورة أن يبقى المحيى طويلاً، بل هي إطلالة قصيرة غالباً، مثل قوله تعالى: (إذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُّكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً وَإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإذْنِي وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإذْنِي وَإذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإذْنِي)(٥٨).
فقوله: (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي) بيان لكون الرجوع والرجعة خروج من القبر، وليس تولد من الأرحام والأصلاب.
وقوله تعالى: (وَاُحْيِي المَوْتَى بِإذْنِ الله وَاُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ).
وقوله تعالى: (وَإذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإذْنِي)(٥٩)، وقوله تعالى: (وأُحْيي المَوْتى بإذْنِ الله)(٦٠) والخروج من القبر نمطٌ ونحو من البعث للموتى.
وقوله تعالى: (إنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ الله ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ)، فالمقابلة في الآية بين من يستمع وبين الموتى ـ وهم الذين لا يسمعون ـ وهؤلاء يبعثهم الله في الرجعة كحياة أُخرى لهم ليسمعوا دعوة الله.
١٠ ـ مراتب الموت عديدة، منها المنام فإنه بمراتبه مراتب من الموت، ومنها صعود عيسى ورفعه إلى السماء فهو مرتبة أخرى، ومنها نوم أصحاب الكهف مرتبة ثالثة منه.
وَقَدْ روي أنّه لمّا جاء أمير المؤمنين عليه السلام ليغسّل سلمان وجده قد مات، فرفع الشملة عن وجهه فتبسّم وتحرَّك وهمَّ أن يقعد، فقال له علي عليه السلام: «عُد إلى موتك، فعاد»(٦١). فإنه يدلُّ على مرتبة من الرجوع ثم العود.
وروى الكشي بسنده عن ربعي بن عبدالله، قال حدثني غاسل الفضيل بن يسار قال إني أغسل الفضيل بن يسار وإن يده لتسبقني إلى عورته، فخبرت بذلك أبا عبدالله عليه السلام، فقال لي: «رحم الله الفضيل بن يسار وهو منا أهل البيت»(٦٢).
وعن ابن عبّاس في حديث أهل الكهف: إنّهم لمّا أووا إلى الكهف أوحى الله إلى ملك الموت أن يقبض أرواحهم، ووكَّل بكلّ رجل منهم ملكين يقلّبانه ذات اليمين وذات الشمال، فمكثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فلمّا أراد الله أن يحييهم أمر إسرافيل الملك أن ينفخ فيهم الروح، فنفخ فقاموا من رقدتهم، فقال بعضهم لبعض: قد غفلنا في هذه الليلة(٦٣)....
١١ ـ وقد مرَّ قول أبي جعفر عليه السلام لزرارة(٦٤) «من قتل لم يمت، الموت موت والقتل قتل»، أي إن هناك موتاً بالمعنى العام الشامل للموت الطبيعي وللنوم والقتل والموت بالمعنى الأخص، وهو زهوق الروح حتف أنفه، كما أن هناك نوم بالمعنى العام والأعم الشامل للموت بالمعنى الأخص، وهو حتف الأنف، وهذا المعنى شامل للموت الاعتيادي الطبيعي بلا سبب قاتل وهو الموت بالمعنى الخاص المقابل للقتل، والقتل مندرج تحت الموت بالمعنى العام ومقابل للموت بالمعنى الخاص.
فعن زرارة قال: كرهت أن أسأل أبا جعفر عليه السلام عن الرجعة واستخفيت ذلك، قلت: لأسألنّ مسألة لطيفة أبلغ فيها حاجتي، فقلت: أخبرني عمَّن قتل أمات؟ قال: «لا، الموت موت، والقتل قتل»، قلت: ما أحد يقتل إلّا وقد مات، فقال: «قول الله أصدق من قولك، فرق بينهما في القرآن، فقال: (أَفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ)(٦٥)، وقال: (ولَئِن مُتُّم أوْ قُتِلْتُم لإلى الله تُحْشَرون)(٦٦)، وليس كما قلت يا زرارة، الموت موت والقتل قتل»، قلت: فإنّ الله يقول: (كلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْت)(٦٧)، قال: «من قتل لم يذق الموت»، ثم قال: «لابدَّ من أن يرجع حتّى يذوق الموت»(٦٨).
فَـمَنْ قتل لم يمت موتاً بالمعنى الأخص مع أنَّ كلّ نفس ذائقة الموت، فالنفس المقتولة لابدَّ من رجوعها إلى البدن وإلى الدنيا - وهي الرجعة - كي تموت بالنحو الاعتيادي فتذوق الموت الخاص، فهناك علقة من نمط خاص باقية بين الروح والبدن في حالة القتل بخلافه حالة الموت.
وفي بعض الروايات أن النفس التي ذاقت الموت لابدَّ من رجوعها إلى الدنيا فيجري عليها القتل، فلكل نفس موتة وقتلة.
فعن أبي خديجة الجمّال قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «إنّي سألت الله في إسماعيل أن يبقيه بعدي فأبى، ولكنَّه قد أعطاني فيه منزلة أخرى، أنَّه أوّل منشور في عشرة من أصحابه، ومنهم عبد الله بن شريك العامري وهو صاحب لوائه»(٦٩) وفي هذه الرواية إطلاق لفظ النشر والنشور على رجوع الميت إلى الدنيا.
وعن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «ليس من المؤمنين أحد إلّا وله قتلة وموتة، إنّه من قتل نشر حتّى يموت، ومن مات نشر حتّى يقتل، وما من هذه الأمّة برّ ولا فاجر إلّا سينشر، فأمّا المؤمنون فينشرون إلى قرّة أعينهم، وأمّا الفجّار فينشرون إلى خزي الله إيّاهم، إنّ الله يقول: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبرِ(٧٠).
وعن عبد الرحمن القصير، عن أبي جعفر عليه السلام أنَّه قرأ هذه الآية: (إنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنفُسَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ)، هل تدري من يعني؟، «فقلت: يقاتل المؤمنون فيقتلون ويقتلون»، قال: «لا، ولكن من قتل رُدَّ حتّى يموت، ومن مات رُدَّ حتّى يُقتل، وتلك القدرة فلا تنكرها»(٧١).
وعن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل عن قول الله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَئِن قُتِلْتُم في سَبِيلِ الله أوْ مُتُّمْ)، فقال يا جابر أتدري ما سبيل الله؟ قلت: لا والله إلا إذا سمعت منك، فقال: «القتل في سبيل علي وذرّيته عليهم السلام، فمن قتل في ولايته قتل في سبيل الله، ومن مات في ولايته مات في سبيل الله وليس من أحد يؤمن بهذه الآية إلّا وله قتلة وميتة، إنّه من قتل ينشر حتّى يموت، ومن مات ينشر حتّى يقتل»(٧٢).
والنشر مرحلة أوغل في الإحياء من مجرّد البعث، قال تعالى: (فَإذَا قُضِيَت الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله)(٧٣)، فالنشر بعد أصل البعث.
١٢ ـ عن محمد بن عبد الله بن الحسين، قال: قال أبي لأبي عبدالله عليه السلام: ما تقول في الكرّة؟ قال: «أقول فيها ما قال الله عَزَّ وَجَلَّ، وذلك أنّ تفسيرها: جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قبل هذا في قوله تعالى: (تِلْكَ إذا كرَّةٌ خاسِرَةٌ) إذا رجعوا إلى الدنيا ولم يقضوا ذحولهم، قال له أبي: (فإنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدةٌ * فإذا هُمْ بالسَّاهِرَة)، قال: «إذا انتقم منهم وماتت الأبدان، بقيت الأرواح ساهرة لا تنام ولا تموت»(٧٤)، فالساهرة حالة للأرواح لا تكون فيها حية ولا ميتة ولا نائمة، وهي مرحلة متوسطة (برزخية) بين نهاية الرجعة وبداية القيامة، وسيأتي تفصيلها في الباب الثالث.
١٣ ـ إنّ الرجعة خطّ رجعة وفرصة أخيرة لاستكمال الامتحان، وهذه الفرصة لاتمنح للأمم التي نالها العذاب الإلهي (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أهْلَكْنَاهَا أنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ)، فإنّهم حرموا الفرصة، وعوجل لهم القضاء الأخروي في الدنيا.
١٤ ـ روي عنهم عليه السلام مستفيضاً أنّه «ما منّا إلّا مسموم ومقتول»، ولا يبعد عمومه ـ بلْ وَرَدَ «ما من نبي ووصي إلّا مسموم ومقتول» ـ لهم عليهم السلام حتى في الرجعة كما هو الظاهر من روايات الرجعة.
وروى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «ليس أحد من المؤمنين إلّا وله قتلة وميتة، إنّه من قتل نشر حتّى يموت، ومن مات نشر حتّى يقتل...» إلى أن قال في قوله تعالى: (يا أيُّها المدَّثّر * قُم فأنْذِر)، قال: «يعني مُحمَّد صلى الله عليه وآله وقيامه في الرجعة، وقوله: (إنَّها لإحدى الكُبَر * نَذيراً للبَشر)، يعني مُحمَّد صلى الله عليه وآله في الرجعة، وقوله: (وما أرسَلْناكَ إلّا كافَّةً للنَّاسِ)»، قال: «في الرجعة، وقوله: (هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)» قال: في الرجعة. وفي قوله: (حتَّى إذا فَتَحنا علَيْهِم باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ)»، قال: «هو أمير المؤمنين عليه السلام في الرجعة». قال: وقال أبو عبدالله عليه السلام في قوله تعالى: (رُبَما يَوَدُّ الذينَ كَفَروا لَو كانُوا مُسْلمين)، قال: «في الرجعة»(٧٥).
والحكمة من جمع عروض الموت والقتل للإنسان معاً أنّ طبيعة الموت والقتل ليست بمعنى الإنقطاع التام بين الروح والبدن كما توهّم ذلك الفلاسفة والمتكلّمون، فالارتباط الباقي تمر طبيعته بحالات من القوّة والضعف، فيموت موتة ثانية حتّى يضعف الارتباط، وقد يكون هنالك نوع ثالث لا هو قتل ولا موت، كما أنّ درجات النوم نمط من الموت، فضلاً عن النوع الثالث.
ونظرية الحكيم الزنوزي: من رقي البدن إلى حيث الروح، أي يصبح أكثر شفّافية، ويذهب الجسم حيث تذهب الروح، ولعلّ هذا ظاهر بعض الروايات الواردة في الرجعة، فالموت والقتل ليسا نهاية المطاف كما قصرعلى ذلك البحث الفلسفي والكلامي، بل هما الإعداد لنوع ثالث أعظم.
اختلاف القتل عن الموت والموت عن النوم:
إن طريقة ونمط ودرجة انفصال الروح في القتل تختلف عن إنفصالها في الموت، فكما أنّ النوم على درجات ومراتب مختلفة من انفصال الروح وكذلك في الإغماء، والعمدة في تحري كون إنفصال الروح في الموت والقتل إنفصالاً تاماً أم ليس بتام، وأن الإنفصال ذو درجات كثيرة، وهو فعل له ارتداد فعل نظراً للتجاذب في العلاقة الرابطة الإتصالية بين الروح والبدن كما هو الحال في إنفصال الروح عن البدن في النوم، فإن فيه أنواعاً خفيفة ومتوسّطة وشديدة.
مع أن هناك جامعاً بين مراتب النوم والموت وهو توفي النفس، أي خروجها من البدن كما في قوله تعالى: (الله يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)(٧٦).
ويقرر هذا المبحث من درجات واختلاف مراتب تعلق الروح بالبدن بالمشاهدات التجريبية لمراتب النوم واليقظة، وهي بمثابة برهانٌ فلسفي عقلي على الرجعة، وقد بسط الحر العاملي في كتابه الايقاظ من الهجعة الكلام فيه.
وإنّ الروح حيث لم تنفصل تماماً عن الجسد فإن فيها إقبالاً وإدباراً ولك أن تقرر أن عدم الانفصال التامّ يقابل اشتداد الاتّصال.
وهناك حالات طبيعية أخرى تمرّ على البدن كالنوم المتصل مدة زمانية طويلة جداً وكذلك اليقظة المتصلة الدائمة غير الطبيعية.
والعلاقة التي بين الروح والبدن ليس كما صوّرها ملّا صدرا في بداية حدوث النفس من أنها عملية حركة جوهرية تدريجية، وأنها في النهاية انفصال دفعي.
بل الصحيح أن الإنفصال والوصال يوميٌ تقوم به الروح بالنوم واليقظة كما يشير إليه البيان النبوي «كما تنامون تموتون، وكما تستيقظون تبعثون»، لا أنّه انفصال واتصال ثم انفصال تامّ.
وفي النهاية ليس هناك انفصال دفعي بل انفصال ووصال متناوب مرات وكرات، وهذا متقرر في المعصوم فكيف بغير المعصوم.
والحديث النبوي السابق يشير إلى أن الإنفصال ليس تاماً، بل انفصال غير تامّ يعقبه وصال.
والموتى موجودون بأرواحهم وأجساد مثالية برزخية، ولهم وصال بالبدن الأرضي الطيني، وهناك مشاهدات كثيرة متواترة تعزز هذا الإتصال.
وروى الكليني عن العدة، عن سهل، عن عثمان بن عيسى عن عدة من أصحابنا قال: لما قُبض أبو جعفر عليه السلام أمر أبو عبدالله عليه السلام بالسراج في البيت الذي كان يسكنه، حتى قُبض أبو عبدالله عليه السلام ثم أمر أبو الحسن عليه السلام بمثل ذلك في بيت أبي عبدالله عليه السلام حتى خرج به إلى العراق، ثم لا أدري ما كان(٧٧).
والحديث يبين مدى تعلق الروح بالمكان الذي كانت تأنسه فكيف بالبدن الطيني.
أنواع الموت:
وروى الشيخ في الغيبة موثق جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «والله ليملكنَّ منّا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة يزداد تسعاً»، قلت: متى يكون ذلك؟ قال: «بعد القائم»، قلت: وكم يقوم القائم في عالمه؟ قال: «تسعة عشرة سنة، ثم يخرج المنتصر فيطلب بدم الحسين عليه السلام ودماء أصحابه، فيقتل ويسبي حتّى يخرج السفّاح»(٧٨).
ومحلّ الشاهد: قوله عليه السلام «وليملكن منا اهل البيت رجل بعد موته» فهذه رجعة بعد الموت.
وعبر عليه السلام عن الرجوع الى الدنيا من البرزخ بالخروج من القبر، فالموت ليس انفصالاً تامّاً، بل انفصال بدرجة ما ورجوع.
وهناك نمط من درجات النوم والموت كحالة أصحاب الكهف فكانه لا هو موت ولا هو نوم.
وفي البحث اللاحق سيتبين أن هناك درجات من الرجوع في مقابل درجات من انكفاء الروح عن حياة الحسّ وانفصالها عن البدن كما هو الحال في أنواع النوم، وأنَّ تفاسير الرجوع بعدد مراتب الموت والمراتب المناميّة.
مراتب الرجوع والرجعة في مقابل مراتب الوفاة والتوفّي والنوم:
قال بعض المكاشفين: أننا قد نذهب في حالة المكاشفة الى البرزخ أوالآخرة ونرجع الى الدنيا.انتهى
والصحيح إن الإنسان في حين أنَّه متواجد ببدنه الغليظ في الدنيا فإنَّ له بدناً برزخياً أيضاً يتولد وينشئ في البرزخ ساعة نفخ روحه في بطن أمه، وكذلك يتولد له وينشئ بدن أخروي كلما يترعرع في دار الدنيا، فالإنسان في حين كونه متواجداً ببدنه الغليظ في الدنيا فهو متواجد ببدن آخر في البرزخ وبدن ثالث في الآخرة، وإن لم يشعر.
وغاية ما في الأمر أنه ينكشف له تارة ويحجب عنّه أخرى ما هو مرتبط به من بقية الأجسام، فلدى الإنسان في الوجود الراهن عين وأعضاء أُخروية ببدنه الأخروي، وعين برزخية ببدنه البرزخي، وبإمكانه في الآن الراهن أن يسمع صراخ أهل النار، وصوت أهل الجنة إذا لم يلهى بإدراكات الحس، ومن هنا قال تعالى: (فكَشَفْنا عنْكَ غطاءَكَ فبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ)(٧٩).
حقيقة الرجعة وأقسام الموت والعلاقة بين الروح والجسد:
روى في بصائر الدرجات مصحح المعلى بن خنيس في حديث قال: قال أبو عبدالله عليه السلام في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)(٨٠) «نبيكم راجع إليكم» وقوله راجع اليكم تعبير يفيد في نبرته أنه ليس بالأمر البعيد عنكم كونه في البرزخ.
وروى بسنده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «إنّ لعلي عليه السلام إلى الأرض كرّة مع الحسين عليه السلام، يقبل برايته حتّى ينتقم من بني أميّة ومعاوية وآل معاوية، ثم يبعث الله إليهم بأنصاره يومئذٍ من الكوفة ثلاثين ألفاً، ومن سائر الناس سبعين ألفاً، فيقاتلهم بصفّين مثل المرّة الأولى، حتى يقتلهم فلا يبقى منهم مخبر... ثم كرّة أُخرى مع رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يكون خليفته في الأرض، يعطي الله نبيّه ملك جميع أهل الدنيا حتّى ينجز له موعوده في كتابه، كما قال: (ليُظهرَهُ على الدِّينِ كُلِّه وَلو كَرِهَ المُشْرِكونَ(٨١).
والتعبير بـ «إلى الأرض» يدلّ على أن البرزخ نوع من العلو عن الأرض، والرجعة نوع من العودة والهبوط إلى الأرض، «اهبطوا إلى الأرض».
نزول ورجوع عيسى كل عام:
وروى ابن بابويه عن معمّر بن راشد، عن أبي عبدالله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث أنّه قال: «ومن ذرّيتي المهدي، إذا خرج نزل عيسى بن مريم فقدَّمه وصلّى خلفه»(٨٢).
وذهب الحر العاملي وغيره في بحث الرجعة إلى أن عروج عيسى عليه السلام نوع من الموت، كما هو ظاهر الآية: (إنّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إليَّ)(٨٣)، ففي مثال النبي عيسى موت ورجوع، فتوفي عيسى عليه السلام موت ونزوله رجوع وإنْ كان الصحيح أنَّه قد ورد في رواياتنا أن توفي الله عيسى عليه السلام كان أثناء ما صعد الله به إلى السماء ثم بعد الصعود ارجع الله إليه روحه.
بلْ روي في الأصول الستة عشر موثق ابي حمزة الثمالي (على الأصح) عن ابي جعفر عليه السلام في حديث عن سلمان قال عليه السلام: إنَّ سليمان كان إدراكه العلم الأول أنه كان على الشريعة من دين عيسى عليه السلام فخدم بعض رهبانهم... ـ إلى أن قال عليه السلام وقد ذكر تنقله بين الرهبان وأن سلمان مضى إلى رجل كان بأرض الروم قال عليه السلام فمضى إليه، وإذا شيخ كبير عالم فلم يلبث الا يسيرا حتى حضرته الوفاة، فقال سلمان له مثل ما قال لاصحابه الرهبان السابقين أنْ يدله على رجل أفضل منه يخدمه ـ فقال ليس لك إلى ذاك حاجة في هذه السنة المقبلة يظهر بأرض يثرب وهو راكب البعير الذي بشر به المسيح عيسى بن مريم، فانطلق حتى تكون معه، فلما فرغ من دفنه مضى على وجه، وقد أخذ صفته وأنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة، قال فبينا هو يسير إذ هجم على خلق كثير مجتمعين في صحراء حولها غياض وقد اخرجوا زمناهم ومرضاهم قال فسلَّم عليهم وقال ماقصتكم، ولأي شيء اجتماعكم؟ فقالوا نحن نجتمع في كل سنة في مثل الوقت لأنَّه يخرج علينا من هذه الغيضة عبد صالح فنسأله أنْ يدعوا الله فبشفي زمنانا ويبرئ مرضانا، فربما أقمنا اليوم واليومين واكثر ما يخرج الينا في اليوم الثالث قال فاقام معهم، فلما كان من غد اليوم إذا هم برجل قد خرج بثوبين ابيضين فقاموا إليه يسألونه حوائجهم، فلما فرقوا تبعه سلمان فقال له ماتريد؟ قال أنا رجل كنت اخدم العلماء من أبناء حواري عيسى عليه السلام فقالوا لي أنه يظهر نبي بيثرب في هذه السنة المقبلة، فخرجت في طلبه فاردت أن أسألك اصدقوني؟ قال نعم صدقوك منزله اليوم مكة، وستلقاه وإذا لقيته فاقرأه السلام عني كثيرا، قال فلما أسلم سلمان ولقى رسول الله صلى الله عليه وآله فحدثه حديثه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله «ذاك أخي عيسى»(٨٤)، ومفاد هذا الموثق نزول ورجوع عيسى كل عام إلى الأرض ثم ارتفاعه مرة أخرى وغيبته في الأرض.
وأشار الحرّ العاملي إلى أنّ الموت أنواع، ولم يقع الإلفات والتنبيه على جملة منها في البحوث الفلسفية.
وانفصال الروح عن البدن في القتل أقل انفصالا بالقياس إلى درجة انفصالها في الموت، فروح المقتول تبقى متعلّقة بالبدن بشكل أقوى من روح الميت ببدنه.
وعلى وجه العموم فإنّ الموت ذو درجات، فليس حقيقة الموت انفصالاً تاماً للروح عن البدن الأصلي وهو الطينة الأصلية التي خلق منها بدن الإنسان، بل تبقى خيوط تعلق للروح به ونحو مغنطة وانجذاب معه قد تشتد وترجع إليه وتحف به وتحوم حوله، فهي بين انفصال ووصال من دون مفارقة تامة، ومن ثم تعددت أسماء وأنواع الموت من اخترامي وطبيعي ومبرم ومؤجّل ومحتوم.
 ثم إنَّ البدن الذي تفارقه الروح بالموت هو الطينة الأصلية، وهي غير مرئية مما قد يسمى في الاصطلاح الحديث بالبدن الأثيري، وتقويم الروح للبدن حالة عيانية وليست سنخ بيان لمعنى مفهوم.
ثم إن دراسة ومعرفة المعاد لا تتم بدون دراسة ومعرفة الرجعة.
التفسير العاشر: الرجعة نوع من البرزخ:
إنَّ الرجعة في البرزخ هي نشأة برزخية في عالم البرزخ، وقد يظهر ذلك من قول الشيخ أحمد الأحسائي في كتاب الرجعة بعدما ذكر أنّ المجازاة في الرجعة إنّما هي على الأعمال البرزخية، وما ورد من أنّ الحساب في الرجعة إنّما هوالحساب على الأعمال البرزخية.
قال: لأنّ الرجعة من نوع البرزخ، ألا ترى أنّ المؤمن إذا مات التحقت روحه بجنّة الدنيا، وإن كان كافراً ومشركاً ومنافقاً التحقت روحه بنار الدنيا، وجنّة الدنيا هي الجنّتان المدهامّتان وهي تخرج في الرجعة كما يأتي عند مسجد الكوفة.
وقد رواه ابن قولويه في الموثق عن المفضل بن عمر عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: «كأني والله بالملائكة قد ازدحموا على قبر الحسين عليه السلام وينزل الله على زوار الحسين عليه السلام غدوة وعشياً من طعام الجنة وخدامهم الملائكة لا يسأل الله عبد حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلّا أعطاها إياه»، قال: قلت: هذه والله الكرامة، قال لي: «يا مفضل أزيدك: قلت: نعم سيدي، قال: «كأني بسرير من نور قد وضع وقد ضربت عليه قبة من ياقوتة حمراء مكللة بالجواهر، وكأني بالحسين عليه السلام جالس على ذلك السرير وحوله تسعون ألف قبة خضراء، وكأني بالمؤمنين يزورونه ويسلمون عليه فيقول الله عَزَّ وَجَلَّ لهم: أوليائي سلوني فطالما أوذيتم وذللتم واضطهدتم فهذا يوم لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلّا قضيتها لكم فيكون أكلهم وشربهم في الجنة، فهذه والله الكرامة التي لا انقضاء لها ولا يدرك منتهاها»(٨٥).
وظاهر هذه الرواية أن هذه الجنان جنان برزخية، وهي دنيوية إذ تكرر في هذه الرواية (السؤال عن حوائج الدنيا والآخرة).
وقد استشهد بهذه الرواية الشيخ أحمد الأحسائي في كتاب الرجعة على كون الرجعة برزخية، وكون الجنان البرزخية هي جنان دنيوية.
أقول: ماذهب إليه الشيخ الأحسائي ـ وربما يظهر من تلميذه الشيخ آل عبدالجبار ـ من تفسير الرجعة بالنشأة البرزخية إقتفيا في ذلك ما عليه الفيض الكاشاني في كتابه عين اليقين، ووافقاه في احتماله كون الرجعة عبارة عن ظهور وتمثل الأشخاصٍ من عالم البرزخ في الحس الظاهر، وسيأتي أن ذلك خلطٌ بين الرجعة والنزول، فإن أهل البرزخ ينزلون للدنيا، ولكن ذلك يغاير رجعتهم من القبور.
وسيأتي ذكر عبارته لاحقاً، وبالتالي هناك حالة تشابك بين حقيقة الرجعة والبرزخ من جهة، وذلك من تطور أطوار الدُّنْيَا ـ وهي أحكام تكوينية للرجعة ـ والرجعة في حين كونها من الحياة الدُّنْيَا ـ حسب بيانات آيات وروايات الرجعة ـ إلا أن الحياة الدنيا تنقسم إلى الحياة الدنيا الأولى والحياة الآخرة من الدنيا، وهي حياة الرجعة، وكليهما غير عالم الآخرة الأبدية.
فالرجعة تطور وتشفف في عالم الدنيا بما يتقارب مع النشأة البرزخية، وقد ورد في بعض الروايات أن أهل الرجعة يرون أهل البرزخ ويتحادثون معهم كما هو الشأن في قدرة الأبدال والأولياء في الحياة الأولى من الدنيا.
كما أنّ الرجعة مقاربة في أحكامها التكوينية من عالم البرزخ، حيث إنّ الطينة الأصلية الباقية في القبر ـ التي بها يرجع الموتى غيرمرئية ـ تكاد تكون مماثلة للمادة والجسم البرزخي، ويظهراحتمال هذا التفسير في كلمات الشيخ أحمد الأحسائي، وحكايته عن بعض.
التفسير الحادي عشر: تفسيرها بالبرزخ:
قال الفيض الكاشاني في كتابه (عين اليقين) عند كلامه عن النشأة المثالية: إنّ في الوجودعالماً مقدارياً غير العالم الحسّي، لا تتناهى عجائبه، ولا تحصى مدنه، من جملة تلك المدن جابلقا، وجابرسا، وهما مدينتان عظيمتان، وكل ما فيها حي ناطق، وهي باقية لا تفنى، ولا تتبدل، وفيها مدائن لا تحصى، بعضها يسمّى مدائن النور...
ثم ذكر روايات كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام عن تلك المدائن، ثم قال من بعده: وأمثال هذه الروايات كثيرة جداً، وكلها إشارة إلى موجودات النشأة المثالية فيما أحسب، ويشبه أن يكون تثنية المدينتين الشرقي والغربي المسمّاتين بجابرسا وجابلقا إشارة إلى ما تقدّم من هذه النشأة على النشأة الدنيوية، وما يتأخّر منها عليها.
ثم قال في ذيل قول الإمام الصادق عليه السلام: «إن من وراء أرضكم هذه أرضاً بيضاء ضوؤها منها»(٨٦)، وقول الإمام الباقر عليه السلام: «إنّ الله خلق جبلاً محيطاً بالدنيا من زبرجد أخَضر وإنَّ خضرة السماء من خضرة ذلك الجبل...»(٨٧) وإنما وصف الأرض بالبيضاء حيث سمّاها أرضاً؛ فلأنّ نورها ذاتيّ، كما وصفها بقوله: «ضوؤها منها»، بخلاف هذه الأرض، ووصف الجبل بالخضرة حيث سمّاها جبلاً؛ لأن الخضرة برزخ بين البياض والسواد، كما أنها برزخ بين الأرواح النورية والأجساد الظلمانية.
والكلمات في وصف هذه النشأة أكثر من أن تحصى، ولعلّ الرجعة التي تكون في زمن القائم عليه السلام كما ورد من أهل البيت عليهم السلام في أخبار كثيرة إنما تكون لأشخاص من هذا العالم في الحس الظاهر والعلم عند الله»(٨٨).
أقول: الظاهر أنّ ما احتمله قدس سره خلط بين الرجعة والنزول، أي رجعة أهل البرزخ من القبور ونزول أهل البرزخ إلى الدنيا بتكثف سواء مع ترائيهم في الحس لأهل الدنيا وبدون الترائي لهم، فإن الرجعة بعث من القبور من البدن المستقر طينته في القبر وهي شفافة غير مرئية في الحس الغريزي، لكنها هي الطينة والبدن الأصلي الدنيوي، وأما البدن الغليظ من اللحم والعظام فهو بمثابة القالب والغلاف الذي يغطي ذلك البدن، أي أنّ البدن الأصلي اللطيف يلج في البدن الغليظ ويتصرف فيه، ويتضح ذلك بعد الإلتفات إلى تفاوت الأجسام والمواد الدنيوية في الشفافية والغلظة درجات متفاوتة كبيرة جداً، حتى توهم جملة من العرفاء والصوفية في مكاشفاتهم أنها نشأة مثالية.
هذا بينما النزول هو تكثّف للبدن المثالي وتمثل في نشأة الحس، وكليهما غير حقيقة الظهور للإمام الغائب عجل الله فرجه، فإن ظهوره بروز من الخفاء والسرية.
كَمَا أنّ كلاً من الثلاثة غير التولد من الأرحام في بدء نشأة الدنيا، وكما أن الأربعة تغاير المسخ الذي هو تشكل جوهري لبدن الإنسان الدنيوي بسبب شدة الملكات الجوهرية الظلمانية وتأثيرها في تغيير بدن الإنسان الدنيوي وبدنه البرزخي وبدنه الدنيوي في الرجعة وبدنه في القيامة، فالمسخ له عدة مواطن كما دلت عليه الآيات والروايات، وكل من الخمسة يغاير التناسخ الذي هو عود إلى الدنيا ببدن جديد من الأرحام والخمسة الأولى حق واقع، وبينما السادس الأخير ممتنع باطل.
التفسير الثاني عشر: الرجعة إحياء الإمام عليه السلام
للموتى بإذن الله:
وقد ذهب الى كون الرجعة معجزة يجريها الله عَزَّ وَجَلَّ على يد أئمة أهل البيت عليهم السلام جملة عديدة من علماء الامامية، منهم الحرّ في كتابه الرجعة كبرهان على أمامتهم، كما جعل إحياء الموتى آية معجزة على نبوة عيسى عليه السلام وبعض الانبياء السابقين وسيأتي التعرض لكلمات علماء الامامية حول الرجعة في فصل مستقل.
قال الحرفي معرض الاستدلال على صحة الرجعة في الباب الثاني من كتابه (الإيقاظ من الهجعة).
«العاشر: إنّ الإمام يجب أن يكون مستجاب الدعوة فإذا دعى الله بإحياء الموتى وقع ذلك بإذن الله تعالى.
والمقدمة الأولى ثابتة بالنصوص الكثيرة في محلّها، والثانية بديهية، فهذا دليل على الإمكان واضح قريب، إذ لا دليل على استحالة دعاء الإمام بذلك، وعدم قيام دليل الاستحالة كاف.
الحادي عشر: إنّ الله ما أعطى أحداً من الأنبياء فضيلة ولا علماً إلّا وقد أعطى نبينا صلى الله عليه وآله مثله بل أعظم منه، ومعلوم بأنّ كثيراً من الأنبياء السابقين أحيى الله له الموتى ولا ريب أن الإمام عليه السلام يرث علم الرسول صلى الله عليه وآله وفضله، والمقدمات كلها ثابتة بالأحاديث الآتية وغيرها، بل وقد وقع إحياء الله تعالى الموتى لغير المعصومين عليهم السلام من أهل العلم والعبادة، كما يأتي إن شاء الله تعالى، فيثبت مثله هنا بطريق الأولوية.
الثاني عشر: إن الإمام عليه السلام عالم بالاسم الأعظم الذي إذا دعى الله به لإحياء الموتى لأحياهم.
والتقريب ما تقدم، فهذا مما يَدُلّ على الإمكان بل الوقوع.
وهذه الأدلة وإن كان فيها بعض التداخل وأن بعضها يدل على الإمكان وبعضها على الوقوع ويمكن الزيادة فيها»(٨٩) أنتهى كلامه.
 وهذا التعريف لحقيقة الرجعة عند من ذهب إليه من أصحابنا هو السبب في ذهاب العامة الى أن القول بالرجعة أفضع وأنكر أنوع الرفض، وأشد من القول بالنص على الإمامة وأن القول بالرجعة سبأية.
وممن ذهب إلى هذا التفسير الحكيم ملا صدرا، فقال في تفسير سورة يس ذيل الآية / ٣١:
(قد صح عندنا بالروايات المتظافرة عن أئمتنا وساداتنا من أهل بيت النبوة والعلم حقّية مذهب الرجعة ووقوعها عند ظهور قائم آل مُحمَّد عجل الله فرجه، والعقل أيضاً لا يمنعه، لوقوع مثله كثيراً من إحياء الموتى بإذن الله بيد أنبيائه، كموسى وعيسى وشمعون وغيرهما على نبينا وآله وعليهم السلام).
التفسير الثالث عشر: تفسير الرجعة بالتناسخ:
إنّ بعض من تمادى في الإنحراف من السبائية، كانوا قد بدأوا القول بالغلوّ حتى قالوا: إن الأئمة آلهة وملائكة وأنبياء ورسل وتكلموا عن عالم الأظلّة وهو حق، وخلطوا بينه وبين التناسخ الباطل في الأرواح، كما خلطوا بين الدور والكور التناسخي الباطل في هذه الدار الدنيا وبين كرّات الرجعة التي هي حق، وأبطلوا بهذا الخلط القيامة والبعث والحساب والجنة والنار، وزعموا أن لا دار إلّا الدنيا وأن القيامة إنما هي خروج الروح من بدن دنيوي ودخولها في بدن دنيوي آخر إن خيراً فخير وإن شراً فشر، مسرورون في هذه الأبدان ومعذبون فيها، ومن كان جزائه النعيم فالأبدان الدنيوية الحسنة الجميلة الكريمة هي الجنات، ومن كان جزائه العذاب فالأبدان الدنيوية الشقية القبيحة السيئة المشوهة هي النيران، فينقلون إما إلى الأجسام الإنسية المنعمة في حياتهم أوينقلون إلى الأجسام الردية المشوهة من كلاب وقردة وخنازير وحيات وعقارب وخنافس وجعلان وغير ذلك من الدواب والأنعام على قدر أعمالهم، محوّلون من بدن إلى بدن، معذّبون فيها وهي جهنمهم ونارهم، وذلك على قدر ما يكون منهم من عظيم الذنوب وكبائرها في إنكارهم لأئمتهم ومعصيتهم لهم، وإنما تسقط الأبدان وتخرب، إذ هي مساكنهم فتتلاشى الأبدان وتفنى وترجع الروح في قالب آخر منعمٌ ومعذّب.
 وهذا معنى وتفسير الرجعة عندهم وعند كثير من الفرق الباطنية المنحرفة الذين خلطوا بين عالم الأظلة الحق والتناسخ الباطل، وأيضاً خلطوا بين التناسخ الباطل وعالم الرجعة الحق وخلطوا أيضاً بين أبدان النشآت السابقة على الدنيا وأبدان الدنيا، وكذلك خلطوا بين أبدان الدنيا الأولى وأبدان البرزخ كما خلطوا بين أبدان الرجعة وهي آخرة الدنيا وأبدان الدنيا الأولى، فإن أبدان الدنيا الأولى هي من الأصلاب والأرحام وأبدان الرجعة آخرة الدنيا هي أبدانٌ من طينة القبور، وكذلك خلطوا بين أبدان الدنيا الأولى وأبدان القيامة وأبدان الآخرة الأبدية، وذلك لعدم معرفتهم وإيمانهم باختلاف النشآت والعوالم.
وإنَّما الأبدان عندهم قوالب ومساكن بمنزلة الثياب التي يلبسها الناس فتبلى وتمزق وتطرح ويلبس غيرها، وبمنزلة البيوت يعمرها الناس فإذا تركوها وعمروا غيرها خربت والثواب والعقاب على الأرواح دون الأبدان وتأولوا في ذلك قول الله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَك)(٩٠) وقوله (ما مِنْ دابّة فِي الأرْضِ وَلا طائر يَطِيرُ بِجَناحَيه إلّا أمَمٌ أمْثَالَكُم)(٩١).
وقوله: (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِير)(٩٢) فتأولوه بأن جميع الطير والدواب والسباع كانوا أمماً أناساً خلت فيهم نذر من الله واتخذ عليهم بهم الحجة، من كان منهم صالحاً مقراً بما يدعوه من مذاهبهم جعل الله روحه بعد وفاته وخراب قالبه وهدم مسكنه في بدن صالح، فأكرمه ونعّمه، ومن كان منهم كافراً عاصياً نقلت روحه إلى بدن خبيث مشوّه يعذّبه فيه في الدنيا وأهانه وجعله في أقبح صورة ورزقه أنتن رزق وأقذره.
وتأوّلوا في ذلك قول الله: (فَأَمَّا الإِنسَانُ إذا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن * وَأَمَّا إذا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَن)(٩٣) فكذب الله هؤلاء وردّ عليهم قولهم لمعصيتهم إياه، فقال: (كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيم)(٩٤) وهو النبي صلى الله عليه وآله (وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين)(٩٥).
وهو الإمام الوصي (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا)(٩٦) لا تخرجون حقّ الإمام ممّا رزقكم وأجرى لكم.
الفرق بين الرجعة والتناسخ - إبطال قواعد الرجعة لأصول التناسخ:
التناسخ هو رجوع الروح ببدن جديد دنيوي من نطفة أصلاب وتولد أرحام وأبوين آخرين وهوية أخرى، فتتبدل شخصيته إلى شخصية أخرى، بينما الرجعة هي رجوع الروح في البدن الأصلي السابق للإنسان، وخروجه من القبر وبنفس الهوية والشخصية، كما هو الحال في المعاد الجسماني.
وقد دفع الشيخ محمد بن عبد علي بن محمد آل عبد الجبار شبهة التناسخ بوجود عدة فوارق بين الرجعة والتناسخ، بأن النفس لا تفقد كمالات البرزخ كما هو مقتضى الشبهة أيْضَاً ـ والتي يعترض بها على حقيقة المعاد الجسماني ـ وهي أنه لو كان الجسم فيه بمادة الدنيا.
والشبهة قد ذكرها وتبناها الملّا صدرا، وقدأجاب عنها العلامة الطباطبائي رحمه الله كَمَا سيأتي، بينما اعتمد الشيخ آل عبد الجبار على أن عود كل شخص إلى مادته الصالحة له والصور من عمله المتجدد، والأحكام تلحق الصور بحسب طهارتها ونجاستها وغيرهما لا المادة من حيث هي هي، وخلق كل صورة من عمله هو مقتضى العدل.
والصور المتوارد من عملهم وعلمهم وقابليتهم الإمكانية على المادة الأصلية لاجسامهم التي يرجعون إليها وإن كانت الروح في البرزخ في فترة الموت قبل الرجعة قائمة بمثالها البرزخي.
وروى الصدوق بسنده عن الحسن بن جهم ـ في حديث طويل ـ أنّ المأمون قال لأبي الحسن الرضا عليه السلام: يا أبا الحسن فما تقول في الرجعة؟ فقال الامام عليه السلام إنّها لحقّ، قد كانت في الأمم السالفة، وقد نطق بها القرآن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يكون في هذه الأمة كلّ ما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذّة.
وقد قال عليه السلام: إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم فصلّى خلفه.
وقال عليه السلام: إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، قيل: يا رسول الله ثم يكون ماذا؟
قال: ثم يرجع الحق إلى أهله».
فقال المأمون: فما تقول في القائلين بالتناسخ؟
فقال: «من قال بالتناسخ فهو كافر مكذّب بالجنّة....
قال المامون: ما تقول في المسوخ قال الرضا عليه السلام أولئك قوم غضب الله عليهم فمسخهم، فعاشوا ثلاثة ايام ثم ماتوا ولم يتناسلوا... الحديث(٩٧). ويستفاد من هذه الرواية:
١ ـ ان القول بتناسخ الروح هو أن تنتقل الروح من بدن الى بدن.
٢ ـ تفكيكه عليه السلام بين الرجعة والتناسخ وأن هناك فرقا بين حقيقة الرجعة والتناسخ، فالبعض يتصوّر أنّ الرجعة تناسخ ـ كالمأمون العباسي الذي توهَّم ذَلِكَ ـ.
٣ ـ إنّ الرجعة من حقائق الدين لكن جهلها المسلمون وغفلوا عنها، ونزول النبي عيسى عليه السلام شاهد على الرجعة، ويطلق عليه الرجوع بعد انقطاع وانحسار عن الحياة الظاهرة، كما هو الحال في يقظة أصحاب الكهف بعد نومهم مئات السنين، حيث جعله الله تعالى آية للبعث وللمعاد الأكبر.
٤ ـ استشهاده بوصف الإسلام بالغربة وقوله - طوبى للغرباء - دلالة على أنّ الرجعة عقيدة أصلية في الدين إلّا أنّها جُهلت.
٥ ـ كان العامة يطعنون على أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم بالرجعة، ويظنون أن القول بالرجعة من الغلو بالائمة عليهم السلام، وهذا ما يعطيه سياق كلام المامون العباسي.
٦ ـ توهّم المأمون العبّاسي أنّ الرجعة مسخ ومسوخ، فأجابه عليه السلام: إنّ الرجعة غير المسخ، وهذا فارق علمي آخر في حقيقة الرجعة واختلافها عن المسخ، وإن كان المسخ حقيقة واقعة في دار الدنيا وفي حشر عالم القيامة، بل في بعض الروايات إن المسخ يقع في الرجعة، ورغم كل ذلك فحقيقة الرجعة غير النسخ.
٧ ـ إن عيسى عليه السلام حيّ ويظهر ويصلّي خلف الإمام عليه السلام.
٨ ـ إن الانحسار عن الحياة الظاهر والرجوع إليها يسمّى رجعة.
والعامة أوّلوا الرجعة بأنها تناسخ وإنكار للمعاد الجسماني، والحال أنّ التناسخ هو انتقال الروح من بدن إلى تكون بدن آخر بنطفه ورحم جديد وأب وأم آخرين بهوية وشخصية أخرى، بينما الرجعة رجوع بنفس البدن الأصلي وبنفس الهوية والشخصية وخروجاً من القبر لا من الأرحام والأصلاب.
 ثم إن هناك نقطة أُخرى في الحديث الشريف، وهي دفع توهم المأمون العباسي في أن الرجعة مسخ ومسوخ، فالرجعة غير المسخ، فبين عليه السلام بأن الرجعة مغايرة للمسخ، وإن لم تكن حقيقة المسخ ممتنعة بل واقعة في جملة من المواطن والنشآت كما أن الرجعه تغاير التناسخ وأن الرجعة بعث من القبور لا تولد من أرحام النساء، كما في التناسخ، ويبين هذا التغاير جمله من الشواهد التالية:
الشاهد الأوَّل: تظافرت الآيات الواردة في البعث من القبور، فقد فسر ظاهرها في الروايات المتواترة أنه البعث في الرجعة، أي في القيامة الوسطى لا القيامة الكبرى، كما ظن ذلك جلّ المفسرين والمتكلمين والفلاسفة والعرفاء، وقد نبه على ذلك بيان أهل البيت عليهم السلام لظهورالفاظ لتلك الآيات.
الشاهد الثاني: ما ورد من نماذج متعددة للرجعة في سورة البقرة، وهي آية وبرهان للرجعة بمقتضى قاعدة كل ما حدث في الأمم السابقة يحدث في هذه الأمة، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، كاحياء عزير عليه السلام بعد موته، وكذلك أصحاب القرية الذين خرجوا ألوفاً حذر الموت فأماتهم الله تعالى، وأيضاً أصحاب موسى عليه السلام السبعون، الذين أماتهم الله تعالى ثم أحياهم، وأيضاً صاحب البقرة الذي قال عنه القرآن: (اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا)، وكاجزاء الطير المقطعة على كل جبل حيث دعاهن ابراهيم فحييت، وكذلك ما ورد في سور عديدة من احياء النبي عيسى عليه السلام للموتى بنفس بدنهم وبهويتهم وشخصيتهم، وكذالك في أصحاب الكهف بعد ما انامهم الله مئات السنين كالموتى ثم بعثهم بنفس أبدانهم وهويتهم وشخصيتهم.
الشاهد الثالث: ما وَرَدَ مستفيضاً في الروايات «العجب كل العجب ما بين جمادى ورجب» أنّهم عشرات من الأموات يرجعون، بأن يبعثوا من القبور في الكوفة قبيل ظهور الإمام عجل الله فرجه في محرم، كما نُص على ذلك في الروايات.
والحاصل بالتتبع أن آيات وروايات الرجعة تطفح بالتواتر اللفظي على التنصيص بكون الرجعة بعث من القبور، لا نفخ للأرواح في الأرحام.
وهناك نكات عقلية معرفية التفت إليها الحرّ العاملي ولم يلتفت إليها الشاه آبادي والطباطبائي في بحث الرجعة، وسياتي بيان جملة منها.
الفرق بين الرجعة والظهور:
ورد في بعض الروايات المرسلة التي اوردها الشيخ آل عبد الجبار في كتاب الرجعة ما قد يستظهر منها أن ظهور الصاحب عجل الله فرجه نوع ونمط من الرجعة، وسيأتي تنقيح ذلك، إذ ينسب إلى استاذه الشيخ الاحسائي تفسير الغيبة بأنها حالة برزخية، وعلى هذا التصور يكون الظهور رجعة، ولكن هذا التفسير للغيبة غير تام، إذ كثير من حالات النشأة الدنيوية غير مرئية كما هو الحال في البدن الأصلي للإنسان والطينة الأصلية له.
وقد روي أن هذا البدن الأصلي والطينة الأصلية تكون كالطينة المستديرة تسيخ في أرض القبر وتظل باقية إلى يوم البعث سواء بعث الرجعة وغيره، وقد اعترف بذلك الشيخ الاحسائي في جملة من كلماته فلا ملازمة بين كون الجسم غير مرئي وكونه برزخياً، وقد طالعتنا الأبحاث العلمية الحديثة أن هناك من الأجسام المادية الدنيوية ما هو غير مرئية، بل بعضها لايدرك بالآلات المسلحة والأجهزة الاشعاعيه المتطورة، هذا وقد اطلق الظهور في كثير من روايات الزيارات على رجوع الائمه عليهم السلام وخروجهم من قبورهم الشريفة إلى حياة الدنيا مرة أُخرى وهي حياة الرجعة وآخرة الدنيا.
الفرق بين الرجعة والإياب والكرة:
الظاهر من استعمال لفظ الرجعة في الآيات والروايات أنَّها أعم من الكرّة، والكرة أخص من الرجعة، فالكرة هي الرجوع الذي يتضمن حروباً ومواجهات واقتتالا بمناسبة الأصل اللغوي لمادة الكرّ بخلاف الأصل اللغوي للرجوع.
ويُشير إلى الفرق المزبور ما رواه أصحابنا في المزار كالشهيد والمفيد وابن طاووس وغيرهم في زيارة القائم عليه السلام في السرداب: «ووفقني يا رب للقيام بطاعته والمثوى في خدمته، فإن توفيتني قبل ذلك فاجعلني ممن يكرّ في رجعته ويملّك في دولته ويمكّن في أيامه» حيث إنّ التعبير بالكرّة إشارة إلى الرجوع المتضمن للجهاد بين يديه عجل الله فرجه.
ولاحظ ما رواه في مختصر بصائر الدرجات في كرَّة أمير المؤمنين عليه السلام عن جابر بن يزيد عن أبي عبدالله عليه السلام: «قال إن لعلي عليه السلام في الأرض كرّة مع الحسين ابنه صلوات الله عليهما يقبل برايته حتى ينتقم له من بني أمية»(٩٨).
وكذا الحديث الذي رواه بعده بسنده عن خالد بن يحيى عن أبي عبد الله عليه السلام: قال قلت لأبي عبدالله عليه السلام....فقال: اتقوا دعوة سعد قلت فقال (رسول الله صلى الله عليه وآله) اتقوا دعوة سعد؟، قال نعم، قلت: وكيف ذاك؟ قال: يكرّ فيقاتل علياً»(٩٩).
وما رواه أيضا عن كتاب الواحدة بسند عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وإن الله أخذ ميثاقي مع ميثاق مُحمَّد صلى الله عليه وآله بالنصرة بعضنا لبعض، فقد نصرت محمداً صلى الله عليه وآله وجاهدت بين يديه وقتلت عدوه، ووفيت لله بما أخذ عليّ من الميثاق والعهد والنصرة لمحمد صلى الله عليه وآله ولم ينصرني أحد من أنبياء الله ورسله، وذلك لما قبضهم الله إليه، وسوف ينصرونني ويكون لي ما بين مشرقها إلى مغربها، وليبعثنهم الله أحياء من آدم إلى مُحمَّد صلى الله عليه وآله كل نبي مرسل يضربون بين يدي بالسيف هام الأموات والأحياء والثقلين جميعا....وإن لي الكرة بعد الكرة، والرجعة بعد الرجعة وأنا صاحب الرجعات والكرات»(١٠٠).
والإياب أيضاً أخص مطلقاً من الرجعة، وخصوصيتها التي تمتاز بها عن الكرة أنه يشير إلى ملكهم ودولتهم وبسط سلطانهم عليهم السلام كما جاء في دعاء اليوم الثالث من شعبان وهو يوم ولادة الحسين عليه السلام: «...وسيد الأسرة الممدود بالنصرة يوم الكرة، المعوض من قتله أن الأئمة من نسله والشفاء في ترتبه والفوز معه في أوبته...»(١٠١).
قاعدة في تكليف أهل الرجعة ودرجات الإختيار فيها:
يثار في البدء سؤالان:
السؤال الأوَّل: لو كان أهل الرجعة مكلفين لجاز أن يتوب كل واحد من أعداء الدين ممن استحق اللعنة الإلهية والعذاب الأليم، وذلك لاطلاعه على جملة من أحوال الآخرة مما يوجب ارتداعهم عن غيّهم.
وهذا التساؤل في الحقيقة يندرج في كل من قاعدة تكليف أهل الرجعة، وفي تحقق درجات من الاختيار لأهل الرجعة.
السُّؤال الثَّانِي: ثمة أدلة دالة على انقطاع التكليف بالموت وبالمعاينة، وثمة أدلة دالة أيضاً على انقطاع التوبة دون التكليف، وأن التكليف باقٍ حتى بعد المعاينة، إذ لا يجوز للمكلف مثلاً أن يكفر بالله تعالى ولا بالمعتقدات الحقة بعد المعاينة فضلاً عن حال الرجعة فكيف يجمع بينهما؟
والجواب عن هذين التساؤلين وغيرهما مما يرتبط بالاختيار والتكليف يتمّ عبر الالتفات إلى عدة أمور:
الأول: إن بعثهم من البرزخ إلى الدنيا مرة أُخرى هو بمثابة بعث الإنسان من النوم، فلا يتذكر تفصيل ما جرى له من قبل إلّا بمثابة خواطر ضعيفة كما ورد عنه صلى الله عليه وآله: «لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون»(١٠٢)، إذْ المنام يوجب انتقال الروح إلى البرزخ النازل، وفي الموت إلى البرزخ الصاعد، ألا ترى إلى أهل الآخرة عندما يبعثون فيُسئلون (كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ)(١٠٣) و(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إنْ لَبِثْتُمْ إلَّا عَشْراً * نَحْنُ أعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلَّا يَوْماً)(١٠٤) فلا يتذكرون من أمور البرزخ شيئاً، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ)(١٠٥)، (وَقَالَ الَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلَى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ البَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاتَعْلَمُونَ)(١٠٦).
الثاني: إن الملكات الرديئة المترسخة تعاوقهم وتمانعهم عن التوبة نظير من أدمن على المخدرات دهراً من عمره، فيثقل عليه الامتناع عنها، فهذه الملكات المترسخة المتجوهرة في ذواتهم تلحّ عليهم بالبقاء على ما كانوا عليه نظير قوله تعالى: (ولو ردُّوا لَعادُوا لِما نُهوا عنه) مع أنّ عذاب الآخرة الكبرى أشد من عذاب البرزخ،  ومع ذلك أنبأ تعالى عن حالهم أنهم يعودون لما نهوا عنه لو ردّوا ورجعوا من الآخرة الأبدية إلى دار الدنيا.
ثالثاً: إنّ ما أدعي من إشارة الأدلّة إلى انقطاع التكليف بالموت وبالمعاينة مدفوع بأن ما تشيرإليه الأدلة إنما هو انقطاع قبول التوبة، وهذا لا يستلزم انقطاع التكليف والقدرة والاختيار، بل هو نظير ما ورد من أن من ارتكب بعض الكبائر المعينة يسلب قبول التوبة ويسلب قبول الأعمال الصالحة من دون أن يستلزم ذلك سقوط التكليف ولا زوال القدرة والاختيار نظير ما في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناًمُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا)(١٠٧).
الفرق بين الدين والشريعة:
رابعاً: إن الصحيح أن الدين لا انقطاع ولا ارتفاع له فهو مستمر وممتد في الآخرة والقيامة الكبرى وفي دار الخلود في الجنان والجحيم وإن انقطعت الشريعة بدار الامتحان، وذلك لأنّ معنى الدين هو المعارف الاعتقادية الحقة من التوحيد والإقرار بآيات الله تعالى من الأنبياء والأوصياء وبقية المعارف الدينية الإعتقادية، وكذا بقية أركان الدين في الفروع مما ترتبط بآداب العبودية تجاه الساحة الإلهية فهي لا تختص بنشأة دون أخرى، وهذه الأركان من معنى الدين لا تختص بالثقلين من الإنس والجن، بل هي ناموس للرابطة بين الخالق العزيز وكل مخلوق من الملائكة والأرواح وغيرها من أصناف المخلوقات.
وهذا ما يُشير إليه قوله تعالى: (وله أسْلَمَ مَنْ في السمواتِ وَالأرض)(١٠٨).
وقوله تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أوْ كَرْهاً قَالَتَا أتَيْنَا طَائِعِينَ)(١٠٩).
وأما الشريعة فهي تفاصيل الفروع.
وعلى ضوء ذلك فإن القدرة والاختيار لا تنقطع عن المخلوق، غاية الأمر لكل مخلوق بحسب ـ مرتبته الوجودية ودرجته ـ قدرته واختياره وكماله المقرر له، فما اشتهر في ألسنة المتكلمين والفلاسفة من انقطاع التكليف واختصاص التكامل بنشأة دار الدنيا إن كان المراد بلحاظ تكليف الشريعة والشرايع فهو صحيح، وعليه يحمل ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «فإن اليوم عمل ولا حساب وإن غدا حساب ولا عمل»(١١٠)، وأما إن كان بلحاظ إنقطاع التكليف والمسئولية والطاعة ومولوية الباري تعالى بلحاظ دائرة الدين فغير تام.
هذا مع أنَّ الرجعة من دار الدنيا، وهي الحياة الآخرة من الدنيا، فالشريعة أيضاً فيها مستمرة، نعم للاختيار والقدرة درجات تختلف بحسب إمكانية الفرص ودرجات القابلية كما مرَّ بعض الإشارة له وسيأتي مزيد بسط لذلك.
وقد ورد أن الملائكة عند اعتراضهم على خلافة آدم عليه السلام قد أظلم الفضاء عليهم وضجّوا بالتوبة مما يدلُّ على أنهم مخاطبون بأصل الدين، مضافاً إلى أمرهم بالسجود لخليفة الله في الأرض الذي هو كناية عن طاعتهم وإنقيادهم له، ومداينتهم بولايته بعد ولاية الله.
وقال السيد المرتضى في رسائله: «إنّ التكليف كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة فكذلك مع الرجعة لأنه ليس في جميع ذلك مُلجئ إلى فعل الواجب والامتناع من فعل القبيح»(١١١).
خامساً: إن الرجعة ليست من عوالم الآخرة الكبرى، بل هي امتدادٌ لنشأة الدنيا وأحكامها غاية الأمر تنقسم الدنيا إلى الدنيا الأولى والدنيا الآخرة، وأما البرزخ فليس كما اشتهر عند المتكلمين والفلاسفة من كونه من أبواب النشأة الأبدية، بل كما سيأتي مفصلاً من بيانات روايات الرجعة هو حالة برزخية بين الدنيا الأولى والدنيا الآخرة، أي فترة تتخلل بينهما نظير تخلّل الحالة المنامية بين يقظتين.
وما ورد من أن الموت أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا فمحمول على آخر يوم من الدنيا الأولى، وأول يوم من آخرة الدنيا، فإطلاق (الآخرة) على معنيين بَلْ معان متعددة، كما هو الحال في عنوان (البعث) فإنه يطلق على بعث الرجعة، وبعث القيامة، وبعث ما بعد القيامة إلى الآخرة الأبدية من البعث إلى الجنة والنار الأبديتين.
الجبر والاختيار في الرجعة
هناك معطيات وأمور كثيرة تطالعنا بها بيانات الروايات بوقفات تحليلة لملاحظة صفة الاختيار في أبعاد عديدة في عالم الرجعة، وأن التكليف مستمر والشريعة باقية في الرجعة ولو بظهور بعض ما كان باطناً وخافياً من أحكامها.
 فالرجعة استمرار للتكليف لا انقطاع له ولا إعادة للتكليف من البدء مرة أُخرى.
قال الشيخ محمد آل عبدالجبار «الرجعة والبرزخ وزمن الرجعة يخالف ما سبق من الدنيا الأولى، فالرجعة برزخ بين الأولى من الدنيا والآخرة الأبدية، ولذلك تظهر فيه الجنتان وتظهر أحكام الباطن وأسرار أهل البيت عليهم السلام عياناً، وينفى الشرك ظاهراً وباطناً، ويكون الحساب في الرجعة وعلى يد الحسين عليه السلام في زمن الرجعة لأكثر الخلق، وهو يقضي بوجود التكليف في مراتب الوجود وطبقات السماوات قبل مرتبة الجنة والنار، وأن الموت مراتب والحياة مراتب وأن كل حياة بعد موت هي حياة أقوى من سابقتها وكذا الموت اللاحق أشد وأطمّ من السابق».
شواهد بيانية في الروايات على استمرار التكليف في الرجعة:
الشاهد الأول: درجات الاختيار والرجعة:
إن ذهاب فرص الاختيار وقلتها على درجات، فقابلية الانسان في الاختيار في بداية طفولته ومراهقته منفتحة على خيارات كثيرة وآفاق وسيعة، ولكنه شيئا فشيئا عندما يكبر ويحدد مسيره واتجاهه تتعين وجهته وتتقلص جملة من خياراته وتفوته جملة من الآفاق، وذلك بسبب نشوء الملكات والصفات التي تشكل طابع خاص لذاته، فيجبل على تلك الملكات وتقل منافذ الطرق فتقل سعة حراكه حتى إذا بلغ الاربعين إشتد رسوخ الملكات فيه وفي أرضية نفسه، وكلما شاخ شب فيه ما تطبّع عليه من الخلق، فيكون تغير شاكلة أفعاله عما هو عليه من الصعوبة بمكان كما هو الممتنع.
ولنمثل لذلك مثالا كمن رام الذهاب الى مقصد ـ كمكة المكرمة والمدينة المنورة وأحد المراقد المقدسة ـ ثم التبس عليه الطريق فمال عنه يسيرا، فإنه كلما تمادى في السير إزداد بعدا حتى يصل الى منازل ومواطن قد توغل فيها عمقا، حيث إنه لايزيده السير إلّا بعداً، فيكون الرجوع من الصعوبة بمكان بمثابة الممتنع وإن لم يكن ممتنعا حقيقة، إلّا أن الرجوع يحتاج الى مكابدات لاتطاق من ثقلها وعنائها، فالقدرة عليه بثقل السموات والأرض تجرعا ومرارة وعناءاً.
وبهذا يتضح معنى غلق أبواب الاختيار وذهاب الفرص وتبدد القدرة، كما يتضح ايضا معنى كون باب الرجوع والتوبة وامكانيتهما ينغلق على درجات لا على درجة واحد، فيتعدد باب غلق التوبة وهو على درجات كما ورد في الآيات والروايات.
تعدد مراتب الإختيار بمراتب سد التوبة:
١ ـ بلوغ الأربعين، حيث ورد وروي أنَّه إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب مسح إبليس وجهه، وقال بأبي وجه لايفلح(١١٢).
٢ ـ عند الموت درجة.
٣ ـ ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه.
٤ ـ الرجعة وكلّ مرحلة من مراحلها.
٥ ـ خروج دابة الأرض، وقد ورد مستفيضاً أنه تغلق التوبة عنده.
٦ ـ أربعين يوم قبل قيام القيامة الكبرى.
٧ ـ مجيء الساعة وقيام القيامة الكبرى.
وتعدد غلق الباب للتوبة يشير إلى فقد خيارات الاختيار وتضائل القدرة والقوة أكثر فأكثر، فيضيَّق شيئاً فشيئاً طريق الرجوع والاصلاح والتوبة كأنه ينسد.
قال الله تعالى: (الذينَ خَسِروا أنفسَهُم وأهْلِيهم)(١١٣)، والخسارة تعني ذهاب هذه القدرات في النفس، ومن ثم قال الإمام العسكري عليه السلام كَمَا في تحف العقول للحراني: «رياضة الجاهل وردّ المعتاد عن عادته كالمعجز».
ويؤيّد ذلك ما ورد من أن من بلغ الأربعين ينغلق عليه باب من أبواب التوبة ودرجة من درجاتها.
وقوله تعالى: (يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْراً قُلْ انتَظِرُوا إنَّا مُنتَظِرُونَ)(١١٤)، وقوله (يأتِي بَعْضُ آياتِ ربِّكَ) كلما تتجلّى الآيات في الرجعة ينغلق باب التوبة شيئاً فشيئا.
فالمؤمن ربما تحصل له عناية خاصة من بكائه على الحسين عليه السلام فتغفر ذنوبه، ولكن هل يستطيع إبليس أن يبكي على الحسين عليه السلام وهو في فترة امتحان؟ إنّ ذلك كالممتنع على قلبه.
ومثل عمر بن سعد عندما بكى على الحسين عليه السلام لكنه بعد ذلك رجع وأمر برضّ صدر الحسين عليه السلام.
فحالة الشقاوة متمكّنة منه، والحالة الأولى من البكاء عابرة منطلقة من الفطرة التي ديس عليها، وأما عدوانيته وطغيانه على الحسين عليه السلام فملكات متمكنة من جوهر ذاته.
الشاهد الثاني: تخيير المؤمن في قبره:
روى في دلائل الإمامة للطبري عن سيف بن عميرة، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: «المؤمن ليخيَّر في قبره، إذا قام القائم، فيقال له: قد قام صاحبك، فإن أحببت أن تلحق به فإلحق، وإن أحببت أن تقيم في كرامة الله فأقم»(١١٥).
وكذلك رواه الطوسي في الغيبة باختلاف يسير(١١٦).
وظاهر الحديث أن أصل الرجوع في الرجعة هو باختيار من المؤمن لا بإلجاء، نظير ما ورد في موت المؤمن أيضاً أنه لا يوقع عليه بإلجاء بل باختيار منه نسبياً حيث يريه الله تعالى نعيمه وأولياؤه محمدا وعترته الطاهرين صلوات الله عليهم فيختار الموت، لكن هذا محمول على أوائل الرجعة، وأما الرجعات الأخرى في أواسط الرجعة وأواخرها فالظاهر أنها حتمية.
الشاهد الثالث: التمادي في المسير المعنوي وأثره:
إذا تمادى شخص في طريق الخطأ وذهب متوغلاً بعيداً فيه تجد أنّ رجوعه وتوبته بمكان من الصعوبة.
ومثال ذلك: المدمن على المخدّرات فإنه ليس بمحال أن يقلع لكن يصعب عليه ذلك، وقد تصل الصعوبة الى درجة شديدة جداً يحسبها كالممتنع، ويقول لمن يعظونه لئن ترموني من سبع سماوات أهون عليَّ من أن أقلع عن ما أنا عليه، فكلما ازداد التمادي في الغيّ والباطل اشتدت صعوبة الرجوع عليه.
وكذلك السالك في جانب الخير يتمادى في طريق الخير والنور فيصعب عليه أن يرجع عنه إلى القهقرى، فكلما شاخ وأسن وطال عهده بطريق الخير كلما اشتد وغوله ورسوخه في درجات الهدى الى أن يصل الى الدرجات العليا، فيصبح محاسباً على ترك الأولى كمن يحاسب على الفواحش الظاهرة، وهذا معنى «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين» وكلما إرتقت درجته اشتدت الاولويات في حقه وشأنه وازدادت مسؤلياته ومسائلته عن دقائق الأمور وخفايا الخطور، بل وعن بواطن الاسرار.
فهناك تفاوت بين الأولويات والأولى الذي يحاسب عليه الانبياء بتركه، وبين الأولى الذي يوآخذ به سيد الانبياء والائمه عليهم السلام،فالمسؤولية تتفاوت بدرجات كبيره بحسب المراتب والفضيله والقرب «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض»(١١٧).
مثلاً إن المخالفات من ترك الأولى التي عرضت على الأنبياء بمستواها الظاهر دون الأولويات التي كانت على عهدة النبي والائمة عليهم السلام، فهم فوق ذلك بكثير إذ يستشعرون التقصير (بالفتور عن ذكر الله) ويعدّونه معصية في قبال ما عدّه غيرهم مباحا غير معصية، فيتقون عن الفتور عن ذكر الله كما يتوقى سائر الناس عن الكفر، وهو معنى قوله تعالى: (رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار)(١١٨) فالمحاسبة عندهم على كل نفس، وكل خاطر، وكل هجسة من هواجس النفس، وعلى كل حديث توسوس به أنفسهم.
ولذا توقى يوسف عليه السلام من الخطور الذي يتعاطاه الملايين من الناس، كما في قوله تعالى: (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِين)(١١٩).
تكليف أهل الرجعة ودرجة اختيارهم
تساؤل: قَدْ يستدل على نفي الرجعة بما ورد في بعض أحاديث التلقين ـ عند وضع الميّت في القبر ـ أنّه ينبغي أن يقال له: هذا أوّل يوم من أيّام الآخرة، وآخر يوم من أيّام الدنيا.
والجواب عنه ـ كَمَا تَقَدَّمَ ـ أن لفظ الآخرة كَمَا يطلق عَلَى عالم القيامة وما بعده من النشأة الأبدية، كذلك يطلق لفظ الآخرة على الفترة الثانية من الحياة الدنيا.
وقد أجاب الحرّ العاملي عنه، ونحن نضيف جملة من التعديل عليه:
أولاً: إنّ الرجعة بحسب بداياتها غير عامّة لكلّ أحد، وإنّما ينبغي تلقين الميّت بذلك، لعدم العلم بأنّه من أهل بدايات الرجعة بنحو محقق مقطوع.
ثانياً: إنّ الرجعة وإن كانت واسطة بين الدنيا الأولى والآخرة الأبدية إلّا أنّه يجوز أن تطلق الآخرة على كل واحد منهما، وبعبارة أُخرى إنَّ للحياة الدنيا حياة أولى وحياة آخرة من الدنيا، وقد عرفت إطلاق أهل اللغة اسم الدنيا عليها، وقد وردت الأحاديث التي تفيد إطلاق كلّ واحد من لفظ الدنيا ولفظ الآخرة على الرجعة باعتبارين، ووردت أحاديث صريحة في إطلاق اسم الآخرة عليها أيضاً.
ثالثاً: إنّ الحياة الأولى من الدنيا بالنسبة إلى الثانية يجوز أن يطلق عليها اسم الدنيا بحسب وضع اللغة، بأن تكون وضعت للأولى خاصّة، إمّا من الدنو ومن الدناءة، ويكون إطلاقها على الحياة الثانية محتاجاً إلى القرينة، لأنّه إنّما يصدق عليها ذلك المعنى بالنسبة إلى القيامة الكبرى لا مطلقاً، وقد ورد أيضاً إطلاق الدنيا الأولى والآخرة من الدنيا عليهما.
رابعاً: إنّ أهل الرجعة يحتمل كونهم غير مكلّفين بالشريعة وإن كانوا مكلفين بالدين، والمراد بالدنيا في حديث التلقين دار التكليف بالشريعة كما يفهم منه بالقرينة، وقد تقدم النظر في هذا الجواب ومنعه.
خامساً: إنّ الحديث المشار إليه غير متواتر، فلا يقاوم أحاديث الرجعة وأدلتها لو كان صريحاً في المعارضة فكيف واحتمالاته كثيرة.
التكليف ومدار الحجية في الرجعة:
إن مدار الحجية في الرجعة هو مدار الحجية في الحياة الأولى من الدنيا كما هو الحال في زمن غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه، وكما هو الحال في زمن ظهوره، وقد روى الكليني بسنده عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ)(١٢٠) (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ)(١٢١) خروج الحسين عليه السلام في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهب، لكل بيضة وجهان المؤدون إلى الناس أن هذا الحسين قد خرج حتى لا يشك المؤمنون فيه، وإنه ليس بدجال ولا شيطان والحجة القائم بين أظهرهم، فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين أنه الحسين عليه السلام جاء الحجة الموت، فيكون الذي يغسله ويكفنه ويحنطه ويلحده في حفرته الحسين بن علي عليهما السلام ولا يلي الوصي إلا الوصي»(١٢٢).
ومفاد الرواية أن مقام الإمامة لا سيما في الرجعة رغم أنه منصب عظيم وخطير، إلا أن الإلتباس بشخصية أخرى تتقمص منصب الإمامة بأن يكون دجالاً وشيطاناً أمر ممكن، فيظهر منه التلاعب في منطق الكلام، وهو الإحتمال الأوَّل أي الدجل، والتلاعب في إظهار أمور خارقة للعادة بحسب الصورة لا الحقيقة، وهو الإحتمال الثاني وهو الشيطنة، بل كلا الأمرين في كلا الإحتمالين يجتمعان، فلابد من توكيد الدلالات والآيات عليه عليه السلام كي تتم الحجية، لخطورة هذا المقام الذي هو سبب واصل بين الأرض وسماء الغيب، فلا تتم الدلالة إلا بدلالة إمام قبله، كما ورد أن الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، أي أن منطق الحجية مهمين منهاجا على طريق الإتصال بالسماء، وليس إدعاءات ومزاعم فارغة، ثم لا يكتفى بأصل الحجية حتى تستقر المعرفة في قلوب المؤمنين، ولا تكون معرفة مستودعة بَلْ مستقرة توكيداً شديداً كما هو الديدن في سيرة الشيعة مع الأئمة عليهم السلام أنها كانت على دوام إمتحان معرفتهم بشخص الإمام، وعدم الإكتفاء بالإمتحانات السابقة.
درجة الإختيار في أفعال يوم القيامة:
إنّ أهل الآخرة يقومون بأفعال كثيرة سواءً في مشهد القيامة الكبرى وفي الجنّة وفي النار وما بين هذين المقامين، والفعل إنّما يصدر عن الفاعل عن قدرة وعلم واختيار، وهذا يقرّر أنّ تلك النشئات وإن لم يكن فيها تكليف شريعة، إلّا أنّ الدين قائمٌ مُقامٌ في كل النشئات وهو من أحكامها تكويناً وطريقة ومنهاجاً.
ومن نماذج تلك الأفعال:
١ ـ المشي إلى موقف الحساب.
٢ ـ الجواب عن كلّ ما يُسألون عنه.
٣ ـ التكذيب في بعض مواقف يوم القيامة (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَالله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(١٢٣).
 ٤ ـ المرور على الحوض في أواخر الرجعة قبل القيامة.
 ٥ ـ حركة أهل الجنّة والنار إلى منازلهم.
٦ ـ الشفاعة.
٧ ـ غضّ الأبصار.
٨ ـ الجثو على الركب. (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(١٢٤).
 ٩ ـ الأكل والشرب والجماع.
١٠ ـ زيارة بعضهم بعضا. (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)(١٢٥).
١١ ـ التحميد والتسبيح (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ)(١٢٦).
وهذا يفيد أنّ هناك مسير تكامل وصدور أفعال عن علم وقدرة.
إغلاق باب التوبة:
وروى الصدوق بسنده عن عبدالله بن سليمان العامري عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: «ما زالت الأرض إلّا ولله تعالى فيها حجّة، يعرف الحلال من الحرام، ويدعو إلى سبيل الله، ولا تنقطع الحجة من الأرض إلّا أربعين يوماً قبل القيامة، وإذا رفعت الحجة أُغلق باب التوبة فـ(لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْراً)، أولئك شرار خلق الله وهم الذين تقوم عليهم القيامة»(١٢٧).
والظاهر من الحديث أنّ ارتفاع التوبة على درجات، فالموت درجة من غلق التوبة، وظهور الإمام عليه السلام درجة آخرى من غلق التوبة.
وأربعون يوما قبل القيامة درجة ثالثة تغلق التوبة، أي يشتد الغلق، ومعنى اشتداده هوازدياد درجات فقد الاختيار.
غلق باب التوبة وانقطاعها تدريجيٌ:
من الأحكام التكوينية العامة في الرجعة ما تشير إليه الآية الكريمة من انقطاع التوبة في قوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إلَّا أنْ تَأتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْراً قُلْ انتَظِرُوا إنَّا مُنتَظِرُونَ)(١٢٨) وقد وردت روايات عن أهل البيت عليهم السلام تفسرها بالرجعة، بل إنّ روايات العامّة(١٢٩) الواردة في ذيل الآية فسَّرت قوله تعالى: (يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّك) بخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها والدخان، وهي من معالم الرجعة، وقد رواها العامة وهم لا يشعرون بأنها من روايات الرجعة، وقد استفاضت الروايات في نزول مفاد هذه الآية في الرجعة، وليس كما قيل: إنّها عامة في معنى كلي وانطباقه على الرجعة من باب الجري، لا سيما أنّ روايات أهل البيت عليهم السلام قد عالجت جملة من ألفاظ هذه الآية الكريمة بحسب مالها من ظهور أوّلي، وبيان تعيين مفادها في الرجعة وخروج القائم عليه السلام.
وفي صحيح علي بن رئاب، عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: (يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)، فقال: «الآيات هم الأئمة والآية المنتظر هو القائم عليه السلام ، فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وإن آمنت بمن تقدَّمه من آبائه عليهم السلام»(١٣٠).
وفي كمال الدين عن أبي بصير، قال: قال الصادق جعفر بن مُحمَّد عليهما السلام في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: (يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْراً)، قال: «يعني خروج القائم المنتظر منّا»، ثم قال عليه السلام: «يا أبا بصير طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»(١٣١).
وروى العياشي عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام، في قوله: (يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا)، قال: «طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابة، والدجال، والرجل يكون مصرّاً ولم يعمل على الإيمان، ثم تجيء الآيات فلا ينفعه إيمانه»(١٣٢).
والرواية قيدت بخصوص المصرّ دون المستضعف، بل دون المخالف غير المصرّ، فالرواية دالة على أنّ المجال مفتوح، لكن روى رواية عن مسعدة بن صدقة، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّ الناس يوشكون أن ينقطع بهم العمل، ويسدّ عليهم باب التوبة، فـ (لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْراً(١٣٣).
وفي رواية أخرى في كمال الدين: أنّ ذلك ـ أي عدم النفع ـ إنّما هو إذا خرجت الدابة معها خاتم سليمان وعصا موسى فتطبع على وجه المؤمن بالإيمان وعلى وجه الكافر بالكفر، وأنّ ذلك بعد طلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك ترفع التوبة، فلا توبة تقبل ولا عمل يرفع ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيراً، ثم قال عليه السلام: «لا تسألوني عمّا يكون بعد هذا، فإنّه عهد إليّ حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا أخبر به غير عترتي»(١٣٤).
وتوجيه سدّ باب التوبة على وجوه، مضافاً إلى ما تقدم:
١ ـ أنْ يكون ذلك لأجل قرب يوم القيامة الكبرى كما تشير إليه رواية أُخرى في كمال الدين للصدوق رواها عن عبدالله بن سليمان العامري، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: «ما زالت الأرض إلّا ولله تعالى ذكره فيها حجّة يعرف الحلال والحرام ويدعو إلى سبيل الله عَزَّ وَجَلَّ ولا ينقطع الحجة من الأرض إلّا أربعين يوماً قبل يوم القيامة، فإذا رفعت الحجة أغلق باب التوبة ولن ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أن ترفع الحجة، أولئك شرار من خلق الله، وهم الذين تقوم عليهم القيامة»(١٣٥).
٢ ـ أن يكون معنى عدم النفع بمعنى أن يسلب التوفيق والقدرة على الإيمان وعلى العمل الصالح، وذلك لما قرّر في البحوث العقلية لما جاء في بيانات الوحي من أنّ أعمال الإنسان في الدارالأولى من الدنيا تؤثر إيجاباً وسلباً في مسار الإنسان في الدار الآخرة من الدنيا وهي الرجعة، نظيرتأثير اختيارات الإنسان في عالم الذرّ والميثاق على اختياراته في دار الدنيا، فحاصل هذا التأويل ليس ارتفاع الامتحان والاختيار، بلْ هو تقلّص فرص الاختيار وسلب وضعف القدرة على تغييرالمسار لتسلط الملكات النفسانية على إرادة الإنسان.
وفي الكافي عن هشام بن الحكم، عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث قال: «لا ينفع إيمانها لأنّها سلبت»(١٣٦).
الفرق في الاختيار بين نشأة الملكوت ونشأة الدُّنْيَا:
٣ ـ أن يراد تعجيل العذاب الذي يصطلم الجاحدين والفاسقين على يد الحجّة عجل الله فرجه عند الظهور وعلى يد الأئمة عليهم السلام عند الرجعة، أي عند وقوع ذلك العذاب عليهم من قتل ونحوه لا قبل ذلك، أي أنهم لا يمهلوا، لا أن الإختيار من أفعالهم لا يقع.
كما ورد في تفسير أن النبي صلى الله عليه وآله بعث رحمة والحجة القائم عجل الله فرجه يبعث نقمة، أن المراد من بعثته رحمة أن العباد في مهلة في زمنه صلى الله عليه وآله، وكذا في العهد السابق للأئمة عليهم السلام، بينما في عهد ظهور صاحب الأمر لا يمهل أعداءه ولا يمهل العصاة، بل يعاجل العقوبة على ما ارتكبوه، وهذا الفارق بين الحياة الأولى من الدنيا والرجعة بعد كون ظهور صاحب الأمر فاتحة للرجعة شبيه بالفرق بين نشأة الحياة الدنيا التي هي دار إمتحان ونشأة الملكوت، فإنَّ في نشأة الملكوت لا يسلب الإختيار ولكن لا يمهل من يرتكب المخالفة، فيعاجل له بالعقوبة كما في القصة المعروفة لفطرس الملك، وكما في ظلمة الفضاء على الملائكة حينما اعترضوا على استخلاف آدم عليه السلام، وكما في إخراج ابليس من الملكوت حينما عصى ربه ولم يسجد لآدم (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)(١٣٧)، ففي الملكوت ودار القرب الإلهي لا يسلب الإختيار ولكنه يرتفع الإمهال، فمعنى كون دار الدنيا دار إمتحان ودار الآخرة دار الجزاء ليس الفارق بينهما بسلب الإختيار في دار الجزاء ووجوده في دار الإمتحان، بل الفارق أن في دار الإمتحان إمهال وإعطاء فرصة للتصحيح والتغيير والتوبة بخلاف دار الجزاء فإنها يعاجل فيها العقوبة، إلا أن بين الدارين فارقا آخرا وهو إختلاف درجات الإختيار، فإن فرص الإختيار في الأولى أكثر بخلافها في الآخرة، وإن كان العلم في دار الآخرة يزداد عما هو عليه في الدار الأولى، ولعله أحد أسباب الإمهال في دار الإمتحان دون دار الإجزاء.
بين الاختيار والحساب والجزاء:
ثم إن بين دار الحياة الأولى من الدنيا ودار الجزاء الآخرة الأبدية درجات متوسطات من الدور، كزمن ظهور صاحب العصر، ونشأة الرجعة وهي الحياة الآخرة من الدنيا، وأواسط الرجعة وهو زمن خروج دابة الأرض، وأواخر الرجعة حيث يبدأ في إقامة الحساب، وأربعين يوماً قبل القيامة حيث تنقطع وترتفع الحجة، ثم نشأة عالم القيامة، ثم من بعد ذلك نشأة الآخرة الأبدية من الجنة والنار، فيتبين من ذلك طبقات الإختيار وطبقات المهلة والإمتحان عن مقامات ومراتب الحساب والجزاء، وأن مراتب الحساب متقدمة على الجزاء ومتوسطة بين الإمتحان والجزاء، كما أنه سيتبين أن للحساب مراتب أيضاً تشتد شيئاً فشيئاً، وكذلك الحال في مراتب الجزاء وإشتداده شيئاً فشيئا.
وعلى هذا التفسير يبقى الاختيار في عصر الظهور والرجعة، ولكن الجاحد لا يبقى مخيّراً على جحوده، بل إن لم يؤمن فيعجل عليه العقاب وكذلك الفاسق لا يمهل.
ويعضد هذا التفسير ما رواه الصدوق في عيون الأخبار عن الرضا عليه السلام بإسناده عن إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام: لأيّ علّة أغرق الله عَزَّ وَجَلَّ فرعون وقد آمن به وأقرّ بتوحيده؟ قال: «لأنّه آمن عند رؤية البأس، والإيمان عند رؤية البأس غير مقبول، وذلك حكم الله تعالى في السلف والخلف، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: (فَلَمَّا رَأوْا بَأسَنَا قَالُوا آمَنَّابِالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأوْا بَأسَنَا)(١٣٨)، وقال عَزَّ وَجَلَّ: (يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْراً)(١٣٩)، وهكذا فرعون لمّا أدركه الغرق قال: (آمَنْتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأنَامِنَ المُسْلِمِينَ)، فقيل له: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)(١٤٠)...»(١٤١).
٤ ـ أن يكون هذا الإيمان غير مقبول ولا يثابون عليه وإن وقع منهم، وذلك لتجلّي الآيات القاهرة في العيان، فلا يكون من قبيل الإيمان بالغيب كما تشير إليه صحيحة ابن درّاج، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: (قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ)(١٤٢)، قال: «يوم الفتح يوم تفتح الدنيا على القائم لا ينفع أحداً تقرَّب بالإيمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمناً وبهذا الفتح موقناً، فذلك الذي ينفعه إيمانه، ويعظم عند الله قدره وشأنه، وتزخرف له يوم البعث جنانه، وتحجب عنه نيرانه، وهذا أجر الموالين لأمير المؤمنين وذرّيته الطيّبين، صلوات الله عليهم أجمعين»(١٤٣).
ويعضد هذا المفاد ما رواه الكليني من قصّة النصراني الذي فجر بامرأة مسلمة، فأراد المتوكّل أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فأفتى علماء العامّة بعدم وجوب إقامة الحدّ عليه، فسأل عن ذلك أبا الحسن الثالث عليه السلام فأمر أن يضرب حتى يموت، فسألوه عليه السلام فكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم (فَلَمَّا رَأوْا بَأسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأوْا بَأسَنَا سُنَّةَالله الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ)، فأمر به المتوكل فضرب حتّى مات»(١٤٤).
ويقرّب هذا الوجه قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ اُوْلَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)(١٤٥).
٥ ـ وهو جامع لما تقدَّم من الوجوه الأربعة ومطابق لما عقدناه من مقالة مستقلّة حول أنّ الأدوارفي الرجعة والموقعيّة فيها هي وليدة أعمال الإنسان قبل الرجعة وقبل ظهور الحجّة وأنّ المعاني السابقة الأربعة غير متدافعة، بل متراتبة يضيّق فيها الخيار والاختيار حتى يطبع على القلب والجبهة بخاتم دابة الأرض.
وقد جاء عين هذا الحكم في آيات أخرى للرجعة، كقوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(١٤٦). وكذا قوله تعالى في آيات لاحقة من سورة السجدة: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ)(١٤٧).
فقد روى علي بن إبراهيم في قوله تعالى: (أوَ لَمْ يَرَوْا أنَّا نَسُوقُ المَاءَ إلَى الأرْضِ الجُرُزِ)(١٤٨)، قال: «الأرض الخراب، وهو مثل ضربه الله في الرجعة والقائم عليه السلام فلما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بخبرالرجعة قالوا: (مَتى هذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُم صادِقينَ)، وهذه معطوفة على قوله: (وَلَنُذيقَنَّهُم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَر)، فقالوا: (مَتى هذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُم صادِقينَ)، فقال الله لهم: (يَوْمَ الفَتْحِ لايَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) يا محمد (وَانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ(١٤٩).
وهذا إطلاق لعنوان الفتح على الرجعة وهو أعظم من عنوان النصر، لأن النصر حسم عسكري وسياسي، بينما الفتح حسم حضاري في البصائر والإيمان والهوية.
٦ ـ إنَّ التكليف يرتفع عند خروج دابة الأرض:
قال الشيخ أمين الدين الطبرسي في تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ)(١٥٠)، أي وجب العذاب والوعيد عليهم، وقيل: معناه إذا صاروا بحيث لا يفلح أحد منهم ولا أحد بسببهم، وقيل: إذا غضب الله عليهم، وقيل: إذا نزل العذاب بهم عند اقتراب الساعة (أخْرَجْنا لهم دابَّة الأرض) تخرج بين الصفا والمروة، فتخبر المؤمن بأنه مؤمن، والكافر بأنّه كافر، وعند ذلك يرتفع التكليف، ولا تقبل التوبة وهوعلم من أعلام الساعة، وقيل: لا يبقى مؤمن إلّا مسحته، ولا يبقى منافق إلّا خطمته، تخرج ليلة جمع، والناس يسيرون إلى منى»(١٥١). انتهى كلامه.
وقدْ مر أن التكليف بالشريعة غير منقطع في الرجعة فضلاً عن الوظائف والمسؤلية بحسب الدين، بل إن الوظائف بحسب الدين لا ترتفع أصلا في كل النشئات.
٧ ـ علم اليقين في الرجعة مختص بالشيعة، وغيرهم إذا آمن في الرجعة لا يصل إلى ذلك المقام، فقد ورد عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل له، قال: «...ولا يبقى رجل من شيعتنا إلّا أنزل الله إليه ملكاً يمسح عن وجهه التراب، ويعرّفه أزواجه ومنازله في الجنة، ولا يبقى على وجه الأرض أعمى ولا مقعد ولا مبتلى إلّا كشف الله عنه بلاءه بنا أهل البيت، ولتنزلنّ البركة من السماء إلى الأرض حتّى أنّ الشجرة لتنقصف بما يزيد الله فيها من الثمرة، ولتأكلنّ ثمرة الشتاء في الصيف، وثمرة الصيف في الشتاء وذلك قوله تعالى: (وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(١٥٢)، ثم إنّ الله ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفى عليهم شي ء من الأرض وما كان فيها، حتّى أنّ الرجل منهم يريد أن يعلم علم أهل بيته فيخبرهم بعلم ما يعلمون»(١٥٣).
وهذه الرواية المتضمنة للآية، وما مر من الآيات والروايات السابقة دالة على استمرار التكامل في الرجعة إلى درجات عالية وتكامل هوية قوم بالعلم والقدرة، وهما عمودا الاختيار، وقوله عليه السلام يخبرهم بعلم ما يعلمون: أي الذي يعلمونه بالحس أمامهم يعلمه المؤمن بقلبه، فيكون جميع المؤمنين أبدالاً في الأرض، وإذا تقرر إزدياد القدرة والعلم تحققت أرضية التكليف.
الرجعة وتصوير كيفية الاختيار والامتحان:
رغم ظهور كثير من الروايات في ارتفاع التوبة والإمهال، ولكنّها محمولة على صعوبة التغيير في الاختيار لا انتفائه، كما في بقاء الإختيار لأشقى الأشقياء ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين عليه السلام قبل الاقتصاص منه في فترة تلك الأيام بعدما ارتكب ما ارتكب، وكما هو الحال في شأن شمر وعمر بن سعد وعبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية عليهم لعائن الله العزيز الجبّار بعد قتل سيّد الشهداء عليه السلام، وكما هو الحال في من غرق في المعاصي حتى استحوذ عليه الشيطان، كما يشير إليه سيد الشهداء عليه السلام في خطبته يوم عاشوراء «لقد استعوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم»(١٥٤).
واستدلّ الشيخ المفيد رحمه الله بقوله: (ربَّنَا أمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)(١٥٥) على الرجعة مع بيان بقاء التكليف.
ففي المسائل السروية أنّه سُئل الشيخ قدس سره عمّا يروى عن مولانا جعفر بن مُحمَّد الصادق عليهما السلام في الرجعة، وما معنى قوله: «ليس منا من لم يقل بمتعتنا ويؤمن برجعتنا»(١٥٦)، أهي حشرفي الدنيا مخصوص للمؤمنين ولغيرهم من الظلمة الجبّارين قبل يوم القيامة؟
فكتب الشيخ رحمه الله بعد الجواب عن المتعة: وأمّا قوله عليه السلام: «من لم يقل برجعتنا فليس منا» فإنما أراد بذلك ما يختصّه من القول به في أنّ الله تعالى يحشر قوماً من أمة مُحمَّد صلى الله عليه وآله بعد موتهم قبل يوم القيامة، وهذا مذهب يختصُّ به آل محمد صلى الله عليه وآله، والقرآن شاهد به، قال الله عَزَّ وَجَلَّ في ذكر الحشرالأكبر يوم القيامة: (وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(١٥٧) وقال سبحانه في حشر الرجعة قبل يوم القيامة: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ)(١٥٨)، فأخبر أنّ الحشر حشران: عامّ وخاصّ.
وقال سبحانه مخبراً عمّن يحشر من الظالمين أنّه يقول يوم الحشر الأكبر: (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)(١٥٩)، وللعامّة في هذه الآية تأويل مردود، وهو أن قالوا: إنّ المعني بقوله: (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) أنّه خلقهم أمواتاً، ثم أماتهم بعد الحياة، وهذا باطل لا يستمرُّ على لسان العرب، لأنّ الفعل لا يدخل إلّا على من كان بغيرالصفة التي انطوى اللفظ على معناها، ومن خلقه الله أمواتاً لا يقال: أماته، وإنّما يقال ذلك فيمن طرأ عليه الموت بعد الحياة، كذلك لا يقال: أحيى الله ميّتاً إلّا أن يكون قد كان قبل إحيائه ميتاً، وهذا بيّن لمن تأمَّله.
وقد زعم بعضهم أنّ المراد بقوله: (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ) الموتة التي تكون بعد حياتهم في القبور للمساءلة فتكون الأولى قبل الإقبار، والثانية بعده، وهذا أيضاً باطل من وجه آخر، وهو أنّ الحياة للمسألة ليست للتكليف فيندم الإنسان على ما فاته في حاله، وندم القوم على ما فاتهم في حياتهم المرّتين يدلُّ على أنّه لم يرد حياة المسألة لكنّه أراد حياة الرجعة التي تكون لتكليفهم، الندم على تفريطهم، فلا يفعلون ذلك فيندمون يوم العرض على ما فاتهم من ذلك)(١٦٠). انتهى.
اشتداد التكليف في الرجعة:
أقول: لا يخفى دلالة الآية التي استدل بها على الرجعة حيث أشارت الروايات الواردة عنهم عليهم السلام إلى دلالتها أيضاً، أن التكليف والإختيار في الرجعة على نسق التكليف في الحياة الأولى من الدنيا، وأنهم ضيعوا الفرصة في الحياة الثانية من الدنيا كما ضيعوها في ما قبلها، على حذو تضييعهم للفرصة في الحياة الأولى من الدنيا، وأنهم أذنبوا في كلا الحياتين، ومقتضاه أن الحياة الثانية من الدنيا ـ وهي الرجعة ـ دار تكليف وإمتحان وفرصة للتوبة والإصلاح وإن صعبت التوبة وثقلت بالنسبة إلى الحياة الأولى، وأن في الرجعة تكتسب الذنوب كما تكتسب الحسنات.
وروي عن أبي جعفر عليه السلام: «إنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول: إنّ المدثر هو كائن عند الرجعة، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أحياة قبل القيامة ثم موت؟ فقال له عند ذلك: نعم والله لكفرة من الكفر بعد الرجعة أشدّ من الكفرات قبلها»(١٦١)، وكون الكفرة في الرجعة أشد من الكفرات التي قبلها مؤدّاه أنها دار امتحان واختيار، لا سيّما أنّ الرواية في قوله تعالى: (قُمْ فأنْذِرْ)(١٦٢)، وهي كرّة الرسول صلى الله عليه وآله وإنذاره، فقد روى في مختصر البصائر بسنده عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام «في قول الله عَزَّ وَجَلَّ (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر)(١٦٣) يعني بذلك محمداً صلى الله عليه وآله وقيامه في الرجعة، ينذر فيها»(١٦٤)، ومقتضى تقرر الإنذار في الرجعة ثبوت التكليف فيها، بل مفاد الرواية أن عمدة نذارة الرسول صلى الله عليه وآله الوارادة في الآية إنما هي في الرجعة.
فالنذارة الكبرى والتكليف الأشد إنما هما في الرجعة، وكأن ما تقدم من النذارة وبعثة الرسول صلى الله عليه وآله إنما هي تمهيد وإعداد للنذارة والدعوة الأصلية في الرجعة، فالتكليف يشتد في الرجعة، نظير ما ورد أن البالغ كلما كبر سنه اشتدت محاسبته، فعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «إن العبد لفي فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة، فإذا بلغ أربعين سنة أوحى الله عَزَّ وَجَلَّ إلى ملكيه قد عمرت عبدي هذا عمرا فغلظا وشددا وتحفظا واكتبا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره»(١٦٥).
والخلاصة: أن التكليف في الرجعة أشد منه في الحياة الأولى من الدنيا، وذلك لاكتساب الإنسان علماً بأحوال لم يكن مطلعاً عليها من قبل، كمروره بالموت والبرزخ ثم إحيائه مرة أُخرى وخروجه من القبر، فمن ثمَّ تشتد محاسبته على الأفعال، نظير قوله تعالى لحواري عيسى: (قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)(١٦٦).
ومما يدلُّ على التكليف في الرجعة قوله تعالى: (وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ)(١٦٧).
فإنَّ الآية مقتضاها الإستخلاف في الرجعة كما بين في جملة من الروايات أنه مقتضى ظاهر الآية، ومقتضى هذا المفاد أن الإستخلاف في الرجعة إمتداد للحياة الدنيا، بما لها من أحكام وأحوال التي منها التكليف والإختيار.
والحاصل أنّ مع الوغول والإيغال في الشرّ يصعب على الشخص الشرير اختيار الخير، وإن لم يكن مستحيلاً وممتنعاً، فإبليس كلما تمادى به الزمن منذ عصيانه وامتناعه عن السجود لآدم إلى يومنا هذا إشتد استكباره ولجاجه وعناده وإن لم يمتنع عليه إختيار الخير، ولكنه تزداد شدة الصعوبة أكثر فأكثر فيصير كأنه ممتنع وإن لم يكن كذلك حقيقة.
وكذلك الحال في صورة الوغول والإيغال في الخير يصعب على الأبرار اختيار الشرّ كما في قصّة يونس عليه السلام، فإنّ إلقاءه في الحوت حثّ له على الاستقامة على القرب، ومن ذلك يفسّر إشتراط التوبة بلوازم وشروط روحية ومنازل بقدر الإيغال في ميادين وبيئات ومستنقعات الشرّ والردى، بقدر ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام «أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية».
وفي كلام آخر للشيخ المفيد رحمه الله بعض الآيات التي استدلّ بها على عدم ارتفاع الاختيار لكن الإصلاح ذو صعوبة هائلة:
قال رحمه الله في كتاب الفصول المختارة:
سأل بعض المعتزلة شيخاً من أصحابنا الإمامية وأنا حاضر في مجلس فيهم جماعة كثيرة من أهل النظر والمتفقّهة، فقال له: إذا كان من قولك أنّ الله عَزَّ وَجَلَّ يرد الأموات إلى دار الدنيا قبل الآخرة عند القائم، ليشفي المؤمنين كما زعمتم من الكافرين، وينتقم لهم منهم كما فعل ببني إسرائيل فيما ذكرتموه، حيث تتعلَّقون بقوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً)(١٦٨)، فخبّرني ما الذي يؤمنك أن يتوب يزيد وشمر وعبدالرحمن بن ملجم، ويرجعوا عن كفرهم وضلالهم ويصيروا في تلك الحال إلى طاعة الإمام، فيجب عليك ولايتهم، والقطع بالثواب لهم، وهذا نقض على مذاهب الشيعة.
فقال الشيخ المسؤول: القول بالرجعة إنّما قلته من طريق التوقيف، وليس للنظر فيه مجال، وأنا لا أجيب عن هذا السؤال لأنّه لا نصَّ عندي فيه، وليس يجوز لي أن أتكلّف من غير جهة النصّ الجواب.
فشنع السائل وجماعة المعتزلة عليه بالعجز والانقطاع.
فقال الشيخ أيّده الله: فأقول أنا: إنَّ عن هذا السؤال جوابين:
أحدهما: أنّ العقل لا يمنع من وقوع الإيمان ممّن ذكره السائل، لأنه يكون إذ ذاك قادراً عليه ومتمكّناً منه، ولكن السمع الوارد عن أئمّة الهدى عليهم السلام بالقطع عليهم بالخلود في النار، والتديّن بلعنهم والبراءة منهم إلى آخر الزمان منع من الشك في حالهم، وأوجب القطع على سوء اختيارهم، فجروا في هذا الباب مجرى فرعون وهامان وقارون، ومجرى من قطع الله عَزَّ وَجَلَّ على خلوده في النار، ودلّ القطع على أنّهم لا يختارون أبداً الإيمان ممّن قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ ءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله)(١٦٩)، يريد إلّا أن يلجأهم الله، والذين قال الله تعالى فيهم: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَ لَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ)(١٧٠)، ثم قال عَزَّ وَجَلَّ قائلاً في تفصيلهم وهو يوجه القول إلى إبليس: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)(١٧١)، وقوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ)(١٧٢)، وقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ * سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ)(١٧٣)، فقطع بالنار عليه وأمن من انتقاله إلى ما يوجب له الثواب، وإذا كان الأمر على ما وصفناه، بطل ما توهَّمتموه على هذا الجواب)(١٧٤).
أقول: ويدعم كلام الشيخ المفيد ما أشار إليه من قوله تعالى لإبليس: (لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) قطع من الله تعالى على إبليس بسوء عاقبته وذلك لسوء اختياره مع عدم ارتفاع القدرة عنه إلى يوم القيامة، فالقطع بسوء العاقبة لأصحاب الشر والعمل السيّى ء لا ينافي بقاء الاختيار، كما أنّ بقاء الاختيار لا ينافي العلم بسوء العاقبة بإخبار من الله تعالى ورسوله وأوصيائه عليهم السلام، لعلم الله بالغيب وعاقبة الأمور، وكذلك بقاء الاختيار لا ينافي لزوم البراءة من أصحاب الشر والسوء بعد إخبار الله تعالى بسوء عاقبتهم كما في قصة براءة إبراهيم من عمه آزر (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلهِ تَبَرَّأ مِنْهُ إنَّ إبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ)(١٧٥)، وكذلك الحال في جملة من المعاصي والموبقات التي أنبأنا القرآن الكريم بأنها موبقة لمرتكبها في النار وإن بقي الاختيار كقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا)(١٧٦)، فكيف بمن قتل ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله، بل كيف بمن قتل سبط رسول الله، وبمن قتل بضعته عليها السلام، وبمن قتل وصيه وابن عمه وأخيه ومن هو بمثابة نفسه بنص آية المباهلة، فهل يرجى له حُسن العاقبة وإن بقي اختياره؟ وهل يسوغ ترك البراءة منه وترك التبري لا سيما أن من أحب عمل قوم أشرك معهم؟
وقال المفيد في تتمة كلامه:
والجواب الآخر: أنّ الله سبحانه إذا ردّ الكافرين في الرجعة لينتقم منهم لم يقبل لهم توبة، وجروا في ذلك مجرى فرعون لمّا أدركه الغرق: (قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، قال الله سبحانه له: (ءَالآْنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(١٧٧)، فردّ الله عليه إيمانه ولم ينفعه في تلك الحال ندمه وإقلاعه، وكأهل الآخرة الذين لا يقبل الله لهم توبة ولا ينفعهم ندم لأنّهم كالملجئين إذ ذاك إلى الفعل، ولأنّ الحكمة تمنع من قبول التوبة أبداً، ويوجب اختصاص بعض الأوقات بقبولها دون بعض.
وهذا هو الجواب الصحيح على مذهب أهل الإمامة، وقد جاءت به آثار متظافرة عن آل محمد صلى الله عليه وآله، فروي عنهم في قوله تعالى: (يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْراً قُلْ انتَظِرُوا إنَّا مُنتَظِرُونَ)(١٧٨)، فقالوا: إنّ هذه الآية هو القائم عليه السلام فإذا ظهر لم يقبل توبة المخالف، وهذا يسقط ما اعتمده السائل»(١٧٩). انتهى.
حقيقة عدم قبول التوبة:
كثر ورود هَذَا التعبير في لسان الآيات والروايات، وَمِنْ ثمَّ أستعمل أيضا كثيرا في بحوث المتكلمين والفقهاء والمفسرين والمحدثين، وهذا العنوان في بادىء النظر يفيد تنويع التوبة وتقسيمها الى مقبولة وغير مقبولة، ومقتضى ذلك أن التوبة غير المقبولة عبارة عن تقّرر ووجود حقيقة التوبة وماهيتها، غاية الأمر أنها غير واجدة للشرائط فلا تقبل، لكن واقع الأمر ليس كذلك، فإن عدم قبول التوبة من باب السالبة بانتفاء الموضوع لا القضية السالبة بانتفاء المحمول.
وبعبارة أُخرى إن عدم قبول التوبة لعدم تحقق وعدم وقوع حقيقة التوبة لا أنَّ التوبة حقيقتها متحققة وحكمها عدم القبول لعدم الشرائط، فلا بدَّ من بيان عدم تحقق وعدم وقوع حقيقة التوبة، وذلك لأن التوبة هي الأوبة والرجوع عما هو مقيم عليه من شرور وسيئات، وهذا المقام لا يحصل الاقلاع والإنقطاع عنه بمجرد خطور ندم عابر بعد تكّون ملكات نفسانية شريرة سيئة، فإنها تدعوه بالحاح لارتكاب الشر والسيئات والمعاصي والكبائر والطامات.
فلو قال بلسانه بالندم والتوبة والاستغفار كان كاذبا ولما كان صادقا، لأنه لم يحصل منه الاقلاع عن السيئات والشرور حقيقة، بل هو مقيم فيها آلف لها وآنس بها ومعانق لها وذو وداد بها لا مستوحش عنها ولا هارب منها، فإين هو من حقيقة التوبة والرجوع وهو لم يتطهر بعد من أدران وأوساخ الأعمال السابقة، بل مكبلً بآثارها وتداعياتها، كما قال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)(١٨٠).
فمنه يعرف أن عدم قبول التوبة بمعنى عدم قبول ذاته لحقيقة التوبة، فلا تقبل من طبيعة ذاته وقوع التوبة، ولا تقبل من هوية ذاته ـ التي إنطبعت بالملكات الرديئة ـ إمكانية وقابلية تحقق التوبة بالفعل.
وفي الحديث النبوي: «الخير عادة والشر لجاجة»(١٨١)، فيشير الحديث إلى تراكم الملكات النفسانية للخير وتراكم الملكات النفسانية للشر وهو تصوير للملكات الملحّة غير الملجئة.
ثم إن التوبة كما تكون بالاختيار قد تكون بالعذاب، والتوبة حينئذ تطهير قسري بدل الاختيار.
وإن الشفاعة والتوبة والاختيار والشرائط النفسانية المعنوية للتوبة مرتبطة بحقيقة مراتب الاختيار بعد استحكام الملكات، سواء الخيرية والرديئة.
وعلى ذلك يتضح أنّ انقطاع التوبة على درجات بمقتضى البيان العقلي من تراكم واشتداد الهيئات والصفات والملكات الجوهرية.
ونضيف هاهنا ما ورد في مصادر عديدة أنّ الحجة لا تنقطع من الأرض إلّا أربعين يوماً قبل القيامة، وإذا رفعت الحجة أغلق باب التوبة وكل مرحلة من مراحله (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ)، فالرجعة درجة يغلق الباب فيها أكثر فأكثر وتضيق فرص الاختيار شيئاً فشيئاً، أي ذهبت قدراتهم النفسانية، كما هو الحال فيمن بلغ الأربعين فإنه ينغلق عليه باب من أبواب التوبة ودرجات من درجاتها.
وكما في قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ)(١٨٢)، كلما تتجلى آيةٌ من الآيات في الرجعة إنغلق باب من أبواب التوبة والأوبة وإمكانية الرجوع والإقلاع عن الشر.
وعدم قبول التوبة ليس بمعنى سلب الاختيار وعدم القبول مع وقوع التوبة، بل معناه سالبة بانتفاء الموضوع، أي لا تقع التوبة بواقعها وحقيقتها منهم، لأنّ للتوبة شروطاً تكوينية مقومة لحقيقتها، وإلّا كانت صورية لسانية، فالتوبة لو افترضت منهم في نهاية الرجعة قولية وحالة عابرة لا تتوفر عند العاصي حقيقة وواقع التوبة.
وقد تقدم في رواية (كمال الدين) للصدوق في الوجه الأوَّل من وجوه سد باب التوبة(١٨٣) «أنه لا ينقطع الحجة من الأرض إلا أربعين يوماً قبل يوم القيامة، فإذا رفعت الحجة أُغلق باب التوبة، ولم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أن ترفع الحجة وأولئك شرار من خلق الله هم الذين يقوم عليهم القيامة» ورواها الكليني، وروى الشيخ وابن بابويه غيرها قريب من مضمونها بطرق كثيرة.
تعدد مواطن انقطاع ورفع التوبة:
وقد مر تعداد مواطن غلق التوبة وأنها سبعة مواطن بحسب تتبع في بيانات الكتاب والسنة، ولعلها أكثر مع أن كل موطن هو ذو مراتب أيضاً كما مر، وعلى كل تقدير فالتعدد لمواطن ومراحل تضّيق التوبة مما يدلل على المعنى الذي قررناه كراراً وهو أنّ معناه اشتداد صعوبتها وشدة شرائطها بدرجة كأنها ممتنعة الوقوع لا عدم الإمكان ولا عدم الاختيار، بل يثقل إنجاز شرائطها وإلّا لما تعدد غلق باب التوبة.
ويمكن تفسير غلقها بمعنى آخر مقارب وهو إمتناع وقوع التوبة والرجوع والتطهير بلا عقوبات ولا جراحات ولا أهوال، أي إنَّ التوبة التي تغلق ولا تقبل وتنتفي قابلية وقوعها هي نوع وقسم خاص من التوبة وهي التوبة المسقطة للعقوبة والعذاب دون بقية أقسام التوبة، والتي هي بداية الإرغام والإلجاء على مسيرة العودة والإقلاع عن التوغل في الشر والعزوف عن التمادي في الجحود، والإيقاف لاشتداد الملكات الشريرة من دون أن يعني ذلك قبول للتوبة من القسم الأول ومن دون أن يعني ذلك طهارة من الذنوب ولا نجاة من أصل العذاب، وقد خلط ابن عربي في فصوصه بين هذين القسمين في حال فرعون.
ومما يَدُلّ عَلَى ما قررناه مِنْ معنى غلق التوبة وتضاؤل فرص الإختيار عدة شواهد واردة:
١ـ خروج كثير من النار ونجاتهم منها بعد المكث فيها أحقاباً ومدداً مديدة بعد تطهيرهم، وهو نحو توبة وأوبة لكن بالعقوبة كما يشير الإمام السجاد عليه السلام في دعائه الموسوم بدعاء أبي حمزة الثمالي: «إلهي لا تؤدبني بعقوبتك».
٢ ـ ما ورد من أن شاباً قبل دخوله النار يلتفت فيسأل مما إلتفاتك فيجيب إلهي قد حسن ظني بك فينجيه الله منها مع علمه تعالى بأنّه أنما قال ذلك بلسانه.
٣ ـ في روايات العامة متواترة ومستفيضة «ثلاث إذا خرجن لا ينفعُ نفسٌ إيمانها لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيراً طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض»، وهي مروية في أكثر مصادرهم.
فهناك تلازم بين رفع الحجة وغلق التوبة.
ومعنى بقاء الحجة يلازم إفاضة الكمال على النفوس، ورفع الحجة يعني إنسداد باب إفاضة الكمال.
وقد مرّت روايات إنقطاع الحجة من الأرض قبل أربعين يوماً من القيامة.
فيظهر أنّ انقطاع التوبة بنحو تام شديد في آخر مرحلة من الرجعة التي فيها الحساب الأكبر لا في المراحل الأولى من الرجعة.
وعلى ضوء ما تقدم فانقطاع التوبة وإغلاقها على معان، ففي ظهوره عجل الله فرجه بمعنى عدم إمهاله العصاة والمعاندين سنيناً وقروناً كما أمهل وفعل أجداده وآبائه، وكذلك الحال في رجعة الأئمّة بمعنى قلّة فرصة الأوبة بأضيق مدة إلى أن تصل النوبة إلى الحساب الأكبر، فتنقطع تماماً وإن لم يرتفع الاختيار، وإنّما يشتدّ ويصعب لمرارة وثقل الأوبة والاختيار، والقرينة على أن غلق التوبة على مراتب بالمعنى العقلي ـ والذي مرّ أنّه وصف حال الناس قبل أربعين يوماً من قيام الساعة الكبرى ـ أنّهم يكونون فيها هرجاً أي يفعلون كل سوء وكل القبائح بانفلاتٍ بلا رادع ولا مانع أصلاً، وهي أفعال تصدر منهم باختيار، ولكن مع الغلبة الشديدة لملكات الشر عليهم، بل إن القرآن يحدثنا عن أهل جهنم وهم فيها يشربون ويأكلون ويتخاصمون ويفعلون عدة من الأفعال إستعرضتها عدة سور من القرآن وينادون خازن النيران «يامالك» كما ينادون ويستغيثون بأهل الجنة وينطقون باختيارهم، لكنهم مكبلون بجزاء وجراير أعمالهم السابقة لا يستطيعون الخلاص منها وإن تضاءلت فرص الاختيار لديهم، فبقاء الاختيار شأن والقدرة على التخلص من الملكات الردية شأن آخر.
وروى الصدوق بطريقين من مشايخه القميين في كتاب ثواب (الأعمال) و(الأمالي) بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إنه إذا كان يوم القيامة وسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، مكث عبد في النار سبعين خريفا، والخريف سبعون سنة، ثم أنه يسأل عَزَّ وَجَلَّ، ويناديه، فيقول: «يا رب أسالك بحق محمد وأهل بيته لمّا رحمتني» قال: فيوحي الله جل جلاله إلى جبرائيل عليه السلام: أن اهبط إلى عبدي فأخرجه، فيقول جبرئيل: يارب وكيف لي بالهبوط في النار؟ فيقول الله تبارك وتعالى: إنّي قدْ أمرتها أن تكون عليك بردا وسلاما، قال فيقول: يارب فما علمي بموضعه؟ فيقول: إنه في جبّ من سجين، فيهبط جبرئيل إلى النار فيجده معقولاً على وجهه، فيخرجه فيقف بين يدي الله عَزَّ وَجَلَّ، فيقول الله عَزَّ وَجَلَّ: يا عبدي كم لبثت تناشدني في النار؟ فيقول: يارب ما اُحصيه، فيقول الله عَزَّ وَجَلَّ: أما وعزتي وجلالي لولا من سألتني بحقهم عندي لأطلت هوانك في النار، ولكنه حتم على نفسي أن لا يسألني عبد بحقّ محمد وأهل بيته إلاّ غفرت له ما كان بيني وبينه، وقد غفرت لك اليوم، ثم يؤمر إلى الجنة(١٨٤).
السعي والاختيار في جهنم:
ونظير مفاد هذه كثير مستفيض متواتر دال على أنه لولا إلحاح ثلة ممن يعذب في النار إلحاحهم بالدعاء، وإصرارهم على الخضوع والتذلل مدة مديدة لما كتبت لهم النجاة من النار بعد مكثهم فيها آمدا مديدا، ونظيره قوله عليه السلام «فبعزتك ياسيدي ومولاي أقسم صادقا لئن تركتني ناطقا لأضجنَّ اليك بين أهلها ضجيج الاملين، ولاصخرن اليك صراخ المستصرخين، ولأبكينَّ عليك بكاء الفاقدين، ولانادينك اين كنت ياولّي المؤمنين..» مما يشير عليه السلام إلى المضمون المتقدم وأن السعي والإختيار حتى في جهنم لا ينقطع إلا أنه لا يثمر في النجاة إلاّ بعد أحقابٍ من العذاب، وكل حقب ثمانين عاماً، وليس من سني الأرض فكأنه يقرب من الخلود في العذاب وهو ما يشير إليه عليه السلام: «فكيف إحتمالي لبلاء الآخرة وجليل وقوع المكاره فيها وهو بلاءٌ تطول مدته ويدوم مقامه ولا يخفف عن أهله لأنه لايكون إلاّ عن غضبك وإنتقامك وسخطك، وهذا ما لاتقوم له السماوات والأرض».
الافتتان في الرجعة والعوالم الأُخرى - الأدوار في الرجعة وليدة أعمال الدنيا الأولى:
هناك جملة من الدلالات في الآيات والروايات دالة على أن موقعية ودور كل إنسان في الرجعة متأثر ومسبب عن نتائج أعماله في الحياة الأولى من الدنيا، وهو يعكس الترابط في درجات الاختيار بين الحياة الأولى من الدنيا وحياة الرجعة التي هي الحياة الآخرة من الدنيا، كما هو الحال في سنين عمر الانسان في هذه الحياة الاولى، حيث ان أفعاله في العقد الأوَّل من عمره لها نسبة تاثير على وضعيته واختياراته في العقد الثاني ثم هذا العقد له نسبة تاثير في العقد الثالث وهكذا متعاقباً متلاحقاً وان لم يكن التاثير بنحو الحسم البات النافي للاختيار في اللاحق.     
ومن أمثلة تلك الروايات الدالة على إستمرار الامتحان:
١ ـ إن ممن يستثنى من الرجعة والامتحان فيها كل من عذب بالعذاب الدنيا، كما فيما روى القمي في تفسيره صحيح حماد عن ابي عبدالله في قوله (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أهْلَكْنَاهَا أنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ)(١٨٥) فقال الصادق عليه السلام: كل قرية أهلك الله أهلها بالعذاب لا يرجعون في الرجعة(١٨٦).
فيدلّ على أن من اصطلمه العذاب الإلهي يفقد قابلية التكامل، وإنّ ما أتى به في دار الدنيا الأولى ناسف للقابلية الذاتية له.
٢ ـ دلالة سورة الدخان على بقاء مرتبة من الامتحان والاختيار الى أواخر الرجعة، وقد بين دلالة ظاهرآيات السورة ما رواه القمي في قوله تعالى: (فَارْتَقِبْ)(١٨٧)، أي اصبر، (يَوْمَ تأتِي السماءُ بِدُخانٍ مُبين)، قال: ذلك إذا خرجوا في الرجعة من القبر، (يَغْشَى النَّاسَ) كلهم الظلمة فيقولون: (هذا عَذابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) فقال الله تعالى ردّاً عليهم: (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى) في ذلك اليوم (وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ) أي رسول قد بيّن لهم (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ قالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) قال: قالوا ذلك لمّانزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذه الغشى، فقالوا: هو مجنون، ثم قال: (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ) يعني إلى القيامة، ولو كان قوله: (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ) في القيامة لم يقل (إِنَّكُمْ عائِدُونَ) لأنّه ليس بعد الآخرة والقيامة حالة يعودون إليها، ثم قال: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى) يعني في القيامة (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ)(١٨٨).
والرواية دالة على مرتبة من الامتحان والاحتجاج والاختيار في آخر الرجعات من الرجعة فضلاً عن بداياتها وأواسطها.
٣ ـ روى الكشي بسنده المعتبر عن علي بن المغيرة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «كأني بعبد الله بن شريك العامري عليه عمامة سوداء وذوابتاها بين كتفيه مصعداً في لحف الجبل بين يدي قائمنا أهل البيت في أربعة آلاف مكرّون ومكرورون»(١٨٩).
وروى الكشي بسند معتبر آخر عن أبي خديجة، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «إنّي سألت الله في إسماعيل أن يبقيه بعدي فأبى، ولكنّه قد أعطاني فيه منزلة أخرى، إنّه يكون أوّل منشور في عشرة من أصحابه، ومنهم عبد الله بن شريك وهو صاحب لوائه»(١٩٠).
ويفيد هذان الحديثان تبعية الدور والموقعية التي يُعطاها الشخص في الرجعة بتبع أعماله التي أتى بها في الحياة الأولى، كما يُبين ذلك في شأن خاص لإسماعيل وصاحبه عبدالله بن شريك.
وَقَدْ وَرَدَ نظير ذلك في أصحاب الكهف حَيْثُ شرّفوا بالرجعة بين يدي القائم عجل الله فرجه بسبب استقامتهم، وغير ذلك من الموارد.
كما أن الحديثين يشيران إلى أنَّ لعبدالله بن شريك رجعتين.
٤ ـ وروي في مختصر بصائر الدرجات في حديث طويل يسأل فيه خالد بن يحيى الإمام الصادق عليه السلام عن قول النبي صلى الله عليه وآله: «اتقوا دعوة سعد، فقال عليه السلام: نعم قلت: وكيف ذاك قال: إنّ سعداً يكر فيقاتل علياً عليه السلام»(١٩١).
ويشير إلى أن عداء سعد بن أبي وقاص لعلي بن أبي طالب عليه السلام لارتيابه في إمامته في الدارالأولى للدنيا، يدفعه في الرجعة وهي الدار الآخرة من الدنيا إلى المزيد من الانحراف عن علي عليه السلام إلى حدّ محاربته ودعوته الناس الى حربه التي هي بمثابة حرب الله تعالى ورسوله، كما يفيد الحديث توصيات النبي صلى الله عليه وآله وإنذاره الناس حول احداث الرجعة نظير توصياته وإنذره الناس حول احداث الرجعة والظهور.
٥ ـ ما ورد في تفسير العياشي عن علي بن الحلبي عن أبي بصير عن أحدهما في قوله تعالى (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أعْمَى وَأضَلُّ سَبِيلاً)(١٩٢) فقال: الرجعة، أي أن من كان أعمى البصيرة في الحياة الاولى من الدينا فهو أشد عُميا في البصيرة في آخرة الدنيا وهي الرجعة.
٦ ـ ما رواه في مختصر بصائر الدرجات من مصحح أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: إنا نتحدث أن عمر بن ذر لا يموت حتى يقاتل قائم آل محمد صلى الله عليه وآله فقال: إن مثل ابن ذر مثل رجل في بني إسرائيل يقال له عبد ربه وكان يدعو أصحابه إلى ضلالة فمات، فكانوا يلوذون بقبره، ويتحدثون عنده إذا خرج عليهم من قبره! ينفض التراب من رأسه ويقول لهم كيت وكيت(١٩٣).
وقال الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة عمر بن ذر إنه رأس في الإرجاء، أي من رؤوس المرجئة، أي من الدعاة لترويجها لصالح الحكم الأموي، كي لا يثور المسلمون عليهم، وبأن تسلطهم على رقاب المسلمين قضاء وقدر من الله ليس لأحد أن يعترض، وبأن خليفة الجور والفسوق مهما فعل فأمره يرجىء إلى الله.
وقال أيضاً في وصفه إنه كان واعظاً بليغاً، أي من الدعاة الكبار لمذهب بني أمية وهو الإرجاء(١٩٤).
وقريب منه ما ذكره ابن حجر عنه(١٩٥).
فهو إذا من رؤوس المرجئة، وأنه بعض ممن يرجع في الرجعة من أهل الضلال فيزداد في الفتنة والافتتان والإضلال.
وفي تهذيب التهذيب: من خطباء بني أمية(١٩٦).
فبعض من يرجع يكون سبباً في الإضلال أكثر مما كان في حياته، ويقول عن الموت السابق للرجعة إنه منام وخيال وليس برزخاً وعذاباً ولقاء الله تعالى.
٧ ـ إنَّ هناك تناسباً بين ما يقوم به كل إنسان من نمط شر ونوع فعل ونمط ونوع الخير مع ما يقوم به في مستقبل أيامه في الرجعة.
فقد روى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: من أراد أن يقاتل شيعة الدجال فليقاتل الباكي على دم عثمان والباكي على أهل النهروان، إن من لقي الله عَزَّ وَجَلَّ مؤمناً بأن عثمان قتل مظلوماً لقي الله عَزَّ وَجَلَّ ساخطاً عليه ويدرك الدجال، فقال رجل: يا أمير المؤمنين فإن مات قبل ذلك قال عليه السلام: يبعث من قبره حتى يؤمن به وإن رغم أنفه(١٩٧).
ومفاده ظاهر بيّن في أن تبعات تحيط بالانسان العاصي في الرجعة بسبب أعماله في الحياة الاولى من الدنيا.
وقد جُعل مقتل عثمان عند الأمويين والمروانيين حيلة وفتنة يضللون بها العباد مع أن عثمان نهجه نهج الأثرة والاستئثار والاستحواذ على أموال بيت المال، وهو إنما صابر حرصاً على الملك وكرسي السلطة والقدرة نظير الملوك والسلاطين والحكام في زماننا الذين يستميتون للبقاء على القدرة، وهو الذي سلّط بني أمية على رقاب المسلمين يتخذون عباد الله خولاً ومال الله دولاً فلولا شهادة سيد الشهداء لما أطفأت فتنة عثمان.
ومقايسة بني أمية لمقتل عثمان بمقتل الحسين عليه السلام هو من باب الدجل الأعمى، فإنّ سيد الشهداء عليه السلام صابر واستشهد صبراً ثابتاً على القيم والفضيلة والعزة والإباء أمام طغيان يزيد وفسقه وفجوره.
الرجعة خروج من التراب لا من الأرحام:
من الخصائص التكوينية للرجعة أن الناس يخرجون من القبور لا من أرحام الأمهات، فبذلك تفترق الرجعة ـ التي هي بعث أصغر وقيامة وسطى ـ عن مقالة التناسخ وعن عقيدة أهل التناسخ الذين يقولون بعود الإنسان إلى الأصلاب والأرحام وتولده منها حدثاً صغيراً ينمو مرة أخرى بخلاف الخروج من القبر فهو يعود كيوم مات ودفن.
امتحان المستضعفين في الرجعة  - في مقطع أخير من آخرة الدنيا
فقد روى في الكافي صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته هل سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الأطفال؟ فقال: قد سئل فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين ثم قال: يا زرارة هل تدري قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين؟ قلت: لا، قال: لله فيهم المشيئة إنه إذا كان يوم القيامة جمع الله عَزَّ وَجَلَّ الأطفال والذي مات من الناس في الفترة، والشيخ الكبير الذي أدرك النبي صلى الله عليه وآله وهو لا يعقل، والأصم والأبكم الذي لا يعقل، والمجنون والأبله الذي لا يعقل، وكل واحد منهم يحتج على الله عَزَّ وَجَلَّ فيبعث الله إليهم ملكاً من الملائكة فيؤجج لهم ناراً، ثم يبعث الله إليهم ملكاً فيقول لهم: إنّ ربكم يأمركم أن تثبوا فيها فمن دخلها كان عليه برداً وسلاماً وأدخل الجنة ومن تخلف عنها دخل النار(١٩٨).
وسيأتي أن المراد من القيامة ليس القيامة الكبرى، وإنما القيامة الوسطى وبعث الرجعة الواقع في أواخرها، كما سيأتي أن أواخر الرجعة متداخل مع القيامة الكبرى بنمط ونحو ما.
وقوع المسخ في الرجعة
ذكر في المسائل التلعكبرية للمفيد احتجاج الحميري مع سوار القاضي عند المنصور العباسي في أن بعض من يرجع يُمسخ في الرجعة، وهو حديث طويل موضع الشاهد فيه: (وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يُحشر المتكبرون في صورة الذر يوم القيامة، وقال صلى الله عليه وآله: لم يجرِ في بني إسرائيل شيء إلّا ويكون في أمتي مثله حتى الخسف والمسخ والقذف، وقال حذيفة: والله ما أبعد أن يمسخ الله عَزَّ وَجَلَّ كثيراً من هذه الأمة قردة وخنازير، فالرجعة التي نذهب إليها ما نطق به القرآن وجاءت به السنة، وإنني لأعتقد أن الله تعالى يردّ هذا ـ يعني سواراً ـ إلى الدنيا كلباً وقرداً وخنزيراً وذرة، فإنه والله متجبر متكبر كافر قال: فضحك المنصور...(١٩٩).
واستشهاد المفيد بكلام الحميري وما رواه مقتضاه تقرير إطلاق يوم القيامة على الرجعة، وهي قيامة وسطى لاخصوص القيامة الكبرى، وأن ما ورد في لسان الروايات في يوم القيامة قد يراد منه القيامة الوسطى وآخرة الدنيا لا القيامة الكبرى كما في كلام الحميري أن الرجعة حشر أصغر.
الرجعة تكامل نوعي خطير:
الرجعة ذات صلة بقواعد أحكام الطبيعة:
١ ـ ظاهر جملة من دلالات الآيات والروايات أنَّ هناك جملة من التغيرات تحصل في الطبيعة العامة للحياة الأرضية فيزيائياً وحيوياً وغيرها للأبدان وكذا فسيولوجيّا، وأنَّ عملية العود والرجوع من القبر تتم بتنشيط البدن فيعود تعلق الروح به.
٢ ـ وقد روى في الخرائج والجرائح عن الحسين عليه السلام في رواية يصف فيها رجعته عليه السلام قوله: «ثم لأقتلن كل دابة حرم الله لحمها، حتى لا يكون على وجه الأرض إلّا الطيب...ولا يبقى على وجه الأرض أعمى ولا مقعد ولا مبتلى إلّا كشف الله عنه بلاءه بنا أهل البيت، ولتنزلن البركة من السماء إلى الأرض، إن الشجرة لتقصف بما يزيد الله بها من الثمرة، ولتأكلن ثمرة الشتاء في الصيف، وثمرة الصيف في الشتاء، وذلك قوله تعالى: (وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(٢٠٠).
ولا يخفى أن في الحديث الشريف إشارة إلى الارتباط بين إزالة الحرام والمحرمات من الأكل عن وجه الأرض مع نزول وفتح بركات السماء والأرض وتولد الطيبات، وأن أبواب بركات السماء والأرض غير مفتوحة في هذه الحياة الأولى من الدنيا.
وروى في كتاب الخرائج والجرائح: ولتنزلن البركات (البركة) من السماء إلى الأرض حتى أن الشجرة لتقصف بما يزيد الله فيها من الثمرة، ولتأكلون ثمرة الشتاء في الصيف وثمرة الصيف في الشتاء وذلك قوله تعالى: (وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ـ في حديث طويل عن أحوال الرجعة ـ» الحديث(٢٠١)، وهو يفيد مدى التغير في تطور الأحكام التكوينية في الرجعة.
٣ ـ إنّ ظاهرة تخيير المؤمن في الخروج من القبر إلى الرجعة بخلاف بعث ونشر القيامة له دلالات على اختلاف الأطوار بين الرجعة وما يأتي من الأحوال والعوالم التي تستقبل الإنسان.
 فقد روى الشيخ الطوسي في الغيبة بسنده عن المفضل بن عمر قال: ذكرنا القائم عليه السلام ومن مات من أصحابنا ينتظره، فقال لنا أبو عبد الله عليه السلام: «إذا قام أتي المؤمن في قبره فيقال له: يا هذا إنه قد ظهر صاحبك فإن تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربك فأقم»(٢٠٢).
فإنّ التخيير في الإحياء والنشر والبعث نظير تخيير المؤمن في الموت كما وردت بذلك الروايات بخلاف الحال في القيامة الكبرى.
٤ ـ في الرواية عن المفضل قوله للإمام الصادق عليه السلام: وتظهر الملائكة والجن للناس عند الظهور؟، فقال عليه السلام: «إي والله ويخاطبونهم كما يكون الرجل مع حاشيته وأهله»، قلت: يا سيدي ويسيرون معه قال: «إي والله يا مفضل...»(٢٠٣).
وروى في مختصر بصائر الدرجات عن المفضل بن عمر في حديث طويل عن الظهور: «وتظهر الملائكة والجن، وتخالط الناس، ويسيرون معه»(٢٠٤).
٥ ـ وفي حديث آخر سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «إن قائمنا إذا قام مدّ الله عَزَّ وَجَلَّ لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لا يكون بينهم وبين القائم بريد، يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه»(٢٠٥)، حيث دلَّ على أن إيمان المؤمنين من شيعة أهل البيت عليهم السلام يقتضي في الرجعة آثاراً للكمال تتميزعن باقي البشر من غير المؤمنين، كما هو الحال في تميز الأبدال عن غيرهم.
وروى في الخرائج والجرائح عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام، قال الحسين عليه السلام... إلى أن يقول: «ثم إن الله ليهب شيعتنا كرامة لا يخفى عليهم شيء في الأرض وما كان فيها حتّى أنَّ الرجل منهم يعلم علم أهل بيته فيخبرهم بعلم ما يعملون»(٢٠٦).
وهذه الرواية تبين زيادة قدرات الشيعة المؤمنين على درجة قدرات الأبدال وكرامتهم، وكذلك في تتمة رواية الخرائج والجرائح «ولا يبقى رجل من شيعتنا إلّا وأنزل الله ملكاً يمسح عن وجهه التراب، ويعرفه أزواجه ومنزله في الجنة».
وروى الطبري في دلائل الامامة بسنده عن المفضل بن عمر عن ابي عبدالله عليه السلام قال: «إذا قام القائم عليه السلام إستنزل المؤمن الطير من الهواء فيذبحه فيشويه ويأكل لحمه ولا يكسر عظمه، ثم يقول له: إحي بأذن الله فيحيى ويطير، وكذلك الظباء من الصحاري ويكون ضوء البلاد نوره، ولا يحتاجون إلى شمس ولاقمر ولا يكون على وجه الارض مؤذ ولا شر ولا إثم ولا فساد أصلاً، لأنَّ الدعوة سماوية، ليست بأرضية، ولا يكون للشيطان فيها وسوسة ولا عمل ولاحسد ولا شيء من الفساد، ولا تشوك الأرض والشجر، وتبقى زروع الأرض قائمة، كلما أُخُذ منها شيء نبتت من وقته وعاد كحاله، وإن الرجل ليكسو إبنه الثوب فيطول معه كلما طال ويتلون عليه أي لون أحب وشاء، ولو أن الرجل الكافر دخل جحر ضّب وتوارى خلف مدرة وحجر وشجر لأنّطق الله ذلك الستر الذي يتوارى فيه، حتّى يقول يا مؤمن: خلفي كافر فيأخذه ويقتله، ولا يكون لابليس هيكل يسكن فيه ـ والهيكل: البدن ـ ويصافح المؤمنون الملائكة، ويوحى إليهم، ويحيون ـ ويجتمعون ـ الموتى بإذن الله»(٢٠٧).
ثم إنّ أحد معاني الخلوص هو إنكار الذات والتنكر لها وهو تخلص من سجن الذات وأنانيته، وتقديم ما يريده الباري تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، أي تقديم إراداتهم على ارادة الإنسان لنفسه ويجعل منطلق حركته في أفعاله هو الهدف الإلهي، وفي الإخلاص خلاص وخلوص الذات، والرجعة برمجة لسير تكاملي يمرّ بمراتب ومراحل متراتبة ركن بعد ركن كي يتم الخلوص.
تنزل للروح إلى جنب الجسد في القبر قبيل الإحياء في الرجعة:
روى الكليني بسند صحيح عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنَّ فتية من أولاد ملوك بني إسرائيل كانوا متعبدين، وكانت العبادة في أولاد ملوك بني اسرائيل، وأنهم خرجوا يسيرون في البلاد ليعتبروا فمروا بقبر على ظهر الطريق قد سفى عليه السافي ليس يبين منه إلا رسمه فقالوا: لو دعونا الله الساعة فينشر لنا صاحب هذا القبر فساءلناه كيف وجد طعم الموت، فدعوا الله وكان دعائهم الذي دعوا الله به: أنت الهنا يا ربنا ليس لنا إله غيرك، والبديع الدائم غير الغافل لك في كل يوم شان تعلم كل شيء بغير تعليم انشر لنا هذا الميت بقدرتك، قال: فخرج من ذلك القبر رجل أبيض الرأس واللحية، ينفض رأسه من التراب شاخص بصره إلى السماء، فقال: لهم مايوقفكم على قبري؟ فقالوا: دعوناك لنسألك كيف وجدت طعم الموت؟ فقال لهم لقد سكنت في قبري تسعة وتسعين سنة ما ذهب عني ألم الموت وكربه، ولا خرج طعم مرارة الموت من حلقي، فقالوا له: متّ يوم متّ وأنت على ما نرى أبيض الرأس واللحية، قال: لا، ولكن لما سمعت الصيحة أخرج اجتمعت تربة عظامي إلى روحي فنفثت (فنفست) فيه فخرجت شاخصاً بصري مهطعاً إلى صوت الداعي فابيّض لذلك رأسي ولحيتي..(٢٠٨)، وظاهر هذه الرواية أن الصيحة توجب قوة للروح جاذبة لتربة العظام والبدن واجتماعها، فالإحياء للبدن يتم من طريق الروح بقوة الصيحة.
 وهذا كما هو مقرر الآن عصرياً في العلوم الروحية الحديثة من أن الجانب غير المرئي من ذات الإنسان وهو الروح والبدن غير المحسوس المسمى مادته بالاوكتوبلازما، والمسمى قديما في مكاشفات العرفاء والفلاسفة بالبدن البخاري، وذلك لأنَّ لونه كمادة بيضاء كالسحاب، وهذا ماكشفته الصور الحديثة للأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء أن هذا هو الذي يتكون في الإنسان أولاً في النشأة الأولى في رحم الأم، وهو سبب لاجتماع الحويمن والبويضة، وتكوّن النطفة والعلقة ثم المضغة والعظام للإنسان.
 وعلى أية حال فمفاد هذا الحديث يقرب من مفاد قوله تعالى: (فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة)(٢٠٩)، وقوله تعالى: (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا)(٢١٠)، وقوله تعالى: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُون(٢١١)، ولعل هذه الزجرة الثانية معاكسة للإماتة.
والحاصل أن مفاد الحديث وأمثاله مما ورد في هذا الشأن يبين كيفية بعث الروح في تراب وطينة الجسد، مما لم يصل إليه عقلية البحث الكلامي والفلسفي، وأن البعث في الرجعة زجرٌ وصيحة هول فتنشط الروح فتُنفث في البدن وتجذب ترابه.
الرجعة فتح الفتوح - الرجعة مشروع بناء معرفة متعالية ودولة حضارية:
إنَّ هناك كثيراً من الشواهد والدلائل الدالة على أن الرجعة والعود إلى الحياة الدنيا، لا سيما بالنسبة لأئمة أهل البيت عليهم السلام، ليس لمجرد مشروع إقامة الدولة السياسية وبسط العدل السياسي والقسط في الحقوق، بل إن هناك مشروعاً أكبر وأعظم وأهم من ذلك، وهو مشروع الدعوة الجديدة إلى بناء في العقيدة أعظم.
فإن هذا الدين له طبقات وطيات، فمن ثم وصفه النبي بأنه متين، وهو دين الإسلام والوغول والولوج فيه برفق، وكما أن الإسلام ذو درجات والإيمان درجات فبلوغ البشر وتكاملهم يتطلب تخطي مراحل وأطوار.
وقد ورد عنهم عليهم السلام أن هناك مرتبة ظاهر الإسلام ثم مرتبة الإيمان ثم مرتبة التقوى ثم مرتبة اليقين، وإن كانت هذه الأقسام الأربعة بلحاظ آخرهي درجات الإسلام ودرجات الإيمان وأنها مراتب في الدين، كما ورد أنّ الإيمان على عشر درجات، وورد أن من عند أهل البيت النبي صلى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام ظهرت دعوة الإسلام، كما أن منهم ظهرت دعوة الإيمان.
وكلا الدعوتين ذات مراتب من الدين الواحد، فالبشرية على موعد وترقب أن تظهر من أهل البيت عليهم السلام دعوة جديدة هي من مراتب دين الإسلام لم تظهر من قبل، وهذه الدعوة والدعوات الجديدة لاتتناقض بحال مع ما تقدم منهم من دعوة ظاهر الإسلام ودعوة الإيمان، بل تتوالم وتتلائم بأشد ما يمكن إلى غور حقائق هي جذور لما تقدم من الدعوتين، فإن هذا الدين متين وعلى درجات ولا زالت الدعوة إلى الدين الحنيف في بداياتها حسب دلالة الآيات بتبيان الروايات، وهناك جملة من الشواهد على ذلك:
١ ـ أن النذارة الكبرى يقوم بها النبي صلى الله عليه وآله في الرجعة، وأن ما قد قام به من نذارة وبشارة فهي نذارة صغرى ابتدائية، وقد ورد في ذلك روايات متعددة عنهم عليهم السلام في ذيل الآية (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر)، فقد روى في منتخب بصائر الدرجات بسنده عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر عليه السلام في حديث عن الرجعة وقوله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر)، يعني بذلك محمداً صلى الله عليه وآله قيامه في الرجعة ينذر فيها، وقوله (إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَر * نَذِيراً لِّلْبَشَر) يعني محمداً صلى الله عليه وآله نذيراً للبشر في الرجعة، وقوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون) قال: يظهره الله عَزَّ وَجَلَّ في الرجعة(٢١٢).
وروى في مختصر بصائر الدرجات بنفس الإسناد عن أبي جعفر عليه السلام «أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: إن المدثر هو كائن عند الرجعة»(٢١٣).
وغيرها من الروايات التي ستأتي في الباب الرابع.
وكذلك ورد في أن عمدة الدور الذي أسنده الله تعالى إلى أمير المؤمنين عليه السلام لم ينجز بعد، وأنَّه سينجزه في الرجعة، حيث ورد عنهم عليهم السلام في ذيل قوله تعالى: (كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَه)(٢١٤)، أي لم يقض أمير المؤمنين عليه السلام ما أمره وسيرجع حتى يقضى ما أمره، وقوله (ثُمَّ إذا شَاء أَنشَرَه) قال يمكث بعد قتله في الرجعة فيقضي ما أمره(٢١٥)، ورواه ابن مهيار بسند صحيح عن أبي أسامة عن أبي جعفر عليه السلام(٢١٦).
٢ ـ ما ورد في الزيارة الجامعة، من قوله عليه السلام: «مؤمن بإيابكم مصدق برجعتكم منتظر لأمركم مرتقب لدولتكم»، فهو إشارة إلى أصل الإياب، ثم حياة الرجعة، ثم انتظار (أمرهم) الذي سيقع في الرجعة، وهو إشارة إلى الدعوة إلى معرفة وعقيدة وفكر وظهور دعوة خفية باطنة لهم، كما يشير إليه لفظ الأمر، حيث إنه إشارة الى قناة الاتصال الملكوتية بينهم وبين الغيب، فالأمر يشير إلى السفارة الخفية بينهم وبين الخالق، فهم سفراء الله في خلقه، يبلغون عن الله دعوته، كما ورد في الزيارة الجامعة نفسها، «والمظهرين لأمر الله»، وَوَرَدَ فيها أيضاً «حتى أعلنتم دعوته»، ثم في المرتبة الرابعة بناء الدولة والتدبير السياسي العملي، فهناك إيمان وتصديق وانتظار وارتقاب، والإيمان بأصل الإعادة لتعلقه بفعل وقدرة الله تعالى، والتصديق لتعلقه بصفة في الحجج، إذ التصديق والتكذيب إنما يتعلق بالحجج، والانتظار يرتبط بالتطلع إلى مجي ء دعوة ورؤية معرفية بلحاظ ظهورها وبروزها، ومن ثم حقيقة الرجعة أنَّه يقع فيها مشروع معرفة قبل أن تكون مشروع دولة وسياسة.
فأولاً: هي عقيدة وهي مشيئة الله تعالى وقدرته .
ثانياً: هي تصديق ايضا بأحوال حجج الله وخلفائه في أرضه.
ثالثاً: الأخذ بمعارفهم ودعوتهم وأقوالهم وهومشروع معرفة أيضاً.
رابعاً: الارتقاء العملي كبرنامج عملي لظهور دولتهم.
٣ ـ ما رواه الحافظ رجب البرسي في كتابه: (مشارق أنوار اليقين) في الخطبة الافتخارية عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث، قال: «ومن أنكر أن لي في الأرض كرة بعد كرة، ودعوة بعد دعوة، وعودة بعد رجعة، حديثاً كما كنت قديماً، فقد رد علينا، ومن رد علينا فقد رد على الله»(٢١٧).
وهذه الرواية صريحة في وجود دعوات عديدة منه عليه السلام، والمراد من التثنية الكثرة، فوراء دعوة ظاهرالإسلام ودعوة الإيمان دعوات عديدة لاعماق دين الإسلام.
٤ ـ وروى في مختصر بصائر الدرجات عن كتاب خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عليه خط السيد رضي الدين بن طاووس، وذكر فيه خطبة له عليه السلام تسمى (بالمخزون)، وفيها: إنَّ لكل شي ء إنى (الف مقصور) يبلغه، لا يعجّل الله بشيء حتى يبلغ إناه ومنتهاه، فاستبشروا ببشرى ما بشرتم به، واعترفوا بقربان ماقرب لكم، وتنجزوا من الله ما وعدكم، إن مّنا دعوة خالصة، يظهر الله بها حجته البالغة، ويتم بها النعمة السابغة، ويعطي بها الكرامة الفاضلة، من استمسك بها أخذ بحكمة منها، آتاكم الله رحمته، ومن رحمته نور القلوب، ووضع عنكم أوزار الذنوب، وعجل شفاء صدوركم، وصلاح أموركم، وسلام منا لكم دائماً عليكم تسلمون به في دول الأيام وقرار الأرحام، أين كنتم، وسلامه لسلامه عليكم في ظاهره وباطنه(٢١٨).
وفي هذه الخطبة يشير عليه السلام إلى معالم الدعوة الجديدة لهم عليهم السلام:
منها: أنه وصفها بالخالصة، اي لايشوبها تقية وخفاء، بل يتمحض الحق بالجلاء.
ومنها: اشتداد الحجية، فتكون بالغة.
ومنها: أن تلك الدعوة ستكون سببا لإنزال النعمة الوافرة وأفضل درجات الكرامة.
ومنها: أنها برنامج لصيرورة الإنسان المؤمن ذي حكمة متصرف في مقامات ومنازل تكوينية من الأبدال.
ومنها: تنوير القلوب بإزدياد.
وغيرها مما مر في كلامه عليه السلام.
٥ ـ ما رواه صاحب مختصر بصائر الدرجات في كتابه (المحتضر) عن كتاب (القائم) للفضل بن شاذن: عن الحسن بن عبدالله عن أبي عبدالله عليه السلام أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال على منبر الكوفة:... وأنا الفاروق الأكبر والقرن من الحديد وباب الايمان وصاحب الميسم وصاحب السنين، وأنا صاحب النشر الأول والنشر الآخر، وصاحب القضاء، وصاحب الكرات ودولة الدول، وانا الامام لمن بعدي والمؤدي عمن قبلي لا يتقدمني الا أحمد، فان جميع الملائكة والرسل والروح خلفنا...وانا الشاهد عليهم، وعلى يدي يتم موعد الله وتكمل كلمته، وبي يكمل الدين، وانا النعمة التي أنعمها الله على خلقه، وانا الإسلام الذي أرتضاه لنفسه كل ذلك منّ من الله تعالى»(٢١٩).
فبّين عليه السلام أن على يديه في الرجعة تكمل كلمة الله، وبه يكمل الدين في الرجعة.
٦ ـ ما رواه في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: كأني بالقائم على منبر الكوفة عليه قباء، فيخرج من وريان قبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب، فيفكه فيقرأه على الناس، فيجفلون عنه اجفال الغنم، فلم يبق إلّا النقباء، فيتكلم بكلام، فلا يلحقون ملجأ حتى يرجعوا إليه، وإني لأعرف الكلام الذي يتكلم به(٢٢٠).
ومثله ما رواه في إكمال الدين بسنده عن المفضل بن عمر قال: «قال الصادق عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم عليه السلام على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، عدة أهل بدر، وهم أصحاب الألوية، وهم حكام الله في أرضه على خلقه، حتى يستخرج من قبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب، عهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله، فيجفلون عنه إجفال الغنم البكم، فلا يبقى منهم إلّا الوزير وأحد عشرنقيباً، كما بقوا مع موسى بن عمران عليه السلام، فيجولون في الأرض فلا يجدون عنه مذهباً، فيرجعون إليه، والله إني لأعرف الكلام الذي يقوله لهم فيكفرون به»(٢٢١).
والروايتان ظاهرتان بوضوح في أن ما يدعوهم الحجة عليه السلام إليه من العهد المعهود من رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك الكتاب لم يسمع به قط، وهو من الصعوبة والثقل بمكان، بحيث لا يتحمله زبدة الناس وهم الثلاثمائة وثلاثة عشر، وهم أصحاب كرامات ومقامات وتطوى لهم الأرض كما في الروايات، وبعضهم يمشي على الماء، وبعضهم يمشي على السحاب، كما وردت بذلك الروايات.
فجملتهم من الأبدال والأوتاد والسياح، ورغم ذلك يثقل عليهم ويصعب استيعاب هذه الدعوة الجديدة.
ومن شدة ثقل هذه الدعوة يجفلون ويفرون في نفس المجلس، هذا مع ما شاهدوه من قبل من معاجزالمهدي عليه السلام والآيات الكثيرة التي ظهرت على يديه عليه السلام، وهذا كله شواهد على مدى غرابة وصعوبة ما يدعوهم إليه من مراحل أعماق دين الإسلام، وراء دعوة ظاهر الإسلام ودعوة الإيمان، فضلاً عن سائر عموم الناس.
بلْ إنَّه في مرحلة من المراحل وموقف يقوم به المهدي عليه السلام في المدينة المنورة يفرّ عنه حتى النقباء الاثنا عشر، فقد روى الفضل بن شاذان بإسناده إلى إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إذا قدم القائم عليه السلام وثب أن يكسر الحائط الذي على القبر، فيبعث الله تعالى ريحاً شديدة وصواعق ورعوداً، حتّى يقول الناس: إنما ذا لذا، فيتفرق أصحابه عنه حتى لا يبقى معه أحد، فيأخذ المعول بيده، فيكون أول من يضرب بالمعول، ثم يرجع إليه أصحابه إذا رأوه يضرب المعول بيده، فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض، بقدر سبقهم إليه، فيهدمون الحائط ثم يخرجهما غضين رطبين، فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما، ثم ينزلهما ويحرقهما، ثم يذريهما في الريح»(٢٢٢).
٧ ـ إظهارهم عليهم السلام في الرجعة أسرارا لا تتحمل في الحياة الأولى من الدنيا، فقد روى الكشي في رجاله، وبن بابويه في الإمامة والتبصرة، والكليني في الكافي، والصدوق في اكمال الدين، والنعماني في الغيبة بأسانيدهم عن المفضل بن عمر الجعفي، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن تفسير جابر، فقال: لا تحدث به السفلة فيذيعونه، أما تقرأ في كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُور)(٢٢٣)؟ إن منا إماماً مستتراً، فإذا أراد الله إظهار أمره نكت في قلبه نكتة، فظهر فقام (وأمر) بأمر الله عَزَّ وَجَلَّ(٢٢٤).
وهذه الرواية الشريفة تشير إلى أنْ من المهام الأولى لدولتهم عليهم السلام ـ التي تبدأ بظهور الصاحب ـ مهمة ووظيفة الدعوة إلى مراحل أعلى من الإيمان، وإلى درجات أعماق الدين الحنيف، مما لم تحتمله البشرية والمسلمين من قبل، وقد وصل إلى تلك الأعماق وبواطن الدين بعض الخواص من حواري أهل البيت عليهم السلام.
٨ ـ ما رواه النعماني عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: «يقوم القائم عليه السلام في وتر من السنين،...فوالله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس بأمر جديد وكتاب جديد وسلطان جديد»(٢٢٥).
٩ ـ وروى الصفار في بصائر الدرجات، صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال حدث عن بني إسرائيل يا زرارة ولا حرج، قلت إن في أحاديث الشيعة ما هو أعجب من أحاديثهم، فقال: وأي شي ء هو يا زرارة؟ فاختلس في قلبي فمكثت ساعة لا أذكر ما أريد، فقال عليه السلام: لعلك تريد الرجعة؟ قلت: نعم، قال: حدث (صدق) بها فإنها حق(٢٢٦).
 وفي نسخة بصائر الدرجات الموجودة والبحار (لعلك تريد التقية)، ولكن نسخة الحر العاملي في الايقاظ لفظ الرجعة، وبلفظ التقية ايضا ما في خرائج الراوندي ومدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني وبحار المجلسي، الّا أن الحديث مروي بألفاظ أُخرى أيضاً مؤداها كما ذكر المجلسي أنه سيقع في هذه الأمة ما وقع في بني اسرائيل.
 وهذا المعنى يتناسب ويتلائم مع عنوان ومعنى الرجعة لا لفظ التقية، كما أن وصف (أنها حق) يناسب معنى الرجعة لا التقية، إذ هي ليست ثقافة منتشرة في كل الدوائر من كل جيل وإن كان أصلها متناقل في كل جيل لكن بدائرة أضيق، وإلا فالتقية عنوان مشهور لدى امثال زرارة، ويشهد لكون تعجب زاررة من عنوان الرجعة ما في رواية اخرى تقدمت دالة على حرصه على السؤال عنها، وسيأتي الاشارة إليه مرة أُخرى، وهي تدلُّ على صعوبة هضم مطالب الرجعة حتى على كبار أصحاب الأئمة عليهم السلام، مثل زرارة، فضلاً عن كبار علماء الإمامية في الغيبة، ورغم ذلك فإن الإمام عليه السلام يأمر مثل زرارة بترويج ثقافة عقيدة الرجعة، لأنها من المعتقدات الحقة التي يجب أن يتربى عليها مجتمع المؤمنين والمسلمين.
النظام القرآني الراسم للرجعة:
إن هناك طوائف من الآيات ومجاميع من السور تتعرض لبيان وتفسير فصول أحداث ومراحل الرجعة مع غفلة جملة غالب المفسرين عن حقائق معانيها، وحسبانهم أنها في المعاد الأكبر، وتبويب تلك الآيات والسور يبني نظاماً ومنظومة هائلة للرجعة.
وسيأتي البحث في تفاصيل ذلك في الباب الثاني إنْ شاء الله تعالى.

الفصل الثالث: غايات وفلسفات الرجعة ونمط تفسير آخر

* القدرة الإلهية في الرجعة.
* إنجاز الوعد وإقامته وإظهاره في الرجعة.
قدْ ذكرت الآيات والروايات عِدَّة غايات وحكم للرجعة:
الغاية الأولى: معرفة الرجعة فريضة كبرى
على جميع الأمة كمعرفة المعاد الأكبر
وهذا مفاد جملة من الآيات والأحاديث منها:
ما روي في كتاب سليم بن قيس الهلالي الذي رواه عنه أبان بن أبي عياش، وقد قرأ جميعه على علي بن الحسين عليهما السلام بحضور جماعة من أعيان الصحابة منهم أبو الطفيل عامر بن واثلة، فأقرَّه عليه مولانا زين العابدين عليه السلام وقال: «هذه أحاديثنا صحيحة».
قال أبان: ثم لقيت أبا الطفيل بعد ذلك في منزله فحدّثني في الرجعة عن أناس من أهل بدر، وعن سلمان وأبي ذر والمقداد وأبي بن كعب، وقال أبو الطفيل فعرضت ذلك الذي سمعته منهم على علي بن أبي طالب عليه السلام بالكوفة فقال لي: هذا علم خاص لا يسع الأمة جهله وردّ علمه إلى الله تعالى، ثم صدَّقني بكل ما حدَّثوني فيها، وقرأ عليَّ بذلك قرآناً كثيراً، وفسره تفسيراً شافيا حتّى صرت ما أنا بيوم القيامة بأشدّ يقيناً منّي بالرجعة، وكان مما قلت له: يا أمير المؤمنين اخبرني عن حوض رسول الله صلى الله عليه وآله أفي الدنيا هو أم في الآخرة، فقال: بل في الدنيا، قلت فمن الذائد عنه؟ قال: أنا بيدي هذه فليردنه أوليائي وليصرفن عنه أعدائي، قلت يا أمير المؤمنين قول الله تعالى (وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أنّ الناس...) الآية»، ما الدابة؟ قال: يا أبا الطفيل أُلْهُ عن هذا، فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرني به جعلت فداك قال هي دابة تأكل الطعام وتمشي في الأسواق وتنكح النساء: فقلت يا أمير المؤمنين: من هو؟ قال: زر الأرض الذي إليه تسكن الارض، قلت يا امير المؤمنين من هو؟ قال: صديق الأمّة وفاروقها ورئيسها وذو قرنيها، قلت يا أمير المؤمنين: من هو؟ قال: الذي قال الله عَزَّ وَجَلَّ (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ) و(وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)، (وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ)، والذي (وَصَدَّقَ بِهِ) أنا والناس كلّهم كافرون غيري وغير (محمّد صلى الله عليه وآله، قلت يا أمير المؤمنين سمه لي: قال: قد سمَّيته لك.
يا أبا الطفيل والله لو دخلت على عامة شيعتي الذين بهم اقاتل، الذين أقروا بطاعتي وسموني أمير المؤمنين واستحلوا جهاد من خالفني فحدثتهم شهرا ببعض ما اعلم من الحق في الكتاب الذي نزل به جبريئل على مُحمَّد صلى الله عليه وآله وببعض ماسمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله لتفرقوا عني حتى ابقى في عصابة حق قليلة، أنت وأشباهك من شيعتي، ففزعت وقلت يا أمير المؤمنين، أنا واشباهي نتفرق عنك ونثبت معك؟ قال: لا بل تثبتون، ثم أقبل عليّ فقال: إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يعرفه ولايقرّبه الاّ ثلاث ملك مقرب ونبي مرسل وعبد مؤمن نجيب أمتحن الله قلبه للايمان، يا با الطفيل إن رسول الله صلى الله عليه وآله قبض فارتد الناس ضلاّلاً وجهالاً (بعده كفارا) إلّا من عصمه الله بنا أهل البيت»(٢٢٧).
ومفاد هذا الحديث أنَّ علم الرجعة ومعرفتها مقتصر حالياً على الخواص، والحال المفروض أنه لا يعذر عموم الأمة جهل الرجعة، وأن فريضته كفريضة الاعتقاد بيوم القيامة، وذلك لبيانه عليه السلام لأبي الطفيل أن دلائل القرآن والوحي على الرجعة على حذو دلائله على يوم القيامة.
ولو يروج بين الناس التنبيه على دلائل الرجعة وضرورتها لقلَّ حرص الناس على لذائذ الدنيا، حيث سيكون لديهم فرصة أخرى ومجال آخر في حياة أخرة الدنيا قبل يوم القيامة، وفي الروايات أنّ الأئمة عليهم السلام يخفّفون الألم عن شيعتهم بانتظار دولة الحق في الرجعة، فتزيدهم الرجعة من الصبر والإيمان.
الغاية الثانية: القدرة الإلهية في الرجعة
الإيمان والمعرفة بالقدرة الالهية:
 قَدْ وَرَدَ مستفيضاً في روايات الرجعة المتواترة أن الرجعة مظهر القدرة الإلهية، وأن منشأ إنكار الرجعة لدى المنكرين الجاحدين هو إنكارهم وعدم إيمانهم بقدرة الله، وهو مفاد قوله تعالى في الاستبعاد وهو استنكار خفيف (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِ هذهِ الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)(٢٢٨).
وروى في مختصر بصائر الدرجات في باب الكرات في موثقة حنان بن سدير، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجعة، فقال: القدرية تنكرها ثلاثا(٢٢٩).
والظاهر أن المراد بالقدرية ليس القائلين بالجبر في فعل العباد، بل الجبر في فعل الإله، كمقولة اليهود (يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ)(٢٣٠)، فينكرون قدرته تعالى ومشيئته بدعوى أن القلم جف بما كان ويكون.
الرجعة والقدرة والمشيئة الإلهية:
قد بيَّنت جملة من الروايات أن جملة من أهل الخلاف المنكرين للرجعة إنما أنكروها بسبب يضاهي سبب المنكرين للمعاد، أي راجع إلى سبب واحد عند كلا الصنفين، وهو راجع إلى إنكار القدرة الإلهية، وأطلق عليهم في الروايات: القدرية، أي إنكارهم ذلك في القدرة الإلهية.
ومن تلك الروايات:
١ ـ عن عبد الرحمن القصير، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قرأ هذه الآية: (إنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنفُسَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ)(٢٣١)، فقال: هل تدري من يعني؟، قلت: يقاتل المؤمنون فيقتلون ويقتلون، فقال: لا، ولكن من قتل من المؤمنين رُدّ حتى يموت، ومن مات رُدّ حتى يُقتل، وتلك القدرة فلا تنكرها(٢٣٢).
٢ ـ ما نقل في مصباح المتهجد: في زيارة النبي صلى الله عليه وآله والأئمّة من بعده، وفيها: إنّي من القائلين بفضلكم، مقرّ برجعتكم، لا أنكر لله قدرة، ولا أزعم إلّا ما شاء الله(٢٣٣).
٣ ـ وروي في كتاب (المزار) للمشهدي في أحد زيارات أمير المومنين التي أبَّنه بها الخضر بعد استشهاده «...فقلبي لكم مسلم وامري لكم متبع، ونصرتي لكم معده حتى يحي الله بكم دينه ويردكم، فمعكم معكم لا مع غيركم اني من المؤمنين برجعتكم لا منكر لله قدره ولا مكذب منه مشية»(٢٣٤).
٤ ـ وفي مصباح الزائر لابن طاووس قال روي عن الإمام الصادق جعفر بن مُحمَّد عليهما السلام أنه قال: من أراد أن يزور قبر رسول الله صلى الله عليه وآله  والمعصومين صلوات الله عليهم من بعيد،...وساق الزيارة إلى قوله: إنّي من القائلين بفضلكم، مقرّ برجعتكم، لا أنكر لله قدرة، ولا أزعم إلّا ما شاء الله(٢٣٥).
٥ ـ ما روي في كامل الزيارات عن سعدان بن مسلم قائد أبي بصير، قال: حدثني بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في زيارة الحسين عليه السلام...إلى قوله: ونصرتي لكم معدّة، حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين لدينه، ويبعثكم فمعكم معكم لا مع عدوكم، إني من المؤمنين برجعتكم، لا أنكر لله قدرة، ولا أكذّب له مشيّة، ولا أزعم أنّ ما شاء لا يكون(٢٣٦).
٦ ـ ما رواه في كامل الزيارات من معتبرة أبي حمزة الثمالي، عن الصادق عليه السلام في زيارة للحسين عليه السلام «و...نصرتي لكم معدّة، حتى يحييكم الله لدينه (حتى يحكم الله بدينه) ويبعثكم، وأشهد (الله) أنكم الحجة، وبكم ترجى الرحمة، فمعكم معكم لا مع عدوّكم، إنّي بإيابكم (بكم) من المؤمنين، لا أنكر لله قدرة، ولا أكذب منه بمشيّة، ثم قال: (...اللهمّ صلّ على أميرالمؤمنين عبدك وأخي رسولك...(إلى أن قال:) اللهمّ أتمم به كلماتك، وأنجز به وعدك، وأهلك به عدوك، واكتبنا في أوليائه وأحبّائه، اللهمّ اجعلنا له شيعة وأنصاراً وأعواناً على طاعتك، وطاعة رسولك، وما وكّلته به واستخلفته عليه، يا ربّ العالمين(٢٣٧).
وهذه الروايات تبين أن الرجعة مرتبطة بالمشيئة والقدرة الإلهية، كما تبين أن الإنكار يسند إلى القدرة في مقابل الإقرار بها، والتكذيب يسند إلى المشيئة في مقابل التصديق بها، والإيمان بالرجعة هو بالإقرار والتصديق بهما لا بالإنكار والتكذيب.
ووجهُ إسناد الإقرار إلى القدرة هو كون القدرة أمرا موجودا، وعينا مقررة بينما المشيئة على وزان العلم حكاية ومرآة عمّا سيكون، فيتعلق بها التصديق والتكذيب نظير مافي قوله تعالى: (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٧٨ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ٧٩..... أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ)(٢٣٨).
الغاية الثالثة: تحقيق ووقوع غاية الخلقة من دار الدُّنْيَا:
وقد استفاد الشاه آبادي والطباطبائي والرفيعي من الآيات والروايات أن غائية دار الدنيا لابدّ أن تتحقّق، وإنّما يتم ذلك في الرجعة، وأقاموا على ذلك البرهان المشار إليه في كثيرٍ من ظاهر الآيات والروايات في الرجعة أن أكمل دولة سيشهدها البشر على الإطلاق هي دولة الرسول صلى الله عليه وآله في الرجعة، وأن دولة الأئمة ممهّدة له وإن كان أكثر من يدير دولاً في الرجعات هو أميرالمؤمنين عليه السلام، وأن أكبر دولة بعد الرسول هي دولة أمير المؤمنين قبل دولة الرسول صلى الله عليه وآله، ودولة ظهور الإمام المهدي عليه السلام بداية ذلك الإعداد.
وأنّ الانتظار والترقب الأكبر هو لدولة الرجعة وعلى رأسها دولة الرسول صلى الله عليه وآله، وأنّ انتظار دولة المهدي عليه السلام هي بادرة ذلك، وليس الغاية النهائية.
 هذا على صعيد النظام الإجتماعي والمجموع البشري، وكذلك الحال على الصعيد الفردي، فإنّ تفتق فعلية كمالات الإنسان المودعة في قابليته لم تنجز بعدُ في الحياة الأولى من الدنيا، وإنما تتحقق في آخرة الدنيا في ظل دول العدل الإلهي، حيث تتفجر كنوز خزائن الطبيعة وتبلغ أوجها ويرسل السماء عليكم مدراراً.
وقد خرج إلى أبي القاسم بن العلاء الهمداني وكيل أبي محمد عليه السلام أنّ مولانا الحسين عليه السلام ولد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان فصمه مندوباً وادع فيه بهذا الدعاء...وساق الدعاء إلى قوله: «وسيّد الأسرة، الممدود بالنصرة يوم الكرّة، المعوّض من قتله أنّ الأئمة من نسله، والشفاء في ترتبه، والفوز معه في أوبته، والأوصياء من عترته بعد قائمهم وغيبته، حتى يدركوا الأوتار، ويثأروا الثار، ويرضوا الجبار، ويكونوا خير أنصار... إلى قوله: «فنحن عائذون بقبره نشهد تربته، وننتظر أوبته آمين رب العالمين»(*).
يظهر من الآيات والروايات أن الحياة النموذجية المثالية على وجه الأرض التي تتصف بالهداية التامة والعمران الكامل والنعيم بحسب قابلية الأرض وارتفاع الاختلاف والجهل والتخلّف ونموّ العلم وتفشّي العدل تنسيقا للقلوب والنفوس فضلاً عن نظام الدولة العظمى إنّما يتمّ في دولة الرجعة، وعلى ذلك ما ورد في قوله تعالى: (وَأقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ الله مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ)(٢٣٩)، فمعناه أن رفع الاختلاف والجهل إنّما هو غاية كمالية في دار الدنيا، وهي من ضوابط وأحكام الرجعة.
ومن ذلك الآيات المباركة التي ذكر فيها رفع الاختلاف قوله تعالى: (إذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيَما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(٢٤٠)، وقوله تعالى: (وَأنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنزَلَ الله وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ عَمَّاجَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَاآتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(٢٤١)، ولا يخفى أن المرجع اليه تعالى من مادة الرجعة والرجوع وأن فيها حكم الله الرافع للاختلاف، وقال تعالى: (قُلْ أغَيْرَ الله أبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ ءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرَى ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(٢٤٢).
 وقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أنْ تَكُونَ اُمَّةٌ هِى أرْبَى مِنْ اُمَّةٍ إنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ وَلَيُبَيِّنَنّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(٢٤٣) وقد مرّ وسيأتي أن عنوان القيامة كما يطلق على القيامة الكبرى فإنه يطلق على الرجعة وهي القيامة الوسطى.
وقال تعالى: (وَقَالَتْ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْ ءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيْ ءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيَما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(٢٤٤)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَوَّأنَا بَنِي إسْرَائِيلَ مُبَوَّأصِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(٢٤٥).
وقد ورد عنهم عليهم السلام ـ أن يوم القيامة الكبرى وبالأحرى البعث الأكبر للجنة الأبدية والنار الأبدية ـ لا حساب فيه، بل أواخر القيامة مجرد جزاء فريق إلى الجنة وفريق إلى النار، وإنما عمدة الحساب في الرجعة، وقد عقدنا لذلك مقالاً مستقلاً.
الغاية الرابعة: معرفة الرجعة وعلوّ الهمة:
ومن فلسفات معرفة الرجعة وغاياتها علو همة الإنسان عن الإكتراث بأحوال الموت وأهوال القبر والبرزخ، فضلاً عن إبتلاءات ومحن أحوال الحياة الأولى من الدنيا، وذلك لأنَّ معرفة الرجعة تعطيه نظرة لهذه المراحل، نظرة عبور لا نظرة قرار، ونظرة ممر ومرور لا نهاية ولا مقرُ نهاية، فيعلو تطلعه وطموحه عنها، ويتجرد ويخلص للغاية الكبرى عن التهاوي والانكباب إلى الدنيا السفلى ولواحقها من الموت والقبر، فالعلم بالرجعة بلوغ كامل في المعرفة والإيمان، ووقايةٌ عن التشاغل بالأدنى، ولا يستثيره ولا يهوله ولا يحبس بصيرته هذه المراحل والعوالم النازلة.
الغاية الخامسة: الثبات بمعرفة الرجعة على الإيمان عند البعث الأوّل:
وإنَّ من أمهات فلسفات وغايات معرفة الرجعة هو الثبات على الإيمان عند البعث والإحياء للرجعة، وذلك لأن الذين يرجعون من غير سابقة معرفة بالرجعة والإيمان بها ـ من القرآن ومن قول حجج الله تعالى من الأئمة المعصومين ـ يظنون ويتوهمون أن نشرهم مَرَّة أخرى دوران في الدورة الطبيعية، تنبتهم وتحييهم، وإنّ ما بلّغت به رسل الله وأنذروا به من جنة ونار وحساب ليس له صحة، وكان زيفاً والعياذ بالله.
فتكون الرجعة لهم فتنة جديدة، فيزدادون تكذيباً للأنبياء، ومن ثم ورد أن كفرة من كفرات الرجعة أشد كفراً من الكفر في الحياة الأولى من الدنيا.
فيقولون ها نحن قد رجعنا إلى الدنيا، وليس من آخرة ولا شي ء من المعاد، فيزدادون تكذيباً للمعاد، فها هم قد رجعوا إلى الدنيا ولم يروا ما أنذروا، فيزدادون غيّاً وإنكاراً وكفراً.
ومن ثم ورد أن الكفرة في الرجعة أعظم من الكفرات السابقة.
 وقد روى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام «إنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول: إن المدثر هو كائن عند الرجعة، فقال له رجل: يا أميرالمؤمنين أحياة قبل القيامة ثم موت، فقال له عند ذلك: نعم والله لكفرة من الكفر بعد الرجعة أشد من كفرات قبلها»(٢٤٦).
وهذا بخلاف المؤمنين حيث علموا من حجج الله تَعَالَى ـ وهم أئمة أهل البيت عليهم السلام ـ أن الرجعة بإحياء وقدرة منه تعالى، فيستبصروا ويستيقنوا بصدق مقالتهم وحق ما أخبروا به فيزدادون هداية، نظير ما ورد في الصحيحة من علامات ظهور الإمام عجل الله فرجه أن علم المؤمنين بوجود صيحتين صيحة حق ونداء بأن الحق مع علي عليه السلام وولده قبيل ظهور القائم عجل الله فرجه، وهي الصيحة الأولى وهي من جبرئيل، والصيحة الثانية من إبليس في آخرالنهار أن الحق مع عثمان، فلا يلتبس ذلك على المؤمنين بسبب علمهم المسبق بذلك، من تعليم وإرشاد أهل البيت عليهم السلام.
فيكون تعليم أهل البيت عاصماً لهم عن الفتنة والضلالة، بل يزيدهم يقيناً بالحق، وهو مما يشير إليه موثق زرارة، قال: «سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: ينادي مناد من السماء: إنَّ فلاناً هو الأمير، وينادي مناد: إن عليا وشيعته هم الفائزون.
قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟
فقال: إنَّ الشيطان ينادي: إنَّ فلاناً وشيعته هم الفائزون ـ لرجل من بني أمية ـ، قلت: فمن يعرف الصادق من الكاذب؟
قال: يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنه يكون قبل أن يكون، ويعلمون أنهم هم المحقون الصادقون»(٢٤٧).
وموثق هشام بن سالم، قال: «قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إن الجريري أخا إسحاق يقول لنا: إنكم تقولون هما نداءان فأيهما الصادق من الكاذب؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: قولوا له: إن الذي أخبرنا بذلك ـ وأنت تنكر أن هذا يكون هو الصادق»(٢٤٨).
وموثقة هشام الأُخرى: «قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: هما صيحتان صيحة في أول الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية.
قال: فقلت: كيف ذلك؟
قال: فقال: واحدة من السماء، وواحدة من إبليس.
فقلت: وكيف تعرف هذه من هذه؟
فقال: يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون»(٢٤٩).
وصدر حديث جابر عن أبي جعفر عليه السلام المتقدم في الكفرات إشارة إلى الدور الكبير الذي سيقوم به الرسول صلى الله عليه وآله في الرجعة، وسيأتي أن النذارة الكبرى له صلى الله عليه وآله، بكونه نذيرا للبشر إنما هي في الرجعة، مما يدلل على كبر مسؤولية الدعوة فيها، للمطالبة بكل أبواب الإيمان، والإيمان بالمعاد والبعث الأكبر مع غرور العصاة واغترارهم بوقوع الرجعة لهم.
ومن ثم ورد أن من لم يهتد في هذه الحياة الأولى من الدنيا وكان ضالاً عن الهدى وعاصياً عن الحق فهو في الحياة الآخرة من الدنيا وهي الرجعة أشد ضلالاً وعمى، كما روى ذلك في مختصر بصائر الدرجات بسند صحيح عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام(٢٥٠).
وهذا بخلاف من عرف الرجعة في الحياة الأولى، فلا يفتتن في الآخرة.
الغاية السادسة: الاعتقاد بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه توطئة وتمهيد للاعتقاد والمعرفة بالرجعة:
كَمَا أنّ الاعتقاد بالرجعة ممهد وموطئ للاعتقاد والمعرفة بيوم القيامة، الذي هو يوم لا بمعنى قدر أربع وعشرين ساعة، بل هو عالم أكبر عمراً وطولاً من الحياة الأولى من الدنيا ومن الآخرة من الدنيا وهي الرجعة.
ومن لا يعرف الرجعة فهو عقيم عن معرفة القيامة والآخرة الأبدية.
وعن ابن محبوب عن الرضا عليه السلام في حديث له طويل في علامات ظهور القائم عليه السلام، قال: «والصوت الثالث يرون بدناً بارزاً نحو عين الشمس: هذا أمير المؤمنين، قد كرَّ في هلاك الظالمين» الخبر(٢٥١).
ومفاد هذا الحديث أن ظهور القائم عجل الله فرجه هو فاتحة لبداية رجعة الأئمة عليهم السلام، وتخصيص أمير المؤمنين عليه السلام بذكر كرّته لأنه المحور والقطب في كل مراحل الرجعة، وأن ظهور المهدي عجل الله فرجه عنوانه الأصلي وحقيقته الواقعية هي بلحاظ غاية الظهور وهي الرجعة.
الغاية السابعة: نصرة الأنبياء والرسل والأوصياء:
إن من ثمرات الرجعة إنجاز الوعد الالهي بنصرة رسله في الحياة الدنيا، والله لايخلف الميعاد، فإن وعد الله غايات كمالية لفعله وهو الخلقة الالهية، قال تعالى: (إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ)(٢٥٢).
وفي حسنة جميل بن دراج، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قلت له: قول الله عَزَّ وَجَلَّ: (إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ)، قال: ذلك والله في الرجعة، أما علمت أنّ في أنبياء الله كثيراً لم ينصروا في الدنيا وقتلوا، وأئمة قد قتلوا ولم ينصروا؟
فذلك في الرجعة، قلت (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ المُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ)، قال: هي الرجعة(٢٥٣).
وفي حسنة عبدالله بن عطا، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كنت مريضاً بمنى وأبي عليه السلام عندي فجاءه الغلام فقال: هاهنا رهط من العراقيين يسألون الإذن عليك، فقال أبي عليه السلام: أدخلهم الفسطاط، وقام إليهم فدخل عليهم فما لبث أن سمعت ضحك أبي عليه السلام قد ارتفع فأنكرت ووجدت في نفسي من ضحكه وأنا في تلك الحال، ثم عاد إليّ فقال: يا أبا جعفر عساك وجدت في نفسك من ضحكي، فقلت: وما الذي غلبك منه الضحك، جُعلت فداك؟
فقال: إنّ هؤلاء العراقيين سألوني عن أمر كان مضى من آبائك وسلفك، يؤمنون به ويقرّون فغلبني الضحك سروراً أنّ في الخلق من يؤمن به ويقرّ، فقلت: وماهو جعلت فداك؟ قال: سألوني عن الأموات متى يبعثون فيقاتلون الأحياء على الدين(٢٥٤).
وفيه بيان تآزر ونصرة جماعات الحق الأموات منهم بعد عودهم في الرجعة مع الأحياء لمقاتلة أهل الباطل.
الغاية الثامنة: استكمال الامتحان للنفوس:
إن المنكرين لها ينكرون حكمة وحقيقة الاختيار والامتحان، ومن ثَمّ هم من القدرية منهجاً، والرجعة زيادة في الحجية وقطع العذر للعصاة وزيادة امتحان، ويقع فيها امتحان من لم يستكمل امتحانه كالمستضعفين والأطفال والمجانين.
وفي موثق حنان بن سدير، عن أبيه، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجعة، فقال: القدرية تنكرها ـ ثلاثاً ـ (٢٥٥).
وعن أبي الصباح، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت: جُعلت فداك مسالة أكره أن أسمّيها لك، فقال لي هو:عن الكرّات تسألني؟، فقلت: نعم، فقال: تلك القدرة ولا ينكرها إلّا القدرية، لا تنكر تلك القدرة لا تنكرها إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أتى بقناع من الجنة عليه عذق يقال له: سنة، فتناولها رسول الله صلى الله عليه وآله سنة من كان قبلكم(٢٥٦).
الغايه التاسعة: تولد الأمل وقوته وشدة الطموح:
إنّ من الغايات الكبرى والأهداف الكبيرة للاعتقاد بمعرفة الرجعة هو تولد الأمل وقوته وشدة الطموح نحو المستقبل لدى المؤمنين، وعدم اليأس والانكسار أمام الصعاب والشدائد، ولكي لاتقسوا القلوب بل تظل منتظرة مترقبة.
فقد روى الكليني(٢٥٧) عن الحسن بن شاذان الواسطي، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أشكو جفاء أهل واسط وحملهم علي، وكانت عصابة من العثمانيين تؤذيني، فوقع بخطه: «إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق أوليائنا على الصبر في دولة الباطل، فاصبر لحكم ربك، فلو قد قام سيد الخلق لقالوا: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون)(٢٥٨) وهذه الرواية الشريفة تبين ان هذا المقطع من آيات سورة يس ليس المراد منه خصوص القيامة الكبرى، بل المراد أولا الرجعة، كما تبين بأن الرجعة ميعاد ومعاد أصغر، وأن فيه نفخ في الصور، وأن الرجعة خروج من القبور والأجداث.
الغاية العاشرة: الانتقام من الظالمين:
الانتقام من الظالمين بأعظم مما يقوم به الامام المهدي عجل الله فرجه من انتقام، كما هو مفاد ما مر من الدعاء يوم ميلاد الامام الحسين عليه السلام الوارد في مصباح المتهجد وإقبال الأعمال، من تعليل الكرّة والأوبة للأوصياء من عترته حتى يدركوا الأوتار ويأثروا الثأر ويرضوا الجبّار ويكونوا خير أنصار.
ومعنى الانتقام فيما ورد من أنّ المهدي عجل الله فرجه ينتقم، وأن الرجعة نقمة من أعداء الله تعالى، لا يراد بذلك التشفي الشخصي بقدر ما هو البعد الديني والاجتماعي وإزالة السنن الباطلة عند الناس، نظير ما ورد أن زين العابدين عليه السلام قد رضي بانتقام المختار، فإنه بمعنى تطهير العراق من أعراف النهج والنسيج الاجتماعي الأموي، وهو معنى ما ورد في غاية الرجعة من أنه تعالى يرجعهم عليهم السلام ليثأروا الثأر، أي ليطهروا الأرض من مناهج الزيغ، فهي انتقام من مناهج وأعراف فاسدة، وبناء أعراف ومناهج صالحة، وهي الملة الحنيفية الخالصة.
خرج إلى أبي القاسم بن العلاء الهمداني وكيل أبي محمد عليه السلام: «إنّ مولانا الحسين عليه السلام ولد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان فصمه وادع فيه بهذا الدعاء...»، وساق الدعاء إلى قوله: «وسيّد الأسرة، الممدود بالنصرة يوم الكرّة، المعوّض من قتله أنّ الأئمة من نسله، والشفاء في ترتبه، والفوز معه في أوبته، والأوصياء من عترته بعد قائمهم وغيبته، حتى يدركوا الأوتار، ويثأروا الثار، ويرضوا الجبار، ويكونوا خير أنصار...» إلى قوله: «فنحن عائذون بقبره نشهد تربته، وننتظر أوبته، آمين رب العالمين»(٢٥٩).
الغاية الحادي عشر: استكمال الطاعة للإمام عجل الله فرجه
ففي زيارة للامام المهدي عليه السلام: وإن أدركني الموت قبل ظهورك فإنّي أتوسّل بك إلى الله سبحانه أن يصلّي على محمد وآل محمد، وأن يجعل لي كرّة في ظهورك، ورجعة في أيّامك، لأبلغ من طاعتك مرادي، وأشفي من أعدائك فؤادي.
الغاية الثانية عشر: إكمال الدين وإتمام الموعد الإلهي:
من غايات الرجعة الأساسية أن يكمل الدين وتكمل كلمته بأمير المؤمنين عليه السلام، وإنجاز الوعد الإلهي لكل إمام من أهل البيت بتعجيل ظهوره وخروجه إلى الرجعة.
وفيها أداء الدور الأساسي الأكبر لنذارة النبي صلى الله عليه وآله، والهداية الكبرى لإمامة علي عليه السلام والأئمة عليهم السلام، ففي تفسير علي بن إبراهيم: (قُتِلَ الإنسانُ ما أكْفَرَه)(٢٦٠)، قال: هو أمير المؤمنين عليه السلام، قال: (ما أكفره) أي ماذا فعل وأذنب حتّى قتلوه ثم قال: (مِن أيّ شَيْءٍ خَلَقه * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه * ثمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه) «قال: «يسّر له طريق الخير، (ثُمَّ أماتَهُ فأقْبَرَه * ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَه)»، قال: «في الرجعة، (كلّا لمَّا يَقْضِ ما أمَرَه)، أي لم يقض أمير المؤمنين ما قد أمره، وسيرجع حتى يقضي ما أمره».
وروى القمي في تفسيره في الصحيح الى جميل بن دراج، عن أبي سلمة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن قول الله: (قُتِلَ الإنسانُ ما أكْفَرَه) قال: «نعم، نزلت في أميرالمؤمنين عليه السلام، (ما أكْفرهُ) يعني بقتلكم إيّاه، ثم نسب أمير المؤمنين عليه السلام فنسب خلقه وما أكرمه الله به، فقال: (مِنْ أيّ شيء خلقَهُ)، يقول: من طينة الأنبياء خلقه، فقدَّره للخير، (ثمَّ السَّبيلَ يسَّرَه) يعني سبيل الهدى، ثم أماته ميتة الأنبياء، (ثمَّ إذا شاءَ أنْشَره)، قلت: ما قوله: (ثمّ إذا شاءَ أنشرَهُ)؟، قال: «يمكث بعد قتله في الرجعة فيقضي ما أمره»(٢٦١).
وما رواه الكليني أيضاً ـ في باب أنّ الأئمة لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلّا بأمر من الله ـ بسنده عن حريز، عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث قال: «إنّ لكل واحد منّا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدّته، فإذا انقضى ما فيها ممّا أمر به عرف أنّ أجله قد حضر، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله ينعى إليه نفسه، وأخبره بما له عند الله.
وإنّ الحسين عليه السلام قرأ صحيفته التي أعطيها وفسّر له ما يأتي وبقي أشياء لم تقض، فخرج للقتال، وكانت تلك الأشياء التي بقيت أنّ الملائكة سألت الله في نصرته فأذن لها، فمكثت تستعدّ للقتال وتتأهّب لذلك حتّى قتل، فنزلت وقد انقطعت مدّته وقتل عليه السلام، فقالت الملائكة: يا ربّنا أذنت لنا في الانحدار، وأذنت لنا في نصره وقد قبضته؟!
فأوحى الله إليهم: أن ألزموا قبره حتى تروه، وقد خرج فانصروه، وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته، فإنّكم قد خصصتم بنصرته وبالبكاء عليه، فبكت الملائكة حزناً على ما فاتهم من نصرته، فإذا خرج يكونون أنصاره(٢٦٢).
ومفاد الرواية أنّ أحد أسباب وحِكَمْ الرجعة هو إنجاز كل إمام ما تبقى عليه من أدوار ومسؤوليات أُمر بها في الصحيفة المقررة من قبل الله تعالى الخاصة بكل إمام مما لم ينجزها في الحياة الأولى من الدنيا، فيخرج من قبره راجعاً إلى آخرة الدنيا لينجز ما تبقى كما يشير إليه قوله تعالى في سورة عبسَ (كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَه) بتبيان الرواية السابقة، فهناك من مسؤوليات وأدوار الأئمة لم تنجز فيرجعون لينجزوها وذلك لأنهم قُتِلوا وحانت آجالهم من الحياة الأولى من الدنيا.
وأنَّ كل إمام من الاثني عشر هو مهدي موعود منتظر مرتقب ظهوره قائم يقيم دولة العدل على كل الأرض.
 وأن من آداب زيارة كل إمام منهم أن يدعى له بتعجيل فرجه وظهوره من قبره ليسكنه الله تعالى أرضه طوعاً ويمكنه فيها طويلاً.
عن الحسن بن عبدالله، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا الفاروق الأكبر، وصاحب الميسم، وأنا صاحب النشر الأوّل، والنشر الآخر، وصاحب الكرّات، ودولة الدول، وعلى يدي يتمّ موعد الله وتكمل كلمته، وبي يكمل الدين(٢٦٣).
الأربعة عشر معصوم لكل مقام محمود في الرجعة:
عن عروة ابن أخي شعيب العقرقوفي، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «تقول إذا أتيت قبر الحسين عليه السلام ويجزيك عند قبر كل إمام عليه السلام: السلام عليك من الله والسلام على محمد بن عبدالله...اللهمَّ صل على محمد عبدك ورسولك الذي...والسلام عليه ورحمة وبركاته» وتقول في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام «اللهمَّ صل على أمير المؤمنين عبدك واخي رسولك ـ الى آخره»، وفي زيارة فاطمة عليها السلام: «أمتك وبنت رسولك ـ الى آخره» وفي زيارة سائر الائمة عليهم السلام: أبناء رسولك ـ على ماقلت في النبي صلى الله عليه وآله أوَّل مَرَّة ـ حَتّى تنتهي إلى صاحبك ثم تقول: «أشهد انكم كلمة التقوى وباب الهدى والعروة الوثقى...» وساق الزيارة إلى قوله: «اللهم لا تجعله آخر العهد من زيارة قبرابن نبيّك، وابعثه مقاماً محموداً تنتصر به لدينك، وتقتل به عدوّك، فإنّك وعدته، وأنت الربّ الذي لا تخلف الميعاد».وكذلك تقول عند قبور كلّ الأئمة عليهم السلام»(٢٦٤).
ومفاد هذه الرواية والزيارة عموم هذا الدعاء والاعتقاد في كل إمام من ائمة أهل البيت، وأنه موعود بالنصرة، وأنَّه يبعث مقاما محموداً في آخرة الدنيا وهي الرجعة، وهوإقامة دولة العدل على يديه مضافا إلى المقام المحمود في القيامة الكبرى، وفي الآخرة الأبدية أيضاً، وهذه الرواية والزيارة لا تخص ذلك بأمير المؤمنين عليه السلام ولا بالحسين عليه السلام، بل لكل إمام من الأئمة الاثني عشر يزارون بهذه الزيارة والدعاء والاعتقاد.
بل الرواية والزيارة تنص على كل من النبي صلى الله عليه وآله وفاطمة عليها السلام، وأنَّ كلاً منهما يخاطب بهذا الخطاب، أي أن فاطمة يبعثها الله مقاما محمودا في آخرة الدنيا وهي الرجعة وينتصر بها لدينه بتوسط مالها من ولاية وتدبير، ويقتل الله بها عدوه، وأنها موعود ة بذلك، وكيف لا يكون هذا المضمون للزيارة والمعتقد فيها شاملا لفاطمة عليها السلام، بلْ قد نص في الزيارة على إسمها، وقد دلَّت الآيات والروايات على أن طاعتها مفروضة على جميع من خلق الله من الجن والانس والطير والوحش والأنبياء والملائكة، كما رواه الطبري في دلائل الامامة من معتبرة أبي بصير عن أبي جعفر ـ في حديث طويل ـ عن مصحف فاطمة عليها السلام قال عليه السلام ولقد كانت عليها السلام مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والانس والطير والوحش والأنبياء والملائكة الحديث(٢٦٥).
الغاية الثالثة عشر: ظهور مقامات خاصة لأمير المؤمنين عليه السلام:
ظهور مقامات خاصة لأمير المؤمنين عليه السلام يأتي شرحها في الباب الرابع كمقام أنه صاحب العصا والميسم ومقام دابة الأرض، وأنّ له دولة الدول وغيرها، وهي المعبر عنها في القرآن بمجي ء الآيات.
فعن أبي الصامت الحلواني، عن أبي جعفر عليه السلام، «قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لقد أعطيت الستّ: علم المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، وإني لصاحب الكرّات، ودولة الدول،وإني لصاحب العصا والميسم، والدابة التي تكلم الناس»(٢٦٦).
الغاية الرابعة عشر: إنجاز الوعد وإقامته وإظهاره في الرجعة:
قال تعالى: (وَأقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ الله مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أكْثَر َالنَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ * إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذا أرَدْنَاهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(٢٦٧).
فتُبيّن هذه الآية أن الغاية من الرجعة هي إظهار الحقّ وبيانه جليّاً وإعلام أهل الباطل إدانةً أنهم كانوا كاذبين، فتكون الغاية إعلاء كلمة الحقّ وإشهار حجّيتها، ودحض كلمة الباطل وإشهار غيّها.
فقد روى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ليس من مؤمن إلّا وله قتلة وموتة، إنّه من قتل نشر حتى يموت، ومن مات نشر حتى يقتل... إلى أن قال في قوله تعالى: (يا أيُّها المدَّثّر * قُمْ فأنْذِر)(٢٦٨) يعني مُحمَّد صلى الله عليه وآله وقيامه في الرجعة يُنذر فيها. وقوله تعالى (إنّها لإحدى الكُبَر * نذيراً للبَشَر)(٢٦٩) يعني محمد صلى الله عليه وآله نذير للبشر في الرجعة. وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)(٢٧٠) قال: يظهره الله عَزَّ وَجَلَّ في الرجعة. وفي قوله تعالى: (حتّى إذا فَتَحْنا علَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ)(٢٧١) قال: هو علي بن أبي طالب عليه السلام إذا رجع في الرجعة. قال جابر: قال أبو جعفر عليه السلام قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه في قول الله تعالى: (ربَما يَوَدُّ الذينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِين)(٢٧٢) قال هو أنا إذا خرجت أنا وشيعتي، وخرج عثمان بن عفان وشيعته، ونقتل بني أمية في الرجعة فعندها يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين»(٢٧٣).
وفيه دلالة على غايات الرجعة المتقدمة:
منها: الانتقام من أعداء أمير المؤمنين عليه السلام، أي بتطهير الأرض والمجتمعات، وذلك بإزالة منهج الجور والغي والضلال والمتجسد في أشخاص أعدائه وإفسادهم في المجتمعات والأقوام.
ومنها: إظهار النبي صلى الله عليه وآله في الرجعة مستولياً على كل حكم في الأرض والدنيا.

الفصل الرابع: مراحل وأدوار الرجعة وأقسامها

محطات مسير الرجعة
١ ـ بداية الرجعة بظهور وقيام المهدي عجل الله فرجه.
٢ ـ عموم الرجعة استغراقي (أفواج) في بدايتها إلى قريب أواخرها وفي أواخرها عمومها مجموعي (الكل دفعة).
٣ ـ سر سبق من محض الإيمان والكفر على المستضعفين في الرجعة.
٤ ـ قائمة وجدولة برجعة أهل الخير والشر.
٥ ـ تكرر رجوع أهل الشر كتكرر رجوع أهل الخير.
٦ ـ تكرر الرجعة لكل فرد.
٧ ـ الرجعة متكررة ومشككة عدداً وأفراداً وأمداً واختلاف أحكامها.
٨ ـ التفويج في الرجعة.
٩ ـ رجعة أمم بأسرها.
١٠ ـ افتراق الرجعة الموعودة عن رجعة الأمم.
١١ ـ مرحلة دابة الارض
١٢ ـ مرحلة ما بعد الدابة.
١٣ ـ رجعة الشياطين.
١٤ ـ رجعة إبليس وأن له قتلات.
١٥ ـ رجعة الحيوانات.
١٦ ـ إن للرجعة أقساماً وأنواعاً بحسب اختلاف الآجال.
١٧ ـ الرجعات والقبور وأن الرجعات اللاحقة ليست من القبر فضلاً عن عدم كونها ليست من الأرحام.
١٨ ـ من أُهُلك بالعذاب الإلهي لا يرجع في الرجعة.
١٩ ـ بقاء دولة الروم إلى رجعة أمير المؤمنين عليه السلام.
٢٠ ـ ترتب مراحل أواخر الرجعة.
٢١ ـ الساعة مرحلة نهائية في الرجعة.
المحطة الأولى: بداية الرجعة
قَدْ وَرَدَ أنّ بداية الرجعة بظهور القائم عجل الله فرجه، بَلْ إنَّ رجوع الناس يبدأ بين جمادى ورجب، وهو العجب كل العجب، وهو قبيل ظهوره عجل الله فرجه، وإن كان رجوع أئمة أهل البيت عليهم السلام ـ والذي يبدأ برجوع الحسين عليه السلام ـ يبدأ في أواخر حياة الحجة عليه السلام بن الحسن العسكري قبل استشهاده.
وقد وردت روايات مستفيضة ـ قد تقدم بعضها ويأتي بعضها الآخر لاحقاً ـ في هذه المقولة المشهورة عن أمير المؤمنين عليه السلام «العجب كل العجب ما بين جمادى ورجب»(٢٧٤)، وأن تفسيره هو رجوع الموتى لا سيما من الموالين لأهل البيت عليهم السلام.
كَمَا أنَّهُ وَرَدَتْ روايات أن جماعة من أصحاب القائم عجل الله فرجه هم ممن يرجع من الموتى، يقاتلون بين يديه ويكونون وزراءه، مثل ما رواه المفضل بن عمر عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «يُخرج القائم عليه السلام من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد ومالكا الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً»(٢٧٥).
وروى الطبري في دلائل الإمامة مسنداً عن المفضّل بن عمر، قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «يكرُّ مع القائم عليه السلام ثلاثة عشر امرأة!» قلت: وما يصنع بهنّ؟ قال: «يداوين الجرحى، ويقمن على المرضى كما كنّ مع رسول الله صلى الله عليه وآله»، قلت: فسمهنّ لي، قال: «القنواء بنت رشيد، وأمّ أيمن، وحبّابة الوالبية، وسمّية أم عمار بن ياسر، وزبيدة، وأمّ خالد الأحمسية، وأم سعيد الحنفية، وصبانة الماشطة، وأمّ خالد الجهنية»(٢٧٦).
وروى المفضل قال: قال أبو عبدالله عليه السلام يا مفضل أنت وأربع وأربعون رجلا تحشرون مع القائم، أنت على يمين القائم عجل الله فرجه تأمر وتنهى، والناس إذ ذاك أطوع لك منهم اليوم(٢٧٧).
وروى الصدوق بسنده عن الشعبي، قال ابن الكوا لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين أرأيت قولك العجب كل العجب بين جمادى ورجب قال عليه السلام: «ويحك يا أعور هو جمع أشتات ونشر أموات وحصد نبات» الحديث(٢٧٨).
ورواه في مختصر بصائر الدرجات في خطبة المخزون لأمير المؤمنين عليه السلام حيث سأله رجل: ما هذا العجب يا أمير المؤمنين؟ قال: «وما لي لا أعجب وقد سبق القضاء فيكم وما تفقهون الحديث إلا صوتات بينهن موتات حصد نبات ونشر أموات، يا عجباً كل العجب بين جمادى ورجب» قال الرجل أيضاً: يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه قال: «ثكلت الآخر أمه وأي عجب يكون أعجب من أموات يضربون هامات الأحياء»(٢٧٩) الحديث.
ومن الملفت أيضاً أن الذي يسترعي الانتباه والتدبر الملي أن الصيحة السماوية التي هي من أكبر علامات الظهورأول ما ينادى فيها «هذا أمير المؤمنين قد كرّ في هلاك الظالمين» أي ينادى بالرجعة وأنَّ هذا أمير المؤمنين قد رجع لينتقم من الظالمين.
 فقد روى النعماني بسند موثق عن عبد الله بن سنان عن أبي عبدالله عليه السلام في ذيل قوله تعالى: (إنْ نَشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)(٢٨٠)، «فلا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلّا خضع وذلّت رقبته لها، ألا إن الحق في علي عليه السلام وشيعته، فإذا كان من الغد صعد إبليس في الهواء حتى يتوارى عن أهل الأرض ثم ينادي ألا إنّ الحق في عثمان بن عفان وشيعته فإنه قتل مظلوماً، فاطلبوا بدمه، قال: فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق، وهو النداء الأوَّل»(٢٨١).
فتبين الرواية أن أول من ينادى باسمه هو أمير المؤمنين عليه السلام قبل النداء بظهور المهدي القائم عجل الله فرجه.
وروى الراوندي في الخرائج والجرائح عن الحميري بسنده عن الحسن بن محبوب عن الرضا عليه السلام، وكذا الطوسي في الغيبة بسند مصحح عن الحسن بن محبوب، وكذا النعماني في غيبته، والطبري في دلائل الإمامة، والصدوق في عيون أخبار الرضا، وكمال الدين، بطرق مستفيضة في حديث عن غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه «...كأني بهم شر ما يكونون وقد نودوا نداءً يسمع من بعد كما يسمع من قرب، يكون رحمة للمؤمنين وعذاباً على الكافرين» فقال له الحسن بن محبوب: وأي نداء هو؟
قال: «ينادون في رجب ثلاثة أصوات من السماء:
صوتاً: ألا لعنة الله على الظالمين، والصوت الثاني: أزفت الآزفة يامعشر المؤمنين، والصوت الثالث: يرون بدناً بارزاً نحو عين الشمس يقول: هذا أمير المؤمنين قد كرّ في هلاك الظالمين»(٢٨٢).
والظاهر أن هذه الصيحة برجوع أمير المؤمنين هي التي تقع في رجب، وهي تزامن بدء وقوع الرجعة، كما مر قبيل الظهور في شهر محرم.
وأما الصيحة باسم القائم عجل الله فرجه فهي إما بعد ذلك وفي شهر رمضان، كما وردت روايات عديدة بتعدد الصيحات.
فللرجعة بدايتان:
بداية لغير المعصومين عليهم السلام، سواء من الأولياء وعموم المؤمنين ومن الأشرار الأعداء، وهذه تقع بين جمادى ورجب قبيل ظهور الإمام عجل الله فرجه بأشهر.
وبداية أخرى للرجعة وهي رجوع المعصومين عليهم السلام، وأول من يرجع من الأئمة الأثني عشر هو الحسين وذلك في أُخريات حياة القائم الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه، ثم يرجع بعد الحسين عليه السلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
 وأكثر المعصومين رجوعاً برجعات وكرات كثيرة هو أمير المؤمنين عليه السلام، حيث سنشير إلى ذلك في الروايات، فهو صاحب الرجعات والكرات والدول ودولة الدول، وغير ذلك من المقامات التي تظهر له في الرجعات.
ولذا عبر في روايات الرجعة، أن الرجعة من خواص أمير المؤمنين عليه السلام، والمراد بذلك هذا المعنى، وإلّا فإنّ الروايات دالة على أن كل إمام يرجع أكثر من مرة، مضافاً لما مرّ من رجوع فاطمة عليها السلام، إلّا أنَّ رجعات سائر المعصومين لا تبلغ عدد رجعات أمير المؤمنين عليه السلام، وآخر من يرجع هو رسول الله صلى الله عليه وآله، وتكون دولته آخر دول الرجعة وأكبرها وأعظمها ويرجع معه الأئمة الاثنا عشر، ويكون وزيره أمير المؤمنين عليه السلام، وبقية الأئمة عليهم السلام ولاة له في الأرض، كما سيأتي تفصيل ذلك.
المحطة الثانية: اجتماع أجيال متباينة في الرجعة
ثم إن هناك تساؤل ملح يطرح نفسه في أدوار الرجعة، وهو أن الرجعة تتضمن رجوع أجيال من حقب زمنية مختلفة لهم ثقافات متباينة، وعادات ولغات متنوعة وأساليب في المعيشة متشعبة بحسب تفرقهم في الأزمان.
فكيف سينسجمون في حياة اجتماعية لمجتمع واحد؟
وهذا نظير الرجعة التي وقعت لأهل الكهف، بعد أن بعثهم الله وقص من أمرهم في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى المَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أيُّهَا أزْكَى طَعَاماً فَلْيَأتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أحَداً * إنَّهُمْ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إذا أبَداً * وَكَذَلِكَ أعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا)(٢٨٣).
فهذه الآيات بضميمة ما ورد في الروايات المبينة لظاهر ألفاظها، أن عثور أهل القرون اللاحقة والتفاتهم إلى أصحاب الكهف بعدما أحياهم الله، كان بتوسط التفات الناس إلى النقود التي أراد بعض أصحاب الكهف أن يشتري بها، حيث كانت من زمن (دقيانوس)، وقد مضى عليه أكثر من ثلاثمائة سنة، فهذا التضارب في التفاهم بين أصحاب الكهف وأسلوب تعاملهم مع القرون اللاحقة سبب اضطراباً لهم وتعجباً من جيل الأمم اللاحقة، مما أدى إلى أن يلح أصحاب الكهف في الدعاء بأن يميتهم الله تعالى، كما تشير إلى ذلك بعض الروايات.
والجواب: إنّ المؤمنين رغم تفرقهم في الأزمان والقرون يجمعهم وحدة التآخي ومودة الإيمان، فهم على قلب واحد، فالرؤى والمعالم المعنوية تجمع أهل الإيمان، لا سيما أنهم ليسوا من أهل الغرور والاغترار بالمظهر والزي وأسلوب المعيشة، كما هو الحال في المؤمنين في الزمن الواحد المتعاصر، فإنّ بعضهم في الحضر وبعضهم في الريف وبعضهم في القرى وبعضهم في البلدان المترفهة معيشة، وبعضهم في المناطق الفقيرة، وضمن عرقيات مختلفة وقوميات متنوعة ولغات مختلفة وعادات متلونة، لكن ذلك لا يمانع إلفتهم في مودة الإيمان وتفاهمهم بروح واحدة.
ومن ثم وردت القاعدة النبوية المتواترة عند الفريقين، أن من أحب قوماً حشر معهم، ولو اختلفت الأزمان والقرون بين عمل قوم وبين من أحب عملهم، مما يدلُّ على أن القاعدة الأصلية في الوحدة والمعية هي الرؤى ونهج المعتقد وطريقة السلوك، وكذلك أهل الأشرار مع بعضهم البعض.
هذا مضافا لوجود المعصوم بين ظهراني الراجعين للدنيا، وهو محورهم الجامع وملاذهم الذي يلتفون حوله، ليبين لهم مهامهم وتكاليفهم ويعلي من هممهم ويكامل أفكارهم وحلومهم، فلا يبقى أي مجال للتصادم والاختلاف.
المحطة الثالثة: الرجعة عامة لكل الناس وخاصة للبعض
قد اشتهر في كلمات الأعلام من علماء الإمامية قديماً وحديثاً أن الرجعة خاصة وليست بعامة، خاصة بمن محض الإيمان محضاً فهو الذي يرجع من فريق الخير.
بل عن الشيخ المفيد في المسائل السروية أنه قال: «والرجعة إنما هي لممحضي الإيمان من أهل الملة وممحضي النفاق منهم، دون من سلف من الأمم الخالية»(٢٨٤).
وسيأتي أن المراد من ممحض الإيمان ليس أكملهم، بل أدنى مراتب تحقق الإيمان، وخاصة بمن محض الكفر من فريق الشر الذي يرجع إلى الدنيا.
وأما المستضعفون سواء من ملة الإسلام والملل الأخرى وبقية النحل والطوائف والبُله والأطفال ونحوهم من الأقسام، فإنهم لا يرجعون، كما ورد ذلك مستفيضاً في أحاديث بيت النبوة صلى الله عليه وآله، وتأتي الإشارة إليه نظير ما ورد مستفيضاً أيضاً عنهم عليهم السلام، من اختصاص المسائلة في القبر بمن محض الإيمان محضاً وبمن محض الكفر محضاً، وسيأتي أن هناك صلة وطيدة بين حالات وأطوار البرزخ وعالم الرجعة، إلّا أن هذا المفاد وإن كان مستيفضاً عن أئمة الهدى عليهم السلام، واقتصرت أنظار الأعلام على ذلك غالباً، إلّا أن الصحيح أن ذلك في أوائل مراحل الرجعة دون أدوارها ومراحلها الوسطى فضلاً عن أواخرها.
وذلك لورود طوائف أخرى من الروايات عنهم عليهم السلام، دالة على عموم الرجعة في أواسطها وفي أواخرها.
كما أنّ ما يظهر من كلام الشيخ المفيد السابق ـ بإختصاص الرجعة بالمسلمين من أهل هذه الملة من محض الإيمان منهم ومن محض الكفر والنفاق منهم دون الأمم الأخرى والسابقة ـ هو قول غير تام، بل الصحيح أنه يعم جميع الأمم من محض الإيمان منهم ومن محض الكفر.
نعم الغالب في كثير من الأمم الأخرى نمط المستضعفين، هذا فضلاً عن أواخر الرجعة مما يجتمع فيه الأولين والآخرين نظير القيامة، كما سيأتي بيانه في الروايات.
ويستثنى من ذلك خصوص الأمم التي عذبت بالعذاب الإلهي العاجل، وكذا كل من يعذب بالعذاب الإلهي العاجل في دار الدنيا بالمسخ ونحوه فإنه لا يرجع.
بل ظاهر جملة من الروايات أن هذا القسم الأخيرلا يبعث في يوم وعالم القيامة، بل يبعث في البعث النهائي بعد القيامة إلى النار الأبدية، كقوم عاد وثمود وفرعون وغيرهم.
وقد روى القمي وبسند صحيح عن حماد عن أبي عبدالله عليه السلام قوله عليه السلام في ذيل قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون)(٢٨٥) وقال الصادق عليه السلام: «كل قرية أهلك الله أهلها بالعذاب لا يرجعون في الرجعة، فأما إلى القيامة فيرجعون، ومن محض الإيمان محضاً وغيرهم ممن لم يهلكوا بالعذاب ومحضوا الكفر محضاً يرجعون».
ولنستعرض أولاً نبذة من الروايات المستفيضة الواردة في كون الرجعة خاصة، ثم نعقبها بالطوائف الأخر الدالة على عموم الرجعة.
طوائف الروايات في من يرجع في الرجعة:
الأولى: الطائفة الخاصة:
١ ـ فقد روى في مختصر بصائر الدرجات عن سعد بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سمعت حمران بن أعين وأبا الخطاب يحدثان جميعاً قبل أن يحدث أبو الخطاب ما أحدث، أنهما سمعا أبا عبدالله عليه السلام يقول: «أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي عليه السلام، وأن الرجعة ليست بعامة بل هي خاصة، لا يرجع إلّا من محض الإيمان محضاً، ومحض الشرك محضاً»(٢٨٦).
٢ ــ ومصحح المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: (ويوم نحشر من كل أمّة فوجاً): «ليس أحد من المؤمنين قتل إلّا يرجع حتى يموت ولا يرجع إلّا من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً» الحديث(٢٨٧).
٣ ـ وروى الصدوق مرسلاً في الفقيه عن الصادق عليه السلام «أنه لا يسئل في القبر إلّا من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً، والباقون ملهو عنهم إلى يوم القيامة»(٢٨٨).
ومضمون هذا المرسل في إختصاص المسائلة في القبر بمن محض الإيمان محض بالكفر مضمون مسندٌ في طرق عديدة من المجلد الثالث من الكافي، إلّا أن الميزة في المرسل ذيله من أنه يلهى عن الباقين إلى يوم القيامة، ولعل المراد من القيامة هي الوسطى وليست القيامة الكبرى بل قيام البعث إلى الرجعة.
الثانية: الطوائف الدالة على عموم الرجعة:
أما ما يدل على أن الرجعة عامة لكل الناس، ولو بلحاظ أواخرها وما بعد أواسطها:
الطائفة الأولى: ما ورد في الروايات في ذيل قوله تعالى: (كلّ نَفْس ذائقةُ الموت) (ومنشورة) في قراءة أهل البيت.
١ ـ فقد روى في مختصر بصائر الدرجات، عن أبي جعفر عليه السلام «ليس من مؤمن إلّا وله قتلة وموتة، أنه من قتل نشر حتى يموت، ومن مات نشر حتى يقتل» ثم تلوت على أبي جعفر عليه السلام هذه الآية: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ) فقال: (ومنشورة)، قلت: قولك ومنشورة ما هو؟ فقال: «هكذا أنزل بها جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله وكل نفس ذائقة الموت ومنشورة»، ثم قال: «ما في هذه الأمة أحد بر ولافاجر إلّا وينشر، فأما المؤمنون فينشرون إلى قرة أعينهم، وأما الفجار فينشرون إلى خزي الله إياهم»(٢٨٩) الحديث.
وصدر الحديث وذيله وإن اختص بالمؤمن والكافر المنافق ولم يشمل المستضعف، إلّا أن وسط الرواية والاستشهاد بالآية التي هي عامة للمستضعفين أيضاً دال على كبرى وقوع الرجعة لكل نفس، وشامل للأطفال والبُله والمستضعفين، كما يشمل المؤمنين والكافرين، فإن كل نفس كما تقتل وتذوق الموت تنشر في الرجعة ليصيبها الطرف الآخر، وقد أكد على ذلك عليه السلام في قوله: «ما في هذه الأمة أحد».
٢ ـ وروى في البحار عن ابن قولويه عن سعد عن أبي جعفر عليه السلام أنه قرأ رجل على أبي جعفر (كل نفس ذائقة الموت)، فقال أبوجعفر عليه السلام: «ومنشورة هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد صلوات الله عليهما، أنه ليس من أحد من هذه الأمة إلّا سينشر، فأما المؤمنون...»(٢٩٠) الحديث.
ورواه العياشي(٢٩١) في ذيل الآية.
٣ ـ وروى عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «كل نفس ذائقة الموت لم يذق الموت من قتل، وقال لا بد من أن يرجع حتى يذوق الموت»(٢٩٢).
وهذه الرواية تشير إلى القاعدة العامة في الآية من وجود سنة كونية، وهي أن لكل نفس أجلين وحياتين أجل طبيعي واخترامي والتأكيد في هذه الروايات على استيعاب واستقصاء جميع الأمة دليل العموم.
٤ ـ وفي صحيح عن عبد الرحيم القصير عن أبي جعفر عليه السلام أنه قرأ هذه الآية (إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)(٢٩٣) أتدري من يعني؟
فقلت: يقاتل المؤمنون فيقتلون ويقتلون قال: لا، ولكن من قتل من المؤمنين رُد حتى يموت، ومن مات رُد حتى يقتل، وتلك القدرة فلا تنكرها»(٢٩٤).
فتبين هذه الروايات أن كل إنسان قُتل يرجع حتى يموت، وكل إنسان مات يرجع حتى يقتل.
٥ ـ وفي صحيح زرارة قال: كرهت أن أسأل أبا جعفر عليه السلام في الرجعة، فاحتلت مسألة لطيفة لأبلغ بها حاجتي منها، فقلت: أخبرني عمن قتل مات؟ قال: لا، الموت موت، والقتل قتل، فقلت له: ما أحد يقتل إلّا وقد مات، قال: فقال: يا زرارة، قول الله أصدق من قولك قد فرَّق بين القتل والموت في القرآن، فقال: (أفإنْ ماتَ وقُتِلَ)(٢٩٥)، وقال: (ولَئِن مُتُّم وقُتِلْتُم لإلى الله تُحْشَرون)(٢٩٦)، فليس كما قلت يا زرارة، فالموت موت والقتل قتل.وقد قال الله عَزَّ وَجَلَّ: (إنّ الله اشترى من المُؤمِنينَ أنْفُسَهم وَأمْوالَهُم بأنَّ لَهُمُ الجنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلون وَعْداًعليه حَقّاً)(٢٩٧)، قال: فقلت: إنّ الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقةُ المَوْتِ)(٢٩٨)، أفرأيت من قتل لم يذق الموت؟ فقال: ليس من قتل بالسيف كمن مات على فراشه، إنّ من قتل لابدّ أن يرجع إلى الدنيا حتّى يذوق الموت»(٢٩٩).
وذيل الصحيح صريح بل نص في أن من قتل ولو كان مستضعفاً كما هو حاصل بالضرورة وقوع القتل على المستضعفين، ممن لم يمحض الإيمان ولم يمحض الكفر، وما أكثر القتل فيهم في الحروب، وكذلك الأطفال والبله وغيرهم، فيندرجون بالضرورة في الرجوع والرجعة، لعموم القاعدة القرآنية كل نفس ذائقة الموت كما أشار عليه السلام إلى ذلك، وأن حقيقة الموت بالمعنى الأخص تختلف عن حقيقة القتل، وإن كان كل منهما موت بالمعنى الأعم.
٦ ـ مصححة الحسن بن راشد (عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: قال لترجعن نفوس ذهبت وليقتص (وليقتصن) يوم يقوم و(و) من عذّب يقتص بعذابه، ومن أُغُيط أغاظ بغيضه، ومن قتل أقتص بقتله، ويُرد لهم أعداؤهم معهم حتى يأخذوا بثأرهم، ثم يعمّرون بعدهم ثلاثين شهراً، ثم يموتون في ليلة واحدة قد أدركوا ثارهم وشفوا أنفسهم، ويصيرعدوهم إلى أشد النار عذاباً، ثم يوقفون بين يدي الجبار عَزَّ وَجَلَّ فيؤخذ لهم بحقوقهم(٣٠٠).
وهذه الرواية تمثل إحدى مراحل الرجعات، بلحاظ تنوع واختلاف غاياتها.
وتقريب دلالة العموم في هذه الرواية أن القاتل والمقتول يعم بالضرورة المستضعفين ومن لم يمحض الايمان ولم يمحض الكفر فيما كان الطرف الآخر ممحض في الإيمان وممحض في الكفر.
٧ ـ وروى في البحار من كتاب السيد حسن بن كبش عن المقتضب، ورواه في البحار أيضاً عن المقتضب مسنداً عن سلمان الفارسي رحمه الله في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن الأئمة الاثني عشر وفاطمة عليها السلام... ثم قلت يا رسول الله ادعُ الله لي بإدراكهم قال صلى الله عليه وآله: «يا سلمان إنك مدركهم وأمثالك ومن تولاهم بحقيقة المعرفة، قال سلمان: فشكرت الله كثيراً، ثم قلت: يا رسول الله مؤجل فيّ إلى أن أدركهم؟ فقال: «يا سلمان اقرأ: (فَإذَا جَاءَ وَعْدُ اُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا اُولِي بَأسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأمْدَدْنَاكُمْ بِأمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أكْثَرَ نَفِيراً)(٣٠١) قال سلمان: فاشتد بكائي وشوقي فقلت: يا رسول الله بعهد منك فقال: إي والذي أرسل محمداً إنه بعهدٍ مني وعلي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة أئمة وكل من هو منا ومظلوم فينا، إي والله يا سلمان، ثم ليحضرن إبليس وجنوده وكل من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً حتى يؤخذ بالقصاص والأوتار والترات ولا يظلم ربك أحداً، ونحن تأويل هذه الآية (وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).(٣٠٢)
قال سلمان: فقمت بين يدي رسول الله وما يبالي سلمان متى لقي الموت ولقيه(٣٠٣).
اختصاص الرجعة بمن محض في المسائلة لا في نفس الرجوع:
تأويل كون الرجعة خاصة بما لا ينافي عمومها:
فقد روى سعد بن عبدالله الأشعري في الصحيح عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لا يُسئل في القبر إلّا من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً، ولا يُسئل في الرجعة إلّا من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً»، قلت له: فسائر الناس، فقال: «يُلهى عنهم»(٣٠٤). ورواه الكليني في الكافي إلاّ أنه اقتصر على صدره.
وصريح هذه الرواية تأويل وتفسير خصوص الرجعة بمن محض الإيمان ومحض الكفر بمعنى اختصاص المسألة في الرجعة بمن محض الإيمان ومحض الكفر، لا بمعنى اختصاص أصل الرجوع، فالجميع يرجع لكن المسائلة في الرجعة مختصّة بمن محضّ كما هو الحال في القبر، فإن ولوج عالم القبر لا يختص بمن محض الإيمان ومحض الكفر، بل سائر الناس يلجون القبر، وإنما الذي يختص في القبر بمن محض الإيمان ومحض الكفر هي المساءلة فقط، ففرق بين الورود في عالم القبر فهو لجميع الناس، وبين المساءلة في القبر، وكذلك الحال بحسب نص هذه الرواية في الرجعة، ففرق بين الرجوع والخروج إلى عالم الرجعة من القبر، فهو لجميع وسائر الناس، وإنما المختص في الرجعة بمن محض الإيمان والكفر إنما هو المساءلة.
وهذه الرواية الصحيحة تنبه على أن ما ورد في الروايات المستفيضة(٣٠٥) من مساواة الاختصاص في مساءلة القبر بمن محض الإيمان ومحض الكفر مع اختصاص الرجوع كذلك، أنّ المراد باختصاص الرجوع ليس أصل الرجوع، بل هو المساءلة والمحاسبة، والمداينة في الرجعة، فسائر الناس يرجعون ولكن يلهى عنهم ولا يعبأ بهم حتى تستكمل معرفتهم.
وبعبارة أُخرى: إنَّ ما وَرَدَ في روايات مستفيضة من وحدة اختصاص مسائلة القبر أنه متحد مع الاختصاص في الرجعة، فلم توحّد هذه الروايات المستفيضة بين أصل الورود في القبر مع أصل الورود في الرجعة، بل وحّدت بين المسائلة في القبر مع الرجعة، مما ينبه على أن الاختصاص في الرجعة هو في المسائلة لا في أصل الرجوع.
كما أن من هذه الصحيحة مع انضمامها لتلك الروايات المستفيضة من التوحيد بين شأن عالم القبر والبرزخ مع شأن عالم الرجعة، يظهر بوضوح أن للقبر وللبرزخ أحكاماًَ وشؤوناً ذات صلة وطيدة بعالم الرجعة، وأنه ممهد للخروج والبعث في الرجعة.
نعم في بعض نسخ مختصر بصائر الدرجات، يوجد سقط في ذيل الرواية.
٨ ـ ما ورد مستفيضاً في ذيل قوله تعالى: (إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأتُونَ أفْوَاجاً)(٣٠٦)، حيث دلت الروايات الآتية على أن ظهور هذه الآية هو في الرجعة لا في يوم القيامة، لأن في يوم القيامة يُبعث الجميع كما في قوله تعالى: (وَحَشَرْناهُم فَلَم نُغادِرْ مِنْهُم أَحَداً)(٣٠٧)، فهذه الآيات في سورة النبأ بهذا التقريب من ظهورها الذي نُّبه عليها في الروايات دالّ على عموم الرجعة لعموم الناس غاية الأمر أنه بنحو تدريجي تفويجي.
أما الروايات الواردة في ذيل الآية:
فقد روى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن عقبة عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سئل عن الرجعة أحق هي؟ قال: نعم، فقيل له: من أول من يخرج؟ قال: «الحسين عليه السلام يخرج على أثر القائم»، قلت: ومعه الناس كلهم، قال: «لا بل كما ذكر الله تعالى في كتابه (يَوْمَ يُنْفَخ في الصُّور فَتَأْتُونَ أفْواجاً)(٣٠٨) قوماً بعد قوم»(٣٠٩).
وتقريب دلالة الرواية أنَّه الإمام قرر في الجواب رجوع الناس كلهم لكن لا دفعة بلْ فوج بعد فوج.
معنى من محض الإيمان ومحض الكفر:
وقدْ وَرَدَتْ روايات صريحة في أنَّ معنى محض الإيمان هو الإيمان والإقرار بالشهادة الأولى والثانية والثالثة، أي بمعنى أصل تحقق الإيمان الأوَّلي وبداية درجاته وإن لم يصل إلى نهايات كماله، وإنْ ورد بهذا المعنى الثاني استعمال آخر في الآيات والروايات.
فقد روى الكليني بسنده عن أبي بكرالحضرمي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أصلحك الله من المسئولون في قبورهم قال: من محض الإيمان ومن محض الكفر قال: «فقلت: فبقية هذا الخلق قال: يلهى والله عنهم ما يُعبأ بهم، قال وقلت وعما يسألون قال: عن الحجة القائمة بين أظهرهم، فيقال للمؤمن ما تقول في فلان بن فلان فيقول: ذاك إمامي فيقال، نم أنام الله عينك ويفتح له باب من الجنة فما زال يُتحفه من رَوحها إلى يوم القيامة، ويقال للكافر ما تقول في فلان بن فلان قال فيقول قد سمعت وما أدري ما هو فيقال لا دريت ، قال ويفتح له باب من النار فلا يزال يتحفه من حرّها إلى يوم القيامة»(٣١٠).
وروى أيضاً بسنده عن إبراهيم بن أبي البلاد عن بعض أصحابه عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: يقال للمؤمن في قبره من ربك قال فيقول: الله، فيقال له ما دينك فيقول الإسلام، فيقال من نبيك فيقول مُحمَّد صلى الله عليه وآله، فيقال من إمامك فيقول فلان، فيقال كيف علمت بذلك، فيقول أمر هداني الله له وثبّتني عليه، فيقال: نم نومة لا حلم فيها نومة العروس ثم يفتح له باب إلى الجنة فيدخل عليه من روحها وريحانها الحديث، وفي ذيلها ذكر عكس ذلك في الكافر(٣١١).
وروى أيضاً بسنده عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام ـ (في حديث عن المؤمن إذا وضع في قبره وعن منكر ونكير) ـ ويسئلانه فيقولان له من ربك فيقول الله، فيقولان ما دينك فيقول الإسلام، فيقولان ومن نبيك، فيقول مُحمَّد صلى الله عليه وآله، فيقولان فمن إمامك فيقول فلان، فينادي مناد من السماء صدق عبدي افرشوا له في قبره من الجنة، وافتحوا له في قبره باباً إلى الجنة وألبسوه من ثياب الجنة حتى يأتينا، وما عندنا خير له، ثم يقال له نم نومة عروس نم نومة لا حلم فيها.
قال وإن كان كافراً...ثم يدخل عليه ملكا القبر...فيقولان له من ربك فيتلجلج ويقول قد سمعت الناس يقولون فيقولان له لا دريت ويقولان له ما دينك فيتلجلج فيقولان له لا دريت ويقولان له من نبيك فيقول قد سمعت الناس يقولون، فيقولان له لا دريت ويسأل عن إمام زمانه، قال وينادي مناد من السماء كذب عبدي افرشوا له في قبره من النار وألبسوه من ثياب النار وافتحوا له باباً إلى النار حتى يأتينا وما عندنا شرٌّ له فيضربانه بمرزبة» الحديث(٣١٢).
هذا والحاصل أن مقتضى اتحاد عنوان ووصف من محض الإيمان ومحض الكفر في مسائلة القبر، وفي من يرجع في الرجعة أي في نصفها الأول هو اتحاد المعنى المراد من هذا العنوان والوصف.
وقد مرّ سرّ ووجه اتحاد من يُسائل في القبر والذي يرجع في الرجعة، وهذا الاتحاد كاشف عن أن من تكامل في طريق الخير وتردى في طريق الشر هو الذي يسائل في القبر وهو الذي يكون له استعداد وقابلية للرجوع وللمسائلة فيه في أوائل الرجعة دون المستضعفين والبله ونحوهم.
وهو مما يدعم إستعمال محض الايمان في أصل الايمان لا في أعلى مراتبه الكاملة.
سر سبق من محض الإيمان ومحض الكفر على المستضعفين في الرجعة:
والظاهر أن سببه هو وصول من محض إلى الكمال المستعد لمسير كمال الرجعة وكمال المحاسبة والمسائلة فيها، بخلاف المستضعف، فهو لا زال في حالة تطور وتدرج قبل أن يستوي لقبول كمال الرجعة، ولقبول المحاسبة والمسائلة فيها على كلا التأويلين في اختصاصها، والظاهر أن هذا هو تفسير اختصاص المساءلة في القبر بمن محض دون المستضعفين.
المحطة الرابعة: قائمة أسماء من يكر من أهل الخير وأهل الشر
١ ـ قد وردت الروايات المستفيضة بنظم وتنظيم خاص في نظام مراحل الرجعة ومن يرجع، والطابع العام في الرجعة يأخذ منحى التفويج، كما أشار إلى ذلك أئمة أهل البيت عليهم السلام في قوله تعالى (يومَ نَحْشر مِنْ كُلِّ أمَّةٍ فَوْجاً)(٣١٣)، وظاهر الآية كما أشير في الروايات يقتضي التفويج، كطابع عام في غالب الرجعة، أي إلى قريب أواخرها.
 ٢ ـ كما أن هناك طابعاً عاماً أيضاً في الرجعة بيّنوا معالمه عليهم السلام، وهو ما في قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)(٣١٤).
فقد روى البرقي في الصحيح عن يعقوب بن شعيب قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يوم ندعوا كل أناس بإمامهم، فقال: «ندعوا كل قرن من هذه الأمة بإمامهم» قلت: فيجي ء رسول الله صلى الله عليه وآله في قرنه، وعلي عليه السلام في قرنه، والحسن عليه السلام في قرنه، والحسين عليه السلام في قرنه، وكل إمام في قرنه الذي هلك بين أظهرهم؟ فقال: نعم»(٣١٥).
وهذا الصحيح ناصّ على أنَّ للنبي رجعتين إحداهما هي التي أشار إليه الصحيح وهي رجوعه صلى الله عليه وآله مع من كان في قرنه لا مع عامّة الناس، والثانية بضميمة ما استفاض من رجوعه صلى الله عليه وآله آخر الرجعة ومعه جميع الأئمة الاثنى عشر وفاطمة وجميع البشر.
ثم إنَّ هناك قائمة بمن يرجع من أهل الخير وأئمة الهدى، كما أن هناك قائمة بمن يرجع من أهل الشر وأئمة الضلال والكفر.
فأما أئمة الهدى فالعترة من آل محمد صلى الله عليه وآله.
٣ ـ فقد روى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن المعلى بن خنيس وزيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعناه يقول: إنَّ أوَّل من يكر في الرجعة الحسين بن علي ويمكث في الأرض أربعين سنة حتى يسقط حاجباه على عينيه(٣١٦).
٤ ـ وروى سعد أيضاً ـ بسند صحيح أعلائي في الصحة ـ عن محمد بن مسلم، قال: سمعت حمران بن أعين وأبا الخطاب يحدثان جميعاً ـ قبل أن يحدث أبو الخطاب ما أحدث ـ أنهما سمعا أبا عبدالله عليه السلام يقول: أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي عليه السلام الحديث(٣١٧).
وغيرها من الأحاديث المستفيضة في أن أول من يرجع الحسين عليه السلام.
والمراد من الأولية هنا، هو أنه أول من يرجع من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وستأتي جملة من الروايات أن الحسين عليه السلام يرجع والمهدي عليه السلام حيّ، أي أن رجوعه في أواخر عمر المهدي الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه قبل استشهاده، فيعّرف الإمام المهدي عليه السلام الناس بأن الحسين سبط النبي وسيد الشهداء الذي يؤمنون به هو هذا قد رجع الى الدنيا، حتى تستقر معرفة الناس به، ثم يستشهد الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه.
وأما بالنسبة لسائر عموم الناس، فإن أول من يرجع هم من يرجعون من المؤمنين الشيعة قبيل الظهور بين شهر جمادى ورجب.
وأما ثاني الأئمة عليهم السلام رجوعاً فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ويوافق رجوعه أواخر رجعة الحسين عليه السلام، وفي الروايات المستفيضة أن أكثر من يرجع من الأئمة عليهم السلام في الرجعة، أي يرجع ثم يموت ثم يرجع ثم يموت..وهكذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام، فهو صاحب الكرات والرجعات، وهو من يقيم الدول الكثيرة في الرجعة، بل يقيم أعظم الدول تدويلاً بين أئمة أهل البيت الاثني عشر عليهم السلام، فهو صاحب دولة الدول، كما ستأتي الروايات في ذلك.
نعم أعظم دولة تقام في الرجعة على الإطلاق، وهي آخر دولة في الرجعة، هي دولة الرسول صلى الله عليه وآله وخليفته أمير المؤمنين عليه السلام، ويكون بقية الأئمة الأحد عشر عليهم السلام معه أعوان ووزراء.
٥ ـ فقد روى سعد بن عبدالله في الصحيح عن بكير بن أعين قال: قال لي من لا شك فيه يعني أبا جعفر عليه السلام: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وعلياً عليه السلام سيرجعان»(٣١٨).
٦ ـ وروى أيضاً في المصحح عن أبان بن تغلب عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ـ في قتال علي لكفار قريش في الرجعة لمن كفر منهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ـ إن جبرئيل قال لرسول الله صلى الله عليه وآله واحدة لك واثنتان لعلي بن أبي طالب وموعدكم السلام، قال أبان: جعلت فداك وأين السلام، قال: يا أبان السلام من ظهر الكوفة»(٣١٩).
وسيأتي في الباب الرابع أن الكوفة مركز وعاصمة لدولة الإمام المهدي عليه السلام،وعاصمة لكل دول أئمة أهل البيت عليهم السلام،وعاصمة لدولة الرسول صلى الله عليه وآله.
بَلْ قَدْ روي أيضاً أن كل إمام عندما يرجع يرجع معه طاغوت عصره وقاتله فتدور رحى المواجهة وينتقم لكل إمام من ذلك الطاغوت.
 ٧ ـ فقد روى العياشي في تفسيره عن رفاعة بن مسلم قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: إنَّ أوَّل من يكر إلى الدنيا الحسين بن علي عليه السلام وأصحابه ويزيد بن معاوية (لع) وأصحابه فيقتلهم حذو القذة بالقذة ثم قال أبو عبدالله عليه السلام: ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا(٣٢٠).
 ٨ ـ وروى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث عن الرجعة، قال عليه السلام: وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر) يعني بذلك محمد صلى الله عليه وآله وقيامه في الرجعة ينذر فيها وقوله تعالى: (إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَر * نَذِيرًا لِّلْبَشَر) يعني محمد صلى الله عليه وآله نذيراً للبشر في الرجعة، وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ) قال: «يظهره الله عَزَّ وَجَلَّ في الرجعة»، وقوله تعالى: (حَتَّى إذا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ) «هو علي بن أبي طالب عليه السلام إذا رجع في الرجعة»، قال جابر: قال أبو جعفر: «قال أميرالمؤمنين صلوات الله عليه في قول الله عَزَّ وَجَلَّ» (رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِين) قال: هو أنا إذا خرجت أنا وشيعتي، وخرج عثمان بن عفان وشيعته ونقتل بني أمية، فعندها يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين(٣٢١).
 ٩ ـ وفي المختصر عن أبي عبدالله عليه السلام سئل عن الرجعة أحق هي قال: نعم، فقيل له: من أول من يخرج؟ قال: «الحسين عليه السلام يخرج على أثر القائم عليه السلام، فقلت: معه الناس كلهم؟ قال:لا، بل كما ذكره الله تعالى في كتابه: (يومَ يُنفخُ في الصورِ فتأتونَ أفواجا)(٣٢٢) قوماً بعد قوم»(٣٢٣).
وظاهرهذه الرواية ناظر إلى أغلب مراحل الرجعة من الابتداء إلى ما قبل أواخر الرجعة، وأن الطبيعة العامة للرجعة هي التفويج، أي بأفواج بعد أفواج.
١٠ ـ وروى في مختصر بصائر الدرجات عن أبي عبد الله عليه السلام: (ويقبل الحسين في أصحابه الذين قتلوا معه ومعه سبعون نبياً كما بعثوا مع موسى بن عمران عليه السلام فيدفع إليه القائم عجل الله فرجه الخاتم (فيلقاه الموت) فيكون الحسين عليه السلام هو الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه ويواري به حفرته)(٣٢٤).
 وسيأتي في معنى الرواية أحتمال إرادة أنّ السبعين من أصحابه الذين قتلوا معه يبعثون أنبياء معه كما بُعث الذين أختارهم موسى عليه السلام من قومه سبعين رجلاً لميقات الله، فلما ماتوا احياهم الله مرة اخرى وبعثوا في رجعتهم، ورجوعهم إلى الدنيا مرة أخرى أنبياء، وقد ورد ـ في شان السبعين من أصحاب موسى عليه السلام وأنهم رجعوا وبعثوا إلى دار الدنيا مرة أخرى أنبياء ـ روايات مستفيضة قد ذكر جملة منها الحر العاملي في كتابه (الايقاظ)، وكاف التشبيه في الرواية ظاهرة في الاشارة إلى ذلك كما في جملة زيارات سيد الشهداء في الفقرات التي تخص التسليم على الشهداء إشارات عديدة بصيرورتهم ربانيين صديقين.
١١ ـ وروى الشيخ الطوسي في الغيبة والمفيد في الاختصاص عن جابر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «ليملكن رجل منا أهل البيت بعد موته ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً» قال: فقلت: فمتى يكون ذلك؟ قال فقال: بعد موت القائم...، ثم يخرج المنتصر إلى الدنيا فيطلب بدمه ودماء أصحابه فيقتل ويسبي...، فإذا اشتد البلاء عليه وقتل المنتصر، خرج السفاح إلى الدنيا غضباً للمنتصر فيقتل كل عدو لنا، وهل تدري من المنتصر ومن السفاح يا جابر؟ المنتصر الحسين بن علي والسفاح علي بن أبي طالب»(٣٢٥).
ويفهم من هذه الروايات وهي نبذة يسيرة مما ورد في أوائل الرجعة أن الرجعة متصلة بظهور المهدي الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه بلْ متشابكة معه ثم يرجع أول من يرجع من أئمة أهل البيت عليهم السلام الحسين عليه السلام ثم أميرالمؤمنين عليه السلام وآخرهم رجوعاً في أواخر الرجعة سيد الرسل صلى الله عليه وآله، أي في رجعته الثانية، وأمَّا رجعته الأولى فهي مع من كان في قرنه أيضاً كما مرَّ في صحيح يعقوب بن شعيب، وأنَّ لكل إمام منهم عليهم السلام دولة عدل يقيمها.
١٢ ـ وروى في مختصر بصائر الدرجات في المصحح عن قيصر ابن أبي شيبة سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول في هذه الآية: (وَإذْ أخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) قال: ليؤمنن برسول الله صلى الله عليه وآله ولينصرن أمير المؤمنين علياً عليه السلام، قال: نعم والله من لدن آدم وهلم جرّا، فلم يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلّا ردّ جميعهم إلى الدنيا حتى يقاتلون بين يدي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام(٣٢٦).
وأما جدول قائمة رجعة الشر وأهل الشرور فقد عرفت أنَّ كل إمام من أئمة أهل البيت عليهم السلام، بلْ وكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله في رجعته الأولى عندما يرجع فإنه يرجع معه طاغوت زمانه وأنصار كل منهم، ليديل الله الحق على الباطل كرة وجولة للحق.
رجعة إبليس والشياطين والجن
١ ـ كما أن هناك ما يدل على أن لإبليس اللعين رجعة ورجعات، فقد روى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «إن إبليس قال (رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون) فأبى الله ذلك عليه وقال (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِين * إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم) فإذا كان يوم الوقت المعلوم ظهر إبليس في جميع أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يوم الوقت المعلوم وهي آخر كرة يكرها أمير المؤمنين عليه السلام فقلت: وإنها لكرات؟ قال: نعم، إنها لكرات وكرات، ما من إمام في قرن إلّا ويكر معه البر والفاجر في دهره حتى يديل الله عَزَّ وَجَلَّ المؤمن من الكافر، فإذا كان يوم الوقت المعلوم كرّ أميُر المؤمنين صلوات الله عليه في أصحابه وجاء إبليس في أصحابه، ويكون ميقاتهم في ارض من أراضي الفرات يقال لها الروحاء قريب من كوفتكم فيقتتلون قتالاً لم يُقتتل مثله قط منذ خلق الله عَزَّ وَجَلَّ العالمين...»(٣٢٧).
وقوله عليه السلام «ظهر أبليس لعنه الله في جميع أشياعه منذ خلق الله آدم الى يوم الوقت المعلوم» دالّ على رجوع جميع أهل الشر والأشرار منذ زمن آدم الى أواخر الرجعة، وفيه دلالة أيضا على عموم الرجعة.
وفي ذيل الرواية هبوط رسول الله صلى الله عليه وآله فيلاحق إبليس فيطعنه طعنة بين كتفيه فيكون هلاكه وهلاك جميع أشياعه، فعند ذلك يُعبد الله عَزَّ وَجَلَّ ولا يُشرك به شيئاً.
وتقريب دلالة هذهِ الرواية أنَّه قدْ وَرَدَ أيضا أنَّ القائم المهدي الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه هو الذي يقتل إبليس في مسجد سهيل (السهلة في الكوفة) كما سيأتي.
ووَرَدَ ثالثاً أيضاً أن أمير المؤمنين عليه السلام في أحد كراته يقتل إبليس كما سيأتي.
فيظهر من مجموع الروايات مع هذه الرواية، أن لإبليس قتلات ورجعات، آخرها هو في آخرالرجعة، وقد مرّ رجوع عثمان وأشياعه لمقاتلة أمير المؤمنين عليه السلام كما في قوله عليه السلام: «ظهر إبليس في جميع أشياعه إلى يوم الوقت المعلوم» ودال على رجوع كل الشياطين الاشرارمن الأنس والجن من أعوان إبليس اللعين.
٢ ـ روى الصدوق بسنده المعتبر عن عبدالعظيم بن عبدالله الحسيني قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد العسكري يقول: معنى الرجيم أنه مرجوم باللعن مطرود من مواضع الخير لا يذكره مؤمن إلّا لعنه، وأن في علم الله السابق أنه إذا خرج القائم لا يبقى مؤمن في زمانه إلّا رجمه بالحجارة، كما كان قبل ذلك مرجوماً باللعن(٣٢٨).
وظاهر الخبر أنه يقتل بالرجم في زمان ظهور المهدي عجل الله فرجه.
٣ ـ وروى في الأنوار المضيئة للسيد علي بن السيد عبدالحميد أن القائم عجل الله فرجه يقتل إبليس يوم الوقت المعلوم يجثو إبليس على ركبته في المسجد فيأخذ بناصيته ويضرب عنقه.
وجمعه مع ما ورد من قتل الرسول صلى الله عليه وآله لإبليس هو بحصول الرجعة لإبليس.
٤ ـ روى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن خالد بن يحيى عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث سأل فيه عن قول الرسول صلى الله عليه وآله: «اتقوا دعوة سعد» أي سعد بن أبي وقاص، قال عليه السلام: نعم قلت: وكيف ذلك قال: «إن سعداً أي ابن أبي وقاص يكر فيقاتل علياً»(٣٢٩).
٥ ـ ويظهر من بعض الروايات أن للدجال أيضاً رجعة، فقد روى الشيخ الطوسي في مجالسه (أماليه) بإسناده عن حذيفة بن أسيد عن أبي ذر، أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: «من قاتلني في الأولى وقاتل أهل بيتي في الثانية حشره الله في الثالثة مع الدجال (فهو فيها من شيعة الدجال)»(٣٣٠). ويظهر أن الدجال بعد أن يقتل يرجع رجعة إلى الدنيا مرة أخرى
٦ ـ نعم استثني من الرجعة كل قوم أهلكهم الله بالعذاب.
 فقد روى القمي في تفسيره في الصحيح عن حماد عن أبي عبدالله عليه السلام في ذيل قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُون) فقال الصادق عليه السلام: «كل قرية أهلك الله أهلها بالعذاب ومحضوا الكفر محضاً لا يرجعون في الرجعة، وأما في القيامة فيرجعون، أما غيرهم ممن لم يهلكوا بالعذاب ومحضوا الإيمان محضاً ومحضوا الكفر محضاً يرجعون»(٣٣١).
٧ ـ ووَرَدَ في رجوع عائشة، عن عبد الرحيم القصير، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: «أما لو قد قام قائمنا لقد ردت إليه الحميراء، حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة عليها السلام منها، قلت جعلت فداك ولم تجلد الحد قال لفريتها على أم ابراهيم، قلت فكيف أخَّره الله عَزَّ وَجَلَّ للقائم؟ إنَّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة ويبعث القائم عليه السلام نقمة»(٣٣٢).
المحطة الخامسة: مرحلة خروج دابة الأرض وما بعده
إنَّ مرحلة خروج الدابة ملحمة كبيرة في الرجعة أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُمِنْ كُلِّ اُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ)(٣٣٣).
والاعتقاد بخروج دابة الأرض كآية إلهية تحدث في آخر الزمان عقيدة متأصلة بين جميع المسلمين، مع كونها فصلاً مهماً في فصول الرجعة.
 وسيأتي البحث فيها مفصلاً إلّا أننا نشير إلى بعض ما يرتبط بهذه المرحلة وما بعدها تبياناً لجدولة مراحل الرجعة.
فقد روى نعيم بن حماد في كتاب الفتن(٣٣٤) في ذيل الآية من سورة النمل أن ذلك أيّ ـ خروج الدابة ـ حين لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، أي أن ظهور الدابة عند عدم تناهي الناس عن المنكروعدم أمرهم بالمعروف، وهذه الظاهرة تقع في أواسط الرجعة.
كما قد ورد عن مرحلة ما بعد الدابة إلى أواخر الرجعة في رواية الصدوق في إكمال الدين الواردة في الدجال عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث قال عليه السلام: «ولا تسألوني عما يكون بعد ذلك ـ أي بعد طامة الدابة في الرجعة ـ فإنه عهد إليّ حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا أخبر به غير عترتي»(٣٣٥).
وروى نعيم بن حماد بإسناده عن حذيفة في كتاب الفتن أيضاً وتخرج الدابة والآيات بعد عيسى عليه السلام بسبعة أشهر(٣٣٦)، وهذا التحديد لم نقف عليه من طرقنا.
وروى في إرشاد القلوب: (وتطلع الشمس من مغربها وتخرج الدابة، ويظهر الدجال، وينتشر يأجوج ومأجوج، وينزل عيسى بن مريم عليه السلام)(٣٣٧).
والظاهر أن الترتيب إما من الراوي والمراد مطلق السرد من دون بيان الترتيب، وذلك لأن هذه العلامات ونحوها وردت في روايات الفريقين كعلامات للساعة، والساعة كما سيأتي في الباب الثالث تطلق تارة على ساعة ظهور صاحب الأمر عجل الله فرجه، وثانية تطلق على رجعة الأئمة عليهم السلام، وثالثة تطلق على خروج الدابة، والآيات الكونية المهولة التي هي مراحل خطيرة من الرجعة، ورابعة تطلق على القيامة الكبرى كما أنَّ لفظة وعنوان القيامة هي الأخرى تطلق على هذه المواطن أيضاً، وخامسة تطلق أيضاً على موت الإنسان كما ورد (إذا مات ابن آدم قامت قيامته).
وأمَّا توقيت خروج يأجوج ومأجوج فيحتاج إلى مزيد من التتبع في بيانات الروايات، وسيأتي مزيد بحث عن أن من أسماء الرجعة وعناوينها (ظهور وخروج الآيات)، وهذا الاسم والعنوان لها ورد في قوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إلَّا أنْ تَأتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْراً)(٣٣٨)، وقوله تعالى: (سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا)(٣٣٩) وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ الله وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُون)(٣٤٠)، سيأتي في الباب الثاني أن الرجعة مروية بنحو متواتر في روايات العامة، ولكن بأسماء جملة من فصولها ومراحلها كخروج الدابة وظهور الآيات وغيرها من المفاصل والمراحل الخطيرة في الرجعة.
روى نعيم بن حماد في كتاب الملاحم والفتن حول الأحداث التي تقع بعد خروج الدابة «...ويلد المؤمن فلا يموت حتى يتم أربعين سنة بعد خروج دابة الأرض ثم يعود فيهم الموت فيمكثون بذلك (أي في البرزخ ونحوه) ما شاء الله ثم يسرع الموت في المؤمنين، فلا يبقى مؤمن فيقول الكافر قد كنا مرعوبين من المؤمنين فلم يبقى منهم أحد، وليس يفقد منا ميت فما لنا لا نتهارج فيتهارجون في الطريق تهارج البهائم، ثم يقوم أحدهم بأمه وأخته وابنته فينكحها في وسط الطريق يقوم عنها واحد وينزل عليها آخر لا ينكر ولا يغير فأفضلهم من يقول لو تنحيتم عن الطريق كان أحسن، فيكون بذلك لا يبقى أحد من أولاد النكاح يومئذ، ويكون جميع أهل الأرض من أولاد السفاح، فيمكثون بذلك ما شاء الله، ثم يعقم الله أرحام النساء ثلاثين سنة فلا تلد امرأة ولا يكون في الأرض طفل يكونون كلهم أولاد الزنا شرار الناس وعليهم تقوم الساعة(٣٤١).
وروى السيد ابن طاووس في سرور أهل الإيمان في حديث عن بقاء أهل الروم ودولتهم إلى وقت خروج الدابة «... وينادي مناد من ناحية المشرق... ومن الغد تتلون الشمس وتصفر فتصيرسوداء مظلمة ويوم الثالث يفرق الله بين الحق والباطل وتخرج دابة الأرض وتقبل الروم إلى ساحل البحر عند كهف الفتية فيبعث الله الفتية»(٣٤٢) ويحتمل قويا أن العطف غير ترتيبي في الرواية والخطأ والوهم من الراوي.
المحطة السادسة: رجعة الحيوان
ويُشير إلى رجعة الحيوان قوله تعالى في قصة عزير: (أوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أنَّى يُحْيِي هَذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأمَاتَهُ الله مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أعْلَمُ أنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(٣٤٣).
وفي الآية دلالة واضحة على إحياء الحيوان وهو الحمار بعد إماتته وهو حمار عزير.
وكذا قوله تعالى: (وإذا الوُحُوشُ حُشِرَت)(٣٤٤)، وإنْ كان للآية عدة تأويلات صحيحة منصوصة، لما سيأتي من أن وقوع الحشر يتكررعدة مرات في الرجعة زيادة قبل وقوع حشر القيامة الكبرى، وعلى أي تقدير فالآية الأولى ناصّة على المطلوب، وكذلك الشأن في كلب أصحاب الكهف (وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) وقدْ مرَّ أنَّ الحيوانات المأكولة في الرجعة يأكلها المؤمن فيحييها مرة أُخرى، وكذلك الطيور التي أحياهن النبي إبراهيم في سورة البقرة.
المحطة السابعة: أواخر الرجعة
فقد روى المجلسي في البحار عن بعض مؤلفات أصحابنا عن الخصيبي صاحب الهداية الكبرى بسند متصل ذكره في البحار عن المفضل بن عمر عن أبي عبدالله في حديث طويل عن الظهور والرجعة قال فيه...: (ثم يخرج الصديق الأكبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وينصب له القبة بالنجف، ويقام أركانها ركن بالنجف وركن بهجر وركن بصنعاء وركن بأرض طيبة لكأني أنظر إلى مصابيح تشرق في السماء والأرض كأضوأ من الشمس والقمر فعندها (تُبْلَى السَّرائِرُ) و(يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ). ثم يخرج السيد الأكبر محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أنصاره ومن آمن به وصدقه واستشهد معه، ويحضر مكذبوه والشاكون فيه والرادون عليه والقائلون فيه إنَّه ساحر وكاهن ومجنون وناطق عن الهوى ومن حاربه وقاتله، حتّى يقتص منهم بالحق ويجازون بأفعالهم منذ وقت ظهور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ظهور المهدي عجل الله فرجه مع إمام إمام ووقت ووقت ويحق تأويل هذه الآية (وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(٣٤٥).
قال المفضل: يا سيدي ومن فرعون وهامان قال: أبو بكر وعمر، قال المفضل يا سيدي ورسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما يكونان معه(٣٤٦) فقال: لابدَّ أن يطأ الأرض إي والله حتى ما وراء الخاف(٣٤٧) إي والله وما في الظلمات وما في قعر البحار حتى لا يبقى موضع قدم إلّا وطياه وأقام فيه الدين الواجب لله تعالى ثم لكأني أنظر ـ يا مفضل إلينا معاشر الأئمة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نشكو إليه ما نزل بنا من الأمة بعده وما نالنا من التكذيب والرد علينا وسبينا ولعننا وتخويفنا بالقتل وقصد طواغيتهم الولاة لأمورهم من دون الأمة بترحيلنا عن الحرمة(٣٤٨) إلى دار ملكهم وقتلهم إيانا بالسم والحبس.فيبكي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: يا بنيّ ما نزل بكم إلّا ما نزل بجدكم قبلكم، ثم تبتدى ء فاطمة عليها السلام وتشكو ما نالها من أبي بكر وعمر ـ...الحديث(٣٤٩).
ولا يخفى أنَّ هذهِ الرواية هي الأُخرى يمكن أن نستظهر منها رجعتين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أولى مع من كان في رقنه، وثانية مع جميع الناس كما مرَّ في صريح صحيح يعقوب بن شعيب.
وروى الشيخ الطوسي في أماليه وسعد بن عبدالله في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن بريدة الأسلمي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا علي إن الله أشهدك معي في سبع مواطن... إلى أن قال: الموطن السابع نبقى حتى لا يبقى أحد وهلاك الأحزاب بأيدينا»(٣٥٠).

الفصل الخامس: موقعية الرجعة في العقيدة والإيمان

قال الحر العاملي في الباب الثاني من كتاب الإيقاظ من الهجعة: (الأمر الثامن): إنّا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة، وكلّ وقت كما أنّا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات بالتوحيد والنبوّة والإمامة والقيامة، وكلّ ما كان كذلك فهو حقّ، والصغرى ثابتة بالنقل المتواتر الآتي، والكبرى بديهية فالرجعة حقّ(٣٥١).
وفي هذا النصّ ـ للحر العاملي ـ تكمن حقيقة موقعية الرجعة في العقيدة، وتعتبر هذه العبارة من الحرّ العاملي فتح في مسألة الرجعة بصورة خاصة والعقائد بصورة عامّة، وهذه العبارة ناظرة إلى أمور ثلاثة:
الأمر الأول: الإقرار بالرجعة.
الأمر الثاني: الإعتقاد بها.
الأمر الثالث: تجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة.
فهذا نصّ جامع ذكره الحر العاملي في هذه المسألة الخطيرة ويشير إلى عدم حصر التركيز والأهمية على الجانب التنظيري الفكري في الاعتقاد بها، بلْ لابدّ من التركيز على جانب التعليم العملي، وهذا لابدّ فيه من الديمومة والاستمرارية لذكرها في كل آن، فجعل مسألة الرجعة المجمع الجامع لأصول الدين إذ فيها توحيد ونبوّة وإمامة ومعاد.
فركّز الحر العاملي على أننا من جهة الرجعة مأمورون بذكرها ورداً، أي أن هناك أمرا واردا منهم عليهم السلام في البين بأمور ثلاثة:
الإقرار باللسان، وهذا أمر مهم إذ لا يكتفى في الإيمان بالاعتقاد القلبي دون اللسان فلابد من إظهار ذلك لسانا.
ثم الاعتقاد، أي عقد القلب عليها وهو ليس جانباً فكرياً فقط، بل تعايشاً عملياً علمياً معها.
ثم تجديد الإقرار بها كل يوم وفي كل ورد، و(تجديد في عبارة الحر) فعل مضارع يدل على الاستمرار، وهذا يحصل عبر الأدعية والزيارات ويوم الجمعة، وهذه الموارد ليست على سبيل الحصر، بل من باب أوضح المصاديق، ثم عقّبها بـ: (كل آن عليك تجديد الاعتراف الفعلي بمسألة الرجعة في كل حين).
ثم إنّ هناك شواهداً روائية لا بأس بذكرها:
 ١ ـ عن عبدالله بن جندب، قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عما أقول في سجدة الشكر فقد اختلف أصحابنا فيه؟ فقال: «قل وأنت ساجد: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك أنك الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيّي وعلياً وفلاناً وفلاناً...إلى آخرهم، أئمتي بهم أتولّى ومن عدوهم أتبرّأ، اللهمَّ إني أنشدك دم المظلوم ـ ثلاثاً ـ اللهم إني أنشدك بإيوائك على نفسك لأوليائك لتظفرنهم بعدوك وعدوهم ان تصلي على محمد وعلى المستحفظين من آل محمد»(٣٥٢).
ويراد بالإيواء على نفسه وعد الله تعالى في قوله: (وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(٣٥٣).
وقوله: «لتظفرنهم» متعلق بالإيواء، واللام جواب للقسم الذي في معنى الإيواء.
فمفاد الحديث إستحباب ذكر الرجعة في سجدة الشكر لكل صلاة يومية، والدعاء لتعجيل إنجاز الله لوعد الله برجعة وإرجاع أئمة أهل البيت لإقامة دولة العدل.
٢ ـ وروى في مصباح المتهجد الشيخ الطوسي في التشهد الثاني: «بسم الله وبالله والأسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون»(٣٥٤)، والدعاء (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) عنوانٌ للرجعة، حيث يتم فيها الوعد الإلهي، وقد ورد بذلك روايات مستفيضة، إلى غير ذلك من الروايات الواردة في التشهد، مما يدل على الأمر بالتشهد والإقرار بالرجعة كجزء ندبي في تشهد الصلاة يومياً.
 ٣ ـ ما ورد في إستحباب التشهد والإقرار بالرجعة في خطبتي صلاة الجمعة، كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في خطبة يوم الجمعة في الخطبة الأولى: «الحمد لله نحمده ونستعينه...وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون...»(٣٥٥) الحديث.
٤ ـ ما ورد من استحباب التشهد والاقرار بالعقائد الحقة في الوصية، فقد روى الصدوق في الفقيه عن سليم بن قيس الهلالي قال: شهدت وصية علي بن ابي طالب عليه السلام حين أوصى لابنه الحسن:
«...بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أنه يشهد أن لا إله الا الله وحده لاشريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون صلى الله عليه واله...الحديث»(٣٥٦).
ومفاد هذه الروايات في تشهد الوصية وتشهد كل صلاة والتشهد في خطبة الجمعة أن من كمال التشهد بالشهادتين التشهد والاقرار بالرجعة، فإن إظهار الدين وغلبته على كافة الارجاء إنما يتحقق في الرجعة، كما دلت عليه روايات مستفيضة ومتواترة.
٥ ـ تعليم أمير المؤمنين عليه السلام لأهل الكوفة عقيدة الرجعة:
أ ـ وذلك عبر تكراره عليه السلام رجزاً محفوظاً يكرره في خطبه وأنديته الشريفة كورد ذكري يُحفظ، فقد ورد في روايات عديدة أنَّه عليه السلام قد لقن أهل الكوفة هذا الرجز المعروف «العجب كل العجب ما بين جمادى ورجب» حتى عاد ينشدها الأطفال في سكك الكوفة وبقيت إلى زمان الإمام الباقر عليه السلام، حتى أن أبان بن تغلب سأل الباقر عليه السلامعن معنى هذه الأرجوزة التي ينشدها أطفال الكوفة.
وهذه الأرجوزة جُعلت في روايات أهل البيت عليهم السلام عنواناً للرجعة ولرجعة المؤمنين قبيل ظهور المهدي عجل الله فرجه.
فقد روى المفيد في الإرشاد ومختصر بصائر الدرجات: أن رجلاً قال يا أمير المؤمنين عليه السلام ماهذا العجب الذي لا تزال تعجب منه قال عليه السلام: «ثكلت الآخرُ أمه وأي عجب يكون أعجب من أموات يضربون هامات الأحياء» قال: أنى يكون ذلك يا أمير المؤمنين عليه السلام قال: «والذي فلق الحب وبرأ النسمة كأني أنظر إليهم قد تخللوا سكك الكوفة وقد شهروا سيوفهم على مناكبهم ليضربون كل عدو لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين وذلك قول الله عَزَّ وَجَلَّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور)... الحديث(٣٥٧).
وأشار عليه السلام في هذه الرواية الى أن الجاحد والمنكر للرجعة يائس من عود أصحاب القبور وهو كافر بالايمان وأن الايمان برجعة أصحاب القبور بمنزلة الإيمان بالمعاد الأكبر، لأنَّ الرجعة معاد أصغر كما قرر ذلك علماء الامامية إستفادة من بيان الآيات والروايات.
وهذا العنوان والارجوزة أحد عناوين وأسماء الرجعة الشهيرة في لسان الروايات.
٦ ـ وهناك عنوان ثان كرّره أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً على المسلمين في الكوفة ونبّههم إليه وهو أنَّه مثل ذي القرنين، وقد روى ابن بابويه القمي في الإمامة والتبصرة صحيح أبي بصير عن أبي جعفر عليه عليه السلام قال: «إن ذي القرنين لم يكن نبياً، ولكن كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه الله وناصح لله وناصحه الله أمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه فغاب عنهم زماناً ثم رجع إليهم فضربوه على قرنه الآخر وفيكم من هوعلى سنته».
ورواه الصدوق في علل الشرائع وكمال الدين(٣٥٨).
٧ ـ وهناك عنوان ثالث كان يكرره أمير المؤمنين عليه السلام ايضا وهو أنَّه عليه السلام له شبه من النبي أيوب عليه السلام، وأنه سيد الشيب، فقد قال الكشي: وجدت في كتاب محمد بن الحسن بن بندار القمي بخطه، حدثني في الحسن بن أحمد المالكي عن جعفر بن فضيل قال: قلت لمحمد بن فرات لقيت أنت الأصبغ قال: نعم لقيته مع أبي فرأيته شخصاً أبيض الرأس واللحية طوال، قال له أبي حدثنا بحديث سمعته من أمير المؤمنين عليه السلام، قال: سمعت يقول على المنبر: «أنا سيد الشيب وفيّ شبه (سنة) من أيوب، وليجمعنّ الله لي شملي كما جمعه لأيوب»(٣٥٩) الحديث وقد ورد ذلك في روايات عديدة(٣٦٠).
٨ ـ وهناك عنوان رابع فهو ما ورد مستفيضاً جداً بل متواتراً عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: «أنا صاحب الكرات والرجعات ودولة الدول».
وروى الصفار في بصائر الدرجات صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: حدّث عن بني إسرائيل يا زرارة ولاحرج، قلت: إنّ في أحاديث الشيعة ما هو أعجب من أحاديثهم، فقال: وأي شي ء هو يا زرارة؟ فاختلس في قلبي فمكثت ساعة لا أذكر ما أريد، فقال عليه السلام: لعلك تريد الرجعة؟ قلت: نعم قال حدّث (صدّق) بها فإنها حق(٣٦١).
وهي تدل على صعوبة هظم مطالب الرجعة حتى على كبار أصحاب الأئمة عليهم السلام مثل زرارة، فضلاً عن كبار علماء الإمامية في الغيبة، ورغم ذلك فإن الإمام عليه السلام يأمر مثل زرارة بترويج ثقافة عقيدة الرجعة، لأنها من المعتقدات الحقة التي يجب أن يتربى عليها مجتمع المؤمنين والمسلمين.
وروى في مختصر بصائر الدرجات صحيح آخر لزرارة، قال سألت أبي عبدالله عليه السلام عن هذه الأمور العظام من الرجعة وأشباهها فقال: «إنّ هذا الذي تسألون عنه لم يجئ أوانه»(٣٦٢)، وقد قال الله عَزَّ وَجَلَّ: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله)(٣٦٣).
٩ ـ الإقرار في المناسبات بالاعتقادات الأساسية والضرورية:
فقد روى الطوسي في المصباح الكبير ـ في أعمال يوم الجمعة ـ عن الصادق جعفر بن مُحمَّد عليه السلام أنه قال: «من أراد أن يزور قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وقبور الحجج عليهم السلام وهو في بلده فليغتسل يوم الجمعة...» إلى أن قال: «وليقل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك أيها النبي المرسل، والوصي المرتضى، والسيدة الكبرى، والسيدة الزهراء، والسبطان المنتجبان، والأولاد الأعلام، والأمناء المستخزنون، جئت انقطاعاً إليكم وإلى آبائكم وولدكم الخلف على بركة الحق، فقلبي لكم سلم، ونصرتي لكم معدة حتى يحكم الله بدينه، فمعكم معكم لا مع عدوكم، إنّي من القائلين بفضلكم، مقرٌّ برجعتكم، لا أنكر لله قدرة، ولا أزعم إلّا ماشاء الله...»(٣٦٤) الحديث.
والإقرار في يوم الجمعة وفي كل مناسبة إنما هو بأصول الاعتقاد والضروريات، وورودها في أغلب الزيارات وأدعية الأشهر والأيّام وتكرّرها إنما هو لمزيد من تأصيل العقائد.
١٠ ـ مثل ما رواه الشيخ أيضاً في المصباح ـ في أعمال رجب ـ قال: زيارة رواها ابن عياش، قال: حدّثني خير بن عبدالله، عن مولاه ـ يعني أبا القاسم الحسين بن روح، قال: زر أيّ المشاهد كنت بحضرتها في رجب تقول: «الحمد لله الذي أشهدنا مشهد أوليائه في رجب، وأوجب علينا من حقّهم ماقد وجب، وصلّى الله على محمد المنتجب، وعلى أوصيائه الحجب...» إلى أن قال: «والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حتى العود إلى حضرتكم، والفوز في كرّتكم، والحشر في زمرتكم»(٣٦٥).
١١ ـ ما رواه رئيس المحدثين أبو جعفر ابن بابويه في الفقيه وعيون الأخبار، ورئيس الطائفة أبوجعفر الطوسي في التهذيب بأسانيدهما الصحيحة عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن موسى بن عبدالله النخعي، عن الإمام علي بن مُحمَّد عليهما السلام في الزيارة الجامعة يقول فيها: «أُشهد الله وأُشهدكم أني مؤمن بكم وبما آمنتم به، كافر بعدوّكم وبما كفرتم به...» إلى أن قال: «معترف بكم، مؤمن بإيابكم، مصدق برجعتكم، منتظر لأمركم، مرتقب لدولتكم...»، ثم قال: «ونصرتي لكم معدّة، حتى يحيي الله دينه بكم، ويردّكم في أيّامه، ويظهركم لعدله، ويمكّنكم في أرضه»، ثم قال: «فثبّتني الله أبداً ما بقيت على موالاتكم، وجعلني ممن يقتصّ آثاركم، ويسلك سبيلكم، ويهتدي بهديكم، ويحشر في زمرتكم، ويكرُّ في رجعتكم، ويملك في دولتكم، ويشرف في عافيتكم، ويمكَّن في أيامكم، وتقرُّ عينه غداً برؤيتكم»(٣٦٦).
١٢ ـ وقد كثر ورود لفظ الرجعة ومرادفاتها متواتراً في روايات الزيارات والأدعية في كلّ الأوقات، وهو شاهد على ما ذكره الحر العاملي من تأصيل الرجعة في أصول العقائد في بيانات الكتاب والسنة.
١٣ ـ ومثل ما رواه الشيخ وابن بابويه أيضاً بالسند السابق بعد الزيارة الجامعة في زيارة الوداع قال «إذا أردت الانصراف فقل: السلام عليكم سلام مودّع...» إلى أن قال: «السلام عليكم حشرني الله في زمرتكم، وأوردني حوضكم، وجعلني في حزبكم، وأرضاكم عنّي، ومكّنني في دولتكم، وأحياني في رجعتكم، وملَّكني في أيّامكم....»(٣٦٧).
ويراد بالأيّام الحقبة الزمنية لدولتهم.
١٤ ـ ومثل ما رووه أيضاً في دعاء العهد عن الصادق عليه السلام أنه قال: «من دعا الله أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا، فإن مات قبله أخرجه الله من قبره وأعطاه بكلّ كلمة ألف حسنة...» ثم ذكرالدعاء(٣٦٨).
وغيرها من روايات الثواب على الاستمرار بقراءة دعاء العهد، الدالة على الرجعة.
وهذه نبذة يسيرة من الاوراد والادعية والزيارات اليومية والموسمية، وإلّا فهناك ما يعجز عنه إحصاء المتتبع كثرة، فضلاً عن الروايات المتواترة في ابواب المعارف وغيرها.

الفصل السادس: الرجعة كمال وبلوغ في معرفة أصول الدين

قَدْ وَرَدَ في الروايات المستفيضة بيان وتأكيد عَلَى أنَّ معرفة الرجعة توجب البلوغ في معرفة قدرة الله، والبلوغ في معرفة النبوة ومعرفة الإمامة ومعرفة المعاد، وإن من تدنت معرفته دون ذلك كان من المقصّرة في المعرفة، ويكون في معرفة التوحيد من القدرية.
ولنستعرض مفاد وبيان الروايات في ذلك:
الرجعة ومعرفة التوحيد والمعاد:
فقد روى في مختصر بصائر الدرجات وغيره عن أبي الصباح، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام في حديث عن الكرات، فقال: «تلك القدرة ولا ينكرها إلّا القدرية، لا تنكرها تلك القدرة لا تنكرها، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُتي بقناع من الجنة عليه عذق يقال سنة، فتناولها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة من كان قبلكم»(٣٦٩).
وهذا الحديث المستفيض مضموناً يشير إلى أن من يجهل الرجعة ولم يذعن بها فلا يتحقق لديه الإيمان بقدرة الله ولا بالمعاد.
 وقد ورد مستفيضاً في روايات الرجعة أنّ الإيمان باليوم الآخر لا ينحصر إنطباقه وهويته وحقيقته على القيامة الكبرى والمعاد الأكبر، بل يراد به أيضاً يوم الرجعة وأنه اليوم الآخر من الدنيا، وفي هذا الحديث إشارة إلى أن إنكار الرجعة إنكار لقدرة الله، وأن الرجعة سنة تكوينية لله فيمن قبلنا من الأمم، وهذا المفاد يشير إلى نفس المفاد في قوله تعالى: (أوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أنَّى يُحْيِي هَذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأمَاتَهُ الله مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أعْلَمُ أنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(٣٧٠).
ومورد الآية إحياء بعد الإماتة في دار الدنيا فهي حياة ثانية في الدنيا بعد موت فيها، وأن استبعاد ذَلِكَ ـ فضلاً عن إنكاره ـ استبعاد وإنكار لقدرة الله، وأن هذا الإحياء الذي حصل متكرراً في بني إسرائيل كما تستعرضه سورة البقرة وسور أخرى، هو من السنة الإلهية التي وقعت في بني إسرائيل وستقع في هذه الأمة، بل إن في الروايات المستفيضة ـ كَمَا مَرَّ بعضها وتأتي أيضاً ـ أن الإيمان بالرجعة مرتبط بالإيمان بالمشيئة الإلهية، وأن إنكار الرجعة إنكار للمشيئة الإلهية.
والحاصل أنَّ من لم يعرف الرجعة يخفق في معرفة الصفات الإلهية، وذلك لأن الرجعة من أكبر مظاهر القدرة والمشيئة الالهية، فلا يكفي المعرفة الاجمالي انه قادر يفعل مايشاء في بلوغ المعرفة من دون المعرفة بالرجعة، وأنه قادر على الإحياء في دار الدنيا.
وقد تقدمت الإشارة في تعريفات الرجعة أن حقيقة البرزخ ليس كما ذكرها المتكلمون والفلاسفة والعرفاء من أنهُ عالمٌ متوسطٌ بين الدنيا والآخرة الأبدية، بل حقيقته نشأةٌ متوسطةٌ بين الحياة الأولى من الدنيا والحياة الآخرة من الدنيا أيضاً، وكما مرَّ وسيأتي، فإنه يعد من الهوامش الوجودية التابعة لدار الدنيا، وبمثابة الضواحي الجغرافية الوجودية التابعة لنشأة عالم الدنيا، ففي مصحح الوليد بن صبيح عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: دخلت عليه يوما فألقى إليّ وقال: ياوليد ردها على مطاويها، فقمت بين يديه فقال ابو عبدالله عليه السلام (رحم الله المعلى بن خنيس) فظننت أنَّه شبّه قيامي بين يديه بقيام المعلى بن خنيس بين يديه.
ثم قال أفّ للدنيا، أفّ للدنيا، إنما الدنيا دار بلاء سلط الله فيها عدوه على ولّيه، إن بعدها دارا ليست هكذا، فقلت: جعلت فداك وأين تلك الدار؟ فقال هاهنا وأشار بيده الى الأرض»(٣٧١).
وظاهر قوله عليه السلام «إن بعدها دارا» إشارة الى نشأة البرزخ، ثم إن قوله عليه السلام هاهنا في جواب السائل أين تلك الدار دال على شدة التصاق البرزخ وقربه من دار الدنيا، ولم يكتفي عليه السلام هنا إشارة الى القريب بل أتى بهاء التنبيه هاهنا إشارة ودلالة على شدة القرب وتداخل عالم البرزخ بعالم الدنيا وتأثير كل منهما على الاخر، ثم لم يكتفي بذلك بل أشار بيديه الى الارض تأكيداً لذلك القرب والتداخل، وأن نشأة البرزخ من فروع وشوؤن النشأة الارضية وأن بينهما موازاة ومحاذاة وأوتار وأبوابا يطل من أحدهما على الآخر.
وأما الذي يتوسط بين آخرة الدنيا وهي الرجعة وبين عالم القيامة فهي نشأة الساهرة وسيأتي المزيد من البحث في الباب الثالث.
كَمَا أنَّهُ تقدَّمت الإشارة ـ وستأتي مفصلاً ـ أن أغلب ما ظن أنه من آيات المعاد الأكبر هي في الرجعة وهي المعاد الأصغر، وجملة منها مشتركة بين المعادين.
وكذلك الحال في روايات المعارف الواردة في المعاد، ومن ثم فما صوّرهُ وشرحه المتكلمون والفلاسفة والعرفاء من المعاد الجسماني هو في الحقيقة عالم الرجعة، وأما المعاد الجسماني الأكبر فلا تشم رائحته في كلماتهم، ولا تبدوا صورته جلية فيما قرروه من المعاد، لمآل ما بحثوه إلى المعاد الأصغر وهو الرجعة، وهم يحسبون أنَّه المعاد الأكبر والقيامة.
وقد أشار إلى ذلك حديث أبي الطفيل عن أمير المؤمنين.... وقال أبي الطفيل وقرأ عليّ بذلك قراءة كثيرة (أي آيات وسور عديدة) وفسره تفسيراً شافياً حتى صرتُ ما أنا بيوم القيامة أشدُ يقيناً مني بالرجعة. الحديث(٣٧٢).
الرجعة ومعرفة النبوة:
فقد وردت روايات مستفيضة في بيان أن النذارة الأصلية التي هي أحد المهام الكبرى في تعريف النبوة إنما ستقام في الرجعة، وأن ما قام به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قبل إنما هي النذارة الصغرى تمهيداً وتوطئة لما سيقوم به في الرجعة.
وهذا يسلط الضوء بقوة على أن المعرفة الكاملة لنبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما تتحقق بمعرفة الرجعة، كما أنها تبين أن الشي ء الأكبر الذي سينذر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المعاد إنما سيتحقق في الرجعة ولم يتحقق بعد، كما يشير أيضاً إلى أن الدعوة الكبرى لأعماق الدين هي في الرجعة، فإن الدين عميق والوغول فيه برفق، كما في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام.
فهذه الدعوة الكبرى إنما تتم في الرجعة، وقد تقدم سابقاً في الفصل الأول، شواهد عديدة على ذلك تحت عنوان أن الرجعة مشروع عقيدة أولاً، ومشروع سياسي ثانياً.
وقد روى في مختصر بصائر الدرجات «عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر في قول الله عَزَّ وَجَلَّ (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر)(٣٧٣)، يعني بذلك مُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وقيامه في الرجعة ينذر فيها وفي قوله: (إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَر * نَذِيرًا لِّلْبَشَر)(٣٧٤) يعني مُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم نذيراً للبشر في الرجعة وفي قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ)(٣٧٥) «في الرجعة»(٣٧٦).
ومفاد هذه الرواية أن الأمر بالإنذار عُمدة ثقله ووظيفته هي في الرجعة، وأنّ النذارة الكبرى ستقع في الرجعة، وهو مما يكشف عن أن الإنباء والإنذار سيكون عن عقوبة أكبر مما قدْ تمَّ الإنذار به سابقاً سيقع من سيد الأنبياء في الرجعة، وأن هناك جملة عظيمة من العقوبات والجزاء الخطير لم يتم إبلاغه تفصيلاً بعدُ وإن تم بنحو الإجمال، ثم إن هذا مما يكشف إنّاً أنّ التكليف في الرجعة سيكون أشد من الحياة الأولى في الدنيا.
وهذا مما أشرنا إليه في الفصل الأول تحت عنوان التكليف في الرجعة، وأن التكليف يشتد درجة فيما يأتي من مراحل وأحوال أكثر مما سبق، وإليه الإشارة في قول أمير المؤمنين عليه السلام وقولهم عليهم السلام (لكفرةٌ من كفرات الرجعة أشد كفراً مما سبق).
ومرت الإشارة وستأتي لاحقاً في الباب الثالث أن القيامة عالم أكبر وأعظم - في كل شؤونه زماناً ومكاناً ومدة وشدة وعدة - من عالم الدنيا سواء أولاها وأخراها وهي الرجعة، إذ ليست القيامة يوماً بمدة أربعة وعشرين ساعة، نعم ومن وراء عالم القيامة البعث النهائي لجنة الأبد ولسعير الجحيم.
وروى بالإسناد السابق عن أبي جعفر عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: «إن المدثر هو كائن عند الرجعة فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أحياة قبل القيامة ثم موت، قال: فقال له عند ذلك نعم والله لكفرة من الكفر بعد الرجعة أشد من كفرات قبلها»(٣٧٧).
ورواه القمي في تفسيره أيضاً في ذيل الآيات.
الرجعة ومعرفة الإمامة:
وفي روايات الرجعة المستفيضة إشارات واضحة إلى أنْ حقّ معرفتهم بالإمامة لا تتمُّ بدون معرفة الرجعة، وإنَّ ما ذكره المتكلمون في تعريف الإمامة واقتصروا عليه هو بيان لمحور من حقيقة وهوية الإمامة وغفلة عن محاور وأركان أخرى أهم، ولا تتم هوية وتفسير الإمامة إلّا بها، وأن من تدنت معرفته دون ذلك كان من المقصّرة في المعرفة.
فالمهم في بيانات روايات الرجعة المستفيضة والمتواترة استخلاص ما تشير إليه الروايات من أن مجرد الإيمان ومعرفتهم بأنهم مفترضوا الطاعة كطاعة الله تعالى ليست معرفة كاملة بل الاقتصار على ذلك معرفة إجمالية ناقصة وتقصير في معرفتهم، وكذا مجرد معرفتهم بأن الإمامة ملك إدارة الحكم السياسي في دار الدنيا فإن الجزء الأكبر من تعريف الإمامة هي ملك ولاية الأمور في الرجعة وفي الدار الآخرة، وأن عالم القيامة وعالم الجنة الأبدية وآخرة الأبد لا ينتظم كيانه وعيشه إلّا بنظام إمامتهم، وهذا التعريف كما تلاحظ لم يورده المتكلمون ولا الفلاسفة.
ومما سيأتي من هذه الروايات تتبين أن معرفة الإمامة بدون معرفة الرجعة هي معرفة بدائية ناقصة، وقد وردت الروايات المستفيضة رواها الصفار في بصائر الدرجات والكليني والصدوق والمفيد وغيرهم بأسانيدهم عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: «يا أبا حمزة لا تضعوا علياً دون ما وضعه الله ولا ترفعوا علياً فوق ما رفعه الله كفى بعلي أن يقاتل أهل الكرة وأن يزوج أهل الجنة»(٣٧٨).
وفي رواية الكليني تفصيلٌ لدور أمير المؤمنين عليه السلام في عالم القيامة الكبرى وهذا الحديث المستفيض يشير إلى أن معرفة علي عليه السلام والأئمة بدون ذلك ـ أي بدون معرفة مقامهم في الرجعة ومقامهم في الآخرة ـ هو قصور في معرفتهم، وأن من مقامهم في القيامة وفي الآخرة أن حساب الناس يوم فصل الخطاب يُجريه الله عَزَّ وَجَلَّ على أيديهم.
وقد روى الصفار في بصائر الدرجات بسند صحيح عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام: «إني لأعجب من قوم يتولّونا ويجعلونا أئمة ويصفون بأن طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة الله تعالى، ثم يكسرون حجتهم ويخصمون أنفسهم فينقصونا حقنا ويعيبون ذلك على من أعطاه الله برهان حق معرفتنا والتسليم لأمرنا، أترون أن الله تعالى افترض طاعة أوليائه على عباده ثم يخفي عنهم أخبار السماوات والأرض ويقطع عنهم مواد العلم فيما يرد عليه مما فيه قوام دينهم»(٣٧٩).
ورواه الراوندي في الخرائج والجرائح والكليني في الكافي باختلاف يسير(٣٨٠).
وفي هذه الرواية إشارة واضحة إلى أن مجرد الإيمان الإجمالي بأنهم مفترضوا الطاعة كطاعة الله مع عدم الإيمان بالتفاصيل والإنكار بجملة أخرى من أبواب معرفتهم هو تقصير في معرفتهم ونقصان عن حق معرفتهم، وأنَّ برهان حق معرفتهم والتسليم لأمرهم هو بالإيمان والمعرفة لبقية أبواب معرفتهم، لا الاقتصارعلى إجمال بأنهم مفترضوا الطاعة كطاعة الله.
الرجعة وحقيقة الإمامة
ما رواه أيضاً في مختصر بصائر الدرجات عن جماعة من أصحابنا، عن الحسن بن علي وإبراهيم بن إسحاق عن محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عَزَّ وَجَلَّ: (إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً)(٣٨١)، فقال: «الأنبياء: رسول الله وإبراهيم وإسماعيل، والملوك: الأئمة» قلت: وأي ملك أعطيتم؟ قال: «ملك الجنة وملك الكرة»(٣٨٢).
ومفاد هذا الحديث يشير إلى أن التعريف الأكبر للإمامة هو بيان حقيقتها ومقامها في الرجعة والقيامة والآخرة الأبدية، فالذي كتبه المتكلمون عن الإمامة هو بلحاظ مقامها في ظاهر الحياة الدنيا، لا بلحاظ الرجعة والآخرة الأبدية.
إطلاق الكرة والرجعة على القيامة:
 ثم إن في الرواية إشارة أخرى لطيفة وهي أنّ الكرة قد تطلق على القيامة، حيث جعل الحديث المقابلة بين الكرة والجنة الأبدية والحال أن الجنة الأبدية بعثٌ بعد القيامة الكبرى فمن هذه المقابلة يتضح أن الكرة والرجعة بالمعنى الأعم تطلقان على ما يشمل القيامة والرجعة بالمعنى الأخص، وأن المعاد كما يطلق على الرجعة تارةً ويطلق المعاد الأكبر على القيامة ثانيةً فإنه يطلق ثالثةً على البعث إلى جنة الأبد وإلى سعير الجحيم.
 فالقرآن عرّف الإمامة بعنوان مقوّم مهم، وهو الملك، وتعريف الملك على مرحلتين وهو ملك الكرة ـ أي الرجعة ـ وملك الجنة ـ أي الآخرة ـ، فالتعريف بافتراض الطاعة والنص والوصية تعريف للمرحلة الأولى الابتدائية، وأما المرحلة المتوسطة (وهي البلوغ في المعرفة) فملك الرجعة، وأما المرحلة الثالثة (وهي الكمال في المعرفة) فملك الجنة.
وسيأتي في الفصل السابع مزيد توضيح لأثر الرجعة في معرفة الإمامة.

الفصل السابع: الرجعة ومقامات الإمامة

إنّ الرجعة كما تقدم هي بمثابة معرفة متطورة للإمامة، وذلك لأنَّ في الرجعة تظهر مقامات وأدوار للإمامة تكشف عن حقيقة الإمامة الإلهية، فمن ثم كان هذا الفصل تتمة لما تقدم في الفصل السادس من تأثير معرفة الرجعة في بلوغ المعرفة في الإمامة.
 ونذكر جملة من الأمور تبيّن هذا الشأن.
الرجعة من الأدلة الكبرى للإمامة:
إن الرجعة كحقيقة معرفية قامت عليها الأدلة القطعية كتاباً وسنة - كما سيأتي بسط ذلك في الباب الثاني- هي أحد الأدلَّة الكبرى على إمامة أهل البيت عليهم السلام، فكما أن المعاد أحد أدلة التوحيد فكذلك الرجعة هي أحد أدلة الإمامة.
والوجه في ذلك أنَّ لسان الآيات القرآنية الواردة في الرجعة دال على أنّ ملك الدولة في الرجعة على الأرض هو لأئمة الحق يديل الله لهم على أئمة الباطل، وأن ملك الحياة الأولى من الدنيا هي لدول الباطل، بلْ وفي هذا المجال عِدَّة ألسن.
الدولة الإلهية في الرجعة في الآيات القرآنية:
١ ـ ما ورد في القرآن الكريم من أن العاقبة للمتقين كما في قوله تعالى: (إنَّ الأرْضَ لله يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(٣٨٣)، وغيرها من الآيات الدالة على أن العاقبة للمتقين، وهذا اللسان يشير إلى أن الأولى هي دولة للفاسقين.
٢- قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(٣٨٤)، وهي أيضاً بنفس التقريب دالة على أن في الحياة الأولى من الدنيا يكون أئمة الحق وأهله مستضعفين، لكنهم يرثون الأرض في العاقبة.
٣ ـ قوله تعالى: (وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أنَّ النَّاسَ كَانُوابِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ اُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إذا جَاءُواقَالَ أكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أم ماذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ)(٣٨٥)، وخروج الدابة إنما هو في الرجعة كَمَا أن الحشر لبعّض دون آخر إنما هو في الرجعة، وإلّا فإن الحشر يوم القيامة لا تبعيض فيه كما في قوله تعالى: (وحَشَرْناهُم فلَمْ نُغادِر مِنْهُم أحَداً)(٣٨٦)، كما نبه على هذه الدلالة الصادق عليه السلام في عِدَّة روايات.
كما أنّ المراد من الآيات التي يكذب بها في مقابل التصديق بها إنما هي الآيات الناطقة من حجج الله، وإلّا فإن الآيات الكونية إنما يُعرض عنها ويُقبل عليها بالتدبر وليس لها دعوى تنطق بها كي تكذّب وتصدّق، ومن ثم بعد هذه الآيات قال تعالى: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ)(٣٨٧)، أي أن النفخ في الصور لحشر الجميع بعد الرجعة.
والحاصل من مفاد هذه الآيات أن الجولة في الحياة الأولى من الدنيا هي للعصاة، والدولة في الرجعة لآل مُحمَّد، وأمَّا العصاة والظلمة فإنهم يدانون من قبل دابة الأرض وهو أمير المؤمنين عليه السلام كما سيأتي في الروايات المستفيضة.
٤ ـ قوله تعالى: (وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ)(٣٨٨).
والوعد في الآية للمستقبل، والضمير للجمع الاستغراقي، ويدل على أن أصحاب الحق يعيشون على طول الخط مستضعفين وفي خوف وعدم أمن ومقهورين لأهل الطغيان والباطل حتى يفرج الله لهم بالاستخلاف والتمكين والعبادة بالطاعة الخالصة له تعالى دون طغاة دول الباطل.
٥ـ آيات الوعد بالنصر المستقبلي للأنبياء والرسل والأئمة حيث لم يُنصروا في حياتهم الأولى من الدنيا ورحلوا عنها مضطهدين كقوله تعالى: (إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ)(٣٨٩)، وقوله تعالى: (وَإذْ أخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ)(٣٩٠).
٦ـ ما ورد في السور القرآنية والأحاديث المتواترة من نزول وظهور آيات كونية في المستقبل كقوله تعالى: (إنَّ الله قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(٣٩١).
وقد فسّرت في روايات الفريقين المستفيضة أنَّ هذه الآيات كدابة الأرض ونزول عيسى ابن مريم وطلوع الشمس من مغربها والدجال كما سيأتي في الأبحاث اللاحقة.
ونظيره قوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إلَّا أنْ تَأتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْراً قُلْ انتَظِرُوا إنَّا مُنتَظِرُونَ)(٣٩٢).
وكذلك قوله تعالى: (إنْ نَشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)(٣٩٣).
والحاصل: أن ظهور ألفاظ الآيات المتقدمة للتدبر وبضميمة روايات الفريقين الواردة في ذيل هذه الآيات ـ مفاد هذه الطائفة ـ أن مسار البشرية في انتكاس من تفشي الظلم والجور حتى يظهر الله المهدي عجل الله فرجه وهو تأويل ظهور الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم تابع له لنصرته، ومن ثم خروج دابة الأرض وهو رجوع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، إلى غير ذلك من تفاصيل الآيات الدالة على أن دولة آل محمد في آخر الزمان لإنقاذ البشرية من براثين الجور والظلم والعدوان الذي بدأ من بعد وفاة رسول الله، واستمر يمتد حتى ظهور وبدء شروع دولة آل محمد في آخر الزمان بدئها بالإمام المهدي عجل الله فرجه ثم يعقبه دولة الأئمة من آبائه برجوعهم وانتهاءاً بدولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
٧ ـ أن الله عَزَّ وَجَلَّ يُري الظالمين من الطغاة والجبابرة في طول مسير البشرية عذاباً في أواخر عمر الدنيا قبل يوم القيامة.
كقوله تعالى: (وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(٣٩٤) أي عذاباً قبل عذاب يوم القيامة.
ونظيره قوله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ ألِيمٌ * ربَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ * أنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ)(٣٩٥).
ومفاد هذه الآيات والروايات الواردة في ذيلها ـ أي بمعونة تنبيه الروايات بمواضع الدلالة في الآيات ـ تبيّن أن مسير البشرية كان ولا يزال على سيرة حكّام الجور بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغصب مقام العترة حتى ينتقم منهم في نهاية المطاف من عالم الدنيا عند بدء قيام دولة العترة.
ومثله قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إذا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أسَاطِيرُ الأوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطُومِ)(٣٩٦).
والوسمُ إشارة إلى الميسم الوارد في روايات الفريقين مستفيضاً من أنه في آخر الزمان يوسم المؤمن بالإيمان على وجهه، ويوسم المنافق بالكفر على وجهه، وصاحب الميسم كما سيأتي أميرالمؤمنين عليه السلام في أواسط رجعاته وهي مرحلة من مراحل الرجعة.
والحاصل: أن مضمون هذه الآيات ـ كَمَا سيأتي بيانه ـ أن عاقبة الحياة على الأرض والحياة الدنيا ستكون بإقامة دولة العدل التي يقام فيها الجزاء العادل والعقاب والعذاب على الظالمين في جميع الأجيال السابقة للبشرية وذلك برجعتهم، مما يدل على أن الظلم والجور هو طابع الحكام طوال الحياة السابقة البشرية، وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً وينتهي هذا الطابع عند قيام دولة آل مُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم على يد المهدي والأئمة من آبائه برجعتهم بعده.
ظهور مقامات للإمامة في الرجعة:
إعلم أن هناك مقامات عديدة عظيمة لأئمة أهل البيت عليهم السلام تظهر في الرجعة.
وإعلم أن كل إمام هو تجلّ لكلمة إلهية، وهو نوع تكلم من الله مع خلقه، والكلمة التامة فعل إلهي هو الحلقة التامة في سلسلة الكمال والتكامل كما يشير إليه قوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)(٣٩٧)، فبهم تتم الهداية الصادقة إلى صراط الله المستقيم، وبهم يقام عدل الله في الأرض والعوالم الأخرى.
ومن تلك المقامات:
المقام الأول: تحقق مقام المهدوية، وهو كما ينطبق على الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه فهو ينطبق على جميع أئمة أهل البيت عليهم السلام أيضاً وله عدة معاني، فمن أحد معانيه: أنّ الأئمة مهديون من قبل الله لدنيّاً يهدون بأمر الله الملكوتي الذي هو من عالم الأمر والروح الأمري، وبهذا المعنى فكلهم مهديون.
 ومن أحد معاني هذا المقام والعنوان أنه ينطبق على الإمام حينما يقيم دولة الحق الظاهرة في العلن، وبهذا المعنى يراد غالباً عند إطلاقه على الإمام الثاني عشر.
 وسيأتي في الفصل اللاحق أنَّ المهديين الاثني عشر بعد الإمام الثاني عشر هم الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام بلحاظ رجعة كل الأئمة الاثني عشر إلى الدنيا وإقامتهم دولة الحق الظاهرة.
 كَمَا سيأتي أيضا أنَّ المهدي الأكبر والموعود الأعظم هو أمير المؤمنين عليه السلام، فقد روى السيد ابن طاووس بطرقه عن شاذان بن جبريل، ورواه الحسن بن سليمان الحلي في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على عليّ عليه السلام يوماً فقال: «أنا دابة الأرض»(٣٩٨).
وروى رواية أخرى مثلها قريبة من مضمونها حيث قال: دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: «ألا أحدثك - ثلاثاً- قبل أن يدخل علينا داخل قلت: بلى، فقال: أنا عبد الله، أنا دابة الأرض صدقها وعدلها وأخو نبيها، وأنا عبد الله ألا أخبرك بأنف المهدي وعينه، قال: قلت: نعم فضرب بيده إلى صدره فقال: أنا»(٣٩٩).
ومفاد الحديث الشريف أنَّ مقام المهدوية رأس انطباقه على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بالقياس إلى انطباقه على الأئمة عليهم السلام وعلى الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه.
المقام الثاني: ظهور عدة مقامات لأمير المؤمنين عليه السلام:
 ١ـ كدابة الأرض.
٢- وكونه صاحب الحشر والنشر في الرجعة.
 ٣- ودولة الدول.
٤- صاحب العصا والميسم.
٥- صاحب الكرات والرجعات.
٦- كونه صاحب لواء الحمد.
٧- صاحب الأعراف.
٨- نمط من المقام المحمود.
٩- صاحب الحوض.
١٠- مقام السفاح.
ولهذه المقامات شروح مبسوطة سنتعرض لها في الباب الرابع من أبواب هذه السلسلة إلّا أننا نتعرض هاهنا لتفسير نبذة منها:
أما كونه صلوات الله عليه دابة الأرض فخروج الدابة نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ)(٤٠٠).
وخروج الدابة ملحمة عظيمة كبيرة عند المسلمين لآخر الزمان قد وردت فيها روايات مستفيضة عند الفريقين، وقد أكثر أهل سنة الجماعة في الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حولها وهم لا يشعرون أنها من روايات الرجعة، وهي أحد الفصول المهمة العظيمة في الرجعة.
وقد روى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن عباية الأسدي أنه كان عند أمير المؤمنين خامس خمسة - وهو أصغرهم يومئذ- فسمع أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «حدثني أخي أنه ختم ألف نبي وإني ختمت ألف وصي، وإني كلفت ما لم يكلفوا، وإني لأعلم ألف كلمة ما يعلمها غيري وغير مُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم، مامنها كلمة إلّا مفتاح ألف باب بعدُ ما تعلمون منها كلمة واحدة غير أنكم تقرأون منها آية واحدة في القرآن، (وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لايُوقِنُونَ) وما تدرونها من»(٤٠١).
 وتفيد هذه الرواية أن دابة الأرض مقام ينطوي على ألف مقام مع أن أصل مقام دابة الأرض في الرجعة مفتاح من ألف مفتاح آخر، فما هي هذه المقامات والمفاتيح التي تجعل البشرية بل تجعل المؤمنين بتعلمها يتكاملون في معرفة النبوة والإمامة ولم ترد منها رائحة في التعريفات التي ذكرها الفلاسفة والمتكلمون للنبوة والإمامة؟!
 وسيأتي في الباب الرابع أن مقام دابة الأرض يعتبر طامة كبرى من جهة هول الأحداث والظواهر الكونية والعوالمية بالقياس إلى الموت والبرزخ وظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه.
وفي خطبةٍ لَهُ عليه السلام: «أنا صاحب الحشر والنشر»(٤٠٢)، وفي دعاء النصف من شعبان: (أصحاب الحشر والنشر)، وهو يغاير مقام ديّانيّة يوم الدين حيث يجري الله الحساب على أيديهم.
معالم الرجعة المروية عند العامة بعناوين خاصة:
١ ـ دابة الأرض.
٢ ـ الميسم والوسم.
ففي ذيل سورة الأنعام الآية (١٥٨) روى العامة روايات مستفيضة حول الدابة وظهور الشمس من مغربها والدجال، فلاحظ ما رواه السيوطي(٤٠٣)، وغيره من كتب التفسير بالمأثور عن صحاحهم بما يبلغ الاستفاضة والتواتر، ومن ثمّ فإن روايات معالم الرجعة كالدابة والميسم والدجال وظهور الشمس من مغربها ونزول عيسى عليه السلام وغيرها مستفيضة، بل متواترة عندهم، وكذا لاحظ جملة ما كتبوه في الفتن والملاحم.
٣ ـ ما رووه في خروج وظهور الآيات.
٤ ـ ما رووه عن النبي وأهل البيت من أنّ منّا المدثر ومنّا السفاح والمنصور والمهدي، وقد تقدم أن المدثر عنوان لمقام النبي في الرجعة، والسفاح عنوان لمقام أمير المؤمنين في الرجعة، والمنصور عنوان لمقام الحسين في الرجعة، والمهدي عنوانٌ لظهورالإمام الثاني عشر ولرجعة الأئمة الاثني عشر.
٥ـ ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه هو الحاشر والعاقب.
٦ـ ما رووه عن عليٍّ عليه السلام أن ذي القرنين عبدٌ صالح ضربه قومه على قرنه فقتلوه فأرجعه الله مرةً أُخرى إلى الدنيا فضربوه على قرنه مرة أُخرى فقتلوه، وأنّ في هذه الأمة مثله.
وأما لواء الحمد فيقع في الرجعة ولايُنافي ذلك تحققه في عالم القيامة.
وأمَّا المقام المحمود فنمط منه يتحقق في الرجعة كما دلَّت عليه الروايات الآتية وكذلك يتحقق في عالم القيامة، ويتحقق في الجنة الأبدية، فتحققه في مواطن عديدة.
وأما الحوض فهو في الرجعة والتي هي آخرة الدنيا.
وأما الساعة فهي تطلق في الآيات والروايات على كل من الموت وظهور المهدي وعلى عموم الرجعة وعلى خصوص بعض مراحل الرجعة لتعاظم الهول فيها كخروج دابة الأرض، وعلى القيامة.
 وأما الأعراف فالظاهر تحققها في كل من الرجعة والقيامة كما سياتي بيانه.
وأما كون الأمير عليه السلام (صاحب الحشر والنشر) فسيأتي كلام جملة من علماء الامامية من ذهب منهم إلى أن الرجعة إحياء للموتى يجريه الله عزّوجل على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى يد الإمام كمعجزة، وآية أعظم مما أجراه الله على يد عيسى بن مريم عليه السلام.
الحوض في الرجعة:
١ ـ من كتاب سليم بن قيس الهلالي رحمه الله، الذي رواه عنه أبان ابن أبي عياش وقرأه جميعه على سيدنا علي بن الحسين عليهما السلام بحضور جماعة من أعيان الصحابة منهم أبو الطفيل فأقرّه عليه مولانا زين العابدين عليه السلام، وقال: «هذه أحاديثنا صحيحة».
قال أبان: لقيت أبا الطفيل بعد ذلك في منزله فحدثني في الرجعة عن أناس من أهل بدر، وعن سلمان والمقداد، وأبي بن كعب، وقال أبو الطفيل: فعرضت هذا الذي سمعته منهم على علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بالكوفة، فقال: «هذا علم خاصّ (لا) يسع الأمّة جهله، وردّ علمه إلى الله».ثم صدّقني بكل ما حدّثوني، وقرأ عليّ بذلك قراءة كثيرة وفسّره تفسيراً شافياً، حتى صرت ما أنا بيوم القيامة أشد يقيناً مني بالرجعة، وكان مما قلت: يا أمير المؤمنين أخبرني عن حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا أم في الآخرة؟ فقال: بل في الدنيا، قلت: فمن الذائد عنه؟ فقال: أنا بيدي، فليردنَّه أوليائي وليصرفنّ عنه أعدائي»(٤٠٤).
وفي رواية أخرى: «لأوردنَّه أوليائي، ولأصرفنّ عنه أعدائي». فقلت: يا أمير المؤمنين قول الله: (وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لايُوقِنُونَ)(٤٠٥)، ما الدابة؟ قال: يا أبا الطفيل أُلُه عن هذا فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرني به جعلت فداك، قال: هي دابة تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، وتنكح النساء، فقلت: يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: هو زرّ (رب) الأرض الذي تسكن الأرض (به)، قلت: يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: «صدّيق هذه الأمّة، وفاروقها، وربّيها، (ورئيسها) وذو قرنيها(وذو قرنها)، قلت: يا أمير المؤمنين من هو؟ قال: «الذي قال الله تعالى: (ويتلوهُ شاهدٌ مِنْه)(٤٠٦)، و(الذي عِنْدَهُ علمٌ منَ الكتاب)(٤٠٧) و(الذي جاءَ بالصدق)(٤٠٨)، والذي (صدّق به) أنا، والناس كلّهم كافرون غيري وغيره، «قلت: يا أمير المؤمنين فسمه لي، قال: «قد سميته لك يا أبا الطفيل، والله لو أدخلت عليّ عامّة شيعتي الذين بهم أقاتل، الذين أقرّوا بطاعتي، وسمّوني أميرالمؤمنين، واستحلّوا جهاد من خالفني، فحدّثتهم ببعض ما أعلم من الحق في الكتاب الذي نزل به جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتفرّقوا عني حتى أبقى في عصابة حقّ قليلة، أنت وأشباهك من شيعتي»، ففزعت وقلت: يا أمير المؤمنين أنا وأشباهي نتفرّق عنك ونثبت معك؟ قال: بل تثبتون، ثم أقبل عليّ فقال: إن أمرنا صعب مستصعب لا يعرفه ولا يقرُّ به إلّا ثلاثة: ملك مقرَّب، ونبيّ مرسل، وعبد مؤمن نجيب امتحن الله قلبه للإيمان، يا أبا الطفيل إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض فارتدّ الناس ضلالاً وجهالاً إلّا من عصمه الله بنا أهل البيت»(٤٠٩).
اللواء:
روى سلام بن المستنير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لقد تسمّوا باسم ما سمّى الله به أحداً إلّا علي بن أبي طالب، وما جاء تأويله، قلت: جُعلت فداك متى يجي ء تأويله؟ قال: إذا جاء جمع الله أمامه النبيين والمؤمنين حتى ينصروه وهو قول الله (وَإذْ أخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ...) إلى قوله: (وَأنا مَعَكُم مِنَ الشَّاهِدِين)، فيومئذ يدفع راية رسول صلى الله عليه وآله وسلم اللواء إلى علي بن ابي طالب فيكون أميرالخلايق كلّهم أجمعين يكون الخلائق كلهم تحت لوائه ويكون هو أميرهم فهذا تأويله»(٤١٠).
وروى الفضل بن شاذان في كتاب القائم أن أمير المؤمنين صلوات الله قال على منبر الكوفة والله إني لديّان الناس يوم الدين، وقسيم الله بين الجنة والنار، لا يدخلهما داخل إلاّ على أحد قسمي، أنا الفاروق الأكبر، والقرن من حديد، وباب الإيمان، وصاحب الميسم، وصاحب السنين، وأنا صاحب النشر الأوَّل، والنشر الآخر، وصاحب القضاء، وصاحب الكرّات، ودولة الدول، وأنا الإمام لمن بعدي، والمّؤدي عمن قبلي، لا يتقدمني (أحد) الاّ أحمد صلوات الله عليه وآله، فإن جميع الملائكة والرسل والروح خلفنا وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم ليدعى فينطق وأدعى فأنطق على حد منطقه، ولقد أُعطيت السبع التي لم يسبق اليها أحد قبلي: بصّرت سبل الكتاب، وفتحت لي الأسباب، وعلمت الأنساب، ومجرى الحساب، وعلمت المنايا والبلايا والوصيا، وفصل الخطاب، ونظرت في الملكوت فلم يعزب عني شيء غاب عني، ولم يفتني ماسبقني ولم يشركني أحد فيما أشهدني يوم شهادة الاشهاد، وأنا الشاهد عليهم وعلى يدي يتمّ موعد الله وتكمل كلمته، وبي يكمل الدين، وأنا النعمة التي أنعمها الله على خلقه، وأن الاسلام الذي ارتضاه لنفسه، كل ذلك منٌّ من الله تعالى»(٤١١).
عن عروة ابن أخي شعيب العقرقوفي، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «إذا أتيت عند قبر الحسين عليه السلام ويجزيك عند قبر كل إمام...»، وساق إلى قوله: «اللهمَّ لا تجعله آخر العهد من زيارة قبر ابن نبيّك، وابعثه مقاماً محموداً تنتصر به لدينك، وتقتل به عدوّك، فإنّك وعدته، وأنت الرب الذي لا تخلف الميعاد»، وكذلك تقول عند قبور كلّ الأئمة عليهم السلام»(٤١٢)، ومفاد هذا الحديث في الزيارة أنّ كل إمامٍ من الاثني عشر موعود بالنصر عندما يبعثه الله إلى دار الدنيا مرةً أخرى في الرجعة، فيمكنه الله من المقام المحمود وهي إقامة دولة العدل فينتصر الله به لدينه ويقتل به أعدائه، وليس هذا مختصٌ بالإمام الثاني عشر عجل الله فرجه عند الظهور، بل هو صلوات الله عليه فاتحةُ لرجوع الأئمة عليهم السلام.
وما في سورة عبس (ثُمَّ إذا شَاء أَنشَرَه)(٤١٣).
ففي تفسير علي بن إبراهيم: (قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَه)(٤١٤)، قال: «هو أمير المؤمنين»، قال: (ما أكفره) أي ماذا فعل وأذنب حتى قتلوه، ثم قال: (قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَه * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه* ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه)، قال: (يسّر له طريق الخير) (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَه * ثُمَّ إذا شَاء أَنشَرَه)، قال: (في الرجعة) (كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَه)(٤١٥)، أي لم يقض أمير المؤمنين ما قد أمره، وسيرجع حتى يقضي ما أمره».
ثم روى صحيح جميل بن دراج، عن أبي سلمة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله: (قُتِلَ الإنسانُ ما أكْفَرهُ) قال: «نعم، نزلت في أميرالمؤمنين عليه السلام، (ما أكفره) يعني بقتلكم إيّاه، ثم نسب أمير المؤمنين عليه السلام، فنسب خلقه وما أكرمه الله به، فقال: (من أي شيء خلقه)، يقول: من طينة الأنبياء خلقه، فقدّره للخير، (ثم السبيل يسره) يعني سبيل الهدى، ثم أماته ميتة الأنبياء، (ثم إذا شاء أنشره)، قلت: ما قوله: (ثم إذا شاء أنشره)؟)، قال: «يمكث بعد قتله في الرجعة فيقضي ما أمره»(٤١٦).
الساعة:
وروى في الهداية بسنده عن المفضل بن عمر قال:
سألت سيدي الصادق عليه السلام هل للمأمول المنتظر المهدي عليه السلام من وقت مؤقت يعلمه الناس؟
 فقال حاشا لله أن يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا، قلت ياسيدي ولما ذاك؟
قال لأنه والساعة التي قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون)(٤١٧) الاية وهو الساعة التي قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا)(٤١٨) وقال (وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)(٤١٩) ولم يقل عند أحد دونه وقال (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا)(٤٢٠).
وقال (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ)(٤٢١) وقال (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيب)(٤٢٢) وقال (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيد)(٤٢٣) الحديث(٤٢٤).
الساعة إنباء النبي بالرجعة:
روى أبو بصير، عن أبي عبد الله في قوله تعالى: (حَتَّى إذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً)(٤٢٥)، «قال: أما قوله: (حَتَّى إذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ) فهو خروج القائم وهو الساعة (فَسَيْعلمونَ) اليوم ما نزل بهم من الله على يدي قائمه فذلك قوله: (مَنْ هوَ شرٌّ مكاناً) يعني عند القائم (وأضْعَفُ جُنداً)»، قلت: (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآْخِرَةِ)(٤٢٦)، قال: «معرفة أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام»، (نَزِد لَهُ في حَرْثه)، قال: (نزيده منها)، قال: «يستوفي نصيبه من دولتهم» (وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الآْخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) قَالَ «لَيْسَ لَهُ فِي دَوْلَةِ الْحَقِّ مَعَ الْقَائِمِ نَصِيبٌ»(٤٢٧).
وعن الباقر عليه السلام في شرح قول أمير المؤمنين عليه السلام: «على يدي تقوم الساعة»، قال: «يعني الرجعة قبل القيامة، ينصر الله بي وبذرّيتي المؤمنين»(٤٢٨).
روى أبو حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام...إلى أن قال:
«وإن لي الكرة بعد الكرة، والرجعة بعد الرجعة، وأنا صاحب الرجعات والكرّات، وصاحب الصولات والنقمات، والدولات العجيبات، وأنا قرن من حديد، وأنا عبدالله وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا أمين الله وخازنه، وعيبة سرّه وحجابه، ووجهه وصراطه وميزانه، وأنا الحاشر إلى الله...»(٤٢٩).
أحد أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة والإنجيل: الحاشر:
عن عوف بن مالك، قال: انطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر اليهود أنبُأنّا اثنا عشر رجلاً يشهدون أنه لا إله إلّا الله وأنّ محمداً رسول ا لله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه»، قال: فأسكتوا ما أجابه منهم أحد، ثم ردّ عليهم فلم يجبه أحد، ثم ثلّث فلم يجبه أحد، فقال: «أبيتم فوالله إنّي لأنا الحاشر (وانا العاقب، وانا المقفّي) وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم وكذبتم...»(٤٣٠).
إنجاز الوعد وإقامة الدين وإظهار الحق في الرجعة:
وقد تقدم خبر عروة ابن اخي شعيب العقرقوفي عمن ذكره عن أبي عبدالله عليه السلام، الوارد في كامل الزيارة في زيارة الامام الحسين عليه السلام وزيارة قبر كل امام: الدعاء لكل منهم عليهم السلام أن يبعثه الله مقاما محمودا ينتصر به لدينه ويقتل به عدوه، وأن ذلك وعدا من الله لا يخلف وعده(٤٣١).
 وصحيح بريد بن معاوية، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «والله لا تذهب الأيام والليالي حتى يحيي الله الموتى، ويميت الأحياء، ويرد الحقّ إلى أهله، ويقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه...(٤٣٢).
إنجاز الوعد على يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
عن جابر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «إنّ لعلي عليه السلام في الأرض كرة مع الحسين ابنه صلوات الله عليهما، يُقبل برايته حتى ينتقم له من بني أمية ومعاوية وآل معاوية، ومن شهد حربه.
ثم يبعث الله إليهم بأنصاره يومئذ من أهل الكوفة ثلاثين ألفاً، من سائر الناس سبعين ألفاً فيلقاهم بصفّين مثل المرة الأولى حتى يقتلهم فلا يبقى منهم مخبراً، ثم يبعثهم الله عَزَّ وَجَلَّ فيدخلهم أشدّ عذابه مع فرعون وآل فرعون، ثم كرة أخرى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يكون خليفته في الأرض، ويكون الأئمة عليهم السلام عمّاله، وحتى يعبد الله علانية فتكون عبادته علانية في الأرض، كما عبد الله سراً في الأرض.ثم قال: «أي والله وأضعاف ذلك ـ ثم عقد بيده أضعافاً ـ يعطي الله نبيه ملك جميع أهل الدنيا منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم يفنيها، حتى ينجز له موعوده في كتابه كما قال: (ليُظهرَهُ على الدِّينِ كُلِّه ولو كَرِهَ المشركُونَ)(٤٣٣).
وأما الحشر والنشر: فسيأتي في الباب الثالث أنه متعدد ولا ينحصر بعالم يوم القيامة الكبرى والمعاد الأكبر، وأن أئمة أهل البيت عليهم السلام هم أصحاب الحشر والنشر لأنَّهم حكّام الآخرة من قبله تعالى وجميع الملائكة في الحشر مأمورون من الله بطاعتهم.
وأما كونه عليه السلام دولة الدول وصاحب الكرات والرجعات أيضاً، بمعنى صاحب الصولات الخفية للحق في كل بقعة وفي كل زمان، فقد ورد بمعان عِدَّة:
أحدها: أنه صاحب دول ودولات عديدة في الرجعة، لأن له عليه السلام رجعات وكرّات، وفي كل رجعة وكرة دولة فهو صاحب دول، وأكثر من يرجع عدداً من أئمة أهل البيت عليهم السلام هو أمير المؤمنين عليه السلام، وقد ورد أن الرجعة من مختصات علي عليه السلام في قبال اختصاص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقيامة، مع أن للنبي شأنا عظيما في الرجعة، ولعلي شأنا كبيرا في القيامة.
وثانيها: أن أكبر دولة يقيمها أئمة أهل البيت عليهم السلام هي دولة أمير المؤمنين عليه السلام دون دولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي هي أعظم دولة على الاطلاق.
ثالثها: هو الدولة الإلهية الخفية القابضة على الدول في كل البقاع وكل الأزمان.
وأما كونه صاحب العصا والميسم: فهو كما سيأتي تفصيله في الباب الثالث والرابع مقام تكوني للإمام عليه السلام يضفي طور كمال على الماهية والذات النوعية للمؤمن، وكذلك في تسافل ماهية وذات الكافر.
فقد روى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى عليه السلام وخاتم سليمان عليه السلام تجلوا وجه المؤمن بعصا موسى عليه السلام وتسم وجه الكافر بخاتم سليمان عليه السلام»(٤٣٤).
ولا يخفى أن سليمان بخاتمه سخّر الشياطين والعفاريت، فهو مقام قاهر للمتمردين وفيه إطواع ردعي تكويني لتمرد الكفار.
وأما عصا موسى عليه السلام فمقام يظهر منه البرهان والنور والبيان فيناسب طوعان المؤمن، وقد روى أهل سنة الجماعة والخلاف روايات مستفيضة في العصا والميسم بخاتم سليمان، وهي من الفصول والأحداث المهمة في الرجعة لعلي عليه السلام ولم يشعروا بحقيقة هذه الروايات.
وأما كونه عليه السلام صاحب لواء الحمد والحوض وبعض مواطن الأعراف وغيرها من المقامات الذي يظن عامة المفسرين والمتكلمين وعامة المسلمين أنها من مشاهد القيامة الكبرى فهي من مشاهد وأحداث الرجعة والحياة الآخرة من الدنيا وسيأتي تفاصيله في الباب الثالث.
وروي عن الباقر عليه السلام في شرح قول أمير المؤمنين عليه السلام «على يدي تقوم الساعة» قال يعني الرجعة قبل القيامة ينصر الله بي وبذريتي المؤمنين(٤٣٥).
المقام الثالث: تكامل دعوتهم: وقد مرّ البحث في ذلك مفصلاً في غايات وفلسفات الرجعة.
المقام الرابع: ظهور ملك الإمامة الإلهية: وقد مرّ تعريف الإمامة بملك الرجعة وملك الجنة والآخرة في حديث المفضل عن الصادق عليه السلام وغيره من الأحاديث.
المقام الخامس: أنّ الرجعة كاشفة عن بقاء أدوارهم في الأرض بعد الممات سواء عبر ما يسمى بالنزول ـ كنزول وتنزل الملائكة وقد مرت الاشارة في تعريف حقيقة الرجعة الى الفرق بين النزول والرجعة وسيأتي شرحه مبسوطاً في الباب الثالث ـ وـ أدورهم عبر رجعتهم إلى الدنيا الآن.
وقد روى الشيخ في المصباح والسيد ابن طاووس هذا الدعاء في ليلة النصف من شعبان وهو بمثابة زيارة للإمام الغائب صلوات الله عليه إذْ قال فيه: «والمنزّل عليهم ما يتنزل في ليلة القدر وأصحاب الحشر والنشر تراجمة وحيه وولاة أمره ونهيه»(٤٣٦)، وهو مقام يغاير مقام ديّانية يوم الدين.
المقام السَّادِس: تبعية من يرجع من الأنبياء للأئمة عليهم السلام كتبعية موسى عليه السلام للخضر بل أعظم من ذلك، وقد ورد في روايات الفريقين نزول النبي عيسى عليه السلام إلى الأرض وصيرورته وزيراً للإمام المهدي عجل الله فرجه ويصلي خلفه، وأنه سيكون في ركب الإمام المهدي عجل الله فرجه وتحت رايته وتبعاً لإمامته عدة من الأنبياء كإلياس عليه السلام، بل سيأتي في الباب الرابع أن أول رجعة للحسين عليه السلام سيكون في ركبه سبعين نبياً، بل سيأتي أيضاً أن في أحد رجعات أمير المؤمنين عليه السلام يكون في ركبه وتحت إمرته ورايته جميع الأنبياء والمرسلين السابقين، ومن ثم كان أمير المؤمنين عليه السلام المهدي الأكبر وسيأتي تفصيل ذلك في الباب الرابع.
وقد أنبأ عن ذلك القرآن الكريم في جملة الآيات، من كقوله تعالى: (مَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أهْلِ القُرَى فَلله وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)(٤٣٧).
فهذه الآية الشريفة تشريع خالد إلى يوم القيامة، وهو أن ولاة الفي ء ـ الذي هو جميع ثروات الأرض ـ تدبيره بولاية الله ورسوله وقربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يُسند الله هذه الحاكمية لأحد من الأنبياء السابقين عند رجوعهم إلى الدنيا، فلا تكون لهم حاكمية وإمامة مع وجود قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة، بل ذكرت الآية الكريمة أيضاً أن العدالة لن تستتب في الأرض ولن يُزال استئثار الأغنياء بالثروات إلّا بحاكمية ذوي القربى في الأرض وإدارتهم لثرواتها، وحينئذ يفهم معنى قوله تعالى: (وَإذْ أخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أأقْرَرْتُمْ وَأخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي قَالُوا أقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)(٤٣٨).
بضميمة ما دل على الرجعة ورجعة جميع الأنبياء والأوصياء السابقين أن نصرتهم لسيد الأنبياء هو بنصرة أوصيائه من قرباه.
المقام السابع: إنجاز الوعد الإلهي وإقامة الدين وإظهار الحق في الرجعة:
حيث قد وعدت كثير من الآيات بإهلاك الجبابرة والطغاة وسؤدد المستضعفين والمحرومين كقوله تعالى: (وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ)(٤٣٩)، وأيضاً قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(٤٤٠)، وغيرها من آيات الوعد الإلهي كالتي تذكر أن العاقبة للمتقين لا البداية والأولى والوسطى.
المقام الثَّامِن: أن الرجعة بإرادة ولي الله من الأئمة عليهم السلام وكذا الإبقاء والتقدير لمدة البقاء فيها.
المقام التَّاسِع: الأداء والقيام بالنذارة الكبرى من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والقيام بالولاية الكبرى من قبل أميرالمؤمنين عليه السلام والأئمة من ولده كما سيأتي جملة من الكلام حول ذلك في الباب الرابع، وتقدم شطراً منه في الفصول السابقة ويشير إليه قوله تعالى: (يا أيُّها المدّثر قم فأنذر)(٤٤١).
فإن تأويلها الأعظم في الرجعة كما ورد عنهم عليهم السلام، وكذا قوله تعالى: (هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى)(٤٤٢).
في مقابل نذارته الأخيرة والآخرة في الرجعة.
المقام العاشر: أنّ رجوع ورجعة كل إمام يعبّر عنه بظهوره عليه السلام، وأن موته يعبّر عنه بمغيبه وغيبته وأن كل إمام مات بين ظهراني قوم فهم يرجعون معه كنظام المجموعات في الرجعة، وقد روى الطبري في دلائل الإمامة عن أبي عبد الله عليه السلام قال «العام الذي لا يشهد صاحب هذا الأمر الموسم لا يُقبل من الناس حجهم»(٤٤٣)، وقد أشار غير واحد من أهل الفطنة والذوق من أهل الحديث أن عمل الإمام إمام العمل لبقية سائر الناس، فلا يرتفع من أعمالهم شيئاً ولا تفتح لها أبواب السماء إلّا بعمله صلوات الله عليه، فعمله شافع للأعمال.
 نظير الإشارة في قوله تعالى: (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ)(٤٤٤)، وقد بيّن شرط الدعاء في القرآن أنه التوجه والتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحضرة الإلهية واللواذ به كما في قوله تعالى: (وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً) (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا)(٤٤٥)، وقوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(٤٤٦) وكذا الإشارة إليه في قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّمَاءِ)(٤٤٧) فلا يكفي مجرد التصديق بآيات الله الناطقة وهم الحجج بل لابدَّ من الخضوع لطاعتهم والانقياد إليهم.
ولا يكفي ذلك أيضاً، بلْ لابدَّ من ضميمة الإقبال عليهم وعدم الصد عنهم وصلتهم ووصل أعمالنا بأعمالهم.
وفي الحقيقة هذا الحديث الشريف يمثل تفسير لاشتراط الولاية في الأعمال لا في مقام النية فحسب، بل اقتران العمل بعمله عليه السلام، فعمله أمام أعمال الناس للوفود على أبواب السماء وهكذا في بقية العبادات، وهذا نظير ما ورد في الحج مستفيضاً أنه من دون انضمامه لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام  عليه السلام والوفود عليهم لا يقبل الحج، كما هو تأويل قوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)(٤٤٨) فقضاء التفث هو التطهير بولاية النبي وأهل بيته عليهم السلام، والوفاء بالنذر إتمام الحج والإتيان بالنسك لأن ولاية أهل البيت عليهم السلام تنفي عن الإنسان بل عن جميع المخلوقات الطاغوتية والفرعونية في ذات كل نفس فتطهرها عن الشرك والتكبر.
المقام الحادي عشر: جملة من المقامات الأُخرى التي سترد تفاصيلها في الباب الثالث والرابع كاستشهاد سيد الشهداء عليه السلام مرة أُخرى في رجعته الأولى، واستشهاد أميرالمؤمنين عليه السلام في رجعاته الأولى، والمقاصة والمطالبة في الظلامات التي وقعت في طيلة تاريخ البشرية، وهذا الاستشهاد لا يعني زوال دولتهم بل دولتهم مستمرة لا تقوض إلى يوم القيامة فليس بعد دولتهم دولة، وإنما يتعاقبون عليهم السلام في الظهور والرجوع إلى دار الدنيا ليأخذ كل دوراً بعد الآخر.
المقام الثَّانِي عشر: الإعداد لجملة من مقاماتهم ومشاهدهم التي تظهر يوم القيامة كمنبر الوسيلة ومقام الشفاعة وغيرها.
ملاحم الرجعة:
وفي صحيح أبي أسامة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن قوله تعالى: (قُتِلَ الإنسانُ ما أكْفَرَه) قال نعم: نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، (ما أكْفرهُ)، يعني بقتلكم إيّاه ثم نسب أمير المؤمنين عليه السلام فنسب خلقه وما اكرمه الله به فقال (مِنْ أيّ شيء خلقَهُ)، يقول: من طينة الأنبياء (خلقه فقدَّره) للخير، (ثمَّ السَّبيلَ يسَّرَه) يعني سبيل الهدى، (ثُم أماتَهُ فأقْبَرَهُ) ميتة الانبياء (ثمَّ إذا شاءَ أنْشَره) قلت ما قوله ثم إذا شاء أنشره قال يمكث بعد قتله فيفقضي ما آمره. الحديث(٤٤٩)
فالصحيح يبين أن الآيات مفادها أن برنامج أمير المؤمنين عليه السلام طويل أمده ولايقتصر على مجرد الانتقام من الأعداء، ولذلك ستكرّر رجعاته.

الفصل الثامن: الرجعة ونظام الإمامة

إن كل إمام من الأئمة الاثني عشر مهدي منتظر موعود في عقيدة مدرسة أهل البيت ويدعى بتعجيل فرجه وظهوره.
إن مقام المهدوية - كما سيتبين - هو مقام لكل إمام من الأئمة الاثني عشر عليهم السلام عندما يقيموا دولة الحق والعدل، وأن موتهم ومكثهم في البرزخ بمثابة غيبة مؤقتة لهم تنتهي برجوعهم إلى الدنيا، وهو ظهورهم من بعد غيبة الموت.
وسيأتي في مقال لاحق في هذا الفصل أن المهديِّين الاثني عشر هم الأئمة الإثنا عشر، وهو مقام الرجعة لهم بإقامة الدولة المعلنة.
وقدْ وَرَدَ في آداب زيارة كل معصوم الدعاء له بتعجيل فرجه وظهوره، لينجز الله له ما وعده من النصر وإقامة دولة العدل على يديه، وأن كل واحد منهم عليهم السلام موعود ومنتظر ظهوره.
وقد حصلت غفلة لدى غالب عامّة المؤمنين عن إتيان هذه الأدعية والآداب في زيارة كل معصوم، وهو ما أوجب الغفلة عن تعاليم العقيدة بالرجعة والمعرفة بكل إمام بحق معرفته، أي الغفلة عن المعرفة المستقبلية لكل إمام، فإنَّ الدعاء بتعجيل الفرج ليس خاصاً بالإمام المهدي عجل الله فرجه، بل وارد في زيارة كل إمام معصوم، بل وارد في آداب زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً، لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً موعود منتظر رجعته في آخر الرجعة، ليقيم أكبر دولة على وجه الأرض، ويكون الأئمة الإثنا عشر وزراءا له.
ومن تلك الموارد:
١ ـ فقد روى الشيخ في مصباح المتهجد عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال: من أراد أن يزور قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليه السلام من بعيد فليقل وساق الزيارة إلى قوله: «إني من القائلين بفضلكم، مقر برجعتكم لا أنكر الله قدرة، ولا أزعم إلّا ما شاء الله»(٤٥٠).
٢ ـ وروى ابن قولويه في كامل الزيارات في المعتبر، عن عمرو ابن أبي شعيب العقرقوفي، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إذا أتيت عند قبر الحسين عليه السلام ويجزيك عند قبر كل إمام...»، وساق أدب الزيارة والدعاء فيها إلى قوله عليه السلام: «اللهمَّ لا تجعله آخر العهد من زيارة قبر ابن نبيّك، وابعثه مقاماً محموداً تنتصر به لدينك، وتقتل به عدوّك، فإنّك وعدته، وأنت الربّ الذي لا تخلف الميعاد»، وكذلك تقول عند قبور كلّ الأئمة عليهم السلام»(٤٥١).
وهذه الرواية والزيارة صريحة في أن من المقام المحمود لكل إمام أن ينتصر الله به لدينه في الدنيا، ويقتل به أعداء الله وأن كل إمام موعود من الله بذلك، وقد مرّت الآيات القرآنية التي فيها هذا الوعد لكل إمام.
٣ ـ وروى السيد بن طاووس في إقبال الأعمال في أعمال شهر ذي الحجة أنه يستحب أن يدعى في يوم دحو الأرض بهذا الدعاء وساقه إلى قوله: «وابعثنا في كرته حتى نكون في زمانه من أعوانه» وهذا الدعاء في شأن أمير المؤمنين عليه السلام نظير الدعاء الوارد في الإمام الحجة عجل الله فرجه.
٤ ـ وروى السيد بن طاووس في مصباح الزائر زيارة طويلة للحسين عليه السلام وفي آخرها هذا الدعاء: «اللَّهُمَّ فصل على سيدي ومولاي ترفع بها ذكره، وتظهر بها أمره، وتعجل بها نصره، واخصصه بأفضل قسم الفضائل يوم القيامة...» الحديث(٤٥٢)
ومتن هذه الزيارة صريح في الدعاء بتعجيل نصر سيد الشهداء عليه السلام بظهوره مرة أخرى برجعة من القبر إلى دار الدنيا، وأن لفظ الدعاء بتعجيل نصره عليه السلام نظير الدعاء الوارد بتعجيل فرج المهدي عليه السلام.
٥ـ ما رواه بن قولويه في كامل الزيارات من صحيح أبي حمزة الثمالي عن الصادق عليه السلام في زيارةالحسين عليه السلام «ونصرتي لكم معدة حتى يحيكم الله لدينه ويبعثكم، وأشهد أنكم الحجة وبكم ترجى الرحمة فمعكم معكم لا مع عدوكم إني بإيابكم من المؤمنين لا أنكر لله قدرة ولا أكذب منه بمشيئة».
ثم قال: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أمير المؤمنين عبدك وأخي رسولك الذي أنتجبته بعلمك، وجعلته هاديا لمن شئت من خلقك، والدليل على من بعثت برسالتك، وديّان الدين بعدلك، وفصل قضائك بين خلقك، والمهمين على ذلك كله، والسلام عليه ورحمة وبركاته.اللهم أتمم به كلماتك وأنجز به وعدك وأهلك به عدوك واكتبنا في أوليائه وأحبائه، اللهم اجعلنا شيعة وأنصاراً وأعواناً على طاعتك وطاعة رسولك وما وكلت(وكلته) به واستخلفته عليه(٤٥٣).
وهذا الدعاء قد ذكر في الزيارة بضمير الجمع أيضا بعد الصلاة على كل امام امام، مما يفيد ان كل إمام من الائمة الاثني عشر سينجز الله لكل واحد منهم دولة الحق وإقامة العدل التي وعد بها وقطع بها على نفسه في العديد من السور القرآنية.
٦ ـ ما رواه شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في المصباح الكبير ـ في ذكر قنوت الوتر ـ قال: ويستحبّ أن يزاد هذا الدعاء: «الحمد لله شكراً لنعمائه» ـ وذكر شكاية طويلة من أحوال الغيبة والدعاء لصاحب الزمان بتعجيل الفرج والخروج ـ إلى أن قال: «اللَّهُمَّ وشرّف بما استقلّ به من القيام بأمرك لدى مواقف الحساب مقامه، وسرّ نبيك محمداً صلى الله عليه وآله وسلم برؤيته ومن تبعه على دعوته، ثم قال: ورُدّ عنه من سهام المكائد ما يوجّهه أهل الشنئآن إليه وإلى شركائه في أمره، ومعاونيه على طاعة ربّه...» الدعاء(٤٥٤).
 والتعبير في الدعاء (وسرّ نبيك محمد برؤيته) دال على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا زال يولي الاهتمام والرعاية والتدبير لمجريات وأحداث البشر في دار الدنيا، وأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم يتابع تفاصيل الامور.
كما أن التعبير في الدعاء إلى شركائه في أمره في مقابل معاونيه يظهر منه الإشارة الى بقية الائمة الاثني عشر، وأنهم صلوات الله عليهم لايزالون مساهمين في القيام بأمر الله.
٧ ـ ما رواه الشيخ أيضاً في المصباح ـ في أدعية الصباح والمساء ـ في الدعاء الكامل المعروف بدعاء الحريق يقول في آخره: «اللَّهُمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الطيبين وعجّل فرجهم وفرجي، وفرّج عن كل مهموم من المؤمنين والمؤمنات، اللهم صل على محمد وآل محمد وارزقني نصرهم وأشهدني أيامهم واجمع بيني وبينهم في الدنيا والآخرة، واجعل منك عليهم واقية حتى لايخلص إليهم إلّا بسبيل خير وعلى من معهم وعلى شيعتهم ومحبّيهم وعلى أوليائهم» الدعاء(٤٥٥).
والتعبير في الدعاء (وارزقني نصرهم وأشهدني أيامهم) دال على أن لكل واحد من الائمة الاثني عشر دولة وأيام نصر كتب الله له، كما أن لهم في الاخرة ملكا.
٨ ـ وما رواه ابن قولويه أيضاً في كامل الزيارات (المزار)ـ في زيارة للحسين بن علي عليه السلام ـ بسنده عن سعدان بن مسلم ـ قائد أبي بصير ـ قال: حدثني بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر الزيارة للحسين عليه السلام يقول فيها بعد ذكر النبي والأئمة عليهم السلام: «وحبب إليّ مشاهدهم حتى تُلحقني بهم، وتجعلهم لي فرطاً، وتجعلني لهم تبعاً في الدنيا والآخرة، قال: ثم تقول: لبيك داعي الله، إن كان لم يجبك بدني فقد أجابك قلبي وشعري وبشري ورأي وهواي على التسليم لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب، والدليل العالم...فقلبي لكم مسلّم، وأمري لكم متبع، ونصرتي لكم معدّة حتى يحييكم الله لدينه ويبعثكم، فمعكم معكم لا مع عدوّكم، إني من المؤمنين برجعتكم، لا أنكر لله قدرة، ولا أكذب له مشيئة، ولا أزعم أن ما شاء الله لا يكون... وذكر الزيارة»(٤٥٦).
وفي الزيارة تنصيص على أن الله يبعث الائمة من القبور رجوعا الى الدنيا ويُعلي أمره بهم ويحي بهم دينه.
٩ ـ وما رواه الكليني أيضاً في الباب المذكور بالسند السابق يقول فيه أبو عبد الله عليه السلام: إذا أردت أن تودّعه فقل: السلام عليك ورحمة الله وبركاته أستودعك الله...إلى أنْ قال: «اللهمَّ لا تجعله آخر العهد منا ومنه، اللهم أني أسألك أن تنفعنا بحبه، اللهم ابعثه مقاماً محموداً تنصر به دينك، وتقتل به عدوك، وتبير به من نصب حرباً لآل محمد، فإنك وعدت ذلك وأنت لا تخلف الميعاد، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، أشهد أنكم شهداء نجباء، جاهدتم في سبيل الله وقتلتم على منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيراً»(٤٥٧).
وفي هذه الزيارة تنصيص على بعث سيد الشهداء بخصوصه من القبر راجعا الى الدنيا لينتصر الله به لدينه ويُبير به أعداءه بإقامة دولة العدل الالهي وهو أحد درجات المقام المحمود.
ثم إن هذا المضمون قد ورد في كثير من زيارات الحسين عليه السلام، وكذلك في كثير من زيارات أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك ورد في واحدة من زيارات كل إمام من بقية الائمة أوأكثر من زيارة واحدة لكل منهم، وهذا مما يدلّل على أن من مقومات زيارتهم مع عرفان حقهم حال زيارة الزائر العارف بأنهم عليهم السلام لازالوا ولاة يلون أمر الله في الناس، وانهم ينتظر عودهم الى الدنيا ببعث الله إياهم من قبورهم، وأن هذه القبور والمراقد الشريفة، كما هي موطن غيبتهم فهي موطن ظهورهم وخروجهم مرة أخرى، وأن الالتزام بزيارة تلك القبور والمراقد عبارة عن إنتظار وترقب لعودتهم وثبات على ولائهم وطاعتهم والإنقياد لهم.
فقد ورد في بعض زيارات أمير المؤمنين عليه السلام والتي أوردها المشهدي في مزاره الكبير قول الزائر في وسط الزيارة مخاطباً أمير المؤمنين عليه السلام «...مؤمن برجعتك، منتظر لامرك مترقب لدولتك آخذ بقولك، عامل بأمرك، مستجير بك، مفوض أمري إليك متوكل فيه عليك، زائر لك، لائذ ببابك الذي فيه غبت ومنه تظهر، حتى تُمكّن دينه الذي ارتضى، وتبدل بعد الخوف أمنا،وتعبد المولى حقا، ولاتشرك به شيئا، ويصير الدين كله لله، وأشرقت الارض بنور ربها، ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بالحق وهم لايظلمون، والحمد لله رب العالمين»(٤٥٨).
وفي الرواية جملة من الفوائد:
الأُولى: إن مواضع قبورهم ومراقدهم أبواب للاخرة يتجه منها تجاه دار الاخرة، فهي مشاعر أخروية في بقاع أرضية، كما قال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)(٤٥٩) وقد روى الفريقان في ذيل الاية أن بيت علي وفاطمة عليها السلام من أفاضلها(٤٦٠).
الثانية: أن مراقدهم وقبورهم أبواب غُيّبُوا فيها ومنها سيبعثون تارة اخرى الى دار الدنيا في الرجعة، فهي مواطن انتظار لرجعتهم ومطالع ترقب لأوبتهم ومشارف آمال لكرتهم، فمن ثّم كانت ملاذاً ومستجاراً ومعاذا.
الثالثة: أن مفاد هذه الزيارة أن الحساب ووضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء(٤٦١) للمحاسبة هي في الرجعة في أواخرها ويتم القضاء بالفصل بالحق.
الرابعة: إن كمال إزدهار عمارة الارض سيتم بظهور وسيطرة الدين على سائر أرجاء الارض، وهو سيتحقق في الرجعة بدءا من ظهور الصاحب وصعوداً وإرتقاءاً وانتهاءاً في أواخر الرجعة.
ويظهر مما سبق من الروايات أن كل الائمة موعودون بالرجعة، وأن كلا منهم منتظر ومهدي يقيم دولة العدل الالهي، وقد ورد في زيارات الحسين، بل في عدة من زيارات الائمة عليهم السلام الدعاء «تنتصر به لدينك».
وهو إشارة الى رجعة الحسين عليه السلام ورجعة بقية الائمة عليهم السلام، وهذا المفاد في هذا الدعاء شبيه مفاد دعاء: «اللهمَّ كن لوليك الحجة...».
 بل هذا الدعاء الاخير في الاصل ليس مخصوصاً بالامام الثاني عشر عجل الله فرجه، بل عام لكل الائمة الاثني عشر عليهم السلام.
وقد ورد في أحد زيارات الحسين عليه السلام خطاباً لأنصار الحسين عليه السلام: «إن الله منجز لكم ما وعدكم»، بل وكذا في زيارة أبي الفضل العباس عليه السلام.
١٠ـ ما ذكره الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد في أعمال يوم الجمعة قال: ويستحب زيارةالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام في يوم الجمعة، وروي عن جعفر بن محمدالصادق عليه السلام أنه قال: من أراد أنْ يزور قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقبر أمير المؤمنين عليه السلام وقبر فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وقبور الحجج عليهم السلام وهو في بلده فليغتسل في يوم الجمعة، ثم ساق آداب مقدمة للزيارة (ويقدم صلاة الزيارة، فإذا تشهد وسلم فليقم مستقبلاً القبلة وليقل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليك أيها النبي المرسل والوصي المرتضى والسيدة الكبرى والسيدة الزهراء عليها السلام، والسبطان المنتجبان والأولاد والأعلام والأمناء المنتجبون...جئت انقطاعاً إليكم وإلى آبائكم وولدكم الخلف على بركة الحق فقلبي لكم مسلّم، ونصرتي لكم معدة حتى يحكم الله بدينه، فمعكم معكم لا مع عدوكم إنّي لمن القائلين بفضلكم مقر برجعتكم لا أنكر لله قدرة ولا أزعم إلّا ما شاء الله سبحان الله ذي الملك والملكوت(٤٦٢).
وهذه الرواية لهذه الزيارة لهم عليهم السلام من بُعد ظاهرة في كون هذا من آداب الزيارة عند كل المعصومين عليهم السلام، وأن كل واحد منهم عليهم السلام مترقب منتظر لرجعته للحكم في الأرض، بأن يبعثه الله في الدنيا رجعة، وهذا شامل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة عليها السلام كما هو للأئمة الاثني عشر.
١١ - ما رواه بن قولويه في كامل الزيارات في زيارة الحسين عليه السلام بطريق معتبر عن أبي حمزة الثمالي عن الصادق عليه السلام...وذكر عليه السلام آداب الزيارة والدعاء قبلها، ثم ذكر الزيارة ثم قال عليه السلام: «قل: لبيك داعي الله سبعا.وقل: إن لم يجبك بدني عند استغاثتك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري ورأي وهواي على التسليم لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب والدليل العالم والأمين المستخزن والمؤدي المبلغ والمظلوم المضطهد جئتك انقطاعاً إليك وإلى جدك وأبيك وولدك الخلف من بعدك، فقلبي لكم مسلم ورأي لكم متبع ونصرتي لكم معدة حتى يحكم الله بدينه ويبعثكم، وأشهد الله أنكم الحجة وبكم ترجى الرحمة فمعكم معكم لا مع عدوكم إني بكم من المؤمنين لا أنكر لله قدرة ولا أكذب منه بمشيئة(٤٦٣).
وقد تضمنت الزيارة بعد ذلك التسليم والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ثم واحد واحد من الأئمة عليهم السلام.
وورد في أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الزيارة: «اللهمَّ أتمم به كلماتك وأنجز به وعدك وأهلك به عدوك واكتبنا في أوليائه وأحبائه، اللهمَّ اجعلنا له شيعة وأنصاراً وأعواناً».
وفي الزيارة أيضاً بعد السلام والصلاة على كل واحد واحد من الأئمة بأسمائهم وتقول: «اللهمَّ أتمم بهم كلماتك وأنجز بهم وعدك وأهلك بهم عدوك وعدوهم من الجن والإنس أجمعين...اللهمَّ اجعلنا لهم شيعة وأنصاراًوأعواناً على طاعتك وطاعة رسولك».
وهذا صريح في أن كل واحد منهم موعود منتظر ينجز الله به وعده وينتقم بهم من أعدائه ويقيم به دينه ومواعيده في نصر الدين وإعلاء الحق وإذلال الباطل وإقامة شرائعه وأحكامه وآيات كتابه.
فكل ما ورد من تعاليم في المهدي المنتظر عجل الله فرجه هو بعينه وارد في كل إمام إمام أنَّه يبعثه الله مرة أخرى في الدنيا رجعة.
١٢ ـ وقد ورد في دعاء مولد الحسين عليه السلام «اللهمَّ إني أسألك بحق المولود في هذا اليوم الموعود بشهادته قبل استهلاله...الممدود بالنصرة يوم الكرة، المعوّض من قتله أن الأئمة من نسله، والشفاء في تربته، والفوز معه في أوبته، والأوصياء من عترته بعد قائمهم وغيبته حتى يدركوا الأوتار ويثأروا الثار ويرضوا الجبار ويكونوا خير أنصار...فنحن عائذون بقبره نشهد تربته وننتظر أوبته»(٤٦٤).
وقد رواه الشيخ في المصباح بطريقه عن القاسم بن علاء الهمداني وكيل العسكري.
ومفاد الدعاء ظاهر بوضوح في أن سيد الشهداء عليه السلام موعود بمدد النصر يوم كرّته عليه السلام، وكذلك الأوصياء من عترته وأنْ أوبتهم وكرتهم تقع بعد قائمهم وغيبته، وأنهم يدركوا الأوتار ويثأروا الثار ويرضوا الجبار بتطهير الأرض من المفسدين العتاة، وآخر الدعاء تضمن أن الحسين عليه السلام منتظرٌ أوبته ورجوعه.
١٣ ـ وقد روى الشيخ عن ابي حمزة الثمالي في في مصباح المتهجد في زيارة العباس عليه السلام: «أشهد أنك قتلت مظلوماً وأن الله منجزٌ لكم ما وعدكم، جئتك يابن أمير المؤمنين وقلبي مسلم لكم وأنا لكم تابع ونصرتي لكم معدة حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، فمعكم معكم لا مع عدوكم، إني بكم وبأيابكم من المؤمنين وبمن خالفكم وقتلكم من الكافر»(٤٦٥).
وفيها تصريح أن جميعهم موعودون بالنصر في رجعتهم.
١٤ ـ ونظير هذه الزيارة ورد في زيارة مسلم بن عقيل عليه السلام التي رواها المشهدي في المزارالكبير(٤٦٦)، ورواها السيد بن طاووس في مصباح الزائر.
١٥ ـ وفي زيارة لأمير المؤمنين عليه السلام رواها المشهدي في المزار الكبير وقد تضمنت «إني مقرّ بكم معتصم بحبلكم متوقع لدولتكم منتظرٌ لرجعتكم»(٤٦٧).
١٦ ـ وفي زيارة أخرى رواها المشهدي وهي الزيارة الرجبية لأمير المؤمنين عليه السلام في رجب، بل لكل المعصومين عليهم السلام في ذلك الشهر وفيها «حتى العود إلى حضرتكم والفوز في كرتكم والحشر في زمرتكم»(٤٦٨).
١٧ ـ وروى في الكافي صحيح عبد الله بن جندب قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عما أقول في سجدة الشكر فقد اختلف أصحابنا فيه فقال: «قل وأنت ساجد: اللهمَّ إني أشهدك وأشهد ملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك أنك الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيّي وعلى وفلاناً وفلاناً وفلاناً إلى آخرهم أئمتي بهم أتولّى ومن عدوهم أتبرّأ، اللهم إني أنشدك دم المظلوم ـ ثلاثاً ـ اللهمَّ إني أنشدك بإيوائك(٤٦٩) على نفسك لأوليائك لتظفرنّهم بعدوك وعدوهم»(٤٧٠).
فهذا دعاء يومي يؤتى به في كل سجدة شكر لكل صلاة فريضة بل لكل صلاة نافلة أيضاً في اليوم عدة مرات، وفيها الدعاء والإلحاح بتعجيل الظفر والنصر لكل واحد واحد من أئمة أهل البيت عليهم السلام والانتقام لدم سيد الشهداء وذلك بظهور قائمهم عجل الله فرجه ورجعتهم بعده في سياق واحد.
ومنه يظهر أن ما يدعو به المؤمنون من تعجيل فرج صاحب الأمر عجل الله فرجه لابدَّ من تتميمه بالدعاء بتعجيل رجعتهم عليهم السلام، وأن رجوع كل إمام هو ظهور له بعد غيبته بالموت، كما ورد ذلك في كثير من الزيارات سواء أريد من الظهور معنى البروز، وأريد منه معنى السيطرة والسلطة، فإن كل إمام يبرزبرجوعه الى الحياة الدنيا بعد غيابه بخفاء الموت، فلكل إمام ظهور بعد غيبة، كما أن له دولة في الرجعة بعد إستضعاف في الحياة الاولى.
١٨ـ وروى الكليني عن محمد بن عيسى بإسناده عن الصالحين عليهم السلام قال: (تُكرر في ليلة ثلاث وعشرين هذا الدعاء ساجداً وقائماً وقاعداً وعلى كل حال، وفي هذا الشهر كله، وكيف أمكنك ومتى حضرك من دهرك تقول بعد تحميد الله تبارك وتعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهمَّ كن لوليك فلان بن فلان في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وناصراً ودليلاً وقائداً وعوناً وعيناً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً»(٤٧١).
ورواه الشيخ الطوسي بنفس الاسناد وبنفس المتن في مصباح المتهجد(٤٧٢).
ورواه السيد ابن طاووس في فلاح السائل(٤٧٣) وفي الإقبال مسنداً بنفس الإسناد إلّا أنه استبدل فلان بن فلان «لوليك القائم بأمرك الحجة محمد بن الحسن المهدي عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام»، لكنه في فلاح السائل أورد المتن «لوليك فلان بن فلان».
وأورده الكفعمي في البلد الأمين بنفس اللفظ الموجود في الكافي ومصباح الشيخ، لكنه في مصباحه أورده كما في إقبال ابن طاووس.
وفي البحار أورد هذا الدعاء ضمن دعاء طويل يُدعى به في يوم الجمعة في سياق الدعاء لمحمد وآل مُحمَّد عليهم السلام وفي وسط الدعاء اللهم احفظ محمد وآل محمد.
وبعبارة أخرى: مما يوجب الاشتباه ما رواه السيد ابن طاووس في الإقبال(٤٧٤) من رواية محمد بن عيسى بن عبيد بإسناده عن الصالحين عليهم السلام قال: وكرر في ليلة ثلاثة وعشرين من شهررمضان «اللهمَّ كن لوليك القائم بأمرك الحجة محمد بن الحسن المهدي عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً ومؤيداً حتى تسكنه أرضك طوعا».
١٩ـ وروى ابن قولويه مصحح أبي حمزة الثمالي، قال: قال الصادق عليه السلام: «إذا أردت المسير إلى الحسين عليه السلام...ـ ثم ذكر آداب الزيارة وأورد زيارة طويلة يقول فيها: «وقد أتيتك زائراً قبر ابن بنت نبيك فاجعل تحفتي فكاك رقبتي من النار» إلى أن قال: «واجعلني من أنصاره يا أرحم الراحمين»، ثم قال فيها: «أتيتك انقطاعاً إليك وإلى جدك وأبيك وولدك الخلف من بعدك، فقلبي لك مسلّم ورأيي لك متَّبع ونصرتي لك معدة حتى يحييكم الله لدينه ويبعثكم، وأشهد أنكم الحجة وبكم ترجى الرحمة، فمعكم لا مع عدوكم، إني بإيابكم من المؤمنين لا أنكر لله قدرة ولا أكذّب منه مشيئة»، ثم قال الشيخ: وتصلي على الأئمة كلهم كَمَا صلّيت على الحسن والحسين عليهما السلام، ثم تقول: «اللهمَّ تمّم بهم كلماتك، وأنجز بهم وعدك، وأهلك بهم عدوك وعدوهم من الجن والإنس أجمعين.اللهم اجعلنالهم شيعة وأعواناً وأنصاراً على طاعتك وطاعة رسولك، وأحينا محياهم وأمتنا مماتهم، وأشهدنا مشاهدهم في الدنيا والآخرة» إلى أن قال: «اللَّهُمَّ أدخلني في أوليائك وحبّب إليّ مشاهدهم وشهادتهم في الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير»،
 ثم قال: «اللهمَّ اجعلني ممن ينصره وينتصر به لدينك في الدنيا والآخرة...» إلى أنْ قال: «اللهمَّ اجعلني ممن له مع الحسين بن علي عليه السلام قدم ثابت، وأثبتني فيمن يستشهد معه».
وهذه الزيارة فيما استعرضناه من المواضع فيها طافحة ظاهرة في كون كل إمام موعود أن ينصره الله، والمؤمنون مأمورون بإعداد العدة لنصر كل إمام عند ظهوره في الرجعة، فكل إمام لابدَّ على المؤمنين من إعداد النصرة له في الوقت الراهن فضلا عن الزمن اللاحق، وأن غاية إعداد النصرة لكل إمام يمتد زمنا الى أوان رجعته حيث يحييه الله لإقامة دينه بإقامة دولة العدل الالهي، وأن الدعاء بـ «اجعلنا أعوانا أنصارا».
بالاضافة الى كل إمام إمام وفي نهاية الزيارة «اجعلني ممن ينصره وينتصر به في الدنيا والاخرة» اي ينصر الحسين عليه السلام في الدنيا في الوقت الراهن وفي آخرة الدنيا، اي الرجعة ثم بعدها «وأثبتني فيمن يستشهد معه».
وهذه العبارة تحتمل وجهين:
الأوَّل: أنه دعاء بالشهادة مع الحسين في الرجعة، لأنه قد ورد ذلك كما سيأتي في الباب الرابع.
الثاني: أن يكتب له أجر من استشهد مع الحسين عليه السلام، والمعنى الاول أظهر، لصيغة فعل المضارع في صلة الموصول «فيمن يستشهد معه».
٢٠ ـ وفي معتبرة ابي الصباح الكناني: قال نظر أبو جعفر عليه السلام الى أبي عبدالله عليه السلام فقال ترى هذا؟ هذا من الذين قال الله عَزَّ وَجَلَّ (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين)(٤٧٥).
٢١ ـ وفي معتبرة عبدالله بن سنان: قال سألت أباعبدالله عليه السلام عن قول الله عَزَّ وَجَلَّ (وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) قال: هم الائمة(٤٧٦).
رجعة الائمة ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده - المعارف وفقه متون الروايات:
٢٢ ـ وروى السيد ابن طاووس «اللهمَّ كن لوليك القائم بامرك الحجة محمد بن الحسن المهدي عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً ومؤيداً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طولاً وعرضاً وتجعله وذريته من الأئمة الوارثين» الحديث.
وظاهر نسخة هذه الرواية التي رواها ابن طاووس توهم أن الأئمة عليهم السلام بعد الثاني عشر المهدي الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه هم من ذريته، وهذا وهم من أحد الرواة والنسّاخ لهذا الدعاء بشهادة:
١ ـ أنّ المجلسي رحمه الله روى هذا الدعاء باللفظ الذي ذكره ابن طاووس في ضمن أدعية يوم الجمعة ولكن في سياق الدعاء لمحمد وآل محمد، فروى في وسط ذلك الدعاء قوله عليه السلام: «اللهمَّ احفظ محمد وآل محمد وأتباعهم وأوليائهم بالليل والنهار من أهل الجحد والإنكار واكفهم حسد كل حاسد متكبر جبار وسلطهم على كل ناكث ختار حتى يقضوا من عدوك الأوطار واجعل عدوهم مع الأذلين والأشرار وكبّهم ربي على وجوههم في النار إنك الواحد القهار، اللهمَّ كنْ لوليك في خلقك ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه منها طولاً وتجعله وذريته فيها الأئمة الوارثين واجمع له شمله واكمل له أمره وأصلح له رعيته وثبت ركنه وأفرغ الصبر منك عليه حتّى ينتقم فيتشفى ويشفي حزازة قلوب نغلة وحرارة صدور وغرة وحسرات أنفس ترحة من دماء مسفوكة وأرحام مقطوعة و(طاعة) مجهولة قد أحسنت إليه البلاء ووسعت عليه الآلاء وأتممت عليه النعماء في حسن الحفظ منك له، اللهم اكفه هول عدوه وأنسهم ذكره وارد من أراده وكد من كاده وأمكر بمن مكر به، واجعل دائرة السوء عليهم اللهمَّ فضّ جمعهم وفل حدّهم» الحديث(٤٧٧).
فإنّ ضمير ـ ذريته ـ يعود بوضوح إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مضافاً إلى عدم تخصيص دعاء الفرج بالحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه، بلْ لكل إمام من الاثنى عشر عند كونه الولي بالفعل.
٢ ـ وقد وردت روايات مستفيضة بل متواترة برجعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر الرجعة، وأن الدولة التي سيقيمها هي أكبر دولة الرجعة، ويكون فيها الأئمة الاثنا عشر وزراء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعواناً، وأن الانتقام الذي يحصل من الأعداء في دولة الرجعة أعظم من الانتقام الذي يحصل في دولة الظهور للإمام المهدي عجل الله فرجه من الأعداء بأضعاف مضاعفة، وأن كل إمام من الأئمة الاثني عشر يرجع ويقيم دولته وينتقم من قاتليه، وذلك حيث يرجعهم الله إلى الحياة مع رجوعه.
٣ ـ ومن ذلك يتبين تنصيص هذه الرواية أن أول مَن يُدعى لهم بهذا الدعاء «اللهمَّ كن لوليك» هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فيدعى بتعجيل رجعته وإقامة دولته، ومن ثم كان التعبير «كن لوليك في خلقك» لا في أرضك.
كما يُدعى بهذا الدعاء لعلي عليه السلام أيضاً والحسن والحسين عليه السلام ولبقية أئمة أهل البيت عليهم السلام كل واحد منهم باسمه واسم أبيه.
٤ ـ ومن ثم ورد لفظ الحديث في عدة من الروايات المتقدمة «اللهمَّ كن لوليك فلان بن فلان» إشارة إلى عموم هذا الحديث للمعصومين الأربعة عشر لا خصوص الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه، وقد نبه على ذلك غير واحد من المحدثين الكبار، أي نبه على عموم الدعاء لكل المعصومين عليهم السلام، ولكن هذه التعاليم غائبة عن أذهان كثير من المؤمنين كل ذلك بسبب غياب المعرفة بالرجعة، والغفلة عن هذا الباب العظيم في المعرفة الموجب لكمال المعرفة بالله وقدرته ومشيئته والمعرفة بمقامات النبي صلى الله عليه وآله وسلم الآتية، والمقامات لأمير المؤمنين والأئمة المستقبلية.
تحقيق في صناعة الدراية والحديث
واعلم أن جماعة من فحول الفقهاء وأكابر المحدثين المتبحرين قد أشاروا إلى أن المتن الروائي ومتن الرواية الواحدة قد يختلف صورته وألفاظه من راو إلى آخر، سواء الراوي المباشر ومن سلسلة الرواة في الطريق عن الراوي المباشر وذلك لأسباب عديدة:
الأول: الاقتضاب والإيجاز، فقد يكون الراوي المباشر يروي المتن تارة باقتضاب وإيجاز وتارة أُخرى بتفصيل وبسط، وهاتان الحالتان يختلف بحسبهما متن الرواية خبطاً وإتقاناً ووضوحاً وإبهاماً، وذلك بحسب ما يتمتع به الراوي المباشر من ضبط علمي وإتقان في النقل والتصوير وقوة الحافظة والالتفات والتركيز، وكذلك الحال يسري في سلسلة الرواة في الطريق عن الراوي المباشر.
وهذا يوجب تعدد المتون في الحديث الواحد كثيراً، ويتوهم غير الخبير بالدراية أن هذه أحاديث متعددة، وينساق الى متن واحد ويعكف عليه ويغفل عن إستقصاء المتون الأخرى المنقولة مع كونها بالغة الأهمية في الوقوف على حقيقة المضمون، لأن هذه المتون المختلفة إما بمثابة ألبسة وإما بمثابة وجوه وزوايا لحقيقة واحدة، فمن ثم كان الاغترار والاسترسال بمتن مروي واحد يوجب وقوع الفقيه والمفسر والمتكلم بعيداً عن حقيقة المدلول الأصلي الصحيح للرواية لاسيما إذا كان المبحث عقائدياً والبحث في مسألة اعتقادية، فإنه لا يعوّل على إيهام نقل آحاد وخبر منفرد من دون وصوله إلى استفاضة متواترة في الدلالة لا من جهة خصوص أصل الصدور فحسب كما عرفت، بل الأهم من ذلك أيضاً هو الوصول إلى ضبط المتن الحقيقي بتمام كلماته وفقراته وألفاظه، وحينها يكون صورة المتن تامة كاملة، هذا مضافاً إلى الأسباب الأُخرى لاختلاف المتن الآتي ذكرها الموجبة للتفاوت في درجة الضبط والإتقان في المضمون الحقيقي للروايات.
الثاني: الدرجة العلمية والمستوى العلمي للراوي، فإنه لا يخفى تأثيره في درجة الضبط وله بالغ التأثير سواء الراوي المباشر والرواة عنه وصاحب الكتاب الذي أودع متن وطريق الرواية.
الثالث: قوة الحافظة للراوي والرواة ولا يخفى تأثيرها البالغ أيضاً.
الرابع: نسخ الكتب المودعة التي تخرج الرواية والكتب المستخرج منها الرواية، فإنَّ الكتب الحديثية المتأخرة كابن طاووس في القرن السابع والبحار وكتب الحر العاملي والسيد هاشم البحراني في القرن الحادي عشر، بل والصدوق والشيخ الطوسي في القرن الرابع والخامس، وغيرهم ممن هم في طبقاتهم فإنهم يستخرجون الروايات من كتب متقدمة عليهم، وتختلف تلك الكتب وما قبلها (مترامياً) في النسخ والضبط والإتقان إلى غير ذلك من العوامل الكثيرة التي ذكرها علماء الدراية والحديث.
وهذا الاستقصاء بمثابة قرائن مصيرية مؤثرة على استحصال الظهور والمراد الحقيقي لأية رواية، وهذا هو أحد الأسباب المهمة المبررة لعدم اعتماد القدماء على خبر منقول بطريق الآحاد واشترطوا احتفاف الخبر بقرائن تفيد العلم والاطمئنان، فإن هذا السبب ـ كَمَا عرفت ـ لا يرتبط بأصل الصدور.
المقام المحمود في دولة الرجعة:
روى ابن قولويه في كامل الزيارات(٤٧٨)، بسند معتبر فيه إرسال خفيف عن أبي عبدالله عليه السلام: ـ قال تقول إذا أتيت قبر الحسين بن علي عليه السلام، ويجزيك عند قبر كل إمام عليه السلام (ثم ساق الزيارة إلى أنْ قال في آخر الزيارة) ـ أنْ يقول الزائر «اللهمَّ لا تجعله آخر العهد من زيارة قبر ابن نبيك وابعثه مقاماً محموداً تنتصر به لدينك وتقتل به عدوك فإنك وعدته ذلك وأنت الرب الذي لا تخلف الميعاد»، ثم قال عليه السلام: وكذلك تقول عند قبور كل الأئمة عليهم السلام.
ومفاد صريح هذه الزيارة التي ذكرها ا بن قولويه أن المقام المحمود لهم عليهم السلام من مصاديقه البارزة مقام دولتهم في الرجعة فلكل إمام مقام محمود بدولة عزيزة باهرة ظاهرة، وأنَّ كل إمام موعود بهذا المقام ينتصر الله به لدينه، فكل إمام منتظر موعود يدعى له بالفرج وتعجيل ذلك له، وأنْ يبعثه الله من قبره لذلك الوعد والميعاد لقيادة دولة الحق والعدل، وأنَّ دعاء الفرج عام لكل من الأئمة عليهم السلام الاثني عشر، وهو ليسَ من مختصات الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه، بلْ قدْ نصَّ في ذلك الدعاء على عموم كل الأئمة عليهم السلام، كما يتّضح من ذلك أنَّ زيارة كل واحد منهم عليهم السلام هي لتجديد العهد والبيعة مع الإمام المزور لأجل النصرة والإعداد لدولة الرجعة «ونصرتي لكم معدّة حتّى يحيي الله دينه بكم».
مفاهيم الرجعة في زيارة عاشوراء
وتتجلى تلك المفاهيم في مواضع:
أحدها: «أنَّ يرزقني طلب ثارك مع إمامٍ منصورٍ من أهل بيت مُحمَّد صلوات الله عليهم أجمعين».
الثاني: «وأنَّ يرزقني طلب ثاركم مع إمام مهدي هدى ظاهر ناطق بالحق منكم».
وطلب ثارهم والانتقام لهم لا ينطلق من ردَّة فعل نفساني وغيض غرائزي، بلْ معنى الانتقام في منطق الوحي وأهل البيت عليهم السلام هو إزالة الباطل وما تولَّد منه من فروع وتداعيات في البلاد والعباد حصداً بجذوره وأشجاره، أي تطهير البلاد والعباد من أشخاص الرجس والأنجاس.
وفي الموضع الأوَّل لم يُحصر طلب الثار بمعية الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه، ولم يقصر عليه عجل الله فرجه، بلْ عُمِّم إلى كل إمام من الإئمة الاثني عشر عليهم السلام، كما أنَّ الحال كذلك في الموضع الثاني مع تعميم الثار إلى طلب ثار كل ظلامة ومظلمة وحق لهم، وكذلك تعميم الإمام الذي يطلب الثار معه، والتوصيف بالمنصور والظاهر والناطق بالحق إشارة إلى إقامة الدولة الظاهرة وبتوسطها يمكن إنجاز ذلك، وأما المقام المحمود فقدْ مرَّ تصريح الروايات أنَّه من أوائل مصاديقه إقامة الدولة لهم فضلاً عن بقية مصاديقه من مقاماتهم في القيامة والآخرة.
وإنَّ من غايات الزيارة لهم عليهم السلام الحظوة بالكرَّة معهم، فقد وَرَدَ في زيارة طويلة لسيد الشهداء عليه السلام أوردها ابن قولويه، حيث وَرَدَ في الدعاء بعد صلاة الزيارة «وأؤمل في قربكم النجاة وأرجو في إتيانكم الكرَّة، وأطمع في النظر إليكم وإلى مكانكم غداً في جنان ربي مع آبائكم الماضين»(٤٧٩).
وكذا وَرَدَ في موضع آخر في الزيارة نفسها «جئتك انقطاعاً إليك وإلى جدك وأبيك وولدك الخلفِ من بعدك، فقلبي لك مُسَلّمُ، ورأيي لك مُتَّبعٌ، ونصرتي لك معدة، حتّى يحكم الله بدينه ويبعثكم، وأُشهُد الله أنكُمُ الحُجَّةُ، وبكُم ترجى الرحمة، فمعكم مَعَكُم لا مع عدُوكُم، إني بكم من المؤمنين، لا أُنكرُ لله قدرةً ولا أُكذبُ منه بمشيئةٍ»(٤٨٠).
وكذلك: «ونصرتي لكم معدّة حتّى يحيى الله تعالى دينه بكم، ويردكم في أيامه ويظهركم لعدله، ويمكّنكم في أرضه، وقلبي لكم مسلّم، ورائي لكم تبع».
وهذا المقطع من الزيارة قدْ وَرَدَ مضمونه مكرراً في الزيارات العديدة، ومفاده: أخذ الاستعداد والإعداد بالتهيء والتمدد في القوة والقدرة إعداداً لإقامة دولتهم عند رجوعهم إلى دار الدنيا مرةً أُخرى، فالتطلع والطموح والإعداد لا يقتصر على دولة ظهور المهدي الحجة بن الحسن العسكري عجل الله فرجه، بلْ يعمُّ إقامة دولة دائمة لمحمد وآل مُحمَّد عليهم السلام لا تزول إلى يوم القيامة، وهو مشروع ضخم فيحتاج إلى إعداد واستعداد وتنمية للقدرات على كل الأصعدة يتناسب مع حجم وضخامة هذا المشروع.
فوظيفة الاستعداد والانتظار ليست تقتصر على ظهور الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه فحسب، بلْ تشمل انتظار رجعة كل إمام منهم عليهم السلام، وأنَّ من غايات الزيارة توطيد هذا المعنى والارتباط.
فالمراد من بعثهم بعثهم من القبور في الرجعة.
المهديون الاثنا عشر هم الأئمة الاثنا عشر في مقام الرجعة:
وَقَدْ وَرَدَتْ الإشارة في عدة من الروايات إلى رجعة الأئمة الاثني عشر بلسان غير عنوان الرجعة، وغير لفظة الكرة والأوبة، وغير بقية عناوين وأسماء الرجعة.
وهذه الإشارة بعنوان المهديين الاثني عشر بعد الأئمة الاثني عشر، ويراد من عدة الاثني عشرمن المهديين هم نفس الأئمة الاثني عشر بلحاظ رجوعهم وكرّتهم بعد الموت إلى الدنيا، لإقامة دولة محمد وآل محمد.
وإنما اعتمد أهل البيت عليهم السلام هذا العنوان لعدة حكم ومغازي:
منها: اعتماد التعبير الكنائي عن الرجعة حيث إنّ عقيدة الرجعة تعني مشروع إقامة الدولة لدى أهل البيت عليهم السلام وإبراز هذا المشروع تصريحا بمكان من الخطورة السياسية والأمنية، وليس هو عقيدة تجريدية بحتة.
ومنها: أنّه إشارة إلى أن هذا المقام من المقامات التي يصل إليها أئمة أهل البيت، وهم موعودون بها من قبل الله تعالى، في حين أن هذه العقيدة والمعرفة بالرجعة بهذا الشكل قد التبس على جماعة لتقمّص أدعياء أرادوا بالمؤمنين اضلالاً عن صراط الحق وعن التمسّك بأئمة الاثني عشر لأهل البيت عليهم السلام إلى أنداد وشركاء يُشركون بهم في الولاية الإلهية ليزيلوا الحق عن مقرّه، ويصرفوا الناس عن الأئمة الاثني عشر تلبيساً عليهم باسم الاتصال بالإمام المهدي عليه السلام الإمام الثاني عشر، بل ربّما تمادى الغيّ عندهم إلى تهميش الإمام الثاني عشر ودفعه عن مقامه ومرتبته التي رتّبه الله فيها، وأنه ليس هو المهدي، وليس هوالذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، تمنّيهم أنفسهم وشياطينهم إلى طاعة الشيطان والأبالسة مع استخدام للسحر والشعبذة ليغووا ضعفة العقول والقلوب ومرضى النفوس، الذين لم يتفقّهوا في الدين، ولم يلجأوا إلى علم وركن ركين.
فَقَدْ روى الشيخ الطوسي في الغيبة، وكذا في مختصر بصائر الدرجات عن جماعة، عن أبي عبدالله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري، عن علي بن سنان الموصلي العدل، عن علي بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن الخليل، عن جعفر بن أحمد المصري، عن عمّه الحسن بن علي، عن أبيه، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي عليه السلام: يا أبا الحسن أحضر صحيفة ودواة، فأملى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: يا علي إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أوّل الاثني عشر إماماً، سمّاك الله تعالى في سمائه: علياً المرتضى، وأمير المؤمنين، والصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، والمأمون، والمهدي، فلا تصحُّ هذه الأسماء لأحد غيرك.
يا علي، أنت وصيي على أهل بيتي حيهم وميّتهم، وعلى نسائي فمن ثبَّتها لقيتني غداً، ومن طلّقتها فأنا بري ء منها، لم ترني ولم أرَها في عرصة القيامة، وأنت خليفتي على أمتي من بعدي.فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن البرّ الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه مُحمَّد الثقة التقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل مُحمَّد عليهم السلام، فذلك اثنا عشر إماماً، ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المقرّبين(٤٨١) له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي، واسم أبي وهو عبدالله وأحمد، والاسم الثالث المهدي وهو أوَّل المؤمنين(٤٨٢).
المغالطة في فهم الرواية:
توهّم: إنّ هذه الرواية دالة على أن الإمام الثاني عشر يسلّم الوصية إلى ابنٍ له ثلاثة أسماء، فيكون قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الفقرة: «فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه أول المهديين» بإرجاع الضمير في «إذا حضرته» إلى الإمام الثاني عشر، وكذلك ضمير «ابنه» إلى الإمام الثاني عشر عليه السلام، وأنّ هذه الثلاثة أسماء هي أسماء لابن الإمام الثاني عشر.
دفع التوهّم:
١ ـ هذا الإرجاع للضمير إلى الإمام الثاني عشر خطأ فاحش في تركيب عبارات الجمل وسياقاتها، فإنّ الصحيح أن الضمير يرجع إلى الإمام الحادي عشر، الإمام الحسن العسكري عليه السلام، أي إذا حضرت الإمام العسكري عليه السلام الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الإمام الثاني عشر عليه السلام الذي له ثلاثة أسماء، وهو الإمام الثاني عشر أوّل المهديين، والإمام الثاني عشر له ثلاثة أسماء: اسم كاسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والاسم الآخر عبد الله وأحمد، والثالث وهو اللقب المهدي، وهو الإمام الثاني عشر أول المؤمنين، وفي بعض النسخ: «اسم كاسمي واسم أبيه وهو عبد الله»، وعلى هذه النسخة يكون اسم الإمام الحسن العسكري عليه السلام عبد الله، وسنبيّن وجه كون الإمام الثاني عشر أوّل المهديين وأول المؤمنين.
وأن معنى ووصف ومنصب عنوان المهدي لكل من الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام كمقام خاص لمن يقيم دولة محمد وآل محمد في الإعلان الظاهر وبنحو تبقى مستمرة إلى يوم القيامة، كما أنّ هناك مقام المنتصر والمنصور للأئمة الاثني عشر، كما أشير إلى ذلك في زيارة عاشور بالإمام المنصور والإمام المهدي عليه السلام.
ولنذكر الشواهد على هذا التفسير:
الشاهد الأول:
ما ورد في عدة روايات من الفريقين أنّ الذي له أسماء ثلاثة هو نفس الإمام الثاني عشر عليه السلام:
١ ـ فقد روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الفضل بن شاذان، عن إسماعيل بن عياش، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر المهدي فقال: «إنه يبايع بين الركن والمقام، اسمه أحمد وعبد الله والمهدي، فهذه أسماؤه ثلاثتها»(٤٨٣).
٢ ـ وقد روي ايضا أنّه عليه السلام له اسمين: اسم يخفى واسم يعلن، وروى الصدوق في كمال الدين بسند قوي وحسن قال: حدثنا علي بن أحمد بن موسى رضى الله عنه، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدثنا إسماعيل بن مالك، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن جدّه عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام وهو على المنبر: «يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض اللون، مشرب بالحمرة، مبدح البطن، عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين، بظهره شامتان: شامة على لون جلده، وشامة على شبه شامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، له اسمان: اسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يعلن فمحمد، إذا هزّ رايته أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ووضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلّا صار قلبه أشدّ من زبر الحديد...»(٤٨٤).
الشاهد الثاني:
إنّ عنوان المهدي والمهديين له تفسير مستفيض بل متواتر في روايات أهل البيت عليهم السلام هو كالأصل في معناه، ويراد به الإمام من الأئمة الاثني عشر عندما يقيم الدولة الظاهرة الممكّنة لدولة آل مُحمَّد عليهم السلام، ومن المستفيض في رواياتهم عليهم السلام أنّ كل الأئمة الاثني عشر عليهم السلام يرجعون كما هو مقتضى عقيدة الرجعة بل لكل امام رجعات، وأكثرهم رجوعاً وكروراً أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ويقيمون دولة آل مُحمَّد عليهم السلام واحداً بعد آخر، وهو مقتضى قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أنْ نَمُنّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ)(٤٨٥).
وهذا الخطاب عام لكل الأئمة الاثني عشر عليهم السلام حتى أن الإمام الثاني عشر أيضاً تكون له رجعة وأن الله منّ عليهم بوعدين: المنّ الالهي الأول المتقدم هو بإصل الامامة، والمنّ الالهي الثاني المتأخرهو بجعلهم يملكون إرث الدولة في الأرض.
ولا يخفى أن الآية إنما هي وعد للذين مضى عليهم حالة إستضعاف وقهر في حياتهم السابقة الآولى من الدنيا وهو مقتضى دلالة (اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ) فعل ماض، أي جرى عليهم فيما مضى من حياتهم الأولى من الدنيا في الأرض إستضعاف، فهولاء وعدهم الله بجعلهم الوارثين.
ومقتضى مفاد (الْوَارِثِين) أنهم يكونون مرة أخرى في عاقبة وآخرة الحياة في الأرض، فيرثون ملك الأرض، ولا يخفى أن في الآية وعدين وعدا بإصل الامامة ووعدا بجعلهم الوارثين، والوعد الثاني هو بجعلهم ملوكا يملكون إدارة الدولة في الأرض، وهو مقام وعنوان ووصف المهدوية.
فالمراد بالمهديين الاثني عشر هم الأئمة الاثنا عشر أنفسهم في حال الرجعة وإقامة الدولة الظاهرة، فلهم مقام المهدوية بعد تسنّمهم أصل مقام الإمامة من دون دولة ظاهرة معلنة، والحال ذَلِكَ ـ أي مقام الإمامة ـ وصف ونعت للإمام الثاني عشر منذ الوصية والإمامة من أبيه الحسن العسكري عليه السلام إلى يوم ظهوره، وحين ظهوره وبدء إقامته للدولة الظاهرة يتحقّق له الوصف الفعلي لمقام المهدي، وإلى هذا المفاد - أي تعدد الحال في الامام الثاني عشر وأنه تمر به مرحلتان- يشير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرواية المزبورة: فذلك اثنا عشر إماماً، ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، أي بعد إمامة الإمام الثاني عشر وامتدادها في عصر الغيبة يتحقق بدء إقامة دولة محمد وآل مُحمَّد عليهم السلام، وأوَّل من يقيمها هو الإمام الثاني عشر، ومن ثمّ يكون الإمام الثاني عشر هو أول المهديين بعد أن كان له أصل مقام الإمامة طيلة فترة الغيبة، فالامام الثاني عشر متميز في الائمة الاثني عشر باتصال مقام امامته بمقام مهدويته.
وهذا هو سرّ تكرار قوله صلى الله عليه وآله وسلم في ذيل الرواية: «فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى ابنه محمد المستحفظ من آل مُحمَّد عليهم السلام فذلك إثنى عشر إماماً ثم يكون من بعدي إثنى عشر مهديا، «فإذا حضرته الوفاة فليسلمها الى أبنه اول المقربين له ثلاثة أسامي: أسم كاسمي، واسم أبي وهو عبدالله وأحمد، والاسم الثالث المهدي وهو أول المؤمنين» فكرر صلى الله عليه وآله وسلم قوله فإذا حضرته الوفاة أي الحسن العسكري عليه السلام فليسلمها إلى أبنه اي محمد، إذ في المرة الثانية أيضا صّرح صلى الله عليه وآله وسلم أن الابن أسمه محمد كما قال صلى الله عليه وآله وسلم «اسم كأسمي» فسبب هذا التكرار بحضور وفاة الحسن العسكري عليه السلام أنه يسلمها الى ابنه محمد أن الامام الثاني عشر له مقامان متصلان زمانا الأول أصل الامامة والثاني مقام المهدوية، فمن ثم كرر التعبير فيه دون بقية الائمة الاثني عشر لانفكاك زمان إمامتهم عن زمان مقام المهدوية لهم، وهو أول المؤمنين زمنا لا رتبة والمخاطبين أيضا في آية الوعد الالهي في سورتي النور والقصص والذين هم الأئمة الاثنا عشر الذين وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض بدولة معلنة ويمكّن لهم إقامة الدين حيث يبدلهم بعد الخوف أمناً كما هو نصّ قوله تعالى: (وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِخَوْفِهِمْ أمْناً)(٤٨٦).
ويتّضح هذا التفسير بشكل مفهوم جلي من الروايات الواردة في بيان هذا المعنى لعنوان ووصف المهدي.
أول المهديين واحد من الائمة الاثني عشر:
١ ـ روى في تحف العقول وصيّة الصادق عليه السلام لمؤمن الطاق أبي جعفر محمد بن النعمان الأحول في وصية طويلة بلزوم مراعاة التقية والكتمان وعدم الإذاعة: «فلا تعجلوا فوالله قد قرب هذا الأمر ـ ثلاث مرات ـ فأذعتموه، فأخّره الله»(٤٨٧).
ومراده عليه السلام: من هذا الأمر أي قيام دولة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تبقى إلى يوم القيامة.
وروى الشيخ الطوسي في الغيبة بإسناده إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قوله: «يا ثابت إن الله تعالى كان وقّت هذا الأمر في السبعين، فلمّا قتل الحسين عليه السلام اشتدّ غضب الله على أهل الأرض، فأخّره إلى أربعين ومائة سنة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع السر، فأخّره الله ولم يجعل له بعد ذلك عندنا وقتاً...»(٤٨٨).
وروى في مختصر بصائر الدرجات بسند صحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال: «إنَّ أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وعدوا سنة السبعين فلمَّا قتل الحسين عليه السلام غضب الله عَزَّ وَجَلَّ على أهل الأرض فأضعف عليهم العذاب، وإنَّ أمرنا كان قد دنى فأذعتموه فأخَّره الله عَزَّ وَجَلَّ...الحديث»(٤٨٩).
وروى النعماني في الغيبة بسند موثَّق عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: «ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويريح أبداننا؟ قال: بلى، ولكنَّكم أذعتم فأخَّره الله»(٤٩٠).
وروى النعماني أيضاً بسنده عن إسحاق بن عمّار الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «قد كان لهذا الأمر وقت وكان في سنة أربعين ومائة، فحدَّثتم به وأذعتموه فأخَّره الله عَزَّ وَجَلَّ»(٤٩١).
وروى في الموثَّق عن إسحاق بن عمّار، قال: قال لي أبو عبدالله عليه السلام: «يا أبا إسحاق، إنَّ هذا الأمر قد اُخّر مرَّتين»(٤٩٢).
وروى الشيخ الطوسي بسنده عن عثمان النوى، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «كان هذا الأمر فيَّ فأخَّره الله ويفعل بعد ذلك في ذرّيتي ما يشاء»(٤٩٣).
والمراد من الأمر في هذه الروايات المستفيضة التي كان قد وقّت من قبل الله تعالى هو ظهور وقيام دولة آل محمّد عليهم السلام، الدولة الموعود باستمرارها إلى يوم القيامة يتعاقب الأئمّة الاثنا عشر عليها.
 ويصطلح في روايات أهل البيت على الإمام الذي يتمّ على يديه بدء إنشاء إقامة هذه الدولة أنَّه المهدي من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى هذا تشير الرواية الأخيرة، وتشير هذه الطائفة من الروايات إلى أنَّ مقام المهدي من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم قد قدَّره الله عَزَّ وَجَلَّ في السبعين، أي بدء إقامة هذه الدولة المستمرة على يد سيّد الشهداء، فلمَّا فرَّط المؤمنون والمسلمون في القيام بالمسؤولية وقتل الحسين عليه السلام اشتدَّ غضب الله على أهل الأرض فأخَّره الله من باب (يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(٤٩٤)، لأنَّه لم يكن ذلك التقدير تقدير جبر، وإنَّما أمر بين أمرين لسُنّة الله المشار إليها في قوله تعالى: (إنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ)(٤٩٥)، فقدَّر الله أن يكون مهدي آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام جعفر الصادق عليه السلام، فحصل التفريط مرَّة أخرى فقدَّره الله في الإمام موسى بن جعفر، فوقع التفريط ثالثة فأخَّره الله إلى ما يشاء.
ومن ثَمّ أشارت هذه الطائفة من الروايات إلى أنَّ هذا الأمر قد وقَّته الله ثلاث مرَّات ولعلَّ الثلاث إلى زمن الصادق عليه السلام والتقدير في زمن موسى بن جعفر عليه السلام يكون رابعا.
وهذا التغيير من باب (يَمْحُوا الله مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) لا يتنافى مع علم الله الحتمي بمقادير الأمور وأقدارها وحتم إبرامها، ومن ثَمَّ لا تتنافى هذه الروايات مع الروايات الأخرى أنَّ مهدي آل محمّد هو الإمام الثاني عشر.
والحاصل: أنَّ هذه الطائفة تعزّز أنَّ المهدوية مقام لأئمّة أهل البيت عليهم السلام الاثني عشر هو بلحاظ قيامهم بالدولة المعلنة التي تستمرّ إلى يوم القيامة.
وإلى ذلك يشير ما رواه الكليني في الكافي بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام: «...والمهدي يجعله الله من شاء منّا أهل البيت»(٤٩٦).
علي عليه السلام المهدي الأكبر من المهديين الاثني عشر
٢ ـ ما رواه في مختصر بصائر الدرجات عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: «ألا اُحدّثك -ثلاثاً- قبل أن يدخل عليَّ وعليك داخل»؟، قلت: بلى! فقال: «أنا عبد الله، أنا دابّة الأرض صدقها وعدلها وأخو نبيّها وأنا عبد الله، ألا اُخبرك بأنف المهدي وعينه؟، قال: قلت: نعم، فضرب بيده إلى صدره فقال: أنا»(٤٩٧).
وروى أيضاً عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على علي عليه السلام فقال: «اُحدّثك بسبعة أحاديث إلاَّ أن يدخل علينا داخل، قال: قلت: افعل جُعلت فداك، قال: أتعرف أنف المهدي وعينه؟، قال:قلت: أنت يا أمير المؤمنين...»(٤٩٨).
وَقَدْ وَرَدَتْ روايات مستفيضة بأنَّ أمير المؤمنين عليه السلام هو صاحب الكرّات والرجعات ودولة الدول، ومن ثَمَّ يكون هو المهدي الأكبر من أئمّة أهل البيت عليه السلام، كما هو مفاد هاتين الروايتين وروايات أخرى أنَّه عين المهدي وأنفه، حيث تضمَّن تشبيه المهدي بأعضاء جسم بعضها رئيسي مركزي وهو العين والأنف، وأنّ مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بين الأئمّة الاثني عشر في الاتّصاف بوصف المهدي هوموقع العين، وهذا يبيّن أنَّ صدق عنوان المهدي على الأئمّة الاثني عشر هو بتفاوت.
٣ ـ ما رواه في بصائر الدرجات عن عبد الله، عن إبراهيم بن محمّد الثقفي، قال: أخبرنا إسماعيل بن يسار، حدَّثني علي بن جعفر الحضرمي، عن سليم الشامي أنَّه سمع علياً عليه السلام يقول: «إنّي وأوصيائي من ولدي مهديّون كلّنا محدّثون»، فقلت: يا أمير المؤمنين من هم؟ قال: «الحسن والحسين عليهما السلام، ثمّ ابني علي بن الحسين»، قال: وعلي يومئذٍ رضيع، «ثمّ ثمانية من بعده واحداً بعد واحد، وهم الذين أقسم الله بهم فقال: (وَوالِدٍ وَما وَلَدَ) أمَّا الوالد فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما ولد يعني هؤلاء الأوصياء...»(٤٩٩) الحديث.
وكون الأوصياء الاثني عشر أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أنَّ علياً ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأخيه من باب التغليب، وأن عليا أبن رسول الله روحاً ونوراً، واُطلق في هذه الرواية المهدي على كلّ الأئمّة الاثني عشر.
٤ ـ ما رواه الصدوق في الصحيح عن أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن سليم بن قيس الهلالي، قال: «سمعت سلمان الفارسي رضى الله عنه يقول: كنت جالساً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضته التي قبض فيها فدخلت فاطمة عليها السلام...فقال صلى الله عليه وآله وسلم لها وأبناء بعلك أوصيائي إلى يوم القيامة، كلّهم هادون مهديّون، وأوَّل الأوصياء بعدي أخي علي، ثمّ حسن، ثمّ حسين، ثمّ تسعة من ولد الحسين في درجتي، وليس في الجنَّة درجة أقرب إلى الله من درجتي...» الحديث(٥٠٠).
ورواه سليم بن قيس في كتابه مع تفاوت يسير في الألفاظ.
٥ ـ وروى ابن أبي زينب النعماني في كتاب الغيبة عن ابن عقدة وغيره بإسنادهم عن عبدالرزّاق بن همام، عن معمّر بن راشد، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث: «... أيّها الناس، ليبلّغ مقالتي شاهدكم غائبكم، اللهمّ اشهد عليهم، ثمّ إنَّ الله نظر نظرة ثالثة فاختار من أهل بيتي بعدي، وهم خيار أمّتي أحد عشر إماماً بعد أخي واحداً بعد واحد، كلَّما هلك واحد قام واحد، مثلهم في أهل بيتي كمثل نجوم السماء، كلَّما غاب نجم طلع نجم، إنَّهم أئمّة هداة مهديّون...»(٥٠١).
وهذا الحديث طريقه موثّق، ولاحظ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوصف الاثني عشر أولا بمقام الامامة، وثانيا بمقام (المهديون)، وهو مطابق لتفسير قوله صلى الله عليه وآله وسلم «فذلك اثنا عشر اماما ثم يكون من بعده اثنا عشر مهديا» بالضرورة، لأنَّه دور ثانٍ لهم كمجموعة وعدة يرجعون فيقومون به لاسيما وأنَّ الترتيب الزماني لرجوعهم ليسَ بترتيب مراتبهم، وتفسيره برجعة الائمة الاثني عشر وأن المهديين الاثني عشر مقام الرجعة للائمة الاثني عشر وإقامتهم لدولة العدل.
وَقَدْ مرّ أنَّ الوعد الالهي في آية القصص وآية النور يقتضي أن الموعود بالاستخلاف لوراثة الأرض وإقامة الدولة الالهية هم نفس الائمة الاثني عشر الذين استضعفوا في الأرض سابقا.
وورد كثيراً إطلاق المهدي والمهديّين على الأئمّة عليهم السلام في الروايات.
الشاهد الثالث:
وممَّا يشهد إرادة الأئمّة الاثني عشر من المهديّين الاثني عشر من هذه الرواية ـ أي رواية الوصيّة وتسليمها من كلّ إمام إلى الإمام الذي بعده ـ أنَّ نفس هذه الرواية التي رواها الشيخ الطوسي في الغيبة ورواها عنه في مختصر بصائر الدرجات قد اشتملت على كون اسم المهدي من أسماء علي عليه السلام التي قد سمّاه الله بها، والتي لا تصحُّ لأحد غيره.
فالصحيح المتعين الذي لا لبس فيه ولا زيغ يعتريه ولا ريب يمتريه أنَّ المراد من المهديّين الاثني عشر بعد الأئمّة الاثني عشر هم نفس الأئمّة عليهم السلام بلحاظ دور الرجعة لهم عليهم السلام، فهم المهديّون ولذلك ذكر في بعض نسخ الرواية أنَّ الإمام الثاني عشر أوَّل المؤمنين وأوَّل المهديين، وقد مرَّ أنَّ ذلك إشارة في الآية الواعدة بالرجعة.
تساؤل:
ولعلَّك تسأل: فلماذا غاير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في التعبير بين الأئمّة الاثني عشر والمهديّين الاثني عشر، وكأنَّ المجموعة الأُولى أئمّة اثنا عشر، وأنَّ هناك مجموعة ثانية عددها أيضاً اثنا عشر كلّهم مهديّون.
والجواب:
إنَّ التعبير وإن أوهم المغايرة للوهلة الأولى إلاَّ أنَّ اتّحاد المراد مألوف في استعمال الروايات، نظير ما رواه الشيخ في الغيبة من موثَّق جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «والله ليملكنَّ منّا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة يزداد تسعاً»، قلت: متى يكون ذلك؟ قال: «بعد القائم»، قلت: وكم يقوم القائم في عالمه؟ قال: «تسع عشرة سنة، ثمّ يخرج المنتصر فيطلب بدم الحسين عليه السلام ودماء أصحابه، فيقتل ويسبي حتَّى يخرج السفّاح»(٥٠٢).
فالناظر في هذه الرواية في المتبادر الأول يتوهَّم أنَّ الرجل من أهل البيت والذي يملك بعد القائم والمنتصر الذي يخرج بعد القائم والذي يطلب بثأر وبدم الحسين عليه السلام ودماء أصحابه هو غير الحسين عليه السلام بمقتضى تعدّد التعبير مع أنَّه قد استفاضت الروايات أنَّ المنتصر هو الحسين عليه السلام، ففي روايات رواها المفيد في الاختصاص عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: وهل تدري من المنتصر والسفّاح؟ يا جابر؟ المنتصر الحسين بن علي، والسفّاح علي بن أبي طالب عليهما السلام»(٥٠٣).
وروى الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام: بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: «منّا اثنا عشر مهدياً، مضى ستّة وبقي ستّة، ويصنع الله في السادس ما أحبّ»(٥٠٤).
الشاهد الرابع:
ما ورد من روايات مستفيضة أنَّ الذي يلي الوصيّة، ويلي مقاليد الإمام الثاني عشر، ويلي الخاتم هو الحسين عليه السلام، حيث يدفع إليه القائم عليه السلام كلّ ذلك:
١ ـ فقد روى في مختصر بصائر الدرجات عن أبي عبدالله عليه السلام: «ويقبل الحسين عليه السلام في أصحابه الذين قتلوا معه، ومعه سبعون نبيّاً كما بعثوا مع موسى بن عمران عليه السلام، فيدفع إليه القائم عليه السلام الخاتم، فيكون الحسين عليه السلام هو الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه ويواري به في حفرته»(٥٠٥).
٢ ـ ما رواه في الكافي بسنده إلى عبد الله بن القاسم البطل، عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث: (... وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً) خروج القائم عليه السلام، (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) خروج الحسين عليه السلام في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهَّب لكلّ بيضة وجهان، (يؤذن المؤذنون) المؤدّون إلى الناس أنَّ هذا الحسين عليه السلام قد خرج حتَّى لا يشكّ المؤمنون فيه، وأنَّه ليس بدجّال ولا شيطان، والحجّة القائم بين أظهرهم، فإذا استقرَّت المعرفة في قلوب المؤمنين أنَّه الحسين عليه السلام جاء الحجّة الموت، فيكون الذي يغسّله ويكفّنه ويحنّطه ويلحّده في حفرته الحسين بن علي عليهما السلام، ولا يلي الوصيّ إلاَّ الوصيّ»(٥٠٦).
ورواها العياشي في تفسيره ولكن مع اختلاف يسير في الألفاظ، ففي ذيل الرواية: «المؤدّي إلى الناس ـ أنَّ الحسين قد خرج في أصحابه حتَّى لا يشكُّ فيه المؤمنون وأنَّه ليس بدجّال ولا شيطان ـ، الإمام الذي بين أظهر الناس يومئذٍ، فإذا استقرَّ عند المؤمن أنَّه الحسين لا يشكّون فيه، وبلغ عن الحسين الحجّة القائم بين أظهر الناس وصدَّقه المؤمنون بذلك، جاء الحجّة الموت فيكون الذي غسَّله، وكفَّنه، وحنَّطه، وإيلاجه في حفرته الحسين، ولا يلي الوصيّ إلاَّ الوصيّ»، وزاد إبراهيم في حديثه: «ثمّ يملكهم الحسين حتَّى يقع حاجباه على عينيه»(٥٠٧).
٣ ـ ما تَقَدَّمَ من رواية الشيخ الطوسي في الغيبة، من أنَّه يملك بعد القائم رجل من أهل البيت ثلاثمائة سنة ويزداد تسعة، وهو المنتصر وهو المنصور ويطلب بدمه وبدماء أصحابه»(٥٠٨)، وقد رواها المفيد في الاختصاص ببسط في الرواية عن جابر، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «والله ليملكنَّ رجل منّا أهل البيت بعد موته ثلاث مائة سنة ويزداد تسعاً»، قال: فقلت: فمتى يكون ذلك؟ قال: فقال: «بعد موت القائم»، قلت له: وكم يقوم القائم في عالمه حتَّى يموت؟ قال: فقال: «تسعة عشر سنة من يوم قيامه إلى يوم موته...» وذكر بقيّة الحديث(٥٠٩).
٤ ـ بسنده عن عقبة عن ابي عبدالله عليه السلام أنه سئل عن الرجعة أحق هي؟
قال نعم فقيل له من أول من يخرج قال؟ قال: الحسين يخرج على إثر القائم عجل الله فرجه، قلت ومعه الناس كلهم؟ قال لا بل كما ذكر الله تعالى في كتابه (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) قوما بعد قوما(٥١٠).
الشاهد الخامس:
ما تواتر من عقيدة رجعة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت إلى الدنيا، ورجوع الموتى ممَّن محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً، ورجوع أعداء أهل البيت عليهم السلام، وأنَّ أوَّل من يرجع من أئمّة أهل البيت عليهم السلام هو الحسين بن علي عليه السلام في زمن الحجّة عجل الله فرجه، فيكون هو الإمام بعده، ثمّ يرجع بعد الحسين عليه السلام علي بن أبي طالب عليه السلام.
 وروايات رجعة الأئمّة الاثني عشر إلى الدنيا بعد موت الإمام الثاني عشر قد بلغت مئات الروايات.
فما رواه الحرّ العاملي في كتاب (الإيقاظ من الهجعة) ما يزيد على ستّة مائة رواية، فضلاً عمَّا رواه المجلسي وتلميذه صاحب العوالم والأسترآبادي وغيرهم كثيرون، فضلاً عما رواه العامّة من روايات مرادفة للفظ الرجعة معنى وإنْ لم تكن مرادفاً لغوياً.
والإحصائية الدقيقة لتلك الروايات قد تزيد على الألف بكثير، فضلاً عن مجموع روايات عموم الرجعه عند الفريقين.
فإنَّ العدد يتضاعف على ذلك اضعافاً، وسيأتي تفصيل ذلك في الباب الثاني.
ومن الواضح أنَّ عقيدة رجعة الأئمّة الاثني عشر بعد الإمام الثاني عشر تبطل توهّم أنَّ المهديّين الاثني عشر، وأن الاثني عشر مهدياً هم غير الأئمّة الاثني عشر.
ويتناقض مع توهم التعدّد بين الأئمة الاثني عشر والمهديين الاثني عشر جمله من الروايات:
١ ـ ما رواه في مختصر بصائر الدرجات عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عمر بن عبد العزيز، عن رجل، عن جميل بن درّاج، عن المعلّى بن خنيس وزيد الشحّام، عن أبي عبد الله عليه السلام، قالا: سمعناه يقول: «إنَّ أوَّل من يكرُّ في الرجعة الحسين بن علي عليهما السلام، ويمكث في الأرض أربعين سنة حتَّى يسقط حاجباه على عينيه»(٥١١).
٢ ـ ما رواه في مختصر بصائر الدرجات أيضاً عن أيّوب بن نوح والحسين بن علي بن عبد الله بن المغيرة، عن العبّاس بن العامر القصباني، عن سعيد، عن داود بن راشد، عن حمران بن أعين، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «إنَّ أوَّل من يرجع لجاركم الحسين بن علي عليه السلام، فيملك حتَّى تقع حاجباه على عينيه من الكبر»(٥١٢).
٣ ـ ما روي في مختصر بصائر الدرجات أيضا من صحيح المعلى بن خنيس، قال، قال: لي أبو عبدالله عليه السلام «أول من يرجع إلى الدنيا الحسين بن علي عليهما السلام فيملك حتى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر...الحديث». ثم ذكر عليه السلام رجعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم(٥١٣).
٤ـ ما رواه في مختصر بصائر الدرجات عن جابر الجعفي قال: «سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول والله ليملكن منّا أهل البيت رجلاً بعد موته ثلاث مئة سنة، ويزاد تسعا قلت متى يكون ذلك؟
قال بعد القائم عليه السلام قلت: وكم يقوم القائم في عالمه؟ قال: تسعة عشر سنة، ثم يخرج المنتصر إلى الدنيا وهو الحسين فيطلب بدمه ودم أصحابه، فيقتل ويسبي حتى يخرج السفاح وهو أمير المومنين علي بن ابي طالب عليه السلام»(٥١٤).
والسفاح في اللغة: المعطاء والفصيح والقادر على الكلام.
٥ ـ ما رواه في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن أبي جعفر عليه السلام قال قال الحسين عليه السلام لأصحابه قبل أن يقتل ... ـ وذكر عليه السلام أنه يستشهد ومن معه ـ وقال (الحسين عليه السلام) ثم امكث ما شاء الله فاكون أول من تنشق الارض عنه فاخرج خرجة توافق خرجة أمير المومنين عليه السلام وقيام قائمنا...الحديث(٥١٥).
٦ ـ ما ورد مستفيضاً أنَّ الحسين عليه السلام عندما يخرج إلى الدنيا في أواخر حياة الإمام الثاني عشر حيث لا يكون للإمام الثاني عشر عَقِباً من ولدِه حيّاً حينئذٍ كي لا ينازع سيّد الشهداء في انتقال الوصيّة والإمامة إليه.
الشاهد السادس:
١ ـ ما رواه الشيخ الطوسي في الغيبة بسندٍ حسن عن الحسن بن علي الخزّاز، قال: دخل علي بن أبي حمزة على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال له: أنت إمام؟ قال: نعم، فقال له: «إنّي سمعت جدّك جعفربن محمّد عليهما السلام يقول: لا يكون الإمام إلاَّ وله عقب؟ فقال: أنسيت يا شيخ أم تناسيت؟ ليس هكذا قال جعفر، إنَّما قال جعفر: لا يكون الإمام إلاَّ وله عقب إلاَّ الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي عليهما السلام فإنَّه لا عقب له، فقال له: صدقت جُعلت فداك هكذا سمعت جدّك يقول»(٥١٦).
ورواه الطبري في دلائل الامامه بطريق آخر إلا أن لفظه في وسط الحديث لا يكون الامام إلا وله ولد إلا الإمام الذي يخرج عليه الحسين عليه السلام...(٥١٧).
وتفسير هذه الطائفة من الروايات - والآتي عِدَّة أُخرى منها من أنَّ الإمام الثاني عشر لا يكون له عقب عند خروج جدّه سيّد الشهداء عليه السلام إلى الدنيا في الرجعة- هو لأجل أن يدفع الإمام الثاني عشر الوصيّة ومقاليد الإمامة والأمانة الإلهية إلى جدّه الحسين، فلا يكون هناك مانع من انتقال الوصية الالهية والملكوتية ومقاليد الامامة من الإمام الثاني عشر إلى جده الحسين عليه السلام عند ذلك من قبيل ولدٍ من صلبه مباشر يتقرَّر له استحقاق الوراثة فيمانع من انتقال الإمامة إلى الجدّ وهو سيّد الشهداء.
فالرواية في هذه الطائفة ليست نافية للولد والعقب للإمام الثاني عشر مطلقاً، بل في ظرف أواخر حياته الشريفة.
٢ ـ وروى الكشي بسنده عن محمّد بن مسعود، قال: حدَّثنا جعفر بن أحمد، عن أحمد بن سليمان، عن منصور بن العبّاس البغدادي، قال: حدَّثنا إسماعيل بن سهل، قال: حدَّثني بعض أصحابنا وسألني أن أكتم اسمه، قال كنت عند الرضا عليه السلام فدخل عليه علي بن ابي حمزه... قال له علي: إنّا روينا عن آبائك أنَّ الإمام لا يلي أمره إلاَّ إمام مثله؟ فقال له أبو الحسن عليه السلام: «فأخبرني عن الحسين بن علي عليهم السلام كان إماماً وكان غير إمام؟، قال: كان إماماً، قال: فمن ولي أمره؟، قال: علي بن الحسين، قال: وأين كان علي بن الحسين عليهما السلام؟، قال: كان محبوساً بالكوفة في يد عبيد الله بن زياد، قال: خرج وهم لا يعلمون حتَّى ولي أمر أبيه ثمّ انصرف.
فقال له أبو الحسن عليه السلام: «إنَّ هذا أمكن علي بن الحسين عليه السلام أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه، فهو يمكن صاحب هذا الأمر أن يأتي بغداد فيلي أمر أبيه ثمّ ينصرف وليس في حبس ولا في إسار».
قال له علي: إنّا روينا أنَّ الإمام لا يمضي حتَّى يري عقبه؟ قال: فقال أبو الحسن عليه السلام: أمَارويتم في هذا الحديث غير هذا؟، قال: لا، قال: بلى والله، لقد رويتم فيه إلاَّ القائم وأنتم لا تدرون ما معناه ولِمَ قيل.
قال له علي: بلى والله إنَّ هذا لفي الحديث، قال له أبو الحسن عليه السلام: «ويلك!! كيف اجترأت عليّ بشيء تدع بعضه؟، ثمّ قال: يا شيخ اتَّق الله ولا تكن من الصادّين عن دين الله تعالى»(٥١٨).
وفي رواية المسعودي في إثبات الوصية عن الحميري عن سهل بن زياد عن منصور بن العباس عن اسماعيل بن سهل عن بعض اصحابه قال كنت عند الرضا عليه السلام...وروى مثله مع اختلاف في بعض الألفاظ وفي ذيله: فقال له الرضا ويحك تجرأت عليّ أن تحتج عليّ بشيء تدمج بعضه بعضا، ثم قال عليه السلام أن الله تعالى سيريني عقبي انشاء الله، ثم قال لعلي بن حمزة يا شيخ اتق الله تعالى ولا تكن من الصدادين عن دين الله(٥١٩).
الشاهد السابع:
ما ورد في عدَّة روايات في المقام من التأكيد على أنَّ هؤلاء (المهديّون) ليسوا بأئمّة وراء الأئمّة الاثني عشر، فليس عدد الأئمّة يتغيَّر ويزداد عن الأئمّة الاثني عشر، بل الاثنا عشر مهدياً عبارة عن إشارة إلى دولة الرجعة للائمّة الاثني عشر، فالاثنا عشر مهدياً عنوان آخر لعقيدة الرجعة يشار بها إلى دولتهم عليهم السلام في الرجعة.
١ ـ ما رواه الصدوق عن أبي بصير، قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: يا ابن رسول الله إنّي سمعت من أبيك عليه السلام أنَّه قال: «يكون من بعد القائم اثنا عشر مهدياً، فقال: إنَّما قال: اثنا عشر مهدياً، ولم يقل: اثنا عشر إماماً، ولكنَّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقّنا»(٥٢٠)، ورواها في مختصر بصائر الدرجات(٥٢١).
فقوله عليه السلام: «ولم يقل: اثنا عشر إماماً» النفي منصبٌّ على توهّم اثنا عشر إماماً كمجموعة ثانية غير الاثنا عشر الأولى، فنفى ذلك عليه السلام لئلاَّ يتوهَّم أنَّ مجموع الأئمّة أربعة وعشرون، بل هؤلاء الاثنا عشر مهدياً هم نفس الأئمّة الاثني عشر، غاية الأمر أنَّ التعبير عن رجعتهم وكرَّتهم وأوبتهم وإقامتهم للدولة يعبَّر عنه بمقام الإمام المهدي، فهم مهديّون اثنا عشر.
وأمَّا قوله عليه السلام في ذيل الرواية: «ولكنَّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقّنا»، فتفسيره وتأويله محتمل لوجوه:
أ ـ ما ذكره صاحب مختصر بصائر الدرجات: أنَّ المقصود بالمهديّين رجعة الأئمّة الاثني عشر، ولكن لعدم احتمال السائل عقيدة الرجعة لئلاَّ ينكرها فيكفر، قال: «اعلم هداك الله بهداه أنَّ علم آل محمّد ليس فيه اختلاف بل بعضه يصدّق بعضاً، وقد روينا أحاديث عنهم صلوات الله عليهم جمَّة في رجعة الأئمّة الاثني عشر، فكأنَّه عليه السلام عرف من السائل الضعف عن احتمال هذا العلم الخاصّ الذي خصَّ الله سبحانه من شاء من خاصَّته وتكرَّم به على من أراد من بريَّته، كما قال سبحانه وتعالى: (ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فأوَّله بتأويل حسن بحيث لا يصعب عليه فينكر قلبه فيكفر»(٥٢٢).
ويؤيّد استظهاره بأنَّ الإمام عليه السلام لم يرد أن يبرز للسائل ـ وهو أبو بصير ـ ولا أن يفصح له عن (الرجعة) كَمَا يظهر من جملة من روايات الرجعة، أنَّ الرجعة حيث تمثّل عنواناً لإقامة دولة آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فكأنَّ الحديث عنها يكتنفه حذر وسرّية بالغة في دولة بني أميّة وبني العبّاس، حتَّى أنَّه قد ورد في رواية أنَّ زرارة كان يلحُّ في السؤال على الإمام الصادق عليه السلام عن الرجعة بنحو متخفٍ وبآخر ملتوي والإمام عليه السلام لا ينفتح معه في مداولة الحديث عن الرجعة، نعم استظهاره أنَّ الاثني عشر مهدياً عنوان لرجعة أهل البيت عليهم السلام متين في محلّه مطابق للشواهد التي مرَّت بأن المراد بـ «قوم من شيعتنا» هم الأئمّة الأحد عشر، فإنَّهم شيعة لوالدهم سيّد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، كما وَرَدَ في الأحاديث أنَّ الحسن والحسين من شيعة علي عليه السلام(٥٢٣)، فضلاً عن بقيّة الأئمّة التسعة، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «ولايتي لعلي بن أبي طالب عليه السلام أحبُّ إليَّ من ولادتي منه، لأنَّ ولايتي لعلي بن أبي طالب فرض، وولادتي منه فضل»(٥٢٤)، وورد عنه عليه السلام أيضاً: «ولايتي لآبائي أحبُّ إليَّ من نسبي، ولايتي لهم تنفعني من غير نسب، ونسبي لا ينفعني بغير ولاية»(٥٢٥)، وورد نظير هذا المضمون عن الباقر عليه السلام والكاظم عليه السلام وتوصيف الاثني عشر جميعا بأنهم شيعة من باب التغليب كما قد ورد في روايات أخرى وصفهم لكونهم من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبلحاظ أن جميع الائمة الاثني عشر شيعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيدهم وامامهم كما وَرَدَ أن أمير المؤمنين قال عليه السلام: «أنا عبد من عبيد محمد».
٢ ـ ما رواه الشيخ الطوسي في الغيبة بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل أنَّه قال: «يا أبا حمزة إنَّ منّا بعد القائم أحد عشر (اثنا عشر) مهدياً من ولد الحسين عليه السلام»(٥٢٦)، ورواه في مختصر بصائر الدرجات بطريق آخر(٥٢٧).
وتوصيفهم عليهم السلام بكونهم من ولد الحسين من باب تغليب هذا الوصف الثابت للتسعة من الاثني عشر، كما ورد توصيف الأئمّة الاثني عشر بكونهم من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأحاديث الكثيرة، مع أنَّ الوصف ثابت للأحد عشر تغليباً، وكما ورد ذلك في الزيارة الجامعة: «وإِلَى جَدِّكُم بُعِثَ الرُّوحُ الأمِينُ»(٥٢٨)، مع أنَّ المخاطب بالزيارة الجامعة هم الأئمّة الاثنا عشر، بل في بعض روايات الزيارة(٥٢٩) المخاطب بالزيارة الجامعة حقيقة وتصريح هم كل المعصومين الأربعة عشر، بل صرح أن أول المخاطبين هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم أمير المؤمنين عليه السلام ثم فاطمة عليها السلام ثم الحسنين عليه السلام ثم التسعة صلوات الله عليهم.
تنبيه على أمور
التنبيه الأوَّل:
قَدْ وَرَدَ متواتراً في روايات أهل البيت أنَّ الأرض لا تخلو من حجّة، وأنَّ الحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، وورد عنهم عليهم السلام لو لم يبقَ إلاَّ اثنان لكان أحدهما حجّة على صاحبه(٥٣٠)، والحجّة هو الإمام خليفة الله في الأرض، وهم حصراً الأئمّة الاثنا عشر، بلْ وَرَدَ متواتراً عند الفريقين الحديث النبوي: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(٥٣١)، وكذلك الحديث النبوي المتواتر عند الفريقين: «الخلفاء من بعدي اثنا عشر خليفة»(٥٣٢) وهو مفاد قوله تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)(٥٣٣).
وقدْ بيّنت جملة من الروايات دلالة ظاهر الآية على أنَّ قوام الدين القيِّم منذ خلق الله السموات والأرض بعدة الاثني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وكون عدة الأئمة من أهل البيت اثني عشر من ضروريات المذهب، ومن ثَمَّ يستحيل بعد وفاة الإمام الثاني عشر أن تخلو الأرض من أئمّة آل محمّد صلوات الله عليهم، ومن ثَمَّ كانت رجعتهم عليهم السلام متَّصلة بآخر حياة الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه.
التنبيه الثاني:
قد روى الصدوق في كمال الدين بسنده عن محمّد بن مسلم الثقفي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما السلام يقول في حديث...قال: قلت: يا ابن رسول الله متى يخرج قائمكم؟ قال: «إذا تشبَّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال...، وخروج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بين الركن والمقام، اسمه محمّد بن الحسن النفس الزكية، وجاءت صيحة من السماء بأنَّ الحقَّ فيه وفي شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا، فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً»(٥٣٤).
وصريح هذه الرواية أنَّ خروج اليماني من أرض اليمن وخروج السفياني من أرض الشام، أي إنَّ انطلاق حركتهما وجيشيهما السفياني من أرض الشام ومقرّ انطلاقه، وكذلك اليماني وجيشه من أرض اليمن.
وقد روى ابن حماد في الملاحم عن سعيد أبي عثمان، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث عن السفياني واليماني وأنَّه بعد ظهور السفياني يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده وله فورة شديدة يستقبل الجاهلية من قبل الناس فيلتقي هو والأخوص (السفياني) وزيّاتهم صفر وثيابهم ملوَّنة، فيكون بينهما قتال شديد(٥٣٥).
التنبيه الثالث:
لابدَّ من الالتفات إلى أنَّ الاثني عشر مهدياً لو فسّرت بغير المعنى الصحيح الذي مرَّ فدور الاثناعشر مهدياً إنَّما يكون بعد نهاية دولة الإمام الثاني عشر، أي بعد وفاته لا حين حياة الإمام الثاني عشر وفي دولته فضلاً عن أن يكون لهم دور في غيبته، وهذا ممَّا يقطع الطريق على الأدعياء في الغيبة الكبرى من تقمَّص هذا المنصب.
التنبيه الرابع:
قرعة الخيرة في العقائد - استقسام بالأزلام والنصب الشيطانية:
إنَّ من الاستخفاف بالعقل بمكان الاستناد في أصول العقائد إلى القرعة والخيرة!
وهذه مهزلة فكرية لم نجد لها نظيراً إلاَّ عند المهلوسين، فإنَّ من ضروريات فقه الإمامية وفقه المسلمين أجمع أنّ القرعة آخر الأدلَّة والضوابط في المسائل الفرعية فضلاً عن أن يتقحم بها في المسائل العقائدية فضلاًعن أن يقتحم بها في أصول العقائد.
فالاستناد إليها مصداق لقوله تعالى: (إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(٥٣٦)، بل هو من الاستقسام بالأزلام والنصب التي هي كهانة الشياطين، لأنَّ الاقتراع بالقرعة في غير موردها المقرَّر شرعاً في دين الله غواية وإطاعة للجنّ والشياطين كما يشير إليه قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)(٥٣٧)، حيث إنَّ الأزلام كانت قرعة يقترع المشركون بها وكانوا إذا قصدوا فعلاً مبهماً مثل السفر ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على أحدها: (أمرني ربّي)، وعلى الآخر: (نهاني ربّي)، وعلى الثالث: (غفل لا كفاية عليه)، فإن خرج الأمر مضوا على ذلك، وإن خرج النهي تجنَّبوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانياً، حتَّى أنَّ بعض الفقهاء كالسيّد ابن طاووس حرَّم الاستخارة بالقرعة لعموم الآية الكريمة، واحتمله الأردبيلي في زبدة البيان.
والحاصل أنَّ القرعة في غير موردها الشرعي معصية لله تعالى وطاعة للشيطان والتجاء إلى إبليس اللعين ونوع وضرب من الكهانة والتكهن ورجم الغيب بنفثات الشياطين.
ومن ثَمَّ كان عبد المطَّلب لا يستقسم بالأزلام، وهو مفاد قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ...) إلى قوله: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأْزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ)(٥٣٨).
الاعتماد على الرؤى في الدين كهانة شيطانية:
ونظير هذا التوهّم الفاسد الاعتماد على الرؤيا والرؤى، وكأن الرؤيا يتوهّم أنها قناة وطريق للوحي والنبوة يعتمد عليها كمصدر ومرجع ومنبع لاستكشاف الغيب والدين والصراط المستقيم والحق، فعلى هذا الوهم صار لكل إنسان لاقطة روحية هي نبوة في روحه، وهذا المقال الباطل أشار إليه القران بقوله تعالى: (بل يُريدُ كُلُّ امرىءٍ مِنْهُم أن يُؤتى صُحُفاً مُنَشَّرة)(٥٣٩)، وهو يجعل المدار على الرؤيا ولا يجعل المدار على الثقلين اللذين أمر النبي بالتمسك بهما الكتاب والسنة المطهرة اللذان هما من نبوة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّه خاتم، وأنه لا نبيّ بعده، وهما اللذان قال في شأنهما ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي.
وهم إثنا عشر أماماً.. وهم اثنا عشر مهدياً... وهم اثنا عشر أمير.. وهم اثنا عشر وصياً... وهم اثنا عشر خليفة... وهم إثنا عشر هادياً... وهم إثنا عشر وارث.     
هذا ولا يخفى على اللبيب الفطن أنَّ الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام كما ورد تسميتهم بالأئمّة الاثني عشر وبالمهديّين الاثني عشر في روايات الفريقين المتواترة، أي في روايات أهل سُنَّة العامة والخلاف أيضاً المتواترة والمستفيضة ورد فيها أنَّ علياً عليه السلام وولده هم المهديّون الاثنا عشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كذلك أيضاً ورد في روايات الفريقين أسماء أُخرى للاثني عشر، نظير كقوله صلى الله عليه وآله وسلم، بعدي أثنا عشر خليفة، وأثنا عشر أميرا، وأثنا عشر وصيّا، وأثنا عشر هاديا، وأثنا عشر وارثا، وغيرها هذه السبعة من العناوين والأوصاف.
وهذا التعدد في أوصاف الاثني عشر لا يتوهم منه مجموعات متعدد كل منها أثني عشر، بل هي تشير إلى مقامات متعددة للمعصومين الاثني عشر، علي والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين عليهم السلام، فانتبه والتفت إلى بيانات القرآن الكريم والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في وصفهم عليهم السلام.
ولابدَّ للقارئ من التدبّر والتمعّن والتكرار لقراءة هذه الشواهد والتنبيهات كي تتّضح له جملة من الزوايا من معارف ومقامات أهل البيت عليهم السلام ولا تبقى مبهمة لديه.
قاعدة: نظام الإمامة في الرجعة
تساؤل:
قد يثار تساؤل عن كيفية رجعة الأئمة عليهم السلام في زمان الإمام المهدي عجل الله فرجه، وفي زمان بعضهم البعض حيث يلزم إما عزله وتقديم المفضول على الفاضل.
وبعبارة أُخرى: إنَّ الأدلة العقلية والنقلية الدالة على امتناع خلو الأرض من إمام طرفة عين، وامتناع تقديم المفضول على الفاضل، مع الأحاديث الصريحة في حصر الأئمة عليهم السلام في اثني عشر، وأنّ الإمامة في ولد الحسين عليه السلام إلى يوم القيامة(٥٤٠)، وقولهم عليهم السلام في وصف الإمام: «الإمام واحد دهره، لا يدانيه عالم، ولا يوجد له مثل ولا نظير»(٥٤١) وما تقرّر من أنّ الإمامة رئاسة عامة، وأن المهدي عجل الله فرجه خاتم الأوصياء والأئمة، فلا يجوز أن تكون الرجعة في زمان المهدي الحجة بن الحسن عليه السلام ولا بعده، لأنَّه يلزم إما عزله عليه السلام، وقد ثبت استمرار إمامته إلى يوم القيامة، وإما تقديم المفضول على الفاضل أوزيادة الأئمة على اثني عشر، أوعدم عموم رئاسة الإمام، وهذه من أقوى شبهات منكر الرجعة، كما ذكر ذلك الحر العاملي في كتابه.
الجواب:
إنَّ نظام الإمامة وفق مراتب رتبها الباري عَزَّ وَجَلَّ، وهذه المراتب رتبها الباري عَزَّ وَجَلَّ لا تتبدل سواء اجتمعوا في دار الدنيا كاجتماع أهل الكساء، وزين العابدين عليه السلام والباقر عليه السلام واجتمعوا في دار الآخرة، وكان بعضهم في البرزخ والبعض الآخر في دار الدنيا، فإنَّ الأمر ينزل من الله تعالى أولاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم علي عليه السلام ثم الحسن والحسين عليهما السلام ثم بقية الأئمة عليهم السلام بحسب مراتبهم إلى أن يصل وينزل الى الإمام الحي الناطق، كما ورد ذلك في نص روايات الكافي(٥٤٢).
وعلى ضوء ذلك فمراتب صلاحياتهم عليهم السلام هي تراتبية ضمن تسلسل رتبي، فتصدي أحدهم عليهم السلام لا يخرجه عن موقع مرتبته، التي تهيمن عليها المراتب الفوقية كما تهيمن مرتبته على من دونه من مراتب الأئمة عليهم السلام، كما أنَّ الحال كذلك مع مرتبة فوقية ولاية الله تعالى، ففي حكومة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الحاكمية في المرتبة الأولى هي لله تعالى، كما يبن ذلك القران الكريم في كثير من الآيات كقوله تعالى: (إنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(٥٤٣).
وقوله تعالى: (أطِيعُوا الله وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ)(٥٤٤).
فإن الخطاب بأطيعوا الله أول من يخاطب به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ان الخطاب بأطيعوا الرسول أوَّل من يخاطب به الائمة عليهم السلام.
وكذلك الإشارة في قول الباقر عليه السلام في صحيحة زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «لو لا أنا نزداد لأنفدنا» فقال: قلت: تزدادون شيئاً لا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «أما إنه إذا كان ذلك عرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم على الأئمة ثم انتهى الأمر إلينا»(٥٤٥).
وهناك رواية أخرى بهذا المضمون وهو ما جاء في مصحح يونس بن عبدالرحمن عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «ليس يخرج شي ء من عند الله عَزَّ وَجَلَّ حتّى يبدأ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم بأمير المؤمنين عليه السلام ثم بواحد بعد واحد لكي لا يكون آخرنا أعلم من أولنا»(٥٤٦)، فالخطاب بالأمر بإطاعة الله متوجه أولاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم من بعده الأئمة عليهم السلام ثم سائر الناس، كما أن الخطاب بأطيعوا الرسول المخاطب به أولاً الأئمة عليهم السلام كما أن المخاطب بأطيعوا أولي الأمر منكم هم عموم الناس، فالآية تبين نظام الطاعة والولاية، أنه بنحو المراتب المتسلسلة، وهذا النظام المتسلسل لا يتغير عما هو عليه، سواء اجتمع هؤلاء المعصومون عليهم السلام في دار الدنيا، أم كان بعضهم في البرزخ والبعض الآخر في دار الدنيا، وإن اختلف القائم بالأمر من الأربعة عشر معصوم بحسب الأزمان والأجيال إلى يو م القيامة المباشر لتدبير أمور الناس.
ونظير ذلك قول رسول صلى الله عليه وآله وسلم: «الحسن والحسين إمامان قاما وقعداً»، فهما عليهما السلام إمامان في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمكن اجتماعهم مع أن إمامتهم بالفعل فهي دولة إلهية ذات نظام متراتب لا تنقضي إلى يوم القيامة، ففي رواية الصادق عليه السلام يخاطب المهدي عليه السلام بسيدي، فهو يخاطب الحي الحجة بن الحسن العسكري في عالم الأظلة وعالم الذر، وكذلك الإمام الرضا عليه السلام يقوم ويضع يده على رأسه إجلالاً لابنه المهدي عليه السلام، فهو موجود قبل ولادته بتقدم نشأة خلق الروح على نشأة البدن.
تنبيه وتحقيق:
في معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: «نحن الشعار والأصحاب والخزانة والأبواب لا تؤتى البيوت الا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا»(٥٤٧).
ومفاد هذا الحديث يحتمل وجوهاً:
أحدها: أن يكون إشارة إلى ما وَرَدَ في دعاء ليلة النصف من شعبان أنهم أصحاب الحشر والنشر.
وروي عنه عليه السلام في حديث(٥٤٨) محكي عن البصائر: أنا الحاشر إلى الله ـ الخبر ـ وسيأتي في مقام شفاعته في الباب الرابع مقام آخر له مقام الحاشر والناشر والعاقب وأحاديث من الفريقين دال على ذلك أيضاً ومفاد هذه الأحاديث مطابقة لأصول قواعد المعارف في الكتاب والسنة بقراءة عقلية، لأنهم محال مشيئة الله وأنهم مناة وأذواد، كما ورد في دعاء رجب عن الحجة عجل الله فرجه، كما قد قال الله تعالى في شأن عيسى عليه السلام: (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي)(٥٤٩) (وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ)(٥٥٠) ولا شك أن محمد وآل محمد صلوات الله عليه وعليهم أفضل من عيسى عليه السلام ومن إسرافيل صاحب النفخ في الصور وإحياء جميع الخلائق.
وقد صدر من الانبياء عليهم السلام إحياء الموتى بإذن الله في دار الدنيا كراراً، بحيث بلغ حدّ التواتر كتابا وسنة وفي الكتب السماوية، ولهذا المطلب براهين وتقريبات ومؤيدات لا يسع المقام ذكرها.
ثانيها: يحتمل أن يكون المراد بكونهم أصحاب الحشر والنشر في الرجعة والله العالم.
وقد ذهب إلى ذلك جملة من علماء الإمامية كما سيأتي في الباب الثاني أن الرجعة حشر ومعجزة يجريها الله تعالى على يد النبي وأهل بيته عليهم السلام.
 وقد اعتبر السيد ابن طاووس في سعد السعود أن الرجعة ظاهرة ومعجزة يقوم بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قام موسى عليه السلام بإحياء الموتى وعيسى عليه السلام ودانيال، فكما أن الله أحيى على أيديهم أمواتاً بنص القرآن الكريم فكذلك يحيي الله الأموات على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام، ويكون ذلك من معجزاتهم.
قال في سعد السعود: «والرجعة التي تعتقدها علماؤنا أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم تكون من جملة آيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته، ولأي حال يكون منزلته عند الجمهور دون موسى وعيسى ودانيال، وقد أحيى الله جّلَّ جَلاله على أيديهم أمواتاً كثيرة بغير خلاف عند العلماء بهذه الأمور(٥٥١).
والذي ذكره السيد الاصفهاني في مكياله في تفسيرالرجعة هي بلورة لما بنى عليه السيد ابن طاووس.
وكذلك ذهب إلى ذلك الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه عقائد الإمامية حيث قال: إن الاعتقاد بالرجعة لا يخدش بعقيدة التوحيد ولا في عقيدة النبوة، بل يؤكد صحة العقيدتين، إذ الرجعة دليل القدرة البالغة لله تعالى كالبعث والنشور وهي من الأمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة لنبينا محمد وآل بيته صلوات الله عليه وعليهم وهي عين معجزة إحياء الموتى التي كانت للمسيح عليه السلام بل أبلغ هنا لأنها بعد أن يصبح الأموات رميماً (قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أنشَأهَا أوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)(٥٥٢)،(٥٥٣) وعبارته فيها تصريح بأنَّ الرجعة من قبيل إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام.

الفصل التاسع: فلسفة علائم كل من الظهور والرجعة

إنَّ القارئ اللبيب الحاذق يتفطن إلى أنَّه قدْ تقدم الكلام في كثير من مواد بحث هذا الفصل بنحو منتشر في الفصول السابقة، إلا أننا رغم ذلك عقدنا عنوان هذا الفصل تأكيداً لأهميته منهجياً وفهرسياً لمنظومة الرجعة، وتبويبها للباحثين في الرجعة، وبيانا لأهميته كمحور من محاور فصولها، ويمكن لنا أن نلخص جملة من الامور في ذلك.
الأوَّل: إنَّ في معرفة تلك العلائم قطعاً للطريق على المدعين كذباً للمهدوية، والارتباط الخاص به وبأحد المعصومين من ابأئه عليهم السلام.
الثاني: إنَّ في بيان تلك العلائم تبين للمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق المؤمنين بإعداد أرضية تلك الأجواء، فتكون العلامات بمثابة بيان للأرضية اللازم اعدادها نظير ما ورد أن الرايات في سنة الظهور كلها تدعو الى الرضا من آل مُحمَّد عليهم السلام، والدعوة لهم في كل البلاد الاسلامية والعربية عدا جملة من مدن الشامات.
 وهذا يلقي بمسؤولية على المؤمنين بلزوم بيان معارف مدرسة أهل البيت عليهم السلام في أرجاء البلدان الإسلامية.
الثالث: إنّ دولة الرجعة الممتدة إلى يوم القيامة مشروع ضخم بمدته الزمانية كمّا، ومهول أيضاً من جهة درجات الاصلاح والإنماء كيفا، وهو مما يستلزم ويتوقف على إعداد كبير وطويل، لاسيما مع قول الصادق عليه السلام لعمار بن أبي ألاحوص في شرح منهاجهم عليهم السلام في الدعوة عندما قال له: إنَّ عندنا قوماً يقولون بأمير المؤمنين عليه السلام ويفضلونه على الناس كلهم وليس يصفون منصف من فضلكم أنتولاهم؟
فقال لي: نعم في الجملة، أليس عند الله ما لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولرسول الله عند الله ما ليس لنا، وعندنا ما ليس عندكم، وعندكم ما ليس عند غيركم؟ إن الله وضع الإسلام على سبعة أسهم...فلا تحملوا على صاحب السهم سهمين، ولا على صاحب السهمين ثلاثة أسهم، ولا على صاحب الثلاثة أربعة أسهم، ولا على صاحب الأربعة خمسة أسهم، ولا على صاحب الخمسة ستة أسهم، ولا على صاحب الستة سبعة أسهم فتثقلوهم وتنفروهم، ولكن ترفقوا بهم وسهلّوا لهم المدخل... فلا تخرقوا بهم، أما علمت أن إمارة بني إمية كانت بالسيف والعسف والجور، وإن إمامتنا (إمارتنا) بالرفق والتألّف والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع والاجتهاد، فرغّبوا الناس في دينكم وفيما أنتم فيه(٥٥٤).
 وهذا المنهاج ـ كَمَا ترى ـ في الدعوة تدريجي لا يعتمد الاندفاع والتسّرع والعجلة مع كونه في قمة النشاط واليقظة، وهو ما يستلزم أمدا طويلا وجهود كثيرة جبّارة متواصلة، سواء في الآن الراهن متواصلاً مع كل مستقبل متجدد، فإنَّ هذا الإعداد الضخم لهذه الحركة الانسيابية التي لا تفسح للعجلة مجالاً كما لا تدع مجالاً للسكون والجمود ليس إعداداً لانتصار عابر ويزول، ولا لنجاح طارئ ينتهي أمده، ولا دولة تنقشع بعد زمن، بل هو بناء لبنية متجذرة ذات مقاسات عرشية سماوية لا تقبل الزوال ولا الانطماس، بلْ تزداد علواً وأرتفاعاً ونوراً وأشعاعا.
لا سيما وأنَّ هذه الدولة هي دولة متعاقبة متمادية متطاولة مترامية متصلة ومتواصلة ذات صرح مشيد، لا تقتصر على الرجعة التي قدْ قدّرت في بعض الروايات بأربعة أضعاف من عمر الدنيا، بلْ تمتد أيضاً إلى عالم القيامة، فإنَّ يوم القيامة على ما تقرَّر من بيانات الروايات والآيات عالم وليس أربعة وعشرين ساعة، وأمدهُ وعمرهُ أضعاف مضاعفة على عمر مجموع الدنيا الأُولى والثانية وهي آخرة الدنيا وهي الرجعة.
وَقَدْ وَرَدَ أنَّ ملك القيامة من مختصات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووزيره علي أمير المؤمنين، كما أن ملك الرجعة من مختصات أمير المؤمين.
هذا فضلاً عن ملك الجنة، وهو ما بعد بعد الرجعة أي ما بعد عالم القيامة، وقدْ مرّ في الروايات وسيأتي قولهم أنَّ لهم ملك الكرة وملك الجنَّة أبديٌ بتأبيد الجنة، فهذا الإعداد في الوقت الراهن لمسيرٍ ومصيرٍ متطاول، مضافاً لما سيأتي في الأمر التالي.
الرابع: إنّ إيمان ومعرفة المؤمن بالرجعة وتفاصيلها ومراحلها يؤدِّي به تلقائياً إلى الوقوف والولوج على معرفة عالم القيامة، كما سيتبين في الباب الثالث والرابع.
والمعرفة بعالم القيامة يؤدي به إلى معرفة الجنة والنار الأبدية، ومجموع هذه المعارف يوضح له مدى خطورة وتأثير مسيرهم في الحياة الأولى من الدنيا على موقعيته في العوالم اللاحقة، ومدى إرتباط الأدوار في النشأة الأولى والحياة الأولى من الدنيا.
فعلامات وإرهاصات الرجعة فضلاً عن القيامة ذات إرتباط وطيد بالمواقف في الحياة الأولى.
فقد ورد في التفسير المنسوب للإمام العسكري عليه السلام قول الإمام موسى بن جعفر: إن رسول الله لما اعتذر إليه هؤلاء «الذين في قلوبهم مرض من الصحابة الذين ينصبون العداء لعلي» بما اعتذروا به، تكرّم عليهم بأن قبل ظواهرهم ووكل بواطنهم إلى ربهم، لكن جبرئيل أتاه فقال: يامحمد: إن العلي الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: إخرج هؤلاء المردة الذين اتصل بك عنهم في علي ونكثهم ببيعته وتوطينهم نفوسهم على مخالفتهم علياً ليظهر من العجائب ما أكرمه الله به من طاعة الأرض والجبال والسماء له وسائر ما خلق الله بما أوقفه موقفك وأقامه مقامك، ليعلم أن ولي الله عليّاً غني عنهم وأنه لا يكف عنهم إنتقامهُ إلا بأمر الله الذي له فيه وفيهم التدبير الذي هو بالغه، والحكمة التي هو عالم بها وممضٍ لما يوجبها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من الذين اتصل به عنهم ما اتصل في أمر علي عليه السلام والمواطئة على مخالفته بالخروج، فقال لعلي عليه السلام لما استقر عند سفح بعض جبال المدينة: يا علي إن الله تعالى أمر هؤلاء بنصرتك ومساعدتك والمواظبة على خدمتك والجد في طاعتك، فإن أطاعوك فهو خيرٌ لهم يصيرون في جنة الله ملوكاً خالدين ناعمين، وإنْ خالفوك فهو شرٌ لهم يصيرون في جهنم خالدين معذبين. الحديث(٥٥٥)
فلاحظ قوله صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّهم إن أطاعوا عليّاً في الحياة الأولى من الدنيا سيؤدي ذلك بهم إلى مواقع ومناصب خطيرة في ملك الجنة، هذا فضلاً عن تأثير أعمال الحياة الأولى من الدنيا على الرجعة والقيامة.
الخامس: إن علامات الظهور والرجعة لها قراءة عسكرية وأمنية وإستراتيجية ترسم للمؤمنين منهاجاً للتخطيط والعمل، فتوجب وقايتهم عن الخطأ في المحاسبات والتقديرات، في حين أنها لا تعني الجبر في القدر والتقادير، كما لا تعني التفويض إلى إرادة الأشرار كي لا يكون هناك إياس وجمود من المؤمنين، بل يبقوا على عنفوان النشاط والأمل وقوة الثقة بالله وسعة مشيئته، وأنَّه كل يومٍ في شأن.



 
 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ
(١) الإمامة الإلهية، ج١ في مقدمات الممهدة وفي الفصل الأوَّل.
(٢) في مجلداته الثلاثة وملخصه في الأوَّل.
(٣) المجلد الأوَّل والثاني والثالث.
(٤) من طبقات مدرسة الحكمة المتعالية.
(٥) سورة الذاريات: الآية ١٢.
(٦) سورة الفرقان: الآية ٢٣.
(٧) سورة يوسف: الآية ٧٩.
(٨) سورة العنكبوت: الآية ١٢.
(٩) علل الشرايع للصدوق/ آخر حديث في الكتاب.
(١٠) البحار مجلد/٥٣ ص ٤٤.
(١١) علل الشرايع/الباب ٨٥/ص ٩٤ عِلَّة النسيان والذكر.
(١٢) علل الشرايع/الباب/٢٤٠/ح ١.
(١٣) سورة آل عمران: الآية ١٥٤.
(١٤) سورة الزمر: الآية ٤٢.
(١٥) سورة النحل: الآية ٦٣.
(١٦) فرق الشيعة: ١٩.
(١٧) فرق الشيعة: ٢٢.
(١٨) مختصر بصائر الدرجات: ح٧٩/٢٥ ص١٣٧.
(١٩) سورة النمل: الآية ٨٣.
(٢٠) سورة الكهف: الآية ٤٧.
(٢١) سورة غافر: الآية ١١.
(٢٢) سورة البقرة: الآية ٢٥٩.
(٢٣) سورة البقرة: الآية ٢٤٣.
(٢٤) أنظر: بحار الأنوار ١٣٢ ـ ١٣٠: ٥٣.
(٢٥) الهداية الكبرى ص ٤١٩.
(٢٦) البحار/ ج٥٣/ ص٢٦؛ الهداية الكبرى للحصين/ص٤١٠.
(٢٧) سورة البقرة: الآية ٣٤.
(٢٨) سورة الأعراف: الآية ١١؛ سورة الإسراء: الآية ٦١؛ سورة الكهف: الآية ٥٠؛ سورة طه: الآية ١١٦؛ سورة الحجر: الآية ٣، ص: ٧٣.
(٢٩) الكافي: ج٢: ٣٧٢، باب الإذاعة، الحديث ١١ في الروضة.
(٣٠)....: ج٨: ١٥٩، الحديث ١٥٣.
(٣١) المزار الكبير/ باب ١٣/ زيارة ١٥.
(٣٢) سورة الزمر: الآية ٦٩.
(٣٣) المزار للمشهدي، ب ١٣/ رقم الزيارة ١٥ ص٣٠٨.
(٣٤) لاحظ في ذلك تفسير نور الثقلين؛ وتفسير البرهان/ تحت ذيل الآية ٦٩.
(٣٥) عقائد الإمامية ص٨٢.
(٣٦) مختصر البصائر: ١٠٦ و١٠٧ / ح٣.
(٣٧) سورة آل عمران: الآية ١٥٨.
(٣٨) سورة آل عمران: الآية ١٤٤.
(٣٩) سورة التوبة: الآية ١١١.
(٤٠) العياشي: ٢:١١٢/١٣٩؛ مختصر بصائر الدرجات: ح٦١/٧ ص١٢٢.
(٤١) الخرائج والجرائح: ج٢ ص٨٤٩؛ نوادر المعجزات: ح٦٣.
(٤٢) بصائر الدرجات ص٢٩٤.ب٥من ج٦ ح٣.البحارج٢٧ ص ٣٠٢.
(٤٣) بصائر الدرجات ج ٦ ب٥.
(٤٤) بصائر الدرجات ج٦ الباب٥ الحديث ٣.
(٤٥) بصائر الدرجات ص٢٩٥.ب٥من ج٦ ح٤.
(٤٦) بصائر الدرجات/ج ٦.
(٤٧) بصائر الدرجات / ج٦ ب٥ ح/١.
(٤٨) سورة الكهف: الآية ١١.
(٤٩) اعتقادات الصدوق الاعتقاد في الرجعة.
(٥٠) سورة آل عمران: الآية ١٥٤.
(٥١) سورة آل عمران: الآية ٥٥.
(٥٢) المصدر السابق.
(٥٣) الخصال للصدوق، ص٥٢٩.
(٥٤) سورة النساء: الآية ١٥٨.
(٥٥) سورة النساء: الآية ١٥٩.
(٥٦) سورة الكهف: الآية ١١ ـ ٢١.
(٥٧) الكافي، ٨/١٢٨، الحديث ٥٧.
(٥٨) سورة المائدة: الآية ١١٠.
(٥٩) سورة المائدة: الآية ١١٠.
(٦٠) سورة آل عمران: الآية ٤٩.
(٦١) البحار٢٢:ص ٣٨٤، باب كيفية إسلام سلمان، حديث: ٢١.
(٦٢) إختيار معرفة الرجال: حديث:٣٨١.
(٦٣) الإيقاظ من الهجة: ص ٢١٩، حديث ٣٩، عن قصص الأنبياء للراوندي ص: ٢٥٩.
(٦٤) مختصر بصائر الدرجات ح٦١/٧ ص١٢١، باب الكرات.
(٦٥) سورة آل عمران: الآية ١٤٤.
(٦٦) سورة آل عمران: الآية ١٥٨
(٦٧) سورة آل عمران: الآية ١٨٥، تفسير العياشي،ج١، ص: ٢٠٢،ج٢، ص:١١٢، حديث ١٣٩،مختصر بصائر الدرجات:ص ١٠٩، حديث ٧.
(٦٨) ونقله في البحار أيضاً، ج٥٣/٦٥ عن الاختصاص.
(٦٩) إختيار معرفة الرجال: حديث ٣٩١، ورواه عنه في الإيقاظ من الهجعة، مختصر بصائر الدرجات: الحديث ٩٠/٣٩،باب الكرات.
(٧٠) السجدة: ٢١، مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات،الحديث ٥٥/١.
(٧١) تفسير العياشي ج٢، ص ١١٣، الحديث ١٤٤، مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات، حديث ٧٥/٢١.
(٧٢) تفسير العياشي، ج١، ص٢٠٢، حديث: ١٦٢، معاني الأخبار للصدوق، ص ١٦٧، الحديث:١، تفسير فرات الكوفي، الحديث ٩٨/٢١.
(٧٣) سورة الجمعة: الآية ١٠.
(٧٤) مختصر بصائر الدرجات، باب الكرات، الحديث:٩٦/٤٢.
(٧٥) مختصر بصائر الدرجات ح٥٥/١ ص١١٥ ـ ١١٦.
(٧٦) سورة الزمر: الآية ٤٢.
(٧٧) الكافي ٣/٢٥١، كتاب الجنائز، باب النوادر ح٥.
(٧٨) الغيبة للشيخ الطوسي ص٤٧٨ح٥٠٥ والاختصاص٣٥٧.
(٧٩) سورة ق: الآية ٢٢.
(٨٠) مختصر بصائر الدرجات /٩٨/٤٤.
(٨١) مختصر بصائر الدرجات / باب الكرات ح ٩٩/٤٥.
(٨٢) امالي الصدوق المجلس ٣٩ ح٥ ص٢٨٧.
(٨٣) سورة آل عمران: الآية ٥٥.
(٨٤) الأصول الستة عشر ص٩٨ من كتاب عبد الملك بن حكيم الخثعمي من رواية التلعكبري عن ابن عقدة.
(٨٥) كامل الزيارات باب ٥٠ ح ٣.
(٨٦) بصائر الدرجات ٥١٠.
(٨٧) بصائر الدرجات ٥١٢.
(٨٨) عين اليقين ج١ / ٢٧٠، ٢٧٧.
(٨٩) الايقاظ من الهجعة ذيل الباب الثَّانِي.
(٩٠) سورة الانفطار: الآية ٨.
(٩١) سورة الانعام الآية ٣٨.
(٩٢) سورة الانفطار الآية ٢٤.
(٩٣) سورة الفجر الآية ١٥.
(٩٤) سورة الفجر الآية ١٧.
(٩٥) سورة الفجر الآية ١٨.
(٩٦) سورة الفجر الآية ١٩.
(٩٧) عيون اخبار الرضا الباب/٤٦ ح ١ص٢١٣.
(٩٨) مختصر بصائر الدرجات باب الكرات ح٩٩/٤٥ ص١٥٠.
(٩٩) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات ح١٠٠/٤٦ ص١٥١.
(١٠٠) مختصر بصائر الدرجات: ح١٠٢/٢.
(١٠١) مصباح المتهجد: أعمال شهر شعبان ح٨٨٦.
(١٠٢) الإعتقادات للصدوق: باب ١٩ الإعتقاد في البعث بعد الموت: ص١٥٧. مناقب آل أبي طالب: ج١ ص٤٤.
(١٠٣) سورة الكهف: الآية ١٩.
(١٠٤) سورة طه: الآية ١٠٢ ـ ١٠٤.
(١٠٥) سورة الروم: الآية ٥٦.
(١٠٦) سورة الروم: الآية ٥٤.
(١٠٧) سورة النساء / ٩٣.
(١٠٨) سورة الأعراف / ٨٣.
(١٠٩) سورة فصلت: الآية ١١.
(١١٠) الكافي ج٨ ص٥٨ ح٢١.نهج البلاغة خ٤٢.
(١١١) رسائل السيد المرتضى ج١ ص١٢٦.
(١١٢) سفينة البحار /جلد /١ ص٥٠٤.
(١١٣) سورة الزمر: الآية ١٥.
(١١٤) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
(١١٥) دلائل الامامه.ص ٤٨٩.ح.٤٧١/٧٥.
(١١٦) الغيبه للطوسي.ص٤٥٨./ح ٤٧٠.
(١١٧) سورة البقرة: الآية ٢٥٣.
(١١٨) سورة النور: الآية ٣٧.
(١١٩) سورة يوسف: الآية ٣٣.
(١٢٠) سورة الإسراء: الآية ٤.
(١٢١) سورة الإسراء: الآية ٦.
(١٢٢) روضة الكافي: ح٢٥٠ ص٢٠٦.
(١٢٣) سورة الأنعام: الآية ٢٢ ـ ٢٤.
(١٢٤) سورة الجاثية: الآية ٢٨.
(١٢٥) سورة الحجر: الآية ٤٧.
(١٢٦) سورة يونس: الآية ١٠.
(١٢٧) كمال الدين وتمام النعمة الباب ٢٢/ح٢٤ ص٢٢٩.
(١٢٨) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
(١٢٩) الدر المنثور للسيوطي في ذيل الآية رواها عن مصادر عديدة.
(١٣٠) الإمامة والتبصرة لعلي بن بابويه: باب إمامة القائم ح٢٦ ص١٠٢، باب في آيات خروجه ح١٣٠ ص١٢٨.كمال الدين للصدوق ب٣٣ ح٨ ص٣٣٦.ورواه في البحار ج٥١ ص٥١ ب٥ ح٢٥ عن ثواب الأعمال ولم يوجد في المطبوع منه.
(١٣١) كمال الدين ب٣٣ ح٥٤ ص٣٥٧.
(١٣٢) تفسير العياشي: ج١ ص٣٨٤ ح١٢٨.
(١٣٣) تفسير العياشي: ج١ ص٣٨٤ ح١٢٧.
(١٣٤) كمال الدين: ب٤٧ ح١ ص٥٢٧.
(١٣٥) كمال الدين: ب ٢٢ ح ٢٤ ص٢٢٩.
(١٣٦) الكافي ج١ ص٤٢٨ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ح٨١.
(١٣٧) سورة الأعراف: الآية ١٣.
(١٣٨) سورة غافر: الآية ٨٤.
(١٣٩) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
(١٤٠) سورة يونس: الآية ٩١ـ٩٢.
(١٤١) عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج١ ص٨٣ ح٧.
(١٤٢) سورة السجدة الآية ٢٩.
(١٤٣) تأويل الآيات ج٢ ص٤٥٤ ح٩.
(١٤٤) الكافي ج٧ ص٢٣٨ باب ما يجب على أهل الذمة من الحدود ح٢.
(١٤٥) سورة الحديد: الآية ١٠.
(١٤٦) سورة السجدة: الآية ٢١.
(١٤٧) سورة السجدة: الآية ٢٨ـ٣٠.
(١٤٨) سورة السجدة: الآية ٢٧.
(١٤٩) تفسير القمي: ج٢ ص١٧١.
(١٥٠) سورة النمل: الآية ٨٢.
(١٥١) تفسير مجمع البيان ذيل الآية ٨٢ من النمل.
(١٥٢) سورة الأعراف: الآية ٩٦.
(١٥٣) مختصر بصائر الدرجات: ص١٧١ باب الكرات ح١٠٧/٧.
(١٥٤) مناقب آل أبي طالب: لإبن شهر آشوب: ج٢ ص٢٤٩.
(١٥٥) سورة غافر: الآية ١١.
(١٥٦) عن أبي عبدالله عليه السلام: «ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا» من لا يحضره الفقيه ج٣ ص٤٥٨ ح٤٥٨٣.
(١٥٧) سورة الكهف: الآية ٤٧.
(١٥٨) سورة النمل: الآية ٨٣.
(١٥٩) سورة غافر: الآية ١١.
(١٦٠) المسائل السروية: ٣٢ ـ ٣٥.
(١٦١) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات:ح٨٩/٣٥ ص١٤٣.
(١٦٢) سورة المدثر: الآية ٢.
(١٦٣) سورة المدثر: الآية ١ـ٢.
(١٦٤) مختصر بصار الدرجات: باب الكرات: ح٨٨/٣٤.ص١٤٤.
(١٦٥) وسائل الشيعة: باب ٩٧ أبواب جهاد النفس ح١.
(١٦٦) سورة المائدة: الآية ١١٥.
(١٦٧) سورة النور: الآية ٥٥.
(١٦٨) سورة الإسراء: الآية ٦.
(١٦٩) سورة الأنعام: الآية ١١١.
(١٧٠) سورة الأنفال: الآية ٣٢.
(١٧١) سورة ص: الآية ٨٥.
(١٧٢) سورة ص ٨٧.
(١٧٣) سورة المسد: الآية ١ـ ٣.
(١٧٤) الفصول المختارة: ١٥٣ ـ ١٥٥.
(١٧٥) سورة البراءة: الآية ١١٤.
(١٧٦) سورة النساء: الآية ٩٣.
(١٧٧) سورة يونس: الآية ٩١ـ٩٢.
(١٧٨) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
(١٧٩) الفصول المختارة: ١٥٥.
(١٨٠) سورة الانعام / ٢٧ـ ٢٨.
(١٨١) تحف العقول:ص٨٦، سنن إبن ماجه: ١:٨٠، حديث ٢٢١.
(١٨٢) سورة الانعام / ١٥٨
(١٨٣) محاسن البرقي: ١:٢٣٦
(١٨٤) ثواب الأعمال:١٨٥، أمالي الصدوق:٥٣٥ المجلس ٩٦ح٤، والخصال: ٦٤١، ب٧٠ح٩.أمالي المفيد: ٢١٨، المجلس ٢٥ح٦، وذكر لها عدة طرق.
(١٨٥) سورة الانبياء: الآية ٩٥.
(١٨٦) مختصر بصائر /ح ١١٦ /١٦نقلا عن تفسير القمي في ذيل اية النمل.
(١٨٧) سورة الدخان: الآية ١٠، ١٦.
(١٨٨) تفسير علي بن ابراهيم القمي/ذيل سورة الدخان/ونقله عنه مختصر الدرجات /ح ١٣٠/٣٠.
(١٨٩) إختيار معرفة الرجال:٢:٤٨١/ح٣٩٠.
(١٩٠) إختيار معرفة الرجال /٢:٤٨١/ح ٣٩١.
(١٩١) تفسير القمي: مجلد /الاول:ص٢٩٠ ونقله عنه مختصر بصائر الدرجات /ح ١٠٠/٤٦.
(١٩٢) تفسير العياشي في ذيل آية النساء /٧٢
(١٩٣) مختصر بصائر الدرجات: حديث ٦٨/١٤، باب الكرات.
(١٩٤) ميرزان الإعتدال:٣:١٩٣.
(١٩٥) تقريب التهذيب: ١:١١٦.
(١٩٦) تهذيب التهذيب:٧:٣٩٠،٧٣٢
(١٩٧) مختصر بصائر الدرجات: حديث ٦٤/١٠.
(١٩٨) الكافي: ٣/ ص ٢٤٨.
(١٩٩) الفصول المختارة/ الشريف المرتضى:٩٢.
(٢٠٠) الخرائج والجرائح: ٢،٨٤٩.
(٢٠١) الخرائج والجرائح: ١،٨٥٠.
(٢٠٢) غيبة الشيخ الطوسي:باب علائم ظهور الحجة عجل الله فرجه ص٤٥٨.
(٢٠٣) رواه في البحار في باب عقدهُ في حقيقة الجن.الحديث ٢٩، عن منتخب بصائر الدرجات بإسناده عن المفضل بن عمر في خبر طويل في الرجعة وأحوال القائم، والظاهر أن الرواية واحدة ولكن في المختصر إختلاف يسير.
(٢٠٤) مختصر بصائر الدرجات:٥١٦/٥،ص٥٢٩.
(٢٠٥) الكافي ٨/٢٤٠.
(٢٠٦) الخرائج والجرئح مجلد ٢ /٨٥٠.
(٢٠٧) دلائل الامامة للطبري /ح ٤٤٣/٤٧.
(٢٠٨) الكافي ج٣ /٢٣١.
(٢٠٩) سورة النازعات: الآية ١٣.
(٢١٠) سورة النازعات: الآية ١٤.
(٢١١) سورة الصافات: الآية ١٩.
(٢١٢) مختصر بصائر الدرجات/ باب الكرات ح٥٥/١، وحديث ٨٨/٣٤ وحديث ١٣٧/٣٧.
(٢١٣) نفس المصدر /٨٩/٣٥.
(٢١٤) سورة عبس: الآية ٢٣.
(٢١٥) مختصر بصائر الدرجات /ح١٣٨/٣٨وايضا/ح ١٣٩ /٣٩.
(٢١٦) تاؤيل الايات/٢:٧٦٤ح/٢.
(٢١٧) مشارق انور اليقين/فص (خطبة الافتخار):٢٦٠؛ ورواه في الإيقاظ عنه بزيادة في المتن وهي التي أثبتناها أعلاه.
(٢١٨) مختصر بصائر الدرجات:ح٥٢٥/١٤.
(٢١٩) المحتضر للحسن بن سليمان الحلي:ح/١٧٠.
(٢٢٠) الكافي /م ٨ /ص١٦٧ح ١٨٥.
(٢٢١) كمال الدين وتمام النعمة:٦٧٣.
(٢٢٢) بحار الانوار مجلد /٥٢:٣٨٦ح٢٠١.
(٢٢٣) سورة المدثر: الآية ٨.
(٢٢٤) إختيار معرفة الرجال،ح ٣٣٨/الامامة والتبصرة لعلي بن بابويه ح١٢١/الكافي مجلد /١ ص٣٤٣/كمال الدين للصدوق ص٣٤٩ب٣٣ح٤٢/الغيبة للنعماني ص١٩٣.
(٢٢٥) الغيبة للنعماني /ب ١٤ح٢٢ص٢٧٠وكذلك ح٢٤.
(٢٢٦) بصائر الدرجات /الجزء ٤ ب ١٠ ح١٩ص٢٦٠.
(٢٢٧) كتاب سليم بن قيس ١٢٩ ـ١٣١.
(٢٢٨) سورة البقرة: الآية ٢٥٩.
(٢٢٩) مختصر بصائر الدرجات ب /الكرات /٦٧/١٣.
(٢٣٠) سورة المائدة: الآية ٦٤.
(٢٣١) سورة التوبة: الآية ١٢.
(٢٣٢) مختصر بصائر الدرجات /ب /الكرات /ح ٧٥/٢١.
(٢٣٣) مصباح المتهجد/٢٨٩ /ح ٣٩٩/١١.
(٢٣٤) المزار للمشهدي /ب ١٣ /ح٦.
(٢٣٥) بحار الانوار ـ ج ٩٧ ص ١٨٩ /ح١٢.
(٢٣٦) كامل الزيارات ـ ب ٧٩/ح ٦٣٣/١٧.
(٢٣٧) كامل الزيارات /ب ٧٩ح٦٣٩/٢٣وبحار الانوار /٩٨/١١٦.
(٢٣٨) سورة يس: الآية ٧٨ ـ ٨٠.
(*) المزار للمشهدي: الباب السادس عشر، في أعمال شهر شعبان، ص ٣٩٨.الإقبال الفصل السادس عشر: أعمال شهر شعبان، ج٣،ص٣٠٣.
(٢٣٩) سورة النحل: ٣٨-٣٩.
(٢٤٠) سورة آل عمران: الآية ٥٥.
(٢٤١) سورة المائدة: الآية ٤٨.
(٢٤٢) سورة الانعام: الآية ١٦٤.
(٢٤٣) سورة النحل: الآية ٩٢.
(٢٤٤) سورة البقرة: الآية ١١٣.
(٢٤٥) سورة يونس: الآية ٩٣.
(٢٤٦) مختصر بصائر الدرجات باب الكرات ح٨٩/٣٥ ص١٤٣.
(٢٤٧) غيبة النعماني باب ١٤ ما جاء في العلامات التي قبل قيام القائم: ح٢٨ ص٢٧٣.
(٢٤٨) غيبة النعماني: ب١٤ ح٣٠ ص ٢٧٢.
(٢٤٩) غيبة النعماني: باب ١٤ ح٣١ ص٢٧٣.
(٢٥٠) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات ح ٦٥/١١ ص ١٢٥.
(٢٥١) غيبة الشيخ الطوسي: ح٤٣١ ص٤٤٠.
(٢٥٢) سورة غافر: الآية ٥١.
(٢٥٣) مختصر بصائر الدرجات /ب الكرات ح/٦٠/٦.
(٢٥٤) مختصر بصائر الدرجات /ب الكرات ح:٦٦/١٢.
(٢٥٥) مختصر بصائر الدرجات /ب الكرات /ح ـ ٦٧/١٣.
(٢٥٦) مختصر بصائر الدرجات /ب الكرات ح ٧٢/١٨.
(٢٥٧) الكافي ـ ج الثامن /٢٤٧ص/ح ٣٤٦.
(٢٥٨) سورة يس: الآية ٥٢.
(٢٥٩) مصباح المتهجد ٨٢٦ و٨٢٧ /ح ٨٨٦، واقبال الاعمال ٣/ ٣٠٣
(٢٦٠) سورة عبس: الآية ١٧.
(٢٦١) تفسير القمي: ذيل الآية في سورة عبس.
(٢٦٢) الكافي /جلد/١ص٢٨٣/باب أن الائمة لم يفعلوا شيء ولايفعلون الا بعهد من الله عَزَّ وَجَلَّ وأمر منه.
(٢٦٣) المحتضر ص١٦١ح١٧٠.
(٢٦٤) كامل الزيارة /ب ١٠٤ ح٨٠٣/٢ص٥٢٣/٥٢٦.
(٢٦٥) دلائل الامامة للطبري /ص١٠٤ ـ ٣٤/٣٤، خبر مصحفها صلوات الله عليها.
(٢٦٦) الكافي: ج١، ص ١٩٨.
(٢٦٧) سورة النحل: الآية ٣٨ ـ٤٠.
(٢٦٨) سورة المدثر: الآية ١ـ٢.
(٢٦٩) سورة المدثر: الآية ٣٥.
(٢٧٠) سورة الصف: الآية ٩.
(٢٧١) سورة المؤمنون: الآية ٧٧.
(٢٧٢) سورة الحجر: الآية ٢.
(٢٧٣) مختصر بصائر الدرجات /٥٥/١باب الكرات.
(٢٧٤) معاني الآخبار، الصدوق / ٤٦، مختصر بصائر الدرجات / ١٩٨.
(٢٧٥) الارشاد للشيخ المفيد /مجلد٢/٣٨٦ـ تفسير العياشي /مجلد ٢ ص٣٢وفيه «اذا قام قائم آل مُحمَّد عليه السلام استخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلا...»، دلائل الامامة للطبري /ح ٤٤٤ /٤٨ ص٤٦٣: وفي المصدرين الأخرين ذكر مؤمن آل فرعون.
(٢٧٦) دلائل الإمامة للطبري ص٤٨٤ ح٤٨٠/٨٤.
(٢٧٧) دلائل الامامة للطبري /حديث ٤٤٧/٥١ص٤٦٤.
(٢٧٨) معاني الأخبار: ص ٤٠٦،ح ٨١.
(٢٧٩) مختصر بصائر الدرجات:ص ٥٥٢، الخطبة المسماة بالمخزون، حديث ٥٢٥/١٤.
(٢٨٠) سورة الشعراء: الآية ٤.
(٢٨١) الغيبة للنعماني: ص ٣٦٨،باب ١٤،ح١٩.
(٢٨٢) الخرائج والجرائح:ج٣، ص ١١٦٨،ح٦٥، الغيبة للطوسي: ص٤٣٩، ح٤٣١، الغيبة للنعماني: ص١٨٠، ح٢٨، دلائل الإمامة للطبري: ص ٢٤٥، عيون أخبار الرضا: ج٢، ٢ ٦، ح١٤، كمال الدين: ص٣٧٠،ح٣.
(٢٨٣) سورة الكهف: الآية ١٩و ٢٠.
(٢٨٤) البحار: ج٥٣، ص١٣٨.
(٢٨٥) سورة الأنبياء: الآية ٩٥، تفسير القمي في ذيل الآية، ونقله عنه البحار ج٥٣،ص٦٠.
(٢٨٦) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات ح٧٧/٢٣، ص١٣٥.
(٢٨٧) تفسير القمي ذيل سورة النمل:٨٣.
(٢٨٨) الفقيه:ج١، ص ١٧٨،ح٥٣٠.
(٢٨٩) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات، ح٥٥/١،ص١١٥.
(٢٩٠) البحار: ج٨٩، ص٦٥.
(٢٩١) تفسير العياشي:ح١٦٩.
(٢٩٢) تفسير العياشي:ج٢، ح١٣٩، ح١٧٠، مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات، ح٦١ /٧، ص ١٢١.
(٢٩٣) سورة التوبة: الآية ١١١.
(٢٩٤) مختصر بصائر الدرجات /ب الكرات ح ٧٥/٢١، تفسير القمي في ذ يل الاية، وتفسير العياشي أيضاً في ذيل الآية.
(٢٩٥) سورة آل عمران: الآية ١٤٤.
(٢٩٦) سورة آل عمران: الآية ١٥٨.
(٢٩٧) سورة البراءة: الآية ١١١.
(٢٩٨) سورة آل عمران: الآية ١٨٥، الانبياء/ ٣٥، العنكبوت /٥٧.
(٢٩٩) مختصر بصائر الدرجات /ب الكرات /ح ٦١/٧،  تفسير العياشي /مجلد٢ ص١١٢ ح١٣٩.
(٣٠٠) مختصر بصائر الدرجات/ب الكرات ح٩٥/٤١.
(٣٠١) سورة الإسراء: الآية ٥ و٦.
(٣٠٢) سورة القصص: الآية ٥ و٦.
(٣٠٣) المحتضر: ١٥٢، ١٥٣، البحارج٢٥، ص٦و٧، ح٩.
(٣٠٤) مختصر بصائر الدرجات /باب الكرات /ح ٧١ /١٧، الكافي /مجلد٣ ص٢٣٥ ح١ وص٢٣٦ح٤.
(٣٠٥) الكافي/الجلد٣ /كتاب الجنائز /باب ٨٨، والبحار مجلد ٦/ابواب الموت باب ٨.
(٣٠٦) سورة النبأ: الآية ١٧ـ ١٨.
(٣٠٧) سورة الكهف: الآية ٤٧.
(٣٠٨) سورة النباء: الآية ١٨.
(٣٠٩) مختصر بصائر الدرجات ح١٤٢/٤٢ص١٩٦.
(٣١٠) الكافي ج٣ كتاب الجنائز /ب المسأئلة في القبر وفيمن يسئل ومن لايسئل/ ح٢ص٢٣٧.
(٣١١) الكافي الجلد ٣/كتاب الجنائز /ب المسائلة في القبر/ح١١ ص٢٣٨.
(٣١٢) الكافي /مجلد ٣ ص٢٣٩ب المسائلة في القبر ح٣.
(٣١٣) سورة النمل ٨٣
(٣١٤) سورة الاسراء ٧١.
(٣١٥) محاسن البرقي /١:١٤٤كتاب الصفوة والنور/ب١٢ح٤٤.
(٣١٦) مختصر بصائر الدرجات / باب الكرات ح٥٨/٤.
(٣١٧) مختصر بصائر الدرجات / باب الكرات /ح٧٧/٢٣.
(٣١٨) مختصر بصائر الدرجات /باب الكرات ح ٧٨ /٢٤.
(٣١٩) مختصر بصائر الدرجات / ب الكرات/ح٦٣/٩.
(٣٢٠) تفسير العياشي ذيل آية الاسراء مجلد/٢:٢٨٢.
(٣٢١) مختصر بصائر الدرجات /باب الكرات ح٥٥/١.
(٣٢٢) سورة النبأ: الآية ١٨.
(٣٢٣) مختصر بصائر الدرجات /ح١٤٢/٤٢.
(٣٢٤) مختصر بصائر الدرجات /ح١٤٣/٤٣.
(٣٢٥) الاختصاص ص٢٧٥ والغيبة للطوسي ص٤٧٨ ح٥٠٥.والعياشي ج٢ ص٣٢٦ ح٢٤ ومختصر بصائر الدرجات ح١٤٥/٤٥.
(٣٢٦) مختصر بصائر الدرجات باب الكرات ح٨٦/٣٢وح٤٣١/٩٣ وح١١٧/١٧ ورواه العياشي في ج١ ص١٨١ ح٧٦.
(٣٢٧) مختصر بصائر الدرجات /ح٩١/٣٧ باب الكرات.
(٣٢٨) معاني الاخبار ص١٣٩ح١.
(٣٢٩) مختصر بصائر الدرجات باب الكرات/١٠٠/٤٦، وتفسير القمي /مجلد ١ص٢٩٠: بصائر الدرجات للصفار: ٤٤٢/١٤.
(٣٣٠) آمالي الشيخ الطوسي: المجلس /٢ح٨٨/٥٧، ورواه بطريق اخر المجلس /١٦ ح١٠٢٦/٢٣، ورواه الطبري في بشارة المصطفى بسنده عن الشيخ سؤال ٨٨، ورواه في البحار عن مصادر الجمهور عن الخركوشي في اللوامع /٣٢:٣٢٢.
(٣٣١) تفسير القمي/١:٤٢ونظيره رواه في موضع آخر في تفسيره عن محمد بن مسلم /٢:٧٥.
(٣٣٢) محاسن البرقي: ح١٢٦ج٢ ص٣٣٩، علل الشرائع/ باب ٣٨٥ح١٠ المجلد/٢ ص٥٧٩ وأيضاً مختصر بصائر الدرجات نقلاً عن علل الشرائع ح/:٥٦٤/٥٣.
(٣٣٣) سورة النمل ٨٢،٨٣ 
(٣٣٤) كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي/ص٤٠٤/باب خروج الدابة.
(٣٣٥) إكمال الدين للصدوق/ص٧٧، الخرائج والجرائح/ج٣ص١١٣٧.
(٣٣٦) كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي /ص٤٠٥باب خروج الدابة.
(٣٣٧) إرشاد القلوب للديلمي ج١/ص٦٦باب ١٦أشراط الساعة وأهوالها.
(٣٣٨) سورة الأنعام ١٥٨.
(٣٣٩) سورة النمل ٩٣.
(٣٤٠) سورة الأنعام ١٠٩.
(٣٤١) كتاب الفتن / للمروزي باب خروج الدابة ص٤٠٢.
(٣٤٢) البحار /ج٥٢ ص٢٧٢ح/١٦٧.
(٣٤٣) سورة البقرة: الآية ٢٥٩.
(٣٤٤) سورة التكوير: الآية ٥.
(٣٤٥) سورة القصص: الآية ٥ و٦.
(٣٤٦) لعل الأصح: معاً.
(٣٤٧) والاصح ظاهرا (القاف) والظاهر أنه أشتباه من الناسخ.
(٣٤٨) لعل الاصح في النسخ (الحرم).
(٣٤٩) الهداية الكبرى للخصيبي/٣٩٢/٤٠٧ باب/١٤، الامام المهدي عجل الله فرجه، بحار الانوار /مجلد٥٣ص١٦، مختصر بصائر الدرجات ح٥١٦/٥ وهو من الاحاديث التي أضافها الحسن بن سليمان الحلي الى ما اختصره من بصائر الدرجات وقد رواه عن كتاب عن الحسين بن حمدان.
(٣٥٠) آمالي الطوسي: ص٦٤١/٢١ وأيضاً مختصر بصائر الدرجات / ح٢٠٩ /٤٩ ص٢٥٧.
(٣٥١) الإيقاظ من الهجة بالبرهان على الرجعة:ص ٨٨.
(٣٥٢) الحديث السابع الكافي:٣، ص٣٢٥، باب السجود والتسبيح والدعاء عشر.
(٣٥٣) سورة ن: الآية ٥٥.
(٣٥٤) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي: ص٤٩،ح ٦٥ / ٣٨، فصل في سياقة الصلوات، من لايحضره الفقيه:ج١،ص ٣١٩،الحديث ٩٤٤.
(٣٥٥) الكافي: ج٣،ص٤٢٣.
(٣٥٦) من لا يحضره الفقيه /مجلد ٤ص١٩٠ح٥٤٣٣، تهذيب الاحكام مجلد٩ ص١٧٧ ح٧١٤/١٤.
(٣٥٧) مختصر بصائر الدرجات/ح ٥٢٥/١٤من خطبة المخزون لأمير المؤمنين عليه السلام، الارشاد مجاد ١ص٢٩٠، منتخب كنز العمال:ص٣٤.
(٣٥٨) الامامة والتبصرة باب في الغيبة: ص ١٢١ح١١٦؛ علل الشرائع/باب ٣٢ ح١ ص٤٠، كمال الدين وتمام النعمة:٣٩٣.
(٣٥٩) معرفة رجال الكشي/ج٣٩٦.
(٣٦٠) آمالي للشيخ المفيد/ من خطبة لعلي عليه السلام: ح٤ ص١٤٥، الارشاد ج١ ص٢٩٠، مختصر بصائر الدرجات ص٢٠٥.
(٣٦١) ولفظ الرجعة في الحديث كما في كتاب الايقاظ للحر /١٣٤من نسخة بصائر الصفار لديه، ولكن في نسخة بصائر الدرجات المطبوع لفظ التقية بدل الرجعة وكذلك في الخرايج والجرائح للراوندي ج٢ ص٧٣٣ وكذلك مدينة المعاجز للسيد البحراني عن بصائر الدرجات مجلد ٥ ص٩٨، وكذلك في البحار مجلد ٢ ص٢٣٧، وفي تاريخ آل زرارة لأبي غالب الزراري لفظ الغيبة بدل الرجعة نقلاً عن الكشي، ولكن في الكشي لفظ الهفتيةَ ولعلها مصحف من التقية، حديث ٢٦٠ المفسرة بمعنى التحير وأنَّها كناية عن الغيبة، وفي معجم الرجال نقلاً عن الكشي لفظ الغيبة.
(٣٦٢) مختصر بصائر الدرجات:باب الكرات ح ٨٠/٢٦، ص١٣٧.
(٣٦٣) سورة يونس: الآية ٣٩.
(٣٦٤) مصباح المتهجد:ح ٣٩٩/١١،ص٢٨٩.
(٣٦٥) مصباح المتهجد: باب أعمال شهر رجب.
(٣٦٦) من لا يحضره الفقيه/مجلد الثاني ص٦٠٩ح٣٢١٣، التهذيب /مجلد٦ص٩٥ ح١٧٧، عيون اخبار الرضا ع/مجلد٢ ص٣٠٥.
(٣٦٧) الفقيه /مجلد٢ ص٦١٧،التهذيب /مجلد السادس ص١٠١.
(٣٦٨) المزار للمشهدي القسم الثامن/الباب الخامس/ص٦٦٣،مصباح الزائر لابن طاووس، ص٢٣٤،٢٣٥، بحار الانوار/مجلد٥٣ ص٩٠ ح١١١، المناقب (الكتاب العتيق)، ونقله في البحار عن خط الشيخ محمد بن علي الجبعي بسنده المتصل إلى الإمام الصادق عليه السلام، البحار ج ٩١،ص ٤٢.
(٣٦٩) مختصر بصائر الدرجات:ح ٧٢/١٨،ص١٣٠.
(٣٧٠) سورة البقرة: الآية ٢٥٩.
(٣٧١) الكافي مجلد/٨ص٣٠٤ح٤٦٩.
(٣٧٢) مختصر بصائر الدرجات: ح١١٢/١٢، ص١٧٥.
(٣٧٣) سورة المدثر: الآية ١ ـ ٢.
(٣٧٤) سورة المدثر ٣٥ ـ ٣٦.
(٣٧٥) سورة سبأ ٢٨.
(٣٧٦) مختصر بصائر الدرجات /باب الكرات ح٨٨/٣٤وح٥٥/١.
(٣٧٧) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات،ح٨٩/٣٥،ص١٤٣.
(٣٧٨) أمالي الصدوق: المجلس ٣٨،أمالي المفيد: المجلس الأول، الكافي ٨،ص١٥٩، مختصر بصائر الدرجات:ح٨٧/٣٣،ص١٤٢.
(٣٧٩) بصائر الدرجات: ص١٢٤،ح٣، الخرائج والجرائح ج٢: ص ٨٧٠، ح٧٨، الكافي ج١: ص٢٦١،ح٤.
(٣٨٠) الخرائج والجرائح ج٢ ص ٨٧ ب ١٥ ح ٨٧، الكافي ج١: ص٢٦١،ح٤.
(٣٨١) سورة المائدة: الآية ٢٠.
(٣٨٢) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات،ح ٩٧/٤٣، ص١٤٨.
(٣٨٣) سورة الأعراف ١٢٨.
(٣٨٤) سورة القصص ٥ ـ ٦.
(٣٨٥) سورة النمل ٨٢ ـ ٨٥.
(٣٨٦) سورة الكهف ٤٧.
(٣٨٧) سورة النمل ٨٧.
(٣٨٨) سورة النور ٥٥.
(٣٨٩) سورة غافر ٥١.
(٣٩٠) سورة آل عمران ٨١.
(٣٩١) سورة الأنعام: الآية ٣٧.
(٣٩٢) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
(٣٩٣) سورة الشعراء: الآية ٤.
(٣٩٤) سورة الطور: الآية ٤٧.
(٣٩٥) سورة الدخان: الآية ١١ ـ ١٣.
(٣٩٦) سورة القلم: الآية ١٠ ـ ١٦.
(٣٩٧) سورة الأنعام: الآية ١١٥.
(٣٩٨) مختصر بصائر الدرجات: ح ١٠١/١ وحديث ٥٣٠/١٩، ص١٦٣، ص ٥٦٤، أيضاً ح ٥٣٨/٢٧، ص ٥٦٨.
(٣٩٩) مختصر بصائر الدرجات: ح ٥٣٩/٢٨،ص ٥٦٩، ورواه في تأويل الآيات عن محمد بن عباس بسنده عن أبي عبدالله الجدلي، ص٤٠٠.
(٤٠٠) سورة النمل: الآية ٨٢.
(٤٠١) مختصر بصائر الدرجات: ح ٥٤٣/٣٢، ح٥٤٤/٣٣، ص٥٧١.
(٤٠٢) مختصر بصائر الدرجات: ح ١٠١/١، ص١٦٢، مشارق أنوار اليقين: ص ٢٦١.
(٤٠٣) الدر المنثور: ج٣،ص٥٧إلى ٦٣.
(٤٠٤) كتاب سليم بن قيس ص١٢٩/١٣٠.
(٤٠٥) سورة النمل: الآية ٨٢.
(٤٠٦) سورة هود: الآية ١٧.
(٤٠٧) سورة الرعد: الآية ٤٣.
(٤٠٨) سورة الزمر: الآية ٣٣.
(٤٠٩) كتاب سليم بن قيس:١٣٠/١٣١،ومختصر بصائر الدرجات عنه:ح١١٢/١٢.
(٤١٠) تفسير العياشي: مجلد /١ ص١٨١ ح٧٧.
(٤١١) المحتضر: ص ١٦١، ح١٧٠، وأيضاً بصائر الدرجات: ج٣، باب ٩،ح١ وح٣ وح٤، وأيضاً باب ١٠، ح٥، ح٦، ص٢١٩، الكافي: ج١، ص١٩٦ ـ ١٩٨، باب أن الأئمة هم أركان الأرض، ح١وح٢وح٣.
(٤١٢) كامل الزيارات: باب ١٠٤،ح٨٠٤/٢،ص٥٢٣-٥٢٦.
(٤١٣) سورة عبس: الآية ١٧.
(٤١٤) سورة عبس: الآية ١٨.
(٤١٥) سورة عبس: الآية ١٧ ـ ٢٣.
(٤١٦) تفسير القمي: ذيل سورة عبس،ج٢، ص٤٠٥-٤٠٦.
(٤١٧) سورة الأعراف: الآية ٨٧.
(٤١٨) سورة النازعات: ألآية ٤٢.
(٤١٩) سورة الزخرف: الآية ٥٨.
(٤٢٠) سورة مُحمَّد: الآية ١٨.
(٤٢١) سورة القمر: الآية ١.
(٤٢٢) سورة الأحزاب: الآية ٦٣.
(٤٢٣) سورة الشورى: الآية ١٨.
(٤٢٤) الهداية الكبرى للحضيني /باب ١٤ ص٣٩٢
(٤٢٥) سورة مريم: الآية ٧٥.
(٤٢٦) سورة الشورى: الآية ٢٠.
(٤٢٧) الكافي الجلد /١ص٤٣١ح٩٠.
(٤٢٨) مناقب آل أبي طالب /ج٢ ص٢٠٧.
(٤٢٩) مختصر بصائر الدرجات /ح١٠١ /١ص١٦٢.
(٤٣٠) مسند احمد /ج٦ص٢٥ح: عوف بن مالك الاشجعي، مستدرك الحاكم النيسابوري /ج٣ص ٤١٥، مجمع الزوائد للهيتمي/مجلد٧ ص١٠٥، صحيح بن حبان/ مجلد/ ١٦ص١١٩ وأضاف (وانا العاقب وانا المقفي)، وكذا الزيادة في المعجم للطبراني /مجلد١٨ ص٤٧، وكذا مسند الشاميين للطبراني /مجلد/٢، موارد الضآن للهيتمي: جلد/٦ ص٦٦٤.
(٤٣١) كامل الزيارات/باب ١٠٤ ح٨٠٤/٢ص٥٥٢٣ ـ ٥٢٦.
(٤٣٢) تهذيب الأحكام /باب الزيادات في الزكاة: ح٢٤٧/٨ ج٤ص٩٧، الكافي: باب ادب المصّدق/ح١ج٣ص٥٣٨.
(٤٣٣) مختصر بصائر الدرجات /ح٩٩/٤٥ص١٥٠.
(٤٣٤) مختصر بصائر الدرجات /ح٥٤٥/٣٤ص ٥٧٢.
(٤٣٥) مناقب آل أبي طالب ج٢ ص٢٠٧،عنه بحار الانوار /مجلد ٥٣ ص١٢٠ ح١٥٣.
(٤٣٦) مصباح المتهجد: فصل في الزيارات في أعمال شهر رجب وشعبان.
(٤٣٧) سورة الحشر: الآية ٧.
(٤٣٨) سورة آل عمران: الآية ٨١.
(٤٣٩) سورة القصص: الآية ٥.
(٤٤٠) سورة الأنبياء: الآية ١٠٥.
(٤٤١) سورة المدثر: الآية ١ ـ ٢.
(٤٤٢) سورة النجم: الآية ٥٦.
(٤٤٣) دلائل الإمامة للطبري: ح٤٨٥، ص٤٨٧.
(٤٤٤) سورة الفرقان: الآية ٧٧.
(٤٤٥) سورة النساء: الآية ٦٤.
(٤٤٦) سورة المنافقون: الآية ٥.
(٤٤٧) سورة الأعراف: الآية ٤٠.
(٤٤٨) سورة الحج: الآية ٢٩.
(٤٤٩) تفسير القمي /في ذيل سورة عبس /ج٢ ص٤٠٦.
(٤٥٠) مصباح المتهجد/ص٢٨٩ح٣٩٩/١١.
(٤٥١) كامل الزيارات:ب/١٠٤ح٢تحت عنوان زيارة لجميع الائمة^.
(٤٥٢) مصباح الزائر ص٢٤٥.
(٤٥٣) كامل الزيارات: باب ٧٩ ح٦٣٩/٢٣ص٤٠٤.
(٤٥٤) مصباح المتهجد:ح٢٥٠/٤٦ص١٦١.
(٤٥٥) مصباح المتهجد ح٣٣٥/٧٣ص٢٢٧.
(٤٥٦) الكافي /المجلد /٤ ص ٥٧٢/باب زيارة قبر ابي عبدالله الحسين عليه السلام.
(٤٥٧) الكافي/المجلد ٤/ ص٥٧٥، أبواب الزيارات، باب زيارة الحسين بن علي عليه السلام/ح١.
(٤٥٨) المزار الكبير لبن المشهدي/القسم:٣/الزيارة /١٥ص٣٠٨.
(٤٥٩) سورة النور: الآية ٣٦.
(٤٦٠) شواهد التنزيل، الحسكاني ج٦ ص٥٣٣ – ٥٣٤ ح ٥٦٧ – ٥٦٨، الدر المنثور، السيوطي ج٥ ص ٥٠ قال اخرجه بن مردويه عن أنس بن مالك وبريده الاسلمي عن رسول الله.
(٤٦١) سورة الزمر: الآية ٦٩.
(٤٦٢) مصباح المتهجد:ح٣٣٩/١١ص٢٨٩.
(٤٦٣) كامل الزياراة:باب ٧٩ ح٢٣.
(٤٦٤) مصباح المتهجد: أعمال شهر شعبان، وكذا الاقبال لابن طاووس في اعمال ذلك الشهر.
(٤٦٥) مصباح المتهجد:ص٧٢٥.
(٤٦٦) المزار للمشهدي:ص١٧٨٩، مصباح الزائر:٥١، الزار للشهيد الاول:٢٧٨.
(٤٦٧) المزار الكبير للمشهدي: باب زيارات أمير المؤمنين عليه السلام: الزيارة /٨ ص٢٥٠.
(٤٦٨) المزار الكبير للمشهدي/ زيارة لامير المؤمنين عليه السلام في رجب.
(٤٦٩) بمعنى الوعد، ففي النهاية لابن الأثير: في حديث وهب «إن الله تعالى قال: إني آويت على نفسي أن أذكر من ذكرني» قال القتيبي: هذا غلط إلا أن يكون من المقلوب، والصحيح: وأيت من الواي: الوعد، يقول: جعلته وعدا على نفسي.النهاية ج١ ص ٨٣ في مادة (أوى)
(٤٧٠) الكافي:ج ٣ باب السجود والتسبيح ص٥٢٣ح١٧.
(٤٧١) الكافي: جلد/٤ص١٦٢كتاب الصيام باب الدعاء في العشرة الاواخر من شهر رمضان الحديث /٤.
(٤٧٢) مصباح المتهجد /ص٦٣٠.
(٤٧٣) فلاح السائل /ص٤٦.
(٤٧٤) الاقبال/٨٥.
(٤٧٥) الكافي: مجلد ١ص٣٠٦.
(٤٧٦) الكافي: مجلد ١ص١٩٤
(٤٧٧) البحار: مجلد ٨٦: ص٣٤٠ الباب ٤من ابواب يوم الجمعة وآدابه.
(٤٧٨) كامل الزيارات: ـ باب / ١٠٤، الزيارة لجميع الأئمة: ص٥٢٦، الحديث ٢.
(٤٧٩) ابن قولويه/ كامل الزيارات/ ص٢٢٣.
(٤٨٠) نفس المصدر.
(٤٨١) مختصر بصائر الدرجات (اول المهديين) بدل (أول المقربين).
(٤٨٢) الغيبه للطوسي:١٥٠و١٥١/ح١١١:مختصر البصائر١٥٩ـ ١٦١/ح١١بتفاويت يسير.
(٤٨٣) الغيبة للشيخ الطوس: ص٤٥٤ح٤٦٣، ورواه الراوندي أيضاً في الخرائج والجرائح: المجلد ٣/ص١١٤٩.
(٤٨٤) كمال الدين ص٦٥٣:الباب ٥٧ ح١٧وراه الراوندي في الجرائح والخرئج: ج٣: ص١١٤٩و١١٥٠/باب العلامات الكائنة قبل خروج المهدي ومعه ح٥٨.
(٤٨٥) سورة القصص: الآية ٥.
(٤٨٦) سورة النور ٥٥
(٤٨٧) تحف العقول ٣١٠
(٤٨٨) الغيبة للطوسي:٤٢٨ /فص٧/ح٤١٧، والغيبة للنعماني:٣٠٣ و٣٠٤/ ب١٦/ ح١٠، الكافي المجلد١:٣٦٨/باب كراهية التوقيت /ح١، الخرائج والجرائح للراوندي: ج١٧٨:١ و١٧٩/ح١١.
(٤٨٩) مختصر بصائر الدرجات:ح٢٩٧/١٦ص٣٣٦.
(٤٩٠) الغيبة للنعماني: ٢٩٩/باب١٦/ح١، الغيبة للطوسي:٤٢٧و٤٢٨/ح٤١٦بتفاوت يسير.
(٤٩١) غيبة النعماني:٣٠٣/باب١٦/ح٨.
(٤٩٢) الغيبة للنعماني:٣٠٣/باب١٦/ح٩.
(٤٩٣) الغيبة للطوسي:٤٢٨و٤٢٩/فصل ٧/ح٤١٨.
(٤٩٤) سورة الرعد: الآية ٣٩.
(٤٩٥) سورة الرعد: الآية ١١.
(٤٩٦) الكافي: ١/٤٥٠/باب مولد النبي صلى الله عليه وآله ووفاته/ ح٣٤، تفسير فرات الكوفي: ١١٢/ ح١١٣ /١١.
(٤٩٧) مختصر بصائر الدرجات:ح٥٣٩/٢٨ص٥٦٩.
(٤٩٨) مختصر بصائر الدرجات:ح٥٤٠/٢٩ص٥٦٩.
(٤٩٩) بصائر الدرجات:٣٩٢جزء٨/ باب١ح١٥.
(٥٠٠) كمال الدين للصدوق: باب ٢٤/ح١٠/٢٦٢و٢٦٣، كتاب سليم بن قيس:١٣٢ /١٣٥.
(٥٠١) الغيبة للنعماني ص٨٥و٨٦/باب ٤/ح١٢، كتاب سليم بن قيس: ص٢٣٦.
(٥٠٢) الغيبة للطوسي: ص٤٧٨و٤٧٩/ فص ٨/ح٥٠٥.
(٥٠٣) الاختصاص ص٢٥٨.
(٥٠٤) عيون أخبار الرضا عليه السلام المجلد ٢ص٦٩ح٣٧.
(٥٠٥) مختصر بصائر الدرجات:ح١٤٣/٤٣ص١٩٧.
(٥٠٦) الكافي: مجلد ٨ ح٢٥٠.
(٥٠٧) تفسير العياشي ذيل سور ة الاسراء مجلد ٢ص٢٨١ح٢٠ ورواه ابن قولويه في كامل الزيارات بسنده عن عبدالله بن القاسم الحضرمي عن صالح بن سهل عن ابي عبدالله عليه السلام ص١٣٣الباب ١٨ ح١.
(٥٠٨) الغيبة للطوسي ح٥٠٥ص٤٧٨و٤٧٩ ورواه في مختصر بصائر الدرجات عن مصدر آخر ح١٤٥/٤٥ص١٩٧.
(٥٠٩) الاختصاص ص٢٥٧ و٢٥٨.
(٥١٠) مختصر بصائر الدرجات: الحديث ١٤٢/٤٢.
(٥١١) مختصر بصائر الدرجات/ح ٥٨/٤ ـ ص١١٩.
(٥١٢) مختصر بصائر الدرجات/ح٩٣/٣٩ ـ ص١٧٤.
(٥١٣) مختصر بصائر الدرجات /ح٩٨/٤٤ص١٤٩.
(٥١٤) مختصر بصائر الدرجات /١٤٥/٤٥ /ص/١٩٧.
(٥١٥) مختصر بصائر الدرجات /ح١٤٩/٤٩/ص ٢٠١.
(٥١٦) الغيبه للطوسي ح/١٨٨ ص/٢٢٤.
(٥١٧) دلائل الامامه للطبري ح /٤٠٥/٩ ص ٤٣٥و٤٣٦.
(٥١٨) اختيار معرفة الرجال للطوسي ح/٨٨٣ ج٢ /ص ٧٦٣ وراه المسعودي في اثبات الوصية.
(٥١٩) اثبات الوصية للمسعودي ص٢٠١.
(٥٢٠) كمال الدين: ص٣٥٨ب٣٣ح٥٦.
(٥٢١) مختصر بصائر الدرجات: ح٥٦١/٥٠ ص٥٧٩.
(٥٢٢) مختصر بصائر الدرجات:ذيل ح٥٦١/٥٠ ص٥٨٠.
(٥٢٣) الاحتجاج مجلد ٢ ص٢٣٧/باب احتجاج الامام الرضا عليه السلام، تفسير الإمام العسكري عليه السلام ص٣١٣ ح١٥٩.
(٥٢٤) الروضة في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام لشاذان بن جبرئيل القمي ص١٠٣/ح٩٢؛ بحار الأنوار عنه مجلد ٣٩ص٢٩٩/ح ١٠٥.
(٥٢٥) مشكاة الأنوار: ص٥٧٥/باب ٩ /فصل ٤.
(٥٢٦) الغيبة للطوسي: ص٤٧٨/فص ٨ح٥٠٤.
(٥٢٧) مختصر بصائر الدرجات: ح١٤٤/٤٤ص١٩٧.
(٥٢٨) المزار لابن المشهدي ص٥٣٢.
(٥٢٩) كتاب المزار الكبير للمشهدي/باب١٣ الزيارة الثامنة؛ بحار الانوار مجلد ٩٧ ص٣٤٥ الزيارة/٤.
(٥٣٠) راجع بصائر الدرجات ص٥٠٧ /٥٠٩/ج١٠/باب١١و١٢، الكافي مجلد ١: ص١٧٨ و١٧٩/باب إنَّ الأرض لا تخلو من حجة، والجزء /١/ص١٧٩ /١٨٠ـ باب انه لو لم يبقَ في الارض إلّا رجلان لكان أحدهما الحجة.
(٥٣١) رواه الخاص والعامة بالفاظ مختلفة راجع: المحاسن للبرقي: مجلد ١ص١٥٤ـ ح٧٨، بصائر الدرجات ص٢٧٩/ب١٥/ح٥، الكافي ج١ ص٣٧٧ /ب من مات وليس له امام /ح٣، كمال الدين ص٤٠٩ / ب٣٨/ ح٩، مسند احمد ٤.٩٦، مجمع الزوائل ٥.٢٢٥، مسند ابي داود٢٥٩، مسند ابي يعلى ١٣.٣٦٦- ح٧٣٧٥، وغيرها من المصادر الكثيرة.
(٥٣٢) رواه الخاصة والعامَّة بألفاظ مختلفة، راجع: امالي الصدوق: ٣٨٦ـ ح٤٩٥ ـ ٤، الغيبة للنعماني:١٠٤ـ باب ٤ـ ح٣١، مسند احمد ٥: ٦٨،صحيح مسلم ٦:٣، سنن ابي داود٢:٣٠٩ـ ح٤٢٧٩، وغيرها من المصادر الكثيرة
(٥٣٣) سورة براءة: الآية ٣٦.
(٥٣٤) كمال الدين:٣٣٠ـ٣٣١/باب ٣٢ـ ح١٦.
(٥٣٥) الملاحم والفتن لابن حماد: ٧٨.
(٥٣٦) سورة يونس: الآية ٣٦.
(٥٣٧) سورة المائدة: الآية ٩٠.
(٥٣٨) سورة المائدة: الآية ٣.
(٥٣٩) سورة المدثر: الآية ٥٢.
(٥٤٠) علل الشرائع للصدوق /باب ١٥٦ (العِلَّة التي من أجلها صارت الامامة في ولد الحسين دون الحسن عليهما السلام) ص٢٠٥الى ص٢١٠.
(٥٤١) الكافي: جاد/١/باب نادر جامع في فضل الامام وصفاته /ص٢٠١.
(٥٤٢) الكافي: مجلد ١كتاب الحجة:باب لولا ان الائمة يزدادون (علماً) لنفد ماعندهم في ليلة الجمعة: ح٣٤ـ ص٢٥٥.
(٥٤٣) سورة المائدة: الآية ٥٥.
(٥٤٤) سورة النساء: الآية ٥٩.
(٥٤٥) الكافي مجلد ١ص٢٥٥:ح٣.
(٥٤٦) الكافي مجلد١ ص٢٥٥ح٤.
(٥٤٧) نهج البلاغة: خطبة ١٤٥.
(٥٤٨) مرآة الانوار: ص٦٠.
(٥٤٩) سورة المائدة: الآية ١١٠.
(٥٥٠) سورة آل عمران: الآية ٤٩.
(٥٥١) سعد السعود: ٦٦.
(٥٥٢) سورة يس: الآية ٧٩.
(٥٥٣) عقائد الامامية للمظفر: ١٨.
(٥٥٤) الخصال: ٣٥٤/٣٥، رواه الصدوق بسند صحيح أعلائي عن عمار ابن أبي الأحوص.
(٥٥٥) تفسير المنسوب للإمام العسكري: ذيل الآية العاشرة من سورة البقرة.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ١ / ٥.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016