فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الرجعة بين الظهور والمعاد (الجزء الثاني)
 كتب أخرى

الكتب الرجعة بين الظهور والمعاد (الجزء الثاني)

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ محمد السند تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٤/١١/٣٠ المشاهدات المشاهدات: ٢٦٥٠١ التعليقات التعليقات: ١

الرجعة بين الظهور والمعاد (الجزء الثاني)
تقرير أبحاث/ الشيخ مُحمَّد السند

بقلم: جمع من الفضلاء

فهرس الموضوعات

أبواب الكتاب
الباب الثاني: إثبات الرجعة بما يناسبه
فصول الباب الثاني
الفصل الأول: موقعية الرجعة فِي العقيدة والإيمان
الفرق الشيعية والرجعة
فرقة الكيسانية والرجعة
كلمات أعلام الامامية في الرجعة
١ ـ مؤمن الطاق:
٢ـ الصدوق: الرجعة من دعائم الإيمان
٣ـ المفيد:
المفيد: القول بالرجعة، الإمامية بأجمعها عَلَيْهِ إلَّا شذّاذ منهم تأولوا
الرجعة مذهب يختص به آل محمد
٤ـ المرتضى: إنَّ المنكر لصحة الرجعة ملحد خارج عَنْ أهل التوحيد
٥ ـ الطبرسي: إجماع الشيعة الامامية على الرجعة
٦ ـ ابن شهرآشوب
٧ ـ ابن طاووس: الرجعة قدرة إعجازية للنبي عَلَى إحياء الموتى
٨ ـ الحر العاملي: وجوب الإقرار بها كُلّ يَوُم
الرجعة من ضروريات مذهب الإمامية
٩ ـ المجلسي: تواتر روايات الرجعة
تصريح المجلسي والحر بأنَّ ما روياه هو بعض روايات الرجعة
١٠ ـ الحكيم الملا صدرا: الرجعة مِنْ القُرْآن والنصوص ومتواترة وَعَلَيْهَا ضرورة..
الحكيم الملا صدرا: حقّيّة مذهب الرجعة بالروايات المتظافرة والنقل الصحيح....
الحكيم ملا صدرا ودلالة: الأدلَّة عَلَى صحّة الرجعة
١١ ـ الطريحي
١٢ـ الفيض الكاشاني: وتقرير كلام المتقدّمين فِي ضرورة الرجعة
١٣ ـ المولى مُحمَّد صالح المازندراني
١٤ ـ الشهيد الثالث القاضي التستري: الرجعة أصل عِنْدَ الشيعة ثابت...
١٥ ـ السيد عبدالله شبّر
١٦ ـ أحمد الإحسائي: كفر منكر الرجعة دون الجاهل بها
١٧ ـ الشيخ جعفر كاشف الغطاء
١٨ ـ ملا أحمد النراقي: الرجعة عند الشيعة
١٩ ـ ميرزا حبيب الله الرشتي: منكر الرجعة كافر مَعَ التقصير
٢٠ ـ الجنوباذي: الرجعة كالضروري في هذهِ الأمَّة
٢١ ـ العلامة الطباطبائي: الرجعة متواترة تزيد عَلَى خمسمائة رواية
٢٢ ـ الشيخ كاشف الغطاء مُحمَّد حسين: الرجعة ضرورة فِي المذهب...
الفرق بين أصول الدين وضرورياته وأساب الردّة...
٢٣ ـ المظفر: حقيقة الرجعة نوع من المعاد... الرجعة فعل إعجازي للنبي والوصي
٢٤ ـ ٢٥ ـ وقفة مع السيد الأمين والشيخ مغنية
وقفة مع رأي السيد الأمين
٢٦ ـ الگلبيگاني: الرجعة ضرورة
٢٧ ـ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: الرجعة مِنْ ضروريات المذهب
الرجعة ضرورة أديانية وإسلامية
الرجعة فِي كلام علماء العامّة
١ ـ القاضي عبدالجبار المعتزلي
٢ ـ الطبري
٣ ـ الزمخشري
٤ ـ ٥ ـ المراغي وصاحب الظلال
٦ ـ ابن حجر العسقلاني
٧ ـ ابن عاشور في التحرير والتنوير
٨ ـ محمد عزة دروزة
٩ ـ أبو الفدا إسماعيل
١٠ ـ ابن سعد
١١ـ الآلوسي
الفصل الثاني: الرجعة والعقل
المستقبل دليل عقلي ـ الرجعة شعار لعدالة مستقبلية أرقى..
الرجعة مخزون معرفي ضخم
للعدالة والحرية
الرجعة مشروع إصلاح متقدم عَلَى الديمقراطية
الرجعة والتطلع البشري نحو المستقبل ـ الرجعة تزاوج حضارات ومشاركة إعمار
النزعة الفطرية برهان عَلَى الرجعة ـ صياغة أُخرى للدليل الفطري عَلَى الرجعة
الرجعة والاستدلال العقلي
وجه عقلي آخر على الرجعة للصدوق وآخر للعاملي
من استدل بالبرهان العقلي عَلَى وقوع الرجعة
البرهان العقلي للرجعة فِي الآيات والروايات
انتشار المعرفة بهم عليهم السلام أعظم إظهاراً للدين
إنجاز الوعد الإلهي
الاعتقاد بالرجعة وقوة الصبر والتحمل
تقرير الإمكان العقلي للرجعة
شبهات على الرجعة
الحكيم علي النوري: تعدد غايات الرجعة عمومها لأفراد البشر
الحكيم النوري: برهان عقلي عَلَى الرجعة قبل القيامة الكبرى
برهان عقلي آخر على الرجعة
الجناباذي: تقرير عقلي للرجعة
الرجعة جعل النفس التي بالفعل ذَاتَ قدرة لإحياء البدن الميت
الجناباذي: إنَّ علياً هو النبأ العظيم وهو الرجعة
الرجعة السفر الثالث من الأسفار الأربعة
تأييد أرواح الموتى للأحياء والرجعة
استدلال جماعة من أعلام هذا العصر
الجناباذي: تداعيات العمل فِي هَذِهِ الحياة عَلَى موقعية الإنسان فِي الرجعة
اعتراض ودفع:
آيات البعث والمعاد... لمقامات ثلاث
الجناباذي: تعدّد الرجعة ودرجاتها في الكمال:
تفسير عرفاني للرجعة ـ ضرورة الرجعة ـ لضرورة الأسفار الأربعة
الرجعة تفسير وبرهان آخر
الرجعة في قوس النزول والمعراج فِي قوس الصعود
الرجعة تقابل العروج
الرفيعي: الرجعة والدليل العقلي
الفصل الثالث: مصادر أدلَّة الرجعة
المصادر القرآنية للرجعة ـ المصادر الروائية الحديثية
خمسون أو سبعون ألف حديث فِي الرجعة
روايات الرجعة في كتب الغيبة
الرجعة في مصادر الحديث للعامة
الرجعة في العهدين: التوراة والانجيل
الفصل الرابع: الرجعة وَالقُرْآن
آيات وقوع الرجعة فِي الأمم السابقة
الآيات الدالّة على قاعدة أنَّ ما وقع فِي الأمم السابقة يقع فِي هَذِهِ الأُمَّة
التفويج في الحشر الخاص عِنْدَ خروج الآيات
إشكالات الآلوسي فِي دلالة الآية عَلَى الرجعة
آية دابّة الأرض وخروج ومجيء الآيات
الطائفة الثالثة: استثناء الأمم الهالكة بالعذاب مِنْ الرجوع فِي الرجعة
الطائفة الرابعة: آيات الوعد الإلهي بالنصر
الطائفة الخامسة: الإحياء والإماتة مرتين
الفصل الخامس: الرجعة فِي مصادر الحديث للعامّة
نقاط منهجية في البحث العقائدي
أهمية تراث الحديث والتفسير لدى العامّة عَلَى علم الكلام
جابر الجعفي وخمسون أو سبعون ألف حديث في الرجعة
خطبة أبي حمزة الخارجي كلام الطبري عَنْ مقالة الرجعة عِنْدَ عبدالله بِنْ سبأ
روايتهم النزول في الرجعة
من تراث الرجعة عند أهل السنة الآيات الَّتِي تخرج فِي آخر الزمان فِي أشراط السَّاعَة
النار التي تسوق الناس إلى المحشر
ملاحظة:
ملاحظة:
النار التي تخرج حرب يقوم بها حجة الله
المحشر في روايات أهل البيت عليهم السلام
دابة الأرض ملحمة كبرى للرجعة فِي تراث العامّة
المَعْلَم الأوَّل: دابة الأرض معها عصا موسى وخاتم سليمان
فقه الحديث
المَعْلَم الثاني: تخطم أنف الكافر والمنافق بالعصا وتجلي وجه المؤمن بالخاتم
المَعْلَم الثالث: لدابة الأرض ثلاث خرجات مِنْ الدهر
فقه الحديث:
المعلم الرابع: القدرة التكوينية فِي نظام حكم دابة الأرض
المعلم الخامس: تضاؤل قدرة إبليس وخفوت قوته
المعلم السادس: تفشّي العدل فِي أعلى درجاته عهد الدابة
دابةُ الأرض حقيقتها في روايات العامّة
الاعتقاد برجعة علي عليه السلام فرض على الأنبياء
إشارة روايات العامة أن دابة الارض علي عليه السلام
الفرق بين حكومتي دابة الأرض والإمام الحجة
بدأ الحساب في أواخر الرجعة قبل يوم القيامة
ملحوظة معترضة
رجوع الى أحوال دابة الأرض
مقام الحاشر والحشر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
الفصل السادس: الرجعة فِي الأديان والكتب السماوية
الرجعة بشرت بها الأنبياء والمرسلين
السيد المرتضى: «الرجعة متّفق عَلَيْهَا بين أهل الأديان السماوية»
مفروغية الاعتقاد بالرجعة في التوراة
ظهور الرجعة في القُرْآن الرجعة بشّرت بها الأنبياء والمرسلون
اليهودية والرجعة (عبدالله بن سبأ)
جملة فصول في الأديان ذات صلة بالرجعة:
الغاية في الدين لا تتحقّق إلَّا بالرجعة كَمَا أنَّ بدايته بالفطرة
الرجعة في العهد القديم والعهد الجديد
العهد القديم:
العهد الجديد:
الرجعة في زبور داود:
كتاب سليم:
(نص ما في كتب عيسى)
مقام الحاشر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فِي كتب عيسى بِنْ مريم عليه السلام
الفصل السابع: الرجعة لغة لقراءة أبواب المعارف
الرجعة لغة في معرفة النبوة
مراتب إظهار الدين فِي الوعد الإلهي
وأمَّا الجانب النظري: الجرعة قراءة ومعرفة فِي الإمامة
الرجعة قراءة في معرفة المهدي والظهور
تعدد درجات وأدوار الإصلاح فِي الرجعة لِكُلِّ إمام
موازاة مراتب كمال الإنسان لمراتب كمال المجتمع
في دولة الرجعة:
مجتمع أهل اليقين:
عظمة كمال مجتمع المؤمنين فِي الرجعة
إطلاق اسم الآخرة والبعث والحشر والمعاد عَلَى الرجعة
المعاد والرجعة:
الفارق بين بعث الرجعة وبعث المعاد
البرزخ والرجعة والساهرة:
ثلاث انماط للبعث والحساب: عالم القيامة والرجعة
تطابق آخر الرجعة مع القيامة:
تطابق المعراج مع الرجعة: تعدد الحساب والقيامة
ملحوظة معترضة:
إن البرزخ والرجعة من الدُّنْيَا والقيامة حقيقة مباينة لهما
القيامة لها أحكام ومواطن مختلفة
الامتحان في القيامة:
من الصحابة والتابعين القائليين بالرجعة:
نبذة عمن رصد عدد الحديث في الرجعة
نبذة أُخرى عمن كتب في الرجعة من الإمامية
مصادر الرجعة

أبواب الكتاب

الباب الأول: حقيقة الرجعة وبعدها المعرفي (الجزء الاول)
الباب الثاني: إثبات الرجعة وما يناسبه (الجزء الثاني)
الباب الثالث: الرجعة وعوالم أخرى (الجزء الثالث)
الباب الرابع: رجعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام ودولتهم (الجزء الرابع)

الباب الثاني: إثبات الرجعة وما يناسبه
فصول الباب الثاني

* الفصل الأول: موقعية الرجعة في العقيدة والإيمان الأقوال في أصل وضرورة الرجعة.
* الفصل الثاني: الرجعة والعقل.
* الفصل الثالث: مصادر أدلة الرجعة.
* الفصل الرابع: البرهان على الرجعة في آيات القرآن الكريم.
* الفصل الخامس: أدلة الرجعة في تراث أهل السنة.
* الفصل السادس: الرجعة في الأديان والكتب السماوية.
* الفصل السابع: الرجعة لغة لقراءة أبواب المعارف.

الفصل الأول: موقعية الرجعة فِي العقيدة والإيمان

الفصل الأول
* الفرق الشيعية والرجعة.
*ـ ضرورة الرجعة في كلمات علماء الامامية.
* الرجعة من أركان الايمان وليست من الشرائع.
* الرجعة عنوان للإمامة.
* إنكار الرجعة قدرية والقول بها قول بالإختيار.
* الرجعة في كلمات علماء العامة.
الفرق الشيعية والرجعة
قال الحسن بن موسى النوبختي في كتاب فرق الشيعة، في ذكر فرق الزيدية العشرة: قالت الجارودية منهم وهم أصحاب أبي الجارود وزياد بن المنذر: أنَّ علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل الخلق بعد رسول الله وأولاهم بالأمر من جميع الناس وتبرؤوا من أبي بكر وعمر وزعموا أنَّ الإمامة مقصورة في ولد فاطمة عليه السلام وأنها لمن خرج منهم يدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه، وعلينا نصرته ومعونته لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من سمع داعينا أهل البيت فلم يجبه أكبه الله على وجهه في النار» وبعضهم يرى الرجعة ويحل المتعة(١).
وقدْ حكى القاضي عبدالجبار المعتزلي في كتابه المغني، قال:.... أنَّ أبا الجارود، كان يرى مع ذلك الرجعة وإنْ كان في أصحابه من لا يرى ذلك.(٢)
فرقة الكيسانية والرجعة
قال الصَّفدي: من علماء الجُمهور: الكيسانية: فرقة من الرَّافضة منسوبة إلى كيسان مولى علي رضي الله عنه أخذ العُلوم من السيد مُحمَّد بن الحنفية، وقرأ عليه واقتبس الأسرار منه أختلف أصحابه اختلافاً كثيراً فمنهم مَنْ قال: ليسَ للناس إمام سوى رجلاً واحد من لا يموت وإنْ غاب رجع، ومنهم من عداه إلى آخر ثم توقفوا وتحيروا، ومنهم من أوّل الأركان الشرعية وقال: هي أسماء رجال من الصلاة والصوم والحج والزكاة، ومنهم من ضعّف يقينه في القيامة، ومنهم من قال بالتناسخ والحلول والرجعة بعد الموت وقبل القيامة، كما هو مذهب أهل الرجعة، ولهم في هذا هذيان كثير.(٣)
 أقول: هذيانه في أن كل من يقول بالرجعة يقول بالتناسخ قد مرّ منا دفع هذا التوهم، وأوضحنا أن حقيقة الرجعة حقيقة مباينة للتناسخ الباطل. ومنشأ هذا التوهم هو ذهاب جملة من الفرق الباطنية ـ المنسوبة إلى التشيع بالمعنى الأعم ـ إلى ذلك.
كلمات أعلام الامامية في الرجعة
نستعرض جملة من كلمات أعلام الطائفة:
١ ـ مؤمن الطاق:
ذكر النجاشي في ترجمة مؤمن الطاق محمد بن علي النعمان الأحول، حيث جادله أبو حنيفة في الرجعة وكانت له مع أبي حنيفة حكايات كثيرة، فمنها أنه قال له يوما: يا أبا جعفر تقول بالرجعة، فقال له: نم، فقال له: اقرضني من كيسك هذا خمسمائه دينار فإذا عدت أنا وأنت رددتها إليك، فقال له في الحال: أريد ضميناً يضمن لي أنك تعود إنسانا فإني أخاف أن تعود قرداً فلا أتمكن من إسترجاع ما أخذته مني.(٤)
٢ـ الصدوق: الرجعة من دعائم الإيمان:
باب الرجعة من كتابه (صفات الشيعة) (إنَّ مَن أقرَّ بستة أشياء فهو مؤمن ومنها الإيمان بالرجعة).(٥)
وظاهر كلامه إنَّ هذا مفاد رواية الفضل بن شاذان وسياق الكلام أنَّه من الضروريات والمعالم لهوية الإيمان والتشيع، وهو نص حديث الصادق والرضا عليهما السلام، وكذا قال في كتابه الاعتقادات: (اعتقادنا في الرجعة أنها حق).
وذكر النجاشي في ترجمته: أنَّ من كتب الصدوق ـ كتاب الرجعة، وقد قال في كتابه الاعتقادات في نهاية باب الرجعة: وسأجرد في الرجعة كتاباً أبين فيه كيفيتها، والدلالة على صحة كونها إنْ شاء الله تعالى.
٣ـ المفيد:
٢) وقال الشيخ المفيد في (الفصول المختارة) مفصّلاً في توجيه فصول تفاصيل بحث الرجعة، وفي الرسائل العكّبرية حين سُئل عن قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...).(٦)
وأجاب بوجوه فقال: وقد قالت الإمامية: إنَّ الله تعالى ينجز الوعد بالنصر للأولياء قبل الآخرة عند قيام القائم والكرَّة التي وعد بها المؤمنين في العاقبة.(٧)
المفيد: القول بالرجعة، الإمامية بأجمعها عليه إلا شذّاذ منهم تأولوا:
قال القول في الرجعة: وأقول إنَّ الله تعالى يردّ قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعزّ منهم فريقاً ويذلّ فريقاً، ويديل المحقّين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين وذلك عند قيام مهديّ آل مُحمَّد عليه السلام.
وأقول: إنَّ الراجعين إلى الدنيا فريقان:
 أحدهما من علت درجته في الإيمان وكثرت أعماله الصالحات، وخرج من الدنيا على اجتناب الكبائر الموبقات فيدير الله عَزَّ وَجَلَّ دولة الحق ويعزّه بها ويعطيه من الدنيا ما كان يتمنّاه.
والآخر من بلغ الغاية في الفساد وانتهى في خلاف المحقين إلى أقصى الغايات، وكثر ظلمه لأولياء الله واقترافه السيئات، فينتصر الله تعالى لمن تعدّى عليه قبل الممات ويشفي غيظهم منه بما يحلّه من النقمات، ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت ومن بعده إلى النشور وما يستحقّونه من دوام الثواب والعقاب، وقد جاء القرآن بصحّة ذلك وتظافرت به الأخبار والإمامية بأجمعها إلّا شذاذاً منهم تأوّلوا ما ورد فيه ممّا ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه.
* وقال في موضع آخر في أوائل المقالات تحت عنوان (القول في الرجعة): (واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة وإنْ كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف)(٨).
الرجعة مذهب يختص به آل مُحمَّد:
قال المفيد في (الإرشاد) عند ذكر علامات ظهور القائم: وأموات ينشرون من القبور حتّى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون.
وذكر في (المسائل السرويّة) أنَّه سُئل الشيخ قدس سره عمَّا يروى عن مولانا جعفر بن مُحمَّد الصادق عليهما السلام في الرجعة، وما معنى قوله: «ليسَ منّا من لم يقل بمتعتنا ويؤمن برجعتنا»، أهي حشر في الدنيا مخصوص للمؤمن أو لغيره من الظلمة الجبّارين قبل يوم القيامة؟
فكتب الشيخ بعد الجواب عن المتعة وأمَّا قوله: «من لم يقل برجعتنا فليس منّا» فإنَّما أراد بذلك ما يختصّه من القول به في أنَّ الله تعالى يحيي قوماً من أمّة مُحمَّد بعد موتهم قبل يوم القيامة، وهذا مذهب يختصُّ به آل مُحمَّد، والقرآن شاهد به، قال الله عَزَّ وَجَلَّ في ذكر الحشر الأكبر يوم القيامة: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)(٩)، وقال سبحانه مخبراً عمَّن يحشر من الظالمين أنَّه يقول يوم الحشر الأكبر: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيل)(١٠)، وللعامّة في هذهِ الآية تأويل مردود، وهو أنْ قالوا: إنَّ المعني بقوله: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) أنَّه خلقهم أمواتاً، ثمّ أماتهم بعد الحياة، وهذا باطل لا يستمرُّ (يجري) على لسان العرب، لأنَّ الفعل لا يدخل إلّا على من كان بغير الصفة التي انطوى اللفظ على معناها، ومن خلقه الله أمواتاً لا يقال إنه: أماته، وإنَّما يقال ذلك فيمن طرأ عليه الموت بعد الحياة، كذلك لا يقال: أحيى الله ميّتاً إلّا أنْ يكون قدْ كان قبل إحيائه ميّتاً، وهذا بيّن لمن تأمَّله.
وقد زعم بعضهم أنَّ المراد بقوله (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ) الموتة التي تكون بعد حياتهم في القبور للمسائلة فتكون الأولى قبل الإقبار، والثانية بعده، وهذا أيضاً باطل من وجه آخر وهو أنَّ الحياة للمسائلة ليست للتكليف فيندم الإنسان على ما فاته في حاله، وندم القوم على ما فاتهم في حياتهم المرَّتين يدلُّ على أنَّه لم يرد حياة المسائلة لكنَّه أراد حياة الرجعة، التي تكون لتكليفهم الندم على تفريطهم، فلا يفعلون ذلك فيندمون يوم العرض على ما فاتهم من ذلك(١١).
٤ـ المرتضى: إنَّ المنكر لصحة الرجعة ملحد خارج عن أهل التوحيد:
قَالَ السيد المرتضى في أجوبة المسائل الَّتِي وَرَدَتْ عليه من بلد الريّ ـ حَيْثُ سألوا عَنْ حقيقة الرجعة ـ: أنَّ شذاذ الإمامية يذهبون إلى أنَّ الرجعة رجوع دولتهم في أيام القائم من دون رجوع أجسامهم.
الجواب: اعلم أنَّ الذي تذهب الشيعة الإمامية إليه أنَّ الله تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان المهدي قوماً، ممن كان قدْ تقدّم موته من شيعته... ـ وسيأتي بقية تفصيل كلامه.(١٢)
ثم قال: إنَّما المعوّل في إثبات الرجعة على إجماع الإمامية على معناها بأنَّ الله تعالى يحيي أمواتاً عند قيام القائم من أوليائه وأعدائه فكيف يطرّق التأويل على ما هو معلوم فالمعنى غير محتمل(١٣).
وفي قول آخر للسيد المرتضى ولا يخالف في صحة رجعة الأموات إلّا ملحد وخارج عن أقوال أهل التوحيد(١٤).
وقال: فالطريق الى اثباتها اجماع الامامية على وقوعها، فانهم لا يختلفون في ذلك وإجماعهم قد بيناه في مواضع من كتبنا أنه حجه، بدخول قول الامام فيه، وما اشتمل على قول المعصوم من الأقوال لابد فيه من كونه صوابا.(١٥)
وقال ايضا في رسائله: اعلم أنَّ الذي تقوله الإمامية في الرجعة لا خلاف بين المسلمين، بلْ بين الموحدين في جوازه، وأنَّه مقدورٌ لله تعالى، وإنَّما الخلاف بينهم في أنَّه يوجد لا محالة أو ليسَ كذلك، ولا يخالف في صحة رجعة الأموات إلّا ملحد وخارج عن أقوال أهل التوحيد؛ لأنَّ الله تعالى قادر على إيجاد الجواهر بعد إعدامها وإذا كان قادراً عليها جاز أنْ يوجدها متى شاء... إلى أنْ قال:
وقد اجتمعت الإمامية على أنَّ الله تعالى عند ظهور القائم صاحب الزمان يُعيدُ قوماً من أولياءه لنصرته والابتهاج بدولته وقوماً من أعدائه يفعل بهم ما يستحق من العذاب.
وإجماع هذهِ الطائفة قدْ بيّنا في غير موضع من كتبنا أنَّه حجة، لأنَّ المعصوم فيهم فيجب القطع على ثبوت الرجعة، مضافاً إلى جوازها في القدرة، وليست الرجعة مما ينافي التكليف ويحيل الإجماع معه، وذلك أنَّ الدواعي مع الرجعة مترددة، والعلم بالله تعالى في تلك الحال لا يكون إلّا مُكتسباً غير ضروري، كما أنَّ العلم به تعالى يكون مكتسباً غير ضروري، والدواعي ثابتة مع تواتر المعجزات وترادف باهر الآيات، أو من هرب من أصحابنا من القول بثبات (بإثبات) التكليف على أهل الرجعة ـ لاعتقاده أنَّ التكليف في تلك الحال لا يصح له القول بالرجعة، إنَّما هي على طريق الثواب وإدخال المسرة على المؤمنين مما يشاء ومن ظهور كلمة الحق ـ فهو غير مصيب، لأنَّه لا خلاف بين أصحابنا في أنَّ الله تعالى ليعيد من سبقت وفاته من المؤمنين لينصروا الإمام(١٦).
٥ ـ الطبرسي: إجماع الشيعة الامامية على الرجعة:
قال الطبرسي في تفسيره مجمع البيان في ذيل قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ)(١٧)، ولأنَّ الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل عليها، وإنَّما المعوَّل في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية وإنْ كانت الأخبار تعضده وتؤيده(١٨).
٦ ـ ابن شهرآشوب:
قال ابن شهر آشوب في (المناقب) عند شرح خطبة أمير المؤمنين عليه السلام المعروفة حيث يقول فيها: (وبي وعلى يدي تقوم الساعة)، ونقل شرح الامام الباقر عليه السلام لتلك الخطبة وبالتحديد هذا المقطع يعني الرجعة قبل القيامة ينصر الله في ذريتي المؤمنين(١٩).
٧ ـ ابن طاووس: الرجعة قدرة إعجازية
للنبي على إحياء الموتى:
قال ابن طاووس في سعد السعود: والرجعة التي تعتقدها علماؤنا أهل البيت وشيعتهم تكون من جملة آيات النبي ومعجزاته، ولأي حال يكون منزلته عند الجمهور دون موسى وعيسى ودانيال، وقد أحيى الله جلّ جلاله على أيديهم أمواتاً كثيرة بغير خلاف عند العلماء بهذهِ الأمور(٢٠).
٨ ـ الحر العاملي:
وجوب الإقرار بها كل يَوُم:
قال الحر في سياق ـ أنّ الرجعة اعتقاد يجب الاقرار به كل يوم وفي كل عبادة كالتوحيد والنبوة والمعاد. قال في معرض الاستدلال على الرجعة ـ «إنّا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة وكل وقت كما أنا مأمورون بالإقرار في كثيرمن الأوقات بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة، وكلما كان كذلك فهو حق والصغرى ثابتة بالنقل المتواتر الآتي والكبرى بديهية فالرجعة حق»(٢١).
وقال أيضاً:
الرابع: إجماع جميع الشيعة الإمامية وإطباق الطائفة الاثنا عشرية على اعتقاد صحة الرجعة، فلا يظهر منهم مخالف يُعتّد به من العلماء السابقين ولا اللاحقين، وقد عُلم دخول المعصوم في هذا الإجماع بورود الأحاديث المتواترة عن النبي والأئمة الدالّة على اعتقادهم بصحة الرجعة حتّى أنَّه قدْ ورد ذلك عن صاحب الزمان مُحمَّد بن الحسن المهدي عجل الله فرجه في التوقيعات الواردة عنه وغيرها مع قلة ما ورد عنه في مثل ذلك بالنسبة إلى ما ورد عن آبائه)(٢٢).
ثم ذكر أقوال بقية العلماء المتقدمين المصرحة بالإجماع كالطبرسي والصدوق، وقال: ومما يدلُّ على ثبوت الإجماع اتفاقهم على رواية أحاديث الرجعة حتّى أنَّهم لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب الشيعة، ولا تراهم يضعّفون حديثاً واحداً منها، ولا يتعرضون لتأويل شيء منها، فَعلم أنَّهم يعتقدون مضمونها، لأنهم يضعفون كل حديث يخالف اعتقادهم أو يصرحون بتأويله وصرفه عن ظاهره، وهذا معلوم بالتتبع لكتبهم(٢٣).
الرجعة من ضروريات مذهب الإمامية:
وقال الحر العاملي في ضمن الأدلة على الرجعة:
الخامس: الضرورة، فإنَّ ثبوت الرجعة من ضروريات مذهب الإمامية عند جميع العلماء المعروفين والمصنفين المشهورين، بلْ يعلم العامة أنَّ ذلك من مذهب الشيعة، فلا ترى أحداً يُعرف اسمه ويعلم له تصنيف من الإمامية يصرح بإنكار الرجعة، ولا تأويلها، ومعلوم أنَّ الضروري والنظري يختلف عند الناظرين، فقد يكون الحكم ضرورياً عند قوم نظرياً عند آخرين، والذي يُعلم بالتتبع أنَّ صحة الرجعة أمرٌ محقق معلوم مفروغ منه مقطوع به ضروري عند أكثر علماء الإمامية أو الجميع، حتّى لقد صنّفت الإمامية كتباً كثيرة في إثبات الرجعة كما صنفوا في إثبات المتعة وإثبات الإمامة وغير ذلك، ولا يحضرني أسماء جميع تلك الكتب، وأنا أذكر ما حضرني من ذلك».
ثم ذكر جملة ممن ألَّفوا في الرجعة(٢٤).
ثم قال بعدما رووا من قصة مؤمن الطاق مع أبي حنيفة: «وهذا كما ترى أيضاً يدلُّ على أنَّ القول بالرجعة أمرٌ معلوم من مذهب الإمامية يعرفه المؤالف والمخالف، وهذا معنى ضروري المذهب، وهذا أعلى مرتبة من الإجماع، فيه دلالة واضحة على بطلان تأويل الرجعة برجوع الدولة وقت خروج المهدي عجل الله فرجه.
ثم قال: ومما يدلُّ على أنَّ صحة الرجعة قدْ صارت ضرورية عند كل من تتبع الأحاديث: أنك لا تجد في الضروريات ـ كوجوب الصلاة وتحريم الزنا ـ أكثر من الأحاديث الدالة على صحة الرجعة، ومما يدلُّ على ذلك أنَّ العامة قدْ نقلوا في كتبهم عن الإمامية أنَّهم قائلون بالرجعة وأنكروا عليهم ذلك، فمنهم الرازي والنيشابوري والزمخشري والشهرستاني وابن أبي الحديد وغيرهم، فقد ذكروا أنَّ الشيعة تعتقد صحة الرجعة، وأنكروا عليهم ذلك وهو دالّ على صحتها، وأنها من خواص الشيعة وضروريات مذهبهم». ثم نقل عن بعضهم ذلك.
أقول: إن الحر العاملي أدقّ في توصيفه لموقعية الرجعة في الاعتقاد من تعبير المجلسي، رغم أنَّ المجلسي فحل الفحول في الكلام، لكن الحر اعتمد اللغة العقلية والكلامية الممزوجة بالحكمة في قرائته لروايات الرجعة وتأطير وقولبة نتائجها، وكلامه مملوء بالاحتمالات العقلية الحكمية.
والرجعة باب مُهمل، حتّى الذي اشتغل به كان اشتغاله سطحياً.
وامتاز الحر العاملي ببصيرة في المعارف عن المجلسي في خصوص الرجعة، وانجازه (الإيقاظ) كان أعظم من عمله في (الوسائل)، حيث ينمُّ تحقيقه في الرجعة عن غور معرفي، ونظر ثاقب في أبواب المعارف والعوالم.
٩ ـ المجلسي: تواتر روايات الرجعة
تصريح المجلسي والحر بأنَّ ما روياه هو بعض روايات الرجعة:
وقال المجلسي في البحار ـ بعد نقله لكلام العامة والخاصة ـ (ولولا مخافة التطويل من غير طائل لأوردت كثيراً من كلماتهم في ذلك، وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار فيما تواتر في قريب من مئتين حديث صريح رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم....إلى أنْ قال: وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً ففي أي شيء يمكن دعوى التواتر مع ما روته كافة الشيعة خلفاً عن سلف»(٢٥).
أقول: سيأتي في فصل الرجعة في تراث أهل البيت: أنَّ مقدار روايات الرجعة يزيد تعداده عن ألف رواية، بل لو أُحصي مع ذلك كل زيارة ودعاء وورد مأثور عنهم عليهم السلام تضمن أحد ألفاظ الرجعة ومرادفاتها لبلغ العدد الآلاف، هذا فضلاً عن رواية العامة والجمهور تعداداً كبيراً من روايات فصول الرجعة ـ ليست بلفظ الرجعة ـ وهم لا يشعرون أنها منها ـ.
والظاهر أن تقدير المجلسي قدس سره لعدد روايات الرجعة بالمائتين إما إشارة إلى السقف الأدنى من تعداد الأحاديث، وأن هناك عددا زائداً منها على هذا العدد، وإما أنه إلى خصوص الأحاديث الواردة في الرجعة المتعرضة لتفاصيلها وذات الدلالة بدرجة الظهور البين.
ولكن الصحيح أنَّ هناك من الصريح ما يزيد على هذا العدد أضعافا كثيرا، كما سيأتيـ والعذر للمجلسي سنذكر سببهـ كيف وهو يصرّح فيما سيأتي من كلامه بعدم روايته كلما وجده من روايات الرجعة، وذلك لعدم وقوفه على معرفة أسماء مؤلفي كتب تلك الأحاديث القديمة، وهذا نظير تصريح الحر العاملي فيما سيأتي من كلامه بأنه لم يروي كلما وجده من روايات الرجعة في الكتب لعدة أسباب:
منها: عدم تحمّل العقول لثقل ما فيها من معارف
قال المجلسي قدس سره: اعلم يا أخي أني لا أظنك ترتاب بعد ما مهّدت وأوضحت لك في القول بالرجعة التي أجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار، واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار، حتّى نظموها في أشعارهم، واحتجوا بها على المخالفين في جميع أمصارهم، وشنع المخالفون عليهم في ذلك، وأثبتوه في كتبهم وأسفارهم، منهم الرازيّ والنيسابوريُّ وغيرهما، وقد مرَّ كلام ابن أبي الحديد حيث أوضح مذهب الإمامية في ذلك، ولولا مخافة التطويل من غير طائل لأوردت كثيراً من كلماتهم في ذلك. وكيف يشك مؤمن بحقيّة الأئمة الأطهار عليهم السلام فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح، رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم كثقة الإسلام الكليني، والصدوق مُحمَّد ابن بابويه، والشيخ أبي جعفر الطوسي، والسيد المرتضى، والنجاشي، والكشي، والعياشي، وعليّ بن إبراهيم، وسليم الهلالي، والشيخ المفيد، والكراجكي، والنعماني، والصفار، وسعد بن عبدالله، وابن قولويه، وعليّ بن عبدالحميد، والسيد عليّ بن طاووس، وولده صاحب كتاب زوائد الفوائد، ومحمد بن علي بن إبراهيم، وفرات بن إبراهيم، ومؤلف كتاب التنزيل والتحريف، وأبي الفضل الطبرسي، وإبراهيم بن مُحمَّد الثقفي، ومحمد بن العباس بن مروان، والبرقيّ،وابن شهر آشوب، والحسن بن سليمان، والقطب الراوندي، والعلامة الحلّي والسيد بهاء الدين علي بن عبدالكريم، وأحمد بن داود بن سعيد، والحسن بن علي بن أبي حمزة، والفضل بن شاذان، والشيخ الشهيد مُحمَّد بن مكّي، والحسين بن حمدان، والحسن بن مُحمَّد بن جمهور العمّي مؤلِّف كتاب الواحدة، والحسن ابن محبوب، وجعفر بن مُحمَّد بن مالك الكوفي، وطهر بن عبدالله، وشاذان بن جبرئيل، صاحب كتاب الفضائل، ومؤلف كتاب العتيق، ومؤلف كتاب الخطب... وغيرهم من مؤلفي الكتب التي عندنا، ولم نعرف مؤلّفه على التعيين؛ ولذا لم ننسب الاخبار إليهم، وإنْ كان بعضها موجوداً فيها.
وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً ففي أيّ شيء يمكن دعوى التواتر، مع ما روته كافَّة الشيعة خلفاً عن سلف.
وظني أنَّ من يشك في أمثالها فهو شاكٌّ في أئمة الدِّين... ولا يمكنه إظهار ذلك من بين المؤمنين، فيحتال في تخريب الملّة القويمة بإلقاء ما يتسارع إليه عقول المستضعفين وتشكيكات الملحدين (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَالله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون)، ولنذكر لمزيد التشييد والتأكيد أسماء بعض من تعرَّض لتأسيس هذا المدَّعى وصنّف فيه أو احتجَّ على المنكرين أو خاصم المخالفين سوى ما ظهر ممّا قدّمنا في ضمن الأخبار والله الموفق.
فمنهم: أحمد بن داود بن سعيد الجرجانيُّ، قال الشيخ في الفهرست: له كتاب المتعة والرجعة.
ومنهم: الحسن بن علي بن ابي حمزة البطائني، وعدّ النجاشي من جملة كتبه كتاب الرجعة.
ومنهم: الفضل بن شاذان النيسابوريُّ، ذكر الشيخ في الفهرست والنجاشي أنَّ له كتاباً في إثبات الرجعة.
ومنهم: الصدوق مُحمَّد بن علي بن بابويه، فإنَّه عدّ النجاشي من كتبه كتاب الرجعة.
ومنهم: مُحمَّد بن مسعود العياشي ذكر الشيخ والنجاشي في الفهرست كتابه في الرجعة.
ومنهم: الحسن بن سليمان على ما ورينا عنه الأخبار.
وأمَّا سائر الأصحاب فإنَّهم ذكروها فيما صنّفوا في الغيبة، ولم يفردوا لها رسالة، وأكثر أصحاب الكتب من أصحابنا أفردوا كتاباً في الغيبة.
وقد عرفت سابقاً من روى ذلك من عظماء الأصحاب وأكابر المحدثين الذين ليسَ في جلالتهم شك ولا ارتياب.
وقال العلامة قدس سره في خلاصة الرجال في ترجمة ميسر بن عبدالعزيز، وقال العقيقي: أثنى عليه آل مُحمَّد، وهو ممن يجاهد في الرجعة انتهى(٢٦).
وقال الحر في كتابه (الإيقاظ) أن الأخبار بها متواترة، والأدلة العقلية والنقلية على إمكانها ووقوعها كثيرة متظاهرة، وقد نقل جماعة من علمائنا إجماع الإمامية على اعتقاد صحتها وإطباق الشيعة الاثنا عشرية على نقل أحاديثها ورواياتها(٢٧).
ثم قال إنَّ الذي وصل إلينا في هذا المعنى قدْ تجاوز حدّ التواتر المعنوي(٢٨) وأوجب لأهل التسليم العلم القطعي اليقيني.
١٠ ـ الحكيم الملا صدرا.. الرجعة من القرآن والنصوص... ومتواترة، وعليها ضرورة المذهب
قد قال في شرحه لأصول الكافي تحت عنوان «.. تطبيق الدين الإلهي الذي جاء به خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم على الأرض كلها وقهر سائر الأديان» قال ـ بعد أنْ أشار إلى دولة الإمام المهدي عجل الله فرجه وقد بقى هنا بحث آخر يتصل بالإبلاغ، وتطبيق الدين وهو مسألة الرجعة التي استفيدت من القرآن، ودلَّت عليها نصوص كثيرة، وإذا لوحظ معناها المشترك كانت متواترة، وقد ادعي عليها الإجماع بل ضرورة المذهب...أحاديث متضافرة تتناول مسألة الرجعة، هذا بلحاظ أصل الرجعة. وأمَّا بلحاظ جزئيات وخصوصيات غير متفق عليها عند أصحابنا فليس يهمّنا هنا ما قيل لها أوعليها، إنَّما المهم الإيمان بما جاء به رسل الله من دون أنْ نحتلّ له وجهاً من عندنا ولا ريب بلحاظ الأحاديث في أصل رجعة الأئمة عليهم السلام وبعض الأنبياء وعدد من الناس، بلْ قدْ علم رجعة عدد ممّن محض الإيمان وعدد ممّن محض الكفر، والعقل قدْ أذعن مسبقاً بأنَّ الحق هو ما قاله الله وأبلغه رسله وحججه عليهم السلام وإنْ افترض أنَّه لا يملك بالفعل ما يدلّل عليه تدليلاً عقلياً فلسفياً لا بأس به، لكنّ الافتراض غير مطابق الواقع إذْ نملك ما يبرهن على الرجعة هذا إشارة إلى أنَّ ذلك موجود في عقل أشرف من عقولنا وأكمل وهو أصل العقول وهو على حساب ظواهر العلم الكلي، وساق دليلاً عقلياً على الرجعة سيأتي نقله في الأدلة العقلية(٢٩).
أقول: يستفاد من كلامه عدة نقاط منهجية في بحوث المعارف:
١ ـ أنَّ أصل الرجعة لا يُدانيها ريب بلحاظ الأحاديث الواردة وبلحاظ وقوعها.
٢ ـ أنَّ الحق فيما أبلغه الوحي وإنْ لم يتمكن العقل المحدود الجزئي لنا من إدراكه والدلالة عليه عقلاً بلْ ورود الوحي به كاشف عن ادراكه بالعقل الكلي الكامل الأشرف الذي هو أصل العقول.
٣ ـ أنه لا يسوغ التأويل الاقتراحي لظواهر أدلة النقل للوحي بمجرد عدم ادراك وتصور عقولنا لحقيقة مفاد تلك الأدلة فضلا عن مجرد الاستبعاد البادي في قصور العقول.
الحكيم الملا صدرا:.... حقّيّة مذهب الرجعة بالروايات المتظافرة، والنقل الصحيح القطعي
قال في تفسير سورة يس: وقد صح عندنا بالروايات المتظافرة عن أئمتنا وسادتنا من أهل بيت النبوة آل مُحمَّد عليه وعليهم السلام والعقل أيضاً لا يمنعه لوقوع مثله كثيراً من إحياء الموتى بإذن الله بيد أنبيائه كعيسى وشمعون وغيرهما على نبينا وآله وعليه السلام(٣٠).
وقد قال في رد مقالة الزمخشري في الكشّاف ـ عند استدلاله بالآية في رد القول بالرجعة واستدلاله بالرواية المروية عن ابن عباس في تكذيب الرجعة ـ فمدفوع بأنَّه مجرد حكاية غير معلومة الصحة، وعلى تقدير صحة الرواية عنه فالمروي ممنوع، فإنَّ المتبع في الاعتقادات إمَّا البرهان وإمّا النقل الصحيح القطعي عن أهل العصمة والولاية عليهم السلام.
الحكيم ملا صدرا ودلالة الأدلة على صحة الرجعة:
قال في شرح أصول الكافي في ذيل حديث عن رجعة الحسين عليه السلام إلى الدنيا(٣١) في شرح قول الإمام الصادق عليه السلام «حتّى تروه: أي الحسين وقد خرج» دلَّ على الرجعة، وممّا دلَّ عليها ما رواه المصنف في كتاب الروضة بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) قال: أنَّه يخرج الحسين عليه السلام في سبعين من أصحابه، عليهم البيض المذهب، لكل بيضة وجهان المؤدون إلى الناس أنَّ هذا الحسين عليه السلام قدْ خرج حتّى لا يشك المؤمنون فيه، وأنَّه ليسَ بدجال ولا شيطان والحجة القائمة بين أظهرهم(٣٢).
١١ ـ الطريحي:
وقال الشيخ فخر الدين الطريحي في مجمع البحرين الرجعة بالفتح هي الكرة بعد الموت بعد ظهور المهدي عجل الله فرجه وهي من ضروريات مذهب الإمامية، وعليها من الشواهد القرآنية، وأحاديث أهل البيت عليهم السلام ما هو أشهر من أنْ يذكر، حتّى أنَّه ورد عنهم عليهم السلام من لم يؤمن برجعتنا ولم يقرُّ بمتعتنا فليس منّا(٣٣).
١٢ـ الفيض الكاشاني:
وتقرير كلام المتقدمين في ضرورة الرجعة:
فقد نقل في كتاب علم اليقين في أصول الدين كلام الطبرسي في مجمع البيان الذي تقدّم نقله المتضمن لضرورة الرجعة عند الإمامية، وأنَّ رواياتها لا تقبل التأويل، ثم نقل كلام علي بن إبراهيم في تفسيره حول الرجعة وما استدل به، ثم نقل كلام الصدوق في الاعتقادات وقد أطال في نقل كلمات الأعلام الثلاثة(٣٤).
١٣ ـ المولى مُحمَّد صالح المازندراني:
قال في ذيل حديث في أصول الكافي وارد في الرجعة المتضمن لشرح قوله تعالى: (وَأَقْسَمُواْ بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ) حيث بين الحديث أنَّ هذا القول المنكر للبعث بعث الرجعة لا بعث القيامة، وأنَّ قوماً من المخالفين يقولون في دولة الإمام المهدي عجل الله فرجه: يا معشر الشيعة ما أكذبكم هذهِ دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب نسبوا الكذب إلى الشيعة في هذا القول... إلى أنَّ قال:
وأنت خبير بأنَّ قولهم بإبطال الرجعة باطل، إذْ لا دليل لهم عقلاً ونقلاً على بطلانه مع دلالة الآيات والروايات على وقوعها في هذهِ الأمة وفي الأمم السابقة كما في حكاية عُزير وموسى وعيسى عليهم السلام، ومن البين أنَّ الحكم بعدم وجود شيء لا يستحيل وجوده عقلاً باعتبار عدم وجدان الدليل على وجوده باطل، فكيف إذا وجد الدليل عليه! وأمَّا عدم احتياج هذهِ الدولة القاهرة إلى الاستعانة بالموتى فممنوع، وعلى تقدير التسليم يجوز أنْ يكون فائدة الرجوع إدخال السرور فيهم وتشفّى صدورهم من مشاهدة نكال الأعداء واكتسابهم الأجر مرتين(٣٥).
١٤ ـ الشهيد الثالث القاضي التستري الرجعة أصل عند الشيعة ثابت بالكتاب والسنة
قال في إحقاق الحق في معرض ردّه على الناصبي: بلْ الحق ما أجراه الله تعالى على لسان ناصر الشيعة مع كونه من المخالفين، لأنَّ الإتيان والانتقام بعد عصر الصحابة والتابعين المرتدّين، إنَّما ينافي مدلول الآية لو لم يحظر هناك أحد منهم، ولكن قدْ تقرر عند الشيعة ـ بناء على أصل الرجعة الثابت بالكتاب والسنة ـ أنَّه يرجع إلى الدنيا عند ظهور المهدي عجل الله فرجه جماعة من هؤلاء الصحابة المرتدين فيأتيهم المهدي عجل الله فرجه وينتقم منهم أشد الانتقام»(٣٦).
١٥ ـ السيد عبدالله شبّر
قال في شرح الزيارة الجامعة: وقد تظافرت الأخبار وتواترت الآثار وأجمعت الشيعة الأبرار على الرجعة في الجملة، وأنهم يرجعون إلى الدنيا في زمان المهدي عجل الله فرجه جماعة من خُلّص المؤمنين وأشقياء المخالفين، وقد أنكر المخالفون ذلك علينا أشد إنكار، وشنّعوا بذلك علينا مع أنَّ الآيات القرآنية ناطقة بذلك.
فقد ذكر الله تعالى رجعة عزير وأصحاب الكهف والملأ من بني إسرائيل فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)(٣٧).
...إلى أنْ قال بعد استدلاله بجملة من الآيات وأمَّا الأخبار التي وردت من طرقنا فهي قريبة التواتر، بلْ لعلها متواترة، فقد رواها جمع غفير من ثقات علمائنا الأعلام، وجمع كثير من الثقات العظام قريباً من مائتي حديث، منهم الكليني والصدوق والمفيد والطوسي والمرتضى والنجاشي والكشي والعياشي وعلي بن إبراهيم وسليم الهلالي والكراجكي والنعماني والصفار وسعد بن عبدالله وابن قولويه وولده وابن طاووس وفرات بن إبراهيم وأمين الإسلام أبو الفضل الطبرسي وأبو طالب الطبرسي والبرقي وابن شهرآشوب والقطب الراوندي والعلامة والفضل بن شاذان والشهيد الأوَّل وغيرهم، وقد ألَّف جملة من قدماء الأصحاب فيها رسائل وكتباً كأحمد بن داود بن سعيد الجرجاني، قال الشيخ في الفهرست له كتاب المتعة والرجعة، والحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني عدّ النجاشي من جملة كتبه كتاب الرجعة. والفضل بن شاذان النيشابوري ذكر الشيخ في الفهرست والنجاشي أنَّ له كتاباً إلى أنْ قال بعد ذكر جملة من كتب الأصحاب، وذكر جملة من الروايات الواردة في الرجعة، وكذلك ذكر جملة من شبهات المخالفين والإجابة عنها(٣٨).
وقال في حق اليقين في معرفة أصول الدين: اعلم أنَّ ثبوت الرجعة مما اجمعت عليه الشيعة والفرقة المحقة، بل هي من ضروريات مذهبهم، والأحاديث النبوية الدالة على الرجعة فهي كثيرة حتى ادعي تواترها(٣٩).
١٦ ـ أحمد الإحسائي: كفر منكر الرجعة دون الجاهل بها
قال في كتابه الرجعة: (فالإيمان بها مكمل للإيمان، والجهل بها غير ناقض للإسلام وإنَّما الإشكال في إسلام منكرها بعدما تبين له الهدى.
ولو لم يقل بها شخص لعدم ظهور الدليل له، ومن شأنه الإيمان بملوك الرجعة والرد إليهم والتسليم لهم فإنَّ ذلك لا يكفّره، وأمَّا من أنكرها بعد ظهور الدليل فالقرآن ناطق بكفره، وذلك في قوله تعالى: (وَأَقْسَمُواْ بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِين)(٤٠)(٤١).
١٧ ـ الشيخ جعفر كاشف الغطاء
قال في كشف الغطاء: «وثبوت الخلافة لا يتوقف على بسط اليد كما أنَّ النبوة والرسالة كذلك، وعلى تقدير التوقف فحملها على الرجعة موافق لرأينا، فإنَّ طائفة منّا حكموا بثبوت الرجعة للجميع في نهاية الاستدلال»(٤٢).
أقول: (قوله طائفة منّا) تخصيصه لطائفة دون الجميع منا إنما هو بلحاظ كون الرجعة للجميع في مقابل مشهور الشيعة القائلين بأن الرجعة خاصة وليست بعامة، وهذا تصريح بوجود القائل من علماء الامامية بعموم الرجعة للجميع.
١٨ ـ ملا أحمد النراقي: الرجعة عند الشيعة:
قال في كتابه (منهاج الوصول في تفسير آيات الأصول) يعني بها الأصول الخمسة الدينية كما ذكر ذلك أغا بزرگ الطهراني في ترجمته عن كتابه فقال في أوَّل الخاتمة (إنَّ النفوس بعد معرفة آيات الأحكام والأصول ترى نفسها ناقصة وتميل إلى الحركة نحو السعادة والتكميل) فيستفيد من العقول الأربعة عشر في الخاتمة، وفي آخر الباب الرابع عشر خاض في إثبات الرجعة عند الشيعة مفصلا(٤٣).
١٩ ـ ميرزا حبيب الله الرشتي: منكر الرجعة كافر مع التقصير:
قال ميرزا حبيب الله الرشتي في كتابه (كاشف الظلام في حل معضلات الكلام في أصول الدين) باللغة الفارسية ـ كَمَا ذكر ذلك عنه المحقق أغابزرگ الطهراني في الذريعة(٤٤) ـ ومما ذكره في أواخر الكتاب قبل الخاتمة: أنَّ منكر الرجعة كافرٌ مع التقصير، والاعتقاد به كالاعتقاد بعصمة الصديقة الطاهرة عليها السلام ومنكرهما سواء في إنكار الضروري.
٢٠ ـ الجنوباذي: الرجعة كالضروري في هذهِ الأمَّة:
وقال السلطان الجنوباذي في تفسيره بيان السعادات في ذيل قوله تعالى ـ عندما ارجع قوم بني إسرائيل الذين طالبوا أنْ يروا الله جهرة فأماتهم الله صعقة ـ في قوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) (ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ).
(هذه) إشارة إلى أنَّ البعثة كانت عن موت لا عن إغماء، وهذهِ الآية تدلُّ على جواز الرجعة وصارت كالضروري في هذهِ الأمّة، وقد احتج أمير المؤمنين عليه السلام بها على ابن الكواء في إنكاره الرجعة(٤٥).
٢١ ـ العلامة الطباطبائي: الرجعة متواترة تزيد على خمسمائة رواية
قال في الميزان حول الرجعة: أنَّ الروايات متواترة معنىً عن أئمة أهل البيت عليهم السلام حتّى عُدّ القول بالرجعة عند المخالفين من مختصات الشيعة وأئمتهم من لدن الصدر الأوَّل، والتواتر لا يبطل بقبول آحاد الروايات للخدشة والمناقشة على أنَّ عدة من الآيات النازلة فيها والروايات الواردة فيها تامّة الدلالة قابلة الاعتماد.
وقال: فإذا تصفحت وجدت شيئاً كثيراً من الآيات وردت تفسيرها عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تارة بالقيامة وأُخرى بالرجعة وثالثة بالظهور وليسَ ذلك إلّا لوحدة وسنخية بين هذهِ المعاني، والناس لمّا لم يبحثوا عن حقيقة يوم القيامة، ولم يستفرغوا الوسع في الكشف عما يعطيه القرآن من هوية هذا اليوم العظيم تفرقوا في أمر هذهِ الروايات، فمنهم من طرحها وهي مئات وربما زادت على خمسمائة رواية في أبواب متفرقة، ومنهم من أوّلها على ظهورها وصراحتها (ومنهم وهم أمثل طريقة) من ينقلها ويقف عليها من غير بحث.
وغير الشيعة وهم عامة المسلمين وإنْ أذعنوا بظهور المهدي ورووه بطرق متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكنهم أنكروا الرجعة، وعدّوا القول بها من مختصات الشيعة، وربما لحق بهم في هذهِ الأعصار بعض المنتسبين إلى الشيعة، وعدّ ذلك من الدسّ الذي عمله اليهود وبعض المتظاهرين بالإسلام كعبدالله بن سبأ وأصحابه... على أنَّ هذهِ القضايا التي أخبرنا بها أئمة أهل البيت عليهم السلام من الملاحم المتعلقة بآخر الزمان، وقد أثبتها النقلة والرواة في كتب محفوظة النسخ عندنا سابقة تأليفا وكتابة على الوقوع بقرون وأزمنة طويلة نشاهد كل يوم صدق شطرٍ منها من غير زيادة ونقيصة فلنحقق صحة جميعها وجميع مضامينها(٤٦).
أقول ويستفاد من كلامه عِدَّة نقاط:
١ـ تواتر أخبار الرجعة.
٢ـ بداهة ضرورة الرجعة واختصاصها بمذهب الشيعة عند عامة المسلمين.
٣ـ إنَّ إنكار الرجعة يخرج من مذهب الإيمان، وإنَّما يكون المنكر رغم إقراره بمذهب الحق منتحلاً للانتساب إلى التشيع.
 ٤ـ إنَّ روايات الرجعة والملاحم ليست متواترة فقط، بل متطابقة مع البراهين العقلية التي أشارة إليها آيات وروايات القيامة والظهور.
٥ـ أن روايات الرجعة ليست متواترة فقط، بل هي ملحمة علمية إعجازية.
٦ـ حكمه بتحقق صحة جميع روايات الرجعة صدورا بالأدلة السابقة، وهي نتائج بالغة المداقة، بلْ صحة جميع مضامينها لتطابقه مع البراهين العقلية في القرآن، وهذه نتائج لم يسبقه اليها أحد من الأعلام.
٢٢ ـ الشيخ كاشف الغطاء مُحمَّد حسين... الرجعة ضرورة في المذهب
قال الشيخ مُحمَّد حسين كاشف الغطاء في معرض ردّه على الكاتب الناصبي المدعو بأحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) عند تشنيعه على الشيعة بقولهم بالرجعة: إنَّ الرجعة وإنْ كانت ضرورية في مذهب الشيعة إلّا أنَّها ليست أصلاً من أصولهم نظير الشهادات الثلاث، وهي الشهادة بالتوحيد، والشهادة بالرسالة والشهادة بالإمامة، مما يتوقف أصل الدخول في الإيمان عليها لتكون ركناً من أركان مذهب الشيعة نظير ركنية الشهادات الثلاث.
قال في معرض ذلك: فليت شعري هل القول بالرجعة أصل من أصول الشيعة، وركن من أركان مذهبها حتّى يكون نبزا عليها....
وليسَ التدين بالرجعة في مذهب التشيع بلازم ولا إنكارها بضار، وإنْ كانت ضرورية عندهم، ولكن لا يناط التشيع بها وجوداً وعدماً، وليست هي إلّا كبعض أنباء الغيب، وحوادث المستقبل، وأشراط الساعة مثل نزول عيسى من السماء(٤٧). أنتهى
الفرق بين أصول الدين... وضرورياته وأسباب الردّة
أقول: إنَّ ما تقدم من كلام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء يقرر فيه ويثبت أنَّ الرجعة ضرورية في مذهب التشيع، ولكن حيث تقرر في أبحاث الفقه، ولاسيما عند المتأخرين أنَّ حكم الضرورة ليسَ هو على حذو حكم الشهادتين، وحكم الشهادات الثلاث التي تسمى تارة بأصول الإسلام، وأصول الإيمان في الاصطلاح، وأُخرى بأركان الإسلام، وأركان الإيمان، وتسمى ثالثة بالأصل والأساس والركن، وبينها وبين الضروري فروق في الأحكام والآثار.
فإنَّ بين هذهِ الأقسام اختلافا مهما، كما أنَّ هناك قسما آخر قدْ وقع الخلط بينه وبين الأقسام السابقة، وهو ما يوجب إنكاره الخروج من الإسلام والإيمان مطلقاً، فقد جُعل المعاد في بعض الكلمات المعاد من أصول الدين بمعنى أساسياته مع أن الفرق فارق بينهما، كما أشار إليه كاشف الغطاء، فإنه وإن كان من أصول الدين لكنه ليس من أساسياته ولا من بوابتيه كالشهادتين، ولنوضح الأقسام وفوارق أحكامها وآثارها اجمالاً:
الأوَّل: أساسيات الدين وأساسيات الإيمان، والمراد بها خصوص الأصول التي يدخل بها الإنسان إلى حظيرة الإسلام، أو يدخل بها إلى بيئة الإيمانَ كالشهادتين أو الشهادات الثلاثة، فهي بوابة أصل الدخول إلى الإسلام، ولا يتمُّ الدخول إلّا بمعرفتها والإقرار بها، وهذا بخلاف الأقسام الآتية فإنها وإن كان بعضها من الأصول إلا أنها ليست مما يتوقف الدخول إلى الإسلام أو الإيمان عليها، وإن كان أصلاً من الأصول.
وهذا حال المعاد والاعتقاد به، فإنه وإن كان أصلا من الأصول وضروريا من الضروريات العظيمة إلا أن الداخل للإسلام لا يطالب أوَّل دخوله بالإقرار به، وكذلك الحال في كثير من الضروريات، فإنها وإن كان يترتب على إنكارها الخروج والردة على تفصيل يأتي، إلّا أنَّ ذلك لا يعني كونها من الأساسيات بمصطلح البوابة للدخول، وهذا معنى زائد على كونها أصلا من الأصول.
فكذلك الحال في الرجعة فإَّنها وإنْ قامت عليها الضرورة إلّا أنَّها ليست من الأساسيات التي يطالب بالإقرار بها الداخل في الإيمان أول دخوله، بل اللازم عليه مجرد الاقرار بالشهادات الثلاث.
الثاني: أصول الدين سواء أصول الإسلام الظاهري أو أصول الدين الواقعي وهو الإيمان، وهي أعم من القسم الأوَّل، أي الأساسيات.
والأصل هو الضروري الذي يوجب انكاره الردّة والخروج عن الإسلام، أو عن الإيمان بخلاف بقية سائر الضروريات عند الفقهاء المتأخرين في هذا العصر.
نعم عند المتقدمين تشترك جميع الضروريات في هذا الأثر فضلاً عن ترتبه على القسم الأوَّل أيضاً، لكن يبقى فرق في الضروريات عندهم أن بعض الضروريات واسعة الدائرة والرقعة والانتشار ولا يتوقف بداهتها على تعلم وتعليم، أو على ارتفاع شبهة بخلاف غيرها.
الثالث: ضروريات الدين سواء الإسلام أو الإيمان، وهي ما قام الدليل القطعي البديهي أو القريب من البداهة عليها، وهي أعم من القسمين الأولين من الأساسيات والأصول.
وهي تنقسم إلى أقسام عديدة بحسب دائرة الضروري، والضرورة إلى عامة وخاصة واخصية، ولكل منها آثار وأحكام تختلف عن الأخرى، كما أن بين المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء اختلاف في أحكامها من جهة انكارها للجهل بها، وفي مورد طرو الشبهة أو غير ذلك من الحالات.
وبذلك يتضح أن نفي كون شيء أساسيا لا يعني نفي كونه أصلا من الأصول، كما أن نفي كون شيء أصلا من الأصول لا يعني نفي كونه ضروريا، لأن نفي الخاص لا يعني نفي العام، بخلاف نفي العام فإنه نفي للخاص أيضا، وقد وقع الخلط في ذلك كثيرا كما وقع الخلط بين الأقسام الثلاثة كثيرا موضوعا وأحكاما وآثارا، والتبس البحث لأجل ذلك.
والتمييز يكون بالتثبت والمداقة الصناعية في الآثار بعد الإلمام بتعدد الأقسام واختلاف الآثار والأحكام في الأدلة وكلمات فحول الأعلام.
ثم أنَّ هناك أقساماً أُخرى من الاعتقادات لها أحكام أُخرى لا يسع المجال لذكرها.
الرَّابِع: القطعيات اليقينية الواجبة الاعتقاد مطلقا، وإنكارها يوجب الضلال وإن لم يوجب الردة.
الخامس: الواجبات القطعية باليقين النظري وهي واجبة الاعتقاد مطلقاً أيضاً.
السَّادِس: الواجبات اليقينية باليقين النظري إلّا أنَّ الاعتقاد بها معلق على العلم بها.
السَّابِع: الواجبات الاعتقادية بالدليل الظني المعتبر ووجوبها معلق على وصول دليلها الظني للمكلف.
ازاحة وهم:
ومن ذلك يظهر أن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ليس ينفي ضرورة الرجعة، وإنما ينفي كونها من أساسيات الإيمان، أي البوابة التي لابدَّ من الإقرار بها لأجل الدخول في الإيمان.
وقال في كتابه (أصل الشيعة وأصولها) تحت عنوان كتب الرجعة عند الشيعة في تتمة كلامه: ثم هل ترى المتهوّسين على الشيعة بحديث الرجعة قديماً وحديثاً عرفوا معنى الرجعة والمراد بها عند من يقول بها من الشيعة، وأي غرابة واستحالة في العقول أنْ سيحيي الله سبحانه جماعة من الناس بعد موتهم، وأي نُكر في هذا بعد إنْ وقع مثله بنص الكتاب الكريم! ألم يسمع المتهوسون قصة بن العجوز التي قصها الله سبحانه بقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)(٤٨) ألم تمر عليهم كريمة قوله تعالى (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا)(٤٩) مع أنَّ في يوم القيامة تحشر جميع الأمم لا فوجا من كل أمة.
وحديث الطعن بالرجعة كان هجيري علماء السنة من العصر الأول إلى هذه العصور، فكان علماء الجرح والتعديل منهم إذا ذكروا بعض العظماء من رواة الشيعة ولم يجدوا مجالا للطعن فيه لوثاقته وورعه وأمانته نبزوه بأنَّه يقول بالرجعة!
فكأنهم يقولون: يعبد صنماً أو يجعل لله شريكاً ونادرة مؤمن الطاق مع أبي حنيفة معروفة(٥٠). انتهى
أقول: يشير قدس سره إلى تقادم معروفية الرجعة كمعلم عقيدي للتشيع منذ العصر الأوَّل إلى درجة أنَّهم بان عن الشيعة والتشيع وظهر بنحو واضح عند علماء السنة آنذاك.
وهذا يُبيِّن درجة قوية وشديدة لضرورة الرجعة في مذهب أهل البيت، وذلك رغم أنَّ ظروف التقية والكتمان آنذاك كانت شديدة لكن لقوة ضرورة الرجعة طفحت إلى درجة واصلة إلى الشيوع والانتشار عند المخالفين فضلاً عن الموالين لاسيما وأنَّ الرجعة كانت رمزاً للبراءة والتبري من أعداء أهل البيت عليهم السلام وأنَّ الرجعة مفادها مشروع إقامة الدول لأهل البيت عليهم السلام وهو مشروع سياسي في أحد أبعاده.
٢٣ ـ المظفر: حقيقة الرجعة نوع من المعاد... الرجعة فعل إعجازي للنبي والوصي
قال المظفر في عقائد الإمامية: تحت عنوان عقيدتنا في الرجعة: أنَّ الذي تذهب إليه الإمامية أخذاً بما جاء عن آل البيت عليهم السلام أنَّ الله تعالى يعيد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعزّ فريقاً ويُذلّ فريقاً، ويُديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين؛ وذلك عند قيام مهدي آل مُحمَّد عليهم أفضل الصلاة والسلام، ولا يرجع إلّا من علت درجته في الإيمان، ومن بلغ الغاية من الفساد ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من الثواب أو العقاب كما حكى تعالى في قرآنه الكريم تمنى هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالارتجاع فنالوا مقت الله أنْ يخرجوا ثالثاً لعلهم يصلحون: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيل)(٥١)، نعم قدْ جاء القرآن الكريم بوقوع الرجعة إلى الدنيا وتظافرت بها الأخبار عن بيت العصمة والإمامية بأجمعها عليه إلّا قليلون منهم تأولوا (أي لم ينكروا) ما ورد في الرجعة بأنَّ معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى آل البيت بظهور الإمام المنتظر عجل الله فرجه من دون رجوع الأشخاص وإحياء الموتى.
والقول بالرجعة يُعدّ عند أهل السنة من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها وكان المؤلفون منهم في رجال الحديث يعدون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الرواي والشناعات عليه والتي تستوجب رفض روايته وطرحها.
ويبدوا أنَّهم يعدونها بمنزلة الشرك والكفر، بلْ أشنع، فكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تُنبز به شيعة الإمامية، ويشنع به عليهم.
 ولا شك في أنَّ هذا من نوع التهويلات التي تتخذها الطوائف الإسلامية فيما غبر ذريعة لطعن بعضها في بعض والدعاية ضده.
ولا نرى في الواقع ما يبرر هذا التهويل، لأنَّ الاعتقاد بالرجعة لا يخدش في عقيدة التوحيد ولا في عقيدة النبوة، بلْ يؤكِّد صحة العقيدتين، إذْ الرجعة دليل القدرة البالغة لله تعالى كالبعث والنشر.
وهي من الأمور الخارقة للعادة التي تصلح أنْ تكون معجزة لنبينا مُحمَّد وآل بيته صلى الله عليه وعليهم وهي عيناً كمعجزة إحياء الموتى التي كانت للمسيح عليه السلام، بلْ أبلغ هنا، لأنَّها بعد أنَّ يصبح الأموات رميماً (... قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم)(٥٢)، أمَّا من طعن في الرجعة باعتبار أنها من التناسخ الباطل، فلأنّه لم يفرّق بين معنى التناسخ وبين المعاد الجسماني، والرجعة من نوع المعاد الجسماني فإنَّ معنى التناسخ: هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر منفصلاً عن الأوَّل، وليسَ كذلك معنى المعاد الجسماني فإنَّ معناه: رجوع نفس البدن الأوَّل بمشخصاته النفسية فكذلك الرجعة، وإذا كانت الرجعة تناسخاً فإنَّ إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام كان تناسخاً، وإذا كانت الرجعة تناسخاً كان البعث والمعاد الجسماني تناسخاً.
إذاً لم يبق إلّا أنْ يناقش في الرجعة من جهتين:
الأولى: أنها مستحيلة الوقوع.
الثانية: كذب الأحاديث الورادة فيها.
وعلى تقدير صحة المناقشتين فإنَّه لا يعتبر الاعتقاد بها بهذهِ الدرجة من الشناعة التي هوّلها خصوم الشيعة، وكم من معتقدات لباقي طوائف المسلمين هي من الأمور المستحيلة أو التي لم يثبت فيها نص صحيح، ولكن لم يُوجب تكفيراً وخروجاً عن الإسلام؛ ولذلك أمثلة كثيرة منها: الاعتقاد بجواز سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عصيانه، ومنها: الاعتقاد بقدم القرآن، ومنها: القول بالوعيد، ومنها: الاعتقاد بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على خليفة من بعده، ثم أنَّ هاتين المناقشتين لا أساس لهما من الصحة.
أما المناقشة الأولى وهي ـ أنَّ الرجعة مستحيلة ـ فقد قلنا أنها من نوع البعث والمعاد الجسماني غير أنها بعث موقوت في الدنيا، والدليل على إمكان البعث دليل على إمكانها ولا سبب لاستغرابها إلّا أنها أمرٌ غير معهود لنا في ما ألفناه في حياتنا الدنيا ولا نعرف من أسبابها أو موانعها ما يقرّبها إلى اعترافنا أو يبعدها، وخيال الإنسان لا يسهل عليه أن يتقبل تصديق ما لم يألفه، وذلك كمن يستغرب البعث فيقول (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم)؟ فيقال له (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم).
نعم في مثل ذلك مما لا دليل عقلي لنا على نفيه أو إثباته أو نتخيل عدم وجود الدليل، يلزمنا الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الإلهي، وقدْ وَرَدَ في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الأموات، كمعجزة عيسى عليه السلام في إحياء الموتى (وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ الله) وكقوله تعالى (أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) والآية المتقدمة (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ...) فإنَّه لا يستقيم معنى هذهِ الآية بغير الرجوع إلى الدنيا بعد الموت، وإنْ تكلَّف بعض المفسرين في تأويلها بما لا يروي الغليل، ولا يحقق معنى الآية)(٥٣).
وأمَّا المناقشة الثانية ـ وهي دعوى أنَّ الحديث فيها موضوعـ فإنَّه لا وجه له، لأنَّ الرجعة من الأمور الضرورية فيما جاء عن آل البيت ع من الأخبار المتواترة.
وبعد هذا أفلا تجب من كاتب شهير يدعي المعرفة مثل أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) إذْ يقول: فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة ! فأنا أقول له على مدّعاه:
فاليهودية أيضاً ظهرت في القرآن بالرجعةـ كما تقدم ذكر القرآن لها في الآيات المتقدمةـ ونزيده فنقول: والحقيقة أنَّه لابدَّ أنَّ تظهر اليهودية والنصرانية في كثير من المعتقدات والأحكام الإسلامية لأنَّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم جاء مصدقاً لما بين يديه من الشرايع السماوية وإنَ نسخ بعض أحكامها، فظهور اليهودية أو النصرانية في بعض المعتقدات الإسلامية ليسَ عيباً في الإسلام على تقدير أنَّ الرجعة من الآراء اليهودية كما يدّعيه هذا الكاتب.
وعلى كل حال فالرجعة ليست من الأصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها، وإنَّما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت عليهم السلام الذين ندين بعصمتهم من الكذب، وهي من الأمور الغيبية التي أخبروا عنها، ولا يمتنع وقوعها(٥٤).
أقول: ويستفاد من كلامه جملة من النقاط
١) إنَّ الرجعة حقيقة من مصاديق هوية المعاد الأكبر، إلا انها معاد اصغر. وهذا ماصرح به جملة من علماء الامامية.
٢) إنَّ الأمر الذي لا دليل عقلي على نفيه ولا على اثباته، وقامت النصوص الدينية على اثباته، يلزم الرضوخ إليها والاقرار به.
٣) إنَّ الرجعة من الضروريات الواردة عن آل البيت عليهم السلام، فضلاً عن دلالة القرآن عليها.
٢٤ ـ ٢٥ ـ وقفة مع السيد الأمين والشيخ مغنية
قال الشيخ مغنية في كتابه (الشيعة في الميزان): إنَّ علماء الإمامية فريقان: فريق يثبت الرجعة، والفريق الآخر ينفي اعادة قوما من الأموات إلى هذه الحياة نفياً باتّاً...، ثم قال ونقل هذا الاختلاف الشيخ الإمامي الثقة أبو علي الطبرسي في مجمع البيان عند تفسير قوله تعالى (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون)(٥٥)، قال استدلَّ بهذهِ الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية.
وأمَّا الذين أنكروا الرجعة فقد قالوا أنَّ الحشر في الآية.....
ومهما يكن فإنَّ غرضنا الأوَّل من نقل كلام الشيخ الطبرسي الإمامي هو التدليل على أنَّ علماء الإمامية لم يتفقوا بكلمة واحدة على القول بالرجعة، وقد اعترف باختلافهم الشيخ أبو زهرة، حيث قال في كتاب (الإمام الصادق حياته وعصره وفقهه): ويظهر أنَّ فكرة الرجعة على هذا الوضع ليست أمراً متفقاً عند إخواننا الاثني عشرية، بلْ فيهم فريق لم يعتقده.
وقال السيد محسن الأمين في كتاب نقض الوشيعة:
الرجعة أمر نقلي إنْ صحّ النقل به لزم اعتقاده وإلّا فلا.
ثم قال الشيخ المُغنية: ولو كانت الرجعة من أصول الدين أو المذهب عند الإمامية لوجب الاعتقاد بها، ولما وقع بينهم اختلاف.
أمَّا الاخبار المروية في الرجعة عن أهل البيت عليهم السلام فهي كالأحاديث في الدجال التي رواها مسلم في صحيحه ورواها أبو داود في سننه، وكالأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أنَّ أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الأموات، أنَّ هذهِ الأحاديث التي رواها السنة في الدجال وعرض أعمال الأحياء على الأموات، وما إلى ذاك تماما كالأخبار التي رواها الشيعة في الرجعة عن أهل البيت عليهم السلام، فمن شاء آمن بها، ومن شاء جحدها، ولا بأس عليه في الحالين، وما أكثر هذا النوع من الأحاديث في كتب الفريقين(٥٦). انتهى.
وفي كلام الشيخ مغنية مواضع من الغفلة والالتباس:
١) أما ما نقله ونسبه إلى الطبرسي في مجمع البيان من أنَّ كلامه يشير إلى عدم ضرورة الرجعة! والحال أنَّه قدْ تقدم في أول كلام الطبرسي في ذيل سورة النمل(٥٧): أنها تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل مُحمَّد عليهم السلام في ذلك، وأنَّ مضمونها لا يشك عاقل أنَّه مقدور لله سبحانه وتعالى، وقد فعل ذلك في الأمم الخالية، ونطق القرآن في ذلك في عِدَّة مواضع مثل قصة عزير وغيره، على ما فسَّرناه في موضعه وصح عن الْنَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه سيقع في هذهِ الأمة ما وقع في الأمم السابقة، وأنَّ جماعة من الإمامية تأولوا ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأوّلوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكليف وليس كذلك. ولم يذكر أنهم انكروا الأخبار الواردة فيها ولم يطرحوها. ثم ردّ عليهم بأن الرجعة لم تثبت بمجرد ظواهر الأخبار لكي يتطرق إليها التأويل، وإنَّما قام عليها إجماع الشيعة الإمامية. فلا يصح التأويل فيها. فما نسب الشيخ مغنية للطبرسي عاري عن المداقة والصحة من أنَّه يقول أنَّ المسألة خلافية واجتهادية.
٢) وأمَّا ما نقله عن السيد محسن الأمين فقد قال نظيره السيد في كتابه (أعيان الشيعة): وأمَّا الرجعة ففيها أخبار، فمن صحت عنده لزمه القول بها، ومن لا فلا(٥٨).
وكلام السيد محسن يناقض ما انتهى إليه الشيخ مُغنية من أنَّ المكلف والباحث في الخيار بين الأخذ بروايات الرجعة وبين تركها وطرحها، وأنها راجعة إلى مشيئة الشخص وتشهيه إنْ شاء آمن بها وإنْ شاء جحد، فهذا تدافع بين موضع ما استشهد به من كلام السيد محسن الأمين وما انتهى إليه من نتيجة.
نعم هناك تدافع في كلام السيد محسن الأمين أيضاً بين ما تقدم وما قاله في موضع ثالث من كتابه أعيان الشيعة(٥٩) في معرض ردّه على (أحمد أمين):
وأمَّا الرجعة فقد بدء قوله (يعني الكاتب أحمد أمين) بأنَّ مُحمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم يرجع... ثم تحول إلى القول بأنَّ علياً عليه السلام يرجع، وفكرة الرجعة أخذها ابن سبأ من اليهودية فعندهم أنَّ النبي إلياس صعد إلى السماء وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في النصرانية في عصورها الأولى.
ونقول سواء كان ابن سبأ أخذ فكرة الرجعة من اليهودية أم من غيرها، فإنَّ صحت الرواية بها كانت كأمر تأريخي لا علاقة له بالعقائد الدينية، وإنْ لم تصح لم يقل أحد بها فليست الرجعة مما يجب اعتقاده أو يضر عدم الاعتقاد به!
وكلام السيد محسن الأمين هذا من غرائب الكلام! وهو الذي أغرى الشيخ مغنية إلى توهم أنَّها من الأمور التاريخية البحتة، مع أنَّه لا يستريب أي باحث في الرجعة أنَّ الرجعة مسألة اعتقادية غاية الأمر تثبتها الشيعة ويجحدها مذهب العامة.
وقد تظافرت الرواية المتواترة عن أهل البيت عليهم السلام بلزوم الإيمان بها على نمط الإيمان بالمعاد، وأنَّها نوع من المعاد الجسماني المصغّر وممهد للبعث الأكبر، بلْ دلَّ على ذلك متظافر الآيات القرآنية وإلى لزوم الإيمان بها كما سيأتي.
بلْ سيأتي أنَّ روايات المخالفين متواترة بجملة من فصول الرجعة كدابة الأرض والعصا والميسم وظهور الآيات وخروج الشمس من مغربها وأشراط الساعة وغيرها مما سيأتي، وهذهِ كلها من مراحل وفصول الرجعة أثبتوا رواياتها في كتبهم مع أنَّهم لا يعلمون بأنَّ مفادها هي الرجعة.
فالعجيب من السيد غفلته عن هذا الكم الهائل من الروايات، والجمّ الكثير من كلمات الأعلام حول الرجعة، والعصمة لأهلها، مع أنَّ الأصحاب قدْ أجابوا بأجوبة محكمة متقنة عن تهريج المخالفين في الرجعة منها كلام الطبرسي في مجمع البيان تحت ذيل قوله تعالى (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً)(٦٠).
وقفة مع رأي السيد الأمين:
قال السيد محسن الأمين في موضع آخر في معرض ردّه على الكاتب (أحمد أمين):(٦١)
اليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة: أنه قلد في ذلك من قبله ممن يريدون التظليل وباطل حملته عليه العداوة وقلة الخوف من الله تعالى.
وقد سئل الشريف المرتضى علم الهدى رضي الله عنه في المسائل التي وردت عليه من الريّ عن حقيقة الرجعة فأجاب بما معناه: أنَّ هناك من يرى فيها أنَّ الله تعالى يُعيد عند ظهور المهدي قوماً ممن كان تقدم موته، وأنَّ غيرهم يرى أنَّ المقصود رجوع الدولة والأمر والنهي من دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات انتهى ـ أي كلام المرتضى ـ ثم قال:
فظهر من ذلك أنَّ القول بالرجعة ليسَ اتفاقياً عند الشيعة بنص السيد المرتضى وليسَ معناها متفقاً عليه عندهم ولا يأثم منكرها الذي لم تثبت عنده وإنَّما هي شبه أمر تاريخي وحادث من حوادث المستقبل فمن صحت أخبارها عنده لم يسعه إنكارها ولم يكن في اعتقادها ضررٌ ديني، ومن لم يرَ أخبارها أو لم تصح عنده فهو في سعة من عدم الاعتقاد بها هذهِ هي الرجعة التي يطبل القوم بها ويزمّرون. انتهى.
وفي كلامه جملة من الغفلات الخطيرة وإنْ كان هو قدس سره في صدد الجواب عن تهريج الكاتب أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) إلّا أنَّ الردّ عليه لا ينجح فيه الابتعاد عن حقائق المذهب فإنَّه هناك أجوبة شافية وافية محكمة متقنة قدْ اعتمدها الأصحاب منذ زمن بعيد كالصدوق والمفيد ومن بعدهم من أعلام وزعماء الطائفة.
ومن هذهِ الغفلات:
١) أنَّه قدس سره لم يتحرى ولم يتثبت بدقة كلام السيد المرتضى، فتوهّم من عبارة السيد المرتضى أنَّه يرى أنَّ المسألة خلافية، وهذا بعيد عن الحقيقة تماماً، والحال أنَّ اللازم عليه أن يراجع كلام السيد المرتضى في مواضع عِدَّة كي يَلمّ بحقيقة رؤية السيد في هذهِ المسألة والباب، فإنَّ السيد المرتضى (في أجوبة مسائل الري) التي أشار إليها السيد محسن الأمين أشار إلى أنَّ من تأول الرجعة برجوع الدولة هم شذّاذ من الإمامية، فوصفهم بهذا الوصف، بلْ قال المرتضى في موضع آخر: ولا يخالف في صحة رجعة الأموات إلّا ملحد وخارج عن أقوال أهل التوحيد.
كما ذكر السيد المرتضى في موضع ثالث أنَّ الطريق إلى إثبات الرجعة إجماع الإمامية على وقوعها، فإنَّهم لا يختلفون في ذلك...
وغيرها من العبارات التي نقلناها عنه سابقاً تحت رقم (٤) من أقوال العلماء حيث يرفض فيها تأويل الروايات.
 فبعد كل هذا كيف يستظهر السيد الأمين وينسب إلى السيد المرتضى ذلك، ويزعم بأنَّ القول بالرجعة ليسَ اتفاقياً عند السيد المرتضى! مع أنه يرى أنَّ منكر صحة الرجعة ملحد يخرج عن الإسلام لا عن الإيمان فقط.
٢) توهمه أنَّ المسألة تاريخية بحتة مع أنَّ الرجعة كما مرَّ في جملة من الكلمات هي نوع من المعاد، أي يتمُّ فيها المداينة من الظالمين لأئمة الحق المستضعفين، ويتم فيها بعث الأموات وإحياءهم، وهي قدرة إلهية عظيمة من نمط البعث في المعاد الأكبر، فكيف لا يكون ما هو من شأن وشؤون المعاد أمراً اعتقادياً!
٣) أنَّه تكرر في عبارته إيهام أنَّ ما ورد في الرجعة مجموعة وعيّنة من الأخبار قدْ تكون صحيحة لدى باحث حسب رؤيته في مسائل علم الرجال والحديث، وقد لا تصح عند آخر، والحال أنَّ عدد روايات الرجعة كما سيأتي فاق حدّ التواتر، بلْ إنَّ تواتر رواياتها ليسَ فقط عند الشيعة، بلْ هو كذلك في روايات العامة، ولكنَّها ليست بعنوان ولفظ الرجعة في رواياتهم، كما سيأتي، بلْ بعناوين وألفاظ فصول الرجعة والمراحل الخطيرة فيها، فأثبتوا رواياتها في مصادرهم وهم لا يعلمون أن مفادها من فصول ومراحل الرجعة.
وَقَدْ مرَّ كلام الشريف المرتضى في رسائله: «ولا يخالف في صحة رجعة الأموات إلّا ملحد وخارج عن أقوال أهل التوحيد»(٦٢).
وقد صرَّح الحر في موضعين في أوائل كتابه (الايقاظ) أنه رغم جمعه لستمائة ونيف حديث في الرجعة إلا أنه اعرض عن أحاديث كثيرة وجدها في الرجعة لأسباب عديدة منها: عدم تحمل العقول المبتدأة مضامينها الصعبة الفهم على الخيال البشري، كما أشار الى ذلك كل من العلامة الطباطبائي والمظفر.
قال الحر «ولذا لم أنقل هنا من تلك الرسالة شيئاً مع أنَّ أحاديثها لا تقصر عن الأحاديث التي جمعناها في العدد والاعتماد»(٦٣).
فهو يشير إلى زيادة أضعاف على ما رواه من أحاديث وقف عليها في الرجعة ولم ينقلها.
وقال بعد ذلك أيضاً: «إنّا لم نتمكن من مطالعة الجميع، لضيق الوقت وكثرة الموانع، ولا حضرنا جميع ما هو بأيدي الناس الآن من الكتب»، وكلامه هذا يشير إلى أضعاف مضاعفة من كم الأحاديث في الرجعة.
ومن حقائق المذهب الالتفات إلى منهج علمي معرفي، فقد ترى غير واحد من الأكابر (قدس الله أسرارهم) يغفلون عن أحاديث الرجعة المتواترة أو عن باب من المعارف المروية كذلك، وهذهِ مسألة مهمة جداً، واللازم عدم الاغترار بمثل هذه الغفلات(٦٤).
٢٦ ـ السِّيّد الگلبيگاني: الرجعة ضرورة:
سئل عن حكم الاعتقاد بالرجعة، وما هو ضابط الضروريات الواجب الاعتقاد بها؟ فأجاب:
بسمه تعالى: الرجعة وجزئياتها في الجملة ثابتة، ولا يبعد كونها من ضروريات المذهب، وضابط كون الشيء من الضروريات: أنْ يكون في الوضوح بحيث يلازم اعتقاده الاعتقاد بالدين أو المذهب، والله العالم(٦٥).
٢٧ ـ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: الرجعة من ضروريات المذهب
قال في تفسيره (الأمثل) في ذيل قوله تعالى (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ): والرجعة من عقائد الشيعة المعروفة.
وتفسيرها في عبارته الموجزة بهذا النحو: بعد ظهور المهدي عجل الله فرجه وبين يدي القيامة يعود طائفة من المؤمنين الخُلّص، وطائفة من الكفّار الأشرار إلى هذهِ الدنيا، فالطائفة الأوَلى تصعد في مدارج الكمال، والطائفة الثانية تنال عقابها الشديد... إلى أنْ قال: وآخر الكلام هنا أنَّ الشيعة مع اعتقادهم بالرجعة التي أخذوها عن أهل البيت عليهم السلام فإنَّهم لا يحكمون على منكري الرجعة بالكفر؛ لأنَّ الرجعة من ضروريات المذهب الشيعي لا من ضروريات الإسلام(٦٦).
الرجعة ضرورة أديانية وَإسْلاميِّة:
أقول: سيأتي تقريب أنَّ الرجعة من ضروريات الإسلام بعدة تقريبات.
الأول: ما أشار إليه السيد المرتضى في كلامه المتقدم: ان صحة الرجعة (أي امكانيتها) لا ينكرها الا ملحد.
ومقصود السيد أن صحة امكانها ضرورة في الأديان السماوية.
الثاني: ما أشرنا إليه: أنَّ كافة المسلمين رووا أحاديث فصول ومراحل الرجعة كدابة الأرض، والعصا والميسم وخروج الآيات...وغيرها، وهي ضرورة قرآنية فضلاً عن كونها ضرورة حديثية وإسلامية، وليست مذهبية فقط نعم بعنوان وعناوين مرادفة عقلاً لا مرادفة لغة.
الرجعة في كلام علماء العامة
١ ـ القاضي عبدالجبار المعتزلي
قال في تفسيره (متشابه القرآن) في تفسير قوله تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا): يدلُّ على العدل وعلى تنزيهه عن القبيح، لأنَّه مع تجويز ذلك عليه يلزم القول بأنه عابث بسائر ما خلق الله، تعالى عن ذلك، ويدل على بطلان قول من ينكر المعاد والرجعة(٦٧).
٢ ـ الطبري
في ذيل قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار) يعني بقوله تعالى ذكره: وقال الذين اتبعوا: وقال أتباع الرجال الذين كانوا اتخذوهم أنداداً من دون الله يطيعونهم في معصية الله، ويعصون ربهم في طاعتهم إذْ يرون عذاب الله في الآخرة (لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً) يعني بالكرة: الرجعة إلى الدنيا(٦٨).
٣ ـ الزمخشري
قال في ذيل قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُون، وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُون)(٦٩) (إليهم لا يرجعون) بدل من (كم أهلكنا) على المعنى لا على اللفظ، تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.
وعن الحسن: كسر إنَّ على الاستئناف، وفي قراءة ابن مسعود: ألم يروا من أهلكنا، والبدل على هذهِ القراءة بدل اشتمال، وهذا مما يرد قول أهل الرجعة.
ويحكى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قيل له: إنَّ قوماً يزعمون أنَّ علياً مبعوث قبل يوم القيامة! فقال: بئس القوم نحن إذْن نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه، انتهى(٧٠).
٤ ـ ٥ ـ المراغي وصاحب الظلال
حكى الشيخ مغنية في تفسير الكاشف في ذيل قوله تعالى (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُون): في الردّ على أكثر المفسرين القدامى والجدد ـ ومنهم المراغي وصاحب الظلال، قال: قالوا في معنى هذهِ الجملة الكريمة: ألم ير المكذبون أنَّ الأمم الذين أهلكناهم لا يعودون إلى الدنيا ثانية ـ وفي هذا التفسير نظر؛ لأنَّ عدم عودة الأموات إلى الدنيا للمكذبين بالبعث وليسَ حجة عليهم، والمعنى الصحيح كما نظن ألم يرَ المكذبون أنَّ الله قدْ أهلك الماضين بقضهم وقضيضهم، ولم يبق منهم أحد يرجع إلى المكذبين اللاحقين ينبئهم بخبر المكذبين السابقين، وإنَّما دلَّ على أهلاكهم المعالم والآثار.(٧١)
٦ ـ ابن حجر العسقلاني:
ذكر ابن حجر في مقدمة فتح الباري في فصل في تمييز أسباب الطعن في المكذبين: (والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه، ويطلق عليه الرافضي، وإلّا فشيعي فإن انضاف إلى ذلك السب او التصريح بالبغض فغال في الرفض، وإنْ اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو.(٧٢)
وهذا يفيد أن الرجعة أخطر مقام في امامة علي عليه السلام عندهم.
٧ ـ ابن عاشور في التحرير والتنوير:
قال في سورة البقرة في ذيل قوله تعالى: (لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً): والكرّة الرجعة إلى محل كان فيه الراجع، وهي مرة من الكر، ولذلك تطلق في القرآن على الرجوع إلى الدنيا؛ لأنَّه رجوع بمكان سابق، وحذف متعلّق الكرة هنا لظهوره(٧٣).
٨ ـ محمد عزة دروزة:
قال في تفسيره (التفسير الحديث) في ذيل الآية (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا) ومع أنَّ كل مفسري السنة مجمعون على أنَّ الحشر هو حشر يوم القيامة فإنَّ مفسري الشيعة يستدلون بالآيات على عقيدة الرجعة التي يدينون بها والتي هي من أهم عقائدهم حتّى أنَّ بعضهم يكفرون من لا يؤمن بها والتي يصفون بها رجعة عليّ وأئمتهم وأوليائهم مع أعدائهم وهاضمي حقوقهم حيث يحي الله قوما من أوليائهم وقوماً من أعدائهم قبل انقضاء الدنيا لينتقم الأولون من الآخرين، وبقطع النظر عن عقيدتهم العجيبة فإنَّ في الاستدلال عليها بالآيات التي نحن في صددها تعسفاً ظاهراً وتكلفاً حزبياً صارخاً، سواء من ناحية سياقها أم من ناحية فحواها.
وفي تفسير الطبرسي وهو من أكثرهم اعتدالاً كلام طويل عجيب في تفصيل وإثبات ذلك، ومما قاله أنَّه مما تظاهرت أخباره عن أئمة الهدى من آل مُحمَّد وإجماعهم حجة، ونحن نريد أنْ ننزه أي واحد منهم فضلاً عن جميعهم من أنْ يكون قدْ استنبط ذلك من هذهِ الآيات(٧٤).
٩ ـ أبو الفدا إسماعيل:
قال في تفسير روح البيان في ذيل قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُون): وهذهِ الآية ترد قول أهل الرجعة، أي من يزعم أنَّ من الخلق من يرجع قبل القيامة بعد الموت، كما حكى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنَّه قيل له: أنَّ قوماً يزعمون أنَّ علياً رضي الله عنه سيعود قبل يوم القيامة! فقال: بئس القوم نحن إذا نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه، أي لو كان راجعاً لكان حياً والحي لا تنكح نساؤه ولا يقسم ميراثه، كما قال الفقهاء إذا بلغ إلى المرأة وفاة زوجها فاعتدت وتزوجت وولدت ثم جاء زوجها الأوَّل فهي امرأته، لأنَّها كانت منكوحته، ولم يعترض شيء من أسباب الفرقة فبقيت على النكاح السابق، ولكن لا يقربها حتّى تنقضي عدتها من النكاح الثاني.
ويجب إكفار الروافض في قولهم بأنَّ علياً وأصحابه يرجعون إلى الدنيا فينتقمون من أعدائهم ويملأون الأرض قسطاً كما ملئت جوراً وذلك القول مخالف للنص(٧٥).
١٠ ـ ابن سعد:
روى في الطبقات الكبرى عن عمر بن الأصم قال: قيل للحسن بن علي إنَّ ناساً من شيعة أبي الحسن علي عليه السلام يزعمون أنَّه دابة الأرض، وأنهُ سيبعث قبل يوم القيامة، فقال كذبوا ليسَ أولئك شيعته أولئك أعداؤه، لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه ولا أنكحنا نساءه(٧٦).
١١ـ الآلوسي:
قال في روح المعاني في ذيل قوله تعالى من سورة النحل: (وَأَقْسَمُواْ بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون)(٧٧)، وزعم بعض الشيعة أنَّ الآية في علي كرم الله تعالى وجهه والأئمة من بنيه رضي الله تعالى عنهم وأنها من أدلة الرجعة التي قال بها أكثرهم، وهو زعم باطل، والقول بالرجعة محض سخافة لا يكاد يقول بها من يؤمن بالبعث، وقدْ بيَّن ذلك على أتمّ وجه في التحفة الأثني عشرة، ولعل النوبة تفضي إنْ شاء الله تعالى إلى بيانه(٧٨).
وقال في موضع آخر في ذيل سورة المؤمنون قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُون)، وروت الإمامية عن أبي جعفر رضي الله عنه أنَّ ذلك عذاب يعذبون به في الرجعة.
ثم قام بتكذيب ما ترويه الإمامية بشدة وألفاظ بعيدة عن المنهج العلمي(٧٩).
وقال في موضع ثالث في ذيل سورة النور قوله تعالى: (وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)(٨٠)، قال وزعم الطبرسي أنَّ الخطاب للنبي وأهل بيته فهم الموعودون بالاستخلاف وما معه، ويكفي في ذلك تحقق الموعود في زمن المهدي رضي الله عنه ولا ينافي ذلك عدم وجوده عند نزول الآية؛ لأنَّ الخطاب الشفاهي لا يخص الموجودين، وكذا لا ينافي عدم حصولهُ للكل؛ لأنَّ الكلام نظير بنو فلان قتلوا فلاناً، واستدل على ذلك بما روى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين رضي الله عنه أنَّه قرأ الآية فقال: هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل ذلك بهم على يد رجل منّا وهو مهدي هذهِ الأمّة، وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «لولم يبقَ من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله تعالى ذلك اليوم حتّى يلي رجلٌ من عترتي أسمه إسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجورا» إلى أنْ قال ـ نعم ورد من طريقنا ما يستأنس به لهم في هذا المقام لكنّه لا يعول عليه أيضاً مثل أخبارهم، وهو ما أخرجه عبد ابن حميد عن عطية أنَّه عليه الصلوات والسلام قرأ الآية فقال أهل البيت ها هنا وأشار بيده إلى القبلة، وزعم بعضهم نحو ما سمعت عن الطبرسي إلّا أنَّه قال هي في حق جميع أهل البيت علي كرم الله وجهه وسائر الأئمة الاثني عشر وتحقق ذلك فيهم زمن الرجعة حين يقوم القائم رضي الله عنه، وزعم أنها أحد أدلة الرجعة(٨١).
وقال في موضع رابع في ذيل سورة النمل قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُون... ـ إلى قوله ـ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون)(٨٢)، قال: أي تكلمهم بأنهم كانوا لا يتيقنّون بآيات الله تعالى الناطقة بمجيء الساعة ومباديها، أو بجميع آياته التي من جملتها تلك الآيات.
وقيل: بآياته التي من جملتها خروجها بين يدي الساعة وليسَ بذاك... ـ إلى أنْ قال ـ والظاهر أنَّ ضمير الجمع في تكلمهم للكفرة المنكرين للبعث مطقاً.
والرجعة التي يعتقدها الشيعة لا نعتقدها، والآية الآتية لا تدلّ كما يزعمون عليها، ويسهل أمر ذلك أنَّه ليسَ مدار الحديث عنهم سواء ما هم عليها من الشرك والكفر بالآيات وإنكار البعث وذلك موجود فيهم وفي الكفرة الموجودين عند إخراج الدابة(٨٣). انتهى.
والغريب أنَّه استظهر أنَّ المراد من الناس في الآية أهل مكة! واستشهد على ذلك بما روي عن وهب أنَّ الدابة تخبر كل من تراه أنَّ أهل مكة كانوا بمُحمَّد والقرآن لا يوقنون.
أقول:
وفي كلامه جملة من الزيف والهراء منها:
١ ـ نسبته ـ على ما في التفسير المطبوع ـ أنَّ الشيعة ينكرون البعث والمعاد! وهل في المسلمين مثل الشيعة من يثبت المعاد! فهم يثبتون بعث للرجعة وبعثٌ أكبر للمعاد، وسيأتي في الباب الثالث أنَّ في الرجعة تكرر في البعث عِدَّة مرات فضلاً عن البعث الأكبر في القيامة، بلْ لا تجد في تراث الحديث حول المعاد بقدر ما يوجد لدى الشيعة في تراث المسلمين، لأنَّ سائر المسلمين تركوا علم أهل البيت فَنَضَبَ العلم عندهم عن أحوال الآخرة وشؤونها ومواقف عالم القيامة.
٢) إنَّ اعترافهم بأن الدابة في آخر الدنيا قبل يوم القيامة عندما تخرج لمحاسبة كفّار قريش ومشركيها:
أ ـ فهل ذلك برجوع قبل يوم القيامة في الدنيا أم ماذا؟
ب ـ وما هو وجه الحكمة في تعرض الدابة ـ التي هي آية إلهية ـ لنشر ملف ومحاسبة كفّار قريش قبل يوم القيامة؟
ج ـ وما هو وجه مداينة دابة الأرض ومكافئتها للمؤمن بوسم الإيمان ومجازاتها للكافر والمنافق بوسم الكفر؟
د ـ ولماذا بقي كفّار قريش ملفهم معلقاً حتّى وقت خروج الدابة؟
إلى غير ذلك من التساؤلات التي تثار في معالم خروج الدابة بحسب ما أشارت إليه الآيات والروايات التي لا تنطبق تلك المعالم إلّا على الرجعة وشؤونها الذي تعتقده مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وآمنت به الشيعة.
٣) ثمَّ ما وجه الاستلزام بين القول بالرجعة وتوهم إنكار البعث الأكبر والمعاد؟! مع أنَّ العكس ـ عقلاً ـ هو الصحيح، فإنَّ من يقول بالرجعة التي هي بعث من القبور هو الأولى عقلاً أنَّ يلتزم بالرجعة والرجوع في معاد الآخرة الكبرى كما يأتي ذلك في بحث الرجعة والعقل.
وقال في ذيل الآية الثانية (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ): وهذهِ الآية من أشهر ما استدل به الإمامية على الرجعة...
ثم حكى كلام الطبرسي في مجمع البيان، وقال: أول من قال بالرجعة عبدالله بن سبأ، ولكن خصصها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتبعهُ جابر الجعفي في أول المائة الثانية، فقال: برجعة الأمير كرّم الله تعالى وجهه أيضاً، لكن لم يوقتها بوقت، ولما أتى القرن الثالث قرَّرَ أهل الإمامية رجعة الأئمة كلهم، وعينوا لذلك وقت ظهور المهدي، واستدلوا على ذلك بما رووهُ عن أئمة أهل البيت.
والزيدية كافةً منكرون لهذه الدعوى إنكاراً شديداً، وقد ردّوها في كتبهم على وجهٍ مستوفى بروايات عن أئمة أهل البيت أيضاً تعارض روايات الإمامية، والآيات المذكورة هنا لا تدل على الرجعة حسبما يزعمون، ولا أظن أنَّ أحداً منهم يزعم دلالتها على ذلك، بلْ قصارى ما يقول أنَّها تدلُّ على رجعة المكذبين أو رؤسائهم، فتكون دالة على أصل الرجعة وصحتها لا على الرجعة بالكيفية التي يذكرونها، وفي كلام الطبرسي ما يُشير إلى هذا.
وأنت تعلم أنَّه لا يكاد يصح إرادة الرجعة إلى الدنيا من الآية، لإفادتها أنَّ الحشر المذكور لتوبيخ المكذبين وتقريعهم من جهته عَزَّ وَجَلَّ، بلْ ظاهر ما بعد يقتضي أنَّه تعالى بذاته يوبخهم ويقرعهم على تكذيبهم بآياته سبحانه، والمعروف من الآيات لمثل ذلك هو يوم القيامة مع أنها تفيد أيضاً وقوع العذاب عليهم واشتغالهم به عن الجواب، ولم تُفد موتهم ورجوعهم إلى ما هو أشدّ منه وأبقى وهو عذاب الآخرة الذي يقتضيه عظم جنايتهم، فالظاهر استمرار حياتهم وعذابهم بعد هذا الحشر، ولا يتسنى ذلك إلّا حشر يوم القيامة.
وربما يقال أيضاً ـ مما يأبى حمل الحشر المذكور على الرجعة ـ أنَّ فيه راحة لهم في الجملة حيث يفوت به ما كانوا فيه من عذاب البرزخ الذي هو للمكذبين كيف ما كان أشد من عذاب الدنيا، وفي ذلك إهمال لما يقتضيه عظم الجناية، وكيف تصح إرادة الرجعة منها وفي الآيات ما يأبى ذلك، منه قوله تعالى: (رَبِّ ارْجِعُون، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون)(٨٤).
فإنَّ آخر الآية ظاهرٌ في عدم الرجعة مطلقاً، وكون الإحياء بعد الإماتة والإرجاع إلى الدنيا من الأمور المقدور له عَزَّ وَجَلَّ مما لا ينتطح فيه كبشان إلّا أنَّ الكلام في وقوعه، وأهل السنة ومن وافقهم لا يقولون به ويمنعون إرادته من الآية ويستندون في ذلك إلى آيات كثيرة.
والأخبار التي روتها الإمامية في هذا الباب قدْ كفتنا الزيدية مؤونة ردّها، على أنَّ الطبرسي أشار إلى أنها ليست أدلة وأنَّ التعويل ليسَ عليها، وإنَّما الدليل إجماع الإمامية، والتعويل ليسَ إلّا عليه.
وأنت تعلم أنَّ مدار حجية الإجماع ـ على المختار عندهمـ حصول جزم بموافقة المعصوم ولم يحصل للسني هذا الجزم من إجماعهم هذا فلا ينتهض ذلك حجة عليه مع أنَّ له إجماعاً يخالفه، وهو إجماع قومه على عدم الرجعة الكاشف عما عليه سيد المعصومين صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وكل ما تقوله الإمامية في هذا الإجماع يقول السني مثله في إجماعه وما ذكر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم «سيكون في أمتي» الحديث لا نعلم صحته بهذا اللفظ، بلْ الظاهر عدم صحته، فإنَّه كان في بني إسرائيل ما لم يذكر أحد أنَّه يكون مثله في هذهِ الأمة كنتق الجبل عليهم حين امتنعوا عن أخذ ما آتاهم الله تعالى من الكتاب، والبقاء في التيه أربعين سنة حيث قالوا لموسى عليه السلام (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون)(٨٥)، ونزول المن والسلوى عليهم فيه إلى غير ذلك.
وبالجملة القول بالرجعة ـ حسب ما تزعم الإمامية ـ مما لا ينتهض عليه دليل، وكم من آية في القرآن الكريم ـ تأباه ـ غير قابلة للتأويل، وكأن ظلمة بغضهم للصحابة رضي الله تعالى عنهم حالت بينهم وبين أنْ يحيطوا علماً بتلك الآيات(٨٦). انتهى
أقول: في كلامه موارد زائفة عديدة:
الأوَّل: القول بأن أوَّل من قال بالرجعة عبدالله بن سبأ كذب، فإنَّ مَنْ كتب في أحوال الصحابة نسب القول بالرجعة إلى جماعة منهم: أبي الطفيل عامر بن واثلة وسليم بن قيس وقبلهما سلمان وأبي ذر الغفاري وعمار وحذيفة وغيرهم، بل قبلهم أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين علي عليه السلام، بلْ وما قصَّه القرآن من وقوعها في عزير وموارد عديدة في بني اسرائيل...إلى غير ذلك.
الثَّانِي: هل مع كل ذلك يتنكر للرجعة! وأنه يستلزم انكار المعاد أو هي برهان على المعاد! كما استدل القرآن على المعاد برجوع أصحاب الكهف.
الثَّالِث: إن تراث الحديث لأهل البيت عليهم السلام منذ القرن الأوَّل يعجّ برجوع كل الأئمة عليهم السلام، بل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً مبينين ذلك من الآيات القرآنية، وهذا التراث متقادم النسخ محفوظ جيلا بعد جيل لا على ما ابتلي به العامة من تحريم تدوين الحديث لديهم أكثر من قرن من الزمان، فكيف يدعي وينسج من تحامله على الشيعة أنهم قرروا ذلك في القرن الثالث!
الرَّابِع: دعوى اختصاص الزيدية بأهل البيت عليهم السلام على حدِّ اختصاص الاثنى عشرية بهم كلام من لا اطلاع له على تاريخ الفرق والنحل، وكيف يستوي الزيدية والإمامية في الأخذ عن أهل البيت عليهم السلام، وقد أخذ الزيدية كثيراً عن غيرهم في المعتقد وفي الأحكام، وهل يجهل معالم ذلك على متتبع في المذاهب والفرق!
الخامس: دعواه أن الآيات لا تدل على الرجعة هي مكابرة إن كان يقصد فيما مضى من الأمم فلم يستلزم الاقرار بها انكارا للمعاد بل مزيد برهان عليه، فإن استبعادات المعاد الأكبر كلها تدفع بوقوع الرجعة كما هو الحال في قصة عزير وقصة ابراهيم والطيور وقصة أصحاب الكهف، وغيرها من قصص القرآن في الأمم السابقة، فكلها آيات ودلائل على المعاد.
ومنه يظهر أنَّ الآيات المتوهم نفيها للرجعة كَسّنَّة إلهية ليست الرجوع إلى الدنيا بعد الموت ومكث في البرزخ، بلْ معاني أُخرى كما مرَّ ويأتي.
السَّادِس: إن تسليمه بدلالة الآية برجوع رؤساء المكذبين دون الكيفية التي يقول بها الشيعة فيه أن تفاصيل الرجعة لا تقتنص من آية واحدة أو رواية فاردة بل من مجموع آيات وروايات.
السَّابِع: إنَّ ما وَرَدَ كثيراً في القرآن من تمني العصاة والكفار الجاحدين الرجوع إلى الدنيا ووعدهم بالتوبة واجابته تعالى (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) إنما هو بلحاظ الرجوع عند الموت وعدم تحمل مكابدات عذاب البرزخ.
واشكاله بانقطاع عذاب البرزخ بالرجعة جوابه أنه ليس هناك ما يدلُّ على استمرار عذاب البرزخ كعذاب الآخرة والخلود فيه، بل هو كالحدود والتعزيرات بعدما كان في الرجعة مرحلة امتحان آخر أشدُّ وأصعب.
الثامن: إن استبعاده قاعدة وقوع ما وقع في الأُمم السابقة ـ لاسيما بني اسرائيل ـ في هذه الامة، وأنه لم يقع إلى يومنا كثير مما وقع فيهم، ففيه أن الأمد لهذه الامة لازال ولم يأزف أجلها، فإشكاله مجرد استبعاد وتكهن.
والأغرب منه إنكاره ورود الحديث النبوي بذلك! فهو قلة اطلاع على مصادر الحديث مع أنَّ هذا الحديث مستفيض إنْ لم يكن متواتراً بمجموع طرق الفريقين، فضلاً عن دلالة عِدَّة آيات على هذه القاعدة المروية في الحديث النبوي.

الفصل الثاني: الرجعة والعقل

المستقبل دليل عقلي - الرجعة شعار لعدالة مستقبلية أرقى..
إنَّ تطلّع البشرية نحو علم المستقبل آخذ في الازدياد وبشغفٍ شديد، وقد أنشأت جملة من التخصصات الأكاديمية الباحثة عن علم المستقبل ونظريته.
وبالأحرى إنَّ الشعوب البشرية سواء الأوروبية أو الغربية أو الشرقية ها هي تمدُّ بصرها إلى ما وراء الديمقراطية والليبرالية، ولا زالت العدالة الشغل الشاغل للفكر البشري.
الرجعة مخزون معرفي ضخم
للعدالة والحرية:
والتعرف على منظومة العدل طريق طويل لابدَّ أنْ تطويه البشرية، فنموذج الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية ونظام السوق الحر والنظام العالمي الموحَّد تحت ظل منظمة الأمم المتحدة وغيرها من الأطروحات لم تلبّي للبشرية طموحات في العدالة.
وشعار البشرية المطالب بالحقوق، وأنَّ الشعب يريد إسقاط النظام لم يرق إلى مستوى تعلق إرادة الشعب ومطالبته بقيادة من هو مركز العدل وقطب رحاه، وهو المعصوم المزوَّد بالعلم الشمولي الموجب لازدهار النظام البشري إلى السعادة، فشعار مطالبات الشعوب لا زالت في وسط الطريق، وليست غايات نهائية لإرساء العدالة، وكثير من النسيج والبنى الاجتماعية تحتاج إلى تغيرات تحول دون بروز ألوان من الظلم والعدوان، فالبشرية رغم تجاوزها لاستبداد الفرد والقبيلة لكن لا زالت تعاني ألوان أُخرى من الاستبداد سواء الناشئ من العرق أو الطبقة أو الجماعات أو الكتل.
بلْ إنَّ البشرية على صعيد التنظير فضلا عن صعيد التطبيق لا زالت عاجزة عن تصوير النظام العادل على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو القضائي أو الحقوقي أو الجمركي فضلاً عن عجز البشرية ونُخبها عن اكتشاف آليات تطبيق العدالة.
الرجعة مشروع إصلاح متقدم على الديمقراطية:
وإنَّ بحث الرجعة هو علم المستقبل ونظريته، وهو الريّ الروي لتعطش البشرية، وهو إعداد لها بتطوير معرفتها إلى آفاق من الإصلاح وآليات العدل لم يرتق العقل البشري إلى تصورها.
فإنَّ في ما جاء من القرآن والسنة حول الرجعة يبني غايات لدى البشرية لم تكن لديها معرفة بها في شعاراتها وتطلعها التي تهتف بها لأجل السعادة والكمال.
وهذا الرصيد المعرفي للعدالة والإصلاح في الرجعة من العظمة بمكان يثير مخاوف مراكز الدراسات الغربية بأنَّ تسويق مثل هذهِ المشاريع نظير تسويق المشروع المهدوي ينذر بخطورته على الأنظمة الغربية، إذْ يجر ولاء الشعوب وتطلعاتها وطموحاتها نحو هذا المشروع، وهذه المشاريع دون ما يطبّل إليها دعائياً من شعار الديمقراطية والليبرالية.
وسيأتي بيان أنَّ لكل واحد من المعصومين عليهم السلام في رجعته إلى دار الدنيا ملفا ومشروعا خاصا من الإصلاح يُقام على شخص يديه دون غيره من المعصومين أمراً من الله.
فرجوع شخص كل واحد واحد منهم ينطوي على حلقة فرج خاص للبشرية غير حلقة الفرج التي تتم للبشرية على يد بقية المعصومين عليهم السلام، فتكامل حلقات الفرج ـ من الضائقة التي تعانيها البشرية ـ برجوع جميع المعصومين واحد بعد الآخر.
ومن ثمَّ ورد في زيارات كل واحد منهم التعجيل بفرج ظهوره من عالم البرزخ إلى الحياة الدنيا رجوعاً ورجعة كما في الدعاء بتعجيل ظهور مهديهم عجل الله فرجه، وإنْ كان عقد الدر لحلقات هذا الفرج هو رجوع ورجعة أمير المؤمنين عليه السلام، بلْ وعلى رجعاته تحوم وتدور أدوار الرجعة، ورجعاته وكراته توطئة لرجعة السيد الأكبر في نهاية المطاف وهو سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن ثمَّ ورد في الآيات والروايات أنَّ كل واحد من الأئمة عليهم السلام موعود مهدي منتظرٌ ظهوره وخروجه من قبره إلى الرجعة، ليقيم ركناً من دولة العدل الالهي في الأرض.
الرجعة والتطلع البشري نحو المستقبل الرجعة تزاوج حضارات ومشاركة إعمار بين الأموات والأحياء
كما وردت روايات عديدة في آداب زيارة كل واحد من المعصومين عليهم السلام بالدعاء بتعجيل فرجه، وتسهيل مخرجه، وأنَّ الرجعة ظهورٌ له من مغيّبه.
ولا ريب أنَّ الأمم السابقة تحمل ثقافات وتقاليد وعادات تختلف عن الأمم الحيّة الحاضرة فمع اختلاط الأمم الغابرة واللاحقة في مجتمع واحد يبدو المشهد غريباً، ويصعب تصوّر التفاعل الاجتماعي فيما بين أعضاء المجتمع، لا سيما أنَّ الأمم السابقة الراجعة من الموت قدْ مرَّت بها نشآت البرزخ، فاكتسبت طبيعة حياة ونشأة لطيفة وشفافة وإنْ كانت أرضية.
وإنَّ هذا التمازج والتفاعل بين الأجيال الماضية والحاضرة بات حديث الساعة في الفكر والتطلع البشري، مما ينوِّه إلى استعداد العقل والذهنية البشرية والنفسية الإنسانية المعاصرة لمثل هذا الحدث.
النزعة الفطرية برهان على الرجعة:
إنَّ ما تقدم بيانه من تطلع البشرية نحو مشاركة الأموات للأحياء هي نزعة فطرية لعود الأموات، بلْ هذهِ النزعة الفطرية ليست تقتصر على الأحياء تجاه الأموات، بلْ هي من الأحياء تجاه أنفسهم على تقدير موتهم، أي تطلعهم نحو مستقبل أنفسهم لما بعد موتهم، وهو أيضاً نزوع فطري عصري في البشر نحو الرجعة تطلعاً لتكامل الحضارات وتمازجها وتفاعلها فيما بينها، أي بين القديمة منها والحاضرة الرائدة، وهذا منشأ ثالث لنزوع الفطرة وتطلعها وطلبها للرجعة.
صياغة أُخرى للدليل الفطري على الرجعة:
إنَّ ما في الرجعة من فتح المجال للفرص لجميع المظلومين والمضطهدين في الأمم والأجيال الماضية لا الاقتصار على الأحياء فحسب، بل هو تطلع تنشده الفطرة البشرية عموماً، كما أنَّ تفعيل طاقات الأفراد البشرية في ظل الأنظمة هو انطلاقة وهدفٌ تسعى نحوه العقول والنفوس البشرية، ويشمل ذلك من مضى وغبر من البشر، فالنظام العادل على الأرض يفسح المجال أمام كل فرد قصّر وفرّط في الرقي للكمال.
فهذا سبب الرجوع والرجعة لكل فرد وهو سبب كافي لرجوع كل الأئمة عليهم السلام لإقامة سلسلة النظام العادل بنحو متراتب.
الرجعة والاستدلال العقلي
قدْ استدل جملة من علماء الإمامية المحققين في الآونة الأخيرة على ضرورة وقوع الرجعة بالدليل العقلي استخراجاً من البيانات العقلية الموجودة في الآيات الروايات.
وقد أشرنا إلى أنَّ الصدوق اتّجه إلى قراءة عقلية للرجعة قائمة منهجيتها على الوحدة والاتحاد بين باب النوم والموت وباب اليقظة والبعث، وهذا المنهج هو الآخر مستخرجٌ من الآيات والروايات كما سيتبين، وقد تابع الحر العاملي في كتابه (الإيقاظ من الهجعة في إثبات الرجعة) الصدوق على هذا المنهج، بلْ بنى هيكل كتابه كلّه على ذلك.
وممن نحى إلى المنهج العقلي في الآونة الأخيرة الشيخ مُحمَّد الشاه آبادي والحكيم المولى السيد أبو الحسن الرفيعي والعلامة المحقق الطباطبائي في الميزان وأيضاً الفقيه العارف الصوفي المفسر الجونبادي (الگونبادي) في تفسيره بيان السعادات والحكيم المولى علي النوري.
وأمَّا من استدل على إمكان الرجعة وصحة وقوعها بالدليل العقلي فأكثر علماء الإمامية سواء بالمشرب الكلامي أو الفلسفي أو العرفاني، بدءا بالسيد المرتضى والمفيد وانتهاءً بالحكيم ملا صدرا في تفسير سورة يس ومواضع أُخرى من تفسيره أيضا، بل يظهر من بعض كلماته المتقدمة تقرير الدليل العقلي على وقوع الرجعة.
وجه عقلي آخر على الرجعة للصدوق وآخر للعاملي:
قدْ اعتمد الصدوق على بيان عقلي في الآيات والروايات في الرجعة وتفصيله سيأتي، وملخصه: أنَّ هناك حالة وماهية عقلية مشتركة بين الموت والنوم، كما أنَّ هناك هوية عقلية مشتركة بين اليقظة من النوم والبعث من الموت، فالماهية المشتركة الأولى بين الموت والنوم الذي هو بمثابة الترادف العقلي هو وجود هوية جامعة عقلية ماهوية تكوينية بين الموت والنوم، وإنْ كانت هناك فوارق عديدة بينهما أيضاً، بلْ إنَّ للموت درجات.
وروى الكليني في باب ما يعاين المؤمن والكافر ـ في القبر ـ بسنده عن عمّار بن مروان عمّن سمع أبا عبدالله عليه السلام في حديث عن موت الميت ـ وحالاته ومسائلة القبر ونحوها ثم يقال للمُؤمن ـ نم نومة العروس على فراشها(٨٧) مع أنَّ المخاطب ميت فنومه في برزخه مرتبة أُخرى من الموت أو الانفصال للروح مرتبة أشدّ.
وفي رواية الأشعث عن أبي عبدالله عليه السلام يقول: (يسأل الرجل في قبره فإذا أثبت فسح له في قبره سبعة أذرع وفتح له باب إلى الجنة وقيل له: نُم نومة العروس قرير العين(٨٨).
وغيرها من الروايات المستفيضة المتضمنة لنوم الميت في قبره بعد موته فهذهِ مراتب.
وروى الصدوق في كتاب الاعتقادات باب مسائلة القبر رواية موت فاطمة بنت أسد عليها السلام ووضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها في القبر وتلقينه صلى الله عليه وآله وسلم لها في الرواية: «سئلت عن وليها وإمامها فارتجّ عليها، فقلت لها إبنك، أبنك، فقالت ولدي وليّ وإمامي فانصرفا عنها، وقالا: لا سبيل لك لنا عليك نامي كما تنام العروس في خدرها، ثم إنّها ماتت موتة ثانية»(٨٩).
ثم قال الصدوق وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى قوله: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيل)(٩٠).
كما أنَّ للنوم درجات متفاوتة عديدة والحالة والماهية الجامعة هو أنَّ كلا من الموت والنوم انفصال للروح عن البدن مع كون هذا الانفصال ذو درجات متفاوتة كبيرة وكثيرة جداً.
وروى الصدوق أيضا عن مُحمَّد بن علي الباقر عليهما السلام أنَّه قيل له: ما الموت؟ فقال: «هو النوم الذي يأتيكم في كل ليلة إلّا أنَّه طويل مدّته لا ينتبه منه إلى يوم القيامة، فمن رأى في نومه من أصناف الفرح ما لا يقادر قدره ورأى في نومه من أصناف الأهوال ما لا يقادر قدره، فكيف حال فرح في النوم ووجل فيه! هذا الموت فاستعدوا له»(٩١).
وكذلك هناك ماهية عقلية مشتركة بين اليقظة من النوم والبعث من الموت وهي رجوع الروح إلى البدن بعد انفصالها على اختلاف درجات الرجوع بحسب وبسبب اختلاف درجات انفصال الروح، وقدْ وَرَدَ إطلاق النوم على الموت والعكس كذلك كما في قوله تعالى: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُون)(٩٢) وقوله تعالى: (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)(٩٣).
وقوله تعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ)(٩٤).
وقوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)(٩٥).
وقد ورد التصريح بالجامع بين الموت والنوم في قوله تعالى: (الله يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون)(٩٦).
فنلاحظ أنَّ الآية جعلت التوفي للنفوس جامع بين الموت والنوم.
وفي قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)(٩٧).
فعبّر عن حالتهم باللبث وذكر عنوان اللبث نفسه في شأن عزير في قوله تعالى: (كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ)(٩٨).
وَوَرَدَ إطلاق اللبث على الموت في كثير من الآيات كقوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلا)(٩٩).
وقوله تعالى: (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا، يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا، نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا)(١٠٠).
وقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُون، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون)(١٠١).
وقدْ سلك وقرر الحر في كتابه (الإيقاظ) أنَّ النوم مراتب وهي مراتب للموت وأنواع له.
وقوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا)(١٠٢).
فأطلق عنوان البعث على الاستيقاظ من النوم.
وعلى ضوء ذلك فكما يتكامل الإنسان بالنوم واليقظة يومياً في الطبيعة طيلة أيام عمره وهو تكاملٌ جسماني وروحاني فكذلك تكامله بتكرر الموت الذي هو سنخ من النوم، وكذلك تكرر البعث من الموت في الرجعة الذي هو سنخ من اليقظة والاستيقاظ.
فكما أنَّ النوم واليقظة دور ودوران طبيعي لتكامل الروح والبدن وهو عروج ونزول يومي للإنسان ـ أي انفصال للروح وعودها مرات وكرات ـ فكذلك الحال في انفصال الروح بالموت وعودها بالبعث في نفس الجسد الدنيوي، فإنَّه عروجٌ ونزول للروح في نفس الجسد الواحد، ومن ثم سيأتي في الروايات أنَّ لكل إنسان إلّا ما استثني أكثر من رجعة.
من استدل بالبرهان العقلي على وقوع الرجعة:
منهم الصدوق كما تقدم شرح منهجه وتابعه عليه ببلورة كبيرة الحر العاملي.
ومنهم السيد بن طاووس قال: فإذا كان هذا قدْ رووه ودونوه عن نباش القبور فهلا كان لعلماء أهل البيت عليهم السلام أسوة به! ولأي حال تقابل رواياتهم عليهم السلام بالنفور، وهذهِ المرأة المذكورة ـ أي التي رجعت من الموت ـ دون الذين يرجعون لمهمّات الأمور ـ أي أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين يرجعون لإقامة العدل الإلهي ـ؟ والرجعة التي يعتقدها علماؤنا وأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم تكون من جملة آيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته، ولأيّ حال تكون منزلته عند الجمهور دون موسى وعيسى ودانيال؟ وقد أحيى الله جَلَّ جَلاله على أيديهم أمواتاً كثيرة بغير خلاف عند العلماء لهذه الأمور(١٠٣).
ومنهم الحكيم الملا صدرا الذي تقدم كلامه في شرحه على اصول الكافي، وكذا المولى النوري والعارف المفسر الجنابادي.
ومنهم الشيخ أحمد الإحسائي، وتلميذه الشيخ محمد آل عبد الجبار القطيفي.
ومنهم الشاه آبادي في رشحات البحار وشذرات الذهب، والرفيعي في الرسائل، والعلّامة الطباطبائي في الميزان، والأعلام الثلاثة برهنوا عقلياً على الرجعة كتقرير برهان ملّا صدرا على المعاد.
وقد استخرج كل من استدل بالبرهان العقلي للرجعة ذلك من بيانات واشارات الآيات والروايات.
والأدلة العقلية على الرجعة تارة على امكانها، وقد استدل بها على هذا المقام جل علماء الامامية، وأُخرى على وقوعها وهم الذين تقدمت الإشارة إلى بعض اسمائهم.
ثم إنَّ هناك شبهات بلباس عقلي على الرجعة قدْ تقدَّم التعرض لكثير منها والجواب عنها في الباب الأوَّل.
البرهان العقلي للرجعة في الآيات والروايات:
١) قال تعالى: (قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَه * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَه * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَه * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَه)(١٠٤).
وهذهِ الآيات وإنْ ورد عنهم عليهم السلام أنَّها وردت في أمير المؤمنين عليه السلام ورجوعه، وأنَّ خلقته من طينة الأنبياء، وأنَّ الله يسَّره لسبيل الهدى وأماته ميتة الأنبياء ونشره للرجعة فيقضي ما أمره، إلّا أنَّه يستفاد من الروايات وهذهِ الآيات قاعدة عامّة ومقدّمات استدلال برهاني لضرورة الرجعة كما استفاد ذلك كلّ من الحكيم الرفيعي والشاه آبادي والسيّد الطباطبائي(١٠٥).
حَيْثُ تبيّن الآيات أنَّ هُنَاك استعداد تكامل للإنسان بحسب التقدير العقلي الماهوي، وحسب تقدير الإمكانيات الَّتِي قدَّرها الباري تعالى لا يستوفي كمالها الإنسان في عمره الأوَّل في الدنيا، بلْ لابدَّ من نشره مرَّة أُخرى ليقضي ويستوفي ما أمره الله تعالى باستيفائه من الكمالات والطاعات والخيرات في هذهِ الدار.
وقدْ مرَّ في الباب الأوَّل جملة من فلسفات وغايات الرجعة.
ومما يشير إلى فلسفة الرجعة وأن غايتها استيفاء الكمالات المتبقية كثير من الروايات الواردة الشارحة للوعود القرآنية بانجاز الكمالات القصوى في الأرض.
مثل ما خرج إلى أبي القاسم بن العلاء الهمداني وكيل أبي مُحمَّد عليه السلام: «أنَّ مولانا الحسين عليه السلام ولد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان فصمه وادع فيه بهذا الدعاء...، وساق الدعاء إلى قوله: «وسيّد الأسرة، الممدود بالنصرة يوم الكرّة، المعوّض من قتله أنَّ الأئمّة من نسله، والشفاء في تربته، والفوز معه في أوبته، والأوصياء من عترته بعد قائمهم وغيبته، حتّى يدركوا الأوتار، ويثأروا الثار، ويرضوا الجبّار، ويكونوا خير أنصار... إلى قوله: فنحن عائذون بقبره نشهد تربته، وننتظر أوبته، آمين ربّ العالمين»(١٠٦).
فبيَّن عليه السلام أن غاية الرجعة والرجوع هو استكمال انجاز الغايات واتمام ايجاد الاهداف وان الحظوة بالرجعة معه فوز عن الخسران.
وعن حريز، قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: جُعلت فداك ما أقلّ بقاءكم أهل البيت وأقرب آجالكم بعضها من بعض، مع حاجة هذا الخلق إليكم؟ فقال: «إنَّ لكلّ منّا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أنْ يعمل به في مدَّته، فإذا انقضى ما فيها ممَّا أُمر به، عرف أنَّ أجله قدْ حضر، وأتاه النبيّ ينعي إليه نفسه، وأخبره بما له عند الله.
وإنَّ الحسين صلوات الله عليه قرأ صحيفته التي أُعطيها وفسَّر له ما يأتي وما يبقى وبقي منها أشياء لم تنقض، فخرج إلى القتال وكانت تلك الأمور التي بقيت أنَّ الملائكة سألت الله في نصرته فأذن لهم فمكثت تستعدّ للقتال وتتأهب لذلك حتّى قُتل، فنزلت وقد انقطعت مدَّته وقُتل صلوات الله عليه.
فقالت الملائكة: يا ربّ أذنت لنا في الانحدار، وأذنت لنا في نصرته، فانحدرنا وقد قبضته؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليهم أنْ ألزموا قبَّته حتّى ترونه قدْ خرج فانصروه، وأبكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته، وإنَّكم خُصّصتم بنصرته والبكاء عليه، فبكت الملائكة تقرّباً وجزعاً على ما فاتهم من نصرته، فإذا خرج صلوات الله عليه يكونون أنصاره»(١٠٧).
وفيها تصريح بأن الخروج من القبر والبرزخ للرجعة لإتمام المأموريات الالهية في تخطيط دولة العدل الالهي.
وعن ابن عبّاس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال في خطبة خطبها في حجّة الوداع: «لأقتلنَّ العمالقة في كتيبة»، فقال له جبرئيل عليه السلام: أو علي، قال: أو علي بن أبي طالب عليه السلام»(١٠٨)، العمالقة أي الطواغيت ذوي الطغيان، كما اشير إلى هذا العنوان في قوله تعالى (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ)(١٠٩).
ومن الغايات التي تنجز في الرجعة جلاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عظمة وشريعة وديناً بدولة رجعتهم.
فعن ابن عبّاس في قوله تعالى: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا)، قال: يعني الأئمّة منّا أهل البيت يملكون الأرض في آخر الزمان فيملؤنها عدلاً وقسطا(١١٠).
وعن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال:... قلت: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا)، قال: «ذلك الإمام من ذرّية فاطمة ع يُسئل عن دين رسول الله فيجلى لمن يسأله، فحكى الله قوله: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا)...»(١١١).
 ومن غايات الرجعة استيفاء بقية العمر في قبال الأجل الاخترامي، كما أنَّ أهل القرية وعزير بعد رجعتهم استكملوا آجالهم.
قال الصدوق في رسالة الاعتقادات: اعتقادنا في الرجعة أنَّها حقّ، وقد قال الله عَزَّ وَجَلَّ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُون)(١١٢)، كان هؤلاء سبعين ألف بيت، وكان يقع فيهم الطاعون كلّ سنة، فيخرج الأغنياء لقوّتهم، ويبقى الفقراء لضعفهم، فيقلُّ الطاعون في الذين يخرجون، ويكثر في الذين يقيمون، فيقول الذين يقيمون: لو خرجنا لما أصابنا الطاعون، ويقول الذين خرجوا: لو أقمنا لأصابنا كما أصابهم، فأجمعوا على أنْ يخرجوا جميعاً من ديارهم، إذا كان وقت الطاعون، فخرجوا بأجمعهم فنزلوا على شطّ بحر، فلمَّا وضعوا رحالهم ناداهم الله: موتوا! فماتوا جميعاً فكنستهم المارّة عن الطريق، فبقوا بذلك ما شاء الله تعالى.
ثمّ مرَّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل يقال له: إرميا، فقال: لو شئت يا ربّ لأحييتهم فعمّروا بلادك، ويلدوا عبادك، وعبدوك مع من يعبدك، فأوحى الله تعالى إليه: أفتحبّ أنْ أحييهم لك؟ قال: نعم، فأحياهم الله له، وبعثهم معه، فهؤلاء ماتوا ورجعوا إلى الدنيا ثمّ ماتوا بآجالهم. وقال الله عَزَّ وَجَلَّ (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)(١١٣)، فهذا مات مائة سنة ورجع إلى الدنيا وبقي فيها، ثمّ مات بأجله وهو عزير(١١٤).
ومن الغايات والكمالات المرجو استيفائها في الرجعة: امتحان المستضعفين في الرجعة وتكاملهم بدليل أنَّ لهم حساب والحساب كما مرَّ في الرجعة، وأيضاً مرَّ قاعدة أنَّ لكلّ بشر رجعة لأن له ميتة وقتلة، وكذلك المستضعف له رجعة فيمتحن.
وعن سلمان الفارسي، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فلمَّا نظر إليَّ قال: «يا سلمان إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لم يبعث نبيّاً ولا رسولاً إلّا جعل له اثني عشر نقيباً، قال: قلت: يا رسول الله لقد عرفت هذا من أهل الكتابين، قال: يا سلمان فهل علمت من نقبائي الاثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة من بعدي؟، فقلت: الله ورسوله أعلم: قال: يا سلمان خلقني الله من صفوة نوره ودعاني فأطعته وخلق من نوري عليا فدعاه فأطاعه وخلق من نوري ونور علي فاطمة فدعاها فأطاعته، وخلق منّي ومن علي وفاطمة، الحسن والحسين فدعاهما فأطاعا فسمّانا الله عَزَّ وَجَلَّ بخمسة أسماء من أسمائه: فالله المحمود، وأنا مُحمَّد، والله العلي وهذا علي، والله فاطر وهذهِ فاطمة، والله ذو الإحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين، ثمّ خلق منّا ومن نور الحسين تسعة أئمّة فدعاهم فأطاعوا قبل أنْ يخلق الله عَزَّ وَجَلَّ سماء مبنيّة وأرضاً مدحية، أو هواءً أو ماءً أو ملكاً أو بشراً، وكنّا بعلمه أنوراً نسبّحه ونسمع له ونطيع.
فقال سلمان: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأُمي ما لمن عرف هؤلاء؟ قال: يا سلمان من عرفهم حقّ معرفتهم واقتدى بهم، فوالى وليّهم، وتبرَّأ من عدوّهم فهو والله منّا، يرد حيث نرد، ويسكن حيث نسكن»، قلت: يا رسول الله فهل يكون إيمان بهم بغير معرفة بأسمائهم وأنسابهم؟ فقال: لا يا سلمان، قلت: يا رسول الله فأنّى لي بهم؟ قال: قدْ عرفت إلى الحسين، قال: ثم سيّد العابدين علي بن الحسين ثمّ ابنه مُحمَّد بن علي باقر علم الأوّلين والآخرين من النبيّين والمرسلين، ثمّ جعفر ابن مُحمَّد لسان الله الصادق، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبراً في الله، ثمّ علي بن موسى الرضا لأمر الله، ثمّ مُحمَّد بن علي المختار من خلق الله، ثمّ علي بن مُحمَّد الهادي إلى الله، ثمّ الحسن بن علي الصامت الأمين على دين الله ثمّ (م ح م د) سمّاه باسمه بن الحسن المهدي الناطق القائم بحقّ الله.
قال سلمان: فبكيت ثمّ قلت: يا رسول الله فأنّى لسلمان لإدراكهم؟ قال: يا سلمان إنَّك مدركهم وأمثالك ومن تولّاهم حقيقة المعرفة، قال سلمان: فشكرت الله كثيراً، ثمّ قلت: يا رسول الله إنّي مؤجّل إلى عهدهم؟ قال: يا سلمان اقرأ: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا(١١٥).
 قال سلمان: فاشتدّ بكائي وشوقي، وقلت: يا رسول الله بعهد منك؟ فقال: أي والذي أرسل محمّداً إنَّه لبعهد منّي ولعلي وفاطمة والحسن والحسين، وتسعة أئمّة وكلّ من هو منّا ومظلوم فينا، إي والله يا سلمان، ثمّ ليحضرنَّ إبليس وجنوده وكلّ من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً حتّى يؤخذ بالقصاص والأوتار والثارات ولا يظلم ربّك أحداً، ونحن تأويل هذهِ الآية (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون(١١٦)، قال سلمان: فقمت من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يبالي سلمان متى لقي الموت أو لقيه(١١٧).
والرواية تبيَّن أنَّ من آثار الاعتقاد والمعرفة بالرجعة عدم المبالاة بالموت، وذلك لطموح الأمل بانتظار الفرج الإلهي.
انتشار المعرفة بهم عليهم السلام أعظم إظهاراً للدين:
ومن أعظم وأكبر غايات الرجعة انتشار المعرفة والإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبالأئمة عليهم السلام، وقدْ مرَّ في الباب الأوَّل أنَّ الرجعة مشروع معرفي واعتقادي ودولة معرفة أولا قبل أنْ يكون مشروعاً سياسيا وبناء دولة قدرة.
وقدْ روي في ذيل قوله تعالى: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِين * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون)(١١٨)، قال: «أمير المؤمنين والأئمّة ع إذا رجعوا يعرفهم أعداؤهم إذا رأوهم»(١١٩).
والرواية دالة على أنَّ أعظم نصر وأكبر إظهار للدين ليسَ هو النصر العسكري أو النصر السياسي، بلْ هو النصر المعرفي المعارفي الفكري الاعتقادي، وهو أكبر تأويل لقوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون)(١٢٠)، والمعرفة دالّة على سابقة عهد ذهني إذا أخذ في قوامها ـ بحسب استعمال سياق التركيب في الآية ـ التذكّر والإيمان والإيقان بالآيات فتارة يقابل الجحود والإنكار وأُخرى يقابل التكذيب وهو في الآيات الناطقة، وهو أعظم انحراف وقع فيه اليهود، وندّد به القرآن عليهم في عِدَّة سور.
وقال علي بن إبراهيم القمي في قوله تعالى: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُون)، يعني أمير المؤمنين والأئمّة صلوات الله عليهم في الرجعة، فإذا رأوهم (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين) أي جحدنا بما أشركناهم (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُون)(١٢١)(١٢٢).
إنجاز الوعد الإلهي:
ومن الغايات الإلهية والعقلية لخلقة الأرض وعالم الدنيا كما هو مطرد في كل عالم خلقة: وصوله إلى غايات وكمالات خلقته وهو المسمى في لغة الوحي بالوعد الإلهي، كما أشارت إليه جملة من الآيات والروايات:
١ ـ قال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد)(١٢٣)، وعطف يوم الأشهاد قرينة على تعلّق الظرف بالنصرة، وهذا الوعد صريح في نصرة الرسل أنفسهم لا نصرة ما بعثوا به فقط.
وعن جميل بن دراج، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قلت له: قول الله عَزَّ وَجَلَّ (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد)، قال: «ذلك ـ واللهـ في الرجعة، أمَا علمت أنَّ أنبياء الله كثيراً لم ينصروا في الدنيا وقتلوا، والأئمّة قدْ قتلوا ولم ينصروا فذلك في الرجعة»(١٢٤).
٢ـ قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين)(١٢٥)، والعموم استغراقي ولكلّ الأئمّة والأنبياء وغير مختصّ بالمهدي عجل الله فرجه.
وعن عبدالله بن مسكان عن أبي عبدالله صلوات الله عليه في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ)(١٢٦)، قال: «ما بعث الله نبيّاً من لدن آدم الى عيسى عليه السلام إلّا أن يرجع إلى الدنيا فينصر أمير المؤمنين عليه السلام، وهو قوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) يعني رسول الله، (وَلَتَنصُرُنَّهُ) يعني أمير المؤمنين».
قال القمي: ومثله كثير ومَّا وعد الله تبارك وتعالى الأئمّة من الرجعة والنصر، فقال: (وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ـ يا معشر الائمةـ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)(١٢٧)، فهذا مما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا.
وقوله: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ)(١٢٨)، فهذا كلّه ممَّا يكون في الرجعة(١٢٩).
٣ـ الوعد بالعذاب الأصغر دون الأكبر الأُخروي من وعيد الرجعة، وقدْ تكرَّر في عِدَّة سور، كما في قوله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين)، قال: ذلك إذا خرجوا في الرجعة من القبر، (يَغْشَى النَّاسَ) كلهم الظلمة فيقولون: (هَذَا عَذَابٌ أَلِيم * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُون) فقال الله ردا عليهم، (لَهُمُ الذِّكْرى) في ذلك اليوم وقد جائهم رسول مبين، أي رسول قد تبين لهم (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُون)، قال: قالوا ذلك لمَّا نزل الوحي على رسول الله وأخذه الغشي، فقالوا: هو مجنون، ثم قال: (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُون) يعني إلى القيامة، ولو كان قوله: (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين) في القيامة، لم يقل: (إِنَّكُمْ عَائِدُون)، لأنَّه ليسَ بعد الآخرة والقيامة حالة يعودون إليها، ثم قال: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) يعني في القيامة (إِنَّا مُنتَقِمُون)(١٣٠)،(١٣١) وظاهر(فَارْتَقِبْ) أنَّه مستقبلي لا يقع في حياته الشريفة الأولى صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي قوله تعالى: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون)(١٣٢)، قوله تعالى (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) آل مُحمَّد حقّهم (عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ)، قال: عذاب الرجعة بالسيف(١٣٣).
الاعتقاد بالرجعة وقوة الصبر والتحمل:
إنَّ الاعتقاد بالرجعة باعث لقوّة وقدرة التحمّل والصبر للأئمة عليهم السلام فضلا ًعن غيرهم؛ لأنَّ الأمل منشط للقدرة وللحيوية كما هو فلسفة المعاد، ومن ثَمَّ قرن جبرئيل انباءه للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولفاطمة عليها السلام بشهادة الحسين بالإنباء برجعته وكرَّته وملكه.
قوله: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا)، قال: الإحسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله (بِوَالِدَيْهِ)، إنَّما عنى الحسن والحسين عليهما السلام، ثمّ عطف على الحسين فقال: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا)(١٣٤)، وذلك أنَّ الله أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وبشَّره بالحسين عليه السلام قبل حمله، وأنَّ الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة، ثمّ أخبره بما يصيبه من القتل في نفسه وولده، ثمّ عوَّضه بأنْ جعل الإمامة في عقبه، ثمّ أعلمه أنَّه يُقتل، ثمّ يرده إلى الدنيا وينصره حتّى يقتل أعداءه، ويملّكه الأرض وهو قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ...)(١٣٥)، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون)(١٣٦)، فبشَّر الله نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ أهل بيتك يملكون الأرض ويرجعون إليها، ويقتلون أعداءهم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام بخبر الحسين وقتله فحملته كرهاً لما علمت من ذلك(١٣٧).
وكذلك في ذيل سورة الضحى لشرح صدره بعدما انقطع عنه الوحي أربعين يوماً.
فعن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى)، قال: يعني الكرّة هي الآخرة للنبي صلى الله عليه وآله، قلت: قوله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)(١٣٨)، قال: يعطيك من الجنّة فترضى»(١٣٩).
وإنَّ الوعد بالإعطاء بعد الآخرة دالٌّ على أنَّ المراد بالآخرة الحقبة الآخر من الدنيا، أي الرجعة.
تقرير الإمكان العقلي للرجعة
إنَّ القول بإمكان المعاد كما في (الإيقاظ) يلازم القول بإمكان الرجعة بالأولوية العقلية، إذ تكوينها أقلّ في حاجة الإمكانيات التكوينية بخلاف المعاد فإنَّ فيها تغيّرات كونية عامّة تستلزم قدرات هائلة.
شبهات على الرجعة
١ ـ توبة الظالمين بعودتهم وهي تخالف ما تسالم عند الإمامية من خلودهم في النار.
وجوابه: ما مرَّ مفصلاً في الباب الأوَّل من أنَّ مراتب الاختيار وضيق فرص الاختيار، فليس الحال كالحياة الأُولى بلْ الاقلاع عما كان لا يتمُّ قلعه الا بمرارة شديدة بالغة ومقاساة هائلة من العذاب.
٢ـ إياسهم عن حصول توبتهم.
وجوابه: إن التوبة ليست ممتنعة ولكن كَمَا مَرَّ لا تتحقق حقيقة بمجرد اللسان، ولا بمجرد الندم بعد رسوخ ملكات الرذيلة، بل بهول عظيم من المقاومة والمعاناة لأجل اقتلاع الملكات والعادات الرذيلية والاعتياد للخلق غير المرضي ولأفعال الشرور، وقد مر بسط الكلام بشرح واف في الباب الأوَّل من جهات عديدة.
٣ ـ كيف يبقون على اصرارهم على الغي والعصيان وقدْ عاينوا البرزخ والعذاب؟
وقدْ مر الجواب عنه مفصلاً وإجمالاً إن البرزخ لا يبقى في ذاكرتهم الا كنحو الحلم العابر كالذي يستيقظ من النوم بعد رؤيته لأهوال عظيمة في المنام، فلاحظ مقالة الكفار وأهل الشرور يوم القيامة حين بعثهم كما يرسمه ويصوره قوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُون * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون)(١٤٠).
والحاصل لابدَّ من الالتفات إلى جملة من الأمور ليتضح الحال في أحوال الرجعة، وكذلك أحوال القيامة التي هي أكثر غموضاً وإبهاماً إذا ما قيست بأحوال الحياة الأُولى من الدنيا:
أ ـ إنَّ البرزخ يكون كالحالة المنامية كما تدلُّ عليه الآيات والروايات.
ب ـ جبال الملكات الرديئة مانعة كالجبال الثقال وإنْ لم يستحيل التغيير لكن بمكابدة عذاب المرارة المهولة.
جـ إنَّ التوبة وإنْ لم تكن مستحيلة إلّا أنَّها حقيقة لا تتحقق بالتمني والخواطر واللسان، بلْ بمداواة جراحية لاستئصال جواهر ظلمانية في أعماق النفس، وكم هي معاناة فصل العضو البدني فكيف بالتجوهر في ذات النفس، ولك أن تراجع قدرتك في هذا العمر هل يسهل عليك ترك الاعتياد وما تطبعت عليه من سيء أعمال ورديء أخلاق.
وهناك جملة أمور أُخرى تقدم بسطها في الباب الأوَّل فلاحظها.
الحكيم علي النوري: تعدد غايات الرجعة عمومها لأفراد البشر
قال في تعليقته على تفسير القرآن الكريم للملا صدرا: حيث خصص الرجعة بالأرواح العالية: وفيه نظر لا يخفى، وحق الجواب هو اختصاص أهل الرجعة بغير الهالكين بهلاك الاستيصال، فإنَّ الرحمة الواسعة تأبى من أنْ يعذب بعذاب الاستيصال مرتين، كما ورد في الحديث عن أئمتنا عليهم السلام ـ هذا.
وفي جوابه ما لا يخفى، إذْ أمر الرجعة لا تختص بالنفوس الكاملة في السعادة، بلْ ذلك الرجوع ـ حسبما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ـ يعم المؤمن والكافر، الكاملين البالغين في الإيمان والكفر وليسَ سر الرجعة منحصراً في إستخلاص الاسارى، كما لا يخفى من تتبع أخبار الرجعة وأحاديثها، بلْ السر في حل إشكال هذهِ الآية ـ التي بظاهر منطوقها احتج وتمسك الخصم المنكر للرجعة ـ هو ما تضمنه الحديث الوارد عنهم عليهم السلام من كون حكم الرجعة مختصاً بغير الهالكين، أي المهلكين بعذاب الاستيصال في الدنيا.
وهذا هو مقتضى العدل والعدالة، فإنَّ حكم الرجعة من باب الكفرة البالغين في دركات الكفر والعداوة للحق وأهله، هو معاينة ضرب من النقمة والعذاب في الدنيا كمعاينة أهل عذاب الاستيصال قبل عذاب الآخرة فافهم ولا تغفل!.
الحكيم النوري: برهان عقلي على الرجعة قبل القيامة الكبرى
وقال في تعليقة أُخرى على موضع من تفسير الملا صدرا في مقام الجمع بين التزامه بالقول بالرجعة وقطعيته وقوله الآخر بأنَّ النفوس لا ترجع إلى البدن الدنيوي بدعوى أن الرجعة تستلزم التناسخ.
حيث قال الملا صدرا في ذيل قوله سبحانه: (فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إِلى‏ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ).
هذا إخبار عما يغشي الناس في النفخة الأولى عند قيام الساعة من الأحوال والأهوال.
قال: وما ذكره من الأحوال المشتركة بين القيامتين الكبرى والصغرى.
أمَّا أنَّهم لا يستطيعون ـ أي لا يقدرون على الإيصاء بشيء ينفعهم في أمر آخرتهم أو في أعقابهم وأخلافهم ـ فلانقطاع العمل والسعي عند قيام الساعة وانتفاء العقب والأهل والولد بعد الموت، لأن ثبوت الشيء للشيء واضافته إليه متوقف على بقاء ذلك الشيء المنسوب إليه بل بقاء الطرفين، والأوَّل منتف في القيامة الصغرى، والثاني في الكبرى.
وأمَّا نفي القدرة على الرجوع إلى أهلهم لما علمت من استحالة رجوع النفوس من نشأة وقعوا فيها إلى نشأة سابقة عليها، فلأن الطبائع مفطورة على التوجه إلى غاياتها الذاتية، والتوجّهات الفطرية والتطوّرات الطبيعية ممتنعة الانعكاس والانقلاب ـ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ـ وهذا أصل متين قد ابتنى عليه كثير من القواعد والأحكام، وقد بنينا عليه إبطال التناسخ كما هو مذكور في مقامه.(١٤١)
برهان عقلي آخر على الرجعة
قال المولى علي النوري في ذيل قول ملا صدرا:
(لما علمت من استحالة رجوع النفوس) قال: هذا بظاهره لا يلائم القول بالرجعة التي يقول بها أصحابنا الإمامية والطائفة المحقة، والمفسر قدس سره ـ وهو من أساطين الحكمة المطلقة والعلوم الحقة الحقيقية الموروثة من أهل بيت الولاية والعصمة عليهم السلام ممن له قدم راسخ في القول بها والذب عنها كما سبق منه الذب والدفع قبيل هذا في ذيل تفسيره الآية الكريمة: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ).
وأما وجه الكشف عن سر وجه الجمع ـ بين ما صرح به هاهنا من الاستحالة وبين ما سبق منه قبيل هذا من الذب والدفع عن الرجعة المعروفة من مذهبنا المعروفة الموروثة من سادتنا وأئمتنا عليهم السلام هو الفرق والتفرقة بين نشأتي القيامتين الصغرى ـ المعروفة بعالم القبر والبرزخ المتوسط بين النشأتين:
نشأة الدنيا ونشأة الآخرة الكبرى المعروفة بالساعة التي بعث عند قيامها كل من في ال
قبور - وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ -، وهو يوم البعث والنشور، لمكان سر إمكان رجوع الأنفس المقبورة إلى الدنيا ما دامت الأنفس برزخية موجودة بوجود متوسط بين الدنيا والآخرة الكبرى، متعلقة بضرب من التعلق بالدنيا، باقية تعلقاتها بأبدانها الدنيوية بقاء لا يعرفه إلا الراسخون في العلم عليهم السلام وبعدهم عليهم السلام من اقتبس نوره من مشكاة ولايتهم مع صيرورة أبدانها تراباً وعظامها رميما.
وأمَّا سّر استحالة رجوعها إلى الدنيا عند قيام الساعة وتحقق النفخة الأُولى التي بها يتحقق فناء دار الدنيا طرا، ويرتفع كلها رأسا، ويصعق كل من في السموات العلى والأرضين السفلى جمعاً وجميعاً، ويرتفع آثار علاقة النفس بالدنيا كلية: فهو انصرام أجل الدنيا بما فيها، وقلع أصول أشجارها ورقائق أصولها ودقائقها، بحيث لا يبقى منه علاقة من علائق الأنفس بها، لانتفاء مادة التعلق رأسا، وجهة العلاقة طرا، بانتهاء الشجرة إلى الثمرة القصوى وانقلاب المادة إلى الصورة التي هي الصورة القصوى بشراشر وجودها هذا ـ فافهم‏.(١٤٢)
أقول: قَدْ بين الحكيم النوري برهاناً على الرجعة وهو مؤلف من مقدمات:
المقدمة الأُولى: إنَّ الأنفس المقبورة والنفس البرزخية متعلقة بنحو وبضرب من التعلق بالدنيا، وباقية تعلقاتها بأبدانها الدنيوية بقاءا غير محسوس ولا مرئي، لكنه موجود ومستمر غير منقطع كما هو الحال في النائم نوماً عميقاً بلْ أشدّ بكثير.
المقدمة الثانية: إنَّ الأنفس البرزخية موجودة بوجود متوسط بين الدنيا والآخرة الكبرى.
المقدمة الثالثة: إنَّ الوجود المتوسط لا ينقطع تعلقه بمادَّة أجسام الدنيا، فالعلاقة تظل باقية وإنْ صارت الأبدان الغليظة تراباً وعظاماً لكنَّها تبقى متعلقة بمادة لطيفة دنيوية غير مرئية كما أشارت إلى ذلك النصوص من أهل البيت عليهم السلام.
المقدمة الرابعة: استحالة رجوع النفوس إلى الدنيا عند القيامة الكبرى والنفخ في الصور، وذلك بسبب انقطاع علاقة النفس بالمادة الدنيوية تماماً سواء المادة الغليظة أو المادة اللطيفة الدنيوية؛ وذلك لصيرورة الأجسام صورة محضة متمحِّضة في الكمال الجسماني في بُعد الصورة الجوهرية فلا مادة قابلة للتكامل، وهذا مبنى النوري في المعاد أنَّ صيرورة الأجسام وحركتها الجوهرية حيث مقام الأرواح، أي حيث تقوم هي بها لا العكس كان في بدء النشأة الدنيوية الجسمانية.
وبذلك يتبيِّن برهان على ضرورة عود الأنفس البرزخية إلى دار الدنيا كي يحصل لها التكامل ويشتدّ كماله إلى درجة تصل إلى اشتداد كمال الآخرة من حيث الأجسام والصور.
وقال في تعليقته على تفسير الملا صدرا أيضاً قوله: (في كل سبعة أيام) إنَّ هذا القضاء وجريان حكم النفوس الكلية في النفوس الجزئية لهو في القيامة الوسطى التي هي يوم الرجعة تتكرر هذهِ السبعة التي هي أسبوع واحد من الأسابع السبعة، ويوم الكرة هو يوم دولة آل مُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم الذي قلنا به ولم يقل به مخالفونا فلا تغفل(١٤٣).
أقول: ويشير النوري أيضا إلى كلام الملا صدرا في ذيل الآية/٣١ من سورة يس حيث قال: وفي الكشاف: «هذا مما يرد قول أهل الرجعة» وفيه نظر لا يخفى على المنصف، فإن عدم رجعة قرون من الكفرة الناقصين الهالكين هلاك الأبد لا يدلُّ على عدم رجعة غيرهم من النفوس الكاملة الحيّة بحياة العلم والعرفان، فلا استحالة في إنزال الأرواح العالية بإذن الله وقدرته في هذا العالم لخلاص الأسارى والمحبوسين بقيود التعلقات من هذا السجن.
وأما ما نقله تأييداً لمذهبه من منع الرجعة من قوله: «و يحكى عن ابن عباس أنه قيل له: إن قوما يزعمون أنَّ علياً عليه السلام مبعوث قبل يوم القيامة. فقال بئس القوم، نحن اذن نكحنا نسائه وقسّمنا ميراثه» فمدفوع بأنه مجرَّد حكاية غير معلومة الصحة، وعلى تقدير صحة الرواية عنه فالمروي ممنوع، فإنَّ المتبع في الاعتقاديات إمَّا البرهان وإمَّا النقل الصحيح القطعي عن أهل العصمة والولاية.
وقدْ صحَّ عندنا بالروايات المتظافرة عن أئمتنا وساداتنا من أهل بيت النبوة والعلم حقّية مذهب الرجعة ووقوعها عند ظهور قائم آل مُحمَّد ـ عليه وعليهم السلام ـ والعقل أيضاً لا يمنعه لوقوع مثله كثيراً، من إحياء الموتى بإذن الله بيد أنبيائه كعيسى وشمعون وغيرهما ـ على نبينا وآله وعليهم السلام ـ(١٤٤).
أقول: وسيأتي في كلام العلامة الطباطبائي والمحقق الشاه آبادي والفقيه الحكيم الرفيعي القزويني أنَّ الرجعة بعث في الأجساد ومن القبر بالبدن السابق لا ببدن جديد، وهي بهذا التفسير لا تستلزم التناسخ كما توهمه عبارة الحكيم ملا صدرا ويوهمه كلامه في الأسفار وسائر كتبه.
ومن ثم عدل الملا صدرا إلى تفسير الرجعة بالإنزال والنزول والتنزل لا البعث في الأجساد. وقدْ مرَّ أن حقيقة الرجعة مغايرة للنزول والتنزل والانزال فإنه ليس بعثا ولا احياءا للموتى، بل هو كتنزل الملائكة وتكثف اللطيف، بينما الرجعة خروج بالبدن المقبور.
كما أنه يرد على توجيهه لحقيقة الرجعة أنَّ الرجعة لا تختص بالأرواح العالية بلْ كذلك تعم وتشمل الأرواح السافلة في الدركات بمقتضى أنَّ الرجعة تعم من محض الإيمان محضا ومن محض الكفر محضاً، بلْ تقدم في الباب الأوَّل ـ وسيأتي في الباب الثالث ـ أنَّ الرجعة في أواخرها عامة لجميع البشر حتّى المستضعفين، بلْ مرَّت رواية معتبرة مفسَّرة للاختصاص لا في أصل الرجعة بلْ المحاسبة والمجازاة في الرجعة كما هو الحال في عالم القبر فإنَّه عام للجميع إنَّما المختصّ مسائلة القبر بمن محض الإيمان ومن محضر الكفر.
واعلم أنَّه قدْ استدل على إمكان الرجعة وصحة وقوعها جملة من علماء الإمامية سواء كان على الصعيد الكلامي أو الفلسفي أو العرفاني.
كما أنَّه قدْ استدل جملة منهم على ضرورة وقوعها عقلا بجملة من الوجوه والأدلة، وإليك سرد لجملة من هذهِ الكلمات والاستدلالات:
١ ـ قَالَ السيد المرتضى في رسائله: لأنَّ الله تعالى قادر على إيجاد الجواهر بعد إعدامها، وإذا كان عليها قادراً جاز أنْ يوجدها متى شاء، والأعراض التي بها يكون أحدنا حياً مخصوصاً على ضربين:
أحدهما: لا خلاف في أنَّ الإعادة بعينها غير واجبة كالكون والاعتماد وما يجري مجرى ذلك.
 والضرب الآخر: اختلف في وجوب إعادته بعينه ـ وهو الحياة والتأليف ـ وقد بينا في كتاب الذخيرة أنَّ الإعادة بعينها غير واجبة إنْ ثبت إنَّ الحياة والتأليف من الأجناس الباقية، ففي ذلك شك فالإعادة جائزة صحيحة على كل حال(١٤٥).
٢ ـ ما تقدم من استدلال الملا صدرا في تفسيره ردا على صاحب الكشاف من توهمه بطلان الرجعة من قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ). حيث قال في ذيل رده:
وقد صحَّ عندنا بالروايات المتظافرة عن أئمتنا وسادتنا من أهل بيت النبوة والعلم حقية مذهب الرجعة ووقوعها عند ظهور قائم آل مُحمَّد عليه وعليهم السلام، والعقل أيضاً لا يمنعه لوقوع مثله كثيراً من إحياء الموتى بإذن الله بيد أنبيائه كعيسى وشمعون وغيرهما على نبينا وآله وعليهم السلام.
ثم يحتمل أنْ يرجع ضمير «أنهم» إلى الكفرة وضمير «إليهم» إلى القرون ويكون معناه: أنَّ هؤلاء لا يرجعون ـ بحسب القوة والقدرة أو الشوكة والجاه أو العدة والكثرة ـ إليهم، فكيف لا يعتبرون بمن سبقهم؟
ولا يبعد أنْ يكون المراد هلاكهم بحسب موت الجهل والكفر والعناء هلاكاً سرمدياً، فحينئذٍ معنى «أنَّهم لا يرجعون» أي في شِدَّة الجحود والنفاق والاستكبار والاغترار بالظنون الفاسدة والعقائد الباطلة، كما هو شيمة أصحاب الجدال وأهل المكر والاحتيال، الذين هم أعدى أعداء الله ورسوله كما ذكر وصفهم وذمهم في القرآن كثيراً.
ويؤيِّد هذا الحمل: كون هذه الآية عقيب قوله‏ (وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُون) فالمعنى أنَّ هؤلاء لا يصلون في الاستهزاء بالرسول إلى من أهلكنا قبلهم من المستهزئين بالرسل الذين كانوا أشد منهم في الجحود والاستهزاء على وزان قوله تعالى: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ) (كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا)(١٤٦).
ويستفاد من كلامه:
أوَّلاً: ذهابه إلى كون الرجعة فعل إحياء يقوم به خلفاء الله في أرضه بإذن من الله وإقدار منه تعالى.
الثاني: تفسيره العقلي للرجعة بأنَّها إنزال الأرواح لا بعث الأرواح في الأجساد، وقدْ مرَّ كراراً في الباب الأوَّل ـ وسيأتي في الباب الثالث ـ أنَّ النزول والإنزال والتنزل يختلف عن بعث الرجعة.
الجناباذي: تقرير عقلي للرجعة
قال في تفسير قوله تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً).
قدْ فسّر الهدى في أخبار عديدة بولاية أمير المؤمنين عليه السلام وبعلىّ عليه السلام نفسه، وهكذا فسّر الذّكر والمراد بالمعيشة الضنّك:
إمّا الضيّق في ما يحتاج إليه في الدّنيا من المأكول والملبوس وغيرهما، وبهذا الاعتبار فسّرت بالضّيق في الرّجعة في أخبار كثيرة وأنَّهم يأكلون العذرة، وإما فسّر في بعض الأخبار بعذاب القبر وضنكه.
والتّحقيق: إنّ الرّاحة وضعها الله تعالى في الآخرة الّتي قلب الإنسان أنموذج منها، وسعة العيش والرّاحة للإنسان ليست الّا من طريق القلب الّذى هو طريق الولاية وطريق الآخرة، وضيق العيش وعناؤه ليس الّا من الدّنيا الّتي هي أنموذج الجحيم وطريقها، ومن أعرض عن الذّكر الّذي هو الولاية الّتي هي طريق القلب وطريق الآخرة توجّه إلى الدّنيا الّتي هي طريق الجحيم وفيها العناء والضّيق.
ومن توجّه إلى الدّنيا سدّ باب الرّاحة على نفسه وفتح باب الضّيق والتّعب عليها، وكان في ضيق استشعر به أم لم يستشعر، ومن تولّى عليّاً عليه السلام وفتح طريق القلب فتح طريق الرّاحة على نفسه، فإن دخل في باب القلب والآخرة دخل في السّعة والرّاحة، وإن لم يدخل كان في عناء لبقائه بعد في الدّنيا لكنّه كان في طريق الوصول إلى الرّاحة، وضيق العيش في الدّنيا وضيق الصّدر وضيق القبر وضيق العيش في الرّجعة كلّها لازم لسدّ طريق القلب.
(ونَحْشُرُهُ) قرئ بالرّفع، وقرئ في الشّواذّ بالجزم (يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى)‏ عن الولاية والامام والآيات ونعيم الآخرة (قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ وقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) قيل: يحشر من قبره بصيرا وإذا أتى المحشر يصير أعمى (قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا) العظمى الّتي هم الأنبياء والأولياء عليهم السلام، وآياتنا الصّغرى الّتي هي آيات الآفاق والأنفس (فَنَسِيتَها وكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى‏) أي تركتها ولم تتبعها، وكذلك اليوم تترك ولا يعتنى بك (وكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ) في التّوجّه إلى الدّنيا زائدا على قدر الواجب والنّدب (ولَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ) الّتي هم الأنبياء والأولياء عليهم السلام (ولَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وأَبْقى‏) من النّسيان والحشر أعمى ومن ضيق المعيشة حتّى أنّها تعدّ في مقابل عذاب الآخرة نعمة.(١٤٧)
أقول: ما ذكره في هذا المقام في غاية الجودة وهو قدْ استشعره من روايات الرجعة من أنَّ وضع ومكانة كل إنسان في الرجعة مسبب عن أعماله في الحياة الأولى من الدنيا.
وقال في تفسير سورة الحجر في ذيل قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُور) قال: (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ) من الجمادية بالحياة الحيوانية أو من الحيوانية بالحياة البشرية أو من البشرية بالحياة الإنسانية، (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) عن الحياة الحيوانية والبشرية عند الموت، أو عن الحياة الإنسانية أيضاً عند النفخة الأولى، (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) بالحياة الإنسانية أو البهيمية أو السبعية أو الشيطانية عند الرجعة (إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُور) بنعمة الإحياء الأوَّل، ولذلك لا ينتبه إلى نعمة الإحياء الثاني، وهو جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما حال الإنسان أيشكر أم يكفر ـ أو بمعنى أنَّ الإنسان لجحود يعني سجيته الجحود، لأنَّه يجحد الإعادة والمبدأ مع الأدلة الواضحة على الإبداء والإعادة) انتهى(١٤٨).
ويستفاد من كلامه:
١ ـ تفسير النفخة الأولى بأنَّها الإحياء في الرجعة مقابل النفخة الثانية وهي الإحياء يوم القيامة.
٢ ـ كما أنَّه يشير إلى أنَّ الموت والإماتة في أفراد البشر درجات، فمنهم من يموت عن الحياة الحيوانية والبشرية، ومنهم من يموت عن الحياة الإنسانية، كما أنَّ الإحياء في الرجعة على درجات بحسب الصورة الجوهرية التي اكتسبها الإنسان من الحياة الأولى من الدنيا.
٣ ـ كما أنَّه يشير إلى أنَّ العصاة ومن محّض الكفر يزداد جحوداً في الرجعة لجحوده نعمة الإحياء الثاني بعد كون جحودهم كفورٌ بنعمة الإحياء الأوَّل.
وَقَدْ مرَّ في الباب الأوَّل الإشارة إلى ذلك في مضمون الروايات الواردة، وأنَّ الكفر في الرجعة أشد عتواً من الكفر في الحياة الدنيا الأولى، وإنَّ الرجعة تكون للكافرين فتنة أكثر لدعواهم بأنَّ الحياة بعد الموت في دار الدنيا من الدوران والدورة الطبيعية للدنيا ليس الا.
الرجعة جعل النفس التي بالفعل ذات قدرة لإحياء البدن الميت
وقال في تفسير سورة الدخان في ذيل قوله تعالى: (إِنَّ هَؤُلاَء لَيَقُولُون * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى) أي أنَّ الموتة أو أنَّ الفتنة أو أنَّ العاقبة ونهاية الأمر (إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى) إنكاراً للمعاد، (وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ) معادين مبعوثين (فَأْتُوا بِآبَائِنَا) الميتين بالموتة الأولى (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في وعد الإعادة والثواب والعقاب، جعلوا الإعادة والبعث في الآخرة والانتهاء عن الدنيا في الدنيا، فقاسوا قياساً سقيماً ولم يدروا أنَّ من صار بالفعل لا يمكن أنْ يعيد بالقوة والإعادة في الدنيا لا تكون إلّا بجعل ما بالفعل بالقوة، وأمَّا الرجعة إلى الدنيا التي ذكرت في الأخبار فهي بنحو الإجمال وقال بها الفقهاء رضوان الله عليهم وإحياء الأموات الذي نسب إلى الأكابر فهي ليست بجعل بالفعل بالقوة، وإنَّما هي توسعة من الكامل في وجود الميت(١٤٩).
أقول: قدْ تعرض إلى جواب اعتراض وشبهة ذات إعضال يتوهم الإيراد بها على القول بالرجعة وهي: أنَّ الرجعة إلى الدنيا إلى نفس البدن الدنيوي السابق هذا يستلزم جعل النفس التي صارت بالفعل حائزة جملة من درجات الوجود مرة أُخرى بالقوة، فيسلب عنها ما قدْ اكتسبته من كمال أو صور خيرية أو شرية.
فأجاب: بأنَّ الإعادة في الدنيا غير الرجعة إلى الدنيا، أي الإعادة التي يطلبها المشركون من الصيرورة في الأصلاب ثم الأرحام ثم الولادة كالحياة الأولى من الدنيا لأنَّها تستلزم جعل ما بالفعل بالقوة وهذا بخلاف الرجعة إلى الدنيا فإنَّها بعث بالبدن السابق من القبور وتنشيط وتفعيل بزيادة الكمال للوجود البدني لذلك الميت وهي توسعة في التكامل.
* قال العلامة حسن زادة حول هذا الاعتراض في كتابه (عيون مسائل النفس) في التكامل البرزخي والبحث عن تكامل النفوس بعد انقطاعها عن هذهِ النشأة في برازخها: ورود هذا البحث في الصحف العقلية إنَّما كان من قبل الشرائع الإلهية وإلّا فالعقل وحده لا يحكم بذلك، وبعد ما نطق الشرع به تصدى العقل لإقامة البرهان عليه وتعرض بوجدان السبيل إلى دليله.
فالتكامل البرزخي صار من أغمض المسائل العقلية، لأنَّ الاستكمال لا يتحقق إلّا بالحركة والاستعداد والخروج من القوة إلى الفعل، وبعد انقطاع النفس عن نشأة الحركة كيف يتصور فيها الاستكمال! وغاية ما تيسّر لنا من الفحص والبحث عن ذلك هي ما حررناها في النكتة السابعة والثلاثين وستمائة من ألف نكتة ونكتة فراجع إليها، وليسَ لنا مزيد تحقيق وراء ما فيها حتّى نذكره ههنا، ولا يبعد أنْ يكون ذلك التحقيق في التكامل البرزخي هو معنى من معاني الرجعة أيضاً فتبصر(١٥٠).
أقول: كون الرجعة تكاملا هذا قول متين في محلّه لكن ليسَ تكاملاً برزخياً بمعنى البقاء والمكث في البرزخ ممن قد طوى بعض درجات الكمال بالفعل في حياة الدنيا الأولى، بل الرجعة هي زيادة كمال لوجود الشخص بتفعيل بدن الميت احياء وبعثا.
الجناباذي: إنَّ علياً هو النبأ العظيم وهو الرجعة
وقال في تفسير سورة النازعات في ذيل الآية (إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها) يعني أنَّ الساعة منتهاها الرب، فإنْ كنت تقدر على معرفة الرب تقدر على معرفتها، أو المعنى إلى ربك المضاف وظهوره منتهى وقت الساعة يعني أنَّ الساعة ـ أي وقت القيام عند الله ـ من أول الموت إلى ظهور ربك عليك، وحين ظهور الرب يكون تمام القيام عند الله سواء كان الموت اختيارياً أو اضطرارياً، ولذلك فسَّرت الساعة تارةً بظهور القائم عجل الله فرجه، وتارة بالقيامة، وتارة بالرجعة، وتارة بالموت.
فإنَّ الكل بعد طي البرازخ ـ اختياراً أو اضطراراً ـ ينتهي إلى علي عليه السلام، فإنَّ إياب الخلق إليه وحسابهم عليه ورجوعهم إليه عليه السلام وهو قيامتهم وهو رجعتهم، سواء جعل المراد بالرجعة الرجعة إلى الصحو بعد المحو، أو إلى القوى والجنود بعد الفناء عنها، أو الرجعة إلى الآخرة وهو ظاهر، أو الرجعة إلى الدنيا، فإنَّه بعد رجوعهم إلى إمامهم كان أوَّل رجعتهم إلى الدنيا وإلى المراتب الدانية التي كانوا مدبرين معرضين عنها(١٥١).
أقول: وفي كلامه جملة من الفوائد:
١ ـ تفسيره للساعة بأربعة معاني، وسيأتي الإشارة إليها في الروايات في الباب الرابع.
٢ ـ تفسيره بأنَّ المعاد هو لقيا أمير المؤمنين عليه السلام في يوم الفصل إذ هو خليفة الله وخليفة رسوله على العباد، كما وردت الروايات بأنَّ النبأ العظيم علي عليه السلام، وكما إنَّ المعاد هو لقياه فكذلك هو الرجعة.
نظير ما أشير إليه في جملة من الزيارات والروايات أنَّ إياب الخلق إلى أهل البيت عليهم السلام وإلى علي عليه السلام، وحسابهم عليه وعليهم عليهم السلام، لأنَّهم خلفاء الله، إذْ الباري تعالى ليسَ بجسم ولا جسماني، كما هو الحال في ملائكة الجنان وملائكة العذاب، ومن ثم علي عليه السلام قسيم الجنة والنار، وأنَّ المعاد قوامه بالحكم عن الله لا بالظرف المكاني لطبيعة نشأة المعاد فحسب.
 ثم بين أن الكل إنَّما ينتهون إلى علي عليه السلام في النشأة اللاحقة بعد طيهم برازخ كثيرة، وذلك يتخلله رجعات وموتات، وأنَّ مشاهدة الكل للآيات في المراحل المختلفة من الإحياء والإماتة إنَّما هي انعكاس للآية الكبرى لله تعالى، والآية الكبرى هي علي عليه السلام بعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم! فترجع الآيات في الآفاق والعوالم إلى أنها ظهورات وآيات لهذه الآية الإلهية.
فمن ثم كانت الرجعة والمعاد والقيامة تؤول إليه عليه السلام بما هو آية كبرى لله تعالى.
نعم قد تكون كيفية ذلك البدن في الرجعة وقدراته ـ مع كونه في دار الدنيا ـ متميزة ببطانة أو طاقة أو قدرات خاصة كما يظهر من جملة من الروايات الآتية في الباب الثالث.
فمن ثم فسّر (النبأ العظيم) في الروايات المستفيضة بعلي عليه السلام، ومنه يظهر سبب رؤية المؤمن والكافر عند الموت والاحتضار لأهل البيت عليهم السلام، لذا قد ورد أنَّ علياً صاحب الرجعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم صاحب الآخرة.
٣ ـ تفسيره الرجعة بعدة رجعات، كالرجعة إلى الصحو بعد المحو أو كالرجعة إلى القوى النازلة في النفس والجنود بعد الفناء عنها في المشاهدة والشهود والمكاشفة أو كالرجعة إلى الآخرة وهي المعاد الأكبر أو كالرجعة إلى الدنيا.
الرجعة السفر الثالث من الأسفار الأربعة
قال السيد مصطفى الخميني في تفسيره للقرآن الكريم مطابقاً لما تقدم من كلام الجناباذي في تفسير حقيقة الرجعة، فجعل الرجعة من السفر الثالث وهو سفر بالحق في الخلق(١٥٢).
وقال السيد في موضع آخر تفسيره تحت عنوان (المسألة الثالثة حول إعادة المعدوم) في تفسير قوله تعالى (وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون)(١٥٣):
ومن الغريب توهم بعض أرباب الكشف أنَّ الإحياء الثاني هو الإعادة في هذهِ الدنيا ثم بعد ذلك «إليه ترجعون»، ولعلّه اشتباه في النقل وغلط في الفهم أو تصور في الكشف، ولو كان مفاد الآية ما تخيّله ليكون الرجعة لكلّ أحد، مع أنها لجماعة خاصة وليست الرجعة إلّا بالمعنى الذي يساعد عليه النقل والعقل، والكشف بأخبار الآحاد في هذهِ المسائل العقلية والاعتقادية غير جائز عند علمائنا الأصوليين، بلْ والظواهر في هذهِ المواقف موكولة إلى أهله، دون العقول السوقية والأفهام البدوية، ولا يقاس فقه الله الأكبر بفقه الله الأصغر(١٥٤).
أقول: ظاهره تفسير الرجعة بغير الإعادة إلى الدنيا مع أنَّ الذي ارتضاه من تفسير الجناباذي للرجعة بالسفر الثالث والرابع وأنه الرجوع والإعادة إلى الدنيا.
نعم، كمالات الروح في الرجعة بالبدن الدنيوي كسفر ثالث ورابع ليسَ كحالة الروح بالقوة في مبتدء الحياة الأولى في الدنيا، فهي في الرجعة أصبحت بالفعل ولكن لا زالت تتكامل وتستوفي فعليات لم تستوفها من قبل.
وقد أشار إلى ذلك كل من الحكيم الشاه آبادي والسيد الرفيعي والعلامة الطباطبائي.
وأمَّا أنَّ هذا المفاد هو من أخبار الآحاد فليس في محله، فإنَّ مفاد رجوع البدن الدنيوي والخروج من القبر مفاداً وظهوراً متواترا من الروايات.
تأييد أرواح الموتى للأحياء والرجعة:
قال صاحب تفسير روح البيان ـ وهو من المخالفين الصوفية ـ في سورة يس في ذيل قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُون)(١٥٥).
وهذهِ الآية ترد قول أهل الرجعة، أي من يزعم أنَّ من الخلق من يرجع قبل القيامة بعد الموت إلى أنْ قال: بأنَّ علياً وأصحابه يرجعون إلى الدنيا فينقمون من أعدائهم، ويملؤون الأرض قسطاً كما ملئت جوراً، وذلك القول مخالف للنص.
نعم أنَّ روحانية علي رضي الله عنه من وزراء المهدي في آخر الزمان على ما عليه أهل الحقائق، ولا يلزم من ذلك محذور قطعاً لأنَّ الأرواح تعين الأرواح والأجسام في كل وقت وحال فاعرف هذا(١٥٦).
أقول: ستعرف في بحث الرجعة والقرآن أنَّ الآية أجنبية عن نفي الرجعة، وإنَّما هي في صدد إثبات قاهرية الله للعباد بالموت لما وَرَدَ عنهم في دعاء الجوشن: «يا من في الممات قدرته»، ومن ثم مفاد الآية تنفي رجوع الموتى إليهم حين سوقهم إلى الموت والبرزخ أو بلا مكث فيه يجازون فيه بقسط من الجزاء، ولا تنفي رجوع الموتى إلى الدنيا ولو بعد حين.
أو أنَّ الآية تنفي رجوع من وقع عليه الهلاك والعذاب العاجل من الأمم وهؤلاء مستثنون من الرجعة كما في قوله تعالى (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُون)(١٥٧) حيث أشارت الروايات من أهل البيت عليهم السلام إلى مفاد هذهِ الآية ـ كما سيأتي مفصلاً ـ أنَّ من عذّب من الأقوام والأمم لا يرجعون في الرجعة وهم مستثنون من عموم الرجعة.
إلى هُنَا وصلت...........
وهذا القائل حيث غفل عن بيانات أهل البيت عليهم السلام شط به الكلام إلى ما ترى فلم يبصر قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون)(١٥٨) بخلاف حشر القيامة الذي أشير إليه في قوله تعالى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)(١٥٩) فإنَّه حشر لجميع الناس، وقد أشير إلى ذلك كله في روايات أهل البيت عليهم السلام إلى غير ذلك من عشرات الآيات الدالة على الرجعة كما سيأتي.
وأمَّا تمكين أئمة الحق الذين استضعفوا لينتقموا من الظالمين فهو مفاد قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين)(١٦٠)، فإنَّ هذهِ سنة الله لا تتبدل ولا تتحول.
وأمَّا تفسيره للرجعة بإعانة أرواح الموتى للأحياء والذي هو من باب التأييد منها للأحياء وقريب من النزول والإنزال لأرواح الموتى ببدن برزخي فسيأتي بيان الفارق بين حقيقة كل منها مع حقيقة الرجعة في الباب الثالث.
استدلال جماعة من أعلام هذا العصر
وقد استدلَّ غالب علماء الإمامية بأنَّ إحياء الموتى في هذهِ الدنيا ورجوعهم إليها ليسَ بمحال، بلْ قدْ وقع بكثرة وفي موارد عديدة كما أشار إليه القرآن، كما أنَّ إحياء جميع البشر في يوم القيامة الكبرى أمرٌ ممكن بلْ ضروري الوقوع، فأي استنكار للعقل من إحياء الموتى قبل يوم القيامة إلى دار الدنيا في عهد الرجعة!
وهذا الاستنكار ليس إلّا كاستنكار عقيدة المعاد، والتعجب والسخرية منها كالتعجب والسخرية من المعاد بعد كون الرجعة نوعاً من المعاد، والعقل لا يحكم على مثل هذا الأمر بالاستحالة وقدرة الله واسعة، وهذهِ الأمور عنده هيّنة يسيرة.
* وقال العلامة حسن زاده الآملي في كتابه (عيون مسائل النفس): ثم إنَّ للعلامة القيصري بحثاً مفيداً في المقام أفاده في شرحه على آخر الفص من فصوص الحكم للشيخ العارف العربي ولنا ولغيرنا أيضاً في بيان ما أفاده إشارات، نأتي بها جميعاً تتميماً للفائدة ومزيداً للاستبصار وهي ما يلي:
وما جاء في كلام الأولياء مما يشبه التناسخ إنَّما هو بحكم أحدية الحقيقة وسريانها في صور مختلفة كسريان المعنى الكلي في صور جزئياته وظهور هوية الحق في مظاهر أسمائه وصفاته، لذلك نفوا التناسخ حين صدر منهم مثل هذا الكلام، كما قال الشيخ العارف المحقق ابن الفارض ـ قدس الله روحه ـ

فمن قائل بالنسخ فالمسخ لائق * * * به ابرأ وكن عما يراه بعزلة

وللروح ـ من أوّل تنزلاته إلى الموطن الدنياوي ـ صور كثيرة بحسب المواطن التي يعبّر عليها في النزول وصور برزخية على حسب هيئاتها الروحانية، وصور جنانية وصور جهنمية تطلبها الأعمال الحسنة والأفعال القبيحة تظهر فيها عند الرجوع، وإشاراتهم كلها راجعة إليها لا إلى الأبدان العنصرية، لعدم انحصار العوالم، وأيضاً ليسَ قوة هذا الظهور بعد الانتقال إلى الغيب إلّا للكمل المسّرحين في العوالم لا للمقيدين في البرازخ والمحجوبين فيها كما قال تعالى حاكياً عنهم: (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين)(١٦١) وقال: (وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ)(١٦٢)، وقال (انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ)(١٦٣).
وكما أنَّهم عند كونهم في الشهادة لا يمنعون من الدخول في عالم الغيب كذلك عند كونهم في الغيب لا يمنعون من الظهور في الشهادة إذا طلبوا من الحق بلسان استعدادهم ذلك لتكميل الناقصين منهم من التقييد والتعشق بالبرازخ الظلمانية، فيرتفع التغاير بينهم وبين الروح الأوَّل ويحصل لهم السراية في المظاهر.
ويعلم ما أشرنا إليه من يعلم سر دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جهنم لإخراج أمته مراراً ودخول باقي الأنبياء والأولياء كذلك كما دلَّ عليه حديث الشفاعة وغيره من الأحاديث الصحيحة، ومن أمعن النظر فيما قرر يظهر له من الفرق بينه وبين التناسخ إذْ بينهما فوارق كثيرة يؤدي ذكرها إلى الإسهاب والله الهادي وإليه المآب.
أقول: فقوله «وما جاء في كلام الأولياء... الخ» ناظر إلى التناسخ الملكوتي السرياني.
وقوله لذلك نفوا التناسخ إلى لقولهم بسريان الحقيقة الذي يشبه التناسخ وموهم للتناسخ، ينفي القوم من العرفاء التناسخ حين صدر منهم مثل هذا الكلام الذي يشبه التناسخ.
وقوله: وأيضاً ـ ليسَ قوة هذا الظهور... الخ ـ هنا أيضاً دليل على أنَّهم ليسوا قائلين بالتناسخ، لأنَّ القائلين بالتناسخ قالوا: «إنَّ النفوس الناقصة تتناسخ» والعرفاء قالوا: «إنَّ النفوس الكاملة تظهر بعد الانتقال فهذا الظهور ليسَ بالتناسخ».
وقوله: «كذلك عند كونهم في الغيب لا يمنعون من الظهور في الشهادة»: قدْ تقدم في العين الخمسين ذكر روايات في ذلك ناطقة بأنَّ المؤمن بعد انقطاعه من هذهِ النشأة يزور أهله، ففي رواية يزور على قدر منزلته، وفي أُخرى (على قدر فضائلهم) وفي أُخرى (على قدر عمله)، ثم قال أستاذنا العلامة الشخ مُحمَّد حسين الفاضل التوني ـ قدس الله روحه وجزاه عنا خير جزاء المعلمين ـ أنَّ القيصري ناظر في هذا إلى الرجعة التي هي من اعتقادات الإمامية أنار الله برهانهم، وكان يقول: الرجعة إنَّما هي بهذا المعنى الصحيح.
ثم لا يخفى عليك أنَّ كلام القيصري «كما أنَّهم عند كونهم في الشهادة لا يمنعون من الدخول في عالم الغيب كذلك عند كونهم في الغيب لا يمنعون من الظهور في الشهادة» لشأنٍ من الشأن(١٦٤). انتهى كلامه.
أقول: ما ذكره من كون الظهور في عالم الدنيا والشهادة لأهل البرزخ رجعة غفلة فإنَّ النزول والتنزل والتمثل من أهل البرزخ والكائنات السماوية في الأرض والدنيا يغاير الرجعة،ـ فإنَّها كَمَا عرفت ـ بعث من القبور بالأبدان واستقرار إلى أجل ـ كَمَا مرَّ ـ مغايرة الرجعة لتأييد أرواح الموتى في البرزخ لأرواح الأحياء في الدنيا، فهذه ثلاث أقسام في مقابل الرجعة.
الجناباذي: تداعيات العمل في هذهِ الحياة على موقعية الإنسان في الرجعة
قال في تفسير سورة طه ذيل قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ)، حيث ورد في بعض الروايات في ذيل الآية أن الضنك والضيق للناس في الرجعة، قال: الهدى في الآية (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى) في أخبار عديدة بولاية أمير المؤمنين عليه السلام وبعلي عليه السلام نفسه، وهكذا فسَّر الذكر، والمراد بالمعيشة الضنك أنَّ الضيق في ما يحتاج إليه في الدنيا من المأكول والملبوس وغيرهما، وبهذا الاعتبار فسَّرت بالضيق في الرجعة في أخبار كثيرة، وأنهم يأكلون العذرة، وفسّر في بعض الأخبار بعذاب القبر وضنكه.
والتحقيق: أنَّ الراحة وضعها الله تعالى في الآخرة التي قلب الإنسان انموذج منها وسعة العيش والراحة للإنسان ليس إلا من طريق القلب الذي هو طريق الولاية وطريق الآخرة، وضيق العيش وعناؤه ليس الا من الدنيا التي هي أنموذج الجحيم وطريقها ومن أعرض عن الذكر الذي هو الولاية التي هي طريق القلب وطريق الآخرة توجّه إلى الدنيا التي هي طريق الجحيم وفيها العناء والضيق، ومن توجّه إلى الدنيا سدّ باب الراحة على نفسه وفتح باب الضيق والتعب عليه كان في ضيق استشعر به أم لم يستشعر، ومن تولى عليا وفتح طريق القلب فتح طريق الراحة على نفسه، فإن دخل في باب القلب والآخرة دخل في السعة والراحة، وإنْ لم يدخل كان في عناء لبقائه بعد في الدنيا لكنه كان في طريق الوصول إلى الراحة وضيق العيش في الدنيا وضيق الصدر. انتهى كلامه.
اعتراض ودفع:
وربما يعترض على الرجعة بأنها تستلزم تعلّق نفسين ببدن واحد وهو عين محذور التناسخ إلى غير ذلك من بقية محاذير التناسخ لكون البدن في بداية نموّه يستدعي افاضة نفس جديدة عليه والنفس السابقة في درجة الشيخوخة إلى غير ذلك من محاذير التناسخ.
وجه الاندفاع: إنَّ الرجعة ليست تعلقا ببدن جديد، بلْ هي تعلّق بالبدن الأوَّل كما مرَّ توضيحه، بلْ قدْ مرَّ أنَّه ليسَ تعلّق بالبدن الأوَّل بعد انقطاع تام، إذْ لا انقطاع تام بالموت، إنَّما هو الموت الأوَّل وهو ضعف تعلّق وليسَ انقطاع بالمرّة، والبعث في الرجعة تنشيط للعلقة الضعيفة الباقية وتقوية لها مرة أُخرى.
وقد تقدم في الباب الأوَّل أنَّ للموت مراتب عديدة كما أنَّ النوم أحد مراتب الموت ـ كما أشار إليه الحديث النبوي المتقدم ـ واليقظة من النوم أحد مراتب البعث، وقد تذوّق هذا التنوع والتفاوت في درجات الموت.
وبسط الكلام فيه إلى حدّ ما وارتباطه بالرجعة الحر العاملي في كتابه (الإيقاظ من الهجعة في إثبات الرجعة).
آيات البعث والمعاد... لمقامات ثلاث
ومن الملفت في تفسير بيان السعادة للحكيم العارف الجناباذي: أنَّه كرر الالتفات والإلفات إلى أنَّ آيات البعث والمعاد هي واردة في كل من الموت والرجعة والمعاد الأكبر، أي القيامة الصغرى والوسطى والكبرى مسنداً ذلك إلى تنبيه روايات أهل البيت عليهم السلام إلى هذهِ الحقائق في ذيل تلك الآيات.
الجناباذي: تعدّد الرجعة ودرجاتها في الكمال:
* وقال في موضع آخر في تفسير سورة مريم في ذيل قوله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا): أعلم أنَّ التقوى الحقيقية لا تحصل إلّا بالولاية، ومن تولّى علياً كان تقياً استشعر بتقواه أم لا، ويوم الأعراف ـ الذي هو آخر البرزخ ـ يحشر شيعة علي عليه السلام إلى مقاماتهم الأخروية ونعيمهم وأزواجهم على ما نقل في الأخبار من التفاصيل واختيار اسم الرحمن؛ لأنَّ شيعة علي عليه السلام إذا وصل إلى الأعراف لم يبق عليه شيء من أوصاف النفس، ويطهر من كل ما ينبغي أنَّ يطهّر عنه من نسبة الأفعال والصفات إلى نفسه، بلْ من نسبة الأنانية إلى نفسه، ويحصل له الفناء التام الذي هو آخر مقامات التقوى، وبعد الفناء التّامّ لا يكون بقاء الّا ببقاء الله، وبعد البقاء يصير الباقي مبقيا لأهل عالمه ومملكته.
وهذا الإبقاء هو الرّجعة في العالم الصّغير وهو أنموذج رحمة الله الرّحمانيّة، وبهذا الاعتبار قال: نحشرهم إلى الرّحمن وبحسب السّلوك إذا تمّ السّفر الثاني للسّالك وانتهى تقواه إلى الفناء الذاتي وسار بالحقّ في الحقّ إن أدركته العناية الإلهيّة وابقته بعد فنائه يصير السّالك أيضا باقيا ببقاء الله، ومبقيا لأهل مملكته وأهل الملك الكبير، ويصير عادلا بعدل الله ومعطياً لكلّ حقّه، وهذا من خواصّ اسم الرّحمن ولهذا قال: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ). انتهى كلامه.‏
وفي كلامه جملة من الفوائد العقلية والحقائق المعرفية استشعرها من الأخبار الواردة في الرجعة والبرزخ والآخرة:
١ ـ إنَّ البرزخ متعدد، لأنَّ بعد كل موت برزخا، لا سيّما مع إشارة جملة من روايات الرجعة إلى أنَّ لكل إنسان رجعات، إلّا من أهلك بعذاب عاجل في الحياة الأولى من الدنيا، فهناك مراتب من الموت ومراتب من البرزخ ومراتب من البعث وتعداد من الحشر والنشر، كما ستأتي إليه الإشارة في روايات في الباب الثالث.
٢ ـ إنَّه أطلق على مقام الأعراف ويوم الأعراف أنه من البرازخ، وأنه آخرها، ولا يخلو من تأمل ونظر، لأنه كما سيأتي في الباب الثالث أن يوم القيامة عالم أكبر استعداداً وظرفاً من عالم الرجعة فضلاً عن عمر الحياة الأولى للدنيا، أو أنَّ الأعراف هو في مقامات أواخر عالم الرجعة، حيث سيأتي أن الحساب يقع في أواخرها حسب ما تشير إليه جملة من الآيات والروايات.
٣ ـ إنَّ الرجعات اللاحقة أشد تكاملاً من الرجعات الأولى، كما أن الرجعة اشد تكاملاً من الظهور للإمام المهدي عجل الله فرجه، كما أنَّ الفارق في كمال وتكامل نشأة دولة الظهور للإمام المهدي عجل الله فرجه مع زمان غيبته فارق مهول جداً بأضعاف مضاعفة، فكيف الحال مع نشأة الرجعة! وقدْ أُشير إلى ذلك في روايات الرجعة ـ وسيأتي في الباب الثالث والرابع ـ.
ولعظم هذا الفارق أشار الحر العاملي في مقدمة كتابه (ان بعض المعاصرين له ممن كتب في الرجعة قد ذكر فيه أشياء غريبة مستبعدة كان ذلك سبباً لتوقف بعض الشيعة عن قبولها، حتّى انتهى إلى إنكار أصل الرجعة، وحاول إبطال برهانها ودليلها، وربّما مال إلى صرفها عن ظاهرها وتأويلها مع أنَّ الأخبار بها متواتر)، ثم ذكر قيام الأدلة العقلية والنقلية وإطباق الشيعة الاثنى عشرية عليها.
وقال في موضع آخر في مقدمة كتابه: (ورأيت رسائل في الرجعة لبعض المتأخرين تشتمل على أحاديث غير ما أوردته، ولم أنقلها أيضاً لاشتمالها على أمور مستبعدة ينكرها أكثر الناس في بادئ الأمر، مع أنها لا تخرج عن قدرة الله، لكن الإقرار بها صعب على الناظر فيها).
تفسير عرفاني للرجعة - ضرورة الرجعة - لضرورة الأسفار الأربعة
قال الجنابادي في تفسير سورة البقرة في ذيل الآية ١٩٤.
إعلم أنَّ الإنسان قبل هبوط آدم(١٦٥) في العالم الصغير وبعث الرسول الباطني كافر محض لا يعرف مبدءًا ولا معاداً، وبعد بعث الرسول الباطني يظهر له إقرار فطري بأنَّ له مبدءا ومسخّراً له، لكنّه إمَّا لا يستشعر بهذا الإقرار أصلاً ويحتاج إلى منبّه خارجيّ ينبّهه على فطرته، أو يستشعر استشعاراً ضعيفاً مغلوبا ًفي غفلاته، وهذا في قليل من الناس، وقد يستشعر استشعاراً قوياً يحمله على الطلب ولا يدعه حتّى يوصله إلى مطلوبه، مثل الكبريتية تكاد تشتعل ولو لم تمسسها نار، وهذا في غاية الندرة.
والقسمان الأولان إمَّا يبقون في كفرهم الصراح ولا يتنبهون من المنبهات الخارجية والرسل الإلهية، وليسَ لهم إلّا قضاء شهواتهم ومقتضيات نفوسهم، وهؤلاء عامة الناس سواء دعاهم رسول خارجي، أو نوابهم إلى الله أو لا، وسواء قبلوا الدعوة الظاهرة وبايعوا البيعة العامة أو لا، غاية الأمر أنَّ من قَبل الدعوة الظاهرة ودخل في الإسلام إنْ مات في حال حياة الرسول أو نائبه الذي بايعوه كان ناجياً نجاةً ما، وكل هؤلاء مرجون لأمر الله لكن البائعين ليسوا مرجين لأمر الله بحسب أول درجات النجاة، بلْ بحسب كمال درجات النجاة أو يتنبهون فيطلبون من يدلهم على مبدئهم فإما لا يصلون أو يصلون.
والواصل إلى الدليل إمَّا يعمل بمقتضى دلالة الدليل أو لا يعمل، والعامل إمَّا يبقى في الكفر بحسب الحال أو يتجاوز إلى الشرك الحاليّ أو الشرك الشهودي أو يتجاوز إلى التوحيد الشهودي والتحققي، وفي هذا الحال إنْ لم يبقَ له إشارة إلى التوحيد ولا توحيد كان عبدالله وهو آخر مقامات العبودية وتمامية الفقر، وحينئذٍ يحصل له بداية مقامات الربوبية إنْ أبقاه الله تعالى بعنايته، وإنْ بقي على هذهِ الحالة ولم يبقه الله بعد فناءه لم يكن له عين ولا أثر، فلم يكن له اسم ولا رسم ولا حكم، وهذا أحد مصاديق الحديث القدسي (إنَّ أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري) وأحد مصاديق الولي والإمام كما نبينه في (تحقيق الولي والنبي والرسول والإمام) وإنْ أبقاه الله بعنايته بعد فناءه.
وقال أيضا في وصف السفر الثاني: أنَّه يسمّى بمقام التحديث والتكليم بتحديث الملائكة للعبد فيها من غير رؤيتهم نوماً ويقظة، وأنَّه يسمى بالولاية وغير ذلك من الأسماء كالصحو بعد المحو، والبقاء بعد الفناء والبقاء بالله.
وقال في وصف السفر الثالث الذي هو الرجعة: أنَّه يسمع صوت الملك في النوم واليقظة، ويرى في المنام شخصه ولا يرى في اليقظة ويسمع في تلك المرتبة إخبار الملائكة وتلقّى العلوم من دون إخبار الملائكة بالوحي والإلهام لا بالتحديث والتكليم.
وقال في وصف السفر الرابع الذي هو الرجعة أيضاً: أنَّه يرى العبد ويسمع من الملائكة يقظة ونوماً، وقد ذكر أنَّ ذلك ورد في أخبار كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام في الفرق بين الرسول والنبي والمحدّث والإمام بأنَّ الرسول يسمع من الملك ويرى شخصه في المنام ويعاينه في اليقظة، والنبي يسمع ويرى في المنام ولا يعاين، والمحدّث أو الإمام يسمع ولا يرى ولا يعاين.
وإن ابقاه الله بعنايته بعد فناءه وتفضل عليه بالصحو بعد المحو صار ولياً لله، وهذهِ الولاية روح النبوة والرسالة ومقدمة عليها وهي المنام التي تكون قبل النبوة والرسالة، فإنَّ تفضل عليه وأرجعه إلى مملكته وأحيا له أهل مملكته بالحياة الثانية الأخروية، وهذهِ هي الرجعة التي لابدَّ منها لكل أحد اختياراً في حال الحياة أو اضطراراً بعد الممات، وهي الرجعة في العالم الصغير صار نبياً أو خليفة للنبي وللنبوة، والخلافة مراتب ودرجات لا يحُصها إلّا الله، وتطلق الإمامة عليهما أو على خلافة النبوة وهي النبوة التي هي روح الرسالة ومقدمة عليها، فإنَّ وجده الله أهلاً لإصلاح مملكته بأنَّ لم يكن مُفرطاً ولا مفرّطاً في الحقوق وأرجعه إلى الخلق لإصلاحهم صار رسولاً أو خليفته، وتطلق الإمامة عليهما أو على خلافة الرسالة ومراتب الرسالة وخلافتها أيضاً لا تحصى (وهذهِ الأربعة أمهات مراتب الكمال)، ولكل من هذهِ حكم هو اسم غير ما للأُخرى، فإنَّ (الأولى) تسمى العبودية، والثانية تسمى بالإمامة، والثالثة تسمى النبوة، لكون العبد فيها خبير من الله ومخبراً عنه، والرابعة تسمى بالرسالة، لرسالة العبد فيها من الله إلى الخلق. انتهى(١٦٦).
الرجعة تفسير وبرهان آخر
يستخلص من كلامه السابق أنَّ الضرورة القائمة على لزوم السفر الثالث والرابع لكل إنسان في التكامل هو بعينه دليل ضرورة الرجعة لكل إنسان، فمع أنَّ السفر الأوَّل والثاني قوس صعود إلا أنّهَ لابدَّ من قوس النزول وهو السفر الثالث والرابع وهو بحسب الصورة قوس نزول إلّا أنَّه بحسب اللب والحقيقة درجات أكبر من قوس الصعود، وهو بهذا البيان يبين إلزام وملازمة لكل من قال بضرورة الأسفار الأربعة أنَّه لابدَّ أنْ يلتزم بضرورة الرجعة، وبذلك يندفع أيضاً جملة من الشبهات أو الإشكالات التي قدْ يعترض بها على القول بالرجعة:
١ ـ كالاعتراض بأنَّ الرجعة تقهقر من حركة ودرجة الكمال التي وصلت إليها النفس بمفارقة البدن الدنيوي بالهبوط إلى البدن الدنيوي مرة أُخرى.
وجه الاندفاع: بأنَّ هذا الهبوط إلى الأرض ليسَ تقهقر وتراجع عن الكمال، بلْ هو ترقّي وتصاعد إلى درجات الكمال الأكبر كما هو الحال في السفر الثالث والرابع للنفس، وصرف كون السفر الثالث من الحق إلى الخلق بالحق لا يعني الهبوط حقيقةً بلْ هو هبوط صورةً في حين كونه عروجا أكبر حقيقةً، كما هو الحال في يوميات الإنسان عندما تصعد روحه في اليوم ثم تهبط في اليقظة.
وكما في بدو وابتداء الحياة الأولى من الدنيا سواء على القول بكون النفس حادثة بحدوث البدن، أو القول بأن النفس قديمة قبل البدن، فإنَّه على كلا القولين هو هبوط للنفس ولكن هذا الهبوط هو طريق للتكامل كما هو الحال في هبوط آدم إلى الأرض من الجنة.
فكما لا يتوهم عند القائلين بالسفر الثالث والرابع للنفس الإنسانية أنَّه تقهقر وهبوط لباً وحقيقةً بلْ هو مزيد كمال وتكامل، فكذلك الحال في الرجعة.
هذا مع ما تقدم في جواب علي النوري المتقدم: من أنَّ النفس لم تنقطع رابطتها بالبدن الدنيوي بالموت وإنْ كان هذا الارتباط غير مرئي، بلْ مرتبة البدن الذي ترتبط به النفس مرتبة غير مرئية.
وقد أشارت إلى ذلك كلّه الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في الموت والقبر، كما سنشير إلى جملة منها.
٢ ـ ومن الاعتراضات التي ربما يعترض به على القول بالرجعة: أنها قول بالتناسخ إذْ معاودة تعلّق النفس بالبدن يستلزم التناسخ.
وقدْ تقدم جوابه وهو أنَّ النفس لم تقطع نهائياً ارتباطها بالبدن، بلْ بقي لها نحو ارتباطي غير مرئي، كما أنَّها لا تتعلق ببدن جديد كي يتوهم توارد نفسان على بدن واحد.
الرجعة في قوس النزول والمعراج في قوس الصعود
٣ ـ إنَّ مراده في شرح الاسفار الأربعة للإنسان من النبوة والرسالة والإمامة والخلافة ليسَ المعنى المعهود الذي هو مناصب إلهية، بلْ مراده مطلق المعنى اللغوي من الهداية والهادي من معنى الإمام ومطلق الإلهام والإفهام، من النبأ اللغوي أو الرؤية والمشاهدة القبلية، كما إنَّ مراده من الرسالة لغةً مطلق مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله تعالى.
ومن ثمَّ يشير إلى أنَّ المؤمنين في الرجعة يزادون كفاءةً في الدعوة إلى الله بعدما شاهدوا وعاينوا من الموت والبرزخ ومعاينة لقاء الله الذي هو بمثابة عروج لهم.
وبيَّن أنَّ الإنسان الراجع في الرجعة يزوّد بقدرات وإدراكات ومشاهدات وهو بهذا البدن الدنياوي الذي بعث فيه بعد الموت وبعد البرزخ لم تكن تلك القدرات والإدراكات لديه في جسده الدنيوي قبل الموت.
وهذا ما أشارت إليه روايات الرجعة المتظافرة، وقد أشار إلى اقتباسه هو من الروايات المستفيضة والمتواترة الواردة.
الرجعة تقابل العروج
وكلامه هذا يشير إلى الأسفار الأربعة وهي:
الأول: من الخلق إلى الحق.
والثاني: من الحق إلى الحق بالحق.
والثالث: من الحق إلى الخلق بالحق.
والرابع: من الخلق إلى الخلق بالحق. فهو يُشيرُ إلى أنَّ الرجعة هي السفر الثالث وهي الرجوع من الحق إلى الخلق، فإمّا أنْ يكون اختياراً إذا كان الموت اختيار، وإمّا أنْ يكون الرجوع اضطراراً إذا كان الموت اضطراراً.
وبعبارة أخرى: إنَّ عروج الروح وتكامُلها بمشاهدة العوالم العلوية ـ سواء في جانب الجمال والرحمة أو جانب الجلال والقهر والعذاب ـ لابدَّ منه، ثم عودها بعد العروج كذلك لابدَّ منه إلى عالم البدن والمادة وشؤونها.
وقد يحصل هذا العروج والرجوع اختيارياً، فإنَّ لم يحصل اختيارياً حصل اضطرارياً حينئذٍ، فالرجعة والرجوع تقابل العروج والصعود كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «كما تنامون تموتون وكما تستيقظون تبعثون» فالموت نقطة الانطلاق الى العروج والبعث نقطة الانطلاق الى الرجعة.
وهذا بخلاف شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام الذين قدْ حصلت لديهم هذهِ الشؤون بالموت الاختياري والعروج الإرادي قبل الموت وارتحالهم إلى الرفيق الأعلى.
وهو يشير إلى الروايات التي عقد لها الكليني باباً في أصول الكافي، وعقد لها الصفار أيضاً بابا في بصائر الدرجات، وغيرهما في كتب أُخرى للأصحاب.
ومن ثم قال الجنابادي: إنَّ السالك الناقص قدْ يطرو عليه تلك الحالات من الإفاقة والرجوع إلى مملكته وإلى مملكة الخارج، بلْ التكميل لا يتمُّ إلّا بطرو تلك الأحوال، وأنَّ الإنسان خلق ذا مراتب عديدة في كل مرتبة منها له جنود، وكل منها في بقائه تحتاج إلى أشياء، ففي مرتبة النباتية والحيوانية تحتاج قواه النباتية والحيوانية وبقاء بدنه وبقاء نفسه النباتية والحيوانية والإنسانية إلى المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمركوب والمنكوح، ولكن لابدَّ في تلبية تلك الحاجات من الجانب الوسطي، لا إفراط ولا تفريط، وذلك إنَّما يتحقق في الرجعة في السفر الثالث والرابع، حيث يتمُّ التوازن في الجهة الدنيوية والأخروية وإعطاء كل ذي حق حقه، وأنَّ الإنسان في المرتبة الإنسانية خلق ذا قوة عاقلة مُدبّرة لأمور أهل مملكته، مسخرة للواهمة وهي مسخرة للخيال وهو مسخر للمدارك والقوى الشوقية وهي مسخرة للقوى المحرّكة وهي مسخرة للأعصاب والأوتار والعضلات فهو يحتاج إلى بقاء العاقلة بهذهِ الكيفية بحيث يؤدّي بالإنسان إلى السلوك إلى الله(١٦٧). انتهى
أقول: من ثم يكون السلوك إلى الله في الرجعة ـ التي هي السفر الثالث والرابع ـ أقوى من السفر إلى الله في السفر الأوَّل، فالتكامل في الرجعة وهي الحياة الآخرة من الدنيا، أكمل من الحياة الدنيا الأولى.
وهاهنا ملاحظة وهي: إنَّ جملة ممّا نقلنا عنه بالتلخيص، كما أنَّ جملة من النتائج لم يذكرها بالصراحة، ولم يذكرها بالتفصيل، ولم يركِّز عليها بالالتفات، إلّا أنَّ أشارته الاجمالية في قوله: «وهذهِ هي الرجعة التي لابدَّ منها لكل أحد اختياراً في حال الحياة أو اضطراراً بعد الممات، وهي الرجعة في العالم الصغير».
الرفيعي: الرجعة والدليل العقلي
قال الحكيم الفقيه السيد ابو الحسن الرفيعي القزويني: (والعقل قدْ أذعن مسبقاً بأنَّ الحق هو ما قاله الله وأبلغه رسله وحججه عليهم السلام وإنَّ افترض أنَّه لا يملك بالفعل ما يدلّل عليه تدليلاً عقلياً فلسفياً لا بأس به، لكن الافتراض غير مطابق الواقع إذْ نملك ما يبرهن على الرجعة.
هذا منبه إلى: كأن ذلك موجود في عقل أشف من عقولنا وأكمل، وهو أصل العقول وهو على حساب ظواهر العلم الكلي يسمّى عقلاً أولاً على ملاحظة وعقلاً فعالاً على ملاحظة أُخرى، كما يسمّى قلماً باعتبار آخر ولوحاً محفوظاً باعتبار آخر، وأمَّا على حساب بطون العلم الكلي ومعطيات علوم المكاشفة ومداليل آيات الكتاب المجيد وأحاديث رسول الله وأوصيائه فهو روحانية النبي وأهل بيته المعصومين عليهم السلام وعقلهم الأتم الأشرف الذي منه يستضيء الاملاك وهو نفسه المتصل بالفيض الإلهي.
هذا بيد أنَّ أصول العلم الكلي تنص عندنا على إمكان الرجعة، أو على نزولها....
وقال أيضا في رسالة له في الرجعة ما ملخصه: «إنَّ دور الرجعة من تتمة أنحاء كمالات المعصومين عليهم السلام والأصفياء، وليسَ رجوع نفوسهم الشريفة إلى الدنيا رجوعاً تعلقياً انفعالياً يحتاج إلى استعداد مادي سابق، بلْ هو رجوع فعلي ناشئ عن الجهات الفاعلية التي لا تحتاج في تخصصاتها إلى استعدادات مادية ولا في حصولاتها إلى كيفيات عنصرية، وإنَّما تلك الجهات تلزمها التخصصات والاستعدادات والكيفيات، بلْ الأجساد العنصرية متعلقة بتلك النفوس الكاملة الراجعة بإذن الله ولازم لها متى ما أراد ذلك، فالأمر على عكس تعلّق النفوس بالأبدان بلْ هو تعلّق الأبدان بالنفوس.
فليست النفوس في الرجعة تتعلق بالأبدان على نحو الانفعال بها ولا النفوس ترجع عن فعليتها وتتقهقر إلى القوة كما قدْ يتوهم من الرجعة إلى الدنيا، كما أنَّه ليسَ تعلّق الأبدان بالنفوس ناتجاً عن الحركة الجوهرية في ظرف الرجعة ووعائها.
بلْ هذا التعلق للأبدان بالنفوس موجود بوجود فعلي لدى تلك النفوس عزمها في دور الرجوع إلى الدنيا تخصصات وضعية وأبدان عنصرية واستعدادات وكيفيات جسمانية، فالأبدان هي متعلقة بالنفوس في الرجعة وليست النفوس متعلقة بالأبدان، كما أنَّ تعلّق الابدان بالنفوس ليسَ عن حركة جوهرية، بلْ لكمال فعلي لدى تلك النفوس».

الفصل الثالث: مصادر أدلة الرجعة

* استقصاء العدد الكمي والكيفي للروايات الواردة في الرجعة.
* احتفاف الحديث عن الرجعة بالتقية والخوف.
* تواتر رجعة أمير المؤمنين عليهم السلام وسائر الأئمة عليهم السلام.
المصادر القرآنية للرجعة
١) استقصى الحر العاملي ـ في الباب الثالث من كتابه (الايقاظ من الهجعة) الذي عقده في دلالة الآيات القرآنية الدالة على الرجعة ـ أربعة وستين موضعاً من سور القرآن كل موضع بمثابة طائفة مستقلة من الآيات القرآنية، وأكثر تلك الطوائف مشتملة على عديد من الآيات.
٢) آيات الحجة والرجعة للشيخ مُحمَّد علي بن المولى حسن علي الهمداني الحائري في مجلدين جمع فيه ٣١٣ من الآيات في الرجعة والحجة، وقد ذكر ذلك المحقق الطهراني في الذريعة.(١٦٨)
المصادر الروائية الحديثية
١) قال الشيخ المجلسي في البحار: (القول بالرجعة التي أجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار حتّى نظموها في أشعارهم واحتجوا بها على المخالفين في جميع أمصارهم وشنّع المخالفون عليهم في ذلك وأثبتوه في كتبهم وأسفارهم... إلى أنْ قال: وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح رواها نيّف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم... ثم ذكر جملة من المؤلفين أكثرهم من القرن الثالث والرابع وقلّة منهم في القرون اللاحقة، بلْ ذكر ضمنهم جماعة من أصحاب الأئمة. ثم قال بعد ذلك (وغيرهم من مؤلفي الكتب التي عندنا ولم نعرف مؤلفه على التعيين؛ ولذا لم تنسب الأخبار إليهم وإنْ كان بعضها موجوداً فيها، وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً ففي أي شيء يمكن دعوى التواتر مع ما روته كافة الشيعة خلفاً عن سلف؟!(١٦٩).
أقول: وهذا يفيد أنَّ هناك جملة من المصادر المشتملة على روايات الرجعة لم ينقل عنها المجلسي لعدم معرفة مؤلفيها.
وهذا مما يشير إلى كثرة المصادر الروائية القديمة للرجعة، وأن العدد للأحاديث لا ينحصر بالمائتين حديث التي انتقاها قدس سره.
ثم قال: «وظني أنَّ من يشك في أمثالها فهو شاك في أئمة الدين ولا يمكنه إظهار ذلك بين المؤمنين، فيحتال في تخريب الملّة القويمة بإلقاء ما يتسارع إليه عقول المستضعفين وتشكيكات الملحدين (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون(١٧٠).
ثم ذكر كلمات جملة أُخرى من طبقات الرواة الذين ألَّفوا في الرجعة.
٢) واستدرك عليه تلميذه صاحب العوالم في كتابه العوالم ما يزيد على السبعين رواية(١٧١).
٣) جمع الحر العاملي في كتابه (الإيقاظ) ما يقرب من ستمائة وعشرين رواية، وقد أنَّه ذكر أنَّه أعرض عن كثير من المصادر الحديثية فضلاً عن استقصاء الروايات الواردة في كل زيارة وكل دعاء وكل ورد المتضمنة للإقرار بالرجعة، ومرادفاتها لفظاً في سياق الإقرار بأصول الدين، وأنَّه لو استقصي ذلك كله لكان كمّاً هائلاً مضاعفاً فوق التواتر.
مع أنَّه قال أيضاً في الباب الأوَّل في المقدمة الثانية عشر (في ذكر الكتب المعتمدة التي قدْ نقلت منها أدلة الرجعة وأحاديثها ومقدماتها ولم تحضرني جميع الكتب التي تشتمل على الأحاديث بهذا وفيما حضرني منها، بل في بعضها، بل في كتاب واحد منها، بل في حديث واحد منها كفاية لأهل التحقيق والتسليم، ولم استوفي جميع ما حضرني، ولا نقلت جميع ما فيها، وإنما نظرت في مظان تلك الأحاديث، وكثيراً ما توجد أحاديث في غير مظانها، ومن تتبع أمكنه الزيادة على ما نقلت من تلك الكتب انتهى، ثم أذكر أسماء الكتب التي حضرته.
أقول: فهو يشير في عشر ملاحظات ونقاط الى أن العدد الأحاديث يفوق العدد ستمائة وعشرين حديثا بكثير مضاعفا مضافاً إلى عدم توفِّر جميع الكتب الحديثية لديه، أنَّه لم يستوفي استقصاءً واستقراءاً جميع ما توفَّر لديه من كتب، بلْ ولا نقل جميع من وقف عليه فيها.
وقال في مطلع الباب الثاني: (وقد رأيت أحاديث كثيرة في الرجعة غير ما جمعته في هذهِ الرسالة، ولم أنقلها لأنَّ مؤلف ذلك الكتاب غير مشهور ولا معلوم الحال، ورأيت رسائل في الرجعة لبعض المتأخرين تشتمل على أحاديث غير ما أوردته، ولم أنقلها أيضاً، لاشتمالها على أمور مستبعدة ينكرها أكثر الناس في بادئ الأمر مع أنها لا تخرج عن قدرة الله تعالى، لكن الإقرار بها صعب على الناظر فيها، وتحتمل الحمل على المبالغة إذا ثبت ما يعارضها(١٧٢)، وفي الأحاديث التي أوردناها بلْ في بعضها كفاية).
ثم قال: (وممّا يدلُّ على ذلك كثرة المصنفين الذين رووا أحاديث الرجعة في مصنفات خاصة بها وشاملة لها وقد عرفت من أسماء الكتب التي نقلنا منها ما يزيد على سبعين كتاباً قدْ صنّفها عظماء علماء الإمامية).
ثم ذكر جملة وافرة من أسماء الأعلام سواء من الرواة أصحاب الأئمة، أو من علماء الطائفة في الغيبة الصغرى، أو في بدايات الغيبة الكبرى والقرون اللاحقة.
وقال «وغيرهم فقد صرّحوا بصحة الرجعة ونقلوا أحاديثها»(١٧٣).
وقال: «ومما يدلُّ على أن صحة الرجعة قدْ صارت ضرورية عند كل من تتبع الأحاديث أنك لا تجد في الضروريات كوجوب الصلاة وتحريم الزنا أكثر من الأحاديث الدالة على صحة الرجعة»(١٧٤).
وقال في الباب الثاني أيضاً في الوجه الثامن من الوجوه الدالة على الرجعة، قال: «الثامن أنا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات وكل وقت، كما أنّا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة، وكل ما كان كذلك فهو حق، والصغرى ثابتة بالنقل المتواتر»(١٧٥).
وياليته نقل تلك الأحاديث فإنَّ كثيراً من تراث المعارف قدْ ضاع وحرمت منه الإنسانية، بسبب قصور أفق الأجيال السابقة عن تحمل المعارف الباهرة لكون أفق العقل آنذاك غير بالغ المستوى الحالي، وغير ناضج إلى مستوى الإدراك البشري الراهن فيما يتعاقب من تطور ونضوج للعقل البشري.
وكلامه يشيرُ إلى أنَّ ما ورد في:
١ـ روايات الأدعية.
٢ ـ وروايات الزيارات.
٣ـ وروايات الاوراد والأذكار..
تبلغ عدداً كبيراً جداً، ولم يورد هذا الكم من هذهِ الأبواب أحداً ممن كتب في الرجعة؛ وذلك لأنَّ هذهِ الروايات في هذهِ الأبواب أكثر من أن تحصى وتستقصى من ناحية ومن ناحية أُخرى ذكر الرجعة في هذهِ الروايات قدْ يكون في كلمة من الزيارات أو جملة من الدعاء أو كلمتين من الورد أو الذكر، فلا تحظى لدى الباحث والكاتب في الرجعة باهتمام أنْ يوردها في ضمن روايات الرجعة، لا سيما وأنَّ الروايات في هذهِ الأبواب هو بعنوان الزيارة أو الدعاء أو الورد أو الذكر لا بعنوان الرجعة كمسألة اعتقادية، فلا تسترعي انتباه المتتبع والباحث فتغيبُ عن دائرة تتبعه وتعداد الأحاديث التي يستقصيها.
ويشير أيضا إلى أنَّ روايات هذا الباب تدشن الرجعة في مصاف أصول الدين، وتربي المكلف على حفظ الاعتقاد بها كل يوم في كل ورد ودعاء وزيارة، لا سيما وأنّها ترد بألفاظ مترادفة أُخرى عديدة جداً لا بخصوص الرجعة.
خمسون أو سبعون ألف حديث في الرجعة
وسيأتي في مصادر العامة الحديثية والرجالية ان الخمسين أو السبعين ألف حديث التي يرويها جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام هي في الرجعة.
وهذا الذي ذكروه غير مستبعد بعد ما أشار إليه الحرّ العاملي: أن ما من رواية في زيارة او دعاء او ورد وذكر إلا وهي متضمنة للرجعة أو مرادفاتها ولو بكلمة، والذي ذكره بيّن ظاهر لمن تدبر وتتبع بتركيز وتدقيق.
٤) كتاب (تفريج الكربة في إثبات الرجعة) الذي ألَّفه السيد محمود بن فتح الله الحسيني الكاظمي النجفي الذي كان معاصرا الشيخ الحر، فقد أودع في كتابه ما يقرب من خمسمائة حديث ـ كما صرَّح هو بذلكـ، وأشار الحر العاملي أنَّه لم يعتمد أحاديث كتاب هذا السيد!
ويظهر من كلام الحر أنَّ السيد ألَّف كتابه قبل كتاب الإيقاظ، وهذا يفيد أنَّ الخمسمائة حديث التي رواها السيد في كتابه جلّها لم يرويها الحر في كتابه والذي قدْ اشتمل على ستمئة وعشرين حديثا، وهذا ممّا يقرر أنَّ إجمالي عدد أحاديث الرجعة في هذين الكتابين فقط يربو على ألف حديث.
قال الحر في مقدمة كتابه: «قدْ جمع بعض السادات المعاصرين رسالة في إثبات الرجعة التي وعد الله به المؤمنين والنبي والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين وفيها أشياء غريبة مستبعدة! لم يعلم من أين نقلها ليظهر أنَّها من الكتب المعتمدة، فكان ذلك سبباً لتوقف بعض الشيعة عن قبولها حتّى إنتهى إلى إنكار أصل الرجعة، وحاول إبطال برهانها ودليلها، وربما مال إلى صرفها عن ظاهرها وتأويلها مع أنَّ الأخبار بها متواترة والأدلة العقلية والنقلية على إمكانها ووقوعها كثيرة متظافرة».
ومفاد كلامه يعطي ما ذكرناه، وأمَّا استبعاده للروايات ففي غير محله ـ كما سيظهر في الأبواب الآتيةـ بلْ لها قراءة عقلية على طبق القواعد والموازين.
وقال في الذريعة(١٧٦): «إنَّ الحر عنى بذلك السيد الجليل محمود بن فتح الله الحسيني الكاظمي النجفي ـ معاصر الشيخ الحر والمجاز من الفاضل الجواد الكاظمي تلميذ الشيخ البهائيـ في كتابه إثبات الرجعة الذي ذكر فيه أحاديث الرجعة وأنَّ اسم الكتاب الأصلي (تفريج الكربة في إثبات الرجعة)».
وذكر له كتابا في أصول الدين ذكر في خاتمته بعد المعاد قوله فيها: ومما ينبغي اعتقاده رجعة مُحمَّد وأهل بيته على نحو ما ذكرناه في كتابنا الموضوع للرجعة أنَّه إذا كانت السنة التي يظهر فيها (قائم آل مُحمَّد)، وذكر في هذا المختصر ـ كما بين ذلك المحقق الطهراني في الذريعة بقوله: « وذكر في هذا المختصر الذي أورده في الخاتمة كثيراً من الغرائب المستبعدة التي أشار الشيخ الحر إليها في أوَّل كتابه (إيقاظ الهجعة)».
وقال في الذريعة أيضاً: «رأيت نسخته (تفريج الكربة في إثبات الرجعة) عند السيد مُحمَّد باقر حفيد الآية الطباطبائي اليزدي، وهي ضمن مجموعة بخط العالم الكامل الفاضل المولى مُحمَّد الجاني، ورأيت أوصاف الكاتب كذلك بخط العالم الجليل الشيخ خضر بن شلال العفكاوي النجفي.
ثم قال: وذكرت في الكرام البررة ترجمته وبعض تصانيفه ثم أنَّ المؤلف بعد ذكر في الخاتمة رجعة سائر الأئمة واحداً بعد واحد على نحو الإرسال، قال: ما ذكرناه هنا ما ملتقط من روايات الأئمة عليهم السلام واعتقاد رجعتهم واجب وإنَّما قلنا ينبغي اتقاء من خلاف بعض العلماء، حيث يظن أنَّ المراد بالرجعة قيام القائم.
والحق أنَّ رجعتهم حق بنص الأخبار ولا يسمع دعوى أنها آحاد بعد ظاهر القرآن ونص نحو خمسمائة حديث ولو لم يكن إلّا إنكار المخالفين لكفى»(١٧٧).
وقال في مقدمة كتابه: «إنَّه لم يروِ فيها ما تشمئز منها النفوس)، وقال رسالة يرغب فيها أرباب المعقول» فهذان قيدان في كلامه للروايات التي استخرجها في الرجعة وأنَّه لم يروِ في الرجعة كل ما وجده، هذا رغم أنَّ الحر العاملي في الإيقاظ أكَّد مرتين أنَّه لم يروِ كلما رواه السيد، فهذا انتقاء مرتين من منابع روايات الرجعة، وبقي روايات عديدة لم يروياها».
روايات الرجعة في كتب الغيبة
٥) ذكر المجلسي أنَّ أكثر الأصحاب الأقدمين ذكروا روايات الرجعة فيما صنّفوه في الغيبة، قال: «وأمَّا سائر الأصحاب فإنَّهم ذكروها فيما صنفوا في الغيبة، ولم يفردو لها رسالة، وأكثر أصحب الكتب من أصحابنا أفردوا كتاباً في الغيبة»(١٧٨).
أقول: وما أشار إليه الشيخ المجلسي بالغ الأهمية فإنَّ أكثر أصحاب الكتب الروائية ـ الذين ألَّفوا في الغيبة ـ لم يفردوا ولم يفصلوا روايات الرجعة عن روايات غيبة الإمام المهدي لما يوجد من الترابط والتلاحم بين الغيبة والرجعة باعتبار أنَّ الظهور فاتحة الرجعة.
الرجعة في مصادر الحديث للعامة
وأمّا العامة فقد رووا روايات الرجعة بكم متواتر لكن لا بلفظ الرجعة، بل بألفاظ مراحل الرجعة وفصولها من دون أن يستشعروا أنها من مسلسل أحداث الرجعة والأبواب التي اوردوا فيها تلك الروايات.
هذا مضافا إلى ما سيأتي من كلماتهم الكثيرة أن جابر الجعفي قد روى خمسين أو سبعين ألف حديث في الرجعة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام.
وأمّا الأبواب والعناوين التي رووها في فصول الرجعة من غير التفاتهم إلى ارتباطها بالرجعة فهي:
١ ـ ملاحم آخر الزمان.
٢ ـ كتاب الفتن.
٣ ـ خروج وظهور الآيات.
٤ ـ ظهور الشمس من مغربها.
٥ ـ ما رووه في نزول عيسى عليه السلام.
٦ ـ علامات وأشراط الساعة.
٧ ـ خروج دابة الأرض.
٨ ـ العصا والميسم.
٩ ـ الحوض.
١٠ ـ الحشر والمحشر والبعث والنشور.
١١ ـ الحساب.
١٢ ـ الحاشر من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
١٣ ـ العاقب من أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً.
١٤ ـ الماحي من أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً.
١٥ ـ المنصور والسفّاح والمهدي من أهل البيت عليهم السلام.
١٦ ـ ما رووه في ذي القرنين.
١٧ ـ ما رووه في أصحاب الكهف.
وغيرها من الأبواب والفصول التي يقف عليها المتتبع بعد إلمامه تحليلا وغورا بما جاء عن أهل البيت من حقائق أحداث الرجعة وفصولها ومراحلها، فيتعرف على ارتباط كل ذلك بالرجعة ومسلسل أمورها، وإلا لن يظهر له من الروايات ما كان بلفظ الرجعة، ولن يتعرف على مرادفاتها اللغوية فضلاً مرادفاتها العقلية الغامضة فضلاً عن مرادفاتها الوجودية الأشدّ خفاءاً.
الرجعة في العهدين: التوراة والانجيل
وقد تقدم في طعن أحمد أمين في كتابه على عقيدة الرجعة بأنها عقيدة متأصلة في التوراة وأنها متجذرة فيها بكثافة في أسفارها، وكيف لا يكون الحال كذلك وقد أكثر القرآن في سور عديدة من قص وقوع رجعة الأموات في بني اسرائيل.
وقد كثرت تنبؤاتهم في عصرنا الحاضر عن توقيت زمان رجوع الموتى كما يوقتون ظهور المسيح.
والحاصل أن الاعتقاد بها متجذرة في مصادرهم كما هو الحال في ظهور المصلح الالهي، ويحتاج الى دراسة متكاملة الأطراف في مصادرهم مشفوعة بالتحليل والتبويب الهندسي للمباحث.
وكذلك الحال في الانجيل، وقد بدأت الثقافة الغربية في مسلسلات استكشاف المستقبل انتاج أفلام كثيرة عن عود الموتى ومشاركتهم الأحياء في مجمل الاحداث الواقعة.
والحاصل أن رجعة الاموات باتت ثقافة عصرية تلهج بها الافكار البشرية، ولا يقتصر البحث والتنقيب والتتبع على العهدين، بل المفروض توسعته الى مجمل الكتب السماوية الموروثة بأيدي البشر رغم التحريف الواقع فيها، فإن ذلك لا يسد باب الاحتجاج والتنقيب البحثي المعرفي كما احتج القرآن على اليهود بالتوراة الموجودة واحتج على النصارى بالإنجيل الموجود.
وكذلك الحال بالنسبة الى النحل والملل الأخرى والموروث الاعتقادي لديهم.

الفصل الرابع: الرجعة والقرآن

آيات وقوع الرجعة في الأمم السابقة
قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم)(١٧٩).
الاولى: قال تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)(١٨٠). وفي هذه الآيات مثال رجعة الإنسان والحيوان.
الثانية: قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم) فمع أن سؤال إبراهيم عليه السلام عن عموم طبيعة الأحياء إلا أن إحياءه كان لأربعة من الطير كما أن الأحياء أجراه الله على يديه، فرجعة الطيور وقعت على يديه.
الثالثة: قوله تعالى: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين)(١٨١). وإحياء الموتى معجزة أجراها الله تعالى على يدي النبي عيسى، وهي إرجاع الموتى الى دار الدنيا، وهو مؤشر أن الرجعة العامة لعموم البشر معجزة يجريها الله تعالى على يدي النبي وأهل بيته عليهم السلام.
الرابعة: قوله تعالى: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)(١٨٢). وهذه الآية تتعرض لرجعة مستقبلية للنبي عيسى بناءً على أن رفعه للسماء توف، وهي متطابقة مع الرجعة المزامنة لأول الظهور.
الخامسة: ما وَرَدَ من آيات في السبعين الذين اتهموا موسى بقتل هارون، وطلبوا رؤية الله جهرةً فأماتهم الله ثم أحياهم، وهي عِدَّة آيات:
أ) (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُون * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون)(١٨٣).
ب) (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِين)(١٨٤).
السادسة: قوله تعالى (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين) وقدْ وَرَدَ في روايات أهل البيت عليهم السلام أن الصعق موت لموسى عليه السلام، كما وَرَدَ اللفظ نفسه في السبعين الذين اخذتهم الصاعقة.
السابعة: قوله تعالى في قصة الذين خرجوا حذر الموت: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُون)(١٨٥).
الثامنة: قوله تعالى (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُون * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون)(١٨٦).
والضمير في قوله (اضربوه ببعضها) يرجع إلى البقرة التي أشير إليها في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين)(١٨٧)، فجعل الله إحياء الشاب المقتول على ضربه ببعض لحم البقرة، فكيف إذا مس الميت بدن أحد أنبيائه أو خلفاؤه في أرضه من الأوصياء عليهم السلام.
التاسعة: قوله تعالى (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا).
(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ...... وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا) وهذه الآية ناصة على أن رجعة أصحاب الكهف آية وبرهان على المعاد الأكبر.
والاستدلال بالآية وبما تقدم من بعض الآيات المتقدمة مبني على ما تمّ تنقيحه من اتحاد حقيقة النوم والموت في الجنس وإن اختلفت درجات كل منهما بنحو متفاوت كبير جدا في كل واحد في درجاته فضلا عن مقارنته بالآخر.
العاشرة: قوله تعالى (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِين)(١٨٨). فأرجع الله تعالى له أهله اولاده بعد ما أماتهم الله تعالى، وهذه السنة سيجريها الله تعالى في أمير المؤمنين عليه السلام وسيجمع له أولاده.
الآيات الدالّة على قاعدة أنَّ ما وقع في الأمم السابقة يقع في هذهِ الأمة
١) (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)(١٨٩).
٢) (اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)(١٩٠).
٣) (فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَق * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَق * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَق * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَق)(١٩١). أي لتركبن وليجري عليكم ما جرى للأمم السابقة بنحو متطابق طبقا عن طبق.
٤) (وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلا * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا)(١٩٢).
هذا مضافاً إلى ما استفاض عن النبي صلى الله عليه وآله عند الفريقين من قوله أنه سيجري على هذه الأمة كلما جرى على الأمم السابقة أو على بني اسرائيل.
التفويج في الحشر الخاص عند خروج الآيات
الطائفة الأولى والثانية: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون)(١٩٣) وهذهِ الآية في سياق شأن خروج دابة الارض (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُون * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون * حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُون * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لاَ يَنطِقُون....).
(وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِين * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون * مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون * وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون...) (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون).
٢) سورة النبأ: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا * إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا * لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) وهي تستدعي بحثا مستقلاً، وهي تشترك مع آية دابّة الارض وآية الحشر الخاص أنها في الذين وقعوا في التكذيب بالآيات.
٣) ثم أنَّ هناك آيات عديدة دالّة على أنَّ الحشر في القيامة لمجموع البشر و للكل:
١ـ (فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا)(١٩٤).
٢ـ (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون)(١٩٥).
٣ ـ (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ)(١٩٦).
٤ ـ (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ)(١٩٧).
٥ـ (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهمْ أَحَدًا)(١٩٨).
ووجه دلالة آيات النمل المتقدمة على الرجعة من وجوه:
الأوَّل: إنَّ الحشر في الآية لبعض الناس لا كلهم، فإنَّ (من) في (من كل أمة فوجاً) للتبعيض، فالحشر التبعيضي يغاير الحشر المجموعي، والذي سيقع في القيامة الكبرى والميعاد الأكبر هو الحشر العام لا الحشر الخاص، فالحشر الخاص لا محالة يغاير يومه و يباين يوم الحشر العام الذي هو يوم القيامة الكبرى.
وتخصيص الحشر بالبعض يدفع ما يتوهم من (أنَّ الآية في صدد تخصيص الهوان والتعذيب بالمكذبين لا تخصيص الحشر وإنَّما ذكر مقدمة لذلك) لأنَّ تخصيص الحشر يغاير تخصيص التوبيخ والتقريع، فإنَّ الحشر لا مخصص له يوم القيامة بأحد، بلْ الحشر يتناول الجميع والمجموع، ثم بعد الحشر يخصص كل بما يستحق، فأين تخصيص الحشر من تخصيص العذاب والتقريع، وكم بينهما من الفرق.
الثاني: تعقيب هذا الحشر الخاص في آية النمل بآيات بعدها متصلة بالنفخ في الصور الظاهر في نفخ القيامة، فهو ممّا يدلُّ على تقدم الحشر الخاص على نفخ الصور.
الثالث: إنَّ هذهِ الآية متصلة بخروج الدابّة، ودابّة الأرض خروجها قبل القيامة الكبرى في روايات الفريقين المتواترة، وآية الدابّة وآية الحشر الخاص تتحدث عن أمر متعدد، وهو تكذيب المكذبين بآيات الله، والآيات جمع وليسَ مفرداً فلا تحمل الآية على خصوص المكذبين بسيد الأنبياء صلى الله عليه وآله، بلْ لا محالة تشمل المكذبين لأهل بيته عليهم السلام أيضاً، لتعارف إطلاق الآية في القرآن على حجج الله تعالى، كما في إطلاقها على النبي عيسى وأمّه مريم.
الرابع: تعبير آية الدابّة وآية الحشر الخاص إنَّ كلاّ منهما إذا (وقع القول عليهم) الدالّ على وحدة الحديث والوقت والزمان، وسنبسط جملة من الكلام فيما سيأتي من أنَّ روايات العامّة في خروج دابّة الأرض كلها خروج حجة لله تعالى على الناس، وأنَّ الخروج من الأرض وهو عنوان الرجعة في مقابل الخروج من أرحام الامهات.
وقد تعرض جملة من مفسري العامّة للآية في تفاسيرهم:
١ ـ قال السيوطي في ذيل قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون) وهم رؤساؤهم المتبعون، فهم يوزعون، أي يجمعون برد آخرهم إلى أولهم ثم يساقون(١٩٩)، أي كأن الحشر تدريجي فيحشر الكل بالتالي، وهذا ينافي التبعيض، وأنَّ الذين يجمعون هم الأبعاض الذين حشروا من كل أمة لا حشر الكل من الكل ولا جمع كل الكل.
٢ ـ تفسير الرازي: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون) فاعلم أنَّ هذهِ الأمور الواقعة بعد قيام القيامة، فالفرق بين (من) الأولى والثانية، أنَّ الأولى للتبعيض والثانية للتبين، كقوله (من الأوثان).
وقوله (فهم يوزعون) معناه يحبس أولهم على آخرهم حتّى يجتمعوا فيكبكبوا في النار، وهذهِ عبارة عن كثرة العدد وتباعد أطرافه، كما وصفت جنود سليمان بذلك، والجواب ما مرَّ وليس في الآية كبكبتهم، وإنَّما لصقها من آيات أُخرى، بلْ في آيات سورة النمل كما مرَّ تعقب النفخ في الصور بعد الحشر الخاص الذي هو في الرجعة.
إشكالات الآلوسي في دلالة الآية على الرجعة:
قال في ذيل الآية(٢٠٠): أوَّل من قال بالرجعة عبدالله بن سبأ، ولكن خصها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتبعه جابر الجعفي في أوَّل المائة الثانية، فقال برجعة الأمير أيضاً، لكن لم يوقتها بوقت، ولما أتى القرن الثالث كثّر أهله من الإمامية، رجعة الأئمة كلهم وأعدائهم، وعيّنوا لذلك وقت ظهور المهدي عليه السلام، واستدلوا على ذلك بما رووه عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، والزيدية كافة منكرون لهذه الدعوى إنكاراً شديداً.
وقد ردوها في كتبهم على وجه مستوف بروايات عن أئمة أهل البيت أيضاً تعارض روايات الإمامية.
٢ ـ والآية المذكورة هنا لا تدلُّ على الرجعة حسبما يزعمون ولا أظن أنَّ أحداً منهم يزعم دلالتها على ذلك، بلْ قصارى ما يقول أنَّها تدلُّ على رجعة المكذبين أو رؤسائهم، فتكون دالة على أصل الرجعة وصحتها لا على الرجعة بالكيفية التي يذكرونها، وفي كلام الطبري ما يشير إلى هذا.
٣ـ وأنت تعلم أنَّه لا يكاد يصح إرادة الرجعة إلى الدنيا من الآية، لإفادتها أنَّ الحشر المذكور لتوبيخ المكذبين وتقريعهم من جهته عَزَّ وَجَلَّ، بلْ ظاهر ما بعد يقتضي أنَّه تعالى بذاته يوبخهم ويقرعهم على تكذيبهم بآياته سبحانه، والمعروف من الآيات لمثل ذلك هو يوم القيامة.
٤ ـ مع أنَّها تفيد أيضاً وقوع العذاب عليهم واشتغالهم به عن الجواب، ولم تفد موتهم ورجوعهم إلى ما هو اشد منه وأبقى وهو عذاب الآخرة الذي يقتضيه عظم جنايتهم، فالظاهر استمرار حياتهم وعذابهم بعد هذا الحشر، ولا يتسنى ذلك إلّا إذا كان حشر يوم القيامة.
٥ ـ وربما يقال أيضاً مما يأبى انطباق الحشر المذكور على الرجعة أنَّ فيه راحة لهم في الجملة، حيث يفوت به ما كانوا فيه من عذاب البرزخ الذي هو للمكذبين، وهو كيفما كان أشدّ من عذاب الدنيا، وفي ذلك إهمال لما يقتضيه عظم الجناية.
٦ـ وأيضاً كيف يصحّ إرادة الرجعة وفي الآيات ما يأبى ذلك، منه قوله تعالى، قال: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُون لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون).
فإنَّ آخر الآية ظاهر في عدم الرجعة مطلقاً وكون الإحياء بعد الإماتة.
٧ ـ والإرجاع إلى الدنيا من الأمور المقدورة له عَزَّ وَجَلَّ ممّا لا ينتطح فيه كبشان، إلّا أن الكلام في وقوعه، وأهل السنة ومن وافقهم لا يقولون به، ويمنعون إرادته من الآية ويستندون في ذلك إلى آيات كثيرة.
والجواب عن الأوَّل: أنّا قدْ أثبتنا من روايات العامّة الواردة في دابّة الأرض وفي العصا والميسم لها، وفي أشراط الساعة وفي ملاحم آخر الزمان وغيرها من الأبواب التي تقدمت الاشارة اليها، وسيأتي المزيد من الكلام عنها المروية لديهم باستفاضة وتواتر في فصول وأبواب عديدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الصحابة، مما ظاهره أنَّهم يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنْ أضمروا الإسناد، وأنَّ تلك الروايات كلها في شؤون الرجعة ورجوع حجج الله تعالى ورجوع الموتى، وأنَّ خروج الدابّة من الأرض لا من الرحم، هو عنوان الرجوع من القبر ومن التراب، وله شواهد عديدة في رواياتهم أنَّه علي بن أبي طالب عليه السلام.
وهذا قبل أنْ يدخل عبدالله بن سبأ في الإسلام، وأمَّا وجود عقيدة الرجعة في التوراة والإنجيل فهذا حقّ، فإنَّها من جملة أصول العقيدة مما اتفقت كل الكتب السماوية بالتصريح بها، وهذا ممّا يعزز أنَّ عقيدة الرجعة من الدين الواحد بين بعثات الأنبياء والرسل، لا من الشرائع المنسوخة.
وأمَّا الزيدية فقد ذكرنا عن غير مصدر أنَّ الجارودية من الزيدية يقولون بها، وهي فرقة كبيرة منهم.
وعن الثاني: من أنَّ دلالة الآية تدلُّ على حشر خصوص رموز المكذبين ورؤساؤهم وعتاتهم، وهذا في الأدوار الأولى من مراحل الرجعة، وهو الذي وَرَدَ مستفيضاً عن أهل البيت عليهم السلام أنَّه إنَّما يرجع من محض الإيمان محضاً ومن محض الكفر محضاً دون المستضعفين ونحوهم، وإن كان الاصح في معنى هذه القاعدة المروية مستفيضا عنهم عليهم السلام هو انه لا يساءل ولا يحاسب ولا يعاقب في الرجعة إلا من محض الايمان ومن محض الكفر كما هو الحال في مسائلة القبر، لا أن أصل الرجوع مخصوص بالممحض، كما ولوج القبر لا يختص بالممحض بل يشمل المستضعف والبله والصغار وغيرهم، وإنما تختص المحاسبة والمسائلة بالممحض فكذلك الرجعة كما افصحت عن ذلك احدى الصحاح من الروايات.
وعن الثالث: أنَّ الرجعة أحدى غاياتها الانتقام من المجرمين في دار الدنيا قبل الآخرة، كما في قوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ) فالعذاب الأدني هو في الرجعة، كما نبّه وبيَّن ذلك أهل البيت عليهم السلام في رواياتهم، والعذاب الأكبر في القيامة والآخرة بعدها، والتقابل في الوصف ظاهر.
وأمَّا كون التعذيب من الله تعالى فهو صادق على التعذيب الصادر من حجج الله تعالى وأصفيائه، كَمَا في (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى) وإلّا فإنَّ الذات الإلهية لا تباشر الأفعال الجسمانية، بلْ يخلقها الباري تعالى ويجريها على أيدي أولياؤه وملائكته.
وعن الرابع: والعجيب من اعتراضه هذا فإنَّ الآيات اللاحقة لآية الحشر الخاص تسوق وقوع النفخ في الصور بعده، فكيف لا تفيد موتهم بعد ذلك الحشر الخاص.
وعن الخامس: أنَّ الحشر الخاص ليسَ تخفيفاً من عذاب المكذبين، بلْ إرجاعهم انتقاماً منهم في الدار التي ارتكبوا فيها ما ارتكبوا من الجنايات، وهو المعبر عنه في قوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون).
وعن السادس: فهناك عِدَّة وجوه للآيات النافية لطلب الرجعة:
الأوَّل: أنَّ النفي في بعض تلك الآيات كما في سورة يس، إنَّما هو للأقوام التي أُهلكت بالعذاب الإلهي العاجل في دار الدنيا، فهؤلاء مستثنون من الرجعة، كما دلَّ عليه قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُون)(٢٠١) كما أشارت الروايات في بيان الآيات، وسيأتي بيان ذلك في الباب الثالث.
الثاني: إنَّ المنفي هو الرجعة عند الموت بأنْ يؤخر وينسى موته عن الحياة الأولي، لا مطلق الرجعة بعد الموت بأمد ومدة.
الثالث: إن المنفي هو رجعة أهل النار بعد دخولهم في الآخرة الأبدية للنار الكبرى، كما في قوله تعالى: (اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُون)(٢٠٢)، أو في يوم القيامة الكبرى، فإنَّهم لا يرجعون إلى دار الدنيا.
الرابع: قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون)(٢٠٣).
ومن تفسيرها أنَّ البعث قدْ أطلق مع الرجعة، كما أنَّ مطالبة من استحق العذاب بالرجوع، وليسَ هو الرجوع في الرجعة كي يستدلّ بهذهِ الآية لنفي الرجعة لمن محّض الكفر محضاً، بلْ إنَّما يطالب بالرجوع بأنْ لا يموت ولا يدخل البرزخ، بينما الرجعة هي بعد البرزخ بعثاً من البرزخ إلى الدنيا مرة أُخرى، ومن ثم إشارة الآية أنَّ من وراء الموت برزخا ممتدا إلى غاية البعث، وكما أنَّ هنالك بعثا في القيامة الكبرى فهناك بعث في القيامة الوسطى والصغرى.
وهذهِ الآية نظير ما في سورة النبأ: (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا).
آية دابّة الأرض وخروج ومجيء الآيات
١) قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُون)(٢٠٤)، وقد أشبعنا البحث في دلالتها في فصل دابّة الأرض في تراث العامّة والجمهور فيما يأتي.
والخروج من الأرض عنوان قرآني للرجعة يقابل الحياة الأولى من الدنيا الذي هو خروج من الأرحام، وقد قرأها أُبي (تنبئهم) وقرأها ابن مسعود (تكلمهم بأنَّ الناس) وقرئت بإن مكسورة حكاية لقول الدابّة.
فإنْ قيل إذا كانت حكاية لقول دابّة الأرض فكيف يقول (بآياتنا)، وأجاب الفخر الرازي بأنَّ قولها حكاية لقول الله تعالى أو على معنى بآيات ربنا أو لاختصاصها بالله تعالى أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقال بعض خاصة الملك خيلنا وبلادنا، وإنَّما خيل مولاه وبلاده.
وهذه دلالة في الآية على أن دابة الأرض لها مقام إلهي، وأنها حجة ناطقة عن الله تعالى وتداين وتحاسب البشر، وأنها مبعوثة من الله تعالى لإقامة العدل الإلهي في الأرض.
٢) ـ قوله تعالى: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُوم) والضمير يرجع إلى الحلّاف المهين الهّماز، والنميم المنّاع للخير المعتدي الأثيم والعُتلّ والزنيم، والمسنوم على الخرطوم ـ حسب روايات الفريقين ـ عند خروج دابّة الأرض، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتسم الكافر على خرطومه بأنَّه كافر أو منافق، وتسم المؤمن على ناصيته بأنَّه مؤمن.
فالآية الكريمة واضحة الدلالة بقرينة (دابّة الأرض) وروايات الفريقين في ذيلها أنَّ الكفّار والمنافقين يعودون إلى الدنيا في زمن دابّة الأرض ويوسمون على خراطيمهم ـ وهي أنوفهم ـ بالكفر والنفاق، وأنَّ ذلك الشخص الذي نزلت في مورده هذهِ الآيات ووصفته بتلك الأوصاف يرجع في زمن خروج دابّة الأرض.
٣) ـ نعم يرتبط بهذهِ الآية ما في مجيء الآيات في قوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُون)(٢٠٥).
وقد فسّرها كثير من مفسري العامة بمجيء أشراط الساعة التي منها دابّة الأرض وظهور الشمس من مغربها، وقد استوفينا جملة من الكلام في ذلك في روايات دابّة الأرض.
٤) ـ (وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون)(٢٠٦).
٥) ـ قوله: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُور)(٢٠٧).
٦) ـ نزول النبي عيسى عليه السلام كما في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِين * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين)(٢٠٨).
الطائفة الثالثة: استثناء الأمم الهالكة بالعذاب من الرجوع في الرجعة
الرجوع في الرجعة وهي قوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُون * وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُون * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُون * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِين)(٢٠٩).
وقبل الخوض في دلالة الآية لابدَّ أنْ نلفت إلى محطات ومواد متفق عليها في دلالة الآية، أو ما مال إليها الكثير إنْ لم يكن الأكثر:
المحطة الأولى: أنَّه قدْ وقع اختلاف كثير بين المفسرين في لفظة (لا) في الآية وهل هي زائدة أو أصلية، ورغم أنَّها نقطة خلافية، لا وفاقية، ولكننا نستشعر منها وفاقاً في عدم تعين كون معنى الآية هو الرجوع إلى الدنيا عند الموت لا الرجوع بعد الموت إلى الدنيا، كما قدْ يدعي البعض أنَّ هذا المفاد مسلم في الآية.
المحطة الثانية: أنَّ الرجعة في الآية الأكثر من المفسرين ـ إنَّ لم يكن الأغلب ـ على أنَّها الرجعة إلى الدنيا، وليسَ المراد بها الرجعة إلى الله في القيامة.
المحطة الثالثة: إنَّ الإهلاك في الآية بمعنى العذاب والاصطلام، وقد ذهب إليه الكثير من المفسرين وليسَ بمعنى مجرد الموت.
 وأشار الراغب الأصفهاني في المفردات أنَّ الإهلاك للذم إلّا ما استثنى، كما في قوله تعالى: (هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُون)(٢١٠) وقوله تعالى: (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُون)(٢١١) وقوله تعالى في سورة العنكبوت في شأن قوم لوط(٢١٢)، وقوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)(٢١٣)، وقوله تعالى: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَة * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَة)(٢١٤) وقوله تعالى: (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُون)(٢١٥) وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُون)(٢١٦) وغيرها من الموارد العديدة في الآيات التي أسند فيها الإهلاك إلى القرى بمعنى العذاب والاستئصال.
المحطة الرابعة: إنَّ هذهِ الآية الكريمة أتى بعدها ذكر يأجوج ومأجوج، وخروجهم متفق عليه، وأنَّه قبل يوم القيامة.
ومن ثم ذكر اقتراب الوعد الحق أي ساعة القيامة، وهذا يشكل قرينة على أنَّ الرجعة المنفية عن كل قرية أهلكت، هي الرجعة إلى الدنيا قبل يوم القيامة.
فيبقى حينئذٍ دوران الأمر في هذهِ الرجعة إلى الدنيا بين كونها رجعة إلى الدنيا عند أوان وحين الإماتة، وعند بلوغ الروح التراقي والتي مرَّ أنَّها منفية عن سنة الله تعالى، إلّا ما شاء الله، كما يشير إليه قوله تعالى: (فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُوم * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُون * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون * فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِين * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِين)(٢١٧).
أو بين كونها الرجعة إلى الدنيا بعد الموت والمكث مدة في البرزخ طالت ام قصرت بفاصل زمني مديد قبل يوم القيامة، وهي التي تعتقد بها مدرسة أهل البيت ع وأنَّها بعث أصغر.
وحينئذٍ يقع الكلام في كون (لا) زائدة أو أصلية، وهل هي متعلّق للحرمة أو عطف بدل عن الحرام، فإذا كانت عطف بدل تكون تفسيراً لنفس الحرمة لا أنَّها متعلّق الحرمة، فيكون حاصل المعنى حينئذٍ على تقدير كون الإهلاك بمعنى العذاب، أنَّ كل قرية أهلكت بالنقمة والعذاب الإلهي العاجل لا ترجع هي على وجه الخصوص قبل يوم القيامة بخلاف بقية الأمم والقرى التي إمَّا أنْ تكون مؤمنة أو كافرة وضالة لكنَّها لم يعاجل لها العقوبة والنقمة الإلهية، فإن لها رجعة إلى دار الدنيا.
فالآية على هذا التقدير في صدد التفصيل بين الأمم، وأنَّ الأمم المغضوب عليها والذين عوجلوا بالعذاب لا يمهلون بامتحان آخر في دار الدنيا، بلْ يساقون إلى بعث الآخرة دائبين في العذاب حتّى ذلك الميعاد، وحيث قدْ عرفت أنَّ الإهلاك في الآية بمعنى تعجيل النقمة فتخصيص القرى والأمم الهالكة بالعذاب بهذا المنع التكويني منه تعالى، يقتضي ـ مفهوما ـ وجود هذا الرجوع إلى الدنيا في البقية دون من خصص المنع بهم.
وأمَّا لو جعلت (لا) متعلقاً للحرمة فأما أن تقدر (لا) زائدة فيكون حاصل المعنى، منعهم من الرجوع حين الإماتة وحين الاهلاك، أو أن تقدر (لا) غير زائدة فيكون حاصل المعنى ضرورة رجوعهم ويقدر رجوع يوم المعاد.
وعلى كلا التقديرين تخصيص ذلك المعنى بالقرية التي أهلكت بالعذاب لا وجه له، بلْ هو عام لكل القرى والأمم التي ماتت ولو بدون عذاب إلهي، نعم على التقدير الأوَّل قدْ يقرَّر حاصل المعنى أنَّ المراد بالرجوع ما قبل يوم القيامة.
وعلى أي تقدير ظهر أنَّ الآية في صدد الرجوع إلى الدنيا لا في حين أوان الموت، بلْ بعده قبل يوم القيامة، وأنَّ التخصيص في الآية بالقرى التي أهلكت دون غيرها دالّ بقوة على التفصيل في الحكم بين أمم مهلكة وأمم أُخرى.
وأمَّا احتمال أنَّ الإهلاك لا بمعنى العذاب العاجل في دار الدنيا، بلْ بمعنى مجرد الموت، فقد تقدَّم أنَّ الإهلاك في أغلب الآيات في السور إلّا ما استثنى مستعمل في العذاب والنقمة العاجلة، والإماتة بنزول العذاب، مع أنَّ الآية لا يستقيم معناها في المقام لو فسَّر الإهلاك بمعنى الإماتة المعتادة، فإنَّ محط النظر حينئذٍ أنَّ الموت لا يوجب عجز الباري عن إعادتهم يوم المعاد لا أكثر، بينما الملحوظ في الآية أنَّ محط النظر على أهل القرية والأقوام الذين اهلكهوا، فيكون وصف الإهلاك قيداً احترازياً لا مقسّم وموضوع مبتدأ.
وبين المعنيين والتركيب اللفظي لهما بون بعيد.
فتعيّن بقرينة كون القيد احترازياً أنَّه مفصّل بين القرى، فالحكم ليسَ بعام في الآية، بلْ خاص تفوح من ألفاظها وسبك تركيبها الخصوصية والتخصيص، هذا مضافاً للقرائن التي مرَّت فيتطابق المفاد المذكور مع الروايات المستفيضة عن أهل البيت عليهم السلام أنَّ الآية في صدد نفي الرجعة الى الدنيا ـ بعد الموت والمكث في البرزخ ـ قبل يوم القيامة للأقوام التي عوجلت بالعذاب الإلهي في دار الدنيا.
الطائفة الرابعة: آيات الوعد الإلهي بالنصر
١) قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون)(٢١٨).
٢) قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون).(٢١٩)،(٢٢٠)
قال السيد المرتضى في الاستدلال على الرجعة بالآية:
فإنْ قيل فما عندكم فيما تستدلَّ به الإمامية على ثبوت الرجعة من قوله تعالى ـ وذكر الآية.
وظاهر هذا الكلام يقتضي الاستقبال فلا يجوز أنَّ يحمل على أنَّ المراد به موسى عليه السلام وشيعته، وإذا حملنا فرعون وهامان على أنهما الرجلان المعروفان اللذان كانا في عهد موسى عليه السلام فيجب أنْ يعادا ليُريا ما منَّ الله تعالى به على ما ذكره من المستضعفين، وهذا يوجب الرجعة على ما بيّناه لا محالة.
قلنا: ليسَ الاستدلال بذلك مرضياً، ولا دليل يقتضي ثبوت الرجعة إلّا ما بيّناه من إجماع الإمامية، وإنَّما قلنا أنَّ ذلك ليسَ بصحيح، إذْ لفظ الاستقبال في الآية لا يدلُّ على أنَّ ذلك ما وقع؛ لأنَّ الله تعالى تكلم بالقرآن عند جميع المسلمين قبل خلق آدم عليه السلام فضلاً عن موسى عليه السلام، والألفاظ التي تقتضي المضي في القرآن هي التي تحتاج أنْ نتأولها إذا كان إيجاده متقدماً، وإذا سلّمنا أنَّ ذلك ما وقع إلى الآن وأنَّه منتظرٌ منعنا من اقتضاه الرجعة في الدنيا، ولعلَّ ذلك خبرٌ عما يكون في الآخرة، وعند دخول الجنّة والنار فإنَّ الله تعالى لا محالة يمنّ على مستضعفي أوليائه المؤمنين في الدنيا بأنْ يورثهم الثواب في الجنّة، ويُمَكِّن لهم في أرضها ويجعلهم أئمة وأعلاماً يوصل إليهم من حقوق التعظيمات، وفنون الكرامات ويُعلم فرعون وهامان وجنودهما في النارـ ذلك ليزدادوا حسرةً وغماً وأسفاً، وقوله تعالى:
(مَّا كَانُوا يَحْذَرُون) صحيح ينبوا عن التأويل الذي ذكرناه؛ لأنَّ فرعون وهامان وشيعتهم يكرهون وصول الثواب والمسارعة والتعظيم والتبجيل إلى أعدائهما من موسى عليه السلام وأنصاره وشيعته، ومشاهدتهم لذلك وعلمهم به زائد في عقابهم، ومقوي لعذابهم ومضاعف لإيلامهم، وهذا مما لا يخفى صحته واطراده على متأمل(٢٢١).
أقول: ما ذكره من ردّ الاستدلال بالآية لا يخلو من تكلّف وتمحل؛ وذلك لأنَّ ظاهر الآية هو التمكين في أرض الدنيا، كما أُريد من الأرض التي استضعفوا فيها، كما أنَّ التعبير بالوارثين وراثة الأرض التي استضعفوا فيها.
وأمَّا كون القرآن عند جميع المسلمين قبل خلق آدم فلا ينافي كون النزول في الآيات وألفاظ التنزيل هو بحسب ألفاظ التنزيل ومواطنها الزمانية، وإنْ كان المعنى الكلي يجري كما تجري الشمس والليل والنهار.
ومن ثمَّ لا محالة يكون سبب النزول له شأن مهم في تأطير قالب الدلالة والمعنى، وإنْ كان من جهة أُخرى لا ينحصر المعنى العام به.
وعلى هذا فلفظ المضارع والماضي بلحاظ موارد النزول باق على حاله، وعلى هذا فالآية الكريمة لابدَّ أنْ تلحظ ويلحظ مفادها بحسب الموطن الزماني لنزولها أيضاً.
فلا محالة ستكون الإرادة مستقبلية لهامان وفرعون ومتعلِّقة بتمكين المستضعفين في الأرض، وعلى قاعدة أنَّ الآية تجري مجرى الشمس والليل والنهار، فأهل البيت عليهم السلام استضعفوا وقتلوا وشُرّدوا فلا محالة يتعلّق بهم الوعد الإلهي بتمكينهم في الأرض وإراءة الظالمين لهم من أعدائهم من فراعنة أزمانهم ووزرائهم الذين هم على مثال نمرود وفرعون وهامان، بعد ما ذكر القرآن أن قصصهم عبرة وعبور لا تتوقف عندهم وتجمد، بل تجري في غير من نزلت فيهم (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ).
٣) قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِين)(٢٢٢).
٤) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)(٢٢٣).
٥) قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون)(٢٢٤).
ومتى يظهره على سائر الملل ومتى يكون ذلك؟ فقد وقع المفسرين في حيص وبيص فيه وقد تقدمت الاشارة في الباب الأول أن اظهار الدين على درجات ومراتب كثيرة بعدد درجات الإسلام والإيمان ـ كما اشير إليه في روايات أهل البيت عليهم السلام ـ تبيانا لما في آيات القرآن، فإذا كان المهدي عجل الله فرجه يملأها عدلاً وقسطاً فإن امير المؤمنين عليه السلام يملأها صدقا وتقوى وهي مرتبة أعلى من المرتبة السابقة.
كما مر أن الاظهار الأكبر للدين سيتم على يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يبعث في الرجعة للنذارة الكبرى والدعوة للدين ما لم يظهره من قبل (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) بتراب القبر (قُمْ فَأَنْذِرْ) و(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ) وأن ما دعا اليه إنما هو النذارة الصغرى ـ وسيأتي كل ذلك مفصلا في الباب الثالث انشاء الله.
٦) قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)(٢٢٥).
٧) وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون)(٢٢٦).
٨) الآيات الناطقة أنَّ عاقبة الأرض للمتقين، وقدْ وَرَدَ في روايات الفريقين أنَّ من أسماء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم العاقب، وكذلك في وصف أمير المؤمنين عليه السلام، وقوله تعالى: (إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين)(٢٢٧).
ـ وقوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين)(٢٢٨).
ـ وقوله تعالى: (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)(٢٢٩).
ـ وقوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين)(٢٣٠).
٩) سورة غافر/ ٥١: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد) قال عليه السلام ذلك والله في الرجعة، أمَا علمت أنَّ أنبياء الله كثير منهم لم ينصروا في الدنيا، وقتلوا، وأئمة قدْ قتلوا ولم ينصروا فذلك في الرجعة(٢٣١).
والرواية تبين وجه الدلالة في الوعد المذكور في الآية على ضرورة الرجعة.
١٠) قوله تعالى: (قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُون * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِين)(وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُون)(٢٣٢).
١١) قوله تعالى: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُون * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُون)(٢٣٣)، والرواية في ذيلها قول جبرئيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «واحدة لك واثنتان لعلي وموعدكم السلام» أي في الرجعة تلتقيان في الكوفة.
١٢) قوله تعالى: (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِين* ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِين)(٢٣٤). وعنوان الانتظار والوعد بالنجاة للرسل وللمؤمنين، وأنه حق جعله وقطعه الله على نفسه، وكل هذه الأمور مستقبلية من أيام الدنيا بحسب ألفاظ الآية.
١٣) قوله تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين)(٢٣٥).
الطائفة الخامسة: الإحياء والإماتة مرتين
١ ـ قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون)(٢٣٦).
٢ ـ قوله تعالى: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيل)(٢٣٧).
وتقريب دلالة الآية الأولى: إنَّ عنوان الأموات يغاير عنوان الإماتة، والمتكررة في الآية الثانية، (وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ) هي الحياة الأولى في الدنيا ثُمَّ يميتكم الموتة الأولى ثم يحييكم وهي الحياة الثانية، ثم إليه ترجعون، وهي القيامة فالحياة الثانية قبلها هي الرجعة في الدنيا.
وأمَّا تقريب دلالة الثانية: فعنوان الإماتة يغاير الموت والموات، وهي موتتان من كان حياً، فالإماتة مرتين يقتضي وجود حياتان قبلهما، كما أنَّ ظاهر الإحياء في الترتيب الذكري أنَّه بعد الإماتة فيقتضي أنَّه بعد كل إماتة حصل إحياء، فالإحياء الثاني حياة ثالثة في القيامة يغاير الإحياء الأوَّل، وهي الحياة الثانية بعد الإماتة الأولى.
واما قوله تعالى (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيم)(٢٣٨)، فتوجيه دلالته مع الآيتين:
١ ـ قال الشيخ محمد رضا المشهدي: بل يحيون فيها دائما، والاستثناء منقطع أو متصل، والضّمير للآخرة، والموت أوّل أحوالها، أو الجنّة والمؤمن يشارفها بالموت ويشاهدها عنده فكأنّه فيها. أو الاستثناء للمبالغة في تعميم النّفي.
وامتناع الموت، فكأنّه قال: لا يذوقون فيها الموت إلَّا إذا أمكن ذوق الموتة الأولى في المستقبل.(٢٣٩)
وحاصل كلامه: تفسير (الأولى) لا بمعنى الواحدة، بلْ بمعنى القبل والقبيل المحتفة الحافة والمشارفة، فليست الآية في صدد تعداد أعداد الموت، بلْ وصف الموتة بالسابقة.
٢ ـ أنَّ الموتة الأولى في مقابل القتل، لأنَّ لكل مؤمن موتة وقتلة كما دلت على ذلك الآيات والروايات.
٣ ـ إنَّ وصف (الأولى) بمعنى المخففة النازلة درجة من جهات شدائد الموت ومرارته، فلا يذوقون الموت الشديد على أنَّ النوم بدرجاته ـ حتى السنة ـ درجات من الموت.
هذا ولا تنافي بين الوجوه التي ذكرت ولا مانع من الجمع بينها مع أنَّ أقربها مرادا في الآية الوجه الأوَّل.

الفصل الخامس: الرجعة في مصادر الحديث للعامة

روى العامّة في كتب الحديث لديهم روايات مستفيضة، بلْ متواترة عن الرجعة، ولكنَّها ليسَت بلفظ الرجعة، بلْ بعناوين أخرى كثيرة عديدة كما مر تحمل أسماء فصول ومراحل الرجعة.
فرووها من حيث لا يشعرون، ودونوّها في كتب الحديث لديهم، حيث أوردت الصحاح الستة فضلاً عن غيرها أخباراً عن دابة الأرض والمسيح والعصا وغيرها من العناوين الآتية، ودابة الأرض من أعظم مراحل الرجعة كما سيأتي.
وقد سبق أن أشرنا إلى سبعة عشر عنوانا أو تزيد فمن تلك العناوين التي رووها:
١ ـ ما رووه في عنوان دابة الأرض.
دابة الأرض: وهي فصل من الفصول المهمة من مراحل الرجعة وهي أحد رجعات أمير المؤمنين عليه السلام الهامّة، وقدْ رووا فيها تفاصيل كثيرة، وكثير منها متطابق مع ما ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام في دابة الأرض، بلْ سيأتي أنَّهم رووا أنَّ دابة الأرض هي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام.
٢ ـ وكذا ما رووهُ بعنوان خروج الآيات.
وقد رووا في هذا العنوان أيضاً الشيء الكثير من أحداث الرجعة، وهم يظنونها أنها من إرهاصات ساعة القيامة الكبرى، بينما هي من أحداث الرجعة، وإنْ كانت أحداث الرجعة في نهايتها تعقبها القيامة الكبرى.
٣ ـ وما رووهُ أيضاً بعنوان أشراط الساعة.
٤ ـ ما رووه من ظهور الشمس من مغربها، ونزول عيسى عليه السلام، ونزوله عليه السلام عندهم رجعة ورجوع من الموت إلى الحياة الدنيا؛ لأن عيسى عندهم قد مات وتوفاه الله عند رفعه إليه.
٥ ـ وكذا ما رووه في عنوان كتاب الفتن، وقدْ ألَّفوا في هذا العنوان كتباً عديدة.
٦ ـ وما رووه في عنوان الملاحم، وقد ألَّفوا في ذلك كتباً أيضاً.
٧ ـ وما رووه أيضاً في أسماء الْنَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه الحاشر، وأنَّه العاقب والماحي والمقفي وغيرها من أسمائه وصفاته المرتبطة بالرجعة من حيث لا يشعرون.
وقد روى العامة بطرق مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في احتجاجه على اليهود بما في كتبهم وأناجيلهم من أنَّه الحاشر والعاقب(٢٤٠)، والحال أنَّ النبي قدْ ذكر في التوراة والإنجيل باسم الحاشر، فقد رووه وهم لا يشعرون بكون مفاده هو مقام الرجعة لسيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، حيث أنَّ معنى العاقب هو الشخص الذي لا بعده أحد، كما رووا هم نص ذلك أي أنَّ رجعته هي آخر رجعات المعصومين من أهل البيت عليهم السلام، ورووا أنَّ الحاشر هو الذي يحشر الناس.
وما رواه مالك في كتابه (الموطأ) أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لي خمسة أسماء، أنا مُحمَّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب)(٢٤١)، ويكون الماحي الذي يمحو الله به الكفر وذلك في الرجعة حيث يمحو الله ـ بدولته في رجعته ـ ظاهرة الكفر وهي آخر دول الرجعة، ويكون أكمل مراحل إظهار الدين.
٨ ـ ما رووهُ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم وقول أهل بيته: (إنَّ منّا المهدي والمنصور، والسفّاح والمنذر).
ولم يعلموا أنَّ هذهِ أسماء وصفات ومقامات للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللأئمة في الرجعة، فإنَّ بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه يرجع الامام الحسين وهو الملقب بالمنصور، ثم يرجع أمير المؤمنين حيث يسفح عروش الظالمين، وفي آخر الرجعة يرجع سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم ويبعث بالنذارة الكبرى(٢٤٢).
٩ ـ الميسم والعصا.
١٠ ـ ما ذكروه في باب البعث والنشور والحشر والمحشر نظير ما أخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي في البعث والنشور، فإنَّه أورد في سننه روايات عديدة عن دابة الأرض وغيرها من فصول الرجعة.
١١ ـ ما رووه في ذي القرنين.
١٢ ـ ما رووه في أصحاب الكهف.
وفي الحقيقة أنَّ ما روته العامة في كتب الحديث في باب الفتن، وأشراط الساعة، وخروج الآيات، ودابة الأرض، وباب ملاحم آخر الزمان جلّها ومعظمها روايات في الرجعة وفصولها وأخطر أحداثها لكنَّها لم تتضمن لفظة الرجعة، وهي مشحونة بأسرار ما ورد في الرجعة من روايات أهل بيت العصمة، وكلها مع تدبر الباحث في ألفاظها وألسنتها يكتشف إشتمالها وتطابقها مع نفائس معارف الرجعة المروية عن الأئمة عليهم السلام ولكن من دون إستشعار وإلتفات علماء العامة ومحدثيهم بلطائف مفاد هذهِ الروايات المستفيضة.
نقاط منهجية في البحث العقائدي
أهمية تراث الحديث والتفسير لدى العامّة على علم الكلام
النقطة الأولى: لابدَّ من الالتفات إلى أنَّ مصادر وكتب الحديث وشروحها، وكتب التفسير لدى أهل سنة الجماعة والخلافة أسلم في الاحتفاظ على حقائق العقائد من كتب الكلام والمتكلمين لديهم، فكم من عقيدة أصيلة في القرآن وأحاديث الْنَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم ممّا هي مقررة في مدرسة أهل البيت تجدها محذوفة في منظومة العقائد في كتب المتكلمين لديهم أو لم يستخرجوها، بينما تجد بصماتها وعناوينها لا زالت باقية في كتب الحديث ولو بعناوين أخرى مرادفة لغوية أو مرادفة عقلية أو عناوين ملازمة، بينما يشاهد خفاء ذلك تماماً في ساحة كتب الكلام والمتكلمين عندهم.
وهذهِ نقطة منهجية هامّة في البحث والتتبع ورصد المتسالم عليه بين المسلمين، فإنَّ ثوابت العقيدة المشتركة بين رصد كافة المسلمين لا يمكن الاعتماد في تحديدها على كتب الكلام وكتابة المتكلمين، وما استخرجوه من المصادر من الآيات والروايات.
وليسَ هذا حال التراث والمصادر عند العامّة فقط، بلْ عند الخاصة أيضاً، فإنَّ ما قام به علماء الإمامية (شكر الله مساعيهم) من رسم واستخراج منظومة العقائد في كتبهم لا يمثّل تمام منظومة العقائد في تراث أهل البيت فإنَّ هناك أبوابا وفصولا وقواعد ومسائل كثيرة في مضامين الروايات لم يتعرض لها علماء الكلام من الإمامية.
كما هو الحال في فقه الفروع أيضاً، فإنَّ التراث الروائي الفقهي، بلْ وآيات الأحكام في القرآن أوسع بكثير مما قدْ استخرجه الفقهاء في الكتب والأبواب الفقهية، ولأجل ذلك نرى توسّع الفقه أبواباً وفصولاً قرناً بعد قرن.
ومن ثَمَّ كان اللازم على الباحث المحقق أن يتتبع مهما أمكن في أبواب الحديث وطوائف الآيات والتصفح لكتبه وشروحه، فإنَّه سيقف على العديد من المباحث والمسائل التي لم يعنونها.
النقطة الثانية: إنَّ كثيراً من الحقائق الاعتقادية لدى مدرسة أهل البيت عليهم السلام موجودة في تراث الحديث لدى العامة، لكن بعناوين وأُطر وألفاظ أُخرى.
ولخفاء مفاد تلك الألفاظ النبوية والعناوين والأُطر لم يهتد العامّة إلى أنها هي الحقائق التي أنكروها وجحدوها من مقامات أهل بيت النبوة، وخفاء دلالتها وغموض المعنى عليهم هو الذي كان سبباً في حفظ هذا التراث عن الإبادة والطمس مثل ما جرى لكثير من الحديث النبوي الذي منع عن تدوينه الأوَّل والثاني، بلْ قاما بحرقه واستمر منع التدوين لديهم أكثر من قرن.
وهذا النمط من الحديث الخفي الدلالة هو ما يعرف بالتعريض في البيان وهو أسلوب مرموز ومشفر مكنونة فيه الحقائق بدلالة موزونة على القواعد والضوابط المقررة المعروفة في علوم اللغة، ولكن لا يهتدون إلى دلالتها عفوياً، بلْ ولا بالتدبر اليسير كي لا تطمس هذهِ الآثار، فقاموا برواياتها والاعتراف بها رغم جحودهم لحقائقها.
وكذلك الحال في دلالة الكثير من الآيات، فإنَّ خفاء الدلالة صان الآيات في القرآن الكريم عن التحريف من قبل الجاحدين والمنكرين لهذه الحقائق العقائدية.
الثالثة: إن عملية المقابلة والمقارنة بين ما رووه من تراث الحديث وما رويناه عن أهل البيت عليهم السلام من تراث له فوائد عظيمة جدا، إذ أن كثير مما لديهم من تراث مبعثر الدلالة أو مشتت المقاطع ولا يهتدي الباحث الى مغزاه ومآله إلا بالرجوع إلى تفسير أهل البيت عليهم السلام إلى هذه الملاحم والمعالم المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فانهم عليهم السلام يكشفون عن الخيط الواصل بين الحلقات المختلفة من الأحداث والمقامات، وبدون تفسير لا ينجلي الابهام والغموض عن كثير من الحقائق.
وهذا ما سيجد مثاله القارئ من بعض طوائف الروايات التي رواها العامة في ملاحم آخر الزمان وهو المنطبق على الرجعة.
وهذا مطرد في أبواب المعارف لمن مارس هذه المقارنة بين التراثين من الحديث، فإنه يكشف عن كثير من الخفايا وأسرار الحقائق التي رووها ولم يفطن العامة أنها من دلائل وحقائق مقامات أهل البيت عليهم السلام ومعارفهم.
فعليك بالقيام بهذه المقارنة والمقابلة مع شيء من اليقظة والفطنة إلى المرادفات والملازمات، فسيظهر لك من ذلك العجائب التي خفيت أو غفل عنها أجيال من الباحثين والمحققين من الفريقين.
جابر الجعفي وخمسون أو سبعون ألف حديث في الرجعة
قال المحقق الطهراني في كتابه (الذريعة) أنَّ السيد ابن طاووس في كتاب الطرائف(٢٤٣) ذكر أنَّ صحيح مسلم بإسناده عن جراح قال سمعت جابر يقول عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبي كلها في الرجعة(٢٤٤).
لكن الموجود من النسخة المطبوعة لكتاب الطرائف لابن طاووس قوله في نقد العامّة في تركهم لعترة النبي: وممّا يدلُّ على ذلك ما رواه جماعة سبب إطراحهم لأخبار أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ورواه مسلم في صحيحه في أوائل الجزء الأوَّل بإسناده إلى الجرّاح بن مليح، قال سمعت جابراً يقول عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبي كلها، ثم ذكر مسلم في صحيحه بإسناده إلى مُحمَّد بن عمر الرازي، قال: سمعت جرير يقول لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه كان يؤمن بالرجعة!
وكذلك روى مسلم في الجزء المذكور بإسناده إلى عبدالله بن المبارك أنَّه يقول على رؤوس الأشهاد: «دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنَّه كانوا يسبّوا السلف».
قال عبد المحمود: انظر رحمك الله كيف حرموا أنفسهم الانتفاع برواية سبعين ألف حديث عن نبيهم برواية أبي جعفر الذي هو من أعيان أهل بيته الذين أمرهم بالتمسّك بهم!
ثم وإنَّ أكثر المسلمين أو كلهم قدْ رووا إحياء الأموات في الدنيا وحديث إحياء الله تعالى الأموات في القبور للمسألة، وقد تقدمت روايتهم عن أصحاب الكهف، وهذا كتابهم يتضمن: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ).
والسبعين الذين أصابتهم الصاعقة مع موسى عليه السلام، وحديث العزير، ومن أحياه عيسى عليه السلام، وحديث جُريح الذي أجمع على صحته، وحديث الذين يُحييهم الله تعالى للمسألة، فأي فرق بين هؤلاء الأربعة وبين ما رواه أهل البيت وشيعتهم من الرجعة، فأي ذنب كان لجابر حتّى يُسقط حديثه»(٢٤٥).
أقول: ما ذكره ابن طاووس من حديث مسلم عن جابر ليسَ فيه تقييد كون مجموع السبعين ألف حديث عن جابر، ولكن يظهر من الحديث اللاحق لمسلم عن سبب تركهم الرواية ـ رواية سبعين ألف حديث ـ أنَّ جابر أظهر الاعتقاد بالرجعة، والظاهر أنَّ إظهار جابر الاعتقاد بالرجعة كان عبر ما سمعوه منه من أحاديث عن الباقر عن النبي في الرجعة، كما يشير ذيل كلام ابن طاووس «ما رواه أهل البيت وشيعتهم عن الرجعة».
ويؤيد هذا الاستظهار من ابن طاووس أن جابر كان يروي أحاديث في الرجعة: ما رواه مسلم في نفس الباب في أوائل كتابه بسنده عن السفيان، قال كان الناس يحملن عن جابر قبل أنْ يظهر ما أظهر فاتهمه الناس في حديثه وتركه بعض الناس، فقيل له وما أظهر، قال الإيمان بالرجعة.
والظاهر من هذا الحديث أنَّ إظهاره كان عبر روايته ونقله حديث الرجعة، وكذلك ما رواه مسلم بإسناده عن جرير الذي تقدم في كلام ابن طاووس انه لقيه ولم يكتب عنه، لأنه كان يؤمن بالرجعة.
ودأب الرواة في كيفية استكشاف مذاهب بعضهم للبعض الآخر هو عبر ما يروونه من مضامين الأحاديث، وروايتهم لمضمون ما يمثل تبنيا منهم لذلك المضمون كمذهب ومسلك.
ويشهد لهذا الاستظهار وأن أحاديث جابر كانت في الرجعة: ما رواه مسلم في نفس الباب أيضاً بإسناده عن زهير، قال: قال جابر ـ أو سمعت جابراً يقول ـ: أني عندي لخمسين ألف حديث ما حدثت منها بشيء، قال ثم حدث يوماً بحديث، فقال هذا من الخمسين ألفاً.
فكأنما الحديث الذي حدّث به واستغربوا منه هو حديث الرجعة وأنَّ هذهِ الأحاديث فيها.
ويدعم هذا الاستظهار: ما رواه مسلم أيضاً في نفس الباب في سياق الكلام عن أحاديث جابر عن الباقر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبإسناده إلى سفيان أيضاً قال سمعت رجلاً يسأل جابراً عن قوله عَزَّ وَجَلَّ: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين) فقال جابر لم يجئ تأويل هذهِ(٢٤٦). قال سفيان وكذب فقلنا لسفيان وما أرد بهذا؟ فقال: إنَّ الرافضة تقول أنَّ علياً في السحاب فلا نخرج مع من خرج من ولده حتّى ينادي منادٍ من السماء ـ يريد علياً ـ أنَّه ينادي أخرجوا مع فلان. يقول جابر فهذا تأويل هذهِ الآية، وكذب، كانت في أخوة يوسف صلى الله عليه وسلم.
وروى بعده بإسناده إلى سفيان أيضاً قال سمعت جابر يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث ما استحل أنْ أذكر منها شيئاً وأنَّ لي كذا وكذا.
وهذهِ الرواية شاهد على أنَّ ما فهمه سفيان ـ والذي أشار إليه جابر في الرواية السابقة ـ أنَّ قوله تعالى: (أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين) هو حكومة دولة أهل البيت عليهم السلام على الأرض من ظهور المهدي عجل الله فرجه والرجعة.
فكل هذهِ قرائن عديدة على أن الرواة سمعوا منه أو فهموا منه أنَّ السبعين ألف حديث أو الخمسين ألف أو الثلاثين ألف هي في الرجعة التي استبشعوها، وإلّا لو كانت في أبواب الفقه والفروع لرووها عن الباقر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما رووا عن جابر نفسه عن الباقر في أبوب الفروع.
 ويشهد على كون تعداد هذهِ الروايات لجابر في الرجعة: أنَّ المانع الذي ذكره جملة وجوه ومشاهير رواة العامة كسبب لامتناعهم عن روايات جابر هو الرجعة، ولم يذكروا سبباً آخر كقول جابر بإمامة أهل البيت عليهم السلام، ولا قوله بالوصية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي وعترته من أئمة أهل البيت عليهم السلام، ولا تبري جابر من صحابة السقيفة، بلْ حصروا السبب في الرجعة كما يلاحظ المتتبع في الروايات العديدة التي أوردها مسلم في أوَّل صحيحه أو التي أوردها عن رواتهم حول جابر في تراجم كتب الرجال(٢٤٧)، مع أنَّ المروي في الكتب وكتب الحديث لدينا أنَّ جابر كان يجاهر بالوصية النبوية للأئمة عليهم السلام وبولاية أهل البيت عليهم السلام في مسجد الكوفة، ومع ذلك لم يجعلوا السبب في امتناعهم عن الحديث عنه إلّا الرجعة.
وهذا كله شاهد ويدل على أنَّهم فهموا أو سمعوا منه أنَّ هذهِ الأحاديث هي في الرجعة.
نعم ذكر النادر منهم أنَّه رافضي يشتم أصحاب الْنَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وروى العقيلي في كتابه (الضعفاء) بإسناده عن ابن أكثم الخراساني، قال لسفيان أرأيت ـ يا أبا مُحمَّد ـ الذين عابوا على جابر الجعفي حدثني وصي الأوصياء يعني الباقر؟! فقال سفيان: هذا أهونه.
وهذا تصريح أنَّ هناك سبباً أكبر من ذلك هو الذي منعهم من نقل الرواية عنه، وهو عود الحكم في الأرض إلى أهل البيت عليهم السلام في الرجعة.
وروى أيضاً بسنده عن سفيان بن عيينة أنَّه كان يقول: قال جابر أنَّ دابة الأرض عليٌّ».
وقدْ مرَّت روايته عن سفيان «أنَّ الناس كانوا يحملون الحديث عن جابر قبل أنْ يظهر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر في حديثه وتركه بعض الناس، فقيل له وما أظهر، قال الإيمان بالرجعة» ففيه تخصيص المانع بالرجعة.
ورى العقيلي بإسناده عن سفيان بن عيينة قال أتيت جابر الجعفي فسمعت منه ذاك الكلام ـ يعني الإيمان بالرجعة ـ.
وذكر الذهبي عن ابن حبان في ترجمة جابر قوله عن جابر: كان سبئياً من أصحاب عبدالله بن سبأ كان يقول أنَّ علياً يرجع إلى الدنيا.
ويظهر من هذا الموقف لابن حبان أنَّ الرجعة عند العامّة أعظم خطباً وأكثر هولاً في المعرفة بالأئمة عليهم السلام من معرفة الأئمة بأنهم مفترضو الطاعة موصى إليهم، وهذهِ حقيقة بأنَّ معرفتهم بالرجعة أعظم من معرفتهم أنهم مفترضو الطاعة، وأنَّ لديهم علما لدنيا ونحو ذلك، مما به معرفة بمقاماتهم في الحياة الأولى من الدنيا.
وقد أشار إلى ذلك حديث الإمام الباقر عليه السلام الذي مرَّ في الباب الأوَّل في الفصل الأوَّل في معرفة الرجعة وتأثيرها في المعرفة الدينية.
وعلى أي حال يظهر جليّاً من كلام بن حبان أنَّ أحاديث جابر ورواياته أكثر ما تدور هو حول الرجعة، ومن الشواهد على ذلك: ما ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال عن ابن عدي قوله في جابر: عامّة ما قذفوه به أنَّه كان يؤمن بالرجعة(٢٤٨).
وروى الذهبي عن بن عيينة، قال: جابر الجعفي يقول دابة الأرض عليّ(٢٤٩).
وقال الطبري في تفسير جامع البيان في ذيل قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُون)(٢٥٠)، روى بطريقه عن ابن حميد عن عيسى بن فرقد عن جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجعة فقرأ هذهِ الآية (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُون)، فكأنَّ أبا جعفر وجّه تأويل ذلك إلى أنَّه حرام على أهل قرية أمتناهم أنَّ يرجعوا إلى الدنيا(٢٥١).
خطبة أبي حمزة الخارجي
وأمَّا هذهِ الشيع فشيع ظاهرت بكتاب الله، وأعلنت الفرية على الله لم يفارقوا الناس ببصر... جفاة على القرآن، أتباع كهان يؤملون الدول في بعث الموتى، ويعتقدون الرجعى إلى الدنيا قلّدوا دينهم رجلاً لا ينظر إليهم(٢٥٢).
كلام الطبري عن مقالة الرجعة عند عبدالله بن سبأ
روى الطبري عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي في شأن عبدالله بن سبأ: حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: العجب ممن يزعم أنَّ عيسى يرجع ويكذب بأنَّ محمداً يرجع، وقد قال الله عَزَّ وَجَلَّ (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) فمحمد أحقّ بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: إنْه كان ألف نبي ولكل نبي وصي، وكان علي وصي مُحمَّد(٢٥٣).
روايتهم النزول في الرجعة
١ ـ حدثنا نعيم بن حماد ثنا أو المغيرة عن ابن عيّاش عن شيخ له عن وهب بن منبه، قال: طلوع الشمس الآية العاشرة، وهي آخر الآيات، ثمَّ (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ)(٢٥٤)، ويطرح كل ذي مال ماله، يُشغل كل تاجر عن تجارته(٢٥٥).
٢ ـ أبو المغيرة عن ابن عيّاش عن شيخ له عن وهب بن منبه قال: بعد الآية السابعة: أنْ يبعث الله ملائكة على خيل بلق تطير بين السماء والأرض تنعى الأرض ومن عليها ومن فيها، والآية الثامنة: أنَّه لا يبقى على الأرض شجرة إلّا بكت دماً، والتاسعة: أنَّه لا يبقى على الأرض صخرة إلّا ونّت ونين النساء، والعاشرة: طلوع الشمس من مغربها(٢٥٦).
من تراث الرجعة عند أهل السنة الآيات التي تخرج في آخر الزمان في أشراط الساعة
النار التي تسوق الناس إلى المحشر
روى العامة باستفاضة بلْ بتواتر خروج النار من قعر عدن أو الحجاز وأنَّها تسوق الناس إلى المحشر، وتقع هذهِ الآية الكبرى قبل الساعة الكبرى للقيامة.
وهذا المفاد مطابق لما وَرَدَ في روايات أهل البيت عليهم السلام من أنَّ الحساب في آخر الرجعة قبل يوم عالم القيامة وسيأتي بيانه.
١ ـ فقد روى ابن حنبل في مسنده عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: لا تقوم الساعة حتّى ترون عشر آيات طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى بن مريم والدجال وثلاث خسوف، خسف بالمغرب وخسف بالمشرق وخسف جزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم(٢٥٧).
٢ ـ وروى أحمد بن حنبل عن عبدالله بن عمر، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستخرج نارٌ قبل يوم القيامة من بحر حضرموت أو من حضرموت، قالوا فبما تأمرنا يا رسول الله؟ قال عليكم بالشام(٢٥٨).
٣ ـ روى ابن حنبل عن حذيفة بن أسيد: نارٌ تخرج من قبل تطرد الناس الى محشرهم(٢٥٩).
٤ ـ روى عبدالله بن سنان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّهُ سُئل عن أوَّل أشراط الساعة، فقال النبي: أنَّ أوَّل أشراط الساعة نارٌ تخرج من المشرق وتحشرهم إلى المغرب(٢٦٠).
٥ ـ وروى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تقوم الساعة حتّى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تضيئ أعناق الإبل ببصرى(٢٦١).
ملاحظة:
إنَّ عند مقابلة ومقارنة روايات الفريقين يلاحظ تشاكل وتقارب كبير في النعوت بين دابة الأرض والنار التي تخرج، فكما وَرَدَ خروج الدابة في خرجاتها الثلاث تارةً من اليمن وأُخرى من الحجاز، فكذلك وَرَدَ في خروج النار التي تسوق الناس إلى محشرهم.
فقد روى القمي في تفسيره في ذيل سورة المعارج: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع)، قال: سئل أبو جعفر عن معنى هذا، فقال: نار تخرج من المغرب وملك يسوقها من خلفها(٢٦٢).
٦ـ روى الصدوق بسنده في الخصال عن أبي الطفيل عامر بن وائلة عن حذيفة بن أُسيد الغفاري، قال كنّا جلوساً في المدينة في ظل حائط، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غرفة فاطلع علينا، قال: فيما أنتم؟ فقلنا نتحدث. قال: عماذا؟ قلنا عن الساعة،
فقال: أنكم لا ترون الساعة حتّى ترون قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، وثلاثة خسوف في الأرض... خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وخروج عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، وتكون في آخر الزمان نارٌ تخرج من اليمن من قعر الأرض لا تدع خلفها أحداً تسوق الناس إلى المحشر كلما قاموا قامت لهم تسوقهم إلى المحشر(٢٦٣).
٧ ـ وروى الحسين بن سعيد في كتاب الزهد عن إبراهيم بن أبي البلاد عن يعقوب بن سعيب بن ميثم قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول نارٌ تخرج من قعر عدن تضيء لها أعناق الإبل تُبصر من أرض الشام، تسوق الناس إلى المحشر(٢٦٤).
أقول: ولا يخفى إنَّ هذا التعبير المستفيض في روايات الفريقين من أنَّ هذهِ النار التي تخرج من قعر عدن أو من مكان آخر قريب منها، وتسوق الناس إلى المحشر هذا التعبير المستفيض في رواياتهم نص في رجعة الاموات؛ وذلك لمكان التعبير بمادة (الحشر)، فإنَّ سوق الناس إلى محشرهم إنَّما هو بلحاظ الميت الذي أحيي يساق بعد إحيائه إلى المحشر، كما هو الاستعمال في القرآن الكريم.
كما إنَّ الحشر والمحشر نص في الحساب والمحاسبة وإقامة الحساب ـ والذي مرَّ استظهاره من الروايات أنه في آخر الرجعة ـ فيكون هذا اللسان في الروايات المستفيضة نص في أنَّ الحساب في آخر الرجعة قبل قيام الساعة للقيامة الكبرى، وهي مطابقة لكثير من نصوصنا ـ كما سيأتي في الباب الثالث ـ مضافاً إلى ورود هذا اللسان نفسه في طرقنا أيضاً عن أهل البيت عليهم السلام.
٨ ـ وروى نعيم بن حماد بسنده عن عبدالله بن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أنَّها ستكون هجرة بعد هجرة حتّى يهاجر الناس إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام حتّى لا يبقى على الأرض إلّا شرار أهلها تقذرهم روح الله تعالى وتلفظهم أرضوهم وتحشرهم نارٌ من عدن مع القردة والخنازير تبيت معهم أينما باتوا وتقبل معهم أينما قالوا ولها ما سقط منهم(٢٦٥).
٩ ـ وروى بسنده أيضاً عن عبدالله بن عمر، قال: ستكون هجرة من بعد هجرة لخيار أهل الأرضين إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام حتّى لا يبقى في الأرض إلّا شرار أهلها تلفظهم أرضهم وتمقتهم نفس الله وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا ولها ما سقط منهم(٢٦٦).
١٠ ـ وروى عنه أيضاً نفس الحديث إلّا أنَّ فيه: تلفظهم أرضوهم وتعذرهم نفس الله تعالى(٢٦٧).
١١ ـ وروى بسنده عن عمر بن الخطّاب أنَّه قال يوم بمكة في الحج، بأهل اليمن هاجروا قبل الظلمتين: إمَّا أحدهما فالحبشة يخرجون حتّى يبلغوا مقامي هذا، والأُخرى نار تخرج من عدن تسوق الناس والدواب والوحش والسباع ودقاق الدواب وجلالها إذا قامت قاموا، وإذا تحركت تحركوا.
قال: وقال كعب: إذا عثر إنسان أو دابته قالت له النار: وانتكست! لو شئت لها لهاجرت قبل اليوم حتّى تنتهي إلى بُصرى فتقيم أربعين عاماً لا يصطلي بها أحدٌ إلّا كتب جهنمي، وحتّى يسأل الكافر فيقول: هذهِ النار التي كنا نوعد فكيف أنتم إذا رأيتم تلك الآية العظيمة؟ فينظر الناظر منكم إلى مشارق الأرض فيراها بزروعها خضراء يتناكحون ويلحقون، أفتراكم تاركي أعمالكم التي تعملون اليوم. وأنتم تنظرون إلى تلك الآية العظمى، ورب الكعبة لتعلمن أعمالكم وأنتم تنظرون إليها(٢٦٨).(٢٦٩)
ملاحظة:
لا يخفى إنَّ فيما تقدَّم في لسان الروايات التي رووها تشابه عظيم بين النار التي تخرج وتسوق الناس إلى المحشر وبين دابة الأرض، ـ كما مرَّ وزيادة على ما مرَّ ـ أنَّ روايات النار هنا قدْ تضمنت نعت من يدبر ويدير ويقوم بحشر الناس إلى المحشر بنفس الله في الروايات المتقدمة تارة وأُخرى بنعت من يقوم بالحشر بروح الله، وهذهِ النعوت مقامات رفيعة بمن يوكله الله للقيام بحشر الناس.
كما أنَّ في تلك الروايات المتقدمة أيضاً أنَّ النار التي تحشر الناس وتسوقهم تكتب على الكافر جهنمي، وهذا ما تقوم به دابة الأرض بالميسم والعصا كما مرَّ هي روايات الفريقين.
كما أنَّه قدْ أُشير في هذه الروايات إلى حشر كل المخلوقات التي تدبّ على الأرض وهو من خواص الحشر الأكبر.
١٢ـ وروى نعيم بسنده عن عكرمة، قال محشر الناس نحو الشام وأوَّل من حشر من هذهِ الأمة النضير(٢٧٠).
١٣ـ وروى نعيم بسنده عن أرطأة، قال: تكون نار ودخان في المشرق أربعين ليلة(٢٧١).
١٤ـ وروى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر عليه السلام حديثا في الرجعة، وفيه قوله: وقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ) هو علي بن أبي طالب عليه السلام إذا رجع في الرجعة(٢٧٢).
١٥ـ وروى نعيم بسنده عن أبي هريرة، قال: تخرج نار من المشرق وأُخرى من قبل المغرب تحشران الناس بين أيديهم القردة، تسيران بالنهار وتكمنان بالليل حتّى تجتمعان بحب منبج.
١٦ـ وروى أيضاً عن كعب عن عبدالله بن عمر تعدد النار التي تخرج، فذكر النار التي من عدن وناراً أُخرى من نحو المغرب وثالثة من نحو المشرق وأنَّ لكل نار زماناً تقييم فيه لا تنطفئ، ويحشر جميع الناس بهذهِ النيران إلّا الإعرابيين(٢٧٣).
وقد روي روايات عديدة في حشر الناس جميعاً إلّا الإعرابيين!!.
١٧ـ وروى علي بن إبراهيم القمي في سورة المعارج عن قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع) قال سئل أبو جعفر عليه السلام عن معنى هذا فقال نار تخرج من المغرب وملك يسوقها من خلفها حتّى يأتي من جهة دار سعد بن همام عند مسجدهم فلا تدع داراً لبني أمية إلّا أحرقتها وأهلها، ولا تدع داراً فيها وترٌ لآل مُحمَّد إلّا أحرقتها وذلك المهدي عجل الله فرجه.
النار التي تخرج حرب يقوم بها حجة الله
أقول: يظهر من بيان أئمة أهل البيت عليه السلام أنَّ المراد بالنار في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي الحروب والحرب التي تكون بعد ظهور المهدي عجل الله فرجه والتي في الرجعة ايضا، والتي فيها ملك ودولة آل مُحمَّد صلوات الله عليهم.
فأحدها: الحروب التي تقوم على يد المهدي عجل الله فرجه ضد الجبابرة والظالمين من عتاة هذهِ الأمة، والباقي تقوم على أيدي الأئمة عليهم السلام في الرجعة لا سيما على يد دابة الأرض وهو علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنَّ أحد خرجات دابة الأرض تكون من اليمن.
كما لا يبعد أنْ يكون الدخان أيضاً إشارة إلى الحرب.
قال القمي تحت قوله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين) قال ذلك إذا خرجوا في الرجعة من القبر (يَغْشَى النَّاسَ) كلهم الظلمة فيقولون (هَذَا عَذَابٌ أَلِيم * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُون) فقال الله ردا عليهم (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى) في ذلك اليوم (وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ) أي رسول قدْ تبين لهم ثم تولوا عنه، وقالوا: (مُعَلَّمٌ مَّجْنُون)، قال: قالوا ذلك لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذه الغشي فقالوا: هو مجنون، ثم قال: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُون) يعني إلى يوم القيامة، ولو كان قوله: (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين) في القيامة لم يقل أنكم عائدون؛ لأنَّه ليسَ بعد الآخرة والقيامة حالة يعودون إليها، ثم قال: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) يعني يوم القيامة: (إِنَّا مُنتَقِمُون)(٢٧٤).
ومن علامات انطباق دابة الأرض على النار ـ بمعنى أنَّ حرب دابة الأرض هي النار ـ ما رواه الشيخ في كتابه الغيبة من أنَّ دابة الأرض أيضاً تسوق الناس إلى المحشر.
فقد روى بسنده عن حبيب بن محمد بن يونس بن شاذان الصنعاني، قال: دخلت إلى علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي فسألته عن آل أبي مُحمَّد عليهم السلام... حيث روى عن الناحية المقدسة عجل الله فرجه فقلت: يا سيدي متى يكون هذا الأمر؟، فقال: إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة، واجتمع الشمس والقمر واستدار بهما الكواكب والنجوم، فقلت: متى يا ابن رسول الله؟، فقال لي: في سنة كذا وكذا تخرج دابة الأرض من بين الصفا والمروة ومعه عصا موسى وخاتم سليمان تسوق الناس إلى المحشر»(٢٧٥) ورواه الطبري في دلائل الإمامة(٢٧٦) بطريق آخر مسند عن ابن مهزيار.
وفي هذه الرواية فائدة اخرى أنه عجل الله فرجه أطلق الظهور والفرج على خروج جده أمير المؤمنين عليه السلام خروج دابة الارض، ووجه ذلك أن كلا من ظهوره عجل الله فرجه وظهور جده عليه السلام هو إقامة لدولة محمد آل محمد صلوات الله عليهم.
المحشر في روايات أهل البيت عليهم السلام
روى الحر العاملي عن مُحمَّد بن الحسن الطوسي في التهذيب بسند متصل إلى عبدالرحمن بن كثير عن أبي عبدالله عليه السلام في كلام له مع أبي حمزة الثمالي حول مسجد السهلة قال:
«فيه بيت إبراهيم الذي كان يخرج منه إلى العمالقة، وفيه بيت إدريس الذي كان يخيط فيه، وفيه صخرة خضراء فيها صورة جميع النبيين عليهم السلام، وتحت الصخرة الطينية التي خلق الله منها النبيين، وفيها المعراج وهو الفارق موضع منه وجوهر الناس وهو من كوفان، وفيه ينفخ في الصور وإليه المحشر، ويحشر من جانبه سبعون ألفاً يدخلون الجنة»(٢٧٧).
قدْ أشار العلامة الأميني في الغدير إلى أنَّ أهل سنة الخلافة قدْ رووا في كتب أحاديثهم ما يشير إلى الرجعة من حيث لا يشعرون أو يشعرون ولكن يتعلمون ويتغامضون، فقد عقد البيهقي في سننه فصلاً أو باباً في عدّ من تكلم بعد الموت أي أنَّه حيَيَ بعد الممات ومنها:
١ ـ ما رووه في زيد بن خارجة الأنصاري الصحابي أنَّه تكلم بعد الموت، فقد أخرج البَيْهقي بإسناده عن سعيد بن المسيب: أنَّ زيد بن خارجة الأنصاري توفي زمن عثمان فسُجّي بثوبه ثم أنَّهم سمعوا جللة في صدره ثم تكلم... إلى آخر الحديث الذي لفقوا فيه جملة من الأراجيف، ورواه بطريق آخر عن النعمان بن بشير(٢٧٨).
٢ ـ ما رووه في أنصاري يتكلم بعد القتل: أخرج البيهقي بسنده عن عبدالله بن عبيد الأنصاري، قال: بين ما هو يوارون القتلى يوم صفين أو يوم الجمل إذا تكلم رجل من الأنصار من القتلى... ثم ذكر عِدَّة من الأراجيف.(٢٧٩)
دابة الأرض ملحمة كبرى للرجعة في تراث العامّة
إنَّ الروايات التي روتها العامة في الدابّة بنحو مستفيض متضمنة لكثير من الحقائق حول الرجعة ومشتملة على البراهين العديدة عليها، وهي ناطقة مفصحة عن مقامات عظيمة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
ولنأخذ في استعراض معالم تلك المضامين في رواياتهم:
المَعْلَم الأوَّل: دابة الأرض معها عصا موسى وخاتم سليمان
وقد رووا هذا المعلم بنحو مستفيض أو متواتر، وقد عجّت به رواياتهم نظير ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده المتصل عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تخرج دابّة الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان صلى الله عليه وسلم تحطم أنف الكافر بالعصى وتُجلي وجه المؤمن بالخاتم حتّى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر(٢٨٠).
وقال في تفسير قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم): يعني إذا وجب عليهم العذاب، وقيل: إذا غضب الله عليهم، وقيل: إذا وجبت الحجة عليهم؛ وذلك أنَّهم لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، وقيل: إذا لم يرج صلاحهم وذلك في آخر الزمان قبل قيام الساعة (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ).
ورواها الترمذي عن أبي هريرة وحسَّنه أيضاً إلّا أنَّه أضاف في آخرها: حتّى أنَّ أهل الحق ليجتمعون، فيقول هذا يا مؤمن، ويقول هذا يا كافر(٢٨١)، وأخرج هذا الحديث عن أبي هريرة أيضاً الطيالسي وأحمد في مسنده ونعيم بن حمّاد وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث(٢٨٢).
فقه الحديث
(١) وأوَّل ما يتبادر من هذا المَعْلم لدابة الأرض أنَّ دابّة الأرض هي إنسان حجة لله تعالى ناطقة نظير نفس موسى وسليمان؛ لأنَّ عصى موسى كانت بيد النبي موسى وهو من أولوا العزم كمعجزةٍ وحجة له، وكانت العصى برهان وعلامة على هداية وصدق دعوى موسى، فالعصى آية النبوة وعلامة صدق الهداية والأنباء عن الله.
وحينئذٍ لا يكون وارثُها وصاحبها إلّا إنسانا مصطفىً حجة لله تعالى على خلقه، وهو الوارث لمقام موسى، وحيث أنَّه لا نبي بعد سيد الأنبياء، فلا محالة تكون الدابة وخروجها هي رجعة أحد حجج الله تعالى ممن لهم وصايا من سيد الأنبياء على هذا الدين وهذهِ الأمَّة، إذْ لا دين بعد الإسلام ولا شريعة بعد شريعة سيد الأنبياء.
وأمَّا خاتم سليمان فمن الواضح أنَّه آية لملك ولقدرة سليمان على الحكم والولاية وخلافته لله في أرضه فهو آية الحاكمية والملك من الله تعالى كمنصب وجعل إلهي.
(٢) ولا يكون وارثاً لخاتم سليمان إلّا إنسان لا بقية المخلوقات، ولا ملكاً من الملائكة فضلاً عن أنْ يكون حيواناً بهيمياً، كما أنَّه لا يمكن أنْ يكون إنساناً عادياً غير مصطفىً اصطفاء الحجية من الله، حيث إنَّ خاتم سليمان يرمز ويشير في القرآن إلى مقامٍ إلهي في الحكم والإمامة وخلافة الله في الارض.
(٣) ويرمز كذلك إلى درجة من الولاية التكوينية يُسخّر له فيها جملة من الأسباب، وتسخّر العفاريت والطير والجبال وغيرهما.
فهو يشيرُ إلى ملك سليمان وحاكمية خليفة الله وحجته على عباده.
فإذا اجتمع العصا والخاتم عند شخص واحد فسيكون وارثاً لمقام موسى وملك سليمان.
(٤) ثم أنَّه لا يخفى أنَّ إضافة العصا لموسى والخاتم لسليمان، وأنَّ هذهِ العصا والخاتم مع الدابّة دلالة على أنَّ هناك في المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شخصا قدْ اصطفاه الله وأورثه مواريث الأنبياء، ويبعثه الله حاكماً من لدنه كما في بعثة الله لطالوت ملكاً حاكماً بعد ما اصطفاه الله تعالى وهو يرث مواريث الأنبياء.
(٥) وفي هذا دلالة على أنَّه بعد حاكمية المهدي من آل محمد عج من ولد فاطمة عليهم السلام هناك حاكم آخر بعده من قبل الله تعالى.
المَعْلَم الثاني: تخطم أنف الكافر والمنافق بالعصا وتجلي وجه المؤمن بالخاتم
وقد وَرَدَ هذا المعلم في جملة من الروايات التي قدْ سبق أنْ أشرنا إليها في جملة من المصادر.
فقد روى الطبري في تفسيره في ذيل الآية في سورة النمل بسند متصل ذكره عن بن عمر، قال: «يَبيت الناس يسيرون إلى جَمع وتبيت دابة الأرض وتسايرهم فيصبحون، وقد خطمتهم من رأسها وذنبها فما من مؤمن إلّا مسحته ولا من كافر ولا منافق إلّا تخبطه»(٢٨٣).
وروى الحاكم النيسابوري في سنده المتصل عن أبي عوانة بسنده عن بن عمر: (وروى مثل الذي مرَّ وزاد عليه «وأنَّ التوبة مفتوحة حتّى يخرج الدجال فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، وتدخل في مسامع الكافر والمنافق حتّى يكون كالشيء الحنيذ»(٢٨٤).
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده المتصل عن أبي الزبير أنَّه وصف الدابّة، فقال: (تخرج ومعها عصى موسى وخاتم سليمان، ولا يبقى مؤمن إلّا نكتت في مسجده بعصا موسى نكتة بيضاء، فتفشوا تلك النكتة حتّى تبيض لها وجهه، ولا يبقى كافر إلّا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان فتفشوا تلك النكتة حتّى يسود لها وجهه، حتّى أنَّ الناس يتبايعون في الأسواق: ـ بكم ذا يا مؤمن وبكم ذا يا كافر ـ وحتّى أنَّ أهل البيت يجلسون على مائدتهم فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم تقول لهم الدابة، يا فلان أبشر أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، فذلك قول الله عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَْرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ)(٢٨٥).
(٥) وهذا المعْلَم يُشير إلى نحو من المُجازاة الإلهية في الدنيا يُجريها الله تعالى على يد دابة الأرض، وهذا نحو من الحاكمية لدابّة الأرض بين الناس من قبل الله تعالى، وهو نحو مظهر للحساب الإلهي في دار الدنيا.
(٧) وهذا النمط ليسَ على نمط الحكم الاعتباري التواضعي بين البشر بلْ هو حكم بقدرة ربانية.
(٨) ويظهر من ذلك أنَّ هذهِ الحكومة نمط من الحكومة التكوينية، ومقام يفيض الحاكم من قبل الله على المؤمن بمزيد من الكمالات، وعلى الكافر بالدركات.
(٩) ثم إنَّ الظاهر من هذهِ الروايات، وهذا المَعْلَم أنَّ شأن مقام حاكمية دابة الأرض فصل الخطاب بين المؤمنين والمنافقين، أي الفصل بين المسلمين المؤمن منهم والمنافق، إذْ الكافر في مقابل المؤمن يراد به المنافق، وليسَ في مقابل المسلم إذْ الروايات أخذت عنوان المؤمن دون عنوان المسلم.
(١٠) إنَّ إسناد مجازاة المؤمن بالكمال والترقي على يد دابّة الارض، ومجازاة الكافر بالإيمان المنافق من المسلمين على يدها، إشارة واضحة إلى كون دابة الارض عالمة بسجل أعمال المؤمن والكافر، فهي شاهدة لأعمال الخلائق، وهذا مقام في الحجية عظيم، فخروج دابّة الارض في المسلمين رجوع حجة لله تعالى في الأمَّة الإسلامية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأنَّ هذا الخروج إحياء لحجة الله بعد مماته، لأنه خروج له من الأرض لا من الأرحام، والخروج من الأرض عنوان لإحياء الموتى في استعمال القرآن.
(١١) وفي رواية سنن ابن ماجة وكذلك في روايات المصادر الأُخرى: (أنَّ أهل الخوان يجتمعون، فيقول هذا يا مؤمن، ويقول هذا يا كافر).
وفي هذا إشارة إلى أنَّ تجوهر الإنسان يتصاعد إلى درجة يبدو ويبرز ويتجسّد الجوهر الروحي بلونه إلى العيان، فيكون الجسد تابعا إلى جوهر الروح لا من قبيل الحياة الأولى في الدنيا، حيث كان لجوهر الجسد الغليظ نحو استقلالية عن جوهر الروح.
وهذا يعطي مؤشراً أنَّ الطور التكويني في الرجعة ـ لا سيما في مرحلة دابّة الأرض ـ يختلف الكون والزمان والمكان في أحكامه التكوينية عن النشأة الأولى في الحياة من الدنيا.
المَعْلَم الثالث: لدابة الأرض ثلاث خرجات من الدهر
فقد روى الحاكم النيسابوري في مستدركه على الصحيحين في باب حديث أبي عوانة حديثاً صحيح الإسناد لم يخرج في البخاري ومسلم، وقال عنه: هو أبين حديث في ذكر دابة الأرض(٢٨٦).
فبسنده المتصل عن أبي سريح الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: يكون للدابّة ثلاث خرجات من الدهر؛ تخرج أوّل خرجة بأقصى اليمن، فيفشو ذكرها في البادية، ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة، ثم تمكث زماناً طويلاً بعد ذلك، ثم تخرج خرجة أُخرى قريباً من مكة فينشر ذكرها في أهل البادية، وينشر ذكرها بمكة، ثم تكمن زماناً طويلاً، ثم بينما الناس في أعظم المساجد حرمة وأحبها إلى الله وأكرمها على الله تعالى المسجد الحرام لم يرعهم إلّا وهي في ناحية المسجد.
تدنوا وتربوا بين الركن الأسود وبين باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسع من ذلك، فيرفض الناس عنها شتى وجعاً ويثبت لها عصابة من المسلمين عرفوا أنَّهم لن يعجزوا الله فخرجت تنفض عن رأسها التراب فبدأت بهم فجلت عن وجوههم حتّى تركتها كأنها الكوكب الدرية...) الحديث.
وروى الحاكم رواية أُخرى صحيحة الإسناد في نفس الباب ذيل الحديث السابق عن أبي الطفيل عن حذيفة: «أنَّها تخرج ثلاث خرجات في بعض البوادي، ثم تكمن ثم تخرج في بعض القرى حتّى يذعروه حتّى تهريق فيها الأمراء الدماء».
فقه الحديث:
(١٠) إنَّ التعبير بالخروج لتلك الدابة سواء تلك الروايات التي ذكرت خرجة واحدة، أو التي ذكرت ثلاث خرجات، فإنَّ عنوان الخروج يشاكل عنوان الخروج من القبر، وحيث إنَّ هذا الخروج في دار الدنيا فليس هو خروج البعث للقيامة الكبرى.
فلا محالة يكون من نوع الرجعة إلى الدنيا، وهو إحياء للميت وحيث أنَّه خروج من الأرض والتراب والقبر فليس هو من نمط التناسخ ولا خروج مرة أُخرى من الأصلاب والأرحام.
(١١) إنَّ دابة الأرض عندما يكون لها ثلاث خرجات، وكل خرجة من التراب حتّى إنَّها في الخرجة الثالثة تخرج وتنفض التراب عن رأسها أي تراب القبر.
وفي هذا إشارة واضحة لكون الخروج من الأرض، وأنَّه حياة بعد موت، وهو معنى الرجعة وأنَّ هذهِ الرجعة تتكرر للدابة عِدَّة مرات، أي لها كرات ورجعات.
وهذا يتطابق مع ما لدينا من أنَّ المدعو بدابّة الأرض وهو أمير المؤمنين عليه السلام له كرات ورجعات، ومن المهم الالتفات الى أن الروايات الدالة على خروج الدابّة ـ كلها أو جلها ـ ينص على الخروج من الأرض ومن التراب، وهو نفس التعبير القرآني عن المعاد بأنَّه خروج من الأرض، إلّا أنَّ هذهِ حيث كانت في دار الدنيا فلا محالة ينطبق على الرجعة فقط.
المعلم الرابع: القدرة التكوينية في نظام حكم دابة الأرض
١ـ روى المتقي الهندي في كنز العمال: مثل أمتي ومثل الدابة حين تخرج كمثل حيّز بني ورفعت حيطانه وسدت أبوابه وطرح فيها من الوحش كلها، ثم جيء بالأسد فطرح وسطها فارتعدت وأقبلت إلى النفق تلحسه من كل جانب، كذلك أمتي عند خروج الدابة لا يفر منها أحد إلّا مثلت بين عينيه، ولها سلطان من ربنا عظيم، قال رواه أبو نعيم والديلمي.(٢٨٧)
وفي هذه الرواية اشارة الى شدة القدرة التكوينية لنظام الحكم لدابة الأرض، وليس حكمه على حذو الحكومات البشرية الأخرى، بل تفوق قدرة نظام حكم المهدي عجل الله فرجه، لاختصاص هذا الوصف بنظام حكم دابة الارض.
٢ ـ وروى نعيم بن حمّاد في كتاب الفتن بسنده عن حذيفة في حديثٍ عن دابّة الأرض «... فتخرج عليهم الدابة فتجلوا وجوههم مثل الكوكب الدري، ثم تنطلق فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وتأتي الرجل وهو يصلي، فتقول:
والله ما كنت من أهل الصلاة، فيلتفت إليها فتخطمه، قال: وتجلو وجه المؤمن وتخطم الكافر»(٢٨٨). الحديث.
ومثل هذين الحديثين أحاديث كثيرة رواها العامّة، وهي دالّة على مدى سلطان الحكومة والحكم الذي يقيمه حجة الله على خلقه والمنعوت بدابّة الأرض، وأنَّ هذهِ القدرة في حكومته ليست على نمط باقي الحكومات، بلْ الظاهر من روايات الفريقين أنَّ نمط القدرة والسيطرة في حكومة حجة الله على خلقه وهو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام المنعوت بدابّة الأرض تفوق سيطرة حكومة الإمام المهدي عجل الله فرجه، كيف لا وقد نص القرآن على مقام من مقامات علي عليه السلام وهو دابة الارض بالخصوص، وهو من مقاماته العظيمة فضلاً عن بقية مقاماته، بينما ذكر ظهور المهدي عجل الله فرجه بالعموم الشامل لكل الائمة عليهم السلام في آيات عديدة، وذلك اشارة لطيفة الى تعاظم مقامات أمير المؤمنين عليه السلام على مقامات بقية الائمة عليهم السلام.
المعلم الخامس: تضاؤل قدرة إبليس وخفوت قوته
روى القوم بطرق عديدة أنَّ دابّة الأرض بعد خروجها تلطم إبليس وهو ساجد(٢٨٩).
فقد روى الطبراني في الكبير والأوسط عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا طلعت الشمس من مغربها خرَّ إبليس ساجداً ينادي ويجهر، إلهي مرني أنا أسجد لمن شئت، قال فتجتمع إليه زبانيته، فيقولون يا سيدهم ما هذا التضرع، فيقول إنَّما سئلتُ ربي عَزَّ وَجَلَّ أنْ ينظرني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم، ثم تخرج دابّة الأرض من صدع في الصخر، فأوَّل خطوة تضعها في أنطاكيا فتأتي إبليس فتلطمه)(٢٩٠).
وهناك روايات أُخرى رووها بألسنةٍ أُخرى مُحصّلها أنَّ إبليس وجنوده تتقلص قوتهم وفي بعضها يقتل بالدابّة، وهذا مما يشير إلى درجة من تفشي الخير والخيرات وانتشار العدالة بأنماط مُركزة واسعة.
فقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود أنَّها إذا خرجت تقتل إبليس (وهو ساجد)، وذلك بعد طلوع الشمس من مغربها.
وعن أنس بن مالك، قال في دابة الأرض: إنَّ فيها من كل أمّة سيماء وإنَّ سيماءها من هذهِ الأمّة أنَّها تتكلم بلسان عربي مبين(٢٩١).
ومفاد هذهِ الرواية أنَّ دابّة الأرض تتكلم بكل اللغات البشرية، وهذا يشير إلى أنَّ مقام دابّة الأرض حجة من حجج الله تعالى، وهو المنطبق على وصاية علي بن أبي طالب عليه السلام.
المعلم السادس: تفشي العدل في أعلى درجاته عهد الدابة
فقد روى الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين بسنده عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «خروج الدابة بعد طلوع الشمس من مغربها، فإذا خرجت لطمت إبليس وهو ساجدٌ ويتمتع المؤمنون في الأرض بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئاً إلّا أعطوه ووجدوه، ولا جور ولا ظلم، وقد أسلم الأشياء لرب العالمين طوعاً وكرهاً حتّى أنَّ السبع لا يؤذي دابّةً ولو طيراً، ويلد المؤمن فلا يموت حتّى يتمّ أربعين سنة بعد خروج الدابّة، ثمَّ يعود فيهم الموت فيمكثون في ذلك ما شاء الله، ثم يُسرع الموت في المؤمنين فلا يبقى مؤمن، فيقول الكافر قدْ كنّا مرعوبين من المؤمنين فلم يبقَ منهم أحد وليسَ تقبل منّا توبة فيتهارجون في الطرق تهارج البهائم ثم يقوم أحدهم بأمه وأخته وابنته فينكحها وسط الطريق يقوم عنها واحد وينزوا عليها آخر...» إلى آخر الحديث.(٢٩٢)
وفيه يُبين قيام الساعة على أولاد الزنا شرار الناس.
وبمضمون هذهِ الرواية رووا بطرق في مصادر أُخرى.
وفي مفاد هذهِ الرواية محاور جمّة:
الأوَّل: ما نحن في صدده من ازدياد تفشي العدل كيفاً وكمّاً، وهو ما أشار إليه بقوله صلى الله عليه وآله «ولا جور ولا ظلم وقد أسلمَ الأشياء لرب العالمين طوعاً وكرهاً حتّى أنَّ السبع لا يؤذي دابّةً ولا طيراً».
وهذهِ درجة من أفق العدل تتفشى حتّى في الحيوانات، وهذا المعنى من نظام العدل الشمولي الشامل للحيوانات لم يهتد إلى تصوره البشر إلى الآن، فأي آلية وأي نظام وأي منظومة بإمكانها إقامة العدل حتّى في أرواح وطباع الحيوانات! فضلاً عن الجن والإنس، وقد أُشير في الرواية إلى تضاؤل الشر وتكاثر الخير وضعف قدرة إبليس والسيطرة عليه.
وكل هذهِ الأمور مما يقوي صرح وهيكل العدل ويضعف كيان الشر والظلم.
الثاني: تقليل الشرور في الأرض وضعف كيان الشر، فقد روى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا تقوم الساعة حتّى لا تنطح ذات قرن جماء(٢٩٣).
مفاد الحديث إشارة إلى تفشي العدل بين الحيوانات البهيمة الذي مرَّ الإشارة إليه فضلاً عن الجن والإنس، وقد أشار الحديث إلى خمول الشر بقوله: «إنَّ دابّة الأرض تلطم إبليس وهو ساجد» كناية عن سيطرة صاحب مقام دابّة الأرض على قدرات إبليس وهو ساجد، أي منقاد وذليل في قدرته تحت قدرة وحاكمية دابّة الأرض.
الثالث: تكامل الطبائع المادية إلى الذروة فضلاً عن التكامل الروحي الذي أُشير إليه، ومن معالم هذا التكامل طول عمر المؤمنين وأنهم لا يتمنون شيئاً إلّا أعطوه ووجدوه.
الرابع: إنَّ خروج الدابة من الأرض ورجعتها للدنيا وحاكميتها في الأرض الذي هو حاكمية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، كما سياتي في روايات العامة فضلاً عن روايات أهل البيت عليهم السلام فضلاً عن الإشارات العديدة التي مرَّ ذكرها أنَّ دابّة الأرض هو حجة من حجج الله تعالى، فخروج الدابّة بعد طلوع الشمس من مغربها، إنَّما هو ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه من مكة كما مرَّ تحقيق ذلك في مباحث معرفة الإمام المهدي.
فهذهِ البعدية نصٌّ في قيام دولة العدل الإلهي بعد دولة الإمام المهدي، واستمرار دول العدل إلى مراتب أعظم فأعظم في العدل، وأبرز ذلك دولة حجة الله على عباده صاحب مقام دابّة الأرض، وهو أمير المؤمنين.
دابةُ الأرض حقيقتها في روايات العامّة
روى بن أبي حاتم في تفسيره عن أبي الزعراء أنَّ رجلاً سأل عبدالله عن الدابّة، فقال له: سل علياً فإنَّه بذلك، فسأل علياً، فقال: تأكل الطعام وتمشي في الأسواق وتُكلِّم الناس إنَّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون(٢٩٤).
روى ابن أبي حاتم أيضا عن مُحمَّد بن كعب القرظي عن علي عليه السلام أنَّه كان إذا سئل عن الدابة، قال: «أمَا والله ما لها ذنب وأنَّ لها لحية»(٢٩٥).
وفي تفسير بيان المعاني: قال علي كرم الله وجهه لها لحية ولا ذنب لها، وقال وهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها كالطير، والله أعلم بحقيقتها، والحكم الشرعي وجوب الاعتقاد بخروجها جزماً، اعتقاداً لا مرية فيه، ومن أنكرها يكفر والعياذ بالله لثبوتها نصاً بالقرآن العظيم(٢٩٦).
الاعتقاد برجعة علي عليه السلام فرض على الأنبياء
روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور، قال اخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن: أنَّ موسى عليه السلام سأل ربه أنَّ يريه الدابة، فخرجت ثلاثة أيام وليالهن تذهب في السماء لا يرى واحد من طرفها، قال: فرأى منظراً فظيعاً، فقال: ربِّ ردّها، فردّها(٢٩٧).
وكذلك روى العامّة في مصادرهم أنَّ موسى طلب من الله أنَّ يريه دابّة الأرض، فأراه الله تعالى.
وهذا مؤشر إلى أنَّ الاعتقاد بدابة الأرض وهو رجعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قدْ أخذ اعتقاده على الأنبياء السابقين وعرَّفهم تعالى الإيمان بها، كما يدلُّ على أنَّ دابة الأرض مقام من مقامات علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد أخذ على الأنبياء الاعتقاد به كما أخذ عليهم الاعتقاد بأنَّ علياً مفترض الطاعة من الله بعد سيد الأنبياء رتبةً ومقاماً.
 وهذا ممَّا يظهر بوضوح أنَّ معرفة إمامة أمير المؤمنين بالرجعة ومقاماته فيها لهو ركن هامّ في معرفة الإمامة، كَمَا تقدَّمت الإشارة إليه في الأحاديث المروية عن الباقر عليه السلام.
إشارة روايات العامة أن دابة الارض علي عليه السلام
وفي كتاب الضعفاء للعقيّلي في ترجمة جابر روى سفيان بن عيينة عن جابر أنَّه كان يقول: «إنَّ دابّة الأرض عليٌّ»(٢٩٨).
روى العقيلي أيضا عن أبي بكر، قال: سمعت علياً على المنبر يقول: «إنَّ دابة الأرض تأكل وتحدث»، فقال رشيد الهجري: أشهد أنك تلك الدابّة، فقال له علي قولاً شديدا(٢٩٩).
وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق(٣٠٠) عن الغطافي عن رجاله عن الصادق عليه السلام عن آبائه الطاهرين عن جابر، قال: لما بويع عليٌّ خطب الناس، فقام إليه عبدالله بن سبأ، فقال له: أنت دابّة الأرض، قال: فقال له: اتق الله. الحديث.
فيظهر من رواياتهم أنَّ جملة من الصحابة والتابعين في الصدر الأوَّل كانوا يقولون ويروون أنَّ دابّة الأرض هو علي بن أبي طالب عليه السلام.
وقال المقدسي: أخرج الإمام أبو عمر المُقري في سننه عن أنس بن مالك، قال في دابة الأرض: إنَّ فيها من كل أمّة سيماء، وإنَّ سيماءها من هذهِ الأمة أنَّها تتكلم بلسان عربي مبين(٣٠١).
ومفاد هذهِ الرواية أنَّ دابّة الأرض تتكلم بكل اللغات البشرية، وهذا مما يشير إلى أنَّ مقام دابّة الأرض حجة من حجج الله تعالى، وهو المنطبق على وصاية علي بن أبي طالب عليه السلام.
١) فروى ابن أبي عاصم في (كتاب السنة) المتوفي ٢٨٧ في الغيبة الصغرى عن أبي الطفيل بطريق عامي رواية، قال: كان ـ يعني ذا القرنين ـ رجلاً صالحاً ناصح الله فنصحه فضرب على قرنه الأيمن فمات فأحياه الله ثم ضُرب على قرنه الأيسر فمات فأحياه الله، وإنَّ فيكم مثله.
ومفادها: وجود امام في الأمة منصوب من قبل الله يُمكِّن له الله في الأرض ويؤتيه الأسباب، وأنَّه يُضرب على قرن رأسه مرتين، أي يقتل مرتين ويُحيى ويرجع مرتين إلّا أنَّه يمكَّن ويُعطى الأسباب بعد رجوعه من الموت إلى الدنيا بعد ما قتل.
وقد رواه المتقي الهندي في كنز العمال(٣٠٢) عن بن عاصم في السند وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه وابن المنذر وبن عبد الحكم في فتوح مصر.
وروى في كنز العمال عن ابن مردويه عن سالم بن أبي الجعد، قال: سئل عليٌّ عن ذي القرنين أنبيٌّ هو؟ فقال: سمعتُ نبيكم صلى الله عليه وآله يقول: هو عبدٌ، وفي لفظ رجل ناصح الله فنصحه، وأنَّ فيكم لشبهه أو مثله(٣٠٣).
وذكر ابن أبي حاتم(٣٠٤) في تفسيره روايات أنَّ في زمن علي عليه السلام كان الاعتقاد لدى جملة من المسلمين أن دابة الأرض هو علي عليه السلام، فقد روى بسنده عن النزال بن سبره، قال: قيل لعلي بن أبي طالب عليه السلام أنَّ ناساً يزعمون أنك دابّة الأرض، فقال علي عليه السلام: والله إنَّ لدابة الأرض ريشاً وزغباً...(٣٠٥).
وذكر السمعاني المتوفي سنة ٤٨٩هـ في تفسيره في ذيل قوله تعالى: (أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَْرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنَّه قال: «ليسَ بدابة لها ذنب ولكن لها لحية» كان يشير إلى أنَّه رجل وليسَ بدابّة ذات الاربع.
والأكثرون على أنَّها دابّة، وهي تخرج في آخر الزمان، ويقال أنَّ أوّل أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض(٣٠٦).
ورواه الزمخشري في تفسير الكشّاف في ذيل سورة الكهف.
٢) روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسند عن أبي الزعراء عن رجل سأل عبد البر عن الدابّة، فقال له: سل علياً فإنَّه بذلك، فسأل علياً عليه السلام، فقال: تأكل الطعام وتمشي في الأسواق(٣٠٧) وتُكلِّم الناس.
وهذا الوصف لدابة الارض منه عليه السلام يحاكي وصف القرآن للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه بشر، ففي توصيف دابة الأرض بذلك إشارة الى أنها بشر قد اصطفاه الله للحكم في الارض في حين انه يأكل ويمشي في الأسواق.
٣) وذكر مقاتل في تفسير آية دابة الأرض أنَّ قوله تعالى ـ في الآية ـ أنَّ الناس كانوا بآياتنا (بخروج الدابة) هذا قول الدابّة للناس أنَّ الناس بخروجي لا يوقنون؛ لأنَّ خروجها آية من آيات الله عَزَّ وَجَلَّ. انتهى كلامه.
وتفسيره للآية مقتضاه أنَّ كثيراً من الناس لا يؤمنون بخروج الدابة كآية من آيات الله، والخروج من الأرض عبارة أُخرى عن الرجعة؛ لأنَّها خروج من القبر، أي من الأرض بينما الحياة الأولى لأي كائن حي يدب على الأرض هو خروجٌ من الأرحام والأصلاب.
فرجعة دابة الأرض إلى الدنيا تمشي في الأسواق وتُكلِّم الناس كحاكم من الله وبأمره آية من آيات الله الكبرى.
٤) وروي مستفيضاً عندهم أنَّ لدابة الأرض ثلاث مراحل وخرجات في بعض البوادي، وفي بعض القرى، حتّى تهريق الأمراء فيها الدماء. وهذا يدلُّ على أنَّ لدابة الأرض رجعات.
الفرق بين حكومتي دابة الأرض والإمام الحجة
٥) ورووا مستفيضاً أنَّ دابة الأرض تأتي الرجل وهو يصلّي فتقول له: «أتتعوذ بالصلاة والله ما كنت من أهل الصلاة فيلتفت إليها فتخطمه»(٣٠٨).
وفي بعض ما رووه «فإذا رآها الناس دخلوا المسجد يصلون فتجيء إليهم، فتقول: الآن تصلون! فتخطم الكافر وتمسح على جبين المُسلم غرّة».
ومفادها هذهِ الروايات أنَّ هذا الحاكم بأمر الله المدعو (بدابّة الأرض) لا يقبل ظاهر الإسلام، بلْ يداين ويحاكم الناس على البواطن وواقع حالهم من الإيمان القلبي والكفر القلبي.
ورووا مستفيضاً أنَّ دابة الأرض تسم الناس مؤمناً وكافراً، وهذا الوسم والفصل والميز المتواتر في رواياتهم مقارب جدا لما في رواياتنا.
وروى الشيخ الطوسي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أنَّ علياً قسيم الجنة والنار»(٣٠٩)
ونظير «أنَّ علياً حبه إيمان وبغضه كفر» وهذهِ الصفة والشأن في عليّ أمير المؤمنين عليه السلام بعينها هي صفة دابّة الأرض وأنَّها تسم الناس مؤمناً وكافراً.
فهي فيصل وفاصلٌ وفاروق أعظم وحاكم وديّان يداين الناس يوم الدين وأنَّها تكتب بين عيني الإنسان مؤمن أو كافر فلا يبقى أحد إلّا وسمت وجهه فتتركه أبيضا أو أسودا.
وقد وَرَدَ ابيضاض الوجه واسوداده مستفيضاً عندنا وعندهم: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون * تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِين)(٣١٠).
وهذا الحدث الذي تشير إليه سورة آل عمران مرتبطاً بشأن دابّة الأرض في سورة النمل.
وإلّا فما هو حقيقة موقعية شخصية تفصل بين الناس بحسب حقائق قلوبهم ودينهم، وتداين الناس على حسب واقعهم، فهل هي إلّا شخصية جعلها الله شاهدة على أعمال العباد، وحاكمة عليهم بحسب حقائق الدين وواقع جزاء الأعمال، لا حكومة ظاهرية بحسب ظاهر الإسلام ذات سيطرة محدودة في ظاهر أوضاع الناس.
بلْ بولاية وقدرة على قلوب وأرواح الناس وبواطن ضمائرهم وبالمقارنة مع ما وَرَدَ مستفيضاً عن الفريقين في أوصاف حاكمية دابة الارض عند خروجها انه لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب.
وهذا فارق كبير بين قدرة حاكمية دابة الارض وحاكمية الإمام المهدي عجل الله فرجه في دولة الظهور، فإنَّه وَرَدَ في وصف قدرة حاكمية حكومته ودولته أنَّه يسير والرعب أمامه شهراً.
 بينما قدرة وسيطرة حاكمية دابّة الأرض، أنَّ كل نقاط الأرض تحت سيطرتها بالفعل في آن واحد، وأنَّه لا تستطيع أي قوة في البشر أنَّ تستهدفها وأنَّها تصرخ فيسمعها من بين الخافقين. ولا ينال أحد من سيطرتها شيئاً.
ومن ثم كان درجة انتشار العدل في دولة الرجعة لأمير المؤمنين عليه السلام في مرحلة دولة دابّة الأرض، وهي منتصف رجعات أمير المؤمنين عليه السلام أعظم بمراتب كمالاً من دولة الظهور للإمام الثاني عشر عجل الله فرجه.
وروى الطبراني في المعجم الأوسط أنَّ دابة الأرض تلطم إبليس.
وفي عمدة القارئ في شرح البخاري للعيني: أن دابة الارض تقتل إبليس.
وروى ابن أبي شيبة الكوفي في المصنف: أنَّ الدابة تنتقم من المنافقين يومئذٍ وهم أشر من الدجال(٣١١).
وروى نظيره ابن أبي حاتم في تفسيره في ذيل آية دابة الأرض.
وروى في عمدة القارئ للعيني ضعف الشياطين بخروج دابة الأرض عن الشر.
وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي الطفيل كنّا جلوساً عند حذيفة فذكرت الدابة، فقال حذيفة أنَّها تخرج ثلاث خرجات في بعض البوادي، ثم تكمل ثم تخرج في بعض القرى حتّى يذعروا حتّى تهريق فيها الأمراء الدماء، ثم تكمن، قال فبينما الناس عند أعظم المساجد وأفضلها وأشرفها حتّى قلنا لمسجد الحرام، وما سمّاه إذْ ارتفعت الأرض ويهرب الناس ويبقى عامّة من المسلمين يقولون أنَّه لن ينجينا من أمر الله شيء؟ فتخرج فتجلو ووجوههم حتّى تجعلها كالكواكب الدرية، وتتبع الناس جيران في الرباع شركاءٌ في الأموال وأصحاب في الإسلام).
وقول الناس أنَّه لم ينجينا من أمر الله شيء دالٌّ على أنَّ حاكمية دابّة الأرض من الله تعالى وأنَّها من أمر الله.
كما أنَّ ما رووه مستفيضاً: «من أنَّ معها عصى موسى وخاتم سليمان» مقتضاه أنَّها حجة الله وأنَّها شخصيةٌ ترثُ مواريث الأنبياء فلها مقام الحجية، وأنَّها شخصية مصطفاة كالأنبياء، وأنَّها تجمع معاجز الأنبياء.
وهل يقوم ويقتدر على معاجز إلهية قام بها الأنبياء متفرقين، ويقوم هو بها وحده إلّا رجل مصطفىً باصطفاء عظيم وليسَ هو سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله، ولا نبي بعده فلم يبق إلّا أوصياؤه وسيد أوصياءه ابن عمه من أهل بيته، كما هو مفاد حديث الدار وأحاديث أخر رواها الفريقان، ونصّ عليه العديد من الآيات في القرآن.
كما أنَّ تجليتها تكوينأً لنفاق المنافق وإيمان المؤمن وآثار أعمال كل منهما هو نمط من حاكمية يوم الدين، وأنَّه هو من يجازي الخلق من قبل الله تعالى على نمط الجزاء الأخروي.
بدأ الحساب في أواخر الرجعة قبل يوم القيامة
من مظاهر شخصية دابة الارض أنَّ حاكميته حاكمية يوم الدين، وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف بسنده أنَّه إذا خرجت أوَّل الآيات حبست الحفظة وطرحت الأقلام وشهدت الأجساد على الأعمال(٣١٢).
وقد رووا أنَّ من الآيات التي تخرج لأشراط الساعة خروج دابّة الأرض، وهذا مما يشير إلى أنَّ حاكميتها مداينة يوم الحساب، وقد وَرَدَ في روايات أهل البيت بدؤه في أواخر الرجعة قبل يوم القيامة.
وروى بسنده عن حذيفة بن أسيد، قال كنّا نتحدث في ظل غرفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرنا الساعة فارتفعت أصواتنا فأشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غرفته، فقال: عمّا يتحدثون، فقلنا: ذكر الساعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ الساعة لن تكون أو لن تقوم حتّى يكون قبلها عشر آيات؛ طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، وعيسى بن مريم والدخان، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تخرج من قعر عدن فتسوق الناس إلى المحشر(٣١٣).
ولا يخفى أنَّهم قدْ رووا أيضاً أنَّ الدابة لها ثلاث خرجات، وأنَّ احدى خرجاتها من عدن وأنَّها تسوق الناس من هناك.
كما أنَّ سوق النار للناس يدلُّ على أنَّ المراد أنَّ هناك سائق يسوق ويستهدف سوقهم إلى موقع المحشر، فليس هذهِ النار إلّا عبارة عن الرهبة والرعب الذي ينتاب الناس من هذا السائق وهو ينطبق على الدابة دابة الأرض. وقد وَرَدَ في مصادر أهل البيت عليهم السلام أنَّ دابة الأرض تسوق الناس إلى المحشر(٣١٤).
وروى الطبراني في الأحاديث الطوال. بسنده عن أبي الطفيل عن أبي سريحة الغفاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثم تذهب فيتجاور الناس في دورهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشتركون في الأموال، ويعرف الكافر من المؤمن حتّى أنَّ الكافر يقول للمؤمن يا مؤمن أقضي حقي، ويقول المؤمن للكافر أقضي حقي(٣١٥).
ومفاد هذهِ الرواية ـ المروية عندهم بطرق متعددة ـ يشير إلى درجة من تآلَّف من الناس وتوادهم وانسجام في الحياة والتعامل الاجتماعي، تترقى إلى درجة البناء وفق الأصول الأخلاقية لا مجرد قوانين العدل والقسط بجفاف.
وبعبارة أُخرى بناء العلاقة الاجتماعية المعيشية على الإحسان، وهو أعلى رتبة من بناءه على مجرد العدل والقسط.
وتتكامل درجة الإصلاح في زمان دولة دابّة الأرض بدرجات أعلى وأعظم من ما يتحقق في دولة الظهور للمهدي عجل الله فرجه من عدل وقسط، ومن ثم ورد أن أمير المؤمنين عليه السلام يملأها صدقا وايمانا وهي رتبة أعلى من ملأها قسطا وعدلا، لأن الصدق والايمان باطن النفس وأما القسط والعدل فظاهر التعامل بين الناس.
وقد روى الحاكم في المستدرك عن أبي الطفيل، قال: كنّا جلوساً عند حذيفة فذكرت الدابّة، فقال حذيفة: وأنَّ لها ثلاث خرجات فتخرج فتجلو وجوههم حتّى تجعلها كالكوكب الدري، وتتبع الناس جيران في الرباع شركاء في الأموال وأصحاب في الإسلام(٣١٦).
وقد رووا مستفيضاً أنَّ تعامل الناس فيما بينهم يتمّ على الباطن لا على الظواهر.
فقد روى الطبري في ذيل آية الدابّة بسنده عن أوس بن خالد عن أبي هريرة، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تخرج الدابّة معها خاتم سليمان، وعصى موسى فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتّى أنَّ أهل البيت ليجتمعون فيقول: هذا يا مؤمن، ويقول: هذا يا كافر(٣١٧).
وروى الطبري أيضاً بسنده عن قتادة، قال: هي دابة: قال: قال عبدالله بن عمر أنَّه تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء فتفشو في وجه فيسود وجه، وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو في وجه حتّى يبيضّ وجه، فيجلس أهل البيت على المائدة فيعرفون المؤمن من الكافر ويتبايعون في الأسواق، فيعرفون المؤمن من الكافر(٣١٨).
وقد رووا روايات مستفيضة أنَّ دابّة الأرض تسمّ الناس مؤمناً وكافراً، وهذا المقام عين مقام علي عليه السلام قسيم الجنة والنار، وأنَّه حاكم وديّان يوم الدين كخليفة لله تعالى.
فقد روى الطبري في جامع البيان في ذيل آية الدابّة من سورة النمل بسنده عن ربعي ابن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان، يقولُ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: وذكر الدابّة، فقال: حذيفة قلت: يا رسول الله من أين تخرج؟
قال: من أعظم المساجد حرمةً على الله بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذْ تضطرب الأرض حولهم تحرّك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى، وتخرج الدابّة من الصفا أوَّل ما يبدوا رأسها ملمّعة ذات وبر وريش، لم يُدركها طالب، ولم يفوتها هارب، تسمّ الناس مؤمناً وكافرا، أمَّا المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دريّ، وتكتب بين عينيه مؤمن، وأمَّا الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء كافر(٣١٩).
ملحوظة معترضة
اقول: قد يظهر من الروايات تزامن رجعة أمير المؤمنين عليه السلام مع حضور ونزول عيسى عليه السلام وهو عصر ظهور المهدي عجل الله فرجه فيستلزم أن أول من يرجع من المعصومين عليهم السلام هو عليّ عليه السلام، لا الحسين عليه السلام معاصراً لأواخر عهد المهدي عجل الله فرجه، وقد يظهر هذا المعنى ايضا من رواية الناحية المقدسة التي ذكر من علامات وقت الظهور خروج دابة الارض، ويمكن توجيهه أن التزامن بين خروج دابة الأرض يكون في رجعة عيسى عليه السلام، أو مراده من وقت الظهور ليس خصوص ظهوره عجل الله فرجه بل مطلق ظهور دولتهم، وقد عرفت أن رجوع الائمة عليهم السلام يطلق عليه رجوع بعد غيبة الموت.
رجوع الى أحوال دابة الأرض
وروى قريباً منه أنَّها تختم أنف الكافر بالخاتم، وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو في وجه حتّى يبيّض وجهه فيجلس أهل البيت على المائدة فيعرفون المؤمن من الكافر، ويتبايعون في الأسواق فيعرفون المؤمن من الكافر، ورووا أنَّ شخصية دابّة الأرض تكتب بين عيني الشخص مؤمناً أو كافراً.
وممّا مرَّت الإشارة إليه في طوائف الروايات التي رواها العامة من أنَّها تسمّ الناس مؤمناً وكافراً وغيرها من الدلالات، يظهر أنَّ حكومة دابّة الأرض لا تكون على طبق الظواهر والسطح المعلن من الناس، بلْ تداين وتحاكم على الباطن والواقع من حقائق الأشخاص.
مثل ما رووا من أنَّه إذا رآها الناس دخلوا المسجد الحرام يصلون فتجيء إليهم، فتقول: الآن تصلون فتخطم الكافر وتمسح على جبين المسلم غرة.
مقام الحاشر والحشر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
وقد رووا في ذلك روايات مستيفيضة:
١ ـ روى أحمد بن حنبل في مسنده عن حذيفة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في سكة من سكك المدينة: أنا مُحمَّد وأنا أحمد والحاشر والمقفي ونبي الرحمة(٣٢٠).
٢ ـ وروى في مسنده عن جبير بن مطعم عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أنَّ لي أسماء أنا أحمد وأنا مُحمَّد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب(٣٢١).
وفي رواية (والخاتم)(٣٢٢) وفي رواية «والعاقب الذي ليسَ بعده نبي»(٣٢٣).
وفي رواية «ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة»(٣٢٤)
وفي رواية «ونبي الملاحم»(٣٢٥)
وفي رواية «وأنا النبي المصطفى»(٣٢٦)
وفيه «والعاقب الذي ليسَ بعده أحد»(٣٢٧).
وروى نحوها البخاري في صحيحه(٣٢٨) ومسلم في صحيحه في مواضع، وفيه «والعاقب الذي ليسَ بعده أحد»(٣٢٩)، والترمذي في سننه(٣٣٠)؛ والحاكم في المستدرك في مواضع(٣٣١).
وفي شرح صحيح مسلم للنووي «وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي»(٣٣٢).
وفي مجمع الزوائد عن الطبراني في الكبير والأوسط عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا أحمد وأنا مُحمَّد وأنا الحاشر الذي أحشر الناس على قدمي وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، فإذا كان يوم القيامة كان لواء الحمد معي وكنت أمام المرسلين وصاحب شفاعتهم»(٣٣٣).
وهذهِ الروايات لها دلالة على الرجعة من وجوه:
الأوَّل والثاني: تسميته من الله تعالى الماحي و(العاقب) قدْ ذكر في عِدَّة روايات رووها، وتفسيرها:
بأن الله يمحو به الكفر، وهو مطابق لمفاد وعد الله تعالى، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون) والذي ينجز هذا الوعد في رجعته صلى الله عليه وآله وسلم حيث أنَّ في رجعته التي هي أيضاً مفاد قوله تعالى (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ).
وقد أُشير في روايات أهل البيت عليهم السلام ـ كما سيأتي في الباب الثالث ـ أنَّ رجعته صلى الله عليه وآله وسلم هي في آخر حياة الرجعة، وأنَّ دولته صلى الله عليه وآله وسلم آخر دول المعصومين.
ومنه يفسِّر اسم العاقب، حيث رووا أنَّه «ليسَ بعده أحد» كالصريح في أنَّ رجعته صلى الله عليه وآله وسلم هي في آخر عمر الدنيا، ولا محالة تكون في الحياة الآخرة من الدنيا.
فلابدَّ إذنْ من رجعته كي يمحو به جميع الكفر من الأرض ويكون عاقباً لا معقب بعده يحكم الأرض.
الثالث: وصفه واسمهُ بالمُقفي وهو مقارب لاسم (العاقب) فهو الذي يقفو الخلائق والقرون، وهو يفيد أنهُ آخر المعصومين رجوعاً فلابدَّ من رجوعه كي يكون مقفياً وعاقباً ليسَ بعدهُ أحد.
الرابع: تسميته صلوات الله عليه بنبي الملحمة ونبي الملاحم، والملحمة والملاحم في الروايات واللغة تُطلق على الأحداث الهامة الخطيرة المستقبلية، فعندما يكون نبي تلك الأحداث فهذا يفيد رجوعه لا سيما الإضافة إلى المفرد (نبي الملحمة) الظاهرة في حضوره في الملحمة المستقبلية لا مجرد إخباره عنها.
الخامس: تسميته صلى الله عليه وآله وسلم بالحاشر، وقد صرَّح في رواية جابر عنه صلى الله عليه وآله وسلم التي رواها الطبراني بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا الحاشر الذي أحشر الناس».
فيدلّ على أنَّ حشر الناس يجريه الله على يديه، ولا ينافي ذلك أنَّ النافخ في صور النفوس هو إسرافيل، كما أشير إلى ذلك في الآيات والروايات، فإنَّ جميع الملائكة بما فيهم إسرافيل في طوع خليفة الله في الأرض، ثم إنَّ هذا الحشر الذي يجريه الله على يد سيد الأنبياء ليسَ المراد اليد الجسمانية، بلْ القدرة التي أعطيت له بحسب كثير من الروايات التي رووها.
وهذهِ التسمية لهُ مقرونة بتسميته بالماحي أو عند تسميته (بالعاقب) قبل تسميته (بنبي الملحمة) الدالّ على أنَّ هذا الحشر منه صلى الله عليه وآله وسلم للناس هو حشر الرجعة، إذ هو لا يختص بالحشر الأكبر تواجدا في يوم القيامة.
وقد وَرَدَ هذا العنوان في روايات أهل البيت عليهم السلام:
١ ـ في الكافي بسند صحيح عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث عن المعراج «فاجتمعت الملائكة، وقالت: مرحباً بالأوَّل ومرحباً بالآخر، ومرحباً بالحاشر ومرحباً بالناشر، مُحمَّد خير النبيين وعلي خير الوصيين»(٣٣٤).
٢ ـ وفي الخصال في موثق مُحمَّد بن مسلم عن أبي جعفر ع، قال: «إنَّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة أسماء خمسة منها في القرآن وخمسة ليست في القرآن، فأما التي في القرآن: فمحمد وطه وأحمد وعبدالله ويس ونون، وأمَّا التي ليست في القرآن: فالفاتح والخاتم والكافي والمقفي والحاشر»(٣٣٥).
٣ ـ وفي مختصر بصائر الدرجات عن أمير المؤمنين عليه السلام: «وإنَّ لي الكرة بعد الكرة. والرجعة بعد الرجعة وأنا صاحب الرجعات والكرات، وصاحب الصولات والنقمات، والدولات العجيبات، وأنا قرن من حديد، وأنا عبدالله وأخو رسول الله، وأنا أمين الله وخازنه، وعيبة سره وحجابه ووجه وصراطه، وميزانه وأنا الحاشر إلى الله وأنا كلمة الله التي يجمع بها المفترق ويفرّق بها المجتمع وأنا أسماء الله الحسنى، وأمثاله العليا وآياته الكبرى. وأنا صاحب الجنة والنار أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وإليَّ شروع أهل الجنة وإليَّ عذاب أهل النار، وإليَّ إياب الخلق جميعاً وأنا الإياب الذي يؤوب إليه كل شيء بعد الفناء وإليَّ حساب الخلق جميعاً»(٣٣٦).
٤ ـ وفي الهداية الكبرى للخصيبي (وفي صحف إبراهيم إلى آدم صلى الله عليهما) بالسريانية ـ مفسراً بالعربية ـ النبي والمحمود والعاقب والناجي والحاشر والباعث والأمين)(٣٣٧).
٥ ـ وفي سبل الهُدى للصالحي الشامي (وأنا الحاشر بعثت مع الساعة)(٣٣٨). وهي رواية نافع بن جبير.
وهذا المتن قرينة على كون المراد من الحشر وحاشريته صلى الله عليه وآله وسلم هي للناس مقترن بالساعة للبعث وهي ساعة بعث الرجعة لا خصوص القيامة الكبرى، بلْ شاملة للصغرى والوسطى، وهي الرجعة، والقرينة في هذا المتن معيته للساعة قبيلها واقتران التسمية بالحاشر.

الفصل السادس: الرجعة في الأديان والكتب السماوية

* الرجعة بشَّرت بها الأنبياء والمرسلين.
* فلسفة بقاء النبي عيسى عليه السلام لنصرة سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم والإمام المهدي عجل الله فرجه.
* الرجعة في العهد القديم والعهد الجديد.
* نزول عيسى عليه السلام رجعة، ورجوع عند الحرّ العاملي وليسَ عود وظهور.
* قصَّة ذي القرنين ورجعته مرَّتين وأنَّ الغاية في الدين لا تتحقَّق إلا بالرجعة كما أنَّ بدايته بالفطرة.
* مراتب الأنبياء وإحاطتهم في الرجعة.
* ظاهرة جرجيس النبي عليه السلام وقصَّة إحياء إدريس ليونس عليه السلام ومجيء جملة من أوصياء الأنبياء السابقين.
* نزول الأخبار بالرجعة في الكتب السماوية السابقة وكذا ظهور المهدي عجل الله فرجه.
* ذكر الرجعة في الزبور في تفسير القمّي أوَّل سورة النمل.
* إنَّ دابة الأرض مذكورة في التوراة وأنَّها إيليا.
الرجعة بشرت بها الأنبياء والمرسلين
السيد المرتضى: «الرجعة متّفق عليها بين أهل الأديان السماوية»:
حيث قال: اعلم أنَّ الذي يقوله الإمامية في الرجعة لا خلاف بين المسلمين ـ بلْ بين الموحدين ـ في جوازه وأنَّه مقدور لله تعالى.
وإنَّما الخلاف بينهم في أنَّه يوجد لا محالة أو ليسَ كذلك ولا يخالف في صحة رجعة الأموات إلّا خارج عن أقوال التوحيد؛ لأنَّ الله تعالى قادر على إيجاد الجواهر بعد إعدامها وإذا كان عليها قادر جاز أنَّ يوجدها متى شاء. وكلامه يشير إلى:
١) أهل التوحيد ويشير بأهل التوحيد إلى أهل الديانات السماوية بما فيهم المسلمين والنصارى واليهود والمجوس والصابئة.
٢) إنَّ إمكان الرجعة عند أهل هذهِ الديانات السماوية ضرورة اتفاقية فيما بينهم، فالذي ينكر الإمكان وإمكان الوقوع خارج عن أهل الديانات السماوية برمّتها.
٣) وبذلك يشير السيد المرتضى إلى أنَّ الرجعة عقيدة راسخة في الأديان السماوية وليست خاصة بالمسلمين، وهذا ممّا يعطي مؤشر أنَّ الحكّام في الرجعة وهم روّاد الرجعة، والذين هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام عقيدة بشّر بها جميع الأنبياء السابقين أي أنَّهم بشروا أممهم وأمروهم بولاية النبي وأهل بيته، وقد مرَّ أنَّ الرجعة عنوان لولاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ص والإمامة لأهل البيت عليهم السلام.
مفروغية الاعتقاد بالرجعة في التوراة
قال الشيخ كاشف الغطاء في كتابه أصل الشيعة وأصولها في سياق الجواب عن اعتراض الكاتب أحمد أمين في فجر الإسلام عند قوله «إنَّ اليهودية ظهرت عند التشيّع بالقول بالرجعة».
قال فهل اتفاقهم أي الشيعة مع اليهود بهذا يوجب كون اليهودية ظهرت في التشيع، وهل يصحّ أنْ يقال أنَّ اليهودية ظهرت في الإسلام؛ لأنَّ اليهود يقولون بعبادة إله واحد والمسلمون به قائلون؟ وهل هذا قول زائف واستنباط سخيف(٣٣٩).
وكل من الاعتراض والإجابة يشيران إلى مفروغية الاعتقاد بالرجعة في عقيدة التوراة.
ظهور الرجعة في القرآن
لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء مصدِّقاً لما بين يديه من الشرايع السماوية.
وقال المظفر بعد قوله: بأنَّ الرجعة من الأمور الضرورية فيما جاء عن آل البيت من الأخبار المتواترة، قال أفلا تعجب من كاتب شهير يدّعي المعرفة مثل أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) إذْ يقول: «فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة» فأنا أقول له على مدّعاه فاليهودية ظهرت في القرآن بالرجعة، كما تقدم ذكر القرآن في الآيات المتقدِّمة.
ونزيده فنقول: والحقيقة أنَّه لابدَّ أنْ تظهر اليهودية والنصرانية في كثير من المعتقدات والأحكام الإسلامية؛ لأنَّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم جاء مصدِّقاً لما بين يديه من الشرايع السماوية وإنَّ نسخ بعضَ أحكامه فظهور اليهودية أو النصرانية في بعض المعتقدات الإسلامية ليسَ عيباً في الإسلام(٣٤٠) على تقدير ان الرجعة من الآراء اليهودية كما يدعيه هذا الكاتب.
الرجعة بشّرت بها الأنبياء والمرسلون
إنَّ الرجعة قدْ بشَّرت بها ودعت إليها جميع الأنبياء والمرسلون من لدن آدم حتّى النبي عيسى سواء في كتبهم وصحفهم المنزلة أو في أحاديث الأنبياء المأثورة، ويظهر من إبلاغهم المشترك الموحَّد أنَّها من الدين الواحد الذي بعثت عليه كافّة الأنبياء، هذا من جانب ومن جانب آخر يدلُّ هذا التظافر من تبليغ الأنبياء على أهمية موقعية الرجعة كعقيدة في الدين، وأنَّها بمثابة تتلوا المعاد وتتلوا أصل المعرفة بسيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم وأوصياءه عليهم السلام. وهي في الحقيقة معرفة عالية راقية من مرتبة النبوة والإمامة والمعاد، كما أسلفنا سابقاً. ومن روايات أهل البيت عليهم السلام المشيرة إلى ذلك:
١) ما رواه الكليني بسنده عن الحسن بن شاذان الواسطي، قال كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام: أشكو جفاء أهل واسط وحملهم عليّ وكانت عصابة من العثمانية تؤذيني فوقع بخطه عجل الله فرجه:
إنَّ الله جلَّ ذكره أخذ ميثاق أوليائه على الصبر في دولة الباطل، فاصبر لحكم ربك، فلو قدْ قام سيد الخلق لقالوا: (يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُون)(٣٤١).
وهو يشير ع إلى رجعة سيد الأنبياء أو سيد الأوصياء من بعده وأنَّ في دولتهم سيندم أعدائهم، وأنَّ رجعة سيد الأنبياء وسيد الأوصياء مما قدْ قامت بتبليغه جميعُ المرسلين. وأنَّ الرجعة بمثابة من الأهمية في العقيدة تسمى بالمعاد الأصغر والبعث الأوَّل.
٢) وروى ابن قولويه بأسانيد متعدِّدة:
منها: موثق مرون بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي، قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: يا بن رسول الله أخبرني عن إسماعيل الذي ذكره الله في كتابه. حيث يقول: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا).
أكان إسماعيل بن إبراهيم ع فإنَّ الناس يزعمون أنَّه إسماعيل بن إبراهيم، فقال عليه السلام: إنَّ إسماعيل مات قبل إبراهيم وأنَّ إبراهيم كان حجة لله كلها قائماً صاحب شريعة، فإلى من أرسل إسماعيل إذاً، فقلت: جعلت فداك فمن. قال عليه السلام: ذاك إسماعيل بن حزقيل النبي عليه السلام بعثه الله إلى قوم فكذبوه فقتلوه، وسلخوا وجهه، فغضب الله له عليهم فوجه إليه اسطاطائيل ملك العذاب، فقال له يا إسماعيل أنا إسطاطيل ملك العذاب وجّهني إليك رب العزة. لأعذب قومك بأنواع العذاب، إنْ شئت، فقا له إسماعيل لا حاجة لي في ذلك.
فأوحى الله إليه فما حاجتك يا إسماعيل، فقال: يا رب إنك أخذت الميثاق لنفسك بالربوبية ولمحمد بالنبوة ولأوصيائه بالولاية وأخبرت خير خلقك بما تفعل أمته بالحسين بن علي عليه السلام من بعد نبيها، وأنك وعدت الحسين عليه السلام أنَّ تكرّه إلى الدنيا حتّى ينتقم بنفسه ممن فعل ذلك به، فحاجتي إليك يا رب أنْ تكرّني إلى الدنيا حتّى انتقم ممن فعل ذلك بي كما تكر للحسين فوعد الله إسماعيل بن حزقيل ذلك فهو يكر مع الحسين عليه السلام(٣٤٢).
وقد روى ابن قولويه أحاديث أُخرى بطرق أُخرى في هذا الباب بهذا المضمون، ومفادها أنَّ الرجعة معرفتها من الدين الذي أخذه الله على جميع الأنبياء وليسَ من الشرايع الفرعية.
٣) وكذا قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين)(٣٤٣).
ومفاد هذهِ الآية الشريفة أنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أخذ في ميثاق النبوة على جميع الأنبياء أنْ يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما أخذ عليهم جميعاً أنْ ينصروه فلم يؤخذ عليهم مجرد الإيمان فقط، بلْ أخذ عليهم النصرة والمؤازرة.
ولا تستقيم النصرة حقيقةً إلّا بأنْ يرجعوا إلى دار الدنيا فينصرون دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويكونون تحت رايته وذلك بنصرة أمير المؤمنين ع إذْ هو دابة الأرض كما تبين في روايات الفريقين التي تخرج من الأرض الذي هو عنوان الرجعة، أي من القبور لا من الأرحام، وأمَّا حمل نصرة الأنبياء ع على إبلاغهم أممهم وأقوامهم بمجيء سيد الأنبياء في الزمان السابق الذي بعثوا فيه فهو وإنْ كان درجة من النصرة، ولكنه ليسَ يجري مجرى الحقيقة.
وهذهِ الآية تبيِّن مدى ركنية معرفة الرجعة في العقيدة بحيث أخذت على الأنبياء في ميثاق نبوتهم، كما أخذ الإيمان بسيد الأنبياء عليهم في ميثاق النبوة وهذا مما يفيد أنَّ أخذ الإمامة والولاية لعلي عليه السلام على الأنبياء عنوانها الرجعة. وهذا مؤشر لمدى أهمية مقام الرجعة في معرفة إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة المعصومين عليهم السلام، وقد استفاضت الروايات عن أهل البيت عليهم السلام في تبيان رجوع الضمير في (لتنصرنه) إلى نصرة الأنبياء عليهم السلام إلى أمير المؤمنين عليه السلام.
اليهودية والرجعة (عبدالله بن سبأ)
قال الطبري في تاريخه(٣٤٤):
فيما كتب به إلى السري عن شعيب عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي، قال: كان عبدالله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء أمه سوداء، فأسلم في زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: ـ لعجب ممن يزعم أنَّ عيسى يرجع ويكذب بأنَّ مُحمَّداً يرجع، وقدْ قال الله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) فمُحمَّد أحقّ بالرجو من عيسى: قال: فقبل ذلك عنه ووضَّع لهم الرجعة، فتكلَّموا فيها. ثم قال: ـ مُحمَّد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء. ثم قال بعد ذلك من أظلم ممن لم يجز وصيته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وتناول أمر الأمة. ثم قال لهم بعد ذلك:
إنَّ عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانهضوا في هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وأدعوهم إلى هذا الأمر.
جملة فصول في الأديان ذات صلة بالرجعة:
١ ـ نزول عيسى عليه السلام:
فإنَّه رجعة ورجوع عند البعض من الفريقين ممن يذهب الى موت ووفاته عند رفعه الى السماء، نظير الحر العاملي حيث نفى كون نزوله ظهورا بعد خفاء بل عود رجعة ورجوع بعد الموت. وعلى اي تقدير فعلى القول الاخر من كونه على قيد الحياة وإن هو كائن الآن في السماء، فكذلك هو رجعة لعيسى عليه السلام لانه قبضت روحه حين رفعه الى السماء على اي حال ثم أحيي مرة اخرى وردت إليه روحه في السماء.
٢ ـ قصة ذي القرنين ورجعته مرتين:
روى الطبرسي عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «إنَّ ذا القرنين كان عبداً صالحاً، أحبَّ الله فأحبَّه، ونصح لله فنصحه الله، أمر قومه بتقوى الله فضربوه بالسيف على قرنه فمات زماناً، ثمَّ رجع إليهم فدعاهم إلى الله فضربوه على قرنه الآخر بالسيف، فذلك قرناه، وفيكم مثله» يعني نفسه عليه السلام.
وروى بن بابويه في الامامة والتبصرة صحيح أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن ذا القرنين لم يكن نبياً، ولكنه كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه الله، وناصح لله فناصحه الله، أمر قومه بتقوى الله، فضربوه على قرنه، فغاب عنهم زماناً، ثم رجع إليهم، فضربوه على قرنه الآخر، وفيكم من هو على سنته).
وقد ورد هذا المضمون بطرق عديدة في مصادر حديث اهل البيت عليهم السلام.
٣ـ مدينة جابرسا وجابلقا مدينتين في الفضاء، وسفرة ذي القرنين في المنظومة الشمسية أو في المجرَّة التي نحن فيها.
٤ ـ مراتب الأنبياء وإحاطتهم في الرجعة.
٥ ـ ظاهرة جرجيس النبي عليه السلام وقصة إحياء إلياس ليونس عليه السلام. ومجيء جملة من أوصياء الأنبياء السابقين.
٦ ـ نزول الأخبار بالرجعة في الكتب السماوية السابقة وكذا ظهور المهدي عجل الله فرجه.
٧ ـ البشارة في التوراة ب (دابة الأرض) إيليا:
عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال لي معاوية: يا معشر الشيعة تزعمون أنَّ علياً ع دابّة الأرض؟ فقلت: نحن نقول، واليهود، تقول. فأرسل إلى رأس الجالوت، فقال: ويحك تجدون دابّة عندكم مكتوبة؟ فقال: نعم، فقال: ما هي؟ فقال: رجل، فقال: أتدري ما اسمه؟ قال: نعم، اسمه إليا، قال: فالتفت إليَّ فقال: ويحك يا أصبغ! ما أقرب إليا من (علياً)(٣٤٥).
الغاية في الدين لا تتحقّق إلا بالرجعة كما أنَّ بدايته بالفطرة:
وفيما كتب الحميري إلى القائم عجل الله فرجه عن الرجل يقول بالحقّ ويرى المتعة، ويقول بالرجعة...(٣٤٦).
وفيما خرج من الناحية إلى مُحمَّد الحميري على ما سيأتي: أشهد أنَّك حجّة الله، أنتم الأوَّل والآخر، وأنَّ رجعتكم حقّ لا ريب فيها يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا(٣٤٧).
الرجعة في العهد القديم والعهد الجديد:
حَيْثُ فيهما اشارات تفشي العدل بدرجة هيمنة النور المعنوي على كل كائن ذي روح ورقي الحياة على الأرض بمستوى صفاء الحياة في السماء، ونزول كلمة الله ووصفه بأوصاف مطابق أوصاف دابة الارض كذكر العصا وقوة سلطانها في الارض وغيرها مما ذكرفي القرآن وروايات الفريقين، وذكر إقامة الاثني عشر لدولة العدل الالهية، ونزول الملائكة للنصرة وغيرها من حوادث الرجعة المذكورة في الروايات لدى الفريقين، ممايتفطن لها بالتدبروالمقارنة.
العهد القديم:
أشعياء (١٠/١ ـ ١٣): «ويفرخ برعم من جذع يسى، وينبت غصن من جذوره، ويستقرّ عليه روح الرب، روح الحكمة والفطنة، روح المشورة والقوّة، روح معرفة الربّ ومخافته. وتكون مسرّته في تقوى الربّ، ولا يقضي بحسب ما تشهد عيناه، ولا يحكم بمقتضى ما تسمع أذناه، إنَّما يقضي بعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويعاقب الأرض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه؛ لأنَّه سيرتدي البرّ ويتمنطق بالأمانة. فيسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر إلى جوار الجدي، ويتآلف العجل والأسد وكلّ حيوان معلوف معاً، ويسوقها جميعاً صبي صغير. ترعى البقرة والدب معاً، ويربض أولادهما متجاورين، ويأكل الأسد التبين كالثور، ويلعب الرضيع في (أمان) عند جحر الصل، ويمدّ الفطيم يده إلى وكر الأفعى (فلا يصيبه سوء). لا يؤذون ولا يسيئون في كلّ جبل قدسي؛ لأنَّ الأرض تمتلئ من معرفة الربّ كما تغمر المياه البحر. في ذلك اليوم ينتصب أصل يسى راية للأمم، وإليه تسعى جميع الشعوب، ويكون مسكنه مجيداً، فيعود الربّ ليمدّ يده ثانية ليسترد البقيّة الباقية من شعبه، من أشور ومصر وفتروس وكوش وعيلام وشنعار وحماة، ومن جزائر البحر، وينصب راية للأمم...»(٣٤٨).
العهد الجديد:
إنجيل متّى (٦/٥ ـ ١٠): «ومتّى صلَّيت فلا تكن كالمرائين. فإنَّهم يحبّون أنْ يصلّوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس. الحقّ أقول لكم: إنَّهم قدْ استوفوا أجرهم. وأمَّا أنت فمتّى صلَّيت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلَّ إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية. وحينما تصلّون لا تكرّروا الكلام باطلاً كالأمم. فإنَّهم يظنّون أنَّه بكثرة كلامهم يستجاب لهم. فلا تتشبَّهوا بهم؛ لأنَّ أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أنْ تسألوه، فصلّوا أنتم هكذا. أبانا الذي الذي في السموات. ليتقدَّس اسمك. ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض».
إنجيل متّى (١٠/٥ ـ ٧): «هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً: إلى طريق الأمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا. بلْ اذهبوا بالحري إلى إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة. وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين: إنَّه قدْ اقترب ملكوت السماوات».
الرؤيا (١٩/١١ ـ ١٦): «ثمَّ رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً وبالعدل يحكم ويحارب. وعيناه كلهيب نار وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم مكتوب ليسَ أحد يعرفه إلّا هو. وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويدعى اسمه (كلمة الله). والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزاً أبيض ونقيّاً. ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم وهو سيرعاهم بعصا من حديد وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كلّ شيء. وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب: ملك الملوك وربّ الأرباب».
الرجعة في زبور داود:
وفي تفسير القمي:
وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ ـ إلى قوله ـ الْمُبِينُ) قال: اعطى داود وسليمان ما لم يعط أحدا من أنبياء الله من الآيات علمهما منطق الطير وألان لهما الحديد والصفر من غير نار وجعلت الجبال يسبحن مع داود.
وانزل الله عليه الزبور فيه توحيد وتمجيد ودعاء وأخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة عليهم السلام من ذريتهما عليهم السلام وأخبار الرجعة والقائم عجل الله فرجه لقوله (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون).
كتاب سليم:
(نص ما في كتب عيسى)
«بسم الله الرحمن الرحيم، أحمد رسول الله واسمه مُحمَّد وياسين وطه ون والفاتح والخاتم والحاشر والعاقب والماحي، وهو نبي الله وخليل الله وحبيب الله وصفيه وأمينه وخيرته، يرى تقلبه في الساجدين ـ يعني في أصلاب النبيين ـ ويكلمه بحرمته، فيذكر إذا ذكر وهو أكرم خلق الله على الله وأحبهم إلى الله، لم يخلق الله خلقاً ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً من آدم، فمن سواه ـ خيراً عند الله ولا أحب إلى الله من يقعده الله يوم القيامة على عرشه ويشفعه في كل من شفع فيه وباسمه جرى القلم في اللوح المحفوظ في أُمِّ الكتاب وبذكره، مُحمَّد رسول الله.
ثم أخوه صاحب اللواء يوم القيامة يوم الحشر الأكبر وأخوه ووصيه ووزيره، وخليفته في أمته وأحب خلق الله إلى الله بعده علي بن أبي طالب، ولي كل مؤمن بعده، ثم أحد عشر إماماً من ولد أوَّل الاثني عشر، أثنان سميا هارون شبر وشبيروتسعة من ولد أصغرهما وهو الحسين واحداً بعد واحد، آخرهم الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه» ـ انتهى مانقله سليم من كتاب الراهب ـ فيه تسمية كل من يملك منهم ومن يستسر بدينه ومن يظهر فأوَّل من يظهر منهم يملأ جميع بلاد الله قسطاً وعدلاً، يملَك ما بين المشرق والمغرب، حتّى يظهره الله على الأديان كلها(٣٤٩) انتهى.
وقدْ مرَّ أنَّ مقام الحاشر والناشر للنبي وللوصي ـ صلوات الله عليهما وآلهما ـ لا يختص بالقيامة الكبرى، بلْ هو من معالم الرجعة أيضاً.
وبذلك يتبين أنَّ عقيدة الرجعة قدْ نزل بها الإنجيل، وبقية الكتب السماوية من قبل وأنَّ معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وأهل البيت بالرجعة وبمقامهم ومقاماتهم في القيامة الكبرى محور أساسي في معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والوصي عليه السلام، أكَّدت عليه الكتب السماوية في المعرفة وأصول الدين.
مقام الحاشر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتب عيسى بن مريم عليه السلام
روى السيد ابن طاووس في إقبال الأعمال في احتجاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع نصارى نجران حديثاً طويلاً.
وفيه:
فقال أبو حارثة: اعتبروا الأمارة الخاتمة من قول سيدكم المسيح فصار إلى الكتب والأناجيل التي جاء بها عيسى عليه السلام، فألَّفوا في المفتاح الرابع من الوحي إلى المسيح:... أوَّل النبيين خلقاً وآخرهم مبعثاً، ذلك العاقب الحاشر فبشر به بني إسرائيل»(٣٥٠).
وفي مسند أحمد بن حنبل:
في احتجاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على اليهود في نهاية الاحتجاج، فقال: «أبيتم فوالله إني لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم أو كذبتم ثم انصرف»(٣٥١). اي ابوا الأقرار باسمائه المذكورة في التوراة عندهم.
روى الشيخ الصدوق في العيون والتوحيد والطبرسي في الاحتجاج في احتجاجات الإمام الرضا عليه السلام مع أهل الأديان: في حواره مع الجاثليق: قال الرضا عليه السلام: ما أنكرت أنَّ عيسى عليه السلام كان يحيى الموتى بإذن الله عَزَّ وَجَلَّ، قال الجاثليق: أنكرت ذلك من أجل أنّ من أحيى الموتى وأبرء الأكمه والأبرص فهو رب مستحق لأنَّ يعبد،
قال الرضا عليه السلام: فإنَّ اليسع قدْ صنع مثل صنع عيسى عليه السلام مشى على الماء وأحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص فلم تتخذه أمته رباً ولم يعبده أحد من دون الله عَزَّ وَجَلّ،
ولقد صنع حزقيل النبي عليه السلام مثل ما صنع عيسى بن مريم فأحيا خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة،
ثم التفت إلى رأس الجالوت، فقال له: يا رأس الجالوت أتجد هؤلاء في بني إسرائيل في التوراة اختارهم بخت نصر من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس، ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله عَزَّ وَجَلَّ إليهم فأحياهم، هذا في التوراة لا يدفعه إلّا كافر منكم، قال رأس الجالوت: قدْ سمعنا به وعرفناه، قال صدقت، ثم قال يا يهودي خذ على هذا السفر من التوراة فتلا عليه السلام من التوراة. آيات فأقبل اليهودي يترجج لقرائته ويتعجب! ثم أقبل النصراني، فقال: يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم. قال: بلْ كانوا قبله، فقال الرضا ع: لقد اجتمعت قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه أنَّ يحيى لهم موتاهم فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال له: اذهب إلى الجبانة فنادِ بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك، يا فلان ويا فلان ويا فلان، يقول لكم مُحمَّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قوموا بإذن الله عَزَّ وَجَلَّ فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم فأقبلت قريش يسألهم عن أمورهم، ثم أخبروهم أنَّ محمداً بعث نبياً، فقالوا: وددنا أنا أدركناه فنؤمن به، ولقد أبرء الأكمه والأبرص والمجانين وكلمه البهائم والطير والجن والشياطين، ولم نتخذه رباً من دون الله عز وجل ولم ننكرلاحد من هؤلاء فضلهم فمتى اتخذتم عيسى ربا جاز لكم أنْ تتخذوا اليسع وحزقيل رباً! لأنهما قدْ صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم عليه السلام من إحياء الموتى وغيره، وإنَّ قوماً من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتّى نخرت عظامهم وصاروا رميماً. فمرَّ بهم نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله عَزَّ وَجَلَّ إليه: أنْ نادهم، فقال: أيتها العظام البالية قومي بإذن الله عَزَّ وَجَلَّ، فقاموا أحياء أجمعون ينفضون التراب عن رؤوسهم، ثم إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام حين أخذ الطير فقطعهن قطعاً.ثم وضع على كل جبل منهن جزءً ثم ناداهن فأقبلن سعيا إليه، ثم موسى بن عمران عليه السلام وأصحابه السبعون الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: انك قد رأيت الله سبحانه: فأرناه رايته فقال: لهم انى لم أره فقالوا: لن نؤمن حتّى نرى الله جهره فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم وبقى موسى وحيدا فقال: يا رب اخترت سبعين رجلاً من بني إسرائيل فجئت بهم وارجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به؟! فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ فأحياهم الله عز وجل من بعد موتهم، وكل شيء ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه لأنَّ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قدْ نطقت فإنَّ كان كل من أحيى الموتى وأبرء الأكمه والأبرص والمجانين. يتخذ رباً من دون الله فاتخذ هؤلاء كلهم أرباباً ما تقول يا يهودي؟(٣٥٢). الحديث
وفي مختصر بصائر الدرجات عن عمرو بن شمر، قال: ذكر عند أبي جعفر صلوات الله عليه جابر، فقال: رحم الله جابراً، لقدْ بلغ من عمله أنَّه كان يعرف تأويل هذهِ الآية: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)(٣٥٣).

الفصل السابع: الرجعة لغة لقراءة أبواب المعارف

إنَّ معرفة الرجعة بحسب ما جاء في الآيات والروايات مرحلة بلوغ في المعرفة والعارفُ بها وبعالم القيامة كامل في المعرفة بخلاف الجاهل بهما كما مر في الباب الاول، فإنَّه ناقص في المعرفة مقصّر أو قاصر، فمعرفة الرجعة ليست معرفة بمقطع زماني في مستقبل البشرية فحسب يكبر ويعظم على المقطع الأوَّل في الحياة الدنيا فحسب، بلْ هو في الحقيقة لغة وقراءة لمنظومة المعارف بدرجة راقية فائقة على اللغة والقراءة المعهودة لدى المتكلمين والفلاسفة والعرفاء والمفسرين لمنظومة المعارف.
فالرجعةُ لغةً وقراءةً للأصول الاعتقادية ولمنظومة المعارف بدرجة أعمق مما هو سائد وغور كبير وظهور في المعرفة.
فبحسب الغور الذي يراه الباحث منظومياً في نظام معارف الرجعة بحسب الآيات والروايات وبياناتهم ع يجد أنَّ نتاج علم الكلام وغيره من علوم المعارف بالمستوى الموجود بعد أكثر من عشرة قرون ليسَ إلّا بمثابة المراحل الأولى التمهيدية للمعرفة الاعتقادية، وأمَّا المراحل العليا في المعرفة فهي من نصيب اللغة التي يحصل عليها الباحث من معرفة الرجعة والقيامة سواء على صعيد التوحيد أو النبوة أو الإمامة أو المعاد.
 فعلى صعيد التوحيد وَرَدَ من باب المثال أنَّ القدرة الإلهية والمشيئة لا تدرك إلّا بمعرفة الرجعة وإلّا تكون المعرفة بهما معرفة نظرية تجريدة مقتضبة، ففي مختصر بصائر الدرجات عن أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام، فقلت: جعلت فداك مسألة أكره أسميها لك. فقال لي: هو أعن الكرات تسألني؟ فقلت: نعم، فقال: تلك القدرة ولا ينكرها إلّا القدرية، لا تنكرها تلك القدرة لا تنكرها، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى بقناع من الجنة عليه عذق يقال له سنة، فتناولها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة من كان قبلكم)(٣٥٤).
وفيه عن سدير، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجعة؟ فقال: القدرية تنكرها ثلاثاً)(٣٥٥).
وروى في كامل الزيارة في زيارة سيد الشهداء عليه السلام فقلبي لكم مسلم وأمري لكم متبع ونصرتي لكم معدة حتّى يحكم الله وهو خير الحاكمين ويبعثكم فمعكم معكم لا مع عدوكم أني من المؤمنين برجعتكم لا أنكر لله قدرة ولا أكذب له مشيئة ولا أزعم أنَّ ما شاء الله لا يكون(٣٥٦) وهذاِ المتن تكرر كثيرا في الزيارات المروية بألفاظ متعددة وبطرق عديدة وهو تبيان واضح أنَّ المشيئة الإلهية لا تدرك ولا تعرف إلّا بمعرفة الرجعة مع إنَّ المشيئة أوَّل فعل إلهي صادر، ومن أعظم الصوادر الأولى ذات الشأن الكبير في معرفة الأفعال الإلهية والصفات الفعلية.
الرجعة لغة في معرفة النبوة
وعلى صعيد النبوة وَرَدَ أنَّ معرفة النبوة بمعرفة دور النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرجعة هي المعرفة الكبرى لها، وأمَّا معرفة النبوة بما سبق فإنَّها المعرفة الصغرى بالنبوة أو المعرفة بالنبوة الصغرى فضلاً عما قرَّره المتكلمون والحكماء من تعريف للنبوة فإنَّه دون المعرفة الصغرى للنبوة فشتان وشتان ما بين بينهما.
وروى في مختصر بصائرات الدرجات عن ابي جعفر عليه السلام: وقوله (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر) يعنى بذلك محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قيامه في الرجعة ينذر فيها وقوله (إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَر * نَذِيرًا لِّلْبَشَر) يعني محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نذير للبشر في الرجعة وقوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون) قال يظهره الله عَزَّ وَجَلَّ في الرجعة.
ومفاد الحديث الوارد المتعرض لشرح لفظ آيات سورة المدثر، وبيان ظهور الآيات في أنَّ سيد الأنبياء سيقوم بالنذارة في الرجعة، وهي نذارةٌ أُخرى لم يقم بها من قبل، وهي النذارة الكبرى.
وقد روى العامة بطرق مستفيضة ـ كما مرَّ ـ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في احتجاجه على اليهود بما في كتبهم وأناجيلهم أنَّ من أبرز أوصافه ص في الكتب التي لديهم والأناجيل أنَّه العاقب والحاشر، وقوله ص في نهاية الاحتجاج: «أبيتم فوالله أني لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنَّ النبي المصطفى أمنتم أم كذبتم»(٣٥٧).
وقد بيَّنا أنَّ معنى العاقب بقرائن عديدة هو الذي يعقب الجميع أي الذي لا بعده أحد كما رووه العامة نص في ذلك وهو أشار إلى كون رجعته آخر رجعات المعصومين ع والحاشر ـ كما رووا ـ هو الذي يحشر الناس إلى المحشر.
مراتب إظهار الدين في الوعد الإلهي:
فقدْ وَعَدَ الله نبيه في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون)(٣٥٨).
وهذا الإظهار للدين على مراتب سواء من جهة الإظهار لكون الظهور والإظهار درجات، ومن ناحية الدين أنَّه درجات ومراتب فتتضاعف الدرجات، فدرجات إظهار الدين وهيمنته في دولة ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه تختلف عن درجة ظهور الدين وإظهار التي تقع في دولة الرجعة لسيد الشهداء عليه السلام، بلْ إنَّ ظهور الرجعة وإظهار الدين في دول الرجعة لأمير المؤمنين عليه السلام لا سيما دولة رجعته المسماة بدابّة الأرض. فإنَّه قدْ روى الفريقان أنَّ قدرة سيطرة دولته على أرجاء الأرض منقطعة النظير، وبحيث لا يتخفى المنافق والكافر بنفاقه وكفره. ولا يفلت من حكومة أمر الله في عهد دابّة الأرض أحداً قط، إلى أنَّ تتهيأ الأرضية إلى آخر حكومة في عهد الرجعة، وهي أعظم حكومة وهي حكومة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ووزيره أمير المؤمنين عليه السلام وبقية الأئمة عليهم السلام ولاته في أرجاء الارض وقبلها تكون حكومات اميرالمؤمنين عليه السلام المتعددة، فهذا جانب من تعدد مراحل الرجعة في الهيكل والجانب التنفيذي.
وأمَّا الجانب النظري: الرجعة قراءة ومعرفة في الإمامة:
وكذلك الحال في الإمامة، فقدْ كثرت الروايات في باب الرجعة الدالّة على أنَّ معرفة أمير المؤمنين وبقية الأئمة بأنهم مفترضو الطاعة اجمالا هي دون معرفة دورهم في الرجعة والقيامة والآخرة الأبدية، بل هي تقصيرٌ في المعرفة ومعرفة مُقصرة، أي أنَّها معرفةٌ ابتدائية تمهيدية دون سطح المعرفة البالغة الحاصلة لمعرفة الرجعة والقيامة.
وفي صحيح حريز عن أبي جعفر عليه السلام قال سأل عن جابر، فقال رحم الله جابراً قد بلغ من فقهه انه كان يعرف تأويل هذه الآية ان الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد يعني الرجعة.
فعبَّر عليه السلام عن معرفة جابر بالرجعة وبالنبوة في مقام الرجعة بالبلوغ في المعرفة. ولهذه الرواية طرق عديدة(٣٥٩) بنفس المضمون.
وروى الصدوق في أماليه بسند صحيح إلى عامر بن معقل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر، وكذا المفيد في أماليه بسند صحيح إلى عامر أيضاً، والصفّار في بصائر الدرجات، قال: قال لي: «يا أبا حمزة لا ترفعوا عليّاً فوق ما رفعه الله، ولا تضعوا عليّاً دون ما وضعه الله، كفى بعلي عليه السلام أنَّ يقاتل أهل الكرّة، ويزوّج أهل الجنة»(٣٦٠).
وروى في مختصر بصائر الدرجات عن سليمان الديلمي بسنده، قال سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عَزَّ وَجَلَّ إذْ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً. فقال: الأنبياء رسول الله وإبراهيم وإسماعيل وذريته والملوك الأئمة عليهم السلام، قال: فقلت: فأي ملك أعطيتم، قال: ملك الجنة وملكة الكرة(٣٦١).
فبيَّن عليه السلام كما هو مقتضى ظاهر كلامه أن قوام معرفة الامام بملك الائمة في الرجعة وملكهم في الجنة الذي هو ذو طابع ملكوتي وملكي، وملك إلهي وولاية تكوينية وتمكين منه تعالى عليهم السلام.
ولا يخفى أنَّه عليه السلام في صدد بيان ماهية وهوية الإمامة المذكورة في القرآن بعنوان الملك. وحينئذٍ فيكون معرفة مقامهم ودورهم في الرجعة والآخرة مقوّم أساسي لمعرفة حقيقة الإمامة والإمام.
وفي الحقيقة إنَّما أفرزه علم الكلام من نتاج من كتب أصحابنا فضلاً عن المدارس الكلامية لمذاهب الأُخرى يُعد مرحلة تمهيدية أولية لمراحل المعرفة.
وروى في الكافي ونهج البلاغة(٣٦٢): ـ خطبةً لأمير المؤمنين على فراش الشهادة. ودعتكم وداع مرصدٍ للتلاقي غداً ترون أيامي ويكشف الله عن سرائري).
قال المجلسي في مرآة العقول في شرحه(٣٦٣) ويحتمل المراد بقوله غداً أيام الرجعة ويوم القيامة. فإنَّ فيهما تظهر شكوتهم ورفعتهم ونفاذ حكمهم في عالم الملك والملكوت فَهُوَ عليه السلام في الرجعة وليّ الانتقام من العصاة والكفّار وتمكين المتقين الأخيار في الأصقاع والأقطاب، وفي القيامة وليّ الحساب وقسيم الجنة والنار وغير ذلك مما يظهر من درجتهم ومراتبهم السنية فيهما.. بأنْ يكون ترون أيامي ويكشف الله عن سرائري في الرجعة والقيامة لاتصاله بقوله: «وداع مرصد للتلاقي»... انتهى كلامه.
وظاهر كلامه عليه السلام أنَّ معرفتهم بالرجعة والقيامة أكمل من درجة معرفتهم الإجمالية بأنَّهم مفترضو الطاعة من الله تعالى.
وممّا يعزِّز عمق قراءة لغة الرجعة في المعرفة وأنَّها ليست قراءة في معرفة الأئمة الاثني عشر، فحسب بلْ في معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما في الإشارة المذكورة في الرواية التي تقدمت الاشارة اليها المروية بطرق مستفيضة عند العامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في احتجاجه على اليهود بما في كتبهم وأناجيلهم أنَّ من أبرز أوصافه في الكتب التي لديهم والأناجيل أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم العاقب والحاشر والماحي.
ومما يشير إلى مكانة معرفة الرجعة وتأثيرها كلغة وقراءة في معرفة الإمامة ما يلاحظ عند العامّة من أنَّ الاعتقاد بالرجعة أعظم فضاعة عندهم وأكبر خطورة من أصل القول بإمامة أهل البيت عليهم السلام ووصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، وهم أشدّ استنكاراً للرجعة من القول بالوصية الإلهية فيشنعون على القول بالرجعة تشنيعاً بالغاً.
ويعتبرون عقيدة الرجعة عقيدة سبئية من مقالة عبدالله بن سبأ وأنَّه كان يقول أنَّ علياً يرجع إلى الدنيا، فقد قال الذهبي في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي، نقل عن ابن حبان أنَّه كان جابر ـ سبئياً من أصحاب عبدالله بن سبأ ـ كان يقول أنَّ علياً عليه السلام يرجع(٣٦٤) وقد جعلوا المانع من قبول رواية جابر قوله بالرجعة لا قوله بالأمامة والوصية لهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقال ابن عدي حول جابر، كما ذكر ذلك الذهبي في ميزان الاعتدال أنَّ عامّة ما قذفوه به أنَّه كان يؤمن بالرجعة(٣٦٥).
وقدْ فرق ابن حجر العسقلاني بين التشيع والرفض والغلو في الرفض، فقال: في مقدمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري والتشيع، محبة علي وتقديمه على الصحابة فمن قدّمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي وإلّا فشيعي فإنْ انضاف إلى ذلك السبب أو التصريح بالبغض فغالٍ في الرفض وإنْ اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشدّ في الغلو)(٣٦٦).
وهُنا يُثار تساؤل عن سبب جعلهم الاعتقاد بالرجعة أشدُّ غلواً من الاعتقاد بأصل الإمامة وأنها بنصٍّ من الله بمنصب إلهي، فهل هذا الموقف منهم صدفةً واتفاقاً أم أنَّه بسبب ما تحمله عقيدة الرجعة من بنية معرفية ومقامات وصلاحيات لأهل البيت عليهم السلام أكثر تبيِّن ما مدى للإمامة من موقعية خطيرة لا ترتسم بالدرجة المذكورة إجمالاً في أصل معرفة الإمامة الإلهية على أنَّها بالنص الإلهي.
وبذلك يتبيِّن أنَّ معرفة الإمامة بمعرفة الرجعة لغةً أكثر غوراً وعمقاً من المعرفة الإجمالية بأصل الإمامة الإلهية.
الرجعة قراءة في معرفة المهدي والظهور
وذلك أنَّ هناك تشابك وترابط كبير بين حدث الرجعة وحدث الظهور وإنْ كانا هويتين مختلفتين إلّا أنَّ بينهما أشدّ التداخل؛ وذلك من زوايا عديدة:
الأولى: أنَّ ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه بداية افتتاح للرجعة.
الثانية: أنَّ الرجعة لغير المعصومين تقع قبل ظهور المهدي في العاشر من محرم، حيث تقع ما بين جمادي ورجب أي قبل الظهور بأشهر قليلة ـ كما سيأتي تفصيله إنْ شاء الله ـ
الثالثة: إنَّ أوَّل ما ينادى به في الصيحة السماوية ينادي برجعة علي أمير المؤمنين عليه السلام قبل أنْ ينادى بظهور المهدي عجل الله فرجه، وهذا ممّا يدلل على أنَّ الرجعة هي الغاية الكبرى والعنوان الأعظم لظهور المهدي وأنَّ ظهوره عجل الله فرجه هو فاتحة للرجعة ولدولة أهل البيت عليهم السلام. بلْ إنَّ ظهور المهدي يعدُّ علامة من العلامات المُمَهِّدة لخروج جدّه أمير المؤمنين عليه السلام وإرهاصٌ للمشروع الأعظم الذي يقوم به عليّ عليه السلام في الأرض.
وفي صحيحة الحسن بن محبوب عن الرضا عليه السلام في حديث له طويل، قال: «ينادون في رجب ثلاثة أصوات من السماء صوتاً منها؛ ألا لعنة الله على الظالمين، والصوت الثاني: أزفت الأزفة يا معشر المؤمنين. والصوت الثالث: يرون بدنا بارزاً نحو عين الشمس، هذا أمير المؤمنين قدْ كَرَّ في هلاك الظالمين»، وفي رواية الحميري «الصوت الثالث: بدن يرى في قرن الشمس يقول إنَّ الله بعث فلاناً فاسمعوا له وأطيعوا، وقالا جميعاً فعند ذلك يأتي الناس الفرج»(٣٦٧).
الرابعة: إنَّ الهيئة المركزية لحكومة دولة الإمام المهدي عجل الله فرجه هم عبارة عن سبعة وعشرين شخصاً كلهم من الاموات الذين يرجعون ما بين جمادى ورجب، خمسة عشر منه قوم موسى الذين نعتهم في القرآن: (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون)(٣٦٨)، وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون وصي موسى عليه السلام وسلمان الفارسي وأبو دجانة الأنصاري والمقداد، ومالك الاشتر فيكونون بين يديه أنصاراً.
فقد روى المفيد في الارشاد عن المفضل بن عمر، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «يخرج القائم عليه السلام من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى عليه السلام الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالكاً الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً».(٣٦٩)
تعدد درجات وأدوار الإصلاح في الرجعة لكل إمام:
الخامسة: ان دولة الظهور وان اشتملت على اصلاح عظيم لا يكاد يتصوره البشر من عظمته وإكباره، إلا أن مايتم في الظهور رغم كل ذلك تمهيد لما اكثر عظمة واشد درجة من الاصلاح في الرجعة بنحو مهول غاية العظمة، فإن إقامة العدل في النظام السياسي ذو درجات كبيرة كثرة، إلى غير ذلك من البيئات الأُخرى.
فقدْ روى أنَّ في دولة الرجعة لسيد الشهداء عليه السلام أنَّه تُباد كل دابّة حرَّم الله أكلها وتطهر الأرض من كلِّ ما هو رجس ونجس، ممّا له مدى تأثير في تكامل الإنسان، وكالاصلاح في البيئة الاجتماعية الديمغرافية، وهو التركيبة السكانية في البلدان والأعراق والقوميات، فإنَّ العامل الاجتماعي لا ينكر تأثيره على إرادة الإنسان ومساره ومصيره.
ومجرد كون الحكومة السياسية عادلة وقائمة بالقسط لا يستلزم الإصلاح والموازنة العادلة في التركيبة الاجتماعية والديمغرافية، وكذلك البيئة الحيوانية المحيطة بالإنسان وبقية نظام البيئات الطبيعية المحيطة به، فإنَّها هي الأُخرى أيضاً مؤثرة على الإنسان وتكامله.
وكذلك البيئة الباطنة الخفيّة لروح الإنسان وطويته، فإنَّ التعامل بالظاهر بين الأفراد فيما بينهم غير ما لو تمَّ التعامل فيما بينهم بحسب الطوية الباطنة مع أنَّه وَرَدَ، لو تكاشفتهم لما تدافنتم، إلّا أنَّه قدْ وَرَدَ في روايات الفريقين ـ كَمَا مرَّ ـ في الرجعة في مرحلة دابّة الأرض أنَّ الطوية الباطنة للمؤمن تظهر علناً بميسم الدابة وخاتمها، كما أنَّ الطوية الباطنة للمنافق تظهر علناً.
ويتميز النسيج الاجتماعي حينها كمجموعات متمايزة ويتمّ التعامل فيما بينها على أساس الطوية الباطنة التي ظهرت وبرزت. ولا يخفى مدى الانقلاب في نظام التعامل على هذا الأساس بخلاف ما لو كان نظام التعامل على أساس الظاهر، فإنَّ الظاهر قشر بينما الواقع والحقيقة لبّ، فلربما كان القشر صحيحاً وسالماً واللب عفناً خراباً فنسبة الأصلاح في نظام التعامل الظاهر التي تتم في ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه بالقياس والنسبة إلى درجة الإصلاح التي تتم على يدي أمير المؤمنين عليه السلام في أواسط مراحل الرجعة، وهو مرحلة دابّة الأرض متفاوت كتفاوت الظاهر والباطن وكتفاوت القشر واللبّ.
وبعبارة أُخرى: إنَّ صلاح الدولة الحاكمة بأيِّ درجة من الكمال بلغت لا يعني صلاح المجتمع؛ لأنَّ إصلاح النسيج التركيبي للمجتمع من جهات عديدة يحتاج إلى طي مراحل من جهات وزوايا عديدة.
كما أنَّ إصلاح النظام السياسي العالمي الحاكم بين الدول لا يكفي عن إصلاح الداخلي في كل دولة دولة وإنْ كان إصلاح النظام من إصلاح وكمال النظام العالمي الموحَّد المهيمن هو درجة من إصلاح النسيج التركيبي للمجتمع من جهات عديدة يحتاج إلى طيّ مراحل من جهات وزوايا عديدة.
لكن لابدَّ من تتالي وتوالي وتتابع بقية حركات ودرجات الإصلاح، وهذهِ هي النسبة بين الإصلاح في زمن دولة الظهور للمهدي عج والإصلاح المتتالي بعده في دولة ودول الرجعة لأئمة أهل البيت عليهم السلام(٣٧٠) ونظير هذا الفرق في النظام القضائي فإنَّ القضاء بالموازين الظاهرية يختلف عن القضاء بحاق الواقع، كما أنَّ الملاحقة القضائية والمتابعة الجنائية تارة تكون بما يبرز من الإنسان من أعمال وأفعال تظهر و تطفح إلى العلن بأدلة إثبات وأُخرى بمجرد إقدامه واندفاعه وإفاضته في العمل، وهذا الفرق هو الذي رواه الفريقان بين دولة ظهور الإمام المهدي ودولة دابّة الأرض، حيث وَرَدَ في وصف الثاني وهي دولة أمير المؤمنين عليه السلام في روايات الفريقين في الثانية أنَّ دابة الارض لا يعجزها ولا يفوتها هارب ولا يلحقها طالب، وغير ذلك مما رواه الفريقان في معالم دولة دابّة الأرض أنَّ سيطرة الدولة وقوتها تمتدّ إلى كل فرد فرد بنحو المتابعة والمراقبة لا بمجرد السيطرة على الوضع العام.
موازاة مراتب كمال الإنسان لمراتب كمال المجتمع
في دولة الرجعة:
١) إنَّه من المقرَّر في الآيات والروايات أنَّ الإسلام ذو درجات ومراتب عشرة، كما في بعض ما وَرَدَ من الروايات فظاهر الإسلام أولى الدرجات وبدايتها ثم الإيمان ثم التقوى والهداية والصلاح واليقين والصدق والإحسان والإخلاص وغيرها من المراتب، وكما أنَّ الفارق شاسع بين ظاهر الإسلام والإيمان، كما يلمس ويحس بذلك كل مؤمن، وكما هو مفاد قوله تعالى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)(٣٧١).
فكذلك الفرق شاسع بين أهل التقوى من المؤمنين ومقامهم ومرتبتهم ومنازلهم مع المؤمنين غير المتقين ويكفيك ملاحظة خطبة أمير المؤمنين عليه السلام لهمّام، في أوصاف المتقين، وشرعتهم واحكامهم وسننهم وسيرتهم «فاستلانوا ما استوعره الاخرون واستحلَوا ما استمرره الاخرون واستمرروا ما استحلاه الاخرون» وكأن نظام منهاجهم يبعد بعد السماء عن الارض مع عموم منهاج المؤمنين غير المتقين وكذلك الحال في الفرق الشاسع بين اهل الهداية ومقاماتهم ومنازلهم ومقامات المتقين.
وكذلك الفرق بين مقامات أهل الصلاح والصالحين مع مقامات ومنازل أهل الهداية والمهتدين، وكذلك الصالحين والمحسنين، وبين المحسنين والصديقين وبين الصديقين والمخلِصين وبين المخلِصين والمخلَصين.
ألا ترى ما ضربه القرآن من مثل لذلك من تعجب واستغراب النبي موسى عليه السلام وهو نبي من أولي العزم، مما كان يصدر من أفعال الخضر إلى أنْ أوضح له الخضر عليه السلام أنَّ الموازين والقواعد الشرعية منحفظة بدقّة أكثر بالعلم لدني.
٢) وقدْ وَرَدَ في روايات أهل البيت ع أنَّ كل مؤمن يبلغ في حُقب ومراحل وسط دولة الرجعة لأئمة أهل البيت عليهم السلام إلى مقام الأبدال ويتوفّر على درجة من العلم اللدني ثم يترقى إلى أنَّ بعض المؤمنين يصل إلى درجة يكون قاضياً بين قبائل من الملائكة. ومن ثم وَرَدَ أيضاً أنَّ المؤمنين يرتقون إلى السموات في الرجعة. فقد روى...
٣) إنَّه بموازاة رُقي وتكامل الفرد الإنساني والمسلم والمؤمن فإنَّه تتكامل أيضاً للإنسان الكبير وهو المجتمع فعلى حذو مسير الإنسان الفرد، كذلك الحال للإنسان المجتمع، فكم فرق يشاهده الناظر بين تركيبة مجتمع المسلمين ومجتمع الكافرين، فإنَّ المسلمين وإنْ تخلفوا عن كثير من أحكام الإسلام لا سيما على الصعيد السياسي إلّا أنَّ هناك بون شاسع في بناء الأسرة من جهة العلائق الروحية والتربوية وغيرها مع الأسر الكافرة، وكذلك الفرق الشاسع بين مجتمع المؤمنين مع مجتمع المسلمين سواء على صعيد الأسرة أو على صعيد العلائق الاجتماعية، فكما أنَّ الفرق بين المجتمع المسلم والمجتمع الكافر، وكذلك الفرق الشاسع بين مجتمع المؤمنين مع مجتمع المسلمين سواء على صعيد الأسرة أو على صعيد العلائق الاجتماعية، فكما أنَّ الفرق بين المجتمع المسلم والمجتمع الكافر محسوس لدى المسلمين، كذلك الفرق بين المجتمع المسلم والمجتمع المؤمن محسوس لدى المؤمنين، وهكذا الحال في الفرق بين مجتمع المؤمنين ومجتمع المتقين، المتقون أهل الفضائل منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصادومشيهم التواضع قلوبهم محزونة شرورهم مأمونة حاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة، حُلماء علماء أبرارٌ أتقياءٌ لا يرضون من أعمالهم بالقليل ولا يستكثرون الكثير لهم تجمّلاً في فاقة وصبراً في شدّة يمزجوا الحلم بالعلم والقول بالعمل. لا ينابز بالألقاب ولا يضار بالجار ولا يشمت بالمصائب ولا يدخل بالباطل ولا يخرج من الحق.
مجتمع أهل اليقين:
ومرتبة أُخرى فوق مجتمع المتقين من وصفهم الله: (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون) وهم وإنَّ وَرَدَ عنهم عليهم السلام أنَّ المراد بهم الأئمة عليهم السلام(٣٧٢) إلّا أنَّه قدْ يراد بهم أيضا، إمَّا أهل اليقين أو فوقهم أي أهل الصدق والإخلاص، وَوَرَدَ(٣٧٣) أنَّ صفاتهم أنَّهم أمة مقسطة عادلة يقسمون بالسوية فليس فيهم مسكين ولا فقير ويحكمون بالعدل ويتواسون ويتراحمون، حالهم واحدة وكلمتهم واحدة وقلوبهم مؤتلفة وطريقتهم مستقيمة؛ لأنَّهم لا يتكاذبون ولا يتخادعون ولا يغتاب بعضهم بعضاً، وسيرتهم جميلة، وقبور موتاهم في أفنيتهم وعلى أبواب دورهم وبيوتهم لئلا ينسوا الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبهم، وليسَ لبيوتهم أبواب؛ لأنَّه ليسَ فيهم لصٌّ ولا ظنين وليسَ فيهم إلا أمين، وليسَ بينهم قضاة؛ لأنهم لا يتظالمون ولا يتخاصمون، وليسَ فيهم أغنياء ولا أشراف ولا يتفاوتون ولا يتفاضلون ولا يختلفون ولا يتنازعون ولا يتسابون ولا يقتتلون ولا تصيبهم الآفات؛ لأنهم لا يتكاثرون بإزدياد الأموال ولا يتنافسون في الدنيا متآلفة قلوبهم وصلح ذات بينهم غلبوا طبائعهم بالعزم وساسوا أنفسهم بالحلم وليسَ فيهم فض ولا غليظ؛ لأنهم تواضعوا وذللوا أنفسهم بالتواضع ويتعاطون بالحق ويحكمون بالعدل فتطول أعمارهم ولا يفترون عن الاستغفار فلا يصبهم القحط ولا يتبرون من البلاء فلا يحزنون ولا يتكلون على غير الله جل جلاله فلا يستمطرون بالانواء والأوضاعالفلكية ويصلون أرحامهم ويؤدون أمانتهم ويصدقون ولا يكذبون ويعفون عمن ظلمهم ويحسنون إلى من أساء إليهم ويستغفرون لمسيئهم فاصلح الله بذلك أمرهم.
عظمة كمال مجتمع المؤمنين في الرجعة:
ومن عجائب الرجعة وعظمتها أنَّها تبلغ بالمجتمع البشري إلى هذهِ الدرجات منَّ هذهِ الأوصاف لأمة يهدون بالحق وبه يعدلون التي قدْ وَرَدَت كوصف لجماعة من قوم موسى عليه السلام وأنَّ هذهِ الجماعة سترجع ويبعثون عند ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه ويكونون من النواة المركزية لحكومته فإذا كانت هذهِ الأوصاف لجماعة من الأعضاء المركزية لحكومة الإمام المهدي فكيف بك إذا أصبح المجتمع كله بهذه الأوصاف في أدوار أواخر الرجعة، فقد روي عن الصادق عليه السلام: ـ كَمَا في تفسير العياشي وروضة الواعظين لابن فتال عن المفيد، قال: قال: إذا قام قائم آل مُحمَّد عجل الله فرجه استخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلاً خمسة عشر من قوم موسى عليه السلام الذين يهدون بالحق وبه يعدلون وسبعة من أصحاب الكهف ويوشع وصي موسى ومؤمن آل فرعون وسلمان الفارسي، وابودجانة الأنصاري ومالك الأشتر(٣٧٤) فيكونون بين يديه أنصاراً وحكّاماً)(٣٧٥).
وقدْ وردت بيانات في روايات الرجعة أنَّ الحوض حوض الكوثر. ليسَ في نشأة القيامة، بلْ هو في عالم الدنيا أي في الحياة الآخرة من الدنيا وهي الرجعة خلافاً لما توهمه كثير من المتكلمين، فقد روى في مختصر بصائر الدرجات عن كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أبان ابن عيّاش عن ابن الطفيل في حديث عن الرجعة، قلت: يا أمير المؤمنين أخبرني عن حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا أم في الآخرة، فقال: بلْ في الدنيا، قلت: فمن الذايد عنه، قال: أنا بيدي فليردنه أوليائي وليصرفن عنه إعدائي(٣٧٦).
إطلاق اسم الآخرة والبعث والحشر والمعاد على الرجعة:
وقد وَرَدَ هذا الإطلاق في الآيات والروايات كثيراً كما في قوله تعالى: (وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون)(٣٧٧) ففي رواية الكافي بسنده عن أبي بصير، قال: قلتُ: لأبي عبدالله عليه السلام وذكر الآية، قال: فقال لي: يا أبا بصير ما تقول في هذهِ الآية، قال: قلت: إنَّ المشركين يزعمون ويحلفون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنَّ الله لا يبعث الموتى.
قال: فقال: تباً لمن قال هذا إسألهم هل كان المشركون يحلفون بالله؟ أم باللآت والعزى، قال: قلت: جعلت فداك أوجدنيه، قال: فقال لي: يا أبا بصير لو قدْ قام قائمنا بعث الله إليه قوماً من شيعتنا قباع سيوفهم على عواتقهم فيبلغ ذلك قوماً من شيعتنا لم يموتوا، فيقولون: بعث فلان وفلان وفلان من قبورهم، وهم مع القائم عج، فيبلغ ذلك قوماً من عدونا فيقولون يا معشر الشيعة ما أكذبكم، هذهِ دولتكم فأنتم تقولون فيها الكذب، لا والله ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة. قال فحكى الله قولهم، فقال: (وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ)(٣٧٨).(٣٧٩)
ومفاد هذهِ الرواية استدلال صريح بظاهر الآية على إطلاق البعث على الرجعة.
قوله تعالى: (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُون)(٣٨٠) وكذا فيما رواه العياشي عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء) يعني كفّار غير مؤمنين، وأمَّا قوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون) فإنَّهم يعني أنَّهم لا يؤمنون وأنَّهم يشركون (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فإنَّهم كما قال، وأمَّا قوله والذين لا يؤمنون يعني أنَّهم لا يؤمنون بالرجعة أنَّها حق ورواه العياشي بطريق آخر عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام.
فقد أُطلق البعث الأخرة في هذهِ الآيات على الرجعة.
وروى النعماني في تفسيره عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: وأمَّا الردّ على من أنكر الرجعة، فقول الله عَزَّ وَجَلَّ (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُون) أي إلى الدنيا فأما معنى حشر الآخرة، فقوله عَزَّ وَجَلَّ (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)(٣٨١).
فقد أطلق الحشر على الرجعة في هذهِ الآية، وقد تعرضت روايات كثيرة لشرح ظاهر الآية وأنَّه متعين في الرجعة، حيث أنَّ حشر البعض لا يكون إلّا في الرجعة تفويجاً بخلاف حشر القيامة والآخرة الأبدية فإنه لمجموع الجميع وقد استدلَّ بظاهر الآية وفقاً لتلك الدلالة جملة علماء الإمامية.
وروى النعماني أيضاً في تفسيره ما رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ)(٣٨٢) أي رجعة الدنيا، وقدْ وَرَدَ في ذيل الآية روايات عديدة دالَّة على ذلك(٣٨٣).
المعاد والرجعة:
إنَّ أكثر أدلة المتكلمين العقلية على المعاد هي أدلة على الرجعة، كما أنَّ أكثر بيانات القرآن فيما يظن من دلالة الآيات على المعاد هي في الرجعة أولاً وفي المعاد الاكبر ثانياً، ولذلك قال الصحابي أبو الطفيل صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك سليم بن قيس بعد ما اطلع على بيانات أمير المؤمنين عليه السلام، قال ما أنا بيوم القيامة أشد يقيناً مني بالرجعة.
الفارق بين بعث الرجعة وبعث المعاد:
أمَّا قراءة المعاد بلغة الرجعة، فيشير إليه قوله تعالى في سورة الكهف: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ...)(٣٨٤)... (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا)(٣٨٥).
فتبيِّن الآية أنَّ أحد الغايات المهمة الكبيرة من الرجعة أنَّها آية كبرى للمعاد وبرهان على وقوعه، بلْ إنَّ كثيرا أو أكثر الآيات المشيرة إلى البعث من القبور إنَّما تشير إلى بعث الرجعة، وسيأتي في الباب الثالث الإشارة إلى الفارق بين البعث في الرجعة والبعث في المعاد الأكبر وقد شاع في كلمات علماء الإمامية أنَّ الرجعة معاد أصغر، سواء منهم ذوي المشرب الكلامي أو المشرب الفلسفي.
وأحد الفوارق المهمة في بعث الرجعة عن بعث القيامة الكبرى؛ أنَّ بعث الرجعة كما تشير إليه جملة آيات الرجعة وجملة رواياتها أنَّ بعث الرجعة هو من القبر والقبور من أرض الدنيا وكوكب الأرض، وأمَّا البعث ليوم القيامة والمعاد الأكبر فهو بعث من أرض الساهرة وأرض القيامة، وقد أشير إلى خصوصيات أرض القيامة في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَاد)(٣٨٦).
وفي الحقيقة أنَّ روايات الرجعة وآياتها تبين شرائط فيزيائية وتكوينية تختلف عن الخصائص والأحكام التكوينية للقيامة وبعثها، وأنَّ كثيراً مما يحسب ويقرر في البحوث الكلامية والفلسفية أنَّه بعث معاد هو بعث الرجعة، أمَّا بعث المعاد فهو أعظم هولاً من ذلك وطامته هي الكبرى كما في الآيات والروايات.
وبعبارة أُخرى: إنَّ معرفة المعاد الأكبر بدون الرجعة كالممتنع؛ لأنَّ الرجعة بوابة تكوينية لبعث المعاد، بلْ سيأتي أنَّ الرجعة هي الأُخرى ذات درجات ومراحل تختلف عن بعضها البعض في الأحكام التكوينية، واشتداد ظهور جملة من أحكام الملكوت، كما يلاحظه المتتبع بالتحليل والتدقيق في مفاد طوائف روايات الرجعة.
البرزخ والرجعة والساهرة:
أحد الأمثلة في البحوث المتّصلة بذلك أنَّ البرزخ على ضوء بيانات آيات وروايات الرجعة ليسَ متوسطاً بين الدنيا والآخرة كما اشتهر بين المتكلمين والفلاسفة والعرفاء وانسياقهم فهم ذلك من ظهور قوله تعالى: (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون) وكذلك جل المفسرين، أنَّه المراد من هذهِ الآية، بلْ هو عالم ومرحلة متوسطة بين الحياة الدنيا الأولى والحياة الآخرة من الدنيا،والبعث في الآية بعث الرجعة، وإنَّ كثيراً مما يظن أنَّه من أحكام الآخرة هو من أحكام الرجعة، بلْ العالم المتوسط بين الحياة الدنيا والآخرة هي الساهرة، وأنَّ البرزخ والرجعة من عالم الدنيا.
ثلاث انماط للبعث والحساب:
وسيأتي في الباب الثالث أنَّ البعث الثاني نمطا وهو الذي ليوم القيامة المسمى بالمعاد يغاير البعث الثالث نمطا والذي هو للجنة والنار الأبديتين الذي هو آخر مراحل البعث، وأنَّ عمدة الحساب قبل يوم القيامة وإنَّ وقعت تتمته في القيامة قبل البعث الأبدي إلى الجنة والنار.
عالم القيامة والرجعة:
وأمَّا يوم القيامة فبحسب بيانات الرجعة ليسَ هو يوماً في عرض الأيام، كما يتوهم بلْ هو عالم أكبر من عالم الدنيا، بمجموع الحياة الأولى والآخرة فيها بأضعاف مضاعفة. وقدْ بيَّن في آيات وروايات الرجعة والقيامة أنَّ مسيرة التكامل مقررة مستمرة في عالم القيامة، لكن بنمط مغاير لما عليه في دار الدنيا الاولى والاخرة منها التي هي الرجعة. كما أنَّ ملك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام في عالم القيامة أعظم من ملكهم وحاكميتهم وحكومتهم في عالم الدنيا الأولى والرجعة، كما أن ملكهم في الجنة أعظم من ملكهم في عالم القيامة.
تطابق آخر الرجعة مع القيامة:
إنَّ في ألسن بيان الروايات الواردة في الرجعة عند الفريقين إنَّ آخر الرجعة متداخل مع القيامة بلْ قدْ يراد به القيامة نفسها، إذْ هي عقب الرجعة. مثلما رواه في مختصر بصائر الدرجات عن أبي عبدالله عليه السلام إنَّ اليوم الذي ذكر الله مقداره في القرآن (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خمسين أَلْفَ سَنَةٍ) وهي كرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيكون ملكه في كرّته خمسين ألف سنة ويملك أمير المؤمنين عليه السلام في كرته أربعاً وأربعين ألف سنة(٣٨٧). ويحتمل انطباق كرّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على القيامة إذْ قدْ وَرَدَ في بعض الروايات أنَّ ملك الرجعة لأمير المؤمنين عليه السلام وملك القيامة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
إذْ قدْ روى الكليني في موثّقة حفص بن غياث في حديث قوله عليه السلام فإنَّ للقيامة خمسين موقفاً كل موقف مقداره ألف سنة ثم تلا هذهِ الآية: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خمسين أَلْفَ سَنَةٍ)(٣٨٨)،(٣٨٩) ورواه الشيخ المفيد في الأمالي بسنده عن حفص بن غيّاث(٣٩٠) ورواه الشيخ الطوسي في الأمالي بسنده عنه حفص(٣٩١).
لاسيما وأنَّ عالم القيامة مغاير للبعث الأخير للآخرة الأبدية للجنة وللنار والخلط بينهما قد وقع كثيرا في بحوث المعارف.
تطابق المعراج مع الرجعة:
وهذا مما يتطابق مع المعراج وتتطابق الرجعة معه، فقد روى في الاحتجاج للطبرسي عن موسى بن جعفر عليه السلام عن آبائه في احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على اليهود، وقوله عليه السلام لهم أنَّه أسري به (أي بمُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهرٍ وعرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف عام في أقل من ثلث ليلة حتّى انتهى إلى ساق العرش(٣٩٢).
وهذا التطابق مرتبط بالتكامل والعروج بالكامل ولاسيما للبدن.
تعدد الحساب والقيامة:
وروى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن يونس بن ظبيان عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: ـ إنَّ الذي يلي حساب الناس قبل يوم القيامة الحسين بن علي عليه السلام، فأما يوم القيامة فإنما هو بعث إلى الجنة أو بعث إلى النار(٣٩٣).
ملحوظة معترضة:
وقبل الخوض في مفاد الرواية قدْ أطلق فيها لفظ القيامة على البعث الثالث للجنة والنار الأبدية وهو اطلاق ثالث للفظ القيامة في مقابل اطلاقها على الرجعة ومقابل اطلاقها على البعث الى عالم القيامة المشتمل على المواقف والعقبات.
وظاهرُ هذا الحديث أنَّ الحساب في الرجعة والذي يقوم به ويتولاه خليفة الله سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام، وقدْ وردت بذلك روايات متعددة من روايات الرجعة كالذي أورده السيد الاسترآبادي في كتاب الرجعة وهو معاصر للمجلسي وغيرها.
إلّا أنَّه يمكن حمل ذلك على تعدد الحساب ووقوعه في كل من الرجعة والقيامة لتكثّر دلالة الآيات والروايات المستفيضة على وجود عقبات للحساب في القيامة،
وسيأتي الوجوه والغايات المحتملة لتعدده إلّا أنَّ الملحوظ في دلالة الرواية هنا إطلاق عنون القيامة على البعث إلى الجنّة والبعث إلى النار، وسيأتي في محله في الباب الثالث إنَّ بعث يوم القيامة يغاير بعث الرجعة، ويقع بعدها وأنَّ يوم القيامة بمعنى عالم القيامة وهو عالم أوسع مدةً ومقداراً وطولاً بأضعاف أضعاف عالم الدنيا الأولى والآخرة أي آخرة الدنيا التي هي الرجعة، ثم بعد بعث القيامة وانقضائها يكون البعث إلى الجنّة والنار الأبدية، وقبل كل بعثٍ نفخ في الصور، وإنْ كان بعث الرجعة ليسَ نفخا في الصور بلْ أفواجاً أفواجاً أو أفراداً أفراداً.
لأنَّ حشر الرجعة ليسَ حشراً عاماً في بداياتها، حسبما هو ظاهر الروايات المستفيضة، وإنْ كان الأصح حسبما أشرنا سابقا بمقتضى بعض الروايات المعتبرة انها وإنْ كانت تفويجاً في بداياتها لكنها لاتختص بعثا وإحياءاً بمن محض الايمان ومن محض الكفر، بلْ تختص حسابا ومحاسبة ومجازاة بمن محض الايمان او محض الكفر.
وسيأتي بيان وتفصيل هذهِ المراحل في بيانات طوائف الروايات في الباب الثالث إلّا أنَّ في هذهِ الرواية قدْ أُطلق على البعث الأبدي الجنة وأُطلق على ما قبله أنه قبل يوم القيامة.
والظاهر أنَّ هذا من باب تعدّد إطلاق القيامة على مواطن عديدة، كما في إطلاق القيامة على الموت في الحياة الدنيا،بلحاظ ان بالموت تنبعث الروح في حياة برزخية وتكون قائمة وموجودة فيه.
كذلك أُطلقت القيامة على الرجعة، وذلك لان للقيامة معنى عام شامل لكل هذهِ المواطن وهو الانبعاث للحياة بعد الموت، وقيامٌ في عالم آخر فمن ثم يفهم من دلالة طوائف الرواية أنَّ هناك قيامة صغرى ووسطى وكبرى، والتقييد بالكبرى تمييز للعالم الذي يتوسَّط بين الرجعة والجنّة والنار الأبديتان، وإلّا فعالم الجنة ليسَ هو عالم القيامة، بلْ بعده وهذا التنوّع في تعدّد القيامة واستعمال لفظها يتبيَّن وجه التداخل بين آخر الرجعة وعالم القيامة، وأنَّ آخر دولة في الرجعة، وهي دولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما يفهم من العديد من الروايات، وهي خمسون ألف سنة وقبلها آخر دولة لأمير المؤمنين عليه السلام وهما آخر دول يقيمها أمير المؤمنين عليه السلام في الرجعة بعد ما أقام دولاً كثيرة قبلها ومقدارها أربعة وأربعين ألف سنة، أنَّ من المحتمل قوياً أنَّ دولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي القيامة. حيث خصّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بملك القيامة وخصّ أمير المؤمنين عليه السلام بملك الرجعة وأنَّ الخمسين ألف سنة التي هي عمر دولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم متطابقة مع عمر القيامة كما في قوله تعالى: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ).
ومما يشير إلى هذا التفسير في جملة من تفاصيله ما رواه في مختصر بصائر الدرجات(٣٩٤) بإسناده عن عبدالكريم بن عمر الخثعمي قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «إنَّ إبليس (قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون)(٣٩٥) فأبى الله ذلك عليه (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِين * إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم)(٣٩٦) فإذا كان اليوم المعلوم ظهر إبليس لعنه الله في جميع أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يوم الوقت المعلوم. وهي آخر كرّة يكرّها أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقلت: وإنَّها لكرّات؟، قال: نعم، إنَّها لكرّات وكرّات، ما من إمام في قرن إلّا ويكرّ معه البرّ والفاجر في دهره حتّى يديل الله عَزَّ وَجَلَّ المؤمن من الكافر».
فإذا كان يوم الوقت المعلوم كرّ أمير المؤمنين ع في أصحابه، وجاء إبليس في أصحابه ثم ذكر عليه السلام حصول الاقتتال وهبوط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقتله لإبليس، وقال عليه السلام فيكون هلاكه وهلاك جميع أشياعه، فعند ذلك يُعبد الله عَزَّ وَجَلَّ ولا يشرك به شيئاً، ويملك أمير المؤمنين عليه السلام أربع وأربعين ألف سنة الحديث)(٣٩٧)..
فالتعبير في الرواية عن آخر دولة لأمير المؤمنين عليه السلام بأنَّها آخر كرّة يكرّها يفيد أنَّها آخر الرجعة؛ لأنَّه عليه السلام هو محور كل الرجعات كما دلّت على ذلك الروايات، ومقتضى ذلك أنَّ دولة أمير المؤمنين عليه السلام تكون آخر الرجعة، وعلى ذلك تكون دولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي في عالم القيامة قبل عالم الجنة والنار، ومع ذلك يطلق عليها رجعة بالمعنى العام لانها رجوع الى الحياة قبل عالم الجنة والنار.
فيتطابق مع ما وَرَدَ من اختصاص ملك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقيامة وملك أمير المؤمنين عليه السلام بالرجعة لا سيما مع ما وَرَدَ أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام هو آخر الأئمة الذي يقبض الله روحه قبل القيامة.
ففي مصححة عبدالله بن سنان التي رواه في بصائر الدرجات عن الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: في حديث قدسي قول الله تعالى علي آخر من أقبض روحه من الأئمة وهي الدابّة التي تكلمهم، الحديث(٣٩٨).
نعم، قدْ يسأل أنَّ كرّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابدَّ أنْ تكون في الرجعة، وهو تأويل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) وأنَّه يبعث بالنذارة الكبرى، كَمَا في جملة من روايات الرجعة، وأنَّ ذلك تأويل (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر) يعني مدثر بتراب القبر.
وقد روى أيضا في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن جابر بن يزيد عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: إنَّ لعلي عليه السلام في الأرض كرّة مع الحسين ابنه صلوات الله عليهما، يُقبل برايته حتّى ينتقم له من بني أمية... ثم كرّة أُخرى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى يكون خليفته في الأرض ويكون الأئمة عليهم السلام عمّاله، وحتّى يُعبد الله علانية فتكون عبادته علانية في الأرض كما عُبد الله سرَّاً في الأرض، ثم قال: إي والله وأضعاف ذلك، ثم عقد بيده (أضعافاً) يُعطي الله نبيه ملك جميع أهل الدنيا منذ خلق الله الدنيا إلى يوم يفنيها حتّى ينجز له موعده في كتابه، كما قال: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون)(٣٩٩).(٤٠٠)
بل قد مرت الاشارة لرواية ظاهرها مفاده أن له ص رجعتين.
وقدْ وَرَدَت روايات أيضاً في رجعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدنيا في ذيل قوله تعالى (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)(٤٠١) كصحيحة الكابلي عن علي بن الحسين عليه السلام في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين). قال يرجع إليكم نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة عليهم السلام.(٤٠٢)
فظاهر كل هذه الروايات رجوعه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدنيا بل ربما بات هذا بيناً بديهيا في مجموع الروايات فكيف التوفيق؟.
فهل يملك صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الرجعة وكذلك يملك في القيامة أم أن القيامة عاقبة الرجعة وتنقيح ذلك يحتاج إلى مزيد إستبيان وتتبع في مفاد الأدلة.
إن البرزخ والرجعة من الدنيا والقيامة حقيقة مباينة لهما:
ففي رواية تفسير النعماني عن شيخه عن القمي رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام ورواه القمي في مقدمة تفسيره. وأما الردّ على من أنكر الثواب والعقاب فقوله يوم يأتي لا تكلم نفسٌ إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض.
وأما قوله ما دامت السموات والأرض إنَّما هو في الدنيا فإذا قامت القيامة تبدلت السموات والأرض. وقوله النار يعرضون عليها غدواً وعشياً فالغدو والعشي إنما يكون في الدنيا في دار المشركين وأما في القيامة فلا يكون غدواً ولا عشياً.
قوله لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا يعني في جنان الدنيا التي تنتقل إليها أرواح المؤمنين فأما في جنات الخلد فلا يكون غدواً ولا عشياً. وقوله ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون فقال الصادق عليه السلام البرزخ في القبر وفيه الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة والدليل على ذلك) الحديث.
القيامة لها أحكام ومواطن مختلفة:
قال علي عليه السلام. وأما قوله عَزَّ وَجَلَّ (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) وقوله (وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين) وقوله عَزَّ وَجَلَّ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا) وقوله (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار) وقوله (قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيد) وقوله (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ).
فإن ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة ثم ذكر عليه السلام إجتماع أهل القيامة في مواطن بعد مواطن ففي بعضها يتخاصمون وفي بعضها يبكون وفي بعضها يستنطق أهل التوحيد خاصة وفي بعضها الآخر يستنطق أولياؤه وأصفياؤه خاصة دون غيرهم.
ومنهم الرسل والأنبياء والأوصياء ثم يجتمعون في مواطن أُخر يكون فيه المقام المحمود لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. ثم يجتمعون في مواطن أُخر يديل لبعضهم من بعض آخر. وهذا كله قبل الحساب فإذا أُخذ في الحساب شُغل كل إنسان بما لديه.(٤٠٣)
وقدْ أشارت الروايات الواردة في الرجعة إلى أنَّ يوم القيامة ليسَ اليوم بمعنى الدورة الزمانية لأربعة وعشرين ساعة، بلْ المراد عالم هو أكبر عمراً من عالم الدنيا، وهي الحياة الأولى وأكبر من عالم الرجعة الذي هو الحياة الآخرة من الرجعة مع أنَّ عالم الرجعة أكبر بأضعاف من الحياة الأولى من الدنيا، ومن ثَمَّ كانت نشأة القيامة والبعث والحياة فيها يختلف عن البعث الأخير للجنة الأبدية والنار الأبدية، فهو ما قبل ذلك وفيه كما وَرَدَ في الروايات يبدو ملك وحاكمية النبي وأهل بيته بأعظم مما بدا لهم من ملك وحاكمية في الرجعة، وقد وَرَدَ أيضاً في تلك الروايات أنَّ الله اختصَّ أمير المؤمنين بملك الرجعة، واختصَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بملك القيامة. وهذا بالاضافة الى ملك الجنة والنار الذي هو اعظم بمراتب مماتقدمه من الملك.
الامتحان في القيامة:
ويظهر من تلك الروايات أنَّ الامتحان في عالم القيامة أعظم من الامتحان في الرجعة، وفي الرجعة أعظم من الامتحان في عالم الدنيا. ولا ينافي ذلك ما تقرّر من عموم اليوم عمل بلا حساب وغدا حساب بلا عمل.
كما هو الحال بالنسبة إلى وجود التكليف في الرجعة، وهي الرجوع إلى الحياة الدنيا بعد الموت، مع أنَّه قدْ وَرَدَ أنَّ بالموت ينقطع عمل ابن آدم وقد بسطنا الكلام في عدم المنافات بين الأمرين في مبحث الرجعة والاختيار، وإنْ كان ذلك خلافاً لمشهور المتكلمين والفلاسفة والعرفاء وهو وجود الامتحان في عالم القيامة، وأنَّه عالم وليسَ بمدة قصيرة ومحدودة.
والمتحصل من الأدلة الواردة في الآيات والروايات وجود الامتحان الأكبر في عالم القيامة نظير قوله تعالى: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِر * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِر)(٤٠٤).
١ـ وابتلاء السرائر امتحانها، وهي القلوب والأرواح، لا سيما وأنَّ السر قدْ أطلق في سورة طه على ما هو أخفى من القلب: (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)(٤٠٥).
٢ ـ وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيم)(٤٠٦).
فأثبتت الآية أنَّ للقلب امتحان غير عمل الأبدان والجوارح.
ونظيره قوله تعالى (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَة * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَة)(٤٠٧).
٣ ـ وقوله تعالى: (أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِير)(٤٠٨).
٤ ـ وقوله تعالى: (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)(٤٠٩).
٥ ـ قدْ وَرَدَ في جملة من الآيات وصف القيامة الكبرى بعدم تكليم الله عَزَّ وَجَلَّ المجرمين والعصاة، وأنَّه لا اختصام ولا احتجاج فيه مع أنَّ الحساب تجري المحاسبة والاستنطاق والاستشهاد وذلك محمول ويفسر بتعدد المواطن وان كل موقف ألف سنة.
من الصحابة والتابعين القائليين بالرجعة:
وطعن العامة(٤١٠) عليهم بذلك: وقد تقدم ان اباالطفيل عامر بن واثلة ممن يقول بالرجعة وكذلك من نقل عنهم سليم بن قيس الهلالي العامري التابعي عن جملة من الصحابة كسلمان وابي ذر وعمار بن ياسر وحذيفة وغيرهم.
وكذا الأصبع بن نباتة: قال العقيلي في كتاب الضعفاء.
«أصبغ بن نباتة الحنظلي كوفي كان يقول بالرجعة»(٤١١).
وقال ابن حبّان في كتابه المجروحين في ترجمة داود بن يزيد بن عبدالرحمن الأودي الزعافري (من أهل الكوفة، كنيته أبو يزيد، وهو عم عبدالله بن إدريس يروى عن أبيه والشعبي روى عن وكيع والمكي، مات سنة ١٥١، وكان ممن يقول بالرجعة...).
ومسلم بن نذير، وقيل بن يزيد: ويقال أنَّ يزيد جده أبو نذير، ويقال أبو عيّاض وهو ابن عم عتى بن ضمرة روى عن حذيفة روى عنه أبو إسحاق السبيعي وزياد بن فيّاض....
وهو من أهل الكوفة كان قليل الحديث ويذكرون أنَّه كان يقول بالرجعة(٤١٢).
نبذة عمن رصد عدد الحديث في الرجعة
١ ـ المجلسي ٢٠٠ حديث البحار.
٢ ـ تلميذه، صاحب العوالم استدرك عليه بـ ١٠٠ فصار ٣٠٠.
٣ ـ الحر العاملي، الإيقاظ ٦٠٠ حديث وأكثر من نصف أو قرابة ثلثاه تغاير ما ذكره المجلس.
٤ ـ السيد محمود بن فتح الله الحسيني الكاظمي في كتابه إثبات الرجعة في تفريج الكربة أورد ٥٠٠ حديث وله كتاب آخر سماه بأصول الدين أشار في خاتمته إلى بعض أحاديث الرجعة.
٥ ـ كتاب الرجعة للميرزا مُحمَّد مؤمن البندوست مُحمَّد الحسيني الاستربادي المعاصر للمجلسي والحر العاملي الذي ذكر بأنه لم تحضره حين تأليفه الكتاب كل المصادر الروائية.
٦ ـ السيد بن طاووس في كتاب الطرائف ص٤٨ ذكر أنَّ صحيح مسلم بإسناده عن جراح قال سمعت جابر يقول عندي ٧٠ ألف حديث عن أبي جعفر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلها في الرجعة.
٧ ـ العياشي عنده كتاب في الرجعة كما ذكره ذلك النجاشي.
٨ ـ الفضل بن شاذان له كتاب في الرجعة.
٩ ـ للشيخ مُحمَّد علي بن المولى حسن علي الهمداني الحائري في مجلدين آيات الحجة والرجعة.
جمع فيه ٣١٣ آيات في الرجعة الحجة / آغابزرك مجلد ١٩ ص٣٦٧ رقم التسلسل ١٦/٣٤.
١٠ ـ عبدالعزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الحلودي الأزدي البصري من أصحاب أبي جعفر عليه السلام عنده كتاب الرجعة ذكره النجاشي في باب العين.
١١ ـ السيد حسن الصدر صاحب تأسيس الشيعة للعلوم له كتاب اسمه أحاديث الرجعة.
١٢ ـ لصاحب الحدائق كتاب في الرجعة كما ذكر ذلك في تعليقه شرح إحقاق الحق، المجلد ٣ ص٢١١.
١٣ ـ عوالم العلوم الشيخ عبدالله البحراني الأصفهاني/ باب الرجعة.
١٤ ـ الرجعة للشيخ أحمد الإحسائي.
نبذة أُخرى عمن كتب في الرجعة من الإمامية
١ ـ السيد مُحمَّد مؤمن الحسيني الاسترآبادي الشهيد بمكة سنة ١٠٨٨ هـ قد جمع في رسالته المختصرة في الرجعة نحو ١١١ حديثاً من الكتب المعتمدة، وجميعها تنصّ على الرجعة.
٢ ـ وللفضل بن شاذان كتاب إثبات الرجعة ذكره النجاشي في ترجمته، وكذلك له كتاب الرجعة وهو غير إثبات الرجعة.
٣ ـ جمع العلامة المجلسي المتوفي سنة ١١١١هـ نحو ٢٠٠ حديث في باب الرجعة من كتاب بحار الأنوار في الرجعة نقلها عن سبعين كتاباً قدْ صنّفها عظماء الإمامية.
٥ ـ كتاب الرجعة للحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني ذكره النجاشي في الرجال (رجال النجاشي/ ٣٧).
٦ ـ كتاب الرجعة لاحمد بن داود بن سعيد الفزّاري، أبو يحيى الجرجاني، ذكره النجاشي والشيخ الطوسي في الفهرست (رجاس النجاشي: ٤٥٤، والفهرست للشيخ الطوسي: ٣٣).
٧ ـ كتاب الرجعة للشيخ الصدوق مُحمَّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفي سنة ٣٨١هـ.
٨ ـ كتاب الرجعة للشيخ أبي النضر مُحمَّد بن مسعود العياشي صاحب التفسير ذكره النجاشي والشيخ الطوسي في الفهرست. رجال النجاشي ٣٥١، الشيخ الطوسي ١٣٨ الفهرست.
٩ـ كتاب إثبات الرجعة، للعلامة الحلي المتوفي سنة ٧٢٦هـ (الذريعة، للشيخ آقابزرك ١: ٩٢ دار الأضواء).
١٠ـ كتاب الرجعة للشيخ الحسن بن سليمان الحلي، تلميذ الشهيد الأوَّل، وهو صاحب مختصر بصائر الدرجات.
١١ ـ إثبات الرجعة للمحقق آغا جمال الدين مُحمَّد بن آغا حسين الخونساري/ الذريعة، مجلد ٢/ ص٩١؛ كتاب إثبات الرجعة للميرزا حسن بن مولى عبدالرزاق اللاهيجي القمي مجلد الأوَّل في الذريعة ص٩٢، كتاب إثبات الرجعة للمحقق الكركي، الذريعة، مجلد ٢ ص٩٢.
١٢ ـ مولانا سلطان محمود بن غلام علي الطبسي، قال عنه الحر في أهل الأمل كان فاضلاً فقيهاً عارفاً بالعربية جليلاً معاصراً قاضياً بالمشهد له رسالة في إثبات الرجعة، رقم التسلسل/ ٩٦٤.
١٣ ـ ذكر الحر في أمل الآمل تسلسل/٨٩١ السيد الجليل الأمير مُحمَّد مؤمن الاسترابادي، ساكن مكّة عالم فاضل فقيه محدث صالح عابد شهيد، له رسالة في الرجعة من المعاصرين.

مصادر الرجعة

١ ـ الإيقاظ من الهجعة في إثبات الرجعة، للحر العاملي.
٢ ـ بحار الأنوار، باب الرجعة.
٣ ـ عوالم العلوم، الشيخ عبدالله البحراني الأصفهاني، باب الرجعة.
٤ ـ الرجعة، للشيخ أحمد الإحسائي.
٥ ـ مختصر البصار، الحسن بن سليمان الحلي.
٦ ـ الرجعة، الاسترابادي.
٧ ـ وغيرها من كتب الحديث.


 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ
(١) فرق الشيعة النوبختي: ص٥٧/ وحكاه عنه المزّي في تهذيب الكمال/ج٦/ ص٥١٩.
(٢) المغني، ج٢٠، ص١٨٥.
(٣) الوافي بالوفيات للصفدي :ج٢٤ص٢٨٧.
(٤) فهرست النجاشي: رقم ٨٨٦/ ص٣٢٦.
(٥) صفات الشيعة: ص٢٩.
(٦) سورة غافر: الآية ٥١.
(٧) الفصول المختاره/المسائل العكبرية/ص٤٧.
(٨) أوائل المقالات ٤٦.
(٩) سورة الكهف: الآية ٤٧.
(١٠) سورة غافر: الآية ١١.
(١١) المسائل السروية، الشيخ المفيد ٣٢ ـ ٣٥، بحار الانوار :٥٣ ١٣٠ـ ١٣٧.
(١٢) بحار الانوار، المجلسي ٥٣ / ١٣٨.
(١٣) رسائل المرتضى، ج١، ص١٢٥ ـ ١٢٦ المسألة/٨؛ البحار، مجلد/٥٣، ص١٣٨ ـ ١٣٩١.
(١٤) رسائل السيد المرتضى:ج٣ /ص١٣٥.
(١٥) رسائل المرتضى، ج١، ص١٢٥.
(١٦) رسائل الشريف المرتضى: ج٣ص١٣٦.
(١٧) سورة الملك: الآية ٨٢.
(١٨) تفسير مجمع البيان ٧ /٤٠٦ .
(١٩) مناقب بن شهرآشوب، مجلد ٢، ص٢٠٧.
(٢٠) سعد السعود/ ص٦٦.
(٢١) الايقاظ من الهجعة (الباب الثاني في الاشارة الى الاستدلال على صحة الرجعة وإمكانها ووقوعها) الحر العاملي ٨٨.
(٢٢) الايقاظ من الهجعة (الباب الثاني في الاشارة الى الاستدلال على صحة الرجعة وإمكانها ووقوعها) الحر العاملي ٦٣.
(٢٣) الايقاظ من الهجعة (الباب الثاني في الاشارة الى الاستدلال على صحة الرجعة وإمكانها ووقوعها) الحر العاملي ٦٩.
(٢٤) الإيقاظ من الهجة / الباب ٢ للحر العاملي، ٩٥.
(٢٥) بحار الأنوار/ مجلد ٥٣ ص١٢٢ ـ ١٢٣، المجلسي: ـ أورد ٢٠٠ حديث في الرجعة عن خمسين من المصادر الأصلية المعتبرة عن اثنين وأربعين راوي مباشر عن الأئمة.
(٢٦) البحار: مجلد ٥٣ ص١٢٢ـ ١٢٤.
(٢٧) كتاب الإيقاظ من الهجعة في مقدمة الكتاب، أخرج فيه ما يزيد على ستمائة ونيف حديثا في الرجعة.
(٢٨) اقول: المراجع لروايات الرجعة يقف على أنها متواترة لفظا في أصلها، وفي جملة من تفاصيلها متواترة معنا، وقد استعرضنا في مواضع اخرى تصريح الحر بذلك.
(٢٩) شرح أصول الكافي للحكيم الملا صدرا: ج١:٩٨.
(٣٠) تفسير القرآن الكريم المجلد: ٥ ص٧٥ ـ ٧٦.
(٣١) أصول الكافي، ج١، ص٢٨٣ باب أنَّ الأئمة ع يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلّا بعهد من الله عَزَّ وَجَلَّ وأمر منه لا يتجاوزونه ح٤.
(٣٢) شرح أصول الكافي، ج٦، ص٩١.
(٣٣) مجمع البحرين/ في مادة الرجعة.
(٣٤) علم اليقين في أصول الدين، فصل الرجعة في الآيات والروايات ج٣، ص١٠٠ ثم عقد فصل آخر تابع البحث في الرجعة إلى صفحة ١٠٩.
(٣٥) شرح أصول الكافي، ج١١ ص٣٣٥.
(٣٦) إحقاق الحق، ج٣، ص٢١١.
(٣٧) سورة البقرة: الآية ٢٤٢.
(٣٨) الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة، ص١٦٥.
(٣٩) حق اليقين/ ص ٢٩٧ ـ ٣٠٥.
(٤٠) سورة النحل: الآية ٣٨ ـ ٣٩.
(٤١) كتاب الرجعة للشيخ أحمد الإحسائي ص٢٨.
(٤٢) كشف الغطاء ١/٧١.
(٤٣) الذريعة لأغابزرگ / مجلد ٢٢/ ص٣٥١ المسلسل ٦٩٣٧.
(٤٤) الذريعة ج ١٧/ ٢٣٧ رقم ٦٠ من حرف الكاف.
(٤٥) المجلد الأوَّل ص٩٥ ـ ٩٦، تفسير بيان السعادات.
(٤٦) الميزان، سورة البقرة ٢١٠/ تحت عنوان بحث روائي آخر.:ج٢ ص١٠٦.
(٤٧) أصل الشيعة وأصولها ١٦٧.
(٤٨) سورة البقرة: الآية ٢٤٣.
(٤٩) سورة النحل: الآية ٨٣.
(٥٠) راجع الفصل الأول من الجزء الثاني من كتابنا الرجعة (كلمات أعلام الامامية في الرجعة).
(٥١) سورة غافر: الآية ١١.
(٥٢) سورة يس: الآية ٧٩.
(٥٣) عقائد الإمامية ـ عقيدتنا في الرجعة.
(٥٤) عقائد الإمامية/ ص٨٠ ـ ٨٤.
(٥٥) سورة النمل: الآية ٨٣.
(٥٦) الشيعة في الميزان ص٥٤ ـ ٥٥.
(٥٧) في ذيل قوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً) سورة النمل ٨٣ .
(٥٨) أعيان الشيعة/ ج١، ص٣١.
(٥٩) أعيان الشيعة ج ١/ ص ٥٣.
(٦٠) سورة النمل: الآية ٨٣.
(٦١) أعيان الشيعة، مجلد الأوَّل/ ص٥٦. في رد كلام أحمد أمين في كتاب (فجر الإسلام) الذي يتهجم فيه على الشيعة.
(٦٢) رسائل السيد المرتضى ٢/١٣٥.
(٦٣) الإيقاظ من الهجعة، الباب الثاني عشر ـ الشبهة الثالثة.
(٦٤) راجع ب١١ ح٩، ١٠، الإيقاظ.
(٦٥) إرشاد السائل، السيد الگلبيگاني ص٢٠٣.
(٦٦) تفسير الأمثل، مجلد ١٢ ص١٤٧.
(٦٧) متشابه القرآن ١٥/٥٢٠ .
(٦٨) جامع البيان للطبري ٢ / ١٠٠.
(٦٩) سورة يس: الآيتان ٣١ ـ ٣٢.
(٧٠) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الاقاويل في وجوه التأويل، الزمخشري ٣٢١.
(٧١) تفسير الكاشف للشيخ مغنية ج ٦/ ٣١٢.
(٧٢) فتح الباري لابن حجر ج١/٤٩٥.
(٧٣) التحرير والتنوير ٢/٩٨.
(٧٤) التفسير الحديث، محمد عزة دروزة ٣ / ٣٠٤
(٧٥) روح البيان ٧/٣٩٠ ـ ٣٩١.
(٧٦) الطبقات الكبرى لابن سعد، الطبقة الأولى علي بن أبي طالب، ج٣، ص٣٩.
(٧٧) سورة النحل: الآية ٣٨.
(٧٨) روح المعاني/ ج٧، ص٣٧٢.
(٧٩) المصدر السابق/ ج٩، ص٢٥٦.
(٨٠) سورة النور: الآية ٥٥.
(٨١) روح المعاني ج٩، ص٣٩٦.
(٨٢) سورة النمل الآية ٨٢ ـ ٨٣.
(٨٣) روح المعاني ج٩، ص ٣٩٦.
(٨٤) سورة المؤمنون: الآية ١٩٩.
(٨٥) سورة المائدة: الآية ٢٤.
(٨٦) النهاية، مجلد١، ص٢٣٨.
(٨٧) الكافي ٣/ ص١٣١؛ كتاب الجنائز ـ باب ما يعاين المؤمن والكافر ح٤.
(٨٨) الكافي ٣/ ص٢٣٨ ـ ح٤٧ ـ ٩.
(٨٩) الاعتقادات للصدوق باب المسائلة في القبر ص١٤٠ ـ علل الشرائع ٢/٤٦٩ ح٣٢ ب٢٢٢؛ الكافي ١/٤٥٣ ح٢.
(٩٠) سورة غافر: الآية ١٣.
(٩١) معاني الأخبار ص٢٨٩ ح٥.
(٩٢) سورة يس: الآية ٥٢.
(٩٣) سورة آل عمران: الآية ١٥٤.
(٩٤) سورة الكهف: الآية ١١.
(٩٥) سورة آل عمران: الآية ٥.
(٩٦) سورة الزمر: الآية ٤٢.
(٩٧) سورة الكهف: الآية ٢٥.
(٩٨) سورة البقرة: الآية ٢٥٩.
(٩٩) سورة الإسراء: الآية ١٧.
(١٠٠) سورة طه: الآية ١٠٣ ـ ١٠٤.
(١٠١) سورة الروم: الآية ٥٥ ـ ٥٦.
(١٠٢) سورة الكهف: الآية ١١ ـ ١٢.
(١٠٣) بحار الأنوار: ٥٣: ١٤٢.
(١٠٤) سورة عبس: الآية ١٧ ـ ٢٣.
(١٠٥) الميزان في تفسير القرآن ذيل الاية ٢١٠ من سورة البقرة.
(١٠٦) بحار الأنوار ٥٣: ٩٤ و ٩٥/ح١٠٧، عن إقبال الأعمال ٣/٣٠٣ و٣٠٤، وعن مصباح المتهجّد: ٨٢٦ و ٨٢٧ / ح (٨٨٦ /١)، وعن المصباح للكفعمي: ٥٤٣، وقد مرَّ تحت رقم (١٢).
(١٠٧) بحار الأنوار ٦٣: ١٠٦/ح١٣٣؛ عن كامل الزيارات: ١٧٨ و ١٧٩/ باب ٢٧/ح (٢٤٠/٢٠).
(١٠٨) بحار الأنوار ٥٣: ١١٤/ح(١٣٨ /١٩)، عن مختصر بصائر الدرجات: ٢١٠.
(١٠٩) سورة المائدة: الآية ٢٢.
(١١٠) بحار الأنوار ٥٣: ١١٨ / ح١٤٨، عن تفسير فرات الكوفي: ٥٦٣ /ح(٧٢٢/٦).
(١١١) تفسير القمي ٢: ٤٢٤؛ الكافي ٨: ٥٠/ ح١٢ باختلاف يسير.
(١١٢) سورة البقرة: الآية ٢٤٣.
(١١٣) سورة البقرة: الآية ٢٥٩.
(١١٤) بحار الأنوار ٥٣: ١٢٨، عن الاعتقادات: ٦٠ و ٦١/باب (١٨) الاعتقاد في الرجعة.
(١١٥) سورة الإسراء: الآية ٥ و ٦.
(١١٦) سورة القصص: الآية ٥ و ٦.
(١١٧) بحار الأنوار، ٥٣: ١٤٢ و ١٤٣/ ح١٦٢، عن المحتضر: ٢٦٦ ـ ٢٦٩/ ح٣٥٣.
(١١٨) سورة النمل: الآية ٩١ ـ ٩٣.
(١١٩) مختصر البصائر: ١٧٠ و ١٧١/ ح٢٠، عن تفسير القمي ٢: ١٣٢.
(١٢٠) سورة التوبة: الآية ٣٢.
(١٢١) سورة غافر: الآية ٨١ ـ ٨٥.
(١٢٢) مختصر البصائر: ١٨٨ /ح١٢٩/٢٩، عن تفسير القمي ٢: ٢٦١.
(١٢٣) سورة غافر: الآية ٥١.
(١٢٤) مختصر البصائر: ١٠٧ و ١٠٨/ ح٦.
(١٢٥) سورة القصص: الآية ٥.
(١٢٦) سورة آل عمران: الآية ٨١.
(١٢٧) سورة النور: الآية ٥٥.
(١٢٨) سورة القصص: الآية ٥ و ٦.
(١٢٩) مختصر البصائر: ١٦٦ و ١٦٧، عن تفسير القمي ١: ٢٥.
(١٣٠) سورة الدخان: الآية ١٠ ـ ١٦.
(١٣١) مختصر البصائر: ١٧٤/ح٢٧، عن تفسير القمي ٢: ٢٩٠ و ٢٩١.
(١٣٢) سورة الطور: الآية ٤٧.
(١٣٣) مختصر البصائر: ١٧٦ و ١٧٧/ ح٣١، عن تفسير القمي ٢: ٣٣٣.
(١٣٤) سورة الأحقاف: الآية ١٥.
(١٣٥) سورة القصص: الآية ٥.
(١٣٦) سورة الأنبياء: الآية ١٠٥.
(١٣٧) مختصر البصائر: ١٧٤/ح٢٨، عن تفسير القمي ٢: ٢٩٧.
(١٣٨) سورة الضحى: الآية ٤ و ٥.
(١٣٩) مختصر البصائر: ١٧٩ و ١٨٠/ ح٣٧، عن تفسير القمي ٢: ٤٢٧.
(١٤٠) سورة الروم: الآية ٥٥ ـ ٥٦.
(١٤١) تفسير القرآن للملا صدرا ج٥ /١٥٩ .
(١٤٢) تفسير القرآن الكريم للملا صدرا ج ٥ / ٤٢٤ .
(١٤٣) تفسر القرآن الكريم، ملا صدرا/ ج٦ ص٣٤٦.
(١٤٤) تفسير القرآن للملا صدرا، ٥/٧٦.
(١٤٥) رسائل المرتضى/ مجلد ٣/ ص١٣٥.
(١٤٦) تفسير القرآن الكريم، ج٥، ص٧٥ ـ ٧٦.
(١٤٧) تفسير بيان السعادة في مقامات العبادات ٣ /٣٩.
(١٤٨) تفسير بيان السعادة، ج٣، ص٨٤.
(١٤٩) تفسير بيان السعادة، ج٤، ص٦٨.
(١٥٠) عيون مسائل النفس. سرح العيون في شرح العيون، ص٦٨٦.
(١٥١) تفسير بيان السعاة، ج٤، ص٢٣٣ ـ ٢٣٤.... .
(١٥٢) تفسير القرآن الكريم، ج٢، ص٢١٧.
(١٥٣) سورة البقرة: الآية ٢٨.
(١٥٤) تفسير القرآن الكريم، ج٥، ص١٦٧ ـ ١٦٨.
(١٥٥) سورة يس: الآية ٣١.
(١٥٦) تفسير روح البيان/ ج٧/ ص٣٩٠ ـ ٣٩١.
(١٥٧) سورة الأنبياء ٥٥.
(١٥٨) سورة النمل ٨٣.
(١٥٩) سورة الكهف ٥ ـ ٦.
(١٦٠) سورة القصص ٥٥.
(١٦١) سورة الأنعام ٢٧.
(١٦٢) سورة الأنعام ٢٨.
(١٦٣) سورة الحديد ١٣.
(١٦٤) عيون مسائل النفس: مسرح العيون في شرح العيون: عين في التناسخ ص٦٨١ ـ ٥٨٠.
(١٦٥) تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة، مجلد/ ١ ص١٩٥.
(١٦٦) بيان السعادات/ مجلد ١/ من ص١٩٤ ـ ١٩٥.
(١٦٧) تفسير بيان السعادة ج١، ص١٩٦ ـ ١٩٤.
(١٦٨) الذريعة الى تصانيف الشيعة للمحقق الطهراني ج ١٩/ ص ٣٦٧ / رقم ١٦/٣٤.
(١٦٩) بحار الأنوار، ج٥٣، ص١٢٢ ـ ١٢٣.
(١٧٠) المصدر السابق نفسه.
(١٧١) عوالم العلوم للشيخ عبدالله البحراني الأصفهاني، ٤ ـ ٢٦.
(١٧٢) ص١٠١، الإيقاظ، الحر العاملي.
(١٧٣) ص٧٣، الإيقاظ، الحر العاملي.
(١٧٤) ص٨٣، الإيقاظ، الحر العاملي.
(١٧٥) ص١٠٢، الإيقاظ، الحر العاملي.
(١٧٦) الذريعة، ج٢، ص١٩٣، وذكر له كتاب أصول الدين في خاتمته بعد المعاد بحث الرجعة أيضاً.
(١٧٧) الذريعة تحت عنوان أصول الدين، رقم المسلسل ٧٣٦ المجلد الثاني صفحة ١٩٣، (ج٢ـ ص١٩٣).
(١٧٨) بحار الأنوار، ج٥٣، ص١٢٤.
(١٧٩) سورة البقرة: الآية ١٤٣.
(١٨٠) سورة البقرة: الآية ٢٥٩.
(١٨١) سورة آل عمران: الآية ٤٩.
(١٨٢) سورة النساء: الآية ١٥٩.
(١٨٣) سورة البقرة: الآية ٥٥ ـ ٥٦.
(١٨٤) سورة الأعراف: الآية ١٥٥.
(١٨٥) سورة البقرة: الآية ٢٤٣.
(١٨٦) سورة البقرة: الآية ٧٢ ـ ٧٣.
(١٨٧) سورة البقرة: الآية ٦٧.
(١٨٨) سورة الأنبياء: الآية ٨٤.
(١٨٩) سورة الفتح: الآية ٢٣.
(١٩٠) سورة فاطر: الآية ٤٣.
(١٩١) سورة الانشقاق: الآية ١٦ ـ ١٧ ـ ١٨.
(١٩٢) سورة الأسراء: الآية ٧٧.
(١٩٣) سورة النمل: الآية ٨٣.
(١٩٤) سورة النساء: ألآية ١٧٨.
(١٩٥) سورة الأنعام: الآية ٢٢.
(١٩٦) سورة الأنعام: الآية ١٢٨.
(١٩٧) سورة يونس: الآية ٢٨.
(١٩٨) سورة الكهف: الآية ٤٧ .
(١٩٩) تفسير الجلالين ذيل الاية ٨٣ من سورة النمل.
(٢٠٠) تفسير الجلالين، ج١، ص٣٨٧.
(٢٠١) سورة الأنبياء: الآية ٩٥.
(٢٠٢) سورة المؤمنون: الآية ١٠٨ ـ ١١١.
(٢٠٣) سورة المؤمنون: الآية ٩٩.
(٢٠٤) سورة النمل ٨٣.
(٢٠٥) سورة الأنعام ١٥٨.
(٢٠٦) سورة الأنعام ٣٨.
(٢٠٧) سورة البقرة ٢١٠.
(٢٠٨) سورة آل عمران ٦٦.
(٢٠٩) سورة الأنبياء ٩٤ ـ ٩٧.
(٢١٠) سورة الأنعام ٤٧.
(٢١١) سورة الأحقاف ٣٥.
(٢١٢) سورة العنكبوت ٣١.
(٢١٣) سورة الإسراء ١٦.
(٢١٤) سورة الحاقة ٥ ـ ٦.
(٢١٥) سورة الأنعام ١٣١.
(٢١٦) سورة القصص ٥٩.
(٢١٧) سورة الواقعة /٨٣ ـ ٨٧.
(٢١٨) سورة النور ٥٥
(٢١٩) معاني الأخبار، باب أنتم المستضعفون بعدي، ص٧٩، هذهِ الآية جارية فينا إلى يوم القيامة؛ أمالي مجالس الصدوق، مجلس ٩٢، ح٢٦، «هي لنا وفينا».
(٢٢٠) سورة القصص: الآية ٦.
(٢٢١) رسائل المرتضى، المجلد ٣/ص١٣٩.
(٢٢٢) سورة الأنبياء: الآية ١٠٥ ـ ١٠٦.
(٢٢٣) سورة القصص: الآية ٨٥.
(٢٢٤) سورة براءة: الآية ٣٣.
(٢٢٥) سورة الفتح الآية ٢٨.
(٢٢٦) سورة الصف: الآية ٩.
(٢٢٧) منتخب البصائر، الحديث ٥٢.
(٢٢٨) سورة الأعراف: الآية ١٢٨.
(٢٢٩) سورة هود: الآية ٤٩.
(٢٣٠) سورة طه: الآية ١٣٢.
(٢٣١) سورة القصص: الآية ٨٣.
(٢٣٢) تفسير فرات الكوفي الصافي.
(٢٣٣) أمالي الطوسي، مجلس ١٣، ح١١ ص٣٦٦٣.
(٢٣٤) سورة يونس: الآية ٢٠٢، ٢٠٣.
(٢٣٥) سورة الروم: الآية ٤٧.
(٢٣٦) سورة البقرة: الآية ٢٨.
(٢٣٧) سورة غافر: الآية ١١.
(٢٣٨) سورة الدخان: الآية ٥٦.
(٢٣٩) كنز الحقائق ص ١٤٢.
(٢٤٠) روى ابن حنبل في مسنده عن توفي بن مالك الأشجعي، مجلد ٦، ص٢٥، ورواه الحاكم في المستدرك في قصة إسلام عبدالله بن سلام/ مجلد٣ ص٤١٥، وكذا رواه البيهقي.
(٢٤١) الموطئ للإمام مالك، ج٢، كتاب أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ص١٠٤.
(٢٤٢) تاريخ بغداد، ج١، ص٨٤.
(٢٤٣) الطرائف /٤٨.
(٢٤٤) الذريعة: للمحقق الطهراني.
(٢٤٥) الطرائف، ص١٩١.
(٢٤٦) المشار إليه أو يحكم الله أي حكم الله في الأرض.
(٢٤٧) العقيلي في كتاب القضاء.
(٢٤٨) ميزان الاعتدال، مجلد ١، ص٣٨٣.
(٢٤٩) نفس المصدر، ص٣٨٤.
(٢٥٠) سورة الأنبياء: الآية ٩٥.
(٢٥١) جامع البيان، ج١٧، ص٦٩.
(٢٥٢) البيان وتبيين، الجاحظ، ص٢٧٦.
(٢٥٣) تاريخ الطبري، أحداث سنة ٣٥ . ج٣، ص٣٧٨.
(٢٥٤) سورة الحج ٢.
(٢٥٥) كتاب الفتن، الجزء التاسع، ص٤٧٧، الحديث ١٨٤٠.
(٢٥٦) كتاب الفتن، الجزء التاسع، ص٤٦٨، الحديث ١٧٩١.
(٢٥٧) مسند أحمد بن حنبل، ج٤، ص٧.
(٢٥٨) مسند أحمد مسند عبدالله بن عمر، ج٢، ص٥٣، ص٦٩.
(٢٥٩) مسند أحمد، ج٤، ص٦.
(٢٦٠) مَجمع كزوائد، ج٨، ص١٣.
(٢٦١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب خروج النار، ج٨، ص١٠٠؛ وصحيح مسلم باب كتاب الفتن، وأشراط الساعة، ج٨، ص١٨٠.
(٢٦٢) تفسير القمي، ج٢٢، ص٣٨٥.
(٢٦٣) الخصال للصدوق، ص٤٤٩، مختصر بصائر الدرجات، ص٢٠٣.
(٢٦٤) كتاب الزهد للحسين بن سعيد، ص٩٥، الباب / ١٨.
(٢٦٥) كتاب الفتن لنعيم بن حماد، ح١٧٦٧ و ح١٧٦٥ و ح١٧٥٨.
(٢٦٦) نفس المصدر/ ح١٧٤٨.
(٢٦٧) كتاب الفتن لنعيم بن حمّاد/ ح١٧٦٥.
(٢٦٨) لعلَّ الأنسب لتعلمن والخطأ من الناسخ.
(٢٦٩) كتاب الفتن، لنعيم بن حمّاد/ ح١٧٤٣.
(٢٧٠) كتاب الفتن لنعيم: ح١٧٥٠.
(٢٧١) نفس المصدر، ح١٧٦٨.
(٢٧٢) مختصر بصائر الدرجات: باب الكرات ح١.
(٢٧٣) كتاب الفتن لنعيم، ١٧٦١، ١٧٥١، ١٧٤٥.
(٢٧٤) تفسير القمي في ذيل الآية (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين).
(٢٧٥) غيبة الطوسي.
(٢٧٦) دلائل الإمامة.
(٢٧٧) الوسائل، ب٤٩، أبواب أحكام المساجد، ح١؛ وروي في التهذيب وكامل الزيارات.
(٢٧٨) الاستيعاب، مجلد/١/ ص١٩٢، تاريخ بن كثير/ مجلد ٦ ص١٥٦؛ الشفاء للقاضي عياش/ الروض الآنف ملجد٢، ص٣٧٠؛ الإصابة المجلد الأوَّل، ص٥٦٥/ مجلد ٢، ص٢٤؛ الخصائص الكبرى، مجلد ٢/ ص٨٥، شرح الشفاء للخفاجي/ مجلد ٣/ ص١٠٨، نقلاً عن الطبراني وأبي نعيم وابن مندة، ورواه بن أبي الدنيا عن أنس.
(٢٧٩) دلائل النبوة، البهيقي ج٦ / ص٥٨، البداية والنهاية ج٦ ص١٧٥،تاريخ بن عساكر ج٣٠ ص٤٠٨ وايضا ج ٣٩ ص ٢٢٢.
(٢٨٠) تفسير ابن أبي حاتم، سورة النمل/ مجلد ١١ ص٢٠٣؛ سنن ابن ماجة، مجلد/٢، ص١٣٥١، كتاب الفتن باب/ الله باب دابة الأرض؛ سنن الترمذي، الجزء الخامس، ص٢١، الحديث، ٣٢٤٠؛ مستدرك الحاكم النيسابوري، مجلد/ ٤، ص٨٣؛ وإيقاظ ص٤٨٢ وص ٤٨٤ و ص٤٨٥ وص٥٢٢.
(٢٨١) سنن الترمذي، مجلد ٥ ص ٢١.
(٢٨٢) مسند الطيالسي بـ ما أسنده أبو هريرة ج٧، ص٢١٩.
(٢٨٣) الطبري، ج١٩، ص٤٩٨، ب٧٩.
(٢٨٤) المستدرك على الصحيحين للحاكم، حديث أبي عوانة، ج١٩ ص٣٨٧، ح٨٦٢٩.
(٢٨٥) تفسير ابن أبي حاتم الرازي ـ ج٩ ص٢٩٢٤.
(٢٨٦) وروى الحديث الأوَّل في مجمع الزوائد، ج٨ ص٧؛ وفي مسند أبي داود الطيالسي، ص١١٤؛ وفي الأحاديث الطوال للطبراني، ص٩١؛ والمعجم الكبير، ج٣، ص١٧٤؛ وكنز العمال للمتقي الهندي، ج١٤، ص٦٢٣؛ ومصادر عديدة أُخرى، (المصادر حسب مكتبة أهل البيت عليهم السلام.
(٢٨٧) كنز العمال ح ٣٨٨٨١ ج ١٤ ص ٣٤٤.
(٢٨٨) كتاب الفتن، الجزء العاشر، ص٤٨٥، الحديث ١٨٦٨.
(٢٨٩) مستدرك الحاكم النيشابوري، ج٤، ص٥٢١، وأيضاً مجمع الزوائد.
(٢٩٠) مجمع الزوائد، الهيثمي، ح٨، ص٨، باب طلوع الشمس من مغربها أخرجه الطبراني.
(٢٩١) عقد الدرر في أخبار المنتظر: يوسف بن يحيى المقدسي، ص٣١٥.
(٢٩٢) المستدرك، النيشابوري، مجلد ٤، ص٥٢١.
(٢٩٣) مسند أحمد، ج٢، ص٤٤٢.
(٢٩٤) تفسير ابن أبي حاتم، مجلد/٩، ص٢٩٢٦/ ح١٦٦٠٩.
(٢٩٥) تفسير ابن ابي حاتم، مجلد ٩،ص٢٩٢٤/ ح١٦٥٩٦.
(٢٩٦) تفسير بيان المعاني، ج٣، ص٣٤٤.
(٢٩٧) تفسير السيوطي، الدر المنثور، ح٥، ص١١٥.
(٢٩٨) ضعفاء العقيلي، باب الجيم، رقم ٢٤٠، ترجمة جابر بن يزيد الجعفي، ج١، ص١٩٤، ورواه الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة جابر بن يزيد، رقم ١٤٢٥ ج١ ص٣٨٤.
(٢٩٩) ضعفاء العقيلي، باب الراء، ج٢ن ص٦٣، رقم ٦٠٣.
(٣٠٠) ترجمة عبدالله بن سبأ، رقم المترجم له، ٣٣٠٦، ج٢٩، ص٩.
(٣٠١) عقد الدرر في أخبار المنتظر: يوسف بن يحيى المقدسي، ص٣١٥.
(٣٠٢) كتاب السنة لابن أبي عاصم، ص٣٨٥.
(٣٠٣) كنز العمال، مجد ٢، ص٤٥٦، رقم الحديث المسلسل ٤٤٩١.
(٣٠٤) نفس المصدر/ ٤٤٩٠.
(٣٠٥) تفسير ابن أبي حاتم تحت ذيل الآية الكريمة في سورة النمل،/٨٢، الحديث/ ١٦٥٩٥.
(٣٠٦) ابن أبي حاتم المتوفي ٣٢٧هـ.
(٣٠٧) تفسير السمعاني، مجلد/ ٤، ص١١٣.
(٣٠٨) تقدَّم ذكر مصادرها.
(٣٠٩) التبيان في تفسير القرآن ـ الشيخ الطوسي، ص٤١١ ج٤.
(٣١٠) سورة آل عمران: الآية ١٠٦ ـ ١٠٨.
(٣١١) المصنف لابن شيبة، مجلد ٨، ص٦٧١، ذكره في باب فقه الرجال.
(٣١٢) المصنف لابن أبي شيبة الكوفين ج٨، الحديث ١٤٥، ١٥٥ ص٦٧٠ ـ ٦٧١.
(٣١٣) السنن الكبري للنسائي، ص٤٢٤، ج٦، الحديث ١١٣٨٠. المستدرك للحاكم النيشابوري، ج٤ ص٤٨٤؛ الأحاديث الطوال للطبراني. الأحاديث الطوال، ص٩٢.
(٣١٤) الغيبة للطوسي، ص٢٦٦.
(٣١٥) بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٢؛ دلائل الإمامة للطبري عند علي بن إبراهيم بن مهزيار، مثله على وجه أبسط مما رواه الشيخ والمضمون قريب.
(٣١٦) المستدرك للحاكم النيسابوري، ج٤، ص٤٨٥.
(٣١٧) جامع البيان، مجدل ٢٠، ص١٩، ح٢٠٦٢٤.
(٣١٨) جامع البيان، مجلد ٢٠، ص٢٠، ح٢٠٦٢٥.
(٣١٩) جامع البيان، مُحمَّد بن جرير الطبري/ ج٢٠ ص١٩.
(٣٢٠) مسند أحمد بن حنبل (حديث حذيفة بن اليمان)، ج٥، ص٤٠٥.
(٣٢١) مسند أحمد ج٤، ص٨٤.
(٣٢٢) المصدر السابق نفسه.
(٣٢٣) مسند أحمد، ج٤، ص٨٠.
(٣٢٤) مسند أحمد، حديث أبي موسى الأشعري، ج٤، ص٣٩٥.
(٣٢٥) نفسه ج٥، ص٤٠٥.
(٣٢٦) مسند أحمد ج٦، ص٢٥.
(٣٢٧) سنن الدارمي، باب أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ج٢، ص٣١٨.
(٣٢٨) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ج٤، ص١٦٢، وج٦، ص٦٢.
(٣٢٩) صحيح مسلم باب، باب في أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم ج٧، ص٨٩.
(٣٣٠) سنن الترمذي، باب ما جاء في أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ج٤، ص٢١٤.
(٣٣١) مستدرك الحاكم، باب أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ج٢، ص
(٣٣٢) شرح صحيح مسلم لأسمائه صلى الله عليه وآله وسلم : ج١٥، ص١٠٥.
(٣٣٣) مجمع الزوائد في أسمائه، ج٨ ص٢٨٤.
(٣٣٤) الكافي، كتاب الصلاة، باب النوادر، ح١، ج٣، ص٤٨٢.
(٣٣٥) الخصال، باب العشرة، ح٢، ص٤٢٥.
(٣٣٦) مختصر بصائر الدرجات، وأحاديث الرجعة من غير طريق سعد (ح١٠١ ـ ٢) ص١٦٣.
(٣٣٧) الهداية الكبرى للخصيبي، الباب الأوَّل ص٣٩.
(٣٣٨) سب الهدى والرشاد للصاحي الشامي.
(٣٣٩) أصل الشيعة وأصولها، ص١٦٧، عنوان الحديث عن الرجعة.
(٣٤٠) عقائد الإمامية، تحت عنوان عقيدتنا في الرجعة.
(٣٤١) روضة الكافي، مجلد/٨، ص٢٤٧.
(٣٤٢) كامل الزيارات، باب ١٩، ح٣.
(٣٤٣) سورة آل عمران: الآية ٨١.
(٣٤٤) تاريخ الطبري ٥ / ٩٨.
(٣٤٥) مختصر بصائر الدرجات ص٢٠٧.
(٣٤٦) بحار الأنوار، ٥٣: ١٣١.
(٣٤٧) التوراة والإنجيل: ١١٢٩ و ١١٣٠.
(٣٤٨) التوراة والإنجيل: ١١٢٩ و ١١٣٠.
(٣٤٩) كتاب سليم بن قيس، نبوءات نبي الله عيسى عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ص٢٥٤.
(٣٥٠) إقبال الأعمال الباب السادس، الفصل الأوَّل ج٢، ص٣٤٠، ورواه في الدر المنثور عن البيهقي، كما في البحار، ج٢١، ص٣١٧، باب المباهلة وما ظهر فيها من الدلائل وباب أنَّ الله تعالى عرض على آدم الأنبياء وذريته.
(٣٥١) مسند أحمد بن حنبل، في حديث عوف بن مالك الأشجعي، وقد وصف الهيثمي طريقه الآخر، أنَّ رجاله، ج٦، ص٢٥، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط.
(٣٥٢) عيون أخبار الرضا، ج١، ص١٤٣، باب ذكر مجلس الرضا ع مع أهل الأديان؛ التوحيد، ص٤٢٢؛ الاحتجاج ج٢، ص٢٠٤؛ احتجاج الرضا على أهل الكتاب والمجوس ورئيس الصابئيين وغيرهم.
(٣٥٣) مختصر بصائر الدرجات، باب أحاديث في الرجعة عن غير طريق ح١٨، ص١٨١.
(٣٥٤) مختصر الدرجات، باب الكرات وحالاتها، ح١٨، ص١٣٠، حديث ٧٢/١٨.
(٣٥٥) نفس المصدر ح١٣، ص١٢٦.
(٣٥٦) كامل الزيارات، الباب ٧٩/ح١٧ ص٣٨٥؛ ومصباح المتهجد، أعمال يوم الجمعة في زيارة المعصومين عليهم السلام ص٢٧٩، ونحوه في المزار، باب/١٣ ح٦؛ مجال الأسبوع للسيد ابن طاووس، فصل ٢٦، ح١٥٤. الزيارات وكذلك في باب ٧٩ ح٢٣، ح
(٣٥٧) مختصر بصائر الدرجات، باب أحاديث في الرجعة عن غير طريق سعد، ح١٨، ص١٨١.
(٣٥٨) رواه ابن حنبل في مسنده عن مالك بن الأشجعي/ مجلد ٦ ص٢٥.
(٣٥٩) مختصر بصائر الدرجات باب أحاديث في الرجعة عن طريق سعد ح١٨ ص ١٨١.
(٣٦٠) أورده الصفّار في بصائر الدرجات: ٤١٥/٥، والسند فيه: عن أحمد بن مُحمَّد، عن علي بن الحكم ... وباقي السند كما في المختصر، الحديث (٨٧/٣٣).
(٣٦١) مختصر بصائر الدرجات/ باب الكرات وحالاته ص١٤٩، وكذا ورواه البيهقي.
(٣٦٢) نهج البلاغة، الخطبة ١٤٩/ الكافي، مجلد الأوَّل/٢٩٩/ باب الإشارة والنص على الحسن بن علي عليه السلام ح٦.
(٣٦٣) مرآة العقول، ج٣، ص٣٠٢.
(٣٦٤) الذهبي في ميزان الاعتدال، ترجمة جابر، ج١، ص٣٨٣.
(٣٦٥) المصدر السابق نفسه.
(٣٦٦) مقدمة فتح الباري، لابن حجر، فصل في تمييز أسباب الطعن، ص٤٥٩.
(٣٦٧) الغيبة للشيخ الطوسي، ص٤٣٩، الحديث ٤٣١؛ غيبة النعماني ص١٨٦، الحديث ٢٨؛ عيون أخبار الرضا؛ كمال الدين للصدوق؛ دلائل الإمامة للطبري، الخرائج الراوندي، ج٢، ص٨٤٨ ـ ٥٦٣. مختصر بصائر الدرجات.
(٣٦٨) سورة الأعراف: الآية ١٥٩
(٣٦٩) الارشاد للمفيد ٢ /٣٨٦.
(٣٧٠) النظام القضائي.
(٣٧١) سورة الحجرات: الآية ١٤.
(٣٧٢) بصائر الدرجات ب ١٧ ح ٨.
(٣٧٣) كمال الدين وتمام النعمة ص ٤٠٤، وكذلك في أمالي الصدوق، / ص٢٣٥، علل الشرايع، ج٢، ص٤١٢.
(٣٧٤) تفسير العياشي، مُحمَّد بن مسعود العياشي، ج٢.
(٣٧٥) نور الثقلين، ج٢، ص٨٦.
(٣٧٦) مختصر بصائر الدرجات، ص٤٠.
(٣٧٧) سورة النحل: الآية ٤١.
(٣٧٨) الكافي، مجلد ٨/ ص٥١ ح١٤،.
(٣٧٩) سورة النحل: الآية ٤١.
(٣٨٠) سورة النحل: الآية ٢١ ـ ٢٢.
(٣٨١) تفسير النعماني، البحار، ح٥٣، ص١٤٧.
(٣٨٢) سورة القصص: الآية ٨٥.
(٣٨٣) البحار، ٥٣ ص١١٩.
(٣٨٤) سورة الكهف: الآية ٢٠.
(٣٨٥) سورة الكهف: الآية ٢١.
(٣٨٦) سورة إبراهيم: الآية ٤٨ ـ ٤٩.
(٣٨٧) مختصر البصائر، ص١٩٨، ط سلسلة مصادر بحار الأنوار/ مختصر بصائر الدرجات، ح١٤٦/٤٦.
(٣٨٨) سورة المعارج الآية ٤.
(٣٨٩) الكافي، مجلد/ ٨، الحديث ١٠٨، ص١٤٣.
(٣٩٠) الأمالي للصدوق، ص٢٧٤ مجلس ٣٣.
(٣٩١) الأمالي للشيخ الطوسي، ص٣٦، مجلس ٣٧، ٧.
(٣٩٢) الاحتجاج المجلد، الأوَّل ص٣٢٨.
(٣٩٣) مختصر بصائر الدرجات، باب الكرّات، ح٩٢/٣٨، ص١٤٦.
(٣٩٤) مختصر بصائر الدرجات، ص١٤٥.
(٣٩٥) سورة الحجر: الآية ٣٧ ـ ٣٨.
(٣٩٦) سورة ص: الآية ٨٠ ـ ٨١.
(٣٩٧) مختصر بصائر الدرجات، باب الكرّات، ح٩١/٣٧.
(٣٩٨) بصائر الدرجات، ج٩/ باب ١٨ ح٣٦ ص٥٣٥.
(٣٩٩) سورة التوبة: الآية ٣٣.
(٤٠٠) مختصر بصائر الدرجات، باب الكرّات، الحديث ٩٩/٤٥.
(٤٠١) سورة القصص: الآية ٨٥.
(٤٠٢) تفسير القمي: ج٢، ص ١٤٧.
(٤٠٣) التوحيد للصدوق: باب ٣٦/ح٥، ص ٢٢٤.
(٤٠٤) سورة الطارق: الآية ٨ ـ ١٠.
(٤٠٥) سورة طه: الآية ٧.
(٤٠٦) سورة الحجرات: الآية ٣.
(٤٠٧) سورة الهمزة: الآية ٦ ـ ٧.
(٤٠٨) سورة العاديات: الآية ٩ ـ ١١.
(٤٠٩) سورة البقرة: الآية ٢٨٤.
(٤١٠) ضعفاء العقيلي، ج١، ص١٢٩.
(٤١١) المجروحين لابن حبّان، ج١، ص٢٨٩.
(٤١٢) تهذيب التهذيب، لابن حجر/ مجلد ١٠، ص١٢٦، رقم المسلسل/ ٢٥٨.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ١ / ٥.٠
 التعليقات
الإسم: علي سعد
الدولة: العراق
النص: نشكر مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي على كتاب الرجعة لاية الله محمد السند الموسوعي حفظه الله
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/٠٢/٠٧ ٠٤:٥٧ ص
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016