فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » إشكالية زواج الإمام المهدي عليه السلام والمهديين الاثني عشر
 كتب أخرى

الكتب إشكالية زواج الإمام المهدي عليه السلام والمهديين الاثني عشر

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد محمد علي الحلو تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٤/٠٦/١٦ المشاهدات المشاهدات: ٧٩٦٣ التعليقات التعليقات: ١

إشكالية زواج الإمام المهدي عليه السلام والمهديين الاثني عشر

تأليف: السيد محمد علي الحلو
إصدار: مؤسسة مسجد السهلة المعظّم

الفهرس

الإهداء
كلمة المؤسسة
مقدمة
تمهيد
المبحث الأول
معنى التحريف:
ولكن.. التحريف غير التصحيف:
مشكلة التحريف والتصحيف في استهداف الحديث:
روايات الأئمة (الثلاثة عشر):
الرد الأول:
الرد الثاني:
الرد الثالث:
شبهة وجود رواية الثلاثة عشر إماماً في كتاب سليم بن قيس:
الرد الرابع:
المعتزلة.. الجهود المحبطة:
جهود الإمامية في إثبات النص على الأئمة الاثني عشر:
محاولات التشكيك... مرحلة ما بعد الغيبة الصغرى:
جعفر الكذاب.. شبهة السلطة ومحاولات الإلغاء:
الجهود المتميزة:
المبحث الثاني
المهديون من ولد الأئمة الاثني عشر عليهم السلام:
أما القضية الأولى:
المبحث الثالث
في إشكالية زواج الإمام المهدي عليه السلام
هل الإمام المهدي عليه السلام متزوج؟
أما الجزيرة الخضراء:
نظريات زواج الإمام المهدي عليه السلام:
إلا أنَّ إمكانية زواجه عليه السلام تصطدم بعدة افتراضات:
تنبيهات:
التنبيه الأول:
التنبيه الثاني:
التنبيه الثالث:
التنبيه الرابع:
التنبيه الخامس:
التنبيه السادس:
التنبيه السابع:
الخلاصة:

الإهداء

حينما يحتدم الصراع بين الاحتمالات
تتجلى معالم اليقين..
لتكتسح كل شك وتسويل
يقوم على أساس:
مشتهيات.. أذواق.. مصالح..
لتتمتن عُرى المعرفة في آفاق
البحث والتحقيق..
فإليك أيها الممتحن "السيد"
يا طهر الإباء..
بل يا قدس النفحات الربوبية
في ملحمة الانتظار..
أيها الصاعد إلى معارج الكمال
والواهب سؤدد الصبر
في ملاحم:
النصر المحمدي..
الصبر العلوي..
الجهاد الفاطمي
ثم إليك أيها:
المهدي الموعود في غسق الليل الحالك
لينبلج صبح "الظهور"..
راجياً منك القبول..
وقبل ذلك "الاعتذار"

محمد علي

كلمة المؤسسة

والصلاة والسلام على أشرف الخلق نبينا الأكرم محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
في إطلالة جديدة يعود الباحث والمفكر الإسلامي صاحب السماحة السيد محمد علي الحلو (دام تسديده) ليودع في رفوف المكتبة الإسلامية كتاباً جديداً ثرّاً بمعلوماته – كما عودنا – سماحته.
يناقش موضوعاً مهماً، نعتقد أنه لم يأخذ حيزاً واسعاً من البحوث التي صدرت وتناولت الجوانب المختلفة المتعلقة بولي الله الأعظم الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف).
فقد قيض الرب الكريم للكاتب الكبير أن يبحث في كتابه هذا إشكالية مثارة منذ القدم حول زواج الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، مورداً آراءه التي تبتدأ بالتأكيد على استحبابية الزواج أصلاً، ثم بعض ما ورد بذلك عن المعصومين (عليهم السلام)، ونفي موانع الزواج التي لم تستند على دليل أو رواية.
وقد توفق السيد إلى مناقشة هذه الأدلة بأسلوبه العلمي الرصين.. الذي استطاع فيه أيضا أن يبحث في الروايات المتعلقة بـ(المهديين الاثني عشر) وما فهمه البعض من أنهم أولاد الإمام (عجل الله فرجه الشريف).
ومن لطف الباري (عزّ وجلّ) علينا توفقت مؤسسة مسجد السهلة المعظم إلى الشروع بطباعة هذا السفر القيم بتوجيه مباشر من الأمين العام للمسجد السيد مضر السيد علي خان المدني، آملين أن يتقبل الله عملنا لما يرجى به حسن المثوبة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الحاج أحمد رزاق الجنابي
مدير مؤسسة مسجد السهلة المعظم

مقدمة

في خضم التداعيات الثقافية تنشأ بين الحين والآخر دعاوى لذوي الأهواء والغايات تحاول أن تزج المجتمع في دوامة الحيرة والتشكيك، لتمرر من خلالها مصالحها الخاصة أو مصالح أسيادها الدافعين لها باتجاه الإثارات والإرباك لإشغال الأمة عن مسؤوليتها وواجبها..
و اليوم نعيش تساؤلاً آخر يطل علينا من خلال ما يثيره البعض، وهو إشكالية زواج الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) الذي أشغل الكثير في البحث والسؤال عن مثل هذا الموضوع بالرغم من سرية حياة الإمام الخاصة، ونحن بدورنا حاولنا أن نضع نظريتين وجعلنا لكل نظرية أدلتها المحتملة ثم رددنا هذه الأدلة بما يناسب الحياة الخاصة للإمام وظروف غيبته وملابسات مثل هذه الظروف، وظَلَّ الجدل محتدماً بين البعض فيما يتعلق بظروف غيبته الخاصة..
من هنا استطعنا أن نقدم دراسة في هذا الشأن، وهي محاولة مختصرة تقوم على معالجة المحتملات المتصورة في هذا الميدان، وقد ناقشنا ما يترتب على هذا الأمر، وهي مناقشة "المهديون الاثنا عشر" المترتبة على زواجه، إذ ظن البعض أن ما يعين تصوراتهم هو وجود روايات تشير إلى المهديين الاثني عشر من بعد الإمام عليه السلام على أنهم أولاده - كما فهمها البعض - وقد حاولنا بيان المقصود من الاثني عشر من هم، وأشرنا إلى أن ذلك يكون في الرجعة المباركة لأئمة الهدى صلوات الله عليهم، وبذلك فلا مجال لهذه التحولات التي لا تزيد من المسألة إلا تعقيداً غير مبرر.. لذا فإن البحث سيكون باكورة لمثل هذه الأعمال التي من شأنها أن توقف كل الآراء المنحرفة والشبهات القادمة من وراء الحدود..

ولادة الإمام الحسين عليه السلام/ ١٤٣٣
السيد محمد علي الحلو

تمهيد

لم تعد ظاهرة الحديث المحرَّف أو المصحَّف خافية على المتابع للشأن الروائي العام، إذ نجد كثيراً من الأحاديث تعرضت لمحاولات التحريف ببشاعة غير معهودة، أو أقصي بعضها بسبب ما نالتها حالات التصحيف استناداً إلى حالات عدم الضبط التي تعتري راوي الحديث أو الناقل له حتى أوعزت هذه الظاهرة إلى الرواة أو المحققين أو المهتمين بهذا الشأن إلى التثبت في النقل والتروي في الرواية، فما بالك بحالة الاعتقاد بها، والتعامل معها على أساس المسلمات الدينية أو الضرورات المذهبية التي أطاحت - مثل هذه الحالات من عدم التثبت - إلى التعارض مع المسلمات الدينية التي يعتقدا ها المؤمنون ضرورةً بغض النظر عن أخذه بالحالات السياسية المتشنجة التي تسعى إلى إلغاء المبتنيات والثوابت.
وعلى هذا فإن التصحيف مما ابتليت به كثير من الموروثات، ولعل بعضهم أحصى تصحيفات غير متعمدة يصر الراوي على صحتها أو يعتذر عنها، بعدما ينكشف له الخطأ والانتباه، ولا ينفي الإمام أحمد بن حنبل هذه التصحيفات بل اعتذر عنها بقوله: (ومن يعرى عن الخطأ أو التصحيف؟)(١) وقد عرف عن العلامة البطليوسي قوله: إن من أسباب الخلاف الذي عرض للأمة التصحيف...(٢)
وإذا كان هذا هو التصحيف، فما معنى التحريف؟

المبحث الأول

معنى التحريف:
لم أجد في حدود تتبعي عند الفريقين من فَرْقٍ بين التحريف وبين التصحيف، فقد ذكرا تحت عنوان واحد، ولعل الذي أراد أن يفرق بينهما لم يلحظ إلا المسائل الشكلية فقط، ولعله هذا أقصى من حاول أن يفرق بين المعنيين، فقد ذكر العلامة المامقاني أن "التصحيف أعم من التحريف وفرق بعضهم بينهما، فخص اسم المصحِّف، ما غير فيه النقط، وما غير فيه الشكل مع بقاء الحروف سماه بالمحرف وهو أوفق"(٣)
ولم يفرِّق أبو أحمد العسكري في كتابه بينهما حتى عنون كتابه بهما (التصحيف والتحريف وشرح ما يقع فيه).
لكن ابن حجر فرق بينهما بالشكل فقط "فرأى ما كان فيه تغيير حرف أو حروف بتغيير النقط مع بقاء صور الخط سمي مصحفاً، وما كان في ذلك الشكل سمي محرفاً"(٤) هذا ما فرقوه بين المصحِّف وبين المحرِّف.
ولكن.. التحريف غير التصحيف:
لكننا نرى أن التحريف غير التصحيف، فالتحريف هو تغيير اللفظ يتبعه تغيير المعنى بشكل عمدي، أي بدوافع عدة يقصد منها الوصول إلى هدفٍ ما يتغير اللفظ الذي يلازمه تغيير المعنى.
في حين يكون التصحيف غير متعمد وأساسه الغفلة أو السهو أو النسيان، هذا هو الرأي المختار.
إن استقصاءً سريعاً لكلا المعنيين يوضح ما التزمناه، وقد تابعنا كثيراً من موارد التحريف وموارد التصحيف فوجدنا الفرق واضحاً.
وإذا اتضح الفرق بين الأمرين وجدنا خطورة التحريف وإن كان للتصحيف خطره كذلك - إلا أن التحريف تغيير فيه عناية وتكلّف فائقان حتى يصعب معرفتهما، وقد تنطلي الحقيقة حتى على الحاذق اللبيب، في حين نجد التصحيف لا تكون فيه تلك العناية مما يعين المتتبع على اكتشاف الحقيقة بمجرد التمعن في الكلمة أو الجملة ليكتشف تداعياتها وعدم واقعيتها.
مشكلة التحريف والتصحيف في استهداف الحديث:
لم تعد مشكلة التحريف قضية تشغل المهتمين بالشأن الروائي وحدهم، بل تعدتها إلى كونها مسألة سياسية استوعبت طموحات ذوي المصالح من أهل السياسة، أو توجهات العاكفين على الدنيا في حب الرئاسة، يدفعهم في ذلك تغيير الحقائق والوصول إلى اهدافهم ودواعيهم، واستهداف الحديث النبوي أو أحاديث أهل البيت عليهم السلام هومن أهم الوسائل التي لجأ إليها هؤلاء من أجل الوصول إلى أهدافهم، فقد حاولوا العبث في صياغة هذه الأحاديث للوصول إلى غايتهم، وللمثول أمام أهوائهم بالتجني على أقوال النبي أو أهل البيت عليهم السلام، ومن ذلك ما رووه في عدد أئمة أهل البيت عليهم السلام من كونهم ثلاثة عشر خلافاً لضرورة الدين من كونهم اثني عشر.
روايات الأئمة (الثلاثة عشر):
بالرغم مما تعارف من كون الأئمة اثني عشر، فإن بعض الروايات توحي بأن عددهم ثلاثة عشر، للاضطراب الذي وقع في هذه الروايات بغض النظر عن دواعي هذا الاضطراب وأسبابه، عمداً أو سهواً أو إلى غير ذلك من الدواعي التي لا يمكن القطع بها، إلا أننا نرجِّح أن تكون حالة الاضطراب لدى الراوي وخلطه في ألفاظ الروايات أوقع مثل هذه الأحاديث في ذلك الخطأ الفادح، ولا يستبعد أن يتعد بعضهم - وليس الراوي بالضرورة - أن يحرّف الرواية فيجعلها مخلة في المعنى، مضطربةً في المقصود، فقد وردت في الكافي مثلاً روايات منها: -
أولاً: روى الكليني بإسناده عن أبي سعيد عن عمرو بن ثابت عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني واثني عشر إماماً من ولدي وأنت يا علي زر الأرض، يعني أوتادها جبالها، بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا.(٥)
فالخبر يشير إلى أن الأئمة ثلاثة عشر بقوله صلى الله عليه وآله: (إني واثني عشر إماماً من ولدي وأنت يا علي) فقد أضاف الإمام علي إلى الاثني عشر إماماً من ولد النبي صلى الله عليه وآله، وفي مورد ثانٍ ورد (فإذا ذهب الاثني عشر من ولدي) وهو يعطي دلالة لكون الأئمة ثلاثة عشر.
ثانياً: روى الكليني بإسناده عن أبي سعيد رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من ولدي اثنا عشر نقباء نجباء محدثون مفهمون آخرهم القائم بالحق يملؤها عدلاً كما مُلِئَت جوراً.(٦)
ثالثاً: وروى الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن محبوب عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر آخرهم القائم عليه السلام، ثلاثةٌ منهم محمد وثلاثة منهم علي عليه السلام.(٧)
رابعاً: الكليني عن أبي علي الأشعري عن الحسن بن عبيد الله عن الحسن بن موسى الخشاب عن علي بن سماعة عن علي بن الحسن بن رباط عن ابن أذينة عن زرارة قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الاثنا عشر إماماً من آل محمد كلهم محدّث من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وولد علي بن أبي طالب عليه السلام فرسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام هما الوالدان عليهما السلام.(٨)
خامساً: الكليني محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن مسعدة بن زياد عن أبي عبد الله ومحمد بن الحسين عن إبراهيم عن ابن أبي يحيى المديني عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: (كنت حاضراً لما هلك أبو بكر واستخلف عمر، أقبل يهودي من عظماء يهود يثرب وتزعم يهود المدينة أنه أعلم أهل زمانه حتى رُفع إلى عمر فقال له: يا عمر، إني جئتك أريد الإسلام، فإن أخبرتني عما أسألك عنه فأنت أعلم أصحاب محمد بالكتاب والسنة وجميع ما أريد أن أسأل عنه قال: فقال له عمر: إني لست هناك، لكني أرشدك إلى من هو أعلم أمتنا بالكتاب والسنة وجميع ما قد تسأل عنه وهو ذاك - فأومأ إلى علي عليه السلام - فقال له اليهودي: يا عمر إن كان هذا كما تقول فمالك ولبيعة الناس وإنما ذاك أعلمكم، فزيره عمر. ثم إن اليهودي قام إلى علي عليه السلام فقال له: أنت كما ذكر عمر؟ فقال: وما قال عمر؟ فأخبره قال: فإن كنت كما قال، سألتك عن أشياء أريد أن أعلم هل يعلمها أحد منكم فأعلم أنكم في دعواكم خير الأمم وأعلمها صادقين ومع ذلك أدخل في دينكم الإسلام، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: نعم أنا كما ذكر لك عمر، سل عما بدا لك أخبرك به إن شاء الله.
قال: أخبرني عن ثلاث وثلاث وواحدة فقال له علي: يا يهودي ولمَ لم تقل أخبرني عن سبع؟
فقال له اليهودي: إنك إن أخبرتني بالثلاث سألتك عن البقية، وإلا كففت، فإن أنت أجبتني عن هذه السبع فأنت أعلم أهل الأرض وأفضلهم وأولى الناس بالناس، فقال له: سل عما بدا لك يا يهودي، قال: أخبرني عن أول حجر وضع على وجه الأرض، وأول شجرة غرست على وجه الأرض؟ وأول عين نبعت على وجه الأرض؟
فأخبره أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال له اليهودي: أخبرني عن هذه الأمة كم لها من إمام هدى؟ وأخبرني عن نبيكم محمد أين منزله في الجنة؟ وأخبرني من معه في الجنة؟
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن لهذه الأمة اثني عشر إمامَ هدىً من ذرية نبيها وهم مني، وأما منزل نبينا في الجنة ففي أفضلها وأشرفها جنة عدنٍ، وأما من معه في منزله فيها فهؤلاء الاثنا عشر من ذريته وأمهم وجدتهم وأم أمهم وذراريهم لا للتأكد لهم).(٩)
لكن التمعن في هذه الروايات يقتضي جهداً في البحث والتنقيب حيث وجود عدة إشكالات في هذه الأخبار تقتصي عدة تنبيهات في هذا الشأن:
الرد الأول:
ولابد من الرد على هذه الأخبار الواردة التي تشير إلى أن الأئمة ثلاثة عشر ومعرفة مشكلتها ومناقشتها ليتسنى لنا الوقوف على هذه الثغرات التي لا تنسجم مع مبدأ الإمامة وأصل عددها الاثنا عشر، ولئلا يستغل البعض مثل هذه الأمور ليسوقها لمصالحه.
التحريف في الأخبار الخمسة:
إن وجود التحريف في الأخبار الخمسة لا بد من استعراضه وبيان الخلل في هذه الأخبار والإشارة إلى التصحيف أو التحريف الذي وقع فيها.. ولنا أن نشير إلى ما أورده العلامة التستري المحقق الفذ في كتابه "الأخبار الدخيلة"، فهو من أروع الأعمال المبذولة في هذا المجال والتي تشير إلى إثارة خطيرة وهي متابعة الأخبار التي تعرضت للتحريف زيادة ونقصاناً وخالفت بذلك ضرورات المذهب فضلاً عن ضرورات الدين.. فقد أوضح العلامة محمد تقي التستري رضوان الله عليه أن الأخبار التي أشار إليها بعضهم بأن الأئمة ثلاثة عشر هي أخبار دخيلة حرفت بقصد أو بدون قصد وقد تصدى (رحمه الله) إلى بيان هذه المسألة فقال في معرض حديثه عن الأحاديث الدخيلة (إن ثلاثة عشر الأئمة) كما يلي:
الأول: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني واثني عشر إماماً من ولدي وأنت يا علي زر الأرض... "راجع الحديث المثبت في صفحة.." ثم قال العلامة التستري تعليقاً على هذا الخبر:
أقول: الخبر كما ترى مشتمل في موضعين على كون اثني عشر إماماً من ولد النبي صلى الله عليه وآله فيصيرون مع أمير المؤمنين عليه السلام ثلاثة عشر. ورواه الشيخ في غيبته أوله بلفظ (إني وأحد عشر من ولدي) وآخره بلفظ (فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي) وتحريفه في الأخير. والصواب في الخبر ما رواه أبو سعيد العصفري في أصله الذي هو أحد الأصول الأربعمائة المعروفة بلفظ (أحد عشر) أولاً أو أخيراً.
وقوله: (أوتادها جبالها) ايضاً تحريف والصواب (أوتادها وجبالها) كما رواه الشيخ.
الثاني: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله عليه السلام: من ولدي اثنا عشر نقباء ونجباء محدثون مفهمون.. كما ورد في صفحة... قال العلامة التستري معلقاً على الخبر:
أقول: هو أيضاً كالسابق والصواب أيضاً ما في أصل أبي سعيد (من ولدي احد عشر الخبر).
وأخبار أصله تسعة عشر، وهذا الخبر الرابع منها، والخبر السابق السادس منه، وفات المجلسي النقل منه، وفي الخبرين وقع أبو سعيد إلى آخر اسناده في اسناد الكليني فيعلم أنه نقلهما منه.
الثالث: عن أبي جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح فيه اسماء الاوصياء من ولدها.. إلى آخر الخبر راجع الخبر في صفحة...
قال العلامة التستري تعليقاً على هذا الخبر:
أقول: وهو أيضاً كما ترى مشتمل على كون اثني عشر من ولد فاطمة عليها السلام فيصيرون مع أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً ثلاثة عشر. ورواه إرشاد المفيد بإسناده عن الكليني مثله مع زيادة لفظ "من ولد فاطمة" بعد قوله "القائم". ورواه الشيخ في غيبته بسند آخر مثله على ما وجدت والكل محرف.
والصواب رواية الصدوق للخبر في عيونه، وإكماله (أي إكمال الدين) بإسنادين له وفي خصاله بإسناد له عن ابن محبوب مثله بدون لفظة (من ولدها) في الجميع وتبديل قوله: (وثلاثة عشر منها علي) بلفظ (وأربعة منهم علي) وهو الصحيح، فان المسمى بعلي من الأئمة أربعة: أمير المؤمنين والسجاد والرضا والهادي عليهم السلام. كما أن المراد بقوله (ثلاثة منهم محمد) الباقر، والجواد، والحجة عليهم السلام. ونسب إلى الغيبة موافقة الإكمال والعيون والخصال لكن الذي وجدت كونه كالكافي.
ثم إن المسعودي في إثباته (أي إثبات الوصية) روى مضمون هذا الخير بإسناد آخر ولفظ آخر هكذا:
الحميري عن أحمد بن هلال عن بن ابي عمير عن أبي السفاتج عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام عن جابر الأنصاري قال: دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح يكاد يغشي ضوؤه الأبصار، فيه ثلاثة أسماء في ظاهرة، وثلاثة أسماء في باطنه وثلاثة أسماء في أحد طرفيه وثلاثة أسماء في الطرف الآخر، يرى من ظاهره ما في باطنه، ومن باطنه ما في ظاهره، فعددت الأسماء فإذا هي اثنا عشر، فقلت من هؤلاء؟
فقالت هذه أسماء الأوصياء من ولدي آخرهم القائم. قال جابر: فرأيت فيها "محمد" في ثلاثة مواضع. وهو أيضاً محرف كخبر الكافي، والصحيح أيضاً رواية الصدوق له في العيون والإكمال: "عن الحميري عن الفزاري عن مالك السلولي عن درست عن عبد الحميد عن عبد الله بن القاسم عن عبد الله بن جبلة عن أبي السفاتج عن الجعفي عن الباقر عليه السلام قال جابر الأنصاري: دخلت على فاطمة عليها السلام وقدامها لوح يكاد ضوؤه يغشي الأبصار فيه اثنا عشر اسماً: ثلاثة في ظاهره وثلاثة في باطنه وثلاثة أسماء في آخره وثلاثة أسماء في طرفه فعددتها فاذا هي اثنا عشر، فقلت: اسماء من هؤلاء؟ قالت هذه أسماء الأوصياء، أولهم ابن عمي وأحد عشر من ولدي.
ثم الغريب أن الشيخ في غيبته روى متن الخبر الأول بإسناد الخبر الثاني كالصدوق مع تبديل "مالك السلولي" "بمحمد بن نعمة السلولي" وتبديل "درست بن عبد الحميد" "بوهيب بن حفص" وتبديل "عبد الله بن جبلة" بعبد الله بن خالد".
وحيث إن الصدوق روى كلّا من الخبرين الأول كإسناد الكليني، والثاني كإسناد المسعودي مع اختلاف يسير، فالظاهر أن الشيخ خلط فجعل سند الخبر الثاني لمتن الخبر الأول وجعلهما خبراً واحداً.
الرابع: روى ذاك الباب من الكافي أيضاً عن أبي علي الأشعري عن الحسن بن الخشاب عن علي بن سماحة عن علي بن الحسن بن رباط عن ابن أذينة عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الاثنا عشر إماماً من آل محمد كلهم محدث... راجع الحديث صفحة.. قال التستري في معرض تعليقه على الخبر.
أقول: رواه الشيخ في غيبته بإسناده عن الكليني مثله إلا أنه بدل "علي بن سماعة" "بالحسن بن سماعة" رواه الكليني نفسه قبل ذلك بأحاديث في هذا الباب مع اختلاف في السند هكذا "محمد بن يحيى عن عبد الله بن محمد الخشاب عن ابن سماعة عن علي بن الحسن بن رباط.. إلى آخره "ومع زيادة في المتن هكذا (فقال عبد الله بن راشد - وكان أخا علي بن الحسين عليه السلام لأمه وأنكر ذلك فصرر ابو جعفر عليه السلام وقال: أما إن ابن أمك كان أحدهم" ولكل محرف لاشتمالها على كون الاثني عشر غير أمير المؤمنين عليه السلام والصواب رواية الصدوق للخبر في الخصال للعيون أو المقيد له في الإرشاد رواه الأول في إسناده عن الكليني بلفظ "كلهم محدثون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام منهم" ورواه الثاني بلفظ "كلهم محدث علي بن أبي طالب وأحد عشر من ولده ورسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام هما الوالدان".
ثم إنه وقعت تصحيفات أُخر في زيادة خبر الكليني الأخر فقوله "عبد الله بن راشد" محرف "عبد الله بن زبيد" كما رواه الصفار والنعماني في كتابيهما البصائر والغيبة، رواه الكليني نفسه في باب أن الأئمة محدثون وإن خلطه بخبر آخر.
وسقطت كلمة "من الرضاعة" بعد قوله (لأمه) كما يفهم من كتاب النعماني ولأن "عبد الله بن زبيد" كان أخاً للسجاد من الرضاعة لا من الولادة وإن توهمه ابن قتيبة.
وسقطت فقرة "سبحان الله محدثاً" بعد قوله "لأمه" كما رواه النعماني والصفار في كتابيهما وكما رواه نفسه في ذاك الباب.
وقوله: "فصرر أبو جعفر عليه السلام" أما محرف "فضرب أبو جعفر عليه السلام فخذه " كما رواه الصفار، وأما محرف "فأقبل عليه أبو جعفر عليه السلام " كما رواه نفسه ثمة.. إلى آخر قوله قدس سره.
الخامس: روى ذاك الباب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن مسعدة بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام ومحمد بن الحسين عن ابراهيم عن ابن أبي يحيى المدني عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت حاضراً لما هلك أبو بكر واستخلف عمر أقبل يهودي.. إلى آخر الخبر الوارد في صفحة.. وقد علق العلامة التستري على الخبر بقوله:
ورواه الشيخ في غيبته بإسناده عن الكليني مثله لكن فيه بدل عن ابراهيم عن ابن أبي يحيى "عن ابراهيم بن أبي يحيى" وفيه "وجدتهم أم أمهم".
وهو أيضاً كما ترى مشتمل في موضعين على كون الاثني عشر من ذرية النبي صلى الله عليه وآله فهو محرف، والصواب زيادة فقرة "من ذرية نبيها وهم مني" في الموضع الأول وزيادة كلمة "من ذريته" في الموضع الثاني.
يشهد لما قلنا أن مضمون الخبر المتضمن لدخول أعلم يهود المدينة على عمر بعد فوت (موت) أبي بكر وأرشد عمر له إلى أمير المؤمنين عليه السلام وسؤاله إياه عن ثلاث وثلاث وواحدة روي بطرق ستة أو غير هذا الطريق وكلها خالية عن ذلك.
أولها: الكليني نفسه مع الإكمال رويا بإسنادها "عن البرقي عن عبد الله عن القاسم عن حيان السراج عن داود بن سلمان الكتاني عن أبي الطفيل قال: شهدت جنازة أبي بكر - إلى ان قال - قال عليه السلام: إن لمحمد اثني عشر إماماً عدلاً لا يضرهم خذلان من خذلهم، لا يستوحشون بخلاف من خالفهم وإنهم أرسى في الدين من الجبال الرواسي في الأرض، وسكن محمد صلى الله عليه وآله في جنته معه، أولئك الاثني عشر الأئمة العدل فقال: "صدقت"، لكن الأول، رواه عن حنان بن السراج والشياني عن حيان السراج وهو الأصح.
وثانيهما: الإكمال فقط روى بلفظ آخر وطريق آخر "عن أبي الطفيل قال: شهدنا الصلاة على أبي بكر - إلى أن قال - قال عليه السلام: يا يهودي يكون لهذه الأمة بعد نبيها اثنا عشر إماماً لا يضرهم خلاف من خالفهم - إلى ان قال - والذين يسكنون معه في الجنة هؤلاء الأئمة الاثنا عشر، قال له اليهودي: أشهد بالله لقد صدقت.
وثالثهما: للنعماني روى بإسناده عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني عن أبي هارون العبدي عن عمر بن أبي سلمة - ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله - وعن ابي الطفيل قالا: شهدنا الصلاة على ابي بكر - إلى أن قال - قال عليه السلام: يا يهودي ان لهذه الامة اثنا عشر إماماً عدلاً كلهم هاد مهدي، لا يضرهم خذلان من خذلهم - إلى ان قال - : واما الذين مع محمد صلى الله عليه وآله في منزلته فالاثنا عشر الأئمة المهديون الخبر.
ورابعها: للإكمال روى بإسناده عن أبي يحيى المدني قال: جاء يهودي إلى عمر - إلى أن قال - قال عليه السلام: يا هاروني لمحمد صلى الله عليه وآله بعده اثنا عشر إماماً عدلاً لا يضرهم خذلان من خذلهم - إلى أن قال - : والذين يسكنون معه هؤلاء الاثنا عشر فأسلم الرجل - الخبر -.
وخامسها: للإكمال أيضاً روى بأسانيد معتبرة عن ابن فضال عن ابن محرز عن محمد بن سماحة الكندي عن إبراهيم بن يحيى المدني عن الصادق عليه السلام قال: لما بايع الناس بعد موت أبي بكر - إلى أن قال - قال عليه السلام: فإن لهذه الأئمة اثني عشر إماماً هادين مهديين لا يضرهم خذلان من خذلهم - إلى: أن قال - وأما قولك من معه في الجنة من أمته فهؤلاء الاثنا عشر أئمة الهدى قال الفتى: صدقت - الخبر -.
وسادسها: له وللعيون والخصال مسنداً عن صالح بن عقبة عن الصادق عليه السلام قال: لما هلك أبو بكر - إلى أن قال - قال اليهودي له عليه السلام: كم لهذه الأمة من إمام هدى لا يضرهم من خالفهم؟ قال عليه السلام: اثنا عشر اماماً قال: صدقت - إلى أن قال - قال: فمن ينزل معه في منزله؟ قال: اثنا عشر إماماً قال: صدقت - الخبر -.
وكلها خال من الإشكالين والأصل في جميعها واحد بلا شبهة فالواجب الأخذ في المتفق عليه كما هو القاعدة.
ثم إن ظاهر خبر العنوان من الكافي أنه مشتمل على سندين أحدهما من الصادق عليه السلام والثاني عن الخدري إلا أنه لا يخلو من تشويش فإن الواجب أن يقال بعد السند الأول: (قال عليه السلام لما هلك أبو بكر)، وبعد السند الثاني (قال: كنت حاضراً لما هلك أبو بكر) - ولولا أن الخبر روى عن الصادق عليه السلام كما عرفت من الطرق الثلاثة الأخيرة لقلنا إنه سندٌ واحدٌ، وإن المراد (بأبي عبد الله) فيه أحد الرواة وإن كلمة عليه السلام بعده من زيادات النساخ توهماً فليست الكلمة في الغيبة.
ثم إن المجلسي بناء على الظاهر من تعدد السند في ذاك الخبر حكم بعامية الإسناد الثاني منه، وليس كذلك فليس فيه من يحتمل عاميته سوى أبي هارون العبدي مع أنه إمامي فروى أمالي المفيد أنه كان أولاً خارجياً فرجع إلى الإمامة بإرشاد الخدري الذي روى عنه في هذا الخبر له.
ثم إن في خبر العنوان لتحريفاً آخر وهو سقوط جوابه عن السؤال عن الواحدة وقد ذكر في باقي الطرق، ومنها طريق الكليني نفسه في خبر أبي الطفيل ففيه - بعد الجواب عن الثلاث الثانية- (قال: فأخبرني عن الواحدة: أخبرني عن وصي محمد صلى الله عليه وآله كم يعيش من بعده؟ وهل يموت أو يقتل؟ قال: يا هاروني يعيش بعده ثلاثين سنة لا يزيد يوماً ولا ينقص، ثم يضرب ضربة- الخبر).
لكن فيه أيضاً إشكال فإن مقتضى عيشه عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله ثلاثين سنة بلا زيادة يوم ولا نقصان توافق شهر وفاتهما ويومها مع أنه اتفقت الخاصة على كون وفاة النبي صلى الله عليه وآله في ٢٨ من صفر، أو ١٢ ربيع الأول، وكون وفاة أمير المؤمنين عليه السلام في شهر رمضان في ليلة ٢١ أو ٢٣ فالظاهر زيادة قوله (لا يزيد يوماً ولا ينقص) لعدم ذكره في غيره، وغير الخامس.
هذا وحيث إن أحد عشر عليهم السلام منهم من ولد النبي صلى الله عليه وآله وذريته كالصديقة يعتري الغفلة للكثير من الناس بإطلاق الولادة على الاثني عشر فهذا ابن طاووس مع فضله وكماله قال في إقباله - في ضمن شرح التفضلات التي تضمنها مولد النبي صلى الله عليه وآله: (ومنها أنه صلى الله عليه وآله شرف باثني عشر من مقدس ظهره قائمون بأمره وسره) اللهم إلا أن يكون (اثني عشر) من تصحيف النسخة أو يكون أراد الصديقة عليها السلام مع أحد عشر إماماً عليهم السلام.
هذه الأخبار الخمسة الموهمة لكون الأئمة ثلاثة عشر التي أجبنا عن جميعها بنقل الأربعة الأولى بعينها بلفظ آخر صحيح من أصول أخرى، ومنها الأولان اللذان نقلناهما من أصل أبي سعيد الذي نقل عنه الكافي، وبنقل الأخير بمعناه بلفظ صحيح من طرق ستة- لم ينته سند واحد منها إلى سليم بن قيس الهلالي- فإن الأربعة الأولى تنتهي إلى الباقر عليه السلام، والخامس تنتهي طرقه الثلاثة الأخيرة إلى الصادق عليه السلام، والثلاثة الأولى إلى أبي الطفيل وعمر بن أبي سلمة، وينتهي طريق العنوان إلى أبي سعيد الخدري. لكن قال النجاشي في عنوان (هبة الله أحمد بن محمد): (إنه كان يتعاطى الكلام ويحضر مجلس أبي الحسين بن شيبة العلوي الزيدي المذهب فعمل له كتاباً وذكر أن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد بن علي بن الحسين واحتج بحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي أن الأئمة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين عليه السلام.
الرد الثاني:
إن احتدام الصراع بين التوجهات الزيدية المنحرفة والتي حاولت إضفاء الشرعية على إمامة زيد بن علي قدس سره وكونه أحد الأئمة الاثني عشر، سعت بعض الأوساط إلى إضافة اسم زيد بن علي إلى أسماء الأئمة الاثني عشر ليكونوا ثلاثة عشر، ولعل أكثر التصحيفات وردت على يد نساخ زيدية، منهم أبو الحسين بن شيبة العلوي الزيدي الذي احتج بكتاب سليم بن قيس وذكر أن الأئمة ثلاثة عشر. إلا أن النجاشي ذكر في عنوان هبة الله أحمد بن محمد: (أنه كان يتعاطى الكلام ويحضر مجلس أبي الحسين بن شيبة العلوي الزيدي المذهب فعمل له كتاباً وذكر أن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد بن علي بن الحسين واحتج بحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي أن الأئمة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين عليه السلام)(١٠).
وواضح من سياق كلامه أن الأئمة أثنا عشر في كتاب سليم بن قيس لولا إضافة العلوي الزيدي إلى عددهم زيد بن علي ليكونوا ثلاثة عشر، وأنت ترى أن التحريف كان على يد الحسين بن شيبة العلوي الزيدي الذي أراد أن يؤكد مذهبه بإضافة زيد بن علي ليتم ثلاثة عشر خلاف الأصل، المنقول عن سليم وسيأتي التحقيق في محله انشاء الله.
الرد الثالث:
إن من أسباب تضعيف كتاب سليم بن قيس هو ما ادعاه ابن الغضائري من وجود ما يدل في كتاب سليم أن الأئمة عددهم ثلاثة عشر.
وقد أوجب ذلك - أن صحة النسبة لكتاب سليم - أن يضعف هذا الكتاب ويرد، وذلك يعني أن سليم بن قيس قد خالف الإمامية بل المسلمين في أن الأئمة ثلاثة عشر حيث يعد ذلك خلافاً للضرورة وعندها فمن حق ابن الغضائري وغيره أن يرد سليم بن قيس إن تبنت هذه النسبة.
شبهة وجود رواية الثلاثة عشر إماماً في كتاب سليم بن قيس:
ولكن هل صحيح ما نسب إلى سليم بن قيس من وجود مثل هذه الروايات التي تشير إلى ثلاثة عشر إماماً، أم إن هناك حالة ارباك وقع فيها ابن الغضائري بعد مراجعته لبعض نسخ كتاب سليم بن قيس لروايات نشير اليها توحي في بادئ الأمر إلى تلقي الروايات على أن المقصود من الأئمة ثلاثة عشر. إلا أننا سنشير إلى ثلاثة شواهد تؤكد نفي شبهة الثلاثة عشر من روايات سليم:
الشاهد الأول:
الاستشهاد بروايات سليم بن قيس في أن الأئمة أثنا عشر وممن استشهد على ذلك:
١ - المؤرخ المسعودي مستشهداً بقول سليم بن قيس في أن الأئمة أثنا عشر قال: (والقطعية بالإمامة الاثني عشر منهم الذين أصلهم في حصر العدد ما ذكره سليم بن قيس الهلالي في كتابه، وأن إمامهم المنتظر ظهوره في وقتنا هذا المؤرخ به كتابنا، محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم اجمعين.(١١)
٢ - ابن شهر آشوب:
روى عن ابن عباس عن سليم بن قيس الهلالي: أنه جرى بين عبد الله بن جعفر ومعاوية كلام فقال عبد الله: سمعت رسول الله يقول: (إنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم فإذا استشهد علي بن أبي طالب فالحسن بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم ابني الحسين من بعده أولى بالمؤمنين من أنفسهم فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين الأكبر أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم ابني محمد بن علي الباقر أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا جابر ثم تكمله اثني عشر إماماً تسعة من ولد الحسين...)(١٢).
٣ - قال في البحار: وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار عليهم السلام فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح رواها نيف وأربعون من الثقات العظام، والعلماء الأعلام في ازيد من خمسين من مؤلفاتهم كثقة الإسلام الكليني والصدوق حتى عدو من العلماء ثم قال: وسليم بن قيس الهلالي.(١٣)
٤ - قال الميرزا محمد بن عبد النبي النيشابوري: (وحديث أسامي الأئمة الاثني عشر على ترتيبهم ذكره سليم بن قيس الهلالي في اصله..) (١٤)
إلى غير ذلك ممن استشهد به الأعلام حيث رجعوا إلى أصل سليم بن قيس الهلالي الذي أكد أن الأئمة اثني عشر.
الشاهد الثاني:
إننا لم نجد في روايات سليم بن قيس الهلالي ذكر أن الأئمة ثلاثة عشر، نعم هناك ما يوهم في بعض الأحاديث على العدد ثلاثة عشر لكن ما يزيل هذا الوهم أمران:
أحدهما: التصريح بأن الأئمة اثني عشر كما في الحديث التالي: قال أمير المؤمنين عليه السلام: فقلت يا رسول الله سمهم لي (أي الأوصياء) فقال: ابني هذا - ووضع يده على رأس الحسن ثم ابني هذا - ووضع يده على رأس الحسين - ثم ابن ابني هذا - ووضع يده على رأس الحسين ثم ابن له على اسمي اسمه محمد باقر علمي وخازن وحي الله وسيولد علي في حياتك فأقرئه مني السلام، فاقبل على الحسين فقال: سيولد لك محمد بن علي في حياتك فأقرئه مني السلام، ثم تكمله الاثني عشر إماماً من ولدك يا أخي.(١٥)
ثانيهما: عند ورود أن الأئمة ثلاثة عشر في الرواية، فإنه يرِد معها تصريح بان الأئمة اثني عشر، او ما يكون قرينه على ذلك. ومثاله:
في قوله تعالى: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (فقام سلمان فقال: يا رسول الله من هؤلاء الذين أنت عليهم شهيد وهم شهداء على الناس الذين اجتباهم الله وما جعل عليهم في الدين من حرج ملة أبيهم؟ قال صلى الله عليه وآله: عني بذلك ثلاثة عشر إنساناً، ثم قال: أنا وأخي علي بن ابي طالب واحد عشر من ولدي واحداً بعد واحد..).
فقد أوضح صلى الله عليه وآله ما المقصود من اثني عشر.
الشاهد الثالث:
إن ابن الغضائري لم يعين موارد الثلاثة عشر في كتاب سليم بن قيس الهلالي، بل أورد مجرد شبهة الثلاثة عشر دون ذكر ورودها، ولعله عنى بذلك الروايات التي يبدو فيها العدد ثلاثة عشر، لكنها بعد ذلك تلحق بقرائن التوضيح والتصريح على الأئمة الاثني عشر، وبذلك فلا يستند على ما أورده ابن الغضائري من شبهته على كتاب سليم بن قيس الهلالي ولا داعي لأحدٍ أن يجعل كلام ابن الغضائري حجة ما لم يتابع ذلك بنفسه، فلعل دخول هذه الشبهة على ابن الغضائري من عدم متابعة سياقات الروايات الواردة فيها أن الأئمة ثلاثة عشر.
الرد الرابع:
وقفة مع هذه الروايات:
إن الملاحظ في هذه الروايات الخمسة شمولها على معنى واحد، وهو كون الأئمة ثلاثة عشر وبألفاظ مختلفة، ومن أجل الوقوف على هذه الروايات ومتونها بغض النظر عن أسانيدها، نجدها لا تصمد إزاء الإشكالات التي يثيرها البحث، بل لابد من ملاحظة أمور، ستتم إثارتها فيما بعد، ولابد هنا من التعرض إلى أمور:
الأمر الأول:
ضرورة سلامة الخبر:
إن ملاحظة الأخبار الواردة على لسان النبي صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام يشترط سلامتها من معارضة ثلاثة أمور:
الأول: معارضتها للقرآن الكريم: إذ الروايات التي ترد على لسانهم عليهم السلام لا يمكن أن تتعارض في مفاهيمها مع الآيات القرآنية، كونها ضرورة دينية لا يمكن مخالفتها، أو إلغاء مضامينها، بل تأتي هذه الروايات على نسقٍ تفسيري ينسجم والضرورة الدينية، أي ما تطرحه المفاهيم القرآنية بكل توجهاتها، لذا فأية مخالفة من هذا القبيل لا تنسجم والأطروحة القرآنية مرفوضة غير مأخوذ بها (فاضربوا بها عرض الجدار) كما في تعبير الإمام الحسن العسكري عليه السلام، لأن الروايات الواردة عن النبي وأهل بيته عليهم السلام تعضّد ما ورد في القرآن الكريم غير مخالفةٍ له بأي حال، لذا فهي ساقطة عن الاعتبار.
الثاني: أن لا تخالف السنة النبوية وتعارضها، فالمسلمات المأخوذة من السنة الشريفة تنسجم في واقعها مع الضرورة الدينية أو المذهبية، فكيف تُقبل روايات تعارض السنة وتناقضها وهي مؤكدة لها ومساندةً لمداليلها؟.
الثالث: أن لا يكون هناك تناقض عقلي تأتي به هذه الروايات، وإلا ستكون مرفوضةً من الناحية العقلية خصوصاً في مجال المستقلات العقلية، فإن معارضتها يوجب اسقاط الرواية من الأساس.
إذا عرفنا ذلك؛ فلابد من التوقف في هذه الروايات وكونها معارضة لضرورة المذهب التي تقتضي أن يكون الأئمة اثني عشر.
الأمر الثاني:
إجماع الإمامية على أن الأئمة اثني عشر:
من المفيد جداً أن نستذكر جهود الإمامية في التنبيه على إجماعاتهم في أن الأئمة اثنا عشر إماماً، والتركيز على ذلك في الوقت الذي تتصاعد صيحات المعتزلة الذين أرادوا حرف مسار أحاديث النبي صلى الله عليه وآله على أن الأئمة اثني عشر، أو محاولات التشويش المتلبسة بلبوسٍ علمي، أو المتشدقة بأسلوب الجدل والتفويض للسنة.
المعتزلة.. الجهود المحبطة:
فقد ازدادت جهود المعتزلة ونشطت محاولاتهم في القرن الرابع الهجري، وتمرير دعاوى الإنكار لأحاديث النبي صلى الله عليه وآله فقد برزت في هذا المضمار جهود المعتزلة في الجدل والمناظرة أمثال القاضي عبد الجبار المتوفي ١٤٥ هـ، وكأبي القاسم الكعبي المتوفي ٣١٧ هـ، وكأبي هاشم الجبائي المتوفي ٣٢١ هـ، وأبي رشيد سعيد بن محمد النيسابوري المتوفي ٤٤٠ هـ، ولم تنته جهود هؤلاء إلى النجاح بعدما تصدى لهم علماء الإمامية للرد على هذه الآراء في إنكار امامة الأئمة، وحاولوا إحباط مشاريعهم بشكلٍ ألغى حتى وجودهم، فلم يبقَ من المعتزلة إلا نظرياتهم في هذا الشأن دون أن تبقى لهم قواعد علمية أو أنشطة جماهيرية تلتزم أطروحتهم، حتى بقيت نظريات يتداولها المجال التحقيقي كقضية تاريخية فقط وعلى مستواها التنظيري.. ونعزو ذلك إلى سببين:
الأول: عدم قبول هذه الأطروحة - نظريات المعتزلة - على المستوى الشعبي كون ذلك يخالف ضرورات الدين وبديهيات العقل، مما جعل الأمة تستبعد هذا الاتجاه وتعمل على إلغائه.
الثاني: جهود الإمامية الذين بذلوا مساعيهم في هذا الشأن من أجل إحباط هذه المحاولات المرتجلة التي تودي بثوابت الأمة وضرورات الدين.
ولعلنا نعزو إقصاء المعتزلة وأفكارها المتطرفة في إلغاء إمامة الاثني عشر إلى الجهود المتميزة لعلماء الإمامية الذين تصدوا إلى هذه المشاريع الجاحدة لإمامة الأئمة، فكانت هناك مدارس كلامية أقامها العلماء في المناظرة وعلم الكلام.
جهود الإمامية في إثبات النص على الأئمة الاثني عشر:
إن أول ما يطالعنا في هذا الشأن من الجهود المتميزة هو الشيخ المفيد قدس سره الذي عقد المناظرات ومجالس البحث والتحقيق في إثبات إمامة الأئمة الاثني عشر ودفع غلواء شبهات المعتزلة، فضلاً عن غيره من العلماء منهم:
١ - الشيخ ابن بابوية القمي وقد ألف كتاب (الإمامة أو التبصرة من الحيرة) وهو من علماء القرن الرابع، حيث توفي ٣٢٩ هـ.
٢ - العلامة محب الدين الطبري الشيعي أوائل القرن الرابع له كتاب (المسترشد في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)، وكذلك له كتاب (دلائل الإمامة).
٣ - الشيخ الصدوق ٣١٨ هـ له كتاب (إثبات النص على الأئمة).
٤ - ابن أبي عياش الجوهري ٤٠٩ هـ له كتاب (مقتضب الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر).
٥ - الشيخ أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي ٤٤٩ هـ له كتاب (الاستنصار في النص على الأئمة الأطهار).
٦ - الخزار القمي أبو القاسم علي بن محمد بن علي الخزار الرازي من أعلام القرن الرابع له كتاب (كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر).
٧ - السيد المرتضى من أعلام القرن الرابع له كتاب (الشافي في الإمامة).
٨ - الشيخ الطوسي من أعلام القرن الرابع له كتاب (تلخيص الشافي).
إلى غير ذلك من الكتب التي ألفها علماء الإمامية في هذا الشأن.
محاولات التشكيك... مرحلة ما بعد الغيبة الصغرى:
ولم تقتصر دواعي جهودهم على ما أحدثته محاولات المعتزلة في هذا الشأن، بل كانت تداعيات الغيبة الكبرى ومحاولات البعض لفرض رؤيته حول التشكيك في إمكانية وجود الاثني عشر، إماماً داعياً لهذه البحوث العلمية (الاستثنائية) والتي تحجمت بسببها جهود السلطة، فضلاً عن محاولات أصحاب الفرق التي حاولت استغلال هذه الفترة التي أعقبت وفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري، وانقطاع الاتصال بالإمام الثاني عشر، والتي خلقت حالة استنفار لجميع التوجهات السياسية والفكرية في إلقاء شبهاتها لزعزعة الوضع العقائدي الشيعي الذي يمر وهو إبان نهاية الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى، وبالأحرى فهو في نهاية تجربة السفراء الذين كانوا حلقة الوصل بين الإمام المهدي عليه السلام وبين قواعده، وهي بداية التجربة الصعبة في اعتماد الشيعة على علمائها دون وجود الإمام ولو على مستوى الاتصال بينه وبين قواعده عن طريق السفراء، وهي تجربة جديدة تمر بها القواعد الشيعية بعيدة عن الإمام في ظل مطاردات السلطة فضلاً عن مطاردات الشبهات الفكرية المتربصة بها وهي تعيش جربتها الجديدة.. من هنا فستكون القواعد معرَّضةً إلى هزات عنيفةٍ من التشكيك ومحاولات شديدة من زعزعة الاعتقاد الصحيح لتشويه حالات التساؤل والحيرة، ولعل اول مشكلة في هذا الخصوص ستظهر في التشكيك بوجود الإمامة في اثني عشر إماماً، وهكذا تصاعدت محاولات التشكيك في هذا الشأن.
جعفر الكذاب.. شبهة السلطة ومحاولات الإلغاء:
ولم تقتصر هذه الشبهات على انتهاء عصر السفارة وبداية الغيبة الكبرى، بل كانت لمحاولات جعفر وتداعيات دعوى أحقيته بالإمامة ووراثة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، حيث ادعى جعفر أن الإمام لم يورثه أحد، ولم ينجب ولداً، فلابد أن يكون هو (وريثه الشرعي).. وعندما تنطلق مثل هذه الدعوات من جهات لها علاقة القرب النسبي للإمام الحسن العسكري عليه السلام سيكون وقعها شديداً، وتأثيرها من الخطورة ما يسبب إرباكاً في الوضع العقائدي العام، فضلاً عن دفع السلطة في هذا الاتجاه - أي الاتجاه التشكيكي - بمناسبة إثارات جعفر الكذاب في هذا الشأن، وسيكلف ذلك مشكلةً بالغة الخطورة تستدعي استنفار الجهود من أجل إحباط دعوى جعفر وتوجهاته، ومن هو على طريقة جعفر في اقتناص فرصة التحولات الجديدة من عهد الغيبة الصغرى إلى عهد الغيبة الكبرى، وبالتأكيد فإن تحولات الامة بين عهدين خطيرين يثير تساؤلات فكرية كثيرة ينجم عنها توجهات غير رشيدة تسعى إلى إمحاق الحقيقة وإلغائها. وبهذا ستظهر أهمية جهود علماء الإمامية في التصدي لمحاولات الإلغاء والتمويه.
الجهود المتميزة:
لابد لنا من التعرض إلى ما أورده الإمامية من الجهود في إثبات أن الأئمة اثنا عشر، وتثبيت ذلك على مستوى الضرورة بل البديهة الدينية التي لم يتوقف فيها المرتكز الإسلامي، ومحاولة إحباط جهود الدوائر السياسية والفكرية المناهضة للأطروحة الإمامية، لذا فإن علماء الإمامية قد بذلوا جهدهم في هذا الشأن وكان لها وقعها العلمي، وصداها المتميز في إيقاف حملات التشكيك والتعتيم، وكل هذا عن طريق أربع ردود.
الرد الأول: في إثبات أن الأئمة اثنا عشر.
أولاً: روايات الشيعة في الأئمة الاثني عشر.
١ - ما ورد في الكافي من أن الأئمة اثنا عشر:
بالرغم من ذكر الروايات الخمسة في الكافي والتي تشير إلى أن الأئمة ثلاثة عشر، فقد ورد في الباب نفسه ما يؤكد أن الأئمة اثنا عشر إماماً بروايات صحيحة تكاد تكون متواترة، بل هي متواترة إذا ما أضيفت إلى روايات المصادر الأخرى وسنورد بعض هذه الروايات:
١ - الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن محمد بن الحسين عن أبي سعيد العصفوري عن عمرو بن ثابت عن ابي حمزة قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول: إن الله خلق محمداً وعلياً وأحد عشر من ولده من نور عظمته، فأقامهم أشباحاً في ضياء نوره يعيدونه قبل خلق الخلق، يسبحون الله ويقدسونه، وهم الأئمة من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله.
٢ - وبإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوحٌ فيه أسماء الأوصياء من ولدها فعددتُ اثني عشر آخرهم القائم عليه السلام، ثلاثةٌ منهم محمد وثلاثةٌ منهم علي(١٦).
٣ - وبإسناده عن أبي حمزة عن ابي جعفر عليه السلام قال: إن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وآله إلى الجن والانس وجعل من بعده اثني عشر وصياً، منهم من سبق ومنهم من بقي، وكل وصيٍ جرت به سنة، والأوصياء الذين من بعد محمد صلى الله عليه وآله على سنة أوصياءِ عيسى وكانوا اثني عشر، وكان أمير المؤمنين عليه السلام على سُنة المسيح(١٧).
٤ - وبإسناده عن الحسن بن العباس بن الحريش عن أبي جعفر عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عباس: إن ليلة القدر في كل سنة، وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ابن عباس: من هم؟ قال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدّثون.(١٨)
٥ - وبالإسناد نفسه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: آمنوا بليلة القدر إنها تكون لعلي بن أبي طالب ولولده الأحد عشر من بعدي.(١٩)
٦ - وبهذا الإسناد أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لأبي بكر يوماً: (لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) وأشهد أن محمداً رسولَ الله صلى الله عليه وآله مات شهيداً، والله ليأتينّك إذا جاءك فإن الشيطان غير متخيلٍ به، فأخذ علي بيد أبي بكر فأراه النبي صلى الله عليه وآله قال له: يا أبا بكر آمن بعلي وبأحد عشر من ولده، إنهم مثلي إلا النبوة، وتب إلى الله مما في يدك فإنه لا حقَّ لك فيه، قال: ثم ذهب فلم يُرَ.(٢٠)
٧ - الكليني بإسناده إلى علي بن ابراهيم عن ابن أبي عمير عن سعيد بن غزوان عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: يكون تسعة أئمةٍ بعد الحسين بن علي عليهما السلام، تاسعهم قائمهم.(٢١)
٨ - وبإسناده عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشاء عن أبان عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: نحن اثنا عشر إماماً منهم حسن وحسين ثم الأئمة من ولد الحسين عليه السلام.(٢٢)
٩ - الكليني بإسناده عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن كرّام قال: حلفتُ بيني وبين نفسي أن لا آكل طعاماً بنهارٍ أبداً حتى يقوم قائم آل محمد، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلتُ له رجل من شيعتكم جعل لله عليه أن لا يأكل طعاماً بنهارٍ أبداً حتى يقوم قائم آل محمد؟ قال: فصُم إذاً يا كرّام، ولا تصم العيدين ولا ثلاثة التشريق ولا إذا كنت مسافراً ولا مريضاً فإن الحسين عليه السلام لما قُتل عجّت السماوات والأرض ومن عليها من الملائكة فقالوا: يا ربنا ائذن لنا في هلاك الخلق حتى نجدهم عن جديد الأرض بما استحلوا حرمتك وقتلوا صفوتك، فأوحى الله إليهم: يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي اسكنوا، ثم كشف حجاباً من الحجب فإذا خلفه محمد واثنا عشر وصياً له عليهم السلام وأخذ بيد الفلان القائم من بينهم فقال: يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي، بهذا أنتصرُ لهذا - قالها ثلاث مرات -.(٢٣)
١٠ - الكليني عن محمد بن يحيى وأحمد بن محمد عن محمد بن الحسين عن ابي طالب عن عثمان بن عيسى عن سماحة بن مهران قال: كنت أنا وأبو بصير ومحمد بن عمران: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: نحن اثنا عشر مهدياً فقال له أبو بصير: سمعت من أبي عبد الله عليه السلام فحلفه مرة أو مرتين أنه سمعه فقال أبو بصير: لكني سمعت من أبي جعفر عليه السلام(٢٤).
٢ - روايات الأئمة الأثني عشر عند الخزار القمي:
وهو علي بن محمد بن الخزار القمي الرازي من علماء القرن الرابع الهجري له كتاب (كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثني عشر) فقد بذل جهداً متميزاً في الإتيان بأخبار النص على الأئمة الاثني عشر، بل ضرورة أن الأئمة أثنا عشر، وقد أشار في مقدمة كتابه إلى سبب تصنيفه لهذا الكتاب قوله: (إن الذي دعاني إلى جمع هذه الأخبار عن الصحابة والعترة الأخيار في النصوص عن الأئمة الأبرار؛ أني وجدت قوماً من ضعفاء الشيعة ومتوسطيهم في العلم متحيرين في ذلك ومتعجزين، يشكون فرط اعتراض الشبهة عليهم، وزمرات المعتزلة تلبيساً وتمويهاً عاضدتهم عليه، حتى آل الأمر بهم أن جحدوا أمر النصوص عليهم من حجة يقطع العذر بها، وزعموا أن ورود هذه الأخبار في النصوص عليهم من جهة لا يُقطع بمثلها العذر، حتى أفرط بعضهم وزعم أن ليس لها عن الصحابة أثر، ولا عن العترة خبر.. وفي موضعٍ آخر قال: في الأحاديث التي دلت على إمامة الأئمة الاثني عشر وهي كثيرة مروية عن أكابر الصحابة، بالرواة الأمناء المذكورة بالأسماء والكنى، معنعناً متصلاً اليها، لا يشك في صحتها وأسانيدها، إلا من كان نسبه منقطعاً عن أبويه ولا توارث بينهم.. إلى آخر كلامه رضوان الله عليه.
وكلام الخزار القمي في القطع على تواتر الروايات في الأئمة الاثني عشر عليهم، وأنه من ضرورات الدين التي لا يمكن نكرانها أو الشك فيها.
٣ - روايات الأئمة الاثني عشر عند الطوسي في كتاب الغيبة:
لم يختلف الشيخ الطوسي قدس سره عن الكليني في أن عدد الأئمة اثنا عشر إماماً، تماماً كما ذكرها الكليني وأسانيد بعضها مختلفة عنه، وأخرى متفقة فيه، فضلاً عن الصحيفة الفاطمية التي رواها جابر بن عبد الله الأنصاري والتي تؤكد أسماءهم عليهم السلام وصفاتهم وألقابهم، ولم تذكرها لطولها، وهي الصحيفة التي أقر ما جاء فيها الإمام الباقر عليه السلام مطابقاً مع ما ذكره جابر بن عبد الله الانصاري في أسماء الأئمة وصفاتهم، ولهذا فلا نجد فرقاً بين ما اورده الكليني في الكافي وبين ما أورده الشيخ في الغيبة.
٤ - روايات الأئمة الأثني عشر عند العلامة الكراكجي:
هو العلامة أبو الفتح محمد بن علي عثمان الكراكجي، وهو من علماء الإمامية المشهورين بالوثاقة وغزارة العلم، ومن الطبقة العليا في جلالته ومنزلته، معاصر للشيخ الطوسي قدس سره أي من علماء القرن الرابع له كتاب: (الانتصار في النص على الأئمة الأطهار) وهو انتصار لمن سأله عن معاندة الخصم والانتصار عليه لقوله بإمامة الأئمة الاثني عشر حيث تأتي مقدمة كتابه مشفوعة في الأسباب والدواعي لتأليف هذا الكتاب فيقول: (ولما بلغني ما جرى بينك وبين خصمك من المناظرة في الإمامة ومطالبته بذلك ما يراد النصوص على المناظرة في الإمامة على أعيان الأئمة، وتعجبه من القطع على أنهم صلوات الله عليهم اثنا عشر، واستبعاده أن يصح في ذلك ورود خبر، عملت لك هذا الكتاب حجة وعمدةً، وجعلت ما أودعته من النصوص ذخيرة وعدة، يشد به عصر الولي الموالف، ويكبت به مضمونه قلب العدو المخالف، حسب ما يلزمني لك من الحق الواجب، ويتعين علي في نصرة المحق من الغرض اللازب، عند وجود التيسير والاختيار، وعدم التعذر والأعذار، ثم قال: (اعلم أيدك الله وأرشدك إلى ما يرضيه، وأحسن لك العون على ما تبتغيه، أن الله جل اسمه قد يسر العلماء الشيعة من وجود الأدلة العقلية والسمعية على صحة إمامة اهل البيت عليهم السلام ما يثبت ببعض الحجة على مخالفيهم، كل فن منها يرشد المثبت إلى أصله، وكل نوع يورد المتمسك على جنه، فالعقليات دالة على الأصل من وجوب الحاجة إلى الإمام في كل عصر، وكونه على صفات معلومة يتميز بها عن جميع الأمة، ليست موجودة في غير من أشار إليه، ولا مدعاة بسوى من اعتدوا عليه، والسمعيات منها القرآن الدالة في الجملة على إمامتهم وفضلهم على الأنام، ومنها: الأخبار الواردة فيهم بالنص والتعيين عليهم).(٢٥)
وظاهر كلامه أن كتابه جاء على خلفيات الصراع الفكري الذي أحدثته فترة التشكيك بإمامة الأئمة، وبسب تداعيات الإنكارات المعلنة من قبل المعتزلة من جهة ومن قبل جعفر الذي ادعى وراثة أخيه، فكان هياجاً فكرياً عاصفاً بوجودات عقائدية كفرق الشيعة التي لم تعترف بالاثني عشر، بل توقفت عند بعضهم كالإسماعيلية والباقرية والهاشمية وغيرهم من فرق الشيعة المتشرذمة بسبب عقائدها في الأئمة الاثني عشر عليهم السلام.
٥ - الأئمة الاثنا عشر عند الشيخ ابن عياش:
الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن عياش بن إبراهيم بن أيوب من علماء الإمامية، وفي طلائع القرن الرابع الهجري بل يعد من علماء أواخر القرن الثالث، فقد روي عنه الشيخ الصدوق وابن سيبويه وغيرهما من أجلة العلماء، له كتاب موسوم بـ (مقتضب الأثر في إمامة الاثني عشر عليهم السلام)، وهو من أنفس الكتب وأجمعها على الرغم من صغر حجمه، قال العلامة النوري عن كتابه هذا: (مع صغر حجمه من نفائس الكتب)، وقال النجاشي في ترجمته: (وكان - ابن عياش - من أهل العلم والأدب القوي وطيب الشعر حسن الخط، وكان أبوه وجده من وجوه أهالي بغداد أيام آل حماد، والقاضي أبو عمرو وأمه سكينة بنت الحسين بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن أخ القاضي أبي عمر بن محمد بن يوسف له كتب منها كتاب الشامل ويقال له كتاب الاشتمال على معرفة الرجال وكتاب أخبار أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، وكتاب شعر أبي هاشم المذكور وكتاب الجعفي وكتاب أخبار السيد وكتاب في اللؤلؤ وصفته وانواعه وكتاب ذكر من روى الحديث من بني ناشرة، وكتاب أخبار الوكلاء للأئمة عليهم السلام وكتاب ما نزل من القرآن في صاحب الزمان عليه أفضل الصلاة والسلام وكتاب مقتضب الأثر في إمامة الاثني عشر عليه السلام...)(٢٦).
وابن عياش يحذو حذو من ابتكر طريقة الاستدلال بروايات الآخرين في إثبات إمامة الأئمة فهو يذكر روايات أهل السنة مطبقاً لعددهم الاثني عشر، ثم يؤيد دراسته هذه بشواهد الأشعار على إثبات أن الأئمة أثنا عشر، وأن بعض الأشعار قيلت فيهم قبل ولادتهم استناداً إلى الأحاديث التي وردت عن النبي صلى الله عليه وآله في شأنهم، وهذه طريقة مبتكرة في هذا المجال لعله لم يسبقه إليه أحد، أو سبقه ولم تشتهر نسبتها إليه، قال الشيخ ابن عياش في أسباب ودواعي هذا التأليف: (... وقد ذكرت في كتابي هذا من مقتضي الآثار ما أدته إلينا رواة الحديث من مخالفينا من النص على أئمتنا عليهم السلام من الروايات الصحيحة والتوقيف على أسمائهم وأعيانهم، وأعدادهم، موافقاً لرواياتنا فنقلته عنهم نقل مثلوا له بالقبول لشهادتهم لنا بتصديقنا، ووجود ما في روايتهم من ذكر أئمتنا عليهم السلام كما كان اسم نبينا محمد صلى الله عليه وآله موجوداً عند أهل الكتب في التوراة والإنجيل فكتبت في ذلك جزءاً مفرداً وهو هذا، وتلوته بجزء ثان يشتمل على شواهد الأشعار والأخبار السالفة على الزمان والأعصار في أسماء الأئمة، وذلك قبل كمال عددهم وعدتهم ليكون ذلك دليلاً ظاهراً وبرهاناً باهراً متوخياً وصلتهما بجزء ثالث متوخياً متضمناً لرواياتنا خاصّة، واوضح عنه صحيح الرواية وصريحها والكشف عن إدخال من أدخل فيها متوخياً في جميع ذلك رضا الله تعالى...).
وتجد ابن عياش هنا يؤكد ضرورة استحداث الوسائل الإثباتية للاستدلال بها على إمامة الاثني عشر، فقد بلغ جهداً مضنياً في تقصي بعض أخبار أهل السنة في الرواية على الأئمة الاثني عشر، في وقت تخسر فيه امكانية متابعة المصادر الاخرى للفرق الاسلامية، فالسلطة العباسية وهي تعيش في أواخر عهودها تعاني الهزيمة والفشل من الحركات المناوئة لها - خصوصاً الشيعية منها - وأي نشر لمثل هذه الأحاديث يعد دعماً لمشروعية هذه الحركات المناوئة، فكيف يبقى والحال هذه أصلاً من الأصول الحديثية متداولاً للوقوف على حقائق الروايات؟.
٦ - روايات الأئمة الاثني عشر عند الحر العاملي:
ولنتجاوز التسلسل التاريخي لبحوث (الاثني عشر إماماً) إذ إننا سنقتصر على بعض البحوث التي اسهمت في تأسيس السياقات البحثية في هذا المجال.. ولم تتوقف هذه البحوث بل هناك نقلات واسعة في تقديم رؤى إسلامية مهمة لاثبات الاثني عشر، ولعل الشيخ الحر العاملي سينشط في هذا المجال ليدفع هذه البحوث إلى آفاق اخرى.. ففي كتابه (إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات) أثبت الحر العاملي طرقاً أخرى من نصوص إمامة الأئمة الاثني عشر معضداً ذلك بالمعجزات التي تثبت إمامتهم، وتؤكد حجيتهم، وبذلك يعد هذا الكتاب من أبرز الكتب التي أسهمت في هذا الشأن، وأضافت لمثل هذه البحوث قيمة علمية أخرى.
الأمر الثالث:
روايات السنة في الأئمة الاثني عشر:
ولم ينفرد الإمامية في روايتهم لأحاديث الاثني عشر، بل صرحت مرويات أهل السنة في أن الأئمة اثنا عشر، وتواترت مروياتها حتى لم تخلُ صحاحها الحديثية بمدوناتها المختلفة عن إثبات أن الأئمة اثنا عشر وبألفاظ مختلفة، وسنذكر بعض ما وقفنا عليه كنماذج لهذا المنهج الروائي والاتجاه التدويني الذي اهتم به المسلمون ونقلوه صاغراً عن كابرٍ، وسنشير إلى بعض ذلك.
أولاً: البخاري في صحيحه:
روى عن شعبة بن عبد الملك سمعت جابر بن سمرة، قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: يكون اثنا عشر إماماً فقال: كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال كلهم من قريش) (٢٧).
ولا يهمنا الآن سوى العدد الذي نريد إثباته وتثبيته وهو أن اثني عشر إماماً أو أميراً أو خليفة يكونون بعد النبي صلى الله عليه وآله.
ثانياً: صحيح مسلم وروايات الاثني عشر خليفة:
وفي صحيح مسلم ألفاظ مختلفة في الاثني عشر خليفة، وهذا بعض ما رواه مسلم في صحيحه.
أ - رفعه إلى جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وآله فسمعته يقول: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خليفة، قال: ثم كلم بكلام خفي علي قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش.
ب - وحدثنا ابن أبي عمير حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمر عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وآله بكلمة خفيت علي فسألت أبي: ماذا قال الرسول صلى الله عليه وآله فقال: كلهم من قريش).
ج - وبطريق آخر من سماك بن حرب قال: (سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) ثم قال كلمة لم أفهمها. فقلت لأبي: ما قال: فقال: كلهم من قريش).
د - وعن الشعبي جابر بن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة قال: ثم تكلم بشيء لم أفهمه فقلت لأبي ما قال؟ فقال كلهم من قريش).
 هـ - وفي آخر: (لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)..(٢٨)
ثالثاً أبو داود في سننه:
في سند رفعه إلى جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه (عليهم) الأمة، فسمعت كلاماً من النبي صلى الله عليه وآله لم أفهمه فقلت لأبي: ما يقول؟ قال: كلهم من قريش.
ومثله بسنده موسى بن إسماعيل عن وهيب قال حدثنا داود عن عامر عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة قال: فكبّر الناس وضجوا ثم قال كلمة (خفية) قلت لأبي: يا أبه ما قال؟ قال: كلهم من قريش).(٢٩)
رابعاً: ابن الصباغ المالكي:
ولا بد من الانتقال إلى جهود المؤرخين - المحدثين الذين شهدت لهم المدارس التحقيقية حضوراً مهماً في الشأن العلمي التحقيقي، فهذا ابن الصباغ المالكي علي بن محمد بن أحمد المالكي الشهير بابن الصباغ المتوفي ٨٥٥ هـ، أحد من شهد العلماء بفضله حتى لقبوه بألقاب التفخيم مثل: العلامة، الإمام، الشيخ، البحر إلى غير ذلك من الألقاب المشعرة بمكانته عند العلماء.
ترجم العلامة ابن الصباغ المالكي الاثني عشر إماماً في كتابه (الفصول المهمة في معرفة الأئمة) مُشعراً بضرورة الحديث عند المسلمين، ولأن العدد الاثني عشر معروفاً عنده، فابتدأ بالإمام علي عليه السلام وانتهى بالإمام المهدي عليه السلام، وبذل جهداً في إثبات أئمة أهل البيت الاثني عشر من روايات الفريقين، واستشهد بكتب علماء المسلمين، هذا وطبع كتاب الفصول المهمة في معرفة الأئمة عدة مرات.
خامساً: العلامة القندوزي الشافعي:
هو العلامة الشيخ سليمان بن إبراهيم المعروف بخواجة كلان ابن شيخ محمد معروف المشتهر بالبلخي القندوزي الشافعي. في كتاب ينابيع المودة روى حديث "الأئمة من قريش أثنا عشر" بلفظ: (لا يزال الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة..) قال للشيخين أي للبخاري ومسلم، والترمزي وأبي داود بلفظه. أي بنفس اللفظ الذي أورده هذا الحديث. ولم يقتصر على هذا اللفظ، بل أورد حديثاً عن عباية بن ربعي عن جابر قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله أنا سيد النبيين وعلي سيد الوصيين وإن أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم علي وآخرهم القائم المهدي).(٣٠)
سادساً: العلامة سبط ابن الجوزي:
هو شمس الدين أبو المظفر ابن فرغلي بن عبد الله البغدادي الحنفي، وهو سبط الحافظ عبد الرحمن بن الجوزي.
ولد ببغداد سنة ٥٨١ هـ كجده لأمه ابن الجوزي كان حنبلياً في صغره ثم صار حنفياً، مات سنة ٦٦٦ هـ، أثنى عليه العلماء، وقرظه الكثير إلا أنهم اتهموه بالرفض كغيره ممن يذكر الحقائق ويجانب رغبات الحاكم. له المؤلفات الكثيرة وأشهرها (تذكرة الخواص).
ذكر في كتابه هذا ترجمة لأئمة أهل البيت الاثني عشر عليهم السلام مع ذكر مناقبهم ضمنها الروايات الصحيحة، وقد أورد قصيدة أبي الفضل يحيى بن سلامة الخصكفي التي يذكر فيها أئمة أهل البيت الاثني عشر، نورد بعضها:

وسائل عن حب أهل البيت هل ‍* * * أقر إعلاناً به أم أجحد
هيهات ممزوج بلحمي ودمي ‍* * * حبهم وهو الهدى والرشد
حيدرة والحسنان بعده ‍* * * ثم علي وابنه محمد
جعفر الصادق وابن جعفر ‍* * * موسى ويتلوه علي السيد
أعني الرضا ثم ابنه محمد ‍* * * ثم علي وابنه المسدد
الحسن التالي ويتلو تلوه ‍* * * محمد بن الحسن المفتقد
فإنهم أئمتي وسادتي ‍* * * وإن لحاني معشر وفندوا
أئمة أكرم بهم أئمة ‍* * * أسماؤهم مسطورة تطردُ

إلى آخر القصيدة..
وقال آخر:

بأربعة أسماء كل محمد ‍* * * وأربعة أسماء كلهم علي
وبالحسنين السيدين وجعفر ‍* * * وموسى أجرني إنني لهم ولي

سابعاً ابن حجر الهيثمي:
هو المحدث محمد بن حجر الهيثمي المكي الشوقي المتوفي ٨٩٩ هـ له كتب عدة وهو أحد المحدثين الذين عرفوا بخلافهم الشديد مع الشيعة الإمامية، وله كتاب مشهور (الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة) يستعرض فيه حياة الصحابة ثم يذكر اثني عشر إماماً مستعرضاً حياتهم ومناقبهم ومنزلتهم علماً وعبادة وزهداً وورعاً وشجاعة، إلى غير ذلك من الصفات التي لابد أن يتوفر عليها الإمام الحجة والذي لقبه بأبي القاسم محمد الحجة.
الكتاب طبع عدة طبعات لعل آخرها الطبعة المصرية لشركة الطباعة الفنية المتحدة تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف الأستاذ المساعد بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر.
ثامناً: ابن طولون:
مؤرخ دمشق شمس الدين محمد بن طولون المتوفي ٩٥٣ هـ، المعروف بين أهل العلم بأهم المؤرخين الذين وصلت كتبهم المؤلفة والتي بلغت ٧٤٦ كتاباً، أشهرها كتابه المعروف بـ (الأئمة الاثنا عشر) والذي حققه الدكتور صلاح الدين المنجد، وقد ذكر في هذا الكتاب تسلسلهم الاثني عشر مع ترجمة لكل إمام مشفوعة بالمناقب والمعجزات.
وختمها بأرجوزة نظمها ذاكراً فيها ترتيب الأئمة الاثني عشر. يقول:

عليك بالأئمة الاثني عشر ‍* * * من آل بيت المصطفى خير البشر
أبو تراب حسن حسين ‍* * * وبغض زين العابدين شين
محمد الباقر كم علم درى ‍* * * والصادق ادع جعفراً بين الورى
موسى هو الكاظم وابنه علي ‍* * * لقبه بالرضا وقدره علي
محمد التقي قلبه معمورُ ‍* * * على التقى درهُ منثور
والعسكري الحسن المطهر ‍* * * محمد المهدي سوف يظهر

وهكذا يؤكد ابن طولون العلامة في كتابه هذا تسلسل الأئمة الاثني عشر مؤيداً ما ورد من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في الأئمة الاثني عشر عليهم السلام.
هذا هو الرد الأول على الأخبار الخمسة الواردة على أن الأئمة ثلاثة عشر، حيث ظهر إجماع المسلمين من الشيعة والسنة بلا خلاف من أن الذين عناهم النبي صلى الله عليه وآله في أن (الأئمة من قريش) هم اثنا عشر وليس أكثر (ثلاثة عشر) ولا أقل من ذلك أحد عشر، اتفقت كلمة المسلمين على أن الأخبار في الأئمة لا تتعدى اثني عشر إماماً، وبهذا فستكون أخبار الثلاثة عشر مخالفة لإجماع الأمة فضلاً عن إجماع الإمامية.

المبحث الثاني

المهديون من ولد الأئمة الاثني عشر عليهم السلام:
يقف الباحث عند رواية واحدة تشير إلى أن هناك بعد الأئمة الاثني عشر مهديين اثني عشر، والرواية توهم بأن بعد الإمام المهدي عليه السلام أولاداً اثني عشر بلفظ "ابنه"، إشارة إلى الإمام الحجة عليه السلام.
ولابد لنا من استعراض هذه الرواية:
الشيخ الطوسي أخبرنا جماعة عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري عن علي بن سنان الموصلي العدل عن علي بن الحسين بن أحمد بن محمد بن الخليل عن جعفر بن أحمد المصري عن عمه الحسين بن علي عن ابيه عن ابي عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه الباقر عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين عن ابيه الحسين الزكي الشهيد عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الليلة التي كانت وفاته قال لعلي عليه السلام: يا أبا الحسن أحضر صحيفة ودواة فأملى رسول الله صلى الله عليه وآله وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع فقال: (يا علي إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، من بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أول الاثني عشر إماماً سماك الله تعالى في سمائه علي المرتضى وأمير المؤمنين والصديق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون والمهدي.
فلا تصح هذه الأسماء لأحد غيرك يا علي أنت وصيِّ على أهل بيتي حيهم وميتهم، وعلى نسائي فمن ثبتها لقيتني غداً. ومن طلقتها فأنا بريء منها لم ترني ولم أرها في عرصة القيامة، وأنت خليفتي على أمتي بعدي، وإذا حضرتك الوفاة فسلمها ابني الحسن البر الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى الحسين الشهيد الزكي المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى الكاظم فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الثقة التقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد، فذلك اثنا عشر إماماً ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى أول المقربين له ثلاثة أسامي، اسم كاسمي واسم أبي وهو عبد الله وأحمد والاسم الثالث المهدي هو أول المؤمنين).(٣١)
والرواية تتحدث عن قضيتين:
الأولى: أن الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله اثنا عشر إماماً.
الثانية: أن بعد الاثني عشر إماماً اثني عشر مهدي.
أما القضية الأولى:
فقد أشبعنا البحث في النقطة الأولى، بعد أن أشرنا إلى أن عدد الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله اثني عشر وهو ضرورة دينية لا يمكن الخدش فيها، وقد ورد في ذلك عن الفريقين روايات تكاد تكون متواترة، بل تواترت معنى حتى لا يبقى في ذلك شك أو تأويل.
الثانية:
ما أشارت اليه الرواية إلى ان بعد الاثني عشر إماماً، اثني عشر مهديَّاً وهذا يحتاج إلى وقفة لفهم مراد الرواية.
أولاً: لابد من مناقشة سند الرواية ليتبين لنا وثاقة رواتها وصحة ما ورد فيها، بعد ذلك يحق لنا أن نتمسك بأية رؤية تشهد على مهدية الاثني عشر بعد الأئمة، والسند ورد فيه:
١ - أبو عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري: ثقة ٢ - علي بن سنان الموصي العدل: وهو عامي على ما يبدو كما استظهره السيد الخوئي في معجمه قال: كلمة العدل كان يوصف بها بعض علماء العامة، فلا يبعد أن يكون المعنون في المقام منهم. ثم قال: مجهول.
٣ - علي بن الحسين: مشترك بين الثقة وغير الثقة والمجهول. ٤ - أحمد بن محمد بن الخليل: ولعل أحمد بن محمد الخليل ابو عبد الله، مجهول.
٥ - جعفر بن محمد المصري: مهمل.
٦ - عم جعفر بن محمد المصري مهمل.
٧ - الحسن بن علي مهمل وكذلك ابيه.
فالسند رواته بين مجهول وبين مهمل فضلاً عما ذكره الشيخ عن جماعة ولا يُعلم المقصود من الجماعة التي يروي عنها الشيخ قدس سره.
ثانياً: متن الرواية:
بعد أن توقفنا في سند الرواية وأنها مجهولة السند، ومع غض النظر عن هذا الوهن السندي فإننا لا بد أن نقف عند متنها ليتبين لنا أنها تشير إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنها تشير في الظاهر إلى أن بعد الأئمة اثني عشر مهدي، وقد فهم بعضهم أن المقصود من المهديين هم أئمة آخرون بعد الإمام الثاني عشر وذلك يظهر من عبارة (ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً).
وللإجابة عن هذه الشبهة:
إن لفظ "مهدي" لا يغاير لفظ "إمام"، فإن الأئمة موصوفون بالمهدية وهي الهداية والاقتداء بهم، فقد وصفوا الأئمة بأن كل واحد منهم مهدي، فهم مهديون بصفة الاهتداء لهم من الله تعالى، والهداية من قبلهم للناس، فهم هداة مهديون هادون، وقد وردت هذه الصفة لأئمة أهل البيت عليهم السلام في كثير من الموارد:
الأول: ما ورد في الزيارة الجامعة بقوله عليه السلام: (وأشهد أنكم الأئمة الراشدون المهديون).
فهم في ذات كونهم راشدين فإنهم مهديون، فإن الرشاد والهداية في سياق واحد، والمتصف في الرشاد لا بد أن يكون هادياً مهدياً.
الثاني: ما ورد في الكافي بإسناده إلى بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) فقال: رسول الله المنذر ولكل زمان منا هاد، يهديهم إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ثم الهداة من بعده علي ثم الأوصياء واحداً بعد واحد.(٣٢) والمهدي اسم مصدر للهادي وهي أشد تأكيداً في الهداية.
الثالث: عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل.. قلت: فأنت المهدي؟ قال: كلنا نهدي إلى الله..(٣٣)
أي إننا هادون مهديون إلى الله وهي صفة لجميع الأئمة.
الرابع: ما اورد الصدوق في عيون الأخبار: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قدس سره قال: حدثنا أحمد بن محمد الهمداني قال: حدثنا أبو عبد الله العاصمي عن الحسين بن قاسم بن أيوب عن الحسن بن محمد بن سماعة عن ثابت الصباغ عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول: منا اثنا عشر مهدياً، مضى ستة وبقي ستة، ويصنع الله في السادس ما أحب).(٣٤)
الخامس: ما ورد في بعض زياراته عليه السلام في وصف آبائه الأئمة بالمهديين، فقد ورد: (السلام عليك يا خليفة الله وخليفة آبائه المهديين..)(٣٥).
من هنا اتضح الفرق إذن:
وبهذا سيتضح الفرق بين معنيين وهما معنى الإمام، وبين معنى المهدي، فالإمام هو لمن له منصب الإمامة دون تولي أمرٍ من الأمور، لعدم بسط يد الإمام وعدم إمكانيته من إقامة دولة الحق.
أما المهدي:
فهو الإمام الذي تكون معه أسباب إقامة دولة الحق قائمة متوفرة.
إذ الهداية هي في إمكانية بسط العدل على هذا الكون مع توفر أسبابه ومقتضياته، فالمهدي هو إمام مع بسط اليد.(٣٦)
الرجوع إلى متن الرواية:
ولا بد لنا أن نرجع مرة أخرى إلى رواية "المهديون" فإننا نستخلص النتائج التالية:
أولاً: إن هناك فرقاً بين لفظة "الأئمة" وبين لفظة "المهديون".
فالإمامة:
هي منصب الطاعة الإلهية التي فرضها الله على عباده في طاعتهم الإمام وكونه أولى الناس من أنفسهم، وأنه الحبل الممدود بين الأرض والسماء إلى غير ذلك من مناصب الطاعة والانقياد المفروض على الأمة للإمام.
أما المهدية:
فهي منصب الإمامة حينما يكون الإمام فيها مبسوط اليد له إمكانية إقامة دولة العدل الالهي، ولم يتحقق هذا الأمر للأئمة عليهم السلام إلا بعد أن يمكنهم الله من إقامة دولة الحق، فالمهدية الفعلية لا تتحقق إلا بتحقق مقتضياتها أو فعليتها ولا تكون إلا بعد أن يتمكن الإمام عليه السلام من إقامة حدود الله وتنفيذ أوامره على الناس (ليكون الدين كله لله) ولا يكون إلا بتمكن الإمام من مهدويته، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وآله وصف الإمام عليّاً عليه السلام بالمهدي في صدر الرواية المبحوث عنها؟ حيث ورد فيها: (سماك الله تعالى في سمائه: علياً المرتضى، وأمير المؤمنين، والصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، والمأمون والمهدي، فلا تصح هذه الأسماء لأحد غيرك يا علي..) وواضح أن النبي صلى الله عليه وآله خصص لقب المهدي لعلي عليه السلام دون غيره من الأئمة كونه قد مارس الحكم في سنيه الأربعة فكان مبسوط اليد بخلاف من كان بعده عليه السلام، مما يؤكد أن لقب المهدي هو لحكومة الإمام.
فالمهدوية إذن، هي ممارسة للحكم بصيغة قيادة الإمام، أي يكون الإمام قائداً منفذاً لأحكام الله تعالى، فيكون قد مارس هدايته العملية للناس. وبهذا فإن التفريق بين الإمام مجرداً عن الحكم وانبساط اليد، وبين الإمام منفذاً للحكم هادياً مهدياً يتضح بما أشرنا إليه.
ثانياً: إن المتمعن في متن الرواية يجد اضطراباً واضحاً في ذيلها، فقد ورد الذيل هكذا: (ثم يكون من بعده اثنا عشر مهدياً فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه أول المقربين له ثلاثة أسامي...).
والاضطراب واضح في إرجاع الضمير، فمن هو المقصود بمن يرجعها هل هو المهدي ليرجعها إلى من يخلفه من المهديين في رجعتهم، وكيف عبر عنه ابنه وما معنى أول المقربين؟ وكل ذلك يجعل الرواية أو ذيلها مجملاً لا يفضي إلى نتيجة.
ثالثاً: ولو قبلنا الرواية وفهمنا مقصوده صلى الله عليه وآله في التفريق بين الإمام وبين المهدي هو التفريق بين عصرهم عليهم السلام وبين رجعتهم فليس لنا قبول ذيل الرواية لتنويهها عن تسليم الأمر من بعد المهدي إلى ابنه، وهنا لا بد من البحث في إمكانية وجود ولد للإمام المهدي عليه السلام ولابد بشيء من التفصيل في هذا الأمر، كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى.
رابعاً: إن الحديث أخبر أن الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله اثنا عشر فهو حجة في عددهم عليهم السلام، وما دون ذلك فيحتاج إلى دليل وهو مفقود، أي كونه حجة في العدد الاثني عشر ولا حجة في غير ذلك خصوصاً أنه روي بسندٍ عامي على أحسن الأحوال فيكون حجة من هذا الباب.
خامساً: قال الشيخ الحر العاملي قدس سره تعليقاً على هذا الحديث: وما تصمنه الحديث المروي في كتابه الغيبة أولاً على تقدير تسليمه في خصوص الاثني عشر بعد المهدي عليه السلام لا ينافي هذا الوجه، لاحتمال أن يكون لفظ ابنه تصحيفاً وأصله أبيه بالياء آخر الحروف، ويراد به الحسين عليه السلام لما روي سابقاً في أحاديث كثيرة من رجعة الحسين عليه السلام عند وفاة المهدي عليه السلام ليغسّله، ولا ينافي ذلك الأسماء الثلاثة لاحتمال تعدد الأسماء والألقاب لكل واحدٍ منهم عليه السلام وإن ظهر بعضها ولم يظهر الباقي، ولاحتمال تجدد وضع الأسماء في ذلك الزمان له عليه السلام، لأجل اقتضاء الحكمة الإلهية..(٣٧)
سادساً: قال العلامة التستري في الأخبار الدخيلة:
هذا ونقل الشيخ في غيبته في رد فِرَق الشيعة المبطلة: ان فيهم فرقة قالوا إن للخلف ولداً، وإن الأئمة ثلاثة عشر ولعلهم استندوا إلى مثل هذه الأخبار المحّرفة.(٣٨)

المبحث الثالث

أثبت بحثنا بأن الأئمة الاثني عشر هو ما نص عليهم النبي صلى الله عليه وآله بأحاديث متواترة دون شك، لكن الكلام يبقى في الاثني عشر إماماً من بعد الأئمة الاثني عشر، فهل بالإمكان أن يكونوا فعلاً اثنا عشر إماماً بعد الإمام المهدي.. أم هي محاولة البعض لخلط الأوراق في كثير من المعتقدات لأجل الوصول إلى غاياتهم الشخصية ومبتغاهم في ذلك.
لذا فإن البحث في الاثني عشر إماماً يجر الحديث إلى إمكانية وجود ولد للإمام المهدي ليرثوا المهدوية التي ادعاها البعض لتحرير مدعياتهم، وهذا البحث يجرنا إلى بحث يُعد مقدمة لمثل الذي يُعد إحدى إشكاليات البحث لذا سيكون البحث هذا من أهم بحوث الكتاب الذي خصصت له دراستنا في هذا الشأن.
في إشكالية زواج الإمام المهدي عليه السلام
هل الإمام المهدي عليه السلام متزوج؟
ومن أجل البحث في إمكانية وجود ولد الإمام المهدي عليه السلام حسب الرواية الوارد ذيلها في الإشارة إلى وجود ابن الإمام المهدي إذا أرجعنا الضمير للإمام المهدي عليه السلام في قوله صلى الله عليه وآله (فليسلمها إلى ابنه أول المقربين) وهنا لا بد من الكلام في زواج الإمام المهدي عليه السلام ولابد من التأكيد أن هناك نظريتين محتملتين في زواج الإمام المهدي عليه السلام، يمكن الإشارة إليهما ليتسنى لنا البحث في المسألة وإشكاليتها:
النظرية الأولى:
إمكانية زواج الإمام المهدي عليه السلام:
إذ تتجه هذه النظرية إلى إمكانية زواج الإمام المهدي عليه السلام، ولابد أن يكون له أولاد مبثوثون في مناطق كثيرة، إلا أن المرجح أن يكون أولاده هؤلاء أقاموا في الجزيرة الخضراء.
أما الجزيرة الخضراء:
فإن فيها من الكلام الطويل الذي لا يمكن الوقوف عليه كله في هذه العجالة. فبعض من استبعد وجود مثل هذه الجزيرة لعدم إمكانية تحقيقها في ظل التطور التقني الذي يكشف كل بقاع العالم، كأجهزة الاتصالات والأقمار الصناعية وآليات التجسس التي توصل إليها التطور العلمي، في حين تبقى الجزيرة الخضراء لغزاً محيراً لم يكتشف وجوده، وقد كتب البعض في هذا الشأن بين مؤيد لوجودها وبين مشككٍ في أمرها.
هذا وقد اعترض البعض على صحة وجود الجزيرة الخضراء فضلاً عن ضعف سند روايتها، فقد أشار إلى أمر يتعلق بغيبة الإمام المهدي عليه السلام، إذ يمكن القول بأن وجود الجزيرة الخضراء يمكن أن تكون مأوى الإمام المهدي عليه السلام، ومكاناً لإقامته في حين تشير الروايات إلى أن الإمام عليه السلام لا يختار من الأماكن إلا مرتفعاتها، وقد صرح الإمام عليه السلام برسالته للشيخ المفيد قدس سره بقوله: (الآن من مستقر لنا يُنصب في شمراخ من بهماء) والشمراخ هو قمة الجبل والبهماء المكان الذي لا يعرف الطريق إليه وفي قوله لابن مهزيار: (إن أبي صلى الله عليه عهد إلي أن لا أوطن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها، وتحصيناً لمحلي لمكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم الضوال..) وهذه إشارات إلى إخفاء محل إقامته صلوات الله عليه لم نستفد منها غير أنه صلوات الله عليه لا يعيش إلا في مبهمات الأماكن ومفاوزها ولم يكن للإمام إلا هذه الأمكنة النائية، وإن كان ذلك لا يمنع من إطلاق "النائي" حتى على الجزيرة الخضراء، إلا أن توصيف إقامته عليه السلام بهذا الوصف يستشعر فيها المظلومية والمعاناة، وفي الجزيرة الخضراء حيث محل حكم أولاده وحالة الأمن والرخاء في هذه الجزيرة لا يساعد عليه هذا الاستشعار.
وعلى هذا فكيف يمكن الجمع بين وجود الجزيرة الخضراء، وبين ابتعاد الإمام عن أي مكان يضمن له راحته وسعادته كالجزيرة الخضراء التي يحكمها أولاده حسب الروايات.
على أن هذا الاعتراض لا يسلم إذا قلنا إن الجزيرة الخضراء يمكن أن تكون نموذجاً لمجتمعه عليه السلام الذي يسعى لتحقيقه من الرخاء والسعادة والأمان، على أن الكثير من أذعن للجزيرة الخضراء وأن وجودها مرهون بإمكانية تأسيس الإمام عليه السلام لمجتمع يتزعمه أهل بيته وعيالاته.
وعلى هذا فإن إمكانية القول بوجود الجزيرة الخضراء لا تتعارض مع هذه الاعتراضات، ويمكن لأولئك المذعنين القبول برواية الجزيرة الخضراء أن يعدوا هذا الأمر جزءاً من مهام غيبته عليه السلام في تشكيل مجتمع مثالي يتمتع بأطروحته الإصلاحية.
هذا ما يتعلق بأمر الجزيرة الخضراء.لكن الأمر لا يخلو من غرابة، اذ من غير المناسب أن نتوقف في شيء أو نلغي أمراً يعترف به مجموعة من المحققين او الباحثين فضلاً عن علماء أعلام اطمأنوا إلى هذا الامر، دون أن نملك دليلاً علمياً يؤيد ما ندعيه، لذا تبقى مسألة إنكار الجزيرة الخضراء في طور الاحتمالات ولا ترقى إلى القطع واليقين، ولا يخلو إنكار الجزيرة الخضراء من مجازفة علمية، أو تنكّر لمسألة غيبيه يجب الوقوف عندها باحترام، فهذا الكون فيه من العجائب والأسرار ما لم يمكن معرفته بهذه السهولة او انكاره بهذه الطريقة وهل اننا اكتشفنا مجاهل الكون واسراره وبقيت لدينا مسألة الجزيرة الخضراء لنخوض فيها بالإنكار أو الإلغاء؟
إذن فمن المناسب ببحثيات الغيبة عدم إبداء الرأي القطعي في الإنكار أو الإثبات، لتبقى مسألة الجزيرة الخضراء لا تنالها بحوثنا الاحتمالية.
ولمواصلة التحقيق في قضية زواجه عليه السلام فلا بد لنا من مناقشة نظرية إمكانية الزواج أو عدمها من عدة أمور ليتسنى الوقوف على أدلة القبول والرد:
نظريات زواج الإمام المهدي عليه السلام:
لا يهمنا كثيراً تحقيق مثل هذا الأمر ومناقشته، لكن ما يدفعنا إلى تسليط الضوء على ذلك هو ما قد يتصوره البعض من مسألة زواج الإمام عليه السلام وهل بالإمكان أن يتم زواجه عليه السلام أم لا؟ إذ إن مثل هذه الأمور لا حاجة في البحث بها فهي من متعلقات الغيبة وأسرارها ولا يمكن لنا البحث عن أمور ليس من تكليفنا في زمن الغيبة، حيث إن هذا الزمن يفرض علينا التربص والانتظار الذي هو في حقيقته بناء وتكامل للمكلفين ولا حاجة للبحث في هذا الأمر لأسباب:
السبب الأول: معرفة تكليفنا في زمن الغيبة:
اننا غير مكلفين في زمن غيبة إمامنا في البحث عن أحواله الشخصية، وأموره الخاصة إذ ذلك يتعارض مع سرية الغيبة وكتمانها، نعم تكليفنا لا يكون إلا في خصوص الانتظار وهو يحتّم علينا التعمق في معرفة الأحكام الشرعية والالتزام بها ومعرفة الإمام عليه السلام وكيفية الوصول إلى رضاه وهو رضا الله تعالى أخيراً.
السبب الثاني: تعارض ذلك مع ضرورات الغيبة:
إن متطلبات الغيبة تقتضي أن يحرص المكلف على المحافظة على سرية الغيبة وحركة الإمام، بل إن خطورة الأمر اقتضت عدم ذكره في محافل الناس، وقد ذهب أكثر المحققين إلى عدم الحاق ذلك، بل قيدوه في زمن غيبة الصغرى ووجود النواب الذين لعله يتعرضون إلى ضغوط السلطة وملاحقتها لهم للبحث عن الإمام عند التعرف إلى هويته، لذا كانت متطلبات غيبة الإمام عليه السلام هي عدم الكشف عن اسمه فكيف حالاته وأحواله الخاصة؟ وهذا أمر يدعونا إلى التوقف عن البحث حول ما يتعلق بشؤونه الخاصة.
نعم، ولكن: إن ما يدفعنا إلى التحقيق في هذا الأمر ضرورة كشف الكثير من المدعيات التي استندت إلى دعوى زواج الإمام عليه السلام ووجود ذرية له، ولا بد من صد مثل هذه الدعاوى ليتسنى لنا إحباط هذه المحاولات مع الإشارة إلى عدم الحاجة في البحث عن ذلك لتعارض الأهم بالمهم ومن ثم تقديم الأهم على أساس أوليات البحث وحاجة الواقع الفكري والثقافي.
النظرية الأولى:
إمكانية زواج الإمام عليه السلام:
وهنا لابد من مناقشة عدة أمور للوقوف على دواعي هذه النظرية وقبولها:
الأمر الأول:
استحبابية الزواج:
فقد ورد في روايات كثيرة عن النبي وآل بيته عليهم السلام ما يتعلق في شأن استحباب النكاح وهي كثيرة منها:
محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن عبد الله بن الحكم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بُني بناء في الإسلام أحب إلى الله عزّ وجلّ من التزويج).(٣٩)
وعن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن القاسم بن القاسم بن يحيى عن جده الحسين بن راشد عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام تزوجوا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من أحب أن يتبع سنتي فإن من سنتي التزويج).(٤٠)
وعن المفيد في المقنعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من أحب أن يلقى الله طاهراً مطهراً فليلقه بزوجة).(٤١)
وعن علي بن محمد بن بندار باسناده عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله من تزوج أحرز نصف دينه).(٤٢)
ومحمد بن يعقوب بإسناده عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (ركعتان يصليها المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليها أعزب).(٤٣)
إلى غير ذلك من الروايات الحاثة على فضل الزواج وكراهة العزوبة.
نعم اختلف البعض في إطلاق استحبابه إلا إذا كانت لحاجة تدعوه أو أمر راجح يقتضيه. فقد أورد الفاضل الهندي في كشف اللثام عن قواعد الأحكام قوله: ولم يستحبه الشيخ في المبسوط لغير المشتهي لقوله تعالى (وسيداً وحصوراً) وهو لكونه في يحيى عليه السلام لا يصلح مخصصاً من أن الحصور من لا يشتهي النساء والمدح به لا يستلزم المدح بترك التزويج..)(٤٤)ولسنا هنا في صدد استعراض الآراء الفقهية في هذا الشأن لكننا نشير إلى أن استحبابه مما لا خلاف فيه.
وإذا كان الامر كذلك فكيف يكون الإمام المهدي عليه السلام قد ترك المستحب؟ ومن شأنهم عليه السلام أنهم يتحرون المستحبات ويعكفون على أدائها ولا يتركونها بحال كونهم الأسوة الحسنة وأنهم القائمون بأمر الله والقوامون على دينه، ومن هذا حاله فالأجدر أن لا يكون تاركاً لما أحبه الله بل حاثاً على اتباعه والعمل به.
الأمر الثاني:
دعاء الإمام الرضا عليه السلام لذرية الإمام المهدي عليه السلام
ورد عن الإمام الرضا عليه السلام أنه كان يأمر بالدعاء للامام الحجة عليه السلام، فقد روى الشيخ عن يونس بن عبد الرحمن عن الرضا عليه السلام أن يدعى له بهذا الدعاء.. ومنه:.. (اللهم أعطه في نفسه وأهله وولده وذريته وأمته وجميع رعيته ما تقر به عينه وتستر به نفسه).. إلى آخر الدعاء.(٤٥)
وهذا يقتضي أن يكون الإمام الحجة عليه السلام وقد أنجب أولاداً وله ذرية حسبما يقتضيه دعاء الإمام الرضا عليه السلام ولابد أن يكون ذلك دليلاً على زواج الإمام الحجة عليه السلام فكيف يمكن إنكار ذلك.
لدعاء الإمام الرضا عليه السلام له ولولده ولذريته وهذا دليلٌ على إمكانية زواج الإمام الحجة وولادة أولاد له وذرية.
الأمر الثالث:
الزواج حق طبيعي ولا من دليل على منعه:
لم نجد مانعاً من زواجه لا من دليل ولا من رواية صرحت بعدم زواجه، فكيف لا نحكم بزواجه عليه السلام؟ كما أن زواجه حق طبيعي يمارسه عليه السلام فأي مانع من ممارسة حقه الطبيعي ومن ذلك اتخاذه لنفسه أهلاً وعيالاً؟!.
هذا ما يمكن أن يستدل به على امكانية زواجه عليه السلام.
مناقشات هذه الأدلة:
إلا أن ذلك لا يخلو عن مناقشة يمكن استعراضها:
مناقشة الأمر الأول:
وهو استحبابية الزواج:
فإن الاستحباب - أي استحباب الزواج - لا يصح في الاستدلال، إذ الاستحباب يصح فيما إذا لم يكن مانع من تحققه والإتيان به، أما إذا تعارض ملاك الاستحباب مع ملاكات أخرى أقوى، فان ملاك الاستحباب لا ينهض قبالة الأقوى ملاكاً، ومن المعلوم أن مقتضى غيبته عليه السلام وحفظ نفسه الشريفة مُقّدم على كل ملاك، ومنها استحباب زواجه عليه السلام، فلا تأتي النوبة للاستحباب فيما إذا تقدم ملاك حفظ النفس على سائر الملاكات الأخرى وحفظ نفس الإمام هو ما حثَّتْ عليه الشريعة، فضلاً عن الدليل العقلي الدال على حفظ نفسه عليه السلام.
مناقشة الأمر الثاني:
فيما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام من الدعاء للإمام المهدي عليه السلام:
أما الدعاء المروي عن الإمام الرضا عليه السلام فقد رواه الشيخ عن يونس بن عبد الرحمن وطريق الشيخ إلى يونس بن عبد الرحمن له ثلاثة طرق، احدها حسن وهو: ما رواه عن الشيخ أبي عبد الله عن الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه رحمه الله عن أبيه ومحمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله والحميري وعلي بن ابراهيم عن إبراهيم بن هاشم عن إسماعيل بن مرار وصالح بن السندي عن يونس بن عبد الرحمن وفي السند إسماعيل بن مرار وصالح بن السندي، أما الأول فقد نقل العلامة المامقاني عن الوحيد أنه قال: ربما يظهر من عبارة محمد بن الحسن بن الوليد التوقف فيه..
وأما صالح بن السندي: فقد نقل العلامة المامقاني أن كونه إمامياً فإذا انضم ذلك إلى روايته لكتب يونس ورواية إبراهيم بن هاشم وجعفر بن بشير وموسى بن عمرو وإبراهيم بن مهزيار والحجال عنه الكاشفة عن الوثوق به.. أي يمكن تصحيح حاله عند ذاك.
هذا من حيث السند.
أما من حيث المضمون فإننا لابد من مناقشة ثلاث جهات للوقوف على مضامين الدعاء الشريفة:
الجهة الأولى: ليس بالضرورة أن يكون الدعاء لذريته في زمن الغيبة:
فإن الدعاء عن الإمام الرضا عليه السلام السابق لعصر الإمام الحجة عليه السلام لا يعني بالضرورة أن دعاء الإمام الرضا للإمام الحجة ولولده دليل على وجود ولد له. بل الإمام الرضا دعا للإمام الحجة قبل ولادته على وجه التنبيه بوجوده مستقبلاً وعلى وجه التشريف كذلك والتعظيم والتكريم لمقامه عليه السلام.
الجهة الثانية: المخاطبات العرفية مبنية على ذلك:
إن الإمام الرضا عليه السلام حينما دعا لولد الإمام الحجة، لا ينافي أن يكون ذلك دعاءً متعارفاً في المفهومات العرفية والمخاطبات العامة بين الناس كقولهم: حفظك الله وذرية ذريتك، وهذا قد تعارف بين الناس مع أن المخاطب لم يكن له ذرية ولا حتى اولاد، بل يريد المتكلم أن يكرّم المخاطب ويعظم حقه فيدعو له ولذريته، وليس بالضرورة أن تكون له ذرية لا في حال الخطاب ولا في حال الاستقبال، فهو على سبيل الإنشاء لا الإخبار عن وجود ذرية له، كما في قوله تعالى: (قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) فوقت الخطاب لم يكن لإبراهيم ذرية حتى يطلب من الله إلى أن يجعل الإمامة في ذريته، بل هو على سبيل الإنشاء الاستقبالي الذي ليس بالضرورة إن يتحقق، وكذلك هنا فإن الإمام الرضا عليه السلام ليس في صدد الإخبار عن وجود ذرية للإمام المهدي عليه السلام بل على سبيل التشريف والتعظيم انشأ هذا الدعاء. وعلى فرض وجود ذرية له فقد دعا لذريته في حال وجودهم، ولا يمكن القطع من خلال هذا الدعاء بوجود ذرية للإمام المهدي عليه السلام في وقتٍ محدد بل لعل ذلك يكون وقت ظهوره أي بعد ارتفاع المحذور في غيبته عليه السلام.
الجهة الثالثة: لعل المقصود من الدعاء لذريته بعد ظهوره:
إن دعاء الإمام الرضا عليه السلام يمكن أن يكون بعد ظهوره، إذ السياق يشير إلى أن الإمام الرضا عليه السلام يطلب من الله تعالى أن تقر عينه بما يعطيه في نفسه وأهله وولده وذريته وأمته وجميع رعيته.. وكل هذا من سعادته وإقرار عينه وتمكينه لا يكون إلا في ظهوره عليه السلام فيعطيه الله من النصر ما تقرُ به عينه، ونحن لا نمانع أن يكون الولد والذرية له عليه السلام عند ظهوره لارتفاع المانع من زواجه في غيبته، وكلامنا في زواجه عليه السلام أثناء غيبته وما تترتب عليه من إشكاليات.
وبهذا فإن دعاء الإمام الرضا عليه السلام لا يصلح دليلاً لإثبات زواجه عليه السلام في غيبته.
مناقشة الأمر الثالث: عدَم وجود دليلٍ غيرُ كاشفٍ عن إمكانية الزواج:
إن عدم وجود الدليل في المنع من زواجه كرواية أو خبر هذا في غير محله، إذ مقتضى حياته في غيبته صلوات الله عليه تقتضي عدم الإخبار بما يتعلق من حياته الشخصية حفاظاً على سرية تحركه وتنقلاته التي لا تتيح الرواية ان تنتشر بين أوساط الناس.
ومع هذا فقد وردت رواية في هذا الشأن وهي:
ما رواه الشيخ الطوسي في الغيبة بسند حسن عن الحسن بن علي الخزار قال: (دخل علي ابن أبي حمزة على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال له: أنت إمام؟ قال: نعم فقال له: إني سمعت جدك جعفر بن محمد عليه السلام يقول: لا يكون الإمام إلا وله عقب؟
فقال: أنسيت يا شيخ أم تناسيت؟ ليس هكذا قال جعفر، انما قال جعفر: لا يكون الإمام إلا وله عقب إلا الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي عليهما السلام فإنه لا عقب له.
فقال له: صدقت جعلت فداك هكذا سمعت جدك يقول).(٤٦)
وهذه الرواية تشير إلى أن الإمام الحجة عليه السلام لا عقب له، لجواب الإمام الرضا عليه السلام علي بن أبي حمزة حيث بين له أن الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي عليهما السلام لا عقب له، ومعلوم أن الذي يخرج عليه الحسين عليه السلام هو الإمام الحجة، وهذا في وقت الرجعة كما ورد ذلك روايات كثيرة.
إلا أن هنا مسألتين:
الأولى الإطلاق في الرواية:
أن نأخذ الرواية على إطلاقها فتكون منبهة على عدم العقب للإمام، ولا قرينة تعارض الإطلاق في البين.
الثانية الأخذ لباقي الرواية يضر في الإطلاق:
إن سياق الرواية لعله يضر في إطلاقها، فقول الإمام الرضا عليه السلام: (.. إلا الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي عليه السلام فإنه لا عقب له) وكأن صفة خروج الإمام الحسين عليه السلام على الإمام الذي لا عقب له يكون قيداً لعدم وجود العقب لهذا الإمام، أي إن عدم العقب مقيد بخروج الإمام الحسين لا على اطلاقه، وبهذا فيمكن ان يكون الإمام الحجة الذي يخرج عليه الإمام الحسين لا عقب له في وقت خروج الإمام الحسين، ليسلم الإمام الحجة مواريث الإمامة للإمام الحسين عليه السلام ولئلا يعارضه عقبه من ولدٍ أو ذرية فيكون العقب سبباً في تعطيل تسليم المواريث ولئلا يدعى الإمامة.
إلا أن ذلك كله مشعرٌ بأن يكون المقصود من العقب هو الولد الذي يعقب والده الإمام الحجة لا ذرية ذريته التي ستشكل مجموعة كبيرة جداً لعلها تقف حائلاً من تسليم مواريث الإمامة، وهذا يعني أن الإمام الحجة عليه السلام على فرض امكانية زواجه فيكون ذلك عند ظهوره وذلك لأمرين:
الأول ارتفاع المحذور عند ظهوره عليه السلام:
إن موانع الزواج في الغيبة الكبرى ترتفع بظهوره عليه السلام، فالمخاطر التي تواجه الإمام عند تحركه غير موجودة عند ظهوره وبذلك فلا يمتنع أن يكون زواجه عند ظهوره.
الثاني معوقات انتقال مواريث الإمامة:
إن مواريث الإمامة التي يسلمها الإمام الحجة للإمام الحسين عليه السلام يجب أن يجري انتقالها بسلاسة دون وجود معوقات، وأهم هذه المعوقات وجود ذرية له قد يمانعون من تسليم مواريث الإمامة لغيرهم، ويرون أنهم أحق بذلك من الإمام الحسين عليه السلام وسيشكلون عائقاً خطيراً في أهم عملية إلهية لا بد من الحفاظ عليها وهي تسلسل الإمامة الإلهية في المنصوص عليهم، دون اقحام غيرهم في هذا الأمر، ولابد أن نستذكر موارد المعارضة في أولاد الحسن عليه السلام الذين ظنوا أن لهم الحق في الإمامة وليست هي استحقاقاً إلهيّاً، بل استحقاقاً نسبياً مما شكّل مشكلةً للإمام الحاضر، إذن لابد من إزالة المعوقات التي تعيق حركة الإمامة، ووجود أولاد للإمام الحجة قد يجعل السبيل في انتقال مواريث الإمامة إلى الإمام الحسين تعيقه طموحات البعض.
على أننا نفترض أن أولاده في زمن ظهوره سيتمتعون بمواصفات خاصة لاختلافهم بالإمام عليه السلام وتماسهم معه يخالف ما لو كان بعيداً عنهم فلعل بُعده يشكل سبباً في تكوين رؤية مخالفة لتوجهات الإمامة ومسؤوليتهم حيالها.
إلا أنَّ إمكانية زواجه عليه السلام تصطدم بعدة افتراضات:
الافتراض الأول وجود امرأة تتمتع بطول عمر غير طبيعي:
إن زواجه عليه السلام يحتاج إلى فرض أن تكون المرأة التي يتزوجها الإمام عليه السلام لها من طول العمر ما للإمام عليه السلام من طول العمر، أي أن تكون معجزة طول العمر للإمام لزوجته كذلك، ولم نملك دليلاً على ذلك، أي أن تكون لزوجته معجزة طول العمر كما هي له عليه السلام، إذ مصالح غيبته وظهوره اقتضت أن يكون له عمراً مديداً بإذن الله تعالى، أما ان تكون لزوجته فما هو المقتضي لذلك؟
الافتراض الثاني: تعدد زوجات الإمام عليه السلام:
وإذا لم يتحقق الافتراض الأول من إمكانية طول عمر زوجة الإمام، فلا بد أن نقول بتعدد زوجاته كون كل زوجة تعيش العمر الطبيعي، وسيكون على طول امتداد عمره الشريف زوجات عدة قد لا يحصى عددها، وسيصطدم هذا الافتراض، بالافتراض الثالث التالي.
الافتراض الثالث تعدد الزوجات مخالف لِسريّة الغيبة:
إن تعدد زوجاته عليه السلام بهذا العدد قد يؤدي إلى شيوع أمر الإمام في غيبته، إذ كل امرأة لا بد أن تتحدث لذويها وأهلها عن حياتها الخاصة مع زوجها، وسيكون هذا الحديث سبباً في إشاعة أمره عليه السلام، وهذا ما يتعارض مع غيبته وسريتها.
الافتراض الرابع شيوع خبر الإمام عليه السلام:
إن الافتراض الثالث وهو تعدد زوجاته عليه السلام يصطدم بمحذور ذيوع خبره عليه السلام وشيوعه وهذا مخالف لخصوصيات الغيبة وسريتها، فلابد أن نفترض الآن وجود امرأة واحدة سيمنحها الله تعالى قابلية طول العمر وهي إحدى معجزات الإمام عليه السلام أن يطيل الله تعالى عمر المرأة التي يقترن بها الإمام كرامة له، وبما يناسب شأن الغيبة وخصوصيتها، إلا أن ذلك يتطلب أن تكون هذه المرأة قد ارتقت إلى مسؤولية كبرى من الكتمان وعدم الافصاح عن حالها وعن ارتباطها بالإمام عليه السلام لئلا تكون سبباً في شيوع أمره بما يتعارض وشؤون غيبته، ولم نقف على دليل يؤكد هذا الأمر.
الافتراض الخامس وجود الأولاد نتيجة مثل هذا الزواج:
إن زواجه عليه السلام سيكون له آثاره الواضحة وهو: تعدد الأولاد والذريات بما لا يمكن إحصاؤه، وهذا الأمر سيؤدي إلى تسريب أخبار الغيبة والكشف عن سريتها وسيتعارض هذا مع خصوصيات الغيبة.
كما أن تعدد هذه الذريات جيلاً بعد جيل لابد أن يكون ظاهراً للعيان، أو أن يتناقل أخبار ذلك بين الناس، في حين لم نجد مثل هذا الأمر، ووجوده سيفتح باب السؤال والبحث والتقصي عن الإمام وهذا خلاف الغيبة.
الرد على الافتراضات الواردة:
إلا أن هذه الافتراضات يمكن الرد عليها بما يلي:
الرد على الافتراض الأول:
وهو وجود امرأة لها طول عمر غير طبيعي:
إن إمكانية طول عمر المرأة التي يقترن بها الإمام عليه السلام يتناسب مع إعجازات غيبته، فما المانع من أن يجعل الله تعالى امرأة الإمام من طول العمر، ما يؤدي إلى فرضية زواجه بطريقةٍ إعجازية، كما هي أحواله الإعجازية الباهرة، إذن يمكن أن يكون للإمام عليه السلام وجود امرأة بهذه الصفة - أي إمكانية طول العمر - وهو أمر طبيعي في ظل الظروف الإعجازية للغيبة.
الرد على الافتراض الثاني:
وهو تعدد زوجات الإمام عليه السلام:
إذ لا مانع من تعدد زوجاته عليه السلام، وهو أمر طبيعي في ظل ظروف غيبته المباركة، فقد تقتضي هذه الغيبة أن تتعدد الزوجات بما يناسب الحفاظ على سرية الغيبة وكتمانها.
الرد على الافتراض الثالث:
وهو تعدد زوجات الإمام عليه السلام مخالف لِسرية الغيبة:
إن تسريب أخبار غيبته وخصوصيات حياته الشريفة لا يتعلق بتعدد الزوجات وذلك لخصوصيتين يختص بهما عليه السلام:
الخصوصية الأولى:
إمكانية أن يكون الإمام عليه السلام قد اختار من النساء من تكون من الوعي والتدين والتسليم لغيبة الإمام عليه السلام ما يمنعها من الإباحة بأي أمر من شؤون حياتها الخاصة مع الإمام، وبذلك فلعلها تستطيع كأي امرأة أن تحافظ على سرية حياتها الخاصة وأن تعتذر لمقربيها وأهليها بما يدفع كل الاتهامات عن تحرك الإمام في غيبته وشؤونه الأخرى.
الخصوصية الثانية:
يمكن أن يكون الإمام عليه السلام قد أخفى هويته عن قرينته وذويها ليكون شخصاً كبقية الأشخاص لا تظهر عليه أمورٌ تثير انتباه زوجته وخاصتها. وكم سمعنا عن اخبار ميمون القداح مؤسس الحركة الفاطمية التي تشير الأخبار إلى أن زوجته بل حتى أولاده لا يعرفون هويته إلا بعد وفاته، إذ لم يكشف عن اسمه الصريح لهم ولا عن انتسابه ولا عن حركته السرية، وليراجع أخبار بدايات الحركة الفاطمية وما اتصف به ميمون القداح وهو من أولاد إسماعيل بن الإمام الصادق عليه السلام.
فضلاً عما نسمعه ونتابعه من أخبار رجال المخابرات العالمية الذين لم يكشفوا حقيقة هوياتهم وأعمالهم حتى إلى أقرب ذويهم، وكانوا أولادهم أو زوجاتهم ولم يُعرفوا بذلك إلا بعد انتهاء مهامهم من أعمالهم أو بعد وفاتهم إذن إن حالة التكتم التي يعيشها الإمام المهدي عليه السلام يمكن أن تكون مع نسائه وأولاده، بطريقةٍ متقنة أفضل من الأمثلة التي ذكرناها.
الرد على الافتراض الرابع:
وهو شيوع خبر الإمام عليه السلام:
إن إمكانية وصول المرأة إلى مدارج الكمال غير مستبعد، وشعورها بمسؤليتها الدينية مما لا كلام فيه، خصوصاً وأنها بالقرب من الإمام عليه السلام تتخلق بأخلاقٍ كريمةٍ، وتتربى على النصيحة وكتمان الأسرار وحصول مثل هذا الأنموذج غير بعيد، ولا حاجة إلى دليل يصرح بذلك.
الرد على الافتراض الخامس:
وهو وجود الأولاد نتيجة لمثل هذا الزواج:
إن الكلام والمناقشة في إثبات إمكانية زواجه عليه السلام لا في إمكانية وجود الذرية، اذ من المحتمل جداً ان تكون للإمام زوجة أو زوجات غير منجبات للذرية لمصلحة خاصة تنسجم ودواعي الغيبة وخصوصيتها، فيمكن ان يكون للإمام زوجة أو زوجات ولا يكون له أولاد وذرية.
هذه الافتراضات وردودها في شأن الزواج قد لا تقف عند حد لإمكانية وجود عدة افتراضات أخرى، لكن المهم مناقشة الأمر على أساس علمي افتراضي بما يناسب ضرورة البحث.
النظرية الثانية:
بعد أن بينا الفروض الممكن ورودها على نظرية إمكانية الزواج والافتراضات المحتملة والإجابات الواردة في هذا الشأن، فإن هناك نظرية أخرى مقابلة لما أوردناه من امكانية زواج الإمام، وهذه النظرية هي نظرية عدم زواجه عليه السلام ولابد من مناقشتها وإيراد ما يمكن أن يُثار ضدها وإمكانية الإجابة عنها.
نظرية عدم زواج الإمام عليه السلام:
إننا نفترض نظرية أخرى: وهي عدم إمكانية زواجه عليه السلام للموانع التالية:
المانع الأول:
ظروف الغيبة:
عدم ضرورة زواج الإمام عليه السلام إذ هو يعيش في خضم تغيرات مستمرة تفرض على وجوده المبارك التنقل والترحال بما يتلاءم وظرفه الأمني الخاص. وزواجه سيكون أحد معرقلات هذا الأمر.
المانع الثاني:
سِّرية الغيبة:
ضرورة الحفاظ على سريته وغيبته المباركة، وزواجه سيكون سبباً في ذيوع أمره وشيوعه، لأسباب ذكرناها سابقاً.
المانع الثالث:
مهمة الإمام الكبرى:
إن مهمة الإمام الإلهية الكبرى تمنعه من الاهتمام بحياةٍ خاصة يعيش مع أهلٍ واولاد، أي ممارسة حياة خاصة بكل شؤونها وحيثياتها، إذ اهتمامه بإنجاح مهمته والحفاظ عليها هي أهم من استقراره وحياته الخاصة، وهو ما يميز رجال الإصلاح أو أصحاب التغيير، أو ذوي المهام الخاصة.
ولكن لنا على هذه الموانع ملاحظات:
الملاحظة الأولى:
إن المانع الاول وهو تعارض زواجه مع حياته المطاردة لا يمانع أن تكون زوجته في مكان مستقر مع مراعاة وضعه الخاص، فأي مقتضى لحركته وانتقاله لا مدخلية له في استقرار أزواجه وذويه، فالمطاردة والترحال من خصوصياته والطلب لشخصه الكريم فلا مانع من الإبقاء على زوجته في مكان ما، آمن مستقر.
الملاحظة الثانية:
وقد أشرنا في ذلك عند الرد على الافتراضات السابقة، إذ لا يمانع سِرية الغيبة والتكتم على شخصه الكريم من زواجه، فلعل الله يهيِّئ له من النساء ما تمتاز فيه من طول العمر والاتصاف بالسرية التامة وتحمّل المسؤولية.
الملاحظة الثالثة:
صحيح أن مهامه الكبرى أشرف من أية مهمة أخرى، لكن ذلك لا يمنع - أي انشغاله بهذه المهام وإنجاحها - من حيث ممارسة حياته الخاصة، فالنبي صلى الله عليه وآله مع عظم مسؤوليته في بداية الرسالة وتأسيس المجتمع الإسلامي وانتقال العالم من ظلام الجاهلية إلى نور المعرفة والدين، كل ذلك لا يمانع من أن تكون له صلى الله عليه وآله عدة زوجات كما هو المعروف، وكان ذلك من خصوصياته ومهام الإمام الحجة عليه السلام كذلك لا تمانع من ممارسة حقه الطبيعي.
ذرية الإمام المهدي عليه السلام عند أهل الأنساب:
لابد أن نشير إلى أمر مهم يتعلقُ ببحثنا هذا، حيث إن الكلام في ذرية الإمام لابد أن تعززه مدونات النسب التي لم تقفل شيئاً لم يتعلق بالأنساب المشهورة، خصوصاً أنساب العلويين الذين وقفت عندهم كتب الأنساب وأشارت إليهم، ولم تترك واحداً من ذرية النبي صلى الله عليه وآله إلا وأشارت إلى نسبه وما الذي خلفه من الذرية، في حين نجد أننا نجدهم بعد ذكرهم لآباء الإمام المهدي عليه السلام لم يتعرضوا إلى ذريته ولم يقفوا عنده إلا للتأكيد على أنه ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام ولابد من متابعة أقوالهم كما يلي:
١ - تعرّض النسابة الشهير بالسويدي في كتابه سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب ما نصه:
محمد المهدي: وكان عمره عند وفاة أبيه (الحسن العسكري) خمس سنين، وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الانف، صبيح عليه، سنة مائتين واثنين وستين، وإنه صاحب السيف القائم المنتظر قبل قيام الساعة، وله قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الأخرى.. إلى آخر كلامه.(٤٧) ولا تريد التعليق على ما أورده من مغالطات حول قضية الإمام المهدي عليه السلام حيث لسنا بصدد مناقشتها لكن الذي نريده قوله إن ذكره دون أهل الأنساب، مع اهتمامه الأكيد بمتابعة الأنساب بعد ذكره لأئمة أهل البيت عليهم السلام واحداً بعد واحد، حتى إذا وصل إلى ذكر الإمام المهدي عليه السلام لم يشر إلى أي ذرية له، من يشير إلى عدم وجود الذرية له عن طريق علماء الأنساب، ولو كانت موجودة لأشار أحدهم إليها.
وقد أشار السيويدي إلى مخطط الأنساب حتى وقف عند الإمام المهدي عليه السلام دون ذكر نسب له فذكر: خط الحسن العسكري -> محمد المهدي. وما بعده سكت عن ذكره.(٤٨)
٢ - الجعافرة:
أثار البعض تساؤلاً عن كون قبيلة الجعافرة هم من أولاد الإمام المهدي، وهي دعوى بلا دليل، إذ لم نقف على دليل يؤكد ما ذكروه، فضلاً عن كون هؤلاء العلويين، هم من أبناء جعفر الصادق عليه السلام فلقبوا بالجعافرة، وقد أثار اليهم السويدي في سبائك العرب بقوله: الجعافرة: بطن من الحسين السبط عليه السلام من بني هاشم، وهم بنو جعفر الصادق بن محمد الباقر، وهم متفرقون في البلاد.(٤٩)
٣ - النسابة ضامن بن شرقم الحسيني المدني:
تعرض إلى أنساب العلويين وتابع ذراري الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، ثم أشار إلى ذرية الإمام محمد الجواد في مخططه النسبي فكان كالآتي:
محمد الجواد -> أبو الحسن علي (النقي الهادي) -> أبو محمد الحسن (العسكري) -> أبو القاسم محمد.
ولم يذكر ما بعد أبي القاسم محمد عليه السلام مع دقته في متابعة أنسابهم عليهم السلام مع أنه لم يصرح بشأن زواجه وذريته عليهم السلام، وهو دليل على عدم ثبات ذرية له عند هذا النسابة الشهير.(٥٠)
٤ - المحدث نصر بن علي الجهضمي:
في كتابه تاريخ أهل البيت عليهم السلام ذكر المحدث الجهضمي وهو من علماء القرن الثالث تاريخ الأئمة وتابع أسماءهم وأحوالهم وأولادهم، فلما بلغ تاريخ الإمام المهدي عليه السلام قال بعد ذكر أحواله قال:
ولدُ محمد بن الحسن عليهما السلام وذلك علمه عند الله.(٥١)
وهو ظاهر في عدم بلوغه أخبار عن ذريته عليه السلام، مع أنه لم ينفِ وجود ذريته أو عدم وجودها، بل أوكل الأمر في علم ذلك إلى الله سبحانه وهو علام الغيوب، وأنصف رحمه الله في ذلك حيث لم يقطع في ترجيح أحد الرأيين، إثبات الذرية أو عدمها.
تنبيهات:
بعد أن تحرينا الأدلة حول مسألة زواج الإمام المهدي عليه السلام وتوقفنا في بالبحث بالنتيجة كونها هي من متعلقات الغيبة التي تقتضي السرية التامة والتكتم على أحواله وشؤونه صلوات الله عليه، فإن هناك أموراً ينبغي التنبيه إليها والإشارة إلى أنها تراود المتقصي في هذا الأمر.
التنبيه الأول:
ورد أن مسجد السهلة سيكون له شأن كما هو شأنه ومقامه اليوم، فقد ورد أنه سيكون مقاماً للإمام الحجة عليه السلام ولعياله، وهذا يكشف على وجود عيال للإمام عليه السلام، والعيال تنصرف في الأغلب إلى الأولاد، وهذا دليل على وجود أولاد له وكونه متزوجاً عليه السلام.
وفي معرض الإجابة لابد أن ننوه إلى مسجد السهلة الذي أجمع الإمامية على كونه من أهم المساجد المباركة التي صلى فيها الأنبياء وتعاهد لها أئمة أهل البيت عليهم السلام، وكون هذا المسجد يشكل معلماً عبادياً مهماً حَثَّ أهل البيت عليهم السلام على مواصلة الناس له والتأكيد على ملازمته، ففي شأنه وردت أحاديث كثيرة تؤكد عظمته وأهميته، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: وفيها -أي الكوفة- مسجد سهيل، الذي لم يبعث الله نبياً إلا وقد صلى فيه.
وعنه عليه السلام: كأني أرى نزول القائم في مسجد السهلة بأهله وعياله وهو منزل إدريس، وما بعث الله نبياً إلا وقد صلى فيه، والمقيم فيه كالمقيم في خطاط رسول الله صلى الله عليه وآله وما من مؤمن ولا مؤمنة إلا وقلبه يحن إليه، وما من يوم ولا ليلة إلا والملائكة يأوون إلى هذا المسجد يعبدون الله فيه.
وقال الإمام الصادق عليه السلام: وفيه صخرة خضراء، فيها صورة جميع النبيين، وتحت الصخرة الطينة التي خلق الله عزّ وجلّ منها النبيين عليهم السلام، وفيها المعراج، وهو الفاروق الأعظم موضع منه، وهو محمّد الناس، وهو من كوفان، وفيه ينفخ في الصور، واليه المحشر، ويحشر من جانبه سبعون ألفاً ملكاً يدخلون الجنة بغير حساب.. أولئك الذين أفلح الله حججهم، وضاعف نعمهم.. ويجلون بعد الله عن لقائه، وأسرعوا في الطاعة فعملوا، وعلموا أن الله بما يعلمون بصير..
وعنه عليه السلام: من مسجد السهلة سار إبراهيم إلى اليمن بالعمالقة.
وعنه عليه السلام: مسجد السهلة مناخ الراكب قيل: ومن الراكب؟ قال: الخضر(٥٢).
ويقع مسجد السهلة في الكوفة على بعد فرسخ من مسجدها وفرسخين ونصف من النجف.
هذه لمحة مختصرة عن مسجد السهلة، وأهميته.
أما بخصوص ما يتعلق بنزول الإمام المهدي عليه السلام وعياله، فقد وردت في ذلك روايات كثيرة حتى صارت من الشهرة بما لا نقاش فيه، وانصراف العيال إلى الاولاد عرفاً صحيح، لكن هذا لا يدل على إمكانية زواجه عليه السلام في الغيبة الكبرى، فلعل ذلك يكون في بداية ظهوره، ونحن لم نمانع من إمكانية زواجه ابّان غيبته لارتفاع المحاذير المذكورة، وبذلك فإن وجود أهله وعياله في الغيبة الكبرى لا دليل عليه، ووجودهم عند ظهوره هو الأقرب لمقتضيات الغيبة فضلاً عن ورود ما يساعد على ذلك.
التنبيه الثاني:
ورد في زيارة الجامعة التي يستحب زيارة المعصومين عليهم السلام في عرفة (يا مولاي يا أبا القاسم محمد بن الحسن صاحب الزمان صلى الله عليك وعلى عترتك الطاهرة الطيبة يا مواليَّ كونوا شفعائي..) ومعنى العترة هم الأهل الأدنون من الاولاد والبنات وهم عقبة من صلبه، كما في حديث الثقلين المروي عن طرق المسلمين جميعاً: اني مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي) واذا كان الأمر كذلك فان تصريح الزيارة الجامعة على وجود أولاد من صلبه عليه السلام.
وللإجابة عن ذلك تقول ما قلناه في دعاء الإمام الرضا عليه السلام للإمام الحجة قوله: اللهم اعطه في نفسه وأهله وولده وذريته وأمته وجميع رعيته ما تقرُّ به عينه، وتستر به نفسه..) وقلنا إن ذلك لا يعني بالضرورة وجود ذرية وأولاد في وقت الدعاء بل ذلك دليل الشأنية وامكانية الوقوع أي من شأنه وجودها، أما هل يثبت الدعاء له ذرية في وقت الدعاء؛ فهذا أمر ينافي كثيراً المخاطبات العرفية، حيث يمكن أن ندعو لشخص لم يتزوج، ولم تكن له ذرية، فنقول: حفظك الله وفي ذريتك، وذلك شائع في المخاطبات العرفية. كذلك زيارة الجامعة الشريفة في يوم عرفة، حيث الصلاة على الإمام الحجة، وعلى عترته، لا يعني وجود ذريته في وقت الدعاء بل ليس من شأنه أن تكون له ذرية وعترة، فالصلاة عليهم وقت وجودهم، ولعل ذلك يكون في حال الاستقبال ولا ينافي هذا المخاطبات العرفية الكثيرة في هذا الشأن.
التنبيه الثالث:
ورد عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أورده الشيخ في الغيبة:
أحمد بن ادريس عن علي بن محمد عن الفضل بن شاذان عن عبد الله بن المستنير عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن لصاحب هذا الامر غيبتين إحدهما تطول حتى يقول بعضهم مات، ويقول بعضهم قتل، ويقول بعضهم ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره(٥٣).
وهذا صريحٌ بوجود الولد كما في الحديث.
وللإجابة عن ذلك: ان السند فيه عبد الله بن المستنير وهو مهمل، والمفضل بن عمر مع أنه ثقة الا أن طريق الشيخ اليه ضعيف. فالرواية لا يمكن الاعتماد عليها سنداً، أما دلالتها أولاً: فان ذكر لفظ (ولده) لا يعني بالضرورة وجود ولد له، بل ذلك على سبيل المبالغة في التكتم والسرية، بحيث إنه لا يطلع أحد من المقربين إليه من ولد ومن غيرهم، كما في قولك على سبيل المبالغة والتأكيد على عدم الشفاعة، بحيث إنه لا يشفع ولا ينفع الشفاعة، حتى ولدي، وهم أقرب الناس لي، وثانياً إن الشيخ النعماني أورد الرواية في غيبته دون ذكر (ولده) هكذا:
عن إلحاق بن عمار الصيرفي قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: للقائم غيبتان احداهما طويلة والأخرى قصيرة، فالأولى يعلم بمكانه فيها خاصة من شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها الا خاصة مواليه في دينه)، (٥٤) وهذا التهافت في الخبر يضفي شكاً على دلالة الرواية بوجود الولد، وإذا ورد أي احتمال لا يمكن الاستدلال في رواية الشيخ الطوسي كما هو واضح.
التنبيه الرابع:
إننا لا نمنع من إمكانية زواج الإمام المهدي عليه السلام كما اننا من وجود ذرية للإمام عليه السلام لكن الذي يمنعنا من التسليم لأمر الذرية ووجود الزوجة هي حالة السرية التامة المشردة في عصر الغيبة الكبرى، وإذا افترضنا أن زواج الإمام عليه السلام تعترضه مشكلة الذرية، فإننا نفترض أن الله تعالى لم يجعل له ذرية لمصلحة الغيبة مع عدم وجود مانع من ذلك في شخصه الشريف، بل المصالح والمفاسد في ملاكات الحكم الإلهي التي على أساسها يكون الحكم أو لا يكون، وهكذا هي المصلحة الإلهية التي تلازمها ملاكاتها في كل الأحوال.
ومعنى هذا النفي إمكانية وجود الذرية لمصالح إلهية وأظهرها التكتم على غيبة الإمام عليه السلام وسريته.
التنبيه الخامس:
إن فرضية عدم زواج الإمام عليه السلام ليست بدعاً وغير ممكنة، فقد سبقه في هذا الأمر نبي الله عيسى عليه السلام حيث لم تثبت الأدلة زواجه، بل إن هناك نصوصاً تثبت خلاف ذلك كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في وصف حال عيسى وما يتعلق بشؤونه الشخصية، فقد ورد في خطبته عليه السلام في نهج البلاغة وهي الخطبة ١٦٠ قوله: (ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه..) وهو صريح في عدم الزوجة والولد، والظاهر أن ظروف غيبته وملاحقة اليهود له ومحاولة قتله تمنع من استقراره واتخاذه للأهل والأولاد، وهذا واضح فيمن يعيش ظروفاً استثنائية كالتي يعيشها المسيح عليه السلام، ولا يقال إن عيسى المسيح لم يتزوج كونه يعيش بوجود ملائكي يمنعه من الزواج، فإن القرآن الكريم صريح بخلاف ذلك، حيث بشريته أكدها القرآن الكريم بقوله: (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ)(٥٥) وهو دليل إنسانيته وبشريته.
وغرضنا من هذا التنبيه تشابه الظروف والدواعي بين الإمام الحجة عليه السلام وبين عيسى عليه السلام والتي اقتضت عدم وجود الذرية لهما، بل عدم زواجهما كذلك.
التنبيه السادس:
ذكر بعض علمائنا احتمالية زواج الإمام الحجة عليه السلام من بنات أبي لهب، وقد أشار ذلك العلامة الكفعمي في المصباح والشيخ النعماني في تنقيح المقال، ولم نقف على دليلهم، إذ يحتاج إلى مثل ذلك إلى دليل يؤكد ما ذهب اليه، وألا تبقى مجرد دعوى لا يمكن الاستثناء منها، ولم نقف في حدود تتبعنا على ما يفيد ذلك، ولو سلّمنا بصحة ذلك، فهل الخبر نقل عن الإمام الحجة عليه السلام، أم كانت هناك إشارة من بعض السفراء، أم هي مشاهدة، أم لا تتعدى مكاشفة وقف بها بعضهم على ذلك، ومع هذه الاحتمالات فلا يبقى مجال للشك بأن الأمر لا يتعدى احتمالاً فرضيّاً تناقله بعضهم واستحسنه آخرون.
ثم على فرض زواجه هذا من بنات أبي لهب، فإن ذلك لا يثبت أن له أولاداً أو يمكن التعويل على ذلك بمجرد احتمال أو خبر مفقود القرائن وعندها فإننا إذا أردنا إثبات زواجه من خلال هذا الاحتمال فإن ملازمات، المحتمل غير أكيدة، ولا يمكن الوثوق بها.
التنبيه السابع:
ما ادعاه البعض من أن بعض الأسر في مصر يرجع نسبها إلى الإمام المهدي عليه السلام هو مجرد دعوى لا يمكن صمودها أمام أي احتمال معارض لها، فهذه الأمر نفسها لم تدعِ هذه الدعوى، واحتمالية رجوعها إلى الإمام المهدي لا يتعدى سوى أقوال رجحها البعض دون مرجّح، فلا علماء الأنساب يقرون بذلك، ولا أفراد هذه الأسر من (الجعافرة) وهي من الأسر العلوية المصرية حيث أكد رجوع نسب هذه الأسرة إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام ولم يعرفون نسباً كهذا، وشدد هذا الرجل على أن هذه الدعوى لا يعرفها المستحقون لهذه الأسرة لا من قريب ولا من بعيد، ووجدتهم من الشيعة الأشداء في عقيدتهم وفي انتمائهم لأهل البيت عليهم السلام.
الخلاصة:
ومهما يكن من أمر فإن نظريتي الزواج وعدمه تصطدمان بعدة معوقات لا يمكن رفعها بسهولة، ولم يتوفر لدينا الدليل الكافي للبت بالأمر، حيث لا يمكن لنا الإصرار على صحة إحدى النظريتين وتصديقها ما لم تدعم بالدليل والبرهان، ولا دليل في البين يقطع النزاع، لذا فإننا نترك الأمر دون البت بشيء منه، إلا على سبيل النقاش العلمي والافتراضات المتوفرة، حيث إن الأمر سر من أسرار الغيبة لا يمكن البت به، وإذا كان كذلك - أي من مهام الغيبة - فلا بد أن نتوقف في البت بذلك وعدم إقحام آراء تتعارض مع الكثير من الحقائق.
نعم:
يمكن القول بأن دعوى الانتساب للإمام عليه السلام يجب أن نقف منها موقفاً حازماً، فلعل أحداً من أصحاب الأهواء يدعي الانتساب للإمام المهدي عليه السلام وكونه من أولاد الإمام، أو من ذريته، فهذا ما لا يمكن السكوت عنه، ويجب التصدي له لعدم امتلاكه الدليل، كما لو ادعى أحد غير نسبه، فستترتب على ذلك مفاسد كثيرة تقتضي لعنه والبراءة منه، كما لعن على لسان النبي صلى الله عليه وآله (ملعون من دخل في نسب غير نسبه..).
إن من المؤسف جداً أن تُستغل الدعوى المهدوية لصالح بعض الجهات والأشخاص تنفيذاً لمآربهم الخاصة وتهالكاً على مصالحهم الشخصية، وقد حاول هؤلاء أن يتفننوا بصيغٍ معينة ودعاوى غير واقعية لا تستند إلى دليل، حيث ادعى بعضهم أنه هو المهدي، ولما لم تنجح مثل هذه المدعيات والأوهام، ووجدوا أن الناس لم تنطلِ عليهم هذه المفتريات حاول البعض أن يدعي أنه ابن الإمام المهدي، ويثبت بأدلة واهية انتسابه للامام عليه السلام وأنه مولودُ منه، ونحن بدورنا نقدّم بعض الحلول لإيقاف مثل هذه التسويلات والمدعيات، بما يتلاءم وهذه الدعوى، وما الذي يتعين علينا في معالجة مثل ذلك، حيث لابد من اتباع بعض الامور:
أولاً: التشهير به وعدم تصديقه ورد دعواه بما يتوفر من إمكانيات تمنعه وتمنع كُلَّ مفترٍ كذاب يدعي مقاماً غير مقامه.
ثانياً: تثقيف الناس على أن دعاوى الانتساب الباطلة أمر يتوسل به أهل الدنيا ويتكالبون عليه من أجل تنفيذ مهامهم الخاصة.
ثالثاً: لابد من التذكير أن مسألة دعوى الانتساب كانت موجودة في التاريخ من أجل تنفيذ مآرب معينة، والتاريخ يحدثنا أن في زمن الإمام الهادي عليه السلام ادعت امرأة أنها ابنة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وكادت أن تخلق فتنة بين صفوف البسطاء، إلا أن الإمام الهادي عليه السلام طلب منها أن تنزل إلى بركة السباع، فإن لحوم اولاد فاطمة عليه السلام محرمة على السباع عندها اعترفت هذه الكذابة بكذب دعواها حينما وجدت أنها مهددة بالهلاك.
رابعاً: أن تطالب صاحب دعوى الانتساب إلى الإمام المهدي عليه السلام بالمعجزة أو أن نطالبه بأن يأتي إلينا برسالة عن "والده الإمام" مثلاً أو بأي أمر يعنيه الإمام لإثبات انتسابه إليه، فمن غير المتصور أن يرضى الأب بإنكار الناس لولده، وهو لا يقف ضد ذلك موقفاً معيناً، وهل سمعنا أحداً ينفي الناس انتساب ولده منه وهو ساكتٌ لا يقف من ذلك موقف الرافض أو النافي لهذا الادعاء، ما لم يوجب ذلك الدفاع عن ولده المنتسب إليه؟! هذا ما يمكن اتخاذه من إجراءات تتناسب وحجم خطورة الدعوى وضرورة الدفاع عن المهدوية الحقة..
نسأل الله تعالى البصيرة في ديننا ودنيانا ويدفع عنا كيد كل مفترٍ كذاب لا يؤمن بيوم الحساب.


 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) علوم الحديث الدكتور صبحي صالح: ٢٥٧.
(٢) أضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث: محمود أبو رية: ٢٩٣.
(٣) تلخيص مقباس الهداية للعلامة المامقاني: ٤٣.
(٤) علوم الحديث للدكتور صبحي صالح: ٢٥٥.
(٥) الطافي ٦: ٥٣٤.
(٦) ن. م ٦٠٩: ١.
(٧) ن.م: ٦٠٨.
(٨) الكافي ١: ٦٠٩.
(٩) الكافي ١: ٦٠٦.
(١٠) الاخبار الدخيلة ١٠٤.
(١١) مقدمة كتاب سليم بن قيس الهلالي للشيخ محمد باقر الأنصاري ١٧١ التنبيه والأشراف.
(١٢) مناقب آل ابي طالب لابن شهر اشوب.
(١٣) البحار للمجلسي ١٢٢: ٣٥.
(١٤) روضات الجنات ١٣١: ٧.
(١٥) كتاب سليم بن قيس: ١٧٣.
(١٦) الكافي ١: ٦٠٨.
(١٧) الكافي ١: ٦٠٨.
(١٨) ن.م.
(١٩) ن.م.
(٢٠) ن.م.
(٢١) الكافي ١: ٦٠٩.
(٢٢) ن.م.
(٢٣) الكافي ١: ٦١٠.
(٢٤) ن.م: ٦١٠.
(٢٥) الاستنصار: ٣.
(٢٦) من المقدمة.
(٢٧) صحيح البخاري باب الأحكام.
(٢٨) راجع في هذه الأحاديث في صحيح مسلم كتاب الإمارة باب: الناس تبع القريش والخلافة في قريش حديث ١٨٢١ وما بعده.
(٢٩) سنن أبي داود كتاب المهدي حديث ٤٢٧٩ , ٤٢٨٠.
(٣٠) ينابيع المودة للقند وزي الشافي: ٤٤٥ مطبعة احتر اسلامبول ١٣٠١ هـ, النسخة النادرة.
(٣١) الغيبة للطوسي ٩٧,٩٦.
(٣٢) الشموس الطالعة السيد حسين الدرود آبادي: ٢٣٧.
(٣٣) الكافي ٦١٢: ١.
(٣٤) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٣٢ح٦٩: ٢.
(٣٥) مفاتيح الجنان في باب زياراته عليه السلام: ٥٢٦.
(٣٦) انظر كذلك إلى ما بسطه آية الله الشيخ محمد السند في مبحثه (المهديون الاثنا عشر).
(٣٧) الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة للشيخ الحر العاملي: ٤٣٠.
(٣٨) الأخبار الدخيلة للعلامة الشيخ محمد تقي التستري ١٠: ١.
(٣٩) الوسائل كتاب النكاح باب استحبابه حديث ٤.
(٤٠) ن. م ح١٤.
(٤١) ن. م. ح١.
(٤٢) ن. م ح١١.
(٤٣) كتاب النكاح باب كراهة العزوبة.
(٤٤) كشف الغطاء عن قواعد الاحكام للفاضل الهندي ح: ١٠.
(٤٥) مفاتيح الجنان باب زيارات الإمام الحجة والدعاء له عليه السلام: ٥٤١.
(٤٦) الغيبة للطوسي ١٨٨ح: ٢٤.
(٤٧) سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب للنسابة الشهير بالسيويدي: ٣٤٦.
(٤٨) سبائك الذهب في أنساب العرب للسويدي.
(٤٩) ن.م.
(٥٠) مختصر تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمة الاطهار لابن شدقم: ٥٧٥.
(٥١) تاريخ أهل البيت محدث نصر بن علي الجهضمي: ١٢٨.
(٥٢) هذه الأحاديث أوردناها معتمدين على كتاب دليل مسجد السهلة المعظم للسيد مضر عليخان المدني: ٢٠-٢١.
(٥٣) الغيبة للشيخ الطوسي: ١٠٢.
(٥٤) الغيبة للشيخ النعماني: ١٧٠.
(٥٥) المائدة: ٧٥.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٢ / ٤.٠
 التعليقات
الإسم: رسول عبد الحسين خروع
الدولة: العراق
النص: احسنتم
تاريخ الإضافة: ٢٠١٤/٠٨/١٥ ٠٢:٣٠ م
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved