فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » وكلاء الإمام المهدي في زمن الغيبة الصغرى من غير السفراء
 كتب أخرى

الكتب وكلاء الإمام المهدي في زمن الغيبة الصغرى من غير السفراء

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: حسن عبد الأمير الظالمي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/١٠/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٢٣٢٩٦ التعليقات التعليقات: ١

وكلاء الإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى من غير السفراء
ويليه بحوث ودراسات مهدوية

تأليف: حسن الشيخ عبد الأمير الظالمي

فهرست الموضوعات

كلمة مؤسّسة مسجد السهلة المعظَّم
مقدّمة المؤلّف
الفصل الأوّل: من هو الإمام المنتظر عليه السلام؟
اسمه ونسبه عليه السلام
ألقابه عليه السلام
كنيته عليه السلام
والدته عليه السلام
الفصل الثاني: ولادة الإمام المهدي عليه السلام
تاريخ الولادة
الرواية الأولى
الرواية الثانية
الترجيح
كيفية الولادة
حياته في كنف والده عليهما السلام
الفصل الثالث: الغيبة الصغرى البداية والتسمية
تعريف الغيبة الصغرى
بداية الغيبة الصغرى
الرأي الأوّل
الرأي الثاني
خصائص الغيبة الصغرى
الفصل الرابع: السفراء وانتهاء فترة الغيبة الصغرى
تمهيد
١ _ الوكالة
٢ _ التوقيعات
معنى السفارة
صفات السفراء المشتركة
السفراء الأربعة
١ _ السفير الأوّل
٢ _ السفير الثاني
٣ _ السفير الثالث
٤ _ السفير الرابع
أدعياء السفارة
الفصل الخامس: الوكلاء في عصر الغيبة الصغرى
تمهيد
الفرق بين الوكيل والسفير
واجبات الوكلاء ومهمّاتهم
رعاية الإمام للوكيل
المستوى العلمي للوكلاء
تداخل مصطلح السفير والنائب والوكيل
مصدر تسمية الوكلاء
عدد الوكلاء
الفصل السادس: وكلاء الإمام المهدي عليه السلام
(١) أبو علي القمّي أحمد بن إسحاق الأشعري
اسمه ونسبه
حياته
منزلته وعلوّ مكانته
وثاقته
الخلاصة
(٢) إبراهيم بن محمّد الهمذاني
اسمه ونسبه
ذرّيته
حياته
منزلته وجلالة قدره
وكالته والاختلاف فيها
(٣) إبراهيم بن مهزيار الأهوازي وابنه محمّد
الخلاصة
(٤) أبو الحسين محمّد بن جعفر الأسدي
حياته
وثاقته
وكالته
(٥) أحمد بن حمزة بن اليسع القمّي
اسمه ونسبه
حياته
وثاقته
وكالته
الخلاصة
(٦) أيّوب بن نوح بن درّاج النخعي
اسمه ونسبه
منزلته ووثاقته
وكالته
(٧) أبو عبد الله الحسين بن علي البزوفري
اسمه ونسبه
حياته
وثاقته
وكالته
(٨) حاجز بن يزيد الوشّاء
اسمه ولقبه
وكالته
(٩) خليد بن أوفى أبو الربيع الشامي (البسامي)
اسمه ولقبه
وكالته
(١٠) العاصمي
اسمه ونسبه
وثاقته
وكالته
(١١) القاسم بن العلاء
اسمه ونسبه
حياته
وثاقته
وكالته
(١٢) محمّد بن صالح الدهقان
اسمه ونسبه
وكالته
ارتداده
(١٣) محمّد بن يحيى العطّار
اسمه ونسبه
وثاقته
وكالته
(١٤) محمّد بن نعيم بن شاذان النيشابوري
اسمه ولقبه
وثاقته
وكالته
(١٥) محمّد بن حفص بن عمرو العمري
اسمه ونسبه
وكالته ووثاقته
(١٦) إسحاق بن إسماعيل النيشابوري وجماعة
١ - إسحاق بن إسماعيل النيشابوري
٢ - صالح بن محمّد الهمداني
بحوث ودراسات مهدوية
البحث الأوّل: عقيدتنا في الإمام المهدي عليه السلام
المقدّمة
المحور الأوّل: المهدي في عقيدة الشيعة الإمامية
المحور الثاني: الإمام المهدي في القضيّة التاريخية
المحور الثالث: الإمام في عصر الظهور
الرايات في عصر الظهور
حركة السفياني
راية الخراساني
راية اليماني
حركة الظهور المقدَّس للإمام المهدي عليه السلام
التوجّه إلى المدينة
تحرير المدينة المنوَّرة
التقدّم نحو العراق
بلاد الشام
حرب اليهود
أمَّا الرايات الأخرى في عصر الظهور المبارك
الهاشمي
عوف السلمي التكريتي
الأعرج الكندي
راية الشروسي
راهب نجران
الخاتمة
البحث الثاني: منزلة الإمام المهدي عند المعصومين عليهم السلام
التأكيد على نسبه وانتمائه لأهل البيت عليهم السلام
تعظيمه بحمله اسم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكنيته وصفاته
الأمر بطاعته واتّباعه
إفدائه بالأب والاُمّ والبكاء شوقاً إليه
ذكر معاجزه وما يحقّقه في دولته
البحث الثالث: إشكالية الإمامة المبكّرة للإمام المهدي عليه السلام
أوّلاً: الصعيد النظري
ثانياً: صعيد الواقع العملي
البحث الرابع: إشكالية طول عمر الإمام المهدي عليه السلام
أوّلاً: الدليل الديني من القرآن والسُنّة
ثانياً: الدليل العقلي
ثالثاً: الدليل العلمي
رابعاً: دليلُ المعجزة
البحث الخامس: الغيبة الصغرى
التسمية والبداية
تعريف الغيبة الصغرى
التسمية
البحث السادس: السفير الأوّل للإمام المهدي عليه السلام
تمهيد
١ _ الوكالة العامّة
٢ _ التوقيعات
اسمه ولقبه وكنيته
ولادته ومدَّة سفارته
مكان قبره
منزلته ووثاقته
أولاده
البحث السابع: أدعياء المهدوية والنيابة للإمام المهدي عليه السلام
المقدّمة
أدعياء السفارة أو النيابة
أدعياء المهدوية والنيابة في العصر الحاضر
الدعوة المهدوية المولوية
القحطاني
البحث الثامن: فقهاء الغيبة الكبرى وعصر الظهور
المقدّمة
أمر أهل البيت عليهم السلام شيعتهم بالافتاء
أهل البيت عليهم السلام يأمرون شيعتهم بالتفقّه
صفات الفقهاء الذين يجب اتّباعهم
النهي عن اتّباع فقهاء السوء
التقليد والمرجعيات الدينية
جهاد مراجع التقليد
توسّع المرجعيات الدينية وتعدّدها
الردّة وعلماء الضلال
روايات في فقهاء عصر الظهور
تأويل المضلّين لهذه الأحاديث
دور الفقهاء
البحث التاسع: الصيحة أو النداء السماوي
فما هي الصيحة أو النداء السماوي؟
البحث العاشر: الطابع السلمي لحركة الإمام المهدي عليه السلام
أوّلاً: الاختلافُ في المعاملة
ثانياً: مواجهة الحركات المضادّة والمعاندة
ثالثاً: الإجراءات السلمية في حركة الإمام عليه السلام
رابعاً: التكتيك العسكري
خامساً: روايات تؤكّد الطابع السلمي
خلاصة البحث
البحث الحادي عشر: سلاح الإمام المهدي عليه السلام في عصر الظهور
الفصل الأوّل: حالات انتصار الإمام عليه السلام
الفصل الثاني: صور التأييد الإلهي لحركة الإمام عليه السلام
الفصل الثالث: الانتصار العسكري في عصر الظهور
أوّلاً: التأييد الإلهي في المعارك
ثانياً: تدخّل الإعجاز الإلهي المباشر في المعارك
ثالثاً: القيادة العسكرية للإمام عليه السلام
رابعاً: الجيش القوي المؤمن بقضيَّته
خامساً: الأجهزة العسكرية المتطوّرة
سادساً: الآلة الحربية
البحث الثاني عشر: معركة هرمجدون الفاصلة
المقدّمة
الموقع الجغرافي للمعركة
الموقع التاريخي للمدينة
المعركة عند اليهود والمسيح
هرمجدون لدى السياسيين
الملحمة الكبرى عند البهائية
نظرة المسلمين لهذه المعركة
مصادر التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة مؤسّسة مسجد السهلة المعظَّم:
كان للإمام المهدي عليه السلام غيبتان: صغرى وكبرى، أخبرت عنهما معاً الكثير من الأحاديث الشريفة المروية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمّة المعصومين من أهل بيته عليهم السلام، بل وأشارت إليها بعض نصوص الكتب السماوية السابقة.
بدأت الغيبة الصغرى من حين وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري عليه السلام سنة (٢٦٠هـ) وتولّي الإمام المهدي عليه السلام مهام الإمامة لحين وفاة آخر السفراء الأربعة الخاصّين بالإمام المهدي عليه السلام وهو الشيخ علي بن محمّد السمري في النصف من شعبان سنة (٣٢٩هـ) تزامناً مع ذكرى ولادة الإمام المهدي عليه السلام; فتكون مدَّتها قرابة السبعين عاماً، وقد تميَّزت هذه الفترة بعدم الاستتار الكلّي للإمام، حيث كان يتَّصل بعدد من المؤمنين، كما تميَّزت بكثرة الرسائل الصادرة عنه عليه السلام في موضوعات عديدة، وكذلك بوجود السفراء الخاصّين والوكلاء الذين كان يعيّنهم مباشرةً. وهذه الفترة مثَّلت مرحلة انتقالية بين الظهور المباشر الذي كان مألوفاً في حياة آبائه عليهم السلام وبين الاستتار الكامل في عهد الغيبة الكبرى.
أمَّا الغيبة الكبرى فقد بدأت إثر وفاة الشيخ السمري، إذ أمره الإمام عليه السلام بعدم تعيين خليفة له(١)، بعد أن استنفذت الغيبة الصغرى الأهداف المطلوبة منها. والغيبة الكبرى مستمرّة ليومنا هذا وستستمرّ حتَّى يأذن الله تبارك وتعالى للإمام عليه السلام بالظهور والقيام بمهمّته الإصلاحية الكبرى.
وتميَّزت الغيبة الكبرى بانتهاء نظام السفارة الخاصّة عن الإمام عليه السلام، وبقلَّة الرسائل الصادرة عنه، وبالاستتار الكلّي إلاَّ في حالات معيَّنة.
إنَّ التأريخ حفظ لنا أسماء العديد من الوكلاء الثقات من غير السفراء الأربعة المشهورين، لكن تسليط الأضواء على هؤلاء كان ضعيفاً، ولعلَّ قلَّة المعلومة التأريخية كانت سبباً في هذا الضعف، فتجد أخبارهم متناثرة هنا وهناك في اُمّهات مصادرنا.
وبجهد دؤوب، ورؤية واضحة، وحرص شديد تصدّى الكاتب والباحث الإسلامي الأستاذ الحاجّ حسن الظالمي للكتابة عن وكلاء الإمام عليه السلام من غير النوّاب الأربعة (رضوان الله عليهم).
ونظراً لما لهذا البحث من أهمّية كبيرة، ولكونه يمكن أن يملأ فراغاً في مكتبة الدراسات المختلفة عن المنقذ الأعظم (أرواحنا فداه)، فقد وجَّه أمين مسجد السهلة المعظَّم المهندس السيّد مضر السيّد علي خان المدني، مؤسّسة المسجد المبارك لتأخذ على عاتقها طباعة هذا السفر القيّم. سائلين الباري عز وجل أن يتقبَّل جهد كلّ من ساهم في إيصاله لأنظار القرّاء، وملتمسين رحمة ورأفة ودعاء وخير وشفاعة وليّ الله الأعظم عليه السلام، وأن يتقبَّل منّا هذا العطاء المرفوع لمقامه الشريف.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الحاجّ أحمد رزّاق عبد الحمزة
مدير مؤسّسة مسجد السهلة المعظَّم

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلّف:
الموضوع الفكري حول الامام المهدي عليه السلام واسع ومتشعّب، اُلّفت فيه الكتب والموسوعات التي بلغت المئات، من كتّاب الفِرَق الإسلاميّة كافّة، ولهم مواقف مختلفة حول هذا الموضوع، بين موافق أذعن لحقيقة إسلاميّة واضحة وضوح الشمس جاءت بها الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، حتَّى غدت حقيقة ثابتة وجزءاً من العقيدة الإسلاميّة، وتشير هذه الآيات وتلك الأحاديث إلى أنَّه سوف يظهر في آخر الزمان رجل من عترة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ومن ذرّية علي وفاطمة عليهما السلام، وهو التاسع من ولد الحسين عليه السلام، وابن الامام الحادي عشر الحسن بن علي العسكري عليه السلام، وهو محمّد بن الحسن المهدي الذي ولد عام (٢٥٥هـ)، وتوفّي والده عام (٢٦٠هـ) فتولّى الإمامة بعده، وغاب عن الأنظار غيبته الصغرى أو القصرى التي كان يتَّصل فيها بسفرائه فقط حتَّى عام (٣٢٩هـ) حيث انقطع نهائياً عن السفراء وغاب عن الأنظار غيبته التامّة، حتَّى يأذن الله سبحانه له بالظهور ويتمّ وعده فيه الذي جاءت به الآية الكريمة: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (النور: ٥٥)، وبين مخالف ركب جادّة العناد وسمح لنفسه بمجانبة الحقيقة، فهو إمَّا منكر لحقيقة المصلح المنتظر جملةً وتفصيلاً، أو معترف بها لكنَّه يدَّعي أنَّ المهدي لم يولد بعد وأنَّ الله سبحانه سيخلقه حينما يريد أن يظهره ويقيم دولته.
وقد انبرى كتّاب الشيعة وبعض الفِرَق الإسلاميّة المنصفة لهذا الموضوع وأشبعوه بحثاً وتحقيقاً، فرأيت أن أمرَّ عليه بشكل مختصر، وأكتب عنه ما اُمهّد به لموضوع بحثي في هذا الكتاب.
لقد بحثت في هذا الكتاب عن اُناس عاشوا في فترة الغيبة الصغرى للإمام الحجّة عليه السلام ولم يكونوا نوّاباً أو سفراءً له، لكنَّهم كانوا وكلاء لأولئك النوّاب، منتشرين في الأمصار الإسلاميّة، يلتقون بالناس ويحملون منهم أسئلتهم واستفساراتهم وحقوقهم الشرعية، ويتحمَّلون عناء الطرق ووعثاء السفر ليذهبوا بها إلى بغداد مقرّ وجود السفراء الأربعة يتحدّون عيون السلطة وظلم الطغاة من حكّام بني العبّاس، ويرجعون بأجوبة تلك المسائل ووجوه صرف تلك الحقوق، فهم اُناس ثقات مأمونون، وثَّق بعضهم الإمام المهدي عليه السلام نفسه ووكَّل الآخرين وأثنى على البعض منهم، فكانوا أشخاصاً موثوقين في المهمّة التي انبروا لتحمّلها، لا يخبرون بمهامّهم ولا يُعلِمون أحداً بمكان وجود السفراء ولو قرضوا بالمقاريض أو نشروا بالمناشير، يوفّرون للناس عناء السفر ويرشدونهم إلى الطريق الصائب.
لقد عانيت الصعوبات الجمّة في البحث عن حياة هؤلاء الوكلاء وسيرتهم، فلم أجد إلاَّ نتفاً قصيرة عنهم في كتب الرجال والحديث، أو في موضوع غيبة الإمام الحجّة عليه السلام الصغرى، ممَّا جعلني اُقصّر في تفصيل حياتهم والكشف عن كامل سيرتهم، ولكنّي أجهدت نفسي بحقّ هؤلاء الأعاظم من الرجال والموثوقين من المؤمنين وجمعت عنهم ما أمكنني جمعه لأفتح الطريق للباحثين للكتابة عن هذا الموضوع طلباً لمرضاة الله سبحانه وخدمة لشريعته الغرّاء وعرفاناً بحقوق نبيّنا العظيم صلى الله عليه وآله وسلم وعترته الطاهرين عليهم السلام، والله الموفّق.

النجف الأشرف (١/١٠/٢٠٠٤م)
حسن الشيخ عبد الأمير الظالمي

الفصل الأوّل: من هو الإمام المنتظر عليه السلام؟

اسمه ونسبه عليه السلام:
ورد اسمه عليه السلام في كتاب مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة الشافعي: (محمّد بن الحسن الخالص بن علي المتوكّل بن محمّد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)(٢).
وذكره بهذا النسب علي بن محمّد الصبّاغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة(٣)، وسبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواصّ(٤)، والزركلي في الأعلام(٥)، وقال ابن حجر الهيثمي في كتابه الصواعق المحرقة: إنَّ الإمام الحسن العسكري عليه السلام لم يخلّف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة وسمّي القائم المنتظر(٦).
والأحاديث النبوية الشريفة، والروايات الموثَّقة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام تعرّفه بأنَّه من أولاد عبد المطّلب بن هاشم، ومن عترة الرسول الكريم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من ابنته فاطمة عليها السلام، وهو من أولاد علي بن ابي طالب عليه السلام، والتاسع من ولد الحسين عليه السلام، وهي أحاديث صحيحة بتواتر تبيّن هذا النسب حفلت بها كتب الحديث والتاريخ.
ألقابه عليه السلام:
لُقّب الإمام الحجّة بن الحسن عليه السلام بعدَّة ألقاب وصلت إلى المئتين وردت في كتاب النجم الثاقب للعلاَّمة النوري نأخذ منها بعض الألقاب المشهورة:
١ _ المهدي، ٢ _ المنتظر، ٣ _ الحجّة، ٤ _ الغائب، ٥ _ صاحب الزمان، ٦ _ الخلف، ٧ _ القائم، ٨ _ الموعود، ٩ _ الخاتم، ١٠ _ بقيّة الله، ١١ _ الوليّ، ١٢ _ الموعود.
وكانت شيعته في زمن الغيبة الصغرى تلقّبه بعدَّة ألقاب إخفاءً لاسمه وتعتيماً على أمره وخوفاً عليه من السلطات الظالمة، فهم يقولون: ورد من الناحية، جاء من الغريم، خرج في التوقيع، وكلّها إشارات إلى شخصه عليه السلام.
كنيته عليه السلام:
أشهر كناه أبو القاسم، كنّاه بذلك جدّه الرسول الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث ورد عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي)(٧).
ويكنّى: أبو صالح، ابن الحسن.
والدته عليه السلام:
(وهي أمَة رومية اشتريت للإمام الحسن العسكري عليه السلام، وقد أوردت الروايات كيفية شرائها، كما أكَّدت أنَّها من سلالة قيصر ملك الروم واُمّها من ذرّية أحد حواري عيسى عليه السلام)(٨).
وورد في كيفية مجيئها إلى سامراء روايتان تؤكّدان (أنَّها بنت يشوعا بن قيصر، واُمّها من ولد الحواريين، وهم خواصّ أصحاب عيسى عليه السلام تنتسب إلى شمعون وصيّ عيسى، وقد جاءت مع سبي المسلمين، واشتراها الإمام الهادي عليه السلام لولده العسكري عليه السلام وزوَّجها له، أو أنَّه أهداها لأخته الفاضلة حكيمة بنت الإمام محمّد الجواد عليه السلام التي أهدتها لابن أخيها الحسن العسكري)(٩).
وقد تعدَّدت أسماؤها لمناسبات معيَّنة كما هو الحال بالنسبة للإماء، فقد تسمّى في بلادها باسم يتغيَّر عند السبي إلى أسماء أخرى تطلق عليها بقصد الترغيب في شرائها، أو لأسباب تتعلَّق برغبة المالك.
ونذكر من أسمائها ما يلي:
(سمّاها الإمام الصادق عليه السلام: نرجس، حيث قال: (الخلف الصالح من ولدي، وهو المهدي، اسمه محمّد وكنيته أبو القاسم، يخرج في آخر الزمان، يقال لاُمّه: نرجس))(١٠).
وسمّاها الإمام الرضا عليه السلام: سيّدة الإماء، حيث قال: (الرابع من ولدي ابن سيّدة الإماء، يطهّر الله به الأرض من كلّ جور، ويقدّسها من كلّ ظلم)(١١).
قال الشيخ الطوسي رحمه الله: (ويقال لها: صقيل، ويقال لها: سوسن، إلاَّ أنَّه قيل بسبب الحمل: صقيل)، وقد علَّق الشارح لكتاب الغيبة على ذلك في الهامش فقال: (إنَّما سمّيت صقيلاً لما اعتراها من النور والجلاء بسبب الحمل المنوَّر)(١٢).
ولها أيضاً أسماء أخرى وردت في كتب التراجم والسير والأنساب، منها: سوسن، ومليكة، وريحانة، وخمط(١٣). ولكن أشهر أسمائها نرجس.
وكنيتها: اُمّ محمّد واُمّ القائم، ولم ترد معلومات عن سنة ولادتها في بلادها، ولا عن وفاتها في بلاد الإسلام، فهناك من يقول: إنَّها عاشت بعد وفاة زوجها الحسن العسكري عليه السلام فترة قصيرة ثمّ توفيت، والله العالم.

* * *
الفصل الثاني: ولادة الإمام المهدي عليه السلام

تاريخ الولادة:
إنَّ الاختلاف في تاريخ الولادة أو الوفاة لشخص ما لا يعني بأيّ حالٍ عدم وجوده، فقد حدث هذا مع كثير من الأئمّة عليهم السلام وفطاحل العلماء وأشهر المؤرّخين مع تأكّد وجودهم وممارسة دورهم في الحياة، وكذا الحال بالنسبة للإمام المهدي عليه السلام، فإنَّ الاختلاف في سنة ولادته أصبح وسيلة عند بعض أعدائه للتشكيك في ولادته والادّعاء بأنَّه لم يولد بعد.
(ولقد نقل خبر الولادة ما يناهز المئة والثلاثين من علماء مختلف الفِرَق الإسلاميّة بينهم عشرات المؤرّخين ستّة منهم عاصروا الغيبة الصغرى أو ولادة الإمام المهدي عليه السلام)(١٤).
وقد وجدنا إختلافاً في ولادة الإمام عليه السلام في اليوم والشهر والسنة، بوَّبناها على ثلاثة أبواب كما وردت في كتب المؤرّخين والكتّاب لغرض مناقشتها واختيار الأرجح منها، وهذه الروايات جميعاً تؤكّد أنَّه ولد في بيت والده الإمام الحسن العسكري عليه السلام في سامراء.
الرواية الأولى:
جاء فيها أنَّه ولد قبيل الفجر ليلة الخامس عشر من شهر شعبان سنة (٢٥٥هـ) في عهد الخليفة المعتمد العبّاسي المتوفّى سنة (٢٧٩هـ)، وهي أشهر الروايات يأخذ بها جمع من الكتّاب والمؤرّخين، نأخذ منهم على سبيل المثال:
أ _ أطلق هذا التاريخ الشيخ الكليني رحمه الله المعاصر للغيبة الصغرى إطلاق المسلَّمات وقدَّمه على الروايات الواردة بخلافه(١٥).
ب _ وقال الشيخ الطوسي رحمه الله في الغيبة في روايته للولادة عن حكيمة بنت الإمام محمّد الجواد عليه السلام، قال: قالت: بعث إليَّ أبو محمّد عليه السلام سنة خمس وخمسين ومائتين في النصف من شعبان...) وأورد رواية الولادة(١٦).
جـ _ وقال الشيخ المفيد رحمه الله في الإرشاد: (كان مولده عليه السلام ليلة النصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين)(١٧).
د _ ونقل نفس التأريخ ابن خلّكان في وفيات الأعيان(١٨).
فهذه الروايات التي وردت في كتب معتبرة لمؤلّفين معروفين وكتب أخرى غيرها أوردت أنَّ ولادته عليه السلام كانت ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ)، وأوردت وفاة أبيه واستلامه مقاليد الإمامة وله خمس سنين فقط.
الرواية الثانية:
وجاء فيها أنَّه عليه السلام ولد سنة (٢٥٦هـ) باختلاف في اليوم والشهر والسنة إعتماداً على الرواية التي تقول: إنَّه ولد بعد وفاة جدّه الإمام الهادي عليه السلام بسنتين، وحيث إنَّ الإمام الهادي توفّي في الثالث من رجب سنة (٢٥٤هـ) فتكون ولادته حسب هذه الرواية في سنة (٢٥٦هـ).
وقد أورد سنة الولادة هذه جمع من المؤرّخين والكتّاب والمحدّثين نورد بعضاً منهم على سبيل المثال:
أ _ قال الشيخ الطوسي الذي أوردنا روايته في المجموعة الأولى أنَّه ولد سنة (٢٥٦هـ)، وأورد هذه الرواية التي تقول: (وولد له ولد _ أي العسكري عليه السلام _ وسمّاه محمّداً سنة ست وخمسين ومائتين)(١٩).
ب _ وقال العلاَّمة الحلّي: (ولد المهدي محمّد بن الحسن عليه أفضل الصلاة والسلام يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان سنة ست وخمسين ومائتين)(٢٠).
جـ _ وقال الأردبيلي: (محمّد بن الحسن المهدي الهادي عليه أفضل الصلوات وأكملها ولد يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان سنة ست وخمسين ومائتين)(٢١).
وهناك رواية ضعيفة تقول: إنَّه ولد في غرّة شهر رمضان سنة (٢٥٤هـ)، فعن عقيد الخادم، قال: (ولد وليّ الله الحجّة بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين ليلة الجمعة غرّة شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين من الهجرة)(٢٢)، وقد عقَّب السيّد هاشم البحراني على هذه الرواية بالقول: (وهذا يخالف المشهور من أنَّه عليه السلام ولد ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة)(٢٣).
الترجيح:
مال بعض الكتّاب المعاصرين إلى إيراد الروايتين تخلّصاً من الإشكال في الاعتماد على إحداهما، قال الحكيمي: (عرف بين المؤرّخين والمحدّثين أنَّ ولادة الإمام الحجّة ابن الحسن المهدي عليه السلام سنة (٢٥٥) أو (٢٥٦هـ)، وقالوا بأنَّ المهدي وطأ قدمه العالم منتصف شهر شعبان من أحد العامين المذكورين)(٢٤).
ونحن نرى أنَّ الرواية الأولى هي الأكثر شيوعاً بين الكتّاب ويميل إليها أكثر المحقّقين، قال السيّد الخرسان: (إنَّ الدلائل قائمة والشواهد دالّة على أنَّ الإمام المهدي عليه السلام ولد في الخامس عشر من شهر شعبان سنة (٢٥٥هـ) في سامراء من أبوين معروفين على صعيد عامّ)(٢٥).
كيفية الولادة:
لقد أوردت الكتب المعتبرة الروايات الصحيحة عن ولادة الإمام الحجّة ابن الحسن عليه السلام، وقد اعتمدنا رواية المرأة الفاضلة حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام في هذا الأمر، حيث كانت حاضرة ساعة الولادة، وهي التي تحدَّثت عنها، وملخَّص الرواية كما وردت ما يلي:
قال الشيخ الطوسي رحمه الله في الغيبة:
أخبرني ابن أبي جيد، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن الصفّار محمّد بن الحسن القمّي، عن أبي عبد الله المطهّري، عن حكيمة بنت محمّد بن علي الرضا، قالت: بعث إليَّ أبو محمّد عليه السلام سنة خمس وخمسين ومائتين في النصف من شعبان وقال: (يا عمّة اجعلي الليلة إفطارك عندي فإنَّ الله عز وجل سيسرّك بوليّه وحجّته على خلقه خليفتي من بعدي).
قالت حكيمة: فتداخلني لذلك سرور شديد، وأخذت ثيابي عليَّ وخرجت من ساعتي حتَّى انتهيت إلى أبي محمّد عليه السلام، وهو جالس في صحن داره وجواريه حوله، فقلت: جُعلت فداك يا سيّدي! الخلف ممَّن هو؟ قال: (من سوسن)، فأدرت طرفي فيهنَّ فلم أرَ جارية عليها أثر غير سوسن.
قالت حكيمة: فلمَّا أن صلَّيت المغرب والعشاء الآخرة أتيت بالمائدة، فأفطرت أنا وسوسن وبايتّها في بيت واحد، فغفوت غفوة ثمّ استيقظت، فلم أزل مفكّرة فيما وعدني أبو محمّد عليه السلام من أمر وليّ الله عليه السلام، فقمت قبل الوقت الذي كنت أقوم في كلّ ليلة للصلاة، فصلَّيت صلاة الليل حتَّى بلغت إلى الوتر، فوثبت سوسن فزعة وخرجت (فزعة) [وخرجت] وأسبغت الوضوء ثمّ عادت فصلَّت صلاة الليل وبلغت إلى الوتر، فوقع في قلبي أنَّ الفجر (قد) قرب فقمت لأنظر فإذا بالفجر الأوّل قد طلع، فتداخل قلبي الشكّ من وعد أبي محمّد عليه السلام، فناداني من حجرته: (لا تشكّي وكأنَّك بالأمر الساعة قد رأيته إن شاء الله تعالى).
قالت حكيمة: فاستحييت من أبي محمّد عليه السلام وممَّا وقع في قلبي، ورجعت إلى البيت وأنا خجلة فإذا هي قد قطعت الصلاة وخرجت فزعة فلقيتها على باب البيت فقلت: بأبي أنت (واُمّي) هل تحسّين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمّة! إنّي لأجد أمراً شديداً، قلت: لا خوف عليك إن شاء الله تعالى، وأخذت وسادة فألقيتها في وسط البيت، وأجلستها عليها وجلست منها حيث تقعد المرأة من المرأة للولادة، فقبضت على كفّي وغمزت غمزة شديدة ثمّ أنَّت أنّة وتشهَّدت ونظرت تحتها، فإذا أنا بوليّ الله صلوات الله عليه متلقّياً الأرض بمساجده. فأخذت بكتفيه فأجلسته في حجري، فإذا هو نظيف مفروغ منه، فناداني أبو محمّد عليه السلام: (يا عمّة هلمّي فأتيني بابني)، فأتيته به، فتناوله وأخرج لسانه فمسحه على عينيه ففتحها، ثمّ أدخله في فيه فحنَّكه ثمّ [أدخله] في أذنيه وأجلسه في راحته اليسرى، فاستوى وليّ الله جالساً، فمسح يده على رأسه وقال له: (يا بني أنطق بقدرة الله)، فاستعاذ وليّ الله عليه السلام من الشيطان الرجيم واستفتح: بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص: ٥ و٦]، وصلّى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أمير المؤمنين والأئمّة عليهم السلام واحداً واحداً حتَّى انتهى إلى أبيه، فناولنيه أبو محمّد عليه السلام وقال: (يا عمّة ردّيه إلى اُمّه حتَّى (تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) [القصص: ١٣])، فرددته إلى اُمّه وقد انفجر الفجر الثاني، فصلَّيت الفريضة وعقَّبت إلى أن طلعت الشمس، ثمّ ودَّعت أبا محمّد عليه السلام وانصرفت إلى منزلي. فلمَّا كان بعد ثلاث اشتقت إلى وليّ الله، فصرت إليهم فبدأت بالحجرة التي كانت سوسن فيها، فلم أرَ أثراً ولا سمعت ذكراً فكرهت أن أسأل، فدخلت على أبي محمّد عليه السلام فاستحييت أن أبدأه بالسؤال، فبدأني فقال: ((هو) يا عمّة في كنف الله وحرزه وستره وغيبه حتَّى يأذن الله له...)(٢٦).
حياته في كنف والده عليهما السلام:
كانت مدَّة إمامة الإمام العسكري عليه السلام قصيرة امتدَّت من وفاة والده الإمام الهادي عليه السلام سنة (٢٥٤هـ) حتَّى وفاته سنة (٢٦٠هـ)، وكان من مهامّه الحفاظ على وليّ الله، والتمهيد لغيبته والستر عليه من السلطات الظالمة التي تترقَّب ولادته من جهة، ومن الجهة الأخرى إخبار أصحابه المخلصين والثقات بولادته.
فكان الإمام العسكري عليه السلام يُطلع المقرَّبين من أصحابه على ولده ويرسل إليهم الكتب التي تبشّرهم به، ويطلب منهم كتمان الأمر، (وكان قد وزَّع اللحم والخبز على الهاشميين والعلويين إشعاراً لهم بولادته)(٢٧).
وقد تعاهده بالرعاية والاهتمام وعدم اطّلاع أحد عليه، ولا شكَّ أنَّه كان يعلّمه أسرار الرسالة وعلوم آبائه عليهم السلام وهو بعد صغير.
وكان من بعض اهتماماته عليه السلام النصّ على وليّ الله والإشارة إليه أنَّه الخليفة من بعده، فكان يطري عليه بعبارات التوقير والتبجيل، وكان يقول لأصحابه: (هذا وليّ الله)، ويقول شاكراً ربّه: (الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتَّى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلقاً وخُلُقاً، ويحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته، ثمّ يظهره فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملت جوراً وظلماً)(٢٨).
وكان حين يعرضه على أصحابه يبيّن لهم أنَّه إمامهم من بعده، فقد روى الصدوق في (كمال الدين) بسنده عن معاوية بن حكيم، ومحمّد بن أيّوب بن نوح، ومحمّد بن عثمان العمري، قالوا: عرض علينا أبو محمّد الحسن بن علي عليهما السلام [ابنه](٢٩) ونحن في منزله، وكنّا أربعين رجلاً، فقال: (هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرَّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا)(٣٠).
(وكان الإمام المهدي عليه السلام صغيراً حين حضرت والده الوفاة، وكان ملازماً له، يعينه على شرب الدواء، ويمسك الإناء الذي يحتويه، حيث كانت أسنان الإمام العسكري عليه السلام تصطكّ ويداه ترتعشان من جراء السمّ الذي توفّي بسببه)(٣١).
ولمَّا توفّي الإمام العسكري عليه السلام تولّى ولده الحجّة عليه السلام تغسيله وتكفينه يساعده وكيله الثقة الأمين أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري، ولمَّا اُخرج نعش الإمام عليه السلام إلى باحة الدار للصلاة عليه حضر أخوه جعفر بن الإمام الهادي عليه السلام للصلاة عليه، وحينما تقدَّم جعفر بن علي ليصلّي على أخيه وهمَّ بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجذب برداء عمّه جعفر وقال: (تأخَّر يا عمّ فأنا أحقُّ بالصلاة على أبي)، فتأخَّر جعفر، وتقدَّم الصبي وصلّى عليه، ودفن إلى جانب قبر أبيه عليهما السلام(٣٢).
هذا وقد تسلَّم الإمام المهدي عليه السلام مقاليد الإمامة وهو ابن خمس سنين، فهو أصغر الأئمّة سنّاً، ولا غرابة في تاريخ الأنبياء والرسل، يقول الشيخ عبد الرحمن الحامي الحنفي في كتابه مرآة الأسرار: (كان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، وجلس على مسند الإمامة، ومثله مثل يحيى بن زكريا حيث أعطاه الله في الطفولة الحكمة والكرامة، ومثل عيسى بن مريم حيث أعطاه الله النبوّة في صغر سنّه، كذلك المهدي جعله الله إماماً في صغر سنّه، وما ظهر له من خوارق العادات كثير)(٣٣).
وقد مرَّ بنا كلام ابن حجر الهيثمي في صواعقه يقول: إنَّ الإمام الحسن العسكري عليه السلام لم يخلّف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة وسمّي القائم المنتظر(٣٤).

* * *
الفصل الثالث: الغيبة الصغرى البداية والتسمية

تعريف الغيبة الصغرى:
(وهي الفترة التي كان المسلمون يتَّصلون بها بالإمام المهدي عليه السلام بواسطة نوّاب عيَّنهم عليهم السلام ليكونوا مراجع المسلمين في حلّ مشاكلهم وقضاء حوائجهم)(٣٥).
وقد عرَّفها الشيخ المظفَّر بقوله: (وهي تمثّل الحقبة الزمنية الأولى لعهد إمامته عليه السلام في ممارسة مهام الإمامة الموكَّلة إليه في حدودها التقليدية، وقد ختمت بتوطيد دعائم إمامته كنقطة إنطلاق نحو أهدافها الإلهية السامية)(٣٦).
أمَّا من أسماها (الغيبة الصغرى) فذلك ما لم أتوصَّل إليه، وأرجو أن اُوفَّق لذلك، لأنّي راجعت كتب الأوائل الذين عاشوا تلك الفترة أو ما بعدها بسنوات فلم أجدهم يسمّونها بالغيبة الصغرى مقابل الغيبة الكبرى.
الذي يعرفه المسلمون استناداً إلى أقوال أهل البيت عليهم السلام أنَّ للإمام المهدي عليه السلام غيبتين، فعن المفضَّل، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول حتَّى يقول بعضهم: مات، ويقول بعضهم: قتل...)(٣٧).
وقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: (أمَا إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين، واحدة قصيرة، والأخرى طويلة)(٣٨).
وقد أسماها الشيخ المفيد بـ (الغيبة القصرى)، قال في الإرشاد: (فأمَّا القصرى منهما فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة)(٣٩).
وقد أسمى الشيخ الطوسي الغيبة الكبرى بـ (الغيبة التامّة) مقابل الغيبة الجزئية أو الناقصة، إلاَّ أنَّه لم يذكر سوى كلمة الغيبة مقابل كلمة الغيبة التامّة(٤٠).
بداية الغيبة الصغرى:
لم يتَّفق المحقّقون والكتّاب على بداية الغيبة الصغرى للإمام المهدي عليه السلام، ولهم فيها آراء عليها أدلَّة تسندها، نستعرضها بالتفصيل:
الرأي الأوّل:
يرى بعض المؤرّخين والباحثين أنَّ الغيبة الصغرى بدأت منذ ولادة الإمام المهدي عليه السلام في الخامس عشر من شعبان سنة (٢٥٥هـ) أو (٢٥٦هـ) حسب الرأي الذي يرجّحونه في ولادته، ويذهب إلى هذا الرأي الشيخ المفيد في الإرشاد فيقول: (فأمَّا القصرى منهما فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة)(٤١).
ويذهب إلى هذا الرأي الشيخ الطبرسي في إعلام الورى حيث يقول: (وكانت مدَّة هذه الغيبة _ أي الصغرى _ أربعاً وسبعين سنة...) إلى أن يقول: (ثمّ حصلت الغيبة الطولى التي نحن أزمانها)(٤٢)، ويؤيّد هذا الرأي مجموعة من الباحثين المعاصرين.
ودليلهم على ذلك الظروف التي أحاطت ولادته عليه السلام حيث لم يكن للمهدي عليه السلام عبر هذه السنين حضور وعلاقات اجتماعية الذي يعدُّ فيه غائباً بوجه عامّ، وفي ضوء هذا الاعتبار تمتدُّ مرحلة الغيبة الصغرى أربعاً وسبعين عاماً(٤٣).
ويوضّح هذا الراي أكثر السيّد محمّد كاظم القزويني فيقول: (إنَّ الاستتار والاختفاء كان ملازماً لحياة الإمام المهدي عليه السلام منذ أوائل عمره، وعلى هذا يمكن لنا أن نقول: إنَّ الغيبة الصغرى ابتدأت مع حياة الإمام المهدي عليه السلام، أي كانت حياته منذ الولادة مقرونة بالاستتار عن الناس، ويمكن أن نعتبر السنوات الخمس التي قضاها الإمام المهدي مع والده الإمام العسكري عليه السلام من ضمن الغيبة الصغرى تبعاً للشيخ المفيد رحمه الله)(٤٤).
الرأي الثاني:
وهو الرأي الذي عليه أكثر الباحثين والمؤرّخين والذي يعتبر بداية الغيبة الصغرى منذ وفاة الإمام العسكري عليه السلام واستلام الإمام المهدي عليه السلام مقاليد الإمامة في الثامن من ربيع الأوّل سنة (٢٦٠هـ)، وبذلك تكون مدَّة الغيبة الصغرى تسعاً وستّين سنة وأقلّ من ستّة أشهر، وهم يستندون بذلك على أدلَّة نلخّصها بما يلي:
١ _ إنَّ الإمام العسكري عليه السلام كان يري ولده الحجّة خواصّ أصحابه وثقاته المخلصين، كما رأته عمَّته حكيمة عدَّة مرّات، وعقيد الخادم، والقابلة، ووفد من قمّ، وجماعة آخرون، وقد أحصى السيّد هاشم البحراني من رآه في هذه الفترة فعدَّهم (٢٦٠) شخصاً. إضافة إلى ظهوره أمام الملأ في الصلاة على جنازة أبيه وتنحيته عمّه جعفر، فلا يمكن أن نعتبر هذه الفترة من ضمن الغيبة الصغرى التي لم يشاهده بها سوى السفراء الأربعة.
٢ _ (إنَّ الإمام المهدي عليه السلام وإن كان غائباً في حياة أبيه إلاَّ أنَّها لا تعدُّ من الغيبة الصغرى لأنَّ الإمام المهدي عليه السلام كان في هذه الفترة معاصراً لأبيه، والإمام في زمان أبيه غير متحمّل للمسؤولية ولا تربَّع على منصب الإمامة، وإنَّما يتولاَّها بعد أبيه، ونحن إنَّما نتحدَّث عن غيبته عن قواعده الشعبية بصفته إماماً مفترض الطاعة حيث يكون المفروض أن يكون مرتبطاً بهم وقائداً لهم وموجّهاً لمجتمعهم، وهو ما لم يتحمَّل المهدي مسؤوليته في حياة أبيه)(٤٥).
وعلى هذا الدليل يقرّر السيّد محمّد الصدر قدس سره: (إنَّ الغيبة الصغرى للإمام المهدي هي غيبته بصفته إماماً مع اقترانها بفكرة السفارة ومعه تكون مدَّتها ٦٩ سنة أي من سنة ٢٦٠هـ)(٤٦).
٣ _ تشهد الوقائع التاريخية أنَّ الإمام المهدي عليه السلام قد مارس بالفعل مهام الإمامة يوم وفاة والده عليه السلام حيث صلّى عليه وقابل وفد القمّيين وصرَّح لهم شفهياً بتنصيبه سفيراً لهم حتَّى يكون الناس على بيّنة من أمرهم في نشاطهم، وأعلمهم بالمهمّة التي جاؤوا من أجلها ولم يكن يمارس هذا الدور في حياة والده عليه السلام لتجرّده من منصب الإمامة.
وفي نهاية الموضوع نفهم من رسالة الإمام المهدي عليه السلام إلى نائبه الشيخ علي بن محمّد السمري التي بعثها له قبيل وفاته أنَّه: (ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامّة)(٤٧).
أي إنَّ الوصاية والوكالة والسفارة هي الصفة الملازمة لهذه الفترة سيّما وأنَّها بدأت بتثبيت الإمام المهدي عليه السلام وكيل أبيه الشيخ العمري وكيلاً ونائباً عنه أمام وفد القمّيين وأمرهم بمراجعته.
خصائص الغيبة الصغرى:
للغيبة الصغرى خصائص ومميّزات اتَّصفت بها يمكن إجمالها بما يلي:
١ _ إنَّها من أشدّ الفترات العبّاسية ظلماً لأهل البيت عليهم السلام، فقد عاش الإمام العسكري عليه السلام وابنه المهدي عليه السلام ومن يؤول إليهم تحت مراقبة وملاحقة أجهزة السلطة العبّاسية التي كانت سامراء عاصمة لها، فكانوا في حالة من الغربة والبعد عن مدينة جدّهم ومن تضييق السلطة عليهم، ومراقبة الدار التي يسكنونها وإرسال الجواسيس من النساء لملاحظة نساء الإمام العسكري عليه السلام، ويروي لنا التاريخ الكثير من حالات المداهمة والتحرّي بحثاً عن الإمام المهدي بعد وفاة والده، (حتَّى أنَّ السلطات ألقت القبض على السيّدة نرجس بحثاً عن الإمام المهدي، فلم يظفروا به)(٤٨).
٢ _ تميَّزت بوجود السفراء أو النوّاب الأربعة، ومنصب الوكيل أو السفير تمَّ استحداثه في عهد الإمام علي الهادي عليه السلام، ثمّ العسكري عليه السلام، وأصبح قائماً في عهد الإمام المهدي عليه السلام، (ففي الغيبة الصغرى كان السفراء والأبواب الذين تختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن علي إليهم)(٤٩).
٣ _ عدم الاستتار الكلّي للإمام الحجّة عليه السلام، وإنَّما كان يتَّصل بعدد من خواصّه من النوّاب والوكلاء وبعض الثقات من أصحابه ويجيب عن أسئلة شيعته عن طريقهم، ويوصي بإنفاق الحقوق التي ترد منهم إلى مستحقّيها، كما يصدر التوقيعات بتكذيب مدَّعي الوكالة ولعنهم.
٤ _ السياق العامّ لشيعة أهل البيت عليهم السلام المعاصرين لهذه الفترة بالاعتماد التامّ على السفراء والنوّاب والثقة بهم والتسليم بما يرد من الإمام عليه السلام عن طريقهم، حتَّى أصبحت غيبة الإمام عليه السلام حقيقة واقعة لديهم عاشوها مدَّة سبعين سنة، يختلفون فيها إلى الأبواب، يحملون رسائلهم وأموالهم وأسئلتهم ويستلمون أجوبتها بكلّ ثقة واطمئنان على أنَّها من الإمام عليه السلام.
٥ _ إنَّها تمهيد للغيبة الكبرى بما اعتاد عليه الناس من مراجعة الوكلاء والنوّاب وعدم السؤال عن الإمام عليه السلام ومحلّ إقامته، والثقة التامّة بمهام الوكلاء حتَّى أنَّها حين انتهت وبين الإمام عليه السلام حالة رجوع الأمّة إلى نوّابه العامّين من الفقهاء ورواة الأحاديث والمراجع سارت الأمّة على هذا الطريق واتَّخذت منها وسيلة عمل لممارسة حياتها على ضوء تعاليم الإسلام منتظرة وبكلّ ثقة اليوم الذي يظهر فيه إمامها الغائب عليه السلام.
٦ _ وكذا تميَّزت بوجود دعوى السفارة الكاذبة عن الإمام عليه السلام وتصدّي مجموعة من الفقهاء الذين كانوا محمودين وممَّن لهم اتّصال بالأئمّة عليهم السلام بادّعاء أنَّهم سفراء عن الإمام عليه السلام لمطامع شخصية ومنافع دنيوية ممَّا دعا الإمام عليه السلام إلى تكذيبهم وإصدار توقيعاته إلى شيعته بلعنهم والتبرّي منهم.

* * *
الفصل الرابع: السفراء وانتهاء فترة الغيبة الصغرى

تمهيد:
أخذت الإمامة منذ حياة الإمام علي بن محمّد الهادي عليه السلام وهو في سامراء تسير بخطوات ثابته ومرسومة من أجل تثبيت وترسيخ فكرة الغيبة لدى الشيعة تمهيداً لغيبة الإمام المهدي عليه السلام، وقد بدأها الإمام الهادي عليه السلام بأسلوبين لم يكونا مألوفين في حياة الأئمّة السابقين عليهم السلام، هما:
١ _ الوكالة:
فقد ثبَّت عثمان بن سعيد العمري وكيلاً عامّاً له يتلقّى أسئلة المؤمنين ويرد عليها أو يعرضها على الإمام عليه السلام لتلقّي جوابه عليها، ويستلم الحقوق ويودع الصدقات ويشير على المؤمنين في الأوقات العصيبة بما ينبغي عمله لا على نحو مستقلّ.
وهذا الأسلوب لم يعمل به الأئمّة السابقون من أهل البيت عليهم السلام حيث كانوا يجلسون في بيوتهم أو في المساجد ويجيبون على الأسئلة ويتحدَّثون عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويفسّرون القرآن ويحضرون مجالس الخلفاء المعاصرين لهم _ إن هم دعوا إليها _، فيشتركون في المناظرات العقائدية والفقهية ويفتحون أبواب بيوتهم لشيعتهم وزائريهم.
وقد جرى أسلوب الوكالة في حياة الإمام العسكري عليه السلام وبشيء من الوضوح والتركيز، حيث كان يوصي بمراجعة وكيله العامّ أبي عمرو عثمان بن سعيد عند الاستفسار منه خوفاً على شيعته من عيون السلطة، وكان يأمر وكيله باستلام الحقوق وقبضها من مؤدّيها، وقد قال الإمام أبو محمّد عليه السلام لوكيله يوماً: (امض يا عثمان فإنَّك الوكيل والثقة المأمون على مال الله، واقبض من هؤلاء اليمنيين ما حملوه من المال)(٥٠).
وقد قلَّلت هذه الوكالة من مراجعة الشيعة لأئمّتهم أو التردّد عليهم أو مشاهدتهم، وقد روى الكليني بإسناده عن علي بن محمّد، عن بشّار بن أحمد، عن عبد الله بن محمّد الأصفهاني، قال: قال أبو الحسن عليه السلام _ أي الإمام الهادي _: (صاحبكم بعدي الذي يصلّي عليَّ)، قال: ولم نعرف أبا محمّد قبل ذلك، قال: فخرج أبو محمّد فصلّى عليه(٥١).
٢ _ التوقيعات:
ولزيادة ثقة الشيعة بالأجوبة التي ترد عليهم عن طريق الوكلاء، فقد كانت هذه الأجوبة تصل موقَّعة ومختومة بختم الإمام عليه السلام على جميع أسئلتهم في العقائد والفقه والأمور التي تخصُّ حياتهم الشخصية، وما هذا الأسلوب إلاَّ توطئة وتمهيد لتلك الفترة التي سوف يعيشها الشيعة في عصر الغيبة، فكان اتّصالهم بالإمام عليه السلام عن طريق الرسائل التي ترد جواباً على أسئلتهم موقَّعة منهم عليهم السلام، وهكذا نرى الإمام عليه السلام يجيب على أسئلة شيعته بالرسائل وليس كباقي أئمّة أهل البيت عليهم السلام الذي تصدّروا للتدريس ومجالسة العلماء والإجابة على الأسئلة مشافهة.
فلم تكن مصادفة انتخاب الإمام الهادي عليه السلام وكيله الثقة المأمون أبا عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي لهذا الموقع الهامّ والذي استمرَّت نيابته ووكالته فترة حياة العسكري عليه السلام وبداية حياة الإمام المهدي عليه السلام، حيث كان أوّل سفرائه الخاصّين، وكل هذا بتخطيط إلهي محكم.
معنى السفارة:
السفير لغةً: (هو من أوكلت إليه مهام خاصّة يتوقَّف حلّ المسائل وقع الخلاف فيها على أدائها، كما أنَّ من لوازمها قطع المسافات الطويلة لإنجاز ذلك)(٥٢)، ويضيف الميرزا محسن آل عصفور على هذا التعريف بقوله: (إنَّ هذا الطابع لم يحدث بحسب معتقد الشيعة الإمامية بالمصطلح الصريح الرسمي إلاَّ في فترة الغيبة الصغرى للإمام المهدي عليه السلام وبخصوص أشخاص معيَّنين)(٥٣).
النيابة: عبارة عن إيعاز التصرّف وإيكال أداء عمل لا في وجه إنشائه بإيكال الاختيار إلى النائب، فهي تفويض محصور وإعطاء صلاحية مقلَّصة في نطاق ضيّق(٥٤).
والسفارة والنيابة والوكالة مصطلحات مترادفة، لكنَّنا نستطيع أن نميّز أنَّ مصطلح النائب أو السفير في عقيدة الشيعة الإمامية ينصرف إلى النوّاب أو السفراء الأربعة للإمام المهدي عليه السلام في فترة الغيبة الصغرى، في حين أنَّ الوكلاء كثيرون وهم وكلاء لهؤلاء النوّاب في مختلف الأمصار الإسلاميّة، وهناك من يطلق على النوّاب الأربعة مصطلح الوكلاء بقرينة واضحة.
وقد اعتبرت نيابة النوّاب الأربعة نيابة خاصّة (اُريد منها القيام بجميع مهام الإمام الاجتماعية والسياسة والفكرية والفقهية ولكن ليس بالشكل المستقلّ عن الإمام)(٥٥)، وقد كان الإمام يتولّى تنصيبهم مباشرةً بإصدار بيانات وتوقيعات في ذلك وفي نفي الوكالة عمَّن يدَّعيها ولم يكن منها(٥٦).
صفات السفراء المشتركة:
نجد لهؤلاء السفراء أو النوّاب الأربعة صفات مشتركة عامّة تغلب عليهم جميعاً يمكن أن نجملها بما يلي:
١ _ أن لا يتصرَّف النائب من نفسه إنَّما يعمل بما يأمره الإمام عليه السلام وخاصّةً في مجال الأحكام العقائدية والفكرية أو في المجالات الفقهية، ويدلّنا على ذلك قول السفير الثالث أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه: (يا محمّد بن إبراهيم، لئن أخرّ من السماء فتخطفني الطير أو تهوى بي إلى مكان سحيق أحبُّ إليَّ من أن أقول في دين الله عز وجل برأيي أو من عند نفسي، بل ذلك من الأصل ومسموع عن الحجّة صلوات الله عليه وسلامه)(٥٧).
٢ _ كانوا يتَّصفون بصفات إعجازية في الوقت الذي كانوا يظهرون أمام الناس بسلوكهم العادي، وكانوا يمارسون الحياة العادية اليومية ويعملون بأبسط الأعمال التي لا تثير انتباه أحد، كما كان يعمل النائب الأوّل ببيع السمن تغطيةً لأمره وإبعاداً لأعين الرقباء عنه.
٣ _ (الاضطلاع بمهمّة قيادة القواعد الشعبية الموالية للإمام عليه السلام من الناحية الفكرية والسلوكية والعمل على إقرارها وتطبيقها بحذافيرها، والتوسيط بينه وبينها في إيصال البيانات وإخراج التوقيعات وحلّ مشاكلها وتدليل العقبات التي تصادفها)(٥٨).
٤ _ إنَّهم يتَّصفون بدرجة عالية من الوثاقة والأمانة والإخلاص بحيث يكون من المستحيل أن يشوا بالإمام أو أن يخبروا بمحلّ وجوده، ولو مُزّق لحهم ودُقَّ عظمهم، وقد سُئل أبو سهل النوبختي وهو العالم والفقيه عن سبب عدم اختياره للنيابه بدلاً عن الحسين بن روح المعاصر له، فقال: (لو كان الحجة تحت ذيله وقُرّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه)(٥٩).
٥ _ إنَّهم جميعاً من غير العلويين مع كثرة العلويين ووثاقتهم ووجود العلماء منهم، وذلك خوفاً من بطش الدولة بهم.
إضافةً إلى بعض الصفات العامّة التي يشتركون بها مع غيرهم من المؤمنين كالورع والتقى وكتمان الأمور وتنفيذ الأوامر الصادرة إليهم وإطاعة أوامر الله سبحانه والانتهاء عن نواهيه.
السفراء الأربعة:
نذكر هنا نبذاً مختصرة عن حياة هؤلاء السفراء الأربعة الذين استوعبت حياتهم فترة الغيبة الصغرى ومدد نيابتهم:
١ _ السفير الأوّل:
هو أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي، وقد نُسب إلى جدّه لاُمّه، ويُلقَّب بالسمّان أو الزيّات لأنَّه كان يبيع الزيت تعمية لأمره.
تؤكّد الروايات أنَّه خدم الإمام الهادي عليه السلام وعمره إحدى عشرة سنة، واختصَّ بوكالته ووكالة الإمام الحسن العسكري عليه السلام من بعده، وهو الذي عيَّنه وثبَّته نائباً لابنه المهدي عليه السلام من بعده.
لم تعرف سنة ولادته بالضبط ولم تثبت سنة وفاته، ويمكن أن نستدلّ من بعض الروايات أنَّه وابنه وكلا للإمام المهدي عليه السلام خمساً وأربعين سنة، وأنَّ وكالة ابنه كانت أربعين سنة وقد توفّي سنة (٣٠٥هـ) نعرف أنَّه توفّي سنة (٢٦٥هـ)، وقيل: (٢٦٧هـ)، وقيل أيضاً: (٢٨٠هـ).
وقد دفن الشيخ العمري في بغداد في المنطقة المعروفة الآن بسوق الهرج قرب بناية وزارة الدفاع القديمة.
وثَّقه الإمام الهادي عليه السلام بقوله: (هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّاه إليكم فعنّي يؤدّيه)(٦٠)، ووثَّقه الإمام العسكري عليه السلام بمثل ذلك(٦١)، وترحَّم عليه الإمام المهدي عليه السلام عند وفاته حينما أرسل رسالة تعزية إلى ولده أبي جعفر(٦٢).
٢ _ السفير الثاني:
وهو أبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمري، لقّب بالخلاَّني لكثرة اختلائه بأصحابه، وكل للإمام المهدي عليه السلام بعد وفاة أبيه، ولم تعرف سنة ولادته، إلاَّ أنَّ المرجَّح أنَّه ولد في النصف الأوّل من القرن الثالث الهجري، توفّي سنة (٣٠٥هـ)، وكانت مدَّة سفارته أربعين سنة.
وثَّقه الإمام العسكري عليه السلام(٦٣)، وقال عنه الإمام الحجّة عليه السلام: (وأمَّا محمّد بن عثمان _ رضي الله عنه وعن أبيه من قبل _ فإنَّه ثقتي وكتابه كتابي)(٦٤).
كانت وكالته للإمام المهدي عليه السلام أطول فترات الوكالة حيث قضاها في بغداد، وقد استعدَّ لموته وعمل ساجة (خشبة) نقش عليها يوم وفاته _ كما أخبره الإمام عليه السلام _، وتوفّي في آخر جمادي الآخرة سنة (٣٠٥هـ)، ودفن عند والدته في شارع باب الكوفة ببغداد، ومرقده شاخص الآن في منطقة الباب الشرقي يسمّى: مرقد الشيخ الخلاَّني.
كان متواضعاً، قال عنه أحمد الدينوري: (فصرت إلى أبي جعفر العمري فوجدته شيخاً متواضعاً عليه مبطنة بيضاء قاعداً على لبد في بيت صغير ليس له غلمان ولا له من المروّة والفرس ما وجدت لغيره)(٦٥).
٣ _ السفير الثالث:
هو أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، (وهو من عائلة آل نوبخت، وهم عائلة علمية ينتهي نسبها إلى سهل بن نوبخت، وهم طائفة كلّهم شيعة، فهم المدافعون عن مذهب الشيعة المحامون عنه باحتجاجاتهم ومؤلّفاتهم)(٦٦).
عيَّنه محمّد بن عثمان سفيراً ثالثاً بقوله: (هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر عليه السلام والوكيل له والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعوّلوا عليه في مهمّاتكم)(٦٧).
وثَّقه الإمام الحجّة عليه السلام بقوله: (نعرفه، عرَّفه الله الخير كلّه ورضوانه وأسعده بالتوفيق، وقفنا على كتابه وثقتنا بما هو عليه، وإنَّه عندنا بالمنزلة والمحلّ اللذين يسرّانه، زاد الله في إحسانه إليه إنَّه وليٌّ قدير)(٦٨).
ولد في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري وتوفّي ببغداد في الثامن عشر من شعبان سنة (٣٢٦هـ)(٦٩)، ودفن في سوق الشورجة وقبره الآن يزار.
٤ _ السفير الرابع:
وهو الشيخ أبو الحسن علي بن محمّد السمري (أو السيمري، أو الصيمري) والمشهور (السمري)، ولد في النصف الثاني من القرن الثالث(٧٠)، قال عنه المامقاني في تنقيح المقال: (علي بن محمّد السمري من السفراء النوّاب وهو السفير بعد أبي القاسم، وثقته وجلالته أشهر من أن تذكر وأظهر من أن تحرَّر، فهو كالشمس لا تحتاج إلى بيان)(٧١)، توفّي في النصف من شعبان سنه (٣٢٩هـ)(٧٢)، وقال الطبرسي: إنَّه توفّي سنة (٣٢٨هـ)(٧٣).
وقال الشيخ الطوسي أيضاً: (... فلمَّا حضرت السمري الوفاة سُئل أن يوصي فقال: لله أمر هو بالغه)(٧٤)، وقال: (ومضى أبو الحسن السمري رضي الله عنه بعد ذلك في النصف من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة)(٧٥).
وقال الشيخ الطوسي أيضاً: عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه، قال: حدَّثني أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمّد السمري قدس سره، فحضرته قبل وفاته بأيّام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمّد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاَّ بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً. وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم)(٧٦).
وقد شكَّك بعض الكتّاب بهذه الرسالة وضعَّفها سنداً ومتناً، لكنَّها ثابتة لكثير من الباحثين والمؤرّخين، وقد صمدت أمام الواقع للأسباب التالية:
١ _ أنَّه قد انقطعت السفارة بوفاة الشيخ السمري بالفعل ولم يدَّع أحد لها، وهذا تصديق للرسالة.
٢ _ تؤكّد الروايات أنَّ الشيخ السمري توفّي بعد إعلانه الرسالة بستّة أيّام.
٣ _ كان لا بدَّ للإمام الحجّة عليه السلام وقد انتهت السفارة أن يصدر توقيعاً منه بإنهائها لمنع ادّعائها من قبل السفراء الكذّابين أو المدَّعين لها أو يثبت سفيراً غيره، وهذا ما فعله بالفعل.
وقد روى أبو نصر هبة الله بن محمّد الكاتب أنَّ قبر أبي الحسن السمري رضي الله عنه في الشارع المعروف بشارع الخلنجي _ ببغداد _ من ربع باب المحول قريب من شاطي نهر أبي عتاب(٧٧)، وهذا القبر الآن في منطقة السراي في باب المعظَّم ببغداد.
أدعياء السفارة:
نظراً للمحلّ السامي والموقع المرموق الذي يتمتَّع به نائب الإمام بين أوساط الشيعة الإمامية فقد كثر مدعو السفارة والنيابة في عصر الغيبة الصغرى وشطَّ بهم الأمر حتَّى ادَّعى بعضهم أنَّه هو المهدي المنتظر، وكان لهذا الادّعاء أسباب نفسية تتعلَّق بحبّ الظهور، وأسباب اقتصادية ترمي إلى جمع الحقوق والاستحواذ عليها، وغيرها من الأسباب.
وقد حاربهم الإمام المهدي عليه السلام ونوّابه، وأظهروا بطلان ادّعاءاتهم ووردت التوقيعات من الإمام عليه السلام بلعن بعض منهم والتبرّي من البعض الآخر وتوصي الشيعة بعدم تصديقهم، وهنا نورد أسماء البعض منهم على الإجمال:
١ _ أبو محمّد الحسن المعروف بـ (الشريعي)، وهو أوّل من ادَّعى مقام النيابة(٧٨).
٢ _ محمّد بن نصير النميري، وكان من أصحاب أبي محمّد الحسن بن علي عليهما السلام فلمَّا توفّي أبو محمّد ادَّعى مقام أبي جعفر محمّد بن عثمان، وأنَّه صاحب إمام الزمان، وادَّعى البابية، ولعنه أبو جعفر وتبرَّأ منه واحتجب عنه(٧٩).
٣ _ أحمد بن هلال الكرخي (العبرتائي)، وكان من أصحاب أبي محمّد الحسن عليه السلام فلمَّا اجتمعت الشيعة على وكالة أبي جعفر محمّد بن عثمان أنكره، فلعنه الشيعة وتبرَّأوا منه(٨٠).
٤ _ أبو طاهر محمّد بن علي بن بلال (البلالي)، وقد تمسَّك بالأموال التي كانت عنده للإمام عليه السلام وامتنع عن تسليمها، وادَّعى أنَّه الوكيل، حتَّى تبرَّأ الشيعة منه ولعنوه(٨١).
٥ _ الحسين بن منصور الحلاَّج، وهو الذي جرت بينه وبين الشيخ أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي محاججات أفحمه فيها إسماعيل، وقد ادَّعى أموراً خارجة عن الشريعة، فقتلته السلطة العبّاسية وأحرقته(٨٢).
٦ _ أبو جعفر محمّد بن علي الشلمغاني المعروف بـ (ابن أبي العزاقر)، وقد خرج التوقيع من الإمام المهدي عليه السلام بلعنه والبراءة منه(٨٣).
٧ _ أبو بكر البغدادي، وهو ابن أخي الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري المسمّى (أحمد)، وكان يدَّعي السفارة بعد السمري(٨٤).
٨ _ أبو دلف المجنون الذي كان فاسد الرأي(٨٥).
وقد مال بعض الشيعة إلى هؤلاء وحضروا مجالسهم، ولكن كتب وتوقيعات الإمام المهدي عليه السلام كانت تلاحقهم باللعن والتبرّي والتكذيب.

* * *
الفصل الخامس: الوكلاء في عصر الغيبة الصغرى

تمهيد:
لقد كانت المواضيع السابقة لهذا البحث مقدّمات لا بدَّ منها للدخول إلى الموضوع الذي نريد البحث فيه والتحقيق في فقراته وهو وكلاء الإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى من غير السفراء.
فمن مميّزات الغيبة الصغرى _ كما ذكرنا _ وجود وكلاء ثقات ومعتمدين لدى السفراء الأربعة منتشرين في البلدان الإسلاميّة يقومون بمهمّة مساعدة السفراء في أعمالهم من إيصال الرسائل والحقوق إليهم من الأماكن البعيدة متحمّلين وعورة الطرق وخطورة المسالك والمحافظة على الأمانات ليصلوا بها إلى بغداد حيث يوجد السفراء ليأخذوا الأجوبة على تلك الأسئلة موقّعة من قبل الإمام المهدي عليه السلام وتوجيه صرف الحقوق الشرعية وذلك عن طريق السفير أو النائب.
وقد ثبت بالروايات الصحيحة والنقل التاريخي الموثَّق وجود وكلاء للإمام عليه السلام من غير السفراء في مختلف الأمصار الإسلاميّة التي يسكنها شيعة أهل البيت عليهم السلام، وهم من عامّة الناس تجمعهم صفة الوثاقة والأمانة وكان بعضهم من الفقهاء والعلماء والمحدّثين وكانت لبعضهم مؤلَّفات وكتب.
لكن التاريخ لم يتطرَّق للتفصيل في حياتهم وأمر ولادتهم ووفياتهم وترجمة حياتهم، بل وردت عبارات قصيرة عنهم في كتب الرجال والحديث والتاريخ استطعنا جمعها لتكون مادّة للبحث عن حياة هؤلاء الرجال المأمونين الذين صدرت بحقّهم عبارات الإطراء والثناء والتوثيق من الإمام المهدي عليه السلام وهو ما نراه في ثنايا البحث.
إنَّ نظام السفارة والنيابة الذي وضعه الأئمّة عليهم السلام يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الإمام عليه السلام وإبعاد الأنظار عنه وصرف أذى السلطات العبّاسية الظالمة التي لم تترك وسيلة لقتله أو إلقاء القبض عليه إلاَّ وقامت بها، وقد قام السفراء الأربعة بمهمّتهم واستطاعوا تحقيق هذا الهدف المقدَّس، ففي الوقت الذي يحافظون فيه على حياة الإمام عليه السلام كانوا حلقة الوصل بينه وبين شيعته يوصلون إليه رسائلهم ويحملون توقيعاته لهم وينقلون توجيهاته ودعاءه وإرشاداته في جميع المجالات.
لكن السفراء كانوا يواجهون هذه المشكلة نفسها، لذلك كان عليهم العمل وأداء المهمّة بدرجة عالية من السرّية والكتمان، ولذا استدعى الأمر أن يتبعوا أسلوب الإمام عليه السلام مع السفراء نفسه، وذلك من أجل تسهيل مهمّة السفراء وإحاطتهم بالسرّية التامّة حيث لا يكون بوسع السفير التكلّم في عمله والتواصل مع الناس في كلّ الأمصار، فجاء دور الوكيل لمساعدة السفير في إيصال الرسائل والتوجيهات إلى الأمصار الإسلاميّة بما يضمن له السلامة من أعين السلطة وأداء المهمّة التي انتدب لها.
وكان هؤلاء الوكلاء محمودين في سلوكهم مستقيمين في اعتقاداتهم معروفين بالزهد والتقوى والصلاح، وكان الإمام المهدي عليه السلام يصدر الأوامر بتعيين هؤلاء الوكلاء أو يوثّقهم أو يقرّ بقاءهم أو يرشد الناس إلى مراجعتهم، وهذا ما دعى إلى تسمية الكتاب الذي بين أيدينا بـ (وكلاء الإمام المهدي عليه السلام من غير السفراء)، لأنَّ تنصيبهم وتوثيقهم لا يتمُّ إلاَّ من قبل الإمام عليه السلام نفسه أو بعلمه وإقراره.
ولمَّا كانت السلطات الحاكمة ترصد تحرّكاتهم واتّصالاتهم بالنوّاب الأربعة فقد أحاطت السرّية حياتهم وعمَّ الغموض والكتمان الكثير من مفاصل تاريخهم وسيرتهم فلا يعرف منها إلاَّ بمقدار اتّصالهم بالنوّاب أو توثيق الإمام المهدي عليه السلام لهم.
الفرق بين الوكيل والسفير:
لا شكَّ أنَّ هناك فرقاً كبيراً بين هؤلاء الوكلاء الذين نحن بصدد البحث عنهم وبين سفراء الإمام عليه السلام ونوّابه الأربعة نوجزها بأمرين هما:
١ _ إنَّ السفير يواجه الإمام المهدي عليه السلام مباشرة ويعرفه شخصياً ويأخذ منه أجوبة المسائل والبيانات مباشرة، في حين أنَّ الوكيل متَّصل بالإمام عليه السلام عن طريق السفير أو النائب ولا يحقُّ له أن يسأل عن الإمام عليه السلام أو محلّ وجوده.
٢ _ إنَّ مسؤولية السفير عامّة وشاملة لأفراد الطائفة الشيعية كافّة، في حين أنَّ مسؤولية الوكيل منحصرة بأفراد منطقته أو مدينته.
واجبات الوكلاء ومهمّاتهم:
يقوم هؤلاء الوكلاء بمهمّات رئيسية محدَّدة هي:
مساعدة السفير في تسهيل عمله حيث لا يكون باستطاعة السفير الاتّصال بجميع الأمصار الإسلاميّة التي يقطنها الموالون لأهل البيت عليهم السلام، واستلام أسئلتهم والإجابة عليها وإرسال الأجوبة إليهم وقبض الحقوق التي كانت ترد منهم بالصرر والنقود المعدنية وتوجيه موارد صرفها نظراً للرقابة الشديدة التي تفرضها السلطة الحاكمة عليهم.
المساهمة في كتمان أمر السفير وإخفائه أو إخفاء اسمه أو مكان سكناه لغرض استيفاء الوكالة واجبها في إيصال التوقيعات والبيانات إلى القواعد الشيعية، (ولا بدَّ أن يكون عمل هؤلاء الوكلاء غير ملفت للنظر، وأن تكون حياتهم وتجاربهم طبيعية جدّاً، ومن الجدير ذكره أنَّ الوكيل عامل بين يدي السفير ولا يحقُّ له قبض الأموال ولا إخراج التوقيعات إلاَّ بإذن الإمام المهدي عليه السلام نفسه، وليس للسفير أن يستقلّ عنه في الإيكال إلى أيّ شخص كان)(٨٦).
رعاية الإمام للوكيل:
وكدليل على اهتمام الإمام المهدي عليه السلام بهؤلاء الوكلاء وتقديره لجهودهم فقد كانت رعايته تشملهم وذلك بنحوين هما:
١ _ إيصاء شيعته بطاعتهم والثقة بهم والرجوع اليهم، فقد روي عن إبراهيم بن محمّد الهمداني، قال: كتب إليَّ _ يعني الإمام عليه السلام _: (قد وصل الحساب، تقبَّل الله منك ورضي عنهم، وجعلهم معنا في الدنيا والآخرة، وقد بعثت إليك من الدنانير بكذا ومن الكسوة بكذا، فبارك الله لك فيه، وفي جميع نعم الله عليك، وقد كتبت إلى النضر أمرته أن ينتهي عنك، وعن التعرّض لك ولخلافك، وأعلمته موضعك عندي، وكتبت إلى أيّوب أمرته بذلك أيضاً. وكتبت إلى موالي بهمذان كتاباً أمرتهم بطاعتك والمصير إلى أمرك وأن لا وكيل لي سواك)(٨٧).
٢ _ إشعار الوكلاء بالخطر الداهم لهم من السلطة العبّاسية حينما تريد الترّصد لهم لإلقاء القبض عليهم، فقد ورد: أنَّ الإمام عليه السلام أصدر أمراً بعدم استلام أيّة حقوق من أيّ شخص حينما بثَّت السلطة العبّاسية عيونها وجواسيسها بإرسال الأموال بحجّة إرسالها إلى الإمام لكي يتعرَّفوا على الوكلاء، فلم تنجح السلطة في القبض عليهم(٨٨).
المستوى العلمي للوكلاء:
تنصيب الوكلاء لا يستدعي أن يكونوا من المبرزين في العلوم العقائدية أو الفقهية أو سائر العلوم الإسلاميّة، وإنَّما يعتمد الوثاقة بالدرجة الأولى والحفاظ على السرّية التامّة بعملهم في التعامل مع السفراء، فقد كان في زمانهم من العلماء الأعلام والفقهاء ولم يختاروا لهذه المهمّة، وقد سُئل أبو سهل النوبختي عن سبب عدم اختياره واختيار الحسين بن روح فقال: (لو كانت الحجّة تحت ذيله وقُرّض بالمقارض ما كشف الذيل عنه)(٨٩).
من جانب آخر فإنَّ عملهم يستدعي السفر الطويل وتحمّل المشاق ونقل الأموال مع الحفاظ على السرّية التامّة، فاختيار العلماء لهذه المهمّة قد يسبّب اكتشافها والاهتداء إلى مكان السفراء، فلا بدَّ من اختيار أشخاص من عامّة الناس لا يثيرون انتباه السلطات إلى طبيعة عملهم.
ومع هذا فإنَّنا نجد منهم بعض العلماء والمؤلّفين، أو ممَّن جمع الحديث عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام وأصدر كتاباً بذلك، أو أنَّه كتب كتاباً في الفقه والزيارات وغيرها.
تداخل مصطلح السفير والنائب والوكيل:
ترد في كتب الحديث والرجال هذه المصطلحات الثلاثة وكأنَّها ذات دلالة واحدة، والواقع أنَّ بينها عموماً وخصوصاً من وجه، فكلّ سفير أو نائب وكيل للإمام المهدي عليه السلام وليس كلّ وكيل نائب أو سفير.
فالنوّاب والسفراء الأربعة معروفون لدى الشيعة الإمامية وهم وكلاء للناحية المقدَّسة، وكانوا جميعاً في بغداد عاصمة الخلافة، أمَّا وكلاؤهم فهم منتشرون في بقاع المملكة الإسلاميّة وليسوا سفراء. وإذا كان قد ورد في بعض الكتب عبارة (من الأبواب) أو (من السفراء للناحية المقدَّسة) عن غير السفراء الأربعة، فهو إطلاق مجازي لا على نحو الحقيقة، والحقيقة واضحة عند الشيعية الإمامية ومتَّفق عليها بأنَّ نوّاب الإمام المهدي عليه السلام وسفراءه في زمن الغيبة الصغرى أربعة لا غير، معروفون بأسمائهم وألقابهم، وقد شغلوا فترة الغيبة الصغرى التي امتدَّت إلى سنة (٣٢٩هـ) وانتهت بوفاة السفير الرابع منهم.
مصدر تسمية الوكلاء:
لقد وردت كلمة الوكلاء في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) للشيخ الصدوق المتوفى سنة (٣٨١هـ) لتشمل السفراء ووكلاءهم الذين شاهدوا الإمام المهدي عليه السلام في عصر الغيبة الصغرى، فقد ورد فيه: (حدَّثنا محمّد بن محمّد الخزاعي رضي الله عنه، قال: حدَّثنا أبو علي الأسدي، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي أنَّه ذكر عدد من انتهى إليه ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه، من الوكلاء ببغداد: العمري وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطّار، ومن الكوفة: العاصمي...) الخ، ثمّ قال: (ومن غير الوكلاء من أهل بغداد: أبو القاسم بن أبي حليس...) الخ(٩٠).
ففي الرواية شمول لنوّاب الإمام عليه السلام وهم سفراء: العمري عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان، وللوكلاء الذين سيرد البحث عنهم، لكنَّه أفرد موضوعاً خاصّاً لغير الوكلاء تمييزاً لهم عن وكلاء الناحية المقدَّسة سواء أكانوا من النوّاب أم من الوكلاء.
أمَّا الشيخ الطوسي فقد وصفهم بأنَّهم (أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل _ أي الإمام _)(٩١)، وعدد أسماء هؤلاء الوكلاء كالأسدي وحاجز بن الوشا ومحمّد بن شاذان وجماعة ممَّن خرج التوقيع من الإمام عليه السلام في مدحهم.
وسمّاهم السيّد ابن طاووس في كتابه ربيع الشيعة بالوكلاء، وأورد رواية الشيخ الصدوق التي أوردناها آنفاً وعددهم، ثمّ عدَّد من رأوا الإمام عليه السلام من غير الوكلاء(٩٢).
أمَّا الشيخ الطبرسي فقد أورد في كتابه إعلام الورى أسماءهم جميعاً من النوّاب والوكلاء، وقال: (أمَّا غيبته الصغرى فهي التي كان فيها سفراؤه عليه السلام موجودين، وأبوابه معروفين، لا يختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن علي عليه السلام فيهم، فمنهم: أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، ومحمّد بن علي ابن بلال، وأبو عمرو عثمان بن سعيد السمّان، وابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان، وعمر الأهوازي، وأحمد بن إسحاق، وأبو محمّد الوجداني، وإبراهيم بن مهزيار، ومحمّد بن إبراهيم في جماعة أخر...)(٩٣)، ثمّ مضى يعدّد هؤلاء الوكلاء حسب أماكنهم فمنهم من همذان أو من الأهواز أو من غيرهما.
فمصطلح الوكيل لم يأخذ حدّه النهائي إلاَّ في عصور متأخّرة ميَّز بها الكتّاب بين السفراء الأربعة وبين الوكلاء الذين نصَّبهم هؤلاء السفراء بموافقه وتأييد وتوثيق الإمام المهدي عليه السلام.
عدد الوكلاء:
ذكر الشيخ الصدوق في كتابه (كمال الدين وتمام النعمة) أسماء أحد عشر وكيلاً من غير السفراء، وأضاف إليهم السيّد محمّد محمّد صادق الصدر في كتابه الغيبة الصغرى ستّة أشخاص(٩٤)، وأوصلهم بعض الباحثين إلى خمسة وعشرين وكيلاً، لكنَّه لم يعدّد أسماء الخمسة والعشرين هؤلاء(٩٥).
والحقيقة أنَّ عددهم غير معروف بالضبط لانتشارهم في الأمصار الإسلاميّة طيلة فترة تسعة وستّين عاماً، ولم يكونوا من العلماء المشهورين اللامعة أسماؤهم في التأليف أو التدريس، وإنَّما كانوا رجالاً مؤمنين موثوقين مكلَّفين بمهمّات خاصّة تقتضي الأمانة والوثاقة، لغرض مراجعة السفراء في بغداد للتوسّط بينهم وبين الإمام المهدي عليه السلام في الإجابة عن مسائل شيعته واستفساراتهم والرجوع بأجاباتها إليهم.
وقد تحرَّينا عنهم بطون الكتب واُمّهات كتب الرجال والحديث فلم نجد إلاَّ نتفاً بسيطة عن حياتهم جمعناها في هذا البحث ليكون بداية للدراسة الوافية عن حياة هؤلاء الرجال وعددهم ومساهماتهم في الحركة الفكرية والثقافية في عصر الغيبة الصغرى.

* * *
الفصل السادس: وكلاء الإمام المهدي عليه السلام

(١) أبو علي القمّي أحمد بن إسحاق الأشعري
اسمه ونسبه:
هو (أحمد بن إسحاق بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري)(٩٦)، ورد اسمه في رجال العلاَّمة الحلّي (أحمد بن إسحاق بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري، أبو علي القمّي)(٩٧)، وقال التستري: (أحمد بن إسحاق بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري)(٩٨).
ويُكنّى أبو علي، ويُلقَّب بالقمّي لأنَّه من أهل قم(٩٩).
ولُقّب بالأحوص والأشعري نسبة إلى أجداده، ولُقّب بالإسحاقي نسبة إلى أبيه، وقد ورد هذا اللقب (الإسحاقي) في رسالة الإمام المهدي عليه السلام إلى القاسم بن العلاء: (وأعلم الإسحاقي سلَّمه الله وأهل بيته ممَّا أعلمناك عن حال هذا الفاجر)(١٠٠). واُعطي لقباً فخرياً هو (شيخ القمّيين ووافدهم)(١٠١)، وقد اختصَّ به دون غيره.
وزاد التستري بالكشف عن عشيرته فقال: وهو من بني ذخران _ نقلاً عن النجاشي _ في ترجمته لابن عمّه أحمد بن محمّد بن عيسى من بني ذخران بن عوف بن الجماهر بن الأشعر(١٠٢).
ونخلص إلى أنَّ اسمه أحمد بن إسحاق بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري القمي من أهل قم وهو شيخهم ووافدهم، من بني ذخران بن عوف بن الجماهر بن الأشعر، وقد توالت عليه الألقاب: الإسحاقي، الأحوص، الأشعري نسبة إلى آبائه، والقمّي نسبة إلى قم.
حياته:
لم تورد المصادر التي بين أيدينا تاريخ ولادته ولا سنة وفاته، وإنَّما أشارت إلى الفترة التي عاشها، فقد روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام وابنه أبي الحسن عليه السلام، وكان خاصّة أبي محمّد عليه السلام، وكان في زمن السفراء المحمودين الذين ترد التوقيعات عليهم من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل.
ولمَّا كان الإمام محمّد الجواد عليه السلام قد ولد سنة (١٩٥هـ) وكانت وفاة الإمام العسكري عليه السلام سنة (٢٦٠هـ)، فقد حُدّدت حياته بين هذين التاريخين، لكن تاريخ وفاته فيه رأيان مختلفان:
الأوّل: أنَّه توفي في حياة الحسن العسكري عليه السلام بعد أن أراه الإمام عليه السلام ولده وهو ابن ثلاث سنين وخرج من عنده وتوفّي، وفي هذا الرأي نجد الروايه التالية:
روى الشيخ الصدوق في (كمال الدين وتمام النعمة) قال في حديث طويل أورده عند دخول سعد بن عبد الله القمّي وأحمد بن إسحاق على الإمام العسكري عليه السلام في بيته في سامراء، وفي نهاية الحديث يقول: فلمَّا كان يوم الوداع دخلت أنا وأحمد بن إسحاق وكهلان من أهل بلدنا وانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائماً وقال: يا ابن رسول الله قد دنت الرحلة واشتدَّ المحنة، فنحن نسأل الله تعالى أن يصلّي على المصطفى جدّك وعلى المرتضى أبيك وعلى سيّدة النساء اُمّك وعلى سيّدي شباب أهل الجنّة عمّك وأبيك وعلى الأئمّة الطاهرين من بعدهما آبائك، وأن يصلّي عليك وعلى ولدك ونرغب إلى الله أن يعلي كعبك ويكبت عدوّك، ولا جعل الله هذا آخر عهدنا من لقائك.
قال: فلمَّا قال هذه الكلمات استعبر مولانا حتَّى استهلَّت دموعه وتقاطرت عبراته، ثمّ قال: (يا ابن إسحاق لا تكلّف في دعائك شططاً فإنَّك ملاق الله تعالى في صدرك هذا)، فخرَّ أحمد مغشيّاً عليه، فلمَّا أفاق قال: سألتك بالله وبحرمة جدّك إلاَّ شرَّفتني بخرقة أجعلها كفناً، فأدخل مولانا يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهماً فقال: (خذها ولا تنفق على نفسك غيرها، فإنَّك لن تعدم ما سألت، وإنَّ الله تبارك وتعالى لن يضيع أجر من أحسن عملاً).
قال سعد: فلمَّا انصرفنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا من حلوان على ثلاثة فراسخ حمَّ أحمد بن إسحاق وثارت به علَّة صعبة أيس من حياته فيها، فلمَّا وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق برجل من أهل بلده كان قاطناً بها، ثمّ قال: تفرَّقوا عنّي هذه الليلة واتركوني وحدي، فانصرفنا عنه ورجع كلّ واحد منّا إلى مرقده.
قال سعد: فلمَّا حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ففتحت عيني فإذا أنا بكافور الخادم _ خادم مولانا أبي محمّد عليه السلام وهو يقول: أحسن الله بالخير عزاكم، وجبر بالمحبوب رزيَّتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم ومن تكفينه، فقوموا لدفنه...(١٠٣).
الثاني: تفيد الكثير من الروايات أنَّه رحمه الله توفّي بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وفي فترة إمامة الإمام المهدي عليه السلام، وفي هذا أربع روايات هي:
١ _ ما ورد في كتاب (اختيار معرفة الرجال للكشّي): عن جعفر بن معروف الكشّي، قال: كتب أبو عبد الله البلخي إليَّ يذكر من الحسين بن روح القمّي أنَّ أحمد بن إسحاق كتب إليه يستأذنه في الحجّ، فأذن له وبعث إليه بثوب، فقال أحمد بن إسحاق نعى إليَّ نفسي، فانصرف من الحجّ فمات بحلوان(١٠٤)، والحسين بن روح كانت وكالته للإمام للفترة من (٣٠٥هـ) إلى (٣٢٦هـ).
وعلَّق على الروايتين السابقتين الشيخ محمّد تقي التستري بالقول: (يكفي هذا جلالاً توثيق الحجّة له، وكما عرفت من خبر الكشّي والغيبة وبعثه عليه السلام ثوباً لكفنه، وصلة العسكري له)(١٠٥)، معتبراً أنَّ الذي أعطاه الكفن هو الحجّة عليه السلام، لكنَّه عقَّب على ذلك بالقول: (خبر الكشّي المتقدّم نصَّ على وكالته عنه عليه السلام وأنَّ له اختصاصاً بتلك الجهة المقدَّسة، فصحَّ ما حكاه ربيع الشيعه لابن طاووس أنَّه من وكلاء القائم، ولكن لم يرد عن الشيخ الطوسي ذلك. وكان وكيلاً للعسكري عليه السلام كما هو ظاهر تعبير الخلاصة)(١٠٦).
٢ _ رواية أنَّه عاش بعد وفاة أبي محمّد الحسن عليه السلام(١٠٧).
٣ _ خروج التوقيع بتوثيقه من الإمام المهدي عليه السلام بقوله: (أحمد بن إسحاق الأشعري، وإبراهيم بن محمّد الهمداني، وأحمد بن حمزة بن اليسع ثقات)(١٠٨).
٤ _ كما خرج توثيقه من الإمام الحجّة عليه السلام في رواية رواها الكشي، قال: عن محمّد بن مسعود، قال: حدَّثني علي بن محمّد، قال: حدَّثني محمّد بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن أبي محمّد الرازي، قال: كنت أنا وأحمد بن أبي عبد الله البرقي بالعسكر _ يعني سامراء _، فورد علينا رسول من الرجل _ يعني المهدي عليه السلام _ فقال لنا: (الغائب العليل ثقة وأيّوب بن نوح، وإبراهيم بن محمّد الهمداني، وأحمد بن إسحاق ثقات جميعاً)(١٠٩).
ولمَّا كانت الروايات متواترة بصدور التوقيعات عن الإمام المهدي عليه السلام في أكثر من مرَّة بتوثيقه وعدّه ضمن مجموعة من الوكلاء فينبغي أن يكون موجوداً في غيبة الإمام الصغرى، وأنَّ الذي أرسل إليه الإمام العسكري عليه السلام يخبره بولادة ولده القائم عليه السلام واطّلاعه عليه عند زيارته له في سامراء لا يبعد أن يكون قد عاش سنتين أو ثلاث بعدها، وقد يكون الذي أعطاه الكفن هو الإمام الحجّة عليه السلام نفسه إذا أعرضنا عن الرواية التي رواها الشيخ الصدوق من أنَّه توفي بعد زيارته الإمام الحسن العسكري عليه السلام بأيّام.
منزلته وعلوّ مكانته:
وردت عن علوّ منزلته وجلالة قدره روايات كثيرة في كتب الرجال والحديث وكان الشيخ أحمد بن إسحاق قد روى عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام: الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام، أخذت على أنَّها من المسلَّمات لأنَّه ثقة، كما وثَّقه أهل البيت عليهم السلام الذين عاصرهم، ويكفينا دليلاً على علوّ هذه المنزلة عندهم أنَّه قد بشَّره الإمام العسكري عليه السلام بولادة ولده المهدي عليه السلام إذ أرسل إليه توقيعاً بالخطّ الذي ترد فيه التوقيعات يقول فيه: (ولد لنا مولود فليكن عندك مستوراً، وعن جميع الناس مكتوماً، فإنّا لم نظهر عليه إلاَّ الأقرب لقرابته والموالي لولايته، أحببنا إعلامك ليسرّك الله به مثل ما سرَّنا به، والسلام)(١١٠).
هذه الرسالة تظهر لنا حرص الإمام العسكري عليه السلام على إخباره كونه من خواصّ شيعته وموضع ثقته، وقد أخبره كي يسرّه بهذا الحدث العظيم.
كما أنَّ الإمام الحسن عليه السلام رغم تكتّمه الشديد على ولده القائم عليه السلام وخوفه عليه من السلطات الظالمة فقد كان يريد لخواصّ شيعته ومواليه من يعلم فيهم التكتّم الشديد أن يطَّلعوا فيروا بأعينهم ولده القائم عليه السلام لتزداد ثقتهم وتطمئنُّ به نفوسهم، وأحمد بن إسحاق ممَّن أراهم الإمام العسكري عليه السلام ولده القائم عليه السلام، قال الأشعري: دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي عليهما السلام... وجرى معه حديث طويل، إلى أن قال: فقلت له: يا ابن رسول الله فمن الإمام والخليفة من بعدك؟ فنهض عليه السلام مسرعاً فدخل البيت ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء الثلاث سنين، فقال: (يا أحمد بن إسحاق لولا كرامتك على الله عز وجل، وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا)، وعندما سأله أحمد بن إسحاق عن طول غيبة الإمام، قال له: (يا أحمد بن إسحاق، هذا أمر من أمر الله، وسرٌّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين تكن معنا غداً في علّيين)(١١١).
فأيّة منزلة هذه التي يشير إليها الإمام العسكري عليه السلام بأنَّه لولا كرامته على الله عز وجل وعلى حججه؟ وما هذا الاختصاص برؤية الإمام القائم عليه السلام؟
وكان قد ورد سؤال إلى الإمام المهدي عليه السلام عن الوكيل الذي يؤتمن للمراجعة، قال الشيخ في الغيبة: عن محمّد بن يعقوب، عن بعض أصحابنا، عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق أنَّه سأل الحسن العسكري عليه السلام قائلاً: من اُعامل؟ وعمَّن آخذ؟ وقول من أقبل؟ فقال: (العمري ثقتي...)(١١٢)، فلولا احتياطه الشديد بالأمور الشرعية والعقائدية وتحرّجه عن أخذ الأحكام من غير مصادرها الأصلية ومتابعته لأصحاب الأئمّة عليهم السلام لما سأل الإمام عليه السلام عن ذلك لأنَّه يريد أن يتبيَّن الحقّ فيتَّبعه.
أمَّا الأدلَّة على منزلته الرفيعة عند أبي محمّد الحسن عليه السلام فهي كثيرة، ولا أدلّ على ذلك من رعايته له عند عزمه على الحجّ كما في الرواية التالية:
روى الكشّي عن محمّد بن علي بن القاسم القمّي، قال: حدَّثني أحمد بن الحسين القمّي، قال: كتب محمّد بن أحمد بن الصلت القمّي إلى الدار _ يعني مقرّ الإمام العسكري _ كتاباً ذكر فيه قصَّة أحمد بن إسحاق القمّي وصحبته وأنَّه يريد الحجّ واحتاج إلى ألف دينار، فإن رأى سيّدي أن يأمر بإقراضه إيّاه ويسترجع منه في البلد وإلاَّ انصرفنا فافعل، فوقَّع عليه السلام: (هي له منّا صلة، وإذا رجع فله عندنا سواها)، وكان أحمد لضعفه لا يطمع نفسه في أن يبلغ الكوفة(١١٣).
وقد علَّق الكشّي على هذه الرواية قائلاً: (وفي هذه الرواية من الدلالة على مقامه ما لا يخفى، والمراد بالموقّع هو الإمام الحسن العسكري عليه السلام بدلالة القرائن الأخرى)(١١٤).
ولا أدلّ على خدمته للدين وتفانيه من أجل مذهب أهل البيت عليهم السلام ممَّا يروى عن تحمّله الصعاب ومشاق السفر من مدينة قم المقدَّسة إلى مقرّ الإمام الهادي والعسكري عليهما السلام في سامراء مع وعورة المسالك وطول المسافة وخطورة الطرق، وحمله الأموال والرسائل من شيعة أهل البيت ونقل الأجوبة اليهم، فعن سعد بن عبد الله القمّي، قال: (... فوردنا سُرَّ من رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا _ العسكري عليه السلام _ فأستاذنا فخرج علينا الإذن بالدخول عليه، وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبري فيه مائة وستّون صرّة من الدنانير والدراهم، على كلّ صرة منها ختم صاحبها)(١١٥).
وفي رسالة الإمام المهدي عليه السلام إلى القاسم بن العلاء _ وهو أحد وكلائه _ لا يقبل الإمام دون أن يخبر وكليه وثقته الإسحاقي بتكفيره أحد المدَّعين للوكالة حيث يقول عليه السلام: (وأعلم الإسحاقي _ وهو أحمد بن إسحاق _ سلَّمه الله وأهل بيته ممَّا أعلمناك عن حال هذا الفاجر)(١١٦).
وهو إضافة إلى ذلك مؤلّف كبير (له كتاب علل الصلاة، وكتاب مسائل الرجال لأبي الحسن الثالث عليه السلام، وهو كتاب كبير)(١١٧)، فقد جمع فيهما ما سمعه وما رواه عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام الذين عاصرهم وروى عنهم.
وفي رواية تفيدنا أنَّ بيته طالما كان محلّ اجتماع علماء الشيعة وفقهائها، فعن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن عبد الله ومحمّد بن يحيى، عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: (اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو _ أي عثمان بن سعيد _ عند أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري)(١١٨).
وثاقته:
كان أحمد بن إسحاق القمّي ثقة(١١٩) عند أئمّة أهل البيت عليهم السلام الذين عاصرهم، وعلى هذا وثَّقه الرجاليون وأهل الحديث، واعتبرت الروايات المسندة إليه أو التي وقع في الطريق إسنادها صحيحة للثقة الكبيرة براويها، وهنا نذكر عن الأئمّة عليهم السلام ورجال الحديث ما يلي:
وثَّقه الإمام المهدي عليه السلام، كما ورد في الرواية التي نقلها جلُّ علماء الرجال، والتي صدرت عن الإمام عليه السلام بتوثيق أحمد بن إسحاق الأشعري، وإبراهيم بن محمّد الهمداني وأحمد بن حمزة بن اليسع، والتي وردت في سياق البحث.
وثَّقه الشيخ الطوسي في الفهرست رقم (٤١) وقال: إنَّه رجل كبير القدر من خواصّ أبي محمّد الحسن عليه السلام، وأنَّه رأى صاحب الزمان، وعدَّه من رجاله ووثَّقه(١٢٠).
وثَّقه الشيخ الصدوق بقوله: (ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء... ومن أهل قم: أحمد بن إسحاق)، واعتبره وكيلاً للناحية المقدّسة(١٢١).
وثَّقه العلاَّمة الحلّي في رجاله وقال: (أحمد بن إسحاق بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري، أبو علي القمّي، ثقة)(١٢٢).
قال التستري: (أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، قمّي ثقة)، وقال: (يكفي هذا جلالاً توثيق الحجّة عليه السلام له كما عرفت من خبر الكشّي والغيبة، وبعثه ثوباً لكفنه، وصلة العسكري عليه السلام له مصرف حجّه)(١٢٣).
علَّق الكشّي في كتابه المعروف (رجال الكشي) عند إيراده قصَّة إعطاء الإمام عليه السلام له ألف دينار قائلاً: (وهذه الرواية من الدلالة على مقامه ما لا يخفي)(١٢٤).
الخلاصة:
هكذا عرفنا الشيخ الجليل أحمد بن إسحاق بن سعد بن عبد الله بن الأحوص الأشعري شيخ القمّيين ووافدهم، يكنّى أبا علي القمّي، عاصر الأئمّة المعصومين الجواد والهادي عليهما السلام وكان من خواصّ أبي محمّد الحسن العسكري عليه السلام، وعاش فترة بعد وفاة العسكري عليه السلام وكيلاً للناحية المقدَّسة، وقد ذكره السيّد ابن طاووس والكشّي والنجاشي والعلاَّمة والحلّي وعدّوه من وكلاء الناحية المقدَّسة، ووثَّقه جلّ رجال الحديث وعلماء الرجال، وله قصص مع أئمّة أهل البيت عليهم السلام تثبت علوّ منزلته وجلالة قدره، وما حديث الصلة بألف دينار لأداء الحجّ وإعطائه الكفن ومكاتبة الإمام العسكري عليه السلام له عند ولادة الإمام المهدي عليه السلام وعرضه عليه أثناء زيارته للإمام عليه السلام في سامراء إلاَّ أدلَّة على ذلك.
بقي أن نذكر أنَّه لم يعرف تاريخ ولادته ولم يضبط تاريخ وفاته.

* * *

(٢) إبراهيم بن محمّد الهمذاني
إبراهيم بن محمّد الهمذاني من وكلاء الإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى التي امتدَّت من (٢٦٠هـ) لغاية (٣٢٩هـ)، وقد اتَّفقت المصادر الرجالية والتاريخية على أنَّه رجل ورع فاضل، وأكبر دليل على ذلك هو أنَّه حجَّ أربعين حجّة، وقد جمعت عنه المعلومات من مصادر متعدّدة لكنَّها لم تف بالغرض الكافي عن حياته، وقد بوَّبتها حسب العناوين التالية:
اسمه ونسبه:
هو إبراهيم بن محمّد الهمذاني (وقد لُقّب بالهمذاني _ بالذال المعجمة _ نسبة إلى البلدة المعهودة في بلاد العجم)(١٢٥).
وقال السيّد محسن الأمين: (نسبة إلى همذان المدينة المشهورة لا إلى همدان القبيلة، ولما يأتي من التوقيع قوله عليه السلام _ يعني الحجّة _: (وكتبت إلى موالي بهمذان)، فدلَّ على أنَّه من أهالي همذان)(١٢٦).
وقد عُرف بأنَّه (من الأقوام الثقات الذين كانوا في زمن السفراء المحمودين والذين كانت ترد عليهم التوقيعات من المندوبين للسفارة من الأصل)(١٢٧).
ذرّيته:
تؤكّد الروايات أنَّ عائلة الشيخ إبراهيم بن محمّد الهمذاني وذرّيته كانوا رجالاً صالحين، وكان منهم جماعة وكّلوا للإمام الحجّة عليه السلام.
قال الكشّي: (إنَّ هذا وأولاده كانوا وكلاء الناحية)(١٢٨).
وقال النجاشي: (أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن علي بن نوح، قال: حدَّثنا أبو القاسم جعفر بن محمّد، قال: حدَّثنا القاسم بن محمّد بن علي بن إبراهيم بن محمّد الذي تقدَّم ذكره، وكيل الناحية، وأبوه وكيل الناحية، وجدّه علي وكيل الناحية، وجدّ أبيه إبراهيم بن محمّد وكيل الناحية)(١٢٩)، ويبدو من سياق كلامه أنَّه من وكلاء الناحية المقدَّسة لتعداده وكلاء الناحية الذين من ذرّيته إلى أن وصل الحديث إليه.
فهؤلاء وكلاء الإمام الحجّة عليه السلام، كلّ من إبراهيم بن محمّد، وابنه علي، وابنه محمّد بن علي، وابنه القاسم بن محمّد، وهي منزلة لم تتوفَّر لعائلة قطّ.
وعن ترجمة حياة حفيده محمّد بن علي بن إبراهيم بن محمّد يقال: (كان هو وابنه القاسم وأبوه علي وجدّه إبراهيم وكلاء الناحية)(١٣٠).
وقد فصَّل ذلك بشكل واضح العلاَّمة الحلّي في رجاله، فقال: (كان محمّد وكيل الناحية، وأبوه علي وكيل الناحية، وجدّه إبراهيم بن محمّد وكيل الناحية، وكان لمحمّد بن علي ولد يسمّى القاسم، كان وكيل الناحية أيضاً)(١٣١).
حياته:
لم تذكر المصادر التي بين أيدينا سنة ولادته أو تاريخ وفاته، كما لم تذكر حوادث وتواريخ عن حياته، إلاَّ أنَّنا نستطيع أن نحدّد من خلال الروايات التي وردت في كتب الرجال والحديث أنَّه عاصر الإمام الرضا عليه السلام وروى عنه، وروى عن الإمام أبي جعفر الثاني عليه السلام، وروى أيضاً عن الإمام الهادي وابنه العسكري عليهما السلام، وكان وكيلاً للإمام الحجّة عليه السلام كما سنفصّل ذلك في الروايات التي سترد في سياق البحث.
نحن نعلم أنَّ الإمام الرضا عليه السلام تسلَّم مقاليد الإمامة عند وفاة أبيه الكاظم عليه السلام سنة (١٨٣هـ) وتوفّي سنة (٢٠٣هـ)، واستلم الإمام الجواد عليه السلام الإمامة في نفس العام، وإنَّ إبراهيم بن محمّد الهمذاني عاش حتَّى بداية حياة الإمام الحجّة عليه السلام عام (٢٦٠هـ)، فتكون حياته خلال هذه الفترة (٧٧) عاماً، وقد تأكَّد لنا أنَّه حجَّ أربعين حجّة، وعمَّر طويلاً، نكون قد حدَّدنا حياته خلال هذه الفترة التي عايش فيها خمسة أئمّة معصومين من أئمّة أهل البيت عليهم السلام.
ففي بداية حياته ذكرت رواية أنَّه عاش في زمن الإمام الرضا عليه السلام حيث قال العلاَّمة: إنَّ محمّد بن علي بن إبراهيم بن محمّد الهمذاني روى عن أبيه عن جدّه عن الرضا عليه السلام(١٣٢).
وقال التستري نقلاً عن الشيخ الطوسي في رجاله: (في أصحاب الرضا والجواد والهادي، وقال: صرَّح الكشّي أنَّ إبراهيم هذا كان وكيل الناحية)(١٣٣).
ويدلُّ على أنَّه عاش في زمن الإمام الرضا عليه السلام أيضاً أنَّه خرج إليه التوقيع عن الرضا عليه السلام أنَّ الخمس بعد المؤنة(١٣٤).
منزلته وجلالة قدره:
كان إبراهيم بن محمّد الهمذاني وكيلاً للإمام المهدي عليه السلام، وفي هذا من المنزلة الرفيعة التي طالما كان يطمح إليها غيره من خواصّ الشيعة وعلمائهم، وهو من بين الوكلاء الذين صدر الأمر منه عليه السلام بتوكيلهم فقد روي عن إبراهيم بن محمّد الهمذاني، قال: وكتب إليَّ _ يعني الحجّة عليه السلام _: (قد وصل الحساب، تقبَّل الله منك ورضي عنهم، وجعلنا معهم في الدنيا والآخرة، وقد بعثت إليك من الدنانير بكذا ومن الكسوة بكذا، فبارك الله لك فيه وفي الجميع نعمة الله عليك، وقد كتبت إلى النضر أمرته أن ينتهي عنك، وعن التعرّض لك ولخلافك، وأعلمته موضعك عندي، وكتبت إلى أيّوب أمرته بذلك أيضاً، وكتبت إلى موالي بهمذان كتاباً أمرتهم بطاعتك والمصير إلى أمرك، وأن لا وكيل لي سواك)(١٣٥).
فهذه الكتب التي أرسلها الإمام عليه السلام إلى مواليه يعلمهم فيها بمنزلة إبراهيم بن محمّد ويأمرهم بطاعته، ويدلّهم على أنَّه الوكيل عنه، لدليل واضح على سموّ قدره وعلوّ منزلته عنده، ويشير إلى هذه المنزلة العلاَّمة التستري بقوله: (تأتي في محمّد بن إبراهيم روايات عن الكشّي تدلُّ على جلال قدر إبراهيم هذا)(١٣٦).
ومن الأدلَّة الساطعة على منزلته السامية عند الأئمّة عليهم السلام الكتاب الذي أرسله الإمام الجواد عليه السلام بخطّه بعد أن وصف له صنع السميع به، ونصّه: علي بن محمّد، قال: حدَّثني أحمد بن محمّد، عن إبراهيم بن محمّد الهمذاني، قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام _ يعني الجواد _ أصف له صنع السميع بي، فكتب بخطّه: (عجَّل الله نصرتك ممَّن ظلمك، وكفاك مؤنته، وأبشر بنصر الله عاجلاً، وبالأجر آجلاً، وأكثر من حمد الله)(١٣٧)، فهذا الدعاء من الإمام الجواد عليه السلام ما هو إلاَّ دليل على إعلاء قدر إبراهيم ورفع منزلته وبيان رضاه عنه وذمّ من ظلمه.
ونورد هنا كلمة للسيّد البحراني بحقّه يقول: (وكالة الناحية أعظم من التوثيق بمراتب، فإنَّ محمّد بن علي بن إبراهيم بن محمّد الهمذاني كان هو وابنه القاسم وأبوه وجدّه إبراهيم وكلاء الناحية)(١٣٨).
وكالته والاختلاف فيها:
يقول الشيخ التستري: (نستنتج من هذا أنَّه _ أي إبراهيم بن محمّد الهمذاني _ كان وكيلاً للهادي عليه السلام وليس للحجّة عليه السلام)(١٣٩).
ونحن هنا نتابع مراحل حياته ومعاصرته لأهل البيت عليهم السلام:
تدلُّ الروايات على أنَّه عاش شطراً من حياته أثناء إمامة الرضا عليه السلام وروى عنه، بل عدَّه البعض وكيلاً له، قال التستري: (ويدلُّ على أنَّ إبراهيم بن محمّد وكيلاً للرضا أنَّه روى عن الرضا وقد خرج إليه توقيع الرضا عليه السلام: إلى إبراهيم بن محمّد الهمذاني: أنَّ الخمس بعد المؤونه)(١٤٠)، علماً أنَّ الإمام الرضا عليه السلام تسلَّم الإمامة عام (١٨٣هـ) واستشهد عام (٢٠٣هـ) على يد المأمون العبّاسي.
كما ذكره الشيخ الطوسي في كتاب الرجال في أصحاب الرضا والجواد والهادي عليهم السلام ولم يذكره من جملة وكلاء الإمام المهدي عليه السلام(١٤١).
لكنَّنا حين نبحث جوانب حياته الأخرى نجد الروايات تؤكّد توثيق الإمام المهدي عليه السلام له والنصّ عليه، والروايات صحيحة السند نختار منها:
١ _ روى النجاشي في رجاله، قال: (أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن علي بن نوح، قال: حدَّثنا أبو القاسم جعفر بن محمّد، قال: حدَّثنا القاسم بن محمّد بن علي بن إبراهيم بن محمّد الذي تقدَّم ذكره، وكيل الناحية، وأبوه وكيل الناحية، وجدّه علي وكيل الناحية، وجدّ أبيه إبراهيم بن محمّد وكيل الناحية)(١٤٢)، كلّ هذا التعداد والتوضيح، والتأكيد على الكلمة (وكيل الناحية) يكفي للدلالة على حياته في فترة الغيبة الصغرى للإمام المهدي عليه السلام ووكالته عنه.
٢ _ لا تعارض بين وكالته للإمام الرضا عليه السلام ووكالته للإمام المهديعليه السلام حيث عاش في زمن الإمام الرضا وبقي حتَّى تولّى الإمام المهدي مقاليد الإمامة سنة (٢٦٠هـ) _ كما مرَّ في البحث _، وهي فترة من سنة (١٨٣هـ) إلى (٢٦٠هـ) والبالغة (٧٧) عاماً، مع علمنا بأنَّه عمَّر طويلاً، فيمكن أن يكون وكيلاً لكلّ من هؤلاء المعصومين عليهم السلام، وقد روى عنهم جميعاً.
وبهذا نكون قد ألقينا الضوء على حياة هذا الرجل الورع والثقة ووكالته للإمام المهدي عليه السلام ووثاقته وعظيم منزلته وذرّيته الصالحة.

* * *

(٣) إبراهيم بن مهزيار الأهوازي وابنه محمّد
ومن وكلاء الإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى من غير السفراء إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، ويكنّى أبا إسحاق، وابنه محمّد بن إبراهيم.
وقد أغفلت المصادر الرجالية والتاريخية ذكر تاريخي ولادتيهما ووفاتيهما، إلاَّ أنَّهما عاشا في أثناء حياة الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام حتَّى منتصف الغيبة الصغرى للإمام المهدي عليه السلام أي من سنة (٢٠٠هـ) إلى (٣٠٠هـ) تقريباً.
وقد اختلف علماؤنا في وكالتهما للإمام المهدي عليه السلام، لذا فنحن نعرض ثلاثة آراء تتحدَّث عنهما لعلَّنا نصل إلى الحكم على وكالتهما للإمام عليه السلام:
الرأي الأوّل:
وهو الذي يرى وثاقتهما ويؤكّد وكالتهما للإمام المهدي عليه السلام، وممَّن ذهب إلى هذا الرأي كلّ من:
١ _ النجاشي في رجاله، قال: (إبراهيم بن مهزيار، أبو إسحاق الأهوازي له كتاب البشارات)(١٤٣)، وقد سمعنا قول المهدي عليه السلام في توقيعه لمحمّد بن إبراهيم: (قد أقمناك مقام أبيك، فاحمد الله)(١٤٤)، وهو دالٌ على أنَّ أباه كان وكيلاً للناحية المقدَّسة.
وكان الكشّي قد روى عن محمّد بن إبراهيم قوله: إنَّ أبي لمَّا حضرته الوفاة دفع إليَّ مالاً وأعطاني علامةً، ولم يعلم بتلك العلامة أحد إلاَّ الله عز وجل، وقال: من أتاك بهذه العلامة فادفع إليه المال، قال: فخرجت إلى بغداد ونزلت في خان، فلمَّا كان في اليوم الثاني إذ جاء شيخ ودقَّ الباب، فقلت للغلام: اُنظر من هذا، فقال: شيخ بالباب، فقلت: اُدخل، فدخل وجلس، فقال: أنا العمري، هات المال الذي عنك وهو كذا وكذا ومعه العلامة، قال: فدفعت إليه المال(١٤٥).
وإلى هذه الرواية أشار السيّد محمّد الصدر بعد إيرادها بقوله: (فوجود أموال الإمام عليه السلام عند إبراهيم بن مهزيار ومعرفته بالعلامة السرّية التي لا يعلم بها إلاَّ الشيخ العمري السفير عن المهدي عليه السلام بتعليم منه عليه السلام يدلُّ على أنَّ إبراهيم هذا كان وكيلاً عن الناحية المقدَّسة)(١٤٦).
٢ _ روى الشيخ الطوسي عدَّة روايات تدلُّ على وثاقته وجلالة قدره، فقال: عن محمّد بن همام، قال: حدَّثني محمّد بن حمويه بن عبد العزيز الرازي، في سنة ثمانين ومائتين، قال: حدَّثنا محمّد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، أنَّه خرج إليه بعد وفاة أبي عمرو: (والابن وقاه الله لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضي الله عنه وأرضاه ونضَّر وجهه، يجري عندنا مجراه، ويسدُّ مسدَّه، وعن أمرنا يأمر الابن وبه يعمل، تولاَّه الله، فانته إلى قوله، وعرّف معاملتنا ذلك)(١٤٧)، ففي هذه الرواية دليل على الوكالة وتلقّيه رسائل من الإمام عليه السلام وأوامر يطلب فيها تبليغها منه.
٣ _ ذكر الشيخ الصدوق أنَّ محمّد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي كان من الوكلاء، فقال: (حدَّثنا محمّد بن محمّد الخزاعي رضي الله عنه، قال: حدَّثنا أبو علي الأسدي، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، أنَّه ذكر عدد من انتهى إليه ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء... ومن أهل الأهواز: محمّد بن إبراهيم بن مهزيار)(١٤٨).
٤ _ لخَّص السيّد هاشم البحراني آراء العلماء المتقدّمين في إبراهيم بن مهزيار فقال: (قال النجاشي: إبراهيم بن مهزيار له كتاب البشارات، ووثَّقه المجلسي في الوجيزة، وعدَّه العلاَّمة الحلّي من المعتمدين وقال: وهو ثقة، وقال الميرزا في المنهج والوسيط: إنَّه من سفراء الصاحب والأبواب المعروفين كما قال ابن طاووس في ربيع الشهادة)(١٤٩).
٥ _ أمَّا من وثَّقه وعدَّه من الوكلاء من المتأخّرين فهم:
أ _ قال السيّد محسن الأمين، وهو ينقل عن مصادر كتب الرجال عن الشيخ الأهوازي: (قال الشيخ الطوسي في رجال الإمام الجواد: إبراهيم بن مهزيار، أهوازي، وقال النجاشي: إبراهيم بن مهزيار _ أبو إسحاق الأهوازي _ له كتاب البشارات، وقال الكشّي: كان من الفقهاء، وكان مأمونا على الحديث، واستند في وثاقته على أمور: أوّلاً: قول السيّد ابن طاووس فيه، الثاني: في رجال الكشي، الثالث: رواية الأجلاَّء عنه الكثير)(١٥٠).
ب _ قال التستري بعد إيراده رواية (إنَّ أبي لمَّا حضرته الوفاة...) الخ، قال: (الخبر دالٌ على جلالته، وهو كافٍ في مدحه ولا يحتاج معه إلى ما نقله عنه الحاوي، وأنَّ كمال الدين روى عنه حديثاً طويلاً يتضمَّن ثناءً عظيماً عليه من القائم)(١٥١).
جـ _ قال الشيخ عبّاس القمّي: (إبراهيم بن مهزيار هذا من سفراء المهدي عليه السلام، ذكره ابن طاووس في ربيع الشيعة، ومدحه مدحاً جليلاً يزيد على التوثيق، وابنه محمّد بن إبراهيم بن مهزيار هو الذي عدَّه ابن طاووس من الوكلاء والأبواب المعروفين للناحية المباركة الذين لا تختلف الإمامية القائلين بإمامة أبي محمّد العسكري عليه السلام فيهم)(١٥٢).
د _ ذكره السيّد الخوئي قدس سره في رجاله فقال: (هذا وقد وقع إبراهيم بن مهزيار في طريق علي بن إبراهيم بن هاشم في التفسير، وقد ذكر في أوّل كتابه أنَّه لم يذكر فيه إلاَّ ما وقع له من طريق الثقات، وعليه فالرجل يكون من الثقات. وطريق الصدوق إليه: أبوه رضي الله عنه، عن الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار، والطريق صحيح)(١٥٣).
الرأي الثاني:
وهو رأي من ذكرهما دون ذمّ أو إطراء، وعليه مجموعة من العلماء ورجال الحديث والرجاليين الذين أوردوا الرواية الآنفة الذكر: (إنَّ أبي لمَّا حضرته الوفاة...) الخ.
وإنَّهم استندوا إلى قول السيّد ابن طاووس في كتابه ربيع الشيعة، باعتبارهما _ أي محمّد وأبيه إبراهيم بن مهزيار _ من وكلاء الإمام الحجّة عليه السلام دون تعليق على دلالة الخبر على الوكالة، وإيراد هذه الرواية عنهما دليل على وثاقتهما وعلوّ منزلتهما، ومنهم على سبيل المثال:
أ _ الشيخ المفيد في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٥٥).
ب _ الشيخ الطبرسي في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٥٩ و٢٧٣).
جـ _ العلاَّمة المجلسي في بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٣٦٤).
د _ المازندراني في منتهى المقال (ص ٢١).
هـ _ كما ذكره من المتأخّرين المعاصرين: الحاجّ حسين الشاكري في المهدي المنتظر (ص ٤٦٥)، والسيّد نذير الحسيني في تاريخ المصلح العالمي (ص ٨٦)، والمير محسن آل عصفور في كتاب ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة (ص ١٨١).
الرأي الثالث:
وهو ما ذهب إليه السيّد الخوئي قدس سره في معجمه (ج ١/ ص ٢٧٨) حيث يقول: (وقد اختلف في حال الرجل _ أي إبراهيم بن مهزيار _، فقيل: إنَّه من الثقات، أو الحسان، واستدلَّ على ذلك بوجوه كلّها ضعيفة...).
ثمّ مضى السيّد الخوئي قدس سره يفنّد كلّ الآراء التي ذهبت إلى أنَّ إبراهيم بن مهزيار وابنه محمّد هما وكلاء الناحية المقدَّسة، ويردُّ على العلاَّمة الحلّي في رجاله، والميرزا في المنهج والوسيط، والكشّي والصدوق، ويضعّف بعض رواة هذه الروايات وهي مذكورة في كتابه المشار إليه أعلاه.
الخلاصة:
نخلص إلى القول: إنَّ محمّد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي وأباه _ أبا إسحاق _ كانا من وكلاء الناحية المقدَّسة في عصر الغيبة الصغرى لكثرة من روى توثيقهما ورأى وكالتهما من علماء الرجال المتقدّمين والمتأخّرين، معتمدين على الرواية التي تفيد بصدور التوقيع من الإمام المهدي عليه السلام (قد أقمناك مقام أبيك).
بقي أن نعلم أنَّ كلّ آل مهزيار اُناس ثقات جليلو القدر وردت الروايات بالثناء عليهم من قبل علماء الرجال والحديث.

* * *

(٤) أبو الحسين محمّد بن جعفر الأسدي
من وكلاء الناحية المقدَّسة في زمن الغيبة الصغرى محمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الأسدي، المكنّى: أبا الحسين الكوفي، ساكن الري(١٥٤).
قال العلاَّمة الحلّي: (محمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الأسدي، أبو الحسين الكوفي، سكن الري، يقال له: محمّد بن أبي عبد الله)(١٥٥).
وقال الأردبيلي: (محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، الذي هو محمّد بن جعفر الأسدي، الذي هو محمّد بن جعفر أبو العبّاس الكوفي الرازي، على ما أشرنا إلى اتّحاد الكلّ)(١٥٦).
وقد لقَّبه الإمام الحجّة عليه السلام بالعربي، كما في رواية الشيخ الطوسي، قال: أخبرنا أبو الحسين بن أبي جيد القمّي، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن صالح بن أبي صالح، قال: سألني بعض الناس في سنة تسعين ومائتين قبض شيء، فامتنعت من ذلك وكتبت _ يعني إلى الإمام المهدي عليه السلام _ أستطلع الرأي، فأتاني الجواب: (بالري محمّد بن جعفر العربي)(١٥٧).
ممَّا مرَّ نعرف أنَّ الأسدي هو: محمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الأسدي الرازي، ساكن الري، يكنّى أبا الحسين وأبا العبّاس، ويسمّى محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، وقد لقَّبه الإمام الحجّة عليه السلام بالعربي.
حياته:
لم يعرف تاريخ ولادته، ولكنَّه عاش حياته أثناء فترة الغيبة الصغرى للإمام المهدي عليه السلام أو ما قبلها بقليل من خلال ما روى عنه تاريخ وفاته، قال النجاشي في رجاله: (مات أبو الحسين محمّد بن جعفر ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة)(١٥٨).
ونقل الشيخ الطوسي تاريخ الوفاة بنفس السنة مع اختلاف بسيط فقال: (ومات الأسدي على ظاهر العدالة، لم يتغيَّر ولم يُطعن عليه في شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة)(١٥٩)، أي إنَّه توفّي في أثناء سفارة الشيخ الحسين بن روح النوبختي التي امتدَّت من سنة (٣٠٥هـ) إلى (٣٢٦هـ).
وثاقته:
تدلُّ الروايات التي سيرد ذكرها على وثاقته وعدالته، فقد وثَّقه الامام المهدي عليه السلام فقال في ذيل رسالته التي ذكرناها والتي لقَّبه فيها بالعربي: (فليدفع إليه فإنَّه من ثقاتنا)(١٦٠).
كما ورد توثيق الإمام الحجّة عليه السلام له في رواية نقلها الشيخ الطوسي أيضاً حيث قال: وبهذا الإسناد، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن نوبخت، قال: عزمت على الحجّ وتأهَّبت، فورد عليَّ: (نحن لذلك كارهون)، فضاق صدري واغتممت، وكتبت: أنا مقيم بالسمع والطاعة غير أنّي مغتمٌّ بتخلّفي عن الحجّ، فوقَّع: (لا يضيقنَّ صدرك، فإنَّك تحجُّ من قابل، فلمَّا كان من قابل استأذنت، فورد الجواب، فكتبت: إنّي عادلت محمّد بن العبّاس وأنا واثق بديانته وصيانته، فورد الجواب: (الأسدي نعم العديل، فإن قدم فلا تختر عليه)، قال: فقدم الأسدي فعادلته(١٦١).
وسمعنا من الشيخ الطوسي وهو يؤرّخ لسنة وفاته ويقول: (ومات الأسدي على ظاهر العدالة، لم يتغيَّر ولم يُطعن عليه)(١٦٢).
كما عدَّه الشيخ الطوسي من الأقوام الثقات التي كانت ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل فقال: (منهم أبو الحسين محمّد بن جعفر الأسدي رحمه الله)(١٦٣).
ومدحه العلاَّمة الحلّي وقال بأنَّه وجه(١٦٤)، فقال: (جعفر بن محمّد بن عون الأسدي وجه، روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى)(١٦٥).
وروى الكليني _ الشيخ محمّد بن يعقوب _ رواية تدلُّ على وثاقته، فقال: عن علي بن محمّد، عن محمّد بن علي بن شاذان النيسابوري، قال: اجتمع عندي خمسمائة درهم تنقص عشرين درهماً فأنفت أن أبعث بخمسمائة تنقص عشرين درهماً، فوزَّنت من عندي عشرين درهماً وبعثتها إلى الأسدي ولم أكتب مالي فيها، فورد: (وصلت خمسمائة درهم لك منها عشرون درهما)(١٦٦).
وأمَّا ما ورد في كتاب رجال النجاشي من التوثيق والطعن فيمكن أن نوجّهه بعد إيراده، قال النجاشي: (كان ثقة، صحيح الحديث، إلاَّ أنَّه روى عن الضعفاء، وكان يقول بالجبر والتشبيه، وكان أبوه وجهاً، روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى)(١٦٧).
وقد علَّق السيّد محمّد الصدر على هذا القول بعد أن أورد الروايات التي تدلُّ على وثاقة الأسدي بقوله: (أقول: وهذا أنسب بحاله ممَّا نقلناه عن النجاشي من كونه كان يقول بالجبر والتشبيه)(١٦٨).
ثمّ إنَّ توثيق الإمام عليه السلام له والثناء على معادلته في الحجّ لا يمكن أن يكون لرجل يخرج عن رأي أهل البيت عليهم السلام إلى القول بالجبر والتشبيه.
وكالته:
اعتماداً على الروايات والأقوال التي وردت في كتب الرجال فإنَّ الأسدي من وكلاء الإمام المهدي عليه السلام، والروايات التي اعتمدناها هي:
١ _ قال الشيخ الصدوق: (عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، أنَّه ذكر عدد من انتهى إليه ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء... ومن أهل الري: البسامي، والأسدي _ يعني نفسه _)(١٦٩).
٢ _ قال الشيخ الطوسي: (محمّد بن جعفر الأسدي، يكنّى أبا الحسين الرازي، كان أحد الأبواب)(١٧٠).
٣ _ قال السيّد ابن طاووس في ربيع الشيعة: (وممَّن رآه وخرج إليهم توقيع من الوكلاء... ومن أهل الري: الشامي وأبو علي الأسدي)(١٧١).
٤ _ جاء في كتاب بحار الأنوار للعلاَّمة المجلسي عن الأسدي قوله: (قد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من المنصوبين للسفارة، منهم أبو الحسين محمّد بن جعفر الأسدي)(١٧٢).
وفي هذه الروايات توكيد على أنَّه من وكلاء الإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى، حيث إنَّ مفادها يشعر بوكالته للإمام عليه السلام وحسن سيرته ووثاقته وعدالته.

* * *

(٥) أحمد بن حمزة بن اليسع القمّي
اسمه ونسبه:
هو (أحمد بن حمزة بن اليسع بن عبد الله القمّي)(١٧٣).
وذكره النجاشي في رجاله بهذا الاسم، فقال: (أحمد بن حمزة بن اليسع بن عبد الله القمّي)(١٧٤).
وقال صاحب الوسائل: (أحمد بن اليسع بن عبد الله القمّي، ثقة ثقة، قاله ابن داود، والظاهر أنَّه ابن حمزة بن اليسع)(١٧٥).
وذكره العلاَّمة في الخلاصة فقال: (أبو طاهر بن حمزة بن اليسع الأشعري، قمّي)(١٧٦).
ممَّا تقدَّم نقول: إنَّ الرجل هو: أحمد بن حمزة بن اليسع بن عبد الله، يكنّى أبا طاهر، ويلقَّب بالأشعري والقمّي.
حياته:
ولد أحمد بن حمزة بن اليسع في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وتوفّي في منتصف القرن الثالث الهجري، عاصر المعصومين: الرضا، والجواد، والهادي، والعسكري، والحجّة عليهم السلام(١٧٧).
وثاقته:
تؤكّد كتب الرجال والحديث وثاقته، وصدور التوثيق عن الأئمة عليهم السلام من أعظم التوثيقات، ونرى رأي علماء الرجال فيه:
قال النجاشي: (ثقة ثقة)(١٧٨).
وقال الشيخ الطوسي: (ثقة)(١٧٩).
وقال العلاَّمة الحلّي: (ثقة ثقة)(١٨٠).
وأورد الكشّي رواية توثيق الإمام المهدي عليه السلام له فقال: عن محمّد بن مسعود، قال: حدَّثني علي بن محمّد، قال: حدَّثني محمّد بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن أبي محمّد الرازي، قال: كنت أنا وأحمد بن أبي عبد الله البرقي بالعسكر _ يعني سامراء _، فورد علينا رسول من الرجل _ يعني المهدي عليه السلام _ فقال لنا: (الغائب العليل ثقة وأيّوب بن نوح، وإبراهيم بن محمّد الهمداني، وأحمد بن إسحاق ثقات جميعاً)(١٨١).
كما أورد رواية توثيق الإمام عليه السلام له الشيخ الطوسي في الغيبة، فقال: روى أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي محمّد الرازي، قال: كنت وأحمد بن أبي عبد الله بالعسكر، فورد علينا رسول من قبل الرجل فقال: (أحمد بن إسحاق الأشعري، وإبراهيم بن محمّد الهمداني، وأحمد بن حمزة بن اليسع ثقات)(١٨٢).
وقال التستري: (أحمد بن حمزة بن اليسع، عدَّه الشيخ في رجاله في أصحاب الهادي عليه السلام قائلاً: ثقة، وقال النجاشي: روى أبوه عن الرضا عليه السلام، ثقة ثقة)، وعقَّب التستري بالقول: (ويكفي في جلالة هذا الرجل توثيق الحجّة عليه السلام له، وقد وثَّقه النجاشي مرَّتين)(١٨٣).
وكالته:
عدَّه الشيخ الطوسي من الأقوام الثقات الذين كانت ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل، وقال: (ومنهم أحمد بن إسحاق وجماعة خرج التوقيع في مدحهم)، وروى رواية أحمد بن إدريس الآنفة الذكر، وقوله عليه السلام: (وأحمد بن حمزة بن اليسع ثقات)(١٨٤).
ومصطلح الأقوام الثقات الذين كانت ترد عليهم التوقيعات من المنصوبين للسفارة من الأصل يعني الوكلاء الذين كانوا يتَّصلون بهؤلاء السفراء ويحملون التوقيعات من الإمام الحجّة عليه السلام.
فالتوثيق الصادر من الإمام عليه السلام والتوقيع الصادر بحقّه يدلُّ على وكالته.
الخلاصة:
وملخَّص ترجمة الرجل أنَّ أحمد بن حمزة بن اليسع بن عبد الله القمّي عاصر المعصومين: الرضا، والجواد، والهادي، والعسكري، والحجّة عليهم السلام، ووثَّقه الإمام المهدي عليه السلام ضمن مجموعة من الوكلاء صدر التوثيق منه بحقّهم، ووثَّقته المصادر الرجاليه المعتبرة، إلاَّ أنَّه لا يوجد نصّ يؤكّد وكالته للإمام المهدي عليه السلام بشكل صريح، وإنَّما استظهر البعض هذه الوكالة من عبارة الشيخ الطوسي الوارد ذكرها، ومن توثيق الإمام المهدي عليه السلام له، وهي كلمات ترد للأقوام الثقات الذي وكلوا للسفراء والنوّاب الخاصّين بالإمام المهدي عليه السلام في غيبته الصغرى.

* * *

(٦) أيّوب بن نوح بن درّاج النخعي
اسمه ونسبه:
هو أيّوب بن نوح بن درّاج النخعي أبو الحسين، كان وكيلاً لأبي الحسن الهادي، وأبي محمّد العسكري عليهما السلام، عظيم المنزلة عندهما، مأموناً، وكان أبوه نوح بن درّاج قاضياً بالكوفة، وكان صحيح الاعتقاد(١٨٥).
له عدَّة كتب منها: كتاب النوادر، وكتاب الروايات ورسائل أبي الحسن الثالث عليه السلام(١٨٦).
منزلته ووثاقته:
عدَّه الشيخ الطوسي من وكلاء الأئمّة عليهم السلام الممدوحين، وممَّن كان منهم حسن الطريقة، فقال: ومنهم أيّوب بن نوح بن درّاج، ذكر عمرو بن سعيد المدائني _ وكان فطحياً _، قال: كنت عند أبي الحسن العسكري عليه السلام بصريا إذ دخل أيّوب بن نوح ووقف قدامه فأمره بشيء، ثمّ انصرف، والتفت إليَّ أبو الحسن عليه السلام وقال: (يا عمرو إن أحببت أن تنظر إلى رجل من أهل الجنّة فانظر إلى هذا)(١٨٧).
كما أثنى عليه ووثَّقه العلاَّمة الحلّي في رجاله، فقال: (أيّوب بن نوح بن درّاج النخعي، أبو الحسين، ثقة، له كتب وروايات ومسائل عن أبي الحسن الثالث عليه السلام، وكان وكيلاً لأبي الحسن وأبي محمّد عليهما السلام، عظيم المنزلة عندهما، مأموناً، شديد الورع، كثير العبادة، ثقة في رواياته، وأبوه نوح بن درّاج كان قاضياً بالكوفة، وكان صحيح الاعتقاد، وأخوه جميل بن درّاج)(١٨٨)).
وذكره الحرّ العاملي في وسائله فقال: (وكان وكيلاً لأبي الحسن وأبي محمّد عليهما السلام، عظيم المنزلة عندهما، مأموناً، شديد الورع، كثير العبادة، ثقة في رواياته)(١٨٩).
أمَّا الشيخ التستري فقد لخَّص في قاموسه ما ورد عنه في الكتب الرجاليه فقال: (من الوكلاء أيّوب بن نوح بن درّاج، عدَّه الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا عليه السلام، وعدَّه في أصحاب الهادي عليه السلام قائلاً: ثقة)، ونقل عنوان الفهرست له قائلاً: (ثقة رحمه الله، له كتاب روايات ومسائل عن أبي الحسن الثالث عليه السلام)، ونقل عنوان النجاشي له وقال: (النخعي _ أبو الحسين _ كان وكيلاً لأبي الحسن وأبي محمّد، عظيم المنزلة عندهما، مأموناً، كان شديد الورع، كثير العبادة، ثقة في رواياته)، ثمّ عقَّب التستري بقوله: (عن محمّد بن مسعود، عن حمدان النقاش: كان أيّوب من عباد الله الصالحين)(١٩٠).
وقال أبو عمرو الكشّي: (محمّد، قال: حدَّثني محمّد بن أحمد النهدي الكوفي، وهو حمدان القلانسي، وذكر أيّوب بن نوح وقال: كان في الصالحين، وكان حين مات ولم يخلف إلاَّ مقدار مائة وخمسين ديناراً، وكان عند الناس أنَّ عنده مالاً لأنَّه كان وكيلاً لهم)(١٩١).
وكالته:
من المتَّفق عليه عند الرجاليين وما ذكرناه عنهم أنَّ أيّوب بن نوح عاش زمن الإمام الرضا عليه السلام وكان ممَّن روى عنه، وكما ذكر ذلك الشيخ الطوسي والكشّي، وعاصر الفترة التي تلت حياة الإمام عليه السلام وكان وكيلاً مأموناً وموثوقاً به عند الإمامين العسكرين عليهما السلام، وقد اختلف في وكالته للإمام المهدي عليه السلام فلم يذكر الكثير منهم وكالته للحجّة عليه السلام، ولكن البعض استدلَّ على وكالته من الرواية التي أوردها الكشّي في رجاله بسنده عن أبي محمّد الرازي، قال: كنت أنا وأحمد بن أبي عبد الله البرقي بالعسكر _ يعني سامراء _، فورد علينا رسول من الرجل _ يعني المهدي عليه السلام _ فقال لنا: (الغائب العليل ثقة وأيّوب بن نوح، وإبراهيم بن محمّد الهمداني، وأحمد بن إسحاق ثقات جميعاً)(١٩٢).
وقد علَّق السيّد حسن الشيرازي على وكالته فقال: (إلاَّ أنَّه لم يُذكر في وكلاء الإمام المهدي عليه السلام، ولكن قد استظهر بعضهم وكالته من التوقيع الرفيع الصادر من الإمام المهدي عليه السلام الذي يروي الكشّي في رجاله)(١٩٣).
كما قال السيّد محمّد الصدر عنه: (إذن هو جليل المقام، مقرَّب من الأئمّة عليهم السلام، ووكيل للإماميين الهادي والعسكري، وأمَّا وكالته للإمام المهدي عليه السلام فلا يدلُّ عليها إلاَّ توثيقه الذي ورد في التوقيع عنه عليه السلام وهو يدلُّ في الجملة على توكيله والإذن برجوع الناس إليه)(١٩٤).
وتفيدنا رواية الكشّي في معرفة الرجل بشيئين هما:
الأوّل: طول عمر أيّوب بن نوح حيث إنَّه عاصر الإمام الرضا والأئمّة عليهم السلام من بعده حتَّى خاتمهم الحجّة بن الحسن عليه السلام، أي الفترة من سنة (١٨٣هـ) إلى (٢٦٠هـ).
الثاني: أنَّه بحكم كونه ثقة عظيم المنزلة مأموناً عند الإمامين العسكريين عليهما السلام ووكيلاً لهما وصدور التوثيق باسمه من الإمام المهدي عليه السلام برواية الكشّي فإنَّ هذا التوقيع والثناء يشير إلى وكالته للإمام المهدي عليه السلام كونه معاصراً له، ووكيلاً لآبائه، وموثَّقاً من قبله.

* * *

(٧) أبو عبد الله الحسين بن علي البزوفري
اسمه ونسبه:
وهو (الحسين بن علي بن سفيان بن خالد بن سفيان، أبو عبد الله البزوفري)(١٩٥).
و(بزوفر: قرية كبيرة من أعمال قوسان قرب واسط وبغداد)(١٩٦).
وقال الشيخ عبّاس القمّي: (البزوفري _ أبو عبد الله _ الحسين بن علي بن سفيان)(١٩٧).
وهو غير جعفر بن سفيان البزوفري.
حياته:
لم تذكر المصادر الرجاليه تاريخ ولادته ولا تاريخ وفاته، ولكنَّه عاش في فترة الغيبة الصغرى بدلالة روايته عن أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي الذي توفّي عام (٣٢٦هـ)، وهو السفير الثالث للإمام المهدي عليه السلام.
قال الشيخ في الغيبة: (أخبرني الحسين بن عبيد الله، عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري رحمه الله، قال: حدَّثني الشيخ أبو القاسم الحسين بن الروح رضي الله عنه، قال:...) وأرود الخبر(١٩٨).
وثاقته:
وثَّقه النجاشي وقال: (شيخ، ثقة، جليل من أصحابنا)، ونقل ذلك العلاَّمة في الخلاصته(١٩٩).
وقال السيّد مهدي بحر العلوم في رجاله: (هو الشيخ الفاضل أبو عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري)(٢٠٠).
وقال الشيخ الأردبيلي: (الحسين بن علي بن سفيان بن خالد، أبو عبد الله البزوفري، شيخ ثقة جليل القدر من أصحابنا)(٢٠١).
وقال الشيخ التستري: (الوكيل الحسين بن علي بن سفيان البزوفري، يكنّى أبا عبد الله، روى عنه التلعكبري، وأخبرنا جماعة منهم محمّد بن محمّد بن نعمان (المفيد)، والحسين بن عبد الله، وأحمد بن عبدون، وعنونه النجاشي قائلاً: شيخ جليل من أصحابنا، وسيأتي في الكنى أنَّه من سفرائه عليه السلام)(٢٠٢).
وكالته:
روى الشيخ الطوسي في الغيبة: (عن ابن نوح، قال: ووجدت في أصل عتيق كتب بالأهواز في المحرَّم سنة سبع عشرة وثلاثمائة: أبو عبد الله، قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب الجرجاني، قال: كنت بمدينة قم فجرى بين إخواننا كلام في أمر رجل أنكر ولده، فأنفذوا رجلاً إلى الشيخ صانه الله. وكنت حاضراً عنده أيَّده الله فدفع إليه الكتاب فلم يقرأه وأمره أن يذهب إلى أبي عبد الله البزوفري أعزَّه الله ليجيب عن الكتاب فصار إليه وأنا حاضر، فقال له أبو عبد الله: الولد ولده وواقعها في يوم كذا وكذا في موضع كذا وكذا فقل له: فليجعل اسمه محمّداً، فرجع الرسول إلى البلد وعرَّفهم ووضح عندهم القول وولد الولد وسُمّي محمّداً)(٢٠٣).
قال العلاَّمة المجلسي: (يظهر منه أنَّ البزوفري رحمه الله كان من السفراء، ولم ينقل، ويمكن أن يكون وصل ذلك إليه بتوسّط السفراء، وبدون توسّطهم في خصوص الواقعة)(٢٠٤).
وقال السيّد محمّد الصدر: (وقد نقلنا مضمون هذا الخبر وهو يدلُّ بوضوح على استقاء هذه المعلومات من الإمام المهدي عليه السلام ولو بالواسطة، فيدلُّ على أنَّه كان وكيلاً في الجملة، ومن هذا قال المجلسي في البحار تعليقاً على هذا الخبر: يظهر منه أنَّ البزوفري كان من السفراء ولم ينقل)(٢٠٥).
وقد مرَّ بنا تسمية التستري له بالوكيل وقوله: (سيأتي في الكنى أنَّه من سفرائه).
فهو إذن الحسين بن علي بن سفيان بن خالد بن سفيان، أبو عبد الله البزوفري، شيخ ثقة جليل من أصحابنا، نقل عنه الشيخ الطوسي والمفيد وغيرهم، وقد عاصر السفير الثالث أبا القاسم الحسين بن روح النوبختي وروى عنه، وأورد الشيخ في الغيبة رواية عن إخباره بقضيّة لا يمكن أن تصدر عن رجل عادي دون مراجعة الإمام عليه السلام بالواسطة أو بدونها، وقد استدلَّ المجلسي والتستري والسيّد الصدر على أنَّه من وكلاء الإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى.

* * *

(٨) حاجز بن يزيد الوشّاء
وهو من وكلاء الناحية المقدَّسة في زمن الغيبة الصغرى كما تؤكّد الروايات، وتؤكّد على وثاقته وجلالة قدره، وقد أكَّدت بعض الحوادث على ورود التوقيعات الشريفة من الإمام المهدي عليه السلام باسمه خاصّة.
اسمه ولقبه:
وهو (حاجز بن يزيد الوشّاء)(٢٠٦).
ورد اسمه في حادثة ظهور الإمام المهدي عليه السلام وهو صبي عند صلاته على جنازة أبيه العسكري عليه السلام، حيث يقول أبو الأديان خادم الإمام العسكري: (ثمّ خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر، فقال له حاجز الوشّاء: يا سيّدي من الصبي؟ لنقيم الحجّة عليه، فقال: والله ما رأيته قطّ ولا أعرفه)(٢٠٧).
وكالته:
أورد الشيخ الصدوق اسمه في قائمة الوكلاء فقال: (ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء ببغداد: العمري وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطّار)(٢٠٨).
وجاء اسمه أيضاً في نفس القائمة من الوكلاء أورده السيّد ابن طاووس في ربيع الشيعة حيث قال: (وممَّن رآه وخرج إليهم التوقيع من الوكلاء وغيرهم، فمن الوكلاء ببغداد: العمري وحاجز والبلالي والعطّار)(٢٠٩).
أمَّا الروايات التي تدلُّ على وكالته للإمام المهدي عليه السلام فقد وردت روايتان:
الأولى: روى الشيخ في الغيبة: روى محمّد بن يعقوب الكليني، عن أحمد بن يوسف الشاشي، قال: قال لي محمّد بن الحسن الكاتب المروزي: وجَّهت إلى حاجز الوشّاء مائتي دينار، وكتبت إلى الغريم _ أي الإمام المهدي عليه السلام _ بذلك، فخرج الوصول، وذكر _ أي المروزي _ أنَّه كان له قبلي ألف دينار وأنّي وجَّهت إليه مائتي دينار، وقال: إن أردت أن تعامل أحداً فعليك بأبي الحسين الأسدي بالري، فورد الخبر بوفاة حاجز رضي الله عنه بعد يومين أو ثلاثة، فأعلمته بموته، فاغتمَّ. فقلت له: لا تغتمّ فإنَّ لك في التوقيع إليك دلالتين: إحداهما إعلامه إيّاك أنَّ المال ألف دينار، والثانية أمره إيّاك بمعاملة أبي الحسين الأسدي لعلمه بموت حاجز)(٢١٠).
قال السيّد محمّد الصدر معقّباً على هذه الرواية:
(هذا الحديث يدلُّنا على عدَّة أمور:
الأوّل: أنَّه كانت العادة أن يوصل الناس جملة من الأموال التي للإمام إلى حاجز الوشّاء، ومن هنا وجَّه إليه المروزي مائتي دينار.
الثاني: أنَّ الوشّاء ذو طريق مضبوط إلى المهدي عليه السلام بحيث يخرج به الوصول.
الثالث: الدلالة على مكانة حاجز بقرينة التحويل على أبي الحسين الأسدي بعد موته)(٢١١).
كما علَّق على هذه الرواية السيّد حسن الشيرازي بقوله:
(ويستنبط من الرواية عدَّة أمور: منها ثبات حاجز على الوكالة إلى آخر عمره، فلم ينحرف كما انحرف بعض الوكلاء بدلالة الرواية)(٢١٢).
الثانية: قال الشيخ المفيد في الإرشاد: علي بن محمّد، عن الحسن بن عبد الحميد، قال: شككت في أمر حاجز، فجمعت شيئاً ثمّ صرت إلى العسكر، فخرج إليَّ: (ليس فينا شكّ ولا فيمن يقوم مقامنا بأمرنا، فرُدَّ ما معك إلى حاجز بن يزيد)(٢١٣).
وفي هذه الرواية التوثيق الكامل من الإمام المهدي عليه السلام بوكيله حاجز.
أمَّا ما يتعلَّق بولادة حاجز أو وفاته وتفاصيل حياته الأخرى فلم يُعلم عنها شيء، قال السيّد محمّد الصدر: (ولم يُعلم من أمر حاجز أكثر من ذلك، فقد أهمل التاريخ تاريخ ولادته ووفاته، ومقدار ثقافته، وعلاقاته ونحو ذلك من خصائصه)(٢١٤).
إلاَّ أنَّ التوثيق الوارد بحقّه والروايات التي تؤكّد تلك الوثاقة وتشير إلى وكالته ونصّ الإمام عليه السلام عليه تشعرنا بوكالته عن الإمام الحجّة عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى.

* * *

(٩) خليد بن أوفى أبو الربيع الشامي (البسامي)
اسمه ولقبه:
وهو خليد بن أوفى أبو الربيع الشامي(٢١٥) أو البسامي(٢١٦).
وهو غير معروف النسب، ولكنَّه من أهل الري كما ذكر ذلك الشيخ الصدوق والسيّد ابن طاووس في الروايتين اللتين سيتمُّ إيرادهما.
وكالته:
ذكر الشيخ الصدوق البسامي فقال: (ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء... ومن أهل الري: البسامي)(٢١٧)، فأسماه البسامي دون تفصيل أو إيضاح.
كما ذكره السيّد ابن طاووس في ربيع الشيعة ممَّن رآه عليه السلام وخرج إليهم التوقيع من الوكلاء فقال: ومن أهل الري البسامي (الشامي)(٢١٨).
وقال الشيخ الأردبيلي اعتماداً على هاتين الروايتين: إنَّه من وكلاء الإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى فقال يترجم حياته: (كان من أهل الري، وكان من وكلاء القائم عليه السلام، كذا في ربيع الشيعة)(٢١٩).
ولا يُعلم عن الرجل شيء أكثر من هذا، ولم نتمكَّن من إضاءة حياته برواية تتحدَّث عنه أو توثّقه.

* * *

(١٠) العاصمي
اسمه ونسبه:
لقب العاصمي لشخصين هما:
الأوّل: عيسى بن جعفر بن عاصم، وقد دعا له أبو الحسن الهادي عليه السلام.
الثاني: أحمد بن محمّد بن أحمد بن طلحة، أبو عبد الله، يقال له: العاصمي، أصله كوفي وسكن بغداد، له كتب، منها: كتاب النجوم، وكتاب مواليد الأئمّة وأعمارهم(٢٢٠).
قال العلاَّمة في رجاله: (أحمد بن محمّد بن طلحة بن عاصم، أبو عبد الله، وهو ابن أخي علي بن عاصم المحدّث، ويقال له: العاصمي، ثقة في الحديث، سالم الجنبة، أصله كوفي وسكن بغداد، روى عن جميع شيوخ الكوفيين)(٢٢١).
وكذا ورد اسمه في جامع الرواة للأردبيلي(٢٢٢).
كما ذكره التستري في قاموس الرجال فقال: يقال له: العاصمي، ابن أخي علي بن عاصم المحدّث، ويقال: كان ابن أخت علي بن عاصم حسب رسالة آل أعين (ص ٨)(٢٢٣).
ويمكن اعتبار الثاني الذي هو: (أحمد بن محمّد بن طلحة بن عاصم، أبو عبد الله العاصمي) هو المعنيُّ بالوكالة عن الإمام المهدي عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى، وهو الذي ورد اسمه في كتاب الشيخ الصدوق، كون الأوّل وهو عيسى بن جعفر بن عاصم قد توفّي غرقاً في نهر دجلة في حياة الإمام أبي الحسن الهادي عليه السلام حسب رواية الشيخ الطوسي حيث يقول:
(روى محمّد بن يعقوب، رفعه إلى محمّد بن فرج، قال: كتبت إليه أسأله عن أبي علي بن راشد، وعن عيسى بن جعفر بن عاصم، وعن ابن بند، وكتب إليَّ: (ذكرت ابن راشد رحمه الله، فإنَّه عاش سعيداً ومات شهيداً)، ودعا لابن بند والعاصمي)، وقال الشيخ معقّباً على الرواية المذكورة: (وابن بند ضُرب بعمود وقُتل، وابن عاصم ضُرب بالسياط على الجسر ثلاثمائة سوط ورُمي به في الدجلة)(٢٢٤).
وثاقته:
وثَّقت الرجل أغلب الكتب الرجالية وكتب الحديث، وقيل عنه:
١ _ كان ثقة في الحديث(٢٢٥).
٢ _ كما قالوا إنَّه: كان سالم الجنبة، روى عن جميع شيوخ الكوفيين(٢٢٦).
٣ _ وقال الأردبيلي: (ثقة في الحديث، أصله الكوفة وسكن بغداد، وروى عن الشيوخ الكوفيين)(٢٢٧).
٤ _ وقال التستري: (أحمد بن محمّد بن عاصم، أبو عبد الله، ثقة في الحديث)(٢٢٨).
وكالته:
لم يذكر وكالته سوى الشيخ الصدوق في كتابه (كمال الدين وتمام النعمة) حيث أورد اسمه فيمن رأى الإمام المهدي عليه السلام من الوكلاء فقال: (حدَّثنا محمّد بن محمّد الخزاعي رضي الله عنه، قال: حدَّثنا أبو علي الأسدي، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي أنَّه ذكر عدد من انتهى إليه ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء ببغداد...، ومن الكوفة: العاصمي)(٢٢٩).
وأوردت هذه الرواية كتب الرجال واعتبره السيّد ابن طاووس في كتابه ربيع الشيعة حيث قال: (وممَّن رآه وخرج إليهم التوقيع من الوكلاء وغيرهم، فمن الوكلاء ببغداد...، ومن الكوفة: العاصمي)(٢٣٠).

* * *

(١١) القاسم بن العلاء
اسمه ونسبه:
القاسم بن العلاء من أهل أذربيجان، يكنّى أبا محمّد، وهو غير القاسم بن العلاء الهمداني(٢٣١).
ولم تورد كتب الرجال والحديث عن الرجل غير هذا الاسم وهذه المدينة.
حياته:
لم ترد في كتب الرجال ترجمة كاملة لتاريخ ولادته أو وفاته، ولا مفصّل لحياته بينهما نستنتج من فحوى الروايات أنَّه كان موجوداً في حياة الإمام الرضا عليه السلام حيث جاء في الرسالة التي وردت إليه وهو في أذربيجان من أبي القاسم الحسين بن روح _ السفير الثالث للإمام عليه السلام _ جاء فيها: (وكان عنده قميص خلعه عليه مولانا الرضا أبو الحسن عليه السلام)(٢٣٢).
كما أنَّ التوقيعات التي كانت ترد عليه كان معظمها في حياة أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري والشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، وهذا دليل على حياته في أثناء فترة سفارتهما.
وتذكر الروايات أنَّه عمَّر مائة سنة وسبع عشرة سنة، منها ثمانون سنة صحيح العينين، لقي الإمام الهادي والعسكري عليهما السلام واُصيب بالعمى بعد الثمانين، وكان مقيماً بمدينة الران من أرض آذربايجان(٢٣٣).
وثاقته:
تؤكّد الرواية التي رواها الشيخ الطوسي عن الشيخ المفيد على وثاقته وملازمته للإماميين الهادي والعسكري عليهما السلام، وما بعثه له الإمام المهدي عليه السلام من التوقيع الذي يخبره بموته، وما أرسله له من الثياب، قال الشيخ الطوسي:
(أخبرني محمّد بن محمّد بن النعمان والحسين بن عبيد الله، عن محمّد بن أحمد الصفواني رحمه الله، قال: رأيت القاسم بن العلاء، وقد عمَّر مائة سنة وسبع عشرة سنة، منها ثمانون سنة صحيح العينين، لقى مولانا أبا الحسن وأبا محمّد العسكريين عليهما السلام، وحُجب بعد الثمانين، ورُدَّت عليه عيناه قبل وفاته بسبعة أيّام. وذلك أنّي كنت مقيماً عنده بمدينة الران من أرض آذربايجان، وكان لا تنقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان عليه السلام على يد أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري، وبعده على يد أبي القاسم الحسين بن روح قدَّس الله روحهيما، فانقطعت عنه المكاتبة نحواً من شهرين، فقلق رحمه الله لذلك، فبينا نحن عنده نأكل إذ دخل البوّاب مستبشراً، فقال له: فيج العراق لا يسمّى بغيره، فاستبشر القاسم وحوَّل وجهه إلى القبلة، فسجد، ودخل كهل قصير يرى أثر الفيوج عليه، وعليه جُبَّة مصرية، وفي رجله نعل محاملي، وعلى كتفه مخلاة، فقام القاسم فعانقه ووضع المخلاة عن عنقه، ودعا بطشت وماء فغسل يده وأجلسه إلى جانبه، فأكلنا وغسلنا أيدينا، فقام الرجل فأخرج كتاباً أفضل من النصف المدرج، فناوله القاسم، فأخذه وقبَّله، ودفعه إلى كاتب له يقال له: ابن أبي سَلَمة، فأخذه أبو عبد الله ففضَّه وقرأه حتَّى أحسَّ القاسم بنكاية، فقال: يا أبا عبد الله خير، فقال: خير، فقال: ويحك خرج فيَّ شيء، فقال أبو عبد الله: ما تكره فلا، قال القاسم: فما هو؟ قال: نعي الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوماً، وقد حمل إليه سبعة أثواب، فقال القاسم: في سلامة في ديني؟ فقال: في سلامة من دينك، فضحك رحمه الله وقال: ما أؤمل بعد هذا العمر.
فقام الرجل الوارد فأخرج من مخلاته ثلاثة أزر وحبرة يمانية حمراء وعمامة وثوبين ومنديلاً، فأخذه القاسم، وكان عنده قميص خلعه عليه مولانا الرضا أبو الحسن عليه السلام...
والتفت القاسم إلى ابنه الحسن فقال له: إنَّ الله منزلك منزلة ومرتّبك مرتبة فاقبلها بشكر، فقال له الحسن: يا أبه قد قبلتها، قال القاسم: على ماذا؟ قال: على ما تأمرني به يا أبه، قال: على أن ترجع عمَّا أنت عليه من شرب الخمر، قال الحسن: يا أبه وحقّ من أنت في ذكره لأرجعنَّ عن شرب الخمر، ومع شرب الخمر أشياء لا تعرفها، فرفع القاسم يده إلى السماء وقال: اللّهمّ ألهم الحسن طاعتك، وجنّبه معصيتك ثلاث مرَّات، ثمّ دعا بدرج فكتب وصيَّته بيده رحمه الله، وكانت الضياع التي في يده لمولانا وقف وقفه أبوه.
وكان فيما أوصى الحسن أن قال: يا بني إن اُهّلت لهذا الأمر _ يعني الوكالة لمولانا _ فيكون قوتك من نصف ضيعتي المعروفة بفرجيذه، وسائرها ملك لمولاي، وإن لم تُؤهَّل له فاطلب خيرك من حيث يتقبَّل الله، وقبل الحسن وصيَّته على ذلك. فلمَّا كان يوم الأربعين وقد طلع الفجر مات القاسم رحمه الله...، وتولّى أبو علي بن جحدر غسل القاسم وأبو حامد يصبُّ عليه الماء، وكُفّن في ثمانية أثواب، على بدنه قميص مولاه أبي الحسن، وما يليه السبعة أثواب التي جاءته من العراق. فلمَّا كان بعد مدَّة يسيرة ورد كتاب تعزية على الحسن من مولانا عليه السلام في آخره دعاء: (ألهمك الله طاعته، وجنَّبك معصيته)، وهو الدعاء الذي كان دعا به أبوه، وكان آخره: (قد جعلنا أباك إماماً لك، وفعاله لك مثالاً))(٢٣٤).
ويظهر من الرواية الآنفة الذكر عن الحال ما يأتي:
١ _ وثاقته التي تؤهّله لإخبار الإمام عليه السلام له بموته.
٢ _ علوّ منزلته وجليل قدره عند الأئمّة المعصومين عليهم السلام، ونيله قميص الرضا عليه السلام، واستلامه الثياب المرسلة إليه من الإمام المهدي عليه السلام.
٣ _ وكالته في رسالة الإمام عليه السلام له عن طريق السفراء، ولولده الحسن.
وكالته:
مرَّت بنا العبارات التي وردت في رواية الشيخ الطوسي التي تشعر بوكالته للإمام عليه السلام، وكلماته مع ولده حول وقف الإمام عليه السلام، ودعائه لولده المطابق لدعاء الإمام عليه السلام.
وكذلك الرواية التي تؤكّد أنَّه كان لا تنقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان عليه السلام إليه على يد أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري والحسين بن روح.
وقد ورد اسمه في جملة الوكلاء ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء في كتاب الشيخ الصدوق، قوله:
(حدَّثنا محمّد بن محمّد الخزاعي رضي الله عنه، قال: حدَّثنا أبو علي الأسدي، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، أنَّه ذكر عدد من انتهى إليه ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء ببغداد... ومن أهل آذربايجان: القاسم بن العلاء)(٢٣٥).
كما أورد اسمه السيّد ابن طاووس في ربيع الشيعة فقال: (وممَّن رآه وخرج إليهم التوقيع من الوكلاء... ومن أهل آذربايجان: القاسم بن العلاء)(٢٣٦).
وأورد الكشّي في رجاله رواية تفيد وكالته، قال:
(ورد على القاسم بن العلاء نسخة ما خرج من لعن ابن هلال(٢٣٧)، وكان ابتداء ذلك، أن كتب عليه السلام إلى قومه بالعراق: (احذروا الصوفي المتصنّع)، قال: وكان من شأن أحمد بن هلال أنَّه قد كان حجَّ أربعاً وخمسين حجّة، عشرون منها ماشياً على قدميه. قال: وكان رواة أصحابنا بالعراق لقوه وكتبوا منه، وأنكروا ما ورد في مذمَّته، فحملوا القاسم بن العلاء على أن يراجع في أمره، فخرج إليه: (قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنّع ابن هلال لا رحمه الله بما قد علمت، لم يزل لا يغفر الله ذنبه ولا أقال عثرته يداخلنا في أمرنا بلا إذن منّا ولا رضى، يستبدُّ برأيه فيتحامي من ديوننا، لا يمضي من أمرنا إلاَّ بما يهواه ويريد، أردأه الله بذلك في نار جهنَّم، فصبرنا عليه حتَّى بتر الله بدعوتنا عمره))(٢٣٨).
كما أورد الشيخ المفيد رواية عن القاسم بن العلاء تثبت هذه الوكالة، قال: (ولد لي عدَّة بنين، فكنت أكتب وأسأل الدعاء لهم فلا يكتب إليَّ شيء من أمرهم، فماتوا كلّهم، فلمَّا ولد لي الحسين _ ابني _ كتبت أسأل الدعاء فاُجبت فبقي والحمد لله)(٢٣٩).

* * *

(١٢) محمّد بن صالح الدهقان
اسمه ونسبه:
هو محمّد بن صالح بن محمّد الهمداني (الدهقان)(٢٤٠).
ولم تذكر المصادر غير هذا، كما لم تذكر شيئاً عن ولادته وحياته ووفاته.
وكالته:
ذكره الشيخ الصدوق في جملة من رأى الإمام المهدي عليه السلام ووقف على معجزاته من الوكلاء فقال: (ومن أهل همدان: محمّد بن صالح)(٢٤١).
كما ذكره السيّد ابن طاووس في ربيع الشيعة فقال: (ومن أهل همدان: محمّد بن صالح)(٢٤٢).
وعدَّه الكشّي في رجاله من الوكلاء فقال إنَّ توقيع الإمام المهدي عليه السلام لإسحاق بن إسماعيل يدلُّ على وكالته حيث ورد فيه: (فإذا وردت بغداد فاقرأه على الدهقان وكيلنا وثقتنا والذي يقبض من موالينا)(٢٤٣).
وقال العلاَّمة في الخلاصة: (محمّد بن صالح بن محمّد الهمداني الدهقان، من أصحاب العسكري، وكيل)(٢٤٤).
وفي كتاب جامع الرواة للأردبيلي: (محمّد بن صالح بن محمّد الهمداني الدهقان، من أصحاب العسكري عليه السلام، وكيل الناحية...، حكى بعض الثقات بنيشابور أنَّه خرج لإسحاق بن إسماعيل عن أبي محمّد عليه السلام توقيعاً: (يا إسحاق...)، إلى أن قال: (فإذا وردت بغداد فاقرأه على الدهقان وكيلنا وثقتنا والذي يقبض من موالينا))(٢٤٥).
ولكن السيّد محمّد الصدر يقول: (إنَّ التوقيع الذي خرج لإسحاق بن إسماعيل هو من الإمام المهدي عليه السلام وليس من أبي محمّد عليه السلام)(٢٤٦).
وأمَّا الكليني فقد روى عن علي بن محمّد، عن محمّد بن صالح، قال: لمَّا مات أبي وصار الأمر لي، كان لأبي على الناس سفاتج من مال الغريم، فكتبت إليه اُعلمه، فكتب: (طالبهم، واستقض عليهم...)(٢٤٧).
كما روى الشيخ الطوسي ما يفيد اتّصاله بالإمام المهدي عليه السلام فقال:
روى محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن محمّد بن صالح الهمداني، قال: كتبت إلى صاحب الزمان عليه السلام: إنَّ أهل بيتي يؤذوني ويقرعوني بالحديث الذي روي عن آبائك عليهم السلام أنَّهم قالوا: (خدّامنا وقوّامنا شرار خلق الله)، فكتب: (ويحكم ما تقرأون ما قال الله تعالى: (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً)؟ فنحن والله القرى التي بارك الله فيها، وأنتم القرى الظاهرة)(٢٤٨).
ارتداده:
ذكر الشيخ الأردبيلي في جامع الرواة أنَّه قد غلا في آخر عمره فأصبح مخرفاً، وإنَّما كان ممدوحاً موثوقاً قبل انحرافه(٢٤٩)، ولعلَّه هو المقصود في قول المهدي عليه السلام: (وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان عليه لعنة الله وخدمته وطول صحبته، فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل، فعاجله الله بالنقمة ولم يمهله)(٢٥٠).
فمن الممكن أن يكون هو المقصود بكلام الإمام المهدي عليه السلام أو لعلَّ المقصود به (عروة بن يحيى الدهقان)، فقد روي أنَّ أبا محمّد عليه السلام لعن عروة بن يحيى الدهقان وأمر شيعته بلعنه(٢٥١).
لكن السيّد محمّد الصدر يقول: (أقول: يحتمل أن يكون المراد من ذلك عروة بن يحيى الدهقان، والله العالم)(٢٥٢)، إلاَّ أنَّ هذا الاحتمال غير وارد لورود نصّ الإمام عليه السلام: (بعد طول الصحبة) فإنَّه دليل على أنَّه كان وكيلاً، والدهقان الثاني لم يرد كونه وكيلاً.

* * *

(١٣) محمّد بن يحيى العطّار
اسمه ونسبه:
هو محمّد بن يحيى العطّار، وابنه أحمد بن محمّد بن يحيى.
وذكر السيّد محمّد الصدر سبعة أشخاص بهذا اللقب عدا الاسمين المذكورين:
١ _ يحيى بن المثنّى العطّار.
٢ _ الحسن بن زياد العطّار.
٣ _ إبراهيم بن خالد العطّار.
٤ _ علي بن عبد الله العطّار.
٥ _ علي بن محمّد بن عمر العطّار.
٦ _ محمّد بن عبد الحميد العطّار.
٧ _ داود بن يزيد العطّار.
وعقَّب على ذلك بقوله: (وغاية ما يثبت أنَّ شخصاً واحداً بهذا اللقب كان وكيلاً للناحية في الغيبة الصغرى لعلَّه أحد هؤلاء أو لعلَّه شخص آخر)(٢٥٣).
وثاقته:
قال النجاشي: (محمّد بن يحيى، أبو جعفر القمّي، شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة، عين(٢٥٤)، كثير الحديث. له كتب، منها: كتاب مقتل الإمام الحسين عليه السلام، وكتاب النوادر. أخبرني عدَّة من أصحابنا، عن ابنه أحمد، عن أبيه بكتبه)(٢٥٥).
ونقل ذلك الأردبيلي في جامع الرواة، فقال: (محمّد بن يحيى، أبو جعفر العطّار القمّي، شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة، عين، كثير الحديث)(٢٥٦).
وكذا ورد اسمه في معجم رجال الحديث للسيّد الخوئي (ج ١٩/ ص ٣٣/ الرقم ١٢٠١٠)، وابنه أحمد (ج ٣/ ١١٦/ الرقم ٩٢٥).
وذكره التستري مثنياً عليه فقال: (ممَّا يشير إلى جلالة الرجل ما كتبه ابن نوح النجاشي في جواب كتابه الذي يسأله فيه تعريف الطرق إلى ابني سعيد الأهوازي: أمَّا ما رواه أصحابنا والمعوّل عليه ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى... إلى أن قال: وحدَّثنا أبو علي أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار القمّي...)(٢٥٧).
كذلك أورد اسمه العلاَّمة الحلّي في الخلاصة فقال: (محمّد بن يحيى، أبو جعفر العطّار القمّي، شيخ أصحابنا، ثقة، عين، كثير الحديث)(٢٥٨).
نخلص ممَّا ذكر أنَّ الذي ذكرته الكتب الرجالية ووثَّقته هو: الشيخ محمّد بن يحيى، أبو جعفر العطّار القمّي، وهو شيخ أصحابنا في زمانه، له عدَّة مؤلَّفات، وهو ثقة جليل القدر، عين كثير الحديث، له ولد اسمه أحمد.
وكالته:
اعتبره الشيخ الصدوق ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان ورآه من الوكلاء فقال: (حدَّثنا محمّد بن محمّد الخزاعي رضي الله عنه، قال: حدَّثنا أبو علي الأسدي، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي أنَّه ذكر عدد من انتهى إليه ممَّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء ببغداد: العمري وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطّار)(٢٥٩).
وكذلك أشار إليه وإلى وكالته للإمام المهدي عليه السلام السيّد ابن طاووس في كتابه ربيع الشيعة فقال: (وممَّن رؤوه وخرج إليهم التوقيع من الوكلاء وغيرهم، فمن الوكلاء ببغداد: العمري وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطّار).
ومن الملاحظ أنَّ الكثير من الروايات رويت عن طريقه أو وقع هو في طريقها، وهي روايات صحيحة ومعتمدة، ممَّا يدلُّ على وثاقة الرجل، والدليل على وكالته للإمام المهدي عليه السلام الروايتان الآنفتا الذكر.

* * *

(١٤) محمّد بن نعيم بن شاذان النيشابوري
اسمه ولقبه:
هو محمّد بن نعيم بن شاذان النيشابوري(٢٦٠).
(ويطلق عليه أبو عبد الله الشاذاني، وأخرى الشاذاني، وثالثة محمّد بن شاذان بن نعيم، ورابعة محمّد بن نعيم بن شاذان، وخامسة محمّد بن أحمد بن شاذان)(٢٦١).
قال العلاَّمة في رجاله: (الشاذاني هو محمّد بن أحمد بن نعيم، هو أيضاً شاذان بن نعيم)(٢٦٢).
وروى عنه الشيخ المفيد فقال: (عن علي بن محمّد، عن محمّد بن شاذان النيسابوري)(٢٦٣).
من كلّ هذا نعرف أنَّ الرجل هو: محمّد بن شاذان بن نعيم، أو محمّد بن نعيم بن شاذان، يكنّى أبا عبد الله، ويلقَّب بالشاذاني أو النعيمي نسبه إلى أبيه وجدّه، وهو من نيشابور فلُقّب بالنيشابوري.
وثاقته:
أورد الشيخ الصدوق توثيق الإمام الحجّة عليه السلام له في معرض إيراده التوقيعات الصادرة عنه عليه السلام حيث قال: (وأمَّا محمّد بن شاذان بن نعيم فهو رجل من شيعتنا أهل البيت)(٢٦٤).
وبهذا النصّ أوردها الشيخ الطوسي في غيبته(٢٦٥).
وقال السيّد الخوئي قدس سره: (إنَّه لا ينبغي الإشكال في كون الرجل شيعيا إمامياً)(٢٦٦).
وكالته:
ورد اسمه في من وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام من الوكلاء، قال الشيخ الصدوق: (... ومن أهل نيشابور: محمّد بن شاذان)(٢٦٧).
كما عدَّه السيّد ابن طاووس من الوكلاء الذين رأوا الإمام عليه السلام وخرج إليهم التوقيع، فقال: (... ومن أهل نيشابور: محمّد بن شاذان النعيمي)(٢٦٨).
وذكرها أيضاً اعتماداً على رواية الشيخ الصدوق من المتقدّمين الشيخ المفيد في الإرشاد، والعلاَّمة الحلّي في رجاله، وعلى الروايتين كلاهما المقدَّس الأردبيلي في جامع الرواة.
وهناك روايتان توثّقان الرجل وتشعران بوكالته عن الإمام المهدي عليه السلام نوردهما هنا:
الرواية الأولى:
قال الشيخ الصدوق: حدَّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، عن سعد بن عبد الله، عن علي بن محمّد الرازي المعروف بعلاَّن الكليني، قال: حدَّثني محمّد بن شاذان بن نعيم النيسابوري، قال: اجتمع عندي مال للغريم عليه السلام خمسمائة درهم، ينقص منها عشرون درهماً، فأنفت أن أبعث بها ناقصة هذا المقدار، فأتممتها من عندي وبعثت بها إلى محمّد بن جعفر ولم أكتب مالي فيها، فأنفذ إليَّ محمّد بن جعفر القبض، وفيه: (وصلت خمسمائة درهم، لك منها عشرون درهماً)، وأورد هذه الرواية الشيخ المفيد في الإرشاد (٢٦٩).
الرواية الثانية:
ورد في كتاب اختيار معرفة الرجال المعروف بـ (رجال الكشّي): عن آدم بن محمّد، قال: سمعت محمّد بن شاذان بن نعيم يقول: جمع عندي مال للغريم _ أي الإمام المهدي عليه السلام _ فأنفذت به إليه، وألقيت فيه شيئاً من صلب مالي، قال: فورد من الجواب: (قد وصل ما أنفذت من خاصّة مالك فيها كذا وكذا، فتقبَّل الله منك)(٢٧٠).
كما أورد الشيخ الصدوق عنه رواية بهذا المعنى، قال: (قال محمّد بن شاذان: أنفذت بعد ذلك مالاً ولم اُفسّر لمن هو، فورد الجواب: (وصل كذا وكذا، منه لفلان كذا ولفلان كذا))(٢٧١).
هذه الروايات مجتمعة تفيد ما يلي:
١ _ إنَّه عاش فترة الغيبة الصغرى للإمام المهدي عليه السلام وعاصر السفراء.
٢ _ وكالته للإمام عليه السلام عن طريق اتّصاله بالسفراء وإيصال الأموال إليهم وورود التوقيعات من الإمام عليه السلام بوصولها وتفصيلاتها.
٣ _ وثاقته بقرينة دعاء الإمام عليه السلام له: (تقبَّل الله منك).

* * *

(١٥) محمّد بن حفص بن عمرو العمري
اسمه ونسبه:
هو محمّد بن حفص بن عمرو، أبو جعفر، أبوه يُدعى العمري والجمّال، وكان وكيلاً لأبي محمّد العسكري عليه السلام(٢٧٢).
ولم تذكر المصادر الرجالية تاريخ ولادته أو تفصل في حياته ووفاته.
وكالته ووثاقته:
ذكرت أغلب الكتب الرجالية أنَّه كان وكيلاً للناحية المقدَّسة في زمن الغيبة الصغرى، فقد ذكره الكشّي في رجاله، والعلاَّمة الحلّي في رجاله وفي الخلاصة، وذكره المقدَّس الأردبيلي في جامع الرواة، والسيّد محسن الأمين في كتابه أعيان الشيعة، وكلّهم ذكروه بهذه العبارة: (وكان وكيلاً للناحية المقدَّسة، وكان الأمر يدور عليه)(٢٧٣).
أمَّا السيّد ابن طاووس فقد ذكره في كتاب ربيع الشيعة وأورد اسمه فيمن رأوا الإمام المهدي عليه السلام وخرج إليهم التوقيع من الوكلاء وقال: (فمن الوكلاء ببغداد: العمري، وهو غير عثمان بن سعيد أحد الأبواب، بل هو حفص بن عمرو، وابنه محمّد بن حفص...) الخ(٢٧٤).
ولمَّا كان السيّد ابن طاووس قد أوضح أنَّ العمري هو ليس السفير الأوّل عثمان بن سعيد ولا ابنه محمّد، فيكون هو الذي أورد اسمه الشيخ الصدوق عند ذكر أسماء من رآه من الوكلاء حيث قال: (... ببغداد: العمري وابنه...)(٢٧٥).
لأنَّ العمري وابنه من السفراء وهو في حال تعداد أسماء الوكلاء، وأنَّ السفير يتَّصل بالإمام عليه السلام ويراه دون الحاجة إلى تأكيد، وكان هذا وابنه هو حفص بن عمرو وابنه محمّد، وهما من الوكلاء.

* * *

(١٦) إسحاق بن إسماعيل النيشابوري وجماعة
هناك بعض الأشخاص الذين عاصروا الأئمّة المعصومين المتأخّرين: الجواد والهادي والعسكري والحجّة عليهم السلام، ووثَّقهم علماء الرجال أو رووا عنهم، ولكن لم يصدر توثيقهم من الإمام المهدي عليه السلام، ولا يوجد ما يؤكّد وكالتهم، ونحن هنا ندرج أسماءهم والكتب التي توثّق بعضهم، وتلك التي تقول بوكالتهم للإمام المهدي عليه السلام دون تعليق لقلَّة ما يرد عنهم.
١ - إسحاق بن إسماعيل النيشابوري:
وثَّقة الشيخ الطوسي في رجاله، ووثَّقه أيضاً العلاَّمة الحلّي في خلاصته(٢٧٦).
وأورد الكشّي في رجاله دعاء الإمام الحسن العسكري عليه السلام له(٢٧٧).
وأورد الأردبيلي في كتابه (جامع الرواة) رسالة الإمام المهدي عليه السلام له والتي يقول فيها: (فإذا وردت بغداد فاقرأه على الدهقان وكيلنا وثقتنا والذي يقبض من موالينا)(٢٧٨)، وهي تشير إلى وكالته وورود التوقيعات عليه.
٢ - صالح بن محمّد الهمداني:
وثَّقه الشيخ الطوسي في رجاله(٢٧٩)، ووثَّقه العلاَّمة في الخلاصة وقال: (من أصحاب أبي الحسن الثالث عليه السلام، ثقة)(٢٨٠).
ووثَّقه المامقاني في كتابه تنقيح المقال وقال: (ثقة)(٢٨١).
وذكره الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام(٢٨٢).
وقال المازندراني في منتهى المقال: (كان وكيلاً للإمام الحجّة عليه السلام)(٢٨٣).
٣ _ وذكر العلاَّمة المجلسي في بحار الأنوار الأسماء التالية، وقال إنَّهم من الوكلاء، وهم:
١ _ أحمد بن محمّد الدينوري.
٢ _ أبو الرجاء المصري.
٣ _ أحمد بن إبراهيم النوبختي.
٤ _ وذكر العلاَّمة الطبرسي في إعلام الورى الأسماء التالية، وذكر أنَّهم من وكلاء الناحية المقدَّسة، وهم:
١ _ أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري.
٢ _ أبو محمّد الرضائي (الوضائي).
٣ _ أبو علي بسطام بن علي.
٤ _ العزيز بن زهير بن علي بن كشمرد.
٥ _ أبو عبد الله وابنه محمّد.

* * *
بحوث ودراسات مهدوية

وهي مجموعة محاضرات اُلقيت في مجالس النجف الأشرف الأدبية في أوقات مختلفة تخصُّ القضيّة المهدوية نشرناها هنا لغرض الإفادة منها.

البحث الأوّل: عقيدتنا في الإمام المهدي عليه السلام

المقدّمة:
أخذت قضيّة الإمام المهدي عليه السلام مساحة كبيرة في الفكر الإسلامي على مداه الطويل، فقد اُلّفت الكتب الكثيرة من أغلب الفِرَق الإسلاميّة فيها، اعتبارها أهمّ قضيّة إسلاميّة بعد الخلافة، وقد وردت فيها الكثير من الأحاديث والروايات عن النبيّ الكريم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، وقد اُثيرت حولها شبهات كثيرة تولّى المختصّون الردّ عليها.
وتبحث قضيّة الإمام المهدي عليه السلام في ثلاثة محاور:
١ _ المهدي في عقيدة الشيعة الإمامية.
٢ _ المهدي والقضيّة التاريخية.
٣ _ المهدي في عصر الظهور.
المحور الأوّل: المهدي في عقيدة الشيعة الإمامية:
يعتقد الشيعة الإمامية أنَّ المهدي هو الإمام الثاني عشر وهو آخر أئمّة أهل البيت عليهم السلام وأنَّه ولد، وكانت له غيبتان قصيرةٌ دامت ما يقرب من سبعين سنة، وطويلة تمتدُّ حتَّى يظهره الله عز وجل ويملأ به الأرض قسطاً وعدلاً.
ويدلّلون على هذا الاعتقاد بورود آيات من القرآن الكريم الذي هو دستور الإسلام الدائم ومعجزة رسوله الكريم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها:
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصفّ: ٩)، وفيها وعد بإظهار الإسلام على الأديان كلّها ولم يتحقَّق لحدّ الآن.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥)، وفيها وعد مكتوب بأن سيكون عباد الله الصالحون هم سادة الأرض وقادة العالم.
قوله تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (النور: ٥٥).
قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) (القصص: ٥).
وهذه كلّها آيات تؤكّد الوعد الإلهي بإقامة دولة إسلاميّة على يد عباده المخلَصين الصالحين وتطبَّق فيها شريعة السماء على الأرض(٢٨٤).
وذلك من خلال الانقلاب الكوني حين تصل البشرية إلى طريق مسدود من خلال تحكّم المستكبرين بحياة الناس وسلب الناس قيمهم وعقولهم، وعندئذٍ تتدخَّل الإرادة السماوية وتنقل القوَّة والسلطان من أيديهم إلى أيدي الصالحين المستضعفين.
ويعتقد الشيعة الإمامية أنَّ الذي يقود هذا الانقلاب الكوني الشامل هو المهدي من ذرّية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد وردت في ذلك روايات عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بلغت حدّ التواتر نقلها علماء الحديث وأئمّة المسلمين.
ويعتقدون أنَّ المهدي المنتظر الذي تحدَّث عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو محمّد بن الحسن العسكري بن علي الهادي عليهم السلام الذي ولد سنة (٢٥٥هـ) بسامراء ثمّ حجبه الله تعالى عن أعين الناس، وهو الذي يرسله الله حين يشاء لإنقاذ الناس من الظلم وإزالة الشرك من على وجه الأرض وتقرير التوحيد وتحكيم شريعة الله وحدوده في حياة الناس، وهو الذي يقود الانقلاب الكوني الشامل الواسع.
إنَّ اختلاف الشيعة عن الفِرَق الإسلاميّة ليس في أصل القضيّة المهدوية، فإنَّ المسلمين مجمعون إلاَّ من شذَّ منهم بأنَّ الله تعالى ادَّخر المهدي من أهل البيت عليهم السلام لإنقاذ البشرية، وإنَّما الخلاف بين الشيعة الإمامية وغيرهم من المسلمين في التشخيص والتعيين فقط، والشيعة يعتقدون بأنَّه محمّد بن الحسن العسكري عليه السلام، أمَّا الأدلة التي يستند إليها الشيعة في اعتقادهم هنا فهي بشكل موجز:
١ _ حديث الثقلين: وهو حديث صحيح ومتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجمع على تصحيحه المحدّثون من كلّ الفِرَق الإسلاميّة، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أيّها الناس إنَّما أنا بشر مثلكم أوشك أن اُدعى فاُجيب، وإنّي تاركٌ فيكم الثقلين وهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، وإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض، فلا تسبقوهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنَّهم أعلم منكم)(٢٨٥)، والحديث صريح في:
أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يترك من بعده خليفتين هما: القرآن وأهل بيته لهداية أمّته.
أنَّهما باقيان لن يفترقا عن بعض إلى يوم القيامة.
أنَّ التمسّك بهما يعصم الأمّة من الضلال، ومعناه الطاعة والاتّباع، وإذا ضُمَّت النقطة الأولى (إنّي تارك فيكم الثقلين) إلى النقطة الثانية (وإنَّها لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض) استنتجنا أصلاً هامّاً وهو وجود حجّة وإمام من أهل البيت في كلّ زمان لا يفترق عن كتاب الله قطّ.
ويعضده الحديث الشريف: (في كلّ خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي)(٢٨٦)، ولا شكَّ في دلالة الحديث على بقاء حجّة من أهل البيت إماماً للناس.
٢ _ حديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(٢٨٧)، وطرق الحديث وألفاظه كثيرة بلغت حدّ التواتر. وروى الحديث الكثير من أصحابنا الإمامية، وقد عقد له المجلسي في البحار باباً وروى فيه أربعين حديثاً في هذا المعنى(٢٨٨).
ويستفاد من الحديث الشريف ما يلي:
أ _ إنَّ الأرض لا تصلح إلاَّ بإمام.
ب _ لا بدَّ في كلّ زمان أن يعرف الإنسان إمام زمانه، ومعرفته من الدين، والجهل به ورفضه من الجاهلية.
ج _ لا بدَّ من طاعة الإمام لكلّ أحد في كلّ زمان، ولا يجوز لأحد أن يخرج عن طاعة إمام زمانه.
د _ ومن يمت وليس في عنقه بيعة لإمام يمت ميتة جاهلية.
هـ _ لا بدَّ أن يكون في كلّ زمان إمام تجب طاعته، ويجب أن تتَّصل حلقات الإمامة في كلّ زمان، وأن لا يخلو منهم زمان.
وهذه القضيّة تكشف عن وجود الإمام في كلّ زمان، وهو الحجّة في كلّ زمان، ولا بدَّ من القول: إنَّ الحكّام الظلمة وأئمّة الكفر لا يكونون مصاديق للإمام الذي تفرض على الناس طاعته كما قال تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: ١١٣)، فإنَّ التفسير الوحيد لهذه الروايات هو ما تعتقد به الإمامية من استمرار الإمامة في أهل البيت منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليوم وعدم انقطاع الإمامة بوفاة الحسن العسكري عليه السلام.
٣ _ حديث: (إنَّ الأرض لا تخلو من حجّة)(٢٨٩)، وقد روى الحديث ثقات الإمامية، ومنهم: الكليني والصدوق والطوسي، وبطرق مختلفة وبنفس المعنى، كما رواه الشريف الرضي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال: (لاَ تَخْلُو الأرْضُ مِنْ قَائِم لِلَّهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيَّنَاتُهُ)(٢٩٠).
٤ _ حديث: (الأئمّة من بعدي اثنا عشر)، وقد رواه البخاري عن جابر بن سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما رواه جمع غفير من أئمّة الحديث من الفريقين(٢٩١).
ولدينا مجموعة نقاط في هذا الحديث:
أ _ لا إشكال أنَّ الحديث هو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ب _ إنَّ الأمراء الاثني عشر في الرواية أمراء حقّ وليس من أئمّة الضلال والجور.
جـ _ إنَّ عدَّتهم اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل.
د _ لا يخلو منهم زمان(٢٩٢).
ولا نعرف لهذه الأحاديث بمجموعها تطبيقاً قطّ غير الأئمّة الاثني عشر المعروفين عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، وآخرهم المهدي المنتظر الذي هو الإمام الثاني عشر.
ونكتفي بهذا القدر من الإيجاز في اعتقاد الشيعة الإمامية بأنَّ المهدي المنتظر الذي يخرج في آخر الزمان هو محمّد بن الحسن عليه السلام كما وردت بذلك روايات كثيرة وأحاديث موثَّقة عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، وهي كما يلي:
١ _ أحاديث تبشّر بظهور المهدي المنتظر، ٦٥٧ رواية.
٢ _ إنَّ المهدي من أهل بيت النبيّ وعترته، ٣٨٩ رواية.
٣ _ إنَّه من أولاد علي، ٢١٤ رواية.
٤ _ إنَّه من أولاد فاطمة، ١٩٢ رواية.
٥ _ إنَّه من أولاد الحسين، ١٤٨ رواية.
٦ _ إنَّه الولد الوحيد للحسن العسكري، ١٤٦ رواية.
٧ _ الأحاديث الواردة في ولادته، ٢١٤ رواية.
٨ _ إنَّ له غيبة طويلة، ٩١ رواية.
٩ _ إنَّه يعمّر طويلاً، ٣١٨ رواية.
١٠ _ إنَّه الثاني عشر من أئمّة أهل البيت، ١٣٦ رواية.
ونختم هذه الفقرة بالحديث المتواتر الصحيح عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: (من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني)(٢٩٣)، أو (مات ميتة جاهلية)(٢٩٤).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج فيه ولدي المهدي)(٢٩٥).
وقد آثرنا عدم إيراد الشبهات والإشكالات العقائدية التي يثيرها منكرو الإمام وأوكلناها إلى كتب الاختصاص كالغيبة للشيخ الطوسي والإرشاد للمفيد وكمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق وغيرها من كتب الشيعة المعتبرة.
المحور الثاني: الإمام المهدي في القضيّة التاريخية:
تؤكّد الروايات التي تتحدَّث عن الإمام المهدي عليه السلام من الناحية التاريخية أنَّ الإمام علي بن محمّد الهادي عليه السلام قد بعث صاحبه بشر النخّاس وأرسل معه رسالة ليشتري له أمَة رومية من سوق الإماء بعد أن يعرض عليها الرسالة، وفعلاً فقد وصل النخّاس ووجد أمَة رومية ترفض أن يبيعها صاحبها لأحد تطلب منه الانتظار، وصل النخّاس وعرض عليها رسالة الإمام فقرأتها وكانت تجيد اللغة العربية ووافقت على البيع فسلَّم النخّاس ثمنها وجاء بها إلى الإمام الذي سلَّمها إلى أخته حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام لتعليمها الفقه والشريعة الإسلاميّة، وبعد أن أعلنت إسلامها زوَّجها لولده الحسن العسكري عليه السلام، واسمها نرجس، وهي من سلالة قيصر ملك الروم واُمّها من ذرّية أحد حواري عيسى عليه السلام(٢٩٦).
وتروي لنا الروايات كيفية ولادته عليه السلام، حيث أرسل الإمام العسكري ليلة الخامس عشر من شهر شعبان سنة (٢٥٥هـ) على عمَّته حكيمة وقال لها: (يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا، فإنَّها ليلة النصف من شعبان فإنَّ الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجّة وهو حجّته في أرضه)، قالت: فقلت له: ومن اُمّه؟ قال لي: (نرجس)، قلت له: جعلني الله فداك ما بها أثر، فقال: (هو ما أقول لك)، قالت: فجئت، فلمَّا سلَّمت وجلست جاءت تنزع خفّي وقالت لي: يا سيّدتي وسيّدة أهلي كيف أمسيت؟ فقلت: بل أنت سيّدتي وسيّدة أهلي، قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمّة؟ قالت: فقلت لها: يا بنيّة إنَّ الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيّداً في الدنيا والآخرة، قالت: فخجلت واستحيت. فلمَّا أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت وأخذت مضجعي فرقدت، فلمَّا أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث ثمّ جلست معقّبة، ثم اضطجعت ثمّ انتبهت فزعة وهي راقدة، ثمّ قامت فصلَّت ونامت.
قالت حكيمة: وخرجت أتفقَّد الفجر فإذا أنا بالفجر الأوّل كذنب السرحان وهي نائمة فدخلني الشكوك، فصاح بي أبو محمّد عليه السلام من المجلس فقال: (لا تعجلي يا عمّة فهاك الأمر قد قرب)، قالت: فجلست وقرأت ألم السجدة ويس، فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة فوثبت إليها فقلت: اسم الله عليك، ثمّ قلت لها: أتحسّين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمّة، فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك، قالت: فأخذتني فترة وأخذتها فترة فانتبهت بحسّ سيّدي، فكشفت الثوب عنه فإذا أنا به عليه السلام ساجداً يتلقّى الأرض بمساجده، فضممته إليَّ، فإذا أنا به نظيف متنظّف، فصاح بي أبو محمّد عليه السلام: (هلمّي إليَّ ابني يا عمّة)، فجئت به إليه، فوضع يديه تحت إليتيه وظهره، ووضع قدميه على صدره، ثمّ أدلى لسانه في فيه، وأمرَّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثمّ قال: (تكلَّم يا بني)، فقال: (أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ صلّى على أمير المؤمنين وعلى الأئمّة عليهم السلام إلى أن وقف على أبيه، ثمّ أحجم.
ثمّ قال أبو محمّد عليه السلام: (يا عمّة اذهبي به إلى اُمّه ليسلّم عليها وائتني به)، فذهبت به فسلَّم عليها ورددته فوضعته في المجلس، ثمّ قال: (يا عمّة إذا كان يوم السابع فأتينا)، قالت حكيمة: فلمَّا أصبحت جئت لاُسلّم على أبي محمّد عليه السلام وكشفت الستر لأتفقَّد سيّدي عليه السلام فلم أرَه، فقلت: جُعلت فداك، ما فعل سيّدي؟ فقال: (يا عمّة استودعناه الذي استودعته اُمّ موسى موسى عليه السلام)(٢٩٧).
ثمّ عاش في كنف والده الإمام العسكري عليه السلام، وكان الإمام العسكري عليه السلام يطلع الموالين والمقرَّبين له على ولده، ثمّ وافت سنة (٢٦٠هـ) حيث مرض الإمام العسكري عليه السلام وحضر معه ولده الحجّة حتَّى وفاته في الثامن من ربيع الأوّل سنة (٢٦٠هـ)، فغسَّله وكفَّنه بمساعدة وكيله الأمين عثمان بن سعيد العمري، وحينما حملت جنازة الإمام عليه السلام إلى ساحة الدار لغرض الصلاة عليها حضر جعفر الكذّاب وهو عمّ الإمام للصلاة على أخيه الحسن، فظهر صبي صغير من داخل الدار فجذب عمّه وقال: (تأخَّر يا عمّ فأنا أحقُّ بالصلاة على أبي)، فتأخَّر جعفر بعد أن أربد وجهه، وصلّى الإمام على أبيه وغاب عن الأنظار(٢٩٨).
وفي ذلك اليوم كان وفد من القمّيين قد وصل وهو يحمل الحقوق والأموال والرسائل إلى الإمام وحينما سألوا عن أبي محمّد قيل لهم: إنَّه توفّي، قالوا: ومن الإمام بعده؟ قالوا: أخوه جعفر، فذهبوا إلى جعفر وطلبوا منه أن يخبرهم ممَّن الأموال؟ وما هي؟ ومن أصحابها؟ فقال: سبحان الله تريدوننا أن نعلم الغيب، فرفضوا تسليمه الحقوق، وخرجوا من عنده فلحق بهم صبي صغير وقال لهم: إنَّ مولاي يدعوكم، فذهبوا معه إلى دار الإمام العسكري وهنا وجدوا الإمام المهدي عليه السلام جالسا فأخبرهم بالأموال وممَّن هي ومقدارها، فقالوا له: أنت الإمام، فأمرهم بأن لا يأتوا إلى سامراء بل مراجعة وكيله وسفيره الأوّل عثمان بن سعيد العمري في بغداد ثمّ غاب عن الأنظار(٢٩٩).
وهكذا فقد بدأت فترة الغيبة الصغرى حيث أخذ شيعة أهل البيت عليهم السلام بمراجعة النوّاب الأربعة في بغداد ويحملون إليهم الحقوق والأسئلة ويأخذون أجوبتها من الإمام عن طريق التواقيع بالإجابة عليها. وبعد وفاة النائب الأوّل عثمان بن سعيد عام (٢٦٥) أو (٢٦٧هـ) تولّى السفارة ولده أبو جعفر محمّد بن عثمان العمري الذي دامت سفارته أربعين سنة فقد توفّي سنة (٣٠٥هـ)، وخلفه من بعده أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي الذي دامت سفارته إحدى وعشرين سنة، ثمّ خلفه الشيخ أبو الحسن علي بن محمّد السمري الذي عاش حتَّى سنة (٣٢٩هـ) حيث ورد التوقيع من الإمام يخبره بوفاته وأن لا وصيّ بعده.
يقول الشيخ الطوسي: وأخبرنا جماعة، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه، قال: حدَّثني أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام _ بغداد _ في السنة التي توفّي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمّد السمري قدس سره، فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمّد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاَّ بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم)(٣٠٠).

وهكذا بدأت الغيبة الكبرى التي أرشدنا فيها الإمام عليه السلام إلى مراجعة نوّابه العامّين وهم الفقهاء في أمورنا الدينية، فقال عليه السلام: (وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنَّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم)(٣٠١)، وأعطانا الإمام العسكري عليه السلام الصفات العامّة لهؤلاء الوكلاء فقال: (فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)(٣٠٢).
وهذا الأمر من الإمام الثاني عشر الذي نعتقد بأنَّه إمام زماننا الذي أمر بمراجعة الفقهاء والمراجع في المسائل الدينية، ويحرم اتّباع غيرهم ممَّن يدَّعي أنَّه المهدي أو نائبه أو سفيره أو أنَّه اليماني أو القحطاني أو السفياني وغير ذلك، ونحن غير ملزمين بما يقولون وما يدَّعون، والواجب تكذيبهم حتَّى ظهوره المقدَّس بعد تحقّق العلامات الحتمية التي وردت على لسان أئمّتنا عليهم السلام.
المحور الثالث: الإمام في عصر الظهور:
١ _ إنَّ الروايات الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة أهل البيت عليهم السلام سواء عن طريق أهل السُنّة أو الشيعة نجدها تتَّصف بالرمزية في الأشخاص والأماكن والأحداث، فالروايات عن ألقاب وصفات أشخاص كالشيصباني والسفياني والأبقع والأعرج والأصهب والأزرق والأشنع، وأماكن كخراسان والمغرب وبلاد الديلم وبني الأصفر، وهي أسماء لأشخاص وأماكن غير محدَّدة، والسبب هو كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: (والله لولا آية في كتاب الله لحدَّثناكم بما يكون إلى أن تقوم الساعة: (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) [الرعد: ٣٩])(٣٠٣)، فالروايات لا تفصح عن أحداث الوقوع وإنَّما ترجعها إلى مشيئة الله، إن شاء وقعت وإن لم يشأ لم تقع، فتبقى الروايات تتحدَّث عن رموز يمكن أن تنطبق على عدَّة أشخاص.
٢ _ إنَّ أحداث عصر الظهور وضعت فيها الكثير من الروايات الملفَّقة وضعيفة السند، وهذا طبيعي فإنّا نجد روايات تتحدَّث عن أحداث وقعت في الماضي وقد اختلف فيها كثيراً فكيف بأحداث لم تقع بعد؟ وهنا نجد كمّاً هائلاً من الروايات التي يصعب التوفيق فيما بينها.
الرايات في عصر الظهور:
عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في حديث طويل، قال: (خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً)(٣٠٤).
ولغرض متابعة رايات حركة الظهور نقول:
حركة السفياني:
روى الشافعي المقدسي في (عقد الدرر)(٣٠٥) عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (... فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فوره ذلك حتَّى ينزل دمشق...).
ويقول الإمام أمير امؤمنين عليه السلام: (يخرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس...)(٣٠٦)، والوادي اليابس هو منطقة على الحدود السورية الأردنية قرب مدينة درعا.
وتقول الروايات: إنَّ اسمه عثمان بن عنبسة، وهو من أولاد خالد بن يزيد بن معاوية(٣٠٧)، يتحرَّك من الوادي اليابس فيكمل احتلال الكور الخمس، وهي: دمشق وحمص وحما وطرابلس وحلب، أي كامل بلاد الشام، ثمّ يتقدَّم إلى مدينة الرقّة ليخوض معركة ضارية مع قوّات عراقية عبّاسية، والرقّة مدينة تقع على نهر الفرات في شمال سورية، والقوّات العراقية تسمّى قوّات عبّاسية أو قوّات حكومية، ووصفها بأنَّها عبّاسية إمَّا أن تكون لرجل من أصل عبّاسي أو كونها ذات أهداف ومعتقدات عبّاسية، فهي قوّات ضالّة، وتنتهي معركة الرقّة بانتصار السفياني على القوّات العبّاسية، ثمّ يتقدَّم السفياني إلى مدينة قرقيسيا، وهي مدينة قديمة تقع عند التقاء نهر الخابور بنهر الفرات قرب مدينة ديرالزور السورية.
وهنا تجري معركة رهيبة بين الطرفين سُمّيت بمأدبة السباع وطيور السماء من لحوم الجبّارين(٣٠٨)، حيث يقتل فيها الكثير من أعداء الله وتنتهي بانتصار السفياني فيها.
ثمّ يتحرَّك السفياني إلى مدينة نصيبين في تركيا، ويدخل العراق عن طريق الموصل، ثمّ يتَّجه إلى تكريت، ومنها يمرُّ قرب بغداد، ثمّ إلى المدنية الملعونة _ كما تسمّيها الروايات(٣٠٩) _ وهي بابل، ثمّ تتَّجه قوّات السفياني إلى الكوفة، يقول النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: (... حتَّى ينزل _ أي السفياني _ دمشق فيبعث جيشين: جيشاً إلى المشرق وجيشاً إلى المدينة، حتَّى إذا نزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، ويبقرون بها أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من بني العبّاس، ثمّ ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها، ثمّ يخرجون متوجّهين إلى الشام، فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على مسير ليلتين، فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم)(٣١٠).
ويخرج السفياني من الكوفة إلى واسط، ثمّ إلى البصرة، وبعدها يتَّجه جيش السفياني إلى منطقة اصطخر، وهي مدينة قديمة شمال مدينة مسجد سليمان في منطقة الأهواز جنوب إيران، ومنها يلتقي جيش السفياني بالجيوش الموالية والممهّدة للإمام كجيش الخراساني وجيش حارث بن حراث المشرفي، وجيش الهاشمي، فيخسر المعركة، ويتقدَّم الخراساني والمشرفي إلى الكوفة، وهنا يظهر الإمام عليه السلام في مكّة، فيبعث الخراساني بالبيعة إليه أو أنَّه ينتظره حتَّى يصل الكوفة، وبعد مناظرة مع الإمام يعلن البيعة له.
أمَّا جيش السفياني فيصفه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّه (ثمّ يخرجون من المدينة متوجّهين إلى مكّة حتَّى إذا كانوا بالبيداء بعث الله عز وجل جبرئيل فيقول: اذهب فأبدهم، فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم...، ولا يفلت منهم إلاَّ رجلان، أحدهما بشير والآخر نذير)(٣١١).
وتتوالى النكسات في جيش السفياني فيقاتله الإمام عليه السلام شمال الكوفة فينتصر عليه، ويلاحقه إلى دمشق لتكون خسارته النهائية على يد الإمام عليه السلام، كما سنرى في حركة الإمام عليه السلام في ظهوره المقدَّس.
راية الخراساني:
تقول الرواية: (تقبل رايات من شرقي الأرض غير معلمة...، يسوقها رجل من آل محمّد _ أي الحسني أو الحسيني _ تظهر بالمشرق وتوجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر)(٣١٢).
ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: (يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق لو استقبلته الجبال لهدَّها واتَّخذ فيها طرقاً)(٣١٣).
هذا الخراساني يخرج من مدينة سمرقند(٣١٤)، وهي مدينة في دولة تركمانستان الحالية، يتقدَّم بجيشه نحو الغرب فيصل مرو وبعدها إلى الري _ أي طهران _ حيث يكون على جيشه شعيب بن صالح، وهو رجل تميمي ضعيف البنية، خفيف اللحية، قوي الإيمان، يكون قائداً لجيش الخراساني المتَّجه نحو العراق.
وتخوض قوّات الحسني معارك في دينور ونهاوند، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (الويل لشيعة ولد العبّاس من الحرب التي تقع بين نهاوند والدينور، تلك حرب صعاليك شيعة علي، يقدمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم...، يسير بعصابة خير عصابة)(٣١٥).
أمَّا الراية التي تخرج مع هذه الراية وتساندها وتوطئ للإمام المهدي فهي راية رجل يخرج من وراء النهر _ أي من خراسان _ وتسمّيه الرواية الواردة في مصادر أهل السُنّة بالحارث بن حراث المشرفي أو المشرقي أي الطالع من المشرق.
قال علي عليه السلام: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (يخرج رجل من وراء النهر يقال له: الحارث بن حراث على مقدمته رجل يقال له: منصور، يوطئ لآل محمّد...، وجب على كلّ مؤمن نصره _ أو قال: إجابته _)(٣١٦).
ويصف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذه الرايات فيقول: (يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي)(٣١٧)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فائتوها ولو حبواً على الثلج فإنَّ فيها خليفة الله المهدي)(٣١٨).
وقد يقال: إنَّ شعيب بن صالح هو الذي يخرج من سمرقند ورايته تختلف عن راية الخراساني، ولكنَّها تمهّد وتوطئ للمهدي أيضاً، تقول الرواية: (تخرج راية سوداء لبني العبّاس، ثمّ تخرج من خراسان أخرى سوداء، قلانسهم سود وثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح، أو: صالح بن شعيب من تميم، يهزمون أصحاب السفياني حتَّى ينزل ببيت المقدس، يوطئ للمهدي سلطانه)(٣١٩).
ثمّ تزحف هذه القوّات الخراسانية وفيهم كنوز طالقان بقيادة شعيب بن صالح لنجدة الحسني داخل الأراضي الإيرانية، يقول الإمام الصادق عليه السلام: (ثمّ يخرج الحسني الفتى الصبيح من نحو الديلم، يصيح بصوت فصيح: يا آل محمّد أجيبوا الملهوف والمنادي من حول الضريح، فتجيبه كنوز الله بالطالقانات...، أميرهم رجل من تميم يقال له: شعيب بن صالح، فيقبل الحسني إليهم وجهه كدائرة البدر يريع الناس جمالاً، فيعفي على أثر الظلمة، فيأخذ بسيفه الكبير والصغير والعظيم والرضيع، ثمّ يسير بتلك الرايات كلّها حتَّى يرد الكوفة)(٣٢٠).
ويقول الإمام علي عليه السلام: (إذا قام القائم بخراسان، وغلب على أرض كوفان والملَّتان وجاز جزيرة بني كاوان...)، فهذه مناطق يبسط الخرساني سيطرته عليها بحروب ومعارك، ويقول الإمام علي عليه السلام: (ظهرت لولدي رايات الأتراك متفرّقات في الأقطار والجنبات)(٣٢١)، وهو دليل على وجود معارك مع أتراك آذربايجان أو أتراك تركيا.
هناك رواية تخبر عن معارك للموطنين الخراساني والمشرفي وشعيب بن صالح مع قوّات السفياني في منطقة اصطخر، وهي مدينة تقع شمال مسجد سليمان حالياً في منطقة الأهواز التي تسمّيها الرواية: بيضاء اصطخر وينتصر فيها الممهّدون على قوّات السفياني(٣٢٢).
والرواية الثانية تقول بأنَّ خيولهم تصل الكوفة، يقول الباقر عليه السلام: (تقبل رايات من شرقي الأرض غير معلمة، ليست بقطن ولا كتان ولا حرير، مختوم في رأس القناة بخاتم السيّد الأكبر، يسوقها رجل من آل محمّد تظهر بالمشرق، وتوجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر، يسير الرعب أمامها بشهر حتَّى ينزلوا الكوفة طالبين بدماء آبائهم، فبينما هم على ذلك إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنَّهما فرسي رهان شعث غبر جرد...)(٣٢٣).
وبالنتيجة فإنَّ الخراساني يدخل الكوفة وينتظر وصول المهدي عليه السلام، فيبايعه بعد محاورة بينهما سنذكرها في حركة الإمام عليه السلام عند ظهوره المبارك.
راية اليماني:
اليماني وهو من الموطئين للإمام المهدي عليه السلام، يقوم بثورته داخل الأراضي اليمنية ويتمكَّن من استلام السلطة هناك ويكون خروجه مع خروج السفياني.
وصفه النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بالمنصور، فعن جابر بن عبد الله، قال: وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل اليمن، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (جاءكم أهل اليمن يبسون بسيساً)، فلمَّا دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قوم رقيقة قلوبهم، راسخ إيمانهم، منهم المنصور، يخرج في سبعين ألفاً ينصر خلفي وخلف وصيّي، حمائل سيوفهم المسك)(٣٢٤).
ويقول الإمام الباقر عليه السلام: (وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى لأنَّه يدعو إلى صاحبكم)(٣٢٥).
ويقول نعيم بن حماد المروزي: (يخرج من قرية يقال لها: يكلى خلف صنعاء بمرحلة أبوه قرشي واُمّه يمانية)(٣٢٦).
ويقول صاحب كتاب العدّ التنازلي في علائم الظهور: (يخرج اليماني بثورة على نظام القحطاني الظالم الذي يبسط سلطانه على اليمن والذي يخرج لمقاتلة السفياني فيخسر الحرب، وعندما يعود إلى اليمن يقاتله اليماني وينتصر عليه، وهو من أولاد زيد بن علي، واُمّه يمانية)(٣٢٧).
وهناك روايتان عن حركته هما:
في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام أنَّه يرسل قوّاته المسلمة إلى اصطخر لنصرة دولة الموطئين في إيران ولمحاربة السفياني لخروج الإمام عليه السلام، وربَّما يذهب اليماني بنفسه مع هذه القوّات إلى إيران، والرواية الثانية تذكر بأنَّه يبقى في اليمن ثمّ يكون وزيراً للإمام المهدي عليه السلام بعد خروجه فيلحق به في المدينة ويخرج معه متخفّياً إلى مكّة وهو الذي تسمّيه الروايات: (منصور)(٣٢٨).
حركة الظهور المقدَّس للإمام المهدي عليه السلام:
تبدأ حركة ظهور الإمام عليه السلام بالصيحة وتسمّى الفزعة، يقول الصادق عليه السلام: (ينادي منادٍ من السماء أوّل النهار يسمعه كلّ قوم بألسنتهم: ألا إنَّ الحقّ في علي وشيعته)(٣٢٩)، ويقول عليه السلام في رواية أخرى: (الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان)(٣٣٠)، ويقول الإمام الباقر عليه السلام: (فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان فلا تشكّوا فيه أنَّه صوت جبرئيل، وعلامة ذلك أنَّه ينادي باسم القائم واسم أبيه عليهما السلام...)(٣٣١)، ويقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها منادٍ ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتَّبعوه)(٣٣٢).
ويكون الإمام المهدي عند الصيحة في المدينة المنوَّرة على أشهر الروايات، فيخرج منها متخفّياً مع رجل اسمه منصور ولعلَّه هو اليماني، يقول النعماني في (الغيبة) عن الباقر عليه السلام: (يبعث السفياني بعثاً إلى المدينة فينفر المهدي منها إلى مكّة، فيبلغ أمير جيش السفياني أنَّ المهدي قد خرج إلى مكّة، فيبعث جيشاً على أثره فلا يدركه حتَّى يدخل مكّة خائفاً يترقَّب على سُنّة موسى بن عمران عليه السلام)(٣٣٣).
ويخرج الإمام إلى شعاب مكّة وجبالها ويجتمع عنده بعض أنصاره فيرسل النفس الزكية إلى أهل مكّة ليأخذ البيعة له منهم، لكنَّه يقتل بين الركن والمقام في داخل المسجد الحرام.
ويأتي إليه أصحابه من كلّ مكان وينتظرهم الإمام في (ذي طوى) وهو وادٍ بمكّة، يقول الإمام الباقر عليه السلام: (إنَّ القائم يهبط من ثنية ذي طوى في عدَّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً حتَّى يسند ظهره إلى الحجر الأسود)(٣٣٤).
وبعد مقتل النفس الزكية بخمسة عشر يوماً وفي اليوم العاشر من المحرَّم يعلن الإمام دعوته في يوم الجمعة أو السبت، يقول الإمام الصادق عليه السلام: (ينادى باسم القائم عليه السلام في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قُتل فيه الحسين بن علي عليهما السلام)(٣٣٥).
وروي عن الإمام السجّاد عليه السلام، قال: (ثمّ يخرج إلى مكّة والناس يجتمعون بها)، قال: (فيقوم رجل منه فينادي: أيّها الناس، هذا طلبتكم قد جاءكم، يدعوكم إلى ما دعاكم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: (فيقومون)، قال: (فيقوم هو بنفسه فيقول: أيّها الناس أنا فلان بن فلان، أنا ابن نبيّ الله، أدعوكم إلى ما دعاكم إليه نبيّ الله، فيقومون إليه ليقتلوه، فيقوم ثلاثمائة وينيف على ثلاثمائة فيمنعونه)(٣٣٦).
ويقول الإمام الباقر عليه السلام: (فيكون أوّل من يبايعه جبرئيل، ثمّ الثلاثمائة وثلاثة عشر)(٣٣٧).
ويقول الإمام علي عليه السلام: (ثمّ يظهر المهدي بمكّة عند العشاء ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقميصه وسيفه وعلامات ونور وبيان، فإذا صلّى العشاء نادى بأعلى صوته: اُذكّركم الله أيّها الناس ومقامكم بين يدي ربّكم...، وإنّي أدعوكم إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء سُنّته، فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدَّة أهل بدر على غير ميعاد، قزعاً كقزع الخريف، رهبان بالليل، اُسُد بالنهار، فيفتح الله للمهدي أرض الحجاز)(٣٣٨).
وفي تلك الليلة يحكم سيطرته على مكّة ويبقى فيها وينظّم أمورها (ويستخرج من كان في السجن من بني هاشم) كما يقول الإمام علي عليه السلام(٣٣٩).
فيستنجد أمراء الحجاز بالسفياني الذي يكون جيشه قد وصل المدينة واستقرَّ فيها.
يقول النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في بيان أحوال جيش السفياني: (ثمّ يخرجون من المدينة متوجّهين إلى مكّة حتَّى إذا كانوا بالبيداء بعث الله عز وجل جبرئيل فيقول: اذهب فأبدهم، فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم...، ولا يفلت منهم إلاَّ رجلان، أحدهما بشير والآخر نذير)(٣٤٠).
وبهذا يظهر أوّل نصر إلهي للمهدي بأن يخسف بجيش السفياني في طريقه إلى مكّة لمقاتلة الإمام، فيكثر أصحاب الإمام المهدي عليه السلام.
التوجّه إلى المدينة:
ثمّ إنَّ الإمام يتوجَّه إلى المدينة المنوَّرة بجيش قوامه عشرة آلاف أو اثنا عشر ألف رجلاً بعد أن يعيّن والياً على مكّة، يقول الباقر عليه السلام: (يبايع القائم بمكّة على كتاب الله وسُنّة رسوله، ويستعمل على مكّة _ أي يجعل عليها والياً _، ثمّ يسير نحو المدينة، فيبلغه أنَّ عامله قد قُتل، فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة، ولا يزيد على ذلك)(٣٤١).
وفي طريقه إلى المدينة يمرُّ على مكان الخسف بجيش السفياني، فعن الباقر عليه السلام: (فإذا خرج رجل منهم _ أي من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم _ معه ثلاثمائة رجل ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عامداً إلى المدينة حتَّى يمرّ بالبيداء فيقول: هذا مكان القوم الذين خسف الله بهم)(٣٤٢).
تحرير المدينة المنوَّرة:
تقول الروايات: إنَّ الإمام المهدي عليه السلام يخوض معركة في المدينة، فعن الباقر عليه السلام: (... ثمّ يدخل المدينة فتغيب عنهم عند ذلك قريش...، ثمّ يحدث حدثاً...، فيمنحه الله أكتافهم، فيقتل المقاتلة ويسبي الذرية، ثمّ ينطلق حتَّى ينزل الشقرة فيبلغه أنَّهم قتلوا عامله فيرجع إليهم فيقتلهم...، ثمّ ينطلق يدعو الناس إلى كتاب الله وسُنّة نبيّه)(٣٤٣).
ويخرج متوجّها إلى الطريق، ويمرُّ بالشقرة وهي في طريق العراق بعد أن تكون مكّة والمدينة تحت حكمه، ويتمُّ له السيطرة على الحجاز ومنه على الجزيرة العربية وبلدان الخليج بمساعدة شعوبها وأنصاره الذين يزداد عددهم يوماً بعد يوم.
التقدّم نحو العراق:
تذكر الأحاديث أنَّ جيش المهدي عليه السلام يندفع إلى العراق من حدود محافظة النجف التي توجد فيها قوّات السفياني وأتباعه من منافقي العراق حيث يأمر المهدي عليه السلام قوّاته بالهجوم المباشر على قوّات السفياني بعد الإنذار والدعوة إلى الطاعة، وتذكر المصادر أنَّ أهمّ المعارك تقع شمال الكوفة قرب منطقة النخيلة شمال العبّاسية، فعن الباقر عليه السلام: (لكأنّي أنظر إليهم مصعدين من نجف الكوفة ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، كأنَّ قلوبهم زبر الحديد...، حتَّى إذا صعد النجف قال لأصحابه: تعبَّدوا ليلتكم هذه، فيبيتون بين راكع وساجد يتضرَّعون إلى الله، حتَّى إذا أصبح قال: خذوا بنا طريق النخيلة...، حتَّى ينتهي إلى مسجد إبراهيم عليه السلام بالنخيلة، فيصلّي فيه ركعتين، فيخرج إليه من كان بالكوفة من مرجئها وغيرهم من جيش السفياني، فيقول لأصحابه: استطردوا لهم، ثم يقول كرّوا عليهم)، قال أبو جعفر عليه السلام: (ولا يجوز والله الخندق منهم مخبر، ثمّ يدخل الكوفة فلا يبقى مؤمن إلاَّ كان فيها أو حنَّ إليها)(٣٤٤).
وتؤكّد الروايات مرور الإمام بهذا الطريق، يقول الإمام السجّاد عليه السلام: (يقتل القائم عليه السلام من أهل المدينة حتَّى ينتهي إلى الأجفر...، ثمّ يسير حتَّى ينتهي إلى القادسية وقد اجتمع الناس بالكوفة وبايعوا السفياني)(٣٤٥).
ويقول الإمام الصادق عليه السلام: (يقدم القائم حتَّى يأتي النجف فيخرج إليه من الكوفة جيش السفياني وأصحابه والناس معه، وذلك يوم الأربعاء، فيدعوهم ويناشدهم حقّه...، فإذا كان يوم الجمعة يعاود فيجيء سهم فيصيب رجلاً من المسلمين فيقتله، فيقال: إنَّ فلاناً قد قُتل، فعند ذلك ينشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...، فيحمل عليهم هو وأصحابه فيمنحهم الله أكتافهم ويولّون، فيقتلهم حتَّى يدخلهم أبيات الكوفة)(٣٤٦).
ويستفاد من الروايات أنَّ جيش الإمام عليه السلام يخرج من الحجاز ويدخل النجف من المنطقة الجنوبية، لكن هجومه على جيش السفياني يكون من منطقة شمال الكوفة في منطقة النخيلة قرب الكفل حالياً، وهي خطّة لقطع الإمدادات عن قوّات السفياني من منطقة الرمادي وعن الطريق الرئيسي المؤدّي إلى النجف، وبهجوم خاطف عنيف يتمكَّن من دحر قوّات السفياني وتدمير جيشه وملاحقة الهاربين إلى بيوت الكوفة وأسر من يقع في أيدهم وفرار الباقين(٣٤٧).
وتذكر الروايات أنَّ الإمام ينزل الكوفة بعد تحريرها بسبع قبّاب من نور، يقول الإمام الباقر عليه السلام: (ينزل _ أي القائم عليه السلام _ في سبع قباب من نور لا يُعلم في أيّها هو حين ينزل في ظهر الكوفة)(٣٤٨).
ثمّ إنَّ الإمام يسير في موكب خاصّ داخل مدينة النجف الأشرف ويركب مركباً خاصّاً يراه الناس جميعاً ينقل عبر شاشات التلفزيون، يقول الصادق عليه السلام: (كأنّي أنظر إلى القائم عليه السلام على ظهر النجف، فإذا استوى على ظهر النجف ركب فرساً أدهم أبلق بين عينيه شمراخ، ثمّ ينتفض به فرسه فلا يبقى أهل بلدة إلاَّ وهم يظنّون أنَّه معهم في بلادهم)(٣٤٩).
وهو ما ذكره أمير المؤمنين علي عليه السلام حيث قال: (كأنَّني به قد عبر من وادي السلام إلى مسجد السهلة، على فرس محجَّل، له شمراخ)(٣٥٠).
أمَّا المعركة الثانية التي يخوضها جيش الإمام في الكوفة فهي مع أصحاب الجباه السود، قال الباقر عليه السلام: (إذا ظهر القائم على نجف الكوفة خرج إليه قرّاء أهل الكوفة وقد علَّقوا المصاحف في أعناقهم وأطراف رماحهم...، فيقولون: لا حاجة لنا فيك يا ابن فاطمة، قد جرَّبناكم فما وجدنا عندكم خيراً، ارجعوا من حيث جئتم، فيقتلهم حتَّى لا يُبقي منهم مخبر)(٣٥١).
ثمّ إنَّ الإمام عليه السلام يخوض حرباً في الكوفة مع البترية الذين يرفضون مبايعته من جيش الخراساني، تقول الروايات: إنَّ الخراساني يلتقي بالمهدي عليه السلام وهو يعلم من هو ولكن يريد أن يثبت حقيقته لجيشه فيقول للإمام عليه السلام: كيف تثبت أنَّك المهدي؟ فيخرج الإمام عليه السلام عمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيفه وفرسه ودرعه وباقي مخلَّفاته، فيبايعه الخراساني ومعه جيشه إلاَّ ستّة عشر ألفاً، وقيل: أربعين ألفاً يرفضون مبايعته وينكرونه، فيفاوضهم الإمام ويمهلهم ثلاثة أيّام، ثمّ يأتي الكوفة فيطيل المكث فيها ما شاء الله أن يمكث حتَّى يظهر عليها(٣٥٢).
والعبارة واضحة في أنَّ بقاءه لتسوية الأمور الداخلية وتنظيم هيكل الدولة وبسط الأمن والنظام وتسويق الأمور الاقتصادية والاجتماعية بعد عدَّة حروب، والإمام يتَّخذ الكوفة عاصمة له، يقول الإمام الصادق عليه السلام: (يكون ملكه بالكوفة، ومجلس حكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة، وموضع خلوته الذكوات البيض من الغريين)(٣٥٣).
وقبل أن يغادر الكوفة فإنَّ آخر خارجة تخرج عليه من مارقة موالي الدسكرة، يقول الإمام الصادق عليه السلام: (ثمّ لا يلبث إلاَّ قليلاً حتَّى يخرج عليه مارقة الموالي برميلة الدسكرة عشرة آلاف، شعارهم: يا عثمان يا عثمان، فيدعو رجلاً من الموالي فيقلّده سيفه، فيخرج إليهم فيقتلهم...)(٣٥٤).
ويقال: إنَّ الدسكرة منطقة تقع قرب مدينة الرمادي غرب بغداد، وهذا واضح من شعارهم: يا عثمان، فالحركة معروفة المكان والمعتقد.
ثمّ إنَّ أوّل لواء يعقده الإمام، أي أوّل جيش يبعثه الإمام بعد فتح العراق لمقاتلة الترك، يقول الإمام الصادق عليه السلام: (أوّل لواء يعقده المهدي يبعثه إلى الترك فيهزمهم ويأخذ ما معهم من السبي والأموال، ثمّ يسير إلى الشام فيفتحها)(٣٥٥).
ولا بدَّ أنَّ الإمام وهو في طريقه إلى بلاد الشام يمرّ بكربلاء لزيارة جدّه الحسين عليه السلام، وتقول بعض الروايات: إنَّه يخرج صوت من داخل القبر قائلاً: (إلى الآن يا ولدي...).
بلاد الشام:
ثمّ يتقدَّم جيش المهدي لفتح بلاد الشام وعليها السفياني، تقول الرواية عن الباقر عليه السلام: (إذا بلغ السفياني أنَّ القائم قد توجَّه إليه من ناحية الكوفة، يتجرَّد بخيله حتَّى يلقى القائم، فيخرج فيقول: أخرجوا إلى ابن عمّي، فيخرج عليه السفياني، فيكلّمه القائم عليه السلام، فيجيء السفياني فيبايعه، ثمّ ينصرف إلى أصحابه، فيقولون له: ما صنعت؟ فيقول: أسلمت وبايعت، فيقولون له: قبَّح الله رأيك، بين ما أنت خليفة متبوع فصرت تابعاً، فيستقبله فيقاتله، ثمّ يمسون تلك الليلة، ثمّ يصبحون للقائم عليه السلام بالحرب، فيقتتلون يومهم ذلك، ثمّ إنَّ الله تعالى يمنح القائم وأصحابه أكتافهم فيقتلونهم حتَّى يفنوهم...، فتشبع السباع والطيور من لحومهم)(٣٥٦).
ويصف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام هذه المعركة فيقول: (فيغضب الله على السفياني...، فترشقهم الطير بأجنحتها، والجبال بصخورها، والملائكة بأصواتها، ولا تكون ساعة حتَّى يهلك أصحاب السفياني كلّهم، ولا يبقى على الأرض غيره وحده، فيأخذه المهدي فيذبحه تحت الشجرة التي أغصانها مدلاة على بحيرة الطبرية)(٣٥٧).
حرب اليهود:
وبعد أن يتمّ للإمام فتح بلاد الشام والقضاء على السفياني يتوجَّه لمحاربة اليهود في باقي المدن الفلسطينية، وتقول الرواية عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ الروم التي تسمّيهم الرواية: بني الأصفر وهم الأوربيون والأمريكان يساعدون اليهود في قتالهم، ويقول الشيخ الكوراني: إنَّ اليهود بعد أن خسروا عميلهم والمقاتل نيابةً عنهم وهو السفياني استعدّوا للمعركة الفاصلة واستدعوا حلفاءهم الروم للمقاتلة معهم، يقول الرسولصلى الله عليه وآله وسلم: (... ثمّ هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية _ أي راية _ كلّ غاية اثنا عشر ألفاً)(٣٥٨).
وتذكر الروايات أنَّه بينما يستعدُّ الفريقان للقتال، المهدي عليه السلام بجيشه الكثير العدد من بلدان الإسلام والممهّدين في أرض العراق وإيران وبلدان الخليج ومن دول المسلمين، والروم بكامل قوَّتهم وأسلحتهم، فينزل المسيح ليُصلّي خلف الإمام في بيت المقدس، وهنا يتخلخل جيش الروم حينما يرون نبيّهم يُصلّي خلف الإمام، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟)(٣٥٩)، وتؤكّد الرواية أنَّ النبيّ عيسى عليه السلام يقوم بالوساطة بين الجيشين فتعقد هدنة أمدها سبع أو عشر سنوات ينقضها الروم في سنتين أو في حمل امرأة باختلاف الروايات، ثمّ تقوم الحرب(٣٦٠).
وهذه المعركة هي الفاصلة، فعن كعب الأحبار قال: (ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الملحمة، فسمّى الملحمة من عدد القوم وأنا اُفسّرها لكم...)، وخلاصة قوله أنَّ المعركة يحضرها اثنا عشر ملكاً من الروم ويبلغ عدد المسلمين يومئذٍ صنعاء فيشتدّ القتال ويقتل من المسلمين يومئذٍ الثلث ويفرُّ ثلث ويصبر ثلث، فيصبرون فينزل الله تعالى نصره عليهم، ويغضب لدينه يضرب بسيفه ويطعن برمحه ولا يحلُّ لنصراني بعد ذلك اليوم سلاحاً حتَّى تقوم الساعة(٣٦١)، ويسمّيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الملحمة لكثرة الجيوش المتحاربة.
وتصف الروايات كثرة القتلى من الروم واليهود، ثمّ يأمر المهدي بإنشاء المراكب فينشئ أربعمائة سفينة في ساحل عكا، وتخرج الروم في مائة صليب فيقيمون على طرطوس ويفتحونها بأسنَّة الرماح، فيوافيهم المهدي عليه السلام فيقتل من الروم حتَّى يتغيَّر ماء الفرات بالدم، وينهزم الروم فيلحقون بأنطاكية فيتابعم المهدي، ويقيم المهدي بأنطاكية، ثمّ يسير بعد ذلك ومن تبعه من المسلمين لا يمرّون على حصن من بلاد الروم إلاَّ قالوا: لا إله إلاَّ الله فتتساقط حيطانه، أي يستسلمون دون حرب، ثمّ يسير المهدي إلى رومية (روما الحالية) ويكون قد أمر بتجهيز أربعمائة مركب من عكا يقيض الله لهم الريح، فلا يكون إلاَّ يومين وليلتين حتَّى يحطوا على بابها، ثمّ يدخلونها(٣٦٢).
وهنا _ يقول الشيخ الكوراني _: تعلن شعوب أوربا ولاءها للإمام لأنَّها ترى نبيّها يصلّي خلف الإمام عليه السلام، ولما تراه من انتصارات له، وللتخلّص من جور ملوكها وظلمهم، عندها تكون دول العالم كلّها تحت سلطانه، فيرسل إليهم الإمام عليه السلام أنصاره قادةً لهم وفقهاء ومعلّمين، وينشئ المساجد، ويقيم العدل، وتفتح الأرض كنوزها، وينتشر العلم والأمان.
أمَّا الرايات الأخرى في عصر الظهور المبارك:
الهاشمي:
هو قائد ثورة الموطئين في العراق، يخرج من إيران بعد انتصار ثورة الموطئين فيها، يتَّخذ مقرّه مدينة جيلان غرب إيران، وتسمّيه بعض الروايات: المنتصر، وهو من السلالة العلوية الشريفة، ولم يتَّضح أنَّه حسني أم حسيني(٣٦٣)، قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إذا قام القائم بخراسان وغلب على أرض كوفان والملَّتان، وجاز جزيرة بني كاوان، وقام منّا قائم بجيلان، وأجابته الآبر والديلمان...)(٣٦٤).
والقائم بجيلان هو الهاشمي، فـ (منّا) إشارة إلى كونه من السلالة العلوية، و(الأبرار)(٣٦٥): أي المؤمنون من أهل العراق فرّوا إلى إيران من وطأة المعاناة.
أمَّا كلمة الديلم الواردة في الرواية فالمقصود بها الفرس المتطوّعون في هذه القوّات وهم من أهالي قزوين وما والاها(٣٦٦).
وأمَّا أعمال هذا الهاشمي فتشير الرواية إلى جانب من أعماله، فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (ثمّ يقوم منّا قائم بجيلان يعينه المشرقي في دفع شيعة عثمان، ويجيبه الآبر والديلم ويجدون منه النوال والنعم، وترفع لولدي النود والرايات ويفرّقها في الأقطار والحرمات، ويأتي البصرة ويخربها ويعمّر الكوفة ويوربها، فيعزم السفياني على قتاله ويهمُّ مع عساكره باستيصاله)(٣٦٧).
عوف السلمي التكريتي:
روى حذلم بن بشير، قال: قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام: صف لي خروج المهدي، وعرّفني دلائله وعلاماته، فقال: (يكون قبل خروج المهدي خروج رجل يقال له: عوف السلمي، بأرض الجزيرة، ويكون مأواه تكريت، وقتله بمسجد دمشق)(٣٦٨).
أي إنَّ مقرَّ حركته مدينة تكريت القريبة من أرض الجزيرة، وإنَّ حركته نحو الحكومة السورية، ولكنَّه يوجد مقتولاً في أحد مساجد دمشق، ربَّما يكون بعملية اغتيال(٣٦٩).
الأعرج الكندي:
جاء في الرواية: (علامة خروج المهدي ألوية تقبل من المغرب عليها رجل أعرج من كندة)(٣٧٠).
وتقول الرواية: (... ثمّ تقبل البربر بالرايات الصفر، على البراذين السبر، حتَّى ينزلوا مصر، فيخرج رجل من ولد صخر...)(٣٧١).
وورد في الرواية: (إذا دخلت الرايات الصفر مصر، فغلبوا عليها وقعدوا على منبرها، فليحفر أهل الشام أسراباً في الأرض فإنَّه البلاء)(٣٧٢).
ويقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (إذا خربت البصرة وقام أمير الإمرة بمصر...)، فحكى عليه السلام حكاية طويلة، ثمّ قال: (إذا جُهّزت الألوف، وصُفَّت الصفوف، وقتل الكبش الخروف، هناك يقوم الآخر، ويثور الثائر، ويهلك الكافر)(٣٧٣).
والكبش: هو قائد جيش المغرب، والخروف: قائد جيش مصر، (يثور الثائر) وهو شاب مصري يقوم بثورة ضدّ حاكم مصر حيث يتمكَّن من طرده القوّات المغربية، وهو ما يقول عنه أمير المؤمنين عليه السلام: (ثمّ يخرج من السجن غلام يفني عددهم، ويأسر مددهم، ويهزمهم إلى بيت المقدس، ويرجع منصوراً مؤيّداً، فيوافي مصر...، فيظهر عند ذلك صاحب الراية المحمّدية والدولة الأحمدية)(٣٧٤).
راية الشروسي:
ورد في حديث الإمام المهدي عليه السلام لعلي بن مهزيار: (... ويخرج الشروسي من إرمينية وأذربيجان يريد وراء الري الجبل الأسود المتلاحم بالجبل الأحمر، لزيق جبال طالقان، فيكون بينه وبين المروزي وقعة صيلمانية، يشيب فيها الصغير، ويهرم منها الكبير، ويظهر القتل بينهما...)(٣٧٥).
وما ورد عن الحسين عليه السلام: (اختلاف صنفين من العجم في لفظ كلمة عدل...، ويسفك فيهم دماء كثيرة، ويقتل منهم ألوف ألوف ألوف، وخروج الشروسي من بلاد الأرومية إلى أذربايجان يسمّى بالتبريز، يريد وراء الري الجبل الأحمر المتلاحم بالجبل الأسود لزيق جبال طالقان، فتكون بين الشروسي والمروزي وقعة يشيب منه الصغير ويهرم منه الكبير)(٣٧٦).
والذي يظهر من الروايات أنَّها رايات ضلال تتقاتل من أجل الحكم.
راهب نجران:
تقول الروايات: (ويخرج رجل من أهل نجران، راهب مستجيب للإمام، فيكون أوّل النصارى إجابةً، ويهدم صومعته، ويدقّ صليبها، ويخرج بالموالي وضعفاء الناس والخيل، فيسيرون إلى النخيلة بأعلام هدى)(٣٧٧).
وتقع نجران على حدود السعودية مع اليمن، والراهب الذي يخرج منها لا بدَّ أنَّه يلتحق بالإمام ثمّ يسير إلى النخيلة، لأنَّ الرواية تؤكّد أنَّه أوّل النصارى إجابةً للمهدي عليه السلام.
الخاتمة:
لا بدَّ أن نقول: إنَّ هذا البحث اُعدّ كمحاضرة يراد إلقاؤها في تفصيل خارطة ظهور دولة الإمام المهدي عليه السلام، وبالفعل فقد اُلقيت هذه المحاضرة في أماكن متعدّدة كمسجد السهلة ومدينة الكوت والتجمّع الثقافي ومؤسّسة الحكمة وغيرها، ولذا فلم اُركّز على إيراد اسم المصدر في كثير من الروايات الواردة فيها مراعاةً لوقت المحاضرة، ولكن بعض الروايات الخلافية استدعى ذكر المصدر لها، ومجرَّد الإشارة إلى مصادر البحث في نهاية الكتاب هي كافية للمتتبّع أن يتأكَّد من صحَّة الروايات الواردة فيها، وقد أخبرني أحد الإخوة الأكاديميين في كلّية الدراسات الإنسانية في النجف أنَّه ومجموعة من المختصّين تابعوا الإشارة إلى الروايات فوجدوها مضبوطة مع المخطط وهذه شهادة على دقَّة النقل.

* * *
البحث الثاني: منزلة الإمام المهدي عند المعصومين عليهم السلام

إنَّ الدور الذي اُنيط بالإمام القائم عليه السلام هو إقامة العدالة التامّة، وهي التي لا تخصُّ رقعة أرضية معيَّنة بل هي عدالة على الأرض كافّة، والقرآن يصرّح بذلك: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) (الصفّ: ٩)، أي سيأتي حتماً يوم من الأيّام يطبَّق فيه الدين الإسلامي على الأرض كلّها، ولا بدَّ أن يأتي هذا اليوم، وهو دور خطير جدّاً، ولم يقم به أحد من الأنبياء والمرسلين، والدور الذي اُنيط بالإمام المهدي عليه السلام لم ينط بأيّ نبيّ أو رسول، وهو دور عظيم جدّاً لم يقم به بشر إلى الآن.
وقد أكَّد هذا الدور الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: (إنَّه يقوم بأمر عظيم)(٣٧٨).
هذه المهمّة الكبيرة التي اُسندت للإمام المهدي عليه السلام لا بدَّ وأن تكون معها شخصية مؤهَّلة بكامل مؤهّلات القيادة، ومتمتّعة بصفات القائد الفذّ الذي ينفّذ وعد الله الذي قطعه ووكَّده، ولا بدَّ أن تكون له المنزلة العظيمة والمكانة العالية بين بني البشر، والتي تحدَّث عنها أجداده وآباؤه عليهم السلام.
هذه الصفات التي تؤهّله لنيل هذا المنصب الرفيع وإسناد هذه المهمّة إليه، وإناطة المسؤولية العظمى بشخصه تحدَّث عنها النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، ووردت في أحاديثهم وأقوالهم، وهي تؤكّد قوَّة هذه الشخصية وعظيم خطرها وعلوّ همَّتها وسموّ مكانتها عندهم عليهم السلام، لم يَدَعوا شيئاً يتعلَّق به إلاَّ وذكروه بأجمل العبارات وأصدق الأقوال وأتمّ المعاني، ونحن نستشف من أحاديثهم الشريفة تلك المكانة السامية له عليه السلام بينهم عليهم السلام وحسب مدلولات الأبواب الآتية:
التأكيد على نسبه وانتمائه لأهل البيت عليهم السلام:
كثيرة هي الأحاديث الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام تعرّف شخصية الإمام، وتؤكّد نسبه الوضاء، وارتباطه بأهل البيت عليهم السلام، وهو شرف ما دونه شرف، ونسب في القمّة العالية من أنساب بني البشر.
ونلحظ هذا التوكيد بشكل واضح في أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم حيث يرد هذا المعنى بصيغ مختلفة:
فالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يقول عن الجليل في حديث قدسي: (... وبالقائم منكم اُعمّر أرضي)(٣٧٩).
وعن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث رجلاً من ولدي اسمه اسمي)(٣٨٠).
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من ولدي، اسمه اسمي وكنيته كنيتي)(٣٨١).
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام: (ومنّا المهدي وهو من ولدك)(٣٨٢).
وعن اُمّ سَلَمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)(٣٨٣).
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: (يا علي إنَّ قائمنا إذا خرج يجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدد رجال بدر)(٣٨٤).
هذه الأحاديث وغيرها تورد تأكيداً واضحاً من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ الإمام المهدي عليه السلام من عترة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن صلب علي وفاطمة، ومن أولاد الحسين عليه السلام، وهو بلا شكّ تعظيم لشخصه وتوكيد لانتمائه لهذه الشجرة المباركة.
وتعضد هذه الأحاديث روايات وردت عن أهل البيت عليهم السلام تؤكّد هذا النسب وهذه الأرومة المباركة، فعن علي عليه السلام قال: (المهدي رجل من ولد فاطمة)(٣٨٥)، ويقول لولده الحسين عليه السلام: (التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحقّ)(٣٨٦).
وعن الإمام الحسن بن علي عليه السلام قال: (أمَا علمتم أنَّه ما منّا أحد إلاَّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاَّ القائم الذي يُصلّي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإنَّ الله عز وجل يُخفي ولادته ويغيب شخصه، لئلاَّ يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيّدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته)(٣٨٧).
وقال إمامنا الحسين بن علي عليه السلام: (منّا اثنا عشر مهدياً أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحقّ)(٣٨٨).
وقال الإمام علي بن الحسين عليه السلام: (من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله عز وجل أجر ألف شهيد من شهداء بدر واُحُد)(٣٨٩).
وعن الباقر عليه السلام: (إذا قام مهدينا أهل البيت قسَّم بالسوية)(٣٩٠).
وعن الصادق عليه السلام: (من دعا إلى الله أربعين صباحاً بهذا العهد _ أي دعاء العهد _ كان من أنصار قائمنا عليه السلام)(٣٩١).
وقال الكاظم عليه السلام: (القائم الذي يطهّر الأرض من أعداء الله عز وجل ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً هو الخامس من ولدي)(٣٩٢).
وعن الرضا عليه السلام وقد قيل له: يا بن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: (الرابع من ولدي ابن سيّدة الإماء)(٣٩٣).
وعن الجواد عليه السلام قال: (إنَّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحقّ المنتظر)(٣٩٤).
وعن الهادي عليه السلام قال: (إنَّ الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٣٩٥).
وعن العسكري عليه السلام حينما اُتي له بولده القائم عليه السلام قال: (ابشر يا بني، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجّة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيّي...، وأنت خاتم الأئمّة الطاهرين)(٣٩٦).
هذه التأكيدات على نسبه الشريف لا تترك مجالاً لأحد بالادّعاء أنَّه هو المهدي المنتظر الذي يخرج في آخر الزمان _ وإن تطابق أسماء بعض أدعياء المهدوية مع اسمه الشريف _، وهذا ما تريد الأحاديث إثباته لنفي كلّ الأباطيل التي تُتَّخذ من الاسم ذريعةً لادّعاء المهدوية، وفي الوقت نفسه تثبت انتماءه وارتباط نسبه بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، بما يتمتَّع به هذا النسب من الرفعة والمكانة والشرف الرفيع.
تعظيمه بحمله اسم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكنيته وصفاته:
الإمام المهدي عليه السلام هو من يحمل اسم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكنيته وصفاته، وهو الوحيد المسموح له بهذه التسمية والكنية، وقد أكَّد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، فعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله)(٣٩٧) وهو يشير إلى صفة ولده المهدي عليه السلام، وعن حذيفة، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (... لبعث الله فيه رجلاً من ولدي اسمه اسمي وخُلُقه خُلُقي)(٣٩٨)، ويؤكّد ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلُقاً)(٣٩٩).
ثمّ يعدّد صلى الله عليه وآله وسلم صفات ولده الأخرى في حديث له فيقول: (اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، لقبه المهدي، وهو الحجّة، وهو المنتظر، وهو صاحب الزمان عليه السلام)(٤٠٠)، ويصفه بأنَّه كالكوكب الدرّي(٤٠١)، وطاووس أهل الجنة(٤٠٢).
وإذا أخذنا بالحديث الذي أوردته كتب أهل السُنّة نجد أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ينزله بالمنزلة العالية في الجنّة حيث ورد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (نحن بنو عبد المطَّلب سادة أهل الجنّة: أنا وعلي وجعفر وحمزة والحسن والحسين والمهدي)(٤٠٣).
أمَّا آباؤه وأجداده الأئمّة المعصومون عليهم السلام فينعتونه بنعوت تدلُّ على سموّ مكانته وعلوّ شأنه، يقول أمير المؤمنين عليه السلام وهو يصفه: (بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أنْبِيَائِهِ)(٤٠٤)، ويقول عنه أيضاً: (أوسعكم كهفاً، وأكثركم علماً، وأوصلكم رحماً)(٤٠٥)، ثمّ يطنب عليه السلام في وصفه، ويخصّص خطبة من خطبه في بيان صفاته والإشادة بمكانته فيقول عليه السلام: (من بني هاشم، من ذروة طود العرب، وبحر مغيضها إذا وردت، ومخفر أهلها إذا اُتيت، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت، ولا يجبن إذا المنايا هلعت، ولا يخور إذا المؤمنون اكتنعت، ولا ينكل إذا الكماة اصطرعت، مشمّر مغلولب، ظفر ضرغامة، حصد مخدش، ذكر، سيف من سيوف الله، رأس، قثم، نشؤ رأسه في باذخ السؤدد، وعارز مجده في أكرم المحتد...)(٤٠٦).
ويؤكّد شبهه برسول الله والده العسكري عليه السلام بقوله: (الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتَّى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خَلقاً وخُلُقاً، ويحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته)(٤٠٧).
وقد جاءت أكثر هذه الأوصاف في زيارة آل ياسين الواردة عن الإمام المهدي عليه السلام نفسه التي أوردها الشيخ الجليل أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج عن الناحية المقدَّسة، في التوقيع الصادر إلى محمّد الحميري بعد الجواب عن المسائل التي سألها، قال عليه السلام: (إذا أردتم التوجّه بنا إلى الله وإلينا فقولوا كما قال الله تعالى: سَلامٌ عَلى آلِ يَّس، السَّلامُ عَلَيْكَ يا داعِيَ الله وَرَبَّانِيَّ آياتِهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بابَ الله وَدَيَّانَ دِينِهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا خَلِيفَةَ الله وَناصِرَ خَلْقِهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا حُجَّةَ الله وَدَلِيلَ إِرادَتِهِ...)(٤٠٨).
كما أنَّ الإمام الرضا عليه السلام يشهد له بهذه الصفات العظيمة فيقول: (اللّهُمَّ فَإنّا نَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ وَيَوْمَ حُلُولِ الطَّامَّةِ، أنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ ذَنْباً، وَلا أتى حَوْباً، وَلَمْ يَرْتَكِبْ مَعْصِيَةً، وَلَمْ يَضَيَّعْ لَكَ طاعَةً، وَلَمْ يَهْتِكَ لَكَ حُرْمَةً، وَلَمْ يُبَدَّلْ لَكَ فَريضَةً، وَلَمْ يُغَيَّرْ لَكَ شَريعَةً، وَأنَّهُ الهادِي المُهْتَدِي الطَّاهِرُ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الرَّضِيُّ الزَّكِيُّ)(٤٠٩).
ونختم هذه الفقرة بإيراد ما أورده صاحب فرائد السمطين عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر ولده المهدي حيث يقول: (... وإنَّ الله تبارك وتعالى ركَّب في صلب الحسن _ أي العسكري _ نطفة مباركة زكيّة طيّبة طاهرة مطهَّرة، يرضى بها كلّ مؤمن ممَّن قد أخذ الله ميثاقه في الولاية ويكفر بها كلّ جاحد، وهو إمام تقي نقي سار مرضي، هادٍ مهدي، يحكم بالعدل، ويأمر به، يصدّق الله عز وجل ويصدّقه في قوله)(٤١٠).
الأمر بطاعته واتّباعه:
يأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام المسلمين بالإيمان بالإمام المهدي والاعتقاد بغيبته وخروجه، ويأمرونهم بانتظاره وترقّب دولته عند قيامه، وعدم التشكيك بحقيقة وجوده حيث يوصلهم هذا الإنكار إلى الكفر، وقد وردت أحاديث مستفيضة بهذا الخصوص تأمر بهذا الاعتقاد وهذه الإطاعة وتلزم المؤمنين بمناصرته عند ظهوره، ولم يسبق أن قرأنا أحاديث بهذه الكثرة تأمر بإطاعة أحدٍ من آبائه وأجداده عليهم السلام، وهذا دليل على عظيم خطره وأهمّية المهمّة الملقاة على عاتقه والتي ينهض بها في نشر شريعة السماء على ربوع المعمورة.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما اُنزل على محمّد)(٤١١)، وعن الباقر عليه السلام قال: (إذا قام مهدينا أهل البيت قسَّم بالسوية، وعدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله)(٤١٢).
وهذا الحديث والحديث الذي سبقه إنَّما يدلاَّن على عظيم المهمّة التي ينهض بها، فليس التشكيك به إلاَّ الكفر والضلال، وليس الطاعة له إلاَّ طاعة لله سبحانه، كما قال الباقر عليه السلام: (من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله قيام قائمنا، فمن شكَّ فيما أقول لقي الله عز وجل وهو به كافر _ أي بالله _ وله جاحد)(٤١٣).
وقد دعا الإمام الرضا عليه السلام بدعائه المعروف ليؤكّد هذه الحقيقة من الطاعة للإمام والمسارعة لنصرته، قال عليه السلام: (اللّهُمَّ اسْلُكْ بِنا عَلى يَدَيْهِ مِنْهاجَ الهُدى، وَالمَحَجَّةَ العُظْمى، وَالطَّريقَةَ الوُسْطى الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْها الغالِي وَيَلْحَقُ بِها التَّالِي، وَقَوَّنا عَلى طاعَتِهِ، وَثَبَّتْنا عَلى مُشايَعَتِهِ، وَامْنُنْ عَلَيْنا بِمُتابَعَتِهِ)(٤١٤).
وفي أقوال أبي محمّد العسكري عليه السلام قوَّة واضحة على كفر من أنكر ولده، يقول: (كأنّي بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف منّي، أمَا إنَّ المقرّ بالأئمّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنكر لولدي كمن أقرَّ بجميع أنبياء الله ورسله ثمّ أنكر نبوَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمنكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كمن أنكر جميع أنبياء الله، لأنَّ طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا)(٤١٥).
كما أمر بإطاعة ولده المهدي عليه السلام، قال بعض أصحابه: عرض علينا أبو محمّد الحسن بن علي عليهما السلام ابنه ونحن في منزله وكنّا أربعين رجلاً فقال: (هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرَّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا)(٤١٦).
كما أراد عليه السلام ترسيخ الاعتقاد بولده المهدي ونفي التشكيك بحقيقته فقال وقد سُئل عن الحجّة من بعده: (ابني محمّد هو الإمام والحجّة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية)(٤١٧).
هذه التأكيدات بكفر المنكرين له والمشكّكين بحقيقته تؤكّد وجوب طاعته ومناصرته والاعتقاد به في جميع مراحل حياته من الولادة إلى الظهور المبارك.
إفدائه بالأب والاُمّ والبكاء شوقاً إليه:
إنَّ المنزلة العظيمة للإمام المهدي عليه السلام عند جدّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآبائه الطاهرين عليهم السلام تبدو واضحة في أحاديثهم وأقوالهم الشريفة، وقد استحقَّ هذه الأقوال وتلك المنزلة كونه الذي على يديه تتحقَّق الإرادة الإلهية في الأرض وتُطبَّق شريعة الإسلام في المعمورة بما لم يقم به قبله نبيّ أو وصيّ، وتبدو هذه المنزلة واضحة في الإرادة الإلهية بنصره، يقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (يخرج _ أي المهدي _ وجبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وشعيب بن صالح على مقدمته)(٤١٨)، ويقول الإمام الصادق عليه السلام في حديثه للمفضَّل بن عمر: (فيكون أوّل من يُقبّل يده جبرئيل عليه السلام، ثمّ يبايعه وتبايعه الملائكة ونجباء الجنّ...)(٤١٩).
هذه المنزلة العظيمة جعلت أهل البيت عليهم السلام يتوقون شوقاً إليه، ويعبّرون عن هذا الشوق بأرقّ العبارات والعبرات عند ذكر اسمه، فيبكون ويندبون ويعبّرون عمَّا يكنّونه من شوق إلى ولدهم بشتّى الوسائل، ويفدونه بالأب والاُمّ، ويتمنّون مناصرته في دولته والانضواء تحت لوائه، بل وحتَّى خدمته عند ظهوره.
وإذا استقرأنا أقوالهم عليهم السلام نجدها طافحة بهذه العبارات وتلك الأفعال، فالإمام أمير المؤمنين عليه السلام يفديه بأبيه ويقول حينما سأله عمر عن المهدي: (بأبي ابن خيرة الإماء)(٤٢٠)، وأبوه من نعرف قدره فهو كافل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومؤمن قريش، ومن ضحّى من أجل الرسالة بما يملك.
وفي موضع آخر بعد أن يصف الإمام ولده المهدي عليه السلام يقول الراوي: ثمّ قال: (هاه _ وأومأ بيده إلى صدره شوقاً إلى رؤيته _)(٤٢١).
ويبيّن عليه السلام شدَّة وجده لولده المهدي في الرواية التالية: عن ابن أبي جحيفة السوائي، والحرث بن عبد الله الجارثي الهمداني، والحرث بن شرب كلّ حدَّثنا أنَّهم كانوا عند علي بن أبي طالب عليه السلام فكان إذا أقبل ابنه الحسن عليه السلام يقول: (مرحباً يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا أقبل الحسين يقول: (بأبي أنت واُمّي يا أبا ابن خير الإماء)، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما بالك تقول هذا للحسن وهذا للحسين؟ ومن ابن خيرة الإماء؟ فقال: (ذلك الفقيد الطريد الشريد محمّد بن الحسن بن علي...)(٤٢٢).
أمَّا إمامنا الباقر عليه السلام فقد فداه باُمّه وأبيه، وهو ابن علي السجّاد زين العابدين المعروف في زهده وورعه وعلمه، وما ذلك إلاَّ لعظيم مكانة ولده المهدي، يقول أبو جعفر عليه السلام عند ذكره: (بأبي واُمّي المسمّى باسمي، والمكنّى بكنيتي، السابع من ولدي)(٤٢٣).
وذهب إمامنا الصادق عليه السلام إلى أبعد من ذلك فكان يتمنّى خدمته إن أدركه، والصادق هو الذي نشر مذهب أهل البيت وأقام مدرسة الكوفة التي شوهد فيها تسعمائة شيخ كلّ يقول: (حدَّثني جعفر بن محمّد)(٤٢٤)، هذا الإمام المعصوم يقول عندما سُئل: هل وُلد القائم؟ قال: (لا، ولو أدركته لخدمته أيّام حياتي)(٤٢٥).
فهو يتمنّى أن يقضي حياته في خدمته بما للخدمة من معاني ومهام يؤدّيها في طاعة المخدوم لنيل رضاه.
وعن سدير الصيرفي، قال: دخلت أنا والمفضَّل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام فرأيناه جالساً على التراب، وعليه مسح خيبري، مطوق بلا جيب، مقصّر الكمّين، وهو يبكي بكاء الوالهة الثكلى، ذات الكبد الحرّى، قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغيير في عارضيه، وأبلى الدموع محجريه، وهو يقول: سيّدي غيبتك نفت رقادي، وضيَّقت عليَّ مهادي، وابتزَّت منّي راحة فؤادي...)(٤٢٦)، وهو يقصد المهدي من ولده عليه السلام.
ويقول عليه السلام في دعاء العهد المأثور عنه: (اللّهُمَّ بَلّغْ مَوْلانا الإمام الهادِيَ المَهْدِيَّ، القائِمَ بِأمْركَ، صَلواتُ الله عَلَيْهِ وَعَلى آبائِهِ الطَّاهِرينَ...)، ثمّ يقول: (اللّهُمَّ إِنّي اُجَدَّدُ لَهُ فِي صَبيحةِ يَوْمِي هذا، وَما عِشْتُ مِنْ أيّامِي، عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً لَهُ فِي عُنُقِي، لا أحُولُ عَنْها وَلا أزُولُ أبَداً، اللّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أنْصارِهِ وَأعْوانِهِ، وَالذَّابَّينَ عَنْهُ، وَالمُسارِعِينَ إِلَيْهِ فِي قَضاء حَوائِجِهِ، وَالمُمْتَثِلِينَ لأوامِرهِ، وَالمُحامِينَ عَنْهُ، وَالسَّابِقِينَ إِلى إِرادَتِهِ وَالمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ)(٤٢٧)، فأيّ دعوات هذه التي يدعوها الإمام ليكون جندياً مطيعاً في جيشه!؟
وقد رأينا الإمام الرضا عليه السلام يبكي بكاءً شديداً عند ذكر اسمه شوقاً إليه، فقد ورد أنَّه لمَّا قرأ دعبل الخزاعي قصيدته التائية أمام الرضا عليه السلام ووصل إلى هذين البيتين:

خروج إمام لا محالة خارج * * * يقوم على اسم الله والبركاتِ
يميّز فينا كلّ حقّ وباطل * * * ويجزي على النعماء والنقماتِ

بكى الإمام الرضا عليه السلام بكاءً شديداً ثمّ رفع رأسه وقال: (يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين)(٤٢٨).
ويضيف عبد الرضا محمّد الأوالي في كتابه (مؤجّج الأحزان في وفاة غريب خراسان) قائلاً: (فلمَّا سمع الإمام _ أي الرضا عليه السلام _ ذلك قام قائماً على قديمه، وطأطأ رأسه منحنياً به إلى الأرض، بعد أن وضع كفّه اليمنى على هامته وقال: اللّهمّ عجّل فرجه، وسهّل مخرجه، وانصرنا به نصراً عزيزاً...)(٤٢٩).
هذا القيام ووضع اليد على الرأس من قبل إمام معصوم _ الذي ورثناه عنه اليوم _ لهو من أجلّ وأعظم علامات التبجيل والتكريم له عليه السلام.
وعن الحسن بن محبوب، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال:... ثمّ قال عليه السلام: (بأبي واُمّي سميّ جدّي صلى الله عليه وآله وسلم، وشبيهي وشبيه موسى بن عمران عليه السلام، عليه جيوب النور، يتوقَّد من شعاع ضياء القدس، يحزن لموته أهل الأرض والسماء، كم من حرّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسف حرّان حزين عند فقدان الماء المعين...)(٤٣٠).
ثمّ نرى الإمام الجواد عليه السلام يبكي شوقاً إليه فعندما قال: (إنَّ الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعتي طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن...)، ثمّ بكى بكاءً شديداً، ثمّ قال: (إنَّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحقّ المنتظر)(٤٣١).
أمَّا والده الإمام العسكري عليه السلام فله مواقف مشهودة وأقوال مأثورة في تعظيم ولده الإمام الحجة عليه السلام حتَّى أنَّه يشكر الله سبحانه أن أبقاه ولم يخرجه من الدنيا حتَّى أراه ابنه القائم فيقول: (الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتَّى أراني الخلف من بعدي)(٤٣٢).
ذكر معاجزه وما يحقّقه في دولته:
من أوجه تعظيم الإمام المهدي عليه السلام وذكر سموّ منزلته وعلوّ همَّته ومكانته العالية بين أئمّة أهل البيت عليهم السلام ما تؤكّده الروايات التي تصف جهاده من أجل قيام دولته المباركة، وذكر المعاجز والكرامات التي وهبها الله سبحانه له في مقارعته الظالمين وتنقّلاته ومراسلاته لتطبيق هدفه السامي، فقد ورد عن حذيفة بن اليمان، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (المهدي من ولدي، وجهه كالقمر الدرّي...، يرضى بخلافته أهل السماوات والأرض والطير في الجوّ)(٤٣٣).
وهل رضي أهل الأرض بخلافة أحد منذ بدء الخليقة!؟ وأكبر دليل على هذه المنزلة العظيمة نزول المسيح عليه السلام من السماء وصلاته خلف الإمام عليه السلام، قال الرضا عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم عليه السلام فصلّي خلفه)(٤٣٤).
ويؤكّد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ المهدي سيقاتل على التأويل بعد أن قاتل هو صلى الله عليه وآله وسلم على التنزيل، وهي مهمّة صعبة وشاقّة لما يلقاه فيها الإمام من أناس يدَّعون الإسلام والعلم بالقرآن وهو منهم براء، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ويقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل)(٤٣٥).
ومن النُعوت العظيمة التي وصف الجليل سبحانه عبده المهدي عند عروج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء هو: (... وبالقائم منكم اُعمّر أرضي، بتسبيحي وتهليلي وتقديسي وتكبيري وتمجيدي، وبه اُطهّر الأرض من أعدائي واُورثها أوليائي، وبه أجعل كلمة الذين كفروا بي السفلى وكلمتي العليا، وبه اُحيي عبادي وبلادي بعلمي، وله أظهر الكنوز والذخائر بمشيئتي)(٤٣٦).
ويسأل إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام عن الآية الكريمة: ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [الصفّ: ٩]: أظهر بعد ذلك؟)، قالوا: نعم، قال: (كلاَّ، فوَالذي نفسي بيده حتَّى لا تبقى قرية إلاَّ وينادى فيها بشهادة أن لا إله إلاَّ الله بكرةً وعشياً)(٤٣٧).
ويعد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أنَّ هذا الدين فتح بعلي بن أبي طالب، وستأتي بعده اُناس يغيّرونه ويحرّفونه فيفسد، ولا يصلحه إلاَّ ولده المهدي، فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ الله فتح هذا الدين بعلي، وإذا مات علي فسد الدين، ولا يصلحه إلاَّ المهدي بعده)(٤٣٨).
ويصف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام معاجز وكرامات ولده المهدي فيقول: (يأتي بذخيرة الأنبياء)(٤٣٩)، وما ذخيرة الأنبياء إلاَّ ما أمر الله به ولم ينفَّذ.
ويقول عليه السلام عنه أيضاً: (وَتُخْرجُ لَهُ الأرْضُ أفَالِيذَ كَبِدِهَا، وَتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا، فَيُريكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السَّيرَةِ، وَيُحْيِي مَيَّتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)(٤٤٠).
ويقول إمامنا الصادق عليه السلام وهو يصف الإحباط والفشل الذين يصيب الكافرين والمنافقين عند ظهوره: (فإذا خرج القائم عليه السلام لم يبقَ كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلاَّ كره خروجه)(٤٤١).
ويدعو الإمام الرضا عليه السلام له فيقول: (... وَاقْصِمْ بِهُ رُؤُوسَ الضَّلالَةِ، وَشارِعَةَ البِدَع، وَمُمِيتَةَ السُّنَّةِ، وَمُقَوَّيَةَ الباطِل، وَذَلّلْ بِهِ الجَبّارِينَ، وَأبِرْ بِهِ الكافِرينَ وَجَمِيعَ المُلْحِدِينَ فِي مَشارِقِ الأرْض وَمَغارِبِها)(٤٤٢).
ويصف الإمام الجواد عليه السلام بعض أحواله عند ظهوره فيقول: (... وهو الذي تطوي له الأرض، ويذلُّ له كلّ صعب)(٤٤٣).
ويفخر الإمام العسكري عليه السلام بدولة ولده المهدي عليه السلام فيقول: (فكأنّي أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة)(٤٤٤).

* * *
البحث الثالث: إشكالية الإمامة المبكّرة للإمام المهدي عليه السلام

ولد الإمام المهدي عليه السلام ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ)، وتوفّي والده الإمام العسكري عليه السلام في الثامن من ربيع الأوّل سنة (٢٦٠هـ)، فيكون عمره حين تولّى الإمامة أقلّ من خمس سنوات، وقد اُثيرت حول هذه النقطة الكثير من التساؤلات حول إمكانية اضطلاع صبي بمنصب الإمامة الإلهية، فقال جماعة: كيف يأتمّ الشيعة بصبي صغير عمره خمس سنوات؟ وكيف يسندون أمور دينهم إليه وهو لم يبلغ الحلم؟ وللردّ على هذه الشبهة يبحثها الموضوع تحت عنوانين، هما: الصعيد النظري، وصعيد الواقع العملي.
أوّلاً: الصعيد النظري:
ونبحث هذا الإشكال في النقاط التالية:
١ _ إنَّ الإشكال بصغر السنّ قد أبطله القرآن الكريم من خلال واقعتين أوردهما في محلّين مختلفين:
أ _ تحدَّث القرآن الكريم في سورة مريم عن تكلّم عيسى عليه السلام في المهد وبعثه من قِبَل الله نبيّاً وإتيانه الكتاب، وذلك في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ٣٠ وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) (مريم: ٣٠ و٣١)، وكان حينها رضيعاً له من العمر عدَّة أيّام.
ب _ أثبت الله تعالى ليحيى بن زكريا عليه السلام النبوّة والحكمة وهو ما يزال صبيّاً فقال: (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم: ١٢).
٢ _ يستند أئمّة الشيعة إلى الآيتين الكريمتين اللّتين تتحدَّثان عن نبوّة عيسى ويحيى عليهما السلام في صغر سنّهما في تولية الإمامة لمن هو صغير السنّ، فقد استند إليهما الإمام الباقر عليه السلام، فعن يزيد الكناسي، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: أكان عيسى بن مريم حين تكلَّم في المهد حجّة الله على أهل زمانه؟ فقال: (كان يومئذٍ نبيّاً حجّة الله غير مرسل، أمَا تسمع قوله حين قال: (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ٣٠ وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) [مريم: ٣٠ و٣١]؟)، قلتُ: فكان يومئذٍ حجّة لله على زكريا في تلك الحال وهو في المهد؟ فقال: (كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلَّم، فعبَّر عنها، وكان نبيّاً حجّةً على من سمع كلامه في تلك الحال، ثمّ صمت فلم يتكلَّم حتَّى مضيت له سنتان، وكان زكريا الحجّة لله عز وجل على الناس بعد صمت عيسى بسنتين، ثمّ مات زكريا فورث ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير، أمَا تسمع لقوله عز وجل: (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم: ١٢]؟...)(٤٤٥).
وكذلك احتجَّ بهذه الآية الإمام الرضا عليه السلام، فعن صفوان بن يحيى، قال: قلت للرضا عليه السلام: قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر عليه السلام، فكنت تقول: (يهب الله لي غلاماً)، فقد وهب الله لك فقرَّ عيوننا، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر _ أي الجواد _ عليه السلام وهو قائم بين يديه، فقلت: جُعلت فداك، هذا ابن ثلاث سنين!؟ قال: (وما يضرّه من ذلك شيء، قد قام عيسى عليه السلام بالحجّة وهو ابن ثلاث سنين)(٤٤٦).
وعن بعض الأصحاب، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، قال: قلت له: إنَّهم يقولون في حداثة سنّك، فقال: (إنَّ الله تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان وهو صبي يرعى الغنم)(٤٤٧).
٣ _ قرن أئمّة أهل البيت عليهم السلام الإمامة بالنبوّة من حيث جواز أن يُكلَّف أحد الأنبياء أو الأوصياء بها في مثل هذا السنّ، فقد روي عن الكليني بإسناده عن علي بن أسباط، قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام وقد خرج عليَّ...، إلى أن قال _ والكلام للإمام عليه السلام _: (إنَّ الله احتجَّ في الإمامة بمثل ما احتجَّ في النبوّة فقال: (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم: ١٢]...، فقد يجوز أن يُؤتى الحكمة وهو صبي)(٤٤٨).
٤ _ تساءل علماؤنا الذين عاصروا الأئمّة المعصومين عليهم السلام عن هذا السنّ المبكّرة، واستفهموا منهم عليهم السلام حولها، فهذا أحدهم يسأل الإمام الجواد عليه السلام كما في الرواية التي رواها العياشي عن علي بن أسباط، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، قال: قلت: جُعلت فداك، إنَّهم يقولون في الحداثة، قال: (وأيّ شيء يقولون؟ إنَّ الله تعالى يقول: (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف: ١٠٨]، فوَالله ما كان اتَّبعه إلاَّ علي عليه السلام وهو ابن سبع سنين، ومضى أبي وأنا ابن تسع سنين...)(٤٤٩)، وكذلك جاءت هذه المساءلة مع الإمام الباقر عليه السلام، فعن أبي الجارود، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنَّه سمعه يقول: (الأمر في أصغرنا سنّاً وأخملنا ذكراً)(٤٥٠).
٥ _ ورد في أحاديث عن علماء السُنّة ما يثبت ذلك، قال ابن حجر الهيثمي في صواعقه عند ذكر الإمام الحسن العسكري عليه السلام: (ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة...)(٤٥١).
٦ _ إنَّ هذه السنّ ليست بعيدة عن السنّ التي قام بالإمامة فيها جدّه الأعلى محمّد الجواد عليه السلام، ثمّ جدّه الأدنى علي الهادي عليه السلام، فالأوّل اضطلع بالإمامة وهو في الثامنة لأنَّه وُلد في سنة (١٩٥هـ) وتوفّي والده الرضا عليه السلام في سنة (٢٠٣هـ)، ولم يغب عن المجتمع، وقد اختبره المأمون، ودمغ قاضي القضاة يحيى بن أكثم الذي تصدّى لامتحانه ومن معه بما أذلَّهم وأخزاهم. كما ولد الهادي عليه السلام سنة (٢١٢هـ) واضطلع بالإمامة سنة (٢٢٠هـ)، فعمره ثماني سنوات، وشأنه شأن أبيه(٤٥٢).
وهذا ما أوجزه الشيخ المفيد بالقول: (وكان سنّه عند وفاة أبي محمّد خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة وفضل الخطاب، وجعله آية للعالمين، وآتاه الحكمة كما آتاها يحيى صبيّاً، وجعله إماماً في حال الطفولية الظاهرة كما جعل عيسى بن مريم عليه السلام في المهد نبيّاً، وقد سبق النصُّ عليه في ملَّة الإسلام من نبيّ الهدى عليه السلام)(٤٥٣).
ثانياً: صعيد الواقع العملي:
وأمَّا إذا عدنا إلى أرض الواقع لنستقرئ التاريخ والحوادث التي وقعت في بدايات حياة الإمام الحجّة عليه السلام فإنَّنا نرى وبما لا يقبل الشكّ إماماً كامل الأهلية من خلال ما قام به من أعمال وما أصدره من أوامر، ونبحث هذا الدليل بما يأتي:
١ _ لا يمنع الدليل القائم على التجربة الحسّية ظهور بعض المواهب والقابليات الخارقة للعادة، وقد أفرد بعضهم باباً خاصّاً للموهوبين الذين أثبت العلم قابلياتهم وقدراتهم الفائقة وهم لا يزالون صغاراً، وقال الكاتب معقّباً: (إنَّ وقوع ما يجاوز المستويات المعروفة في الذكاء والقدرة على الاستيعاب بالصورة التي يرى فيها الأمر خارقاً للعادة بالمقاييس العلمية في عدد من الأطفال يصحُّ إشارة إلى تلك المواهب الإعجازية الأسمى التي لا يشارك الرسل والأئمّة فيها أحد بحكم وظيفتهم كإنسان معبّر عن الله تعالى)(٤٥٤).
٢ _ لقد اضطلع الإمام المهدي بأعباء الإمامة فعلاً وهو بهذه السنّ، وقد أصدر خلال توقيعاته وإجاباته إلى وكلائه الكثير من الأوامر التي أخذوها عنه وسلَّموا بها وأرسلوها إلى شيعتهم في بقاع الأرض، وهم علماء كبار من علماء الأمّة عرفوا بجلالة قدرهم علماً وعملاً، ولا تجد الناس حرجاً في مراجعتهم والأخذ عنهم طيلة فترة الغيبة الصغرى، وقد ظهرت لهم معجزات تكفي للدلالة على إمامته، وكمثال على ذلك: استقبل الإمام المهدي وفداً من القمّيين الذين جاؤوا عند وفاة الإمام العسكري ورفضوا تسليم الحقوق إلى أخيه جعفر في رواية طويلة موضع الشاهد منها: (... فلمَّا أن خرجوا من البلد خرج إليهم غلام أحسن الناس وجهاً كأنَّه خادم، فناداى: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أجيبوا مولاكم، قال: فقالوا: أنت مولانا؟ قال: معاذ الله، أنا عبد مولاكم. قال: فسرنا معه حتَّى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي عليهما السلام فإذا ولده القائم سيّدنا عليه السلام قاعد على سرير كأنَّه فلقة قمر، عليه ثياب خضر، فسلَّمنا عليه فردَّ علينا السلام، ثمّ قال: (جملة المال كذا وكذا ديناراً، حمل فلان كذا، وحمل فلان كذا)، ولم يزل يصف حتَّى وصف الجميع، ثمّ وصف ثيابنا ورحالنا وما كان معنا من الدواب، فخررنا سُجَّداً لله عز وجل شكراً لما عرفنا، وقبَّلنا الأرض بين يديه، وسألناه عمَّا أردنا، فأجاب، فحملنا إليه الأموال، وأمرنا القائم عليه السلام أن لا نحمل إلى سُرَّ من رأى بعدها شيئاً من المال، فإنَّه ينصب لنا ببغداد رجلاً يحمل إليه الأموال ويخرج من عنده التوقيعات)(٤٥٥).
٣ _ عند وفاة أبيه الحسن العسكري عليه السلام في الثامن من ربيع الأوّل سنة (٢٦٠هـ) تجمَّع الشيعة في داره وانتظروا من يصلّي عليه وكان معهم من أركان الدولة العبّاسية وقادة الجند وعلية القوم، فلمَّا قام جعفر بن علي ليصلّي عليه أمام الناس ظهر الإمام بخطوات ثابتة، رابط الجأش، قوي العزيمة، وهو يعلم أنَّه مطلوب للدولة، وجذب عمّه جانباً ووقف بنفسه ليؤمّ الناس مصلّياً على جثمان أبيه(٤٥٦)، وهو ما دعا المعتمد إلى إصدار أمره بالهجوم على بيت الإمام العسكري عليه السلام.
٤ _ ومن خلال الواقع العملي أيضاً فإنَّنا نجد أنَّ الإمام الحسن العسكري عليه السلام قد أوصى لولده الإمام الحجّة عليه السلام وهو صبي بأنَّه هو الإمام المنتظر، وهو يعلم ما يمتلكه ولده بهذا العمر من القابلية على الاضطلاع بأعباء الإمامة، قال العسكري عليه السلام قبيل وفاته: (ابشر يا بني، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجّة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيّي...، وأنت خاتم الأئمّة الطاهرين)(٤٥٧).
ونختم البحث بهذه الكلمات، فأيّة غرابة في أن يصطفي الله تعالى من خلقه لهدي الناس وإرشادهم أفراداً يؤتيهم المواهب بصورة أسمى من كلّ ناحية، مع خصوصية في المكانة منه تعالى!؟ وإذا كان من يتَّصل بأولئك روح بشرية متوفّاة أو روح سفلى فإنَّ من يتَّصل بهؤلاء من الرسل وأوصيائهم ملك قدسي يحمل معرفة حقّة، وقد جاء عنهم أنَّ من علمهم ما هو قذف في القلوب ونقر في الأسماع(٤٥٨).

* * *
البحث الرابع: إشكالية طول عمر الإمام المهدي عليه السلام

يعتقد الشيعة الإمامية بالإمامة كأصل من أصول الدين عندهم، ويستندون إلى العديد من الآيات القرآنية التي تدلُّ على أنَّ الله سبحانه جعل في كلّ زمانٍ خليفة في الأرض لكي لا تخلو الأرض من حجة بعد الرسل، ولكي لا يقول الناس: (لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) (طه: ١٣٤).
وعن هذه العقيدة يقول السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره:
(الإمامة إمتداد روحي وعقائدي للنبوّة ووريثٌ لرسالة السماء، وقد مارست باستمرار دورها في تصحيح مسار دولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإعادتها إلى طريقها النبوي الصحيح، وقدَّم الأئمّة عليهم السلام في هذا السبيل زخماً هائلاً من التضحيات)(٤٥٩).
ويقول أيضاً: (إنَّ النبيّ والإمام معيّنان من الله تعالى تعييناً شخصياً)(٤٦٠).
والإمام يجب أن يكون معصوماً أي مجسّداً للرسالة بقيمها وأحكامها في كلّ سلوكه وأفكاره ومشاعره، ولا بدَّ أن تكون هذه النظافة مطلقة متوفّرة قبل تسلّمه للنبوّة والإمامة لأنَّ النبوّة والإمامة عهد ربّاني إلى الشخص، قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: ١٢٤)، والإمام كالنبيّ شهيد وخليفة لله في الأرض من أجل أن يواصل الحفاظ على الرسالة وتحقيق أهدافها(٤٦١).
وعضدت تلك الآيات أحاديث شريفة عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم متواترة سنداً ومتناً يُفصح عن خلفائه من بعده ويُعدّد أسماءهم، رواها علماء ومحدّثون من كلا المدرستين نأخذ منها ثلاثة أحاديث على سبيل المثال:
١ _ عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم أنت يا علي وآخرهم القائم الذي يفتح الله عز وجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها)(٤٦٢).
٢ _ عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا سيّد النبيّين، وعلي بن أبي طالب سيّد الوصيّين، وإنَّ أوصيائي بعدي اثنا عشر أوّلهم علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم)(٤٦٣).
٣ _ عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا جابر إنَّ أوصيائي وأئمّة المسلمين من بعدي أوّلهم علي، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ محمّد بن علي المعروف بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام، ثمّ جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علي بن موسى، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ علي بن محمّد، ثمّ الحسن بن علي، ثمّ القائم اسمه اسمي وكنيته كنيتي محمّد بن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله تبارك وتعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت على القول بإمامته إلاَّ من امتحن الله قلبه للإيمان)(٤٦٤).
وقد وردت آيات من القرآن الكريم تدلُّ على أنَّ الله سبحانه قد وعد أولياءه المؤمنين بأن يستخلفهم في الأرض لينشروا رسالة الإسلام في ربوع المعمورة، ومن هذه الآيات، قوله تعالى:
١ _ (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) (القصص: ٥).
٢ _ (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ) (النور: ٥٥).
٣ _ (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥).
وقد صرَّح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام أنَّ هذا الوعد الإلهي سيتحقَّق على يد الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت الذي هو الحجّة بن الحسن المهدي عليه السلام، ومن أحاديثه صلى الله عليه وآله وسلم:
١ _ عن الحسين عليه السلام، قال: (دخلت أنا وأخي على جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأجلسني على فخذه، وأجلس أخي الحسن على فخذه الأخرى، ثمّ قبَّلنا فقال: بأبي أنتما من إمامين صالحين اختاركما الله منّي، ومن أبيكما واُمّكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمّة تاسعهم قائمهم...)(٤٦٥).
٢ _ وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)(٤٦٦).
٣ _ عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، فذلك هو المهدي)(٤٦٧).
ثمّ توالت الروايات عن الأئمّة عليهم السلام يتحدَّثون عن ولدهم المهدي وأنَّه هو الذي يخرج في آخر الزمان ليقيم حكم الله في الأرض، ومن تلك الروايات:
١ _ قال أمير المؤمنين عليه السلام: (للقائم منّا غيبة أمدها طويل)(٤٦٨).
٢ _ وقال الحسن عليه السلام: (ذلك _ أي القائم عليه السلام _ التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيّدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثمّ يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة...)(٤٦٩).
٣ _ وقال الإمام الحسين عليه السلام: (قائم هذه الأمّة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يقسّم ميراثه وهو حيّ)(٤٧٠).
٤ _ وقال علي بن الحسين عليه السلام: (تمتدُّ الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله والأئمّة بعده)(٤٧١).
٥ _ وقال الإمام الباقر عليه السلام: (المهدي من هذه العترة تكون له حيرة وغيبة)(٤٧٢).
٦ _ وقال الإمام الصادق عليه السلام: (الإمام من بعدي ابني موسى، والخلف المأمول المنتظر (م ح م د) ابن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى)(٤٧٣).
٧ _ وقال الإمام الكاظم عليه السلام: (إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم)(٤٧٤).
٨ _ وقال الرضا عليه السلام وقد قيل له: يا ابن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: (الرابع من ولدي ابن سيّدة الإماء، يطهّر الله به الأرض من كلّ جور، ويقدّسها من كلّ ظلم، وهو الذي يشكُّ الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه...)(٤٧٥).
٩ _ وقال الإمام الجواد عليه السلام: (إنَّ الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه)، ثمّ سكت. فقلت له: يا ابن رسول الله فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكى عليه السلام بكاءاً شديداً، ثمّ قال: (إنَّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحقّ المنتظر)(٤٧٦).
١٠ _ وقال الإمام الهادي عليه السلام: (إنَّ الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٤٧٧).
١١ _ وقال أحمد بن إسحاق:... فقلت له _ أي العسكري عليه السلام _: يا ابن رسول الله فمن الإمام والخليفة من بعدك؟ فنهض عليه السلام مسرعاً فدخل البيت ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء الثلاث سنين، فقال: (يا أحمد بن إسحاق لولا كرامتك على الله عز وجل، وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنَّه سميّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٤٧٨).
فالأحاديث تؤكّد أنَّ الذي تتطلَّع إليه البشرية لينقذها من الظلم والتسلّط هو الإمام محمّد بن الحسن العسكري الثاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهم السلام.
وفعلاً فقد وُلد الإمام المهدي عليه السلام ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ)، فعَقَّ عنه الإمام الحسن عليه السلام ووزَّع اللحم والخبز على الفقراء وكتب إلى ثقاة أصحابه في الأمصار وعرضه على المخلصين منهم وبلغ عددُ من رآه في حياة أبيه (٢٦٢) شخصاً كما أحصى ذلك السيّد البحراني في كتابه (تبصرة الولي)، وكذلك ذكرهم صاحب كتاب (غاية المرام فيمن شاهد الإمام)، وكان آخرُ مرَّة شوهد فيها حينما صلّى على جنازة أبيه وهو مسجّى في صحن الدار وأمام الملأ ثمّ غاب عن الأنظار مدَّة سبعين عاماً يتَّصل فيها بشيعته عن طريق سفرائه في بغداد حتَّى انقطعت السفارة بوفاة السفير الرابع سنة (٣٢٩هـ) ووقعت الغيبة الكبرى التامّة حتَّى يأذن الله بالظهور.
هذه نبذة مختصرة من حياة الإمام المهدي عليه السلام وبيان عقيدتنا فيه كما رسمها القرآن الكريم وأفصح عنها النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأوصياؤه الطاهرون عليهم السلام.
ولرُبَّ سائل يسأل: لقد بلغَ عمر الإمام عليه السلام الآن (١١٧٦) عاماً وهو خارج عن السنن الطبيعية لبني البشر فكيف يتأتّى لشخص أن يعيش كلّ هذه السنين ولرُبَّما تطول مدَّةُ غيبته لأكثر منها؟
إنَّ الأدلَّة على بقاء الإمام المهدي عليه السلام حيّاً طيلة هذه المدَّة كثيرة نستطيع تلخيصها في الفقرات التالية:
أوّلاً: الدليل الديني من القرآن والسُنّة:
يقول الأستاذ الدكتور محمّد حسين الصغير في كتابه الإمام المهدي المنتظر (ص ٨١):
(المفروض لمن آمن بالله ورسوله الإيمان بما قام على صحَّته البرهان والرجوع إلى ما شرَّعه الإسلام في نصوص القرآن الكريم من التحدّث عن أنباء الغيب والإفادة بما أبقته الأحاديث الشريفة من آثار تدعم هذا الاعتقاد، فقد آمن المسلمون بقيام الكائن الملائكي بمهمّاته المتعدّدة وآمنوا بنطق المسيح في المهد وبعث يحيى صبياً، وآمنوا بثعبان موسى ويده البيضاء، وآمنوا ببقاء أهل الكهف (٣٠٩) سنة نياماً ثمّ بعثوا من جديد، وآمنوا بعروج عيسى إلى السماء، إلى غير ذلك من المغيّبات، والكتاب والسُنّة هما مصدر التشريع لدى المسلمين وليس لمسلم إنكار ذلك ولا ردُّ ما ورد بهما).
ويضيف السيّد محمّد جمال الهامشي قائلاً: (الحقيقة أنَّ موضوع الإمام الغائب من مواضيع الدين الغيبية المستورة عن وعلي الفكر البشري لا يعلمها إلاَّ الله الخبير البصير بكلّ الأمور)(٤٧٩).
ولنرجع إلى القرآن الكريم لنجد الأمثلة شاخصة في كتاب الله على طول عمر العديد من الأشخاص أفصحت عنهم الآيات القرآنية، ومنهم:
١ _ نبيّ الله نوح عليه السلام، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ) (العنكبوت: ١٤).
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنَّه عاش (٢٣٠٠) سنة منها قبل البعثة وفي البعثة وبعد الطوفان.
٢ _ النبيّ عيسى عليه السلام حيث أخبرت الآيات بحياته إلى الآن، قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ١٥٧ بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (النساء: ١٥٧ و١٥٨).
٣ _ النبيّ يونس عليه السلام، قال الله تعالى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ١٣٩ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ١٤٠ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ١٤١ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ١٤٢ فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (الصافّات: ١٣٩ _ ١٤٤).
واللبث هو البقاء على قيد الحياة، وهي إشارة إلى بقائه وبقاء الحوت إلى يوم القيامة على حالهما، وهو أمر يحتاج من المسلم المنصف أن يفكّر فيه جيّداً، فالآية تثبت إمكانية البقاء حيّاً وإمكانية الاختفاء مع كونه نبيّاً مرسلاً لم تسقط نبوَّته.
٤ _ الخضر عليه السلام، حيث تؤكّد روايات وأحاديث الفِرَق الإسلاميّة أنَّه حيّ قبل زمان موسى عليه السلام إلى أن يخرج مع الإمام المهدي عليه السلام في دولته.
يقول الإمام الصادق عليه السلام: (... وأمَّا العبد الصالح _ أعني الخضر عليه السلام _ فإنَّ الله تبارك وتعالى ما طوَّل عمره لنبوَّة قدَّرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بل إنَّ الله تبارك وتعالى لمَّا كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائم عليه السلام في أيّام غيبته ما يقدّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوَّل عمر العبد الصالح في غير سبب...)(٤٨٠).
٤ _ أصحاب الكهف، قال تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) (الكهف: ٢٥).
٥ _ إبليس الذي قال لربّه: (رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ٣٦ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ٣٧ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (الحجر: ٣٦ _ ٣٨).
كلّ أولئك الأشخاص وغيرهم ممَّن ذكرهم القرآن الكريم عاشوا مدداً طويلة بلا شكّ هي أطول من عمر الإمام المهدي وبذلك بقدرة الله سبحانه، ولا تتوقَّف تلك القدرة عن إطالة عمر وليًّ ادَّخره الله لانقاذ العالم ونشر شريعة السماء في الأرض.
ثمّ إنَّنا نستقرئ الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكّد على ذلك البقاء وتلك الحياة، نأخذ منها على سبيل المثال:
١ _ حديث الثقلين، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، وإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض)(٤٨١).
والحديث صريح في النقاط التالية:
أ _ أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يترك خليفتين بعده هما: كتاب الله والعترة لهداية الأمّة.
ب _ أنَّهما باقيان لن يفترقا عن بعضهما إلى يوم القيامة.
جـ _ أنَّ الرسول ينصُّ على أنَّ التمسّك بهما يعصم الأمّة من الضلالة.
يقول الشيخ محمّد مهدي الآصفي: (والخلاصة من هذا الحديث أنَّ الله تعالى لم يطلعنا على أسرار غيبه إلاَّ القليل، وما عرفناه منه قد أخبرنا به الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم ببقاء حجّةٍ من أهل بيته في الناس على وجه الأرض إلى يوم القيامة، فنتعبَّد بحديثه ونحيل علم ما لا نعلم إلى من يعلم)(٤٨٢).
٢ _ حديثه صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليةً)(٤٨٣)، ورواه أحمد في مسنده: (من مات بغير إمام مات ميتةً جاهليةً)(٤٨٤)، ورواه الحاكم في المستدرك: (من مات وليس عليه إمام جماعة فإنَّ موتته موتة جاهليةً)(٤٨٥)، ورواه ثقاة أصحابنا، وهو يدلُّ على الآتي:
أ _ أنَّ الأرض لا تصلحُ إلاَّ بإمام.
ب _ لا بدَّ في كلّ زمان أن يعرف المسلم إمام زمانه ومعرفته دين والجهل به جاهلية.
جـ _ من يمت وليس في عنقه بيعةٌ لإمام زمانه مات ميتةً جاهليةً.
د _ لا بدَّ أن يكون في كلّ زمان إمام تجب طاعته.
هـ _ إنَّ التفسير الوحيد لهذه الرواية هو ما تعرفه الإمامية وتعتقد به في استمرار الإمامة في أهل البيت منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليوم وعدم انقطاعها بوفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام وإنَّما هي متَّصلة ببقاء ولده المهدي عليه السلام.
٣ _ حديثه صلى الله عليه وآله وسلم: (الأئمّة بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش)(٤٨٦)، وقد مرَّ ذكره.
٤ _ حديث الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (لاَ تَخْلُو الأرْضُ مِنْ قَائِم لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيَّنَاتُهُ)(٤٨٧)، وهو واضح الدلالة على بقاء الإمام المهدي عليه السلام الغائب طيلة هذه الفترة.
أمَّا على الصعيد التاريخي، فقد تحدَّثت كتب التاريخ عن اُناس عاشوا فتراتٍ طويلة من السنين، وألَّف السجستاني كتاباً أسماه (المعمّرون)، ومنهم:
١ _ عوج بن عناق، عمَّر (٣٦٠٠) سنة.
٢ _ ذو القرنين، عمَّر (٢٠٠٠) سنة.
٣ _ لقمان الحكيم بن عاد، عمَّر (٣٥٠٠) سنة.
٤ _ ملك فارس الذي أحدث عيد النوروز، عمَّر (٢٥٠٠) سنة.
٥ _ أكثم بن صيفي، عمَّر (٣٨٠) سنة.
٦ _ قس بن ساعدة الأبادي، عمَّر (٦٠٠) سنة.
٧ _ سلمان الفارسي، عمَّر (٣٥٠) سنة.
وذكر الكثير غيرهم الشيخ المفيد في كتابه المسائل العشر في الإمام المنتظر (ص ٨٨)، فليراجع.
هذا هو الدليل الديني الذي يعتمد على الغيب، وإنَّنا ملزمون بالإيمان بالغيب كما في قوله تعالى: (الم ١ ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ٢ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة: ١ _ ٣).
ثانياً: الدليل العقلي:
يُقسّم المناطقة الموجودات في الكون إلى: واجب، وممكن.
فالواجب: هو علَّة العلل، وهو الله سبحانه، والممكن: ما تساوى وجوده وعدمه، وهناك ما يمتنع وجوده كاجتماع النقيضين.
والسؤال هنا: هل من الممكن أن يعيش الإنسان قروناً كثيرةً كما هو المفترض في هذا القائد المنتظر لتغيير العالم؟
يجيب المفكّر الإسلامي السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره فيقول:
(كلمة الإمكان هنا تعني أحد ثلاثة معانٍ: الإمكان العملي، والإمكان العلمي، والإمكان المنطقي أو الفلسفي.
وأقصد بالإمكان العملي: أن يكون الشيء ممكناً على نحو يتاح لي أو لك، أو لإنسان آخر فعلاً أن يحقّقه، فالسفر عبر المحيط، والوصول إلى قاع البحر، والصعود إلى القمر، أشياء أصبح لها إمكان عملي فعلاً. فهناك من يمارس هذه الأشياء فعلاً بشكل وآخر.
وأقصد بالإمكان العلمي: أنَّ هناك أشياء قد لا يكون بالإمكان عملياً لي أو لك أن نمارسها فعلاً بوسائل المدنية المعاصرة، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا تشير اتّجاهاته المتحرّكة إلى ما يبرّر رفض إمكان هذه الأشياء ووقوعها وفقاً لظروف ووسائل خاصّة، فصعود الإنسان إلى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما يرفض وقوعه، بل إنَّ اتّجاهاته القائمة فعلاً تشير إلى إمكان ذلك، وإن لم يكن الصعود فعلاً ميسوراً لي أو لك، لأنَّ الفارق بين الصعود إلى الزهرة والصعود إلى القمر ليس إلاَّ فارق درجة، ولا يمثّل الصعود إلى الزهرة إلاَّ مرحلة تذليل الصعاب الإضافية التي تنشأ من كون المسافة أبعد، فالصعود إلى الزهرة ممكن علمياً وإن لم يكن ممكناً عملياً فعلاً...
وأقصد بالإمكان المنطقي أو الفلسفي: أن لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبلية _ أي سابقة على التجربة _ ما يبرّر رفض الشيء والحكم باستحالته. فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر إلى نصفين ليس له إمكان منطقي، لأنَّ العقل يدرك _ قبل أن يمارس أيّ تجربة _ أنَّ الثلاثة عدد فردي وليس زوجاً، فلا يمكن أن تنقسم بالتساوي، لأنَّ انقسامها بالتساوي يعني كونها زوجاً، فتكون فرداً وزوجاً في وقت واحد، وهذا تناقض، والتناقض مستحيل منطقياً...
وهكذا نعرف أنَّ الإمكان المنطقي أوسع دائرة من الإمكان العلمي، وهذا أوسع دائرة من الإمكان العملي. ولا شكَّ في أنَّ امتداد عمر الإنسان آلاف السنين ممكن منطقياً، لأنَّ ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية، ولا يوجد في افتراض من هذا القبيل أيّ تناقض، لأنَّ الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع...)(٤٨٨).
ثالثاً: الدليل العلمي:
وأمَّا الإمكان العلمي فلا يوجد علمياً اليوم ما يبرّر رفض ذلك من الناحية النظرية، بل إنَّ علماء الطبّ منشغلون فعلاً بمحاولات حثيثة لإطالة عمر الإنسان(٤٨٩).
إنَّ علماء الأنسجة توصَّوا إلى أنَّ كلّ الأنسجة الرئيسية في جسم الكائن الحيّ قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية إذا لم يعرض لها ما يقطع حياتها. وأصبح من المقرَّر عندهم أنَّه لا مانع للإنسان من حياة طويلة إذا تيسَّرت له جميع الظروف المناسبة، بل لقد قرَّروا أنَّ الأجزاء الأوّلية للأنسجة يمكن أن تبقى حيّةً ناميةً ما دام يتوفَّر لها الغذاء اللازم(٤٩٠).
ونشرت مجلَّة المقتطف القاهرية في عددها الثالث (سنة ١٩٥٩م/ ص ٢٨٣) مقالاً تحت عنوان (هل يخلد الإنسان): قال الأستاذ (بيمن دروف) من أساتذة جامعة (هوبتر): إنَّ كلّ الأجزاء الخلوية الرئيسية في جسم الإنسان قد ثبت خلودها بالقوَّة بل هو مثبت بالامتحان، وأخبر الدكتور (ورون لويس) أنَّه يمكن وضع أجزاء خلوية صناعية في جسم الإنسان. وتوالت التجارب فظهر أنَّ الأجزاء الخلوية في أيّ حيوان وأيّ إنسان يمكن أن تعيش بل يمكن أن تتكاثر ما دام لها الغذاء المناسب. ثمّ شرع في بيان نتائجه الآتية:
١ _ إنَّ هذه الأجزاء الخلوية تبقى حيّة ما لم يعرض لها عارض يميتها.
٢ _ أنَّها لا تكتفي بالبقاء حيّة بل تنمو خلايا وتتكاثر.
٣ _ يمكن نموّها وتكاثرها ومعرفة ارتباطها بالغذاء.
٤ _ لا تأثير للزمن عليها حتَّى أنَّها تشيخ وتضعف بمرور الزمن، فشيخوخة الأحياء ليست سبباً بل هي نتيجة.
وذكر الشيخ الطنطاوي الجوهري في (ج ١٤/ ص ٢٢٤) من تفسيره المسمّى (الجواهر) ما يلي:
في مقالةٍ نشرتها مجلة (كلّ شيء) المصرية تحكي عن إمكان إطالة العمر وتجديد قوى الشيوخ وأنَّ الدكتور (فورونوف) قال بالإمكان إطالة الإعمار إلى ما فوق المئة وبإمكان عودة الشباب، وأجرى تجاربه على الحيوانات وقال: لقد عملت إلى الآن (٦٠٠) تجربة عملية ناجحة. وأقول الآن عن اقتناع: إنَّه لا ينصرم هذا القرن حتَّى يمكن تجديد قوى الشيوخ وإزالة غبار السنين عن وجوههم، ويمكن أيضاً تأخير الشيخوخة ومضاعفة العمر.
ويقول الدكتور عاصم فهيم الأستاذ في كلّية العلوم/ جامعة القاهرية في مقالة بعثها إلى مجلَّة الانتظار ونشرتها في عددها السادس لسنة (٢٠٠٥م):
في مقالة علمية نشرتها مجلَّة العلوم/ جامعة القاهرة/ عدد ٢٩٠/ سنة ٢٠٠٠م: أنَّه تمكَّن العلماء من التحكّم في جين إطالة العمر لذبابة الفاكهة الذي يعتبر شديد الشبه بالجين الآدمي، وتمكَّن العلماء من إطالة أعمار سبعة نماذج من الفئان وراثياً.
وفي مقال لنفس المجلَّة _ أي العلوم _ العدد ٣٠٩/ سنة ٢٠٠٥م: أثبت العلماء أنَّه أمكن إطالة أعمار الفطريات والديدان إلى ما يوازي مئة وعشرة أعوام من عمر الإنسان، وما زالت التجارب مستمرّةً على الفئران.
وخلال شهر تمّوز (٢٠٠٥م) اهتزَّت الأوساط العلمية المهتمّة بأبحاث إطالة الأعمار بخبر نشر في (س. ن. ن) العلمية قسم الصحَّة، حيث أعلن العالِم (د. جراي) أنَّه بحلول عام (٢٠٢٠) سيكون من الممكن علمياً إطالة عمر البشر ببضع مئات من السنين من خلال التحكّم في الجينات الوراثية المسؤولة عن ذلك.
ويقول الدكتور عاصم أيضاً: إنَّ موضوع الخلايا الجذعية التي اعتبرت ثورةً علميةً في الآونة الأخيرة قد فتح باباً أمام العلماء حيث تستطيع الخلايا الجذعية (وهي خلايا جنينية وغير جنينية غير متخصّصة) أن تعوّض أو تستبدل أيّ نوع من الخلايا الجسدية ممَّا يعني مدّ حياة الخلايا إلى أمد بعيد.
ونشرت جريدة المساء القاهرية بتاريخ (٢٨/٨/٢٠٠٥م) مقالاً عن اكتشاف العلماء لهرمون يطيل العمر في الإنسان.
وقال أيضاً: لقد توصَّل العلماء إلى تحديد الجين الوراثي المسؤول عن التحكّم في إطالة عمر الخلية الحيّة في الفئران وحدَّدوا الأنزيم الوراثي الذي يقوم بالدور الأساس في هذه العملية ما يعرف بقص جزء من الحامض النووي المسؤول عن التجديد الخلوي، وإنَّ توقّف التجديد في الخلية يعني الموت.
وختم مقاله بالقول: هذا ما يستطيعه البشر فكيف بربّ البشر؟ ألا يستطيع أن يطيل عمر إنسانٍ إلى ما شاء وكيف يشاء وبدون سبب؟ وإذا كان ذلك جائز لمن هو محدود فكيف بصاحب القدرة المطلقة(٤٩١)؟
رابعاً: دليلُ المعجزة:
يقول السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره في كتابه (بحث حول المهدي)(٤٩٢):
(وقد عرفنا حتَّى الآن أنَّ العمر الطويل ممكن علمياً، ولكن لنفترض أنَّه غير ممكن عملياً، وأنَّ قانون الشيخوخة والهرم قانون صارم لا يمكن للبشرية اليوم، ولا على خطّها الطويل أن تتغلَّب عليه، وتغيّر من ظروفه وشروطه، فماذا يعني ذلك؟ إنَّه يعني أنَّ إطالة عمر الإنسان _ كنوح أو كالمهدي _ قروناً متعدّدة، هي على خلاف القوانين الطبيعية التي أثبتها العلم بوسائل التجربة والاستقراء الحديثة، وبذلك تصبح هذه الحالة معجزة عطَّلت قانوناً طبيعياً في حالة معيَّنة للحفاظ على حياة الشخص الذي اُنيط به الحفاظ على رسالة السماء، وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها، أو غريبة على عقيدة المسلم المستمدّة من نصّ القرآن والسُنّة، فليس قانون الشيخوخة والهرم أشدُّ صرامةً من قانون انتقال الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقلّ حرارة حتَّى يتساويا، وقد عُطّل هذا القانون لحماية حياة إبراهيم عليه السلام حين كان الأسلوب الوحيد للحفاظ عليه تعطيل ذلك القانون. فقيل للنار حين اُلقي فيها إبراهيم: (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) (الأنبياء: ٦٩)، فخرج منها كما دخل سليماً لم يصبه أذى، إلى كثير من القوانين الطبيعية التي عُطّلت لحماية أشخاص من الأنبياء وحجج الله على الأرض، ففلق البحر لموسى، وشُبّه للرومان أنَّهم قبضوا على عيسى ولم يكونوا قد قبضوا عليه، وخرج النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من داره وهي محفوفة بحشود قريش التي ظلَّت ساعات تتربَّص به لتهجم عليه، فستره الله تعالى عن عيونهم وهو يمشي بينهم.
كلّ هذه الحالات تمثّل قوانين طبيعية عُطّلت لحماية شخص، كانت الحكمة الربّانية تقتضي الحفاظ على حياته، فليكن قانون الشيخوخة والهرم من تلك القوانين).
ويخلص إلى القول: (الحقيقة أنَّ المعجزة بمفهومها الديني قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومة بدرجة أكبر ممَّا كانت عليه في ظلّ وجهة النظر الكلاسيكية).
والآن لا بدَّ من تذكير موجز بنتائج البحث:
١ _ أنَّ الإمامة منصب إلهي وأنَّ الله أمر نبيّه بالنصّ على أئمّة اثنا عشر من أهل بيته.
٢ _ أنَّ الإمام الثاني عشر وهو محمّد بن الحسن العسكري قد غاب عن الأنظار سنة (٢٦٠هـ) ولا زال حيّاً.
٣ _ أنَّ الاعتقاد الديني يؤمن بقدرة الله على إطالة الأعمال كما أطال أعمار بعض أوليائه.
٤ _ أنَّ الاتّجاه العلمي يسير في بحوثه حول إيجاد وسائل إطالة العمر وأنَّ ذلك ليس مستحيلاً.
٥ _ أنَّ العقل لا ينفي بقاء الإنسان طويلاً فهو ممكن وليس من الممتنع أو المستحيل.
٦ _ أنَّ تعطيل القوانين الطبيعية بالمعجزة قد حدثت لبعض الأنبياء للحفاظ عليهم. وأنَّ الإمام المهدي عليه السلام مدَّخر لمهمّةٍ لم يستطع أحد من الأنبياء إنجازها وهي توحيد العالم تحت شريعة السماء.

* * *
البحث الخامس: الغيبة الصغرى

التسمية والبداية:
كثيراً ما ترد في الكتب والإصدارات التي تتحدَّث عن حياة الإمام المهدي المنتظر عليه السلام كلمة: (الغيبة الصغرى للإمام الحجّة عليه السلام)، ونحن هنا نأخذ جانباً بسيطاً من جوانبها لنلقي عليه الأضواء، ألا وهو: (البداية والتسمية)، لعلَّنا نوفَّق في إضاءة هذين الجانبين.
تعريف الغيبة الصغرى:
(وهي الفترة التي كان المسلمون يتَّصلون فيها بالإمام المهدي عليه السلام بواسطة نوّاب عيَّنهم ليكونوا مراجع للمسلمين في حلّ مشاكلهم وقضاء حوائجهم)(٤٩٣).
وقد عرَّفها الشيخ المظفَّر بقوله: (وهي تمثّل الحقبة الزمنية الأولى لعهد إمامة الإمام المهدي عليه السلام في ممارسة مهام الإمامة الموكَّلة إليه في حدودها التقليدية، وقد ختمت بتوطيد دعائم إمامته كنقطة انطلاق نحو أهدافها الإلهية السامية)(٤٩٤).
التسمية:
أمَّا من أسماها بالغيبة الصغرى فذلك ما لم أتوصَّل إليه، وأرجو أن اُوفَّق له، لأنّي راجعت كتب الأوائل الذين عاشوا في أثناء أو بعد تلك الفترة بسنوات فلم أجدهم يسمّونها بالغيبة الصغرى مقابل الغيبة الكبرى، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّها لم تكن تسمّى بالصغرى في عهدها لأنَّه لا أحد يعرف وقت انتهائها سوى الإمام نفسه.
كلّ الذي يعرفه المسلمون استناداً إلى أقوال أئمّة أهل البيت عليهم السلام أنَّ للإمام المهدي غيبتين، فعن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما أطول من الأخرى، حتَّى يقال: مات، وبعض يقول: قتل)(٤٩٥).
وقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام أيضاً: (إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين واحدة قصيرة والأخرى طويلة)(٤٩٦)، ولهم في مدَّة هذه الغيبة رأيان:
الرأي الأوّل:
وفيه أسماها الشيخ المفيد بـ (الغيبة القصرى)، قال في الإرشاد: (فأمَّا القصرى منهما فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة)(٤٩٧)، ويذهب إلى هذا الرأي أيضاًَ الشيخ الطبرسي في إعلام الورى، فيقول: (وكانت مدَّة هذه الغيبة _ أي الصغرى _ أربعاً وسبعين سنة...) إلى أن يقول: (ثمّ حصلت الغيبة الطولى التي نحن أزمانها)(٤٩٨).
واستندوا بذلك إلى الظروف التي أحاطت ولادته عليه السلام حتَّى وفاة والده العسكري عليه السلام، حيث لم يكن للمهدي عليه السلام عبر هذه السنين حضور وعلاقات اجتماعية الذي يعدُّ فيه غائباً بوجه عامّ، وفي ضوء هذا الاعتبار تمتدُّ مرحلة الغيبة الكبرى (٧٤) عاماً(٤٩٩).
وأيَّد هذا الرأي من المتأخّرين السيّد محمّد كاظم القزويني بقوله: (لعلَّ من الصحيح أن نقول: إنَّ الاستتار والاختفاء كان ملازماً لحياة الإمام المهدي عليه السلام منذ أوائل عمره، وعلى هذا يمكن لنا أن نقول: إنَّ الغيبة الصغرى ابتدأت مع حياة الإمام المهدي عليه السلام، أي كانت حياته منذ الولادة مقرونة بالاستتار عن الناس، ويمكن أن نعتبر السنوات الخمس التي قضاها الإمام المهدي مع والده الإمام العسكري عليه السلام من ضمن الغيبة الصغرى تبعاً للشيخ المفيد رحمه الله)(٥٠٠).
الرأي الثاني:
وهو الرأي الذي عليه أكثر الباحثين والمؤرّخين والذي يعتبر بداية الغيبة الصغرى منذ وفاة الإمام العسكري عليه السلام في الثامن من ربيع الأوّل سنة (٢٦٠هـ)، واستلام الإمام المهدي عليه السلام مهام الإمامة، وبذلك تكون مدَّة الغيبة الصغرى (٦٩) وأشهر، ويستندون في ذلك إلى أدلَّة واقعية ترجّح رأيهم على الرأي الأوّل، وهذه الأدلَّة هي:
١ _ إنَّ الإمام العسكري عليه السلام كان يري ولده الحجّة إلى خواصّ أصحابه وثقاته، كما رأته عمَّته حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام عدَّة مرّات، وعقيد الخادم، ووفد من قمّ جاء لمقابلة الإمام العسكري عليه السلام وكانوا أربعين رجلاً، وجماعة آخرون، وقد أحصى عددهم السيّد هاشم البحراني في كتابه (تبصرة الوليّ)، وقال: إنَّ عددهم يزيد على (٢٦٠) شخصاً. إضافة إلى ظهوره عليه السلام أمام الملأ للصلاة على والده عند وفاته وتنحيته عمّه جعفر عن الصلاة، فلا يمكن أن نعتبر هذه الفترة من ضمن الغيبة الصغرى التي لم يشاهده بها سوى سفرائه الأربعة.
(إنَّ الإمام المهدي عليه السلام وإن كان غائباً في حياة أبيه العسكري إلاَّ أنَّها لا تعدُّ من الغيبة الصغرى لأنَّه عليه السلام كان في هذه الفترة معاصراً لأبيه وغير مقلّداً مسؤولية الإمامة، ولا تربَّع على كرسي الخلافة الإلهية، وإنَّما يتولاَّها بعد أبيه، ونحن إنَّما نتحدَّث عن غيبته عن قواعده الشعبية بصفته إماماً مفترض الطاعة حيث المفروض أن يكون مرتبطاً بهم وقائداً لهم وموجّهاً لمجتمعهم، وهنا ممَّا لم يتحمَّل المهدي مسؤوليته في حياة أبيه)(٥٠١).
لذا يقرّر السيّد الصدر: إنَّ الغيبة الصغرى للإمام المهدي هي غيبته بصفته إماماً واقترانها بفكرة السفارة ومعه تكون مدَّتها تسعاً وستّين سنة، أي من سنة (٢٦٠هـ) إلى سنة (٣٢٩هـ)(٥٠٢).
٢ _ تشهد الوقائع التاريخية أنَّ الإمام المهدي عليه السلام قد مارس بالفعل مهام الإمامة يوم وفاة والده حيث صلّى على جنازته وقابل وفد القمّيين وصرَّح لهم شفوياً بتنصيبه للسفير الأوّل حتى يكون الناس على بيّنة من أمرهم في نشاطهم، وأعلمهم بالمهمّة التي جاؤوا من أجلها، ولم يكن يمارس هذا الدور في حياة والده العسكري عليه السلام لتجرّده عن منصب الإمامة.
وفي نهاية البحث نفهم من رسالة الإمام المهدي عليه السلام إلى سفيرة الرابع الشيخ علي بن محمّد السمري التي بعثها له قبل وفاته: (ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامّة)(٥٠٣)، نفهم منها أنَّ الوكالة أو السفارة هي الصفة الملازمة لهذه الفترة، وأنَّه عليه السلام هو الذي ثبَّتها بتعيينه الشيخ عثمان بن سعيد نائباً له وأنهاها على يد الشيخ السمري.

* * *
البحث السادس: السفير الأوّل للإمام المهدي عليه السلام

تمهيد:
أخذت الإمامة منذ حياة الإمام علي بن محمّد الهادي عليه السلام وهو في سامراء تسير بخطوات ثابتة ومرسومة من أجل ترسيخ وتثبيت فكرة الغيبة لدى الشيعة تمهيداً لغيبة الإمام المهدي عليه السلام. وقد بدأها الإمام الهادي عليه السلام بأسلوبين لم يكونا موجدين في حياة الأئمّة السابقين عليهم السلام، وهما:
١ _ الوكالة العامّة:
وقد ثبَّت عثمان بن سعيد العمري وكيلاً عامّاً له يتلقّى أسئلة المؤمنين ويرد عليها أو يعرضها على الإمام ويستلم الحقوق ويودع الصدقات ويشير على المؤمنين في الأوقات العصيبة لا على نحو مستقلّ، وهذا الأسلوب لم يكن يعمل به في حياة الأئمّة عليهم السلام، حيث كانوا يجلسون في المساجد ويجيبون على الأسئلة ويحدّثون عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويفسّرون القرآن ويحضرون مجالس الخلفاء فيشتركون في المناظرات العامّة أو يفتحون أبواب بيوتهم لاستقبال شيعتهم وقضاء حوائجهم.
وقد جرى هذا الأسلوب _ أسلوب الوكالة _ في حياة الإمام العسكري عليه السلام وبشيء من الوضوح والتركيز حيث أخذ يوصي بمراجعة وكيله العامّ العمري عند الاستنفسار منه أو حتَّى عندما يزوره جمع من شيعته ويرشدهم إلى مراجعة العمري، ووثَّقه عليه السلام بقوله: (العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنَّهما الثقتان المأمونان)(٥٠٤).
حتَّى أنَّه كان يأمر وكيله باستلام الأموال وقبضها من شيعته، حيث قال أبو محمّد عليه السلام: (امض يا عثمان، فإنَّك الوكيل والثقة المأمون على مال الله، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال)(٥٠٥)، وقد تعجَّب الجالسون حيث لم يكن قد رأوه قبلها قطّ وهم من خواصّ شيعته.
٢ _ التوقيعات:
ولغرض زيادة ثقة الشيعة بالأجوبة التي ترد إليهم عن طريق الوكلاء فقد كانت تصل إليهم الأجوبة كاملة وموقّعة من قبل الأئمّة عليهم السلام وعن جميع أسئلتهم في الفقه والعقائد وحتَّى الأمور التي تخصُّ حياتهم اليومية، وما هذا الأسلوب إلاَّ توطئة وتمهيد لتلك الفترة التي سوف يعيشها الشيعة في عصر الغيبة، وهكذا كان اتّصالهم بالإمام بالتوقيع والإجابة بالرسائل، لذا نرى الإمام يجيب عن أسئلة شيعته بالرسائل وليس كباقي أئمّة أهل البيت الذين تصدّوا للتدريس ومجالسة العلماء(٥٠٦).
فلم تكن مصادفة انتخاب الإمام الهادي عليه السلام لهذا الموقع المهمّ للشيخ عثمان بن سعيد الذي استمرَّت نيابته في حياة الإمام العسكري عليه السلام، وكان أوّل نوّاب الإمام المهدي عليه السلام الخاصّين. كلّ هذا كان تخطيط إلهي مقصود وكانت نيابته هو وابنه تمثّل أكثر المدّة الزمنية لفترة الغيبة الصغرى.
اسمه ولقبه وكنيته:
وهو: (عثمان بن سعيد _ بفتح السين _، العمري _ بفتح العين _، يكنّى أبا عمرو السمّان، يقال له: الزيّات والأسدي)(٥٠٧)، فهنا ثلاثة ألقاب له:
فقد كان أسدياً وإنَّما سُمّي العمري لما رواه أبو نصر هبة الله بن محمّد بن أحمد الكاتب ابن بنت أبي جعفر العمري رحمه الله، قال أبو نصر: كان أسدياً فنسب إلى جدّه، فقيل: العمري، وقال قوم من الشيعة: إنَّ أبا محمّد الحسن بن علي عليه السلام قال: (لا يجمع على امرئ بين عثمان وأبو عمرو)، فأمر بكسر كنيته، فقيل: العمري(٥٠٨).
وقيل له: السمّان (لأنَّه كان يتَّجر في السمن تغطيةً على الأمر)(٥٠٩).
ويقال له: العسكري أيضاً (لأنَّه كان من عسكر سُرَّ من رأى)(٥١٠).
وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمّد عليه السلام ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو فيجعله في جراب السمن وزقاقه ويحمله إلى أبي محمّد تقيّةً وخوفاً(٥١١).
ولادته ومدَّة سفارته:
لم تذكر المصادر التاريخية التي بين أيدينا تاريخ ولادته، وكلّ الذي ذكرته أنَّه خدم الإمام الهادي عليه السلام وعمره إحدى عشرة سنة(٥١٢).
وقد تداخلت مدَّة سفارته للإمام المهدي عليه السلام مع فترة سفارة ولده أبي جعفر محمّد بن عثمان حيث قالت المصادر عن ابنه محمّد: (إنَّه امتدَّت سفارته وسفارة والده من سنة (٢٦٠هـ) إلى سنة (٣٠٥هـ) أي خمساً وأربعين سنة، وقيل: إنَّ سفارة والده خمسُ سنوات)(٥١٣).
وقد أكَّد تلك الوكالة للإمام الهادي والعسكري عليهما السلام جمع من العلماء فقال الأردبيلي في (جامع الرواة): (كان أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري قدَّس الله روحه باباً لأبيه وجدّه عليهما السلام _ أي أب وجدّ الإمام المهدي عليه السلام _ من قبل، وثقةً لهما، ثمّ تولّى البابية من قبله _ أي الإمام المهدي عليه السلام _ وظهرت المعجزات على يده)(٥١٤).
وأمَّا ما قيل من أنَّه ولد في النصف الأوّل من القرن الثالث الهجري وتوفّي في النصف الثاني منه في بغداد، فهذا على وجه التقريب لا التحديد.
ولكن السيّد عدنان البكاء حاول أن يحصر تاريخ ولادته أكثر فقال: (لا يوجد من بين يدي من المصادر تاريخ معروف لولادة الشيخ العمري، فلو تصوَّرنا أنَّ ولادته كانت سنة (٢٠٠هـ) أو ما قبلها أو ما بعدها بقليل لأمكن تصوّر التحاقه بخدمة الإمام الجواد عليه السلام الذي بدأت إمامته (٢٠٣هـ) وتوفّي سنة (٢٢٠هـ)، وإنَّ وكالته للإمام المهدي لم تدم طويلاً)(٥١٥).
إنَّ الذي نستفيده من الروايات هو أنَّ العمري كان من أصحاب الإمام الجواد عليه السلام الذي توفّي سنة (٢٢٠هـ) كما أكَّد ذلك الأردبيلي بقوله: (الأسدي من أصحاب أبي جعفر الثاني _ أي الجواد _ عليه السلام)(٥١٦).
وقد خدم الإمام الهادي إحدى عشرة سنة وكان وكيلاً له ولابنه العسكري عليه السلام الذي توفّي سنة (٢٦٠هـ)، ثمّ وكيلاً للإمام المهدي عليه السلام، وإنَّه وابنه دامت نيابتهما حتَّى عام (٣٠٤) أو (٣٠٥هـ)، ولمَّا كانت المصادر تجمع على أنَّ نيابة ولده أربعين سنة فتكون مدَّة نيابيته خمس سنين، وإنَّه توفّي عام (٢٦٥هـ)، وإنَّ الذي ذكره السيّد الجلالي من أنَّه توفّي عام (٢٨٠هـ)(٥١٧) فيه تساهل كبير.
مكان قبره:
روى لنا الشيخ الطوسي عن وفاته قوله: (... إلى أن توفّي عثمان بن سعيد رحمه الله ورضي عنه، وغسَّله ابنه أبو جعفر، وتولّى القيام به وحصل الأمر كلّه مردوداً إليه)(٥١٨).
كما نقل عن أبي نصر هبة الله بن محمّد _ ابن أخت الشيخ العمري _ مكان قبره فقال: (وقبر عثمان بن سعيد بالجانب الغربي من مدينة السلام، في شارع الميدان، في أوّل الموضع المعروف بـ (درب جبلة)، في مسجد الدرب، يمنة الداخل إليه، والقبر في نفس قبلة المسجد)(٥١٩).
كما أضاف الشيخ الطوسي أنَّه قد رأى قبره في الموضع الذي ذكر أعلاه (وكان بني في وجهه حائط وبه محراب المسجد، وإلى جنبه باب يدخل إلى موضع القبر في بيت ضيّق مظلم، فكنّا ندخل إليه ونزوره مشاهرة، وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد، وهي سنة ثمان وأربعمائة...)(٥٢٠).
منزلته ووثاقته:
لا شكَّ أنَّ إيكال الوكالة الخاصّة أو السفارة يتمُّ إلى أشخاص يتَّصفون بدرجة من الإخلاص عظيمة بحيث يكون من المستحيل عادةً أن يشوا بالإمام أو يخبروا بما يكون خطراً عليه ولو مُزّقت لحومهم، وهذا ما ينطبق على أوّل هؤلاء السفراء أبو عمرو عثمان بن سعيد، ومن الأدلة على علوّ منزلته عند الأئمّة عليهم السلام:
قول الإمام العسكري عليه السلام عند ولادة الإمام المهدي عليه السلام: (ابعثوا إلى أبي عمرو)، فبعث إليه فصار إليه فقال له: (اشتر عشرة آلاف رطل خبز، وعشرة آلاف رطل لحم وفرّقه _ أحسبه قال: على بني هاشم _)(٥٢١).
تقدّمه الشيعة عند وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، قال أبو الأديان: خرج عقيد خادم الحسن العسكري عليه السلام وقال لجعفر بن علي: يا سيّدي قد كُفّن أخوك فقم وصلّ عليه، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمّان(٥٢٢).
قال البكاء: (إنَّ أمر وثاقته ومكانته وجلالة قدرة لا يحتاج إلى تحقيق، فامتداد خدمته إلى الإمام الجواد وحسبنا في ذلك أن يكون قريباً مؤتمناً من أيّ واحد من الأئمّة، فكيف إذا كان كذلك؟ وهذا ما لا إشكال فيه لدى ثلاثة منهم)(٥٢٣).
قال عنه العلاَّمة: (من أصحاب أبي جعفر محمّد ابن علي الثاني عليهما السلام، خدمه وله إحدى عشرة سنة، وله إليه عهد معروف، وهو ثقة جليل القدر، وكيل أبي محمّد)(٥٢٤).
وأمَّا حضوره تغسيل الإمام العسكري عليه السلام فممَّا يزيد قدره، قال الطوسي: (عنه _ أي أحمد بن علي بن نوح السيرافي _، عن أبي نصر هبة الله بن محمّد بن أحمد الكاتب ابن بنت أبي جعفر العمري قدَّس الله روحه وأرضاه، عن شيوخه أنَّه لمَّا مات الحسن بن علي عليهما السلام حضر غسله عثمان بن سعيد رضي الله عنه وأرضاه، وتولّى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه وتقبيره، وأموراً بذلك للظاهر من الحال التي لا يمكن جحدها ولا دفعها)(٥٢٥).
ويرى السيّد محمّد الصدر (أنَّ الإمام هو الذي صلّى عليه وهو يستطيع أن يغسّل أباه، ونستنتج أنَّ الإمام قد غسَّل أباه وساعده في ذلك الشيخ العمري)(٥٢٦).
أمَّا النصوص التي وردت من الأئمّة عليهم السلام بتوثيقه فهي كثيرة نأخذ منها ما يلي:
في الخبر عن أبي علي أحمد بن إسحاق أنَّه سأل أبا الحسن صاحب العسكر _ أي الهادي عليه السلام _ وقال: من اُعامل وعمَّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال: (العمري ثقتي فما أدّى إليك فعنّي يؤدّي، وما قال لك فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنَّه الثقة المأمون)(٥٢٧).
وقد وثَّقة الإمام العسكري عليه السلام كذلك، فقد جاء في نفس المصدر عن أبي علي أيضاً أنَّه سأل أبا محمّد عليه السلام عن مثل ذلك فقال له: (العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان، وما قالا فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنَّهما الثقتان المأمونان)(٥٢٨).
أمَّا الإمام الحجّة عليه السلام فقد وثَّق نائبه الأوّل بقوله: (أمَّا محمّد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل فإنَّه ثقتي وكتابه كتابي)(٥٢٩)، والدعاء له علامة الرضا والتوثيق.
وأمَّا رسالة التعزية التي بعث بها الإمام الحجّة عليه السلام لولده فكانت واضحة الرضا عنه والدعاء له، يقول الإمام عليه السلام: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون، تسليماً لأمره ورضاءً بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه عليهم السلام، فلم يزل مجتهداً في أمرهم...)(٥٣٠)، ولا شكَّ أنَّ المهمّة التي اُسندت إليه تحتاج إلى مثل هذه الوثاقة وتلك المنزلة فقد (كانت توقيعات صاحب الأمر عليه السلام تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان إلى شيعته وخواصّ أبيه أبي محمّد عليه السلام بالأمر والنهي والأجوبة عمَّا يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى سؤال فيه بالخطّ الذي كان يخرج في حياة الحسن عليه السلام، فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما...)(٥٣١).
ولرُبَّ سائل يسأل عن مؤلَّفاته وكتبه، فهو لم يكن بتلك الدرجة العلمية العالية ليتفرَّغ للتأليف والبحث، وما كان وكلاء الإمام المهدي عليه السلام تمَّ اختيارهم لعلوّ منزلتهم العلمية، وإنَّما تتوخّى الوثاقة والإيمان لغرض الحفاظ على سرّية الإمام وعدم إهتداء السلطة إلى مكان تواجده (وإنَّ السفارة عن الإمام لا تعني إلاَّ التوسّط بينه وبين الآخرين، ولا دخل للأفضلية الثقافية، ومن هنا قد تسند الوكالة الخاصّة إلى المفضول من هذه الجهة توخّياً لتلك الدرجة من الإخلاص)(٥٣٢).
أولاده:
وقد خلَّف العمري اثنين من الأولاد، وهما:
الأوّل: هو أبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمري وهو السفير الثاني.
الثاني: أحمد بن عثمان بن سعيد(٥٣٣).
الثالث: قال الأردبيلي في (جامع الرواة) ما نصّه: (أبو جعفر محمّد بن حفص بن عمرو فهو ابن العمري وهو وكيل الناحية وكان الأمر يدور عليه)(٥٣٤)، أمَّا أبو جعفر فهو محمّد بن عثمان العمري ولا يُعلَم من أين جاء حفص بن عمرو؟
والصحيح أنَّ محمّد بن حفص بن عمرو _ أبو جعفر _ أبوه يُدعى بالعمري والجمّال وكان وكيلاً لأبي محمّد العسكري عليه السلام(٥٣٥).

* * *
البحث السابع: أدعياء المهدوية والنيابة للإمام المهدي عليه السلام

المقدّمة:
نظراً لثبوت حقيقة المهدي المنتظر عليه السلام في جميع الديانات السماوية، وفي العقيدة الإسلاميّة خاصّة لدى جميع المذاهب، وذلك لكثرة الآيات الكريمة التي وردت في القرآن الكريم والتي تبشّر بوعد الله تعالى لعبادة بأن سيظهر الدين الإسلامي على كلّ الأديان وأنَّهم سيحكمون الأرض جميعها بشريعة السماء، ومن هذه الآيات:
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (النور: ٥٥).
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) (القصص: ٥).
(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥).
وقد عضدت هذه الآيات الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكّد ظهور رجل من آل محمّد ومن أولاد علي وفاطمة هو التاسع من ولد الحسين وهو الولد الوحيد للحسن العسكري عليه السلام اسمه وكنيته كاسم النبيّ وكنيته، ونقل هذه الأحاديث الثقاة من الرواة قبل أن يولد الإمام، وتغنّى الشعراء به كالسيّد الحميري ودعبل الخزاعي والكميت بن زيد وغيرهم، وتحدَّث عنه وعن صفاته الإمام علي عليه السلام والأئمّة من بعده، وفعلاً فقد ولد للإمام الحسن العسكري عليه السلام مولود ليلة الخامس عشر من شهر رمضان سنة (٢٥٥هـ) اسماه محمّداً وأطلع عليه الخواصّ من أصحابه، وعقَّ عنه بـ (٣٠٠) كبش، ووزَّع اللحم والخبز على الفقراء، وكتب إلى المخلصين من مواليه بذلك داعياً لهم إلى ستر الأمر خوفاً عليه من السلطات التي تترقَّب ولادته.
وعندما زاره وفد من أربعين مؤمناً أراهم وليّ الله، وقال لهم: هذا وليّ الله والخليفة من بعدي فأطيعوه، وفعلاً فعندما بلغ الإمام محمّد بن الحسن الخامسة من عمره توفّي والده العسكري فظهر أمام الملأ وصلّى على جنازة أبيه واختفى عن الأنظار وأرشد شيعته ومؤيّديه إلى سفرائه الذين نصبهم في بغداد: العمري وابنه والحسين بن روح وعلي السمري حتَّى عام (٣٢٩هـ) حيث اختفى نهائياً وأمر أنصاره وشيعته باتّباع رواة حديث أهل البيت عليهم السلام، وقال بأنَّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم، ولا ظهور حتَّى يأذن الله له لذلك.
هذا المنصب الإلهي الرفيع من جهة والذي يكتفّه الغموض والسرّية من الجهة الأخرى دعا الكثير من الناس أن يدَّعوا المهدوية وأنَّهم هم المهدي المنتظر الذي ينقذ البشرية من الظلم ويخلّصها من الاضطهاد، وكانت لتلك الادّاعات أسباب يمكن أن نوجزها بما يلي:
١ _ تفشّي الظلم والجور لدى الحكّام والبطش الشديد بمناوئيهم ممَّا زاد في حاجة الناس إلى المنقذ.
٢ _ محاولة الحصول على مكاسب سياسية وجمع الأنصار بادّعاء هذه المكانة المقدَّسة.
٣ _ إضفاء الصيغة الدينية على بعض الحكّام لترسيخ حكمهم كما فعل المنصور مع ابنه المهدي.
٤ _ دوافع اقتصادية ومادّية لجمع الأموال لمنافع شخصية.
٥ _ أهداف شرّيرة لأعداء الإسلام من يهود وصليبيين لتفتيت وحدة الأمّة وتشويه العقيدة الإسلاميّة.
ويمكن أن نشير إلى هذه الدعوات التي ظهرت في عالمنا الإسلامي التي يدَّعي أصحابها أنَّهم المهدي المنتظر بشيء من الاختصار:
١ _ الكيسانية التي يدَّعي أصحابها أنَّ محمّد بن الحنفية وهو ابن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام هو المنتظر، وأنَّه لم يمت بل هو موجود في جبل رضوى قرب مكّة وسوف يبعث في آخر الزمان، علماً بأنَّه توفّي عام (٨٠هـ) أو (٨١هـ) ودفن في البقيع.
٢ _ جماعة من الزيدية ادَّعوا أنَّ زيد الشهيد هو المهدي المنتظر، وأنَّه لم يقتل وهو الذي يظهر في آخر الزمان.
٣ _ أبو جعفر، عبد الله المنصور العبّاسي الذي ادَّعى أنَّ ابنه هو المهدي وسمّاه محمّد.
٤ _ عبد الله بن محمّد الفاطمي مؤسّس الدولة الفاطمية الذي ادَّعى أنَّه هو المهدي المنتظر.
٥ _ محمّد بن عبد الله بن تومرت الذي نشأ في المغرب وادَّعى المهدوية وأسقط دولة المرابطين وشيَّد دولة الموحّدين.
٦ _ مهدي تهامة في الجزيرة العربية الذي ظهر عام (١١٥٩هـ) وادَّعى المهدوية.
٧ _ أحمد الهندي الذي ظهر في الهند وادَّعى المهدوية عام (١٢٤٣هـ).
٨ _ مهدي السنغال الذي ظهر عام (١٨٢٨م).
٩ _ محمّد السنوسي في ليبيا الذي ادَّعى المهدوية عام (١٨٩٤م).
١٠ _ غلام أحمد القادياني مؤسّس الطريقة القاديانية الذي ادَّعى أنَّه المهدي المنتظر.
١١ _ محمّد بن أحمد المهدي السوداني الذي ظهر في السودان عام (١٨٨١م) وقاوم الإنجليز.
١٢ _ محمّد بن عبد الله بن حسّان مهدي الصومال الذي ظهر عام (١٨٩٩م).
١٣ _ جهيمان العتيبي الذي ظهر في مكّة في غرَّة محرَّم عام (١٤٠٠هـ) واحتلَّ البيت الحرام وقتلته قوّات الكوماندوز الفرنسة بأوامر سعودية، وقد ادَّعى أنَّ صهره محمّد بن عبد الله هو المهدي المنتظر.
وغيرهم، وهؤلاء الذين أكثرهم من أبناء السُنّة سرعان ما انتهت دعواتهم ولم يقيموا حكم الله في الأرض، فذلك دليل على بطلان دعواتهم وضلال أفكارهم.
أدعياء السفارة أو النيابة:
في سنة (٢٦٠هـ) عند بداية الغيبة الصغرى للإمام محمّد بن الحسن المهدي عليه السلام عيَّن وكيله ونائبه والسفير الأوّل بينه وبين شيعته أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي الذي توفّي بحدود عام (٢٦٥هـ)، فخلفه ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان الذي دامت سفارته حتَّى عام (٣٠٥هـ) حيث خلفه الحسين بن روح النوبختي حتَّى عام (٣٢٦هـ)، ثمّ عيَّن سفيراً للإمام الشيخ علي بن محمّد السمري حتَّى عام (٣٢٩هـ) حيث انتهاء الغيبة الصغرى الذي كان الإمام عليه السلام يلتقي بشيعته عن طريق سفرائه ونوّابه ويُجيب عن أسئلتهم ويستلم حقوقهم ويوجّه أفكارهم، حيث بدأت الغيبة التامّة أو الكبرى ولا ظهور إلاَّ بعد طول الأمد وقسوة القلوب كما يقول الإمام عليه السلام(٥٣٦).
في هذه الفترة التي امتدَّت تسعاً وستّين عاماً وأشهر ظهر أدعياء للوكالة والسفارة يدَّعون أنَّهم يتَّصلون بالإمام ويأخذون منه التوقيعات ويستلمون الأموال من الشيعة، وذلك لما لمنزلة النائب من القدسية والاحترام عند الشيعة، ولمطامع شخصية وأمراض نفسية دفعتهم لهذا الادّعاء، وقد وردت توقيعات من الإمام عليه السلام بلعنهم وأمر شيعته بالتبرّي منهم. وفي هذا البحث نمرُّ عليهم مروراً سريعاً حتَّى نصل إلى أدعياء العصر الحاضر:
١ _ محمّد بن علي الشلمعاني العزاقري.
٢ _ أبو طاهر محمّد بن علي البلالي.
٣ _ ابن أبي حاتم القزويني.
٤ _ أحمد بن هلال العبرتائي الكرخي.
٥ _ محمّد بن أحمد (أبو بكر البغدادي).
٦ _ أبو محمّد حسن الشريعي.
٧ _ محمّد بن نصير النميري.
٨ _ الحسين بن منصور الحلاَّج.
٩ _ أبو دلف محمّد بن مظفَّر الكاتب.
هؤلاء كلّهم ظهروا في أثناء فترة الغيبة الصغرى.
ثمّ تلا هذه الفترة انحسار فكره ادّعاء المهدوية والنيابة لما بلَّغ به الإمام المهدي عليه السلام في رسالته إلى الشيخ السمري لقوله: (ألا فمن ادَّعى المشاهده قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر)(٥٣٧)، وكذلك ظهور علماء كبار في هذه الفترة أمثال الشيخ الكليني والسيّد المرتضى والشيخ المفيد والشيخ الطوسي وغيرهم ممَّن ثبَّت فكرة الغيبة الكبرى ونيابه الفقهاء عن الإمام عليه السلام.
أدعياء المهدوية والنيابة في العصر الحاضر:
في عصر ابتعد الناس فيه عن الإسلام من جهة، وظهور الدعوات الضالّة التي يغذيها الكفّار واليهود ويصرفون عليها الأموال الطائلة، وجهل الناس وشيوع الفساد وتقلّص دور العلماء، ظهر في وقتنا الحاضر القريب من يدَّعي أنَّه يتَّصل بالمهدي ويأخذ منه التعليمات، أو أنَّه وصيّ ورسول الإمام، أو الممهّد الوحيد لظهوره، وأخيراً ظهر من يدَّعي أنَّه المهدي المنتظر، هذه الدعوات وللأسف الشديد تلقى رواجاً كبيراً في مجتمعنا العراقي الحاضر وخاصّةً من الشباب وجهلة الناس، فمع وجود الحرّية الفكرية وغياب سلطة القانون القادرة على ردع التطاول على ركائز الإسلام الأساسية والتهجّم على المرجعيات الدينية، ووجود شبكات التخريب اليهودية والماسونية التي تسرح وتمرح في بلدنا مستغلَّة عوز الناس وفقرهم، وهذا (د. مايكل برانت) المساعد السابق لرئيس المخابرات الأمريكية يكشف عن مخطّط قذر لتفتيت الشيعة وصرف مبلغ (٩٠٠) مليون دولار لدعم المرجعيات المزيَّفة والدعوات الضالّة للقضاء عليهم، والذي ينتهي التخطيط له عام (٢٠١٠م)، هذه المشكلة أخذت تستشري في بلاد الإسلام وفي المراكز الشيعية خاصّةً وفي كبريات مدنهم كالنجف وكربلاء والحلّة وبغداد والجنوب دون رادع أو معترض، ونحن هنا في هذا البحث نستعرض أفكار هذه الدعوات دون الردّ عليها، لأنَّ ذلك يستدعي الكثير من الوقت والجهد وعسى الله أن يوفّقنا في بحوث قادمة لهذا الغرض خدمةً للعقيدة الإسلاميّة، وتحصيناً لشبابنا عن الإنزلاق في مهاوي الضلالة.
والدعوات التي ظهرت حديثاً في مجتمعنا العراقي هي:
الدعوة المهدوية المولوية:
وقد ظهرت هذه الدعوة في الحلّة، ثمّ انتشرت في كربلاء والنجف والمحافظات الوسطى، واعتمدت في عملها على التنظيم الشبكي أو نظام الخلايا، وهو نظام أوجدته المافيا العالمية، وكما تفعل العصابة الإرهابية الآن، وهم فئة يسمّون أنفسهم بالمهدوية أو (أهل الصحراء)، لأنَّهم يسيرون ليالي الجمع إلى كربلاء على الطريق الترابية والمزارع ولا يستخدمون الطريق العامّ، وقد ظهرت هذه الفئة قبل ما يقارب العشر سنوات ولا يعرف قادتها أو المخطّطون لها قبل أن يكشف قاضي السماء عن نفسه في كتابه الذي أصدره عن قريب بهذا الاسم الخالي من المطبعة وسنة الطبع والذي سوف نتحدَّث عنه لاحقاً.
ونوجز الحديث عن هذه الفكرة بالنقاط التالية عن كتاب (ثورة التمهيد العالمية) لمؤلّفه سعيد الموسوي:
الإيمان بالحلول والتناسخ: وهو القول بأنَّ أرواح الأنبياء والأولياء قد حلَّت فيهم، لذا فهم يذهبون إلى كربلاء ولا يزورون الحسين عليه السلام، ويقولون: هذا شبّاك خالٍ من حديد، فالحسين هو أنا وأنت وربَّما يبصقون على الضريح _ كما يقول المؤلّف _.
إباحة المحارم والزوجات: ويعني تبادل الزوجات بين الزوجين أو أكثر، وهو ما يفعلونه في أماكن تواجدهم، ولا يمارس هذا العمل إلاَّ من وصل إلى درجة وليّ، ويزعمون أنَّه تواضع للربّ، وقد عرضت أخيراً أقراص تصوّر هذه العملية التي وقعت في بيوت في أحياء مدينتنا المقدَّسة.
يجوّزون الكذب: ويقولون: هو تورية، ويحيطون أفكارهم بالكتمان الشديد لا يطلعون أحداً عليها.
إلغاء التقليد: وباعتقادهم أنَّهم يلتقون بالإمام المهدي عليه السلام مباشرةً، فلا حاجة إلى فتاوى المراجع والعلماء، ولا حتَّى الحاجة إلى استحصال العلوم الدينية، لأنَّهم يتلقّونها مباشرةً من الإمام، ويعتقدون أنَّ علمهم لدنّي يوصى به إليهم، حتَّى أنَّ بعضهم يتكلَّم مع خاتمه يطلب منه الإجابة عن مسألة ما.
يُدخلون من يكسبونه إلى فكرتهم في رياضات روحية من عدم الأكل وعدم النوم، والصلاة كذا ركعة في اليوم، حتَّى يصير وليّاً يحقُّ له أن يلتقي بالمهدي.
وقد صدرت عدَّة فتاوى من العلماء بلعنهم وإيصاء الناس بالتبرّي منهم، وقد أجاب السيّد الحائري عن فتوى قدّمت له عنهم فأجاب: (إنَّ من ينتقص من التقليد إمَّا أن يكون جاهلاً فنسأل الله له الهداية، وإمَّا أن يكون ضالاً مضلاً يريد السوء بالمذهب الحقّ وأهله، فإن كان غافلاً ندعو له بالهداية وإلاَّ فعليه لعنة الله) (٤/ صفر/ ١٤٢٦هـ)، وقال السيّد الحائري أيضاً: (من يدَّعي النيابة للإمام فهو خبيث وذو بدعه ودمه هدر)(٥٣٨).
وكما قلت فإنَّ قادتهم غير مكشوفين حتَّى ظهر كتاب قاضي السماء وهو يكشف عن قائد هذه الحركة وأفكاره البعيدة عن الإسلام، وقد أعقب ذلك قيامهم بحركة عسكرية لضرب النجف وعلمائها والقضاء على الفكر الشيعي فيها لولا رحمة الباري سبحانه الذي أنقذ البلاد منهم، وسوف نطرح ما ورد في كتابه من أفكار تؤيّد الفقرات السابقة التي وردت في كتاب (ثورة التمهيد العالمية).
إنَّ ما يهمّنا من البحث هو بيان الأفكار الضالّة التي جاء بها قاضي السماء، والتي يمكن تلخيصها بما يلي:
نفي وجود ولد للإمام الحسن العسكري عليه السلام اسمه محمّد وأنَّه هو المهدي المنتظر، ونفي كلّ ما يعتقده الشيعة من ولادته ونوّابه وتوقيعاته وغيبته الصغرى والكبرى، وردّ الروايات التي وردت عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّه سميّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيه، وأنَّه من أولاد الحسن العسكري، وأنَّه التاسع من ولد الحسين، وتصحيف السند ورجال الحديث، وتكذيب السفراء، والتجرّي على العلماء والفقهاء منذ عصر الغيبة إلى الآن.
يستند إلى خطبة خطبتها فاطمة الزهراء عليها السلام حينما عادتها نساء المهاجرين والأنصار بعد مرضها الذي توفيت فيه وقالت بعد أن قلن لها: يا بنت رسول الله، كيف أصبحت من علَّتك؟ فقالت: (... أمَا لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريثما ننتج، ثمّ اختلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً وزعافاً ممقراً، هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غِبّ ما أسَّس الأوّلون...)(٥٣٩).
وهي خطبة واضحة المعنى أنَّها تتنبَّأ بما يصير إليه أمر التالون بما فعله المبطلون من تنحية على عليه السلام عن الخلافة، وأنَّها تعني أنَّ الفتنة قد بدأت، وتدعو النساء انتظار آثارها.
وهو يسهب بشرح الخطبة ليقول: إنَّ فاطمة تخبرهم أنَّ علياً زوجها قد لقح بويضه في رحمها في بداية زواج الإمام علي من فاطمة الزهراء حيث رفعت البيضة إلى عالم آخر يسمّى عالم (البحر المسجور)، ومن ثَمَّ رجوع جبرئيل بها لتكون مع أهل البيت تحت الكساء، ثمّ رجوع جبرئيل بالبيضة المخصبة إلى عالم خاصّ بها حفظها الله تعالى فيه لحين نزولها في رحم الأمَة السوداء، وهاتان الغيبتان هما الصغرى والكبرى.
وأنَّ صاحبها المستقبلي الموعود هو علي بن علي بن أبي طالب، وأنَّ جبرئيل أودعه بيضة في رحم اُمّه (الأمّة السوداء)، وهو القائم المهدي المنتظر الذي سيظهر يوم (١٠) محرَّم من هذا العام ليقيم دولة المهدي في الأرض.
ويستند إلى الكثير من الروايات المزيَّفة والموضوعة بأنَّ اسم المهدي هو علي، وأنَّه من صلب علي مباشرةً، وقد وُلد قبل (٣٨) سنة من رحم امرأة يمانية (اُمّه)، وهو يخرج من مدينة (كرعه) جنوب اليمن، ولذلك سمّى نفسه (ضياء الكرعاوي)، وقد أظهرت الفتنة التي قام بها في التاسع من محرَّم سمات دعوته، فوجدت نساء لا تعرف أزواجها ممَّا يدلُّ على مشاعية الجنس، ووجدت أموال طائلة تدلُّ على ضلوع جهات أجنبية في رفدها، ووجد أعوانه وأنصاره المهدويّون وهم يقدّسون المولى ويقبّلون أقدامه. وكلّنا شاهد الفلم الذي نشر عن مجونه وهو في الهند وفي بلدان أخرى.
القحطاني:
ويسمّي نفسه أبو عبد الله الحسين القحطاني، وهو لقب أطلقه على نفسه المدعو (حيدر مشتّت)، وهو من سكّان (العمارة)، وكان طالباً في الحوزة العلمية في النجف، ثمّ سكن القرية الكائنة قرب مسجد السهلة، وأعلن أنَّه حيدر اليماني، ونشر المنشورات التي تؤيّد دعواه وصدَّق به مجموعة من الطلبة، ثمّ ضرب القوّات الإسبانية وردَّت عليه بالنار وأجبرته على ترك القرية، ثمّ ذهب هو وأنصاره إلى إيران فاعتقلته القوّات الإيرانية، ثمّ عاد إلى بغداد وأعلن عن تأسيس مؤسّسة القائم الإعلامية، وأصدر جريدة القائم، ونشر ما كتبة في أنحاء العراق، ويدَّعي بأنَّه القحطاني الذي يمهّد لظهور المهدي، وأصدر أنصاره الكثير من الكتب التي يدَّعون أنَّها من فكر القحطاني، ونستطيع أن نجمل أفكاره بما يلي:
١ _ يدَّعي أنَّه اليماني الحسني الذي يمهّد لظهور الإمام المهدي عليه السلام، وأنَّه سيّد من نسل الإمام الحسن السبط عليه السلام ومن أحفاد النفس الزكية، ويقول: إنَّه وزير الإمام المهدي، وهو الذي يدعو إليه ويسبقه في الظهور، وهو حسني النسب. ويقول: إنَّه اكتسب صفة المهدي لوجود نطفة المهدي الحسني في صلبه(٥٤٠).
٢ _ يضفي على نفسه الصفة القدسية التي وردت كصفات للإمام المهدي فيقول: الإمام المهدي شبيه موسى بن عمران وشبيه جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وإنَّ الذي له شبه من عيسى بن مريم ليس هو الإمام المهدي بل هو وزير المهدي اليماني الذي هو من ذرّية علي عليه السلام ويعني نفسه(٥٤١).
٣ _ يخالف كلّ الروايات التي تقول: إنَّ الهاشمي الخراساني يخرج من سمرقند، أو من إقليم خراسان لنصرة الإمام ومن الممهدين لظهوره، والتي وردت في الروايات الموثَّقة في كتاب علائم الظهور للكوراني (ص ١٦٣) مستندة إلى أهل البيت عليهم السلام تقول: تعتمد حركة المهدي عليه السلام على ظهور قطبين في البلاد الإسلاميّة واحد في خراسان والآخر في اليمن، فنحن بانتظار ذلك الخليفة اليماني الذي يخرج من اليمن عندما يكون قائدها القحطاني الظالم قد خرج بالجيش إلى الشام، فينتهز اليماني الفرصة ويتغلَّب على مقعد الحكم في اليمن حتَّى إذا رجع القحطاني نشب بينهما القتال فيتغلَّب اليماني ويقتل القحطاني، واليماني من أبناء زيد بن علي واسمه حسين أو حسن، أبيض الوجه والسريرة.
ويقول الإمام الصادق عليه السلام: يخرج القحطاني من بلاد اليمن ويغلب على أهلها ويشيع الظلم والفتنة فيها. ولكن الذي يقوله القحطاني هو عكس ذلك تماماً فهو يقول: إنَّ راية الحسني الخراساني راية ضلال صاحبها طاغوت(٥٤٢).
٤ _ إنَّ القحطاني يدعو لنفسه أنَّه يمتاز بالتوسّم ومعرفة الوجوه، ويعرف دواخل الأشخاص بمجرَّد أن يشاهدهم، ويضرب الأمثال الكثيرة في (ص ٢٩٨) من كتابه علم التوسّم تأليف ياسمين عبد الرحمن.
ويلحق نفسه بالنسب العلوي بمغالطه واضحة فيقول: اليماني نفسه مخفي عن الناس حيث يكون بينهم أنَّه من العوام وليس من السادة، وهذه في الواقع سُنّة لليماني من سنن الأنبياء(٥٤٣).
ويسوق دليلاً باهتاً آخر حيث يقول: لمَّا كان الداعي إلى الإسلام في بدايته من ذرّية إبراهيم فلا بدَّ أن يكون الداعي إلى الإسلام في آخر الزمان من ذرّية سيّد الموحّدين علي عليه السلام(٥٤٤).
٥ _ يعتمد على تأويل الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة ويفسّرها حسب رأيه ويجعلها تنطبق عليه، وكمثال على ذلك:
قوله تعالى في سورة الكهف: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ) (الكهف: ٧١)، حكايةً عن موسى عليه السلام والخضر، فيقول: إنَّ في الآية إشارة إلى ظهور ممهّدين للإمام يقومون بالدعوة والإعداد للظهور، وتكون مسؤولية الدعوة والهداية على اليماني الذي يحمل الراية ويسلّمها إلى الإمام(٥٤٥).
قوله تعالى في سورة ياسين: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) (يس: ١٣)، ويقول: لقد دأب المفسّرون على ذكر القرية بأنَّها أنطاكية، أمَّا التأويل فإنَّ القرية هي مكّة، ومكّة ليست مكّة الحقيقية بل مكّة المؤوّلة وهي الكوفة، ونستنتج من الآية أنَّ هناك رسولين يرسلهما الإمام المهدي عليه السلام يدعون أهلها والعالم، فالأوّل هو اليماني الذي ذكر بأنَّه صاحب أهدى الرايات(٥٤٦).
٦ _ التهجّم على الفقهاء وعلماء المذاهب: فهو يشترك مع كلّ أدعياء المهدوية والنيابة في التهجّم على مراجع الدين والفقهاء فيقول في تفسير الآية: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ) (الفجر: ٩): ثمود هم الشيعة في آخر الزمان، والوادي هو الوادي المقدَّس وهو النجف، وعلماء السوء في آخر زمان هم الذين يبنون بيوتهم بالصخر والمرمر(٥٤٧).
ويقول أيضاً في تعرّضه لأهل النجف الأشرف وعلمائها: بما أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لاقى الأمرّين من قريش في بداية الدعوة فإنَّ المهدي عليه السلام سيكون أتباعه من الشيعة اليوم وستكون مدينة النجف هي مكّة في التأويل، وسيكون سكّانها هم قريش، ويتبيَّن لنا جليّاً أنَّ الفقهاء اليوم هم قريش المهدي عليه السلام، وسوف يحاربون الإمام ويكذّبون دعوته، وهؤلاء يسكنون النجف والكوفة وهم فقهاء السوء والضلالة(٥٤٨).
ويقسّم السفياني إلى قسمين:
سفياني الفتوى: وهي حركة داخل المذهب الشيعي هدفها تضليل الناس وإبعادهم عن طريق الحقّ بسبب فتواه وفكره، حيث إنَّ فقهاء السوء وعلماء الضلال سوف يخدعون الكثير من طلبة العلوم الدينية وهؤلاء يخدعون الناس(٥٤٩)، وهو يقول: إنَّه يتَّصل بالإمام ويأخذ الأحكام منه ولا يحتاج إلى الاجتهاد، وكون اليماني مجتهداً وهو أعلم الناس بالأصول والفقه(٥٥٠).
وقد أنقذ الله البلاد والعباد منه، فقد قُتل في شهر رمضان عام (١٤٢٧هـ) وهو يركب سيّارة بيضاء مع صديقه في شارع فلسطين إذ اُطلقت عليه النار فقُتل إلى غير رجعة، ولم يمهّد للإمام قيد شعرة.

* * *
البحث الثامن: فقهاء الغيبة الكبرى وعصر الظهور

المقدّمة:
كان نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى الدين الجديد في مكّة المكرَّمة بنفسه، يحاور المشركين ويجادلهم، تسانده بذلك الآيات الكريمة من الكتاب العزيز: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) (الإخلاص: ١)، (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) (الكافرون: ١)، (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) (آل عمران: ٦٤)، وكان أصحابه ثلّة مستضعفة، إمَّا مستجفٍ في بيته، أو ينوء تحت سياط الجلاّدين من طغاة مكّة، لا يستطيعون الإعلان عن دينهم الجديد، ثمّ هاجر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنوَّرة، وتنفَّس الصعداء فهادن اليهود ليأمن شرّهم، وانصرف يصدع بدينه الجديد علناً أمام أصحابه ومتَّبعيه في المسجد الأعظم، وفيه يحاور من قدم إلى المدينة المنوَّرة للاهتداء أو المناظرة، والآيات الكريمة تترى حاملة مفردات تلك العقيدة، وذلك الدين، وكان المسلمون إذا أشكل عليهم أمر أو عجزوا عن فهم آية فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم قريب منهم يسألونه فيجيبهم ويستوضحونه فيرشدهم.
وتوسَّعت رقعة الإسلام، ودخلت حواضر في الدين الجديد، وانداحت شرذمة قريش خاسئة خاسرة عند فتح مكّة، فصارت طوائف تلو الأخرى تنهال على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للتفقّه بالدين ومعرفة الفرائض والسنن وأركان العقيدة والإيمان، ثمّ تذهب تلك الطوائف لتنشر ذلك وتبيّنه لعامّة الناس، وهذا ما تقتضيه طبيعة النظام البشري حيث إنَّه ليس من الممكن عادةً أن ينهال كلّ المكلَّفين والناس بأجمعهم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالسؤال عن معالم الدين، وعندها نزلت الآية الكريمة: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: ١٢٢)، فأخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يبعث أصحابه الواعين لرسالته ليرشدوا الناس وليوجدوا القاعدة المتعلّمة بتعاليم الإسلام وأحكامه.
أمر أهل البيت عليهم السلام شيعتهم بالافتاء:
وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى الأئمّة المعصومين عليهم السلام، فقد صدرت عنهم الروايات التي تأمر النخب المتعلّمة من أصحابهم بالجلوس في المساجد للافتاء والإجابة عن أسئلة الناس في أمور دينهم ودنياهم ليوجدوا القاعدة العريضة المتفقّهة في الدين، وليبعدوا الناس قدر الإمكان عن مراجعة الأئمّة عليهم السلام خوفاً علهم من قبضة الحكّام، فقد روى النجاشي في رجاله عن الباقر عليه السلام أنَّه قال لأبان بن تغلب وهو أحد تلامذته: (اجلس في مسجد المدينة وافت الناس، فإنّي اُحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك)(٥٥١).
وعن المفضَّل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (اُكتب وبث علمك في إخوانك، فإن متَّ فأورث كتبك بنيك، فإنَّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلاَّ بكتبهم)(٥٥٢).
ولم يكتف أهل البيت عليهم السلام من فقهاء شيعتهم بالافتاء، بل أمروهم بالحكم والقضاء بين شيعتهم، ففي رواية عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنَّه سُئل عن رجلين تنازعا في دين أو ميراث، فهل لهما أن يتحاكما إلى السلطان أو القضاة أم ماذا يصنعان؟ قال عليه السلام: (ينظران إلى من كان منكم ممَّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنَّما استخفَّ بحكم الله وعلينا ردّ والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله)(٥٥٣).
ولم يقتصروا في الأمر على خواصّ شيعتهم والفقهاء منهم، بل أمروا شيعتهم بالرجوع إليهم وأخذ الأحكام عنهم، وكانوا في بعض الأحيان يشيرون إلى أشخاص معيَّنين ممَّن يثقون بعلمهم وورعهم، ففي صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنَّه ليس كلّ ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلَّما يسألني عنه، قال: (فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي، فإنَّه قد سمع من أبي وكان عنده وجيهاً)(٥٥٤).
وفي صحيحة شعيب العقرقوفي، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ربَّما احتجنا أن نسأل عن الشيء، فمن نسأله؟ قال: (عليك بالأسدي، يعني أبا بصير)(٥٥٥).
وسأل عبد العزيز بن المهتدي الرضا عليه السلام، قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: جُعلت فداك، إنّي لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، افيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: (نعم)(٥٥٦).
أهل البيت عليهم السلام يأمرون شيعتهم بالتفقّه:
وراح أهل البيت عليهم السلام يحثّون شيعتهم على التفقّه في الدين وتعلّم الأحكام الشرعية والعقائدية، قال الإمام الصادق عليه السلام: (تفقَّهوا في الدين فإنَّه من لم يتفقَّه منكم في الدين فهو أعرابي)(٥٥٧).
وعن معاوية بن عمّار، قال:... قال أبو عبد الله عليه السلام: (الرواية لحديثنا يشدُّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد)(٥٥٨).
وفي صحيحة أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لوددت أنَّ أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتَّى يتفقَّهوا)(٥٥٩).
وعن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، قال: (تفقَّهوا في دين الله، فإنَّ الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا. وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب. ومن لم يتفقَّه في دينه لم يرضَ الله له عملاً)(٥٦٠).
وسار شيعة أهل البيت عليهم السلام على هذا الخطّ الذي رسمه لهم أئمّتهم عليهم السلام، وكانت مرحلة النوّاب الأربعة للإمام الحجّة عليه السلام أصدق مثال على طاعة الشيعة لأوامر أئمّتهم، فأخذوا بمراجتهم وتلقّي جوابات أسئلتهم ودفع حقوقهم بروح كلّها رضا واطمئنان.
صفات الفقهاء الذين يجب اتّباعهم:
حدَّد أئمّتنا عليهم السلام صفات هؤلاء الفقهاء الذين أمروا بطاعتهم ومراجتهم والآخذ عنهم، قال الإمام الصادق عليه السلام: (من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فارضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً)(٥٦١).
وقال الإمام العسكري عليه السلام: (فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)(٥٦٢).
وقال الإمام الحجّة عليه السلام في توقيع له: (وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنَّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم)(٥٦٣).
ولعلَّ السبب في إرجاع أئمّة أهل البيت عليهم السلام شيعتهم إلى الفقهاء من أصحابهم لما كان من سابق علمهم أنَّ فترة تمكّن الشيعة من الالتقاء بهم محدودة، وسوف تمرُّ الشيعة بأدوار يطول أمدها يفقدون ما كانوا يألفون من أخذ الأحكام مباشرة من الإمام ما لم تكن عملية ترويض تدريجي يقوم بها الأئمّة عليهم السلام يمكّن شيعتهم من الاستقلال عنهم.
وقد وردت الأحاديث والروايات الكثيرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام تبيّن فضل هؤلاء الفقهاء وعلوّ قدرهم وسموّ مكانتهم، روى الشيخ الصدوق عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللّهمّ ارحم خلفائي)، قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: (الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسُنّتي)(٥٦٤).
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنَّه قال: (فنحن القرى التي بارك الله فيها، وذلك قول الله عز وجل، فمن أقرَّ بفضلنا حيث أمرهم بأن يأتونا فقال: (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها) [سبأ: ١٨]، أي جعلنا بينهم وبين شيعتهم القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة، والقرى الظاهرة الرسل والنقلة عنّا إلى شيعتنا، وفقهاء شيعتنا إلى شيعتنا)(٥٦٥).
وروى جميل بن درّاج، عن الصادق عليه السلام أنَّه ذكر أقواماً فقال: (كان أبي عليه السلام ائتمنهم على حلال الله وحرامه، وكانوا عيبة علمه، وكذلك اليوم هم عندي، هم مستودع سرّي، أصحاب أبي عليه السلام حقّاً، إذا أراد الله بأهل الأرض سوءاً صرف بهم عنهم السوء، هم نجوم شيعتي أحياءً وأمواتاً)(٥٦٦).
النهي عن اتّباع فقهاء السوء:
والأئمّة المعصومون عليهم السلام كما أمروا شيعتهم باتّباع العدول من الفقهاء الذين يتَّصفون بالصفات التي بيَّنوها في أحاديثهم، فقد منعوهم من الأخذ ممَّن لا تتوفَّر فيهم تلك الصفات، حفاظاً لهم من اتّباع الباطل وتحصيناً لهم عن الانزلاق وراء دعاة الضلال، قال الإمام الباقر عليه السلام: (من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله التيه إلى يوم القيامة)(٥٦٧).
وقال الإمام العسكري عليه السلام بعد أن أمر أتباعه بتقليد فقهاء الشيعة: (وذلك لا يكون إلاَّ بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنَّه من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة العامّة فلا تقبلوا منّا عنه شيئاً ولا كرامة)(٥٦٨)، وبيَّن عليه السلام خطرهم فقال: (وهم أضرُّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليه السلام وأصحابه، فإنَّهم يسلبونهم الأرواح والأموال، وهؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبّهون بأنَّهم لنا موالون، ولأعدائنا معادون، ويدخلون الشكّ والشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلّونهم ويمنعونهم عن قصد الحقّ المصيب)(٥٦٩).
التقليد والمرجعيات الدينية:
ونهج أتباع أهل البيت عليهم السلام الطريق الذي اختطّه لهم أئمّتهم عليهم السلام باتّباع مراجع دينهم وفقهائهم، وتميَّزت هذه الطائفة بفتح باب الاجتهاد، وعلى ذلك جرى علماؤها الأبرار، كما تميَّزت بالتقليد الذي هو (عبارة عن رجوع عامّة الناس الذين لا معرفة لهم بالأحكام الشرعية في أعمالهم وعباداتهم وغيرها للمجتهد المأمون على الحكم الشرعي)(٥٧٠).
ويقول السيّد عبد الرزّاق الحسني: (ولا يخفى أنَّ المجتهدين من علماء الشيعة الإمامية مرجع جميع أبناء الطائفة، فمنهم يتلقّون الفتاوى والأحكام الشرعية، والشيعة يعتقدون أنَّ علماءهم نوّاب أئمّتهم فلا يخالفون لهم أمراً ولا فتوى)(٥٧١).
ويقول الشيخ محمّد السند: (إنَّ عقيدة الطائفة الإمامية في صلاحية المرجعية للفقهاء هي كونها نيابة عن الإمام الحجّة عليه السلام نيابة لا بالخصوص يستمدُّ منها المجتهد والفقيه الأحكام من الكتاب والسُنّة عبر الروايات المروية عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، كما يستمدُّ بعض الصلاحيات للتصدّي لبعض الأمور من المأذونية من قبله عليه السلام في التوقيع الشريف: (وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)(٥٧٢))(٥٧٣).
وبدأ هؤلاء الفقهاء يؤلّفون الكتب الفقهية المعتبرة ليرجع إليها عامّة الناس في كلّ ما يعرض لهم من مسائل، فقد ألَّف يونس بن عبد الرحمن كتابه (يوم وليلة)، وكتاب (التأديب) لتلميذه أحمد بن عبد الله بن مهران، وكتاب (المستمسك بحبل آل الرسول) لابن عقيل العماني، وكتاب (الأحمدي في الفقه المحمّدي) لابن الجنيد، وكتاب (من لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق الذي هو رسالة عملية يرجع إليها من لا يتيسَّر له سؤال الفقيه، وكتب أخرى معتبرة(٥٧٤).
جهاد مراجع التقليد:
وقام الفقهاء بواجباتهم خير قيام وتصدّوا لمرجعية الناس في أمور دينهم ودنياهم، وجاهدوا المعتدّين والكافرين، وكان لهم الصفحات المشرقة في مقارعة الظلمة والطغاة عبر العصور، وكأمثلة على ذلك نورد المواقف التالية:
١ _ الشهيد الأوّل محمّد بن الشيخ جمال الدين العاملي قام بنقل كيان الحوزة من مرحلة الاتّصال الفردي إلى مرحلة الجهاز المرجعي، وأصبحت الحوزة على يديه عبارة عن أجهزة من الوكلاء وعلماء الأطراف يرتبطون بالمرجع ويتَّصلون بالقواعد الشعبية، وقد قُتل رضوان الله عليه واُحرق من قِبَل الظالمين.
٢ _ الفقيه محمّد بن أبي عمير، من الفقهاء المعروفين استدعته السلطة الحاكمة في عصره وطلبت منه أسماء علماء الشيعة لأنَّه كان من مشاهير فقهاء عصر، وأنَّه سيكون بخير لو فعل ذلك، فقال: أنا لا أعرف من الشيعة إلاَّ محمّد بن أبي عمير، فضُرب حتَّى اُغمي عليه(٥٧٥).
٣ _ وفي وقتنا الحاضر حيث قاوم السيّد محمّد باقر الصدر عتاة البعثيين حين طلبوا منه ولو تأييداً لبعض مشاريعهم، وهدَّدوه بالقتل إن لم يفعل ذلك، ولم يفعل فاُعدم رضوان الله عليه، وغيرهم الكثير، ومن أراد المزيد عن جهاد العلماء عبر العصور فليقرأ كتاب (المرجعية الدينية) للسيّد محمّد سعيد الحكيم، وكتاب (فصل الدين عن السياسة فكرة استعمارية) للشيخ حسين الظالمي، ليرى الدور الجهادي البارز لهؤلاء الفقهاء في مقارعة الظالمين والتضحية بأرواحهم في سبيل الشريعة الإسلاميّة.
توسّع المرجعيات الدينية وتعدّدها:
وفي وقتنا الحاضر حيث اتَّسعت الحواضر الإسلاميّة واتَّصلت بقاع الأرض بأجهزة الاتّصالات السريعة نرى المرجعيات الدينية قد تحوَّلت إلى مؤسّسات متخصّصة لكلّ شؤون الناس السياسية والمالية والعبادية وغيرها، وأخذت تعتمد على أهل الاختصاص في شؤونها، يقول السيّد محمّد سعيد الحكيم: (نودُّ أن نشير إلى أهمّية اعتماد المرجع الديني على ذوي الاختصاص والتقوى والاستعانة بهم واستشارتهم وتقسيم الأعمال على اللجان المختصّة لأنَّ المسؤولية أكبر وأعقد من أن يستقلَّ بها شخص واحد وخصوصاً في العصر الحديث، وكذلك دعمه ورعايته للمركز والمؤسّسات والمشاريع الإسلاميّة المتنوّعة)(٥٧٦).
وإذا كان البعض يشكل علينا في مسألة تعدّد المراجع، يقول السيّد الحكيم: (وفي غياب العصمة قد يكون في تعدّد المراجع بعض الإيجابيات، لأنَّ وحدة المرجع قد تعرّضه إلى الاندفاع في الجري على قناعاته من دون تروًّ وتثبّت بنحو قد لا تحمد عواقبه، كما أنَّها قد تضفي عليه هالة من الجلالة والقدسية تجعل من سيرته سُنّة ثابتة لا يمكن الخروج عنها وتمنع من النظرة لها وإخضاعها للنقد والتعديل)(٥٧٧).
ولم يكن هذا التعدّد في المرجعيات يثير الفرقة بين أبناء الطائفة الواحدة، فقد دعا السيّد محمّد سعيد الحكيم مقلّديه بقوله: (أمَّا وصيّتنا لمقلدينا فهي أنَّ اختلاف التقليد لا ينبغي أن يكون منشأ للشحناء ولا سبباً للفرقة والتناحر والتهاتر والبغضاء، وعليهم احترام الآخرين ما داموا قد عملوا بموازينهم الشرعية التي قامت الحجّة عندهم عليها، والتلاحم والانسجام معهم والتعاون في سبيل الحقّ وخدمة المبدأ)(٥٧٨).
الردّة وعلماء الضلال:
ومنذ عصور الخلافة الإسلاميّة الأولى والحكّام والولاة يتدخّلون في شؤون الرواة والمحدّثين لينالوا تأييدهم لأعمالهم الضالّة بما يروون من أحاديث كاذبة وموضوعة، أمَّا في عصرنا الحاضر فقد تدخَّل الحكّام الطغاة في الحوزات العلمية بشكل سافر لمحاولة حرف مسارها الروحي والجهادي، وقد نجحوا إلى حدًّ ما في احتواء بعض المراكز الفقهية في العالم الإسلامي، فصار الأزهر الشريف وجامعة الزيتونة والقيروان وفقهاء مكّة والمدينة تحت سلطانهم يوجّهونهم كيفما يريدون، لكنَّهم فشلوا في احتواء الحوزة العلمية في النجف الأشرف والحوزات الشيعية الأخرى، حيث إنَّ فقهاء الإمامية يحملون من الورع والزهد ما يمنعهم عن المداهنة في دينهم، إضافةً إلى اكتفائهم الاقتصادي والمالي بما يحمل إليهم من حقوق شرعية، وهذا الموقف مكَّنهم من مقارعة الظالمين وتحمّل المحن والآلام والقتل والتشريد في سبيل المبدأ.
ولمَّا عجزت السلطات الحاكمة عن احتوائهم عمدت إلى أسلوب استعماري بغيض وهو إيجاد المراجع والفقهاء المزيّفين الذين يعملون بالخفاء ولا يظهرون للناس ويأخذون تعليماتهم من الدوائر الماسونية والاستعمارية والصهيونية، وقد ألَّف (د. مايكل برانت) نائب رئيس المخابرات المركزية الأمريكية كتاباً بعنوان (مؤامرة التفريق بين الأديان) يقول فيه: (إنَّ قدرة المذهب الشيعي وقوَّته في يد المراجع وعلماء الدين، وإنَّهم يتولّون حفظ هذا المذهب وحراسته، ففي العراق لم يستطع صدّام بكلّ قواه إجبار الحوزة العلمية في النجف على الانقياد له، أمَّا ما يخصُّ المرجعية الشيعية فإنَّ تفتيت وحدة الشيعة والمتمثّلة بالاتفاف حول مرجعيتها لا يتمُّ إلاَّ من خلال إيجاد الساحة الخالية لهم لينموا وينتشروا ويتمُّ تقديمهم بهيئة رجال دين يحملون أفكاراً جديدة)(٥٧٩).
كذلك يجب الترويج لمقولة كفر الشيعة بنحو أن يفتى بالجهاد ضدّهم وتشويه سمعة المراجع وعلماء الدين بحيث يفقدون مكانتهم عند الناس، وقد تمَّ تخصيص مبلغ قدره (٩٠٠) مليون دولار لنشر هذه الدعايات التي تمَّ تضخيمها وبثّها بين الناس والإيعاز بنشرها وتأويل الروايات التي تذكر ظهور الإمام المهدي عليه السلام وأنَّه يبدأ بقتل علماء السوء وفقهاء الشرّ وتطبيقها على علماء وفقهاء الحوزات العلمية، وفي النجف الأشرف خاصّة، وترى أنَّ كلّ الجهات الضالّة التي تعادي الإسلام تضرب على هذا الوتر لتنال من فقهائنا لأسباب سنذكرها إن شاء الله في نهاية البحث.
روايات في فقهاء عصر الظهور:
نذكر هنا بعض الروايات التي وردت عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام التي تتحدَّث عن فقهاء آخر الزمان، أو في عصر ظهور الإمام المهدي عليه السلام الذين ابتلى بهم الإسلام وباعوا دينهم للطغاة والحكّام الظلمة، ثمّ نتحدَّث عن تلك الكتابات التي أولت تلك الأحاديث وطبَّقتها على فقهاء العلم والورع الشيعية لا لشيء إلاَّ لأنَّهم يمثّلون الدين الحقّ الذي يرفض التزوير والخداع والتضليل:
١ _ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (فقهاء ذلك الزمان شرّ فقهاء تحت ظلّ السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود)(٥٨٠).
٢ _ وعن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويل لأمّتي من علماء السوء، يتَّخذون العلم تجارة يبيعونها، لا أربح الله تجارتهم)(٥٨١).
٣ _ وعن الإمام علي عليه السلام، قال: (مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شرّ من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود)(٥٨٢).
٤ _ وعن الحسن العسكري عليه السلام، قال: (شرار علماء أمّتنا المضلّون عنّا، القاطعون للطرق إلينا، المسمّون أضدادنا بأسمائنا...)(٥٨٣)، واستشهد بحديث أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال في شرّ خلق الله: (العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق)(٥٨٤).
وفي هذه العبارات وصف لعلماء السوء، فهم يتاجرون بالدين، ومنهم تخرج الفتنة وإليهم تعود، يسمّون الملوك بأسماء أهل البيت عليهم السلام، يظهرون الأباطيل ويكتمون الحقائق، ولكن تأبى أقلام هؤلاء الإجراء إلاَّ أن تلصقها بعلمائنا وفقهائنا العاملين وهم منها براء.
تأويل المضلّين لهذه الأحاديث:
وهنا نقرأ بعض ما يقوله هؤلاء المضلّون عن إيراد مثل هذه الروايات، وكيف يصفون بها ويطبّقونها على علمائنا الأبرار:
١ _ يقول أحدهم: (ومنها أنَّه يقتل الكثير من العلماء غير العاملين الذين كانت تظنّهم الناس صالحين)(٥٨٥)، ويضيف: (إنَّ المرجعيات قد تعدَّدت وتضاربت آراؤها وتناحرت بعضها مع البعض الآخر، وهذا الكلام يشهد على الواقع، فإذا كانت المرجعيات متناحرة، وكلّ يجرُّ النار إلى قرصه، فهل من الممكن أن يكون الكلّ سبيلاً للإمام المهدي عليه السلام، هذا ما يضحك الثكلى)(٥٨٦).
وقال: (إنَّ المراد بقريش الذي يقدّمهم المهدي عليه السلام فيضرب أعناقهم هم العلماء والوجهاء)(٥٨٧).
وقال أيضاً: (سيكون في عصر الظهور فتنة يخرج الناس بها عن الولاية الإلهية، وما ذاك إلاَّ لأنَّ علماء التشيّع سيطعنون بالإمام المهدي عليه السلام، ويقولون له: عد يا ابن فاطمة الزهراء من حيث أتيت لا حاجة لنا بك فالدين بخير)(٥٨٨).
ويعلّق على قول أمير المؤمنين عليه السلام: (عند ذلك يقوم قائمنا فيقدّم سبعين رجلاً يكذبون على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيقتلهم، ثمّ يجمعهم الله على أمر واحد)(٥٨٩)، ويقول: (وفي هذه إشارة إلى المرجعية الدينية لقريش في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن مرجعية اليوم هم علماء النجف)(٥٩٠).
وهو بهذا يؤوّل الرواية الواردة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ليطبّقها على العلماء الأبرار، ولكن إنَّ الذين يخرجون على الإمام هم من البترية، ويقول الشيخ الكوراني: ومعنى البترية أنَّهم يقبلون الولاية دون البراءة، وأوّل من سمّاهم بذلك زيد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام، وقال: (بترتم أمرنا بتركم الله)(٥٩١).
٢ _ القحطاني: وهو أبو عبد الله القحطاني الذي هو حيدر مشتّت من أهالي العمارة (ميسان)، أحد طلبة العلوم الدينية في النجف الأشرف الذي سمّى نفسه القائم الذي يمهّد للإمام المهدي عليه السلام، وقد أسَّس مؤسّسة القائم الإعلامية، وأصدر جريدة القائم، واُلّفت الكتب الكثيرة من فكره، ثمّ هرب إلى إيران وعاد إلى بغداد وأخذها مقرّاً لدعوته، وقد قُتل وهو يستقلُّ سيّارة بيضاء مع مرافقيه في شارع فلسطين في شهر رمضان (١٤٢٦هـ).
يقول القحطاني: إنَّ تفسير الآية الكريمة: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ) (الفجر: ٩): ثمود هم الشيعة في آخر الزمان، وهو وادي النجف، وعلماء السوء والفقهاء في آخر الزمان هم يبنون بيوتهم بالصخر والمرمر)(٥٩٢).
ويقول أيضاً وهو يتعرَّض لعلماء النجف الأشرف بالخصوص: (بما أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لاقى الأمرّين من قريش في بداية الدعوة فإنَّ المهدي عليه السلام سيكون أتباعه من الشيعة اليوم وستكون مدينة النجف هي مكّة في التأويل، وسيكون سكّانها هم قريش، ويتبيَّن لنا جليّاً أنَّ الفقهاء اليوم هم قريش المهدي عليه السلام، وسوف يحاربون الإمام ويكذّبون دعوته، وهؤلاء يسكنون النجف والكوفة وهم فقهاء السوء والضلالة)(٥٩٣).
٣ _ الدعوة المهدوية المولوية: ويسمّون أنفسهم أهل الصحراء، ولا يعرف قادتهم والمخطّطون لمنهجهم، ومبدأهم مختف عن الأنظار، وهم يقومون بأعمال خارجة عن الدين، كالإيمان بالحلول والتناسخ، وإباحة المحارم ومشاعية الجنس، وتبادل الزوجات، ويجوّزون الكذب، ويلغون التقليد، وهم يشنّون حملة ظالمة على المرجعية الدينية في النجف الأشرف، ولا نشكُّ أنَّ قاضي السماء ملئ بالأفكار التي تتهجَّم على الفقهاء بل تطالب بقتلهم.
هذه الدعوات الضالّة التي تطلق مثل هذه الأفكار وتنشرها تشترك بالقواسم التالية:
١ _ معاداة المرجعية الدينية في النجف الأشرف _ على وجه الخصوص _، واتّهامها بشتّى التهم محاولة منها لفصل الناس عنها حتَّى يسهل عليها قيادتهم نحو مهاوي السوء والضلالة وتمرير ما يريده الصليبيون واليهود.
٢ _ إلغاء الدراسات الفقهية والحوزوية، وادّعاء أنَّها غير مجدية، وأنَّ هؤلاء الأدعياء يتَّصلون بالإمام المهدي عليه السلام مباشرة فلا حاجة للدراسة.
٣ _ مسخ عقيدة الشيعة الإمامية وتحريفها وضرب الاعتقاد بالإمام المهدي عليه السلام بما ينسجونه من أفكار هدّامة لا تليق بدعوته المباركة.
٤ _ تقديس شخصيات هذه الدعوات ونسج هالة من القدسية حولها ونسب القدرات الفائقة لهم والتي يستند بعضها إلى السحر والشعوذة لإغراء الناس باتّباعهم وتقليدهم لضرب الشريعة الإسلاميّة.
دور الفقهاء:
أمَّا ما هو دور الفقهاء في عصر الظهور المبارك للإمام المهدي المنتظر عليه السلام؟ فيمكن تلخيصه بما يلي:
١ _ لا يلغي الإمام المهدي عليه السلام دور الفقهاء وعلماء وأساتذة الحوزة العلمية الذين يدرّسون فقه أجداده وعلومهم، وإنَّما يوسّعها ويهذّبها بما يتناسب مع دولته المباركة ليكون الناس جميعاً على علم بالأحكام الشرعية استناداً إلى الخطّ الذي دعا إليه أجداده المعصومون في ضرورة التفقّه بالدين.
٢ _ إنَّ هؤلاء العلماء والفقهاء هم أهل الخبرة في الدراسات الفقهية، والحجّة قائمة في الرجوع إليهم في كلّ علم وفنّ، ومنها المجالات الشرعية، فيرجع الناس إليهم في مسائلهم الشرعية والتكليفية.
٣ _ يكون دورهم _ كما كان دورهم في زمن أجداده عليهم السلام _ الجلوس في المساجد أو في الأماكن العامّة ويفتون الناس ويجيبون على مسائلهم ويعرّفونهم الأحكام الشرعية ويجنّبون الناس مراجعة الإمام مباشرة لبعدهم عن مكان تواجده.
٤ _ لا ننسى أنَّ مع الإمام عليه السلام ثلاثمائة وثلاثة عشر من خيرة أصحابه وهم قادة للبلدان في بقاع الأرض والفقهاء في الدين، ويكون اتّصالهم المباشر بالإمام المهدي عليه السلام _ كما تقول الروايات المعتمدة _ للإجابة عمَّا يشكل عليهم وعلى الفقهاء من مسائل.
وختاماً نقول: إنَّ فقهاء المذهب الإمامي هم حملة أعلام الدين، وحماة شريعة سيّد المرسلين، وأوصانا النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام بطاعتهم، فلا ينبغي أن يوصفوا بتلك الصفات التي تنال من قدسيتهم، ولا ينبغي أن نتَّبع الأعداء من يهود ومستعمرين في التشكيك بهم وبمقاماتهم العظيمة التي أمرنا الإمام المهدي عليه السلام باحترامها وتبجيلها.

* * *
البحث التاسع: الصيحة أو النداء السماوي

من نافلة القول: أنَّ قضية الإمام المهدي عليه السلام هي من صميم العقيدة الإسلاميّة بشكل عامّ والشيعية بشكل خاصّ، وتعتمد على آيات من القرآن الكريم تتحدَّث عن وعد إلهي جازم تسود فيه شريعة الإسلام في أرجاء المعمورة، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصفّ: ٩)، وأنَّ عباده الصالحين سيرثون الأرض ويقيمون حكومة العدل الإلهي: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥).
وشفعت هذه الآيات _ مفصّلة وموضّحة _ الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة روتها كتب الفريقين من الشيعة والسُنّة، كقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج فيه ولدي المهدي)(٥٩٤)، وقوله: (من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني)(٥٩٥)، وغيرها من الأحاديث والروايات التي تذكر اسمه وكنيته وتنسبه إلى أبيه الحادي عشر من أئمّة أهل البيت وهو الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وأنَّه من أولاد علي وفاطمة عليهما السلام، وهو التاسع من ولد الحسين عليه السلام.
وبالفعل فقد تحدَّث التاريخ: أنَّه ولد في النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ) للحسن العسكري عليه السلام ولد أسماه محمّداً وكنّاه بأبي القاسم وأخفاه عن أعين الناس خوفاً عليه من السلطات الحاكمة التي تترقَّب ولادته، وأخذ يطلع عليه خوّاص أصحابه ويعلمهم بأنَّه وليّ الله وحجَّته من بعده، وأنَّه سيغيب عنهم طويلاً حتَّى يأذن الله له بالظهور.
وتحدَّثت الأحاديث والروايات التي ذكر الشيخ الكوراني بأنَّها بلغت حوالي ستّة آلاف حديث كما جاء في كتابه (معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام)، تحدَّثت عن عصر ظهوره وحركته وأنصاره ومعالم دولته ومدَّة حكمه ووفاته، وهي بلا شكّ _ تخبر عن حوادث ووقائع غيبية لم تقع بعد _، وحيث إنَّ أكثر هذه الروايات قد وثَّقها المحدّثون سنداً ومتناً وتأكَّدوا من صحَّة صدورها فليس لنا إلاَّ التصديق بها كجزء من الغيب السماوي الذي تتحدَّث عنه الآيات الكريمة وهو صفة المؤمنين المتّقين، قال تعالى: (الم ١ ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ٢ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة: ١ _ ٣).
أمَّا كيف يظهر، وما هي العلامات الدالّة على ظهوره؟ فهو ما نتحدَّث عنه في بحثنا هذا لعلَّه يعصمنا من الإنجرار وراء الدعوات الضالّة والباطلة التي تظهر بين فترة وأخرى بمسمّيات مختلفة وهي تدَّعي المهدوية أو النيابة زوراً وبهتاناً.
تقول الرواية التي وثَّقها السيّد محمّد الصدر في موسوعته(٥٩٦)، والتي رواها الشيخ الطوسي في الغيبة(٥٩٧) عن الشيخ الصدوق الذي توفّي بوقت غير بعيد عن نهاية عصر الغيبة الصغرى للإمام المهدي عليه السلام، أي في سنة (٣٨١هـ) يقول: أخبرنا جماعة، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه (أي الشيخ الصدوق)، قال: حدَّثني أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمّد السمري قدس سره، فحضرته قبل وفاته بأيّام فأخرج إلى الناس توقيعاً _ عن الإمام عليه السلام _ نسخته:
(بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمّد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاَّ بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّابٌ مفترٍ، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم).
فقد تحدَّث الإمام المنتظر عليه السلام في توقيعه أنَّه لا ظهور قبل السفياني والصيحة، فما هي هذه الصيحة؟ ومتى تقع؟ ومن هو الصائح؟ وماذا يقول؟
تفيد الروايات الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام الخاصّة بعصر الظهور بوجود علامات غير حتمية الوقوع في وقت ظهوره، وهي علامات تشير إلى كثرة الفساد وتذمّر الناس وانتشار الظلم وسقوط الأطروحات الأرضية الحاكمة ووصول البشرية إلى طريق مسدود من جور الحكّام الظالمين وانتظار المنقذ الذي تترقَّبه جميع الشعوب وتبشّر به الأديان، أمَّا العلامات الحتمية الوقوع فهي خمس كما ورد في الروايات الآتية:
١ _ روى الشافعي المقدسي عن الحسين بن علي عليهما السلام، قال: (للمهدي خمس علامات: السفياني واليماني والصيحة من السماء والخسف بالبيداء وقتل النفس الزكية)(٥٩٨).
٢ _ روى الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: (قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني والسفياني والصيحة وقتل النفس الزكية والخسف بالبيداء)(٥٩٩).
٣ _ روى ابن أبي زينب النعماني بسنده عن الصادق عليه السلام، قال: (النداء من المحتوم...)(٦٠٠).
فما هي الصيحة أو النداء السماوي؟
جاء لفظ الصيحة من السماء أو النداء السماوي في عدَّة روايات نذكر منها حديث المفضَّل عن الصادق عليه السلام، قال: (... فإذا طلعت الشمس وأضاءت صاح صائح بالخلائق من عين الشمس بلسان عربي مبين يسمع من في السماوات والأرض: يا معشر الخلائق هذا مهدي آل محمّد، ويسمّيه باسمه واسم جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويكنّيه وينسبه إلى أبيه الحسن الحادي عشر...، بايعوه تهتدوا)(٦٠١).
هذا الصائح الذي يصيح في السماء هو جبرئيل عليه السلام كما يحدّثنا الإمام الباقر عليه السلام فيقول: (الصيحة لا تكون إلاَّ في شهر رمضان...، والصيحة فيه هي صيحة جبرئيل إلى هذا الخلق)(٦٠٢)، ويؤكّد هذه الرواية ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام يقول: (فينزل حينئذٍ جبرائيل على صخرة بيت المقدس فيصيح في أهل الدنيا: قد جاء الحقّ وزهق الباطل إنَّ الباطل كان زهوقاً)(٦٠٣).
وفي عقد الدرر للشافعي المقدسي يقول: عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: (فيأمر الله عز وجل جبريل عليه السلام فيصيح على سور مسجد دمشق: ألا قد جاءكم الغوث يا أمّة محمّد، قد جاءكم الغوث يا أمّة محمّد، قد جاءكم الفرج وهو المهدي عليه السلام خارج من مكّة فأجيبوه)(٦٠٤).
وواضح أنَّ الصيحة تكون في شهر رمضان المبارك في الليلة الثالثة والعشرين منه، وهي أشرف ليلة باعتبارها من ليالي القدر، أو هي ليلة القدر وتكون ليلة جمعة، يقول الإمام الباقر عليه السلام: (يكون الصوت في شهر رمضان في ليلة الجمعة ثلاث وعشرين فلا تشكّوا في ذلك واسمعوا وأطيعوا)(٦٠٥).
وربَّما وردت الصيحة باسم النداء السماوي، يقول الصادق عليه السلام: (ينادي منادٍ من السماء أوّل النهار يسمعه كلّ قوم بألسنتهم: ألا إنَّ الحقّ في علي وشيعته)(٦٠٦).
وقد ذكرت لنا الروايات ما يقوله جبرئيل عليه السلام في ندائه السماوي ولكن بعبارات مختلفة، لكنَّها جميعاً تدعو إلى معنى واحدٍ، تقول الروايات:
١ _ عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّ جبرئيل يقول: (إنَّ هذا مهدي آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم خارج من أرض مكّة فأجيبوه)(٦٠٧).
٢ _ عن الباقر عليه السلام أنَّ جبرئيل يقول: (ألا إنَّ الحقّ مع علي وشيعته)(٦٠٨).
٤ _ عن الصادق عليه السلام أنَّ جبرئيل يقول: (يا معشر الخلائق هذا مهدي آل محمّد...، بايعوه تهتدوا)(٦٠٩).
٥ _ عن الرضا عليه السلام أنَّ جبرئيل يقول: (ألا إنَّ حجّة الله قد ظهر عند بيت الله فاتَّبعوه فإنَّ الحقّ معه وفيه)(٦١٠).
هذه الروايات وغيرها يكاد يكون فحواها واحداً: هو أنَّ جبرئيل عليه السلام ينادي أوّل النهار: بسم الله الرحمن الرحيم (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) (الإسراء: ٨١)، يا معشر الخلائق إنَّ الحقّ مع علي وشيعته وإنَّهم هم الفائزون، هذا مهدي آل محمّد خارج من أرض مكّة فأجيبوه وبايعوه تهتدوا فإنَّ الحق معه وفيه. فلا تضادّ في فحوى هذه الروايات لأنَّها تدعو إلى مناصرة المهدي وتأييده.
أمَّا اللغة التي يتكلَّم بها جبرئيل عليه السلام بهذا النداء، فهو يتكلَّم باللغة العربية لغة القرآن الكريم، فقد ورد في رواية المفضَّل عن الصادق عليه السلام: (... صاح صائح بالخلائق من عين الشمس بلسان عربي مبين)(٦١١).
وهو يسمع العالم أجمع بهذا الصوت، فكلّ قوم يسمعونه بلسانهم ولغتهم، ففي رواية زرارة عن الصادق عليه السلام يقول: (ينادي منادٍ باسم القائم عليه السلام...، يُسمع كلّ قوم بلسانهم)(٦١٢).
وفي رواية الشافعي المقدسي عن الباقر عليه السلام: (النداء يعمُّ أهل الأرض ويسمع أهل كلّ لغة بلغتهم)(٦١٣).
وروى الشيخ الطوسي عن أبي حمزة، عن الصادق عليه السلام: (ينادي منادٍ من السماء أوّل النهار يسمعه كلّ قوم بألسنتهم)(٦١٤).
وهنا تتَّضح لنا لغة النداء السماوي الذي ينادي به جبرئيل في السماء، هذا الصوت السماوي ليس كباقي الأصوات، ولا نداء كباقي النداءات التي يمكن أن تطلقها الفضائيات وشبكات الأخبار عبر الفضاء، فهو صوت رهيب مفزع، له تأثير واضح على الناس لشدَّة وقعه وتأثيره فيهم، وذلك ما نفهمه من مضمون الروايات الآتية:
١ _ عن ابن مسعود، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال:... قلنا: وما الصيحة يا رسول الله؟ قال: (هدَّة في النصف من رمضان يوم الجمعة ضحى، وذلك إذا وافق شهر رمضان ليلة الجمعة، فتكون هدَّة توقظ النائم، وتقعد القائم، وتخرج العواتق من خدورهنَّ)(٦١٥).
٢ _ قال علي عليه السلام: (هادٌّ من السماء، يوقظ النائم، ويفزع اليقظان، ويخرج الفتاة من خدرها، ويسمع الناس كلّهم، فلا يجيء رجل من أفق من الآفاق إلاَّ حدَّث أنَّه سمعه)(٦١٦).
٣ _ عن الصادق عليه السلام قال: (فلا يبقى شيء من خلق الله فيه الروح إلاَّ يسمع الصيحة، فتوقظ النائم ويخرج إلى صحن داره، وتخرج العذراء من خدرها، ويخرج القائم ممَّا يسمع، وهي صيحة جبرئيل عليه السلام)(٦١٧).
ففي هذه الروايات بيان واضح على شدَّة الصيحة وقوَّة النداء الذي يسمعه كلّ شخص في الأرض، وقد أسمتها بعض الروايات بالفزعة التي توقظ النائم، وتفزع اليقظان لشدَّتها، وتفقد العذراء رشدها فتخرج من الدار، وهي كنايات عن شدَّة الصوت، ولسنا مع الرأي الذي يقول: إنَّ الصيحة هي اصطدام الكواكب ببعضها لأنَّها صوت يُسمع منه كلام واضح.
والسؤال هنا: كيف يستقبل أهلُ الأرض هذا النداء؟
الروايات تفيدنا أنَّ المؤمنين والمستضعفين في الأرض يستبشرون بهذا النداء ويتحدَّثون به وليس لهم حديث غيره، وذلك واضح في الأحاديث التالية:
١ _ قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إذا نادى منادٍ من السماء: أنَّ الحقّ في آل محمّد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكر غيره)(٦١٨).
٢ _ قال الرضا عليه السلام: (كأنّي بهم أسرَّ ما يكونون، وقد نودوا نداءً يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)(٦١٩).
والأحاديث بهذا المعنى كثيرة تصف فرح المؤمنين وسرورهم وتحدّثهم بهذا الصوت وانتظارهم خروج الإمام عليه السلام.
أمَّا ردُّ الفعل المعادي فهو صوت ينادي به إبليس وتذكره الروايات الآتية:
١ _ عن الباقر عليه السلام: (وفي آخر النهار صوت الملعون إبليس اللعين ينادي: ألا إنَّ فلاناً قتل مظلوماً ليشكّك الناس ويفتنهم)(٦٢٠)، وهذه الدعوة أو الشعار طالما رفعه المعادون للإمام أمير المؤمنين عليه السلام يرومون به أغراضاً شخصية ضالّة.
٢ _ عن الصادق عليه السلام: (ثمّ ينادي إبليس لعنه الله في آخر النهار: ألا إنَّ الحقّ في السفياني وشيعته، فيرتاب عند ذلك المبطلون)(٦٢١)، والارتياب والشكّ يصيب المبطلين فقط وهم المشكّكون بظهور الإمام عليه السلام.
وفي قول الإمام الصادق عليه السلام إشارة واضحة إلى الصورة التي يظهر بها إبليس، يقول الإمام عليه السلام: (فإذا كان في الغد صعد إبليس في الهواء حتَّى يتوارى عن أهل الأرض ثمّ ينادي: ألا إنَّ الحق في عثمان بن عفّان)(٦٢٢)، وفي كلمة يتوارى في الهواء كناية واضحة عن أصوات لا ترى أشخاصها من قبل الناس.
ويمكن لنا أن نحمل كلمة (إبليس) الواردة في الروايات على معناها الحقيقي الوارد في القرآن الكريم _ بمقتضى أصالة الحقيقة _، فيكون صوت إبليس هو المتبادر إلى الذهن من ظاهر الأخبار، والظاهر حجّة، وهو مؤيَّد بالقرينة الحالية التي تعقب الصوت من حصول الاضطراب وانشقاق الناس إلى طائفتين، كما ويمكن أن يحمل ما ورد في الروايات على الجهات التي تعادي الإمام، ونقصد بها كلّ صيحة انحراف وتضليل تطلقها أجهزة الإعلام اليهودية والصليبية وهو بعيد، ولكنَّنا أوردناه هنا لمزيد من الاستقصاء، ولعلَّه يكون هو المراد.
ولا شكَّ أنَّ هذا النداء السماوي يترك في الأرض دوياً هائلاً تتحدَّث به الدنيا جميعاً فتبعث أنظمة الضلال رجالها للبحث عن الإمام المهدي عليه السلام، وتراقب ظهوره، وينشط رجال المخابرات في جميع أنحاء العالم بالبحث عنه، وتستعدُّ الجيوش لملاقاته وضرب حركته، فيما تجنّد إعلامها للتشكيك في حركته وظهوره لمنع الناس عن مناصرته وتأييده، في الوقت الذي يستعدُّ المؤمنون فرحين لاستقباله والانخراط في جيشه.
هذه الفترة كما تقول الروايات تستغرق مائة وسبعة عشر يوماً، من الثالث والعشرين من شهر رمضان حتَّى العاشر من محرَّم حيث يسمع الناس النداء الثاني الآتي من مكّة المكرَّمة والذي يبشّر بظهور الإمام من داخل البيت الحرام.
تقول الروايات: إنَّ الإمام عليه السلام يكون ساعة النداء الأوّل في الثالث والعشرين من شهر رمضان في المدينة، وحينما يزداد الطلبُ عليه يخرج منها متخفّياً إلى إحدى شعاب مكّة وجبالها حيث يتَّصل به بعض أنصاره المقرَّبين، ويقرّر إرسال النفس الزكية إلى مكّة مبعوثاً عنه إلى أهلها لطلب النصرة، فيقابله أهل مكّة بالرفض ويقتلونه بين الركن والمقام، وبعد هذا الحادث المأساوي بخمسة عشر يوماً يعلن الإمام حركته في العاشر من المحرَّم يصحبه نداء الملك جبرئيل من السماء بالدعوة لتأييده ونصرته.
١ _ عن الباقر عليه السلام قال: (يقوم القائم عليه السلام في وتر من السنين...، حتَّى ينادي منادٍ من السماء، فإذا نادى فالنفير النفير، فوَالله لكأنّي أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس بأمر جديد)(٦٢٣).
٢ _ وعن الباقر عليه السلام: (كأنّي بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائماً بين الركن والمقام، بين يديه جبرئيل عليه السلام ينادي: البيعة لله)(٦٢٤).
٣ _ وعن الصادق عليه السلام: (إنَّ القائم صلوات الله عليه ينادى اسمه ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم يوم عاشوراء يوم قُتل فيه الحسين بن علي عليهما السلام)(٦٢٥).
ولا شكَّ أنَّ التأييد الإلهي يصاحب هذه الدعوة من خلال ملازمة أمين الوحي جبرئيل للإمام والدعوة له والمناداة باسمه وتوكيل بعض الملائكة بمصاحبته:
١ _ روى الطبراني عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (يخرج المهدي وعلى رأسه مَلَك ينادي: إنَّ هذا المهدي فاتَّبعوه)(٦٢٦).
٢ _ وعن عبد الله بن عمر أيضاً، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي: هذا خليفة الله المهدي فاتَّبعوه)(٦٢٧).
ويصف لنا الإمام الباقر عليه السلام خروجه في مكّة فيقول:
(... والقائم يومئذٍ بمكّة، قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً به، فينادي: يا أيّها الناس، إنّا نستنصر الله، فمن أجابنا من الناس فإنّا أهل بيت نبيّكم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن أولى الناس بالله وبمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فمن حاجّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن حاجّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح...) ويعدّد الرسل حتَّى يصل إلى جدّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: (ومن حاجّني في محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فأنا أولى الناس بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم...)(٦٢٨).
فالروايات التي تتحدَّث عن ظهوره الشريف تجمع أنَّه يخرج من مكّة يوم الجمعة أو السبت في العاشر من محرَّم بعد صلاة العشاء، يقف مسنداً ظهره إلى البيت الحرام بين الركن والمقام، يسبقه نداء الأمين جبرئيل بإعلان ظهوره، ثمّ يدعو الناس لنصرته وتأييده، يحيط به أنصاره الثلاثمائة وثلاثة عشر ومؤيّدوه ممَّن تأخَّر من موسم الحجّ أو من أتى لنصرته، تؤيّده الملائكة، وتحاول قوّات الأمن القبض عليه ولكن أنصاره يخلّصونه من أيديهم، ثمّ ما يلبث أن يسيطر على مكّة في ليلته تلك، ثمّ تتوالى الأحداث التي تصفها الروايات والتي لسنا بصدد البحث فيها.
في الختام نورد حديثاً شريفاً للنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، عن شهر بن حوشب، عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (في المحرَّم ينادي منادٍ من السماء: ألا إنَّ صفوة الله من خلقه فلان، فاسمعوا له وأطيعوا)(٦٢٩)، وفي هذا تأكيد على أنَّ خروجه عليه السلام بنداء ثانٍ من السماء وهو يدعو إلى مناصرته.

* * *
البحث العاشر: الطابع السلمي لحركة الإمام المهدي عليه السلام

حينما يريد الله سبحانه أن يحقّق وعده الذي أوجبه على نفسه للمؤمنين بقوله: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ) (النور: ٥٥)، وعندما يريد سبحانه أن يظهر دينه على الدين كلّه ولو كره الكافرون وذلك بتحقيق قوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) (القصص: ٥)، عندها ننتظر قيام دولة العدل الإلهي في الأرض على يد خاتم الأوصياء الإمام الحجّة بن الحسنِ المهدي عليه السلام.
هذه الدولة التي تأخذ على عاتقها تحقيق ما تصبو إليه البشرية من العدل والسلام والأمان والسعادة وزوال الظلم والطغيان بعد أن تصل إلى مرحلة يكون فيها انتظار المنقذ والمخلّص هو الحالة التي تسود البشرية كلّها.
لا نريد في بحثنا هذا تبيان حقيقة الإمام المهدي عليه السلام، فقد كفَّتنا الآياتُ الكريمةُ الواردُ ذكرُها والأحاديثُ الشريفةُ للرسولِ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين التي أشبعتها الكتب بحثاً وتحليلاً وتوثيقاً، حتَّى تكاد تكون هذه القضيّة هي الأوسع مساحةً في التأليف بعد مسألة الخلافة، ولكنَّنا نكتفي بإيراد قولهصلى الله عليه وآله وسلم: (من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني)(٦٣٠)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم الوارد في كلام محيّ الدين بن العربي وهو من علماء الحنابلة وعارفيهم في كتاب الفتوحات المكّية حيث يقول: (اعلموا أنَّه لا بدَّ من خروج المهدي عليه السلام، ولكنَّه لا يخرج حتَّى تمتلأ الأرضُ جوراً وظلماً، فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يكن من الدنيا إلاَّ يومٌ واحد لطوَّل الله تعالى ذلك اليوم حتَّى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ولد فاطمة، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده الحسن العسكري، ابن الإمام علي النقي...)(٦٣١).
الذي نريد البحثَ فيه ما يُلاحظ في الرواياتِ الواردةِ عن أهل البيت التي تتحدَّث عن حركةِ ظهوره عليه السلام والتي تحفل بها كتب الشيعة والسُنّة بأنَّه يخرجُ بالسيف _ وهي إشارةٌ إلى السلاح _ يضعُه على عاتقه ثمانية أشهر يقتلُ هرْجاً، لا يستتيبُ أحداً، يُجهز على المولّي ويقتل الجريح، يُعمل السيفَ في العرب والعجم، يَقتل قريشاً وكلباً حتَّى يقولَ الناسُ: لو كان من آل محمّد لما فعل هكذا، والروايات بهذا الصدد كثيرة، وكلّها تنفّر الناسَ من الإمام عليه السلام وتخوّفهم من ظهوره، وتطبعُ حركتَه بطابع دموي كالذبح والقتل المروّع والاجتثاثِ وإعمال السيف، ومن هذه الروايات:
أ _ روايتان عن الإمام علي عليه السلام:
الأولى: عن الحارث الهمداني يقول: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (بأبي ابن خيرة الإماء _ يعني القائم عليه السلام من ولده عليه السلام _، يسومهم خسفاً ويسقيهم بكأس مصبّرة، ولا يعطيهم السيفَ إلاَّ هرجاً)(٦٣٢).
الثانية: عنه عليه السلام: (... والقائم له أن يقتل المولّي ويجهز على الجريح)(٦٣٣).
ب _ عن الباقر عليه السلام عدَّةُ روايات، منها:
١ _ عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحبَّ أكثرهم ألاَّ يروه، ممَّا يقتل من الناس...، حتَّى يقولَ الكثيرُ من الناس: ليس هذا من آل محمّد، ولو كان من آل محمّد لرَحم)(٦٣٤).
٢ _ عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (... ثمّ يضع _ أي القائم عليه السلام _ سيفه على عاتقه ثمانية أشهر فلا يزال يقتل أعداء الله حتَّى يرضى الله)(٦٣٥).
٣ _ عنه عليه السلام قال: (إذا قام القائم سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس يدعون البترية عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتَّى يأتي على آخرهم، ويدخل الكوفة فيقتل بها كلّ منافق مرتاب)(٦٣٦).
٤ _ عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:... قلت له: أيسير بسيرة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: (هيهاتَ هيهاتَ يا زرارة، ما يسير بسيرته)، قلت: جُعلت فداك، لِمَ؟ قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سار في أمّته بالمنّ، كان يتآلف الناس، والقائم يسير بالقتل، بذلك اُمر في الكتاب الذي معه أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحداً)(٦٣٧).
ج _ عن الصادق عليه السلام روايتان:
الأولى: قال عليه السلام: (يجرد السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل هرجاً)(٦٣٨)، والمراد بتجريد السيف مباشرة القتال والحرب، والهرج: القتل الشديد.
الثانية: عنه عليه السلام قال: (إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب والفرس إلاَّ السيف، لا يأخذها إلاَّ بالسيف ولا يعطيها إلاَّ به)(٦٣٩).
وحركة الإمام المهدي التي تنطلق من مبدأ الحوار وتُدخِل في حيثياتها كلَّ أسباب الإصلاح تؤكّد في أولولياتها على بسط السلام ونشر العدل ودحض الظلم في ربوع المعمورة، فمع الأخذ بهذه الروايات فإنَّ المهدي عليه السلام سيقتل أكثر المسلمين ولا يبقي إلاَّ البقيَّة الصالحَة القليلَة التي تبايعُهُ وتنصرُهُ، وإذا كان المنحرف من المسلمين مستحقّاً للقتل، فكيف بالكافر والمشرك؟ وهذا مخالف للهدف الإلهي من خلقة البشر، فإنَّه تعالى خلق عباده ليرحمهم لا ليعذّبهم، فلا بدَّ أن تُستأصل البشريةُ كلّها سوى هذا النفر القليل!
وقبل أن نخوض في موضوع الروايات ومطابقتها مع مقتضى الحال لا بدَّ أن نشير إلى بعض المبادئ المهمّة في حركة الإمام عليه السلام التي هي حركة إصلاحية هدفها إنقاذ المظلومين وإشاعة العدل والقضاء على الفساد والسير على خطى أجداده المعصومين، حيث يقول الإمام الحسين عليه السلام: (إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي صلى الله عليه وآله وسلم...)(٦٤٠).
فالطابع الإصلاحي هو سمة حركة الإمام المهدي عليه السلام، ونقول:
أوّلاً: إنَّ الأمور لا تستقيم للإمام المهدي عليه السلام عفواً من تلقاء نفسها ولا بالمعجزة، بل تحتاج إلى جهد وجهاد وخوض المعارك والنضال العنيد المستمرّ، ولا بدَّ من استعمال السلاح لمقاتلة الأعداء الذين يقاومون دعوته.
ثانياً: إنَّ مهمّة الإمام المهدي عليه السلام العالمية لنشر الإسلام في ربوع المعمورة مقاتلةُ الكفار والمشركين وأصحاب العقائد الضالّة والمنحرفين وأصحاب الديانات المختلفة والفِرَق الإسلاميّة المناوئة لدعوته، بل وحتَّى فِرَقاً من الشيعة من غير الإمامية.
ثالثاً: إنَّ الإمام عليه السلام مكلَّفٌ بواجبٍ شرعي هو نشرُ الإسلام وتطبيقُ حكم الله في الأرض وتغييرُ المجتمعاتِ الإنسانية تغييراً جذرياً وليس القيام بانقلاب عسكري أو سياسي، فلا يمكنه المداهنةُ والمراوغةُ مع الفئاتِ المناوئة.
وإنَّنا إذ نبني هذه المبادئ المهمّة على استعمال السلاح، ولكنَّنا لا يمكن ان نُقنِع المقابلَ في شرعية الإفراط في القتل والاجتثاث للمناوئين لحركته المباركة، فإنَّ مثل هذه الروايات تترك الانطباعَ غير الجيّد لدى الباحثين من غير المسلمين عن حركة الإمام عليه السلام الذي تترقَّبُ ظهورَه البشريةُ كلّها، خاصَّة وأنَّه المنقذ والمخلّص لأمم الأرض من الظلم والظالمين، وإذا به يظهر بهذه الصورة، فكيف نعالج هذا الموضوع ليكونَ بريقُ الأمل بدعوته المباركة متوهجّاً ثرّاً؟
لعلَّنا نبحثُ الموضوع ضمن الفقرات التالية:
أوّلاً: الاختلافُ في المعاملة:
يمكن أن نفرّق بين المسلمين وغيرهم في من تشملهم هذه الروايات، فالملاحظ أنَّ الروايات منصبَّةً على مقاتلة العرب والمسلمين المناوئين لحركة الإمام عليه السلام بشكل خاصّ، والعبارات تخصُّ (كلباً، قريشاً، أهلَ مكّة، أهلَ المدينة، المرجئة، البترية، السفياني، أهلَ الشام)، وكلّها مناطق عربية إسلاميّة، وهذا يرجع إلى الأسباب التالية:
١ _ إنَّ الحجّة الكاملة بصدق الإسلام واضحة في أذهان المسلمين، والتعاليم الإسلاميّة راسخة في عقولهم، والقرآن بين ظهرانيهم.
٢ _ إنَّ الأمّة الإسلاميّة هي الحاملة لأطروحة العدالة الكاملة والمنافحة عن رسالة الإسلام الحقّة. وليس المرجوّ منها أن تقف في وجه الحركة الإصلاحية التي يقودها الإمام عليه السلام.
٣ _ إنَّ الأمّة الإسلاميّة سيكون لها مركز قيادة العالم في حركة الإمام، فليس من الصحيح مخالفةُ الإمام والوقوفُ بوجه هذه الدعوة.
فالأمّة الإسلاميّة وفِرَقها المختلفة تتحمَّل الوزر الأكبر عند مخالفتها لدعوة الإمام وهي تعي من هو الإمام وما هي أهدافه، وأنَّها هي التي ستكون قائدةً للعالم في ظلّ حركته.
ويمكن القول: إنَّ منطقة الشرق الأوسط العربية سيكون دورها سلبياً تجاه الحركة المهدوية كدور مكّة في بدء الدعوة الإسلاميّة، فإنَّ الإسلام لم ينتشر إلاَّ بعد القضاء على أهمّ بؤرة للشرك في مكّة، وكذلك الإمام الحجّة عليه السلام لا يمكنه بسط رسالته العالمية إلاَّ بالقضاء على بؤر الضلال والإضلال المتلبّسة بالإسلام والتي تمثّل الوهّابية إحدى أركانها.
ثانياً: مواجهة الحركات المضادّة والمعاندة:
(لم تكن حركة الإمام المهدي تغيب عنها أدوات الإصلاح ضمن معطيات ظرف قائم على الظلم والقتل والتنكيل، حتَّى تكاد تكون في أولويتها بسطُ السلام، فالإمام يظهر على خلفيات العنف العامّ الذي يحلُّ في أرجاء المعمورة التي بدت بوادره تلوح في الأفق على أرض العراق، ويمتدُّ على نطاقه الأوسع المتمثّل في فلسفةِ الحركاتِ الإسلاميّةِ المدَّعيةِ للجهاد حين تعلنُ عن منطقِها الصريح في تأييدِ العنفِ والإرهابِ والقتل وتصفُ القتلةَ بأنَّهم مجاهدون، ومن هنا سيجد الإمام معارضة خطيرة تحاول الإطاحة بحركته تتبنّاها حركات تنتسب إلى الإسلام وتعمل باتّجاه إحباط مشاريعه وتحرّكاته، وسيكون بمقتضى منطق الآخر المعارض أن يُفترضَ الردُّ الحاسمُ من الإمام، وهو ما تسمّيه الروايات القتل الهرج أي الشديد)(٦٤١).
وليس هناك شكٌّ في أنَّ هذه الحركات المناوئةَ للإمام من التكفيريين والنفعيين والمعاندين أشدُّ على دعوة الإمام من باقي الفئات، وكما يقول الإمامُ الحسنُ العسكري عليه السلام: (هم أضرُّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليه السلام وأصحابه)(٦٤٢).
وكشاهد على مخالفة منظّري وعلماء هذه الفئات التي تدَّعى الإسلامَ ما ورد في الرواية الواردة عن الإمام الباقر عليه السلام يقول: (إذا ظهر القائم على نجف الكوفة خرج إليه قرّاء أهل الكوفة وقد علَّقوا المصاحف في أعناقهم وأطراف رماحهم...، فيقولون: لا حاجة لنا فيك يا ابن فاطمة، قد جرَّبناكم فما وجدنا عندكم خيراً، ارجعوا من حيث جئتم، فيقتلهم حتَّى لا يُبقي منهم مخبر)(٦٤٣).
فالموقف يتطلَّب من الإمام مقارعة هذه الفئات بالسيف واجتثاثها.
ثالثاً: الإجراءات السلمية في حركة الإمام عليه السلام:
لدينا رصيد هائل من الأحاديث النبوية الشريفة والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام تفيد أنَّ الإمام عليه السلام يستخدم الأسلوب التفاوضي والسلمي مع الحركات المناوئة له وإمهالها لتغيير موقفها، ولا يلجأ للقتال إلاَّ بعد أن تستنفد كافّة الوسائل السلمية كما كان يفعل أجداده من قبل، ومن هذه الروايات:
أ _ في بداية الحركة في مكّة، يقول الإمام الباقر عليه السلام: (يقول القائم عليه السلام لأصحابه: يا قوم إنَّ أهل مكّة لا يريدونني، ولكنّي مُرسِل إليهم لأحتجَّ عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتجَّ عليهم. فيدعو رجلاً من أصحابه فيقول له: امض إلى أهل مكّة فقل: يا أهل مكّة، أنا رسول فلان إليكم وهو يقول لكم: إنّا أهلُ بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرّية محمّد وسلاة النبيّين...)، إلى أن يقول: (فنحن نستنصركم فانصرونا. فإذا تكلَّم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس الزكية)(٦٤٤).
ب _ في حديث المفضَّل عن الإمام الصادق عليه السلام: (ثمّ يسير المهدي عليه السلام إلى الكوفة...)، إلى أن يقول: (فيقول الحسني: الله أكبر مُدَّ يدك يا بن رسول الله حتَّى نبايعك، فيمدّ يده فيبايعه ويبايعه سائر العسكر الذي مع الحسني إلاَّ أربعين ألفاً أصحاب المصاحف المعروفين بالزيدية فإنَّهم يقولون: ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ عظيم، فيختلط العسكران، فيُقبل المهديُ عليه السلام على الطائفةِ المنحرفةِ، فيَعِظُهم ويدعوهم ثلاثة أيّام، فلا يزدادون إلاَّ طغياناً وكفراً، فيأمر بقتلهم)(٦٤٥).
ج _ أخرج الشافعي المقدسي في عقد الدرر عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (... فيقول _ أي المهدي عليه السلام _ بايعوا على أربعين خصلة واشترطوا عشرة خصال...) إلى أن قال: (يبايعون على ألاَّ يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا ولا يهتكوا حريماً محرَّماً ولا يسبّوا مسلاماً ولا يهجموا منزلاً ولا يضربوا أحداً إلاَّ بالحقّ...)(٦٤٦).
د _ وفي تعامله مع أشدّ الناس عداوةً له ولشيعة أهل البيت وهو السفياني، تقول الرواية: (حتَّى يلقاه السفياني، فيقول: أخرجوا إليَّ ابن عمي _ يعني المهدي عليه السلام _ حتَّى اُكلّمه، فيخرج إليه فيكلّمه فيسلّم له الأمر ويبايعه، فإذا رجع السفياني إلى أصحابه تذمّهُ كلب، فيرجع ليستقيلَه فيُقيلَه)(٦٤٧).
هـ _ أمَّا تعاملُهُ مع اليهود والنصارى فنلمس الرحمة لدى الإمام في أوضح صورها، فعن الإمام علي عليه السلام في خِطبةٍ له ذكرَ فيها المهدي عليه السلام يقول: (ويستدعي إلى بين يديه كُبّار اليهودِ وأحبارهِم ورؤساءَ دين النصارى وعلماءَهم، ويحضر التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ويجادلهم على كلّ كتاب بمفرده ويطلب منهم تأويلَه ويعرّفهم تبديله ويحكم بينهم كما أمر الله ورسولُهُ)(٦٤٨).
ز _ وأخيراً في المراحل النهائية لمعاركه، معركتُهُ مع الروم الصليبيين وهي المعركة الفاصلة، حين ينزلون على ساحل البحر متهيّئين لمقاتلة الإمام، فينزل المسيح ليُصلّي خلف الإمام ويبذلُ مساعيه وبتوجيه من الإمام لعقد هُدنة مع الروم، وبالفعل تعقد الهُدنة لمدَّةِ سبع سنوات ولكنَّهم ينقضونها في حَمل امرأة وتقع الحرب لتدورَ رحاها عليهم.
كلُّ هذه الروايات عن حركة الإمام في عصر الظهور شواهد كافية على إنسانية هذه الحركة ونهجها السلمي ونزوعها إلى حقن الدماء وإلقاء الحجّة على الخصوم وعدم استخدام القوَّة إلاَّ حينَ يسدرُ المعتدي في غيّه ويميل عن جادّة الصواب.
رابعاً: التكتيك العسكري:
تدلُّ الروايات أنَّ حالةَ القتل الشديد الذي تسمّيه (الهرج)، وحملَ السلاح على العاتق، والإبادةَ الشاملةَ للقوى الضالّة ليست الطابعَ السائدَ في حركةِ الإمام، وإنَّما هو تكتيكٌ عسكريٌ مؤقَّتٌ تقتضيهِ الأيّامُ الأولى من الحركة.
فقد جاء في هذه الروايات أنَّ حملَ السلاح والشدَّةَ في التعامل مع المعاندين تستغرقُ ثمانيةَ أشهر فقط كتكتيك عسكري لتلك المرحلة، وهذا ما نلمسه في الروايات الآتية:
أ _ أخرج الصدوق في (كمال الدين) عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام: (... ثمّ يضع _ أي القائم عليه السلام _ سيفه على عاتقه ثمانية أشهر)(٦٤٩).
ب _ قال الصادق عليه السلام: (يجرد السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل هرجاً)(٦٥٠).
ج _ عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر الباقر عليه السلام يقول: (... ويضع _ أي القائم عليه السلام _ السيف على عاتقه ثمانية أشهر هرجاً مرجاً حتَّى يُرضي الله)(٦٥١).
ومن هذه الروايات نفهم أنَّ حركة الإمام عليه السلام ستواجهها في بداية ظهورها مقاومة من بعض الفئات الضالّة التي تستدعي أن يقوم الإمام بمقاتلتها بعد إرشادها ومفاوضتها لهديها إلى الطريق الصحيح.
خامساً: روايات تؤكّد الطابع السلمي:
بيد أنَّنا لا نُعدم الكثيرُ من الروايات التي تُشير إلى اتّخاذه الرحمة والشفقة أسلوباً في تعامله مع القوميات والأديان الأخرى منذ بداية حركته المباركة حتَّى مراحلها النهائية وما بعد سيطرته على العالم التي تشير إلى نشر العدل والمساواة في العطاء واستخراج الأرض كنوزها والمعاملة العادلة بين أمم الأرض.
وتظهر هذه الروايات في صورتين:
الأولى: الروايات التي تُشير إلى وصف الحركة:
أ _ قال النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: (تنعم أمّتي في زمن المهدي نعمة لم ينعموا مثلها قطّ)(٦٥٢).
ب _ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من ولدي، وجهه كالقمر الدرّي...، يرضى بخلافته أهل السماوات والأرض والطير في الجوّ)(٦٥٣).
ج _ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (اُبشّركم بالمهدي، يبعث في أمّتي على اختلاف من الناس وزلزال، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسّم المال صحاحاً)، فقال له رجل: ما صحاحاً؟ قال: (بالسوية بين الناس)، قال: (ويملأ اللهُ قلوبَ أمّةِ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم غنى ويسعهم عدلُهُ)(٦٥٤).
د _ عن أبي هريرة، قال: (يُبايَع المهديُ بين الركن والمقام، لا يوقظ نائماً ولا يهريق دماً)(٦٥٥).
هـ _ عن أبي سعيد الخدري، عنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (تأوي إليه أمّتُهُ كما تأوي النحل إلى يعسوبها، يملأ الأرضَ عدلاً كما ملئت جوراً حتَّى يكون على مثل أمرهم الأوّل)(٦٥٦).
الثانية: الروايات التي تصف الواقع العملياتي للحركة:
تشير الروايات أنَّ هناك الكثير من البلدان تعلن ولاءها للإمام أو تثور شعوبُها على حكوماتِها _ والقولُ للشيخ الكوراني _ وتعلن تأييدَها للإمام وتنضمّ إلى دولته العادلة، وليس ذلك إلاَّ لحسن التعامل وصحَّة الأفكار وأسلوب الإدارة في نشر العدل والأمن والسلام وتخليص البشرية من الطغاة، ومن جملة هذه الروايات:
أ _ عن علي عليه السلام: (إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشاً فخسف بهم بالبيداء...، وتنقل إليه الخزائن، وتدخل العرب والعجم وأهل الحرب والروم وغيرهم في طاعته من غير قتال حتَّى تُبنى المساجد بالقسطنطينية وما دونها)(٦٥٧).
ب _ قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: (فوَالذي نفسي بيده حتَّى لا تبقى قرية إلاَّ وينادى فيها بشهادة أن لا إله إلاَّ الله بكرةً وعشياً)(٦٥٨).
ج _ يقول الشيخ الكوراني: (وبعد هذه المعركة ينفتح الباب أمام المهدي عليه السلام لفتح أوربا والغرب المسيحي، ويبدو أنَّ كثيراً من بلادها يتمُّ فتحها بثورات شعوبها حيث تقوم بإسقاط حكوماتها المعادية للمسيح والمهدي عليهما السلام، وتقيم فيها حكومات موالية للمهدي عليه السلام)(٦٥٩).
خلاصة البحث:
١ _ أنَّ المهمّة التي يظهر الإمام المهدي عليه السلام من أجلها هي أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهذا ما تؤكّده الروايات والأحاديث المتواترة، التي تشير إلى أنَّ دولته المرتقبة تمثّل قمَّة السعادة والرفاه والعدل لشعوب الأرض.
٢ _ أنَّ هذا التكتيك العسكري الذي يتبعه الإمام لا يتعدّى ثمانية أشهر في بداية حركته حينما تكون الدعوة في أوج صراعها مع الأعداء وفي عنفوان مقاومتها للحركات الضالّة، وتنتهي الحالة بإنهاء تلك الحركات.
٣ _ أنَّ الإمام حين يعلن ظهوره المقدَّس ستكون أشدُّ الفئات عناداً ومقاومةً له تلك الفئاتُ التي تدَّعي الانتساب للإسلام حيث لا ينفع معها نصح وإرشاد، كما هو حال التكفيريين والمعاندين اليوم، فما لهم إلاَّ القتل والاستئصال.
٤ _ أنَّ هناك الكثير من الدول والشعوب تعلن ولاءها وتأييدها للإمام دون حرب لما كانت تعانيه من الظلم وما تنتظره من المنقذ والمخلّص لها من شرّ الحكّام الظالمين.
٥ _ أنَّنا نجد الكثير من الروايات التي تتحدَّث عن حكومة الإمام بعد بسط سلطانها على العالم وتشير إلى إقامة العدل والسلام ونشر الخير والعطاء والعلم في أجلى مراحله وأعلى درجاته.

* * *
البحث الحادي عشر: سلاح الإمام المهدي عليه السلام في عصر الظهور

تؤكّد الآيات الكريمة أنَّ الله عز وجل سيظهر دينه على الأديان كافّة ولو كره المشركون، ولمَّا كان الدين الإسلامي لم يسع المعمورة كلّها فلا بدَّ من ظهور المنقذ الذي يحقّق هذا الوعد، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصفّ: ٩)، ثمّ الوعد الإلهي الذي قطعه الله على نفسه بأنَّه سيورث الأرض عباده الصالحين، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥)، ولا شكَّ أنَّ الأرض منذ أن سُكنت كان عبادُ الله فيها هم المستضعفون والمطاردون.
ففي الخطاب القرآني دلالات كافية وتأكيد إلهي ووعد صادق من الله تعالى بإقامة دولة إلهية عالمية تسود المعمورة يحكم بها المؤمنون الأرض وفق شريعة السماء لتكون نموذجاً لتطبيق الإرادة الإلهية، ومن أصدقُ من الله في تنفيذ وعده؟
الفصل الأوّل: حالات انتصار الإمام عليه السلام:
أمَّا كيف يتَّحقق هذا الوعد الإلهي بنصرة الإمام المهدي عليه السلام وتنفيذ مشروعه العالمي، فهناك ثلاث أطروحات:
الأطروحة الأولى: إنَّه ينتصر بطريق الإعجاز الإلهي:
وتتلخَّص هذه الأطروحة بأنَّ الله سبحانه وهو القادر على كلّ شيء قد وعد خليفته بالنصر في آيات كثيرة، وهو قادر على نصره بأيّة طريقة كانت، وتمكينه من بسط سلطانه على الأرض، وذلك بأن يحصل على الأسلحة بطريق المعجزة، وأنَّ الأسلحة الحديثة لا تعمل ضده، وأنَّ الأعداء سوف يصرفهم الله عن استنتاج الطرق المؤثّرة عليه.
وهذا الرأي مخالف لقاعدة (ناموسية السنن الإلهية) كما يقول الشيخ محمّد السند، ويضيف: (إنَّ أيّ تغيير ليس إيحاءً ولا إعجازاً على قاعدة كن فيكون، وإنَّما هو أمر بين أمرين، جانب من البشر، وجانب من التأييد الإلهي)(٦٦٠).

ويقول السيّد محمّد الصدر: (إذا آمنّا بالمعجزة فإنَّ ظهوره يكون لا معنى له)، استناداً إلى قوله تعالى: (لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) (الرعد: ٣١)، ويضرب الأمثلة التي تدلّل على امتناع المعجز في إنجاز الحركة فيقول: (لو أمكن سيطرة الإمام المهدي عليه السلام على العالم لأمكن لنبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم وهو خير منه أن يسيطر على العالم بطريق المعجزة، ولانتصر الحسين عليه السلام على جيش الكوفة، ولأمكن إنجاز الوعد الإلهي بأسرع ما يمكن، فتأخيره وامتداد الظلم، ظلم للبشرية)(٦٦١).
ويقول كامل سليمان في اليوم الخلاص: (إنَّنا لا نحكي حكايا عجائز فنصوّر إمامنا يسيطر على أعدائه بالدعاء على الظالمين فيقف دعاؤه في وجه مدافع أعدائه وقذائفهم وصواريخهم ومدمّراتهم ووسائل حربهم المفنية)(٦٦٢).
ولعلَّ هؤلاء يستندون إلى رواية عن الإمام الباقر عليه السلام:... قلت إنَّهم يقولون: إنَّه إذا كان ذلك استقامت له _ أي المهدي عليه السلام _ الأمور عفواً، فلا يهريق محجمة دم، فقال _ أي الباقر عليه السلام _: (كلاَّ والذي نفسي بيده حتَّى نمسح وأنتم العرق والعلق _ أي الدم _) وأومأ بيده إلى جبهته(٦٦٣).
ثمّ إنَّ الروايات التي تصف عصر الظهور تتحدَّث عن معارك يخوضها الإمام عليه السلام في مكّة والمدينة والكوفة ودمشق وفلسطين مع جيوش السفياني واليهود والروم، فإذا كانت المعجزة هي التي تحقّق النصر للإمام فلا داعي لمثل هذه المعارك، ونعود إلى قول السيّد محمّد الصدر بهذا الصدد: (لا يمكن الإلتزام بأنَّ سيطرة المهدي عليه السلام على العالم تكون بطريق إعجازي)(٦٦٤).
الأطروحة الثانية:
وهذه تقول: إنَّ الله سبحانه يريد أن ينتصر الإمام المهدي بالقوانين الطبيعية، دون مساعدة القدرة الإلهية. وهذا الرأي لا يمكن الاعتماد عليه أيضاً، بالرغم من صحَّة القول بأنَّ السير على طبق القوانين الطبيعية هو الأسلوب العامّ في ثورة الإمام المهدي عليه السلام، ولكن الاعتقاد بعدم وجود تأييد إلهي، وأنَّ الإمام يواجه العالم بقدراته الذاتية وما له من الأنصار، ويقاتل الدول العظمى ذات الأسلحة الفتّاكة وترسانات الأسلحة الحديثة اعتقاد لا يمكن قبوله، ومن أين لشخص يدخل مكّة وحيداً فيصبح بعد أيّام سيّداً للعالم بلا منازع بقدرات ذاتية دون تأييد إلهي؟ وهذا لا يمكن التسليم به، سيّما وإنَّنا نجد التأييد الإلهي الواضح في مراحل حركة الإمام الثلاث وهي:
أ _ التاريخ السابق على خروج الإمام من ظهور الممهّدين والمؤيّدين ودعوتهم له وتأييدهم لدولته.
ب _ التأييد الإلهي في وقت ظهوره المبارك من اجتماع أنصاره في مكّة من كلّ مكان، والنداء السماوي، والخسف بجيش السفياني، ونزول عيسى عليه السلام من السماء، وانتصاره في الحروب كلّها.
ج _ سيطرته على العالم أجمع ولم يتحقَّق ذلك على طول التاريخ البشري.
الأطروحة الثالثة:
وهي أنَّ الإمام المهدي عليه السلام ينتصر بقوَّة جيشه وحداثة سلاحه ورجاله المحاربين الأشداء مع وجود التأييد الإلهي. ويشرح السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره أصل الفكرة فيقول: (تتميَّز عمليات التغيير الاجتماعي التي تفجّرها السماء على الأرض بأنَّها لا ترتبط في جانبها الرسالي بالظروف الموضوعية، لأنَّ الرسالة التي تعتمدها عملية التغيير هنا ربّانية، ومن صنع السماء لا من صنع الظروف الموضوعية، ولكنَّها في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية ويرتبط نجاحها وتوقيتها بتلك الظروف. ومن أجل ذلك انتظرت السماء مرور خمسة قرون من الجاهلية حتَّى أنزلت آخر رسالاتها على يد النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، لأنَّ الارتباط بالظروف الموضوعية للتنفيذ كان يفرض تأخّرها على الرغم من حاجة العالم إليها منذ فترة طويلة قبل ذلك. والظروف الموضوعية التي لها أثر في الجانب التنفيذي من عملية التغيير، منها ما يشكّل المناخ المناسب والجوّ العام للتغيير المستهدف، ومنها ما يشكّل بعض التفاصيل التي تتطلَّبها حركة التغيير من خلال منعطفاتها التفصيلية.
وهذا لا يمنع من تدخّل الله سبحانه وتعالى أحياناً فيما يخصُّ بعض التفاصيل التي لا تكوّن المناخ المناسب وإنَّما قد يتطلَّبها أحياناً التحرّك ضمن ذلك المناخ المناسب، ومن ذلك الإمدادات والعنايات الغيبية التي يمنحها الله تعالى لأوليائه في لحظات حرجة فيحمي بها الرسالة، وإذا بنار نمرود تصبح برداً وسلاماً على إبراهيم، وإذا بيد اليهودي الغادر التي ارتفعت بالسيف على رأس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تشل وتفقد قدرتها على الحركة...).
(وعلى هذا الضوء _ والكلام للسيّد الصدر قدس سره _ ندرس موقف الإمام المهدي عليه السلام لنجد أنَّ عملية التغيير التي اُعِدَّ لها ترتبط من الناحية التنفيذية كأيّة عملية تغيير اجتماعي أخرى بظروف موضوعية تساهم في توفير المناخ الملائم لها، ومن هنا كان من الطبيعي أن توقَّت وفقاً لذلك. ومن المعلوم أنَّ المهدي لم يكن قد أعدَّ نفسه لعمل اجتماعي محدود، ولا لعملية تغيير تقتصر على هذا الجزء من العالم أو ذاك، لأنَّ رسالته التي ادُّخر لها من قبل الله سبحانه وتعالى هي تغيير العالم تغييراً شاملاً...، لا يكفي في ممارستها مجرَّد وصول الرسالة والقائد الصالح وإلاَّ لتمَّت شروطها في عصر النبوّة بالذات، وإنَّما تتطلَّب مناخاً عالمياً مناسباً، وجوّاً عامّاً مساعداً، يحقّق الظروف الموضوعية)(٦٦٥).
وهذا الرأي هو ما ذهب إليه الشيخ محمّد السند بقوله: (إنَّ حركة الإمام ليست سُنّة إلهية لوحدها، وليست إعجازاً إلهياً لوحده، بل هي حركة وفق السنن الطبيعية زائداً التأييد الإلهي)(٦٦٦).
فإذا سلَّمنا بالحالة الثالثة التي تعتمد طرفي المعادلة وهو الرأي الوسط، كان لا بدَّ لنا أن ندرس صور التأييد الإلهي في حركة الإمام، ثمّ نأتي إلى عوامل انتصاره الذاتية.
الفصل الثاني: صور التأييد الإلهي لحركة الإمام عليه السلام:
ويمكن أن نلمس التأييد الإلهي في العصر السابق لظهور الإمام فيما يلي:
أوّلاً: اضعاف الدول وانهاء ترسانات الأسلحة لكي يظهر الإمام على أرضية سهلة من البشر غير قادرة على المقاومة الشديدة عسكرياً، ويتجلّى ذلك واضحاً في الروايات الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام التي تنبئ عن انحطاط الدول وضعف ترسانة الأسلحة لديها، أمَّا ضعف الأسلحة فهو وارد في احتمالين:
الأوّل: احتمال توصّل الدول الكبرى إلى معاهدات للقضاء على الأسلحة النووية ومنع انتشارها، كما حدث بين أمريكا والاتّحاد السوفيتي المنحلّ، أو إلغاء تلك الأسلحة، وهذا احتمال ضعيف خاصّة وأنَّ الدول الكبرى لم تلتزم بتلك المعاهدات، وأنَّ البعض لم يوقّع عليها، وما معاهدات (سالت/ ١) و(سالت/ ٢) إلاَّ مثال على عدم جدوى ذلك الاحتمال حيث لم تُطبَّق نهائياً.
الثاني: احتمال أن تُدمَّر هذه الأسلحة بقيام حرب عالمية ثالثة بين الدول التي تمتلك تلك الأسلحة! يقول السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره: (هناك افتراض أساسي واحد بالإمكان قبوله على ضوء الأحاديث التي تحدَّثت عنه، والتجارب التي لوحظت في عمليات التغيير الكبرى في التاريخ، وهو افتراض ظهور المهدي عليه السلام في أعقاب فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانقة، وذلك الفراغ يتيح المجال للرسالة الجديدة أن تمتدّ، وهذه النكسة تهيّئ الجوّ النفسي لقبولها، وليست هذه النكسة مجرَّد حادثة تقع صدفة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وإنَّما هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله سبحانه وتعالى التي لا تجد لها في نهاية المطاف حلاً حاسماً، فتشتعل النار التي لا تُبقي ولا تذر، ويبرز النور في تلك اللحظة ليطفئ النار ويقيم على الأرض عدل السماء)(٦٦٧).
وقيام حرب عالمية تُدمَّر فيها ترسانات الأسلحة وارد جدّاً استناداً إلى الأدلَّة الآتية:
أ _ الإشارة إلى الوعيد الإلهي بتدمير الحضارة عند أخذ الأرض زينتها، تقول الآية الكريمة: (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْأَياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس: ٢٤).
ب _ الروايات الواردة عن النبيّ وأهل بيته التي تخبر بوقوع حرب مدمّرة تُفني ثلثي العالم، ومن هذه الروايات:
١ _ قال النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يخرج المهدي حتَّى يُقتل من كلّ تسعة سبعة)(٦٦٨).
٢ _ قال الصادق عليه السلام: (قدّام القائم موتتان: موت أحمر وموت أبيض، حتَّى يذهب من كلّ سبعة خمسة، الموت الأحمر السيف، والموت الأبيض الطاعون)(٦٦٩).
٣ _ وقال الصادق عليه السلام: (لا يكون هذا الأمر حتَّى يذهب ثلثا الناس)، فقلنا: إذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى؟ فقال: (أمَا ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي)(٦٧٠)، والروايات بهذا الصدد كثيرة.
ج _ تنبّؤ بعض المفكّرين الغربيين بزوال الحضارة، يقول (برناردشو) بعد أن سُئل عن الحرب العالمية الثالثة: (إنَّ هذا لا أعلمُهُ ولكن الحرب الرابعة ستكون بالعصي والحجارة)(٦٧١)، دليل التدمير الشامل.
وهذا الاحتمال أقرب إلى الوقوع حيث تتَّجه الدول إلى تكديس الأسلحة النووية والذرّية وغيرهما، وأنَّ وقوع الحرب يؤدّي إلى تلف هذه الأسلحة وإلى دمار شامل للدول والشعوب المالكة لها سيّما وأنَّها دول معادية للإسلام، فلا يبقى إلى الثلث المؤمن.
ثانياً: انهيار كافّة النظريات المادّية عند التطبيق، فمن معالم التأييد الإلهي للإمام المهدي عليه السلام قبل ظهوره هو إنهيار كافّة النظريات المادّية البشرية عند التطبيق، يقول الإمام الصادق عليه السلام: (ما يكون هذا الأمر حتَّى لا يبقى صنف من الناس إلاَّ وقد ولّوا على الناس حتَّى لا يقول القائل: إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقّ والعدل)(٦٧٢)، ويقول السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره: (... فمن الناحية البشرية يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاد عاملاً أساسياً في خلق المناخ المناسب لتقبّل رسالة العدل الجديدة)(٦٧٣).
وإنَّ فشل الأنظمة السابقة على الظهور، واتّضاح زيفها، وظلمها للبشرية، وتهاوي الأطروحات التي تعرض نفسها بأنَّها تنقذ البشرية من الظلم، كما رحل الفكر الشيوعي وانحسر عن قارّة أوروبا وأجزاء من قارّة آسيا، وبهذا تنتظر البشرية المبدأ المؤهَّل لإسعادها.
ثالثاً: التأييد الإلهي بالممهّدين للظهور، فمن أجل أن تكتسب القضيّة المهدوية عوامل انتصارها فإنَّ الإرادة الإلهية تُهيّء أسباب ذلك الانتصار بالتمهيد له، وطرق التمهيد كثيرة منها ما يتعلَّق بتهيئة وسائل مادّية صرفة، كما يقول السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره: (من الناحية المادّية يمكن أن تكون شروط الحياة المادّية الحديثة أقدر من شروط الحياة القديمة في عصر كعصر الغيبة الصغرى على انجاز الرسالة على صعيد العالم كلّه)(٦٧٤)، ويقول الشيخ محمّد السند: (إنَّ العولمة إعداد مهدوي والحداثة إعداد مهدوي، والعدالة والسلم ونبذ الإرهاب والمطالبة بحقوق الإنسان كلّها عوامل تأهيل بشري لاستقبال دولة الإمام المهديعليه السلام)(٦٧٥).
أمَّا على الصعيد العسكري، فإنَّ الروايات تؤكّد ظهور دول تمهّد لحركة الإمام ربَّما تكون عن طريق أحزاب سياسية أو قوى عسكرية أو أنظمة تتسلَّم السلطة في دول مختلفة من الشرق الأوسط تطلق عليها الروايات (الرايات)، فهناك راية الخراساني من الشرق، وراية اليماني من اليمن وراية السيّد الهاشمي في العراق والذين يقيمون دولاً تمهّد لحركة ظهور الإمام.
الفصل الثالث: الانتصار العسكري في عصر الظهور:
لعلَّ مع كلّ هذه العوامل التي تمهّد لظهور المنقذ، وتهاوي الأنظمة الظالمة، وفشل الأنظمة الفكرية والمعارك الرهيبة التي يمكن أن تقع بين الدول، وبعد تهيئة الأرضية الصالحة لاستقبال الإمام بظهور الرايات الموطئة لخروجه، لعلَّ مع كلّ هذا من قيام الإمام بحركة عسكرية منظَّمة، وجيش مجهَّز بأحدث الأسلحة المتطوّرة وأجهزة تقنية عالية تصاحب الآلة العسكرية، وجنود مؤمنين بالرسالة ومضحّين من أجلها، وقائد محنَّك له خبرة عالية بالقتال وإدارة عسكرية متطوّرة، فلعلَّ كلّ هذه العوامل هي مفردات الانتصار العسكري على الأرض، وتحقيق الإرادة القويّة، ونشر الهداية في العالم.
وهذا ما نراه واضحاً في الروايات التي تتحدَّث عن عصر الظهور من معارك يخوضها جيش الإمام في مكّة والمدينة والكوفة والشام، وإرسال الجيوش البحرية إلى قسطنطينية وروما لخوض المعارك وفتحها، وإرسال الجيوش إلى دول العالم لنشر شريعة السماء فيها، كلّ هذا بإدارة قائد محنَّك وقادة معيَّنون يبلغ عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر قائداً يحيط بهم أنصار يصل تعدادهم إلى عشرة آلاف ثمّ مئات الآلاف ثمّ الملايين. وهذه المعارك واقعة استناداً إلى تلك الروايات التي تتحدَّث عن شرف الاستشهاد بين يدي الإمام، قال الصادق عليه السلام: (من أدرك منكم قائمنا فقُتل معه كان له أجرُ شهيدين، ومن قَتَل بين يديه عدوّاً كان له أجر عشرين شهيداً)(٦٧٦)، وفي الأدعية المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام يأتي دعاء: (اللّهُمَّ كَما جَعَلْتَ قَلْبِي بِذِكْرهِ مَعْمُوراً فَاجْعَلْ سِلاحِي بِنُصْرَتِهِ مَشْهُوراً)(٦٧٧).
ونبحث عوامل الانتصار العسكري للإمام المهدي عليه السلام في الفقرات التالية:
أوّلاً: التأييد الإلهي في المعارك:
ويظهر جليّاً فيما يلي:
أ _ التأييد بالملائكة: لقد وردت روايات تؤكّد هذا المعنى وأنَّ الله سبحانه وتعالى يمدّه عليه السلام بالملائكة المسوّمين المهيَّئين للقتال، قال الإمام الباقر عليه السلام: (لو قد خرج قائم آل محمّد لنصره الله بالملائكة المسوّمين والمردفين والمنزلين والكرّوبيين، يكون جبرائيل أمامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، والرعب يسير مسيرة شهر أمامه)(٦٧٨)، وقال الصادق عليه السلام: (يؤيّده الله بثلاثة أجناد: الملائكة والمؤمنين والرعب)(٦٧٩).
ب _ تسهيل الصعاب التي تعترضه: إذا عرفنا أنَّ الجهاد العسكري فيه من المشاقّ ما لا يحتمل، ومن الصعاب ما لا يطاق، كان التأييد الإلهي في هذا المجال مطلوباً، وهو ما تتحدَّث عنه الرواية عن الصادق عليه السلام يقول: (إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى له كلّ منخفض من الأرض، وخفَّض له كلّ مرتفع منها حتَّى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته)(٦٨٠).
ج _ النداء السماوي باسمه: وهو ما تسمّيه الروايات بالصيحة أو الفزعة التي تفزع النائم وتخرج العذراء من خدرها، وهي دعوة للمؤمنين للتهيّؤ والاستعداد لنصرته، ولإثارة الرعب في قلوب أعدائه، وتكون الصيحة في السماء ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك، يقول الصادق عليه السلام: (... فإذا طلعت الشمس وأضاءت صاح صائح بالخلائق من عين الشمس بلسان عربي مبين يسمع من في السماوات والأرض: يا معشر الخلائق هذا مهدي آل محمّد...، بايعوه تهتدوا)(٦٨١)، وعين الشمس كناية عن وسائل الاتّصال الحديثة والفضائيات.
د _ عنصر المباغتة في التوقيت: وعنصر المباغتة له الأثر الكبير في أيّ إجراء عسكري، لذا جعل الله سبحانه أمر وليّه غير محدَّد بوقت معلوم، وجاء التأكيد من أئمّة أهل البيت عليهم السلام بأنَّه (كذب الوقّاتون)(٦٨٢)، قال أمير المؤمنين عليه السلام: (يخرج _ أي المهدي عليه السلام _ على حين غفلة من الناس)(٦٨٣)، وقال المهدي عليه السلام: (إنَّ أمرنا بغتة)(٦٨٤).
ثانياً: تدخّل الإعجاز الإلهي المباشر في المعارك:
لقد ورد في مراحل البحث أنَّ الإمام عليه السلام يستند إلى السنن الطبيعية في الجهاد، وإلى النصر والتأييد الإلهي في بعض المراحل، وهذا التأييد الإلهي نجده واضحاً في مراحل حركة الإمام العسكرية بما يأتي:
أ _ الخسف في البيداء: وهو من علامات التأييد الإلهي الواضحة المعالم، فالروايات تشير إلى أنَّه بعد ظهور الإمام في مكّة واستيلائه عليها يستنجد أمراء الحجاز بجيش السفياني الموجود في المدينة، فيتحرَّك الجيش للقضاء على حركة الإمام فيخسف الله بهم الأرض كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصف جيش السفياني: (ثمّ يخرجون من المدينة متوجّهين إلى مكّة حتَّى إذا كانوا بالبيداء بعث الله عز وجل جبرئيل فيقول: اذهب فأبدهم، فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم...، ولا يفلت منهم إلاَّ رجلان، أحدهما بشير والآخر نذير)(٦٨٥).
ب _ نزول النبيّ عيسى عليه السلام من السماء: وهي علامة إعجازية أراد الله بها نصر وليّه بأن ينزل النبيّ عيسى عليه السلام من السماء ليُصلّي خلف الإمام في المسجد الأقصى، والروايات تتحدَّث عن تحشيد هائل لليهود والصليبين في فلسطين بحيث يملأون الساحل من العريش إلى أنطاكية ومعهم عشرون مَلِكاً بكامل أسلحتهم لمقاتلة جيش الإمام، فينزل المسيح من السماء ويُصلّي خلف الإمام عليه السلام فتحدث البلبلة في صفوف الجيش الصليبي فمنهم من يلتحق بالإمام، ومنهم من يترك الحرب، ومنهم من يبقى للقتال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (منّا الذي يُصلّي عيسى بن مريم خلفه)(٦٨٦)، وفي الصحيح البخاري عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟)(٦٨٧).
ثالثاً: القيادة العسكرية للإمام عليه السلام:
تتجلّى ملامح الشخصية القيادية في الإمام عليه السلام في المؤهّلات التي يتمثَّل بها، والتي جعلت منه قائداً فذّاً ذا خبرة بأمور الحرب، وإدارة المعارك، وكسب الرأي العامّ عند المحاججة، والبلاغة في الإقناع، وقوَّة الدليل عند الدعوة إلى حركته، وفي جوانب المعركة الأخرى، من خلال:
أ _ إنَّ الإمام هو المعصوم الثاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهم السلام بما يحمله هذا المنصب الإلهي من العلوم الإلهية والمعارف الملكوتية والعلم اللدنّي الذاتي، وبما يريه الله من حقائق الأشياء، يقول الإمام الصادق عليه السلام: (إذا قام القائم عليه السلام لم يقم بين يديه أحد من خلق الرحمن إلاَّ عرفه صالحاً هو أم طالح، لأنَّ فيه آيه للمتوسّمين)(٦٨٨)، كما وإنَّ طول عمر الإمام عنصر هامّ في معرفة الأمم والشعوب ومعايشتها والاطّلاع على واقع النُظُم التي مرَّت بها البشرية والتعرّف على عاداتها وطبائعها وما يحيط بها ممَّا يمكنه من التعامل معها سلماً أو حرباً.
ب _ إيمانه المطلق بالنصر على الأعداء كونه مكلَّف بأداء رسالة إلهية إلى البشرية كافّة بما وعده الله سبحانه من النصر على أعدائه وما يخلقه هذا الإيمان من قوَّة الإرادة واليقين الثابت بالنصر.
ج _ إنَّ هذا القائد يحمل مواريث الأنبياء عليهم السلام في مجالات الحروب والمعارك التي خاضها نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء من قبله ممَّا يساعده في الانتصار على أعدائه.
رابعاً: الجيش القوي المؤمن بقضيَّته:
هناك جيوش قويّة بأسلحتها وأعدادها إنهارت بسرعة لأنَّها لا تملك الإيمان الراسخ بقضيَّتها ولا بقدسية الهدف الذي تضحّي من أجله، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإيمانها وعقيدتها، وشاهِدُنا في ذلك مسلمو بدر في انتصارهم على قريش وغيره، ولا شكَّ إنَّ النصر في الحروب منوط بصفات يتَّصف بها الجندي المقاتل من الإيمان بالهدف والشعور بالمسؤولية تجاهه والإخلاص للقائد والتضحية من أجله، وهذه الصفات يتمتَّع بها جيش الإمام وأنصاره، يصفهم أمير المؤمنين عليه السلام فيقول: (ثلاثمائة عشر رجلاً كأنَّهم ليوث خرجوا من غابة، قلوبهم مثل زبر الحديد، لو همّوا بإزالة الجبال لأزالوها عن مواضعها)(٦٨٩)، ويقول أيضاً: (يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق لو استقبلته الجبال لهدَّها واتَّخذ فيها طرقاً)(٦٩٠)، ووصف أنصاره كذلك الإمام الصادق عليه السلام يقول: (إنَّ الرجل منهم ليُعطى قوَّة أربعين رجلاً، وإنَّ قلبه لأشدّ من زبر الحديد، ولو مرّوا بجبال الحديد لقلعوها)(٦٩١).
وليس الجيش وحده يملك هذه الصفات، بل إنَّ له قاعدة شعبية عريضة من الموالين، قال الصادق عليه السلام: (فإذا وقع أمرنا وجاء مهديّنا كان الرجل من شيعتنا أجرأ من ليث وأمضى من سنان)(٦٩٢).
خامساً: الأجهزة العسكرية المتطوّرة:
إنَّ الإمام المهدي عليه السلام لا يلغي الحضارة الإنسانية التي اكتسبتها البشرية عبر تاريخها الطويل، بل إنَّه يوظّفها لانتصاره في حروبه المرتقبة ويجعلها عاملاً مساعداً لإدارة دولته المترامية، فليس من الصحيح أن نفترض أنَّ العالم يعود إلى عصر السلاح البدائي والعصا والحجارة، بل إنَّ كلّ الروايات تشير إلى نشر العلم والمعارف، يقول الإمام الصادق عليه السلام: (إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم)(٦٩٣).
ويقول الشيخ محمّد السند: (ليس من الصحيح القول: إنَّ الإمام يجمّد العلم ويعيد البداوة، بل إنَّ العلم يصل إلى مرحلة متقدّمة بما يضيفه الإمام إلى العلوم الأخرى ليكسبه الانتصار)، وكشاهد على هذا التطوّر العلمي نسمع الإمام الصادق يقول: (إنَّ قائمنا إذا قام مدَّ الله عز وجل لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتَّى لا يكون بينهم وبين القائم بريد، يكلّمهم فيسمعون، وينظرون إليه وهو في مكانه)(٦٩٤)، وهي إشارة واضحة إلى أجهزة الاتّصال الحديثة كالنقّال والانترنيت والقنوات الفضائية، ويقول الصادق عليه السلام أيضاً: (إنَّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق)(٦٩٥).
وعلى صعيد التطبيق العملي لاستخدام التقنيّة الحديثة في عصر الإمام يقول الإمام الصادق عليه السلام: (إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كلّ إقليم رجلاً يقول: عهدك في كفّك فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه، فانظر إلى كفّك واعمل بما فيها)(٦٩٦)، وليس لهذه الرواية تفسير إلاَّ استعمال أجهزة الاتّصال المتطوّرة لإدارة الدولة وأقاليمها المترامية.
وفي معرض استخدام الإمام للأجهزة لمتطوّرة يقول الإمام الباقر عليه السلام: (أمَا إنَّه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب)(٦٩٧)، وهو دليل على أنَّه يعلو على السحاب بأسباب حديثة متطوّرة.
ونستشف من حديث الإمام الصادق عليه السلام: (يركب فرساً أدهم بين عينيه شمراخ فينتفض به انتفاضة لا يبقى أهل بلد إلاَّ وهم يرون أنَّه معهم في بلادهم)(٦٩٨)، وهل هذه الإشارة إلى رؤية كلّ أهل بلد للإمام وهم في محلّهم إلاَّ إشارة إلى التلفزيون وأجهزة الاتّصالات المتطوّرة؟
سادساً: الآلة الحربية:
هناك ثلاثة آراء في نوعية السلاح الذي يستخدمه الإمام لتحقيق الانتصار على الأعداء:
الرأي الأوّل: ويقول: إنَّنا مع الروايات التي وردت عن أهل البيت عليهم السلام، والتي ورد فيها ذكر للسيف والخيول والأسنّة وغيرها ممَّا تعارف عليه أهل ذلك الزمان كالرواية التي وردت عن الصادق عليه السلام: (إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب والفرس إلاَّ السيف، لا يأخذها إلاَّ بالسيف ولا يعطيها إلاَّ به)(٦٩٩)، فهم يقولون: نحن مع هذه الروايات، وإنَّ السيف هو آلة الحرب التي ينتصر بها الإمام، وفي أحد الكتب الحديثة يقول المؤلّف: (إنَّ السيف يوقف الدبابة عن الحركة، ويهمّ على الطائرة فيسقطها، ويفجّر الغوّاصة وهي في أعماق البحر).
ولا يمكن الأخذ بهذا الرأي لما تقدَّم بأنَّ الإمام لا يلغي الرصيد البشري من الحضارة، ولا يعقل أن تقوم السيوف بمثل هذه الأعمال إلاَّ عن طريق الإعجاز، ولم نسلّم بالإعجاز وحده عاملاً في انتصار الإمام عليه السلام.
الرأي الثاني: إنَّ المعجزة الإلهية التي تعدّ الإمام بالنصر قادرة على تعطيل الآلة الحربية المعادية وإيقاف الأسلحة عن أداء عملها وصرف أذهان المعتدين عن الخطّط الحربية الناجحة. وهذا الرأي يستند إلى المعجز بشكل كامل، ولا يمكن الركون إليه.
الرأي الثالث: وهو الرأي الذي يذهب إليه علماؤنا المعاصرون، وهو أنَّ الإمام المهدي عليه السلام يخرج مقاتلاً بسلاح عصره الذي يظهر فيه والذي يقاتله به المعادون لحركته، ويحمل الأسلحة المتطوّرة التي يحملونها، بل وأحدث منها مع ما يمتلكه من مقوّمات أخرى للنصر تكلَّمنا عنها.
وهذا الرأي تحدَّث عنه السيّد محمّد الصدر فقال: (ومن الواضح بالضرورة أنَّ المهدي يستعمل سلاح عصره أيّاً كان هذا السلاح، ولا معنى لاستعمال سلاح آخر لعدم إمكان الانتصار به)(٧٠٠)، ويقول الشيخ خليل رزق: (لا بدَّ من حمل السيف على المعنى الرمزي الذي يراد به أيّ سلاح)(٧٠١)، وهو ما يذهب إليه الشيخ محمّد السند ويقول: (لا ريب أنَّ الإمام لا يرجع الناس إلى حالة متخلّفة، ولا محالة أن تكون أسلحته تبعاً للتطوّر البشري).
وعلَّلوا الروايات التي تشير إلى السيف بأنَّه رمز للقوَّة ولكلّ ما يستخدم من سلاح، وليس هو بعينه. وقال الكاتب حبيب إبراهيم: (إذا قُدّر للإمام أن يخرج والحضارة المعاصرة لا تزال قائمة بما تشتمل عليه من وسائل قوَّة وسلاح متطوّر فمن الجائز أنَّ الإمام سيواجه الطغيان بنفس السلاح الموجود آنذاك)(٧٠٢).
ومن خلال قراءتنا للروايات التي تتحدَّث عن سلاح الإمام عند ظهوره نجدها تشير من بعيد إلى تلك الأسلحة المتطوّرة التي يستخدمها في معاركه بما لا يفهمه أهل ذلك العصر ولكنَّها مفهومة الآن. وقد قسَّمنا تلك الروايات حسب نوعية السلاح التي تتحدَّث عنه:
أ _ الطائرات:
قال الإمام الباقر عليه السلام: (ينزل _ أي القائم عليه السلام _ في سبع قباب من نور لا يُعلم في أيّها هو حين ينزل في ظهر الكوفة)(٧٠٣)، ولعلَّ القباب النورية التي يركبها الإمام من المدينة إلى الكوفة ترمز للطائرات أو أيّةِ أجهزة متطوّرة في الطيران.
وقال عليه السلام أيضاً: (أمَا إنَّه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب)(٧٠٤)، وهو دليل آخر على ركوب الطائرات التي تعلو على السحاب.
وعنه عليه السلام أيضاً: (القائم منّا منصور بالرعب، مؤيَّد بالنصر، تطوى له الأرض)(٧٠٥)، ولا يفهم طيّ الأرض إلاَّ بركوب الطائرات أو المركبات الفضائية.
ب _ الحرب البرّية:
يقول الإمام الصادق عليه السلام: (كأنّي أنظر إلى القائم عليه السلام على ظهر النجف، فإذا استوى على ظهر النجف ركب فرساً أدهم أبلق بين عينيه شمراخ، ثمّ ينتفض به فرسه فلا يبقى أهل بلدة إلاَّ وهم يظنّون أنَّه معهم في بلادهم)(٧٠٦)، فهذا الفرس الذي ينتفض ليراه الشرق والغرب ليس شيئاً عادياً.
وفي حديثه عليه السلام للمفضَّل يقول: (فتجيبه كنوز الله بالطالقان، كنوز لا من ذهب ولا من فضَّة، بل رجال كزبر الحديد، لكأنّي أنظر إليهم على البراذين الشهب بأيديهم الحراب)(٧٠٧)، ويقول السيّد محمّد علي الحلو: (البراذين الشهب صفةٌ للخيول السريعة القويّة المستخدمة في الحروب والمعارك، ولعلَّ ما يقابلها في عصر الظهور الآلة العسكرية المتطوّرة والوسائل المستخدمة في جيشه المنتصر)(٧٠٨).
ويقول الإمام الصادق عليه السلام: (إذا قام القائم وأصحابه...)، قال: ثمّ رفع رأسه، فرأى في الهواء خيلاً مسرجة ملجمة، ولها أجنحة، فقلت: يا أبا عبد الله، ما هذه الخيل؟ فقال: (هذه خيل القائم عليه السلام وأصحابه)(٧٠٩)، ويعقّب كامل سليمان بالقول: (أفتريد أوضح من وصفها الذي لم يترك ذكر الأجنحة؟ فهي إمَّا طائرات أو أطباق أو صحون طائرة أو دبّابات متحرّكة)(٧١٠).
ومن وسائل الحرب البرّية الأسلحة الفردية أو الشخصية للجنود، فجيشه يستخدم سيوفاً ليست كسيوف ذلك العصر، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق لو استقبلته الجبال لهدَّها واتَّخذ فيها طرقاً)(٧١١)، والجبال اليوم لا تهدمها إلاَّ الجرّافات ولا تنسفها إلى المتفجّرات، وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله عليه السلام يصف أصحاب الإمام عليه السلام: (... ولهم سيوف من حديد غير هذا الحديد، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلاً لقدَّه حتَّى يفصله)(٧١٢)، والقدّ هو القطع، فلا بدَّ أنَّه سيف من الليزر.
ج _ في الحرب البحرية:
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: (ثمّ يأمر المهدي عليه السلام بإنشاء مراكب، فينشئ أربعمائة سفينة في ساحل عكا، وتخرج الروم في مائة صليب، تحت كلّ صليب عشرة آلاف فيقيمون على طرسوس، ويفتحونها بأسنّة الرماح، ويوافيهم المهدي عليه السلام، فيقتل من الروم حتَّى يتغيَّر ماء الفرات بالدم وتنتن حافّتاه بالجيف، وينهزم من في الروم فيلحقون بأنطاكية)(٧١٣)، ويجب أن لا ننسى التأييد الإلهي في ساحة المعركة، وهو ما تتكلَّم عنه الرواية الواردة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (فيغضب الله على السفياني ويغضب خلق الله لغضب الله تعالى، فترشقهم الطير بأجنحتها، والجبال بصخورها، والملائكة بأصواتها، ولا تكون ساعة حتَّى يهلك أصحاب السفياني كلّهم)(٧١٤)، وهذه أسلحة غيبية لا تعني سوى المعاني الرمزية التي تساعد الإمام في معاركه العسكرية.
ونختم الباب بقول الشيخ الكوراني: (يضاف إلى ذلك وسائل الإمداد الغيبي التي يمتلكها الإمام المهدي عليه السلام...، وقد يضاف إلى ذلك امتلاك المهدي عليه السلام أسلحة متطوّرة تكافئ أسلحة الغربيين أو تتفوَّق عليها)(٧١٥).

* * *
البحث الثاني عشر: معركة هرمجدون الفاصلة

المقدّمة:
كثر الحديث في نهاية القرن الماضي وبدايات القرن الحالي عن معركة هرمجدون _ أو الملحمة الفاصلة _ كما يسمّيها المسلمون، وأخذت وسائل الإعلام الغربي تبثُّ البرامج المنظّمة عن هذه المعركة، تقول الكاتبة الأمريكية (جريس هالسل) في كتابها (النبوءة والسياسة): (أظهرت دراسة لمؤسّسة سن لنسن نشرت في أكتوبر (١٩٨٥م) أنَّ واحداً وستّين مليون أمريكي يستمعون بانتظام إلى مذيعين يبشّرون على شاشات التلفزيون الأمريكي بقرب وقوع معركة هرمجدون، وبأنَّها ستكون معركة نووية، وأنَّ الشعوب المسيحية يجب أن تستعدّ لخوض هذه المعركة الرهيبة)(٧١٦).
وفي استطلاع للرأي أجراه الواعظ الأمريكي (هول لندساي): (أثبت أنَّ (٧٢.٥%) من المسيحيين الأمريكيين أكَّدوا أنَّهم يعتقدون أنَّ الحرب قادمة وستؤدّي عاجلاً أو آجلاً إلى وقوع معركة هرمجدون)(٧١٧).
كما وقد ساهم بعض الساسة الأمريكان في هذا التصعيد كما هو الحال في عهد الرئيس (ريكان) الذي صرَّح خمس مرّات باعتقاده بقرب حلول معركة هرمجدون، والرئيس (بوش) الذي يعتقد بقرب العودة الثانية للمسيح إلى الأرض.
ويرجع بعض العلماء المسلمين هذا التصعيد الإعلامي والتبشيري في الغرب إلى تكثيف هجرة اليهود إلى فلسطين ومنع الموجودين فيها من الهجرة المعاكسة إلى بلدانهم وإغرائهم بأنَّ المسيح سيخوض معركة كبرى لصالحهم وسيحكم العالم ألف سنة وأنَّهم سيعيشون آمنين مستقرّين.
الموقع الجغرافي للمعركة:
يقول قاموس الكتاب المقدَّس للدكتور بطرس عبد الملك (ص ٩٩): تقع مجدون في مرج ابن عامر، وزاد في قيمتها الاستراتيجية أنَّها تقع على خطّ المواصلات بين القسمين الشمالي والجنوبي من فلسطين.
وهرمجدون: كلمة عبرية مكوّنة من مقطعين: (هر) أو (هار) بمعنى جبل، و(مجدون): اسم وادٍ في فلسطين يقع في مرج ابن عامر على بعد (٥٥) ميلاً شمال تل أبيب، و(٢٠) ميلاً جنوب شرق حيفا، وعلى بعد (١٥) ميلاً من شاطئ البحر المتوسّط، وتعرف (مجدون) الآن باسم (تل المتسلم)، وكلمة هرمجدون: بمعنى جبل مجدون(٧١٨).
وجاء في قاموس يانج للكتاب المقدَّس (ص ٦٢): (هذه الكلمة لموقع معركة اليوم الأعظم للربّ القادر حسب النصّ: في اليوم العظيم، يوم الربّ القدير، فجمعهم في المكان الذي يدعى بالعبرية هرمجدون، وهذه الكلمة تعني جبال مجدون في الوادي الكبير بمدينة مجدون القديمة حيث دارت معارك الأزمنة الغابرة، وهي تشير إلى معركة شرسة مدمّرة ستدور رحاها في ذلك الوادي _ وادي يزرعيل _)(٧١٩).
وتوضّح خارطة فلسطين أنَّ سهل يزرعيل عبارة عن وادٍ مسطَّح ممتدّ من جميع طرق حيفا على البحر المتوسّط مروراً بمجدو في طريقه إلى يزرعيل حيث ينحدر بعد ذلك إلى أسفل (بيت شان) التي تقع تحت مستوى سطح البحر في وادي الأردن حيث يفصل هذا الوادي منطقة الجليل الجبلية في الشمال عن منطقة الريف بالهضبة المركزية في الجنوب(٧٢٠).
الموقع التاريخي للمدينة:
جاء في سفر الرؤيا (ص ١٦) ما يلي: (لقد شهد هذا المكان عدَّة حروب، وقد دمّرت المدينة واُعيد بناؤها في غضون عشرين عاماً، وتوجد هذه المدينة حالياً التي كانت إحدى أهمّ مدن سليمان والملك آخاب على أنقاض المدينة القديمة، وتحمل نفس الاسم (هرمجدون) والتي _ كما يقول البعض _ ستشهد يوم حساب الربّ لهذا العالم)(٧٢١).
ويضيف الكاتب (مال لنديسي) في كتابه (كوكب الأرض العظيم الراحل): (هناك في تاريخ الكتاب المقدَّس معارك دامية لا تُعدّ، دارت رحاها بهذه المنطقة ويقال: إنَّ نابليون قد وقف بهضبة مجدو ناظراً إلى الوادي متذكّراً هذه النبوءة وقال: جميع جيوش العالم باستطاعتها أن تتدرَّب على المناورات للمعركة التي ستقع هنا)(٧٢٢).
ويربط البهائي (كارلوتاجيزن) بين هذه المعركة والأحداث التي تدور حالياً على الساحة الدولية فيقول: (إنَّ معركة هرمجدون هي معركة دينية بين الإسرائيليين والمسيحيين والمسلمين، والأحداث التي تدور في العالم وبصفة خاصّة منذ عام (١٩٩١م) تمهّد المسرح الدولي لمعركة هرمجدون، كما أنَّ المسائل والقضايا الراهنة تشير بوضوح إلى أنَّ هذه المعركة ستحدث عن قريب)(٧٢٣).
المعركة عند اليهود والمسيح:
يستند اليهود إلى النصّ العبري الوارد في سفر (الرؤيا/ ١٦) بأنَّ المعركة المسمّاة (معركة هرمجدون) ستقع في الوادي الفسيح المحيط بجبل مجدون في أرض فلسطين، وأنَّ المسيح سوف ينزل من السماء ويقود جيوشهم ويحقّقون النصر على المسلمين، والنصّ كما يلي:
(ثمّ سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير _ الفرات _ فنشف ماؤه لكي يُعَدَّ طريق الملوك الذين من مشرق الشمس، ورأيت من فم التنّين ومن فم الوحش ومن فم النبيّ الكذّاب ثلاثة أرواح نجسة شبه ضفادع فإنَّهم أرواح شياطين صانعة آيات تخرج على ملوك العالم وكلّ المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كلّ شيء، ها أنا آتٍ كلص، طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلاَّ يمشي عرياناً، فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعى بالعبرانية هرمجدون)(٧٢٤).
كما جاء في سفر يوحنّا اللاهوتي إشارة لهذه الحرب يقول: (إنَّ القتال الذي سيكون في يوم الربّ سيكون في جبل هرمجدون)(٧٢٥).
وقد ذهب بعض المسيحيين أنَّ النبيّ عيسى عليه السلام سيحارب اليهود والمسلمين معاً في هذا اليوم، (فقد ورد في الإصحاح الثاني من سفر أشعياء: إنَّه في آخر الأيّام سيظهر النبيّ المنتظر وسيحارب اليهود الكافرين والأمم الكافرة في يوم الربّ على أرض هرمجدون في الساعة التي قال عنها المسيح عليه السلام: إنَّه لا يعلمها إلاَّ الله وحده)(٧٢٦).
وصرَّح القسّ (بيلي جراهام) عام (١٩٧٧م): (بأنَّ يوم مجدو على المشارف، وأنَّ العالم يتحرَّك بسرعة نحو معركة مجدو، وأنَّ الجيل الحالي يكون آخر جيل في التاريخ، وأنَّ هذه المعركة ستقع في الشرق الأوسط)(٧٢٧).
وبهذا المعنى قال رئيس القساوسة الإنجليكانيين: (سيدمّر الملك المسيح تماماً القوى المحتشدة بالملايين للدكتاتور الفوضوي الشيطاني)(٧٢٨).
وكان اليهود أكثر تشوّقاً لهذا اليوم الموعود الذين يسمّونه يوم الله، فقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية نبأ من القدس المحتلّة أثناء حرب الخليج عام (١٩٩١م) للحاخام (مناحيم سيزمون) الزعيم الروحي لحركة حياد اليهودية يقول: (إنَّ أزمة الخليج تشكّل مقدّمة لمجيء المسيح المنتظر)(٧٢٩).
وهذه الاعتقادات ظهرت عند السياسي اليهودي (تيودور هرتزل) حيث يقول: (إنَّه ظهر لي _ في عالم الرؤيا _ المسيّا _ المسيح _ الملك على صورة شيخ حسن وخاطبني قائلاً: اذهب وأعلم اليهود بأنّي سوف آتي عمَّا قريب لأجترح المعجزات العظيمة وأسدي عظائم الأعمال لشعبي وللعالم كلّه)(٧٣٠).
وتقول قصص التوراة: (إنَّ الله يتولّى ناحية التاريخ البشري في (هرمجدون)، وينزل عيسى من السماء ليهزم الأشرار ويعلن العصر الألفي السعيد)(٧٣١).
كما قال النبيّ (يوئيل) عن هذا اليوم: (انفخوا في البوق في صهيون، اهتفوا في جبلي المقدَّس، ارتعدوا يا جميع سكّان العالم، يوم الربّ مقبل، وهو قريب، يوم ظلمة وغروب، يوم غيم وضباب)(٧٣٢).
هرمجدون لدى السياسيين:
يتسابق الساسة الاستعماريون إلى تثبيت فكرة المعركة بتفسيرها اليهودي لدى الشعوب للحصول على مكاسب سياسية رخيصة وتنفيذاً لمآرب الصهيونية العالمية وارضاءً لدولة إسرائيل العنصرية، وبهذا الصدد تقول الكاتبة الأمريكية (جريس هالسل) في كتابها (النبوءة والسياسة): (إنَّ النبوءات التوراتية تحوَّلت في الولايات المتّحدة الأمريكية إلى مصدر يستمدُّ منه عشرات الملايين من الناس نسق معتقداتهم ومن بينهم اُناس يرشّحون أنفسهم لانتخابات الرئاسة الأمريكية، وكلّهم يعتقدون قرب نهاية العالم ووقوع معركة هرمجدون، ولهذا فهم يشجّعون التسلّح النووي ويستعجلون وقوع هذه المعركة باعتبار أنَّ ذلك سيقرّب مجيء المسيح)(٧٣٣).
وفي هذا المعنى تحدَّث الرئيس الأمريكي ريكان عام (١٩٨٠م) مع المذيع الإنجيلي (جيم بيكر) في مقابلة تلفزيونية اُجريت معه قال: (إنَّنا قد نكون الجيل الذي سيشهد معركة هرمجدون)(٧٣٤).
وفي تصريح آخر له: (إنَّ هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى هرمجدون)(٧٣٥).
أمَّا الرئيس (بوش) فقد نقلت عنه مجلَّة دير شبيغل الألمانية ما يلي: (منذ ذلك الوقت أصبح بوش واحداً من الستّين مليون أمريكي الذين يؤمنون بالولادة الثانية للمسيح، وهذا ما دعاه إلى القول بأنَّ المسيح هو أهمّ الفلاسفة السياسيين في جميع الأزمنة، لأنَّه ساعدني على التوقّف عن شرب الخمر)(٧٣٦).
وشارك في هذا التوجّه تقرير لمنظّمة حقوق الإنسان صدر في قبرص عام (١٩٩٠م) يقول: (توجد هيئات وجمعيات سياسية وأصولية في الولايات المتَّحدة وكلّ دول العالم تتَّفق في أنَّ نهاية العالم قد اقتربت، وأنَّنا نعيش الآن في الأيّام الأخيرة التي ستقع فيها معركة هرمجدون، وهي المعركة الفاصلة التي ستبدأ بقيام العالم بشنّ حرب ضدّ إسرائيل، وبعد أن ينهزم اليهود يأتي المسيح ليحاسب أعداءهم ويحقّق النصر، ثمّ يحكم المسيح العالم لمدَّة ألف عام يعيش العالم في حبّ وسلام كاملين)(٧٣٧).
الملحمة الكبرى عند البهائية:
وللبهائية رأي في معركة هرمجدون يخالف ما ذهب إليه أصحاب الديانات الثلاث، ففي كتاب (معركة هرمجدون) للبهائي (كارلوتاجيزن) يقول: (يدَّعي اليهود السامريون والعبرانيون أنَّ النبيّ المنتظر الملقَّب بالمسيح الرئيس (المسيّا) إلى الآن لم يظهر)(٧٣٨)، وهو يفسّر العبارات التي وردت في سفر الرؤيا (إصحاح/ ١٦) بقوله: (إنَّ الوحوش الثلاثة هي: الذي يخرج من فم التنّين: صدّام حسين، وأنَّ الذي يخرج من فم الوحش: الرئيس الأمريكي، والنبيّ الكذّاب هو البابا)(٧٣٩).
كما يربط بين أحداث العراق عام (١٩٩١م) عند غزو صدّام للكويت وما بعدها من حروب وبين هذه المعركة فيقول: (إنَّ معركة هرمجدون هي معركة دينية بين الإسرائيليين والمسيحيين والمسلمين، والأحداث التي تدور في العالم وبصفة خاصّة منذ عام (١٩٩١م) تمهّد المسرح الدولي لمعركة هرمجدون، كما أنَّ المسائل والقضايا الراهنة تشير بوضوح إلى أنَّ هذه المعركة ستحدث عمَّا قريب)(٧٤٠).
كلّ هذه الأفكار يرجعها إلى تصوّر البهائيين الذي يفسّرونها كما يلي: (قبل معركة هرمجدون سيكون هناك (١٤٤) ألف فرد على معرفة بالله وفهم ميثاقه، وسيأتي هؤلاء الأفراد من المجموعة التي كسرت الميثاق البهائي وخالفوا في سنة (١٩٥٧م) خطّة الربّ وألقوا بميثاقه بعيداً، وسيستطيع هؤلاء القوم أن يتغلَّبوا على الكذبة التي آمنوا بها وستطولهم فيها أحكام الميثاق، وسيجتمع هؤلاء الـ (١٤٤) ألف مؤمن بعد تفجير نيويورك، وبعدها ستبدأ معركة هرمجدون الكبرى وعند نهايتها سيكون ثلثا العالم قد دُمّروا وهُلكوا)(٧٤١).
ويخلص (كارلوتا) إلى القول: (وبعد انتهاء معركة هرمجدون معركة آخر الزمان، سيدخل هذا المجلس الذي اُسّس في (كانون ثاني/ ١٩٩١م) المجلس البهائي الدولي الثاني، مرحلة جديدة كمحكمة عالمية، وفي هذا الحين ستصبح الدول الوحوش الأربعة وهي: (إنجلترا، فرنسا، روسيا، الولايات المتَّحدة) وهي أولى الدول البهائية، وعندما تعتنق جميع دول العالم المذهب البهائي ستتولَّد محكمة الربّ من جديد في هذا العالم)(٧٤٢).
نظرة المسلمين لهذه المعركة:
يرى المسلمون أنَّه قد ورد ذكر لهذه المعركة والمعركة التي تسبقها وهي معركة تحرير القدس في الأحاديث المروية عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، والتي تذكر المراحل النهائية لحركة الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان، يقول الشيخ علي الكوراني: (بعد هلاك قوّات السفياني في الحجاز والهزيمة التي تمنى بها على يد رايات الشرق في العراق تعود المعركة إلى ساحتها الأساسية بلاد الشام استعداداً لأكبر معارك المنطقة في أحداث الظهور، معركة تحرير القدس، التي يمتدُّ محورها من دمشق إلى طبرية فالقدس)(٧٤٣).
ويستند الشيخ الكوراني في استنتاجه هذا إلى الآيات الكريمة من سورة الإسراء: (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً...) (الإسراء: ٤)، والآيات اللاحقة لها، فالأولى أرسل الله عليهم عباده المسلمين خلال الفتح الإسلامي سنة (١٦هـ)، والثانية أو العقوبة الثانية ستكون هزيمتهم على يد المسلمين أيضاً عندما يعود المسلمون إلى رشدهم(٧٤٤).
وقد أوردت مصادر الشيعة والسُنّة أحاديث معركة المهدي الكبرى هذه (وأنَّ طرفها المباشر السفياني وخلفه اليهود ودول أوربا، ويمتدُّ محورها من أنطاكية إلى عكا أي طول الساحل السوري اللبناني الفلسطيني، ثمّ إلى طبرية ودمشق والقدس، وفيها تحصل هزيمتهم الكبرى الموعودة)(٧٤٥)، وتورد الروايات أنَّ المهدي عليه السلام يعقد بعد هذه المعركة هدنة مع الروم مدَّتها سبع سنين ويبدو أنَّ عيسى يكون وسيطاً فيها فيغدر الروم وينقضونها ويأتون بثمانين فرقة (راية) في كلّ فرقة اثنا عشر ألف، وتكون هذه هي المعركة الكبرى التي يقتل فيها كثير من أعداء الله تعالى، وقد وصفت بأنَّها الملحمة العظمى أو مأدبة مرج عكا أي مأدبة السباع وطيور السماء من لحوم الجبّارين(٧٤٦).
ونورد هنا بعض الأحاديث التي صدرت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام بخصوص هذه المعركة:
أ _ جاء في سنن أبي داود عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر)(٧٤٧).
ب _ عن أبي الدرداء أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها: الغوطة، [فيها] مدينة يقال لها: دمشق، خير منازل المسلمين يومئذٍ)(٧٤٨).
ج _ روى مسلم وغيره عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقوم الساعة حتَّى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتَّى يختبأ اليهودي من وراء الحجر والشجر...)(٧٤٩).
د _ عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يكون بينكم وبين بني الأصفر هدنة فيغدرون بكم في حمل امرأة يأتون في ثمانين غاية (راية) في البرّ والبحر، تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفاً، حتَّى ينزلون بين يافا وعكا فيحرق صاحب مملكتهم سفنهم، يقول لأصحابه: قاتلوا عن بلادكم...، فيومئذٍ يطعن فيهم الرحمن برمحه، ويضرب فيهم بسيفه، ويرمي بهم بنبله، ويكون منه فيهم الذبح الأعظم)(٧٥٠).
كما وردت أحاديث عن الإمام علي عليه السلام وأبنائه عليهم السلام تشير إلى مكان الملحمة في مرج ابن عامر من عكا ويافا على الساحل حتَّى القدس في السهل الفلسطيني، ويشيرون إلى زمانها أنَّها بعد ظهور المهدي وتحريره القدس من قبضة اليهود ونقض الروم الهدنة معه التي توسَّط فيها عيسى بعد نزوله، وكلّها حوادث لم تحدث بعد ولا حدثت في التاريخ البعيد حيث سيظهر الله دينه وينصر عباده ويسود الإسلام في أمم الأرض، ومن هذه الأحاديث:
١ _ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: (ثمّ يأمر المهدي عليه السلام بإنشاء مراكب، فينشئ أربعمائة سفينة في ساحل عكا، وتخرج الروم في مائة صليب، تحت كلّ صليب عشرة آلاف فيقيمون على طرسوس، ويفتحونها بأسنّة الرماح، ويوافيهم المهدي عليه السلام، فيقتل من الروم حتَّى يتغيَّر ماء الفرات بالدم وتنتن حافّتاه بالجيف، وينهزم من في الروم فيلحقون بأنطاكية)(٧٥١)، وهل هناك ملحمة أقوى من هذه؟ وهذا إخبار عن قوَّته عليه السلام وفتوحاته بعد أن يتمَّ له فتح بيت المقدس ودحر اليهود والصليب في المعركة الكبرى.
٢ _ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في قصَّة المهدي عليه السلام: (ويتوجَّه إلى الآفاق...، ويحمل حلي بيت المقدس في مائة مركب تحطّ على غزّة وعكا، ويحمل إلى بيت المقدس)(٧٥٢)، وفي هذا دلالة أكيدة على إكماله فتح بيت المقدس وأخذ الغنائم منه بعد هزيمة الروم.
٣ _ ورد في بحار الأنوار عن الإمام الصادق عليه السلام: (ثمّ تسلم الروم على يده فيبني فيهم مسجداً ويستخلف عليهم رجلاً من أصحابه ثمّ ينصرف)(٧٥٣)، وهذا يدلُّ على أنَّ الروم ليس فقط ينهزمون من المعركة وإنَّما يسلمون على يديه وينظمّون إلى حضيرة الإسلام ليستخلف عليهم رجلاً من أصحابه يعلّمهم الإسلام وأحكامه.
ويرى بعض المسلمين _ المعاصرين على وجه الخصوص _ أنَّ معركة هرمجدون أو المعركة الفاصلة التي تتكلَّم عنها الديانات الثلاث قد وقعت فعلاً أيّام الخليفة عمر بن الخطّاب سنة (١٦هـ/ ٦٣٨م)، وهي معركة اليرموك ويقول: (إذا كانت الساعة المراد بها ساعة المعركة الفاصلة بين المسلمين واليهود في بدء ظهور الإسلام فإنَّ معركة هرمجدون قد حصلت ومحمّد صلى الله عليه وآله وسلم قد ظهر قبلها وهي معركة اليرموك ويكون المهدي المنتظر بلغة اليهود هو محمّد صلى الله عليه وآله وسلم)(٧٥٤).
وهو بذلك ينكر الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم عن المهدي المنتظر الذي يخرج في آخر الزمان ويقول: (إنَّها أخبار آحاد لا تصل إلى حدّ التواتر، وإنَّ فكرة المهدي المنتظر هي فكرة يهودية وقد أدخل اليهود هذه العقيدة في المسلمين في الروايات عن المهدي المنتظر)(٧٥٥).
ويرد عليه الشيخ محمود سليمان الغرباوي المفتّش في وزارة الأوقاف المصرية بالقول: (وقد اتَّفق جمهور العلماء على المهدي سلفاً وخلفاً إلاَّ من لا يُعتدُّ بمخالفته للجمهور)(٧٥٦).
وقد رأينا عدم مناقشته في رأيه لمخالفته للمذاهب الإسلاميّة حتَّى أبناء السُنّة والجماعة أنفسهم.
ولكن الذي يثير الانتباه والدهشة أنَّ أوربا لم تعدّ مهتمّة بهذه المعركة ولا بأحداثها كما هو الحال مع اليهود، والرؤساء الأمريكان الذين يناصرونهم، وقد يكون ذلك لأنَّهم يدركون تماماً أنَّ المعركة ستدور على اليهود وتنهي وجودهم في فلسطين بل في العالم كلّه كما تحدَّث النصوص الواردة في كتب اليهود أنفسهم، ولكنَّهم يتغافلون عنها دعماً لأهدافهم السياسية وخططهم العدوانية في تكثير الهجرة إلى فلسطين وإزالة الشعب الفلسطيني المظلوم عن بلاده.
ونشير هنا إلى هذه النصوص الواضحة الدلالة على هزيمة اليهود ومن مصادرهم، وهي:
أ _ ورد في سفر التكوين أو سفر التثنية في الكتاب المقدَّس: (كما فرح الربّ لكم ليحسن إليكم ويكثّركم، نوح الربّ لكم ليفنيكم ويهلككم فتستأصلون من الأرض التي أنت داخل فيها لتتملَّكها ويبدّدك الربّ في جميع الشعوب من أقصى الأرض)(٧٥٧).
ب _ في سفر أشعياء (٩/ ١٤): (يقطع الربّ من إسرائيل الرأس والذنب والنخل والأسد في يوم واحد)(٧٥٨).
ج _ في سفر التثنية/ الاصحاح الثاني/ (١٩ _ ٢٠): (إن نسيتم الربّ إلهكم وذهبتم وراء آلهة أخرى وعبدتموها وسجدتم لها أشهد عليكم أنَّكم سوف تبادون وتهلكون لا محالة كالشعوب التي يبيدها الربّ من أمامكم)(٧٥٩).
د _ (يغضب الربّ على أورشليم القدس، فثلث يموت بالوباء والجوع ويهلكون وسط المدينة، وثلث يسقط بالسيف من حول القدس، وثلث يذريه الربّ في كلّ ريح ويرفع من ورائهم سيفاً مسلولاً)(٧٦٠).
وأكَّد الإنجيل على ذلك بالقول: (متى رأيتم جيوش العالم تحيط بأورشليم فاعلموا أنَّ افتقادها قد أتى، من كان على بيته فلا ينزل، ومن كان في الحقل فلا يرجع)(٧٦١).
كلّ هذا يستدعي من المسلمين أن يعرفوا هذه المعركة ويستثمروها لصالح قضيَّتهم وشعبهم المسكين في فلسطين لوقف الهجرة اليهودية أوّلاً، وللترقّب لليوم الموعود على يد المنقذ المنتظر ثانياً. ولا ينبغي أن نبقى صامتين ومتفرّجين على ما يدور حولنا من أحداث وهي تصبُّ في صميم هذه المعركة، وما احتلال العراق من قِبَل القوى الصليبية إلاَّ حلقة ضمن هذا المخطَّط الذي ينتظر اليوم الحاسم الذي يخرج فيه الرجل العربي المسلم ليحكم العالم وينشر العدل الإلهي ويقضي على الظلم إلى الأبد، وهو بلا شكّ الإمام المهدي المنتظر عليه السلام.

* * *
مصادر التحقيق

القرآن الكريم.
أحاديث المهدي في مسند أحمد بن حنبل: محمّد حسين الجلالي/ ط٦/ ١٤١٧هـ/ قم.
الاحتجاج: الطبرسي/ ت محمّد باقر الخرسان/ دار النعمان/ ١٣٨٦هـ.
اختيار معرفة الرجال: الطوسي/ مط بعثت/ قم/ مؤسسة آل البيت/ ١٤٠٤هـ.
الأربعون في الإمام المهدي: السيّد محمّد صادق الخرسان/ ط ١٤١٩هـ/ النجف.
الإرشاد: الشيخ المفيد/ ت مؤسسة آل البيت/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
إعلام الورى: الطبرسي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مط ستارة/ مؤسسة آل البيت/ قم.
الأعلام: خير الدين الزركلي/ ط٥/ ١٩٨٠م/ دار العلم للملايين/ بيروت.
أعيان الشيعة: السيّد محسن الأمين/ ط ١/ مطبعة الترقّي/ دمشق، وط٢/ ١٩٣٦م/ مطبعة كرم/ دمشق.
إلزام الناصب: الشيخ علي اليزدي الحائري/ ت السيّد علي عاشور.
الأمالي: الشيخ الصدوق/ ت قسم الدراسات/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مؤسسة البعثة.
الأمالي: الشيخ الطوسي/ ت مؤسسة البعثة/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة/ قم.
الإمام المهدي المنتظر: السيّد عدنان البكّاء/ ط١/ ١٩٩٩م/ بيروت.
الإمام المهدي من المهد إلى الظهور: محمّد كاظم القزويني/ ط١/ ١٤٢٢هـ/ المطبعة العلمية/ إيران/ قم.
الإمام المهدي: علي محمّد علي دخيل/ ط٢/ ١٩٨٣م/ دار المرتضى/ بيروت.
الإمام علي بن أبي طالب: الروحاني/ ط١/ ١٤١٧هـ/ المنير/ طهران.
الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط١/ ١٤٠٤هـ/ مدرسة الإمام الهادي/ قم.
بحار الأنوار: العلاَّمة المجلسي/ ط ٢ المصحَّحة/ ١٤٠٣هـ/ مؤسسة الوفاء/ بيروت.
بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفّار/ ت كوجه باغي/ ١٤٠٤هـ/ مط الأحمدي/ منشورات الأعلمي/ طهران.
تاريخ الغيبة الصغرى: محمّد الصدر/ ط١/ ١٩٩٢م/ دار التعارف/ بيروت.
تبصرة الوليّ: السيّد هاشم البحراني/ مؤسسة المعارف الإسلاميّة.
التبيان: الشيخ الطوسي/ ط١/ ١٤٠٩هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي.
تحف العقول: ابن شعبة الحرّاني/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم.
تذكرة الخواصّ: سبط ابن الجوزي/ ط١/ ١٤٢٧هـ/ ذوي القربى/ قم.
تفسير الإمام العسكري: المنسوب إلى الإمام العسكري/ ط١ محقَّقة/ ١٤٠٩هـ/ مدرسة الإمام المهدي/ قم.
تفسير العياشي: العياشي/ المكتبة العلمية الإسلاميّة/ طهران.
تفسير الميزان: السيّد الطباطبائي/ منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية.
تفسير مجمع البيان: الطبرسي/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسسة الأعلمي/ بيروت.
ثواب الأعمال: الشيخ الصدوق/ ت محمّد مهدي الخرسان/ ط٢/ ١٣٦٨ش/ مط أمير/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
جامع الرواة: محمّد بن علي الأردبيلي/ مكتبة المحمّدي.
خلاصة الأقوال: العلاَّمة الحلّي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي.
دلائل الإمامة: الطبري (الشيعي)/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مؤسسة البعثة/ قم.
ذخائر العقبى: أحمد بن عبد الله الطبري/ ١٣٥٦هـ/ مكتبة القدسي/ القاهرة.
الذريعة: آقا بزرك الطهراني/ ط٣/ ١٤٠٣هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
رجال السيّد بحر العلوم: مهدي بحر العلوم/ ط١/ مطبعة الآداب/ النجف.
رجال الطوسي: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي.
رجال النجاشي: النجاشي/ ط٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم.
روضة الواعظين: الفتال النيسابوري/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
سنن الترمذي: الترمذي/ ط٢/ ١٤٠٣هـ/ دار الفكر/ بيروت.
سنن النسائي: النسائي/ ط ١/ ١٣٤٨هـ/ دار الفكر/ بيروت.
شرح إحقاق الحقّ: السيّد المرعشي/ مكتبة المرعشي/ قم.
شمس المغرب: محمّد رضا حكيمي/ ط١/ ١٩٨٨م/ الدار الإسلاميّة/ لبنان.
صحيح ابن حبان: ابن حبان/ ت الأرنؤوط/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ مؤسسة الرسالة.
صحيح البخاري: البخاري/ ١٤٠١هـ/ دار الفكر/ بيروت.
صحيح مسلم: مسلم النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
الصراط المستقيم:علي بن يونس العاملي/ ت محمّد باقر البهبودي/ ط١/ ١٣٨٤هـ/ مط الحيدري/ المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
صراع الأديان: محمّد منلاوي/ دار المحجّة البيضاء.
الصواعق المحرقة: ابن حجر الهيتمي/ ط مكتبة القاهرة.
الطرائف: ابن طاووس/ ط١/ ١٣٩٩هـ/ مط الخيام/ قم.
ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة: ميرزا محسن آل عصفور/ ط١/ ١٤١٢هـ/ مؤسسة إسماعيليان/ قم.
عدَّة الرجال: السيّد محسن الحسيني الأعرجي الكاظمي/ ط١/ ١٤١٥هـ/ مط إسماعيليان/ قم.
عصر الظهور: علي الكوراني/ ط١/ ١٤٠٨هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي/ قم.
عقد الدرر: يوسف بن يحيى السلمي/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
العمدة: ابن البطريق/ ١٤٠٧هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم.
عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق/ ١٤٠٤هـ/ مؤسسة الأعلمي/ بيروت.
الغيبة: الشيخ الطوسي/ ط١/ ١٤١١هـ/ مط بهمن/ مؤسسة المعارف الإسلاميّة/ قم.
الغيبة: النعماني/ ت فارس حسّون كريم/ ط١/ ١٤٢٢هـ/ مط مهر/ أنوار الهدى.
الفتن: نعيم بن حماد المروزي/ ت سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
الفصول المهمّة: ابن الصبّاغ/ ط١/ ١٤٢٢هـ/ مط سرور/ دار الحديث.
فضائل الصحابة: النسائي/ دار الكتب العلمية/ بيروت.
الفهرست: الشيخ الطوسي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي.
قاموس الرجال: العلاَّمة محمّد تقي التستري/ ط٢/ ١٤١٥هـ/ مؤسسة النشر/ إيران.
قرب الإسناد: الحميري القمي/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مط مهر/ مؤسسة آل البيت/ قم.
الكافي: الشيخ الكليني/ ط٥/ ١٣٦٣ش/ دار الكتب الإسلاميّة/ طهران.
كامل الزيارات: ابن قولويه/ ت جواد القيّومي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مط مؤسسة النشر الإسلامي/ مؤسسة نشر الثقافة.
كشف الغمّة: ابن أبي الفتح الأربلي/ ط٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
كفاية الأثر: الخزّاز القمي/ ١٤٠١هـ/ مط الخيام/ انتشارات بيدار.
كلمة الإمام المهدي: السيّد حسن الشيرازي/ ط٢/ ٢٠٠١م/ مطبعة الأمين/ لبنان.
كمال الدين: الشيخ الصدوق/ ١٤٠٥هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم.
كنز العمّال: المتّقي الهندي/ ت بكري حياني/ ١٤٠٩هـ/ مؤسسة الرسالة/ بيروت.
الكنى والألقاب: الشيخ عبّاس القمي/ مكتبة الصدر/ طهران.
المحاسن: البرقي/ ١٣٧٠هـ/ دار الكتب الإسلاميّة/ طهران.
مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلّي/ ط١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدرية/ النجف الأشرف.
المزار: ابن المشهدي/ ت جواد القيّومي/ ط١/ ١٤١٩هـ/ مط مؤسسة النشر الإسلامي/ نشر القيّوم/ قم.
المستدرك: الحاكم النيسابوري/ إشراف يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
مستدركات علم رجال الحديث: علي النمازي/ ط١/ ١٤١٢هـ/ مط شفق/ طهران.
مسند أبي داود: سليمان بن داود الطيالسي/ دار المعرفة/ بيروت.
مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي/ ت حسين سليم أسد/ دار المأمون للتراث.
مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ دار الصادر/ بيروت.
مسند الشاميين: الطبراني/ ط٢/ ١٤١٧هـ/ مؤسسة الرسالة/ بيروت.
مسند فاطمة: السيوطي/ ط العزيزية/ حيدرآباد.
مصباح المتهجّد: الشيخ الطوسي/ ط١/ ١٤١١هـ/ مؤسسة فقه الشيعة/ بيروت.
مطالب السؤول: ابن طلحة الشافعي/ ت ماجد بن أحمد العطية.
معاني الأخبار: الشيخ الصدوق/ ١٣٧٩هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم.
معجم أحاديث الإمام المهدي: علي الكوراني/ ط١/ ١٤١١هـ/ مؤسسة المعارف الإسلاميّة/ قم.
المعجم الكبير: الطبراني/ ط٢ مزيَّدة ومنقَّحة/ دار إحياء التراث العربي.
معجم رجال الحديث: السيّد الخوئي/ ط٥/ ١٤١٣هـ.
المفاجأة: محمّد عيسى داود/ ط مدبولي الصغير/ القاهرة.
مقتضب الأثر: أحمد بن عياش الجوري/ مط العلمية/ قم.
الملاحم والفتن: ابن طاووس/ ط١/ ١٤١٦/ مؤسسة صاحب الأمر/ أصفهان.
الممهّدون للمهدي: الشيخ علي الكوراني/ الدار الإسلاميّة.
من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ ط٢/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم.
منتخب الأنوار المضيئة: بهاء الدين النجفي/ ط١/ ١٤٢٠هـ/ مؤسسة الإمام الهادي.
منتهى المقال في أحوال الرجال: أبو علي الحائري، الشيخ محمّد بن إسماعيل المازندراني/ ط١/ ١٤١٦هـ/ مطبعة ستارة/ قم.
المهدي المنتظر خاتم الأوصياء: لجنة التأليف/ ط١/ ١٤٢٢هـ/ دار الطباعة والنشر.
نهج البلاغة: الشريف الرضي/ شرح محمّد عبده/ ط١/ ١٤١٢هـ/ دار الذخائر/ قم.
الهداية الكبرى: الخصيبي/ ط٤/ ١٤١١هـ/ مؤسسة البلاغ/ بيروت.
وسائل الشيعة: الحرّ العاملي/ ط٢/ ١٤١٤هـ/ مط مهر/ مؤسسة آل البيت/ قم.
وفيات الأعيان: ابن خلكان/ ت إحسان عبّاس/ دار الثقافة/ بيروت.
ينابيع المودَّة: القندوزي/ ت علي جمال أشرف الحسيني/ ط١/ ١٤١٦هـ/ دار الأسوة.

* * *



 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها الشيخ علي بن محمّد السمري - قدَّس الله روحه -، فحضرته قبل وفاته بأيّام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمّد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنَّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلاَّ بعد إذن الله عز وجل وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم). (كمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤).
(٢) مطالب السؤول: ٤٨٠.
(٣) الفصول المهمّة ٢: ١١٠٣.
(٤) تذكرة الخواصّ: ٤٥٢.
(٥) الأعلام ٦: ٨٠.
(٦) أنظر: الصواعق المحرقة: ٢٠٨/ ط مكتبة القاهرة.
(٧) كمال الدين: ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٤؛ ينابيع المودَّة ٣: ٣٩٦/ ح ٤٩.
(٨) الأربعون حديثاً في الإمام المهدي لمحمّد صادق الخرسان: ١٩/ ١٤١٩هـ/ النجف الأشرف.
(٩) الإمام المهدي من المهد إلى الظهور لمحمّد كاظم القزويني: ٢٨/ ط١/ ١٤٢٢هـ/ دار الكتب الإسلاميّة/ طهران؛ راجع: كمال الدين: ٤٢٦ - ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٢.
(١٠) الإمام المهدي من المهد إلى الظهور: ٢٨؛ راجع: كشف الغمّة ٣: ٢٧٥، وفيه: (يقال لاُمّه: صقيل، وقال لنا أبو بكر الذرّاع: وفي رواية أخرى: بل اُمّه حكيمة، وفي رواية ثالثة: يقال لها: نرجس، ويقال: بل سوسن).
(١١) كمال الدين: ٣٧٢/ باب ٣٥/ ح ٥.
(١٢) أنظر: الغيبة للطوسي: ٣٩٣/ ح ٣٦٢.
(١٣) راجع: بحار الأنوار ٥١: ٢٤.
(١٤) المهدي خاتم الأوصياء، تأليف لجنَّة المجمّع العالمي لأهل البيت: ١٨/ ط١٤٢٢هـ/ قم.
(١٥) راجع: الكافي ١: ٥١٤.
(١٦) أنظر: الغيبة للطوسي: ٢٣٤/ ح ٢٠٤.
(١٧) الإرشاد ٢: ٣٣٩.
(١٨) راجع: وفيات الأعيان ٤: ١٧٦/ الرقم ٥٦٢.
(١٩) الغيبة للطوسي: ٢٣١/ ح ١٩٨.
(٢٠) خلاصة الأقوال: ٤٣١.
(٢١) جامع الرواة ٢: ٤٦٤.
(٢٢) كمال الدين: ٤٧٤/ باب ٤٣/ ح ٢٥.
(٢٣) تبصرة الوليّ للسيّد هاشم البحراني: ١٢٦/ نشر مؤسّسة المعارف الإسلاميّة.
(٢٤) شمس المغرب لمحمّد رضا حكيمي: ٩/ ط ١/ الدار الإسلاميّة/ لبنان.
(٢٥) الأربعون حديثاً في الإمام المهدي: ١٨.
(٢٦) الغيبة للطوسي: ٢٣٤ - ٢٣٧/ ح ٢٠٤.
(٢٧) راجع: كمال الدين: ٤٣٠ و٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٦.
(٢٨) كمال الدين: ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٧.
(٢٩) إضافة من بحار الأنوار.
(٣٠) كمال الدين: ٤٣٥/ باب ٤٣/ ح ٢؛ بحار الأنوار ٥٢: ٢٥ و٢٦/ ح ١٩.
(٣١) الإمام المهدي من المهد إلى الظهور: ١٧٢.
(٣٢) أنظر: كمال الدين: ٤٧٥ و٤٧٦/ باب ٤٣/ ح ٢٥.
(٣٣) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ١٣: ٩٣ عنه.
(٣٤) أنظر: الصواعق المحرقة: ٢٠٨/ ط مكتبة القاهرة.
(٣٥) أحاديث المهدي في مسند أحمد بن حنبل لمحمّد حسين الجلالي: ١٢/ ط٦/ ١٤١٧هـ/ قم.
(٣٦) عقائد الإمامية: ٣٠.
(٣٧) الغيبة للطوسي: ١٦٢/ ح ١٢٠.
(٣٨) الغيبة للطوسي: ١٦٣/ ح ١٢٣.
(٣٩) الإرشاد ٢: ٣٤٠.
(٤٠) راجع: الغيبة للطوسي: ٣٩٤.
(٤١) الإرشاد ٢: ٣٤٠.
(٤٢) إعلام الورى ٢: ٢٥٩ و٢٦٠.
(٤٣) أنظر: شمس المغرب: ٤٠.
(٤٤) الإمام المهدي من المهد إلى الظهور: ١٦٩.
(٤٥) أنظر: تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٤١٨.
(٤٦) المصدر السابق.
(٤٧) الغيبة للطوسي: ٣٩٥/ ح ٣٦٥.
(٤٨) الإمام المهدي من المهد إلى الظهور: ٢٣٢.
(٤٩) عدَّة الرجال لمحسن الحسيني الكاظمي الأعرجي: ٧٧/ ط١/ ١٤١٥هـ/ مط إسماعيليان/ إيران.
(٥٠) الغيبة للطوسي: ٣٥٦/ ح ٣١٧.
(٥١) الكافي ١: ٣٢٦/ باب الإشارة والنصّ على أبي محمّد عليه السلام/ ح ٣.
(٥٢) ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة لمحسن آل عصفور: ١٦٧/ ط١/ ١٤١٢هـ/ المطبعة العالمية/ إيران.
(٥٣) المصدر السابق.
(٥٤) المصدر السابق.
(٥٥) المصدر السابق.
(٥٦) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦٠٩.
(٥٧) كمال الدين: ٥٠٨ و٥٠٩/ باب ٤٥/ ح ٣٧.
(٥٨) أعيان الشيعة لمحسن الأمين ٢: ٤٧/ ط١/ مط الرقي/ دمشق.
(٥٩) الغيبة للطوسي: ٣٩١/ ح ٣٥٨.
(٦٠) الغيبة للطوسي: ٣٥٤/ ح ٣١٥.
(٦١) المصدر السابق.
(٦٢) قال عبد الله بن جعفر الحميري: وخرج إلى الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري في التعزية بأبيه  في فصل من الكتاب: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون تسليماً لأمره ورضاءاً بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليهم عليهم السلام، فلم يزل مجتهداً في أمرهم، ساعياً فيما يقرّبه إلى الله عز وجل وإليهم، نضَّر الله وجهه وأقاله عثرته...) (كمال الدين: ٥١٠/ باب ٤٥/ ح ٤١).
(٦٣) راجع: الكافي ١: ٣٣٠/ باب في تسمية من رآه عليه السلام/ ح ١.
(٦٤) كمال الدين: ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٦٥) دلائل الإمامة: ٥٢١/ ح (٤٩٣/٩٧).
(٦٦) أعيان الشيعة ٥: ٤٠٣.
(٦٧) الغيبة للطوسي: ٣٧١ و٣٧٢/ ح ٣٤٢.
(٦٨) الغيبة للطوسي: ٣٧٢/ ح ٣٤٤.
(٦٩) أعيان الشيعة ٢: ٤٨.
(٧٠) المصدر السابق.
(٧١) تنقيح المقال للمامقاني ٢: ٣٢٥.
(٧٢) الغيبة للطوسي: ٣٩٤/ ح ٣٦٤.
(٧٣) إعلام الورى ٢: ٢٦٠.
(٧٤) الغيبة للطوسي: ٣٩٣/ ح ٣٦٢.
(٧٥) الغيبة للطوسي: ٣٩٤/ ح ٣٦٤.
(٧٦) الغيبة للطوسي: ٣٩٥/ ح ٣٦٥.
(٧٧) الغيبة للطوسي: ٣٩٦/ ح ٣٦٧.
(٧٨) راجع: الغيبة للطوسي: ٣٩٧/ ح ٣٦٨.
(٧٩) راجع: الغيبة للطوسي: ٣٩٨/ ح ٣٦٩.
(٨٠) راجع: الغيبة للطوسي: ٣٩٩/ ح ٣٧٤.
(٨١) راجع: الغيبة للطوسي: ٤٠٠/ ذيل الحديث ٣٧٤.
(٨٢) راجع: الغيبة للطوسي: ٤٠١/ ح ٣٧٦.
(٨٣) راجع: الغيبة للطوسي: ٤٠٣/ ح ٣٧٨.
(٨٤) راجع: الغيبة للطوسي: ٤١٢/ ح ٣٨٥.
(٨٥) راجع: الغيبة للطوسي: ٤١٣/ ح ٣٨٧.
(٨٦) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦٢٩.
(٨٧) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٦٩/ ح ١١٣٦.
(٨٨) راجع: الكافي ١: ٥٢٥/ باب مولد الصاحب عليه السلام/ ح ٣٠.
(٨٩) الغيبة للطوسي: ٣٩١/ ح ٣٥٨.
(٩٠) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(٩١) الغيبة للطوسي: ٤١٥.
(٩٢) عدَّة الرجال ١: ٧٧، عن ربيع الشيعة للسيّد ابن طاووس.
(٩٣) إعلام الورى ٢: ٢٥٩.
(٩٤) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦٠٩.
(٩٥) أصول الدين الإسلامي للشيخ محمّد حسن آل ياسين: ١٩٧.
(٩٦) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦١٧؛ الإمام المنتظر للشاكري: ٤٧٠.
(٩٧) خلاصة الأقوال: ٦٣/ الرقم ٨؛ رجال النجاشي: ٩١/ الرقم ٢٢٥، وفيه: (أحمد بن إسحاق بن عبد الله بن سعد).
(٩٨) قاموس الرجال لمحمّد تقي التستري ١: ٣٩٢/ ط ٢/ ١٤١٠هـ/ إيران.
(٩٩) راجع: إعلام الورى ٢: ٢٧٣؛ الغيبة للطوسي: ٤١٧.
(١٠٠) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨١٦/ ح ١٠٢٠.
(١٠١) قاموس الرجال ١: ٣٩٣.
(١٠٢) قاموس الرجال ١: ٣٩٧.
(١٠٣) كمال الدين: ٤٦٤ و٤٦٥/ باب ٤٣/ ح ٢٢.
(١٠٤) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٣١/ الرقم ١٠٥٢.
(١٠٥) قاموس الرجال: ٣٩٣.
(١٠٦) قاموس الرجال: ٣٩٢.
(١٠٧) الغيبة للطوسي: ٢٤٣/ ح ٢٠٩.
(١٠٨) الغيبة للطوسي: ٤١٧/ ح ٣٩٥.
(١٠٩) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٣١/ ح ١٠٥٣.
(١١٠) كمال الدين: ٤٣٤/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(١١١) كمال الدين: ٣٨٤ و٣٨٥/ باب ٣٨/ ح ١.
(١١٢) الغيبة للطوسي: ٢٤٣/ ح ٢٠٩.
(١١٣) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٣١/ ح ١٠٥١.
(١١٤) أنظر: اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٣١/ ح ١٠٥١.
(١١٥) كمال الدين: ٤٥٧/ باب ٤٣/ ح ٢١.
(١١٦) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨١٦/ ح ١٠٢٠.
(١١٧) ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة: ٣٨٤، عن الفهرست للطوسي: ٧٠/ الرقم (٧٨/١٦)، وفيه: (كتاب علل الصلاة كبير، ومسائل الرجال...).
(١١٨) الغيبة للطوسي: ٣٥٩/ ح ٣٢٢.
(١١٩) ثقة: في اللغة بمعنى الاعتماد، ذكر ذلك صاحب سماء المقال (ج ٢/ ص١٩٠)، وهي من ألفاظ التعديل والتوثيق، وفي فوائد الوصية (ص ١٨) قال: الرواية المتعارفة المسلَّمة، أنَّه إذا قال عدل إمامي: (فلان ثقة) فالرجاليون يحكمون بمجرَّد هذا القول بكون الراوي عدلاً إمامياً.
(١٢٠) أنظر: الفهرست: ٧٠/ الرقم (٧٨/١٦).
(١٢١) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(١٢٢) خلاصة الأقوال: ٦٣/ الرقم ٨.
(١٢٣) قاموس الرجال: ٢٩٣.
(١٢٤) أنظر: اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٣١/ ح ١٠٥١.
(١٢٥) تبصرة الوليّ: ٥١.
(١٢٦) أعيان الشيعة ٥: ٤٦٤.
(١٢٧) أنظر: الغيبة للطوسي: ٤١٥.
(١٢٨) راجع: قاموس الرجال ١: ٢٩١.
(١٢٩) رجال النجاشي: ٣٤٤/ الرقم ٩٢٨.
(١٣٠) تبصرة الوليّ: ٥١.
(١٣١) خلاصة الأقوال: ٢٥٩/ الرقم ١٠٠.
(١٣٢) أنظر: خلاصة الأقوال: ٢٥٩/ الرقم ١٠٠.
(١٣٣) قاموس الرجال ١: ٢٩١.
(١٣٤) راجع: الكافي ١: ٥٤٧/ ح ٢٤.
(١٣٥) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٦٩/ ح ١١٣٦.
(١٣٦) قاموس الرجال ١: ٢٩٢.
(١٣٧) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٦٩/ ح ١١٣٥.
(١٣٨) تبصرة الوليّ: ٥١.
(١٣٩) قاموس الرجال ١: ٢٩٢.
(١٤٠) المصدر السابق.
(١٤١) أنظر: رجال الطوسي: ٣٥٢/ الرقم (٥٢١٠/١٦)، و٣٧٣/ الرقم (٥٥١٥/٢)، و٣٨٣/ الرقم (٥٦٣٧/٨).
(١٤٢) رجال النجاشي: ٣٤٤/ الرقم ٩٢٨.
(١٤٣) رجال النجاشي: ١٦/ الرقم ١٧.
(١٤٤) الإرشاد ٢: ٣٥٦؛ الغيبة للطوسي: ٢٨٢/ ح ٢٣٩.
(١٤٥) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨١٣/ ح ١٠١٥.
(١٤٦) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦٢٤.
(١٤٧) الغيبة للطوسي: ٣٦٢/ ح ٣٢٥.
(١٤٨) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(١٤٩) تبصرة الوليّ: ٨٠.
(١٥٠) أعيان الشيعة ٦: ٤٨٧.
(١٥١) قاموس الرجال ١: ٣١٥.
(١٥٢) الكنى والألقاب ١: ٤٣٣.
(١٥٣) معجم رجال الحديث ١: ٢٨٠.
(١٥٤) أنظر: رجال النجاشي: ٣٧٣/ الرقم ١٠٢٠.
(١٥٥) خلاصة الأقوال: ٢٦٥/ الرقم ١٤٥.
(١٥٦) جامع الرواة ٢: ٤٣٨.
(١٥٧) الغيبة للطوسي: ٤١٥/ ح ٣٩١.
(١٥٨) رجال النجاشي: ٣٧٣/ الرقم ١٠٢٠.
(١٥٩) الغيبة للطوسي: ٤١٧.
(١٦٠) الغيبة للطوسي: ٤١٥/ ح ٣٩١.
(١٦١) الغيبة للطوسي: ٤١٦/ ح ٣٩٣.
(١٦٢) الغيبة للطوسي: ٤١٧.
(١٦٣) الغيبة للطوسي: ٤١٥.
(١٦٤) وجه: بمعنى القدر والمنزلة، ووجوه القوم ساداتهم، وهو دلالة اللفظة على الوثاقة، وقيل: داخل في قسم الحسن، وقال البعض: يفيد مدحاً معتدّاً به، وهو عند البعض كما في الرواشح السماوية (ص ٦٠) من ألفاظ التوثيق والمدح.
(١٦٥) خلاصة الأقوال: ٩٢/ الرقم ٢٥.
(١٦٦) الكافي ١: ٥٢٣ و٥٢٤/ باب مولد الصاحب عليه السلام/ ح ٢٣.
(١٦٧) رجال النجاشي: ٣٧٣/ الرقم ١٠٢٠.
(١٦٨) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦٢٧.
(١٦٩) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(١٧٠) رجال الطوسي: ٤٣٩/ الرقم (٦٢٧٨/٢٨).
(١٧١) راجع: عدَّة الرجال ١: ٧٥.
(١٧٢) بحار الأنوار ٥١: ٣٦٢/ ح ١٠، عن الغيبة للطوسي: ٤١٥.
(١٧٣) خلاصة الأقوال: ٦٢/ الرقم ٥.
(١٧٤) رجال النجاشي: ٩٠/ الرقم ٢٢٤.
(١٧٥) وسائل الشيعة ٢٠: ١٣٣ و١٣٤/ الرقم ١١٤.
(١٧٦) خلاصة الأقوال: ٣٠٠/ الرقم ٩.
(١٧٧) تنقيح المقال للمامقاني ١: ٦٠.
(١٧٨) رجال النجاشي: ٩٠/ الرقم ٢٢٤.
(١٧٩) رجال الطوسي: ٣٨٣/ الرقم (٥٦٣١/٢).
(١٨٠) خلاصة الأقوال: ٦٢/ الرقم ٥.
(١٨١) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٣١/ ح ١٠٥٣.
(١٨٢) الغيبة للطوسي: ٤١٧/ ح ٣٩٥.
(١٨٣) قاموس الرجال ٣: ٤٦.
(١٨٤) الغيبة للطوسي: ٤١٧.
(١٨٥) أنظر: رجال النجاشي: ١٠٢/ الرقم ٢٥٤.
(١٨٦) أنظر: رجال النجاشي: ١٠٢/ الرقم ٢٥٤؛ الفهرست: ٥٦/ الرقم (٥٩/١).
(١٨٧) الغيبة للطوسي: ٣٤٩/ ح ٣٠٧.
(١٨٨) خلاصة الأقوال: ٥٩/ الرقم ١.
(١٨٩) وسائل الشيعة ٢٠: ١٤٥/ الرقم ١٧٦.
(١٩٠) قاموس الرجال ٢: ٢٤٢ و٢٤٣.
(١٩١) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٤١ و٨٤٢/ ح ١٠٨٣.
(١٩٢) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٣١/ ح ١٠٥٣.
(١٩٣) كلمة الإمام المهدي: ١٤٤/ ط ٢/ ٢٠٠١م/ مطبعة الأمين/ بيروت.
(١٩٤) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر.
(١٩٥) رجال النجاشي: ٦٨/ الرقم ١٦٢.
(١٩٦) معجم البلدان للحموي ١: ٤١٢.
(١٩٧) الكنى والألقاب ٢: ٨١.
(١٩٨) الغيبة للطوسي: ٣٨٧/ ح ٣٥١.
(١٩٩) رجال النجاشي: ٦٨/ الرقم ١٦٢؛ خلاصة الأقوال: ١١٥/ الرقم ٩.
(٢٠٠) رجال السيّد مهدي بحر العلوم: ٦٤/ ط ١/ المطبعة الحيدرية/ النجف الأشرف.
(٢٠١) جامع الرواة ١: ٢٤٩.
(٢٠٢) قاموس الرجال ٣: ٥٠١.
(٢٠٣) الغيبة للطوسي: ٣٠٨/ ح ٢٦٠.
(٢٠٤) بحار الأنوار ٥١: ٣٢٥.
(٢٠٥) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦٢٥.
(٢٠٦) مستدركات علم رجال الحديث لعلي النمازي: ٢٥٥/ الرقم ٢٩٩٩.
(٢٠٧) كمال الدين: ٤٧٦/ باب ٤٣/ ح ٢٥.
(٢٠٨) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(٢٠٩) راجع: عدَّة الرجال ١: ٧٥.
(٢١٠) الغيبة للطوسي: ٤١٥ و٤١٦/ ح ٣٩٢.
(٢١١) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦١٢.
(٢١٢) كلمة الإمام المهدي: ١٣٠.
(٢١٣) الإرشاد ٢: ٣٦١.
(٢١٤) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦١٢.
(٢١٥) خلاصة الأقوال: ٤٢٨/ الرقم ٢٠.
(٢١٦) كمال الدين: ٤٤٢.
(٢١٧) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(٢١٨) عدَّة الرجال ١: ٧٥.
(٢١٩) جامع الرواة ٢: ٤٤٧.
(٢٢٠) راجع: رجال النجاشي: ٩٣/ الرقم ٢٣٢.
(٢٢١) خلاصة الأقوال: ٦٥/ الرقم ١٦.
(٢٢٢) جامع الرواة ١: ٦١.
(٢٢٣) قاموس الرجال ١: ٦١٥.
(٢٢٤) الغيبة للطوسي: ٣٥١/ ح ٣١٠.
(٢٢٥) رجال النجاشي: ٩٣/ الرقم ٢٣٢؛ خلاصة الأقوال: ٦٥/ الرقم ١٦.
(٢٢٦) خلاصة الأقوال: ٦٥/ الرقم ١٦.
(٢٢٧) جامع الرواة ١: ٦١.
(٢٢٨) قاموس الرجال ١: ٦١٥.
(٢٢٩) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(٢٣٠) راجع: عدَّة الرجال ١: ٧٥.
(٢٣١) راجع: جامع الرواة ٢: ١٩.
(٢٣٢) الغيبة للطوسي: ٣١١/ ح ٢٦٣.
(٢٣٣) راجع: الغيبة للطوسي: ٣١٠/ ح ٢٦٣.
(٢٣٤) الغيبة للطوسي: ٣١٠ - ٣١٥/ ح ٢٦٣.
(٢٣٥) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(٢٣٦) راجع: عدَّة الرجال ١: ٧٥.
(٢٣٧) هو أحمد بن هلال الكرخي المدَّعي للوكالة زوراً. (راجع: الغيبة للطوسي: ٣٩٩).
(٢٣٨) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨١٦.
(٢٣٩) الإرشاد ٢: ٣٥٦ و٣٥٧.
(٢٤٠) جامع الرواة ٢: ١٣١.
(٢٤١) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(٢٤٢) راجع: عدَّة الرجال ١: ٧٥.
(٢٤٣) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٤٧/ ح ١٠٨٨.
(٢٤٤) خلاصة الأقوال: ٢٤٣/ الرقم ٣٠.
(٢٤٥) جامع الرواة ٢: ١٣١.
(٢٤٦) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦١٨.
(٢٤٧) الكافي ١: ٥٢١/ باب مولد الصاحب عليه السلام/ ح ١٥.
(٢٤٨) الغيبة للطوسي: ٣٤٥ و٣٤٦/ ح ٢٩٥.
(٢٤٩) أنظر: جامع الرواة ٢: ١٣١.
(٢٥٠) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨١٦ و٨١٧/ ح ١٠٢٠.
(٢٥١) راجع: اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٤٣/ ح ١٠٨٦.
(٢٥٢) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦١٩.
(٢٥٣) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٦١٢.
(٢٥٤) عين في اللغة: عين القوم: أشرافهم، وهي من ألفاظ التعديل، ويفيد مدحاً معتدّاً به، وعند المجلسي رحمه الله من ألفاظ التوثيق بزعم أنَّه استعارة للصدق، لأنَّ العين بمعنى الميزان، وفي تكملة الرجال: لا يدلُّ على أكثر من الحسن.
(٢٥٥) رجال النجاشي: ٣٥٣/ الرقم ٩٤٦.
(٢٥٦) جامع الرواة ٢: ٢١٣.
(٢٥٧) قاموس الرجال ١: ٦٥٦.
(٢٥٨) خلاصة الأقوال: ٢٦٠/ الرقم ١١٠.
(٢٥٩) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(٢٦٠) جامع الرواة ٢: ٣٩٩.
(٢٦١) تبصرة الولي: ٥٦.
(٢٦٢) خلاصة الأقوال: ٤٢٩/ الرقم ٣٤.
(٢٦٣) الإرشاد ٢: ٣٦٥.
(٢٦٤) كمال الدين: ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٢٦٥) الغيبة للطوسي: ٢٩١/ ح ٢٤٧.
(٢٦٦) معجم رجال الحديث ١٦: ٢٩/ الرقم ١٠١٧٧.
(٢٦٧) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(٢٦٨) راجع: عدَّة الرجال ١: ٧٥.
(٢٦٩) كمال الدين: ٤٨٥ و٤٨٦/ باب ٤٥/ ح ٥؛ الإرشاد ٢: ٣٦٥.
(٢٧٠) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨١٤/ ح ١٠١٧.
(٢٧١) كمال الدين: ٥٠٩/ باب ٤٥/ ح ٣٨.
(٢٧٢) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨١٣/ ح ١٠١٥؛ جامع الرواة ١: ٢٦٢.
(٢٧٣) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨١٣/ ح ١٠١٥؛ خلاصة الأقوال: ٢٥٦/ الرقم ٧٥؛ جامع الرواة ١: ٢٦٢؛ أعيان الشيعة ٢: ٢٣١.
(٢٧٤) راجع: عدَّة الرجال ١: ٧٥.
(٢٧٥) كمال الدين: ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦.
(٢٧٦) رجال الطوسي: ٣٩٧/ الرقم (٥٨٢٢/٦)؛ خلاصة الأقوال: ٥٨/ الرقم ٣.
(٢٧٧) راجع: اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٤٤/ ح ١٠٨٨.
(٢٧٨) جامع الرواة ٢: ١٣١.
(٢٧٩) رجال الطوسي: ٣٨٧/ الرقم (٥٧٠٣/١).
(٢٨٠) خلاصة الأقوال: ١٦٩/ الرقم ٢.
(٢٨١) تنقيح المقال ١: ٧٥.
(٢٨٢) رجال الطوسي: ٣٧٦/ الرقم (٥٥٦١/٣)، و٣٨٧/ الرقم (٥٧٠٣/١).
(٢٨٣) منتهى المقال ٣: ١٣٢.
(٢٨٤) راجع: تفسير هذه الآيات في: التبيان ٨: ١٢٩؛ مجمع البيان ٧: ٤١٤؛ التفسير الصافي ٤: ٨٠؛ تفسير الميزان ١٦: ٨؛ تفسير الأمثل ١٢: ١٧٥؛ وغيرها من المصادر.
(٢٨٥) حديث متواتر رواه الخاصّة والعامّة بألفاظ مختلفة، فراجع: بصائر الدرجات: ٤٣٢ - ٤٣٤/ باب ١٧/ ح ١ - ٦؛ الغيبة للنعماني: ٥٠/ باب ٢/ ح ٢؛ أمالي الصدوق: ٥٠٠/ ح (٦٨٦/١٥)؛ تحف العقول: ٤٢٦؛ مسند أحمد ٣: ١٤؛ مستدرك الحاكم ٣: ١٠٩؛ سنن النسائي ٥: ٤٥/ ح ٨١٤٨؛ المعجم الكبير للطبراني ٣: ٦٦/ ح ٢٦٧٩؛ وغيرها من المصادر.
(٢٨٦) قرب الإسناد: ٧٧/ ح ٢٥٠؛ ينابيع المودَّة ٢: ١١٤/ ح ٣١٨.
(٢٨٧) حديث متواتر رواه الخاصّة والعامّة بألفاظ مختلفة، فراجع: المحاسن للبرقي ١: ٩٢/ ح ٤٦؛ بصائر الدرجات: ٢٧٩/ باب ١٥/ ح ٥؛ الكافي ١: ٣٧١ و٣٧٢/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٥؛ ثواب الأعمال: ٢٠٥؛ مسند أبي داود: ٢٥٩؛ مسند أبي يعلى ١٣: ٣٦٦/ ح ٧٣٧٥؛ صحيح ابن حبّان ١٠: ٤٣٤؛ المعجم الكبير للطبراني ١٩: ٣٨٨؛ وغيرها من المصادر.
(٢٨٨) راجع: بحار الأنوار ٢٣: ٧٦ - ٩٥/ باب ٤/ ح ١ - ٤٠.
(٢٨٩) الإمامة والتبصرة: ٢٥ - ٣٢/ باب ٢/ ح ٢ - ١٦؛ الكافي ١: ١٧٨ و١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجّة/ ح ١ - ١٣؛ كمال الدين: ٣١٩/ باب ٣١/ ح ٢؛ الغيبة للنعماني: ١٤٤/ باب ١٠/ ح ٢؛ الغيبة للطوسي: ٢٥٤/ ح ٢٢٣؛ وغيرها من المصادر.
(٢٩٠) نهج البلاغة ٤: ٣٧/ ح ١٤٧.
(٢٩١) رواه الخاصّة والعامّة بألفاظ مختلفة، فراجع: الكافي ١: ٥٢٥ - ٥٣٥/ باب فيما جاء في الاثني عشر.../ ح ١ - ٢٠؛ أمالي الصدوق: ١٧٣/ ح (١٧٥/١١)؛ روضة الواعظين: ١٠٢؛ الغيبة للنعماني: ٦٥ - ١٠٤/ باب ٤/ ح ١ - ٣٠؛ صحيح البخاري ٨: ١٢٧؛ صحيح مسلم ٦: ٣؛ سنن الترمذي ٣: ٣٤٠/ ح ٢٣٢٣؛ مستدرك الحاكم ٣: ٦١٨؛ وغيرها من المصادر.
(٢٩٢) استلَّت هذه الفقرة من مجلَّة الانتظار/ العدد ٣/ السنة ١٤٢٧هـ/ من مقالة سماحة آية الله الشيخ محمّد مهدي الآصفي باختصار.
(٢٩٣) كمال الدين: ٤١٢/ باب ٣٩/ ح ٨.
(٢٩٤) كمال الدين: ٤١٣/ باب ٣٩/ ح ١٢.
(٢٩٥) كمال الدين: ٢٨٠/ باب ٢٤/ ح ٢٧.
(٢٩٦) راجع: كمال الدين: ٤١٧ - ٤٢٣/ باب ٤١/ ح ١.
(٢٩٧) كمال الدين: ٤٢٤ و٤٢٥/ باب ٤٢/ ح ١.
(٢٩٨) راجع: كمال الدين: ٤٧٣ - ٤٧٦/ باب ٤٣/ ح ٢٥.
(٢٩٩) راجع: كمال الدين: ٤٧٦ - ٤٧٩/ باب ٤٣/ ح ٢٦.
(٣٠٠) الغيبة للطوسي: ٣٩٥/ ح ٣٦٥؛ كمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤ بتفاوت يسير.
(٣٠١) كمال الدين: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٣٠٢) الاحتجاج ٢: ٢٦٣.
(٣٠٣) قرب الإسناد: ٣٥٤/ ح ١٢٦٦.
(٣٠٤) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٣٠٥) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٥٥١ و٥٥٢، عن عقد الدرر: ٧٤/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٣٠٦) كمال الدين: ٦٥١/ باب ٥٧/ ح ٩.
(٣٠٧) راجع: كمال الدين: ٦٥١/ باب ٥٧/ ح ٩؛ بحار الأنوار ٥٣: ٨ و٩.
(٣٠٨) راجع: الكافي ٨: ٢٩٥/ ح ٤٥١.
(٣٠٩) راجع: من لا يحضره الفقيه ١: ٢٠٣ و٢٠٤/ ح ٦١١.
(٣١٠) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٥٥٢، عن عقد الدرر: ٧٤/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٣١١) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٥٥٢، عن عقد الدرر: ٧٤/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٣١٢) بحار الأنوار ٥٢: ٢٧٤.
(٣١٣) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٧٩/ ح ٢٢٤، عن عبد الله بن عمرو.
(٣١٤) راجع: بحار الأنوار ٥٢: ٢١٣.
(٣١٥) الغيبة للنعماني: ١٥٠/ باب ١٠/ ح ٥.
(٣١٦) سنن أبي داود ٢: ٣١١/ ح ٤٢٩٠.
(٣١٧) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٨.
(٣١٨) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١١٩/ ح ١١٢، عن كتاب الفتن للمروزي: ١٨٨.
(٣١٩) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١١٧ و١١٨/ ح ١١٠، عن كتاب الفتن للمروزي: ١٨٨.
(٣٢٠) الهداية الكبرى: ٤٠٣.
(٣٢١) الغيبة للنعماني: ٢٨٣/ باب ١٤/ ح ٥٥.
(٣٢٢) راجع: عصر الظهور: ٢٤١.
(٣٢٣) بحار الأنوار ٥٢: ٢٧٤.
(٣٢٤) الغيبة للنعماني: ٤٦/ باب ٢/ ح ١.
(٣٢٥) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٣٢٦) كتاب الفتن للمروزي: ٢٣٧.
(٣٢٧) العدّ التنازلي في علائم الظهور: ١٦٢.
(٣٢٨) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٣٢٩) الغيبة للطوسي: ٤٣٥/ ح ٤٢٥.
(٣٣٠) كمال الدين: ٦٥٠/ باب ٥٧/ ح ٦.
(٣٣١) الغيبة للنعماني: ٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٣٣٢) كشف الغمّة ٣: ٢٧٠؛ بحار الأنوار ٥١: ٨١ عنه.
(٣٣٣) الغيبة للنعماني: ٢٨٩/ باب ١٤/ ح ٦٧.
(٣٣٤) الغيبة للنعماني: ٣٢٩/ باب ٢٠/ ح ٩.
(٣٣٥) الإرشاد ٢: ٣٧٩.
(٣٣٦) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٦.
(٣٣٧) بحار الأنوار ٥٢: ٣١٦.
(٣٣٨) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٣٧/ ح ١٥٧، عن كتاب الفتن للمروزي: ٢١٣.
(٣٣٩) المصدر السابق.
(٣٤٠) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٥٥٢، عن عقد الدرر: ٧٤/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٣٤١) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٨/ ح ٨٣.
(٣٤٢) تفسير العياشي ٢: ٢٦١/ ح ٣٤.
(٣٤٣) تفسير العياشي ٢: ٥٧ و٥٨/ ح ٤٩.
(٣٤٤) تفسير العياشي ٢: ٥٩ و٦٠/ ح ٤٩.
(٣٤٥) بحار الأنوار ٥٢: ٣٨٧/ ح ٢٠٤.
(٣٤٦) بحار الأنوار ٥٢: ٣٨٧/ ح ٢٠٥.
(٣٤٧) استدارة الفلك لعبد الرزّاق حميد: ٢٢١.
(٣٤٨) تفسير العياشي ١: ١٠٣/ ح ٣٠١.
(٣٤٩) كمال الدين: ٦٧١ و٦٧٢/ باب ٥٨/ ح ٢٢.
(٣٥٠) دلائل الإمامة: ٤٥٨/ ح (٤٣٨/٤٢).
(٣٥١) منتخب الأنوار المضيئة للسيّد بهاء الدين النجفي: ٣٤٠.
(٣٥٢) راجع: بحار الأنوار ٥٣: ١٥ و١٦.
(٣٥٣) الهداية الكبرى: ٤٤٠؛ بحار الأنوار ٥٣: ١١، وفيه: (دار ملكه الكوفة...).
(٣٥٤) الغيبة للطوسي: ٤٧٥/ ح ٤٩٨.
(٣٥٥) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٥٢/ ح ١٨٧، عن كتاب الفتن للمروزي: ٢٢٤، وفي المصدرين عن أرطأة، إلاَّ أنَّه ذكر الشيخ الكوراني هذا الحديث في كتابه عصر الظهور (ص ٥٧) عن الصادق عليه السلام.
(٣٥٦) بحار الأنوار: ٥٢: ٣٨٨/ ح ٢٠٦.
(٣٥٧) الملاحم والفتن لابن طاووس: ٢٩٦/ ح ٤١٧.
(٣٥٨) صحيح البخاري ٤: ٦٨ و٦٧.
(٣٥٩) العمدة لابن بطريق: ١٦؛ صحيح البخاري ٤: ١٤٣.
(٣٦٠) راجع: كتاب الفتن للمروزي: ٢٩٨.
(٣٦١) راجع: كتاب الفتن للمروزي: ٢٩٣.
(٣٦٢) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٤٤١ و٤٤٢، عن عقد الدرر: ١٩٩/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٣٦٣) استدارة الفلك لعبد الرزّاق حميد: ١٢٧.
(٣٦٤) الغيبة للنعماني: ٢٨٣/ باب ١٤/ ح ٥٥.
(٣٦٥) هذا على ما نقله المصنّف من الرواية بلفظ: (وأجابته الأبرار...)، وما ثبَّتناه هو الموجود في المصادر التي بأيدينا، و(الآبر): قرية قرب استرآباد.
(٣٦٦) راجع: استدارة الفلك لعبد الرزّاق حميد: ١٢٧.
(٣٦٧) إلزام الناصب ٢: ١٤٠.
(٣٦٨) الغيبة للطوسي: ٤٤٣ و٤٤٤/ ح ٤٣٧.
(٣٦٩) أنظر: استدارة الفلك لعبد الرزّاق حميد: ٨٤.
(٣٧٠) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٦٢/ ح ٢١٢، عن كتاب الفتن للمروزي: ٢٠٥.
(٣٧١) بحار الأنوار ٥١: ١٦٣.
(٣٧٢) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٨٥/ ح ٢٥٧، عن كتاب الفتن للمروزي: ٤٣٣.
(٣٧٣) الغيبة للنعماني: ٢٨٣/ باب ١٤/ ح ٥٥.
(٣٧٤) إلزام الناصب ٢: ٢٠٨.
(٣٧٥) كمال الدين: ٦٤٩/ باب ٤٣/ ح ٢٣.
(٣٧٦) إلزام الناصب ١: ٦٣.
(٣٧٧) مختصر بصائر الدرجات: ٢٠٠.
(٣٧٨) الغيبة للطوسي: ٤٢٢/ ح ٤٠٣.
(٣٧٩) أمالي الصدوق: ٧٣١/ ح (١٠٠٢/٤).
(٣٨٠) كشف الغمّة ٣: ٢٦٨؛ ينابيع المودَّة ٢: ٢١٠/ ح ٦٠٩.
(٣٨١) كمال الدين: ٢٨٦/ باب ٢٥/ ح ١؛ ينابيع المودَّة ٣: ٣٨٦/ ح ١٦.
(٣٨٢) ينابيع المودَّة ٣: ٢٦٤/ ح ١٥.
(٣٨٣) الغيبة للطوسي: ١٨٦/ ح ١٤٥؛ سنن أبي داود ٢: ٣١٠/ ح ٤٢٨٤.
(٣٨٤) بحار الأنوار ٣٦: ٤١٠/ ح ١٨.
(٣٨٥) شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ١٥٥، عن مسند فاطمة للسيوطي: ٩٤/ ط ١٤٠٦هـ/ العزيزية/ حيدر آباد.
(٣٨٦) كمال الدين: ٣٠٤/ باب ٢٦/ ح ١٦.
(٣٨٧) كمال الدين: ٣١٦/ باب ٢٩/ ح ٢.
(٣٨٨) كمال الدين: ٣١٧/ باب ٣٠/ ح ٣.
(٣٨٩) كمال الدين: ٣٢٣/ باب ٣١/ ح ٧.
(٣٩٠) شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ١٢٢، عن عقد الدرر: ٣٩/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٣٩١) المزار لابن المشهدي: ٦٦٤ و٦٦٥.
(٣٩٢) كمال الدين: ٣٦١/ باب ٣٤/ ح ٥.
(٣٩٣) كمال الدين: ٣٧٢/ باب ٣٥/ ح ٥.
(٣٩٤) كمال الدين: ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٣.
(٣٩٥) كمال الدين: ٣٨٣/ باب ٣٧/ ح ١٠.
(٣٩٦) الغيبة للطوسي: ٢٧٣/ ح ٢٣٧.
(٣٩٧) كمال الدين: ٢٥٧/ باب ٢٤/ ح ٢.
(٣٩٨) كشف الغمّة ٣: ٢٧١؛ بحار الأنوار ٥١: ٨١.
(٣٩٩) كمال الدين: ٢٨٦/ باب ٢٥/ ح ١.
(٤٠٠) الغيبة للطوسي: ٢٧٢/ ح ٢٣٧.
(٤٠١) أنظر: دلائل الإمامة: ٤٤١/ ح (٤١٣/١٧)؛ ذخائر العقبى: ١٣٦.
(٤٠٢) أنظر: الطرائف: ١٧٨/ ح ٢٨٢؛ الفصول المهمّة ٢: ١١٠٨.
(٤٠٣) مستدرك الحاكم ٣: ٢١١.
(٤٠٤) نهج البلاغة ٢: ١٠٨/ الخطبة ١٨٢.
(٤٠٥) الغيبة للنعماني: ٢٢١ و٢٢٢/ باب ١٣/ ح ١.
(٤٠٦) المصدر السابق.
(٤٠٧) كمال الدين: ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٧.
(٤٠٨) الاحتجاج ٢: ٣١٦.
(٤٠٩) مصباح المتهجّد: ٤١٠/ ح (٥٣٥/١٤٥).
(٤١٠) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ١٣: ٦٥ و٦٦، عن فرائد السمطين: ٤٢/ مخطوط.
(٤١١) ينابيع المودَّة ٣: ٢٩٥.
(٤١٢) شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ١٢٢، عن عقد الدرر: ٣٩/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٤١٣) الغيبة للنعماني: ٨٨/ باب ٤/ ح ١٧.
(٤١٤) مصباح المتهجّد: ٤١٠ و٤١١/ ح (٥٣٥/١٤٥).
(٤١٥) كمال الدين: ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٨.
(٤١٦) كمال الدين: ٤٣٥/ باب ٤٣/ ح ٢.
(٤١٧) كمال الدين: ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩.
(٤١٨) الخرائج والجرائح ٢: ٥٥١/ ح ١١.
(٤١٩) مختصر بصائر الدرجات: ١٨٣.
(٤٢٠) روضة الواعظين: ٢٦٦.
(٤٢١) الغيبة للنعماني: ٢٢٢/ باب ١٣/ ح ١.
(٤٢٢) مقتضب الأثر: ٣١.
(٤٢٣) الغيبة للنعماني: ٨٨ و٨٩/ باب ٤/ ح ١٧.
(٤٢٤) أنظر: رجال النجاشي: ٤٠.
(٤٢٥) الغيبة للنعماني: ٢٥٢/ باب ١٣/ ح ٤٦.
(٤٢٦) كمال الدين: ٣٥٢ و٣٥٣/ باب ٣٣/ ح ٥٠.
(٤٢٧) أنظر: المزار لابن المشهدي: ٦٦٤ و٦٦٥.
(٤٢٨) كمال الدين: ٣٧٢/ باب ٣٥/ ح ٦.
(٤٢٩) أنظر: الذريعة ٢٣: ٢٤٧/ تحت الرقم ٨٨٣٦.
(٤٣٠) كمال الدين: ٣٧١/ باب ٣٥/ ح ٣.
(٤٣١) كمال الدين: ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٣.
(٤٣٢) كمال الدين: ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٧.
(٤٣٣) العمدة لابن بطريق: ٤٣٩/ ح ٩٢٢؛ الفصول المهمّة ٢: ١١٠٨.
(٤٣٤) عيون أخبار الرضا ١: ٢١٨/ ح ١.
(٤٣٥) كفاية الأثر: ١٢١.
(٤٣٦) أمالي الصدوق: ٧٣١/ ح (١٠٠٢/٤).
(٤٣٧) تفسير مجمع البيان ٩: ٤٦٤.
(٤٣٨) ينابيع المودَّة ٢: ٣١٨.
(٤٣٩) كمال الدين: ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٥.
(٤٤٠) نهج البلاغة ٢: ٢٢/ الخطبة ١٣٨.
(٤٤١) كمال الدين: ٦٧٠/ باب ٥٨/ ح ١٦.
(٤٤٢) مصباح المتهجّد: ٤١٠/ ح (٥٣٥/١٤٥).
(٤٤٣) كمال الدين: ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٢.
(٤٤٤) كمال الدين: ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩.
(٤٤٥) الكافي ١: ٣٨٢/ باب حالات الأئمّة عليهم السلام في السنّ/ ح ١.
(٤٤٦) الكافي ١: ٣٨٣/ باب حالات الأئمّة عليهم السلام في السنّ/ ح ٢.
(٤٤٧) الكافي ١: ٣٨٣/ باب حالات الأئمّة عليهم السلام في السنّ/ ح ٣.
(٤٤٨) الكافي ١: ٣٨٤/ باب حالات الأئمّة عليهم السلام في السنّ/ ح ٧.
(٤٤٩) بحار الأنوار ٢٥: ١٠١/ ح ٢، عن تفسير العياشي ٢: ٢٠٠/ ح ١٠٠.
(٤٥٠) الغيبة للنعماني: ٣٣٩/ باب ٢٣/ ح ١.
(٤٥١) الصواعق المحرقة: ٢٠٨/ ط مكتبة القاهرة.
(٤٥٢) أنظر: الإمام المنتظر للسيّد عدنان البكّاء: ١٤٣.
(٤٥٣) الإرشاد ٢: ٣٣٩.
(٤٥٤) الإمام المنتظر للسيّد عدنان البكّاء: ١٣٥.
(٤٥٥) أنظر: كمال الدين: ٤٧٧ و٤٧٨/ باب ٤٣/ ح ٢٦.
(٤٥٦) راجع: كمال الدين: ٤٧٥/ باب ٤٣/ ح ٢٥.
(٤٥٧) الغيبة للطوسي: ٢٧٣/ ح ٢٣٧.
(٤٥٨) راجع: بصائر الدرجات: ٣٣٨/ باب ٤/ ح ١.
(٤٥٩) الإسلام يقود الحياة: ١٢٨.
(٤٦٠) المصدر السابق.
(٤٦١) الإسلام يقود الحياة: ١٤٤.
(٤٦٢) كمال الدين: ٢٨٢/ باب ٢٤/ ح ٣٥.
(٤٦٣) كمال الدين: ٢٨٠/ باب ٢٤/ ح ٢٩.
(٤٦٤) ينابيع المودَّة ٣: ٣٩٨ و٣٩٩/ ح ٥٤.
(٤٦٥) كمال الدين: ٢٦٩/ باب ٢٤/ ح ١٢.
(٤٦٦) الغيبة للطوسي: ١٨٦/ ح ١٤٥.
(٤٦٧) شرح إحقاق الحقّ ١٣: ١٦٦، عن التذكرة لسبط ابن الجوزي: ٢٠٤/ ط طهران/ ١١٨٥هـ.
(٤٦٨) كمال الدين: ٣٠٣/ باب ٢٦/ ح ١٤.
(٤٦٩) كمال الدين:: ٣١٦/ باب ٢٩/ ح ٢.
(٤٧٠) كمال الدين: ٣١٧/ باب ٣٠/ ح ٢.
(٤٧١) الاحتجاج ٢: ٥٠.
(٤٧٢) كمال الدين: ٣٣٠/ باب ٣٢/ ح ١٤.
(٤٧٣) كمال الدين: ٣٣٤/ باب ٣٣/ ح ٤.
(٤٧٤) الكافي ١: ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢.
(٤٧٥) كمال الدين: ٣٧٢/ باب ٣٥/ ح ٥.
(٤٧٦) كمال الدين: ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٣.
(٤٧٧) كمال الدين: ٣٨٣/ باب ٣٧/ ح ١٠.
(٤٧٨) كمال الدين: ٣٨٤/ باب ٣٨/ ح ١.
(٤٧٩) مجلَّة الانتظار/ العدد ٣/ ١٤٢٤هـ.
(٤٨٠) كمال الدين: ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٣.
(٤٨١) رواه الخاصّة والعامّة بألفاظ مختلفة، فراجع: بصائر الدرجات: ٤٣٢ - ٤٣٤/ باب ١٧/ ح ١ - ٦؛ أمالي الصدوق: ٥٠٠/ ح (٦٨٦/١٥)؛ تحف العقول: ٤٢٦؛ الغيبة للنعماني: ٥٠/ باب ٢/ ح ٢؛ مسند أحمد ٣: ١٤؛ فضائل الصحابة للنسائي: ١٥؛ مستدرك الحاكم ٣: ١٠٩؛ المعجم الكبير للطبراني ٣: ٦٦/ ح ٢٦٧٩؛ وغيرها من المصادر.
(٤٨٢) مجلَّة الانتظار/ ص ٧/ العدد ٣/ ١٤٢٥هـ.
(٤٨٣) رواه الخاصّة والعامّة بألفاظ مختلفة، فراجع: المحاسن للبرقي ١: ٩٢/ ح ٤٦؛ بصائر الدرجات: ٢٧٩/ باب ١٥/ ح ٥؛ الكافي ١: ٣٧١ و٣٧٢/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٥؛ ثواب الأعمال: ٢٠٥؛ مسند أبي داود: ٢٥٩؛ مسند أبي يعلى ١٣: ٣٦٦/ ح ٧٣٧٥؛ صحيح ابن حبّان ١٠: ٤٣٤؛ المعجم الكبير للطبراني ١٩: ٣٨٨؛ وغيرها من المصادر.
(٤٨٤) مسند أحمد ٤: ٩٦.
(٤٨٥) مستدرك الحاكم ١: ٧٧.
(٤٨٦) رواه الخاصّة والعامّة بألفاظ مختلفة، فراجع: كفاية الأثر: ٢٧؛ أمالي الصدوق: ١٧٣/ ح (١٧٥/١١)؛ روضة الواعظين: ١٠٢؛ الصراط المستقيم ٢: ١٢٦؛ مسند أحمد ٥: ٨٧؛ صحيح البخاري ٨: ١٢٧؛ صحيح مسلم ٦: ٣؛ سنن أبي داود ٢: ٣٠٩/ ح ٤٢٧٩؛ وغيرها من المصادر.
(٤٨٧) نهج البلاغة ٤: ٣٧/ ح ١٤٧.
(٤٨٨) بحث حول المهدي: ٦٥ - ٦٧.
(٤٨٩) أنظر: بحث حول المهدي: ٦٧، وهامشه.
(٤٩٠) اليوم الموعود لكامل سليمان: ١٢٨.
(٤٩١) مجلَّة الانتظار/ العدد ٦/ ص ١٦.
(٤٩٢) بحول حول المهدي: ٧٧ - ٧٩.
(٤٩٣) أحاديث المهدي في مسند أحمد بن حنبل للسيّد محمّد حسين الجلالي: ١٢.
(٤٩٤) عقائد الإمامية: ٣٠.
(٤٩٥) الغيبة للطوسي: ٦١/ ح ٦٠.
(٤٩٦) الغيبة للطوسي: ١٦٣/ ح ١٢٣.
(٤٩٧) الإرشاد ٢: ٣٤٠.
(٤٩٨) إعلام الورى ٢: ٢٥٩ و٢٦٠.
(٤٩٩) أنظر: شمس المغرب: ٤٠.
(٥٠٠) الإمام المهدي من المهد إلى الظهور: ١٦٩.
(٥٠١) أنظر: تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٤١٨.
(٥٠٢) المصدر السابق.
(٥٠٣) الغيبة للطوسي: ٣٩٥/ ح ٣٦٥.
(٥٠٤) الكافي ١: ٣٣٠/ باب في تسمية من رآه عليه السلام/ ح ١.
(٥٠٥) الغيبة للطوسي: ٣٥٦/ ح ٣١٧.
(٥٠٦) أنظر: الحيرة للسيّد ياسين الموسوي: ٧٣.
(٥٠٧) خلاصة الأقوال: ٢٢٠/ الرقم ٢.
(٥٠٨) الغيبة للطوسي: ٣٥٣ و٣٥٤/ ح ٣١٤.
(٥٠٩) المصدر السابق.
(٥١٠) المصدر السابق.
(٥١١) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٣٩٧.
(٥١٢) رجال الطوسي: ٣٨٩/ الرقم (٥٧٤١/٣٦).
(٥١٣) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٤٠٤.
(٥١٤) جامع الرواة ١: ٥٣٣.
(٥١٥) الإمام المهدي المنتظر: ١٤٩.
(٥١٦) جامع الرواة ١: ٥٣٣.
(٥١٧) أحاديث المهدي في مسند أحمد بن حنبل للسيّد محمّد جواد الجلالي: ١٢.
(٥١٨) الغيبة للطوسي: ٣٥٦/ ح ٣١٨.
(٥١٩) الغيبة للطوسي: ٣٥٨/ ح ٣٢٠.
(٥٢٠) المصدر السابق.
(٥٢١) كمال الدين: ٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٦.
(٥٢٢) أنظر: كمال الدين: ٤٧٥/ باب ٤٣/ ح ٢٥.
(٥٢٣) الإمام المهدي المنتظر: ١٤٩.
(٥٢٤) خلاصة الأقوال: ٢٢٠/ الرقم ٢.
(٥٢٥) الغيبة للطوسي: ٣٥٦/ ح ٣١٨.
(٥٢٦) تاريخ الغيبة الصغرى: ٣٩٩.
(٥٢٧) الغيبة للطوسي: ٢٤٣/ ح ٢٠٩.
(٥٢٨) المصدر السابق.
(٥٢٩) الغيبة للطوسي: ٢٩١/ ح ٢٤٧.
(٥٣٠) كمال الدين: ٥١٠/ باب ٤٥/ ح ٤١.
(٥٣١) الغيبة للطوسي: ٣٥٦/ ح ٣١٨.
(٥٣٢) تاريخ الغيبة الصغرى لمحمّد الصدر: ٣٧٢.
(٥٣٣) تاريخ الغيبة الصغرى: ٣٩٧.
(٥٣٤) جامع الرواة ١: ٢٦٢.
(٥٣٥) راجع: رجال الطوسي: ٣٩٨/ الرقم (٥٨٤٢/٧).
(٥٣٦) راجع: كمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(٥٣٧) المصدر السابق.
(٥٣٨) ثورة التمهيد: ١١٩.
(٥٣٩) معاني الأخبار: ٣٥٤ و٣٥٥/ ح ١.
(٥٤٠) النفس الزكية لخلدون الماجدي: ٨٢.
(٥٤١) النفس الزكية: ١٠٥.
(٥٤٢) جريدة القائم/ العدد ٤٧.
(٥٤٣) المهدي يدعو إلى دين جديد لعلي سلمان: ٩١.
(٥٤٤) المهدي يدعو إلى دين جديد: ١١.
(٥٤٥) النفس الزكية: ٢٨.
(٥٤٦) النفس الزكية: ١٣٨.
(٥٤٧) النفس الزكية: ٤٦.
(٥٤٨) النفس الزكية: ١٣٨.
(٥٤٩) النفس الزكية: ١٥٨.
(٥٥٠) اليماني أهدى الرايات لسعيد الطويل: ١٩٢.
(٥٥١) رجال النجاشي: ١٠/ الرقم ٧.
(٥٥٢) الكافي ١: ٥٢/ باب رواية الكتب والحديث.../ ح ١١.
(٥٥٣) الكافي ١: ٦٧/ باب اختلاف الحديث/ ح ١٠.
(٥٥٤) اختيار معرفة الرجال ١: ٣٨٣/ ح ٢٧٣.
(٥٥٥) اختيار معرفة الرجال ١: ٤٠٠/ ح ٢٩١.
(٥٥٦) اختيار معرفة الرجال ٢: ٧٨٤/ ح ٩٣٥.
(٥٥٧) الكافي ١: ٣١/ باب فرض العلم ووجوب طلبه/ ح ٦.
(٥٥٨) الكافي ١: ٣٣/ باب صفة العلم وفضله/ ح ٩.
(٥٥٩) الكافي ١: ٣١/ باب فرض العلم ووجوب طلبه/ ح ٨.
(٥٦٠) تحف العقول: ٤١٠؛ بحار الأنوار ١٠: ٢٤٧/ ح ١٣.
(٥٦١) الكافي ٧: ٤١٢/ باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور/ ح ٥.
(٥٦٢) الاحتجاج ٢: ٢٦٣.
(٥٦٣) كمال الدين: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٥٦٤) من لا يحضره الفقيه ٤: ٤٢٠/ ح ٥٩١٩.
(٥٦٥) الاحتجاج ٢: ٦٣.
(٥٦٦) اختيار معرفة الرجال ١: ٣٤٨ و٣٤٩/ ح ٢٢٠.
(٥٦٧) بصائر الدرجات: ٣٤/ ح ١.
(٥٦٨) الاحتجاج ٢: ٢٦٣ و٢٦٤.
(٥٦٩) المصدر السابق.
(٥٧٠) المرجعية الدينية لمحمّد سعيد الحكيم: ٤٦.
(٥٧١) تاريخ العراق السياسي الحديث ١: ١٤٣.
(٥٧٢) كمال الدين: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٥٧٣) الغيبة الكبرى: ٥.
(٥٧٤) أنظر: المرجعية الدينية: ٢٤.
(٥٧٥) أنظر: المرجعية الدينية: ٥٠.
(٥٧٦) المرجعية الدينية: ٤٦.
(٥٧٧) المصدر السابق.
(٥٧٨) المرجعية الدينية: ٤٧.
(٥٧٩) راجع: جريدة الأحرار/ الروضة الحسينية.
(٥٨٠) الكافي ٨: ٣٠٨/ ح ٤٧٩؛ ثواب الأعمال: ٢٥٣.
(٥٨١) المستطرف ١: ٥١.
(٥٨٢) كنز العمّال ١١: ١٨١/ ح ٣١١٣٦.
(٥٨٣) تفسير الإمام العسكري عليه السلام: ٣٠١/ ح ١٤٣.
(٥٨٤) تفسير الإمام العسكري عليه السلام: ٣٠٢/ ح ١٤٤.
(٥٨٥) بيان الحقّ والسداد ١: ٢٣.
(٥٨٦) بيان الحقّ والسداد ١: ٧٧.
(٥٨٧) بيان الحقّ والسداد ١: ٣٢.
(٥٨٨) المصدر السابق.
(٥٨٩) الغيبة للنعماني: ٢١٤/ باب ١٢/ ح ١١.
(٥٩٠) بيان الحقّ والسداد ١: ٣٦.
(٥٩١) من لا يحضره الفقيه ٤: ٥٤٤.
(٥٩٢) النفس الزكية لخلدون الماجدي: ٤٦.
(٥٩٣) النفس الزكية: ١٣٨.
(٥٩٤) كمال الدين: ٢٨٠/ باب ٢٤/ ح ٢٧؛ سنن أبي داود ٢: ٢٠٩/ ح ٤٢٨٢ بتفاوت.
(٥٩٥) كمال الدين: ٤١٢/ باب ٣٩/ ح ٨.
(٥٩٦) تاريخ الغيبة الصغرى: ٦٥٤.
(٥٩٧) الغيبة للطوسي: ٣٩٥/ ح ٣٦٥.
(٥٩٨) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٥٨٩، عن عقد الدرر: ١١١/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٥٩٩) كمال الدين: ٦٥٠/ باب ٥٧/ ح ٧.
(٦٠٠) الغيبة للنعماني: ٢٦٢/ باب ١٤/ ح ١١.
(٦٠١) مختصر بصائر الدرجات: ١٨٣ و١٨٤.
(٦٠٢) الغيبة للنعماني: ٢٦٢/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٦٠٣) إلزام الناصب ٢: ١٧٣.
(٦٠٤) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٥٧٠، عن عقد الدرر: ٩٠/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٦٠٥) الغيبة للنعماني: ٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٦٠٦) الغيبة للطوسي: ٤٣٥/ ح ٤٢٥.
(٦٠٧) إلزام الناصب ٢: ١٧٤.
(٦٠٨) الإرشاد ٢: ٣٧١.
(٦٠٩) مختصر بصائر الدرجات: ١٨٣ و١٨٤.
(٦١٠) إعلام الورى ٢: ٢٤١.
(٦١١) مختصر بصائر الدرجات: ١٨٣ و١٨٤.
(٦١٢) كمال الدين: ٦٥٠/ باب ٥٧/ ح ٨.
(٦١٣) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٣٩٢، عن عقد الدرر.
(٦١٤) الغيبة للطوسي: ٤٣٥/ ح ٤٢٥.
(٦١٥) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٠١/ ح ٧٢، عن كتاب الفتن للمروزي: ١٣٢ بتفاوت.
(٦١٦) شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٤٠٥، عن عقد الدرر: ١٠٥/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٦١٧) الغيبة للنعماني: ٣٠١ و٣٠٢/ باب ١٦/ ح ٦.
(٦١٨) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٢٩/ ح ١٣٦.
(٦١٩) الغيبة للطوسي: ٤٣٩/ ح ٤٣١.
(٦٢٠) الغيبة للنعماني: ٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٦٢١) كمال الدين: ٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١٤.
(٦٢٢) الغيبة للنعماني: ٢٦٨/ باب ١٤/ ح ١٩.
(٦٢٣) الغيبة للنعماني: ٢٧٠/ باب ١٤/ ح ٢٢.
(٦٢٤) الغيبة للطوسي: ٤٥٣/ ح ٤٥٩.
(٦٢٥) الغيبة للطوسي: ٤٥٢/ ح ٤٥٨.
(٦٢٦) مسند الشاميين للطبراني ٢: ٧٢/ ح ٩٣٧.
(٦٢٧) الفصول المهمّة ٢: ١١١٧.
(٦٢٨) الغيبة للنعماني: ٢٩٠/ باب ١٤/ ح ٦٧.
(٦٢٩) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٠٦/ ح ٨٠، عن كتاب الفتن للمروزي: ١٣١.
(٦٣٠) كمال الدين: ٤١٢/ باب ٣٩/ ح ٨.
(٦٣١) راجع: الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لأحمد الروحاني الهمداني: ٥٥٦.
(٦٣٢) الغيبة للنعماني: ٢٣٤/ باب ١٣/ ح ١١.
(٦٣٣) الغيبة للنعماني: ٢٣٧/ باب ١٣/ ح ١٥.
(٦٣٤) الغيبة للنعماني: ٢٣٨/ باب ١٣/ ح ١٨.
(٦٣٥) كمال الدين: ٣٢٩/ باب ٣٢/ ح ١١.
(٦٣٦) الإرشاد ٢: ٣٨٤.
(٦٣٧) الغيبة للنعماني: ٢٣٦ و٢٣٧/ باب ١٣/ ح ١٤.
(٦٣٨) الغيبة للنعماني: ٣٢٠/ باب ٢٠/ ح ٢.
(٦٣٩) بحار الأنوار ٥٢: ٣٨٩/ ح ٢١٠.
(٦٤٠) بحار الأنوار ٤٤: ٣٢٩.
(٦٤١) السيّد محمّد علي الحلو/ افتتاحية العدد السادس من مجلَّة الانتظار.
(٦٤٢) الاحتجاج ٢: ٢٦٤.
(٦٤٣) منتخب الأنوار المضيئة للسيّد بهاء الدين النجفي: ٣٤٠.
(٦٤٤) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٧/ ح ٨١.
(٦٤٥) بحار الأنوار ٥٣: ١٦.
(٦٤٦) أنظر: معجم أحاديث الإمام المهدي ٣: ١٠٦/ ح ٦٤٧.
(٦٤٧) كتاب الفتن للمروزي: ٢١٧.
(٦٤٨) إلزام الناصب ٢: ١٩٩ و٢٠٠.
(٦٤٩) كمال الدين: ٣٢٩/ باب ٣٢/ ح ١١.
(٦٥٠) الغيبة للنعماني: ٣٢٠/ باب ٢٠/ ح ٢.
(٦٥١) الغيبة للنعماني: ١٦٨/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٥.
(٦٥٢) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٤٩/ ح ١٨٢، عن كتاب الفتن للمروزي: ٢٢٣.
(٦٥٣) العمدة لابن بطريق: ٤٣٩/ ح ٩٢٢؛ الفصول المهمّة ٢: ١١٠٨.
(٦٥٤) مسند أحمد ٣: ٣٧.
(٦٥٥) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٣٦/ ح ١٥٥، عن كتاب الفتن للمروزي: ٢١٢.
(٦٥٦) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٤٧/ ح ١٧٨، عن كتاب الفتن للمروزي: ٢٢٢.
(٦٥٧) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٣٩/ ح ١٦١، عن كتاب الفتن للمروزي: ٢١٦.
(٦٥٨) تفسير مجمع البيان ٩: ٤٦٤.
(٦٥٩) عصر الظهور: ٢٥.
(٦٦٠) من محاضرة له ألقاها في مسجد الهندي في النجف الأشرف بتاريخ (١٥/٣/٢٠٠٧م).
(٦٦١) تاريخ ما بعد الظهور: ٣٥٩.
(٦٦٢) يوم الخلاص: ٢٢٨.
(٦٦٣) الغيبة للنعماني: ٢٩٤/ باب ١٥/ ح ١.
(٦٦٤) تاريخ ما بعد الظهور: ٣٢٩.
(٦٦٥) بحث حول المهدي عليه السلام: ١١٥ - ١١٨.
(٦٦٦) من محاضرة له ألقاها في مسجد الهندي في النجف الأشرف بتاريخ (١٥/٣/٢٠٠٧م).
(٦٦٧) بحث حول المهدي عليه السلام: ١٢٧ و١٢٨.
(٦٦٨) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٦٤ و١٦٥/ ح ٢١٦، عن كتاب الفتن للمروزي: ٢٠٦.
(٦٦٩) كمال الدين: ٦٥٥/ باب ٥٧/ ح ٢٧.
(٦٧٠) الغيبة للطوسي: ٣٣٩/ ح ٢٨٦.
(٦٧١) أنظر: تاريخ ما بعد الظهور لمحمّد الصدر: ٣٣٧.
(٦٧٢) الغيبة للنعماني: ٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٣.
(٦٧٣) بحث حول المهدي عليه السلام: ١١٨.
(٦٧٤) المصدر السابق.
(٦٧٥) من محاضرة له ألقاها في المسجد الهندي في النجف الأشرف بتاريخ (١٥/٣/٢٠٠٧م).
(٦٧٦) أمالي الطوسي: ٢٣٢/ ح (٤١٠/٢).
(٦٧٧) بحار الأنوار ٩٩: ١٠٣.
(٦٧٨) الغيبة للنعماني: ٢٣٩ و٢٤٠/ باب ١٣/ ح ٢٢.
(٦٧٩) الغيبة للنعماني: ٢٠٤/ باب ١١/ ح ٩.
(٦٨٠) كمال الدين: ٦٧٤/ باب ٥٨/ ح ٢٩.
(٦٨١) مختصر بصائر الدرجات: ١٨٣ و١٨٤.
(٦٨٢) الكافي ١: ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٢.
(٦٨٣) الغيبة للنعماني: ٢٢٣/ باب ١٣/ ح ٢.
(٦٨٤) الاحتجاج ٢: ٣٢٤.
(٦٨٥) أنظر: شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٥٥٢، عن عقد الدرر: ٧٤/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٦٨٦) كنز العمّال ١٤: ٢٦٦/ ح ٣٨٦٧٣.
(٦٨٧) صحيح البخاري ٤: ١٤٣.
(٦٨٨) كمال الدين: ٦٧١/ باب ٥٨/ ح ٢٠.
(٦٨٩) شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٥٧٠، عن عقد الدرر: ٩٠/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٦٩٠) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٧٩/ ح ٢٢٤، عن عبد الله بن عمرو.
(٦٩١) كمال الدين: ٦٧٣/ باب ٥٨/ ح ٢٦.
(٦٩٢) بصائر الدرجات: ٤٤/ باب ١١/ ح ١٧.
(٦٩٣) الكافي ١: ٢٥/ كتاب العقل والجهل/ ح ٢١.
(٦٩٤) الكافي ٨: ٢٤١/ ح ٣٢٩.
(٦٩٥) بحار الأنوار ٥٢: ٣٩١/ ح ٢١٣.
(٦٩٦) الغيبة للنعماني: ٣٣٤/ باب ٢١/ ح ٨.
(٦٩٧) بصائر الدرجات: ٤٢٩/ باب ١٥/ ح ١.
(٦٩٨) كامل الزيارات: ٢٣٤/ باب ٤١/ ح (٣٤٨/٥).
(٦٩٩) بحار الأنوار ٥٢: ٣٨٩/ ح ٢١٠.
(٧٠٠) تاريخ ما بعد الظهور: ٤٠٤.
(٧٠١) الإمام المهدي واليوم الموعود: ١٧٢.
(٧٠٢) الإمام المهدي: ٩٣.
(٧٠٣) تفسير العياشي ١: ١٠٣/ ح ٣٠١.
(٧٠٤) بصائر الدرجات: ٤٢٩/ باب ١٥/ ح ١.
(٧٠٥) كمال الدين: ٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦.
(٧٠٦) كمال الدين: ٦٧١ و٦٧٢/ باب ٥٨/ ح ٢٢.
(٧٠٧) مختصر بصائر الدرجات: ١٨٨ و١٨٩.
(٧٠٨) موجز دائرة معارف الغيبة: ٢٤.
(٧٠٩) دلائل الإمامة: ٤٦٢/ ح (٤٤٢/٤٦).
(٧١٠) يوم الخلاص: ٢٦١.
(٧١١) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٧٩/ ح ٢٢٤، عن عبد الله بن عمرو.
(٧١٢) بصائر الدرجات: ٥١٢/ باب ١٤/ ح ٤.
(٧١٣) شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٥٧٥، عن عقد الدرر: ١٨٩/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٧١٤) الملاحم والفتن لابن طاووس: ٢٩٦/ ح ٤١٧.
(٧١٥) عصر الظهور: ٣٠٥.
(٧١٦) معركة هرمجدون وعودة المسيح والمهدي المنتظر لأحمد حجازي: ٦٦.
(٧١٧) معركة هرمجدون وعودة المسيح والمهدي المنتظر: ٤٤.
(٧١٨) عودة المسيح المنتظر لحرب العراق لأحمد علي السقّا: ٦٦/ ط١/ ٢٠٠٤م/ دار الكتاب العربي.
(٧١٩) معركة هرمجدون وتأسيس مملكة الربّ لكارلوتا جيزن: ٩٣.
(٧٢٠) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ٩٤.
(٧٢١) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ٩١.
(٧٢٢) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ٩٦.
(٧٢٣) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ١١٤.
(٧٢٤) معركة هرمجدون لأحمد حجازي: ٥.
(٧٢٥) عودة المسيح لأحمد علي: ٦١.
(٧٢٦) عودة المسيح لأحمد علي: ١٦٥.
(٧٢٧) عودة المسيح لأحمد علي: ٧٤.
(٧٢٨) المهدي المنتظر لأمير عرب: ٦٢٣.
(٧٢٩) المفاجأة لمحمّد عيسى داود: ٥٤٤/ ط مدبولي الصغير/ القاهرة.
(٧٣٠) عودة المسيح المنتظر لأحمد السقّا: ٢٥.
(٧٣١) المهدي المنتظر لأمير عرب: ٦٢٢.
(٧٣٢) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ١١.
(٧٣٣) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ٦٧.
(٧٣٤) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ٦٨.
(٧٣٥) النبوءة والسياسة لجريس هالس: ٦٨.
(٧٣٦) النبوءة السياسية لجريس هالس: ٤٧.
(٧٣٧) عودة المسيح المنتظر لأحمد السقّا: ٧١.
(٧٣٨) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ٧٠.
(٧٣٩) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ١١٣.
(٧٤٠) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ١١٤.
(٧٤١) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ١٢٧.
(٧٤٢) معركة هرمجدون لكارلوتا جيزن: ١٣٥.
(٧٤٣) الممهّدون للمهدي للكوراني: ٥٢/ ط٣/ ١٤٢٤هـ/ الدار الإسلاميّة.
(٧٤٤) راجع: عصر الظهور: ٤٩/ ط١٠/ ١٤٢٥هـ/ دار الهدى.
(٧٤٥) الممهّدون للمهدي للكوراني: ٥٦.
(٧٤٦) الممهّدون للمهدي للكوراني: ٥٥.
(٧٤٧) سنن أبي داود ٢: ٣١٣/ ح ٤٢٩٥.
(٧٤٨) مستدرك الحاكم ٤: ٤٨٦.
(٧٤٩) صحيح مسلم ٨: ١٨٨؛ كنز العمّال ١٤: ٢٠٨/ ح ٣٨٤١٦.
(٧٥٠) كتاب الفتن للمروزي: ٣٠٦.
(٧٥١) شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٥٧٥، عن عقد الدرر: ١٨٩/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٧٥٢) شرح إحقاق الحقّ ٢٩: ٤٤١، عن عقد الدرر: ١٩٩/ ط مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
(٧٥٣) بحار الأنوار ٥٢: ٣٨٩/ ح ٢٠٦.
(٧٥٤) معركة هرمجدون ونزول عيسى والمهدي المنتظر لأحمد حجازي: ٣.
(٧٥٥) معركة هرمجدون ونزول عيسى والمهدي المنتظر لأحمد حجازي: ٨٦.
(٧٥٦) بشرى البشر في حقيقة المهدي المنتظر: ١٥.
(٧٥٧) صراع الأديان لمحمّد منلاوي: ٢٧٠/ دار المحجّة البيضاء.
(٧٥٨) المصدر السابق.
(٧٥٩) المصدر السابق.
(٧٦٠) المصدر السابق.
(٧٦١) صراع الأديان لمحمّد منلاوي: ٢٧١.

التقييم التقييم:
  ٢ / ٤.٥
 التعليقات
الإسم: عبد الحسن محمد جمعة العبادي
الدولة: العراق
النص: بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب قيم جدا نسال الله التوفيق لكم
تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/١١/٠٥ ٠١:٢٧ م
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016