فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » العقيدة المهدوية إشكاليات ومعالجات
 كتب المركز

الكتب العقيدة المهدوية إشكاليات ومعالجات

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: السيد أحمد الاشكوري الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/٢٠ المشاهدات المشاهدات: ٢٤٨٣٣ التعليقات التعليقات: ٠

العقيدة المهدوية إشكاليات ومعالجات

تأليف: السيّد أحمد الإشكوري
تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام

فهرست الموضوعات

مقدّمة المركز
مقدّمة المؤلّف
تمهيد
القسم الأوّل: تأسيس الأصل
تمهيد: طوائف الناس في المجتمعات
الأصالة للاحتياط
القسم الثاني: النظر في المفردات المهدوية على صعيد التصوّر والتصديق
الفصل الأوّل: مقام الإمام المهدي عليه السلام
وصف الأنبياء في القرآن والكتب الأخرى
خصائص الإمام المهدي عليه السلام
النتائج المستفادة
الفصل الثاني: آلية معرفة المنظومة المهدوية
المصدر المعرفي الأوّل: الدليل العقلي
المصدر المعرفي الثاني: القرآن الكريم
خصائص القرآن
طبقات المفسّرين
المصدر المعرفي الثالث: السُنّة الشريفة
الفوارق بين القرآن والسُنّة
١ - أدلة معرفية السُنّة
٢ - التعاضد بين القرآن والسُنّة والتأثير المتبادل بينهما
٣ - بعض الشبهات النافية للآلية المعرفية للسُنّة
الشبهة الأولى: بشرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
الشبهة الثانية: تعارضية المنقول عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
الشبهة الثالثة: مسحورية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
الشبهة الرابعة: مجتهدية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
الشبهة الخامسة: آمرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمحو
٤ - كيف نستكشف السُنّة النبوية الشريفة في معالم المدرستين؟
أمَّا تدوين الحديث عند أبناء العامّة
٥ - ظاهرة الاجتهاد في فاعلية السُنّة وديمومتها
٦ - أطروحة الإمام المهدي عليه السلام في الروايات
الشبهة الأولى: الميزان في قبول الحديث ورودُه في الصحيحين فقط
الشبهة الثانية: مدسوسية الروايات
الشبهة الثالثة: ضعف الروايات
الشبهة الرابعة: المهدوية فكرة شيعية
الشبهة الخامسة: المهدوية قضيّة غيبية مشكوك فيها
الشبهة السادسة: المهدي فكرة مختلقة
الشبهة السابعة: روايات المهدي تصطدم مع العقل
الشبهة الثامنة: روايات المهدي تصطدم مع القاعدة الاجتماعية
الشبهة التاسعة: اختلاف الشيعة أمارة النفي
الشبهة العاشرة: فكرة المهدي موروثة من الأديان المنحرفة
الشبهة الحادية عشرة: شبهة الولادة
الشبهة الثانية عشرة: لا فائدة من الإمام الغائب
الشبهة الثالثة عشرة: الفكرة ومنشأها عوامل نفسية
الشبهة الرابعة عشرة: غيبة اللطف
الشبهة الخامسة عشرة: المهدي سيولد بعد ذلك
الشبهة السادسة عشرة: فكرة الغيبة تنافي أحكاماً فقهية
الشبهة السابعة عشرة: ادّعاء مجموعة أنَّهم هم المهدي يستدعي رفض فكرة المهدي
الخلاصة
الفصل الثالث: رؤية الإمام الغائب ومشاهدته بين الصدق والدجل
ظاهرة الغيبة وخصائص المرحلة
نماذج من طلب الحاجات من الإمام عليه السلام
مناقشة روايات وأدعية الرؤية وتحليلها
الخلاصة
الفصل الرابع: للمهدي حيرة وغيبة
مقوّمات الفكرة المهدوية
الأمر الأوّل: المهدي وسماته وانجازاته
الأمر الثاني: الغيبة
الأمر الثالث: الولادة، وطول الغيبة، ومجهولية التوقيت، واختفاء الهويّة الشخصية
بعض أوجه الغيبة
الدليل الروائي على الولادة
الفصل الخامس: الثقافة المهدوية بين المبالغة والاستخفاف
أ - حكم الدول قبل القائم عليه السلام
ب - مصير أهل الذمّة في عصر الإمام عليه السلام
جـ - أزمة الفكرة المهدوية
د - الرؤية الدينية بين السلفية والاعتزالية
هـ - أزمة الخطاب المهدوي
نماذج من الخطاب المهدوي
الفصل السادس: علائم الظهور
مصطلح العلامة
فلسفة ذكر العلائم
بيان الحال في المنظومة المهدوية
الفصل السابع: المنقذ العالمي في الأديان
وهاهنا سؤالان
الفصل الثامن: أسرار الانتظار
الفصل التاسع: أزمة الفكر غير الشيعي في المنظومة المهدوية
١ - أزمة فكر المستشرقين في المنظومة المهدوية
٢ - أزمة فكر أبناء العامّة في المنظومة المهدوية
الفصل العاشر: اعتماد الموازين في العقيدة المهدوية
طوائف المدّعين
مناشئ الادّعاء
مناشئ تأثير الادّعاء على القواعد الجماهيرية
الملازمات السلبية للادّعاء
دواعي الانحراف
الوسائل العلاجية للانحراف
مصادر التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:
تنوَّعت الكتابات في قضيّة الإمام المهدي عليه السلام وتباينت وجهاتها وأغراضها وقد يعزو البعض سبب ذلك إلى اتّساع الفكرة وشموليّتها بحيث لا يمكن اختزالها في كتاب واحد ولا يمكن الإحاطة بها من قبل كاتب واحد وقد يعود السبب إلى الموقف من أصل الفكرة بين الإنكار والإثبات، والمنكرون على أصناف والمثبتون كذلك.
ونرى أنَّ كلا الأمرين صحيح، فعظم القضيّة وتنوّع ارتباطاتها من جهة، واختلاف الرؤى والمدارس الفكرية فيها من جهة أخرى، أدّى كلّ ذلك إلى تنوّع الكتابات عنها وتعدّد الأقلام فيها.
ولعلَّ من النادر أن تجد كاتباً يسلّط الأضواء على أكثر من جهة مع استيعاب للفكرة وعمق في المضمون وجزالة في العبارة لاسيّما إذا كان البحث المطروح ليس بحثاً وسرداً تاريخياً وإنَّما بحثاً في الأصول والمباني المعرفية في عقيدة المهدي المنتظر عليه السلام، وهذا ما يجده القارئ لهذا الكتاب فقد عالج الكثير من المفاهيم المهدوية سواء في الدائرة الخاصّة من المؤمنين أو الدائرة الأعمّ ممَّا يشمل المنكرين أيضاً، عالج كلّ ذلك بقلم تفرَّد به المؤلّف ولا نغالي إذا قلنا: إنَّه أصاب كبد الحقيقة في الكثير ممَّا حاول عرضه بأسلوب علمي جادّ، وقد برع في معالجة الإشكاليات الميدانية المتفرّعة من الشبهات الفكرية، وهذا ممَّا ندر النظر إليه في كتب العقيدة المهدوية.
والمركز إذ يعتزّ بنشر هذا الكتاب القيّم يتقدَّم بالشكر الجزيل لمؤلّفه سماحة الأستاذ الفاضل السيّد أحمد الإشكوري ولجميع الإخوة العاملين وبالأخصّ الشيخ حازم الحدراوي والشيخ ياسر الصالحي لجهدهما في إرجاع الأحاديث إلى مصادرها لكي يخرج الكتاب بهذه الحلّة القشيبة.

مدير المركز
السيّد محمّد القبانچي

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلّف:
(قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالأَْرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنبياء: ٤).
الحمد لله على أفضاله ونواله وأنعمه.
والصلاة على مقدام السفراء الإلهيين سيّد الكائنات نبيّنا نبيّ الرحمة أبي القاسم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
والسلام على آله الكرام مصابيح الحوالك والظلم والسرج المضيئة في الدياجي البهم.
أمَّا بعد..
فإنَّ حرّية الفكر والانتخاب ونزاهة العرض وعذوبته هي مناشئ التكامل العلمي والوصول إلى القلل وإخراج الدرر والمرجان.
بيد أنَّه وعلى طول الخطّ هناك أعداء الحقيقة ودعاة الظلام يسعون إلى إطفاء ذلك النور لتنسج العناكب بيوتها وتعيش الضلالة أوكارها ولا يمسكون عن طريق الغواية والتضليل.
قال ربّنا في كتابه المنزل: (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِْنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) (الأنعام: ١١٢).
فاحتجنا إلى دعاة حقّ وعلماء هدى وألسنة صدق ومشاعل توحيد ومنابر علم يجدّدون من معالم الدين ما اندرس ويرفعون من منار الإيمان ما طمس.
وكانت في طليعة تلك المساعي ولأخطر موضوع عقائدي جوانحياً وجوارحياً مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عليه السلام فقام باعباء تبشير الثقافة المهدوية الأصيلة ببصيرة نافذة وفكر مخلص وأريحية علمية وشفّافية خطابية ونهج حضاري وإخراج رائع وموفَّق ووساطة بين العلماء والقواعد الإيمانية والنخب، فصار من السهل وللجميع أن يتعرَّف على الإمام المهدي عليه السلام فيعيشه سلوكاً فقهياً ويحمله فكراً روائياً ويتبنّاه عقيدة عقلية ويتجذَّر فيه عاطفة قلبية ويسعى أن يمهّد له ويحسن الانتظار، فالانتظار ليس حالة من المشاهدة والتفرّج للحدث المستقبلي والتنبّؤ الغدي، بل هو مقدّمة ممهّدة للظهور، بل الفرج معنى سعي يشمل في طيّاته الانتظار الحالي الموصل، فبات المؤمن يقارنه عليه السلام مع المخلص العالمي عند الغير وينسجه في منظومة دينية واحدة متكاملة متناسقة من عطر التوحيد فيقرؤه بين أسطر المعالم ويجده بين الركن والمقام.
فقطع المركز شوطاً كبيراً بتوفيق ربّاني وإخلاص من طاقمه وأمامه الكثير وبحاجة إلى همّة عالية لتحقيق أهدافه والإصرار على المواصلة لكسب أطيب النتاج.
(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: ٤٤).

السيّد أحمد الإشكوري

تمهيد:
المنظومة المهدوية بتجاذباتها وأجندتها من جهة، وعدم تقبّل البعض لها بسبب الخلفيات الثقافية والتاريخية من جهة أخرى، رغم دقّة وبراعة وترسيم بارئها، ورونق مصمّمها وتقنيّة مقنّنها من جهة أخرى، تعيش شيئاً من الضبابية والغموض والاستتار في ثقافتها وكيفية قراءتها.
بل ربَّما تنحرف بين حين وآخر عند هذا البعض عن مسارها الإلهي المرسوم والمخطّط لها، إمَّا انحرافاً وشذوذاً فكرياً، وإمَّا سلوكياً وإمَّا هُما معاً.
ولا غرابةَ في ذلك، بل إنَّ الظواهر الفكرية كلَّما ازدادت ثراءً عاشت افتتاناً أشدّ، فالظاهرة الدينية مع فطنة وحكمة مشرّعها ودقَّته وتبصّره وغيبيته لم تأمن من ظاهرة الانحراف، سواء أكان من بداية الولادة في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الفترة المشارفة له، أم فيما بعد، فوجدت المذاهب المتكثّرة في الشريعة الواحدة، فتعدّدها وليد إساءة فهمها وانحراف أربابها، ولا عجب في ذلك لأن الافتتان سُنّة إلهية محتومة لكل ظاهرة دينية.
فمكونها الداخلي بمقتضى معايشتها لعالم التزاحم يفسح المجال للاختبار ويهيّئ سبل الافتتان والامتحان، قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت: ٢)، وعن أبي جعفر عليه السلام قال: (لتمحصنَّ يا معشرَ الشيعة شيعة آل محمّد كمخيض الكحل في العين؛ لأنَّ صاحب الكحل يعلم متى يقع في العين، ولا يعلم متى يذهب فيصبح أحدكم وهو يرى أنَّه على شريعة من أمرنا فيمسي وقد خرج منها، ويمسي وهو على شريعة من أمرنا فيصبح وقد خرج منها)(١)، فقضية اختيار الإنسان وحريته من جانب، وفلسفة خلقه واختباره وامتحانه من جانب آخر، يفرض مساحة من الإيهام فينفتح السبيلُ للشاذّ، لأن يتحرَّك بسوء اختياره نحو الظلام، قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (الشمس: ٧ و٨) فألهمه بارئه أن يتابع الشرّ بمفتاح المتشابه، قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) (آل عمران: ٧).
فالإساءة واتّباع المتشابه من قِبَل الشواذّ الذين في قلوبهم زيغ، ليست منقصة في المنظومة الفكرية، ولا تخدش تأصّلَها وصلابَتها وحقانيّتَها وقدرةَ منظّرها وحكمته، وهكذا جاءت فصول الكون للمؤلف الواحد ذات الهدف والغرض المشترك في رسومها وأشكالها المختلفة في لوحة متكاملة، فإن واكبت المسيرة الفكرية أشواكاً وشوائب استقطعت في بعض مراحلها طابعها الفعال ونهوضها وفارقت طبيعتها التي رسمت لها وأثَّرت في بعض نفوس أتباعها آثاراً سلبية، وأوجبت دخول الشكّ والريب في قلوبهم، وانطفاء نور الشريعة من أرواحهم لعدم تعقلهم اتزان الفكرة، فترعرعت المسيرة الفكرية في مناخ موبوء يشوه مظهرها ويُفقدها عافيتها.
ومن أخطر ألوان الانحراف هو الانحراف الفكري، لاسيّما إذا صدر بإيحاء أنه من الصميم الداخلي، أو قام على أساس إصلاح في الرؤية الفكرية، أو أرسلت أمواجاً صوتية ممَّن يرتدي ويتمظهر بزي أهل العلم، وطُليت الفكرة المنحرفة بغطاء القداسة، ووصف المعارض لها بأنَّه خارج عن الدين، وبهذا يبدأ ناقوس الانحراف يتجلّى، إلاَّ أنَّه ليس من الضروري أن يكون الانحراف تامّاً، بل قد يكون واقعاً في بعض المفردات، قال تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (البقرة: ٨٥).
وعقيدة الإمام المهدي والفكرة المهدوية وظاهرة الغيبة ربَّما عاشت هذه الأزمة أيضاً، فسارت بين محور الافراط ومحور التفريط. والذي نحن بصدده هو الوقوف على بعض مناشئ هذه الأزمة وكيفية توفير المناعات لصونها من الاستغلال، ولعرض هذه العقيدة في ساحات العلم والفكر عرضاً مقبولاً لا يكون مورداً للاستخفاف والاستهانة.
وبتصنيفٍ أوّلي سنتحدَّث في قسمين:
القسم الأوّل: تأسيس الأصل وتحكيمه في عصرنا.
القسم الثاني: النظر في المفردات على صعيد التصوّر والتصديق.

* * *
القسم الأوّل: تأسيس الأصل

تمهيد: طوائف الناس في المجتمعات.
الأصالة للاحتياط.
تمهيد: طوائف الناس في المجتمعات:
هناك قضية بديهية وجدانية وهي أنَّ الناس في كلّ مجتمع وعصر يصنَّفون إلى طوائف:
١ _ طائفة السُذّج، وهم بسيطوا الفكر، إذ ليس لهم بضاعة فكرية يلجُون بها ساحات الفكر، فعن علي عليه السلام: (الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كلّ ناعق...)(٢).
٢ _ طائفة الحمقى، وهم الذين يظنّون أنَّهم يحسنون صنعاً، فحركاتهم العملية والعلمية ليست قائمة على أسس ومناهج عقلائية، بل هم إلى النهج السفهي أقرب، فإنَّهم فضلاً عن عدم استجلاب ربح يستجلبون ضرراً عليهم أو على غيرهم، قال الباقر عليه السلام: (يا عبد الله بن عطاء قد أخذت تفرش أذنيك للنوكى _ أي شرعت تفتح وتبسط أذنيك للحمقى تسمع منهم _)(٣).
٣ _ طائفة أصحاب الجهل المركب، وهم الذين يكثرون في قطوعاتهم غير المصيبة للواقع، فيرون أنفسَهم أنَّهم تزيّوا بزيّ العلم وهم أقرب إلى الجهل والخطأ منه إلى الواقع، ولا يرتضون لأنفسهم أنَّهم قد أخطأوا، بل تأخذهم العزّة بالإثم، لأنَّه لازم لا ينفك عن هذه الطائفة، فتكون حركتهم العملية الخارجية على وفق ما هو المحفوظ في أذهانهم من الجهل. قال تعالى: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الأَْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ * وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِْثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) (البقرة: ٢٠٥ و٢٠٦).
٤ _ طائفة المستضعفين، وهم المسلّمون للواقع الاجتماعي الخارجي الفاسد، وينعقون مع كلّ ناعق، وأتباع كلّ مذهب، فنهجهم التسليم للآخر من دون الوقوف على حقيقته، قال تعالى: (وَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنينَ * قالَ الَّذينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى‏ بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمينَ * وَقالَ الَّذينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ في‏ أَعْناقِ الَّذينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (سبأ: ٣١ _ ٣٣).
٥ _ طائفة التقليديين المتعصبين، وهم الذين انقادوا لتعصّبهم وولائهم الأعمى للآخرين المقتضي لتقليدهم والترويج لهم والذوبان فيهم، والعبودية الكاملة لكبرائهم، أعمّ من أن تكون نكتة التقليد تعصّب العشيرة أو التعصّبات القبلية والقومية والفئوية ونحو ذلك، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: (ألا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ وَألْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبَّهِمْ،‏ وَجَاحَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ...)(٤).
٦ _ طائفة المعاندين وأصحاب اللجّة ممَّن لا يُجدي الإنذار معهم، فليس لهم همٌّ إلاَّ مخالفة الآخر، ولم يكن مقصودهم كشف الحقّ، بل ليس لهم منافع سوى إرادة الظهور من خلال: (خالف تُعرف)، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (البقرة: ٦).
٧ _ طائفة الماديين والشهوانيين وطلاّب الدنيا ممَّن لم يكن لهم غرض إلاَّ النفعية الحيوانية الدنيوية، وهم لأجل الوصول إلى هذا المقصد مستعدّون ليسلكوا أيّ سبيل كان، فلا تحكمهم المعايير ولا تضبطهم المقاييس، بل أصبحت المدرسة النفعية الآن ذات أسسٍ إدراكية وأدلجةٍ فكرية، بل لم يكن لدُعاتها أدنى استحياء في عرضها، بل المعروض في ساحة القيم أسوأ من ذلك بكثير، فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (ليغشينَّ أمّتي من بعدي فتنٌ كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيعُ أقوامٌ دينَهم بعرضٍ من الدنيا قليل)(٥)، قال تعالى: (وَما أَرْسَلْنا في‏ قَرْيَةٍ مِنْ نَذيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ * وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبينَ) (سبأ: ٣٤ و٣٥).
٨ _ طائفة الاُحادية والاستحواذ الفكري، وتهميش وإلغاء فكر الآخر، فهم لا يأذنون للآخر في الحديث، ويسدّون الأبواب عن الحوارات العلمية، ويرون لأنفسهم أنَّهم يملكون كلّ شيء بما في ذلك فكر الآخر، بل يسعون لرسم مفردات فكر الآخر وكيف يفكّر، ويلزمونهم بأن لا يتعدّوا ولا يتجاوزوا ذلك، قال تعالى: (قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً * وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً) (نوح: ٥ _ ٧).
٩ _ طائفة المنافقين، وهم الذين يحملون المعايير المزدوجة، فخطابهم غيرُ واقعهم، ويضمرون في قلوبهم غيرَ ما يظهرونه على ألسنتهم، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٨)، وقال تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (البقرة: ١٨).
١٠ _ طائفة المتخبّطين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهم المتذبذبون، فكلّ يوم يصطفّون في معسكر، فلم يكن لهم مسيرة محدّدة فضلاً عن أن تكون لهم بداية معيّنة ونهاية معلومة، وبهذا لم يكن لهم ميزان في المتابعة والملاحقة فلم يستضيؤوا بعلم ولم يسيروا على منهج، فيزدادون ضلالاً كلَّما مشوا، (مُذَبْذَبينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى‏ هؤُلاءِ وَلا إِلى‏ هؤُلاءِ) (النساء: ١٤٣).
١١ _ طائفة الإيغال الفكري العبثي، الذين لا يحملون هاجساً وهمّاً إلاَّ الفكر، فلم يدرسوا الفكر لأجل الواقع، وإنَّما درسوا الفكر للفكر، فهمّهم المصطلحُ والعنوانُ لا الواقع والمعنون، فيفترضون فروضاً علمية هي أقرب إلى الخيال الموهوم منه إلى الحقيقة والصواب، فليس مقصودهم بيان المعالجات وحلّ المشكلات، وإنَّما مقصودهم زيادة الشكوك والفروض، والإكثار في بيان الفكر الفارغ المنطلق من الذهن البارد ذي الجسد الخالي من الروح، فقد جاء في شرح الأسماء الحسنى للملاّ هادي السبزواري: (فانحراف القوّة الدرّاكة منه إلى جانبي الإفراط والتفريط يسمّى جربزة وبلاهة واعتدالها حكمة...)(٦)، وقال في الأسفار: (ومن أتمّ حالات النفس الشيطانية أن تكون مكّارة محيّلة جربزة كذوبة مظهرة للأمور على غير ما هي عليه، شأنها التدليس والتلبيس بإبراز المقدّمات الباطلة في صورة الحقّ، وإظهار الأكاذيب الواهية بهيأة الصدق، فهي أبداً عاشقة للمكر والحيلة والوسوسة والمواعيد الكاذبة والأماني الباطلة، كما قال تعالى في صفة الشيطان: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً) [النساء: ١٢٠])(٧).
١٢ _ طائفة السوفسطائيين، وهم الذين لا يرون وجود واقع وثبات قيم أو أنَّ الحقّ عندهم أن يكون الحقّ متغيّراً، فلا حقيقة ولا صواب ولا واقع، فواقعيّة الواقع عندهم أن لا واقع له، فالذي لا يرى أن يكون لنفسه حقّ وواقع فبطريق أولى أن لا يرى لفكره حقّاً وواقعاً. فهم اعتبار ووهم وظلّ وخيال، فقد نقل العلاّمة المجلسي رحمه الله قول الشيخ الرئيس الآتي: (... لأنّا لو جوَّزنا أن يرى الإنسان صوراً ويشاهدها ويتكلَّم معها ويسمع أصواتها ويرى أشكالها ثمّ إنَّها لا تكون موجودة البتة في الخارج، جاز أيضاً في كلّ هذه الأشياء التي نراها ونسمعها من صور الناس والجبال والبحار وأصوات الرعود أن لا يكون لشيء منها وجود في الخارج، بل يكون محض الخيالات ومحض الصور المرتسمة في الحسّ المشترك، ومعلوم أنَّ القول به محض السفسطة)(٨).
١٣ _ طائفة العبيد، وهم الذين يرون كمالهم أن يكونوا خدماً وأذرعاً للآخرين، فهم الأسوء في نوعهم، إذ أنَّ محرّكيتهم وباعثيتهم في أفعالهم الخارجية عبوديتهم لغيرهم، فصاروا محرقة ومطحنة ووقوداً لدنيا غيرهم، قال تعالى: (وَإِذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‏ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (المائدة: ١٠٤).
١٤ _ طائفة المؤمنين، وهي الطائفة التي نظَّمت مسيرتها الفكرية والعملية، وحدَّدت غاياتها، ورسمت طريقها، وترفَّعت عن عالم المادة والمحسوس، وعاشت في الأفق الوسيع والمناخ الطبيعي، واستنشقت من عبير عطر رسالات الأنبياء والمصلحين والأحرار، فوقَّروا العلم والفكر، وكرَّموا أهله، وعملوا به، وجدّوا في المسيرة، وترفَّعوا عن الحدود المرسومة والفواصل والحجب المانعة عن الظفر بالخير المنشود. قال تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة: ٣ _ ٥).
فوجود مثل هذه الطوائف قضيّة وجدانية فطرية لا يختلف فيها اثنان، إلاَّ إذا صار المبنى التنظير بالقيم المثالية، لئلاَّ نجرح عواطف أمّتنا ومجتمعنا، لكنّنا نريد أن نكون واقعيين ونعمل الوقاية والعلاج في الثقافة المهدوية قدر المستطاع، فنعالج ما يمكن علاجه من الانحرافات من خلال سد الثغرات، وإيجاد السبل للفهم الصحيح. وهذا يحتاج:
أوّلاً: التسليم باشتمال المجتمع على هذه الطوائف بأشكالها.
ثانياً: تحديد وتأسيس الأصل، والمرجع الذي يُلتجأ إليه عند عدم تحصيل الحلّ والجواب، والعلاج الشافي.
إذ لا بدَّ لنجاح الطبيب قبل النهوض في تشخيص المرض ومعالجته من الاعتراف بأنَّ مجتمعه حامل ومعايش للمكروب.
فعن مولانا الإمام الحجّة عليه السلام:
(قد آذانا جهلاءُ الشيعةِ وحمقاؤهم، ومَن دينُه جناحُ البعوضة أرجحُ منه)(٩).
الأصالة للاحتياط:
بعد قبول هذه المقدّمة الوجدانية _ اشتمال المجتمع على تلك الطوائف _، وأنَّنا نعيش مرحلة الاختبار والافتتان، وبعد ملاحظة التاريخ والإذعان بسقوط وفشل الكثير في الامتحان، ولا بدَّ من الاعتراف أنَّ الأمر صعبٌ يحتاج إلى الاجتهاد البليغ في الفهم، وإلى الذوق الحسن السليم. فأمر الدنيا بحرٌ واسع لا يقطعه كلّ سابح طامع، وهدف سام لا يُصيبه كلّ رام.
فعن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام في رواية طويلة مخاطباً هشام رضي الله عنه قال: (إنَّ لقمان قال لابنه: تواضع للحقّ تكن أعقلَ الناس، وأنَّ الكيّس لدى الحقّ يسير، يا بُني إنَّ الدنيا بحرٌ عميق قد غرق فيها عالم كثير، فلتكن سفينتُك فيها تقوى الله وحشوُها الإيمانَ وشراعُها التوكّلَ وقيمُها العقلَ ودليلُها العلمَ وسكّانُها الصبرَ)(١٠).
واتَّضح أنَّه لا بدَّ أن يندرج كلّ فرد تحت طائفة من الطوائف السابقة، بل ربَّما أكثر من طائفة سواء أقصد هو ذلك أم لا، وسواء أعلم بذلك أم لا، حيث إنَّ الإنسان لا بدَّ له من حركة وسير، ولا بَّد لكلّ حركة غاية حتَّى ولو كانت الغاية هي التقاليد والأعراف والانصياع للشهوة والتحرّك نحو ملائمات الطبع، فعن أمير المؤمنين عليه السلام في كتابٍ له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وهو عامله على البصرة وقد بلغه أنَّه دُعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها: (فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ‏ مِنْ هَذَا الْمَقْضَم، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ، ألاَ وَإِنَّ لِكُلّ مَأمُوم إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ، ألاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ. ألاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أعِينُوني بِوَرَع وَاجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ)(١١).
فلتحقيق الغاية لا بدَّ من اختيار مدرسة فكرية وإيدلوجية خاصَّة ذات رؤية كونية جليّة تُدرس وتقيَّم ضمن أقرانها ونظائرها، وهكذا لا بدَّ من انتخاب قائد روحي وفكري يرسم طريقنا في القيم والعمل ويؤمَّن سلامة الطريق ويحفظ لنا الوصول إلى المنتهى والغاية السليمة السعيدة، ولا بدَّ أن يتَّجه الماشي ويعرج إلى الصرح المتشامخ الجلي وأن لا تخفى عن بصره الكليل نهاية الطريق.
لذا فلا بدَّ من تأسيس الأصل في تحديد الفكر وانتخاب القائد، فهل الأصل هو الاحتياط أم الترخيص؟
والحقّ أنَّ الأصل هو عدم التسليم بسهولة، وعدم التسامح وعدم الانقياد، فالأصل الجاري هو أصالة التفحّص والتحقيق والاختبار والتدقيق، وأصالة التوقّف للترويّ والتأمّل، وأصالة التفكّر والتعلّم والتحفّظ، فالأصل هو الاحتياط وليس الترخيص، والبساطة والتسامح والركون لكلّ داع، والتعجّل والذوبان السريع ورخص الثمن، فلا ينبغي له الدخول في صفقة معاوضها ومبيعها تافه أو محقَّر، وضعف بضاعة المفكّر إمَّا لوهن دليله، وإمَّا لضعف معطياته وخسَّتها، وإمَّا لموهوميّة فكره.
فعن علي عليه السلام: (كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْن اللَّبُونِ لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ)(١٢).
فلا ينفع التمسّك بسلوكية التفرّج وعدم التدخّل والتحاشي والابتعاد عن العراك، ولا ينفع طلب حركة وفكر خالٍ من رؤية كونية وبعيدٍ عن الفلسفة والتفلسف، والاكتفاء بنظرية سطحية بعيدة عن التعقيدات.
لأنَّ ما نحن فيه سلاح ذو حدّين لخضوعه لأمور متنافية، فهو لا يفسح المجال لمحض المشاهدة واللامبالاة، لما تقدَّم من أنَّ كلّ حركة وخطوة لا بدَّ لها من محرّك ووقود دافع، وهو مجموعة من الأمور الفكرية والرؤى الكونية والحالات النفسية، فتخلق هذه المجموعة منسوجاً متقارباً من الطموح واختيار الحياة وأنماطها والملبس والمأكل ونوع العلاقات والارتباطات الاجتماعية، بل الفردية أيضاً، وبالتالي فلا مفرَّ من اختيار القائد الروحي الفكري، ولا بدَّ أن يكون الاختيار وفق معايير خاصَّة ومشخَّصة، بل لا بدَّ من اختباره في مرحلة التأسيس وما بعدها وأن يكون الاختبار شمولياً، وهذا ما كنّا نعنيه بأصالة التفحّص.
ويدلّنا على هذا الأصل _ مضافاً إلى حكم العقل الفطري الوجداني فإنَّ العقلاء يلومون من يسير في وادٍ مجهول _ قولُه تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: ١٩٥)، وقوله تعالى: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (النساء: ٥٩)، أو قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (حلال بيّن، وحرام بيّن، وبينهما شبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتَّقى الشبهات فقد استبرى لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى، يوشك أن يقع فيه. ألا وإنَّ لكلّ ملك حمى، وإنَّ حمى الله محارمه)(١٣) فإنَّ المراد من (اتَّقى الشبهات) أي حقَّق في الحال والأحوال، أو قول أبي عبد الله عليه السلام: (لا يسعكم فيما ينزل بكم ممَّا لا تعلمون إلاَّ الكف عنه والتثبّت والردّ إلى أئمّة الهدى حتَّى يحملوكم فيه على القصد ويجلوا عنكم فيه العمى، ويعرّفوكم فيه الحقّ، قال الله تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣])(١٤).
فلا تجري أصالة السلامة في اختيار القائد، وفي اختيار لوحة الفكر، لاسيّما إذا كان شأن الفكر شمولياً داخلاً في كلّ حركات وسكنات الفرد، وفي جميع الأزمنة حتَّى لما بعد هذه النشأة، فالمحتمل قوي يستدعي شدّة الاحتياط.
وأمَّا ما ورد من حمل فِعل الغير على الصحَّة كما عن أبي عبد الله عليه السلام حيث قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: ضع أمر أخيك على أحسنه حتَّى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظننَّ بكلمة خرجت من أخيك سوءً وأنت تجد لها في الخير محملاً)(١٥) وغيرها من الروايات في هذا المضمون، فإنَّما يراد بها رسمُ خارطة الحياة والتنظيم على مستوى التعايش السلمي والتآخي، لا على أساس تحديد القائد والنموذج في المتابعة. فكلّ فرد لا بدَّ له من أسوة وإمام وميزان لتحديد نموذجه ومساره السلوكي، ولذا قال عليه السلام: (من هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه)(١٦) فلا بدَّ أن يستند إلى ركن وثيق.
وقد ورد في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام: (وَإِنَّمَا سُمَّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لأنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ فَأمَّا أوْلِيَاءُ اللَّهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى، وَأمَّا أعْدَاءُ اللَّهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلاَلُ وَدَلِيلُهُمُ الْعَمَى، فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلاَ يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أحَبَّهُ)(١٧).
وعنه عليه السلام: (ألاَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ وَألْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبَّهِمْ‏ وَجَاحَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ وَمُغَالَبَةً لآلاَئِهِ، فَإنَّهُمْ قَوَاعِدُ أسَاس الْعَصَبِيَّةِ، وَدَعَائِمُ أرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ اعْتِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تَكُونُوا لِنعَمِهِ عَلَيْكُمْ أضْدَاداً، وَلاَ لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً، وَلاَ تُطِيعُوا الأدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَربْتُمْ بِصَفْوكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأدْخَلْتُمْ فِي حَقّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ أسَاسُ الْفُسُوقِ، وَأحْلاَسُ الْعُقُوقِ، اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلاَلٍ، وَجُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاس، وَتَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى ألْسِنَتِهِمْ، اسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ، وَدُخُولاً فِي عُيُونكُمْ، وَنَفْثاً فِي أسْمَاعِكُمْ، فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ، وَمَوْطِئَ قَدَمِهِ، وَمَأخَذَ يَدِهِ...)(١٨).
وعنه أيضاً عليه السلام: (ألاَ وَإِنَّ أخْوَفَ الْفِتَن عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَني اُمَيَّةَ)(١٩)، والظاهر أنَّ المراد من فتنة بني أميّة معالمُ هذه الفتنة المتحقّقة في كلّ عصر، فتشمل فتنة بني العبّاس أيضاً.
ولقائل أن يقول: إنَّ كثيراً من الناس ليس له تصوّرٌ ورؤية فلا يحتاج إلى تأسيس الأصل وإتعاب النفس وإرهاقها، وصرف العمر في مثل هذه الأمور.
ولكن ذلك لا يأتي، لأنَّا نرى أنَّه حتَّى هؤلاء لهم منهج، وهو عدم الاهتمام بما وراء الغيب، وعدم التأمّل في إعداد زاد السفر، والمكث إلى المحسوس وطلب العاجلة وترك الآجلة، وإشباع الغرائز الحيوانية الشهوانية، قال تعالى: (إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَْنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (الفرقان: ٤٤).
وبكلمة لا يشذُّ عنها أحد قطّ، إنَّه ما من أحد إلاَّ وله رؤية وفلسفة وقواعد فكرية وإن لم يصرّح بها، أو خادع نفسه بعدمها، قال تعالى: (بَلِ الإِْنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ) (القيامة: ١٤ و١٥).
وبهذا اتَّضح أيضاً أنَّ فلسفة البعض القائمة على أصالة الطوبائية واستحسان الأفكار المتضادة والقيادات المتناحرة مردّها إلى أصالة التسامح وخمول الفكر وعدم إتعاب العقل، وإلى الزهد في حديث الآخرة وعدم تكيّف النفس على قبول ساعة الحساب والجزاء، ومؤشّر ذلك أنَّهم لا يُجرون هذه القواعد في أمورهم الدنيوية، فإزدواجية المعيار بين النشأتين _ بأن يعملوا تمام العناية والدقّة في الأمور الحقيرة من أمور الدنيا، مع عدم الخوض في جزء من معرفة مصير الآخرة _ كافية عندهم في الخوض في المسلك الانحرافي الشططي، فعن مسعدة بن زياد، قال: سمعت جعفر بن محمّد عليهما السلام وقد سئل عن قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) (الأنعام: ١٤٩)، فقال: (إنَّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنتَ عالماً؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملتَ بما علمت؟ وإن قال: كنتُ جاهلاً، قال له: أفلا تعلَّمتَ حتَّى تعمل؟ فيخصمه، وذلك الحجّة البالغة)(٢٠)، فإنَّ مخاصمة الله للعبد غير المتعلّم دليلٌ على وجوب المعرفة وعدم معذورية الجاهل.

* * *
القسم الثاني: النظر في المفردات المهدوية على صعيد التصوّر والتصديق

الفصل الأوّل: مقام الإمام المهدي عليه السلام.
الفصل الثاني: آلية معرفة المنظومة المهدوية.
الفصل الثالث: رؤية الإمام الغائب ومشاهدته بين الصدق والدجل.
الفصل الرابع: للمهدي حيرة وغيبة.
الفصل الخامس: الثقافة المهدوية بين المبالغة والاستخفاف.
الفصل السادس: علائم الظهور.
الفصل السابع: المنقذ العالمي في الأديان.
الفصل الثامن: أسرار الانتظار.
الفصل التاسع: أزمة الفكر غير الشيعي في المنظومة المهدوية.
الفصل العاشر: اعتماد الموازين في العقيدة المهدوية.
لا بدَّ من الاعتراف مسبقاً أنَّ هناك غموضاً بدوياً في المعايشة مع القضيّة المهدوية ولذا لمستها يد الطامع، واخترقتها من مناطق الفراغ الكامنة في الثقافة المهدوية لدى جمهرة من الناس، وأثَّرت أثرها، وسرقت رونقها، وصوَّرتها في زاوية من الرهبانية المنحرفة، وسلبت جمالها، وعطَّلت العقل فيها، وفسحت المجال لفقراء العلم أن يدلوا بدلوهم فيها، وضعافِ العقل أن يتجوَّلوا في أزقَّتها، وأصحاب النفوس الواهية التنظير لها، وألَّبوا أتباعهم على مقاطعة مجالس العلم، وأوحوا إلى أوليائهم مفاهيم مقلوبة، فضاعت القيم واختلطت الأوراق، فتنعَّل الحافي، وقُدَّم وتقدَّم المفضول، ودخلوا البيوت من غير أبوابها، وقرَّبوا الشريد والطريد، وصار النكرة معرفة، والبوّال على عقبيه فقيه الأمّة، ورعاة المعزى نُخَب الفكر، ولبسَ العاري جلباب العلم.
فلا محيص من فتح الطريق باستضاءة المصابيح وكشف الستار، وتوضيح المفاهيم وشرح المفردات ودفع الغموض، وبيان الصورة وإملاء الفراغ وتحديد المعيار، وطريق الارتواء وكيف تسقى الأرض الخصبة بماء الحياة من العترة الطاهرة.
وهذه بعض المفردات التي أردنا توضيحها، ورفع الغموض عنها، وسنذكر كلاً منها في فصل مستقل.

* * *
الفصل الأوّل: مقام الإمام المهدي عليه السلام

خصائص الإمام المهدي عليه السلام.
النتائج المستفادة.
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الفكرة والعقيدة المهدوية عند الشيعة قضيّة خارجية، وليست فرضية فلسفية عقلية ولا توهمات نفسية، فالإمام وجود إنساني بالفعل مرتبط بالسماء على نحو ارتباط سائر الأولياء المنصوبين، وهو حاملٌ لمواصفات أوسع من الأوصاف الجسدية والجسمانية والمادية، فله سمات معنوية وروحانية وهو امتداد لشجرة مباركة، قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ) (الملك: ٣٠)، فربَّما يظهر ولو بمعونة الأخبار(٢١) أنَّ المراد من الماء في الآية الكريمة ليس الماءُ بالمعنى الحقيقي فحسب، بل المراد معنى معهود.
وهذه الأوصاف هي التي ترسم لنا شخصية الإمام.
وتتأكَّد فكرة معرفة المهدي عليه السلام بخصوصه عن طريق ملاحقة أوصافه وصفاته حسب ما ورد في الروايات، لا عن طريق الاستناد التاريخي الذي هو رجوع إلى النهج البشري المتقوّم بالمحسوس والحاضر والمشاهد، فلأنَّ الإمام عليه السلام في غيابٍ واستتارٍ وعدم ظهورٍ إلاَّ في ظرف زماني ومكاني ضيّق جدّاً، فلا معنى للرجوع إلى أصحاب السير ليحدّثونا عن سماته ومناقبه، وهذا بخلافه في النهج الروائي، فإنَّه لا يتوقَّف ولا يعتمد على خصوص الحاضر المحسوس، بل يكشف عن المغيَّب، وهذا معناه أنَّ المنهج التاريخي _ بل المناهج الوصفية _ في مثل هذه الأمور ضيق، بل قد يكون مخلاً من جهة، وهذا بخلاف المنهج الروائي إذ انعكاسه عن الواقع يكون واسعاً دقيقاً، ثمّ إنَّه بالطريقة الروائية تنتظم عندنا رابطة التعرّف به وكيفية الارتباط وحاجتنا إليه، وآفاق التعامل والمسؤوليات وانكشاف بعض الفوائد من وجوده في عصر الغيبة، والتعرّف على المشروع العالمي الناهض بالاصلاح والعدل، والمحيي لقيم السماء والوصول إلى الفصل الأخير لكتاب الكون الإلهي. وعلى وفق هذه الدراسة قد نتحفَّظ على بعض الروايات ونهذّب الآثار عن المدسوس والموضوع.
فالشيعة الإمامية الإثنا عشرية تعتقد أنَّ الخليفة في الأرض لا بَّد أن لا يكون فيه نقص من كلّ كمال ممكن له، وأن لا تكون فيه جوانب عدمية، وأن لا تكون فيه جهة شرّ وحيثيات فقيرة، بل كلّه الخير والجمال الوجودي، فهو الجود والنور في قوله وفعله وأخلاقه ومعارفه، فتهفو وتنجذب النفوس الطيبة إليه.
فانتخاب الأولياء ليس عشوائياً، فإنَّهم الأنوار الإلهية قبل خلق الكون، وهم خلق الله الكامل الذي تتجلَّى به صفات الخالق، وهذا لا يعني عينية الصفات، إذ الذات المقدَّسة لا متناهية بذاتها فضلاً عن صفاتها وكمالاتها، فحيث إنَّ بين اللامتناهي والمتناهي بون شاسع فكون الأئمّة عليهم السلام أسماء الله لا يستدعي أنَّهم عين الذات المقدَّسة، لذا ورد في التوقيع الشريف: (بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم، اُدع في كلّ يوم من أيّام رجب: اللَّهُمَّ إِنّي أسْألُكَ بِمَعَانِي جَمِيع مَا يَدْعُوكَ بِهِ وُلاةُ أمْركَ الْمَأمُونُونَ عَلَى سِرَّكَ الْمُسْتَبْشِرُونَ بِأمْركَ الْوَاصِفُونَ لِقُدْرَتِكَ الْمُعْلِنُونَ لِعَظَمَتِكَ أسْألُكَ بِمَا نَطَقَ فِيهِمْ مِنْ مَشِيَّتِكَ فَجَعَلْتَهُمْ مَعَادِنَ لِكَلِمَاتِكَ وَأرْكَاناً لِتَوْحِيدِكَ وَآيَاتِكَ وَمَقَامَاتِكَ الَّتِي لا تَعْطِيلَ لَهَا فِي كُلّ مَكَانٍ يَعْرفُكَ بِهَا مَنْ عَرَفَكَ، لا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلاَّ أنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ، فَتْقُهَا وَرَتْقُهَا بِيَدِكَ، بَدْؤُهَا مِنْكَ وَعَوْدُهَا إِلَيْكَ، أعْضَادٌ وَأشْهَادٌ وَمُنَاةٌ وَأذْوَادٌ وَحَفَظَةٌ وَرُوَّادٌ، فَبِهِمْ مَلأتَ سَمَاءَكَ وَأرْضَكَ حَتَّى ظَهَرَ أنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أنْتَ فَبِذَلِكَ أسْألُكَ وَبمَوَاقِع الْعِزّ مِنْ رَحْمَتِكَ وَبمَقَامَاتِكَ وَعَلامَاتِكَ أنْ تُصَلّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأنْ تَزيدَنِي إِيمَاناً وَتَثْبِيتاً يَا بَاطِناً فِي ظُهُورِهِ وَظَاهِراً فِي بُطُونهِ وَمَكْنُونهِ، يَا مُفَرَّقاً بَيْنَ النُّورِ وَالدَّيْجُورِ يَا مَوْصُوفاً بِغَيْر كُنْهٍ وَمَعْرُوفاً بِغَيْر شِبْهٍ، حَادَّ كُلّ مَحْدُودٍ وَشَاهِدَ كُلّ مَشْهُودٍ وَمُوجِدَ كُلّ مَوْجُودٍ وَمُحْصِيَ كُلّ مَعْدُودٍ وَفَاقِدَ كُلّ مَفْقُودٍ، لَيْسَ دُونَكَ مِنْ مَعْبُودٍ أهْلَ الْكِبْريَاءِ وَالْجُودِ يَا مَنْ لا يُكَيَّفُ بِكَيْفٍ وَلا يُؤَيَّنُ بِأيْنٍ، يَا مُحْتَجِباً عَنْ كُلِّ عَيْنٍ يَا دَيْمُومُ يَا قَيُّومُ وَعَالِمَ كُلّ مَعْلُوم...)(٢٢).
بل لنا أن نقول: لا تصحّ المقايسة بين اللامتناهي والمتناهي، فمن باب التجوّز والتسامح والتقريب يمكن القول: هم نقطة في أبحر الفضل الإلهي، قال تعالى: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي) (الكهف: ١٠٩)، فالظاهر أنَّ المقصود من (كَلِماتُ رَبِّي) هي مخلوقات الله، إذ من الواضح أنَّ الله لا يتكلَّم بشقّ الفمّ وإنَّما قوله فعله وما يفيضه من وجود. فالآية أوّلاً تتحدَّث عن أنَّ عالم الوجود ليس محدوداً بما يشاهد منه أو يعلم، بل هو على قدر من السعة والعظمة بحيث لو صار البحر حبراً وكتبت صفاته تعالى فإنَّ البحر سيجف قبل أن تحصى موجودات عالم الوجود. فهي تشير إلى عظمة صفات الخالق وأنَّه لا تسعه الكلمات ولو كان البحر مداداً وجاءنا بأبحر مثله، وثانياً أنَّ كلمات الله وإن كانت لا يسعنا فهمها، ولكنَّها هي متناهية وظلّ لذي ظلّ وإن بلغت من العظمة ذروتها، هذا مضافاً إلى أنَّ كمال الأنوار الذين هم خلفاؤه في الأرض هي كمال فقري مستمدٌّ من الغني المطلق، فإنَّ غاية كمال الخلق هو شدّة احتياجه للغني المطلق، وإنَّ الإذعان بذلك يدفع غائلة الغلو والشرك، لكن من جانب آخر فهو مرآة صفات الحقّ، فالخليفة هو روح الله وعبده ووجهه وبابه، وله مقامات وجودية غير قابلة للتعطيل والتوكيل، بل الإمام متصدًّ لها بنفسه سواء أكان غائباً أم كان حاضراً، فهو ليس كسائر البشر وإلاَّ لِمَ كان هو الإمام دون غيره من البشر؟ أيعقل أنَّ طريق القرعة أو الصدفة أو نحوهما هو طريق اصطفائه واختياره؟
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم عليه السلام ولا حواء ولا الجنّة ولا النار ولا السماء ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة؟! وقد سبقناهم إلى معرفة ربّنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه لأنَّ أوّل ما خلق الله عز وجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده وتمجيده)(٢٣).
واستتار الإمام وغيبته لا يعني تعطيل أعماله ومهمّاته ومقاماته، فكما أنَّ الباري عز وجل لتنزّهه وسموّه لا يتصوَّر معه التعطيل عند ذوي الألباب، نعم قد يتعطَّل في العقول المحسوسة التي لا ترتضي أفقاً فوق الملموس والمحسوس، ولكن بعد قيام الدليل على وجود الإمام عليه السلام لا يضرُّ جهلنا بفائدته، كيف والحكيم القدير هو الذي أعدَّه، بل منظومة الكون قد اُسّست على أساس ومنهج نظمي معيَّن، فكما أنَّ القانون المادي محفوظ وفق محاسبة علمية مقرَّرة قد جهلها العالم آلاف السنين، فموضع وموقع الشمس من المنظومة الشمسية مثلاً محسوب بشكل دقيق بحيث بتغيّره يلزم فناء النظم، وإن كنّا نجهل ذلك، وقانون الجاذبية سر انتظام الكون، ولقد أنكره العلماء في حقب زمنية متمادية والعلم لا يزال يتقدَّم ويكشف لنا عن الرموز في العالم المادي، إذ العلوم بشتّى أقسامها وأصنافها وتشعّباتها تهدف إلى أمر واحد وهو أنَّ العالم من الذرّة إلى المجرّة عالم منسجم تسوده وتحكمه أدقّ الأنظمة، إلاَّ أنَّ العقل البشري لمحدودية ساحة مدركاته لم يكن قادراً على الإحاطة بفوائد الأشياء من جميع الجهات، قال تعالى: (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء: ٨٥).
فالمهمّ هو تبيّن دليل الوجود والتحاكم إليه، ففي هذا لا بدَّ من الاستعانة بالنقل والوسائل الأخرى لإثباته، وأمَّا ما وراء ذلك فهو من نافلة الكلام وسيأتي مزيد توضيح لذلك.
فالحجّة هو السبيل إلى الله وبقيّة الله وهو الشمس الطالعة، والقمر المنير، والنجم الزاهر، فهو من الأئمّة الذين يهدون بأمر الله (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) (الأنبياء: ٧٣)، ولا تنحصر الهداية بالهداية القولية فهذه الهداية كما في تفسير الميزان بأمر الله حقّاً، لا الهداية التي يعطيها النظر والاعتبار كما أطلق القرآن الكلمة على الأمر الخارجي دون القول، كما في قوله تعالى: (وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ) (الزخرف: ٢٨)، فالجعل هنا هو الجعل التكويني، وهكذا الهداية فهي بمعنى الايصال إلى المطلوب وهي نوع تصرف تكويني في النفوس لتسيرها في سير الكمال، لا بمعنى الأمر التشريعي الاعتباري، وهذا النمط من الهداية ثابت حتَّى لمثل الإمام الغائب (وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) (الفرقان: ٧٤)، فهو آل يس، وداعي الله، ورباني آياته، وباب الله، وناصر حقّه، ودليل إرادته، وتالي كتابه، وترجمانه، وميثاق الله ووعده، هو العَلَم المنصوب، والعِلْم المصبوب، هو الغوث والرحمة الواسعة، وليّ المؤمنين، وبوار الكافرين، ومجلي الظلمة، ومنير الحقّ الناطق بالحكمة.
هو طامس آثار الزيغ والأهواء، وقاطع حبائل الكذب والافتراء، هو جامع الكلمة على التقوى، هو باب الله الذي منه يؤتى، هو وجه الله الذي إليه يتوجَّه الأولياء، هو السبب المتَّصل بين الأرض والسماء، هو صاحب يوم الفتح، وناشر راية الهدى، ومؤلّف شمل الصلاح والرضا، هو المنتظر لإقامة الأمْتِ والعوج، هو المرتجى لإزالة الجور والعدوان، هو المدّخر لتجديد الفرائض والسنن، هو المتخيّر لإعادة الملّة والشريعة، هو المؤمَّل لإحياء الكتاب وحدوده، هو محيي معالم الدين وأهله، هو قاصم شوكة المعتدين، وهادم أبنية الشرك والنفاق، ومبيد أهل الفسوق والعصيان، وحاصد فروع الغي والشقاق(٢٤)، بل هو شريك القرآن وعدله.
قال المحدّث النوري قدس سره:
(عنقاء قاف العدم مرقاة الهمم الاسم الأعظم الأكبر الحاوي للعلم غير المتناهي قطب رحى الوجود، ومركز دائرة الشهود كمال النشأة ومنشأ الكمال، جمال الجمع ومجمع الجمال المتوشح بالأنوار الإلهية المربى تحت أستار الربوبية مطلع الأنوار المصطفوية ومنبع الأسرار المرتضوية، ناموس الله الأكبر وغاية نوع البشر إلى الوقت ومرج الزمان الذي هو للحقّ أمين وللخلق أمان ناظم المناظم الحجّة القائم)(٢٥).
وقد ورد في البحار عن مولانا المهدي عليه السلام: (... فأنا بقيّة من آدم، و[ذ]خيرة من نوح، ومصطفى من إبراهيم، وصفوة من محمّد صلى الله عليه وآله وسلم...)(٢٦).
وفي وارد آخر: (وليعلموا أنَّ الحقّ معنا وفينا، لا يقول ذلك سوانا إلاَّ كذّاب مفتر، ولا يدَّعيه غيرُنا إلاَّ ضالّ غوي، فليقتصروا منّا على هذه الجملة دون التفسير، ويقنعوا من ذلك بالتعريض دون التصريح إن شاء الله)(٢٧)، وفي جواب صدر من الناحية المقدَّسة: (بسم الله الرحمن الرحيم عافانا الله وإيّاكم من الضلالة والفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإيّاكم من سوء المنقلب. أنَّه أنهي إلي ارتياب جماعة منكم في الدين، وما دخلهم من الشكّ والحيرة في ولاة أمورهم، فغمَّنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لأنَّ الله معنا ولا فاقة بنا إلى غيره، والحقّ معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا، ونحن صنائع ربّنا، والخلق بعد صنائعنا)(٢٨).
وفي أثر آخر: (قلوبنا أوعية لمشيئة الله فإذا شاء شئنا)(٢٩)، وقال عليه السلام: (أنا المهدي أنا قائم الزمان أنا الذي أملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٣٠)، وقد روي أنَّه عليه السلام يخرج من عند الكعبة وجبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وله هيبة موسى وبهاء عيسى وحكم داود وصبر أيّوب وعليه جيوب النور تتوقَّد من شعاع ضياء القدس:

ليس لفضله المبين كاتم * * * مبدأه ومنتهاه الخاتم
وقلبه مرآة ذات الباري * * * في سرّه لطائف الأسرار
مَنطِقُه منطقة السماء * * * في عالم الصفات والأسماء
منطقه البليغ في المعارف * * * ميزان كلّ سالك وعارف(٣١)

وصف الأنبياء في القرآن والكتب الأخرى:
وقد تعرَّض القرآن الكريم إلى ذكر الأنبياء فوصفهم بكلّ جميل ينبغي أن يوصفوا به، ونسب إليهم كلّ مأثرة كريمة تلازم قداسة مقامهم ونزاهة السفارة الإلهية.
فهم المصطفون، قال تعالى: (اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) (آل عمران: ٣٣)، والحديث عن معرفة آل إبراهيم وآل عمران لا يسعه هذا المختصر، والمراد من العالمين أي عالمي زمانهم.
وهم الموقنون، قال تعالى: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الأنعام: ٧٥).
وهم المهتدون، قال تعالى: (وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ) (الأنعام: ٨٤)، وقوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: ٩٠).
وهم العالمون بالعلم اللدنّي، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) (النمل: ١٥).
وهم المنعّمون، قال تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) (مريم: ٥٨).
وهم المحسنون، قال تعالى: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الأنعام: ٨٤).
وهم الصالحون، قال تعالى: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ) (الأنعام: ٨٥).
وهم المفضَّلون، قال تعالى: (وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ) (الأنعام: ٨٦).
وهذا مجمل الذوق القرآني في سرده لصفات الأنبياء، وعلى هذا رأي الطائفة الحقّة.
وأمَّا ما ورد في الكتب السماوية المحرَّفة حيث وصفت الأنبياء والأوصياء بما لا يتناسب مع مقامهم ومنزلتهم، بل لا يتناسب مع المؤمن العادل فكيف بمن يرتبط بالحقّ تعالى، ومن تلك الأوصاف ما ورد في الإصحاح الثاني عشر من التكوين:
إنَّ إبراهيم ادّعى أمام فرعون أنَّ سارة أخته الجميلة وليست بزوجته وقد أكرمه فرعون بعد أن تزوَّج بها وأعطاه غنَماً وبقَراً وحميراً وعبيداً وإماءاً، وبعد ما علم فرعون بأمر سارة عاتبه فرعون ثمّ ردَّ فرعون سارة إلى إبراهيم(٣٢).
وفي الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين في سرده لقصَّة لوط مع ابنتيه في الجبل وأنَّ الكبيرة قالت لأختها: أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا فلنسقي أبانا خمراً ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلاً، فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة واضطجعت معه الكبيرة وفي الليلة الثانية سقتاه الخمر ودخلت معه الصغيرة، فحملتا منه فولدت كلّ واحدة منهما ابنين(٣٣).
وفي الإصحاح السابع والعشرين من سفر التكوين:
(إنَّ إسحاق أراد أن يعطي ابنه عيسو بركة النبوّة فخادعه يعقوب وأوهمه أنَّه عيسو وقدَّم له طعاماً فأكل وشرب وأعطاه بركة النبوّة ومنعها من عيسو)(٣٤).
وقد ذكر إنجيل (متّى) في الإصحاح الأوّل نسب يسوع المسيح تفصيلاً وجعل المسيح وسليمان وأباه داود من نسل مَن ولد من زنا(٣٥).
وفي الإصحاحين: الحادي والثاني عشر من صموئيل الثاني: أنَّ داود زنى بامرأة أوريا المجاهد المؤمن وحملت من ذلك الزنى فخشي داود الفضيحة وأراد تمويه الأمر على زوجها فلم يفلح فأرسله إلى الحرب وجعله في الصف الأوّل فقُتل، فضمَّ زوجته إلى بيته وتزوَّجها علناً(٣٦).
والعجب من الأمم المثقَّفة ورجال العصر ومهرة العلوم الناظرين في التوراة الرائجة، والمطّلعين على ما اشتملت عليه من الخرافات كيف تعتقد بأنَّها وحي إلهي وكتاب سماوي، نعم إنَّ تقليد الآباء كالغريزة الثانوية يصعب التنازل عنه إلى اتّباع الحقّ والحقيقة، لكنَّ الحقّ إذا بلغ من الظهور لهذه الدرجة لا يمكن التغاضي عنه.
نعم قد ورد في المضمون القرآني ما قد يوهم انتقاص المنزلة كما توهَّم البعض وصف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بما لا يناسبه لسوء فهم قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) (عبس: ١)، إلاَّ أنَّ القرآن الكريم لمَّا كان بعضه يفسّر بعضاً فإنَّ ذلك التوهم لا ينسجم، بل مندفع بقوله تعالى: (إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)، وقوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: ٣٣).
وكيفما كان فعقيدتنا أنَّ الأنبياء والأولياء لا يمكن إدراك مقاماتهم، وإنَّما يمكن أن ندرك بعض ذلك وهو الواصل إلينا من الطرق النقيّة، ولذا ورد في الزيارة: (مَنْ أرَادَ اللَّهَ بَدَأ بِكُمْ وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ، مَوَالِيَّ لا اُحْصِي ثَنَاءَكُمْ وَلا أبْلُغُ مِنَ الْمَدْح كُنْهَكُمْ وَمِنَ الْوَصْفِ قَدْرَكُمْ، وَأنْتُمْ نُورُ الأخْيَارِ وَهُدَاةُ الأبْرَارِ وَحُجَجُ الْجَبَّارِ، بِكُمْ فَتَحَ اللَّهُ وَبكُمْ يَخْتِمُ [اللَّهُ‏] وَبِكُمْ يُنَزّلُ الْغَيْثَ وَبكُمْ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أنْ تَقَعَ عَلَى الأرْض إِلاَّ بإذْنِهِ)(٣٧)، نعم مع الاعتقاد بذلك والتزامه لا ننحدر ونقع في فخّ الغلوّ لأنَّا نعتقد أيضاً بما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: (إيّاكم والغلو فينا قولوا إنّا عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم)(٣٨)، وفي حديث آخر عنه عليه السلام: (هلك فيَّ رجلان محبّ غالٍ ومبغض قالٍ)(٣٩).
هذا كلّه بلحاظ الواصل إلينا في تحديد أوصافهم عليهم السلام.
خصائص الإمام المهدي عليه السلام:
وأمَّا ما وصل إلينا في بيان خصوصيات الإمام المهدي عليه السلام فمنها:
١ _ عن جابر، قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب يحدّث أبا جعفر محمّد بن علي عليه السلام بمكّة، قال: سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (... والحجّة القائم كأنَّه كوكب درّي في وسطهم، فقلت: يا ربّ من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الأئمّة، وهذا القائم يحلّ حلالي ويحرّم حرامي وينتقم من أعدائي، يا محمّد أحببه فإنّي اُحبّه واُحبّ من يحبّه)(٤٠).
٢ _ عن أبي وائل، قال: نظر أمير المؤمنين علي إلى الحسين عليهما السلام فقال: (إنَّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيّداً وسيخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيّكم يشبهه في الخَلق والخُلُق، يخرج على حين غفلةٍ من الناس، وإماتةٍ للحقّ، وإظهارٍ للجور، واللهِ لو لم يخرج لضربت عنقه، يفرح بخروجه أهل السماوات وسكّانها، وهو رجل أجلى الجبين، أقنى الأنف، ضخم البطن، أزيل الفخذين، بفخذه اليمنى شامة، أفلج الثنايا، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٤١).
٣ _ عن السيّد بن محمّد الحميري في حديث طويل يقول فيه: قلت للصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: يا بن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحَّة كونها فأخبرني بمن تقع؟ فقال عليه السلام: (ستقع بالسادس من ولدي والثاني عشر من الأئمّة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وآخرهم القائم بالحقّ بقيّة الله في أرضه صاحب الزمان وخليفة الرحمن، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتَّى يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٤٢).
٤ _ عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلُقاً، تكون به غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثمّ يُقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٤٣)، وقد يظهر أنَّه ليس المراد من الاسم هو الاسم اللفظي، بل المراد مسمّى الاسم أي اتّحاد الحقيقة، والمراد من الكنية اتّحاد الصفات إذ من البعيد أن يكون المقصود من الرواية محض اتّحاد الاسم والكنية لعدم المنقبة في ذلك فقد تحصل لأيّ شخص، اللهم إلاَّ أن يقال: إنَّه اسم لفظي منح من السماء ويكفي هذا منقبة إذ لا يشاطره أحد، أجل منحة السماء نفس أمرية تكشف عن المكوّن الذاتي لا اعتبارية جزافية وعطايا فوضوية.
٥ _ عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي عليه السلام يقول: (إنَّ في الليلة التي يولد فيها الإمام عليه السلام لا يولد فيها مولود إلاَّ كان مؤمناًً، وإن ولد في أرض الشرك نقله الله إلى الإيمان ببركة الإمام)(٤٤)، وهذه منقبة انحصارية اختصَّت بالإمام المهدي عليه السلام بأنَّ اليوم الذي ولد فيه الإمام يوم كريم تكرَّم وتشرَّف بولادة الإمام فهو الذي أضفى لليوم هذه الكرامة والمنقبة، وليس ذلك بعزيز إذ تتشرَّف الأماكن والأزمان بأصحابها كتشرف كربلاء بشرافة الحسين عليه السلام.
٦ _ عن المفضَّل، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنَّ لصاحب هذا الأمر بيتاً يقال له: بيت الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف، لا يطفأ)(٤٥)، إذ الظاهر ليس المراد البيت المادي كما أنَّه ليس المراد من السراج السراج المادي، بل لعلَّ المقصود منهما هو المقام المعنوي والكمالي له عليه السلام، كما أنَّ الغاية داخلة في المغيّى، فإنَّ هذا المقام والكمال مستمرٌّ بوجوده عليه السلام ولا ينتفي بعد قيامه بالسيف.
٧ _ عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن أمير المؤمنين عليه السلام: (... المهدي من ذرّيتي، يظهر بين الركن والمقام، وعليه قميص إبراهيم، وحلة إسماعيل، وفي رجله نعل شيث)(٤٦)، فإن كلّ ذلك فيه كنايات وإشارات لمقامات وكرامات له عليه السلام.
٨ _ عن أبي صلت الهروي، قال: قلت للرضا عليه السلام: ما علامات القائم منكم إذا خرج؟ قال: (علامته أن يكون شيخ السنّ، شاب المنظر، حتَّى أنَّ الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وإنَّ من علامته أن لا يهرم بمرور الأيّام والليالي عليه حتَّى يأتيه أجله)(٤٧).
٩ _ المهدي كلمة من كلمات الله(٤٨)، ونور الله في الأرض(٤٩)، فإنَّه ورد في القرآن الكريم أنَّ عيسى عليه السلام كلمة الله، قال تعالى: (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالآْخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (آل عمران: ٤٥)، وهكذا أنَّ الإمام وُصف أنَّه من كلمات الله، وهكذا ما يرتبط بالنور. فقد جاء في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ في‏ زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى‏ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَليمٌ) (النور: ٣٥)، ثمّ إنَّ عدّ هاتين الصفتين من الصفات الاختصاصية مع أنَّ سائر الأئمّة أيضاً كلمات الله وهم أنواره أيضاً باعتبار أنَّ الرواية قد صرَّحت ونصَّت على الإمام المهدي ولو من جهة التطبيق أو مزيد خصوصية في التصريح بناءً على تشكيكية المعنى الوجودي.
١٠ _ يحمل حجر موسى بن عمران وهو وِقْرُ بعيرٍ ولا ينزل منزلاً إلاَّ انبعث عين منه، وقد يقال: فيه إشارة للحمل الثقيل وأنَّه لا يمكن حمل هذا إلاَّ مِمَن خصَّه الله بذلك، كما في قوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقي‏ عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقيلاً) (المزّمل: ٥)، وقوله تعالى: (يا يَحْيى‏ خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم: ١٢)، وفرق بين الأخذ بالقوّة وبين الحمل، كما أنَّ المراد من العين في الرواية كناية عن الحكمة والخير، وهكذا المنزل ليس المادي وإنَّما قلب المؤمن، لكن الظاهر أنَّ المراد هي الأمور المادية _ ويتأكَّد بقرينة ما في (الخرائج) عن أبي سعيد الخراساني، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام، قال: (إنَّ القائم إذا قام بمكّة وأراد أن يتوجَّه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاماً ولا شراباً، ويحمل حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير، فلا ينزل منزلاً إلاَّ انبعث عين منه، فمن كان جائعاً شبع ومن كان ظامئاً روي، فهو زادهم حتَّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة، فإذا نزلوا ظاهرها انبعث منه الماء واللبن دائماً)(٥٠) _ وهذه الأمور هي التي يرثها الإمام المهدي عليه السلام من الأنبياء، كما عليه الآثار الأخرى من قبيل قميص آدم ويوسف وخاتم سليمان وغيرها.
١١ _ على يد المهدي يظهر تابوت السكينة، فعن سليمان بن عيسى، قال: بلغني أنَّه على يدي المهدي يظهر تابوت السكينة من بحيرة طبرية حتَّى يحمل فيوضع بين يديه ببيت المقدس، فإذا نظرت إليه اليهود أسلمت إلاَّ قليل منهم، ثمّ يموت المهدي(٥١)، وهكذا عصا موسى، فعن أبي جعفر عليه السلام، قال: (كانت عصا موسى لآدم عليه السلام فصارت إلى شعيب، ثمّ صارت إلى موسى بن عمران، وإنَّها لعندنا وإنَّ عهدي بها آنفاً وهي خضراء كهيأتها حين انتزعت من شجرتها، وإنَّها لتنطق إذا استنطقت، اُعدَّت لقائمنا عليه السلام يصنع بها ما كان يصنع موسى وإنَّها لتروع وتلقف ما يأفكون وتصنع ما تؤمر به، إنَّها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون يفتح لها شعبتان: إحداهما في الأرض والأخرى في السقف، وبينهما أربعون ذراعاً تلقف ما يأفكون بلسانها)(٥٢)، فإنَّ المعروف عند بني إسرائيل أنَّ إتيان تابوت السكينة كاشف عن صدق دعوى من أتى به، والرواية أرادت أن تشير إلى أنَّ الإمام عليه السلام يحتجُّ على كلّ قوم بما يعتقدونه من الأدلّة، هذا مضافاً إلى أنَّ العصا في حدّ نفسها ليست بكمال وإنَّما الكمال انتسابها لموسى أو الإمام عليهما السلام.
١٢ _ أنَّ المهدي عليه السلام في ضحضاح من نور، فعن سلام، قال: سمعت أبا سلمى راعي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رواية طويلة، إلى أن قال: (... قلت: نعم يا ربّ، فقال: التفت عن يمين العرش، فالتفت فإذا أنا بعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمّد وجعفر وموسى وعلي ومحمّد وعلي والحسن والمهدي عليهم السلام في ضحضاح من نور، قيام يصلّون...)(٥٣)، والوجه في جعلها من الصفات الاختصاصية مبني على رجوع الظرف إليه عليه السلام وإن كان الظاهر عودته إلى الجميع فتكون صفة عامّة.
١٣ _ أنَّ عيسى يصلّي خلفه، فعن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (... مهدي هذه الأمّة الذي يصلّي عيسى خلفه...)(٥٤).
١٤ _ ملائكة بدر ينصرون المهدي، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: (يا ثابت، كأنّي بقائم أهل بيتي قد أشرف على نجفكم هذا _ وأومأ بيده إلى ناحية الكوفة _، فإذا هو أشرف على نجفكم نشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا هو نشرها انحطَّت عليه ملائكة بدر...)(٥٥).
١٥ _ دولته دولة الله، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: ١٤٠)، قال: (ما زال مذ خلق الله آدم دولة لله ودولة لإبليس، فأين دولة الله أمَا هو إلاَّ قائم واحد)(٥٦).
١٦ _ أنَّ المهدي عليه السلام أمان لأهل الأرض والسماء، فعن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان عليه السلام: (... وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء...)(٥٧)، ويحتمل أنَّ الرواية في صدد دفع توهم أنَّ الغائب لا أثر له بقرينة الذيل وحينئذٍ تكون هذه الرواية في سياق الصفات العامّة.
النتائج المستفادة:
وحينئذٍ نستفيد من كلّ ذلك ونحوه:
١ _ أنَّ صفاته عليه السلام صفات الأنبياء عليهم السلام والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار عليهم السلام، وأنَّ مقامه اصطفاء ربّاني، فإنَّ رؤية ملكوت السماوات والأرض شأن إلهي، (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الأنعام: ٧٥)، والخاتم ووليّه له من الكمالات ما لسائر الأنبياء وزيادة، ومن هنا صار خاتماً وشريعته الخاتمة، وقد روي عن مولانا المنتظر عليه السلام: (يَا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا نَسْتَنْصِرُ اللهَ فَمَنْ أجَابَنَا مِنَ النَّاس، فَإنَّا أهْلُ بَيْتِ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أوْلَى النَّاس بِاللهِ وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، فَمَنْ حَاجَّنِي فِي آدَمَ فَأنَا أوْلَى النَّاس بِآدَمَ، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي نُوح فَأنَا أوْلَى النَّاس بِنُوح، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي إِبْرَاهِيمَ فَأنَا أوْلَى النَّاس بِإبْرَاهِيمَ، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَأنَا أوْلَى النَّاس بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وَمَنْ حَاجَّنِي فِي النَّبِيَّينَ فَأنَا أوْلَى النَّاس بِالنَّبِيَّينَ، ألَيْسَ اللهُ يَقُولُ فِي مُحْكَم كِتَابِهِ: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [آل عمران: ٣٣ و٣٤])(٥٨).
والعصمة أمر لا بدَّ منه لمن يتصدّى لمثل هذه المقامات الإلهية. وهناك نماذج قرآنية وروائية لاستظهار أنَّ هذا الانتخاب إنَّما هو انتخاب واصطفاء ربّاني قائم على أساس حكمة الخالق، وذلك كروايات النور والطينة وأنَّهم أوّل ما خُلق، فعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إنَّ الله خلقنا من نور عظمته، ثمّ صوَّر خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش، فأسكن ذلك النور فيه، فكنّا نحن خلقاً وبشراً نورانيين لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيباً، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة ولم يجعل الله لأحد في مثل الذي خلقهم منه نصيباً إلاَّ للأنبياء، ولذلك صرنا نحن وهم الناس، وصار سائر الناس همج، للنار وإلى النار(٥٩)، وليس معنى ذلك الإلجاء وسلب الاختيار في حركة الرسل.
وكيفما كان فليس مشروع الإمام تأسيساً لثقافة جديدة، بل امتداد لاصطفاء الأنبياء. وعليه ليس له دين جديد أو شريعة جديدة أو مذهب خاصّ بناءً على أنَّ الحركة الامتدادية للأنبياء تكشف عن وحدة الدين جوهراً، وأمَّا نعت الدين الإسلامي مقابل الديانة اليهودية والمسيحية فهي باعتبار الانحراف الذي حصل في الأديان السابقة وإلاَّ فهو دين واحد (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا) (آل عمران: ٦٧)، و(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِْسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) (آل عمران: ١٩)، وهكذا القول بالمذهب فالمراد من المذهب الشيعي بإزاء المذهب السُنّي الذي خرج عن جادة الصواب، وإلاَّ فبلحاظ الحركة الامتدادية لعلي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا يوصف المذهب الشيعي بالمذهب، بل يقال: الدين الإسلامي وكيفما كان فمشروع الإمام المهدي عليه السلام إحياء للسنن المعطَّلة، فعن الباقر عليه السلام: (ثمّ يظهر المهدي بمكّة عند العشاء ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقميصه وسيفه وعلامات ونور وبيان)(٦٠)، وفي رواية: أنَّه (يقاتل على التأويل)(٦١).
٢ _ أنَّ مشروعه متقوّم على أساس مفاهيم فطرية كالعدل والقسط، ومن الواضح أنَّ قاعدة العدل تشمل مساحات وسيعة من النفوس والعقول خصوصاً بعد إفلاس الأمم منها، فحركته فطرية وجاذبيّتُه ذاتية تميل إليه النفوس الطيبة لاسيّما من عاش حرمان العدالة بشتّى مستوياتها من العدالة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ونعني بمشروعه العادل تشريعاً وتنفيذاً، فسلوكياً هو المشروع الواقعي الذي لا ينحصر على صعيد الإعلام فحسب دفعاً لتحصيل العدالة الفردية، بل العدالة هي رَحى موسوعته ومفاهيمها بمختلف ألوانها، لذا عرف بأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
٣ _ أنَّ أداء المشروع خاضع للسنن والقوانين الكونية، ولذا فإنَّ الذي يقال في كيفية أداء الأنبياء لمهامهم والوصول إلى أهدافهم نقوله بعينه بالنسبة إليه عليه السلام، لذا سينزل من البلاء عليه ما نزل على سائر الأنبياء، وهكذا على أصحابه وأمّته فلا يصل إلى مقاصده بعناصر الغيب المحض، فعن بشير النبال، قال: لمَّا قدمت المدينة قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنَّهم يقولون: إنَّ المهدي لو قام لاستقامت له الأمور عفواً، ولا يهريق محجمة دم، فقال: (كلاَّ والذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أدميت رباعيته، وشج في وجهه، كلاَّ والذي نفسي بيده حتَّى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق)، ثمّ مسح جبهته(٦٢)، فالسنن ليست اضطرارية غير اختيارية وإرادية، ولا تنافي بين الأخبار الإلهية عن المستقبل وبين مقولة لزوم إعداد الأسباب لكون الحركة اختيارية.
فمثلاً يوسف عليه السلام قد أخبر عن الرؤيا وهو أمر مستقبلي ولكن دخل في قانون السنن الكونية ولم ينظّم حياته على الرؤيا المستقبلية، بل نظَّمها على أساس الاختيار والامتحان، أو ما ورد في البشائر في الكتب السماوية من خاتمية الإسلام والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم عمل النبيّ الدؤوب، وبالتالي تحقَّق ما أخبر عنه من دون الوقوع في فخ الجبر، فلا تنافي بين القول بحروب الإمام عليه السلام ولزوم السعي، وبين القول بالوصول إلى الوعد الإلهي.
وبهذا انكشف أنَّ ما ورد في الروايات الدالّة على صفاته عليه السلام من الخوف ونحوه هو نفس المعنى الوارد لخوف الأنبياء(٦٣)، وعلى هذا فما نسمعه بين الحين والآخر من قبل أنصاف المثقفين ومدّعي العلم والمعرفة من عدم تعقّل بعض الصفات عن الإمام، إنَّما ينبئ عن عدم اُنسهم بالمفاهيم القرآنية، وعدم تصوّرها بالشكل الصحيح.
٤ _ أنَّ ملامح ثورته هي العلم والعقل والعمران والحرّية وتكريم العلماء، وأنَّ نظامه عليه السلام قائم على الاعتراف بتخصّصات العلوم والتأكيد على ظاهرة التخصّصات وفسح المجال للمتخصّص لأن يدلو بدلوه بلا تصادم مع الشريعة، وكذلك الاعتراف وإعمال قانون الأسباب والمسبّبات، وإعمال لفقه التزاحم لا على أساس كُن فيكون، ولا على أساس إعمال الغيب المطلق، فالعموم القرآني محفوظ (لَيْسَ لِلإِْنْسانِ إِلاَّ ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى) (النجم: ٣٩ و٤٠)، نعم التسديد الإلهي محقَّق عند تنجّز النواميس الاجتماعية والكونية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) (محمّد: ٧)، ويقول سبحانه: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) (الحجّ: ٤٠)، وقد تحدَّثت الروايات عن كمال العلوم كعلم الطبّ، وعلم الهندسة، وعلم الاتصالات فيكون العالم كالقرية الصغيرة جدَّاً، وعلم الشريعة والقانون والقضاء، وأمَّا ما ورد في بعض الكتب من محاربته عليه السلام للعلماء في عصره فهو ممَّا لا أساس له من الصحَّة، بل ذلك مصداق لقولهم: (رُبَّ شهرة لا أصل لها)، نعم قد ورد ذمّ واستئصال علماء سلطان الجور والزور.
كما أنَّ منطقه ليس منطق السيف والعنف، بل منطق العقل والحكمة والاستعانة بمختلف الأساليب المشروعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، ورفع الاستتار والغموض، ودفع الشبهات وحلّ العقد، وإقامة الحجج، كبعث المسيح، والإتيان بتابوت السكينة، وبعض مواريث الأنبياء، وإيصال الصوت بما له من عذوبة ورصانة وشمولية وحقّانية وشفافية إلى جميع الخلائق، وإلى مختلف بقاع الكون، فيلقي الحجج على الأسماع، فلا يبقى أحد إلاَّ وقد وصله نداء الحقّ من مصدر نقي وصافٍ زلال وبأمواج صحيحة، وعليه ستنفد كلّ السبل ولا يبقى لأحد حجّة (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) (الأنعام: ١٤٩).
ومن هنا فلا ريب أنَّه سيُستجاب للنداء الحقّ من قبل الكلّ، إلاَّ النفوس المريضة والمعاندة والمتعصّبة وصاحبة النفع، قال تعالى: (في‏ قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً) (البقرة: ١٠).
٥ _ أنَّ الأمّة في عصره عليه السلام تنشطر إلى معسكرين: معسكر الحقّ المحض ومعسكر الباطل المحض، ولا يختلط الحقّ بالباطل، بل إنَّ قوى الظلام سوف تتحالف وتدخل في حربٍ معه عليه السلام بهدف إطفاء نوره وضيائه.
ثمّ إنَّ حرب الإمام عليه السلام حرب دفاعية عسكرياً. فقد ورد أنَّ البادئ في الحروب هم أعداء الإمام عليه السلام كالسفياني، فلا يكون له همّة إلاَّ آل محمّد وشيعتهم(٦٤)، وهي حرب هجومية فكرياً لأنَّها تقوم بعد استنفاد كلّ طرق المحاججة والحوار العلمي، وهي حربٌ مقاصدها إلهية وسعادة دنيوية أخروية، لا مقاصد لها ذاتية أو فئوية أو طائفية.
فلا مجال للأهواء ولا للتشفي ولا للانتقام السلبي ولا للروح التوسعية والدكتاتورية، بل ستذوب نظريات ورؤى فكرية ودراسات وضعية قهراً بنهوض الفكر النابع من العين الأزلية الكاشف عن فساد وبطلان وضعف النظريات الاُخرى.
فنحن نقترب إلى عصر الظهور كلَّما تكاملت العلوم الحقّة، حتَّى تكون عوناً لخدمة المشروع العالمي، فموسوعة العلم والعقل ممهّدة لحركة الإمام المهدي عليه السلام، وموسوعة إحياء الدنيا قنطرةٌ للفكر المهدوي وارتقاء المفاهيم السامية، فليس مشروعه عليه السلام متقوّماً على أساس فلسفة عدم الاعتناء بعمران الدنيا والزهد بها وإهمال شأنها، فما صدر عن بعض المتوهمين أنَّ الخطاب الديني أخروي صِرف ومتقوّم على إهمال شأن الدنيا _ بل أسند هؤلاء علّة التخلّف في المجتمعات الإسلاميّة إلى هذه النظرة الباطلة _ مجانبٌ للحقيقة والواقع كما يظهر جلياً بمراجعة الروايات العامّة في تقييم الدنيا في نظر المؤمن ولابدّية توقيرها كإحياء القبر والطريق واستحباب غرس الشجر حتَّى لو قامت القيامة، ولا تنافي بين روايات ذمّ حبّ الدنيا وطول الأمل وبين الروايات الآمرة على إحياء الدنيا وإعلاء مدنيتها وحضارتها، وإن صحب مشروعه المقدَّس بعضُ ما لا بدَّ منه من لوازم حتمية كقتل الكافرين وتدمير العمران ودخول الرعب في قلوب المشكّكين ونحو ذلك ممَّا قد يوهم وصفها بالشرور، إلاَّ أنَّها أمور لا بدَّ منها حتماً لتحقيق الحكومة العادلة، كما في التقنين العامّ المقارن لسدّ بعض المنافع الذاتية لبعض الناس فإنَّه سائغ وإن لم ترتضِه بعض النفوس النفعية.
فمفهوم العدالة والديمقراطية والحرّية والحداثة في غاية الوضوح إلاَّ أنَّ مصاديقها في غاية الخفاء، فقد ورد عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلُقاً، تكون به غيبة وحَيْرة تضل فيها الأمم، ثمّ يُقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً(٦٥).
لا يقال: إن كان للإمام عليه السلام تلك الأوصاف والكمالات فلِمَ يستعين بما هو قبيح بحكم العقل من العنف والحرب والقتل.
فإنَّ هذا لا يتوهَّمه من يلتفت إلى أنَّ منهجه (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَْلْبابِ) (البقرة: ١٧٩)، أي على أساس استئصال العضو الفاسد لسلامة الباقي، وحينئذٍ ستنعم الأمّة بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية وستصل إلى البرّ المنشود، وسترسو سفينة البشرية إلى مرفأها الأخير (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: ٥٦).

* * *
الفصل الثاني: آلية معرفة المنظومة المهدوية

المصدر المعرفي الأوّل: الدليل العقلي.
المصدر المعرفي الثاني: القرآن الكريم.
المصدر المعرفي الثالث: السُنّة الشريفة.
الرؤية الدينية بين السلفية والاعتزالية.
ما من مدّع في عالم المعرفة إلاَّ وله ما يظنّ أنَّه دليل وشاهد بيّن، فلا بدَّ من الإيمان بأنَّ الواقع والحقّ واحد ونرفض الواقعية النسبية وتعدّد الحقّ، وحينئذٍ لا معنى لحقّانية المقالتين المتنافيتين، والعقل قادر على تمييز الحقّ من الباطل، والصحيح من الخطأ، والصدق من الكذب. ومن جهة أخرى تعتقد الشيعة بمسلك التخطئة دون التصويب بجميع معانيه. وعليه ففي دائرة الاجتهاد مثلاً لا نسلّم بإصابة الفتاوى المصادمة لعلم الله الواقعي، نعم لا مانع من الالتزام بالبراءة وفق الضوابط والموازين المحدَّدة في محلّها، وهذا غير إصابة ومطابقة الواقع، فالتزام فريقين ببراءة الذمّة عند العمل بقولين مختلفين لاختلاف نظر مجتهدين لا يستدعي واقعيتهما.
ثمّ إنَّ الدليل الكاشف عن الخارج الأعم من المحسوس ليس على وتيرة واحدة، بل يتفاوت باختلاف المدّعى. فقد يكون حسّياً وتجريبياً، وقد يكون تاريخياً وتراثياً، وقد يكون عقلياً بتحسين ذاتي وعقلي، وقد يكون نقلياً وغير ذلك كالعقلانية والإلهام والكشف، بل وإن أمكن للعقل ولو في بعض الموارد إدراك شيء بأدلّته وأساليبه وأدواته ومواطنه، فلا ضير من الالتزام بإرشادية النقل إلى المعقول، ولو تخالف المنقول مع المعقول، لزم تأويل المنقول ليوافق مفاد ومؤدّى العقل ويؤكّده، وإلاَّ ضُرب به عرض الجدار وكان من زُخرُف القول، وأمَّا ما لا يدخل في مِساحة إدراك العقل وتوقّف أدواته وأدلّته وعجزها عن إدراكه، فلا معنى للاستناد إلى عدم فهم العقل له للردّ عليه وإنكاره.
ثمّ إنَّ حديث الوعي الديني غير حديث المعرفة، فالأوّل يتّكئ أساساً على الإيمان والإذعان والتسليم وانعقاد القلب والطُمأنينة، وقد تتَّفق هذه الحالة حتَّى عند غير العالم ويتولَّد من العقل العملي، وسبل تنشيط هذا العقل يكون عن طريق الدعاء والأذكار والأوراد، والعبرة والاتّعاظ وتهذيب النفس والتجنّب عن المحرّمات والمكروهات، والعمل بالمستحبّات، بينما الأخير منتَج العقل النظري فهو وليد إعداد المقدّمات النظرية وتنظيمها. وهو رهن مواد الأقيسة وصورها، وتحصل عن طريق حضور المحافل العلمية والدرس. ومن هنا نرى أنَّ بعض المستشرقين يملك من المعلومات عن الدين الإسلامي الشيء الكثير، ولكنَّه لا يملك رصيداً في دائرة العقل العملي، فما يملكه من سمنة وتضخّم في العلم من دون وجود مسحة روحية ومعنوية مردّه إلى تفعيل العقل النظري دون العملي.
والإسلام الخالد باعتباره شريعة وحياة لمعرفة الطبيعة والمجتمع ومنظومة تؤمن ببعد الروح والجسد في الحقل الفردي والاجتماعي، بآفاقه المتداخلة وبأبعاده الغيبية والمرئية بحاجاته المادية والمعنوية، بموسوعيته من الثوابت والمتغيرات والتوقيفيات، وما يطرح من جديد في عصرنا من مستحدثات، أخذ بنظر الاعتبار مقتضيات الزمان والمكان، لذا كان لا بدَّ للإسلام من إيجاد علم يكفينا مؤونة منع العابثين من التلاعب والتحريف في تنظيرات الإسلام وحرف مسيرته، كما يضبط لنا عملية المعرفة اليقينية البرهانية، والإذعان به لمعرفة الكون والحياة من القيم.
فالقول بأنَّ الغيب لا يمكن التعرّف عليه قول شططي ودعوى جزافية، وكذا القول بأنَّ المنظومة الدينية لاهوتية كهويّته التصديقية لا برهانية ممنوع، فالعلم الإسلامي نابع من العقل والوحي القرآني، وأنَّ السُنّة والفطرة والطبيعة كلّها منابع المعرفة الدينية تستحقّ الحديث عنها، مضافاً إلى الوقوف على الآليات المنشّطة للبعد السلوكي والوعي الديني، ولا بدَّ من الحديث عن كلّ واحدة من هذه المصادر المعرفية:
المصدر المعرفي الأوّل: الدليل العقلي:
وهو حكم العقل وإذعانه، إذ العقل قوّة تقوم بمهمّة إدراك الكلّيات والتمييز والتذكّر والكشف، في قبال إدراك الجزئيات والمحسوسات وغيرها، وعليه فالمعلومات التي تدخل تحت الهيمنة وإدراكات العقل لا بدَّ أن تكون قطعية (بديهية كانت أم نظرية)، وأمَّا الإدراك الظنّي فلا يسمّى عندنا إدراكاً عقلياً فإدراك الجزئي ليس إدراكاً عقلياً.
أمَّا مساحة معرفة العقل فهي:
١ _ الحسن والقبح (سواء أكان بمعنى الكمال والنقص، أم بمعنى الموافق والمخالف للطبع، وهو المسمّى عندهم بالمصلحة والمفسدة)، فالعقل النظري يدرك ذلك، لأنَّها أمور واقعية أي لها واقع خارجي بقطع النظر عن الإدراك.
٢ _ الملازمات العقلية وتنظيم العلاقة بين الأحكام (كالأمر بالشيء يقتضي وجوب مقدّمته، أو النهي عن ضدّه...)، وحكم العقل بالملازمة مقبول إذا كان قطعي النتيجة، وليس للعقل معرفة نفس الحكم الشرعي، لتوقيفيته، خلافاً للشافعية والأحناف القائلين بالاستحسان، وأيضاً ليس له معرفة ملاكات الأحكام لنفس النكتة. هذا كلّه بحسب العقل النظري.
وأمَّا العقل العملي أي التأديبات الصلاحية، فهو حكم العقلاء بالحسن والقبح بمعنى استحقاق فاعله المدح والذمّ عند العقلاء، ويقعان وصفين للأفعال الاختيارية، فهو محلّ الخلاف بين العدلية من الشيعة والمعتزلة، وبين الأشاعرة، حيث قال الأشاعرة: إنَّ الواجبات كلّها سمعية والعقل لا يوجب شيئاً ولا يقتضي تحسيناً ولا تقبيحاً، وهكذا لا يكشف شيئاً من الواقع كشفاً تحريكياً، فمعرفة الله تحصل بالعقل، وتجب بالسمع، بمعنى أنَّ العقل وإن كانت له قدرة التحصيل في معرفة الله إلاَّ أنَّ هذا الحكم لا يبلغ معرفة اللزوم إلاَّ بدليل السمع، فمع قطع النظر عن السمع والشرع لا يكون لمثل هذا الحكم محرّكية.
وهناك بحث في أنَّ العقل العملي هل هو إدراك ما ينبغي أن يُعمل، أم هو قوّة الإذعان والإيمان؟
فهو على الأوّل من شعب الإدراك كالعقل النظري، إنَّما الفارق بينهما بالمتعلَّق إذ أحدهما مَدركه ما ينبغي أن يعمل، والآخر مَدركه ما ينبغي أن يعلم.
وهو على الثاني أي قوّة الإذعان والإيمان، فلا يكون من شعب الإدراك، وكيفما كان فحكم العقلاء بالحسن والقبح بمعنى استحقاق فاعله المدح والذمّ لا بدَّ له من خلفية وبنى تحتية.
فإذا حكم العقل النظري بالحسن والقبح (سواء بمعنى الكمال والنقص أم بمعنى الملائمة والمنافرة للطبع) فإنَّه ينتج حكم العقل العملي فيما إذا كان المُدرَك (بالفتح) كلّياً لا جزئياً، ولا تدخل في حكم العقل العملي الخُلُقيات والانفعاليات والعاديات، كما أنَّ للعقل العملي تحديد وظيفة المكلَّف عند فقدان الدليل، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو قاعدة حقّ الطاعة، أو دفع الضرر المحتمل، أو وجوب شكر المنعم وقاعدة اللطف.
فتبيَّن أنَّ حكم العقل ليس منتجاً دائماً ولا مرفوضاً دائماً، بل هو معتبر عندما يورث اليقين، لأنَّ حجّية القطع واليقين ذاتية، بل حجّية كلّ شيء تنتهي إليه، واستقلال العقل في إدراك بعض القواعد لا يؤول إلى الاستغناء عن الرسول والواسطة الإلهية، كما تظنّه البراهمة والحشوية، لأنَّ العقل لا يدرك جزيئات المصالح والمفاسد التوقيفية لما مرَّ من عدم قدرته على الإحاطة بملاكات الأحكام الشرعية فضلاً عن نفس الحكم الشرعي، والوحي لم يبيّن خصوص المتسالم العقلي بحيث يحمل ما ورد في الشريعة إرشاداً إلى حكم العقل مطرداً، بل حديث الوحي حديث في أفق الإرشاد وفي أفق التأسيس.
فالوحي يتحرَّك في مساحة أوسع من مساحة العقل، كحديث الماضي والمستقبل، بل والحال أيضاً، وغير ذلك، ممَّا يكون فوق بُعد الزمان، كمعرفة وجود الذات المقدَّسة.
ومن هنا نقول فيما نحن فيه: إنَّ الغيبة أي اخفاء الهوية، بل حتَّى الخفاء البصري، ليس ممتنعاً عقلاً، ولم يقدَّم لنا الخصم والمستغرب أيّ دليل على ذلك الاستغراب من امتناع حكم العقل بقبول الحقائق الخفية، نعم هي ظاهرة كونية وجودية غير مألوفة للعقل العادي الذي يقتصر على الظواهر الحسّية الصرفة، لكنَّها مألوفة للعقل العلمي الذي يتحرَّك في مداره بما هو أوسع من المحسوس الواضح المألوف وغير المألوف، فضلاً عن غير المحسوس، بل هي من الظواهر المتحقّقة، والوقوع خير دليل على الإمكان، فقد سجَّل العقل العلمي مشاهد كثيرة على وقوع ما هو مخفي للحواس، كما ضبطه علماء الطبيعيات.
وأمَّا طول الحياة، ووصف البعض بأنَّها أسطورة وخرافة، فلا يساعد عليه العلم الحديث. فقد رصد علم الجينات نتائج تدفع تلك الغرابة، وتحوّل الأسطورة إلى واقع مألوف، هذا مضافاً إلى أنَّ الغيبة ظاهرة كونية دينية خاضعة لقدرة الخالق وإرادته، كنقل عرش بلقيس، وخلق الملائكة والجنّ والعوالم والمعاجز على ما ذكرته الأدلّة السماوية، وأذعن لها جميع من انتمى إلى المدرسة الإلهية، إذ ليس هناك مدرسة دينية تنكر الأمور غير المحسوسة، وحكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.
المصدر المعرفي الثاني: القرآن الكريم:
القرآن الكتاب الإلهي المعجز، الخالد بمعناه العميق الموافق للوجدان والفطرة والعقل، المذهل لأمهر الحكماء، والفلاسفة، والمشرّعين، وخرّيتي الفنون، بتحديه الصارخ (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِْنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الإسراء: ٨٨)، وقد تحدّى القرآن قوّة الملوك، وعلم أحبار اليهود، وقساوسة النصارى، وبلغاء العرب وفصحاءهم، وعبّاد الأوثان (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) (البقرة: ٢٣)، فبعدما بلغ العرب كمال وجزالة النظم، ووفاء اللفظ، ورعاية المقام، وسهولة المنطق فيه، تحدّاهم القرآن بما يثير الحمية ويوقد نار الأنفة والعصبية فيهم، وتحدّاهم في الغرور ببضاعتهم، والاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم، بل طالت مدّة التحدّي، وتمادى زمان الاستنهاض، فلم يجيبوه إلاَّ بالتجافي، ولم يزدادوا إلاَّ عجزاً، ولم يكن منهم إلاَّ الاستخفاء والهزيمة، وتحدّاهم بالموجود بأنَّه لا اختلاف فيه، إذ لو كان من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن والبهاء، والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحَّة ومن حيث الإتقان والمتانة (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: ٨٢)، وقد تحدّاهم بالأخبار لقصصه، وعذوبة الأمثلة، ورفعة التشريع، ومنتهى القيم، فانهزم بعض، وأذعن آخر، وسكت ثالث، والنتيجة أنَّه لم يصمد منافس.
خصائص القرآن:
ولنتحدَّث في بعض خصائص القرآن من الزاوية المقصودة لمن أراد أن يفهم القرآن، فلا بدَّ له من الاستعانة ببعض المقدّمات والأصول المقرَّرة:
١ _ أنَّه محفوظ من التحريف بجميع أنواعه، فهو مسدَّد عن التلاعب والتغيّر والتبديل، وأنَّ الكتاب الذي بين أيدينا هو النازل على صدر الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم من دون تبديل في أوصافه الكريمة، وآثاره وبركاته (وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) (فصّلت: ٤١ و٤٢)، وعليه فهو قطعي الصدور، فلا مجال للبحث السندي فيه، وأنَّ القول بتحريفه خرافة ووهم لا يتفوَّه به إلاَّ ضعيف العقل ومن لا حظَّ له بأدنى المعارف، أو منحاز عن جادة الحقّ لعصبية، إذ الحبّ يعمي ويصم.
٢ _ أنَّ القرآن منه ما هو نصّ صريح، ومنه ما هو ظاهر، بمعنى يحتمل إرادة الخلاف منه، بيد أنَّه بحاجة إلى القرينة التي مع فقدانها يحمل على ما هو الظاهر للسيرة العقلائية الممضاة من الشارع، وللتحاكمات العرفية في الرجوع إليه، ومنه ما هو متشابه يحتمل أكثر من معنى.
ثمّ إنَّ كلاً من النصّ والظاهر هو من محكم القول، ولا تحفّظ ولا خلاف في الاعتماد على النصّ، وأمَّا الظاهر فهو معتمد أيضاً، لأنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يأتِ بطريقة مخترعة لإفهام مقاصده وإيصالها، وإنَّما تكلَّم مع قومه بما هو متعارف عندهم من طرق وأساليب للتفاهم والتخاطب، وإلاَّ لبانت لنا طريقته لو كانت، فإنَّه قد تكلَّم بلسان عربي مبين، وحثَّهم على التدبّر ولزوم العمل بما في الكتاب، ولزوم عرض الروايات على الكتاب، واستدلال الأئمّة عليهم السلام بالقرآن، ومن المعلوم أنَّ الأخذ بالظاهر لا يعد من التفسير بالرأي، وإنَّما هو تفسير بما يفهمه العرف من اللفظ بعد الفحص عن القرائن المتّصلة والمنفصلة من الكتاب والسُنّة والعقل.
٣ _ النسخ، لا خلاف عند الكلّ في وقوع النسخ، فإنَّ كثيراً من أحكام الشرائع السابقة قد نسخت بأحكام الشريعة الإسلاميّة، وإنَّ جملة من أحكام هذه الشريعة قد نسخت بأحكام من نفس هذه الشريعة أيضاً، كحكم التوجّه إلى القبلة، فالمهمّ هل أنَّ هناك شيئاً من أحكام القرآن منسوخاً بالقرآن، أو بالسُنّة القطعية، أو بالإجماع، أو بالعقل القطعي؟
والتحقيق أنَّ الحكم الثابت بالقرآن يُنسخ بالسُنّة المتواترة والإجماع، ولا محذور في ذلك، لا من جانب النقل ولا من جانب العقل، وهكذا الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى منه، شريطة أن يكون الحكم في الآية الناسخة ناظراً إلى الحكم المنسوخ ومبيّناً ورافعاً، كما في آية النجوى، ولكن الحكم الثابت بالقرآن لا ينسخ بآية أخرى غير ناظرة إلى الحكم المنسوخ، وهذا القسم غير واقع، وهكذا نسخ القرآن بخبر الآحاد، وإن أخطأ البعض في تصويره، فتوهَّم وقوع النسخ في التعارض البدوي، مع أنَّ التعارض البدوي (كالعامّ والخاصّ والمطلق والمقيَّد والحاكم والمحكوم والوارد والمورود والمجمل والمبيَّن والحقيقة والمجاز...) ليس من النسخ في شيء، كما بُيّن وثبت في محلّه.
٤ _ قواعد الجمع العرفي، والتي يمكن الاستعانة بها في فهم القرآن، فتخصيص العموم والاطلاق القرآني بخبر الآحاد لا مانع منه، لأنَّ الدليل الخاصّ قرينة لإيضاح المعنى المقصود منه.
٥ _ أنَّ القرآن محكم ومتشابه من حيث المدلول، فلا بدَّ من ارجاع المتشابه إلى المحكم.
٦ _ التأويل في القرآن هو حقيقة واقعية تستند إليها البيانات القرآنية من حكم أو موعظة أو حِكمة، وأنَّ التأويل ثابت لجميع الآيات القرآنية (محكمها ومتشابهها)، وليس هو من المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ، بل هو من الأمور الغيبية المترفعة من إحاطة الألفاظ بها، وإنَّما قيَّدها الله سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها للأذهان، فهي كالأمثال تضرب لتقريب المقاصد بها وتوضّح بحسب ما يناسب فهم السامع.
والتأويل على صورتين:
١ _ التأويل الفاسد الذي يمارسه أهل الزيغ والضلال، حيث يأخذون المتشابهات من دون المحكمات، ويؤوّلون حسبَ آرائهم واعتقاداتهم من دون الرجوع والاعتماد على الأصول المقرَّرة في محلّها، التي تصالح عليها أهل الحوار في محاوراتهم، ولعلَّ منه التفسير بالرأي المنهي عنه في الروايات الكثيرة.
٢ _ والتأويل الصحيح والصائب، وهو الذي يمارسه أهل الحقّ حيث يأخذون المحكم أصلاً والمتشابه فرعاً، فيجمعون بينهما، وهو بدوره أيضاً على قسمين:
قسم من التأويل مستند إلى قانون اللغة والمنطق والعرف العامّ والمنتج عن طريق التدبّر، كما في الآيات المشتملة على جمل متشابهة كآيات التجسيم والتحيّز والإمكان والحدوث وصفات الممكن، أو كالآيات التي ظاهرها التنافي، كإسناد الموت إلى الله وإلى الملائكة، أو آيات الجبر والتفويض.
فعلى فرض التسليم أنَّ هذا قسم من التأويل، فهو شأن المتخصّص، يقوم به ويمارسه بعد استفراغ الوسع في الفحص وبعد تحصيله على ملكات العلوم التي لها دخل في استظهار الكلام.
والقسم الثاني من التأويل الصحيح هو شعبة من شعب الغيب، وهذا القسم يختصُّ بالراسخين في العلم، وهم الرسول والأئمّة الأطهار حصراً.
سؤال: لماذا يتفاوت الفهم للقرآن ولا يضرّ ذلك في كونه آلة معرفية وكاشفة وحاكمة؟
الجواب: هناك خطر في المنهج المعرفي لفهم القرآني، حيث إنَّ هناك جملة من الاتّجاهات الفلسفية، والكلامية، والعرفانية، والعلوم الطبيعية المتوغّلة أو المتولّعة بالنزعة الاجتماعية، التي حاولت حمل آرائها على التفسير.
فهنا مسلكان:
المسلك الأوّل: يحاول استكشاف مدلول الآية متجرّداً عن خلفياته العلمية والثقافية، فيدخل ساحة التفسير وهو خالٍ من كلّ فكرة، مع الاعتماد على آليات وقواعد معرفية للتفسير ملاكها عرفيتها، وليس له غرض إلاَّ فهم مدلول الآية، وحينئذٍ يكون دور العلوم النظرية الأخرى دور المؤيّد للنتيجة القرآنية، علماً أنَّ الظواهر أمور وجدانية لا برهانية، ونسبية لا نفسية، وعرفية لا ذاتية، نعم الإرادات الجدّية ملاكات تحتاج إلى ملاكات أخر غير ملاكات الظواهر.
والمسلك الثاني: عكس الأوّل، فإنَّ المفسّر يحاول حمل الآية على خلفياته القبلية، فيكون دور القرآن تابعاً للنظرية، وهذا المنهج الخاطئ هو الذي استدعى إيجاد مثل هذه الفجوات، بحيث يكون فهم الظاهر القرآني عند طيف معيّن وصنف خاصّ، وبهذا يفقد القرآن قابليته العرفية، ويدخل في سياق القوالب الصنفية، نعم ربَّما لا يلتفت العرف إلى نكات تستدعي خطأ الفهم، إلاَّ أنَّه لو نبّه على تلك النكات الداخلية أو الخارجية لوصل إلى نفس الفهم العرفي.
وهذا الخلاف لم يسلم منه أيّ منهج معرفي، لذا فليس الخطر في أصل دخوله عملية التفسير، وإنَّما المهمّ إيجاد الضوابط والموازين في تحديد المناهج المعرفية، فالقرآن لم ينزل ليكون كتاب طبيعيات، أو فلك، أو طبّ، أو تاريخ، بل هو كتاب هداية.
فتلخَّص من هذا أنَّ الغرض من التفسير هو كشف معنى اللفظ، وإظهاره في دائرة المنطوق أو المفهوم. وهناك مدلولات لا تدخل في المفهوم، ولا في المنطوق اصطلاحاً، وتسمّى بالدلالة السياقية وهي على أقسام:
دلالة الاقتضاء: وهي أن يكون المعنى مقصوداً للمتكلّم بحسب العرف، ويتوقَّف صدق الكلام أو صحَّته عقلاً أو شرعاً أو لغةً أو عادةً عليها.
دلالة التنبيه: وتسمّى دلالة الإيماء أيضاً، وهي أن تكون مقصودة للمتكلَّم بحسب العرف لسياق الكلام الذي به يقطع إرادة ذلك اللازم، أو يستبعد عدم إرادته.
وهما حجّة، إمَّا من جهة التفسير وإمَّا من جهة التأويل المغتفر الذي يصل إليه العرف بعد إعمال عناية علمية.
نعم هناك قسم من التأويل المنحصر بأهل البيت عليهم السلام الذي هو أمر متعلّق بالعلم الإلهي، وليس له دخل بالتحصيل والعلم الكسبي، فالعترة الطاهرة تارة يشاركون الناس في فهم القرآن اعتماداً على الظاهر، ودلالة الاقتضاء، والسياق، والإيماء، ونحو ذلك، وأخرى يختصَّون بالتأويل، لأنَّه من شعب العلم الغيبي.
ثمّ إنَّ المتشابه ليس مفاده أن لا معنى له، بل له معنى من اللفظ، فلو لم يكن له معنى فما المقصود من قوله: (يَتَّبِعُونَ) في قوله تعالى: (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) (آل عمران: ٧)، فالمراد من التشابه هو التشابه في المصداق، بمعنى عدم معروفية المصداق مع وضوح المدلول المستعمل والمقصود من الآية الكريمة، بمعنى أنَّهم يتَّبعون المصداق الغيبي، كالكرسي، وقد يطلق المتشابه ويراد منه المجمل، بمعنى الذي لا ظهور له استعمالاً، وإن كان له ظهور واضحٌ جدّاً.
والباطنية والصوفية وأصحاب العقائد الفاسدة يستنتجون بواطن القرآن من دون الاعتماد على الأساليب اللغوية والعلمية، وإنَّما منهجهم محض التخرّص والتعويل على الظنون، والاستحسانات، وتحميل المباني المسبقة.
وعليه يمكن الجمع بين طائفتين من الروايات، إذ أنَّ طائفة ترى اختصاص التفسير بأهل البيت عليهم السلام، وطائفة تعتقد أنَّ القرآن تبيان وهداية، فإنَّ الطائفة الأولى تشير إلى أنَّ تأويل القرآن والعلم الغيبي ومعرفة كلّ خصوصيات القرآن، إنَّما تحصل عن معرفة الوحي وما بحكمه، بينما الطائفة الثانية تشير إلى أنَّ ألفاظ القرآن ليست مجملة ولا مهملة، بل لها معنى، فحينئذٍ يشارك أهل البيت عليهم السلام غيرهم في علمهم بظاهر القرآن.
٧ _ ظاهرة الجري والانطباق في القرآن، والفارق بينها وبين التأويل وبين التفسير:
فالقرآن المعجزة الأزلية والسرمدية، تسري أحكامه على كلّ الناس، وفي جميع العصور، فالآيات النازلة في حقّ البعض تسري في حقّ غيره عند توفّر الشروط، فمورد النزول إذا لم يكن مختصّاً بتلك الآية فهو شامل لغيره، وهو المقصود في الجري والتطبيق، أي انطباق الآية على أكمل المصاديق بواسطة الرجوع إلى رواية، إلاَّ أنَّه تبقى الآية على عمومها، فتحديد الآية بمصداق (ماضوي أو مستقبلي) لا يهدم عمومها وإنَّ المورد لا يخصّص الوارد.
أمَّا منهج التأويل، فإنَّ المراد الجدّي له ليس هو العموم، فيتحدَّد مصداقه الخارجي بمعونة الروايات ولا يبقى حينئذٍ عموم للآية.
وأمَّا التفسير، فإنَّه يستكشف المراد الجدّي والتحديد من سياق الآية، ولتوضيح الفكرة نقول: قد ورد في تفسير بعض الآيات روايات منها:
١ _ قوله تعالى: (يُريدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: ٣٢ و٣٣).
فقد ورد في تفسير الآية أنَّه تعالى أخبر عن الكفّار من اليهود والنصارى أنَّهم (يُريدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ) وهو القرآن والإسلام، (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) معناه: ويمنع الله إلاَّ أن يظهر أمر القرآن، وأمر الإسلام، وحجّته على التمام، (وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) أي: على كره من الكافرين. (هُوَ الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) محمّداً، وحمّله الرسالات التي يؤدّيها إلى أمّته (بِالْهُدى) أي : بالحجج، والبيّنات، والدلائل، والبراهين (وَدينِ الْحَقِّ) وهو الإسلام، وما تضمَّنه من الشرائع التي يستحقّ عليها الجزاء بالثواب، وكلّ دين سواه باطل يستحقّ به العقاب (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) معناه: ليعلي دين الإسلام على جميع الأديان بالحجّة، والغلبة، والقهر لها، حتَّى لا يبقى على وجه الأرض دين إلاَّ مغلوباً، ولا يغلب أحد أهل الإسلام بالحجّة، وهم يغلبون أهل سائر الأديان بالحجّة. وأمَّا الظهور بالغلبة فهو أنَّ كلّ طائفة من المسلمين قد غلبوا على ناحية من نواحي أهل الشرك، ولحقهم قهر من جهتهم. وقيل: أراد عند نزول عيسى بن مريم، لا يبقى أهل دين إلاَّ أسلم، أو أدّى الجزية، عن الضحاك: وقال أبو جعفر عليه السلام: (إنَّ ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمّد، فلا يبقى أحد إلاَّ أقر بمحمّد)(٦٦).
وعن الصادق عليه السلام عند سؤال المفضَّل عن تأويل الآية بعد أن أخبره بأنَّ بعض المسلمين يدّعون أنَّ الإسلام قد ظهر على الأديان كلّها فأجابه عليه السلام: (يا مفضَّل لو كان ظهر على الدين كلّه ما كان مجوسية ولا نصرانية ولا يهودية ولا صابئة ولا فرقة ولا خلاف ولا شكّ ولا شرك ولا عبدة أصنام ولا أوثان ولا اللات ولا العزى ولا عبدة الشمس ولا القمر ولا النجوم ولا النار ولا الحجارة، وإنَّما قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) في هذا اليوم وهذا المهدي وهذه الرجعة، وهو قوله: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ))(٦٧).
٢ _ ومنها: ما ورد في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥)، فالآية تشير إلى فكرة الوراثة للأرض على أنَّها ستتمّ لعباد الله الصالحين، فإنَّ القرآن يعرض نظرية هادفة متكاملة، فهو يلغي قانون المصادفة والعبث والجزاف، ويتحدَّث عن الكون والإنسان والطبيعة والمبدأ والمنتهى، ومسيرة السفراء والأنبياء وخصائصهم واختيارهم على سبيل الحكمة لا القرعة والمصادفة، فيطرح رؤية أنَّ الكون ينشأ من الصانع الحكيم الخبير، وأنَّ بداية الكون كانت قصَّة آدم، وستسير هذه القافلة إلى المعاد، وتحدَّث القرآن عن خاتمية الكون، والحكومة الربّانية، والوصول إلى الغاية المتوخاة، فالدولة الفاضلة حديث ومطلب قرآني وسماوي، تحدَّثت عنه الكتب السماوية الأخرى، ولا ضير في ذلك، كما أنَّ الحديث عن المبدأ قرآني وسماوي أيضاً، وإن تحدَّثت عنه الكتب السماوية والحكمية والكلامية، فالآية تصرّح بأنَّ هذا التخطيط له عمقه التاريخي، ولم يكن وليد التقليد الإسلامي، فبذوره مغروسة منذ القدم في الذكر وفي الزبور(٦٨).
٣ _ وهكذا تحدَّث القرآن في قوله:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (النور: ٥٥).
ففي الآية إشارة إلى:
١ _ أنَّ الله سيجعل للمؤمنين مجتمعاً صالحاً.
٢ _ أنَّ الله سيجعل المؤمنين خلفاء في الأرض، ويجعل دينهم ظاهراً وسائداً وغالباً وقاهراً على غيره.
٣ _ أنَّ الأمّة تمرّ بمرحلة الخوف ثمّ تلحقها مرحلة الأمن.
وقد حُدَّد المصداق لهذه الآية بالإمام المهدي عليه السلام، بمقتضى الروايات، إمَّا من جهة الجري أو من جهة التأويل.
وهذا التحديد قد ورد لآيات أخرى، وفي موارد لروايات كثيرة، منها قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَْرْضِ) (القصص: ٥ و٦)، فقد روى الطوسي قدس سره عن علي عليه السلام قال: (هم آل محمّد، يبعث الله مهديهم بعد جهدهم فيعزّهم ويذلّ عدوّهم)(٦٩).
٤ _ أو قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ) (الصافات: ١٠)، روى الصدوق عن الصادق عليه السلام: (أمَا والله ليغيبنَّ عنكم مهديكم حتَّى يقول الجاهل منكم: ما لله في آل محمّد حاجة)(٧٠)، وعنه أيضاً: (ثمّ يقبل كالشهاب الثاقب فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٧١)، وسورة القدر وخلاصة آيات حتمية الظهور، وآيات الانتظار، والآيات التي تحدَّثت عن طبيعة الصراع بين الحقّ والباطل، والآيات التي تحدَّثت عن المحطّة الأخيرة للبشرية، فهي تدلُّ على أنَّ فكرة المهدي قرآنية، سواء أكان المنهج تفسيرياً يعلم بالتدبّر ودلالة السياق، أم تأويلياً يعلم بروايات أهل البيت عليهم السلام على نحو التطبيق أم على سبيل التأويل.
وبهذا يتَّضح المقصود ممَّا كتب تحت عنوان (المهدي في القرآن، أو علي عليه السلام في القرآن).
وكيفما كان فإنَّ المنهج الذي اتَّخذته الشيعة في تفسير القرآن يختلف عن المنهج الذي اتَّخذه أبناء العامّة، فالشيعة ترى حجّية أقوال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في التفسير، وأمَّا التابعون فهم كبقيّة المسلمين لا حجّية لأقوالهم إلاَّ ما ثبت أنَّه حديث نبوي عنهم.
وتعتقد أيضاً بمقتضى حديث الثقلين ونحوه الثابتين بالتواتر أنَّ أقوال العترة هي تالية لأقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فهي حجّة.
طبقات المفسّرين:
فكانت طبقات المفسّرين عند الشيعة هي:
الطبقة الأولى: الذين رووا أحاديث التفسير عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والعترة عليهم السلام كزرارة، ومحمّد بن مسلم، ونحوهم رضي الله عنهم.
الطبقة الثانية: المؤلّفون الأوائل في التفسير، كفرات الكوفي، وأبي حمزة الثمالي، والعياشي، وعلي بن إبراهيم القمي، والنعماني رضي الله عنهم.
وطريقة هؤلاء أن يرووا الأحاديث مع ذكر الأسانيد، ولم يبدوا آراءَهم في الموضوع.
الطبقة الثالثة: أصحاب العلوم المختلفة، كالشريف الرضي في تفسيره الأدبي، والطوسي في تفسيره الكلامي، والشيرازي في تفسيره الفلسفي، والكونابادي في تفسيره الصوفي، والطبري الشيعي في تفسيره الجامع لفنون عديدة، كاللغة والنحو والكلام والحديث.
المصدر المعرفي الثالث: السُنّة الشريفة:
وهو مصدر للثقافة الإسلاميّة كالقرآن الكريم، فقد تناولت السُنّة الشريفة جميع الشؤون الإسلاميّة، وأمدَّت الفكر بالنِتاجات الغنيّة والابداع، وستبقى السُنّة إلى جانب القرآن مصدراً غنياً بتلك الثروة العطرة التي تتوّج الإسلام بالخلود والبقاء حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا فرق بين الكتاب الكريم والسُنّة من جهة صدورهما من منبع الوحي، وأنَّهما نوران انبثقا من مصدر واحد.
الفوارق بين القرآن والسُنّة:
ولكنَّهما يختلفان في فوارق منها:
١ _ أنَّ إحدى غايات القرآن هي الإعجاز وروح التحدّي، وأمَّا السُنّة فهي وإن كان فيها إعجاز إلاَّ أنَّه في تشريعها ومغيّباتها.
٢ _ أنَّ ألفاظ الكتاب الكريم كمعانيه نزلت من لدن الله تعالى، بخلاف ألفاظ السُنّة.
٣ _ أنَّ سند القرآن قطعي، بينما السُنّة ليست قطعية الصدور عدا المتواتر منها.
٤ _ أنَّ القرآن في الغالب ناظر إلى أصل التشريع، وتأسيس القواعد العامّة بحسب الإرادات الاستعمالية التي تكون مرجعاً عند الشكّ في بعض الخصوصيات، فهو يذكر الأحكام الكلّية التي تحتاج إلى التفصيل والبيان، فيكون دور السُنّة هو التفصيل والبيان، فالإطلاق القرآني لا ينتج إلاَّ بعد الفحص عن المقيَّد.
وقد احتضن المجتمع الإسلامي اتّجاهين آخرين:
اتّجاه أبناء العامّة وبنيته الفكرية مقولة: (حسبنا كتابُ الله)، والتي ترجمت اليوم: (الإسلام هو القرآن فقط)، وبالتالي فالتشريع يُستنتَج من القرآن فقط، ويُزهد بالسُنّة الشريفة، أو يجعلها محض المؤيّد والتشرّف والتبرّك والتيمّن.
والاتجاه الثاني: وهو اتّجاه الغلو في الحديث وارتضائه بأيّ طريق، فلا ميزان يحدّد السُنّة، فالسُنّة هي المقدَّمة، وهو بالتالي نكوص على هذه الأدوات المعرفية من التحقيق في السند ومعالجة المعارض والوقوف على القرائن وغير ذلك، ممَّا سيأتي التعرّض إليها، فيوجب سقوط الضروري العقلي أو القرآني، وسيأتي موقفنا اتّجاه الحديث الموضوع، والضعيف، والشاذ، والنادر، والمخالف للضروري، ونحوه، وهكذا إبراز وسائل تحفظ السُنّة، وأدوات للإحاطة بها، وأبواب المعالجات.
ثمّ إنَّ الحديث عن السُنّة في نقاط مع مراعاة الاختصار:
١ _ ما هو الدليل على أنَّ السُنّة أداة معرفية للإسلام تشريعياً وعقائدياً وأخلاقياً؟
٢ _ التعاضد بين القرآن والسُنّة.
٣ _ بعض الشبهات النافية لآليتها المعرفية.
٤ _ كيف نستكشف السُنّة النبوية في معالم المدرستين، على فرض التسليم بأنَّ الآخر مدرسة.
٥ _ ظاهرة الاجتهاد في فاعلية السُنّة وديموميَّتها.
٦ _ أطروحة الإمام المهدي عليه السلام في الروايات.
١ - أدلة معرفية السُنّة:
اتَّفق المسلمون كافّة على الأخذ بالسُنّة النبوية الشريفة من مفسّرين، ومتكلّمين، وفقهاء، وغيرهم على أنَّ السُنّة مصدر معرفي، ومنهج لكشف الحقائق الدينية، وإن كان في حقب زمنية ماضية وجد من اكتفى بالقرآن كما تقدَّم في الاتّجاهات التي احتضنها الإسلام، ويكافئ القرآن الكريم في كونه مصدراً كذلك، ودليله _ مضافاً إلى الإجماع _ ما ورد في الآيات الكثيرة:
منها: قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) (الأنفال: ٢٤)، فإنَّ الآية قد أمرت بلزوم الاستجابة للرسول، فهي سواء حملت بمعنى الإرشادية أو المولوية، فإنَّها كفيلة بأنَّ قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حجّة، هذا مضافاً إلى أنَّ جعل الرسول عدلاً في لزوم الاستجابة لله فيه من المدلول ما يثبت المدّعى.
وقوله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى) (النجم: ٣ و٤)، فالآية الكريمة تفيد جملة من الفوائد، منها:
أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مسدَّد بتسديد عصمي إذ من البعيد أن يكون الثناء الوارد لمحض بيان المقام التكريمي للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بل الظاهر منها التنبيه على أنَّ كلّ ما يتلفَّظه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو وحي سماوي، ومصدر معرفي.
وقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ) (الجنّ: ٢٣)، وتقريب الاستدلال بهذه الآية واضح حيث جعلت مخالفة النبيّ كمخالفة الله تعالى، وإنَّها تستدعي العقاب الأخروي المشدَّد، فنستفيد لابدّية الأخذ بقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وبمقتضى إطلاقها فإنَّ قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معتمَد ومعتبَر في فنون شتّى، وهذا خير شاهد على لابدّية قبول قول النبيّ وفعله وتقريره.
وقوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) (النساء: ٥٩)، فالآية قرنت طاعة الرسول بطاعة الله وبسياق واحد، مع تكرار الفعل وما ذلك إلاَّ للتأكيد على لزوم الأخذ بقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته وكون سُنَّته مصدراً معرفياً، فالآية تشير إلى الاستقلالية، وربَّما يصلح شاهداً على ثبوت الولاية التشريعية للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
وقوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) (النساء: ٦٥)، الدال على التحكيم الذي هو فرع قبول الحكم، فيتعدّى إلى غيره من الأحكام ونحوها بعدم القول بالفصل أو إلغاء الخصوصية.
وقوله تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (الأحزاب: ٣٦)، وقوله تعالى: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) (النساء: ٦١)، ولا حاجة للوقوف على فقه الآيات بعد وضوح المطلب، لاسيّما على مبنى عصمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأن علمه ليس كاجتهاد الفقيه. نعم على بعض الآراء تحتاج إلى توضيح الاستدلال بذلك.
وعليه فالحجّية في السُنّة المتَّبعة ليست بمعنى الكشف، والإظهار، والطريقية، والدلالة على الحكم الشرعي، بل هي ثبوت الشريعة وأحكامها، مثل حجّية العلم الذي هو الانكشاف، والوضوح، والظهور، وهو المراد من حجّية الكتاب، لأنَّ السُنّة هي قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو فعله أو تقريره وكذلك المعصوم عليه السلام، وفرق بينها وبين الدليل عليها، فالرسول حاكم كما أنَّ الله تعالى حاكم، إلاَّ أنَّ الله تعالى هو الحاكم بالأصالة والرسول حاكم بالتبع لإرادة الخالق، فحكم الرسول حكم شرعي يكشف عن التشريع ككشف العلم عن معلومه، لا ككشف الدليل عن مدلوله، فقوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) يدلُّ على أنَّ كلامه صلى الله عليه وآله وسلم هو بنفسه حكم شرعي، وليس موصلاً إليه وواسطة في الإثبات، بل هو واسطة في الثبوت، ويتفرَّع على هذه التفرقة آثار كلامية مهمّة جدَّاً.
٢ - التعاضد بين القرآن والسُنّة والتأثير المتبادل بينهما:
وهذا التعاضد تارة يكون في مجال الحجّية، وأخرى في مجال التحديد والتضييق.
أمَّا الأوّل: فلا ريب أنَّ القرآن مصدر بنصّ الوحي وتأكيده، والقرآن أقوى الأدلّة على حجّية الرسالة والرسول صلى الله عليه وآله وسلم على مستوى القول والعمل، فحجّية السُنّة مستمدَّة من الكتاب الكريم.
أمَّا الثاني (التحديد): فتارة من حيث تأثير الحديث على القرآن، فالحديث إن توافق مع القرآن كان من الدعم والتأييد، وإلاَّ كان من التأثير والتحديد والتقويض، وعليه فالمرجعية للقرآن، لكن وظيفة الحديث تفسير وتبيان له.
وأخرى من حيث تأثير القرآن على الحديث، فالحديث المخالف للقرآن تارة تكون المخالفة مستقرّة، أي مخالفة لنصوص القرآن الواضحة، أو أحكامه المتَّفق عليها، فيكون الحديث من زخرف القول.
وأخرى المخالفة غير مستقرّة، كما لو كان الحديث بياناً لتفصيل التشريع، بزيادة قيد، أو شرط، أو نحو ذلك، فيكون الحديث قرينة للظهور القرآني كالأحاديث المبيّنة لشرائط وقيود البيع فهذه تكون قرينة لآية: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (البقرة: ٢٧٥)، مثلاً.
قال ابن القيم: (والسُنّة مع القرآن ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون موافقة له من كلّ وجه فيكون توارد القرآن والسُنّة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلّة وتظافرها، والثاني: أن تكون بياناً لما أريد بالقرآن وتفسيراً له، والثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرّمة لما سكت عن تحريمه)(٧٢).
٣ - بعض الشبهات النافية للآلية المعرفية للسُنّة:
ذكر النافون مجموعة من الشكوك من قبيل النهي الشرعي عن كتابة الأحاديث، ومن خشية اختلاط القرآن بالحديث، ومن التخوّف من ترك القرآن والاشتغال بغيره، ومن عدم معرفة المحدّثين للكتابة، ومن عدم الحاجة إلى تدوين الحديث في الكتب وغير ذلك. ونحن سنذكر هاهنا بعض تلك الشبهات والردّ عليها.
الشبهة الأولى: بشرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشرٌ يتكلَّم في الغضب والرضى، فكيف يكون كلامه وفعله حجّة متَّبعة، فلعلَّ ذلك صادر منه حال غضبه، ويدلُّ على ذلك ما رواه مسلم ضمن حديث أنَّه قال: (يا اُمّ سليم أمَا تعلمين أنَّ شرطي على ربّي أنّي اشترطت على ربّي فقلت: إنَّما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيّما أحد دعوت عليه من أمّتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهوراً وزكاةً وقربةً يقرّبه بها منه يوم القيامة)(٧٣).
وجوابها: أنَّه قد ثبت في علم الكتاب عصمته، فإنَّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان بشراً إلاَّ أنَّ السماء قد سدَّدته، وأيَّدته في أفعاله الخارجية، في كلّ حياته المباركة قبل البعثة وبعدها، وخير شاهد على سمو مقامه: الروايات الواردة لنا من طريق العترة الطاهرة، فإنَّها تدلُّ وبوضوح على ذلك، وليس بغريب من مثل صاحب الشبهة أن يتلفَّظ بمثل هذه الترّهات والأراجيف، بل ما خفي من مثل هؤلاء أعظم، مضافاً إلى قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)، فكيف يمكن الجمع بين الآية الكريمة وبين ما رواه مسلم، إذ الشخص الذي يسبّ بغير استحقاق لمجرَّد الغضب لا يكون على خُلُق فضلاً عن أن يكون على خُلُق عظيم، وكلّ رواية وردت مخالفة للنصّ الصريح لا بدَّ من ضربها عرض الجدار.
الشبهة الثانية: تعارضية المنقول عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
قول الخليفة الأوّل: (إنَّكم تحدّثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشدُّ اختلافاً فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً)(٧٤).
وجوابها: قد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث تصرّح بلزوم العمل بالسُنّة، مع علمه بأنَّ الوضّاعين سيكثرون الحديث عليه(٧٥)، مضافاً إلى أنَّه قد وردت معالجات في كيفية التغلّب على ظاهرة الوضّاعين. أجل لمن أعرض عن عدل القرآن يقع بمثل هذه المتاهات.
الشبهة الثالثة: مسحورية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
ما رواه البخاري أن بعض اليهود سحروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتّى ليخيَّل إليه أنَّه يفعل الشيء وما فعله(٧٦)، فليس كلّ ما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واجب الاتّباع مع مظنَّة أنَّ الصادر ربَّما كان من عمل سحرة اليهود.
وجوابها: قوله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى) (النجم: ٣ _ ٥)، وهكذا قد تعامل الرعيل الأوّل من الصحابة، على أنَّ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصيبٌ للواقع الحتمي، بل لا مجال للسحرة أن يؤثّروا على نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعلى فرض قوّة تأثير السحرة خارجاً، إلاَّ أنَّ تأثيرهم إنَّما يكون على أصحاب النفوس الضعيفة لا على الشخص المبارك، ويشهد لذلك قصَّة السحرة مع نبيّ الله موسى عليه السلام الواردة في القرآن، فإنَّهم قد سحروا الناس جميعاً ولم يتمكَّنوا من التأثير على أفعال موسى عليه السلام.
الشبهة الرابعة: مجتهدية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
أنَّ الرسول مجرَّد مجتهد، ولذا يحقُّ للآخر أن يأتي باجتهاد يغاير اجتهاد الرسول، وليس قوله وحياً تحرم مخالفته، وهي الشبهة المعروفة ببشرية القرآن، وقد لبست هذه الشبهة أخيراً لباس ثوب علماني.
وجوابها: أنَّه قد ذكر في محلّه أنَّ علم النبيّ وإخباراته سماوية وهو معصوم، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة حجّة الوداع: (معاشر الناس، كلّ حلال وما يكون فيه سبب سعادتكم قد دللتكم عليه، أو حرام وما يكون فيه سبب شقاوتكم قد نهيتكم عنه فإنّي لم أرجع عن ذلك ولم أبدّل)(٧٧)، وقد تقدَّم امتناع أن يكون الصادر من النبيّ باجتهاده وحدسه، وهذا الجواب غير مبني على لزوم القول بالولاية التشريعية، فسواء ثبتت أم لا، فإنَّه لا شكَّ أنَّه ليس بمجتهد إلاَّ على الشاذ من قول أبناء العامّة.
الشبهة الخامسة: آمرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمحو:
ما نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه)(٧٨).
وجوابها: الحديث موضوع، وخير شاهد على ذلك أنَّه حتَّى المانعين من تدوين السُنّة النبويّة لم يستشهدوا بهذا الحديث، ولو سلَّمنا صحَّته لكان مؤلّفوا الصحاح والسنن والمسانيد قد خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هنا نرى أنَّ علماء أبناء العامّة استنكروا صدور هذا الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أو أنَّهم ادّعوا صدوره واختصاصه بمجالات خاصّة.
٤ - كيف نستكشف السُنّة النبوية الشريفة في معالم المدرستين؟
حفظ الحديث وتدوينه في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عند الفريقين أمر مفروغ عنه، وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم الحث على ذلك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أكتب فوَالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حق)(٧٩)، مشيراً في ذلك إلى فيه.
ولكن بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقع الاختلاف، فمنهم من كان يمنع ويصدُّ عن التدوين، واعتبره أمراً غير شرعي، مثل أبي بكر، وعمر، وابن مسعود(٨٠)، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم كزيد بن ثابت وعثمان ومعاوية(٨١)، ومنهم من حثّ على التدوين، مثل أمير المؤمنين عليه السلام.
وزخر التدوين في زمن الحسنين والباقرين عليهم السلام، وصنّفت كتب كثيرة بحيث لا يمكن إحصاؤها وإحصاء مؤلّفيها، ولكن جمعت من بين تلك الكتب أربعمائة كتاب لأربعمائة مؤلّف أو أقلّ، ولمَّا كانت هذه الأصول متشتّتة وبعضها فقد، فبادر بعض أصحاب الإمام الرضا عليه السلام إلى جمع الموجود منها وضبطه في كتاب مستقل سمّاه بالجامع، وهذه الجوامع غير الكتب التي ألَّفها أصحاب الأئمّة عليهم السلام إلى زمن الغيبة، وكانت هذه الجوامع منذ عصر الإمام الرضا عليه السلام مرجعاً ومصدراً للشيعة في المسائل الدينية والفقهية إلى عصر الكتب الأربعة، وهي الأحاديث المستخرجة من الأصول الأربعمائة، وسائر كتب السلف من أصحاب الأئمّة عليهم السلام.
ثمّ إنَّ رأي جلّ علماء الإمامية في الكتب الأربعة أنَّ أحاديثها تقبل النقد دلالةً وسنداً، وأنَّ بعض الأحاديث صحيح، والباقي موثَّق، وحَسَن وضعيف، فتخريج الحديث لا يكون دليلاً على صحَّته، ومجرَّد قبول الحديث لدى مؤلّفيها لا يوجب حجّيتها.
وأمَّا موقف أهل البيت عليهم السلام من السُنّة: فبعد الاعتقاد بقداسة السُنّة لأنَّها المعبرة عن إرادة الله على لسان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأنَّ السُنّة القطعية (قوله وفعله وتقريره) موجودة عندهم عليهم السلام، لكونهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حقّاً إذ هم عدل القرآن بمقتضى حديث الثقلين وغيره، فالسُنّة النبوية تزهو في تراث أهل البيت، لأنَّهم الأعلم بها حسب قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (علي المحيي لسُنّتي، ومعلّم أمّتي، والقائم بحجّتي)(٨٢)، وقول علي عليه السلام: (ما نريد أحداً يعلّمنا السُنّة)(٨٣)، وقول عمر لعلي عليه السلام: (أنت خيرهم فتوى)(٨٤)، وقول عائشة في علي عليه السلام: (علي أعلم الناس بالسُنّة)(٨٥)، وبهذا الاعتبار صارت السُنّة قول المعصوم وفعله وتقريره وتوسَّعوا من السُنّة النبوية إلى ما يعمّ السُنّة المولوية أيضاً.
وأمَّا بحث طرق ثبوت السُنّة عندنا فبالتواتر والآحاد، والبحث عن أقسام التواتر، وشرائط حجّية خبر الآحاد من صحَّة المضمون عقلاً وشرعاً، ووثاقة الرواة، ومناشئ الوثاقة كقول الرجالي الذي يبحث عن حجّيته وأنَّها هل هي من باب كونه من أهل الخبرة، أو من باب شهادة العدلين، أو من باب حجّية خبر الآحاد، وتمييز المراسيل المعتمدة عن غيرها، وبحث الإجماع، والشهرة، وقول اللغوي، وقول المتخصّص، والسيرة العقلائية، وسيرة المتشرّعة، والعرف، وتنقيح المناط، وغيرها من السبل الكاشفة عن السُنّة، وهكذا مباحث التعادل والتراجيح.
فهذه البحوث رغم كونها مهمّة إلاَّ أنَّها تحتاج إلى رسالة مستقلّة، والحديث عنها هنا خروج عن الغرض.
أمَّا تدوين الحديث عند أبناء العامّة:
ففي السنوات الثلاث من خلافة أبي بكر اهتمَّ المسلمون الذين ساروا على نهج أبي بكر بتلاوة القرآن فقط، واكتفوا بها دون مراجعة التفسير والبيان وتركوا نقل الحديث وكتابته، وهكذا في السنوات العشر من عهد الثاني، فهو لم يكتفِ بمنع نقل الحديث وتدوينه، بل استعمل العنف في ذلك، فحبس ثلاثة من الصحابة: ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري، واستمرَّ الحال في عهد عثمان فنفى أبا ذر الغفاري إلى الشام ثمّ الربذة لنقله للحديث وغيره من المواقف، وضرب عبد الله بن مسعود في وسط المسجد حتَّى كسر أضلعه، وضرب عمّار بن ياسر، بل صرَّح عثمان فقال: (لا يحلُّ لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر فإنّي لم يمنعني أن اُحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا أكون من أوعى أصحابه عنه إلاَّ أنّي سمعته صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من قال عليَّ ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار))(٨٦).
وأمَّا معاوية، فقد عبَّأ الوضّاعين في عهده، وأكرم كلّ من يروي حديثاً في فضائل عثمان، وحثَّهم على جعل الحديث، ونقل الأكاذيب، واستمرَّ الحال إلى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري حيث أدرك محدّثوا العامّة أخطاء سلفهم وشطحاتهم لمنعهم الحديث وتدوينه، فبدأ علم الحديث يتحرَّك، فظهرت كتب كثيرة تحمل اسم الصحاح، والمسانيد والمستخرجات، وكان الهدف جمع الحديث من دون تبويب، وبلا فرق بين الصحيح وغيره حتَّى جاء عصر البخاري (٢٥٦هـ)، وتلميذه مسلم النيسابوري (٢٦١هـ)، ومحمّد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجة (٢٧٣هـ)، وأبي داود السجستاني (٢٧٥هـ)، والترمذي (٢٧٩هـ)، والنسائي (٣٠٣هـ).
وهؤلاء المؤلّفون من خلال كتبهم الستّة تشكّل الركن الأصلي لجوامع الحديث عند أبناء العامّة، وعرفت بالصحاح الستّة، أو الصحيحين والسنن، وبعد ذلك اُلّفت المسانيد والمستدركات والمستخرجات.
أمَّا رأي أبناء العامّة _ إلاَّ البعض كالشيخ الألباني _ في مسانيد السُنّة النبوية، فقد اعتبروا الصحاح لاسيّما الصحيحين أصحّ الكتب وأتقنها بعد القرآن، وجعلوا عليهما مدار العقائد والأحكام، فحكموا بقطعية صدورهما وصحَّة صدور ما احتوتهما من الأحاديث، ولذا قال فضل بن روزبهان: (لو أنَّ أحداً حلف يميناً بأنَّ كلّ ما ورد في الصحاح الستّة من الأحاديث فهو صحيح وهو قول رسول الله، لكان يمينه صحيحاً ولا عليه الحنث)(٨٧).
وعليه يتَّضح الفارق بين كتب الحديث عند الشيعة وبينها عند أبناء العامّة، فقد وقف علماء الشيعة من الكتب الأربعة _ مع أنَّها وردت من طرقهم _ موقفاً بعيداً عن المغالاة والإسراف، فهم قد اغتنموا حسنات الكتب الأربعة ولم يتجاهلوا ما فيها من خلل ونقص، إذ لا يخلو منهما كتاب مهما اتّخذت الحيطة فيه، بخلاف رأي أبناء العامّة في الصحاح الستّة كما تقدَّم.
وبهذا يتَّضح الفرق في النقد العلمي بين المنهجين، من ذكر الروايات المخالفة للضرورة الفطرية أو العقلية أو الشرعية.
فإنَّ مثل هذا الإشكال تامٌّ على الصحاح الستّة أو الصحيحين، لأنَّهم يدّعون العصمة لها بخلاف الشيعة، فإنَّ وجود هذه الروايات الشاذة والمخالفة لا يضرُّ في أصل الكتاب، وإن تمسَّك به بعض من لا خبرة له في الحديث.
٥ - ظاهرة الاجتهاد في فاعلية السُنّة وديمومتها:
المجتمع الإنساني أو الإنسان بشكل عامّ بحاجة إلى سدّ عطشه الفكري، وتهيئة سبل استقراره النفسي، وإيجاد نظام اجتماعي، باعتباره مدني بالطبع، ولم يتركه الخالق إلاَّ وأوجد له العقل، والفطرة، والوجدان، وبعث الأنبياء، إذ لا قدرة للعقل مستقلاً في تسيير حياته بعدما ثبت ضعفه عن مقاومة الشهوات، والرغبات التي قد تؤثّر في تشخيصه وتشريعه، وبما أنَّ التشريع يعيش البعد المتغيّر، بمقتضى التطوّر والتغيّر الاجتماعي، فاحتاج إلى فتح باب الاجتهاد للنظر والمواكبة والرقي، ونعني بالاجتهاد عند الشيعة هو الاجتهاد في النصّ الديني لا في رأي أئمّتهم، لأنَّ الأئمّة عليهم السلام كانوا امتداداً للنبوّة، فهم عليهم السلام عالمون بها بلا اجتهاد وهذا ما تقتضيه الإمامة.
وقد مرَّ الاجتهاد عندنا حتَّى عصر الغيبة بأدوار:
١ _ من بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى بداية حياة الصادقَين عليهما السلام، أي انتهاء القرن الأوّل.
٢ _ من بداية حياة الصادقَين عليهما السلام حتَّى نهاية الغيبة الصغرى.
٣ _ من بداية الغيبة الكبرى إلى يومنا هذا.
أمَّا الدور الأوّل: فإنَّ مصدر المعرفة كان الكتاب، والسُنّة، ويراد بالسُنّة قول المعصوم وفعله وتقريره، وقد رفض الأئمّة مبدأ القياس، والاستحسان، وأمَّا الإجماع فلا يُعدّ عندنا مصدراً للتشريع، إلاَّ إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم عليه السلام، خلافاً لأبناء العامّة حيث يعتبرونه مصدراً مستقلاً، حتَّى قال الشيخ الأعظم قدس سره: (هم الأصل له وهو الأصل لهم)(٨٨) بمعنى أنَّ مشروعية خلافة الأوّل تمَّت عن طريق الإجماع، بقطع النظر عن إجماع أهل السقيفة، أو أهل المدينة، أو غيرهم، وبقطع النظر عن الاضطراب الذي منيت به فرقة أبناء العامّة في تعيين الإمامة من إجماع كما للأوّل، أو نصّ كما للثاني، أو شورى كما للثالث، ومن المعلوم أنَّ حجّية الإجماع عندهم لا مدرك لها إلاَّ عمل المجمعين في تنصيب خليفتهم.
ولكن للعلماء مناقشات كثيرة حول هذا الإجماع تذكر في مظانّها.
وعليه فالاجتهاد عندنا هو الأخذ بظواهر الكتاب والسُنّة، ولم يتَّسع الاجتهاد في هذه الفترة ذلك الاتّساع، بحيث تدوَّن قوانين وأصول يُعتمد عليها في المعرفة، بل كانوا يرجعون فيما يحدث لهم من المشاكل إلى الأئمّة عليهم السلام، ومن خلال رصد حركة الأئمّة العلمية نرى أنَّهم لم يعتمدوا على الإجماع أو القياس لا على صعيد العمل ولا القول.
أمَّا الدور الثاني: الذي يبدأ من أوائل القرن الثاني حتَّى أواخر القرن الثالث، فعملية الاجتهاد والنظر في الأدلّة رائجة أو راجحة، بل قد صدر الحثُّ عن الأئمّة على تنشيط عملية الاجتهاد بالمعنى الذي رسمه أهل البيت عليهم السلام، فقد أمر الإمام الباقر عليه السلام أبان بن تغلب أن يجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويفتي الناس حيث قال عليه السلام له: (أجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإنّي اُحبُّ أن يُرى في شيعتي مثلك)(٨٩).
وأهمُّ شاخص لهذا الدور هو وضع نواة القواعد العامّة للتعامل مع النصّ الديني، ممَّا جعلت المذهب الشيعي يتميَّز عن غيره بمناهجه وقواعده، فتهيَّأت له سبل الدوام والمواكبة.
أمَّا الدور الثالث: الذي يبدأ ببداية الغيبة الكبرى، فأهمُّ خصائص هذا الدور هو غياب الأئمّة عليهم السلام، وإيكال حلّ المشاكل إلى العلماء الفقهاء بأمر منه عجل الله تعالى فرجه الشريف، فكان العلماء هم المرجع الوحيد لحلّ المشاكل التي تواجه الناس في جميع الصُعُد، نعم تطفَّل البعض على هذا المنصب الحساس، ولا غرابة في ذلك بعد ما تطفَّل المنافقون على منصب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والعترة عليهم السلام.
وقد مرَّ هذا الدور بأطوار من ضبط الروايات، وجمعها، وتبويبها، وضبط قواعد الأصول، وتحديد المحكمات، وتمييزها عن المتشابهات، وتأسيس المناهج والسبل المعرفية، وتأسيس بعض العلوم كالدراية، وبيان تأثير بعض العلوم كالأصول على البعض الآخر كالعلوم النقلية، وتمييز العلوم، وفتح آفاق الفروع التخصّصية.
وعليه فلم يمرّ المذهب على طول الخطّ بمرحلة انسداد لباب الاجتهاد والتحقيق، ومن هنا نشأت عندنا روح النقد العلمي وفق المعيار المرسوم والموزون، ولا زالت الحركة العلمية سائرة قدماً بعجلتها لتمحيص التراث، وتأصيله، وتجديده، فانتعش الحديث في الجهة الصدورية والدلالية والجهتية، والتفريعية على الأصول، وعلاج الأخبار المتعارضة، فكان الاجتهاد نبعاً متدفّقاً فيّاضاً بالخير، ويمدُّ الثقافة الإسلاميّة بالأفكار المتجدّدة، والنظريات العلمية الرائدة التي أسهمت _ ولا ريب _ في إغناء حضارة الإسلام، وإثراء ثقافته.
وهذا لا يعني عصمة الاجتهاد، فنرى أنَّ علماءَنا ليسوا في مأمن من الخطأ، ومن هنا نُعتنا بالمخطّئة، في قبال الآخر الذي نُعت بالمصوّبة، وقد حطَّم الشيعة عقدة القداسة لغير الرسول والأئمّة، فبقي المجتمع الشيعي يتجدَّد، ويتطوَّر، وينبض بالحياة، وإنَّ لعاملي الزمان والمكان أثرهما الفعّال للسير التكاملي، وهذه المزية غير حاضرة بوضوح في المذاهب الأخرى.
فعن معاني الأخبار بسنده عن داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إنَّ الكلمة لتنصرف على وجوه فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف يشاء ولا يكذب)(٩٠).
وعملية نقد الحديث ليست سهلة، ومتاحة لكلّ من يراجع كتب الحديث والرجال، ونحوهما، وإنَّما هي بحاجة إلى ملكة الاجتهاد في الفنّ، واستيعاب قواعد النقد المتينة.
٦ - أطروحة الإمام المهدي عليه السلام في الروايات:
هناك جملة من الشكوك سُجَّلَتْ في أطروحة الإمام المهدي عليه السلام وفق المنهج المعرفي لأبناء العامّة.
الشبهة الأولى: الميزان في قبول الحديث ورودُه في الصحيحين فقط:
أنَّ البخاري ومسلم لم يثبتا ولا حديثاً واحداً من الأحاديث التي تبشّر بظهور المهدي، فلو كانت قضيّة المهدي مستفادة من السُنّة لنقلت لنا في الصحيحين(٩١).
ويجاب عنها:
١ _ أنَّه لم تثبت عصمة البخاري ومسلم حتَّى ندّعي لزوم الاستيعاب لكلّ أمر، بل هما قد صرّحا بعدم الاستيعاب(٩٢)، لذلك فقد استدرك عليهما البعض كما في المستدرك على الصحيحين، هذا مضافاً إلى أنَّ البخاري قد ذكر أحاديث عن المهدي عليه السلام في تاريخه.
٢ _ منع الصغرى، فإنّا لا نسلّم عدم نقلهما لروايات التبشير بالمهدي، بل روى البخاري: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)(٩٣) بناءً على استظهار أنَّ المراد بكون الإمام منهم هو الإمام المهدي من السنن والمسانيد الأخرى، وأيضاً ما رواه مسلم: (يكون في آخر الزمان خليفة يحثو المال حثياً لا يعدّه عدّاً)(٩٤).
٣ _ لا نرضى أنَّ الميزان هو البخاري ومسلم حصراً وقد نُقل حديث المهدي في سنن أبي داود وابن ماجة والترمذي ومستدرك الصحيحين، بل لا يعرف عن عالم من أبناء العامّة بتضعيف كلّ ما لم يروه الشيخان، بل سيرتهم تدلُّ على العكس ومن مراجعة تعريفهم للحديث الصحيح لا تجده مشروطاً بروايته في الصحيحين أو أحدهما وكذلك الحال في تعريفهم للخبر المتواتر، بل حتَّى لو اتَّفق البخاري ومسلم على عدم رواية خبر متواتر فلا يقدح ذلك الاتّفاق بتواتره عند أبناء العامّة.
الشبهة الثانية: مدسوسية الروايات:
أنَّ أحاديث المهدي أحاديث مدسوسة وموضوعة، فعن محمّد محي الدين عبد الحميد قال في آخر جزء العرف الوردي في أخبار المهدي في تعليقه: (يرى بعض الباحثين أنَّ كلّ ما ورد فيه عن المهدي وعن الدجّال من الإسرائيليات)(٩٥).
وجوابها: كيف يمكن دعوى الوضع مع أنَّها مسجّلة في الصحاح التي اعتبروا كلّ ما فيها صحيحاً على ما تقدَّم، فقد صحَّح روايات المهدي الترمذي والذهبي وابن كثير والنيسابوري والتفتازاني والسيوطي والهيثمي، بل حكم بعضهم بالتواتر كالشوكاني(٩٦).
الشبهة الثالثة: ضعف الروايات:
أنَّ أحاديث المهدي روايات ضعيفة كما عن ابن خلدون ومن تبعه كأحمد أمين وأبي زهرة ومحمّد فريد وجدي.
ويجاب عنها بوجهين:
١ _ أنَّه مع وجود دعوى التواتر ولو إجمالاً لا يضرُّ فرض الضعف، قال القنوجي في (الإذاعة): (لا شكَّ في أنَّ المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الأخبار في الباب واتَّفق عليه جمهور الأمّة سلفاً عن خلف إلاَّ من لا يعتدّ بخلافه)، وقال: (إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة حدّ التواتر)(٩٧).
٢ _ أنَّ نفس صاحب الشبهة _ وهو ابن خلدون _ قال: (وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلاَّ القليل)(٩٨)، وهو اعتراف بعدم النقد للبعض منها، فما الذريعة عندهم لعدم الأخذ بالسالم من النقد، بعد اعترافه بذلك.
٣ _ لو سلَّمنا قبول ابن خلدون في التضعيف والتصحيح فإنّا نقول: إنَّه صحَّح أربعة أحاديث من مجموع ثلاثة وعشرين رواية ذكرها في المهدي.
الشبهة الرابعة: المهدوية فكرة شيعية:
أنَّ فكرة المهدي موجودة في فكر الشيعة فقط، دون غيره من المذاهب الأخرى، فعن عبد الرحمن محمّد عثمان في تعليقه على كتاب تحفة الآحوذي في باب: (ما جاء في الخلفاء): يرى الكثير من العلماء الثقات الأثبات أنَّ ما ورد في أحاديث خاصّة بالمهدي ليست إلاَّ من وضع الباطنية والشيعة وأضرابهم وأنَّه لا تصحّ نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وجوابها: أنَّ أحاديث المهدي ليست مختصّة بالشيعة، فالمذكور عندهم لا يقلُّ عمَّا هو المذكور عند الشيعة، فقد ألَّف الكثير من أعلام أهل السُنّة في الإمام المهدي عليه السلام، مثل: كمال الدين محمّد بن طلحة الشافعي، ومحمّد بن يوسف الكنجي الشافعي، ونور الدين بن صبّاغ المالكي، وسبط ابن الجوزي، ومحي الدين بن العربي، وعبد الرحمن جامي، وعبد الوهّاب الشعراني، والسيّد جمال الدين النيسابوري، والحافظ محمّد بن محمّد البخاري، والعارف عبد الرحمن الصوفي، والشيخ حسن العراقي، وأحمد بن إبراهيم البلاذري، وعبد الله بن أحمد الخشاب، والفضل بن روزبهان، وشمس الدين محمّد بن طولون الحنفي، وأحمد بن يوسف القرماني، وسليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، وأحمد بن حجر الهيتمي المكّي الشافعي، وسعد الدين الحموي، وأبو المجد الدهلوي البخاري، وصلاح الدين الصفدي، وعلي أكبر بن أسد الله المؤدي، وجلال الدين السيوطي، وابن سعد صاحب الطبقات الكبرى، وابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وابن ماجة، وأبو داود، والبيهقي، وابن عساكر، وابن منظور، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم كثيراً.
الشبهة الخامسة: المهدوية قضيّة غيبية مشكوك فيها:
أنَّه لا شبهة ولا ريب في وجود الشكّ وعدم العلم بقضيّة المهدي، ولمَّا كانت قضيّة غيبية فلا مجال لقبولها.
وجوابها من وجهين:
١ _ وهو جواب نقضي: فإنَّ قضيّة المعاد قضيّة غيبية أيضاً، وفي تفاصيلها شكٌّ، ولكن ذلك لا يضرُّ باليقين بوجود أصل المعاد، فكذلك قضيّة المهدي.
٢ _ وهو جواب حلّي: إنّا لو سلَّمنا بوجود الشكّ في قضيّة المهدي، فإنَّه شكٌّ في التفاصيل، والجزيئات، لا في أصل ثبوتها (أي وجود إمام باسم المهدي يخرج آخر الزمان)، فإنَّ هذا محلّ اتّفاق، وإجماع، وضرورة إسلاميّة، بل ضرورة دينية في أصل وجود المنقذ.
الشبهة السادسة: المهدي فكرة مختلقة:
إنّا نتوقَّف في قبول روايات المهدي، لأنَّ فكرة المهدي استغلَّت من قبل أهل الدنيا، والخلفاء، وسلاطين الجور، فربَّما هذه الروايات اختلقت من قبل هؤلاء لتمرير وتمشية حكمهم على الناس.
أقول: هذه الشبهة روحاً نظير ما قيل: إنَّ الدين أفيون الشعوب فما يذكر من الجواب هناك جارٍ هنا، هذا هو الجواب الإجمالي.
وجوابه تفصيلاً نقضاً وحلاً:
أمَّا الأوّل: فلو تمَّت مثل هذه الشبهة، فينبغي التوقّف أيضاً في أمر النبوّة، فإنَّها استغلَّت من قبل الطوائف المتقدّمة أيضاً.
وأمَّا الثاني: فإنَّ مجرَّد التسليم بوجود استغلال، وإساءة لمثل قضيّة الإمام المهدي، لا يستدعي التوقّف في القضيّة المهدوية، فكم له من نظير، إذ ما من علم إلاَّ وقد استغلَّ في مآرب غير صحيحة، فهل يعني ذلك التوقّف فيه، وخير شاهد على ذلك علم الطبّ مثلاً.
الشبهة السابعة: روايات المهدي تصطدم مع العقل:
أنَّ مجموعة من الروايات المنقولة في شأن المهدي غير معقولة.
وجوابها:
إن كان المقصود مجرَّد التعارض بين روايات المهدي عليه السلام وبين ضروريات العقل القطعي.
فجوابه أنَّ هذا وإن أوجب تضعيف الروايات لكن أنّى ذلك؟ فلا نعهد وجود مورد يدلُّ على التنافي الصريح، على أنَّه لو سُلّم ذلك فهو في التفاصيل النادرة التي لا يضرُّ إنكارها في فكرة المهدي على مذهبنا.
وإن كان المقصود تنافي الروايات مع العقل الحسّي إذ أنَّ قضيّة الإمام المهدي لا يأنسها العقل الحسّي، بل يستوحشها.
فجوابه أنَّه كم من مورد يكون منافياً مع العقل الحسّي، ولا يوجب ذلك رفضه، وعدم الاعتقاد به، إذ كيف للعقل الحسّي أن يدرك أموراً لا مسرح له في خوضها، واقتحامها، فإنَّ شأنه الخوض في الأمور المادية الصرفة، وفي دائرة العلوم الطبيعية، ثمّ إنَّ العقل الظنّي _ على التحقيق عندنا _ ليس بحجّة في حدّ نفسه، فأنّى له أن يقاوم الروايات الصحيحة السند التي ثبتت حجّيتها على وفق المعايير الرجالية المذكورة في محلّها.
الشبهة الثامنة: روايات المهدي تصطدم مع القاعدة الاجتماعية:
روايات الإمام تتنافى مع القاعدة الاجتماعية التي أسَّسها ابن خلدون: (والحقّ الذي ينبغي أن يتقرَّر لديك أنَّه لا تتمُّ دعوة من الدين والملك إلاَّ بوجود شوكة وعصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه حتَّى يتمَّ أمر الله فيه... وعصبية الفاطميين، بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش، إلاَّ ما بقي بالحجاز في مكّة وينبع بالمدينة من الطالبيين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر وهم منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها وهم عصائب بدوية متفرَّقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم...)(٩٩)، توضيح ذلك: أنَّ صاحب الفكرة يرى أنَّ الظواهر الاجتماعية وليدة التعصّب، فما من ظاهرة إلاَّ ولا بدَّ من تفسيرها على أساس التعصّب، وحيث إنَّ ظاهرة الإمام المهدي ظاهرة اجتماعية انتشرت في ذلك الزمان، فهي لا محالة وليدة التعصّب لبني هاشم.
وجوابها:
أوّلاً: إنَّ تطفّل عالِم التاريخ على غير تخصّصه فيحكم بضعف الرواية في غاية القبح، وأقبح منه قبول قول المتطفّل.
ثانياً: إنَّ هذه النظرية في نفسها تحتاج إلى دليل لإثباتها قبل اعتمادها في إبطال غيرها.
ثالثاً: وتحتاج أيضاً إلى دليل لإثبات عموميتها.
رابعاً: هل تصلح هذه النظرية في توجيه حركة الأنبياء والرسل؟
خامساً: إنَّها تتنافى مع حكم الإسلام البديهي بقبح التعصّب.
الشبهة التاسعة: اختلاف الشيعة أمارة النفي:
اختلاف الفِرَق الشيعية في أمر المهدي لتفرّق الشيعة بعد الإمام الحادي عشر، إذ أنَّهم حدَّثوا بلابدّية الحجّة في الأرض، وبما أنَّ الإمام العسكري ليس له خلف، فاضطروا إلى القول بالإمام الغائب.
وجوابها: إنَّ مجرَّد الخلاف لا يستلزم البطلان، وإلاَّ لما سلم دين على وجه الأرض، وأيضاً قد أخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن افتراق أمّته بعده إلى ثلاث وسبعين فرقة(١٠٠)، هذا مضافاً إلى أنَّه لم تختلف الأمّة الشيعية بشكلها العامّ عن قضيّة الغيبة بعدما كانت الروايات قد مهَّدت لظاهرة الغيبة ابتداءً من عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وانتهاءً بعصر العسكري عليه السلام.
الشبهة العاشرة: فكرة المهدي موروثة من الأديان المنحرفة:
أنَّ الغيبة فكرة مشتركة بين اليهود، والنصارى، والمجوسية، فهي دخيلة على الإسلام روَّج لها الشيعة، فروايات المهدي إسرائيليات دُسَّت في التراث الشيعي.
وجوابها: إنَّ وجود فكرةٍ واعتقادٍ مشترك بين الأديان السماوية أمر لا يمكن إنكاره، ومجرَّد الاشتراك لا يستدعي التضعيف وكونها مدسوسة وموضوعة، بل يلزم التأصيل لاشتراك الأديان بها.
الشبهة الحادية عشرة: شبهة الولادة:
إنّا نسلّم بفكرة المهدي ولكن نشكّك في ولادته، وبالتالي فهو غير موجود الآن ولو بضمّ بعض الأصول كأصالة العدم واستصحابه.
ويمكن الجواب عنها بما يلي:
أوّلاً: إنَّ إثبات أمرٍ أو نفيه في الوقوع إنَّما يكون ويُقبَل ممَّن كان أقربَ منه شأناً، فهو أعرف بخصائص ودقائق ذلك الشيء، لأنَّه ممَّا يهمّه ويخصّه، وعليه فلا يقبل الإثبات والنفي ممَّا كان المثبت أو النافي بعيداً منه شأناً، وإلاَّ فهل يقبل المستشكل أن نثبت له اعتقاداً ما ليس عنده أو ننفيه؟
ثانياً: لو تنزّلنا عن الجواب الأوّل، فإنَّ هناك الكثير ممَّن اعترف بولادته، كمحمّد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول(١٠١)، وابن خلكان(١٠٢)، وصاحب الفصول المهمّة(١٠٣)، بل لم يحتو نصٌّ في ظرفه وما قاربه على عدم ثبوت الولادة.
ثالثاً: يمكن القول: إنَّ بحث الظلمة عنه دليلٌ على اعترافهم بولادته فإنَّهم وإن لم يجدوه، لكن نفس البحث ربَّما يكون دليلاً على الولادة ومظنَّتها، وإلاَّ فلو كان عندهم وضوح بعدم الولادة لكان فعلهم سفهياً ولا نريد بهذا الجواب أن نقول: إنَّ البحث أمارة الولادة كما هو واضح، وإنَّما نريد دعوى عدم الوضوح في نفي الولادة.
الشبهة الثانية عشرة: لا فائدة من الإمام الغائب:
ما هي فائدة الإمام الغائب، علماً أنَّه لا بدَّ من فرض فائدة لتنصيب الإمام. فقد اعترفت الشيعة بعدم إمكان تسيير الأمور للأمّة الإسلاميّة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلاَّ بالإمام، فغيبته تنافي ذلك.
وجوابها: بعد أن قام البرهان على وجوده فلا مجال للاستفسار عن تصرّفاته، فعدم إدراك الفائدة لا يسوّغ تضعيف الآثار، ومن ثَمَّ نفي الوجود مضافاً إلى تأثيره التكويني، وأثره الغيبي غير المحسوس، فإنَّ معتقد الشيعة بلابدّية الإمام ولو لأجل الحفاظ على الأثر التكويني، ناهيك عن ترتّب جملة من الآثار المحسوسة الثابتة بناءً على قاعدة اللطف.
وعلى ذلك:
فإنَّ العقيدة بالمهدي ثابتة بالتواتر، ويجب التسليم بها، لأنَّها من الغيب، أو من جهة أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر عنها، ولا بدَّ من الإيمان بإخبار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
الشبهة الثالثة عشرة: الفكرة ومنشأها عوامل نفسية:
فكرة الغيبة وليدة دفع الكبت النفسي الذي يعايشه الشيعة بسبب اضطهادهم من الحكومات الظالمة.
وجوابها: إنَّ نظير هذا الكلام قيل في توجيه الاعتقاد بالله تعالى، إذ قالوا: إنَّ نكتة الاعتقاد به أمر نفسي، كما ادّعاه (فرويد)، مضافاً إلى أنَّ أدنى مراجعة لمفردات المنظومة المهدوية، ولثقافتها تردُّ هذه الشبهة، ثمّ ما هو الدليل على أصل مدّعاهم، إذ يمكن أن يقال: إنَّ أصل مدّعاهم هو التأثّر النفسي ضدّ المذهب الشيعي واتّساع حركته وزيادة قبوله.
الشبهة الرابعة عشرة: غيبة اللطف:
الإمام لطفٌ، بمعنى المقرّبية لله تعالى، فكيف تجوز غيبة اللطف، إذ شأنه لا بدَّ أن يكون ظاهراً فلا يجتمع اللطف مع الغيبة.
وجوابها: إنَّ الشيعة لا تقول: إنَّ الإمام معطَّل، والذي ينافي اللطف التعطيل لا الغيبة، وفرق بينهما، وقد دلَّت الآثار على أنَّ الإمام ليس بمعطّل، وإنَّما غائب لا تدركه النفوس الضيّقة كما شبّه بعدم إدراك البصر للشمس عندما تحجبها الغيوم، والسحاب، فهل يعني أنَّنا نتنازل عن فائدتها أثناء الحجب؟ مضافاً أنَّ نفي اللطف يكون قبيحاً ومنافياً إذا كان من الله تعالى، أمَّا إذا كان بسبب العباد فالتقصير منهم، وإليهم يعود القبح.
الشبهة الخامسة عشرة: المهدي سيولد بعد ذلك:
التسليم بفكرة المهدي إلاَّ أنَّه سيولد بعد ذلك، كما هو رأي العامّة الذين استندوا لبعض الروايات من أنَّه سيولد آخر الزمان.
وجوابها: أنَّ وجود هذا الكم الهائل من الروايات عندهم، مع عدم تعرّضها إلى لفظة: (سيولد)، وإنَّما عبَّرت (يظهر) في آخر الزمان، ومن الواضح أنَّ الظهور صفة يسبقها الخفاء، فمن هنا جاء التأكيد على كلمة (الظهور) في كلام المعصومين عليهم السلام للتدليل على أنَّ من صفات الموعود هو الغيبة بدلالة (الظهور) في تعابيرهم.
الشبهة السادسة عشرة: فكرة الغيبة تنافي أحكاماً فقهية:
الغيبة تنافي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاهتمام بأمور المسلمين.
وجوابها: أنَّ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطاً، ومن الشروط أن يستعين الآمر بالأسباب الطبيعية، المعهودة، وآمرية الإمام تستدعي أن يدخل في سياق الأمر الظهوري، فإنَّ للشريعة ظاهراً وباطناً، وقد ذكر في فقه التزاحم تقديم الأهمّ، فأهمّية خفائه تتقدَّم على آمرية الأمر بالمعروف، بل يأتي هذا الإشكال في حقّ الخضر ونحوه مضافاً إلى أنَّه يمكن اجتماع الغيبة مع الآمرية لأنَّ المراد غيبة الهوية لا الذات.
الشبهة السابعة عشرة: ادّعاء مجموعة أنَّهم هم المهدي يستدعي رفض فكرة المهدي:
ربَّما هذا المهدي أيضاً كذلك، فقد ادّعى ذلك الكثير أو ادّعيت لهم كالمهدي السوداني ومحمّد بن الحنفية ومحمّد بن عبد الله بن الحسن والعبّاسيين وغيرهم.
وجوابها: لو تمَّت هذه الملازمة لصحَّ إبطال كثير من الأمور كالعدالة مثلاً إذ ادّعاها طواغيت الأرض كلّهم، ولحكمنا على العلماء بالجهل لكثرة من ادّعى العلم، وهكذا كالشجاعة والكرم إذ ما من صفة كريمة إلاَّ وقد ادّعاها من ليست فيه.
مضافاً إلى جملة من الإشكالات التي ذكرها الشيخ المفيد قدس سره وأجاب عنها في كتابه القيّم (الفصول العشرة في الغيبة).
الخلاصة:
إنَّ ثبوت قضيّة المهدي، وخروجه، وانتظاره، غير مخالف للعقل، ولا للأصول الشرعية، ولا لقاعدة مجمع عليها، ولا لفرع محقَّق، هذا بلحاظ أصل القضيّة المهدوية، وأنَّ هناك مهدياً، وهو إمام غائب ويجب انتظاره.
أمَّا تفاصيل هذه العقيدة، فما كان منها _ لو فرض _ معارضاً لأصل عقلي، أو شرعي، بل حتَّى الفرع المجمع عليه، فهو مرفوض، وإلاَّ فإن لم يصحّ سنده كالخبر الضعيف لم يجز نسبته إلى الشارع إلاَّ على سياق قاعدة التسامح، أو روايات من بلغ إن كان لها مجال فيما نحن فيه، وإن صحَّ سنده كالخبر الصحيح والحسن والموثَّق فهو خبر عادي يصحّ نسبته ولا يجب تكليفاً الاعتقاد بالأمور التفصيلية ما لم يلزم محذور آخر، وإلاَّ فإن لزم محذور آخر في عدم الاعتقاد مع عدم الضرر بالاعتقاد فلا بدَّ من الاعتقاد به، وإلاَّ فإن لم يلزم محذور آخر من عدم الاعتقاد كقضيّة جزئية جدّاً، أو لزم الاعتقاد به حكم الضرر فينبغي عدم الاعتقاد به، إمَّا لعدم الدليل عليه وإمَّا لحكم الضرر ونحوه، كما هو واضح وفق الموازين المذكورة في محلّها.
وبما أنَّ العقيدة بالمهدي، بلحاظ أصلها، كقضيّة عقدية، فهي ثابتة بالتواتر، فيجب التسليم بها، لأنَّها من الغيب، أو من جهة أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عنها، فلا بدَّ من الإيمان بإخبارات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم القطعية صدوراً، وأمَّا التفاصيل فلا يجب الاعتقاد بها وإن احتجنا إلى جلّها كما هو الحال في غيرها من القضايا العقائدية.
وكيفما كان، فمعرفة الإمام ضرورة دينية، لما ورد في حديث الباقر عليه السلام: (بني الإسلام على خمس: الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والولاية ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه _ يعني الولاية _)(١٠٤).
وورد أيضاً عنه عليه السلام: (ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالى الطاعة للإمام بعد معرفته)(١٠٥).
وفي جواب سؤال زرارة قال عليه السلام: (الولاية أفضل لأنَّها مفتاحهنَّ والوالي هو الدليل عليهنَّ)(١٠٦).
وورد أيضاً عنه عليه السلام: (لا يعذر الله يوم القيامة أحداً يقول: يا ربّ لم أعلم أنَّ ولد فاطمة عليها السلام هم الولاة على الناس كافّة)(١٠٧).
وقد ثبت في محلّه في تفسير قوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (المائدة: ٥٥)، أنَّه ليس المراد من الولاية محض الحبّ، وإنَّما المراد منها معنى الإمامة بالمعنى الذي تقول به الشيعة.
وأيضاً في الحديث عن أبي حمزة، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: (إنَّما يعبد الله من يعرف الله، فأمَّا من لا يعرف الله فإنَّما يعبده هكذا ضلالاً)، قلت: جُعلت فداك فما معرفة الله؟ قال: (تصديق الله عز وجل وتصديق رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وموالاة علي عليه السلام والائتمام به وبأئمّة الهدى عليهم السلام والبراءة إلى الله عز وجل من عدوّهم، هكذا يعرف الله عز وجل)(١٠٨).
فالتعرّف بأمر الإمام من السعادة الأخروية وموجبات الاطمئنان وعلامات المؤمن والآثار الإيجابية الكثيرة.

* * *
الفصل الثالث: رؤية الإمام الغائب ومشاهدته بين الصدق والدجل

ظاهرة الغيبة وخصائص المرحلة.
نماذج من طلب الحاجات من الإمام.
مناقشة روايات وأدعية الرؤية وتحليلها.
ظاهرة الغيبة وخصائص المرحلة:
امتدَّت مرحلة الغيبة الصغرى من (٢٦٠هـ) إلى (٣٢٩هـ)، وهذه الحقبة الزمنية لها خصوصيتها، فهي حقيقة واقعية خاضتها شريحة من الناس كانوا روّاداً لهذه الفترة.
ومن خصائص هذه المرحلة ما يلي:
١ _ إنَّ جملة ممَّن عاش وعاصر زمن الغيبة الصغرى هم من أصحاب الإمام الجواد، والهادي، والعسكري عليهم السلام، كعلي بن جعفر أبو هاشم، وداود بن القاسم الجعفري الذي رأى خمسة من الأئمّة عليهم السلام، وداود بن أبي يزيد النيسابوري، ومحمّد بن علي بن بلال، وعبد الله بن جعفر الحميري، وإسحاق بن الربيع الكوفي، وأبو القاسم جابر بن يزيد الفارسي، وإبراهيم بن عبيد الله بن إبراهيم النيسابوري.
٢ _ إنَّ جملة ممَّن عاصر الغيبة الصغرى من وكلاء الإمام المهدي كمحمّد بن أحمد بن جعفر، وجعفر بن سهيل، ومحمّد بن الحسن الصفّار، وعبدوس العطّار، وسندي بن النيسابوري، وأبي طالب الحسن بن جعفر الفافاء، وأبي البختري.
٣ _ إنَّ نوّاب الإمام في زمن الغيبة الصغرى هم أربعة: عثمان بن سعيد العمري، محمّد بن عثمان، الحسين بن روح، علي بن محمّد السمري.
٤ _ إنَّ مجموعة ممَّن عاصر الغيبة الصغرى هم من العلماء الفقهاء، كالكليني، والصدوق وأبيه.
٥ _ امتازت هذه المرحلة أيضاً بأنَّ الأجوبة كانت تظهر بشكل مكاتبات ومراسلات منه عليه السلام.
٦ _ تمتاز هذه المرحلة أيضاً بوجود قاعدة جماهيرية تحمل ثقافة الارتباط بالإمام المنصوب، والاعتقاد بالأئمّة السابقين، ويحملون هوية معيّنة، وانتماءاً خاصّاً، واعتماداً في مجال العمل على طريقة فقهية معيّنة.
ولنا وقفة فيما بعد في تحليل ومعرفة كيفية رجوع هذه القواعد الجماهيرية بعد شهادة العسكري إلى الإمام المهدي عليه السلام من دون أن تبتلى بإرباك ولو كان لبان.
علماً أنَّ هذه القواعد الجماهيرية تحمل خصوصيات فكرية، وسلوكية، تعكس لنا فوائد جمّة.
واتَّفق الجميع أنَّ طريق الاتّصال بالإمام المنتظر عليه السلام هو عن طريق النوّاب، ولم ينعكس لنا من روّاد هذه المرحلة، كالكليني، السعي العملي في طلب مشاهدته ورؤيته عليه السلام، بل كان مفروغاً عن عدمه ولو من جهة وجود المانع وإن كان المقتضي للرؤية تامّاً، ولو فرض سعي البعض في ذلك الظرف للرؤية كما نقل عن أبي العبّاس أحمد بن الخضر بن أبي صالح الخجندي، حيث ورد النهي والمنع عن هذا السعي الذي أشار إليه التوقيع الشريف من صاحب الزمان عليه السلام بعد أن كان اُغْريَ بالفحص والطلب وسار عن وطنه ليتبيَّن له ما يعمل عليه، فكانت نسخة التوقيع: (من بحث فقد طلب، ومن طلب فقد دلَّ، ومن دلَّ فقد أشاط، ومن أشاط فقد أشرك)، قال: فكفَّ عن الطلب ورجع(١٠٩). وما يقال: إنَّ المانع لشخص الباحث يحمل على القضيّة الخارجية والجزئية مردود بظاهر التعليل المنسجم مع العموم.
فلو كانت مسألة الرؤية للإمام والسعي العملي والفعلي لها خصوصاً في ظرف الغيبة الصغرى وبشرط المحمول كمالاً ومحبوباً، فلِمَ لم يقصده الوكلاء، والأصحاب، والعلماء، وأهل الإيمان، مع شدّة حرصهم على الإتيان بالنوافل، بل قد حفظ لنا التاريخ أنَّهم طلبوا منه عليه السلام أموراً أخرى عن طريق السفراء.
نماذج من طلب الحاجات من الإمام عليه السلام:
منها: عن أبي جعفر محمّد بن علي الأسود رضي الله عنه، قال: سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه رضي الله عنه بعد موت محمّد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان عليه السلام أن يدعو الله عز وجل أن يرزقه ولداً ذكراً، قال: فسألته فأنهى ذلك، ثمّ أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيّام أنَّه قد دعا لعلي بن الحسين وأنَّه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به وبعده أولاد(١١٠).
ومنها: الأسئلة التي رفعت إليه عليه السلام فقد روى الطوسي في غيبته(١١١): (حدَّثني جماعة من أهل بلدنا المقيمين كانوا ببغداد في السنة التي خرجت القرامطة على الحاجّ وهي سنة تناثر الكواكب أنَّ والدي رضي الله عنه كتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه يستأذن في الخروج إلى الحجّ...) الخبر.
ومنها: عن الكليني، قال: كتب محمّد بن زياد الصيمري يسأل صاحب الزمان عليه السلام كفناً يتيمَّن بما يكون من عنده(١١٢).
ومنها: طلب الزراري من الحسين بن روح أن يدعو له الإمام عليه السلام إصلاح أمره مع زوجته أم عبّاس كما في (الغيبة)(١١٣).
ومنها: ما في (الإرشاد)(١١٤) للشيخ المفيد، عن علي بن محمّد، قال: حدَّثني بعض أصحابنا، قال: ولد لي ولد فكتبت أستأذن في تطهيره يوم السابع... إلى أن قال: وتهيَّأت للحجّ وودَّعت الناس وكنت على الخروج، فورد: (نحن لذلك كارهون، والأمر إليك)، فضاق صدري واغتممت وكتبت: أنا مقيم على السمع والطاعة، غير أنّي مغتمّ بتخلّفي عن الحجّ، فوقع: (لا يضيقنَّ صدرك، فإنَّك ستحجّ قابلاً إن شاء الله)، حيث إنَّ الراوي طلب الحجّ فقط، وهكذا في ذيل الرواية يقول: وكتبت: إنّي قد عادلت محمّد بن العبّاس، وأنا واثق بديانته، فهنا أيضاً يطلب الاستفسار عن الصديق فقط.
مناقشة روايات وأدعية الرؤية وتحليلها:
نعم هناك من الروايات المؤيّدة التي قد يظهر منها السعي لطلب الرؤية في زمن الغيبة فهي على فرض تماميّتها سنداً ودلالةً، تصلح أن تأسّس لثقافة عامّة، مع عدم المانع والرادع من الإمام، وسنشير إلى أهمّها وإبداء الرأي فيها:
منها: ما ورد في (الغيبة)(١١٥): عن عبد الله بن جعفر _ لمَّا سأل النائب الأوّل _ قال: ... فأسألك بحقّ الله وبحقّ الإمامين اللذين وثّقاك هل رأيت ابن أبي محمّد الذي هو صاحب الزمان عليه السلام؟ فبكى ثمّ قال: على أن لا تخبر بذلك أحداً وأنا حي، قلت: نعم.
وتقريب الاستدلال بها أنَّ أبا عمرو قد منع الإخبار في ظرف حياته فلم يمنع من ذلك في جميع الأوقات فليس المانع دائمياً.
وفيه أنَّ الظاهر من الرواية أنَّ عبد الله بن جعفر لم يطلب من أبي عمر التوسيط في تحصيل الرؤية وإنَّما أقصى ما سأله: هل تحقَّقت الرؤية من قبله؟
ومنها: ما ورد في (الغيبة)(١١٦): عن محمّد بن أحمد بن خلف، قال: ... وصلَّيت الظهر في أوّل وقتها، ودعوت بالطعام وسألت الشيخ أن يأكل معي فأجابني، فلمَّا طعمنا سألت عن اسمه واسم أبيه وعن بلده وحرفته ومقصده، فذكر أنَّ اسمه محمّد بن عبد الله، وأنَّه من أهل قم، وذكر أنَّه يسيح منذ ثلاثين سنة في طلب الحقّ ويتنقَّل في البلدان والسواحل، وأنَّه أوطن مكّة والمدينة نحو عشرين سنة يبحث عن الأخبار ويتبع الآثار.
والاستدلال بها مبني على أنَّ المقصود من (يبحث عن الأخبار ويتبع الآثار) هو رؤية الإمام المهدي عليه السلام، ولكن ردّه بأمور:
أوّلاً: لم تثبت وثاقة الشيخ، بل كان شخصه مجهولاً حتَّى عند الراوي لذا سأله عن اسمه و...
وثانياً: لم يعلم أنَّ الرجل شيعي وكان يطلب رؤية الإمام، ولو تنزَّلنا وسلَّمنا لكن قد ورد المانع من الإمام حيث ورد في ذيلها المنع إذ قال: فلمَّا قربتُ منه إذ أنا بأسود مثل الفنيق قد اعترضني فصاح بي بصوت لم أسمع أهول منه: (ما تريد عافاك الله؟)، فأرعدت ووقفت، وزال الشخص عن بصري...؛ أجل في ذيل الرواية وهي طويلة جدَّاً أنَّه وفق للرؤية.
ومنها: ما ورد في (الغيبة)(١١٧) أيضاً:
فقال: يا أحمد رأيت طلبتك؟ فقلت: ومن ذاك يا سيّدي؟ فقال: الذي رأيته في عشيتك هو صاحب زمانك.
وفي الحديث رجالات مجهولون، وهو منام، نعم يصلح أن يكون مؤمناً لورود فقرة: (فذكر أنَّه مكث سبع سنين يدعو ربّه ويسأله معاينة صاحب الزمان عليه السلام).
ومنها: ما ورد في (الغيبة)(١١٨) أيضاً:
عن حبيب بن محمّد بن يونس بن شاذان الصنعاني، قال: دخلت إلى علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي فسألته عن آل أبي محمّد عليه السلام، فقال: يا أخي لقد سألت عن أمر عظيم، حججت عشرين حجّة كلاً أطلب به عيان الإمام فلم أجد إلى ذلك سبيلاً.
قال المحقّق السيّد الخوئي في (معجم رجال الحديث)(١١٩): الرواية ضعيفة السند جدَّاً على أنَّها متعارضة من جهة نسبة القصّة إلى علي بن إبراهيم بن مهزيار، أو إلى إبراهيم بن مهزيار، والله العالم.
ومنها: ما في (الغيبة) و(الاحتجاج)(١٢٠):
قال: طلبت هذا الأمر طلباً شاقّاً حتَّى ذهب لي فيه مال صالح، فوقعتُ _ أي ذهبتُ _ إلى العَمْري وخدمته ولزمته وسألته بعد ذلك عن صاحب الزمان عليه السلام؛ بتقريب أنَّ المشار إليه في هذا أي رؤية صاحب الزمان.
وفيه: أنَّ الوارد في (الوسائل)(١٢١): أنَّه طلب من العمري أن يوصله إلى صاحب الزمان عليه السلام فأوصله، وذكر أنَّه سأله فأجابه عن كلّ ما أراد، ثمّ قام ودخل الدار، قال: فذهبت لأسأل فلم يستمع، والحديث مضافاً إلى كونه مرفوعاً، وتعارض نقله ونهي الإمام للزهري فهو على مدّعانا أقرب.
ومنها: ما في (كمال الدين)(١٢٢): فسألته _ أي محمّد بن شاذان سأل الكابلي _ عن خبره فذكر أنَّه لم يزل في الطلب وأنَّه أقام بالمدينة فكان لا يذكره لأحدٍ إلاَّ زجره، فلقي شيخاً من بني هاشم وهو يحيى بن محمّد العريضي، فقال له: إنَّ الذي تطلبه بصرياء، قال: فقصدت صرياء فجئت إلى دهليز مرشوش، وطرحت نفسي على الدكّان فخرج إليَّ غلام أسود فزجرني وانتهرني، وقال لي: قم من هذا المكان وانصرف... الخبر. وتقريب الاستدلال قوله: (لم يزل في الطلب)، وفيه: أنَّ الإمام وصفه بالكذّاب في نفس الرواية.
ومنها: ما ورد في كتاب (النجوم) على ما ورد في (البحار)(١٢٣):
قال: كنت قد سألت مولانا المهدي صلوات الله عليه أن يأذن لي في أن أكون ممَّن يشرَّف بصحبته وخدمته، في وقت غيبته، أسوة بمن يخدمه من عبيده وخاصَّته. ويردّه مضافاً إلى الضعف السندي، ربَّما يقال: إنَّ الذي يخدمه من عبيده وخاصَّته لا يعرفونه بهويَّته، وهو طلب ذلك فلا يصلح أن يكون دليلاً على ذلك.
وربَّما توجد روايات أخرى على هذا المستوى من الضعف ويبقى الاستقراء ناقصاً، والله العالم.
وأمَّا ما ورد في الروايات من الدعاء: (اللّهمّ أرني الطلعة الرشيدة، والغرة الحميدة، وأكحل مرهي(١٢٤) بنظرة منّي إليه...)(١٢٥) وغيرها من الأدعية الشريفة فهي ظاهرة في الإطلاق فتشمل زمن الغيبة والظهور وإن كان يحتمل أن تكون كناية عن طلب التشرّف بالكون تحت لواءه، والانضمام في مشروعه، ولو على سبيل الرجعة، أو معناه: أرني شخصه وإن لم أعرف عنوانه لأنَّه أيضاً من أعلى مراتب الكمال أو بمعنى الدعوة إلى إزالة المانع.
فقد اتَّضح ممَّا سبق أنَّ السعي العملي والسفر في البلدان والجبال والوديان لغرض لقاء المحبوب والتشرّف برؤيته عليه السلام غير مرغوب فيه، بل ربَّما يقال: ثبت النهي عنه كما مرَّ في بداية الفصل، ولنا أن نقول: في تتبّعنا لعملية ارتباط الأمّة بالقيادة في حلّ مشاكلها في زمن الأئمّة المعصومين عليهم السلام لاسيّما في زمن الجواد، والهادي، والعسكري عليهم السلام، لم يظهر لدينا أنَّهم كانوا يحبّذون اللقاءات المباشرة إمَّا من جهة المانع، وإمَّا من جهة إعداد الأمّة للتهيّؤ إلى ظاهرة الغيبة، لذا نجدهم أنشأوا في زمانهم فكرة النيابة والوكالات أو فعَّلوها، وقد عمل الإمامان (الهادي والعسكري عليهما السلام) خصوصاً حينما كانا في سامراء على تعميق نظام الوكالة، وأنَّ هرم النظام السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، أسّس وقام على نظام الوكالة، بل نظام الوكالة والنيابة كان معمولاً به أيضاً في زمن الأئمّة السابقين (بسبب الإرهاب السياسي والسجن وانتشار الشيعة في مناطق مختلفة تبتعد عن الأئمّة في الغالب) نعم تكثّف هذا النظام وأخذ بعداً جديداً بعد الإعداد للغيبة، واحتجاب الأئمّة المتأخّرين، فقد روى الطوسي في رواية محمّد بن عيسى قال: كتب أبو الحسن العسكري عليه السلام إلى الموالي ببغداد والمدائن والسواد وما يليها: (قد أقمتُ أبا علي بن راشد مقام علي بن الحسين بن عبد ربّه، ومن قبله من وكلائي...)(١٢٦).
وفي حديث آخر: قال: سألته وقلت: مَن اُعامل أو عمَّن آخذ، وقول مَن أقبل؟ فقال: (العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنَّه الثقة المأمون)، وأخبرني أبو علي أنَّه سأل أبا محمّد عليه السلام عن مثل ذلك، فقال له: (العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنَّهما الثقتان المأمونان)(١٢٧).
وفي خبر محمّد بن عيسى، والحسن بن علي بن يقطين جميعاً، عن الرضا عليه السلام، قال: قلت: جُعلت فداك إنّي لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: (نعم)(١٢٨).
وعن عبد العزيز بن المهتدي، قال للرضا عليه السلام: إنَّ شُقتي بعيدة فلست أصِلُ إليك في كلّ وقت، فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين؟ قال: (نعم)(١٢٩).
وعن علي بن المسيب الهمداني، قال: قلت للرضا عليه السلام: شقتي بعيدة فلست أصل إليك في كلّ وقت فممَّن آخذ معالم ديني؟ قال: (من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا)(١٣٠).
وعن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان عليه السلام: (أمَّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبَّتك...) إلى أن قال: (وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا...)(١٣١).
وعليه فظاهرة الرجوع إلى الفقهاء لم تنشأ بعد الغيبة الصغرى، بل حسب الرصد العلمي كانت هذه الظاهرة موجودة في الأزمنة السابقة، والأئمّة السابقين عليهم السلام، وكان هذا الأمر مركوزاً في الأذهان بسبب النصوص القرآنية كقوله تعالى: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: ١٢٢)، وإنَّما السؤال كان عن الشخص الثقة ليرجع إليه، وهذا السؤال من الشيعة إنَّما يؤكّد أنَّ الشيعة لم يرتضوا أصالة التسامح في رجوعهم وتبعيَّتهم للأشخاص، بل التحقيق هو الموجب للخروج عن عهدة التكليف والوصول إلى شاطئ الأمان وإبراء الذمّة.
وكيفما كان، فأصل رؤية الإمام ومشاهدته في حدَّ نفسها كمال، وإن لم تُفد أنَّ الرائي أفضل من غيره وأنَّه ثقة وقوله حجّة، وهذا هو معنى تمام المقتضي للكمال. وتكفينا عمومات الباب كرؤية العالم والكعبة، والقرآن، والمؤمن، وهكذا طلب الرؤية أيضاً _ بمعنى السعي العملي كما مرَّت الإشارة إليه _ لم يصدر من أهل العلم، والفضل، وأصحاب التقى والنهى، كما أنَّ سيرة المتشرّعة قائمة على الانضمام تحت لوائه من دون ضرورة طلب رؤيته، وإنَّما المهمّ كسب رضاه ومعرفة هدفه وتنجيز مشروعه، والسعي التامّ في إعداد مقدّمات الظهور كتهذيب النفس ونشر الدين وإصلاح العالم، نعم إذا عدَّت الرؤية لازماً لا ينفك عن هذه المقدّمات فلا بأس بها.
وما ورد في بعض الأدعية والأعمال الموجبة لرؤية الإمام فالمقصود حسب الظاهر التشرّف بلقائه، وقد تحقَّقت الرؤية لبعض الأولياء لا لخصوص الكُمَّل، ولكن ليس هناك استلزام بأنَّ من تحقَّقت له الرؤية يكون هو الأفضل، ولا بدَّ من الالتفات إلى الفرق بين طلب الرؤية وحصول الرؤية، ولو قبلنا أنَّ أصل الرؤية مطلقاً _ وفي جميع الظروف ولكلّ الأفراد _ مزيةٌ وكمال لكانت كمالاً لكلّ من كان مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو بقيّة الأئمّة عليهم السلام وهذا نظير نظرية عدالة الصحابة عند غيرنا فالصحبة والرؤية مزيّة بشرطها وشروطها وحالهما كحال: (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ ...) إلى قوله: (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) (الأحزاب: ٣٠ _ ٣٢).
ثمّ إنَّ الأصل الأوّلي لكلّ مدّع هو عدم التصديق به وعدم قبول دعواه، لاسيّما إذا كان يجرُّ مكسباً لصاحب الدعوى، وذلك بأن يخلق نتائج جوهرية لنفسه طريقةً، أو منهجاً، أو مشروعاً خاصّاً، ومن ذلك أغلب مدّعي الرؤية فلا بدَّ أن يكون الأصل في دعواه هو عدم التصديق، فلا يمكن إثبات حقّانية مذهبه بواسطة الرؤية واللقاء به عليه السلام كما يدّعيه بعض الصوفية لإثبات حقّانية مطالبهم.
الخلاصة:
فانكشفت بذلك أمور:
١ _ إنَّ طلب الرؤية بمعنى السعي الفعلي لها في عصر الغيبة ليس راجحاً لوجود المانع، وفرقٌ بين طلب الرؤية وبين تحقّقها الخارجي، وكذا لا نسلّم بوجود تلازم بين تحقّق الرؤية خارجاً، وبين صيرورة صاحبها أفضل علماً وورعاً.
٢ _ إنَّ الأصل الأوّلي هو عدم قبول دعوى مدّعي الرؤية، إلاَّ على سبيل القطع والاطمئنان.
٣ _ إنَّه يمكن قبول دعوى الرؤية والمشاهدة بعد إقامة الشواهد في حقّ من لا يسلّم بهذه الدعوى، ويكون خالياً من الأغراض الشخصية، وإنَّما المهمّ عنده التأكيد على وجود الإمام عليه السلام.
٤ _ يجب أن لا يتجاوز مدى مدّعي الرؤية القضايا الخارجية الشخصية دون القضايا المصيرية، بل سيرة السلف من الأصحاب على ذلك.
ولو كان أهل البيت عليهم السلام يرتضون هذه الطريقة لأمضوها، سيّما أنَّها تعدُّ قضيّة مركزية وجوهرية، بل الأمر بالعكس فقد تمَّ تنشيط ظاهرة الوكالات العامّة، بل قد ورد التكذيب في مدّعي الرؤية بهذا النحو: بأن تصير الرؤية دليلاً شرعياً لفكرة، أو لموقف فقهي، أو امضاءً سياسياً ونحو ذلك من الرؤية، فقد ورد: (وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر)(١٣٢).
٥ _ لا ريب أنَّ للمذهب علّة مبقية، فقد صمد هذا المذهب طوال هذه الفترة الطويلة من عصر الغيبة حتَّى يومنا، ولم يسجّل الملف التاريخي أنَّ سبب هذا البقاء هم دعاة الرؤية، بل المسجَّل أنَّ المذهب تواصل على سواعد الفقهاء كالكليني، والطوسي، والمرتضى، والعلاّمة، والشهيد، ممَّن كان على نهج الأئمّة عليهم السلام من التنصيب والرجوع إليهم على أساس النيابة العامّة.
٦ _ إنَّ هناك إطباقاً قولياً وعملياً على عدم الاعتناء بقول مدّعي الرؤية، وهذا الإجماع يكشف عن أنَّ الموقف العملي الدقيق هو ذلك، وأنَّ سيرة الأعلام جرت على الاستهانة بمن يدّعي الرؤية، ويريد أن يثبت الأمور المصيرية. وكان جوابهم بقولهم: سلاماً.
٧ _ أنَّه لو تمَّ أسلوب الرؤية والمشاهدة في تحديد المسائل المهمّة للزم الهَرْجُ والمَرْجُ، لأنَّ المدّعين كثيرون وهم متناقضون. ومن الملفت للانتباه أنَّ جلّ هؤلاء هم أصحاب تاريخ مجهول، بل تاريخ بعضهم مظلم، والنظر في سلوكية هؤلاء مورد تأمّل، بل الهدف الذي تبنّاه أصحاب هذه المسالك المنحرفة هو عزل الأمّة عن الفقهاء الذين أكَّدنا أنَّهم هم السبيل الذي اُمضي من قبل أهل البيت عليهم السلام قبل وبعد الغيبة.
بعد اتّضاح هذا الأمر فمتابعة الشواذ ممَّن يدّعي الرؤية غير مغتفر لقوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) (الصافات: ٢٤).
٨ _ نشر الثقافة المغلوطة في بعض المجتمعات الجاهلة والمنقطعة عن الثقافة الإسلاميّة الأصيلة برهة من الزمن للأسباب والظروف السياسية والقمعية التي منيت بها، فهذه الثقافة تكون سبباً للهلوسة في نفوس السذّج فيدّعي ويُتَّبَع، كما أنَّها تكون سبباً لصدور بعض التصرّفات غير المستدلّ عليها شرعاً، والموجبة للوهن بالمذهب، والطعن في شموخه، فالثقافة العاتمة غير ذات الأسس الأرضية تؤمّن لصاحبها شيئاً من المعرفة الجزئية، وقد يحدث أن تؤدّي هذه الثقافة بصاحبها إلى مستويات اجتماعية، وتُوسَّع من دائرة نفوذه على المستوى الجماهيري، باعتبار أنَّ الأمّة تخضع في تركيبتها إلى اعتبارات مختلفة من حيث الوعي، والإدراك، والمستوى الثقافي، فهي تتأثَّر بكثير من المعطيات من دون الوقوف على خلفياتها، وأهدافها، وأبعادها، بل إنَّما تنساق بشكل عفوي باتّجاه الأمور الجاهزة من دون مناقشة وتحليل.
فلا بدَّ أن يكون الميزان في قبول الثقافة هو الخضوع لاعتبارات عقلية، وقواعد منطقية، وأصول البحث العلمي، وضوابط تمييز الحقّ من الباطل، وإلاَّ يلزم غياب الحقيقة، وهو مخالف للفطرة، والمنطق، والقانون، والوجدان، بل غير مغتفر عند من له أدنى حظّ من العلم، فلا بدَّ من (الفلتر) وصِمَام الأمان، فمقياس أيّ ثقافة صمودها أمام النقد العلمي، وتملّكها لمكوّناتها العلمية، ولا شفاعة للكثرة العددية، ولا للواقع الاجتماعي، والسياسي، إذا كان يعيش الجهالة والبعد عن الثقافة الإسلاميّة الحقّة، فالعبرة في الرجوع للكفاءة العلمية المتخصّصة، والمتمرّسة، وذات الباع الطويل في التنقيب والتحليل، والتجرّد عن الأهواء، إذ الكفاءة هي المحكّ العلمي والعملي في التمييز، لا من يتناوشها عن بعد بمنأى عن المراقبة والنقد.

* * *
الفصل الرابع: للمهدي حيرة وغيبة

مقوّمات الفكرة المهدوية.
بعض أوجه الغيبة.
الدليل الروائي على الولادة.
قد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: (تكون له _ أي للمهدي _ غيبة وحيرة، يضلُّ فيها أقوام)(١٣٣).
فما المراد من الحيرة؟
هل الحيرة في العقائد الدينية بسبب الفراغ الفكري في الأمّة، أم الحيرة في الإمام المهدي عليه السلام، بمعنى أنَّ طول غيبته توجب وقوع الناس في الشكّ والاختلاف في شأنه، أم الحيرة في شأن مصير العالم، أم الحيرة في غلبة الظلمة وأهل الباطل واليأس من النصر الإلهي؟
ولماذا الغيبة توجب الحيرة والضلال؟
ظاهرة الغيبة حالة جديدة، وليست مألوفة عند عامّة المسلمين، وإن ثقَّف لها القرآن، والاعتقاد بوجود إمام، وأنَّه غائب يوهم التعطيل، فيحتاج إلى وعي ووفرة علمية حتَّى تنجلي الحيرة، وكلَّما طالت الفترة إزداد الغموض، لاسيّما إذا اكتنفت الواقعة بعوامل مساعدة من قبيل استتار الولادة، والإطالة غير المألوفة زمناً للغيبة، والانقطاع التامّ، والتشرّف بالإمامة في سنّ مبكّر جدَّاً، وخفاء وتردّد اسم الاُمّ، والمنح التي منحت له فاقت منح الأنبياء والرسل، والانجاز الذي سيحقّقه يفوق عمل الأنبياء، كلّ هذا وغيره يوجب الغموض، وصعوبة القبول، خصوصاً إنّا نعيش زمناً يصعب فيه تقبّل العلوم الميتافيزيقية والغيبية.
لكنّا نقول: إنَّ كلّ ظاهرة حين نواجهها للوهلة الأولى نحتاج إلى تصوّرها وتعقّل أطرافها، وأطوارها، ولبقاء العقل البشري مرتاباً نحتاج إلى أن يقام البرهان الساطع، خصوصاً أنَّ الأصل العقلي النظري والعملي يستدعي التحقيق، وعدم القذف بالإنكار لمجرَّد الغرابة والاستبعاد، فمقتضى العقل الحسّي البشري يستبعد وجود عالم ما وراء عالم الموت، ويرفض النشور والحساب، بيد أنَّ اكتناف الغموض والاستتار لما وراء هذا العالم لا يستدعي الانكار من العقل، بل لا بدَّ من مواجهة الوسائل المعرفية لهذه المعلومة، حتَّى ينكشف لنا سقم هذه القضيّة أو صحَّتها، وهكذا العقل الحسّي لا يدرك لابدّية وجود حجّة في الأرض، وأنَّ تأثير هذا الحجّة تأثير كوني.
وهل استطاع العقل البشري الحسّي تعقّل ظاهرة الوحي أو وجود موجودات أخرى كالملائكة والجنّ وعوالم أخرى غير خاضعة لإدراك الحواس؟ فإنَّ هذه الموارد وغيرها مستبعدة بحكم العقلي الحسّي لا الرفض من قبل العقل التجرّدي.
مقوّمات الفكرة المهدوية:
وحينئذٍ نقول: إنَّ الفكرة المهدوية متقوّمة بأمور:
١ _ المهدي وسماته وصفاته وانجازاته.
٢ _ الغيبة (الصغرى منها والكبرى).
٣ _ الولادة، وطول الغيبة، ومجهولية التوقيت، واختفاء الهوية الشخصية.
والمتردّد والمشكّك في مثل هذه الأمور، بل المنكر أيضاً لم يدّع استحالة هذه الظواهر وامتناعها، بل يدّعي عدم الدليل عليها. وحول هذه الأمور الثلاثة نقول:
الأمر الأوّل: المهدي وسماته وانجازاته:
فقد تواترت الروايات على ذلك، وبمجرَّد الوقوف على الكم الهائل من الروايات يجعلنا نذعن بأنَّ حقيقة المهدي عليه السلام حقيقة إسلاميّة (إن لم نقل دينية فطرية)، وهذه الروايات قد تحدَّثت عن خصوصيات المهدي، وإمكانياته عليه السلام، وقد اُلّفت كتب تتضمَّن الحديث عن المهدي كحلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني، وسنن أبي داود، وكتاب آل محمّد للشيخ حسام الدين المردي، وسنن الترمذي، وكتاب الفتن، وسنن ابن ماجة، وغير ذلك.
فلا مجال للاجتهاد مقابل النصّ، والاعتراض بأنَّ الأمّة التي لم تَنْقَدْ للأنبياء كيف تنقاد للمهدي عليه السلام وذلك لورود النصّ الصريح سنداً ودلالةً على أنَّ الذي يقوم بهذا الأمر العظيم والخطير هو المهدي عليه السلام وعدم تمكّن الأنبياء لهذا الدور لا يستلزم ممنوعية قيام المهدي به بعد ورود النصّ بذلك.
نعم هناك شرذمة من العلماء أنكروا المهدي، لشبهات مقابل البديهيات، كتبنّيهم لنظريات في علم الاجتماع لا تنسجم مع الفكرة العالمية للمنقذ، أو حمل ظاهرة المهدي على أنَّها ظاهرة اجتماعية ليس من شأن الفرد القيام بها، ولأنَّ بعض المغرضين تلبَّس باسم المهدي لكسب مآرب دنيوية، بل سعى أمراء الدولة العبّاسية أن يضعوا لوجوداتهم شيئاً من الشرعية والقداسة فسمّوا أولادهم بأسماء مختصّة بالمهدي عليه السلام، إلاَّ أنَّ أدنى مراجعة للروايات يوجب رفض تلك النظريات، لما ورد من تشخيصه بأنَّه ابن فلان وسماته الشخصية، ونحو ذلك.
وإذا انتهى الأمر إلى التشكيك في هذا الكمّ الهائل من الروايات، لم يصمد يقين في أيّة ضرورة دينية، ولسرى الشكُّ في كلّ الظواهر، ولانتهى الأمر إلى التشكيك وإنكار كلّ الحقائق والمسلّمات الدينية، هذا مضافاً إلى أنَّ البنية التحتية لرفض هذه الروايات هو نظريات وضعية لا يعلم سقمها من صحَّتها، وعلى فرض التسليم بصحَّتها، فهل هي عامّة وشاملة لكلّ الظواهر بما فيها الظواهر الدينية أم لا؟ إذ أنَّ مجرّد الاستقراء الناقص لا يوجب تأسيس العموم العلمي.
الأمر الثاني: الغيبة:
فلم يصطدم بها المؤمنون في بداية الغيبة فضلاً عمَّن تأخَّر عنها، بل هي نتاج أخبار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمّة عليهم السلام، التي هي مفتاح المعرفة والبرهنة.
فقد ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (تكون له غيبة وحيرة حتَّى تضلّ الخلق عن أديانهم)(١٣٤).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: (تكون له غيبة وحيرة يضلُّ فيها أقوام)(١٣٥).
وعن الحسن عليه السلام: (من ولد أخي الحسين بن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته)(١٣٦).
وعن الحسين عليه السلام: (قائم هذه الأمّة هو التاسع من ولدي وهو صاحب الغيبة)(١٣٧).
وعن زين العابدين عليه السلام: (القائم منّا تخفى ولادته على الناس)(١٣٨).
وعن الباقر عليه السلام: (إمام يخنس في زمانه عند انقضاء من علمه سنة ستّين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الوقّاد)(١٣٩).
وعن الصادق عليه السلام: (إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة فليتّق الله عبد وليتمسَّك بدينه)(١٤٠).
وعن الكاظم عليه السلام: (إنَّه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة)(١٤١).
وعن الرضا عليه السلام: (كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي يطلبون المرعى ولا يجدونه)، قلت: ولِمَ ذلك يا بن رسول الله؟ قال: (لأنَّ إمامهم يغيب عنهم...)(١٤٢).
وعن الجواد عليه السلام: (هو الذي تخفى على الناس ولادته ويغيب عنهم شخصه)(١٤٣)، وعنه عليه السلام أيضاً: قلت له: مَن الخلف بعدك؟ فقال عليه السلام: (ابني علي، وابنا علي، ثمّ أطرق مليّاً، ثمّ رفع رأسه، ثمّ قال: إنَّها ستكون حيرة...)(١٤٤).
وعن الهادي عليه السلام: (لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين إليه والدالّين عليه والذابّين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلاَّ ارتدَّ عن دين الله...)(١٤٥).
وعن العسكري عليه السلام: (ابني محمّد هو الإمام والحجّة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية. أمَا إنَّ له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقّاتون، ثمّ يخرج فكأنّي أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة)(١٤٦).
هذا مضافاً إلى مَنْ روى حديث السفينة(١٤٧)، وروايات الأمان لأهل الأرض(١٤٨)، وروايات من مات ولم يعرف إمامه(١٤٩)، وروايات الخلفاء والأئمّة الاثني عشر(١٥٠)، وروايات الثقلين(١٥١)، ورواية مَنْ سَرَّه(١٥٢)، وروايات الرجعة(١٥٣)، وروايات: (اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمَّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلاَّ تبطل حجج الله وبيّناته)(١٥٤)، وروايات علامات الظهور(١٥٥)، وكتب اُلّفت قبل أو أثناء غيبة الإمام عليه السلام، ممَّا يؤكّد أنَّ ظاهرة الغيبة كانت مألوفة _ وإن تقدَّم أنَّها غير مألوفة بحسب طبعها الأوّلي، ولكن استأنسها الشيعة بسبب الميراث الروائي والسلوكي عند أهل الحديث والفقهاء وفي أذهان الشيعة _ في تلك المرحلة الزمنية.
فمن تلك الكتب مثلاً: الغيبة للعبّاس بن هشام الناشري، وهو من أصحاب الرضا عليه السلام، وكتاب القائم للفضل بن شاذان، وكتاب عبد الله بن جعفر الحميري، وكتاب محمّد بن القاسم البغدادي، وكتاب عبد الوهاب المادرائي، وكتاب علي بن محمّد بن رياح السواق، وكتاب أخبار القائم لمحمّد بن إبراهيم المعروف بعلان الكليني.
كما أنَّ أصحاب العسكري كانت مركوزةً عندهم فكرة الغيبة وأنَّ الشيعة سيتَّجهون إلى ظاهرة الغيبة واحتجاب إمامهم، كأحمد بن إسحاق الأشعري، وعثمان بن سعيد العمري، وأحمد بن إدريس الأشعري أبو علي، ومحمّد بن علي بن بلال الثقة، ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب الزيّات، ومحمّد بن الحسن الصفّار، وحمدان بن سليمان النيسابوري، وعروة الوكيل القمي، والعزيز بن زهير، ومحمّد بن بلال، ومحمّد بن صالح بن محمّد الهمداني الدهقان، وعلي بن زياد الصيمري، وأبو سليمان المحمودي، وابن سعدان الكاتب الأنباري.
فهؤلاء وغيرهم قبلوا الغيبة بسهولة، ولم ينعكس لنا تاريخياً أنَّ أحد أصحاب الإمام الهادي، أو العسكري عليهما السلام، عاش ظاهرة الحيرة، وهكذا الكلام مع وكلاء الناحية: محمّد بن إبراهيم، وداود بن القاسم، وابني علي بن إبراهيم الهمداني.
وهكذا الكلام مع وكلاء الغيبة الكبرى كالكليني والطوسي وكونها ظاهرة عاشتها الشيعة وتعاملوا معها ولم يسجّل الباحثون والنقّاد للمذهب الشيعي حالة انقلاب وتمزّق بسبب الغيبة.
الأمر الثالث: الولادة، وطول الغيبة، ومجهولية التوقيت، واختفاء الهويّة الشخصية:
فإنَّ الوجه في غيبته عليه السلام استمراراً حتَّى صارت سبباً لإنكار ولادته عليه السلام، فبعد ما ثبت بالأدلّة القطعية وجوب نصب الإمام وانحصار الأئمّة عليهم السلام في الاثني عشر، ثمّ وجدناه غائباً عن الأبصار _ علماً أنَّ ذلك لسببٍ ولا يضرُّ في المنظومة المهدوية عدم معرفة السبب وإن دلَّت عليه الروايات _، فهو نظير عدم معرفة المراد من الآيات المتشابهة، وآيات التجسيم، والجبر، وغيرها، وكذا عدم معرفة فلسفة العبادات، كعدد الركعات، والوجه في أعمال ومناسك الحجّ.
بعض أوجه الغيبة:
ثمّ إنَّ الروايات أشارت إلى بعض أوجه الغيبة، نذكر بعضها:
أ) لئلاَّ تكون في عنقه عليه السلام بيعة لأحد، فعن علي عليه السلام: (إنَّ القائم منّا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة فلذلك تختفي ولادته ويغيب شخصه)(١٥٦).
ب) الخوف من القتل قبل تحقّق الهدف، فعن الباقر عليه السلام: (إنَّ للقائم غيبة قبل ظهوره). يقول الراوي: قلت: ولِمَ؟ قال عليه السلام: (يخاف _ وأومأ بيده إلى بطنه _)(١٥٧).
ج) اختبار الناس وتمحيصهم، فعن الصادق عليه السلام: (كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم؟ يتبرَّأ بعضكم من بعض؟ فعند ذلك تميّزون وتمحّصون وتغربلون، وعند ذلك اختلاف السيفين، وإمارة أوّل من النهار وقتل وخلع من آخر النهار)(١٥٨).
د) لأجل أن تجري في الإمام عليه السلام سنن الأنبياء عليهم السلام، فعن العسكري عليه السلام: (إنَّ ابني هو القائم من بعدي وهو الذي يجري فيه سنن الأنبياء عليهم السلام بالتعمير والغيبة...)(١٥٩).
هـ) لأجل تحقيق خروج المؤمنين من أصلاب الكافرين، فعن الصادق عليه السلام: (لن يظهر أبداً حتَّى تظهر ودائع الله عز وجل فإذا ظهرت ظهر على من يظهر فقتله)(١٦٠).
و) لأجل فسح المجال لوصول جميع أصناف الناس إلى الحكم، فقد ورد عن الصادق عليه السلام: (ما يكون هذا الأمر حتَّى لا يبقى صنف من الناس إلاَّ وقد ولّوا على الناس حتَّى لا يقول قائل: إنَّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقّ والعدل)(١٦١).
ز) أمر إلهي غيبي، فعن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام يقول: (إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها يرتاب فيها كلّ مبطل)، فقلت: ولِمَ جُعلت فداك؟ قال: (لأمر لم يؤذن لنا في كشفه)، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: (وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاَّ بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلى وقت افتراقهما)(١٦٢).
وسيأتي منّا بيان الوجه في كيفية الجمع بين هذه الروايات، إذ أنَّها لا تنافي _ بحسب الألسن _ ما تقدَّم من الوجه.
الدليل الروائي على الولادة:
أمَّا ما ورد في الروايات من الدليل على الولادة:
فمنها:
أ) سُئل الإمام العسكري عليه السلام: ألك ولد؟ قال: (إي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فأمَّا الآن فلا)(١٦٣).
ب) عن علان الرازي، قال: أخبرني بعض أصحابنا أنَّه لمَّا حملت جارية أبي محمّد عليه السلام، قال: (ستحملين ذكراً واسمه محمّد وهو القائم من بعدي)(١٦٤).
ج) عَنْ مُوسَى بْن مُحَمَّدِ بْن الْقَاسِم بْن حَمْزَةَ بْن مُوسَى بْن جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَكِيمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْن عَلِيّ بْن مُوسَى بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّدِ بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن أبِي طَالِبٍ عليهم السلام قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ أبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ عليهما السلام فَقَالَ: (يَا عَمَّةُ اجْعَلِي إِفْطَارَكِ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا فَإنَّهَا لَيْلَةُ النّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَإنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيُظْهِرُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْحُجَّةَ وَهُوَ حُجَّتُهُ فِي أرْضِهِ)، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ اُمُّهُ؟ قَالَ لِي: (نَرْجِسُ)، قُلْتُ لَهُ: وَاللهِ جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاكَ مَا بِهَا أثَرٌ، فَقَالَ: (هُوَ مَا أقُولُ لَكِ)، قَالَتْ: فَجِئْتُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ جَاءَتْ تَنْزعُ خُفّي وَقَالَتْ لِي: يَا سَيَّدَتِي كَيْفَ أمْسَيْتِ؟ فَقُلْتُ: بَلْ أنْتِ سَيَّدَتِي وَسَيَّدَةُ أهْلِي، قَالَتْ: فَأنْكَرَتْ قَوْلِي وَقَالَتْ: مَا هَذَا يَا عَمَّةُ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيَهَبُ لَكِ فِي لَيْلَتِكِ هَذِهِ غُلاَماً سَيَّداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالَتْ: فَجَلَسَتْ وَاسْتَحْيَتْ فَلَمَّا أنْ فَرَغْتُ مِنْ صَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ وَأفْطَرْتُ وَأخَذْتُ مَضْجَعِي فَرَقَدْتُ فَلَمَّا أنْ كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْل قُمْتُ إِلَى الصَّلاَةِ فَفَرَغْتُ مِنْ صَلاَتِي وَهِيَ نَائِمَةٌ لَيْسَ بِهَا حَادِثٌ ثُمَّ جَلَسْتُ مُعَقّبَةً ثُمَّ اضْطَجَعْتُ ثُمَّ انْتَبَهْتُ فَزعَةً وَهِيَ رَاقِدَةٌ ثُمَّ قَامَتْ فَصَلَّت‏.
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَدَخَلَتْنِي الشُّكُوكُ فَصَاحَ بي أبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام مِنَ الْمَجْلِس فَقَالَ: (لاَ تَعْجَلِي يَا عَمَّةُ فَإنَّ الأمْرَ قَدْ قَرُبَ)، قَالَتْ: فَقَرَأتُ الم السَّجْدَةَ وَيس فَبَيْنَمَا أنَا كَذَلِكِ إِذَا انْتَبَهَتْ فَزعَةً فَوَثَبْتُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ: اسْمُ اللهِ عَلَيْكَ، ثُمَّ قُلْتُ لَهَا: تَحِسّينَ شَيْئاً؟ قَالَتْ: نَعَمْ يَا عَمَّةُ، فَقُلْتُ لَهَا: اجْمَعِي نَفْسَكِ وَاجْمَعِي قَلْبَكِ فَهُوَ مَا قُلْتُ لَكِ.
قَالَتْ حَكِيمَةُ: ثُمَّ أخَذَتْنِي فَتْرَةٌ وَأخَذَتْهَا فَتْرةٌ فَانْتَبَهْتُ بِحِسّ سَيَّدِي عليه السلام فَكَشَفْتُ الثَّوْبَ عَنْهُ فَإذَا أنَا بِهِ عليه السلام سَاجِداً يَتَلَقَّى الأرْضَ بِمَسَاجِدِهِ فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ فَإِذَا أنَا بِهِ نَظِيفٌ [مُنَظَّفٌ] فَصَاحَ بِي أبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام: (هَلُمَّي إِلَيَّ ابْني يَا عَمَّةُ)، فَجِئْتُ بِهِ إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ تَحْتَ ألْيَتَيْهِ وَظَهْرهِ وَوَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ أدْلَى لِسَانَهُ فِي فِيهِ وَأمَرَّ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَسَمْعِهِ وَمَفَاصِلِهِ ثُمَّ قَالَ: (تَكَلَّمْ يَا بُنَيَّ)، فَقَالَ: (أشْهَدُ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ. وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم...) ثُمَّ صَلَّى عَلَى أمِير الْمُؤْمِنينَ عليه السلام وَ عَلَى الأئِمَّةِ إِلَى أنْ وَقَفَ عَلَى أبيهِ ثُمَّ أحْجَمَ.
قَالَ أبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام: (يَا عَمَّةُ اذْهَبِي بِهِ إِلَى اُمَّهِ لِيُسَلّمَ عَلَيْهَا وَائْتِني بِهِ)، فَذَهَبْتُ بِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَرَدَدْتُهُ وَوَضَعْتُهُ فِي الْمَجْلِس، ثُمَّ قَالَ: (يَا عَمَّةُ إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِع فَأتِينَا).
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا أصْبَحْتُ جِئْتُ لاُسَلّمَ عَلَى أبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام فَكَشَفْتُ السِّتْرَ لأفْتَقِدَ سَيَّدِي عليه السلام فَلَمْ أرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا فَعَلَ سَيَّدِي؟ فَقَالَ: (يَا عَمَّةُ اسْتَوْدَعْنَاهُ الَّذِي اسْتَوْدَعَتْهُ اُمُّ مُوسَى عليه السلام).
قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم السَّابِع جِئْتُ وَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ فَقَالَ: (هَلُمَّي إِلَيَّ ابْنِي)، فَجِئْتُ بِسَيَّدِي فِي الْخِرْقَةِ فَفَعَلَ بِهِ كَفَعْلَتِهِ الاُولَى ثُمَّ أدْلَى لِسَانَهُ فِي فِيهِ كَأنَّهُ يُغَذِّيهِ لَبَناً أوْ عَسَلاً.
ثُمَّ قَالَ: (تَكَلَّمْ يَا بُنَيَّ)، فَقَالَ عليه السلام: (أشْهَدُ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ...)، وَثَنَّى بِالصَّلاَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أمِير الْمُؤْمِنِينَ وَالأئِمَّةِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى أبِيهِ عليه السلام ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص: ٥ و٦])(١٦٥).
د) روى محمّد بن علي الشلمغاني في كتاب (الأوصياء)، قال: حدَّثني حمزة بن نصر غلام أبي الحسن عليه السلام، عن أبيه، قال: لمَّا ولد السيّد عليه السلام تباشر أهل الدار بذلك فلمَّا نشأ خرج إليَّ الأمر أن أبتاع في كلّ يوم مع اللحم قصب مخ، وقيل: إنَّ هذا لمولانا الصغير عليه السلام(١٦٦).
هـ) عن أبي غانم الخادم، قال: ولد لأبي محمّد عليه السلام ولد فسمّاه محمّداً، فعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: (هذا صاحبكم من بعدي...)(١٦٧).
و) عَن الشَّارِي، عَنْ نَسِيم وَمَارِيَةَ، أنَّهُ لَمَّا سَقَطَ صَاحِبُ الزَّمَانِ عليه السلام مِنْ بَطْن اُمَّهِ سَقَطَ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْهِ، رَافِعاً سَبَّابَتَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ: (الْحَمْدُ للهِ رَبَّ الْعالَمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، زَعَمَتِ الظَّلَمَةُ أنَّ حُجَّةَ اللهِ دَاحِضَةٌ، وَلَوْ اُذِنَ لَنَا فِي الْكَلاَم لَزَالَ الشَّكُّ)(١٦٨).
فحصول الاطمئنان بأيّ قضيّة تاريخية يتمُّ من خلال الشواهد، والقرائن، وتقوية القيمة الاحتمالية بسبب انضمام القرائن.
فتلخَّص أنَّ منشأ التشكيك والترديد في مثل هذه الظاهرة هو غياب أساليب المعرفة، والركون إلى المحسوس، أو نشوء شبهات، وترّهات، أو عدم الرجوع إلى الروايات لعدم خبرويتهم، وغير ذلك، وإلاَّ فالمسألة واضحة.
وعليه فإنَّ أصحاب الحيرة هم الذين قلوبهم مريضة، وعقولهم عليلة، وإيمانهم مستودع، وميثاقهم متزلزل، وعقائدهم كبيت نسجته العنكبوت، يخرقها ريح البليّات، ويطيّرها صرصر الشبهات.

* * *
الفصل الخامس: الثقافة المهدوية بين المبالغة والاستخفاف

حكم الدول قبل القائم عليه السلام.
مصير أهل الذمّة في عصر الإمام عليه السلام.
أزمة الفكرة المهدوية.
الرؤية الدينية بين السلفية والاعتزالية.
أزمة الخطاب المهدوي.
نماذج من الخطاب المهدوي.
من الآفات الكبرى لفهم الدين أن يعيش أتباعه إحدى الظاهرتين المتضادتين، إمَّا ظاهرة التحجّر، وإمَّا ظاهرة التسامح والابتعاد عن خطّ الاعتدال المرسوم من قبل الشريعة، فيقعُ الأتباع بين طرفي كمّاشة _ كلّ طرف منهما في الزاوية الحادّة _ يشكّل خطراً ويستدعي نتائج وخيمة وسلبية، قد يؤدّي بالناظر والمشاهد إلى الانكماش والنفرة عن العقيدة، ظنّاً منه أنَّ هذا المتلبّس هو الذي يمثّل الأصالة للفكر والرؤية والعمل.
وهذه جملة مصاديق لهذه الظاهرة:
أ - حكم الدول قبل القائم عليه السلام:
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كلّ راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله عز وجل)(١٦٩).
فقد فهم البعض من هذه الرواية انحصار الحكومة العادلة بحكومة الإمام المهدي عليه السلام، وبالتالي فكلّ حكومة تكون قبل قيام القائم عليه السلام فهي حكومة ضلال. وهذه الفكرة في الحقيقة مآلها إلى العلمانية وعزل الدين عن التصدّي للحكومة وإدارة شؤون الناس، وقد عطَّل هذا الفهم للحديث وفق هذه النظرة جملة من الآيات والروايات، وكما أنَّ هذا الفهم صار سبباً للحثّ على عدم التصدّي للإقرار لحكومة عادلة، وكأنَّ هذه المسألة ليست بفقهية، ولا تحتاج إلى نظر الفقيه في فهم النصّ الديني والاكتفاء بظاهر الحديث إن سلم هذا الظهور وعدم ملاحظة المعارض، والسير العلمي لفهم هذا النصّ أنَّ كل راية تدّعي أنَّها راية المهدي قبل ظهور القائم فهي راية انحراف وضلال، ووزان هذا الحديث وزان الحديث الواصل عن الفضل، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (من ادّعى مقامنا _ يعني الإمامة _ فهو كافر _ أو قال: مشرك _)(١٧٠)، وعليه يكون المراد من رواية أبي بصير أنَّ كلّ راية ترفع باسم المهدي وبمشروعيَّته أنَّها كراية المهدي فصاحبها طاغوت، أمَّا رفع الراية بمعنى دفع الضرر الأفسد أو لأجل إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو نحو ذلك فلا نهي عنه في الرواية، هذا من زاوية.
وفي الزاوية المقابلة من الفهم المعوج وإن لم يكن منتزعاً من الرواية بناءً على الفهم المنحرف لها تعطى المشروعية لكلّ حكومة، وعدم تسجيل أيّة ضابطة في الحكومات، وبالتالي تأسيس (أيديولوجية) إدارة الناس بمعزل عن النصوص الدينية، اعتقاداً أنَّ هذه المفردة _ أي إدارة شؤون الناس _ لا تحتاج في تحديدها إلى النصوص الدينية، أو أنَّ النصّ الديني ساكت عنها، أو أنَّ النصّ الديني أجنبي عن هذه الأمور فلتطلب من مظانّها الأخرى، بل قد يقال بقبح الخطاب الديني في الأمر البديهي اعتقاداً منهم أنَّ إدارة شؤون الناس من البديهي.
ب - مصير أهل الذمّة في عصر الإمام عليه السلام:
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت: فما يكون من أهل الذمّة عنده _ أي عند الإمام المهدي عليه السلام _؟ قال: (يسالمهم كما سالمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويؤدّون الجزية عن يد وهم صاغرون)(١٧١).
وعن جابر، عن الباقر عليه السلام: (يحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن)(١٧٢).
فبمقتضى هذه النصوص، فهم البعض أنَّ أهل الكتب على حقّ، بدليل أنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً. ومن جملة قوانين الإمام إمضاء الديانات الأخرى، والحكم على وفق حكمهم، والحال أنَّ حكم الإمام كلّه عدل وحقّ وقسط، ثمّ إنَّه لم يتصدَّ إلى توجيههم، بل إنَّه أمضى طريقتهم، وهذا يعني القول بحقّانية تلك الأديان، وعدم انحصار الحقّانية بالدين الإسلامي، هذا من زاوية، وفي الزاوية المقابلة يذهب البعض إلى إقامة أشد العقوبة على الأمم غير الشيعية اعتماداً على قوله تعالى: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) (البقرة: ١٩٣).
والظاهر بمقتضى الجمع العرفي بين الروايات أنَّ حكم الجزية في عصر الإمام يكون ثابتاً في المرحلة الأولى من دولته، وقبل استقرار حكومته، أو أنَّه حكم ثابت إلى أن تقام الحجّة الكاملة عليهم، أو إلى حين تحقّق الرجعة.
جـ - أزمة الفكرة المهدوية:
الظاهرة الدينية بما فيها الفكرة المهدوية تعيش بين أزمتين، أزمة الخرافة والتسويق للغيب المطلق المنفلت، وأزمة رفض عالم ما وراء الطبيعة. فقضيّة الجنّ مثلاً، والملك، والشيطان، فسّرت في الأوساط الدينية للمتحمّسين الجهّال على أساس الخرافة، وحماقة البشر، وساقت الناس إلى التلاعب بالعقول، وانتهاز السذّج، وتهديم المعارف العلمية، وتحصيل المكاسب المالية والسياسية، كقصَّة قتيل الجنّ، وتسخير الجنّ، وإخباراته، وتصرّفاته الوسيعة في عالمنا، وبين تفسير الظاهرة الدينية على أساس القوانين الحسّية الصرفة، فرفضت أصل فكرة الجنّ وألبستها لباساً علمياً جديداً تحت عنوان الظواهر المادية غير المرتقبة في الذهن، كما لو فسَّرنا سقوط التفاحة من الشجرة على أنَّ الجنَّ أسقطها، إلى أن ظهرت نظرية الجاذبية الأرضية، أو تفسير تسوّس الأسنان بمكث الجنّ فيها، إلى أن اكتشفت الجراثيم ونحوها، كما ورد ذلك في تفسير المنار.
وهكذا عاشت القضيّة المهدوية ظاهرة الخرافة، فكراً وسلوكاً، عمداً وجهلاً، واستغلَّت لمقاصد سياسية، أو ذاتية غير موضوعية، تحرّكها الأحاسيس الجماهيرية، وتخلق لها القصص، فصارت مكسباً لتحصيل القداسة، والوجاهة للمفلَّسين، وسعت إلى تعطيل العلوم، والتخصّصات، أو حلَّت محلّ العِدل والبديل، فاستغلَّت الفكرة الخلابة لتسويق البشر إلى مطحنة الجهل، وقلبت المفاهيم الواقعية والحقّة، فغالت في الغيب، ورمته في أحضان الخرافة، وأغلقت الميزان، والعلم، وحملت الناس على السلوك إلى الغيب المطلق، بعيداً عن الأسباب الطبيعية، والتكوينية التي نذعن نحن أنَّ الله جعلها نظام السير الكوني في عالم الاختبار والامتحان، وإنّا وإن قلنا: إنَّ للغيب قسطاً، لكنَّه ليس كلّ شيء، وإنَّما للعلوم والفنون مجال في ذلك، هذا من زاوية.
ومن الزاوية الأخرى رُفضت القضيّة المهدوية جملةً وتفصيلاً، ولو بسبب ردود الفعل اللاشعورية للموقف الصادر من أرباب الغيب المطلق، كما في الزاوية الأولى، ففنّدت الفكرة واُطّرت بإطار علمي، كظاهرة الإصلاح الاجتماعي العامّ، وكغلبة قريش على الأمم بدل الإصلاح الذي يقوم به فرد معيَّن، أو تمييع الظاهرة إلى حدّ تنزيلها منزلة سائر الدعاوى الأخرى، أو تفريغ فائدة الإيمان بها وإرجاء الحديث عنها إلى وقت حصولها وترحيلها إلى المستقبل، أو أنَّها من الخيال والأسطورة والميراث من المجتمعات الأخرى، وروّاد هذه النظرية أحمد أمين المصري، أو سعد محمّد حسن، أو محمّد عبد الله عثمان، أو الخطيب أو ابن خلدون.
أقول: الدعوة إلى العقلانية والواقعية لا تعني رفض الغيب، وكذا الإيمان بالغيب لا يعني الانفلات وتعطيل العلوم، بل الجمع بين المقولتين العقلانية والغيب ممكن وحاصل.
فالمعيار هو الواقع والحقّ، ولكن ليس في مساحة الواقع المحسوس، بل الواقع النفس أمري الذي يحتضن عالم الغيب ويرتضي المعارف الدينية ويحدّد لها طريقاً لا يتقاطع مع الثوابت العلمية والنتاج العلمي، فقضيّة المهدي تعيش روح الغيب المنتظَم، فإنَّ أصل غيبته وفلسفة ذلك وبعض تفاصيل الغيب، كخروجه بغتة مثلاً، هو من الغيب، بيد أنَّه بعدما ورد بالسير العلمي وجود الإمام وأثره، فلا مجال لرفضه، قال تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ) (هود: ٤٩)، فهو من الغيب المنتظَم لا من الغيب الموهوم، ومن الغيب الذي لا يتقاطع مع العلم والفكر، لا من الغيب الذي يصادرهما ويصدّهما، فلا نرتضي ترحيل الإصلاح العلمي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي إلى يد الغيب، أو يد المستقبل، حتَّى يظهر الإمام والمنقذ، بل لا بدَّ من السعي الحثيث لتنشيط المفاصل الاقتصادية والعلمية والاجتماعية التي تكون هي السبب في ظهوره، بل في تعجيله.
د - الرؤية الدينية بين السلفية والاعتزالية:
الفهم الديني يتمثَّل عند البعض بالرؤية السلفية الأشعرية المقتصرة على الألفاظ، وإن عارض العقل فهي رؤية مانعة للتأويل، وانجرَّت هذه الرؤية إلى مظاهر التجسيم، والإكثار من مصطلح البدعة ورفض الإصلاح، والإصرار على التوقيفية السلوكية.
ويتمثَّل عند آخر بالرؤية الاعتزالية التي بالغت في قدرة العقل ونفوذه في جميع القضايا، فنشأت عندنا ظاهرة العقل الظنّي، والقياس، والاستحسان، بل بلغ الأمر إلى نفي كلّ مورد لم يكن للعقل بتٌّ فيه، وعطّلت عملياً دائرة النصّ الديني، إلى أن ولدت البراهمة بثوب جديد لتقلّل من شأن النصّ المخالف للعقل الاستحساني، وابتعدت من حيث لا تشعر عن الغيب والاستتار، وأبحرت إلى الواقعية التجريبية ووصفت القرآن الكريم بالبشرية.
والحقّ عندنا: أنَّ الموضوع الديني يتحقَّق من العقل البشري النظري والعملي والوحياني _ أي الواصل إلينا من طريق السماء والوحي _ وأنَّ الألفاظ والخطاب الديني سبيل العقل الوحياني، لكنَّها محكومة بالأساليب اللغوية، والظواهر معتبرة ومعتدٌّ بها ما لم تنصب قرائن ولو منفصلة على إرادة خلاف الظاهر، وأنَّ المجاز اللغوي وما بحكمه من الكناية، والاستعارة، والتمثيل مستحسن في النصّ الديني عند قيام القرينة، والنصّ مصاغ مع مراعاته لمقتضى الحال لعصر روعي فيه أصحابه، فلا سلفية في النصّ ولا اعتزالية في سلطنة العقل، ولا رفض للعقل البشري ولا تعطيل لنشاط العقل العملي الذي ينتهي إلى التسليم والإذعان والإيمان، ولا بدَّ من الرجوع إلى العقل الوحياني وفق ضوابطه وفي مساحته المرتسمة لكلّ من قبل الدين ومن لم يقبله، فهي دساتير شرّعت لا من متن العقل الوحياني فحسب، بل من متن الموضوعية العلمية التي هي أعمّ من أن يكون الفرد في دائرة الدين وممَّن يرتضيه، أو في خارج الدائرة وممَّن لا يرتضيه.
والظاهرة المهدوية لا بدَّ أن تُعلم، وأن تُمارس وفق أسلوب العقل النظري والعملي والوحياني بالمنهج المتقدّم. ولكن قد تلوح مفاسد وانحرافات في بعض مفاهيم الظاهرة المهدوية لأسباب سلفية شيعية، يوجدها الجهّال المتحجّرون المقدَّسون، فيتمسَّكون بالسطحيات، ويبتعدون عن أسرار الحركة المهدوية، أو لأسباب اعتزالية شيعية، تنحسر في محاكماتها إلى جادة العقل النظري البشري فقط، أو لأسباب شيعية جافّة بعيدة عن الأبعاد المعنوية المدركة لنا بطريق العقل العملي، فتحاكم الظاهرة المهدوية وتستخلص بعقل بعيد عن الطراوة المعنوية.
هـ - أزمة الخطاب المهدوي:
الأطروحة المهدوية وإن كانت تامّة من حيث الفكر والمحتوى، بيد أنَّ أصحاب وصنّاع الخطاب المهدوي يوجبون أحياناً خفاءها، وفقدان متانتها، ممَّا يوجب الغموض في الفكر، وعدم التفاعل معها.
وضعف الخطاب له نماذج:
منها: الخطاب بمفرداته المعقَّدة، وآلياته القديمة، وسياقاته البالية، والعكوف على الشبهات القديمة، سيّما إذا اكتنف بتصرّفات بهذا المستوى فإنَّه يستدعي خطاباً قديماً، يضفي القدم على الفكرة أيضاً، وأنَّ هذه الفكرة من الموروث العاجز عن مواكبة الحاضر والمستقبل، فلا بدَّ من الانتفاض ضدّها وعزلها عن الساحات العلمية، بل البعض يصل إلى حالة الاستحياء من الانتماء إلى تلك الفكرة ظنّاً منه مقاطعة وسام الثقافة مع الخطاب المهدوي، لعدم ثقته به ولاتّهام الغير له بذلك، فيتبرَّأ في اللاشعور من الفكر المهدوي بسبب أزمة الخطاب المهدوي القديم.
ومنها: الخطاب الجديد المنسجم مع رؤى الناس الذي يسدُّ خلَّة الشباب، إلاَّ أنَّه يشبع حاجة طبقة وجيل خاصّ فقط، فيعطي الفكر المهدوي أوسمة وعناوين حديثة، مثل ديمقراطية المهدي بأن يستشير المهدي أصحابه ويقدّم رأي الأكثر على رأيه، وإن كان رأي الأكثر يتنافى مع رأيه، واشتراكية المهدي، وشيوعية أو عولمة المهدي، أو الحرّية المستوحاة من الفكر المهدوي، أو الحداثة المهدوية، وما بعد الحداثة، أو تكنوقراطية دولة المهدي، ونحوها.
ومشكلة هذا الخطاب أنَّ نفس هذه الأفكار ليست هي عين الرضا عندنا، فتنزيل فكرة سماوية على نغمة وضعية محلّ نظر، أجل ربَّما تستعمل هذه المصطلحات بحسب النقل لمعانٍ جديدة غير المعاني المقصود بها عند أصحابها المرفوضة بمبدأ الإسلام، إلاَّ أنَّ هذه المعاني الجديدة حتَّى وإن قبلت إسلاميّاً، إلاَّ أنَّها تبقى ظاهرة إلتقاطية لألفاظ غير إسلاميّة، فإنَّ نظرية تحديث وأسلمة الألفاظ الغربية فيها أحياناً إرباك للمعاني، فضلاً عن ركّة الطريقة، وعدم الثقة بألفاظ الحضارة الإسلاميّة، وكيفما كان فليس هناك أزمة ألفاظ ليستعان بمصطلحات الثقافات الأخرى، وإن كان ولا بدَّ لدى البعض من ذلك، فينبغي من نصب القرينة الواضحة جدَّاً لنفرَّ من قلق المعنى، والحمل على المعنى السقيم، فمثلاً لو اصطلح على لفظ الديمقراطية بمعنى الاستشارة لرأي الآخر والاستعانة ببعض خبرويته، وهو وإن كان مبدأ إسلاميّاً مقبولاً إلاَّ أنَّ استعماله ربَّما يوجب الإيهام في المعنى الآخر وهو حاكمية رأي الأكثر على رأي السماء.
ومنها: سرد الخطاب المهدوي بلحن عرفاني مسرف، أو من الخيال المفرط الذي لا يتحمله العقل، إلاَّ بتكلّف وتأويل، والعمل على خلاف الظاهر من وقف على بواطن الحقائق ودقائقها فقد ورد: أنَّ علياً عليه السلام قال يوماً لحذيفة بن اليمان: (يا حذيفة لا تحدّث الناس بما لا يعرفون فيطغوا ويكفروا)(١٧٣)، وحيث إنَّ منظومة المهدوية لها مراتب من المعارف وبعضها لا يتحمّله إلاَّ الأوحدي من الناس فإنَّ عامّة الناس يمجّونها فلا معنى للحديث بمثل هذه إذ ورد أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم)(١٧٤).
ومن آفات الخطاب المهدوي أيضاً الاستعانة بالمبالغات، والمجازات، أو إحالة الفكرة إلى الغيب الجبري، وسلب إرادة التغيير والتأثير لدى الإنسان المؤمن، وتعطيل خطابات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث الخطاب، أو توصيف الفكر المهدوي بخطاب يوحي أنَّ أطروحته عادية يمكن للكثير أن يصنعها، ولا حاجة إلى اللياقات السماوية، والدعم الربّاني، أو تحديث الخطاب الذي يسعى لتمجيد شخصيات تعيش حقباً زمانيةً خاصّةً، أو تغييب الخطاب المهدوي عن الواقع المعاش، أو تنظيم الخطاب المحقّق للتطرّف والعنف والتعسكر والتجيّش والتعصّب والتضيّق والاقصاء وخلق روح اليأس واللامسؤولية.
ولكن الخطاب المهدوي لا بدَّ أن يكون دفاعياً عصرياً أصيلاً علمياً معنوياً عقلانياً غيبياً قرآنياً موصلاً إلى قمم العمران، لا يمينياً سلفياً ولا يسارياً تجديدياً يميّع المفاهيم الإسلاميّة الحقّة، فعن علي عليه السلام في ذكر الملاحم: (يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي)(١٧٥)، فإنَّ علياً عليه السلام يرفض مبدأ سحق الهوى، بل يرشّد الهوى في طريق الهدف، ويمنع العكس، خلافاً للآخرين الذين يسيّسون الأهداف للوصول لأهوائهم، وأنَّ علياً عليه السلام يمنع حاكمية الرأي الشخصي على القرآن، بل يرى الأمر بالعكس كحاكمية القرآن على العقل الفردي.
نماذج من الخطاب المهدوي:
وإليك نماذج مقتضبة للخطاب المهدوي المبيّن لعقائد وفقه وسلوك فردي وجماعي وطقوس وسنن:
١ _ (وَنُريدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثينَ) (القصص: ٥).
٢ _ (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥).
٣ _ (وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) (النور: ٥٥).
٤ _ (هُوَ الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَدينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: ٣٣).
٥ _ (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: ٥٦).
ولقد اكتفينا طلباً للاختصار بالخطاب القرآني، وإلاَّ فالخطاب المهدوي أوسع من ذلك إذ يعمّ الخطاب النبوي والمولوي وأصحاب النبيّ كأبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وسمرة بن جندب وسلمان وأبي ذر وعمّار وزوجات النبيّ عائشة وحفصة واُمّ سَلَمة والتابعين كعون بن أبي جحيفة وعباية بن ربعي وقتادة، وخطاب النوّاب والوكلاء والعلماء والمثقّفين والسياسيين والخطاب الأكاديمي، بل يعمّ حتَّى الخطاب المهدوي المسجَّل في التوراة والإنجيل والزبور، وخطاب أبناء العامّة من المفسّرين كالطبري والرازي والخازن والآلوسي وابن كثير والسيوطي ونحو ذلك، ومن الصحاح الستّة (البخاري ومسلم وابن ماجة وأبي داود والنسائي وأحمد) ومن كتب الحديث كالمستدرك على الصحيحين ومجمع الزوائد ومستند الشافعي وسنن الدارقطني وسنن البيهقي ومستند أبي حنيفة وكنز العمّال.
ولا بدَّ من دراسةٍ رصدية بحسب الأزمان والأطوار المتعدّدة ودراسة شاملة مقارنة والبحث عن المشتركات في المطوّلات والمنفردات، والبحث عن علل الخطاب في كلّ مرحلة ونماذجه وأهدافه من التحصين والتوحيد والدعوة، وتقديم دراسة داخلية للخطاب ودراسة خارجية مقارنة مع سائر الخطابات الدينية والوقوف الجاد على تأثير الكلام والفقه والتفسير عليه.

* * *
الفصل السادس: علائم الظهور

مصطلح العلامة.
فلسفة ذكر العلائم.
مصطلح العلامة:
ورد مصطلح (العلامة) في الدين في موارد شتّى، نذكر بعضها لا على سبيل الحصر:
١ _ علامة مسجّلة في الكتب السماوية، كالتوراة، والإنجيل، تبيّن صفة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وتسمّى بالبشائر، قال تعالى: (وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتي‏ مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف: ٦).
فقد ورد في تفسير القمي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى:
(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) (البقرة: ١٤٦): (لأنَّ الله عز وجل قد أنزل عليهم في التوراة والزبور والإنجيل صفة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وصفة أصحابه...)(١٧٦).
وقد جاء في (الكافي)(١٧٧) عن الصادق عليه السلام: (فلمَّا أن بعث الله عز وجل المسيح عليه السلام قال المسيح لهم: إنَّه سوف يأتي من بعدي نبيّ اسمه أحمد من ولد إسماعيل عليه السلام يجيء بتصديقي وتصديقكم، وعذري وعذركم).
وعن الباقر عليه السلام: (فلم تزل الأنبياء تبشّر بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم حتَّى بعث الله تبارك وتعالى المسيح عيسى بن مريم فبشَّر بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم وذلك قوله تعالى: (يَجِدُونَهُ) يعني اليهود والنصارى (مَكْتُوباً) يعني صفة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم (عِنْدَهُمْ) (الأعراف: ١٥٧) يعني في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر...)(١٧٨)، والحديث طويل، ومنقول بمصادر كثيرة، وهو نافع، وقد نقلنا منه موضع الحاجة. وقد خاطب القرآن أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين عصوا الرسول فيما أمرهم به ودعاهم إليه بقوله: (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ) (المائدة: ١٥).
وفي رواية عن الرضا عليه السلام: (فخذ عليَّ السِفْر الثالث فيه ذكر محمّد وبشارة عيسى بمحمّد)، قال الجاثليق: هات. فأقبل الرضا يتلو السفر من الإنجيل، حتَّى بلغ ذكر محمّد، فقال: (يا جاثليق، من هذا النبيّ الموصوف؟)، قال الجاثليق: صفه، قال: (لا أصفه إلاَّ بما وصفه الله تعالى، هو صاحب الناقة والعصا والكساء، (النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتي‏ كانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: ١٥٧)، يهدي إلى الطريق الأفضل، والمنهاج الأعدل، والصراط الأقوم...)(١٧٩) الحديث.
٢ _ علائم في الكتب السماوية للمصلح العالمي: فقد ورد في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥)، وحيث كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتلو هذه الآية على أشدّ خصومه وهم اليهود وهم بمرأى منه وهم سكوت وهي علامة الرضا، إذ لو لم يكن هذا الحديث في التوراة وهم المتربّصون بالنبيّ الأكرم لاعترضوا عليه ونفوه، ولو كان صدر منهم اعتراض لانعكس إلينا.
٣ _ علامات يوم القيامة وهي على قسمين:
القسم الأوّل: علامات تتحقَّق قبل وقوع القيامة، وتسمّى أشراط الساعة، وقد ذكرت الروايات منها بعثة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، واندكاك السدّ، وخروج يأجوج ومأجوج، وإتيان السماء بدخان مبين، ونزول السيّد المسيح عليه السلام، وخروج دابة من الأرض، والفاطمي، وقتل الدجّال. قال عبد الوهاب الشعراني في (اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر)(١٨٠): (إنَّ جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حقّ لا بدَّ أن تقع كلّها قبل قيام الساعة، وذلك كخروج المهدي عليه السلام، ثمّ الدجّال، ثمّ نزول عيسى، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ورفع القرآن، وفتح سدّ يأجوج ومأجوج، حتَّى لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ مقدار يوم واحد لوقع ذلك كلّه).
وقال تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) (محمّد: ١٨)، والأشراط جمع (شَرَط) وهي العلامة، وعلى هذا فإنَّ أشراط الساعة إشارة إلى علامات اقتراب القيامة. ويعتقد أكثر المفسّرين أنَّ المراد من أشراط الساعة هو ظهور شخص النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين _ ويجمع بين سبابتيه _)(١٨١).
ووردت أحاديث عديدة في بيان أشراط الساعة، من قبيل شيوع كثير من المعاصي بين الناس، فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويفشو الزنا)(١٨٢).
وقد ورد عن ابن عبّاس، قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال: (ألا أخبركم بأشراط الساعة؟)، وكان أدنى الناس منه يومئذٍ سلمان رحمة الله عليه، فقال: بلى يا رسول الله! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ من أشراط القيامة إضاعة الصلوات واتّباع الشهوات، والميل إلى الأهواء، وتعظيم أصحاب المال، وبيع الدين بالدنيا، فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذاب الملح في الماء ممَّا يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره...)(١٨٣) والحديث طويل.
القسم الثاني: علامات وحوادث كتخلخل النظام الكوني، واندثار النظام السائد، وظهور نظام جديد، كما ذكر ذلك في سورة التكوير، والزلزلة، والانشقاق، والانفطار.
٤ _ علامات ظهور الحجّة عليه السلام، فقد روى المسلمون على اختلاف طوائفهم أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول المهدي وعلامات ظهوره، وما يجري في أيّامه، وهكذا روى أهل البيت عليهم السلام.
فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن ظهور القائم فتنهَّد(١٨٤) وقال: (يا لها من طامة _ وبكى _ إذا حكمت في الدولة الخصيان والنسوان والسودان، وأخذت الإمارة الشبان والصبيان، وخرب جامع الكوفة من العمران، وانعقد الجسران، فذلك الوقت زوال ملك بني عمّي العبّاس، وظهور قائمنا أهل البيت عليهم السلام)(١٨٥).
وقد ورد في بعض الروايات أنَّ من علامات الظهور: (خسف يكون ببغداد، وخسف قرية (جابية) بالشام، وخسف بالبصرة، ونار تظهر بالمشرق طولاً وتبقى في الجوّ ثلاثة أيّام أو سبعة أيّام، ونار تظهر من أذربيجان لا يقوم لها شيء، وخراب الشام، وعقد الجسر ممَّا يلي الكرخ ببغداد، وارتفاع ريح سوداء بها في أوّل النهار، وزلزلة حتَّى ينخسف كثير منها، واختلاف صنفين من العجم، وسفك دماء كثيرة بينهم، وغلبة العبيد على بلاد الشام، ونداء من السماء يسمعه أهل الأرض كلّ أهل لغة بلغتهم...)(١٨٦) الخبر.
ومن الروايات التي ذكرت علامات الظهور: (خروج راية من المشرق، وراية من المغرب، وفتنة تُضِلُّ أهل الزوراء، وخروج رجل من ولد عمّي زيد باليمن، وانتهاب ستارة البيت)(١٨٧).
وقال الباقر عليه السلام: (لا بدَّ أن يملك بنو العبّاس، فإذا ملكوا واختلفوا وتشتَّت أمرهم خرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق، وهذا من المغرب...)(١٨٨) الخبر.
وقد تُقسَّم علائم الظهور إلى علائم محتومة (قابلة للبداء) وغير محتومة، وقد تقسَّم إلى علائم قريبة وبعيدة، وتقسَّم إلى علائم قبل عصر الظهور وعلائم بعد عصر الظهور، وقد تقسَّم إلى علائم طولية وعلائم عرضية، وعلائم قد تحقَّقت وعلائم لم تتحقَّق، وعلائم تتداخل مع علائم يوم القيامة وعلائم تختصّ بظهور القائم، وعلائم فيها جنبة من العمومية وعلائم ليست فيها جنبة من العمومية، وعلائم قد تكرَّر ذكرها في الروايات وعلائم اختصَّ ذكرها في بعض الروايات، وعلائم قد دلَّت الروايات على أنَّها حصرية وعلائم لم تتناولها الروايات بالحصر.
وقد ذكرت كتب أبناء العامّة علائم ظهور المهدي عليه السلام، كسنن ابن ماجة، وسنن أبي داود، وكتب السيوطي، والطبراني، والشافعي، وغيرهم.
وهدفنا من هذه الدراسة الإشارة إلى أنَّه ينبغي في دراسة علائم الظهور أن تكون الدراسة قائمة على أساس الأشباه والنظائر، نظير علائم البشائر وعلائم القيامة.
فلسفة ذكر العلائم:
ولأجل البحث في فلسفة ذكر هذه العلائم فلا بدَّ من الالتفات إلى أمور:
١ _ إنَّ الهدف من ذكر نماذج للعلامات هو التنبيه على أنَّ مصطلح علائم ظهور الإمام ليس منحصراً بهذه الظاهرة، بل لها من النظائر والأشباه، والتأكيد على أنَّ قراءة علائم الظهور لا بدَّ أن تكون على غرار ووزان قراءة العلامات الأخرى مع ملاحظة الفوارق.
٢ _ إنَّ جملة من علائم الظهور هي من علائم يوم القيامة.
٣ _ إنَّ علائم الظهور ليست في مرتبة واحدة، بل بعض تلك العلائم (العلائم العامّة) قد تحقَّق وبعضها وإن تحقَّق بالمرتبة النازلة منها إلاَّ أنَّها علائم تشكيكية بمعنى أنَّ لها قابلية الزيادة والنقيصة كما ورد: (بعدما مُلئت ظلماً وجوراً) أو الميل مع الأهواء أو بيع الدين بالدنيا، فإنَّ من علائم الظهور بعث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وزوال حكومة بني العبّاس _ بناءً على عدم عودة حكومة بني العبّاس _.
وعليه فتحقّق العلامة لا يوجب الظهور.
٤ _ إنَّ بعض العلائم فيها جنبة الإعجاز والإذعان بظهور المهدي عليه السلام دون البعض الآخر، وهذا كلّه بالنسبة للعلامة المقارنة للظهور دون العلائم السابقة عليه.
ثمّ إنَّ هذه العلامة التي فيها جنبة الإعجاز فإنَّ الظاهر المعظم فيها أنَّها للمتخصّص لا لعامّة الناس، فإنَّ العلامة لها وجهتان (واقعية، غير واقعية) يميّزها المتخصّص الحاذق، حتَّى العلامة الحتمية كما في حديث المفضَّل الآنف حيث ورد المعروفون بالزيدية فإنَّهم يقولون: ما هذا إلاَّ سحر عظيم، كبشائر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ويؤكّده رواية المفضَّل عن أبي عبد الله في حديث الظهور حيث ورد: (ويتَّصل به وبأصحابه خبر المهدي عليه السلام) أي يتَّصل بالحسني وأصحابه الذين هم كنوز الله، كنوز لا من ذهب ولا من فضّة، بل رجال كزبر الحديد، (فيقولون: يا بن رسول الله من هذا الذي نزل بساحتنا؟ فيقول: أخرجوا بنا إليه حتَّى ننظره من هو وما يريد وهو يعلم أنَّه المهدي...)(١٨٩) الحديث، إذ الظاهر مع ورود خبر المهدي لأصحاب الحسني كنوز الله المسبوقين بتلك العلائم خرجوا إليه لمعرفة ما يريد ومن هو فخبره شيء وماذا يريد شيء آخر فمجرَّد وصول الخبر لا يلازم لزوم معرفته شخصياً ومعرفة مشروعه.
٥ _ إنَّ السرّ في ذكر البشائر على ما ورد في الخبر: (هو تصديقي وتصديقكم، وعذري وعذركم)(١٩٠) أي سيكون أوّلاً تصديق بالإعجاز الصادر عن الأئمّة عليهم السلام في إخبارهم عن خصائص المهدي عليه السلام وإثبات حقّانيتهم، وثانياً يكون تصديقاً للمهدي عليه السلام، وبعبارة أخرى نصدّق بأخبار الغيبة التي أخبر عنها الأئمّة وذلك بالمشاهدة، ثمّ نطبّق تلك العلائم على الإمام المهدي، فإذعان بالكلّيات والعلائم وتنزيلها على الفرد والمصداق ومادة يحتجُّ بها على الآخرين وهكذا تكون مادة للاعتذار.
٦ _ الجمع بين خصيصتين (المجيء بغتة) و(المجيء بعد الأشراط) كما تشير الآية الكريمة: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) (محمّد: ١٨)، الوجه في ذلك: ينظرون من الانتظار وإنَّ الأشراط جمع شرط وهي العلامة والمراد من أشراط الساعة أي علامات اقتراب القيامة وليس المراد من قوله تعالى: (فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) أي تحقَّق جميع العلامات، بل المراد أنَّ بعضها قد ظهر، وفي هذا إشارة إلى اقتراب المشروط، والآية تريد أن تشير لبيان أمر واقعي وهو أنَّ مجيء القيامة يكون بغتة، وليس المراد أنَّهم ينتظرون إتيانها بغتة حتَّى يكون قيد بغتة للانتظار، فحصول المشروط بغتة لا أنَّ الإتيان عندهم بغتة، بل الإتيان عندهم ينبغي أن يكون من أوّل الأمر لا عند حصول المشروط وهي الساعة المفسَّرة بالمهدي المنتظر كما في رواية مختصر بصائر الدرجات(١٩١)، وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّما مثله (أي المهدي) كمثل الساعة لا تأتيكم إلاَّ بغتة)(١٩٢)، فالآية الواردة في سياق التهكّم أي كيف لهم أن ينتفعوا بالذكرى عند قيام المشروط بغتة إذ لا مجال للعمل حينئذٍ، وإنَّما ينبغي الانتفاع بالذكرى من الآن بعد ما جاءت أشراط القيامة وعلاماتها والمهدي، فبعد إذعانكم بالقيامة واقترابها والمهدي بسبب تقدّم أشراطها وعلاماتها، فعليكم بالعمل الآن، لأنَّه ينبغي أن تحتملوا في كلّ آن أنَّ مجيء القيامة بغتة فلا ينفعكم العمل، فالآية واردة في مقام لزوم تأصيل العمل والمبادرة إليه فوراً، وفيها إشارة لا حاجة إلى التسويف في أشراطها، فالعلامات شروط للوجوب خارج عن حيّز التكليف، لا أنَّها شروط وجودية حتَّى تكون محط نظر التكليف والإعداد لها، فحال العلامات حالُ (إذا زالت الشمس فصلّ)، فإنَّ زوال الشمس وإن كان علامة لوجوب الصلاة، ولكن لا أهمّية للزوال وإنَّما تمام الأهمّية للصلاة وإعداد المقدّمات الوجودية للصلاة كالوضوء والطهارة، وتوفير جميع المقدّمات التي يتوقَّف عليه العمل، وهكذا ينبغي لمن يريد الحجّ أن يوفّر جميع الأمور التي يتوقَّف عليها الحجّ قبل تسعة ذي الحجة فشراء التذكرة وإعداد جواز السفر وغير ذلك لا بدَّ أن يوفّرها حالاً حتَّى يتسنّى له العمل في وقته.
بيان الحال في المنظومة المهدوية:
وبهذا البيان يتَّضح الحال في المنظومة المهدوية:
أ _ إذا ظهر المهدي عليه السلام فلا يخفى أمره على أحد، وذلك لتقدّم أشراط الظهور، بل وتحقّق بعضها قبل الظهور وحينه. وفلسفة العلامة هو تأمين ظاهرة الانتظار كما ورد في الآية.
ب _ (المهدي منّا أهل البيت يصلح الله أمره في ليلة)، وفي رواية أخرى: (يصلحه الله في ليلة)(١٩٣) أي أنَّ الظهور يكون بغتة. وقد تقدَّم أن لا تصادم بين العلامات وبين الظهور بغتة.
ج _ قد ورد في مختصر بصائر الدرجات منهج التعامل مع القضية المهدوية، فقد ورد في ذيل (أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) (الشورى: ١٨): قلت: فما معنى يمارون؟ قال: (يقولون: متى ولد، ومن رآه، وأين يكون، ومتى يظهر، وكلّ ذلك استعجالاً لأمر الله وشكّاً في قضائه ودخولاً في قدرته)(١٩٤)، ثمّ إنَّ عدم معرفة الناس بزمن الظهور، وضمنية كون الظهور يأتي بغتة يستدعي وقوع الظهور في أي وقت وينبغي ترقّبه والاستعداد، فعدم المعرفة له أثر مثبت جليّ في النفوس.
٧ _ وهكذا لسان بعض الروايات مثل: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ ليلة لملك فيها رجل من أهل بيتي)(١٩٥)، وهذا اللسان في الروايات قد تكرَّر في موارد منها قصّة المهدي عليه السلام، ومنها ما ورد في الحديث: (إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يوماً بارزاً للناس إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن سأحدّثك عن أشراطها)(١٩٦).
وهذا نظير النهي عن التوقيت، وأنَّ وقت خروج الإمام مجهول حتَّى لمثل الإمام. فقد ورد في رواية المفضَّل في مختصر بصائر الدرجات: قلت: أفلا يوقّت له وقت، فقال: (يا مفضَّل لا أوقّت له وقتاً ولا يوقّت له وقت، إنَّ من وقَّت لمهدينا وقتاً فقد شارك الله تعالى في علمه وادّعى أنَّه ظهر على سرّه)(١٩٧)، فالتعليل ظاهر في انتفاء العلم حتَّى للأئمّة والله العالم، مع الحفظ على مقولة علم الإمام(١٩٨).
ومنه قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُهاعِنْدَ رَبِّي) (الأعراف: ١٨٧)، وقوله عز وجل: (يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها) (الأعراف: ١٨٧)، قيل _ كما في الكشّاف للزمخشري _: (تختصّهم بتعليم وقتها لأجل القرابة)(١٩٩)، وكيفما كان فإنَّ ظاهر الآية الكريمة يريد عدم معرفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بوقت الساعة، وينفي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أخبر بعض أقربائه دون غيرهم.
٨ _ ورد في الخبر: (من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنَّه رأي عين فليقرأ: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (التكوير: ١))(٢٠٠)، لأنَّ هذه السورة تعرض علائم يوم القيامة، ومن المعلوم أنَّ الإذعان بيوم القيامة يقتضي أن يكون المكلَّف قد أعدَّ نفسه لهذا السفر، لاسيّما مجيئه بغتةً.
وهكذا يمكن أن نقول في علائم الظهور، فالنظر إلى العلائم لا لموضوعية فيها، وإنَّما هي على نحو الطريقية إلى النظر لصاحب الأمر، فليقرأ علائم الظهور من حيث الإذعان، وفي دائرة العقل العملي لا في العقل النظري كما ورد عنهم عليهم السلام في استحباب الإكثار من ذكر: (الله أكبر) أو (سبحان الله) أو (الحمد لله)، فالهدف حسب الظاهر هو تحريك العقل العملي والوصول إلى شاطئ الإيمان والإذعان، وعقد القلب لاستنارة الفكر.
٩ _ لم يحدّثنا التاريخ عن وجود مدرسة تسعى في تحقيق معالم القيامة لأجل التعجيل، فمن المناسب أن ننتهج نفس المنهج في علائم الظهور، فمن زخرف القول أن نعجل في المعاصي لكي يظهر الإمام. فهي كما تقدَّم مقدّمات وجوبية لا وجودية فيجب عدم تحقيقها وينبغي السعي للتعجيل في الظهور لا التعجيل في العلامة والفرق واضح بينهما.
١٠ _ روي أنَّ رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: متى قيام الساعة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فما أعددت لها؟)، قال الأعرابي: ما أعددت لها من كثير عمل لا صلاة ولا صوم إلاَّ أنَّني أحبّ الله ورسوله، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (المرء مع من أحبّ)(٢٠١).
فتغيير السؤال من (متى) إلى (ماذا) إنَّما لبيان المناسب في مقام السؤال وهو النهي عن هذا الوقت، وليس السؤال عن التاريخ والزمان، هذا أوّلاً.
وثانياً: إقرار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ المهمّ هو كون الشخص قد ميَّز الحقّ فأحبّه وأحبّ أهله ليستتبع ذلك العمل به فيحشر مع الحقّ وأهله.
وثالثاً: إنَّ الأجل غير معلوم، وهو أجل قد أعدَّه الله، لعلمه أنَّ صلاح الخلق في إدامة التكليف عليهم إلى ذلك الوقت.
ورابعاً: التأكيد على لابدّية هذا الأمر.
وخامساً: الاهتمام بالجانب التربوي المترتّب للنظر في تلك العلامات، إذ بمقتضى الإطلاق المقامي وكون المتكلّم في مقام البيان أنَّ الأمر الذي ينبغي أن يقع حوله السؤال هو إعداد العمل، ومن الواضح عدم ذكر العلامات وحصر الأهمّية بقوله: (ماذا أعددت من عمل) يفهم انحصار الأهمّية بذلك لا غير.
ومنه يفهم حديث عمر بن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام: (اعرف العلامة فإذا عرفتها لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر)(٢٠٢)، ويؤيّده أنَّ تحقّق بعض تلك العلامات يجتمع مع مفهوم الانتظار وبعد تحقّق العلامة تزول فائدتها من جهة أنَّها سالبة بانتفاء الموضوع، فالذي يبقى مصاحباً هو الانتظار، فهو محط التكليف. إذن فالمهمّ في النظر الديني هو تنشيط ظاهرة الانتظار، والإعداد له، وليس المهمّ الوقوف على العلامة إلاَّ بمقدار كونه كاشفاً إذعانياً.
١١ _ ويحتمل أنَّ الإخبار عن الحوادث المستقبلية كعلائم الظهور قد تكون في سياق المعجزة والإخبارات الغيبية، فندور مدارها من الفائدة.
١٢ _ لا بدَّ من الالتفات إلى بعض السذّج من الناس حينما يواجهون أحداثاً خطيرة، فإنَّهم يظهرون اهتمامهم بقضيّة الإمام المهدي عليه السلام، وبعلائم الظهور، ويبحثون عن المزيد ممَّا يمنحهم بصيص أمل، بل قد حاول بعض الكتّاب تنفيذ هذه الرغبة، وبذل جهوداً كبيرةً لترسيم المستقبل وفق ما تيسَّر من النصوص التي جاء أكثرها غامضاً وغائماً، واختلط غثها بسمينها، وتعرَّض كثير منها للتحريف، وزيد فيها ونقص وقطع، بل ينبغي للمؤمن أن يعيش عذوبة الانتظار وهذا معنى قوله: (اعرف العلامة فإذا عرفتها لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر)(٢٠٣).
فما ذكره البعض من وجوب معرفة علامات الظهور مستدلّين عليه بوجوب معرفته عليه السلام بشخصه ولا يمكن ذلك إلاَّ بالتعرف على العلائم، ففيه:
أوّلاً: هذا الدليل لا يأتي في العلائم غير المحتومة والعلائم التي تقع قبل ظهوره.
ثانياً: لا تنحصر معرفة الإمام بشخصه عن طريق تلك العلائم وإن كانت حتمية ومقارنة لظهوره، نظير معرفة المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين البعثة مع جهلهم بالبشائر، وأنَّ الإمام سيملك من المعاجز التي يستطيع بواسطتها التعرّف عليه، وهكذا مواريث الأنبياء.
وأمَّا صيغة افعل في قوله: (اعرف العلامة) الدالّ على وجوب التعرّف أو استحبابه، ففيه أنَّ الظاهر من الأمر الإرشادية لا النفسية.
١٣ _ في المنظومة المهدوية هناك مفردات ينبغي الاهتمام بها منها: (البيعة) وقد ورد في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(٢٠٤)، وورد: (اللَّهُمَّ إِنِّي اُجَدَّدُ لَهُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِي هَذَا وَمَا عِشْتُ مِنْ أيَّامِي عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً لَهُ فِي عُنُقِي)(٢٠٥).
ومنها: (المودّة له) اعتماداً على قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (الشورى: ٢٣). وفي حديث الصادق عليه السلام حينما دخلوا عليه فرأوه يبكي ويقول: (سيّدي غيبتك نفت رقادي)، وليتأمَّل في كلام الإمام الصادق حيث يعبّر: (غيبتك) فهو إشارة إلى ما ورد في ذيل الحديث: (نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم _ وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خصَّ الله به محمّداً والأئمّة من بعده عليهم السلام _ وتأمَّلت منه مولد غائبنا وغيبته وإبطاءه وطول عمره وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان... فأخذتني الرقّة، واستولت عليَّ الأحزان)(٢٠٦).
ومنها: (الدعاء له): (اللّهمّ أيّده بنصرك وانصر عبدك وقوّ أصحابك وصبّرهم وافتح لهم من لدنك سلطاناً نصيراً وعجّل فرجه وأمكنه من أعدائك وأعداء رسولك يا أرحم الراحمين)(٢٠٧).
ومنها: (السلام عليه) كزيارة آل يس.

* * *
الفصل السابع: المنقذ العالمي في الأديان

قام الإجماع في الديانات السماوية الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام، بل غيرها أيضاً، على الاعتراف والاعتقاد بالمنقذ السماوي المتوَّج للقيم الربّانية، والموصل العالم _ بما يعمّ المادي منه _ إلى مرفأ السلام.
وقد ذكر هذا المنقذ في ضمن أوصاف عامّة:
١ _ المنقذ روح الله، والنفس المستقيم، وعبد الله. (إنجيل يوحنا: ١٤٥).
٢ _ متابعة العالم كلّه، أي العالم بكلّه يتبعه. (رقم ١٠/ ب ٢٩ و١٤)، (إنجيل يوحنا: ب ٢٤)، (إنجيل متى، زبور داود: ٩٤/ من رقم ٩ إلى ١٣).
٣ _ المنقذ العادل، والحاكم العادل. (ب ١٤ إنجيل يوحنا، زبور داود: مزبور ٩٤).
٤ _ محو الظلم والظالمين. (باب ١١/ كتاب أشعياء النبيّ).
٥ _ لا ينطق عن الهوى، وإنَّما يتكلَّم من الله، وما سمعه من النبيّ والأولياء. (إنجيل يوحنا: ١٤)، وقد ذكر في محلّه أنَّ الإمام عليه السلام عالم كعلم النبيّ بالأشياء، وإن اختلف في كيفية علمه من إيحاء بناءً على ما هو الصحيح من عدم انحصار الإيحاء بالنبيّ، أو بالكشف، أو بغير ذلك.
٦ _ الهداية العامّة للناس. (زبور داود: مزمور ٣٧، كتاب دانيال: ب ١٢).
٧ _ خروج كنوز الأرض له. (زبور داود: مزمور ٣٧، كتاب دانيال: ب ١٢).
٨ _ موجود بين الناس، ويراهم ولا يعرفونه، وذلك بسبب غفلتهم. (إنجيل يوحنا: ١٣).
٩ _ الأرض (قبل) وجوده يحكم (فيها) الظلم والجور. (دانيال: ب ١٢).
وغير ذلك من النصوص السماوية الوارد فيها ذلك، من قبيل كمال العلوم، وعالِم بالعلوم، ومطَّلع على الغيب، ويحكم بحسب الواقع، ولا يعمل بالتقيّة، ويطهّر مقام عيسى في أعين أنصاره، ويشهد بنبوَّته، ويحضر عيسى معه، ويؤمن المسيحيون به قبل غيرهم من الفِرَق الضالّة، ولا يعلم ظهوره حتَّى الملائكة، وله رجعة.
ولمزيد من النصوص حول ذلك يراجع:
(البراهين الساباطية في الردّ على النصارى) لجواد الساباطي من أعلام القرن الثاني عشر الهجري، و(دراسة الكتاب المقدَّس تحت المجهر) للكاتب الأردني عودة مهاوش أبو محمّد الأردني، و(أنيس الأعلام في الردّ على اليهود والنصارى) لمحمّد صادق فخر الإسلام، و(الذين اعتنقوا الإسلام) لسفر محمّد رضا رضائي، و(المسيح الدجّال) للأستاذ سعيد أيّوب المصري.
ويراجع أيضاً الكتب السماوية:
١ _ إنجيل يوحنا (ب ١٥/ رقم ٢٧/ ب ١٤، رقم ١٦/ ب ١٦/ رقم ٧).
٢ _ إنجيل متى (ب ٢٤/ رقم ٢٧).
٣ _ إنجيل مرقس (ب ١٣/ رقم ٢٦).
٤ _ إنجيل لوقا (ب ٢١).
٥ _ زبور داود (مزمور ٣٧، وغيره).
٦ _ كتاب دانيال (الكتاب المقدَّس/ ب ٧).
ولكنَّه مع اتّفاقهم على لابدّية المنقذ اختلفوا في مصداقه، هل هو العزير، أم المسيح، أم هو من نسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أم من نسل إبراهيم الخليل عليه السلام.
ومنشأ هذا الاختلاف هو الاختلاف في تأويل النصّ الديني بعدما كان متعرّضاً إلى الصفات العامّة على ما تقدَّمت الإشارة إليها، فحملُ النصّ على أشخاصٍ خاصّين ليس ببعيد إذا كان ذلك بسبب العوامل السياسية، والتعصّب، والحبّ، والتأثّر العاطفي، والسعي إلى تسجيل المفاخر لأديانهم بعدما نصَّت البشائر السماوية على كون المصلح ذا صفات عالية وكمالات رفيعة جدَّاً.
وينبغي التنبيه على أمور هي:
١ _ ينبغي التمييز وعدم الخلط بين البشائر بالمنقذ والبشائر بالنبيّ، فإنَّ النبيّ وإن كان منقذاً لكن إنقاذه ليس عالمياً بالفعل.
٢ _ ينبغي الوقوف والتأنّي ودراسة جميع الصفات للمنقذ العالمي قبل تحديده بمصداق، ثمّ ملاحظة الواقع التاريخي والقرائن في النصوص لملاحظة المصداق مع إدخال جميع ما كان من المحتمل أن يكون هو المنقذ العالمي.
فمثلاً ما ورد في بعض النصوص: أنَّ المسيح عليه السلام يذكر صفات المنقذ، فلا معنى لحمل المنقذ على كونه نفس المسيح عليه السلام، وكفى في تعيين المنقذ العالمي بكونه الإمام المهدي عليه السلام ما ورد في النصّ الشريف في سفر الرؤيا: (... إنَّ السلطة كانت تريد قتل هذا الغلام ولكن بعد ولادة الطفل غيب).
قال الباحث سعيد أيّوب في كتابه (المسيح الدجّال: ٣٧٩ و٣٨٠/ ط ٣): ويقول كعب: مكتوب في أسفار الأنبياء: (المهدي ما في عمله عيب) ثمّ علَّق على هذا النصّ بقوله: وأشهد أنَّني وجدته كذلك في كتب أهل الكتاب، لقد تتبَّع أهل الكتاب أخبار المهدي كما تتبَّعوا أخبار جدّه صلى الله عليه وآله وسلم، فدلَّت أخبار سفر الرؤيا إلى امرأة يخرج من صلبها اثنا عشر رجلاً، ثمّ أشار إلى امرأة أخرى، أي: التي تلد الرجل الأخير الذي هو من صلب جدَّته، وقال السفر: إنَّ هذه المرأة الأخيرة ستحيط بها المخاطر، ورمز للمخاطر باسم التنّين وقال: (والتنّين وقف أمام المرأة العتيدة حتَّى تلد ليبتلع ولدها متى ولدت) سفر الرؤيا ١٢: ٣، أي: أنَّ السلطة كانت تريد قتل هذا الغلام، ولكن بعد ولادة الطفل. يقول باركلي في تفسيره: عندما هجمت عليها المخاطر اختطف الله ولدها وحفظه(٢٠٨).
وهاهنا سؤالان:
السؤال الأوّل: كيف يمكن الاستدلال بالنصوص الدينية الواردة في الكتب التي حكم بتحريفها جزماً؟
وجوابه:
أوّلاً: الدليل هو السُنّة الشريفة، وما ذكر يصلح أن يكون مؤيّداً، على أنَّه سبيل لإقناع أصحاب تلك الكتب بحقّانية الإسلام والمذهب.
وثانياً: ليس جميع ما موجود في تلك الكتب محرَّفاً، بل أنَّ القرآن قد استشهد ببعض الكتب السماوية في بشائر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
وثالثاً: أنَّ الكتب قد ذكرت خصائص للمنقذ خاصّةً قبل وقوعها فيصحُّ الاعتماد عليها من جهة إخباراتها الغيبية التي بُرهن على صحَّتها في محكّ الواقع التاريخي.
السؤال الثاني: كيف تكون فكرة المهدوية إسلاميّة مع أنَّ وجود هذه النصوص الدينية دليل على كونها إسرائيلية ومستوردة من خارج الفكر والتشريع الإسلامي، بل ليست من صميم الواقع الديني الإسلامي.
وجوابه:
أوّلاً: أنَّ مجرَّد وجود البشائر للنبيّ والمفاهيم الإسلاميّة لا يستدعي بطلانها وهكذا ذكر الخصوصيات الخاصّة بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السماوية يلزم على ذلك أن يكون الإسلام وهكذا النبيّ فكرة إسرائيلية.
وثانياً: قد تقدَّم أنَّه لا تلازم بين كون الفكرة مذكورة في الكتب السماوية وبين كونها إسرائيلية باطلة، قال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (النحل: ١٠٣) فالظاهر أنَّ الكفّار قد وقفوا على أنَّ بعض المفاهيم القرآنية تتطابق مع الوارد في الكتب السماوية، ولذا اتّهموا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ ما عنده من أهل الكتاب فجاءت الآية في سياق الإطلاق المقامي ولم تنف أنَّ ما عنده لم يكن في الكتب السماوية وإنَّما أشارت إلى أنَّ القرآن لا يصلح أن يكون إيحاء بشر، بل البشر عاجز عن الإتيان به فكيف إذا كان هؤلاء لا يجيدون العربية فبواسطة الإطلاق المقامي لا مانع من اتّحاد الفكرة بين الروايات، ولنا من الشواهد في وحدة الأفكار كثيرة. فالمنظومة المهدوية كفكرة أسبق من رسالة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، إلاَّ أنَّ الإسلام بفكره الشيعي الأصيل حوَّل الفكرة من أطروحة وحديث المستقبل الفطري إلى مشروع في طريق التنفيذ بعد الاعتقاد بوجوده وتأثيره الكوني والتشريعي والمعنوي والهدايتي، وإخراجه من الغيب إلى الواقع، ومن المستقبل إلى الحاضر، ومن حلم إلى حقيقة نعيشها فتؤثّر بنا ونتأثَّر منها، ومن هنا أخبار المهدي عندنا خلافاً لأبناء العامّة ليست محض خبر مستقبلي، بل حديث الحال.
فالمهدي عليه السلام نعيشه ويعيش معنا، ويحمل همومنا، ويترقَّب الوعد الإلهي كما نترقَّبه بشغف، والولاية عندنا حيّة مستمرّة، قال تعالى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعيداً * وَنَراهُ قَريباً) (المعارج: ٦ و٧).

* * *
الفصل الثامن: أسرار الانتظار

إنَّ من المفاهيم المقارنة للفكرة المهدوية مفهوم الانتظار حتَّى صارا توأمَين لا ينفكّان، فلا مجال لتعقّل أحدهما إلاَّ بتعقل الآخر، وركّة الإدراك في أحدهما تسري إلى الآخر، ومن هنا فلا بدَّ من بيان المعنى الصحيح للانتظار لنفسه ولسلامة المنظومة المهدوية، فمن هنا نتحدَّث عن أسرار الانتظار والتي منها:
١ _ الأمل، والثبات، والحيوية التي تبعثها الغيبة في نفوس المستضعفين المؤمنين بالعقيدة.
٢ _ إيجاد الرعب في قلوب الأعداء، وإقلاق مضاجعهم، فإنَّه آتيهم من حيث لا يشعرون، قال تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) (المنافقون: ٤).
٣ _ الإنذار الأقصى، والاستعداد التامّ من القاعدة الجماهيرية لإمامهم، من خلال التخلّق بالأخلاق الإسلاميّة وفق منهج أهل البيت عليهم السلام.
٤ _ الوعد والوعيد، والتبشير والإنذار، فإنَّ الانتظار يخلف الخوف والرجاء أيضاً للقاعدة الجماهيرية، لما تصطحب هذه الفكرة والثقافة المهدوية من البعد التنذيري والتخويفي للقاعدة الجماهيرية.
٥ _ إنَّ في الانتظار إشارة إلى سُنّة الحياة في التنازع على البقاء، قال تعالى: (وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ) (الحجّ: ٤٠)، إذ من نعوت وشؤون عالم الدنيا التزاحم والتنازع، ومن هنا سمّي عالم المادة عالم التزاحم وبه تنتظم الحركة والسير من مبدأ إلى غاية. والعالم في حركته يتَّجه نحو هذه الغاية والمنتهى وهي حكومة الصالحين بمقتضى الفكر المهدوي، وما دمنا في هذه الحركة فنحن نعيش الانتظار، فهو أمل تبديل ثقافة بثقافة وحياة بحياة وهدف بهدف، وبين مقولة الانتظار واليأس تقابل. فمن فقد الانتظار عاش اليأس، ومن عاش الانتظار هزم اليأس، والانتظار مقولة تحتاج إلى متعلّق وخير متعلّق له هو المهدي الموعود بلحاظ ذاته ومشروعه، ولا تصادم بين مقولة انتظار المهدي وبين (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) (البقرة: ١٥٦)، وبعبارة لا بدَّ للمجتمع الإنساني من تكامل، وذروة ذلك التكامل تتجلّى بظهور الإمام المهدي عليه السلام، فعصره عصر الكمال البشري الإنساني، والأمّة تترقَّب ذلك التكامل للمجتمع البشري، وهي تسير في طريقها لإنجاز ذلك التكامل، فليس دورها معطَّلاً، بل دورها ممهّد لذلك التكامل.
وبهذا البيان يتَّضح، أنَّ الفكرة المهدوية بما لها من مخزون عقائدي وثقافي وإنساني لتكامل البشرية والرقي بها نحو الصلاح والسعادة والعدالة تحرّض جميع البشرية، ولسانها لسان عامّ مستقطب لكلّ الأديان السماوية، فليست هي فكرة انحصارية على خصوص المذهب الحقّ الشيعي، فالإنسان المؤمن والأمّة المؤمنة لا بدَّ أن يحملا هدفاً ويؤمنا به ويضحّيا له، على أن يكون الهدف ممكناً ويصحّ الوصول إليه وهذا معنى: (انتظار الفرج من الفرج)(٢٠٩).

* * *
الفصل التاسع: أزمة الفكر غير الشيعي في المنظومة المهدوية

أزمة فكر المستشرقين في المنظومة المهدوية.
أزمة فكر أبناء العامّة في المنظومة المهدوية.
١ - أزمة فكر المستشرقين في المنظومة المهدوية:
ونقصد أولئك الذين أنكروا فكرة الإمام المهدي عليه السلام من أساسها بأساليب مختلفة، مثل:
أ) أسلوب التشكيك.
ب) أسلوب الإصلاح والنقد العلمي.
جـ) أسلوب تنقيب التراث.
د) أسلوب الحداثة وما بعدها.
هـ) أسلوب العولمة.
فإنَّهم قذفوا الفكرة بالخرافة، والأسطورة، واستعملوا لغة الاستهزاء، ووقفوا على بعض التصرّفات الشاذّة الصادرة عن غير المُدْرَك الشرعي.
ومن جملة المنكرين:
(دونلدسن) في كتابه (عقيدة الشيعة) حيث قال: (الإخفاق الذي أصاب الحكومة الأموية في توطيد أركان العدل هو المنشأ لظهور فكرة المهدي).
ويرى أيضاً أنَّ روايات المهدي عليه السلام موضوعة في عصر ما قبل تدوين السُنّة النبويّة.
وأنَّ الكتب الروائية السُنّية قد خلت من هذه الروايات.
وقال أيضاً: (إنَّ سرّ وضع الحديث عند الشيعة هو أنَّ القرآن غير ذاكر للإمام فاستغلّوا السُنّة لذلك).
وقال (جولدزيهر) في كتابه (دراسات محمّدية): (لا بدَّ من تأسيس فكرة الآمال الصامتة لتهدئة روع الناس، ومن أجلى مظاهر فكرة الآمال الصامتة واقعة المهدي)، وذهب آخر إلى أنَّ فكرة المهدي خيال موجود في قبائل شمال أفريقيا، على أساس الجهل، والتعصّب، والنفوس الميالة إلى عبادة الأصنام، وادّعى أحمد أمين المصري في (المهدي والمهدوية)، وسعد محمّد حسن في (المهدي في الإسلام منذ القدم)، إنَّ فكرة المهدي أنشأها الفاطميون.
٢ - أزمة فكر أبناء العامّة في المنظومة المهدوية:
سجَّل أهل الحديث وأهل التفسير من علماء العامّة، واقعة الغيبة بنحو لا مجال للشكّ فيها، وقذفوا المنكر لها بعدم البصيرة والخبروية، وعدم المعرفة بأدنى موازين الفنّ، ومع هذا اختلفوا مع الشيعة في المسألة في جملة من الاستفسارات بعد إذعانهم بإمكان الالتزام بما روي عن الشيعة، وسنشير إلى بعض تلك الاستفسارات:
١ _ مجهولية ولادته عليه السلام عند الناس توجب الشكّ في الفكر الإمامي والقضيّة المهدوية.
وجوابه من وجهين:
أوّلاً: إنَّ مجهولية الولادة حصلت حتَّى مع الأنبياء كمجهولية ولادة موسى بن عمران عليه السلام، وهكذا مجهولية ولادة إبراهيم عليه السلام.
ثانياً: إنَّ خفاء الولادة للقريب والبعيد وإن كان خلافاً للعادة إلاَّ أنَّ التاريخ حافل بقضايا تستدعي خفاء الولادة لأسباب كثيرة، كما لو تزوَّج الرجل امرأة ثانية وقد أخفى حالها، وكانت قد أنجبت له أطفالاً، وبقي أمره مستوراً حتَّى الوفاة.
٢ _ إنكار جعفر أخي الإمام الحسن العسكري عليه السلام لأنَّه توارث أمواله، ففعله يستلزم ألاَّ وارث للعسكري من الطبقة الأولى.
وجوابه: الاستدلال بفعل جعفر وهو ليس بمعصوم غير وارد، فاحتمال ارتكابه للذنب فضلاً عن صدور الخطأ منه احتمال قائم، ومجرَّد كونه ابن الإمام لا يستدعي عصمته أو تصديقه، وأخوة يوسف عليه السلام خير شاهد، بل إنَّ دواعي إنكار جعفر للولادة وانعدام الوارث الآخر وسمو مقام العسكري عليه السلام حيث إنَّ مقامه ممَّا تُطال له الرقاب وتطمع إليه النفوس وتسعى إليه الرجال فيكون الإنكار أمراً معتدّاً به، فهو ممَّن يجرّ النار إلى قرصه.
ولو صحَّ مثل هذا الاستدلال، لصحَّت دعوى أبي لهب عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، في إنكار الرسالة، وإن اعترفنا بوجود الفارق بين الولادة والرسالة.
٣ _ وصيّة الإمام الحسن العسكري عليه السلام لوالدته وجعلها وصيّة على أمواله مع عدم ذكر القائم في وصيته بجميع أمواله دليل على عدم وجود الولد، ولم يذكر ولده في الوصيّة.
وجوابه: إنَّ الإمام العسكري عليه السلام بعدما أراد إعطاء قيمة قانونية لوصيَّته أشهد على وصيَّته بعض المؤيّدين للحكومة مثل: (مولاه واثق، مولاه محمّد بن مأمون، فتح بن عبد ربّه) وهذا يستدعي عدم ذكر ولده في الوصيّة للحفاظ على دمه.
٤ _ لماذا باقي الأئمّة عليهم السلام لم يعتمدوا على نفس طريقة الإمام الحسن العسكري عليه السلام في الإخفاء إذا كانت النكتة هي الخوف على حياته، إذ لا فرق بينه وبينهم في لزوم حفظ الحياة؟
وجوابه: معروف عند الجميع، بمقتضى روايات المنقذ، أنَّ الإمام الثاني عشر سيمارس دوراً سياسياً فاعلاً جدَّاً، ولم يعيَّن تاريخ نهضته المباركة، فكلّ حاكم يحتمل أن يكون الندّ الأوّل له هو الإمام المهدي عليه السلام، فمشروعه الرئيس هو مناهضة السلاطين، وهذا بخلافه في سائر الأئمّة عليهم السلام فإنَّ الطابع العامّ لسيرتهم هو التأكيد على التقيّة، بل ورد المنع في خوض الصراع السياسي لأسباب مذكورة في محلّها، هذا مضافاً إلى أنَّ دواعي الإخفاء غير ضرورية في الأئمّة السابقين باعتبار وجود حلقات سلسلة الإمامة وعدم انقطاعها بخلاف المهدي المنتظر فلو لم يغب ثمّ قتل كما قتل آباؤه لانقطعت سلسلة الإمامة باعتباره الإمام الأخير فيها وانخرط التخطيط الإلهي، وتوقيفية الأئمّة بالاثني عشر نظير توقيفية الأنبياء بعدد معيَّن.
٥ _ كيف يمكن مع هذه المدّة الطويلة أن لا يتَّصل الإمام بأحد ولا يعرف له مكان؟
وجوابه: نفس ما يقال في الخضر الذي ورد ذكره في القرآن، أو موسى عليه السلام، فبعد مغادرته إلى مدين حيث إنَّ موسى كان نبيّاً قبل أمره بمواجهة فرعون فلم يعرفه أحد حتَّى أمره الله بالدعوة، وهكذا في سفره إلى ميقات ربّه وانحراف قومه في قضيّة السامري، حتَّى أنَّ خليفته هارون لم يطَّلع على تفاصيل ما كان يفعله موسى عليه السلام، وهكذا قصَّة يوسف عليه السلام، حتَّى أنَّ أباه لم يعرف مكانه، وهكذا قصَّة ذي النون يونس النبيّ عليه السلام.
٦ _ أنَّ الإمام مع البعد الزمني يُنسى نسبه، فقيامه إنَّما يكون مقبولاً إذا صاحبته المعجزة، ولكنَّ صدور المعجزة شأن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فيتنافى أمر الإمامة مع الخاتمية.
وجوابه: إنَّ صدور المعجزة لا ينحصر بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، نعم صدور المعجزة مع ادّعاء النبوّة أمر منحصر بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وصدور المعجزة يلازم صدق المدّعي، وقد صدرت المعجزة والكرامة من غير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كما ذكر الله تعالى ذلك بقوله: (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (آل عمران: ٣٧).
وبهذا _ أي إمامة محمّد بن الحسن المولود في (٢٥٥هـ) والمنصَّب للإمامة في (٢٦٠هـ) وهو حيّ يعاصر الأزمات وإفلاس الحضارات في تحقيق الأهداف المنشودة، ولا بدَّ للأمم أن تتكامل بعقولها وقلوبها لتصبح أمّة المهدي وخاتم الأولياء، وله غيبة كبرى بدأت عام (٣٢٩هـ) ولا زالت مستمرّة حتَّى اليوم _ انكشف الفارق بين الفكر الشيعي والفكر الآخر.
فإنَّ أبناء العامّة ليس لعقيدتهم بالمهدي عليه السلام أدنى تأثير على سلوكهم ومواقفهم، وذلك يعود إلى غموض شخصية المهدي عليه السلام، وافتقاد فكرة الإمامة بصورتها الشرعية الصحيحة، لذا كانت قضيّة المهدي عليه السلام قضيّة سطحية تبقى في طيّ النسيان وإن اعترف بعضهم بولادته.
وهذا بخلاف ما عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فهو حلْقة الوصل، وهو الذي يُثبت مشروعية الاجتهاد، ويرتبط الشيعة بالمهدي عليه السلام ارتباطاً روحياً وفقهياً وسلوكياً، وأنَّ فترة الانتظار عند الشيعة هي فترة التغيير والبناء، وبقاء روح المهدي في نفوسهم، وهذا معناه تجلّي أهدافه من رفض الظلم، والشرك، والفساد، والباطل، وحمل فكرة المهدي حمل الأمل والانتصار وتحقيق الإنجازات.
والحاصل أنَّ المهدي عند أبناء العامّة واقعة مستقبلية لا أثر لها في حاضرهم، أمَّا المهدي عند الشيعة فهو الماضي والحاضر والمستقبل، فهو أصل من أصول الدين أو المذهب، وهو مفتاح مشروعية الفقيه، فهو حيّ في الضمير والوجدان والفكر الشيعي.

* * *
الفصل العاشر: اعتماد الموازين في العقيدة المهدوية

طوائف المدّعين.
مناشئ الادّعاء.
مناشئ تأثير الادّعاء على القواعد الجماهيرية.
الملازمات السلبية للادّعاء.
دواعي الانحراف.
الوسائل العلاجية للانحراف.
ورد في الدعاء الشريف: (اللّهمّ عرّفني حجَّتك فإنَّك إن لم تعرّفني حجَّتك ضللت عن ديني)(٢١٠).
إنَّ ثراء القضيّة المهدوية ومفروغيّة تاريخيتها ومقبوليتها عند العقل الديني بمختلف أطيافه وإنْ اختلفت المسمّيات، اقترنت بظاهرة خطيرة وهي الأدعياء، ولم ينفكّ هذا التقارن من حين الولادة إلى حين الإنجاز، بل لا غرابة في ذلك، فإنَّ ظاهرة النبوّة والرسالة على طول خطّ سيرها صحبها المقنّعون أيضاً.
ومن ظريف القول: حينما ادّعى أحدهم النبوّة وكانت معجزتُه رميَ الحصى في الماء فيتفتَّت، فلمَّا طُلب منه استبدال الحصى، قال: أنتم أقسى من فرعون، فإنَّه لم يطلب من موسى استبدال العصى، كما ادّعى ذلك بعض آخر، ولمَّا طُلب منه إظهار معجزته، قال: معجزة مَنْ تُريدون؟ قالوا: معجزة موسى، قال: وما هي؟ قالوا: العصى، فقال: آتوني بأسهل، قالوا: معجزة إبراهيم، وهي صيرورة النار برداً وسلاماً، قال: أريد الأسهل، فقال السلطان: معجزة عيسى، وهي إحياء الموتى، قال: هي ما ساُعطيكم، فإنّي سأقتل السلطان ثمّ أحييه، فقال السلطان: إنّي مصدّق معجزتك، ولا حاجة إلى أن تقوم بذلك، وهكذا حال المزيّفين في القضيّة المهدوية. فهم بين مدّع أنَّه المهدي، أو كونه النائب الخاصّ، أو اليماني، أو الخراساني، أو النفس الزكيّة، أو صاحب الراية السوداء، أو ابن الإمام، أو من الأبدال، أو غيرهم من العناوين الواردة في النصوص.
والمهمّ أن نلاحظ:
طوائف المدّعين:
أوّلاً: أن نقف على طوائف المدَّعين أو من ادُّعي في حقّهم ذلك، على أصناف:
الصنف الأوّل: كمحمّد بن الحنفية، وزيد الشهيد، ومحمّد بن عبد الله الموسوم بالنفس الزكيّة، بل قد ادُّعي في حقّ بعض الأئمّة عليهم السلام أيضاً أنَّه هو المهدي، كالواقفية والباقرية.
الصنّف الثاني: كالمهدي العبّاسي، أو أصحاب الحركة البابيّة، أو محمّد بن أحمد بن المهدي السوداني، وآخرون من الحكّام الأمويين والعبّاسيّين، وغيرهم.
مناشئ الادّعاء:
وثانياً: أنَّ نقف على مناشئ انحراف أرباب هذه الدعوى التي منها:
١ _ الأخذ ببعض الفكر وترك البعض الآخر: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (البقرة: ٨٥).
٢ _ الأخذ بالمتشابه من القرآن وترك محكمه: (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْويلِهِ) (آل عمران: ٧).
٣ _ الأخذ بالجزئيات من دون إرجاعها إلى كلّياتها مع عكوفهم على ذلك.
٤ _ الأخذ بالنصوص الشاذّة، أو النادرة، أو المُعرَض عنها، أو المعارضة للمشهور.
٥ _ السطحيون والمثقّفون غير المتخصّصين، فيسعى مثل هؤلاء للخوض في أبحاث شائكة، وتخصّصية، كمن حفظ شيئاً وغابت عنه أشياءُ.
٦ _ عدم ضبط الثوابت والرجوع والارتكاز إليها، فيتحرَّكون في أفق المتغيّر بمعزَل عن الثابت.
٧ _ عدم تأسيس نظرية معرفية لمادة البحث، أو الخلط في المناهج المعرفية، كالاعتماد على المنامات، أو العلوم الغريبة، أو المكاشفات، وهذه على فرض صحَّتها كبروياً وصغروياً، وكونها حجّة في حقّ صاحبها، لا تصلح أن تكون حجّة له على الآخرين، لاسيّما لمن أراد إثبات دعواه بمثل هذه السُبُل فضلاً عن إثبات حقّانية نفسه بها.
وقد ذُكر في محلّه أنَّه حتَّى من يعتمد على مثل هذه الوسائل فهو يرى أنَّ منها ما هو من دسائس الشيطان، أو أضغاث أحلام، أو أوهام شيطان، ولو صحَّ الاعتماد على هذه الطرق فيلزمه قبول المتنافيين والمتكاذبين.
٨ _ الاعتماد على مباني فاسدة، كمسالك الصوفية، والعلوم الدخيلة على الإسلام، فعن الإمام الهادي عليه السلام: (لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخدّاعين فإنَّهم خلفاء الشيطان ومخرّبوا قواعد الدين، يتزهَّدون لراحة الأجسام، ويتهجَّدون لصيد الأنعام يتوجَّعون عمراً حتَّى يديخوا للايكاف حمراً لا يهلّلون إلاَّ لغرور الناس ولا يقلّلون الغذاء إلاَّ لملأ العساس واختلاس قلوب الدفناس، يكلّمون الناس بإملائهم في الحبّ ويطرحون باذليلائهم في الجبّ أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنّم والتغنية فلا يتبعهم إلاَّ السفهاء ولا يعتقدهم إلاَّ الحمقاء، فمن ذهب إلى زيارة أحد منهم حيّاً وميّتاً فكأنَّما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان، ومن أعان أحداً منهم فكأنَّما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان)، فقال له رجل من أصحابه: وإن كان معترفاً بحقوقكم؟ قال: فنظر إليه شبه المغضب وقال: (دع ذا عنك، من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا أمَا تدري أنَّهم أخس طوائف الصوفية والصوفية كلّهم مخالفونا وطريقتهم مغايرة لطريقتنا وإن هم إلاَّ نصارى أو مجوس هذه الأمّة أولئك الذين يجهدون في إطفاء نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون)(٢١١).
مناشئ تأثير الادّعاء على القواعد الجماهيرية:
وثالثاً: أن نقف على مناشئ التأثير لهذه القوى الظلمانية على القواعد الجماهيرية، والتي منها:
أ _ الجهل، والمبالغة في الغيب، وعزل عالم التزاحم عن الأسباب الطبيعية، وتفسير الظواهر الكونية على أسس تخرّصية.
ب _ الفقر، لكنَّ نفس الفقر ليس منشأ، وإنَّما المنشأ هو الإحساس بالفقر، والمظلومية، والحرمان وتسجيله واحتسابه على المؤسسة الدينية، أو اعتبار أنَّ المؤسسة السياسية هي المؤسسة الدينية، أو الإحساس الموهوم النفسي.
فإنَّ الإحساس بالفقر برؤية سلبية قد يكون منشأ لنفوذ هذا الفكر، إمَّا عن طريق ضخّ الأموال وشراء النفوس، وإمَّا بكون الفقر عاملاً مساعداً للارتباطات الروحية المزيّفة ولو على نحو التخدير أو العجز عن محاربة الفقر بالأسباب الطبيعية، فيتوسَّل بعوامل ما وراء الطبيعة أو العوامل الطبيعية للتغلّب على الفقر، أو البحث عن جهة حاضنة لمحاربة الفقر كفارس الأحلام.
جـ _ تنشيط الخطاب التخويني التكفيري، وإضفاء الحركة الحماسيّة في الخطاب، واستعمال هالة القداسة، وتوزيع أوسمة رمزية للمنتمين.
د _ استعمال أساليب جذّابة خطابياً وتثقيفياً، كمقولة: الفناء في الله، أو العودة إلى الله، أو عين اليقين وحقّ اليقين، فإنَّ بعض هذه الخطابات وإن كانت حقّة، إلاَّ أنَّها توزَّع بأبخس الأثمان وتُعامَل على أساس عرفاني مغلوط، أو الدعوى إلى المبالغة في حبّ آل البيت عليهم السلام إلى حدّ بلوغ مرتبة الباطنية.
هـ _ الهدم المنهجي للشخصية في الأفكار والمعتقد والقيم والسلوك، وذلك عن طريق التكرار والتقليد واستعمال أسلوب العقل الجمعي، والانقياد الأعمى، والتلقين، وخلق روح التمرّد على الروافد الفكرية.
ز _ عزلها عن العلماء وإيجاد روح الكراهية والبغضاء لهم، بل إباحة دمائهم عن طريق تشويه صورهم بكونهم سبباً لعدم ظهور الإمام عليه السلام، أو أنَّ قتل العلماء يعجّل في ظهوره عليه السلام.
٧ _ الازدواجية في العمل، فمن جانب يُدعون إلى طقوس خاصّة دخيلة، ومن جانب تُعطَّل التكاليف الشرعية بدعوى أنَّها تكاليف ظاهرية، وأنَّه لا بدَّ من البلوغ إلى باطن الشريعة، بل بلغ ببعضهم من ارتكاب المحرَّمات أن حرَّم ما هو محلَّل بالضرورة، أو حلَّل ما هو محرَّم كذلك.
الملازمات السلبية للادّعاء:
ورابعاً: أن نقف على ملازمات هذه الدعوى، والتي منها:
أ _ الكذب.
ب _ الإغراء بالجهل.
جـ _ بخس الحقّ.
د _ الهَرْج والمَرْج.
هـ _ السرّية والخفاء في المنهج والسلوك والفكر.
و _ الخدعة والضلالة والحماقة.
ز _ الغلو.
دواعي الانحراف:
وخامساً: أن نقف على دواعي الانحراف، والتي منها:
أ _ الدافع النفسي والعاطفي.
ب _ الدافع الفلسفي وانحراف الفكر.
جـ _ الدوافع السياسية، بين الاختراق من أجهزة خارجية لدوافع متعدّدة، وبين إيجاد الشقاق والخلاف، وبين إحراج المذهب الشيعي، وبين إيجاد مجاميع ضاغطة على الموقف الشيعي، وبين تنشيط من قبل الحكومات الداخلية لمآرب كثيرة، كإشغال الناس، وتصفية المخالفين عن طريقهم، وتبرير فشلهم.
د _ الدافع المادي، ومكاسب الشهرة، وتحصيل حطام الدنيا.
هـ _ الاستعجال وعدم الصبر والجري وراء تحصيل نشوة ولو وهمية للقضيّة المهدوية.
الوسائل العلاجية للانحراف:
وسادساً: أن نقف على المناعات التي يمكن أن تكون علاجاً لهذه الانحرافات، والتي منها:
أ _ اعتماد العلم:
أوّلاً: العلم بأنَّ الحركات الانحرافية موجودة على مرَّ التاريخ.
وثانياً: العلم والوعي على فهم القضيّة المهدوية وفهم الوظائف، وفهم كيفية الانتظار.
ب _ اعتماد مبدأ عدم الوثوق بالفكر الخفي والغريب والشاذ والموهم، وكذا الحركات والقيادات المظنونة والمجهولة والسلوكيّات واللقاءات السرّية.
جـ _ اعتماد أنَّ الأصالة للعمل الشرعي، وإمضاء قانون (أنَّ الله لا يطاع من حيث يعصى)، فالثوابت الشرعية (من الصلاة والصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتراز عن المحرَّمات كإضرار النفس بلا مبرّر شرعي، ومَقْت الفكر الإرهابي لتكفير الآخر وإباحة دمه والتجاوز عن أعراض الناس) لها الأصالة والاعتماد في العمل والتشريع والإمضاء.
د _ اعتماد طريقة التحذير من السلوك والخطاب والمنهج الصوفي.
هـ _ الإذعان بأنَّ الفكر الشيعي أصيل، وله جذور ومنهج من عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا، وهذا الطريق قد رسمه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والعترة الطاهرة عليهم السلام، وبالتالي تُرفض الوجودات النكرة والفكر المبتور والعقيم، فإنّا حقبة زمنية بين ماضٍ معروف ومستقبل مرسوم معلوم، فأيّ اتّجاه لا بدَّ أن يوزن على هذا الأساس، أمَّا الوجود المجهول الذي ليس له فقه مجذَّر، ولا فكر محدَّد، ولا مشروع متكامل وثابت، فلا يمكن قبوله والركون إليه.
و _ اعتماد ثقافة عدم قبول أدعياء العلم اللدنّي، وأدعياء الشذوذ العلمي، وأدعياء الطرق غير المعهودة عقلياً وعقلائياً ودينياً.
ز _ إشاعة ثقافة عدم تشخصن القضيّة المهدوية، وأنَّها منحصرة ومتقولبة بقوالب فردية وشخصية.

* * *
مصادر التحقيق

القرآن الكريم.
الاثنا عشرية: الحرّ العاملي/ ت السيّد مهدي اللازوردي/ دار الكتب العلمية/ قم.
الإحتجاج: الطبرسي/ ت محمّد باقر الخرسان/ مط النعمان/ دار النعمان.
الاختصاص: الشيخ المفيد/ ت عليّ أكبر غفاري/ جماعة المدرسين/ قم.
اختيار معرفة الرجال: الشيخ الطوسي/ ط ١٤٠٤هـ/ مؤسسة أهل البيت/ قم.
الإرشاد: المفيد/ ت مؤسسة آل البيت/ ط٢/ ١٤١٤هـ .
الأسفار الأربعة: الملا صدر الدين محمّد الشيرازي/ بيروت.
الأصول العامّة للفقه المقارن: محمّد تقي الحكيم/ ط ٢/ ١٩٧٩م/ آل البيت.
أضواء على الصحيحين: محمّد صادق النجمي/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مؤسسة المعارف الإسلاميّة/ قم.
الأمالي: الشيخ المفيد/ ت عليّ أكبر الغفاري/ نشر جماعة المدرسين قم.
الإمام الثاني عشر: السيد محمد سعيد الموسوي/ منشورات مكتبة نينوى/ كربلاء/ مطبعة القضاء/ النجف ١٣٩٣ _ ١٩٧٣م.
الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
الأنوار القدسية: محمّد حسين الأصفهاني/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسسة المعارف الإسلاميّة/ قم.
بحار الأنوار: المجلسي/ مؤسسة الوفاء/ بيروت/ ١٤٠٣ هـ .
بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفار/ ط ١٤٠٤/ مط أحمدي/ طهران.
البيان في تفسير القرآن: السيّد الخوئي/ ط ٤/ ١٣٩٥هـ/ دار الزهراء/ بيروت.
تاريخ ابن خلدون: ابن خلدون/ ط ٤/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
التاريخ الكبير: البخاري/ المكتبة الإسلاميّة/ تركيا.
تذكرة الحفّاظ: الذهبي/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
تفسير العياشي: العياشي/ المكتبة العلمية الإسلامية/ طهران/ ١٣٨٠هـ.
تفسير القمي: عليّ بن إبراهيم القمي/ مؤسسة دار الكتاب قم/ ط ٣.
الثاقب في المناقب: ابن حمزة الطوسي/ ت نبيل رضا علوان/ ط ٢.
الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي/ مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام/ قم.
الخصال: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر غفاري/ الناشر جماعة المدرسين قم.
الدر المنثور: جلال الدين السيوطي/ ط ١/ ١٣٦٥هـ/ دار المعرفة.
رجال النجاشي: أبي العباس أحمد النجاشي/ ت الزنجاني/ ط ٥/ ١٤١٦هـ/ طبع ونشر جماعة المدرسين/ قم.
روضة الواعظين: محمّد بن الفتال النيسابوري/ منشورات الرضي/ قم.
سنن أبي داود: أبو داود السجستاني/ مط دار الفكر بيروت/ ط ١/ ١٤١٠هـ .
شرح الأسماء الحسنى: الملاّ هادي السبزواري/ منشورات مكتبة بصيرتي/ قم.
شرح مسلم: النووي/ ط ١٤٠٧هـ/ دار الكتاب العربي/ بيروت.
صحيح البخاري: البخاري/ دار الفكر/ ط١/ ١٤١١هـ .
صحيح مسلم: مسلم ابن الحجاج النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
الصراط المستقيم: عليّ العاملي/ ت محمّد باقر البهبودي/ ط١.
الطبقات الكبرى: محمّد بن سعد/ دار صادر/ بيروت.
علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ مط الحيدرية/ النجف/ ١٣٨٦هـ .
عوالي اللئالي: ابن أبي جمهور الاحسائي/ الطبعة الأولى/ ١٤٠٣هـ/ قم.
عيون أخبار الرضا عليه السلام: الشيخ الصدوق/ مط الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ بيروت.
الغيبة: الطوسي/ مؤسسة المعراف الإسلاميّة/ ط١/ ١٤١١هـ .
الغيبة: محمّد بن إبراهيم النعماني/ منشورات أنوار الهدى/ قم/ الطبعة الأولى.
فتح الباري: ابن حجر/ دار المعرفة/ بيروت/ الطبعة الثانية.
فرائد الأصول: الشيخ الأنصاري/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مجمع الفكر الإسلامي/ قم.
الفصول المهمة: ابن الصباغ المالكي/ مط العدل/ ط ١/ ١٩٥٠م.
الكافي: الشيخ الكليني/ ط ٣/ ١٣٨٨هـ/ عليّ أكبر غفاري/ دار الكتب الإسلامية.
الكشاف: الزمخشري/ دار الكتاب العربي/ بيروت.
كشف الغمّة: الأربلي/ ط ٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
كفاية الأثر: الخزّاز القمي/ منشورات بيدار/ قم/ ١٤٠١ هـ.
كمال الدين: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر غفاري/ ط ١٤٠٥هـ .
كنز العمّال: المتقي الهندي/ ت مجموعة/ مطبع ونشر/ مؤسسة الرسالة/ بيروت.
مجمع البيان: الطبرسي/ مؤسسة الأعلمي/ بيروت/ الطبعة الأولى/ ١٤١٥هـ.
المحاسن: البرقي/ ت جلال الدين الحسيني/ دار الكتب الإسلامية.
مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ مط الحيدرية/ النجف.
المزار: محمّد بن المشهدي/ ط١/ ١٤١٩هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم.
مصباح المتهجّد: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مؤسسة فقه الشيعة/ بيروت.
المصباح: الكفعمي/ ط ٣/ ١٤٠٣هـ/ مؤسسة الأعلمي/ بيروت.
مطالب السؤول: ابن طلحة الشافعي/ ت ماجد أحمد العطية/ ط: طهران.
معاني الأخبار: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر غفاري/ ط ١٣٦١هـ .
معجم أحاديث الإمام المهدي: علي الكوراني/ ط١/ ١٤١١هـ/ مؤسسة المعارف.
معجم رجال الحديث: السيّد الخوئي/ ط ٥/ ١٤١٣هـ/ ت لجنة.
الملاحم والفتن: ابن طاووس/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسسة صاحب الأمر/ أصفهان.
المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي: مركز الرسالة/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مط مهر/ قم.
المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة: البستوي/ ط ١/ ١٤٢٠هـ/ دار ابن حزم/ بيروت.
الميزان في تفسير القرآن: السيّد الطباطبائي/ مؤسسة النشر الإسلامي/ جماعة المدرسين/ قم.
نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام/ ت محمّد عبده/ دار المعرفة/ بيروت.
الهداية الكبرى: الخصيبي/ ط ٤/ ١٤١١هـ/ مؤسسة البلاغ/ بيروت.
وسائل الشيعة: الحرّ العاملي/ مط مهر/ قم/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ ت مؤسسة آل البيت.
وفيات الأعيان: ابن خلكان/ ت محمّد محي الدين عبد الحميد/ مط السعادة/ ط١/ ١٣٦٧هـ/ مصر.

* * *



 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) الغيبة للطوسي: ٣٣٩ و٣٤٠/ ح ٢٨٨، وفيه (ص ٣٣٩/ ح ٢٨٧) عن جابر الجعفي، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: متى يكون فرجكم؟ فقال: (هيهات لا يكون فرجنا حتّى تغربلوا ثمّ تغربلوا ثمّ تغربلوا - يقولها ثلاثاً - حتّى يذهب الكدر ويبقى الصفو).
وعن أبي عبد الله عليه السلام: (إنَّ أصحاب موسى ابتلوا بنهر وهو قول الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ)، وإنَّ أصحاب القائم يبلتون بمثل ذلك) (الغيبة للطوسي: ٤٧٢/ ح ٤٩١)، بناءً على أنَّ أصحاب القائم يشملون حتَّى أصحاب الانتظار.
(٢) الخصال: ١٨٦/ ح ٢٥٧.
(٣) الكافي ١: ٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٦.
(٤) نهج البلاغة: الخطبة ١٩٢ المسمّاة بـ (القاصعة).
(٥) كنز العمّال ١١: ١٢٧.
(٦) شرح الأسماء الحسنى ١: ٦٨.
(٧) الأسفار ٣: ١٨٥.
(٨) بحار الأنوار ٥٨: ٢٠٢ و٢٠٣.
(٩) الاحتجاج ٢: ٢٨٩؛ بحار الأنوار ٢٥: ٢٦٧/ باب ١٠/ ح ٩.
(١٠) الكافي ١: ١٥/ كتاب العقل والجهل/ ح ١٢.
(١١) نهج البلاغة ٣: ٧٠/ ح ٤٥.
(١٢) نهج البلاغة ٤: ٣/ ح ١.
(١٣) عوالي اللئالي ١: ٨٩/ ح ٢٤.
(١٤) الكافي ١: ٥٠/ ح ١٠.
(١٥) الكافي ٢: ٣٦٢/ باب التهمة وسوء الظنّ/ ح ٣.
(١٦) الكافي ١: ٢٦ و٢٧/ كتاب العقل والجهل/ ح ٢٩.
(١٧) نهج البلاغة ١: ٨٩/ الخطبة ٣٨.
(١٨) نهج البلاغة ٢: ١٤٢ و١٤٣/ الخطبة (١٩٢) المسمّاة بالقاصعة.
(١٩) نهج البلاغة ١: ١٨٣/ الخطبة ٩٣.
(٢٠) أمالي المفيد: ٢٢٧ و٢٢٨.
(٢١) كما في: كفاية الأثر: ١٢٠؛ وكمال الدين ١: ٣٢٥؛ والغيبة للطوسي: ١٠١.
(٢٢) مصباح المتهجّد: ٨٠٣ و٨٠٤/ ح (٨٦٦/٩).
(٢٣) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٣٧/ ح ٢٢.
(٢٤) مقتبس من دعاء الندبة.
(٢٥) جنّة المأوى للشيخ النوري المطبوع في ذيل الجزء (٥٣) من البحار (ص ٢٠٠).
(٢٦) الاختصاص: ٢٥٧؛ بحار الأنوار ٥٢: ٢٣٨/ ح ١٠٥.
(٢٧) كمال الدين: ٥١١/ باب ٤٥/ ح ٤٢.
(٢٨) الغيبة للطوسي: ٢٨٥/ بعض ما ظهر من جهته عليه السلام من التوقيعات/ ح ٢٤٥.
(٢٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٧/ ح ٢١٦.
(٣٠) كمال الدين: ٤٤٥/ باب ٤٣/ ح ١٨.
(٣١) الأنوار القدسية: ١١٩، والشعر للشيخ محمّد حسين الأصفهاني الكمبائي.
(٣٢) موسوعة الكتاب المقدَّس/ سفر التكوين/ ج ١/ ص ٦٥؛ وانظر: تفسير الميزان ٧: ٢٢٣.
(٣٣) أنظر: البيان في تفسير القرآن/ السيّد الخوئي: ٥١.
(٣٤) البيان في تفسير القرآن: ٥١.
(٣٥) أنظر: البيان في تفسير القرآن: ٥٢.
(٣٦) المصدر السابق.
(٣٧) المزار لابن المشهدي: ٥٣٢، من الزيارة الجامعة الكبيرة.
(٣٨) الخصال: ٦١٤.
(٣٩) نهج البلاغة ٤: ٢٨/ ح ١١٧.
(٤٠) بحار الأنوار ٣٦: ٢٢٢ و٢٢٣/ ح ٢١.
(٤١) الغيبة للنعماني: ٢٢٢ و٢٢٣/ باب ١٣/ ح ٢.
(٤٢) بحار الأنوار ٥١: ١٤٥/ باب ٦/ ح ١٢.
(٤٣) كمال الدين: ٢٨٦/ باب ٢٥/ ح ١.
(٤٤) أمالي الطوسي: ٤١٢/ ح (٩٢٥/٧٣).
وقال المجلسي رحمه الله: أقول: وعيَّن الشيخ في المصباحين والسيّد ابن طاوس في كتاب الإقبال وسائر مؤلّفي كتب الدعوات ولادته عليه السلام في النصف من شعبان وقال في الفصول المهمّة: ولد عليه السلام بسُرَّ من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومأتين (نقل من خطّ الشهيد عن الصادق عليه السلام قال: (إنَّ الليلة التي يولد فيها القائم عليه السلام لا يولد فيها مولود إلاَّ كان مؤمناً، وإن ولد في أرض الشرك نقله الله إلى الإيمان ببركة الإمام عليه السلام)). (بحار الأنوار ٥١: ٢٨).
فإنَّ هذه الخصوصية إمَّا أن نقول: إنَّها ثابتة لجميع الأئمّة كما يشهد له إطلاق الإمام في رواية الطوسي، وحينئذٍ ذكر الإمام المهدي في رواية الشهيد يكون من باب التطبيق ولو بواسطة الشهيد وإمَّا أن نقول: هذه الخصوصية انحصارية للإمام المهدي عليه السلام وأنَّ الرواية الأولى إمَّا مجملة وإمَّا مطلقة مقيّدة بالرواية الثانية.
(٤٥) الغيبة للنعماني: ٢٤٥/ ح ٣١.
(٤٦) معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام ٣: ١٢١، نقلاً عن إثبات الهداة ٣: ٥٨٧/ باب ٣٢/ ح ٨٠٤ .
(٤٧) كمال الدين: ٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١٢.
(٤٨) عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : (في قول الله: ... (وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ) يعني يبطله (وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ) يعني بالنبيّ وبالأئمّة والقائم من آل محمّد) (تفسير القمي ٢: ٢٧٥).
(٤٩) عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (معاشر الناس إنّي نبيّ وعلي وصيّ، ألا إنَّ خاتم الأئمّة منّا القائم المهدي...) إلى أن قال: (ألا إنَّه الباقي حجّة ولا حجّة بعده ولا حقّ إلاَّ معه ولا نور إلاَّ عنده) (الاحتجاج ١: ٨٠).
(٥٠) الخرائج والجرائح ٢: ٦٩٠/ ح ١.
(٥١) الملاحم والفتن: ١٥٠.
(٥٢) الكافي ١: ٢٣١/ باب ما عند الأئمّة من آيات الأنبياء عليهم السلام/ ح ١.
(٥٣) الغيبة للطوسي: ١٤٨/ رقم ١٠٩.
(٥٤) أنظر: الصراط المستقيم ٢: ٢٣٨.
(٥٥) الغيبة للنعماني: ٣٢١/ باب ٢٠/ ح ٣.
(٥٦) تفسير العياشي ١: ١٩٩/ ح ١٤٥.
(٥٧) كمال الدين: ٤٨٣ - ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٥٨) الغيبة للنعماني: ٢٩٠/ باب ١٤/ ح ٦٧.
(٥٩) الكافي ١: ٣٨٩/ باب خلق أبدان الأئمّة وأرواحهم وقلوبهم عليهم السلام/ ح ٢.
(٦٠) الملاحم والفتن: ١٣٧/ باب ١٣٠/ ح ١٥٧.
(٦١) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في بيت اُمّ سَلَمة، فأنزل الله هذه الآية: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، فدعا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالحسن والحسين وفاطمة وأجلسهم بين يديه، فدعا علياً فأجلسه خلف ظهره، وقال: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً). فقالت اُمّ سَلَمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ فقال لها: (إنَّك إلى خير). فقلت: يا رسول الله لقد أكرم الله هذه العترة الطاهرة والذرّية المباركة بذهاب الرجس عنهم. قال: (يا جابر لأنَّهم عترتي من لحمي ودمي، فأخي سيّد الأوصياء، وابني خير الأسباط، وابنتي سيّدة النسوان، ومنّا المهدي)، قلت: يا رسول الله ومن المهدي؟ قال: (تسعة من صلب الحسين أئمّة أبرار، والتاسع قائمهم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً، يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل) (كفاية الأثر: ٦٦).
(٦٢) الغيبة للنعماني: ٢٩٤ و٢٩٥/ باب ١٥/ ح ٢.
(٦٣) كقوله تعالى: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَْمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (القصص: ١٨)، وقوله تعالى: (فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص: ٢١)، وقوله تعالى: (لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى) (طه: ٧٧).
(٦٤) عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام يقول: (الزم الأرض لا تحرّكنَّ يدك ولا رجلك أبداً حتَّى ترى علامات أذكرها لك في سنة...) إلى أن قال: (ويظهر السفياني ومن معه حتَّى لا يكون له همّة إلاَّ آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وشيعتهم، فيبعث بعثاً إلى الكوفة، فيصاب بأناس من شيعة آل محمّد بالكوفة قتلاً وصلباً...) (أنظر: تفسير العياشي ١: ٦٤/ ح ١١٧).
(٦٥) كمال الدين: ٢٨٦/ باب ٢٥/ ح ١.
(٦٦) تفسير مجمع البيان ٥: ٤٥ بتصرّف.
(٦٧) معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام ٥: ١٤٣/ ح ١٥٦٢.
(٦٨) قال علي بن إبراهيم القمي: حدَّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمرو بن أبي شيبة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول ابتداءً منه: (... (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ))، قال: (الكتب كلّها ذكر (أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ))، قال: (القائم عليه السلام وأصحابه)، قال: (والزبور فيه ملاحم وتحميد وتمجيد ودعاء)، وقوله: (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)، قال: (معناه لا تدعو للكفّار، والحقّ الانتقام من الظالمين)، ومثله في سورة آل عمران: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَْمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ). (أنظر: تفسير القمي ٢: ٧٧ و٧٨).
(٦٩) الغيبة للطوسي: ١٨٤/ ح ١٤٣.
(٧٠) كمال الدين: ٥١/ باب ٣٣/ ح ٢٢.
(٧١) كمال الدين: ٢٨٦/ باب ٢٤/ ح ١.
(٧٢) أنظر: الأصول العامّة للفقه المقارن/ محمّد تقي الحكيم: ٢٤٢.
(٧٣) صحيح مسلم ٨ : ٢٧/ باب من لعنه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
(٧٤) تذكرة الحفّاظ ١: ٢ و٣.
(٧٥) قال صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة له: (أيّها الناس قد كثرت عليَّ الكذّابة فمن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوء مقعده من النار). (الكافي ١: ٦٢/ باب اختلاف الحديث/ ح ١).
(٧٦) عن عائشة قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتَّى أنَّه ليخيَّل إليه أنَّه يفعل الشيء وما فعله حتَّى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه، ثمّ قال: (أشعرت يا عائشة أنَّ الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟)، قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: (جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ثمّ قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق، قال: فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان)، قال: فذهب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل ثمّ رجع إلى عائشة فقال: (والله لكأنَّ ماءها نقاعة الحناء ولكأنَّ نخلها رؤس الشياطين)، قلت: يا رسول الله أفأخرجته؟ قال: (لا، أمَّا أنا فقد عافاني الله وشفاني وخشيت أن أثور على الناس منه شرّاً) وأمر بها فدفنت. (صحيح البخاري ٧: ٣٠).
(٧٧) راجع: الاحتجاج ١: ٨١ .
(٧٨) صحيح مسلم ٨ : ٢٢٩/ باب التثبّت في الحديث...
(٧٩) سنن أبي داود ٢: ١٧٦/ باب في كتاب العلم/ ح ٣٦٤٦.
(٨٠) راجع رواية الخطيب البغدادي بسنده عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه في قضيّة إبادة الصحيفة.
(٨١) راجع: تدوين السُنّة الشريفة للسيّد محمّد رضا الجلالي.
(٨٢) الاحتجاج ١: ١٥٥.
(٨٣) وسائل الشيعة ١٢: ٤٨٣/ باب ٤٢/ ح (١٦٨٤٢/٢).
(٨٤) كنز العمّال ٨ : ٦٠٠/ ح ٢٤٣٢٩.
(٨٥) التاريخ الكبير/ البخاري ٢: ٢٥٥/ باب الواحد/ ح ٢٣٧٧.
(٨٦) الطبقات الكبرى ٢: ٣٣٦.
(٨٧) أنظر: أضواء على الصحيحين/ محمّد صادق النجمي: ٧٣.
(٨٨) فرائد الأصول ١: ١٨٤.
(٨٩) رجال النجاشي: ١٠/ الرقم ٧.
(٩٠) معاني الأخبار: ١/ ح ١.
(٩١) كما عن ابن خلدون، راجع: المهدي والمهدوية لأحمد أمين، والإمام الصادق لأبي هريرة.
(٩٢) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (ج ١/ ص ٢٤): (وصنَّف الدارقطني وأبو ذر الهروي في هذا النوع الذي ألزموهما وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة فإنَّهما لم يلتزما استيعاب الصحيح بل صحَّ عنهما تصريحهما بأنَّهما لم يستوعباه وإنَّما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنّف في الفقه جمع جملة من مسائله لا أنَّه يحصر جميع مسائله)، بل قال ابن حجر في مقدّمة فتح الباري (ص ٥): إنَّ أبا علي الغساني روى عن البخاري أنَّه قال: خرَّجت الصحيح من ستّمائة ألف حديث. وروى عنه الإسماعيلي أنَّه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلاَّ صحيحاً وما تركت من الصحيح أكثر، فالبخاري لم يحكم بضعف كلّ حديث لم يروه، بل ما حكم عليه بالصحَّة يزيد على مجموع ما أخرجه عشرات المرَّات.
(٩٣) صحيح البخاري ٤: ١٤٣.
(٩٤) صحيح مسلم ٨ : ١٨٥.
(٩٥) راجع: المهدي المنتظر عليه السلام في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة/ عبد العليم البستوي: ٣٦.
(٩٦) راجع: عقيدة أهل السُنّة والأثر/ عبد المحسن عبادة/ مجلة رسالة الثقلين/ عدد ٢٥.
(٩٧) أنظر: المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة: ٤٥، نقلاً عن الإذاعة: ١٤٥ و١٤٦.
(٩٨) تاريخ ابن خلدون ١: ٣٢٢.
(٩٩) تاريخ ابن خلدون ١: ٣٢٧.
(١٠٠) كفاية الأثر: ١٥٥.
(١٠١) قال في كتابه مطالب السؤول (ص ٤٨٠): (الباب الثاني عشر: في أبي القاسم عليه السلام... فأمَّا مولده فبسُرَّ من رأى في ثالث وعشرين رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين للهجرة).
(١٠٢) قال في كتابه وفيات الأعيان (ج ٢/ ص ٩٤/ الرقم ١٦٩): (أبو محمّد العسكري... وهو والد المنتظر صاحب السرداب).
(١٠٣) قال في كتابه الفصول المهمّة (ج ٢/ ص ١٠٩٥): (الفصل الثاني عشر: في ذكر أبي القاسم محمّد الحجّة الخلف الصالح ابن أبي محمّد الحسن الخالص عليه السلام وهو الإمام الثاني عشر وتاريخ ولادته ودلائل إمامته).
(١٠٤) الكافي ٢: ١٨/ باب دعائم الإسلام/ ح ٣.
(١٠٥) الكافي ١: ١٨٥ و١٨٦/ باب فرض طاعة الأئمّة عليهم السلام/ ح ١.
(١٠٦) الكافي ٢: ١٨/ باب دعائم الإسلام/ ح ٥.
(١٠٧) تفسير القمي ٢: ٢٥٠؛ بحار الأنوار ٢٣: ٨٠/ باب وجوب معرفة الإمام.../ ح ١٦.
(١٠٨) الكافي ١: ١٨٠/ باب معرفة الإمام والردّ إليه/ ح ١.
(١٠٩) كمال الدين: ٥٠٩/ باب ذكر التوقيعات/ ح ٣٩.
(١١٠) كمال الدين: ٥٠٢/ باب ٤٥/ ح ٣١.
(١١١) الغيبة للطوسي: ٣٢٢/ الرقم ٢٧٠.
(١١٢) أسندها الطوسي عن الكليني في الغيبة: ٢٩٧ و٢٩٨/ الرقم ٢٥٣.
(١١٣) الغيبة للطوسي: ٣٠٣/ الرقم ٢٥٦.
(١١٤) الإرشاد ٢: ٣٦٣ و٣٦٤.
(١١٥) الغيبة للطوسي: ٣٥٥/ الرقم ٣١٦.
(١١٦) الغيبة للطوسي: ٢٥٤ - ٢٥٧/ الرقم ٢٢٤.
(١١٧) الغيبة للطوسي: ٢٦٢/ الرقم ٢٢٧.
(١١٨) الغيبة للطوسي: ٢٦٢/ الرقم ٢٢٨.
(١١٩) أنظر: معجم رجال الحديث ١٢: ٢١٢.
(١٢٠) الغيبة للطوسي: ٢٧١/ الرقم ٢٣٦؛ الاحتجاج ٢: ٢٩٨، وفيه: (طلباً شافياً) بدل (طلباً شاقّاً).
(١٢١) وسائل الشيعة/ آل البيت ٤: ٢٠١/ ح (٤٩١٩/٧).
(١٢٢) كمال الدين: ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٦.
(١٢٣) بحار الأنوار ٥٢: ٥٤/ باب ذكر من رآه صلوات الله عليه/ ح ٣٨.
(١٢٤) مرهت العين مرهاً: إذا فسدت لترك الكحل، وإسناد الكحل إليه مجازي، أو أطلق المرة على العين المرهاء مجازاً. وفي بعض النسخ: (وأكحل ناظري).
(١٢٥) المصباح للكفعمي: ٥٥١؛ بحار الأنوار ٨٣ : ٢٨٥/ ح ٤٧.
(١٢٦) الغيبة للطوسي: ٣٥٠/ الرقم ٣٠٩.
(١٢٧) الكافي ١: ٣٣٠/ باب في تسمية من رآه عليه السلام/ ح ١.
(١٢٨) اختيار معرفة الرجال ٢: ٧٨٤/ ح ٩٣٥.
(١٢٩) وسائل الشيعة/ الإسلاميّة ١٨: ١٠٧/ باب ١١/ ح ٣٥.
(١٣٠) الاختصاص: ٨٧ .
(١٣١) كمال الدين: ٤٨٣ و٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
(١٣٢) كمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(١٣٣) الكافي ١: ٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٧.
(١٣٤) الإمامة والتبصرة: ١٢٠/ باب في الغيبة/ ح ١١٤.
(١٣٥) الكافي ١: ٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٧.
(١٣٦) كمال الدين: ٣١٦/ باب ٢٩/ ح ٢.
(١٣٧) كمال الدين: ٣١٧/ باب ٣١/ ح ٢.
(١٣٨) كمال الدين: ٣٢٢ و٣٢٣/ باب ٣١/ ح ٦.
(١٣٩) كمال الدين: ٣٢٥/ باب ٣٢/ ح ١.
(١٤٠) كمال الدين: ٣٤٣/ باب ٣٢/ ح ٢٥.
(١٤١) الكافي ١: ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢.
(١٤٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٤٧/ ح ٦.
(١٤٣) كمال الدين: ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٢.
(١٤٤) الغيبة للنعماني: ١٩١/ ح ٣٦.
(١٤٥) الاحتجاج ١: ٩.
(١٤٦) كمال الدين: ٤٠٩/ ح ٩.
(١٤٧) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها فيها نجى ومن تخلَّف عنها غرق) (بصائر الدرجات: ٣١٧/ باب ١٣/ ح ٤).
(١٤٨) عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض) (كمال الدين: ٢٠٥/ باب ٢١/ ح ١٩).
(١٤٩) قال أبو عبد الله عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات وهو لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية) (المحاسن: ١٥٤/ باب ٢٢/ ح ٧٨).
(١٥٠) عن ابن مسعود، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (الخلفاء بعدي اثنا عشر، كعدّة نقباء بني إسرائيل) (أمالي الصدوق: ٣٨٧/ ح (٤٩٨/٧)؛ عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم هم خلفائي وأوصيائي وأوليائي وحجج الله على أمّتي بعدي، المقرّ بهم مؤمن والمنكر لهم كافر) (عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٦٢/ ح ٢٨).
(١٥١) عن جابر، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (دعا رسول الله أصحابه بمنى، قال: يا أيّها الناس إنّي تارك فيكم الثقلين أما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض...) (بصائر الدرجات: ٤٣٣/ باب ١٧/ ح ٣).
(١٥٢) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: (من سرَّه أن ينظر إلى الله بغير حجاب وينظر الله إليه بغير حجاب فليتول آل محمّد، وليتبرَّأ من عدوّهم، وليأتمّ بإمام المؤمنين منهم فإنَّه إذا كان يوم القيامة نظر الله إليه بغير حجاب ونظر إلى الله بغير حجاب) (المحاسن ١: ٦٠/ باب ٧٨/ ح ١٠١).
(١٥٣) عن محمّد بن مسلم قال: سمعت حمران بن أعين وأبا الخطاب يحدّثان جميعاً قبل أن يحدث أبو الخطاب ما أحدث أنَّهما سمعا أبا عبد الله عليه السلام يقول: (أوّل من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي عليهما السلام وإنَّ الرجعة ليست بعامّة وهي خاصّة لا يرجع إلاَّ من محض الإيمان محضاً أو محض الشرك محضاً) (مختصر بصائر الدرجات: ٢٤).
(١٥٤) نهج البلاغة ٤: ٣٧/ ح ١٤٧.
(١٥٥) عن عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني) (الكافي ٨ : ٣١٠/ ح ٤٨٣)، وغيرها من الروايات.
(١٥٦) كمال الدين: ٣٠٣/ باب ٢٦/ ح ١٤.
(١٥٧) كمال الدين: ٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٩.
(١٥٨) الإمامة والتبصرة: ١٣٠/ باب في آيات ظهوره عليه السلام/ ح ١٣٦.
(١٥٩) كمال الدين: ٥٢٤/ باب ٤٦/ ح ٤.
(١٦٠) عن إبراهيم الكرخي، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام - أو قال له رجل -: أصلحك الله ألم يكن علي عليه السلام قويّاً في دين الله عز وجل؟
قال: (بلى)، قال: فكيف ظهر عليه القوم، وكيف لم يدفعهم وما يمنعه من ذلك؟ قال: (آية في كتاب الله عز وجل منعته)، قال: قلت: وأيّة آية هي؟ قال: (قوله عز وجل: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَليماً) إنَّه كان لله عز وجل ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي عليه السلام ليقتل الآباء حتَّى يخرج الودائع فلمَّا خرجت الودائع ظهر على من ظهر فقاتله. وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبداً حتَّى تظهر ودائع الله عز وجل فإذا ظهرت ظهر على من يظهر فقتله) (كمال الدين: ٦٤٢).
(١٦١) الغيبة للنعماني: ٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٣.
(١٦٢) كمال الدين: ٤٨٢/ باب ٤٥/ ح ١١.
(١٦٣) الخرائج والجرائح ١: ٤٧٨/ باب ١٣/ ح ١٩.
(١٦٤) كمال الدين: ٤٠٨/ باب ٣٨/ ح ٤.
(١٦٥) كمال الدين: ٤٢٤ - ٤٢٦/ باب ٤٢/ ح ١.
(١٦٦) الغيبة للطوسي: ٢٤٥/ الرقم ٢١٣.
(١٦٧) كمال الدين: ٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٨ .
(١٦٨) كمال الدين: ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٥.
(١٦٩) الكافي ٨ : ٢٩٥/ باب الملاحم والفتن/ ح ٤٥٢.
(١٧٠) الغيبة للنعماني: ١١٥/ باب ٥/ ح ١٠.
(١٧١) المزار لابن المشهدي: ١٣٥/ باب ٥/ ح ٧.
(١٧٢) الغيبة للنعماني: ٢٤٣/ ح ٢٦.
(١٧٣) الغيبة للنعماني: ١٤٤/ باب ١٠/ ح ٣.
(١٧٤) الكافي ١: ٢٣/ كتاب العقل والجهل/ ح ١٥.
(١٧٥) نهج البلاغة ٢: ٢١/ ح ١٣٨.
(١٧٦) تفسير القمي ١: ٣٣.
(١٧٧) الكافي ١: ٢٩٣/ باب الإشارة والنصّ على أمير المؤمنين عليه السلام/ ح ٣.
(١٧٨) الكافي ٨ : ١١٧/ باب أمره سبحانه رسوله بالوصيّة.../ ح ٩٢.
(١٧٩) الثاقب في المناقب: ١٩٠/ باب ٢/ ح (١٧١/١).
(١٨٠) أنظر: الإمام الثاني عشر عليه السلام/ السيّد محمّد سعيد الموسوي: ٤٢ عنه.
(١٨١) أمالي المفيد: ٢١١ و٢١٢/ ح ١.
(١٨٢) روضة الواعظين: ٤٨٥.
(١٨٣) أنظر: تفسير القمي ٢: ٣٠٣ - ٣٠٧.
(١٨٤) أي تنفَّس الصعداء.
(١٨٥) الملاحم والفتن: ٣٦٩/ ح ٥٤٢.
(١٨٦) الملاحم والفتن: ٣٧٠.
(١٨٧) بحار الأنوار ٨٣ : ٦٣/ ح ١.
(١٨٨) الغيبة للنعماني: ٢٦٧/ باب ١٤/ ح ١٨.
(١٨٩) الهداية الكبرى: ٤٠٣.
(١٩٠) الكافي ١: ٢٩٣/ باب الإشارة والنصّ على أمير المؤمنين عليه السلام/ ح ٣.
(١٩١) عن المفضَّل بن عمر، قال: سألت سيّدي الصادق عليه السلام: هل للمأمول المنتظر المهدي عليه السلام من وقت موقَّت يعلمه الناس؟ فقال: (حاش لله أن يوقّت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا)، قلت: يا سيّدي ولِمَ ذاك؟ قال: (لأنَّه هو الساعة التي قال الله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالأَْرْضِ...) الآية) (مختصر بصائر الدرجات: ١٧٩).
(١٩٢) عن أحمد بن محمّد بن المنذر ابن حيفر، قال: قال الحسن بن علي عليهما السلام: (سألت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الأئمّة بعده، فقال: الأئمّة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل اثنا عشر، أعطاهم الله علمي وفهمي، وأنت منهم يا حسن، قلت: يا رسول الله فمتى يخرج قائمنا أهل البيت؟ قال: يا حسن إنَّما مثله كمثل الساعة (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالأَْرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً)) (كفاية الأثر: ١٦٨).
(١٩٣) كمال الدين: ١٥٢/ باب ٦/ ح ١٥.
(١٩٤) مختصر بصائر الدرجات: ١٧٩.
(١٩٥) كشف الغمّة ٣: ٢٧٣؛ بحار الأنوار ٥١: ٨٣ .
(١٩٦) صحيح البخاري ٦: ٢٠ و٢١.
(١٩٧) مختصر بصائر الدرجات: ١٧٩.
(١٩٨) راجع: كتاب حقيقة علم آل محمّد وجهاته للسيّد علي عاشور.
(١٩٩) الكشّاف ٢: ١٣٥.
(٢٠٠) الدرّ المنثور ٦: ٣١٨.
(٢٠١) علل الشرائع ١: ١٣٩ و١٤٠/ باب ١١٩/ ح ٢.
(٢٠٢) الكافي ١: ٣٧٢/ باب أنَّه من عرف إمامه.../ ح ٧.
(٢٠٣) الغيبة للنعماني: ٣٥٢/ باب ٢٥/ ح ٦.
(٢٠٤) عن عبد الله بن مطيع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) (صحيح مسلم ٦: ٢٢/ باب حكم من فرَّق أمر المسلمين).
(٢٠٥) بحار الأنوار ٥٣: ٩٦/ ح ١١٠ دعاء العهد.
(٢٠٦) كمال الدين: ٣٥٣ و٣٥٤/ باب ٣٣/ ح ٥٠.
(٢٠٧) مصباح المتهجّد: ٦١/ ح (٩٦/٦٩).
(٢٠٨) المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي/ مركز الرسالة: ١٣.
(٢٠٩) الغيبة للطوسي: ٤٥٩/ ح ٤٧١.
(٢١٠) مصباح المتهجّد: ٤١١/ ح (٥٣٦/١٤٦).
(٢١١) الاثنا عشرية/ الحرّ العاملي: ٢٨ و٢٩.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved