فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب الشمس وراء السحب

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: كمال السيد تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٦١٤٤ التعليقات التعليقات: ١

الشمس وراء السحب
وقد ولد الإمام!

تأليف: كمال السيّد

المحتويات

كلمة الناشر

الإهداء
فجر السلام
ارهاصات الفجر
مولد الشمس
برغم الغيوم
المصادر الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

لا ينتمي هذا الكتاب الذي بين يديك - عزيزي القارئ - الى هم الدراسات التاريخية بالرغم من تاريخ الحوادث بقدر ما يعد عملاً يرنو الى المستقبل... ذلك ان مسألة المهدي تشكل اليوم جوهر الاسلام ومستقبله..
كما ان كاتب الرواية يؤمن ايماناً ملتهباً يتجاوز الايمان الفلسفي بأن (المهدي) الذي واكب تاريخ الرسالات كنبوءة وبشارة قد استحال الى حقيقة انسانية حية منذ ١٥ شعبان ٢٥٦ هـ تموز عام ٨٧٠ م..
ومن هنا فهو يسعى الى أن تكون روايته القادمة عن (عالم الغد).. العالم الذي تطمح اليه الانسانية وتسعى في الوصول اليه..

الناشر

الإهداء

لن أهديه الى أحد..
لأن البطل الأخضر..
ما يزال يجوب المدن الخائفة..
وما تزال الشمس محاصرة..
بالسحب الجليد..

كمال السيّد

فجر السلام

(وينفلق عمود الفجر عندما تشتد الظلمات في الهزيع الأخير من الليل).
في ذلك الزمن العصيب                          بعد أن ذبح الضمير
وقد هوت..                                     * * *
فيه الحضارةُ للمغيب                             يا أيها القلب الكسير
واجتاحت الوطن الخصيب                      حتّام هذا الانتظار؟
في الليلة الظلماء                                  يا أيها البدر المنير
ألاف الذئاب                                    إلام هذا الانتظار؟!
فإذا الكواكب في انطفاء                         فجّر مسافات الغياب
واذا السلام...                                   وأزح بكفيّك الضباب
مسمّر فوق الصليب                             وأطلّ من حجب الغيوم
* * *                                            أطلّ من خلف السحاب
في ذلك الزمن المرير                             هذي مدائننا الحزينة..
فقدت سواقينا الخرير                            يلفها ذلّ الأسار
وتهافتت فيه النسائم..                           وغشى مساجدنا الغبار
بعد عنف الزمهرير                              تبكي المآذن..
وتراجع الحبّ الكبير                             ألف قنديل يضي ء الدرب
أمام عربدة الغرائز..                             في زمن التتار
هجرتْ حمائمها القبابْ                          هبطت الى الأرض الحزينة..
وعوت حواليها الذئابْ                          وهي تبكي..
وتهشّمت فيها مصابيح النهار                    في الظلام
وغدا الفرات بلا مياه..                          هبطت ملائكة السماء
وغاب دجلة في السراب                         هبطت كأسراب الحمام
* * *                                            ونسائم من جنّة الفردوس
ومضى الزمان يلفّه عام وعام                    تهمس: يا نيام!
وأطلّ بدر في الفضاء                             هبّوا فقد ولد الإمام(١)
أطلّ من خلل الغمام                             ويا بذور..
ولاح نجم في السماء                             مدّي جذورك في القبورْ
كأنه قلب..                                     وتأمّلي وجه السماء
توهّج في هيام                                    تطلعي نحو الإمامْ
ما بالها الملّوية السمراء                            الشمس تبعث دفئها..
تصدع بالأذان؟!                                من خلف أكوام الغمام(٢)
قبل انفلاق الفجر..                             وترقّبي زمن الربيع
قبل حلوله..                                     ترقبي فجر السلام
قبل الأوان                                        * * *
وتكاد تهتف: يا نيام!
هبّوا.. فقد ولد السلام
* * *
في ذلك البيت المضيء
في ظلمة الزمن الرديء

ارهاصات الفجر
(١)

هلال شوال ما يزال مبتسماً فقد اشرق زمن الحرية، وانتهى الى أمد ليل الطاغية الطويل..
الخليفة الجديد يتخذ قرارات تنم عن ارادة في أن يسود الخير والسلام ربوع البلاد..
ولكن لعنة غامضة ما تزال تطارد الشاب الذي أقدم على اغتيال والده في تلك الليلة الخريفية من سنة ٨٦١ م.
عمت الفرحة انحاء البلاد وكان أكثر الناس فرحاً العلويون الذين ابتهجوا بالسياسة الجديدة..
فقد الغيت الاجراءات التعسفية كما اطلقت جميع أموالهم المجمدة وافرج عن السجناء الذين اعتقلوا لتهم واهية، أو بسبب زيارة مرقدي الإمام علي في النجف ونجله سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم الامام الحسين في كربلاء.
وخلال فترة وجيزة تم بناء مرقد الامام الحسين الذي ظل طوال عقد من السنين ارضاً زراعية وتكربها وتجوسها ثيران الحراثة كل عام.
أحدث سقوط الطاغية دوياً كبيراً هز المجتمع الاسلامي وكانت سامراء التي هي مركز الزلزال في طليعة المدن التي هزها الحادث.
على أن الدفء الذي غمر الأرض بعد شتاء قارس لم يدم طويلاً فلقد اسفر المشهد الجديد عن وجود قوى تريد كسب المزيد من الثراء والنفوذ والسلطان.
فقد وجد (محمد المنتصر) نفسه محاصراً في قصره بسامراء..
كل ما استطاع فعله حتى الآن أنه أمر باخلاء العاصمة الجديدة (المتوكلية) بل وهدم جميع منشآتها ونقل مواد البناء الى سامراء فالمتوكلية مشروع فاشل ولد ميتاً لأن مشروع النهر الذي يعد شريان حياتها كان فاشلاً فتحققت نبوءة الرجل المبارك (علي بن محمد).
نحن، الآن في نهايات عام ٢٤٧ هـ مطلع العام الميلادي الجديد ٨٦٢ م.. وزعماء الحركة الانقلابية من ضباط الحرس والجيش الاتراك قد بلغوا ذروة نفوذهم ويريدون الآن تحقيق اكبر ما يمكن من التسلط (وصيف) (بغا الشرابي) (أوتامش) و(باغرا)، وقد ظهرت شخصية انتهازية ظهور النباتات المتسلقة تلك هي شخصية رئيس الوزراء الجديد (احمد بن الخصيب) وقد بدا واضحاً أنه قد كسب ثقة الاتراك.
المشهد الآن داخل القصر.. خليفة شاب في الخامسة والعشرين من العمر، يمتاز برجاحة عقل وحسن تدبير انه يفكر بانقاذ الخلافة من براثن النفوذ التركي المتسلط.. واستعادة المجد العباسي..
أربعة ضباط اتراك يضمر كل منهم للآخر الكيد ويحاول افتراس صاحبه قبل أن يفترسه، فيما ظهر ابن الخصيب حرباء تتلون حسب الظروف وأفعى تنفث سمها وحقدها في كل اتجاه.
أما بغا الكبير فقد كان يخطو خطواته الأخيرة نحو القبر بعد أن ذرف على التسعين.. لقد اكتفى بمساندة الاتراك وتأييد الحركة الانقلابية فقط.. ما دام ابنه بغا الصغير المعروف بالشرابي أحد قادتها ومنفذيها.
شعر المنتصر أنه ارتكب خطأ فادحاً بتعيينه أحمد بن الخصيب رئيساً للوزراء، خاصة بعد أن تناهت اليه حادثة مؤلمة(٣) أثارت استياء الناس.
كان المنتصر قد كسب شعبية ومحبوبية بين الناس بسبب سياسته المعتدلة وتخفيفه من محنة العلويين ولكن ثمة أشياء كانت تلقي ظلالها على وجه المنتصر أنه في كل الاحوال قاتل أبيه، وقاتل الأب لكن يكون طيباً في نظر الناس مهما تفانى في طيبته! ان سياسة رئيس الوزراء ونفوذ الزعامات التركية قد اصبح واقعاً مريراً يحس بوطأته الشعب، وكان المنتصر يدرك ذلك جيداً، ولذا اجتاحته مشاعر الندم المريرة منذ بدء العام الهجري الجديد الذي أطل مع ربيع سنة ٨٦٢ هـ.
واضحى قصر (المحدث) بؤرة للمؤامرات والدسائس من جديد، وما أثار مخاوف الاتراك ان المنتصر قد اصبح كئيباً يعاني من موجات حزن تنتابه بين فترة وأخرى.
كان قمر محرم الحرام بدراً بهياً، ولم تفلح نسائم آذار المنعشة في أن تدخل البهجة على النفس المعذبة... (المنتصر) يعيش احزانه وحيداً تحاصره مشاعر الندم.. ما الذي فعله؟!.. ان كل شيء كان يحلم في تحقيقه يتحطم على صخرة التعسف التركي البغيض.. هؤلاء القتلة الذين مزقوا أبي إرباً ارباً فعلوا ذلك لكي تصبح الخلافة العوبة بايديهم.. ها أنا اصبح دمية في أيديهم.. واجتاحته موجة من الغضب فغمغم ولكن باصرار:
- سوف أمزقهم جميعاً.. قتلني الله ان لم اقتلهم وافرق جمعهم(٤)!
لكنه يشعر باليأس.. اليأس من الاصلاح وكيف يمكنه مقاومة العاصفة المجنونة..
ان هؤلاء الاجلاف قد استعذبوا التسلط.. سيوفهم في أيديهم.. والخناجر؛ واسهل ما عندهم ذبح الانسان من الوريد الى الوريد.. الذين يعرفون (المنتصر) يعرفون مأساة الذي اكتشف أنه لم يحصد سوى الريح..
في المساء امتطى المنتصر حصانه والهبه بالسياط فانطلق به نحو الافق البعيد لكأنه يريد الهرب لا يدري الى أين؟! وعندما عاد الى القصر كان يتصبب عرقاً(٥) فألقى بنفسه في إيوان كانت تهب خلاله نسائم باردة.
القصر يكاد يكون مهجوراً ذلك المساء.. ولم يكن أحد يستطيع الاقتراب من المنتصر هيبة له.. انه يفضل أن يكون وحيداً مع احزانه وعذاباته..
لم يغف المنتصر طويلاً حتى هبّ من نومه مرعوباً.. يبكي.. تطارده اشباح مخيفة..
ونهض من مكانه يدور في أروقة القصر لكأنه يبحث عن شيء وعندما وقعت عيناه على أحد موظفي القصر قال له بحزن:
- اين ذلك البساط(٦)؟
وأدرك أيوب قصد الخليفة:
- عليه آثار دماء فاحشة.. وقد عزمت أن لا أفرشه من ليلة الحادثة.
قال المنتصر:
- لم لا تغسله وتطويه؟
- اخشى أن يشيع الخبر عندما نفرشه؟
قال المنتصر بمراراة:
- وهل تظن ان الحادثة بقيت سراً.. ان الأمر اشهر من ذلك..

(٢)

تنفس العلويون الصعداء.. في الحجاز.. والعراق.. ولأول مرة ومنذ اكثر من ربع قرن زالت عنهم هواجس الخوف والتشرد، وذاقوا حلاوة الأمن والحرية.. وفي هذه الفترة الوجيزة تحسنت اوضاعهم المعيشية، وشد بعضهم الرحال الى العاصمة سامراء.. خاصة بعد إعادة (فدك) تلك الأرض الزراعية الخصيبة وكانت (حكيمة) شقيقة الامام علي الهادي في طليعة الوافدين وقد جاءت مصطحبة معها ابن الامام الاكبر محمد الذي يكنى بأبي جعفر وله من العمر ثمانية عشر عاماً.
وتمكنت السيدة حكيمة من شراء بيت قريب من بيت شقيقها الحبيب.. وبدا للكثير منهم أن الزمن يبتسم لأبناء علي بعد عبوس طويل.. ولكن الى حين.
فلقد بدا واضحاً أن القادة الاتراك يمسكون بقبضات فولاذية على مقاليد الحكم، وسكنت حمى النفوذ وشهوة الحكم نفوسهم.
فقد تستحيل همسة في البلاط الى هاجس مخيف، وكان المنتصر يدرك سوء الاوضاع فاقدم على خطوة جريئة، عندما وصلته انباء مؤكدة عن تحركات عسكرية بقيادة الامبراطور تيفوئيل تستهدف اجتياح مدن مصر الساحلية..
ولذا استدعى وصيف قائلاً له:
- ان طاغية الروم يهدد حدودنا بغزو وشيك.. وليس هناك من يستطيع صده إلا أنا أو أنت فما رأيك.. فاما أن تتوجه أنت أو أنا!!
قال وصيف:
- بل أنا!
وهكذا بدأت الاستعداد على قدم وساق في تجهيز حملة عسكرية لصد الغزو الرومي القادم.
وقد ورد في وثيقة الحملة إجراء اثار هواجس (وصيف) وهو ضرورة مرابطة وصيف في الجبهة الشمالية مدة أربع سنين وستكون عودته بتصريح من الخليفة نفسه(٧).
وقد لقيت هذه الخطوة ترحيباً من قبل ابن الخصيب بسبب عداء شخصي مع وصيف(٨).
ولكن حالة المنتصر النفسية فيما يبدو كانت تتدهور نحو الأسوأ.. واستحالت لياليه الى كوابيس.
وكان دائم النظر الى السجادة التي شهدت مصرع أبيه يتأمل في بقع الدماء التي لم تفلح المياه في ازالتها تماماً..
وما ضاعف فجيعته صور ونقوش بالفارسية أثارت اهتمامه وفي إحدى دوائر السجادة الفارسية فارس متوج تحيطه كتابة فارسية فسأل عن معناها..
قطب المترجم حاجبيه واعتصم بالصمت.. ولكن المنتصر اصر على ترجمتها فقال المترجم:
- الكتابة تقول: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز.. قتلت أبي فلم اتمتع بالملك إلا ستة اشهر.
واجتاحت المنتصر موجة من الحزن المرير، فجلس عند الصورة فيما غادر الجميع المكان..
أثارت هذه التصرفات هواجس الاتراك، فقد ينتقم المنتصر لأبيه وكان ابن الخصيب يزيد من مخاوفهم من وجود (المعتز) و(المؤيد) فهناك ميثاق رسمي يقضي بانتقال الخلافة الى المعتز في حالة موت المنتصر!
وفي مطلع صفر عاد وصيف الى سامراء بذريعة واهية وبدأ التخطيط لدفع المنتصر الى خلع المعتز والمؤيد من ولاية العهد.
في البداية قاوم المنتصر هذه الضغوط ولكنه شعر أن رفضه لذلك سيؤدي الى تفكير الاتراك باغتيال أخويه سيما وأن الظروف السياسية السائدة مواتية.
القي القبض على الاميرين (المعتز) و(المؤيد) ليلاً ونقلا الى حجرة في القصر..
تساءل المعتز بعدما أغلقت عليهما الباب:
- لم تراه أحضرنا؟!
قال المؤيد الذي أدرك ما يجري:
- يا شقي للخلع.
- لا أظنه يفعل ذلك!
- يا شقي هو نعم.. ولكن هؤلاء الاتراك!
في الاثناء فتحت الباب ليدخل مبعوث رسمي من قبل البلاط ومعه كاتب لضبط وتدوين ميثاق التنازل عن ولاية العهد.
بادر المؤيد للموافقة فوراً:
- السمع والطاعة.
ولكن المعتز قال:
- لن أفعل ذلك!
لكزه المؤيد قائلاً:
- انه القتل اذا لم تفعل!
قال المعتز مخاطباً:
- ابلغه بذلك.
- اشار المبعوث الرسمي الى جلاوزته، فانقضوا على المعتز وجره ليوضع في حجرة أخرى..
سمع المؤيد بكاءً - يأتي من الحجرة التي أودع فيها أخوه فصاح بالشرطة:
- ماذا تفعلون يا كلاب؟! دعوني اكلمه.
وجاءت الموافقة على اللقاء، فدخل المؤيد على أخيه وربت على كتفه فكف عن البكاء.. قال المؤيد:
- يا جاهل لماذا تقتل نفسك.. اتظنهم لا يفعلون ذلك وقد قتلوا اباك وهو هو...
- وماذا تريدني أفعل؟! اخلع نفسي وقد انتشر ذلك في الآفاق؟!
- الخلع أفضل من القتل.
سكت لحظات ثم استطرد قائلاً:
- اذا كان الله قد كتب لك أن تكون خليفة فستكون نصيبك.
استسلم المعتز.
تم ضبط محضر في تنازل الاميرين اللذين أمرا بتسليم وثيقة التنازل الى الخليفة في حضور القادة الاتراك.
قال المؤيد:
- نجدد ثيابنا؟
قال الموظف المسؤول:
- ولم لا.. ولكن هنا.. سوف نحضر ما تطلبان من ثياب!
تم اللقاء في جو متوتراً نسبياً، سلم الاميران على الخليفة الذي رحب بأخويه..
تساءل المنتصر:
- هذا كتابكما؟!
سكت المعتز فقال المؤيد مستدركاً الوضع:
- نعم يا أمير المؤمنين.
والتفت الى أخيه قائلاً:
تكلم:
غمغم المعتز:
- نعم يا أمير المؤمنين.. كتابي وتوقيعي:
قال المنتصر بشجاعة:
- اتظنان انني خلعتكما طمعاً في أعيش حتى يكبر ولدي؟!
لا والله.. ولكن هؤلاء..
وأشار الى الاتراك مستأنفاً:
- الحوا عليّ في خلعكما.. فخفت أن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فيأتي عليكما..
وأدرك الأخوان أن المنتصر لا يعرف الخداع ولذا بادرا الى تقبيل يديه لكنه ضمهما الى صدره بحبّ.
وقام رئيس الوزراء الذي كان يبتسم بارتياح بتحرير(٩) وثيقة التنازل لتعميمها على جميع ولايات الدولة الاسلامية المترامية الأطراف.

(٣)

سيطرت حمى الهواجس على القصر حيث يقيم الخليفة الذي مضت على حكمه خمسة أشهر، وما زالت روحه المعذبة مثقلة بمشاعر الاثم.. وبدأت لقاءات الاتراك تتخذ طابع التوجس من اجراءات الخليفة الذي قد ينقض عليهم في لحظة ما..
ومن يرى القائدين (وصيف) و(بغا الشرابي) لابد وأن يدرك انهما ما يزالان يحكمان بقبضة حديدية على مصير البلاد، كما أنه سيكتشف من لقاءاتهما المستمرة أنهما بدءا يتوجسان من (المنتصر) الذي لا يمكن السيطرة عليه.
وكان يثير خوفهما أنه لا يمكن اغتياله فلقد كان (مهيباً) شجاعاً، فطناً متحرزاً(١٠) ولذا بدأوا يفكرون بوسائل أخرى(١١).
الرواق الذي اتخذه المنتصر مجلساً له كان مقفراً فقد انطلق الخليفة المعذب ينهب ميدان الخيل بحصانه امعاناً في الفرار.. كان بغا ووصيف يتمشيان خلال أروقة القصر عندما صادفهما موظف في القصر يعمل كاتباً في ديوان جيش الشاكرية(١٢).
قال الموظف وكان يتقن الفارسية:
- ألم يجد الفراش بساطاً غير هذا ليفرشه تحت أمير المؤمنين؟
قال وصيف:
- لماذا؟!
- فيه صورة شيروية قاتل أبيه (أبرويز)
وتبادل القائدان نظرات ذات معنى، قال بغا بعدها:
- يجب أن يحرق حالاً!
لف البساط بسرعة وقبل أن يعود المنتصر ليحرق في حضرة القائدين، وكانا ينظران الى وهج النار والى الذهب قد بدأ يسيل براقاً تحت السنة النار والدخان(١٣).
عاد (المنتصر) من رحلته اليومية منهمكاً ولفت نظره وهو يلج الرواق وجود بساط جديد..
فاستدعى الفرّاش قائلاً:
- أريد أن تفرش نفس البساط:
قال الفرّاش:
- ومن أين آتي به؟!
قال المنتصر:
- وماذا حصل له؟
- ان وصيفاً وبغا أمراني بإحراقه.
سكت المنتصر وانطوى على جراح لا تندمل.
وبدا واضحاً خلال تلك الفترة العاصفة ان بغا الشرابي أو بغا الصغير هو الحاكم الحقيقي بالرغم من استبسال المنتصر في استعادة قدرة الحكم..
وكانت الأمور تجري وفقاً لأهواء القادة الاتراك الذين كانوا يلاحقون شخصيات العهد البائد..
وكان بعض الاشخاص يختفون في ظروف غامضة ولا يعرف أحد عن مصيرهم حتى (محبوبة) جارية المتوكل الأثيرة لم تسلم من التصفيات فقد استدعيت للغناء فرفضت فاجبرت على ذلك لكنها غنت بلحن حزين وذكرت ليلة اغتيال سيدها، فأصدر وصيف أمراً بسجنها.
وانقطعت اخبارها من ذلك الوقت(١٤)!
وفي تلك المدينة التي نسى أهلها الله كان الامام الهادي ينظر الى الأفق البعيد ويرى حمرة الشفق الملتهب.. ويرى سحباً داكنة قادمة.. سوف تغمر الظلمات الأرض.. وقوافل البشر الحائرة وقد تاهت بها السبل.. وفيما كانت أصوات الغناء والموسيقى تتسرب من نوافذ القصور.. كانت تمتمات الدعاء تتعالى من منزل في (درب الحصا) حيث يقطن الامام منذ خمسة عشر عاماً.
عاد كافور الخادم متعباً وقد دفعته نفحات الهواء البارد في تلك الليلة التي اشتد فيها هبوب الرياح الشمالية، الى أن يدس نفسه في الفراش..
يتوجب عليه في هذا الوقت أن يأتي بسطل من الماء من السرداب واعداد الوضوء لسيده الذي يتهيأ عادة في مثل هذا الوقت لأداء صلاة الليل..
لكن دفء الفراش وأمنه عقوبة السيد كانا يدفعانه الى تناسي مهمته الأخيرة..
لم يكن قد أغمض عينيه عندما تناهت اليه خطى تتجه الى حجرته..
قال الامام بلهجة فيها عتب.
- ألا تعرف رسمي؟.. أنني لا اتطهر إلا بماء بارد فلم سخنت لي ماء؟!
فوجىء كافور وقال بدهشة:
- ولكن يا سيدي لم آت بالماء أصلاً!!
نظر الامام عبر الباب المشرعة الى السماء وقال:
- الحمد لله.. والله ما تركنا رخصة ولا رددنا منحة..
الحمد لله الذي جعلنا من أهل طاعته ووفقنا للعون على طاعته.
وامتلأت نفس كافور اجلالاً لهذا الانسان الطاهر الذي عبد الله وحده فأكرمه الله بماء دافىء تحمله الملائكة(١٥)!
مضت ساعة من الليل وتناهت طرقات متواليات على باب المنزل الغارق في سكينة الليل..
كان الطارق (يونس النقاش).. يرتجف ولكن ليس بسبب البرد افسح كافور الخادم ليدخل المنزل.. لابد وأن الأمر جدّ خطير!
قال يونس وهو يرتجف:
- يا سيدي أوصيك بأهلي خيراً!
قال الامام:
- وما الخبر؟
- عزمت على الرحيل.
مبتسماً قال الامام:
- ولم يا يونس؟
- وجه بغا الصغير اليّ بفص ثمين لا تعرف له قيمة وطلب مني أن انقشه فانكسر نصفين.. والموعد غداً وهو من تعرف ياسيدي!! إما ألف سوط أو القتل.
قال الامام مهدئاً:
- امض الى منزلك الى غدٍ فما يكون إلا خيراً.
- وماذا أقول لرسوله؟!
- اسمع ما يخبرك به، فلن يكون إلا خيراً.
ابتسامة الامام وعيناه اللتان تتألقان بنور شفاف بعثت الدفء في قلب الرجل الخائف الذي انقلب الى أهله.. انه يعرف الامام يعرفه من سنين طويلة.. رجل مبارك كلما التقاه في الطريق.. يتفتح في قلبه الأمل في الحياة.. ما تزال الدنيا في خير..
وما يزال هناك قلب ينبض بحب الناس جميعاً.
وفي صباح اليوم التالي.
كان يونس منطلق الوجه قال لكافور وقد استفسره عما حصل:
- جاءني الرسول يقول: ياسيدي.. الجواري اختصمن، فهل يمكنك أن تجعله نصفين ونضاعف لك الأجرة؟
- وبماذا اجبته؟
- قلت له: أمهلني حتى أتأمل كيف أعمله(١٦).
وضحكا معاً، وكان ينبوع يتدفق حباً للإمام.

(٤)

الجواسيس المبثوثون في القصر وخارجه وهم يعملون لحساب القائد (وصيف) كونوا صورة مخيفة عن (المنتصر).. هناك خطط مبيته للخليفة تستهدف تمزيق الاتراك في أول فرصة، وما زاد هذه المخاوف أن المنتصر ربما تحدث ذلك علناً وربما تفجر غضبه المخزون في نظرة شزراء يلقيها كلما رأى قائداً تركياً مرموقاً(١٧).
ولذا كان الأتراك قد بدأوا يفكرون في اغتيال المنتصر والفتك به قبل أن يفتك بهم.. ولكن كيف؟!
سؤال صعب جوابه على الاتراك فالمنتصر من اليقظة والشجاعة ما يصعب فيه اغتياله ولكن هناك نقطة ضعف يمكن استغلالها ان المنتصر يعيش حالة مدمرة من الندم واليأس ولم يكن ينظر الى المستقبل بأمل، لكن بركان الغضب الذي انفجر في تلك الليلة العاصفة خمد فجأة استحال الى رماد تذروه الرياح.. أنه يعاني حالة مريرة من الندم وهذا ما جعل القادة الاتراك يتوجسون منه.. لكنه لم يفكر في تكوين حرس خاص وكانت سياسته المالية المتزنة وابتعاده عن مطاردة مناؤيه من رجال العهد البائد وعدم امتلاكه لشبكة من الجواسيس سوف يسهل من عملية اغتياله بطريقة ما!
صحيح أن الناس بدأوا يميلون اليه ويحبونه ولكن ما فائدة هذا الحب ما دام الناس لا يملكون سلاحاً للدفاع عنه ولا يمكنهم حراسته أيضاً.. ان القوة الضاربة ما تزال في ايدي الاتراك.. قوات الحرس والجيش ما تزال في قبضة القادة الاتراك.. وكلهم مقتنعون بضرورة التخلص من المنتصر.. باستثناء بغا الكبير فهو الوحيد الذي يعارض ذلك.. لأن الخليفة القوي يساعد في اقرار النظام ومنع الفوضى..
ولكن (وصيفاً) و(بغا الصغير) كانا يفكران بطريقة أخرى.. ان وجود خليفة ضعيف سوف يضمن للاتراك استمرار نفوذهم.. من أجل هذا كان يترقبان أول فرصة سانحة..
وما دام كل شيء يباع ويشترى، والذهب ما يزال يخطف العقول والابصار فلا وجود لشيء مستحيل!
كان المنتصر قد عاد من رحلته اليومية مكدوداً تماماً وبدا أنه قد أمعن في الفرار في الفيافي شرق سامراء وكعادته عندما تجتاحه موجة من الحزن المرير أوى الى عزلته، والقى بنفسه على وسائد خضراء اللون مشوبه بنقوش حمراء.
كانت نسائم نيسان تدور خلال أروقة القصر وستائر حريرية شفافة تميل مع النسيم الربيعي المفعم برائحة الورد.. ومع ذلك فقد كان المنتصر يتصبب عرقاً لكأنه يعاني من رؤيا تعذبه(١٨).
شاء القدر أن يستيقظ المنتصر وهو يلتهب من الحمى مما استدعى الاتصال بـ (الطيفوري) الطبيب لاجراء فحوصاته.. اشتعلت في رؤوس الاتراك حمى التآمر..
استقبل القادة الاتراك الطبيب قبل أن يدخل على المنتصر وكانت نظراتهم تحرضه بشكل واضح، فأطرق برأسه ومضى.. أجرى الطيفوري بعض الفحوصات السريرية، ونصح المريض بإجراء عملية فصاد للدم، وتم الاتفاق على أن يجري ذلك بعد العشاء..
عندما عاد الطيفوري الى المنزل وجد من ينتظر عودته، كان الرجل التركي الذي يرتدي حلة من الديباج الاصفر ساكتاً.. واكتفى بان قدم ثلاثين الف دينار(١٩).. انه اكبر مبلغ يراه الطبيب في حياته يستطيع أن يحيا بقية عمره في دعة من العيش.. يكفي أن يبضع المريض بمشراط مسموم(٢٠).. لم يصمد الطبيب أمام بريق الذهب، وضجت نفسه بالوساوس فيما خفت صوت العقل الذي اغتاله بريق الدينار الذهبي..
تمت الجراحة وقد بذل الطيفوري جهد الابالسة في اخفاء مشاعره أمام نظرات المنتصر الثاقبة..
وعندما غادر القصر كان الطريق الى منزله تغمره ظلمة كثيفة وشعر وهوفي منتصف الطريق أن هناك من يطارد خطواته..
لم يشعر المنتصر بأي تحسن، وعندما تناول كمثرى(٢١) شعر بألم شديد في معدته..
أمه تنظر اليه بحزن.. تبكي بصمت شباب ابنها.. لم يكن محظوظاً في الدنيا حتى أبيه كان يتآمر عليه.. وفي مثل هذا العالم المليء بالذئاب لا يعيش إلا من يكون ذئباً..
قال المنتصر بأسى:
- يا أماه ذهبت مني الدنيا والآخرة.. عاجلت أبي فعوجلت(٢٢)!
كفكفت الأم دمعة ثكلى.
- لقد كنت بي باراً ومع الناس طيباً.. ومع نفسك صادقاً كل الناس يموتون وقليلون الذين يواجهون الموت بشجاعة.
أغمض المنتصر عينيه وغط في اغفاءة عميقة فانسحبت امه بهدوء بعد أن طبعت على جبينه قبلة أودعتها كل أمومتها..
في اليوم التالي طلب رؤية ابنه الصغير (عبد الوهاب) فقبله وتمتم بكلمات خافته أن يحميه الله من شرور الذئاب البشرية التي تعوي في قصره..
وفي مساء يوم السبت الرابع من شوال سنة ٢٤٨ هـ كان المنتصر يودع الحياة..
أطل الهلال متألقاً في سماء حزيران الصافية الشاب المسجى ينظر بعينين فيهما أمل وهو يودع الدنيا الى عالم آخر..
وراح يغمغم بشعر نبع من قلبه الكسير:

فما فرحت نفسي بدنيا أخذتها * * * ولكن الى الرب الكريم أصير(٢٣)

واغمض عينيه ليغفو بسلام..
وبدأت الاستعدادات لمواراته الثرى حسب المراسم العباسية في دفن الخلفاء سراً.. ولكن والدته أصرت على إعلان قبره ليكون أول خليفة عرف قبره(٢٤).
وتم دفنه في الجوسق الخاقاني(٢٥) حيث فتح عينيه على الدنيا فكان أول خليفة عباسي ولد في سامراء وتوفى فيها.

(٥)

كشفت وفاة الخليفة المنتصر عن واقع الخلافة العباسية ومدى تغلغل الاتراك في أجهزة الحكم وسيطرتهم على البلاط العباسي الذي اضحى العوبة بين الضباط الاتراك.
لم يكن المنتصر قد دفن بعد حتى انفجر النزاع بين الاتراك الذين اجتمعوا في القصر الهاروني لاختيار الخليفة الجديد.
وفي يوم الأحد تم تحليف عشرات القادة الاتراك والزنوج وهم عماد الجيش والحرس بقبول الاتفاق الذي سيسفر عن اجتماع كل من بغا الكبير، بغا الصغير، ووصيف، أو تامش أحمد بن الخصيب، أما باغر الضابط التركي الذي قاد عملية اغتيال المتوكل فقد حرم من حضور الاجتماع فأجج ذلك في صدره مشاعر الحسد والحقد والكراهية خاصة لوصيف فانصرف الى تعزيز نفوذه بين الاتراك، وتحريضهم على وصيف الذي لا يرى سوى مصالحه الخاصة والأنانية!
كانت فكرة بغا الكبير اختيار خليفة قوي يهابه جميع القادة لأن اختيار خليفة ضعيف سيؤدي تطاحن الاتراك فيما بينهم من أجل النفوذ والسيطرة والاستحواذ على مقاليد الحكم ولكن أحمد بن الخصيب اقنع الجميع بأن مبايعة أحد أبناء المتوكل يعني نهاية النفوذ التركي فقد يفكر أحدهم بالانتقام منهم ثأراً للخليفة المقتول..
وهكذا تم الاتفاق على اختيار أحمد بن محمد بن المعتصم.
فالمعتصم هو الذي أسس مجدهم وجعلهم سلاطين في هذه الدولة الكبرى، وهو ولي نعمتهم.
لم تكن للخليفة الجديد من ميزة سوى أنه العوبة بيد الاتراك، وفي مراسم عادية منح لقب (المستعين بالله) وحدثت حركة مضادة في سامراء يقودها بعض رجال العهد البائد وترمي الى فرض خلافة المعتز وتعرض موكب الخلافة الى هجوم زمر من المرتزقة والغوغاء(٢٦)، واستمرت الاشتباكات ثلاث ساعات وأعيد الخليفة الى القصر الهاروني وخلال القلاقل سقط أحد قصور الخلافة في أيدي الناس فنهبت خزانة الدولة، وسطا الكثيرون على مشاجب السلاح وكسرت أبواب السجن الكبير.
ولكن الاتراك سيطروا على القلاقل باعلانهم عن توزيع المرتبات في مراسم البيعة العامة.
ولم تلبث قوات الجيش والحرس أن فرضت سيطرتها على الأوضاع.. ولكن الاجواء كان يسودها التوتر..
وظهر المستعين خليفة مغلوبا على أمره يحفه أحمد بن الخصيب رئيس الوزراء ومجموعة من الضباط الاتراك في طليعتهم أوتامش، وصيف، وبغا الصغير في حين غيب باغر التركي الذي انطوى على احقاده وكراهيته للجميع منتظراً فرصة مواتية للانقضاض على خصومه واثقاً من تأييد قطاعات كبيرة من الجنود الاتراك بزعامة (باكيباك) القائد التركي الجرىء.
قام الحكم الجديد بإجراءات احترازية منها القاء القبض على الاميرين المخلوعين المعتز والمؤيد فأودعا تحت الاقامة الجبرية في قصر الجوسق الخاقاني ووضعت عليهما حراسة مشددة، ثم ارغما على بيع جميع ممتلكاتهما من أرض زراعية وبساتين مقابل أثمان زهيدة.
اما أحمد بن الخصيب فما انفك يحرض على مضايقة الامام الهادي وتشديد المراقبة على منزله بل واجباره على التنازل عن داره وبيعها للدولة(٢٧)!
وبعث أحمد بن الخصيب في تلك الفترة رسالة الى محمد بن فرج يطلب منه الحضور الى سامراء والافادة من خدماته، كان محمد بن فرج قد اطلق سراحه، من السجن ولكنه لم يسترد ممتلكاته التي جمدت في عهد المتوكل منذ سنة ٤٣٢ هـ
وكتب محمد بن فرج بدوره رسالة الى الامام الهادي يستشيره بقبول اقتراح رئيس الوزراء فجاءه الجواب:
- (أخرج، فإن فيه فرجك ان شاء الله)(٢٨).
وعندما وصل محمد بن فرج سامراء حاول استرداد أملاكه المحجورة وعندما صدر القرار بإعادتها اليه كان قد توفى(٢٩).
وسقط بغا الكبير في فراش المرض وذهب اليه المستعين لعيادته، ثم توفى في اليوم التالي وتحققت مخاوفه من وجود خليفة ضعيف، فقد استحال القادة الاتراك الى ذئاب شرسة يأكل بعضها بعضاً..
حضر احمد بن الخصيب الى منزل الامام الهادي وهدده اذا لم يتنازل عن الدار وتسليمها اليه..
وكان ابن الخصيب لا يجرؤ على ذلك في عهد المنتصر وفي حياة بغا الكبير الذي عرف عنه احترامه للعلويين منذ الرؤيا التي رآها قبل اكثر من ربع قرن(٣٠).
وفي العهد الجديد بدأ العلويون بالفرار مرة أخرى.. وبدأ فصل جديد من مسلسل التشرد المرير.. وفي غمرة الاحداث غادر (علي بن محمد) وكان موظفاً في بلاط المنتصر.. غادر سامراء مولياً شطره صوب البحرين فالاحساء فالبصرة.. وليشعل بعد خمسة أعوام ثورة الزنوج في منطقة الأهوار جنوبي العراق(٣١).
بلغ من نفوذ ابن الخصيب حداً جعله متغطرساً في تصرفاته ووصلت به الوقاحة الى أن يتهدد الامام ويطلب منه تسليم منزله اليه..
كان ابن الخصيب ووفقاً لتقارير الجواسيس على اطلاع على حجم الأموال التي ترد منزل الامام خاصة في عهد المنتصر، وكان يعرف جيداً أن الامام يقوم بصرف الحقوق على الفقراء والمساكين الذين تضاعفت اعدادهم بسبب الفواضى وغياب الاستقرار والنهب.
كما أن انتشار الفكر الامامي بدأ يهدد مركز الحكم في العاصمة بعد أن اصبح الامام الشخصية التي تحظى بالاجلال واحترام الناس جميعاً.
قام رئيس الوزراء بزيارة رسمية الى منزل الامام، الذي خرج لاستقباله فقال ابن الخصيب:
- سر جعلت فداك!
فأجابه الامام بكلمات تزخر بالرموز:
- (أنت المتقدم)(٣٢).
وبعد أن استقر به الجلوس، وأجال نظره في المنزل، تأججت أعماقه الخاوية بالاحقاد والأطماع ولم يتمالك نفسه أن قال:
- لابد من إخلائها وتسليمها اليّ!
نظر الامام اليه بسكينة ووقار.. ان هذا المخلوق التافه يرى قدرته في، منصبه الخطير مستنداً الى قدرة الاتراك غافلاً عن قدرة الله المطلقة.. قال الامام وقد تجلت أنوار الايمان في عينيه:
- لأقعدن لك من الله مقعداً لا تبقى لك معه باقية.
وشاء القدر أن يسدد ضربته بغتة لم تمر سوى أربعة أيام فقط حتى أقبل من منصبه إذ رأى القائد أو تامش أن يفرض نفسه رئيساً للوزراء معتمداً على قابليات كاتبه (شجاع بن القاسم)(٣٣).
أما احمد بن الخصيب فقد صودرت جميع ممتلكاته وممتلكات أولاده ونفي الى جزيرة كريت(٣٤).
واصبح أوتامش الحاكم الفعلي للبلاد فيما عين (شاهك) الخادم مسؤولاً عاماً لادارة شؤون القصر بما في ذلك الخزانة العامة للبلاد.
اسفرت شخصية أوتامش عن ذئب أغبر(٣٥) يفتك بكل من يقف في طريقه فهو وراء تعيين (شاهك) الخادم في مناصبه الجديدة التي تمكنه من الاستحواذ على خزانة الدولة..
ودخلت على شبكة النهب والدة المستعين، أما الخليفة فقد انهمك في الاستمتاع بلذائذه الرخيصة تاركاً تدبير الأمور للوزير الذي تكفل تربية ابن الخليفة والاستحواذ على مخصصاته المالية الضخمة..
ولم يقف وصيف وبغا مكتوفي الأيدي، فقاما بتحريض بعض قطعات الجيش من المتضررين، فحوصر الجوسق الخاقاني حيث يقيم أوتامش وكاتبه.
في البداية حاول رئيس الوزراء الفرار من القصر ولكنه اخفق، فاستجار بالخليفة الذي رفض ذلك.. حوصر القصر ثلاثة أيام ثم اقتحم في يوم السبت وعثر عليه مختبئاً في قبو وتم اعدامه مع كاتبه وصودرت جميع ممتلكاته(٣٦).
وفي يوم الخميس الثالث من جمادى الأولى سنة ٢٤٩ هـ ١٤ حزيران ٨٦٣ م تحركت قطعات عسكرية من الزنوج المغاربة ورابطت عند الجسر ثم تفرقت في اليوم التالي.
وفي ١٦ تموز من الذي يصادف يوم الجمعة ٢٥ جمادي الأولى اشتعلت البروق في سماء مثقلة بغيوم مشحونة وهطلت الامطار بغزارة طوال اليوم؛ ثم سكنت الطبيعة بعد اصفرار الشمس قبيل الغروب(٣٧).
وفي غمرة الفوضى والفساد اشتعلت ثورة علوية كبرى بقيادة يحيى بن عمر من ذرية زيد الشهيد بشعارها المتألق (الرضا من آل محمد) وكانت الكوفة مخزن الثوار على مدار الزمن مركز الثورة، وسرعان ما امتد لهيبها الى بغداد بعد أن تعاطف أهل السنة مع الثائر العلوي الذي بدأ اصلاحاته باطلاق السجناء في الكوفة.
واصبحت الثورة أملاً بالخلاص من ليل العباسيين الطويل..
ولكن غياب الخبرة العسكرية وفنون الحرب النظامية قد حسم الصراع لصالح العباسيين بالرغم من الانتصارات الباهرة التي أحرزها الثوار.
وكان دخول رأس يحيى على رمح طويل مدينة سامراء يوم حداد عام(٣٨) فيما عم الاستياء مدينة بغداد، وكانت الكوفة تغلي غضباً.

(٦)

تصدعت الجبهة التركية واستشرت حمى الاطماع والتآمر واستحال الضباط الاتراك الى ذئاب يتربص أحدها بالآخر.
وفي الخفاء كان هناك صراع مرير يجري بين مساعدي الاتراك من اليهود والنصارى للحصول على المزيد من الأسلاب وظهر باغر كذئب أغبر لا يتورع عن الفتك بكل من يقف في طريقه، وشاء القدر أن تصطدم المصالح والمنافع الشخصية بين (بغا الشرابي) و(باغر) وكانت نقطة الاصطدام في الكوفة. فقد دس وكيل باغر اليهودي على ابن مارما النصراني وتآمر عليه فزجه في السجن، وفر ابن مارما فيما بعد متجهاً صوب سامراء، وكان دليل بن يعقوب يعمل كاتباً لبغا فاستغل نفوذ بغا في منع باغر من الانتقام من ابن مارما.
وكان باغر ضابطاً يعمل تحت امرة بغا، ولكن الأخير كان يخشى باغر؛ ويحاول ارضاءه.
وبدأت الحوادث بالانفجار عندما جاء باغر سكران ليدخل على بغا وهوفي الحمام وهو يتهدد (دليل بن يعقوب) بالقتل، قال بغا مدارياً الضابط الشرس:
- لو أردت أن تقتل ابني فارس ما منعتك فكيف امنعك من قتل دليل؟!
- إذن دعني اقتله!
- ان شؤون الخلافة بيده.. دعني أولاً أعين شخصاً آخر يقوم بعمله.
قال باغر بلغة تركية وهو يصر على أسنانه:
- لابد من قتله!
سكت بغا ولم يعلق على ما قاله باغر الذي انصرف وهو يترنح سكراناً أوعز بغا الى كاتبه دليل إلا يغادر منزله فقد يتعرض للاغتيال، كما قام بتعيين شخص آخر ليوهم باغر بعزل دليل عن مسؤولياته.. وحاول أن يصلح العلاقات بين باغر ودليل.. ولكن باغر ما انفك يتهدد دليل بالقتل.
قرر باغر أن يكون له مقر في البلاط ويكون ضابطاً ثابتاً في قصر الخلافة، ووافق المستعين على مضض خشية من أن يقوم باغر باغتياله..
وتصاعدت حمى التآمر عندما طلب المستعين من وصيف ترقية باغر ليكون المسؤول عن ادارة شؤون البلاط وأن يكون له دور (ايتاخ) في عهد المعتصم.
وشعر دليل بالخطر فحرض بغا على التدخل لأن السماح بذلك يعني نهاية (بغا).
وعلى وجه السرعة قام بغا بزيارة مفاجئة للقصر، وندد بموقف وصيف الذي أبدا استعداده للوقوف الى جانب بغا، واتفق القائدان سراً على اغتيال (باغر) في أول فرصة.
انتشرت شائعات حول نية القصر بترقية باغر الى رتبة أمير، وستضاف الى قواته قطعات أخرى من الجيش.
ولكن باغر شعر بان هناك من يتآمر ضده في الظلام فاجتمع سراً بأنصاره وكان بعضهم قد اشترك في عملية اغتيال المتوكل فعاهدوه على الوفاء له، واستقر رأيهم على القيام بحركة انقلابية تسقط فيها رؤوس كثيرة في طليعتها رأس الخليفة ورأس وصيف وبغا ثم تعيين خليفة آخر من أولاد المعتصم أو الواثق يحكمون باسمه!
وتسربت الأخبار الى المستعين عن طريق زوجة باغر المطلقة والتي باحت بذلك الى المستعين!
وشعر الخليفة الضعيف بالرعب فاجتمع بالقائدين وصيف وبغا الذي وصلته الانباء عن طريق آخر.
واسفر الاجتماع عن تعيين موعد لاغتيال (باغر) في قصر (بغا) بسبب تردد باغر على القصر كجزء من واجبه كضابط ما يزال يخدم تحت إمرة (بغا)!
وسقط باغر في الفخ فاعتقل وسجن في الحمام.
وطارت الأخبار المثيرة الى جنوده الذين هبوا لنجدته وحدثت الفوضى في سامراء بسبب عنف التحرك في الكرخ وحركة الجنود المتذمرين الى الجانب الايمن من النهر.
وقام الجنوج باحتلال ونهب بعض قصور الخلافة وحوصر قصر الجوسق الخاقاني.
ولتحطيم هيبة الجنود المشاغبين أمر وصيف بقتل باغر.
وكان المستعين قد لجأ الى قصر وصيف المطل على الشاطىء.
وتضعضعت معنويات الجنود الذين رأوا بأعينهم رأس باغر الضابط العملاق، لكنهم اصروا على المرابطة مطلقين صيحات بالتركية تتهدد الجميع.
قرر وصيف وبغا اصطحاب الخليفة والهروب الى بغداد فاستقلوا (حراقة) راسية في النهر وانحدروا الى بغداد.
سيطر الجنود الثائرون على سامراء، ونهبت بعض القصور وقطعوا كافة الاتصالات مع بغداد.
وظهر (بايكباك) و(كلباتكين) و(ارناتجور) قادة للحركة العسكرية الجديدة.
وعندما اطل عام ٢٥١ هـ كان الوضع ينذر بوقوع كارثة، خاصة عندما حاول المستعين تعبئة قوات من الزنوج المغاربة ضد الاتراك المتمردين؛ أدرك القادة الاتراك في سامراء أن مصيرهم سيكون مجهولاً، ولذا قرروا ارسال وفد برئاسة القائد (بايكباك) لتقديم اعتذار للخليفة واقناعه بالعودة الى العاصمة وكادت المفاوضات بسفر عن نتيجة مرضية ولكن (بايكباك) تلقى صفعة بسبب تعديه اصول اللياقة في مخاطبة مقام الخليفة، فعاد الى سامراء وهو يضمر الانتقام من الجميع.
دخلت الاوضاع مأزقاً خطيراً باقدام الاتراك على رفع الاقامة الجبرية عن المعتز واعلانه خليفة بدل المستعين الذي أعلنوا عن خلعه!
وفي هذه الفترة العصيبة ظهر رجال عهد المتوكل لتعزيز موقع المعتز الذي يمثل امتداداً لسياسة أبيه، وبدأت في سامراء تعبئة جيش كبير للزحف على بغداد التي بدأت هي الأخرى تستعد للمقاومة باقامة خطوط دفاعية واستحكامات كلفت الخزانة مبالغ طائلة.
قام المعتز بمصادرة ممتلكات اقرباء المستعين لتعزيز ميزانية الحرب، ووقف اليهود الى جانبه بزعامة (الديزج) الذي عين قائداً للشرطة!
كما عُين أحمد بن اسرائيل رئيساً للوزراء لادارة شؤون البلاط والخلافة واصبحت فكرة الزحف لاحتلال بغداد وشيكة التنفيذ.

(٧)

لجأ المستعين الى قصر محمد بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد وشرق ايران واصبحت دفة الأمور في يد الحاكم الذي كان يعيش شكلاً من التردد بين مناصرة الخليفة الهارب أو الوقوف الى جانب المعتز ابن المتوكل الذي تربط اسرته معه صداقة قديمة..
وعملياً كان ابن طاهر يقود حركة الدفاع فاتخذ الى جانب بناء خطوط بغداد الدفاعية اجراءات لعرقلة الزحف القادم من الشمال.
تم تدمير جميع القناطر على كل الانهر المحيطة ببغداد وفتح الانهار لاغراق الأراضي التي تقع في تقدم الاتراك اذا ما راموا الزحف من جهة (الانبار).
اما بغداد فقد باتت محصنة بسورها الكبير الذي امتد من (الشماسية) شمال بغداد الى (سوق الثلاثاء) الى دجلة ومنها الى (بساتين زبيدة)، كما استكمل حفر الخنادق على امتداد السور الطويل واصبحت المجانيق الصغيرة والكبيرة جاهزة لاطلاق حممها الملتهبة، اضافة الى عشرات العوارض المجهزة بمسامير طويلة.
وكان المنجنيق الذي يدعى بـ (الغضبان) رابضاً أمام باب كبيرة معلقة.
كما عبأ ابن طاهر عياري بغداد وهم عشرات الألوف ورصد لهم مكافآت ومرتبات مغرية اضافة الى استخدام مئات المرتزقة.
وهكذا سيطرت أجواء الحرب على الحياة في بغداد وبدأ ارتفاع الاسعار في المواد الغذائية.
وفي مطلع (صفر)٢٥١ هـ زحفت قوات الاتراك بقيادة أبو أحمد بن المتوكل العامة فيما كان (كلباتكين) القائد الميداني الذي يصمم وينفذ خطط المعارك القادمة.
وخلال الزحف دمّرت القرى الواقعة في الطريق واستولى الاتراك على جميع المحاصيل الزراعية.
وفي السابع من (صفر) نقل الجواسيس نبأ وصول القوّات الزاحفة المنطقة المتاخمة للشماسية في أطراف بغداد.
كما أفادت تقارير أخرى عن وجود خطة لاحراق الاسواق في جانبي تقارير أخرى عن وجود خطة لاحراق الاسواق في جانبي بغداد، فتم كشطها جميعاً.
وفي يوم الثلاثاء ١٠ صفر قام ابن طاهر القائد العام لقوات الدفاع عن بغداد بحركة لاستعراض قواته أمام الاتراك لارهابهم مصطحباً معه مجموعة من الفقهاء والقضاة لايفادهم الى أبي احمد والتفاوض معه حول تفادي وقوع الحرب مقابل اعلان (المعتز) وليا للعهد ولم تجد هذه الخطوة شيئاً، فيما قام الاتراك المرابطون قرب الشماسية باستفزازات لتفجير الوضع ولكن ابن طاهر اصر على عدم الرد.
وتقدم بعض الفرسان الاتراك صوب الباب ووجهوا زخة من السهام اكتفى قائد الحامية بالرد عليها بقذيفة منجنيق قتلت أحدهم فانسحب الباقون.
وفي نفس اليوم وصلت تعزيزات من عدة مئات من المرتزقة بغداد للاشتراك في حرب الدفاع.
وصعد الاتراك في اليوم التالي الموقف بتكثيف هجماتهم على باب الشماسية وبات واضحاً أن المعارك الرئيسية سوف تشتمل في هذه المنطقة فارسلت تعزيزات اضافة مؤلفة من الفرسان والمشاة.
وفي أول اشتباك عنيف سقط عشرات الجرحى والقتلى في صفوف الفريقين.
وقامت كتائب من الاتراك بمحاولة لاقتحام بغداد من باب خراسان في الجانب الشرقي فاخفقوا.
ولم يحدث في نهر دجلة أي اشتباك يذكر.
وفي (قطربل) تقدم الزنوج بقيادة ربلة المغربي الذي كان يقود قوات من (الفراغنة) أيضاً واتخذت القوات المتقدمة مواقعها قريباً من الدفاعات، وحدث تراشق عنيف بالسهام.
وقامت القوات المدافعة بغارة ليلية جريئة فاكتسحت المناطق المحتلة ورمى الجنود الفارون انفسهم في دجلة لعبور النهر الى معسكر أبي أحمد في الجانب الشرقي، ولكن (التيارات) المشحونة بالمقاتلين قطعت عليهم الطريق فتم أسرهم فيما غرق الباقون.
وقد أدى هذا النصر الساحق الى أن يغير الاتراك الزاحفون خططهم وعندما وصلت انباء هذه الهزيمة الى سامراء انتعشت آمال الناس وحدثت حركة شعبية مضادة لخلافة المعتز(٣٩).
وكان سير المعارك والاشتباكات يسير لغير صالح الاتراك. وفي غمرة الحرب الاهلية وتدهور الاوضاع الاقتصادية اندلعت سلسلة من الثورات العلوية، في (اردبيل) و(الري) وثورة في مكة وفي الكوفة وفي قزوين وزنجان.
تبادل المتحاربون النصر والهزيمة وكانت أمطار آذار تخفف من حدة الاشتباكات التي حصدت عشرات الأرواح من السكان، وظهر عبيد الله بن يحيى وزير المتوكل في بغداد بشكل محيّر وليلعب دوراً في تمزيق جبهة بغداد بعد أن اقنع ابن طاهر بالتخلي عن المستعين مؤكداً له أن الأخير يتآمر عليه بل أنه طلب من وصيف وبغا اغتياله والقضاء عليه.
وقد كان لهذه الخطوة اضافة الى تدهور الاوضاع الاقتصادية وغلاء الاسعار وتذمر السكان من الحصار أثراً كبيراً في تحرّط ابن طاهر وضغطه على المستعين للتنازل عن الخلافة وقد حصل ذلك بعد انشقاق بغا ولجوئه الى المعتز.
وفي شهر ذي الحجة ٢٥١ هـ شتاء عام ٨٦٦ م وقع المستعين وثيقة التنازل مقابل ضمان سلامته وأفراد اسرته وسلم حلة الخلافة ليغادر بغداد منفياً الى مدينة واسط العراقية.
وأطل عام ٢٥٢ هـ فيما كانت رياح كانون الباردة تلفح الوجوه ورعود الثورات تدوي في كل الآفاق، وبدا تمثال الفارس حائراً لا يدري أين يشير برمحه الطويل(٤٠)؟!
وتصاعدت في هذه الفترة المتفجرة وتيرة الاغتيالات، التي تحدث لأقل الشكوك.
وظهرت (قبيحة) أم المعتز كذئبة مجنونة تريد الانتقام من الجميع ولم يكن المعتز الذي ناهز التاسعة عشرة من عمره سوى أداة طيعة في يدها وأيدي القادة الاتراك الذين أثروا ثراء فاحشاً في الحرب الاهلية.
ولعب الجواسيس دوراً في انتشار الرعب، وانعدام الثقة.
وكانت أم المعتز تدير شخصياً شبكة مرعبة من الجواسيس وفي ضوء التقارير الصحيحة والكاذبة تسقط الرؤوس ويموت الناس في ظروف غامضة.
كان المعتز قد زج بأخويه في السجن (المؤيد) و(طلحة) الذي قاد الزحف على بغداد وحصل على لقب (الموفق).
استدعى المعتز (بغا الشرابي) حول معلومات تفيد بعزم الاتراك على اطلاق سراح المؤيد من السجن.. ولكن بغا الشرابي نفى ذلك بشدة مؤكداً ان الاتراك يكنون احترامهم فقط لقائد الحملة على بغداد!
وفي مدينة (بلد) توفى أحد ابناء الامام الهادي في ظروف غامضة، وكان (محمد) الذي يبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة قد غادر سامراء مفضلاً العودة الى المدينة المنورة(٤١).
وقد هزت الحادثة الأسرة الطاهرة، فلقد كان ذلك الشاب النبيل محط الآمال(٤٢)؛ خاصة الذين عرفوه وعرفوا اخلاقه الكريمة.
وسرعان ما توفى المؤيد في سجنة ورتب محضر رسمي في أن الوفاة كانت طبيعية!
كانت (قبيحة) تصر على تصفية (المستعين) المخلوع، فصدرت أوامر شخصية من المعتز الى (أحمد بن طولون) حاكم (واسط) باغتياله الذي رفض ذلك، لكنه وافق فيما بعد على ترحيله الى سامراء.
وفي (سامراء) تم تسليمه الى (سعيد الحاجب).
ولم يمهله سعيد وقتاً فأهوى عليه بالسيف ليتدحرج رأسه قرب النهر.
كان المعتز يلعب الشطرنج عندما جاءوا اليه برأس ابن عمه فلم يلتفت اليه وقال وهو يشير الى رف.
ضعوه هناك حتى انتهي من (الدست)(٤٣).
واكتفى بنظرة عابرة ثم أشار الى حرسه بأخذه.
وصدر (عفو رسمي) عن وصيف وبغا بعد مساع قام بها اسماعيل بن (قبيحة) وشقيق المعتز وضغوط الاتراك(٤٤).
وتم تنصيب اسماعيل ولياً للعهد(٤٥).
كما توفى (زرافة) أحد المؤيدين لحركة المنتصر بعد نجاحها(٤٦).
وبدا واضحاً أن هناك حرباً خفية للسيطرة على البلاط.
وارتفعت حمى الاغتيال وسيطر جو المؤامرات على سامراء.
وفي غمرة هذه الاجواء كان منزل الامام يخضع لمراقبة خانقة ومع ذلك فقد تدفق الناس الى منزله لتقديم التعازي في ولده الشاب محمد.
كان المنزل يغص بعشرات المعزين، وقد بدأ (أبو الحسن) حزيناً وهو جالس على كرسي يتقبل العزاء.. وجهه الاسمر تغمره هيبة النبوّات وجاء ابنه الحسن فوقف عن يمين والده..
التفت اليه الوالد بحنو قائلاً:
- يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً(٤٧).
قال الحسن بخشوع:
- الحمد لله رب العالمين.. واياه أسال تمام نعمه لنا منك..
وإنا لله وإنا اليه راجعون(٤٨).
وكان أبو هاشم يصغي الى همسات البعض يتحدثون عن توقعاتهم في ان الشاب سيكون هو الإمام بعد رحيل والده.
واشتعلت في ذهن أبي هاشم قصة قديمة عندما توفى (اسماعيل) في زمن والده (الصادق) وظن بعض الشيعة أنه الامام بعد والده فانكروا امامة موسى الكاظم بل وانكروا حتى وفاة (اسماعيل) فظهرت فرقة (الاسماعيلية) منذ ذلك الوقت.. آه ما اشبه قصة الحسن مع أخيه محمد، قال الامام الهادي كما لو أنه قرأ ما يموج في قلب صاحبه:
- نعم يا أبا هاشم هو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون..
وسكت لحظات نظر خلالها الى ابنه الحسن عن يمينه ثم قال:
- أبو محمد ابني الخلف من بعدي.. عنده ما يحتاج اليه ومعه آلة الامامة والحمد لله رب العالمين.
واعتصم بصمت الانبياء ثم تمتم لكأنه ينظر الى الزمن القادم:
- كيف لكم بالخلف بعد الخلف؟!
تساءل أبو هاشم:
- ولم جعلني الله فداك؟!
قال الامام مبشّراً:
- لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكر اسمه.
- فكيف نذكره؟!
- قولوا: الحجة من آل محمد(٤٩)!

(٨)

البلاط الآن في أخريات عام ٢٥٢ هـ تسيره قدرة غامضة مؤلفة من أم المعتز زوجة المتوكل والمرأة الأكثر ثراء في سامراء يعاونها الوزير النصراني ابن اسرائيل وغلام المتوكل النصراني وكان الشخص الوحيد الذي يرافق المتوكل واستطاع الفرار عشية اغتيال الضباط الاتراك للخليفة، وهاهو الآن يصبح من ابرز الشخصيات في بلاط المعتز!
وكانت سياسة المعتز تصفية أعداء والده المتوكل ايا كانت اتجاهاتهم ولذا قام بترقية الضباط المغاربة ليكونوا عماد حرسه الخاص ويفرض بذلك سطوته فكان لوليد المغربي حصة الأسد واصبح قائدا عسكرياً مرموقاً في تلك الفترة العاصفة.
واجتاحت بغداد وسامراء حملة اعتقالات واسعة طالت عشرات العلويين أو ممن تشم فيهم رائحة الولاء لأهل البيت وكان في طليعة من اعتقل أبو هاشم الجعفري بأوامر شخصية من المعتز بذريعة ان البلاط يفكر في ارساله الى (طبرستان) للتفاوض(٥٠) مع الثائر العلوي (الحسن بن زيد) وتهدئة القلاقل هناك فنقل مخفوراً الى سامراء في تلك الفترة.
وبدت خزانة الدولة بسبب الفوضى عاجزة عن سد نفقات الاتراك والمغاربة الذين قدرت ميزانيتهم بـ ٠٠٠/٠٠٠/٢٠٠ دينار سنوياً وهو ما يساوي ايراد الدولة في عامين(٥١)!
ولذا توقف صرف المرتبات الى بعض القطعات العسكرية التي تضم المغاربة والاتراك المنضوين تحت قيادة بايكباك الذي كان مستاء من عودة وصيف وبغا وتسنمها مواقع قيادية كبيرة.
وفي ٢٦ شوال اندلعت حركة عسكرية سادتها مظاهر الشغب وكانت تطالب بدفع مرتبات اربعة أشهر.
وقد استدعت الاوضاع ان يتوجه (بغا الشرابي) و(وصيف) و(سيما) بأنفسهم للسيطرة على الموقف..
وعد بغا المشاغبين بأنه سوف يفاتح الخليفة شخصياً وغادر المكان فوراً فيما أقدم (وصيف) على خطوة حمقاء إذ قذفهم بحفنة من التراب صائحاً:
- خذوا تراباً بدل المال!
وقد فجرت هذه الخطوة الموقف إذ هاجم بعضهم وصيفاً وسدد له ضربتين وطعنه آخر بسكين ولكن أحد القادة المرافقين له انقذه ونقل الى منزل قريب.
وشعر المشاغبون بالخطر عندما تأخر بغا في العودة ولذا هاجموا المنزل وانهالوا بالطبرزينات على وصيف حتى الموت ثم احتزوا رأسه، واندفع الغوغاء الى نهب قصوره في سامراء وفي تلك اللحظات المصيرية ظهر ابنه (صالح) فقاد حركة جريئة وسيطر على الاوضاع بنجاح مما اضطر (الخليفة) الى منحه جميع امتيازات والده.
وفي ذي القعدة أقدم صالح على خطبة ابنة بغا بعد أن وجد القائدان نفسيهما بحاجة الى ترتيب جبهتهما ضد الخليفة وأنصاره من المغاربة والاتراك بقيادة بايكباك.
وهكذا سيطر جو محموم من التآمر والقى الرعب ضلاله الرهيبة وانعدمت الثقة بين الناس.. وكانت رائحة الشائعات تزكم الانوف.. وفي ذلك الزمن الردىء سمع الامام الهادي يقول:
- (إذا كان زمان العدل فيه أغلب من الجور، فحرام أن يُظن بأحد سوء حتى يُعلم ذلك منه، واذا كان زمان الجور أغلب فيه من العدل فليس لأحد أن يظن بأحد خيراً ما لم يعلم ذلك منه..)(٥٢).
كان قد مضى شطر من الليل عندما كان (كافور) الخادم يجوس ازقة سامراء متجهاً صوب منزل بشر بن سليمان النخاس الذي اكتسب سمعة طيبة في تجارة الرقيق، فهو يتاجر بشراء العبيد والجواري ولكن وفق مبادىء اخلاقية دقيقة ولا يتورط في صفقات يمكن أن تكون مشبوهة..
لقد تدنست تجارة الرقيق وغلب عليها الحرام.. الثورات والقلاقل الداخلية وبطش وقسوة الحاكمين وعدم تورعهم من بيع السبايا المسلمات(٥٣) جعل من تجارة الرقيق سوقاً دنسة.. ومع ذلك فلا يعدم المرء أن يعثر بين النخاسين من يترفع عن ارتكاب الحرام ويتاجر بالمسلمات اللائي غارت القوات الحكومية على منازلهن في المناطق المتوترة هنا وهناك.
مضى شطر من الليل ورياح كانون تجوس سامراء الأبواب موصدة وعواء ذئاب بعيد يتناهى خلال الريح الباردة سرعان ما يضيع بين سنابك حصان يمرق على عجل..
عندما جاء بشر لم يكن ليدرك بعد ماذا يريد الامام منه، ولكنه خمن أن الأمر يتعلق بالرقيق على كل حال.
اتخذ بشر النخاس مجلسه قبال الامام وراح يتأمل بخشوع الوجه الأسمر والعينين اللتين تكادان تختصران العالم!
آه ما أنبل هذا الانسان.. انه لا يعرف رجلاً يعامل عبيده وجواريه هذه المعاملة لكأنهم أولاده وبناته.. أي قلب ينطوي عليه صدر هذا الرجل المبارك؟!
ان من يراه لن يصدق أنه لم يبلغ الأربعين بعدا ولكن الشيب اشتعل في رأسه فهو يبدوفي الستين!
أية أهوال أحالت هذا الشاب الى شيخ وهو لم يناهز الأربعين سنة؟!.. انه يحدث أخته الجالسة وراء الستر بصوت فيه عذوبة الينابيع..
ابتسم الامام لضيفه وقال بود:
- يا مبشر: انك من ولد الأنصار.. وهذه الموالاة لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، وانتم ثقاتنا أهل البيت.. وانّي مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها سائر الشيعة.. بسر اطلعك عليه.. وانفذك في ابتياع أمة!
ونشر الامام في ضوء القنديل قرطاساً وراح يسطر بلغة رومية وحروف رومية رسالة.. ولصق الامام الرسالة وختمها.. ثم أخرج (شنتقة)(٥٤) صفراء فيها ٢٢٠ ديناراً وسلمها الى بشر النخاس قائلاً:
- خذها وتوجه الى بغداد الى معبر الصراة.. وانتظر قدوم زوارق السبايا فإذا برزن الجواري فستحدق بهن طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس وشراذم من فتيان العراق، فإذا رأيت ذلك، فأشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك.. الى أن تبرز الى المبتاعين جارية رومية ترتدي حريرتين صفيقتين تمتنع من السفور ولمس المعترض، والانقياد لمن يحاول لمسها ويشغل نظره بتأمل مكاشفها من وراء الستر الرقيق..
في الصباح الباكر كان بشر يتجه صوب شارع الخليج حيث ترسو السفن القادمة من بغداد أو التي تنتظر مسافرين يتجهون اليها..
رائحة المياه الغرينيه تملأ صدره، وكانت الشمس قد اشرقت فوق ذرى النخيل على امتداد جبهة النهر..
القى الملاح نظرة فربما يأتي مسافر آخر ولكن المرسى كان خالياً إلامن بعض صيادي السمك وانسابت السفينة الشراعية يحملها التيار المائي برفق تساعده نسائم الصباح التي تهب من الشمال.. في الضحى اجتازت السفينة معبر (الشماسية) ولاحت بعض جذوع النخيل المحترقة الحرب الأهلية قبل أكثر من عام، وما تزال آثار الحرب واضحة في الضفاف.. بقايا السور الطويل الذي صمد بوجه الاتراك، وبعض الدور المهدمة.
رست السفينة قرب نهر الصراة، وغادرها بشر متجهاً نحو المعبر واتخذ مكانه في مكان تغمره شمس الضحى الدافئة..
على مقربة من المعبر ينهض سوق الرقيق، وقد تشكل وفق متطلبات هذه التجارة.. دكة ينادي عليها النخاس ومكان تعرض فيه الفتيات من وراء ستر شفاف.. أما إذا كان الرقيق غلماناً فيقفون قرب النخاس..
وصلت الزوارق وترجلت منها فتيات يرتدين اشكالاً مختلفة من الثياب.. وبدأ سوق الرقيق يضج بالحركة والحياة..
وبدأ أحد النخاسين باطلاق أول نداءات هذه التجارة البشرية:
- حسناء تجيد الطهي وشيئاً من الغناء وتحفظ أخباراً مليحة..
قال رجل تبدو عليه الخبرة:
- وكم عمرها؟
- عشرون سنة.
- لتبرز حتى نراها.
صاح النخاس:
- خيزران!
نهضت فتاة عليها ملامح سكان أرمينيا.
حضر رجال آخرون يرتدون بزات رسمية تدل على أنهم موظفون في الدولة أو وكلاء لبني العباس.. كما تحلق بعض الشبان يمتعون النظر في وجوه الفتيات الجميلات.
وقف بشر قرب دكة عمر بن يزيد النخاس.. يراقب عن كثب ما يجري.. كان النخاس قد باع جاريتين حتى الآن وينادي على الثالثة وكانت هناك فتاة رابعة تختبىء وراءها وعندما بيعت الثالثة بقيت فتاة في الرابعة أو الخامسة عشر من عمرها.. نادى النخاس بغلظة:
- عمرها أربعة عشر سنة رومية تحسن العربية كادت الفتاة تذوب حياء وهي تحاول الاختباء تحت ثيابها الفضفاضة.
صاح شاب:
- لكننا لا نرى شيئاً!!
وعلق آخر:
- نعم دعنا نراها أولاً:
أزاح النحاس الستر جانباً وأراد أن يمسك بردنها لكنها جذبته وصاحت وبلسان رومي.
وآراد أحدهم أن يجذب نقابها فانكفأت الى الوراء وقد اشتعل غضب الكرامة في عينيها.
قال رجل:
- كيف تريدنا ابتياعها هكذا؟!
انهال النخاس عليها بسوط كالافعى فصرخت الفتاة بألم وحزن.. آه ما أسوأ أن يباع الانسان ويشرى في السوق كالحيوان؟!
هتف رجل تبدو عليها سيماء الصلاح:
- انني اشتريها بثلاثمئة دينار.. فقد زادني العفاف فيها رغبة.
قالت الفتاة بلغة عربية فيها لهجة رومية:
- لو برزت في زي سليمان بن داود وعلى مثل سرير ملكه ما بدت لي فيك رغبة.. فأشفق على مالك.
صاح النخاس:
- وماذا أفعل أنا؟ ولابد من بيعك؟
قالت الفتاة:
- ولم العجلة؟ انني لن اختار الاّ من يسكن اليه قلبي واطمئن الى وفائه وأمانته.
وأراد النخاس أن يصفعها ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة..
انفض الناس وانصرفوا الى غيره.. وفي هذه اللحظة تقدم بشر وحيا النخاس بأدب قائلاً:
- ان معي كتاباً ملصقاً لبعض الاشراف، كتبه بلغة رومية وخطّ رومي، ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه، فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه ورضيت فأنا وكيله في ابتياعها منك..
هز النخاس رأسه موافقاً وتقدم بشر الى الفتاة التي كانت ترتدي زياً رومانياً اضفت عليه حشمة النصارى حياءً وستراً..
فضت الفتاة الرسالة المختومة وراحت تتأمل كلماتها وقد تألق وجهها بالفرح..
وامتلأت عيناها بالدموع قالت بصوت تهدّج بعاطفة نبيلة:
- بعني من صاحب هذا الكتاب!
التفت النخاس الى بشر:
- لن أرضى بأقل من ثلاثمئة دينار.
هتف بشر:
- هذا ثمن باهض!!
- لقد سمعت بنفسك الرجل الذي دفع هذا المبلغ.
- هذا صحيح ولكن أنا أيضاً يا صاحبي اعمل في الرقيق.. ان ثمنها مرتفع.
- لن ابيعها بأقل من ثلاثمئة.
هتفت الفتاة:
- سوف أقتل نفسي اذا امتنعت!
وقال بشر:
- ان معي هذه (الشنتقة) وهي لصاحب الكتاب.
- كم فيها:
- مئتان وعشرون ديناراً.
- هاتها.
- على بركة الله.
وسجل الرجلان وثيقة البيع، وانصرف بشر الى حجرة كان يأوي اليها كلما قدم الى بغداد.. وكانت الفتاة تتبعه كحمل وديع وقد غمرتها سكينة المؤمنين..
في الحجرة وريثما يحين موعد العودة الى سامراء، أخرجت الفتاة الرسالة لتقرأها مرة أخرى.. ولثمتها ثم وضعتها على عينيها واستنشقت نفساً طويلاً لكأنها تريد أن تملأ صدرها بشذى الكلمات..
ولم يتحمل بشر اكثر مما يرى!! هل هو حقيقة أم حلم كل ما يراه؟!
ربما يستطيع أن يدرك تصرفات الامام فهو رجل مبارك آتاه الله الحكمة وورث علوم جده محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولن ينسى أبداً كيف تنبأ بهلاك المتوكل ذلك الطاغية الأرعن.. تنبأ بسقوطه في وقت كان الناس يرهبون حتى اسمه.. ولكن ما يراه لا يجد له تفسيراً فتاة رومية تقبل كتاباً لا تعرف صاحبه!! قال بشر وقد اتسعت عيناه دهشة:
- أتلثمين كتاباً لا تعرفين صاحبه؟!!
لاذت الفتاة بالصمت، ثم قالت:
- أعرف أنك أمين، وأن من أرسلك قد استودعك سرّاً لم يطلعه على أحد.. أعرني سمعك وفرغ لي قلبك، لاستودعك سرّاً لم اطلعه على أحد..
أنا (مليكا) بنت يشوعا بن قيصر وأمي من ولد الحواريين تنتسب الى وصي المسيح شمعون.. وراحت الأميرة الرومية تروي قصتها وقد اشتعلت المشاهد المثيرة في ذاكراتها الغضة(٥٥).

(٩)

في المركب الشراعي بدأت المناظر تنساب الى الوراء والنخيل على امتداد جبهة النهر بدا كرموش حورية، وبالرغم من بقايا آثار الحرب الاهلية، إلا أن دجلة في ذلك الاصيل بدا موحياً يبتسم بأمل.. و(نرجس) تلك الفتاة الطاهرة ما برحت مأخوذة بشمس الاصيل التي أثارت في ذاكرتها الغضة مشاهد لا تنسى..
مشاهد سوف تبقى متألقة مدى العمر.. مشاهد حبيبة الى روحها.. كم تعذبت طوال الشهور الماضية؟ لقد قاست الكثير.. كانت الغيوم تعبر سماء دجلة.. غيوم بيضاء ناصعة ظهرت بعد تلك الليلة المطيرة.. ذكرتها الغيوم بحلة العرس.. آه كم هو مقيت الزواج من انسان تافه.. ذلك الأمير الذي لا يعرف من الحياة سوى ظاهرها البراق.. ان ذكراتها تشتعل بالمشاهد المثيرة:
(كان القصر المهيب يجع بالحركة وباحة القصر تشهد بناء عجيب.. منصة عالية حيث يجثم عرش مرصع من الجواهر واعمدة من خشب يحسبها المرء رخاماً، ومدرج خشبي أنيق تنهض على جانبيه الصلبان..
ووصل الأمير المغرور ليرتقي المدرج الى حيث العرش..
اما هي فقد كانت تعيش مشاعر الفجيعة.. سوف تقضي العمر الى جانب انسان تافه أحمق..
في البداية رفضت، ولكن هناك تقاليد تحكم القصر.. الأميرات للأمراء اتجهت الى الكنيسة توسلت بالعذراء.. بكت..
عندما وجدت نفسها في الطريق الى المنصة وقد احتف عشرات الاساقفة والأمراء والجنود كانت قد استسلمت لقدرها.. وفي تلك اللحظات حدثت المعجزة.. اهتزت الأرض وتساقطت الأعمدة الخشبية وانهار العرش ومعه الامير المذعور الذي فقد وعيه..
حدث كل شيء في لحظات.. وعندما سكنت الأرض ظهرت على وجوه الاساقفة ملامح تشاؤم وعطلوا مراسم عقد القران.. مثل طائر حبيس عادت (مليكا) الى مخدعها ورمت بعيداً حلة العرس وارتدت ثوباً اكثر حشمة ووقاراً، ثوباً يشبه مسوح السيدة العذراء وانطلقت صوب الكنيسة لتسجد أمام الصليب وتمثال مريم.. شكرت من كل قلبها الرب وصلت بخشوع وبكت فرحاً.. ودعت الرب أن تكون زوجة لانسان طاهر.. انسان لم يتدنس قلبه بوساوس الأرض!
- يا الهي هل هو حلم ما أراه أم يقظة؟! في باحة القصر هوت المنصة والعرش نهض عرش من نور.. السيد المسيح جالس على العرش ويدخل رجل مهيب.. رجل يرتدي ثياباً عربية شعره يشبه تموجات بحيرة رائقة.. سوالفه تتلألأ.. وابتسامة تشرق وجهه المضيء.. وينهض السيد المسيح فيعانقه وادركت أنه (أحمد) الذي بشر به انجيل (برنابا)..
قال أحمد: يا روح الله جئتك خاطباً من وصيك شمعون فتاته مليكا لابني هذا!
وأومأ الى فتى أسمر.. عيناه نجلاوان تتألقان بالصفاء لكأنهما نافذتان تطلان على عالم من نور..
شمعون يبتسم، والحواريون..
عندما انتبهت وجدت نفسها بين أيدي الراهبان وكان جبينها يلتهب من الحمى..
آه أنها لا تستطيع أن تبوح لأحد بما رأته.. عزفت روحها عن الطعام.. نحل جسمها.. وكانت روحها تشتد سطوعاً وعجز الطب عن فعل شيء..
وجاء جدها فجلس عند الأميرة التي ما تزال تخبو كشمعة في نهايات ليل طويل قال لها بحنو: هل تشتهين شيئاً قالت الفتاة: يا جدي أرى أبواب الفرج علي مغلقة.. فلو كشفت العذاب عن أسرى المسلمين.. وفككت عنهم الأغلال.. لرجوت أن يهب المسيح وأمه لي الشفاء.
قال الجد، وقد تمثلت في ذكراته محنة الأسرى يوم أعدم منهم اثنا عشر ألف أسير بأوامر من تيدورا:
- أعدك بذلك يا عزيزتي!
شاعت البهجة في قلب مليكا.. وتماسكت لتتناول قدراً يسيراً من الطعام..
مرت ثلاث ليال ومليكا اعماقها تضطرم تحت تأثير الرؤيا.. ما تزال صورة الفتى العربي الاسمر تتألق في ذكراتها.. لكأنها رأته حقيقة لا في عالم الخيال.. والاحلام.
قبيل الغروب وقد غابت الشمس خلف ذرى الاشجار ظهرت العذراء مريم.. لم تكن وحدها كانت معها سيدة وجهها يزهو نوراً على رأسها اكليل من اثني عشر كوكباً، وقد اشرقت فوق رأسها شمس بهية وقمر منير(٥٦) تحفها حوريات الجنة قالت مريم: هذه سيدة نساء العالمين.. فاطيما.. أم زوجك.. مليكا تهب ترمي بنفسها في احضان السيدة الكريمة.. آه أنه لا يزورني.
قالت السيدة: لأنك لم تدخلي دينه..
- وماذا أفعل يا سيدة النساء؟
تشهدين بأن الله واحد لا إله إلاّ هو وتصدقين رسالة أحمد الذي بشر به المسيح.
عندما استيقظت من النوم كان اسم أحمد على شفتيها..
جففت حبات عرق انبجست فوق جبينها الملتهب.. ما تزال مليكا محمومة.. تستغرقها الرؤيا العجيبة لقد تعلمت العربية منذ صباها.. منذ أن شهدت مذبحة الأسرى المسلمين الذين رفضوا اعتناق النصرانية واختاروا الموت(٥٧).
لقد اتقنت العربية لكنها لم تتحدث بها الى أحد.. الرؤيا العجيبة.. تحير ذهنها.. تجعل قلبها فارغاً، والوجه الأسمر.. ذلك الفتى العربي من أين جاء؟! وهل ستلتقيه في عالم الحقيقة؟ أم سيبقى كل شيء رهن الخيال؟!
السفينة تشق أمواج دجلة صوب الشمال، وتيار الذكريات المشتعلة كبروق سماوية ما يزال يستغرق وعي مليكا التي اختارت اسماً جديداً تختبىء وراءه قصتها العجيبة..
في كل ليلة كانت ترى ذلك الفتى الأسمر صدقت أنها زوجته وكانت روحها الظامئة تشتاق الى رؤيته..
عيناه الواسعتان تختصران العالم..
عندما سمعت ذات يوم أن القصر يفكر بارسال جيش ومهاجمة ديار الاسلام تحفزت كل خلية في كيانها، أن روحها تضطرم.. سوف تلتحق بالجيش بحجة التمريض وتنضم الى الوصائف اللائي يقمن بهذه الخدمة..
لم تضع وقتها.. لكأنها مستسلمة لقدر عجيب.. شيء لا يمكن وقوعه الا في عالم الخيال أو عالم آخر مجهول!
تنكرت في زي الخدم.. وغادرت القصر لتختفي الى الأبد.. سوف يبحثون عنها.. في كل مكان دون جدوى سوف يبقى سرها مكنوناً وقد تستحيل الى قديسة في المستقبل!
قدرها أن ترافق طلائع الجيش الرومي(٥٨) ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء..
وعلى الحدود وقعت اشتباكات محدودة هزمت فيها طلائع الروم ووقعت مليكا في أسر المسلمين فكانت في سهم شيخ مسلم سألها عن اسمها فقالت على الفور:
- نرجس.
قال الشيخ:
- اسم الجواري.
وعندما وصلت بغداد طالعها عن بعد تمثال الفارس الذي يتربع فوق قبة قصر الذهب في قلب بغداد.. بيده رمح طويل يشير به الى جهة الشرق..
مليكا في بغداد جارية في سوق الرقيق.. سرّها مكنون كلؤلؤة في صدفة في اعماق بحيرة تغفو بسلام.. حكايتها حكاية عجيبة أغرب من الاساطير..
كم انتابتها الهواجس طوال الأيام الماضية كيف تستلم للرؤيا وهل يسلم المرء نفسه للأحلام؟ ولكن تلك الرؤيا ليست اضغاث أحلام.. إنها اكثر اشراقاً من كثير من الوقائع لقد استغرقت شعورها وسيطرت على مشاعرها.
ووجدت نفسها تسير نحو قدر ينتظرها في مكان ما وفي لحظة ما.. ولكن عندما وقعت عيناها على الرسالة المكتوبة بلغتها أدركت أن القدر قد اختارها، ورسم مصيرها وما عليها سوى التسليم..
وعادت مليكا الى نفسها عندما اقتربت السفينة من مشارف (سامراء) من بعيد طالعها ذلك البناء الحلزوني وحدست في نفسها أنه منارة مسجد كبير.
رست السفينة مرسى (الخليج) وانتقل المسافرون الى الشاطىء حيث المدرجات التي تؤدي الى شارع الخليج..

(١٠)

التوتر يسود سامراء، وقد بدا واضحاً أن الطغمة التي كانت متنفذة في زمن المتوكل قد عادت الى الحكم كأشرس ما تكون كما أن تعيين ابن أبي الشوارب رئيسا لسلطة القضاء(٥٩) قد جاء ليعكس سياسة الدولة ازاء العلويين فابن أبي الشوارب معروف بولائه الاموي!
وفي هذه الفترة تم القاء القبض على كثير من العلويين كما اخمدت ثوراتهم بقسوة ووحشية ورحل كثير من زعاماتهم الى سامراء لوضعهم تحت رقابة مشددة أو توقيفهم(٦٠) وكان منزل الامام الهادي يخضع هو الآخر للرقابة حتى أن بعض وكلائه يتظاهرون بحرف وأعمال تغطية لدورهم في تعزيز الاتصال بين الامام وقواعده الشعبية(٦١).
وكان لكثرة الاضطرابات والقلاقل في أنحاء الدولة وفساد الطغمة الحاكمة ونهبها لأموال الأمة قد جعل من سامراء على فوهة بركان سرعان ما يثور ويحيل كل شيء الى خرائب وحمامات دم..
وكان الصراع بين القادة الاتراك على أشده، وبدا بغا الشرابي يحاول المستحيل لاقناع المعتز بالرحيل الى بغداد لكن دون جدوى(٦٢) فانصرف الى التنسيق مع صالح بن وصيف للقيام بحركة عسكرية والاطاحة بالمعتز(٦٣) والقضاء على قوات الحرس من المغاربة.
وقبيل الغروب وصل بشر النخاس (درب الحصا) حيث يوجد منزل الامام وكانت الجارية الرومية تتبعه وعيناها تشرقان بالأمل.
احتفى الامام الهادي بالفتاة التي وصلت على قدر.. كان المنزل تغمره سكينة الغروب الحسن قد أوى الى السرداب كعادته يعبد الله، وجعفر(٦٤) لم يعد الى المنزل بعد.. التفت الامام الى كافور قائلاً:
- أدعُ لي اختي حكيمة.
كانت حكيمة قد تحدثت مع شقيقها حول زواج الحسن الذي جاوز العشرين ولم يتخذ زوجة له، ولاسباب مستورة بحجب الغيب في المديات البعيدة فضل الامام الهادي أن يقرن ابنه بفتاة تتحمل هموم المصير.. تنجب له الصبي الموعود الذي بشرت به الرسالات ويحقق أحلام الانبياء يعيد للحياة الانسانية كرامتها وللأرض خضرتها والربيع..
وصبي كهذا ينبغي أن تكون والدته سيدة لا يعرفها أحد قادمة من صقع بعيد.. فيها خصال من (يوكابد) أم موسى ومن مريم ابنة عمران.. لأن الوليد سيحمل غضب موسى، ومعجزات المسيح عيسى بن مريم..
من أجل هذا اختار القدر الالهي (مليكا) لتشد الرحال وتخوض الاهوال لتصل على قدر منزلاً في درب الحصا.. هاهي جالسة في حضرة الرجل الذي بلغ الاربعين من عمره وقد اشتعل رأسه شيبا.. لشدما يشبه فتى الاحلام(٦٥).
وصلت حكيمة متلهفة لرؤية الفتاة وعندما سمعت شقيقها يقول مشيراً اليها:
- ها هي!
حتى هبت لاعتناقها آه أنها فتاة كاملة..
انحنت مليكا وقبلت يد السيدة المباركة..
وطوال الوقت كانت حكيمة لا تنفك تنظر الى الفتاة.. ذات الوجه المضيء وقد تورد الحياء فوق وجنتيها..
قال الامام مخاطباً الفتاة:
- كيف أراك الله عز الاسلام وذل النصرانية؟(٦٦)
قالت الفتاة بأدب:
- كيف أصف لك يا بن رسول الله ما أنت أعلم به مني.
قال الامام وهو يغمرها بحنانه:
- أريد أن اكرمك.. فأيما احب اليك: عشرة آلاف درهم؟ أم بشرى لك بشرف الأبد؟
- بل البشرى يا سيدي!
قال الامام وهو يبشر بميلاد الطفل الموعود:
- فابشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً.. ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
قالت الفتاة وقد غمرتها روح مهيمنة:
- ممن؟
- قال الامام بلغة رومية:
- ممن خطبك رسول الله له.
توهجت في أعماقها مشاهد ذلك اليوم عندما انهارت الصلبان والاعمدة.. ويوم رأت المسيح يعانق النبي العربي.. وليلة رأت مريم ومعها سيدة متسربلة بالشمس والقمر، وعلى رأسها اكليل مرصع بكواكب درية..
لاذت بالصمت وبدت في جلستها الهادئة حورية قادمة من جنة ما..
قال الامام مخاطباً اخته:
- يا بنت رسول الله خذيها الى منزلك.. وعلميها الفرائض والسنن.
كانت الغيوم تحجب الشمس ولكنها ما تزال تبعث بدفئها ونورها الشفاف يغمر الأرض..
ونهضت حكيمة مصطحبة معها الفتاة الكريمة التي ستدعى بعدة اسماء.. فهي (ريحانه) و(سوسن) و(نرجس) وحديثة.. اما اسمها الحقيقي (مليكا) فسيبقى مستوراً مع جذورها وسرها المكنون..
إنها في الظاهر جارية لا فرق بينها وبين (ماريا) و(نسيم)(٦٧) ولكنها في الحقيقة (سيدة الاماء)(٦٨).
وانتقلت مليكا الى منزل امرأة صالحة هي ابنة إمام واخت إمام وعمة إمام وسيقدر لها ذات يوم أن تشهد ميلاد المعجزة.
وتدور الأيام.. وسامراء غارقة في المؤامرات وقد استيقظ الشيطان.. ذر قرنيه وراح يعربد في كل مكان..
وفيما كانت الاشياء تهتز بعنف تحت سنابك خيل الاتراك كانت هناك نقطة مغمورة بالسلام.. في منزل هادىء بدرب الحصا..
هناك انسان ينظر الى الافق البعيدة الى قوافل قادمة من المستقبل.. من أجل هذا راح يبشر بإطلاله الفجر الخالد.. سيولد الطفل.. سيولد الفارس الأخضر سيولد الذي ينقذ الانسانية المعذبة..
سيولد بشارة الرسالات القديمة.. ومن يصلي خلفه عيسى بن مريم.. سيولد الذي يصارع التنين(٦٩)..
سيولد بشارة الرسول والكوكب الدري(٧٠).. والذي بشر بميلاده علي صوت العدالة والانسانية وحفيد علي الهادي الذي بدأ يخطط لبزوغ الأمل الاخير والشمس المستورة وراء حجب الغيوم..

(١١)

مضت أربعة فصول وأطل عام ٢٥٤ هـ واطل معه عام ميلادي جديد بعد ليلة خريفية طويلة(٧١)..
رياح كانون الثاني تجمد السواقي وتحيل بساتين الرمان وعرائش الكروم الى أعواد يابسة..
كل شيء ينذر بوقوع حوادث مثيرة.. كان المعتز ومن ورائه والدته يقود حملة رهيبة لتصفية جميع خصومه ومناوئيه وارتفعت حمى التآمر.. قام أولاً بابعاد أخيه طلحة قائد الحملة على بغداد.. ثم غير منفاه من البصرة الى بغداد.. وقد يعيده الى سامراء ليضعه تحت مراقبة صارمة..
بايكباك ما يزال في مخبئه في مكان ما في كرخ سامراء.. المعتز يحاول الاجتماع به لتوجيه ضربة الى بغا الشرابي وصالح بن وصيف بعد أن ثبت أنهما يتآمران للاطاحة به وانتخاب خليفة آخر يخضع لنفوذهما..
افادت تقارير الجواسيس بان صالح بن وصيف وبغا الشرابي مشغولين بحفلة زفاف ابنة الشرابي الى صالح(٧٢)..
انتهز المعتز الفرصة، وعبر الى الكرخ مع أركان حكومته وفصائل من قوات الحرس الخاص..
ووصلت الانباء بغا الشرابي فغادر سامراء مع خمسمئة من جنوده الى تل عكبراء ونصبت له خيمة على شاطىء دجلة فيما ظل جنوده في العراء تلفحهم رياح شتائية قارسة البرد.
وفي الاثناء كان المعتز قد وصل قصر الجوسق مع قطعات عسكرية بقيادة بايكباك لحرسة القصر الخليفة من هجوم محتمل..
لم تكن الأمور تسير في صالح بغا الشرابي الذي تناهت اليه شكوى جنوده من البرد وانفراده في خيمة يتدفأ بها.. وما لبث أن جاء (ساتكين) الضابط التركي ينقل اليه شكوى الجنود من وجودهم في العراء بلا طائل.. فكر بغا في التسلل واللجوء الى منزل صالح بن وصيف فقال:
- دعني الليلة.. يجب أن افكر في الأمر..
وعندما انتصف الليل.. تسلل بغا دون سلاح مصطحباً خادميه فاستقل زورقاً انحدر به الى المدينة..
وشاء القدر أن يكتشف حرس الجسر، الزورق الذي اقترب من الشاطىء..
وهناك تم توقيفه فاضطر الى الاعلان عن هويته فقال قائد الدورية وهو زنجي:
- ان لدينا أوامر بمنع التجول في هذه الساعة من الليل.
قال بغا:
- اما أن تذهب الى منزل صالح بن وصيف.. أو تذهب الى منزلي.
ووعده بمكافأة.. ولكن و(ليد المغربي) اصدر أمراً بتوقيفه وغادر المكان على وجه السرعة متجهاً الى القصر.. وسرعان ما اجتمع بالخليفة الذي كان ينام بسلاحه تحسباً من هجوم الاتراك.
هتف المعتز وهو يسمع الخبر المثير:
- ويلك جئني برأسه!
وفي بستان على الشاطىء تم قتل بغا الشرابي، وصلب رأسه فوق الجسر، واحرقت جثته.. وطورد ابناؤه في بغداد وزج باصدقائه في سجن المطبق وفي زنزانات (قصر الذهب) وصودرت جميع أموالهم، واحتفل البلاط بهذه المناسبة ومنح القاتل جائزة كبرى(٧٣) وبدا ان المعتز سوف يبسط سيطرته على الوضع في البلاد لولا القلاقل في ايران فثورة (الحسن بن زيد) ما تزال يستعر أوراها في غابات ايران، ثم ظهر (يعقوب الصفار) في اقليم (سجستان)(٧٤) ليزحف باتجاه كرمان(٧٥).
وكانت هواجس المعتز تتضاعف ازاء العلويين، ففي مصر ثورة كبيرة يقودها ابراهيم بن محمد بن يحيى المعروف بابن الصوفي.. وفي شمال ايران ثورة اخطر من تلك، وانعكست هواجسه على سياسته تجاه العلويين في بغداد والكوفة وسامراء.. في بغداد احتجز كثيرون وسجن بعضهم ورحل آخرون الى سامراء ليلقوا في زنزنات خاصة في قصور الخلافة، وفي الكوفة كانت السياسة اشد بطشاً واشد تنكيلاً اتخذت شكل الحصار الاقتصادي وافقار العلويين حتى الموت، أو الاغتيال(٧٦).
وكان المعتز يبحث عن ذريعة لتصفية الامام الهادي الذي اضطر الى ملازمة منزله، وامتناعه عن لقاء الناس، وكان يقضي معظم وقته في السرداب حيث تترقرق السكينة في جنبات ذلك المكان الهادىء تحت الأرض؛ مفضلاً الاتصال بالناس عبر وكلائه خاصة عثمان بن سعيد العمري الذي حظي بثقة مطلقة، واشتهر بتجارة الزيت إمعاناً في تغطية دوره البالغ الحساسية(٧٧) وقد حاز من الثقة ما جعل تصريحاته تمثل مواقف الامام وتصريحاته.
وتأزمت الأوضاع بشكل ينذر بالخطر بعد الهجوم الوحشي الذي تعرضت له مدينة (قم)(٧٨) ومقتل عشرات الأبرياء من سكانها بحجة تأييدهم لثورة الحسن بن زيد الطالبي...
وفي ذلك الجو المشحون بالخطر قام بعض صنائع الحكم بدس السم بطريقة ما الى الامام(٧٩).. ولزم الامام الفراش بعد أن ظهرت عليه أعراض مرض ما.. وتدهورت صحة الامام بشكل مفاجىء في جمادى الآخرة ٢٥٤ هـ حزيران سنة ٨٦٨ م.
وزاره الطبيب ابن طيفور فنصحه باجتناب شرب الماء ولكن الامام فند رأيه قائلاً:
- وما بأس بالماء، وهو يدير الطعام في المعدة، ويسكن الغضب ويزيد في اللب ويطفئ المرار(٨٠).
وعاده في مرضه ابو دعامة اسماعيل بن علي أحد قضاة العامة.
وعندما نهض لينصرف خاطبه الامام بود:
- يا أبا دعامة قد وجب عليّ حقك.. ألا احدثك بحديث تسر به؟
قال الرجل بأدب جم:
- ما أحوجني الى ذلك يا بن رسول الله!
قال الامام وهو يضيء في قلبه قنديلاً من الكلمات المقدسة:
- حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن موسى قال: حدثني أبي موسى بن جعفر قال: حدثني أبي جعفر بن محمد قال: حدثني أبي علي بن الحسين قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب قال: قال لي رسول الله٦: يا علي اكتب! فقلت: ما اكتب؟ قال: اكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم.. الايمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، والاسلام ما جرى على اللسان وحلت به المناكحة).
واهتز وجدان الرجل لجمال الحديث وسلسلة سنده المضيئة فقال:
- يا بن رسول الله والله ما أدري ايهما احسن؟ الحديث أم الاسناد؟
قال الامام وهو يكشف عن سر الكنز الذي لا ينفد:
- إنها لصحيفة بخط علي بن أبي طالب، واملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نتوارثها صاغر عن كابر(٨١)..
كان الحسن لا يكاد يفارق والده الذي تحسنت صحته قليلاً فطلب من ابنه أن يتفقد عمته حكيمة ويقوم بزيارتها وينفذ الابن أمر والده، فكان على موعد مع القدر..
على مدى شهور كانت (مليكا) التي اصبح اسمها نرجس وفي بعض الاحيان كانت تنادى بـ (سوسن) تمضي حياة طيبة في ظلال امرأة صالحة تعلمها شريعة الله وثقافة الاسلام الطاهرة.. فكانت تنمو كما تنمو اللآلي المتألقة في احضان أصداف دافئة.

(١٢)

عندما وقعت عيناه عليها في منزل عمته تسمر في مكانه، ينظر اليها، وهي ايضاً توهجت في ذاكرتها احلام مضيئة عن النبي العربي الاسمر بوجهه البهي.. هاهي تراه واقفاً أمامها ينظر اليها فتطرق حياءً فيما كان قلبها يخفق بحب طاهر نبيل.
قالت العمة المباركة(٨٢) لابن أخيها:
- لعلك هويتها!
قال الحسن عن نظرته الهوى الهابط:
- لا ياعمة.. ولكني اتعجب.
قالت العمة:
- ولم العجب؟!
قال الفتى الأسمر:
- لأن هذه الفتاة سوف تنجب ولداً كريماً على الله عز وجل.. يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
قالت العمة وهي تعرف أن ابن اخيها سيكون سيداً:
- أفأرسلها اليك يا سيدي؟
قال الحسن بعد أن أطرق تأدباً:
- حتى يأذن لي أبي!
ابتهج قلب حكيمة فرحاً سوف تزف لابن اخيها فتاة طاهرة نبيلة وسيكون هذا الزواج المبارك سبباً في ظهور أمل الانسانية.. والانسان الذي سينقذ المعذبين والمقهورين والذي سيغسل الأرض من كل الشرور فيعم الخير والمحبة والسلام..
ما إن دخلت حكيمة على اخيها حتى بادرها قائلاً:
- يا حكيمة ابعثي نرجس الى ابني أبي محمد.
قالت الاخت بسعادة:
- يا سيدي من أجل هذا قصدتك.. اردت أن استأذنك في ذلك:
قال الامام وقد تألقت عيناه فرحاً:
- يا مباركة.. ان الله تبارك وتعالى اراد أن يشركك في الأجر ويجعل لك في الخير نصيباً.
لم تضع حكيمة لحظة من الوقت إذ سرعان ما عادت أدراجها وقلبها يبتهج سعادة.. لقد أرادها الله أن تكون ممن يحقق أهداف السماء في مسيرة الجهاد الطويل..
وقامت حكيمة بتزيين العروس في حجرة انتخبتها لتكون عشاً دافئاً لأسرة طاهرة.. اسرة سيكون لها مجد رفيع، وبدت نرجس بحلة العرس البيضاء حورية هبطت من العالم العلوي لتقترن بفتى علوي هو فتى أحلامها الوردية..
كان فضاء المنزل يفوح بالعبير، ونسائم ندية تهب من شطآن دجلة وسماء حزيران تزخر بالنجوم..وقامت العمة لتقدم الى ابن اخيها عروسه الطاهرة.. لتتحقق مشيئة الذي يجمع القلوب الطاهرة..
ومرت أيام كان القمر يتضاءل فيها ليذوب في المحاق عندما انتكست صحة الامام الهادي.. وخلال تلك المدة لم ينفك يعلن لكل من يزوره من اصحابه ومحبيه إمامة ابنه الحسن ويبشرهم بان المهدي قد أطل زمانه.. انه الخلف بعد الخلف.. الذي لن يراه أحد الاّ من وفق الله.. وخلال ذلك سوف يتيه اتباعه كأغنام غاب راعيها.. ولكن الله لن يتركهم في حيرتهم اذ ينهض رجال عميقو الايمان ينقذون (ضعاف عباد الله من شباك ابليس)(٨٣).
عاشت (مليكا) أسعد أيام حياتها في ظلال فتى كريم تضيء وجهه أنوار النبوات كان يخاطبها بأسماء جميلة.. نرجس.. سوسن حديثة.. صقيل.. ريحانة.. اسماء ورود الربيع.. هل كان يبشر فصل جديد فصل الدفء والنور والربيع؟ من يدري هل كان يطلب منها أن تكون ربيعاً للبرعم الطاهر الذي سيظهر من أكمام الزمن؟ آه يا مليكا يا من جئت على قدر لتلتقي فتى ساقه القدر أيضاً الى هذه البقعة من دنيا الله.. مدينة غارقة في الظلمات فاختارها الله لتشهد ميلاد الكوكب الدري(٨٤).
وينتقل الحسن مع زوجته الى منزل والده(٨٥) الذي ابتهج برؤية وارثه مع تلك الفتاة التي انتخبتها السماء لتلد الصبي المنتظر إنها سيدة عظيمة جديرة بحمل الأمانة (وستحيط بها المخاطر)(٨٦)..
وانتشر خبر تدهور حالة الامام الصحية في سامراء وبغداد والكوفة..
وبدأ العائدون يأتون من كل حدب وصوب، وخلال تلك المدة زارته شخصيات رفيعة مسؤولة في الدولة..
ساءت حالة الامام الصحية وكان السم ينتشر في عروق الامام وبات جسده خائراً تماماً، وسادت حالة من الوجوم والترقب مدينة سامراء..
وأطل يوم الاثنين ٢٥ جمادى الآخرة حزيران وكان البلاط يترقب أخبار الامام.. خاصة عصابة الأربعة (قبيحة) أم الخليفة، رئيس الوزراء ابن اسرائيل ووزير البلاط النصراني أبو نوح والوزير الحسن بن مخلد الذي اعتنق الاسلام لسبب ما..
أما المعتز الذي بلغ من العمر ثلاثة وعشرين سنة فقد كان منصرفاً الى لذائذه ويحاول المحافظة على عرشه بأي ثمن..
وضعت قوات الحرس على أهبة الاستعداد تحسباً للطوارىء واستدعي من بغداد طلحة بن المتوكل..
كان (درب الحصا) في ذلك الضحى غارقاً في حزن مرير، وباب منزل الامام مشرعاً، وقد تجمهر عشرات الناس قرب الباب بعد أن ضاق المنزل بهم..
كان الخبر قد تسرب الى بعض اصدقاء الامام، ثم سرعان ما انتشر وقد تلقى أهالي المدينة الخبر بأسى ووجوم وبكى بعضهم.. بكى السلام الراحل.. والرجل المبارك الذي حل بين ظهرانيهم منذ عشرين سنة.. قضاها في خدمة الاسلام ومساعدة المنكوبين ونشر العلم الالهي..
كمنارة مسجد مضيء كان الامام.. روحانياً شفافاً في زمن تكاثفت فيه المادة والطين.. زاهداً في زمن استعرت فيه حمى الحرص.. تغمره السكينة في قلب العاصفة.. عاصفة الشرّ..
أحبه الناس جميعاً الشيعي والسني.. المسلم والنصراني..
المنزل يغص بالجماهير وكان الشيعة اكثر الناس فجيعة.. الدموع تجري بصمت كسماء مثقلة بمطر خريفي.. وهواجس الحيرة تملأ القلوب عن الامام الذي سينهض بالأمانة.. والخوف يمنع الجميع عن السؤال، فهناك عيون زجاجية مبثوثة.. عيون جواسيس منحوتة من الصخر.. انوفهم كأنوف الكلاب.. وقلوبهم كتل من رصاص..
جثمان الامام مسجى وابنه الحسن يصلي، ومناحة في حجرة مجاورة ارتدت سامراء ثوب الحزن والحداد، فقد تعطلت الأسواق والمحال التجارية لقد رحل الرجل المبارك.
حضرت شخصيات رفيعة المستوى للمشاركة في العزاء وموكب التشييع وفي طليعتهم قائد الزحف على بغداد ابان الحرب الاهلية طلحة بن المتوكل الذي يعد من ابرز السياسيين العباسيين والذي أحضر من بغداد ليمثل الخليفة في تقديم التعازي..
استحال المنزل الى سوق بسبب ضجة الاحاديث المتبادلة.. ومر وقت قصير عندما ظهر خادم بيده رقعة مطوية فنادى على خادم آخر:
- يا رياش خذ هذه الرقعة وامض بها الى دار أمير المؤمنين، وقل هذه رقعة الحسن بن علي..
وتطلع الناس الى الباب الذي اغلق تواً.. وبعد لحظات فتح الباب ليظهر كافور الخادم ثم ظهر شاب في العشرين من عمره هيئته تنم عن فجيعة.. كان حاسراً مكشوف الرأس يرتدي رداءً ناصع البياض قد شق جزء منه تعبيراً عن المصاب الجلل وفغر البعض أفواههم.. أنه يشبه الامام الراحل تماماً.. بل أنه هو.. لقد كان صورة طبق الاصل لعلي الهادي!!
اتجه الشاب الى طلحة بن المتوكل الذي عرف باسم (الموفق).. ونهض الجميع وهب (الموفق) لمعانقة الحسن الذي هتف قائلاً:
- مرحباً بابن العم(٨٧)..
واتخذ أبو محمد الحسن مجلسه بين بابي الرواق.. وساد الصمت المنزل وكان الجميع مأخوذين بالوجه الاسمر الذي لا يخطىء في ملامحه وجه الأب الراحل(٨٨).. ولم يعد يسمع أحد ينبس ببنت شفة إلا السعلة والعطسة(٨٩).. وكان جعفر(٩٠) ينظر الى اخيه نظرة فيها حسد وخرج النعش الطاهر للتشييع والصلاة عليه في المسجد الجامع..
وفيما كان النعش يخترق الرواق كحمامة شهيدة، ظهرت فتاة تهتف بفجيعة:
- ماذا لقينا من يوم الاثنين.. قديماً وحديثاً(٩١)؟!
وشعر الامام بالأسى فقال لمن حوله:
­- ألا يوجد من يرد هذه الجاهلة؟
وبادر بعضهم فرد الفتاة الى حجرة النساء، فيما غادر النعش المنزل تحمله أكف وسواعد وقلوب المؤمنين..
ضاق شارع (أبي أحمد) وهو أطول شوارع سامراء وأعرضها بالجماهير..
شمس حزيران تغمر باشعتها الموكب الطويل، وفقدت قوات الشرطة السيطرة على الموقف بعد أن اندفعت الجماهير وكل يريد أن يمس بيده النعش الطاهر قبل أن يوارى الثرى.
اليوم هو يوم ٢٥ جمادى الآخرة من سنة ٢٥٤، وقد بلغ الازدحام في الشارع الطويل أوجه فتقرر الصلاة على الجثمان في الشارع حتى يسع كثرة الناس، وشعر (الموفق) بالخطر فقد يتحول هذا الموكب الجرار الى حركة مضادة للحكم القائم فأسرع في انهاء مراسم الصلاة وحمل النعش مرة أخرى ليدفن في منزله حسبما ورد في الوصية..
انتهت مراسم الصلاة التي أجريت بسرعة وأثارت إستياء الناس الذين لم يجدوا الوقت الكافي في إجراء مراسم التشييع كما ينبغي.. وكان واضحاً أن هناك توجساً مما قد يؤدي اليه هذا التجمع الذي لم تشهده سامراء منذ تأسيسها وحتى الآن..
بلغ من شدة الزحام أن ضغط الناس الامام الحسن ودفعته الأمواج البشرية الى جانب الطريق.. فصادف دكة مرشوشة بالمياه فأستأذن البقال في أن يجلس. وحيا البقال الامام بأدب وكان بعض الذين يمرون يستوقفهم الوجه الاسمر لفتى تتألق في عينيه أنوار النبوات.. وتحلق بعض الناس حوله ينظرون الى شاب قد ذرف على العشرين وقد اشتعل الشيب في ذقنه أية فجيعة هدت هذا الفتى؟ وأية هموم يحملها وينوء بحملها؟! قليلون جداً يدركون محنة هذا الانسان الذي نهض بالامامة..
لم تمر سوى دقائق حتى جاء شاب بهي الوجه يقود بغلة شهباء فعرض على الامام الركوب.
وفي ظهيرة ذلك اليوم ووري الثرى رجل عاش في سامراء عشرين سنة امضاها عملاً وجهاداً ومقاومة.. فكان مثالاً في كل شؤون الحياة.
عاش في زمن مرير.. زمن عاصف الاحداث لكنه حافظ على استقامته وظل هو هو ثابتاً كالجبل قوياً كالاعصار هادئاً كحمائم السلام طاهراً كقطرات الندى متألقاً كقمر بهي..
وعم الحزن مساحات شاسعة من الوطن الاسلامي المسلمون جميعاً بمختلف مذاهبهم افتقدوه.. وفجعت شيعته برحيله حتى النصارى حزنوا من أجله لقد كان رجل مباركاً عاش للناس جميعاً فحزنوا عليه جميعاً.
وبرحيله انتهى فصل تاريخي ليبدأ فصل جديد.. وتدور رحى الأيام..

مولد الشمس
(١٣)

أطل عام ٢٥٥ هـ فيما كان الخريف يلملم أيامه الأخيرة ويرحل تاركاً بعض أوراق الاشجار لرياح كانون الثاني من عام ٨٦٩ م.
التوتر يسود سامراء والتطاحن بين القادة الأتراك يسحق الكثيرين وقصور الخلافة تضج بالفساد وتئن من النهب، وقد كشرت طغمة الأربعة عن أنياب ينز منها الصديد..
وبدا واضحاً ان (قبيحة) تقود دفة الحكم مسكونة بالجشع وحمى تكديس الذهب والجواهر.. وما زاد الطين بلة وجود أفراد نصارى حاقدين تظاهر بعضهم بالاسلام أو ظل مصراً على ديانته وهم يحتلون مناصب الدولة العليا.. في ظل سياسة المتوكل.
رئيس الوزراء الآن ابن اسرائيل وابن مخلد وزير وكان كاتباً لقبيحة أم الخليفة نصراني ظل مصراً على ديانته ويشغل منصباً حساساً في البلاط فهو الكاتب الأول وله علاقة وطيدة مع المتوكل خرجت عن إطار علاقة السيد بأحد عبيده ومماليكه.
باتت سامراء مدينة تعيش على فوهة بركان قد ينفجر بين ساعة وأخرى..
انباء القلاقل في شرق ايران وشمالها تثير هواجس الحكام.. فالصفار ما يزال يواصل تقدمه باتجاه مدن جديدة وهو الآن في طريقه الى كرمان(٩٢)، والحسن زيد الثائر العلوي يبسط نفوذه على مساحات شاسعة من مقاطعات الدولة وما يزال يشكل تهديداً بالرغم من هزيمة قواته (موسى بن بغا).
أما القادمون من البصرة فيتحدثون عن ظهور رجل يدعي الانتساب إلى (أهل البيت) ويسعى إلى تحريض الزنوج على الثورة وان أمره قد استفحل وقد تشتعل نار الثورة لأن الزنوج هناك يعيشون ظروفاً شاقة جداً.
واضافة إلى كل ذلك فلم يكن قصر الخلافة ليغفل عن الهاجس العلوي خاصة وان اغتيال الامام علي الهادي لم يشتت شمل الشيعة الذين بلغ عددهم الملايين فقد نهض بالأمر بعده ابنه الحسن الذي يشبهه خلقاً وخلقاً وسيرة لكأن الهادي ما يزال يعيش ويمارس دوره في قيادة الملايين التي لا تؤمن إلا بامامته ولا تدين بالولاء لأحد غيره.
أما الوضع مع دولة الروم فقد توقفت الاشتباكات وهدأت جبهات الصراع هدوءً نسبياً منذ مصرع الامبراطوار ميخائيل الثالث في انقلاب عسكري قاده القائد المقدوني باسيل وبسقوط ميخائيل الثالث انتهى حكم الأسرة العمورية وبدأ عهد الاسرة المقدونية، سنة ٢٥٣ هـ ٨٦٧ م(٩٣).
وفي تلك الظروف العاصفة وصلت الفتاة مليكا بغداد وتسمت باسم نرجس امعاناً في اخفاء هويتها.. فهل كانت أميرة من أميرات الأسرة العمورية التي انتهى حكمها بعد الانقلاب العسكري؟ أن المؤشرات التاريخية والجو العام لتلك الحقبة العاصفة يؤكد وجود قدر ما ساق تلك الفتاة لتكون زوجة لانسان كامل وأمّاً لأمل الملايين.. ملايين المعذبين والمقهورين..
كان شتاء سنة ٢٥٥ هـ قارس البرد، والرياح الشمالية تكاد تهتف بغزارة الثلوج التي غمرت الجبال والمرتفعات، والاوضاع في سامراء تنذر بالخطر..
ولم تكن معاناة الامام الحسن لتقتصر على مضايقات المراقبة المكثفة الى حد الحصار وانما تتعداها الى مؤشرات كثيرة تفيد عن عزم الطغمة الحاكمة على اغتياله خاصة بعد تأكد الانباء عن وجود استعدادات لثورة خطيرة في جنوب العراق وقلاقل في الكوفة التي بدأت تتململ من حكم بريحة العباسي الذي اختير بعناية لقمع أي تحرك علوي وشيعي، فبريحة حاكم عريق في الاجرام منذ تعيينه حاكماً على المدينة المنورة في عهد المتوكل وهو أول من حرض المتوكل سنة ٢٣٣ هـ على اعتقال الامام علي الهادي(٩٤).
انطوى الشتاء والاوضاع في سامراء تزداد تدهوراً بسبب الاضطرابات والقلاقل وتسلط الطغمة الفاسدة على مقدرات البلاد وافلاس خزانة الدولة التي اصبحت نهباً مستباحاً لأم الخليفة وأعوانها السائرين في سياستها وظهرت بوادر الاستياء في صفوف القوات المسلحة بسبب عجز البلاط عن تسديد مرتبات الجنود والضباط الصغار فيما كان رئيس الوزراء ابن اسرائيل وأبو نوح وابن مخلد يكرعون الخمرة المعتقة ويعبثون بمقدرات الدولة الاسلامية(٩٥)..
استحالت همسات الجنود إلى صيحات تطالب بدفع مرتبات الجيش التي تأخرت طوال فصل الشتاء.. وقد استطاع القائد العسكري صالح بن وصيف من تعبئة آلاف الجنود ضد الطغمة الحاكمة..
اليوم هو الخميس الثالث من جمادي الآخرة وقد انطوى شهر نيسان، موكب رئيس الوزراء يصل قصر الخلافة ثم موكب أبو نوح النصراني وبعده ابن مخلد.. واعقب ذلك حضور الخليفة نصف نائم بالرغم من انتصاف النهار أما رئيس الوزراء ومعه صاحبيه فقد كانت عيونهم تشتعل جمراً بسبب حفلة ساهرة وعربدة حتى مطلع الفجر(٩٦)..
لم يكن قد مضى وقت حتى وصل صالح بن وصيف مصطحباً قوة عسكرية كبيرة رابطت عند أبواب قصر الخلافة تحسباً للطوارىء..
أدى القائد التركي التحية للخليفة وقال دون مقدمات:
- يا أمير المؤمنين أن الأتراك ينتظرون مرتباتهم.. والخزانة خاوية وابن اسرائيل ينهب الأموال هو وأصحابه.
صرخ رئيس الوزراء:
- يا عاصي يا ابن العاصي! ومن أين نأتي بالأموال؟!
تدخل أبو نوح وهو يحاول تحريض المعتز فقال:
- أنك تتآمر على الخليفة وتحرض الأتراك ضده.
وفارت الدماء في عروق القائد التركي الذي اجتاحته نوبة عنيفة من الهستريا وهاجمت قواته القصر واقتحم الجنود الاتراك البلاط وفر المعتز إلى إحدى حجرات القصر فيما القي القبض على رئيس الوزراء وابن مخلد وأبو نوح فسيقوا إلى قصر صالح بن وصيف.. وهناك تم استجوابهم واتهموا بالخيانة واختلاس أموال الدولة..
كما تعرضوا للتعذيب للتوقيع على صكوك بالآف الدنانير ولكنهم امتنعوا عن ذلك لاعتقادهم بان (قبيحة) لن تقف مكتوفة الأيدي.. خاصة بعدما سمعوا بأنها وجهت انذاراً شديد اللهجة الى صالح بن وصيف الذي اقدم على تعيين ابن يزداد المروزي رئيساً للوزراء(٩٧).
وبدأت جبهة الاتراك بالتعاظم مرة أخرى بعد تفاهم صالح بن وصيف وباكيباك بل ان المغاربة وقفوا الى جانب الاتراك واصبح صالح بن وصيف الحاكم الفعلي للبلاد..
وفي تلك الفترة اعتقل الامام الحسن الذي عرفه الناس بالعسكري والخالص، والصامت والتقي(٩٨)، وأودع سجناً خاصاً بعد تنامي المد الثوري بقيادة العلويين وما لبث إن اطلق سراحه تمهيداً لاغتياله..
وتفاقمت الأوضاع بسبب عجز الدولة عن دفع مرتبات الجيش ولم يجد الجنود آذناً صاغية من أحد..
كانت (قبيحة) تفكر في أن الوضع سوف ينقلب على صالح بن وصيف فالاتراك على كل حال لا يرتاحون إليه بسبب ما استحوذ عليه من الأموال الطائلة ولذا ارسلت على وجه السرعة مبعوثاً الى (موسى بن بغا) في ضواحي الري طلبت منه العودة بأسرع وقت ممكن.
وبالرغم من الاخطار المحدقة لم ينس المعتز أن يوعز الى سعيد الحاجب الذي قام بتصفية المستعين في الطريق الى سامراء أن يقوم هذه المرة باصطحاب الامام الحسن الى الكوفة واغتياله في الطريق(٩٩).
وطلب الامام الحسن من بعض أصدقائه الأوفياء عدم مغادرة منازلهم خلال تلك الفترة العاصفة(١٠٠) حيث الاجواء مشحونة بالمؤامرات..
لم يحصل الاتراك الغاضبون على شيء من وراء اعتقال رئيس الوزراء وصاحبيه فاندفعوا الى القصر وطلبوا لقاء المعتز الذي رفض استقبالهم، وعندئذ قرروا المرابطة عند البوابة والقيام بعمل ما.
وتمكن صالح بن وصيف وباكيباك من دخول القصر وطلبا من المعتز دفع مبلغ خمسين الف دينار وحل الأزمة، استقبل الخليفة القائدين بعد أن تعلل بان حالته الصحية لا تساعده ولذا استقبلهما في غرفة النوم.
كان الوضع ينذر بالانفجار ولم يعد في مقدور أحد السيطرة على غضب الجيش والقوات المسلحة.
كان يوم الجمعة ٢٤ رجب ٢٥٥ هـ شديد الحر وكانت شمس تموز تصب لهيبها(١٠١) فتشتعل الأرض جمراً أما ساحات القصور المبلطة بالرخام فانها تستحيل الى جحيم لا يطاق.
ساد القلق بعض أوساط الشيعة حول مؤامرة اغتيال الامام وتنفيذها في الطريق المؤدية الى الكوفة.
وكتب بعضهم الى الامام حول ذلك فصدر توقيعه مطمئناً في رسالة موجزة: (الذي سمعتموه تكفونه)(١٠٢).
وفي يوم الأحد ٢٦ رجب استنجد المعتز بوالدته وطلب منها مبلغ خمسين ألف دينار لتهدئة الوضع المتفجر... رفضت قبيحة طلب ابنها متعللة بأنها لا تملك هذا المبلغ وطلبت مهلة ريثما تصل إيرادات الدولة من الاقاليم.. ولكنها في الحقيقة كانت تعوّل على عودة موسى بن بغا الذي أكد لمبعوثها أنه أوقف عملياته الحربية وسيعود الى سامراء على وجه السرعة(١٠٣) وفي يوم الاربعاء ٢٩ رجب عبرت القوات المرابطة في كرخ فيروز الجسر، وفرضت حصارها على قصر الخلافة وأخرج المعتز من غرفة نومه ممزق الثياب وترك حافياً في إحدى ساحات القصر تحت شمس تتشضى لهباً.. وطوال النهار كان الخليفة المهان يرفع رجله ليضع الأخرى فاصبح منظره المضحك تسلية للجنود الاتراك الذين ما انفكوا يخرقون ثيابه بالدبابيس(١٠٤).
وفي العصر اقتيد الى حجرة ليتلقى صفعات غليظة الى أن انهار باكياً يطلب خلعه ويتنازل عن الخلافة.
استدعى ابن أبي الشوارب رئيس سلطة القضاء وتم اعداد وثيقة التنازل مقابل الحفاظ على حياته وحياة والدته وأخته، وأشار صالح بن وصيف بيده موافقاً وقد أسكرته نشوة السلطة.
وهكذا فرضت حراسة مشددة على قصر قبيحة، اما المعتز فقد اقتيد ذليلاً الى قبو وهناك تعرض الى التعذيب ومنع عنه الطعام والماء ثم جصصوا باب السرداب وترك ليواجه مصيره.
وفي نفس الليلة احضر محمد بن الخليفة الواثق وبويع بالخلافة، فيما كان الاتراك يشربون انخاب النصر بعد أن أحكموا قبضتهم على دفة الحكم.

(١٤)

ما إن وصلت الانباء بغداد حتى انفجر الوضع ووقعت حوادث شغب وذلك يوم الخميس ٣٠ رجب، واستمرت القلاقل حتى بعد الاعلان عن وفاة المعتز في الثاني من شعبان أي بعد خمسة أيام فقط من توقيعه وثيقة التنازل، واندفع الاتراك الى نهب جميع ممتلكاته كما اقتحموا قصر والدته قبيحة للقبض عليها ولكنهم لم يجدوا سوى نفقاً رهيباً يمتد من مخدع النوم الى مكان خارج القصر(١٠٥).
واختفت قبيحة عن الانظار، فانتشر رجال الشرطة للبحث عنها كما وضعت جوائز مغرية لمن يدل عليها أو يقدم معلومات تفيد في القبض عليها، وأنذر الذين يساعدونها في الاختباء بأشد العقوبات، وبالرغم من أن الشبهات قد بدأت تحوم حول منزل تقطنه احدى زوجات القائد العسكري موسى بن بغا(١٠٦) فوضع المنزل تحت المراقبة ولكن وصيفاً لم يتجرأ على التحارش خشية من انتقام (موسى بن بغا) الذي قرر العودة الى سامراء.
وتفاقم الوضع مرة أخرى بسبب عجز الدولة عن تسديد مرتبات الجنود المتأخرة ووقع صالح بن وصيف في مأزق حرج ولذا قرر اعدام ابن اسرائيل وعيسى بن إبراهيم أبي نوح بن مخلد، لكن الأخير نجا بجلده بعد أن قدم اعترافات مذهلة حول وجود خطة لاغتيال صالح بن وصيف تقف من ورائها قبيحة، ابن اسرائيل وعيسى بن ابراهيم..
وتعرض الرجلان الى تعذيب قاس وحاول وصيف دفعهما الى الكشف عن كنوزهما ولكنه اخفق ولم يستطع سوى ارغام ابن مخلد على تقديم جوهرة ثمينة قدرت باكثر من ثلاثين ألف دينار..
وفيما كان صالح بن وصيف يبحث عن طريق للخروج من أزمته تقدم اليه رجل يدعي أن لديه معلومات حول بعض كنوز قبيحة وعلى وجه السرعة أمر صالح بن وصيف (أحمد بن خاقان) اصطحاب الرجل والعثور على الكنوز المخبئة..
دخل أحمد بن خاقان بمعية الرجل قصراً من قصور الخلافة تعود ملكيته الى قبيحة وهناك راحا يبحثان في الغرف لم يكن هناك أثر لكنز وراح ابن خاقان يتهدد الرجل اذا لم يعثر على الكنز.. راح الرجل ينقر بالفأس على بعض الجدران ويصغي الى طبيعة الصوت الذي يصدر عنها حتى اذا سمع صوتاً خاصاً استدل منه على وجود شيء فهدمه واذا وراء الجدار الكاذب باب يؤدي الى نفق تحت القصر هوفي الحقيقة قصر آخر واذا الرفوف تزخر بالاموال المكدسة مليون دينار! اضافة الى مجوهرات يعرف لها ثمن ثم قدرت فاذا هي تساوي مليوني دينار وعندما رأى صالح الكنوز سب قبيحة قائلاً:
- قبحّ الله قبيحة عرّضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار وعندها مثل هذه الأموال في خزانة واحدة من خزائنها(١٠٧)؟!
استطاع صالح السيطرة على الوضع المتفجر بتهدئة الاوضاع داخل الجيش ودفع مرتبات الجنود والضباط بالرغم من استحواذه على حصة الأسد من مجموع الأموال المصادرة، ولذا قرر تنفيذ حكم الاعدام بكل من ابن اسرائيل وأبي نوح، حيث جلدا حتى الموت ثم صلبا الى جانب (خشبة بابك)(١٠٨).
ويبدو أن الانباء قد وصلت (قبيحة) فقررت الظهور والاعلان عن مخبئها ووسّطت بينها وبين صالح (العطّارة).
وتم اللقاء.. كانت زوجة المتوكل التي اشتهرت بجمالها الساحر قد ارتدت أجمل الحلل فظهرة اكثر فتنة حتى صالح لم يملك نفسه أن ظل ينظر إليها مفتوناً.. وكانت المرأة الساحرة تحاول أن توقعه في شباكها كما أوقعت بالمتوكل من قبل ثم أصبحت زوجته الوحيدة.
وأمر صالح باخلاء المكان، ثم غابا في احدى حجرات قصره الكبير وفي اليوم التالي الذي يصادف الثلاثاء ١١ رمضان وصلت بعض كنوزها أو خزائنها المخبئة في بغداد الى سامراء وعرضت خزائنها للبيع حيث استمر المزاد العلني عدة شهور.
أما هي فقد وضعت تحت الاقامة الجبرية حتى حلول موسم الحج فطلب منها الانضمام الى إحدى قوافل سامراء وهكذا سيقت رغم أنفها الى خارج العاصمة فسمعت تصيح بهستيرية:
- اللهم اخز صالح بن وصيف كما هتك ستري، وقتل ولدي وبدد شملي، وأخذ مالي، وغربني عن بلدي، وركب الفاحشة مني(١٠٩).
كل شيء يهتز في دنيا الاسلام لم يعد هناك من ثابت مقدس بعد أن عصفت الفتن في كل مكان(١١٠).
وبدا الفارس برمحه الطويل الذي يتربع فوق القبة الخضراء ببغداد حائراً لا يدري أين يشير برمحه(١١١)؟
هل يشير الى تقدم قوات الصفار باتجاه العراق؟ أم الى معارك الحسن بن زيد في (طبرستان) أو الى ثورة الزنوج في جنوب العراق؟ أم الى بغداد التي انتفضت بوجه المرتزقة والصعاليك القادمين من خراسان الذين راحوا يعبثون في (مدينة السلام) ينتهكون الأعراض وينهبون البيوت؟! أم الى القلاقل التي انفجرت في سامراء بعد أن تأزمت الأوضاع مرة أخرى...
واصبحت الحياة في كثير من مدن الاسلام تشبه حياة الجاحظ الذي اصيب بالشلل النصفي وهو الآن يلتقط أنفاسه الأخيرة قبل أن يودع الدنيا(١١٢).
ووقعت خلال تلك الاسابيع حتى مطلع رجب بعض الحوادث منها قيام الخليفة ترحيل المطربين والمطربات ونفيهم الى بغداد، كما أمر باعدام بعضهن(١١٣) وطرد الكلاب وتعطيل الملاهي وترأس محكمة الاستئناف شخصياً، ولم يكن المجتمع المسلم آنذاك يستقبل هذه الاجراءات بحماس خاصة بعد أن سمع الخليفة يقول أنه فعل ذلك غيرة على العباسيين لأنه لا يوجد بينهم من يسير سيرة عمر بن عبد العزيز(١١٤).
والى جانب هذه الإجراءات قام المهتدي بخطوات احترازية لتثبيت حكمه منها ابعاد بعض الشخصيات العباسية خاصة، طلحة بن المتوكل الذي عرف بـ (الموفق) منذ حصار بغداد والاطاحة بالخليفة (المستعين).
كما قام الخليفة باعتقال الامام الحسن العسكري الذي زج في زنزانة مع تأكيدات بمعاملته معاملة قاسية.. سلم الامام الى القائد التركي صالح بن وصيف الذي عهد بدوره الى شخصية دموية هي علي بن أوتامش المعروف بعدائه للعلويين وكان من المتوقع أن يقوم ابن أوتامش باغتيال الامام في غضون أيام ولكن عندما وجدوا أن ابن الرضا يعامل باحترام انتقدوا صالح بن وصيف الذي دافع بقوله:
- وماذا تريدوني أفعل؟ لقد سلمته الى رجل ليست في قلبه رحمة.. ولكن ابن أوتامش الآن لا يرفع رأسه اجلالاً له(١١٥)!
وفي ذي القعدة ساد التوتر سامراء بعد أن تأكدت الاخبار بأن موسى بن بغا قد أخلى جبهات القتال في ايران عائداً الى سامراء.
حاول صالح بن وصيف وبالضغط على المهتدي ايقاف تقدم القادمين.
كان عام ٢٥٥ هـ يلملم أيامه الخريفية الأخيرة عندما عبرت قوات موسى بن بغا مرتفعات همدان، فيما كان الثوار الزنوج وبعض القبائل البدوية تزحف باتجاه مدينة البصرة.. كما ظهر في تلك الآونة ثائر علوي في مصر(١١٦).
وتزامن ذلك مع توقيف رئيس سلطة القضاء ابن أبي الشوارب بتهمة الفساد(١١٧).
قوات موسى تتقدم باتجاه سامراء وترفض تأكيدات الخليفة بضرورة المرابطة في ايران ومواجهة ثورة الحسن بن زيد والوقوف بوجه يعقوب بن الليث الصفار الذي تفاقم خطره، مما استدعى الخليفة الى أن يندد به أمام الملأ العام(١١٨).
وفي يوم عاشوراء من سنة ٢٥٦ هـ كانت فيالق موسى تتقدم من قصور الخلافة وهي على اهبة الاستعداد الكامل لخوض حرب مدمرة إضطر صالح بن وصيف الى الاختفاء عن الانظار في مكان ما، فيما كان الخليفة قد ترأس شخصياً محكمة الاستئناف للفصل في شكوى رفعت ضد أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتيان واجبر الخليفة على مغادرة المحكمة الى قصر الجوسق الذي سقط في قبضة موسى واتخذه مقراً.
في قصر الجوسق طولب الخليفة بالكشف عن مكان اختباء صالح بن وصيف فأنكر الخليفة علمه بذلك..
تراطن القادة الاتراك فيما بينهم بالتركية وبرقت العيون وماهي سوى لحظات حتى اصبح الجوسق مسرحاً للنهب والفوضى واقتيد المهتدي مخفوراً صوب الكرخ حيث توجد معسكرات الجيش التركي ولكنهم في الطريق عدلوا به الى قصر القائد التركي (ياجور). وسامراء تهتز لوقع الاحداث العاصفة..

(١٥)

العالم يموج بالفتن، وسامراء غارقة في غمرة الأحداث العاصفة ما يزال صالح بن وصيف في مخبأه في مكان ما في سامراء فيما كانت دوريات من رجال الشرطة والجيش تجد في البحث عنه، وبيانات تهدد بالويل والثبور كل من يساعده أو يمتلك معلومات تدل على مخبأه ثم لا يقدمها..
وفي ٢٧ من محرم الحرام عثر على رسالة في قصر الجوسق أثارت اهتمام القادة الاتراك.. لقد كانت بخط صالح بن وصيف وفيها تبرير لاختبائه وأن مصير الأموال المصادرة لدى (ابن مخلد) وهوفي قبضتكم.. قرئت الرسالة في حضور الخليفة الذي عقب عليها بدعوة الجميع الى المصالحة.
تراطن الاتراك بلغتهم ثم قال موسى للخليفة بلهجة فيها تهديد واتهام:
- انك تعلم بمكانه!!
رد المهتدي مستنكراً:
- ومن أين لي أن أعلم ذلك.. ثم من يكون صالح حتى أدافع عنه..
عاد الأتراك الى تراطنهم وقد برقت العيون بالتآمر الذين يعرفون التركية ادركوا أن المهتدي سوف يخلع ويقتل وأن الخليفة القادم سيكون ابن المتوكل الذي توقفت محاكمته بسبب الاحداث الأخيرة.
وتفاقمت الأوضاع وكانت السماء ملبدة بالغيوم، وقد القي القبض على كل من له صلة بصالح بن وصيف للتحقيق معه والحصول على معلومات تفيد بالقبض عليه..
وفيما كانت الامور تتأزم كانت قوات من الخوارج تقتحم مدينة بلد الصغيرة جنوب سامراء وتعبث بها، فاجتمع القادة الاتراك لدرء الخطر واعلنت حالة النفير ولكن مجلس القادة غير رأيه في اللحظات الأخيرة وتقرر عدم مغادرة سامراء إلا بعد حسم مسألة (صالح بن وصيف) وتم استخدام مجموعة من (العيارين) للقبض عليه.
كانت رياح شباط تولول في أزقة سامراء التي باتت ترتجف من البرد والخوف.
كل شيء يتزلزل ولم يعد هناك من ثبات.. كل شي يهتز تحت سنابل خيل الاتراك وشاء القدر أن يكشف النقاب عن مخبأ صالح بن وصيف، وأن يلقى القبض عليه فيقتل دون محاكمة.
وانطوى بذلك فصل مثير، أعيد الخليفة الى قصره، واستعد موسى بن بغا الى منازلة الخوارج فزحف بقواته مصطحباً معه بايكباك الذي وقف الى جانبه اثناء الاحداث العاصفة في سامراء وخلال تلك الفترة افرج عن الامام الحسن العسكري فعاد الى منزله الذي يخضع الى رقابة مشددة.
وفيما كانت دروب سامراء تهتز تحت سنابك خيل الدوريات، كان هناك منزل في (درب الحصا) تغمره السكينة والسلام.
ولج الامام الحسن السرداب بعد أن نزل عشرين درجة من سلم صخري..
المكان يزخر بالصمت لا يسمع فيه المرء سوى أصداء الانسان المقهور وهو يقف في المحراب في زمن يصلب فيه الانبياء.
ليس هناك من سلاح يدافع فيه المرء عن نفسه سوى سلاح الانبياء.. وولج الانسان المقهور ملكوت الله يبثه لواعجه وهواجسه:
- (احتجبت بحجاب الله النور الذي احتجب به عن العيون..
واحتطت على نفسي وأهلي وولدي، ومالي وما اشتملت عليه عنايتي.. بسم الله الرحمن الرحيم..
واحرزت نفسي، وذلك كله، وما أخاف وأحذر بالله الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم.. لا تأخذه سنة ولا نوم.. له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بأذنه.. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء.. وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم.
ومن اظلم ممن ذكر بآيات ربّه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه.
إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا، وإن تدعهم الى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبدا..
أفرأيت من اتخذ الهه هواه، وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون؟
أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، واولئك هم الغفلون.
واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا، واذا ذكرت ربك في القرآن وحده، ولوا على ادبارهم نفوراً.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين)(١١٩).
وفي مطلع رجب سنة ٢٥٦ هـ حزيران ٨٧٠ م، وصل التوتر في سامراء ذروته، وسمع الخليفة يتهدد الشيعة بالفناء كما تعرضت مدينة قم الى حملة اضطهاد واسعة مما دفع بعض زعاماتها للاستنجاد بالامام(١٢٠).
غير أن أحداً لم يستطع الاتصال بالامام الحسن بسبب الرقابة الشديدة والحصار الذي عرض أسرة الامام الى ضائقة معاشية خطيرة.. ولكن عثمان بن سعيد العمري استطاع الاتصال متظاهراً ببيع السمن بعد أن احترف تجارة الزيوت تغطية لتحركاته(١٢١).
وفي عصر يوم من أيام حزيران، وفيما كانت أنباء التمرّد العسكري في الكرخ تقلق بال الجميع تسلم كافور الخادم بعض زقاق الزيت فيما وقف عثمان بن سعيد قرب الباب متظاهراً بانتظار أفراغ زقاق السمن.
في قلب السمن وجدت صرار من النقود المسكوكة دراهم ودنانير كما وجدت رسالة قادمة من مدينة قم التي تعيش ظروفاً مأساوية منذ المذابح التي نفذها القائد الدموي (مفلح)(١٢٢).
استجاب الامام لرسالة الاستغاثة بأن وجه انظار أهالي قم الى القدرة المطلقة فسطر اليهم دعاءً مؤثراً جاء وثيقة إدانة لسياسات الحكم العباسي الغاشم كما كشفت عن تحليل عميق لوقائع ما يجري آنذاك(١٢٣).
في هدأة الليل انسابت الكلمات المنقوعة بالايمان الخالص والأمل الكبير فاذا هو دعاء يلتهب بحرارة الوجدان الانساني الذي يهتز لآلام المقهورين والمستضعفين.
- الحمد لله شكراً لنعمائه، واستدعاءً لمزيده، واستجلاباً لرزقه، واستخلاصاً له..
حمد من يعلم أن مابه من نعمائه فمن عند ربه.
وما مسه من عقوبته فبسوء جناية يده..
اللهم! انك ندبت إلى فضلك..
وأمرت بدعائك.. وضمنت الاجابة لعبادك..
وأي راحل رحل اليك، فلم يجدك قريباً؟؟
(اللهم! وقد قصدت إليك برغبتي..
وقرعت باب فضلك يد مسألتي..
وناجاك بخشوع الاستكانة قلبي.
ووجدتك خير شفيع لي إليك..
وقد علمت ما يحدث من طلبتي قبل أن يخطر بفكري..
أو يقع في خلدي..
فصل اللهم دعائي إياك باجابتي.
واشفع مسألتي بنجح طلبتي..)
(.. اللهم!
وقد شملنا زيغ الفتن.
واستولت علينا غشاوة الحيرة.
وقارعنا الذل والصغار.
وحكم علينا غير المؤمنين في دينك.
وابتز أمورنا من عطل حكمك.
وسعى في اتلاف عبادك.
وإفساد بلادك.
اللهم وقد عاد فيئنا دولة بعد القسمة.
وإمارتنا غلبة بعد المشورة.
وعدنا ميراثاً بعد الاختيار للأمة(١٢٤).
فاشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة.
وحكم في أبناء المؤمنين أهل الذمة(١٢٥)..
وولي القيام بأمورهم فاسق كل قبيلة.
فلا ذائد يذودهم عن هكلة.
ولا راع ينظر إليهم بعين الرحمة.
ولا ذو شفعة يشبع الكبد الحرى من مسغبة.
فهم أولو ضرع بدار مضيعة.
وأسراء مسكنة.
وخلفاء كآبة، وذلة).
أي ألم ينطوي عليه قلبك الكبير ياسيدي؟!
وأي هموم تموج بين جوانح صدرك..
يا أبا محمد ويا إبن محمد..
أي غضب مقدس يتفجر في أعماقك.
كبركان يفور بحجم الثورة القادمة.
ويتطلع الامام الى الغد الأخضر القادم.
الغد الذي اطلّت تباشير انبلاجه:
- (وأسفر لنا عن نهار العدل.
وأرناه سرمداً لا ظلمة فيه.
ونوراً لا شوب معه!
وأهطل علينا ناشئته!
وأنزل علينا بركته.
وأدل له ممن ناواه.
وانصره على من عاداه.
اللهم واظهر الحق.. واصبح به في غسق الظلم وبهم الحيرة اللهم!
واحي به القلوب الميتة!
واجمع به الاهواء المتفرقة.
والآراء المختلفة.
وأقم به الحدود المعطلة.
والاحكام المهملة.
واشبع به الخماص الساغبة.
وأرح به الأبدان اللاغبة المتعبة..
لكأن الامام ينظر الى المديات البعيدة وهو يدعو الى تلك المدينة الصغيرة المقهورة فيراها في رحم الأيام القادمة مخزن الرجال الاشداء الذين سينهضون لمواجهة الظلم تحت راية إمام عادل ينصرونه فينصرهم الله:
- (واجعله اللهم في أمن مما يشفق عليه منه..
ورد عنه من سهام المكائد ما يوجهه أهل الشنآن.
إليه والى شركائه، ومعاونيه على طاعة ربه.. الذين جعلتهم سلاحه وحصنه، ومفزعه وأنسه.. الذين سلوا عن الأهل والأولاد، وجفوا الوطن..
(فاجعلهم اللهم في أمن من حرزك وظل كنفك، ورد عنهم بأس من قصد اليهم بالعداوة من عبادك..
اللهم واملأ بهم كل أفق من الآفاق، وقطر من الاقطار قسطاً وعدلاً..
انك تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد)(١٢٦).
انبلج عمود الفجر الصادق واستيقظت حمامة بيضاء كانت قد اتخذت لها عشاً فوق سطح المنزل منذ أمد، وارتفع أذان الصبح من فوق المئذنة الملوية التي ما تزال ترسل أنواراً ضعيفة الى القوافل القادمة من الشام وفلسطين..
ومع صياح الديكة هدأت الأزقة تماماً ولم يعد المرء يسمع وقع حوافر خيول الدوريات التي تجوس خلال الدروب الغارقة في الظلام.

(١٦)

انفجرت الاوضاع بشكل مفاجىء، وتسارعت الاحداث ولم يعد يمكن التكهن بوقوع أي شي.
بدأت الاحداث باندلاع البلبلة في معسكرات الاتراك في الكرخ الذين ما انفكوا يطالبون بدفع مرتباتهم المتأخرة وتحسين أوضاعهم المعاشية وحاول المهتدي مناورتهم واطالة أمد التفاوض وتوجيه ضغوطهم صوب القائد موسى وبايكباك اللذين يرابطان خارج سامراء لمواجهة تهديد الخوارج.
أراد المهتدي تفتيت جبهة الاتراك فبعث برسالة سرية الى (بايكباك) وأغراه باغتيال القائد (موسى بن بغا) والانفراد بالقيادة العامة وشاء القدر الا يستجيب (بايكباك) بل أخذ الرسالة ودخل على خيمة القائد موسى واطلعه على خطة المهتدي.
وفي داخل الخيمة المصنوعة على الطريقة التركية قال بايكباك بلغة الأجداد الذين عاشوا في الجبال القاسية والصحاري:
- هذه رسالة الخليفة يطلب فيها اغتيالك.. وأن تكون لي القيادة العامة للجيوش.. انني لن أفعل ذلك لأنه ينوي القضاء علينا جميعاً.. وإذا فعل بك اليوم فسيفعل ذلك بي غداً.
سكت بايكباك لحظات قبل أن يقول:
- ما رأيك؟
- اذهب الى سامراء وأخبره أنك في طاعته وناصره على موسى و(مفلح)(١٢٧). حتى يطمئن اليك.
- وبعد؟
قال موسى وقد برقت عيناه بالشر:
- ثم ندبر في قتله!
وفي اليوم التالي تحركت القطعات التي تحت قيادة بايكباك صوب سامراء.. وشعر المهتدي أن هناك من يدبر له في الخفاء فأمر بالقاء القبض على (أبي نصر) بن بغا شقيق موسى، ولكن أبا نصر استطاع الهرب فأرسل اليه المهتدي أربعة رسائل كلها تعده بالأمان فسلم نفسه وسيق الى مكان مجهول ثم تم إعدامه ورميت جثته في آبار القناة ولم يعلن عن ذلك!
وكان المهتدي ولاسباب مجهولة قد أمر بزج الامام الحسن في السجن الخاص بالعلويين فسجن في زنزانة تجمع العلويين وفي طليعتهم (أبو هاشم الجعفري) الذي تألم لحال الامام.
اليوم هو ١١ رجب وقد وصل بايكباك سامراء ومعه مساعده أحمد بن خاقان واتجها صوب قصر الجوسق وقد استاء المهتدي من موقفه فصاح به:
- تركت العسكر وقد أمرتك أن تقتل موسى ومفلحاً وداهنت في أمرهما.
قال بايكباك مراوغاً:
- يا أمير المؤمنين! وكيف اقتلهما وهما أعظم جيشاً مني؟ لقد حصل خلاف بيني وبين مفلح فلم استطيع الانتصاف منه!
وها أنا قد جئتك بجيشي لأنصرك عليهما.
وأمر المهتدي بتجريده من السلاح، وثم توقيفه في حجرات القصر.
حاول بايكباك الاعتراض:
- ان مثلي لا يعامل هذه المعاملة... دعني أذهب الى منزلي أولاً.
قال الخليفة:
- احتاج الى مناظرتك.
وفي خارج القصر شعر احمد بن خاقان أن بايكباك قد وقع في مأزق فقام بتحريض القطعات العسكرية التي تعمل تحت إمرته وسرعان ما حوصر القصر..
واطل المهتدي من إحدى نوافذ القصر ونظر الى مئات الجنود الاتراك فقال لمستشاره:
- ماذا ترى؟
قال الرجل وهو يستعيد حادثة قديمة:
- لقد كان ابو مسلم الخراساني أعظم شأناً لدى أهل خراسان من هذا التركي عند أصحابه.. وقد هاجوا على المنصور فما أن رمى اليهم برأسه حتى سكنوا، وقد كان فيهم من يعبده.. فلو فعلت ذلك سكنوا وأنت أشد من المنصور اقداماً!
التفت الى رجل كان يعمل حداداً في الكراخ وأمره أن يقطع رأس بايكباك.. وعبأ المهتدي المغاربة والفراغنة ضد الاتراك تحسباً للواجهة.
وخيم الظلام على سامراء، واستحالت البيوت الى أشباح مخيفة، واقفرت الدروب من العابرين..
وكانت أنباء ما يجري تنعكس داخل السجن حيث يترقب الجميع ما تسغى عنه الحوادث.
وفي الزنزانة التي يمكث فيها الامام قال أبو هاشم بأسى:
- المهتدي يتهدد الشيعة بالتشريد، وقد سمع يقول (لأجلينهم عن جديد الأرض).
قال الامام وهو ينظر الى ما وراء الاحداث:
- ذاك أقصر لعمره.. عد من يومك هذه خمسة أيام ويقتل في اليوم السادس.. بعد هوان واستخفاف يمر به.
وأطرق أبو هاشم وقد استغرقته الكلمات الواثقة تخترق حجب الزمن(١٢٨).
ولم يكن أبو هاشم ليهتم بالأخبار كثيراً، فقد وطن نفسه على تحمل السجن منصرفاً الى العبادة... ولكن الكلمات أيقظت في روحه هاجس ما يجري... أن حادثة كبرى في المخاض لا يعرفها أحد الا الله وهذا الفتى الطاهر الذي أودعه الله سره.
كان أحمد بن المتوكل الذي تم توقيفه وايداعه في زنزانات قصر الجوسق قد سمع بنبوءة الامام الحسن حول مصير المهتدي. وفي يوم الثلاثاء ١٣ رجب عبأ المهتدي قواته وأمر بضرب مخيم معسكره خارج سامراء في المنطقة التي تشتمل على قصور الخلافة التي بنيت في عهد المتوكل(١٢٩).
وكانت قواته تتألف من الفراغنة والمغاربة وبعض الاتراك وبين قوات بايكباك التي انضوت تحت قيادة أخيه (طغوتيا) الذي خاض المعركة سكراناً كعادته.
طالب الاتراك بالافراج عن بايكباك فأمر المهتدي أن يرمى برأسه اليهم ونفذ العملية قائد المرتزقة عتاب بن عتاب.
وقد اثارت هذه الخطوة غضب الاتراك جميعاً حتى ان انصار الخليفة منهم انحازوا الى (طغوتيا) فتضعضت خطوط جيش الخليفة إثر هجوم جرىء قاده (طغوتيا) وأضطر الخليفة الى الفرار شاهراً سيفه يصيح:
- يا معشر الناس! أنا أمير المؤمنين... قاتلوا عن خليفتكم! فلم يكترث له أحد!
فاتجه الى السجن وأمر باطلاق السجناء متوقعاً عونهم ولكنهم اختفوا في الازقة القريبة.
تساءل أبوهاشم وهو يصغي الى انباء الحارس المثيرة؟
- واين الخليفة الأن؟!
قال الحارس:
- لا احد يدري اختفي هو الأخر والأتراك جادّون في البحث عنه(١٣٠).
اضحت سامراء ثكنة عسكرية كبري ولم يعد المرء يري عابراً من أهلها... الأبواب مغلقة والأزقة مقفرة.. وحدهم فرسان الاتراك يدكون الارض بسنابك خيل مجنونة.
القي القبض على الخليفة الهارب في نفس اليوم وسيق مخفوراً الى مكان مجهول الى حيث يقيم الاتراك حفلات التعذيب.
وفي نفس اليوم أفرج عن أحمد بن المتوكل السجين في قصر الجوسق الذي تعرض لعملية نهب.
وفي يوم ١٦ رجب أعلن عن تنصيب الخليفة الجديد (المعتمد) الذي خرج من السجن ليصبح خليفة.
وفي يوم ١٨ رجب أعلن عن وفاة الخليفة المهتدي وتم ترتيب محضر يؤكد بأن الوفاة كانت طبيعية!!
وأصبح الأتراك حكام البلد ولم يكن للخليفة المعتمد سوي الأسم ليظهر فيما بعد أخوة طلحة بن المتوكل الذي يحمل لقب (الموفق) منذ سقوط بغداد في الحرب الاهلية مطلع سنة ٢٥٢ هـ أما الآن فقد عادت الحياة الطبيعية الى (سامراء) بعد تنصيب (عبيد الله بن يحيى بن خاقان) رئيساً للوزراء في الثاني من شعبان سنة ٢٥٦ ه(١٣١)... وتدور رحى الأيام وينمو القمر في السماء.
يخيم على سامراء هدوء مشوب بالحذر، وما يزال القلق يسيطر على مؤسسات الحكم الجديدة، وبدا على الجميع العزوف عن المغامرة والركون الى الراحة، والاستعداد لمواجهة أخطار مصيرية من قبيل ثورة الزنوج في جنوب العراق والتصدي لدولة (الحسن بن زيد الطالبي) في شمال ايران.
أما موقف الحكم الجديد من الامام الحسن العسكري الذي عرف آنذاك بـ (الصامت)(١٣٢) فقد كان غامضاً وقد تقرر فقط مراقبته وفرض الحضور الاجباري عليه الى القصر مرتين في الاسبوع في يومي الاثنين والخميس(١٣٣).
وبشكل عام فقد كانت العلاقات بين الامام والقصر علاقة هادئة يشوبها حذر من قبل الدولة.
ولعل مرد هذا يعود الى أن رئيس الوزراء عبيد الله بن يحيى وهو سياسي قديم شهد مصرع المتوكل وكان يومها وزير كبيراً في البلاط وأن الامام علي الهادي والد الامام الحسن قد تنبأ بمصير المتوكل كما أن الكثيرين ايضاً سمعوا بنبوءة الامام الحسن حول مصير الخليفة المهتدي الذي لقي حتفه على أيدي الاتراك أيضاً!
على أن زيارة الامام العسكري والاتصال به كانت متعذرة لما يترتب عليها من الملاحقة والمطاردة، كما أن الامام الحسن هو الآخر كان يميل الى تعويد أتباعه على قبول الاتصالات عبر الرسائل المحررة والشفاهية بواسطة رجال ثقات من اصدقائه الاوفياء... كل هذا تمهيداً لقبول فكرة الامام الذي سيغيب عن الانظار منتظراً الظروف المواتية للظهور.
بدا بيت الامام الحسن العسكري في (درب الحصا) أشبه بقلعة محاصرة... بابه مغلق أغلب الاوقات الاّ في يومي الاثنين والخميس حيث يغادر الامام منزله متجها الى قصر الخلافة برفقة بعض مسؤولي الدولة وخلال الطريق المؤدية الى القصر يصطف البعض لرؤية الامام عن بعد...
ولم يكن لأحد أن يجرؤ على زيارة الامام باستثناء عمته التي تزوره زيارات متقطعة وكانت في الحقيقة تترقب ميلاد الصبي الموعود والذي سمعت من شقيقها أنه قد أطل زمانه.
شمس غروب تموز(١٣٤) تقرض المنازل بغلالة ذهبية وكانت نسائم ندية تهب من ناحية دجلة، وقد بدت المئذنة الملوية تستعد لرفع الأذان.
انفتح باب منزل الامام ليخرج خادم أسود تفوح منه رائحة المسك آخذاً سمته الى منزل قريب هو منزل المرأة الصالحة حكيمة بنت الجواد عمة الامام الحسن التي ما انفكت تتفقد ابن اخيها وتزور زوجته الطيبة (نرجس) تلك الفتاة التي امضت شهوراً طويلة في منزلها قبل ان تنتقل الى منزل أخيها.
طرق كافور الخادم الباب على عمة الامام قائلاً:
- ان سيدي يقول: اجعلي افطارك الليلة عندنا!
خفق قلب السيدة لهذه الدعوة، وشعرت أن أمراً مهماً يكمن وراء ذلك.
عندما غطست الشمس في بحيرة المغيب كانت السيدة حكيمة تلج منزل ابن أخيها... المنزل تفوح فيه روائح ورود ربيعية..
استغرفتها حالة فرح عندما استذكرت انها ليلة جمعة حيث تحلو أحاديث السمر في سماء صيفية تزخر بالنجوم.
منذ أيام وهي لم تسعد برؤية فتاتها الطاهرة نرجس.
استقبل الامام عمته بابتسامة أضاءت وجهه الاسمر، وهي ايضاً فرحت بلقاء ابن أخيها.. ولكنها سرعان ما شعرت بالألم لمنظر الشيب في ذقنه رغم أنه لم يبلغ الخامسة والعشرين من ربيع العمر!
نظرت في عينيه وقد تألق فيهما نور سماوي كانت تريد استكشاف ما وراء هذه الدعوة في هذا الوقت!
قال الذي عنده علم الكتاب:
- إنها ليلة النصف من شعبان..
وأردف وهو ينظر الى السماء.
- وان الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة حجته في الأرض..
والتفت اليها قائلاً بصوت فيه أصداء النبوءات البعيدة:
- سيولد في هذه الليلة المولود الكريم على الله عز وجل.. الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها.
كانت حكيمة تتوقع ذلك منذ أمد ولكن التوقيت أدهشها لأنها كانت تتفقد جواريه فلعل (نسيم) أو (ماريا) قد حملت منه.. وعهدها بنرجس قبل ايام قالت بلهجة فيها تساؤل مشوب بدهشة:
- ومن أمه؟!
- نرجس
- نرجس؟! فداك يا بن أخي ما بها من أثر.
قال الذي مسته السماء:
- هو ما أقول لك!
وجاءت نرجس تستقبل المرأة التي علمتها كلمة الاسلام:
- يا سيدتي وسيدة أهلي كيف أمسيت؟
عندما وقعت عينا حكيمة على (نرجس) خفت اليها وعانقتها قائلة!
- بل أنت سيّدتي وسيّدة أهلي!
غمرت الدهشة وجه نرجس البريء:
- ما هذا يا عمة؟!
وانحنت لتخلع خفي المرأة الصالحة التي تشعر قربها بالسكينة:
- ناوليني خفك ياسيدتي؟!
قالت السيدة حكيمة وقد أشرقت الفرحة في عينيها:
- بل أنت سيدتي ومولاتي.. والله لا أدفع خفي لتخلعيه، ولا لتخدميني.. بل أنا أخدمك على بصري!
ارتسمت في عيني نرجس النجلاوين علامات سؤال كبرى، ورمقت باجلال زوجها العظيم الذي ابتسم قائلاً:
- جزاك الله ياعمة خيراً!
وقادت السيدة حكيمة نرجس الى الحصير وقد غادر ابن اخيها المكان.. قالت وهي تقبل على الفتاة بفرح:
- يا بنية ان الله سيهب لك في هذه الليلة غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة.
وأطرقت نرجس وقد توردت وجناتها بوهج الحياء.

(١٧)

القمر يتألق في سماء بهية مغمورة بنور شفيف، وكانت السيدة حكيمة قد تناولت افطارها بعد أداء فريضة العشاء وأخذت مضجعها تسبح الله وتحمده.. وبقربها رقدت السيدة نرجس.. أما الامام فقد أخذ مضجعه فوق صفة في فناء البيت..
عيناه تسافران عبر المدبات البعيدة حيث تومض النجوم سامراء غارقة في هدأة الليل والمنارة الملوية تبعث ضوء خابياً يرشد القوافل المسافرة..
البدر ما يزال بهياً في الهزيع الأخير من الليل، وقد كفت الذئاب البعيدة عن العواء.
استيقظت السيدة حكيمة كعادتها في مثل هذا الوقت لأداء صلاة الليل.. ونهضت تسبغ وضوءها.. ألقت نظرة على نرجس كانت تغفو بسلام.. أنفاسها منتظمة ووجهها الملائكي يعكس ما تزخر به أعماقها من طهر ونقاء..
كان الامام قد استيقظ وأسبغ وضوءه لرحلة الليل يرافق القمر والنجوم.. قلبه يطوف السماوات البعيدة.. لم يكن الامام ذاق من النوم سوى لحظات.. وكيف له أن ينام وهو يترقب ميلاد البشارة.. بشارة الرسالات القديمة..
في هذه الليلة المباركة سيولد شبيه موسى بن عمران وعيسى بن مريم..
أدت السيدة حكيمة وردها في غمرة الليل.. وعندما جلست تسبح لله.. هبت نرجس من رقادها تغمرها حالة من ذعر وترقب..
غادرت الحجرة تسبغ الوضوء لصلاة الليل..
كانت السيدة حكيمة تراقبها طوال الوقت ولم يكن يبدو عليها أي من آثار الحمل..
الفتاة الطاهرة مستغرقة في العبادة وشلال من الصلاة يتدفق في جنبات المكان.. وقد غمرت الفضاء أنفاس السحر الندية..
لحظات السحر الأخيرة.. لحظات لا تنتمي لليل ولا للنهار..
الفجر الأول على وشك الانفلاق.. وقد نفذ صبر العمة المؤمنة.. خرجت لتنظر الى السماء وقد تداخلها شك في وعد الأمام.. هتف الامام من مصلاه في فناء البيت وقد اشتد سطوع النجوم:
- لا تعجلي يا عمة.. فان الأمر قد قَرُب!!
وفيما هي تهم بالعودة ناداها الأمام:
- لا تشكّي..
شعرت المرأة بالخجل من طبيعة مشاعرها وهي المرأة التي نشأت في دفء أهل البيت..
وفي باب الحجرة وقعت عيناها على نرجس مذعورة خاطبتها العمة بلهفة:
- هل تحسين شيئاً يا ابنتي؟
- نعم يا عمة! اني أجد أمراً شديداً.
قالت حكيمة وهي تهدي من روعها:
- اسم الله عليك.. اجمعي نفسك... واجمعي قلبك.. فهو ما قلت لك..
- أنا خائفة يا عمة!!
- لا خوف عليك يا ابنتي.
وقادت السيدة حكيمة الفتاة الطاهرة سليلة مريم البتول الى وسط الحجرة.
والقت لها وسادة واجلستها برفق استعداداً للحظة الميلاد الموعودة..
كانت السيدة حكيمة في حال يرثى لها، وعرق جبينها بسبب ما تبذله من جهد للسيطرة على مشاعرها التي راحت تضطرم في أعماقها..
ان لحظات الميلاد تقترب سوف يأتي الى الدنيا الصبي الذي بشرت به الأنبياء..
أمسكت نرجس بيد العمة الطيبة وراحت تعصرها عصراً شديداً.. إنها لحظات المخاض الكبير..
انطلقت أنه تجسد كل آلام الميلاد... الفضاء يغمره جو غريب لم تألفه من قبل أنها تكاد تحس خفق أجنحة الملائكة..
وخيل اليها أنها تسمع همهمة تشبه تلاوة لآيات القرآن..
السيدة حكيمة تكاد تفقد توازنها.. وسمعت الامام يناديها من وراء الحجرة:
- اقرأي عليها سورة الدخان
وراحت السيدة حكيمة تتلو آيات الدخان:
بسم الله الرحمن الرحيم
حاء، ميم... والكتاب المبين.. انا انزلناه في ليلة مباركة.. إنا كنا منزلين.. فيها يفرق كل أمر حكيم...
غمر فضاء الغرفة جو عجيب.. وكانت نرجس تطلق أنات الميلاد وتعصر بشدة كف السيدة الطيبة... فجأة انبثق نور بهر عيني السيدة ولم تعهد ترى ما حولها.. فكأن نرجس نفسها قد اختفت..
دق قلبها خوفاً.. وهبت صوب باب الحجرة تستنجد بابن اخيها..
كان الامام على مقربة من الباب فنادى عمته:
- ارجعي يا عمة.. انك ستجدينها في مكانها..
كان وجه نرجس يسطع نوراً سماوياً.. وبدت وكأنها مريم ابنة عمران وقد جاءها المخاض عند جذع النخلة..
ورأت الصبي متلقياً الأرض بهيئة السجود..
كان نظيفاً.. طاهراً ليست فيه آية آثار الميلاد..
كلؤلؤة تشع على شاطىء بحر.. أو كقطرة ندى تتألق فوق زهرة في أول الفجر...
وكان الأب ينظر الى السماوات وقد بدت النجوم قلوباً تنبض بالأمل..
الصبي القادم من رحم البشارات يحمل ملامح النبوات الغابرة.. يحمل من موسى بن عمران خشية الفرعون، وكان يبحث عنه جنيناً.. ويحمل من المسيح عيسى بن مريم كلماته في المهد صبياً... ويحمل من نوح عمره الطويل ومن ابراهيم فأسه التي هشم بها وجوه الآلهة المزيفة ومن محمد الأمين اسمه وكنيته ورسالته...
اخذت حكيمة الصبي الطاهر بكتفيه وضمته الى صدرها وأجلسته في حضنها.. وناداها الأب بلهفة من يريد رؤية الوليد المبارك:
- هلمي اليّ بإبني ياعمة.
وحملته السيدة حكيمة وقد غمرتها حالة من الخشوع لكلمة الله ووعده الصادق.
أخذ الأب ابنه وأجلسه على راحته اليسرى وجعل راحته اليمنى على ظهره وراح يشم ابنه الطاهر في عينيه وأذنيه وفمه وهمس بصوت فيه ترجيعة لأصوات الرسل:
- تكلم يا بني! انطق بقدرة الله!
تكلم يا حجة الله! وبقية الانبياء.. وخاتم الاوصياء!!
تكلم يا خليفة الاتقياء!
وحدثت المعجزة: وتدفق صوت ملائكي من الصبي الذي تلا آية تجسد أهداف السماء وطريق الانبياء.
- بسم الله الرحمن الرحيم.. (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين..
ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون)
وغمرت الدموع عين الأب لقد تحقق وعد الله.. ان الله لا يخلف الميعاد..
وانفلق الفجر.. وارتفع الأذان من مآذن سامراء، وقال الأب لعمته التي طفح على وجهها الفرح الأكبر.
- يا عمة رديه الى امه كي تقر عينها، ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون(١٣٥).
كلمات الآذان ما تزال تنساب في لحظات الفجر الندية..
وضعت السيدة حكيمة الصبي الطاهر في احضان والدته التقية وغادرت المكان.
كانت الفرحة تتألق في عينيها بالرغم من مسحة الحزن.. فهذا الصبي يجب أن يبقى ميلاده سراً!!
وغمرت الأم ابنها بنظرات تزخر بالرحمة والحنان.. يا ولدي الحبيب.. كيف تعيش بين أناس يبحثون عنك ليقتلوك؟!
الصبي نائم تتألق فوق وجهه هالة من أنوار النبوات الغابرة وبشائر الرسالات القديمة...
أنفاسه الهادئة فيها أنغام الزبور.. تراتيل التوراة.. بشارة الأنجيل وآيات القرآن العظيم..
لقد سمعت من زوجها النبيل أنها ستنجب صبياً يملأ الأرض بالعدالة والحقيقة..
وتوهجت في أعماقها كلمات مقدسة كانت قد حفظتها وهي تتردد على الكنيسة:
- (وأما اسماعيل فقد سمعت قولك فيه، وها أنا ذا أباركه وانميه وأكثر عدده جداً جداً ويلد اثني عشر رئيساً واجعله امة عظيمة)(١٣٦).
هاهي تنجب الامام الثاني عشر.. خاتم الاوصياء.. والانسان الذي يحقق احلام الانبياء.
قبل ان تغيب نجمة الصبح كان الامام قد طلب من عمته ومن زوجته أن يبقى ميلاد الصبي سراً مكتوماً عن الجميع.

(١٨)

نظرت نرجس الى ابنها الغافي في المهد.. وجهه الأسمر يتألق بأنوار عجيبة.. وخيل اليها أنها تسمع همهمة وأصواتاً ملائكية... وشذى الحجرة يفوح بعطر لا تعرف كنهه..
كم كانت تود أن تضع وليمة كبرى تشبع بطون الفقراء وتعلن للعالم ميلاد الصبي الموعود؟!
كم كانت تود أن تكون كفاطمة الزهراء التي قدمت ولدها البكر الحسن ثم الحسين.. ان تكون كمريم وقد جاءت تحمل المسيح عيسى يكلم الناس في المهد صبياً؟!
ولكن هذا الصبي الذي وعدت السماء بميلاده يجب أن يبقى سراً في حرز حريز في صدور المؤمنين الذين يترقبون هذه اللحظة الخضراء..
إنها تدرك تماماً معاناة زوجها الكريم.. فهذا الأب المحاصر يحمل هموم الدنيا... إن عليه أن يثبت ميلاد ابنه الذي بشر به آباؤه وأجداده.. إن عليه أن يعلن أن تحقق نبوءة جده النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يكون بعدي اثنا عشر خليفة)، فكيف يخفي ميلاده ويطمس اسمه ويخفي وجوده؟
وعليه أيضاً أن يحمي ابنه الأمل من السيف العباسي المشهور.. ومن عيون الجواسيس.. عيون زجاجية لا يطرق لها جفن..
ما الذي سيفعله الامام في هذه الظروف الخطيرة؟!
مرت ايام عندما قام الامام بختان ابنه فقالت الأم:
- ولكنه ولد مختوناً مطهراً!!
قال الامام:
- أجل انه كآبائه ولكنها سنة لا نتخلف عنها.. وامرار الموسى عليه يجزي ذلك(١٣٧).
وفي الصباح الباكر غادر كافور الخادم المنزل صوب تاجر الزيوت عثمان..
أمر الامام تاجر السمن أن يعق عن المولود المبارك عدداً من الشياه وأن يشتري عشرة آلاف رطل من الخبز وعشرة آلاف رطل من اللحم ويوزعه على الفقراء(١٣٨).
وفي ذلك اليوم شبع الفقراء والبؤساء خبزاً ولحماً.. انهم لا يعرفون من أين جاءتهم هذه الموائد الطيبة فولوا وجوهم شطر السماء الزرقاء يحمدون الله الذي أشبعهم بعد سغب طويل.
وأرسل الإمام الى ابراهيم بن مهزيار بأربعة أكبش مع رسالة جاء فيها:
(بسم الله الرحمن الرحيم..
عق هذه عن ابني محمد المهدي.. وكل..
هنأك الله.. واطعم من وجدت من شيعتنا)(١٣٩).
كما بعث الامام برسالة الى الشيخ احمدبن اسحاق الاشعري يبشّره فيها بميلاد ولده المهدي جاء فيها:
- (ولد لنا مولود.. فليكن عندك مستوراً، وعن جميع الناس مكتوماً... فإنّا لم نظهر عليه الاّ الأقرب لقرابته.. والولي لولايته.. احببنا اعلامك ليسرّك الله به أسرّنا.. والسلام)(١٤٠).
هزّت الكلمات الموجزة وجدان الرجل الأشعري الذي قرّر أن يشدّ الرحال الى سامراء.. الأمل يحدوه برؤية الصبي الذي بشّرت به النبوّات.
عندما وصل سامراء كانت رياح تشرين قد بدأت هبوبها.. تجوس الأزقة والشوارع، وكانت المدينة شبه مقفرة باستثناء السوق الكبرى فقد كانت تزخر بالنشاط.
ولم يكن هم الأشعري سوى الوصول الى منزل الإمام ولكنه تماهل متعمداً ليتأكد من عدم وجود من يراقبه، فهو يعرف حساسية الحكومة من أهل قم وعلاقاتهم الوطيدة بأهل البيت..
و عندما ولج درب الحصا حَثّ الخطى متوجساً متوكّلاً على علّام الغيوب.
طرق الباب فألفى بواباً من أهل فارس يفتحه وكأنه كان مترقباً حضوره في هذه اللحظة!
كان الأشعري قد هيأ مقدمة مناسبة لطرق الموضوع الذي تجشم عناء السفر من أجله، وهو السؤال عن الذي ينهض بالامامة؟
وفوجئ الرجل بالامام يبتدأ الكلام قائلاً:
- يا أحمد بن اسحاق ان الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض خلق آدم ولا يخليها الى أن تقوم الساعة من حجة على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض وبه ينزل الغيث، وبه تخرج بركات الأرض...
وجد الاشعري الفرصة مناسبة فقال:
- يا ابن رسول الله! فمن الامام والخليفة بعدك؟
ابتسم الامام ونادى:
- ماريا!
وجائت جارية تحمل شيئاً مغطى قال الامام وقد طفحت فرحة أمل على وجهه:
- اكشفي عن وجهه!
ازاحت الفتاة منديلاً ناصع البياض أسفر وجه بهي لصبي بدا في الثانية من عمره... عينان تتألقان بنور شفيف وملامح عربية أصيلة وما زاده جمالاً استقرار خال على خده الايمن قريباً من الفم.
كان الأشعري مبهوراً بما يرى وقد اعتملت في اعماقه مشاعر استفهام فهذا الصبي يبدو عليه أنه قد تعدى العامين من العمر وكان يتصور أنه ولد قبل شهرين أو ثلاثة!
أدرك الامام ما يموج في أعماقه فقال:
- (ان أولاد الانبياء والاوصياء اذا كانوا ائمة ينشأون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وأن الصبي منا إذا كان أتى عليه شهر كان كمن أتى عليه سنة)(١٤١).
ظل الاشعري مأخوذاً بمنظر صبي وجهه يتلألأ كقمر بهي تحيطه هالة شفافة من النور، قال الامام:
- يا أحمد بن اسحاق لولا كرامتك على الله عز وجل وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا..
اسمه اسم رسول الله.. وكنيته كنية رسول الله.. وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً..
سكت الامام لحظات واستطرد قائلاً:
- يا احمد بن اسحاق مثله في هذه الامة مثل الخضر ومثله مثل ذي القرنين.. والله ليغيبن غيبة لا ينجو فيها من الهلكة الا من ثبته الله عز وجل على القول بإمامته ووفقه الله للدعاء بتعجيل فرجه.
قال الاشعري:
- يا مولاي فهل من علامة يطمئن بها قلبي نظر الامام إلى وليده الحبيب.. الى وجهه الذي يتلألأ كالقمر..
فوجيء الاشعري بالذي نطق في المهد صبياً، يقول:
- أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من اعدائه.. لا تطلب أثراً بعد عين.. يا أحمد بن اسحاق!!
شعر الرجل الاشعري بحالة من الخشوع تغمر قلبه ووجوده انه الآن أمام الانسان الذي قُدّر له أن يولد في الزمن المرير.. أمام صبي يحمل ملامح من الانبياء أضاءوا التاريخ.. أمام صبي في قصته شيء من موسى وقد ولد في زمن الفرعون.. ومن عيسى المسيح وقد نطق في المهد صبيا.. ومن جده محمد اسمه وكنيته ورسالته الأخيرة.. ولكن ما الذي يحمله من الخضر يا ترى.. تساءل الأشعري فقال الذي عنده علم الرسالات القديمة:
- طول الغيبة يا احمد!
- وان غيبته لتطول يا بن الرسول؟!!
قال الامام وهو يغمر الصبي بنظرات دافئة:
- أي وربي حتى يتراجع عن الايمان به اكثر القائلين به، فلا يبقى الا من أخذ الله عهده بولايتنا وكتب في قلبه الايمان وأيده بروح منه..
وسكت لحظات ثم قال وهو يصوب نظراته الى الرجل المؤمن:
- يا أحمد بن اسحاق هذا أمر من أمر الله وسر من سر الله وغيب من غيب الله.. فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين.. تكن معنا في عليين..
وأحس الامام بوجود البواب في الرواق فناداه وسرعان ما امتثل أمامه.. قال الإمام للفتاة اكشفي الغطاء عن وجه ابني، والتفت الى البواب قائلاً:
- هذا صاحبكم!
وقال للفتاة:
- احمليه الى امه(١٤٢).
وظل البواب مذهولاً للحظات.. لقد مضى على استخدامه شهور طويلة في هذا المنزل ولكنه لم يشعر أبداً بميلاد هذا الصبي المبارك ولا بوجوده.. وها هو يراه للمرة الأولى وربما الأخيرة(١٤٣).

(١٩)

العالم الاسلامي المترامي، الأطراف يعيش نهايات سنة ٢٥٦ هـ وقد بدأت الاستعدادات لموسم الحج في المدن والحواضر البعيدة.
اما سامراء فقد كانت تشهد مراسم توديع الخليفة للقائد موسى بن بغا الذي ترأس الحملة الكبرى لقهر الحسن بن زيد العلوي بعد أن تفاقم خطره خاصة اثر سقوط مدينة الري في قبضته..
وكانت المؤشرات السياسية داخل العاصمة تؤكد أن مقاليد الحكم قد باتت في يد طلحة بن المتوكل الذي عرف بالموفق، وأن المعتمد بشخصيته الضعيفة لا يستطيع الحد من نفوذ أخيه المتنامي فالاتراك يميلون اليه منذ نجاحه في حصار بغداد سنة ٢٥١ هـ وارغامه المستعين على التنازل.
ولو كان حاضراً أبان الحوادث التي أدت الى سقوط المهتدي ومصرعه لسمي خليفة، ولكنه كان منفياً في مكة، ولهذا الحّ الاتراك فور تسمية المعتمد خليفة على استدعائه من مكة وتفويضه القيادة العليا للجيش والقوات المسلحة(١٤٤).
ولم يبق للمعتمد من الخلافة سوى قدراً تافهاً من النفوذ بينما تركزت القدرة في يد أخيه الذي بدأ استعداداته للزحف صوب البصرة للقضاء على الزنوج الثائرين..
برز عبيد الله بن يحيى الذي تم تعيينه رئيساً للوزراء منذ أكثر من ثلاثة شهور شخصية ادارية لها دورها الكبير في تمشية شؤون الدولة واصبح مجلسه مهيباً كشخصية لها نفوذها الواسع... وهوبالرغم من ولائه المطلق للعباسيين الاّ انه بدأ يكن الاحترام للعلويين منذ مصرع المتوكل فقد شهد بنفسه كرامات أهل البيت..
ولكي يخفف الامام من محنة العلويين والشيعة خاصة بعد تفاقم الخطر العلوي في ايران ومصر والحؤول دون موجة جديدة من الاضطهاد يقوم الامام بزيارة الوزير في مقر عمله الرسمي.
جاء توقيت الزيارة دقيقاً وحكيماً فهو أولاً نوع من التأييد لسياسة رئيس الوزراء الذي استهدف تثبيت دعائم الأمن في البلاد.. وأيضاً ادانة صريحة لثورة الزنج خاصة بعد الفظائع التي ارتكبها الثوار في البصرة وانتهاكهم الأعراض وقيام زعيم الثورة باعلان انتسابه الى أهل البيت!!
كما أن رئيس الوزراء قد بات يعتقد بقداسة أهل البيت وهو يحترم من صميم قلبه الامام الراحل علي الهادي وولده الذي يشبهه خلقاً وخلقاً.
كان مجلس رئيس الوزراء ذلك الصباح حافلاً ومهيباً.. وكان عبيد الله بن يحيى جالساً وقد هيمن صمت مهيب هو انعكاس لسطوة الرجل وهيبته.. وما اضفى الرهبة في المكان انتصاب حرسه شديد كتماثيل منحوتة من صخور قاسية.. حتى نجل رئيس الوزراء أحمد هو الآخر كان واقفاً خلف والده بإجلال..
ولج الحاجب ليقول بعد أن انحنى أمام الرجل المهيب:
- أبو محمد ابن الرضا بالباب ينتظر الإذن؟!
هتف ابن يحيى بصوت يسمعه الضيف الكريم.
- إئذنوا له!
وظهر الامام الحسن بقامته الأخاذة ووجهه الأسمر وبالرغم من أن سنه كان في الرابعة والعشرين الاّ ان ما ينوء بحمله قد أشعل بعض الشيب في ذقنه مما أضفى عليه وقاراً..
وهب رئيس الوزراء لاستقباله وقطع بعض الخطى مبالغاً في احترامه وصافحه بحرارة ثم عانقه وقبل جبينه وأخذ بيده ليقوده الى مصلاه.
فغر أحمد فاه من الدهشة وهو يرى سلوك والده الذي لم يبدر منه حتى مع (الموفق) رجل الدولة القوي، والقائد العام للجيوش العباسية.
لم يكن قد مضى وقت على اللقاء عندما أعلن الحاجب عن حضور الموفق.. وما لبث حرسه الخاص أن اصطفوا على امتداد الرواق المؤدي الى مجلس رئيس الوزراء.
نظر الامام الى رئيس الوزراء نظرة لها معنى فوجوده في هذا المكان قد يثير هواجس (الموفق) المعروف بحساسيته تجاه العلويين خاصة في هذه الظروف.. أدرك ابن يحيى رغبة الامام فقال:
اذا شئت جعلني الله فداك!
ونهض اجلالاً له وعانقه.. وأمر الحاجب بمرافقة الامام الى باب فرعية... وأخذ الامام طريقه خلف الحرس المصطفين كالتماثيل استعداداً لحضور الموفق الذي وصل تواً.
ما إن استقر الموفق في مجلسه حتى دار الحديث حول ثورة الزنوج التي اصبحت تشكل تهديداً خطيراً للدولة.. وانصبّ الاهتمام حول التجهيزات العسكرية اللازمة وضرورة ان يعلن ابن الرضا مواقفه من مزاعم قائد الزنوج حول حقيقة انتسابه الى الامام علي عليه السلام واكد على ضرورة حضور ابن الرضا في مراسم توديع الحملة العسكرية المزمع تنفيذها بعد أيام..
مضت أيام ثم تقرر الموعد النهائي لاجراء مراسم توديع الموفق قائداً عاماً للجيوش الزاحفة صوب مدينة البصرة لاخماد ثورة الزنوج.. وخلال تلك المدة صدر عن الامام الحسن اعلانه الهام في موقفه من قائد الثورة التي استحالت الى فتنة هوجاء، وتناقل الناس تصريح الامام: (صاحب الزنج ليس منّا أهل البيت).
وكان لهذا التصريح آثاره الطيبة في أوساط الناس فأهل البيت يبقون رمزاً للمقاومة الايجابية والعدالة الانسانية، وان كل من ينتهك حرمات الاسلام والمسلمين ليس من أهل البيت وان ادعى ذلك... وان انتسب الى ذلك البيت.. سوف ينسلخ كل من لا يسير على خطى آل الرسول.. تلك هي مبادىء أهل البيت ودربهم اللاحب منذ أن اضاءت في سماء المدينة المنورة آية التطهير: (ليذهب الرجس عنكم أهل البيت ويطهركم تطهيرا)..

(٢٠)

كان ذلك الصباح من ربيع الاول سنة ٢٥٨ هـ أخريات خريف سنة ٨٧١ م حافلاً فقد تدفق سكان سامراء لحضور مراسم توديع الخليفة المعتمد لأخيه الموفق.. وقد وجد الشيعة في هذه المراسم فرصة لرؤية الامام الحسن فربما يحظون بلقاء عابر معه في الطريق.. ولذا وقف بعضهم في الطريق بين (درب الحصا) حيث يوجد منزل الامام وبين (الجوسق) قصر الخلافة المهيب والذي يدعى (باب العامة).
وقد بدا إن (سوق الغنم) الذي يقع في الطريق كان افضل مكان لانتظار موكب الامام..
كان (محمد بن عبد العزيز البلخي) واقفاً يتظاهر بأنه جاء لشراء ما يلزمه من السوق فيما كان يختلس النظر بين القينة والأخرى صوب نقطة في بداية منعطف على اليمين..
وظهر موكب الامام.. ولاح ابن الرضا بوجهه الأسمر الوسيم بعينيه الواسعتين لكأنهما نافذتان تطلان على عالم زاخر بالسلام..
كان الامام يركز نظراته على نقطة ما يبدو لمن يراه أنه ينظر الى عُرف بغلته..
كان البلخي ينظر الى الامام مأخوذاً بهيبته.. إنه ينظر الى سليل الانبياء... فهذا الانسان هو الوحيد الذي يحمل الأمانة.. انه حجة الله على العالمين ومن إفترض الله طاعته على العباد.. وكاد الرجل أن يهتف: يا أيها الناس! هذا حجة الله فاعرفوه!
لكنه فوجىء بالامام يرسل اليه نظرة عندما اصبح قريباً بل إنه أومأ باصبعه ووضعها على فمه أن اسكت ولم يتمالك (البلخي) أن هب اليه ليطبع قبلة على ركبته فهمس الامام بصوت خافت فيه حزن الانبياء:
- أما أنك لو اذعت لهلكت.. انما هو الكتمان أو القتل فابقوا على أنفسكم(١٤٥)!
أجل ايها البلخي هذا زمن يصلب الانبياء.. ورياح الزمهرير تحاصر الفراشات القادمة وهي تبشر بالربيع... لقد ولد الذي سيظهر لينقذ الناس من نير الظلم والقهر والعبودية ويغسل الأرض من الآثام.. فانتظر!
انضم موكب الامام الى موكب الخليفة الكبير وبدأت مراسم توديع (الموفق) القائد العام للجيوش العباسية، وقد بدأت المراسم من (باب العامة) الى ضواحي سامراء بالقرب من قصر (بركوارا)(١٤٦) على شاطىء دجلة(١٤٧).
اجتاز موكب الخلافة البساتين في ضواحي سامراء وهناك ودّع الخليفة أخاه الموفق وأركان حربه كما شارك الامام في مراسم التوديع..
وصادف ذلك اليوم حضور وفد من الشيعة، قادم من مدينة الأهواز فوجد في المراسم فرصة مناسبة للقاء دون عراقيل ومضاعفات.. فالامام الحسن وخاصة في تلك الايام لم يكن يفضل اللقاءات المباشرة وكثيراً ما يحتبس عن الناس لأسباب غامضة.. فالذين كانوا يسعون الى لقائه يتعرضون الى مراقبة وربما الى مطاردة تسبب لهم عناء هم في غنى عنه..
كما انه يحاول تعويد اتباعه على قبول فكرة الارتباط بالامام الغائب.. ولذا كان يوصى دائماً بالاتصال بوكيله (عثمان بن سعيد العمري) الذي يشتغل في تجارة الزيت..
كانوا يتحدثون فيما بينهم فقال أحدهم:
- ربما لا يكون طريق العودة من هنا.. من يدري؟
علق آخر:
- أجل هذا صحيح
وقال:
- الأفضل أن ننتظره في ثلاثة طرق.. فإن رجع في أحدها رآه رجل منّا..
وشاء القدر أن يعود موكب الخليفة من طريق يخترق البساتين..
لاح الامام لهم والتفت نظراته نظراتهم..
ابتسم الامام لهم وهو يرفع قلنسوته ويمسح على رأسه بكفّه ثم يعيد القلنسوة فهتف رجل من أعضاء الوفد:
- اشهد انك حجة الله وخيرته
ودهش اصحابه فتساءلوا:
- ما شأنك؟
أجاب الرجل:
- كنت شاكاً في إمامته فقلت في نفسي إن رجع وأخذ قلنسوته من رأسه قلت بإمامته..
قال أحدهم:
- هيا بنا ننتظره في درب آخر، فإن فعل مثل ذلك قلنا جميعاً بامامته ما رأيكم؟!
هز الرجال رؤوسهم، وانطلقوا من خلال البساتين مسرعين صوب منعطف في الطريق لا بد وأن يمر به الموكب..
كان المكان الذي وصلوا إليه مزدحماً بسبب تجمع الكثير من ذوي الحاجات.. ولاح الامام الذي ما إن التقت نظراته بهم حتى مد يده ليرفع قلنسوته مرة أخرى ثم يعيدها..
وقال: مبتسماً وقد مر بحذائهم:
- كم هذا الشك؟!
هتف رجل بخشوع وقد أسلم قلبه للحقية:
- اشهد أنّك حجة الله..
وفي المساء كان أعضاء الوفد يطرقون باب منزله ليوصلوا اليه مجموعة من رسائل تتضمن اسئلة شرعية وهموماً انسانية.

(٢١)

لم تستطع السيدة حكيمة الصبر أكثر وارتدت بدلة الخروج وشدت نقابها وانطلقت صوب درب الحصا.. إنها لم تحب صبيّا حبّها لمحمد كيف وقد آتاه الله الحكمة صبيا يكلم الناس في المهد.. ولكأن نبع الحب قد تفجر في قلبها فهي لا تستطيع الصبر عن رؤية آخر الحجج الالهية.. والانسان الذي سيملأ الدنيا عدالة وخيراً ويغسل عن الأرض الآثام الخطايا ويرفع عن المقهورين السلاسل والأغلال التي عليهم..
من أجل هذا فهي لم تعد تنظر اليه كصبي ألقى الله محبته في القلوب فحسب بل تنظر اليه كأمل مشرق ومخلّص ينقذ المقهورين من ويلات الظلم والاستعباد.
كان فضاء المنزل يفوح برائحة طيبة.. عبيراً يشبه شذى الورود الربيعية.. قادتها الجارية (نسيم) الى الحجرة التي تقطنها السيدة نرجس ووقعت عيناها على الصبي الطاهر في باحة الدار.. كان وجهه يتألق كقمر في سماء صيفية..
عطست (نسيم) فقال الصبي بلغة فصيحة:
- يرحمك الله!
ابتهجت نسيم لكلمات تبشرها برحمة الله..
وقال الصبي مستأنفاً:
- ألا أبشرك بالعطاس؟ هو أمان من الموت ثلاثة أيام(١٤٨).
خفت السيدة حكيمة لاحتضان الطفل المعجزة لكأنها تحتضن الجنة بكل أريجها وعبيرها.. وزهورها الخالدة..
وجلست السيدة حكيمة عند نرجس وشعرت ان هذه الفتاة الطاهرة قد انتخبتها السماء لتكون أما لأكرم مولود.. وتوهجت في ذاكرتها تفاصيل رحلتها المثيرة وكيف وصلت سامراء على قدر.. كلما نظرت اليها خيل اليها أنها ترى طيفاً لمريم ابنة عمران أو (يوكابد) أم موسى.. أو أُمّاً لنبي أو رسول..
طرق جعفر الباب بعد أن وجده مغلقاً من الداخل وحدس (ظريف الخادم) هوية القادم فقال لـ (ماريا) ذلك وأمر الامام ولده أن يدخل غرفة خصصت له.. فامتثل الصبي الطاهر وتوارى خلف ستائر الباب ودخل جعفر المنزل واتجه الى حجرته في اقصى اليسار من البيت.. وانتابت طريف هواجس: ماذا لو أراد جعفر أن يدخل الحجرة التي توارى فيها (الحجة).. قال الامام الحسن لظريف وقد أدرك ما يدور في خلده:
- انظر من في البيت؟
دخل الخادم الحجرة وفوجىء بها خالية.. أين اختفى الصبي المعجزة؟! لا أحد يدري؟
هل يوجد ممر سري يفضي الى السرداب؟!... وهل أراد الامام أن يختبر ذلك مع انسان يعيش في المنزل؟
حتى السرداب هو الآخر.. ان هناك ما يشير الى وجود (كهريز) أو قناة جوفية تمد المنزل بالمياه(١٤٩).
فالمنزل لم يكن عادياً لأن مالكه الاصلي هو (دليل بن يعقوب النصراني)(١٥٠) وقد اشتراه الامام علي الهادي فور وصوله سامراء سنة ٢٣٤ هـ ومن غير المعقول أن يترك المهندس النصراني منزله دون كهريز (يمده بالمياه! فلم يكن منزل دليل منزلاً عادياً أبداً.. كان منزلاً فخماً أسال لعاب رئيس الوزراء أحمد بن الخصيب سنة ٢٤٨ هـ
كما أن دليل النصراني هذا اسند إليه المتوكل مهمة شق نهر شمال سامراء لرفد مدينة (المتوكلية) التي أمر الخليفة ببنائها سنة (٢٤٥ هـ) بالقرب من قصره الكبير (الجعفري) وقد تجف هذه القنوات صيفا فتستحيل الى نفق تحت الأرض.
استأذنت السيدة حكيمة للانصراف فقال الامام مؤكداً على عمته:
- يا عمة اكتمي خبر هذا المولود، ولا تخبري به أحداً.. حتى يبلغ الكتاب أجله..
امتلأت عيناها بالدموع.. وأرادت أن تعبر عن كل ما يموج في أعماقها من الحب فقبّلت جبين نرجس التي شهقت هي الأخرى بالعبرة..
وغمرت المنزل للحظات سكينة حتى ان المرء يشعر أن أجنحة الملائكة ترفرف فوق المكان في ذلك المنزل الهادىء الذي يمثل قلعة للمقاومة أو سفينة انقاذ تشق طريقها الى شاطىء السلام وسط أمواج الحياة الثائرة..
وبدت سامراء ذلك العام اشبه بامرأه ثكلى تتلقى اخباراً حزينة، خاصة من جنوب العراق حيث الاشتباكات العنيفة مستمرة وجيوش الدولة العباسية تمنى بهزائم متلاحقة اضطرت الموفق الى الانسحاب الى مدينة واسط لأعادة تنظيم قواته(١٥١).
وفي ايران كانت ضواحي مدينة الري مسرحاً لعمليات حربية رهيبة بين قوات موسى بن بغا وكتائب الحسن بن زيد.
وفي منتصف عام ٢٥٨ هـ وفيما كانت نسائم الربيع تهب من ناحية الشرق وصلت سامراء والدة الامام الحسن، وهي أمرأة صالحة من بلاد النوبة اقترن بها الامام علي الهادي لما عرف عنها من الصلاح والتقوى(١٥٢).
ان وراء سفر هذه السيدة وتحملها عناء السفر من المدينة المنورة اسباب كثيرة فهي تريد الاطمئنان على حفيدها الأمل.. وربما للحد من مضايقات جعفر الذي يبدو أنه قد بدأ ينتبه الى ما يجري في المنزل.
وربما شعر بميلاد ابن أخيه بالرغم أنه لم ير له من أثر.. وقد يرتكب جعفر حماقة وتسوّل له نفسه الاتصال بالخليفة واحاطته علماً بالنبأ العظيم..
وفي تلك الفترة أصبح لقاء الامام الحسن وجهاً لوجه أمراً متعذراً.. كانت الأجواء بالغة الحساسية بسبب تفاقم التهديدات الخطيرة التي تواجه الدولة في ايران حيث (الصفار) ما يزال يخطط لاقتحام نيسابور عاصمة اقليم خرسان الثري... وهناك أيضاً دولة طبرستان بقيادة الحسن بن زيد الذي هزم مؤخراً ثم ظهور ثائر علوي آخر في مصر هو (ابراهيم بن محمد بن يحيى) المعروف في بـ (ابن الصوفي).. والطامة الكبرى تفاقم خطر ثورة الزنوج في البصرة وسقوط المزيد من الأراضي ووصولهم الى ضواحي مدينة (واسط)(١٥٣) وفي سامراء كانت الاوضاع تتأزم تنذر بوقوع حادثة ما.. فالخليفة المعتمد بدأ يتوجس من نفوذ أخيه الموفق..(١٥٤) خاصة وأن نفوذ الاتراك وتلاعبهم في الخلافة جعله لا يطمئن الى مستقبله في الحكم وما زاد الطين بلة أن جعفر ابن الامام الهادي قد اتصل به وهو يهذي بأشياء كثيرة(١٥٥) حول ولادة الطفل الموعود الذي يدعى عند الشيعة (بالمهدي)! ومعنى هذا أن نهاية الحكم العباسي قد باتت وشيكة.. ولهذا أوعز بتكثيف المراقبة على منزل الامام.. وشعر الامام بالخطر قد أصبح قاب قوسين أو أدنى.. وقد يتعرض المنزل الى مداهمة ليلية في أية لحظة وفي هذا خطر كبير على حياة ولده..
ان ابنه يجب أن يبقى حياً فهو الأمل الأخير في خلاص الانسانية المعذبة والفجر القادم بعد ليالي البرد والصقيع..
لك الله أيها الإمام الممتحن!

(٢٢)

لم يكن الشيعة في حال يحمدون عليها، وقد أفرز الوضع العام من المطاردة عن قلق فكري وبرزت تساؤلات حول هوية الامام الذي يخلف الامام الحسن؟!
كما أن التكتم على ميلاد محمد المهدي ساعد على احاطة الاجواء بالغموض، ولذا كان الامام الحسن وبالرغم من الظروف الحساسة يستقبل الحيارى فتنفتح أمامهم نوافذ الأمل بالخلاص..
وجاء رجل يقال له ابراهيم.. جاء يودع الامام بعد أن قرر الاختفاء عن الأنظار.. كان مطارداً لأنه شيعياً..
وعندما دخل المنزل وقابل الامام الحسن وقعت عيناه على صبي بهي الوجه وشعر ابراهيم أن قلبه يخفق له، حتى أنه نسي كل هواجس الخوف والفرار..
قال الصبي المبارك مبادراً:
- يا ابراهيم! لا تهرب فان الله تبارك وتعالى سيكفيك شره.. شعر ابراهيم بالدهشة! من يكون هذا الصبي الذي يقرأ موجات القلوب واضطرابات النفوس، وطيات الضمير؟!
قال الامام الحسن مبتسما:
- هو ابني وخليفتي من بعدي، وهو الذي يغيب غيبة طويلة ويظهر بعد امتلاء الأرض جوراً وظلماً فيملأها عدلاً وقسطاً.
قال ابراهيم:
- يا سيدي ما اسمه؟!
قال الامام:
- هو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيّه..
وأردف حفاظاً على حياة الأمل الأخير:
- ولا يحل لأحد أن يسميه باسمه أو يكنيه بكنيته الى أن يظهر الله دولته..
وسكت لحظات ليقول:
- فاكتم يا ابراهيم ما رأيت وسمعت من اليوم إلاّ عن أهله قال ابراهيم بخشوع:
- صلى الله عليك وعلى خليفتك..
وانطلق ابراهيم سعيداً ينظر الى الحياة بأمل كبير، لقد رأى بعينيه وبقلبه الأفق الأخضر الكامن وراء بحار الظلمات..
ولم تمض سوى أيام حتى لقي (عمرو بن عوف) مصرعه بأمر من الخليفة المعتمد وكان أمر الله قدراً مقدوراً(١٥٦)..
تأزمت الأوضاع واصبح الجوّ مشحوناً بالخطر وانحدر جعفر الى أسوأ ما ينحدر اليه الانسان عندما يصاب بالحمى، وشعر الأمام الحسن بالخطر يحدق بأمله الكبير.. فطلب من والدته أن تتهيأ لرحلة الحج وأن تصطحب معها حفيدها العزيز(١٥٧).
وفي ذلك اليوم قال الامام لوالدته وهو ينظر الى الأفق البعيد لكأنه يشعر بالنهاية القادمة والرحيل وشيك:
- تصيبني في سنة ستين ومئتين حرارة أخاف أن انكب منها.
نظرت الأم الى ابنها الذي لم يبلغ الثلاثين بعد.. لقد حوّلته الهموم الى شيخ هدمته السنون والأيام..
تجمعت في عينيها الدموع كغيوم ممطرة واجهشت بالبكاء.. قال الابن العظيم بصبر الانبياء:
- لا تجزعي يا أماه.. لابد من وقوع أمر الله..
واستدعى ابنه، فاجلسه في احضانه الدافئة وقبله وقال بأمل:
- (الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف من بعدي - أشبه الناس برسول الله خلقاً وخلقاً.. يحفظه الله في غيبته، ويظهره فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(١٥٨).
وفي لحظات الوداع الأخيرة سلم الامام نجله سيفاً ورثه عن الآباء والأجداد.. سيفاً يحمل كل معاني الثورة على الظلم والظالمين ويتجسد فيه غضب المقهورين والمستضعفين(١٥٩).
تنتظم قوافل الحج في شهر ذي القعدة وتنهض النوق ميممة وجهها صوب البيت العتيق.. وانضمت السيدة النوبية مع حفيدها الى إحدى القوافل يرافقها الوكيل أبو علي أحمد بن محمد بن مطر...
كانت رياح الخريف تهب باردة تنذر بشتاء جاف قارس البرد والسماء مسرحاً لغيوم ممزّقة كسفن حربية خسرت الحرب فهي تحاول الفرار..
وفي بعض المحطّات الكبرى حيث تلتقي بعض طرق القوافل لتشكل فيما بعده جادّة رئيسية يلتقط الحجيج أنفاسهم، أو يتزوّدون بما يلزمهم من الماء والطعام حيث يعدّ الخبز عماد ذلك.. ولكن السؤال الأكثر الحاحاً هو توفر المياه في المحطّات القادمة وهواجس الأمن ففي مواسم الجفاف والقحط تصبح قوافل الحج عرضه لقطاع الطرق وغارات اللصوص..
وصلت القافلة التي انطلقت من سامراء منطقة (القرعاء)(١٦٠) وهناك حطّت الرحال.. وفي المساء دارت الأحاديث حول موسم الحج هذا العام..
الأعراب الذين يسكنون اليوادي هناك خوّفوهم من العطش.. وموسم الأمطار كان شحيحاً لم يغادر إلاّ عن غدران صغيره سرعان ماجفت وان القوافل قد تتعرض الى غارات اللصوص..
وتبادل الناس نظرات قلقة وسادت الحيرة الوجوه.. وكان قادة القوافل الذين خبروا السفر في الصحاري يدركون أخطار هذه الرحلة ويعرفون معنى الظمأ في تلك الرمال والكثبان...
ولم تطل الحيرة كثيراً بعد أن أسفر الجدل عن قرار بالعودة وعدم المغامرة هذا العام.. ولذا لوت النوق أعناقها عائدة الى الديار.
نظرت السيدة الى حفيدها فرأت في عينيه إرادة لا تلين وايماناً يصل درجة اليقين أن الله معهم وأنهم يحجّون بيته العتيق(١٦١)..
وانضمّ بعض الحجاج الى اليهم متوكّلين على الله الذي يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف.

(٢٣)

دوهم منزل الامام الحسن ليلاً واعتقل مع أخيه جعفر واقتيدا مخفورين الى سجن خاص بالعلويين.
وفي قلب الليل وفيما كان السجناء يتسامرون ويتجاذبون خيوط الأحاديث إذا باب تصر وأصوات ينم عنها فتح الأقفال..
وسيطرت الرهبة على السجناء قال أبو هاشم وكان متمدداً فوق فراش صغير مصنوع من القطن بسبب وعكة المت به:
- انظروا ما يجري.
نهض أحدهم ليرى رجلين يدفعان الى الداخل ثم ترد الباب خلفهما وتقفل!
سأل السجين القادمين.. وكانت تفوح من أحدهما رائحة خمر:
- من أنتما؟
قال الحسن: - نحن قوم من الطالبية حبسنا!
كرّر الرجل نفس السؤال؟
تجشأ جعفر وقال الامام الحسن بأدب:
- أنا الحسن بن علي وهذا جعفر بن علي..
وخف الرجل ليطلع ابا هاشم على هوية السجين القادم..
هب أبو هاشم لاستقبال أبي محمد وقبله في جبينه.
وقدم له فراشه القطني ليجلس عليه وجلس جعفر قريباً من أخيه.. وبرقت عيناه.. لقد كان سكران فيما يبدو إذ هتف باسم جاريته صائحاً: واشطناه.
ظهر الحزن على وجه أخيه الطاهر الذي زجره قائلاً:
- اسكت!
وسرعان ما غلب النوم جعفراً فنام جالساً(١٦٢)!
ولم يكتم أبو هاشم الجعفري فرحته بلقاء الامام.. حتى لوفي السجن.. لقد مرّت عليه سبع سنوات عجاف ولم يزل حبيس السجن منذ اعتقاله بأوامر شخصية من المعتز سنة ٢٥٢ هـ
اكتشف الامام وهو يستعرض السجناء وجود جاسوس خطير مكلّف بنقل التقارير الى السلطات.. وتراه يفعل المستحيل وهو يتظاهر بأنه علوي.
كانت الزنزانة تضم كلاً من أبي هاشم الجعفري والحسن بن محمد العقيقي ومحمد بن إبراهيم العمري قال الامام محذّراً إياهم.
- لو لا ان فيكم من ليس منكم لأعلمتكم متى يفرج عنكم؟
قال ذلك وهو يومي الى رجل يتظاهر بالنوم ولكنه في الحقيقة قد أرهف أذنيه ليسجل كل ما يقال..
قال الامام وهو يشير اليه:
- هذا ليس منكم فأحذروه فإن في ثيابه سجلاً يكتب فيه الى السلطان ما تقولونه..
فارت الدماء في عروق أحد السجناء وجره من تلابيبه وعندما قام بتفتيشه وجد تقريراً خطيراً جاء فيه ان السجناء يفكّرون بحفر نفق للفرار من السجن اضافة الى اتهامات أخرى خطيرة(١٦٣).
أشاع وجود الامام دفءً بين السجناء باستثناء جعفر الذي كان يتصرّف بطريقة لاتليق به كإنسان نشأ في بيت طاهر..
أمر عجيب أمر جعفر أبوه امام وأخوه امام.. وهاهو شبيه في سلوكه ابن نوح! ففي زمن مرير مثل هذا الزمن حيث أمواج الحياة الصاخبة تغرق كل الأشياء الجميلة ترى جعفر يسبح بعيداً عن سفينة الانقاذ متجهاً الى جبل من سراب ليعصمه من خطر الأمواج المتلاطمة!
وفي المدينة المنورة كانت والدة الأمام تخرج كل يوم الى الجبل تتنسّم اخبار العراق.
وفي مطلع شهر صفر يصلها خبر اعتقال ولدها(١٦٤) فتعود أدراجها الى المنزل وتحتضن حفيدها ذكرى ولدها الغالي وأملها الباقي..
حدثت في السجن ضوضاء بعد أن تناهى الى الجميع حضور الخليفة شخصياً للقاء الامام.. ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى كان المعتمد يقف وجهاً لوجه أمام سجينه العظيم قال الخليفة بلهجة فيها استغاثة:
- أدرك امة جدك رسول الله قبل أن تهلك!
ما الذي حدث لكي يحضر الخليفة مستنجداً بالامام؟!
الجفاف لذيضرب أطنابه والقحط دفع الناس الى اقامة صلاة الاستسقاء..
ثلاثة أيام كل يوم كانوا يخرجون ويصلّي الخليفة ويدعو لكن دون جدوى لكن هذا ليس بشيء ذي بال.. ان الفتنة حدثت عندما خرج راهب نصراني ومعه جموع النصارى للدعاء فكلّما رفع الراهب كفّيه الى السما تحشّدت الغيوم وامطرت السماء غيثاً..
وافتتن المسلمون بمنظر الراهب.. يغمره المطر بل أن بعضهم شكك في الاسلام، وقام مسلم ضعيف الايمان بالانضمام الى صفوف النصارى...
من أجل هذا شعر الخليفة بالخطر.. إنّ موقعه كخليفة للدولة الاسلامية الكبرى أصبح في مهب الأعصار فجاء يستنجد بالامام وارث النبوّات والأمين على رسالة جدّه الأخيرة.
قال الذي عنده علم الكتاب بثقة المؤمن.
- غداً أزيل الشك إن شاء الله.
وأصدر الخليفة تعليمات لاطلاق سراحه غداً فقال الإمام وأصحابي أيضاً يخرجون.
قال الخليفة موجهاً حديثه لمسؤول السجن:
- واصحابه أيضاًً!
وفي صباح اليوم التالي خرج الناس للاستسقاء وانبرى الراهب.. ظلّت السماء زرقاء صافية وما أن بسط كفيه للسماء حتى تحشدت الغيوم قال الامام وقد اكتشف السرّ:
- أمسكوا بيده!!
و فوجئ الخليفة بعظم انسان.
قال الامام للراهب:
- استسق الآن!
رفع الراهب كفيه للسماء وقد فرّت الغيوم تلاشت من جديد.. تسائَلَ الخليفة:
ما هذا يا أبا محمد؟
قال الذي مسّته السماء:
- هذا عظم نبي ظفر به الراهب من بعض القبور، وما كُشف عظم نبي تحت السماء إلّا هطلت بالمطر..
وقام الخليفة بكشف العظم قبال السماء وفوجئ بالغيوم تنبثق قادمة من الأفق البعيد.
أوصى الامام بدفن رفات النبي احتراماً واجلالاً وانقشعت سحب الفتنة التي زعرت عقائد الناس وكادت تعصف بما تبقى من إيمانهم بالاسلام رسالة الله الأخيرة(١٦٥).
انتابت الخليفة هو اجس الخطر مرّة أخرى بعد أن سطعت كرامة الامام الحسن أمام الجماهير فأعيد الامام الى السجن مرّة أخرى. ريثما يعثر على مخرج هذه الأزمة.
لقد شهد بنفسه كرامة الامام.. انه رجل مبارك وله شأن عند الله.. ظلت حادثه الراهب تتفاعل في وجدان الناس الذين انتبهوا الى وجود الامام، وكأنهم قد استيقظوا من سبات طويل..
اضطر الخليفة لاستدعاء مدير السجن (علي بن جرين) وإستجوابه حول سلوك الامام خلال مدّة اعتقاله..
- كيف رأيته يابن جرين؟
- ماذا أقول يا سيدي عن رجل صائم في النهار، فإذا حل المساء يتناول لقيمات ثم ينهض لصلاة طويلة.
- وأخاه جعفر كيف رأيت أخاه؟
- إنه أخوه في النسب فقط.. وما عدا ذلك فشاب قصاف كما يعرفه الجميع.
أراد الخليفة أن يقول له: أتدري أنه يتجسس على أخيه؟
قرر الخليفة أن يوجه الى خصمه آخر سهامه سوف يطلق سراحه ويستمر في اعتقال جعفر وعندها سوف يتحدث الناس عن الحسن وأن له علاقة ما مع الخليفة فقال لمدير السجن:
- أبلغه سلامي وقل له ينصرف الى منزله!
انطلق ابن جرين عائداً الى السجن ومعه أمر باطلاق سراح الحسن.. عندما وصل باب السجن وقعت عيناه على حمار مسرج! وكأنه ينتظر من يركبه!
فتحت أبواب السجن في وجه مدير السجن الذي اتجه بخطى صارمة الى باب الزنزانة، فوجد الامام قد ارتدى حلة الخروج.. أمر عجيب من الذي أخبره بأن الخليفة أمر بإطلاق سراحه؟!
نهض الامام واستمع بأدب الانبياء الى رسالة الخليفة، ثم اتجه الى الحمار المسرج فاستوى عليه وظل واقفاً..
قال مدير السجن بلهجة فيها تعجب:
- ما وقوفك يا سيدي؟
قال الامام بثقة مطلقة:
- حتى يخرج جعفر!
قال ابن جرين معتذراً:
- لقد أمرني باطلاقك دونه!!
قال الامام بحزم:
- ترجع اليه فتقول له: خرجنا معاً من دار واحدة فإذا رجعت الى المنزل وليس هو معي.. كان في ذلك ما لا يخفى عليك..
وعلى وجه السرعة انطلق ابن جرين لحل هذه الأزمة الجديدة ان هناك فيما يبدو اصراراً على اطلاق سراح جعفر.. وسرعان ما جاء الجواب ايجابياً عندما قال ابن جرين للامام:
- يقول لك الخليفة: قد اطلقت جعفراً من أجلك لأني قد حبسته بجنايته على نفسه وعليك وما يتكلم به!
وعاد الامام الى منزله يرافقه أخوه الذي لم يتقدم الى شقيقه ولو بكلمة فيها شعور بالامتنان أو عرفان بالجميل!

(٢٤)

فيما كانت غابات الشمال في ايران تستحيل الى مسرح رهيب لمعارك دامية بين جيوش يعقوب بن الليث الصفار وقوات الحسن بن زيد العلوي مؤسس دولة طبرستان(١٦٦)..
وفيما كان الطاعون يجتاح الشمال الافريقي والاندلس، والأعراب يشنون غاراتهم على اقليم حمص، والموصل تعيش القلاقل بسبب انتهاكات العسكر لأعراض الناس.. والغلاء الفاحش يهدّد السكان في العراق والحجاز بالموت جوعاً..
وفيما كان الروم يجتاحون بعض قلاع الإسلام فيسقط حصن لؤلؤة في قبضتهم.. وفيما كانت المعارك جنوب البصرة ما تزال مستمرة وثورة الزنوج ما تزال تهدد أمن البلاد.. أشيع في الأوساط العلمية عن انهماك الفيلسوف الكندي في تأليف كتاب حول (تناقضات القرآن).. وقد أقلق هذا الخبر بال الامام الحسن لأن السكوت عن هذا سوف يزعزع ايمان الناس بالقرآن الكريم.. القاعدة الكبرى والوحيدة للاسلام..
الناس ما يزالون يتذكرون بأسى فتنة (خلق القرآن) التي أثارها المعتزلة وامتحن الناس بها وتسببت في اراقة دماء الكثير من الابرياء..
هل وقع الكندي في فخ ظاهر المفردات القرآنية، أوانه غرق في بحر الفلسفة التي هي في رأية علم بالحقيقة وأن التنكر للفلسفة كفر؟ ثم وجد تناقضاً بين الافكار الفلسفية وآيات القرآن، فانطلق يبحث عن تناقضات القرآن مدافعاً عن الفلسفة‍‍‍‌‌‍!!
غافلاً عن حقائق كبرى تتضمنها لغة من اشتراك المفردة في اكثر من معنى، وقصور الفهم البشري عن استيعاب المفردة القرآنية.. وادراك المعنى الحقيقي من المجازي..
والتقى الامام تلميذاً من تلامذة الكندي فقال له وهو يحاوره: - أما فيكم رجل رشيد يردع استاذكم الكندي عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟
قال التلميذ:
- وكيف يمكن لتلامذته الاعتراض عليه في هذا وفي غيره؟!
قال الامام وهو يفتح له آفاق المعرفة:
- أتؤدي اليه ما ألقيه عليك؟
قال التلميذ مرحّباً:
- نعم يا سيدي!
قال الإمام:
- إذهب اليه وتلطف في مؤانسته ومعونته على ماهو بسبيله فاذا وقعت الأنسة فقل:
(قد حضرتني مسألة أسألك عنها؟
وعندها سيقول لك ماهي؟
فقل له: إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن، هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها وذهبت اليها؟
سيقول لك: إنه من الجائز لأنه رجل يفهم إذا سمع.
فإن أجابك بالإيجاب، فقل له: فما يدريك لعله أراد غير هذا الذي ذهبت أنت إليه فيكون واضعاً لغيره معانيه..
وانطلق الرجل الى منزل الكندي وراح الفيلسوف العربي يصغي بانتباه الى كلمات تنسف مبانيه نسفاً فتجعلها قاعاً صفصفاً!
قال الفيلسوف وكأنه صحا من وقع الصدمة المباغتة:
- اقسم عليك أن تخبرني من أين لك هذه الكلمات؟!
قال التلميذ:
- انه اشكال عرض في قلبي.
قال الفيلسوف بإصرار:
- كلا! انك أعجز من ذلك.. عرّفني من أين لك هذا؟
قال التلميذ مستسلماً:
- أمرني بذلك الامام أبو محمد!
قال الفيلسوف وقد خشع قلبه لإهل البيت عليهم السلام:
- الآن جئت بالحق.. وما كان ليخرج مثل إلاّ من ذلك البيت!
وعلى الفور ألقى الكندي أوراقه الصفر في موقد النار(١٦٧) وراح ينظر الى السنة اللهب المتصاعدة فيما تشهد أعماقه ميلاد أفكار جديدة(١٦٨).
وتنفس الامام الحسن الصعداء بعد أن تناهى اليه موقف الفيلسوف الكندي..
وشهد شارع (درب الحصا) ذلك اليوم حركة غير عادية اثر قيام الخليفة المعتمد بزيارة مفاجئة للامام في منزله!
الهواجس وحدها وراء هذه الزيارة... فالمعتمد لم يكن واثقاً من استمراره في الحكم.. وكان اليأس يملأ قلبه بعد أن عمّت الاضطرابات والقلاقل أرجاء البلاد.. ولكنه لا يشعر بالخطر الجاد إلاّ ازاء تنامي نفوذ أخيه الموفق القائد العام للجيوش العباسية والحاكم العسكري العام..
لقد فكر المعتمد بطريقة تمكّنه من بسط نفوذه وتعزيز مركزه ولكن دون جدوى، فالاجواء من الارتباك بحيث يصعب الركون الى شيء أو التكهن بشيء..
من أجل هذا قصد زيارة الامام والاجتماع به على انفراد..
لقد اثارت هذه الزيارة دهشة الكثيرين وستبقى علامة استفهام كبرى عبر القرون.. فلأول مرة يقوم خلفاء سامراء بهذه الخطوة وربما لآخر مرة.
استقر الخليفة في مجلسه في حجرة الاستقبال وكان قد صرف جميع حراسه منذ أن وطأت قدماه باحة المنزل..
وكان واضحاً تماماً ومن خلال جلسته المؤدبة وعينيه اللتين تنظران بضراعة وتوسل.. ان لدى الخليفة طلباً هاما.. طلباً غير معقول.. طلباً لو سمعه أبوه (المتوكل) لانبعث من حفرته برغم الديدان التي لم تخلف منه سوى هيكل عظمي منخور..
قال الخليفة بلهجة شابها رجاء وتوسل:
- يا بن رسول الله! ادع الله أن يمد في عمري فأبقى في الخلافة عشرين سنة!!
الله وحده الذي يراقب الأعماق.. ساد سكوت مهيب فضاء الحجرة وكان الامام مطرقاً لكأنه يتصفح كتاباً عجيباً.. كتاباً يطل المرء م خلاله على سطور الغيب فيقرأها.. وعلى آفاق الزمن القادم فيستكشفها..
ماذا حصل لكي يرفع الامام رأسه بعد لحظات مدوية من الصمت؟ وماذا حصل لكي تتألق عيناه بنور شفيف؟ وماذا حدث لكي يبدو الوجه الأسمر مغموراً بهالة من الأنوار الشفافة؟! ولكن المعتمد شعر بأن الكلمات التي يسمعها قادمة من أعماق الغيب المستور ها هو يصغي الى كلمات ابن الرضا تخاطبه:
- مدّ الله في عمرك(١٦٩):
وفي تلك اللحظات شعر المعتمد بالثقة، وتنفس الصعداء.. ليغادر منزل الامام، دون أن تخامره هواجس المستقبل أو مخاوف من أن يقوم أحدهم باغتياله.

(٢٥)

في إحدى ليالي كانون الأول من سنة ٨٧٣ أخريات شهر صفر سنة ٢٦٠ هـ وفي ساعة متأخرة من الليل يعود من المدينة المنورة الوكيل (أحمد بن محمد بن مطهّر) وبمعيّته الصبي البشارة وجدّته فيلجون بحذر منزلاً في (درب الحصا)(١٧٠) وشاء القدر أن يعود جعفر الى المنزل بعد ليلة ساهرة قضاها مع شلّة من رفاق السوء(١٧١)..
وبالرغم من سكره الخفيف فقد استيقظت في نفسه الأمارة بالسوء رغبات مجنونة في أن ينبه البلاط مرّة أخرى على وجود الصبي الذي ينتظره الجميع اصدقاء واعداء..
إنّه يستطيع أن يصطاد عصفورين بحجر واحد.. سوف يكون الوريث القانوني الوحيد لكل ممتلكات أخيه.. وسوف يتقرّب الى البلاط ويكون أحد المسؤولين في دولة.. ويكون في مقدره الجلوس في مكان أخيه(١٧٢)... سوف يصبح إماما للشيعة وستتدفق انهار المال والحقوق الشرعية فيعيش رغداً يلهو ويلعب!
لماذا يا جعفر(١٧٣) كل هذا الانحدار ما الذي فعله أبوك واخوك وماهي جريرة هذا الصبي البريء؟!
لماذا لا تلج السفينة يا جعفر قبل أن تبتلعك أموج الحياة الدنيا(١٧٤)؟..
كيف سوّلت لك نفسك أن تغدر بأخيك؟!
لا أحد يدري ما الذي حصل فجأة!! وفيها كانت شمس الخريف تقرض منازل سامراء بانوارها الباهتة.. شعر الامام بحالة من الضعف الشديد والنحول اضطرته الى ملازمة الفراش..
و بطريقة تدعو الى التساؤل والدهشة وصل النبأ الى مسامع رئيس الوزراء عبيدالله بن يحيى بن خاقان!!
هل كانت هناك محاولة لاغتيال الامام؟!
لماذا يبادر ابن خاقان للاجماع بالخليفة شخصياً ويطلب منه ارسال مجموعة من رجال القصر لملازمة منزل الامام؟ واذا كان الهدف من ذلك تفديم الرعاية للامام فما هو المسوّغ في ارسال (حرير الخادم) سجّان الامام الذي سمعت تهديداته للامام ذات يوم وهو يقول: (والله لأرمينّة للسباع)(١٧٥)!
هل هناك أسرار ما وراء ما يجري؟ هل وصلت البلاط تقارير حول ووجود صبي اُحيطت ولادته بالكتمان؟ وهل ولد المهدي حقّا؟
ما هي بالضبط مهمّة موظفي القصر؟! لقد أصبح منزل الامام مشحوناً بالخطر.. ولماذا تتخذ الحكومة مثل هذا الاجراء وتراقب وفاة الامام ومن أين لها علم بأنَّ الامام على حافّة الموت وهو ما يزال في ريعان الشباب ولم يبلغ الثلاثين بعد؟!..
مرّت ثلاثة أيام من ربيع الأول وقد انتكست حالة الامام الصحية، فأصدر رئيس الوزراء أمراً باحضار فريق من الأطباء لاجراء فحوصات وتقييم حالة الإمام الصحية..
أجرى الأطباء فحوصاتهم وتبادلوا نظرات ذات معنى(١٧٦)! لقد دُسّ اليه السم ما في ذلك من شك! وليس هناك من وسيلة للعلاج.
واستقرّ رأيهم على أن حالة الامام مأيوس منها.. وأنه يموت ومع ذلك فقد أصرّ رئيس الوزراء على بقائهم في منزل الامام!!
كما استدعى ابن خاقان رئيس سلطة القضاء وطلب منه انتخاب عشرة رجال يعملون في سلك القضاء ومن ثم ارسالهم الى منزل الامام!
وأصبح عدد موظفي الدولة خمسة عشر غير الأطباء!! ترى ماذا يجري؟! ما هو الهدف من وراء كل هذه الاجراءات العجيبة؟!
هل هناك محاولات للكشف عن وجود وريث للامام؟.. وهل هي محاولة للتنصل من مسؤولية اغتيال الامام؟ أو مواجهة الشائعات التي قد تنتشر حول اسباب وفاة ابن الرضا وهو ما يزال شاباً؟! لا أحد يدري!!
مشاعر خليطة من الحزن والقلق والتوتر تخيم على أجواء المنزل، الذي بدا وكأنه قلعة يحاصرها الأعداء..
وبالرغم من تردّي حالة الامام الصحية إلاّ أنه كان في كامل وعيه وكانت شؤون المنزل تمضي حسب برنامج دقيق بإستثناء جعفر الذي بدأ يتصرّف وكأنه ربّ البيت والسيّد المطاع.
الزمن يمرّ متوتراً.. والإمام في حجرته راقد في فراش المرض زوجته السيدة نرجس في حجرة أخرى.. ماريا ونسيم في حجرة مستقلة.. كافور وعقيد يعملان بصمت وحزن ترى أين الصبي؟! هل كان مختبئاً في مكان ما من السرداب؟!
هل كان في منزل السيدة حكيمة؟!
رجال القصر وموظفوه محشورون في الرواق المؤدي الى غرفة الإمام وفي قبال ذلك حجرة السيدة نرجس، أما السرداب فيوجد اسفل الغرفتين حيث يوجد باب صغير يؤدي الى سلّم ومنه الى السرداب..
اليوم هو ٧ ربيع الأول ٢٦٠ هـ ٣١ كانون الأول ٨٧٣ م وسامراء مقبلة على ليل شتائي طويل(١٧٧).
تسرّبت أنباء مرض الامام الى أوساط الناس واصبح ذلك محوراً في أحاديث الشيعة.. وظهرت تساؤلات حول مستقبل الامام وهويّة الامام الجديد!
وفي تلك الليلة الطويلة تمكن الامام من كتابة مجموعة من الرسائل الهامّة كجزء من خططه لابلاغ الأمّة وجود الامام الغائب الذي اضطرته الظروف الى عدم الاعلان عن ولادته واخفائه عن أعين الجواسيس..
كانت ظلمات الليل تشتد حلكة وقد خامر الموظفين في الرواق التعب والنعاس.. الليل البهيم يتجه الى الفجر والنجوم تشتد سطوعاً في سماء اكتنفتها غيوم متناثرة.. وكان عقيد الخادم ينظر بأسى الى الشباب كيف يذوي كشمعة تخبوفي قلب الليالي الزمهرير.
طلب الامام بصوت خافت من عقيد أن يحضر اناءً فيه ماء مغلي بالمستكي.. كان الامام يشعر ببرودة الموت تزحف الى خلايا جسده التي فتك بها السم..
جاءت السيّدة نرجس تحمل الاناء، وقد غمرتها حالة من الفجيعة.. ان زوجها الطاهر على وشك الرحيل.. سوف ينهدّ عمود خيمتها وستعوي من حولها آلاف الذئاب..
مدّ الشاب يداً ترتجف من برودة الموت الزاحف كليل الشتاء.. الليل في لحظات الرحيل والفجر على وشك الانفاق..
أراد أن يرتشف من الاناء ولكن ارتطم باسنانه وازداد ارتجاف يده.. قال بصوت واهن مخاطباً عقيداً:
- سوف تجده يصلّي في الحجرة.. ليأت اليّ.
وفي هذه اللحظة هبّت السيدة نرجس الى الحجرة.. ان ابنها يصلّي فمكثت غير بعيد وجاءت به.. وفي غمرة لحظات السحر الأخير مرق الصبي الى حجرة أبيه العظيم..
جلس عنده وقد غمره حزن واحساس بالفجيعة يلوح في وجهه كسماء تكتنفها غيوم رمادية..
دمعت عينا الأب من أجل ابنه.. من أجل كل المحن التي سيواجهها خلال الزمان المرير... همس بحب:
- يا سيدى أهل بيته أعطني شربة!
أخذ الصبي الطاهر الإناء وأدناه من فيه وارتشف الامام شربة منحته قليلاً من الدفء..
قال الأب:
جهزني للصلاة!
أخذ الصبي منديلاً ونشره على صدر أبيه وراح يساعد والده على اسباغ الوضوء واستغرق الامام في الصلاة بعد أن يمم وجهه تلقاء المسجد الحرام والبيت العتيق..
والتفت الى ابنه وقد انفلق عمود الفجر الصادق.
- بني الحبيب! أنت صاحب الزمان.. أنت المهدي الذي بشر بك الرسول.. وأخبر بك اسمك اسمه وكنيتك كنيته.. وهذا هو عهد آبائي قد جاء..
وفي تلك اللحظات الندية بالدموع شعر الصبي بأن قلبه يضيء بنور قادم من قلب السماوات..
سوف تواجهك المحن يا بشارة الانبياء.. وسوف تطاردك رياح الزمهرير كفراشة جاءت تبشر بالدفء وبالربيع... آه أيها الأمل القادم من رحم النبوّات الغابرة!!
كانت السيدة نرجس تبكي بصمت كسماء تمطر على هون.. زوجها يودع الحياة، وابنها الوحيد تبحث عنه ذئاب مجنونة.. وأصغت الى كلمات زوجها يوصي ابنه وآخر الأئمة الاطهار:
- يا بني: إن الله جل ثناؤه لم يكن ليخلي أرضه، وأهل الجد من طاعته وعبادته بلا حجة يستعلى بها وإمام يؤتم به، ويقتدى بسبيل سنته ومنهاج قصده..
وأرجو يا بني ان تكون أحد من أعده الله لنشر الحق وطي الباطل، وإعلاء الدين، واطفاء الضلال.
وسكت لحظات ليقدّم الى ولده الحبيب آخر نصائحه:
- فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض وتتبّع أقاصيها، فإن لكل وليّ من أولياء الله عدوّاً مقارعاً، وضدّا منازعاً.. فلا يوحشنّك ذلك(١٧٨)..
اسكن يابنيّ في البراري البعيدة.. وفي الجبال الوعرة ليحرسك الله يا بني!
ودمعت عينا الأب.. كان يستنشق أنفاسه الاخيرة في هذه الحياة.. وكانت كلمات الصلاة تنساب من بين شفتيه قبل أن يغمض عينيه ويغفو اغفاءة الرحيل..
وفي تلك اللحظات وقد هيمن صمت ثقيل سمع صوت عواء قادم من بعيد..
نهضت السيدة نرجس وهي تشعر بالبرد واخذت بيد ولدها وانسحبت من المكان.. لقد بدأ فصل مثير من حياة ابنها الوحيد.

برغم الغيوم..

(٢٦)

لم تشرق شمس اليوم الثامن من ربيع الأول وظلت غائبة وراء السحب الكابية التي تراكمت على امتداد الليل الشتائي الطويل.
اليوم هو الأول من كانون الثاني من العام الميلادي الجديد (٨٧٤) حدثت في الرواق حركة غير عادية عندما أعلن عقيد الخادم عن رحيل زعيم البيت العلوي الامام الحسن واستحال المنزل الواقع في (درب الحصا) الى خيمة تعصف بها الريح من كل مكان..
برقت عينا جعفر بالغدر وقد ضجّت في أعماقه المظلمة أصوات تشبه عواء ذئاب مجنونة...
ها هو يستيقظ على صيحات المأتم فهبّ كمن لسعته عقرب وراح يتصرف كالسيّد المطاع وربّ المنزل.. وحاول جاهداً أن يضفي على نفسه مسحة من الوقار كإمام جديد للشيعة!
ان جميع الظروف قد باتت مواتية، فأخوه قد رحل عن الدنيا دون وصية ظاهرة، واذن فقد أصبح كل شيء له.. أنه الوريث الذي لن ينازعه أحد.. ولكن ماذا لو ظهر ابن أخيه؟!
خامره أحساس بالقلق وسرعان ما تبدّد.. ان صبياً تبحث الجواسيس عنه لن يجرؤ على ذلك..
اتخذ جعفر مكانه في باب المنزل لاستقبال الوافدين من المعزّين.. سوف يصل زعماء كبار من البلاط وشخصيات بارزة في صفوف الشيعة وها هو يشعر بالانتشاء لأول تهنئة يتلقاها من الشيعة مصحوبة بكلمات عزاء رقيقة.. ها هو يهنأ لأول مرّة بالإمامة.. لقد أصبح إماما لطبقات واسعة من الناس!
وصل (أبو الأديان)(١٧٩) درب الحصا وسمع من بعيد أصوات المناحة واذ ألفى جعفراً واقفاً في الباب يتلقى التعازي والتهاني همس في نفسه بأسى:
- ان يكن هذا هو الإمام فقد بطلت الامامة إذن..
كيف يصبح اماماً وهو يكرع كؤوس النبيذ ويقامر في قصر الجوسق ويلعب بالطنبور؟!
واضطر أبو الاديان الى مصافحته وتقديم التعازي والتهاني.. وعندما ولج المنزل رأى حشداً من المعزّين، وقد برز فيهم عثمان بن سعيد وكيل الامام الراحل.. وكان واجماً غارقاً في حزن مرير..
وتوهّجت في ذاكرة أبي الأديان البصري كلمات الامام الراحل في حقه في حضور وفد قادم من اليمن: (امض يا عثمان فانك الوكيل والثقة المأمون على مال الله)(١٨٠) فقال أحد أعضاء الوفد مخاطباً الامام:(يا سيدنا ان عثمان لمن خيار شيعتك ولقد زدتنا علماً بموقعه من خدمتك، وانه وكيلك وثقتك على مال الله؟
فقال الامام عندها: نعم.. واشهدوا على ان عثمان بن سعيد العمري وكليي، وان ابنه وكيل ابني.. مهديكم)(١٨١).
كان عثمان بن سعيد قد انتهى توّاً من مراسم تجهيز جثمان الراحل العظيم للصلاة عليه، وانتبه أبو الأديان الى صوت عقيد الخادم يخاطب جعفراً:
- يا سيّدي قد كُفّن أخوك.. فقم للصلاة..
مرّت اللحظات حساسة.. كان جعفر يخطو باتجاه نعش أخيه.. سوف يكتسب جعفر باقامة الصلاة على الامامه امتيازاً كبيراً.. فهناك قناعة لدى عموم الشيعة في أن الامام لا يصلّي عليه إلاّ إمام!
وقف جعفر قبال النعش استعداداً للصلاة.. وانتظمت خلفه صفوف المصلّين.. كان أبو الأديان واقفاً جنب عثمان بن سعيد في الصف الأول.. وكان جعفر على وشك التكبير.. عندما ظهر صبي بوجهه سمرة متموج الشعر.. تقدّم الصبي بخطى واثقة نحو جعفر وجذب رداءه قائلاً بصوت فيه حزم:
- تأخّر يا عمّ، فأنا أحق بالصلاة على أبي:
اصفر وجه جعفر واربدّ وهو يتأخر واقفاً خلف الصبي الذي بدأ مراسم الصلاة على والده الراحل..
ودمعت العيون للصوت الحزين يصلي على الراحل كان ذهن أبي الأديان متوتراً للمفاجأة..
انه يشهد أولى علامات الامام الحق.. لقد أخبره الراحل: ان الذي سيصلي عليّ هو الامام.. بقيت علامتان..
الأولى أن يطالبه الصبي بالرسائل الجوابية التي يحملها من المدائن..
تمت مراسم الصلاة والتفت الصبي الى أبي الأديان قائلاً:
- يا بصري هات جوابات الكتب التي معك!
لم يكن هناك مجال للشك، وسلم أبو الأديان مجموعة من الرسائل الى الصبي الذي اتجه نحو ستائر إحدى الحجرات ليتوارى وراءها.. تقدم رجل نحو جعفر الذي ما يزال حانقاً.. أراد أن يحرجه أكثر فقال له متسائلاً:
- يا سيدي من الصبي؟!
أجاب جعفر بحنق:
- والله ما رأيته قط ولا أعرفه!!
وارتسمت على وجه الرجل(١٨٢) ابتسامة ساخرة من هذا الذي يدعي ما ليس له.. وها هو يتراجع أمام صبي يبدو عليه أنه في التاسعة من عمره.. إنها قوة الحق التي لن يصمد أمامها جعفر وامثال جعفر حتى لو كان من ذرية الامام!
كانت المفاجأة لا تزال تسيطر على بعضهم خاصة الذين رأوا الصبي لأول مرة..
وحدثت ضجة خارج المنزل.. لقد وصل أخو الخليفة وممثله في مراسم التشييع والصلاة الرسمية..
استقبل جعفر مبعوث الخليفة وأخاه أبا عيسى بن المتوكل الذي نقل تعازيه وتعازي الخليفة بالمناسبة..
وحمل النعش الذي ما كاد يغادر المنزل حتى استقبل بالبكاء والنحيب.. لقد رحل السلام.. رحل الانسان الطاهر.. كحمامة بيضاء شهيدة كان النعش المحمول يسير باتجاه المسجد الجامع مخترقاً الشارع الرئيسي المعروف بشارع أبي أحمد..
نسائم كانون الباردة تلفح الوجوه في يوم غائم كئيب.. وكانت مشاعر مزعجة من الاحساس بالغربة واليتم تغمر القلوب الحزينة لكأن الامام شمس تبعث الدفء والنور فإذا غاب غمرت الظلمات النفوس..
وتذكر الناس يوماً حزيناً قبل ستة أعوام يوم شيعوا والد هذا الانسان الطيب الذي وافاه الأجل وهوفي ريعان الشباب..
وتساءل البعض في دهشة عن سر وفاته؟! انه لم يشتك من علة قبل ذلك فما الذي حصل؟! لقد اعتادت سامراء على هذه الظاهرة.. كثيرون لقوا حتفهم في ظروف غامضة!
وُضع النعش قريباً من جدران المسجد لاقامة الصلاة وتقدم مبعوث الخليفة وأخوه الى النعش وكشف عن وجه الراحل ليبدد هواجس قد تراود بعض الناس ويدفع شبهة الاغتيال عن الدولة فأعلن أمام شخصيات البيت الهاشمي من العباسيين والعلويين، وقادة الجيش وكبار موظفي الدولة والبلاط قائلاً:
- هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه وحضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان.. والقضاة فلان وفلان ومن الاطباء فلان وفلان وراح يستعرض الشخصيات التي امضت الليالي الأخيرة في منزل الامام لأهداف غامضة.. ثم غطى باحترام وجه الراحل العظيم(١٨٣).
وأُقيمت الصلاة على الجثمان الطاهر ليحمل مرة أخرى ويعود الى المنزل الواقع في (درب الحصا) وهناك سيوارى الثرى الى جانب والده الراحل تنفيذاً لوصيته.
وبدا ذلك اليوم الغائم اشبه بيوم القيامة(١٨٤) وقد حشر الناس ضحى فالأمواج البشرية تتدافع لتلمس النعش الطاهر تبركاً لكأنها تمد يداً تصافح رسول الله..
القلوب يغمرها الأسى وإحساس بالفجيعة يملأ صدور المؤمنين.. ويلج النعش منزل صاحبه وفاحت رائحة الثرى المعطور حيث سيرقد الامام الى جانب والده.. لقد وصلا معاً هذه المدينة على قدر قبل ربع قرن فرحل الوالد قبل ستة أعوام والتحق به الإبن في هذا اليوم..
ان الذين يرون ما وراء الأفق البعيد سيرون مآذن تشق قلب التراب في هذا المنزل المبارك لتستحيل هذه البقعة الطاهرة الى مساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً. والى واحة خضراء يتفيأ ظلالها الوارفة المتعبون في دورب الحياة والزمان.

(٢٧)

استمر المأتم وكانت رائحة طيبة تشبه رائحة الطين المعطور تفوح في فضاء المنزل.. الشمس ما تزال مستورة بالسحب بالرغم من أن قرصها المستدير قد بدا شفافاً يشبه القمر في لحظات الغروب وفي أصيل ذلك اليوم وصل وفد من مدينة قم يحمل معه رسائل من أهلها اضافة الى هميان يشتمل على الحقوق الشرعية التي يتوجب تسديدها الى الإمام أو من يوكله..
في حجرة السيدة نرجس جلست النسوة وكانت أم الحسن اكثرهن إحساساً بالفجيعة، حتى ان المرء إذا رآها في تلك الحال سيحدس أنها لن تعيش بعد ابنها إلا أياماً معدودات أما السيدة نرجس فقد بدا وجهها سماء مثقلة بغيوم ممطرة.. عيناها تبحثان عن عزيز فقدته.. زوج كريم رحل وتركها وحيدة وولد طاهر تحمل أمانة كبرى وقرر خوض ملحمة الصراع المرير أمام أعداء لا يعرف لهم عدد.. حتى عمه جعفر غدر بهم.. انه لم يعد يرى شيئاً سوى نفسه وسوى اطماعه وحرصه وجشعه وتهافته على حطام الحياة الدنيا!
تساءل أحد رجال الوفد عن الشخص الذي يقدمون اليه التعازي فأشير الى جعفر!!
كانت آثار السفر ما تزال تبدو على أفراد الوفد وهم يصافحون جعفراً الذي رقص قلبه طرباً.. انه يدرك حجم ما معهم من الأموال التي سيقبضها هذا اليوم!
تلقى جعفر بانتشاء تعازي القميين وتهنئتهم له بالإمامة، ولم يستطع اخفاء إبتسامة صفراء باهتة ارتسمت على شفتيه.
قال رجل حنكته التجارب:
- إن معنا كتباً وأموالاً..
قال جعفر مستعجلاً:
- هاتوها!
قال الرجل بهدوء وحذر:
- ألا تقول ممن الكتب؟ وكم المال؟
- ومن أين لي أن أعرف ذلك؟!
رد الرجل:
- هذه عادتنا مع أخيك؛.
صر جعفر على أسنانه بغيظ.
- تريدون منا أن نعلم الغيب.. أنتم تكذبون على أخي.
إنتفض جعفر من مكانه وهو ينفض أثوابه.. وإنطلق صوب قصر الخلافة وقد استعرت في اعماقه حمى الغدر.. هذه أفضل فرصة للقبض على الصبي الذي يقف في طريق تحقيق أحلامه المريضة.
ما إن غادر جعفر المنزل حتى خرج من إحدى الحجرات فتى يرتدي زي الخدم وجاء إلى رجال الوفد قائلاً:
- معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه ألف دينار.. عشرة منها مطلية بالذهب..
تبادل رجال الوفد نظرات ذات معنى وقال الرجل المحنك:
- الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الإمام(١٨٥).
وسلموا اليه الرسائل والهميان وغادروا المنزل بعد أن مكثوا قليلاً..
هبت رياح كانون باردة كقطيع من الذئاب، وقد توارت الشمس وراء السحب وفي لحظة المغيب كان رجال الشرطة كذئاب غبراء تقتحم منزل الامام وتلقي القبض على السيدة نرجس التي نسيت كل آلامها واستعدت للمواجهة.
طولبت السيدة بالصبي فانكرت أن يكون لها ولد.. وقامت بحركة ذكية عندما تظاهرت بأنها تعاني من الوحام..
أوقف قائد المفرزة رجاله عن التفتيش وأمر باقتياد السيدة الى بلاط الخليفة.
وأمر الخليفة بتسليم المرأة الطاهرة الى القاضي ابن أبي الشوارب رئيس سلطة القضاء وقاضي سامراء لتكون تحت الرقابة المشددة.. فقد تكون حاملاً وقد يحاول ابنها الاتصال بها فيلقى القبض عليه..
وشاء القدر أن يصل وفد آخر يضم رجالاً من أهل قم ومن مناطق الشمال الايراني المعروفة آنذاك بالجبل.. وبالرغم من مرورهم ببغداد إلا أنهم لم يسمعوا بخبر وفاة الحسن فقدموا سامراء، ولم يكن قد مر على وفاة الامام الحسن سوى أيام..
وعندما سألوا عن سيدنا الحسن قيل لهم إنه فقد!
فسألوا عن وارثه؟
قالوا:
- أخوه جعفر بن علي!
قال أحدهم:
- فأين نلقاه؟
- خرج متنزها، وركب زورقاً في دجلة يشرب ومعه المغنّون!! أصيب الرجال بصدمة، وتبادلوا نظرات حائرة ثم خلصوا نجيا قالوا هامسين:
- هذه ليست من صفة الامام.
قال أحدهم:
- لنعد من حيث أتينا ونعيد هذه الأموال الى أصحابها.
قال أبو العباس وهو رجل يمني نزحت اسرته الى قم:
- لننتظر هذا الرجل ونختبر أمره!
وانتظر رجال الوفد عودة جعفر من نزهته في دجلة.. حتى إذا عاد الى منزله دخلوا عليه قالوا:
- يا سيدنا نحن من أهل قم.. ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها، وكنا نحمل الى سيدنا أبي محمد الحسن الأموال.
قال جعفر وقد سال لعابه:
- وأين هي؟
- معنا.
- احملوها الي إذن.
- لا.
- لا.. لماذا؟!
- ان لهذه الأموال خبراً طريفاً.
وما هو؟!
- ان هذه الأموال تُجمع، ويكون فيها من كافة الشيعة الدينار والديناران ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليه، وكنا إذا وردنا بالمال على سيدنا أبي محمد يقول: جملة المال كذا وكذا دينار من عند فلان كذا ومن عند فلان كذا.. حتى يأتي على أسماء الناس كلهم ويقول ما على الخواتيم من نقش.
زعق جعفر وادرك صعوبة هذا الامتحان:
- كذبتم... تقولون على أخي ما لا يفعله.. هذا علم الغيب ولا يعلمه إلا الله تبادل الرجال نظرات فيها شك في أن يكون جعفر اماماً.
قال جعفر بفظاظة:
- احملوا هذا المال اليّ.
قال رجل يبدو عليه الوقار:
- إنا قوم مستأجرون.. وكلاء لأرباب المال ولا نسلم المال إلاّ بالعلامات التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن فان كنت الامام فبرهن لنا، وإلا رددناها الى أصحابها يرون فيها رأيهم.
وبرقت عينا جعفر بالشر انه يعرف كيف ينتزع المال منهم، فانطلق الى بلاط الخليفة مرة أخرى.. وسرعان ما القي القبض على رجال الوفد الذين سيقوا الى قصر الخلافة فامتثلوا أمام الخليفة الذي قال وهو ينظر اليهم بطرف خفي:
- احملوا هذا المال الى جعفر!
قال الرجل الوقور:
- انا قوم مستأجرون.. وكلاء لأرباب هذه الأموال وهي أمانة لجماعة وأمرونا أن لا نسلمها إلاّ بعلامة ودلالة وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمد الحسن بن علي.
قال الخليفة مستفسراً:
- فما كانت العلامة التي كانت لكم مع أبي محمد؟
قال الرجل الوقور:
كان يصف لنا الدنانير وأصحابها والأموال وكم هي.. فإذا فعل جعفر ذلك سلمناها اليه.. وسكت لحظات ثم قال مشيراً إلى جعفر.
- إن كان هذا الرجل صاحب الأمر فليقم لنا ما كان يقيمه أخوه والا رددناها الى اصحابها:
زعق جعفر:
- يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قوم كذابون.. يكذبون على أخي.. وهذا علم بالغيب!
قال الخليفة وقد أدرك إلاّ جدوى من وراء مساندة جعفر:
- القوم رسل وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين.
وبهت جعفر وانخطف لونه.. وقال الرجل الوقور مبتهجاً بموقف الخليفة:
- نتمنى على أمير المؤمنين أن يرسل معنا من يودعنا الى خارج المدينة.
قال الخليفة:
- سأرسل معكم رجالاً من الشرطة فلا تخشوا شيئاً..
وغادر الجميع قصر الخليفة.. كانت الحيرة تملأ قلوب الرجال.. ترى من هو الامام الحق بعد الحسن؟
كل شي يوحي بأن لا وجود لإمام للشيعة بعد الحسن وإذا كان هناك من امام فهو جعفر الذي سيعرف بالكذاب لأنه ادعى ما ليس له بأهل!
عاد الرجال الى خان المسافرين وتفقدوا دوابهم في (المربط) قد صح عزمهم على مغادرة سامراء عائدين.. كانوا يتوجسون شرّاً من جعفر لأنهم حدسوا أن هناك من يقف وراء جعفر مروجاً لامامته لأسباب غامضة.. أو طمعاً في المال وأمضوا ليلتهم في الخان يتسامرون، وكانت الحيرة واضحة وهم يتحلقون حول موقد مسجور.
وكان واضحاً من حيرة أبي العباس ان المستقبل قد بات مظلماً.. فقد بدا ساهماً غارقاً في الوجوم.. هل يمكن أن تنتهي الامامة هكذا؟! وهل يمكن أن تخلو الأرض من حجة لله.. من انسان كامل؟!.. ان الامام يمثل نقطة السلام في دنيا تموج بالزلازل وتعصف بها الحوادث..
وخفتت الأصوات وكان الجمر يخبو شيئاً فشيئاً.. وكان صوت عواء بعيد يتناهى الى الأسماع.
في الصباح الباكر وفيما كانت غيوم كانون تتراكم فوق بعضها البعض غادر الرجال الخان ليجدوا مجموعة من حرس الخليفة سوف يرافقونهم الى خارج سامراء حسب رغبتهم..
بالرغم من سهرهم الطويل وتبادلهم الأحاديث المتشعبة إلاّ أن أجواء الحيرة ما تزال تسودهم.. فهم يعتقدون ان الامامة ستستمر حتى يوم القيامة.. لأن الأرض لا تخلو من حجة الله.. من إنسان يقودهم نحو الكمال.. وهاهم يفدون على إمامهم فلا يجدوه.. ولا يجدوا إماماً يقوم مقامه..
قال أبو العباس وكان رجلاً حصيفاً:
- ان له ولد ما في ذلك من شك.. وربما أخفاه لسبب من الأسباب..
قال آخر:
- والله أنها لحيرة ما بعدها حيرة! انني أقول أن سيدنا الحسن؛ كان إماماً مفترض الطاعة ثابت الامامة، وقد توفى والأرض لا تخلو من حجة.. فنحن ننتظر حتى يسفر الحق!!
وعندما وصلوا الجادة المؤدية الى بغداد.. عاد الحراس فيما واصل الرجال طريقهم صوب (دار السلام) لم تكد منازل سامراء تغيب في الأفق حتى فوجىء الرجال بمن يدعوهم بأسمائهم.. وعندما التفتوا جهة الصوت شاهدوا فتى مضيء الوجه يناديهم:
- يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أجيبوا مولاكم.
هتفوا بدهشة:
- أنت مولانا؟!
أجاب الفتى الذي يرتدي زي الخدم:
- معاذ الله.. أنا عبد مولاكم.. فسيروا إليه.
وقادهم الفتى من طريق على شاطىء دجلة بعد أن تركوا دوابهم مع أحدهم وعندما ولجوا حجرة في المنزل وقعت عيونهم على فتى عشاري القد جالساً على سرير يرتدي ثياباً خضراً.. وخشعت قلوبهم لمرآه فحيوه بأدب ورد عليهم التحية بأحسن منها وقال مبدداً سحب الحيرة التي اكتنفت نفوسهم:
- جملة المال كذا وكذا دينار حمل فلان كذا وفلان كذا.. وراح يستعرض تفاصيل ما جاءوا به.. بل تعدى وصفه للدواب التي حملتهم..
ألقى أبو العباس نفسه على الأرض ساجداً لله الذي أنعم عليه برؤية إمام عصره..
ولم يبق من مجال للشك فقرروا العودة الى محط رحلهم واحضار الأمانات..
وفي لحظات الوداع أمرهم الامام بعدم المجيء الى سامراء مرة أخرى وأنه سوف ينصب لهم وكيلاً في بغداد يحملون اليه الأموال وتخرج عنه التوقيعات..
كما دفع الامام الى أبي العباس شيئاً من الحنوط والكفن وخاطبه معزياً:
- أعظم الله أجرك في نفسك..
فرد الرجل الوقور بسكينة المؤمن:
- انا لله وإنا إليه راجعون.
ولم تكد القافلة تصل هضاب اقليم همدان حتى توفى الرجل الى رحمة الله(١٨٦).
وكان حصاد موسم الجفاف خلال العامين المنصرمين قحطاً وغلاء فاحشاً في الاسعار اكتوت بناره بغداد فاشتعلت مخيلة الفقراء وراحت تنسج حول مواقد كانون بواكير حكايات (السندباد) التاجر الذي يعود غانماً من رحلاته في البحار البعيدة فيهب الفقراء ذهباً ولؤلؤاً وأملاً بغدٍ أفضل... وستولد حكايات الليالي الطويلة المثقلة بالرموز(١٨٧) بعدما غابت الشمس واستترت وراء غيوم الضياع.

(٢٨)

ما بال جعفر يبدو كمن أصابه مس من الجنون انه يتجه الى قصر رئيس الوزراء عبيد الله بن يحيى للاجتماع به على انفراد، ويستقبله الرجل اكراماً لأخيه الراحل فاذا به يسمع من جعفر ما يجعله يسقط من عينه قال جعفر بحماقة:
- اجعل لي مرتبة أخي، وأنا أوصل اليك كل سنة عشرين ألف دينار!
ونظر عبيد الله بن يحيى الى جعفر... شتان ما بين الحسن وجعفر كأنه نقيض أخيه.. الحسن في عقله الكبير في كياسته.. في حلمه وتواضعه وطيبته وجعفر بخفته وتفاهته!!
وهاهو يأتي يطلب من الدولة أن تجعله إماما للشيعة وكأن الدولة هي التي نصبت أخاه وأباه من قبل..
قال رئيس الوزراء وقد احتقره تماماً:
- يا أحمق.. السلطان أطال الله بقاءه جرد سيفه في الذين زعموا أن أباك وأخاك ائمة ليردهم عن ذلك فلم يتهيأ له ذلك.. فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً فلا حاجة بك الى سلطان يرتبك مراتبهم، ولا غير سلطان.. وان لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا(١٨٨)..
وقام رئيس الوزراء بحركة توحي بانتهاء اللقاء فنهض جعفر يجر أذيال الخيبة.. واصدر عبيد الله بن يحيى تعليمات مشددة بعدم استقباله مرة أخرى لكن جعفر بذهنه المريض انتبه الى شيء!
فما دام الخليفة يخشى الامام ويطارد الذين يقولون بإمامة أخيه وأبيه فلماذا لا يسعى الخليفة الى تنصيب جعفر اماما على الشيعة وبهذا يكون أبطل الامامة وفرض هيمنته على الشيعة؟!
من أجل هذا انطلق صوب الخليفة وعرض عليه اقتراحه ولوّح له بنفس المبلغ الذي عرضه على رئيس وزرائه قال الخليفة وهو يضع النقاط على الحروف فلا داعي للتستر أمام جعفر:
- اعلم ان منزلة أخيك لم تكن بنا.. انما كانت بالله عز وجل.. ونحن كنا نجتهد في حط منزلته والوضع منه.. وكان الله عز وجل يأبى إلا أن يزيده كل يوم رفعة لما كان له من الصيانة وحسن السمت والعلم وكثرة العبادة..
فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك الينا، وإن لم تكن عندهم بمنزلته ولم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغن عنك في ذلك شيئا(١٨٩)..
ان ما قاله الخليفة يعدّ اكبر اعتراف بعدالة قضية الامام الراحل.. ولم يكن الخليفة ليكون بهذه الصراحة لولا أن مخاطبه كان جعفر بكل سخافاته وحماقاته!؟
شيء واحد حصل عليه جعفر هو تأييد الخليفة له باعتباره الوريث الشرعي لتركة الامام الحسن.. ان لدى السلطان قناعة ظاهرة في أن الامام الحسن قد توفى ولم يخلف وراءه ولداً وهذا أقصى ما يطمح اليه(١٩٠).
لقد انتهت الامامة إذن ولم يعد هناك من إمام بعد اليوم!
أدت الحوادث العاصفة باسرة الامام الى أن تلزم أم الإمام الحسن وزوجة الامام الهادي فراش المرض، فقد توفى ابنها الحبيب واعتقلت زوجته واضطر حفيدها الى الاختفاء، وها هو جعفر لا ينفك يتآمر لتمزيق أسرة أخيه الراحل..
نقلت الجدة الطيبة الى منزل السيدة حكيمة شقيقة زوجها الراحل لتمريضها ولكن وقع الحوادث وقلقها على مصير حفيدها قد جعلها هدفاً سهلاً لسهام القدر..
وفي لحظات الاحتضار أوصت أن تدفن الى جانب زوجها وابنها الإمامين الراحلين(١٩١)..
ومرّة يقف جعفر موقف النذالة إذ يرفض دفن هذه المرأة الصالحة صارخاً:
- هي داري لا تدفن فيها!
وفي مثل هذه اللحظات المصيرية، يتوجب على الصبي الطاهر أن يظهر مباغتاً جعفر بسؤال استنكاري شديد اللهجة:
- يا جعفر! دارك هي؟!
ان الصبي لن يدعوه بعد اليوم بالعم.. لقد انسلخ جعفر من قبيلته ودينه وحتى انسانيته..
وبرقت عينا جعفر بالشرور والغدر وأراد الامساك بالصبي الذي توارى بين الناس، فيما ظل جعفراً حائراً..
وانطلق الصبي الإمام الى مكان ما فلن يعرف مكانه أحد!
سواف يواكب حركة التاريخ والزمن، اما علاقته بشعبه فسوف تكون عن طريق تاجر الزيت ذلك الرجل الصالح الذي نذر حياته لعقيدته ومبادئه.. وسيعرف الناس أن عثمان بن سعيد العمري هو السفير الأول بين المهدي وامته.. انه من السمو بحيث نال ثقة الامام علي الهادي وابنه الحسن العسكري وها هو اليوم يصبح أول سفير للامام المهدي الذي قرر الاختفاء عن الانظار منذ وفاة والده.. وكيف لا يحظى بهذه المنزلة وهو الذي تولى توزيع عشرة آلاف رطل من الخبز وعشرة آلاف رطل من اللحم على الفقراء والجائعين يوم ولد المهدي.. وهو الذي أمره الامام الحسن بأن يعق عن الحجة بعشرات الأضاحي(١٩٢).
وهو الذي تولى تغسيل الامام الراحل وتجهيز نعشه بأمر من الامام المهدي الذي لم يكن بوسعه أداء هذه المهمة(١٩٣).
ما يزال بلاط الدولة تراوده الظنون في وجود المهدي الموعود الذي سيظهر ويقوض أركان حكمهم الى الأبد..
فأمّه ما تزال رهن الاعتقال رغم مرور شهور عديدة على اعتقالها ووضعها تحت المراقبة لأنهم يتصورون ان ابنها سيتصل بها وعند ذاك سوف يُلقى القبض عليه..
ولكن الامام كان حذراً في اتصالاته... وفي تلك الفترة صدر توقيع عنه يفيد بتحريم ذكره باسمه في المحافل:
- (ملعون ملعون من سمّاني في محفل من الناس)(١٩٤).
وكان أول إجراء اتخذه الامام أن أمر سفيره بنقل نشاطه الى بغداد.. فبغداد مركز تجاري كبير، ومن الصعب على الجواسيس مراقبة ما يجري فيها من اتصالات تتخذ من التجارة غطاءً لها.. ومنذ ذلك الوقت لم يعد أحد يرى عثمان بن سعيد يتردد على سامراء كما كان الحال في زمن الامام الحسن بل ان الامام نفسه سوف يرتدي زي التجار(١٩٥).
وخلال الفترة من عام ٢٦٠ الى عام ٢٦٣ هـ تلاحقت الأحداث بشكل خطير فقد بدأ الامبراطور باسيل الأول سلسلة من الغارات استهدفت المدن الحدودية الاسلامية، كما شن الأعراب غاراتهم على مدينة حمص وحدثت قلاقل في مدينة الموصل سببها عدوان الجنود على الأهالي وانتهاكهم الأعراض..
وفيما كانت المعارك مع الزنوج مستمرة، اندفع الخوارج في هجومات جديدة بقيادة مساور الشاري وفي الشمال الافريقي حدثت انتفاضة شعبية ضد حكم احمد بن طولون في منطقة برقة قمعت بوحشية وفي تلك الفترة العاصفة ايضاً رأى يعقوب بن ليث الصفار مؤسس الدولة الصفارية انتهاز الفرصة فاندفع باتجاه الاهواز وفارس واستولى على مساحات شاسعة ثم راح يرنو باتجاه بغداد مما بعث الرعب في قلب الخليفة الذي عبأ قواته بقيادة أخيه الموفق لوقف الصفار عند حدوده..
وسرعان ما وقعت المعركة الفاصلة في (دير العاقول) على بعد ١٢ ميلاً من بغداد فسحقت قوات الصفار الذي ارتد بفلوله الى الأهواز.. ولكنه ظل يشكل خطراً على الخلافة العباسية ثم وقع حادث غامض إذ وقع رئيس الوزراء عبيد الله بن يحيى عن دابته عندما صدمه الخادم (رشيق) وتوفى بعد ساعات(١٩٦).
كما توفى الحسن بن محمد بن أبي الشوارب رئيس سلطة القضاء فتولى رئاستها أخوه علي بن محمد(١٩٧).
وقد أسهمت هذه الاحداث في التخفيف من محنة السيدة نرجس التي أفرج عنها بعد اعتقال استمر اكثر من عامين وسوف تعيش حياة التشرد مدة من الزمن قبل أن يستجيب الله دعوتها فانتقلت الى الرفيق الأعلى تشكو الى بارئها ظلم الظالمين.
وكان الهمس حول وجود حقيقي للامام المهدي ما يزال مستمراً وادرك الكثيرون أن الحقيقة توجد لدى عثمان بن سعيد ذلك الرجل الصالح الذي تمكن من احاطة عدد كبير ممن يوثق بأمانتهم ووعيهم بوجود الامام المهدي.. ولكن الظروف الحساسة التي يمر بها الامام جعلته يتكتم فكان لا يتحدث بهذا الشأن إلا في المناسبات التي تستدعي ذلك، كما حدث في تلك الليلة الشتائية عندما جاءه في جنح الظلام رجل يبحث عن الحقيقة فقال له وهو يحاوره:
- اسألك بحق الله وبحق الامامين اللذين وثقاك هل رأيت ابن أبي محمد الذي هو صاحب الزمان؟!
غمرت الدموع عيني الرجل الصالح وقال:
- أخبرك على أن لا تخبر أحداً ما دمت حيا؟
وهز الرجل رأسه موافقاً فقال السفير:
- أجل قد رأيته(١٩٨).. يوم ولادته.. ورأيته وقد أيفع وأصبح فتى رشيداً موفقاً(١٩٩).
وانصرف الرجل فأوى الى فراشه تلك الليلة وهو يحلم بالغد الأخضر.

(٢٩)

كان العالم الاسلامي في الأعوام من ٢٦٤ وحتى سنة ٢٦٧ هـ ٨٧٧ م يموج بالأحداث الكبرى، فقد أغار الاسطول الاسلامي في البحر المتوسط على مدينة البندقية، فيما كانت الاشتباكات في جنوب العراق ما تزال مستمرة، وفي مصر أعلن احمد بن طولون تمرده على العاصمة وزحف بجيش جرار صوب دمشق فيستولي على اقليم الشام بأسره.
وفي خراسان اجتاح الطاعون ليحصد آلاف الأرواح وقد أغار الزنوج على مدينة واسط العراقية وارتكبوا فيها مذابح وحشية.
بينما شهدت أرض الاندلس ثورة (المولدين) فتم قمعها..
وفي العاصمة سامراء فر رئيس الوزراء (الحسن بن مخلد) الى بغداد بعد أن تناهى إليه عزم القائد التركي موسى بن بغا العودة الى العاصمة فصودرت جميع أملاكه!
وشهدت (اصفهان) ثورة وتم القضاء عليها في مهدها، وثورة اخرى في (نيسابور) الخاضعة لنفوذ الصفار الذي توفى قبيل اندلاعها..
وثورة في مدينة حمص السورية.. وأغار الأعراب على مدينة مكة المكرمة ونهبوا كسوة الكعبة المشرفة وتعرضت ديار ربيعة في الموصل الى غارات وحشية شنتها قوات من الروم.
وفيما كان العالم الاسلامي مشدوهاً بما يجري والأرض تهتز تحت وقع سنابك خيل مجنونة؛ كان الامام المهدي مستمراً في غيابه إن ثورته الكبرى لا تنتمي الى هذا الزمن الرديء.. إنها ثورة الحلم الأخضر والغد المشرق القادم من قلب الظلمات.
كان السفير الأول للامام في بغداد يخطو باتجاه النهاية الحتمية التي تكمن في طريق الانسان.. كل انسان، ونحن الآن على مشارف سنة ٢٦٧ هـ ٨٨٠ م وقد اجتمع رجال في منزل العمري سفير الامام يعودونه في وعكة صحية المّت به.
كانت نسائم تموز في ذلك الأصيل البغدادي تهب حاملة معها أنداء دجلة.
أشار الرجل الى ابنه أن يحضر صندوقاً صغيراً وعندما أصبح بين يديه فتحه واستخرج رسالة الامام المهدي وسلمها الى ابنه وهمس بصوت فيه حشرجة احتضار:
- اقرأها يا بني لتكون حجة على الشاهد ودليلاً للغائب؟
وراح محمد يقرأ بخشوع كلمات قادمة من وراء الاستار(٢٠٠):
- بسم الله الرحمن الرحيم.. عافانا الله واياكم من الضلالة والفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا واياكم من سوء المنقلب.. إنه أنهي اليّ ارتياب جماعة في الدين، وما دخلهم من الشك في ولاة أمرهم، فغمّنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا.. لأن الله معنا فلا فاقة بنا الى غيره، والحق معنا فلن يوحشنا من بعد عنا..
يا هؤلاء مالكم في الريب تتردون، وفي الحيرة تنتكسون؟ أوما سمعتم الله عز وجل يقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم)؟!
أو ما علمتم بما جاءت به الآثار عمّا يكون ويحدث في أئمتكم على الماضين والباقين منهم؟!
أوما رأيتم كيف جعل الله لكم معاقل تأوون اليها؟ وأعلاماً تهتدون بها من لدن آدم الى أن ظهر الماضي(٢٠١).. كلما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم بدا نجم؟
فلما قبضه الله إليه ظننتم أن الله أبطل دينه، وقطع السبب بينه، وبين خلقه؟!
كلاّ ما كان ذلك، ولا يكون حتى تقوم الساعة ويظهر أمر الله وهم كارهون..)
وخشعت القلوب لكلمات صبي آتاه الله الحكم صبيا وعلمه فصل الخطاب!
تساءل رجل في الأربعين من عمره وهو يشد على يد السفير:
- مد الله في عمرك إذا كان الذي لابد منه فمن يخلفك في سفارتك:
التفت الرجل صوب ابنه فقال بصوت فيه حشرجة:
- محمد ابني!
- انت اخترته؟!
- بل اختاره حجة الله.
أعاد محمد رسالة الامام الى مكانها وأغلق الصندوق وأراد أن يعيده الى والده الذي مد كفاً ترتجف: أن اتركه عندك!
وفي لحظات السحر من تلك الليلة الخريفية ودع الرجل العالم بعد عمر قضاه في جهاد عميق الغور.. كان كمن يبذر في مساحات الوجدان حبات الحلم الأخضر.. يوم تشرق الشمس من وراء السحب فتغمر العالم بالدفء والنور والربيع.
وكان لرحيل عثمان بن سعيد العمري في تلك الظروف المريرة أصداء حزينة، وألقى الأسى بكلاكله على بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
ووصلت ابنه محمد رسالة عزاء رقيقة من الامام جاء فيها:
(إنّا لله وإنا اليه راجعون..
تسليماً لأمره ورضاءً بقضائه..
عاش أبوك سعيداً، ومات حميداً.
فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه.
فلم يزل مجتهداً في أمرهم.. ساعياً فيما يقرّبه الى الله عز وجل وإليهم..
نضّر الله وجهه وأقال عثرته)(٢٠٢).
وبلغ من حزن الامام عليه أن بعث بكلمات تواسي الى ابنه الذي نهض بمهمة السفارة الخطيرة:
- (أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء.
رزئت ورزئنا، وأوحشك فراقه وأوحشنا.
فسرّه الله في منقلبه..
كان من كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولداً يخلفه من بعده ويقوم مقامه بأمره ويترحّم عليه)(٢٠٣).
ونهض محمد بن عثمان بأعباء السفارة في زمن يضج بالأحداث وكان كل شيء يتزلزل، ولم يعد هناك من ثبات في زمن غادره السلام..
ودجلة وهو يخترق بغداد يشطرها شطرين.
الفقراء في أكواخهم ينطوون على جوعهم وعريهم.. تشتعل في أعماقهم الأماني الخضراء بغدٍ أفضل يتطلعون الى شمس تمنحهم الدفء في زمن الزمهرير..
بينما تنهض قصور الاثرياء وتجار الحروب المترعة بالليالي الحمراء.
أما الأرض الاسلامية فقد غدت أسلاباً لذوي الاطماع والطموح وفرّت كل الاشياء الجميلة.

(٣٠)

كان عام ٢٦٨ هـ زاخراً بالأحداث العاصفة، فقد استأنف (الموفق) عملياته الحربية ضد حركة الزنوج، وبدأت الاستعدادات للهجوم الشامل على (المختارة) عاصمة التمرد الخطير خاصة بعد نجاح (أبو العباس بن الموفق)(٢٠٤) وغلامه (رشيق)(٢٠٥) بقطع طريق الامدادات التي تصل المختارة من البادية العربية.
فقد عبرت الجيوش العباسية الأنهار والمسطحات المائية، واصبح الهجوم العام وشيكاً جداً.
وقد أدّى الحصار الشديد الى تصدع الجبهة الداخلية وبدأت عمليات هروب كبرى ولجوء الى القوات الحكومية التي راحت تشجع على هذه الظاهرة، بل أن الموفق استخدم بعض الزنوج الأقوياء وضمهم الى قواته..
وكان موسم الحج مهدداً ذلك العام عندما حاولت قوات موالية لحركة الزنوج الهجوم على مكة، فراحت تعيش في الطريق وتنهب الطعام وتعور عيون المياه فارتفعت اسعار الخبز في مكة بشكل جنوني، كما شن الأعراب غارات على قوافل الحجيج..
وبالرغم من الاخطار المحدقة قرر عيسى الجوهري وهو رجل قد اجتاز الأربعين الحج، وكان همه لقاء صاحب الزمان فقد دار همس كثير حول ظهوره في المدينة المنورة، فشد الرحال الى مكة لأداء مراسم الحج..
كانت سماء حزيران(٢٠٦) تزخر بالنجوم عندما غادر الجوهري مكة باتجاه المدينة وعندما وصل هضاب (فيد) شعر بوعكة في صحته، وتاقت نفسه الى تناول السمك والتمر.
وفي المدينة راح الجوهري يتنسم الاخبار من إخوانه حتى تأكد له أن الامام قد ظهر في واد يدعى (صابر).
وانطلق الجوهري يطوي الأودية والكثبان الرملية حتى أشرف على واد فسيح قبيل الغروب ولاح في طرف الوادي منزل تسرح بالقرب منه عنيزات عجاف..
ما إن وصل المنزل حتى ظهر له بدر الخادم انه يعرفه جيداً فقد رآه آخر مرة منذ ثمانية أعوام في وفاة الامام الحسن.
هتف بدر:
- يا عيسى الجوهري! ادخل.
ودخل الرجل الذي يحلم برؤية الامام يسبح الله ويحمده..
ووقعت عيناه على منظر جميل في الفناء الظليل.. كل شيء كان هادئاً وقد انصرف بدر لشأن ما..
ظهرت نجيمات المساء، ونهض الجوهري للصلاة..
كان يشعر بالسكينة تترقرق في جنبات المنزل..
ان للزمن في هذا المكان المغمور بالصمت نكهته الفريدة.. كل الاشياء لها لون خاص في هذا المكان الغارق بالجلال..
يستطيع المرء أن يراقب في هذه البقعة من دنيا الله حركة الوجود المنتظمة.. حيث جميع الاشياء ثابتة مستقرة منذ أمد طويل..
وانطلق ذهنه المتوقد الى اماكن بعيدة الى حيث يقتتل الاخوة وتنزف الدماء، وتهتز الأرض تحت سنابك خيول مجنونة.. آه متى ينعم الانسان بالسلام؟!
وأفاق الجوهري على صوت (بدر) الذي احضر المائدة:
- مولاك يأمرك أن تأكل ما اشتهيت في علتك وأنت خارج من (فيد)!
خشع قلب عيسى وقال:
- حسبي بهذا برهاناً.. فكيف آكل ولم أر سيدي؟
وجاء صوت رخيم مفعم بالحب:
- يا عيسى كل من طعامك فانك تراني..
جلس عيسى الى المائدة.. فرآى سمكاً وتمراً ولبناً قال في نفسه:
- عليل وسمك ولبن وتمر؟!!
وجاءت كلمات الامام هادئة من وراء ستر:
- يا عيسى اتشك في أمرنا؟ أفأنت تعلم بما ينفعك ويضرك؟
واهتز وجدان القادم من بعيد وهتف بندم.
- استغفر الله؟
ومد يده ليأكل.. انه لم يأكل طوال حياته طعاماً طيباً كهذا الطعام..
همس في نفسه:
- التمر يشبه تمورنا ولكن له طعم آخر.. ان حلاوته تكاد تفقد المرء صوابه!
آه هل أنا في حلم؟؟.. انني لا استطيع أن اكف عن الأكل!
وشعر بأن شهيته للطعام تنفتح ونسي أنه لم يبل من وعكته بعد.. ولكن من المخجل أن يأكل المرء هكذا فهذا مخالف لآداب الضيف..
وجاء صوت الامام مرّة أخرى كأنه قد قرأ خلجات ضميره:
- لا تستح يا عيسى فإنه من طعام الجنة.. لم تصنعه يد مخلوق ونظر الجوهري الى السماء المرصعة بالنجوم فشكر الله على أن اكرمه وراح يأكل حتى شعر بالشبع فكف يده..
والتفت عله يرى ابريقاً ليغسل يديه، وسمع الامام يهتف به:
- اقبل يا عيسى!
قال عيسى:
- حتى أغسل يدي.
قال الامام:
- وهل لما أكلت غمر؟
شم عيسى يديه.. آه إنها تفوح برائحة المسك لا السمك.. وتقدم عيسى بخطى متعثرة صوب حجرة مضيئة، وهناك ألفى الامام جالساً.. آه انه لم ير فتى له مثل هذا الجلال وهذه المهابة.. انه يبدوفي العشرين من عمره..
قال الفتى الأسمر الذي سيملأ الأرض بالعدالة والربيع:
- يا عيسى ما كان لك أن تراني لولا المكذبون القائلون:
أين هو؟ ومتى كان؟ وأين ولد؟ ومن رآه؟ وما الذي خرج اليكم منه؟ وبأي شيء نبأكم؟
يا عيسى فأخبر أولياءنا بما رأيت.. وإياك أن تخبر عدوّنا.
قال عيسى بحبّ:
- يا مولاي! ادع لي بالثبات.
قال الذي سيصحح مسار التاريخ:
- لو لم يثبتك الله ما رأيتني..
وسكت لحظات ليقول بأدب الأنبياء:
- امض راشداً(٢٠٧).
ونهض الجوهري وقد امتلأ قلبه بالايمان والأمل..
ان الله لن يترك أرضه دون كوكب يضيء الطريق لعباده..
ان المهدي حقيقة كبرى.. شمس مستورة وراء الغيوم.. سيدخل المهدي ضمير الأجيال كأمل أخضر.. وسيبقى هذا الفتى يرافق حركة الزمن الى ما شاء الله..

(٣١)

الجيوش العباسية تواصل تشديد حصارها على مدينة (المختارة) عاصمة التمرد، وقد أدى الحصار الى نفاد المؤن داخل المدينة، ووصلت أنباء مؤكدة تفيد بتطاحن داخلي فجره الجوع والحصار وانتشرت شائعات عن أكل المحاصرين للحوم الموتى بل وأكلهم لحوم الاطفال(٢٠٨)!
وكان التمزق يفتك بالبلاد الاسلامية التي باتت اصقاعاً موزعة على ولاة طامعين أو قادة عسكريين طموحين.. واصبح واضحاً ان الخليفة الحقيقي ليس في سامراء بل في البصرة ممثلاً بشخص اخيه (الموفق) القائد العام لجيوش الدولة.. وقد أثار هذا الوضع حنق الخليفة الذي راح يراسل حاكم مصر والشام (احمد بن طولون) الذي أسس منذ سنوات حكما مستقلاً عن الخلافة.
وفي يوم السبت ١٥ جمادي الأولى ٢٦٩ هـ خريف سنة ٨٨٢ م قرر المعتمد مغادرة العاصمة باتجاه مصر فتوجه الى (الكحيل) بحجة القيام برحلة للصيد، فيما أرسل احمد بن طولون قوات عسكرية الى الرقة لاستقباله.
وأُستقبل المعتمد في الأراضي التابعة لاقليم الموصل بقيادة (ابن كنداج) الذي شكك في نوايا المعتمد من هذه الرحلة فيما كان أخوه يخوض حرباً مصيرية في جنوب العراق!
وخلال اللقاء في المخيم الذي أقيم في الفلاة قريباً من الرقة، اعترف الخليفة بنواياه.. وقد حاول ابن كنداح ثني القادة المرافقين للمعتمد عن عزمهم في اللجوء الى مصر واكد لهم انهم سيصبحون العوبة في يد ابن طولون لتحقيق المزيد من أطماعه التوسعية.
ولكن ذلك لم يجد شيئاً مما دفع بابن كنداج الى ترتيب خطة ذكية والقاء القبض على جميع القادة وإعادتهم مع الخليفة الى سامراء.
وعندما وصلت الانباء الى الموفق أمر بفرض الاقامة الجبرية على أخيه الخليفة، وأصدر مرسوماً يقضي بتنصيب ابن كنداج أميراً على مصر فرد احمد ابن طولون باعلانه خلع الموفق من ولاية العهد.. وفي مطلع صيف سنة ٨٨٢ بدأت عمليات العبور الى الجانب الغربي من دجلة لاقتحام عاصمة التمرد الذي استمر خمسة عشر سنة.
وفي بغداد وفيما كان الأهالي مستائين من مظاهر ركوب النصارى للدواب الفارهة وتجولهم في شوارع المدينة.. دخلت أول وجبة من أسرى التمرد الزنجي تضم أفراداً من أسرة قائد التمرد..
وفي صفوف الشيعة الذين باتوا يشكلون نسبة كبيرة من سكان بغداد بدأ همس يدور حول توقيع صدر من الامام المهدي يذم فيه (أحمد بن هلال العبرتائي) ويصفه بـ (الصوفي المتصنع)(٢٠٩) فكيف يمكن لعن رجل عابد زاهد حج بيت الله أربعاً وخمسين مرة عشرون منها مشياً على الاقدام؟!
وبالرغم من وفاته قبل عام إلاّ أن هذه المسألة ظلت محوراً لجدل عقيم فكتب الشيعة مليئة برواياته.. لقد كان رجلاً مؤمناً صالحاً، فما الذي حصل يا ترى؟!
هل كان يتمنى أن يكون السفير بعد عثمان بن سعيد، وعندما لم يتحقق ذلك أنكر سفارة محمد بن عثمان؟!
وهل كان الجنوح الى عالم التصوف الذي يعج بالأوهام ضخم وجوده فلم يعد يرى من حوله؟!
ان هناك أسراراً في النفس الانسانية لا يسبر غورها أحد إلا الله الذي يراقب الاعماق.. أجل لا أحد يدري، ولكن بعض الشيعة الذين لم يرق لهم ذم (العبرتائي) اجتمعوا بالوكيل (القاسم بن العلا) وطلبوا منه أن يكتب الى الامام بشأنه ولم تمض سوى أيام قلائل حتى صدر توقيع الامام المهدي جاء فيه:
(قد كان أمرنا نفذ اليك في المتصنع ابن هلال - لا رحمه الله - بما قد علمت، ولم يزل لا غفر الله له ذنبه ولا أقاله عثرته - يداخل في أمرنا بلا أذن منا ولا رضى يستبد برأيه.. لا يمضي من أمرنا اياه الاّ بما يهواه ويريده أرداه الله بذلك في نار جهنم..
فصبرنا عليه حتى بتر الله بدعوتنا عمره وكنا قد عرّفنا خبره قوماً من موالينا في أيامه - لا رحمه الله - وأمرناهم بالقاء ذلك الى الخاص من موالينا، ونحن نبرأ الى الله من ابن هلال - لا رحمه الله - وممن لا يبرأ منه..)(٢١٠).
ولم تكد هذه الفتنة تنتهي حتى اشتعلت فتنة أخرى عندما رفض (محمد بن علي بن بلال) الاعتراف بسفارة محمد بن عثمان، مستحوذاً على الأموال التي تجمعت لديه بوصفه أحد وكلاء الامام الحسن عليه السلام.
وبالرغم من أن السفير قد رتب له لقاء خاصاً له مع الامام الذي أمره بتسليم الأموال الى سفيره لكنه ظل على موقفه مما استدعى محمد بن عثمان أن يزوره في منزله بعد أن تأكد لديه وجود شخصيات بارزة تؤيد ابن بلال على موقفه..
كان الوقت مساءً وسماء تموز تزخر بالنجوم.. وسمع ابن بلال وجلساؤه طرقات على الباب مالبث أن حضر الخادم يقول:
- أبو جعفر العمري على الباب.
شعر الحاضرون بالفزع لأن علاقات ابن بلال مع محمد بن عثمان قد توترت بشدة بسبب اصرار ابن بلال على الاحتفاظ بالأموال لديه مستغلاً عجز العمري عن استردادها لأنه لا يستطيع أن رفع شكوى ضده!!
نظر الحاضرون الى ابن بلال بدهشة عندما سمعوه يقول للخادم:
- ليدخل!
وتقدم أبو جعفر ونهض الجميع وافسح ابن بلال عن صدر المجلس ليجلس غريمه!
وقد تعمد الحاضرون استئناف احاديثهم متظاهرين بعدم اكتراثهم به.. فالتزم الصمت المدوي منتظراً سكوتهم..
وما لبث الصمت أن هيمن على المكان.. ان قوة ما تدفعهم الى السكوت احتراماً لهذا القادم..
ترى ما الذي يريده من زيارته؟!
قال أبو جعفر محطماً الصمت ومفاجئاً غريمه بسؤال له وقع الصاعقة:
- يا أبا طاهر! انشدتك الله ألم يأمرك صاحب الزمان بحمل ما عندك من المال اليّ..
قال ابن بلال مستسلماً:
- اللهم نعم.
وفغر الحاضرون أفواههم دهشة للسؤال وللجواب:
وكان أخوه أبو الطيب أكثرهم دهشة.. وعاد الصمت المهيب مرة أخرى يهيمن على الحاضرين..
نهض أبو جعفر منهياً اللقاء.. لقد حقق هدفه من الزيارة..
وأقام عليه الحجة.. كان ابن بلال يخطط لإدّعاء السفارة فاجهض العمري مخططه قبل أن يستفحل(٢١١).
وعندما غادر السفير المنزل انبرى أبو الطيب يستجوب أخاه:
- هل رأيت صاحب الزمان حقاً!
- نعم!
- أين؟!
قال أبو طاهر وهو يستعيد مشهداً توهج في ذاكرته:
- اصطحبني أبو جعفر الى بعض دوره.. وهناك عندما وقفت في باحة الدار إذا بصاحب الزمان يشرف علي من السطح ويأمرني بحمل ما عندي من المال اليه!
قال أبو الطيب وقد برقت عيناه:
- ومن أين علمت انه صاحب الزمان؟!
قال ابن بلال بلهجة فيها احساس بالهزيمة:
- شعر قلبي بالهيبة له.. وداخلني احساس بالرعب.. ما جعلني أؤمن بانه صاحب الزمان..
ومرة أخرى عاد الصمت وكان هناك رجل يؤيد ابن بلال في مناهضته السفير فنهض وقد غمر قلبه ايمان بان محمد بن عثمان هو سفير الامام الحق(٢١٢).

(٣٢)

ومرّت عشر سنوات عصفت الأحداث خلالها بالبلاد شرقاً وغرباً.. ففي سنة ٢٧٠ هـ ٨٨٤ م بلغ الموفق ذروة مجده السياسي عندما قضى الى الابد على ثورة الزنوج.
وفي نفس السنة توفى احمد بن طولون حاكم مصر المتمرد على الخلافة فتسنم الحكم بعد ابنه خمارويه، كما توفى مؤسس الدولة العلوي في طبرستان الحسن بن زيد فيخلفه أخوه الملقب بـ (القائم بالحق).
وفي سنة ٢٧١ هـ ٨٨٥ م انخفض منسوب المياه في نهر النيل مما هدد مصر بالقحط والمجاعة.. وتزامنت هذه الكارثة الطبيعية مع زحف الجيوش العباسية لاسترداد مصر وانهاء عصيان حاكمها الجديد.
ولكن خمارويه جهز هو الآخر قوّاته وتقدم نحو الشام فاشتبكت الجيوش في منطقة الرملة بفلسطين في معارك ضارية انتهت بهزيمة ساحقة للجيوش العباسية وتكريس سيطرة الشام وفلسطين لخمارويه.
وفي عام ٢٧٢ هـ وقعت في بغداد حوادث شغب وعنف استهدفت السكان النصارى حيث هاجم الناس الدير العتيق ودمروا بعض جدرانه، مما استدعى تدخل الشرطة بأمر من حاكم بغداد الذي أمر ايضاً باعادة بناء ما تهدم.
وفي نفس العام تجددت المعارك مع الصفاريين لتستمر حتى سنة ٢٧٤ ه(٢١٣).
وخلال تلك المدة تم الاعتراف رسمياً بولاية خمارويه على مصر والشام والمناطق الحدودية المتاخمة للروم، التي توفى امبراطورها باسيل الأول(٢١٤).
وشهد عام ٢٧٣ هـ ثورة للزنوج في مصر تم قمعها بوحشية، وفيما كان الاندلس يتابع انباء ثورة عارمة في مدينة طليطلة توفى العالم الفلكي عباس بن فرناس متأثراً بجراحه بعد اخفاق أول محاولة بشرية للطيران نفذت من فوق مئذنة قرطبة(٢١٥).
وفي نفس الوقت تعرّضت سامراء الى غارات اللصوص، وكان الخليفة المعتمد قد غادر سامراء الى بغداد حيث حل في قصر (بوران) بنت الحسن زوجة المأمون.
وتوترت الأجواء في بغداد سنة ٢٧٥ بعد إقدام الموفق على توقيف ابنه العباس الذي سيعرف في سنة ٢٧٩ بالمعتضد... فشغب اتباعه الذين احتشدوا في باب الرصافة..
ولكن الموفق سارع الى لقائهم قائلاً:
- اترونكم اشفق منّي على ابني؟ هو ولدي واحتجت الى تقويمه، وفي محرم سنة ٢٧٦ تم تنصيب محمد بن الليث الصفار قائداً لشرطة بغداد وكتب اسمه على الاعلام(٢١٦).
وفي أواخر عام ٢٧٧ اصيب الموفق بداء النقرس فعاد من ايران الى العراق على سرير يحمله أربعون حمالاً ووصل بغداد في مطلع صفر ٢٧٨..
وأصبحت بغداد مسرحاً للشائعات حول وفاته فيما كان ابنه ما يزال سجيناً..
كان المعتمد في المدائن مع أسرته خليفة بلا خلافة، وبرز أبو الصقر أحد كبار القادة ففرض سيطرته على بغداد. وعندما اشتدت الشائعات حول موت الموفق اندفع اتباع ابنه الى السجن وكسروا الاقفال وأخرجوه وانطلقوا به الى منزل والده الذي دخل في غيبوبة..
وفي ٩ صفر ٢٧٨ مارس ٨٩١ م وصل المعتمد وافراد اسرته وفي طليعتهم ابنه وولي عهده (المفوض الى الله).
وتدهورت صحة الموفق، وتوترت الأجواء في بغداد ثم ما لبثت الفوضى أن انفجرت فجأة وهوجمت بعض قصور القادة خاصة قصر أبي صقر ونهبت حتى اصبحت قاعاً صفصفاً!
وكسرت أبواب السجون حتى سجن المطبق الرهيب.
وتصدى أبو العباس بن الموفق فعين غلامه (بدر) قائداً على الشرطة وفي منتصف صفر استطاع ابن الموفق اعادة الهدوء الى بغداد.
وفي يوم الاربعاء ٢٢ صفر اعلن عن وفاة الموفق، وفي يوم الخميس اعلن عن بيعة أبي العباس بولاية العهد بعد المعتمد وابنه المفوض وفي يوم الجمعة سمع الناس بلقب ولي العهد الجديد (المعتضد)(٢١٧).
وفي ٢٦ صفر ألقي القبض على أبي الصقر وصودرت جميع ممتلكاته وممتلكات أقاربه الذين اختفوا عن الانظار وفي يوم الثلاثاء ٢٧ صفر أعلن عن تنصيب عبيد الله بن سليمان بن وهب رئيساً للوزراء..
وشم الناس عهداً يفوح برائحة الدم.. لقد بدأ عصر الارهاب من جديد، وأن مسلسل الرعب الذي عاشته بغداد في عهد أبي العباس السفاح والمنصور سيعود في عهد أبي العباس المعتضد.
وفي مطلع سنة ٢٧٩ هـ منع منعاً باتاً جلوس أي حكواتي لسرد القصص كما منع بيع وتداول الكتب الكلامية والفلسفية(٢١٨).
وفي ٢٢ محرم اعلن عن خلع ولي العهد المفوض، واعتبار المعتضد ولي العهد الرسمي الوحيد وابلغت جميع الاقاليم الاسلامية بهذا الاجراء فاسقط المفوض عن الخطب الاسبوعية.
وفي تشرين الثاني سنة ٨٩٢ م ١٧ رجب ٢٧١ أقام الخليفة المعتمد احتفاله الترفيهي مساءً في حدائق قصر الحسني المطلة على دجلة.. وراح يكرع كؤوس الخمر، مع شرائح اللحم المشوي.. وفيما كانت اصوات الموسيقى والمطربين تملأ الفضاء سقط المعتمد فجأة.. وتضاربت الشائعات حول سبب الوفاة وتناقل الناس شرهة في الطعام تلك الليلة وانه مات مبطوناً فيما أكد بعضهم أنه اغتيل بوضع السم في اللحم أوفي الخمر(٢١٩)!!
وفي يوم الثلاثاء ١٨ رجب أعلن عن بيعة الخليفة الجديد المعتضد.. وجلس على دست الحكم وله من العمر ثلاثون سنة..
وبدأ عصر الأرهاب الشامل.. فالخليفة الجديد سفاك للدماء مع رغبة شديدة في تعذيب ضحاياه باساليب بشعة(٢٢٠).
تسكن روحه حمى الشهوات شبق جنسي وميل جارف لبناء القصور الفخمة(٢٢١).
كان أول شيء قام به صلحه مع (خمارويه) الذي ارسل اليه عارضاً ابنته (قطر الندى) زوجة لابن الخليفة..
فوافق الخليفة على أن تكون زوجة له شخصياً، وبدأ العمل في بناء قصر الثريا المنيف استعداداً لاستقبال (قطر الندى).
وفي عام ٢٨٠ هـ القي القبض على محمد بن الحسن بن سهل شقيق بوران مالكة القصر الحسني الذي يسكنه الخليفة حالياً والذي اصبح قصر الخلافة..
وقد عثر في منزله على جرائد تضم اسماء أشخاص يبايعون رجلاً علوياً لم يصرّح باسمه..
وكشفت التحقيقات عن وجود خطة لاغتيال المعتضد وقلب نظام الحكم.
ودوهمت منازل بعض الذين وردت اسماؤهم في الجرائد وسيقوا، جميعاً الى القصر وتعرضوا للتعذيب فاعترفوا انهم لا يعرفون الرجل العلوي وأنهم يعرفون (شميلة) فقط!
تساءل المعتضد متوجساً وهو ينظر الى عبيد الله بن وهب.
- من يكون شميلة؟!
أجاب رئيس الوزراء:
- انه محمد بن الحسن نفسه فهو معروف بشميلة.
أصدر المعتضد أحكام الاعدام بحقهم فاعدموا فوراً، أما شميلة فقد ظل رهن التحقيق، وكان المعتضد يأمل منه أن يكشف عن اسم الرجل العلوي الذي سيقود الثورة في قلب بغداد(٢٢٢)!
وفي قصر الحسني بدأت أولى حفلات التعذيب المعتضدية سبقها استجواب طويل.. حاول المعتضد اغراءه بالمال ولكن الرجل اظهر إباءً فراح يهدد بالويل والثبور.. فرد شميلة متحدياً:
- لو شويتني على النار فلن تسمع مني إقراراً.. أتريدني ادلك على رجل اعتقد بإمامته وادعو الناس الى طاعته؟!
اشتعلت عينا الخليفة بالشرر.. وقال وهو يصرّ على أسنانه بغيظ:
- سوف اشويك بالنار كما قلت!
- اصنع ما تشاء.
برقت في اعماقه المظلمة فكرة رهيبة في أن يجعله بين ثلاثة رماح ثم يشوى بالنار (ويشوى كما يشوى الدجاج)(٢٢٣)!!
ونفذت الفكرة على الفور وراح الجلاوزه يشوون الانسان وكان المعتضد ينظر بتلذذ الى آلام الانسان ولم يبد عليه أنه قد اكترث لرائحة شواء لحم بشري!!
واستمر المشهد المهول الى أن تفرقع جسم الضحية ولفظ انفاسه.. وعندها أمر خليفة المسلمين أن يصلب الجسد بين الجسرين على الجانب الغربي!
وظل اسم الرجل العلوي المجهول هاجساً مخيفاً يراود ذهن الخليفة الذي يعج بالأوهام والوساوس.
ترى من يكون ذلك الرجل العلوي الذي يعد للثورة في بغداد؟!! وباح الخليفة لرئيس وزرائه الذي لا يقل عنه وحشية وسفكاً للدماء.. باح له بهواجسه..
وبدأت كلاب السلطة مهامها في التجسس والبحث عن الرجل أو الحصول على معلومات تساعد في القبض عليه.
ولم تمض سوى اسابيع حتى بدأت التقارير السرية ترد على القصر وتفيد بوجود مجموعة من الوكلاء مهمتهم استلام أموال تأتي الى أشخاص أو شخص له القاب عديدة.. فهو مرة (الحجة) أو (صاحب الزمان) أو (الغريم)(٢٢٤)، ولا يوجد اسم صريح يمكن التعرف عليه!
وأعدّت لرئيس الوزراء عبيد الله بن سليمان بن وهب قائمة تضم مجموعة من رجال الشيعة يقومون بمهمة الوكالة في استلام أموال ترد لرجل علوي مجهول(٢٢٥)..
واتخذت التقارير مساراً اكثر خطورة عندما راحت تشير الى منزل الامام الراحل الحسن العسكري في سامراء، ولم يضع المعتضد وقتاً في معالجة الموقف واتخاذ القرار باسرع وقت.
لقد انقدحت في ذهنه المتوقد أن يكون الرجل المجهول هو المهدي!!
واصبح من المؤكد وجود سفير له بل ووجود وكلاء يستلمون الأموال بالنيابة عنه(٢٢٦)!
إذن سيوجه ضربته السريعة في الوقت المناسب.

(٣٣)

اخفق عبد الله بن سليمان في القبض على أي من وكلاء المهدي بعد فشل الجاسوس الذي دسته الحكومة في كسب ثقتهم... لقد قابلهم جميعاً وتظاهر لهم بأنه من شيعة الامام المهدي وأن لديه أموالاً يريد تأديتها كحقوق شرعية(٢٢٧).
وتبددت شكوك رئيس الوزراء حول وجود وكلاء للمهدي بعد فشل الجاسوس، وتظاهر المعتضد بذلك وهو يستمع الى تقرير عبد الله بن سليمان.. انه لا يريد اثارة مسألة المهدي حتى لا يكون ذلك رأس الخيط لمن يريد البحث عن الحقيقة..
كما أن مهمة القبض على المهدي أو اغتياله سوف تضر بسمعة الدولة وقد تسبب له أزمة تقضي عليه هو شخصياً.
ولذا قرر أن يواجه هذا التحدي الخطير وحده.. سوف يحيط خطته بالسرية البالغة بحيث لن يعرف أحد نواياه!
لقد حصل على معلومات هامة.. فالمهدي ربما يعيش حالياً في منزل والده في سامراء.. في محلة (درب الحصا).. كما أن التقارير تفيد بوجود رجل زنجي يجلس عادة عند الباب كما لو أنه بوّاب(٢٢٨).. ولذا فان ارسال ثلاثة مسلحين واقتحام المنزل سوف يضع حدّاً لهواجسه وقلقه.. ان لديه رجالاً لا يفقهون سوى تنفيذ الأوامر..
نسائم آذار تهب من ناحية الشمال وترافق دجلة الذي ارتفع منسوب المياه في مجراه مثيراً هواجس الفيضان التي تخامر أهالي بغداد كل عام..
كان المعتضد يتمشى في حدائق قصر الحسني المطلة على النهر ولم يكن مكترثاً فيما يبدو لما حوله.. فيما انتشر حراس غلاظ قرب الجدران تحسباً للطوارىء.
وفيما كانت شمس الأصيل تقرض ذرى النخيل ظهر ثلاثة رجال اشبه بالعمالقة يتقدمهم (رشيق) غلام المعتضد.. سرعان ما امتثلوا امام الخليفة الذي تموج أعماقه بهواجس جهنمية..
حدق المعتضد في عيني رشيق لتغوص نظراته الى الأعماق وهذه هي طريقته عندما يصدر أوامر خطيرة أو يكلف أحداً بمهمة مصيرية!
قال الخليفة السادس عشر الذي انهى نفوذ الاتراك في شؤون الحكم:
- انطلقوا فوراً الى سامراء.. ليركب كل واحد منكم فرساً ويجنب آخر.. اسألوا عن (درب الحصا) فهناك دار كبيرة يجلس على بابها خادم أسود..
وسكت لحظات ليركز نظراته على الثلاثة معاً:
- اقتحموا الدار ومن رأيتهم في الدار فأتوني برأسه!
وأدار ظهره للثلاثة الذين تقهقروا الى الوراء اجلالاً للخليفة..
ثلاثة رجال وستة خيول تنهب الأرض باتجاه الشمال.
وفي اقل من ساعتين انطوى ستون ميلاً عربياً لتلوح من بعيد المئذنة الملوية شاخصة في الافق الغائم..
المدينة التي كانت قبل سنوات عاصمة البلاد الكبرى آخذة في الاضمحلال.. ربطوا خيولهم المتعبة في مربط خان المسافرين ومضوا الى هدفهم ولم يجد رشيق صعوبة في العثور على محلة درب الحصا..
بدا الشارع الممتد حتى دجلة مقفراً باستثناء رجل زنجي كان جالساً على دكة عند عتبة الباب وفي يده تكة سروال ينسجها..
تقدم رشيق الى الرجل الافريقي الذي بدا غير مكترث بأحد.. سأل رشيق:
- لمن هذه الدار؟
أجاب الرجل الجالس دون أن يرفع رأسه:
- لصاحبها:
سأل رشيق:
- ومن فيها.
أجاب الافريقي بلا اكتراث:
- صاحبها!
تبادل رشيق مع صاحبيه نظرات فيها بريق المؤامرة..
امتشقوا سيوفهم وركل رشيق الباب الخشبية بعنف ليدخل الدهليز.. فجاسوا خلال الحجرات.. ثم وجدوا غرفة سرية كانت هي الأخرى خالية..
ولفت نظر رشيق ستائر بهية كأنها حيكت حديثاً... انه لم يرى ستائر أجمل منها..
لمسها بيده الغليظة.. ثم رفعها ليقع بصره على منظر لم يكن قد توقع رؤيته؛ حوض واسع يزخر بالمياه.. وفي أقصى المكان كان هناك رجلاً يصلي فوق حصير تلامس حوافه المياه..
وظل رشيق مشدوهاً للحظات وهو يراقب الرجل الذي يرتدي ثياباً جميلة.
لم يقطع الرجل صلاته أو بدا عليه أنه اكترث بظهور رجال مسلّحين يقتحمون الدار فجأة!
حاول أحدهم أن يخوض في المياه وتنفيذ أوامر الخليفة..
كان يتصور أن ارتفاع المياه لن يعدو ذراعاً ونصف لكنه فوجىء بنفسه يغوص في لجة مالها من قرار.. فراح يضرب بجنون صفحة المياه لكن سمنته وغلظته خانتاه.. كما أن برودة المياه وتعب السفر قد جعله في وضع يرثى له مد رشيق يده ليساعد صاحبه على الخروج.. وأراد الآخر أن يجرب حظه العاثر فشعر بالرعب ليغادر المياه بسرعة ووجل..
وظل رشيق مبهوتاً ينظر الى الرجل الذي ما انفك من صلاته وقد غمرته سكينة بعثت الرعب في قلوبهم.. هتف رشيق وقد خضع قلبه لهذا الرجل العجيب:
- المعذرة الى الله واليك.. فوالله لا أعرفه قصتك.. ولا إلى من أجيء.. وأنا تائب الى الله.
لم يلتفت الامام اليه.. شعر رشيق بأن دقات قلبه تستحيل الى طبول مجنونة.. فغادر المكان لا يلوي على شيء.
كان المعتضد يحدق خلال ظلمة الغروب الخفيفة الى بوابة القصر ينتظر عودة رجاله.. وقد ضاعف منظر الغيوم المتراكمة في الأفق حيث ذرى النخيل من احساسه بالقلق.
كان قد أوصى الحراس الا يعترضوا الرجال الثلاثة اذا حضروا في أي وقت حتى بعد منتصف الليل!
أوى المعتضد الى مخدعه وألقى بنفسه فوق سرير وثير بعد أن وضع سيفه جانباً.. وصب لنفسه قدحاً من خمر قطربلي يحتفظ به لنفسه اذا ما داهمه القلق أو أراد أن يقدم على عمل خطير..
ان رأسه يتصدع.. مضت ساعة عندما سمع طرقاً على باب غرفته وصوت الحارس يقول:
- لقد حضروا يا مولاي!
- ليدخلوا!
كان يتوقع أنهم سيأتون اليه برأس المهدي!
هتف:
- ما الخبر؟!
وراح رشيق يروي له قصة لا تحدث عادة إلا في زمن المعجزات!
ضجت الهواجس في أعماق الخليفة؛ آه ان المهدي يتحداني ليتهم لم يعثروا على أحد.. ليته اختفى.. ان المهدي يتحدى جبروته وسلطانه.. لقد اثبت وجوده.. واثبت شجاعته أمام عدوه اللدود.. عدوه المدجج بالسلاح!
برقت في عيني المعتضد الشرور وهو يخاطب الرجال الثلاثة:
- ويحكم: لقيكم أحد قبلي.. وهل حدثتم أحداً بما حصل؟!
- كلاّ يا مولانا.
هتف متهدداً أياهم:
- لست من بني العباس إن سمعت بهذا الخبر..
سوف أقطع رؤوسكم اذا تحدثتم مع أحد بذلك.
وأدار وجهه ليغادروا المكان فوراً..
أما هو فقد كرع كأساً أخرى.. لقد ارتكب خطأ فادحاً عندما أرسل ثلاثة رجال..
ان المهدي مسلح بالمعجزة.. كان ينبغي ارسال قوات عسكرية لقتله.. وتوهجت عيناه حمرة سوف يوجه ضربته القادمة بجيش كبير..

(٣٤)

لا أحد يدري الأوهام التي تراءت للمعتضد يوم عاد (رشيق) من مأموريته فاشلاً مبهوتاً بما رأى.. لو لم يعرف (رشيقاً) وقسوته لظن أنه ما رآه من ماء لم يكن سوى وهماً أو خداع بصر.. ثم ألم يجرب صاحباه محاولة خوض أشرفت بهما على الغرق؟!
قليلون جداً يعرفون ان منزل الحسن العسكري كان قد اشتراه والده الهادي من دليل بن يعقوب النصراني.. ولقد كان دليل مهندساً معروفاً في سامراء بحفر القنوات الجوفية التي تدعى آنذاك بالكهاريز(٢٢٩) وهو الذي اسند اليه المتوكل مهمة شق نهر كبير شمال سامراء لتجهيز مدينته الجديدة (المتوكلية) بالمياه.
فهل يعقل أن يترك منزله القريب من دجلة دون (كهريز) يجهزه بما يلزم من المياه؟!
لقد بنى دليل قصره الصغير على غرار القصورة الكبيرة... فهو مجهز بسرداب يتوسطه حوض صغير.. وهناك (كهريز) يغذي الحوض بالمياه اضافة الى مجرى في أعلى الحوض يتجه تحت ارضية السرداب صوب الحديقة لسقي الاشجار وهو ينبع من وسطها..
يكفي فقط التحكم في سداد حديدي لتنظيم نسبة تدفق الماء..
على أن هذه القنوات الجوفية تجف في موسم الصيف عندما ينخفض منسوب المياه في دجلة.. وقد يستحيل بعضها الى نفق أو مخبأ سري!
أما لغز الحصير فلا أحمد يعرف سره هل أعد المهدي اسطوانة من الصخور على قدر الحصير بحيث يبدو الحصير طافياً على الماء!؟
أم كان ذلك معجزة له يتحدى بها طاغية عصره؟!
ان للمهدي سنة من سنن الانبياء ولقد كان المسيح عيسى بن مريم يمشي على الماء.. عيسى الذي سيهبط من السماء ويصلي خلفه(٢٣٠).
ولكن الطغاة يرون انفسهم هم الأقوى.. ولو كان رشيق وصاحباه مجهزين بالسهام إذن لا صبح المهدي في خبر كان.. بهذه الطريقة من التفكير كان المعتضد يخطط لضربته القادمة في فصل الصيف..
سوف يبعث بقوات عسكرية مجهزة بمختلف أنواع الأسلحة.. لقد قضى على خصوم كثيرين كانوا يشكلون خطراً على حكمه، ولكن الخطر الحقيقي يكمن هنا في مكان ما في سامراء أو بغداد.. الخطر يكمن في عقر داره لن يقر له قرار حتى يلقي القبض على المهدي أو يقتله!
أنه امام خصم عجيب لا يعرفه أبداً لقد اختفى عن الأنظار منذ ولادته.
نحن الآن في تموز سنة ٨٩٣ م ربيع الثاني سنة ٢٨٠ هـ وقوة عسكرية تصل سامراء وهدفها محاصرة منزل ابن الرضا والقبض على صاحبه.. كان رشيق يرافق الحملة العسكرية فقط محتفظاً بسره الذي لا يستطيع البوح به:
فالحفاظ على رأسه يتطلب منه الاحتفاظ بالسر مدى حياة المعتضد(٢٣١)..
وانتشر الجنود في درب الحصا بطريقة تفضح رعب الدولة من وجود المهدي.. إنها لا تعرف هويته ولا تعرف مدى امكاناته؟!
وأُقتحم المنزل ليدلف القائد العسكري المدجج بالسلاح ويلقي نظرة على المكان.. وخيل اليه أنه يسمع صوتاً شجياً فأرهف سمعه وأشار الى الجنود بالتزام الصمت..
أجل أن هناك من يقرأ القرآن.. ان تلاوة القرآن تنبعث من السرداب كينبوع من ماء زلال.
أشار القائد الى بعض الجنود باتخاذ مواقعهم قرب باب السرداب وفرض ما يشبه الحصار حتى تصل التعزيزات المتفق على وصولها؛ ووقف الجنود كالتماثيل ينتظرون إشارة القائد.
كان واقفاً في حالة من الشرود الذهني، بعد أن توهجت في ذاكرته تفاصيل لقائه بالخليفة الذي أكد عليه خطورة مهمته وخطورة الرجل الذي سيواجهه!
كان القائد مستغرقاً في أفكاره حتى انه لم ينتبه الى الشخص الذي غادر السرداب..
ورأى الجنود شاباً أسمر على خده الايمن خال.. ربعة تملأ هيبته القلوب ودهشوا لأن القائد لم يصدر أمره.
ظلوا يراقبونه الى أن توارى عن الانظار، وفي تلك اللحظات انتبه القائد الى نفسه بعد أن توقف صوت التلاوة..
وعندما استبطأ وصول التعزيزات المزمع ارسالها وحتى لا يفقد عنصر المفاجأة في الهجوم أشار الى جنوده باقتحام السرداب والقاء القبض على الرجل..
ودهش الجنود مرة أخرى لأن القائد يأمر بالهجوم بعدما غادر الرجل السرداب فقالوا:
- أولم يمر أمامك أيها القائد؟!
قال القائد وقد اتسعت عيناه دهشة:
- ما رأيت أحداً..
وأردف مستنكراً موقفهم:
- ولم تركتموه يخرج؟!
أجاب جندي قريب منه:
- ظننا أنك تراه ولم تأمر بالقبض عليه(٢٣٢)!!
وعض المعتضد على نواجذه وهو يستمع الى تقرير قائد الحملة.. ان المهدي يتحداهم مرة أخرى.. ويخرج من السرداب في لحظة مصيرية اختارها بدقة فالتعزيزات العسكرية لم تصل بعد والقائد ذاهل عن نفسه، والجنود ينتظرون أوامر قائدهم..
زرع المعتضد جواسيس سريين لمراقبة المكان الذي تعذر العيش فيه بعد مداهمته مرتين في غضون أشهر معدودة..
سوف يغادر المهدي منزله سائحاً في بلاد الله العريضة لن يرتبط بمكان ما أو زمان ما.. انه يظهر في المكان الذي يريد وفي اللحظة التي يشاء.
ولعله الآن يقطع الفلوات في طريقه الى مكة المكرمة لحضور موسم الحج الأكبر.

(٣٥)

في عام ٢٨١ هـ شهدت الحدود مع الروم اشتباكات محدودة، فيما كان الخليفة المعتضد منهمكاً في فرض سطوته على اقليم الجزيرة بما في ذلك الموصل عاصمة الاقليم.
وفي الوقت الذي شهد الحجاز فيه برد شديد وانهمار الامطار بغزارة كانت ارجاء (طبرستان) في شمال ايران تعيش تحت وطأة جفاف شديد تسبب في قحط فارتفعت اسعار المواد الغذائية بشكل جنوني(٢٣٣).
وفي مكة التي بدأت تستقبل قوافل الحجيج توقفت أعمال الهدم في دار الندوة ريثما ينتهي الموسم(٢٣٤):
ووصلت مكة قافلة من اصفهان فيها رجل اسمه يعقوب يبحث عن ضالته(٢٣٥)..
وفي زقاق قريب من (سوق الليل) اكتروا منزلاً تسكنه امرأة سمراء عجوز واكتشف يعقوب ان الدار التي اكتراها رفاقه هي دار (خديجة) وتدعى الآن دار الرضا، وأراد أن يتأكد من ذلك فانتظر مغادرة رفاقه المنزل فقال للمرأة العجوز:
- ما تكونين من اصحاب الدار؟ ولم سميت دار الرضا.
قالت المرأة:
- أنا من مواليهم وهذه دار الرضا علي بن موسى.. أسكننيها الحسن بن علي، فاني كنت من خدمه..
وغادر يعقوب المكان موليا شطره صوب المسجد الحرام.
وفي المساء عندما عاد رفاقه أووا جميعاً الى الرواق ودحرجوا خلف الباب حجراً كبيراً فقد يطمع لص بمتاعهم.
كانت رياح شباط(٢٣٦) تولول في الأزقة الغارقة في الظلام، والبرد القارس يطرق النوافذ والكوى والأبواب.. والغيوم المتراكمة في السماوات تبشر بماء منهمر وبرد(٢٣٧).
وفي منتصف الليل انتبه يعقوب الى ضوء سراج شبيه بالمشعل، والباب تنفتح ليظهر رجل اسمر ربعة يرتدي قميصين وإزار وقد لاحت في جبينه آثار السجود..
إنه آخذ سمته الى الغرفة في الطابق العلوي..
تبادل بعضهم نظرات مشككة فقال يعقوب:
- لعله رجل مثلنا اكترى الغرفة!
رد أحدهم:
- لكن العجوز أخبرتنا ان لها ابنة تقطن هذه الغرفة، وحذرتنا من الصعود اليها!
علق آخر:
- العلوية يرون حلية المتعة.. ولعله قد تمتع ابنة العجوز!!
رد آخر دون روية.
يرتكب الحرام في البلد الحرام في الشهر الحرام!!
أراد يعقوب أن يرد بأن المتعة ليست حرام لأن الحرام حرام محمد الى يوم القيامة والحلال حلاله وأن الذي حرم المتعة هو عمر وعمر لا يمثل شريعة الله لكنه التزم يعقوب الصمت فهو لا يريد أن يختلف مع رفاقه.. فلا جدال في الحج!
ولكن ما أثار دهشته ان الحجر لم يكن يتزحزح عن مكانه والرجل يدخل ويخرج والحجر خلف الباب حتى مطلع الفجر!
ساورته ظنون في أن لهذا الرجل شأن فقرر أن يستلطف العجوز ويسألها عنه..
في الصباح عندما غادر رفاقه المنزل تعلل في البقاء ليستكمل شد رباط حذائه..
قال للمرأة وكانت قد نزلت من درجات تؤدي الى الطابق العلوي من المنزل:
- أحب أن أسألك من غير حضور رفاقي.. لأني لا استطيع ذلك في حضورهم.
قالت على الفور:
- وأنا أريد أن اسر اليك شيئاً فلم يتهيأ لي ذلك بسبب من معك.
قال وقد فوجىء بما يسمع:
- ما أردت أن تقولي؟!
- يقول لك لا تخاشن أصحابك وشركاءك فإنهم أعداؤك.. ودارهم.
ازدادت دهشته وقال بلهجة فيها استغراب:
- من يقول؟!
قالت العجوز وكأنها تستدرك.
- أنا أقول!
- أي اصحابي تعنين؟.. رفاقي في الحج؟.
- شركاءك الذين في بلدك وفي الدار معك.
أدرك بأن هذه المرأة تتحدث عن أشياء عجيبة فقال لها مكرراً سؤاله:
- ما تكونين أنت من الرضا؟
قالت المرأة:
- كنت خادمة للحسن بن علي.
آه انه يقترب من الحقيقة قرر أن يسألها عن الغائب فقال بلهجة فيها تضرع:
- بالله عليك رأيته بعينك؟ أعني الغائب!
قالت بعد لحظات صمت:
- يا أخي لم أره ولكن الحسن بن علي بشرني بإني سوف أراه في آخر عمري.. وقال لي ستكونين له كما كنت لي.
وأيقن يعقوب انه قد عثر على ضالته.. انه على قاب قوسين منه وأن الله قد من عليه في لقاء الرجل الذي غاب عن الانظار منذ اكثر من عشرين سنة.
وكانت معه نسخة من توقيع المهدي خرج الى القاسم بن العلاء باذربيجان فقال للمرأة وهو يريها الرقعة:
- تعرضين هذه النسخة على انسان قد رأى توقيعات الغائب؟
قالت المرأة:
ناولني فإني اعرفها!
قدم يعقوب نسخة التوقيع وقد ظن أنها تحسن القراءة فقالت:
- لا يمكنني أن اقرأها في هذا المكان.
فصعدت الى الغرفة في الطابق العلوي ثم عادت وهي تقول:
- صحيح.
وأردفت وهي تعيد له النسخة:
- يقول لك إذا صليت على نبيك كيف تصلي؟
- أقول: اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد.
- انه يقول: اذا صليت عليهم فصل عليهم كلهم وسمهم.
- سأفعل ذلك.
وفي اليوم التالي نزلت المرأة ومعها دفتر صغير ناولته ليعقوب قائلة:
يقول لك اذا صليت على النبي فصل عليه وعلى أوصيائه على هذه النسخة..
راح يعقوب يتصفح الدفتر الصغير وتوقف عند مقاطع ثائرة تندد بالظلم والفساد والانحراف:
وراح يردد بحماس مقطعاً مؤثراً:
- (اللهم صل على وليك المحيي سنتك، القائم بأمرك.. الداعي اليك والدليل عليك، وحجتك على خلقك، وخليفتك في أرضك، وشاهدك على عبادك.
اللهم أعز نصره، ومد في عمره، وزين الأرض بطول بقائه اللهم اكفه بغي الحاسدين، واعذه من شر الكائدين وادحر عنه إرادة الظالمين، وخلصه من أيدي الجبارين.
اللهم جد به ما محي من دينك، وأحيي به ما بدل من كتابك واظهر به ما غير من حكمك، حتى يعود دينك به وعلى يديه غضاً جديداً.. خالصاً مخلصاً لا شك فيه ولا شبهة معه، ولا باطل عنده، ولا بدعة لديه.
اللهم نوّر بنوره كل ظلمة، وهد بركنه كل بدعة واهدم بعزته كل ضلالة، واقصم به كل جبار.
اللهم اذل كل من ناواه، واهلك كل من عاداه وامكر بمن كاده، واستأصل من جحد حقه، واستهان بأمره وسعى في اطفاء نوره، واراد اخماد ذكره.
وشعر يعقوب بالألم يعتصر قلبه منذ أكثر من عشرين سنة وهو ما يزال غائباً ولا يُعرف له سكن ولا وطن ولا قرار.. يسيح في أرض الله الواسعة.. رأسه مطلوب، وقد حكم عليه بالموت.. لأنه صرخة عدل مكبوتة في عالم يعج بالظلم والقهر والحرمان..
اي انسان هو يحمل على كتفيه هموم العالم كله.. انه آخر الحجج السماوية في أرض انفصلت عن السماء فهي تهوي الى مكان سحيق لا يعرف له قرار..
ومع ذلك فهناك أمل مشرق بغد أفضل..
غداً تشرق الشمس وتصبح الأرض خضراء زاخرة بالدفء والنور والسلام.
ها هو يحمل معه كلمات المهدي المنددة بالظلم والفساد انه يحمل وثيقة كبرى تهتف بوجود الانسان الذي بشرت الرسالات عبر الزمن..
وفي المساء ضم يعقوب على مطاردة خطوات الرجل الذي يحلم بلقائه منذ سنين طويلة..
وعندما ظهر السراج يهبط من فوق السلم عرف أن هذا موعد خروجه..
كان الغسق يشهق أنفاسه الأخيرة عندما فُتح الباب.. وخرج يعقوب وراء السراج الذي كان يتجه صوب المسجد الحرام..
وبعد أيام رأى رجالاً من بلدان شتى يأتون الى باب الدار ويسلم بعضهم رقاعاً الى المرأة، أو يستلمون منها.
وفي الايام التالية ازدادت الامطار غزارة، وتحدث بعضهم عن أخبار سيول اجتاحت بطون الأودية، ومضى يعقوب مع رفاقه يستمدون للعودة ويهيئون اسباب السفر الى ايران عن طريق العراق، وكان يعقوب قد أضمر المكوث في بغداد عدة أسابيع.

(٣٦)

صادفت عودة قوافل الحجيج الى بغداد وصول الاميرة (قطر الندى) بنت حاكم مصر خمارويه..
وفرض منع التجول على جانبي دجلة، ومنع العبور من خلال الجسر، فيما استعدت أربعة (حرّاقات) لاستقبال زورق الأميرة قطر الندى زوجة الخليفة الجديدة(٢٣٨).
وكان قد تم الانتهاء من تشييد قصر الثريا حيث ستحل الأميرة هناك.
ولم تلبث الانباء أن وصلت بغداد باغتيال خمارويه في دمشق، في ظروف غامضة وتولي ابنه أبو العساكر مقاليد الحكم في مصر(٢٣٩).
وفي بغداد أعلن الخليفة الحادي عشر من حزيران يوماً للنيروز بدلاً من الحادي والعشرين من آذار وتسمية ذلك (نيروز المعتضدي)(٢٤٠)!
وعمت بغداد حالة من التوتر بعد تجدد الاشتباكات العنيفة مع قوات الدولة العلوية في طبرستان..
وكانت تقارير الجواسيس في بغداد قد أفادت بوصول مبالغ كبيرة من (محمد بن زيد العلوي) الى (محمد بن ورد العطار) لتوزيعها على العلويين في بغداد والكوفة فالقي القبض على ابن العطار وسيق الى قصر (بدر) الرجل المتنفذ بعد الخليفة.
وفي التحقيق اعترف ابن العطار.. ان مبالغ تصله سنوياً من محمد بن زيد وأنه يقوم بتوزيعها على العلويين.
ولكن المعتضد الذي اتبع سياسة تشبه سياسة المأمون في التسامح مع العلويين لكسب ودهم أمر باطلاق سراح ابن العطار وإعادة الاموال اليه وطلب منه أن يكون توزيع الأموال علنا وأن موظفي الدولة سوف يساعدوه في هذه المهمة(٢٤١).
وفي شعبان من نفس العام صدرت تأكيدات بالقاء القبض على زوار كربلاء والكاظمين، وكان قد سبق هذا الاجراء صدور توقيع من الامام المهدي يحذر من زيارة مرقد الحسين في كربلاء ومرقد الامام الكاظم وحفيده الجواد في مقابر قريش(٢٤٢).
وفي غمرة الاجواء الملبدة بالغيوم التزم السفير محمد بن عثمان جانب الحذر التام منهمكاً في اعماله التجارية.. ولكن الرجل الذي ظل يتردد عليه منذ شهور ويتوسل اليه أن يرى الامام قد انتصر.
ففي ذلك الصباح وقد بزغت الشمس من بين السحب الملونة حضر الرجل الذي اشترى قدراً من الزيت ونظر نظرة متوسلة الى الشيخ محمد بن عثمان الذي قال له كالمعتاد:
- ليس الى ذلك من سبيل!
طفرت الدموع من عيني الرجل وشمر السفير أن قلبه يذوب فقال هامساً:
- بكر غداً!
ثم راح يسجل في دفتره بعض الحسابات فغادر الرجل وهو يكاد يطير فرحاً.
وقبل مطلع الشمس كان الرجل في طريقه الى المحل التجاري حيث يشتغل محمد بن عثمان في تجارة الزيت واذا عيناه تقعان على شاب أحسن الناس وجهاً وكان يفوح عبيراً يرتدي زي التجار وفي كمه شيء كهيئة التجار..
أومأ العمري للرجل أنه هو.. فاتجه الرجل اليه وقد امتلأت عيناه بدموع الشوق والحنين.
وشعر ان كلماته تحترق في حضرته.. وود أن يشهق بالبكاء من أجل أن يزيح كل غيوم الحزن المتراكمة في قلبه.. أنه يقف في حضرة الانسان الذي يحمل كل هموم الانبياء وتتألق في عينيه أحلام السماء..
وراح يسأل ويسأل.. والشاب الاسمر الذي يرتدي زي التجار يجيب.. وعندما اشرقت الشمس دلف الشاب الاسمر الى بيت متواضع من البيوت التي عادة ما يقطنها الفقراء..
قال العمري للرجل:
- ان أردت ان تسأل فأسأل فإنك لا تراه بعد اليوم.
فانطلق ليتبعه وأراد أن يسأل ولكن الفتى الاسمر قال قبل أن يغلق الباب دونه:
- ملعون.. ملعون! من أخّر العشاء الى أن تشتبك النجوم... ملعون ملعون من أخرّ الغداة الى أن تنقضي النجوم..
ثم أغلق الباب.
وعاد الرجل الى العمري وهو يبكي بصمت ثم قال بصوت أقرب الى الهمس:
- لقد أجابني قبل أن أسأل.
ومضى الرجل لا يلوي على شيء وغاب في أزقة بغداد.
وفي الضحى من نفس اليوم مر موكب تشييع قرب سوق (الوراقين) يحمل جثمان الشاعر ابن الرومي الذي اغتيل بأوامر من رئيس الوزراء لأنه انتقده في بعض الأشعار، وتناقل الناس طريقة اغتياله بالسم(٢٤٣).
كما وصلت أخبار بتدفق آلاف المحاربين البلغار وفرضهم الحصار على القسطنطينية وكادت أن تسقط لولا استنجاد الامبراطور بالأسرى المسلمين للدفاع عن المدينة مقابل تحريرهم من الأسر(٢٤٤) لكنه نكث بوعده واقترح على الدولة الاسلامية افتداء الاسرى.
وشهد نهر اللامس الذي يشكل الحاجز المائي بين الدولتين عملية افتداء الاسرى التي شملت ألفين وخمسمئة واربعة أسرى بما في ذلك النساء والاطفال(٢٤٥).
في ذي القعدة من سنة ٢٨٣ ورد بغداد انباء عن اشتباكات في اقليم خراسان عندما شن القائد المعزول رافع بن هرثمة هجمات على الاقليم فصده محمد بن الليث الصفار حيث انتهت المعارك بمصرع رافع الذي وصل رأسه بغداد هدية للخليفة المعتضد!
وفيما وراء مضيق جبل طارق شهد الاندلس ثورة في اقليم (تدمير) واستيلاء الثوار على مدينتي (مرسية) و(لورقة)(٢٤٦).
وفي مطلع عام ٢٨٤ هـ قرر الخليفة لعن معاوية بن أبي سفيان والطغمة الأموية على المنابر فاستخرج من خزانة الدولة كتاباً في لعن معاوية كان الخليفة المأمون قد أعده في خلافته، وتم اعداد كتاب موجز أخذ من جوامع كتاب المأمون..
وتناقل أهل بغداد أخبار عن موعد قراءة الكتاب الذي سيكون ١١ جمادي الآخرة..
قال رئيس الوزراء الذي حرر بنفسه نسخة الكتاب:
- انني أخشى وقوع اضطرابات بسبب الكتاب.
- إذا تكلم أحد فسيكون جوابه السيف..
وقبل يوم الخميس اتصل رئيس الوزراء برئيس سلطة القضاء يوسف بن يعقوب القاضي وطلب منه اقناع الخليفة بالانصراف عن قراره فدخل القاضي على المعتضد قائلاً:
- اني أخاف أن تضطرب العامّة عند سماعها هذا الكتاب.
قال المعتضد:
- ان تحركت العامة أو نطقت وضعت سيفي فيها.
قال القاضي يحذره من الطالبيين لأن الكتاب سيكون في صالحهم:
- يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيين الذين يثورون في كل ناحية؟ وكثير من الناس يميلون اليهم لقرابتهم من الرسول ومآثرهم؟! وفي هذا الكتاب إطراء لهم.. فإذا سمع الناس هذا الكتاب كانوا إليهم أميل، وكانوا هم أبسط ألسنة واثبت حجة منهم اليوم..
أطرق المعتضد والتزم الصمت المطبق.. أجل ان الكتاب سيجعل الناس اكثر ايماناً بهم واكثر حماساً لحركاتهم وثوراتهم.
وفي منتصف شعبان وقع حادث غريب عندما ظهر تحت جنح الظلام شخص مسلح في قصر الثريا الذي انتقل اليه المعتضد رسمياً منذ زفاف (قطر الندى) وعندما أراد أحد الخدم أن يتعرف على هويته ضربه الشخص بالسيف فقطع حزام الخادم الذي فر مذعوراً..
ثم توارى الشخص المجهول في حدائق القصر! وشعر المعتضد بالرعب وهو يصدر أوامره الى الحرس بالبحث خلال الاشجار واستمر البحث حتى مطلع الفجر ولكن لم يعثر له على أثر!!
ثم ظهر ثانية بعد ليالي أخرى.
وعززت أسوار القصر بمادة هشة تحسباً من استخدام كلاليب التسلق.. كما أمر الخليفة بأحضار من في السجن من اللصوص ليناقشهم في امكانية الدخول الى القصر تسلقا أو نقباً(٢٤٧)؟!
وتناقل الناس حكايات حول هذا الشخص وأنه ربما كان من الجن ظهر للخليفة بسبب ايغاله في سفك الدماء.. وانه ربما كان شيطاناً أو من مؤمني الجن.
وكان الجواسيس ينقلون اليه بعض ما يتناقله الناس ولكن المعتضد يبدو قد صدق حكاية الخادم الذي وقع في هوى إحدى جواري القصر وانه يتناول بعض العقاقير الخاصة فلا يدرك بحاسة البصر(٢٤٨)!
وعمد المعتضد الى تعذيب بعض الخدم والجواري حتى الموت والقى في السجن آخرين.
وكان المعتضد تشتد هواجسه وقلقه عندما يحل المساء الخريفي ففي منتصف الليل عاود ذلك الشيخ الى الظهور مرة أخرى في رمضان وكانت الابواب تفتح وتغلق..
وكان المعتضد يركض كالمخبول في أروقة القصر فكان يراه مرة في صورة راهب ذي لحية بيضاء وتارة في صورة شاب حسن الوجه بلحية سوداء وتارة في صورة شيخ يرتدي زي التجار وتارة أخرى بيده سيف مسلول(٢٤٩).
وأصبح المعتضد فيما يبدوفي حالة نفسية متدهورة حتى أنه أمر باحضار المجذوبين والمجانين والمعزمين فاحضروا وكانت فيهم امرأة.
ان أحداً لا يدري هل كان الشيخ الذي كان يراه الخليفة حقيقة أم ان ما يراه لا يعدو أن يكون اشباح ضحاياه تتراءى له في قلب الظلام..
لقد كان الخليفة يشرف شخصياً على مختلف الطرق في التعذيب الوحشي.. فكانت مشاهد التعذيب البشعة مما لا يمكن احتمالها لدى انسان فيه بقيا من الانسانية(٢٥٠).
وسيبقى ما رآه الخليفة في قصر الثريا لغزاً من ألغاز التاريخ!

(٣٧)

في عام ٢٨٥ هـ وقعت معارك بحرية في البحر الابيض المتوسط انتصر فيها الاسطول الاسلامي..
شهدت بلاد الاندلس مجاعة وما لبث الوباء أن اجتاح مناطق واسعة حصد فيها أرواح الكثيرين.
وشهد جنوب العراق عواصف عنيفة اقتلعت المئات من أشجار النخيل.. كما شهدت الكوفة أمطاراً رعدية واستمر اشتعال البروق ساعات طويلة وسقطت بعد توقف الامطار حجارة سود وبيض في قرية تدعى (أحمد آباد)(٢٥١).
وبعد انتهاء موسم الحج شنت قبائل طيء غاراتها على طريق العراق.
وكان (الحسن بن وجناء النصيبي) ما يزال يطوف حول الكعبة في رابع وخمسين حجة له يتمنى لقاء الامام الغائب الذي تأكد لديه أنه يظهر في مواسم الحج..
ولكن من أين يعلم بحالي أو يكترث لي؟! آه لقد تعبت من هذه الدنيا كل ما فيها وهم وباطل!
كان ما يزال ساجداً بعد أدى صلاة العشاء تحت الميزاب.. يتضرع الى الله.. عندما شعر بيد تحركه وصوت امرأة تخاطبه باسمه:
- قم يا حسن بن وجناء النصيبي!
رفع ابن وجناء رأسه ليرى امرأة صفراء يبدو عليها قد اجتازت الأربعين من عمرها..
أخذت سمتها خارج المسجد الحرام، وراح ابن وجناء يتبعها ساكتاً لكأن قوة ما تشده الى باتجاهها فهو يترسم خطاها حتى اذا وصلت دار خديجة فإذا باب وسط يرتفع عن جادة الطريق وسلم قصير يؤدي اليه..
صعدت الجارية وتوقفت عند الباب ودلفت ثم سمع ابن وجناء من يناديه:
- اصعد يا حسن.
وصعد الرجل الذي هدته السنون.. ليتوقف عند عتبة الباب بعد أن أدرك ان من يناديه هو الغائب الذي ينتظر ظهوره ليملأ الأرض بالعدالة والدفء.. إنه يتمنى في أخريات حياته أن يركن قليلاً الى الراحة في دنيا تموج بالفتن وتزدحم بالغيوم.
وعندما دلف قال له الامام:
- يا حسن أتراك خفيت علي.. والله ما من وقت في حجك إلا وأنا معك فيه.
وراح يذكره بمشاهد قديمة ما تزال عالقة في الذاكرة..
شعر الشيخ بأن عقله يتأرجح كقارب وسط الامواج ولم يعد بمقدوره أن يتماسك وغامت المرئيات أمامه ليفقد وعيه تماماً.
لم يدر كم مضى من الوقت عندما انتبه الى كف دافئة تلامس وجهه.
وهمس الامام في أذنه بمحبة لكأنه يقرأ كل خلجات نفسه:
- يا حسن! إلزم دار جعفر بن محمد ولا يهمك أمر طعامك ولا شرابك ولا ما يسترك.
ثم ناوله دفتراً صغيراً فيه دعاء وقال:
- بهذا فادع، ولا تعطه أحداً إلاّ محقي أوليائي..
وان الله جل جلاله موفقك.
قال الشيخ وهو قد غمرته مشاعر الحب لهذا الانسان الطاهر الذي يبدو كملاك يبعث الطمأنينة في قلب من يراه:
- مولاي ألا أرك بعدها؟
أجاب الامام:
- يا حسن إذا شاء الله..
وفي اليوم التالي كان ابن وجناء يقطع الأودية متجهاً الى مدينة الرسول والى دار جعفر بن محمد الصادق ليقضي أيام شيخوخته بسلام(٢٥٢).
ومنذ مطلع سنة ٢٨٦ هـ كانون الثاني عام ٨٩٩ م تلاحقت الاحداث بشكل مذهل، حيث ظهر القرامطة فجأة لتشكل لهم دولة انطلقت من البحرين، وأعادت الى الأذهان مآسي ثورة الزنوج في جنوب العراق والفتن التي هزت البلاد الاسلامية.
فيما شهد عام ٢٨٧ هـ اندلاع الحروب المدمرة في شمال ايران ولتسري نارها الى تخوم خراسان وفي هذه الحروب يلقى محمد بن زيد العلوي مصرعه متأثراً بجراحه وانتهت بموته الدولة العلوية في طبرستان لتنهض على انقاضها الدولة السامانية.
وفي هذا العام توفيت الأميرة (قطر الندى) ولما تبلغ العشرين بعد! مما أثار موجة من الهمس داخل قصر الخلافة وخارجه!!
ثم أطل عام ٢٨٨ هـ ليشهد الشمال الافريقي ظهور رجل يدعي أنه المهدي(٢٥٣)!!
وهزت البصرة في هذا العام زلالزل مدمرة مع هبوب عاصفة هوجاء اقتلعت اشجار النخيل..
فيما اجتاح الوباء مناطق في اقليم آذربيجان حتى اذا حل عام ٢٨٩ هـ اذا بالخليفة المعتضد يودع الدنيا ويترك ما جنته يداه من مجد دنيوي زائل وقصوراً بل ويترك ملكاً عريضاً ويخرج من الدنيا عارياً كما جاءها أول مرة!!
وفي نفس الوقت توفى ابراهيم الأغلبي الحاكم العام للشمال الافريقي الذي أصيب بمرض الفصام فارتكب أعمالاً وحشية في القتل طالت كثيراً من الكتاب والحجاب وشملت بعض نسوته واثنين من أبنائه وثمانية أخوة له وست عشرة من بناته!
كما قتل في يوم واحد ألف جندي من جنوده.
ومات على أسوار قلعة (كسوستنزا) في صقلية.
وبدأ رعب القرامطة الذين سيعيثون في الأرض الفساد، خاصة بعد غاراتهم على دمشق وفرض الحصار عليها وتهديدهم باجتياح الكوفة(٢٥٤).

(٣٨)

تنفس أهالي بغداد الصعداء بعد تولي الخليفة الجديد الملقب بـ (المكتفي) مقاليد الخلافة بعد أبيه وبدأ حكمه باصداره الأوامر في اعادة جميع البساتين التي صادرها أبوه لبناء قصر جديد...
ولكن ما لبث أهل بغداد أن شاهدوا بدء اعمال البناء في قصر التاج الى جانب قصر الثريا..
فيما عم الحزن بيوتات الشيعة برحيل أبي جعفر القمي محمد بن الحسن الصفار الأعرج مخلفاً سفره الخالد: (بصائر الدرجات في علوم آل محمد)(٢٥٥).
وفي عام ٢٩٠ هـ عصفت غارات القرامطة على الديار السورية وارتكابهم المجازر في حمص.
وشهد البحر الابيض المتوسط معارك بحرية ضارية بين الاسطول الاسلامي الذي انطلق من طرسوس واساطيل الروم التي انكفأت هاربة فيما اندفع الاسطول الاسلامي باتجاه القسطنطينية، ثم يوجه هجماته على سالونيك المدينة الثانية بعد العاصمة.
وفي المغرب العربي اغتيل يحيى الثالث زعيم دولة الادارسة..
واندثرت الدولة الطولونية في مصر... واشتدت دعوة عبد الله الشيعي، وبدا واضحاً أنه سوف ينجح في تدمير دولة الأغالبة وتأسيس دولة جديدة هي الدولة الفاطمية...
المهدي الغائب يشهد قيام الدول واضمحلالها.. يواكب حركة الاحداث وقوانين التاريخ.. يشهد صعود الكيانات الى الذرى وسقوطها الى الحضيض.. وإذا كان جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد اخترق الفضاء والزمن في رحلة الاسراء والمعراج ليرى ملكوت السماء فإن حفيده سيشهد كل اللحظات الحاسمة في حركة التاريخ ويتشرب قوانين الطبيعة.. ويرسم مستقبل الاسلام باتجاه اليوم الموعود.. والغد الأخضر.
انه يواكب حركة المجتمع الاسلامي، كشمس تبعث دفنها من وراء الغيوم.. كبنفسجة يشم الجميع أريجها ولا يراها أحد.. كنجم بعيد يهتدي به الحيارى في بحار الظلمات.
نحن الآن في موسم الحج سنة ٢٩٣ تشرين الأول عام ٩٠٥ م وقد هوت افئدة الناس من كل حدب وصوب تطوف حول كعبة التوحيد، وتشكو الى الله ظلم الانسان لأخيه الانسان.. تشكو الى بارئها رحيل السلام.. تتأوه من محنة القرامطة الذين عاثوا في الأرض الفساد وقهروا العباد..
يشكوا الى ملك السماوات والأرض تعسف الولاة وظلم الحاكمين وعدوان المعتدين(٢٥٦).
وقد انتشر الناس في أطراف المسجد الحرام فيما كان النهر البشري يطوف حول الكعبة.
اليوم هو السادس من ذي الحجة سنة ٢٩٣ هـ أيلول سنة ٩٠٦ م وشاب أسمر يرتدي زي الاحرام ينفصل عن جموع الطائفين ويتجه صوب مجموعة من الحجيج جالسين حول بعضهم وفيهم رجل علوي..
نهض الجميع أجلالاً للشاب الاسمر، فحيا بأدب الجميع ثم جلس بينهم.. والتفت يميناً ثم شمالاً وقال بلهجة فيها تساؤل:
- أتدرون ما كان أبو عبد الله يقول في دعاء الالحاح؟
- وما كان يقول؟
وراح الشاب يقرأ بخشوع دعاءاً مأثوراً هو تجسيد حي لعقيدة التوحيد:
- (اللهم إني أسألك باسمك الذي به تقوم السماء وبه تقم الأرض وبه تفرق بين الحق والباطل.. وبه احصيت عدد الرمال..
وزنة الجبال.. وكيل البحار.. ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل لي من أمري فرجاً)..
ونهض الشاب ليندمج مرة أخرى في النهر البشري الذي ما انفك يطوف حول بيت الرب.
ساد الصمت وكانوا جميعاً يفكرون في هوية الشاب الذي تملأ هيبته النفوس.
وفي اليوم التالي يتكرر نفس المشهد... ويجلس الشاب بينهم.. يلتفت يميناً ثم شمالاً ويقول:
- أتدرون ما كان يقول أمير المؤمنين بعد صلاة الفريضة.
- وما كان يقول؟
- كان يقول: (إليك رفعت الأصوات وعنت الوجوه ولك وضعت الرقاب.. واليك التحاكم في الأعمال.. يا خير من سئل ويا خير من أعطى.. يا صادق يا بارىء يا من لا يخلف الميعاد.. يا من أمر بالدعاء ووعد بالاجابة، يا من قال (ادعوني استجب لكم) يا من قال: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).
ويا من قال: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم).
لبيك وسعديك، ها أنا ذا بين يديك المسرف؛ وانت القائل: (لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً).
ونظر جهة اليمين ثم الشمال وقال:
- أتدرون ما كان أمير المؤمنين يقول في سجدة الشكر؟
- ما كان يقول؟!
- كان يقول:
(يا من لا يزيده كثرة الدعاء إلاّ سعة وعطاء.. يا من لا تنفذ خزائنه.. يا من له خزائن السماوات والأرض.. يا من له خزائن ما دق وجل لا تمنعك اساءتي من احسانك.. انت تفعل بي الذي أنت أهله.. انك انت أهل الكرم والجود، والعفو يا رب.. يا الله! لا تفعل بي الذي أنا أهله..).
وغادر المكان فيما كانت الكلمات الخاشعة تدخل قلوب المؤمنين اما الفتى فقد غاب في جموع الطائفين..
وفي اليوم التالي وقد صادف يوم التروية يتكرر ذات المشهد السابق..
قال الفتى وقد استقر في جلوسه ونظر ذات اليمين وذات الشمال:
- كان علي بن الحسين سيد العابدين يقول في سجوده في هذا الموضع..
وأشار بيده الى الحجر تحت الميزاب: (عبيدك بثنائك مسكينك بفنائك.. سائلك بفنائك.. يسألك ما لا يقدر عليه غيرك).
وهملت عيون المؤمنين بالدموع لكلمات رقيقة يناجي فيه المؤمن ربه..
التفت الفتى الأسمر الى الرجل العلوي قائلاً:
- يا محمد بن القاسم! أنت على خير إن شاء الله..
ونهض متجهاً الى النهر البشري الذي ما انفك يدور حول الكعبة.. فيما ظل محمد بن القاسم يلهج بدعاء سيد العابدين.
وانتبه أحدهم وكانه يتذكر شيئاً:
- يا قوم: اتعرفون هذا الفتى؟!
ونظروا اليه متسائلين فقال:
- هذا والله صاحب زمانكم!
سأل أحدهم مشككاً:
- وكيف علمت يا أبا علي؟
قال أبو علي المحمودي:
- لقد مكثت سبع سنين أدعو ربي وأسأله رؤية صاحب الزمان..
واعتصم الحاضرون بالصمت.. الصمت الذي يعبر عن انسحاب للباطن والتأمل في كل ما قاله الفتى الأسمر خلال الأيام الثلاثة..
وعلى سفح جبل عرفات في يوم عرفة يقف الفتى الأسمر ماداً كفيه باتجاه السماء في جهة الكعبة، وكلمات خاشعة مؤثرة تنساب هادئة:
- (الهي كيف يستدل عليك بما هوفي وجوده مفتقر اليك؟!
متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدل عليك؟!
ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل اليك؟!
عميت عين لا تراك!)
(الهي:
ماذا فقد من وجدك؟!
وما الذي وجد من فقدك؟!
اقترب رجل انصاري كان حاضراً بالأمس قال مستفسراً:
- من تكون يا أخي.
- من الناس!
- من أي الناس؟
- من أي عربها.
- من عربها؟
- من أشرفها.
- ومن هم؟
- بنو هاشم.
- من أي بنو هاشم؟
- من أعلاها ذروة وأسناها.
- ممن؟
- ممن فلق الهام وأطعم الطعام، وصلى والناس نيام.
أدرك الانصاري أن هذا الفتى علوي، فشعر نحوه بالمودة وغادر الفتى المكان بهدوء حتى أن الانصاري لم يشعر به كيف ومتى... فسأل الذين كانوا حوله:
- أتعرفون هذا العلوي؟
- نعم لقد حج معنا ماشياً.
قال الأنصاري بدهشة.
- سبحان الله؟ ما أرى به أثر مشي!!
وانصرف الانصاري الى المزدلفة وقد غمرته مشاعر حزينة لقد توارى الرجل الغائب ولن يراه..
وهناك عندما ينام تحت السماء المرصعة بالنجوم يرى عالم في الرؤى رسول الله يقول له:
- يا أحمد رأيته.
- ومن هو يا سيدي؟
- الذي رأيته عشيتك هو صاحب زمانك.
وفي يوم الأضحى عندما كان يحدث رفاقه عاتبه بعضهم لأنه لم يخبرهم(٢٥٧).
وفي هذا العام حج رجلان ايرانيان أحدهما من خراسان والآخر من قم، وكلاهما يبحثان عن الامام الغائب الذي تأكد لهما أنه يظهر في موسم الحج فلما انطوى الموسم ذهبا الى المدينة المنورة.
انطلق الرجل القمي الى رجل علوي يتهامس الكثيرون بأنه يعرف مكان الامام فتعرف عليه وتوطدت بينهما عرى الصداقة قال القمي ذات يوم.
- يا بن رسول الله بحق آبائك الطاهرين لما جعلتني مثلك في هذا العلم بهذا الأمر.. فقد شهد عندك من توثقه أن الوزير (القاسم بن عبد الله) أراد قتلي بسبب مذهبي واعتقادي فسلمني الله.
قال الرجل العلوي بلهجة من يكتم سراً عظيماً:
- يا أخي اكتم ما تسمع مني.. الخبر في هذه الجبال وإنما يرى العجائب الذين يحملون الزاد في الليل ويقصدون به مواقع يعرفونها..
وسكت لحظات ليقول:
- وقد نهينا عن الفحص والتفتيش(٢٥٨)..
ونهض الرجل القمي ليودع صاحبه وينصرف.
أما الرجل الخراساني فقد لقي مصرعه في طريق العودة عندما أغار القرامطة بقيادة زكرويه بن مهرويه على قافلة خراسان وأُرتكبت مذبحة وحشية بحق الحجاج العائدين من زيارة البيت العتيق(٢٥٩).

(٣٩)

مرت عشرة أعوام مليئة بالحوادث العاصفة فقد أغار القرامطة على الحجاج العائدين الى الديار العراقية، وارتكبوا مذبحة كبرى(٢٦٠).
وأغار بعد شهور أعراب بنو تميم على حلب وعاثوا فيها فساداً.. وتوفى الخليفة المكتفي فبويع أخوه وله من العمر ثلاث عشر سنة لتدخل أمه (شغب) وتعيد الى الأذهان قصة زوجة المتوكل (قبيحة) التي كانت تحكم من وراء ستار.
ولم يلبث الحكم الجديد أن واجه بعد أسابيع حركة مضادة وتم خلع (المقتدر) ومبايعة عبد الله بن المعتز ابن قبيحة بالخلافة وتسميته (الراضي).
وجلس المعتز على دست الخلافة والحكم أربعاً وعشرين ساعة فقط(٢٦١) توعد خلالها العلويين(٢٦٢) والشيعة بالويل والثبور.
وشاء الله أن تدور عليه دائرة السوء إذ أعاد أنصار المقتدر وأمه شغب صفوفهم بقيادة (مؤنس) الخادم وفرضوا سيطرتهم على الوضع ففر ابن المعتز ليختفي في منزل ابن الجصاص (الجوهري) فألقي القبض عليه وعلى وزيره ابن الجراح وتمت تصفية ابن المعتز خنقاً وسلمت جثته الى أهله مع محضر رسمي يؤكد وفاته في ظروف طبيعية!
وظهرت الدولة الفاطمية قوية لتبسط نفوذها على الشمال الافريقي على انقاض الدولة الطولونية ودولة الأغالبة والدولة الرستمية.
وفي عام ٢٩٧ هـ اتخذت تدابير تمنع اشتغال اليهود والنصارى إلا في الطب والصيرفة.. كما نهض قصر (الشجرة) مجسداً بذخ الخليفة وأمه فقد توسطت بركة القصر شجرة من الذهب والفضة!
وفي تلك الفترة الاسطول الروماني يهاجم جزيرة (كريت) ويرتد على اعقابه مندحراً في أول اشتباك مع الاسطول الاسلامي.
وفي عام ٢٩٩ هـ هزت القيروان زلازل مدمرة فيما انتشرت الاوبئة في بغداد.
وفي عام ٣٠١ هـ القي القبض على الحلاج في مدينة سوسة بتهمة الالحاد وارسل مخفوراً الى بغداد..
واستعاد العلويون بقيادة الحسن بن علي المعروف بالاطروش نفوذهم في اقليم الشمال الايراني (طبرستان).
فيما قام الحمدانيون الذين أسسوا دولتهم في اقليم الجزيرة الذي يضم أراض سورية وعراقية بغزو للاراضي التي تخضع تحت حكم الروم.. واستمرار غارات القرامطة على طرق الحج.
وشهد عام ٣٠٢ ارتفاع منسوب المياه في دجلة واغراقه عدداً كبيراً من منازل العاصمة، التي شهدت حرائق أتت على احياء بكاملها.
الأرض الاسلامية تهتز بعنف وفي غمرة هذه الاحداث برز سياسيون طموحون، استغلوا فكرة المهدي المنقذ فادعوا شخصيته أو السفارة عنه!!
فهناك رجل قرمطي ظهر في اليمن داعياً للمهدي المنتظر ويستولي على مدينتي زبيه وصنعاء(٢٦٣).
وقيام دولة في الشمال الافريقي بعد أن قدم الداعية أبو عبد الله الشيعي رجلاً علوياً الى قبائل البربر على أنه المهدي الموعود فتأسست دولة كبرى مترامية الاطراف بينما آلاف العمال والمهندسين ينهمكون في بناء عاصمة الدولة الجديدة واسمها (المهدية)(٢٦٤) وقد بدأ العمل فيها في ذي القعدة سنة ٣٠٣ هـ ابريل سنة ٩١٦ م.
وخلال تلك المدة يعلن الحلاج ذلك الرجل الغامض في اوساط الشيعة انه سفير الامام المهدي.. انه الآن يحاول تعزيز نفوذه بكسب تأييد الزعيم والعالم الشيعي أبي سهل بن اسماعيل بن علي النوبختي والذي يمت برابطة النسب الى الشيخ الحسين ابن روح النوبختي(٢٦٥)، فسطر اليه رسالة وحملها أحد مريديه..
وعندما فض النوبختي الرسالة إذا فيها:
- (اني وكيل صاحب الزمان.. وقد أمرت بمراسلتك، وإظهار ما تريده من النصرة لك.. لتقوى نفسك ولا ترتاب بهذا الأمر!
طوى العالم الرسالة وقد ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيه وقال للرسول:
- هذه المعجزات التي يظهرها قد تأتي فيها الحيل..
قل له: إني اسألك أمراً يسيراً يخفّ مثله عليك..
أنا رجل غزل ولا لذة لي اكبر من النساء. وأنا مبتلى بالصلع حتى انني اطول قحفي وآخذ به الى جبيني.. ومبتلى بالخضاب لأستر الشيب..
فإن يصل لي شعراً ورد لحيتي سوداء بلا خضاب.. آمنت بما يدعوني اليه كائناً ما كان..
وسكت لحظات ليردف:
- ان شاء قلت انه باب الامام.. وإن شاء قلت انه الامام.. وان شاء قلت انه النبي.. وإن شاء قلت انه الله!
وعندما سمع الحلاج بجواب النوبختي شعر باليأس فسطر رسالة الى عالم شيعي يقطن في مدينة قم هو الشيخ علي بن الحسين بن بابويه المحدث.. ولم يصبر حتى انتظار الرد فشد الرحال اليه!
كان الشيخ الوقور جالساً في المسجد قد انفتل من صلاة العصر.. عندما جاء أحدهم ليسلمه رسالة الحلاج وفيها:
(أنا رسول الامام ووكيله..
مزق ابن بابويه الرسالة وقال للرسول:
- ما أفرغك للجهالات؟!
ونهض متجهاً الى دكانه في سوق التجار.. وعندما ولج الدكان نهض الذين كانوا بانتظاره.. ما خلا رجل واحد ظل جالساً رمق ابن بابويه الرجل الذي يرتدي ثوباً من الصوف بطرف عينه واتجه الى مكانه، وأخرج سجلاً كبيراً وأحضر الدواة ليستأنف عمله التجاري.. وقبل أن يشرع بالعمل سأل من أحدهم عن الرجل الجالس..
عندها قال الحلاج:
- تسأل عني وأنا حاضر؟!
قال ابن بابويه:
- أكبرتك ايها الرجل، وأعظمت قدرك أن اسألك!
قال الحلاج كمن قد مسته شطحة صوفية:
- تخرق رسالتي وأنا اشاهدك تخرقها!!
هز ابن بابويه رأسه وقال بازدراء:
- فأنت الرجل إذن؟!
والتفت الى غلامه:
- اسحبه من رجله يا غلام!
وسحب الحلاج من رجله الى الشارع.. وكانت صدى ضحكات الهازئين تصك أذنيه.. واختفى من قم الى الأبد ليظهر في الاهواز، وفي عام ٣٠١ القي القبض عليه بتهمة الالحاد والشعوذة وسيق مخفوراً الى بغداد بأمر من الخليفة حيث تم توقيفه لحين محاكمته فلبث في السجن عدد سنين.
فيما القى المؤرخ الطبري قلمه جانباً بعد أن سجل آخر حادثة في تاريخه الطويل مختتماً إياه بغارات الأعراب وقطع الطريق على إحدى القوافل في ضواحي مكة سنة ٣٠٢ ه(٢٦٦).

(٤٠)

بغداد تستعد لاستقبال سفير الامبراطور قسطنطين السابع لتوقيع اتفاق يوقف العمليات الحربية والاشتباكات الحدودية..
بينما وصلت أنباء مثيرة عن استيلاء عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية على جميع أقاليم دولة الادارسة التي انتهت مع استسلام يحيى بن ادريس الادريسي..
كما وصلت انباء عن مصرع الثائر والعالم الزيدي المعروف بالاطروش ونهاية الدولة العلوية في طبرستان..
كان الشيخ محمد بن عثمان قد ظهرت عليه الشيخوخة وتقدم العمر وما ينوء به من الهموم..
وبدأ يرشد من يأتيه بالحقوق الشرعية الى أحد اصدقائه من علماء بغداد وهو الحسين بن روح النوبختي، وذلك بأمر من الامام المهدي(٢٦٧).
أما هو فقد بدا انه يستعد لسفر طويل فهو يعد زاد الآخرة..
نحن الآن في ربيع الأول ٣٠٥ هـ أيلول ٩١٧ م ومحمد بن عثمان يتلو القرآن في مكان عجيب.. لقد حفر لنفسه قبراً في داره الواقعة في شارع باب الكوفة(٢٦٨).
ويزوره في ذلك الاصيل الخريفي رجال من الشيعة يتفقدون أمره..
تساءل أحدهم عن سر ذلك؟! خاصة عندما وقعت عيناه على ساجة خشب نقشت عليها آيات من القرآن الكريم تؤطرها أسماء الائمة من أهل البيت عليهم السلام:
- لم حفرت لنفسك قبراً وما هذا الساج؟
قال الشيخ:
- للناس اسباب.
- أعرف ذلك فما السبب؟!
قال الشيخ في لهجة من يستعد للرحيل:
- قد أمرت أن أجمع أمري!
- فإلى من بعدك؟
قال الشيخ وهو يثبت وصيته رسمياً:
- الأمر الى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي.. فقد أمرت أن اجعله في موضعي بعدي.. فارجعوا اليه.. وعولوا في أموركم عليه(٢٦٩).
ويزوره في نفس اليوم رجل آخر ومعه مبلغ قدره أربعمئة دينار..
قال الرجل واسمه ابو عبد الله جعفر المدائني:
- هذه اربعمئة دينار للامام.
- امض بها الى الحسين بن روح.
قال المدائني بدهشة:
- لقد اعتدت على تسليمها اليك؟
رد الشيخ مستنكراً موقفه:
- قم عافاك الله فادفعها الى الحسين بن روح!
وعندما أراد أن يناقشه رأى سحابة غضب تطوف جبين الشيخ الوقور فنهض.. وركب بغلته صوب منزل ابن روح..
ساورته الشكوك فابن روح لم يكن من أصدقاء الشيخ المقربين.. لو قال له اذهب بالمبلغ الى ابي جعفر أحمد بن متيل أو ابنه جعفر لتفهم ذلك.. ان الجميع يتوقع أن يكون أحدهما سفيراً بعد الشيخ..
لوى عنان دابته عائداً نحو منزل محمد بن عثمان وطرق الباب مستأذناً..
خرج الخادم مستفسراً عن القادم فقال:
- قل له المدائني يطلب الإذن بالدخول.
غاب الخادم لحظات ليعود:
- ان سيدي يتعجب من عودتك.
- استأذن لي.. لابد من لقائه..
ومرة أخرى غاب الخادم ليعود قائلاً:
- ادخل!
وقاده الخادم الى حجرة الاستقبال..
والفى الشيخ جالساً على سرير منسوج من خوص وسعف النخل وما زال نعلاه في قدميه.. لأنه قد عاد تواً من حجرة النساء..
قال الشيخ مستنكراً عودته.
- ما الذي جرأك على الرجوع.. ولم لم تمتثل ما قلته لك؟!
- لم أجسر على ما رسمته لي!
قال بغضب:
- قم عافاك الله.. فقد أقمت أبا القاسم الحسين بن روح مقامي ونصبته منصبي.
رد متسائلاً:
- بأمر الامام؟!
نهض الشيخ وهو ينهي اللقاء:
- قم عافاك الله.. كما أقول لك.
ونهض المدائني وقد تبددت سحب الشك والتردد في أعماقه.. فانطلق الى منزل ابن روح الذي أشرقت اسارير وجهه وهوى ساجداً لله شكراً.
وفي جمادي الأولى بعد شهرين تدهورت صحة الشيخ محمد بن عثمان، فأرسل وراء جمع من زعماء الشيعة وفي طليعتهم أبو سهل اسماعيل النوبختي، وأبو جعفر أحمد بن متيل وأبو عبد الله بن محمد الكاتب، وعبد الله بن الوجناء والحسين بن روح وكان واضحاً أن الرجل يودع الحياة.. جلس ابن متيل عند رأسه، وجلس الحسين بن روح عند قدميه واتخذ الباقون أماكنهم قربه..
قال الشيخ بصوت فيه حشرجة الرحيل وخطورة البلاغ الأخير:
- هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي! القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر، والوكيل والثقة الامين فارجعوا اليه في أموركم وعولوا عليه في مهماتكم.. بذلك أمرت.. وقد بلغت!
وفي خطوة لا تصدر إلا عن نفس امتلأت علماً مضيئاً نهض ابن متيل من مكانه ليأخذ بيد الحسين بن روح ويجلسه في مكانه عند رأس الشيخ ثم ليجلس هو عند قدميه..
وابتسم الشيخ الوقور رضاً وتألقت عيناه بنور سماوي..
وشعر الحاضرون بالحب لهذا الرجل الذي كان الجميع يعتقدون بأنه سيكون هو السفير الثالث بعد رحيل الشيخ وعندما اُنتخب ابن روح سلّم له الأمر وأصبح أشد المخلصين له(٢٧٠).
ويتصدى ابن روح لهذه المهمة الخطيرة في زمن عمت فيه الفوضى وسادت فيه روح الطائفية خاصة العاصمة بغداد.. واصبحت الخلافة العوبة بيد النساء والخدم..
فقد اصبحت (شغب) ام الخليفة وكانت جارية صاحبة النفوذ المطلق في تسيير شؤون الحكم، واضحى للخدم من الدرجة الثالثة نفوذ كبير.. فـ (ثمل) يتولى قيادة الاسطول الاسلامي أما (ثمال) فقد اسندت اليها رئاسة محكمة الاستئناف(٢٧١)!
وفي عام ٣٠٦ عمت الفوضى بغداد بسبب فتنة وقعت.. كان الحنابلة طرفاً فيها.. فانتهز اللصوص والعيارون الفرصة وتعرضت الاسواق للنهب والسلب!
وفي عام ٣٠٧ منح الخليفة رئيس الوزراء مسؤولية الخراج في العراق وأجزاء واسعة من ايران.. فيستغل (حامد بن العباس) ذلك ويحتكر الغلال.. وترتفع اسعار المواد الغذائية بشكل جنوني مما أدى الى انفجار غضب شعبي في بغداد التي عمتها الاضطرابات، وأحرقت الجسور وكسرت أبواب السجون.. واضطر الخليفة الى فسخ الضمان وفتح أبواب المخازن العائدة لرئيس الوزراء و(شغب) أم الخليفة.. فأدى ذلك الى رخص الاسعار وانتهاء الأزمة..
وفي نفس العام تتعرض مدينة البصرة الى غارات القرامطة الذين نهبوا المدينة وقتلوا بعض السكان.
وشهد عام ٣٠٨ صعد نجم بني حمدان الذين سيؤسسون دولتهم في شمال العراق وسوريا.. كما دخل أبناء (بويه) التاريخ عندما دخل الابناء الثلاثة مؤسسة الجيش العباسي.
وفي مطلع عام ٣٠٩ وصل بغداد وفد (بلغاري) يحمل رغبة من ملك البلغار في ارسال بعثة لشرح تعاليم الاسلام وفي نفس الوقت بدأت محاكمة الحلاج بتهمة الالحاد والزندقة وأصبحت قضية المحاكمة من أكثر الحوادث اثارة في عاصمة الدولة العباسية بسبب الجدل حول هويته.. فهل هو قديس زاهد أم زنديق ملحد(٢٧٢)؟!
وكان حامد رئيس الوزراء في طليعة المتحمسين لقتله فطلب من الخليفة تسليمه اليه والاشراف على استنطاقه واستجوابه ومحاكمته(٢٧٣).

(٤١)

استنطق الحلاج في عدة جلسات في حضور العلماء والقضاة وكانت تنتهي بعدم كفاية الادلة في ادانته.. وخلال تلك الفترة التي امتدت اسابيع طويلة.. كان رئيس الوزراء ولاسباب غير معروفة يحاول ادانته بكل وسيلة والعثور على وثيقة قوية تؤدي الى اعدامه.. وتم له ما اراد عندما عثر على كتاب بخط الحلاج فتم عقد مجلس جديد لمحاكمته حضره القضاة والعلماء.
قال الوزير وهو يمسك بكتاب:
- هذا كتابك؟ نظر الحلاج الى الوزير والى الكتاب وقال:
نعم كتابي!
وقرأ الوزير مقطعاً (يتضمن ان من لم يمكنه الحج إذا أفرد في داره بيتاً نظيفاً ولم يدخله أحداً.. فطاف حوله أيام الحج، وفعل ما يفعله الحاج، ثم جمع ثلاثين يتيماً وأطعمهم أجود الطعام في ذلك البيت وكساهم وأعطى كل واحد منهم سبعة دراهم كان كمن حج)!!
سأل القاضي أبو عمر وهو يحدق في الحلاّج:
- من أين لك هذا؟!
أجاب الحلاّج:
- اخذته من كتاب (الاخلاص) للحسن البصري.
هتف القاضي مستنكراً:
- كذبت يا حلال الدم.. قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا.
انتهز حامد الوزير الفرصة وقال للقاضي:
- اكتب بخطك انه حلال الدم!
تردد القاضي ولم ينفذ رغبة الوزير إلاّ بعد الحاح واصرار استمر أياماً عديدة.. وأخيراً كتب القاضي محمد بن يوسف بن يعقوب الى الوزير بالحاد الحلاج واباحة دمه..
وعندها شكل الوزير آخر مجالس المحاكمة في يوم الاثنين السادس من ذي القعدة سنة ٣٠٩ هـ وقرأ الوزير حكم القاضي أبي عمر وأدرك الحلاّج انه على شفا حفرة القبر فهتف:
- ما يحل لكم دمي وديني الاسلام ومذهبي السنة ولي كتب عند الوراقين(٢٧٤) فالله الله في دمي!!
طلب الوزير حامد من العلماء توقيع حكم الاعدام، ونظم محضر في سجل الوقائع.. فيما كان الحلاج ما يزال يهتف:
- مذهبي السنة، وتفضيل الخلفاء.. والعشرة المبشرة بالجنة.
ولكن أحداً لم يكن يكترث له حتى تم استكمال (فهرست الوقائع) الذي رفع فوراً الى الخليفة.. وانفض المجلس وسيق الحلاج الى السجن..
وبعد ساعة جاء الجواب من الخليفة:
- ان قضاة البلد إذا كانوا قد افتوا بقتل الرجل فليسلم الى صاحب الشرطة وليتقدم اليه بضربه ألف سوط، فإن هلك وإلا يضرب ألفاً آخر ويضرب عنقه.
في منتصف الليل سلم الوزير حامد الحلاج الى الشرطي الفظ (نازك) لتنفيذ حكم الاعدام:
- ان لم يتلف بالضرب فاقطع يديه ثم رجليه ثم رأسه واحرق جثته.. انه مشعوذ خطير فلا تلتفت الى كلماته حتى لو قال لك: أنا أجري لك الفرات ودجلة ذهباً وفضة فلا تقبل ذلك منه ولا ترفع العقوبة..
وفي صبيحة الثلاثاء السابع من ذي القعدة اقتيد الحلاج الى باب الطاق، لتنفيذ الحكم.
كان الحلاج يمشي متبختراً في قيوده بعد أن أيقن بالنهاية القادمة..
وبلغ الازدحام ذروته في ذلك، وبدأ الجلاد تنفيذ الحكم فالهب ظهر الحلاج بالسياط.. ولم يتأوه بل خاطب الجلاد قائلاً عندما استكمل ستمئة سوط:
- دعني إليك فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح قسطنطينية الروم..
قال الجلاد وهو يتذكر ما قاله حامد الوزير:
- قد قيل لي إنك تقول هذا الكلام واكثر منه.. وليس الى رفع السياط عنك من سبيل..
وعندما استكمل ضربه ألف سوط بدأ بقطع يديه ثم رجليه.
وسمع الحلاج يشدو بشعر يتضمن اعترافه:

طلبت المستقرّ بكل * * * فلم أر لي بأرض مستقرّا
أرض أطعت مطامعي فاستعبدتني * * * ولو أني قنعت لكنت حرّا(٢٧٥)

وأنهى الجلاد حياة الحلاج باحتزاز رأسه وصلبه على الجسر فيما قام باحراق جثته.. وعندما استحالت الى رماد ذره في دجلة..
وخرجت اخته مكشوفة الرأس باتجاه الصليب، فقيل لها استري وجهك عن الرجال فصاحت:
- كيف... ولا أرى إلاّ نصف رجل على الصليب؟!
وانتهت قصة الحلاج بعد أن خلف في نفوس من يعتقد به بعض الحكايات فقد عزا البعض ارتفاع منسوب المياه في دجلة ذلك العام الى بركة الرماد الذي ألقي فيه.. وان الحلاّج سوف يعود اليهم بعد أربعين يوماً.. بل أنه لم يقتل وان الله القى شبهه على عدو له فقُتل!!
ولم تكد فتنة الحلاج تنتهي حتى بدأت فتنة كان بطلها هذه المرة (الشلمغاني) محمد بن علي.. ستثير هذه الفتنة أوساط الشيعة قبل أن يستفحل خطرها وتتدخل الدولة فمن هو الشلمغاني:
نشأ في قرية شلمغان في ضواحي مدينة واسط العراقية وكان من المحدثين وله مؤلفات في ذلك.. وتألق نجمه عندما وثقه الشيخ الحسين بن روح لبني بسطام، وقد استغل هذه التزكية فراح يبث سمومه وانحرافاته العقائدية، وما ساعده على ذلك إن الظروف السياسية كانت ضد السفير الحسين بن روح الذي اختفى عن الانظار، وكانت بغداد في تلك الفترة مسرحاً للمؤامرات والدسائس.
أعلن الشلمغاني في أوساط الشيعة أنه وكيل الامام المهدي وانتبه السفير الى تحركات الشلمغاني المشبوهة وبدأ تحذيراته من هذا المنحرف الذي استطاع ان يكسب الى جانبه كثيراً من المؤيدين!
واستفاد الشلمغاني من وزارة (علي بن الفرات) الثالثة، فابن فرات هذا ينتمي الى الفرقة النصيرية(٢٧٦) المنحرفة عن الاسلام اما ابنه فيعد من اكثر الدمويين قسوة ووحشية..
وفي هذه الفترة القي القبض على السفير الحسين بن روح وزج به الى السجن، وقد أثار هذا الاجراء استياءً شعبياً.
وبلغ الشلمغاني ذروة نفوذه في هذه الفترة خاصة بعد توطد علاقته مع (المحسّن) ابن الوزير الوقح السيء الأدب فكانت هذه الفترة الوزارية من أسوأ الوزارات في خلافة المقتدر(٢٧٧).
وأعلن الشلمغاني ان اللاهوت قد حل فيه.. واتصل (أبو علي بن همام) أحد زعماء الشيعة بالسفير وهوفي سجنه وأطلعه على بعض أفكار الشلمغاني الخطيرة.. فأعلن الحسين بن روح لعنه والبراءة منه.. ولكن الشلمغاني كان ذكياً فراح يبرر هذا اللعن بضده(٢٧٨)!
وفي سنة أواخر ٣١٢ هـ صدر توقيع خطير من الامام المهدي سلمه الحسين بن روح وهوفي سجنه الى أبي علي بن همام وطلب منه تعميمه على عموم الشيعة جاء فيه:
- (عرّف أطال الله بقاءك وعرّفك الخير وختم به عملك من تثق بدينه وتسكن الى نيته من إخواننا - أدام الله سعادتهم - بأن محمد بن علي المعروف بالشلمغاني عجل الله له النقمة ولا أمهله - قد ارتد عن الاسلام وفارقه، وألحد في دين الله، وادعى ما كفر معه بالخالق - جلّ وتعالى - وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً واثماً عظيماً.
كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيداً وخسروا خسراناً مبينا.
وإنا برئنا الى الله تعالى والى رسوله وآله - صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته عليهم - منه ولعناه.. عليه لعائن الله تترى في الظاهر منا والباطن والسر والعلن، ومن بلغه هذا القول منا فأقام على توليه بعده وأعلمهم - تولاك الله - أننا في التوقي منه على مثل ما كنا عليه ممن تقدمه من الشريعي والنميري والهلالي والبلالي وغيرهم.
وعادة الله - جل ثناؤه - مع ذلك قبله وبعده - عندنا جميلة وبه نثق، واياه نستعين، وهو حسبنا في كل أمورنا ونعم الوكيل)(٢٧٩).
ويشاء القدر أن يقع حادث غريب يكون سبباً في انفراج الأزمة واطلاق الحسين بن روح من السجن وفرار الشلمغاني.
ففيما كان الجراد يهاجم المحاصيل الزراعية.. ألقي القبض على رجل ايراني في قصر الخليفة المعروف بقصر التاج.. يرتدي ثياباً فاخرة فوق قميص صوفي، ومعه أدوات عديدة مقدحة، كبريت، محبرة، ومجموعة أقلام، سكين، كاغد سكر وحبل طويل من قنب وكشف التحقيق انه ربما تسلل الى القصر مع الصناع واختفى في حدائق القصر، وانه شعر بالعطش فخرج يبحث عن الماء فألقي القبض عليه!!
وسيق الرجل مخفوراً الى رئيس الوزراء ابن فرات الذي سأله عن هويته وماذا يفعل داخل القصر؟ فالتزم الصمت وقال انه لن يتكلم إلاّ أمام صاحب الدار يعني الخليفة.. فتعرض للضرب فصاح: بسم الله بدأتم بالشر..
وهتف بالفارسية:
- ندانم(٢٨٠)!
وراح يرددها طوال الوقت، فأمر رئيس الوزراء بإحراقه!؟
وانطلق الى الخليفة متهماً (نصر الحاجب) بانه وراء ادخال هذا الرجل وأنه ينوي اغتيال المقتدر.. ولكن نصر الحاجب انتفض وقال بغيظ:
- لماذا أغتال أمير المؤمنين؟ وقد رفعني من الثرى الى الثريا انما يسعى في قتله من صودرت أمواله وحبس سنيناً.
وقد تركت كلمات نصر الحاجب صدى تعدى أسوار القصر ليصبح ضمن الشائعات المضادة لرئيس الوزراء وابنه السيء الصيت.. الذي ما انفك يصادر الأموال ويعذب الناس بأقسى اساليب التعذيب.. وقد أدى ذلك الى انفجار شعبي ضده.. مما دفع بابن الفرات الى ان يكتب رسالة الى الخليفة مبرراً ذلك بانه يدفع ثمن اخلاصه للخليفة!
فسطر الخليفة جواباً يطمئنه وأراد ابن الفرات تعزيز موقعه مع ابنه فقام بزيارة للخليفة في قصره فاستقبلهما، ولكن نصر الحاجب منعهما من مغادرة القصر والقي القبض عليهما، غير أن الخليفة سرعان ما أمر باطلاق سراحهما..
وهنا قرر الابن أن يختفي عن الانظار أما الأب فمضى الى قصره وانهمك في عمله الاداري حتى المساء وكانت آلاف الهواجس تتناهب ذهنه المشتت.. وتذكر حادثة وقعت قبل اسابيع عندما مرّ موكبه ذات يوم وسمع امرأة مظلومة تناديه:
- أسألك بالله أن تسمع مني كلمة..
وعندما توقف لها قالت:
- قد كتبت اليك في ظلامتي غير مرة ولم تجبني.. وقد تركتك وكتبتها الى الله تعالى.
كانت المرأة احدى ضحايا هذه الحقبة الوزارية السوداء، ولكن ابن الفرات الذي مات وجدانه لم يعبأ بشكوى المرأة ولم تهز ضميره الميت كلمة الله..
لقد أدرك بعد فوات الأوان أن الله قد استجاب لهذه المظلومة فتمتم أمام موظفيه:
- ما أظن إلاّ ان جواب رقعة تلك المرأة المظلومة قد خرج(٢٨١)!
وفي صباح اليوم التالي ٨ ربيع الاول حضر نازك قائد الشرطة ومعه مجموعة من الجنود فدخلوا على ابن الفرات وهو عند الحريم، واخرج حافيا مكشوف الرأس وسيق الى شاطىء دجلة وهناك وجد (مؤنس) الخادم الذي لقب بالمظفر فادرك إنها النهاية... قال القائد العسكري بغيظ بعدما سمع توسلات ابن الفرات:
- تخاطبني الآن بالاستاذ، وكنت بالامس الخائن الساعي في فساد الدولة واخرجتني من بغداد مع جنودي تحت المطر ولم تمهلني؟!
وقبيل الظهر من نفس اليوم القي القبض على جميع اصدقاء رئيس الوزراء وابنائه باستثناء المحسن الذي اختبأ في منزل حماته..
فكان يرتدي زي امرأة فتأخذه كل يوم الى المقابر وتعود به في المساء!

(٤٢)

لم يطلق سراح ابن روح من السجن فحسب بل اصبح من الشخصيات التي نالت احترام الخليفة وجهاز حكمه، فهناك كثير من الأمور التي تجعل من جبهة الحكم في خندق واحد مع شيعة أهل البيت عليهم السلام فالقرامطة عدو مشترك وكذلك الغلاة من الشيعة، وموقف ابن روح المتزن من النعرة الطائفية التي بدأ الحنابلة بتأجيج نارها.
وتناقل بعض الناس قصة البواب الذي صرفه ابن روح عن الخدمة بسبب شتمه لمعاوية ولم تنفع توسلاته ولا وساطات الآخرين في اعادته الى عمله(٢٨٢)! انه لا يريد للطائفية أن تفرق بين ابناء الدين الواحد!
ورأى ان منهج التقية المكثف(٢٨٣) وتظاهره بالتزام المذهب السني سوف يجنب بغداد حرباً أهلية لا مناص من وقوعها في أية لحظة، ولا شك ان ذلك كان بتوجيه من الامام المهدي الذي يضطلع بمهمة السفارة لديه(٢٨٤).
ولذا كان من أعقل الناس لدى جميع الطوائف والفرق الاسلامية(٢٨٥).. وكان يحضر في المجالس العامة.
وذات يوم حدث جدل بين اثنين قال أحدهما:
- ان ابا بكر هو افضل الناس بعد رسول الله ثم عمر ثم علي.
ورد الآخر:
- بل علي أفضل من عمر.
واحتدم الجدل فقال ابن روح:
الذي اجتمعت الصحابة عليه هو تقديم الصديق ثم بعده الفاروق ثم بعده عثمان ذو النورين ثم علي الوصي.. واصحاب الحديث على ذلك، وهو الصحيح عندنا..
وفغر الجميع أفواههم لهذه التصريحات التي ينطق بها رجل متهم بالرفض!!
واجتاحت رجل شيعي كان حاضراً رغبة عارمة في الضحك، وبذل جهداً جباراً للسيطرة على نفسه.. ووضع كمه على فمه.. ولكن دون جدوى وحتى لا تحصل فضيحة نهض الرجل وكان اسمه (ابو عبد الله بن غالب) وغادر المجلس على وجه السرعة متجهاً صوب منزله.. غارقاً في دوامة ما سمعه اليوم من سفير الامام المهدي!
وقبيل الظهر طرق باب المنزل وعندما فتح الباب وجد ابن روح على بغلته يقول له:
- يا أبا عبد الله أيدك الله لم ضحكت؟ فأردت أن تهتف بي كأن الذي قلته عندك ليس بحق؟!
قال أبو عبد الله دون تردد:
- كذلك هو عندك!
فقال ابن روح يهدد بقطع علاقته معه:
- اتق الله ايها الشيخ.. فاني لا أجعلك في حل.. تستعظم هذا القول مني!
رد ابن غالب بدهشة:
- وكيف لا؟! يا سيدي رجل يرى بانه صاحب الامام ووكيله يقول ذلك القول ولا يتعجب منه، ولا يضحك من قوله؟!
أجاب إبن روح وهو يحسم الموقف:
- وحياتك لئن عدت لاهجرنّك.
ثم ودع الرجل المندهش ومضى الى منزله(٢٨٦).
ويسأله المحدث بديل الهروي ليدور معه هذا الحوار:
- كم بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
- أربع:
فأيهنّ أفضل؟
- فاطمة.
- ولم صارت أفضل وكانت أصغرهن سناً وأقلهن صحبة لرسول الله؟!
- لخصلتين.. خصّها الله بهما تطوّلاً عليها وتشريفاً واكراماً لها.. إحداهما أنها ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرث غيرها من ولده والأخرى إن الله تعالى أبقى نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها ولم يبقه من غيرها.. ولم يخصها بذلك إلاّ لفضل في اخلاقها عرفه من نيتها وانبهر الهروي لهذا الجواب الموجز والعميق وقال:
- ما رأيت أحداً تكلم وأجاب في هذا الباب بأحسن ولا أوجز(٢٨٧)!!
وفي غمرة تلك الأحداث في سنة ٣١٤ هـ تسلل الشلمغاني الى بغداد وراح يمارس نشاطه التخريبي سرّا، مستغلاً مؤلفاته وكتبه التي تملأ منازل الشيعة وهي مؤلفات حديثية تحوي نصوصاً مسندة الى ائمة أهل البيت خاصة كتاب (التكليف) الذي يعد في طليعة كتب الحديث آنذاك.
وقد أثار هذا الكتاب جدلاً في أوساط الشيعة، فقال أحد الذين يعرفون قصة الكتاب:
- وأيش كان لابن أبي العزاقر (الشلمغاني) في كتاب (التكليف)؟! انما كان يصلح الباب ويدخله الى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح فيعرضه ويحكمه فاذا صح الباب خرج منقوله وأمرنا بنسخه.
كما سئل الشيخ ابن روح عن كتب ابن أبي العزاقر بعدما ذُمّ وخرجت فيه اللعنة: فكيف نفعل بكتبه وبيوتنا منها ملاء؟ فأجاب:
- أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما وقد سئل عن كتب بني فضال فقالوا كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء؟
فقال صلوات الله عليه: (خذوا بما رووا وذروا ما رأوا).
وفي غمرة الاحداث كان المقتدر ما يزال يمارس تغييراته الوزارية(٢٨٨) حيث عزل (الوزير الخاقاني) وأسند منصبه الى (الخصيبي).. وكانت انباء القرامطة الشغل الشاغل لسكان بغداد خاصة في موسم الحج حيث تصبح رحلة الحج مغامرة غير محسوبة النتائج.
وفي عام ٣١٤ هـ اقصي الخصيبي عن منصبه بسبب ادمانه على الخمر واسندت الوزارة الى عيسى بن الجراح وأمر الخليفة باستجواب الوزير السابق فاحضر من سجنه وبدأ ابن الجراح باستجواب الوزير السابق في حضور جمع من الفقهاء والقضاة.
ودار الحديث حول حجم ايرادات الدولة من ريع الاراضي الزراعية والمصادرات فكان جواب الخصيبي:
- لا أعلم!
- فالواصل الى المخزن؟
- لا اعرفه!
- لم وجهت بابن أبي الساج ليقاتل القرامطة في المناطق الحارة وأنت تعرف أن جنوده قد ألفوا القتال في البلاد الباردة الكثيرة المياه.. وأنهم لا يحتملون القتال في البراري القفراء.. كما أنك لم توفر لهم نفقات كافية؟
- ظننت أنه يقدر على قتال القرامطة، ولم يكن هناك ما يمكن إنفاقه عليهم!
- كيف استجزت في الدين والمروءة ضرب نساء المصادرين وتسليمهن الى حرسك كامرأة ابن الفرات وغيرها فإن كانوا فعلوا ما لا يجوز الست أنت السبب في ذلك؟!
-...
- اسألك عن المحصول وايراداته هذا العام؟
-...
قال ابن الجراح بعد صمت:
- لقد خدعت نفسك وخدعت أمير المؤمنين.. ألا قلت إنني لا أصلح للوزارة فقد كان الفرس اذا ارادوا أن يستوزروا وزيراً نظروا في تصرّفه لنفسه فإن وجدوه حازماً ضابطاً ولّوه، وإلاّ قالوا من لا يحسن يدبر نفسه فهو عن غير ذلك اعجز.
وانتهى الاستجواب دون الوصول الى ادانة أو إعلان حكم واعيد الى حبسه.
وفي نفس العام استولى السامانيون على اقليم الري فيما اجتاحت قوات من الروم مدينة ملطية يعاونهم مليح الأرمني ودارت معارك ضارية استطاع الاهالي فيها رد المعتدين واطلقوا صيحة استغاثة الى بغداد ولكن أحداً لم يكترث لهم(٢٨٩).
لقد كانت بغداد تتابع بقلق تحركات القرامطة الذين يثيرون الرعب في كل مكان..
فقد فر أهل مكة الى الطائف عندما سمعوا بزحف (أبي طاهر القرمطي) اليها ولكن سرعان ما وصلت الاخبار أنه في طريقه الى العراق.. وان هدفه الاول سيكون الكوفة..
كتب الخليفة الى يوسف بن أبي الساج الذي يرابط في مدينة واسط أن يتحرك بسرعة صوب الكوفة.. وأخبره بان اطنانا من المؤن بما في ذلك القمح والشعير بانتظاره.
ويشاء القدر أن تسقط هذه المؤن بيد أبي طاهر وعندما وصل الجيش العباسي في الثامن من شوال وجد الطريق الى الكوفة قد سقط بايدي القرامطة.
كان الجيش العباسي يفوق قوات القرامطة اضعافاً مضاعفة، ولذا شعر ابن ابي الساج بالغرور وأمر باعداد كتاب الفتح قبل أن تبدأ العمليات الحربية؟
ونشبت المعركة في ضحى يوم السبت ٩ شوال واستمرت حتى الغروب، وقاد أبو طاهر هجوماً مدمراً حطم فيه خطوط الجيش العباسي الذي انهار فجأة، ووقع يوسف في أسر القرامطة ووكل أبو طاهر طبيباً يعالج جراحه.
وصلت فلول المنهزمين بغداد حفاة عراة وكان لمنظرهم المأساوي الأثر الرهيب في بث الرعب في المدينة واصدر (نازك) قائد الشرطة العام امراً بمنع التجول ليلاً ونفذ الاعدام بالمتخلفين.
وبدأ سكان بغداد يعدون العدة للفرار من المدينة الى همدان في ايران، فيما وصلت انباء مؤكدة ان القرامطة في طريقهم الى الانبار.
استدعى الخليفة القائد العسكري مؤنس المظفر لمواجهة القرامطة، فحرك خمسمئة زورق مشحون بالجنود لصد القرامطة اذا حاولوا عبور نهر الفرات.
حرك القائد قطعات من قواته الى الانبار لتعزيز دفاعات المدينة التي قام أهلها بقطع الجسر.
وعسكر القرامطة في الجانب الغربي من النهر، وفي عملية سريعة قام القرامطة بالافادة من السفن الموجودة في مدينة (حديثة) التي سقطت في ايديهم فعبر ثلاثمئة محارب الى الانبار وسرعان ما فر جنود الخليفة، فعقد الجسر مرة أخرى وعبرت قوات القرامطة لتدخل الانبار دخول الفاتحين.
وفي غمرة الرعب الذي عم بغداد القي القبض على رجل قرمطي اتهم بمراسلته لأبي طاهر وتسريبه أخبار ومعلومات هامة وسيق الرجل الى قصر رئاسة الوزراء حيث تم استجوابه.
- هل تقرّ بذلك؟
- نعم!
لماذا؟
- لأنني أرى أبا طاهر على الحق، وأنت وخليفتك كفار تأخذون ماليس لكم..
وسكت لحظات ليقول:
- ولا بد لله من حجة في أرضه.. وإمامنا المهدي محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق المقيم ببلاد المغرب!!
اننا لسنا كالرافضة ولا الاثني عشرية الذين يقولون بجهلهم إن لهم اماماً ينتظرونه ويكذب بعضهم لبعض.. فيقول رأيته وسمعته وهو يقرأ.. ولا ينكرون بجهلهم وغباوتهم أنه لا يجوز أن يعطى من العمر ما يظنونه..
سكت رئيس الوزراء ثم قال:
- أنت تعرف أشياء كثيرة عن عسكرنا فمن فيهم على مذهبك.
نظر الرجل وافتر عن ابتسامة ساخرة وقال:
- انت بهذا العقل تدير الوزارة.. كيف تظنني أسلم قوماً مؤمنين الى قوم كافرين يقتلونهم؟ لن أفعل ذلك!!
شعر رئيس الوزراء بالغيظ لهذه الاهانة واصدر أوامر بتعذيبه وعدم تقديم الطعام والشراب اليه فظل ثلاثة أيام ثم مات(٢٩٠).
آه ياصاحب الزمان! يظنك الناس اسطورة وهماً وخيالاً والمؤمنين بك اغبياء وجهال!!
يالمحنتك يا سيدي يالشقاء أمة لا تعرفك واللعنة على أولئك الذين يسرقون اسمك ثم يعيثون في الأرض الفساد..
اللعنة على القرامطة وعلى دجلهم وهم يبايعون مهدياً زائفاً لا يهدي الى الحق..
أما أنت يا سيدي فما تزال شمسك وراء السحب(٢٩١).. تبعث دفئك رغم رياح الزمهرير.. وترسل بصيصاً من النور حتى لا تغرق الأرض في بحار الظلمات.. ولتقبى يا سيدي حلماً أخضر يراود خيال المقهورين.

(٤٣)

عادت الحياة الطبيعية الى بغداد بعد أنباء مؤكدة عن انسحاب القرامطة من مدينة (هيت) وأعرب الخليفة المقتدر عن سخطه من الجيش الذي بلغت حشوده أثناء الأزمة أكثر من ثمانين ألف جندي في عجزه أمام تقدم قوات القرامطة التي لم تبلغ الثلاثة آلاف محارب فقط!!
واستيقظت بغداد مذعورة في إحدى الليالي على حرائق في (الرصافة) و(مربعة الخرسي)..
كما شغب الفرسان بسبب تأخر مرتباتهم واقتحموا قصر الثريا وذبحوا ما فيه من حيوانات الغابة.
واسندت قيادة الجيش الى ابن خال الخليفة (هارون بن غريب) بعد وفاة نصر الحاجب كما القي القبض على الوزير علي بن عيسى ليسند منصبه الى أبي علي المعروف بـ (ابن مقلة).
وفي مطلع عام ٣١٦ فوجئت الكوفة باندلاع حركة مؤيدة للقرامطة بقيادة رجل اسمه عيسى بن موسى وأعلنوا بيعتهم للمهدي الذي يحكم الشمال الافريقي وتأييدهم لأبي طاهر الذي أعلن هو الآخر تحالفه مع (المهدي).
وظهرت أعلامهم بيضاء كتبت عليها الآية الكريمة: (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)(٢٩٢).
وفي بغداد وقعت اشتباكات بين قوّات من الجيش ورجال الشرطة بسبب له دلالات أخلاقية مؤسفة!.
فقد بدأت الأزمة بعد أن اشتبك ساسة خيل هارون بن غريب مع ساسة (نازك) قائد الشرطة حول غلام أمرد وتضاربوا بالعصي!
فقام نازك باعتقال ساسة خيل هارون الذي أرسل قوة من جنوده لاقتحام السجن واطلاق سراح المعتقلين، ووقف الخليفة موقف المتفرج، الى أن انفجر الوضع باشتباكات واسعة سقط فيها الكثير من القتلى والجرحى.
وعمت الشائعات حول تعيين هارون بن غريب حاكماً عسكرياً فاستفز ذلك القائد مؤنس الذي دفع بقواته الى بغداد ليرابط في الشماسية، وفسر موقفه كتحدٍَ للخليفة والتحاق نازك به مع مجاميع من رجاله وقدوم ابي الهيجاء من الموصل وما زاد الأوضاع سوء تنامي الاستياء الشعبي من سياسة المقتدر الذي كان مع أمه وخدمه وحشمه يتلاعبون بمقدرات البلاد، ولذا بدأت ظاهرة تسلل رهيبة تعم الجنود الذين راحوا يتدفقون على معسكر (مؤنس) الذي سطر رسالة ضمنها استنكار الجيش لسياسة الخليفة المالية وتدخل النساء والخدم في أمور الدولة وتلاعبهم بمقدرات البلاد، كما طالب بابعاد هارون بن غريب عن بغداد.
واستجاب الخليفة ووعدهم بأنه سيفعل كل ما في وسعه وسطر رسالة ضمنها توسلاته وابقائه في منصبه.
وبدا أن الأزمة سوف تنفرج خاصة بعد مغادرة هارون بن غريب بغداد في ٩ محرم ٣١٧ هـ واسناد قيادة الجيش الى ابن ياقوت.
وعندما دخل مؤنس بغداد بصحبة قائد الشرطة نازك وأبي الهيجاء بن حمدان وجدوا أن الشائعات قد عمت بغداد في نية هؤلاء بخلع الخليفة المقتدر من الخلافة.. فتشاوروا وقرروا الزحف نحو قصر الخلافة الذي سقط دون مقاومة تذكر وفر قائد الجيش إبن ياقوت وابن مقلة رئيس الوزراء.
وتم اعتقال الخليفة ووالدته شغب وخالته ومحظياته وأولاده ونقلوا الى قصر (مؤنس).
كان هارون بن غريب في قطربل في نواحي بغداد عندما سمع بالانباء المثيرة فقرر العودة الى بغداد والاختفاء فيها.
ودمعت عينا الخليفة وهو يستمع الى وثيقة التنازل قبل أن يوقع عليها وتودع لدى القاضي أبي عمر.
وفي نفس اليوم تمت تسمية أخيه من أم أخرى خليفة ومنح لقب (القاهر) الذي بدأ حكمه باطلاق الوزير السابق من السجن وإعادته الى منصبه وبدأ الحكم الجديد في يوم السبت ١٥ محرم ٣١٧ هـ نهب قصر المقتدر واستخرجت أموال مدفونة تعود ملكيتها لشغب بلغت ٠٠٠/٦٠٠ دينار.
وتم تعيين (نازك) حاجباً في قصر الخليفة الجديد فأصدر أوامره الى حرس الشرف باخلاء القصر وكانوا فرقة من المشاة.
وفي صباح يوم الاثنين ١٧ محرم امتلأت شواطىء دجلة بالناس كما اكتظت الشوارع الرئيسية بهم، وحضر حرس الشرف لترتيب موكب الدولة الجديد وكانوا منزعجين من ابعادهم من القصر ويطالبون بحق البيعة.
ولكن مؤنس لم يحضر ذلك اليوم أما نازك فقد كان سكراناً ثملاً لكثرة ما شرب من الخمر الليلة الفائتة..
وعلت زعقات جنود المشاة حتى تناهت الى مجلس الخليفة الذي شعر بالذعر وطلب من (نازك) معالجة الموقف..
كان نازك مخموراً جداً وعندما وقعت عيناه على الجنود المسلحين وتصور أنهم ينوون قتله لا تقديم الشكوى، فهرب منهم ولذا طمعوا في قتله فلحقوا به وحصروه عند باب كان قد سده أثناء الحركة الانقلابية.
وبقتل (نازك) انفجر الوضع وانطلقت صيحات الجنود بعودة المقتدر الى الخلافة.
وفي اثناء الاشتباكات قتل أبو الهيجاء واعتقل القاهر، وانطلق الجنود الى قصر مؤنس وطالبوا باطلاق الخليفة المقتدر الذي لم يصدق ذلك في البداية وظن انها حركة لاغتياله وكان مؤنس من المعارضين لخلافة القاهر ولذا صفح عنه المقتدر، ونقل القاهر الى قصر السيدة شغب التي تناست موقفه الغادر وصفحت عنه.
ولم تكد بغداد تلتقط انفاسها بعد حتى انفجرت أزمة طائفية بين الحنابلة والشيعة حول تفسير قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محمودا).
إذ قال ابو بكر الحنبلي واصحابه: ان الله سبحانه يقعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم معه على العرش.
أما الشيعة: انما هي الشفاعة.. لأن الله لا يحد مكان وليس بجسم حتى يجلس على العرش ويجلس النبي معه..
وما زاد الأمر خطورة اشتراك الجنود في هذه الفتنة واسفر الجدل الفكري الى اشتعال الاشتباكات وسقوط الكثير من القتلى والجرحى.
وفي سنة ٣١٨ كان المشاة وحرس الشرف قد شعروا بالغرور بسبب نجاح حركتهم في إعادة المقتدر الى الحكم، ولذا اثبتوا اسماء أولادهم حتى الرضع في سجلات الجيش واسماء معارفهم واصدقائهم مما ارهق خزانة الدولة بالنفقات.
وصادف أن شغب الفرسان وطالبوا بصرف مرتباتهم فقيل لهم ان الخزانة فارغة وأن الأموال ذهبت الى جيوب المشاة وانفجر الوضع بين الفرسان والمشاة وسقط بعض القتلى في صفوف الفرسان، فاستغل المقتدر الوضع وطلب من قائد الشرطة طرد المشاة من القصر بل ومن بغداد أيضاً والقبض على المتخلفين.
وحدثت أزمة وزارية جديدة واقصي ابن مقلة وعين وزير جديد.
وفي سنة ٣١٩ هـ تدهورة العلاقات بين الخليفة ومؤنس الذي ما يزال يشغل منصب الحاكم العسكري.
وتزامن الوضع مع انحسار هيبة الدولة اثر انتصارات (مرداويج) في الاقاليم الايرانية خاصة في الشمال.
ولم يمنع الخطر الذي يتهدد العاصمة من تفاقم المؤامرات التي عمقت هوة الخلاف بين المقتدر ومؤنس حتى وصلت الى مرحلة القطيعة.. وانفجر الوضع باعلان مؤنس العصيان، واحتلال الموصل واصبح رمزاً للمعارضة المسلحة وعم الحماس في الزحف صوب بغداد والقضاء الى الخليفة.
ولم يكن المقتدر في وضع يحسد عليه ولم يكن له جيش يعتمد عليه في المقاومة، وكانت فكرته اخلاء بغداد والانسحاب الى مدينة واسط وتعبئة جيش قوي من مجموع الاقاليم التي تخضع لنفوذه ولكن قائد الجيش ابن ياقوت اقنعه بالمواجهة، لأن المتمردين لن يجرأوا على محاربة الخليفة!
واصر قادة جيشه على أن يتقدم الخليفة بنفسه لبدء الهجوم فاضطر الى الموافقة وقبل أن يصل الخليفة الى معسكر مؤنس فر جنوده وتركوه وحيداً فتناوشه جنود مؤنس فصاح:
- ويحكم أنا الخليفة!
فأجابوه:
- قد عرفناك يا سافل! أنت خليفة ابليس وسرعان ما هوى سيف على رقبته ليسقط رأسه الكبير، وتسلب ثيابه حتى بقي مكشوف العورة؛ فمر به رجل وحفر له حفرة ودفنه فيها!
وتعرض قصر الخليفة للنهب حتى أصدر مؤنس أوامره بوقف النهب.
وأصبحت هيبة الدولة في خبركان فقد أدى قتل المقتدر الى تأجج اطماع كافة الاقاليم البعيدة الى الاستقلال في الحكم.
وهكذا راح المقتدر ضحية سياسته الهوجاء في الحكم وبعد بعثر ما يبلغ من ثمانين مليون دينار في عبثه!!
ومرة أخرى انتخب القاهر للخلافة بالرغم من الحاح مؤنس على انتخاب ابن المقتدر ووصفه بالصبي العاقل وأن فيه دين وكرم ووفاء بما يقول، ولكن النوبختي أبو يعقوب اسحاق بن اسماعيل رفض ذلك بشدة واصر على انتخاب خليفة قوي وكان بذلك يحفر قبره بيده فقد قتله القاهر بعد أسابيع.
وبدأ القاهر حكمه باعادة ابن مقلة الى الوزارة، ومصادرة أموال أخيه غير الشقيق كما حاول اجبار شغب أم المقتدر على حل أوقافها فرفضت ذلك فأمر بتعذيبها وفرض الاقامة الجبرية على احمد بن المقتدر فيما فرّ الآخرون الى واسط ومنها الى ايران.

(٤٤)

كانت خلافة القاهر عهداً للأرهاب والرعب والاغتيالات السياسية.. وقد كان شرّيراً لا يمكن التكهن بمواقفه.. أمر بحفر خمسين زنزانة تحت الأرض في قصره!
وبدأ يقضم الرؤوس الواحد بعد الآخر فكان مؤنس هو الأول وتوفيت (شغب) متأثرة بالتعذيب الوحشي الذي تعرضت له ووصلت القاهر أخبار حول محاولة انقلابية كان الوزير ابن المقلة أحد الضالعين بها، فاختفى عن الانظار قبل القبض عليه فصودرت أملاكه ثم اضرمت النار في قصره كما تعرضت للنهب املاك أقاربه.
وشعر جميع من أيد القاهر بالندم فلقد كان سكيراً شريراً أهوج(٢٩٣).
وفي غمرة هذه الظروف تألق نجم بني بويه واتسم حكمهم بالعدل والتسامح فعظم نفوذهم، خاصة بعد سقوط شيراز في قبضة عماد الدولة بن بويه.
وخلال تلك الفترة كانت بغداد مسرحاً رهيباً للدسائس والمؤامرات، ونشط الوزير الهارب ابن مقلة في بث دعاية مضادة للقاهر، وكثرت اتصالاته بالقادة العسكريين ليلاً تارة في زي أعمى وتارة في زي مكدٍ وتارة في زي امرأة(٢٩٤) ويحرضهم ضد الخليفة الأهوج.
وصادف وصول بغداد اسرى من القرامطة فزجهم الخليفة في الزنزانات الخمسين، ولكنه في الحقيقة كان يحاول استخدامهم ضد مناوئيه وخصومه.
وعندما أثارت خطوته شكوك الجيش أمر قائد الشرطة بنقلهم الى أحد القصور ورعايتهم فزادت شكوك خصومه وبدأت قطعات من الجيش بالتحالف سرّاً للاطاحة بالقاهر والقضاء على حكمه.
ووصلت تقارير خطيرة الى الوزير الخصيبي تفيد بأن التحرك سيكون غداً فجر السادس من جمادى الأولى، وأرسل الوزير في منتصف الليل من يحيط الخليفة علماً ولكن الخليفة كان قد أفرط في السكر طوال الليل ولم يستطيع الحاجب اعلامه.
كانت نسائم نيسان(٢٩٥) المنعشة تهب مفعمة بأريج دجلة الندي عندما زحف الجنود الغاضبون الى قصر القاهر واقتحموه من جميع الأبواب..
وفرّ الخليفة الى سطح الحمام، وسرعان ما انهار فسلم نفسه واقتيد مخفوراً الى الزنزانات فافرج عن السجين الذي كان فيها ورمي القاهر.
كما أفرج عن أحمد بن المقتدر وكان قد حبس مع والدته! وسلّم الجميع عليه بالخلافة وكان ذلك يوم الاربعاء ٦ جمادي الأولى ٣٢٢ هـ
وتقرر اسناد الوزارة الى ابن مقلة مرة أخرى، وأراد هارون بن غريب انتهاز الفرصة والعودة الى بغداد وعندما منع هدد باستخدام القوة وزحف بقواته من مدينة (دينور) الى (خانقين) العراقية، ثم واصل تقدمه حتى النهروان وبدأ يمارس أعماله التعسفية في إدارة المناطق التي يحتلها.
واصطدمت الجيوش التي يقودها محمد بن ياقوت بقوات هارون ودارت الدائرة على قوات بغداد التي هزمت هزيمة ساحقة، ولكن القدر كان بالمرصاد لهارون الذي طمع في مطاردة فلول الهاربين فسقط من فوق فرسه، وتمكن أحد الجنود المطاردين من توجيه ضربات قاتلة له وعندما رفع رأسه عالياً تغير ميزان القوى بهزيمة الزاحفين.
وكان (الشلمغاني) ما يزال يواصل نشاطه التخريبي ووجد له اتباعاً من بينهم وزير سابق في خلافة المقتدر هو الحسين بن القاسم وشخصيات أخرى من ذوي النفوذ خاصة بني بسطام.
وانبرى ابن روح لمواجهة هذا الخطر وأحاط بني بسطام بانحراف الشلمغاني ولكن دون جدوى(٢٩٦).
وكان الشلمغاني خبيثاً فقد أول لعنات ابن روح وقال إنها تعني الابعاد فقط لأنه اذاع أسراراً أُمر بكتمانها، وأعلن في أوساط الشيعة أنه مستعد للمباهلة..
فرد ابن روح بأن الذي يموت قبل صاحبه فهو على باطل، وفي شوال ٣٢٢ هـ اُلقي القبض على الشلمغاني وتم توقيفه تمهيداً لمحاكمته.. وشكل الوزير مجلساً ضم زعماء الشيعة لم يحضره ابن روح وتم تداول النظر في قضية الشلمغاني.
وعندما رأى الشلمغاني اجماعاً عاماً ضده وتأييداً لابن روح الذي عمم على جميع الشيعة لعن الامام له صرخ متحدياً:
- اجمعوا بيني وبينه حتى آخذ بيده ويأخذ بيدي فإن لم تنزل عليه نار من السماء تحرقه، وإلاّ فجميع ما قاله في حق!
وفي أثناء تفتيش منزله عثر على كتب له تتضمن افكاراً خطيرة منها إن اللاهوت قد حل فيه كما عثر على مسائل من اتباعه تخاطبه بالألوهية، وعرفت من بين الرسائل رسالة من الحسين بن قاسم الوزير السابق الذي يقيم حالياً في الرقة(٢٩٧).
والقي القبض على أصحاب الرسائل وفيهم (ابن أبي عون) و(ابن عبدوس) وعقدت عدة جلسات ضمت الفقهاء والقضاة وتمت ادانته باعتباره ملحداً يدعي الألوهية خارجاً عن تعاليم الاسلام.
وعقدت جلسات المحاكمة في بلاط الخليفة الراضي واحضر المتهمين الآخرين.
واعترف الشلمغاني بالرسائل وأنها كانت موجهة اليه، ولكنه أنكر مذهبه وادعى الاسلام.. وانه لم يأمر أحداً أن يخاطبه بالربوبية. وطلب الخليفة من ابن أبي عون وابن عبدوس أن يصفعا الشلمغاني ورفض ابن عبدوس في البداية ولكنه اضطر الى أن يتقدم الى الشلمغاني ويصفعه، أما ابن ابي عون فقد مد يداً مرتجفة الى لحيته ورأسه وبدل أن يصفعه قبله قائلاً بعبودية وتذلل:
- الهي وسيدي ورازقي!
صرخ الراضي بالشلمغاني:
- قد زعمت أنك لا تدعي الالوهية فما هذا؟!
قال الشلمغاني مكابراً:
- لم أكن قد أمرته بذلك.. الله يعلم انني ما قلت له انني إله قط!
وتدخل ابن عبدوس قائلاً:
- انه لم يدّع الألوهية، وانما ادّعى أنه الباب الى الامام المنتظر مكان ابن روح.. وكنت أظن انه يقول ذلك تقية(٢٩٨)!
وبعد مداولات طويلة ادين الشلمغاني نهائياً وحكم عليه بالموت صلباً مع ابن أبي عون ونفذ الحكم في ذي القعدة وأحرقت جثتيهما وذر رمادهما في دجلة.
وفي أواخر هذا الشهر نفذ حكم الاعدام بالوزير السابق الحسين بن القاسم في مدينة الرقة(٢٩٩) وتنفست الطائفة الشيعية الصعداء.
وأرسل ابن روح مؤلفات الشلمغاني الى مدينة قم لتقويمها وتطهيرها من الافكار المنحرفة التي دسها الشلمغاني بعد انحرافه(٣٠٠).

(٤٥)

الأحداث والوقائع تهز البلاد من اقصاها الى أقصاها واصبحت الأرض الاسلامية نهباً للطامعين وذوي الطموح.
وفي غمرة هذه الفتن انفجر العنف الطائفي يؤجج ناره الحنابلة الذين رأوا أنفسهم أنهم يمثلون الشريعة الالهية! فراحوا يقتحمون المنازل ويحطمون جرار النبيذ وينهالون بالضرب على الجواري المغنيات، ثم تدخلوا في عمليات البيع والشراء في الاسواق وتعرضوا للمارة والعابرين خاصة لمن يمشي مع النسوة والصبيان فيتعرض للاستجواب حول العلاقة بينهم وبين النسوة التي معه فاذا أجاب وإلا يتعرض للضرب والاعتقال! ويجد من يشهد عليهم أنهم اعتقلوا اثناء ارتكابهم الفاحشة!
وعمت الفوضى بغداد مما دفع بالخليفة الى اعلان حالة الطوارىء ومنع اجتماع الحنابلة أو الجدل المذهبي، ولكن الحنابلة رفضوا الاستجابة واستظهروا بالعميان الذين يأوون الى المساجد فإذا مر بهم شافعي حرّضوا العميان عليه فيضربونه بالعصي حتى الموت..
فصدر توقيع الخليفة الراضي شديد اللهجة هاجم فيه الحنابلة ونعى عليهم عقيدتهم في التشبيه وان الله على صورة البشر جاء فيه:
(تارة انكم تزعمون ان صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والاصابع والرجلين والنعلين المذهبين، والشعر القطط، والصعود الى السماء والنزول الى الدنيا.. تبارك الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً..
ثم طعنكم على خيار الائمة.. ونسبتكم شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين الى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وانكاركم زيارة قبور الأئمة، وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع، وانتم مع ذلك تختمون على زيارة قبر رجل من العوام(٣٠١) ليس بذي شرف ولا نسب، ولا سبب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتأمرون بزيارته، وتدّعون له معجزات الانبياء وكرامات الأولياء.. فلعن الله شيطاناً زين لكم هذه المنكرات، وما أغواه).
ثم تضمن التوقيع تهديداً جاداً بانزال اشد العقوبات بمن لا يلزم حدوده(٣٠٢).
وقد ترك توقيع الراضي انطباعاً طيباً لدى عامة أهل بغداد خاصة الذين ينتسبون الى المذهب الشافعي أو شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي نفس السنة ظهرت دولة جديدة في مصر هي الدولة الاخشيدية فيما انبعثت من جديد دولة الأدارسة التي اندرست في سنة ٣١١ هـ.
وفي عام ٣٢٤ اسفرت المؤامرات والدسائس عن مصرع محمد بن ياقوت قائد الجيش، واسناد منصبه الى ابن رائق الذي اصبح الحاكم العسكري العام.
وفوجىء المسلمون باقران اسمه مع اسم الخليفة في الخطب المنبرية واعتبر هذا الاجراء مؤشراً على ضعف الخلافة.
ومع دخول ابن رائق بغداد انتهى دور الوزارة وسلبت صلاحيات الوزير بانتقالها الى الحاكم العسكري أو أمير الامراء ولذا أقصي الوزير ابن مقلة وعين مكانه وزير لا يحل ولا يربط!
وشهد هذا العام تمزق البلاد الاسلامية بانفراد حكام الاقاليم واستقلالهم في الحكم، ولم يبق للخليفة منطقة نفوذ سوى بغداد وهي في قبضة ابن رائق!
فالبصرة في يد ابن رائق وخوزستان في يد (البريدي)، وفارس في قبضة عماد الدولة بن بويه، وكرمان تحت سيطرة محمد بن إلياس، والري واصفهان ومناطق الشمال الايراني تحت قيادة ركن الدولة بن بابويه والموصل وديار بكر وربيعة تحت إدارة بني حمدان، ومصر والشام في قبضة ابن طغج، والشمال الافريقي في سلطة القائم بأمر الله بن المهدي العلوي وهو الخليفة الثاني الذي لقب بأمير المؤمنين والاندلس تحت حكم الناصر واقليم خراسان وما وراء النهر تحت النفوذ الساماني وجرجان وطبرستان في يد سكانها من الديلم والبحرين واليمامة في قبضة القرامطة الذين اعلنوا تحالفهم مع الدولة المهدية.
وكان السفير ابن روح في خضم الاحداث العاصفة يقاتل على جبهتين اتجاه الغلو الذي وصل مرحلة خطيرة على يد الشلمغاني الذي نجح الى حد ما في اعتبار الانسان ربّا وإلهاً(٣٠٣).
وموجة الفكر الحنبلي الذي لم يتورع من تشبيه الله بالانسان(٣٠٤) والتي تزعمها (البربهاري) والذي لم يكتف اتباعه بالترويج لأفكاره بل عمدوا تفجير فتنة طائفية رهيبة بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم تنته إلاً بعد ارتفاع اسعار المواد الغذائية بشكل جنوني واجتياح الوباء بغداد الذي حصد الكثير من الارواح(٣٠٥).
وفي عام ٣٢٥ هـ وصلت الخلافة العباسية أسوأ مراحلها بعد أن أصبح الخليفة مجرد اسم.
وكانت الدولة الاسلامية تعيش حالة من الحرب الأهلية بين جيوش الحكام المستبدين في الحكم فقد أعلن البريدي حاكم اقليم الأهواز وخوزستان استقلاله فارسل ابن رائق القائد التركي بجكم الذي كان قبل شهور مجرد خادم في حكومة مرداويح حاكم الشمال الايراني.
واستطاع بحكم الحاق الهزيمة بالبريدي وما لبث ابن رائق أن تصالح مع البريدي فأثارت هذه الخطوة بجكم الذي قرر الزحف باتجاه بغداد.
ولم يكن بجكم ليتخذ مثل هذا القرار لو لم تصله رسالة من الوزير ابن مقلة الحانق بسبب سلبه صلاحياته ومصادرة أمواله وبقائه في الحكم وزيراً بلا وزارة..
فقد استطاع بعد دسائس من اقناع الراضي بارسال رسالة الى بجكم يعرض عليه منصب الحاكم العسكري العام وطرد ابن رائق.. ولكن الخليفة الخائف سرعان ما أطلع ابن رائق على مساعي الوزير الذي اعتقل وقطعت يده اليمنى والقي في سجن خاص.
ولكن بجكم كان قد قرر الزحف واسقط لقبه الرائقي!
وفي موسم الحج هذا العام تعطل الحج من العراق بسبب الرعب من غارات القرامطة.
واطل عام ٣٢٦ هـ ولاح هلال المحرم حزيناً كقارب وسط غيوم تشرين الثاني من عام ٩٢٧ م وكان الجفاف ما يزال ضارباً اطنابه ولم تكن الغيوم التي تظهر في السماء لتبشر بموسم مطر يعيد الى الأرض الموات بهجة الحقول.
وكانت شمس الحضارة الاسلامية تتجه بسرعة نحو المغيب، فقد اصبحت الأرض الاسلامية مسرحاً لحروب دامية واصبحت كرامة الانسان أرخص شيء في الحياة.
وفي بغداد لم يعد هناك من يأبه الى تمثال الفارس برمحه الطويل الذي يشير باستمرار الى جهة من الجهات وكان البعض يظن انه يشير الى المناطق التي تشتعل فيها الحروب والقلاقل والفتن..
لقد عم الخراب الوطن الاسلامي المترامي الاطراف، والتهبت حمى الاطماع والشهوات ولم يعد أحد لينصت الى صوت العقل الذي عصفت بأنواره زوابع الزمهرير القادم والرياح الصفراء.
وفي شعبان تدهورت صحة الشيخ ابن روح الذي أطلع المقربين إليه على توقيع صدر من الامام المهدي يقضي باسناد منصب السفارة الى رجل مؤمن يدعى (أبو الحسن علي بن محمد السمري) الذي لم يكد يباشر نشاطه في قيادة الطائفة الشيعية حتى وصلت انباء الزحف الذي يقوده بجكم لاحتلال بغداد.
وفي مثل هذه الاجواء يعيش سكان بغداد موجة من الهلع لأن هناك آلاف اللصوص والعيارين ممن ينتظرون اختلال الأمن للنهب والسلب والسطو على المنازل.
وقد حاول ابن رائق المتنفذ في بغداد وقف الزحف بالضغط على الخليفة وكتابة رسالة يأمره فيها بالعودة الى واسط فلم يكترث لذلك وطوح بجكم بالرسالة بعيداً لتضيع بين سنابك الخيل وواصل بجكم تقدمه حتى وصل الضفاف الشرقية لنهر ديالى، وكانت القوات التي حشدها ابن رائق ترابط عند الشواطىء الغربية وأدرك ابن رائق أنه سيغامر بحرب خاسرة ولذا ما إن شاهد جنود بجكم يقتحمون النهر حتى أشار الى جنوده بالفرار والانسحاب الى (عكبرا) ريثما تسنح الفرصة للانقضاض على بغداد مرة أخرى.

(٤٦)

في مطلع عام ٣٢٧ زحف الراضي وبجكم ومعهما رئيس سلطة القضاء باتجاه الموصل وديار ربيعة التي يحكمها يومئذ ناصر الدولة الحمداني الذي كان يخطط للمزيد من الاستقلال في الحكم.
توقف الراضي في (تكريت) فيما واصل بجكم تقدمه نحو الموصل واشتبك مع قوات الحمدانيين التي هزمت ودخل بجكم الموصل ظافراً.
وفي هذه الفترة كان ابن رائق يعزز من اتصالاته بالقرامطة المرافقين للخليفة والذين عادوا الى بغداد. وبعودتهم ظهر ابن رائق من مخبئه واستولى على بغداد لكنه لم يقم بأي اجراء انتقامي ولم يقترب من قصر الخليفة.
وعندما وصلت الانباء الى الخليفة الذي أطلع بجكم بدوره انتابت الهواجس الحاكم العسكري العام ووقع في مأزق لا يدري ماذا يفعل؟ وشاء القدر أن يطلب الحمدانيون الصلح والتعهد بارسال مبلغ ٠٠٠/٥٠٠ درهم ورحب بجكم بالعرض وتم الصلح وقفل الخليفة وبجكم نحو بغداد ووصلت رسالة من ابن رائق يطلب الصلح وانهاء الأزمة طالباً تعيينه حاكما على بعض الاقاليم مقابل اخلائه بغداد وتم الصلح على الشروط.
وفي ١٥ شعبان من هذا العام الملىء بالحوادث شهدت بغداد فتنة طائفية كان الحنابلة بتوجيه البربهاري أبطالها أيضاً فقد شنّوا حملات مسعورة على المسلمين الشيعة والمذاهب الأخرى بمناسبة احيائهم ذكرى تحول القبلة من المسجد الأقصى الى المسجد الحرام.
وتدخلت الشرطة قبل أن يتفاقم الوضع وأصدر قائد الشرطة أمراً بالقاء القبض على البربهاري واعتبر مسؤولاً عما وقع من حوادث فاختفى عن الانظار(٣٠٦).
وفي ٣٢٨ هـ كانت الأرض الاسلامية تئن تحت وقع سنابك خيل مجنونة تتراكض هنا وهناك.
فقد سقطت جرجان تحت حوافر خيل هجمت من نيسابور بينما زحف ركن الدولة بقواته باتجاه واسط جنوب بغداد فيما دخلت قواته اصفهان.
وفي غمرة الأحداث المثيرة كانت جيوش بجكم تزحف باتجاه غابات الشمال الايراني حيث مناطق الديلم وذلك بتشجيع أبي عبد الله البريدي الذي قدم له ابنته زوجة واصبح صهره، فيما كان يخطط في الخفاء على ابعاد بجكم عن بغداد للانقضاض عليها.
واكتشف بجكم الخطة فانكفأ نحو واسط وفر البريدي نحو البصرة.
ولم يكتف ابن رائق في الشام بما استولى عليه من المدن فقرّر الزحف نحو مصر وانتزاعها من الاخشيد. ولكن قوّاته وقعت في كمين.. ثم تصالح الفريقان بعد معركة أخرى واتفقا على تقسيم مناطق النفوذ.
وفي بغداد اغتيل في ظروف غامضة الزعيم والعالم الشيعي محمد بن علي الكليني(٣٠٧) مؤلف كتاب الكافي الذي يضم بين دفتيه ستة عشر ألف حديث مسند الى أئمة أهل البيت عليهم السلام كما توفى رئيس سلطة القضاء القاضي عمر بن محمد بن يوسف.
كما توفى في سجنه الوزير ابن مقلة الذي قطع لسانه بعد قطع يده كما توفى بالسكتة الوزير ابو العباس الخصيبي ولعل السبب يعود الى ادمانه الخمر وسكره الدائم وتوفى أيضاً وزير ركن الدولة البويهي أبو عبد الله القمي، فاسند منصبه الى ابن العميد.
وتمر الأيام كئيبة.. وفيما كان القادة العسكريين يتخطفون مقدرات الامة الاسلامية الثرية.. كان سكان بغداد يعانون من أسوأ الظروف المعاشية فقد ارتفعت الاسعار بشكل لم يسبق له مثيل، وظهرت مؤشرات خطيرة تنذر بالقحط وقد حبست السماء غيثها منذ شهور طويلة.
نحن الآن في مطلع سنة ٣٢٩ هـ تشرين الثاني ٩٤٠ م، وكانت الغيوم الخريفية ما انفكت تتحشد في السماء ثم تتبدد فتبدد معها آمال الناس بموسم خصب جديد.. يعيد للأرض الخراب بهجتها وللأسواق ازدهارها ورخاءها.
وفي منتصف ربيع الأول وفيما كان الخريف يلملم أيامه الأخيرة تلقى أهل بغداد بوجوم عابر نبأ وفاة الخليفة الراضي فلم يعد للخلفاء من اهمية في ظل الحكام العسكريين..
وظلت الدولة الاسلامية دون خليفة ريثما يفصل في هذه القضية بجكم في واسط والذي أرسل كاتبه الكوفي الى بغداد وفرضت حراسة مشددة على قصر الخلافة!!
وشكل الكوفي مجلساً استشارياً للبت في ترشيح الخليفة القادم واستدعيت وربما لأول مرة شخصيات من العلويين.. وتردد اسم ابراهيم بن المقتدر، وعندما وافق بجكم على هذا الترشيح تسنم الخليفة الجديد منصبه بشكل رسمي في العشرين من ربيع الأول واختار من بين الألقاب التي عرضت عليه لقب (المتقي) ولم يكن له من الخلافة سوى الاسم وبلغ من استضعاف بجكم له أن أمر بنقل بعض أثاث قصر الخلافة الى قصره.
وفي شهر رجب اغتيل بجكم في رحلة صيد في المناطق بين الأهواز وواسط أثناء عودته اليها وقد اغتاله بعض شبان الأكراد بعد أن أغار على مضاربهم.
وانتهز البريدي الفرصة وراح يفكر بالاستيلاء على بغداد التي تعاني من الجوع فيما كان الحنابلة المتعصبون يهاجمون مسجداً للشيعة في حي (براثا) بالكرخ، كما هاجموا حي الصيارفة، فاضطر الخليفة الى اعتقال عدد من الحنابلة وأن يشدد الحراسة على مسجد (براثا) ولم تهدأ الفتن الطائفية إلا بعد وفاة البربهاري زعيم الحنابلة في محل اختفائه لكنه خلف لاتباعه منهج العنف في التعامل مع المذاهب الاسلامية(٣٠٨)!
وفي منزل السفير الرابع علي بن محمد السمري حضر بعض زعامات ومشايخ الشيعة وكان بينهم رجال قدموا من مدينة قم فسأل السمري أحدهم عن الشيخ ابن بابويه القمي(٣٠٩) بعد أن وردت انباء عن اصابته بوعكة صحية فقال الرجل:
- تركته في فراش المرض وكان هذا آخر عهدي به.. ولكن البريد الذي وصل قبل يومين يقول انه قد استقل من مرضه.
وبعد أيام فوجىء الذين حضروا مجلس السفير بقوله دون مقدمات:
- آجركم الله في علي بن الحسين فقد قُبض في هذه الساعة.
سارع أحدهم فأخرج دفتراً وقلماً وسجل التاريخ الساعة، اليوم، والشهر.
ومرّ اكثر من اسبوعين عندما وصل البريد يفيد بوفاة الشيخ ابن بابويه في نفس الوقت الذي أشار اليه السفير علي بن محمد السمري(٣١٠).
وكان لهذه الواقعة اثراً طيباً في تعزيز ثقة الطائفة الشيعية بالسمري سفير الامام ودليلاً على أن المهدي ما يزال يعيش بين ظهرانيهم وقد آتاه الله من الحجج مثلما آتى جدّه الذي منحه اسمه وكنيته ومهمة حمل الأمانة في تطبيق شريعته في واقع الحياة.
لم تعد بغداد مدينة للسلام بعد عنف الحوادث التي باتت تعصف بالأرض الاسلامية خاصة العراق الذي استحال الى مسرح للحروب المستمرة وكانت عيون الطامعين تتطلع الى الاستيلاء على عاصمة الدولة الاسلامية..
ان شمس الحضارة الاسلامية تؤذن بالأفول.. وبغداد غارقة في الفتن والمؤامرات والاطماع.. وفي حمأة الغرائز البشرية وحمّى الشهوات..
حتى الطبيعة كانت هي الأخرى انعكست عليها آثار هذا الانحطاط الحضاري عندما لم يعد هناك من يصغي الى صوت العقل والضمير الانساني.
ففي ليلة غادر سماءها القمر ذهل سكان بغداد لمنظر الشهب التي بدأت تنقض منذ المساء وظلت تنهمر بلا انقطاع حتى مطلع الفجر(٣١١).

(٤٧)

في ٩ شعبان عام ٣٢٩ هـ تلقى الشيعة نبأ هاماً سيكون له الأثر الأكبر في مستقبلهم..
ففي أصيل ذلك اليوم استدعى السفير الرابع علي بن محمد السمري عدداً من الشخصيات الامامية واطلعهم على توقيع خطير صدر عن الامام المهدي جاء فيه:
- (بسم الله الرحمن الرحيم
يا علي بن محمد السمري!
أعظم الله أجر اخوانك فيك.. فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام..
فاجمع أمرك.. ولا توص الى أحد، فيقوم مقامك بعد وفاتك..
فقد وقعت الغيبة التامة.. فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره..
وذلك بعد طول الأمد،
وقسوة القلوب
وامتلاء الأرض جورا..
وسيأتي لشيعتي من يدّعي المشاهده!
ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني، والصيحة فهو كذّاب مفتر..
ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم)(٣١٢).
وتلقى الحضور النبأ بوجوم ثم ما لبثوا أن استنسخوا التوقيع.
ستة أيام فقط وينقطع الحبل الذي يربط سفينة الشيعة بالربان العظيم الذي يحاول هدايتها الى شاطىء السلام..
لقد ترك لهم قيادة السفينة وسط أمواج الحياة المتلاطمة بعد أن دخل دائرة الحلم الأخضر..
عليهم أن ينهضوا بالعبء وحدهم.. أن يرتفعوا الى مستوى المسؤولية في التمهيد الى لحظة الحضور والظهور..
فالمهدي لم يختف عن الانظار إلا لأنه عاش في زمن رهيب.. زمن يصلب الانبياء.. ورياح الزمهرير ما تزال تهب مجنونة وتقضي على الفراشات القادمة من أجل الربيع.
وها هو الآن يقرر الاختفاء نهائياً بعد أن استحال الى أمل دافىء وغد مشرق ينتظره المعذبون في الأرض..
سوف يعود عندما تضج الأرض من الآثام.. وتمتلأ بالشرور..
ويتطلع الناس الى القادم الأخضر..
وتمرّ الأيام حزينة كقطيع من النعاج يساق الى الذبح وأطل يوم ١٥ شعبان..
كان منزل علي بن محمد السمري آخر سفراء المهدي تغمره حالة من الوجوم..
الشيخ الراقد في فراشه تتلاحق انفاسه لكأنه يقطع صحراء خالية..
والسماء تنث مطراً خفيفاً بحجم الدموع التي ذرفها المصلون في صلاة الاستسقاء(٣١٣)!
انتابت بعضهم هواجس خائفة.. عندما يغمض الشيخ عينيه فان لحظة الانفصال بالمهدي تكون قد أزفت.. ان الزمهرير القادم سيكون رهيباً.. والشمس سوف تتكاثف الغيوم فوقها أكثر فأكثر..
لكأن الجو كان مكهرباً أن الهواجس تسري الى الجميع وسمع أحدهم يقول للشيخ المحتضر:
- الى من توصي بعدك؟
أجاب الشيخ بحزن:
- للّه أمر هو بالغه!
وكانت هذه الكلمات هي آخر الكلمات لأن عيناه كانتا تنظران عبر الباب المشرعة الى الافق البعيد.. وكانت قطرات المطر ما تزال تساقط على هون.. لكأن السماء تبكي..
وفي موكب التشييع تبادل البعض نفس الحديث حول اقتراب قوّات (البريدي) من بغداد...
سوف تستحيل المدينة مرّة أخرى الى ميدان للنهب والسلب والفرضى.. لقد غادر السلام مدينة السلام..
ولم تكد تمرّ سوى أيام حتى أضحت السماء مسرحاً لتراكم السحب الكابية وبدا الجو مشحوناً بآلاف الصواعق وكانت الغيوم تتشكل تلالاً وجبالاً، وضاعت البحيرات الزرقاء من السماء الصافية..
فجأة اشتعلى البروق.. ودوّت الرعود وانهمر المطر غاضباً لكأنه عزم على اغراق هذه المدينة..
وفي غمرة المشهد الثائر.. كان هناك رجل يبدوفي الأربعين من عمره يشق طريقه في الدروب المقفرة إلا من المطر...
ولو أنصت اولئك المقهورون في تلك اللحظات الزاخرة بالرهبة لسمعوا كلمات تقول:
- ولدت في زمن يصلب الانبياء.. ولهيبه يحرق الفراشات
فغبت.. انني مثلكم انتظر لحظة الظهور.
أجوس خلال الديار..
أرافق الزمان..
انني الوجه الأخضر من التاريخ
ستندثر كل صفحات التاريخ الصفراء..
وستبقى صفحتي مشرقة..
خضراء بلون الربيع..
بلون الحياة..
بلون جنّات الفردوس..
أنا مستقبل الانسان..
أنا الشمس القادمة من قلب السحب الجليد..
والدفء بعد ليالي الزمهرير..
لا تحاصروني بالأساطير.. أنا حيّ بينكم.. أشهد جراحكم..
أبكي لعذاباتكم.. أتألم لضياعكم..
تعالوا اليّ؟!
لآتي اليكم..
ما يزال الرجل آخذاً سمته نحو الأفق المدلهم البعيد.. وقد ظهرت بغداد خلفه في مهب عاصفة رعدية ثائرة.. السماء تشتعل بالبروق.. وضربت صاعقة مدمرة القبة الخضراء، فهوى الفارس الأخضر الذي يتربع عليها منذ سنة ١٤٥ ه(٣١٤).
فيما اجتاحت مياه دجلة لتجتاز الشطآن الغارقة متجهة نحو الأزقة والشوارع التي استحالت الى أنهار غاضبة..
أما البيوت فقد بدت زوارق تائهة.. فيما كان المطر ينهمر بغزارة والرعود تجلجل في الفضاء اللانهائي..
وقد غابت الشمس وراء السحب.

النهاية..

٩ محرم الحرام ١٤٢١

المصادر الرئيسة

- الغيبة للشيخ الطوسي
- كمال الدين للشيخ الصدوق
- منتخب الأثر للصافي الگلبايگاني
- تاريخ الطبري
- تاريخ ابن الاثير
- موسوعة الامام المهدي للشهيد محمد صادق الصدر
- الامام المهدي من المهد الى الظهور للسيد محمد كاظم القزويني.
- احداث التاريخ للدكتور عبدالسلام الترمانيني.
- بحار الأنوار ج ٥٢.

* * *



 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) وقبيل الفجر في منتصف شعبان ولد الامام المنتظر.
(٢) الامام المهدي: (وامّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس اذا غيّبتها عن الابصار السحب). إكمال الدين ٢/ ٤٨٣.
(٣) ركب أحمد بن الخطيب ذات يوم فتظلم اليه متظلم بقصة فأخرج (ابن الخطيب) رجله من الركاب فزج بها في صدر المتظلم فقتله فتحدث الناس بذلك وقال بعض شعراء الزمان مخاطباً الخليفة:

اشكله عن ركل الرجال فإن ترد * * * مالاً فعند وزيرك الأموال

(٤) مروج الذهب: ٤/١٤٦ ط. بيروت لبنان مؤسسة الاعلمي.
(٥) المصدر السابق: ٤/١٤٥.
(٦) البساط الذي كان مسرحاً لاغتيال المتوكل في منتصف الليل.
(٧) الطبري: ٧/ ٤٠٨.
(٨) المصدر السابق: ٧/٤٠٥.
(٩) الطبري: ٧/٤١٣.
(١٠) تاريخ الخلفاء /٣٥٧.
(١١) المصدر السابق.
(١٢) مروج الذهب: ٤/١٤٢ والشاكرية مفردة تعود الى جذر فارسي فيما يبدو ولعل أصلها (شاگردية) لانها تعني الأجير، والخادم وقد اطلقت في بغداد على الجنود المرتزقة الذين يقاتلون في مقابل أجور محددة..
(١٣) المصدر السابق: ٤/١٤٣.
(١٤) المصدر نفسه: ٤/١٤٩.
(١٥) البحار: ٥٠/١٢٦.
(١٦) المصدر السابق: ٥/١٢٥.
(١٧) مروج الذهب: ٤/١٤٦ ط. مؤسسة الاعلمي بيروت ١٩٩١ م.
(١٨) الطبري: ٧/٤١٤.
(١٩) تاريخ الخلفاء: ٣٥٧.
(٢٠) مروج الذهب: ٤/١٤٦.
(٢١) تاريخ الخلفاء: ٣٥٧.
(٢٢) المصدر السابق.
(٢٣) الطبري: ٧/٤١٥.
(٢٤) المصدر السابق: ٧/٤١٧.
(٢٥) موسوعة العتبات المقدسة سامراء: ١٢/٩٥.
(٢٦) قوات من (الشاكرية) الطبري: ٧/٤١٨.
(٢٧) البحار: ١٣/١٣٢.
(٢٨) الكافي: ١/٥٠٠.
(٢٩) المصدر السابق وكان الامام الهادي قد كتب اليه بشأنها: (سوف ترد اليك وما يضرك الاّ تردّ عليك) المصدر السابق.
(٣٠) كان بغا لا يرتدي درعاً في القتال وعندما عُذل في ذلك قال: (رأيت في نومي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جماعة من اصحابه فقال لي: يا بغا! أحسنت إلي في رجل من أمتي فدعا لك بدعوات استجيبت له فيك.. قال: فقلت: يا رسول الله ومن ذلك الرجل؟ قال: الذي خلّصته من السباع، فقلت يا رسول الله سل ربّك أن يطيل عمري.. فرفع يديه نحو السماء وقال: اللهم أطل عمره، وأتم أجله فقلت يا رسول الله خمس وتسعون سنة، فقال رجل كان بين يديه: ويوقّى من الآفات.. فقلت للرجل: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب فاستيقظت من نومي وأنا أقول: علي بن أبي طالب). مروج الذهب: ٤/١٧٤.
(٣١) تاريخ ابن الوردي المجلد الأول /٣٥٠.
(٣٢) الكافي: ١/٥٠١.
(٣٣) المصدر السابق، مروج الذهب: ٤/١٥٦.
(٣٤) الطبري: ٧/٤٢٠.
(٣٥) نوع من الذئاب يعيش في صحاري آسيا الصغرى.
(٣٦) الطبري: ٧/٤٢٤.
(٣٧) المصدر السابق.
(٣٨) يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب:.. أبو الحسين، أمه فاطمة بنت الحسين بن عبد الله من حفيدات جعفر بن أبي طالب..
ثائر من أباة أهل البيت عليهم السلام، اشعل ثورته في عهد الطاغية العباسي المتوكل سنة ٢٣٥ هـ واتجه الى خراسان فرده عبد الله بن طاهر الى بغداد، وتعرض للتعذيب وزج في سجن المطبق الرهيب.. ثم أفرج عنه فيما بعد فاتجه الى الكوفة في عهد (المستعين) واستطاع بعد أن حشد جهد المعارضة من السيطرة على المدينة فأطلق من فيها من السجناء، ورفع شعاره في البيعة الى الرضا من آل محمد، فبايعه الناس وطرد نوّاب الخليفة، وعسكر في الفوجة، واشتبك مع الجيش العباسي وانزل به هزيمة ساحقة.
وتداركت اجهزة الدولة الخطر بارسال تعزيزات عسكرية هائلة وجرت قرب الكوفة معارك ضارية لم تصمد فيها قوّات الثورة وهوى الثائر من فوق فرسه شهيداً فقطع رأسه وارسل الى المستعين.
كان حسن السيرة متديناً، يتمتع بساعدين مفتولين حتى انه اذا سخط على أحد عبيده لوى حول عنقه طوقاً من الحديد فلا يحله غيره.
رثاه كثير من الشعراء من بينهم الشاعر ابن الرومي.
الطبري / حوادث سنة (٢٣٥، ٢٥٠) هـ مروج الذهب: ٤/١٦٠.
(٣٩) الطبري: ٧/٤٥٨.
(٤٠) اشيع عن تمثال الفارس الذي يتربع فوق القبة الخضراء في قصر الذهب انه حيثما يشير برمحه فان هناك ثورة ما.
(٤١) الامام الهادي من المهد الى اللحد: ١٣٧.
(٤٢) حياة الامام الحسن العسكري: ٢٥.
(٤٣) الطبري: ٧/٥.
(٤٤) مروج الذهب: ٤/١٩٠.
(٤٥) المصدر السابق.
(٤٦) المصدر نفسه.
(٤٧) اثبات الوصية ط انصاريان ايران: ٢٤٥.
(٤٨) المصدر السابق.
(٤٩) المصدر نفسه.
(٥٠) الطبري: ٧/٥١١ - ٥١٢.
(٥١) المصدر السابق: ٧/٤٧٨.
(٥٢) المصدر نفسه: ٧/٥١٤.
(٥٣) حياة الامام الهادي دراسة وتحليل: ١٦٣.
شهد مطلع النصف الثاني من القرن الثالث الهجري سلسلة من الثورات والقلاقل الداخلية.. كانت ثورة الزنوج في جنوب العراق اكثرها عنفا وأطولها زمناً اذ استمرت ١٥ سنة (٢٥٥ - ٢٧٠ هـ).
(٥٤) محفظة نقود.
(٥٥) يمكن دراسة المدونات الشيعية في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي واكمال الدين، للشيخ الصدوق ودراسة الحقبة الزمنية التي اكتنفت حوادث مصرع الامبراطور ميخائيل الثالث ونهاية حكم الاسرة العمورية.
(٥٦) سفر الرؤيا: ١٢/١، ٥، الكتاب المقدس ط سنة ١٩٨٣ بالاستناد الى عقيدة المسيح الدجال سعد أيوب: ١٠٠.
(٥٧) الطبري: ٧/٣٧٦.
(٥٨) وقعت بين (٢٤٩ - ٢٥٣) هـ اشتباكات حدودية بين الروم والدولة الاسلامية راجع تاريخ (الطبري) حوادث الاعوام المذكورة وكذا تاريخ (ابن الأثير).
(٥٩) الطبري: ٧/٥١٢.
(٦٠) المصدر السابق.
(٦١) كان السفير الأول للامام المهدي يعمل في تجارة الزيت واشتهر باسم السمّان. الإمام المهدي من المهد الى الظهور: ١٩٧.
(٦٢) الطبري: ٧/٥١٨.
(٦٣) المصدر السابق: ٥١٩.
(٦٤) جعفر المعروف بالكذاب ظهرت عليه دلالات الانحراف في حياة والده، خاصّة في علاقاته مع موظفي البلاط وصداقته لبعض الشبّان النزقين.
(٦٥) كان الامام الحسن العسكري شديد الشبه بوالده / اثبات الوصية: ٢٤٣.
(٦٦) بالرغم من تفاقم القلاقل الداخلية في الدولة الاسلامية فقد ظلت موازين القوى في الصراع مع الروم في صالح الاسلام، وكانت غارات الروم عادة ما تمنى بالفشل والتنازل عن المزيد من الأراضي.
(٦٧) فتاتان تعيشان في منزل الامام الهادي عليه السلام.
(٦٨) الامام المهدي من المهد الى الظهور: ١١٨.
(٦٩) سفر الرؤيا: ١٢/١٣.
(٧٠) كنز العمال: ج ٧، فرائد السمطين: ج٢، بحار الانوار: ٥١/٧١.
(٧١) يصادف ١ محرم الحرام ٢٥٤ هـ ١ كانون الثاني سنة ٨٦٨ احداث التاريخ الاسلامي: ٢/١٢٩.
(٧٢) ابن الاثير: ٧/١٨٦ - ١٨٧.
(٧٣) الطبري: ٧/٥١٩.
(٧٤) افغانستان في العصر الحاضر.
(٧٥) مدينة تقع شرق ايران.
(٧٦) مروج الذهب: ٤/١٩٤.
(٧٧) تاريخ الغيبة الصغرى: ٣٩١.
(٧٨) الغيبة للشيخ الطوسي: ٢١٥.
(٧٩) ابن الاثير: ٧/١٨٩، الطبري: ٧/٥١٩.
(٨٠) مروج الذهب: ٤/٨٦، دلائل الامامة للطبري: ٢١٦.
(٨١) الكافي / كتاب الاطعمة والاشربة.
(٨٢) مروج الذهب: ٤/١٨٤.
(٨٣) الغيبة الصغرى محمد الصدر: ٢٥٩.
(٨٤) حياة الامام علي الهادي دراسة وتحليل: ١٥١.
(٨٥) الحاوي للسيوطي: ٢/٢٢٣.
(٨٦) تاريخ الغيبة الصغرى: ١٣٢، كمال الدين: ٢/٤٢٧.
(٨٧) لقب طلحة بـ (الموفق) بعد نجاحه في تركيع المستعين واجباره على التنازل عن الخلافة / مروج الذهب.
(٨٨) اثبات الوصية ط انصاريان: ٢٤٣.
(٨٩) المصدر السابق.
(٩٠) جعفر الكذاب وكان مع الأسف طائشاً سبب الكثير من المتاعب لأخيه.
(٩١) يعتقد البعض بأن محنة أهل البيت عليهم السلام بدأت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجتماع السقيفة الذي أسفر عن أقصاء الامام علي عن الخلافة وقد حصل ذلك يوم الاثنين كما هو معروف.
(٩٢) الطبري: ٧/٥٢٢.
(٩٣) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/١٢٧.
(٩٤) اثبات الوصية: ٢٣٣.
(٩٥) من المثير جداً ان هؤلاء جميعاً كانوا مسيحيين حاقدين على الاسلام كما أن المعتز نفسه قد تربى ونشأ في كنف ابن اسرائيل!!
(٩٦) الطبري: ٧/٥٢٧.
(٩٧) المصدر السابق: ٧/٥٢٥.
(٩٨) أخبار الدول: ١١٧، سفينة البحار: ١/٢٥٩.
(٩٩) المناقب لابن شهر اشوب: ٥٣١ - ٥٣٦.
(١٠٠) المصدر السابق.
(١٠١) يصادف شهر رجب سنة ٢٥٥ هـ تموز سنة ٨٦٨ م.
(١٠٢) المناقب: ٣/٥٣١.
(١٠٣) الطبري: ٧/٥٢٦.
(١٠٤) المصدر السابق: ٧/٥٣٤.
(١٠٥) نوع من الاسلحة المستخدمة آنذاك.
(١٠٦) الطبري: ٧/٥٢٩.
(١٠٧) المصدر السابق.
(١٠٨) المصدر نفسه.
(١٠٩) المصدر نفسه.
(١١٠) وكانت ولايته (المهتدي) والدنيا كلها من أرض الاسلام مفتونة. الطبري: ٧/٥٣٩.
(١١١) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/١٣٤.
(١١٢) تاريخ بغداد: ١٢/٢١٢، الاعلام: ٥/١٣٩.
(١١٣) الطبري ٧/٥٣٩.
(١١٤) تاريخ العباسيين: ٦٤٣.
(١١٥) اصول الكافي: ١/٥٠٨.
(١١٦) احمد بن ابراهيم بن طباطبا.
(١١٧) الطبري: ٧/٥٦٧.
(١١٨) المصدر السابق: ٧/٥٤١.
(١١٩) مهج الدعوات: ٤٤.
(١٢٠) حياة الامام الحسن العسكري دراسة وتحليل: ٢٥٢.
(١٢١) سفينة البحار: ٢/١٥٨.
(١٢٢) قائد عسكري يعمل تحت إمرة (موسى بن بغا) القائد العام للجيوش المرابطة في ايران.
(١٢٣) حياة الامام الحسن العسكري دراسة وتحليل: ٢٠٥ - ٢١٣.
(١٢٤) ويعدّ هذا المقطع اكبر ادانة لشرعية الحكم العباسي.
(١٢٥) نرى في هذا المقطع الهام اشارة واضحة الى تسنم أهل الذمة من النصارى واليهود مناصب ومسؤوليات كبيرة في ادارة البلاد، وهو ما سجلته الرواية في طغمة الأربعة في حكم المعتز وفي طليعتهم: ابن اسرائيل رئيس الوزراء، أو نوح بن مخلد، اضافة الى المعتز.
(١٢٦) مهج الدعوات: ٦٣ - ٦٧.
(١٢٧) قائد عسكري يعمل تحت إمرة (موسى بن بغا) وكان المهتدي قد عرض على بايكباك اغتياله أيضاً.
(١٢٨) تاريخ الغيبة الصغرى: ١٧٤، مهج الدعوات: ٢٧٤.
(١٢٩) انفق المتوكل على بناء مجموعة قصوره مبالغ طائلة كلّفت خزانة الدولة عشرات الملايين.
(١٣٠) الطبري: ٧/٤٨٨.
(١٣١) المصدر السابق: ٧/٥٩٧.
(١٣٢) حياة الامام الحسن العسكري دراسة وتحليل: ٢٠.
(١٣٣) تاريخ الغيبة: ٢٢٣.
(١٣٤) وقعت حوادث هذا الفصل في تموز سنة ٨٧٠ م شعبان سنة ٢٥٦ هـ.
(١٣٥) الغيبة الصغرى: ٢٦١ - ٢٦٨.
(١٣٦) سفر التكوين: ١٧/٢٠ بالاستناد الى (الكتاب المقدس تحت المجهر)، عودة مهاوش الاردني: ١٥٢.
(١٣٧) الغيبة الصغرى: ٢٦٩.
(١٣٨) المصدر السابق.
(١٣٩) بحار الانوار: ٥١/٢٨.
(١٤٠) كمال الدين: ٢/٤٣٤.
(١٤١) الغيبة الصغرى: ٢٨٤.
(١٤٢) المصدر السابق: ٢٨٥.
(١٤٣) المصدر نفسه.
(١٤٤) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/١٤٧.
(١٤٥) اثبات الوصية: ٢٥١.
(١٤٦) قصر منيف بناه المتوكل واهداه الى ابنه المعتز بمناسبة ختان الأخير.
(١٤٧) تاريخ ابن الاثير: ٥/٣٦٥، الغيبة الصغرى: ١٩٤.
(١٤٨) موسوعة العتبات المقدسة ١٢ سامراء: ٨٥، ٢٠٩.
(١٤٩) حياة الامام الهادي دراسة وتحليل: ٢٣٩.
(١٥٠) تاريخ الطبري: حوادث سنة ٢٥٨ هـ.
(١٥١) حياة الامام الحسن العسكري دراسة وتحليل: ١٧.
(١٥٢) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/١٦٥.
(١٥٣) الغيبة الصغرى: ١٧٦.
(١٥٤) اثبات الوصية: ٢٥٤.
(١٥٥) كمال الدين: ٢٢٨.
(١٥٦) اثبات الوصية: ٢٥٦.
(١٥٧) منتخب الاثر في الامام الثاني عشر / لطف الله الصافي الكلبايكاني: ٤٢٨.
(١٥٨) اثبات الوصية: ٢٥٦.
(١٥٩) تاريخ الطبري / حوادث سنة ٢٥٨.
(١٦٠) المصدر السابق.
(١٦١) اثبات الوصية: ٢٥٦.
(١٦٢) كشف الغمة: ٣/٢٢٢، المناقب: ٤٣٧، اعلام الورى: ٣٧٨.
(١٦٣) المصادر السابقة.
(١٦٤) اثبات الوصية: ٢٦٦.
(١٦٥) جوهرة الكلام: ١٥٤، اخبار الدول: ١١٧.
(١٦٦) تاريخ الطبري / حوادث سنة (٢٥٩ - ٢٦٠) هـ
(١٦٧) المناقب: ٤/ ٤٢٤.
(١٦٨) هنري توماس: (يقول الكندي: اذا كانت الفلسفة معرفة حقائق الاشياء فلا يوجد أدنى اختلاف بين الدين والفلسفة فالفلسفة... معرفة الحقيقة، والدين معرفة الحق.. فإذا كان الكفر يعني انكار الحقائق الدينية، فإن منكر الفلسفة هو الآخر يكون كافراً.
ولكن الاشكالية تبرز لدى ظهور تناقض بين الفلسفة وآيات القرآن فكيف يمكن رفع الاشكال؟
يقترح الكندي طريقة للحل وهي: التأويل، وباعتقاد الكندي ان المفردات العربية تنطوي على معنيين: حقيقي ومجازي ومن هنا يجب تأويل كثير من آيات القرآن بالمعنى المجازي وبهذا ترتفع كل اشكال التناقضات بين الفلسفة والفكر الديني) عمالقة الفلسفة / هنري توماس بالاستناد الى الترجمة الفارسية: بزركان فلسفة / فريدون بادائي. حياة فكرى وسياسى ائمة شيعة / رسول جعفريان: ٥٥٧.
(١٦٩) المناقب: ٣/٥٣٠.
(١٧٠) من خلال مدوّنات المسعودي في اثبات الوصية، وتسجيله حادثة مرافقة الامام المهدي (صبياً في الخامسة من عمر) لجدته، وهي أم الامام الحسن العسكري وكان الامام الحسن قد طلب من والدته الحج سنة ٢٥٩ هـ. من خلال ذلك يمكن استنتاج عودة المهدي مع الوكيل وحضوره وفاة والده.
(١٧١) تاريخ سامراء: ٢/٢٥١، تاريخ الغيبة الصغرى: ٢٩٩.
(١٧٢) الارشاد: ٣٢٠.
(١٧٣) (سألت امرأة الامام الهادي عندما رأت حزنه يوم ولادة جعفر عن السر؟ فقال: هوّني عليك وسيضلّ به خلق كثير) كشف الغمة: ٣/١٧٥.
(١٧٤) وكان الامام الهادي قد حذر اصحابه بالابتعاد عن جعفر قائلاً: تجنبوا ابني جعفرا، فانه بمنزلة نمرود من نوح الذي قال الله عز وجل فيه: ان ابني من أهلي قال الله يا نوح انه ليس من أهلك انه عمل غير صالح) تاريخ سامراء: ٢/٢٥١.
(١٧٥) اعلام الورى: ٣٦٠، الارشاد: ٣٢٤، الغيبة الصغرى: ٢٩٠.
(١٧٦) الارشاد: ٣٨٣.
(١٧٧) يصادف ٨ ربيع الأول ٢٦٠ هـ كانون الثاني ٨٧٤ م / احداث التاريخ الاسلامي: ٢/١٦٩.
(١٧٨) الغيبة للشيخ الطوسي: ١٦١، البحار: ٥٢/١٢، الزام الناصب: ١٠٨.
(١٧٩) كان يعمل في منزل الامام الحسن الذي حمّله مجموعة رسائل هامّة الى المدائن وأن يأتي بأجوبتها الى من سيطالبه بها. كمال الدين: ٢/٤٧٥ ط طهران ١٣٩٥.
(١٨٠) الغيبة للطوسي: ٢١٥.
(١٨١) المصدر السابق: ٢١٦.
(١٨٢) حاجز الوشاء كمال الدين: ٢/٤٧٥.
(١٨٣) الارشاد: ٣٨٣.
(١٨٤) دائرة المعارف للبستاني: ٧/٤٥.
(١٨٥) الفصول للمفيد: ٣٦٠.
(١٨٦) الامام المهدي من المهد الى الظهور: ١٩٠.
(١٨٧) اشارة الى حكايات ألف ليلة وليلة.
(١٨٨) الارشاد للمفيد: ٣٢٠.
(١٨٩) الغيبة الصغرى: ٣٠٩.
(١٩٠) المصدر السابق.
(١٩١) المصدر نفسه: ٣١٤.
(١٩٢) المصدر نفسه: ٣٩٨.
(١٩٣) كمال الدين: ٢/٤٨٢ ح ٤٥.
(١٩٤) الغيبة للطوسي: ١٦٤، الغيبة الصغرى: ٥٤٢.
(١٩٥) تاريخ الطبري الحوادث بين سنة ٢٦١ - ٢٦٣ هـ
(١٩٦) المصدر السابق.. وسوف نجد (رشيق) هذا يعمل في جهاز المعتضد وسيكلفه الأخير بمهمة اغتيال الامام المهدي في منزله بسامراء. الإمام المهدي من المهد الى الظهور: ٢٣٣، الغيبة للطوسي: ٢٤٩.
(١٩٧) الغيبة الصغرى: ٢٣٩.
(١٩٨) الغيبة للشيخ الطوسي: ٢١٩ ط. طهران ١٣٩٨ هـ.
(١٩٩) الارشاد: ٣٣٠، اعلام الورى: ٣٩٦.
(٢٠٠) يوم الخلاص: ١٦٥.
(٢٠١) يعني والده الراحل.
(٢٠٢) البحار: ٥١/٣٤٩، الغيبة للطوسي: ٢١٩، يوم الخلاص: ١٦٨.
(٢٠٣) المصادر السابقة.
(٢٠٤) الخليفة المعتضد منذ سنة ٢٧٩ عام تسنمه الحكم.
(٢٠٥) رشيق غلام المعتضد الذي سيقوم في سنة ٢٨٠ هـ بمهمة اغتيال الامام المهدي في سامراء.
(٢٠٦) يصادف ذو الحجة من سنة ٢٦٨ هـ حزيران عام ٨٨٢ م.
(٢٠٧) البحار: ١٣/١٢٣.
(٢٠٨) تاريخ الطبري: حوادث سنة ٢٦٩.
(٢٠٩) الامام المهدي من المهد الى الظهور: ٢١٤.
(٢١٠) رجال الكشي: ٤٥٠ ط. النجف الأشرف.
وكان ابن هلال قد اعترف بسفارة عثمان بن سعيد وانكر سفارة ابنه محمد بن عثمان بحجة انه لم يسمع نصا بالوكالة له. غيبة الشيخ الطوسي: ٢٤٥.
(٢١١) الغيبة الصغرى: ٥٠٧.
(٢١٢) المصدر السابق: ٥٠٤ - ٥٠٦.
(٢١٣) ابن الاثير: ٦/٦١.
(٢١٤) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٢٣٠.
(٢١٥) المصدر السابق: ٢٣٦.
(٢١٦) الطبري حوادث سنة ٢٧٦ هـ
(٢١٧) المصدر السابق حوادث سنة ٢٧٨ هـ
(٢١٨) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٢٦١.
(٢١٩) تاريخ بغداد: ٤/٦٠، تاريخ الخلفاء: ٢٦٥.
(٢٢٠) مروج الذهب: ٢٤٧ ط. مؤسسة الأعلمي بيروت.
(٢٢١) انفق على بناء قصر (الثريا) ٠٠٠/٤٠٠ دينار (المصدر السابق).
(٢٢٢) المصدر نفسه.
(٢٢٣) المصدر نفسه.
(٢٢٤) الغيبة للشيخ الطوسي: ١٧١، الغيبة الصغرى: ٥٩٦.
(٢٢٥) الغيبة الصغرى: ٦٢٩.
(٢٢٦) اعلام الورى: ٤٢١.
(٢٢٧) الغيبة الصغرى: ٦٢٩.
(٢٢٨) الامام المهدي من المهد الى الظهور: ٢٣٥.
(٢٢٩) يمكن مراجعة الفصول الأولى من رواية: (تراتيل في زمن الذئاب) التي تشتمل على تفاصيل في كيفية بناء سامراء.
(٢٣٠) صحيح مسلم: باب الايمان - باب نزول عيسى بن مريم: ٢/٥٠٠، مسند أحمد: ٢/٣٣٦ ط. مصر ١٣١٢هـ
(٢٣١) الغيبة الصغرى: ٥٥٧.
(٢٣٢) بحار الانوار: ٥٢/٥٢ - ٥٣.
(٢٣٣) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٢٧٢.
(٢٣٤) المصدر السابق.
(٢٣٥) يعقوب بن يوسف الضراب الغساني / الغيبة للطوسي ط قم مؤسسة المعارف الاسلامية.
(٢٣٦) يصادف ذو الحجة الحرام سنة ٢٨١ هـ شباط ٨٩٤ م. أحداث التاريخ الاسلامي: ٢/٢٧٢.
(٢٣٧) تاريخ الطبري حوادث سنة ٢٨١ هـ
(٢٣٨) تاريخ الطبري: ١٠/٤٠ ط دار التراث العربي بيروت.
(٢٣٩) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٢٧٥.
(٢٤٠) المصدر السابق.
(٢٤١) تاريخ الطبري: ١٠/٤٢.
(٢٤٢) الغيبة للشيخ الطوسي: ٢٨٤، البحار: ٥١/٣١٢ ح ٣٦.
(٢٤٣) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٢٨٢.
(٢٤٤) المصدر السابق: ٢/٢٧٩.
(٢٤٥) الطبري: ١٠/٤٦.
(٢٤٦) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٢٨٠.
(٢٤٧) مروج الذهب: ٤/٢٧٧.
(٢٤٨) المصدر السابق.
(٢٤٩) المصدر نفسه.
(٢٥٠) المصدر نفسه: ٤/٢٦٧.
(٢٥١) تاريخ الطبري: ١٠/٦٧ حوادث سنة ٢٨٥ هـ
(٢٥٢) الغيبة الصغرى: ٥٧٤، بحار الانوار: ١٣/١١٢، ينابيع المودة: ٤٦٤.
(٢٥٣) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٣١٥.
(٢٥٤) الطبري / حوادث سنة ٢٨٩ هـ
(٢٥٥) أحداث التاريخ الاسلامي: ٢/٣٣٥.
(٢٥٦) في عام ٢٩٣ أغار الروم على مدينة حلب وأحرقوا جامعها. المصدر السابق: ٢/٣٥٠.
(٢٥٧) الغيبة للشيخ الطوسي: ٢٥٩ ح٢٢٧.
(٢٥٨) المصدر السابق: ٢٥٦ ح٢٢٤.
(٢٥٩) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٣٥٧ وقد لقي زكرويه هذا حتفه في معركة مع جيش الخلافة.
(٢٦٠) تاريخ ابن الوردي: ١/٣٧٢ ط دار المعرفة بيروت.
(٢٦١) المصدر السابق: ١/٣٧٣.
(٢٦٢) المصدر نفسه.
(٢٦٣) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٤٠٩.
(٢٦٤) المصدر نفسه.
(٢٦٥) الغيبة الصغرى: ٥٢٩.
(٢٦٦) تاريخ الطبري: ١٠/١٥١ ط. دار التراث بيروت.
(٢٦٧) الغيبة الصغرى: ٤٠٧ بالاستناد الى غيبة الشيخ الطوسي: ٢٢٤.
(٢٦٨) يعرف اليوم بـ (جامع الخلاّني).
(٢٦٩) الغيبة للشيخ الطوسي: ٢٢٧.
(٢٧٠) المصدر السابق: ٣٦٩ ط مؤسسة المعارف الاسلامية.
(٢٧١) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٤٢٥.
(٢٧٢) المصدر السابق: ٢/٤٣٤ - ٤٣٦.
(٢٧٣) يؤكد البعض صدور توقيع من الامام المهدي بلعنه / روضات الجنات: ٣/١٤٤ ط اسماعيليان - ايران.
(٢٧٤) الورّاق: الذي يقوم بعملية استنساخ الكتب، وللورّاقين سوق كبرى في بغداد آنذاك.
(٢٧٥) روضات الجنّات: ١٤٨ - ١٤٩ بالاستناد الى وفيات الاعيان: ١/٤٠٥.
(٢٧٦) تاريخ ابن الاثير: ٨/٢٩٤ ط دار صادر بيروت.
(٢٧٧) المصدر السابق.
(٢٧٨) المصدر نفسه: ٨/٢٩٢.
(٢٧٩) الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ٢/٤٧٤ ط بيروت ١٤٠١.
(٢٨٠) ندانم (فارسية): لا أعرف.    
(٢٨١) ابن الاثير: ٨/١٥٥.
(٢٨٢) الغيبة للشيخ الطوسي: ٣٨٦، البحار: ٥١/٣٥٧.
(٢٨٣) الغيبة الصغرى: ٤١١.
(٢٨٤) الغيبة للطوسي: ٣٨٤.
(٢٨٥) المصدر السابق: ٣٨٥.
(٢٨٦) المصدر نفسه: ٣٨٨، البحار: ٤٣/٣٧، مناقب ابن شهر اشوب: ٣/٣٢٣.
(٢٨٧) قام الخليفة المقتدر بحوالي ٣٠ عملية تغيير في الوزارة كان مصير بعض الوزراء القتل والسجن والمصادرة، ولم يمكث أي وزير في عمله حولين كاملين!! راجع أحداث التاريخ الاسلامي منذ سنة ٢٨٩ وحتى مصرع الخليفة.
(٢٨٨) ابن الاثير: ٨/١٦٧.
(٢٨٩) المصدر السابق: ٨/١٧١.
(٢٩٠) المصدر نفسه: ٨/١٧٤.
(٢٩١) يقول المهدي المنتظر: (وامّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الابصار السحب). كمال الدين: ٢/٤٨٣ - ٤٨٥.
(٢٩٢) ابن الاثير: ٨/١٨٧.
(٢٩٣) المصدر السابق: ٨/٢٥٦.
(٢٩٤) المصدر نفسه: ٨/٢٧٩.
(٢٩٥) وقعت الحركة الانقلابية في ٦ جمادى الأولى ٣٢٢ هـ نيسان ٩٣٤ م.
(٢٩٦) الامام المهدي من المهد الى الظهور.
(٢٩٧) ابن الاثير: ٨/٢٩٤.
(٢٩٨) ابن الاثير: ٨/٢٩١.
(٢٩٩) المصدر السابق: ٨/٢٩٤.
(٣٠٠) الغيبة الصغرى: ٣٩٠، البحار: ٥١/٣٥٨.
(٣٠١) من المحتمل أن الخليفة كان يقصد (المروزي أبا بكر المتوفى سنة ٢٧٥ هـ وكان من مريدي أحمد بن حنبل).
(٣٠٢) ابن الاثير: ٨/٣٠٨.
(٣٠٣) المصدر السابق: ٨/٢٩٢ - ٢٩٤.
(٣٠٤) المصدر نفسه: ٨/٣٠٧ - ٣٠٨.
(٣٠٥) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٥٣٢.
(٣٠٦) المصدر السابق: ٢/٥٥٧.
(٣٠٧) ابن الاثير: ٨/٣٦٤.
(٣٠٨) احداث التاريخ الاسلامي: ٢/٥٥٨.
(٣٠٩) علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي أبو الحسن.. من شيوخ الشيعة الامامية في عصره؛ ولد في قم وتوفي فيها من مؤلفاته كتاب (التوحيد)، (الامامة) و(التفسير) وله رسالة في الشرائع.
(٣١٠) الغيبة للشيخ الطوسي: ٣٥٦.
(٣١١) المنتظم: ٣٤٩، رجال النجاشي: ٦٢٦، ٦٨٤.
(٣١٢) الغيبة للطوسي: ٣٩٥.
(٣١٣) اقيمت صلاة الاستسقاء في بغداد سنة ٣٢٩ وهطل مطر قليل (لم يجر منه ميزاب) ابن الاثير: ٨/٣٧٧.
(٣١٤) تاريخ بغداد: ١/٧٣ ط المكتبة السلفية.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ١ / ٥.٠
 التعليقات
الإسم: علي سعد ا
النص: نشكر مركز الدراسات التخصصية على الموسوعات الشاملة لتكون برهان على سبقكم في هذا الميدان
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١٠/٢٨ ٠٥:١٧ م
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016