فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الإمام المهدي عليه السلام في القرآن والسنة
 كتب أخرى

الكتب الإمام المهدي عليه السلام في القرآن والسنة

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: سعيد أبو معاش تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٣٥٩١٣ التعليقات التعليقات: ١

الإمام المهدي عليه السلام في القرآن والسنة

تأليف: سعيد أبو معاش

فهرس الموضوعات

الإهداء
شكر وتقدير
المقدّمة
الاعتقاد بالمهديّ المنتظر عليه السّلام
القرآن الكريم والاعتقاد بالمهديّ المنتظر عليه السّلام
السّنّة والاعتقاد بالمهديّ المنتظر عليه السّلام
شبهات حول المهديّ عليه السّلام
تمهيد
أصل الإمامة في الإسلام
لا تخلو الأرض من حجّة
الإمام المهديّ عليه السّلام خاتم الأئمّة عليهم السّلام
مقدّمة المؤلّف
سورة البقرة
كلام الشيخ الصدوق في الغيبة
وجوب معرفة المهديّ عليه السّلام
إثبات الغيبة والحكمة فيها
تحقيق للعلاّمة الكراجكيّ في الغيبة وسببها
كلام الشيخ الصدوق في الآية
الخليفة قبل الخليقة
وجوب طاعة الخليفة
ليس لأحد ان يختار الخليفة إلاّ اللّه عزّ وجلّ
وجوب وحدة الخليفة في كلّ عصر
لزوم وجود الخليفة
وجوب عصمة الإمام
المهديّ عليه السّلام كلمة من كلمات اللّه عزّ وجلّ
مع المهديّ عليه السّلام حجر موسى عليه السّلام
الخزي لأعداء اللّه في عهد المهديّ عليه السّلام
تأويل وجه اللّه تعالى بالمهديّ عليه السّلام
المهديّ عليه السّلام يستخرج تابوت السّكينة
تشبيه غيبة المهديّ عليه السّلام بغيبة داود عليه السّلام
مثل المهديّ عليه السّلام مثل العزير عليه السّلام
الحكمة هي معرفة القائم عليه السّلام
المهديّ عليه السّلام في ضحضاح من نور عن يمين العرش
سورة آل عمران
فضل التقيّة في عصر الغيبة
انّ الجفنة الّتي أنزلت على فاطمة عليها السّلام من مواريث المهديّ عليه السّلام
المهديّ عليه السّلام يكلّم الناس في المهد
عيسى عليه السّلام يصلّي خلف المهديّ عليه السّلام
الرجعة في زمن المهديّ عليه السّلام
الإسلام يعمّ الأرض في زمان المهديّ عليه السّلام
ولاية المهديّ عليه السّلام هي الحرم الآمن
يؤلّف اللّه بين القلوب بالمهديّ عليه السّلام
أصحاب المهديّ عليه السّلام بعدد أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه واله ببدر
ملائكة بدر ينصرون المهديّ عليه السّلام
دولة القائم عليه السّلام دولة اللّه عزّ وجلّ
المرابطة في انتظار الإمام المهديّ عليه السّلام
سورة النساء
تشبيه غيبة المهديّ عليه السّلام بغيبات عيسى عليه السّلام
سورة المائدة
تيه المسلمين في غيبة المهديّ عليه السّلام كتيه بني إسرائيل
خزي الكفّار على يد المهديّ عليه السّلام
رجوع النصارى للتوحيد عند ظهور المهديّ عليه السّلام
سورة الأنعام
خروج السفياني من المحتوم
آية طلوع الشمس من مغربها عند ظهور المهديّ عليه السّلام
وقوع الفتن قبل ظهور المهديّ عليه السّلام
آيات قبل ظهور المهديّ عليه السّلام
انتظار الفرج عبادة
سورة الأعراف
وجه الشبه بين غيبة صالح عليه السّلام وغيبة المهديّ عليه السّلام
عصا موسى عليه السّلام من مواريث المهديّ عليه السّلام
إنّ دولة آل محمّد صلّى اللّه عليه واله وسلم آخر الدول
الشبه بين غيبة المهديّ عليه السّلام وغيبة موسى عليه السّلام
دلالة الآية على الرجعة
المهديّ عليه السّلام يضع الأغلال والآصار عن المؤمنين
المهديّ عليه السّلام هو الهادي إلى الحقّ والشاهد على الناس
مثل القائم عليه السّلام كمثل الساعة
النهي عن التوقيت
سورة الأنفال
المهديّ عليه السّلام أمان لأهل الأرض والسماء
كلام للشيخ الصدوق
المهديّ عليه السّلام أولى في كتاب اللّه
سورة التوبة
حتميّة التمحيص
المخالفون يعطون الجزية في زمان المهديّ عليه السّلام
المهديّ عليه السّلام نور اللّه في الأرض
ظهور الإسلام على الأديان كلّها في زمن المهديّ عليه السّلام
استخراج كنوز الأرض في زمان المهديّ عليه السّلام
المهديّ عليه السّلام من الصادقين
سورة يونس
المهديّ عليه السّلام هو الوعد الحق
المسخ لأعداء اللّه قبل ظهور المهديّ عليه السّلام
سورة هود
من علامات الظهور النداء من السماء
شبه غيبة المهديّ عليه السّلام بغيبة نوح عليه السّلام
المهديّ عليه السّلام بقيّة اللّه في الأرض
سورة يوسف
فضل انتظار ظهور المهديّ عليه السّلام
شبه غيبة المهديّ عليه السّلام بيوسف عليه السّلام
ظهور المهديّ عليه السّلام بعد اليأس
سورة الرعد
طوبى للمؤمنين بالمهديّ عليه السّلام في غيبته
كلام للشيخ الصدوق في معنى الحديث
سورة إبراهيم
المهديّ عليه السّلام من نعم اللّه تعالى
سورة الحجر
رجم الشيطان في عهد المهديّ عليه السّلام
الوقت المعلوم يوم قيام القائم عليه السّلام
المهديّ عليه السّلام من المتوسّمين
سورة النحل
أمر اللّه هو ظهور المهديّ عليه السّلام
وجوب الإيمان بالرجعة
خروج المهديّ عليه السّلام هو أمر اللّه
في رجعة الشيعة مع المهديّ عليه السّلام
المهديّ عليه السّلام يوحى إليه كما أوحي إلى مريم
سورة الإسراء
النصّ على المهديّ في إسراء النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلم
العباد المبعوثون في زمان المهديّ عليه السّلام في الكرّة
سلمان من أنصار المهديّ عليه السّلام في الكرّة
المهديّ عليه السّلام هو وليّ دم الحسين عليه السّلام المظلوم
سورة الكهف
دلالة الآية على الرجعة في زمن المهديّ عليه السّلام
شبه غيبة المهديّ بغيبة الخضر عليهما السّلام
انّ المهديّ عليه السّلام مثل ذي القرنين يظهر بعد غيبة
سورة مريم
دلالة الآية على إمامة الحجّة عليه السّلام وهو صبيّ
ذكر من شاهد القائم عليه السّلام ورآه وكلّمه وهو طفل
شبه غيبة المهديّ عليه السّلام بغيبة إبراهيم عليه السّلام في اعتزاله
كلام الشيخ الصدوق
سورة طه
شباهة مولد الحجّة بخفاء مولد موسى عليهما السّلام
أخذ ميثاق الأنبياء على الإقرار بالمهديّ عليه السّلام
خزي النّصّاب في الرجعة
سورة الأنبياء
هل يمكن للأمّة اختيار الإمام المعصوم
في المهديّ عليه السّلام سنّة من أيّوب عليه السّلام
إثبات الرجعة في عهد المهديّ عليه السّلام
المهديّ عليه السّلام وأصحابه يرثون الأرض
سورة الحجّ
المهديّ عليه السّلام أمان لأهل الأرض
سورة المؤمنون
سورة النور
أئمّة أهل البيت عليهم السّلام هم المستضعفون في الأرض
سورة الفرقان
سورة الشعراء
بعض علامات الظهور
سورة النمل
خروج دابّة الأرض في آخر الزمان
سورة القصص
الإمام المهديّ عليه السّلام يقرأ الآية عند مولده الشريف
صورة ثانية لحديث المولد الشريف
كلام للمحدّث الجليل الشيخ حسين بن عبد الوهاب
سورة العنكبوت
بيان للمجلسيّ
سورة الروم
سورة لقمان
الإمام الغائب هو نعمة اللّه الباطنة
الإمام المهديّ عليه السّلام يخبر بالغيب
سورة السجدة
سورة الأحزاب
المهديّ عليه السّلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم
ابتلاء المؤمنين في غيبة المهديّ عليه السّلام
المهديّ من أهل البيت
مولد الإمام المهديّ عليه السّلام طاهرا مطهّرا
سورة سبأ
الخسف بجيش السفيانيّ
سورة فاطر
المهديّ عليه السّلام أمان لأهل السماء والأرض
سورة يس
سورة الصافّات
سورة ص
سورة الزمر
سورة غافر
سورة فصّلت
الشيعة الثابتون على القول بالإمامة
سورة الشورى
المهديّ عليه السّلام ممّن نزلت فيه آية المودّة
سورة الزخرف
نزول عيسى عليه السّلام
سورة الدخان
دلالة الآية على وجوب وجود إمام العصر عليه السّلام وحياته
الإمام المهديّ عليه السّلام صاحب ليلة القدر في عصرنا هذا
قصة الدجّال وخروجه عند العامّة
سورة الجاثية
آل محمّد صلّى اللّه عليه واله هم أيّام اللّه
سورة الأحقاف
سورة محمّد
أشراط الساعة
سورة الفتح
البيعة للقائم عليه السّلام
سورة ق
سورة الذاريات
سورة الطور
عهد من اللّه ورسوله وأمير المؤمنين للمهديّ عليه السّلام
سورة القمر
سورة الرحمن
سورة الحديد
سورة المجادلة
الروح القدس مع الحجّة والأئمّة الطاهرين عليهم السّلام
سورة الممتحنة
سورة الصفّ
سورة التغابن
سورة الطلاق
سورة الملك
سورة القلم
سورة المعارج
سورة الجنّ
الإمام المهديّ عليه السّلام ينبئ بالغيب عن اللّه عزّ وجلّ
سورة المدّثّر
سورة الإنسان
إشاءة الأئمّة عليهم السّلام من إشاءة اللّه عزّ وجلّ
سورة النازعات
سورة التكوير
تفسير للمجلسيّ
مولد المهديّ عليه السّلام برواية ابن حمزة
سورة الانشقاق
سورة البروج
سورة الغاشية
سورة الفجر
سورة الشمس
سورة الليل
سورة الضحى
فضل تعليم الشيعة في غيبة الإمام المهديّ عليه السّلام
سورة القدر
مقدّرات السنة تتنزّل على أئمّة أهل البيت عليهم السّلام
نزول الملائكة على الأئمّة عليهم السّلام في كلّ عام
نتيجة وفائدة مهمّة
سورة البيّنة
سورة التكاثر
المهديّ عليه السّلام هو النعيم الّذي يسأل عنه
سورة العصر
سورة النصر
وظيفة الفرد المؤمن في عصر الغيبة
انتظار الفرج
على العالم أن يظهر علمه
الدعاء لتعجيل الفرج
زيارته صلوات اللّه عليه
الدعاء عقيب هذا القول
«زيارة الحجّة يوميّا بعد فريضة الصبح»
الاستغاثة بالحجّة صاحب العصر عليه السّلام
مناجاة للتشرف برؤيا النبيّ صلّى اللّه عليه واله أو الإمام الحجّة عليه السّلام في المنام
تهذيب النفس وتزكيتها للتشرّف بلقاء الإمام عليه السّلام
بشارة الإمام المهديّ عليه السّلام لشيعته ومواليه
كلمة أخيرة
فهرس المصادر

الإهداء

إلى ثأر اللّه الأعظم..
والمنتقم لدماء الشهداء والمظلومين..
وأمل المستضعفين في الأرض..
ومنجي البشريّة من الظلم والجور..
الإمام المهديّ صاحب الزمان..
تقبّل جهدي المتواضع بقبولك الحسن الجميل..
عجّل اللّه فرجك الشريف.
وأنار بظهورك ديجور الظلمات..
وبسط العدل في الشرق والغرب..
وأظهر دين الحقّ على الأديان كلّها ولو كره المشركون.

شكر وتقدير

يدرك الكتّاب والقرّاء جيّدا مدى الجهد الذي يبذله الإخصّائيّون في إخراج كتاب وتنقيحه، فيقدّمون خدمة ثقافيّة جليلة.
والكتاب الذي بين يديك - عزيزي القارئ - راجعه ودققه فنّيّا السيّد رضا ارغياني وشارك في تنظيم صفحاته وتنضيدها السيّدان علي برهاني وحسين الطائي، وقد فوّض عرض الآيات القرآنية وضبطها إلى السيد علاء البصري، قابله السيّد رضا سيادت وتولى تنفيذ الغلاف السيد ابراهيم البصري.
ولذا نشكر هؤلاء السادة ونثمّن جهودهم، راجين اللّه تعالى أن يرزقهم ثواب العاملين في حقل نشر الثقافة الإسلامية وترويجها.

مجمع البحوث الإسلامية

المقدّمة

الاعتقاد بالمهديّ المنتظر عليه السّلام

يمثّل الاعتقاد بالمهديّ المنتظر أحد الأمور الّتي آمن بها المسلمون على اختلاف مذاهبهم وفرقهم، وفقا للبشارة الّتي تناقلتها أجيالهم الواحد تلو الآخر عن نبيّهم الكريم صلّى اللّه عليه واله بمجيء رجل من ولد فاطمة عليها السّلام، اسمه اسم رسول اللّه، وكنيته ككنيته صلّى اللّه عليه واله، يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا؛ وبنزول عيسى عليه السّلام وصلاته خلف المهديّ عليه السّلام ومساعدته إيّاه في تنفيذ رسالته في قتل الدجّال وإرساء أسس العدل. وقد نقل علماء العامّة والخاصّة ومنذ بداية القرن الثالث الهجريّ، أحاديث المهديّ في مؤلّفاتهم وموسوعاتهم الحديثيّة، وتعدّى البعض ذلك إلى تأليف مؤلّفات خاصّة في المهديّ المنتظر، وصرّح كثير منهم بوجوب قتل من أنكر ظهور المهديّ، استنادا إلى ما روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه واله من كفر من أنكر المهديّ، وكفر من كذّب به(١).
ويشترك المسيحيّون مع المسلمين في الإيمان بفكرة المهديّ المنتظر من خلال اعتقادهم بنزول عيسى عليه السّلام، وهو أمر متسالم بينهم، لا يختلف فيه اثنان منهم. بل يشترك مع المسلمين في الإيمان بظهور مصلح عالميّ أهل الأديان والشعوب الأخرى على اختلاف أفكارهم وآرائهم، وإن اختلفوا معهم في مصداق ذلكم المصلح العالميّ.
القرآن الكريم والاعتقاد بالمهديّ المنتظر عليه السّلام
ويمكن لمن يستقرئ القرآن الكريم أن يعثر على مجموعة كبيرة من الآيات القرآنيّة الكريمة تبشّر بغلبة هذا الدين الحنيف وظهوره التامّ على سواه من الأديان، وبأنّ اللّه عزّ اسمه سيحفظ هذا الدين برغم كيد الكائدين؛ وأن يعثر أيضا على مجموعة كبيرة من الآيات المفسّرة بالمهديّ، وتذكر خروجه ونزول عيسى عليه السّلام، كما تذكر أشراط الظهور.
السّنّة والاعتقاد بالمهديّ المنتظر عليه السّلام
أمّا السنّة الشريفة، فقد وردت فيها أحاديث كثيرة متواترة قطعيّة الصدور في البشارة بظهور المهديّ المنتظر، وفي تعيين اسمه وسماته وسيرته، وفي علامات ظهوره. يدعم هذا الحشد الضخم من الروايات المتسالم عليها بين الفريقين حشد آخر في أنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة، وروايات في أنّ الارض لا تخلو من حجّة؛ وأنّ الدين لا يزال قائما حتّى تقوم الساعة أو يكون اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش.
بيد أنّ مصداق المهديّ المنتظر بقي لدى البعض يكتنفه شيء من الغموض، أمّا البعض الآخر - ومنهم الشيعة الإماميّة - فقد كان لديهم ذلك المصداق واضحا جليّا لا يساورهم فيه أدنى ريب، وتناقلوا أحاديث تبيّن المقصود بالخلفاء الاثني عشر من قريش، وتذكر نصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عليهم بأسمائهم، الواحد تلو الآخر، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وآخرهم المهديّ: محمّد بن الحسن العسكريّ عليهما السّلام.
ونقل الشيعة أحاديث كثيرة متواترة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وعن أئمّتهم الهدى عليهم السّلام في النصّ على المهديّ عليه السّلام، ونقلت تفاصيل ولادته وأسماء من شاهده، وذكرت نوّابه الخاصّين والتواقيع الّتي كانت ترد منه عليه السّلام إلى النّاس، وتضمّنت علامات ظهوره وسيرته.
شبهات حول المهديّ عليه السّلام
ومن الطبيعيّ أن تتعرّض مسألة المهديّ المنتظر - لأهمّيتها وحيويّتها - لتشكيك الأعداء والمعاندين، شأنها في ذلك شأن عقائد المسلمين الأخرى؛ فقد سعى أعداء الأمّة الإسلاميّة الّذين شكّكوا في قرآنها الكريم، وطعنوا في نبيّها المرسل صلّى اللّه عليه واله، والّذين هزئوا دوما بإيمان المسلمين بالغيب، واستبعدوا حقيقة ظهور المعجزات على يدي النّبيّ الكريم؛ سعوا إلى التشكيك في مسألة المهديّ، وعدّوا انتظاره ممّا لا طائل بعده، وتجاوزوا ذلك إلى اعتبار أمره من الأساطير! مع أنّ علماءهم قد اعترفوا قبل ذلك - على مضض - بسموّ الحضارة الإسلاميّة بين حضارات العالم، وبكونها الحضارة الوحيدة المرشّحة لاحتلال دور رياديّ في عالمنا المعاصر، وأقرّ أحدهم بأنّ الفكر الإسلاميّ الشيعيّ حيّ تبعا للإيمان بفكرة الإمام الحيّ، يعني المهديّ عليه السّلام(٢). وقد سعى البعض الآخر من أعداء الأمّة إلى تكرار شبهات أثارها البعض في مراحل متقدّمة حول مسألة المهديّ، مع أنّ علماء الفريقين قد ناقشوا تلك الشبهات وبيّنوا بطلانها. من أمثال أنّ المهديّ هو عيسى عليه السّلام(٣)؛ وأنّه من ولد الحسن عليه السّلام(٤)؛ وأنّ اسم أبيه كاسم أب النّبيّ عليه السّلام(٥). وتساءل بعضهم - في تشكيك - عن عمره الطويل، وعن الحكمة في غيبته؛ بل أنكر بعضهم ولادته أصلا، وقال: إنّ مسألة المهديّ لا تعدو أن تكون أمرا تواطأ عليه علماء الشيعة في القرن الرابع الهجريّ لحفظ كيان الشّيعة وصونهم عن التفرّق والتمزّق!...(٦) إلى سواها من التخرّصات الّتي لا تستند إلى حجّة ولا يعضدها دليل.
وهذا الأثر الذي يقدّمه مجمع البحوث الإسلاميّة إلى القرّاء الأعزّاء اليوم إنّما هو مساهمة في ترسيخ هذا المعتقد الأصيل من المعتقدات الإسلاميّة، كما نطق به القرآن الكريم والأحاديث التفسيريّة والأحاديث المبشّرة بظهور الإمام المهديّ عليه السّلام وبقيام دولته العالميّة المرتقبة: نسأل اللّه عزّ وجلّ أن نفع به، وأن يوفّق المؤلّف الفاضل لما يحبّه ويرضاه.

تمهيد

اصل الإمامة في الإسلام

يعتقد الشيعة - تبعا لعقيدتهم في عدل اللّه تعالى وحكمته ولطفه بعباده - أنّه قد نصب أولياء معصومين يمثّلون امتدادا طبيعيّا لخطّ الرسالة، ويكونون أمناء على وحي اللّه سبحانه، وقدوة لعباده، وأنّ الباري عزّ وجلّ لا يترك دونها حجّة. وأنّ هؤلاء الأئمّة هم عباد اللّه المخلصون الّذين لم يشركوا باللّه تعالى طرفة عين. ذلك أنّ الشرك ظلم بنصّ القرآن الكريم(٧)، واللّه عزّ وجلّ لا ينال عهده ظالما(٨). وأنّ الأئمّة في مرتبة من العلم والفضل لا يرقى إليها أحد، فهم أصفياء اللّه وخالصته من خلقه. وأنّ الباري أوجب على العباد الرجوع إلى هؤلاء الأئمّة والاستنارة بنور هديهم عليهم السّلام، وهو أمر تحتّمه ضرره رجوع الجاهل إلى العالم:
(أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(٩).
ألا ترى كيف احتجّ إبراهيم عليه السّلام على أبيه: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ اَلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيًّا)(١٠)؟
كما يعتقدون - بنصّ القرآن الكريم في آية التطهير - أنّ اللّه قد أذهب الرجس عن أهل البيت وطهّرهم عن كلّ دنس وشين، فأضحوا معصومين بعصمة من اللّه عزّ وجلّ.
لا تخلو الأرض من حجّة
وقد روى المسلمون من طرق عدّة حديث: «إنّ الأرض لا تخلو من قائم للّه بحجّة»(١١)، وروي عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام «ما زالت الأرض إلاّ وللّه فيها الحجّة، يعرّف الحلال والحرام، ويدعو النّاس إلى سبيل اللّه»(١٢)، و«إنّ الحجّة لا تقوم للّه عزّ وجلّ على خلقه إلاّ بإمام حتّى يعرف»(١٣)، بل رووا عنهم عليهم السّلام: «لو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان، لكان أحدهما الحجّة»(١٤).
وقد روى الفريقان أحاديث متسالما عليها في أنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة(١٥). ورووا عن النّبيّ الكريم صلّى اللّه عليه واله أحاديث متواترة من عدّة طرق أحاديث توصي الأمّة بالتمسّك بأهل البيت عليهم السّلام وتصفهم بأنّهم الثقلان اللذان خلّفهما النّبيّ في أمّته؛ وبأنّهم كسفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق؛ وأنّهم مثل حطّة من دخله كان آمنا؛ ثمّ رووا أنّه صلّى اللّه عليه واله نصّ على خلفائه بأسمائهم، وأنّه أوصى إليهم الواحد تلو الآخر.
الإمام المهديّ عليه السّلام خاتم الأئمّة عليهم السّلام
ويمثّل الإمام المهديّ عليه السّلام الحلقة الأخيرة من سلسلة الإمامة، وعلى الرغم من أنّ البرهان العقليّ في مسألة اللطف الإلهيّ، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة، كاف في التدليل على أمره، الأمر الّذي أدركه حتّى أتباع المذاهب الأخرى، بل الواقفون في صفّ أعداء شيعة أهل البيت عليهم السّلام(١٦)؛ فإنّ البرهان النقلي قائم على وجوده من خلال الأحاديث المتعاضدة الّتي بلغت حدّ التواتر في البشارة به على لسان النّبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه واله؛ ناهيك عن الأخبار الواردة في ولادته وفيمن ورآه وكلّمه، وفي معجزاته وتوقيعاته ونوّابه. ونجد أنّ الإمامين العسكريّين عليهما السّلام بعامّة، والإمام الحسن العسكريّ عليه السّلام بخاصّة، قد بذلا جهودا كبيرة في إعداد القواعد الشّيعيّة لغيبة الإمام المهديّ حتّى قبل تحقّق ولادته، فنلحظ - على سبيل المثال - أنّهما يختاران وكلاءهما ويوثّقانهم بمختلف ألفاظ التوثيق، عالمين بأنّهم سيكونون من النّواب الخاصيّن للإمام المهديّ عليه السّلام. كما نلحظ أنّ العسكريّين عليهما السّلام يتّخذان - وبالتّدريج - أسلوب الاحتجاب عن الشيعة، ويتعاملون مع قواعدهم الشيعيّة من خلال الوكلاء، كما نرى الروايات الكثيرة الّتي تحدّثت عن غيبة الإمام، وعن فضل الانتظار الّذي يعدّ فيه الفرد المسلم نفسه ليكون مؤهّلا لنصرة الإمام عند ظهوره في تحقيق رسالته التّاريخيّة.

مقدّمة المؤلّف

الحمد للّه حقّ حمده الّذي وجب، وصلّى اللّه على محمّد عبده المنتجب، ونبيّه المنعوت بالخلق العظيم، والمبعوث الى الثقلين بكتابه الكريم، وعلى إمام الأولياء أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالب، صلوات اللّه عليه وعلى أولاده الأئمّة الأصفياء، الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
والحمد للّه الّذي ختم النبوّة والرسالة بمحمّد المصطفى صلّى اللّه عليه واله، وشرّفنا بولاية وصيّه عليّ المرتضى، وأبنائه الطاهرين، ثمّ ختم الوصاية والولاية بنجله الصالح الإمام الثاني عشر المهديّ، الحجّة القائم بالحقّ، عجّل اللّه تعالى فرجه، وسهّل مخرجه، وأهلك أعداءه، وجعلنا من شيعته وأنصاره واللائذين تحت لوائه والمستشهدين بين يديه، إله الحقّ آمين.
وبعد، فهذا كتابي يضمّ دررا من الأحاديث المتلألئة الأنوار، من معدن الوحي والتنزيل مستخرجة، وفي سلك الإمامة والولاية منظومة، حيث استفاضت في البشارة بظهور إمامنا الغائب المنتظر، وإشراق الدنيا بنوره، وسعادة العالمين في أيّامه الميمونة.
قد رتّبتها حسب الآيات القرآنية ودلالاتها عليه نصّا أو إشارة أو تأويلا، مبتهلا إلى اللّه سبحانه وتعالى، راجيا من كرمه أن لا يحرمني جزيل ثوابه، وأن يجعل سعيي في نظمي هذه الدرر وجمعي هذه الغرر، خالصا لوجهه الكريم، ويثبّت ببركته لساني بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وقدمي على الصراط يوم تزلّ الأقدام.

عبد آل محمّد

سورة البقرة

الآية الاولى قوله تعالى: (الم * ذَلِكَ اَلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ويُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)(١٧).
١ - الشّيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن يحيى بن أبي القاسم، قال: سألت الصادق عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: الم ذَلِكَ اَلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فقال: المتّقون شيعة عليّ عليه السّلام، والغيب فهو الحجّة الغائب، وشاهد ذلك قوله تعالى:
(وَيَقُولُونَ لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا اَلْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ)(١٨)،(١٩).
٢ - وروى الشّيخ الصدوق عن غير واحد من أصحابنا، عن داود بن كثير الرقيّ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قال: من آمن اقرّ بقيام القائم أنّه حقّ(٢٠).
٣ - وروى الشّيخ الصدوق أيضا بإسناده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله في حديث يذكر فيه الأئمّة الاثني عشر ومنهم القائم عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبّتهم، اولئك من وصفهم اللّه في كتابه فقال: (اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) ثمّ قال: (أُولَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ)(٢١)،(٢٢).
٤ - وقال أيضا: حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى؛ قال: بإسناده عن يحيى بن أبي القاسم قال: سألت الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: الم ذَلِكَ اَلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فقال: المتّقون شيعة عليّ عليه السّلام والغيب فهو الحجّة الغائب، وشاهد ذلك قول اللّه عزّ وجلّ (ويَقُولُونَ لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا اَلْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ)(٢٣) فأخبر عزّ وجلّ أنّ الآية هي الغيب، والغيب هو الحجّة، وتصديق ذلك قول اللّه عزّ وجلّ: (وجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً)(٢٤) يعني حجّة(٢٥).
٥ - وقال: حدّثنا أبي؛ قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه بإسناده عن عليّ ابن رباب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: في قول اللّه عزّ وجلّ: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)(٢٦) فقال: الآيات هم الأئمّة، والآية المنتظرة هو القائم عليه السّلام، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف، وإن آمنت بمن تقدّمه من آبائه عليهم السّلام(٢٧).
٦ - وروى الحافظ رجب البرسيّ عن عمّار، عن أمير المؤمنين عليه السّلام في كتاب الواحدة، في حديث طويل قد بيّن فيه مناقب نفسه القدسيّة، وجاء فيه قوله: (اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: الغيب: هو الرجعة ويوم القيامة ويوم القائم، وهي أيّام آل محمّد، وإليها الاشارة بقوله: (وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اَللَّهِ) فالرجعة لهم، ويوم القيامة لهم، ويوم القائم لهم، وحكمه إليهم، ومعوّل للمؤمنين فيه عليهم(٢٨).
كلام الشيخ الصدوق في الغيبة
قال الشيخ الصدوق في المراد من الغيبة قال: ولقد كلّمني رجل بمدينة السلام فقال لي: إنّ الغيبة قد طالت، والحيرة قد اشتدّت، وقد رجع كثير عن القول بالإمامة لطول الأمد، فكيف هذا؟ فقلت له: إنّ سنّة الأوّلين في هذه الامّة جارية حذو النعل بالنعل، كما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله في غير خبر، وأنّ موسى عليه السّلام ذهب إلى ميقات ربّه على أن يرجع إلى قومه بعد ثلاثين ليلة فأتمّها اللّه عزّ وجلّ بعشرة، فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلة، ولتأخّره عنهم فضل عشرة أيّام على ما واعدهم، استطالوا المدّة القصيرة وقست قلوبهم وفسقوا عن أمر ربهم عزّ وجلّ وعن أمر موسى عليه السّلام، وعصوا خليفته هارون واستضعفوه وكادوا يقتلونه، وعبدوا عجلا جسدا له خوار من دون اللّه عزّ وجلّ، وقال السامريّ لهم: (هَذَا إِلَهُكُمْ وإِلَهُ مُوسى)(٢٩) وهارون يعظهم وينهاهم عن عبادة العجل ويقول: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وإِنَّ رَبَّكُمُ اَلرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسى)(٣٠) (ولَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وأَلْقَى اَلْأَلْوَاحَ وأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ)(٣١).
والقصّة في ذلك مشهورة، فليس بعجيب أن يستطيل الجهّال من هذه الامّة مدّة غيبة صاحب زماننا عليه السّلام، ويرجع كثير منهم عمّا دخلوا فيه بغير أصل وبصيرة، ثمّ لا يعتبرون بقول اللّه تعالى ذكره حيث يقول: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللَّهِ ومَا نَزَلَ مِنَ اَلْحَقِّ ولاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ اَلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)(٣٢). فقال [الرجل ]: وما أنزل اللّه عزّ وجلّ في كتابه في هذا المعنى؟ قلت: قوله عزّ وجلّ: الم ذَلِكَ اَلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يعني بالقائم عليه السّلام وغيبته...
وقد كلّمني بعض المخالفين في هذه الآية فقال: معنى قوله عزّ وجلّ: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي بالبعث والنشور وأحوال القيامة؛ فقلت له: لقد جهلت في تأويلك وضللت في قولك، فإنّ اليهود والنصارى وكثيرا من فرق المشركين والمخالفين لدين الإسلام يؤمنون بالبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب، فلم يكن اللّه تبارك وتعالى ليمدح المؤمنين بمدحة قد شركهم فيها فرق الكفر والجحود، بل وصفهم اللّه عزّ وجلّ ومدحهم بما هو لهم خاصّة، لم يشركهم فيه أحد غيرهم.
وجوب معرفة المهديّ عليه السّلام
ولا يكون الإيمان صحيحا من مؤمن إلاّ من بعد علمه بحال من يؤمن به، كما قال اللّه تبارك وتعالى (إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وهُمْ يَعْلَمُونَ)(٣٣) فلم يوجب لهم صحّة ما يشهدون به إلاّ من بعد علمهم، ثمّ كذلك لن ينفع إيمان من آمن بالمهديّ القائم عليه السّلام حتّى يكون عارفا بشأنه في حال غيبته، وذلك انّ الائمة: قد أخبروا بغيبته، ووصفوا كونها لشيعتهم فيما نقل عنهم واستحفظ في الصحف، ودوّن في الكتب المؤلّفة من قبل أن تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقل أو أكثر، فليس أحد من أتباع الائمّة عليهم السّلام إلاّ وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه ورواياته، ودوّنه في مصنفاته. وهي الكتب الّتي تعرف بالأصول مدوّنة عند شيعة آل محمّد عليهم السّلام من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين، وقد أخرجت ما حضرني من الأخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب في مواضعها، فلا يخلو حال هؤلاء الأتباع المؤلّفين للكتب أن يكونوا علموا الغيب بما وقع الآن من الغيبة، فألّفوا ذلك في كتبهم ودوّنوه في مصنّفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند أهل اللبّ والتحصيل، أو أن يكونوا قد أسّسوا في كتبهم الكذب، فاتّفق الأمر لهم كما ذكروا، وتحقّق كما وضعوا من كذبه بهم على بعد ديارهم واختلاف آرائهم وتباين أقطارهم ومحالهم، وهذا أيضا محال كسبيل الوجه الأول، فلم يبق في ذلك إلاّ أنّهم حفظوا عن أئمّتهم المستحفظين للوصيّة، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله من ذكر الغيبة وصفة كونها في مقام بعد مقام إلى آخر المقامات ما دوّنوه في كتبهم وألّفوه في أصولهم، وبذلك وشبهه فلج الحقّ وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقا.
وإنّ خصومنا ومخالفينا من أهل الأهواء المضلّة قصدوا لدفع الحقّ وعناده بما وقع من غيبة صاحب زماننا القائم عليه السّلام واحتجابه عن أبصار المشاهدين، ليلبسوا بذلك على من لم تكن معرفته متقنة، ولا بصيرته مستحكمة.
إثبات الغيبة والحكمة فيها
وأضاف الشيخ الصدوق قائلا: إنّ الغيبة الّتي وقعت لصاحب زماننا عليه السّلام قد لزمت حكمتها، وبان حقّها، وفلجت حكمتها، للذي شاهدناه وعرفناه من آثار حكمة اللّه عزّ وجلّ واستقامة تدبيره في حججه المتقدّمة في الأعصار السالفة، مع أئمّة الضلال وتظاهر الطواغيت، واستعلاء الفراعنة في الحقب الخالية، وما نحن بسبيله في زماننا هذا من تظاهر أئمّة الكفر بمعونة أهل الافك والعدوان والبهتان.
وذلك أنّ خصومنا طالبونا بوجود صاحب زماننا عليه السّلام كوجود من تقدّمه من الأئمّة، فقالوا: إنّه قد مضى على قولكم من عصر وفاة نبيّنا أحد عشر إماما، كلّ منهم كان موجودا معروفا باسمه وشخصه بين الخاصّ والعامّ، فإن لم يوجد كذلك، فقد فسد عليكم أمر من تقدّم من أئمّتكم كفساد أمر صاحب زمانكم هذا في عدمه وتعذّر وجوده.
فأقول - وباللّه التوفيق -:
إنّ خصومنا قد جهلوا آثار حكمة اللّه تعالى، وأغفلوا مواقع الحقّ ومناهج السبيل في مقامات حجج اللّه تعالى مع أئمّة الضلال في دول الباطل في كل عصر وزمان، إذ قد ثبت أنّ ظهور حجج اللّه تعالى في مقاماتهم في دول الباطل على سبيل الإمكان والتدبير لأهل الزمان، فإن كانت الحال ممكنة في استقامة تدبير الأولياء لوجود الحجّة بين الخاصّ والعامّ، كان ظهور الحجّة كذلك، وإن كانت الحال غير ممكنة من استقامة تدبير الأولياء لوجود الحجّة بين الخاصّ والعامّ، وكان استتاره ممّا توجبه الحكمة ويقتضيه التدبير، حجبه اللّه وستره إلى وقت بلوغ الكتاب أجله، كما قد وجدنا من ذلك في حجج اللّه المتقدّمة من عصر وفاة آدم عليه السّلام إلى حين زماننا هذا، منهم المستخفون ومنهم المستعلنون، بذلك جاءت الآثار ونطق الكتاب(٣٤).
٧ - روى الصدوق بالإسناد عن سدير الصير في قال: دخلت أنا والمفضّل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب، على مولانا أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام، فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح خيبريّ مطوّق بلا جيب، مقصر الكمّين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى، ذات الكبد الحرى، قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغيّر في عارضيه، وأبلى الدموع محجريه، وهو يقول: سيّدي، غيبتك نفت رقادي، وضيّقت عليّ مهادي، وأسرت منّي راحة فؤادي، سيّدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد، وفقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع والعدد، فما أحسّ بدمعة ترقى من عيني، وأنين يفتر من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا، إلاّ مثّل لعيني عن غوابر أعمّها وأفظعها، وبواقي أشدّها وأنكرها، ونوايب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك.
قال سدير: فاستطارت عقولنا ولها، وتصدّعت قلوبنا جزعا من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل، وظننّا أنّه سمة لمكروهه قارعة أو حلّت به من الدهر بائقة.
فقلنا: لا أبكى اللّه – يا بن خير الورى - عينيك. من أيّ حادثة تستنزف دمعتك، وتستمطر عيونك؟ وأيّة حالة حتّمت عليك هذا المأتم؟
قال: فزفر الصادق عليه السّلام زفرة انتفخ منها جوفه، واشتدّ منها خوفه، وقال: ويلكم إنّي نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم؛ وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا، وعلم ما كان وما يكون الى يوم القيامة، الّذي خصّ اللّه تقدّس اسمه به محمّدا والأئمّة من بعده عليه وعليهم السلام، وتأمّلت فيه مولد قائمنا وغيبته وإبطاءه وطول عمره، وبلوى المؤمنين به من بعده في ذلك الزمان، وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم، الّتي قال اللّه تقدّس ذكره: (وكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)(٣٥) يعني الولاية، فأخذتني الرّقة، واستولت عليّ الاحزان.
فقلنا: يا بن رسول اللّه، كرّمنا وشرّفنا بإشراكك إيّانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك.
قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى أدار في القائم منّا ثلاثة أدارها في ثلاثة من الرسل: قدّر مولده تقدير مولد موسى عليه السّلام، وقدّر غيبته تقدير غيبة عيسى عليه السّلام، وقدّر إبطاءه تقدير ابطاء نوح عليه السّلام، وجعل من بعد ذلك عمر العبد الصالح، أعني الخضر دليلا على عمره.
فقلت: اكشف لنا يا بن رسول اللّه عن وجوه هذه المعاني.
قال: أمّا مولد موسى، فإنّ فرعون لمّا وقف على أنّ زوال ملكه على يده، أمر بإحضار الكهنة، فدلّوه على نسبه، وأنّه يكون من بني اسرائيل، ولم يزل يأمر اصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني اسرائيل حتّى قتل في طلبه نيّفا وعشرين ألف مولود، وتعذّر عليه الوصول إلى قتل موسى لحفظ اللّه تبارك وتعالى ايّاه.
كذلك بنو أميّة وبنو العباس، لمّا وقفوا على أنّ زوال ملكهم والأمراء والجبابرة منهم على يد القائم منّا، ناصبونا العداوة، ووضعوا سيوفهم في قتل آل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وإبادة نسله، طمعا منهم في الوصول الى قتل القائم عليه السّلام، ويأبى اللّه أن يكشف أمره لواحد من الظلمة الى أن يتم نوره ولو كره المشركون.
وأمّا غيبة عيسى عليه السّلام، فإنّ اليهود والنصارى اتّفقت على أنّه قتل، وكذّبهم اللّه عزّ وجلّ بقوله: (ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)(٣٦) كذلك غيبة القائم عليه السّلام فإنّ الامّة تنكرها لطولها، فمن قائل بغير هدى بأنّه لم يولد، وقائل يقول: إنّه ولد ومات، وقائل يكفر بقوله انّ حادي عشرنا كان عقيما، وقائل يمرق بقوله: إنّه يتعدّى إلى ثالث عشر فصاعدا، وقائل يعصي اللّه عزّ وجلّ بقوله: إنّ روح القائم عليه السّلام ينطق في هيكل غيره.
وأمّا إبطاء نوح عليه السّلام فإنّه لمّا استنزل العقوبة على قومه من السماء، بعث اللّه عزّ وجلّ جبرئيل الروح الأمين بسبعة نويات فقال: يا نبيّ اللّه، إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول لك: إنّ هؤلاء خلائقي وعبادي، ولست أبيدهم بصاعقة من الصواعق الاّ بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجّة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك، فأنّي مثيبك عليه، واغرس هذا النوى، فإنّ لك في نباتها وبلوغها وادراكها اذا أثمرت الفرج والخلاص، فبشّر بذلك من تبعك من المؤمنين.
فلمّا نبتت الاشجار وتأزّرت وتسوّقت وتغصّنت وأثمرت، وزها الثمر عليها بعد زمن طويل، استنجز من اللّه سبحانه وتعالى العدّة، فأمره اللّه تبارك وتعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكّد الحجّة على قومه، فأخبر بذلك الطوائف الّتي آمنت به، فارتدّ منهم ثلاث مائة رجل، وقالوا: لو كان ما يدعيه نوح حقّا، لما وقع في وعد ربه خلف.
ثمّ إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كلّ مرّة أن يغرسها تارة بعد أخرى، إلى أن غرسها سبع مرّات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتدّ منهم طائفة، إلى أن عاد إلى نيّف وسبعين رجلا. فأوحى اللّه عزّ وجلّ عند ذلك إليه وقال: يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرّح الحق عن محضه، وصفى الأمر للإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة.
فلو أنّي أهلكت الكفّار، وأبقيت من قد ارتدّ من الطوائف الّتي كانت آمنت بك لما كنت صدّقت وعدي السابق للمؤمنين الّذين أخلصوا التوحيد من قومك، واعتصموا بحبل نبوتّك، بأن أستخلفهم في الأرض وأمكّن لهم دينهم، وأبدل خوفهم بالأمن لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشكّ من قلوبهم.
وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبدل الخوف بالأمن منّي لهم، مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الّذين ارتدّوا، وخبث طينتهم، وسوء سرائرهم الّتي كانت نتائج النفاق وسنوح الضلالة، فلو أنّهم تسنّموا منّي من الملك الّذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف اذا أهلكت أعداءهم، لنشقوا روائح صفاته، ولاستحكمت سرائر نفاقهم، وتأبّد حبال ضلالة قلوبهم، وكاشفوا إخوانهم بالعداوة، وحاربوهم على طلب الرئاسة والتفرّد بالأمر والنهي، وكيف يكون التمكين في الدّين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وايقاع الحروب كلاّ: (فاصنع الفلك بأعيننا ووحينا)(٣٧).
قال الصادق عليه السّلام: وكذلك القائم عليه السّلام تمتدّ أيّام غيبته ليصرح الحق عن محضه، وليصفو الإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة، من الشيعة الّذين يخشى عليهم النفاق اذا أحسّوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم عليه السّلام.
قال المفضل: فقلت: يا بن رسول اللّه، إنّ النواصب تزعم أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ.
قال: لا يهدي اللّه قلوب الناصبة، متى كان الدّين الّذي ارتضاه اللّه ورسوله متمكّنا بانتشار الأمن في الأمّة، وذهاب الخوف من قلوبها، وارتفاع الشكّ من صدورها في عهد أحد من هؤلاء وفي عهد عليّ عليه السّلام، مع ارتداد المسلمين والفتن الّتي كانت تثور في أيامهم، والحروب الّتي كانت تنشب بين الكفّار وبينهم، ثمّ تلا الصادق عليه السّلام: حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا)(٣٨).
وأمّا العبد الصالح الخضر عليه السّلام: فإنّ اللّه تبارك وتعالى ما طوّل عمره لنبوّة قدّرها له، ولا لكتاب ينزّله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له. بلى، إنّ اللّه تبارك وتعالى لمّا كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائم عليه السّلام في أيّام غيبته ما يقدّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوّل عمر العبد الصالح من غير سبب أوجب ذلك، إلاّ لعلّة الاستدلال به على عمر القائم عليه السّلام، وليقطع بذلك حجّة المعاندين، لئلاّ يكون للناس على اللّه حجّة(٣٩).
تحقيق للعلاّمة الكراجكيّ في الغيبة وسببها
قال العلاّمة أبو الفتح الشيخ محمّد بن عليّ بن عثمان الكراجكيّ الطرابلسيّ: إن قال قائل: ما السبب الموجب لغيبة صاحب الزمان عليه وعلى آبائه أفضل السلام؟
قيل له: لا يسأل عن هذا السؤال إلاّ من قد أعطي صحّة وجود الإمام، وسلّم ما ذكره من غيبته من الأنام. لأنّ النظر في سبب الغيبة فرع عن كونها، فلا يجوز أن يسأل عن سببها من يقول أنّها لم تكن، وكذلك الغيبة نفسها فرع عن صحّة الوجود، إذ كان لا يصحّ غيبة من ليس بموجود. فمن جحد وجود الامام فلا يصحّ كلامه فيما بعد ذلك من هذه الأحوال. فقد بان أنّه لابدّ من تسليم الوجود والإمامة والغيبة، إمّا تسليم دين واعتقاد، ليكشف السائل عن السبب الموجب للاستتار، وامّا تسليم نظر واحتجاج، لينظر السائل عن السبب، إن كان كلامنا في الفرع ملائما للأصل، وأنّه مستمرّ عليه من غير أن يضادّه وينافيه.
فان قال السائل: أنا اسلّم لك ما ذكرتموه من الأصل لا عن نظر، إن كان ينتظم معه جوابكم عن الفرع، فما السبب الآن في غيبة الإمام عليه السّلام؟
فقيل له: أوّل ما نقوله في هذا أنّه ليس يلزمنا معرفة هذا السبب، ولا يتعيّن علينا الكشف عنه، ولا يضرّنا عدم العلم به.
والواجب علينا اللازم لنا، هو أن نعتقد أنّ الإمام الوافر المعصوم الكامل العلوم، لا يفعل إلاّ ما هو موافق للصواب، وإن لم نعلم الأغراض في أفعاله والأسباب. فسواء ظهر أو استتر، قام أو قعد، كلّ ذلك يلزمه فرضه دوننا، ويتعيّن عليه فعل الواجب فيه سوانا، وليس يلزمنا علم جميع ما علم، كما لا يلزمنا فعل جميع ما فعل. وتمسّكنا بالأصل من تصويبه في كلّ فعل، يغنينا في المعتقد عن العلم بأسباب ما فعل. فإن عرفنا أسباب أفعاله، كان حسنا، وإن لم نعلمها لم يقدح ذلك في مذهبنا، كما أنّه قد ثبت عندنا وعند مخالفينا إصابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله في جميع أقواله وأفعاله، والتسليم له والرضا بما يأتي منه، وإن لم نعرف سببه.
ولو قيل لنا: لم قاتل المشركين على كثرتهم يوم بدر، وهو في ثلاثمائة من أصحابه وثلاثة عشر، أكثرهم رجالة، ومنهم من لا سلاح معه، ورجع عام الحديبية عن إتمام العمرة، وهو في العدّة القوية، ومن معه من المسلمين ثلاثة آلاف وستمائة، وأعطى سهيل بن عمر جميع مناه، ودخل تحت حكمه ورضاه، من محو بسم اللّه الرحمن الرحيم من الكتاب، ومحو اسمه من النبوّة، وإجابته إلى أن يدفع عن المشركين ثلث ثمار المدينة، وأن يردّ من أتاه ليسلم على يده منهم، مع ما في هذا من المشقّة العظيمة والمخالفة في الظاهر للشريعة، لما ألزمنا الجواب عن ذلك أكثر من أنّه أعرف بالمصلحة من الأمّة، وأنّه لا يفعل هذا إلاّ لضرورة يختصّ بعلمها ملجئه، أو مصلحة تقتضيه، تكون له معلومة، وهو الوافر الكامل الّذي لا يفرّط فيما أمر به.
وليس عدم علمنا بأسباب فعله ضارّا لنا، ولا قادحا فيما نحن عليه من اعتقادنا وأصلنا. فكذلك قولنا في سبب غيبة إمامنا وصاحب عصرنا وزماننا.
ويشبه هذا أيضا من أصول الشريعة عن السبب في ايلام الاطفال، وخلق الهوام والمسمومات من الحشائش والأحجار، ونحو ذلك مما لا يحيط أحد بمعرفة معناه، ولا يعلم السبب الّذي اقتضاه، فانّ الواجب أن نردّ ذلك إلى أصله، ونقول انّ جميعه فعل من ثبت الدليل على حكمته وعدله وتنزّهه عن العيب في شيء من فعله.
وليس عدم علمنا بأسباب هذه الأفعال مع اعتقادنا في الجملة أنّها مطابقة للحكمة والصلاح؛ بضارّ لنا، ولا قادح في صحّة أصولنا، لأنّا لم نكلّف أكثر من العلم بالأصل، وفي هذا كفاية لمن كان له عقل.
وهكذا أيضا يجري الأمر في الجواب إن توجّه إلينا السؤال عن سبب قعود أمير المؤمنين عليه السّلام عن محاربة أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يقعد عن محاربة من بعدهم من الفرق الثلاث. والأصل في هذا كلّه واحد، وما ذكرناه فيه كاف للمسترشد.
فإن قال السائل لنا: جميع ما ذكرته، من أفعال اللّه عزّ وجلّ فلا شبهة في أنّه أعرف بالمصالح فيها، وأنّ الخلق يعلمون جميع منافعهم ولا يهتدون إليها.
وأمّا النبيّ عليه السّلام وما جرى من أمره عام الحديبية فإنّه علم المصلحة في ذلك بالوحي من اللّه سبحانه.
فمن أين لإمامكم علم المصلحة في ذلك وهو لا يوحى إليه؟
قيل له: إن كان إمامنا عليه السّلام إماما، فهو معهود إليه، قد نصّ له على جميع ما يجب تعويله عليه، وأخذ ذلك وأمثاله عن آبائه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله.
ولنا مذهب في الإمام، وعندنا أنّ الإمام عليه السّلام يصحّ أن يلهم من المصالح والأحكام ما يكون هو المخصوص به دون الأنام.
ثمّ نتبرّع بعد ما ذكرناه بذكر السبب الّذي تقدّم فيه السؤال، وإن كان غير لازم لنا في الجواب.
فنقول: إنّ السبب في غيبة الإمام عليه السّلام إخافة الظالمين له، وطلبهم بسفك دمه، وإعلام اللّه أنّه متى أبدى شخصه لهم قتلوه، ومتى قدروا عليه أهلكوه، فحصل ممنوعا من التصرّف فيما جعل إليه من شرع الإسلام، وهذه الأمور الّتي هي مردودة إليه ومعوّل في تدبيرها عليه، فإنّما يلزمه القيام بها بشرط وجود التمكّن والقدرة، وعدم المنع والحيلولة، وازالة المخافة على النفس والمهجة، فمتى لم يكن ذلك فالتقيّة واجبة، والغيبة عند الأسباب الملجئة إليها لازمة، لأنّ التحرّز من المضارّ واجب عقلا وسمعا. وقد استتر النبيّ صلّى اللّه عليه واله في غار حراء، ولم يكن لذلك سبب غير المخافة من الأعداء.
فإن قال السائل: إنّ استتار النبيّ صلّى اللّه عليه واله كان مقدارا يسيرا لم يمتدّ به الزمان، وغيبة صاحبكم قد تطاولت بها الأعوام.
قيل له: ليس القصر والطول في الزمان يفرق في هذا المكان، لأنّ الغيبتين جميعا سببهما واحد، وهي المخافة من الأعداء، فهما في الحكم سواء، وإنّما قصر زمان أحداهما لقصر مدة المخافة فيها، وطول زمان الأخرى لطول زمان المخافة. ولو ضادّت إحداهما الحكمة وأبطلت الاحتجاج، لكانت كذلك الأخرى.
فان قال: فالأظهر إبداء شخصه، واقام الحجّة على مخالفيه وإن ادّى إلى قتله.
قيل لهم: إنّ الحجّة في تثبيت إمامته قائمة في الأمّة، والدلالة على إمامته موجودة ممكنة، والنصوص من رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ومن الأئمّة على غيبته مأثورة متّصلة، فلم يبق بعد ذلك أكثر من مطالبة الخصم لنا بظهوره ليقتل. فهذا غير جائز، وقد قال اللّه سبحانه: (ولاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ)(٤٠).
وقال موسى عليه السّلام: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ)(٤١).
فإن قال السائل: إنّ في ظهوره تأكيدا لإقامة الحجّة، وكشفا لما يعترض أكثر الناس في أمره من الشبهة، فالأوجب ظهوره، وإن قتل لهذه العلّة.
قيل له: قد قلنا في النهي عن التغرير بالنفس بما فيه الكفاية، ونحن نأتي بعد ذلك بزيادة فنقول: إنّه ليس كلّما نرى فيه تأكيدا لإقامة الحجّة فإنّ فعله واجب، ما لم يكن فيه لطف ومصلحة. ألا ترى إن قائلا قال: لم لم يعاجل اللّه تعالى العصاة بالعقاب والنقمة، ويظهر آياته للناس في كلّ يوم وليلة، حتّى يكون ذلك آكد في اقامته عليهم الحجّة، أليس كان جوابنا له مثل ما أجبنا في ظهور صاحب الغيبة، من أنّ ذلك لا يلزم ما لم يفارق وجها معلوما من المصلحة.
وعندنا أنّ اللّه سبحانه لم يمنعه من الظهور وإن قتل إلاّ وقد علم أنّ مصلحة المكلّفين مقصورة على كونه إماما لهم بعينه، وأن لا يقوم غيره فيها مقامه، فكذلك أمره بالاستتار في المدّة الّتي علم أنّه متى ظهر فيها قتله الفجّار.
فإن قال الخصم: هلاّ أظهره اللّه تعالى، وأرسل معه ملائكة تبيد كلّ من أراده بسوء، وتهلك من قصده بمكروه؟
قيل له: قد سألت الملحدة من مثل هذا السؤال في إرسال الأنبياء عليهم السّلام، فقالوا: لم لم يبعث اللّه تعالى معهم من الأملاك من يصدّ عنهم كلّ سوء يقصدهم به العباد؟ فكان الجواب لهم: إنّ المصالح ليست واقعة بحسب تقدير الخلائق...، وإنّما هي بحسب المعلوم عند اللّه عزّ وجلّ، وبعد فانّ اصطلام اللّه تعالى للعاصين، ومعاجلته باهلاك ساير الظالمين، قاطع لنظام التكليف، وربّما اقتضى ذلك عموم الجماعة بالهلاك، كما كان في الأمم السابقة في الزمان.
وهو أيضا مانع للقادرين من النظر في زمان الغيبة المؤدّي إلى المعرفة والاجابة، فقد يصحّ أن يكون فيهم ومنهم في هذه المدّة من ينظر فيعرف الحق ويعتقده، أو يكون فيهم معاندون مقرّون، قد علم اللّه سبحانه أنّهم إن بقوا كان من نسلهم ذريّة صالحة، فلا يجوز أن يحرمها الوجود بإعدامهم في مقتضى الحكمة، وليس العاصون في كلّ زمان هذا حكمهم، وربّما علم ضدّ ذلك منهم، فاقتضت الحكمة إهلاكهم كما كان في زمن نوح عليه السّلام، حيث قال: (رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ ولاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً)(٤٢).
فان قال السائل: إنّ آباءه عليهم السّلام قد كانوا أيضا في زمان مخافة وأوقات صعبة، فلم لم يستتروا؟ وما الفرق بينهم وبينه في هذا الأمر؟
قيل له: إنّ خوف إمامنا عليه السّلام أعظم من خوف آبائه وأكثر. والسبب في ذلك، انّه لم يرو عن أحد من آبائه عليهم السّلام أنّه يقوم بالسيف ويكسر تيجان الملوك، ولا يبقى لأحد دولة سواه، ويجعل الدّين كلّه للّه. فكان الخوف المتوجّه إليه بحسب ما يعتقد من ذلك فيه، وتطلّعت نفوس الأعداء إليه، وتتبّعت الملوك أخباره الدالة عليه، ولم ينسب إلى أحد من آبائه شيء في هذه الأحوال. فهذا فرق واضح بين المخافتين.
ثمّ نقول بعد ذلك: إنّ من اطّلع في الأخبار وسبر السير والآثار، علم أنّ مخافة صاحبنا عليه السّلام كانت منذ وقت مخافة أبيه عليه السّلام، بل كان الخوف عليه قبل ذلك في حال حمله وولادته، ومن ذا الّذي خفي عليه من أهل العلم ما فعله سلطان ذلك الزمان مع أبيه وتتبعه لأخباره وطرحه العيون عليه، انتظارا لما يكون من أمره، وخوفا ممّا روت الشيعة أنّه يكون من نسله، الى أن أخفى اللّه تعالى الحمل بالإمام عليه السّلام، وستر أبوه عليه السّلام ولادته إلاّ عمّن اختصّه من الناس، ثمّ كان بعد موت أبيه، وخروجه للصلاة ومضيّ عمّه جعفر ساعيا إلى المعتمد ما كان، حتّى هجم على داره، وأخذ ما كان بها من أثاثه ورحله، واعتقل جميع نسائه وأهله، وسأل أمه عنه فلم تعترف به، وأودعها عند قاضي الوقت المعروف بابن أبي الشوارب، ولم يزل الميراث معزولا سنتين، ثمّ كان بعد ذلك من الأمور المشهورة الّتي يعرفها من اطّلع في الأخبار المأثورة(٤٣).
الآية الثانية قوله تعالى: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ويَسْفِكُ اَلدِّمَاءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(٤٤).
كلام الشيخ الصدوق في الآية

الخليفة قبل الخليقة
قال الشيخ الصدوق رحمه اللّه في مقدمة كتابه: أمّا بعد فان اللّه تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً) فبدأ عزّ وجلّ بالخليفة قبل الخليقة، فدلّ ذلك على أنّ الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليقة، فلذلك ابتدأ به لأنّه سبحانه حكيم، والحكيم من يبدأ بالأهمّ دون الأعمّ، وذلك تصديق قول الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام حيث يقول: «الحجّة قبل الخلق ومع الخلق، وبعد الخلق» ولو خلق اللّه عزّ وجلّ الخليقة خلوا من الخليفة، لكان قد عرّضهم للتلف، ولم يردع السفيه عن سفهه بالنوع الّذي توجب حكمته من إقامة الحدود وتقويم المفسد، واللحظة الواحدة لا تسوّغ الحكمة ضرب صفح عنها، إنّ الحكمة تعمّ كما انّ الطاعة تعمّ، ومن زعم أنّ الدنيا تخلو ساعة من إمام، لزمه أن يصحّح مذهب البراهمة في إبطالهم الرسالة، ولو لا أنّ القرآن نزل بأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه واله خاتم الأنبياء، لوجب كون رسول في كل وقت، فلمّا صح ذلك لارتفع معنى كون الرسول بعده، وبقيت الصورة المستدعية للخليفة في العقل، وذلك أنّ اللّه تقدس ذكره لا يدعو إلى سبب إلاّ بعد أن يصوّر في العقول حقائقه، واذا لم يصوّر ذلك، لم تنسق الدعوة ولم تثبت الحجّة، وذلك أنّ الأشياء تألف أشكالها، وتنبو عن أضدادها. فلو كان في العقل إنكار الرسل، لما بعث اللّه عزّ وجلّ نبيّا قطّ.
مثال ذلك الطبيب يعالج المريض بما يوافق طباعه، ولو عالجه بدواء يخالف طباعه أدّى ذلك إلى تلفه، فثبت أنّ اللّه أحكم الحاكمين لا يدعو إلى سبب إلاّ وله في العقول صورة ثابتة، وبالخليفة يستدلّ على المستخلف كما جرت به العادة في العامّة والخاصّة، وفي المتعارف متى استخلف ملك ظالما، استدلّ بظلم خليفته على ظلم مستخلفه، وإذا كان عادلا استدلّ بعدله على عدل مستخلفه، فثبت أنّ خلافة اللّه توجب العصمة، ولا يكون الخليفة إلاّ معصوما.
وجوب طاعة الخليفة
ولمّا استخلف اللّه عزّ وجلّ آدم في الأرض، أوجب على أهل السماوات الطاعة؛ له فكيف الظنّ بأهل الأرض؟ ولمّا أوجب اللّه عزّ وجلّ على الخلق الإيمان بملائكة اللّه، وأوجب على الملائكة السجود لخليفة اللّه، ثمّ لمّا امتنع ممتنع من الجنّ عن السجود له، أحلّ اللّه به الذلّ والصغار والدمار، وأخزاه ولعنه إلى يوم القيامة، علمنا بذلك رتبة الإمام وفضله، وأنّ اللّه تبارك وتعالى لمّا أعلم الملائكة أنّه جاعل في الأرض خليفة. أشهدهم على ذلك لأنّ العلم شهادة، فلزم من ادّعى أنّ الخلق يختار الخليفة أن تشهد ملائكة اللّه كلهم عن آخرهم عليه، والشهادة العظيمة تدل على الخطب العظيم كما جرت به العادة في الشاهد، فكيف وأنّى ينجو صاحب الاختيار من عذاب اللّه وقد شهدت عليه ملائكة اللّه أوّلهم وآخرهم، وكيف وأنّى يعذّب صاحب النصّ وقد شهدت له ملائكة اللّه كلّهم.
وله وجه آخر، وهو أنّ القضيّة في الخليفة باقية إلى يوم القيامة، ومن زعم أنّ الخليفة أراد به النبوة، فقد أخطأ من وجه،
وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ وعد أن يستخلف من هذه الأمّة الفاضلة خلفاء راشدين كما قال جلّ وتقدّس: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(٤٥) ولو كانت قضيّة الخلافة قضيّة النبوّة، أوجب حكم الآية أن يبعث اللّه عزّ وجلّ نبيّا بعد محمّد صلّى اللّه عليه واله، وما صحّ قوله: (وخَاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ)(٤٦) فثبت أنّ الوعد من اللّه عزّ وجلّ ثابت من غير النبوّة، وثبت أنّ الخلافة تخالف النبوّة بوجه، وقد يكون الخليفة غير نبيّ، ولا يكون النبيّ إلاّ خليفة.
وآخر: وهو أنّه عزّ وجلّ أراد أن يظهر استعباده الخلق بالسجود لآدم عليه السّلام نفاق المنافق وإخلاص المخلص، كما كشفت الأيّام والخبر عن قناعيهما، أعني ملائكة اللّه والشيطان، ولو وكّل ذلك المعنى - من اختيار الإمام - إلى من أضمر سوءا، لما كشفت الأيّام عنه بالتعرّض، وذلك أنّه يختار المنافق من سمحت نفسه بطاعته والسجود له، فكيف وأنّى يوصل إلى ما في الضمائر من النفاق والإخلاص والحسد والداء الدفين.
ووجه آخر: وهو أنّ الكلمة تتفاضل على أقدار المخاطب والمخاطب، فخطاب الرجل عبده يخالف خطاب سيّده، والمخاطب كان اللّه عزّ وجلّ، والمخاطبون ملائكة اللّه أوّلهم وآخرهم، والكلمة العموم لها مصلحة عموم، كما أنّ الكلمة الخصوص لها مصلحة خصوص، والمثوبة في العموم أجلّ من المثوبة في الخصوص، كالتوحيد الّذي هو عموم على عامّة خلق اللّه يخالف الحجّ والزكاة وسائر أبواب الشرع الّذي هو خصوص، فقوله عزّ وجلّ: وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً دلّ على أنّ فيه معنى من معاني التوحيد لما أخرجه مخرج العموم، والكلمة إذا جاورت الكلمة في معنى، لزمها ما لزم أختها إذا جمعهما معنى واحد، ووجه ذلك أنّ اللّه سبحانه علم أنّ من خلقه من يوحّده ويأتمر بأمره، وأنّ لهم أعداء يعيبونهم ويستبيحوا حريمهم، ولو أنّه عزّ وجلّ قصر الأيدي عنهم جبرا وقهرا، لبطلت الحكمة وثبت الاجبار رأسا، وبطل الثواب والعقاب والعبادات.
ولمّا استحال ذلك، وجب أن يدفع عن أوليائه بضرب من الضروب لا تبطل به ومعه العبادات والمثوبات، فكان الوجه في ذلك إقامة الحدود كالقطع والصلب والقتل والحبس وتحصيل الحقوق، كما قيل: «ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن» وقد نطق بمثله قوله عزّ وجلّ: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اَللَّهِ)(٤٧) فوجب أن ينصب عزّ وجلّ خليفة يقصر من أيدي أعدائه عن أوليائه ما تصحّ به ومعه الولاية، لأنّه لا ولاية مع من أغفل الحقوق وضيّع الواجبات ووجب خلعه في العقول. جلّ اللّه تعالى عن ذلك.
والخليفة اسم مشترك، لأنّه لو أنّ رجلا بنى مسجدا ولم يؤذّن فيه ونصب فيه مؤذّنا، كان مؤذنه، فأمّا إذا أذّن فيه أيّاما ثمّ نصب فيه مؤذّنا، كان خليفته، وكذلك الصورة في العقول والمعارف، متى قال البندار: هذا خليفتي، كان خليفته على البندرة لا على البريد والمظالم، فكذلك القول في صاحبي البريد والمظالم، فثبت أنّ الخليفة من الأسماء المشتركة، فكان من صفة اللّه تعالى ذكره الانتصاف لأوليائه من أعدائه، فوكّل من ذلك معنى إلى خليفته. فلهذا الشأن استحقّ معنى الخليفة دون معنى أن يتّخذ شريكا معبودا مع اللّه سبحانه، ولهذا من الشأن قال اللّه تبارك وتعالى لابليس: (يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ ثمّ قال عزّ وجلّ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ)(٤٨) وذلك أنّه يقطع العذر ولا يوهم أنّه خليفة شارك اللّه في وحدته، فقال: بعد ما عرفت أنّه خلق اللّه، ما منعك تسجد، ثمّ قال:
(بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ) واليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة، وقد كان للّه عزّ وجلّ عليه نعمتان حوتا نعما، كقوله عزّ وجلّ: (وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وبَاطِنَةً)(٤٩) وهما نعمتان حوتا نعما لا تحصى.
ثمّ غلّظ عليه القول بقوله عزّ وجلّ: (بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ) كقول القائل: بسيفي تقاتلني، وبرمحي تطاعنني، وهذا أبلغ في القبح وأشنع.
فقوله عزّ وجلّ: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً) كانت كلمة متشابهة، أحد وجوهها أنّه يتصوّر عند الجاهل أنّ اللّه عزّ وجلّ يستشير خلقه في معنى التبس عليه، ويتصوّر عند المستدلّ إذا استدلّ على اللّه عزّ وجلّ بأفعاله المحكمة وجلالته الجليلة أنّه جلّ عن أن يلتبس عليه معنى أو يستعجم عليه حال، فإنّه لا يعجزه شيء في السماوات والأرض، والسبيل في هذه الآية المتشابهة كالسبيل في أخواتها من الآيات المتشابهات، أنّها ترد إلى المحكمات ممّا يقطع به ومعه العذر للمتطرّق إلى السفه والإلحاد.
فقوله: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً) يدلّ على معنى هدايتهم لطاعة جليلة مقترنة بالتوحيد، نافية عن اللّه عزّ وجلّ الخلع والظلم وتضييع الحقوق وما تصحّ به ومعه الولاية، فتكمل معه الحجّة، ولا يبقى لأحد عذر في إغفال حقّ.
وأخرى أنّه عزّ وجلّ إذا علم استقلال أحد من عباده لمعنى من معاني الطاعات ندبه له حتّى تحصل له به عبادة ويستحقّ معها مثوبة على قدرها ما لو أغفل ذلك، جاز أن يغفل جميع معاني حقوق خلقه أوّلهم وآخرهم، جلّ اللّه عن ذلك. فللقوّام بحقوق اللّه وحقوق خلقه مثوبة جليلة متى فكّر فيها مفكّر عرف أجزاءها، إذ لا وصول إلى كلّها لجلالتها وعظم قدرها. واحد معانيها وهو جزء من أجزائها أنّه يسعد بالإمام العادل النملة والبعوضة والحيوان أوّلهم وآخرهم بدلالة قوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(٥٠).
ويدلّ على صحّة ذلك قوله عزّ وجلّ في قصة نوح عليه السّلام: (فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ اَلسَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً)(٥١)، ثمّ من المدرار ما ينتفع به الإنسان وسائر الحيوان، وسبب ذلك الدّعاة إلى دين اللّه والهداة إلى حق اللّه، فمثوبته على أقداره، وعقوبته على من عانده بحسابه. ولهذا نقول: إنّ الإمام يحتاج إليه لبقاء العالم على صلاحه.
ليس لأحد ان يختار الخليفة إلاّ اللّه عزّ وجلّ
وقول اللّه عزّ وجلّ: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً): (جَاعِلٌ) منوّن: صفة اللّه الّتي وصف بها نفسه، وميزانه قوله: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ)(٥٢) فنوّنه ووصف به نفسه، فمن ادّعى أنّه يختار الإمام، وجب أن يخلق بشرا من طين، فلمّا بطل هذا المعنى، بطل الآخر، إذ هما في حيّز واحد.
ووجه آخر: وهو أنّ الملائكة في فضلهم وعصمتهم لم يصلحوا لاختيار الإمام، حتّى تولى اللّه ذلك بنفسه دونهم واحتجّ به على عامّة خلقه أنّه لا سبيل لهم إلى اختياره لمّا لم يكن للملائكة سبيل إليه مع صفائهم ووفائهم وعصمتهم، ومدح اللّه إيّاهم في آيات كثيرة، مثل قوله سبحانه: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(٥٣)، وكقوله عزّ وجلّ: (لا يَعْصُونَ اَللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(٥٤).
ثمّ إنّ الإنسان بما فيه من السفه والجهل كيف وأنّى يستتبّ له ذلك، فهذا والأحكام دون الإمامة مثل الصلاة والزكاة والحجّ وغير ذلك لم يكل اللّه عزّ وجلّ شيئا من ذلك إلى خلقه، فكيف وكّل اليهم الأهمّ الجامع للأحكام كلّها والحقائق بأسرها؟
وجوب وحدة الخليفة في كلّ عصر
وفي قوله عزّ وجلّ (خَلِيفَةً) إشارة إلى خليفة واحدة ثبت به ومعه إبطال قول من زعم أنّه يجوز أن تكون في وقت واحد أئمّة كثيرة، وقد اقتصر اللّه عزّ وجلّ على الواحد، ولو كانت الحكمة ما قالوه وعبّروا عنه، لم يقتصر اللّه عزّ وجلّ على الواحد، ودعوانا محاذ لدعواهم، ثمّ إنّ القرآن يرجّح قولنا دون قولهم، والكلمتان إذا تقابلتا ثمّ رجح إحداهما على الأخرى بالقرآن، كان الرجحان أولى.
لزوم وجود الخليفة
ولقوله عزّ وجلّ: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ) - الآية في الخطاب الّذي خاطب اللّه عزّ وجلّ به نبيّه صلّى اللّه عليه واله لمّا قال: (رَبُّكَ) من أصحّ الدليل على أنّه سبحانه يستعمل هذا المعنى في أمّته إلى يوم القيامة، فإنّ الأرض لا تخلو من حجّة له عليهم، ولو لا ذلك لما كان لقوله: رَبُّكَ حكمة، وكان يجب أن يقول: «ربّهم». وحكمة اللّه في السلف كحكمته في الخلف لا يختلف في مرّ الأيام وكرّ الأعوام، وذلك أنّه عزّ وجلّ عدل حكيم لا يجمعه أحدا من خلقه نسب، جلّ اللّه عن ذلك.
وجوب عصمة الإمام
ولقوله عزّ وجلّ: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً) – الآية معنى، وهو أنّه عزّ وجلّ لا يستخلف إلاّ من له نقاء السريرة ليبعد عن الخيانة، لأنّه لو اختار من لا نقاء له في السريرة، كان قد خان خلقه، لأنّه لو أنّ دلاّلا قدم حمّالا خائنا إلى تاجر، فحمل له حملا فخان فيه، كان الدلال خائنا، فكيف تجوز الخيانة على اللّه عزّ وجلّ وهو يقول - قوله الحق -: (أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخَائِنِينَ)(٥٥) وادّب محمّدا صلّى اللّه عليه واله بقوله عزّ وجلّ:
(وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً)(٥٦) فكيف وأنّى يجوز ان يأتي ما ينهى عنه، وقد عيّر اليهود بسمة النفاق، وقال: (أَتَأْمُرُونَ اَلنَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأَنْتُمْ تَتْلُونَ اَلْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)(٥٧).
وفي قول اللّه عزّ وجلّ: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً) حجّة قويّة في غيبة الإمام عليه السّلام، وذلك أنّه عزّ وجلّ لمّا قال: «إنّي جاعل في الأرض خليفة» أوجب بهذا اللفظ معنى، وهو أن يعتقدوا طاعته، فاعتقد عدوّ اللّه ابليس بهذه الكلمة نفاقا وأضمره حتّى صار به منافقا، وذلك أنّه أضمر أنّه يخالفه متى استعبد بالطاعة له، فكان نفاقه أنكر النفاق، لأنّه نفاق بظهر الغيب، ولهذا من الشأن صار أخزى المنافقين كلهم، ولما عرّف اللّه عزّ وجلّ ملائكته ذلك أضمروا الطاعة له واشتاقوا إليه، فأضمروا نقيض ما أضمره الشيطان، فصار لهم من الرتبة عشرة أضعاف ما استحقّ عدوّ اللّه من الخزي والخسار، فالطاعة والموالاة بظهر الغيب أبلغ في الثواب والمدح، لأنّه أبعد من الشبهة والمغالطة، ولهذا روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله أنّه قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب ناداه ملك من السماء: ولك مثلاه».
وانّ اللّه تبارك وتعالى أكّد دينه بالإيمان بالغيب فقال: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٥٨) فالإيمان بالغيب أعظم مثوبة لصاحبه، لأنه خلو من كل عيب وريب، لأنّ بيعة الخليفة وقت المشاهدة قد يتوهّم على المبايع أنّه إنّما يطيع رغبة في خير أو مال، أو رهبة من قتل أو غير ذلك ممّا هو عادات أبناء الدنيا في طاعة ملوكهم، وإيمان الغيب مأمون من ذلك كلّه، ومحروس من معايبه بأصله، يدلّ على ذلك قول اللّه عزّ وجلّ: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)(٥٩) ولمّا حصل للمتعبد ما حصل من الإيمان بالغيب، لم يحرم اللّه عزّ وجلّ ذلك ملائكته، فقد جاء في الخبر أنّ اللّه سبحانه قال هذه المقالة للملائكة قبل خلق آدم بسبعمائة عام. وكان يحصل في هذه المدّة الطاعة للملائكة على قدرها. ولو انكر منكر هذا الخبر والوقت والأعوام، لم يجد بدّا من القول بالغيبة ولو ساعة واحدة، والساعة الواحدة لا تتعرّى من حكمة ما، وما حصل من الحكمة في الساعة حصل في الساعتين حكمتان وفي الساعات حكم، وما زاد في الوقت إلاّ زاد في المثوبة، وما زاد في المثوبة إلاّ كشف عن الرحمة، ودل على الجلالة، فصحّ الخبر أنّ فيه تأييد الحكمة وتبليغ الحجّة.
وفي قول اللّه عزّ وجلّ: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً) حجّة في غيبة الإمام عليه السّلام من أوجه كثيرة:
أحدها أنّ الغيبة قبل الوجود أبلغ الغيبات كلّها، وذلك أنّ الملائكة ما شاهدوا قبل ذلك خليفة قط، وأمّا نحن فقد شاهدنا خلفاء كثيرين غير واحد قد نطق به القرآن وتواترت به الأخبار حتّى صارت كالمشاهدة، والملائكة لم يشهدوا واحدا منهم، فكانت تلك الغيبة أبلغ.
وآخر: أنّها كانت غيبة من اللّه عزّ وجلّ، وهذه الغيبة الّتي للإمام عليه السّلام هي من قبل أعداء اللّه تعالى، فإذا كان في الغيبة الّتي هي من اللّه عزّ وجلّ عبادة لملائكته، فما الظنّ بالغيبة الّتي هي من أعداء اللّه.
وفي غيبة الإمام عبادة مخلصة لم تكن في تلك الغيبة، وذلك أنّ الإمام الغائب عليه السّلام مقموع مقهور مزاحم في حقه، قد غلب قهرا وجرى على شيعته قسرا من أعداء اللّه ما جرى، من سفك الدماء ونهب الأموال وإبطال الأحكام والجور على الأيتام وتبديل الصدقات وغير ذلك ممّا لا خفاء به، ومن اعتقد موالاته، شاركه في أجره وجهاده، وتبرّأ من أعدائه، وكان له في براءة مواليه من أعدائه أجر، وفي ولاية أوليائه أجر يربو على أجر ملائكة اللّه عزّ وجلّ على الإيمان بالإمام المغيّب في العدم، وإنّما قصّ اللّه عزّ وجلّ نبأه قبل وجوده توقيرا وتعظيما له، ليستعبد له الملائكة ويتشمّروا لطاعته.
وإنّما مثال ذلك تقديم الملك فيما بيننا بكتاب أو رسول إلى أوليائه أنّه قادم عليهم، حتّى يتهيؤوا لاستقباله وارتياد الهدايا له ما يقطع به ومعه عذرهم في تقصير إن قصّروا في خدمته، كذلك بدأ اللّه عزّ وجلّ بذكر نبئه إبانة عن جلالته ورتبته، وكذلك قضيّته في السلف والخلف، فما قبض خليفة إلاّ عرّف خلقه الخليفة الّذي يتلوه، وتصديق ذلك قوله عزّ وجلّ: (أَفَمَنْ كَانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) - الآية(٦٠) والّذي على بيّنة من ربّه محمّد صلّى اللّه عليه واله، والشاهد الّذي يتلوه عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السّلام، دلالته قوله عزّ وجلّ: (ومِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسى إِمَاماً ورَحْمَةً)(٦١) والكلمة - من كتاب موسى المحاذية لهذا المعنى حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة - قوله: (ووَاعَدْنَا مُوسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقَالَ مُوسى لِأَخِيهِ هَارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ)(٦٢)،(٦٣).
الآية الثالثة قوله تعالى: (وإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى واِسْتَكْبَرَ وكَانَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ)(٦٤).
٨ - قال الشيخ الصدوق أعلا اللّه مقامه في مقدّمة كتابه، تحت عنوان: «السرّ في أمره تعالى الملائكة بالسجود لآدم عليه السّلام»:
واستعبد اللّه عزّ وجلّ الملائكة بالسجود لآدم تعظيما له لما غيّبه عن أبصارهم، وذلك أنّه عزّ وجلّ إنّما أمرهم بالسجود لآدم لما أودع صلبه من أرواح حجج اللّه تعالى ذكره، فكان ذلك السجود للّه عزّ وجلّ عبوديّة، ولآدم طاعة، ولما في صلبه تعظيما، فأبى ابليس أن يسجد لآدم حسدا له، إذ جعل صلبه مستودع أرواح حجج اللّه دون صلبه، فكفر بحسده وتأبّيه، وفسق عن أمر ربّه، وطرد عن جواره، ولعن وسمّي رجيما لأجل إنكاره للغيبة، لأنّه احتجّ في امتناعه من السجود لآدم بأن قال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)(٦٥)، فجحد ما غيّب عن بصره ولم يوقع التصديق به، واحتجّ بالظاهر الّذي شاهده وهو جسد آدم عليه السّلام، وأنكر أن يكون يعلم لما في صلبه وجودا، ولم يؤمن بأنّ آدم إنّما جعل قبلة للملائكة وأمروا بالسجود له لتعظيم ما في صلبه.
فمثل من آمن بالقائم عليه السّلام في غيبته مثل الملائكة الّذين أطاعوا اللّه عزّ وجلّ في السجود لآدم، ومثل من أنكر القائم عليه السّلام في غيبته مثل إبليس في امتناعه من السجود لآدم.
٩ - روي بسند متّصل بأيمن بن محرز، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام أنّ اللّه تبارك وتعالى علّم آدم عليه السّلام أسماء حجج اللّه كلّها، ثمّ عرضهم، - وهم أرواح - على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين بأنّكم أحقّ بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم عليه السّلام: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ) قال اللّه تبارك وتعالى: (يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) وقفوا على عظيم منزلتهم عند اللّه تعالى ذكره، فعلموا أنّهم أحقّ بأن يكونوا خلفاء اللّه في أرضه وحججه على بريته، ثمّ غيّبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبّتهم وقال لهم:
(أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ وأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ ومَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ). وحدّثنا بذلك أحمد بن الحسن القطّان بإسناد يرفعه عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام.
وهذا استعباد اللّه عزّ وجلّ للملائكة بالغيبة، والآية أوّلها في قصّة الخليفة، وإذا كان آخرها مثلها، كان للكلام نظم، وفي النظم حجّة، ومنه يؤخذ وجه الإجماع لأمّة محمّد صلّى اللّه عليه واله أوّلهم وآخرهم، وذلك أنّه سبحانه وتعالى إذا علّم آدم الاسماء كلّها على ما قاله المخالفون، فلا محالة أنّ أسماء الأئمّة عليهم السّلام داخلة في تلك الجملة، فصار ما قلناه في ذلك بإجماع الامّة، ومن أصحّ الدليل عليه أنّه لا محالة لما دلّ الملائكة على السجود لآدم، فأنّه حصل لهم عبادة، فلمّا حصل لهم عبادة، أوجب باب الحكمة أن يحصل لهم ما هو في حيّزه، سواء كان في وقت أو في غير وقت، فإنّ الاوقات ما تغيّر الحكمة ولا تبدّل الحجّة، أوّلها كآخرها وآخرها كأوّلها، ولا يجوز في حكمة اللّه أن يحرمهم معنى من معاني المثوبة، ولا أن يبخل بفضل من فضائل الأئمّة، لأنّهم كلّهم شرع واحد، دليل ذلك أنّ الرسل متى آمن مؤمن بواحد منهم أو بجماعة، وأنكروا واحدا منهم، لم يقبل منه إيمانه، كذلك القضية في الأئمّة عليهم السّلام أوّلهم وآخرهم واحد.
وقد قال الصادق عليه السّلام: «المنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا» وقال عليه السّلام: «من أنكر واحدا من الأحياء فقد أنكر الأموات»؛ وسأخرج ذلك في الكتاب مسندا في موضعه إن شاء اللّه.
فصحّ أنّ قوله عزّ وجلّ: وعَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا أراد به أسماء الأئمّة عليهم السّلام. وللأسماء معان كثيرة، وليس أحد معانيها بأولى من الآخر، وللأسماء أوصاف، وليس أحد الأوصاف بأولى من الآخر، فمعنى الأسماء أنّه سبحانه علمّ آدم عليه السّلام أوصاف الأئمّة كلّها، أوّلها وآخرها، ومن أوصافهم العلم والحلم والتقوى والشجاعة والعصمة والسخاء والوفاء.
وقد نطق بمثله كتاب اللّه عزّ وجلّ في أسماء الأنبياء: كقوله عزّ وجلّ: (واُذْكُرْ فِي اَلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا)(٦٦)، (واُذْكُرْ فِي اَلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ اَلْوَعْدِ وكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ واَلزَّكَاةِ وكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا * وَاُذْكُرْ فِي اَلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيًّا)(٦٧).
وكقوله عزّ وجلّ: (واُذْكُرْ فِي اَلْكِتَابِ مُوسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ اَلطُّورِ اَلْأَيْمَنِ وقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا)(٦٨).
فوصف الرسل عليهم السّلام وحمدهم بما كان فيهم من الشيم المرضيّة والأخلاق الزكيّة، وكان ذلك أوصافهم وأسماءهم، كذلك علّم اللّه عزّ وجلّ آدم الأسماء كلّها.
والحكمة في ذلك أيضا: أنّه لا وصول إلى الأسماء ووجوه الاستعبادات إلاّ من طريق السماع، والعقل غير متوجّه إلى ذلك، لأنّه لو أبصر عاقل شخصا من بعيد أو قريب، لما توصّل إلى استخراج اسمه، ولا سبيل إليه إلاّ من طريق السماع، فجعل اللّه عزّ وجلّ العمدة في باب الخليفة السماع، ولمّا كان كذلك أبطل به باب الاختيار، إذ الاختيار من طريق الآراء، وقضية الخليفة موضوعة على الأسماء، والأسماء موضوعة على السماع، فصحّ به ومعه مذهبنا في الإمام أنّه يصح بالنصّ والإشارة، فأمّا باب الإشارة فمضمر في قوله عزّ وجلّ: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاَئِكَةِ) فباب العرض مبنيّ على الشخص والإشارة وباب الاسم مبنيّ على السمع، فصحّ معنى الإشارة والنص جميعا.
وللعرض الّذي قاله اللّه عزّ وجلّ: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاَئِكَةِ) معنيان:
أحدهما: عرض أشخاصهم وهيئاتهم، كما رويناه في باب أخبار أخذ الميثاق والذرّ.
والوجه الآخر: أن يكون عزّ وجلّ عرضهم على الملائكة من طريق الصفة والنسبة كما يقوله قوم من مخالفينا، فمن كلا المعنيين يحصل استعباد اللّه عزّ وجلّ الملائكة بالإيمان بالغيبة.
وفي قوله عزّ وجلّ: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) حكم كثيرة: أحدها أنّ اللّه عزّ وجلّ أهّل آدم عليه السّلام لتعليم الملائكة أسماء الأئمّة عن اللّه تعالى ذكره، وأهّل الملائكة لتعلّم أسمائهم عن آدم عليه السّلام، فاللّه عزّ وجلّ علّم آدم، وآدم علّم الملائكة، فكان آدم في حيّز المعلّم وكانوا في حيّز المتعلّمين، هذا ما نصّ عليه القرآن.
وقول الملائكة: سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ فيه أصحّ دليل وأبين حجّة لنا أنّه لا يجوز لأحد أن يقول في اسماء الأئمّة وأوصافهم عليهم السّلام إلاّ عن تعليم اللّه جلّ جلاله، ولو جاز لأحد ذلك، كان للملائكة أجوز، ولمّا سبحوا اللّه، دلّ تسبيحهم على أنّ الشرع فيه ممّا ينافي التوحيد، وذلك أنّ التسبيح تنزيه اللّه عزّ وجلّ، وباب التنزيه لا يوجد في القرآن إلاّ عند قول جاحد أو ملحد أو متعرّض لإبطال التوحيد والقدح فيه، فلم يستنكفوا إذ لم يعلموا أن يقولوا: لاَ عِلْمَ لَنَا فمن تكلّف علم ما لا يعلم، احتجّ اللّه عليه بملائكته، وكانوا شهداء اللّه في الدنيا والآخرة، وإنّما أهّل اللّه الملائكة لا علامهم على لسان آدم عند اعترافهم بالعجز، وأنّهم لا يعلمون، فقال عزّ وجلّ: (يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ)(٦٩).
الآية الرابعة قوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوَّابُ اَلرَّحِيمُ)(٧٠).
المهديّ عليه السّلام كلمة من كلمات اللّه عزّ وجلّ
١٠ - روى الشّيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام، قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: وإِذِ اِبْتَلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ما هذه الكلمات؟ قال عليه السّلام: هي الكلمات الّتي تلقّاها آدم من ربّه فتاب اللّه عليه، وهو أنّه قال: أسألك بحق محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت عليّ، فتاب اللّه عليه إنّه هو التواب الرحيم. فقلت له: يا ابن رسول اللّه، فما يعني عزّ وجلّ بقوله:
(فَأَتَمَّهُنَّ)؟ قال: يعني فأتمّهنّ إلى القائم اثنى عشر إماما، تسعة من ولد الحسين عليه السّلام. قال المفضل: فقلت: يابن رسول اللّه، فأخبرني عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ)(٧١)؟قال: يعني بذلك الامامة جعلها اللّه تعالى في عقب الحسين إلى يوم القيامة. قال:
فقلت له: يا ابن رسول اللّه، فكيف صارت الامامة في ولد الحسين دون ولد الحسن عليهما السّلام وهما جميعا ولدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسبطاه وسيّدا شباب أهل الجنة؟ فقال عليه السّلام: إنّ موسى وهارون كانا نبيّين مرسلين وأخوين، فجعل اللّه عزّ وجلّ النبوّة في صلب هارون دون صلب موسى عليهما السّلام، ولم يكن لأحد أن يقول لم فعل اللّه ذلك؟ وإنّ الإمامة خلافة اللّه عزّ وجلّ في أرضه، وليس لأحد أن يقول لم جعله (جعلها) اللّه في صلب الحسين دون صلب الحسن عليهما السّلام، لأن اللّه تبارك وتعالى هو الحكيم في أفعاله، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسئلون(٧٢).
الآية الخامسة قوله تعالى: (وإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اَللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصَّاعِقَةُ وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)(٧٣).
١١ - قال عليّ بن ابراهيم: قوله تعالى: وإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اَللَّهَ جَهْرَةً الآية، فهم السبعون الّذين اختارهم موسى ليسمعوا كلام اللّه، فلمّا سمعوا الكلام قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتّى نرى اللّه جهرة، فبعث اللّه عليهم صاعقة فاحترقوا، ثمّ أحياهم اللّه بعد ذلك وبعثهم أنبياء، فهذا دليل على الرجعة في أمّة محمّد صلّى اللّه عليه واله، فإنّه قال صلّى اللّه عليه واله: لم يكن في بني اسرائيل شيء، إلاّ وفي أمّتي مثله(٧٤).
الآية السادسة قوله تعالى: (وإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصَاكَ اَلْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا واِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اَللَّهِ ولاَ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)(٧٥).
مع المهديّ عليه السّلام حجر موسى عليه السّلام
١٢ - روى الثقة الصفّار بإسناده عن أبي سعيد الخراساني، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
قال أبو جعفر عليه السّلام: إذا قام القائم بمكّة وأراد أن يتوجّه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاما ولا شرابا، ويحمل حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير، ولا ينزل منزلا إلاّ انبعث عين منه، فمن كان جائعا شبع، ومن كان ظمآن روى، فهو زادهم حتّى نزلوا النجف من ظهر الكوفة(٧٦).
الآية السابعة قوله تعالى: (لَهُمْ فِي اَلدُّنْيَا خِزْيٌ ولَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(٧٧).
الخزي لأعداء اللّه في عهد المهديّ عليه السّلام
١٣ - روى الطبريّ بإسناده عن السدّي في قوله تعالى: (لَهُمْ فِي اَلدُّنْيَا خِزْيٌ) أمّا خزيهم في الدنيا إذا قام المهديّ وفتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي(٧٨).
الآية الثامنة قوله تعالى: (ولِلَّهِ اَلْمَشْرِقُ واَلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ * إِنَّ اَللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(٧٩).
تأويل وجه اللّه تعالى بالمهديّ عليه السّلام
١٤ - روى العلاّمة أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ مرسلا، قال: جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام وقال له:... لو لا ما في القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم. فأجابه عليه السّلام في حديث طويل ذكر فيه الأئمّة اولي الأمر عليهم السّلام، فقال له السائل: ما ذاك الأمر؟ قال عليّ عليه السّلام: الّذي تنزّل فيه الملائكة في الليلة الّتي يفرق فيها كل أمر حكيم: من خلق، ورزق، وأجل، وعمل، وعمر، وحياة وموت، وعلم غيب السماوات والأرض، والمعجزات الّتي لا تنبغي إلاّ للّه وأصفيائه والسفرة بينه وبين خلقه، وهم وجه اللّه الّذي قال: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ) هم بقية اللّه، يعني المهديّ يأتي عند انقضاء هذه النظرة، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا(٨٠).
الآية التاسعة قال تعالى: (وإِذِ اِبْتَلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ ومِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي اَلظَّالِمِينَ)(٨١).
١٥ - روى الشّيخ الصدوق بإسناده عن المفضّل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وإِذِ اِبْتَلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) ما هذه الكلمات؟
قال عليه السّلام: هي الكلمات الّتي تلقّاها آدم من ربّه فتاب اللّه عليه. الخ الحديث الّذي ذكرناه مفصّلا في الآية ٣٧ من سورة البقرة فراجع.
الآية العاشرة قوله تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ اَلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(٨٢).
١٦ - روى العيّاشي بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: سألته عن تفسير هذه الآية من قول اللّه: (إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ... إِلَهاً وَاحِداً) قال: جرت في القائم عليه السّلام(٨٣).
الآية الحادية عشرة قوله تعالى: (ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اَللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(٨٤).
١٧ - عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيره، بإسناده عن أبي خالد الكابليّ قال: قال أبو جعفر عليه السّلام واللّه لكأنّي أنظر القائم عليه السّلام وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد اللّه حقّه. ثم يقول: أيّها الناس من يحاجّني في اللّه فأنا أولى باللّه، أيّها الناس من يحاجّني في آدم فأنا أولى بآدم، أيّها الناس من يحاجّني في نوح فأنا أولى بنوح، أيّها الناس من يحاجّني في إبراهيم فأنا أولى بإبراهيم، أيّها الناس من يحاجّني في موسى فأنا أولى بموسى، أيّها الناس من يحاجّني في عيسى فأنا أولى بعيسى، أيّها الناس من يحاجّني في رسول اللّه (محمّد) فأنا أولى برسول اللّه (بمحمّد) صلّى اللّه عليه واله، أيّها الناس من يحاجّني في كتاب اللّه فأنا أولى بكتاب اللّه، ثمّ ينتهي إلى المقام فيصلّي ركعتين وينشد اللّه حقّه.
ثم قال أبو جعفر عليه السّلام: هو واللّه المضطرّ في كتاب اللّه في قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ اَلسُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ اَلْأَرْضِ)(٨٥) فيكون أوّل من يبايعه جبرئيل، ثمّ الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلا، فمن كان ابتلي بالمسير وافاه، ومن لم يبتل بالمسير فقد من فراشه، وهو قول أمير المؤمنين عليه السّلام: هم المفقودون عن فرشهم، وذلك قول اللّه:
(فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) قال: الخيرات: الولاية(٨٦).
١٨ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن أبي خالد، عن أبي عبد اللّه (و عن أبي جعفر عليهما السّلام) في قول اللّه عزّ وجلّ: (فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ) قال: الولاية، وقوله تبارك وتعالى:
(أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) يعني أصحاب القائم عليه السّلام الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا، قال: وهم واللّه الأمّة المعدودة، قال: يجتمعون واللّه في ساعة واحدة قزع كقزع الخريف(٨٧).
١٩ - وروى محمّد بن إبراهيم المعروف بابن أبي زينب النعمانيّ رحمه اللّه بإسناده عن أبي خالد الكابليّ، عن عليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ عليهما السّلام أنّه قال: الفقداء قوم يفقدون من فرشهم فيصبحون بمكة، وهو قول اللّه عزّ وجلّ: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) وهم أصحاب القائم(٨٨).
٢٠ - وعن النعمانيّ بإسناده عن المفضّل بن عمر، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إذا أوذن الإمام، دعا اللّه عزّ وجلّ باسمه العبرانيّ فأتيحت له أصحابه الثلاثمائة والثلاثة عشر، قزع كقزع الخريف، فهم أصحاب الألوية، منهم من يفتقد من فراشه ليلا فيصبح بمكّة، ومنهم يرى يسير في السحاب نهارا، يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه.
قلت: جعلت فداك أيّهما أعظم ايمانا؟
قال: الّذي يسير في السحاب نهارا، وهم المفقودون، وفيهم نزلت هذه الآية: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً)(٨٩).
٢١ - وعن النعمانيّ أيضا بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله:
(فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) قال: نزلت في القائم عليه السّلام وأصحابه، يجتمعون على غير ميعاد(٩٠).
٢٢ - وروى النعمانيّ بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفيّ، قال: قال أبو جعفر عليه السّلام في حديث يذكر فيه علامات القائم عليه السّلام إلى أن قال: فيجمع اللّه له أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، ويجمعهم اللّه له على غير ميعاد قزع كقزع الخريف، وهم يا جابر الآية الّتي ذكرها اللّه في كتابه: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اَللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) فيبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد من رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وقد توارثوه الأبناء عن الآباء(٩١).
٢٣ - وروى الشّيخ الصدوق بإسناده عن ضريس، عن أبي خالد الكابليّ، عن سيّد العابدين عليّ بن الحسين عليهما السّلام قال: المفقودون عن فرشهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، عدّة أهل بدر، فيصبحون بمكّة، وهو قول اللّه عزّ وجلّ: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) وهم أصحاب القائم عليه السّلام(٩٢).
٢٤ - وعن الشّيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن المفضّل بن عمر قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:
لقد نزلت هذه الآية في المفقودين من أصحاب القائم عليه السّلام، قوله عزّ وجلّ: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) انّهم المفقودون عن فرشهم ليلا فيصبحون بمكّة، وبعضهم يسير في السحاب نهارا، يعرف باسمه واسم ابيه وحليته ونسبه، قال: فقلت: جعلت فداك أيّهم أعظم ايمانا؟ قال: الّذي يسير في السحاب نهارا(٩٣).
٢٥ - روى العيّاشي رحمه اللّه بإسناده عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر عليه السّلام يقول: الزم الأرض، لا تحركنّ يدك ولا رجلك أبدا حتّى ترى علامات أذكرها لك في سنة، وترى مناديا ينادي بدمشق، وخسف بقرية من قراها، وتسقط طائفة من مسجدها... (حتّى يصل إلى قوله:) فيقوم القائم بين الركن والمقام فيصلّي وينصرف ومعه وزيره، فيقول: يا أيّها الناس، إنّا نستنصر اللّه على من ظلمنا وسلب حقنا، من يحاجّنا في اللّه فأنا أولى باللّه، ومن يحاجّنا في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن حاجّنا في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن حاجّنا في ابراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجّنا بمحمد فأنا أولى الناس بمحمد صلّى اللّه عليه واله، ومن حاجّنا في النبيّين فأنا أولى الناس بالنبيّين، ومن حاجّنا في كتاب اللّه فنحن أولى الناس بكتاب اللّه، إنّا نشهد وكل مسلم اليوم أنّا قد ظلمنا وطردنا وبغي علينا وأخرجنا من ديارنا وأموالنا وأهالينا وقهرنا، ألا إنّا نستنصر اللّه اليوم وكلّ مسلم.
ويجيء واللّه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فيهم خمسون امرأة، يجتمعون بمكّة على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف، يتبع بعضهم بعضا، وهي الآية الّتي قال اللّه تعالى: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اَللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(٩٤) - الحديث(٩٥).
٢٦ - وعن العيّاشي، بإسناده عن أبي سمينة، عن مولى لأبي الحسن، قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن قوله: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) قال: وذلك واللّه أن لو قد قام قائمنا يجمع اللّه إليه شيعتنا من جميع البلدان(٩٦).
٢٧ - الطبرسيّ بإسناده عن عبد العظيم الحسنيّ رضى عنه اللّه عنه قال: قلت لمحمّد بن عليّ بن موسى عليهما السّلام: يا مولاي إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد الّذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، فقال عليه السّلام: ما منا إلاّ قائم بأمر اللّه وهاد إلى دين اللّه، ولكنّ القائم الّذي يطهّر اللّه به الأرض من الكفر والجحود ويملأها قسطا وعدلا، هو الّذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه ويحرم عليهم تسميته، وهو سميّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وكنيّه، وهو الّذي تطوى له الأرض، وتذلّ له كلّ صعب، يجتمع إليه من أصحابه عدّة أهل بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اَللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الأرض أظهر اللّه أمره، فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن اللّه، فلا يزال يقتل أعداء اللّه حتّى يرضى اللّه عزّ وجلّ.
قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيّدي وكيف يعلم أن اللّه قد رضي؟
قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللاّت والعزّى فأحرقهما(٩٧).
٢٨ - وروى أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ: في مسند فاطمة عليها السّلام، بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قلت جعلت فداك، هل كان أمير المؤمنين عليه السّلام يعلم أصحاب القائم عليه السّلام كما كان يعلم عدّتهم؟ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: حدّثني أبي قال: واللّه لقد كان يعرفهم بأسمائهم وأسماء قبائلهم وحلائلهم رجلا فرجلا، ومواضع منازلهم ومراتبهم، وكلّما عرفه أمير المؤمنين عليه السّلام، فقد عرفه الحسن عليه السّلام، وكلّما عرفه الحسن فقد عرفه الحسين عليه السّلام، وكلّما عرفه الحسين فقد علمه عليّ بن الحسين عليه السّلام، وكلّما علمه عليّ بن الحسين فقد صار علمه إلى محمّد بن عليّ عليه السّلام، وكلّما قد علمه محمّد بن عليّ عليه السّلام، فقد علمه وعرفه صاحبكم - يعني نفسه صلوات اللّه عليه -.
قال: فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام مكتوب في كتاب محفوظ في القلب، مثبت في الذكر لا ينسى، قال. قلت: جعلت فداك: أخبرني بعددهم وبلدانهم ومواضعهم، قال: فقال: اذا كان يوم الجمعة بعد الصلاة فأتني....
 - إلى أن قال -: وإنّ أصحاب القائم عليه السّلام يلقي بعضهم بعضا كأنّهم بنو أب وأمّ وإن افترقوا، افترقوا عشيّا والتقوا غدوة، وذلك تأويل هذه الآية: (فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً).
قال ابو بصير: قلت جعلت فداك، ليس على الأرض يومئذ مؤمن غيرهم؟
قال: بلى، ولكنّ هذه الّتي يخرج اللّه فيها القائم عليه السّلام، وهم النجباء والقضاة والحكام والفقهاء في الدّين، يمسح اللّه بطونهم وظهورهم فلا يشتبه عليهم حكم(٩٨).
٢٩ - روى الفضل بن شاذان بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: «لا يزال الناس ينقصون حتّى لا يقال (اللّه) فإذا كان ذلك، ضرب يعسوب الدّين بذنبه، فيبعث اللّه قوما من أطرافها يجيئون قزعا كقزع الخريف، واللّه إنّي لأعرفهم وأعرف أسماءهم وقبائلهم واسم أميرهم، وهم قوم يحملهم اللّه كيف شاء من القبيلة الرجل والرجلين، حتّى بلغ تسعة، فيتوافون من الآفاق ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، عدّة أهل بدر، وهو قول اللّه: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اَللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) حتّى إنّ الرجل ليحبّني فلا يحل حبوته حتى يبلّغه اللّه ذلك(٩٩).
٣٠ - روى الفضل بن شاذان رحمه اللّه بإسناده: عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: المفقودون عن فرشهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، عدّة أهل بدر، فيصبحون بمكّة، وهو قول اللّه عزّ وجلّ: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) وهم أصحاب القائم عليه السّلام(١٠٠).
٣١ - روى الطوسيّ رحمه اللّه بإسناده عن طريق العامّة عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن عبد اللّه بن العبّاس في قوله تعالى: (وفِي اَلسَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ومَا تُوعَدُونَ * فَوَ رَبِّ اَلسَّمَاءِ واَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)(١٠١).
قال: قيام القائم عليه السّلام، ومثله: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) قال: أصحاب القائم عليه السّلام يجمعهم اللّه في يوم واحد... الخ الحديث الّذي ذكرناه سابقا(١٠٢).
٣٢ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن المفضّل بن عمر قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:
لقد نزلت هذه الآية في المفتقدين من أصحاب القائم عليه السّلام، قوله عزّ وجلّ: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) إنّهم ليفتقدون عن فرشهم ليلا فيصبحون بمكّة، وبعضهم يسير في السحاب يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه.
قال: قلت: جعلت فداك أيّهم اعظم ايمانا؟
قال: الّذي يسير في السحاب نهارا(١٠٣).
٣٣ - روى العيّاشي عن عبد الأعلى الجبليّ (الحلبيّ) قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب، ثمّ أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى - حتّى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الّذي يكون بين يديه حتّى يلقى بعض أصحابه، فيقول: كم أنتم هاهنا؟ فيقولون نحو من أربعين رجلا، فيقول: كيف انتم لو قد رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: واللّه لو يأوي بنا الجبال لأويناها معه.
ثمّ يأتيهم من القابلة فيقول لهم: أشيروا إلى ذوي أسنانكم وأخياركم عشيرة، فيشيرون له إليهم، فينطلق بهم حتّى يأتون صاحبهم، ويعدهم إلى الليلة الّتي تليها.
ثمّ قال أبو جعفر عليه السّلام: واللّه لكأنّي أنظر إليه وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد اللّه حقّه ثمّ يقول: يا أيّها الناس من يحاجّني في اللّه فأنا أولى الناس باللّه ومن يحاجّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم.
يا أيّها الناس من يحاجّني في نوح فأنا اولى الناس بنوح.
يا أيّها الناس من يحاجّني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم.
يا أيّها الناس من يحاجّني في موسى فأنا أولى الناس بموسى.
يا أيّها الناس من يحاجّني في عيسى فأنا أولى الناس بعيسى.
يا أيّها الناس من يحاجّني في محمّد فأنا أولى الناس بمحمّد صلّى اللّه عليه واله.
يا أيّها الناس من يحاجّني في كتاب اللّه فأنا أولى الناس بكتاب اللّه، ثمّ ينتهى إلى المقام فيصلّي عنده ركعتين، ثمّ ينشد اللّه حقّه.
قال أبو جعفر عليه السّلام: هو واللّه المضطرّ في كتاب اللّه، وهو قول اللّه: (أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ اَلسُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ اَلْأَرْضِ)(١٠٤) وجبرئيل على الميزاب في صورة طاير أبيض، فيكون أوّل خلق اللّه يبايعه جبرئيل، ويبايعه الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا.
قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: فمن ابتلي في المسير وافاه في تلك الساعة، ومن لم يبتل بالمسير فقد عن فراشه، ثمّ قال: هو واللّه قول عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: المفقودون عن فرشهم، وهو قول اللّه: (فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً) أصحاب القائم الثلاثمائة وبضعة عشر رجلا.
قال: هم واللّه الأمّة المعدودة الّتي قال اللّه في كتابه: (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ اَلْعَذَابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ)(١٠٥) قال: يجمعون في ساعة واحد قزعا كقزع الخريف، فيدعو الناس إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه واله، فيجيبه نفر يسير، ويستعمل على مكّة، ثمّ يسير فيبلغه إن قد قتل عامله، فيرجع اليهم فيقتل المقاتلة لا يزيد على ذلك شيئا - يعني السبي.. الحديث(١٠٦).
الآية الثانية عشرة قوله عزّ وجلّ: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ)(١٠٧).
٣٤ - روى ثقة الإسلام الكليني قدّس سرّه بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
قال أبي لجابر بن عبد اللّه الأنصاريّ: إنّ لي إليك حاجة، فمتى يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها، فقال له جابر: أيّ الأوقات أحببت، فخلا به في بعض الأيام فقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الّذي رأيته في يد أمّي فاطمة عليها السّلام بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وما أخبرتك به أمي أنّه في ذلك اللوح مكتوب؟ فقال جابر: أشهد باللّه أنّي دخلت على أمّك فاطمة في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فهنّيتها بولادة الحسين، ورأيت في يدها لوحا أخضر، ظننت أنّه من زمرّد، ورأيت فيه كتابا ابيض، شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي وأمي يا بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ما هذا اللوح؟
فقالت: هذا لوح أهداه اللّه إلى رسوله صلّى اللّه عليه واله فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابنيّ واسم الأوصياء من ولدي، وأعطانيه أبي ليبشّرني بذلك.
قال: جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة عليها السّلام فقرأته واستنسخته.
فقال له أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه عليّ؟
قال: نعم، فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رقّ، فقال: يا جابر أنظر في كتابك لأقرأ أنا عليك، فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي فما خالف حرف حرفا، فقال جابر: فأشهد باللّه أنّي هكذا رأيته في اللوح مكتوبا:
هذا كتاب من اللّه العزيز الحكيم لمحمّد نبيّه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظّم يا محمّد أسمائي واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي، إنّي أنا اللّه لا إله إلا أنا قاصم الجبارين ومديل المظلومين وديّان الدّين، إنّي أنا اللّه لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي، أو خاف غير فضلي، أو خاف غير عدلي، عذّبته عذابا لا أعذّب به أحدا من العالمين، فإيّاي فاعبد، وعليّ فتوكّل، إنّي لم أبعث نبيّا فأكملت أيّامه وانقضت مدّته إلاّ جعلت له وصيّا، وإنّي فضّلتك على الأنبياء، وفضّلت وصيّك على الأوصياء، وأكرمته بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسنا معدن علمي، بعد انقضاء مدّة أبيه وجعلت حسينا خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامّة معه، وحجّتي البالغة عنده، بعترته اثيب وأعاقب، أوّلهم عليّ سيّد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه شبه جدّه المحمود محمّد الباقر علمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الرادّ عليه كالرادّ عليّ، حقّ القول منّي لأكرمنّ مثوى جعفر، ولأسرنّه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، وانتجبت بعده موسى واتيحت بعده فتنة عمياء حندس، لأنّ خيط فرضي لا ينقطع، وحجّتي لا تخفى، وإنّ أوليائي يسقون بالكأس الأوفى، من جحد واحدا منهم، فقد جحد نعمتي، ومن غيّر آية من كتابي، فقد افترى عليّ، ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدّة موسى عبدي وحبيبي وخيرتي في عليّ وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوّة وامتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة الّتي بناها العبد الصالح إلى جنب شرّ خلقي، حقّ القول منّي لأسرّنه بمحمّد ابنه وخليفته من بعده ووراث علمه، فهو معدن علمي وموضع سرّي وحجّتي على خلقي، لا يؤمن عبد به إلاّ جعلت الجنّة مثواه، وشفّعته في سبعين من أهل بيته كلّهم قد استوجبوا النار، واختم بالسعادة لابنه عليّ وليّي وناصري والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن، وأكمل ذلك بابنه «م ح م د» رحمة للعالمين، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيّوب، فيذل أوليائي في زمانه وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين، مرعوبين، وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم ويفشو الويل والرنّة في نسائهم، اولئك أوليائي حقّا، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس، وبهم اكشف الزلازل، وأدفع الآصار والأغلال، (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ).
قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلاّ هذا الحديث لكفاك، فصنه إلاّ عن أهله(١٠٨).
انتهى
الآية الرابعة عشرة قوله سبحانه: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمَامِ واَلْمَلاَئِكَةُ وقُضِيَ اَلْأَمْرُ)(١٠٩).
٣٥ - روى العيّاشي عن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السّلام في قول اللّه تعالى: (فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمَامِ واَلْمَلاَئِكَةُ وقُضِيَ اَلْأَمْرُ) قال: ينزل في سبع قباب من نور، لا يعلم أيّها هو حين ينزل في ظهر الكوفة، فهذا حين ينزل(١١٠).
الآية الرابعة عشرة قوله عزّ وجلّ: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)(١١١).
٣٦ - وبالإسناد عن محمّد بن سنان، عن خالد العاقوليّ في حديث له، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: فما تمدّون أعينكم؟ فما تستعجلون؟ ألستم آمنين؟ أليس الرجل منكم يخرج من بيته فيقضي حوائجه ثمّ يرجع لم يختطف؟ إن كان من قبلكم على ما أنتم عليه ليؤخذ الرجل منهم فتقطع يداه ورجلاه، ويصلب على جذوع النخل، وينشر بالمنشار ثمّ يعدو ذنب نفسه، ثمّ تلا هذه الآية: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسَاءُ واَلضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ واَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اَللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ)(١١٢).
الآية الخامسة عشرة قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اَللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اَللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى اَلنَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)(١١٣).
٣٧ - روى النعمانيّ بإسناده عن إسماعيل بن جابر، قال: سمعت جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام يقول (في حديث طويل عن أنواع آيات القرآن روى فيه عن الإمام الصادق عليه السّلام مجموعة أسئلة لأمير المؤمنين عليه السّلام عن آيات القرآن واحكامه، جاء فيه): وأمّا الردّ على من أنكر الرجعة، فقول اللّه عزّ وجلّ: (ويَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ)(١١٤) أي إلى الدنيا، وإنّ معنى حشر الآخرة فقوله عزّ وجلّ: (وحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(١١٥)، وقوله تعالى: (وحَرَامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)(١١٦) في الرجعة، فأمّا في القيامة، فهم يرجعون.
ومثل قوله تعالى: (وإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ)(١١٧) وهذا لا يكون إلا في الرجعة.
ومثله ما خاطب اللّه به الأئمّة، ووعدهم من النصر والانتقام من أعدائهم فقال سبحانه: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(١١٨) وهذا إنّما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا.
ومثل قوله تعالى: (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ اَلْوَارِثِينَ)(١١٩) وقوله سبحانه: (إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلى مَعَادٍ)(١٢٠) أي رجعة الدنيا.
ومثله قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اَللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) وقوله عزّ وجلّ: (واِخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا)(١٢١) فردّهم اللّه تعالى بعد الموت إلى الدنيا وشربوا ونكحوا، ومثل خبر العزيز(١٢٢).
الآية السادسة عشرة قوله تعالى: (وقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اَللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ اَلْمُلْكُ عَلَيْنَا ونَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ اَلْمَالِ قَالَ إِنَّ اَللَّهَ اِصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وزَادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ واَلْجِسْمِ واَللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ واَللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(١٢٣).
٣٨ - أسند الشّيخ الصدوق إلى الريّان بن الصلت قال: قلت للرضا عليه السّلام: أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: نعم، ولكنّي لست بالّذي أملأها عدلا كما ملئت جورا، وكيف يكون ذلك على ما يرى من ضعف بدني، وإنّ القائم قويّ في بدنه، لو مدّ يده إلى أعظم شجرة على الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، ذلك الرابع من ولدي يغيّبه اللّه ثمّ يظهره(١٢٤).
الآية السابعة عشرة قوله تعالى: (وقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ اَلْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(١٢٥).
المهديّ عليه السّلام يستخرج تابوت السّكينة
٣٩ - روى ابن حماد بإسناده عن سليمان بن عيسى، قال: بلغني أنّه على يدي المهديّ يظهر تابوت السكينة من بحيرة الطبريّة، حتّى تحمل فتوضع بين يديه ببيت المقدس، فإذا نظرت إليه اليهود أسلمت إلاّ قليلا منهم(١٢٦).
٤٠ - روى السيّد ابن طاووس رحمه اللّه عن نعيم بإسناده عن كعب، قال: المهديّ يبعث بعثا لقتال الروم، يعطى فقه عشرة، يستخرج تابوت السكينة من غار أنطاكية، فيها التوراة الّتي أنزل اللّه على موسى، والإنجيل الّذي أنزل اللّه على عيسى، يحكم بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الانجيل بإنجيلهم(١٢٧).
٤١ - وروى أيضا عن كعب قال: إنّما سمّي المهديّ لأنّه يهدي لأمر قد خفي، ويستخرج التوراة والانجيل من أرض يقال لها أنطاكية(١٢٨).
٤٢ - قال السيّد ابن طاووس رحمه اللّه: روى نعيم في حديث آخر: إنّ التوراة يخرجها غضّة - يعني طريّة - من أنطاكية(١٢٩).
٤٣ - قال: وروى نعيم بسنده عن كعب أيضا: قال: إنّما سمّي المهديّ لأنّه يهدي إلى أسفار من أسفار التوراة يستخرجها من جبال الشام، يدعو إليها اليهود، فيسلم على تلك الكتب جماعة كثيرة. ثمّ ذكر نحوا من ثلاثين ألفا(١٣٠).
الآية الثانية عشرة قوله تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اَللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ...)(١٣١).
٤٤ - روى محمّد بن إبراهيم النعمانيّ رحمه اللّه في كتاب الغيبة بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: إنّ أصحاب طالوت ابتلوا بالنهر الّذي قال اللّه تعالى: (مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ) وإنّ أصحاب القائم عليه السّلام يبتلون بمثل ذلك(١٣٢).
الآية التاسعة عشرة قوله تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اَللَّهِ وقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وآتَاهُ اَللَّهُ اَلْمُلْكَ واَلْحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ولَوْ لاَ دَفْعُ اَللَّهِ اَلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ اَلْأَرْضُ ولَكِنَّ اَللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْعَالَمِينَ)(١٣٣).
تشبيه غيبة المهديّ عليه السّلام بغيبة داود عليه السّلام
٤٥ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن محمّد بن عمارة، قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام: أخبرني بوفاة موسى بن عمران عليه السّلام. فقال: إنّه لمّا أتاه أجله واستوفى مدته وانقطع أكله، أتاه ملك الموت عليه السّلام فقال له: السلام عليك يا كليم اللّه، فقال موسى: وعليك السلام من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت - إلى أن قال: - فقبض ملك الموت روحه مكانه، ودفنه في القبر وسوّى عليه التراب، وكان الّذي يحفر القبر ملك الموت في صورة آدميّ، وكان ذلك في التيه، فصاح صائح من السماء: مات موسى كليم اللّه، وأيّ نفس لا تموت، فحدّثني أبي عن جدّي عن أبيه عليهما السّلام إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله سئل عن قبر موسى أين هو؟ فقال: هو عند الطريق الأعظم عند الكثب الأحمر.
ثمّ إنّ يوشع بن نون عليه السّلام قام بالأمر بعد موسى عليه السّلام صابرا من الطواغيت على اللأواء والضرّاء والجهد والبلاء، حتّى مضى منهم ثلاث طواغيت، فقوي بعدهم أمره، فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى عليه السّلام بصفراء بنت شعيب امرأة موسى عليه السّلام في مائة ألف رجل، فقاتلوا يوشع بن نون عليه السّلام، فقتلهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وهزم الباقين بإذن اللّه تعالى ذكره، وأسر صفراء بنت شعيب، وقال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن ألقى نبيّ اللّه موسى عليه السّلام فأشكو إليه ما لقيت منك ومن قومك.
فقالت صفراء: واويلاه، واللّه لو أبيحت لي الجنة لاستحييت أن أرى فيها رسول اللّه وقد هتكت حجابه، وخرجت على وصيّه بعده، فاستتر الائمة بعد يوشع بن نون إلى زمان داود عليه السّلام أربعمائة سنة وكانوا أحد عشر، وكان قوم كلّ واحد منهم يختلفون إليه في وقته ويأخذون عنه معالم دينهم، حتّى انتهى الأمر إلى آخرهم، فغاب عنهم، ثمّ ظهر لهم فبشّر بداود عليه السّلام وأخبرهم أنّ داود عليه السّلام هو الّذي يطهّر الأرض من جالوت وجنوده، ويكون فرجهم في ظهوره، فكانوا ينتظرونه.
فلمّا كان زمان داود عليه السّلام كان له أربعة إخوة ولهم أب شيخ كبير، وكان داود عليه السّلام من بينهم خامل الذكر، وكان أصغر إخوته لا يعلمون أنّه داود النبيّ المنتظر الّذي يطهّر الأرض من جالوت وجنوده، وكانت الشيعة يعلمون أنّه قد ولد وبلغ أشدّه، وكانوا يرونه ويشاهدونه ولا يعلمون أنّه هو.
فخرج داود عليه السّلام واخوته وأبوهم لمّا فصل طالوت بالجنود، وتخلف عنهم داود، وقال: ما يصنع بي في هذا الوجه، فاستهان به إخوته وأبوه، وأقام في غنم أبيه يرعاها، فاشتدّ الحرب واصاب الناس جهد، فرجع أبوه وقال لداود: احمل إلى إخوتك طعاما يتقوّون به على العدو، وكان عليه السّلام رجلا قصيرا قليل الشعر طاهر القلب، أخلاقه نقيّة، فخرج والقوم متقاربون بعضهم من بعض قد رجع كلّ واحد منهم إلى مركزه.
فمرّ داود عليه السّلام على حجر فقال الحجر له بنداء رفيع: يا داود خذني فاقتل بي جالوت، فإنّي إنّما خلقت لقتله، فأخذه ووضعه في مخلاته الّتي كانت تكون فيها حجارته الّتي كان يرمي بها غنمه، فلمّا دخل العسكر سمعهم يعظّمون أمر جالوت، فقال لهم: ما تعظّمون من أمره، فو اللّه لئن عاينته لأقتلنّه.
فتحدّثوا بأمره حتّى ادخل على طالوت فقال له: يا فتى ما عندك من القوة وما جرّبت من نفسك؟ قال: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه فآخذ برأسه وأفكّ لحييه عنها فآخذها من فيه، وكان اللّه تبارك وتعالى أوحى إلى طالوت أنّه لا يقتل جالوت إلاّ من لبس درعك فملأها، فدعا بدرعه فلبسها داود عليه السّلام فاستوت عليه، فراع طالوت ومن حضره من بني اسرائيل، فقال: عسى اللّه أن يقتل به جالوت.
فلمّا اصبحوا والتقى الناس، قال داود عليه السّلام: أروني جالوت، فلمّا رآه أخذ الحجر فرماه به فصكّ به بين عينيه فدمغه وتنكّس عن دابّته، فقال الناس: قتل داود جالوت، وملّكه الناس حتّى لم يكن يسمع لطالوت ذكر، واجتمعت عليه بنو إسرائيل، وأنزل اللّه تبارك وتعالى عليه الزبور، وعلّمه صنعة الحديد فليّنه له، وأمر الجبال والطير أن تسبّح معه، وأعطاه صوتا لم يسمع بمثله حسنا، وأعطاه قوّة في العبادة، وأقام في بني اسرائيل نبيّا.
وهكذا يكون سبيل القائم عليه السّلام له علم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه، وأنطقه اللّه عزّ وجلّ فناداه: أخرج يا وليّ اللّه فاقتل أعداء اللّه، وله سيف مغمد إذا كان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده وأنطقه اللّه عزّ وجلّ، فناداه السيف: اخرج يا ولي اللّه فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء اللّه، فيخرج عليه السّلام ويقتل أعداء اللّه حيث ثقفهم، ويقيم حدود اللّه، ويحكم بحكم اللّه عزّ وجلّ(١٣٤).
الآية العشرون قوله تعالى: (تِلْكَ اَلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اَللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وآتَيْنَا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيِّنَاتِ وأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ...)(١٣٥).
٤٦ - روي عن الأصبغ بن نباتة، قال: كنّا مع عليّ بالبصرة، وهو على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وقد اجتمع هو وأصحاب محمّد، فقال: «ألا أخبرنّكم بأفضل خلق اللّه يوم يجمع الرسل؟ قلنا: بلى يا أمير المؤمنين، قال: أفضل الرسل محمّد، وإنّ أفضل الخلق بعدهم الأوصياء، وأفضل الأوصياء أنا، وأفضل الناس بعد الرسل والأوصياء الأسباط، وإنّ خير الأسباط سبطا نبيّكم، يعني الحسن والحسين، وإنّ أفضل الخلق بعد الأسباط الشهداء، وإنّ أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطّلب، قال ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه واله، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين، مخضّبان، بكرامة خصّ اللّه عزّ وجلّ بها نبيّكم، والمهديّ منّا في آخر الزمان، لم يكن في أمة من الأمم مهدي ينتظر غيره»(١٣٦).
٤٧ - وروى عبد اللّه بن ميمون القداح، عن أبي جعفر، عن أبيه عليه السّلام قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: منّا سبعة خلقهم اللّه عزّ وجلّ لم يخلق في الأرض مثلهم: منّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، سيّد الأوّلين والآخرين وخاتم النبيّين، ووصيّه خير الوصيين، وسبطاه خير الأسباط حسنا وحسينا، وسيّد الشهداء حمزة عمّه، ومن قد طاف مع الملائكة جعفر، والقائم عليه السّلام(١٣٧).
٤٨ - روى العلامة محبّ الدّين الطبريّ في «ذخائر العقبى» بإسناده عن عليّ بن الهلالي، عن أبيه قال:
دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله في الحالة الّتي قبض فيها، فإذا فاطمة عند رأسه، فبكت حتّى ارتفع صوتها، فرفع صلّى اللّه عليه واله طرفه إليها فقال: حبيبتي فاطمة ما الّذي يبكيك؟ فقالت:
أخشى الضيعة بعدك، فقال: يا حبيبتي أما علمت أنّ اللّه اطّلع على أهل الأرض اطّلاعة فاختار منها أباك فبعثه برسالته صلّى اللّه عليه واله، ثمّ اطّلع اطّلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إليّ أن أنكحك إيّاه، يا فاطمة ونحن أهل بيت قد أعطانا اللّه سبع خصال لم تعط أحدا قبلنا ولا تعطى أحدا بعدنا، وأنا خاتم النبيّيين وأكرمهم على اللّه عزّ وجلّ، وأحب المخلوقين إلى اللّه عزّ وجلّ، وأنا أبوك؛ ووصييّ خير الأوصياء وأحبهم إلى اللّه عزّ وجلّ وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وأحبّهم إلى اللّه عزّ وجلّ وهو حمزة بن عبد المطلب عمّ أبيك وعمّ بعلك، ومنّا من له جناحان أخضران يطير بهما في الجنّة حيث يشاء مع الملائكة وهو ابن عمّ أبيك وأخو بعلك، ومنّا سبطا هذه الامة وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما - والّذي بعثني بالحقّ - خير منهما، يا فاطمة والّذي بعثني بالحقّ إنّ منهما مهديّ هذه الامة، إذا صارت الدنيا هرجا ومرجا وتظاهرت الفتن وتقطّعت السبل وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيرا، ولا صغير يوقّر كبيرا، فيبعث اللّه عزّ وجلّ عند ذلك من يفتح حصون الضلالة، وقلوبا غلفا، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا - أخرجه الحافظ أبو العلاء الهمدانيّ في أربعين حديثا في المهديّ(١٣٨).
٤٩ - روى ابن عديّ في الكامل بإسناده عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله قال: - كما في ابن أبي شيبة -: يكون في آخر الزمان خليفة، لا يفضل عليه أبو بكر ولا عمر، أو: يكون في هذه الامّة(١٣٩).
٥٠ - عن محمّد بن سيرين: أنّه ذكر فتنة فقال: إذا كان ذلك فاجلسوا في بيوتكم حتّى تسمعوا على الناس بخير من أبي بكر وعمر، قيل: يا أبا بكر، خير من أبي بكر وعمر؟ قال: قد كان يفضل على بعض الأنبياء(١٤٠).
٥١ - عن ابن سيرين قيل له: المهديّ خير أو أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما؟ قال: هو خير منهما ويعدل بنبيّ(١٤١).
الآية الحادية والعشرون قوله سبحانه: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهِيَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اَللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اَللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعَامِكَ وشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ واُنْظُرْ إِلى حِمَارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ واُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اَللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(١٤٢).
مثل المهديّ عليه السّلام مثل العزير عليه السّلام
٥٢ - روى الشيخ الطوسيّ بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول:
مثل أمرنا في كتاب اللّه مثل صاحب الحمار أماته اللّه مائة عام ثمّ بعثه(١٤٣).
٥٣ - وروى الطوسيّ بإسناده عن عليّ بن خطاب، عن مؤذّن مسجد الأحمر قال:
سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام: هل في كتاب اللّه مثل للقائم عليه السّلام، فقال: نعم، آية صاحب الحمار، أماته اللّه مائة عام ثمّ بعثه(١٤٤).
الآية الثانية والعشرون قوله تعالى: (يُؤْتِي اَلْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ومَنْ يُؤْتَ اَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ومَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ)(١٤٥).
الحكمة هي معرفة القائم عليه السّلام
٥٤ - روي أنّ أبا بصير سأل الإمام الباقر عليه السّلام عن قول اللّه تعالى: (ومَنْ يُؤْتَ اَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) ما عنى بذلك؟
فقال: معرفة الإمام واجتناب الكبائر، ومن مات وليس في رقبته بيعة لإمام، مات ميتة جاهليّة، ولا يعذر الناس حتّى يعرفوا إمامهم، فمن مات وهو عارف بالإمامة، لم يضرّه تقدّم هذا الأمر أو تأخّر، فكان كمن هو مع القائم في فسطاطه، قال: ثمّ مكث هنيئة ثمّ قال: لا بل كمن قاتل معه، ثمّ قال: لابل - واللّه - كمن استشهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله(١٤٦).
الآية الثالثة والعشرون قال تعالى: (آمَنَ اَلرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ واَلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وقَالُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ)(١٤٧).
المهديّ عليه السّلام في ضحضاح من نور عن يمين العرش
٥٥ - روى العلاّمة الحموينيّ بإسناده عن أبي سلمى راعي إبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، قال:
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول: ليلة اسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ جلاله: (آمَنَ اَلرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) قلت: (واَلْمُؤْمِنُونَ) قال: صدقت يا محمّد، من خلّفت في أمّتك؟ قلت: خيرها، قال: عليّ بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا ربّ.
قال: يا محمّد إنّي اطّلعت على الأرض اطلاعة فاخترتك منها، فشققت لك اسما من أسمائي، فلا أذكر إلاّ ذكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ اطّلعت الثانية فاخترت منها عليّا وشققت له اسما من أسمائي، فأنا الأعلى وهو عليّ.
يا محمّد، إنّي خلقتك وخلقت عليّا وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ولده من شبح نوري، وعرضت ولا يتكم على أهل السماوات وأهل الأرض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين.
يا محمّد لو أنّ عبدا من عبيدي عبدني حتّى ينقطع أو يصير كالشنّ، البالي ثمّ أتاني جاحدا لولايتكم، ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم.
يا محمّد أتحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا ربّ.
فقال لي: التفت عن يمين العرش، فالتفتّ فإذا أنا بعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ، والمهديّ في ضحضاح من نور قياما يصلّون، وهو في وسطهم - يعني المهديّ - كأنّه كوكب درّيّ.
وقال: يا محمّد هؤلاء الحجج، وهو الثائر من عترتك، وعزّتي وجلالي إنّه الحجّة الواجبة لأوليائي، والمنتقم من أعدائي(١٤٨).

سورة آل عمران

الآية الاولى قوله تعالى: (لاَ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِي شَيْء إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ويُحَذِّرُكُمُ اَللَّهُ نَفْسَهُ وإِلَى اَللَّهِ اَلْمَصِيرُ)(١٤٩).
فضل التقيّة في عصر الغيبة
٥٦ - المظفر العلويّ: بإسناده عن عمّار الساباطيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: العبادة مع الإمام منكم المستتر في السرّ في دولة الباطل أفضل، أم العبادة في ظهور الحق ودولته مع الإمام الظاهر منكم؟ فقال: يا عمّار الصدقة في السرّ - واللّه - أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك عبادتكم في السّر مع إمامكم المستتر في دولة الباطل أفضل، لخوفكم من عدوّكم في دولة الباطل وحال الهدنة، ممّن يعبد اللّه في ظهور الحقّ مع الإمام الظاهر في دولة الحق، وليس العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة مثل العبادة مع الأمن في دولة الحقّ.
اعلموا أنّ من صلّى منكم صلاة فريضة وحدانا مستترا بها من عدوّه في وقتها، فأتّمها، كتب اللّه عزّ وجلّ له بها خمسة وعشرين صلاة فريضة وحدانيّة، ومن صلّى منكم صلاة نافلة في وقتها فأتّمها، كتب اللّه عزّ وجلّ له بها عشر صلوات نوافل، ومن عمل منكم حسنة، كتب اللّه بها عشرين حسنة، ويضاعف اللّه تعالى حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله، ودان اللّه بالتقيّة على دينه، وعلى إمامه وعلى نفسه، وأمسك من لسانه، أضعافا مضاعفة كثيرة، إنّ اللّه عزّ وجلّ كريم. قال: قلت: جعلت فداك قد رغّبتني في العمل، وحثثتني عليه، ولكنّي أحبّ أن أعلم: كيف صرنا نحن اليوم أفضل أعمالا من أصحاب الإمام منكم الظاهر في دولة الحقّ، ونحن وهم على دين واحد، وهو دين اللّه عزّ وجلّ؟ فقال: انّكم سبقتموهم إلى الدخول في دين اللّه وإلى الصلاة والصوم والحجّ وإلى كلّ فقه وخير، وإلى عبادة اللّه سرّا من عدوّكم مع الإمام المستتر، مطيعون له، صابرون معه، منتظرون لدولة الحق، خائفون على إمامكم وعلى أنفسكم من الملوك، تنظرون إلى حقّ إمامكم وحقّكم في أيدي الظلمة، وقد منعوكم ذلك واضطرّوكم إلى جذب الدنيا وطلب المعاش، مع الصبر على دينكم، وعبادتكم وطاعة ربكم والخوف من عدوّكم، فبذلك ضاعف اللّه أعمالكم، فهنيئا لكم هنيئا. قال: فقلت: جعلت فداك، فما نتمنّى إذا أن نكون من أصحاب القائم عليه السّلام في ظهور الحق؟ ونحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالا من أعمال أصحاب دولة الحق؟
فقال: سبحان اللّه، أما تحبّون أن يظهر اللّه عزّ وجلّ الحقّ والعدل في البلاد، ويحسن حال عامّة الناس، ويجمع اللّه الكلمة، ويؤلّف بين القلوب المختلفة، ولا يعصى اللّه في أرضه، ويقام حدود اللّه في خلقه، ويردّ الحقّ إلى أهله، فيظهره حتّى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق؟
أما واللّه يا عمّار، لا يموت منكم ميّت على الحال الّتي أنتم عليها، إلاّ كان أفضل عند اللّه عزّ وجلّ من كثير ممّن شهد بدرا وأحدا فأبشروا(١٥٠).
٥٧ - روي المفيد في الاختصاص بإسناده عن الحسن بن أحمد، عن أحمد بن هلال، عن امية ابن عليّ، عن رجل قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ايّما أفضل نحن أو أصحاب القائم عليه السّلام؟ قال: فقال لي: أنتم أفضل من أصحاب القائم، وذلك أنّكم تمسون وتصبحون خائفين على إمامكم وعلى أنفسكم من أئمّة الجور، إن صليتم فصلاتكم في تقيّة، وإن صمتم فصيامكم في تقيّة، وإن حججتم فحجّكم في تقيّة، وإن شهدتم لم تقبل شهادتكم، وعدّد أشياء من نحو هذا مثل هذه، فقلت: فما تتمنّى القائم عليه السّلام إذا كان على هذا؟ قال: فقال لي: سبحان اللّه، أما تحبّ أن يظهر العدل ويأمن السبل وينصف المظلوم؟!(١٥١).
الآية الثانية قوله تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا اَلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(١٥٢).
انّ الجفنة الّتي أنزلت على فاطمة عليها السّلام من مواريث المهديّ عليه السّلام
٥٨ - روى العيّاشيّ بإسناده عن نجم، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال: إنّ فاطمة عليها السّلام ضمنت لعليّ عليه السّلام عمل البيت والعجين والخبز وقمّ البيت، وضمن لها عليّ عليه السّلام ما كان خلف الباب، من نقل الحطب، وأن يجيء بالطعام، فقال لها يوما: يا فاطمة هل عندك شيء؟ قالت: لا والّذي عظّم حقك ما كان عندنا منذ ثلاثة أيّام شيء نقريك به، قال: أفلا أخبرتيني؟ قالت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله نهاني أن اسألك شيئا، فقال: لا تسألي ابن عمك شيئا، إن جاءك بشيء عفوا وإلاّ فلا تسأليه، قال: فخرج الامام عليه السّلام فلقي رجلا فاستقرض منه دينارا، ثمّ أقبل به وقد أمسى فلقي مقداد بن الأسود، فقال للمقداد، ما أخرجك في هذه الساعة؟ قال: الجوع، والّذي عظّم حقك يا أمير المؤمنين. قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام:
ورسول اللّه صلّى اللّه عليه واله حيّ؟ قال: ورسول اللّه صلّى اللّه عليه واله حيّ، قال: فهو أخرجني فقد استقرضت دينارا وسأوثرك به، فدفعه إليه. فأقبل فوجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله جالسا وفاطمة تصلّي وبينهما شيء مغطّى، فلمّا فرغت أحضرت ذلك الشيء فإذا جفنة من خبز ولحم، قال: يا فاطمة أنّى لك هذا؟ قالت: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: ألا أحدّثك بمثلك ومثلها؟ قال: بلى. قال: مثل زكريّا إذا دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقا، قال يا مريم أنّى لك هذا قالت هو من عند اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب، فأكلوا منها شهرا، وهي الجفنة الّتي يأكل منها القائم عليه السّلام، وهي عندنا(١٥٣).
الآية الثالثة قوله سبحانه: (ويُكَلِّمُ اَلنَّاسَ فِي اَلْمَهْدِ وكَهْلاً ومِنَ اَلصَّالِحِينَ)(١٥٤).
المهديّ عليه السّلام يكلّم الناس في المهد
٥٩ - روى الطبريّ في تفسيره عن ابن زيد يقول في قوله: (ويُكَلِّمُ اَلنَّاسَ فِي اَلْمَهْدِ وكَهْلاً ومِنَ اَلصَّالِحِينَ) قال: قد كلّمهم عيسى في المهد، وسيكلّمهم إذا قتل الدجّال وهو يومئذ كهل(١٥٥).
٦٠ - روى العلاّمة البيّاضي رحمه اللّه قال: قالت حكيمة: قرأت على أمّه نرجس وقت ولادته التوحيد، والقدر، وآية الكرسي، فأجابني من بطنها بقراءتي، ثمّ وضعته ساجدا إلى القبلة فأخذه أبوه وقال: انطق بإذن اللّه، فتعوّذ وسمّى وقرأ: (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ اَلْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهَامَانَ وجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(١٥٦) الآيتين، وصلّى على محمّد وعليّ وفاطمة والأئمّة واحدا واحدا باسمه إلى آخرهم، وكان مكتوبا على ذراعه الأيمن: (جَاءَ اَلْحَقُّ وزَهَقَ اَلْبَاطِلُ إِنَّ اَلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) قالت حكيمة: دخلت بعد ولادته بأربعين يوما فإذا هو يمشي، فلم أر أفصح من لغته(١٥٧).
٦١ - نسيم ومارية قالتا: لمّا سقط من بطن أمّه، سقط جاثيا رافعا سبّابته إلى السماء قائلا كلّما يعطس: الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على محمّد وآله، زعم الظالمون أنّ حجّة اللّه داحضة(١٥٨).
٦٢ - قال طريف عن نضر الخادم: دخل على الإمام وهو في المهد فقال: أنا خاتم الأوصياء، وبي يدفع اللّه البلاء عن أهلي وشيعتي(١٥٩).
٦٣ - حمل أحمد بن اسحاق إلى العسكريّ عليه السّلام جرابا فيه صرر، فالتفت عليه السّلام إلى ابنه وقال: هذه هدايا موالينا، فقال الغلام: لا تصلح، لأنّ فيها حلالا وحراما، فأخرجت، ففرّق بينها وأعلم بكميّة كلّ صرّة قبل فتحها(١٦٠).
٦٤ - أسند العلاّمة البيّاضي رحمه اللّه إلى أحمد بن اسحاق قال: دخلت على العسكريّ عليه السّلام أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فابتدأني: إنّ اللّه لا يخلي الأرض منذ خلق آدم عليه السّلام ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة له على خلقه، قلت: ومن الخليفة بعدك؟ فأسرع ودخل البيت وخرج وعلى عاتقه غلام، وقال: لو لا كرامتك على اللّه وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنّه سميّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وكنيّه، مثله في هذه الامّة كالخضر وذي القرنين، ليغيبنّ غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلاّ من ثبّته اللّه على القول بإمامته، ووفّقه للدعاء بتعجيل فرجه، ويرجع من هذا الأمر أكثر القائلين به، هذا سرّ اللّه فخذ واكتمه وكن من الشاكرين، تكن معنا في علّيين. فقلت: هل من علامة؟ فنطق الغلام فقال: أنا بقيّة اللّه في أرضه، والمنتقم من أعدائه(١٦١).
٦٥ - وقال إسماعيل بن عليّ: دخلت على العسكريّ في المرض الّذي مات فيه، فقال لخادمه: ادخل البيت فإنّك ترى صبيّا ساجدا فائتني به، فدخلت فوجدته ساجدا رافعا سبّابته إلى السماء، فسلّمت فأوجز في صلاته، فقلت: سيّدي يأمرك بالخروج، فجاءت أمّه فأخرجته إليه، فقال: أبشر أنت صاحب الزمان المهديّ، حجّة اللّه في أرضه، وأنت وصيّي، وأنت (م ح م د) وعدّ آباءه إلى عليّ عليه السّلام ثمّ قال: أنت خاتم الأئمّة الطاهرين(١٦٢).
٦٦ - وذكر الشيخ البيّاضيّ قال: وأسند الشيخ أبو جعفر إلى محمّد بن عليّ، إلى محمّد بن عبد اللّه المطهريّ قال: قصدت حكيمة أسألها عن الحجّة فقالت: لمّا حضرت نرجس الولادة، قال الحسن العسكريّ عليه السّلام: اقرئي عليها: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) فقرأت، فجاوبني الجنين بمثل قراءتي، وسلّم عليّ ففزعت، فقال أبو محمّد عليه السّلام: لا تعجبين من أمر اللّه، إنّه منطقنا بالحكمة صغارا، ويجعلنا حجّة في الأرض كبارا. (الحديث)(١٦٣)
الآية الرابعة قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وجَاعِلُ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(١٦٤).
عيسى عليه السّلام يصلّي خلف المهديّ عليه السّلام
٦٧ - روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أنّه قال: ينزل عيسى بن مريم عليه السّلام عند انفجار الصبح ما بين مهرودين، وهما ثوبان أصفران من الزعفران، أبيض الجسم، أصهب الرأس، أفرق الشعر، كأنّ رأسه يقطر دهنا، بيده حربة، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويهلك الدجال، ويقبض أموال القائم عليه السّلام، ويمشي خلفه أهل الكهف، وهو الوزير الأيمن للقائم عليه السّلام وحاجبه ونائبه، ويبسط في المغرب والمشرق الأمن من كرامة الحجّة بن الحسن صلوات اللّه عليهما، حتّى يرتع الأسد مع الغنم، والنمر مع البقر، والذئب والغنم، وتلعب الصبيان بالحيّات... الحديث(١٦٥).
٦٨ - المهديّ الّذي ينزل عليه عيسى ابن مريم ويصلّي خلفه عيسى عليه السّلام(١٦٦).
٦٩ - روي عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: منّا الّذي يصلّي عيسى ابن مريم خلفه(١٦٧).
٧٠ - روى الشافعيّ قال: أخبرنا نقيب النقباء فخر آل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أبو الحسن عليّ بن محمّد بن ابراهيم الحسنيّ، وبإسناده عن حذيفة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: فيلتفت المهديّ وقد نزل عيسى عليه السّلام كأنما يقطر من شعره الماء، فيقول المهديّ: تقدّم صلّ بالناس، فيقول عيسى: إنّما أقيمت الصلاة لك، فيصلّي عيسى خلف رجل من ولدي، فإذا صلّيت قام عيسى حتّى جلس في المقام فيبايعه، فيمكث أربعين سنة(١٦٨).
٧١ - أتى يهوديّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله، فقام بين يديه يحدّ النظر إليه، فقال: يا يهوديّ ما حاجتك؟ قال: أنت أفضل من موسى بن عمران النبيّ الّذي كلّمه اللّه وأنزل عليه التوراة والعصا، وفلق له البحر، وأظلّه بالغمام؟ فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه واله: إنّه يكره للعبد أن يزكيّ نفسه، ولكنّي أقول إنّ آدم عليه السّلام، لمّا أصاب الخطيئة، كانت توبته أن قال: اللّهم إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لمّا غفرت لي، فغفرها اللّه له، وإنّ نوحا لمّا ركب في السفينة وخاف الغرق قال: اللّهمّ إنّي أسألك بحق محمّد وآل محمّد لمّا أنجيتني من الغرق، فنجّاه اللّه عنه، وإنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا ألقي في النار قال: اللّهم إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لمّا أنجيتني منها، فجعلها اللّه عليه بردا وسلاما، وإنّ موسى عليه السّلام لمّا ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لمّا آمنتني، فقال اللّه جل جلاله: لا تخف إنّك أنت الأعلى، يا يهودي، إنّ موسى لو أدركني ثمّ لم يؤمن بي وبنبوّتي، ما نفعه إيمانه شيئا، ولا نفعته النبوّة، يا يهوديّ ومن ذرّيتي المهديّ، إذا خرج نزل عيسى ابن مريم لنصرته فقدّمه وصلّى خلفه(١٦٩).
٧٢ - النعمانيّ بإسناده عن كعب الأحبار أنّه قال في حديث طويل: «ومن نسل عليّ القائم المهديّ الّذي يبدّل الأرض غير الأرض، وبه يحتجّ عيسى ابن مريم على نصارى الروم والصين، إنّ القائم المهديّ من نسل عليّ أشبه الناس بعيسى ابن مريم خلقا وخلقا وسمتا وهيبة، يعطيه اللّه جلّ وعزّ ما أعطى الأنبياء ويزيده ويفضّله، إنّ القائم من ولد عليّ عليه السّلام له غيبة كغيبة يوسف، ورجعة كرجعة عيسى ابن مريم، ثمّ يظهر بعد غيبته مع طلوع النجم الأحمر، وخراب الزوراء وهي الريّ، وخسف المزوّرة وهي بغداد، وخروج السفياني، وحرب ولد العباس مع فتيان أرمينية وآذربيجان، تلك حرب يقتل فيها الوف وألوف، كلّ يقبض على سيف محلّى تخفق عليه رايات سود، تلك حرب يشوبها الموت الأحمر والطاعون الأغبر(١٧٠).
٧٣ - روى ابن حماد بإسناده عن المشايخ، عن كعب قال: - ولم يسنده إلى النبيّ صلّى اللّه عليه واله - لمّا رأى عيسى بن مريم قلّة من معه، شكى إلى اللّه تعالى، فقال اللّه (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ) وليس من رفعت عندي يموت، وإنّي باعثك على الأعور الدجّال فتقتله، ثمّ تعيش بعد ذلك أربعة وعشرين سنة، ثمّ اتوفّاك ميتة الحقّ(١٧١).
٧٤ - روي من طريق العامّة في كتاب الرائق من أزهار الحدائق، بإسناده عن أبي سعيد الخدريّ، عن جابر بن عبد اللّه الانصاري، عن أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة له طويلة جدا فيها علامات آخر الزمان، وإخبار بمغيّبات كثيرة. منها دولة بني أميّة وبني العباس وأحوال الدجّال والسفيانيّ، إلى أن قال: المهديّ من ذرّيّتي، يظهر بين الركن والمقام، وعليه قميص إبراهيم، وحلّة اسماعيل، وفي رجله نعل شيث، والدليل عليه قول النبيّ صلّى اللّه عليه واله: عيسى ابن مريم ينزل من السماء، ويكون مع المهديّ من ذريّتي، فإذا ظهر فاعرفوه، فإنّه مربوع القامة، حلك سواد الشعر، ينظر من عين ملك الموت، يقف على باب الحرم فيصيح بأصحابه صيحة، فيجمع اللّه تعالى عسكره في ليلة واحدة، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض، ثمّ ذكر تفصيلهم وأماكنهم وبلادهم، إلى أن قال: فيتقدّم المهديّ من ذرّيّتي، فيصلّي إلى قبلة جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، ويسيرون جميعا إلى أن يأتوا بيت المقدس، ثمّ ذكر الحرب بينه وبين الدجّال، وذكر أنّهم يقتلون عسكر الدجال من أوّله إلى آخره، وتبقى الدنيا عامرة، ويقوم بالقسط والعدل، إلى أن قال: ثمّ يموت عيسى، ويبقى المنتظر المهديّ من آل محمّد صلّى اللّه عليه واله، فيسير في الدنيا وسيفه على عاتقه، ويقتل اليهود والنصارى وأهل البدع(١٧٢).
٧٥ - روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام - مرسلا - في قصة الدجّال قال:
ألا وإنّ أكثر أتباعه أولاد الزنا، لابسو التيجان، ألا وهم اليهود عليهم لعنة اللّه، يأكل ويشرب، له حمار أحمر، طوله ستّون خطوة مدّ بصره، أعور اليمين، وإنّ ربّكم عزّ وجلّ ليس بأعور، صمد لا يطعم، فيشمل البلاد البلاء، ويقيم الدجّال أربعين يوما. أوّل يوم كسنة، والثاني كأقلّ، فلا تزال تصغر وتقصر، حتّى تكون آخر أيامه كليلة يوم من أيّامكم هذه، يطأ الأرض كلّها إلاّ مكّة والمدينة وبيت المقدس. ويدخل المهديّ عليه السّلام بيت المقدس، ويصلّي بالناس إماما، فإذا كان يوم الجمعة وقد أقيمت الصلاة، نزل عيسى ابن مريم عليه السّلام، بثوبين مشرقين حمر، كأنّما يقطر رأسه الدهن، رجل الشعر، صبيح الوجه، أشبه خلق اللّه عزّ وجلّ بأبيكم إبراهيم خليل الرحمن عليه السّلام، فيلتفت المهديّ، فينظر عيسى عليه السّلام، فيقول لعيسى: يا بن البتول، صلّ بالناس، فيقول: لك اقيمت الصلاة، فيتقدّم المهديّ عليه السّلام فيصلّي بالناس، ويصلّي عيسى عليه السّلام خلفه ويبايعه(١٧٣).
٧٦ - روى أبان، عن سليم بن قيس قال: أقبلنا من صفّين مع أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، فنزل العسكر قريبا من دير نصرانيّ، إذ خرج علينا من الدير شيخ كبير جميل حسن الوجه، حسن الهيئة والسمت، ومعه كتاب في يده، حتّى أتى أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، فسلّم عليه بالخلافة، فقال له عليّ عليه السّلام: مرحبا يا أخي شمعون بن حمون، كيف حالك رحمك اللّه، فقال: بخير يا أمير المؤمنين وسيّد المسلمين ووصيّ رسول ربّ العالمين، إنّي من نسل حواري أخيك عيسى ابن مريم عليه السّلام، وفي رواية أخرى:
أنا من نسل حواري أخيك عيسى ابن مريم صلوات اللّه عليه - من نسل شمعون بن يوحنا، وكان أفضل حواري عيسى ابن مريم الإثني عشر وأحبّهم إليه وآثرهم عنده، وإليه أوصى عيسى، وإليه دفع كتبه وعلمه وحكمته، فلم يزل أهل بيته على دينه متمسّكين بملّته لم يكفروا ولم يبدّلوا ولم يغيّروا، وتلك الكتب عندي إملاء عيسى ابن مريم، وخط أبينا بيده، وفيه كلّ شيء يفعل الناس من بعده، ملك ملك وما يملك، وما يكون في زمان كلّ ملك منهم، حتّى يبعث اللّه رجلا من العرب ومن ولد اسماعيل بن إبراهيم خليل اللّه من أرض تدعى تهامة، من قرية يقال لها مكّة، يقال له أحمد الأنجل العينين المقرون الحاجبين، صاحب الناقة والحمار والقضيب والتاج - يعني العمامة - له اثنا عشر اسما، ثمّ ذكر مبعثه ومولده وهجرته، ومن يقاتله ومن ينصره ومن يعاديه وكم يعيش، وما تلقى أمّته بعده إلى أن ينزل عيسى ابن مريم من السماء، فذكر في الكتاب ثلاثة عشر رجلا من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل اللّه صلّى اللّه عليهم، هم خير من خلق اللّه، وأحبّ من خلق اللّه إلى اللّه، وانّ اللّه وليّ من والاهم، وعدوّ من عاداهم، من أطاعهم اهتدى. ومن عصاهم ضلّ، طاعتهم للّه طاعة، ومعصيتهم للّه معصية، مكتوبة فيه أسماؤهم وأنسابهم ونعتهم، وكم يعيش كل رجل منهم، واحدا بعد واحد، وكم رجل منهم يستتر بدينه ويكتمه من قومه، ومن يظهر حتّى ينزل اللّه عيسى صلى اللّه عليه على آخرهم، فيصلّي عيسى خلفه ويقول: إنّكم أئمّة لا ينبغي لأحد أن يتقدّمكم، فيتقدّم فيصلّي بالناس وعيسى خلفه إلى الصفّ الأوّل، أوّلهم وافضلهم وخيرهم، له مثل أجورهم وأجور من أطاعهم واهتدى بهداهم.
وفي النسخة الأولى: وتسعة من ولد أصغرهما وهو الحسين واحدا بعد واحد، آخرهم الّذي يصلّي عيسى بن مريم خلفه، فيه تسمية كلّ من يملك منهم، ومن يستتر بدينه ومن يظهر، فأوّل من يظهر منهم يملأ جميع بلاد اللّه قسطا وعدلا، ويملك ما بين المشرق والمغرب حتّى يظهره اللّه على الأديان كلّها(١٧٤).
٧٧ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن أبي سعيد عقيصا، قال: لمّا صالح الحسن بن عليّ عليهما السّلام معاوية بن أبي سفيان، دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال عليه السّلام:
ويحكم ما تدرون ما عملت، واللّه الّذي عملت خير لشيعتي ممّا طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أنّني إمامكم مفترض الطاعة عليكم، وأحد سيديّ شباب أهل الجنة بنصّ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عليّ؟ قالوا: بلى.
قال: أما علمتم أنّ الخضر عليه السّلام لمّا خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام، كان ذلك سخطا لموسى بن عمران إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند اللّه تعالى ذكره حكمة وصوابا؟ أما علمتم إنّه ما منّا أحد إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاّ القائم الّذي يصلّي روح اللّه عيسى ابن مريم خلفه؟ فإنّ اللّه عزّ وجلّ يخفي ولادته، ويغيّب شخصه لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيّدة الاماء، يطيل اللّه عمره في غيبته، ثمّ يظهره بقدرته في صورة شابّ دون أربعين سنة، وذلك ليعلم أنّ اللّه على كلّ شيء قدير(١٧٥).
٧٨ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ سنن الأنبياء عليهم السّلام بما وقع بهم من الغيبات حادثة في القائم منّا أهل البيت، حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، قال أبو بصير: يا ابن رسول اللّه، ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال: يا أبا بصير، هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيّدة الإماء، يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثمّ يظهره اللّه عزّ وجلّ، فيفتح اللّه على يده مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح اللّه عيسى ابن مريم عليه السّلام فيصلّي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربّها، ولا تبقى في الأرض بقعة عبد فيها غير اللّه عزّ وجلّ إلا عبد اللّه فيها، ويكون الدّين كلّه للّه ولو كره المشركون(١٧٦).
٧٩ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن أبي أيّوب المخزوميّ، قال: ذكر أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام سير الخلفاء الإثني عشر الراشدين (صلوات اللّه عليهم)، فلمّا بلغ آخرهم قال: الثاني عشر الّذي يصلّي عيسى ابن مريم عليه السّلام خلفه، عليك بسنّته والقرآن الكريم(١٧٧).
٨٠ - روى فرات الكوفي معنعنا عن أبي جعفر عليه السّلام، قال - في حديث له: - يا خيثمة سيأتي على الناس زمان، لا يعرفون اللّه ما هو التوحيد، حتّى يكون خروج الدجال، وحتّى ينزل عيسى ابن مريم من السماء، ويقتل اللّه الدجّال على يده، ويصلّي بهم رجل منّا أهل البيت، ألا ترى أنّ عيسى يصلي خلفنا وهو نبيّ ألا ونحن أفضل منه(١٧٨).
الآية الخامسة قوله تعالى: (إِنَّ أَوْلَى اَلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وهَذَا اَلنَّبِيُّ واَلَّذِينَ آمَنُوا واَللَّهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ)(١٧٩).
٨١ - روى العيّاشيّ عن عبد الأعلى الجبليّ (الحلبيّ - خ) قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: في حديث له -: واللّه لكأنّي أنظر إليه وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد اللّه حقّه ثمّ يقول: يا أيّها الناس من يحاجّني في اللّه، فأنا أولى الناس باللّه، ومن يحاجّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، يا أيّها الناس من يحاجّني في نوح، فأنا أولى الناس بنوح، يا أيّها الناس من يحاجّني في ابراهيم، فأنا أولى الناس بإبراهيم(١٨٠).
الآية السادسة قوله تعالى: (وإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وأَخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وأَنَا مَعَكُمْ مِنَ اَلشَّاهِدِينَ)(١٨١).
الرجعة في زمن المهديّ عليه السّلام
٨٢ - روى النعمانيّ بإسناده عن اسماعيل بن جابر قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام يقول: (في حديث طويل له عن أنواع آيات القرآن يبلغ نحو ١٢٨ صفحة روى فيه مجموعة أسئلة لأمير المؤمنين عليه السّلام عن آيات القرآن وأحكامه وجوابه عليها، جاء فيها).
وأمّا الردّ على من أنكر الرجعة، فيقول اللّه عزّ وجلّ: (ويَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي إلى الدنيا وأمّا حشر الآخرة فقوله عزّ وجلّ: (وحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً) وقوله سبحانه: (وحَرَامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) ومثل قوله تعالى: (وإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ) وهذا لا يكون إلا في الرجعة.
ومثله ما خاطب اللّه تعالى به الأئمّة ووعدهم من النصر والانتقام من أعدائهم، فقال سبحانه: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ - إلى قوله - لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) وهذا إنّما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا.
ومثل قوله تعالى: (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ اَلْوَارِثِينَ) وقوله سبحانه: (إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلى مَعَادٍ) أي رجعة الدنيا.
ومثله قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اَللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ).
وقوله عزّ وجلّ: (واِخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا) فردّهم اللّه تعالى بعد الموت إلى الدنيا(١٨٢).
الآية السابعة قوله تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اَللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)(١٨٣).
الإسلام يعمّ الأرض في زمان المهديّ عليه السّلام
٨٣ - روى العيّاشيّ رحمه اللّه بإسناده عن رفاعة بن موسى، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: (ولَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً) قال: إذا قام القائم عليه السّلام لا تبقى أرض إلاّ نودي فيها بشهادة أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله(١٨٤).
٨٤ - وروى العيّاشيّ أيضا بإسناده عن ابن بكير قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن قوله:
(وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً) قال: أنزلت في القائم عليه السّلام، إذا خرج باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردّة والكفار في شرق الأرض وغربها فعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم طوعا أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب للّه عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه، حتّى لا يبقى في المشارق والمغرب أحد إلاّ وحّد اللّه، قلت: جعلت فداك إنّ الخلق أكثر من ذلك، فقال: إنّ اللّه إذا أراد أمرا قلّل الكثير وكثّر القليل(١٨٥).
٨٥ - وعنه بإسناده عن عبد الأعلى الحلبيّ، عن أبي جعفر عليه السّلام (في حديث طويل يذكر فيه أمر القائم عليه السّلام إذا خرج)، قال: ولا تبقى (أرض) في الأرض قرية إلاّ نودي فيها بشهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأنّ محمّدا رسول اللّه وهو قوله تعالى: (ولَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وهو قول اللّه: (وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ). الحديث(١٨٦).
٨٦ - روى عليّ بن عقبة، عن أبيه قال: (مرسلا): إذا قام القائم عليه السّلام حكم بالعدل، وارتفع في أيّامه الجور، وأمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، وردّ كلّ حقّ إلى أهله، ولم يبق أهل دين حتّى يظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان.
أما سمعت اللّه سبحانه يقول: (ولَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)، وحكم بين الناس بحكم داود، وحكم محمّد صلّى اللّه عليه واله، فحينئذ تظهر الأرض كنوزها، وتبدي بركاتها، ولا يجد الرجل منكم يومئذ موضعا لصدقته ولبرّه، لشمول الغنى جميع المؤمنين.
ثمّ قال: إنّ دولتنا آخر الدول ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلاّ ملكوا قبلنا، لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء، وهو قول اللّه تعالى: (واَلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(١٨٧).
الآية الثامنة قوله تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ومَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً)(١٨٨).
ولاية المهديّ عليه السّلام هي الحرم الآمن
٨٧ - روى الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن أبي زهير بن شبيب بن أنس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث عن محاجته عليه السّلام أبا حنيفة، جاء فيه: فقال أبو بكر الحضرميّ: جعلت فداك الجواب في المسألتين الأوّلتين؟ فقال عليه السّلام: يا أبا بكر: سيروا فيها ليالي وأياما آمنين، فقال: مع قائمنا أهل البيت، وأما قوله: ومَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً فمن بايعه ودخل معه ومسح على يده ودخل في عقد اصحابه كان آمنا. (الحديث)(١٨٩).
الآية التاسعة قوله تعالى: (واُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وكُنْتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(١٩٠).
يؤلّف اللّه بين القلوب بالمهديّ عليه السّلام
٨٨ - روى عليّ بن حوشب، قال: سمع مكحولا يحدّث عن عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه قال: قلت يا رسول اللّه، المهديّ منّا أئمّة الهدى أم من غيرنا؟ قال: بل منّا، بنا يختم الدّين كما بنا فتح، وبنا يستنقذون من ضلالة الفتنة كما استنقذوا من ضلالة الشرك، وبنا يؤلّف اللّه بين قلوبهم في الدّين بعد عداوة الفتنة، كما ألّف اللّه بين قلوبهم ودينهم بعد عداوة الشرك(١٩١).
قوله تعالى: (ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللَّهُ بِبَدْرٍ وأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(١٩٢).
أصحاب المهديّ عليه السّلام بعدد أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه واله ببدر
٨٩ - روى النعمانيّ بإسناده عن الحارث الأعور الهمدانيّ، قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام على المنبر: إذا هلك الخاطب، وزاغ صاحب العصر، وبقيت قلوب تتقلّب فمن مخصب ومجدب، وقليل ما يكونون، ثلاثمائة أو يزيدون، تجاهد معهم عصابة جاهدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يوم بدر لم تقتل ولم تمت(١٩٣).
٩٠ - روى الحاكم بإسناده من طريق العامّة عن أبي الطفيل، عن محمّد بن الحنفيّة، قال: كنّا عند عليّ رضى اللّه عنه، فسأله رجل عن المهديّ، فقال عليّ رضى اللّه عنه: هيهات، ثمّ عقد بيده سبعا - فقال: ذاك يخرج في آخر الزمان، إذا قال الرجل اللّه اللّه قتل، فيجمع اللّه تعالى له قوما قزع كقزع السحاب، يؤلّف اللّه بين قلوبهم، لا يستوحشون إلى أحد، ولا يفرحون بأحد يدخل فيهم، على عدّة أصحاب بدر، لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون، وعلى عدد أصحاب طالوت الّذين جاوزوا معه النهر(١٩٤).

٩١ - روي في عقد الدرر مرسلا عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال:
تختلف ثلاث رايات، راية بالمغرب، ويل لمصر وما يحلّ بها منهم، وراية بالجزيرة، وراية بالشام، تدوم الفتنة بينهم سنة.
إلى أن قال عليه السّلام: فيجمع اللّه عزّ وجلّ أصحابه على عدد أهل بدر، وعلى عدد أصحاب طالوت، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كأنّهم ليوث خرجوا من غابة، قلوبهم مثل زبر الحديد، لو همّوا بإزالة الجبال لأزالوها عن موضعها، الزيّ واحد، واللباس واحد، كأنما آباؤهم أب واحد(١٩٥).
٩٢ - روى الطوسيّ بإسناده عن أبي الجارود قال: عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سألته متى يقوم قائمكم؟ قال: يا أبا الجارود لا تدركون، فقلت: أهل زمانه. فقال: ولن تدرك أهل زمانه، يقوم قائمنا بالحقّ بعد اياس من الشيعة، يدعو الناس ثلاثا فلا يجيبه احد، فإذا كان يوم الرابع تعلّق بأستار الكعبة، فقال: يا ربّ انصرني، ودعوته لا تسقط، فيقول تبارك وتعالى للملائكة الّذين نصروا رسول اللّه يوم بدر ولم يحطّوا سروجهم ولم يضعوا أسلحتهم فيبايعونه، ثمّ يبايعه من الناس ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، يسير إلى المدينة فيسير الناس حتّى يرضى اللّه عزّ وجلّ، فيقتل الفا وخمسمائة قرشيّ ليس فيهم إلاّ فرخ زنية. ثمّ يدخل المسجد فينقض الحائط حتّى يضعه إلى الأرض، ثمّ يخرج الأزرق وزريق لعنهما اللّه غضّين طريّين يكلمهما فيجيبانه، فيرتاب عند ذلك المبطلون، فيقولون: يكلّم الموتى، فيقتل منهم خمسمائة مرتاب في جوف المسجد، ثمّ يحرقهما بالحطب الّذي جمعاه ليحرقا به عليا وفاطمة والحسن والحسين، وذلك الحطب عندنا نتوارثه، ويهدم قصر المدينة، ويسير إلى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفا من البتريّة شاكّين في السلاح، قرّاء القرآن، فقهاء في الدّين، قد قرّحوا جباههم وسمروا ساماتهم وعمّهم النفاق، وكلّهم يقولون: يا بن فاطمة ارجع لا حاجة لنا فيك، فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشيّة الاثنين من العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من اصحابه أحد، دماؤهم قربان إلى اللّه.
ثمّ يدخل الكوفة فيقتل مقاتليها حتّى يرضى اللّه. قال: فلم أعقل المعنى، فمكثت قليلا ثمّ قلت: جعلت فداك وما يدريه - جعلت فداك - متى يرضى اللّه عز وجل؟ قال: يا أبا الجارود، إنّ اللّه أوحى إلى أمّ موسى، وهو خير من أم موسى، وأوحى اللّه إلى النحل، وهو خير من النحل، فعقلت المذهب، فقال لي: أعقلت المذهب؟ قلت: نعم، فقال: إنّ القائم ليملك ثلاثمائة وتسع سنين كما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، ويفتح اللّه عليه شرق الأرض وغربها، يقتل الناس حتّى لا يرى إلاّ دين محمّد صلّى اللّه عليه واله، يسير بسيرة سليمان بن داود، يدعو الشمس والقمر فيجيبانه، وتطوى له الأرض، فيوحى اللّه إليه فيعمل بأمر اللّه(١٩٦).
٩٣ - روى الطوسي؛ بإسناده عن جابر الجعفّي قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيّف، عدّة أهل بدر، فيهم النجباء من أهل مصر، والأبدال من أهل الشام، والأخيار من أهل العراق، فيقيم ما شاء اللّه أن يقيم(١٩٧).
٩٤ - روى العلاّمة المجلسيّ رحمه اللّه بإسناد يرفعه إلى أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:
إنّ القائم ينتظر من يوم ذي طوى في عدّة أهل بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، حتّى يسند ظهره إلى الحجر، ويهزّ الراية المغلبة(١٩٨).
٩٥ - روى ابن حماد - من طريق العامة - بسنده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ثمّ يظهر المهديّ بمكّة عند العشاء، ومعه راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وقميصه وسيفه، وعلامات، ونور، وبيان، فإذا صلّى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكّركم اللّه أيّها الناس، ومقامكم بين يدي ربّكم، فقد اتّخذ الحجّة، وبعث الانبياء، وأنزل الكتاب، وأمركم أن لا تشركوا به شيئا، وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأن تحيوا ما أحيا القرآن، وتميتوا ما أمات، وتكونوا أعوانا على الهدى، ووزرا على التقوى، فإنّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وآذنت بالوداع، فإنّي أدعوكم إلى اللّه ورسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء سنّته.
فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدّة أهل بدر، على غير ميعاد، قزعا كقزع الخريف، رهبان بالليل، اسد بالنهار، فيفتح اللّه للمهديّ أرض الحجاز، ويستخرج من كان في السجن من بني هاشم، وتنزل الرايات السود الكوفة، فتبعث بالبيعة للمهديّ، فيبعث المهديّ جنوده إلى الآفاق، ويميت الجور وأهله، وتستقيم له البلدان، ويفتح اللّه على يده القسطنطينيّة(١٩٩).
الآية العاشرة قوله تعالى: (بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ)(٢٠٠).
ملائكة بدر ينصرون المهديّ عليه السّلام
٩٦ - روى العيّاشيّ بإسناده عن ضريس بن عبد الملك، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إنّ الملائكة الّذين نصروا محمّدا صلّى اللّه عليه واله يوم بدر في الأرض، ما صعدوا بعد، ولا يصعدون حتّى ينصروا صاحب هذا الامر، وهم خمسة آلاف(٢٠١).
٩٧ - روى النعمانيّ بإسناده عن أبي الجارود، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: ليس منّا أهل البيت أحد يدفع ضيما ولا يدعو إلى حق إلاّ صرعته البليّة، حتّى تقوم عصابة شهدت بدرا، ولا يوارى قتيلها ولا يداوى جريحها، قلت: من عنى (أبو جعفر عليه السّلام) بذلك؟ قال: الملائكة(٢٠٢).
٩٨ - روى النعمانيّ بإسناده عن أبي حمزة الثماليّ، قال: قال لي أبو جعفر عليه السّلام: يا ثابت كأنّي بقائم أهل بيتي قد أشرف على نجفكم هذا - وأومأ بيده إلى ناحية الكوفة - فإذا أشرف على نجفكم، نشر راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، فإذا هو نشرها انحطّت عليه ملائكة بدر.
قلت: وما راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله؟ قال: عمودها من عمد عرش اللّه ورحمته، وسايرها من نصر اللّه، لا يهوي بها إلى شيء إلاّ أهلكه اللّه. قلت: فمخبوءة عندكم حتّى يقوم القائم عليه السّلام أم يؤتى بها؟ قال: لابل يؤتى بها، قلت: من يأتيه بها؟ قال: جبرئيل عليه السّلام(٢٠٣).
٩٩ - روى الشيخ المفيد بإسناده عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر عليه السّلام: كأنّي بالقائم على نجف الكوفة قد سار إليها من مكّة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرّق الجنود في البلاد(٢٠٤).
الآية الحادية عشرة قوله تعالى: (وتِلْكَ اَلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ اَلنَّاسِ)(٢٠٥).
دولة القائم عليه السّلام دولة اللّه عزّ وجلّ
١٠٠ - العيّاشيّ: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى: (وتِلْكَ اَلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ اَلنَّاسِ) قال: ما زال منذ خلق اللّه آدم دولة للّه ودولة لابليس، فأين دولة اللّه، إنّما هو قائم واحد(٢٠٦).
الآية الثانية عشرة قوله عزّ وجلّ: (ولِيُمَحِّصَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ اَلْكَافِرِينَ)(٢٠٧).
١٠١ - روي عن سعيد بن جبير رحمه اللّه عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: عليّ بن أبي طالب عليه السّلام إمام أمّتي وخليفتي عليهم بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الّذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، والّذي بعثني بالحقّ بشيرا، إنّ الثابتين على القول في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر.
فقام إليه جابر بن عبد اللّه الانصاريّ فقال: يا رسول اللّه وللقائم من ولدك غيبة؟ فقال: اي وربّي: (ولِيُمَحِّصَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ اَلْكَافِرِينَ) يا جابر إنّ هذا الامر من أمر اللّه وسرّ من سر اللّه، مطويّ عن عباده، فإيّاك والشكّ في أمر اللّه فهو كفر(٢٠٨).
١٠٢ - عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه قال: حدّثني أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتّب قال: كنت بمدينة السلام في السنة الّتي توفّي فيها الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السمريّ قدّس اللّه روحه، فحضرته قبل وفاته بإيّام، فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته:
يا عليّ بن محمّد السمريّ أعظم اللّه أجر إخوانك فيك، فإنك ميّت ما بينك وبين ستة ايام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلاّ بعد إذن اللّه تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم.
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: للّه أمر هو بالغه، وقضى، فهذا آخر كلام سمع منه رضي اللّه عنه وأرضاه(٢٠٩).
١٠٣ - روى الطوسيّ مرسلا عن جابر الجعفيّ قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: متى يكون فرجكم؟ فقال: هيهات هيهات يكون فرجنا حتّى تغربلوا ثمّ تغربلوا ثمّ تغربلوا، يقولها ثلاثا، حتّى يذهب اللّه تعالى الكدر ويبقي الصفو(٢١٠).
١٠٤ - روى النعمانيّ بإسناده عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ عليهما السّلام يقول: واللّه لتميّزن، واللّه لتمحصّن، واللّه لتغربلنّ كما يغربل الزوان من القمح(٢١١).
١٠٥ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن محمّد بن منصور الصيقل، عن أبيه قال:
كنت أنا والحارث بن المغيرة وجماعة من أصحابنا جلوسا وأبو عبد اللّه عليه السّلام يسمع كلامنا، فقال لنا: في أيّ شيء أنتم؟ هيهات هيهات، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تغربلوا، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه اعينكم حتّى تمحّصوا، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تميّزوا، لا واللّه ما يكون ما تمدّون إليه أعينكم إلاّ بعد إياس، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد(٢١٢).
الآية الثالثة عشرة قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ اَلصَّابِرِينَ)(٢١٣).
١٠٦ - الحميريّ، عن الرضا عليه السّلام قال: وكان جعفر عليه السّلام يقول: واللّه لا يكون الّذي تمدّون إليه أعناقكم حتّى تميّزوا وتمحّصوا، ثمّ يذهب من كلّ عشرة شيء، ولا يبقى منكم إلاّ الأندر، ثمّ تلا هذه الآية: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ اَلصَّابِرِينَ)(٢١٤).
الآية الرابعة عشرة قوله تعالى: (ومَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقَابِكُمْ ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِي اَللَّهُ اَلشَّاكِرِينَ)(٢١٥).
١٠٧ - روى العيّاشيّ عن زرارة قال: كرهت أن اسأل أبا جعفر عليه السّلام في الرجعة، فأقبلت مسألة لطيفة أبلغ منها حاجتي، فقلت: جعلت فداك أخبرني عمّن قتل مات؟ فقال عليه السّلام:
لا، الموت موت والقتل قتل. قال: فقلت له: ما أحد يقتل إلاّ مات. قال فقال: يا زرارة قول اللّه أصدق من قولك، قد فرّق بينهما في القرآن: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ وقال: ولَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اَللَّهِ تُحْشَرُونَ) ليس كما قلت يا زرارة، الموت موت، والقتل قتل، وقد قال اللّه:
(إِنَّ اَللَّهَ اِشْتَرى مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ) الآية. قال: فقلت له: إنّ اللّه يقول: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ اَلْمَوْتِ) أفرأيت من قتل لم يمت؟ قال: فقال: ليس من قتل بالسيف كمن مات على فراشه، إنّ من قتل لابد أن يرجع إلى الدنيا حتّى يذوق الموت(٢١٦).
الآية الخامسة عشرة قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا واِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(٢١٧).
المرابطة في انتظار الإمام المهديّ عليه السّلام
١٠٨ - محمّد بن إبراهيم النعمانيّ في كتاب الغيبة، بإسناده عن بريد بن معاوية العجليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام في قوله عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا) فقال: اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوّكم، ورابطوا إمامكم المنتظر(٢١٨).
١٠٩ - روى العيّاشيّ عن يعقوب السّراج، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: تبقى الأرض يوما بغير عالم منكم يفزع الناس إليه؟ قال: فقال لي: إذا لا يعبد اللّه يا أبا يوسف، لا تخلو الأرض من عالم منّا ظاهر يفزع الناس في حلالهم وحرامهم، وإنّ ذلك لمبيّن في كتاب اللّه، قال اللّه: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا - على دينكم - وصَابِرُوا - عدوّكم فمن يخالفكم - ورَابِطُوا - إمامكم - واِتَّقُوا اَللَّهَ - فيما أمركم به وافترض عليكم)(٢١٩).

سورة النساء

الآية السادسة عشرة قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ اَلسَّبْتِ وكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ مَفْعُولاً)(٢٢٠).
١١٠ - محمّد بن إبراهيم النعمانيّ في الغيبة، بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام وجابر بن يزيد الجعفيّ، قال: قال أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام:
يا جابر الزم الأرض فلا تحرّك يدا ولا رجلا حتّى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها:
أوّلها اختلاف ولد فلان (بني العباس) وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدّث به بعدي، ومناد ينادي من السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق بالفتح، وتخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، وتسقط طائفة من مسجد دمشق الأيمن، ومارقة تمرق من ناحيه الترك، فيعقبها هرج الروم، ويستقبل اخوان الترك حتّى ينزلوا الجزيرة، وتستقبل مارقة الروم حتّى ينزلوا الرملة، فتلك السنة يا جابر فيها اختلاف كثير في كلّ أرض من ناحية المغرب، فأوّل ارض تخرب أرض الشام، ثمّ يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفيانيّ، فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون، فيقتله السفياني ومن معه، ثمّ يقتل الأصهب، ثمّ لا يكون له همّة إلاّ الإقبال نحو العراق، ويمرّ جيشه بقرقيسا فيقتتلون بها، فيقتل من الجبارين مائة ألف، ويبعث السفياني جيشا إلى الكوفة وعدّتهم سبعون ألفا، فيصيبون من أهل الكوفة قتلا وصلبا وسبيا، فبينما هم كذلك إذ أقبلت رايات من نحو خراسان تطوي المنازل طيّا حثيثا ومعهم نفر من أصحاب القائم عليه السّلام، ويخرج رجل من موالي أهل الكوفة في صنعاء، فيقتله أمير جيش السفيانيّ بين الحيرة والكوفة، ويبعث السفيانيّ بعثا إلى المدينة، فينفر المهديّ عليه السّلام منها إلى مكّة، فيبلغ أمير جيش السفياني بأنّ المهديّ عليه السّلام، قد خرج إلى مكّة، فيبعث جيشا على اثره فلا يدرك حتّى يدخل مكّة خائفا يترقّب على سنّة موسى بن عمران عليه السّلام.
قال: وينزل أمير جيش السفيانيّ البيداء، فينادي مناد من السماء: يا بيداء أبيدي القوم، فيخسف بهم فلا يفلت منهم إلاّ ثلاثة نفر يحوّل اللّه وجوههم إلى أقفيتهم وهم من كلب، وفيهم نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلى أَدْبَارِهَا..) الآية، قال: والقائم عليه السّلام يومئذ بمكّة قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيرا به فينادي:
يا أيّها الناس إنّا نستنصر اللّه، فمن اجابنا من الناس فإنّا أهل بيت نبيّكم محمّد، ونحن أولى الناس باللّه وبمحمّد صلّى اللّه عليه واله، فمن حاجّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم عليه السّلام، ومن حاجّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح عليه السّلام، ومن حاجّني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم عليه السّلام، ومن حاجّني في محمّد فأنا أولى الناس بمحمّد صلّى اللّه عليه واله، ومن حاجّني في النبيّين فأنا أولى الناس بالنبيّين... الحديث(٢٢١).
الآية السابعة عشرة قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ واَلرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(٢٢٢).
١١١ - الشّيخ الصدوق، بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفيّ، قال: سمعت جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ يقول: لمّا أنزل اللّه عزّ وجلّ على نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه واله: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ) قلت: يا رسول اللّه عرفنا اللّه ورسوله، فمن أولوا الأمر الّذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هم خلفائي يا جابر وأئمّة المسلمين من بعدي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ المعروف في التوراة بالباقر، ستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ سميّيّ وكنيّي حجّة اللّه في أرضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن عليّ، ذاك الّذي يفتح اللّه تعالى ذكره (به) مشارق الأرض ومغاربها على يديه، ذاك الّذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن اللّه قلبه للإيمان. قال جابر: فقلت له: يا رسول اللّه فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أي والّذي بعثني بالنبوة، إنّهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن يجللها سحاب، يا جابر، هذا من مكنون سر اللّه ومخزون علمه، فاكتمه إلاّ من أهله(٢٢٣).
١١٢ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن أبي خالد الكابليّ، قال: دخلت على سيّدي عليّ بن الحسين زين العابدين عليهما السّلام فقلت له: يا ابن رسول اللّه أخبرني بالّذين فرض اللّه عزّ وجلّ طاعتهم ومودّتهم، وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله؟ فقال لي: يا كابليّ إنّ أولي الامر الّذين جعلهم اللّه عزّ وجلّ أئمّة الناس وأوجب عليهم طاعتهم؛ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، ثمّ الحسن عمّي، ثمّ الحسين أبي، ثمّ انتهى الأمر إلينا، ثمّ سكت. فقلت له: يا سيّدي روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ الأرض لا تخلو من حجّة للّه تعالى على عباده، فمن الحجّة والإمام بعدك؟ قال: ابني محمّد، واسمه في صحف الأولين باقر، يبقر العلم بقرا، هو الحجّة والإمام بعدي، ومن بعد محمّد ابنه جعفر، واسمه عند أهل السماء الصادق. قلت: يا سيدي فكيف صار اسمه الصادق وكلهم صادقون؟ قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، فسمّوه الصادق، فإنّ الخامس من ولده الّذي اسمه جعفر يدّعي الامامة اجتراء على اللّه وكذبا عليه، فهو عند اللّه «جعفر الكذّاب» المفتري على اللّه تعالى، والمدّعي لما ليس له بأهل، المخالف لأبيه والحاسد لأخيه، وذلك الّذي يروم كشف ستر اللّه عزّ وجلّ عند غيبة وليّ اللّه، ثمّ بكى عليّ بن الحسين عليه السّلام بكاء شديدا، ثمّ قال: كأنّي بجعفر الكذّاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر وليّ اللّه، والمغيّب في حفظ اللّه. والتوكيل بحرم ابيه جهلا منه برتبته، وحرصا منه على قتله ان ظفر به، وطمعا في ميراث أخيه حتّى يأخذه بغير حقّ. فقال أبو خالد:
فقلت: يا ابن رسول اللّه وإنّ ذلك لكائن؟ فقال: اي وربيّ إنّ ذلك مكتوب عندنا في الصحيفة الّتي فيها ذكر المحن الّتي تجري علينا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله. فقال أبو خالد: فقلت:
يا ابن رسول اللّه ثمّ يكون ماذا؟ قال: تمتدّ الغيبة بوليّ اللّه الثاني عشر من أوصياء رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله والائمّة بعده، يا أبا خالد إنّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلّ زمان، فإنّ اللّه تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله بالسيف، اولئك المخلصون حقّا وشيعتنا صدقا، والدعاة إلى دين اللّه عز وجل سرّا وجهرا. وقال عليه السّلام: انتظار الفرج من أعظم الفرج(٢٢٤).
١١٣ - روى أبان عن سليم بن قيس، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنّي سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن ومن الرواية عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله تخالف الّذي سمعته منكم، وانتم تزعمون أنّ ذلك باطل، أفترى يكذبون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله متعمّدين ويفسّرون القرآن برأيهم؟ قال: فأقبل عليّ عليه السّلام فقال لي: يا سليم قد سألت فافهم الجواب، إنّ في أيدي الناس حقّا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وخاصّا وعامّا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله على عهده حتّى قام خطيبا فقال: أيّها الناس قد كثرت عليّ الكذّابة، فمن كذب عليّ متعمدا، فليتبوّأ مقعده من النار، ثمّ كذب عليه من بعده حين توفّي، رحمة اللّه على نبيّ الرحمة، وصلى اللّه عليه وآله.. الحديث (حتّى يصل إلى قوله) فقلت له ذات يوم:
يا نبيّ اللّه إنّك منذ يوم دعوت اللّه لي بما دعوت، لم أنس شيئا ممّا علّمتني، فلم تمليه عليّ وتأمرني بكتابته، أتتخوّف عليّ النسيان؟
فقال: يا أخي لست أتخوّف عليك النّسيان ولا الجهل، وقد أخبرني اللّه أنّه قد استجاب لي فيك، وفي شركائك الّذين يكونون من بعدك. قلت: يا نبي اللّه ومن شركائي؟ قال: الّذين قرنهم اللّه بنفسه وبي معه، الّذين قال في حقّهم: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ واَلرَّسُولِ).
قلت: يا نبيّ اللّه ومن هم؟ قال: الأوصياء منّي إلى أن يردوا عليّ حوضي، كلّهم هاد مهتد، لا يضرّهم كيد من كادهم، ولا خذلان من خذلهم، هم مع القرآن، والقرآن معهم لا يفارقونه ولا يفارقهم، بهم ينصر اللّه أمّتي، وبهم يمطرون ويدفع عنهم بمستجاب دعوتهم.
فقلت: يا رسول اللّه سمّهم لي. فقال: ابني هذا - ووضع يده على رأس الحسن - ثمّ ابني هذا - ووضع يده على رأس الحسين، ثمّ ابن ابني هذا - ووضع يده على رأس الحسين - ثمّ ابن له على اسمي اسمه محمّد، باقر علمي وخازن وحي اللّه، وسيولد عليّ في حياتك يا أخي، فاقرأه منّي السلام، ثمّ أقبل على الحسين فقال: سيولد لك محمّد بن عليّ في حياتك، فاقرأه منّي السلام، ثمّ تكملة الإثني عشر إماما من ولدك يا أخي.
فقلت: يا نبي اللّه سمّهم لي.
فسمّاهم لي رجلا رجلا، منهم واللّه - يا أخا بني هلال - مهديّ هذه الامة الّذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. واللّه إنّي لأعرف جميع من يبايعه بين الركن والمقام، وأعرف أسماء الجميع وقبائلهم(٢٢٥).
١١٤ - روى الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ) قال: الائمّة من ولد عليّ وفاطمة عليهما السّلام إلى أن تقوم الساعة(٢٢٦).
١١٥ - روى العيّاشيّ بإسناده عن أبان، أنّه دخل عليّ أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال:
فسألته عن قول اللّه: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ) فقال:
ذلك عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ثمّ سكت، قال: فلمّا طال سكوته قلت: ثمّ من؟ قال: ثمّ الحسن، ثمّ سكت، فلمّا طال سكوته، قلت: ثمّ من؟ قال: الحسين، قلت: ثمّ من؟ قال:
ثمّ عليّ بن الحسين وسكت، فلم يزل يسكت عند كلّ واحد، حتّى أعيد المسألة، فيقول حتّى سمّاهم إلى آخرهم عليهم السّلام(٢٢٧).
١١٦ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفيّ، قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السّلام: لأيّ شيء يحتاج إلى النبيّ والإمام؟ فقال عليه السّلام: لبقاء العالم على صلاحه، وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيّ أو إمام، قال اللّه عزّ وجلّ: (ومَا كَانَ اَللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ) وقال النبيّ صلّى اللّه عليه واله: النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم، أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي، أتى أهل الأرض ما يكرهون، يعني بأهل بيته الائمّة الّذين قرن اللّه عزّ وجلّ طاعتهم بطاعته فقال: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ).
وهم المعصومون المطهّرون الّذين لا يذنبون ولا يعصون، وهم المؤيّدون الموفّقون المسدّدون، بهم يرزق اللّه عباده، وبهم يعمر بلاده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم يخرج بركات الأرض، وبهم يمهل أهل المعاصي ولا يعجل عليهم بالعقوبة والعذاب، لا يفارقهم روح القدس ولا يفارقونه، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم، صلوات اللّه عليهم أجمعين(٢٢٨).
١١٧ - روى العيّاشيّ بإسناده عن بريد بن معاوية قال: كنت عند أبي جعفر عليه السّلام فسألته عن قول اللّه: (أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ) فكان جوابه أن قال عليه السّلام: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ واَلطَّاغُوتِ - فلان وفلان – ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدى مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (ويقول) الائمّة الضالّة والدعاة إلى النار هؤلاء أهدى من آل محمّد وأوليائهم سبيلا أُولَئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللَّهُ ومَنْ يَلْعَنِ اَللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اَلْمُلْكِ - يعني الامامة والخلافة - فَإِذاً لاَ يُؤْتُونَ اَلنَّاسَ نَقِيراً نحن الناس الّذي عنى اللّه، والنقير النقطة الّتي رأيت في وسط النواة).
(أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنَّاسَ عَلى مَا آتَاهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) فنحن المحسودون على ما آتانا اللّه من الإمامة دون خلق اللّه جميعا (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ اَلْكِتَابَ واَلْحِكْمَةَ وآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) يقول: فجعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمّة، فكيف يقرّون بذلك في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمّد صلّى اللّه عليه واله؟ (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ومِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً - إلى قوله - ونُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً).
قال: قلت: قوله في آل إبراهيم: (وآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) ما الملك العظيم؟
قال: أن جعل منهم أئمّة، من اطاعهم اطاع اللّه، ومن عصاهم عصى اللّه، فهو الملك العظيم. قال: ثمّ قال: (إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا)، إلى: (سَمِيعاً بَصِيراً)، قال: إيّانا عنى، أن يؤدّي الأول منا إلى الإمام الّذي بعده الكتب والعلم والسلاح. (وإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، الّذي في أيديكم، ثمّ قال للناس: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا)، فجمع المؤمنين إلى يوم القيامة (أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ)، إيّانا عنى خاصة - الحديث(٢٢٩).
١١٨ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن عيسى بن السري، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: حدّثني عما بنيت عليه دعائم الإسلام، إذا أنا اخذت بها زكى عملي ولم يضرّني جهل ما جهلت بعده. فقال عليه السّلام: شهادة أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، والإقرار بما جاء به من عند اللّه، وحقّ في الأموال من الزكاة، والولاية الّتي أمر اللّه عزّ وجلّ بها ولاية آل محمّد صلّى اللّه عليه واله فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قال: من مات ولا يعرف إمامه، مات ميتة جاهلية، قال اللّه عزّ وجلّ: (أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ) فكان عليّ عليه السّلام، ثمّ صار من بعده حسن، ثمّ من بعده حسين، ثمّ من بعده عليّ بن الحسين، ثمّ من بعده محمّد بن عليّ، ثمّ هكذا يكون الأمر، إنّ الأرض لا تصلح إلا بإمام، ومن مات لا يعرف إمامه، مات ميتة جاهلية، وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه ها هنا - قال: وأهوى بيده إلى صدره - يقول حينئذ: لقد كنت على أمر حسن(٢٣٠).
١١٩ - روى العلاّمة أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ عن الشيخ الموثوق أبي عمرو العمريّ قدّس سرّه قال: تشاجر القزوينيّ وجماعة من الشيعة في الخلف، فذكر ابن أبي غانم، أنّ أبا محمّد عليه السّلام مضى ولا خلف له، ثمّ أنّهم كتبوا في ذلك كتابا وأنفذوه إلى الناحية، وأعلموه بما تشاجروا فيه. فورد جواب كتابهم بخطّه صلى اللّه عليه وعلى آبائه:
عافانا اللّه وإيّاكم من الفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإيّاكم من سوء المنقلب، انّه أنهي إليّ ارتياب جماعة منكم في الدّين، وما دخلهم من الشكّ والحيرة في ولاة أمرهم، فغمّنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لأنّ اللّه معنا فلا فاقة بنا إلى غيره، والحقّ معنا فلن يوحشنا من قعد عنا، ونحن صنايع ربّنا والخلق بعد صنايعنا.
يا هؤلاء ما لكم في الريب تتردّدون، وفي الحيرة تتمسّكون، أو ما سمعتم اللّه يقول:
(يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ) أو ما علمتم ما جاءت به الآثار ممّا يكون ويحدث في أئمّتكم، على الماضين والباقين منهم السلام؟
أو ما رأيتم كيف جعل اللّه لكم معاقل تأوون إليها، وأعلاما تهتدون بها، من لدن آدم عليه السّلام إلى أن ظهر الماضي عليه السّلام، كلّما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم طلع نجم، فلمّا قبضه اللّه إليه ظننتم أنّ اللّه أبطل دينه، وقطع السبب بينه وبين خلقه، كلاّ ما كان ذلك ولا يكون، حتّى تقوم الساعة ويظهر أمر اللّه وهم كارهون، وإنّ الماضي عليه السّلام مضى سعيدا فقيدا على منهاج آبائه عليهم السّلام (حذو النعل بالنعل) وفينا وصيّته وعلمه، ومنه خلفه ومن يسدّ مسدّه، ولا ينازعنا موضعه إلاّ ظالم آثمّ، ولا يدّعيه دوننا إلاّ كافر جاحد، ولو لا أنّ أمر اللّه لا يغلب، وسرّه لا يظهر ولا يعلن، لظهر لكم من حقّنا ما تبتز منه عقولكم، ويزيل شكوككم، ولكنّه ما شاء اللّه كان، ولكلّ أجل كتاب، فاتّقوا اللّه وسلّموا لنا وردّوا الأمر إلينا، فعلينا الاصدار كما كان منا الايراد، ولا تحاولوا كشف ما غطّي عنكم، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى اليسار، واجعلوا قصدكم إلينا بالمودّة على السنّة الواضحة؟ فقد نصحت لكم، واللّه شاهد عليّ وعليكم، ولو لا ما عندنا من محبّة صاحبكم ورحمتكم، والاشفاق عليكم، لكنّا عن مخاطبتكم في شغل ممّا قد امتحنّا به من منازعة الظالم العتلّ، الضالّ المتتابع في غيّه، المضادّ لربّه، المدّعي ما ليس له، الجاحد حقّ من افترض اللّه طاعته، الظالم الغاصب، وفي ابنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وعليها إليّ اسوة حسنة، وسيتردّى الجاهل رداء عمله، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار.
عصمنا اللّه وإيّاكم من المهالك والأسواء، والآفات والعاهات كلّها برحمته، إنّه ولي ذلك والقادر على ما يشاء، وكان لنا ولكم وليّا وحافظا، والسلام على جميع الأوصياء والأولياء والمؤمنين ورحمة اللّه وبركاته، وصلّى اللّه على النبيّ محمّد وآله وسلّم تسليما(٢٣١).
١٢٠ - وروى الطبرسيّ رحمه اللّه بإسناده عن الشيخ الصدوق، عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعريّ قدّس سرّه: أنّه جاء بعض أصحابنا يعلمه أنّ جعفر بن عليّ كتب إليه كتابا يعرّفه نفسه، ويعلمه أنّه القيم بعد اخيه، وأنّ عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه، وغير ذلك من العلوم كلّها.
قال أحمد بن اسحاق: فلمّا قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان عليه السّلام وصيّرت كتاب جعفر في درجه، فخرج إليّ الجواب في ذلك:
أتاني كتابك أبقاك اللّه والكتاب الّذي أنفذت درجه، وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمّنه، على اختلاف ألفاظه وتكرر الخطأ فيه، ولو تدبّرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه، والحمد للّه رب العالمين حمدا لا شريك له على إحسانه إلينا وفضله علينا، أبى اللّه عزّ وجلّ للحقّ إلا إتماما، وللباطل إلاّ زهوقا، وهو شاهد عليّ بما أذكره، ولي عليكم بما أقوله، إذا اجتمعنا اليوم الّذي لا ريب فيه، ويسألنا عمّا نحن فيه مختلفون.
وإنّه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه، ولا عليك ولا على أحد من الخلق جميعا إمامة مفترضة، ولا طاعة ولا ذمّة، وسأبيّن لكم جملة تكتفون بها إن شاء اللّه.
يا هذا يرحمك اللّه، إنّ اللّه تعالى لم يخلق الخلق عبثا، ولا أهملهم سدى، بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعا وأبصارا وقلوبا والبا، ثمّ بعث النبيّين عليهم السّلام مبشّرين ومنذرين، يأمرونهم بطاعته، وينهونهم عن معصيته، ويعرّفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزل عليهم كتابا، وبعث اليهم ملائكة، وباين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الّذي جعله لهم عليهم، وما آتاهم اللّه من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة، فمنهم: من جعل النار عليه بردا وسلاما واتّخذه خليلا، ومنهم: من كلّمه تكليما وجعل عصاه ثعبانا مبينا، ومنهم: من أحيى الموتى بإذن اللّه وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن اللّه، ومنهم: من علّمه منطق الطير واوتي من كلّ شيء.
ثمّ بعث محمّدا صلّى اللّه عليه واله رحمة للعالمين وتمم به نعمته، وختم به أنبياءه، وأرسله إلى الناس كافّة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبيّن من آياته وعلاماته ما بيّن، ثمّ قبضه صلّى اللّه عليه واله حميدا فقيدا سعيدا، وجعل الأمر من بعده إلى أخيه وابن عمّه ووصيّه ووارثه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، ثمّ إلى الأوصياء من ولده واحدا بعد واحد، أحيا بهم دينه، وأتمّ بهم نوره، وجعل بينهم وبين اخوتهم وبني عمّهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقا بيّنا، تعرف به الحجّة من المحجوج، والإمام من المأموم، بأن عصمهم من الذنوب، وبرّأهم من العيوب، وطهّرهم من الدنس، ونزّههم من اللبس، وجعلهم خزّان علمه، ومستودع حكمته، وموضع سرّه، أيّدهم بالدلائل ولو لا ذلك لكان الناس على سواه، ولادّعى أمر اللّه عزّ وجلّ كلّ أحد، ولما عرف الحق من الباطل، ولا العلم من الجهل.
وقد ادّعى هذا المبطل المدّعي على اللّه الكذب بما ادّعاه، فلا أدري بأيّة حالة هي له، رجا أن يتمّ دعواه، بفقه في دين اللّه؟!فو اللّه ما يعرف حلالا من حرام، ولا يفرّق بين خطأ وصواب. أم بعلم؟!فما يعلم حقّا من باطل، ولا محكما من متشابه، ولا يعرف حدّ الصلاة ووقتها. أم بورع؟! فاللّه شهيد على تركه الصلاة الفرض (أربعين يوما) يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعلّ خبره تأدّى اليكم، وهاتيك ظروف مسكره منصوبة، وآثار عصيانه للّه عزّ وجلّ مشهورة قائمة.
أم بآية؟! فليأت بها. أم بحجّة؟! فليقمها. أم بدلالة؟! فليذكرها.
قال اللّه عزّ وجلّ في كتابه: بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ (حم * تَنْزِيلُ اَلْكِتَابِ مِنَ اَللَّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وأَجَلٍ مُسَمًّى واَلَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ أَرُونِي مَا ذَا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ وهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ اَلنَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ)(٢٣٢).
فالتمس - تولّى اللّه توفيقك - من هذا الظالم ما ذكرت لك، وامتحنه واسأله عن آية من كتاب اللّه يفسّرها، أو صلاة يبيّن حدودها وما يجب فيها، لتعلم حاله ومقداره، ويظهر لك عواره ونقصانه واللّه حسيبه.
حفظ اللّه الحقّ على أهله، وأقرّه في مستقره، وأبى اللّه عزّ وجلّ أن تكون الإمامة في الأخوين إلاّ في الحسن والحسين، وإذا أذن اللّه لنا في القول ظهر الحق واضمحلّ الباطل، وانحسر عنكم، وإلى اللّه أرغب في الكفاية، وجميل الصنع والولاية، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل، وصلّى اللّه على محمّد وآل محمّد(٢٣٣).
١٢١ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن ابن بهلول، قال: حدّثني عبد اللّه ابن أبي الهذيل - وسألته عن الامامة فيمن تجب وما علامة من تجب له الامامة؟ - فقال: إنّ الدليل على ذلك والحجّة على المؤمنين والقائم بامور المسلمين والناطق بالقرآن والعالم بالأحكام أخو نبيّ اللّه، وخليفته على أمّته، ووصيّه عليهم، ووليّه الّذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، المفروض الطاعة بقول اللّه عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ) الموصوف بقوله عزّ وجلّ: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اَللَّهُ ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ)(٢٣٤) المدعو إليه بالولاية، المثبت له الإمامة يوم غدير خمّ بقول الرسول صلّى اللّه عليه واله عن اللّه عزّ وجلّ: ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأعن من أعانه، وأعزّ من أطاعه، ذلك، عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أمير المؤمنين وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجلين، وأفضل الوصيّين، وخير الخلق أجمعين بعد رسول اللّه عليه السّلام.
وبعده الحسن بن عليّ، ثمّ الحسين عليهما السّلام سبطا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وابنا خيرة النسوان أجمعين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ محمّد بن الحسن عليهم السّلام إلى يومنا هذا، واحدا بعد واحد، وهم عترة الرسول صلّى اللّه عليه واله المعروفون بالوصية والإمامة، لا تخلو الأرض من حجّة منهم في كلّ عصر وزمان، وفي كلّ وقت وأوان، وإنّهم العروة الوثقى وأئمّة الهدى، والحجّة على أهل الدنيا، إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، وكلّ من خالفهم ضالّ مضلّ، تارك للحق والهدى، وهم المعبّرون عن القرآن، والناطقون عن الرسول صلّى اللّه عليه واله، من مات ولا يعرفهم، مات ميتة الجاهلية، ودينهم الورع والعفّة والصدق والصلاح والاجتهاد، وأداء الامانة إلى البرّ والفاجر، وطول السجود، وقيام الليل، واجتناب المحارم، وانتظار الفرج بالصبر، وحسن الصحبة، وحسن الجوار.
ثمّ قال تميم بن بهلول: حدّثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد عليه السّلام في الإمامة مثله سواء(٢٣٥).
١٢٢ - روى عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمّد عليه السّلام إذ دخل عليه معاوية بن عمار وعبد الملك بن أعين، وذكر حديثا للإمام الصادق عليه السّلام حول الرؤية، ثمّ قال: عليه السّلام: إنّ أفضل الفرائض وأوجبها على الانسان معرفة الربّ والإقرار له بالعبوديّة، وحدّ المعرفة أن يعرف أنّه لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير له، وأن يعرف أنّه قديم مثبت، موجود غير فقيد، موصوف من غير شبيه، ولا مثيل له، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وبعده معرفة الرسول صلّى اللّه عليه واله، والشهادة له بالنبوّة، وأدنى معرفة الرسول الاقرار بنبوّته، وأنّ ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي فذلك من اللّه عزّ وجلّ.
وبعده معرفة الإمام الّذي يأتمّ بنعته وصفته واسمه في حال العسر واليسر، وأدنى معرفة الإمام أنّه عدل النبيّ - إلاّ درجة النبوّة - ووارثه، وأنّ طاعته طاعة اللّه وطاعة رسول اللّه، والتسليم له في كلّ أمر، والرّد إليه، والأخذ بقوله، ويعلم أنّ الإمام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عليّ بن أبي طالب، وبعده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ أنا، ثمّ بعدي موسى ابني، وبعده عليّ ابنه، وبعد عليّ محمّد ابنه، وبعد محمّد عليّ ابنه، وبعد عليّ الحسن ابنه، والحجّة من ولد الحسن. ثمّ قال: يا معاوية جعلت لك أصلا في هذا، فاعمل عليه... الحديث(٢٣٦).
الآية الثامنة عشرة قوله تعالى: (ومَنْ يُطِعِ اَللَّهَ واَلرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ واَلصِّدِّيقِينَ واَلشُّهَدَاءِ واَلصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً).
١٢٣ - روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره المنسوب للصادق عليه السّلام قال: قال: النبيّين:
رسول اللّه، والصدّيقين: عليّ عليه السّلام، والشهداء: الحسن والحسين عليهما السّلام، والصالحين: الأئمّة وحسن اولئك رفيقا: القائم من آل محمّد عليهم الصلاة والسلام(٢٣٧).
١٢٤ - روى الحافظ الحاكم الحسكانيّ أيضا، قال أخبرنا أبو العباس الفرغانيّ بإسناده عن سعد بن حذيفة، عن أبيه حذيفة بن اليمان قال: دخلت على النبيّ صلّى اللّه عليه واله ذات يوم وقد نزلت عليه هذه الآية: (فَأُولَئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ واَلصِّدِّيقِينَ واَلشُّهَدَاءِ واَلصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) فأقرأنيها صلّى اللّه عليه واله فقلت: يا نبيّ اللّه فداك أبي وأمي، من هؤلاء إنّي أجد اللّه بهم حفيّا، قال: يا حذيفة أنا من النبيّين الّذين أنعم اللّه عليهم، أنا أوّلهم في النبوّة، وآخرهم في البعث، ومن الصدّيقين عليّ بن أبي طالب، ولمّا بعثني اللّه عزّ وجلّ برسالته، كان أوّل من صدّق بي، ثمّ من الشهداء حمزة وجعفر، ومن الصالحين الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وحسن أولئك رفيقا: المهديّ في زمانه(٢٣٨).
١٢٥ - روى الحافظ الحاكم الحسكانيّ أيضا قال: أخبرنا أبو سعد محمّد بن عليّ الحبريّ وأبو بكر محمّد بن عبد العزيز الجوديّ، قالا: بإسنادهما عن أبي أحمد داود بن سليمان قال: حدّثني عليّ بن موسى الرضا، قال: أخبرني أبي، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمّد، عن أبيه عليّ، عن أبيه الحسين، عن أبيه عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله في هذه الآية: (أُولَئِكَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ) قال: من النبيّين محمّد ومن الصدّيقين عليّ بن أبي طالب ومن الشهداء حمزة ومن الصالحين الحسن والحسين (وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) قال: القائم من آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم(٢٣٩).
١٢٦ - روى الحافظ الحاكم الحسكانيّ، قال: بإسناده عن أبي صالح، عن عبد اللّه بن عبّاس، في قوله تعالى: (ومَنْ يُطِعِ اَللَّهَ) يعني في فرائضه، (ومن اَلصَّالِحِينَ) الحسن والحسين (وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) فهو المهديّ في زمانه(٢٤٠).
١٢٧ - روي في كفاية الأثر بالإسناد عن أمّ سلمة، قالت: سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عن قول اللّه سبحانه: (فَأُولَئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ واَلصِّدِّيقِينَ واَلشُّهَدَاءِ واَلصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً). قال صلّى اللّه عليه واله: (اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ): أنا، (واَلصِّدِّيقِينَ) عليّ بن أبي طالب، (واَلشُّهَدَاءِ): الحسن والحسين وحمزة، (وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً): الأئمّة الإثني عشر بعدي(٢٤١).
١٢٨ - روى فرات الكوفي، عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: إنّي اريد أن أذكر حديثا، فقال عمار بن ياسر فذكره، قال:
إنّي اريد أن أذكر حديثا، قال أبو أيوب الأنصاريّ: فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تذكره؟ فقال: ما قلت هذا إلاّ وأنا اريد أن أذكره، ثمّ قال:
إذا جمع اللّه الأوّلين والآخرين، كان أفضلهم سبعة منّا بني عبد المطلب، الأنبياء أكرم الخلق على اللّه، ونبيّنا أكرم الأنبياء، ثمّ الأوصياء أفضل الامم بعد الأنبياء، ووصيّه أفضل الأوصياء، ثمّ الشهداء أفضل الأمم بعد الأنبياء والأوصياء، وحمزة سيد الشهداء، وجعفر ذو الجناحين يطير مع الملائكة لم ينحله شهيد قطّ قبله، وإنّما ذلك شيء أكرم اللّه به وجه محمّد صلّى اللّه عليه واله. ثمّ قال: (فَأُولَئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ واَلصِّدِّيقِينَ واَلشُّهَدَاءِ واَلصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ اَلْفَضْلُ مِنَ اَللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً). والسبطان حسن وحسين، والمهديّ عليهم السّلام جعله اللّه ممّن يشاء من أهل البيت(٢٤٢).
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ وآتُوا اَلزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتَالَ لَوْ لاَ أَخَّرْتَنَا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ اَلدُّنْيَا قَلِيلٌ واَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى ولاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)(٢٤٣).
١٢٩ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ رحمه اللّه بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: واللّه للذي صنعه الحسن بن عليّ عليهما السّلام كان خيرا لهذه الامة ممّا طلعت عليه الشمس، فو اللّه لقد نزلت هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ وآتُوا اَلزَّكَاةَ) إنّما هي طاعة الإمام، وطلبوا القتال (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتَالُ) مع الحسين عليه السّلام (قَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتَالَ لَوْ لاَ أَخَّرْتَنَا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السّلام(٢٤٤).
١٣٠ - وروى العيّاشيّ رحمه اللّه بإسناده عن ادريس مولى لعبد اللّه بن جعفر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في تفسير هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ) مع الحسن (وأَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ وآتُوا اَلزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتَالُ) مع الحسين (قَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتَالَ لَوْ لاَ أَخَّرْتَنَا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) إلى خروج القائم عليه السّلام، فإنّ معهم النصر والظفر، قال اللّه:
(قُلْ مَتَاعُ اَلدُّنْيَا قَلِيلٌ واَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى...) الآية(٢٤٥).
١٣١ - روى العيّاشيّ أيضا بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: واللّه للّذي صنعه الحسن بن عليّ عليهما السّلام كان خيرا لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس، واللّه لفيه نزلت هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ وآتُوا اَلزَّكَاةَ) إنّما هي طاعة الامام، فطلبوا القتال: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتَالُ) مع الحسين (قَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتَالَ لَوْ لاَ أَخَّرْتَنَا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) وقوله: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ اَلرُّسُلَ) أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السّلام(٢٤٦).
الآية التاسعة عشرة قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ ومَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً)(٢٤٧).
١٣٢ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن هشام بن سالم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهم السّلام قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: القائم من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنّته سنّتي، يقيم الناس على ملّتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب ربّي عزّ وجلّ، من أطاعه فقد اطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد انكرني، ومن كذّبه فقد كذّبني، ومن صدّقه فقد صدّقني، إلى اللّه أشكو المكذّبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمضلّين لأمّتي عن طريقته، وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون(٢٤٨).
الآية العشرون قوله سبحانه: (وإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وكَانَ اَللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً)(٢٤٩).
١٣٣ - ومن خطبة لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام تسمّى المخزون جاء فيها: ويسير الصدّيق الأكبر براية الهدى والسيف ذي الفقار والمخصرة حتّى ينزل أرض الهجرة مرّتين وهي الكوفة، فيهدم مسجدها ويبنيه على بنائه الأوّل، ويهدم ما دونه من دور الجبابرة، ويسير إلى البصرة حتّى يشرف على بحرها ومعه التابوت وعصا موسى، فيعزم عليه، فيزفر زفرة بالبصرة، فتصير بحرا لجيّا، فيغرقها لا يبقى فيها غير مسجدها كجؤجؤ سفينة على ظهر الماء، ثمّ يسير إلى حروراء ثمّ يحرقها، ويسير من باب بني أسد حتّى يزفر زفرة في ثقيف وهم زرع فرعون، ثمّ يسير إلى مصر، فيعلو منبره ويخطب الناس، فتستبشر الأرض بالعدل، وتعطي السماء قطرها، والشجر ثمرها، والأرض نباتها، وتتزيّن لأهلها، وتأمن الوحوش حتّى ترتعي في طرف الأرض كأنعامهم، ويقذف في قلوب المؤمنين العلم فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم، فيومئذ تأويل هذه الآية: (يُغْنِ اَللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ). (الحديث)(٢٥٠).
الآية الحادية والعشرون قوله تعالى: (وقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللَّهِ ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وإِنَّ اَلَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّبَاعَ اَلظَّنِّ ومَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اَللَّهُ إِلَيْهِ وكَانَ اَللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)(٢٥١).
تشبيه غيبة المهديّ عليه السّلام بغيبات عيسى عليه السّلام
١٣٤ - روى العلاّمة البيّاضي رحمه اللّه قال: أسند الشيخ أبو جعفر محمّد بن عليّ، إلى سدير الصيرفيّ، قال: دخلت أنا والمفضل بن عمرو أبان بن تغلب على الصادق عليه السّلام فقال: إنّ اللّه تعالى إذا آن لقائمنا، قدّر ثلاثة لثلاثة: قدّر مولده بمولد موسى، وغيبته بغيبة عيسى، وإبطاءه بإبطاء نوح، وجعل له بعد ذلك عمر العبد الصالح - يعني الخضر - دليلا على عمره. ثمّ قال بعد ذلك: وأمّا غيبة عيسى، فإنّ الكتابيين اتّفقوا على قتله، فكذّبهم اللّه بقوله: (ومَا قَتَلُوهُ) وغيبة القائم تنكرها الأمّة لطولها، فمن قائل لم يولد، وقائل ولد ومات، وقائل إنّ حادي عشرنا كان عقيما، وقائل يتعدّى الأمر عن اثنى عشر، وقائل: إنّ روح القائم تنطق في هيكل غيره(٢٥٢).
١٣٥ - وروى الصدوق بإسناده عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: كان بين عيسى وبين محمّد صلّى اللّه عليه واله خمسمائة عام منها مائتان وخمسون عاما ليس فيها نبيّ ولا عالم ظاهر، قلت: فما كانوا؟ قال: كانوا متمسّكين بدين عيسى عليه السّلام، قلت: فما كانوا؟ قال: كانوا مؤمنين، ثمّ قال عليه السّلام: ولا يكون الأرض إلاّ وفيها عالم.
وكان ممّن ضرب في الأرض لطلب الحجّة سلمان الفارسيّ رضى اللّه عنه فلم يزل ينتقل من عالم إلى عالم، ومن فقيه إلى فقيه، ويبحث عن الأسرار ويستدلّ بالاخبار منتظرا لقيام القائم سيّد الأوّلين والآخرين محمّد صلّى اللّه عليه واله أربعمائة سنة حتّى بشّر بولادته، فلمّا أيقن بالفرج، خرج يريد تهامة فسبي(٢٥٣).
الآية الثانية والعشرون قوله تعالى: (وإِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً)(٢٥٤).
١٣٦ - عليّ بن إبراهيم القميّ رحمه اللّه بإسناده عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجّاج: يا شهر آية في كتاب اللّه قد أعيتني، فقلت: أيّها الأمير أيّة آية هي؟ فقال: قوله: (وإِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) واللّه إنّي لأمرّ باليهوديّ والنصرانيّ، فيضرب عنقه، ثمّ أرمقه بعيني فما أراه يحرّك شفتيه حتّى يخمد، فقلت: أصلح اللّه الأمير ليس على ما تأوّلت، قال: كيف هي؟ قلت: إنّ عيسى ينزل قيل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهل ملّة يهوديّ ولا غيره (نصرانيّ) إلاّ آمن به قبل موته، ويصلّي خلف المهديّ. قال:
ويحك... أنّى لك هذا ومن أين جئت به؟ فقلت: حدّثني به محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام. فقال: جئت بها - واللّه - من عين صافية(٢٥٥).
١٣٧ - روى الطبريّ بإسناده عن ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (وإِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال: إذا نزل عيسى ابن مريم فقتل الدجّال، لم يبق يهوديّ في الأرض إلاّ آمن به. قال: وذلك حين لا ينفعهم الإيمان(٢٥٦).
قال العلاّمة البيّاضيّ رحمه اللّه في رجعة عيسى عليه السّلام في زمان المهديّ عليه السّلام: ثمّ نرجع ونقول:
عيسى أيضا حيّ إلى الآن، قال الضحّاك وجماعة أيضا من مفسّري المخالف في قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ)(٢٥٧) أي بعد إنزالك من السماء، وقال الكلبيّ والحسن وابن جريح: رافعك من الدنيا إليّ من غير موت.
ويؤكّد ذلك ما رواه الفرّاء في كتابه «شرح السنّة» وأخرجه البخاريّ ومسلم في صحيحهما، عن أبي هريرة، قول النبيّ صلّى اللّه عليه واله: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟
وفي تفسير: (وإِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال ابن المرتضى: قال قوم: الهاء في «موته» كناية عن عيسى، أي قبل موت عيسى عند نزوله من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد إلاّ آمن به، حتّى يكون به الملّة واحدة ملة الإسلام، ويقع الأمنة في الناس، حتّى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان مع الحيّات(٢٥٨).
الآية الثالثة والعشرون قوله عزّ وجلّ: (ورُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ورُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً)(٢٥٩).
١٣٨ - روى الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن عبد الحميد بن ابي الديلم قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليه السّلام: يا عبد الحميد إنّ اللّه رسلا مستعلنين ورسلا مستخفين، فإذا سألته بحقّ المستعلنين فسله بحقّ المستخفين.
وتصديق ذلك من الكتاب قوله: (ورُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ورُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً) فكانت رسل اللّه تعالى كذلك من وقت وفاة آدم عليه السّلام إلى وقت ظهور إبراهيم عليه السّلام أوصياء مستعلنين ومستخفين، فلمّا كان وقت كون إبراهيم، عليه السّلام، ستر اللّه شخصه وأخفى ولادته، لأنّ الامكان في ظهور الحجّة كان متعذّرا في زمانه، وكان إبراهيم عليه السّلام في سلطان نمرود مستترا لأمره، وكان غير مظهر نفسه، ونمرود يقتل أولاد رعيّته وأهل مملكته في طلبه، إلى أن دلّهم إبراهيم عليه السّلام على نفسه، وأظهر لهم أمره بعد أن بلغت الغيبة أمدها، ووجب إظهار ما أظهره للذي أراده اللّه في إثبات حجّته واكمال دينه، فلمّا كان وقت وفاة إبراهيم عليه السّلام، كان له أوصياء حججا للّه عزّ وجلّ في أرضه يتوارثون الوصيّة، كذلك مستعلنين ومستخفين إلى وقت كون موسى عليه السّلام، فكان فرعون يقتل أولاد بني اسرائيل في طلب موسى عليه السّلام الّذي قد شاع من ذكره وخبر كونه، فستر اللّه ولادته، ثمّ قذفت به أمّه في اليمّ كما أخبر اللّه عزّ وجلّ: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ)(٢٦٠) وكان موسى عليه السّلام في حجر فرعون يربّيه وهو لا يعرفه، وفرعون يقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه، ثمّ كان من أمره بعد أن أظهر دعوته ودلّهم على نفسه ما قد قصّه اللّه عزّ وجلّ في كتابه، فلمّا كان وقت وفاة موسى عليه السّلام كان له أوصياء حججا للّه كذلك مستعلنين ومستخفين إلى وقت ظهور عيسى عليه السّلام.
فظهر عيسى عليه السّلام في ولادته، معلنا لدلالته، مظهرا لشخصه، شاهرا لبراهينه غير مخف لنفسه، لأنّ زمانه كان زمان إمكان ظهور الحجّة كذلك.
ثمّ كان له من بعده أوصياء حججا للّه عزّ وجلّ كذلك مستعلنين ومستخفين إلى وقت ظهور نبيّنا صلّى اللّه عليه واله، فقال اللّه عزّ وجلّ له في الكتاب: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ)(٢٦١) ثمّ قال عزّ وجلّ: (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا)(٢٦٢)، فكان ممّا قيل له ولزم من سنته على ايجاب سنن من تقدّمه من الرسل، اقامة الاوصياء له كإقامة من تقدّمه لاوصيائهم، فأقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أوصياء كذلك، وأخبر بكون المهديّ خاتم الائمة عليهم السّلام، وأنّه يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا، ونقلت الامة ذلك بأجمعها عنه.
وأنّ عيسى عليه السّلام ينزل في وقت ظهوره فيصلّي خلفه، فحفظت ولادات الأوصياء ومقاماتهم في مقام بعد مقام، إلى وقت ولادة صاحب زماننا عليه السّلام المنتظر للقسط والعدل، كما أوجبت الحكمة باستقامة التدبير غيبة من ذكرنا من الحجج المتقدّمة بالوجود.
وذلك أنّ المعروف المتسالم بين الخاصّ والعامّ من أهل هذه الملّة أنّ الحسن بن عليّ والد صاحب زماننا عليهم السّلام قد كان وكّل به طاغية زمانه الى وقت وفاته، فلمّا توفي عليه السّلام وكّل بحاشيته وأهله، وحبست جواريه وطلب مولوده هذا أشدّ الطلب، وكان احد المتولّين عليه عمّه جعفر أخو الحسن بن عليّ بما ادّعاه لنفسه من الإمامة، ورجا أن يتمّ له ذلك بوجود ابن اخيه صاحب الزمان عليه السّلام، فجرت السنّة في غيبته بما جرى من سنن غيبة من ذكرنا من الحجج المتقدمة، ولزم من حكمة غيبته عليه السّلام ما لزم من حكمة غيبتهم(٢٦٣).

سورة المائدة

الآية الاولى قوله تعالى: (اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واِخْشَوْنِ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاَمَ دِيناً)(٢٦٤).
١٣٩ - روى العيّاشيّ عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السّلام في هذه الآية: (اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واِخْشَوْنِ) يوم يقوم القائم عليه السّلام يئس بنو أميّة، فهم الّذين كفروا يئسوا من آل محمّد صلّى اللّه عليه واله(٢٦٥).
الآية الثانية قوله تعالى: (ولَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وبَعَثْنَا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً)(٢٦٦).
١٤٠ - روى جابر بن يزيد الجعفيّ، عن محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام، عن عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السّلام، قال: قال الحسن بن عليّ عليهم السّلام: «الأئمّة عدد نقباء بني اسرائيل، ومنّا مهديّ هذه الأمّة»(٢٦٧).
١٤١ - روي عن عبد الغفار بن قاسم قال: دخلت على مولاي الباقر عليه السّلام وعنده اناس من أصحابه فجرى ذكر الإسلام، فقلت: يا سيدي فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المؤمنون من لسانه ويده، قلت: فما أفضل الاخلاق؟ قال: الصبر والسماحة، قلت: فأيّ المؤمنين أكمل ايمانا؟ قال: أحسنهم خلقا، قلت: فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه، قلت: فأيّ الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت، قلت: فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: أن تهجر ما حرّم اللّه عزّ وجلّ عليك، قلت: يا سيّدي فما تقول في الدخول على السلطان؟ قال: لا أرى لك ذلك، قلت: فإنّي ربّما سافرت إلى الشام فأدخل على إبراهيم بن الوليد، قال: يا عبد الغفّار، إنّ دخولك على السلطان يدعو إلى ثلاثة اشياء، محبة الدنيا، ونسيان الموت، وقلّة الرضا بما قسم اللّه، قلت: يا ابن رسول اللّه فإنّي ذو عيلة وأتّجر إلى ذلك المكان لجرّ المنفعة، فما ترى في ذلك؟ قال: يا عبد اللّه إنّي لست آمرك بترك الدنيا، بل آمرك بترك الذنوب، فترك الدنيا فضيلة، وترك الذنوب فريضة، وأنت إلى إقامة الفريضة أحوج إليك منك إلى اكتساب الفضيلة. قال: فقبّلت يده ورجله وقلت:
بأبي أنت وأمّي يا ابن رسول اللّه فما نجد العلم الصحيح إلاّ عندكم، وإنّي قد كبرت سني ودقّ عظمي ولا أرى فيكم ما أسرّه، أراكم مقتّلين مشرّدين خائفين، وإنّي أقمت على قائمكم منذ حين أقول: يخرج اليوم أو غدا. قال: يا عبد الغفار، إنّ قائمنا عليه السّلام هو السابع من ولدي، وليس هو أوان ظهوره، ولقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: إنّ الائمّة بعدي اثنا عشر عدد نقباء بني اسرائيل، تسعة من صلب الحسين، والتاسع قائمهم، يخرج في آخر الزمان فيملؤها عدلا كما ملئت جورا وظلما. قلت: فإن كان هذا كائن يا ابن رسول اللّه، فإلى من بعدك؟ قال: إلى جعفر وهو سيّد أولادي وأبو الائمّة، صادق في قوله وفعله، ولقد سألت عظيما يا عبد الغفار، وإنّك لاهلّ للاجابة، ثمّ قال عليه السّلام: ألا إنّ مفاتيح العلم السؤال وانشأ يقول:

شفاء العمى طول السؤال وإنّما * * * تمام العمى طول السكوت على الجهل(٢٦٨)

١٤٢ - روى عن يحيى بن يعمر قال: كنت عند الحسين عليه السّلام إذ دخل عليه رجل من العرب متلثّما أسمر شديد السمرة، فسلّم فردّ الحسين عليه السّلام فقال: يا بن رسول اللّه مسألة، قال: هات، قال: كم بين الإيمان واليقين؟ قال: أربع أصابع، قال: كيف؟ قال: الإيمان ما سمعناه، واليقين ما رأيناه، وبين السمع والبصر أربع أصابع، قال: فكم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة، قال: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس قال: فما عزّ المرء؟ قال: استغناؤه عن الناس، قال: فما أقبح شيء؟ قال: الفسق في الشيخ قبيح، والحدّة في السلطان قبيحة، والكذب في ذي الحسب قبيح، والبخل في ذي الغنا، والحرص في العالم. قال: صدقت يا بن رسول اللّه، فأخبرني عن عدد الأئمّة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله؟ قال: اثنا عشر عدد نقباء بني اسرائيل. قال: فسمّهم لي. قال: فأطرق الحسين عليه السّلام مليّا ثمّ رفع رأسه فقال: نعم أخبرك يا أخا العرب، إنّ الإمام والخليفة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام، والحسن، وأنا وتسعة من ولدي منهم عليّ ابني، وبعده محمّد ابنه، وبعده جعفر ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده محمّد ابنه، وبعده عليّ ابنه وبعده الحسن ابنه، وبعده الخلف المهديّ هو التاسع من ولدي، يقوم الدّين في آخر الزمان. قال: فقام الاعرابي وهو يقول:

مسح النبيّ جبينه * * * فله بريق في الخدود
أبواه من أعلى قريش * * * وجدّه خير الجدود(٢٦٩)

١٤٣ - روى ابن شاذان بالإسناد عن الأصبغ بن نباتة، عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول: معاشر الناس اعلموا أنّ اللّه تعالى جعل لكم بابا من دخله أمن من النار ومن الفزع الأكبر. فقام إليه أبو سعيد الخدريّ فقال: يا رسول اللّه اهدنا إلى هذا الباب حتّى نعرفه. قال: هو عليّ بن أبي طالب، سيّد الوصيّين، وأمير المؤمنين، وأخو رسول ربّ العالمين، وخليفة اللّه على الناس أجمعين.
معاشر الناس من أحبّ أن يتمسّك بالعروة الوثقى الّتي لا انفصام لها، فليتمسّك بولاية عليّ بن أبي طالب، فإنّ ولايته ولايتي، وطاعته طاعتي.
معاشر الناس من أحبّ أن يعرف الحجّة بعدي، فليعرف عليّ بن أبي طالب.
معاشر الناس من أراد أن يتولى اللّه ورسوله، فليقتد بعليّ بن أبي طالب بعدي والأئمّة من ذرّيتي، فإنّهم خزّان علمي.
فقام جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ فقال: يا رسول اللّه وما عدّة الأئمّة؟ فقال: يا جابر سألتني رحمك اللّه عن الإسلام بأجمعه، عدّتهم عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السموات والأرض، وعدّتهم عدّة العيون الّتي انفجرت لموسى بن عمران عليه السّلام حين ضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وعدّتهم عدّة نقباء بني إسرائيل، قال اللّه تعالى: (وبَعَثْنَا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) فالأئمة يا جابر اثنا عشر إماما، أوّلهم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وآخرهم القائم المهديّ صلوات اللّه عليهم(٢٧٠).
١٤٤ - روي بالإسناد عن سلمان، قال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: إنّ اللّه تعالى لم يبعث نبيّا ولا رسولا، إلاّ جعل له اثنى عشر نقيبا. فقلت: يا رسول اللّه لقد عرفت هذا من أهل الكتابين، فقال: هل علمت من نقبائي الاثني عشر الّذين اختارهم للامّة من بعدي؟ فقلت: اللّه ورسوله أعلم، فقال: يا سلمان، خلقني اللّه من صفوة نوره ودعاني فأطعته، وخلق من نوري عليّا ودعاه فأطاعه، وخلق من نور عليّ فاطمة ودعاها فأطاعته، وخلق مني ومن عليّ وفاطمة الحسن ودعاه فأطاعه، وخلق منّي ومن عليّ وفاطمة الحسين ودعاه فأطاعه، ثمّ سمّانا بخمسة أسماء من أسمائه، فاللّه المحمود وأنا محمّد، واللّه العليّ وهذا عليّ، واللّه الفاطر وهذه فاطمة، واللّه ذو الاحسان وهذا الحسن، واللّه المحسن وهذا الحسين.
ثمّ خلق منا ومن نور الحسين تسعة أئمّة ودعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق سماء مبنّية وأرضا مدحيّة ولا ملكا ولا بشرا، وكنّا نورا نسبّح اللّه ثمّ نسمع له ونطيع. فقلت: يا رسول اللّه بأبي أنت وامي، فلمن عرف هؤلاء؟ فقال: من عرفهم حقّ معرفتهم واقتدى بهم ووالى وليّهم وعادى عدوّهم، فهو واللّه منا يرد حيث نرد، ويسكن حيث نسكن. فقلت: يا رسول اللّه وهل يكون إيمان بهم بغير معرفة بأسمائهم وأنسابهم؟ فقال: لا. فقلت: يا رسول اللّه فأنّى لي بهم، وقد عرفت إلى الحسين؟ قال: ثمّ سيّد العابدين عليّ بن الحسين، ثمّ ابنه محمّد الباقر علم الأوّلين والآخرين من النبيّين والمرسلين، ثمّ ابنه جعفر بن محمّد لسان اللّه الصادق، ثمّ ابنه موسى بن جعفر الكاظم الغيظ صبرا في اللّه، ثمّ ابنه عليّ بن موسى الرضا لأمر اللّه، ثمّ ابنه محمّد بن عليّ المختار لأمر اللّه، ثمّ ابنه عليّ بن محمّد الهادي إلى اللّه، ثمّ ابنه الحسن بن عليّ الصامت الأمين لسرّ اللّه، ثمّ ابنه محمّد بن الحسن المهديّ القائم بأمر اللّه. ثمّ قال: يا سلمان إنّك تدركه، ومن كان مثلك، ومن تولاّه هذه المعرفة، فشكرت اللّه وقلت: وإنّي مؤجّل إلى عهده؟ فقرأ قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ اَلدِّيَارِ وكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ وجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً). قال سلمان: فاشتدّ بكائي وشوقي، وقلت: يا رسول اللّه أبعهد منك؟ فقال: اي واللّه الّذي أرسلني بالحقّ، منّي ومن عليّ وفاطمة والحسن والحسين والتسعة وكلّ من هو منا ومعنا ومضام فينا، اي واللّه ليحضرنّ إبليس له وجنوده، وكلّ من محض الإيمان محضا، ومحض الكفر محضا، حتّى يؤخذ له بالقصاص والأوتار ولا يظلم ربّك احدا، وذلك تأويل هذه الآية: (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ اَلْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهَامَانَ وجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ). قال: فقمت من بين يديه، وما ابالي لقيت الموت أو لقيني(٢٧١).
الآية الثالثة قوله تعالى: (ومِنَ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ اَلْعَدَاوَةَ واَلْبَغْضَاءَ إِلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اَللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(٢٧٢).
١٤٥ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن أبي ربيع الشاميّ. قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: لا تشتر من السودان احدا، فان كان فلابدّ، فمن النوبة، فإنّهم من الّذين قال اللّه عزّ وجلّ: (ومِنَ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) أما إنّهم سيذكرون ذلك الحظّ، وسيخرج مع القائم عليه السّلام منّا عصابة منهم... الحديث(٢٧٣).
الآية الرابعة قوله تعالى: (وإِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ اَلْعَالَمِينَ)(٢٧٤).
١٤٦ - وبالإسناد عن محمّد بن سليمان الديلميّ، عن أبيه قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) فقال: الأنبياء رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وإبراهيم وإسماعيل وذرّيته، والملوك الأئمّة عليهم السّلام، قال: فقلت: وأيّ ملك أعطيتم؟ فقال:
ملك الجنة، وملك الكرّة(٢٧٥).
الآية الخامسة قوله تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْفَاسِقِينَ)(٢٧٦).
تيه المسلمين في غيبة المهديّ عليه السّلام كتيه بني إسرائيل
١٤٧ - روى مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام يقول: خطب الناس أمير المؤمنين عليه السّلام بالكوفة، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: أنا سيد الشيب وفيّ سنّة من أيّوب، وسيجمع اللّه لي أهلي كما جمع ليعقوب شمله، وذلك إذا استدار الفلك وقلتم ضلّ أو هلك، ألا فاستشعروا قبلها بالصبر، وبوؤا إلى اللّه بالذنب، فقد نبذتم قدسكم، وأطفأتم مصابيحكم، وقلّدتم هدايتكم من لا يملك لنفسه ولا لكم سمعا ولا بصرا، ضعف واللّه الطالب والمطلوب.
هذا، ولم تتواكلوا أمركم، ولم تتخاذلوا عن نصرة الحق بينكم، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يتشجّع عليكم من ليس مثلكم، ولم يقومن قوي عليكم، وعلى هضم الطاعة وازوائها عن أهلها فيكم.
تهتم كما تاهت بنو اسرائيل على عهد موسى، وبحقّ أقول ليضعّفنّ عليكم التيه من بعدي باضطهادكم ولدي ضعف ما تاهت بنو اسرائيل، فلو قد استكملتم نهلا، وامتلأتم عللا عن سلطان الشجرة الملعونة في القرآن، لقد اجتمعتم على ناعق ضلال ولأجبتم الباطل ركضا ثمّ لغادرتم داعي الحق، وقطعتم الأدنى من أهل بدر، ووصلتم الأبعد من أبناء الحرب، ألا ولو ذاب ما في أيديهم، لقد دنى التمحيص للجزاء، وكشف الغطاء، وانقضت المدّة، وأزف الوعد، وبدا لكم النجم من قبل المشرق، وأشرق لكم قمركم كملء شهره وكليلة تمّ، فإذا استبان ذلك، فراجعوا التوبة وخالعوا الحوبة واعلموا أنّكم إن أطعتم طالع المشرق، سلك بكم منهاج رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فتداويتم من الصمم، واستشفيتم من البكم، وكفيتم مؤنة التعسّف والطلب، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق، فلا يبعد اللّه إلاّ من أبى الرحمة وفارق العصمة، وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون(٢٧٧).
١٤٨ - وبالإسناد عن عليّ بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن الرضا عليه السّلام أنّه قال: كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي يطلبون المرعى فلا يجدونه، قلت له: ولم ذلك يا ابن رسول اللّه؟ قال: لأنّ إمامهم يغيب عنهم، فقلت: ولم؟ قال: لئلاّ يكون في عنقه لأحد بيعة إذا قام بالسيف(٢٧٨).
١٤٩ - النعمانيّ بإسناده عن عبد اللّه الشاعر، يعني ابن أبي عقب، قال: سمعت عليّا عليه السّلام يقول: كأنّي بكم تجولون جولان الإبل تبتغون مرعى ولا تجدونها معشر الشيعة(٢٧٩).
١٥٠ - ابن ادريس: بإسناده عن يزيد الضخم، قال: سمعت أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه يقول: كأنّي بكم تجولون جولان النعم تطلبون المرعى فلا تجدونه(٢٨٠).
١٥١ - ابن الوليد بإسناده عن ابن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السّلام، أنّه ذكر القائم عليه السّلام فقال:
أما ليغيبنّ حتّى يقول الجاهل: ما للّه في آل محمّد حاجة(٢٨١).
١٥٢ - الشيبانيّ بإسناده عن عبد العظيم الحسنيّ، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: للقائم منّا غيبة امدها طويل، كأنّي بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألا فمن ثبت منهم على دينه لم يقس قلبه لطول أمد غيبة إمامه، فهو معي في درجتي يوم القيامة. ثمّ قال عليه السّلام: إنّ القائم منّا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه(٢٨٢).
١٥٣ - وبالإسناد عن الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السّلام، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال للحسين عليه السّلام: التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق، المظهر للدين الباسط للعدل، قال الحسين عليه السّلام: فقلت: يا أمير المؤمنين وإنّ ذلك لكائن؟ فقال عليه السّلام: اي والّذي بعث محمّدا بالنبوّة، واصطفاه على جميع البريّة، ولكن بعد غيبة وحيرة لا تثبت فيها على دينه إلاّ المخلصون المباشرون لروح اليقين، الّذين أخذ اللّه ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الأيمان، وأيّدهم بروح منه(٢٨٣).
١٥٤ - وعن عباية الأسديّ، قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم يرى، يبرأ بعضكم من بعض(٢٨٤).
١٥٥ - أحمد بن محمّد الكوفيّ بإسناده عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
خطب أمير المؤمنين عليه السّلام، فحمد اللّه واثنى عليه، وصلّى على النبيّ وآله ثمّ قال: أمّا بعد فإنّ اللّه تبارك وتعالى لم يقصم جباري دهر إلاّ من بعد تمهيل ورخاء، ولم يجبر كسر عظم من الأمم إلاّ بعد أزل وبلاء. أيّها الناس في دون ما استقبلتم من عطب واستدبرتم من خطب معتبر، وما كلّ ذي قلب بلبيب، ولا كلّ ذي سمع بسميع، ولا كلّ ذي ناظر عين ببصير.
عباد اللّه أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه، ثمّ انظروا إلى عرصات من قد أقاده اللّه بعلمه، كانوا على سنّة من آل فرعون، أهل جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ثمّ انظروا بما ختم اللّه لهم بعد النضرة والسرور، والأمر والنهي، ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان واللّه مخلّدون، وللّه عاقبة الامور.
فيا عجبا وما لي لا أعجب من خطاء هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتفون أثر نبي، ولا يعتدّون بعمل وصيّ، ولا يؤمنون بغيب، ولا يعفون عن عيب، المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، وكلّ امرئ منهم إمام نفسه، آخذ منها فيما يرى، بعرى وثيقات وأسباب محكمات، فلا يزالون بجور، ولن يزدادوا إلاّ خطأ، لا ينالون تقرّبا، ولن يزدادوا إلاّ بعدا من اللّه عزّ وجلّ، أنس بعضهم ببعض، وتصديق بعضهم لبعض، كلّ ذلك وحشة ممّا ورّث النبيّ صلّى اللّه عليه واله، ونفورا مما أدّى إليهم من أخبار فاطر السموات والأرض.
أهل حسرات، وكهوف شبهات، وأهل عشوات، وضلالة وريبة، من وكلّه اللّه إلى نفسه ورأيه، فهو مأمون عند من يجهله، غير المتهم عند من لا يعرفه، فما اشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها.
ووا أسفا من فعلات شيعتنا من بعد قرب مودّتها اليوم، كيف يستذلّ بعدي بعضها بعضا، وكيف يقتل بعضها بعضا؟ المتشتتة غدا عن الاصل، النازلة بالفرع، المؤمّلة الفتح من غير جهته، كلّ حزب منهم آخذ منه بغصن، أينما مال الغصن مال معه، مع أنّ اللّه وله الحمد سيجمع هؤلاء لشرّ يوم لبني أميّة، كما يجمع قزع الخريف، يؤلّف اللّه بينهم، ثمّ يجعلهم ركاما كركام السحاب، ثمّ يفتح لهم أبوابا، يسيلون من مستثارهم كسيل الجنّتين سيل العرم حيث نقب عليه فارة فلم تثبت عليه أكمة، ولم يردّ سننه رصّ طود، يذعذهم في بطون أودية، ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم، ويمكّن بهم قوما في ديار قوم تشريدا لبني أمّية، ولكي لا يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع اللّه بهم ركنا، وينقض بهم طيّ الجنادل من ارم، ويملأ منهم بطنان الزيتون.
فو الّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ليكوننّ ذلك، وكأنّي أسمع صهيل خيلهم وطمطمة رجالهم، وأيم اللّه ليذوبنّ ما في أيديهم بعد العلوّ والتمكين في البلاد كما تذوب الألية على النار، من مات منهم مات ضالاّ، وإلى اللّه عزّ وجلّ يفضي منهم من درج، ويتوب اللّه عزّ وجلّ على من تاب، ولعلّ اللّه يجمع شيعتي بعد التشتّت لشرّ يوم لهؤلاء، وليس لأحد على اللّه عزّ ذكره الخيرة، بل للّه الخيرة والأمر جميعا.
أيّها الناس، إنّ المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير، ولو لم تتخاذلوا عن مرّ الحقّ، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يتشجّع عليكم من ليس مثلكم، ولم يقومن قوي عليكم، وعلى هضم الطاعة وإزوائها عن اهلها، لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى عليه السّلام.
ولعمري ليضاعفنّ عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو اسرائيل، ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدّة سلطان بني أميّة، لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة، وأحييتم الباطل، وأخلفتم الحق وراء ظهوركم، وقطعتم الأدنى من أهل بدر، ووصلتم الأبعد من أبناء الحرب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله.
ولعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم، لدنا التمحيص للجزاء، وقرب الوعد، وانقضت المدّة، وبدا لكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق، ولاح لكم القمر المنير، فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة، واعلموا أنّكم إن اتّبعتم طالع المشرق، سلك بكم منهاج الرسول صلّى اللّه عليه واله، فتداويتم من العمى والصمم والبكم، وكفيتم مؤنة الطلب والتعسّف، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق، ولا يبعد اللّه إلاّ من أبى وظلم واعتسف، وأخذ ما ليس له (وسَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(٢٨٥).
١٥٦ - وبالإسناد عن الحارث الاعور الهمدانيّ، قال أمير المؤمنين عليه السّلام على المنبر: إذا هلك الخاطب، وزاغ صاحب العصر، وبقيت قلوب تتقلّب من مخصب ومجدب، هلك المتمنون، واضمحلّ المضمحلّون، وبقي المؤمنون، وقليل ما يكونون، ثلاث مائة أو يزيدون، تجاهد معهم عصابة جاهدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يوم بدر، لم تقتل ولم تمت(٢٨٦).
بيان: قول أمير المؤمنين عليه السّلام: «وزاغ صاحب العصر» أراد صاحب هذا الزمان الغائب الزائغ عن أبصار هذا الخلق لتدبير اللّه الواقع. ثمّ قال:
«وبقيت قلوب تتقلب فمن مخصب ومجدب» وهي قلوب الشيعة المتقلّبة عند هذه الغيبة والحيرة، فمن ثابت منها على الحق مخصب، ومن عادل عنها إلى الضلال، وزخرف المحال مجدب.
ثمّ قال:
«هللك المتمنّون» ذمّا لهم، وهم الّذين يستعجلون أمر اللّه، ولا يسلّمون له، ويستطيلون الأمد، فيهلكون قبل أن يروا فرجا، ويبقي اللّه من يشاء أن يبقيه من أهل الصبر والتسليم حتّى يلحقه بمرتبته، وهم المؤمنون وهم المخلصون القليلون، الّذين ذكر أنّهم ثلاثمائة أو يزيدون ممّن يؤهله اللّه لقوّة إيمانه، وصحّة يقينه، لنصرة وليّه، وجهاد عدوّه، وهم - كما جاءت الرواية - عمّاله وحكّامه في الأرض، عند استقرار الدار، ووضع الحرب اوزارها. ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «يجاهد معهم عصابة جاهدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يوم بدر، لم تقتل ولم تمت» يريد أنّ اللّه عزّ وجلّ يؤيّد أصحاب القائم عليه السّلام هؤلاء الثلاثمائة والنّيف الخلّص بملائكة بدر وهم أعدادهم، جعلنا اللّه ممّن يؤهّله لنصرة دينه مع وليّه عليه السّلام، وفعل بنا في ذلك ما هو أهله(٢٨٧).
الآية السادسة قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ مِنَ اَلَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ومِنَ اَلَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ومَنْ يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ اَلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي اَلدُّنْيَا خِزْيٌ ولَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(٢٨٨).
خزي الكفّار على يد المهديّ عليه السّلام
١٥٧ - روى الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه، عن السدّيّ في قوله تعالى: (لَهُمْ فِي اَلدُّنْيَا خِزْيٌ ولَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) قال: خزيهم في الدنيا أنّه إذا قام المهديّ وفتحت قسطنطينية، قتلهم(٢٨٩).
الآية السابعة قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(٢٩٠).
١٥٨ - روى النعمانيّ رحمه اللّه بإسناده عن سليمان بن هارون العجليّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ صاحب هذا الامر محفوظ له اصحابه، ولو ذهب الناس جميعا، أتى اللّه بأصحابه، وهم الّذين قال عزّ وجلّ: (فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ)(٢٩١) وهم الّذين قال اللّه عزّ وجلّ: (فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ)(٢٩٢).
١٥٩ - روى العيّاشيّ بإسناده عن سليمان بن هارون، قال: قلت له: إنّ بعض هؤلاء العجليّة يقول: إنّ سيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عند عبد اللّه بن الحسن! فقال: واللّه ما رآه ولا أبوه بواحدة من عينيه، إلاّ أن يكون رآه أبوه عند الحسين عليه السّلام، وإنّ صاحب هذا الأمر محفوظ له، فلا تذهبنّ يمينا ولا شمالا، فإنّ الأمر واللّه واضح، واللّه لو أنّ أهل السماء أو الأرض اجتمعوا على أن يحوّلوا هذا الأمر من موضعه الّذي وضعه اللّه فيه ما استطاعوا. ولو أنّ الناس كفروا جميعا حتّى لا يبقى احد، لجاء اللّه لهذا الامر بأهل يكونون من أهله، ثمّ قال:
أما تسمع اللّه يقول: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ) حتّى فرغ من الآية، وقال في آية اخرى:
(فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ)(٢٩٣) ثمّ قال: إنّ أهل هذه الآية هم أهل تلك الآية(٢٩٤).
الآية الثامنة قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وإِنْ تَسْئَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ اَلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهَا واَللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(٢٩٥).
١٦٠ - الكلينيّ عن اسحاق بن يعقوب، أنّه ورد عليه من الناحية المقدسة على يد محمّد بن عثمان، «وأمّا علّة ما وقع من الغيبة، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) إنّه لم يكن أحد من آبائي إلاّ وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي. وأمّا وجه الانتفاع في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا أبواب السؤال عمّا لا يعنيكم، ولا تتكلّفوا على ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنّ ذلك فرجكم، والسلام عليك يا اسحاق بن يعقوب، وعلى من اتّبع الهدى»(٢٩٦).
الآية التاسعة قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ)(٢٩٧).
رجوع النصارى للتوحيد عند ظهور المهديّ عليه السّلام
١٦١ - روى العلاّمة الحافظ السيوطيّ، قال: وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) يقول: عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم، «وإن تغفر لهم»: أي من تركت منهم، ومدّ في عمره حتّى أهبط من السماء إلى الأرض بقتل الدجّال، فنزلوا عن مقالتهم، ووحّدوك وأقرّوا إنّا عبيد، «وإن تغفر لهم» حيث رجعوا عن مقالتهم، «فإنّك أنت العزيز الحكيم»(٢٩٨).

سورة الأنعام

الآية الاولى قوله تعالى: (هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)(٢٩٩).
خروج السفياني من المحتوم
١٦٢ - روى النعمانيّ بإسناده عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليهما السّلام في قوله تعالى: (ثُمَّ قَضى أَجَلاً وأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) قال عليه السّلام:
إنّهما اجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف، فقال له حمران: ما المحتوم؟ قال: الّذي لا يكون غيره. قال: وما الموقوف؟ قال: هو الّذي للّه فيه المشيئة، قال حمران:
إنّي لأرجو أن يكون أجل السفيانيّ من الموقوف، قال أبو جعفر عليه السّلام: لا واللّه إنّه لمن المحتوم(٣٠٠).
الآية الثانية قوله تعالى: (وقَالُوا لَوْ لاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اَللَّهَ قَادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)(٣٠١).
آية طلوع الشمس من مغربها عند ظهور المهديّ عليه السّلام
١٦٣ - روى القمّيّ في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله: (إِنَّ اَللَّهَ قَادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) وسيريكم في آخر الزمان آيات: منها دابّة الأرض، والدّجّال، ونزول عيسى ابن مريم عليه السّلام، وطلوع الشمس من مغربها(٣٠٢).
الآية الثالثة قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا واَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ)(٣٠٣).
١٦٤ - روى عليّ بن إبراهيم القمّيّ بإسناده عن أبي حمزة، قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء) قال: أمّا قوله:
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) يعني فلمّا تركوا ولاية عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام، وقد امروا بها (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء) يعني دولتهم في الدنيا وما بسط لهم فيها، وأمّا قوله: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) يعني بذلك قيام القائم، حتّى كأنّهم لم يكن لهم سلطان قط، فذلك قوله: (بَغْتَةً) فنزل آخر هذه الآية على محمّد صلّى اللّه عليه واله: (فَقُطِعَ دَابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا واَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ)(٣٠٤).
١٦٥ - وروى محمّد بن الحسن الصفّار رحمه اللّه بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: أمّا قوله: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) يعني فلمّا تركوا ولاية عليّ عليه السّلام وقد امروا بها، فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء، يعني مع دولتهم في الدنيا وما بسط لهم فيها، وأمّا قوله: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) يعني قيام القائم عليه السّلام(٣٠٥).
١٦٦ - وبالإسناد عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه قال: نزلت في بني فلان ثلاث آيات، قوله عزّ وجلّ: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا واِزَّيَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) يعني القائم بالسيف، (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)(٣٠٦) وقوله عزّ وجلّ: (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا واَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ). قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: السيف، وقوله عزّ وجلّ: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا واِرْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ)(٣٠٧) يعني القائم، يسأل بني فلان كنوز بني أميّة(٣٠٨).
الآية الرابعة قوله سبحانه: (قُلْ هُوَ اَلْقَادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)(٣٠٩).
وقوع الفتن قبل ظهور المهديّ عليه السّلام
١٦٧ - روى عليّ بن إبراهيم قال: وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله:
(هُوَ اَلْقَادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ) قال: هو الدخان والصيحة، (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ وهو الخسف أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً) وهو اختلاف في الدّين وطعن بعضكم على بعض، وهو أن يقتل بعضكم بعضا، وكلّ هذا في أهل القبلة(٣١٠).
قوله تعالى: (أُولَئِكَ اَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اَلْكِتَابَ واَلْحُكْمَ واَلنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ)(٣١١).
سبق ذكر هذه الآية ضمن تفسير الآية ٥٤ من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ) الآية، فراجع.
الآية الخامسة قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)(٣١٢).
آيات قبل ظهور المهديّ عليه السّلام
القسم الأول من الآية: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً).
١٦٨ - روى الشّيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: في قول اللّه عزّ وجلّ: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) قال: الآيات هم الأئمّة، والآية المنتظرة القائم عليه السّلام، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف، وان آمنت بمن تقدّمه من آبائه عليهم السّلام(٣١٣).
١٦٩ - روى الشّيخ الصدوق أيضا بإسناده عن أبي بصير، قال: قال جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) يعني خروج القائم عليه السّلام المنتظر منا، ثمّ قال: يا أبا بصير طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، اولئك أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون(٣١٤).
١٧٠ - روى بالإسناد عن أبي هريرة، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: ثلاث إذا خرجن (لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ): طلوع الشمس من مغربها والدجّال، والدابّة(٣١٥).
١٧١ - روى ابن حمّاد بإسناده عن زيد بن أبي عتاب، سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: خمسا لا أدري أيتهنّ أوّل الآيات، وأيتهنّ إذا جاءت (لم يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً): طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ويأجوج ومأجوج، والدخان، والدابّة(٣١٦).
١٧٢ - روى فرات الكوفيّ عن جعفر بن محمّد الفزاريّ، معنعنا عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) قال: يعني صفوتنا ونصرتنا، قلت، إنّما قدر اللّه عنه باللسان واليدين والقلب. قال: يا خيثمة ألم تكن نصرتنا باللسان كنصرتنا بالسيف، ونصرتنا باليدين أفضل والقيام فيها. يا خيثمة إنّ القرآن نزل أثلاثا، فثلث فينا، وثلث في عدوّنا، وثلث فرائض وأحكام، ولو أنّ آية نزلت في قوم، ثمّ ماتوا اولئك، ماتت الآية، إذا ما بقي من القرآن شيء. إنّ القرآن عربيّ من أوّله إلى آخره، وآخره إلى أوّله، ما قامت السماوات والأرض، فلكلّ قوم آية يتلونها. يا خيثمة إنّ الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا فطوبى للغرباء، وهذا في أيدي الناس فكلّ على هذا. يا خيثمة سيأتي على الناس زمان لا يعرفون اللّه وما هو التوحيد، حتّى يكون خروج الدجال، وحتّى ينزل عيسى ابن مريم من السماء، ويقتل اللّه الدجّال على يده، ويصلّي بهم رجل منّا أهل البيت، ألا ترى أنّ عيسى يصلّي خلفنا وهو نبيّ، ألا ونحن أفضل منه(٣١٧).
١٧٣ - روى القمّيّ بإسناده عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سأل رجل عن حروب أمير المؤمنين عليه السّلام وكان السائل من محبّينا، فقال أبو جعفر عليه السّلام: بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه واله بخمسة أسياف، ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن تضع الحرب أوزارها، ولن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها آمن الناس كلّهم في ذلك اليوم، فيومئذ: (لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وسيف منها ملفوف، وسيف منها مغمود سلّه إلى غيرنا وحكمه إلينا...(٣١٨)
١٧٤ - روى العيّاشيّ بإسناده عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السّلام في قوله: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا) قال: طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابّة والدجّال، والرجل يكون مصرّا ولم يعمل على الإيمان ثمّ تجيء الآيات فلا ينفعه إيمانه(٣١٩).
١٧٥ - روى البرقي بإسناده عن عبد اللّه بن سليمان العامريّ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال:
ما زالت الأرض وللّه فيها حجّة يعرف الحلال والحرام، ويدعو إلى سبيل اللّه، ولا ينقطع الحجّة من الأرض إلاّ أربعين يوما قبل يوم القيامة، فإذا رفعت الحجّة اغلق باب التوبة ولم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أن ترفع الحجّة، واولئك شرار من خلق اللّه، وهم الّذين تقوم عليهم القيامة(٣٢٠).
انتظار الفرج عبادة
القسم الثاني من الآية: قوله عزّ وجلّ: (قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)(٣٢١).
١٧٦ - النعمانيّ بالإسناد عن البزنطيّ، قال: قلت للرضا عليه السّلام: جعلت فداك إنّ أصحابنا رووا عن شهاب، عن جدّك عليه السّلام أنّه قال: أبي اللّه تبارك وتعالى أن يملّك أحدا ما ملّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ثلاثا وعشرين سنة، قال: إن كان أبو عبد اللّه عليه السّلام قاله، جاء كما قال. فقلت له: جعلت فداك فأيّ شيء تقول أنت؟ فقال: ما أحسن الصبر وانتظار الفرج، أما سمعت قول العبد الصالح (واِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ)(٣٢٢) و(فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ)(٣٢٣)، فعليكم بالصبر، فإنّه إنّما يجيء الفرج على اليأس، وقد كان الّذين من قبلكم أصبر منكم.
وقد قال أبو جعفر عليه السّلام: هي واللّه السنن القذّة بالقذّة، ومشكاة بمشكاة، ولابدّ أن يكون فيكم ما كان في الّذين من قبلكم، ولو كنتم على أمر واحد، كنتم على غير سنة الّذين من قبلكم، ولو أنّ العلماء وجدوا من يحدّثونهم ويكتم سرّهم، لحدّثوا ولبثّوا الحكمة، ولكن قد ابتلاهم اللّه عزّ وجلّ بالإذاعة، وأنتم قوم تحبّونا بقلوبكم ويخالف ذلك فعلكم، واللّه ما يستوي اختلاف أصحابك، ولهذا أسر على صاحبكم ليقال مختلفين.
ما لكم لا تملكون أنفسكم وتصبرون حتّى يجيئ اللّه تبارك وتعالى بالذي تريدون؟ إنّ هذا الامر ليس يجيء على ما تريد الناس، إنّما هو أمر اللّه تبارك وتعالى وقضاؤه بالصبر، وإنّما يعجل من يخاف الفوت.. الحديث(٣٢٤).
١٧٧ - المظفر العلويّ، بإسناده عن محمّد الواسطيّ، عن أبي الحسن، عن آبائه عليهم السّلام، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قال: أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج من اللّه عزّ وجلّ(٣٢٥).
١٧٨ - وبالإسناد عن محمّد بن الفضيل، عن الرضا عليه السّلام قال: سألته عن شيء من الفرج، فقال: أليس انتظار الفرج من الفرج؟ إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ)(٣٢٦).
١٧٩ - وعن العيّاشيّ، بإسناده عن البزنطيّ، قال: قال الرضا عليه السّلام: ما أحسن الصبر وانتظار الفرج، أما سمعت قول اللّه تعالى: (واِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) وقوله عزّ وجلّ:
(فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ) فعليكم بالصبر فإنّه إنّما يجيء الفرج على اليأس، فقد كان الّذين من قبلكم أصبر منكم(٣٢٧).
١٨٠ - ابن عقدة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، أنّه قال ذات يوم: ألا أخبركم بما لا يقبل اللّه عزّ وجلّ من العباد عملا إلاّ به؟ فقلت: بلى، فقال: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، والإقرار بما أمر اللّه، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا، يعني أئمّة خاصّة والتسليم لهم، والورع والاجتهاد، والطمأنينة والانتظار للقائم، ثمّ قال: إنّ لنا دولة يجيء اللّه بها إذا شاء.
ثمّ قال: من سرّه أن يكون من أصحاب القائم، فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الاخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده، كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا هنيئا لكم أيّتها العصابة المرحومة(٣٢٨).
١٨١ - الكلينيّ: بإسناده عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك متى الفرج؟ فقال: يا أبا بصير أنت ممّن يريد الدنيا؟ من عرف هذا الأمر فقد فرّج عنه بانتظاره(٣٢٩).
١٨٢ - وبالاسناد عن ابن أسباط، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: كفّوا ألسنتكم والزموا بيوتكم، فإنّه يصيبكم أمر تخصّون به أبدا، ولا يصيب العامّة، ولا تزال الزيديّة وقاء لكم(٣٣٠).
١٨٣ - ابن عقدة بإسناده عن أبي المرهف، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: هلكت المحاضير، قلت: وما المحاضير؟ قال: المستعجلون، ونجا المقرّبون، وثبت الحصن على أوتادها، كونوا أحلاس بيوتكم، فإنّ الفتنة على من أثارها، وإنّهم لا يريدونكم بحاجة إلاّ أتاهم اللّه بشاغل لأمر يعرض لهم(٣٣١).
١٨٤ - ابن عقدة، بإسناده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قلت له: أوصني فقال: أوصيك بتقوى اللّه وان تلزم بيتك، وتقعد في دهماء هؤلاء الناس، وإيّاك والخوارج منّا، فإنّهم ليسوا على شيء ولا إلى شيء.
واعلم أنّ لبني أميّة ملكا لا يستطيع الناس أن تردعه، وأنّ لأهل الحق دولة إذا جاءت، ولاّها اللّه لمن يشاء منّا أهل البيت، من أدركها منكم كان عندنا في السنام الأعلى، وإن قبضه اللّه قبل ذلك خار له.
واعلم أنّه لا تقوم عصابة تدفع ضيما أو تعزّ دينا، إلاّ صرعتهم البليّة، حتّى تقوم عصابة شهدوا بدرا مع رسول اللّه، لا يوارى قتيلهم، ولا يرفع صريعهم، ولا يداوى جريحهم، قلت: من هم؟ قال: الملائكة(٣٣٢).
١٨٥ - عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال في حديث له: واللّه لا ترون الّذي تنتظرون حتّى لا تدعون اللّه إلاّ اشارة بأيديكم، وإيماضا بحواجبكم، وحتّى لا تملكون من الأرض إلاّ مواضع أقدامكم، وحتّى لا يكون موضع سلاحكم على ظهوركم، فيومئذ لا ينصرني إلاّ اللّه بملائكته، ومن كتب على قلبه الإيمان.
والّذي نفس عليّ بيده، لا تقوم عصابة تطلب لي أو لغيري حقا، أو تدفع عنّا ضيما إلاّ صرعتهم البليّة، حتّى تقوم عصابة شهدت مع محمّد صلّى اللّه عليه واله بدرا، لا يؤدّى قتيلهم، ولا يداوى جريحهم، ولا ينعش صريعهم(٣٣٣).
١٨٦ - ابن عقدة، بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: قال لي أبي عليه السّلام: لا بدّلنا من آذربيجان لا يقوم لها شيء، وإذا كان ذلك فكونوا أحلاس بيوتكم، والبدوا ما لبدنا، فإذا تحرّك متحرّكنا فاسعوا إليه ولو حبوا، واللّه لكأنّي أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد، وقال: ويل لطغاة العرب من شرّ قد اقترب(٣٣٤).
١٨٧ - محمّد بن همام، بإسناده يرفعه إلى أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال:
يأتي على الناس زمان يصيبهم فيها سبطة، يأرز العلم فيها كما تأرز الحيّة في جحرها، فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم نجم، قلت: فما السبطة؟ قال: الفترة، قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ قال: كونوا على ما أنتم عليه، حتّى يطلع اللّه لكم نجمكم(٣٣٥).
١٨٨ - النعمانيّ بإسناده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه سمعه يقول: لا تزالون تنتظرون حتّى تكونوا كالمعز المهزولة الّتي لا يبالي الجازر أين يضع يده منها، ليس لكم شرف تشرفونه، ولا سند تسندون إليه اموركم(٣٣٦).
١٨٩ - الكلينيّ بإسناده عن إبراهيم بن مهزم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ذكرنا عنده ملوك بني فلان، فقال: إنّما هلك الناس من استعجالهم لهذا الامر، إنّ اللّه لا يعجل لعجلة العباد، إنّ لهذا الأمر غاية ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا(٣٣٧).
١٩٠ - دعوات الراونديّ: قال النبيّ صلّى اللّه عليه واله: انتظار الفرج والصبر عبادة(٣٣٨).
١٩١ - في خبر الأعمش، قال الصادق عليه السّلام: من دين الائمّة الورع والعفّة والصلاح - إلى قوله: وانتظار الفرج بالصبر(٣٣٩).
١٩٢ - بالأسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: أفضل أعمال أمّتي انتظار فرج اللّه عزّ وجلّ(٣٤٠).
١٩٣ - وبالإسناد عن سعيد بن مسلم، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: من رضي عن اللّه بالقليل من الرزق، رضي اللّه عنه بالقليل من العمل، وانتظار الفرج عبادة(٣٤١).
١٩٤ - عن أبي حمزة الثماليّ، عن أبي خالد الكابليّ، عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام قال:
تمتدّ الغيبة بوليّ اللّه، الثاني عشر من أوصياء رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله والأئمّة بعده، يا أبا خالد إنّ أهل زمان غيبته، القائلون بإمامته، المنتظرون لظهوره أفضل أهل كلّ زمان، لأنّ اللّه تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة، ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله بالسيف، اولئك المخلصون حقّا، وشيعتنا صدقا، والدعاة إلى دين اللّه سرّا وجهرا. وقال عليه السّلام: انتظار الفرج من أعظم الفرج(٣٤٢).
١٩٥ - المفيد، بإسناده عن جابر قال: دخلنا على أبي جعفر محمّد بن عليّ عليهما السّلام ونحن جماعة بعدما قضينا نسكنا فودّعناه، وقلنا له: أوصنا يا ابن رسول اللّه. فقال: ليعن قويّكم ضعيفكم، وليعطف غنيّكم على فقيركم، ولينصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه، واكتموا أسرارنا، ولا تحملوا الناس على أعناقنا.
وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فان وجدتموه في القرآن موافقا فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقا فردّوه، وان اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده، وردّوه إلينا حتّى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا، فإذا كنتم كما أوصيناكم ولم تعدوا إلى غيره، فمات منكم ميّت قبل أن يخرج قائمنا، كان شهيدا، ومن أدرك قائمنا فقتل معه، كان له أجر شهيدين، ومن قتل بين يديه عدوّا لنا، كان له أجر عشرين شهيدا.
١٩٦ - وبالإسناد عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن الباقر، عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: أفضل العبادة انتظار الفرج.
١٩٧ - الأربعمائة: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح اللّه، فإنّ أحبّ الأعمال إلى اللّه عزّ وجلّ انتظار الفرج(٣٤٣).
وقال عليه السّلام: مزاولة قلع الجبال أيسر من مزاولة ملك مؤجل، واستعينوا باللّه واصبروا، إنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين، لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم(٣٤٤).
وقال عليه السّلام: الآخذ بأمرنا معنا غدا في حظيرة القدس، والمنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه(٣٤٥).
١٩٨ - وبالإسناد عن حمّاد بن عمرو، عن الصادق، عن آبائه عليهم السّلام قال: يا عليّ، واعلم أنّ أعظم الناس يقينا قوم يكونون في آخر الزمان، لم يلحقوا النبيّ وحجب عنهم الحجّة، فآمنوا بسواد في بياض(٣٤٦).
١٩٩ - الهمدانيّ، بإسناده عن عمرو بن ثابت قال: قال سيّد العابدين عليه السّلام: من ثبت على ولايتنا في غيبة قائمنا، أعطاه اللّه أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر واحد.
دعوات الراونديّ: مثله، وفيه: من مات على موالاتنا(٣٤٧).
٢٠٠ - بالإسناد عن السنديّ، عن جدّه قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما تقول فيمن مات على هذا الأمر منتظرا له؟ قال: هو بمنزلة من كان مع القائم في فسطاطه، ثمّ سكت هنيئة ثمّ قال: هو كمن كان مع رسول اللّه عليه السّلام(٣٤٨).
٢٠١ - المحاسن: بإسناده عن علاء بن سيابة، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: من مات منكم على هذا الأمر منتظرا له، كان كمن كان في فسطاط القائم عليه السّلام(٣٤٩).
٢٠٢ - وبالإسناد عن أبي الجارود، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: «اللّهم لقّني إخواني» مرّتين، فقال من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك يا رسول اللّه؟ فقال: لا، إنّكم أصحابي، وإخواني قوم في آخر الزمان آمنوا ولم يروني، لقد عرّفنيهم اللّه بأسمائهم وأسماء آبائهم، من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمّهاتهم، لأحدهم أشدّ بقيّة على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء، أو كالقابض على جمر الغضا، اولئك مصابيح الدجى، ينجيهم اللّه من كل فتنة غبراء مظلمة(٣٥٠).
٢٠٣ - المحاسن: بالإسناد عن عبد الحميد الواسطيّ، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام:
أصلحك اللّه، واللّه لقد تركنا أسواقنا انتظارا لهذا الأمر، حتّى أوشك الرجل منا يسأل في يديه. فقال: يا عبد الحميد، أترى من حبس نفسه على اللّه لا يجعل اللّه له مخرجا، بلى واللّه ليجعلنّ اللّه له مخرجا، رحم اللّه عبدا حبس نفسه علينا، رحم اللّه عبدا أحيا أمرنا.
قال: قلت: فإن متّ قبل أن أدرك القائم؟ فقال: القائل منكم: إن ادركت القائم من آل محمّد نصرته، كالمقارع معه بسيفه، والشهيد معه له شهادتان(٣٥١).
٢٠٤ - المحاسن: بإسناده عن مالك بن أعين، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنّ الميّت على هذا الأمر بمنزلة الضارب بسيفه في سبيل اللّه(٣٥٢).
٢٠٥ - المحاسن: بإسناده عن الفيض بن المختار قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر، كمن هو مع القائم في فسطاطه، قال: ثمّ مكث هنيئة ثمّ قال: لا بل كمن قارع معه بسيفه، ثمّ قال: لا واللّه إلاّ كمن استشهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله(٣٥٣).
٢٠٦ - وبالإسناد عن الحسين بن أبي العلا، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال:
لمّا دخل سلمان رضى اللّه عنه الكوفة، ونظر إليها، ذكر ما يكون من بلائها، حتّى ذكر ملك بني أميّة والّذين من بعدهم، ثمّ قال: فإذا كان ذلك فالزموا أحلاس بيوتكم حتّى يظهر الطاهر بن الطاهر المطهّر ذو الغيبة الشريد الطريد(٣٥٤).
٢٠٧ - الفضل، بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم، قالوا: يا رسول اللّه نحن كنا معك ببدر واحد وحنين ونزل فينا القرآن، فقال: إنّكم لو تحملّوا لما حمّلوا، لم تصبروا صبرهم(٣٥٥).
٢٠٨ - المحاسن: بإسناده عن الحكم بن عيينة قال: لمّا قتل أمير المؤمنين عليه السّلام الخوارج يوم النهروان، قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين طوبى لنا إذ شهدنا معك هذا الموقف، وقتلنا معك هؤلاء الخوارج، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: والّذي فلق الحبة وبرء النسمة، لقد شهدنا في هذا الموقف اناس لم يخلق اللّه آباءهم ولا أجدادهم بعد، فقال الرجل: وكيف يشهدنا قوم لم يخلقوا؟ قال: بلى، قوم يكونون في آخر الزمان يشركوننا فيما نحن فيه، ويسلّمون لنا، فأولئك شركاؤنا فيما كنّا فيه حقّا حقّا(٣٥٦).
٢٠٩ - المحاسن: عن السكونيّ، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهم قال: أفضل عبادة المؤمن انتظار الفرج(٣٥٧).
٢١٠ - ابن عقدة، بإسناده عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: يكون فترة لا يعرف المسلمون امامهم فيها؟ فقال: يقال ذلك، قلت: فكيف نصنع؟ قال: إذا كان ذلك، فتمسّكوا بالأمر الأوّل حتّى يتبيّن لكم الآخر(٣٥٨).
٢١١ - وبهذا الاسناد عن منصور الصيقل، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إذا أصبحت وأمسيت يوما لا ترى فيه اماما من آل محمّد، فأحبّ من كنت تحبّ وأبغض من كنت تبغض، ووال من كنت توالي، وانتظر الفرج صباحا ومساء(٣٥٩).
٢١٢ - النعمانيّ، بإسناده في كتاب القرآن قال أمير المؤمنين عليه السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله:
يا أبا الحسن حقيق على اللّه أن يدخل أهل الضلال الجنّة، وإنّما عنى بهذا المؤمنين الّذين قاموا في زمن الفتنة على الائتمام بالإمام الخفيّ المكان، المستور عن الأعيان، فهم بإمامته مقرّون، وبعروته مستمسكون، ولخروجه منتظرون، موقنون غير شاكّين، صابرون مسلّمون، وإنّما ضلّوا عن مكان إمامهم وعن معرفة شخصه، يدلّ على ذلك أنّ اللّه تعالى إذا حجب عن عباده عين الشمس الّتي جعلها دليلا على أوقات الصلاة، فموسّع عليهم تأخير الموقّت ليتبين لهم الوقت بظهورها، ويستيقنوا أنّها قد زالت، فكذلك المنتظر لخروج الإمام عليه السّلام، المتمسّك بإمامته موسّع عليه جميع فرائض اللّه الواجبة عليه، مقبولة منه بحدودها، غير خارج عن معنى ما فرض عليه، فهو صابر محتسب لا تضرّه غيبة إمامة(٣٦٠).

سورة الأعراف

الآية الاولى قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا اَلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)(٣٦١).
٢١٣ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه، بإسناده عن عبد السلام صالح الهرويّ، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ عليهم السّلام قال: قال النبيّ صلّى اللّه عليه واله:
والّذي بعثني بالحقّ بشيرا، ليغيبن القائم من ولدي، بعهد معهود إليه منّي، حتّى يقول أكثر الناس: ما للّه في آل محمّد حاجة، ويشكّ آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسّك بدينه، ولا يجعل للشيطان إليه سبيلا بشكّه، فيزيله عن ملّتي، ويخرجه عن ديني، فقد أخرج أبويكم من الجنة من قبل، وإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل الشياطين أولياء للّذين لا يؤمنون(٣٦٢).
الآية الثانية قوله تعالى: (ولِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(٣٦٣).
٢١٤ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن حمران، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام وذكر هؤلاء عنده وسوء حال الشيعة عندهم فقال: إنّي سرت مع أبي جعفر المنصور وهو في موكبه وهو على فرس، وبين يديه خيل، ومن خلفه خيل، وأنا على حمار إلى جانبه، فقال لي:
يا أبا عبد اللّه قد كان ينبغي لك ان تفرح بما أعطانا اللّه من القوّة وفتح لنا من العز، ولا تخبر الناس أنّك أحقّ بهذا الأمر منّا وأهل بيتك، فتغرينا بك وبهم، قال: فقلت: ومن رفع هذا إليك عنّي فقد كذب. فقال لي: أتحلف على ما تقول؟ قال: فقلت: إنّ الناس سحرة، يعني يحبّون أن يفسدوا قلبك عليّ، فلا تمكّنهم من سمعك، فإنّا إليك أحوج منك إلينا.
فقال لي: تذكر يوم سألتك هل لنا ملك؟ فقلت: نعم، طويل عريض شديد، فلا تزالون في مهلة من أمركم وفسحة من دنياكم، حتّى تصيبوا منا دما حراما في شهر حرام في بلد حرام، فعرفت أنّه قد حفظ الحديث، فقلت: لعلّ اللّه عزّ وجلّ أن يكفيك فإنّي لم أخصّك بهذا، وإنّما هو حديث رويته، ثمّ لعلّ غيرك من أهل بيتك يتولّى ذلك، فسكت عني، فلّما رجعت إلى منزلي أتاني بعض موالينا فقال: جعلت فداك، واللّه لقد رأيتك في موكب أبي جعفر وأنت على حمار وهو على فرس، وقد أشرف عليك يكلّمك كأنّك تحته، فقلت بيني وبين نفسي: هذا حجّة اللّه على الخلق وصاحب هذا الأمر الّذي يقتدى به، وهذا الآخر يعمل بالجور ويقتل أولاد الأنبياء ويسفك الدماء في الأرض بما لا يحبّ اللّه، وهو في موكبه وأنت على حمار، فدخلني من ذلك شكّ حتّى خفت على ديني ونفسي. قال فقلت: لو رأيت من كان حولي وبين يديّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي من الملائكة، لاحتقرته واحتقرت ما هو فيه، فقال: الآن سكن قلبي. ثمّ قال: إلى متى هؤلاء يملكون، أو متى الراحة منهم؟ فقلت: أليس تعلم أنّ لكلّ شيء مدّة؟ قال: بلى. فقلت:
هل ينفعك علمك أنّ هذا الامر إذا جاء كان أسرع من طرفة العين؟ إنّك لو تعلم حالهم عند اللّه عزّ وجلّ وكيف هي، كنت لهم أشد بغضا، ولو جهدت أو جهد أهل الأرض أن يدخلوهم في أشدّ ممّا هم فيه من الاثمّ لم يقدروا، فلا يستفزنّك الشيطان فإنّ العزّة للّه ولرسوله وللمؤمنين، ولكنّ المنافقين لا يعلمون، ألا تعلم أنّ من انتظر أمرنا وصبر على ما يرى من الأذى والخوف، هو غدا في زمرتنا؟ فإذا رأيت الحق قد مات وذهب أهله، ورأيت الجور قد شمل البلاد، ورأيت القرآن قد خلق وأحدث فيه ما ليس فيه ووجّه على الأهواء، ورأيت الدّين قد انكفأ كما ينكفئ الماء، ورأيت أهل الباطل قد استعملوا على أهل الحقّ، ورأيت الشرّ ظاهرا لا ينهى عنه ويعذر أصحابه، ورأيت الفسق قد ظهر، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ورأيت المؤمن صامتا لا يقبل قوله، ورأيت الفاسق يكذب ولا يردّ عليه كذبه وفريته، ورأيت الصغير يستحقر (ب) الكبير، ورأيت الأرحام قد تقطّعت، ورأيت من يمتدح بالفسق يضحك منه ولا يردّ عليه قوله، ورأيت الغلام يعطى ما تعطى المرأة، ورأيت النساء يتزوجن النساء، ورأيت الغناء قد كثر، ورأيت الرجل ينفق المال في غير طاعة اللّه فلا ينهى ولا يؤخذ على يديه، ورأيت الناظر يتعوّذ باللّه مما يرى المؤمن فيه من الاجتهاد، ورأيت الجار يؤذي جاره وليس له مانع، ورأيت الكافر فرحا لما يرى في المؤمن، مرحا لما يرى في الأرض من الفساد، ورأيت الخمور تشرب علانية ويجتمع عليها من لا يخاف اللّه عزّ وجلّ، ورأيت الآمر بالمعروف ذليلا، ورأيت الفاسق فيما لا يحبّ اللّه قوّيا محمودا، ورأيت أصحاب الآيات يحتقرون ويحتقر من يحبّهم، ورأيت سبيل الخير منقطعا وسبيل الشر مسلوكا، ورأيت بيت اللّه قد عطّل ويؤمر بتركه، ورأيت الرجل يقول مالا يفعله، ورأيت الرجال يتسمّنون للرجال، والنساء للنساء، ورأيت الرجل معيشته من دبره، ومعيشة المرأة من فرجها، ورأيت النساء يتّخذن المجالس كما يتّخذها الرجال، ورأيت التأنيث في ولد العباس قد ظهر، وأظهروا الخضاب وامتشطوا كما تتمشط المرأة لزوجها، وأعطوا الرجال الأموال على فروجهم، وتنوفس في الرجل وتغاير عليه الرجال، وكان صاحب المال أعزّ من المؤمن، وكان الربا ظاهرا لا يغيّر، وكان الزنا تمتدح به النساء، ورأيت المرأة تصانع زوجها على نكاح الرجال، ورأيت اكثر الناس وخير بيت من يساعد النساء على فسقهن، ورأيت المؤمن محزونا محتقرا ذليلا، ورأيت البدع والزنا قد ظهر، ورأيت الناس يعتدّون بشاهد الزور، ورأيت الحرام يحلّل، ورأيت الحلال يحرّم، ورأيت الدّين بالرأي، وعطّل الكتاب وأحكامه، ورأيت الليل لا يستخفى به من الجرأة على اللّه، ورأيت المؤمن لا يستطيع أن يذكر إلاّ بقلبه، ورأيت العظيم من المال ينفق في سخط اللّه عزّ وجلّ، ورأيت الولاة يقرّبون أهل الكفر ويباعدون أهل الخير، ورأيت الولاة يرتشون في الحكم، ورأيت الولاية قبالة لمن زاد، ورأيت ذوات الأرحام ينكحن ويكتفى بهنّ، ورأيت الرجل يقتل على التهمة وعلى الظنّة، ويتغاير على الرجل الذّكر فيبذل له نفسه وماله، ورأيت الرجل يعيّر على إتيان النساء، ورأيت الرجل يأكل من كسب امرأته من الفجور يعلم ذلك ويقيم عليه، ورأيت المرأة تقهر زوجها وتعمل ما لا يشتهي وتنفق على زوجها، ورأيت الرجل يكري امرأته وجاريته ويرضى بالدنيّ من الطعام والشراب، ورأيت الأيمان باللّه عزّ وجلّ كثيرة على الزور، ورأيت القمار قد ظهر، ورأيت الشراب يباع ظاهرا ليس له مانع، ورأيت النساء يبذلن أنفسهن لأهل الكفر، ورأيت الملاهي قد ظهرت يمرّ بها لا يمنعها أحد أحدا ولا يجترئ أحد على منعها، ورأيت الشريف يستذلّه الّذي يخاف سلطانه، ورأيت أقرب الناس من الولاة من يمتدح بشتمنا أهل البيت، ورأيت من يحبّنا يزوّر ولا تقبل شهادته، ورأيت الزور من القول يتنافس فيه، ورأيت القرآن قد ثقل على الناس استماعه وخفّ على الناس استماع الباطل، ورأيت الجار يكرم الجار خوفا من لسانه، ورأيت الحدود قد عطّلت وعمل فيها بالأهواء، ورأيت المساجد قد زخرفت، ورأيت أصدق الناس عند الناس المفتري الكذب، ورأيت الشرّ قد ظهر والسعي بالنميمة، ورأيت البغي قد فشا، ورأيت الغيبة تستملح ويبشّر بها الناس بعضهم بعضا، ورأيت طلب الحجّ والجهاد لغير اللّه، ورأيت السلطان يذلّ للكافر المؤمن، ورأيت الخراب قد اديل من العمران، ورأيت الرجل معيشته من بخس المكيال والميزان، ورأيت سفك الدماء يستخفّ بها، ورأيت الرجل يطلب الرئاسة لعرض الدنيا ويشهر نفسه بخبث اللسان ليتّقى وتسند إليه الأمور، ورأيت الصلاة قد استخفّ بها، ورأيت الرجل عنده المال الكثير ثمّ لم يزكّه منذ ملكه، ورأيت الميت ينبش من قبره ويؤذى وتباع أكفانه، ورأيت الهرج قد كثر، ورأيت الرجل يمسى نشوان ويصبح سكران لا يهتمّ بما الناس فيه، ورأيت البهائم تنكح، ورأيت البهائم يفرس بعضها بعضا، ورأيت الرجل يخرج إلى مصلاّه ويرجع وليس عليه شيء من ثيابه، ورأيت قلوب الناس قد قست وجمدت أعينهم وثقل الذكر عليهم، ورأيت السحت قد ظهر يتنافس فيه، ورأيت المصلّي إنّما يصلّي ليراه الناس، ورأيت الفقيه يتفقّه لغير الدّين، يطلب الدنيا والرئاسة، ورأيت الناس مع من غلب، ورأيت طالب الحلال يذمّ ويعيّر، وطالب الحرام يمدح ويعظّم، ورأيت الحرمين يعمل فيهما بما لا يحبّ اللّه، لا يمنعهم مانع ولا يحول بينهم وبين العمل القبيح أحد، ورأيت المعازف ظاهرة في الحرمين، ورأيت الرجل يتكلّم بشيء من الحقّ ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيقوم إليه من ينصحه في نفسه، فيقول هذا عنك موضوع، ورأيت الناس ينظر بعضهم إلى بعض ويقتدون بأهل الشرور، ورأيت مسلك الخير وطريقه خاليا لا يسلكه احد، ورأيت الميّت يهزأ به فلا يفزع له أحد، ورأيت كلّ عام يحدث فيه من الشرّ والبدعة أكثر مما كان، ورأيت الخلق والمجالس لا يتابعون إلاّ الأغنياء، ورأيت المحتاج يعطى على الضحك به ويرحم لغير وجه اللّه، ورأيت الآيات في السماء لا يفزع لها أحد، ورأيت الناس يتسافدون كما يتسافد البهائم لا ينكر أحد منكرا تخوّفا من الناس، ورأيت الرجل ينفق الكثير في غير طاعة اللّه ويمنع اليسير في طاعة اللّه، ورأيت العقوق قد ظهر، واستخف بالوالدين وكانا من أسوء الناس حالا عند الولد ويفرح بأن يفتري عليهما، ورأيت النساء وقد غلبن على الملك وغلبن على كلّ أمر يؤتى إلاّ مالهن فيه هوى، ورأيت ابن الرجل يفتري على أبيه ويدعو على والديه ويفرح بموتهما، ورأيت الرجل إذا مر به يوم ولم يكسب فيه الذنب العظيم من فجور أو بخس مكيال أو ميزان أو غشيان حرام أو شرب مسكر كئيبا حزينا يحسب أنّ ذلك اليوم عليه وضيعة من عمره، ورأيت السلطان يحتكر الطعام، ورأيت أموال ذوي القربى تقسّم في الزور ويتقامر بها وتشرب بها الخمور، ورأيت الخمر يتداوى بها وتوصف للمريض ويستشفى بها، ورأيت الناس قد استووا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك التديّن به، ورأيت رياح المنافقين وأهل النفاق قائمة، ورياح أهل الحق لا تحرّك، ورأيت الأذان بالأجر والصلاة بالأجر، ورأيت المساجد محتشية ممّن لا يخاف اللّه، مجتمعون فيها للغيبة وأكل لحوم أهل الحقّ، ويتواصفون فيها شراب المسكر، ورأيت السكران يصلّي بالناس وهو لا يعقل ولا يشان بالسكر، وإذا سكر أكرم وأتّقي وخيف وترك لا يعاقب ويعذر بسكره، ورأيت من اكل اموال اليتامى يحمد بصلاحه، ورأيت القضاة يقضون بخلاف ما أمر اللّه، ورأيت الولاة يأتمنون الخونة للطمع، ورأيت الميراث قد وضعته الولاة لأهل الفسوق والجرأة على اللّه يأخذون منهم ويخلّونهم وما يشتهون، ورأيت المنابر يؤمر عليها بالتقوى ولا يعمل القائل بما يأمر، ورأيت الصلاة قد استخفّ بأوقاتها، ورأيت الصدقة بالشفاعة لا يراد بها وجه اللّه وتعطى لطلب الناس، ورأيت الناس همّهم بطونهم وفروجهم، لا يبالون بما أكلوا وما نكحوا، ورأيت الدنيا مقبلة عليهم، ورأيت أعلام الحقّ قد درست، فكن على حذر واطلب الى اللّه عزّ وجلّ النجاة، واعلم أنّ الناس في سخط اللّه عزّ وجلّ وإنّما يمهلهم لأمر يراد بهم، فكن مترقّبا واجتهد ليراك اللّه عزّ وجلّ في خلاف ما هم عليه، فإن نزل بهم العذاب وكنت فيهم عجّلت إلى رحمة اللّه، وإن أخرت ابتلوا وكنت قد خرجت ممّا هم فيه من الجرأة على اللّه عزّ وجلّ، واعلم أنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين، وأنّ رحمة اللّه قريب من المحسنين(٣٦٤).
الآية الثالثة قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ اَلَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ اَلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(٣٦٥).
٢١٥ - روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره المنسوب إلى الصادق عليه السّلام قال: فهو من الآيات الّتي تأويلها بعد تنزيلها، قال: ذلك يوم القائم عليه السّلام ويوم القيامة (يَقُولُ اَلَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ) أي تركوه: (قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا) قال: قال هذا يوم القيامة (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ اَلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وضَلَّ عَنْهُمْ أي بطل عنهم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(٣٦٦).
الآية الرابعة قوله تعالى: (وإِلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ..)(٣٦٧).
وجه الشبه بين غيبة صالح عليه السّلام وغيبة المهديّ عليه السّلام
٢١٦ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن زيد الشحام، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: إنّ صالحا عليه السّلام غاب عن قومه زمانا، وكان يوم غاب عنهم كهلا مبدوح البطن حسن الجسم، وافر اللحية، خميص البطن، خفيف العارضين مجتمعا، ربعة من الرجال، فلمّا رجع الى قومه لم يعرفوه بصورته، فرجع اليهم وهم على ثلاث طبقات: طبقة جاحدة لا ترجع أبدا، وأخرى شاكّة فيه، واخرى على يقين.
فبدأ عليه السّلام حين رجع بالطبقة الشاكّة فقال لهم: أنا صالح، فكذّبوه وشتموه وزجروه، وقالوا: برى اللّه منك، إنّ صالحا كان في غير صورتك، قال: فأتى الجحّاد فلم يسمعوا منه القول ونفروا منه أشدّ النفور، ثمّ انطلق إلى الطبقة الثالثة وهم أهل اليقين فقال لهم: أنا صالح: فقالوا أخبرنا خبرا لا نشكّ فيك معه أنّك صالح، فإنّا لا نمتري أنّ اللّه تبارك وتعالى الخالق، ينقل ويحوّل في أيّ صورة شاء، وقد أخبرنا وتدارسنا فيما بيننا بعلامات القائم إذا جاء، وإنّما يصحّ عندنا إذا أتى الخبر من السماء.
فقال لهم صالح: أنا صالح الّذي أتيتكم بالنّاقة، قالوا: صدقت وهي الّتي نتدارس، فما علامتها؟ فقال: لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، قالوا: آمنّا باللّه وبما جئتنا به، فعند ذلك قال اللّه تبارك وتعالى: (أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) فقال أهل اليقين: (إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا «وهم الشكّاك والجحّاد» إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)(٣٦٨). قلت:
هل كان فيهم ذلك اليوم عالم به؟ قال: اللّه أعدل من أن يترك الأرض بلا عالم يدلّ على اللّه عزّ وجلّ، ولقد مكث القوم بعد خروج صالح سبعة أيّام على فترة لا يعرفون اماما، غير أنّهم على ما في ايديهم من دين اللّه عزّ وجلّ كلمتهم واحدة، فلمّا ظهر صالح عليه السّلام اجتمعوا عليه، وإنّما مثل القائم عليه السّلام مثل صالح(٣٦٩).
الآية الخامسة قوله تعالى: (قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واِصْبِرُوا إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ واَلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(٣٧٠).
٢١٧ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن أبي خالد الكابليّ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: وجدنا في كتاب عليّ صلوات اللّه عليه في قوله تعالى: (إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ واَلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) أنا وأهل بيتي الّذين أورثنا اللّه الأرض، ونحن المتّقون والأرض كلّها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها، وليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، فإن تركها أو أخربها وأخذها رجل من المسلمين من بعده، فعمرها وأحياها، فهو أحقّ بها من الّذي تركها، يؤدّي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما يأكل منها حتّى يظهر القائم عليه السّلام من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها منهم ويخرجهم كما حواها رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ومنعها، إلاّ ما كان في أيدي شيعتنا، يقاطعهم على ما في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهم(٣٧١).
الآية السادسة قوله تعالى: (فَأَلْقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)(٣٧٢).
عصا موسى عليه السّلام من مواريث المهديّ عليه السّلام
٢١٨ - روى النعمانيّ بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:
عصا موسى قضيب آس من غرس الجنة أتاه بها جبرئيل عليه السّلام لمّا توجه تلقاء مدين، وهي وتابوت آدم في بحيرة طبرية، ولن يبليا ولن يتغيّرا حتّى يخرجهما القائم عليه السّلام إذا قام(٣٧٣).
٢١٩ - روى الصفّار بإسناده عن محمّد بن الفيض، عن محمّد بن عليّ عليه السّلام قال: كانت عصى موسى لآدم، فصارت إلى شعيب، ثمّ صارت إلى موسى بن عمران، وإنّها لعندنا، وإنّ عهدي بها آنفا، وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرها، وإنّها لتنطق إذا استنطقت، اعدّت لقائمنا ليصنع كما كان موسى يصنع بها، إنّها لتروع وتلقف. قال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله لمّا أراد أن يقبضه أورث عليا علمه وسلاحه وما هناك، ثمّ صار إلى الحسن والحسين، ثمّ حين قتل الحسين استودعه أمّ سلمة، ثمّ قبض بعد ذلك منها. قال: فقلت: ثمّ صار إلى عليّ بن الحسين (ثمّ صار إلى أبيك) ثمّ انتهى إليك؟ قال: نعم(٣٧٤).
٢٢٠ - وبالإسناد عن عبد اللّه بن أبي يعفور قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام: ما من معجزة من معجزات الأنبياء والأوصياء إلاّ ويظهر اللّه تبارك وتعالى مثلها في يد قائمنا، لإتمام الحجّة على الأعداء(٣٧٥).
إنّ دولة آل محمّد صلّى اللّه عليه واله آخر الدول
٢٢١ - روى الطوسيّ رحمه اللّه بإسناده عن أبي صادق، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: دولتنا آخر الدول، ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلاّ ملكوا قبلنا، لئلاّ يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول اللّه عزّ وجلّ (واَلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(٣٧٦).
٢٢٢ - روى العيّاشيّ، بإسناده عن عمّار الساباطيّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:
(إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) قال: فما كان للّه فهو لرسوله، وما كان لرسول اللّه فهو للإمام بعد رسول اللّه عليهما السّلام(٣٧٧).
الآية السابعة قوله تعالى: (ووَاعَدْنَا مُوسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقَالَ مُوسى لِأَخِيهِ هَارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ)(٣٧٨).
الشبه بين غيبة المهديّ عليه السّلام وغيبة موسى عليه السّلام
٢٢٣ - الكليني: بإسناده عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قلت له: إنّ لهذا الأمر وقتا؟ فقال: كذب الوقّاتون، إنّ موسى عليه السّلام لمّا خرج وافدا إلى ربّه وواعدهم ثلاثين يوما، فلمّا زاده اللّه تعالى الثلاثين عشرا، قال له قومه: قد أخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا، قال: فإذا حدّثناكم بحديث فجاء على ما حدّثناكم به فقولوا: صدق اللّه، وإذا حدّثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدّثناكم به، فقولوا: صدق اللّه، تؤجروا مرتين(٣٧٩).
٢٢٤ - الفضل بن شاذان، عن محمّد بن الحنفيّة، في حديث اختصرنا منه موضع الحاجّة أنّه قال: إنّ لبني فلان ملكا مؤجّلا، حتّى إذا أمنوا واطمأنّوا، وظنّوا أنّ ملكهم لا يزول، صيح فيهم صيحة، فلم يبق لهم راع يجمعهم ولا داع يسمعهم، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا واِزَّيَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). قلت:
جعلت فداك، هل لذلك وقت؟ قال: لا، لأنّ علم اللّه غلب علم المؤقّتين، إنّ اللّه وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمّها بعشر لم يعلمها موسى، ولم يعلمها بنو إسرائيل، فلمّا جاز الوقت قالوا: غرّنا موسى، فعبدوا العجل، ولكن إذا كثرت الحاجة والفاقة، وأنكر في الناس بعضهم بعضا، فعند ذلك توقّعوا أمر اللّه صباحا ومساء(٣٨٠).
الآية الثامنة قوله تعالى: (واِخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اَلسُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا واِرْحَمْنَا وأَنْتَ خَيْرُ اَلْغَافِرِينَ)(٣٨١).
دلالة الآية على الرجعة
٢٢٥ - روى أبو عبد اللّه محمّد بن إبراهيم بن حفص النعمانيّ في كتابه في تفسير القرآن، بإسناده عن إسماعيل بن جابر قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام يقول (في حديث طويل له عن أنواع آيات القرآن، روى فيه الإمام الصادق عليه السّلام مجموعة أسئلة يجيب عنها أمير المؤمنين عليه السّلام عن آيات القرآن وأحكامه، جاء فيها): وأمّا الردّ على من أنكر الرجعة، فقول اللّه عزّ وجلّ: (ويَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ)(٣٨٢) أي إلى الدنيا، وأمّا معنى حشر الآخرة، فقوله عزّ وجلّ: (وحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(٣٨٣).
وقوله سبحانه: (وحَرَامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)(٣٨٤) في الرجعة، فأمّا في القيامة فهم يرجعون.
ومثل قوله تعالى: (وإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ)(٣٨٥) وهذا لا يكون إلاّ في الرجعة.
ومثله ما خاطب اللّه به الأئمة، ووعدهم من النصر والانتقام من أعدائهم، فقال سبحانه: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ - إلى قوله - لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(٣٨٦) وهذا إنّما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا.
ومثل قوله تعالى: (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ اَلْوَارِثِينَ)(٣٨٧).
وقوله سبحانه: (إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلى مَعَادٍ)(٣٨٨) أي رجعة الدنيا.
ومثل قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اَللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)(٣٨٩).
وقوله عزّ وجلّ: (واِخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فردّهم اللّه تعالى بعد الموت إلى الدنيا)(٣٩٠).
الآية التاسعة قوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرَاةِ واَلْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبَاتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ واَلْأَغْلاَلَ اَلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ)(٣٩١).
المهديّ عليه السّلام يضع الأغلال والآصار عن المؤمنين
٢٢٦ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ رحمه اللّه، بإسناده عن أبي عبيدة الحذّاء، قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الاستطاعة وقول الناس، قال: وتلا هذه الآية: ولاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)(٣٩٢) يا أبا عبيدة، الناس مختلفون في إصابة القول، وكلّهم هالك.
قال: قلت: قوله: إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ قال عليه السّلام: هم شيعتنا، ولرحمته خلقهم وهو قوله:
(وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) يقول عزّ وجلّ لطاعة الإمام الرحمة الّتي يقول: (ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء) يقول: علم الامام ووسع علمه الّذي هو من علمه: (كُلَّ شَيْء) هو شيعتنا، ثمّ قال: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) يعني ولاية الامام وطاعته، ثمّ قال: (يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرَاةِ واَلْإِنْجِيلِ) يعني النبيّ صلّى اللّه عليه واله، والوصيّ، والقائم عليهما السّلام: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) إذا قام (ويَنْهَاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ) والمنكر من أنكر فضل الإمام وجحده، (ويُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبَاتِ) أخذ العلم من أهله (ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَائِثَ) والخبائث قول من خالف، (ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) وهي الذنوب الّتي كانوا فيها قبل معرفتهم فضل الإمام (واَلْأَغْلاَلَ اَلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) والأغلال ما كانوا يقولون ممّا لم يكونوا أمروا به من ترك فضل الإمام، فلمّا عرفوا فضل الإمام وضع عنهم إصرهم، والإصر: الذنب وهي الآصار.
ثمّ نسبهم فقال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ) يعني بالإمام (وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ) يعني الّذين اجتنبوا الجبت والطاغوت أن يعبدوها، والجبت والطاغوت: فلان وفلان، والعبادة: طاعة الناس لهم، ثمّ قال: وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل، ثمّ جزاهم، فقال: (لَهُمُ اَلْبُشْرى فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وفِي اَلْآخِرَةِ) والامام يبشّرهم بقيام القائم عليه السّلام وبظهوره وبقتل اعدائهم وبالنجاة في الآخرة والورود على محمّد صلّى اللّه عليه واله والصادقين على الحوض(٣٩٣).
الآية العاشرة قوله تعالى: (ومِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ)(٣٩٤).
٢٢٧ - روى أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ في كتابه، بإسناده عن المفضّل بن عمر، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إذا ظهر القائم عليه السّلام من ظهر هذا البيت، بعث اللّه معه سبعة وعشرين رجلا، منهم أربعة عشر رجلا من قوم موسى، وهم الّذين قال اللّه تعالى: (ومِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ) وأصحاب الكهف سبعة، والمقداد، وجابر الانصاري، ومؤمن آل فرعون، ويوشع بن نون وصيّ موسى(٣٩٥).
٢٢٨ - وروى ابن الفارسيّ في كتابه: قال: قال الصادق عليه السّلام: يخرج للقائم عليه السّلام من ظهر الكعبة سبعة وعشرون رجلا، خمسة عشر من قوم موسى الّذين كانوا يهدون بالحقّ وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبو دجانة الأنصاريّ، والمقداد بن الأسود، ومالك الأشتر، فيكونون بين يديه أنصارا وحكّاما(٣٩٦).
٢٢٩ - والّذي رواه العيّاشيّ في تفسيره: بإسناده عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا قام قائم آل محمّد عليه السّلام إستخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلا، خمسة عشر من قوم موسى الّذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكهف، ويوشع وصيّ موسى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسيّ، وأبا دجانة الأنصاريّ، ومالك الأشتر(٣٩٧).
الآية الحادية عشر قوله تعالى (وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)(٣٩٨).
٢٣٠ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن بكير بن أعين، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام: لأيّ علّة وضع الحجر في الركن الّذي هو فيه ولم يوضع في غيره، ولايّ علّة يقبّل، ولايّ علّة أخرج من الجنّة؟ ولأيّ علّة وضع الميثاق والعهد فيه ولم يوضع في غيره؟ وكيف السبب في ذلك؟ تخبرني جعلني اللّه فداك، فإنّ تفكري فيه لعجب. قال:
فقال: سألت وأعضلت في المسألة واستقصيت فافهم الجواب، وفرّغ قلبك وأصغ سمعك، أخبرك إن شاء اللّه.
إنّ اللّه تبارك وتعالى وضع الحجر الاسود، وهي جوهرة أخرجت من الجنّة إلى آدم عليه السّلام، فوضعت في ذلك الركن لعلّة الميثاق، وذلك انّه لمّا أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم حين أخذ اللّه عليهم الميثاق في ذلك المكان، وفي ذلك المكان تراءى لهم، ومن ذلك المكان يهبط الطير على القائم عليه السّلام، فأوّل من يبايعه ذلك الطائر، وهو واللّه جبرئيل عليه السّلام، وإلى ذلك المقام يسند القائم ظهره، وهو الحجّة والدليل على القائم، وهو الشاهد لمن وافاه في ذلك المكان، والشاهد على من أدّى الميثاق والعهد الّذي أخذ اللّه عزّ وجلّ على العباد(٣٩٩).
الآية الثانية عشرة قوله تعالى: (ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ)(٤٠٠).
المهديّ عليه السّلام هو الهادي إلى الحقّ والشاهد على الناس
٢٣١ - روى ابن شهر آشوب عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله: (ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ) قال: هم الأئمّة، وإنّ اللّه تعالى جعل على عهدة الأمّة شهداء قال: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، وقال في النبيّ: (لِيَكُونَ اَلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ)، وفي عليّ عليه السّلام: ويَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ، وفي الأئمّة: وتكونوا شهداء، آل محمد يكونون شهداء على الناس بعد النبيّ صلّى اللّه عليه واله(٤٠١).
الآية الثالثة عشرة قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اَللَّهِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(٤٠٢).
مثل القائم عليه السّلام كمثل الساعة
٢٣٢ - روى الشيخ الصدوق أعلا اللّه مقامه بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهرويّ، قال: سمعت دعبل بن عليّ الخزاعيّ يقول: أنشدت مولاي الرضا عليّ بن موسى عليهما السّلام قصيدتي الّتي أوّلها:

مدارس آيات خلت من تلاوة * * * ومنزل وحي مقفر العرصات

فلمّا انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج * * * يقوم على اسم اللّه بالبركات
يميّز فينا كلّ حق وباطل * * * ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الرضا عليه السّلام بكاء شديدا، ثمّ رفع رأسه إليّ فقال ليّ: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم؟... (إلى أن قال): وأمّا متى فإخبار عن الوقت، فقد حدّثني أبي، عن آبائه عليهم السّلام، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله قيل له: يا رسول اللّه، متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال صلّى اللّه عليه واله: مثله مثل الساعة الّتي (لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً)(٤٠٣).
٢٣٣ - روى أبو المفضل الشيبانيّ، بإسناده عن الكميت بن أبي المستهلّ، قال: دخلت على سيّدي أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السّلام فقلت: يا ابن رسول اللّه، إنّي قد قلت فيكم ابياتا، أفتاذن لي في انشادها؟ فقال: إنّها أيّام البيض، قلت: فهو فيكم خاصّة، قال: هات، فأنشأت اقول:

أضحكني الدهر وأبكاني * * * والدهر ذو صرف وألوان
لتسعة بالطفّ قد غودروا * * * صاروا جميعا رهن أكفان

فبكى عليه السّلام وبكى أبو عبد اللّه عليه السّلام، وسمعت جارية تبكي من وراء الخباء، فلمّا بلغت إلى قولي:

وستّة لا يتجازى بهم * * * بنو عقيل خير فرسان
ثمّ عليّ الخير مولاهم * * * ذكرهم هيّج أحزاني

فبكى ثمّ قال عليه السّلام: ما من رجل ذكرنا أو ذكرنا عنده يخرج من عينيه ماء ولو مثل جناح البعوضة، إلاّ بنى اللّه له بيتا في الجنة، وجعل ذلك الدمع حجابا بينه وبين النار، فلمّا بلغت إلى قولي:

من كان مسرورا بما مسّكم * * * أو شامتا يوما من الآن؟
فقد ذللتم بعد عزّ فما * * * أدفع ضيما حين يغشاني

أخذ بيدي ثمّ قال: اللّهم اغفر للكميت ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فلمّا بلغت إلى قولي:

متى يقوم الحقّ فيكم متى * * * يقوم مهديّكم الثاني؟

قال: سريعا إن شاء اللّه سريعا، ثمّ قال: يا أبا المستهلّ إنّ قائمنا هو التاسع من ولد الحسين عليه السّلام لأنّ الأئمّة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله إثنا عشر، الثاني عشر هو القائم عليه السّلام. قلت: يا سيّدي فمن هؤلاء الاثنا عشر؟ قال: أوّلهم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وبعده الحسن والحسين عليهما السّلام، وبعد الحسين عليّ بن الحسين عليه السّلام وأنا، ثمّ بعدي هذا - ووضع يده على كتف جعفر... قلت: فمن بعد هذا؟ قال: ابنه موسى، وبعد موسى ابنه عليّ، وبعد عليّ ابنه محمّد، وبعد محمّد ابنه عليّ، وبعد عليّ ابنه الحسن، وهو أبو القائم الّذي يخرج فيملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، ويشفي صدور شيعتنا. قلت: فمتى يخرج يا ابن رسول اللّه؟ قال: لقد سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عن ذلك، فقال: إنّما مثله كمثل الساعة (لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً)(٤٠٤).
٢٣٤ - روى بالإسناد عن أحمد بن محمّد بن المنذر بن الجيفر، قال: قال الحسن بن عليّ صلوات اللّه عليهما: سألت جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عن الأئمّة بعده، فقال صلّى اللّه عليه واله الائمّة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل: اثنا عشر، أعطاهم اللّه علمي وفهمي، وأنت منهم يا حسن.
قلت: يا رسول اللّه فمتى يخرج قائمنا أهل البيت؟ قال: إنّما مثله كمثل الساعة (ثَقُلَتْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً)(٤٠٥).
النهي عن التوقيت
٢٣٥ - روى النعمانيّ بإسناده عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: يا محمّد، من أخبرك عنا توقيتا فلا تهابنّ أن تكذّبه، فإنّا لا نوقّت لأحد وقتا(٤٠٦).
٢٣٦ - روى الفضل بن شاذان بإسناده عن منذر الجوّاز، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال:
كذب الموقّتون، ما وقّتنا فيما مضى، ولا نوقّت فيما يستقبل(٤٠٧).
٢٣٧ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
سألته عن القائم عليه السّلام فقال: كذب الوقّاتون، إنّا أهل بيت لا نوقّت(٤٠٨).
٢٣٨ - وروى ثقة الإسلام بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام، إذ دخل عليه مهزم فقال له: جعلت فداك، أخبرني عن هذا الأمر الّذي ننتظر، متى هذا؟ فقال: يا مهزم كذب الوقّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلّمون(٤٠٩).

سورة الأنفال

الآية الاولى قوله تعالى: (ويُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ اَلْكَافِرِينَ)(٤١٠).
٢٣٩ - العيّاشيّ: عن جابر قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن تفسير هذه الآية في قول اللّه عزّ وجلّ (ويُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ اَلْكَافِرِينَ): قال أبو جعفر عليه السّلام تفسيرها في الباطن يريد اللّه، فإنّه شيء يريده ولم يفعله بعد، وأمّا قوله: (يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) فإنّه يعني يحقّ حقّ آل محمّد، وأمّا قوله: بِكَلِمَاتِهِ قال: كلماته في الباطن، عليّ هو كلمة اللّه في الباطن، وأمّا قوله: (ويَقْطَعَ دَابِرَ اَلْكَافِرِينَ) فهم بنو أميّة، هم الكافرون يقطع اللّه دابرهم، وأمّا قوله: (لِيُحِقَّ اَلْحَقَّ) فإنّه يعني ليحقّ حقّ آل محمّد عليهم السّلام حين يقوم القائم عليه السّلام، وأمّا قوله: (ويُبْطِلَ اَلْبَاطِلَ) يعني القائم عليه السّلام، فإذا قام يبطل باطل بني أميّة، وذلك قوله: (لِيُحِقَّ اَلْحَقَّ ويُبْطِلَ اَلْبَاطِلَ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ)(٤١١).
الآية الثانية قوله تعالى (ومَا كَانَ اَللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ ومَا كَانَ اَللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(٤١٢).
المهديّ عليه السّلام أمان لأهل الأرض والسماء
٢٤٠ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفيّ، قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهم السّلام لأيّ شيء يحتاج إلى النبيّ والإمام؟ فقال عليه السّلام: لبقاء العالم على صلاحه، وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيّ أو إمام، قال اللّه عزّ وجلّ: (ومَا كَانَ اَللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ). وقال النبيّ صلّى اللّه عليه واله: النجوم أمان لأهل السموات، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون. يعني بأهل بيته الائمّة الّذين قرن اللّه عزّ وجلّ طاعتهم بطاعته فقال: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ)(٤١٣).
وهم المعصومون المطهّرون الّذين لا يذنبون ولا يعصون، وهم المؤيّدون الموفّقون المسدّدون، بهم يرزق اللّه عباده، وبهم تعمر بلاده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم يخرج بركات الأرض، وبهم يمهل أهل المعاصي ولا تعجل عليهم بالعقوبة والعذاب، لا يفارقهم روح القدس ولا يفارقونه، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم، صلوات اللّه عليهم أجمعين(٤١٤).
كلام للشيخ الصدوق
قال الشيخ الصدوق رضى اللّه عنه: وتصديق قولنا إنّ الإمام يحتاج إليه لبقاء العالم على صلاحه أنّه ما عذب اللّه عزّ وجلّ أمّة إلاّ وأمر نبيّها بالخروج من بين أظهرهم، كما قال اللّه عزّ وجلّ في قصة نوح عليه السّلام: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وفَارَ اَلتَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقَوْلُ)(٤١٥).
وأمره اللّه عزّ وجلّ أن يعتزل عنهم مع أهل الإيمان به ولا يبقى مختلطا بهم، وقال عزّ وجلّ: (ولاَ تُخَاطِبْنِي فِي اَلَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)(٤١٦).
وكذلك قال عزّ وجلّ في قصّة لوط عليه السّلام: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ ولاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ)(٤١٧).
فأمره اللّه عزّ وجلّ بالخروج من بين أظهرهم قبل أن ينزل العذاب بهم، لأنّه لم يكن جلّ وعزّ لينزل عليهم ونبيّه لوط عليه السّلام بين أظهرهم، وهكذا أمر اللّه عزّ وجلّ كلّ نبيّ أراد هلاك أمّته أن يعتزلها، كما قال إبراهيم عليه السّلام مخوّفا بذلك قومه: (وأَعْتَزِلُكُمْ ومَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ وأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ)(٤١٨).
أهلك اللّه عزّ وجلّ الّذين كانوا آذوه وعنتوه وألقوه في الجحيم، وجعلهم الأسفلين، ونجّاه ولوطا كما قال اللّه تعالى: (ونَجَّيْنَاهُ ولُوطاً إِلَى اَلْأَرْضِ اَلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)(٤١٩).
ووهب اللّه جلّت عظمته لإبراهيم إسحاق ويعقوب، كما قال عزّ وجلّ: (ووَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ نَافِلَةً وكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ)(٤٢٠) وقال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه واله: (ومَا كَانَ اَللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ)(٤٢١).
وفي حديث هشام مع عمرو بن عبيد حجّة في الانتفاع بالحجة الغائب عليه السّلام، وذلك انّ القلب غائب عن سائر الجوارح لا يرى بالعين ولا يشم بالأنف ولا يذاق بالفم ولا يلمس باليد، وهو مدّبر لهذه الجوارح مع غيبته عنها وبقاؤها على صلاحها، ولو لم يكن القلب لا نفسد تدبير الجوارح ولم تستقم أمورها فاحتيج إلى القلب لبقاء الجوارح على صلاحها كما احتيج إلى الإمام لبقاء العالم على صلاحه، ولا قوّة إلاّ باللّه. وكما يعلم مكان القلب من الجسد بالخبر، فكذلك يعلم مكان الحجّة الغائب عليه السّلام بالخبر، وهو ما ورد عن الأئمّة عليهم السّلام من الاخبار في كونه بمكّة وخروجه منها في وقت ظهوره، ولسنا نعني بالقلب المضغة الّتي من اللحم، لأنّ بها لا يقع الانتفاع للجوارح، وإنّما نعني بالقلب اللطيفة الّتي جعلها اللّه عزّ وجلّ في هذه المضغة لا تدرك بالبصر وان كشف عن تلك المضغة، ولا تلمس ولا تذاق ولا توجد إلاّ بالعلم بها لحصول التمييز واستقامة التدبير من الجوارح، والحجّة بتلك اللطيفة على الجوارح قائمة ما وجدت، والتكليف لها لازم ما بقيت، فإذا عدمت تلك اللطيفة انفسد تدبير الجوارح. فكما يجوز أن يحتجّ اللّه عزّ وجلّ بهذه اللطيفة الغائبة عن الحواس، على الجوارح، فكذلك جائز أن يحتجّ عزّ وجلّ على جميع الخلق بحجّة غائب عنهم، وبه يدفع عنهم، وبه يرزقهم، وبه ينزل عليهم الغيث، ولا قوة إلاّ باللّه(٤٢٢).
الآية الثالثة قوله تعالى: (وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اَللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(٤٢٣).
٢٤١ - قال المفضّل (في حديث طويل له عن الامام الصادق عليه السّلام:) يا مولاي فما تأويل قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ)(٤٢٤)؟
قال عليه السّلام هو قوله تعالى: (وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، فو اللّه يا مفضل ليرفع عن الملل والاديان الاختلاف، ويكون الدّين كلّه واحدا كما قال جلّ ذكره:
(إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللَّهِ اَلْإِسْلاَمُ)(٤٢٥).
وقال اللّه: (ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ)(٤٢٦).
وفي الحديث نفسه:
قال المفضل: يا مولاي فقوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ) ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ظهر على الدّين كلّه؟ قال: يا مفضل لو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ظهر على الدّين كلّه، ما كانت مجوسيّة ولا يهوديّة ولا صابئيّة ولا نصرانيّة، ولا فرقة ولا خلاف ولا شكّ ولا شرك ولا عبدة أصنام، ولا أوثان، ولا اللاّت والعزّى، ولا عبدة الشمس والقمر، ولا النجوم، ولا النار ولا الحجارة، وإنّما قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ) في هذا اليوم وهذا المهديّ وهذه الرجعة، وهو قوله: (وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ).
فقال المفضل: أشهد أنّكم من علم اللّه علمتم، وبسلطانه وبقدرته قدرتم، وبحكمه نطقتم، وبأمره تعلمون... الحديث(٤٢٧).
٢٤٢ - روى الشيخ هاشم بن سليمان في كتاب «المحجّة» قال: روى محمّد بن مسلم قال: قلت للباقر صلّى اللّه عليه واله: تأويل قوله تعالى في الأنفال: (وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ). قال: لم يجيء تأويل هذه الآية، فإذا جاء تأويلها يقتل المشركون حتّى يوحّدوا اللّه عزّ وجلّ، وحتّى لا يكون شرك، وذلك في قيام قائمنا(٤٢٨).
٢٤٣ - محمّد بن يعقوب: عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: قوله اللّه عزّ وجلّ: (وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) فقال: لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله رخّص لهم لحاجته وحاجة أصحابه، فلو جاء تأويلها لم يقبل منهم، ولكنّهم يقتلون حتّى يوحّدوا اللّه عزّ وجلّ، وحتّى لا يكون شرك(٤٢٩).
٢٤٤ - العيّاشيّ بإسناده عن زرارة: قال: قال أبو جعفر عليه السّلام سئل عن قوله تعالى:
(وَقَاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)(٤٣٠)، (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) فقال: إنّه لم يجئ تأويل هذه الآية، ولو قدم قام قائمنا عليه السّلام بعد، سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغنّ دين محمّد ما بلغ الليل، حتّى لا يكونن شرك على ظهر الأرض كما قال اللّه(٤٣١).
٢٤٥ - الطبرسيّ في مجمع البيان في قوله تعالى (وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) قال: روى زرارة وغيره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: لم يجئ تأويل هذه الآية، ولو قد قام قائمنا بعد، سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، ليبلغنّ دين محمّد صلّى اللّه عليه واله ما بلغ الليل حتّى لا يكون مشرك على وجه الأرض(٤٣٢).
٢٤٦ - العيّاشيّ بإسناده عن عبد الأعلى الحلبيّ، قال: قال: أبو جعفر عليه السّلام: يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب، ثمّ أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى، حتّى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الّذي يكون بين يديه حتّى يلقى بعض أصحابه، فيقول: كم أنتم هاهنا؟ فيقولون: نحو من أربعين رجلا، فيقول: كيف أنتم لو قد رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: واللّه لو يأوي بنا الجبال لأويناها معه، ثمّ يأتيهم من القابلة فيقول لهم: أشيروا إلى ذوي أسنانكم وأخياركم عشرة، فيشيرون له إليهم، فينطلق بهم حتّى يأتون صاحبهم، ويعدهم إلى الليلة الّتي تليها.
ثمّ قال أبو جعفر عليه السّلام: واللّه لكأنّي أنظر إليه وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد اللّه حقّه، ثمّ يقول: يا أيّها الناس من يحاجّني في اللّه فأنا أولى الناس باللّه، ومن يحاجّني في آدم فأنا أولى بآدم عليه السّلام، يا أيّها الناس من يحاجّني في نوح، فأنا أولى الناس بنوح عليه السّلام، يا أيّها الناس من يحاجّني في موسى فأنا أولى الناس بموسى عليه السّلام، يا أيّها الناس من يحاجّني في عيسى، فأنا أولى الناس بعيسى عليه السّلام، يا أيّها الناس من يحاجّني في محمّد، فأنا أولى الناس بمحمّد صلّى اللّه عليه واله، يا أيّها الناس من يحاجّني في كتاب اللّه فأنا أولى الناس بكتاب اللّه.
ثمّ ينتهي إلى المقام فيصلّي عنده ركعتين ثمّ ينشد اللّه حقّه.
قال أبو جعفر عليه السّلام: هو واللّه المضطّر في كتاب اللّه، وهو قول اللّه: (أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ اَلسُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ اَلْأَرْضِ)(٤٣٣) وجبرئيل على الميزاب في صورة طائر أبيض، فيكون أوّل خلق اللّه يبايعه جبرئيل، ويبايعه الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا... (الحديث وفي نهايته): ثمّ يرجع إلى الكوفة فيبعث الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا إلى الآفاق كلّها، فيمسح بين أكتافهم وعلى صدورهم فلا يتعايون في قضاء، ولا تبقى في الأرض قرية إلاّ نودي فيها شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وهو قوله: (ولَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وهو قول اللّه: (وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ).
قال أبو جعفر عليه السّلام: يقاتلون واللّه حتّى يوحّد اللّه ولا يشرك به شيئا، وحتّى تخرج العجوز الضعيفة من المشرق تريد المغرب ولا ينهاها أحد، ويخرج اللّه من الأرض بذرها، وينزل من السماء قطرها، ويخرج الناس خراجهم على رقابهم إلى المهديّ عليه السّلام، ويوسّع اللّه على شيعتنا، ولو لا ما ينجز لهم من السعادة لبغوا فتنة، فبينا صاحب هذا الأمر قد حكم ببعض الأحكام، يتكلّم ببعض السنن، إذ خرجت خارجة من المسجد يريدون الخروج عليه، فيقول لأصحابه انطلقوا فتلحقوا بهم في التمارين، فيأتون بهم أسرى ليأمر بهم فيذبحون، وهو آخر خارجة تخرج على قائم آل محمّد عليه السّلام(٤٣٤).
الآية الرابعة قوله تعالى: (واَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وأُولُوا اَلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)(٤٣٥).
المهديّ عليه السّلام أولى في كتاب اللّه
٢٤٧ - روى محمّد بن عبد اللّه بن المطّلب الشيبانيّ بإسناده عن اسماعيل بن عبد اللّه قال: قال الحسين بن عليّ عليه السّلام: لمّا أنزل اللّه تبارك وتعالى هذه الآية: (وأُولُوا اَلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اَللَّهِ) سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عن تأويلها، فقال: واللّه ما عني بها غيركم، وأنتم اولوا الأرحام، فإذا متّ فأبوك عليّ أولى بي وبمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به. قلت: يا رسول اللّه فمن بعدي أولى بي؟ فقال: ابنك عليّ أولى بك من بعدك، فإذا مضى، فابنه محمّد أولى به من بعده، فإذا مضى محمّد، فابنه جعفر أولى به بمكانه من بعده، فإذا مضى جعفر، فابنه موسى أولى به من بعده، فإذا مضى موسى، فابنه عليّ أولى به من بعده، فإذا مضى عليّ، فابنه محمّد أولى به من بعده، فإذا مضى محمّد، فابنه عليّ أولى به من بعده، فإذا مضى عليّ، فابنه الحسن أولى به من بعده، فإذا مضى الحسن وقعت الغيبة في التاسع من ولدك، فهذه الأئمّة التسعة من صلبك، أعطاهم اللّه علمي وفهمي، طينتهم من طينتي، ما لقوم يؤذونني فيهم؟ لا أنالهم اللّه شفاعتي(٤٣٦).

سورة التوبة

الآية الاولى قوله تعالى: (وأَذَانٌ مِنَ اَللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى اَلنَّاسِ يَوْمَ اَلْحَجِّ اَلْأَكْبَرِ أَنَّ اَللَّهَ بَرِيء مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اَللَّهِ وبَشِّرِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)(٤٣٧).
٢٤٨ - العيّاشيّ عن جابر، عن جعفر بن محمّد وأبي جعفر عليهم السّلام في قوله عزّ وجلّ:
(وَأَذَانٌ مِنَ اَللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى اَلنَّاسِ يَوْمَ اَلْحَجِّ اَلْأَكْبَرِ) قال: خروج القائم عليه السّلام، و«أذان» دعوته إلى نفسه(٤٣٨).
الآية الثانية قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ولَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ولَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اَللَّهِ ولاَ رَسُولِهِ ولاَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً واَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(٤٣٩).
حتميّة التمحيص
٢٤٩ - محمّد الحميريّ بإسناده عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال: لتمخضنّ يا معشر الشيعة شيعة آل محمّد كمخيض الكحل في العين، لأنّ صاحب الكحل يعلم متى يقع في العين، ولا يعلم متى يذهب، فيصبح أحدكم وهو يرى أنّه على شريعة من أمرنا، فيمسي وقد خرج منها، ويمسي وهو على شريعة من أمرنا، فيصبح وقد خرج منها(٤٤٠).
٢٥٠ - محمّد الحميريّ بإسناده عن الربيع بن محمّد المسلّي، قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: واللّه لتكسرنّ كسر الزجاج وإنّ الزجاج يعاد فيعود كما كان، واللّه لتكسرنّ كسر الفخّار، وإنّ الفخّار لا يعود كما كان، واللّه لتمحصنّ، واللّه لتغربلنّ كما يغربل الزؤان من القمح(٤٤١).
٢٥١ - عن محمّد بن الفضيل، عن أبيه، عن منصور، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: يا منصور إنّ هذا الأمر لا يأتيكم إلاّ بعد إياس، لا واللّه حتّى تميّزوا، لا واللّه حتّى تمحّصوا، لا واللّه حتّى يشقى من يشقى، ويسعد من يسعد(٤٤٢).
٢٥٢ - عن عبد الرحمان بن سيابة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم، يبرأ بعضكم من بعض، فعند ذلك تميّزون وتمحّصون وتغربلون، وعند ذلك اختلاف السنين وأمارة من أوّل النهار، وقتل وقطع في آخر النهار(٤٤٣).
٢٥٣ - عن محمّد بن منصور، عن أبيه قال: كنّا عند أبي عبد اللّه جماعة نتحدّث، فالتفت إلينا فقال: في أيّ شيء أنتم؟ أيهات أيهات، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تغربلوا، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تميّزوا، واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم إلاّ بعد إياس، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى يشقى من شقي، ويسعد من سعد.
وروي عن محمّد بن منصور الصيقل عن أبيه، عن الباقر عليه السّلام مثله(٤٤٤).
٢٥٤ - وعن ابن شاذان، عن البزنطيّ، قال: قال أبو الحسن عليه السّلام: أما واللّه لا يكون الّذي تمدّون إليه أعينكم حتّى تميّزوا وتمحّصوا، وحتّى لا يبقى منكم إلا الأندر ثمّ تلا: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ولَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ولَمْ يَتَّخِذُوا).
وفي رواية ابن عيسى، عن البزنطي مثله وزاد فيه: وتمحّصوا ثمّ يذهب من كلّ عشرة شيء ولا يبقى(٤٤٥).
٢٥٥ - سعد بن عبد اللّه، بإسناده عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال:
إذا فقد الخامس من ولد السابع، فاللّه اللّه في أديانكم، لا يزلّنّكم عنها شيء، يا بني إنّه لابدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، حتّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنّما هي محنة من اللّه امتحن اللّه بها خلقه(٤٤٦).
٢٥٦ - روي عن جابر الجعفيّ، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: متى يكون فرجكم؟ فقال:
هيهات هيهات، لا يكون فرجنا حتّى تغربلوا ثمّ تغربلوا ثمّ تغربلوا، قالها ثلاثا، حتّى يذهب الكدر ويبقى الصفو(٤٤٧).
٢٥٧ - وبالإسناد عن إبراهيم بن هليل قال: قلت لأبي الحسن عليه السّلام: جعلت فداك، مات أبي على هذا الأمر، وقد بلغت من السنين ما قد ترى أموت ولا تخبرني بشي ء؟!فقال: يا أبا اسحاق أنت تعجل! فقلت: إي واللّه أعجل، ومالي لا أعجل وقد بلغت من السنّ ما ترى؟ فقال: أما واللّه يا أبا اسحاق ما يكون ذلك حتّى تميزوا وتمحّصوا، وحتّى لا يبقى منكم إلاّ الأقلّ، ثمّ صعّر كفه(٤٤٨). معنى صعّر كفه: أي أمالها تهاونا بالناس.
٢٥٨ - وبالإسناد عن صفوان بن يحيى قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السّلام: واللّه ما يكون ما تمدّون أعينكم إليه حتّى تمحّصوا وتميّزوا، وحتّى لا يبقى منكم إلاّ الأندر فالأندر(٤٤٩).
٢٥٩ - وعن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه سمعه يقول: ويل لطغاة العرب، من شرّ قد اقترب، قلت: جعلت فداك، كم مع القائم من العرب؟ قال: شيء يسير، فقلت: واللّه إنّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير. فقال: لابدّ للناس من أن يمحّصوا ويميّزوا، ويغربلوا ويخرج في الغربال خلق كثير(٤٥٠).
٢٦٠ - وعن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ عليه السّلام يقول: واللّه لتميّزنّ، واللّه لتمحّصنّ، واللّه لتغربلنّ، كما يغربل الزؤان من القمح(٤٥١).
٢٦١ - ابن عقدة بإسناده عن عميرة بنت نفيل، قالت: سمعت الحسن بن عليّ عليه السّلام يقول: لا يكون الأمر الّذي تنتظرون حتّى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتّى يلعن بعضكم بعضا، وحتّى يسمّي بعضكم بعضا كذّابين(٤٥٢).
الآية الثالثة قوله تعالى: (قَاتِلُوا اَلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولاَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ ولاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ ورَسُولُهُ ولاَ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ)(٤٥٣).
النواصب يعطون الجزية في زمان المهديّ عليه السّلام
٢٦٢ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن سلام بن المستنير، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يحدّث: إذا قام القائم عرض الإيمان على كلّ ناصب، فإن دخل فيه بحقيقة وإلاّ ضرب عنقه أو يؤدّي الجزية كما يؤدّيها اليوم أهل الذمّة، ويشدّ على وسطه الهميان، ويخرجهم من الأمصار إلى السواد(٤٥٤).
الآية الرابعة قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ويَأْبَى اَللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ اَلْكَافِرُونَ)(٤٥٥).
المهديّ عليه السّلام نور اللّه في الأرض
٢٦٣ - روى العلاّمة أحمد بن عليّ بن أبى طالب الطبرسيّ رحمه اللّه بإسناده عن علقمة بن محمّد الحضرميّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السّلام أنّه قال: حجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله من المدينة... (في حديث طويل في خطبة الغدير قال فيها): معاشر الناس، النور من اللّه عزّ وجلّ فيّ مسلوك، ثمّ في عليّ، ثمّ في النسل منه إلى القائم المهديّ الّذي يأخذ بحقّ اللّه وبكلّ حقّ هو لنا، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قد جعلنا حجّة على المقصّرين والمعاندين والمخالفين والخائنين والآثمين والظالمين من جميع العالمين، ألا إنّ خاتم الائمّة منّا القائم المهديّ، ألا إنّه الظاهر على الدّين. ألا إنّه المنتقم من الظالمين. ألا إنّه فاتح الحصون وهادمها. ألا إنّه قاتل كلّ قبيلة من أهل الشرك. ألا إنّه مدرك بكلّ ثار لأولياء اللّه. ألا إنّه الناصر لدين اللّه. ألا إنّه الغرّاف في بحر عميق. ألا إنّه يسمّ كلّ ذي فضل بفضله، وكلّ ذي جهل بجهله. ألا إنّه خيرة اللّه ومختاره. ألا إنّه وارث كلّ علم والمحيط به. ألا إنّه المخبر عن ربّه عزّ وجلّ والمنبّه بأمر إيمانه. ألا إنّه الرشيد السديد. ألا إنّه المفوّض إليه. ألا إنّه قد بشّر به من سلف بين يديه. ألا إنّه الباقي حجّة ولا حجّة بعده، ولا حقّ إلاّ معه، ولا نور إلاّ عنده. ألا إنّه لا غالب له ولا منصور عليه. ألا وإنّه وليّ اللّه في أرضه، وحكمه في خلقه، وأمينه في سرّه وعلانيته. ألا إنّ الحلال والحرام أكثر من أن أحصيها وأعرفهما، فآمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد، فأمرت أن آخذ البيعة منكم والصفقة لكم بقبول ما جئت به عن اللّه عزّ وجلّ في عليّ أمير المؤمنين والأئمّة من بعده، الّذين هم منّي ومنه، أئمّة قائمة منهم المهديّ إلى يوم القيامة الّذي يقضي بالحقّ(٤٥٦).
الآية الخامسة قوله تعالى: (هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ)(٤٥٧).
ظهور الإسلام على الأديان كلّها في زمن المهديّ عليه السّلام
٢٦٤ - الشّيخ الصدوق بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: في قوله اللّه عزّ وجلّ: (هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ) فقال: واللّه ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتّى يخرج القائم عليه السّلام، فإذا خرج القائم عليه السّلام لم يبق كافر باللّه العظيم ولا مشرك بالإمامة إلاّ كره خروجه، حتّى لو أنّ كافرا أو مشركا كان في بطن صخرة، لقالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله(٤٥٨).
٢٦٥ - العيّاشيّ: بإسناده عن سماعة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: (هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ) قال: إذا خرج القائم عليه السّلام لم يبق مشرك باللّه العظيم ولا كافر إلاّ كره خروجه(٤٥٩).
٢٦٦ - محمّد بن العباس عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: (هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ)، فقال: واللّه ما نزل تأويلها بعد، قلت: جعلت فداك، ومتى ينزل تأويلها؟ قال: حتّى يقوم القائم عليه السّلام، ان شاء اللّه تعالى، فإذا خرج القائم عليه السّلام لم يبق كافر ولا مشرك إلاّ كره خروجه، حتّى لو أنّ كافرا أو مشركا في بطن صخرة، لقالت الصخرة: يا مؤمن في بطني كافر أو مشرك فاقتله، فيجيئه فيقتله(٤٦٠).
٢٦٧ - محمّد بن العباس بإسناده عن عباية بن ربعي: أنّه سمع أمير المؤمنين عليه السّلام يقول:
(هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ) أظهر ذلك بعد؟ كلاّ والّذي نفسي بيده، حتّى لا تبقى قرية إلاّ ونودي فيها بشهادة أن لا إله الاّ اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله بكرة وعشيّا(٤٦١).
٢٦٨ - عنه، بإسناده عن مجاهد، عن ابن عبّاس في قوله عزّ وجلّ: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ) قال: لا يكون ذلك حتّى لا يبقى يهوديّ ولا نصرانيّ ولا صاحب ملّة إلاّ صار إلى الإسلام، حتّى تأمن الشاة والذئب والبقرة والأسد والإنسان والحّية، وحتّى لا تقرض الفأرة جرابا، وحتّى توضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، وهو قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ) وذلك يكون عند قيام القائم عليه السّلام(٤٦٢).
٢٦٩ - محمّد بن يعقوب، بإسناده عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي عليه السّلام، قلت: (هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ اَلْحَقِّ) قال: هو أمر اللّه ورسوله بالولاية لوصيّه، والولاية هي دين الحقّ، قلت: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ)؟ قال: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم عليه السّلام(٤٦٣).
٢٧٠ - أبو عليّ الطبرسيّ: قال أبو جعفر عليه السّلام: إنّ ذلك يكون عند خروج المهديّ من آل محمّد صلوات اللّه عليه، فلا يبقى أحد إلاّ أقرّ بمحمّد صلّى اللّه عليه واله(٤٦٤).
٢٧١ - روى الثقة الصدوق الفضل بن شاذان في كتاب إثبات الرجعة، بإسناده عن محمّد بن حمران، عن الصادق عليه السّلام قال: إنّ القائم منّا منصور بالرعب، مؤيّد بالنصر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز كلّها، ويظهر اللّه به دينه على الدّين كلّه ولو كره المشركون، ثمّ ذكر جملة من علاماته ثمّ قال: - فعند ذلك خروج قائمنا(٤٦٥).
٢٧٢ - عليّ بن إبراهيم في تفسيره في الآية: إنّها نزلت في القائم من آل محمّد عليه السّلام، وهو الّذي ذكرناه ممّا تأويله بعد تنزيله، وهو الإمام الّذي يظهره اللّه على الدّين كلّه، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(٤٦٦).
٢٧٣ - العيّاشيّ بإسناده عن أبي المقدام، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله اللّه: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ): يكون أن لا يبقى أحد إلاّ أقرّ بمحمّد صلّى اللّه عليه واله(٤٦٧).
٢٧٤ - ويؤيّده ما رواه الشيخ محمّد بن يعقوب، بإسناده عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي عليه السّلام، قال: سألته عن هذه الآية، قلت: واَللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ قال: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اَللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ): ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام (واَللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ)(٤٦٨) الإمامة، لقوله عزّ وجلّ: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واَلنُّورِ اَلَّذِي أَنْزَلْنَا)(٤٦٩).
والنور هو الامام.
قلت له: (هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ اَلْحَقِّ) قال: هو الّذي أمر اللّه رسوله بالولاية لوصيّه، والولاية هي دين الحقّ.
قلت: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ) قال: على جميع الأديان عند قيام القائم، لقول اللّه تعالى: (واَللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) بولاية القائم عليه السّلام، (ولَوْ كَرِهَ اَلْكَافِرُونَ) بولاية عليّ عليه السّلام(٤٧٠).
٢٧٥ - روى العلاّمة الطبرسيّ رحمه اللّه عن احتجاجه عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث طويل قال فيه: كلّ ذلك لتتمّ النظرة الّتي أوحاها اللّه تعالى لعدوّه إبليس، إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ويحقّ القول على الكافرين، ويقترب الوعد الحق، الّذي بيّنه في كتابه بقوله: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وذلك إذا لم يبق من الإسلام إلاّ اسمه، ومن القرآن ألاّ رسمه، وغاب صاحب الأمر بايضاح الغدر له في ذلك، لاشتمال الفتنة على القلوب، حتّى يكون أقرب الناس إليه أشدّهم عداوة له، وعند ذلك يؤيّده اللّه بجنود لم تروها، ويظهر دين نبيّه صلّى اللّه عليه واله على يديه (عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ)(٤٧١).
٢٧٦ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن عبد الرحمن بن سليط قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: منّا اثنا عشر مهديّا، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحقّ، يحيي اللّه به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ على الدّين كلّه ولو كره المشركون.
له غيبة يرتدّ فيها أقوام ويثبت فيها على الدّين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: متى هذا الوعد ان كنتم صادقين، أما إنّ الصابرين في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله(٤٧٢).
٢٧٧ - عن المفضّل بن عمر، قال: سألت سيّدي أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام - في ضمن حديث طويل - إلى إن قال: قلت: قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ) ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ظهر على الدّين؟ قال: يا مفضل لو كان ظهر على الدّين كلّه ما كان مجوسيّة ولا نصرانيّة ولا يهوديّة ولا صابئة ولا فرقة ولا خلاف ولا شكّ ولا شرك ولا عبدة أصنام ولا أوثان ولا اللاّت ولا العزّى ولا عبدة الشمس ولا القمر ولا النجوم ولا النار ولا الحجارة، وإنّما قوله (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ) في هذا اليوم وهذا المهديّ وهذه الرجعة، وهو قوله:
(وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)(٤٧٣)،(٤٧٤).
٢٧٨ - روى الحافظ السيوطيّ قال: وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ، عن أبي هريرة في قوله (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ) قال: حين خروج عيسى ابن مريم(٤٧٥).
٢٧٩ - روى البيهقيّ بإسناده عن مجاهد، في قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ) قال: إذا نزل عيسى ابن مريم، لم يكن في الأرض إلاّ الإسلام، ليظهره على الدّين كلّه(٤٧٦).
٢٨٠ - قال عليّ بن إبراهيم رحمه اللّه في قوله: (هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ): فإنّها نزلت في القائم من آل محمّد، وهو الّذي ذكرناه ممّا تأويله بعد تنزيله(٤٧٧).
٢٨١ - عن سعيد بن جبير مرسلا، في تفسير قوله عزّ وجلّ: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ) أنّه قال: هو المهديّ من عترة فاطمة عليها السّلام، وقال الشافعي: وأمّا من قال أنّه عيسى عليه السّلام، فلا تنافي بين القولين، إذ هو مساعد للإمام كما تقدّم(٤٧٨).
٢٨٢ - روي عن أبي هريرة أنّه قال: هذا وعد من اللّه بأنّه تعالى يجعل الإسلام عاليا على جميع الأديان. ثمّ قال الراوي: وتمام هذا إنّما يحصل عند خروج عيسى.
وقال السدّي: ذلك عند خروج المهديّ، لا يبقى أحد إلاّ دخل في الإسلام، أو أدّى الخراج(٤٧٩).
الآية السادسة قوله تعالى: (واَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ واَلْفِضَّةَ ولاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)(٤٨٠).
استخراج كنوز الأرض في زمان المهديّ عليه السّلام
٢٨٣ - محمّد بن يعقوب بإسناده عن معاذ بن كثير، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:
موسّع على شيعتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا عليه السّلام حرّم على كلّ ذي كنز كنزه حتّى يأتيه به فيستعين به على عدوّه، وهو قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه:
(وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ واَلْفِضَّةَ ولاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)(٤٨١).
٢٨٤ - العيّاشيّ في تفسيره، بإسناده عن معاذ بن كثير صاحب الأكيسة، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: موسّع على شيعتنا - وذكر الحديث إلى آخره(٤٨٢).
٢٨٥ - عنه، بإسناده عن الحسين بن علوان، عن من ذكره، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
إنّ المؤمن إذا كان عنده من ذلك شيء ينفقه على عياله ما شاء، ثمّ إذا قام القائم عليه السّلام فيحمل إليه ما عنده ممّا بقي من ذلك يستعين به على أمره، فقد أدّى ما يجب عليه(٤٨٣).
الآية السابعة قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللَّهِ اِثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اَللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وقَاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً واِعْلَمُوا أَنَّ اَللَّهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ)(٤٨٤).
٢٨٦ - النعمانيّ بإسناده عن الحسن بن أبي الحسن البصري يرفعه، قال: أتى جبرئيل النبيّ صلّى اللّه عليه واله فقال: يا محمّد إنّ اللّه عزّ وجلّ يأمرك أن تزوّج فاطمة من عليّ أخيك، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله إلى عليّ عليه السّلام فقال له: «يا عليّ إنّي مزوّجك فاطمة ابنتي سيّدة نساء العالمين، وأحبّهن إليّ بعدك، وكائن منكما سيّدا شباب أهل الجنة، والشهداء المضرّجون المقهورون في الأرض من بعدي، والنجباء الزهر الّذين يطفي اللّه بهم الظلم، ويحيي بهم الحقّ، ويميت بهم الباطل، عدّتهم عدّة أشهر السنة، آخرهم يصلّي عيسى ابن مريم عليه السّلام خلفه»(٤٨٥).
٢٨٧ - كتاب مقتضب الأثر في النصّ على الإثني عشر، بإسناده عن وهب بن منبّه قال: إنّ موسى عليه السّلام نظر ليلة الخطاب إلى كلّ شجرة في الطور، وكلّ حجر ونبات تنطق بذكر محمّد واثنى عشر وصيّا له من بعده.
فقال موسى: إلهي لا أرى شيئا خلقته إلاّ وهو ناطق بذكر محمّد وأوصيائه الإثني عشر، فما منزلة هؤلاء عندك؟
قال: يا ابن عمران! إنّي خلقتهم قبل خلق الأنوار، وجعلتهم في خزانة قدسي يرتعون في رياض مشيتي، ويتنسّمون من روح جبروتي، ويشاهدون أقطار ملكوتي، حتّى إذا شئت مشيتي أنفذت قضائي وقدري.
يا ابن عمران، إنّي سبقت بهم استباقي، حتّى أزخرف بهم جناني.
يا ابن عمران: تمسّك بذكرهم فإنّهم خزنة علمي وعيبة حكمتي، ومعدن نوري.
قال حسين بن علوان: فذكرت ذلك لجعفر بن محمّد عليه السّلام فقال: حقّ ذلك، هم اثنا عشر من آل محمّد عليهم السّلام عليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ ومن شاء اللّه.
قلت: جعلت فداك إنّما أسالك لتفتيني بالحقّ.
قال: أنا وابني هذا، وأومأ إلى ابنه موسى، والخامس من ولده يغيب شخصه ولا يحلّ ذكره(٤٨٦).
٢٨٨ - محمّد بن إبراهيم النعمانيّ في الغيبة، بإسناده عن أبي حمزة الثماليّ قال: كنت عند أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام ذات يوم، فلمّا تفرّق من كان عنده قال لي: يا أبا حمزة، من المحتوم الّذي لا تبديل له عند اللّه قيام قائمنا عليه السّلام، فمن شكّ فيما أقول لقي اللّه وهو به كافر وهو له جاحد، ثمّ قال: بأبي أنت وأمّي المسمّى باسمي، والمكنّى بكنيتي، السابع من بعدي، بأبي من يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، ثمّ قال: يا أبا حمزة. من أدركه فلم يسلّم له ما سلّم لمحمّد وعليّ صلوات اللّه عليهما، فقد حرّم اللّه عليه الجنة، ومأواه النار وبئس مثوى الظالمين، وأوضح من هذا بحمد اللّه وأنور وأبين وأزهر (أظهر) لمن هداه اللّه وأحسن إليه، قوله عزّ وجلّ في محكم كتابه: (إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللَّهِ اِثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اَللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ).
ومعرفة الشهور: المحرّم وصفر وربيع وما بعده، والحرم منها رجب وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم، وذلك لا يكون دينا قيما لأنّ اليهود والنصارى والمجوس وساير الملل والناس جميعا من الموافقين والمخالفين يعرفون هذه الشهور ويعدّونها بأسمائها، وإنّما هم الأئمّة والقوّامون بدين اللّه عزّ وجلّ، والمحرّم منها أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام، الّذي اشتقّ اللّه تعالى له اسما من اسمه العليّ، كما اشتقّ لرسوله صلّى اللّه عليه واله اسما من اسمه المحمود، وثلاثة من ولده أسماؤهم عليّ بن الحسن وعليّ بن موسى وعليّ بن محمّد، فصار لهذا الاسم المشتقّ من اسم اللّه جلّ وعزّ حرمة به (يعني أمير المؤمنين عليه السّلام) وصلوات اللّه على محمّد وآله المكرّمين المحترمين(٤٨٧).
٢٨٩ - عنه، بإسناده عن داود بن كثير الرّقي، قال: دخلت على أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليهما السّلام بالمدينة، فقال لي: ما الّذي أبطأ بك عنّا يا داود؟
فقلت: حاجة عرضت بالكوفة، فقال: من خلّفت بها؟ فقلت: جعلت فداك خلّفت بها عمّك زيدا، تركته راكبا على فرس متقلّدا سيفا ينادي بأعلى صوته: سلوني قبل أن تفقدوني، فبين جوانحي علم جمّ، قد عرفت الناسخ من المنسوخ، والمثاني والقرآن العظيم، وإنّي العلم بين اللّه وبينكم! فقال عليه السّلام لي: يا داود لقد ذهبت بك المذاهب، ثمّ نادى: يا سماعة بن مهران، ايتني بسلّة الرطب، فتناول منها رطبة فأكلّها واستخرج النواة من فيه، فغرسها في الأرض، ففلقت وأنبتت وأطلعت وأعذقت، فضرب بيده إلى بسرة من عذق فشقّها واستخرج منها رقّا أبيض، ففضّه ودفعه إليّ وقال: اقرأه.
فقرأته، فإذا فيه سطران:
الاول: لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله.
والثاني: (إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللَّهِ اِثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اَللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ) أمير المؤمنين عليّ بن طالب، الحسن بن عليّ، والحسين بن عليّ، محمّد بن عليّ، جعفر بن محمّد، موسى بن جعفر، عليّ بن موسى، محمّد بن عليّ، عليّ بن محمّد، الحسن بن عليّ، الخلف الحجّة.
ثمّ قال: يا داود، أتدري متى كتب هذا في هذا؟
قلت: اللّه أعلم ورسوله وأنتم.
قال: قبل أن يخلق اللّه آدم بألفي عام(٤٨٨).

٢٩٠ - وعنه بإسناده عن زياد القندي قال: سمعت أبا إبراهيم موسى بن جعفر عليه السّلام يقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق بيتا من نور وجعل قوائمه أربعة أركان، [عليه] أربعة أسماء:
سبحان اللّه والحمد للّه، ثمّ خلق من الأربعة أربعة، ومن الأربعة: تبارك وسبحان والحمد للّه، ثمّ خلق أربعة من أربعة، ومن أربعة أربعة، ثمّ قال عزّ وجلّ: (إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللَّهِ اِثْنَا عَشَرَ شَهْراً)(٤٨٩).
٢٩١ - روى الشيخ الطوسيّ في الغيبة: بحذف الإسناد عن جابر الجعفيّ، قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن تأويل قول اللّه عزّ وجلّ: (إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللَّهِ اِثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اَللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ).
فقال: فتنفّس سيّدي الصعداء ثمّ قال: يا جابر: أمّا السنة فهو جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وشهورها اثنا عشر شهرا، فهو أمير المؤمنين عليه السّلام، إليّ وإلى ابني جعفر وابنه موسى وابنه عليّ وابنه محمّد وابنه عليّ وإلى ابنه الحسن وإلى ابنه محمّد الهادي المهديّ عليه السّلام، اثنا عشر إماما حجج اللّه على خلقه، وأمناؤه على وحيه وعلمه، والأربعة الحرم الّذين هم الدّين القيّم، أربعة منهم يخرجون باسم واحد، عليّ أمير المؤمنين، وأبي عليّ بن الحسين، وعليّ بن موسى، وعليّ بن محمّد عليهم السّلام، فالإقرار بهؤلاء هو الدّين القيّم (فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) أي قولوا بهنّ جميعا تهتدوا(٤٩٠).
٢٩٢ - الشيخ شرف الدّين النجفيّ في تأويل الآيات الباهرة في العترة الطاهرة: عن المقلّد بن غالب الحسنيّ قدّس سرّه عن رجاله، بإسناد متّصل إلى عبد اللّه بن سنان الأسديّ، عن جعفر بن محمّد عليه السّلام قال:
قال أبي - يعني محمّدا الباقر عليه السّلام - لجابر بن عبد اللّه: لي اليك حاجة أخلو فيها، فلمّا خلا به قال: يا جابر أخبرني عن اللوح الّذي رأيته عند أمّي فاطمة الزهراء عليها السّلام.
فقال جابر: أشهد باللّه لقد دخلت على سيّدتي فاطمة الزهراء لأهنيها بولدها الحسين عليه السّلام، فإذا بيدها لوح أخضر من زمرّدة خضراء فيه كتابة أنور من الشمس وأطيب رائحة من المسك الاذفر، فقلت: ما هذا اللوح يا بنت رسول اللّه؟
فقال: هذا لوح أنزله اللّه تعالى على أبي وقال لي احفظيه، ففعلت، فإذا فيه اسم أبي وبعلي واسم ابني والأوصياء من بعد ولدي الحسين، فسألتها أن تدفعه إليّ لأنسخه، ففعلت.
فقال له أبي عليه السّلام: ما فعلت بنسخك.
فقال: هي عندي، فقال: فهل لك أن تعارضني عليها؟
قال: فمضى جابر إلى منزله فأتاه بقطعة جلد أحمر، فقال له: انظر في صحيفتك حتّى أقرأها عليك، فكان في صحيفته:
هذا كتاب من اللّه العزيز الحكيم (العليم) أنزله الروح الامين على محمّد خاتم النبيين يا محمّد (إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللَّهِ اِثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اَللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ).
يا محمّد عظّم أسمائي واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي، ولا ترج سواي، ولا تخش غيري، فإنّه من يرجو سوائي ويخشى غيري أعذّبه عذابا لا أعذّ به أحدا من العالمين، يا محمّد إنّي اصطفيتك على الأنبياء، واصطفيت وصيّك (عليّا) على الأوصياء، وجعلت الحسن عيبة علمي بعد انقضاء مدّة أبيه، والحسين خير أولاد الأوّلين والآخرين فيه تثبت الإمامة، ومنه العقب، وعليّ بن الحسين زين العابدين، والباقر العلم الداعي إلى سبيلي على منهاج الحقّ، وجعفر الصادق في القول والعمل، تلبس من بعده فتنة صمّاء، فالويل كلّ الويل لمن كذّب عترة نبييّ وخيرة خلقي، وموسى الكاظم الغيظ، وعليّ الرضا يقتله عفريت كافر يدفن بالمدينة الّتي بناها العبد الصالح إلى جنب شرّ خلق اللّه، ومحمّد الهادي شبيه جدّه الميمون، وعليّ الهادي (الداعي) إلى سبيلي والذابّ عن حرمي، والقائم في رعيتي، والحسن الأغرّ يخرج منه ذو الاسمين خلف محمّد، يخرج في آخر الزمان وعلى رأسه غمامة بيضاء تظلّه عن الشمس، وينادي مناد بلسان فصيح يسمعه الثقلان ومن بين الخافقين: «هذا المهديّ من آل محمّد» فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا(٤٩١).
قوله تعالى: (وقَاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)(٤٩٢).
٢٩٣ - العيّاشيّ بإسناده عن زرارة، قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: (قَاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً؛ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)(٤٩٣).
فقال: لا لم يجيء تأويل هذه الآية، ولو قد قام قائمنا بعد، سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغنّ دين محمّد ما بلغ الليل، حتّى لا يكون مشرك على ظهر الأرض كما قال اللّه(٤٩٤).
الآية الثامنة قوله تعالى: (كَلِمَةُ اَللَّهِ هِيَ اَلْعُلْيَا)(٤٩٥).
٢٩٤ - روى العلاّمة البيّاضي قدّس سرّه قال: أخرج أبو نعيم في كتاب الفتن قول أبي جعفر عليه السّلام:
ويظهر المهديّ بمكّة عند العشاء ومعه راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وقميصه، وسيفه، وعلامات، ونور، وبيان، وينادى من السماء: إنّ الحقّ في آل محمّد، وآخر من الأرض: إنّ الحقّ في آل عيسى.
قال أبو عبد اللّه: إذا سمعتم ذلك فاعلموا أنّ كلمة اللّه هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى.
قال: فهذه كتبهم تشهد بأنّ قول من يقول: المهديّ هو المسيح قول الشيطان(٤٩٦).
الآية التاسعة قوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى اَلْحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اَللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ)(٤٩٧).
٢٩٥ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ رضى اللّه عنه بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:
قلت له: إنّ بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم، فقال: الكفّ عنهم أجمل، ثمّ قال: واللّه يا أبا حمزة إنّ الناس كلّهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا، قلت: كيف لي بالمخرج من هذا؟
فقال لي: يا أبا حمزة كتاب اللّه المنزل يدلّ عليه، إنّ اللّه تبارك وتعالى جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفيء، ثمّ قال عزّ وجلّ: (واِعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي اَلْقُرْبى واَلْيَتَامى واَلْمَسَاكِينِ واِبْنِ اَلسَّبِيلِ)(٤٩٨).
فنحن أصحاب الخمس والفيي ء، وقد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا. واللّه يا أبا حمزة ما من أرض تفتح ولا خمس يخمّس فيضرب على شيء منه إلاّ كان حراما على من يصيبه فرجا كان أو مالا، ولو قد ظهر الحقّ لقد بيع الرجل الكريمة عليه نفسه فيمن لا يزيد، حتّى إنّ الرجل منهم ليفتدي بجميع ماله ويطلب النجاة لنفسه فلا يصل إلى شيء من ذلك، ولقد أخرجونا وشيعتنا من حقّنا ذلك بلا عذر ولا حقّ ولا حجّة.
قلت: قوله عزّ وجلّ: (هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى اَلْحُسْنَيَيْنِ)؟
قال: أمّا موت في طاعة اللّه، أو إدراك ظهور إمام، ونحن نتربّص بهم مع ما نحن فيه من الشدّة أن يصيبهم اللّه بعذاب من عنده، قال: هو المسخ، أو بأيدينا وهو القتل، قال اللّه عزّ وجلّ لنبيه صلّى اللّه عليه واله: (فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) والتربّص: انتظار وقوع البلاء بأعدائهم(٤٩٩).
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وكُونُوا مَعَ اَلصَّادِقِينَ)(٥٠٠).
المهديّ عليه السّلام من الصادقين
٢٩٦ - روى سليم بن قيس الهلاليّ في حديث المناشدة، قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام:
فأنشدتكم اللّه أتعلمون أنّ اللّه أنزل: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وكُونُوا مَعَ اَلصَّادِقِينَ)، فقال سلمان: يا رسول اللّه أعامّة هي أم خاصّة؟ قال: المأمورون فالعامّة من المؤمنين أمروا بذلك وأمّا «الصادقين» فخاصّة لأخي عليّ والأوصياء من بعده إلى يوم القيامة، قالوا: اللّهم نعم(٥٠١).

سورة يونس

الآية الاولى قوله تعالى: (ويَقُولُونَ لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ * فَقُلْ إِنَّمَا اَلْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ)(٥٠٢).
٢٩٧ - ابن بابويه عن يحيى بن أبي القاسم، قال: سألت الصادق عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (الم * ذَلِكَ اَلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٥٠٣)، فقال:
المتّقون شيعة عليّ عليه السّلام، والغيب فهو الحجّة القائم الغائب؛ وشاهد ذلك قول اللّه عزّ وجلّ:
(وَيَقُولُونَ لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا اَلْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ)(٥٠٤).
٢٩٨ - الشّيخ الصدوق، بإسناده عن أحمد بن محمّد بن أبي النصر، قال: قال الرضا عليه السّلام:
ما أحسن الصبر وانتظار الفرج، أما سمعت قول اللّه عزّ وجلّ: (واِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ)(٥٠٥) (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ) فعليكم الصبر، فإنّه إنّما يجيء الفرج على اليأس، فقد كان الّذين من قبلكم أصبر منكم(٥٠٦).
٢٩٩ - وعنه، بإسناده عن محمّد بن الفضل، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام، قال: سألته عن الفرج قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ)(٥٠٧).
٣٠٠ - وبالإسناد عن عبد العظيم الحسنيّ، قال: دخلت على سيّدي محمّد بن عليّ عليهما السّلام وأنا أريد أن أسأله عن القائم، أهو المهديّ أو غيره؟ فابتدأني فقال: يا أبا القاسم، إنّ القائم منّا هو المهديّ الّذي يجب أن ينتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والّذي بعث محمّدا بالنبوّة وخصّنا بالإمامة، إنّه لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وإنّ اللّه تبارك وتعالى يصلح أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى عليه السّلام، [ذهب] ليقتبس لأهله نارا فرجع وهو رسول نبيّ، ثمّ قال عليه السّلام: أفضل اعمال شيعتنا انتظار الفرج(٥٠٨).
٣٠١ - عن الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرضا عليه السّلام يقول:
الإمام بعدي ابني عليّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والامام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه، ثمّ سكت، فقال له: يا بن رسول اللّه فمن الامام بعد الحسن؟ فبكى عليه السّلام بكاء شديدا ثمّ قال: ان من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر، فقلت له: يا ابن رسول اللّه ولم سمّي القائم؟ قال: لأنّه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته، فقلت له: ولم سمّي المنتظر؟ قال: إنّ له غيبة يكثر أيّامها ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ به الجاحدون، ويكذّب فيها الوقّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلّمون(٥٠٩).
٣٠٢ - وبالإسناد عن ابن أبي عمير، عمّن سمع أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

لكلّ أناس دولة يرقبونها * * * ودولتنا في آخر الدهر تظهر(٥١٠)

٣٠٣ - روى الترمذيّ بإسناده عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه قال:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: سلوا اللّه من فضله، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يحبّ أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج(٥١١).
٣٠٤ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن عليّ بن هاشم، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: ما ضرّ من مات منتظرا لأمرنا ألاّ يموت في وسط فسطاط المهديّ وعسكره(٥١٢).
٣٠٥ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن عبد اللّه بن بكير، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: دخلنا عليه جماعة فقلنا: يا ابن رسول اللّه إنّا نريد العراق فأوصنا. فقال أبو جعفر عليه السّلام: ليقوّ شديدكم ضعيفكم، وليعد غنيكم على فقيركم، ولا تبثّوا سرّنا، ولا تذيعوا أمرنا، وإذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به، وإلاّ فقفوا عنده ثمّ ردّوه إلينا حتّى يستبين لكم، واعلموا أنّ المنتظر لهذا الأمر له مثل أجر الصائم القائم، ومن أدرك قائمنا فخرج معه فقتل عدونا، كان له مثل أجر عشرين شهيدا، ومن قتل مع قائمنا، كان له مثل أجر خمسة وعشرين شهيدا(٥١٣).
٣٠٦ - روى الشيخ الطوسيّ بإسناده عن يحيى بن العلاء، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: كلّ مؤمن شهيد، وإن مات على فراشه فهو شهيد، وهو كمن مات في عسكر القائم، قال أيحبس نفسه على اللّه ثمّ لا يدخله الجنة(٥١٤)؟
٣٠٧ - روى الشيخ الصدوق بإسناده عن أبي حمزة الثماليّ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إنّ أقرب الناس إلى اللّه عزّ وجلّ وأعلمهم به وأرأفهم بالناس، محمّد صلّى اللّه عليه واله والأئمّة عليهم السّلام، فادخلوا أين دخلوا، وفارقوا من فارقوا - أعني بذلك حسينا وولده عليهم السّلام - فإنّ الحقّ فيهم، وهم الاوصياء، ومنهم الائمّة، فأينما رأيتموهم فاتبعوهم، فان أصبحتم يوما لا ترون منهم أحدا، فاستعينوا باللّه عزّ وجلّ، وانظروا السنّة الّتي كنتم عليها واتبعوها، وأحبّوا من كنتم تحبون، وأبغضوا من كنتم تبغضون، فما أسرع ما يأتيكم الفرج(٥١٥).
٣٠٨ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن أبي الجارود، قال: قلت: لأبي جعفر عليه السّلام يا بن رسول اللّه هل تعرف مودّتي لكم وانقطاعي إليكم وموالاتي إيّاكم؟ قال: فقال: نعم، قال: فقلت: فإنّي أسألك مسألة تجيبني فيها، فإنّي مكفوف البصر قليل المشي ولا أستطيع زيارتكم كلّ حين، قال: هات حاجتك، قلت: أخبرني بدينك الّذي تدين اللّه عزّ وجلّ به أنت وأهل بيتك لأدين اللّه عزّ وجلّ به. قال عليه السّلام: إن كنت أقصرت الخطبة، فقد أعظمت المسألة، واللّه لأعطينّك ديني ودين آبائي الّذي ندين اللّه عزّ وجلّ به، شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله والإقرار بما جاء من عند اللّه، والولاية لوليّنا، والبراءة من عدونا، والتسليم لأمرنا، وانتظار قائمنا، والاجتهاد والورع(٥١٦).
٣٠٩ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن الحكيم بن عتيبة، قال: بينا أنا مع أبي جعفر عليه السّلام والبيت غاصّ بأهله، إذ أقبل شيخ يتوكّأ على عنزة له حتّى وقف على باب البيت، فقال: السلام عليك يا ابن رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، ثمّ سكت، فقال أبو جعفر عليه السّلام: وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته، ثمّ أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال: السلام عليكم، ثمّ سكت حتّى أجابه القوم جميعا وردّوا عليه السّلام، ثمّ أقبل بوجهه على أبي جعفر عليه السّلام، ثمّ قال: يا ابن رسول اللّه أدنيني منك جعلني اللّه فداك، فو اللّه إنّي ما أحبّكم وأحبّ من يحبّكم لطمع في دنيا، واللّه إنّي لأبغض عدوّكم وأبرأ منه، وواللّه ما أبغضه وأبرأ منه لوتر كان بيني وبينه، واللّه إنّي لأحلّ حلالكم وأحرّم حرامكم وأنتظر أمركم، فهل ترجو لي جعلني اللّه فداك؟ فقال أبو جعفر: إليّ إليّ، حتّى أقعده إلى جنبه، ثمّ قال:
أيّها الشيخ، إنّ أبي عليّ بن الحسين عليه السّلام أتاه رجل فسأله عن مثل الّذي سألتني عنه، فقال له أبي عليه السّلام: إن تمت، ترد على رسول اللّه عليه السّلام وعلى عليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين، ويثلج قلبك ويبرد فؤادك وتقرّ عينك وتستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسك هاهنا - وأهوى بيده إلى حلقه - وإن تعش، تر ما يقرّ اللّه به عينك، وتكون معنا في السنام الأعلى.
فقال الشيخ: كيف قلت يا أبا جعفر عليه السّلام؟ فأعاد عليه الكلام.
فقال الشيخ: اللّه أكبر يا أبا جعفر، إن أنا متّ أرد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وعلى عليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين عليهم السّلام وتقرّ عيني ويثلج قلبي ويبرد فؤادي وأستقبل بالرّوح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسي إلى هاهنا، وإن أعش أر ما يقرّ اللّه به عيني فأكون معكم في السنام الاعلى؟!
ثمّ أقبل الشيخ ينتحب، ينشج ها ها ها حتّى لصق بالأرض، وأقبل أهل البيت ينتحبون وينشجون لما يرون من حال الشيخ.
وأقبل أبو جعفر عليه السّلام يمسح بأصبعه الدموع من حماليق عينيه وينفضها، ثمّ رفع الشيخ رأسه، فقال لأبي جعفر عليه السّلام: يا ابن رسول اللّه ناولني يدك جعلني اللّه فداك، فناوله يده فقبّلها ووضعها على عينيه وخدّه، ثمّ حسر عن بطنه وصدره، فوضع يده على بطنه وصدره، ثمّ قام فقال: السلام عليكم، وأقبل أبو جعفر عليه السّلام ينظر في قفاه وهو مدبر، ثمّ أقبل بوجهه على القوم فقال: من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة، فلينظر إلى هذا. فقال الحكم بن عتيبة: لم أر مأتما قطّ يشبه ذلك المجلس(٥١٧).
٣١٠ - روى الكافي رحمه اللّه بإسناده عن عبد الحميد الواسطيّ، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام:
أصلحك اللّه ولقد تركنا أسواقنا انتظارا لهذا الأمر حتّى أوشك الرجل منّا يسأل في يديه فقال: يا عبد الحميد أترى من حبس نفسه على اللّه لا يجعل اللّه له مخرجا؟ بلى واللّه ليجعلنّ اللّه له مخرجا، رحم اللّه عبدا حبس نفسه علينا، رحم اللّه عبدا أحيى امرنا، قال:
فقلت: فإن متّ قبل أن أدرك القائم؟ فقال: القائل منكم إن أدركت القائم من آل محمد نصرته، كالمقارع معه بسيفه، والشهيد معه له شهادتان(٥١٨).
٣١١ - وروى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن اسماعيل الجعفيّ، قال: دخل رجل على أبي جعفر عليه السّلام ومعه صحيفة، فقال له أبو جعفر عليه السّلام: هذه صحيفة مخاصم يسأل عن الدّين الّذي يقبل فيه العمل. فقال: رحمك اللّه هذا الّذي أريد. فقال أبو جعفر عليه السّلام: شهادة أن لا اله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه واله عبده ورسوله، وتقرّ بما جاء من عند اللّه، والولاية لنا أهل البيت، والبراءة من عدوّنا، والورع والتواضع، وانتظار قائمنا، فإنّ لنا دولة إذا شاء اللّه جاء بها(٥١٩).
الآية الثانية قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ اَلسَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ اَلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ اَلنَّاسُ واَلْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا واِزَّيَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(٥٢٠).
٣١٢ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه حديثا طويلا لابن مهزيار في من شاهد القائم عليه السّلام جاء فيه: فما كان إلاّ هنيئة، فخرج إليّ وهو يقول: طوبى لك قد أعطيت سؤالك، قال: فدخلت عليه صلوات اللّه عليه وهو جالس على نمط عليه نطع أديم أحمر متّكئ على مسورة أديم، فسلّمت عليه وردّ عليّ السلام، ولمحته فرأيت وجهه مثل فلقة قمر، لا بالخرق ولا بالبزق، ولا بالطويل الشامخ، ولا بالقصير اللاصق، ممدود القامة، صلت الجبين، أزجّ الحاجبين، أدعج العينين، أقنى الأنف، سهل الخدّين، على خدّه الأيمن خال.
فلمّا أن بصرت به، حار عقلي في نعته وصفته، فقال لي: يا ابن مهزيار كيف خلّفت إخوانك في العراق؟
قلت: في ضنك عيش وهناة، قد تواترت عليهم سيوف بني الشيصبان، فقال:
قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون، كأنّي بالقوم قد قتلوا في ديارهم وأخذهم أمر ربّهم ليلا ونهارا.
فقلت: متى يكون ذلك يا ابن رسول اللّه؟
قال: إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة بأقوام لا خلاق لهم واللّه ورسوله منهم براء، وظهرت الحمرة في السماء ثلاثا فيها اعمدة كأعمدة اللجين تتلألأ نورا، ويخرج الشروسيّ من أرمينية وآذربيجان يريد وراء الريّ الجبل الاسود المتلاحم بالجبل الأحمر، لزيق جبل طالقان، فيكون بينه وبين المروزيّ وقعة صيلمانيّة، يشيب فيها الصغير، ويهرم منها الكبير، ويظهر القتل بينهما، فعندها توقّعوا خروجه إلى الزوراء، فلا يلبث بها حتّى يوافي باهات، ثمّ يوافي واسط العراق، فيقيم بها سنة أو دونها، ثمّ يخرج إلى كوفان، فيكون بينهم وقعة من النجف إلى الحيرة إلى الغريّ، وقعة شديدة تذهل منها العقول، فعندها يكون بوار الفئتين، وعلى اللّه حصاد الباقين.
ثمّ تلا قوله تعالى: بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) فقلت: سيدي يا ابن رسول اللّه ما الأمر؟
قال: نحن أمر اللّه وجنوده.
قلت: سيّدي يا ابن رسول اللّه حان الوقت؟
قال: (اِقْتَرَبَتِ اَلسَّاعَةُ واِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ)(٥٢١)،(٥٢٢).
٣١٣ - الفضل بن شاذان بإسناده عن محمّد بن الحنفيّة، (في حديث اختصرنا منه موضع الحاجة)، أنّه قال: إنّ لبني فلان ملكا مؤجّلا حتّى إذا أمنوا واطمأنّوا، وظنّوا أنّ ملكهم لا يزول، صيح فيهم صيحة، فلم يبق لهم راع يجمعهم، ولا داع يسمعهم، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا واِزَّيَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
قلت: جعلت فداك: هل لذلك وقت؟
قال: لا، لأنّ علم اللّه غلب علم الموقّتين، إنّ اللّه وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمّها بعشر لم يعلمها موسى، ولم يعلمها بنو اسرائيل، فلمّا جاز الوقت قالوا: غرّنا موسى فعبدوا العجل، ولكن إذا كثرت الحاجة والفاقة، وأنكر في الناس بعضهم بعضا، فعند ذلك توقّعوا أمر اللّه صباحا ومساء(٥٢٣).
٣١٤ - أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، بإسناده عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
نزلت في بني فلان ثلاث آيات: قوله عزّ وجلّ: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا واِزَّيَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) يعني القائم بالسيف (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ).
وقوله عزّ وجلّ: (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا واَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ)(٥٢٤) قال أبو عبد اللّه عليه السّلام بالسيف.
وقوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا واِرْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) يعني القائم عليه السّلام، يسأل بني فلان عن كنوز بني أمّية(٥٢٥).
الآية الثالثة قوله تعالى: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ قُلِ اَللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(٥٢٦).
٣١٥ - محمّد بن يعقوب: بإسناده عن عبد الرحمن بن مسلمة الحريريّ، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام يوبّخونا ويكذبونا أنّا نقول: إنّ صيحتين تكونان، يقولون من أين تعرف المحقّة من المبطلة إذا كانتا؟ قال: فماذا تردّون عليهم؟ قلت: ما نردّ عليهم شيئا. قال:
قولوا: يصدّق بها إذا كانت من كان يؤمن بها من قبل، ان اللّه عزّ وجلّ يقول: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(٥٢٧).
٣١٦ - محمّد بن يعقوب: بإسناده عن داود بن فرقد، قال: سمع رجل من العجليّة هذا الحديث: قوله «ينادي مناد ألا إنّ فلان بن فلان وشيعته هم الفائزون أوّل النهار، وينادي مناد آخر النهار ألا إنّ عثمان وشيعته هم الفائزون»، فقال الرجل: فما يدرينا أيّما الصادق من الكاذب؟ فقال: يصدق عليها من كان يؤمن بها قبل أن ينادي، إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول:
(أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(٥٢٨).
٣١٧ - الشّيخ الصدوق، بإسناده عن ميمون البان، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام (أبي جعفر عليه السّلام) في فسطاطه، فرفع جانب الفسطاط فقال: إنّ أمرنا - لو قد كان - لكان أبين من هذه الشمس المضيئة، ثمّ قال: ينادي مناد من السماء: فلان بن فلان هو الإمام باسمه، وينادي إبليس لعنه اللّه من الأرض كما نادى برسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ليلة العقبة(٥٢٩).
٣١٨ - عنه، بإسناده عن زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ينادي مناد من السماء باسم القائم عليه السّلام، قلت: خاصّ أو عامّ؟ قال: عامّ يسمع كلّ قوم بلسانهم، قلت: فمن يخالف القائم عليه السّلام وقد نودي باسمه؟ قال: لا يدعهم إبليس حتّى ينادي في آخر الليل ويشكّك الناس(٥٣٠).
٣١٩ - وعنه، بإسناده عن المعلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: صوت جبرئيل من السماء، وصوت إبليس من الأرض، فاتّبعوا الصوت الأوّل، وإيّاكم والأخير أن تفتتنوا به(٥٣١).
٣٢٠ - وروى القمّي في تفسيره عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) فأمّا من يهدي إلى الحقّ، فهم محمّد وآل محمّد من بعده، وأمّا من لا يهدي إلاّ أن يهدى، فهو من خالف من قريش وغيرهم أهل بيته من بعده(٥٣٢).
٣٢١ - روى الطبريّ في «دلائل الإمامة» بالإسناد عن أنس بن مالك، قال: خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ذات يوم فرأى عليّا، فوضع يده بين كتفيه ثمّ قال: يا عليّ، لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يملك رجل من عترتك يقال له المهديّ، يهدي إلى اللّه عزّ وجلّ ويهتدي به العرب، كما هديت أنت الكفار والمشركين من الضلالة، ثمّ قال: ومكتوب على راحتيه، بايعوه فإنّ البيعة للّه عزّ وجلّ(٥٣٣).
٣٢٢ - وروي عن محمّد بن عليّ السلميّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ: قال: «إنّما سمّي المهديّ مهديّا لأنّه يهدي لأمر خفيّ، يهدي ما في صدور الناس، ويبعث إلى الرجل فيقتله لا يدري في أيّ شيء قتله، ويبعث ثلاثة راكب - قال هي بلغة غطفان راكبان - أمّا راكب فيأخذ ما في أيدي أهل الذمّة من رقيق المسلمين فيعتقهم، وأمّا راكب فيظهر البراءة منهما، من يغوث ويعوق في أرض العرب، وراكب يخرج التوراة من مغارة بأنطاكية، ويعطى حكم سليمان»(٥٣٤).
٣٢٣ - وروى النعمانيّ بإسناده عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: دخل رجل على أبي جعفر الباقر عليه السّلام فقال له: عافاك اللّه، اقبض منّي هذه الخمسمائة درهم، فإنّها زكاة مالي، فقال له أبو جعفر عليه السّلام: خذها أنت فضعها في جيرانك من أهل الإسلام والمساكين من إخوانك المؤمنين، ثمّ قال: إذا قام قائم أهل البيت، قسّم بالسوية وعدل في الرعيّة، فمن أطاعه فقد أطاع اللّه، ومن عصاه فقد عصى اللّه، وإنّما سميّ المهديّ مهديا لأنّه يهدي إلى أمر خفيّ، ويستخرج التوراة وسائر كتب اللّه عزّ وجلّ من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن، وتجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرّم اللّه عزّ وجلّ، فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله، ويملأ الأرض عدلا وقسطا ونورا كما ملئت ظلما وجورا وشرّا(٥٣٥).
الآية الرابعة قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ اَلظَّالِمِينَ)(٥٣٦).
٣٢٤ - بالإسناد عن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن هذه الأمور العظام من الرجعة وأشباهها؟ فقال: إنّ هذا الّذي تسألون عنه لم يجيء أوانه، وقد قال اللّه عزّ وجلّ:
(بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)(٥٣٧).
٣٢٥ - وقال عليّ بن إبراهيم في قوله: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي لم يأتهم تأويله كَذَلِكَ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) قال: نزلت في الرجعة، كذّبوا بها، أي أنّها لا تكون، ثمّ قال: (ومِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ومِنْهُمْ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ).
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله: (ومِنْهُمْ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهِ) فهم أعداء محمّد وآل محمّد من بعده (ورَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) والفساد المعصية للّه ولرسوله(٥٣٨).
الآية الخامسة قوله تعالى: (وإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اَللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا يَفْعَلُونَ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاءَ اَللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولاَ يَسْتَقْدِمُونَ * قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَا ذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ اَلْمُجْرِمُونَ * أَ ثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)(٥٣٩).
٣٢٦ - قال عليّ بن إبراهيم في قوله: (وإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكُمْ عَمَلُكُمْ - إلى قوله - مَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) فإنّه محكم.
ثمّ قال: (وإِمَّا نُرِيَنَّكَ يا محمّد بَعْضَ اَلَّذِي نَعِدُهُمْ) من الرجعة وقيام القائم (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل ذلك فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اَللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا يَفْعَلُونَ).
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً) يعني ليلا (أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ اَلْمُجْرِمُونَ) فهذا عذاب ينزل في آخر الزمان على فسقة أهل القبلة يجحدون نزول العذاب عليهم(٥٤٠).
الآية السادسة قوله تعالى: (ويَقُولُونَ مَتى هَذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(٥٤١).
المهديّ عليه السّلام هو الوعد الحق
٣٢٧ - روى الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن عبد الرحمن بن سليط، قال:
قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: منّا اثنا عشر مهديّا، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحقّ، يحيي اللّه به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ على الدّين كلّه ولو كره المشركون.
له غيبة يرتدّ فيها أقوام، ويثبت فيها على الدّين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: (مَتى هَذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أما إنّ الصابر في غيبته على الاذى والتكذيب، بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله(٥٤٢).
الآية السابعة قوله تعالى: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(٥٤٣).
٣٢٨ - روى الشيخ الصدوق، بإسناده عن أبي بصير، قال:
قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام: يا أبا بصير طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، اولئك أولياء اللّه الّذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون(٥٤٤).
الآية الثامنة قوله تعالى: (اَلَّذِينَ آمَنُوا وكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ اَلْبُشْرى فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وفِي اَلْآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اَللَّهِ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ)(٥٤٥).
٣٢٩ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن أبي عبيدة الحذّاء، قال: سألت ابا جعفر عليه السّلام، عن الاستطاعة وقول الناس، فقال: وتلا هذه الآية: (ولاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)(٥٤٦).
يا أبا عبيدة الناس مختلفون في إصابة القول، وكلهم هالك، قال: قلت: قوله: (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) قال: هم شيعتنا، ولرحمته خلقهم، وهو قوله: (ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) يقول: لطاعة الامام الرحمة الّتي يقول: (ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء) يقول: علم الإمام، ووسع علمه الّذي هو من علمه كلّ شيء، هم شيعتنا، ثمّ قال: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) يعني ولاية غير الإمام وطاعته، ثمّ قال: (يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرَاةِ واَلْإِنْجِيلِ) يعني النبيّ صلّى اللّه عليه واله والوصيّ والقائم (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) إذا قام (ويَنْهَاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ) والمنكر من أنكر فضل الإمام وجحده (ويُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبَاتِ) أخذ العلم من أهله: (ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَائِثَ) والخبائث قول من خالف (ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) وهي الذنوب الّتي كانوا فيها قبل معروفتهم فضل الإمام (واَلْأَغْلاَلَ اَلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) والأغلال: ما كانوا يقولون ممّا لم يكونوا أمروا به من ترك فضل الإمام، فلمّا عرفوا فضل الإمام وضع عنهم إصرهم، والإصر الذنب، وهي الآصار، ثمّ نسبهم فقال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا) يعني بالإمام (وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ)(٥٤٧) يعني الّذين اجتنبوا الجبت والطاغوت أن يعبدوها، والجبت والطاغوت فلان وفلان وفلان، والعبادة: طاعة الناس لهم، ثمّ قال: (أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَهُ)(٥٤٨) ثمّ جزاهم فقال: (لَهُمُ اَلْبُشْرى فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وفِي اَلْآخِرَةِ) والإمام يبشّرهم بقيام القائم وبظهوره، وبقتل اعدائهم وبالنجاة في الآخرة، والورود على محمّد صلّى اللّه عليه واله وآله الصادقين على الحوض(٥٤٩).
الآية التاسعة قوله تعالى: (فَلَوْ لاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا ومَتَّعْنَاهُمْ إِلى حِينٍ)(٥٥٠).
المسخ الأعداء اللّه قبل ظهور المهديّ عليه السّلام
٣٣٠ - روى النعمانيّ بإسناده عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: قول اللّه عزّ وجلّ: (عَذَابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا) وفي الآخرة، ما هو عذاب خزي الدنيا؟ فقال عليه السّلام: وأيّ خزي أخزى يا أبا بصير من أن يكون الرجل في بيته وحجاله وعلى إخوانه وسط عياله، إذ شق أهله الجيوب عليه وصرخوا، فيقول الناس ما هذا؟ فقال: مسخ فلان الساعة، فقلت: قبل قيام القائم عليه السّلام أو بعده؟ قال: لابل قبله(٥٥١).

سورة هود

الآية الاولى قوله تعالى: (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ اَلْعَذَابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)(٥٥٢).
٣٣١ - محمّد بن إبراهيم النعمانيّ، قال: بإسناده عن إسحاق بن عبد العزيز، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله: (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ اَلْعَذَابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) قال: العذاب خروج القائم عليه السّلام(٥٥٣)، والأمّة المعدودة عدّة أهل بدر وأصحابه(٥٥٤).
٣٣٢ - محمّد بن يعقوب، بإسناده عن أبي خالد، عن أبي عبد اللّه أو أبي جعفر عليهما السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ: (فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً)(٥٥٥) قال: الخيرات الولاية، وقوله تبارك وتعالى: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً يعني أصحاب القائم عليه السّلام الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا، قال: وهم - واللّه - الأمّة المعدودة، قال: يجتمعون واللّه في ساعة واحدة، قزع كقزع الخريف(٥٥٦).
٣٣٣ - عليّ بن إبراهيم، بإسناده عن هشام بن عمّار، عن أبيه، وكان من أصحاب عليّ عليه السّلام، عن عليّ صلوات اللّه عليه، في قوله تعالى: (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ اَلْعَذَابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ) قال: الأمّة المعدودة أصحاب القائم الثلاثمائة والبضعة عشر(٥٥٧).
٣٣٤ - عليّ بن إبراهيم، بإسناده عن أبي خالد الكابليّ، في قوله تعالى (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ اَلْعَذَابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) قال:
هم أصحاب القائم عليه السّلام يجتمعون واللّه إليه في ساعة واحدة، فإذا جاء إلى البيداء، يخرج إليه جيش السفياني، فيأمر اللّه الأرض فتأخذ أقدامهم، وهو قوله: (ولَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ) يعني بالقائم من آل محمّد عليهم السّلام (وأَنَّى لَهُمُ اَلتَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) إلى قوله: (وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)(٥٥٨) يعني ألا يعذبوا (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ) يعني من كان قبلهم من المكذّبين هلكوا(٥٥٩).
٣٣٥ - العيّاشيّ، بإسناده عن ابان بن مسافر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه: (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ اَلْعَذَابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) يعني عدّة كعدّة بدر (لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) قال: العذاب(٥٦٠).
٣٣٦ - وعنه بإسناده عن عبد الأعلى الحلبيّ، قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: أصحاب القائم عليه السّلام الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا هم واللّه الأمّة المعدودة الّتي قال في كتابه: (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ اَلْعَذَابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) قال: يجتمعون له في ساعة واحدة، قزعا كقزع الخريف(٥٦١).
٣٣٧ - وعنه بإسناده عن الحسين، عن الخزّاز، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ اَلْعَذَابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) قال: هو القائم وأصحابه(٥٦٢).
٣٣٨ - أبو عليّ الطبرسيّ في «مجمع البيان»: قيل أنّ الأمّة المعدودة هم أصحاب المهديّ في آخر الزمان، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا كعدّة أهل بدر، يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخريف، قال: وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السّلام(٥٦٣).
٣٣٩ - قال شرف الدّين النجفيّ: ويؤيّده ما رواه محمّد بن جمهور، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، قال: روى بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله تعالى: (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ اَلْعَذَابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) قال: العذاب هو القائم عليه السّلام، وهو عذاب على أعدائه، والأمّة المعدودة هم الّذين يقومون معه بعدد أهل بدر(٥٦٤).
٣٤٠ - عليّ بن إبراهيم: في تفسيره المنسوب إلى الصادق عليه السّلام، في قوله تعالى: (ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ اَلْعَذَابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) قال: قال إن متّعناهم في هذه الدنيا إلى خروج القائم عليه السّلام، فنردّهم ونعذّبهم (لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ) أن يقولوا: لم لا يقوم القائم عليه السّلام ولا يخرج، على حدّ الاستهزاء، فقال اللّه: أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)(٥٦٥).
الآية الثانية قوله تعالى: (أَلاَ لَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى اَلظَّالِمِينَ)(٥٦٦).
من علامات الظهور النداء من السماء
٣٤١ - روى الحميريّ بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال:
لابدّ من فتنة صماء صيلم تظهر فيها كلّ بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض، ثمّ قال من بعد كلام طويل: كأنّي بهم شرّ ما كانوا وقد نودوا ثلاثة أصوات: الصوت الاول أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين، والصوت الثاني: (أَلاَ لَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى اَلظَّالِمِينَ)، والثالث: بدن يظهر فيرى في قرن الشمس يقول: إنّ اللّه قد بعث فلانا فاسمعوا وأطيعوا(٥٦٧).
الآية الثالثة قوله تعالى: (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ)(٥٦٨).
شبه غيبة المهديّ عليه السّلام بغيبة نوح عليه السّلام
٣٤٢ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه، بإسناده عن عبد اللّه بن الفضل الهاشميّ، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام: لمّا أظهر اللّه تبارك وتعالى نبوّة نوح عليه السّلام وأيقن الشيعة بالفرج، اشتدّت البلوى وعظمت الفرية إلى أن آل الأمر إلى شدّة شديدة نالت الشيعة والوثوب على نوح بالضرب المبرّح، حتّى مكث عليه السّلام في بعض الأوقات مغشيّا عليه ثلاثة أيّام يجري الدم من أذنه ثمّ أفاق، وذلك بعد ثلاثمائة سنة من مبعثه، وهو في خلال ذلك يدعوهم ليلا ونهارا فيهربون، ويدعوهم سرّا فلا يجيبون، ويدعوهم علانية فيولّون، فهمّ بعد ثلاثمائة سنة بالدعاء عليهم، وجلس بعد صلاة الفجر للدعاء، فهبط إليه وفد من السماء السابعة، وهم ثلاثة أملاك فسلّموا عليه، ثمّ قالوا له: يا نبيّ اللّه لنا حاجة، قال:
وما هي؟
قالوا: تؤخّر الدعاء على قومك، فإنّها أوّل سطوة للّه عزّ وجلّ في الأرض، قال: قد أخّرت الدعاء عليهم ثلاثمائة سنة اخرى، وعاد إليهم فصنع ما كان يصنع، ويفعلون ما كانوا يفعلون، حتّى إذا انقضت ثلاثمائة سنة أخرى ويئس من إيمانهم، جلس في وقت ضحى النهار للدعاء فهبط عليه وفد من السماء السادسة وهم ثلاثة أملاك، فسلّموا عليه، وقالوا: نحن وفد من السماء السادسة، خرجنا بكرة وجئناك ضحوة، ثمّ سألوه مثل ما سأله وفد السماء السابعة، فأجابهم إلى مثل ما أجاب اولئك إليه، وعاد عليه السّلام إلى قومه يدعوهم، فلا يزيدهم دعاؤه إلاّ فرارا، حتّى انقضت ثلاثمائة سنة تتمّة تسعمائة سنة، فصارت إليه الشيعة وشكوا ما ينالهم من العامة والطواغيت وسألوه الدعاء بالفرج، فأجابهم إلى ذلك وصلّى ودعا، فهبط جبرئيل عليه السّلام فقال له: إنّ اللّه تبارك وتعالى أجاب دعوتك، فقل للشيعة: يأكلوا التمر ويغرسوا النوى ويراعوه حتّى يثمر، فإذا أثمر فرّجت عنهم، فحمد اللّه وأثنى عليه وعرّفهم ذلك، فاستبشروا به، فأكلوا التمر وغرسوا النوى وراعوه حتّى أثمر، ثمّ صاروا إلى نوح عليه السّلام بالتمر، وسألوه أن ينجز لهم الوعد، فسأل اللّه عزّ وجلّ في ذلك، فأوحى اللّه إليه: قل لهم: كلوا هذا التمر واغرسوا النوى، فإذا أثمر فرّجت عنكم! فلمّا ظنّوا أن الخلف قد وقع عليهم، ارتدّ منهم الثلث وثبت الثلثان، فأكلوا التمر وغرسوا النوى، حتّى إذا أثمر أتوا به نوحا عليه السّلام فأخبروه وسألوه أن ينجز لهم الوعد، فسأل اللّه عزّ وجلّ في ذلك، فأوحى اللّه إليه: قل لهم: كلوا هذا التمر واغرسوا النوى، فارتدّ الثلث الآخر وبقي الثلث، فأكلوا التمر وغرسوا النوى، فلمّا أثمر أتوا به نوحا عليه السّلام ثمّ قالوا له: لم يبق منّا إلاّ القليل ونحن نتخوّف على أنفسنا بتأخّر الفرج أن نهلك، فصلّى نوح عليه السّلام ثمّ قال: يا ربّ لم يبق من أصحابي إلاّ هذه العصابة، وإنّي أخاف عليهم الهلاك إن تأخّر عنهم الفرج، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه: قد أجبت دعاءك فاصنع الفلك، وكان بين إجابة الدعاء وبين الطوفان خمسون سنة(٥٦٩).
الآية الرابعة قوله تعالى: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ).
٣٤٣ - العيّاشيّ، بإسناده عن صالح بن سعيد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، في قول اللّه: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ)(٥٧٠) قال: قوة: القائم عليه السّلام، والركن الشديد: الثلاثمائة وثلاثة عشر أصحابه(٥٧١).
٣٤٤ - الشّيخ الصدوق بإسناده عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ما كان قول لوط عليه السّلام لقومه: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) إلاّ تمنّيا لقوّة القائم عليه السّلام، ولا الركن ذكر إلاّ شدّة أصحابه، فإنّ الرجل منهم ليعطى قوّة أربعين رجلا، وإنّ قلبه لأشدّ من زبر الحديد، ولو مرّوا بجبال الحديد لتدكدكت، ولا يكفّون سيوفهم حتّى يرضى اللّه عزّ وجلّ(٥٧٢).
٣٤٥ - عليّ بن إبراهيم، بإسناده عن صالح، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: في قوله: (قُوَّةً) قال: القوّة القائم عليه السّلام، والركن الشديد ثلاثمائة وثلاثة عشر.
قال عليّ بن إبراهيم:
فقال جبرئيل، لو علم ما له من القوة؟! فقال: من أنتم؟ فقال جبرئيل:
أنا جبرئيل، فقال لوط: بماذا أمرت؟ قال: بهلاكهم، فسأله: الساعة؟
قال: (مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ أَلَيْسَ اَلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) فكسروا الباب ودخلوا البيت، فضرب جبرئيل بجناحه على وجوههم فطمسها، وهو قول اللّه عزّ وجّل: (ولَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي ونُذُرِ)(٥٧٣).
الآية الخامسة قول اللّه عزّ وجلّ: (بَقِيَّتُ اَللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(٥٧٤).
المهديّ عليه السّلام بقيّة اللّه في الأرض
٣٤٦ - روى الشيخ الصدوق أعلى اللّه مقامه، بإسناده عن محمّد بن مسلم الثقفيّ، قال:
سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام يقول: القائم منا منصور بالرعب، مؤيّد بالنصر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر اللّه عزّ وجلّ به دينه على الدّين كلّه ولو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خراب إلاّ قد عمر، وينزل روح اللّه عيسى ابن مريم عليه السّلام فيصلّي خلفه، قال: قلت: يا ابن رسول اللّه متى يخرج قائمكم؟
قال: إذا تشبّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وركب ذوات الفروج السروج، وقبلت شهادات الزور، وردّت شهادات العدول، واستخفّ الناس بالدماء وارتكاب الزنا وأكل الربا، واتّقي الأشرار مخافة ألسنتهم، وخروج السفيانيّ من الشام، واليمانيّ من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمّد صلّى اللّه عليه واله بين الركن والمقام، اسمه محمّد ابن الحسن النفس الزكيّة، وجاءت صيحة من السماء بأنّ الحقّ فيه وفي شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا.
فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وأوّل ما ينطق به هذه الآية: (بَقِيَّتُ اَللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ثمّ يقول: أنا بقيّة اللّه في أرضه، وخليفته وحجّته عليكم، فلا يسلّم عليه مسلّم إلاّ قال: السلام عليك يا بقيّة اللّه في أرضه.
فإذا اجتمع إليه العقد، وهو عشرة آلاف رجل، خرج، فلا يبقى في الأرض معبود دون اللّه عزّ وجلّ من صنم ووثن وغيره إلاّ وقعت فيه نار فاحترق، وذلك بعد غيبة طويلة، ليعلم اللّه من يطيعه بالغيب ويؤمن به(٥٧٥).
٣٤٧ - روى فرات الكوفي معنعنا عن عمر بن ذاهب، قال: قال رجل لجعفر بن محمّد عليه السّلام: نسلّم على القائم بإمرة المؤمنين؟ قال: لا، ذلك اسم سمّاه اللّه به أمير المؤمنين، لا يسمّى به أحد قبله ولا بعده إلاّ كافر، قال: كيف نسلّم عليه؟ قال: تقول: السلام عليك يا بقيّة اللّه، قال: ثمّ قرأ جعفر: (بَقِيَّتُ اَللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(٥٧٦).
٣٤٨ - وروى الصدوق رحمه اللّه، بإسناده إلى أحمد بن اسحاق قال: دخلت على العسكري عليه السّلام أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فابتدأني: إنّ اللّه لا يخلي الأرض منذ خلق آدم عليه السّلام ولا يخلها إلى أن تقوم الساعة من حجّة له على خلقه. قلت: ومن الخليفة بعدك؟ فأسرع ودخل البيت، وخرج وعلى عاتقه غلام وقال: لو لا كرامتك على اللّه وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنّه سمّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وكنيّه، مثله في هذه الأمّة كالخضر وذي القرنين، ليغيبنّ غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلاّ من ثبّته اللّه على القول بإمامته، ووفّقه الدعاء بتعجيل فرجه، ويرجع من هذا الأمر أكثر القائلين به، هذا سرّ اللّه فخذ واكتمه، وكن من الشاكرين، تكن معنا في علّيين. فقلت: هل من علامة؟ فنطق الغلام فقال: أنا بقية اللّه في أرضه والمنتقم من أعدائه(٥٧٧).
٣٤٩ - وروى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن الصقر بن أبي دلف، قال: لمّا حمل المتوكل سيّدنا أبا الحسن عليه السّلام، جئت لأسال عن خبره، قال:
فنظر إليّ حاجب المتوكل، فأمر أن أدخل إليه، فأدخلت إليه، فقال:
يا صقر ما شأنك؟ قلت: خير أيّها الأستاذ، فقال: اقعد، قال صقر: فأخذني ما تقدّم وما تأخّر، وقلت: أخطأت في المجي ء، قال: فوحى الناس عنده ثمّ قال: ما شأنك وفيم جئت؟ قلت: لخبر ما، قال: لعلّك جئت تسأل عن خبر مولاك؟ فقلت له: ومن مولاي؟ مولاي أمير المؤمنين، فقال: اسكت، مولاك هو الحقّ، لا تحتشمني فإنّي على مذهبك، فقلت: الحمد للّه، فقال: أتحبّ أن تراه؟ فقلت: نعم، فقال: اجلس حتّى يخرج صاحب البريد، قال: فجلست، فلمّا خرج، قال لغلام له: خذ بيد الصقر، فأدخله إلى الحجرة الّتي فيها العلويّ المحبوس وخلّ بينه وبينه.
قال: فأدخلني الحجرة وأومأ إلى بيت، فدخلت فإذا هو عليه السّلام جالس على صدر حصير وبحذاه قبر محفور، قال: فسلّمت، فرد عليّ السلام، ثمّ أمرني بالجلوس فجلست، ثمّ قال لي: يا صقر ما أتى بك؟ قلت: يا سيّدي جئت أتعرّف خبرك. قال: ثمّ نظرت إلى القبر وبكيت، فنظر إليّ وقال: يا صقر لا عليك لن يصلوا إلينا بسوء، فقلت: الحمد للّه، ثمّ قلت: يا سيّدي حديث يروى عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله لا أعرف معناه قال: فما هو؟ قلت: قوله صلّى اللّه عليه واله:
لا تعادوا الأيّام فتعاديكم، ما معناه؟ فقال:
نعم، الأيّام نحن، بنا قامت السموات والأرض، فالسبت: اسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، والأحد أمير المؤمنين، والاثنين الحسن والحسين، والثلاثاء عليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ الباقر وجعفر بن محمّد الصادق، والأربعاء موسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ وأنا، والخميس ابني الحسن، والجمعة ابن ابني، وإليه تجتمع عصابة الحقّ، وهو الّذي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، فهذا معنى الأيّام. ولا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الآخرة، ثمّ قال عليه السّلام ودّع واخرج فلا آمن عليك(٥٧٨).
وفي رواية - إثبات الوصية - والجمعة ابنه، وعليه تجتمع هذه الأمّة، ثمّ قرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم (بَقِيَّتُ اَللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ثمّ قال: نحن بقيّة اللّه(٥٧٩).
الآية السادسة قوله تعالى: (واِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ)(٥٨٠).
٣٥٠ - روى العيّاشيّ بإسناده عن البزنطيّ، قال: قال الرضا عليه السّلام: ما أحسن الصبر وانتظار الفرج، أما سمعت قول اللّه تعالى: (واِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) وقوله عزّ وجلّ:
(فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ)(٥٨١) فعليكم بالصبر، فإنّه إنّما يجيء الفرج على اليأس، فقد كان الّذين من قبلكم أصبر منكم(٥٨٢).
٣٥١ - نهج البلاغة: من كلام لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام: الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحرّكوا بأيديكم وسيوفكم، وهوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجّله اللّه لكم، فإنّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة ربّه، وحقّ رسوله وأهل بيته، مات شهيدا أوقع أجره على اللّه واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النيّة مقام إصلاته بسيفه، فانّ لكلّ شيء مدّة وأجلا(٥٨٣).
٣٥٢ - روى العيّاشيّ بإسناده عن محمّد بن الفضيل، عن الرضا عليه السّلام قال: سألته عن انتظار الفرج فقال: أو ليس تعلم أنّ انتظار الفرج من الفرج؟ ثمّ قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: (واِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ)(٥٨٤).
الآية السابعة قوله تعالى: (ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْ لاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)(٥٨٥).
٣٥٣ - محمّد بن يعقوب بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى:
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) قال: اختلفوا كما اختلفت هذه الأمّة في الكتاب، وسيختلفون في الكتاب الّذي مع القائم عليه السّلام الّذي يأتيهم به، حتّى ينكره ناس كثير، فيقّدمهم فيضرب أعناقهم(٥٨٦).

سورة يوسف

الآية الاولى قوله تعالى: (يَا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وأَخِيهِ ولاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكَافِرُونَ)(٥٨٧).
فضل انتظار ظهور المهديّ عليه السّلام
٣٥٤ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن أبي بصير ومحمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن آبائه عليهم السّلام أن أمير المؤمنين عليه السّلام علم أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه ودنياه، جاء فيها: انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح اللّه، فإنّ أحبّ الأعمال إلى اللّه عزّ وجلّ انتظار الفرج ما دام عليه العبد المؤمن، والمنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه(٥٨٨).
الآية الثانية قوله تعالى: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اَللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ)(٥٨٩).
شبه غيبة المهديّ عليه السّلام بيوسف عليه السّلام
٣٥٥ - وبالإسناد عن سدير، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ في القائم سنّة من يوسف، قلت: كأنّك تذكر حيرة أو غيبة.
قال لي: وما تنكر من هذا هذه الأمّة أشباه الخنازير؟!
إنّ إخوة يوسف كانوا أسباطا أولاد أنبياء تاجروا يوسف وبايعوه وخاطبوه وهم أخوته وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتّى قال لهم يوسف عليه السّلام: أنا يوسف، فما تنكر هذه الأمّة الملعونة أن يكون اللّه عزّ وجلّ في وقت من الاوقات يريد أن يستر حجّته، لقد كان يوسف إليه ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد اللّه عزّ وجلّ أن يعرّف مكانه لقدر على ذلك، واللّه لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيّام من بدوهم إلى مصر، وما تنكر هذه الأمّة أن يكون اللّه يفعل بحجّته ما فعل بيوسف أن يكون يسير في أسواقهم ويطأ بسطهم وهم لا يعرفونه حتّى يأذن اللّه عزّ وجلّ أن يعرّفهم نفسه، كما أذن ليوسف حين قال: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وهَذَا أَخِي)(٥٩٠).
٣٥٦ - وبالإسناد عن محمّد بن مسلم، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السّلام وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمّد صلّى اللّه عليه واله، فقال لي مبتدئا: يا محمّد بن مسلم، إنّ في القائم من آل محمّد صلّى اللّه عليه واله شبها من خمسة من الرسل: يونس بن متى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمّد صلوات اللّه عليهم.
فأمّا شبهه من يونس، فرجوعه من غيبته وهو شابّ بعد كبر السن. وأمّا شبهه من يوسف بن يعقوب، فالغيبة من خاصّته وعامّته واختفاؤه من إخوته وإشكال أمره على أبيه يعقوب عليه السّلام مع قرب المسافة بينه وبين أبيه وأهله وشيعته.
وأمّا شبهه من موسى، فدوام خوفه وطول غيبته وخفاء ولادته وتعب شيعته من بعده بما لقوا من الأذى والهوان إلى أن أذن اللّه عزّ وجلّ في ظهوره ونصره، وأيّده على عدوّه.
وأمّا شبهه من عيسى فاختلاف من اختلف فيه، حتّى قالت طائفة منهم: ما ولد، وقالت طائفة: مات، وقالت طائفة: قتل وصلب.
وأمّا شبهه من جدّه المصطفى صلّى اللّه عليه واله، فخروجه بالسيف وقتله أعداء اللّه وأعداء رسوله صلّى اللّه عليه واله والجبّارين والطواغيت، وأنّه ينصر بالسيف والرعب، وأنّه لا تردّ له راية، وأنّ من علامات خروجه خروج السفيانيّ من الشام، وخروج اليمانيّ، وصيحة من السماء في شهر رمضان، ومناد ينادي باسمه واسم أبيه(٥٩١).
٣٥٧ - وبالإسناد عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: في صاحب الأمر سنّة من موسى وسنّة من عيسى وسنّة من يوسف وسنّة من محمّد صلّى اللّه عليه واله؛ فأمّا من موسى فخائف يترقّب، وأمّا من عيسى فيقال فيه ما قيل في عيسى، وأمّا من يوسف فالسجن والتقيّة، وأمّا من محمّد صلّى اللّه عليه واله فالقيام بسيرته وتبيين آثاره، ثمّ يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر، ولا يزال يقتل أعداء اللّه حتّى يرضى اللّه، قلت: وكيف يعلم أنّ اللّه عزّ وجلّ قد رضي؟ قال: يلقي اللّه عزّ وجلّ في قلبه الرحمة(٥٩٢).
٣٥٨ - وبالإسناد عن ضريس الكناسيّ، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: إنّ صاحب هذا الأمر فيه سنّة من يوسف: ابن أمة سوداء، يصلح اللّه أمره في ليلة واحدة(٥٩٣).
٣٥٩ - وعن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول: في القائم سنّة من موسى بن عمران عليه السّلام، فقلت: وما سنّة موسى بن عمران؟ قال: خفاء مولده وغيبته عن قومه، فقلت: كم غاب موسى عن أهله وقومه؟ قال: ثماني وعشرين سنة(٥٩٤).
٣٦٠ - وبالإسناد عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنّة من موسى، وسنّة من عيسى، وسنّة من يوسف، وسنّة من محمّد صلّى اللّه عليه واله.
فأمّا من موسى فخائف يترقّب، وأمّا من يوسف فالسجن، وأمّا من عيسى فيقال: إنّه مات، ولم يمت، وأمّا من محمّد صلّى اللّه عليه واله فالسيف(٥٩٥).
٣٦١ - وبالإسناد عن سعيد بن جبير، قال: سمعت سيّد العابدين عليّ بن الحسين عليه السّلام يقول: في القائم منّا سنن من سنن الأنبياء عليهم السّلام: سنّة من آدم، وسنّة من نوح، وسنّة من إبراهيم، وسنّة من موسى، وسنّة من عيسى، وسنّة من أيّوب، وسنّة من محمّد صلّى اللّه عليه واله؛ فأمّا من آدم ومن نوح فطول العمر، وأمّا من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأمّا من موسى فالخوف والغيبة، وأمّا من عيسى فاختلاف الناس فيه، وأمّا من أيّوب فالفرج بعد البلوى، وأمّا من محمّد صلّى اللّه عليه واله فالخروج بالسيف(٥٩٦).
٣٦٢ - أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: في القائم شبه من يوسف، قلت وما هو؟ قال: الحيرة والغيبة(٥٩٧).
٣٦٣ - النعمانيّ بإسناده عن يزيد الكناسيّ، قال: سمعت أبا جعفر الباقر عليه السّلام يقول: إنّ صاحب هذا الأمر فيه شبه من يوسف، ابن أمة سوداء، يصلح اللّه له أمره في ليلة(٥٩٨).
٣٦٤ - روى الشيخ الصدوق بإسناده عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال:
قدم أعرابيّ على يوسف ليشتري منه طعاما فباعه، فلمّا فرغ قال له يوسف: أين منزلك؟ قال له: بموضع كذا وكذا، قال: فقال له: فإذا مررت بوادي كذا وكذا، فقف فناد: يا يعقوب! يا يعقوب! فإنّه سيخرج إليك رجل عظيم جميل جسيم وسيم، فقل له: لقيت رجلا بمصر وهو يقرئك السلام ويقول لك: إنّ وديعتك عند اللّه عزّ وجلّ لن تضيع، قال: فمضى الأعرابي حتّى انتهى إلى الموضع، فقال لغلمانه: احفظوا عليّ الإبل، ثمّ نادى: يا يعقوب يا يعقوب! فخرج إليه رجل أعمى طويل جسيم جميل يتّقي الحائط بيده، حتّى أقبل فقال له الرجل: أنت يعقوب؟ قال: نعم، فأبلغه ما قال له يوسف، قال: فسقط مغشيّا عليه، ثمّ أفاق فقال: يا أعرابي ألك حاجة إلى اللّه عزّ وجلّ؟ فقال له: نعم إنّي رجل كثير المال ولي ابنة عمّ ليس يولد لي منها، واحب أن تدعو اللّه أن يرزقني ولدا، قال: فتوضّأ يعقوب وصلّى ركعتين ثمّ دعا اللّه عزّ وجلّ، فرزق أربعة أبطن، أو قال: ستّة أبطن، في كلّ بطن اثنان. فكان يعقوب عليه السّلام يعلم أنّ يوسف عليه السّلام حيّ لم يمت، وأنّ اللّه تعالى ذكره سيظهره له بعد غيبته، وكان يقول لبنيه: (إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). وكان أهله وأقرباؤه يفنّدونه على ذكره ليوسف، حتّى أنّه لمّا وجد ريح يوسف قال: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ اَلْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ اَلْبَشِيرُ (و هو يهودا ابنه وألقى قميص يوسف) عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً * قَالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(٥٩٩).
الآية الثالثة قوله عزّ وجلّ: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ)(٦٠٠).
٣٦٥ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سمعته يقول:
أتدري ما كان قميص يوسف عليه السّلام؟ قال: قلت لا. قال: إنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا أوقدت له النار، أتاه جبرئيل عليه السّلام بثوب من ثياب الجنّة فألبسه إيّاه، فلم يضرّه حرّ ولا برد، فلمّا حضر إبراهيم الموت، جعله في تميمة وعلّقه على إسحاق، وعلّقه إسحاق على يعقوب، فلمّا ولد يوسف علّقه عليه وكان في عضده حتّى كان من أمره ما كان، فلمّا أخرجه يوسف بمصر من التميمة وجد يعقوب عليه السّلام ريحه، وهو قوله تعالى حكاية عنه: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ). فهو ذلك القميص الّذي أنزل من الجنّة.
قلت: جعلت فداك فإلى من صار هذا القميص؟ قال: إلى أهله، وهو مع قائمنا إذا خرج، ثمّ قال: كلّ نبيّ ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى محمّد صلّى اللّه عليه واله(٦٠١).
٣٦٦ - ذكر العلاّمة البيّاضيّ في صفة المهديّ عليه السّلام قال: وفي رواية المفضّل: يخرج وعليه قميص يوسف، فيشمّ المؤمنون رائحته شرقا وغربا، وهو الّذي شمّ رائحته يعقوب في قوله: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ)(٦٠٢).
الآية الرابعة قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ولاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ اَلْقَوْمِ اَلْمُجْرِمِينَ)(٦٠٣).
ظهور المهديّ عليه السّلام بعد اليأس
٣٦٧ - وبالإسناد عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين فشكا إليه طول دولة الجور، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: واللّه ما تأملون حتّى يهلك المبطلون، ويضمحلّ الجاهلون ويأمن المتّقون وقليل ما يكون حتّى يكون لأحدكم موضع قدمه، وحتّى يكونوا على الناس أهون من الميتة عند صاحبها. فبينا انتم كذلك، إذ جاء نصر اللّه والفتح، وهو قوله عزّ وجلّ في كتابه: (حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا)(٦٠٤).

سورة الرعد

الآية الاولى قوله تعالى: (ويَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)(٦٠٥).
٣٦٨ - روى العيّاشيّ بإسناده عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: سمعته يقول في قول اللّه تبارك وتعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) فقال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله:
أنا المنذر وعليّ الهادي، وكلّ إمام هاد للقرن الّذي هو فيه(٦٠٦).
٣٦٩ - روى الصفّار رحمه اللّه من كتاب لخطب أمير المؤمنين عليه السّلام، ثمّ ذكر الخطبة بطولها، جاء فيها: أيّها الناس سلوني قبل أن تفقدوني، لأنا أعرف بطرق السماء أعلم من العالم بطرق الأرض، أنا يعسوب المؤمنين وغاية السابقين ولسان المتّقين وخاتم الوصيّين ووارث النبيّين وخليفة ربّ العالمين، أنا قسيم النار وخازن الجنان صاحب الحوض وصاحب الأعراف، فليس منّا أهل البيت إمام إلاّ وهو عارف بجميع أهل ولايته، ذلك قول اللّه تبارك وتعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)(٦٠٧).
٣٧٠ - روى القميّ بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال: المنذر رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، والهادي أمير المؤمنين عليه السّلام، وبعده الأئمّة عليهم السّلام وهو قوله: (ولِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) أي في كلّ زمان إمام هاد مبين(٦٠٨).
الآية الثانية قوله تعالى: (وهُوَ شَدِيدُ اَلْمِحَالِ)(٦٠٩).
٣٧١ - محمّد بن إبراهيم النعمانيّ في الغيبة، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت عليّا عليه السّلام يقول: إنّ بين يدي القائم عليه السّلام سنين خدّاعة، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويقرب فيها الماحل، وفي حديث: وينطق فيها الرويبضة، فقلت: وما الرويبضة وما الماحل؟ قال: أو ما تقرؤن القرآن قوله: وهُوَ شَدِيدُ اَلْمِحَالِ قال: يريد المكر، فقلت: وما الماحل؟ قال: يريد المكّار(٦١٠).
الآية الثالثة قوله تعالى: (اَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ)(٦١١).
طوبى للمؤمنين بالمهديّ عليه السّلام في غيبته
٣٧٢ - الشّيخ الصدوق، بإسناده عن أبي بصير، قال: قال الصادق عليه السّلام: طوبى لمن تمسّك بأمرنا في غيبة قائمنا، فلم يزغ قلبه بعد الهداية، فقلت له: جعلت فداك، وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة، أصلها في دار عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وليس من مؤمن إلاّ وفي داره غصن من أغصانها، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: (طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ)(٦١٢).
٣٧٣ - عن رفاعة ابن موسى، ومعاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه، يتولّى وليه، ويتبرّأ من عدوّه، ويتولّى الأئمّة الهادية من قبله، اولئك رفقائي وذوو ودّي ومودّتي، وأكرم أمّتي عليّ، قال رفاعة: وأكرم خلق اللّه عليّ(٦١٣).
٣٧٤ - وبالإسناد عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال: يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان، إنّ أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم الباري عزّ وجلّ: عبادي آمنتم بسرّي، وصدّقتم بغيبي، فأبشروا بحسن الثواب منّي، فأنتم عبادي وإمائي حقّا، منكم أتقبّل، وعنكم أعفو، ولكم أغفر، وبكم أسقي عبادي الغيث، وأدفع عنهم البلاء، ولو لا كم لأنزلت عليهم عذابي، قال جابر:
فقلت: يا ابن رسول اللّه فما افضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان؟
قال: حفظ اللسان ولزوم البيت(٦١٤)!
٣٧٥ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو يأتمّ به في غيبته قبل قيامه، ويتولّى أولياءه ويعادي أعداءه، ذلك من رفقائي وذوي مودّتي، وأكرم أمّتي عليّ يوم القيامة(٦١٥).
٣٧٦ - روى النعمانيّ بإسناده عن عبيد اللّه بن العلاء، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليهما السّلام، أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام حدّث عن أشياء تكون بعده إلى قيام القائم، فقال الحسين عليه السّلام: يا امير المؤمنين متى يطهّر اللّه الأرض من الظالمين؟ فقال أمير المؤمنين عليه السّلام:
لا يطهّر اللّه الأرض من الظالمين حتّى يسفك الدم الحرام - ثمّ ذكر أمر بني أميّة وبني العباس في حديث طويل - ثمّ قال: إذا قام القائم بخراسان، وغلب على أرض كوفان وملتان، وجاز جزيرة بني كوان، وقام منّا قائم بجيلان وأجابته الآبر والديلمان، وظهرت لولدي رايات الترك متفرّقات في الأقطار والجنبات، وكانوا بين هنات وهنات، إذا خربت البصرة، وقام أمير الأمرة بمصر - فحكى عليه السّلام حكاية طويلة - ثمّ قال: إذا جهزّت الألوف وصفّت الصفوف وقتل الكبش الخروف، هناك يقوم الآخر، ويثور الثائر، ويهلك الكافر، ثمّ يقوم القائم المأمول، والإمام المجهول، له الشرف والفضل، وهو من ولدك يا حسين، لا ابن مثله يظهر بين الركنين، في دريسين باليين، يظهر على الثقلين، ولا يترك في الأرض دمين، طوبى لمن أدرك زمانه ولحق أوانه، وشهد أيّامه(٦١٦).
٣٧٧ - روى النوري قال: وأخرج أبو محمّد الفضل بن شاذان النيسابوريّ المتوفّى في حياة أبي محمّد العسكريّ والد الحجّة عليهما السّلام في كتابه في الغيبة، بإسناده عن الحسن بن رئاب، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه عليه السّلام حديثا طويلا عن أمير المؤمنين عليه السّلام، قال في آخره: ثمّ يقع التدابر في الاختلاف بين أمراء العرب والعجم، فلا يزالون يختلفون إلى أن يصير الأمر إلى رجل من ولد أبي سفيان - إلى أن قال عليه السّلام - ثمّ يظهر أمير الأمرة وقاتل الكفرة، السلطان المأمول، الّذي تحير في غيبته العقول، وهو التاسع من ولدك يا حسين، يظهر بين الركنين، يظهر على الثقلين، ولا يترك في الأرض الأدنين، طوبى للمؤمنين الّذين أدركوا زمانه ولحقوا أوانه، وشهدوا أيّامه، ولاقوا أقوامه(٦١٧).
٣٧٨ - روى الشيخ الطوسيّ، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث له حتّى انتهى إلى مسجد الكوفة، وكان مبنيّا بخزف ودنان وطين، فقال: ويل لمن هدمك، وويل لمن سهّل هدمك، وويل لبانيك بالمطبوخ، المغيّر قبلة نوح، طوبى لمن شهد هدمك مع قائم أهل بيتي، اولئك خيار الأمّة مع أبرار العترة(٦١٨).
٣٧٩ - روى الطوسي بإسناده عن الحسن بن زيد بن عليّ، قال: سألت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليهما السّلام عن سنّ جدّنا عليّ بن الحسين عليه السّلام فقال: أخبرني أبي، عن أبيه عليّ بن الحسين عليهم السّلام قال: كنت امشي خلف عمّي الحسن وأبي الحسين عليهما السّلام في بعض طرقات المدينة في العامّ الّذي قبض فيه عمّي الحسن عليه السّلام، وأنا يومئذ غلام لم أراهق أو كدت، فلقيهما جابر بن عبد اللّه وأنس بن مالك الأنصاريّان في جماعة من قريش والأنصار، فما تمالك جابر بن عبد اللّه حتّى أكبّ على أيديهما وأرجلهما يقبّلهما، فقال رجل من قريش كان نسيبا لمروان: أتصنع هذا يا أبا عبد اللّه وأنت في سنّك هذا وموضعك من صحبة رسول اللّه، وكان جابر قد شهد بدرا، فقال له: إليك عنّي، فلو علمت يا أخا قريش من فضلهما ومكانهما ما أعلم لقبّلت ما تحت أقدامهما من التراب.
ثمّ أقبل جابر على أنس بن مالك فقال: يا أبا حمزة، أخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فيهما بأمر ما ظننته أنّه يكون في بشر، قال له أنس: وبماذا أخبرك يا أبا عبد اللّه؟
قال عليّ بن الحسين: فانطلق الحسن والحسين عليهم السّلام ووقفت أنا أسمع محاورة القوم، فأنشأ جابر يحدّث، قال: بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ذات يوم في المسجد وقد حفّ من حوله، إذ قال لي: يا جابر ادع لي حسنا وحسينا، وكان شديد الكلف بهما، فانطلقت فدعوتهما وأقبلت أحمل هذا مرّة وهذا أخرى حتّى جئته بهما، فقال لي وأنا اعرف السرور في وجهه لمّا رأى من محبّتي لهما وتكريمي إيّاهما: أتحبّهما يا جابر؟
فقلت: وما يمنعني من ذلك فداك أبي وأمّي وأنا أعرف مكانهما منك؟
قال: أفلا أخبرك عن فضلهما؟
قلت: بلى بأبي أنت وأمّي.
قال: إنّ اللّه تعالى لمّا أحب أن يخلقني، خلقني نطفة بيضاء فأودعها صلب أبي آدم عليه السّلام، فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر، إلى نوح وإبراهيم عليهم السّلام، ثمّ كذلك إلى عبد المطّلب، فلم يصبني من دنس الجاهليّة، ثمّ افترقت تلك النطفة شطرين إلى عبد اللّه وأبي طالب، فولدني أبي فختم اللّه بي النبوّة، (وولد أبو طالب عليّا) فختمت به الوصيّة، ثمّ اجتمعت النطفتان منّي ومن عليّ، فولدتا الجهر والجهير الحسنان، فختم بهما أسباط النبوّة وجعل ذرّيّتي منهما، وأمرني بفتح مدينة - أو قال مدائن - الكفر. ومن ذرّيّة هذا - وأشار إلى الحسين عليه السّلام - رجل يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا، فهما طاهران مطهّران، وهما سيّدا شباب أهل الجنة، طوبى لمن أحبّهما وأباهما وأمّهما، وويل لمن حاربهم وأبغضهم(٦١٩).
٣٨٠ - روى النعمانيّ بإسناده عن أبي بصير، عن كامل، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إنّ قائمنا إذا قام، دعا الناس إلى امر جديد، كما دعا إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وإنّ الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء(٦٢٠).
كلام للشيخ الصدوق في معنى الحديث
قال الشيخ الصدوق رحمه اللّه: حال النبيّ صلّى اللّه عليه واله قبل النبوّة حال قائمنا وصاحب زماننا عليه السّلام في وقتنا هذا، وذلك أنّه لم يعرف خبر النبيّ صلّى اللّه عليه واله في ذلك الوقت إلاّ الأحبار والرهبان والّذين قد انتهى إليهم العلم به، فكان الإسلام غريبا فيهم، وكان الواحد منهم إذا سأل اللّه تبارك وتعالى بتعجيل فرج نبيّه وإظهار أمره، سخر منه أهل الجهل والضلال وقالوا له: متى يخرج هذا النبيّ الّذي تزعمون أنّه نبيّ السيف، وأنّ دعوته تبلغ المشرق والمغرب، وأنّه ينقاد له ملوك الأرض كما يقول الجهّال في وقتنا هذا: متى يخرج هذا المهديّ الّذي تزعمون أنّه لابدّ من خروجه وظهوره، وينكره قوم ويقرّ به آخرون، وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه واله: إنّ الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدء، فطوبى للغرباء، فقد عاد الإسلام كما قال عليه السّلام غريبا في هذا الزمان كما بدأ وسيقوى بظهور وليّ اللّه وحجّته كما قوي بظهور نبي اللّه ورسوله، وتقرّ بذلك أعين المنتظرين له والقائلين بإمامته كما قرّت أعين المنتظرين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله والعارفين به بعد ظهوره، وان اللّه عزّ وجلّ لينجز لأوليائه ما وعدهم، ويعلي كلمته ويتمّ نوره ولو كره المشركون(٦٢١).

سورة إبراهيم

الآية الاولى قوله عزّ وجلّ: (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اَللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)(٦٢٢).
٣٨١ - الشّيخ الصدوق بإسناده عن مثنّى الحنّاط، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: أيّام اللّه عزّ وجلّ ثلاثة: يوم يقوم القائم عليه السّلام، ويوم الكرّة، ويوم القيامة(٦٢٣).
٣٨٢ - وعنه بإسناده عن مثنّى الحناط، عن جعفر بن محمّد، عن ابيه عليهما السّلام مثله.
سعد ابن عبد اللّه، بإسناده عن مثنّى الحناط، عن الصادق عليه السّلام أيضا مثله(٦٢٤).
٣٨٣ - وروى الحافظ رجب البرسيّ عن عمّار، عن أمير المؤمنين عليه السّلام في كتاب الواحدة، في حديث طويل قد بيّن فيه مناقب نفسه القدسيّة، وجاء فيه قوله: (اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: الغيب: هو الرجعة ويوم القيامة ويوم القائم وهي أيّام آل محمّد، وإليها الاشارة بقوله: (وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اَللَّهِ) فالرجعة لهم، ويوم القيامة لهم، ويوم القائم لهم، وحكمه اليهم، ومعوّل للمؤمنين فيه عليهم(٦٢٥).
٣٨٤ - روى القمّيّ في قوله: (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اَللَّهِ) قال: أيّام اللّه ثلاثة: يوم القائم، يوم الموت، ويوم القيامة(٦٢٦).
الآية الثانية قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثَّابِتِ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وفِي اَلْآخِرَةِ ويُضِلُّ اَللَّهُ اَلظَّالِمِينَ ويَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَاءُ)(٦٢٧).
٣٨٥ - روي عن مسعدة قال: كنت عند الصادق عليه السّلام إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى متّكئا على عصاه، فسلّم، فرد أبو عبد اللّه عليه السّلام الجواب، ثمّ قال: يا ابن رسول اللّه ناولني يدك أقبّلها، فأعطاه يده، فقبّلها ثمّ بكى، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: وما يبكيك يا شيخ؟ قال: جعلت فداك أقمت على قائمكم منذ مائة سنة أقول هذا الشهر وهذه السنة، وقد كبر سنّي ودقّ عظمي واقترب أجلي ولا أرى ما أحبّ، أراكم معتّلين مقتّلين مشرّدين، وأرى عدوّكم يطيرون بالأجنحة، فكيف لا أبكي؟ فدمعت عينا أبي عبد اللّه عليه السّلام، ثمّ قال: يا شيخ إن أبقاك اللّه حتّى ترى قائمنا، كنت معنا في السنام الاعلى، وإن حلّت بك المنيّة، جئت يوم القيامة مع ثقل محمّد صلّى اللّه عليه واله ونحن ثقله، فقال عليه السّلام: إنّي مخلّف فيكم الثقلين، فتمسكوا بهما لن تضلوا: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي.
فقال الشيخ: لا أبالي بعد ما سمعت هذا الخبر.
قال: يا شيخ، إنّ قائمنا يخرج من صلب الحسن [العسكريّ]، والحسن يخرج من صلب عليّ، وعليّ يخرج من صلب محمّد، ومحمّد يخرج من صلب عليّ، وعليّ يخرج من صلب ابني هذا - وأشار إلى موسى عليه السّلام - وهذا خرج من صلبي، نحن اثنا عشر كلنا معصومون، مطهّرون.
فقال الشيخ: يا سيّدي بعضكم أفضل من بعض؟ قال: لا، نحن في الفضل سواء، ولكنّ بعضنا أعلم من بعض، ثمّ قال: يا شيخ، واللّه لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج قائمنا أهل البيت. ألا وإنّ شيعتنا يقعون في فتنة وحيرة في غيبته، هناك يثبّت اللّه على هداه المخلصين، اللّهمّ أعنهم على ذلك(٦٢٨).
٣٨٦ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: أقرب ما يكون العبد من اللّه جلّ ذكره وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجّة اللّه جلّ وعزّ ولم يظهر لهم ولم يعلموا مكانه، وهم في ذلك يعلمون أنّه لم تبطل حجّة اللّه جلّ ذكره ولا ميثاقه، فعندها فتوقّعوا الفرج صباحا ومساء، فإنّ أشدّ ما يكون غضب اللّه على أعدائه إذا افتقدوا حجّته ولم يظهر لكم، وقد علم أنّ أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنّهم يرتابون ما غيّب حجّته عنهم طرفة عين، ولا يكون ذلك إلاّ على رأس شرار الناس(٦٢٩).
الآية الثالثة قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْراً وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ اَلْبَوَارِ)(٦٣٠).
المهديّ عليه السّلام من نعم اللّه تعالى
٣٨٧ - روى ابن شهر آشوب عن الصادق والباقر عليهما السّلام في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْراً): نعمة اللّه: رسوله إذ يخبر أمّته بمن يرشدهم من الأئمّة، فأحلّوهم دار البوار، ذلك معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه واله لا ترجعنّ بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض(٦٣١).
الآية الرابعة قوله تعالى: (وأَنْذِرِ اَلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ اَلْعَذَابُ فَيَقُولُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ اَلرُّسُلَ)(٦٣٢).
٣٨٨ - محمّد بن يعقوب، بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: واللّه للّذي صنعه الحسن بن عليّ عليه السّلام كان خيرا لهذه الأمّة مما طلعت عليه الشمس، فو اللّه لقد نزلت هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ وآتُوا اَلزَّكَاةَ)(٦٣٣) إنّما هي طاعة الإمام، وطلبوا القتال، فلمّا كتب عليهم القتال مع الحسين عليه السّلام قالوا: ربّنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخّرتنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتّبع الرّسل أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السّلام(٦٣٤).
الآية الخامسة قوله تعالى: (وسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وضَرَبْنَا لَكُمُ اَلْأَمْثَالَ)(٦٣٥).
٣٨٩ - العيّاشيّ: بإسناده عن سعد بن عمر، عن غير واحد ممّن حضر أبا عبد اللّه، ورجل يقول قد ثبت دار صالح ودار عيسى بن عليّ ذكر دور العباسيين، فقال رجل:
أراناها اللّه خرابا أو خرّبها بأيدينا، فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: لا تقل هكذا، بل يكون مساكن القائم وأصحابه، اما سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول: (وسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)(٦٣٦).
الآية السادسة قوله تعالى: (وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وعِنْدَ اَللَّهِ مَكْرُهُمْ وإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبَالُ)(٦٣٧).
٣٩٠ - العيّاشيّ، بإسناده عن جميل بن درّاج، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: (وإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبَالُ) وإنّ مكر بني العبّاس بالقائم عليه السّلام لتزول منه قلوب الرجال(٦٣٨).
٣٩١ - الشيخ في مجالسه، بإسناده عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:
اتّقوا اللّه وعليكم بالطاعة لأئمّتكم، قولوا ما يقولون، واصمتوا عمّا صمتوا، فإنّكم في سلطان من قال اللّه تعالى: (وإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبَالُ) فاتّقوا اللّه فإنّكم في هدنة، صلّوا في عشايرهم واشهدوا جنايزهم، وأدّوا الأمانة إليهم، وعليكم بحجّ هذا البيت فأدمنوه، فإنّ في إدمانكم الحجّ دفع مكاره الدنيا عنكم، وأهوال يوم القيامة(٦٣٩).

سورة الحجر

الآية الاولى قوله تعالى: (ولَقَدْ جَعَلْنَا فِي اَلسَّمَاءِ بُرُوجاً وزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ)(٦٤٠).
رجم الشيطان في عهد المهديّ عليه السّلام
٣٩٢ - روى الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ عليهم السّلام يقول: معنى الرجيم أنّه مرجوم باللعن، مطرود من مواضع الخير، لا يذكره مؤمن إلاّ لعنه، وإنّ في علم اللّه السابق أنّه إذا خرج القائم عليه السّلام لا يبقى مؤمن في زمانه إلاّ رجمه بالحجارة، كما كان قبل ذلك مرجوما باللعن(٦٤١).
الآية الثانية قوله تعالى: (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ)(٦٤٢).
الوقت المعلوم يوم قيام القائم عليه السّلام
٣٩٣ - أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، بإسناده عن وهب بن جميع مولى اسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ابليس، قوله: (رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ) أيّ يوم هو؟ قال: يا وهب، أتحسب أنّه يوم يبعث اللّه تعالى الناس؟ لا، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ أنظره إلى يوم يبعث اللّه عزّ وجلّ قائمنا، فإذا بعث اللّه عزّ وجلّ قائمنا، فيأخذ بناصيته ويضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم(٦٤٣).
٣٩٤ - وروى اسحاق بن عمار قال: سألته - يعني زين العابدين عليه السّلام - عن إنظار اللّه تعالى ابليس وقتا معلوما ذكره في كتابه، قال: (فَإِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ) قال عليه السّلام: الوقت المعلوم يوم قيام القائم عليه السّلام، فإذا بعثه اللّه كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتّى يجثو على ركبتيه، فيقول: يا ويلاه من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم منتهى أجله(٦٤٤).
٣٩٥ - روى الشيخ الصدوق بإسناده عن الحسين بن خالد قال:
قال عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام: لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقيّة له، إنّ أكرمكم عند اللّه أعملكم بالتقيّة، فقيل له: يا ابن رسول اللّه إلى متى؟ قال: (إِلى يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ) وهو يوم خروج قائمنا أهل البيت، فمن ترك التقيّة قبل خروج قائمنا فليس منّا، فقيل له: يا ابن رسول اللّه، ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: الرابع من ولدي، ابن سيّدة الإماء، يطهّر اللّه به الأرض من كلّ جور، ويقدّسها من كلّ ظلم، وهو الّذي يشكّ الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره، ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد احدا، وهو الّذي تطوى له الأرض ولا يكون له ظلّ، وهو الّذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدعاء إليه يقول: ألا إنّ حجّة اللّه قد ظهر عند بيت اللّه فاتّبعوه، فإنّ الحقّ معه وفيه. وهو قول اللّه عزّ وجلّ: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)(٦٤٥).
الآية الثالثة قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ)(٦٤٦).
المهديّ عليه السّلام من المتوسّمين
٣٩٦ - روى ابن شاذان، بإسناده من طريق العامّة عن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام: يا عليّ أنا نذير أمّتي، وأنت هاديها، والحسن قائدها، والحسين سائقها، وعليّ بن الحسين جامعها، ومحمّد بن عليّ عارفها، وجعفر بن محمّد كاتبها، وموسى بن جعفر محصيها، وعليّ بن موسى معبّرها ومنجيها وطارد مبغضيها ومدني مؤمنيها، ومحمّد بن عليّ قائمها وسائقها، وعليّ بن محمّد سائرها وعالمها، والحسن بن عليّ مناديها ومعطيها، والقائم الخلف ساقيها ومناشدها:
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) يا عبد اللّه(٦٤٧).
٣٩٧ - روى جابر عن الباقر عليه السّلام قال: كأنّي أنظر إلى القائم عليه السّلام وأصحابه في نجف الكوفة كأنّ على رؤوسهم الطير، فنيت أزوادهم وخلقت ثيابهم (منتكبين قسيّهم) قد أثّر السجود بجباههم، ليوث بالنهار، ورهبان بالليل، كأنّ قلوبهم زبر الحديد، يعطى الرجل منهم قوّة أربعين رجلا، (ويعطيهم صاحبهم التوسّم) لا يقتل أحد منهم إلاّ كافرا أو منافقا، فقد وصفهم اللّه بالتوسّم في كتابه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)(٦٤٨).
٣٩٨ - روى ابن شهر آشوب مرسلا، عن أمير المؤمنين عليه السّلام في قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ): فذلك السبيل المقيم الوصيّ بعد النبيّ(٦٤٩).
٣٩٩ - روى الشيخ الصدوق بإسناده عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إذا قام القائم، لم يقم بين يديه أحد من خلق الرحمن إلاّ عرفه صالح هو أم طالح، لأن فيه آية للمتوسّمين، وهي بسبيل مقيم(٦٥٠).
٤٠٠ - روى الشيخ المفيد بإسناده عن عبد اللّه بن عجلان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: إذا قام قائم آل محمّد صلّى اللّه عليه واله، حكم بين الناس بحكم داود عليه السّلام، لا يحتاج إلى بيّنة، يلهمه اللّه تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كلّ قوم بما استبطنوه، ويعرف وليّه من عدوّه بالتوسّم، قال اللّه سبحانه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ)(٦٥١).

سورة النحل

الآية الاولى قوله تعالى: (أَتى أَمْرُ اَللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(٦٥٢).
أمر اللّه هو ظهور المهديّ عليه السّلام
٤٠١ - الشّيخ الصدوق، بإسناده عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنّ أوّل من يبايع القائم عليه السّلام جبرئيل عليه السّلام، ينزل في صورة طير أبيض فيبايعه، ثمّ يضع رجلا على بيت اللّه الحرام ورجلا على بيت المقدس، ثمّ ينادي بصوت ذلق طلق يسمع الخلائق:
(أَتى أَمْرُ اَللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ)(٦٥٣).
٤٠٢ - محمّد بن إبراهيم النعمانيّ في الغيبة، بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ: (أَتى أَمْرُ اَللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) قال: هو أمرنا أمر اللّه عزّ وجلّ فلا يستعجل به، ويؤيّده بثلاثة أجناد: بالملائكة وبالمؤمنين وبالرعب، وخروجه كخروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وذلك قوله عزّ وجلّ: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وإِنَّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ)(٦٥٤)،(٦٥٥).
٤٠٣ - أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، بإسناده عن أبان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
إذا اراد اللّه قيام القائم عليه السّلام، بعث جبرئيل في صورة طاير أبيض، فيضع إحدى رجليه على الكعبة والأخرى على بيت المقدس، ثمّ ينادي بأعلى صوته: (أَتى أَمْرُ اَللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) قال: فيحضر القائم عليه السّلام فيصلّي عند مقام إبراهيم عليه السّلام ركعتين، ثمّ ينصرف وحواليه أصحابه، وهم ثلاثمائة عشر رجلا، إنّ فيهم لمن يسري من فراشه ليلا، فيخرج ومعه الحجر فيلقيه فتعشب الأرض(٦٥٦).
٤٠٤ - عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه (أَتى أَمْرُ اَللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) قال: هو أمرنا أمر اللّه يستعجل به، يؤيّده ثلاثة أجناد: الملائكة والمؤمنون والرعب، وخروجه عليه السّلام كخروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وذلك قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ)(٦٥٧).
٤٠٥ - العيّاشيّ، بإسناده عن هشام بن سالم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن قوله تعالى (أَتى أَمْرُ اَللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) حتّى يأتي ذلك الوقت، وقال: إنّ اللّه إذا أخبر أنّ شيئا كائن، فكأنّه قد كان(٦٥٨).
٤٠٦ - وبالإسناد عن جابر، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام قال: مثل من خرج منّا أهل البيت قبل قيام القائم عليه السّلام، مثل فرخ طار ووقع في كوة فتلاعبت به الصبيان(٦٥٩).
٤٠٧ - النعمانيّ، بالإسناد عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام أنّه قال: اسكنوا ما سكنت السماوات والأرض، أي لا تخرجوا على أحد فإنّ أمركم ليس به خفاء، ألا إنّها آية من اللّه عزّ وجلّ ليست من الناس، ألا إنّها أضوء من الشمس لا يخفى على برّ ولا فاجر، أتعرفون الصبح؟ فإنّه كالصبح ليس به خفاء(٦٦٠).
٤٠٨ - وبالإسناد عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال ذات يوم: ألا أخبركم بما لا يقبل اللّه عزّ وجلّ من العباد عملا إلاّ به؟
فقلت: بلى، فقال: شهادة أن إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، والإقرار بما أمر اللّه والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا يعني أئمّة خاصّة والتسليم لهم، والورع والاجتهاد، والطمأنينة والانتظار للقائم.
ثمّ قال: إنّ لنا دولة يجيء اللّه بها إذا شاء.
ثمّ قال: من سرّه أن يكون من أصحاب القائم، فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده، كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا، هنيئا لكم أيّتها العصابة المرحومة(٦٦١).
٤٠٩ - الكلينيّ بإسناده عن زرارة، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: اعرف امامك، فإنّك إذا عرفته، لم يضرّك تقدم هذا الأمر أو تأخّر(٦٦٢).
٤١٠ - ابن أبي الخطّاب، عن البزنطيّ، قال: سألت الرضا عليه السّلام عن مسألة للرؤيا، فأمسك ثمّ قال: إنّا لو أعطيناكم ما تريدون، لكان شرّا لكم، وأخذ برقبة صاحب هذا الأمر قال: وقال: وأنتم بالعراق ترون أعمال هؤلاء الفراعنة وما أمهل لهم، فعليكم بتقوى اللّه ولا تغرّنّكم الدنيا، ولا تغتّروا بمن أمهل له فكأنّ الأمر قد وصل إليكم(٦٦٣).
٤١١ - الكلينيّ، عن إسحاق بن يعقوب: أنّه خرج إليه على يد محمّد بن عثمان العمريّ: أمّا ظهور الفرج، فإنّه إلى اللّه، وكذب الوقّاتون(٦٦٤).
٤١٢ - روي الكلينيّ عن عليّ بن يقطين، قال: قال لي أبو الحسن عليه السّلام: يا عليّ إنّ الشيعة تربّى بالأماني منذ مائتي سنة. وقال يقطين لابنه عليّ: ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن، فقال له عليّ: إنّ الّذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد، غير انّ أمركم حضركم فأعطيتم محضه، وكان كما قيل لكم، وانّ أمرنا لم يحضر، فعللنا بالأماني، ولو قيل لنا: إنّ هذا لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة، لقست القلوب، ولرجعت عامة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا، ما أسرعه وما أقربه؟! تألّفا لقلوب الناس وتقريبا للفرج(٦٦٥).
٤١٣ - عن عبد الرحمن بن كثير، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام إذ دخل عليه مهزم الأسديّ، فقال: أخبرني - جعلت فداك - متى هذا الأمر الّذي تنتظرونه فقد طال، فقال: يا مهزم كذّب الوقّاتون، وهلك المستعجلون ونجا المسلّمون، وإلينا يصيرون(٦٦٦).
٤١٤ - الكلينيّ، بإسناده عن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)(٦٦٧).
فقال: يا فضيل اعرف إمامك، فإنّك إذا عرفت إمامك، لم يضرّك تقدّم هذا الأمر أو تأخّر، ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر، كان بمنزلة من كان قاعدا في عسكره، لا بل بمنزلة من كان قاعدا تحت لوائه، قال: ورواه بعض أصحابنا: بمنزلة من استشهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله(٦٦٨).
٤١٥ - الكلينيّ، بإسناده عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام جعلت فداك متى الفرج؟ فقال: يا ابا بصير. أنت ممّن يريد الدنيا؟!من عرف هذا الأمر فقد فرّج عنه بانتظاره(٦٦٩).
٤١٦ - تفسير النعمانيّ: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: يا أبا الحسن حقيق على اللّه أن يدخل أهل الضلال الجنة، وإنّما عنى بهذا المؤمنين الّذين قاموا في زمن الفتنة على الائتمام بالإمام الخفيّ المكان، المستور عن الأعيان، فهم بإمامته مقرّون، وبعروته مستمسكون ولخروجه منتظرون، موقنون غير شاكّين، صابرون مسلّمون، وإنّما ضلّوا عن مكان إمامهم وعن معرفة شخصه.
يدّل على ذلك: أنّ اللّه تعالى إذا حجب عن عباده عين الشمس الّتي جعلها دليلا على أوقات الصلاة، فموسّع عليهم تأخير المؤقّت ليتبيّن لهم الوقت بظهورها، ويستيقنوا أنّها قد زالت، فكذلك المنتظر لخروج الإمام عليه السّلام، المتمسّك بإمامته موسّع عليه جميع فرائض اللّه الواجبة عليه، مقبولة منه بحدودها، غير خارج عن معنى ما فرض عليه، فهو صابر محتسب لا تضرّه غيبة امامه(٦٧٠).
٤١٧ - نهج البلاغة: ومن كلام لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام قال: الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحرّكوا بأيديكم وسيوفكم، وهوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجّله اللّه لكم، فإنّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة ربّه، وحقّ رسوله وأهل بيته، مات شهيدا أوقع أجره على اللّه، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النيّة مقام إصلاته السيف، فانّ لكلّ شيء مدّة وأجلا(٦٧١).
٤١٨ - وعن يحيى ابن العلاء، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: كلّ مؤمن شهيد، وإن مات على فراشه فهو شهيد، وهو كمن مات في عسكر القائم عليه السّلام، ثمّ قال: أيحبس نفسه على اللّه ثمّ لا يدخل الجنة؟!(٦٧٢).
الآية الثانية قوله تعالى: (وعَلاَمَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)(٦٧٣).
٤١٩ - روى النعمانيّ بإسناده عن الخشّاب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، عن آبائه عليهم السّلام، قال:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: «مثل أهل بيتي مثل نجوم السماء، كلّما غاب نجم طلع نجم، حتّى إذا طلع نجم منها، طلع فرمقتموه بالأعين وأشرتم إليه بالأصابع أتاه ملك الموت فذهب به، ثمّ لبثتم في ذلك سبتا من دهركم، واستوت بنو عبد المطلب ولم يدر أيّ من أيّ، فعند ذلك يبدو نجمكم، فاحمدوا اللّه واقبلوه»(٦٧٤).
٤٢٠ - الكلينيّ بإسناده عن معروف بن خرّبوذ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إنّما نجومكم كنجوم السماء، كلّما غاب نجم طلع نجم، حتّى إذا أشرتم بأصابعكم وملتم بحواجبكم، غيّب اللّه عنكم نجمكم، واستوت بنو عبد المطّلب، فلم يعرف أيّ من أيّ، فإذا طلع نجمكم فاحمدوا ربّكم(٦٧٥).
٤٢١ - وعن معروف بن خرّبوذ، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: أخبرني عنكم، قال: نحن بمنزلة النجوم إذا خفى نجم بدا نجم، مأمن وأمان، وسلم وإسلام، وفاتح ومفتاح، حتّى إذا استوى بنو عبد المطّلب فلم يدر أيّ من أيّ أظهر اللّه عزّ وجلّ صاحبكم، فاحمدوا اللّه عزّ وجلّ، وهو يخيّر الصعب على الذلول، فقلت: جعلت فداك فأيّهما يختار؟ قال: يختار الصعب على الذلول(٦٧٦).
٤٢٢ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن أبي الصباح، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع الأرض إلاّ فيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئا ردّهم، وإذا نقصوا شيئا أكمله لهم، ولو لا ذلك لالتبست على المؤمنين أمورهم(٦٧٧).
٤٢٣ - روي بالإسناد عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يدع الأرض بغير عالم، ولو لا ذلك لما عرف الحقّ من الباطل(٦٧٨).
٤٢٤ - وروى بالإسناد عن عبد الأعلى بن أعين، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سمعته يقول: ما ترك اللّه الأرض بغير عالم ينقص ما زادوا، ويزيد ما نقصوا، ولو لا ذلك لاختلط على الناس أمورهم(٦٧٩).
٤٢٥ - روى النعمانيّ بإسناد يرفعه إلى أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال:
يأتي على الناس زمان يصيبهم فيها سبطة يأرز العلم فيها كما تأرز الحيّة في جحرها، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم نجم، قلت: فما السبطة؟ قال: الفترة، قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ فقال: كونوا على ما أنتم عليه حتّى يطلع اللّه لكم نجمكم(٦٨٠).
٤٢٦ - ومن خطبة لمولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال فيها: الحمد للّه الناشر في الخلق فضله، والباسط (فيها) بالجود يده؛ نحمده في جميع أموره، ونستعينه على رعاية حقوقه، ونشهد أن لا إله غيره، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله بأمره صادعا، وبذكره ناطقا، فأدّى أمينا، ومضى رشيدا، وخلّف فينا راية الحقّ، من تقدّمها مرق، ومن تخلّف عنها زهق، ومن لزمها لحق، دليلها مكيث الكلام، بطئ القيام، سريع إذا قام، فإذا أنتم ألنتم له رقابكم، وأشرتم إليه بأصابعكم، جاءه الموت فذهب به، فلبثتم بعده ما شاء اللّه حتّى يطلع اللّه لكم من يجمعكم ويضمّ نشركم، فلا تطمعوا في غير مقبل، ولا تيأسوا من مدبر، فإنّ المدبر عسى أن تزلّ به إحدى قائمتيه وتثبت الأخرى، فترجعا حتّى تثبتا جميعا.
ألا إنّ مثل آل محمّد صلّى اللّه عليه واله كمثل نجوم السماء، إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنّكم قد تكاملت من اللّه فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون(٦٨١).
الآية الثالثة (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(٦٨٢).
وجوب الإيمان بالرجعة
٤٢٧ - روى القمي بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت ابا جعفر عليه السّلام يقول في قوله تعالى: (فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) قال: يعني أنّهم لا يؤمنون بالرجعة أنها حقّ(٦٨٣).
الآية الرابعة قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ومَا ظَلَمَهُمُ اَللَّهُ ولَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)(٦٨٤).
خروج المهديّ عليه السّلام هو أمر اللّه
٤٢٨ - روى القمّيّ بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام (بعد أن أورد تفسير عدّة آيات من سورة النحل) قال عليه السّلام: وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) من العذاب والموت وخروج القائم (كَذَلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ومَا ظَلَمَهُمُ اَللَّهُ ولَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وقوله: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) من العذاب في الرجعة(٦٨٥).
الآية الخامسة قوله تعالى: (وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اَللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(٦٨٦).
في رجعة الشيعة مع المهديّ عليه السّلام
٤٢٩ - محمّد بن يعقوب، بإسناده عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: قوله تبارك وتعالى: (وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اَللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) قال: فقال لي: يا أبا بصير، ما تقول في هذه الآية؟ قال، قلت: إنّ المشركين يزعمون ويحلفون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أنّ اللّه لا يبعث الموتى. قال: فقال: تبّا لمن قال هذا، سلهم هل كان المشركون يحلفون باللّه أم باللات والعزى؟ قال: قلت: جعلت فداك فاوجدنيه. قال: فقال: يا أبا بصير، لو قد قام قائمنا بعث اللّه إليه قوما من شيعتنا قباع سيوفهم على عواتقهم، فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا، فيقولون بعث فلان وفلان من قبورهم وهم مع القائم عليه السّلام، فيبلغ ذلك قوما من عدوّنا، فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم؟ هذه دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب، لا واللّه ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة، قال: فحكى اللّه قولهم فقال: (وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اَللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)(٦٨٧).
٤٣٠ - العيّاشيّ، بإسناده عن سيرين، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام إذ قال: ما يقول الناس في هذه الآية: (وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اَللَّهُ مَنْ يَمُوتُ؟ قال: يقولون:
لا قيامة ولا بعث ولا نشور. فقال: كذبوا واللّه إنّما ذلك إذا قام القائم عليه السّلام وكرّ معه المكرّون، فقال أهل خلافكم: قد ظهرت دولتكم يا معشر الشيعة، وهذا من كذبكم تقولون رجع فلان وفلان وفلان، لا واللّه لا يبعث اللّه من يموت، ألا ترى أنّهم قالوا:
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) كان المشركون أشدّ تعظيما باللات والعزى من أن يقسموا بغيرها، فقال اللّه عزّ وجلّ: (بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ اَلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ * إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(٦٨٨).
٤٣١ - روى عليّ بن إبراهيم عن بعض رجاله رفعه إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: ما تقول الناس فيها؟ قال: يقولون نزلت في الكفار، فقال: إنّ الكفار كانوا لا يحلفون باللّه، وإنّما نزلت في قوم من أمّة محمّد صلّى اللّه عليه واله قيل لهم ترجعون بعد الموت قبل القيامة، فيحلفون أنّهم لا يرجعون، فردّ اللّه عليهم: (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ اَلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) يعني في الرجعة يردّهم فيقتلهم ويشفى صدور المؤمنين منهم(٦٨٩).
الآية السادسة قوله تعالى: (أَفَأَمِنَ اَلَّذِينَ مَكَرُوا اَلسَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمُ اَلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ اَلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ)(٦٩٠).
٤٣٢ - العيّاشيّ، عن إبراهيم بن عمر، عمّن سمع أبا جعفر عليه السّلام يقول: إنّ عهد نبيّ اللّه صار عند عليّ بن الحسين عليه السّلام، ثمّ صار عند محمّد بن عليّ، ثمّ يفعل اللّه ما يشاء، فالزم هؤلاء فإذا خرج رجل منهم معه ثلاثمائة رجل ومعه راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عامدا إلى المدينة حتّى يمر بالبيداء فيقول: هذا مكان القوم الّذين خسف بهم، وهي الآية الّتي قال اللّه:
(أَفَأَمِنَ اَلَّذِينَ مَكَرُوا اَلسَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمُ اَلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ اَلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ)(٦٩١).
٤٣٣ - العيّاشيّ: عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، سئل عن قول اللّه: (أَفَأَمِنَ اَلَّذِينَ مَكَرُوا اَلسَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمُ اَلْأَرْضَ) قال: هم أعداء اللّه، وهم يمسخون ويقذفون ويسيحون في الأرض(٦٩٢).
٤٣٤ - عنه: بإسناده عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث طويل، قال له:
وإيّاك وشذّاذا من آل محمّد عليهم السّلام فإنّ لآل محمّد على راية، ولغيرهم على راية، فالزم هؤلاء أبدا، وإيّاك ومن ذكرت لك، فإذا خرج رجل منهم معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ومعه راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عامدا إلى المدينة حتّى يمر بالبيداء، حتّى يقول هذا مكان القوم الّذين خسف بهم، وهي الآية الّتي قال اللّه عزّ وجلّ: (أَفَأَمِنَ اَلَّذِينَ مَكَرُوا اَلسَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمُ اَلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ اَلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ)(٦٩٣).
الآية السابعة قوله تعالى: (وأَوْحى رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ اَلْجِبَالِ بُيُوتاً ومِنَ اَلشَّجَرِ ومِمَّا يَعْرِشُونَ)(٦٩٤).
المهديّ عليه السّلام يوحى إليه كما أوحي إلى مريم
٤٣٥ - وعن أبي الجارود، قال: قلت لابي جعفر عليه السّلام: جعلت فداك أخبرني عن صاحب هذا الأمر قال: يمسي من اخوف الناس ويصبح من آمن الناس، يوحى إليه هذا الأمر ليله ونهاره، قال: قلت يوحى إليه يا أبا جعفر؟ قال: يا أبا جارود، إنّه ليس وحي النبوّة، ولكنّه يوحى إليه كوحيه إلى مريم بنت عمران، وإلى أمّ موسى، وإلى النحل، يا ابا الجارود، إنّ قائم آل محمّد لأكرم عند اللّه من مريم بنت عمران وأمّ موسى والنحل(٦٩٥)!
٤٣٦ - وعن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سألته متى يقوم قائمكم؟ قال: يا أبا الجارود لا تدركون، فقلت: أهل زمانه؟ فقال: ولن تدرك أهل زمانه، يقوم قائمنا بالحقّ بعد أياس من الشيعة، يدعو الناس ثلاثا فلا يجيبه أحد، فإذا كان اليوم الرابع تعلّق بأستار الكعبة فقال: يا ربّ انصرني، ودعوته لا تسقط، فيقول تبارك وتعالى للملائكة الّذين نصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يوم بدر ولم يحطّوا سروجهم ولم يضعوا أسلحتهم، فيبايعونه، ثمّ يبايعه من الناس ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، يسير إلى المدينة فيسير الناس حتّى يرضى اللّه عزّ وجلّ، فيقتل الفا وخمسائة قرشيّ ليس فيهم إلاّ فرخ زنية! ثمّ يدخل المسجد فينقض الحائط حتّى يضعه إلى الأرض، ثمّ يخرج الأزرق وزريق لعنهما اللّه غضيّن طريّين يكلّمهما فيجيبانه، فيرتاب عند ذلك المبطلون، فيقولون، يكلّم الموتى، فيقتل منهم خمسمائة مرتاب في جوف المسجد، ثمّ يحرقهما بالحطب الّذي جمعاه ليحرقا به عليّا وفاطمة والحسن والحسين، وذلك الحطب عندنا نتوارثه! ويهدم قصر المدينة، ويسير إلى الكوفة فيخرج منها ستّة عشر ألفا من البتريّة شاكين في السلاح، قرّاء القرآن، فقهاء في الدّين، قد قرحوا جباههم وسمّروا ساماتهم، وعمّهم النفاق، وكلّهم يقولون، يا ابن فاطمة ارجع لا حاجة لنا فيك، فيضع السيف فيهم على ظهر عشيّة الاثنين من العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد، دماؤهم قربان إلى اللّه، ثمّ يدخل الكوفة فيقتل مقاتليها حتّى يرضى اللّه.
قال: فلم أعقل المعنى، فمكثت قليلا ثمّ قلت: جعلت فداك وما يدريه - جعلت فداك - متى يرضى اللّه عزّ وجلّ؟ قال: يا أبا الجارود، إنّ اللّه أوحى إلى أمّ موسى، وهو خير من أم موسى، وأوحى اللّه إلى النحل، وهو خير من النحل! فعقلت المذهب؟ فقال لي: أعقلت المذهب؟ قلت: نعم.
فقال: إنّ القائم ليملك ثلاثمائة وتسع سنين كما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، ويفتح اللّه عليه شرق الأرض وغربها، يقتل الناس حتّى لا يرى إلاّ دين محمّد صلّى اللّه عليه واله، يسير بسيرة سليمان بن داود، يدعو الشمس والقمر فيجيبانه، وتطوى له الأرض، فيوحى اللّه إليه فيعمل بأمر اللّه(٦٩٦).

سورة الإسراء

الآية الاولى قوله تعالى: (سُبْحَانَ اَلَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى اَلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ)(٦٩٧).
النصّ على المهديّ في إسراء النبيّ صلّى اللّه عليه واله
٤٣٧ - روى العيّاشيّ بإسناده عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: من قرأ سورة بني اسرائيل في كلّ ليلة جمعة، لم يمت حتّى يدرك القائم ويكون من أصحابه(٦٩٨).
٤٣٨ - روى هشام الدستوائيّ نقلا عن ابن شمر، عن جابر الجعفيّ، عن سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، أنّه كان يحدّث أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام بمكّة عند الحجر، ويقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إليّ ليلة أسرى بي، قال: يا محمّد أتحبّ أن ترى أسماء الأئمّة من أهل بيتك؟ قلت: نعم، قال:
تقدّم أمامك، فتقدّمت فإذا: عليّ، والحسن، والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ، والحجّة القائم كأنّه كوكب درّيّ في وسطهم، فقلت: يا ربّ من هؤلاء؟
فقال: هؤلاء الأئمّة... الحديث(٦٩٩).
٤٣٩ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهرويّ، عن عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: ما خلق اللّه خلقا أفضل منّي ولا أكرم عليه منّي. قال عليّ عليه السّلام: فقلت، يا رسول اللّه فأنت أفضل أم جبرئيل؟ فقال عليه السّلام يا عليّ إنّ اللّه تبارك وتعالى فضّل أنبياءه المرسلين على الملائكة المقرّبين، وفضّلني على جميع النبيّين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا عليّ وللائمّة من بعدك، فإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا، يا عليّ الّذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا.
يا عليّ لو لا نحن ما خلق اللّه آدم ولا حوّاء، ولا الجنّة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض، وكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى التوحيد ومعرفة ربّنا عزّ وجلّ وتسبيحه وتقديسه وتهليله، لأنّ أوّل ما خلق اللّه عزّ وجلّ أرواحنا، فأنطقنا بتوحيده وتمجيده، ثمّ خلق الملائكة، فلمّا شاهدوا أرواحنا نورا واحدا استعظموا أمورنا، فسبّحنا لتعلم الملائكة أنّا خلق مخلوقون، وأنّه منزّه عن صفاتنا، فسبّحت الملائكة لتسبيحنا، ونزّهته عن صفاتنا. فلمّا شاهدوا عظم شأننا، هلّلنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن نعبد معه أو دونه، فقالوا: لا إله إلاّ اللّه. فلمّا شاهدوا اكبر محلّنا كبّرنا اللّه لتعلم الملائكة أنّ اللّه أكبر من أن ينال، وأنّه عظيم المحل. فلمّا شاهدوا ما جعل اللّه لنا من العزّة والقوة، قلنا: لا حول ولا قوة إلاّ باللّه العليّ العظيم، لتعلم الملائكة أن لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه، فقالت الملائكة: لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه. فلمّا شاهدوا ما أنعم اللّه به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة، قلنا: الحمد للّه، لتعلم الملائكة ما يحقّ اللّه تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه، فقالت الملائكة: الحمد للّه، فبنا اهتدوا إلى معرفة (توحيد) اللّه تعالى وتسبيحه وتهليله وتحميده.
ثمّ أنّ اللّه تعالى خلق آدم عليه السّلام وأودعنا صلبه، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيما لنا وإكراما، وكان سجودهم للّه عزّ وجلّ عبوديّة ولآدم إكراما وطاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلّهم أجمعون.
وإنّه لمّا عرج بي إلى السماء أذّن جبرئيل مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثمّ قال: تقدم يا محمّد، فقلت: يا جبرئيل أتقدّم عليك؟ فقال: نعم، لأنّ اللّه تبارك وتعالى اسمه فضّل أنبياءه على ملائكته أجمعين، وفضّلك خاصّة، فتقدّمت وصلّيت بهم ولا فخر.
فلمّا انتهينا إلى حجب النور، قال لي جبرئيل عليه السّلام: تقدّم يا محمّد، وتخلّف عني، فقلت: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني؟ فقال: يا محمّد إنّ هذا انتهاء حدّي الّذي وضعه اللّه عزّ وجلّ لي في هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي لتعدّي حدود ربّي جلّ جلاله، فزخّ بي زخّة في النور حيث انتهيت إلى حيث ما شاء اللّه عزّ وجلّ من ملكوته، فنوديت: يا محمّد، فقلت: لبّيك ربّي وسعديك، تباركت وتعاليت.
فنوديت: يا محمّد أنت عبدي وأنّا ربّك فايّاي فاعبد، وعليّ فتوكّل، فإنّك نوري في عبادي، ورسولي إلى خلقي، وحجّتي في بريّتي، لمن تبعك خلقت جنّتي، ولمن خالفك خلقت ناري، ولأوصيائك أوجبت كرامتي، ولشيعتك أوجبت ثوابي.
فقلت: يا ربّ ومن أوصيائي؟
فنوديت: يا محمّد، إنّ اوصياءك المكتوبون على ساق العرش، فنظرت وأنا بين يدي ربّي إلى ساق العرش، فرأيت اثنى عشر نورا، في كلّ نور سطر أخضر مكتوب عليه اسم كلّ وصيّ من أوصيائي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم مهديّ أمّتي.
فقلت: يا ربّ أهؤلاء أوصيائي من بعدي؟
فنوديت: يا محمّد، هؤلاء أوليائي وأحبّائي وأصفيائي وحججي بعدك على بريّتي، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك، وعزّتي وجلالي لأظهرنّ بهم ديني، ولأعلينّ بهم كلمتي، ولأطهّرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأملّكنه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرنّ له الرياح، ولأذللنّ له الرقاب الصعاب، ولأرقينّه في الأسباب، ولأنصرنّه بجندي، ولأمدّنّه بملائكتي حتّى يعلن دعوتي، ويجمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأديمنّ ملكه، ولأداولنّ الأيّام بين أوليائي إلى يوم القيامة، والحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة على نبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين وسلّم تسليما(٧٠٠).
٤٤٠ - روى العلاّمة الحمويني - من علماء العامّة - بسنده عن أبي سلمى راعي إبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول: ليلة أسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ جلاله: (آمَنَ اَلرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) قلت: «والمؤمنون» قال: صدقت يا محمّد، من خلّفت في أمّتك؟
قلت: خيرها، قال: عليّ بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا ربّ.
قال: يا محمّد، إنّي اطّلعت على الأرض اطّلاعة فاخترتك منها، فشققت لك اسما من أسمائي، فلا أذكر إلاّ ذكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ اطّلعت الثانية، فاخترت منها عليّا وشققت له اسما من أسمائي، فأنا الأعلى وهو عليّ.
يا محمّد إنّي خلقتك وخلقت عليّا وفاطمة والحسن والحسين والائمّة من ولده من شبح نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السموات والأرض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين.
يا محمّد لو أنّ عبدا من عبيدي عبدني حتّى ينقطع أو يصير كالشنّ البالي، ثمّ أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم، يا محمّد أتحبّ أن تراهم؟
قلت: نعم، يا ربّ.
فقال لي: التفت عن يمين العرش، فالتفتّ فإذا أنا بعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ وعليّ بن محمّد والحسن بن عليّ والمهديّ في ضحضاح من نور قياما يصلّون، وهو في وسطهم يعني المهديّ، كأنّه كوكب درّيّ.
وقال: يا محمّد هؤلاء الحجج، وهو الثائر من عترتك، وعزّتي وجلالي، إنّه الحجّة الواجبة لأوليائي، والمنتقم من أعدائي(٧٠١).
٤٤١ - روى الشيخ الصدوق أعلى اللّه مكانه بإسناده عن الأصبغ بن نباتة، عن عبد اللّه بن عبّاس، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: لمّا عرج بي إلى السماء السابعة، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومن السدرة إلى حجب النور، ناداني ربّي جلّ جلاله: يا محمّد أنت عبدي وأنا ربّك، فلي فاخضع، وإيّاي فاعبد، وعليّ فتوكّل، وبي فثق، فإنّي قد رضيت بك عبدا وحبيبا ورسولا ونبيّا، وبأخيك عليّ خليفة وبابا، فهو حجّتي على عبادي، وإمام لخلقي، به يعرف أوليائي من أعدائي، وبه يميّز حزب الشيطان من حزبي، وبه يقام ديني وتحفظ حدودي وتنفّذ أحكامي، وبك وبه وبالأئمّة من ولده أرحم عبادي وإمائي، وبالقائم منكم أعمر أرضي بتسبيحي وتهليلي وتقديسي وتكبيري وتمجيدي، وبه أطهّر الأرض من أعدائي وأورثها أوليائي، وبه أجعل كلمة الّذين كفروا بي السفلى وكلمتي العليا، وبه أحيي عبادي وبلادي بعلمي، وله (به) أظهر الكنوز والذخائر بمشيئتي، وإيّاه أظهر على الأسرار والضمائر بإرادتي، وأمدّه بملائكتي لنؤيده على إنفاذ أمري وإعلان ديني، ذلك وليّي حقا ومهديّ عبادي صدقا(٧٠٢).
٤٤٢ - روى الشيخ المفيد بالإسناد عن علقمة ابن قيس قال: خطبنا أمير المؤمنين عليه السّلام على منبر الكوفة خطبة اللؤلؤة، فقال فيما قال في آخرها:
نعم إنّه لعهد عهده إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أنّ الأمر يملكه اثنا عشر إماما، تسعة من صلب الحسين، ولقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه واله: لمّا عرج بي إلى السماء، نظرت إلى ساق العرض فإذا مكتوب عليه:
لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، أيّدته بعليّ ونصرته بعليّ، ورأيت اثنى عشر نورا، فقلت: يا ربّ أنوار من هذه؟ فنوديت: يا محمّد، هذه الأنوار الأئمّة من ذرّيتك، قلت: يا رسول اللّه أفلا تسمّيهم لي؟ قال: نعم، أنت الإمام والخليفة بعدي، تقضي ديني وتنجز عدايي، وبعدك ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين ابنه عليّ زين العابدين، وبعد عليّ ابنه محمّد يدعى الباقر، وبعد محمّد ابنه جعفر يدعى بالصادق، وبعد جعفر موسى يدعى بالكاظم، وبعد موسى ابنه عليّ يدعى بالرضا، وبعد عليّ ابنه محمّد يدعى بالزكي، وبعد محمّد ابنه عليّ يدعى بالنقيّ، وبعده ابنه الحسن يدعى بالأمين، والقائم من ولد الحسن سميّي وأشبه الناس بي، يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(٧٠٣).
٤٤٣ - روى العيّاشيّ بإسناده عن أبي ثابت مولى أبي ذر، عن أم سلمة، قالت: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: لمّا أسري بي إلى السماء، نظرت فإذا مكتوب على العرش: لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، أيّدته بعليّ ونصرته بعليّ، رأيت أنوار عليّ وفاطمة والحسن والحسين وأنوار عليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ، ورأيت نور الحجّة يتلألأ من بينهم كأنّه كوكب درّيّ.
فقلت: يا ربّ من هذا ومن هؤلاء؟ فنوديت: يا محمّد، هذا نور عليّ وفاطمة، وهذا نور سبطيك الحسن والحسين، وهذه أنوار الأئمّة بعدك من ولد الحسين، مطهّرون معصومون، وهذا الحجّة الّذي يملأ الدنيا قسطا وعدلا(٧٠٤).
الآية الثانية قوله تعالى: (وقَضَيْنَا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي اَلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ اَلدِّيَارِ وكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ وجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ولِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً)(٧٠٥).
العباد المبعوثون في زمان المهديّ عليه السّلام في الكرّة
٤٤٤ - العيّاشيّ بإسناده عن حمران، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: كان يقول: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) ثمّ قال: هو القائم وأصحابه أولي بأس شديد(٧٠٦).
٤٤٥ - أبو جعفر محمّد بن جعفر الطبريّ، في مسند فاطمة عليها السّلام، قال: روى أبو عبد اللّه محمّد بن سهل الجلوديّ، بإسناده عن عليّ بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، قال: خرجت في بعض السنين حاجّا، إذ دخلت المدينة وأقمت بها أياما أسأل واستبحث عن صاحب الزمان عليه السّلام، فما عرفت له خبرا ولا وقعت لي عليه عين، فاغتممت غمّا شديدا وخشيت أن يفوتني ما أمّلته من طلب صاحب الزمان عليه السّلام، فخرجت حتّى أتيت مكّة، فقضيت حجّتي وأقمت بها أسبوعا، كل ذلك أطلب، فبينا أنا أفكّر إذ انكشف لي باب الكعبة، فإذا أنا بإنسان كأنّه غصن بان متّزر ببردة متّشح بأخرى، قد كشف عطف بردته على عاتقه، فارتاح قلبي وبادرت لقصده، فانثنى عليّ وقال: من اين الرجل؟ قلت: من العراق، قال:
من أيّ العراق؟ قلت: من الأهواز، فقال: أتعرف ابن الخصيب؟ قلت: نعم، قال: رحمه اللّه، فما كان أطول ليلته وأكثر تبتّله وأغزر دمعته، قال: فأين المهزيار؟ قلت: أنا هو، قال:
حيّاك اللّه بالسلام أبا الحسن، ثمّ صافحني وعانقني وقال: يا أبا الحسن، ما فعلت العلامة الّتي بينك وبين الماضي أبي محمّد نضّر اللّه وجهه؟ قلت: معي، وأدخلت يدي إلى جيبي وأخرجت خاتما عليه محمّد وعليّ، فلمّا قرأه استعبر حتّى بلّ طمره الّذي كان على يده، وقال: يرحمك اللّه أبا محمّد إنّك زين الأمّة شرّفك اللّه بالإمامة وتوّجك بتاج العلم والمعرفة، فإنّا اليكم صائرون، ثمّ صافحني وعانقني، ثمّ قال: ما الّذي تريد يا أبا الحسن؟ قلت: الإمام المحجوب عن العالم.
قال: وما هو محجوب عنكم، ولكن حجبه سوء أعمالكم، قم صر إلى رحلك وكن على أهبة من لقائه، فإذا انحطّت الجوزاء وأزهرت نجوم السماء، فها أنا لك بين الركن والصفا، فطابت نفسي وتيقّنت أنّ اللّه فضّلني.
فما زلت أرقب الوقت حتّى حان، وخرجت إلى مطيتي واستويت على ظهرها، فإذا أنا بصاحبي ينادي: إليّ يا أبا الحسن، فخرجت فلحقت به، فحيّاني بالسلام وقال: سر بنا يا أخ، فما زال يهبط واديا ويرقى في ذروة جبل، إلى أن علقنا على الطائف، فقال: يا أبا الحسن، انزل بنا نصلّي باقي صلاة الليل، فنزل فصلّى بنا الفجر ركعتين، قلت: فالركعتين الاوليين؟
قال: هما من صلاة الليل واوتر فيهما والقنوت، وكلّ صلاة جائزة، وقال: سربنا يا أخ. فلم يزل يهبط واديا ويرقى ذروة جبل، حتّى أشرفنا على واد عظيم مثل الكافور، فامد عيني، فإذا بيت من الشّعر يتوقّد نورا.
قال: المح هل ترى شيئا؟
قلت: أرى بيتا من الشعر.
فقال: الأمل والحظّ في الوادي، واتبعت الأثر حتّى إذا صرنا بوسط الوادي نزل عن راحلته وخلاّها ونزلت من مطيّتي وقال لي دعها، قلت: فإن تاهت؟
فقال: إنّ هذا واد لا يدخله إلاّ مؤمن، ولا يخرج منه إلاّ مؤمن، ثمّ سبقني ودخل الخبا، وخرج إليّ مسرعا وقال: أبشر فقد أذن لك بالدخول.
فدخلت، فإذا البيت يسطع من جانبه النور، فسلّمت عليه بالامامة.
فقال: يا أبا الحسن كنّا نتوقّعك ليلا ونهارا، فما الّذي أبطأ بك علينا؟
قلت: يا سيّدي لم أجد من يدلّني إلى الآن.
قال لي: لم تجد أحدا يدلّك، ثمّ نكت باصبعه في الأرض ثمّ قال: لا ولكنّكم كثّرتم الأموال، وتجبّرتم على ضعفاء المؤمنين، وقطعتم الرحم الّذي بينكم، فأيّ عذر لكم الآن.
قلت: التوبة التوبة، الإقالة الإقالة.
ثمّ قال: يا ابن المهزيار، لو لا استغفار بعضكم لبعض، لهلك من عليها إلاّ خواصّ الشيعة الّتي تشبه أقوالهم أفعالهم، ثمّ قال: يا ابن المهزيار: ومدّ يده، ألا أنبئك بالخبر، إنّه إذا قعد الصبيّ وتحرّك المغربيّ وسار العمانيّ وبويع السفيانيّ، يؤذن لوليّ اللّه، فأخرج بين الصفا والمروة في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا سواء، فأجئ إلى الكوفة وأهدم مسجدها وأبنيه على بنائه الأوّل، وأهدم ما حوله من بناء الجبابرة، وأحجّ بالناس حجّة الإسلام، وأجيء إلى يثرب، فاهدم الحجرة وأخرج من بها وهما طرّيان، فآمر بهما تجاه البقيع، وآمر بخشبتين يصلبان عليهما فتورق من تحتهما، فيفتنن الناس بهما أشدّ من الفتنة الاولى، فينادي مناد من السماء، يا سماء أبيدي ويا أرض خذي، فيومئذ لا يبقى على وجه الأرض إلاّ مؤمن قد أخلص قلبه للإيمان.
قلت: يا سيّدي، ما يكون بعد ذلك؟
 قال: الكرّة الكرّة، الرجعة الرجعة، ثمّ تلا هذه الآية: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ وجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً)(٧٠٧).
٤٤٦ - روى عليّ بن إبراهيم رحمه اللّه في تفسيره قوله تعالى: (وقَضَيْنَا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي اَلْكِتَابِ) أي أعلمناهم، ثمّ انقطعت مخاطبة بني اسرائيل، وخاطب أمّة محمّد صلّى اللّه عليه واله (لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) يعني فلانا وفلانا وأصحابهما ونقضهم العهد (ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) يعني ما ادّعوه من الخلافة (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا) يعني يوم الجمل (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) يعني أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وأصحابه (فَجَاسُوا خِلاَلَ اَلدِّيَارِ) أي طلبوكم وقتلوكم وكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً يعني يتمّ ويكون ثُمَّ (رَدَدْنَا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) يعني لبني أمّية على آل محمّد (وأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ وجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) من الحسين بن عليّ عليه السّلام وأصحابه وسبوا نساء آل محمّد (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ) يعني القائم صلوات اللّه عليه وأصحابه (لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) يعني تسودّ وجوهكم (ولِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) يعني رسول اللّه وأصحابه (ولِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً) أي يعلو عليكم فيقتلوكم، ثمّ عطف على آل محمّد عليه وعليهم السلام فقال: (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) أي ينصركم على عدوّكم، ثمّ خاطب بني أميّة فقال: وإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا يعني إن عدتم بالسفيانيّ، عدنا بالقائم من آل محمّد صلوات اللّه عليه(٧٠٨).
٤٤٧ - العيّاشيّ: بإسناده عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن ابيه، عن جدّه عليهم السّلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبته: يا أيّها الناس سلوني قبل أن تفقدوني، فإن بين جوانحي علما جما، فسلوني قبل أن تبقر برجلها فتنة شرقيّة تطأ في خطامها، ملعون ناعقها ومولاها وقائدها وسائقها والمتحرّز فيها، فكم عندها من رافعة ذيلها يدعو بويلها دخله أو حولها لا مأوى يكنّها، ولا أحد يرحمها، فإذا استدار الفلك قلتم مات أو هلك، وأيّ واد سلك، فعندها توقّعوا الفرج، وهو تأويل الآية: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ وجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً).
والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، ليعيش إذ ذاك ملوك ناعمين، ولا يخرج الرجل منهم من الدنيا حتّى يولد لصلبه ألف ذكر، آمنين من كلّ بدعة وآفة والتنزيل عاملين بكتاب اللّه وسنة رسوله قد اضمحلّت عنهم الآيات والشبهات(٧٠٩).
سلمان من أنصار المهديّ عليه السّلام في الكرّة
٤٤٨ - روى الطبريّ بإسناده من طريق العامّة عن زاذان، عن سلمان، قال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: إنّ اللّه تعالى لم يبعث نبيّا ولا رسولا إلاّ جعل له اثنى عشر نقيبا - إلى أن ذكر أسماء النقباء الإثني عشر - فقال: ثمّ ابنه محمّد بن الحسن المهديّ القائم بأمر اللّه. ثمّ قال: يا سلمان إنّك مدركه، ومن كان مثلك ومن تولاّه هذه المعرفة، فشكرت اللّه وقلت:
وإنّي مؤجّل إلى عهده؟ فقرأ قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ اَلدِّيَارِ وكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ وجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً). قال سلمان: فاشتد بكائي وشوقي، وقلت: يا رسول اللّه أبعهد منك؟ فقال: اي واللّه الّذي أرسلني بالحقّ، منّي ومن عليّ وفاطمة والحسن والحسين والتسعة، وكلّ من هو منّا ومعنا ومضام فينا، اي واللّه وليحضرنّ إبليس له وجنوده، وكلّ من محض الإيمان محضا، ومحض الكفر محضا، حتّى يؤخذ له بالقصاص والأوتار ولا يظلم ربّك أحدا، وذلك تأويل هذه الآية: (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ اَلْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهَامَانَ وجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(٧١٠). قال: فقمت من بين يديه وما أبالي لقيت الموت أو لقيني(٧١١).
٤٤٩ - روى القمّيّ في قوله تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ) يعني القائم صلوات اللّه عليه وأصحابه(٧١٢).
٤٥٠ - عليّ بن إبراهيم في تفسيره المنسوب إلى الصادق عليه السّلام، قال: (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) أي ينصركم على عدوّكم، ثمّ خاطب بني أميّة، فقال: وإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا يعني عدتم (بالسفيانيّ، عدنا بالقائم من آل محمّد عليه السّلام: (وجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً) أي حبسا يحصرون فيها(٧١٣).
الآية الثالثة قوله تعالى: (وكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً)(٧١٤).
٤٥١ - وروى الصدوق بالإسناد عن سدير الصيرفي قال: دخلت أنا والمفضّل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب، على مولانا أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام، فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح خيبريّ مطوّق بلا جيب، مقصر الكمّين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى، ذات الكبد الحرى، قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغيّر في عارضيه، وأبلى الدموع محجريه، وهو يقول: سيّدي، غيبتك نفت رقادي، وضيقت عليّ مهادي، وأسرت منّي راحة فؤادي، سيّدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد، وفقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع والعدد، فما أحسّ بدمعة ترقى من عيني، وأنين يفتر من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا، إلاّ مثّل لعيني عن غوابر أعمّها وأفظعها، وبواقي أشدّها وأنكرها، ونوايب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك.
قال سدير: فاستطارت عقولنا ولها، وتصدّعت قلوبنا جزعا من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل، وظننّا أنّه سمة لمكروهه قارعة أو حلّت به من الدهر بائقة.
فقلنا: لا أبكى اللّه - يا بن خير الورى - عينيك. من أيّ حادثة تستنزف دمعتك، وتستمطر عيونك؟ وأيّة حالة حتّمت عليك هذا المأتم؟
قال: فزفر الصادق عليه السّلام زفرة انتفخ منها جوفه، واشتدّ منها خوفه، وقال: ويلكم إنّي نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم؛ وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا، وعلم ما كان وما يكون الى يوم القيامة، الّذي خصّ اللّه تقدّس اسمه به محمّدا والائمّة من بعده عليه وعليهم السلام، وتأمّلت فيه مولد قائمنا وغيبته وإبطاءه وطول عمره، وبلوى المؤمنين به من بعده في ذلك الزمان، وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم، الّتي قال اللّه تقدّس ذكره: (وكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)(٧١٥) يعني الولاية، فأخذتني الرّقة، واستولت عليّ الاحزان.
فقلنا: يا بن رسول اللّه، كرّمنا وشرّفنا بإشراكك إيّانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك.
قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى أدار في القائم منّا ثلاثة أدارها في ثلاثة من الرسل: قدّر مولده تقدير مولد موسى عليه السّلام، وقدّر غيبته تقدير غيبة عيسى عليه السّلام، وقدّر إبطاءه تقدير ابطاء نوح عليه السّلام، وجعل من بعد ذلك عمر العبد الصالح، أعني الخضر دليلا على عمره.
فقلت: اكشف لنا يا بن رسول اللّه عن وجوه هذا المعاني.
قال: أمّا مولد موسى، فإنّ فرعون لمّا وقف على أنّ زوال ملكه على يده، أمر باحضار الكهنة، فدلّوه على نسبه، وأنّه يكون من بني اسرائيل، ولم يزل يأمر اصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني اسرائيل حتّى قتل في طلبه نيّفا وعشرين ألف مولود، وتعذّر عليه الوصول إلى قتل موسى لحفظ اللّه تبارك وتعالى ايّاه.
كذلك بنو أميّة وبنو العباس، لمّا وقفوا على أنّ زوال ملكهم والأمراء والجبابرة منهم على يد القائم منّا، ناصبونا العداوة، ووضعوا سيوفهم في قتل آل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وإبادة نسله، طمعا منهم في الوصول الى قتل القائم عليه السّلام، ويأبى اللّه أن يكشف أمره لواحد من الظلمة الى أن يتم نوره ولو كره المشركون.
وأمّا غيبة عيسى عليه السّلام، فإنّ اليهود والنصارى اتّفقت على أنّه قتل، وكذّبهم اللّه عزّ وجلّ بقوله: (ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)(٧١٦) كذلك غيبة القائم عليه السّلام فإنّ الامّة تنكرها لطولها، فمن قائل بغير هدى بأنّه لم يولد، وقائل يقول: إنّه ولد ومات، وقائل يكفر بقوله انّ حادي عشرنا كان عقيما، وقائل يمرق بقوله: إنّه يتعدّى إلى ثالث عشر فصاعدا، وقائل يعصي اللّه عزّ وجلّ بقوله: إنّ روح القائم عليه السّلام ينطق في هيكل غيره.
وأمّا إبطاء نوح عليه السّلام فإنّه لمّا استنزل العقوبة على قومه من السماء، بعث اللّه عزّ وجلّ جبرئيل الروح الأمين بسبعة نويات فقال: يا نبيّ اللّه، إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول لك: إنّ هؤلاء خلائقي وعبادي، ولست أبيدهم بصاعقة من الصواعق الاّ بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجّة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك، فأنّي مثيبك عليه، واغرس هذا النوى، فإنّ لك في نباتها وبلوغها وادراكها اذا أثمرت الفرج والخلاص، فبشّر بذلك من تبعك من المؤمنين.
فلمّا نبتت الاشجار وتأزّرت وتسوّقت وتغصّنت وأثمرت، وزها الثمر عليها بعد زمن طويل، استنجز من اللّه سبحانه وتعالى العدّة، فأمره اللّه تبارك وتعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكّد الحجّة على قومه، فأخبر بذلك الطوائف الّتي آمنت به، فارتدّ منهم ثلاث مائة رجل، وقالوا: لو كان ما يدعيه نوح حقّا، لما وقع في وعد ربه خلف.
ثمّ إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كلّ مرّة أن يغرسها تارة بعد أخرى، إلى أن غرسها سبع مرّات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتدّ منهم طائفة، إلى أن عاد إلى نيّف وسبعين رجلا. فأوحى اللّه عزّ وجلّ عند ذلك إليه وقال: يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرّح الحق عن محضه، وصفى الأمر للإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة.
فلو أنّي أهلكت الكفار، وأبقيت من قد ارتدّ من الطوائف الّتي كانت آمنت بك لمّا كنت صدّقت وعدي السابق للمؤمنين الّذين أخلصوا التوحيد من قومك، واعتصموا بحبل نبوتّك، بأن أستخلفهم في الأرض وأمكّن لهم دينهم، وأبدل خوفهم بالأمن لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشكّ من قلوبهم.
وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبدل الخوف بالأمن منّي لهم، مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الّذين ارتدّوا، وخبث طينتهم، وسوء سرائرهم الّتي كانت نتائج النفاق وسنوح الضلالة، فلو أنّهم تسنّموا منّي من الملك الّذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف اذا أهلكت أعداءهم، لنشقوا روائح صفاته، ولاستحكمت سرائر نفاقهم، وتأبّد حبال ضلالة قلوبهم، وكاشفوا إخوانهم بالعداوة، وحاربوهم على طلب الرئاسة والتفرّد بالأمر والنهي، وكيف يكون التمكين في الدّين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وايقاع الحروب كلاّ: (اِصْنَعِ اَلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ووَحْيِنَا)(٧١٧).
قال الصادق عليه السّلام: وكذلك القائم عليه السّلام تمتدّ أيّام غيبته ليصرح الحق عن محضه، وليصفو الإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة، من الشيعة الّذين يخشى عليهم النفاق اذا أحسّوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم عليه السّلام.
قال المفضل: فقلت: يا بن رسول اللّه، إنّ النواصب تزعم أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ.
قال: لا يهدي اللّه قلوب الناصبة، متى كان الدّين الّذي ارتضاه اللّه ورسوله متمكّنا بانتشار الأمن في الأمّة، وذهاب الخوف من قلوبها، وارتفاع الشكّ من صدورها في عهد أحد من هؤلاء وفي عهد عليّ عليه السّلام، مع ارتداد المسلمين والفتن الّتي كانت تثور في أيامهم، والحروب الّتي كانت تنشب بين الكفّار وبينهم، ثمّ تلا الصادق عليه السّلام: (حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا)(٧١٨).
وأمّا العبد الصالح الخضر عليه السّلام: فإنّ اللّه تبارك وتعالى ما طوّل عمره لنبوّة قدّرها له، ولا لكتاب ينزّله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له. بلى، إنّ اللّه تبارك وتعالى لمّا كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائم عليه السّلام في أيّام غيبته ما يقدّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوّل عمر العبد الصالح من غير سبب أوجب ذلك، إلاّ لعلّة الاستدلال به على عمر القائم عليه السّلام، وليقطع بذلك حجّة المعاندين، لئلاّ يكون للناس على اللّه حجّة(٧١٩).
الآية الرابعة قوله تعالى (ولاَ تَقْتُلُوا اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً)(٧٢٠).
المهديّ عليه السّلام هو وليّ دم الحسين عليه السّلام المظلوم
٤٥٢ - أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه في كامل الزيارات، بإسناده عن محمّد بن سنان، عن رجل، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوله تعالى: (ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً).
قال: ذلك قائم آل بيت محمّد صلّى اللّه عليه واله، يخرج فيقتل بدم الحسين عليه السّلام، فلو قتل أهل الأرض لم يكن مسرفا، وقوله: (فَلاَ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ) أي لم يكن ليصنع شيئا فيكون مسرفا، ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: يقتل واللّه ذراري قتلة الحسين عليه السّلام لفعال آبائهم(٧٢١).
٤٥٣ - الشّيخ الصدوق، بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهرويّ، قال: قلت لأبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام: يا بن رسول اللّه، ما تقول في حديث روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: إذا قام القائم عليه السّلام قتل ذراري قتلة الحسين عليه السّلام بفعال آبائهم، فقال عليه السّلام: هو كذلك، فقلت: فقول اللّه عزّ وجلّ: (ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(٧٢٢) فما معناه؟ قال: صدق اللّه في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئا كان كمن أتاه، ولو أنّ رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب، لكان الراضي عند اللّه عزّ وجلّ شريك القاتل، فإنّما يقتلهم القائم عليه السّلام إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم. قال: فقلت له: بأيّ شيء يبدأ القائم منكم إذا قام؟ قال: يبدأ ببني شيبة، فيقطع أيديهم لأنّهم سرّاق بيت اللّه عزّ وجلّ(٧٢٣).
٤٥٤ - العيّاشيّ، بإسناده عن سلام بن المستنير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله: (ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً) قال: هو الحسين بن عليّ عليهما السّلام، قتل مظلوما ونحن أولياؤه، والقائم عليه السّلام منّا إذا قام طلب بثأر الحسين عليه السّلام، فيقتل حتّى يقال قد اسرف في القتل، قال: المقتول الحسين عليه السّلام، ووليّه القائم عليه السّلام والاسراف في القتل أن يقتل غير قاتليه: (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً) فإنّه لا يذهب من الدنيا حتّى ينتصر رجل من آل الرسول صلّى اللّه عليه واله، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(٧٢٤).
٤٥٥ - وعنه، بإسناده عن حمران، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قلت له: يا بن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله زعم ولد الحسن عليه السّلام أنّ القائم منهم وأنّهم أصحاب الأمر، ويزعم ولد ابن الحنفيّة مثل ذلك، فقال، رحم اللّه عمّي الحسن عليه السّلام، لقد غمد أربعين ألف سيف حين أصيب أمير المؤمنين عليه السّلام، وأسلمها إلى معاوية، ومحمّد بن عليّ سبعين ألف سيف قاتله، ولو خطر عليهم خطر، ما خرجوا منها حتّى يموتوا جميعا، وخرج الحسين صلوات اللّه فعرض نفسه على اللّه في سبعين رجلا، من أحقّ بدمه منّا، نحن واللّه أصحاب الأمر، وفينا القائم عليه السّلام، ومنّا السفّاح والمنصور، وقد قال اللّه: (ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً) نحن أولياء الحسين بن عليّ عليهما السّلام وعلى دينه(٧٢٥).
٤٥٦ - شرف الدّين النجفيّ، قال: روى بعض الثقات بإسناده عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: (ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً) قال: نزلت في الحسين عليه السّلام، ولو قتل وليّه أهل الأرض به ما كان مسرفا، ووليّه القائم عليه السّلام(٧٢٦).
٤٥٧ - روى فرات الكوفيّ عن جعفر بن محمّد الفزاريّ معنعنا عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله: (ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً) قال: الحسين: (فَلاَ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً) قال: سمّى اللّه المهديّ المنصور كما سمّى أحمد محمّدا، وكما سمّى عيسى المسيح عليه السّلام(٧٢٧).
٤٥٨ - وروى الطوسيّ بإسناده عن الفضيل بن الزبير، قال: سمعت زيد بن عليّ عليه السّلام يقول: هذا المنتظر من ولد الحسين بن عليّ في ذريّة الحسين وفي عقب الحسين عليه السّلام، وهو المظلوم الّذي قال اللّه تعالى: (ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً) قال: وليّه رجل من ذرّيّته من عقبه، ثمّ قرأ (وجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ)(٧٢٨).
(سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ) قال: سلطانه حجّته على جميع من خلق اللّه تعالى، حتّى يكون له الحجّة على الناس، ولا يكون لأحد عليه حجّة(٧٢٩).
الآية الخامسة قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتَابَهُمْ ولاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)(٧٣٠).
٤٥٩ - الكلينيّ، بإسناده عن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) فقال: يا فضيل اعرف إمامك، فإنّك إذا عرفت إمامك لم يضرّك تقدّم هذا الأمر أو تأخّر، ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر، كان بمنزلة من كان قاعدا في عسكره، لا بل بمنزلة من كان قاعدا تحت لوائه.
قال: رواه بعض أصحابنا: بمنزلة من استشهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله(٧٣١).
٤٦٠ - الكلينيّ، بإسناده عن عمرو بن أبان، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: اعرف العلامة، فإذا عرفت، لم يضرّك تقدّم هذا الأمر أم تأخّر، إنّ اللّه تعالى يقول: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) فمن عرف إمامه، كان كمن كان في فسطاط المنتظر(٧٣٢).
٤٦١ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) قال: إمامهم الّذي بين أظهرهم، وهو قائم أهل زمانه.
٤٦٢ - الكلينيّ، بإسناده عن زرارة، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: اعرف إمامك، فإنّك إذا عرفته، لم يضرّك تقدّم هذا الأمر أو تأخّر(٧٣٣).
٤٦٣ - الكلينيّ، بإسناده عن اسماعيل بن محمّد الخزاعيّ، قال: سأل أبو بصير أبا عبد اللّه عليه السّلام وأنا أسمع فقال: أتراني أدرك القائم عليه السّلام؟ فقال: يا أبا بصير لست تعرف إمامك؟ فقال: بلى واللّه، وأنت هو، فتناول يده وقال: واللّه ما تبالي يا أبا بصير أن لا تكون محتبيا بسيفك في ظلّ رواق القائم عليه السّلام(٧٣٤).
٤٦٤ - الكلينيّ، بإسناده عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: من مات وليس له إمام، مات ميتة جاهليّة، ومن مات وهو عارف لإمامه، لم يضرّه تقدّم هذا الأمر أو تأخّر، ومن مات وهو عارف لإمامه، كان كمن هو مع القائم في فسطاطه(٧٣٥).
٤٦٥ - وروى النعمانيّ بإسناده عن حمران بن أعين، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام مثله، وفيه:
اعرف إمامك وفي آخره: كان في فسطاط القائم عليه السّلام(٧٣٦).
الآية السادسة قوله تعالى: (وقُلْ جَاءَ اَلْحَقُّ وزَهَقَ اَلْبَاطِلُ إِنَّ اَلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً)(٧٣٧).
٤٦٦ - محمّد بن يعقوب رحمه اللّه بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله عزّ وجلّ: (وقُلْ جَاءَ اَلْحَقُّ وزَهَقَ اَلْبَاطِلُ إِنَّ اَلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) قال: إذا قام القائم عليه السّلام ذهبت دولة الباطل(٧٣٨).
٤٦٧ - وبهذا الإسناد عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله عزّ وجلّ: (قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ومَا أَنَا مِنَ اَلْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) قال: هو أمير المؤمنين عليه السّلام (ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)(٧٣٩) قال: عند خروج القائم عليه السّلام.
وفي قوله عزّ وجلّ (ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى اَلْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ)(٧٤٠).
قال: اختلفوا كما اختلفت هذه الأمّة في الكتاب، وسيختلفون في الكتاب الّذي مع القائم الّذي يأتيهم به، حتّى ينكره ناس كثير، فيقدّمهم فيضرب أعناقهم. وأمّا قوله تعالى:
(وَلَوْ لاَ كَلِمَةُ اَلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وإِنَّ اَلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(٧٤١).
قال: لو لا ما تقدّم فيهم من اللّه عزّ ذكره، ما أبقى القائم منهم واحدا.
وفي قوله عزّ وجلّ: (واَلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ اَلدِّينِ)(٧٤٢).
قال: بخروج القائم، وقوله عزّ وجلّ: (واَللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)(٧٤٣).
قال: يعنون بولاية عليّ عليه السّلام.
وقوله عزّ وجلّ: (وقُلْ جَاءَ اَلْحَقُّ وزَهَقَ اَلْبَاطِلُ) قال: إذا قام القائم عليه السّلام ذهبت دولة الباطل(٧٤٤).
بيان للمجلسيّ: قوله تعالى: (قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ) أي على القرآن، أو على تبليغ الوحي.
قوله تعالى: (ومَا أَنَا مِنَ اَلْمُتَكَلِّفِينَ) أي من المتصنّعين بما لست من أهله على ما عرفتم من حالي، فأنتحل النبوّة وأتقوّل القرآن وعلى تفسيره، فأقول في أمير المؤمنين عليه السّلام ما لم يوح إليّ: إِنْ هُوَ أي القرآن، وعلى ما فسّره عليه السّلام: أمير المؤمنين عليه السّلام، أو ما نزل من القرآن فيه صلوات اللّه عليه (إِلاَّ ذِكْرٌ) أي مذكّر وموعظة (لِلْعَالَمِينَ) أي للثقلين (ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ) أي نبأ القرآن، وهو ما فيه من الوعد والوعيد، أو صدقه أو نبأ الرسول صلّى اللّه عليه واله وصدقه فيما أتى به، وعلى تفسيره عليه السّلام: نبأ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وصدقه وعلوّ شأنه، أو نبأ القرآن وصدقه فيما أخبر به من فضله عليه السّلام وجلاله شأنه (بَعْدَ حِينٍ) أي بعد الموت أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام، وعلى تفسيره عليه السّلام عند خروج القائم صلوات اللّه عليه.
قوله تعالى: ولَوْ لاَ كَلِمَةُ اَلْفَصْلِ قال البيضاوي: القضاء السابق بتأجيل الجزاء، أو العدّة بأنّ الفصل يكون يوم القيامة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بين الكافرين والمؤمنين أو المشركين وشركائهم.
قوله عليه السّلام: لو لا ما تقدّم فيهم، أي بأنّه سيجزيهم يوم القيامة، أو يولد منهم أولاد مؤمنون، لقتلهم القائم عليه السّلام أجمعين.
ويحتمل أن يكون ما أبقى القائم عليه السّلام بيانا لما تقدّم فيهم، أي لو لا أن قدّر اللّه أن يكون قتلهم على يد القائم، لأهلكهم اللّه وعذّبهم قبل ذلك ولم يمهلهم، ولكن لا يخلو من بعد.
قوله عليه السّلام: بخروج القائم عليه السّلام، اعلم أنّ أكثر الآيات الواردة في القيامة الكبرى دالّة بباطنها على الرجعة الصغرى، ولمّا كان في زمن القائم عليه السّلام يردّ بعض المشركين والمخالفين والمنافقين ويجازون ببعض أعمالهم، فلذلك سمّي بيوم الدّين، وقد يطلق اليوم على مقدار من الزمان وإن كانت أيّاما كثيرة، ويحتمل أن يكون المراد يوم رجعتهم.
قوله عليه السّلام: ذهبت دولة الباطل، فعلى تفسيره التعبير بصيغة الماضي لتأكيد وقوعه وبيان أنّه لا ريب فيه، فكأنّه قد وقع(٧٤٥).

سورة الكهف

الآية الاولى قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ اَلْكَهْفِ واَلرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)(٧٤٦).
٤٦٨ - روى الحافظ السيوطيّ في تفسيره قال: وأخرج ابن مردويه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أصحاب الكهف أعوان المهديّ(٧٤٧).
٤٦٩ - روى الفقيه ابن المغازليّ الشافعيّ، قال: أخبرنا أبو طاهر محمّد بن عليّ البغداديّ قدم إلينا واسطا، بإسناده عن عبد الرزّاق بن همام الصنعانيّ، حدّثنا معمّر، عن أبان، عن أنس بن مالك قال: أهدي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله بساط من بهندف، فقال لي: يا انس ابسطه فبسطته ثمّ قال: ادع العشرة، فدعوتهم، فلمّا دخلوا أمرهم بالجلوس على البساط، ثمّ دعا عليّا فناجاه طويلا، ثمّ رجع عليّ فجلس على البساط ثمّ قال: يا ريح احملينا، فحملتنا الريح، قال: فإذا البساط يدفّ بنا دفّا، ثمّ قال: يا ريح ضعينا، ثمّ قال: تدرون في أيّ مكان أنتم؟
قلنا: لا، قال: هذا موضع أصحاب الكهف والرقيم، قوموا فسلّموا على إخوانكم، قال: فقمنا رجلا رجلا فسلّمنا عليهم فلم يردّوا علينا، فقام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقال:
السلام عليكم معاشر الصدّيقين والشهداء!
قال: فقالوا: عليك السلام ورحمة اللّه وبركاته.
قال: فقلت: ما بالهم ردّوا عليك ولم يردّوا علينا؟
فقال لهم عليّ عليه السّلام: ما بالكم لم تردّوا على إخواني؟
فقالوا: إنّا معاشر الصدّيقين والشهداء لا نكلّم بعد الموت إلاّ نبيّا أو وصيّا.
ثمّ قال: يا ريح احملينا، فحملتنا تدفّ دفّا، ثمّ قال: يا ريح ضعينا، فوضعتهم فإذا نحن بالحرّة، قال: فقال عليّ: ندرك النبيّ صلّى اللّه عليه واله في آخر ركعة، فطوينا وأتينا وإذا النبيّ صلّى اللّه عليه واله يقرأ في آخر ركعة: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ اَلْكَهْفِ واَلرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)(٧٤٨).
الآية الثانية قوله تعالى: (إِذْ أَوَى اَلْفِتْيَةُ إِلَى اَلْكَهْفِ)(٧٤٩).
٤٧٠ - ذكر الثعلبيّ في تفسيره في قوله تعالى: (إِذْ أَوَى اَلْفِتْيَةُ إِلَى اَلْكَهْفِ) قال:
وأخذوا مضاجعهم فصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهديّ عليه السّلام، يقال أنّ المهديّ يسلّم عليهم فيحييهم اللّه عزّ وجلّ له، ثمّ يرجعون إلى رقدتهم، فلا يقومون إلى يوم القيامة(٧٥٠).
الآية الثالثة قوله تعالى: (ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ واِزْدَادُوا تِسْعاً)(٧٥١).
٤٧١ - روي عن الباقر عليه السّلام، قال: يملك القائم ثلاثمائة سنة، ويزداد تسعا كما لبث أهل الكهف في كهفهم، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، فيفتح اللّه له شرق الأرض وغربها، ويقتل الناس حتّى لا يبقى إلاّ دين محمّد، ويسير بسيرة سليمان بن داود... الحديث(٧٥٢).
الآية الرابعة قوله تعالى: (ويَوْمَ نُسَيِّرُ اَلْجِبَالَ وتَرَى اَلْأَرْضَ بَارِزَةً وحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(٧٥٣).
دلالة الآية على الرجعة في زمن المهديّ عليه السّلام
٤٧٢ - روى النعمانيّ بإسناده عن إسماعيل بن جابر، قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام يقول (في حديث طويل له عن انواع آيات القرآن روى فيه الامام الصادق عليه السّلام مجموعة أسئلة لأمير المؤمنين عليه السّلام عن آيات القرآن وأحكامه، جاء فيها):
قال أمير المؤمنين عليه السّلام: وأمّا الردّ على من أنكر الرجعة، فقول اللّه عزّ وجلّ: (ويَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ)(٧٥٤) أي إلى الدنيا، وأمّا معنى حشر الآخرة، فقوله عزّ وجلّ: (وحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً) وقوله تعالى: (وحَرَامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)(٧٥٥) في الرجعة، فأمّا في القيامة فإنّهم يرجعون.
ومثل قوله تعالى: (وإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ)(٧٥٦) وهذا لا يكون إلاّ في الرجعة.
ومثله ما خاطب اللّه تعالى به الأئمّة، ووعدهم من النصر والانتقام من أعدائهم، فقال سبحانه: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(٧٥٧) وهذا إنّما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا.
ومثل قوله تعالى: (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ اَلْوَارِثِينَ)(٧٥٨) وقوله سبحانه: (إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلى مَعَادٍ)(٧٥٩) أي رجعة الدنيا.
ومثل قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اَللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)(٧٦٠) وقوله عزّ وجلّ: (واِخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا)(٧٦١) فردّهم اللّه تعالى بعد الموت إلى الدنيا(٧٦٢).
٤٧٣ - روى القمّيّ بإسناده عن حمّاد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: ما يقول الناس في هذه الآية: (ويَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً)(٧٦٣)؟قلت: إنّها في القيامة.
قال: ليس كما يقولون، إنّ ذلك في الرجعة، أيحشر اللّه في القيامة من كلّ أمّة فوجا ويدع الباقين، إنّما آية القيامة قوله: (وحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(٧٦٤).
الآية الخامسة قوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)(٧٦٥).
شبه غيبة المهديّ بغيبة الخضر عليهما السّلام
٤٧٤ - روى الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن عبد اللّه بن فضل الهاشميّ، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد عليه السّلام يقول: إنّ لصاحب هذا الامر غيبة لابدّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل، فقلت: ولم جعلت فداك؟
قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم.
قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟
قال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج اللّه تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما آتاه الخضر عليه السّلام من خرق السفينة، وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى عليه السّلام إلى وقت افتراقهما.
يا ابن الفضل، إنّ هذا الأمر أمر من أمر اللّه، وسرّ من سرّ اللّه، وغيب من غيب اللّه، ومتى علمنا أنّه عزّ وجلّ حكيم، صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف)(٧٦٦).
الآية السادسة قوله تعالى: (ويَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي اَلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً)(٧٦٧).
انّ المهديّ عليه السّلام مثل ذي القرنين يظهر بعد غيبة
٤٧٥ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول: «إنّ ذا القرنين كان عبدا صالحا جعله اللّه عزّ وجلّ حجّة على عباده، فدعا قومه إلى اللّه وأمرهم بتقواه، فضربوه على قرنه، فغاب عنهم زمانا حتّى قيل، مات أو هلك بأيّ واد سلك؟ ثمّ ظهر ورجع إلى قومه، فضربوه على قرنه الآخر، وفيكم من هو على سنّته، وإنّ اللّه عزّ وجلّ مكّن لذي القرنين في الأرض، وجعل له من كل شيء سببا، وبلغ المغرب والمشرق، وإنّ اللّه تبارك وتعالى سيجري سنّته في القائم من ولدي، فيبلغه شرق الأرض وغربها، حتّى لا يبقى منهلا ولا موضعا ولا جبل وطئه ذو القرنين إلاّ وطئه، ويظهر اللّه عزّ وجلّ له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب، فيملأ الأرض به عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما(٧٦٨).
٤٧٦ - روي عن الباقر عليه السّلام مرسلا: إنّ ذا القرنين كان عبدا صالحا ناصح اللّه سبحانه، فناصحه وسخّر له السحاب، وطويت له الأرض وبسط له في النور، فكان يبصر بالليل كما يبصر بالنهار، وإنّ أئمّة الحق كلّهم قد سخّر اللّه تعالى لهم السحاب، وكان يحملهم إلى المشرق والمغرب لصالح المسلمين، ولإصلاح ذات البين، وعلى هذا حال المهديّ عليه السّلام، ولذلك يسمّى: (صاحب المرئى والمسمع) فله نور يرى به الاشياء من بعيد كما يرى من قريب، ويسمع من بعيد كما يسمع من قريب، وإنّه يسيح في الدنيا كلّها على السحاب مرّة، وعلى الريح أخرى، وتطوى له الأرض مرّة، فيدفع البلايا عن العباد والبلاد شرقا وغربا(٧٦٩).
الآية السابعة قوله تعالى: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)(٧٧٠).
٤٧٧ - روى العيّاشيّ بإسناده عن المفضّل، قال: وسألته عن قوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ) قال الإمام الصادق عليه السّلام: رفع التقيّة عند الكشف، فينتقم من أعداء اللّه(٧٧١).

سورة مريم

الآية الاولى قوله تعالى: (وآتَيْنَاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا)(٧٧٢).
دلالة الآية على إمامة الحجّة عليه السّلام وهو صبيّ
٤٧٨ - روى الصفّار؛ بإسناده عن عليّ بن أسباط، قال: رأيت أبا جعفر عليه السّلام قد خرج عليّ، فأحددت النظر إليه وإلى رأسه وإلى رجله لأصف قامته لأصحابنا بمصر، فخرّ ساجدا وقال: إنّ اللّه إحتجّ في الإمامة بمثل ما إحتجّ في النبوّة، قال اللّه تعالى: (وآتَيْنَاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا) وقال اللّه: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)(٧٧٣) فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبيّ، ويجوز أن يؤتى وهو ابن أربعين سنة(٧٧٤).
٤٧٩ - روى العيّاشي بإسناده عن عليّ بن أسباط، عن أبي جعفر الثاني عليه السّلام، قال: قلت:
جعلت فداك، إنّهم يقولون في الحداثة، قال: وأيّ شيء يقولون؟ إنّ اللّه تعالى يقول: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اِتَّبَعَنِي)(٧٧٥)، فو اللّه ما كان اتّبعه إلاّ عليّ عليه السّلام وهو ابن سبع سنين، ومضى أبي وأنا ابن تسع سنين، فما عسى أن يقولوا، إنّ اللّه يقول: (فَلاَ ورَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) إلى قوله: (ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(٧٧٦)،(٧٧٧).
٤٨٠ - روى العيّاشيّ أيضا بإسناده عن عليّ بن أسباط، قال: قدمت المدينة وأنا اريد مصر، فدخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ الرضا عليهما السّلام وهو إذ ذاك خماسيّ، فجعلت أتأمّله لأصفه لأصحابنا بمصر، فنظر إليّ وقال: يا عليّ، إنّ اللّه أخذ في الإمامة كما أخذ في النبوّة، فقال سبحانه عن يوسف: (ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واِسْتَوى آتَيْنَاهُ حُكْماً وعِلْماً)(٧٧٨) وقال عن يحيى: (وآتَيْنَاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا)(٧٧٩).
٤٨١ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن صفوان، قال: قلت للرضا عليه السّلام: قد كنّا نسألك قبل أن يهب اللّه لك أبا جعفر عليه السّلام، فكنت تقول: يهب اللّه لي غلاما، فقد وهب اللّه لك، فقرّ عيوننا فلا أرانا اللّه يومك، فإن كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر عليه السّلام وهو قائم بين يديه.
فقلت: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين! قال: وما يضرّه من ذلك شيء، قد قام عيسى عليه السّلام بالحجّة وهو ابن ثلاث سنين(٧٨٠).
٤٨٢ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال أبو بصير: دخلت إليه ومعي غلام خماسيّ لم يبلغ، فقال: كيف أنتم إذا احتجّ عليكم بمثل سنّه(٧٨١).
٤٨٣ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن عليّ بن مهزيار، عن ابن بزيع، قال:
سألته - يعني أبا جعفر عليه السّلام - عن شيء من أمر الإمام، فقلت: يكون الإمام ابن أقل من سبع سنين؟ فقال: نعم، وأقلّ من خمس سنين(٧٨٢).
الآية الثانية قوله تعالى: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اَللَّهِ آتَانِيَ اَلْكِتَابَ)(٧٨٣).
ذكر من شاهد القائم عليه السّلام ورآه وكلّمه وهو طفل
٤٨٤ - روى الصدوق؛ بإسناده عن الحسن بن المنذر، عن حمزة بن أبي الفتح، قال:
جاءني يوما فقال لي: البشارة، ولد البارحة في الدار مولود لأبي محمّد عليه السّلام وأمر بكتمانه، قلت: وما اسمه؟ قال: سمّي بمحمّد وكنّي بأبي جعفر(٧٨٤).
٤٨٥ - روى الصدوق؛ بإسناده عن إبراهيم بن محمّد بن عبد اللّه بن موسى بن جعفر عليهما السّلام، عن السّياريّ قال: حدّثتني نسيم ومارية قالتا:
إنّه لمّا سقط صاحب الزمان عليه السّلام من بطن أمّه جاثيا على ركبتيه، رافعا سبّابتيه إلى السماء، ثمّ عطس فقال: الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على محمّد وآله، زعمت الظلمة أنّ حجّة اللّه داحضة، لو اذن لنا في الكلام لزال الشكّ.
قال إبراهيم بن محمّد بن عبد اللّه: وحدّثتني نسيم خادم أبي محمّد عليه السّلام قالت: قال لي صاحب الزمان عليه السّلام وقد دخلت عليه بعد مولده بليلة، فعطست عنده فقال لي: يرحمك اللّه، قالت نسيم: ففرحت بذلك، فقال لي عليه السّلام: ألا أبشّرك في العطاس؟ فقلت: بلى يا مولاي، فقال: هو أمان من الموت ثلاثة أيّام(٧٨٥).
٤٨٦ - وروى الصدوق؛ بإسناده عن غياث بن اسيد، قال: شهدت محمّد بن عثمان العمريّ قدّس اللّه روحه يقول: لمّا ولد الخلف المهديّ عليه السّلام سطع نور من فوق رأسه إلى أعنان السماء، ثمّ سقط لوجهه ساجدا لربّه تعالى ذكره، ثمّ رفع رأسه وهو يقول: (شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ واَلْمَلاَئِكَةُ وأُولُوا اَلْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللَّهِ اَلْإِسْلاَمُ)(٧٨٦).
قال: وكان مولده يوم الجمعة(٧٨٧).
٤٨٧ - وروى الصدوق؛ بإسناده عن يعقوب بن منقوش، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام وهو جالس على دكّان في الدار وعن يمينه بيت وعليه ستر مسبل، فقلت له: يا سيّدي من صاحب هذا الأمر؟ فقال: ارفع الستر، فرفعته فخرج إلينا غلام خماسيّ له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، درّي المقلتين، شثن الكفّين، معطوف الركبتين، في خدّه الأيمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمّد عليه السّلام، ثمّ قال لي: هذا هو صاحبكم، ثمّ وثب فقال له: يا بنيّ ادخل إلى الوقت المعلوم، فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثمّ قال لي: يا يعقوب أنظر إلى من في البيت؟ فدخلت فما رأيت أحدا(٧٨٨).
٤٨٨ - وروى بالإسناد عن أحمد بن الحسن بن إسحاق القمّي، قال: لمّا ولد الخلف الصالح عليه السّلام، ورد عن مولانا أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام إلى جدّي أحمد بن إسحاق كتاب، فإذا فيه مكتوب بخطّ يده عليه السّلام الّذي كان ترد به التوقيعات عليه، وفيه: «ولد لنا مولود، فليكن عندك مستورا وعن جميع الناس مكتوما، فإنّا لم نظهر عليه إلاّ الأقرب لقرابته، والوليّ لولايته، أحببنا إعلامك ليسرّك اللّه به مثل ما سرّنا به، والسلام»(٧٨٩).
٤٨٩ - وروى بالإسناد عن أبي الفضل الحسن بن الحسين العلويّ، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السّلام بسرّ من رأى فهنّأته بولادة إبنه القائم عليه السّلام(٧٩٠).
٤٩٠ - روى الشيخ أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي الصدوق قدّس سرّه بإسناده عن أحمد بن مسرور، عن سعد بن عبد اللّه القمّي، قال: كنت امرءا لهجا بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم ودقائقها، كلفا باستظهار ما يصحّ لي من حقائقها، مغرما بحفظ مشتبهها ومغلقها، شحيحا على ما أظفر به من معضلاتها ومشكلاتها، متعصّبا لمذهب الإماميّة، راغبا عن الأمن والسلامة في انتظار التنازع والتخاصم والتعدّي إلى التباغض والتشاتم، معيبا للفرق ذوي الخلاف، كاشفا عن مثالب أئمّتهم، هتّاكا لحجب قادتهم، إلى أن بليت بأشدّ النواصب منازعة، وأطولهم مخاصمة، وأكثرهم جدلا، وأشنعهم سؤالا، وأثبتهم على الباطل قدما.
فقال ذات يوم - وأنا اناظره - تبّا لك ولأصحابك يا سعد، إنّكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين والأنصار بالطعن عليهما، وتجحدون من رسول اللّه ولايتهما وإمامتهما، هذا الصدّيق الّذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته، أما علمتم أنّ رسول اللّه ما أخرجه مع نفسه إلى الغار إلاّ علما منه أنّ الخلافة له من بعده، وأنّه هو المقلّد لأمر التأويل والملقى إليه أزمة الامّة، وعليه المعوّل في شعب الصدع، ولمّ الشعث، وسدّ الخلل، وإقامة الحدود، وتسريب الجيوش لفتح بلاد الشرك، وكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته، إذ ليس من حكم الإستتار والتواري، أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة إلى مكان يستخفي فيه، ولمّا رأينا النبيّ متوجّها إلى الانجحار، ولم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من أحد، استبان لنا قصد رسول اللّه بأبي بكر للغار للعلّة الّتي شرحناها، وإنّما أبات عليّا على فراشه لما لم يكن يكترث به، ولم يحفل به لاستثقاله! ولعلمه بأنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب الّتي كان يصلح لها.
قال سعد: فأوردت عليه أجوبة شتّى، فما زال يعقّب كلّ واحد منها بالنقض والردّ عليّ، ثمّ قال: يا سعد ودونكها اخرى بمثلها تخطم انوف الروافض!!
ألستم تزعمون أنّ الصدّيق المبّرأ من دنس الشكوك، والفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسرّان النفاق، واستدللتم بليلة العقبة، أخبرني عن الصدّيق والفاروق أسلما طوعا أو كرها؟
قال سعد: فاحتلت لدفع هذه المسألة عنّي خوفا من الإلزام، وحذرا من أنّي إن أقررت له بطوعهما للإسلام، إحتجّ بأنّ بدء النفاق ونشأه في القلب لا يكون إلاّ عند هبوب روائح القهر والغلبة، وإظهار البأس الشديد في حمل المرء على من ليس ينقاد إليه قلبه، نحو قول اللّه تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)(٧٩١)، وإن قلت: أسلما كرها، كان يقصدني بالطعن، إذ لم تكن ثمّة سيوف منتضاة كانت تريهما البأس.
قال سعد: فصدرت عنه مزوّرا قد انتفخت أحشائي من الغضب، وتقطّع كبدي من الكرب، وكنت قد إتّخذت طومارا وأثبت فيه نيّفا وأربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا، على أن أسأل عنها خبير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّد عليه السّلام، فارتحلت خلفه، وقد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسرّ من رأى، فلحقته في بعض المنازل، فلمّا تصافحنا قال: بخير لحاقك بي، قلت: الشوق ثمّ العادة في الأسولة.
قال: قد تكافينا على هذه الخطّة الواحدة، فقد برح بي القرم (شدّة الشوق) إلى لقاء مولانا أبي محمّد عليه السّلام وأنا اريد أن أسأله عن معاضل في التأويل ومشاكل في التنزيل فدونكها الصحبة المباركة فانّها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، وهو إمامنا.
فوردنا «سرّ من رأى» فانتهينا منها إلى باب سيّدنا، فاستأذنّا، فخرج علينا الإذن بالدخول عليه، وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبريّ فيه مائة وستّون صرّة من الدنانير والدراهم، على كلّ صرّة منها ختم صاحبها.
قال سعد: فما شبّهت وجه مولانا أبي محمّد عليه السّلام حين غشينا نور وجهه إلاّ ببدر قد استوفى من لياليه أربعا بعد عشر، وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر، على رأسه فرق بين وفرتين كأنّه ألف بين واوين، وبين يدي مولانا رمّانة ذهبيّة تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركّبة عليها، قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة، وبيده قلم إذا أراد أن يسطر به على البياض شيئا قبض الغلام على أصابعه، فكان مولانا يدحرج الرّمانة بين يديه ويشغله بردّها كيلا يصدّه عن كتابة ما أراد.
فسلّمنا عليه فألطف في الجواب وأومأ إلينا في الجلوس، فلمّا فرغ من كتبة البياض الّذي كان بيده، أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طيّ كسائه فوضعه بين يديه، فنظر الهادي عليه السّلام إلى الغلام وقال له: يا بني فضّ الخاتم عن هدايا شيعتك ومواليك.
فقال: يا مولاي، أيجوز أن أمدّ يدا طاهرة إلى هدايا نجسة وأموال رجسة قد شيب أحلّها بأحرمها؟
فقال مولاي: يا ابن إسحاق، استخرج ما في الجراب ليميّز ما بين الحلال والحرام منها.
فأوّل صرّة بدأ أحمد بإخراجها قال الغلام: «هذه لفلان بن فلان، من محلّة كذا بقمّ، يشتمل على إثنين وستّين دينارا، فيها من ثمن حجيرة باعها صاحبها وكانت إرثا له عن أبيه خمسة وأربعون دينارا، ومن أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا، وفيها من اجرة الحوانيت ثلاثة دنانير».
فقال مولانا: صدقت يا بني، دلّ الرجل على الحرام منها.
فقال عليه السّلام: «فتّش عن دينار رازيّ السكّة، تاريخه سنة كذا، قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه، وقراضة آمليّة وزنها ربع دينار، والعلّة في تحريمها أنّ صاحب هذه الصرّة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منّا وربع منّ، فأتت على ذلك مدّة، وفي انتهائها قيّض لذلك الغزل سارق، فأخبر به الحائك صاحبه فكذّبه واستردّ منه بدل ذلك منّا ونصف من غزلا أدقّ ممّا كان دفعه إليه، واتّخذ من ذلك ثوبا، كان هذا الدينار مع القراضة ثمنه، فلمّا فتح رأس الصرّة صادف رقعة في وسط الدنانير باسم من أخبر عنه وبمقدارها على حسب ما قال، واستخرج الدينار والقراضة بتلك العلامة.
ثمّ أخرج صرّة اخرى، فقال الغلام: «هذه لفلان بن فلان، من محلّة كذا بقم تشتمل على خمسين دينارا لا يحلّ لنا لمسها» قال: وكيف ذاك؟ قال: «لأنّها من ثمن حنطة حاف صاحبها على أكّاره في المقاسمة، وذلك أنّه قبض حصّته منها بكيل واف، وكان ما حصّ الأكّار بكيل بخس».
فقال مولانا: صدقت يا بنيّ.
ثمّ قال: يا أحمد بن إسحاق، احملها بأجمعها لتردّها أو توصي بردّها على أربابها، فلا حاجة لنا في شيء منها، وائتنا بثوب العجوز، قال أحمد: وكان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيته.
فلمّا إنصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب، نظر إليّ مولانا أبو محمّد عليه السّلام فقال: ما جاء بك يا سعد؟ فقلت: شوّقني أحمد بن إسحاق على لقاء مولانا، قال: والمسائل الّتي أردت أن تسأل عنها؟ قلت: على حالها يا مولاي.
قال: فسل قرّة عيني - وأومأ إلى الغلام، فقال لي الغلام: سل عمّا بدا لك منها.
فقلت له: مولانا وابن مولانا، إنّا روينا عنكم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين عليه السّلام حتّى أرسل يوم الجمل إلى عائشة: إنّك قد أرهجت على الإسلام وأهله
 بفتنتك، وأوردت بنيك حياض الهلاك بجهلك، فإن كففت عنّي غربك وإلاّ طلّقتك، ونساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قد كان طلاقهنّ وفاته، قال: ما الطلاق؟ قلت: تخلية السبيل، قال: فإذا كان طلاقهنّ وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قد خلّيت لهنّ السبيل، فلم لا يحلّ لهنّ الأزواج؟ قلت: لأنّ اللّه تبارك وتعالى حرّم الأزواج عليهنّ، قال: كيف وقد خلّى الموت سبيلهنّ؟
قلت: فأخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الّذي فوّض رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله حكمه إلى أمير المؤمنين عليه السّلام؟
قال: إنّ اللّه تقدّس إسمه عظّم شأن نساء النبيّ صلّى اللّه عليه واله، فخصّهنّ بشرف الامّهات، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله:
يا أبا الحسن إنّ هذا الشرف باق لهنّ ما دمن للّه على الطاعة، فأيّتهنّ عصت اللّه بعدي بالخروج عليك، فأطلق لها في الأزواج، وأسقطها من شرف امومة المؤمنين.
قلت: فأخبرني عن الفاحشة المبيّنة الّتي إذا أتت المرأة بها في عدّتها، حلّ للزوج أن يخرجها من بيته؟
قال: الفاحشة المبيّنة هي السحق دون الزنا، فإنّ المرأة إذا زنت واقيم عليها الحدّ، ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزوّج بها لأجل الحدّ، وإذا سحقت وجب عليها الرجم، والرجم خزي، ومن قد أمر اللّه برجمه فقد أخزاه، ومن أخزاه فقد أبعده، ومن أبعده فليس لأحد أن يقربه.
قلت: فأخبرني يا بن رسول اللّه عن أمر اللّه لنبيّه موسى عليه السّلام (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً)(٧٩٢) فإنّ فقهاء الفريقين يزعمون أنّها كانت من إهاب الميتة.
فقال عليه السّلام: من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوّته، لأنّه ما خلا الأمر فيها من خطيئتين: إمّا أن تكون صلاة موسى فيهما جائزة أو غير جائزة، فإن كانت صلاته جائزة، جاز له لبسهما في تلك البقعة، وان كانت مقدّسة مطهّرة، فليست بأقدس وأطهر من الصلاة، وان كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب على موسى أنّه لم يعرف الحلال من الحرام، وما علم ما تجوز فيه الصلاة وما لم تجز، وهذا كفر.
قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما.
قال: إنّ موسى ناجى ربّه بالواد المقدّس فقال: يا ربّ إنّي قد أخلصت لك المحبّة منّي، وغسلت قلبي عمّا سواك - وكان شديد الحبّ لأهله - فقال اللّه تعالى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) أي انزع حبّ أهلك من قلبك إن كانت محبّتك لي خالصة، وقلبك من الميل إلى من سواي مغسولا.
قلت: فأخبرني يا بن رسول اللّه عن تأويل كهيعص(٧٩٣).

قال: هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع اللّه عليها عبده زكريّا، ثمّ قصّها على محمّد صلّى اللّه عليه واله، وذلك أنّ زكريّا سأل ربّه أن يعلّمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل فعلّمه إيّاها، فكان زكريا إذا ذكر محمّدا وعليّا وفاطمة والحسن والحسين سرى عنه همّه، وانجلى كربه، وإذا ذكر الحسين خنقته العبرة، ووقعت عليه البهرة، فقال ذات يوم: يا إلهي، ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟ فأنبأه اللّه تعالى عن قصّته.
وقال: كهيعص «فالكاف» اسم كربلاء و«الهاء» هلاك العترة، و«الياء» يزيد وهو ظالم الحسين عليه السّلام، و«العين» عطشه، و«الصاد» صبره.
فلمّا سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام ومنع فيها الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب، وكانت ندبته: «إلهي أتفجع خير خلقك بولده، إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه، إلهي أتلبس عليّا وفاطمة ثياب هذه المصيبة، إلهي أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما؟».
ثمّ كان يقول: «اللهمّ ارزقني ولدا تقرّ به عيني على الكبر، واجعله وارثا وصيّا، واجعل محلّه منّي محلّ الحسين، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه، ثمّ فجّعني به كما تفجّع محمّدا حبيبك بولده» فرزقه اللّه يحيى وفجّعه به، وكان حمل يحيى ستّة أشهر وحمل الحسين عليه السّلام كذلك، وله قصّة طويلة.
قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلّة الّتي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم.
قال: مصلح أو مفسد؟ قلت: مصلح.
قال: فهل يجوز أنّ تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟ قلت: بلى، قال: فهي العلّة، وأوردها لك ببرهان ينقاد لها عقلك، أخبرني عن الرسل الّذين إصطفاهم اللّه تعالى وأنزل عليهم الكتاب وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الامم وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى عليهما السّلام، هل يجوز - مع وفور عقلهما وكمال علمهما - إذا همّا بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان أنّه مؤمن؟ قلت: لا.
فقال: هذا موسى كليم اللّه مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين، قال اللّه تعالى: (واِخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا)(٧٩٤) (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اَللَّهَ جَهْرَةً)(٧٩٥) (فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ)(٧٩٦)، فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه للنبوّة واقعا على الأفسد دون الأصلح وهو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلاّ لمن يعلم ما تخفي الصدور وما تكنّ الضمائر وتتصرّف عليه السرائر، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصلاح.
ثمّ قال مولانا: يا سعد، وحين ادّعى خصمك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله لمّا أخرج مع نفسه مختار هذه الامّة إلى الغار إلاّ علما منه أنّ الخلافة له من بعده، وأنّه هو المقلّد امور التأويل، والملقى إليه أزمّة الامّة، وعليه المعوّل في لمّ الشعث وسدّ الخلل وإقامة الحدود، وتسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته، إذ لم يكن من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه، وإنّما أبات عليّا على فراشه لما لم يكن يكترث له ولم يحفل به لاستثقاله إيّاه، وعلمه أنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب الّتي كان يصلح لها.
فهلاّ نقضت عليه دعواه بقولك: أليس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: الخلافة بعدي ثلاثون سنة؟ فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الّذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم، فكان لا يجد بدّا من قوله لك: بلى، قلت: فكيف تقول حينئذ: أليس كما علم رسول اللّه أنّ الخلافة من بعده لأبي بكر، علم أنّها من بعد أبي بكر لعمر ومن بعد عمر لعثمان ومن بعد عثمان لعليّ؟ فكان أيضا لا يجد بدّا من قوله لك: نعم، ثمّ كنت تقول له: فكان الواجب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أن يخرجهم جميعا (على الترتيب) إلى الغار ويشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر، ولا يستخفّ بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إيّاهم وتخصيصه أبا بكر وإخراجه مع نفسه دونهم.
و لمّا قال: أخبرني عن الصدّيق والفاروق أسلما طوعا أو كرها؟ لم لم تقل له: بل أسلما طمعا، وذلك بأنّهما كانا يجالسان اليهود ويستخبرانهم عمّا كانوا يجدون في التوراة وفي سائر الكتب المتقدّمة الناطقة بالملاحم من حال إلى حال من قصّة محمّد صلّى اللّه عليه واله ومن عواقب أمره، فكانت اليهود تذكر أنّ محمّدا يسلّط على العرب كما كان بختنصّر سلّط على بني إسرائيل، ولابدّ له من الظفر بالعرب كما ظفر بختنصّر ببني إسرائيل، غير أنّه كاذب في دعواه أنّه نبيّ، فأتيا محمّدا فساعداه على شهادة ألاّ إله إلاّ اللّه، وبايعاه طمعا في أن ينال كلّ واحد منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت اموره، واستتبّت أحواله، فلمّا آيسا من ذلك تلثّما وصعدا العقبة مع عدّة من أمثالهما من المنافقين على أن يقتلوه، فدفع اللّه تعالى كيدهم وردّهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، كما أتى طلحة والزبير عليّا عليه السّلام فبايعاه وطمع كلّ واحد منهما أن ينال من جهته ولاية بلد، فلمّا آيسا نكثا بيعته وخرجا عليه، فضرع اللّه واحد منهما مصرع أشباههما من الناكثين.
قال سعد: ثمّ قام مولانا الحسن بن عليّ الهادي عليه السّلام للصلاة مع الغلام، فانصرفت عنهما، وطلبت أثر أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكيا، فقلت: ما أبطأك وأبكاك؟ قال: قد فقدت الثوب الّذي سألني مولاي إحضاره، قلت: لا عليك فأخبره، فدخل عليه مسرعا وانصرف من عنده متبسّما وهو يصلّي على محمّد وآل محمّد، فقلت: ما الخبر؟ قال:
وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا يصلّي عليه.
قال سعد: فحمدنا اللّه تعالى على ذلك، وجعلنا نختلف بعد ذلك اليوم إلى منزل مولانا أيّاما، فلا نرى الغلام بين يديه، فلمّا كان يوم الوداع دخلت أنا وأحمد ابن إسحاق وكهلان من أهل بلدنا، وانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائما وقال: يا ابن رسول اللّه قد دنت الرحلة واشتدّ المحنة، فنحن نسأل اللّه تعالى أن يصلّي على المصطفى جدّك، وعلى المرتضى أبيك، وعلى سيّدة النساء امّك، وعلى سيّدي شباب أهل الجنّة عمّك وأبيك، وعلى الأئمّة الطاهرين من بعدهما آبائك، وأن يصلّي عليك وعلى ولدك، ونرغب إلى اللّه أن يعلي كعبك ويكبت عدوّك، ولا جعل اللّه هذا آخر عهدنا من لقائك.
قال: فلمّا قال هذه الكلمات استعبر مولانا حتّى استهلّت دموعه وتقاطرت عبراته، ثمّ قال: يا ابن إسحاق، لا تكلّف في دعائك شططا، فإنّك ملاق اللّه تعالى في صدرك هذا.
فخرّ أحمد مغشيّا عليه، فلمّا أفاق قال: سألتك باللّه وبحرمة جدّك إلاّ شرّفتني بخرقة أجعلها كفنا، فأدخل مولانا يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهما فقال: خذها ولا تنفق على نفسك غيرها، فانّك لن تعدم ما سألت، وإنّ اللّه تبارك وتعالى لن يضيّع أجر من أحسن عملا.
قال سعد: فلمّا إنصرفنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا من حلوان على ثلاثة فراسخ، حمّ أحمد بن إسحاق وثارت به علّة صعبة أيس من حياته فيها، فلمّا وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق برجل من أهل بلده كان قاطنا بها، ثمّ قال: تفرّقوا عنّي هذه الليلة واتركوني وحدي.
فانصرفنا عنه ورجع كلّ واحد منّا إلى مرقده. قال سعد: فلمّا حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة، ففتحت عيني، فإذا أنا بكافور الخادم (خادم مولانا أبي محمّد عليه السّلام) وهو يقول: أحسن اللّه بالخير عزاكم، وجبر بالمحبوب رزيّتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم ومن تكفينه، فقوموا لدفنه، فانّه من أكرمكم محلا عند سيّدكم. ثمّ غاب عن أعيننا، فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والعويل حتّى قضينا حقّه، وفرغنا من أمره رحمه اللّه.
(انتهى)(٧٩٧).
الآية الثالثة قوله تعالى: (فَاخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ)(٧٩٨).
٤٩١ - العيّاشي: بإسناده عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر عليه السّلام يقول: إلزم الأرض لا تحرّك يدك ولا رجلك أبدا حتّى ترى علامات أذكرها لك في سنة، وترى مناديا ينادي بدمشق، وخسف بقرية من قراها، وتسقط طائفة من مسجدها، فإذا رأيت الترك جازوها فأقبلت الترك حتّى نزلت الجزيرة، وأقبلت الروم حتّى نزلت الرملة، وهي سنة اختلاف في كلّ أرض من أرض العرب، وإنّ أهل الشام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات، الأصهب، والأبقع، والسفيانيّ، مع بني ذنب الحمار مضر، ومع السفياني أخواله من كلب، فيظهر السفيانيّ ومن معه على بني ذنب الحمار حتّى يقتلوا قتلا لم يقتله شيء قطّ، ويحضر رجل بدمشق فيقتل هو ومن معه قتلا لم يقتله شيء قطّ، وهو من بني ذنب الحمار، وهي الآية الّتي يقول اللّه تبارك وتعالى: (فَاخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ..) الحديث(٧٩٩).
٤٩٢ - روى النعماني؛ بإسناده عن داود الدجاجيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليهما السّلام، قال: سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن قوله تعالى: (فَاخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) فقال: «انتظروا الفرج من ثلاث، فقيل يا أمير المؤمنين وما هنّ؟ فقال: اختلاف أهل الشام بينهم، والرايات السود من خراسان، والفزعة في شهر رمضان. فقيل: وما الفزعة في شهر رمضان؟ فقال: أو ما سمعتم قول اللّه عزّ وجلّ في القرآن: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)(٨٠٠) هي آية تخرج الفتاة من خدرها، وتوقظ النائم، وتفزع اليقظان»(٨٠١).
٤٩٣ - روى العيّاشي رحمه اللّه بإسناده عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال في حديث له: وإنّ أهل الشام يختلفون عند ذلك عن ثلاث رايات: الأصهب، والأبقع، والسفيانيّ مع بني ذنب الحمار، حتّى يقتلوا قتلا لم يقتله شيء قطّ.
ويحضر رجل بدمشق، فيقتل هو ومن معه قتلا لم يقتله شيء قطّ. وهو من بني ذنب الحمار، وهي الآيات الّتي يقول اللّه تبارك وتعالى: فَاخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ويظهر السفياني ومن معه.
- وقد تقدّم الحديث بكامله مع مصادره في البقرة - ١٤٨.
الآية الرابعة قوله عزّ وجلّ: (وأَعْتَزِلُكُمْ ومَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ وأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ وكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)(٨٠٢).
شبه غيبة المهديّ عليه السّلام بغيبة إبراهيم عليه السّلام في اعتزاله
٤٩٤ - روى الصدوق بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: كان أبو إبراهيم عليه السّلام منجّما لنمرود بن كنعان، وكان نمرود لا يصدر إلاّ عن رأيه، فنظر في النجوم ليلة من الليالي فأصبح فقال: لقد رأيت في ليلتي هذه عجبا، فقال له نمرود: وما هو؟ فقال:
رأيت مولودا يولد في أرضنا هذه فيكون هلاكنا على يديه، ولا يلبث إلاّ قليلا حتّى يحمل به، فعجب من ذلك نمرود وقال له: هل حملت به النساء؟ فقال: لا، وكان فيما أوتي به من العلم أنّه سيحرق بالنار، ولم يكن اوتي أنّ اللّه تعالى سينجّيه.
قال: فحجب النساء عن الرجال، فلم يترك امرأة إلاّ جعلت بالمدينة حتّى لا يخلص إليهنّ الرجال، قال: ووقع أبو إبراهيم على امرأته فحملت به وظنّ أنّه صاحبه، فأرسل إلى نساء من القوابل لا يكون في البطن شيء إلاّ علمن به، فنظرن إلى أمّ إبراهيم، فألزم اللّه تعالى ذكره ما في الرحم الظهر، فقلن: ما نرى شيئا في بطنها، فلمّا وضعت امّ إبراهيم به، أراد أبوه أن يذهب به إلى نمرود، فقالت له امرأته: لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله، دعني أذهب به إلى بعض الغيران أجعله فيه حتّي يأتي عليه أجله ولا يكون أنت تقتل ابنك، فقال لها: فاذهبي به، فذهبت به إلى غار، ثمّ أرضعته، ثمّ جعلت على باب الغار صخرة، ثمّ انصرفت عنه، فجعل اللّه عزّ وجلّ رزقه في إبهامه، فجعل يمصّها فيشرب لبنا، وجعل يشبّ في اليوم كما يشبّ غيره في الجمعة ويشبّ في الجمعة، كما يشبّ غيره في الشهر، ويشبّ في الشهر كما يشبّ غيره في السنة، فمكث ما شاء اللّه أن يمكث.
ثمّ إنّ امّه قالت لأبيه: لو أذنت لي حتّى أذهب إلى ذلك الصبي فأراه فعلت، قال:
فافعلي، فأتت الغار فإذا هي بإبراهيم عليه السّلام، وإذا عيناه تزهران كأنّهما سراجان، فأخذته وضمّته إلى صدرها وأرضعته ثمّ انصرفت عنه، فسألها أبوه عن الصبي، فقالت له: قد واريته في التراب، فمكثت تعتلّ وتخرج في الحاجة وتذهب إلى إبراهيم عليه السّلام فتضمّه إليها وترضعه ثمّ تنصرف، فلمّا تحرّك أتته امّه كما كانت تأتيه، وصنعت كما كانت تصنع، فلمّا أرادت الانصراف أخذ بثوبها فقالت له: ما لك؟ فقال لها: اذهبي بي معك، فقالت له: حتّى أستأمر أباك(٨٠٣).
كلام الشيخ الصدوق
قال الشيخ الصدوق: وأمّا غيبة إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه عليه، فإنّها تشبه غيبة قائمنا صلوات اللّه عليه، بل هي أعجب منها، لأنّ اللّه عزّ وجلّ غيّب أثر إبراهيم عليه السّلام وهو في بطن امّه، حتّى حوّله عزّ وجلّ بقدرته من بطنها إلى ظهرها، ثمّ أخفى أمر ولادته إلى وقت بلوغ الكتاب أجله.
فلم يزل إبراهيم عليه السّلام في الغيبة مخفيا لشخصه، كاتما لأمره، حتّى ظهر فصدع بأمر اللّه تعالى ذكره وأظهر اللّه قدرته فيه.
ثمّ غاب عليه السّلام الغيبة الثانية، وذلك حين نفاه الطاغوت عن مصر، فقال: (وأَعْتَزِلُكُمْ ومَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ وأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا قال اللّه عزّ وجلّ: فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ وكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) يعني به عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، لأنّ إبراهيم قد كان دعا اللّه عزّ وجلّ أن يجعل له لسان صدق في الآخرين، فجعل اللّه تبارك وتعالى له ولإسحاق ويعقوب لسان صدق عليّا، فأخبر عليّ عليه السّلام بأنّ القائم هو الحادي عشر من ولده وأنّه المهديّ الّذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وأنّه تكون له غيبة وحيرة يضلّ فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون، وأنّ هذا كائن كما أنّه مخلوق.
وأخبر عليه السّلام في حديث كميل بن زياد النخعيّ: «إنّ الأرض لا تخلو من قائم بحجّة، امّا ظاهر مشهور أو خاف مغمور، لئلاّ تبطل حجج اللّه وبيّناته، ولإبراهيم عليه السّلام غيبة اخرى سار فيها في البلاد وحده للاعتبار(٨٠٤).
الآية الخامسة قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا اَلْعَذَابَ وإِمَّا اَلسَّاعَةَ)(٨٠٥).
٤٩٥ - روى محمّد بن يعقوب؛ بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ: (وإِذَا تُتْلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وأَحْسَنُ نَدِيًّا)(٨٠٦) قال:
كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله دعا قريشا إلى ولايتنا فنفروا وأنكروا: (فَقَالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا) من قريش (لِلَّذِينَ آمَنُوا) والّذين أقرّوا لأمير المؤمنين ولنا أهل البيت (أَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وأَحْسَنُ نَدِيًّا) تعييرا منهم.
فقال اللّه عزّ وجلّ ردّا عليهم: (وكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) من الامم السالفة (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورِءْياً)(٨٠٧).
قلت: قوله: (مَنْ كَانَ فِي اَلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ اَلرَّحْمَنُ مَدًّا)(٨٠٨) قال: كلّهم كانوا في الضلالة لا يؤمنون بولاية أمير المؤمنين عليه السّلام ولا بولايتنا، فكانوا ضالّين مضلّين، فيمدّ لهم في ضلالتهم وطغيانهم حتّى يموتوا، فيصيّرهم اللّه شرّا مكانا وأضعف جندا.
قلت: قوله: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ) قال: فهو خروج القائم عليه السّلام، وهو الساعة، فسيعلمون ذلك اليوم وما نزل بهم من اللّه على يدي وليّه، فذلك قوله: (مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً) يعني عند القائم – (وأَضْعَفُ جُنْداً).
قلت: قوله: (ويَزِيدُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً)؟.
قال: يزيدهم ذلك اليوم هدى على هدى باتّباعهم القائم عليه السّلام حيث لا يجحدونه ولا ينكرونه... الحديث(٨٠٩).
٤٩٦ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث له قال فيه، قلت: قوله: حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا اَلْعَذَابَ وإِمَّا اَلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً وأَضْعَفُ جُنْداً.
قال: امّا قوله: حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فهو خروج القائم وهو الساعة، فسيعلمون ذلك اليوم وما نزل بهم من اللّه على يدي القائم، فذلك قوله: مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً يعني عند القائم وأَضْعَفُ جُنْداً.. الحديث(٨١٠).
الآية السادسة قوله تعالى: (ويَزِيدُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً)(٨١١).
٤٩٧ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث له، قال: قلت: (ويَزِيدُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً) قال: يزيدهم ذلك اليوم هدى على هدى باتّباعهم القائم حيث لا يجحدونه ولا ينكرونه.. الحديث(٨١٢).
٤٩٨ - وروى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي عليه السّلام، قال: في حديث طويل جاء فيه: قلت: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وأَقَلُّ عَدَداً)(٨١٣) قال: يعني بذلك القائم وأنصاره(٨١٤).

سورة طه

قوله تعالى: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلى أُمِّكَ مَا يُوحى * أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي اَلتَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي اَلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ اَلْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي)(٨١٥).
شباهة مولد الحجّة بخفاء مولد موسى عليهما السّلام
٤٩٩ - روى الفقيه أبو جعفر محمّد بن عليّ الطوسيّ المعروف بابن حمزة بإسناده عن حكيمة بنت محمّد عليه السّلام - في حديث طويل - قالت: دخلت على أبي محمّد صلوات اللّه عليه، فلمّا أردت الانصراف، قال: بيّتي الليلة عندنا، فإنّه سيولد الليلة المولود الكريم على اللّه عزّ وجلّ، الّذي يحيي اللّه عزّ وجلّ به الأرض بعد موتها، قلت: ممّن يا سيّدي، ولست أرى بنرجس شيئا من الحمل؟
قال: من نرجس، لا من غيرها.
قالت: فقمت إليها، فقلّبتها ظهرا وبطنا، فلم أربها أثر حبل، فعدت إليه، فأخبرته بما فعلته، فتبسّم، ثمّ قال: إذا كان وقت الفجر يظهر بها الحبل، لأنّ مثلها مثل امّ موسى لم يظهر بها الحبل، ولم يعلم به أحد إلى وقت ولادتها، لأنّ فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى، وهذا نظير موسى صلوات اللّه عليهما.
قالت حكيمة: فعدت إليها وأخبرتها، قالت: وسألتها عن حالها، فقالت: يا مولاتي، ما أرى بي شيئا من هذا.
قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر، وهي نائمة بين يدي تتقلّب جنبا إلى جنب، حتّى إذا كان آخر الليل، وقت طلوع الفجر، وثبت فزعة، فضممتها إلى صدري، وسميّت عليها، فقلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر لي الأمر الّذي أخبرك مولاي.
فصاح أبو محمّد عليه السّلام: اقرأي عليها (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ) فأقبلت أقرأ عليها، كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ بمثل ما أقرأ، وسلّم عليّ.
قالت حكيمة: ففزعت لمّا سمعت، فصاح بي أبو محمّد صلوات اللّه عليه: لا تعجبي من أمر اللّه، إنّ اللّه ينطقنا بالحكمة صغارا، ويجعلنا حججا في أرضه كبارا، فلم يستتمّ الكلام حتّى غيّبت عنّي نرجس، فلم أرها، كأنّما ضرب بيني وبينها حجاب، فعدوت نحو أبي محمّد صلوات اللّه عليه وأنا صارخة، فقال لي: ارجعي يا عمّة فإنّك ستجدينها في مكانها.
قالت: فرجعت، فلم ألبث حتّى انكشف الغطاء الّذي بيني وبينها، وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشي بصري، وإذا بالصبي ساجد بوجهه، جاث على ركبتيه، رافع سبّابتيه نحو السماء وهو يقول:
«أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وأنّ أبي أمير المؤمنين» ثمّ عدّ إماما إماما إلى أن بلغ إلى نفسه، ثمّ صلّى عليهم، ثمّ قال صلوات اللّه عليه: «اللهمّ أنجز لي ما وعدتني، وتمّم لي أمري، وثبّت وطأتي، واملأ الأرض بي عدلا وقسطا» فصاح بي: يا عمّة تناوليه وهاتيه، فتناولته وأتيت به نحوه، فلمّا مثلته بين يدي أبيه، وهو على يدي، سلّم على أبيه، فتناوله منّي والطير يرفرف على رأسه(٨١٦).
- إلى هنا الرواية من الثاقب في المناقب والتكملة من كمال الدّين:
وناوله لسانه فشرب منه، ثمّ قال: امض به إلى امّه لترضعه وردّيه إليّ، قالت: فتناولته امّه فأرضعته، فرددته إلى أبي محمّد عليه السّلام والطير ترفرف على رأسه، فصاح بطير منها فقال له: احمله واحفظه وردّه إلينا في كلّ أربعين يوما، فتناوله الطير وطار به في جوّ السماء واتّبعه سائر الطير، فسمعت أبا محمّد عليه السّلام يقول: «أستودعك اللّه الّذي أودعته امّ موسى موسى» فبكت نرجس فقال لها: اسكني، فإنّ الرضاع محرّم عليه إلاّ من ثديك، وسيعاد إليك كما ردّ موسى إلى أمّه، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: (فَرَدَدْنَاهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ولاَ تَحْزَنَ)(٨١٧).
قالت حكيمة: فقلت: وما هذا الطير؟
قالت: هذا روح القدس الموكّل بالأئمّة عليهم السّلام، يوفقّهم ويسدّدهم ويربّيهم بالعلم.
قالت حكيمة: فلمّا كان بعد أربعين يوما ردّ الغلام ووجّه إليّ ابن أخي عليه السّلام فدعاني، فدخلت عليه، فإذا أنا بالصبي متحرّك يمشي بين يديه، فقلت: يا سيدي هذا ابن سنتين؟ فتبسّم عليه السّلام ثمّ قال: إنّ أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمّة ينشؤون بخلاف ما ينشؤ غيرهم، وإنّ الصبي منّا إذا كان أتى عليه شهر، كان كمن أتى عليه سنة، وانّ الصبي منّا ليتكلّم في بطن امّه ويقرأ القرآن ويعبد ربّه عزّ وجلّ، وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه صباحا ومساء.
قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي في كلّ أربعين يوما، إلى أن رأيته رجلا قبل مضي أبي محمّد عليه السّلام، بأيّام قلائل فلم أعرفه، فقلت لابن أخي عليه السّلام: من هذا الّذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال لي: هذا ابن نرجس وهذا خليفتي من بعدي، وعن قليل تفقدوني فاسمعي له وأطيعي.
قالت حكيمة: فمضى أبو محمّد عليه السّلام بعد ذلك بأيّام قلائل، وافترق الناس كما ترى، وواللّه إنّي لأراه صباحا ومساء، وإنّه لينبّئني عمّا تسألون عنه فاخبركم، وواللّه إنّي لأريد أن أسأله عن الشيء فيبدأني به، وانّه ليرد عليّ الأمر فيخرج إليّ منه جوابه من ساعته من غير مسألتي وقد أخبرني البارحة بمجيئك إليّ وأمرني أن أخبرك بالحقّ. قال محمّد بن عبد اللّه: فو اللّه لقد أخبرتني حكيمة بأشياء لم يطّلع عليها أحد إلاّ اللّه عزّ وجلّ، فعلمت أنّ ذلك صدق وعدل من اللّه عزّ وجلّ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قد أطلعه على ما لم يطلع عليه أحدا من خلقه.
أقول: وللحديث مقدّمة طويلة تركها صاحب المناقب(٨١٨).
٥٠٠ - وعن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال: ما خرج موسى حتّى خرج قبله خمسون كذّابا من بني إسرائيل كلّهم يدّعي أنّه موسى بن عمران.
فبلغ فرعون أنّهم يرجفون به ويطلبون هذا الغلام، وقال له كهنته وسحرته: إنّ هلاك دينك وقومك على يدي هذا الغلام الّذي يولد العامّ من بني إسرائيل. فوضع القوابل على النساء وقال: لا يولد العامّ ولد إلاّ ذبح، ووضع على امّ موسى قابلة، فلمّا رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا: إذا ذبح الغلمان واستحيى النساء هلكنا فلم نبق، فتعالوا لا نقرب النساء، فقال عمران أبو موسى عليه السّلام: بل باشروهنّ، فإنّ أمر اللّه واقع ولو كره المشركون، اللهمّ من حرّمه فإنّي لا احرّمه، ومن تركه فإنّي لا أتركه، ووقع على امّ موسى فحملت، فوضع على امّ موسى قابلة تحرسها فإذا قامت قامت، وإذا قعدت قعدت، فلمّا حملته امّه وقعت عليها المحبّة وكذلك حجج اللّه على خلقه، فقالت لها القابلة: ما لك يا بنيّة تصفرّين وتذوبين؟ قالت: لا تلوميني فإنّي إذا ولدت اخذ ولدي فذبح، قالت: لا تحزني فإنّي سوف أكتم عليك، فلم تصدّقها، فلمّا أن ولدت التفتت إليها وهي مقبلة، فقالت: ما شاء اللّه، فقالت لها:
ألم أقل إنّي سوف أكتم عليك.
ثمّ حملته فأدخلته المخدع وأصلحت أمره، ثمّ خرجت إلى الحرس فقالت: انصرفوا - وكانوا على الباب - فإنّما خرج دم منقطع، فانصرفوا، فأرضعته فلمّا خافت عليه الصوت، أوحى اللّه إليها أن اعملي التابوت، ثمّ اجعليه فيه، ثمّ أخرجيه ليلا فاطرحيه في نيل مصر؛ فوضعته في التابوت، ثمّ دفعته في اليمّ، فجعل يرجع إليها وجعلت تدفعه في الغمر، وإنّ الريح ضربته فانطلقت به، فلمّا رأته قد ذهب به الماء، همّت أن تصيح فربط على قلبها.
قال: وكانت المرأة الصالحة امرأة فرعون وهي من بني إسرائيل، قالت لفرعون: إنّها أيّام الربيع فأخرجني واضرب لي قبّة على شطّ النيل حتّى أتنزّه هذه الأيّام، فضربت لها قبّة على شطّ النيل، إذ أقبل التابوت يريدها، فقالت: هل ترون ما أرى على الماء؟ قالوا:
إي واللّه يا سيّدتنا إنّا لنرى شيئا، فلمّا دنا منها ثارت إلى الماء فتناولته بيدها، وكاد الماء يغمرها حتّى تصايحوا عليها، فجذبته وأخرجته من الماء فأخذته فوضعته في حجرها، فإذا هو غلام أجمل الناس وأسترهم، فوقعت عليها منه محبّة، فوضعته في حجرها وقالت:
هذا ابني، فقالوا: إي واللّه يا سيّدتنا، واللّه ما لك ولد ولا للملك. فاتّخذي هذا ولدا.
فقامت إلى فرعون وقالت: إنّي أصبت غلاما طيّبا حلوا نتّخذه ولدا فيكون قرّة عين لي ولك فلا تقتله، قال: ومن أين هذا الغلام؟ قالت: واللّه ما أدري إلاّ أنّ الماء جاء به، فلم تزل به حتّى رضي، فلمّا سمع الناس أنّ الملك قد تبنّى إبنا لم يبق أحد من رؤوس من كان مع فرعون إلاّ بعث إليه امرأته لتكون له ظئرا أو تحضنه، فأبى أن يأخذ من امرأة منهنّ ثديا، قالت امرأة فرعون: اطلبوا لابني ظئرا ولا تحقّروا أحدا، فجعل لا يقبل من امرأة منهنّ.
فقالت امّ موسى لأخته قصيّه: انظري أترين له أثرا، فانطلقت حتّى أتت باب الملك، فقالت: قد بلغني أنّكم تطلبون ظئرا، وهاهنا امرأة صالحة تأخذ ولدكم وتكفله لكم، فقالت: أدخلوها، فلمّا دخلت قالت لها امرأة فرعون: ممّن أنت؟ قالت: من بني إسرائيل، قالت: اذهبي يا بنيّة فليس لنا فيك حاجة، فقلن لها النساء: انظري - عافاك اللّه - يقبل أو لا يقبل، فقالت امرأة فرعون: أرأيتم لو قبل، هل يرضى فرعون أن يكون الغلام من بني إسرائيل والمرأة من بني إسرائيل - يعني الظئر - فلا يرضى، قلن: فانظري يقبل أو لا يقبل، قالت امرأة فرعون: فاذهبي فادعيها، فجاءت إلى امّها وقالت: إنّ امرأة الملك تدعوك، فدخلت عليها فدفع إليها موسى فوضعته في حجرها، ثمّ ألقمته ثديها فازدحم اللبن في حلقه، فلمّا رأت امرأة فرعون أنّ ابنها قد قبل، قامت إلى فرعون فقالت: إنّي قد أصبت لابني ظئرا وقد قبل منها، فقال: ممّن هي؟ قالت: من بني إسرائيل، قال فرعون: هذا ممّا لا يكون أبدا، الغلام من بني إسرائيل والظئر من بني إسرائيل، فلم تزل تكلّمه فيه وتقول: ما تخاف من هذا الغلام؟ إنّما هو ابنك ينشأُ في حجرك حتّى قلبته عن رأيه ورضي.
فنشأ موسى عليه السّلام في آل فرعون، وكتمت امّه خبره واخته والقابلة، حتّى هلكت امّه والقابلة الّتي قبلته، فنشأ عليه السّلام لا يعلم به بنو إسرائيل... (الحديث، وفي نهايته:)
ثمّ أرسله اللّه عزّ وجلّ إلى فرعون وملائه بآيتين: بيده والعصا. فروي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال لبعض أصحابه: كن لما ترجو أرجى منك لما ترجو، فإنّ موسى بن عمران عليه السّلام خرج ليقتبس لأهله نارا، فرجع إليهم وهو رسول نبيّ، فأصلح اللّه تبارك وتعالى أمر عبده ونبيّه موسى عليه السّلام في ليلة، وهكذا يفعل اللّه تبارك وتعالى بالقائم الثاني عشر من الأئمّة عليهم السّلام، يصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر نبيّه موسى عليه السّلام، ويخرجه من الحيرة والغيبة إلى نور الفرج والظهور(٨١٩).
٥٠١ - وروى الشيخ الصدوق؛ بإسناده عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال:
سمعته يقول: في القائم عليه السّلام سنّة من موسى بن عمران عليه السّلام، فقلت: وما سنّته من موسى بن عمران؟ قال: خفاء مولده، وغيبته عن قومه، فقلت: وكم غاب موسى عن أهله وقومه؟ فقال: ثماني وعشرين سنة(٨٢٠).
٥٠٢ - وروى بالإسناد عن محمّد بن الحنفية، عن أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: المهديّ منّا أهل البيت، يصلح اللّه له أمره في ليلة. وفي رواية اخرى: يصلحه اللّه في ليلة(٨٢١).
٥٠٣ - وروى بالإسناد عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنّة من موسى، وسنّة من عيسى، وسنّة من يوسف، وسنّة من محمّد صلوات اللّه عليهم أجمعين، فأمّا من موسى فخائف يترقّب، وأمّا من يوسف فالسجن، وأمّا من عيسى فيقال له: إنّه مات ولم يمت، وأمّا من محمّد صلّى اللّه عليه واله فالسيف(٨٢٢).
الآية الثانية قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ومَا خَلْفَهُمْ ولاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(٨٢٣).
٥٠٤ - عليّ بن إبراهيم في تفسيره المنسوب إلى الصادق عليه السّلام، قال، قال: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) ما مضى من أخبار الأنبياء (ومَا خَلْفَهُمْ) من أخبار القائم عليه السّلام(٨٢٤).
قوله تعالى: (وكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ اَلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً)(٨٢٥).
٥٠٥ - عليّ بن إبراهيم في تفسيره المنسوب إلى الصادق عليه السّلام: وأمّا قوله: (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً) يعني ما يحدث من أمر القائم عليه السّلام والسفيانيّ(٨٢٦).
الآية الثالثة قوله تعالى: (ولَقَدْ عَهِدْنَا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)(٨٢٧).
أخذ ميثاق الأنبياء على الإقرار بالمهديّ عليه السّلام
٥٠٦ - وعنه بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ: (ولَقَدْ عَهِدْنَا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)، قال: عهدنا إليه في محمّد والأئمّة من بعده: فترك ولم يكن له عزم أنّهم هكذا، وإنّما سمّي أولو العزم أولي العزم، لأنّه عهد إليهم في محمّد والأوصياء من بعده عليهم السّلام، والمهديّ وسيرته، وأجمع عزمهم على ذلك كذلك والإقرار به(٨٢٨).
٥٠٧ - الشيخ المفيد بإسناده عن حمران بن أعين، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: أخذ اللّه الميثاق على النبيّين وقال: ألست بربّكم؟ قالوا: بلى؛ وأنّ هذا محمّدا رسولي وأنّ عليّا أمير المؤمنين والأوصياء من بعده عليهم السّلام ولاة أمري وخزّان علمي، وأنّ المهديّ عليه السّلام أنتصر به لديني واظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي واعبد به طوعا وكرها، قالوا: أقررنا ربّنا وشهدنا، ولم يجحد آدم ولم يقرّ، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهديّ عليه السّلام، ولم يكن لآدم عزيمة على الإقرار، وهو قول اللّه تبارك وتعالى: (ولَقَدْ عَهِدْنَا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)(٨٢٩).
٥٠٨ - روى الثقة الصفّار رحمه اللّه بسنده عن حمران، عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث له قال فيه: ثمّ أخذ الميثاق على النبيّين، فقال: ألست بربّكم؟ ثمّ قال: وأنّ هذا محمّد رسول اللّه، وأنّ هذا عليّ أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى؛ فثبتت بهم النبوّة، وأخذ الميثاق على أولي العزم، ألا إنّي ربّكم، ومحمّد رسولي، وعليّ أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزّان علمي، وأنّ المهديّ أنتصر به لديني واظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، واعبد به طوعا وكرها.
قالوا: أقررنا وشهدنا يا ربّ؛ ولم يجحد آدم ولم يقرّ، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهديّ، ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به؛ وهو قوله عزّ وجلّ: ولَقَدْ عَهِدْنَا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قال: إنّما يعني فترك، ثمّ أمر نارا فاجّجت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها، فها بوها. وقال لأصحاب اليمين: ادخلوها، فدخلوها فكانت عليهم بردا وسلاما، فقال أصحاب الشمال: يا ربّ أقلنا، فقال: قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها، فهابوها، فثمّ ثبتت الطاعة والمعصية والولاية(٨٣٠).
الآية الرابعة قوله تعالى: (فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ ولاَ يَشْقى)(٨٣١).
٥٠٩ - روى المحدّث الثقة الصفّار؛ عن أحمد بن محمّد السياريّ، عن عليّ بن عبد اللّه، قال: سأله رجل عن قول اللّه عزّ وجلّ: (فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ ولاَ يَشْقى) قال عليه السّلام: من قال بالأئمّة واتّبع أمرهم ولم يجز طاعتهم(٨٣٢).
قوله سبحانه: (ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ونَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ أَعْمى)(٨٣٣).
خزي النّصّاب في الرجعة
٥١٠ - روى عليّ بن إبراهيم القمّي؛ بسنده عن معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) قال: هي واللّه للنصّاب، قال: جعلت فداك قد رأيناهم دهرهم الأطول في كفاية حتّى ماتوا. قال: ذلك - واللّه - في الرجعة يأكلون العذرة(٨٣٤).
الآية السادسة قوله تعالى: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ اَلصِّرَاطِ اَلسَّوِيِّ ومَنِ اِهْتَدى)(٨٣٥).
٥١١ - محمّد بن العبّاس بن الماهيار في تفسيره فيما نزل في أهل البيت عليهم السّلام، قال:
بإسناده عن عيسى بن داود النجّار، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام، قال: سألت أبي عن قول اللّه عزّ وجلّ: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ اَلصِّرَاطِ اَلسَّوِيِّ ومَنِ اِهْتَدى) قال: الصراط السويّ هو القائم عليه السّلام، والهدى من اهتدى إلى طاعته، ومثلها في كتاب اللّه عزّ وجلّ: (وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى) قال: إلى ولايتنا(٨٣٦).

سورة الأنبياء

الآية الاولى قوله تعالى: (وكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا واِرْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَاَلَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ)(٨٣٧).
٥١٢ - محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، بإسناده عن بدر بن خليل الأسدي، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول في قول اللّه عزّ وجلّ:
(فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا واِرْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) قال: إذا قام القائم عليه السّلام وبعث إلى بني اميّة بالشام، هربوا إلى الروم، فيقول لهم الروم لا ندخلنّكم حتّى تنتصروا، فيعلّقون في أعناقهم الصلبان فيدخلونهم، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم عليه السّلام، طلبوا الأمان والصلح، فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتّى تدفعوا إلينا من قبلكم منّا، قال: فيدفعونهم إليهم، فذلك قوله:
(لاَ تَرْكُضُوا واِرْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) قال: يسألونهم الكنوز وهم أعلم بها، قال: فيقولون:
(يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَاَلَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ) بالسيف(٨٣٨).
٥١٣ - محمّد بن العبّاس، قال: بإسناده عن جابر، قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ) قال: ذلك عند قيام القائم عليه السّلام(٨٣٩).
٥١٤ - عنه، بإسناده عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ:
(فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا) قال: خروج القائم عليه السّلام، (إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ) قال: الكنوز الّتي كانوا يكنزون، (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَاَلَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً) (بالسيف) خَامِدِينَ لا يبقى منهم عين تطرف(٨٤٠).
٥١٥ - العيّاشي، بإسناده عن عبد الأعلى الحلبّي، قال: قال أبو جعفر عليه السّلام في حديث يذكر فيه خروج القائم عليه السّلام قال فيه: لكأنّي أنظر إليهم - يعني القائم عليه السّلام وأصحابه - مصعدين من نجف الكوفة ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، كأنّ في قلوبهم زبر الحديد، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، يسير الرعب أمامه شهرا وخلفه شهرا، أمدّه اللّه بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين.
حتّى إذا صعد النجف قال لأصحابه: تعبّدوا ليلتكم هذه، فيبيتون بين راكع وساجد يتضرّعون إلى اللّه، حتّى إذا أصبح قال: خذوا بنا طريق النّخيلة، وعلى الكوفة خندق مخندق (جند مجنّد). قلت: خندق مخندق (جند مجنّد)؟ قال: اي واللّه، حتّى ينتهي إلى مسجد إبراهيم عليه السّلام بالنخيلة فيصلّي ركعتين، فيخرج إليه من كان بالكوفة من مرجئها وغيرهم من جيش السفياني، فيقول لأصحابه: استطردوا لهم، ثمّ يقول: كرّوا عليهم.
قال أبو جعفر عليه السّلام: ولا يجوز - واللّه - الخندق منهم مخبر، ثمّ يدخل الكوفة ولا يبقى مؤمن إلاّ كان فيها أو حنّ إليها، وهو قول أمير المؤمنين عليه السّلام، ثمّ يقول لأصحابه: سيروا إلى هذا الطاغية، فيدعوه إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه عليه الصلاة والسلام، فيعطيه السفياني من البيعة مسلما، فيقول له كلب وهم أخواله: ما هذا ما صنعت؟ واللّه ما نبايعك على هذا أبدا، فيقول: ما أصنع؟ فيقولون: استقبله، فيستقبله، ثمّ يقول له القائم عليه السّلام: خذ حذرك فإنّني أدّيت إليك وأنا مقاتلك، فيصبح فيقاتلهم، فيمنحه اللّه أكتافهم، ويأتي السفيانيّ أسيرا فينطلق به ويذبحه بيده.
ثمّ يرسل جريدة خيل إلى الروم، فيستحذرون بقيّة بني اميّة، فإذا انتهوا إلى الروم قالوا: أخرجوا إلينا أهل ملّتنا عندكم، فيأبون ويقولون: واللّه لا نفعل، فتقول الجريدة: واللّه لو أمرنا لقاتلناكم، ثمّ ينطلقون إلى صاحبهم فيعرضون ذلك عليه، فيقول: انطلقوا فأخرجوا إليهم أصحابهم فإنّ هؤلاء قد أتوا بسلطان عظيم، وهو قول اللّه: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا واِرْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) قال: يعني الكنوز الّتي كنتم تكنزون (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَاَلَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ) لا يبقى منهم مخبر(٨٤١).
٥١٦ - عليّ بن إبراهيم: روى بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله عزّ وجلّ:
(فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا) يعني بني أميّة إذا أحسّوا بالقائم من آل محمّد عليهم السّلام (إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا واِرْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) يعني الكنوز الّتي كنزوها.
قال عليه السّلام: فيدخل بنو أميّة إلى الروم إذا طلبهم القائم عليه السّلام، ثمّ يخرجهم من الروم ويطالبهم بالكنوز الّتي كنزوها.
٥١٧ - روي عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا واِرْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) يعني القائم يسأل بني فلان كنوز بني اميّة(٨٤٢).
٥١٨ - روى الصفّار رحمه اللّه، قال: ووقفت على كتاب خطب لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام وعليه خطّ السيّد رضي اللّه عليّ بن طاووس، وقد روى فيه بسنده عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد عليه السّلام، وفيه خطبة لمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام تسمّى المخزون، ثمّ ذكر الخطبة بطولها جاء فيها: قال مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبته: ثمّ يخرج عن الكوفة مائة ألف مشرك ومنافق حتّى يضربوا دمشق لا يصدّهم عنها صادّ، وهي إرم ذات العماد، وتقبل رايات شرق الأرض ليست بقطن ولا كتّان ولا حرير، مختّمة في رؤوس القنا بخاتم السيّد الأكبر، يسوقها رجل من آل محمّد صلّى اللّه عليه واله، يوم تطير بالمشرق يوجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر، يسير الرعب أمامها شهرا.
إلى أن قال: ويخلف من بني الأشهب الزاجر اللحظ في اناس من غير أبيه هرّابا حتّى يأتوا سبطرى عوذا بالشجر، فيومئذ تأويل هذه الآية: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لاَ تَرْكُضُوا واِرْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) ومساكنهم الكنوز الّتي غلبوا عليها من أموال المسلمين(٨٤٣).
الآية الثانية قوله عزّ وجلّ: (ويَقُولُونَ مَتى هَذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(٨٤٤).
٥١٩ - روى الشيخ الصدوق؛ بإسناده عن طريق العامّة عن عبد الرحمن بن سليط، قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: منّا إثنا عشر مهديّا، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحقّ، يحيي اللّه به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ على الدّين كلّه ولو كره المشركون، له غيبة يرتدّ فيها أقوام ويثبت فيها على الدّين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: (مَتى هَذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أما إنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب، بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله(٨٤٥).
الآية الثالثة قوله عزّ وجلّ: (وجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرَاتِ وإِقَامَ اَلصَّلاَةِ وإِيتَاءَ اَلزَّكَاةِ وكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(٨٤٦).
روى محمّد بن العباس بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله عزّ وجلّ (وجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) قال أبو جعفر عليه السّلام: يعني الأئمّة من ولد فاطمة عليها السّلام يوحى إليهم بالروح في صدورهم(٨٤٧).
٥٢٠ - روى الخزّاز بالإسناد عن زيد بن عليّ عليه السّلام، قال: كنت عند أبي عليّ بن الحسين عليه السّلام إذ دخل عليه جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، فبينما هو يحدّثه إذ خرج أخي محمّد من بعض الحجر، فأشخص جابر ببصره نحوه، ثمّ قام إليه فقال: يا غلام أقبل، فأقبل.
ثمّ قال: أدبر فأدبر، فقال: شمائل كشمائل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، ما اسمك يا غلام؟ قال: محمّد، قال: ابن من؟ قال: ابن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: أنت - إذا - الباقر، قال:
فانكبّ عليه وقبّل رأسه ويديه ثمّ قال: يا محمّد، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقرئك السلام، قال:
على رسول اللّه أفضل السلام وعليك يا جابر بما أبلغت السلام. ثمّ عاد إلى مصلاّه، فأقبل يحدّث أبي ويقول: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قال لي يوما:
يا جابر إذا أدركت ولدي الباقر فاقرأه منّي السلام، فانّه سميّي وأشبه الناس بي، علمه علمي وحكمه حكمي، سبعة من ولده امناء معصومون أئمّة أبرار، والسابع مهديّهم الّذي يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.
ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: (وجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرَاتِ وإِقَامَ اَلصَّلاَةِ وإِيتَاءَ اَلزَّكَاةِ وكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(٨٤٨).
٥٢١ - ابن إدريس رحمه اللّه، بإسناده عن صفوان بن مهران، عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السّلام، أنّه قال: من أقرّ بجميع الأئمّة عليهم السّلام وجحد المهديّ، كان كمن أقرّ بجميع الأنبياء وجحد محمّدا صلّى اللّه عليه واله نبوّته. فقيل له: يا بن رسول اللّه، فمن المهديّ؟ من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحلّ لكم تسميته(٨٤٩).
٥٢٢ - روى قاضي القضاة، عن كافي الكفاة إسماعيل بن عبّاد رحمه اللّه بإسناد متّصل بعلي عليه السّلام، أنّه ذكر المهديّ وقال: إنّه من ولد الحسين عليه السّلام؛ وذكر حليته فقال: رجل أجلى الجبين، أقنى الأنف، ضخم البطن، أزيل الفخذين، أفلج الثنايا، بفخذه اليمنى شامة. وذكر هذا الحديث بعينه عبد اللّه بن قتيبة في كتاب «غريب الحديث» انتهى.
أقول: في ديوان أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه المنسوب إليه:

بنيّ إذا ما جاشت التّرك فانتظر * * * ولاية مهديّ يقوم فيعدل
وذلّ ملوك الأرض من آل هاشم * * * وبويع منهم من يلذّ ويهزل
صبيّ من الصبيان لا رأي عنده * * * ولا عنده جدّ ولا هو يعقل
فثمّ يقوم القائم الحقّ منكم * * * وبالحقّ يأتيكم وبالحقّ يعمل
سميّ نبيّ اللّه نفسي فداؤه * * * فلا تخذلوه يا بنيّ وعجّلوا(٨٥٠)

٥٢٣ - وروى الكلينيّ بالإسناد عن ابن نباتة، قال: أتيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فوجدته مفكّرا ينكت في الأرض، فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي أراك مفكّرا تنكت في الأرض، أرغبة فيها؟ قال: لا واللّه ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قطّ، ولكنّي فكّرت في مولود يكون من ظهري، الحادي عشر من ولدي، هو المهديّ يملأها عدلا كما ملئت ظلما وجورا، تكون له حيرة وغيبة يضلّ فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون.
فقلت: يا أمير المؤمنين وإنّ هذا لكائن؟
فقال: نعم، كما إنّه مخلوق، وأنّى لك بالعلم بهذا الأمر يا أصبغ، أولئك خيار هذه الامّة مع أبرار هذه العترة.
قلت: وما يكون بعد ذلك؟
قال: ثمّ يفعل اللّه ما يشاء، فإنّ له إرادات وغايات ونهايات(٨٥١).
٥٢٤ - وبالإسناد عن سليمان بن هلال، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسين بن عليّ: قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له: يا أمير المؤمنين نبّئنا بمهديّكم هذا؟
فقال: إذا درج الدارجون، وقلّ المؤمنون، وذهب المجلبون، فهناك. فقال: يا أمير المؤمنين عليك السلام، فمن الرجل؟ فقال: من بني هاشم، من ذروة طود العرب وبحر مغيضها إذا وردت، ومجفوّ أهلها إذا أتت، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت، لا يجبن إذا المنايا هلعت، ولا يحور إذا المؤمنون اكتنفت، ولا ينكل إذا الكماة إصطرعت، مشمّر مغلولب ظفر ضرغامة حصد مخدش ذكر، سيف من سيوف اللّه، رأس قثم نشق رأسه في باذخ السؤدد، وغارز مجده في أكرم المحتد، فلا يصرفنّك عن تبعته صارف عارض، ينوص إلى الفتنة كلّ مناص، إن قال فشرّ قائل، وإن سكت فذو دعاير.
ثمّ رجع إلى صفة المهديّ عليه السّلام، فقال: أوسعكم كهفا، وأكثركم علما وأوصلكم رحما، اللهمّ فاجعل بيعته خروجا من الغمّة، واجمع به شمل الامّة، فإن خار اللّه لك فاعزم، ولا تنثن عنه إن وفّقت له، ولا تجيزن عنه إن هديت إليه، هاه - وأومأ بيده إلى صدره - شوقا إلى رؤيته(٨٥٢).
٥٢٥ - ابن إدريس، بإسناده عن الفضل، قال: قال الصادق عليه السّلام: إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نورا قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا، فقيل له: يا بن رسول اللّه ومن الأربعة عشر؟ فقال: محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ولد الحسين عليهم السّلام، آخرهم القائم الّذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجّال ويطهّر الأرض من كلّ جور وظلم(٨٥٣).
٥٢٦ - وبالإسناد عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول: منّا إثنا عشر مهديّا، مضى ستة وبقي ستّة، يضع اللّه في السادس ما أحبّ(٨٥٤).
٥٢٧ - وعن ابن أبي يعفور، قال: قال أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام: من أقرّ بالأئمّة من آبائي وولدي وجحد المهديّ من ولدي، كان كمن أقرّ بجميع الأنبياء عليهم السّلام وجحد محمّدا صلّى اللّه عليه واله نبوّته، فقلت: سيّدي، ومن المهديّ من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحلّ لكم تسميته(٨٥٥).
٥٢٨ - وعن صفوان الجمّال، قال: قال الصادق عليه السّلام: أما واللّه ليغيبنّ عنكم مهديّكم حتّى يقول الجاهل منكم: ما للّه في آل محمّد حاجة، ثمّ يقبل كالشهاب الثاقب فيملأها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما(٨٥٦).
٥٢٩ - عن السيّد بن محمّد الحميري في حديث طويل يقول فيه: قلت للصادق جعفر بن محمّد عليه السّلام: يا بن رسول اللّه، قد روي لنا أخبار عن آبائك عليهم السّلام في الغيبة وصحّة كونها، فأخبرني بمن تقع؟ فقال عليه السّلام: ستقع بالسادس من ولدي، والثاني عشر من الأئمّة الهداة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وآخرهم القائم بالحقّ، بقيّة اللّه في أرضه، صاحب الزمان وخليفة الرحمان، واللّه لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه، لم يخرج من الدنيا حتّى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(٨٥٧).
٥٣٠ - روى النعمانيّ بإسناده عن عبد خير، قال: سمعت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه يقول: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: «يا عليّ، الأئمّة الراشدون المهتدون المعصومون من ولدك أحد عشر إماما، وأنت أوّلهم، وآخرهم اسمه اسمي، يخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما، يأتيه الرجل والمال كدس، فيقول: يا مهديّ أعطني، فيقول: خذ»(٨٥٨).
٥٣١ - روى الصدوق؛ بإسناده عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام قال: قلت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: أخبرني بعدد الأئمّة بعدك. فقال: يا عليّ هم إثنا عشر، أوّلهم أنت وآخرهم القائم(٨٥٩).
٥٣٢ - روى محمّد بن سنان الزهريّ، عن سيّدنا أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه الحسين، عن عمّه الحسن، عن أمير المؤمنين عليهم السّلام، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أنّه قال: «إذا توالت أربعة أسماء من الأئمّة من ولدي، محمّد وعليّ والحسن، فرابعها هو القائم المأمول المنتظر»(٨٦٠).
٥٣٣ - روى الصدوق؛ بإسناده عن ثابت بن دينار، عن سيّد العابدين عليّ بن الحسين، عن سيّد الشهداء الحسين بن عليّ، عن سيّد الأوصياء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: «الأئمّة بعدي اثنا عشر: أوّلهم أنت يا عليّ، وآخرهم القائم الّذي يفتح اللّه عزّ وجلّ على يديه مشارق الأرض ومغاربها»(٨٦١).
٥٣٤ - روى الخزّاز في «كفاية الأثر» بسنده عن الأصبغ، قال: سمعت الحسن بن عليّ عليهما السّلام يقول: «الأئمّة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله إثنا عشر، تسعة من صلب أخي الحسين، ومنهم مهديّ هذه الامّة»(٨٦٢).
٥٣٥ - وروي عن سعد بن عبد اللّه، بسنده عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في خطبة له، قال:
اللهمّ لابدّ لأرضك من حجّة على خلقك، يهديهم إلى دينك، ويعلّمهم علمك، لئلاّ تبطل حجّتك، ولا يضلّ أتباع أوليائك، بعد إذ هديتهم، ظاهرا وليس بالمطاع، أو مكتّما مترقّبا إن غاب عن الناس شخصه في حال هدنة، لم يغب عنهم، مثبوت علمه فآدابه في قلوب المؤمنين مثبتة فهم به عاملون(٨٦٣).
٥٣٦ - روى الثقة الصفّار رحمه اللّه بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: واللّه ما ترك الأرض منذ قبض اللّه آدم إلاّ وفيها إمام يهتدى به إلى اللّه، وهو حجّة اللّه على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة اللّه على عباده(٨٦٤).
٥٣٧ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن أبي بصير، عن أحمد بن عمر، قال:
قال أبو جعفر عليه السّلام وأتاه رجل فقال له: انّكم أهل بيت رحمة اختّصكم اللّه تبارك وتعالى بها، فقال له: كذلك نحن والحمد للّه، لا ندخل أحدا في ضلالة، ولا نخرجه من هدى، إنّ الدنيا لا تذهب حتّى يبعث اللّه عزّ وجلّ رجلا منّا أهل البيت يعمل بكتاب اللّه، لا يرى فيكم منكرا إلاّ أنكره(٨٦٥).
٥٣٨ - روى الشيخ الصدوق بسنده عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد العلويّ، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن عمر بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، قال: كان يقول صلوات اللّه عليه: ادعوا لي ابني الباقر، وقلت لابني الباقر، يا بني الباقر - يعني محمّدا - فقلت له: يا أبة ولم سمّيته الباقر؟ قال: فتبسّم وما رأيته يتبسّم قبل ذلك، ثمّ سجد للّه تعالى طويلا، فسمعته يقول في سجوده: اللهمّ لك الحمد سيّدي على ما أنعمت به علينا أهل البيت، يعيد ذلك مرارا.
ثمّ قال: يا بني، إنّ الإمامة في ولده إلى أن يقوم قائمنا عليه السّلام فيملؤها قسطا وعدلا، وانّه الإمام أبو الأئمّة، معدن الحلم وموضع العلم يبقره بقرا، واللّه لهو أشبه الناس برسول اللّه صلّى اللّه عليه واله.
قلت: فكم الأئمّة بعده؟
قال: سبعة، ومنهم المهديّ الّذي يقوم بالدين في آخر الزمان(٨٦٦).
٥٣٩ - روى الشيخ الصدوق عن صالح بن عقبة، عن جعفر بن محمّد عليهما السّلام، قال: أتى يهوديّ أمير المؤمنين عليه السّلام وسأله عن مسائل، فكان فيما سأله: أخبرني كم لهذه الامّة من إمام هدى لا يضرّهم من خذلهم؟ قال: إثنا عشر إماما، قال: صدقت واللّه، انّه لبخطّ هارون وإملاء موسى.. الخبر(٨٦٧).
٥٤٠ - روى الخزّاز، بإسناده عن علقمة بن محمّد الحضرميّ، عن الصادق عليه السّلام، قال:
الأئمّة إثنا عشر، قلت: يا بن رسول اللّه، فسمّهم لي.
قال عليه السّلام: من الماضين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ ثمّ أنا.
قلت: فمن بعدك يا بن رسول اللّه؟
فقال: إنّي أوصيت إلى ولدي موسى وهو الإمام بعدي.
قلت: فمن بعد موسى؟
قال: عليّ ابنه يدعى الرضا، يدفن في أرض الغربة من خراسان، ثمّ بعد عليّ إبنه محمّد، وبعد محمّد عليّ ابنه، وبعد عليّ الحسن ابنه، والمهديّ من ولد الحسن عليه السّلام.
ثمّ قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله:
يا عليّ، إنّ قائمنا إذا خرج يجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدد رجال بدر، فإذا حان وقت خروجه يكون له سيف مغمود، ناداه السيف: قم يا وليّ اللّه فاقتل أعداء اللّه(٨٦٨).
هل يمكن للأمّة اختيار الإمام المعصوم
٥٤١ - روى الشيخ الصدوق؛ بإسناده عن عبد العزيز بن مسلم، قال: كنّا في أيّام عليّ ابن موسى الرضا عليه السّلام بمرو، فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة من بدء مقدمنا، فأداروا أمر الإمام وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيّدي عليه السّلام فأعلمته خوضان الناس، فتبسم عليه السّلام ثمّ قال: يا عبد العزيز بن مسلم، جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يقبض نبيّه صلّى اللّه عليه واله حتّى أكمل له الدّين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء، بيّن فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج اليه الناس كملا، فقال عزّ وجلّ: (مَا فَرَّطْنَا فِي اَلْكِتَابِ مِنْ شَيْء)(٨٦٩)، وأنزل في حجّة الوداع وهي آخر عمره صلّى اللّه عليه واله: (اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاَمَ دِيناً)(٨٧٠)، فأمر الإمامة من تمام الدّين، ولم يمض عليه السّلام حتى بيّن لامّته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد الحق، وأقام لهم عليّا عليه السّلام علما وإماما، وما ترك شيئا تحتاج اليه الأمّة إلاّ بيّنه، فمن زعم أنّ اللّه عزّ وجلّ لم يكمل دينه، فقد ردّ كتاب اللّه العزيز، ومن ردّ كتاب اللّه عزّ وجلّ فهو كافر، هل تعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الامّة فيجوز فيها اختيارهم؟!
إنّ الإمامة أجلّ قدرا، وأعظم شأنا، وأعلى مكانا، وأمنع جانبا، وأبعد غورا، من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما باختيارهم، إنّ الإمامة خصّ اللّه عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل عليه السّلام بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال عزّ وجلّ: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)(٨٧١) فقال الخليل عليه السّلام سرورا بها (ومِنْ ذُرِّيَّتِي)؟ قال اللّه تبارك وتعالى (لاَ يَنَالُ عَهْدِي اَلظَّالِمِينَ)، فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثمّ أكرمها اللّه عزّ وجلّ بأن جعلها في ذرّيته أهل الصفوة والطهارة، فقال عزّ وجلّ (ووَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ نَافِلَةً وكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرَاتِ وإِقَامَ اَلصَّلاَةِ وإِيتَاءَ اَلزَّكَاةِ وكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(٨٧٢).
فلم يزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا، حتّى ورثها انبيّ صلّى اللّه عليه واله، فقال اللّه عزّ وجلّ: (إِنَّ أَوْلَى اَلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وهَذَا اَلنَّبِيُّ واَلَّذِينَ آمَنُوا واَللَّهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ)(٨٧٣)، فكانت له خاصّة، فقلّدها صلّى اللّه عليه واله عليّا عليه السّلام بأمر اللّه عز وجل على رسم ما فرضها اللّه عزّ وجلّ، فصارت في ذرّيته الأصفياء الّذين آتاهم اللّه العلم والإيمان لقوله عزّ وجلّ (وقَالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ واَلْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اَللَّهِ إِلى يَوْمِ اَلْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ اَلْبَعْثِ ولَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(٨٧٤) فهي في ولد عليّ عليه السّلام خاصّة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّد صلّى اللّه عليه واله، فمن أين يختار هؤلاء الجهّال؟
إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الاوصياء.
إنّ الإمامة خلافة اللّه تعالى وخلافة الرسول صلّى اللّه عليه واله، ومقام أمير المؤمنين، وميراث الحسن والحسين عليهم السّلام.
إنّ الإمامة زمام الدّين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين.
إنّ الإمامة أسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف.
الإمام: يحلّ حلال اللّه، ويحرّم حرام اللّه، ويقيم حدود اللّه، ويذبّ عن دين اللّه، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجّة البالغة.
الإمام: كالشمس الطالعة للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.
الإمام: البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى، والبلد القفار، ولجج البحار.
الإمام: الماء العذب على الظماء، والدالّ على الهدى، والمنجي من الرّدى.
الإمام: النار على اليفاع، الحارّ لمن اصطلى به، والدليل في المهالك، من فارقه فهالك.
الإمام: السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة.
الإمام: الأمين الرفيق، والوالد الشقيق، والأخ الشفيق، ومفزع العباد في الداهية.
الإمام: أمين اللّه عزّ وجلّ في خلقه، وحجّته على عباده، وخليفته في بلاده، والداعي إلى اللّه عزّ وجلّ، والذابّ عن حرم اللّه عزّ وجلّ.
الإمام: هو المطهّر من الذنوب، المبرّأ من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم بالحلم، نظام الدّين، وعزّ المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين.
الإمام: واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منه ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضّل الوهّاب، فمن ذا الّذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره؟!
هيهات هيهات، ضلّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وحسرت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيّرت الحكماء، وحصرت الخطباء، وتقاصرت الحلماء، وجهلت الألبّاء، وكلّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، فأقرّت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يقوم أحد مقامه، أو يغني غناه، لا وكيف وأنىّ وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين، ووصف الواصفين.
فأين الاختيار من هذا؟و أين العقول عن هذا؟و أين يوجد مثل هذا؟
ظنّوا أنّ ذلك يوجد في غير آل الرسول صلّى اللّه عليه واله، كذّبتهم واللّه أنفسهم ومنّتهم الباطل، فارتقوا مرتقا صعبا دحضا تزلّ عنه الى الحضيض أقدامهم، وراموا إقامة الإمام بعقول حائرة ناقصة وآراء مضلّة، فلم يزدادوا منه إلاّ بعدا، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون.
لقد راموا صعبا، وقالوا إفكا، وضلّوا ضلالا بعيدا، ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة، وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين، رغبوا عن اختيار اللّه واختيار رسوله الى اختيارهم، والقرآن يناديهم: (ورَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ويَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اَللَّهِ وتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(٨٧٥). وقال عزّ وجلّ: (ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(٨٧٦). وقال عزّ وجلّ: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)(٨٧٧). وقال عزّ وجلّ: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)(٨٧٨) (أم طَبَعَ اَللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)(٨٧٩). (أم قَالُوا سَمِعْنَا وهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللَّهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ولَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ)(٨٨٠). (أم قَالُوا سَمِعْنَا وعَصَيْنَا)(٨٨١) بل هو بفضل اللّه يؤتيه من يشاء، واللّه ذو الفضل العظيم.
فكيف لهم باختيار الإمام، والإمام عالم لا يجهل، وراع لا ينكل، معدن القدس والطهارة. والنسك والزهادة، والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرّسول، وهو نسل المطهّرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه دنس، له المنزلة الأعلى لا يبلغها ذو حسب، في البيت من قريش، والذروة من هاشم، والعترة من آل الرّسول، والرّضى من اللّه عزّ وجلّ، شرف الأشراف، والفرع من آل عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر اللّه، ناصح لعباد اللّه، حافظ لدين اللّه عزّ وجلّ.
إنّ الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام يوفّقهم اللّه ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمته ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم أهل زمانهم في قوله عزّ وجلّ: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(٨٨٢). وقوله عزّ وجلّ: (ومَنْ يُؤْتَ اَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ومَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ)(٨٨٣).
وقوله عزّ وجلّ في طالوت: (إِنَّ اَللَّهَ اِصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وزَادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ واَلْجِسْمِ واَللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ واَللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(٨٨٤).
وقال لنبيّه صلّى اللّه عليه واله: (وكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)(٨٨٥).
وقال عزّ وجلّ في الأئمّة من أهل بيته وعترته وذرّيته صلوات اللّه عليهم أجمعين (أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنَّاسَ عَلى مَا آتَاهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ اَلْكِتَابَ واَلْحِكْمَةَ وآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ومِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً)(٨٨٦).
إنّ العبد إذا اختاره اللّه تعالى لأمور عباده يشرح لذلك صدره، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيد، موفّق، مسدّد، قد أمن الخطأ والزلل والعثار، يخصّه اللّه تعالى بذلك ليكون حجّته البالغة على عباده، وشاهده على خلقه، (ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ)(٨٨٧).
فهل يقدرون على مثل هذا فيختاروه؟ أو يكون خيارهم بهذه الصفة فيقدّموه؟
تعدّوا وبيت اللّه الحقّ، ونبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون، وفي كتاب اللّه الهدى والشفاء فنبذوه واتّبعوا أهواءهم، فذّمهم اللّه ومقتهم وأتعسهم. فقال عزّ وجلّ:
(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظَّالِمِينَ)(٨٨٨).
وقال عزّ وجلّ: (فَتَعْساً لَهُمْ وأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)(٨٨٩).
وقال: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللَّهِ وعِنْدَ اَلَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)(٨٩٠).
الآية الرابعة قوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وذِكْرى لِلْعَابِدِينَ)(٨٩١).
في المهديّ عليه السّلام سنّة من أيّوب عليه السّلام
٥٤٢ - روى مسعدة بن صدقة، قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام يقول:
خطب الناس أمير المؤمنين عليه السّلام بالكوفة، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: «أنا سيّد الشيب وفيّ سنّة من أيّوب، وسيجمع اللّه لي أهلي كما جمع ليعقوب شمله، وذلك إذا استدار الفلك، وقلتم ضلّ أو هلك، ألا فاستشعروا قبلها بالصبر، وبوؤا إلى اللّه بالذنب، فقد نبذتم قدسكم، وأطفأتم مصابيحكم، وقلّدتم هدايتكم من لا يملك لنفسه ولا لكم سمعا ولا بصرا، ضعف - واللّه - الطالب والمطلوب، هذا، ولو لم تتوا كلوا أمركم، ولم تتخاذلوا عن نصرة الحقّ بينكم، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يتشجّع عليكم من ليس مثلكم، ولم يقو من قوي عليكم، وعلى هضم الطاعة وإذوائها عن أهلها فيكم، تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى، وبحقّ أقول: ليضعفنّ عليكم التيه من بعدي باضطهادكم ولدي ضعف ما تاهت بنو إسرائيل، فلو قد استكملتم نهلا، وامتلأتم عللا عن سلطان الشجرة الملعونة في القرآن، لقد اجتمعتم على ناعق ضلال، ولأجبتم الباطل ركضا، ثمّ لغادرتم داعي الحقّ، وقطعتم الأدنى من أهل بدر، ووصلتم الأبعد من أبناء الحرب، ألا ولو ذاب ما في أيديهم، لقد دنى التمحيص للجزاء وكشف الغطاء، وانقضت المدّة، وأزف الوعد، وبدا لكم النجم من قبل المشرق، وأشرق لكم قمركم كملء شهره وكليلة تمّ، فإذا استبان ذلك فراجعوا التوبة وخالعوا الحوبة، وأعلموا أنّكم إن أطعتم طالع المشرق، سلك بكم منهاج رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فتداريتم من الصمم، واستشفيتم من البكم، وكفيتم مؤنة التعسّف والطلب، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق، فلا يبعد اللّه إلاّ من أبى الرحمة وفارق العصمة، وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون(٨٩٢).
الآية الخامسة قوله عزّ وجلّ: (وحَرَامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)(٨٩٣).
إثبات الرجعة في عهد المهديّ عليه السّلام
٥٤٣ - روى النعمانيّ رحمه اللّه بالإسناد عن إسماعيل بن جابر، قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر ابن محمّد الصادق عليه السّلام (في حديث طويل عن أنواع آيات القرآن يبلغ نحو ١٢٨ صفحة روى فيه الإمام الصادق عليه السّلام مجموعة أسئلة لأمير المؤمنين عليه السّلام عن آيات القرآن وأحكامه، جاء فيه) قال أمير المؤمنين عليه السّلام: وأمّا الردّ على من أنكر الرجعة، فقول اللّه عزّ وجلّ: (ويَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي إلى الدنيا، وأمّا معنى حشر الآخرة، فقوله عزّ وجلّ: (وحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً) وقوله سبحانه: (وَحَرَامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) في الرجعة، فأمّا في القيامة فإنّهم يرجعون.
ومثله ما خاطب اللّه به الأئمّة، ووعدهم من النصر والانتقام من أعدائهم، فقال سبحانه: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(٨٩٤) وهذا إنّما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا.
ومثل قوله تعالى: (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ اَلْوَارِثِينَ)(٨٩٥) وقوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلى مَعَادٍ)(٨٩٦) أي رجعة الدنيا.
ومثله قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اَللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)(٨٩٧) وقوله عزّ وجلّ: (واِخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا)(٨٩٨) فردّهم اللّه بعد الموت إلى الدنيا(٨٩٩).
الآية السادسة قوله تعالى: (ولَقَدْ كَتَبْنَا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ)(٩٠٠).
المهديّ عليه السّلام وأصحابه يرثون الأرض
٥٤٤ - عليّ بن إبراهيم في تفسيره المنسوب إلى الصادق عليه السّلام في معنى الآية، قال، قال:
الكتب كلّها ذكر اللّه، (أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ) قال: القائم عليه السّلام وأصحابه(٩٠١).
٥٤٥ - روى محمّد بن العبّاس بإسناده عن الحسين بن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قوله عزّ وجلّ: (أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ) هم أصحاب المهديّ عليه السّلام آخر الزمان(٩٠٢).
٥٤٦ - روى عليّ بن إبراهيم القمّي؛ في قوله: ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ - إلى قوله: اَلْمُبِينُ قال:
أعطى داود وسليمان ما لم يعط أحدا من أنبياء اللّه من الآيات، علّمهما منطق الطير، وألان لهما الحديد والصفر من غير نار، وجعلت الجبال يسبّحن مع داود، وأنزل اللّه عليه الزبور فيه توحيد وتمجيد ودعاء وأخبار رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وأمير المؤمنين عليه السّلام، والأئمّة عليهم السّلام، من ذرّيتهما عليهما السّلام، وأخبار الرجعة، والقائم عليه السّلام لقوله: (ولَقَدْ كَتَبْنَا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ)(٩٠٣).

سورة الحجّ

الآية الاولى قوله عزّ وجلّ: (هَذَانِ خَصْمَانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ اَلْحَمِيمُ)(٩٠٤).
٥٤٧ - وبالإسناد عن الحكم بن سالم، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: إنّا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في اللّه، قلنا: صدق اللّه، وقالوا: كذب اللّه. قاتل أبو سفيان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وقاتل معاوية عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن عليّ عليه السّلام، والسفيانيّ يقاتل القائم عليه السّلام(٩٠٥).
الآية الثانية قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإِنَّ اَللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)(٩٠٦).
٥٤٨ - محمّد بن العبّاس، بإسناده عن عبد اللّه بن عجلان، عن أبي جعفر عليه السّلام، في قول اللّه عزّ وجلّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإِنَّ اَللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) قال: في القائم عليه السّلام وأصحابه(٩٠٧).
٥٤٩ - عليّ بن إبراهيم، قال: حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، في قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإِنَّ اَللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) قال: إنّ العامّة يقولون: نزلت في رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله لمّا أخرجته قريش من مكّة، وإنّما هو القائم عليه السّلام إذا خرج يطلب بدم الحسين عليه السّلام، وهو قوله: نحن أولياؤكم في الدم وطلب الديّة(٩٠٨).
٥٥٠ - روى ابن شهر آشوب؛ عن مقاتل، عن زين العابدين، عن أبيه عليهما السّلام، قال: إنّ امرأة ملك بني إسرائيل كبرت وأرادت أن تزوّج بنتها منه للملك، فاستشار الملك يحيى بن زكريّا فنهاه عن ذلك، فعرفت المرأة ذلك وزيّنت بنتها وبعثتها إلى الملك، فذهبت ولعبت بين يديه، فقال لها الملك: ما حاجتك؟ قالت: رأس يحيى بن زكريا، فقال الملك:
يا بنيّة حاجة غير هذه، قالت: ما اريد غيره. وكان الملك إذا كذب فيهم عزل من ملكه، فخيّر بين ملكه وبين قتل يحيى فقتله، ثمّ بعث برأسه إليها في طشت من ذهب، فأمرت الأرض فأخذتها، وسلّط اللّه عليهم بخت نصّر فجعل يرمي عليهم بالمناجيق ولا تعمل شيئا، فخرجت عليه عجوز من المدينة، فقالت: أيّها الملك إنّ هذه مدينة الأنبياء لا تنفتح إلاّ بما أدلّك عليه، قال: لك ما سألت، قالت: إرمها بالخبث والعذرة، ففعل فتقطّعت فدخلها، فقال: عليّ بالعجوز، فقال لها: ما حاجتك؟ قالت: في المدينة دم يغلي، فاقتل عليه حتّى يسكن، فقتل عليه سبعين ألفا حتّى سكن.
يا ولدي، يا عليّ، واللّه لا يسكن دمي حتّى يبعث اللّه المهديّ، فيقتل على دمي من المنافقين الكفرة الفسقة سبعين ألفا(٩٠٩).
٥٥١ - روى الشيخ الصدوق بإسناده عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثماليّ، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام: يا بن رسول اللّه لم سمّي عليّ أمير المؤمنين وهو اسم ما سمّي به أحد قبله ولا يحل لأحد بعده؟ قال: لأنّه ميرة العلم يمتار منه ولا يمتار من أحد غيره، قال: فقلت: يا بن رسول اللّه فلم سمّي سيفه ذا الفقار؟ فقال عليه السّلام: لأنّه ما ضرب به أحدا من خلق اللّه إلاّ أفقره من هذه الدنيا من أهله وولده، وأفقره في الآخرة من الجنّة.
قال: فقلت: يا بن رسول اللّه، فلستم كلّكم قائمين بالحقّ؟ قال: بلى، قلت: فلم سمّي القائم قائما؟
قال: لمّا قتل جدّي الحسين عليه السّلام، ضجّت عليه الملائكة إلى اللّه تعالى بالبكاء والنحيب وقالوا: إلهنا وسيّدنا، أتغفل عمّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك؟ فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليهم: قرّوا ملائكتي، فو عزّتي وجلالي لأنتقمّن منهم ولو بعد حين. ثمّ كشف اللّه عزّ وجلّ عن الأئمّة من ولد الحسين عليه السّلام للملائكة، فسرّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يصلّي، فقال اللّه عزّ وجلّ: بذلك القائم أنتقم منهم(٩١٠).
٥٥٢ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن رزين، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: لمّا ضرب الحسين بن عليّ عليهما السّلام، ثمّ ابتدر ليقطع رأسه، نادى مناد من بطنان العرش: ألا أيّتها الامّة المتحيّرة الضالّة بعد نبيّها، لا وفّقكم اللّه لأضحى ولا لفطر. قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: فلا جرم - واللّه - ما وفّقوا ولا يوفّقون حتّى يثأر ثائر الحسين عليه السّلام(٩١١).
٥٥٣ - روي بالإسناد عن الحلبيّ، قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: لمّا قتل الحسين عليه السّلام سمع أهلنا قائلا يقول بالمدينة: اليوم نزل البلاء على هذه الامّة، فلا ترون فرحا حتّى يقوم قائمكم فيشفي صدوركم ويقتل عدوّكم وينال بالوتر أوتارا(٩١٢).
٥٥٤ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن محمّد بن حمران، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: لمّا كان من أمر الحسين عليه السّلام ما كان، ضجّت الملائكة إلى اللّه بالبكاء وقالت:
يفعل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيّك؟ قال: فأقام اللّه لهم ظلّ القائم عليه السّلام وقال: بهذا أنتقم لهذا(٩١٣).
٥٥٥ - روى ثقة الإسلام الكلينيّ بإسناده عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ، عن كرام، قال: حلفت فيما بيني وبين نفسي ألاّ آكل طعاما بنهار أبدا حتّى يقوم قائم آل محمّد، فدخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام؛ قال: فقلت له: رجل من شيعتكم جعل اللّه عليه ألاّ يأكل طعاما بنهار أبدا حتّى يقوم قائم آل محمّد، قال عليه السّلام: فصمّ - إذا - يا كرام ولا تصم العيدين ولا ثلاثة التشريق ولا إذا كنت مسافرا ولا مريضا، فإنّ الحسين عليه السّلام لمّا قتل عجّت السماوات والأرض ومن عليهما والملائكة، فقالوا: يا ربّنا إئذن لنا في هلاك الخلق حتى نجدّهم عن جديد الأرض بما استحلّوا حرمتك وقتلوا صفوتك، فأوحى اللّه إليهم: يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي اسكنوا، ثمّ كشف حجابا من الحجب فإذا خلفه محمّد صلّى اللّه عليه واله وإثنا عشر وصيّا له عليهم السّلام، وأخذ بيد فلان القائم من بينهم، فقال: يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي، بهذا أنتصر لهذا - قالها ثلاث مرّات -(٩١٤).
الآية الثالثة قوله تعالى: (اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أَقَامُوا اَلصَّلاَةَ وآتَوُا اَلزَّكَاةَ وأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ اَلْمُنْكَرِ ولِلَّهِ عَاقِبَةُ اَلْأُمُورِ)(٩١٥).
٥٥٦ - روى محمّد بن العبّاس بإسناده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله عزّ وجلّ: (اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أَقَامُوا اَلصَّلاَةَ وآتَوُا اَلزَّكَاةَ وأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ اَلْمُنْكَرِ ولِلَّهِ عَاقِبَةُ اَلْأُمُورِ) قال: هذه لآل محمّد، المهديّ عليه السّلام وأصحابه يملّكهم اللّه مشارق الأرض ومغاربها، ويظهر الدّين، ويميت اللّه عزّ وجلّ به وبأصحابه البدع والباطل كما أمات السفهة الحقّ، حتّى لا يرى أثر من الظلم، (ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ) وللّه عاقبة الامور(٩١٦).
٥٥٧ - روى الحاكم الحسكانيّ في «شواهد التنزيل» بإسناده عن زيد بن عليّ، قال:
إذا قام القائم من آل محمّد، يقول: يا أيّها الناس نحن الّذين وعدكم اللّه في كتابه: (اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ)(٩١٧) الآية.
الآية الرابعة قوله عزّ وجلّ: (وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ)(٩١٨).
٥٥٨ - روى عليّ بن إبراهيم القمّي؛ في قوله تعالى: (وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ)، قال:
هو مثل لآل محمّد صلّى اللّه عليه واله، قوله: «بئر معطّلة» هي الّتي لا يستسقى منها، وهو الإمام الّذي قد غاب فلا يقتبس منه العلم، «والقصر المشيد» هو المرتفع، وهو مثل لأمير المؤمنين عليه السّلام والأئمّة وفضائلهم المشرّفة على الدنيا، وهو قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ).
وقال الشاعر في ذلك:

بئر معطّلة وقصر مشرف * * * مثل لآل محمّد مستطرف
فالقصر مجدهم الّذي لا يرتقى * * * والبئر علمهم الّذي لا ينزف(٩١٩)

الآية الخامسة قوله تعالى: (ذَلِكَ ومَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللَّهُ)(٩٢٠).
٥٥٩ - في تفسير عليّ بن إبراهيم رحمه اللّه في قوله تعالى: (ومَنْ عَاقَبَ) يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، (بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) يعني حين أرادوا أن يقتلوه، (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللَّهُ) بالقائم من ولده عليه السّلام(٩٢١).
٥٦٠ - قال عليّ بن إبراهيم في تفسيره: فهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله لمّا أخرجته قريش من مكّة وهرب منهم إلى الغار، وطلبوه ليقتلوه فعاقبهم اللّه يوم بدر فقتل عتبة وشيبة والوليد وأبا جهل وحنظلة بن أبي سفيان وغيرهم، فلمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله طلب بدمائهم، فقتل الحسين عليه السّلام وآل محمّد بغيا وعدوانا، وهو قول يزيد حين تمثّل بهذا الشعر:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحا * * * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل
لست من خندف إن لم أنتقم * * * من بني أحمد ما كان فعل
قد قتلنا القرم من ساداتهم * * * وعدلناه ببدر فاعتدل

وقال الشاعر في مثل ذلك:

وكذاك الشيخ أوصاني به * * * فاتّبعت الشيخ فيما قد سأل

وقال يزيد أيضا:

يقول والرأس مطروح يقلّبه: * * * يا ليت أشياخنا الماضين بالحضر
حتّى يقيسوا قياسا لا يقاس به * * * أيّام بدر لكان الوزن بالقدر(٩٢٢)

الآية السادسة قوله تعالى: (ويُمْسِكُ اَلسَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى اَلْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اَللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)(٩٢٣).
المهديّ عليه السّلام أمان لأهل الأرض
٥٦١ - روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن سليمان بن مهران الأعمش، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين عليهم السّلام، قال: نحن أئمّة المسلمين، وحجج اللّه على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجّلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الّذين بنا يمسك اللّه السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولو لا في الأرض لساخت بأهلها.
ثمّ قال: ولم تخل الأرض منذ خلق اللّه آدم من حجّة اللّه فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة اللّه فيها، ولو لا ذلك لم يعبد اللّه.
قال سليمان: فقلت للصادق عليه السّلام: فكيف ينتفع الناس بالحجّة الغائب المستور؟
قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب(٩٢٤).

سورة المؤمنون

الآية الاولى قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولاَ يَتَسَاءَلُونَ)(٩٢٥).
٥٦٢ - روى أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ بإسناده عن جهم بن أبي جهمة، قال:
سمعت أبا الحسن موسى عليه السّلام يقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، ثمّ خلق الأبدان بعد ذلك، فما تعارف منها في السماء تعارف في الأرض، وما تناكر منها في السماء تناكر في الأرض، فإذا قام القائم عليه السّلام ورّث الأخ في الدّين ولم يورّث الأخ في الولادة، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: (قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ فَإِذَا نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولاَ يَتَسَاءَلُونَ)(٩٢٦).

سورة النور

الآية الاولى قوله تعالى: (اَللَّهُ نُورُ اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ اَلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ اَلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ ولاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيء ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اَللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)(٩٢٧).
٥٦٣ - روي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ، قال: دخلت إلى مسجد الكوفة وأمير المؤمنين صلوات اللّه وسلامه عليه يكتب باصبعه ويتبسّم، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما الّذي يضحكك؟ فقال: عجبت لمن يقرأ هذه الآية ولم يعرفها حقّ معرفتها. فقلت له: وأيّ آية يا أمير المؤمنين؟ فقال:
قوله تعالى: (اَللَّهُ نُورُ اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) المشكاة محمّد صلّى اللّه عليه واله، (فِيهَا مِصْبَاحٌ) أنا المصباح، فِي (زُجَاجَةٍ) الزجاجة الحسن والحسين، (كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) وهو عليّ بن الحسين، (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) محمّد بن عليّ، (زَيْتُونَةٍ) جعفر بن محمّد (لاَ شَرْقِيَّةٍ) موسى بن جعفر (ولاَ غَرْبِيَّةٍ) عليّ بن موسى الرضا (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيء) محمّد بن عليّ (ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) عليّ بن محمّد، (نُورٌ عَلى نُورٍ) الحسن بن عليّ (يَهْدِي اَللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) القائم المهديّ عليه السّلام، (ويَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ واَللَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)(٩٢٨).
٥٦٤ - الصدوق بإسناد متّصل إلى عيسى بن راشد، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام في قوله (كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)، قال: المشكاة نور العلم في صدر النبيّ صلّى اللّه عليه واله، (اَلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) والزجاجة صدر عليّ عليه السّلام، صار علم النبيّ صلّى اللّه عليه واله إلى صدر عليّ عليه السّلام، علّم النبيّ عليا صلوات اللّه عليهما علمه (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) قال: نور (لاَ شَرْقِيَّةٍ ولاَ غَرْبِيَّةٍ) لا يهوديّة ولا نصرانيّة (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيء ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ)، قال: يكاد العالم من آل محمّد يتكلّم بالعلم قبل أن يسئل (نُورٌ عَلى نُورٍ) يعني إماما مؤيّدا بنور العلم والحكمة في إثر إمام من آل محمّد، وذلك من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة. فهؤلاء الأوصياء الّذين جعلهم اللّه خلفاءه في أرضه وحججه على خلقه، لا تخلو الأرض في كلّ عصر من واحد منهم(٩٢٩).
٥٦٥ - روى النعمانيّ رحمه اللّه في كتابه في تفسير القرآن بإسناده عن إسماعيل بن جابر، قال:
سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام يقول في حديث طويل عن أنواع آيات القرآن روى فيه عليه السّلام مجموعة أجوبة لأمير المؤمنين عليه السّلام عن آيات القرآن وأحكامه، وسألوه صلوات اللّه عليه عن أقسام النور في القرآن، فقال عليه السّلام: النور: القرآن، والنور اسم من أسماء اللّه تعالى، والنور التوراة، والنور ضوء القمر، والنور ضوء المؤمن وهو الموالاة الّتي يلبس بها نورا يوم القيامة، والنور في مواضع من التوراة والإنجيل والقرآن حجّة اللّه على عباده، وهو المعصوم... فقال تعالى: (واِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ)(٩٣٠) فالنور في هذا الموضع هو القرآن، ومثله في سورة التغابن قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واَلنُّورِ اَلَّذِي أَنْزَلْنَا)(٩٣١) يعني سبحانه [بالنور] القرآن وجميع الأوصياء المعصومين من حملة كتاب اللّه تعالى وخزّانه وتراجمته، الّذين نعتهم اللّه في كتابه فقال: (ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللَّهُ واَلرَّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)(٩٣٢) فهم المنعوتون الّذين أنار اللّه بهم البلاد، وهدى بهم العباد، قال اللّه تعالى في سورة النور: (اَللَّهُ نُورُ اَلسَّمَاوَاتِ واَلْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ اَلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ اَلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ...) إلى آخر الآية، فالمشكاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله والمصباح الوصيّ والأوصياء عليهم السّلام، والزجاجة فاطمة، والشجرة المباركة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، والكوكب الدرّيّ القائم المنتظر عليه السّلام الّذي يملأ الأرض عدلا(٩٣٣).
الآية الثانية قوله سبحانه: (وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لاَ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اَللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(٩٣٤).
٥٦٦ - روى الشيخ الصدوق؛ بإسناده عن عبد اللّه بن عجلان، قال: ذكرنا خروج القائم عليه السّلام عند أبي عبد اللّه عليه السّلام، فقلت له: كيف لنا أن نعلم ذلك؟ فقال عليه السّلام: يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب: طاعة معروفة(٩٣٥).
الآية الثالثة قوله تعالى: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ومَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ اَلْفَاسِقُونَ)(٩٣٦).
أئمّة أهل البيت عليهم السّلام هم المستضعفون في الأرض
٥٦٧ - محمّد بن إبراهيم النعمانيّ في الغيبة: بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، في معنى قوله: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) قال: نزلت في القائم وأصحابه(٩٣٧).
٥٦٨ - محمّد بن العبّاس، بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب والأئمّة من ولده عليهم السّلام، (ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ) قال: عنى به ظهور القائم عليه السّلام(٩٣٨).
٥٦٩ - عنه، بإسناده عن إسحاق بن عبد اللّه، عن عليّ بن الحسين عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ: (فَوَ رَبِّ اَلسَّمَاءِ واَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ: قال: قوله: إِنَّهُ لَحَقٌّ قيام القائم عليه السّلام وفيه نزلت هذه الآية وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) قال: نزلت في المهديّ عليه السّلام(٩٣٩).
٥٧٠ - الخزّاز القمّي، بإسناده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: دخل جندل بن جنادة بن جبير على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، فقال: يا رسول اللّه أخبرني عمّا ليس للّه، وعمّا ليس عند اللّه، وعمّا لا يعلمه اللّه؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: أمّا ما ليس للّه، فليس للّه شريك، وأمّا ما ليس عند اللّه، فليس عند اللّه ظلم للعباد، وأمّا ما لا يعلمه اللّه، فذلك قولكم يا معشر اليهود أنّ عزيز ابن اللّه، واللّه لا يعلم له ولدا. فقال جندل: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّك محمّد رسول اللّه حقّا، ثمّ قال: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، إنّي رأيت البارحة في النوم موسى بن عمران عليه السّلام، فقال لي: يا جندل أسلم على يد محمّد واستمسك بالأوصياء من بعده، فقلت: أسلمت، ورزقني اللّه ذلك، فأخبرني عن الأوصياء بعدك لأتمسّك بهم؟
فقال: يا جندل أوصيائي من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل.
فقال: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، إنّهم كانوا إثنى عشر، هكذا وجدناهم في التوراة.
قال: نعم، الأئمّة بعدي إثنا عشر.
فقال: يا رسول اللّه كلّهم في زمن واحد؟
قال: لا، ولكن خلف بعد خلف، وإنّك لن تدرك منهم إلاّ ثلاثة: أوّلهم سيّد الأوصياء بعدي أبو الأئمّة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، ثمّ إبناه الحسن والحسين عليهما السّلام، فاستمسك بهم من بعدي ولا يغرنّك جهل الجاهلين، فإذا أوقت ولادة إبنه عليّ بن الحسين سيّد العابدين عليه السّلام يقضي اللّه عليك ويكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن تشربه.
فقال: يا رسول اللّه هكذا وجدت في التوراة: إليانقطوا(٩٤٠) شبّرا وشبيرا، فلم أعرف أسماءهم، فكم بعد الحسين من الأوصياء، وما أسماءهم؟
فقال: تسعة من صلب الحسين، والمهديّ منهم، فاذا انقضت مدّة الحسين عليه السّلام قام بالأمر من بعده عليّ ابنه، ويلقّب زين العابدين عليه السّلام، فإذا انقضت مدّة علي قام بالأمر من بعده محمّد ابنه يدعى بالباقر عليه السّلام، فإذا انقضت مدّة محمّد قام بالأمر بعده ابنه جعفر يدعى بالصادق عليه السّلام، فإذا انقضت مدّة جعفر قام بالأمر ابنه موسى ويدعى بالكاظم عليه السّلام، ثمّ إذا انقضت مدّة موسى قام بالأمر من بعده عليّ ابنه يدعى بالرضا عليه السّلام، فإذا انقضت مدّة عليّ قام بالأمر بعده محمّد ابنه يدعى بالزكيّ عليه السّلام، فإذا انقضت مدّة محمّد قام بالأمر بعده ابنه عليّ يدعى بالنقي عليه السّلام، فإذا انقضت مدّة عليّ قام بالأمر من بعده ابنه الحسن يدعى بالأمين عليه السّلام، ثمّ يغيب عنهم إمامهم.
قال: يا رسول اللّه هو الحسن يغيب عنهم؟
قال: لا، ولكن ابنه.
قال: يا رسول اللّه فما اسمه؟
قال: لا يسمّى حتّى يظهر.
فقال جندل: يا رسول اللّه وجدنا ذكرهم في التوراة، وقد بشّرنا موسى بن عمران عليه السّلام بك وبالأوصياء من ذرّيّتك.
ثمّ تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله:
(وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً).
فقال جندل: يا رسول اللّه فما خوفهم؟
قال: يا جندل في زمن كلّ واحد منهم سلطان يعتريه ويؤذيه، فإذا عجّل اللّه خروج قائمنا يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، ثمّ قال صلّى اللّه عليه واله: طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبّتهم، أولئك من وصفهم اللّه في كتابه فقال: (اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ثمّ قال: أُولَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ).
قال ابن الأصقع:
ثمّ عاش جندل إلى أيّام الحسين بن عليّ عليه السّلام ثمّ خرج إلى الطائف، فحدّثني نعيم بن أبي قيس قال: دخلت عليه بالطائف وهو عليل، ثمّ دعا بشربة من لبن، فقال: هكذا عهد لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة من لبن، ثمّ مات ودفن بالطائف بالموضع المعروف بالكورا رحمه اللّه(٩٤١).
٥٧١ - أبو عليّ الطبرسيّ في تفسير الآية، قال: المرويّ عن أهل البيت عليهم السّلام أنّها في المهديّ من آل محمّد عليهم السّلام(٩٤٢).
٥٧٢ - وروى العيّاشيّ بإسناده عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام، أنّه قرأ الآية وقال: هم واللّه شيعتنا أهل البيت، يفعل اللّه ذلك بهم على يدي رجل منّا، وهو مهدي هذه الامّة، وهو الّذي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يأتي رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا(٩٤٣).
وروي مثل ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السّلام(٩٤٤).
٥٧٣ - قال السيّد شرف الدّين: فعلى هذا يكون المراد بـ «الّذين آمنوا وعملوا الصالحات» النبيّ وأهل بيته صلوات اللّه عليهم، وتضمنّت الآية البشارة لهم بالاستخلاف والتمكّن في البلاد وارتفاع الخوف عنهم عند قيام القائم المهديّ عليه السّلام منهم، ويكون المراد بقوله تعالى: كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هو أن جعل الصالح للخلافة خليفة، مثل آدم وإبراهيم وداود وسليمان وموسى وعيسى صلوات اللّه عليهم أجمعين، تبقى دائمة في كلّ آن وكلّ حين(٩٤٥).
٥٧٤ - من كتاب الواحدة: روى عن محمّد بن الحسن بن عبد اللّه الأطروش، عن جعفر بن محمّد البجليّ، عن البرقيّ، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام:
إنّ اللّه تبارك وتعالى أحد واحد، تفرّد في وحدانيته، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت نورا، ثمّ خلق من ذلك النور محمّدا صلّى اللّه عليه واله، وخلقني وذرّيّتي، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت روحا، فأسكنه اللّه في ذلك النور، وأسكنه في أبداننا، فنحن روح اللّه وكلماته، فبنا احتجّ على خلقه، فما زلنا في ظلّة خضراء، حيث لا شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار، ولا عين تطرف، نعبده ونقدّسه ونسبّحه، وذلك قبل أن يخلق الخلق، وأخذ ميثاق الأنبياء بالإيمان والنصرة لنا، وذلك قوله عزّ وجلّ:
(وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ)(٩٤٦)، يعني لتؤمننّ بمحمّد صلّى اللّه عليه واله ولتنصرنّ وصيّه وسينصرونه جميعا.
وإنّ اللّه أخذ ميثاقي مع ميثاق محمّد صلّى اللّه عليه واله بالنصرة بعضنا لبعض، فقد نصرت محمّدا وجاهدت بين يديه، وقتلت عدوّه، ووفيت للّه بما أخذ عليّ من الميثاق والعهد، والنصرة لمحمّد صلّى اللّه عليه واله.... إلى أن يصل إلى قوله: أنا أمين اللّه وخازنه، وعيبة سرّه وحجابه ووجهه وصراطه وميزانه، وأنا الحاشر إلى اللّه، وأنا كلمة اللّه الّتي يجمع بها المفترق ويفرّق بها المجتمع.
وأنا أسماء اللّه الحسنى، وأمثاله العليا، وآياته الكبرى، وأنا صاحب الجنّة والنار، اسكن أهل الجنّة الجنّة، واسكن أهل النار النار، وإليّ تزويج أهل الجنّة، وإليّ عذاب أهل النار، وإليّ إياب الخلق، وأنا الإياب الّذي يؤوب إليه كلّ شيء بعد القضاء، وإليّ حساب الخلق جميعا، وأنا صاحب الهبات، وأنا المؤذّن على الأعراف، وأنا بارز الشمس، أنا دابة الأرض، وأنا قسيم النار، وأنا خازن الجنان وصاحب الأعراف.
وأنا أمير المؤمنين، ويعسوب المتّقين، وآية السابقين، ولسان الناطقين، وخاتم الوصيين، ووارث النبيين، وخليفة ربّ العالمين، وصراط ربّي المستقيم، وفسطاطه والحجّة على أهل السماوات والأرضين، وما فيهما وما بينهما، وأنا الّذي احتجّ اللّه به عليكم في ابتداء خلقكم، وأنا الشاهد يوم الدّين، وأنا الّذي علمت علم المنايا والبلايا والقضايا، وفصل الخطاب والأنساب، واستحفظت آيات النبيين المستخفين المستحفظين.
وأنا صاحب العصا والميسم، وأنا الّذي سخّرت لي السحاب والرعد والبرق والظلم والأنوار، والرياح والجبال والبحار، والنجوم والشمس والقمر، أنا القرن الحديد، وأنا فاروق الامّة، وأنا الهادي، وأنا الّذي أحصيت كلّ شيء عددا بعلم اللّه الّذي أودعنيه، وبسرّه الّذي أسرّه إلى محمّد صلّى اللّه عليه واله وأسرّه انبيّ صلّى اللّه عليه واله إليّ، وأنا الّذي أنحلني ربّي اسمه وكلمته وحكمته وعلمه وفهمه.
يا معشر الناس، اسألوني قبل أن تفقدوني، اللهمّ إنّي اشهدك وأستعديك عليهم، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العلي العظيم، والحمد للّه متّبعين أمره(٩٤٧).
٥٧٥ - روى الحاكم الحسكانيّ في «شواهد التنزيل» بإسناده عن أبي صادق، عن حنش: أنّ عليا عليه السّلام قال: إنّي اقسم بالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة وأنزل الكتاب على محمّد صدقا وعدلا، ليعطفنّ عليكم هذه الآية: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ) الآية(٩٤٨).
٥٧٦ - وروى فرات بن إبراهيم بإسناده عن السدّي، عن ابن عبّاس في قوله: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا) إلى آخر الآية، قال: نزلت في آل محمّد صلّى اللّه عليه واله(٩٤٩).
٥٧٧ - وروى فرات بإسناده عن القاسم بن عوف، قال: سمعت عبد اللّه بن محمّد يقول:
(وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ) الآية: قال: هي لنا أهل البيت(٩٥٠).
٥٧٨ - وروى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه جلّ جلاله: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) قال عليه السّلام: هم الأئمّة عليهم السّلام(٩٥١).
٥٧٩ - وعنه بإسناده عن سدير الصيرفي، قال: دخلت أنا والمفضّل بن عمر، وأبو بصير، وأبان بن تغلب، على مولانا أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام، فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح خيبري مطوّق بلاجيب، مقصّر الكمّين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى ذات الكبد الحرّاء، قد بان الحزن من وجنتيه، وشاع التغيير في عارضيه، وأبلى الدموع محجريه وهو يقول: سيّدي غيبتك نفت رقادي، وضيّقت عليّ مهادي، وابتزّت منّي راحة فؤادي، سيّدي غيبتك وصلت مصابي بفجائع الأبد، وفقد الواحد بعد الواحد يفنى الجمع والعدد، فما أحسّ بدمعة ترقى من عيني، وأنين يفتر من صدري، من دوارج الرزايا، وسوالف البلايا، إلاّ ما لقيني عن غوائل أعظمها وأقطعها، وبواقي أشدّها وأنكرها، ونوائب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك.
قال سدير: فاستطارت عقولنا ولها، وتصدّعت قلوبنا جزعا، من الخطب الهائل، والحادث الغائل، وظننّا انّه أسمت لمكروهة قارعة، أو حلّت من الدهر بائقة، فقلنا: لا أبكى اللّه – يا بن خير الورى - عينيك، من أيّ حادثة تسترقي دمعتك، وتستمطر عبرتك، وأيّة حالة حتّمت عليك هذا المأتم؟
قال: فزفر الصادق عليه السّلام زفرة انتفخ منها جوفه، واشتدّ منها خوفه، وقال: ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، الّذي خصّ اللّه به محمّدا والأئمّة من بعده عليهم السّلام، وتأمّلت فيه مولد غائبنا وغيبته، وابطاءه وطول عمره، وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته، وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم من ربقة الإسلام عن أعناقهم، الّذي قال اللّه جلّ ذكره: (وكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)(٩٥٢) يعني الولاية، فأخذتني الرقة واستولت عليّ الأحزان.
فقلنا: يا بن رسول اللّه كرّمنا وفضّلنا بإشراكك إيّانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك.
قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى أدار في القائم منّا ثلاثة أدارها في ثلاثة من الرسل، قدّر مولده تقدير مولد موسى، وقدّر غيبته تقدير غيبة عيسى، وقدّم إبطاءه بتقدير إبطاء نوح عليهم السّلام، وجعل له من بعد ذلك عمر العبد الصالح الخضر عليه السّلام دليلا على عمره.
فقلنا: اكشف لنا يا بن رسول اللّه عن وجوه هذه المعاني.
قال عليه السّلام: أمّا مولد موسى عليه السّلام، فإنّ فرعون لمّا وقف على أن زوال ملكه على يده، أمر بإحضار الكهنة، فدلّوه على نسبه، وأنّه يكون من بني إسرائيل، ولم يزل يأمر أصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل، حتّى قتل في طلبه نيّفا وعشرين ألفا مولودا، وتعذّر إليه الوصول إلى قتل موسى بحفظ اللّه تبارك وتعالى إيّاه، كذلك بنو اميّة وبنو العبّاس، لمّا وقفوا على أنّ زوال ملك الامراء والجبابرة منهم على يد القائم منّا، ناصبونا العداوة، ووضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول صلّى اللّه عليه واله وسلم وإبادة نسله طلبا (طمعا خ) منهم في الوصول إلى قتل القائم، ويأبى اللّه عزّ وجلّ أن يكشف أمره لواحد من الظلمة، إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره المشركون.
وأمّا غيبة عيسى عليه السّلام، فإنّ اليهود والنصارى اتّفقت على أنّه قتل، فكذّبهم اللّه عزّ ذكره، يقول عزّ وجلّ: (ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)(٩٥٣) كذلك غيبة القائم عليه السّلام فإنّ الامّة ستنكرها لطولها، فمن قائل بغير هدى بأنّه لم يولد، وقائل يقول انّه ولد ومات، وقائل يكفر بقوله أنّ حادي عشرنا كان عقيما، وقائل يمرق بقوله أنّه يتعدّى إلى ثالث عشر، وما عدا، وقائل يعصي اللّه عزّ وجلّ بقوله أنّ روح القائم تنطق في هيكل غيره.
وأمّا إبطاء نوح عليه السّلام، فإنّه لمّا استنزل العقوبة على قومه من السماء، بعث اللّه تبارك وتعالى جبرئيل الروح الأمين معه سبع نوايات، فقال: يا نبيّ اللّه، إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول لك: إنّ هؤلاء خلائقي وعبادي، لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلاّ بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجّة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك، فإنّي مثيبك عليه، واغرس هذا النوى، فإنّ لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص؛ فبشّر بذلك من اتّبعك من المؤمنين.
فلمّا نبتت الأشجار وتأزّرت وتشرفّت (وتشوّقت خ) واعتصبت، وزهر الثمر عليها بعد زمن طويل، استنجز من اللّه سبحانه وتعالى العدة، فأمره اللّه تبارك وتعالى أن يغرس نوى تلك الأشجار ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكّد الحجّة على قومه، فأخبر بذلك الطوائف الّتي آمنت به، فارتدّ منهم ثلاثمائة رجل، وقالوا: لو كان ما يدّعيه نوح حقّا، لما وقع في وعد ربّه خلف، ثمّ إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كلّ مرّة بأن يغرسها مرّة بعد اخرى، إلى أن غرسها سبع مرّات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتدّ منهم طائفة بعد طائفة، إلى أن عاد إلى نيّف وسبعين رجلا، فأوحى اللّه تبارك وتعالى عند ذلك إليه، وقال: يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل بعينك، حين صرّح الحقّ عن محضه، وصفى من الكدر بارتداد من كانت طينته خبيثة فلو أنّي أهلكت الكفّار وأبقيت من قد ارتدّ من الطوائف الّتي كانت آمنت بك، لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الّذين أخلصوا التوحيد من قومك، واعتصموا بحبل نبوّتك، فإنّي أستخلفهم في الأرض وأمكّن لهم دينهم، وابدّل خوفهم بالأمن، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشرك من قلوبهم، وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبذل الأمن منّي لهم مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الّذين ارتدّوا وخبث طينتهم وسوء سرائرهم الّتي كانت نتايج النفاق وشيوخ الضلالة، فلو أنّهم تنسّموا من الملك الّذي اوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذا أهلكت أعدائهم، لنشقوا روائح صفاته، ولاستحكمت سرائر نفاقهم، وتأبّد خبالة ضلالة قلوبهم، ولكاشفوا اخوانهم بالعداوة، وحاربوهم على طلب الرياسة، والتفرّد بالأمر والنهي، وكيف يمكن التمكين في الدّين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب، كلاّ فاصنع الفلك بأعيننا ووحينا. قال الصادق عليه السّلام: وكذلك القائم عليه السّلام، فإنّه يمتدّ أيّام غيبته ليصرح الحقّ عن محضه، ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة من الشيعة الّذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسّوا بالإستخلاف والتمكين والأمر المنتشر في عهد القائم عليه السّلام.
قال المفضّل: فقلت: يا بن رسول اللّه، فإنّ هذه النواصب تزعم أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ عليه السّلام.
 فقال: لا يهدي اللّه قلوب الناصبة، متى كان الدّين الّذي ارتضاه اللّه ورسوله متمكّنا بانتشار الأمر في الامّة وذهاب الخوف من قلوبها، وارتفاع الشكّ من صدورها في عهد واحد من هؤلاء وفي عهد عليّ عليه السّلام مع ارتداد المسلمين والفتن الّتي كانت من الكفّار. ثمّ تلا الصادق عليه السّلام: (حَتَّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا)(٩٥٤). وأمّا العبد الصالح الخضر عليه السّلام، فإنّ اللّه تبارك وتعالى ما طوّل عمره لنبوّة قدرها له، ولا لكتاب ينزل عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لأمّة يلزمهم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى إنّ اللّه تبارك وتعالى لمّا كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائم عليه السّلام في أيّام غيبته ما يقدّر، علم ما يكون من إنكار عباده مقدار ذلك العمر في الطول، طوّل عمر العبد الصالح من غير سبب أوجب ذلك، إلاّ لعلّة الاستدلال به على عمر القائم عليه السّلام، ولينقطع بذلك حجّة المعاندين، لئلاّ يكون للناس على اللّه حجّة(٩٥٥).
٥٨٠ - روى الطبرسيّ في حديث عن أمير المؤمنين عليه السّلام يذكر فيه من تقدّم عليه، فقال عليه السّلام: مثل ما أتوه من الإستيلاء على أمر الامّة كلّ ذلك ليتمّ النظرة الّتي أوجبها اللّه تبارك وتعالى لعدوّه إبليس إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ويحقّ القول على الكافرين، ويقترب الوعد الحقّ الّذي بينه اللّه في كتابه بقوله: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وذلك إذا لم يبق من الإسلام إلاّ إسمه، ومن القرآن إلاّ رسمه، وغاب صاحب الأمر بإيضاح العذر له في ذلك، لاشتمال الفتنة على القلوب، حتّى يكون أقرب الناس اليه أشدّ عداوة له، وعند ذلك يؤيّده اللّه بجنود لم يروها، ويظهر دين نبيّه صلّى اللّه عليه واله على يديه على الدّين كلّه ولو كره المشركون(٩٥٦).
٥٨١ - روى العلاّمة المجلسيّ رضوان اللّه عليه، قال: روى الصفوانيّ في كتابه عن صفوان: أنّه لمّا طلب المنصور أبا عبد اللّه عليه السّلام، توضّأ وصلّى ركعتين ثمّ سجد سجدة الشكر وقال: اللهمّ إنّك وعدتنا على لسان نبيّك محمّد صلّى اللّه عليه واله ووعدك الحقّ، أنّك تبدلنا من بعد خوفنا أمنا، اللهمّ فأنجز لنا ما وعدتنا إنّك لا تخلف الميعاد. قال: قلت له: يا سيّدي فأين وعد اللّه لكم؟ فقال عليه السّلام: قول اللّه عزّ وجلّ: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ) الآية.
وروي أنّه تلي بحضرته عليه السّلام: (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا)(٩٥٧) الآية، فهملتا عيناه عليه السّلام وقال: نحن واللّه المستضعفون(٩٥٨).
٥٨٢ - روى النعمانيّ؛ عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: إذا كان ليلة الجمعة أهبط الربّ تعالى ملكا إلى السماء الدنيا، فإذا طلع الفجر جلس ذلك الملك على العرش فوق البيت المعمور، ونصب لمحمّد وعليّ والحسن والحسين: منابر من نور، فيصعدون عليها وتجمع لهم الملائكة والنبيّون والمؤمنون، وتفتح أبواب السماء، فإذا زالت الشمس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: يا ربّ ميعادك الّذي وعدت به في كتابك، وهو هذه الآية: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) ثمّ يقول الملائكة والنبيّون مثل ذلك، ثمّ يخرّ محمّد وعليّ والحسن والحسين سجّدا، ثمّ يقولون: يا ربّ اغضب، فإنّه قد هتك حريمك، وقتل أصفياؤك، واذلّ عبادك الصالحون، فيفعل اللّه ما يشاء، وذلك يوم معلوم(٩٥٩).
٥٨٣ - روى العلاّمة الطبرسيّ رحمة اللّه عليه، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، أنّه قال:
لم يجئ تأويل هذه الآية، ولو قام قائمنا بعد، سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغنّ دين محمّد صلّى اللّه عليه واله ما بلغ الليل، حتّى لا يكون مشرك على ظهر الأرض، كما قال اللّه تعالى: (يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(٩٦٠).
٥٨٤ - روى الطوسيّ رحمه اللّه بإسناده عن إسحاق بن عبد اللّه بن عليّ بن الحسين، في هذه الآية: (فَوَ رَبِّ اَلسَّمَاءِ واَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)(٩٦١) قال: قيام القائم عليه السّلام من آل محمّد صلّى اللّه عليه واله؛ قال: وفيه نزلت: (وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) قال: نزلت في المهديّ عليه السّلام(٩٦٢).
٥٨٥ - روى عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيره لهذه الآية، قال: نزلت في القائم من آل محمّد صلّى اللّه عليه واله(٩٦٣).

سورة الفرقان

الآية الاولى قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً)(٩٦٤).
٥٨٦ - محمّد بن إبراهيم النعمانيّ، في كتاب الغيبة بإسناده عن أبي الصامت، قال:
قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام: الليل إثنتا عشرة ساعة، والنهار إثنتا عشرة ساعة، والشهور إثنا عشر شهرا، والأئمّة إثنا عشر إماما، والنقباء إثنا عشر نقيبا، وانّ عليا عليه السّلام ساعة من إثنى عشرة ساعة، وهو قول اللّه عزّ وجلّ: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً)(٩٦٥).
٥٨٧ - عنه، بإسناده عن المفضّل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما معنى قول اللّه عزّ وجلّ: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً).
فقال لي:
إنّ اللّه خلق السنة إثنى عشر شهرا، وجعل الليل إثنتى عشرة ساعة، وجعل النهار إثنى عشرة ساعة، ومنّا إثنى عشر محدّثا، وكان أمير المؤمنين عليه السّلام ساعة من تلك الساعات(٩٦٦).
٥٨٨ - عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي الصامت، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:
إنّ الليل والنهار إثنتا عشرة ساعة، وانّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أشرف ساعة من إثنتى عشرة ساعة، وهو قول اللّه تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً)(٩٦٧).
أقول: ينصّ الحديث الشريف على أنّ الإمام المهديّ عليه السّلام هو أحد الساعات، وأنّ المكذّب به سيصلى سعيرا حسب الوعد الإلهيّ الّذي لا يتخلّف.
الآية الثانية قوله تعالى: (اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكَانَ يَوْماً عَلَى اَلْكَافِرِينَ عَسِيراً)(٩٦٨).
٥٨٩ - روى محمّد بن العبّاس بإسناده عن عليّ بن أسباط، قال: روى أصحابنا في قول اللّه عزّ وجلّ: (اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ قال: إنّ الملك للرحمن اليوم وقبل اليوم وبعد اليوم، ولكن إذا قام القائم عليه السّلام، لم يعبد إلاّ اللّه عزّ وجلّ(٩٦٩).
الآية الثالثة قوله سبحانه: (وهُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وصِهْراً وكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً)(٩٧٠).
٥٩٠ - روى ابن شهر آشوب؛ عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وجابر والبراء، وأنس، وام سلمة، والسدي، وابن سيرين، في قوله تعالى: (وهُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وصِهْراً) قالوا: قال الإمام الباقر عليه السّلام: هو محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام، (وكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) القائم في آخر الزمان، لأنّه لم يجتمع نسب وسبب في الصحابة والقرابة إلاّ له، فلأجل ذلك استحقّ الميراث بالنسب والسبب(٩٧١).
الآية الرابعة قوله سبحانه: (وعِبَادُ اَلرَّحْمَنِ اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْناً وإِذَا خَاطَبَهُمُ اَلْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً * وَاَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقِيَاماً * وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَاماً)(٩٧٢).
٥٩١ - روى فرات بن إبراهيم الكوفيّ، عن محمّد بن القاسم بن عبيد معنعنا، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله تبارك وتعالى: (اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْناً - إلى قوله: - حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَاماً) ثلاث عشرة آية، قال:
هم الأوصياء يمشون على الأرض هونا، فإذا قام القائم عرفوا كلّ نصب عليه، فإن أقرّ بالإسلام وهي الولاية، وإلاّ ضربت عنقه، أو أقرّ بالجزية فأدّاها كما يؤدّي أهل الذمّة(٩٧٣).

سورة الشعراء

الآية الاولى قوله عزّ وجلّ: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)(٩٧٤).
بعض علامات الظهور
٥٩٢ - وأسند إلى أبي جعفر عليه السّلام: آيتان تكونان قبل القائم كسوف الشمس في نصف الشهر، والقمر في آخره، فتعجّب السامع، فقال: أنا أعلم بما قلت، إنّهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم عليه السّلام(٩٧٥).
٥٩٣ - روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره، بإسناده عن هشام، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:
تخضع رقابهم، يعني بني اميّة، وهي الصيحة من السماء باسم صاحب الأمر عليه السّلام(٩٧٦).
٥٩٤ - روى النعمانيّ بإسناده عن داود الدّجاجيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السّلام قال: سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن قوله تعالى: (فَاخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ)(٩٧٧) فقال: انتظروا الفرج من ثلاث، فقيل: يا أمير المؤمنين وما هنّ؟ فقال: اختلاف أهل الشام بينهم، والرايات السود من خراسان، والفزعة في شهر رمضان، فقيل: وما الفزعة في شهر رمضان؟ فقال:
أو ما سمعتم قول اللّه عزّ وجلّ في القرآن: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) هي آية تخرج الفتاة من خدرها، وتوقظ النائم، وتفزع اليقظان(٩٧٨).
٥٩٥ - محمّد بن يعقوب، بإسناده عن عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:
خمس علامات قبل قيام القائم عليه السّلام: الصيحة، والسفيانيّ، والخسف، وقتل النفس الزكيّة، واليمانيّ، فقلت: جعلت فداك، فإن خرج أحد أهل بيتك قبل هذه العلامات، أنخرج معه؟ قال: لا، قال: فلمّا كان من الغد، تلوت هذه الآية: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) فقلت له: أهي الصيحة؟ فقال: أما لو كانت، خضعت أعناق أعداء اللّه عزّ وجلّ(٩٧٩).
٥٩٦ - محمّد بن ابراهيم النعمانيّ بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام، فسمعت رجلا من همدان يقول: إنّ العامّة يعيّرونا ويقولون لنا: انّكم تزعمون أنّ مناديا ينادي من السماء باسم صاحب هذا الأمر، وكان متكيا فغضب وجلس، ثمّ قال:
لا ترووه عنّي وارووه عن أبي ولا حرج عليكم في ذلك، أشهد أنّي قد سمعت أبي عليه السّلام يقول: واللّه إنّ ذلك في كتاب اللّه عزّ وجلّ لبيّن، حيث يقول: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) ولا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلاّ خضع وذلّت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء: ألا إنّ الحقّ في عليّ بن أبي طالب وشيعته، فإذا كان من الغد صعد إبليس في الهواء حتّى يتوارى عن أهل الأرض، ثمّ ينادي: ألا إنّ الحقّ في عثمان بن عفّان وشيعته فإنّه قتل مظلوما، فاطلبوا بدمه، قال:
(يُثَبِّتُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثَّابِتِ)(٩٨٠) على الحقّ وهو النداء الأوّل، ويرتاب يومئذ الّذين في قلوبهم مرض، والمرض - واللّه - عداوتنا، فعند ذلك يتبرّأون منّا ويتناولونا، فيقولون:
إنّ المنادي الأوّل سحر من سحر أهل هذا البيت، ثمّ تلا أبو عبد اللّه عليه السّلام: (وإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)(٩٨١).
وعنه بإسناده عن عبد الصمد بن بشير مثله سواء بلفظه(٩٨٢).
٥٩٧ - وروى نعيم بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: ينادي مناد من السماء:
ألا إنّ الحقّ في آل محمّد صلّى اللّه عليه واله، وينادي مناد من الأرض: ألا إنّ الحقّ في آل عيسى - أو قال: العبّاس، أنا أشكّ فيه - وإنّما الصوت الأسفل من الشيطان يلبّس على الناس(٩٨٣).
٥٩٨ - وروى النعمانيّ بإسناده عن فضيل بن محمّد مولى محمّد بن راشد الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: أما إنّ النداء من السماء بإسم القائم في كتاب اللّه لبيّن، فقلت: وأين هو أصلحك اللّه؟ فقال: في طسم (تِلْكَ آيَاتُ اَلْكِتَابِ اَلْمُبِينِ) قوله: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) قال: إذا اصبحوا سمعوا الصوت أصبحوا وكأنّما على رؤوسهم الطير(٩٨٤).
٥٩٩ - وروى السيّد ابن طاووس عن نعيم بإسناده عن عليّ عليه السّلام قال: بعد الخسف ينادي مناد من السماء: إنّ الحقّ في آل محمّد، في أوّل النهار، ثمّ ينادي مناد في آخر النهار: إنّ الحقّ في ولد عيسى، وذلك نخوة من الشيطان(٩٨٥).
٦٠٠ - محمّد بن العبّاس بإسناده عن طريق العامة، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في قوله عزّ وجلّ: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) قال: هي نزلت فينا وفي بني اميّة، يكون لنا دولة تذلّ أعناقهم لنا بعد صعوبة، وهوان بعد عزّ(٩٨٦).
٦٠١ - وعنه، بإسناده عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) قال: نزلت في قائم آل محمّد صلّى اللّه عليه واله ينادى باسمه من السماء(٩٨٧).
٦٠٢ - وروي بالإسناد عن أبي الورد، عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً) قال: النداء من السماء باسم رجل وأبيه(٩٨٨).
٦٠٣ - روى الشيخ المفيد؛ بإسناده عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول في قوله تعالى شأنه: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) قال:
سيفعل اللّه ذلك لهم، قلت: ومن هم؟ قال: بنو اميّة وشيعتهم، قلت: وما الآية؟ قال: ركود الشمس ما بين زوال الشمس إلى وقت العصر، وخروج صدر الرجل ووجه في عين الشمس يعرف بحسبه ونسبه، وذلك في زمان السفياني، وعندها يكون بواره وبوار قومه(٩٨٩).
٦٠٤ - روى الطوسي؛ بإسناده عن الحسن بن زياد الصيقل، قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد عليهما السّلام يقول: إنّ القائم لا يقوم حتّى ينادي مناد من السماء يسمع الفتاة في خدرها ويسمع أهل المشرق والمغرب، وفيه نزلت هذه الآية: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)(٩٩٠).
٦٠٥ - روى الشيخ الصدوق بإسناده عن الحسين بن خالد، قال: قال عليّ بن موسى الرضا عليهما السّلام: لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقيّة له، إنّ أكرمكم عند اللّه أعملكم بالتقيّة، فقيل له: يا ابن رسول اللّه إلى متى؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا أهل البيت، فمن ترك التقيّة قبل خروج قائمنا فليس منّا.
فقيل له: يا بن رسول اللّه ومن القائم منكم أهل البيت؟
قال: الرابع من ولدي، ابن سيّدة الإماء، يطهّر اللّه به الأرض من كلّ جور، ويقدّسها من كلّ ظلم. (وهو) الّذي يشكّ الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره، ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحدا. وهو الّذي تطوى له الأرض، ولا يكون له ظلّ. وهو الّذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدعاء إليه يقول: ألا إنّ حجّة اللّه قد ظهر عند بيت اللّه فاتّبعوه، فانّ الحقّ معه وفيه. وهو قول اللّه عزّ وجلّ: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)(٩٩١).
٦٠٦ - روى العلاّمة الطبرسيّ رحمه اللّه عن أبي حمزة الثمالي في هذه الآية: أنّها صوت يسمع من السماء في النصف من شهر رمضان وتخرج له العوائق من البيوت(٩٩٢).
٦٠٧ - روى السيّد ابن طاووس رحمه اللّه عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله أنّه قال: إذا كانت صيحة في رمضان، فإنّها تكون معمعة في شوّال، وتميّز القبائل في ذي القعدة، وتسفك الدماء في ذي الحجّة، والمحرّم وما المحرّم؟ يقولها ثلاثا، هيهات هيهات، يقتل الناس فيها هرجا هرجا. قلنا: وما الصيحة يا رسول اللّه؟ قال: هدّة في النصف من رمضان يوم جمعة ضحى، وذلك إذا وافق شهر رمضان ليلة الجمعة، فتكون هدّة توقظ النائم، وتقعد القائم، وتخرج العواتق من خدورهنّ في ليلة جمعة، فإذا صلّيتم الفجر من يوم الجمعة، فادخلوا بيوتكم وأغلقوا أبوابكم، وسدّوا كواكم، ودثّروا أنفسكم، وسدّوا آذانكم، فإذا أحسستم بالصيحة، فخرّوا للّه سجّدا وقولوا: «سبحان القدّوس ربّنا القدّوس» فإنّه من فعل ذلك نجا ومن لم يفعل هلك(٩٩٣).
٦٠٨ - وروى السيّد ابن طاووس؛ عن شهر بن حوشب، قال: بلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قال: يكون في رمضان صوت، وشوال مهمهة (معمعة)، وفي ذي القعدة تتحارب القبائل، وفي ذي الحجّة ينتهب الحاج، وفي المحرّم ينادي مناد من السماء: ألا إنّ صفوة اللّه من خلقه فلان، فاسمعوا له وأطيعوا(٩٩٤).
٦٠٩ - وروى السيّد عن نعيم في كتاب الفتن بسنده عن كثير بن مرّة الحضرمي، قال:
آية الحدثان في رمضان علامة في السماء يكون بعدها اختلاف الناس، فإن أدركتها فأكثر من الطعام ما استطعت(٩٩٥).
٦١٠ - وروى السيّد عن نعيم بسنده عن سعيد بن المسيّب، قال: تكون بالشام فتنة كلّما سكنت من جانب، طمّت من جانب، فلا تتناهى حتّى ينادي مناد من السماء: إنّ أميركم فلان(٩٩٦).
٦١١ - وروى السيّد رحمه اللّه عن نعيم بسنده عن عليّ عليه السّلام، قال: إذا نادى مناد من السماء إنّ الحقّ في آل محمّد، فعند ذلك يظهر المهديّ على أفواه الناس، ويشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكر غيره(٩٩٧).
٦١٢ - وروى السيّد ابن طاووس عن نعيم، بسنده عن سلمة بن أبي سلمة، عن شهر بن حوشب، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله: «في المحرم ينادي مناد من السماء: ألا إنّ صفوة اللّه من خلقه فلان فاسمعوا له وأطيعوا، في سنة الصوت والمعمعة»(٩٩٨).
٦١٣ - وروى بإسناده عن الزهري، قال: إذا التقى السفيانيّ والمهديّ للقتال يومئذ يسمع صوت من السماء: ألا إنّ أولياء اللّه أصحاب فلان، يعني: المهديّ. قال الزهري:
قالت أسماء بنت عميس: إنّ أمارة ذلك أنّ كفّا من السماء مدلاّة ينظر إليها الناس(٩٩٩).
٦١٤ - وروى بإسناده عن الزهريّ، قال: يخرج المهديّ من مكّة بعد الخسف في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا عدّة أهل بدر، فيلتقي هو وصاحب جيش السفيانيّ، وأصحاب المهديّ يومئذ جنّتهم البراذع، وقال: إنّه يسمع يومئذ صوت من السماء، مناديا ينادي: ألا إنّ أولياء اللّه أصحاب فلان - يعني المهديّ - فتكون الدبرة على أصحاب السفيانيّ فيقتلون، لا يبقى منهم إلاّ الشريد، فيهربون إلى السفيانيّ فيخبرونه، ويخرج المهديّ إلى الشام، ويتلقّي السفيانيّ المهديّ ببيعته، ويتسارع الناس إليه من كلّ وجه، ويملأ الأرض عدلا(١٠٠٠).
الآية الثانية قوله عزّ وجلّ: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وجَعَلَنِي مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ)(١٠٠١).
٦١٥ - روى النعمانيّ بإسناده عن المفضّل، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة يقول فيها: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وجَعَلَنِي مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ)(١٠٠٢).
الآية الثالثة قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)(١٠٠٣).
٦١٦ - روى محمّد بن العبّاس بإسناده عن معلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله عزّ وجلّ: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ) قال: خروج القائم عليه السّلام، (مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) قال: هم بنو اميّة الّذين متّعوا في دنياهم(١٠٠٤).
الآية الرابعة قوله تعالى: (وسَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(١٠٠٥).
٦١٧ - الشيخ الصدوق، بإسناده عن الحسين بن خالد، عن عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام، عن أبيه، عن آبائه عليهم السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم: من أحبّ أن يتمسّك بديني ويركب سفينة النجاة بعدي، فليقتدي بعليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وليعاد عدوّه، وليوال وليه، فإنّه (خليفتي) ووصيّي، وخليفتي على أمّتي في حياتي وبعد وفاتي، وهو أمير (إمام) كلّ مسلم، وأمير كلّ مؤمن بعدي، قوله قولي، وأمره أمري، ونهيه نهيي، وتابعه تابعي، وناصره ناصري، وخاذله خاذلي.
ثمّ قال صلّى اللّه عليه واله وسلم: من فارق عليّا بعدي، لم يرني ولم أره يوم القيامة، ومن خالف عليّا حرّم اللّه عليه الجنّة وجعل مأواه النار وبئس المصير، ومن خذل عليّا خذله اللّه يوم يعرض عليه، ومن نصر عليّا نصره اللّه يوم يلقاه، ولقّنه حجته عند المنازلة (المسائلة).
ثمّ قال صلوات اللّه عليه وآله: والحسن والحسين إماما أمتي بعد أبيهما، وسيّدا شباب أهل الجنّة، وأمّهما سيّدة نساء العالمين، وأبوهما سيّد الوصيّين، ومن ولد الحسين تسعة أئمّة، تاسعهم القائم عليه السّلام من ولدي، طاعتهم طاعتي، ومعصيتهم معصيتي، إلى اللّه أشكو المنكرين لفضلهم، والمضيّعين لحقّهم (لحرمتهم) بعدي، وكفى باللّه وليّا، وكفى باللّه نصيرا (وناصرا) لعترتي وأئمّة أمّتي، ومنتقما من الجاحدين لحقّهم (وسَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(١٠٠٦).
٦١٨ - روى الشيخ الصدوق بإسناده عن هشام بن سالم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم: القائم من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنّته سنتي، يقيم الناس على ملّتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب ربّي عزّ وجلّ، من أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني، ومن كذّبه فقد كذّبني، ومن صدّقه فقد صدّقني، إلى اللّه أشكو المكذّبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمضلّين لأمّتي عن طريقته، (وسَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(١٠٠٧).

سورة النمل

الآية الاولى قوله عزّ وجلّ: (ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ عِلْماً وقَالاَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي فَضَّلَنَا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ)(١٠٠٨).
٦١٩ - روى العلاّمة عليّ بن إبراهيم القمّي؛ في الآية الكريمة، قال:
اُطيَ داود وسليمان ما لم يعط أحدا من انبياء اللّه من الآيات، علّمهما منطق الطير، وألان لهما الحديد والصفر من غير نار، وجعلت الجبال يسبّحن مع داود، وأنزل اللّه عليه الزبور فيه توحيد وتمجيد ودعاء وأخبار رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله، وأمير المؤمنين عليه السّلام، والأئمّة عليهم السّلام، من ذرّيتهما عليهما السّلام، وأخبار الرجعة، والقائم عليه السّلام، لقوله: (ولَقَدْ كَتَبْنَا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ)(١٠٠٩)،(١٠١٠).
الآية الثانية قوله عزّ وجلّ: (قُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وسَلاَمٌ عَلى عِبَادِهِ اَلَّذِينَ اِصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ)(١٠١١).
٦٢٠ - روى العلاّمة ابن شهر آشوب؛ عن ابن عبّاس في قوله: (اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وسَلاَمٌ عَلى عِبَادِهِ اَلَّذِينَ اِصْطَفى قال: هم أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم: عليّ بن أبي طالب وفاطمة، والحسن والحسين عليهم السّلام وأولادهم إلى يوم القيامة، هم صفوة اللّه وخيرته من خلقه(١٠١٢).
الآية الثالثة قوله عزّ وجلّ: (أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ اَلسُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ اَلْأَرْضِ أَ إِلَهٌ مَعَ اَللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ)(١٠١٣).
٦٢١ - روى النعمانيّ رحمه اللّه بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام، في قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، قال: نزلت في القائم عليه السّلام، وكان جبرئيل عليه السّلام على الميزاب في صورة طير أبيض، فيكون أوّل خلق اللّه مبايعة له - أعني جبرئيل - ويبايعه الناس الثلاثمائة وثلاثة عشر، فمن كان ابتلي بالمسير، وافى تلك الساعة، ومن (لم يبتل بالمسير) فقد من فراشه، وهو قول أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام: «المفقودون من فرشهم» وهو قول اللّه عزّ وجلّ: (فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً)(١٠١٤) قال: الخيرات الولاية لنا أهل البيت(١٠١٥).
٦٢٢ - وروى محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم في كتاب «علل الأشياء» في قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ اَلسُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ اَلْأَرْضِ)، قال، قال الصادق عليه السّلام: هو واللّه القائم إذا قام في الكعبة وصلّى ركعتين ودعا اللّه، فهذا ممّا لم يكن بعد، وسيكون إن شاء اللّه(١٠١٦).
٦٢٣ - روى محمّد بن العبّاس بإسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: إنّ القائم إذا خرج، دخل المسجد الحرام فيستقبل الكعبة ويجعل ظهره إلى المقام ثمّ يصلّي ركعتين، ثمّ يقوم فيقول:
يا أيّها الناس أنا أولى الناس بآدم، يا أيّها الناس أنا أولى الناس بإبراهيم، يا أيّها الناس أنا أولى الناس بإسماعيل، يا أيّها الناس أنا أولى الناس بمحمّد صلّى اللّه عليه واله، ثمّ يرفع يديه إلى السماء فيدعو ويتضرّع حتّى يقع على وجهه، وهو قوله عزّ وجلّ: (أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ اَلسُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ اَلْأَرْضِ أَ إِلَهٌ مَعَ اَللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ)(١٠١٧).
٦٢٤ - وبالإسناد عن ابن عبد الحميد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه عزّ وجلّ: (أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)، قال: هذا نزلت في القائم عليه السّلام إذا خرج تعمّم وصلّى عند المقام وتضرّع إلى ربّه، فلا تردّ له راية أبدا(١٠١٨).
٦٢٥ - وفي تفسير عليّ بن إبراهيم في قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ اَلسُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ اَلْأَرْضِ) روى بإسناده عن صالح بن عقبة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: نزلت في القائم عليه السّلام، هو واللّه المضطرّ إذا صلّى في المقام ركعتين ودعا اللّه فأجابه، ويكشف السوء ويجعله خليفة في الأرض(١٠١٩).
٦٢٦ - روى محمّد بن إبراهيم النعمانيّ بإسناده عن إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السّلام، أنّه قال: يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب - وأومى بيده إلى ناحية ذي طوى - حتّى إذا كان