فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » المهدوية عند أهل البيت عليهم السلام
 كتب أخرى

الكتب المهدوية عند أهل البيت عليهم السلام

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ عبد الكريم البهبهاني تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٤٢٠٥ التعليقات التعليقات: ١

المهدويّة عند أهل البيت عليهم السلام

تأليف: الشيخ عبد الكريم البهبهاني
اشراف: الشيخ أبو الفضل الإسلامي
مراجعة: الشيخ محمد هادي اليوسفي، صاحب عبد الحميد

الفهرس

الإمامة الإثنا عشرية جوهر مفهوم المهدويّة
الفصل الأوّل: الاثبات العقائدي لمفهوم المهدويّة عند أهل البيت عليهم السلام
اضطراب مدرسة الخلفاء في تفسير الحديث
الفصل الثاني: خصائص مفهوم المهدوية عند أهل البيت عليهم السلام
الخصوصية الاُولى: تحقق ولادة الإمام المهدي في أجواء سرية مقصودة
الشواهد التاريخية الدالة على وجود الإمام المهدي عليه السلام
١ – شهادة الإمام العسكري عليه السلام بولادة الإمام المهدي عليه السلام
٢ – شهادة القابلة
٣ – عشرات الشهادات برؤية الإمام عليه السلام
٤ – تعامل السلطة العباسية مع الحدث
٥ – اعترافات علماء السنة بولادة الإمام المهدي عليه السلام
وقفة مع المنكرين
الخصوصية الثانية: الإمامة المبكرة
الخصوصية الثالثة: الغيبة المستلزمة لعمر مفتوح مع انفتاح الزمن
الأولى: مرحلة إثبات إمكانية العمر الطويل
الثانية: مرحلة إثبات تحقق ذلك فعلاً في الإمام المهدي عليه السلام
١ – الطريق العقائدي
٢ – الطريق التاريخي
الفصل الثالث: القيمة العقائدية لمفهوم المهدوية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام
نتيجة البحث

الإمامة الإثنا عشرية جوهر مفهوم المهدويّة

إن أصل الاعتقاد بفكرة ظهور المنقذ الذي يمثل جوهر الفكرة المهدوية في الإسلام يعتبر ظاهرة إنسانية عامة وليس خاصاً بدين معين أو مذهب معين، وهذه الحقيقة من شأنها أن تساعد على اسقاط أربع شبهات في المسألة المهدوية في آن واحد.
فهي توضح أولاً: بطلان الشبهة القائلة باختصاص الشيعة بالقول بالمهدوية، خاصة مع ثبوت اجماع المسلمين عليه.
وتوضح ثانياً: بطلان شبهة الاُسطورة القائلة بأن المهدوية فكرة اُسطورية منتزعة من الخيال، فإن الاُسطورة خيال ساذج منتزع من واقع قبلي أو قومي أو فئوي محدود، وليست هناك اُسطورة تحضى بإجماع الأديان السماوية وغير السماوية وتُعبّر عن ضمير إنساني عام، ويتبناها العلماء والمفكرون والفلاسفة.
وتوضح ثالثاً: بطلان الشبهة القائلة بدور اليهود في إيجاد الفكرة المهدوية، فإذا كان مضمون الفكرة المهدوية موجوداً في كل دين حتى الأديان غير السماوية فلماذا نستكثر على الإسلام وجوده فيه؟ فإن مقتضى العقل والمنطق أن يكون الإسلام مشتملاً على هذه الفكرة بمفهوم أوضح وأكمل، كما هو المتجسد في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
وحينئذ فمن مؤشرات الكمال في هذا الدين، وهذه المدرسة بالذات منه، احتواءهما على الفكرة المهدوية، أليست الأديان تشترك في محاور عقائدية وتشريعية كثيرة كالحج، والصوم، والصلاة... إلخ، فهل أن تصريح اليهودية ـ وغيرها ـ بمثل هذه المحاور يقتضي ابتعاد الإسلام عنها؟ أم يقتضي تأكيد الإسلام عليها، وطرحها بمفهوم أكمل وأرقى؟ فهذه الشبهة تعود على أصحابها بالنقص وعلى الإسلام والتشيع بالكمال.
كما توضح رابعاً: بطلان الشبهة القائلة بأن الفكرة المهدوية وليدة ظروف الضغط السياسي التي عاشها أتباع الائمة(ع)، فإن الخوارج واجهوا ضغطاً لا يقل عما واجهه أتباع الأئمة(ع) منه، ولو كانت هناك قاعدة مطردة فما أكثر المظلومين والمضطهدين الذين لم يُعرف عنهم اعتقاد بمضمون الفكرة المهدوية، وما اكثر الافراد والجماعات التي آمنت بهذا المضمون بدون معاناة لظلم واضطهاد، ولو كان هذا الاعتقاد ناشئاً من الظلم والاضطهاد فما باله يظهر في الأجيال التالية غير المضطهدة؟
نعم، الشيء الذي يمكن الاعتقاد به هو أن عوامل الضغط والاضطهاد من شأنها أن تدفع باتجاه التمسك بالفكرة المهدوية أكثر، لا أنها تنشئ هذه الفكرة وتوجدها من حيث الأساس.
إن الدين هو التعبير الأكمل عن الحقائق الإنسانية، والإسلام هو التعبير الأكمل عن الحقائق الدينية، ومدرسة أهل البيت(ع) هي التعبير الأكمل عن الحقائق الإسلامية.
وحينما تصرح الأديان بفكرة المنقذ العالمي فإنما تكشف ـ فضلاً عن الحقيقة الغيبية ـ عن ضمير إنساني أكيد وبنحو أكمل وحينما يصرح الإسلام بهذه الفكرة، انما يصرح بحقيقة دينية أكيدة وبنحو أكمل مما طرحته الأديان السابقة، وحينما يصرح أهل البيت(ع) بهذه الفكرة فإنما يقدمون البيان الأكمل عن الحقيقة الإسلامية في هذا المضمار.
وحينئذ فالفرق بين المسألة المهدوية في مفهوم مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت(ع) هو الفرق بين مدرسة تبيّن الحد الأدنى من الحقيقة ومدرسة تتصدى لبيان الحقيقة الإسلامية بحدها الأعلى، فتتصور الاُولى أن الثانية قد سلكت سبيل الغلو والتطرف، ولعل السرّ في اشتهار التشيع بالمهدوية حتى كأنها من خصائصه وليست من العقائد المجمع عليها بين المسلمين يعود الى اختصاصه بحد الكمال، وتمتع المفهوم المهدوي لديه بخصائص فريدة بها يتحقق المعنى المطلوب من المهدوية.
وهذه الخصائص تتشعب من محور واحد هو أن المهدوية في مفهوم أهل البيت(ع) ليست نظرة مستقبلية صرفة، وليست مجرد إخبار عن مستقبل سعيد للبشرية سيكون في نهاية المطاف، كما ترى ذلك مدرسة الخلفاء، وإنما هي قبل ذلك جزء لا يتجزأ من عقيدة الإمامة الاثني عشرية التي قدّر لها سماوياً أن تستوعب التاريخ من لحظة وفاة الرسول(ص) الى اللحظة الأخيرة من حياة البشرية، أو بتعبير آخر، هي مسألة الإمام الثاني عشر الذي بدأت إمامته منذ عام (٢٦٠ هـ) وتواصلت حتى الآن، وستتواصل حتى ظهوره في خاتمة التاريخ.
ونحن حينما نبحث في المسألة المهدوية في مفهوم أهل البيت(ع) لابد وأن نركّز على هذا المحور العقائدي وننظر إليه تارة من زاوية الدليل والبرهان بقصد الاثبات، واُخرى من زاوية الخصائص المترتبة عليه، وثالثة من زاوية القيمة العقائدية التي ينطوي عليها، فهنا ثلاث مراحل من البحث نجعل كل مرحلة في فصل.

الفصل الأوّل: الاثبات العقائدي لمفهوم المهدويّة عند أهل البيت(ع)

الدليل العقائدي على هذا المفهوم يتمثل في مئات الروايات الواردة عن رسول الله (ص)(١) التي تدل على تعيين المهدي وكونه من أهل البيت(٢)... ومن ولد فاطمة(٣).. ومن ذرية الحسين(٤)... وأنه التاسع من ولد الحسين(٥)... وأن الخلفاء اثنا عشر(٦).
فهذه خمس طوائف من الروايات تتظافر فيما بينها على تبيين مفهوم المهدوية وتشخيص الإمام المهدي، والذي ينظر فيها يلاحظ ما فيها من التدرج من العنوان الكبير الى العنوان الأصغر حتى تصل الى التحديد الشخصي.
وقد لاحظ السيد الشهيد محمد باقر الصدر أن هذه الروايات: (بلغت درجة كبيرة من الكثرة والانتشار على الرغم من تحفظ الأئمة عليهم السلام واحتياطهم في طرح ذلك على المستوى العام، وقاية للخلف الصالح من الاغتيال أو الإجهاز السريع على حياته(٧).
وليست الكثرة العددية للروايات هي الأساس الوحيد لقبولها، بل هناك – اضافة إلى ذلك – مزايا وقرائن تبرهن على صحتها، فالحديث النبوي الشريف عن الأئمة أو الخلفاء أو الأُمراء بعده وأنهم اثنا عشر إماماً أو خليفةً أو أميراً – على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة – قد أحصى بعض المؤلفين رواياته فبلغت أكثر من مائتين وسبعين رواية(٨) مأخذوة من أشهر كتب الحديث عند الشيعة والسنة بما في ذلك البخاري(٩) ومسلم(١٠) والترمذي(١١) وأبي داود(١٢) ومسند أحمد(١٣) ومستدرك الحاكم على الصحيحين(١٤)، ويلاحظ هنا أن البخاري الذي نقل هذا الحديث كان معاصراً للإمام الجواد والإمامين الهادي والعسكري، وفي ذلك مغزى كبيراً؛ لأنه يبرهن على أن هذا الحديث قد سُجّل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يتحقق مضمونه وتكتمل فكرة الأئمة الاثني عشر فعلاً، وهذا يعني أنه لا يوجد أي مجال للشك في أن يكون نقل الحديث متأثراً بالواقع الإمامي الاثني عشري وانعكاساً له؛ لأن الأحاديث المزيفة التي تنسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي انعكاسات أو تبريرات لواقع متأخر زمنياً لا تسبق في ظهورها وتسجيلها في كتب الحديث ذلك الواقع الذي تشكل انعكاساً له، فما دمنا قد ملكنا الدليل المادي على أن الحديث المذكور سبق التسلسل التاريخي للأئمة الاثني عشر، وضُبط في كتب الحديث قبل تكامل الواقع الإمامي الاثني عشري، أمكننا أن نتأكد من أن هذا الحديث ليس انعكاساً لواقع، وإنما هو تعبير عن حقيقة ربّانية نطق بها من لا ينطق عن هوى(١٥)، فقال: (إن الخلفاء بعدي اثنا عشر)(١٦).
وجاء الواقع الإمامي الاثني عشري ابتداءاً من الإمام علي وانتهاءاً بالمهدي(ع)؛ ليكون التطبيق الوحيد المعقول(١٧) لذلك الحديث النبوي الشريف(١٨).
لقد أخرج مسلم في صحيحه من طريق قتيبة بن سعيد، عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي(ص) فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة».
قال: ثمّ تكلم بكلام خَفي علَيَّ، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش»(١٩).
ثمّ أخرجه عن ابن أبي عمر، عنه، وعن هداب بن خالد، عنه، وعن نصر بن عليّ الجهضمي، عنه، وعن محمد بن رافع، عنه، كلّ من طريق.
وأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عنه، من طريقين. وعن قتيبة بن سعيد، عنه، من طريقين آخرين.
فهذه تسعة طرق للحديث في صحيح مسلم فقط، ناهيك عن كثرة طرقه الاُخرى في كتب الحديث لدى السُنّة والشيعة(٢٠).
اضطراب مدرسة الخلفاء في تفسير الشيعة
والسؤال هنا: من هم هؤلاء الخلفاء؟
قبل ان نختار اجابة محدّدة على هذا السؤال لابد من طرح الاحتمالات المتصورة في معنى هذا الحديث، ومقصود النبي الأعظم(ص) منه. وهنا احتمالان لا ثالث لهما وهما:
١ ـ أن يكون مقصود النبي(ص) هو بيان ما سيجري عليه الواقع السياسي للاُمة من بعده، بنحو من التنبؤ والكشف عن المستقبل، على غرار تنبؤات كثيرة صدرت منه(ص) في شؤون مختلفة. فيكون مفاد الحديث هو الإخبار عن الواقع المستقبلي للاُمة. ولنطلق على هذا الاحتمال اسم التفسير المستقبلي.
٢ ـ أن يكون مقصوده(ص) اصدار قرار بتعيين اثني عشر إماماً وخليفة من بعده، فيكون مفاده الإنشاء والتنصيب بلحاظ مقتضيات الشريعة، لا الاخبار بلحاظ الواقع المستقبلي. ولنطلق على هذا الاحتمال اسم التفسير العقائدي.
ومقتضى البحث العلمي أن ننظر في هذين الاحتمالين ونختار ما تؤيده الشواهد والأدلّة والبراهين العقلية والنقلية، إلاّ أن مدرسة الخلفاء لما آمنت منذ البدء بشرعية نظام الخلافة ورفضت نظرية التعيين، وأقامت تراثها الكلامي والفقهي على هذا الأساس، وجدت نفسها أمام احتمال واحد لا مفرّ لها عنه وهو الاحتمال الأول، واضطرت الى تأويل كل ما يعارضه، والأخذ بهذه التأويلات مهما كانت تعسفية وبعيدة عن القواعد العقلية والعرفية، باعتبارها أمراً لا بديل عندها عنه.
وكان عليها أن تنظر الى الحديث نظرة علمية متحررة من أي فكرة مُسبقة لتتأكد بنفسها من سقم التفسير المستقبلي للحديث، فإن كان النبي ينظر الى ما سيجري عليه الواقع فما الداعي الى التحديد باثني عشر خليفة مع امتداد المستقبل أكثر من هذا؟ وإن كان النبي ينظر الى الخلافة الصحيحة المطابقة للموازين الشرعية فإن مدرسة الخلفاء لم تقطع ولم تجمع على شرعية غير الخلفاء الأربعة، ومن هنا اضطربت آراؤها في تحديد اشخاص الخلفاء الاثني عشر.
فالخلفاء الاثنا عشر عند ابن كثير: الخلفاء الأربعة، وعمر بن عبدالعزيز، وبعض بني العباس، واستظهر أنّ المهديّ منهم(٢١).
وعند القاضي الدمشقي: الخلفاء الأربعة، معاوية، ويزيد بن معاوية، وعبدالملك بن مروان وأولاده الأربعة (الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام)، وأخيراً عمر بن عبدالعزيز(٢٢).
وعند ولي الله المحدِّث في قرة العينين ـ كما جاء في عون المعبود: الخلفاء الأربعة، معاوية، وعبدالملك بن مروان، وأولاده الأربعة، وعمر بن عبدالعزيز، ووليد بن يزيد بن عبدالملك، ثمّ نقل عن مالك بن أنس أنّه أدخل عبدالله بن الزبير فيهم. ولكنه رفض قول مالك، مستدلاً بما روي عن عمر وعثمان؛ عن النبي(ص) ما يدل على أنّ تسلط ابن الزبير كان مصيبة من مصائب هذه الاُمة، ثم ردّ من أدخل يزيد بينهم، مصرحاً بأنّه كان سيّء السيرة(٢٣).
وقال ابن قيم الجوزية: «وأمّا الخلفاء: اثنا عشر، فقد قال جماعة منهم أبوحاتم وابن حبّان وغيره: إنّ آخرهم عمر بن عبدالعزيز، فذكروا الخلفاء الأربعة، ثم معاوية، ثمّ يزيد ابنه، ثمّ معاوية بن يزيد، ثمّ مروان بن الحكم، ثم عبدالملك ابنه. ثمّ الوليد بن عبدالملك. ثمّ سليمان بن عبدالملك. ثم عمر بن عبدالعزيز، وكانت وفاته على رأس المائة، وهو القرن المفضل الذي هو خير القرون، وكان الدين في هذا القرن في غاية العزّة، ثم وقع ما وقع»(٢٤).
وقال النوربشتي: «السبيل في هذا الحديث وما يتعقبه في هذا المعنى أنه يحمل على المقسطين منهم، فإنّهم هم المستحقون لاسم الخليفة على الحقيقة، ولا يلزم أن يكونوا على الولاء، وإن قُدّر أنهم على الولاء فإنّ المراد منه المسمون بها على المجاز، كذا في المرقاة»(٢٥).
وعند المقريزي: الخلفاء الأربعة، ثمّ الإمام الحسن(ع) قال: «وبه تمّت أيام الخلفاء الراشدين»، ولم يُدخِل أحداً من بني اُمية حيث صرّح بأنَّ الخلافة صارت بعد الإمام الحسن(ع) ملكاً عضوضاً، قال: «أي: فيه عسف وعنف»، كما لم يُدخل أحداً من بني العباس، مصرّحاً أنّ في خلافتهم «افترقت كلمة الإسلام وسقط اسم العرب من الديوان، واُدخل الأتراك في الديوان، واستولت الديلم، ثمّ الأتراك، وصارت لهم دول عظيمة جداً، وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام، وصار بكلّ قطر قائم يأخذ الناس بالعسف، ويملكهم بالقهر»(٢٦).
وهكذا يلاحظ بوضوح اضطراب مدرسة الخلفاء تفسيرها لهذا الحديث، ووقوعها في مطبّات يتعذّر عليها الخروج منها ما دامت تصرّ على التفسير المستقبلي له.
وقد قال السيوطي في الحاوي: «لم يقع الى الآن وجود اثني عشر اجتمعت الاُمة على كلّ منهم»(٢٧).
ولو كان التفسير المستقبلي في نفسه صحيح ومقبول لآمن به صحابة النبي(ص) قبل غيرهم، ولظهر آثار ذلك على لسان الخلفاء أنفسهم، ولقال أولهم: أنا أول الخلفاء الاثني عشر، ولقال الثاني والثالث الى الثاني عشر مثل ذلك، ولكان مثل هذا الادّعاء افتخاراً ومدركاً يساعد على اثبات شرعية كل منهم، بينما لم يسجّل التاريخ ادعاءاً لأي من الاسماء المذكورة في سلسلة الخلفاء الاثني عشر الافتراضية بمثل ذلك.
ثم إن الحديث يدل على أن فترة إمامة الأئمة الاثني عشر تستوعب التاريخ الإسلامي الى نهايته بحيث تموج الأرض بأهلها من بعدهم. فقد روى أهل السنّة عن النبي(ص) أ نّه قال: «لا يزال هذا الدين قائماً الى اثني عشر من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها»(٢٨). ولم تمج الأرض بعد موت عمر بن عبدالعزيز بأهلها، بل كان انتشار علوم الدين كالفقه والحديث والتفسير في القرنين الثالث والرابع الهجريين، حتى بلغت علوم الدين قمتها في الاتساع والشمول بعد موت هؤلاء الخلفاء الاثني عشر عند أهل السنّة، والمفروض أن تموج الأرض بأهلها!
ورووا أيضاً، عن جابر بن سمرة: «لا تزال هذه الاُمة مستقيماً أمرها، ظاهرة على عدوّها، حتى يمضي منهم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، ثم يكون المرج»(٢٩).
وإذا كان المراد بالمرج هو القلق، والاضطراب، والالتباس، فيقتضي أن لا يكون شيء منه الى عهد عمر بن عبدالعزيز، ولكن التاريخ لا يعرف فتنة عظم بها القلق، واشتد الاضطراب، وكثر فيها التباس الحق بالباطل من فتنة معاوية وخروجه على خليفة المسلمين، وهذا يدل على أن المراد بالمرج هو أعظم من القلق والاضطراب والالتباس، ولعل المراد ترك الدين بالكلّية، وهذا ما لم يحصل إلاّ عند اقتراب الساعة، التي يسبقها ظهور الإمام المهدي(ع)، وما يعقب انتقاله الى الرفيق الأعلى من أحداث.
ثم ما معنى إدخال الملوك في عداد الخلفاء، فقد روى أهل السُنّة، عن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة، ومن رجال الشورى الذين عينهم عمر أنه دخل على معاوية وقد تخلف عن بيعته، فقال: «السلام عليك أيها الملك، فقال له: فهلا غير ذلك؟ أنتم المؤمنون وأنا أميركم. قال: نعم، إن كنّا أمّرناك، وفي لفظ: نحن المؤمنون ولم نؤمّرك» وقد أنكرت عائشة على معاوية دعواه الخلافة، كما أنكرها ابن عباس، والإمام الحسن(ع) حتى بعد الصلح(٣٠)، فهو من البغاة بالاتفاق؛ لحديث: «يا عمار تقتلك الفئة الباغية». ولست أدري كيف يصحُّ أن يكون الباغي على الخليفة الشرعي خليفة لرسول الله(ص) على المؤمنين!!
وما معنى إدخال يزيد الفاجر، المعلن فجوره وانتهاكه لحرمات الله تعالى، وهذا من أعجب العجب حقاً، إذ كيف يصحُّ للمسلم أن يجعل من يسفك دماء أهل بيت رسول الله(ص)، ويغزو جنده المدينة المنورة ويقتلوا عشرة آلاف من أهلها حتى أنه لم يبق بدرياً بعد موقعة الحرّة، خليفة لرسول الله(ص)، وكذلك الحال مع ملوك الشجرة الملعونة بنصّ القرآن الكريم، ولقد رآهم النبيّ في منامه ـ ورؤيا الأنبياء صادقة كفلق الصبح ـ بأنّهم ينزون على منبره نزو القرود، باتفاق معظم المفسرين من أهل السنّة، وذلك عند تفسيرهم الآية الستين من سورة الإسراء، بما لا حاجة الى تتبع كلماتهم.
وهكذا يظهر بوضوح ثلاث نتائج حاسمة هي:
١ ـ فشل التفسير الإخباري المستقبلي لحديث الخلافة الاثني عشرية.
٢ ـ دور العامل السياسي في إلجاء مدرسة الخلفاء إليه.
٣ ـ انحصار الحقيقة الشرعية بالتفسير العقائدي الإنشائي القائل بدلالة الحديث المذكور على نصب اثني عشر إماماً للمسلمين، وهو التفسير الذي قامت عليه أدلة عقلية وقرآنية ونبوية كثيرة جداً نجدها مبسوطة في التراث الإمامي القديم والحديث، في مجالات التفسير والحديث وعلم الكلام والتاريخ.
ويبدو أن التاريخ قد أبى إلاّ أن يبقى الأئمة الاثنا عشر من أهل البيت(ع)مصداقاً وحيداً للحديث المذكور لا ينازعون في ذلك حتى على مستوى الإدّعاء، أولهم أمير المؤمنين(ع) وآخرهم الإمام المهدي بن الحسن العسكري(ع) وفي ذلك ما لا يحصى كثرة من الأحاديث الشريفة الدالة عليه، ولو شئت ذكرها جميعاً من طرق أهل السنّة وحدهم لما وسعها مجلد ضخم، ونشير هنا الى أحدها، وهو ما أخرجه الجويني الشافعي في فرائد السمطين، عن ابن عباس، عن النبي(ص) أ نّه قال: «أنا سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم المهديّ»(٣١).
ومن هنا احتمل بعض المحققين(٣٢) أن ما ذكرته كتب الحديث من أن جابر بن سمرة حينما خفي عليه بعض كلام النبي(ص) فسأل أباه عما خفي عليه من كلامه(ص)أجابه أبوه بأنه(ص) قال: «كلهم من قريش»، احتمل أن جواب الأب فيه تحريف، ذلك أن الروايات علّلت خفاء الجواب بـ «ثم لغط القوم وتكلموا» و«ضجّ الناس» «فقال كلمة أصمنيها الناس» «فصرخ الناس فلم اسمع ما قال» «فكبّر الناس وضجّوا» «فجعل الناس يقومون ويقعدون». فكل هذه التعليلات لا تتناسب مع العبارة التي لم يسمعها الراوي، لأن جعل الخلافة في قريش أمر يسرّهم ولا يوجب اللغط والضجيج، والمتناسب مع هذه الحالات الموصوفة في الروايات أن تكون الإمامة في جماعة خاصة دون قريش، وهذا ما ذكره القندوزي في ينابيع المودّة حيث ذكر أن العبارة التي قالها النبي(ص)هي «كلهم من بني هاشم»(٣٣).
وحينما يتّضح فشل التفسير الإخباري المستقبلي لحديث الإمامة الاثني عشرية من جهة وحقانية التفسير العقائدي له من جهة ثانية، وثبوت اسم الإمام المهدي(ع) في سلسلة أئمة أهل البيت(ع) وكونه هو الإمام الثاني عشر الذي يصلح الله به الأرض بعدما تمتلئ بالفساد من جهة ثالثة، ولا يبقى مجال للشك في ثبوت المفهوم العقائدي للمهدوية الذي تصرّ عليه مدرسة أهل البيت(ع).
ذلك أن الترابط الصميمي بين مسألة الإمامة الاثني عشرية والمسألة المهدوية، من شأنه أن ينقل الى المسألة المهدوية النتائج الثلاثة الحاسمة التي ظهرت على بساط البحث. فإن فشل التفسير المستقبلي للإمامة الاثني عشرية يعني بالنتيجة فشل هذا التفسير بالنسبة الى المهدوية أيضاً، كما أن ثبوت المنشأ السياسي لهذا التفسير على صعيد الإمامة الاثني عشرية يعني بالنتيجة ثبوته بحق المهدوية أيضاً، حيث أن مدرسة الخلفاء كما جعلت حديث الخلافة الاثني عشرية إخبارياً مستقبلياً كتفريع منها على القول بصحة نظرية السقيفة والخلافة وشرعيتها، كذلك رأت ضرورة الجنوح بالمسألة المهدوية صوب الرؤية المستقبلية فراراً من القول بإمامة أهل البيت(ع) وعدم شرعية نظام الخلافة، كما أن ثبوت حقّانية التفسير العقائدي لحديث الإمامة الاثني عشرية يعني بالنتيجة ثبوت حقّانية المفهوم العقائدي للمسألة المهدوية.

الفصل الثاني: خصائص مفهوم المهدوية عند أهل البيت(ع)

وبعدما تم الاثبات العقائدي لمفهوم المهدوية عند أهل البيت(ع) ندخل في مرحلة جديدة من البحث، وهي مرحلة البحث في الخصائص المترتبة على هذا المفهوم، واثبات أنها خصائص واقعية لها تحقق تأريخي وشرعي، وأن الاعتقاد بها لا يلزم منه خدشة عقائدية ولا مفارقة تأريخية، وهي:
الخصوصية الاُولى: تحقق ولادة الإمام المهدي في أجواء سرّية مقصودة لابد منها
ومع ثبوت المفهوم المهدوي عند أهل البيت(ع) يصبح واضحاً أن من أبرز مقتضيات هذا المفهوم أن تكون ولادة الإمام الثاني عشر مقرونة بالسرّية والكتمان حتى تتسنى له الغيبة بعد ذلك، والاختفاء عن الأنظار الى مكان آمن يختاره الله له الى حين يأذن له بالظهور، باعتباره الكوكب الأخير في سماء الإمامة، والإمام الذي لا إمام للمسلمين بعده، وهذا المعنى يستلزم حياة خفية وعمراً مديداً وولادة سرّية، حتى يبقى موقع الإمامة مشغولاً على مدى الدهر بإمام من الأئمة الاثني عشر(ع) حي أو غائب.
وحينئذ فمن غير المناسب أن يقال: لماذا لم تكن ولادة الإمام، ووجوده بعد أبيه أمراً مشهوداً، ملموساً لكل من أراد حتى نصدق به؟ فأنه لو كان كذلك لما تيسرت له الغيبة والاختفاء عن الأنظار، ولما كان هو الإمام الثاني عشر، ولكان الأئمة أكثر من هذا العدد، وهذا ما يخالف الأدلّة النبوية المذكورة آنفاً، فالولادة السرّية من المستلزمات والمقتضيات الطبيعية لتلك الأدلة.
وهذا ما يوضح أن الاثبات الخارجي لقضية، من نوع قضية ولادة الإمام المهدي (عج) ووجوده وحياته، لا يمكن الاكتفاء فيه بالبحث التاريخي، ما دمنا نؤمن منذ البداية أنها مقرونة بدرجة شديدة من السرّية والكتمان، بل هو إثبات عقائدي تاريخي تقوم فيه العقيدة بلعب دور أساسي، فيما يلعب البحث التاريخي فيها دوراً تكميلياً، لأننا نذعن منذ البدء بوجود المنكرين لها والمشككين فيها، مادامت القضية سرية مكتومة، والمطلعون عليها عدد محدود من الناس، بنحو يسمح للآخرين حتّى وإن كانوا من الحلقات القريبة من الإمام، ومن خلصاء الشيعة بالانكار والتشكيك ماداموا محجوبين عن الحقيقة السرية المكتومة. بحيث لو سألهم سائل عن ولادة الإمام المهدي (عج) ووجوده وحياته، لأنكروا ذلك، ولنقلوا عن سائر الناس أنهم أيضاً لم يروه ولم يسمعوا بخبر ولادته ووجوده. فنحن لا نتحدث عن قضية مادية محسوسة بكل أبعادها وجهاتها وتخضع لتسجيل تاريخي كامل حتى نعتمد في إثباتها وإنكارها على المؤرخين والرواة، وإنما نتحدث من حيث الأساس عن قضية غيبية سوى أنها ليست غيبية بنحو مطلق وإنما لها شعاع محسوس يطلع عليه أفراد منتخبون، يطلعون على ولادته فيشهدون عليها، وعلى غيبته الصغرى فيشهدون عليها، وعلى غيبته الكبرى فيشهدون عليها، ولهذا قلنا إن مفهوم أهل البيت(ع) عن المهدوية مفهوم عقائدي.
بمعنى أن إنكار المنكرين لا يكون في مثل قضية الإمام المهدي(ع) حجة تاريخية منطقية لإثبات عدم وجوده، ما دمنا قد اذعنا منذ البداية أن القضية سرية مكتومة، ومن الضروري الاكتفاء من ناحية البحث التأريخي باثبات وجود من رآه واطلع عليه وسمع بوجوده وأذعن له دون الالتفات الى إنكار المنكرين الذي يعتبر ظاهرة طبيعية بالنسبة الى قضية سرية مكتومة.
وهنا سنطوي بحثين، بحث في الشواهد الدالة على ولادة الإمام واستمرار وجوده، وبحث آخر نناقش فيه أدلة المنكرين له(ع).
الشواهد التاريخية الدالة على وجود الإمام المهدي(ع)
وهذه ناحية واسعة تظافرت عليها أرقام تاريخية كثيرة جداً نصنفها في عدّة نقاط:
١ ـ شهادة الإمام الحسن العسكري(ع) بولادة ابنه الإمام المهدي(ع)
وفي ذلك أحاديث كثيرة نقلها اثبات الشيعة ورواتهم، ننقل منها:
الحديث المروي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن اسحاق،عن أبي هاشم الجعفري قال: «قلت لأبي محمد(ع): جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: سَلْ. قلت: يا سيدي هل لك ولد فقال: نعم»(٣٤).
وفي هذا الحديث الكفاية سنداً ودلالة، فهذه كتب الرجال تشهد بجلالة محمد بن يحيى أبي جعفر العطار القمّي الذي لا زال قبره الى الآن معروفاً ومشهوراً يزار، وتشهد لعلو مكانة أحمد بن اسحاق بن عبدالله بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري أبي علي القمّي، عند الإمام الحسن العسكري(ع)، وتشهد أيضاً لمنزلة داود بن القاسم بن اسحاق بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب أبي هاشم الجعفري. ثمّ انظر قلّة الوسائط في إسناد هذا الحديث، الذي يُعبر عن أمثاله بقرب الإسناد الذي يعتبر من الشواهد المؤيدة للحديث.
٢ ـ شهادة القابلة
وهي اُخت إمام، وعمة إمام، وبنت إمام، العلوية الطاهرة حكيمة بنت محمد الجواد(ع)، واُخت الإمام الهادي(ع)، وعمة الإمام العسكري(ع)، حيث صرّحت بمشاهدة ولادة الإمام الحجة(ع) ليلة مولده(٣٥)، وهي التي تولّت أمر نرجس والدة الإمام الحجة(ع)، وبإذن من أبيه الحسن العسكري(ع)(٣٦).
٣ ـ عشرات الشهادات برؤية الإمام(ع)
وهنا قائمة طويلة من الاسماء، ممن رأى الإمام المهدي واتّصل به وشهد برؤيته إياه، سجلتها المصادر التاريخية وجمعها بعض المصنفين في مصنفات خاصة مثل: «كتاب تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي» للسيد هاشم البحراني ذكر فيه (٧٩) شخصاً شهد برؤية الإمام(ع) في طفولته أو في غيبته الصغرى، وذكر اسماء المصادر التي اعتمد عليها في ذلك، وأحصى الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي زهاء (٣٠٤) أشخاص ممن رأى الإمام(ع) وشهد به(٣٧). وأحصى الشيخ الصدوق المتوفى سنة (٣٨١ هـ) وعهده بغيبة الإمام المهدي(ع) قريب جداً (٦٤) شخصاً شهد برؤية الإمام(ع) وكان كثير منهم وكلاء له(٣٨)، وهم من مدن شتى.
فمن وكلاءه:
من أهل اذربيجان: القاسم بن العلاء.
ومن الأهواز: محمد بن إبراهيم بن مهزيار.
ومن بغداد: حاجز البلالي، وعثمان بن سعيد العمري، ومحمد بن عثمان بن سعيد العمري، والعطار.
ومن الكوفة: العاصمي.
ومن قم: أحمد بن إسحاق.
ومن نيسابور: محمد بن شاذان.
ومن همدان: البسامي، ومحمد بن أبي عبدالله الكوفي الأسدي، ومحمد بن صالح.
أمّا من رآه(ع) من غير الوكلاء، منهم:
من أهل اصفهان: ابن باشاذاله.
ومن الأهواز: الحصيني.
ومن بغداد: أحمد بن الحسن، وإسحاق الكاتب من بني نوبخت، وأبو عبدالله الخيبري، وأبو عبدالله بن فروخ، وأبو عبدالله الكندي، وأبو القاسم بن أبي حليس، وأبو القاسم بن دبيس، ومسرور الطباخ مولى أبي الحسن(ع)، والنيلي، وهارون الفزاري.
ومن الدينور: أحمد ابن أخي الحسن بن هارون، وعمه الحسن بن هارون.
ومن الري: أبو جعفر الرفّاء، وعليّ بن محمد، والقاسم بن موسى، وابن القاسم بن موسى، وأبو محمد بن هارون، ومحمد بن محمد الكليني.
ومن قزوين: عليّ بن أحمد، ومرداس.
ومن قم: الحسن بن النضر، والحسين بن يعقوب، وعليّ بن محمد بن إسحاق، ومحمد ابن إسحاق، ومحمد بن محمد.
ومن مصر: أبو رجاء.
ومن نصيبين: أبو محمد بن الوجناء النصيبي.
ومن همدان: جعفر بن حمدان، ومحمد بن كشمرد، ومحمد بن هارون.
ومن اليمن: ابن الأعجمي، والجعفري، والحسن بن الفضل بن يزيد، وأبوه الفضل بن يزيد، والشمشاطي.
كما ذكر أيضاً من رآه من أهل شهرزور، والصيمرة، وفارس، وقابس ومرو.
فهل يعقل اتفاق هؤلاء جميعاً وتواطؤهم على الكذب؟ وفيهم اثبات ثقات صرحت كتب الرجال بتوثيقهم؟
٤ ـ تعامل السلطة العباسية مع الحدث
لقد تعاملت السلطة العباسية بعد وفاة الإمام الحسن العسكري(ع) مع عائلته تعاملاً يدل على خيفتها من مولود خطير خفي عنها، فراحت تبحث عنه بكل ما أوتيت من وسيلة وقدرة، حيث أمر المعتمد العباسي (ت ٢٧٩ هـ) شرطته بتفتيش دار الإمام الحسن العسكري تفتيشاً دقيقاً والبحث عن الإمام المهدي(ع)، وأمر بحبس جواري أبي محمد(ع)، واعتقال حلائله يساعدهم على ذلك جعفر الكذّاب، «وجرى على مخلّفي أبي محمد(ع) بسبب ذلك كلّ عظيمة، من اعتقال، وحبس وتهديد، وتصغير، واستخفاف، وذلٍّ»(٣٩).
كلّ هذا والإمام المهدي(ع) في الخامسة من عمره، ولا يهم المعتمد العمر بعد أن عرف أ نّ هذا الصبي هو الإمام الذي سيهد عرش الطاغوت لما شاع وانتشر من الخبر، بأنّ ثاني عشر أهل البيت(ع) سيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، فكان موقفه من المهديّ، كموقف فرعون من موسى(ع) الذي ألقته اُمّه ـ خوفاً عليه ـ في اليمّ صبياً.
ولم يكن المعتمد العباسي وحده قد عرف هذه الحقيقة، وإنّما عرفها من كان قبله كالمعتز، والمهتدي، ولهذا كان الإمام الحسن العسكري(ع) حريصاً على أن لا ينتشر خبر ولادة الإمام المهدي إلاّ بين أفراد منتخبين من شيعته ومواليه.
لقد كان تصرُّف السلطة كاشفاً عن أ نّها وسائر الناس قد أدركوا تماماً أ نّ حديث جابر بن سمرة لا ينطبق عليهم ولا على من سبقهم من الاُمويين، وإنّما مصداقه الوحيد هم أهل بيت النبوّة، ومهبط الوحي والتنزيل.
وإلاّ فأيّ خطر يهدد كيانهم في طفل لم يتجاوز خمس سنين؟! لو لم يعتقدوا أ نّه هو المهدي المنتظر الذي تحدثت عنه الأحاديث المتواترة. يقول أحد الباحثين: ولو لم يكن مولوداً حقاً فما معنى حبس الجواري وبث القابلات لتفتيش من بهنّ حمل، ومراقبتهنّ مدة لا تصدّق، إذ بقيت إحداهنّ تحت المراقبة لمدة سنتين! كلّ هذا مع مطاردة أصحاب الإمام العسكري(ع) والتشنيع عليهم، مع بث العيون للتجسّس عن خبر المهدي(ع)، وكبس داره بين حين وآخر.
ثم ما بال السلطة لم تقتنع بما زعمه جعفر من أنّ أخاه(ع) مات ولم يخلّف؟
أما كان بوسعها أن تعطيه حقّه من الميراث وينتهي كلّ شيء من غير هذا التصرُّف الأحمق الذي يدلّ على ذعرها وخوفاً من ابن الحسن (عج)؟!
نعم، قد يقال بأنّ حرص السلطة على إعطاء كل ذي حقٍّ حقه هو الذي دفعها الى التحري عن وجود الولد لكي لا يستقل جعفر بالميراث وحده بمجرد شهادته!
فنقول: ليس من شأن السلطة الحاكمة آنذاك أن تتحرّى عن هذا الأمر بمثل هذا التصرُّف المريب، بل كان على الخليفة العباسي أن يحيل دعوى جعفر الكذاب الى أحد القضاة، لا سيّما وأنّ القضية من قضايا الميراث التي يحصل مثلها كلّ يوم مرات، وعندها سيكون بوسع القاضي أن يفتح محضراً تحقيقياً، فيستدعي مثلاً عمة الإمام الحسن العسكري(ع)، واُمه، وجواري الإمام، والمقربين الى الإمام الحسن العسكري من بني هاشم، ثمّ يستمع الى أقوالهم، ويثبت شهاداتهم، ثمّ ينهي كل شيء، ولكن وصول هذه القضية الى أعلى رجل في السلطة، وبهذه السرعة ولمّا يدفن الإمام الحسن العسكري(ع)، وخروج القضية عن دائرة القضاء مع أ نّها من اختصاصاته، ومن ثم تصرف السلطة الغاشمة على نحو ما مرّ، كل ذلك يقطع بأنّ السلطة كانت على يقين بأن المهدي الموعود هو الحلقة الأخيرة من حلقات السلسلة المطهّرة التي لا يمكن أن تنقطع بموت الإمام الحادي عشر(ع)، خصوصاً بعد أن تواتر لدى الجميع قوله(ص): «وإنّهما ـ أي: الكتاب، والعترة ـ لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» ومعنى عدم ولادة المهدي(ع)، أو عدم استمرار وجوده، انقراض العترة، وهذا ما لا يقوله أحد ممّن تسمى (بإمرة المؤمنين) من العباسيين؛ لأ نّه تكذيب لنبيّنا الأعظم(ص)، بل لا يقوله أحد من المسلمين إلاّ من هان عليه أمر هذا التكذيب، أو من خدع نفسه بتأويل حديث الثقلين وصرف دلالته الى ما لم يأت به سلطان مبين»(٤٠).
٥ ـ اعترفات علماء السنّة بولادة الإمام المهدي(ع)
قال السيد هاشم ثامر العميدي في هذا الصدد:
«بلغت اعترافات الفقهاء، والمحدثين، والمفسرين، والمؤرخين، والمحققين، والاُدباء، والكتّاب من أهل السنّة أكثر من مائة اعتراف صريح بولادة الإمام المهدي(ع)، وقد صرح ما يزيد على نصفهم بأنّ الإمام محمد بن الحسن المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، هو الإمام الموعود بظهوره في آخر الزمان.
وقد رتّبت هذه الاعترافات بحسب وفيات أصحابها، فوجدتها متصلة الأزمان، بحيث لا تتعذر معاصرة صاحب التصريح اللاحق، لصاحب التصريح السابق، وذلك ابتداءً من عصر الغيبة الصغرى الى وقتنا الحاضر، وسوف نذكر أقوال بعضهم التي وقفت عليها في مصادرهم ريثما يأتي دورهم، مع الاكتفاء بذكر اسماء الآخرين فقط دون التعرض لأقوالهم؛ لتعذر تسجيلها في هذا الفصل، حيث بلغت أقوال تسعة وعشرين واحداً منهم في كتاب إلزام الناصب ما يزيد على مائة صحيفة(٤١)، فكيف الحال مع تسجيل أقوالهم كلهم؟ على أنّ ما سنذكره في المتن دون الإشارة الى مصدره في الهامش، هو دليل أخذنا ذلك من كتب الشيعة الإمامية التي سبقت الى هذا المجال مع اعتنائها بتسجيل رقم الجزء، ورقم الصحيفة مع مكان وسنة الطبع؛ ولعلّ من أوسعها في هذا الباب (كتاب المهدي المنتظر في نهج البلاغة) للشيخ مهدي فقيه إيماني، حيث ذكر فيه مائة ورجلين من رجالات أهل السنة الذين اعترفوا بذلك(٤٢)، مكتفياً بذكر أسمائهم ومصادرهم بأجزائها وصحائفها دون التعرّض لأقوالهم، وربما اضطرّ الى تعيين واسطته اليهم بدقة، وقد فاته ما يقرب من ثلاثين اسماً، وكان جلّ اعتمادنا عليه، ولم نستدرك عليه شيئاً؛ لأنّ ما فاته سبقني اليه غيري(٤٣)، حتى عاد دوري في هذا الدليل مقتصراً على الجمع والترتيب بحسب القرون»(٤٤).
ثم ذكر اسماء (١٢٨) مصنفاً من مصنفات أهل السنّة، ذكر الإمام المهدي في كتاب من كتبه بعنوان الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت(ع).
منهم من عاصر الميلاد والغيبة الصغرى، ولشهادات هؤلاء قيمتها التاريخية المعروفة، ومن بينهم:
١ – أبو بكر الروياني، محمد بن هارون (المتوفى سنة ٣٠٧هـ) في كتابه المسند).
٢ – أحمد بن إبراهيم بن علي الكندي، من تلامذة ابن جرير الطبري المتوفى سنة (٣١٠هـ).
٣ – محمد بن أحمد بن أبي الثلج، أبو بكر البغدادي (المتوفى سنة ٣٢٢هـ) في (مواليد الأئمة) وهو مطبوع ضمن كتاب (الفصول العشرة في الغيبة) للشيخ المفيد، ومع كتاب (نوادر الراوندي) ط النجف الأشرف سنة (١٣٧٠هـ) وممن هو قريب ا لعهد به من الأعلام الكبار: الخوارزمي (المتوفى سنة ٣٨٧هـ) في (مفاتيح العلوم: ٣٢،٣٣) طبعة ليدن – ١٨٩٥م.
وقفة مع المنكرين
اتّضح مما سبق أن المسألة المهدوية مسألة عقائدية قبل أن تكون تاريخية، وإن الدليل عليها عقائدي قبل أن يكون تاريخياً، واتّضح أيضاً عدد من الأدلّة التاريخية الدالة عليه، واتّضح أيضاً أن قضية سرية غيبية، كقضية الإمام المهدي(ع) تستلزم بطبعها وجود المنكرين لها، فإن الذي يختفي عن أنظار الناس لغرض من الأغراض، يقصد من ذلك أن لا يراه أحد من الناس، بحيث إذا سُئل الناس عنه قالوا: لم نره، حتى لو كانوا من أقرب المقربين إليه، وذكرنا أن انكار مثل هؤلاء في قضية مخفية لا يصح دليلاً على عدم الوجود، وهذه هي المفارقة الأساسية التي وقع فيها منكروا ولادة ووجود الإمام المهدي(ع)، فانّهم ذهبوا يفتشون في التاريخ عن شواهد من هذا القبيل فلما عثروا على شيء منها اعتبروه دليلاً على عدم ولادة ووجود الإمام المهدي(ع)، مثل اختلاف الشيعة في زمن الولادة وفي اسم الإمام، وشهادة جعفر الكذاب عم الإمام المهدي بأن أخاه مات ولم يعقّب.
ومناقشتنا الأساسية مع هؤلاء أن المنهج التاريخي، صالح للتحكيم في مسائل محسوسة تقع بكاملها تحت نظر الرواة والمؤرخين، مثل واقعة صفين، وواقعة كربلاء... الخ، وليس صالحاً للتحكيم في مسائل غيبية عقائدية في جوهرها، ولها شعاع محسوس عند افراد مُنتخبين بحيث لو سُئل عامة الناس عنها لأنكروها. فكيف تجعلون إنكار عامة الناس دليلاً على انعدام قضية يؤمن أصحابها سلفاً بأنها ليست قابلة للمشاهدة الحسيّة، إلاّ من قبل أفراد منتخبين؟
إن على من يريد مناقشة المسألة المهدوية أن يبدأ معها من بدايتها العقائدية، ولا يبدأ معها من ذيولها التاريخية، لأن القضية السرية المكتومة بنحو مقصود، عن أعين أقرب المقرّبين لا يمتنع عليها ظهور اختلافات فيها، من قبيل اختلاف زمن ولادة الإمام، واختلاف اسم اُم الإمام، ولا يضرها شهادة كشهادة جعفر الكذاب، لأن الجواب الطبيعي في مثل هذه الحالة أن يقال: ان الاختلاف في سنة الولادة، واسم أم الإمام، كان ظاهرة طبيعية ناشئة من إصرار الإمام الحسن العسكري(ع) على اخفاء تفاصيل القضية اخفاءاً تاماً، عن أعين أقرب المقربين تحرزاً من وصول النبأ الى السلطة العباسية، كما أن شهادة جعفر الكذاب بأن أخاه مات ولم يعقّب كانت من هذا القبيل، حيث أراد الإمام الحسن العسكري(ع)، أن يخفي مولوده على أخيه ويظهر الأمر أمامه كما لو لم يكن للإمام(ع) نسل من بعده وكان هذا السلوك من قبل الإمام الحسن العسكري(ع)، تجاه أخيه منطقياً حتى لو لم يكن أخوه كذّاباً مشهوداً عليه بالفسق، كيف وجعفر الكذّاب مشهود عليه بذلك(٤٥).
الخصوصية الثانية: الإمامة المبكرة
ومن مقتضيات المفهوم المهدوي عند أئمة أهل البيت(ع) الاعتقاد بالإمامة المبكرة للإمام المهدي(ع)، وهذه الخصوصية تارة ننظر إليها من الزاوية الإسلامية بقصد البرهنة والإثبات ودفع ما يمكن أن يرد عليها من اشكال ديني، واُخرى من زاوية الواقع لبيان أن هذه الإمامة؛ إمامة واقعية تحمل المؤهلات الكافية، وليست إمامة مفترضة أو مدّعاة.
وإذا نظرنا إليها من الزاوية الإسلامية وجدنا ضرورة تمييز مسألة الإمامة أوّلاً، هل هي مسألة عقائدية؟ أم أنها مسألة تشريعية؟ فإن كانت مسألة عقائدية كما هو معتقد الشيعة فإننا نجد القرآن يصرّح بثبوت النبوّة وهي مسألة عقائدية للصبي قال تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً)(٤٦)، وإن كانت مسألة تشريعية، فإن من واضحات الشريعة الاسلامية ثبوت الحجر على الصغير، ومن كان محجوراً عليه، فاقداً للولاية على نفسه كيف تتاح له الولاية على غيره؟ فلا تكون إمامة الصبي مشروعة حينئذ.
وقد اختلف المسلمون في هذه المسألة، فمدرسة المذاهب الأربعة جعلت الخلافة والإمامة والولاية من شؤون الشريعة، وأعمال المكلفين، بينما آمنت مدرسة أهل البيت(ع) بأنها مسألة عقائدية ومن جملة اُصول الدين التي هي من شؤون رب العالمين، وليست من خصائص المكلّفين وأعمال العباد. وحينئذ فمدرسة أهل البيت(ع) حينما تعتقد بالإمامة المبكرة لعدد من الأئمة(ع) ومن جملتهم الإمام المهدي(ع) منسجمة مع نفسها في هذا المضمار لا يرد عليها اشكال من جهة عقائدية مادام القرآن يصرّح بالنبوة المبكرة ليحيى(ع)، ولا من جهة تشريعية مادامت المسألة من وجهة نظر أهل البيت(ع) خارجة عن نطاق التشريع وداخلة في نطاق العقيدة، وأحكام الشريعة في باب الحجر على الصغير تنطبق على المكلّفين ولا تنطبق على الله سبحانه وتعالى، لأن الشريعة خطابات إلهية موجهة إلى المكلّفين وليست موجهة إلى الله نفسه، فلا مُلزم له بها، والنبوة المُبكرة ليحيى(ع) تدلل على أنه تعالى لم يُلزم نفسه بها.
وهكذا يتّضح أن غرضنا من الاستشهاد بنبوة يحيى(ع) هو لبيان أن الإمامة كالنبوة مسألة عقائدية، وأن المسألة العقائدية لا تخضع لمقاييس الناس، بل لا تخضع حتى لمقاييس الشريعة التي جاءت لتنظيم سلوك المكلفين فلا يصح تطبيقها على رب العالمين، فهي ـ أي نبوة يحيى ـ تفيدنا أن المسألة العقائدية تتقوم بالدليل والبرهان، فإذا قام البرهان العقائدي على إمامة الصغير فلابد من الإذعان بها كما أذعنا بنبوة الصغير حينما قام البرهان العقائدي عليها، وحينئذ فلا معنى لما قد يقال من أن الاستشهاد بنبوة يحيى(ع) لا محلّ له، لأنها مذكورة صراحة في القرآن بخلاف المسألة المهدوية.
ومن هنا فإن اعتراض ابن حجر الهيثمي وأمثاله على إمامة الإمام المهدي ساقط لا أساس له، حيث كتب وباُسلوب غير مناسب يقول: «ثم المقرر في الشريعة المطهرة أن الصغير لا تصح ولايته، فكيف ساغ لهؤلاء الحمقى المغفلين ان يزعموا إمامة من عمره خمس سنين...»(٤٧).
فقد اتّضح ان هذا ليس من مقررات الشريعة وانما من مقررات فقههم الذي لا يصح لهم الزامنا به.
وإذا نظرنا إليها من زاوية الواقع التأريخي وجدنا أن المهدي(ع) خَلفَ أباه في إمامة المسلمين وهو ابن خمس سنين، وهذا يعني أنه كان إماماً بكلّ ما في الإمامة من محتوىً فكري وروحي في وقت مبكر جداً من حياته الشريفة.
يقول السيد الشهيد الصدر(ره) في هذا المضمار:
(والإمامة المبكرة ظاهرة سبقه إليها عددٌ من آبائه عليهم السلام، فالإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام تولى الإمامة وهو في الثامنة من عمره(٤٨)، والإمام علي بن محمد الهادي تولى الإمامة وهو في التاسعة(٤٩) من عمره، والإمام أبو محمد الحسن العسكري(٥٠) والد القائد المنتظر تولى الإمامة وهو في الثانية والعشرين من عمره، ويلاحظ أن ظاهرة الإمامة المبكرة بلغت ذروتها في الإمام المهدي والإمام الجواد، ونحن نسميها ظاهرة لأنها كانت بالنسبة إلى عدد من آباء المهدي(ع) تشكل مدلولاً حسيّاً عمليّاً عاشه المسلمون، ووعوه في تجربتهم مع الإمام بشكل وآخر، ولا يمكن أن نُطالب بإثبات لظاهرة من الظواهر أوضح وأقوى من تجربة اُمّة(٥١)، ونوضح ذلك ضمن النقاط التالية:
أ ـ لم تكن إمامة الإمام من أهل البيت مركزاً من مراكز السلطان، والنفوذ التي تنتقل بالوراثة من الأب إلى الابن، ويدعمها النظام الحاكم كإمامة الخلفاء الفاطميين، وخلافة الخلفاء العباسيين، وإنما كانت تكتسب ولاء قواعدها الشعبية الواسعة عن طريق التغلغل الروحي، والإقناع الفكري لتلك القواعد بجدارة هذه الإمامة لزعامة الإسلام، وقيادته على اُسس روحية وفكرية.
ب ـ إنّ هذه القواعد الشعبية بنيت منذ صدر الإسلام، وازدهرت واتسعت على عهد الإمامين الباقر والصادق(ع)، وأصبحت المدرسة التي رعاها هذان الإمامان في داخل هذه القواعد تشكل تياراً فكرياً واسعاً في العالم الإسلامي، يضم المئات من الفقهاء والمتكلمين والمفسرين والعلماء في مختلف ضروب المعرفة الإسلامية والبشرية المعروفة وقتئذ، حتى قال الحسن بن علي الوشا: إني دخلت مسجد الكوفة فرأيت فيه تسعمائة شيخ(٥٢) كلهم يقولون حدثنا جعفر بن محمد.
ج ـ إن الشروط التي كانت هذه المدرسة وما تُمثله من قواعد شعبية في المجتمع الإسلامي، تؤمن بها وتتقيد بموجبها في تعيين الإمام والتعرف على كفائته للإمامة، شروط شديدة؛ لأنها تؤمن بأنّ الإمام لا يكون إماماً إلاّ إذا كان أعلم علماء عصره(٥٣).
د ـ إنّ المدرسة وقواعدها الشعبية كانت تقدم تضحيات كبيرة في سبيل الصمود على عقيدتها في الإمامة؛ لأنها كانت في نظر الخلافة المعاصرة لها تشكل خطاً عدائياً، ولو من الناحية الفكرية على الأقل، الأمر الذي أدّى إلى قيام السلطات وقتئذ وباستمرار تقريباً حملات من التصفية والتعذيب، فقُتل من قُتل، وسُجن من سُجن، ومات في ظلمات المعتقلات المئات، وهذا يعني أنّ الاعتقاد بإمامة أئمة أهل البيت كان يكلّفهم غالياً(٥٤)، ولم يكن له من الإغراءات سوى ما يحسّ به المعتقد أو يفترضه من التقرب إلى الله تعالى والزلفى عنده.
هـ ـ إنّ الأئمة الذين دانت هذه القواعد لهم بالإمامة لم يكونوا معزولين عنها، ولا متقوقعين في بروج عالية شأن السلاطين مع شعوبهم، ولم يكونوا يحتجبون عنهم إلاّ أن تحجبهم السلطة الحاكمة بسجن أو نفي، وهذا ما نعرفه من خلال العدد الكبير من الرواة والمحدثين عن كلّ واحد من الأئمة الأحد عشر، ومن خلال ما نقل من المكاتبات التي كانت تحصل بين الإمام ومعاصريه، وما كان الإمام يقوم به من أسفار من ناحية، وما كان يبثّه من وكلاء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من ناحية اُخرى، وما كان قد اعتاده الشيعة من تفقّد أئمتهم وزيارتهم في المدينة المنورة عندما يؤمون الديار المقدسة من كلّ مكان لأداء فريضة الحج(٥٥) كل ذلك يفرض تفاعلاً مستمراً بدرجة واضحة بين الإمام وقواعده الممتدة في أرجاء العالم الإسلامي بمختلف طبقاتها من العلماء وغيرهم.
و ـ إن الخلافة المعاصرة للأئمة(ع) كانت تنظر إليهم وإلى زعامتهم الروحية والإمامية بوصفها مصدر خطر كبير على كيانها ومقدّراتها، وعلى هذا الأساس بذلت كل جهودها في سبيل تفتيت هذه الزعامة، وتحملت في سبيل ذلك كثيراً من السلبيات، وظهرت أحياناً بمظاهر القسوة والطغيان حينما اضطرها تأمين مواقعها إلى ذلك، وكانت حملات الاعتقال والمطاردة مستمرة للأئمة(٥٦) أنفسهم على الرغم مما يخلّفه ذلك من شعور بالألم أو الاشمئزاز عند المسلمين وللناس الموالين على اختلاف درجاتهم.
إذا أخذنا هذه النقاط الست بعين الاعتبار، وهي حقائق تاريخية لا تقبل الشك، أمكن أن تخرج بنتيجة وهي: أنّ ظاهرة الإمامة المبكرة كانت ظاهرة واقعية ولم تكن وهماً من الأوهام؛ لأنّ الإمام الذي يبرز على المسرح وهو صغير فيعلن عن نفسه إماماً روحياً وفكرياً للمسلمين، ويدين له بالولاء والإمامة كلّ ذلك التيار الواسع، لابدّ أن يكون على قدر واضح وملحوظ بل وكبير من العلم والمعرفة وسعة الاُفق والتمكن من الفقه والتفسير والعقائد؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما أمكن أن تقتنع تلك القواعد الشعبية بإمامته، مع ما تقدم من أنّ الأئمة كانوا في مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم وللأضواء المختلفة أن تُسلّط على حياتهم وموازين شخصيتهم. فهل ترى أنّ صبيّاً يدعو إلى إمامة نفسه وينصب منها علماً للإسلام وهو على مرأىً ومسمع جماهير قواعده الشعبية، فتؤمن به وتبذل في سبيل ذلك الغالي من أمنها وحياتها بدون أن تكلّف نفسها اكتشاف حاله، وبدون أن تهزّها ظاهرة هذه الإمامة المبكرة لاستطلاع حقيقة الموقف وتقييم هذا الصبي الإمام؟(٥٧) وهبْ إن الناس لم يتحركوا لاستطلاع المواقف، فهل يمكن أن تمرّ المسألة أياماً وشهوراً بل أعواماً دون أن تكتشف الحقيقة على الرغم من التفاعل الطبيعي المستمر بين الصبي الإمام وسائر الناس؟ وهل من المعقول أن يكون صبيّاً في فكره وعلمه حقاً ثمّ لا يبدو ذلك من خلال هذا التفاعل الطويل؟
وإذا افترضنا أنّ القواعد الشعبية لإمامة أهل البيت لم يُتح لها أن تكتشف واقع الأمر، فلماذا سكتت الخلافة القائمة ولم تعمل لكشف الحقيقة إذا كانت في صالحها؟ وما كان أيسر ذلك على السلطة القائمة لو كان الإمام الصبي صبياً في فكره وثقافته كما هو المعهود في الصبيان، وما كان أنجحه من اُسلوب أن تقدم هذا الصبي إلى شيعته وغير شيعته على حقيقته، وتبرهن على عدم كفاءته للإمامة والزعامة الروحية والفكرية، فلئن كان من الصعب الإقناع بعدم كفاءة شخص في الأربعين أو الخمسين قد أحاط بقَدر كبير من ثقافة عصره لتسلّم الإمامة، فليس هناك صعوبة في الإقناع بعدم كفاءة صبي اعتيادي مهما كان ذكياً وفطناً للإمامة بمعناها الذي يعرفه الشيعة الإماميون(٥٨)، وكان هذا أسهل وأيسر من الطرق المعقدة وأساليب القمع والمجازفة التي انتهجتها السلطات وقتئذ.
إنّ التفسير الوحيد لسكوت الخلافة المعاصرة عن اللعب بهذه الورقة(٥٩)، هو أنها أدركت أن الإمامة المبكرة ظاهرة حقيقية وليست شيئاً مصطنعاً.
والحقيقة أنها أدركت ذلك بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلك الورقة فلم تستطع، والتأريخ يحدثنا عن محاولات من هذا القبيل وفشلها(٦٠)، بينما لم يحدثنا إطلاقاً عن موقف تزعزعت فيه ظاهرة الإمامة المبكرة أو واجه فيه الصبيّ الإمامُ إحراجاً يفوق قدرته أو يزعزع ثقة الناس فيه.
وهذا معنى ما قلناه من أن الإمامة المبكرة ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت(ع) وليست مجرد افتراض، كما أنّ هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها وحالاتها المماثلة في تراث السماء الذي امتد عِبْرَ الرسالات والزعامات الربّانية.
ويكفي مثالاً لظاهرة الإمامة المبكرة في التراث الرباني لأهل البيت(ع) يحيى(ع)، إذ قال الله سبحانه وتعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوّة وآتيناه الحكم صبيّاً)(٦١).
ومتى ثبت أنّ الإمامة المبكرة ظاهرة واقعية ومتواجدة فعلاً في حياة أهل البيت لم يعد هناك اعتراض فيما يخصّ إمامة المهدي(ع) وخلافته لأبيه وهو صغير(٦٢).(٦٣)
الخصوصية الثالثة: الغيبة المستلزمة لعمر مفتوح مع انفتاح الزمن
من مقتضيات وخصائص المفهوم المهدوي عند أهل البيت(ع) هو الاعتقاد بغيبة الإمام(ع) عن الأنظار، واستمراره على ذلك إلى حين يأذن الله سبحانه وتعالى له بالظهور، وإثبات هذه الخصوصية ننجزه في مرحلتين:
أولاً: مرحلة إثبات امكانية العمر الطويل الى آخر الزمان
إن المشكلة الأساسية التي تواجه المفهوم المهدوي عند أهل البيت(ع) تتمثل في ما يستلزمه هذا المفهوم من عمر مفتوح مع انفتاح الزمن وممتد بامتداده وقد عولجت هذه المشكلة بإجابات كثيرة نورد هنا إجابة السيد الشهيد الصدر عليها، فقد كتب يقول:
هل بالإمكان أن يعيش الإنسان قروناً كثيرة كما هو المفترض في هذا القائد المنتظر لتغيير العالم، الذي يبلغ عمره الشريف فعلاً أكثر من ألف ومائة وأربعين سنة، أي حوالي (١٤) مرة بقدر عمر الإنسان الاعتيادي الذي يمر بكل المراحل الاعتيادية من الطفولة إلى الشيخوخة؟
كلمة الإمكان هنا تعني أحد ثلاثة معان: الإمكان العملي، والإمكان العلمي، والإمكان المنطقي أو الفلسفي.
وأقصد بالإمكان العملي: أن يكون الشيء ممكنا على نحو يتاح لي أو لك، أو لإنسان آخر فعلاً أن يحققه، فالسفر عبر المحيط، والوصول إلى قاع البحر، والصعود إلى القمر، أشياء أصبح لها إمكان عملي فعلاً. فهناك من يمارس هذه الأشياء فعلاً بشكل وآخر.
وأقصد بالإمكان العلمي: أن هناك أشياء قد لا يكون بالإمكان عملياً لي أو لك، أن نمارسها فعلاً بوسائل المدنية المعاصرة، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا تشير إتجاهاته المتحركة إلى ما يبرر رفض إمكان هذه الأشياء ووقوعها وفقا لظروف ووسائل خاصة، فصعود الإنسان إلى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما يرفض وقوعه، بل إن اتجاهاته القائمة فعلاً تشير إلى إمكان ذلك، وإن لم يكن الصعود فعلاً ميسوراً لي أو لك؛ لأن الفارق بين الصعود إلى الزهرة والصعود إلى القمر ليس إلاّ فارق درجة، ولا يمثل الصعود إلى الزهرة إلاّ مرحلة تذليل الصعاب الإضافية التي تنشأ من كون المسافة أبعد، فالصعود إلى الزهرة ممكن علمياً وإن لم يكن ممكناً عملياً فعلاً(٦٤). وعلى العكس من ذلك الصعود إلى قرص الشمس في كبد السماء فإنه غير ممكن علمياً، بمعنى أن العلم لا أمل له في وقوع ذلك، إذ لا يتصور علمياً، وتجريبياً إمكانية صنع ذلك الدرع الواقي من الإحتراق بحرارة الشمس، التي تمثل اُتوناً هائلاً مستعراً بأعلى درجة تخطر على بال إنسان.
وأقصد بالإمكان المنطقي أو الفلسفي: أن لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبلية ـ أي سابقة على التجربة ـ ما يبرر رفض الشيء والحكم باستحالته.
فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر إلى نصفين ليس له إمكان منطقي؛ لأن العقل يدرك ـ قبل أن يمارس أي تجربة ـ أن الثلاثة عدد فردي وليس زوجاً، فرداً وزوجاً في وقت واحد، وهذا تناقض، والتناقض مستحيل منطقياً. ولكن دخول الإنسان في النار دون أن يحترق، وصعوده للشمس دون أن تحرقه الشمس بحرارته ليس مستحيلاً من الناحية المنطقية، إذ لا تناقض في افتراض أن الحرارة لا تتسرب من الجسم الأكثر حرارةً إلى الجسم الأقل حرارةً، وإنما هو مخالف للتجربة التي أثبتت تسرب الحرارة من الجسم الأكثر حرارةً إلى الجسم الأقل حرارةً إلى أن يتساوى الجسمان في الحرارة.
وهكذا نعرف أن الإمكان المنطقي أوسع دائرة من الإمكان العلمي، وهذا أوسع دائرة من الإمكان العملي.
ولا شك في أن امتداد عمر الإنسان آلاف السنين ممكن منطقياً؛ لأن ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية، ولا يوجد في افتراض من هذا القبيل أي تناقض؛ لأن الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع، ولا نقاش في ذلك.
كما لا شك أيضاً ولا نقاش في أن هذا العمر الطويل ليس ممكناً إمكاناً عملياً، على نحو الإمكانات العملية للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر، ذلك لأن العلم بوسائله وأدواته الحاضرة فعلاً، والمتاحة من خلال التجربة البشرية المعاصرة، لا تستطيع أن تمدد عمر الإنسان مئات السنين، ولهذا نجد أن أكثر الناس حرصاً على الحياة وقدرة على تسخير إمكانات العلم، لا يتاح لهم من العمر إلاّ بقدر ما هو مألوف.
وأما الإمكان العلمي فلا يوجد علمياً اليوم ما يبرر رفضه من الناحية النظرية(٦٥). وهذا بحث يتصل في الحقيقة بنوعية التفسير الفسلجي لظاهرة الشيخوخة والهرم لدى الإنسان، فهل تعبر هذه الظاهرة عن قانون طبيعي يفرض على أنسجة جسم الإنسان وخلاياه ـ بعد أن تبلغ قمة نموها ـ أن تتصلب بالتدريج وتصبح أقل كفاءة للاستمرار في العمل، إلى أن تتعطل في لحظة معينة، حتى لو عزلناها عن تأثير أي عامل خارجي؟ أو أن هذا التصلب وهذا التناقص في كفاءة الانسجة والخلايا الجسمية للقيام بأدوارها الفسيولوجية، نتيجة صراع مع عوامل خارجية كالميكروبات أو التسمم الذي يتسرب إلى الجسم من خلال ما يتناوله من غذاء مكثف أو أي عامل آخر؟
وهذا سؤال يطرحه العلم اليوم على نفسه، وهو جاد في الإجابة عنه، ولا يزال للسؤال أكثر من جواب على الصعيد العلمي.
فإذا أخذنا بوجهة النظر العلمية التي تتجه إلى تفسير الشيخوخة والضعف الهرمي، بوصفه نتيجة صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية معينة، فهذا يعني أن بالإمكان نظرياً، إذا عزلت الأنسجة التي يتكون منها جسم الإنسان عن تلك المؤثرات المعينة، أن تمتد بها الحياة وتتجاوز ظاهرة الشيخوخة وتتغلب عليها نهائياً.
وإذا أخذنا بوجهة النظر الاُخرى التي تميل إلى افتراض الشيخوخة قانوناً طبيعياً للخلايا والأنسجة الحية نفسها، بمعنى أنها تحمل في احشائها بذرة فنائها المحتوم، مروراً بمرحلة الهرم والشيخوخة وانتهاءً بالموت.
أقول: إذا أخذنا بوجهة النظر هذه، فليس معنى هذا عدم افتراض أي مرونة في هذا القانون الطبيعي، بل هو ـ على افتراض وجوده ـ قانون مرن؛ لأننا نجد في حياتنا الاعتيادية؛ ولأن العلماء يشاهدون في مختبراتهم العلمية، أن الشيخوخة كظاهرة فسيولوجية لا زمنية، قد تأتي مبكرة، وقد تتأخر ولا يظهر إلاّ في فترة متأخرة، حتى أن الرجل قد يكون طاعناً في السن ولكنه يملك أعضاء لينة، ولا تبدو عليه اعراض الشيخوخة كما نص على ذلك الأطباء(٦٦). بل إن العلماء استطاعوا عملياً أن يستفيدوا من مرونة ذلك القانون الطبيعي المفترض، فأطالوا عمر بعض الحيوانات مئات المرات بالنسبة إلى اعمارها الطبيعية؛ وذلك بخلق ظروف وعوامل تؤجل فاعلية قانون الشيخوخة.
وبهذا يثبت علمياً أن تأجيل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معينة أمر ممكن علمياً، ولئن لم يتح للعلم أن يمارس فعلاً هذا التأجيل بالنسبة إلى كائن معقد معين كالإنسان، فليس ذلك إلاّ لفارق درجة بين صعوبة هذه الممارسة بالنسبة إلى الإنسان، وصعوبتها بالنسبة إلى أحياء اُخرى. وهذا يعني أن العلم من الناحية النظرية وبقدر ما تشير إليه اتجاهاته المتحركة لا يوجد فيه أبداً ما يرفض إمكانية إطالة عمر الإنسان، سواءً فسرنا الشيخوخة بوصفها نتاج صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية أو نتاج قانون طبيعي للخليّة الحيّة نفسها يسير بها نحو الفناء.
ويتلخص من ذلك: أن طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعددة أمر ممكن منطقياً وممكن علمياً، ولكنه لا يزال غير ممكن عملياً، إلاّ أن اتجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل.
وعلى هذا الضوء نتناول عمر المهدي(ع) وما اُحيط به من استفهام أو استغراب، ونلاحظ:
إنه بعد أن ثبت إمكان هذا العمر الطويل منطقياً وعلمياً، وثبت أن العلم سائر في طريق تحويل الامكان النظري إلى إمكان عملي تدريجا، لا يبقي للاستغراب محتوىً إلاّ استبعاد أن يسبق المهدي العلم نفسه، فيتحول الإمكان النظري إلى إمكان عملي في شخصه قبل أن يصل العلم في تطوره إلى مستوى القدرة الفعلية على هذا التحويل، فهو نظير من يسبق العلم في اكتشاف دواء ذات السحايا أو دواء السرطان.
وإذا كانت المسألة هي أنه كيف سبق الإسلام ـ الذي صمم عمر هذا القائد المنتظر ـ حركة العلم في مجال هذا التحويل؟
فالجواب: إنه ليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سبق فيه الإسلام حركة العلم.
أوَليست الشريعة الإسلامية ككل قد سبقت حركة العلم والتطور الطبيعي للفكر الإنساني قروناً عديدة(٦٧)؟
أوَلم تناد بشعارات طرحت خططاً للتطبيق لم ينضج الإنسان للتوصل إليها في حركته المستقلة إلاّ بعد مئات السنين؟
أوَلَم تأت بتشريعات في غاية الحكمة، لم يستطع الإنسان أن يدرك أسرارها ووجه الحكمة فيها إلاّ قبل برهة وجيزة من الزمن؟
أو لم تكشف رسالة السماء أسراراً من الكون لم تكن تخطر على بال إنسان، ثم جاء العلم ليثبتها ويدعمها؟
فإذا كنا نؤمن بهذا كله، فلماذا نستكثر على مرسل هذه الرسالة ـ سبحانه وتعالى ـ أن يسبق العلم في تصميم عمر المهدي(٦٨)؟ وانا هنا لم اتكلم إلاّ عن مظاهر السبق التي نستطيع أن نحسّها نحن بصورة مباشرة، ويمكن ان نضيف إلى ذلك مظاهر السبق التي تحدثنا بها رسالة السماء نفسها.
ومثال ذلك: أنها تخبرنا بأن النبي صلى الله عليه وآله قد اُسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذا الإسراء(٦٩) إذا أردنا نفهمه في إطار القوانين الطبيعية، فهو يعبر عن الاستفادة من القوانين الطبيعية بشكل لم يتح للعم ان يحققه(٧٠) إلاّ بعد مئات السنين، فنفس الخبرة الربانية التي أتاحت للرسول(ص) التحرك السريع قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك، أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمر المديد، قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك.
نعم، هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريباً في حدود المألوف حتى اليوم في حياة الناس، وفي ما أنجز فعلاً من تجارب العلماء.
ولكن! أوَليسَ الدور التغييري الحاسم الذي اُعد له هذا المنقذ غريباً في حدود المألوف في حياة الناس، وما مرت بهم من تطورات التاريخ؟
أوَلَيسَ قد اُنيط به تغيير العالم، وإعادة بنائه الحضاري من جديد على أساس الحق والعدل؟
فلماذا نستغرب إذا اتّسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبة والخارجة عن المألوف كطول عمر المنقذ المنتظر؟ فإن غرابة هذه الظواهر وخروجها عن المألوف مهما كان شديداً، لا يفوق بحال غرابة نفس الدور العظيم الذي يجب على اليوم الموعود إنجازه. فإذا كنا نستسيغ ذلك الدور الفريد(٧١) تاريخياً على الرغم من انه لا يوجد دور مناظر له في تاريخ الإنسان، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذي لا نجد عمراً مناظراً له في حياتنا المألوفة؟
ولا أدري!
هل هي صدفة أن يقوم شخصان فقط بتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد وبنائها من جديد، فيكون لكل منهما عمر مديد يزيد على أعمارنا الاعتيادية أضعافاً مضاعفة؟
أحدهما: مارس دوره في ماضي البشرية وهو النبي نوح، الذي نص القرآن الكريم(٧٢) على أنه مكث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وقدر له من خلال الطوفان أن يبني العالم من جديد.
والآخر: يمارس دوره في مستقبل البشرية وهو المهدي الذي مكث في قومه حتى الآن أكثر من ألف عام وسيقدر له في اليوم الموعود أن يبني العالم من جديد.
فلماذا نقبل نوح الذي ناهز الف عام على أقل تقدير ولا نقبل المهدي(٧٣)؟
وقد عرفنا حتى الآن أن العمر الطويل ممكن علمياً، ولكن لنفترض أنه غير ممكن علمياً، وأن قانون الشيخوخة والهرم قانون صارم لا يمكن للبشرية اليوم، ولا على خطها الطويل أن تتغلب عليه، وتغير من ظروفه وشروطه، فماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن إطالة عمر الإنسان ـ كنوح أو كالمهدي ـ قروناً متعددة، هي على خلاف القوانين الطبيعية التي أثبتها العلم بوسائل التجربة والاستقراء الحديثة، وبذلك تصبح هذه الحالة معجزة عطلت قانوناً طبيعياً في حالة معينة للحفاظ على حياة الشخص الذي أنيط به الحفاظ على رسالة السماء، وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها، أو غريبة على عقيدة المسلم المستمدة من نص القرآن والسنة(٧٤)، فليس قانون الشيخوخة والهرم أشد صرامة من قانون انتقال الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة حتى يتساويا، وقد عطل هذا القانون لحماية حياة إبراهيم عليه السلام حين كان الاسلوب الوحيد للحفاظ عليه تعطيل ذلك القانون. فقيل للنار حين ألقي فيها إبراهيم (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم)(٧٥) فخرج منها كما دخل سليماً لم يصبه أذىً، إلى كثير من القوانين الطبيعية التي عطلت لحماية أشخاص من الأنبياء وحجج الله على الأرض، ففلق البحر لموسى عليه السلام(٧٦)، وشبه للرومان أنهم قبضوا على عيسى(٧٧) ولم يكونوا قد قبضوا عليه، وخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله من داره وهي محفوفة بحشود قريش التي ظلت ساعات تتربص به لتهجم عليه، فستره الله تعالى عن عيونهم وهو يمشي بينهم(٧٨). كل هذه الحالات تمثل قوانين طبيعية عطلت لحماية شخص، كانت الحكمة الربانية تقتضي الحفاظ على حياته، فليكن قانون الشيخوخة والهرم من تلك القوانين.
وقد يمكن أن نخرج من ذلك بمفهوم عام وهو أنه كلما توقف الحفاظ على حياة حجة لله في الأرض على تعطيل قانون طبيعي، وكانت إدامة حياة ذلك الشخص ضرورية لإنجاز مهمته التي أعد لها، تدخلت العناية الربانية في تعطيل ذلك القانون لإنجاز ذلك، وعلى العكس إذا كان الشخص قد انتهت مهمته التي أعد لها ربانياً فإنه سيلقى حتفه ويموت أو يستشهد وفقاً لما تقرره القوانين الطبيعية.
ونواجه عادة بمناسبة هذا المفهوم العام السؤال التالي: كيف يمكن أن يتعطل القانون(٧٩)؟ وكيف تنفصم العلاقة الضرورية التي تقوم بين الظواهر الطبيعية؟ وهل هذه إلاّ مناقضة للعلم الذي اكتشف ذلك القانون الطبيعي، وحدد هذه العلاقة الضرورية على اُسس تجريبية واستقرائية؟!
والجواب: ان العلم نفسه قد أجاب عن هذا السؤال بالتنازل عن فكرة الضرورة في القانون الطبيعي، وتوضيح ذلك: أن القوانين الطبيعية يكتشفها العلم على أساس التجربة والملاحظة المنتظمة، فحين يطرد وقوع ظاهرة طبيعية عقيب ظاهرة اُخرى يستدل بهذا الاطّراد على قانون طبيعي، وهو أنه كلما وجدت الظاهرة الاُولى وجدت الظاهرة الثانية عقيبها، غير أن العلم لا يفترض في هذا القانون الطبيعي علاقة ضرورية بين الظاهرتين نابعة من صميم هذه الظاهرة وذاتها، وصميم تلك وذاتها؛ لأن الضرورة حالة غيبية، لا يمكن للتجربة ووسائل البحث الاستقرائي والعلمي اثباتها، ولهذا فإن منطق العلم الحديث يؤكد أن القانون الطبيعي ـ كما يعرفه العلم ـ لا يتحدث عن علاقة ضرورية، بل عن اقتران مستمر بين ظاهرتين(٨٠)، فإذا جاءت المعجزة وفصلت إحدى الظاهرتين عن الاُخرى في قانون طبيعي لم يكن ذلك فصماً لعلاقة ضرورية بين الظاهرتين.
والحقيقة أن المعجزة بمفهومها الديني، قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومة بدرجة أكبر مما كانت عليه في ظل وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقات السببية.
فقد كانت وجهة النظر القديمة تفترض أن كل ظاهرتين اطّرد اقتران إحداهما بالاُخرى فالعلاقة بينهما علاقة ضرورة، والضرورة تعني أن من المستحيل ان تنفصل إحدى الظاهرتين عن الاُخرى، ولكن هذه العلاقة تحولت في منطق العلم الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطرد(٨١) بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضرورة الغيبية.
وبهذا تصبح المعجزة حالة استثنائية لهذا الاطّراد في الاقتران أو التتابع دون أن تصطدم بضرورة أو تؤدي إلى استحالة.
وأما على ضوء الاُسس المنطقية للاستقراء(٨٢) فنحن نتفق مع وجهة النظر العلمية الحديثة، في أن الاستقراء لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين، ولكنا نرى أنه يدل على وجود تفسير مشترك لاطّراد التقارن أو التعاقب بين الظاهرتين باستمرار، وهذا التفسير المشترك كما يمكن صياغته على أساس افتراض الضرورة الذاتية، كذلك يمكن صياغته على أساس افتراض حكمة دعت منظم الكون إلى ربط ظواهر معينة بظواهر اُخرى باستمرار، وهذه الحكمة نفسها تدعو أحياناً إلى الاستثناء فتحدث المعجز(٨٣).
وهكذا يتّضح بنحو علمي منطقي مبرهن أن العمر الطويل أمر ممكن، ولا يلزم منه محذور علمي ولا فلسفي. وبهذا تنتهي المرحلة الأولى من البحث في خصوصية الغيبة.
ثانياً: مرحلة إثبات تحقق ذلك فعلاً في الإمام المهدي(ع)
والبحث في هذه المرحلة يتم بطريقين:
١ ـ عقائدي ٢ ـ وتاريخي
١ ـ الطريق العقائدي
ويمكن تقريره بثلاثة بيانات:
أ ـ إن هذه الخصوصية من اللوازم الذاتية للمفهوم المهدوي عند أهل البيت(ع)، فثبوت هذا المفهوم ـ بالنحو الذي مرّ آنفاً ـ ثبوتاً برهانياً قاطعاً، واتضاح بطلان ما سواه، يقودنا بنحو طبيعي إلى الاعتقاد بغيبة الإمام الثاني عشر(ع). فما دام الأئمة اثني عشر فقط، وأنهم معينين من قبل الله سبحانه وتعالى، وليس للناس دور في إختيارهم، فليس بإمكاننا إلاّ أن نتصور استمرار حياة الإمام الثاني عشر ومواكبته للمسيرة البشرية وظهوره بعد ذلك في الشوط الأخير منها، ومن الطبيعي أن لا يتاح لإنسان يُقدّر له مثل هذا الهدف، وتقدر له مثل هذه الحياة الطويلة، أن يعيشها بصورة ظاهرة، ولابد له من ان يمارسها بنحو خفي غائب عن الأنظار، إلاّ أن يفترض وفاة الإمام المهدي(ع) في الزمان الطبيعي لأمثاله ثم عودته للحياة في زمن الظهور، ولكن هذا الافتراض يلزم منه انقطاع الحجة في الفترة الفاصلة من وفاته إلى ظهوره، وهو مخالف لحديث الثقلين الذي يدل على تلازم الكتاب والعترة وعدم افتراقهما في زمن من الأزمان حتى قيام الساعة والورود على الحوض، كما يلزم منه الاعتقاد برجعة الإمام المهدي إلى الحياة بعد وفاته، وهو مما لا قائل به بين المسلمين.
ب ـ الروايات الدالة على اتصاف الإمام المهدي بالغيبة، وقد ذكرتها بعض مصادر أهل السنّة مثل: ينابيع المودّة وفرائد السمطين.
ففي ينابيع المودّة (ص ٤٤٧) عن كتاب فرائد السمطين عن الباقر عن أبيه عن جده عن علي(ع)، قال: قال رسول الله(ص): «المهدي من ولدي تكون له غيبة إذا ظهر يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً».
وفيه (ص ٤٤٨) عنه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ قال: قال رسول الله(ص): «أن علياً وصيي ومن ولده القائم المنتظر المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً أن الثابتين على القول بإمامته في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر» فقام إليه جابر بن عبدالله فقال: يا رسول الله وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: «اي وربي ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ـ ثم قال ـ يا جابر إن هذا أمر من أمر الله وسر من سرّ الله فإياك والشك فإن الشك في أمر الله عزّ وجل كفر».
وفيه في الصفحة المذكورة عنه عن الحسن بن خالد، قال: قال علي بن موسى الرضا ـ رضى الله عنهما ـ: «أن الرابع من ولدي ابن سيدة الإماء يطهر الله به الأرض من كل جور وظلم وهو الذي يشك الناس في ولادته وهو صاحب الغيبة فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربّها».
وفيه: عنه عن أحمد بن زياد عن دعبل بن علي الخزاعي في حديث وروده على الرضا وانشاده قصيدته التائية، إلى أن قال: «إن الإمام بعدي ابني محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم وهو المنتظر في غيبته والمطاع في ظهوره ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً وأما متى يقوم؟ فأخبار عن الوقت فقد حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله(ص) قال: مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة».
وفيه: عن غاية المرام عن فرائد السمطين عن جابر بن عبدالله رفعه: «المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الاُمم يقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً».
وفيه: عنه عن فرائد السمطين في الصفحة المذكورة عن الباقر عن آبائه عن علي بن أبي طالب(ع) رفعهُ: «المهدي من ولدي تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الاُمم إلى أن قال ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً».
وفيه: عن المناقب عن أبي جعفر محمد الباقر، قال: قال رسول الله(ص): «طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو أتم به في غيبته قبل قيامه ويتولى أولياءه ويعادي أعداءه ذلك من رفقائي وذوي مودتي وأكرم اُمتي عليَّ يوم القيامة».
وفيه: عنه عن أبي بصير عن الصادق جعفر بن محمد عن آبائه عن أمير المؤمنين(ع)، قال: قال رسول الله(ص): «المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي وهو أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً تكون له غيبة وحيرة في الاُمم حتى يضل الخلق عن أديانهم فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً». وفيه عنه مثل ذلك غير أنه قال فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب يأتي بذخيرة الأنبياء(ع) الحديث.
وفيه (ص ٤٩٤): عنه عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبدالله الأنصاري يقول: قال لي رسول الله(ص): «يا جابر إن اوصيائي وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف بالباقر ستدركه يا جابر فاذا لقيته فاقرأه مني السلام ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم القائم اسمه اسمي وكنيته كنيتي ابن الحسن بن علي ذلك الذي يفتح الله تبارك وتعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها ذلك الذي يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان».
ج ـ إن المهدي الموعود إن لم يكن إماماً معصوماً، وكان رجلاً عادياً من عامّة المسلمين سوف لن يكون هناك تناسب بينه وبين ظهور المسيح(ع) معه وهو نبي من اُولي العزم ليؤيد المهدي ويدعو المسيحيين الى الإذعان بنبوّة النبي(ص)، فلابد وان يكون المهدي الموعود إماماً معصوماً، وحيث إن الإمامة المعصومة ليست أمراً قابلاً للإدّعاء بل تحتاج الى تعيين سماوي ونص نبوي يكشف عنها ولم يجرِ ذلك في غير الأئمة الإثني عشر(ع) حتى على مستوى الإدّعاء فضلاً عن الدليل والبرهان، وقد ثبتت وفاة الأئمة المتقدمين ودفنت أجسادهم في أماكن معلومة، وبقي الإمام الثاني عشر لم تُعلم له وفاة حتى الآن. فلابد من الاعتقاد باستمرار حياة هذا الإمام من حين ولادته الى حين ظهوره في آخر الزمان ليكون مؤهلاً لتأييد المسيح(ع) له يقول السيد سامي البدري في ذلك:
«فإن ظهور عيسى سوف يكون بحاجة إلى استيعاب علمي وقيادي من قبل المهدي الموعود باعتباره يقوم شاهداً له وللرسالة التي يرفع شعارها وكتابها وتابعاً له. والمهدي على التصور السنّي لن يكون قادراً على استيعاب المسيح بل هو غير قادر على استيعاب طوائف المسلمين.
لن يكون قادراً على استيعاب المسيح لأن المسيح نبي ورسول معصوم ومؤيد إلهياً بالمعجزات ومثله لا يمكن أن يستوعبه إنسان غير مؤيد بالمعجزات والعصمة والعلم التام(٨٤).
٢ ـ الطريق التأريخي
ويمكن تقريره بثلاثة بيانات:
أ ـ إن التاريخ ـ وكما مرّ ـ قد شهد بولادة الإمام المهدي(ع) ولم يشهد بوفاته، مما يدل على استمرار حياته، وحيث لا نتحسس وجوده ولا نشخص أحداً من الناس بعنوان أنه المهدي ابن الإمام الحسن العسكري، فلابد وأن تكون له حياة خفية غير ظاهرة للناس.
ب ـ إن التاريخ قد شهد بحصول مشاهدات عينية متكررة للإمام المهدي(ع)في زمان غيبته، وقد أ لّفت في ذلك كتب مثل كتاب تبصرة الولي فيمن رآى القائم المهدي للسيد هاشم البحراني، وذكر الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي في كتابه «من هو المهدي» ٢٦٦ شخصاً ممن رأى الإمام المهدي في غيبته الصغرى مع ذكر قصص أكثرهم، وخصص فصلاً لمن رأى الإمام في غيبته الكبرى، وذكر عشرين كتاباً اورد أصحابها فيها القصص والأخبار التأريخية في ذلك، وهنا نحن نذكر قصة أوردها السيد صدر الدين الصدر في كتابه «المهدي» نقلاً عن الشيخ عبدالوهاب الشعراني في كتابه «طبقات العرفاء» في احوال الشيخ حسن العراقي:
«قال: ترددت اليه مع سيدي أبي العباس الحريثي فقال: أتأذن لي أن احكي لك حكايتي من مبتدأ أمري إلى وقتي هذا كأنك كنت رفيقي من الصغر فقلت له نعم فقال كنت شاباً من دمشق وكنت صانعاً وكنا نجتمع يوماً في الجمعة على اللهو واللعب والخمر فجاءني التنبيه من الله تعالى يوماً ألهذا خلقت فتركت ما هم فيه وهربت منهم فتبعوا ورائي فلم يدركوني فدخلت جامع بني اُمية فوجدت شخصاً يتكلم على الكرسي في شأن المهدي(ع) فاشتقت إلى لقائه فصرت لا أسجد سجدة إلا وسألت الله تعالى أن يجمعني معه فبينما أنا ليلة بعد صلاة المغرب اُصلي صلاة السنة وإذا بشخص جلس خلفي ومسح على كتفي وقال لي: قد استجاب الله تعالى دعاءك يا ولدي مالك أنا المهدي. فقلت: تذهب معي إلى الدار، فقال: نعم، فذهب معي وقال: اخل لي مكاناً انفرد به فأخليت مكاناً فأقام عندي سبعة أيام بلياليها»(٨٥).
وقال الشيخ علي بن عيسى الأربلي في كشف الغمة: «إن الناس ينقلون قصصاً وأخباراً في خوارق العادات للإمام المهدي(ع) يطول شرحها وأنا أذكر من ذلك قصتين قريب عهد بزماني وحدثني بها جماعة من ثقاة اخواني.
الأولى: إنه كان في بلد الحلة بين الفرات ودجلة رجل اسمه إسماعيل بن الحسن قال اخواني حكى لنا إسماعيل أنه خرج على فخذي الأيسر توثة(٨٦) مقدار قبضة الإنسان فعجزت الأطباء عن علاجها فجاء بغداد ورآه أطباء الأفرنج فقالوا لا علاج لها فتوجه إلى سامراء وزار الإمامين علي الهادي والحسن العسكري ـ رضى الله عنهما ـ ونزل السرداب ودعا الله تعالى تضرعاً واستغاث بالإمام المهدي(ع) ثم مضى إلى دجلة فاغتسل ثم لبس ثوبه فرأى أربعة فرسان خارجين من باب سور البلد وواحد شيخ بيده رمح وشاب آخر عليه فرجية ملونة فصاحب الرمح يمين الطريق والشابان يسار الطريق والشاب صاحب الفرجية على الطريق فقال له صاحب الفرجية: أنت تروح غداً إلى أهلك، فقا له: نعم، فقال صاحب الفرجية له تقدم اليّ حتى أبصر ما يوجعك فقدم إليه ومد يده إليه فعصر الثوثة بيده فأوجعه ثم استوى على سرجه، فقال الشيخ صاحب الرمح: أفلحت يا إسماعيل هذا الإمام ثم ذهبوا وهو يمشي معهم، فقال الإمام: ارجع فقال لا اُفارقك ابداً فقال الإمام:
المصلحة في رجوعك، فقال لا اُفارقك أبداً فقال الشيخ يا إسماعيل ما تستحي يقول لك الإمام ارجع مرتين فتخالفه فوقف وتقدم الإمام خطوات ثم التفت إليه وقال: يا إسماعيل اذا وصلت إلى بغداد فلابد أن يطلبك أبو جعفر يعني الخليفة المستنصر بالله فإذا حضرت عنده واعطاك شيئاً فلا تأخذه وقل لولدنا الرضا ليكتب لك إلى علي ابن عوض فإنني اُوحيه يعطيك الذي تريد ثم سار مع أصحابه فلم يزل قائماً يبصرهم حتى غابوا ثم قعد على الأرض ساعة متأسفاً محزوناً وباكياً عن مفارقتهم ثم جاء إلى سامراء فاجتمع القوم حوله وقالوا نرى وجهك متغيراً فما أصابك، فقال: هل عرفتم الفرسان الذين خرجوا من البلد وساروا ساحل الشط قالوا هم الشرفاء أرباب الغنم، فقال لهم بل هم الإمام واصحابه الشاب وصاحب الفرجية هو الإمام مس بيده المبارك مرضي فقالوا أرنيه، فكشف فخذه فلم يروا له أثراً فمزقوا ثيابه وادخلوه في خزانة ومنعوا الناس عنه لكيلا يزدحموا عليه، ثم إن الناظر من طرف الخليفة جاء الخزانة وسأله عن هذا الخبر وعن اسمه ونسبه ووطنه وعن خروجه من بغداد اول هذا الاسبوع ثم ذهب عنه. فبات إسماعيل في الخزانة وصلى الصبح وخرج مع الناس إلى أن بعُد من سامراء فرجع القوم ووادعوا فسار منفرداً حتى وصل موضع فرأى الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون عمن ورد عليهم عن اسمه ونسبه وموضع مجيئه فلما لاقوه عرفوه بالعلامات المذكورة فمزقوا ثيابه واخذوها تبركاً وكان الناظر كتب إلى بغداد وعرفهم الحال وكان الوزير طلب السعيد رضي الدين ليعرفه صحة الخبر فخرج رضي الدين الذي هو كان من أصدقاء إسماعيل وكان ضيفه قبل خروجه إلى سامراء فلما رآه رضي الدين وجماعة معه فنزلوا عن دابتهم وأراهم فخذه فلم يروا شيئاً فغشي على رضي الدين ساعة ثم أخذه بيده وأدخله على الوزير وهو يبكي ويقول: هذا أخي وأقرب الناس إلى قلبي فسأله الوزير عن القصة فحكاها له فأحضر الأطباء الذين رأوا مرضه وسألهم متى رأيتموه قالوا منذ عشرة أيام فكشف الوزير فخذ إسماعيل فليس فيها أثر قالوا هذا عمل المسيح(ع) فقال الوزير نحن نعرف من عملها ثم احضره الوزير عند الخليفة فسأله عن القصة فحكى له ما جرى فأعطى له الف دينار فقال ما أجسر أن آخذ منه ذرّة فقال الخليفة ممن تخاف فقال من الذي فعل بي هذا قال لي لا تأخذ من أبي جعفر شيئاً. فبكى الخليفة ثم قال علي بن عيسى كنت احكي هذه القصة لجماعة عندي وكان شمس الدين ولده حاضراً عندي لا أعرفه قال أنا ابنه من صلبه فقلت: هل رأيت فخذ أبيك وهي مجروحة؟ قال: إني كنت صبياً في وقت جراحة فخذه، ولكن سمعت القصة من أبي واُمي واقربائي وجيراني ورأيت فخذه بعدما صلحت ولا أثر فيها ونبت في موضعها شعر وقال أيضاً: سألت السيد صفي الدين محمد بن محمد ونجم الدين حيدر بن الأيسر اخبراني بصحة هذه القصة وإنهما رأيا إسماعيل في مرضه وصحته وحكى لي ولده أن أباه ذهب إلى سامراء بعد صحته أربعين مرة طمعاً أن يعود له الوقت الذي رآه.
الثانية: حكى لي السيد باقي بن عطوة العلوي الحسني أن أباه عطوة لا يعترف بوجود الإمام المهدي(ع) ويقول إذا جاء الإمام فيبرئني من هذا المرض أصدق قولهم ويكرر هذا القول فبينما نحن مجتمعون وقت العشاء الأخيرة صاح ابونا فأتيناه سراعاً فقال: إلحقوا الإمام في هذه الساعة خرج من عندي فخرجنا فلم نر أحداً فجئنا إليه وقال أنه دخل اليّ شخص وقال: يا عطوة فقلت لبيك قال أنا المهدي قد جئت إليك أن اشفي مرضك ثم مد يده المبارك وعصر وركي وراح فصار مثل الغزال، قال علي بن عيسى سألت هذه القصة من غير ابنه فأقرّ بها».
ومن هنا فقد آمن بعض الأعلام من أهل السنّة بحياته وبقائه أو هو لازم كلامهم. وقد ذكر السيد صدر الدين الصدر بعضهم فقال:
«منهم: الشيخ محيي الدين العربي في الفتوحات على رواية الشيخ عبدالوهاب الشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر الذي تقدم عيناً نقله عن كتاب اسعاف الراغبين، فان كون المهدي بن الحسن العسكري بلا فصل كما هو صريح كلامه مع وفاة الإمام الحسن العسكري في سنة مائتين وستين لازمه حياة المهدي وبقاؤه حتى يظهر أو أنه يموت ثم يحييه الله تعالى بقدرته. ولا أظن ان الشيخ محيي الدين يرضى بان ينسب إليه الاحتمال الأخير.
ومنهم: الشيخ عبدالوهاب الشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر على ما في اسعاف الراغبين (ص ١٥٧) حيث قال: المهدي بن الإمام الحسن العسكري ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم هكذا اخبرني الشيخ حسن العراقي عن الإمام المهدي حين اجتمع به ووافقه على ذلك سيدي علي الخواص» انتهى.
ومنهم: الشيخ أبو عبدالله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان على ما نقله اسعاف الراغبين (ص ٢٢٧) قال: «ومن الأدلة على أن المهدي حيّ باق بعد غيبته إلى الآن وأنه لا امتناع في بقائه بقاء عيسى بن مريم والخضر وإلياس من أولياء الله تعالى وبقاء الأعور الدجال وابليس اللعين من أعداء الله تعالى وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنّة» انتهى.
ومنهم: الشيخ العارف الفاضل الخواجه محمد بارسا في كتابه فصل الخطاب على ما في ينابيع المودّة (ص ٤٥١) بعد ان ذكر ولادة المهدي المنتظر وان الله تعالى آتاه الحكمة وفصل الخطاب في سن الطفولية كما منّ على يحيى وعيسى بذلك قال: «وطوّل الله تبارك وتعالى عمره كما طوّل عمر الخضر(ع)». انتهى.
ومنهم: الشيخ صدر الدين القونوي في بعض وصاياه لتلامذته عند موته على ما في ينابيع المودة (ص ٤٦٩) حيث قال: «إن الكتب التي كانت لي من كتب الطب وكتب الحكماء وكتب الفلاسفة فبيعوها وتصدقوا بثمنها للفقراء وأما كتب التفسير والأحاديث والتصوف فاحفظوها في دار الكتب واقرأوا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) سبعين ألف مرة في الليلة وبلّغوا مني سلاماً إلى المهدي(ع).» انتهى.
أقول: يمكن أن يقال أن قوله ذلك لا يدل على وجود المهدي وحياته إذ ربما قال ذلك برجاء أن يدركوا ظهوره، ولكن الأول أظهر.
ومنهم: الشيخ سعد الدين الحموي على ما في ينابيع المودّة (ص ٤٧٤) نقلاً عن كتاب الشيخ عزيز بن محمد النسفي عند كلامه في ترتيب الأولياء وأن الله تعالى إختار في هذه الاُمة اثني عشر ولياً من أهل البيت فجعلهم خلفاء نبيّه المعظم(ص) إلى أن قال: «وأما آخر الأولياء الذي هو آخر خلفاء النبي والولي والنائب الثاني عشر وخاتم الأولياء فهو المهدي صاحب الزمان». انتهى.
ومنهم: الشيخ شهاب الدين الهندي المعروف بملك العلماء في كتابه هداية السعداء على ما في الدرر الموسوية، قال عند ذكره الأئمة الاثني عشر: التاسع يعني من ولد الحسين الإمام حجة الله القائم المهدي وهو غائب وله عمر طويل كما في المؤمنين عيسى وإلياس والخضر وفي الكافر الدجال والسامري. انتهى.
ومنهم الشيخ الكامل الشيخ محمد المعروف بخواجه بارسا في حاشية له على كتاب فصل الخطاب مضافاً إلى ما تقدم عنه على ما في الدرر الموسوية، حيث قال: وبه (يعني بالمهدي) ختمت الخلافة والإمامة وهو إمام منذ وفاة أبيه إلى يوم القيامة وعيسى يصلي خلفه ويصدقه ويدعو الناس إلى ملته وهي ملة النبي(ص). انتهى.
ومنهم: الشيخ المحدث الشهير ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري في شرح صحيح البخاري في كتابه (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر)قال: يتعين اعتقاد ما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر وهو الذي يخرج الدجال وينزل عيسى(ع) في زمنه وهو المراد حيث اطلق المهدي، وأما من قبله فليس واحد منهم هو المهدي المنتظر. انتهى. والشاهد قوله: من وجود المهدي المنتظر.
ومنهم: غير واحد من الفضلاء والعرفاء فإن الذي يظهر من أشعارهم العربية والفارسية المذكورة في ينابيع المودّة وغيره من بعض كتب المناقب أنهم يرون حياة المهدي المنتظر وأنه حي يرزق لوصفهم له بالولاية والإمامة والخلافة والنيابة عن النبي(ص)وأنه الواسطة في الفيوضات الإلهية(٨٧).
ج ـ ونعتمد في تقرير البيان الثالث على ما كتبه السيد الشهيد محمد باقر الصدر(ره) حيث كتب يقول:
«إن الغيبة تجربة عاشتها اُمّة من الناس فترة امتدت سبعين سنة تقريباً وهي فترة الغيبة الصغرى، ولتوضيح ذلك نمهد بإعطاء فكرة موجزة عن الغيبة الصغرى»(٨٨).
إن الغيبة الصغرى تُعبّر عن المرحلة الأولى من إمامة القائد المنتظر عليه الصلاة والسلام، فقد قُدّر لهذا الإمام منذ تسلّمه للإمامة أن يستتر عن المسرح العام ويظلُّ بعيداً باسمه عن الأحداث، وإن كان قريباً منها بقلبه وعقله، وقد لوحظ أن هذه الغيبة، إذا جاءت مفاجئة حققت صدمة كبيرة للقواعد الشعبية للإمامة في الأمة الإسلامية؛ لأن هذه القواعد كانت معتادة على الاتصال بالإمام في كل عصر، والتفاعل معه والرجوع إليه في حل المشاكل المتنوعة، فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية، سببت هذه الغيبة(٨٩) المفاجئة، الاحساس بفراغ دفعي هائل قد يعصف بالكيان كله ويشتت شمله، فكان لابد من تمهيد لهذه الغيبة؛ لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج، وتكيّف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها، وكان هذا التمهيد هو الغيبة الصغرى التي اختفى فيها الإمام المهدي عن المسرح العام، غير أنه كان دائم الصلة بقواعده وشيعته عن طريق وكلائه ونوابه والثقات من أصحابه الذين يشكلون همزة الوصل بينه وبين الناس المؤمنين بخطه الإمامي(٩٠).
وقد شَغَلَ مركز النيابة عن الإمام في هذه الفترة أربعة ممن أجمعت تلك القواعد على تقواهم وورعهم ونزاهتهم التي عاشوا ضمنها وهم كما يلي:
١ ـ عثمان بن سعيد العمري.
٢ ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري.
٣ ـ أبو القاسم الحسين بن روح.
٤ ـ أبو الحسن علي بن محمد السمري.
وقد مارس هؤلاء الأربعة(٩١) مهام النيابة بالترتيب المذكور، وكلما مات أحدهم خلفه الآخر الذي يليه بتعيين من الإمام المهدي عليه السلام.
وكان النائب يتصل بالشيعة ويحمل أسئلتهم إلى الإمام، ويعرض مشاكلهم عليه، ويحمل إليهم أجوبته شفهية أحياناً وتحريرية(٩٢) في كثير من الأحيان، وقد وجدت الجماهير التي فقدت رؤية إمامها العزاء والسلوة في هذه المراسلات والاتصالات غير المباشرة. ولاحظت أن كل التوقيعات والرسائل كانت ترد على الإمام المهدي عليه السلام بخط واحد وسليقة واحدة(٩٣) طيلة نيابة النواب الأربعة التي استمرت حوالي سبعين عاماً، وكان السمري هو آخر النواب، فقد أعلن عن انتهاء مرحلة الغيبة الصغرى التي تتميز بنواب معينين، وابتداء الغيبة الكبرى التي لا يوجد فيها أشخاص معينون بالذات للوساطة بين الإمام القائد والشيعة، وقد عبّر التحول من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى عن تحقيق الغيبة الصغرى لأهدافها وانتهاء مهمتها؛ لأنها حصّنت الشيعة بهذه العملية التدريجية عن الصدمة والشعور بالفراغ الهائل بسبب غيبة الإمام، واستطاعت أن تكيّف وضع الشيعة على أساس الغيبة، وتعدّهم بالتدريج لتقبل فكرة النيابة العامة عن الإمام، وبهذا تحولت النيابة من أفراد منصوصين(٩٤) إلى خط عام(٩٥)، وهو خط المجتهد العادل البصير بأمور الدنيا والدين، تبعاً لتحول الغيبة الصغرى إلى غيبة كبرى.
والآن بإمكانك أن تقدّر المواقف في ضوء ما تقدم، لكي تدرك بوضوح أن المهدي حقيقة عاشتها اُمة من الناس، وعبّر عنها السفراء والنواب طيلة سبعين عاماً من خلال تعاملهم مع الآخرين، ولم يلحظ عليهم أحدٌ، كل هذه المدة تلاعب في الكلام، أو تحايلاً في التصرف أو تهافتاً في النقل. فهل تتصور - بربّك - أن بإمكان اُكذوبة أن تعيش سبعين عاماً، ويمارسها أربعة على سبيل الترتيب كلهم يتفقون عليها، ويظلون يتعاملون على أساسها وكأنها قضية يعيشونها بأنفسهم ويرونها بأعينهم دون أن يبدر منهم أي شيء يثير الشك، ودون أن يكون بين الأربعة علاقة خاصة متميزة تتيح لهم نحواً من التواطؤ، ويكسبون من خلال ما يتصف به سلوكهم من واقعية ثقة الجميع، وإيمانهم بواقعية القضية التي يدّعون أنهم يحسونها ويعيشون معها؟!
لقد قيل قديماً: إنّ حبل الكذب قصير، ومنطق الحياة يثبت أيضاً أن من المستحيل عملياً بحساب الاحتمالات أن تعيش اُكذوبة بهذا الشكل، وكل هذه المدة، وضمن كلّ تلك العلاقات والأخذ والعطاء، ثم تكسب ثقة جميع من حولها.
وهكذا نعرف أن ظاهرة الغيبة الصغرى يمكن أن تعتبر بمثابة تجربة علمية لإثبات مالها من واقع موضوعي، والتسليم بالإمام القائد بولادته وحياته وغيبته(٩٦)، وإعلانه العام عن الغيبة الكبرى التي استتر بموجبها عن المسرح ولم يكشف نفسه لأحد)(٩٧).(٩٨)

الفصل الثالث: القيمة العقائدية أو المعطى الإنساني لمفهوم المهدوية في مدرسة أهل البيت(ع)

العقائد سواءاً كانت أرضية تعود في نشأتها إلى الإنسان، أو سماوية تعود في منشأها إلى الله سبحانه وتعالى، لابد وأن يكون لها مدلول إنساني، فإن كانت أرضية فهي ناشئة من ظروف الإنسان ومعبّرة عن تطلعاته ورغبته في التوصل إلى حياة أفضل، وإن كانت سماوية فهي تجسد رحمة الله سبحانه وتعالى بالإنسان وحبّه له وحرصه على إيصاله إلى ساحل السعادة، وهذا مما يقطع به المؤمن في أصل العقيدة الإسلامية سواء اتّضح له هذا المدلول الإنساني بنحو تفصيلي، أو بقيت تفاصيله مجملة مكنونة في طي الغيب.
والإنسان يتعامل مع العقائد تارة عقلياً من زاوية الدليل والبرهان، واُخرى حسياً من زاوية ما تحققه هذه العقائد من اغراض وما تقدمه من عطاء وحلول لمشاكل الإنسان في حياته اليومية. ومهما تكن هذه العقائد واضحة وأكيدة من زاوية الدليل والبرهان، فإن غموضها من الزاوية الإنسانية يجعلها مورد شك وترديد أو ـ على الأقل ـ نقطة غير فاعلة وغير مشعّة في النفس.
والعقيدة الإسلامية كعقيدة سماوية ليس بوسعنا أن نتوقع منها أن تفصح عن اغراضها الإنسانية بنحو تفصيلي، لأن البيان التفصيلي يؤدي إلى تركيز الناحية الحسّية في الشخصية الإنسانية ويتنافى مع الشأن الأساسي للعقيدة المتمثل باجلاء الناحية العقلية وتركيز الناحية الروحية في الشخصية الإنسانية، ولذا فمن الطبيعي أن تكتفي هذه العقيدة ببيان الحد الأدنى وبنحو كلّي لأغراضها الإنسانية، مثل قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(٩٩).
لكنها في الوقت نفسه تحث الإنسان المؤمن باتجاه التعقل والتدبّر المفضي في النتيجة إلى تصيّد الحِكَم المحتملة والأغراض الإنسانية التفصيلية المتوقعة في مختلف الجهات العقائدية والتشريعية من الإسلام.
ونحن قد درسنا المسألة المهدوية من زاوية الدليل والبرهان، واتضح أن مفهوم مدرسة أهل البيت عن المهدوية بالقياس إلى مفهوم مدرسة المذاهب الأربعة عنها من ناحية الدليل والبرهان يمثل هذه المسألة في مستواها الأكمل والأتم.
وكمالها في المجال العقائدي والبرهاني يقتضي ويؤدي بنا إلى الاعتقاد بكمالها في ما تقدمه من معطيات انسانية، والمفارقة التي تؤدي بالكثيرين إلى التشكيك وإثارة الشبهات حول مفهوم المهدوية عند أهل البيت تعود إلى أن هؤلاء لا ينظرون إلى زاوية الدليل والبرهان بقدر ما يركّزون على الناحية الإنسانية التي تجعلهم يتساءلون:
ما هي الثمرة المترتبة على الاعتقاد بمفهوم عن المهدوية يتصف بمعاني غيبية غير مألوفة كالغيبة، والعمر الطويل، والإمامة المبكرة؟ وحينما لا يتوصلون إلى جواب كاف وتبقى الناحية الإنسانية لهذا المفهوم محاطة بالغموض والإبهام يدفعهم الجهل بها، والعجز عن تصورها إلى إنكار هذا المفهوم واتهامه بالغلو والخيال، والاستعاضة عنه بمفهوم آخر للمهدوية يخلو من هذه الأبعاد، ولا يتطلب كلفة غيبية كبيرة، دون أن يعلموا أ نّهم بعملهم هذا قد انتقلوا من الكمال إلى النقص، وأن اعتراضهم على هذه الأبعاد الغيبية إنّما هو اعتراض على الجوهر الغني لمفهوم المهدوية في الإسلام، فضلاً عن مخالفته للناحية المنطقية التي تقتضي في باب الاعتقاد متابعة الدليل والبرهان أينما إتجها، لا تحريفهما باتجاه ما تقتضيه الأهواء والأغراض والاعتقادات الشخصية.
ولو أنهم تدبروا في مفهوم أهل البيت(ع) عن المهدوية لوجدوه في ناحيته الإنسانية أكمل من مفهوم مدرسة الخلفاء عنها، وقد تكفل السيد الشهيد الصدر ببيان هذه الناحية بياناً رائعاً حيث كتب يقول(١٠٠):
«ونتناول الآن السؤال الثاني، وهو يقول: لماذا كل هذا الحرص من الله سبحانه وتعالى على هذا الإنسان بالذات، فتعطل من أجله القوانين الطبيعية لإطالة عمره؟ ولماذا لا تترك قيادة اليوم الموعود لشخص يتمخض عنه المستقبل، وتنضجه إرهاصات اليوم الموعود فيبرز على الساحة ويمارس دوره المنتظر.
وبكلمة اُخرى: ما هي فائدة هذه الغيبة الطويلة وما المبرر لها؟
وكثير من الناس يسألون هذا السؤال وهم لا يريدون أن يسمعوا جوابا غيبيا، فنحن نؤمن بأن الأئمة الاثني عشر مجموعة فريدة(١٠١) لا يمكن التعويض عن أي واحد منهم، غير أن هؤلاء المتسائلين يطالبون بتفسير اجتماعي للموقف، على ضوء الحقائق المحسوسة لعملية التغيير الكبرى نفسها والمتطلبات المفهومة لليوم الموعود.
وعلى هذا الاساس نقطع النظر مؤقتا عن الخصائص التي نؤمن بتوفرها في هؤلاء الائمة المعصومين(١٠٢)، ونطرح السؤال التالي:
إننا بالنسبة إلى عملية التغيير المرتقبة في اليوم الموعود، بقدر ما تكون مفهومة على ضوء سنن الحياة وتجاربها، هل يمكن أن نعتبر هذا العمر الطويل لقائدها المدّخر عاملاً من عوامل إنجاحها، ويمكنه من ممارستها وقيادتها بدرجة أكبر؟
ونجيب عن ذلك بالإيجاب، وذلك لعدة أسباب منها ما يلي:
إن عملية التغيير الكبرى تتطلب وضعاً نفسياً فريداً في القائد الممارس لها، مشحوناً بالشعور.. بالتفوق والاحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي أعد للقضاء عليها، وتحويلها حضارياً إلى عالم جديد.
فبقدر ما يعمر قلب القائد المغير من شعور بتفاهة الحضارة التي يصارعها، واحساس واضح بأنها مجرد نقطة على الخط الطويل لحضارة الإنسان، يصبح أكثر قدرة من الناحية النفسية(١٠٣) على مواجهتها والصمود في وجهها ومواصلة العمل ضدها حتى النصر.
ومن الواضح أن الحجم المطلوب من هذا الشعور النفسي يتناسب مع حجم التغيير نفسه، وما يراد القضاء عليه من حضارة وكيان، فكلما كانت المواجهة لكيان اكبر ولحضارة ارسخ واشمخ تطلبت زخماً أكبر من هذا الشعور النفسي المفعم.
ولما كانت رسالة اليوم الموعود تغيير عالم مليء بالظلم وبالجور، تغييراً شاملاً بكل قِيَمه الحضارية وكياناته المتنوعة، فمن الطبيعي أن تفتش هذه الرسالة عن شخص أكبر في شعوره النفسي من ذلك العالم كله، عن شخص ليس من مواليد ذلك العالم الذين نشأوا في ظل تلك الحضارة التي يراد تقويضها واستبدال حضارة العدل والحق بها؛ لأن من ينشأ في ظل حضارة راسخة، تعمر الدنيا بسلطانها وقيمها وأفكارها، يعيش في نفسه الشعور بالهيبة تجاهها؛ لأنه ولد وهي قائمة، ونشأ صغيراً وهي جبارة، وفتح عينيه على الدنيا فلم يجد سوى أوجهها المختلفة.
وخلافاً لذلك، شخص يتوغل في التاريخ عاش الدنيا قبل أن ترى تلك الحضارة النور، ورأى الحضارات الكبيرة سادت العالم الواحدة تلو الاُخرى ثم تداعت وانهارت(١٠٤)، رأى ذلك بعينيه ولم يقرأه في كتاب تاريخ..
ثم رأى الحضارة التي يقدر لها أن تكون الفصل الأخير من قصة الإنسان قبل اليوم الموعود، رآها وهي بذور صغيرة لا تكاد تتبين.
ثم شاهدها وقد اتخذت مواقعها في احشاء المجتمع البشري تتربص الفرصة لكي تنمو وتظهر..
ثم عاصرها وقد بدأت تنمو وتزحف وتصاب بالنكسة تارة ويحالفها التوفيق تارة اُخرى..
ثم واكبها وهي تزدهر وتتعملق وتسيطر بالتدريج على مقدرات عالم بكامله، فإن شخصاً من هذا القبيل عاش كل هذه المراحل بفطنة وانتباه كاملين ينظر إلى هذا العملاق ـ الذي يريد أن يصارعه ـ من زاوية ذلك الامتداد التاريخي الطويل الذي عاشه بحسه لا في بطون كتب التاريخ فحسب، ينظر إليه لا بوصفه قدراً محتوماً، ولا كما كان ينظر (جان جاك روسو)(١٠٥) إلى الملكية في فرنسا، فقد جاء عنه أنه كان يرعبه مجرد أن يتصور فرنسا بدون ملك، على الرغم من كونه من الدعاة الكبار فكرياً وفلسفياً إلى تطوير الوضع السياسي القائم وقتئذ؛ لأن (روسو) هذا نشأ في ظل الملكية، وتنفس هواءها طيلة حياته، وأما هذا الشخص المتوغل في التاريخ، فله هيبة التاريخ، وقوة التاريخ، والشعور المفعم بأن ما حوله من كيان وحضارة وليد يوم من أيام التاريخ، تهيأت له الأسباب فوجد، وستتهيأ الأسباب فيزول، فلا يبقى منه شيء كما لم يكن يوجد منه شيء بالأمس القريب أو البعيد، وأن الأعمار التاريخية للحضارات والكيانات مهما طالت فهي ليست إلاّ أيّاماً قصيرة في عمر التاريخ الطويل.
هل قرأت سورة الكهف؟
وهل قرأت عن أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم الله هدى(١٠٦)؟ وواجهوا كياناً وثنياً حاكماً، لا يرحم ولا يتردد في خنق أي بذرة من بذور التوحيد والارتفاع عن وحدة الشرك، فضاقت نفوسهم ودبّ إليها اليأس وسدت منافذ الأمل أمام أعينهم، ولجأوا إلى الكهف يطلبون من الله حلاً لمشكلتهم بعد أن أعيتهم الحلول، وكبر في نفوسهم أن يظل الباطل يحكم ويظلم ويقهر الحق ويصفى كل من يخفق قبله للحق.
هل تعلم ماذا صنع الله تعالى بهم؟
إنه أنامهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين(١٠٧) بعد أن كان ذلك الكيان الذي بهرهم بقوته وظلمه قد تداعى وسقط، وأصبح تاريخاً لا يرعب أحداً ولا يحرك ساكناً، كل ذلك لكي يشهد هؤلاء الفتية مصرع ذلك الباطل الذي كبر عليهم امتداده وقوته واستمراره، ويروا إنتهاء أمره بأعينهم ويتصاغر الباطل في نفوسهم.
ولئن تحققت لأصحاب الكهف هذه الرؤية الواضحة بكل ما تحمل من زخم وشموخ نفسيين من خلال ذلك الحدث الفريد الذي مدد حياتهم ثلاثمائة سنة، فإن الشيء نفسه يتحقق للقائد المنتظر من خلال عمره المديد الذي يتيح له أن يشهد العملاق وهو قزم والشجرة الباسقة وهي بذرة، والاعصار وهو مجرد نسمة(١٠٨)، اضف إلى ذلك، أن التجربة التي تتيحها مواكبة تلك الحضارات المتعاقبة، والمواجهة المباشرة لحركتها وتطوراتها لها أثر كبير في الإعداد الفكري وتعميق الخبرة القيادية لليوم الموعود؛ لأنها تضع الشخص المدخر أمام ممارسات كثيرة للآخرين بكل ما فيها من نقاط الضعف والقوة، ومن ألوان الخطأ والصواب، وتعطي لهذا الشخص قدرة أكبر على تقييم الظواهر الاجتماعية بالوعي الكامل على أسبابها، وكل ملابساتها التاريخية.
ثم إن عملية التغيير المدخرة للقائد المنتظر تقوم على أساس رسالة معينة هي رسالة الإسلام، ومن الطبيعي أن تتطلب العملية في هذه الحالة قائداً قريباً من مصادر الإسلام الاُولى، قد بنيت شخصيته بناءاً كاملاً بصورة مستقلة ومنفصلة عن مؤثرات الحضارة التي يقدر لليوم الموعود أن يحاربها.
وخلافاً لذلك، الشخص الذي يولد وينشأ في كنف هذه الحضارة وتتفتح افكاره ومشاعره في إطارها، فإنه لا يتخلص غالبا من رواسب تلك الحضارة ومرتكزاتها، وإن قاد حملة تغييرية ضدها.
فلكي يضمن عدم تأثر القائد المدخر بالحضارة التي اُعد لاستبدالها، لا بد أن تكون شخصيته قد بنيت بناءاً كاملاً في مرحلة حضارية سابقة هي أقرب ما تكون في الروح العامة ومن ناحية المبدأ إلى الحالة الحضارية التي يتجه اليوم الموعود إلى تحقيقها بقيادته»(١٠٩).
ثم يطرح سماحته(ره) بعد ذلك سؤالاً آخراً مرتبط بالناحية الانسانية من العقيدة المهدوية وهو لماذا لم يظهر القائد العالمي طيلة هذه المدة؟ وإذا كان قد أعد نفسه للعمل الاجتماعي، فما الذي منعه عن الظهور على المسرح في فترة الغيبة الصغرى أو في اعقابها بدلاً عن تحويلها إلى غيبة كبرى حيث كانت ظروف العمل الاجتماعي والتغييري وقتئذ أبسط وأيسر، وكانت صلته الفعلية بالناس من خلال تنظيمات الغيبة الصغرى تتيح له أن يجمع صفوفه ويبدأ عمله بداية قوية، ولم تكن القوى الحاكمة من حوله قد بلغت الدرجة الهائلة من القدرة والقوة التي بلغتها الإنسانية بعد ذلك من خلال التطور العلمي والصناعي(١١٠)؟
«والجواب: أن كل عملية تغيير اجتماعي يرتبط نجاحها بشروط وظروف موضوعية لا يتأتى لها أن تحقق هدفها إلاّ عندما تتوفر تلك الشروط والظروف.
وتتميز عمليات التغيير الاجتماعي التي تفجرها السماء على الأرض بأنها لا ترتبط في جانبها الرسالي بالظروف الموضوعية(١١١)، ولكنها في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية ويرتبط نجاحها وتوقيتها بتلك الظروف. ومن أجل ذلك انتظرت السماء مرور خمسة قرون من الجاهلية حتى أنزلت آخر رسالاتها على يد النبي محمد(ص)؛ لأن الارتباط بالظروف الموضوعية للتنفيذ كان يفرض تأخرها على الرغم من حاجة العالم إليها منذ فترة طويلة قبل ذلك.
والظروف الموضوعية التي لها أثر في الجانب التنفيذي من عملية التغيير، منها ما يشكل المناخ المناسب والجو العام للتغيير المستهدف، ومنها ما يشكل بعض التفاصيل التي تتطلبها حركة التغيير من خلال منعطفاتها التفصيلية.
فبالنسبة إلى عملية التغيير التي قادها ـ مثلاً ـ لينين في روسيا بنجاح، كانت ترتبط بعامل من قبيل قيام الحرب العالمية الاُولى وتضعضع القيصرية، وهذا ما يساهم في إيجاد المناخ المناسب لعملية التغيير، وكانت ترتبط بعوامل اُخرى جزئية ومحدودة من قبيل سلامة لينين مثلاً في سفره الذي تسلل فيه إلى داخل روسيا وقاد الثورة، إذ لو كان قد اتفق له أي حادث يعيقه لكان من المحتمل أن تفقد الثورة بذلك قدرتها على الظهور السريع على المسرح.
وقد جرت سنة الله تعالى التي لا تجد لها تحويلاً في عمليات التغيير الرباني على التقيد من الناحية التنفيذية بالظروف الموضوعية التي تحقق المناخ المناسب والجو العام لإنجاح عملية التغيير، ومن هنا لم يأت الإسلام إلاّ بعد فترة من الرسل وفراغ مرير استمر قروناً من الزمن.
فعلى الرغم من قدرة الله – سبحانه وتعالى – على تذليل كل العقبات والصعاب في وجه الرسالة الربانية، وخلق المناخ المناسب لها خلقاً بالاعجاز، لم يشأ أن يستعمل هذا الأسلوب؛ لأن الامتحان والابتلاء والمعاناة التي من خلالها يتكامل الإنسان، يفرض على العمل التغييري الرباني أن يكون طبيعياً وموضوعياً من هذه الناحية، وهذا لا يمنع من تدخل الله – سبحانه وتعالى – أحياناً فيما يخص بعض التفاصيل التي لا تكون المناخ المناسب، وإنما قد يتطلبها أحياناً التحرك ضمن ذلك المناخ المناسب، ومن ذلك الامتدادات والعنايات الغيبية التي يمنحها الله تعالى لأوليائه في لحظات حرجة فيحمي بها الرسالة، وإذا بنار نمرود تصبح برداً وسلاماً على إبراهيم(١١٢)، وإذا بيد اليهودي الغادر التي ارتفعت بالسيف على رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشل وتفقد قدرتها على الحركة(١١٣)، وإذا بعاصفة قوية تجتاح مخيمات الكفار والمشركين الذين أحدقوا بالمدينة في يوم الخندق وتبعث في نفوسهم الرعب(١١٤)، إلا أن هذا كله لا يعدو التفاصيل وتقديم العون في لحظات حاسمة بعد أن كان الجو المناسب، والمناخ الملائم لعملية التغيير على العموم قد تكون بالصورة الطبيعية ووفقا للظروف الموضوعية.
وعلى هذا الضوء ندرس موقف الإمام المهدي(ع) لنجد أن عملية التغيير التي اُعد لها ترتبط من الناحية التنفيذية كأي عملية تغيير اجتماعي اخرى بظروف موضوعية تساهم في توفير المناخ الملائم لها، ومن هنا كان من الطبيعي أن توقت وفقاً لذلك.
ومن المعلوم أن المهدي لم يكن قد أعد نفسه لعمل اجتماعي محدود، ولا لعملية تغيير تقتصر على هذا الجزء من العالم أو ذاك؛ لأن رسالته التي ادخر لها من قبل الله ـ سبحانه وتعالى ـ هي تغيير العالم تغييراً شاملاً، وإخراج البشرية كل البشرية من ظلمات الجور إلى نور العدل(١١٥)، وعملية التغيير الكبرى هذه لا يكفي في ممارستها مجرد وصول الرسالة والقائد الصالح وإلاّ لتمت شروطها في عصر النبوة بالذات، وإنما تتطلب مناخاً عالمياً مناسباً، وجواً عاماً مساعداً، يحقق الظروف الموضوعية المطلوبة لعملية التغيير العالمية فمن الناحية البشرية يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاد عاملاً أساسياً في خلق ذلك المناخ المناسب لتقبل رسالة العدل الجديدة، وهذا الشعور بالنفاد يتكون ويترسخ من خلال التجارب الحضارية المتنوعة التي يخرج منها إنسان الحضارة مثقلاً بسلبيات ما بنى، مدركاً حاجته إلى العون، ملتفتاً بفطرته إلى الغيب أو إلى المجهول.
ومن الناحية المادية يمكن أن تكون شروط الحياة المادية الحديثة أقدر من شروط الحياة القديمة في عصر كعصر الغيبة الصغرى على إنجاز الرسالة على صعيد العالم كله، وذلك بما تحققه من تقريب المسافات، والقدرة الكبيرة على التفاعل بين شعوب الأرض، وتوفير الأدوات والوسائل التي يحتاجها جهاز مركزي لممارسة توعية لشعوب العالم وتثقيفها على أساس الرسالة الجديدة.
وأما ما اُشير إليه في السؤال من تنامي القوى والأداة العسكرية التي يواجهها القائد في اليوم الموعود كلما أجل ظهوره، فهذا صحيح، ولكن ماذا ينفع نمو الشكل المادي للقوة مع الهزيمة النفسية من الداخل، وانهيار البناء الروحي للإنسان الذي يملك كل تلك القوى والأدوات؟ وكم من مرة في التاريخ إنهار بناء حضاري شامخ بأول لمسة غازية؛ لأنه كان منهاراً قبل ذلك، وفاقداً الثقة بوجوده والقناعة بكيانه والاطمئنان إلى واقعه»(١١٦) انتهى ما أفاده(ره).
وبإمكاننا أن نتناول المعطى الإنساني للمهدوية في مفهوم أهل البيت(ع) من زاوية اُخرى.
فنقول:
إن الاعتقاد بمهدوية غائبة عن الأنظار لكنها حية ومؤثرة في مجريات الأحداث لصالح الجماعة المؤمنة، وهي تحمل كل خصائص الإمامة من العصمة والنص النبوي والكمال العلمي والعملي، من شأنه أن يشيع في المجتمع أجواء هذه الإمامة ونفحاتها المعنوية والروحية الرفيعة، ويشبع الإنسان بإحساس طيب بتواصل الصلة بين الأرض والسماء، واستمرار الرعاية السماوية للأرض، وتحويل ذلك إلى معان محسوسة أكثر فاعلية في النفس، بعد ما كانت في اُصولها العقائدية معان معقولة، ويكرس في الساحة الاجتماعية والسياسية حاكمية التوحيد، ويجعلها حاكمية قريبة من الحسّ الإنساني، بوصف أن المهدوية الغائبة ليست شخصاً عادياً وإنما هي الإمام الثاني عشر المعين سماوياً ليشغل موقع الإمامة حتى نهاية التاريخ، صحيح أن الناس لا يباشرونه حسياً، لكن الاعتقاد بكونه حقيقة حسية يقصر احساسنا عن ادراكها يجعل النفس في حالة تفاعل روحي إيجابي مع خط الإمامة الإلهية المعصومة بما هو تعبير وامتداد لحاكمية التوحيد في الأرض.
ويشتد هذا التفاعل أكثر حينما تعبر المهدوية المعصومة الغائبة عن نفسها تعبيراً سياسياً بارزاً من خلال مبدأ النيابة الخاصة في فترة الغيبة الصغرى ومبدأ النيابة العامة للفقهاء في فترة الغيبة الكبرى كقيادة سياسية شرعية للمجتمع الإسلامي بما يحفظ للإمامة موقعها السامي كمشرف يراقب التجربة السياسية والاجتماعية وينصرها، وكمنبع يمدها بالشرعية حينما يجدها متطابقة مع الإسلام.
ومن مجموع هذه البيانات يتجلى بوضوح معنى الكمال فيما يقدمه المفهوم المهدوي عند أهل البيت(ع) من معطى إنساني وهو معطى ينسجم تماماً مع جوهر الفكرة المهدوية، فإن المهدوية المعصومة الغائبة مهدوية متحركة ومؤثرة وإيجابية بالنسبة إلى الواقع الإنساني بينما المهدوية في مفهوم أهل السنة ليس لها تأثير في الواقع الإنساني، وهي ليست أكثر من تنبؤ مستقبلي. وكأن مهدوية أهل البيت(ع) تتكفل بتحقيق ما تعد به من خلال تحريك الواقع الإنساني والتفاعل الإيجابي معه.
وهذا بذاته خير ما يوضح المعنى الإيجابي لمفهوم الانتظار، فإن انتظار الفرج ليس سكوتاً وانهزاماً، وإنما هو روح إيجابية فعالة باتجاه التغيير المطلوب مهدوياً.

نتيجة البحث

وفي نهاية المطاف يمكننا استخلاص نتائج البحث بالنقاط التالية:
١ ـ إن الدين هو التعبير الأكمل عن الحقائق الإنسانية، والإسلام هو التعبير الأكمل عن الحقائق الدينية، والتشيّع هو التعبير الأكمل عن الحقائق الإسلامية وبالتالي، فمهدوية أهل البيت(ع) هي أكمل تعبير عن أصل المهدوية الذي أجمع المسلمون على الاعتقاد به.
٢ ـ ان جوهر الفرق بين مهدوية أهل البيت(ع) ومهدوية الجمهور من علماء المسلمين يعود الى مسألة الإمامة، فالمهدي في مدرسة أهل البيت(ع) هو الإمام الثاني عشر(ع)، بينما هو في مدرسة الجمهور مسألة مستقبلية صرفة؟
٣ ـ ولما كانت المسألة المهدوية عند أهل البيت(ع) هي مسألة الإمام الثاني عشر الذي لا إمام للبشرية بعده، من هنا فقد اتّصف المفهوم المهدوي عندهم(ع) بثلاث خصائص هي: ولادة الإمام المهدي (عج) بنحو سرّي ومكتوم، وإمامته المبكرة، وغيبته المستلزمة لعمر مفتوح مع امتداد الزمن، وهذه الخصائص ثابتة بثبوت أصل الإمامة الاثني عشرية المعصومة الذي تفرعت عليه، فضلاً عن الأدلة التفصيلية التي مر ذكرها واحداً بعد الآخر.
٤ ـ إن هذه الخصائص الثلاثة ليست ثابتة بأدلة عقائدية وعقلية ووجدانية كافية ولا يلزم منها أي ايراد عقلي أو ديني فقط، وإنّما هي التي تمنح معنى الكمال للمفهوم المهدوي وتجعله مفهوماً ذا قيمة عقائدية ومعطيات انسانية عالية وخلاّقة على الساحة الاجتماعية تتكامل وتنسجم مع معطيات أصل الدين في الحياة الإنسانية.


 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) راجع معجم أحاديث الإمام المهدي(ع): ١، أحاديث النبي(ص).
(٢) مسند الإمام أحمد: ١/٨٤ ح ٦٤٦ وابن أبي شيبة: ٨/٦٧٨، كتاب ٤٠ باب ٢ ح ١٩٠، وابن ماجة ونعيم بن حماد في الفتن عن علي(ع) قال: قال رسول الله(ص): «المهدي منّا أهل البيت يُصلحه الله في ليلة».
راجع: سنن ابن ماجة: ٢ / ١٣٦٧ / ح ٤٠٨٥، والحاوي للفتاوي / السيوطي ٢: ٢١٣ و٢١٥ وفيه، أيضاً: أخرج أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود، عن علي، عن النبي(ص) قال: «لو لم يبق من الدهر إلاّ يومٌ لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً»، وراجع: صحيح سنن المصطفى ٢: ٢٠٧.
وراجع: معجم أحاديث الإمام المهدي(ع) ١: ١٤٧ وما بعدها إذ ينقل أحاديث كثيرة عن الصحاح والمسانيد في هذا المعنى. وراجع: موسوعة الإمام المهدي(ع) / ترتيب مهدي فقيه إيماني، الجزء الأول، وفيها نُقول مصوّرة عن عشرات الكتب لعلماء السنّة ومحدّثيهم في المهدي وصفاته وما يتعلق به وفيها نسخة مصورة عن محاضرة الشيخ العباد حول ما جاء من الأحاديث والآثار في المهدي(ع).
(٣) الحاوي للفتاوي / السيوطي جلال الدين ٢: ٢١٤، قال: وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن اُمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله(ص) يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة». وراجع صحيح سنن المصطفى لأبي داود ٢: ٢٠٨، وسنن ابن ماجة: ٢/١٣٦٨ / ح ٤٠٨٦.
(٤) حديث المهدي من ذرية الحسين(ع) كما في المصادر الآتية على ما نقل في معجم أحاديث المهدي وهي: الأربعون حديثاً لأبي نعيم الأصفهاني كما في عقد الدرر للمقدسي الشافعي، وأخرجه الطبراني في الأوسط على ما في المنار المنيف لابن القيم، وفي السيرة الحلبية ١: ١٩٣، وفي القول المختصر لابن حجر الهيثمي. راجع منتخب الأثر للشيخ لطف الله الصافي في ما نقله من كتب الشيعة. وراجع دلائل ضعف الرواية التي تقول بأ نّه من ولد الإمام الحسن(ع) كتاب السيد العميدي (دفاع عن الكافي ١: ٢٩٦).
(٥) راجع الرواية التي تنص على أ نّه التاسع من ولد الحسين(ع) في: ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي: ٤٩٢، وفي مقتل الإمام الحسين للخوارزمي ١: ١٩٦، وفي فرائد السمطين للجويني الشافعي ٢: ٣١٠ ـ ٣١٥ الأحاديث من ٥٦١ ـ ٥٦٩، وراجع منتخب الأثر للعلاّمة الشيخ الصافي إذ خرّجها من طرق الفريقين.
(٦) حديث «الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش» أو «لا يزال هذا الدين قائماً ما وليه اثنا عشر كلهم من قريش».
هذا الحديث متواتر، روته الصحاح والمسانيد بطرق متعددة وإن اختلف في متنه قليلاً، نعم، اختلفوا في تأويله واضطربوا. راجع: صحيح البخاري ٩: ١٠١ كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف. صحيح مسلم ٦: ٤ كتاب الإمارة باب الاستخلاف. مسند أحمد ٥: ٩٠، ٩٣، ٩٧.
(٧) راجع الغيبة الكبرى للسيد محمد الصدر: ٢٧٢ وما بعدها.
(٨) راجع التاج الجامع للاُصول ٣: ٤٠ قال: رواه الشيخان والترمذي، وراجع في تحقيق الحديث وطرقه وأسانيده كتاب الإمام المهدي(ع) ـ علي محمد علي دخيل.
(٩) صحيح البخاري / المجلد الثالث ٩: ١٠١، كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
(١٠) راجع: التاج الجامع للاُصول ٣: ٤٠، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة...»، وراجع سنن أبي داود ٢: ٢٠٧.
(١١) راجع: التاج الجامع للاُصول ٣: ٤٠، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة...»، وراجع سنن أبي داود ٢: ٢٠٧.
(١٢) راجع: التاج الجامع للاُصول ٣: ٤٠، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة...»، وراجع سنن أبي داود ٢: ٢٠٧.
(١٣) مسند الإمام أحمد: ٦ / ٩٩، ح ٢٠٣٥٩.
(١٤) المستدرك على الصحيحين ٣: ٦١٨.
(١٥) إشارة الى قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) النجم: ٥٣/٣ ـ ٤.
(١٦) تقدم تخريج الحديث.
(١٧) اضطرب العلماء في تأويله بعد اطباقهم على صحته، وما أوردوه من مصاديق لا يمكن قبولها، بل إن بعضها غير معقول تماماً كإدخالهم يزيد بن معاوية المجاهر بالفسق، المحكوم بالمروق والكفر أو من هو على شاكلته.
(١٨) بحث حول المهدي: ١٠٥ ـ ١٠٧ بتحقيق الدكتور عبدالجبار شرارة.
(١٩) صحيح مسلم: ٦ /٣ كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش.
(٢٠) راجع صحيح البخاري ٤: ١٦٤ ـ كتاب الأحكام، باب الاستخلاف، مسند أحمد: ٦/٩٤، الأحاديث ٣٢٥، ٢٠٣٦٦، ٢٠٣٦٧، ٢٠٤١٦، ٢٠٤٤٣، ٢٠٥٠٣، ٢٠٥٣٤، سنن أبي داود ٤: ١٠٦ / ٤٢٧٩ ـ ٤٢٨٠، المعجم الكبير / الطبراني ٢: ٢٣٨ / ١٩٩٦، سنن الترمذي ٤: ٥٠١، مستدرك الحاكم ٣: ٦١٨، حلية الأولياء / أبو نعيم ٤: ٣٣٣، فتح الباري ١٣: ٢١١، صحيح مسلم بشرح النووي ١٢: ٢٠١، البداية والنهاية / ابن كثير ١: ١٥٣ تفسير ابن كثير ٢: ٢٤ ـ في تفسير الآية ١٢ من سورة المائدة، كتاب السلوك في دول الملوك / المقريزي ١: ١٣ ـ ١٥ من القسم الأول، شرح الحافظ ابن قيم الجوزية على سنن أبي داود ١١: ٣٦٣ / شرح الحديث ٤٢٥٩، شرح العقيدة الطحاوية ٢: ٧٣٦، الحاوي للفتاوى / السيوطي ٢: ٨٥، عون المعبود شرح سنن أبي داود / العظيم آبادي ١١: ٣٦٢ / شرح الحديث ٤٢٥٩، مشكاة المصابيح / التبريزي ٣: ٣٢٧ / ٥٩٨٣، السلسلة الصحيحة / الألباني حديث رقم: ٣٧٦، كنز العمال ١٢: ٣٢ / ٣٣٨٤٨ و١٢: ٣٣ / ٣٣٨٥٨ و١٢: ٣٤ / ٣٣٨٦١.
كما أخرج هذا الحديث محدّثوا الشيعة أيضاً نذكر منهم الصدوق في كمال الدين ١: ٢٧٢. والخصال ٢: ٤٦٩ و٤٧٥، وقد تابع طرق الحديث ورواته من الصحابة في إحقاق الحق ١٣: ١ ـ ٥٠.
(٢١) تفسير القرآن الكريم، ابن كثير: ٢ / ٣٤ ـ في تفسير الآية ١٢ من سورة المائدة.
(٢٢) شرح العقيدة الطحاوية / القاضي الدمشقي ٢: ٧٣٦.
(٢٣) عون المعبود في شرح سنن أبي داود: ١١/ ٢٤٦ شرح الحديث ٤٢٧، كتاب المهدي، ط دار الكتب العلمية.
(٢٤) عون المعبود في شرح سنن أبي داود: ١١/ ٢٤٥.
(٢٥) المصدر السابق: ٢٤٤.
(٢٦) السلوك لمعرفة دول الملوك: ١ / ١٣ ـ ١٥ القسم الأول.
(٢٧) الحاوي للفتاوي: ٢/٨٥.
(٢٨) كنز العمال ١٢: ٣٤ / ٣٣٨٦١، أخرجه ابن النجار، عن أنس.
(٢٩) المصدر السابق: ١٢ / ٣٢، حديث ٣٣٨٤٨.
(٣٠) راجع الغدير للعلاّمة الأميني ١: ٢٦ ـ ٢٧، فقد ذكر ذلك مخرجاً عن كتب أهل السنّة.
(٣١) فرائد السمطين ٢: ٣١٣، ح ٥٦٤.
(٣٢) الغدير والمعارضون / السيد جعفر مرتضى العاملي: ٧٠ ـ ٧٢.
(٣٣) ينابيع المودّة: ٣ / ١٠٤ باب ٧٧.
(٣٤) اُصول الكافي ١: ٣٢٨ / ٢ ـ كتاب الحجّة باب الإشارة والنص الى صاحب الدار.
(٣٥) اُصول الكافي ١: ٣٣٠ / ٣ ـ كتاب الحجة، باب تسمية من رآه(عليه السلام).
(٣٦) كمال الدين ٢: ٤٢٤ / ١ ـ باب ٤٢.
(٣٧) من هو المهدي/ أبو طالب تجليل التبريزي: ٤٦٠ ـ ٥٠٦.
(٣٨) كمال الدين: ٢ / ٤٤٢ باب ٤٣، وبحار الأنوار: ٥٢ / ٣٠ باب ٢٦.
(٣٩) الإرشاد / الشيخ المفيد، ٢: ٣٣٦.
(٤٠) دفاع عن الكليني: ١ / ٥٦٧ ـ ٥٦٨ لحسن هاشم ثامر العميدي.
(٤١) إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب (عُجِّلَ فرجه) الشيخ علي اليزدي الحائري ١: ٣٢١ ـ ٤٤٠.
(٤٢) المهديّ المنتظر في نهج البلاغة / الشيخ مهدي فقيه إيماني: ١٦ ـ ٣٠.
(٤٣) الإمام الثاني عشر / السيد محمد سعيد الموسوي: ٢٧ ـ ٧٠ وقد استدرك عليه محقق الكتاب ثلاثين رجلاً من أهل السنّة كما في هامش المصدر: ٧٢ ـ ٨٩، المهديّ الموعود المنتظر عند أهل السنّة والإمامية/ الشيخ نجم الدين العسكري ١: ٢٢٠ ـ ٢٢٦.
(٤٤) دفاع عن الكليني ١: ٥٦٨.
(٤٥) انظر اُصول الكافي: ١ / ٤٢١ / ١ ـ كتاب الحجّة، باب مولد أبي محمد الحسن بن علي(ع)، كمال الدين: ١/٤٠ ـ مقدمة المصنف،، الإرشاد: ٢/٣٢١، إعلام الورى بأعلام الهدى / الفضل بن الحسن الطبري: ٣٥٧، انظر كذلك كمال الدين: ٢ / ٤٧٥ باب / ٤٣ من شاهد القائم(ع).
(٤٦) مريم: ١٩ / ١٢.
(٤٧) الصواعق المحرقة: ٢٥٦، دار الكتب العلمية.
(٤٨) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ٢٥٣، والإرشاد للشيخ المفيد: ٢ / ٢٧٤ وما بعدها.
(٤٩) التتمة في تواريخ الأئمة / السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسسة البعثة ـ قم، وراجع: الصواعق المحرقه لابن حجر: ٣١٢ ـ ٣١٣، إذ ذكر طرفاً من سيرة الإمام وكراماته.
(٥٠) التتمة في تواريخ الأئمة / السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسسة البعثة ـ قم، وراجع: الصواعق المحرقه لابن حجر: ٣١٢ ـ ٣١٣، إذ ذكر طرفاً من سيرة الإمام وكراماته.
(٥١) الأرشاد / الشيخ المفيد: ٢ /٢٨١ وما بعدها، الصواعق المحرقة: ٣١٢ ـ ٣١٣. فقد أوردا قصة المحاورة التي دارت بين الإمام الجواد(ع) وبين يحيى بن أكثم زمن المأمون، وكيف استطاع الإمام(ع) أن يثبت أعلميته وقدرته على إفحامه وهو في تلك السن المبكرة.
(٥٢) راجع: المجالس السنيّة / السيد الأمين العاملي: ٢/٤٦٨، وهذه قضية مشهورة تناقلها الخاص والعام. وراجع: صحاح الأخبار/ محمد سراج الدين الرفاعي: ٤٤، نقلاً عن الإمام الصادق والمذاهب الأربعة / أسد حيدر ١: ٥٥، وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة: ٣٠٥ «جعفر الصادق، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريج ومالك والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني...».
(٥٣) كون الإمام أعلم أهل زمانه أمرٌ متسالم عليه عند الإمامية، راجع: الباب الحادي عشر / العلاّمة الحلي: ٤٤ هذا وقد عُرّضوا لأكثر من إختبار صلوات الله وسلامه عليهم لإثبات هذا المدّعى، ونجحوا فيه.
راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ٣١٢، فقد نقل تفصيلاً في هذه المسألة عن مسائل يحيى بن أكثم للإمام الجواد(ع).
(٥٤) إن الاعتقاد بإمامة الأئمة كلّف أتباعهم غالياً، وهذا ثابت تاريخياً، وليس إلى إنكاره من سبيل، والشاهد يدل على الغائب أيضاً. راجع: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني.
(٥٥) وقد أوصى الأئمة بذلك أتباعهم كما هو لسان الروايات الكثيرة.
راجع: اُصول الكافي:١ / ٣٩٢ / كتاب الحجة ـ باب «إن الواجب على الناس بعدما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام فيسألونه عن معالم دينهم، ويُعلمونه ولايتهم ومودتهم له».
(٥٦) راجع في تاريخ الأئمة(ع)، وتعرّضهم للاضطهاد والمطاردة والسجن والقتل أحيانا:
أ ـ الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي.
ب ـ مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني.
ج ـ الإرشاد للشيخ المفيد.
(٥٧) إشارة إلى الإمام المهدي(ع) ومن قبل إلى الإمام الجواد(ع) مثلاً.
(٥٨) أي على أنه يجب أن يكون أفضل الناس، وأعلم الناس كما هو معتقد الإمامية الاثني عشرية.
راجع: حق اليقين في معرفة اُصول الدين للسيد عبدالله شُبر (ت / ١٢٤٢ هـ) ١: ١٤١، المقصد الثالث.
(٥٩) يقصد تقديم الإمام الصبي للاختبار أمام الملأ لإظهار حقيقة الأمر.
(٦٠) قد فعل المأمون ذلك، وانكشف لدى الخاص من العلماء مدى ما يتملكه الإمام الجواد(ع) من الفقه والعلم. راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ٣١٢.
(٦١) مريم: ١٩ / ١٢.
(٦٢) وقد شاهد خاصة الشيعة الإمام المهدي واتصلوا به، وأخذوا عنه، كما حصل عن طريق السفراء الأربعة، راجع: تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي/ البحراني، الإرشاد / الشيخ المفيد: ٣٤٥، وراجع تفصيلاً وافياً في دفاع عن الكافي / السيد ثامر العميدي ١: ٥٣٥ وما بعدها.
(٦٣) بحث حول المهدي: ٩٣ ـ ٩٩ بتحقيق الدكتور عبدالجبارة شرارة.
(٦٤) الكلام في وقته دقيق علمياً، فهو يقول: انه ممكن علمياً، ولكنه لم يكن قد تحقق فعلاً، والواقع أن كثيراً من الإنجازات في عالم الفضاء، وتسيير المركبات الفضائية إلى كواكب وتوابع الأرض وغيرها قد أصبحت حقائق في أواخر القرن العشرين.
(٦٥) نعم، لا يوجد مبرر علمي واحد يرفض هذه النظرية، بل إن علماء الطب منشغلون فعلاً بمحاولات حثيثة لإطالة عمر الإنسان، وأن هناك عشرات التجارب التي تتم في هذا المجال، وذلك وحده ينهض دليلاً قوياً على الإمكان النظري أو العلمي.
(٦٦) يؤكد الاطباء والدراسات الطبية على هذه الملاحظة، وأن لديهم مشاهدات كثيرة في هذا المجال، ولعل هذا هو الذي دفعهم إلى إجراء محاولات وتجارب لإطالة العمر الطبيعي للإنسان، وكالمعتاد كان مسرح التجربة في البداية هي الحيوانات لميسورية ذلك، وعدم وجود محاذير اُخرى تمنع إجراء مثل تلك التجارب على الإنسان.
(٦٧) هذه التساؤلات التي يثيرها السيد الشهيد (ره) تهدف إلى ترسيخ حقيقة مهمة، هي أن الرسول الاعظم(ص) عندما بشر (بالمهدي)، وهو حالة غير اعتيادية في سياق البشرية، تنبئ في جملتها عن تسجيل سبق في الإمكانية العملية، بعد تأكيد الإمكانية العلمية، أي لبقاء الإنسان مدة أطول بكثير من المعتاد، فإن مثل هذا السبق في التنبيه على حقائق في هذا الوجود كان قد سجله القرآن والحديث الشريف في موارد كثيرة جداً في مسائل الطبيعة والكون والحياة. راجع: القرآن والعلم الحديث / الدكتور عبد الرزاق نوفل.
(٦٨) إشارة إلى أن هذا من قبيل الإعجاز أيضاً، وهو افاضة ربانية خاصة، وهذا أمر لا يسع المسلم انكاره، بعد أن أخبرت بأمثاله الكتب السماوية، وبالأخص القرآن، كالذي ورد في شان عمر النبي نوح(ع)، وكذا ما أخبر به القرآن من المغيبات الاخرى، على أن كثيراً من أهل السنة ومن المتصوفة وأهل العرفان يؤمنون بوقوع الكرامات وما يشبه المعجزات للأولياء والصلحاء والمقربين من حضرة المولى تعالى. راجع: التصوف والكرامات / الشيخ محمد جواد مغنية. وراجع: التاج الجامع للأصول ٥: ٢٢٨ / كتاب الزهد والرقائق.
(٦٩) إشارة إلى الآية المباركة: (سبحان الذي اسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى...) الاسراء: ١٧ / ١.
(٧٠) إشارة إلى تصميم المركبات الفضائية، وركوب الفضاء والتوغل إلى مسافات بعيدة عن أرضنا، وقطعها في ساعات أو أيام معدودة، وقد أضحت هذه حقائق في حياتنا المعاصرة في أواخر القرن العشرين.
(٧١) إشارة إلى ما أعد للإمام المهدي المنتظر من دور ومهمة تغييرية على مستوى الوجود الإنساني برمته كما يشير الحديث الصحيح: «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً». وهذا الدور وهذه المهمة عليها الاجماع بين علماء الإسلام، والاختلاف حصل في اُمور فرعية. ومن هنا كان التساؤل الذي أثاره السيد الشهيد (قدس سره) له مبرر منطقي قوي.
(٧٢) في الآية المباركة: (فلبث فيهم الف سنة إلاّ خمسين عاماً) العنكبوت: ٢٩/١٤.
(٧٣) السؤال موجه إلى المسلمين المؤمنين بالقرآن الكريم وبالحديث النبوي الشريف، وقد روى علماء السنة لغير نوح ما هو أكثر من ذلك. راجع تهذيب الاسماء واللغات / النووي ١: ١٧٦، ولا يصح أن يشكل أحد بان ذاك أخبر به القرآن فالنص قطعي الثبوت، وهو يتعلق بالنبي المرسل نوح(ع)، أما هنا فليس لدينا نص قطعي، ولا الأمر متعلق بنبي.
والجواب: إن المهمة أولا واحدة، وهي تغيير الظلم والفساد، وأن الوظيفة كما اوكلت إلى النبي، فقد اوكلت هنا إلى من اختاره الله تعالى أيضاً كما هو لسان الروايات الصحيحة. قال الرسول الأعظم(ص): «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلا من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً...» التاج الجامع للاصول ٥: ٣٤٣.
وأما من جهة قطعية النص، فاحاديث المهدي بلغت حد التواتر، وهو موجب للقطع والعلم، فلا فرق في المقامين. راجع: التاج الجامع للاصول ٥: ٣٤١ و٣٦٠ فقد نقل التواتر عن الشوكاني، وانتهى المحققون من علماء الفريقين إلى القول بأن من كفر بالمهدي فقد كفر بالرسول محمد(ص) وليس ذلك إلاّ بلحاظ أنه ثبت بالتواتر، وأنه من ضرورات الدين، والمنكر لذلك كافر اجماعا. وراجع: الإشاعة لاشراط الساعة / البرزنجي في بحثه حول المهدي. وقد نقلنا حكاية التواتر في المقدمة أيضاً.
(٧٤) أي أن الأمر يصبح من قبيل المعجز، وهو ما نطق به القرآن، وجاء في صحيح السنة المطهرة، والإعجاز حقيقة رافقت دعوة الأنبياء، وادعاء سفارتهم عن الحضرة الإلهية، وهو ما لا يسع المسلم إنكاره أو الشك فيه، بل إن غير المسلم يشارك المسلم في الاعتقاد بالمعجزات.
(٧٥) الأنبياء: ٢١ / ٦٩.
(٧٦) إشارة إلى قوله تعالى: (فأوحينا إلى موسى ان اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) الشعراء: ٢٦ / ٦٣.
(٧٧) إشارة إلى قوله تعالى: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم...) النساء: ٤ / ١٥٧.
(٧٨) راجع: سيرة ابن هشام ٢: ٤٨٣، فقد نقل هذه الحادثة وهي مجمع عليها.
(٧٩) قد يقال: إن القانون بصفته قانوناً لا بد أن يطرد، ولا يتصور التعطيل والانخرام، وقد لاحظ بعضهم أن الانخرام إنما هو بقانون آخر، كما هو الأمر بالنسبة إلى قانون الجاذبية، الذي يستلزم جذب الاشياء إلى المركز، ومع ذلك فإن الماء يصعد بعملية الامتصاص في النباتات من الجذر إلى الاعلى بواسطة الشعيرات، وهذا بحسب قانون آخر هو (الخاصية الشعرية). راجع: القرآن محاولة لفهم عصري / الدكتور مصطفى محمود.
(٨٠) وقد بسط الشهيد الصدر القول في هذه المسألة في كتابه فلسفتنا فراجع: ص ٢٩٥ و٢٩٩.
(٨١) راجع فلسفتنا: ٢٨٢ وما بعدها.
(٨٢) راجع بسط وشرح النظرية في «الاسس المنطقية للاستقراء» حيث توصل الإمام الشهيد الصدر(ره) إلى اكتشاف مهم وخطير على صعيد نظرية المعرفة بشكل عام.
(٨٣) بحث مستفاد من كتاب «بحث حول المهدي» للسيد الشهيد الصدر(ره): ٦٥ ـ ٨٠ بتحقيق وتعليق الدكتور عبدالجبار شرارة.
(٨٤) شبهات وردود: الحلقة الرابعة، ص ٣٢ / السيد سامي البدري.
(٨٥) المهدي: ١٤٩ صدر الدين الصدر.
(٨٦) التوثة: بثرة متقرحة.
(٨٧) المهدي: ١٤٦ ـ ١٤٨.
(٨٨) راجع: الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، فقد توسّع في بحثها.
(٨٩) إشارة الى الغيبة الكبرى.
(٩٠) راجع: تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي، السيد هاشم البحراني، دفاع عن الكافي، السيد ثامر العميدي ١: ٥٦٨ وما بعدها.
(٩١) راجع ترجمة هؤلاء الأربعة في كتاب الغيبة الصغرى للسيد محمد الصدر، الفصل الثالث: ٣٩٥ وما بعدها، نشر دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ١٩٨٠.
(٩٢) وهذه تعرف بالتوقيعات، وهي الأجوبة التحريرية والشفوية التي نقلت عن الإمام المهدي(ع). راجع: الاحتجاج / الطبرسي ٢: ٥٢٣ وما بعدها.
(٩٣) مما استقر في الأوساط الأدبية وعند نقاد الأدب قديماً وحديثاً أن الاُسلوب هو الرجل، وهذه المقولة صحيحة. ومن هنا رأينا وسمعنا أن كثيراً من الاُدباء وقارئي الأدب يميزون بمجرد قراءة النص شعرياً كان أم نثرياً أنه لفلان أو لفلان، وما ذلك إلاّ لأن الاُسلوب هو الرجل، وأن لكلّ كاتب سمّةً وطابعاً خاصاً في كتابته يمكن تمييزه عن غيره، هذا فضلاً على تميّز خطّه الشريف من غيره من الخطوط.
(٩٤) إشارة إلى النواب الأربعة المذكورين.
(٩٥) وهو ما اصطلح عليه (بالمرجعية الدينية)، ويلاحظ هنا الصفات التي يرى الإمام الشهيد لزوم توفرها في المرجعية.
(٩٦) إن اتصال الإمام القائد المهدي بقواعده الشيعية عن طريق نوابه ووكلائه، أو بأساليب اُخرى متنوعة واقع تاريخي موضوعي ليس من سبيل إلى إنكاره، كما في السفارة، فضلاً عن الدلائل الاُخرى الكثيرة المستندة إلى إخبار من يجب تصديقه، ثم هو مقتضى الأحاديث المتواترة، كحديث: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» وغير ذلك. إنّ كل ذلك جموعاً ـ وهو محل اتفاق أكثر طوائف الملة الإسلامية ـ يدحض وبشكل قاطع ما يثيره المتشككون حول وجود الإمام واستمرار حياته المباركة الشريفة، راجع: الغيبة الصغرى / السيّد محمد الصدر: ٥٦٦. وراجع ما أثبتناه في المقدمة: ١٥ وما بعدها.
(٩٧) ورد التوقيع الشريف عن الإمام القائد المهدي(ع) بعدم إمكان رؤيته بشكل صريح بعد وقوع الغيبة الكبرى، وهذا محل اتفاق علماء الإمامية. وراجع مناقشة المسألة في: الغيبة الصغرى / السيد محمد الصدر: ٦٣٩ وما بعدها.
(٩٨) بحث حول المهدي: ١٠٨ ـ ١١١ بتحقيق وتعليق الدكتور عبدالجبار شرارة.
(٩٩) الأنبياء: ٢١ / ١٠٧.
(١٠٠) بحث حول المهدي: ٨٣ ـ ٨٩ بتحقيق وتعليق الدكتور عبدالجبار شرارة.
(١٠١) اشارة إلى معتقد الإمامية الاثني عشرية المستند إلى أدلة المعقول والمنقول، وبالأخص إلى حديث الثقلين المتواتر «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي». راجع: صحيح مسلم ٤: ١٨٧٣ وراجع الصواعق المحرقة لابن حجر: ٨٩، قال: ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً.
وكذلك إلى قوله(ص) «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض..» وإلى قوله(ص): «الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش». ومفاد ذلك كله تقرير هذا المعنى.
(١٠٢) تحدث النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله) كثيراً عن خصائصهم وأدوارهم، ووظيفتهم ومهماتهم، وأنهم حملة الشريعة، وسفن النجاة، وأمان الامة، وعصمتها من الضلال، كما إليه الإشارة في حديث الثقلين، وحديث لن يفترقا وكلاهما يؤكدان عصمتهم، إذ لا يعقل أنهم عصمة الامة من الضلال، وأنهم لن يفترقا عن القرآن المعصوم، وهم غير معصومين!!
راجع: الاُصول العامة للفقه المقارن / العلامة محمد تقي الحكيم / مبحث حجية السنة: ص ١٦٩ وما بعدها.
(١٠٣) أن يكون القائد التاريخي مهيئاً نفسياً ومعداً إعداداً مناسباً لاداء المهمة، أمر مفروغ منه، ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدناه يتحدث عن هذه المسالة في تاريخ الأنبياء بصورة واضحة جدا، وبخاصة فيما يتعلق بالنبي نوح(ع)، وهو أمر يلفت الانتباه والنظر، وربما يكون للتشابه والاتفاق في الدور والمهمة التي أوكلت لهما، كما نبه الشهيد الصدر(ره) إليه.
راجع: مع الأنبياء / عفيف عبد الفتاح طبارة.
(١٠٤) ويمكن أن نقرب هذا المعنى بما عشناه وشاهدناه من صعود الإتحاد السوفيتي وترقيه حتى صار القطب الثاني في العالم، وتقاسم هو وامريكا النفوذ الحضاري والهيمنة السياسية، وركبا معا اجواء الفضاء، ثم شهدنا إنهيار الإتحاد السوفيتي وتفكك أوصاله بمثل تلك السرعة القياسية في الإنهيار، فكم كان لذلك من أثر؟ وكم كان فيه من عبرة؟ وكم كان فيه من دلالة عميقة؟.
(١٠٥) جان جاك روسو (١٧١٢ ـ ١٧٧٨ م) كاتب وفيلسوف فرنسي اعتبره بعض النقاد الوجه الأبعد نفوذاً في الأدب الفرنسي الحديث والفلسفة الحديثة، وقد مهدت كتاباته ومقالاته للثورة الفرنسية، وأشهر مؤلفاته العقد الاجتماعي. راجع: موسوعة المورد / منير البعلبكي ٨: ١٦٩.
(١٠٦) اشارة إلى الآية القرآنية المباركة: (انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى...) الكهف: ١٨ / ١٣، وراجع تفسيرها في الكشاف / الزمخشري ٢: ٧٠٦، نشر دار الكتاب العربي ـ بيروت.
(١٠٧) اشارة إلى الآية: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً...) الكهف: ١٨ / ٢٥.
(١٠٨) وكل ذلك له مدخلية في تربيته واعداده الاعداد الخاص، بما في ذلك امتلاكه النظرة الشمولية العميقة، فضلا عن شهوده بنفسه ضآلة اولئك المتعملقين الذين يملؤون الدنيا ضجيجاً وصخباً، ويسترهبون الناس، وهذه الشهود يؤهله أكثر فأكثر لأداء مهمته الكونية في التغيير، أي ملئه للأرض عدلاً بعدما ملئت ظلماً، هذا بغض النظر عن مؤهلاته الذاتية، والعناية الربانية الخاصة.
(١٠٩) ولا ينبغي أن يُشكلَ أحد بأن النبي محمد(ص) مع عالمية رسالته ومهمته التغييرية الكبرى إلاّ أنه عاش في كنف الحضارة الجاهلية، ولم يتأثر بها، وكذا الأنبياء السابقون، فما هو الوجه في هذا الرأي؟
فجوابه:
أ ـ ان النبي(ص) قد اخضع فعلاً إلى حالة عزلة تامة من الحضارة الجاهلية، وأنه كما ورد في السيرة النبوية قد حبب إليه الخلاء، وكان يذهب إلى غار حراء يتحنث فيه وكذا الأنبياء كانوا يتنزهون عما عليه مجتمعهم، وكانوا يعتزلون، وإليه الإشارة في قوله تعالى: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له اسحاق) مريم: ١٩ / ٤٩.
ب ـ إن النبي المرسل يوحى إليه، ويسدد مباشرة من السماء، ويبلغ بالأعمال والخطوات التي يتخذها خطوة خطوة، والإمام(ع) لا يوحى إليه ـ كما هو عقيدة الإمامية ـ ولا يبلغ بالاُمور مباشرة من السماء، نعم يكون مسدداً وتحت العناية الربانية، ولذلك فهو يحتاج إلى اعداد خاص. ففي نفس الوقت الذي يكون فيه قريباً ومتصلاً بالحضارة الإسلامية، مستمداً من آبائه(ع) الإصالة والمعرفة والعلم، يكون مطلعاً على التجارب البشرية والحضارات في صعودها وعوامل تكونها وقوتها، وكذلك إخفاقاتها وعوامل ضعفها وإنهيارها، فيستمد الخبرة والقدرة والإحاطة بالاُمور جميعاً، هذا مع اعتقادنا بقدرات الإمام العلمية الذاتية التي وهبها الله تعالى له، وبكونه مسدداً من السماء.
(١١٠) بحث حول المهدي / ص ١١٦ ـ ١١٩ والهوامش المنشورة في ذيل المتن هي من تحقيقات الدكتور عبد الجبار شرارة.
(١١١) على الرغم من الأهمية التي يخطها الشهيد الصدر(ره) هنا للظروف الموضوعية، ودور نضوجها أو انضاجها في نجاح الثورات ـ وهذا فهم عميق لاثر العامل الاجتماعي والنفسي ـ إلاّ أن الشهيد الصدر(ره)يعرض نظرية جديدة في فهم عملية التغيير الاجتماعي الذي تحدثه السماء من خلال الرسالات السماوية، فهي في جانبها الرسالي ترتبط بقانونها الخاص، ولكن في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية وترتبط بها توقيتاً ونجاحاً، وأعني بالظروف الموضوعية: الحالة السياسية والحالة لاجتماعية للاُمة والواقع الدولي المعاصر، ومدى قدرة الاُمة في إمكاناتها الذاتية واستعدادها النفسي.
(١١٢) اشارة إلى قوله تعالى: (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) الانبياء: ٢١ / ٦٨ ـ ٧٠.
(١١٣) راجع الرواية في تفسير ابن كثير ٢: ٣٣، وراجع: البحار / المجلسي ١٨: ٤٧ و٥٢ و٦٠، ٧٥ باب معجزات النبي(ص).
(١١٤) تاريخ الطبري ٢: ٢٤٤ حوادث السنة الخامسة من الهجرة.
(١١٥) كما هو نص الحديث النبوي الشريف: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً مني أو من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».
راجع: التاج الجامع للاُصول: ٥ / ٣٦٠ الهامش، قال: رواه أبو داود والترمذي.
(١١٦) لقد شاهدنا في بداية التسعينات المصداق لهذه المقولة التي اطلقها الشهيد الصدر(ره) إستنادا إلى خبرته العميقة بالمجتمع البشري، فقد إنهار الإتحاد السوفيتي وهو أحد القطبين اللذين كانا يهيمنان على العالم إنهيارا سريعاً جداً، وبصورة أذهلت الجميع.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
الإسم: علي سعد
الدولة: IRAq
النص: نشكر مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي ونبارك لدوره الفعال في الثقافة المهدوية وكافة الانشطة في تاصيل خط اهل البيت ونشكر سماحة اية الله العظمى المفدى سماحة علي السيستاني الحسيني دام ظله الزاهر علينا ونتمنى له العمر للقاء امل الامة جده المهي ع السلام
تاريخ الإضافة: ٢٠١٤/١١/٣٠ ٠١:٤٨ ص
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016