الصفحة الرئيسية » المقالات المهدوية » (٥٨) المهدي عليه السلام بيان لإحسان الله تعالى المستديم الذي لا ينقطع
 المقالات المهدوية

المقالات (٥٨) المهدي عليه السلام بيان لإحسان الله تعالى المستديم الذي لا ينقطع

القسم القسم: المقالات المهدوية الشخص الكاتب: محمد محسن العيد تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٦/٠٢ المشاهدات المشاهدات: ٢٦٣٥ التعليقات التعليقات: ٠

المهدي عليه السلام بيان لإحسان الله تعالى المستديم الذي لا ينقطع

الكاتب: محمد محسن العيد

بسم الله الرحمن الرحيم

قصة للحجاج:
كان الحجاج بن يوسف الثقفي، يدعي، أنه ضليع في علوم القرآن، وكان في مجالسه كثير التبجح بذلك، ولكنه (وانْ من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً) النساء، ١٥٩.
فرد عليه أحد الجالسين قائلاً، أتعطيني الأمان وأهديك معناها؟ قال له الحجاج لك الأمان فهات ما عندك.
قال: إن أهل الكتاب (النصارى) سيؤمنون بالمسيح عليه السلام عند عودته للخروج مع المهدي عليه السلام، فإن الله سبحانه وتعالى يقول فيما تقدم هذه الآية:
(وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً) النساء، ١٥٨.
وإنه عليه السلام بعد ظهوره يلتحق بالإمام المهدي عليه السلام ويدعو النصارى للإيمان به فيؤمنون به على دين الله والإسلام.
وقد قال الحجاج - وكأنه الفت إلى علم جم - أصبت حقاً ولكن من أين لك هذا.. قال اني علمته من محمد بن علي بن الحسين عليه السلام، قال لقد أخذته من عينه.
وقد اعترض الغافلون على القول بتبعية عيسى النبي عليه السلام وهو من اولي العزم للإمام المهدي عليه السلام وهو ليس بنبي، ذلك لانهم لم يلتفتوا إلى آيات من سورة الكهف تقص اتّباع موسى النبي عليه السلام وهو من اولي العزم كذلك إلى الخضر عليه السلام لأمر الله تعالى ومشيئته، فليلتفت الغافلون.
فكرة المهدي وحقيقة المهدي عليه السلام:
ابتدءاً فكرة المهدي المنتظر ليست ابتداع المسلمين فقط أو طائفة منهم بل إنها:
عقيدة كل الاديان السماوية.. وحتى إن وجدت في غيرها فإنها اصلاً جاءت من الدين.. والدين عند الله تعالى واحد والخبر الذي يصل من الله تعالى إلى الأنبياء واحد.. ثم إننا على مر تاريخ الإنسان على هذه الأرض لم نجد فكراً على الإطلاق رافق الإنسان كالفكر الديني... وإن كان للإنسان أن ينكر سلطان أية فكرة، فإنه لا يستطيع على الواقع أن ينكر سلطان فكر الدين على الناس.. ذلك لأن العقيدة فطرة الإنسان، تبرز من تكوينه واصل خلقته. ولا تتلبس تماماً إلا مع الدين باعتباره من خالق الإنسان والعالم بخلقته المستجيب لحاجته الحق والمجيب لتساؤلاته الصدق.
عقيدة الإيمان بالمهدي عليه السلام تمثل تجسيداً لسنة كونية هي الإمامة - نشرت في العدد السابق تفاصيل علمية عن معاني السنة الكونية للامامة - حيث الإمام في خلق الناس هو معنى الحسن في خلق الإنسان، ولا يمكن بحال من الأحوال فصل هذا المعنى الحسن عن احسان الله تعالى المحفوظ في كتابه. وذلك ما يشير إليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين:
عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)(١).
وقد ورد الحديث مروياً من قبل خمسة وثلاثين صحابياً وتسعة عشر تابعي(٢).
وقد صححه كثير من العلماء منهم الطبري، الحاكم في المستدرك، الذهبي في تلخيص المستدرك، الهيثمي في مجمع الزوائد، ابن كثير في تفسيره، السيوطي في الجامع الصغير، المناوي، محمد بن اسحاق(٣) ففكرة المهدي عليه السلام وعقيدته هي مصداق لمعاني السنة ومعاني قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الثقلين وعدم افتراقهما حتى يردا عليه الحوض. وإلا فبدون المهدي عليه السلام كيف نتصور عدم الافتراق!!
لا يمكن بيان معاني السنن الكونية والسنن التكوينية بشكل واضح إلا من خلال حقيقة وجود المهدي عليه السلام، بل لا يمكن فهمها:
سنة الطاعة:
مثلما تكون الطاعة صحيحة قائمة على الصدق في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، باعتباره مصدرها ومشرعها المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وأن كل ما دونها بدعة وضلالة.. كذلك لا تأتي الطاعة بتمام وكمال معناها إلا مع وجود المعصوم الذي لا يصدر عنه الخطل والخطأ.. فأين هو؟!
سنة الرحمة:
قال تعالى: (وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء، ١٠٧.
إذا كانت رحمة الله تعالى متصلة وغير منقطعة، فقد أرسل سبحانه الرسل تترا رحمة للعالمين منذ آدم عليه السلام حتى الختم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. فهل انقطعت الرحمة المتجسدة بإرسال الرسل بموت الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم في خيار الله تعالى لعباده!!
إن المهدي عليه السلام هو الرحمة المتجسدة لامتداد الرسل. وهو عليه السلام كالشمس ينتفع بها وإن حجبتها السحب، فإن عملية التركيب الضوئي التي هي أساس الحياة على الأرض والتي بدونها لا حياة، إنما مصدرها الشمس، وهي تجري لمجرد وجود الشمس وإن حجبها السحاب، وكذا الإمام المهدي عليه السلام فإن مجرد وجوده وإن احتجب رحمة للعالمين وهداية للخلق.
الحق والعدل:
الحق، هو الصدق الثابت المنقول عن الواقع، والعدل هو تجسيد الحق في الواقع أيضا.. وإن الحق معرفة تحتاج إلى رفع القصور عن العقل البشري لتدرك، والعدل فعل يحتاج إلى معرفة الحق ومعرفة في تجسيده في الواقع.
قال تعالى في ذلك:
(وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) الأعراف، ١٨١.
(ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) الأعراف، ١٥٩.
فالحق علم والعدل عمل بالحق. وهذا لا يتوفر لكل من كان مع القصورات الذاتية والحيوية والعقلية التي تشمل تكوين الخلقة الإنسانية.. إلا أن الإمام له مهمة ربانية ومنصب عقائدي مؤثر، مصمم بمشيئة الله تعالى لكل زمان ومكان مهمته الهداية بالحق والعدل به وتجسيده.
فالمهدي عليه السلام هو من سلالة اختارها الله تعالى واصطفاها لمشيئته: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) آل عمران، ٣٣.
وروي عن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك بأكثر من (٣٠٠) حديث أشارت إليها كتب الصحاح في مواضعها.
القيامة والآخرة:
ينتقل الإنسان من عالم إلى عالم آخر في خلق من بعد خلق باتجاه الكمال والاستقرار والخلود في معاني وجوده، ابتداءً من عالم الذر إلى عالم الاصلاب حيمناً ثم إلى عالم الارحام جنيناً ثم إلى عالم الأرض إنساناً، ثم إلى عالم الموت جنازة ثم إلى عالم البرزخ في القبر ثم إلى عالم النشور والحشر والقيامة والحساب ثم إلى عالم الجزاء إما ثواباً في الجنة أو عقاباً في النار.
ذلك هو الانتقال حتم مقضي على كل آدمي لابد منه وان مسيرة الآدمي في تلك النقلات إلى حيث الثواب كما يرغب فيه كل ذي لب، لا يتم إلا من خلال نموذج احسن للكمال، لأن السير في لجج الظلمات ولمام النفاق ومجامع الشرك لا يوصل إلا للعقاب.. فأين هو النموذج الأحسن للكمال الإنساني الأجدر بالاتباع للفوز بثواب الله الحتمي؟! وهل هو إلا الإمام المهدي المعصوم!!
إن عدم الإيمان بالإمام المعصوم قيّماً وهادياً يعني الضياع لأنه يعني عدم الاكتراث بمعاني القيامة وما يسبقها وما يعقبها.. وإن صدق الإيمان بالمهدي عليه السلام ومعاني وجوده وقيامه على الأمر في هذا الزمان يحيي سنة القيامة ومعانيها في النفوس.
سنة البلاء:
كل شيء مبتلى ومبتلى به، وكل لحظة من الزمن في عمر الإنسان هي حيز بلاء لابد منه، والصبر هو التزام الدين في حسن البلاء وسوءه، أما صبراً على الطاعة في جنب الله تعالى، أو صبراً عن المعصية لأمر الله تعالى.
والناس يختلفون في رؤية البلاء بما عندهم من دين، ثم أن نسبية المصائب عندهم هي التي ترفع الإنسان وتخفضه عند الله تعالى.
وقد ذكر ذلك في مقالة سابقة من هذه المجلة ضمن معاني البلاء كسنة لتجلي الحسن الرباني(٤)، والآن جاء بيان معاني بلاء المهدي عليه السلام في غيبته للأمة وبلاء الأمة به.
والله سبحانه وتعالى يمنح عبده ثواباً عظيماً لا حدود له بما يصبر على بلائه، ومن هنا لننظر مقدار الحسن والرحمة في بلاء المهدي عليه السلام والامة.
فلابد للإنسان ذي الدين أن يكون في موقع هم وغم من أمر الأمة وما صارت إليه من تفتت وضياع، وتسلط الصهاينة على مقدساتهم، وكل مظاهر الظلم والجور والفساد التي لا تليق بمعاني الإسلام العظيم، منتظراً لفرج الإمام عليه السلام، حتى تكون العقيدة الإسلامية، هي مفتاح كل فكرة يحملها في حياته ولا بلاء له سوى دينه، فقد روى الصيرفي قال:
دخلت أنا والمفضل بن عمر وابو بصير وابان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام، فرأيناه جالساً على التراب وعليه مسح، - والمسح، الكساء من الشعر - خيبري مطوق بلا جيب مقصّر الكمين وهو يبكي بكاء الواله الثكلى ذات الكبد الحرى، قد نال الحزن من وجنتيه وشاع التغيير في عارضيه وابلى الدمع محجريه وهو يقول:
سيدي غيبتك اوصلت مصابي بفجايع الأبد وفقد الواحد بعد الواحد، يفني الجمع والعدد، فما أحس بدمعة ترقى من عيني وأنين يفتر من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا إلا مثل بعيني عن غوابر اعظمها وافظعها بواقي اشدها وانكرها ونوائب مخلوطة بغضبك ونوازل معجونة بسخطك.
قال الصيرفي: فاستطارت عقولنا ولهاً وتصدعت قلوبنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل، وظننا انه سمت لمكروهة قارعة أو حلت به من الدهر بائقة فقلنا: لا أبكى الله يا ابن خير الورى عينيك، من أية حادثة تستنزف دمعتك وتستمطر عبرتك؟ وأية حالة حتمت عليك هذا المأتم؟
قال: فزفر الصادق عليه السلام زفرة انفتح منها جوفه واشتد عنها خوفه وقال ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خص الله به محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بعده، وتأملت منه مولد قائمنا وغيبته وابطاءه وطول عمره وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتولد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد اكثرهم عن دينهم وخلعهم ربقة الإسلام من اعناقهم التي قال الله تقدس ذكره (وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه) يعني الولاية. فأخذتني الرقة واستولت علي الأحزان) (كمال الدين: ص٣٥٤).
من خلال هذه القصة نجد أن بلوى الغيبة بلوى عظيمة، وبذلك يصبح لانتظار الفرج معاني الثبات والصبر على الإيمان ومعاني العمل والاستعداد لاستقبال الثائر المصلح العظيم المنتظر في إعداد النفس والمجتمع والامة، وبذلك يكون احب الأعمال إلى الله تعالى انتظار الفرج.
قال الإمام عليه السلام: (أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج) (كمال الدين: باب ما اخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ص٢٨٧)
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أفضل أعمال امتي انتظار الفرج من الله عز وجل) (كمال الدين، باب ما روي في ثواب المنتظر للفرج، ص٦٤٤).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أيضا: (المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله) (كمال الدين، باب المنتظر للفرج، ص٦٤٥).
إن انتظار الفرج في حقيقته هو عبادة الصبر، الذي هو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد وهو صك اجتياز البلاء بنجاح إلى حيث رضا الله تعالى.
سنة الإمامة:
كيف تبدو هذه السنة في الإنسان؟ وكيف تبرز؟ ومتى تصح؟
إن السعي للإمامة والسيادة سنة تكوينية في خلق كل آدمي، تبرز واضحة في طلب السيادة لنفسه ومجتمعه ووطنه، وفي سعيه للانقياد نحو الأحسن منه ولذا فالإمامة لا تصح إلا مع الإمام المعصوم المختار من قبل الله تعالى الذي يمثل امتداداً لمعاني رسالة الرسول في الناس وبكل معاني الحسن الرباني... وهذا المعنى لا يتحقق الآن إلا مع المهدي عليه السلام وفيه.
ولذا فإن حرباً تشن ضد أئمة الحق عليه السلام منذ استلاب موقع الإمامة في الدين من قبل أشخاص غير مؤهلين لها، بل بالخصوص عند وقوعها في بني امية، فصاروا مصداقاً لقوله تعالى: (أئمة يدعون إلى النار...) نعم منذ استلام بني امية مواقع الإمامة في الناس بدأ سب الإمام علي عليه السلام على مدى ستين سنة وعلى عشرات الآلاف من المنابر وفي مساجدهم ومع صلاتهم.. ومن ذلك الحين إلى الآن تشن الاباطيل والأقاويل ضد معاني وجود المهدي الإمام.. وقد ورد على لسان أئمة الحق عليه السلام بيان هذا الوضع:
روى الكليني عن زرارة انه قال: سمعت أبا عبد الله يقول:
(إن للغلام غيبة قبل أن يقوم، قال: قلت؟ ولم؟ قال يخاف. وأومأ بيده إلى بطنه ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر وهو الذي يُشك في ولادته، منهم من يقول مات ابوه بلا خلف، ومنهم من يقول حمل، ومنهم من يقول انه ولد قبل موت ابيه بسنتين، وهو المنتظر غير أن الله عز وجل يجب أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة، قال: قلت: جعلت فداك، إذا أدركت ذلك الزمان فأي شيء أعمل؟ قال: يا زرارة إذا ادركت ذلك الزمان فادع بهذا الدعاء:
اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعلمني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ظللت عن ديني) (جمال الأسبوع، ص٥٢٠، وغيبة الطوسي، ص٣٣٣).
وعن عبد الله بن سنان انه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:
(ستصيبكم شبهة فتبقون بلا عَلَمٍ يرى، ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق، قلت: كيف دعاء الغريق؟ قال: تقول: يا الله يا رحمن يا رحيم، يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك) (اعلام الورى، ص٤٣٢.. ومنتخب الانوار المضيئة، ص٨٠).
إن مجرد الإيمان بمعاني امامة المهدي عليه السلام للعصر، وترقبه وانتظار الفرج على يديه، إنما يضع النفس على مسار سنتها التكوينية الصحيحة في طلب السيادة.. كما أن تأمل وتوقع الإمامة في مضانها الصادقة إنما هو طاعة ورحمة وعدل وحق مع صبرٍ على كل هذه المعاني.
التوحيد:
الناس كلهم موحدون بالفطرة طبقاً للخطاب التكويني الرباني في اصل الخلقة الإنسانية، إذ يقول تعالى: (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) (الأعراف، ١٧٢).
حتى كلمة الكفر تتضمن معاني الايمان، لأن الكفر معناه اخفاء بواعث الفطرة من الايمان، والشرك هو جعل شريك لمعاني الوحدانية والربوبية. فهم يقولون عن الأصنام: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر، ٣).
ولذا جاء وصف الشرك بأنه ظلم عظيم (إن الشرك لظلم عظيم) لقمان، ٥.
إن التوحيد هو صفاء الفطرة في النفس وسلامتها، ليبدو ميثاقها مع خالقها، وإلا فإن انحراف الفطرة وسقمها بامراض المعصية والفساد يبدي الشرك.. ولذا قال تعالى: (وما يؤمن اكثرهم بالله إلا وهم به مشركون)(يوسف، ١٠٦).
وهذا كله يعني أن خلوص التوحيد لله تعالى لا يبرز إلا من خلال تطابق كامل سعي الإنسان بسننه التكوينية في الطاعة والرحمة والحق والعدل والامامة والصبر على التزام الكتاب والعترة عليه السلام معاً مع السنن الكونية في تلك المعاني.
فلا توحيد خالص مع المعصية ولا توجه خالص مع القسوة والبغض ولا توحيد خالص مع الظلم والباطل ولا توحيد خالص مع عدم الصبر على البلاء ولا توحيد خالص مع الإمامة الظالمة ولا توحيد خالص مع عدم التسمك بالثقلين أو مع التفريق بينهما.
ولذا فإن انكار المهدي عليه السلام، هو خلل في معاني التوحيد الخالص لله تعالى، والمهدي عليه السلام، هو سيد الموحدين بتمام طاعته لله تعالى مع كونه رحمة للعالمين يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، يجسد صدق الإمامة وعظيم البلاء، ويبسط مشيئة الله تعالى فهو مضمون الحسن وبيان الكتاب.
الدعوة للاحسن:
حدد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، أصول الاستقامة وعدم الضلال من خلال امره العظيم بالتمسك بالثقلين اللذين لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض، وهما كتاب الله العظيم وعترته الاطهار عليهم السلام - وقد مر معنا الحديث-.
إن الإمام المهدي عليه السلام تجسيد واقعي حي لعدم الافتراق هذا بمعاني وجوده وإن كان غائباً وبمعاني عصمته، فلا يصدر عنه الظلم والقبح، إذ هو تجسيد واقعي لمعاني كتاب الله جل وعلا.
ولا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يضع بديلاً لمعاني الدعوة للاحسن كسنة كونية تمضي في كل مفردات الوجود، إلا الإمام المهدي المعصوم المنتظر عليه السلام... ولا يستطيع أحد يدعي الإيمان أن يعطي تفسيراً مجسداً وواقعياً لمعاني اقواله تعالى:
(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) (الاسراء، ١٥).
(وإن من أمة إلا وخلا فيها نذير) (فاطر، ٤).
(سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا...) (تبارك، ٨-٩).
(إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) (الرعد، ٧).
إذن اين النذير في الأمم قديمها وحديثها بعد الختم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم؟
وأين الهادي بمعناه الحجة الرباني بعد المنذر عليه السلام؟
فالارض في كل صقع من اصقاعها وفي كل زمن من دهورها لا تخلو من حجة لله على الناس، وحجة الله تعالى على الخلق إنما يغدو حجة بسلطان من الله سبحانه وتعالى وطهارة في ذاته، وإلا فانه لن يرقى لمعاني النذير والهادي الرباني.
ومما تقدم نجد أن الإمام المهدي عليه السلام هو موضع الإجابة لكل ما تقدم من الأسئلة.
المهدي عليه السلام تجسيد لمعاني الحسن الرباني:
المهدي عليه السلام هو وريث الأنبياء في مهامهم، وهو عليه السلام كمال التجسيد لسنن الله تعالى الحسنة في الخلق، طاعة ورحمة وحقاً وعدلاً وصبراً على البلاء ويقيناً وتوحيداً ودعوة صادقة لله تعالى، كلها متداخلة في شخصه الشريف وبلا تكلف أو تصنع.
به ومنه عليه السلام تعرف الطاعة لله تعالى وهو مصدر الرحمة وشيوع الألفة والمحبة وعلى يديه يتحقق العدل والقسط ويملأ الأرض بهما ويمحق الظلم والجور واهلهما وتصلح به عليه السلام البلاد واحوال العباد... وإن ثورته تستهدف القضاء على الشرك والظلم والجهل، ذلك الثالوث المقيت الذي هو علة آثام الناس كلها، وإن بمقدار تحرّر الإنسان من مؤسسات الشرك والظلم، وتنور قلبه بنور علم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكون قد امتلك حريته وسيادته ومارس رسالته التي خلقه الله تعالى لها على سطح هذا الكوكب.
دولة الإمام المهدي عليه السلام العالمية:
إنها وعد الله تعالى، والله تعالى لا يخلف وعده.. قال الإمام علي عليه السلام في الجزء الثالث من نهج البلاغة: (لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها ثم تلا الآية (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) القصص، ٥-٦.
ويقول ابن أبي الحديد في هذا: ان اصحابنا يقولون انه وعد بإمام يملك الأرض ويستولي على الممالك) (الإمام المهدي من المهد إلى الظهور، محمد كاظم القزويني).
وقال الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، إن ذلك وعد الله للمؤمنين بأنهم يرثون جميع الأرض.
وهو أيضا وعد رسوله للمؤمنين، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي لإثنا عشر، أولهم، أخي وآخرهم ولدي، قيل يا رسول الله من أخوك؟ فقال علي بن أبي طالب، قيل ومن ولدك؟ قال المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً والذي بعثني بالحق بشيراً لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنور ربها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب) (فرائد السمطين، للجويني، ج٢).
إذن فهي دولة لامر الله ومشيئته، ومثلما نؤمن بان مشيئة الله تعالى نافذة حتماً، فإننا نؤمن أن مشيئته تعالى محض حسن وخير. ولذا يبدو هذا البيان في غاية الجمال وهو يوضح لنا كيفية سيطرة الإمام عليه السلام على الأرض، فإن بداية عيسى عليه السلام بالصلاة خلف المهدي يدعو لاجتماع الاديان في دين واحد ولحيازة ولاء النصارى في الدول الغربية لدولة المهدي عليه السلام، وبما هو عليه عليه السلام من نصر الله وتأييده في تجسيد الحق عدلاً وقسطاً يملأ الأرض من بعد جور وظلم. إنما يزيد الالتصاق بسلطانه والالتفاف حول دولته دون غيره من الظلمة والمفسدين... انه عليه السلام يمثل معاني الحسن متجسدة بما يأتي به من مضمون مشيئة الله تعالى وبهذا، فهو مصدر جاذبية مسرة ومبهجة لكل أبناء عصره.. والحقيقة أن العلم برب واحد خالق للكون والناس.. وجوهر واحد للكيان الإنساني له حقوق واحدة وعليه واجبات متماثلة... واجتماع الكل على بغض الظلم ومقت القبح وطلب العلم وافشاء المحبة والسلام ونبذ السوء بكل اشكاله... وتوحد المصالح فيما أراد الله تعالى بالبشر... كل هذا يبرز من خلال قيادة المهدي عليه السلام لدولة العدل الإلهي.. فالارض تصبح موطنا لكل إنسان... يقول الإمام الصادق عليه السلام: (إن القائم منا منصور بالرعب مؤيد بالنصر تطوى له الأرض وتظهر له الكنوز... إن المؤمن في زمانه عليه السلام وهو بالمشرق يرى أخاه الذي في المغرب وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق) (الإمام المهدي من المهد إلى الظهور، السيد محمد كاظم القزويني).
انه عليه السلام يمتلك كل المفاتيح من ربه: النصر والتأييد والمدد الروحي والمادي، تظهر له كنوز الأرض ويتبعه عيسى عليه السلام الذي يدين له الغرب كله مع ممانعة الحكومات هناك في بداية الأمر.
وهناك عوامل حاسمة في قيام دولة المهدي الإلهية على الأرض.
إن المهدي عليه السلام لا يظهر إلا إذا برز في الأرض الظلم والجور، ومعاني الظلم والجور في بيانهما وبروزهما مطلبان، أولهما وجود النفوس العالمة بمواضع الظلم والجور وثانيهما أن تكون تلك النفوس متعطشة للخلاص مستعدة للتلبس بالدعوة الصادقة والثورة الموجهة والعقل التغييري الموجه لتحطيم قوى الظلم والجور وافشاء العدل والقسط.
وجدير بالإشارة إلى أن التفاوت والنسبية في معاني الظلم والجور يكون بمقدار الإحساس بهما، وبمقدار الصحة في تشخيص مواقعهما وعلل بروزهما.
ففي مثل طريف على ذلك، قال أحدهم لصديقه وهو يناوله لفافة تبغ، أحسنت.. وقال ثالث يراقبهما للمستحسن وهو يعلم أن الطبيب حذره من التدخين.. كيف تصفه بالاحسان وهو يقدم لك سماً؟!
المهم، أن وضوح الظلم والجور وبيانهما وتشخيص مواقعهما بدقة ووجود الثلة المهدوية المتعطشة للتلبس بسنن الله تعالى الحسنة فيما يوجه به المعصوم من مضامينها، يضمن الصدق في القضاء على الظلم والجور في الأرض.
إن المهدي عليه السلام يمتلك السلطان كله بما هو العلم والقوة بتأييد الله تعالى وتسديده، بما لا يبقى معه قصور أو خطل في فعل أو توجيه، مع ما عنده من ثلة متلبسة بالحق والصدق متعطشة لمضاء مشيئة الله تعالى.
إن الزيغ يولد زيغاً، وإن القسوة تولد قسوة، وان لكل معصية وزراً، وان كل مفسدة إنما تخرج صاحبها من جنته، أما الطاعة لله تعالى حقاً وبقصد القربى إليه خالصة، إنما تولد حسناً جذاباً، وان الرحمة لتشيع المحبة، وإن الصلاح ليولد في الأرض الخصب ويستدر من السماء بركاتها، وإننا برضا الله تعالى عنا نصيب كنوز الأرض وظلل السماء باللطف.
وإن قيام دولة المعصوم، بالطاعة لله تعالى وبالرحمة بالناس وتحريرهم من استغلال بعضهم لبعض، وقطع دابر الظلم وقيام العدل، يعني أننا بازاء حالة للارض واهلها لا نستطيع وصفها.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ابشروا بالمهدي.. ويقسم المال صحاحاً بالسوية ويملأ قلوب أمة محمد غنى ويسعهم عدالة حتى انه يامر منادياً ينادي من له حاجة الي... وتكثر الماشية وتعظم الأمة.. وتزيد المياه في دولته وتمتد الانهار وتضاعف الأرض أكله(٥).
وعن الأمان في دولة المهدي عليه السلام، يقول الإمام الباقر عليه السلام: (وتخرج العجوز الضعيفة من المشرق تريد المغرب لا يؤذيها أحد).
الإمام المهدي عليه السلام يأتي بأمر جديد:
ينكشف إزاء حقيقة المهدي وصدقه زيف المفاهيم التي تدعي الصدق والحق في كل مجالات الحياة. لأن بروز الحق قوياً واضحاً جلياً يقضي على مبررات الخلاف بين الاحزاب والدول.. فالإنسان كيان واحد وفطرته واحدة وأهدافه السامية واحدة وانماط تعلمه واحدة ورسالته واحدة.. وان كل كوارث الإنسانية ومصائبها من باطل اللمة ولمة الباطل، حتى الحق الذي يرفعونه شعاراً لا يراد به الحق، بل الحق الذي يراد به الباطل كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام في وصف شعارات القوم.
فإذا برز الحق قوياً واضحاً جلياً، وجاء الذين يحسنون تجسيده عدلاً ينظر ويلمس في الواقع من قبل اتباع الإمام وتلاميذه، عندها يحس الناس بالجمال، بل ويتأسفون للضياع الذي خسروا أعمارهم فيه في لمة الباطل والظلم تحت سلطة الشرك وديجور الجهل، وهم يرون وقت المهدي عليه السلام مجتمعاً تسوده الحرية والقناعة والصدق والامان والتوحيد بمعانيه المبهجة الجميلة المسرة، ويرون قيادة محبة رحيمة ودودة عادلة تطال الباطل اين ما كان وانى كان وتسحق الظلم والظلمة وتحيي البلاد والعباد بالعدل والقسط والرحمة والمحبة وكل معاني الحسن الرباني.
أمام هذا الواقع الرباني المبهج الجذاب الجميل الصادق تختفي كل أيديولوجيات الخطل والكذب والنفاق والشرك والظلم... ويتقدم أصحاب الإمام المهدي عليه السلام إلى كل الاصقاع وهي منقادة إليهم انقياد محبة واذعان واعتراف بالجميل.
وليس من الثابت تماماً كم سيدوم حكم دولة الإمام عليه السلام العالمية... وهل يستمر؟
إن الله سبحانه وتعالى إنما يرسل الرسل وينزل الكتب ويقيم المعجزات رحمة منه ولطفاً، بل حتى خلق الخلق اصلاً، ليس لحاجة منه سبحانه وتعالى إليهم، إنما تفضلاً، واحساناً.. فلطف الله واحسانه سنة في اصل الخلق وبقائه ودوامه واستمراره.. وان قيام دولة المهدي عليه السلام الربانية، كمثال لدولة الله جل وعلا في اللطف والحسن والرحمة تجسيداً لمضامين مشيئة الله تعالى... وهي في كل الأحوال حجة كحجج الرسل عليهم السلام والكتب والمعجزات على الناس، فإن شاءوا أطاعوا وان شاءوا عصوا.
إن بلوغ الإنسان غايته في الاستقرار وتوفر الوقت والجهد والمال والسلطان والجاه لديه يضعه في قمة البلاء وغايته، ويبقى الإنسان ابن آدم... وآدم في الجنة ماذا صنع؟!
(يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).

نبأ/ ٥١



 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــــ
(١) (السنة) لابن أبي عاصم، تخريج الالباني وصححه، ص٣٣٧، رقم الحديث ٧٥٤، ومسند احمد ٥/١٨٢، وصحيح الترمذي، كتاب المناقب ج٦٣٣، ص٣٧٨٨ والمستدرك، ج٣، ص١٤٨، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب، مروياً عن زيد بن ارقم بلفظ مختلف.
(٢) راجع رواياتهم في (عبقات الأنوار)، ج١، وج٢.
(٣) راجع (حديث الثقلين) تواتره، فقهه، علي الحسيني الميلاني. (الصواعق المحرمة) لابن حجر، ج٢، ص٤٤٠. (سلسلة الأحاديث الصحيحة) ج٢، ص٣٥٥-٣٥٨. (سنن الدارمي) ج٢، ص٤٣١-٤٣٢.
(٤) العدد ٤٧، ص١٢١.
(٥) الإمام المهدي من المهد إلى الظهور، السيد محمد كاظم القزويني.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016