الصفحة الرئيسية » البحوث والمقالات المهدوية » (٥٧) الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) حتمية الوعد الإلهي
 البحوث والمقالات المهدوية

المقالات (٥٧) الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) حتمية الوعد الإلهي

القسم القسم: البحوث والمقالات المهدوية الشخص الكاتب: عبد الكريم الحائري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٦/٠٢ المشاهدات المشاهدات: ١٥٨٦ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) حتمية الوعد الإلهي

عبد الكريم الحائري

مقدمة:
من المعلوم أن البحث والجدل في الأمور الظاهرية لا يصعب على الإنسان الخوض فيه على العكس من الأمور التي تفتقد لتلك الصفة، فإن مناقشتها تكون صعبة جداً. والبحث فيها يكون شاقاً نظراً للحاجة إلى أدلة كافية.
وفي حالة عدم توفرها قد تؤدي بنا إلى التراجع وترك البحث فيها.
ومن ذلك الأمور الغيبية كونها تحتاج إلى إيمان راسخ وعزم قوي للقبول بها والثبات عليها وتصديق من جاء بها إلى حد يكون الإيمان بها بمستوى الإيمان بالأمور الظاهرية على حد سواء.
ومن أهمها ما يرتبط بالإمام الغائب حيث كيف يمكن الإيمان به وهو غائب؟ ثم ما فائدة إمامته مع عدم حضوره وعدم استفادة الناس منه مع عدم معرفة العلة من ذلك؟ فالإيمان بهذه الأمور إذا جاء بها الشارع يعد من أهم مراتب الإيمان لأن فيها التسليم لصاحب الشريعة كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ولذا بحثنا هذا الموضوع حسب الأدلة التي جاءت من صاحب الشريعة المقدسة ومن الله التوفيق.
الإمامة في كل زمان:
إن الأدلة التي بحثت حول الإمامة دلَّت على وجود إمام في كل زمان، ونشير إلى خلاصة الأدلة لكي نبني عليها.
إن أمر الخلافة والإمامة لابد أن يؤخذ من القرآن الكريم لئلا تكون العقيدة خارجة عمّا يريده الله تعالى ويرتضيه، فقد ذكر سبحانه وتعالى الإمامة والخلافة وذكر ذلك في ضمن الجعل الإلهي، فيقول تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فانظر أولاً إلى أنه تعالى نسب جعل الخليفة إلى نفسه ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾، وثانياً تقييم الملائكة للمجعول خليفة في الأرض ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا...﴾، فجاء الجواب الإلهي عن هذا التقييم ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، فقيمة الخليفة ليس حيث ذهبوا إليه، بل بيّن جل وعلا مقام الخليفة بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، حيث إن الخليفة هو الحامل للعلوم الإلهية حيث عجز غيره عن جواب السؤال ﴿فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ...﴾، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، فأظهروا عجزهم عن جواب السؤال ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾، فبادر آدم إلى جواب ما عرضه عليه في الامتحان بعد عجز الآخرين، وخلاصة ما مضى أن مقام الخلافة مقام تحمل العلوم الإلهية للجواب عن أسئلة الآخرين دون أن يعجز عن ذلك فمن لم يكن كذلك فليس هو خليفة بملاك القرآن الكريم. وكذلك قوله تعالى ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾، فمقام الخلافة مقام الحكم بالحق ولا يتم إلّا بالعلم بذلك، ومن لم يكن كذلك أي فمن يخطئ في الحكم ويعتذر لا يصلح لأن يكون حاكماً وخليفة، ويتضح ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾، فبيّن بذلك أن مقام الخلافة لا يتم إلّا بنصب الخليفة من قبل النبي، ولذا كان ذلك واضحاً في حياة النبي كلما خرج من المدينة لأمر خلّف عنه شخصاً، فهل يعقل أن يسافر إلى ربه ولا يعيّن خليفة، والتأمل في هذه الآية ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، يعطينا أن الإمامة لا تكون إلّا بالجعل الإلهي ولا يكون إلّا بعد الامتحان والنجاح فيه ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وبيّن وظيفة الإمام المجعول من قبله تعالى بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾، فبين أن الإمام له مقام الهداية بأمر الله تعالى وأنه يفعل الخيرات ولعله إلى ذلك تشير الآية ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ أمّا الذين يصدر منهم الخطأ والعثرات فكيف يرتقون إلى مقام الهداية وهم يحتاجون إليها.
وخلاصة خصائص الإمام المستقاة من الكتاب العزيز:
إنه حامل للعلم الإلهي ولابد أن يجيب عما عجز عنه غيره وهو لا يعجز عن ذلك لأنه لابد أن يرجع إليه كما قال تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
أن يحكم بالحق والعدل.
أن يصلح بين الناس.
أن استخلافه يكون بالجعل الإلهي وتعيين الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
إنه يهدي بأمر الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويفعل الخيرات ويكون من العابدين.
هذه خلاصة القوانين الكلية في الإمامة والخلافة حسب ما نطق به القرآن الكريم ولا مجال للشك في ذلك بعد كون الكتاب تبياناً لكل شيء، والإمامة من أهم الأشياء فكيف يتركها الكتاب ولا يبيّنها لهم مع شدة وقوع الاختلاف فيها، وبعد معرفة ذلك نقول إن الله تعالى بعث الأنبياء لإرشاد البشر وتوعيتهم عن غفلتهم وخطأهم والسير بهم نحو الكمال المرسوم لهم من قبل الله تعالى، وبما أن البشر دائماً نحو النمو والكمال العقلي والتكامل الظاهر، فلذا جاءت النبوات تلبية للحاجات المتجددة ولم تقف على نبوة نوح أو إبراهيم (عليهما السلام)، بل استمرت ولكن هل انتهت الحاجة البشرية بعد خاتم الأنبياء نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أم هي باقية؟ لا شك أن الحاجة البشرية باقية ولكن الدين الإسلامي بما أنه لبّى الحاجات البشرية وأتى بكل ذلك إلى يوم القيامة وهو مودع في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، وبما أن القرآن يحتاج إلى مبيّن لتفاصيل أحكامه المجملة مثل أحكام الصلاة والصوم والحج والجهاد وغير ذلك، وأن السنة حصل فيها الاختلاف ومنعها الخليفة الثاني وعاقب على نقلها وكتابتها وأحرق كتب كثير ممن كتب فيها، ومن جانب آخر قال النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ستكثر بعدي الكذابة فقد اختلفت السنة وكثر فيها الكذب»، حتى نقل أن الإمام البخاري نقل الأحاديث من جملة أحاديث وصلت إليه تناهز الثلاثمائة ألف (٣٠٠ ألف) حديث.
فانظر إلى العدد الهائل مع أنه اختار ما رآه صحيحاً منها ونقل عن أبي حنيفة أنه قال: (ما صح لي من أحاديث رسول الله إلّا سبعة عشر حديثاً)، فلابد مع وجود هذا الاختلاف العظيم أن يوجد شخص يرجع إليه وهو حافظ للسنة المطهرة وقد قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، وقد اتفق أهل الحديث والتاريخ والسيرة أن الخلفاء كانوا يرجعون إلى علي (عليه السلام) في المشاكل العلمية بما يكشف عن أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان قد أهل عليّاً للخلافة، فلذا قال له: «يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي»، وصرح بذلك في يوم غدير خم في حجة الوداع على ما نقله المحدثون من أنه حينما رفع يده بيد علي (عليه السلام) قال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه». فالمولوية التي كانت للنبي هي التي ذكرها القرآن بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾.
فأرجع الأمة إليه بعد أن أعده لسد الفراغ بعده وأن يقوم مقامه في مهام الأمور كما أشار إليه بقوله: «أنت تقضي دَيْني وتنجز عداتي».
وكل ذلك يدلنا على أن الإمامة حالها حال النبوة وتكاليفها تكاليف النبوة واستمراراً لها وبدلاً عنها، فكما أن النبوة لا تكون باختيار الناس بل باختيار واصطفاء إلهي، فكذلك الإمامة دون أي فرق بينهما، فلذا قرن النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمر الإمامة بالقرآن بقوله الذي نقله مشهور المحدثين بطرق وأسانيد مختلفة كما ورد في صحيح مسلم والدارمي والنسائي وابن ماجة ومسند أحمد ومستدرك الحاكم وذخائر الطبري وكنز العمال ومن المفسرين الثعالبي والفخر الرازي والنيشابوري والخازن وابن كثير وغيرهم بألفاظ متقاربة عن زيد بن أرقم وابن سعيد الخدري وما نقله أبو سعيد أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إني أوشك أن ادعى فأجيب»، ثم قال: «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». وقد ذكر العلامة العسكري ١٥٠ طريقاً من طرق العامة من مصادرهم وجمع أكثر هذه الأحاديث كتاب التاج في جامع الأصول والصحاح، ج٤، ص٤٧. والتأمل في هذا الحديث يعطينا قواعد ثابتة في الشريعة أشير إلى بعضها في أحاديث بنحو التفصيل، وإن ذكرت في هذا الحديث بنحو الإجمال فنذكر بعضها مما يرتبط ببحثنا وأهم نقطة يستدل بها هي أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكر أن اللطيف الخبير نبأه بعدم الافتراق أبداً بقوله: «لن يفترقا» كما قال أهل العربية أن (لن) تفيد نفي الأبد ومن تلك القواعد:
إرجاع الأُمة إليهم كما ترجع إلى القرآن وعدم فصلهم إلى يوم القيامة.
إن العترة هم أشرف وأفضل الخلق بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولن يفترقوا عنه كما أن القرآن أشرف من الناس، لأنهم عدل القرآن ولو وجد أشرف منه لكان هو عدل القرآن دونهم.
عصمتهم من الخطأ كما أن القرآن كذلك حيث قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ولو وقعوا في الباطل لافترقوا عن القرآن، وقال: «لن يفترقا»، وقال تعالى عن القرآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
فكما هو الحافظ للقرآن كذلك هو الحافظ لهم لئلا يفترقوا عن القرآن.
عندهم تمام علوم القرآن لأن القرآن يقول عن نفسه ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء﴾، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾، فإذا لم يكن عندهم ما في القرآن وتفصيل أحكامه لافترقوا عنه مع أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لن يفترقا».
إنهم خلفاء رسول الله إذ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «فانظروا كيف تخلفوني فيهما»، وقد ورد في لسان بعض تلك الأحاديث: «إني مخلف فيكم الثقلين»، ولا شك أن القرآن خليفة لرسول الله بمعنى يرجع إليه من بعده، فكذلك هم، وإلّا لافترقوا مع أنهما لن يفترقا.
كما أن القرآن يطرد الشبهات بالرجوع إليه فكذلك هم، وإلّا لافترقوا، وكما أن الأُمة محتاجة إلى القرآن فكذلك إليهم وإلّا لافترقوا.
إن الخلافة منحصرة فيهم دون غيرهم وإلّا لكان القرآن مع ذلك الغير خليفة دونهم فيفترقون عنه مع أنهما لن يفترقا.
إمامتهم وخلافتهم مستمرة إلى يوم القيامة كما أن القرآن مستمر كما قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «حتى يردا عليَّ الحوض»، وإليه أشار بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، يفهم منه أن لكل زمان إمام ولابد أن يعرف ولابد أن يكون ذلك الإمام بنص هذا الحديث من العترة وإلّا لافترقا مع أنهم لن يفترقا.
احتياج الأُمة إليهم دون احتياجهم (عليهم السلام) إلى الأُمة كما أن القرآن كذلك وإلّا لافترقا مع أنهما لن يفترقا.
وخلاصة ما مضى أن الإمامة تكون بالجعل الإلهي بالأوصاف المذكورة سابقاً، وأنها مستمرة مع القرآن الكريم دون انقطاع، وأن عدم معرفة الإمام وتركه موجب للضلال والميتة على الجاهلية، فإذا كانت الإمامة لها هذه الأهمية وتركها ضلال وموجب للميتة على الباطل والجاهلية فكيف تترك الأُمة بدون إمام أو هي التي تعيّن مصيرها، فكيف يكون الفرد العادي من الناس يدخل في العقيدة بهذا المستوى الرفيع حتى تكون عدم معرفته ميتة جاهلية. وذلك يكشف لك عدم تمامية الأقوال الأخرى في الإمامة لأنها تخالف ما يستقى من القرآن الكريم، وبعد هذا البحث لابد أن نبحث عن من هو إمام زماننا؟ وقبل الخوض في ذلك لابد أن نعرف عدد الأئمة، ولابد أن نعرف فكرة المهدوية، هل هي مستحدثة أم كانت من زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ وهذه الأبحاث سنطرحها لاحقاً إن شاء الله تعالى.
ملاحظة: لا شك أن عترته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم الأئمة من أهل بيته وليس كل العترة، إذ من عترته من هو ملتزم وغير ملتزم بناءً على أن العترة هم المنتسبون إليه، فليس كل منتسب إليه من أقربائه هم يكونون عدل القرآن، بل لربما يفترقون عنه بعدم العصمة وبالمعاصي، ولكن الذين لا يفترقون من العترة هم الأئمة من أهل بيته القائمين مقامه حيث هو كان لا يفترق عن القرآن.
الخلفاء اثنا عشر آخرهم المهدي (عجّل الله فرجه):
نقل في كتب الأحاديث ما يدل على أن عدد الخلفاء والأئمة من بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم اثنا عشر خليفة، وإليك نماذج من ذلك.
فقد نقل أحمد بن حنبل في مسنده أحاديث كثيرة نكتفي بنقل بعضها:
بسنده عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»، قال: ثم رجع إلى منزله فأتته قريش: فقالوا ثم يكون ماذا؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون الهرج».
وفي آخر عنه قال سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا يزال هذا الأمر صالحاً حتى يكون اثنا عشر أميراً»، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال: «كلهم من قريش».
بسنده عن مسروق قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كم تملك هذه الأُمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: «اثنا عشرة كعدة نقباء بني إسرائيل»(١).
المهدي ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
فقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها ما عرفته في آخر الفصل السابق في تعيين الأئمة (عليهم السلام) ومنها:
ما نقله الإمام الشبراوي الشافعي في الاتحاف بحب الأشراف، ص٦٨، ط مصطفى البابي الحلبي بمصر: قال: الثاني عشر من الأئمة أبو القاسم محمد.
ولد الإمام محمد الحجة بن الإمام الحسن الخالص (رضي الله عنه) بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين قبل موت أبيه بخمس سنين وساق كلاماً في بيان سبب خفاء ولادته.
قال الشبلنجي في نور الأبصار، ص١٦٨، ط الشعبية:
فصل في ذكر مناقب محمد بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم)، ولقبه الإمامية بالحجة والمهدي، ثم ساق كلاماً في صفته إلى أن قال ولد محمد بن الحسن الخالص سنة خمس وخمسين ومئتين إلى آخر كلامه.
وتكلم الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ص٤٥٨ ط. الغري حول الحسن العسكري (عليه السلام)، ثم قال: وخلّف ابنه وهو الإمام المنتظر (صلوات الله عليه).
وقال سراج الدين الرفاعي في صحاح الأخبار، ص٥٥ ط بومباي، سنة ١٣٠٦ قال في آخر كلامه: فالحسن العسكري أعقب صاحب السرداب الحجة المنتظر ولي الله محمد المهدي.
وقال ابن حجر الهيثمي في الصواعق، ص١٣٤ ط. مصر قال حول الحسن العسكري ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين لكن أتاه الله فيها الحكمة ويسمى أبا القاسم المنتظر قيل لأنه ستر بالمدينة وغاب فلم يعرف أين ذهب.
وقال الشيخ شمس الدين ابن طولون الحنفي في (الأئمة الاثنا عشر) وثاني عشرهم ابنه محمد بن الحسن ثم يقول بعد ذلك ثاني عشر الأئمة على اعتقاد الإمامية المعروف بالحجة إلى أن قال كانت ولادته (رضي الله عنه) يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين، ولما توفي أبوه المتقدم ذكره (رضي الله عنهما) كان عمره خمس سنين. وذكر قريباً منه كمال الدين الشامي الشافعي في مطالب السؤول، ص٨، ط طهران.
وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان، ج١، ص٥٧١، ط بولاق بمصر. في ذكر محمد بن الحسن المهدي وكانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين.
وقريب منه في تذكرة الخواص لابن الجوزي، ص٢٠٤، ط طهران.
وكذا الذهبي في العبر، ج٢، ص٣١، ط الكويت.
وكذا في سبائك الذهب، ص٧٨، المكتبة التجارية بمصر.
وكذا ابن الصباغ في الفصول المهمة، ص٢٧٤، ط الغري.
وكذا في أخبار الدول والآثار الأُوَل، ص١١٧ وص١١٨. لأبي العباس القرماني.
وكذا في اليواقيت والجواهر، ج٢، ص١٤٣، ط عبد الحميد أحمد حنفي المصري.
وكذا غيرهم من المحدثين والحفاظ، ولمزيد الاطلاع على ذلك راجع الفصل الخامس والثلاثين وما بعده من كتاب من هو المهدي، ص٤٢٧ فما بعد للأستاذ الشيخ أبو طالب.
ومن مجموع كلمات القوم عرفنا ولادته في سنة (٢٥٥هـ)، وبقي علينا أن نبحث أين هو وسبب انقطاعه عن الناس ونتناول طول عمره في الفصل الآتي.
في طول عمره الشريف:
بعد أن اتَّضح أن لكل زمان إماماً ولابد أن يكون من العترة القرينة للقرآن التي لا تفترق عنه بتلك الأوصاف المذكورة وعرفنا استمرار الإمامة بعد النبي وأنها تكون في اثني عشر نقيباً وخليفة من بعده وكان الحادي عشر منهم هو الحسن الزكي العسكري (عليه السلام)، ولقد توفي في سنة ٢٦٠هـ وخلف ولده من بعده ولكنه غاب عن مخالطة الناس فهل بقي حيّاً أم جرى عليه القضاء؟
وهذا سؤال يطرح نفسه في أذهان عامة الناس ولكن قضية طول العمر ليس فيها استغراب إذا كانت بإرادة الله تعالى. ألم يذكر أن نوحاً عمّر في قومه ٩٥٠ سنة قبل الطوفان في التبليغ؟ ألم يذكر أن الخضر حي يرزق؟ ألم يكن عيسى بن مريم حياً عند ربه بنص القرآن ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾؟ فإذا جرت قدرة الله في عيسى وغيره وقد مضى على ذلك عشرون قرناً فلم يكون ذلك الشك والشبهة في إمام زماننا، فإذا كانت الملائكة لهم هذا المقدار من طول العمر بحيث لا يقدر بعدد معلوم فكما أكرمهم الله تعالى بذلك فما الذي يستبعد لمن أعده الله تعالى لنصرة دينه ولإقامة العدل. فإذا أكرم الله تعالى عيسى بذلك فما بالك بالإمام الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه، فقضية طول العمر ليست قضية طبيعية حتى تستغرب، فإذا نظرنا إلى إرادة الله في ذلك سيزول الاستغراب، ولكن هناك سؤالاً آخر يقول: ما هي دواعي الغيبة وأسبابها وإلى متى تستمر؟
فهذا ما يتكفل به البحث الآتي.
أسباب الغيبة ومقدار استمرارها:
لابد قبل الخوض في ذلك أن نتوجه إلى أمر مهم وهو أن الله تعالى وعد نبيّه أن يظهر دينه على الدين كله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف: ٩؛ التوبة: ٣٣). وفي سورة الفتح ٣٨ آخرها ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
ومن جانب آخر قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: ٨٥).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، وخلاصة الآيات أن الله تعالى ارتضى الإسلام ديناً بعد أن أكمله ولن يقبل غيره ويريد أن يظهره على الأديان كلها، فهذه المطالب في الآيات نراها لم تتحقق لحد الآن وكان الله تعالى وعد بها وأراد أن يجعل أهل الدين في أمان ولهم الإمامة في الأرض كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: ٥٥)، فانظر إلى الوعد الإلهي، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (الحج: ٤٧)، فلابد لهذا الدين الحنيف أن ينتصر على الأديان كلها ويسود الأرض ويكون الكل تابعين له دون منازع كما قال: ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، فلابد لتطبيق هذا الوعد الإلهي من خليفة يقوم بذلك، فكما أن النبوة جاءت بأصل الدين فلابد أن يكون إظهار الدين بقيادة تنوب مناب النبوة وهي الخلافة القرينة للقرآن والذي يمثلها الإمام الثاني عشر، هذا من جانب الوعد الإلهي ومن جانب آخر أن القيادة المحتاج إليها لتحقيق النصر الإلهي تسير وفق الضوابط الظاهرية كما جاء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك ولن يخرق القوانين، بل يتفوق عليها بالتأييد الإلهي وبإلقاء الرعب في قلوب الأعداء.
وكما قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ٧)، وبيّن جريان القواعد العامة؟ البشرية في الطرفين ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ﴾ (آل عمران: ١٤٠)، ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤)، وليس معنى ذلك أن الله تعالى ترك دينه أو نبيّه ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (الضحى: ٣)، ولكن التأييد مصحوب معه ﴿ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله﴾ (الروم: ٣-٤)، وعليه فلابد أن يكون القائد سائراً على نهج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولابد أن يكون عالماً بدقائقه ولا يتأتى ذلك لأحد إلّا لخليفته، فلابد أن تكون المؤهلات في القيادة لثورة عالمية قوية بقوة الطرح الذي يشمل كل بقاع العالم هذا من جاب ثان، ومن جانب ثالث أنه لابد أن يصل النضوج البشري إلى حد يستوعبون فهم الغاية وهي العدالة على الأرض والحكومة الموحدة ليتعاونوا معها حتى يكون العالم قرية واحدة والقرية عالم كبير ولابد أن يدرك الناس أن تحقيق هذه الأُمنية العظيمة لا تصلح لأحد إلّا إذا كان مؤيداً من الله تعالى ومرتبطاً به روحاً حتى يستظلوا تحت قيادته الحكيمة، وهذا يساعد على فهم بُعد امتداد الغيبة بعد معرفة أسبابها الآتية.
فلذا ورد في بعض الأحاديث الشريفة كما في باب العقل في أصول الكافي «إذا قام القائم مسح الله يده على رؤوس العباد فتكتمل عقولهم»، وهذه إشارة إلى اللطف الرباني والعناية بالناس بحيث يساعدهم بإعطائهم الاستعداد والقوى لفهم القيادة المسددة من قبله تعالى.
ونجمع هذه التمهيدات في مقدمات حتى تتبيّن أسباب الغيبة بوضوح.
إن الوعد الإلهي محتم بنصرة الدين الذي ارتضاه وإظهاره على الدين كله في كل المعمورة.
استخلاف المؤمنين الذين عملوا الصالحات.
احتياج هذا الأمر إلى قيادة عالمية تستوعب جميع المعارضات.
إن هذه القيادة لا تكون إلّا بمستوى النبوة أو ما يقوم مقامها وهي الخلافة.
بما أن الوعد حق ولم يتحقق سابقاً فلابد أن يتحقق لاحقاً ومستقبلاً دون شك وريب.
ومن جانب آخر لابد من ملاحظة الظروف التي كانت محيطة بالإمام من حيث الحكام ومن حيث مهام الإمامة، فأمّا الظروف والملابسات عند الحكام فإن بني العباس كانوا قد أحاطوا ببيت الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وكانوا قد وضعوا عليه العيون حتى يتعرفوا على وجود الأولاد عنده، فلذا كانت ولادة ولده في خفاء شديد مع ملاحظة تجبر الحكومات الطاغية في ذلك الزمان حتى عرف الحكام بالخمر والمجون واللهو واللعب وترك المسلمين في جانب آخر، وهذا واضح لمن راجع تاريخهم فلو عثروا على الإمام لقتلوه مع ملاحظة الظرف الظاهري الذي تحتاجه القيادة لتحقيق النصر الإلهي، حيث مر الناس بتجربة سابقة في عهد الإمام الجواد (عليه السلام) حيث تصدى للإمامة وهو طفل في السابعة وكذا الإمام الهادي (عليه السلام) حيث كان في الثامنة من عمره كان ذلك تهيئة لنفوس الناس للإمام الحجة (عجّل الله فرجه)، ومع ذلك حصل الاختلاف لعدم تقبلهم للقيادة، ولو كانت مؤيدة من قبل الله تعالى، وهذا ملاحظ في العصور السابقة حيث قد رأى اليهود من مريم (عليها السلام) ذلك الطفل المعجزة وهو ينطق في المهد فمع ذلك لم يقبلوا، بل طاردوه وحاولوا قتله حتى ادعوا أنهم قتلوه وصلبوه، ونفى القرآن ذلك وهو دليل على إيجاد الأذى له قصد التعدي عليه، وقد لوحظ أيضاً في يحيى بن زكريا حيث قتل وهو شاب، وهكذا حصل لكثير من أنبياء الله تعالى، فلابد أن يلاحظ الجو العام للقيادة، وأن تهيأ النفوس له، فكونه بذلك السنّ الظاهري يوجب النزاع وقد حصل قبل ذلك في قيادة أسامة بن زيد وتأميره على الجيش من قبل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعارض ذلك جماعة، بل رفض جماعة تسلّم علي (عليه السلام) لزمام الأمور محتجين بأنه شاب ويوجد من هو أكبر منه، فلابد إذن من تكميل النفوس وذلك يحصل بالتسليم لأمر السماء والنضوج الفكري والصحوة العامة.
فإذا كان الإمام ظاهراً في ذلك الوقت فما عسى أن يفعل به؟ هل يترك؟ لا شك تجري عليه السنن التي جرت على آبائه فكان من الحكمة الإلهية أن يخرج من بين الناس لئلا يقتلوه، فإن قلت: قد ادَّخره الله لنصره فكيف يقتلوه؟ قلنا: إن هذا الأمر طبيعي، فلذا خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من مكة حين أحس بالخطر كما خرج موسى من ذي قبل حينما جاءه رجل من أقصى المدينة وأعلمه بنوايا القوم، ولابد للانتباه أن خروج الإمام (عجّل الله فرجه) مع عدم توفر بقية الشروط يكون خلافاً للحكمة، إذ الحكمة الإلهية اقتضت ادِّخاره لنصرة الدين، والنصر لا يتم إلّا بعد وجود العدة والعدد، فقد قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، فلأجل تطبيق العدالة في الأرض لابد من وجود أنصار له. لهم الكفاية بمقدار الطلب الذي تحتاجه الأرض بمعنى أنه لابد أن يكون هناك عدد كاف من قبل الإمام ليتسنى لهم استلام زمام الأمور حتى لا يخالفوا الإمام في شيء ليتمكن من بسط العدالة على الأرض كما ورد في الحديث النبوي الشريف «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً»، فلابد من أفراد مكتملين في الإيمان والعقل والتسليم لطاعة الله ورسوله وأولي الأمر لئلا يجري في زمانه ما جرى في الأزمنة السابقة من مخالفة النبي من قبل بعضهم مع أن الله تعالى قال لهم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
فعارضوا النبي في بعض أمورهم، ولأجل بسط العدالة في كل المعمورة فلا يمكن كل يوم تنصيب شخص ثم عزله وتعيين آخر محله وهكذا، بل لابد أن يكونوا راسخين في الإيمان والتقوى والتسليم حتى يتحقق الهدف المرسوم لهم مع ملاحظة مستوى فهم الناس ومعرفتهم باحتياجهم الأكيد لتلك القيادة حتى يسلموا لها.
وخلاصة ما تقدم يكون في نقاط مترابطة وهي:
الوعد الإلهي المحتم لنصر دينه الذي ارتضاه وإظهاره على الأديان كلها.
استخلاف المؤمنين.
احتياج الأُمة إلى قيادة عالمية تستوعب كل المعمورة.
لا تتسنى القيادة لأي شخص، بل لابد أن يكون بمستوى النبوة أو ما يقوم مقامها.
عدم تحقق المواعيد الإلهية للأمور الماضية مع صدقها فلابد من تحققها في المستقبل.
الملابسات والظروف للحكام كانت تقتضي القضاء عليه لو كان ظاهراً.
عدم استيعاب الأُمة للقيادة كما مرت التجارب السابقة بها.
عدم توفر أفراد لقيادة الولاية من قبل الإمام على أطراف المعمورة.
عدم وجود نضوج عام لمستوى البشر حتى يمكن استيعاب الجميع.
ومع ملاحظة هذه الأمور فلابد من أن تقضي الحكمة الإلهية الغيبة حتى تتوفر الشروط المطلوبة ولو كان غير ذلك لكان خلاف الحكمة الإلهية، فادِّخار الإمام لهذا الأمر العظيم حتى يقف عيسى بن مريم يصلي خلفه يقتضي الغيبة كما اقتضى رفع عيسى بن مريم، فلذا ورد في بعض الروايات أنه يعطى الرجل من أصحابه قوة أربعين رجلاً، وهذه إشارة إلى التكامل المطلوب لهذه المهمة العظمى، وبهذا يتَّضح أن قضية الغيبة ليست أمراً خلاف الحكمة أو أمراً غريباً، بل لابد منها، ويستمر هذا الأمر حتى تقتضي الحكمة الإلهية الظهور بتوفر الشروط بشكل طبيعي أو بلطف رباني ولا يتحدد ذلك بأمد، بل هو تابع لصحوة العالم أجمع وتوجههم نحو ذلك الهدف بإعداد النفوس وهو معنى الانتظار.

الهوامش:
(١) راجع في ذلك أحاديث المهدي من مسند أحمد بن حنبل وقد نقل ١٣٦ حديثاً في مختلف شؤونه وحول الخلافة والإمارة في مقدمته ٣٥ حديثاً. أخذنا منها ثلاثة ولم ينفرد أحمد بذلك بل نقل ذلك مسلم أيضاً وغيره من أئمة الحديث. ولمزيد الاطلاع راجع كتاب (من هو المهدي) في الفصول الأولى تعرض لنقل الأحاديث من كتب الصحاح والسنن والمسانيد.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016