فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » التراث المهدوي - استقراء التطور الفكري في مسيرة التراث المهدوي الشيعي
 كتب أخرى

الكتب التراث المهدوي - استقراء التطور الفكري في مسيرة التراث المهدوي الشيعي

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: مجتبى السادة تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٨/٠٩/٠٣ المشاهدات المشاهدات: ٨٦٨ التعليقات التعليقات: ٠

التراث المهدوي
استقراء التطور الفكري في مسيرة التراث المهدوي الشيعي

مجتبى السادة

الطبعة الأولى: ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م

الفهرس

الإهداء
المقدمة
الفصل الأول: التراث المهدوي الشيعي
التعريف بمفهوم التراث
قبل بدء البحث
الهدف من الدراسة
احصائيات عن التراث
تكامل فكرة المخلص في التراث الانساني
مراحل تطور التراث المهدوي
الفصل الثاني: طور الأمنية
مرحلة ما قبل الإسلام
تدرج الأنبياء في طرح الفكرة
بشارات الأديان القديمة
الاختلاف في تشخيص هوية المخلص
المصداق الحقيقي للمخلص
ثمرة المرحلة (الخلاصة)
الفصل الثالث: طور التأسيس
مرحلة صدر الإسلام
الوضع السياسي والفكري
المهدوية في التراث الإسلامي
مصنفات مهدوية في هذه المرحلة
مقتطفات من المشهد الأدبي في هذه المرحلة
ثمرة المرحلة (الخلاصة)
الفصل الرابع: طور الواقع
مرحلة الغيبة الصغرى
الوضع السياسي والفكري
نظام السفارة
مراحل غياب الإمام المهدي
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة
تواقيع الناحية المقدسة
كتب ومصنفات الشيعة
شعراء الشيعة في زمن الغيبة الصغرى
ثمرة المرحلة (الخلاصة)
الفصل الخامس: طور التأصيل
مرحلة بداية الغيبة الكبرى
الوضع السياسي والفكري
تأصيل التراث الحديثي الشيعي
أهم كتب التراث المهدوي
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة
الشعر في هذه المرحلة
تواقيع الناحية المقدسة في هذه المرحلة
ثمرة المرحلة (الخلاصة)
الفصل السادس: طور الركود
مرحلة التقلبات الطائفية
الوضع السياسي
الوضع الفكري
عوامل ركود الحركة الفكرية
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة
مقتطفات من المشهد الأدبي في هذه المرحلة
ثمرة المرحلة (الخلاصة)
الفصل السابع: طور التفريع
مرحلة انتشار التشيع
الوضع السياسي
الوضع الفكري
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة
مقتطفات من المشهد الأدبي في هذه المرحلة
ثمرة المرحلة (الخلاصة)
الفصل الثامن: طور الدفاع
مرحلة دحض الشبهات
الوضع السياسي
الوضع الفكري
استغلال بعض سمات الثقافة المهدوية
تطور البابية إلى البهائية
كتب الرد على البابية والبهائية
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة
مقتطفات من المشهد الأدبي في هذه المرحلة
ثمرة المرحلة (الخلاصة)
الفصل التاسع: طور التجديد
مرحلة العصر الحديث
الوضع السياسي
الوضع الفكري
مصنفات مهدوية رائدة
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة
مقتطفات من المشهد الأدبي في هذه المرحلة
ثمرة المرحلة (الخلاصة)
الفصل العاشر: طور التطبيق
مرحلة الحضارة المهدوية
لمحة سياسية وتاريخية
أحداث قبل الظهور
أحداث اليوم الموعود
أحداث بعد الظهور
التراث الديني السماوي
مزايا الدولة المهدوية
ثمرة المرحلة (الخلاصة)
الفصل الحادي عشر: ١- ضياع التراث المهدوي الشيعي
أسباب ضياع التراث المهدوي
هل التراث المهدوي الشيعي مفقود
٢- آفاق مستقبلية:

خلاصة مسيرة التراث
آفاق مستقبلية
الخاتمة: خادم يخاطب مولاه
المصادر

الإهداء:

إلى التي أعطت ولم تأخذ.
إلى صاحبة النسب العريق والإيمان العميق.
إلى أميرة الروم وريحانة آل شمعون.
إلى المهاجرة من قصور الملوك والقياصرة إلى بيت النبوة والإمامة.
إلى من تركت ديارها شوقاً إلى شمس الولاية.
إلى من زارتها فاطمة الزهراء ومريم البتول.
إلى من اجتمع الأنبياء والأوصياء لخطبتها.
إلى من اسمها في الإنجيل (العتيدة).
إلى من بشرها الإمام الهادي بالموعود.
إلى ابنة حواري عيسى، وزوجة ولي الله، وأم بقية الله.
إلى من هي من سلالة الأوصياء وأم خاتمهم.
إلى ذروة الكمال والشرف والوعاء الحاضن للقائم المنتظر.
إلى مليكة بنت يشوعا حفيدة قيصر الروم.
إلى سيدة الإماء (نرجس) والدة الإمام المهدي.
إليك يا أم الفضائل والمناقب العالية، أرفع اوراق ولائي وثنائي، وأهدي صفحات كتابي الذي يتحدث عن ولدك (صاحب الزمان)، راجياً من حنانك التفضل بقبول هذا القليل، وأنا طامع في أن تنالني شفاعتك وشفاعة ابنك (عجل الله تعالى فرجه).. نسأل الله أن نوفق لنكون من خُلص خدمته وأنصاره والمستشهدين بين يديه.

شكر وعرفان

كلمة شكر نعبر فيها عن تقديرنا للأستاذة القديرة: فتحية السادة (أم سيد حسين) على كل ما قدمته من جهود حثيثة في مجال المراجعة اللغوية والتوجيه والنصح السديد، ومساندتها لنا طوال فترة الكتابة، سواء في هذا البحث أو الكتب السابقة.. ولا يسعنا إلا أن نقدم لها أجمل كلمات الثناء والتقدير التي تحمل بين طياتها الاعتراف بالفضل والامتنان.
والشكر الجزيل لكل من ساهم في إخراج هذا البحث إلى حيز التنفيذ، وإلى الذين قدموا يد المساعدة من قريب أو بعيد.
جزاكم الله خيراً ووفقكم وسدد خطاكم.

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين، أما بعد:
العقيدة المهدوية قضية عامة تخص البشرية كلها، وهي أيضا مسألة مركزية في الدين الإسلامي، وإن جميع الجهود والتضحيات التي قام بها الأنبياء والرسل والأوصياء ستؤتي ثمارها على يديه الطاهرة، وستتحقق أحلامهم وستظهر بواسطته ثمرة الإسلام.
إن عقيدة المهدي الموعود وظهوره آخر الزمان، تعتبر مورد قبول جميع الفرق الإسلامية، فالإسلام بركنيه القرآن الكريم والسنة الشريفة هما المصدر والمنبع لدى المسلمين بكافة أطيافهم للإيمان والاعتقاد بفكرة المهدي المنتظر.. فقد أشار القرآن الكريم إلى القضية المهدوية بطرق وأساليب شتى وبمنهج محدد، وكذلك أخبر عنها الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام)، وتحدث عنها الصحابة والتابعين، وكتب عنها العلماء جيلاً بعد جيل وإلى زماننا هذا. ومن هذا المنطلق كانت المهدوية حتمية ويقينية، وانتشرت طوال التاريخ الإسلامي لدى أغلب الفرق الإسلامية.
مصنفات عديدة كتبت في العقيدة المهدوية ومن جوانب شتى، حتى غدا البحث في المهدوية ميداناً معرفياً له مزاياه المنفردة، وأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في الطليعة، مما شكل ثروة فكرية هائلة.
تواجه الباحث حول التراث المهدوي الشيعي مصاعب كبيرة، من قبيل أن المعلومات والبيانات المتوفرة حول هذا الموضوع لا يمكن أن تكون وافية لدراسة قائمة على الموضوعية ومنهج البحث العلمي وذلك للحجم الهائل لهذا التراث وسعته، بالإضافة لضياع الكثير من مفرداته.. ولذا انبثقت هذه الدراسة التي سنحاول فيها - إن شاء الله - دراسة التطور المعرفي في الثقافة المهدوية الشيعية على ضوء المسار التاريخي، ورغم أهمية هذا الموضوع إلا إنه لم ينل نصيبه من اهتمام الباحثين والمختصين الشيعة إلا قليلاً، وظل يفتقر للدراسات التي تتناول تاريخ تطوره، علماً بأننا لسنا في مقام الرصد والاستقصاء لتلك المصنفات التي عنيت بتدوين القضية المهدوية.
من الحقائق الثابتة: إن العقيدة المهدوية منذ فجر التاريخ وإلى يوم القيامة لن تتغير أو تتطور، ولكن فهمنا لها هو الذي يتغير ويتطور، ومع مرور الأيام نستوعب مفاهيمها أكثر فأكثر.. فالسؤال الذي يثير اهتمامنا: ما هي أهم مراحل هذا التطور في تكامل فكرة المخلص في التراث المعرفي الإنساني؟ إذاً دراسة التراث المهدوي الشيعي والتغيرات التي طرأت عليه عبر مراحل التاريخ، يعطينا فكرة واضحة عن تطور فهم الإنسانية واستيعابها للمهدوية، علماً بأن إدراكنا في الوقت الحالي لازال قاصراً للإحاطة بجميع جوانبها حيث يخيم عليه ضباب وحجاب (الغيبة).
لقد تشكل التراث المهدوي الشيعي على مدى مساحة من الزمن تزيد على (١٤٠٠عام) تطورت فيها الافكار والمعارف والعلوم، ومثل هذه المساحة الزمنية تتطلب ان نندفع لالتقاط عناصر هذا التطور وفق سياق المسيرة التاريخية، وهذا يتطلب منا دراسة مجمل الظروف والمؤثرات ومناخات المعرفة والفكر والسياسة والأحداث بشكل عام، وعليه فما نقدمه هنا هو رؤية أولية لتقويم تطور الأداء الفكري في التراث المهدوي.. إن استقراء التطور المعرفي المهدوي ومن خلال دراسة شاملة للكتب ذو الشأن المهدوي يمكن ان نختزله في تسع مراحل وأطوار أساسية، سنتحدث بتفصيل مناسب عن كل واحد من هذه الاطوار - وهذا هو صلب البحث -، ونسلط الضوء على المستجدات المتراكمة في الثقافة المهدوية عبر المسيرة التاريخية للتراث المهدوي الشيعي، وتأثير الأوضاع السياسية على النتاج الفكري المهدوي، ونبدأ من فجر التاريخ مروراً بالعصر الإسلامي ووقتنا الحالي، واستشفاف أولويات المرحلة وآفاق المستقبل.
علماً إن اهتمامنا في هذا الكتاب لن ينصب على الكم، وإنما في الكيف.. ونحب في هذه المقدمة أن نجيب باختصار على تساؤل قد يثار لمن يقرأ هذا الكتاب، وخاصة لمن يطلع على سعة التراث المهدوي الشيعي، فيتعجب من كيفية استعراض هذا التراث وقراءة سياقه ومساره في هذه الصفحات المحدودة، والجواب على ذلك من عدة وجوه:
أولا: إن التراث المهدوي الشيعي مع كثرته وسعته ممتلئ بالتكرار.
ثانيا: إننا في هذا الكتاب سنركز على القضايا الكبرى التي تميز بها التراث المهدوي في مراحله التاريخية، ولا نهتم كثيراً بالتفاصيل.
ثالثا: نسلط الضوء على الأطوار الفكرية وعلاقة الأوضاع السياسية آنذاك - الحرية المتاحة - على التراث المهدوي وما تضمنه من تطور أو انكماش أو تغيرات جوهرية في معارفه ومستواه الفكري.
وفي ختام هذه المقدمة ننوه إلى أن هذه الدراسة اليتيمة وهذا الجهد المتواضع انما هو باكورة ونواة لبحوث ودراسات قادمة في مثل هذا الموضوع - إن شاء الله - نتمنى أن تتبناها مؤسسات علمية، فمثل هذه الأعمال تحتاج إلى جهود مؤسسات تخصصية تقوم بدراسات تحليلية ونقد موضوعي للتراث المهدوي الشيعي، وينفذها باحثون مختصون يعتمدون الموضوعية في أبحاثهم، ونأمل ان يفتح هذا العمل البحثي باباً مهماً لدراسات فكرية مستقبلية أخرى تتناول جوانب مهمة من تراثنا المهدوي الشيعي.

الفصل الأول: التراث المهدوي الشيعي

ينطلق الشيعة الإمامية في نظرتهم إلى المهدوية من معتقد الإمامة، وضرورة وجود إمام في كل زمان، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، وهذا ما يميز الأطروحة الشيعية الإمامية، فاهتم علماء الإمامية بالعقيدة المهدوية اهتماماً بالغاً، فكتبوا في ذلك مصنفات عديدة وفي جميع جوانب الثقافة والمعرفة المهدوية، وعلى جميع مراحل وأطوار التاريخ الإسلامي، ومن زمن مبكر يعود بعضها إلى ما قبل ولادة الإمام (م ح م د) بن الإمام الحسن العسكري (عليهما السلام)، وبعضها إلى زمن الغيبة الصغرى، واستمر العلماء على هذا المنوال وإلى يومنا الحاضر.
لقد بذل أعلامنا العظام جهوداً كبيرة في سبيل ربط الأمة فكريا وعاطفياً بقائدها ومن جوانب شتى كناحية التثقيف الفكري والإعداد الروحي والنفسي للمجتمع الشيعي، بالمستوى المناسب لعظمة هذه الشخصية الإلهية وعظمة الدور المناط به.
بالتأكيد هناك أثرٌ واضح للحضور الدائم للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في يوميات الطائفة الشيعية عبر القرون المختلفة، وقد انعكس ذلك في التراث المهدوي الشيعي، والذي يدل على عمق الولاء وتجذر القضية المهدوية في نفوس أبنائها.
منذ منتصف القرن الثالث الهجري وعلى مدى قرون عديدة انقضت من عمر الرسالة الإسلامية كانت شخصية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) محور هذا التاريخ ومركزه باعتباره إمام الزمان، فالعلاقة جد وثيقة بين المؤمنين وخاتم الأوصياء، وعلى هذا الأساس وبدوافع عقائدية وتاريخية وحضارية، كانت القضية المهدوية ميدان بحث وتحقيق وتوثيق ودراسة، وقد بذل فيها المئات من العلماء جهوداً ضخمة منذ بداية القرن الثالث الهجري وإلى يومنا، حتى غدا البحث في المهدوية ميداناً معرفياً له مزاياه المنفردة، يغوص فيه الباحثون لاكتشاف نفائسه وأسراره.. وقد كان اتباع أهل البيت (عليهم السلام) في الطليعة ولهم الدور الأساس في ازدهار الثقافة المهدوية وتألق مجدها وإبقاء أثرها في المعرفة الإنسانية والفكر العالمي المزدحم بأطر متنوعة من القيم والحضارات، مما شكل ثروة تراثية فكرية هائلة.
التعريف:
التعريف والمفهوم(١): (التراث المهدوي الشيعي) مصطلح شامل يتسع لكل ماله علاقة بالإمام المهدي (عليه السلام) من نصوص القرآن والسنة واجتهادات العلماء، وهو لا يقتصر بالضرورة على الإنتاج المعرفي، بل يتسع ليشمل كل ما خلفه الشيعة عبر العصور من أشكال متعددة ثقافية وفنية وفكرية، وبشتى اللغات وفي كل بقعة من بقاع الأرض.. وبعبارة مختصرة: هو السجل الكامل للنشاط الشيعي في مجال القضية المهدوية.
إن التراث المهدوي الشيعي تتضح أبرز صوره في الكتب والمصنفات وضروب التأليف التي تعطي انطباعاً كبيراً عن أهمية القضية المهدوية، والمحاضرات الإسلامية للعلماء والخطباء، والشعر المهدوي بشتى اشكاله، وفي العصر الحديث الأفلام الوثائقية المهدوية، بالإضافة للأشكال الأخرى من أنواع التراث، مما كان له بالغ الأثر في المحافظة على المهدوية الأصيلة وصونها من الانحراف والتضليل والتهميش.
قبل بدء البحث:
تواجه الباحث والمحقق حول التراث المهدوي الشيعي مصاعب جمة وعقبات كبيرة، من قبيل أن المعلومات والبيانات المتوفرة حول هذا الموضوع لا يمكن أن تكون وافية لدراسة قائمة على الموضوعية ومنهج البحث العلمي وذلك للأسباب التالية:
١) الكتب والمصنفات الشيعية القديمة التي كتبت في مجال العقيدة المهدوية تكاد تكون كلها مفقودة، وأن معظم التراث المهدوي الشيعي في مرحلة صدر الإسلام الأول وكذلك في عصر الغيبة الصغرى قد ضاع تماماً، وبشكل متعمد بفعل الأيدي الآثمة، ولا نجد في عصرنا الحالي إليه سبيلاً.
٢) محاربة السلطات الحاكمة الظالمة للعقيدة المهدوية ومحاولة تحريف مفاهيمها، كونها تمثل التهديد الحقيقي لتلك الأنظمة، وبالخصوص في فترة ظهور المهدوية إبان الدولة العباسية، مما دفعها لاتخاذ بعض الإجراءات بمنع تدوين أي حديث شريف أو كتابة أي شيء له علاقة بالمهدي.. إضافة إلى ذلك انحياز معظم الحكومات قديماً وحديثاً إلى مذهبها الديني والعقدي، فنرى بعض البلدان التي تأخذ بمذهب معين، تؤكد على مذهبها وتنشر كتب المتون والشروح حوله، وتلغي لصالحه تراث الفرق الإسلامية الأخرى، ويصل منطق الإلغاء والتغييب إلى حد الحظر والمنع لكتب المذاهب والأطروحات المختلفة، مما أثر سلباً على التراث المهدوي الشيعي.
٣) إن مما يزيد مشقة الباحث في دراسة شاملة عن التراث المهدوي، انعدام أو قلة توفر الدراسات المهدوية التاريخية المتخصصة والتي تواكب التغيرات التي طرأت على التراث في العصور المختلفة، كذلك عند دراسة الظروف المرتبطة والمؤثرة في الثقافة المهدوية في زمن معين، يتطلب التعرف على البيئة الفكرية والسياسية والاجتماعية وخصائص الظرف التاريخي لتلك الفترة، والتي يصعب جمعها وتحليلها بشكل موضوعي، مما يجعل ذلك تحدياً رئيسياً في هذا الإطار.
٤) استغلال أعداء الإسلام الواقع النفسي السيئ للمجتمع الإسلامي، فيعملون خلف الستار بتبني ونشر وترويج بعض ملابسات المشككين في العقيدة المهدوية، وذلك بدعم ومساندة الحركات المنحرفة كالبابية والبهائية والقاديانية والأحمدية، وكذلك الحركات المشبوهة حديثاً كمدعين للسفارة حالياً، فأنتجت هذه الجماعات بعض الكتابات التي ترتبط بالشأن المهدوي كُتبت بأقلام مشبوهة تسوِّق لأفكارها المنحرفة، فتداخلت بشكل خفي وخطير مع تراثنا، مما يجعلنا بحاجة إلى تصفية التراث وخاصة في العصر الحديث.
٥) من الأسباب التي تردع الباحثين عن سبر أغوار هذا التراث هي تعدد اللغات المكتوب بها، نظراً لانتشار الإسلام على رقعة واسعة من الأرض، ومع أن معظم التراث المهدوي كتب باللغة العربية إلا أن جزءاً غير بسيط قد كتب باللغات الأخرى للشعوب الإسلامية وخاصة في العصور المتأخرة.. وهذا الأمر مهم نظراً لأن هناك العديد من المخطوطات التي كتبت أو تم طباعتها بعد ترجمتها إلى هذه اللغات، وهي تعتبر مراجع مهمة في دراسة التراث المهدوي.
من هنا نلاحظ أن البحث حول التراث المهدوي بالغ العُسر، فإن ما في متناول أيدينا من أو عن التراث المهدوي لا يعطينا معلومات شاملة وافيه عنه.. حيث أن الكثير من كتب التراث المهدوي الشيعي القديمة مفقوداً وضائعاً ومجهولاً.
الهدف من الدراسة:
إن ملامح الثقافة المهدوية المعاصرة تشكلت من المفاهيم والأفكار الإسلامية الأصيلة التي بني عليها أسسه، ومن التراث المهدوي الواسع الذي تواصلت معه وانطلقت منه.. لذا انبثقت هذه الدراسة للتعريف بتاريخ التراث المهدوي الشيعي، ومدى استجابة التغيرات والمستجدات فيه لمتطلبات كل مرحلة تاريخية، وسيكون تركيزنا فيها على نقطتين جوهريتين:
أولاً: إعطاء رؤية واضحة عن التراث المهدوي الشيعي، ومجرى الأحداث التاريخية المؤثرة في مسيرة القضية المهدوية، ليتضح لنا الأزمنة الفكرية التي مر بها التراث، والمؤثرات الجوهرية على النتاج الثقافي المهدوي لكل مرحلة.
ثانياً: استقراء التطور المعرفي في التراث المهدوي الشيعي على ضوء المسار التاريخي، وسيكون معيارنا في رصد التطور في المنظومة الفكرية المهدوية هو المنهج العلمي المتبع في كل مرحلة تاريخية، وسنركز على منهجين: المنهج الروائي والمنهج العقلي، ومدى اتساع استخدام كل منهج في مصنفات الفترات الزمنية المختلفة.
 ورغم أهمية هذا الموضوع في الثقافة المهدوية إلا إنه لم ينل نصيبه من اهتمام الباحثين والمختصين الشيعة إلا قليلاً.. ونحن ليس في مقام الرصد والاستقصاء لكل المصنفات والكتابات التي عنيت بالقضية المهدوية، إنما نحاول إعطاء قراءة سريعة وتسليط الضوء على بعض النشاطات الفكرية في تلك المراحل المتعاقبة من التاريخ الثقافي الإمامي، وإبراز المساهمات المميزة المرتبطة بالشأن المهدوي لرجال الفكر أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
لم تكن النية فقط لعرض أفكار العلماء الشيعة، بل الحرص ينصب على فهم الواقع الذي عاشت فيه وانبثقت منه هذه الأفكار، إذن الغاية من البحث والدراسة هو التعرف على التحولات الفكرية في الأمة الإسلامية في مبدأ الإمامة وبالأخص في الإمامة الخاتمة (المهدوية)، والمستجدات المتعلق بالتراث المهدوي وفتح آفاق مستقبلية.
إن من إحدى غايات هذه الدراسة هو سد حاجة المكتبة الإسلامية من هذه الكتب نظراً لأن مصنفات كل مرحلة في العموم تتعرض لخصوصيات معينة دون الإشارة إلى الواقع المعاصر للأفكار أو الأوضاع السياسية السائدة، بالإضافة إلى أن هناك ارتباط وثيق بين الأفكار والمعارف المهدوية المطروحة وبين الواقع السياسي الذي يعيشه الشيعة في تلك المرحلة.. هذا ما نجده من أن معظم كتابات العلماء الأوائل كان اهتمامهم الأساسي مُنصباً على قضايا الإمامة والغيبة وما يرتبط بها من مسائل وتفريعات، ويشابه في ذلك ما نلاحظه في الوقت الحاضر من كثرة الكتابات المرتبطة بالانتظار والاهتمام بالمستقبل والمتمثلة بإبراز علامات الظهور وأخبار الملاحم والفتن، ولذلك فالمعرفة والثقافة المهدوية ارتبطت بالظروف السياسية للأمة الإسلامية وبالحاجة لتوجهات فكرية معينة.
وعليه فإن هذه الدراسة تسعى إلى عرض الأفكار المرتبطة بالمخلص (الإمام المهدي) السائدة في العصور التاريخية المختلفة، وكذلك عرض الأوضاع السياسية والحرية الفكرية المؤثرة في ذلك الوقت.
إحصائيات عن التراث المهدوي الشيعي:
أهم ما يميز أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على طول التاريخ هو حضارية الفكر والممارسة والموقف، فقد أنحاز الشيعة إلى العلم وحرية الرأي، ووصلوا إلى مكانة رفيعة في خدمة الإسلام، وذلك لإيمانهم بان الإسلام يقوى وينتشر بالعلم، وبإتاحة الفرصة والحرية لعلماء المسلمين بمختلف فرقهم ومذاهبهم للتعبير عن رأيهم، مما شكل تراثاً ثقافياً ضخماً يتناول شتى فروع المعرفة.. فقد اهتمت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) اهتماماً كثيراً بآلية المعرفة وبالأخص فيما يرجع إلى تدوين العلوم والمعارف والأحاديث الشريفة، مما كان له بالغ الأثر في دور النهوض الفكري والمعرفي والارتقاء بالمشهد الثقافي الإسلامي.
وبنظرة سريعة وبتتبع موجز نجد أن الكتب والدراسات المهدوية تحتل مساحة واسعة من البحوث والتقصي المعرفي، فالمكتبة المهدوية خزانة عظيمة متشعبة الأبعاد ومتعددة الجوانب، ومن أجل تسليط الضوء على أهمية التراث المهدوي وحجمه وغزارته، نود الإشارة إلى ما وقع في أيدينا من المراجع التاريخية والتي تفصح عن حجم التراث الثقافي المهدوي، وتعطينا فكرة عن تصانيف علماء الشيعة عبر مراحل التاريخ.. فمن قبل ولادته (عليه السلام) تم تدوين عدد من الكتب عن موضوع الغيبة وللأسف ضاع معظمها، فما زال علماء الشيعة عبر القرون وفي كل عام وإلى وقتنا الحاضر يؤكدون على أهمية المشروع الإلهي المهدوي ومن جميع جوانب الفكر والثقافة وعلى كافة الأصعدة، بكتابة المصنفات والبحوث وإلقاء الشعر والدروس والنصح والإرشاد تأسياً بالأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا يجعل دائرة ما يدوَّن في الثقافة المهدوية والمعلومات المرتبطة بها واسعة جداً.. وباستعراض بعض البيانات الإحصائية نعرف حجم التراث المهدوي وسعته:
أولاً: إحصائيات عن المهدي في القرآن الكريم:
إن الآيات القرآنية المفسرة والمؤولة في الإمام المهدي (عليه السلام) حسب ما ورد في الأحاديث الشريفة كثيرة جدا، ومن أراد التوسعة والاطلاع تفصيلياً يمكن مراجعة الموسوعات والكتب التالية(٢):
· كتاب: المهدي في القرآن، للسيد صادق الشيرازي، وقد ذكر فيه ١٠٦ آية شريفة.
· كتاب: إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب، للشيخ علي اليزدي الحائري، وقد ذكر فيه ١٣٣ آية شريفة.
· كتاب: المحجة فيما نزل في القائم الحجة، للسيد هاشم البحراني، وقد ذكر فيه ١٢٠ آية شريفة.
· كتاب: معجم أحاديث الإمام المهدي، المجلد السابع، للهيئة العلمية في مؤسسة المعارف الإسلامية، وقد ذكر فيه ٢٢٠ آية شريفة.
وهذه مجرد أمثلة، وهناك مصادر ومصنفات عديدة في هذا المجال يمكن الرجوع إليها.
ثانياً: إحصائيات عن المهدي في السنة الشريفة:
الناظر في أمهات المراجع الحديثية (الروائية) والتفسيرية لكل المذاهب الإسلامية يعلم دون شك أن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أول من طرح موضوع المهدي المنتظر في الإسلام، وتحدث عن اسمه وهويته ونسبه وأحواله وعلامات ظهوره ودولته، وهكذا نجد أن مصنفات حديثية كثيرة قد خصصت فيها فصلاً مستقلاً عن المهدي المنتظر، فهناك ما يربو على (١٥٠) كتاباً ورسالة يذكر فيها العشرات أو المئات من الأحاديث المروية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) في شأن المهدي(٣).. وللاطلاع عليها وأخذ نبذة عن بياناتها وإحصائياتها يمكن مراجعة الكتب والموسوعات التالية(٤):
· موسوعة: معجم أحاديث الإمام المهدي - الطبعة الثانية، ثمانية مجلدات - ذكرت ما مجموعه (١،٨٦١ حديثاً) متعلقة بالمهدي، حيث استخرجت من مصادر مختلفة أكثر من ٤٠٠(٥) مصدر.
· موسوعة: منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، للشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني، أحصى عدد (٥،٣٠٣ حديثاً) مما رواه الفريقان في موضوع المهدي.
· كتاب: المهدي، للسيد صدر الدين الصدر، نقل فيه (٤٠٠ حديثاً) عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رواها أهل العامة في كتبهم ومصادرهم الحديثية توافق الأحاديث التي رواها أتباع أهل البيت (عليهم السلام).
· كتابنا: الفجر المقدس(٦)، أشرنا فيه لإحصائية كبيرة حول هوية ونسب الإمام المهدي تفوق (٤٠٠٠ حديث).
وهذه مجرد أمثلة أشرنا إليها، وغيرها الكثير من المصنفات الحديثية يمكن الرجوع والاطلاع عليها في هذا المجال.
ثالثاً: إحصائيات عن الكتب التي تتعلق بالمهدي:
كثيرة هي الكتب التي تتحدث عن صاحب الزمان (عجّل الله فرجه)، وعندما جلنا في هذا العالم وجدناه غنياً حافلاً ينضح بكل ما يتوق إليه الباحث، فبعض تلك الكتب مضى على تأليفها عدة قرون وبعضها كتبها معاصرون، بما فيها كتب أُلفت قبل ولادة الإمام (٢٥٥ هـ) وأن المؤلف توفى قبل هذا التاريخ بسنيين، ككتاب (الغيبة) لـ أبو الحسن بن علي بن فضال توفى ٢٢٤ ه(٧)، وكتاب (الفتن) لنعيم بن حماد الخزاعي المروذي المتوفي سنة ٢٢٩ ه(٨)، وكتاب (المسند) لأحمد بن حنبل (١٦٠ه - ٢٤٠ه) وفيه ١٣٦ حديثاً تتعلق بالمهدي المنتظر(٩)، وكتب الفضل بن شاذان (توفى ٢٥٨ ه او ٢٦٠ ه) التالية(١٠): القائم، الغيبة، الرجعة وأحاديثها.. وعليه فابتداءً من النصف الثاني من القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا، فقد كتب وترجم ما يزيد على ألفي كتاب ورسالة وبحث مرتبط بالشأن المهدوي، وذلك باللغة العربية وبلغات أخرى مختلفة ينطق بها المسلمون، وقد كتبها(١١) علماء المدرستين الشيعة والسنة.
عندما نتتبع ما كتب في القضية المهدوية ومما وجد في المكتبات أو دوّن في الفهارس والمعاجم، فإن ما صنف في ذلك عبر القرون لا يكاد يحصى، وهذه الأرقام للتوضيح:
· بيانات كتاب (اقرأ حول الإمام المهدي)، فقد دوّن فيه أسماء الكتب التي أُلفت حول إمام الزمان (عجّل الله فرجه) واشتملت الفهرسة على (٧٤٤ كتاب) مع ذكر عنوان الكتاب والمؤلف وتاريخ الطبع، وقد أشير في مقدمة الكتاب إلى النقاط التالية:
١) الكتب المذكورة في الفهرس كلها باللغة العربية.
٢) لا ندعي أننا ذكرنا أسماء كل الكتب التي كتبت في هذا الميدان، بل إننا أدرجنا ما استطعنا الوصول إليه(١٢).
· بيانات موسوعة (معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت (عليهم السلام))(١٣) المجلد التاسع - القسم الرابع عشر، نجده يتضمن معلومات كافيه عن (١،١٤٤ كتاب - من تصنيف رقم ٢٢٢١٨ إلى رقم ٢٣٣٦٢) مجموع ما أحصاه المؤلف عن الإمام (م ح م د) بن الحسن المهدي (عليه السلام)، ويمتاز هذا المعجم عن غيره في سعة حجمه وكثرة عناوينه، فهو لم يقتصر على الكتب والدراسات المستقلة التي كتبت عن الإمام، بل اعتنى بتوثيق ما نشر في المؤتمرات والندوات والدوريات وبلغات مختلفة، وقد اعترف الأستاذ الرفاعي بأنه ربما فاتته بعض المصادر حتى وقت كتابة المعجم.
· اعتنى مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام) بطبع موسوعة متنوعة حول القضية المهدوية، تحت عنوان (الإمام المهدي في مصادر علماء الشيعة، من القرن الثاني الهجري إلى القرن الحادي عشر)(١٤)، وذلك بتجميع ٦٠ بحثاً ودراسة لم تطبع مستقلة بل طبعت ودمجت مع بحوث أخرى ضمن الموسوعات العقائدية والروائية لعلمائنا الأعلام.
ربما يستكثر بعض الأفراد عندما يرى مئات الكتب المؤلفة في الشأن المهدوي، مع شدة المحنة ومعارضة الحكم السياسي القائم في أغلب أطوار التاريخ الإسلامي.. ولكن الواقع أن هناك تفريطاً وتقصيراً في هذا المجال، فالبخاري ومسلم مثلاً لم يذكرا في صحيحيهما ولا رواية واحدة صريحة عن المهدي (عليه السلام).. ومن جهة أخرى لم تقتصر الثقافة المهدوية على الشيعة وحدهم، بل شارك أهل العامة في رفد التراث المهدوي الإسلامي بما يؤكد أهمية الأمر وضرورة تشكيل العقلية الإسلامية المتكاملة.
رابعاً: إحصائيات متنوعة تتعلق بالمهدي:
تراث حضاري كبير يتعلق بشأن المنقذ والمخلص، قديماً من أعماق التاريخ، وحديثاً من رفوف الفلسفة الغربية، ومن كافة الأديان والمذاهب السماوية وغيرها، وفي جميع الجوانب الفكرية وعلى كافة الأساليب والوسائل المتنوعة: كتب وشعر، خطابة ودروس، عقيدة وفكر، وهكذا يتنوع التراث الإنساني فيما يخص المنجي الموعود، وحتماً لا نستغرب من أهمية هذا الموضوع للبشرية كافة فهو النهاية الطبيعية لمسار التاريخ الإنساني، وما هذه الأرقام إلا توضيح لحجم هذا التراث:
· موسوعة: معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام)(١٥)، ذكرت بشارات الأديان والكتب السماوية وغيرها، وقد أحصيناها فاشتملت على الآتي:
١) العهد القديم: أشار إلى المخلص في (٥٤) نص.
٢) العهد الجديد: أشار إلى المنقذ في (٤٥) نص.
٣) كتب الهندوس: أشارت إلى الموعود (٧) مرات.
٤) كتب الزرادشتية: أشارت إلى المنجي (٦) مرات.
إشارات صريحة ورمزية للمستقبل المشرق الذي ينتظر البشرية في آخر الزمان، على يد الإمام المهدي (عليه السلام) وإن اختلف الاسم والنعت.
· الموسوعة الشعرية المهدوية(١٦): هذا المصنف المميز والفريد من نوعه، والذي أخذ موقعه الطبيعي في مكتبة الثقافة والأدب الإنساني، والتي تحتوي على عدد كبير وضخم جداً من القصائد الشعرية المهدوية بقسميه الفصيح والشعبي، فقد ذكرت (١،٧٦٣ قصيدة) لـ ٥٩٢ شاعراً، اشتملت على الآتي:
١) قصائد الشعر الفصيح: ١،١٣٨ قصيدة لـ ٤٠٩ شاعر.
٢) قصائد الشعر الشعبي: ٥٥٧ قصيدة لـ ١٤٣ شاعر.
٣) قصائد الأناشيد والجلوات: ٦٨ قصيدة لـ ٤٠ شاعر.
· الموقع الإلكتروني(١٧) لمركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام)، يحتوي على الكثير من ثيمات التوعية المهدوية وبأشكال متنوعة، وهي بمجموعها تضاف إلى قائمة التراث المهدوي الشيعي:
١) المكتبة الصوتية تحتوي على ١٩٦٤ محاضرة مهدوية.
٢) المكتبة المرئية تحتوي على ٣٧٣ مقطع فيديو مهدوي.
٣) قسم المقالات يحتوي على ٨٣٢ مقالة ترتبط بالشأن المهدوي.
٤) معرض الصور والتصاميم المهدوية ١٦١٦ صورة.
٥) قسم الأسئلة والأجوبة المهدوية ٦٩٠ سؤال وجواب.
بالإضافة للأمور الأخرى كالمسابقات والقصص والألعاب، مما يمكننا أن نضيفه إلى أحد فروع التراث المهدوي الشيعي.
لا أظن أحداً يشك في أهمية (البيلوغرافيا)(١٨)، هذا العلم الذي أصبح اليوم منهجاً في البحث العلمي، ومادة دراسية في جامعات العالم.. آملين من عرض هذه المعلومات والبيانات والإحصائيات الموجزة والمختصرة، أن تعطي فكرة عامة عن مكانة الإمام المهدي (عليه السلام) عند المسلمين وفي فضاء الثقافة الدينية والإنسانية، وأن يقدم صورة حقيقية عن الإنتاج الثقافي المرتبط بالقضية المهدوية في التراث الفكري والأدبي الشيعي، والحجم الهائل لهذا التراث، الذي يعكس ويختزل أبعاداً روحية وفكرية ودينية عميقة، ويجسد مصداقية التعاطي العملي مع القضية المهدوية، وتعزيز ثقافتها ورفد معرفتها بشكل لا يمكن تجاهله.
من هنا نقول: ليس من السهل على الباحث أن يجد طريقة عبر هذا الثراء الفكري، بأن يدرس ويتتبع مراحل تطور هذا التراث المهدوي عبر مراحل التاريخ الإسلامي، وذلك للحجم الهائل لهذا النتاج الإنساني في هذا المجال وتشعب فروعه، بالإضافة لضياع الكثير من المخطوطات الأساسية الهامة كتوقيعات الناحية المقدسة، أو المصنفات التي دونت قبل ولادته (عليه السلام).
تكامل فكرة المخلص في التراث الإنساني:
إن المهدوية كعقيدة ومنهج رباني وجدت من بداية تاريخ البشرية، منذ وجود آدم في الجنة، فعندما خاطب الله جل وعلا إبليس اللعين وقال له: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إلى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: ٣٦-٣٨)، الوقت المعلوم: أي وقت ظهور المهدي، فكان هذا الخطاب يشير للمهدوية قبل أن تخلق البشرية من نسل آدم (عليه السلام)، ومستقبلاً فإن المهدوية باقية إلى يوم القيامة حيث نهاية المطاف ستؤول الأمور في الأرض إلى المتقين الصالحين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، فالسؤال الذي يثير اهتمامنا: المهدوية منذ جنة آدم وإلى يوم القيامة هل تغيرت أو تطورت أو تبدلت؟.. أم أن فهمنا لها هو الذي تغير وتطور، وفكرنا وإدراكنا بدأ يستوعب مفاهيم المهدوية أكثر فأكثر..؟ ما هي أهم مراحل هذا التطور في تكامل فكرة المخلص في التاريخ البشري..؟ علما بأنها كعقيدة ربانية واحدة ثابتة لا تتغير، ولكن فكر الإنسان هو الذي يتطور في استيعابها وفهمها، مثل (القرآن الكريم) منذ نزوله على الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإلى يوم القيامة هو نفسه ثابت محفوظ لا يتغير، ولكن تفسيرنا وفهمنا له يتغير ويتطور مع مرور الزمن.. كذلك العقيدة المهدوية بما هي حقائق لا تتغير، إنما التطوير يكون في فهم هذه الحقائق في إطار السقف الفكري والمعرفي لكل مرحلة وجيل، فإدراك حقيقة المهدوية يتطلب مراعاة تطور الذهن البشري، وفي كل مرحلة تاريخية استيعاب ما يمكن إدراكه من مفاهيمها ومعارفها.
إن دراسة التراث المهدوي الإنساني والتغيرات التي طرأت عليه عبر مراحل التاريخ يعطينا فكرة واضحة عن تطور فهمنا واستيعابنا للمهدوية، ولكن عقلنا يظل قاصراً للإحاطة بجميع جوانبها حيث يخيم عليه حالياً ضباب وحجاب (الغيبة)، وبشكل موجز يمكن رؤيتها كما في العصور التالية:
· في العصور التي قبل الإسلام كانوا ينظرون للمخلص (المهدي) من ناحية فلسفية ونظرية بحتة، فهي إحدى الأمنيات الكبرى للشعوب المضطهدة، فتظل في نظرهم أفكاراً وأحلاماً مستقبلية يتمنون تطبيقها، باعتبارها حاجة فطرية بشرية وضرورة إنسانية، قد بشرت بها الديانات السماوية ونظّرت لها الأطروحات والفلسفات البشرية التي تحلم بمستقبل زاهر وسعيد للبشرية، دون الإشارة إلى تفاصيل ذلك المستقبل.
· في العصر الإسلامي بدأت ملامح المهدوية تتضح، وبدأنا نعرف شخصية القائد (م ح م د بن الإمام العسكري) فهويته ونسبه وخصائصه واضحة بالنسبة لنا، ومنذ عام ٢٥٥هـ بدأنا نشعر بفضل وجوده، فبلغت فكرة المخلص أوجها، ومنحت كل الأبعاد وكل التفاصيل الجديدة، فالموعود الإسلامي هو المصداق الحقيقي والوحيد لمفهوم المخلص العالمي بأشمل صورة، والرؤية الإسلامية الإمامية هي الرؤية الواقعية.
· في عصرنا الحالي بدأنا نفهم بعض معالم وسمات عهده الميمون، وخصائص وامتيازات عصره المتألق بالسعادة والأمان، وأصبحنا ندرك معنى الدولة العالمية الواحدة وبعض طرق وأساليب الإدارة والقضاء والصحة والاتصال فيها، ونفهم ونؤمن بالمستقبل المشرق للبشرية على يد القائد الإلهي الموعود، بعكس النظرة التشاؤمية السوداوية لفلاسفة ومنظري الغرب.. ولكن رؤيتنا لحقيقة المهدوية تظل قاصرة أيضاً يخيم عليها حجاب الغيبة، فنحن أقرب للنظري والفلسفي منه للتطبيقي والعملي.
· في عصر الظهور وظل الدولة الفاضلة سيكون فهم البشرية لحقيقة المهدوية من خلال الواقع الميداني، فحينما يعيشون في كنف الإمام (عجّل الله فرجه) ويشاهدون انتشار التوحيد والعدل على كافة المعمورة، ويشعرون بنتائج التقدم العلمي في كل الأصعدة المادية والمعنوية، حينها سيكون إدراكهم للمهدوية أكثر منا.. أما نحن في زمن الغيبة الكبرى فمهما كان حظنا من عمق في الرؤية وبُعد في الفكر والعقل سيكون بالتأكيد إدراكنا واستيعابنا لحقيقة المهدوية محدوداً وقاصراً.
مراحل تطور التراث المهدوي:
من المهم أن لا ننسى ونحن ندرس مراحل أو أطوار التراث المهدوي وبالخصوص الجانب الشيعي منه بأن السياسات التي تمارسها السلطات الحاكمة والعقيدة الدينية التي تتبناها؛ لها تأثير عميق على ثقافة المجتمع، وأن تفاعل العلماء على مر العصور التاريخية مع ما كان متاح من الحرية الفكرية واضح الأثر في كتاباتهم ونتاجهم الفكري والمعرفي.. فالعلماء أقدر على البوح بمكنون فكرهم والتعبير عن عقيدتهم متى ما سنحت لهم الفرصة، وهكذا نجد أن البحوث والكتابات المهدوية في بعض مراحل التاريخ ينتزعها العلماء خلسة في غياب الرقيب المتمثل في الهجمة الفكرية السلطوية المعادية، وفي خضم هذا الصراع الفكري الخطير يقفز علماء الشيعة في محاولات استباقية لإثراء الفكر الإنساني بالثقافة المهدوية بأكثر تفاصيلها وبالحفاظ على أصالة العقيدة وترسيخها لدى الأمة.
إن استقراء التطور المعرفي في التراث الشيعي ومن خلال دراسة شاملة للكتب المتعلقة بالشأن المهدوي وعلى ضوء المسار التاريخي، يمكن لنا التأكيد بأن ثقافتنا المرتبطة بالشأن المهدوي منذ أقدم العصور وإلى يومنا هذا مرت بمراحل تحولات كبيرة، علماً بأنه ليس بالضرورة تتبع التاريخ بكامله، حتى نتمكن من التعرف على أهم الملامح أو التغييرات التاريخية التي لها تأثير على مسار المعارف المهدوية.. وسنقوم بالتعرف على المتغيرات في سياقات الثقافة المهدوية، فمن خلال دراسة فترات تاريخية متعاقبة وبحسب التسلسل الزمني، يمكن أن نختزل هذه التغيرات والمستجدات أو بمعنى اخر التطورات في تسعة أطوار أساسية محددة المعالم بالغة التأثير وأن نقسمها إلى مراحل مختلفة وهي:
١- طور الأُمنية. ٢- طور التأسيس. ٣- طور الواقع. ٤- طور التأصيل. ٥- طور الركود. ٦- طور التفريع. ٧- طور الدفاع. ٨- طور التجديد. ٩- طور التطبيق.
ولنتحدث بتفصيل مناسب وبعرض موجز عن كل واحد من هذه الأطوار وعن ثمرة كل مرحلة مختلفة، ونسلط الضوء على أبرز التطورات الفكرية أو المستجدات التي طرأت على الثقافة المهدوية.

الفصل الثاني: طور الأُمنية

مرحلة ما قبل الإسلام (آدم (عليه السلام) - البعثة ٦١٠ م)

بدأت فكرة المخلص من أعماق التاريخ، من فجر الإنسان، من زمن أب البشر آدم (عليه السلام) وقصته بالتحديد مع إبليس (السجود - الوقت المعلوم)، واستمرت الفكرة في أفق الإنسانية تتصل بمحطات مختلفة في كل مراحل التاريخ، وبنظرة فاحصة شاملة في تاريخنا البشري، نجد أن هذه الفكرة مفصلية ودقيقة تختزل في عقلية الإنسان وتتطور مع الزمن.. فمسألة المنقذ والمخلص من المواضيع البارزة في المسيرة البشرية واهتماماتها المتصلة بالعدل، بل هي إحدى الأمنيات الكبرى عند الأنبياء والرسل والشعوب والأمم منذ القدم.
لا شك أن الإيمان بحتمية ظهور المخلص وإقامة الدولة الفاضلة العادلة في كل الأرض من الأمور المشتركة والمتفق عليها عند جميع الأديان السماوية، وهو أمر شائع أيضاً عند الأمم القديمة والديانات والفلسفات البشرية.. وهذه الحقيقة من المسلمات لمن درس عقيدة المخلص والتاريخ الديني، فمن المؤكد عدم خلو ديانة من الديانات من فكرة المنجي، وأن هذه الفكرة ماثلة باطراد في التراث الديني الإنساني، وهي قاسم مشترك بين أكثر الحضارات، كونها حاجة إنسانية فطرية ومبدأ يجسد في نهاية المطاف إلى السعادة والرفاه، وهذا هو حلم الإنسانية الكبير.
إن مبدأ المخلص عقيدة عريقة للغاية في التاريخ الديني، فانتشار جذور هذه الفكرة في جميع الأديان السماوية يدل على قاعدة مشتركة رسخها الوحي الإلهي فيها جميعاً، إذن المسألة المهدوية في الأصل فكرة دينية سماوية منذ القدم.
تدرج الأنبياء في طرح فكرة المُخلّص:
إشارات عديدة ودلالات كثيرة ومتلاحقة لفكرة المخلص (المهدوية) انبعثت على أيدي الأنبياء السابقين، ولكن مستوى الطرح كان يتناسب من حيث العمق والاتساع بمستوى النضج الفكري الذي تكون عليه البشرية في ذلك الزمن.
· المرحلة الأولى: ركزت النبوات القديمة على ضرورة الإصلاح النفسي، الذي هو خطوة أولى في إصلاح المجتمع وإصلاح العالم، ومن الأنبياء الذين أكدوا ذلك نبي الله نوح (عليه السلام)، قال تعالى على لسانه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (نوح: ٢-٤)، فكان التركيز في هذه المرحلة على ضرورة الإصلاح النفسي ثم الاجتماعي(١٩).
· المرحلة الثانية: تميزت بالإشارة إلى المخلص والمنقذ كأمنية وحلم، قال تعالى على لسان نبي الله شعيب (عليه السلام): ﴿بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (هود: ٨٦)، والمراد من بقية الله (المهدي)(٢٠) كما جاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى على لسان نبي الله لوط (عليه السلام): ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: ٨٠)، والمراد بالركن الشديد (الإمام المهدي وشدة اصحابه) كما جاء في روايات المعصومين، وهذا يؤكد أن المشروع والمهمة التي أنيط بها هي النتيجة النهائية لجهود كل الأنبياء والرسل فيحقق بذلك أحلامهم.
· بعد ذلك تطور الطرح في وقت لاحق فجاء التصريح بوضوح بوجود مخلص يظهر في آخر الزمان، يبسط التوحيد والعدل على كافة الأرض، جاء ذلك في الكتاب المنزل على نبي الله داود (الزبور - المزمور ٧٢/١-١٥) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، فكان التركيز على التبشير بمستقبل زاهر وسعيد للبشرية، مع الإشارة إلى تفاصيل بسيطة جداً لذلك المستقبل.
وهكذا أصبحت المسألة المهدوية جزءاً من المنظومة الفكرية الدينية عند جميع الأنبياء، منذ آدم (عليه السلام) وإلى خاتم الأنبياء محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
بشارات الأديان القديمة:
إن الإيمان بفكرة ظهور المصلح العالمي (المخلص أو المهدي) ثابتة عند جميع الأديان السماوية وغير السماوية، ومدوّنة في المصادر الدينية المعتبرة لديهم.. وإن الينابيع التي تستقي منها الأديان عقائدها هي الوحي الإلهي، الذي بشر منذ البدء بالمهدوية، ولذا جاءت بشائر وإشارات عديدة في الكتب السماوية بهذا الخصوص، وقد حفل الكتاب المقدس(٢١) المتداول عند اليهود والنصارى بأنباء المخلص الموعود وأخبار دولته الفاضلة.
التراث اليهودي (العهد القديم)(٢٢):
الشعب اليهودي من قبل أن يبعث النبي عيسى (عليه السلام) وبعد بعثته لا يزالون ينتظرون موعودهم المؤمل، فهم لم يؤمنوا بالسيد المسيح (عليه السلام) ورسالته، بل خيّل لهم بأنهم قتلوه وصلبوه فموعودهم لم يظهر حتى الآن.
إذا تأملنا في التراث اليهودي الديني نجد فيه تصويراً لملامح ثلاثة منتظرين: السيد المسيح (عليه السلام) النبي القادم، الرسول الأعظم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) النبي الخاتم، الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) المخلص.. ومع وضوح هذه الرؤية وتلك الملامح في آثار الديانة اليهودية وأسفار التوراة وكتب أخرى، إلا أن اليهود لم يؤمنوا بالمسيح (عليه السلام) ولا بالنبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعليه فما زالوا منتظرين كل البشائر والإشارات التي وردت في نصوص كتبهم.. وبغض النظر عن منطق الحق وعدمه، فأن البشائر المذكورة في آثار اليهود الدينية واقعية وصحيحة، وقد تحقق قسم منها والقسم الآخر سيتحقق، إلا أن اليهود لم يقبلوا منطق العقل والحق والمعجزة لا من النبي عيسى (عليه السلام) ولا من الرسول المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، رغم الإشارات الصريحة بهذين النبيين العظيمين التي وردت في كتبهم.. إلا أنهم سوف يقبلون بمنطق القوة والسطوة القاهرة آخر الزمان للموعود الثالث (الإمام المهدي) وعدله، فقد ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أن جماعة من اليهود تلتف حول الدجال وتسانده(٢٣).
هناك مجموعة من كتب وآثار اليهود الدينية (العهد القديم / التوراة أو التناخ) التي ورد فيها الحديث عن المخلص والمنتظر الموعود وهي كثيرة نذكر منها:
١ - التوراة: أسفار موسى الخمسة. ٢ - سفر دانيال. ٣ - زبور داود. ٤ - سفر حجي. ٥ - سفر زكريا. ٦ - سفر إشعياء. ٧ - سفر إرمياء. ٨ - أمثال سليمان.
لقد ورد في العهد القديم أقوال تؤكد فكرة المخلّص، وقد بلغت النبوءات في هذا المجال العشرات(٢٤)، وسنذكر بعضها كشواهد فقط:
· جاء في المزمور (٧٢) من زبور داود (عليه السلام) ما نصه: (اللهم أعط شريعتك للملك، وعدلك لابن الملك، ليحكم بين شعبك بالعدل، ولعبادك المساكين بالحق، فلتحمل الجبال والآكام السلام للشعب في ظل العدل، ليحكم لمساكين الشعب بالحق، ويخلص البائسين ويسحق الظالم، يخشونك ما دامت الشمس وما أنار القمر على مر الأجيال والعصور، سيكون كالمطر يهطل على العشب وكالغيث الوارف الذي يروي الأرض العطشى، يشرق في أيامه الأبرار ويعمُّ السلام إلى يوم يختفي القمر من الوجود، ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض)(٢٥).. هذا النص واضح المعالم في ذكر الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صاحب شريعة الله إلى الناس كافة (شريعتك للملك)، وفقرة (وعدلك لابن الملك) إشارة إلى المخلص الموعود الذي سيقيم العدل في الأرض على أساس شريعة أبيه ويحكم العالم.. فسّر اليهود(٢٦) بأن المقصود بـ (الملك) في هذا المزمور هو نفسه نبي الله داود (عليه السلام) و(ابن الملك) ابنه سليمان، ولكن هذا ينافي الحقيقة، فكما هو معروف أن النبي داود لم يكن صاحب شريعة لكي يقول: (اللهم أعط شريعتك للملك)، لأنه (عليه السلام) لم يأت بشريعة مستقلة بل كان خاضعاً لشريعة موسى (عليه السلام).. كذلك ادعاء النصارى بأن هذه البشارة قد وردت بحق عيسى (عليه السلام) فإنه ادعاء باطل أيضاً، لأن عيسى بن مريم (عليه السلام) لم يكن صاحب سلطة يحكم بها ولم يحكم ولا يوماً واحداً ولا خاض حرباً، حتى يوصف بالملك، بالإضافة إلى أنه (عليه السلام) لم يكن له ابن فهو لم يتزوج في حياته حتى يقال (وعدلك لابن الملك).. وفي الحقيقة فإن جميع الأوصاف الواردة في هذا المزمور (٧٢) تعد من أقوى البشارات في حق كل من رسول الله محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي تم التعبير عنه بالملك، وإلى حفيده الإمام المهدي (عليه السلام) المعبر عنه بابن الملك.
· جاء في الاصحاح (١١) من سفر إشعياء ما نصه: (وفي ذلك اليوم سيرفع القائم راية الشعوب والأمم التي تطلبه وتنتظره ويكون محله مجداً)(٢٧).. ففي هذه الفقرة جاءت الإشارة إلى الإمام بأحد ألقابه الذي اشتهر بها وهو (القائم)، وإنما سمي بالقائم لقيامه بالحق كما في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وأن شعوب العالم تنتظر عهده الميمون، وفي هذا النص دلالة أخرى جديرة بالانتباه وهي أن حركة الإمام (القائم المهدي) عالمية، كما صرح بذلك القرآن وقبله الزبور.
· جاء في الاصحاح (٤٦) من سفر إرميا ما نصه: (اِصعدي أيتها الخيل، وهيجي أيتها المركبات، ولتخرج الأبطال، فهذا اليوم للسيد رب الجنود يوم نقمة الانتقام من مبغضيه فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم، لأن للسيد الرب ذبيحةً في أرض الشمال عند نهر الفرات)(٢٨).. يُشير هذا النص إلى واقعة عظيمة عند نهر الفرات، حيث يُذبح هناك أحد أولياء الله المقربين، لأن النص ينسب هذه الذبيحة إلى (الله) مما يدل على سمو مكانته ورفعة مقامه، وسيقوم وليّ لله وهو (السيد ربّ الجنود) بالانتقام لذبح هذا الوليّ المقرّب والأخذ بثأره، ويقتل مبغضيه بعد معارك عنيفة يخوضها ضدهم.. ولم ينقل لنا التاريخ ولا الكتب السماوية، أن هناك ولياً لله ذُبح عند الفرات غير الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) والذي يأخذ بثأره هو ولده المهدي (عجّل الله فرجه)(٢٩)، فشعار المهدي المنتظر حين خروجه يا لثارات الحسين.
هذه شذرات من النصوص عن المخلص الموعود التي وردت في العهد القديم، وهناك نصوص أخرى عديدة (حوالي ٥٤ نص)(٣٠) أعرضنا عن ذكرها مخافة التطويل.
بشكل عام: اليهود تمنوا أن يكون المخلص يهودياً من نسل داود، لذلك حاولوا تأويل بعض النصوص وإخفاء البعض الآخر، لأنهم عرفوا أن (المخلص) هو من نسل إسماعيل (عليه السلام)، ووضعوا في أسفارهم علامات خروجه بشكل لا يمت إلى الواقع بصلة، بل هي مجموعة من الأمنيات.
التراث المسيحي (العهد الجديد)(٣١):
لقد بشر النبي عيسى (عليه السلام) بظهور نبي آخر الزمان وبأوصيائه الاثني عشر، وبقي ذلك راسخاً في التراث المسيحي، وذلك يعود لأن المسيحية هي آخر الديانات قبل الإسلام، فتكون الدلالات والإشارات والبشائر محفوظة فيها أكثر وأوضح، وحيث أن مسألة رفع الله تعالى السيد المسيح وطول عمره وعودته مرة ثانية يقر بها المسيحيون، لذا فهم يستوعبون ويدركون أي قضية شبيهة لذلك.. الاعتقاد بمرحلة آخر الزمان وترقب ظهور المخلّص تمثل أصلاً مسلمَّ به من حيث الأساس في الديانة المسيحية بمذاهبها الأساسية الثلاثة: الكاثوليك، البروتستانت، الأرثوذكس، فالمسيحي من أي طائفة كان يعتقد بالعودة الحتمية الثانية للمسيح (عليه السلام) ليرسي قواعد العدل الإلهي على وجه المعمورة في آخر الزمان.
على أية حال، فإننا نجد البشائر بالمخلص الموعود حاضرة في التراث المسيحي الديني بشكل واضح، ونشير هنا إلى بعض كتب وآثار المسيحيين الديني (العهد الجديد / الإنجيل والرسائل والرؤيا) التي وردت فيها تلك البشائر والإشارات حول ظهور الموعود في آخر الزمان:
١ - إنجيل متى. ٢ - إنجيل مرقس. ٣ - إنجيل لوقا. ٤ - إنجيل يوحنا. ٥ - إنجيل برنابا. ٦ - أعمال الرسل. ٧ - مكاشفات أو رؤيا يوحنا.
هناك نصوص عديدة حول المخلص الموعود وردت في العهد الجديد، وقد بلغت البشارات في هذا المجال العشرات(٣٢) نذكر شواهد منها:
· جاء في الاصحاح (١٢) من سفر رؤيا يوحنا، صاحب إنجيل يوحنا ما نصه: (وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً، وهي حبلى تصرخ متمخضة متوجعة لتلد، وظهرت آية أخرى في السماء، هوذا تنين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه سبعة تيجان وذنبه يجرُّ ثلث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض، والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت، فولدت ابناً ذكراً عتيداً أن يرعى جميع الأمم بعصاً من حديد، واختُطف ولدها إلى الله وإلى عرشه، والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع معد من الله)(٣٣).. في هذه الرؤيا التنبُئية الأساسية فيها إشارة إلى ملحمة إلهية، فسرها علماء الكنيسة بأن المرأة المتسربلة هي مريم (عليها السلام)، وأن الكواكب الاثني عشر هم الحواريين، وأن الابن الذي يرعى الأمم بعصاه - يرمز للمخلص الموعود - فسّروه بأنه المسيح عيسى بن مريم.. هذا التفسير ينافي الحقيقة والواقع، فالسيدة مريم لم يكن لها نسل كثير وليس لها سوى ابنها الوحيد نبي الله عيسى (عليه السلام)، وكذلك عيسى لم يكن له نسل، ولم يقم بالجهاد ومقاومة الطغاة، بل جاءت دعوته سلمية لأنه لم يجد الأعوان، والسيدة مريم لم يكن لها دور في تبليغ رسالة السماء مع ابنها.. إذن التفسير المنطقي والمطابق للواقع بالتأكيد هو: أن هذه المرأة المتسربلة العظيمة هي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وان الكواكب الاثني عشر هم نسلها الأئمة الأطهار، والذي كان لهم دور عظيم في إرساء قواعد الإسلام ومقاومة الطغاة فقتلوا جميعا في سبيل ذلك، والإكليل الذي على رأس المرأة إشارة للقيادة والإمامة، والشمس هو والد المرأة لأنه كالشمس يملأ الأرض نوراً وهو النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأن القمر يرمز إلى زوجها لأنه يضئ الليل فيكفي أن نقول إنه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولقد كان بحق قمراً ينير في ليل فتنة، ثم أشارت الرؤيا إلى امرأة أخرى (العتيدة) وهي السيدة نرجس والدة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، والتنين رمز للمخاطر التي تحيط بولادته، أي: أن السلطة الظالمة (المعتمد العباسي) كان يريد قتل هذا الغلام بعد ولادته، والذكر العتيد في النص هو الإمام المهدي (عليه السلام)، (واختُطف ولدها إلى الله وإلى عرشه) أي: أن الله غيب هذا الطفل وهذه إشارة جوهرية إلى غيبة الإمام المهدي (عليه السلام).. يلاحظ في هذه البشارة الإنجيلية تناولها لخصوصيات المخلص الموعود لا تنطبق إلا على أبرز ما يميز عقيدة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والواقع التاريخي الذي مرت به، وتهدي هذه البشارة أيضاً إلى حقيقة أن (المخلص/المهدي) هو خاتم هؤلاء الاثني عشر كوكباً وأنه سيغيب بأمر إلهي.
· جاء في الاصحاح (١٤) من سفر رؤيا يوحنا ما نصه: (ثم رأيت مَلاكا طائراً في وسط السماء معه بشارة أبدية، ليبشر الساكنين على الأرض وكل أمة وقبيلة ولسان وشعب، منادياً بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجداً، لأنه قد جاءت ساعة حكمه، واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه)(٣٤).. هذا النص إشارة إلى (الصيحة السماوية) التي هي إحدى علامات ظهور الإمام المهدي المحتومة، وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤١-٤٢)، فالذي ينادي من السماء هو جبريل (عليه السلام) وقد عبرت عنه الرؤيا (بالملاك الطائر)، ثم نجد تأكيد على مسألة مهمة أخرى تتعلق بتفاصيل هذا النداء وهو يطابق ما جاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، حيث أن هذا الصوت والنداء: يسمعه كل سكان الأرض وكل بحسب لغته، يبشرهم بخروج القائم المهدي، والتوصية بالسجود شكراً لله لكل من وفق لبلوغ نعمة إدراك العهد الميمون بظهور القائم المهدي (عجّل الله فرجه).
هذه مقتطفات من رؤيا القديس يوحنا، وهناك نصوص أخرى عديدة عن المخلص موجودة في أناجيل وأسفار النصارى (حوالي ٤٥ نص)(٣٥) لم نشر إليها مراعاة لمنهج البحث.
بشكل عام: علماء النصارى قالوا(٣٦) إن المخلص الذي جاء ذكره في أسفار العهد القديم هو عيسى بن مريم، لكنهم توقفوا عند تفسير النصوص التي تدل على وحدة الكيان بين المخلص الموعود والنبي الخاتم، لأنهم واجهوا الكثير من الإشكاليات، لعدم تطابق أوصاف المخلص مع أوصاف نبيهم وما جرى معه، فعجزوا عن تفسير ما جاء في كتبهم وأسفارهم حول الموعود، ولم يتمكنوا من تفسيرها تفسيراً منطقياً يرضي العقل ويحاكي الواقع.
المخلص (المهدي) في تراث الأديان المختلفة:
إن الأصل في مسألة المخلّص أنها فكرة دينية، وهي من المبادئ التي جاءت بها الأديان السماوية منذ القدم، وأن الاعتقاد بهذا المبدأ شائع في الديانات القديمة، وعند الكثير من الأمم التي لا ترجع إلى الأديان السماوية، إذ يؤمن بها كثير من البشر ومنهم الوثنيون، وبالرغم من اختلاف الأديان والعقائد إلا أن جميع البشر يأمل بمجيء يوم تتخلص فيه البشرية من الظلم والفساد والاستبداد ويحل فيها العدل والأمن والسلام.
بشائر وتنبؤات كثيرة حول المخلص نجدها في التراث الديني غير السماوي وفي آثار الحكماء القدامى، بل حتى في الآثار المصرية والهندية والصينية القديمة توجد بها دلالات وإشارات حول المنقذ.. وسنعرض بعض الشواهد من تلك البشائر التي ذكرتها الكتب الدينية المختلفة(٣٧):
المخلص في تراث الصابئة: إحدى الديانات السماوية، وهم أتباع نبي الله يحيى، ويعتقدون بأنهم توارثوا كتبهم المقدسة بصورها الحالية عن آدم وشيث، ومنها انحدرت إلى نوح، وبعد الطوفان إلى سام ثم ولده رام حتى وصلت إلى يحيى بن زكريا، بالإضافة لصحف إدريس وإبراهيم.. وأبرز كتبهم: الكنز العظيم (الصحف التي أنزلها الله على أنبياء الصابئة) - تعاليم يحيى - سر المعمودية المقدسة - كتاب البروج، وهذا الكتاب الأخير يتحدث عن المستقبل وعن الموعود الذي سيأتي في آخر الزمان، ويوجد في تراثهم الديني إشارة إلى حرب آخر الزمان: (حرب أبناء النور مع أبناء الظلام).. والجدير ذكره أن الصابئة يعتقدون أننا الآن نعيش في زمن ظهور المنقذ(٣٨).
المخلص في تراث الزرادشتية: تعرف بالمجوسية وهي ديانة قديمة، وكان الدين الرسمي للإمبراطوريات الأخمينية والبارثية والساسانية، ظهرت في بلاد فارس قبل ٣٥٠٠ سنة.. هناك مجموعة من كتب الزرادشتية جاء فيها الكثير من التنبؤات حول المخلص الموعود وأخبار آخر الزمان، ومن جملة هذه الكتب: كتاب جاماسب - كتاب زند بهمن يسن - كتاب أوستا - كتاب قصة دينيك - كتاب رسالة زرادشت.. ويعتقدون أن المخلص الموعود هو (بهرام شاه) وأنه من نسل زرادشت وينتظرون عودته.
وجاء في كتاب (جاماسب) وهو من الكتب المقدسة عندهم: (من ذرية ابنة النبي التي اشتهرت بـ (شمس العالم وملكة الزمان) رجل يصل إلى الخلافة، ويحكم الدنيا بخير، وهو آخر خليفة لهذا النبي، من وسط العالم، ويدوم ملكه إلى يوم القيامة)(٣٩).
وجاء في كتاب (الزند) مما أخبر به زرادشت حول المخلص، حيث قال: (سيظهر في آخر الزمان رجل اسمه (أستدريكا) - أي الرجل العالِم - يزين العالَم بالدين والعدل، ثم يظهر في زمانه (بتيارة) - أي الدجال - يوقع الآفة في ملكه، وأمره عشرين سنة، ثم يظهر بعد ذلك (أستدريكا) على أهل العالَم ويحيى العدل ويميت الجور، ويرد السنن المغيرة إلى أوضاعها الأولى، وينقاد له الملوك وتيسّر له الأمور، وينصر الدين الحق، ويحصل في زمانه الأمن والدعة، وسكون الفتن وزوال المحن)(٤٠).
المخلص في تراث الهنود: يوجد ارتباط كبير بين الديانات الهندية المتعددة كالبراهمية والهندوسية والسيخ، وهناك الكثير من المعتقدات المشتركة، ومن بينها الاعتقاد بالمخلص الموعود في آخر الزمان، وقد تناول تراثهم الديني موضوع المنقذ في كثير من كتبهم مثل: كتاب ما للهند - كتاب وشن جوك - كتاب ديد - كتاب أوبانيشاد - كتاب باتيكل - كتاب شاكموني - كتاب باسك.. ويعتقدون بعودة (ويشنو) وينتظرونه، وجاء في كتاب أوبانيشاد: (إن المطهر (ويشنو) سيظهر في آخر الزمان وهو راكب على فرس أبيض وبيده سيف قد جرد من غلافه، كأنه نجم ذا ذنب يلمع، يقتل الأراذل، ويحيي حياة جديدة ويعيد الطهارة)(٤١).
 المخلص في تراث البوذيون: البوذية تعتبر من الديانات القديمة في العالم، نشأت في شمال الهند في حدود (٥٦٠ - ٤٨٠) قبل الميلاد عن طريق التعاليم التي تركها بوذا، ومن كتبهم المقدسة: سوترا بيتاكا - فينايا بيتاكا - أبهيدارما بيتاكا، والكتاب الاخير يتضمن مناقشات في الفلسفة والعقائد، وقد ورد في التراث الديني للبوذية بشارات عن المنقذ، وأن مسألة الانتظار مطروحة في الأعراف البوذية، وأنهم ينتظرون مخلصهم ومنقذهم (بوذا الخامس).
إذن لكل أمة من الأمم معتقداتها وثقافتها الخاصة، وكل دين ومذهب له منقذه ومخلصه الذي سيظهر في آخر الزمان، مما جعل مسألة - المخلص أو المهدي - في التراث الديني تتناسب مع ثقافة شعوب كل دين، وتشكل محوراً مركزياً في المنظومة الفكرية العقدية البشرية.
الاختلاف في تشخيص هوية المخلص:
موسى والتوراة، وعيسى والإنجيل، ومحمد والقرآن، كلهم بشّر بفكرة المخلِّص، فالمهدي (عجّل الله فرجه) أو المنقذ ليس تجسيداً لعقيدةٍ إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان طموح اتجهت إلية البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، فجميع الأديان والملل تنتظره، فقد اتفق الجميع على فكرة المهدي والانتظار لهذا المنقذ، واختلفوا في اسمه وفي شخصه وفي نسبه، وهذا الاختلاف لا يضر في أصل الفكرة المترسخة الأصيلة، فالكل متفق على المبدأ والمنشأ والمفهوم، وإن اختلفوا في صفته ومكان قدومه.
إن اختلاف الأديان والفرق والمذاهب في تشخيص هوية المخلص الموعود، رغم اتفاقهم على حتمية ظهوره ناشئ من تفسير النصوص والبشارات السماوية وتأويلها استناداً إلى عوامل خارجة عنها وليس إلى تصريحات أو إشارات في النصوص نفسها، بمعنى أن تحديد هويته لا ينطلق من النصوص والبشارات في التراث الديني السماوي، بل ينطلق من انتخاب شخصية (من الكيان الديني الخاص) ومحاولة تطبيق النصوص عليها، بالإضافة للعوامل السياسية أو التعصب الديني، فضلاً عن الرغبة في الفوز بافتخار أن صاحب هذا الدور التاريخي المهم شخصية تنتمي لكيانهم.
ذكر في التراث الديني لبعض المذاهب والأديان أسماء عديدة ومختلفة للمخلص الموعود، كُلٌّ حسب رؤيته وتفسيره لهذه الشخصية المهمة والذي تنتظرها البشرية منذ القدم، نذكر بعض هذه الأسماء للمثال(٤٢):
١- نحن المسلمين نسميه المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) وهو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، من ذرية فاطمة الزهراء (عليها السلام) وابن للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كما بشر به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٢- السيد الميكائيلي لدى اليهود، ويعتقدون أنه من نسل النبي داود.
٣- النصارى يرون أنه المسيح (عليه السلام) وينتظرون عودته.
٤- الزرادشتيون ينتظرون عودة (بهرام شاه) ويعتقدون أنه من نسل زرادشت.
٥- البوذيون ينتظرون ظهور (بوذا).
٦- الأحباش ينتظرون عودة ملكهم (تيودور).
٧- الهنود يعتقدون بعودة (ويشنو).
٨- الأسبان ينتظرون ملكهم (روذريق).
٩- المغول ينتظرون قائدهم (جنكيز خان).
كذلك يعتقد بالفكرة قدامى المصريين والصينيين وعندهم أسماء متعددة.
المصداق الحقيقي للمخلص في التراث الديني:
إن من يمعن النظر في نصوص التراث الديني السماوي ويتأمل البشارات فيها، يرى بوضوح أنها تقدم مواصفات للمنقذ العالمي لا تنطبق إلا على المهدي المنتظر طبقاً للأطروحة الشيعية الإمامية، وبالتأكيد فمن لم يتعرف على آراء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في المهدوية لن يستطيع التوصل إلى المصداق الذي تتحدث عنه بشارات الكتب السماوية والقرآن الكريم.. وكنموذج على تأثير هذه المعرفة، وعندما يكون البحث والدراسة بأسلوب علمي وموضوعي وبعيداً عن التعصب الديني سيصل الباحث للحقيقة وإلى نتيجة منطقية واقعية، ونشير هنا إلى بعض الشخصيات العلمية وهم من مشارب شتى، كنماذج بحثوا الموضوع بحياد علمي فتوصلوا للحقيقة مثل:
* القاضي الساباطي من أعلام القرن ١٢ الهجري، إذ كان في بداية أمره عالماً نصرانيا ثم أسلم واتبع المذهب السُنّي وألف كتابه (البراهين الساباطية)، كانت نتيجة تحقيقه عندما تناول إحدى البشارات الواردة في كتب إشعياء (العهد القديم) بشأن المخلّص وبعد أن ناقش تفسير اليهود والنصارى دحض آراءهم وقال: (إن قول الإمامية أقرب لما يتناوله هذا النص وإن هدفي الدفاع عن أمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع قطع النظر عن التعصب لمذهب، لذلك ذكرت لك أن ما يدعيه الإمامية يتطابق مع هذا النص)(٤٣).
* الإستاذ محمد صادق فخر الإسلام(٤٤) الذي كان نصرانيا واعتنق الإسلام وانتمى لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) وألف كتابه الموسوعي (أنيس الأعلام) في رد اليهود والنصارى وتناول فيه دراسة البشارات وانطباقها على الإمام المهدي بن الحسن العسكري (عليه السلام).
* فعل مثله أيضاً الإستاذ محمد رضا رضائي الذي أعرض عن اليهودية وكان من علمائها واعتنق الإسلام، وألف كتاب (منقول رضائي) الذي بحث فيه موضوع البشارات وأثبت النتيجة نفسها.
* أكد النتيجة نفسها الأستاذ سعيد أيوب(٤٥) وهو باحث مسلم من أهل السنة الذي استطاع الاهتداء إلى المصداق الذي تتحدث عنه بشارات الكتب السماوية عندما تعرف على عقيدة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في المهدي المنتظر (عليه السلام)، حيث يقول في كتابه (المسيح الدجال) عندما ناقش بشارة سفر الرؤيا ليوحنا، الاصحاح ١٢ (هذه هي أوصاف المهدي، وهي نفس أوصافه عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية)(٤٦) ودعم قوله بتعليق أورده في الهامش بأن وضح عقيدة الشيعة في الإمام المهدي ونبذة مختصرة عن سيرته.
إذن فدراسة الأطروحة المهدوية الإمامية تفتح آفاقاً أوسع للاهتداء للمصداق الحقيقي للمخلّص، الذي تناول التراث الديني السماوي خصوصياته طبقاً لدلالات نصوص البشارات الواردة فيها.
ثمرة المرحلة (خلاصة):
أهم ما تميزت به مرحلة قبل الإسلام فيما يخص فكرة المخلص، أنها مرحلة طرح الفكرة، وبدأ الأنبياء ذكرها بالتدرج حتى تتكامل الفكرة في الذهن البشري، وكان يغلب على هذا الطرح أسلوب الأمنية والحلم، من غير الإشارة إلى أي تفاصيل تخص مسألة المخلص أو المنجي الموعود، مثل ما قال نبي الله لوط ﴿آوي إلى ركن شديد﴾ أو كما قال نبي الله شعيب ﴿بقية الله خير لكم﴾.. كذلك نجد أن الكتب والتراث الديني السماوي قد أجمعت على مجيء المخلص، وأن جميع الأنبياء والرسل قد ذكروه وحلموا بيومه الموعود، ومن هنا نعرف أن منقذ العالم ليس ملكاً لطائفة دينية معينة، وليس ملكاً لشعب من الشعوب أو أمة من الأمم، بل هو أمل الإنسانية ومنقذ البشرية، وأن الكل ينتظره ويتوق إلى دولته الفاضلة.
مما هو جدير بالانتباه في تراث هذه المرحلة عدة نقاط:
* إن التراث الديني المتبقي في مرحلة قبل الإسلام هو تراث الأديان السماوية الرئيسية اليهودية والنصرانية أو تراث بعض الديانات المختلفة كالصابئة والهندوسية والزرادشتية، ومع اختلاف العقائد والأديان بشكل كبير بينها إلا أن جميعها مشتركة ومتفقة على فكرة وهي: تأمل بمجيء يوم يتخلص فيه البشر من الظلم والاستبداد، وتنعم الأرض بالسلام والأمن والاستقرار.. ففكرة المخلّص (المهدي) هو حلم الإنسانية المشترك وهو الأمنية الكبرى، وبالتأكيد سوف يتحقق هذا الحلم باعتباره وعد إلهي.
* إن النصوص التي جاءت مباشرة بالمخلص الموعود في تراث الديانات السماوية من الكثرة والوضوح بحيث لا يمكن لأي باحث منصف التشكيك بها أو حتى محاولة تأويلها.. فالبشارات جاءت عبر الأنبياء والرسل الذين سبقوا الأديان السماوية الرئيسية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام)، فطرحت الفكرة منذ عهد نبي الله آدم أبو البشر، فدين الله واحد وخط الأنبياء والرسل واحد، لذلك نجد أن كل البشرية ورثت هذه البشرى (كوعد إلهي) من مختلف الأديان سواء كانت سماوية أم غير سماوية.
* إن ما جاء في الكتاب المقدس (العهد القديم والعهد الجديد) بخصوص المخلّص الموعود يعتبر في الحقيقة من أقوى البشارات في حق كل من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحفيده المهدي المنتظر (عليه السلام)، مثل: مزمور ٧٢ في (العهد القديم) والاصحاح ١٢ من رؤيا يوحنا في (العهد الجديد).. ومما يلفت نظرنا أيضاً أن عقيدة المخلص راسخة ومستندة إلى جذور عميقة في التراث الديني اليهودي، إلا أنهم لم يحددوا هوية المخلص ولكن وضعوا علامات لخروجه.. أما النصارى فقد آمنوا بأصل الفكرة استناداً إلى مجموعة من النصوص والبشارات الموجودة في الإنجيل والتوراة، ولذا فقد عينوا الشخصية بشكل عام ولكن لم يحددوا علامات خروجه.
* إن التحقيق العلمي الدقيق في موضوع الاعتقاد بالمخلص في التراث الديني السماوي يوضح لنا حقيقة: أن التراث الإسلامي هو أكثر معرفة وتوضيح بتفاصيل المخلص (المهدي) من بقية الأديان الأخرى، وذلك لغزارة ما ورد فيه وكثرة التفاصيل عن المهدي وصفاته وخصائصه وعلامات خروجه آخر الزمان.. ويأتي في المرتبة الثانية الديانة المسيحية، وذلك للبشارات العديدة والواضحة عن المخلص كما جاء في (الإنجيل) وصرح به المسيح (عليه السلام) عن هويته والإشارة إلى أبرز علامة لخروجه (الصيحة السماوية).. ثم يأتي اليهود بالدرجة الثالثة، وذلك لكثرة ما ورد في أسفارهم المقدسة (التوراة) بحتمية مجيء المنقذ وانتصاره الكبير في يوم الله الأعظم.. وهكذا على التوالي تأتي بقية الأديان والفلسفات الأخرى(٤٧).
* إن دراسة التراث الديني للديانات السماوية الثلاث (القرآن الكريم والروايات الشريفة، الكتاب المقدس بجزأيه: العهد القديم والعهد الجديد) يقودنا إلى حقيقة علمية وهي: أن أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) حددت هوية وشخصية المخلص بشكل دقيق جداً، واختصت الإمامية في أُطروحتها المهدوية ببعض التفاصيل لا تجدها في أي مدرسة أو مذهب أو دين آخر، وكذلك تميزت عن غيرها بخصوصية أنها بدلت حالة الأمنية والحلم إلى حالة واقعية موجودة، ومن مستقبل إلى واقع تنتظر فاعليته.
* إن اختلاف الأديان والفرق والمذاهب في تشخيص هوية المخلص رغم الاتفاق على أصل الفكرة والمبدأ، ناشئ من سوء تفسير أو تأويل نصوص التراث الديني السماوي، وليس الاختلاف من نصوص البشارات نفسها، وكذلك محاولة تطبيق النصوص وإيجاد مصداق لهذه الشخصية من الدين أو المذهب نفسه بدافع العصبية الدينية.

الفصل الثالث: طور التأسيس
مرحلة صدر الإسلام (البعثة ١٣ قبل هـ - ٢٦٠ هـ)

تعود جذور القضية المهدوية عند المسلمين إلى صدر الإسلام الأول، وإلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي بشر بظهور حفيده وأخبر بتطهير الأرض من الظلم والفساد على يديه، حيث كانت مسألة المهدي من الأمور البديهية ومن المسائل المسلَّم بها لدى المسلمين، فكانوا ينتظرون ظهور رجل يقيم العدل ويمحق الباطل ويصلح شأن العالم، ولهذا لم يكونوا يتساءلون عن أصل الموضوع وعنوانه، بل كانت معظم استفساراتهم تدور حول مسائل فرعية، عن هويته ونسبه، عن اسمه وكنيته، عن صفاته وخصاله، عن غيبته وأحواله، عن علامات ظهوره ودولته إلى غير ذلك من الاستفسارات.. نعم لقد بنى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دعائم المهدوية على أساس الوحي الإلهي، باعتبارها إحدى القضايا الإسلامية المصيرية، وهكذا نجد أن ما يتعلق بالمهدي الموعود إنما يشغل جانباً هاماً ومساحة كبيرة من أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأقواله (أكثر من ٥٦٣ حديث)(٤٨)، تضمنته المصادر الحديثية والروائية العديدة، وصرح العلماء بتواترها وحتمية ظهوره (عليه السلام)، مما جعلها من العقائد الإسلامية الصحيحة والمتفق عليها بين المدارس والمذاهب الإسلامية.
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:
هذه المرحلة التاريخية (طور التأسيس) تميزت بأنها مرت بأربعة عصور مختلفة وهي:
* السيرة النبوية (٥٢ ق هـ - ١١ هـ): وقيام أول دولة إسلامية قادها الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، واتخذت المدينة المنورة قاعدة لها، ثم ما لبثت أن شملت الجزيرة العربية، وهي السيرة العطرة التي يجب أن يتخذ منها المسلمون القدوة الحسنة.
* العصر الإسلامي الأول (١١ - ٤١ هـ): تولى فيها أربعة حكام، كانت المدينة المنورة ثم الكوفة عاصمة لها.
* عصر الدولة الأموية (٤١ - ١٣٢ هـ): تولى فيها ١٤ حاكم، وكانت دمشق هي عاصمة الأمويين.
* عصر الدولة العباسية (١٣٢ - ٦٥٦ هـ): تولى فيها ٣٧ حاكم، وكانت بغداد هي عاصمة العباسيين.
بعد وفاة النبي الاكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت مسألة المهدي معروفة لدى المسلمين كافة، ويروي أحاديثها الكثير من الصحابة، ولكن مما يؤسف له عقب ذلك حوادث مريرة كإقصاء الإمام علي (عليه السلام) عن الخلافة ومصادرة ميراث فاطمة الزهراء (عليها السلام) من أبيها، مروراً إلى الحروب والفتن الداخلية في زمن خلافة أمير المؤمنين إلى أن سقط شهيداً في المحراب يوم ٢١ رمضان من عام ٤٠ هـ، ولما تصدى الإمام الحسن (عليه السلام) للخلافة بعده، كان معاوية (حكم ٤١-٦٠ هـ) قد أحكم قبضته على الشام ومناطق أخرى وآل الأمر إلى بني أمية، فسيطروا على وسائل القوة والنفوذ، فاستشهد الحسن مسموماً، واستشهد الحسين في مذبحة عاشوراء ٦١ هـ، إلى أن آلت الأمور باجتياح جيش يزيد (حكم ٦٠-٦٤هـ) المدينة المنورة، والاعدامات التي طالت الكثير من الصحابة، وآلاف المآسي والآلام، وقد عانى أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم في العهد الأموي كل صنوف الظلم والقهر، واستولى بنو أمية على مقدرات المسلمين وأصبح الحكم وراثياً عائلياً.. وجاء بني العباس بعدهم بنفس المنهج، وكان نصيب العلويين ومن ناصرهم في هذه الحقبة التاريخية القتل والتشريد والسجن.
ومما يؤلم القلب ويبعث على الأسى والأسف أيضاً، أن أول الأعمال التي قام بها الخلفاء بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن منعت رواية وكتابة احاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وحرق كل ما وصلت إليه أيديهم من الأحاديث والروايات النبوية الشريفة، فلم يعد بوسع أحد من المسلمين أن يروي حديثاً أو يحتج بحديث إلا إذا كان هذا الحديث مؤيد لدولة الخلافة أو تصرفاتها وسياساتها، أما فيما يخص الأحاديث المتعلقة بالإمامة أو الولاية من بعد النبي أو المتضمنة مكانة أهل البيت (عليهم السلام) وفضائلهم فقد كانت محظورة وممنوعة منعاً تاماً، مما حرم الأمة تلك الكنوز الثمينة وخسرها النهل من مدينة العلم.. وتأثرت القضية المهدوية سلباً تبعاً لذلك، كغيرها من القضايا الإسلامية الرئيسية بضياع وفقدان أحاديث وتعليمات المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، واستمر هذا المنع قرابة مائة عام إلى زمن خلافة عمر بن عبد العزيز (٩٩-١٠١ه) الذي سمح بكتابة ورواية أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
خلال تلك الحقبة المريرة من الزمن، بذل الائمة (عليهم السلام) جهوداً كبيرة في ربط الأمة فكرياً وعاطفياً بالقضية المهدوية وبأهدافها، فمن خلال البشارات والتأكيدات الكثيرة الصادرة عن أهل البيت (عليهم السلام) في الإمام الثاني عشر (عليهم السلام) تأصلت العقيدة المهدوية وترسخت الحالة التفاعلية مع المهدوية في عمق الواقع الفكري والنفسي للأمة، وفي وعيها ووجدانها، فتحصنت الثقافة المهدوية الأصيلة في أوساط المجتمع الإسلامي، وأصبحت واقع لا مفر منه، مما دفع الأنظمة الحاكمة إلى محاربتها ومحاولة تحريف مفاهيمها ورؤاها، كونها تمثل التهديد الحقيقي لتلك الأنظمة، مما دعاها إلى مطارده الفكرة بكل تفاصيلها والحظر عليها بشكل يخفي معالمها، وخير مثال لهذه المحاربة الشرسة ضد الفكرة والعقيدة المهدوية، أن البخاري ومسلم لم يرويا أي حديث صريح بالمهدي المنتظر، خاصة وأن الشيخان قد كتبا صحيحيهما بالتاريخ المرتقب لولادة الإمام (عجّل الله فرجه)(٤٩)، وكان مجرد ذكر لفظة المهدي يثير الرعب في أوصال أركان الدولة العباسية.
المهدوية في التراث الإسلامي:
انبثقت جذور الاعتقاد بالأطروحة المهدوية عند الشيعة الإمامية من ركنّي الإسلام الكتاب والعترة، فشق الاعتقاد طريقه بيسر وسهولة باعتبار أن أصل القضية ومنبع الفكرة هي المصادر الرئيسية للشريعة الإسلامية:
القرآن الكريم: يمكننا أن نتلمس الآيات الكريمة التي تشير إلى المهدي المنتظر، فقد تطرق كتاب الله إلى القضية المهدوية بطرق وأساليب شتى، ويمكن تلخيص منهج القرآن بالآتي:
أولاً: تحدث القرآن الكريم عن وجود إمام لكل زمان: بالعنوان العام (الإمامة) بمعنى ضرورة وجود إمام لكل عصر وزمان، وهذا دلالة واضحة على وجود الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ننتخب بعض من هذه الآيات الكريمة:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١).
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧).
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: ٥٩).
فالآيات الكريمة تشير إلى عقيدة الإمامة، والمهدوية هي الإمامة الباقية والحاضرة.
ثانياً: بشر القرآن الكريم بوعد إلهي بنشر العدل والقسط على كافة الأرض: وعد إلهي وبشارة سماوية بأن العالم سينعم بعصر مشرق مفعم بالإيمان والعدل والسلام، على يد المنقذ والمخلص الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، نختار بعض من هذه الآيات الكريمة:
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ﴾ (النور: ٥٥).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: ٥).
لم يتحقق الوعد الإلهي، ولم يحل اليوم الذي يسود فيه الإسلام ربوع الأرض.. نحن ننتظر تحقق ذلك بخروج المهدي المنتظر (عليه السلام).
ثالثاً: ذكر القرآن الكريم بعض ملامح عصر الظهور: إشارات ودلالات قرآنية عديدة تخبر العالم والمؤمنين ببعض الحوادث المرافقة لقيام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه)، نقتطف بعض من هذه الآيات الكريمة:
قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤١-٤٢)، مصداق لعلامة الصيحة السماوية (من المحتوم): وهي صوت ونداء من السماء في شهر رمضان في ليلة القدر، يسمعه أهل الأرض كلهم، وكل قوم بلغتهم، قبل الظهور المبارك.
قال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤) مصداق لعلامة ركود الشمس (من غير المحتوم): وهي توقف الشمس عن الحركة من الزوال إلى العصر في شهر رجب، قبل الظهور المبارك.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ (النساء: ٤٧)، مصداق لعلامة خسف البيداء (من المحتوم): وهي تحويل وجوه شخصين من جيش السفياني إلى القفاء، وهو الجيش الغازي والمتجه لمكة أثناء ظهور المهدي بها.
هذه أمثلة ونماذج لبعض علامات اليوم الموعود وإرهاصات الظهور ذكرها القرآن الكريم، فسرتها الروايات الشريفة بعلامات ظهور المهدي المنتظر (عليه السلام).
من هنا نؤكد أن لفظة أو مصطلح (المهدي) لم يذكر في القرآن صراحة، ولكن هناك بعض الآيات الكريمة مفسرة ومؤولة في المهدي المنتظر.. ويمتلك التراث المهدوي الإمامي مجموعة كبيرة من الكتب والأبحاث التي تتحدث عن الإمام المهدي في القرآن، بعكس مكتبات المدارس الإسلامية الأخرى التي تفتقر إلى مثل هذا النوع من الكتب.. من أمثلة كتب الإمامية في هذا المجال: (المحجة فيما نزل في القائم الحجة، للسيد هاشم البحراني)، (المهدي في القرآن والسنة، للسيد صادق الشيرازي)، (معجم أحاديث الإمام المهدي (الآيات المفسرة)، المجلد السابع، الهيئة العلمية في مؤسسة المعارف الإسلامية)، هذه المصادر تذكر الروايات والأحاديث عن الرسول الاكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) التي وردت في تفسير الآيات أو تأويلها أو تطبيقها أو الاستشهاد بها في القضية المهدوية.
السنة الشريفة: إن مسألة المهدوية في الإسلام لها أعمق الجذور وأعلى درجات الأصالة والصحة من جهة الحديث، باعتبار أن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أول من طرح موضوع المهدوية في الإسلام، وكان يبشر الأمة بظهوره في كل منتدى ومحفل، ويتحين الفرص للإخبار عنه، بحيث أن النصوص والروايات الشريفة قد تواترت حول المهدي وأخباره وعلامات ظهوره، ويمكن القول إن موضوع المهدي قد احتل مساحة واسعة من الحديث والرواية.
أجمع عمداء أهل بيت النبوة والأئمة الأطهار، الذين ورثوا علمي النبوة والكتاب، والذين اختارهم الله، وأعدّهم وأهّلهم لقيادة الأمة ومرجعيتها طوال عصر ما بعد النبوة، والذين سماهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأسمائهم قبل أن يولد تسعة منهم.. على أنهم قد سمعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يبشر بالمهدي المنتظر ويسميه باسمه: (م ح م د بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد النبي الأكرم، وحفيد ابنته فاطمة الزهراء، ويكنى بأبي القاسم) وأنهم سمعوا رسول الله يصفه وصفاً دقيقاً، ويؤكد على حتمية ظهوره، وأن هذا المهدي (عليه السلام) هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهكذا حسم أهل بيت النبوة اسم المهدي المنتظر، واسم أبيه وجده وكنيته.
نشير إلى بعض من الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة والمتواترة والتي تدل على ولادة ووجود الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) حالياً، وإن لم ترد هذه الروايات بخصوصه وعنوانه، ولكنها واضحة الدلالة:
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، أحدهما أكبر من الآخر، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض).
عن جابر بن سمرة يقول: دخلت مع أبي على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسمعته يقول: (إن هذا الدين لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة)، ثم تكلم بكلام خفي عليّ، فقلت لأبي ما قال؟ قال: (كلهم من قريش).
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).
في ضوء هذه الأحاديث الثلاثة المتواترة عند المسلمين (الثقلين - الأئمة الاثني عشر - إمام الزمان) والتي تحمل دليلاً إضافياً على صدق وصحة صدورها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عدا الحكم بصحة أسانيدها من قبل جميع علماء الحديث، وأنه من شواهد النبوة لأنه كان مأثوراً في بعض الصحاح والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) مباشرة، ولكنها بالدلالة الإلتزامية تدل على أن الإمام (عليه السلام) قد ولد وتحققت ولادته، وهو حالياً موجود ويعيش بيننا، ومن المحتوم والمؤكد أنه لا يمكن أن تخلو الأرض من حجة لله على عباده.
الجدير ذكره في التراث الإسلامي بالنسبة للأحاديث المتعلقة بالمهدي:
* المهدي المنتظر (عليه السلام) حقيقة دينية، بشر بها الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وثبت وجود مئات الأحاديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذا الخصوص.
* روى أحاديث المهدي عدد كبير من الصحابة مثل: أهل بيت النبوة وآل محمد، زوجات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، طائفة كبيرة من الصحابة.
* أخرج أحاديث المهدي جمع كبير من علماء الحديث ودونوا ذلك في كتبهم ومسانيدهم، وأجمعوا على أنها قد صدرت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالفعل.
* صرّح جمعٌ من أهل الاختصاص بعلوم الحديث بصحة وتواتر الأحاديث المتعلقة بالمهدي مثل: يوسف الكنجي الشافعي، وسليمان القندوزي الحنفي، والألباني.
* أجمعت الأمة الإسلامية بكون المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) من عترة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والكل متفق على أن المهدي من صلب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومن أحفاد فاطمة الزهراء (عليها السلام).
* كتب عن الإمام المهدي (عليه السلام) ودونت الروايات والأحاديث بهذا الخصوص، حتى قبل أن يولد (عليه السلام) وتتحقق الفكرة.
المسلمون بشكل عام قد آمنوا بفكرة خروج المهدي آخر الزمان، ومصدر اعتقادهم في ذلك الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وسلّموا بأن الوعد الإلهي والبشارة النبوية سوف تتحقق، فأصل المهدوية كعقيدة مسلّم بها من قبل عامة المسلمين إلا من شذّ وندر.
ومن هذا المنطلق الكتاب الكريم والسنة الشريفة فان التراث المهدوي شغل حيزاً كبيراً من الثقافة الإسلامية، مما دفع المهتمين نحو البحث والتنقيب في زواياه المختلفة، فمن خلال مقارنة المصنفات المهدوية القديمة والمتأخرة يتوصل الباحث إلى نتائج عن التطور التاريخي الذي طرأ على هذا التراث.. ولتجنب سوء الفهم والتباس الأمر يلزم التأكيد على ضرورة التفريق بين جهتين(٥٠) من هذا التراث:
الجهة الأولى: التراث المرتبط بالوحي، وهو عبارة عن الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة المرتبطة بالشأن المهدوي، والذي أضفى صفة القداسة عليه، وهذا الجانب من التراث الفكري (العقدي) لا يقبل إلا الصواب وموافقة الحق والواقع، وهو الذي يحدد الإطار الديني والمنظور الفكري والمعرفي.
الجهة الثانية: التراث المرتبط بالنتاج الإنساني المتغير، وهو عبارة عن الآراء والافكار والنظريات المرتبطة بالشأن المهدوي، وهذا الجانب من التراث الفكري يقبل الصواب والخطأ، وهو الذي يحدد الإطار الزمني والمنظور التاريخي والحضاري.
بالتأكيد ليس هناك انفصال بين هاتين الجهتين في التراث المهدوي الشيعي، بل هناك وحدة وترابط وتناسق في الجانب المعرفي في المنظومة الفكرية المهدوية الشيعية.
مصنفات مهدوية في هذه المرحلة:
في ظل الظروف المأساوية العصيبة والأوضاع الأمنية الحساسة، كان الأئمة (عليهم السلام) وهم معدن العلم وموضع الرسالة ينتهزون الفرص لتذكير الناس بالقضية المهدوية، والإجابة على كل الأسئلة المتعلقة بالشأن المهدوي.. ولذا فقد صنف علماء الشيعة المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) من عهد أمير المؤمنين وإلى عهد العسكري (عليه السلام) ما يزيد على (٦،٦٠٠ مصنف)(٥١) في الأحاديث المروية من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، وامتاز من بين هذه المصنفات (٤٠٠ أصل)(٥٢) عرفت بالأصول الأربعمائة(٥٣) التي شكلت أساس الجوامع الروائية للشيعة، حيث يمكن القول أن موضوع المهدي قد احتل مساحة واسعة من الحديث والرواية، فقد ذكرت المجاميع الحديثية والكتب الروائية التي بأيدينا حالياً أكثر من (٨٧٥ حديثاً)(٥٤) عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
نود الإشارة إلى الحجم الهائل من التراث (الفكري - العقائدي) في الثقافة الإسلامية في هذه المرحلة فيما يتعلق بالقضية المهدوية، فهناك أكثر من مائتي أية قرآنية ترتبط تفسيراً أو تأويلاً بالإمام المهدي (عليه السلام)، بالإضافة لوجود عدد كبير من الروايات الشريفة (النبوية وأهل البيت) التي بشرت بالمهدي وتحدثت عن أحواله وأخباره، فضلا عن توفر بعض الكتب تنتمي إلى المدرستين (الشيعة والسنة) كتبت في الشأن المهدوي، وألفت قبل ولادته (عليه السلام)، وأن المؤلف توفى قبل ذلك بسنين مثل:
* الدكتور جواد علي في رسالته (المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية)(٥٥) ذكر عناوين اكثر من ١٨ كتاب في موضوع المهدي وأسماء مؤلفيها من الشيعة، كتبت قبل ولادته (عليه السلام) بعناوين (الغيبة، القائم، الرجعة).. نذكر بعض من مؤلفي وكتاب(٥٦) هذه المرحلة في موضوع المهدي (عليه السلام):
٦) الحسن بن محبوب الذي سبق الغيبة بقرن في تأليف كتابه (المشيخة) الذي أورد فيه أخبار وروايات الغيبة عن الإمام الصادق (عليه السلام).
٧) علي بن حسن الطائي، من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام)، ألف كتاباً في الغيبة.
٨) علي بن عمر الأعرج الكوفي، من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام)، كتب في الغيبة.
٩) الحسن بن علي بن ابي حمزة، من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)، ألف في الغيبة.
١٠) عباس بن هشام الناشري، توفى سنة ٢٢٠ ه، صنف في الغيبة.
١١) علي بن مهزيار الأهوازي فقد روى عن الإمام الجواد والإمام الهادي وله كتابان: (الملاحم) و(القائم)(٥٧).
١٢) علي بن الحسن بن فضال، من أصحاب الهادي والعسكري (عليهما السلام)، كتب في الغيبة.
* الفضل بن شاذان الأزدي النيشابوري، عاصر بعض الأئمة (عليهم السلام) توفى سنة (٢٥٨ ه أو ٢٦٠ ه)، كان عالماً وأديباً، ألف اكثر من ١٨٠ كتاب، له خمسة كتب في الشأن المهدوي(٥٨) وهي بعناوين (الغيبة، إثبات الرجعة، الملاحم، الحجة البليغة في إثبات القائم، كتاب حذو النعل بالنعل).. وتظهر أهمية كتابي (الغيبة) و(إثبات الرجعة) لأن المؤلف ذكر روايات تتحدث عن تفاصيل كثيرة تتعلق بالإمام المهدي لم يألفها الشيعة، فالإمام لم يكن قد وُلد آنذاك، بمعنى: أنه كان قد تحدث عن الغيبة قبل حدوث الغيبة الصغرى.. وللأسف لم تصلنا أي من هذه الكتب الخمسة، ولذلك يتعيّن على من يريد الحصول على الأثر المتبقي من تراث هذا العالم الجليل أن يراجع الكتب(٥٩) التي نقلت عنه مباشرة وبدون واسطة مثل: كتاب كفاية المهتدي لمعرفة المهدي للسيد محمد مير لوحي الأصفهاني، وكتاب الأربعون (كشف الحق) لـ آقا مير محمد صادق الخاتون آبادي.
* كتاب (الفتن) للحافظ نعيم بن حماد الخزاعي المروذي وهو من أهل العامة، توفي سنة ٢٢٩ ه، يحتوي كتابه على ٢٠٠٤ رواية تتحدث عن علامات الساعة الصغرى والكبرى، وأخبار المهدي، ونزول عيسى بن مريم، وأحداث آخر الزمان، (وقد شحن المؤلف كتابه بعدد كبير من الروايات والأحاديث، وقد تفرد برواية بعضها، وضمّنه الغثّ والسمين والصحيح والمنكر، وكرر بعضها في أكثر من موضع)(٦٠).. وقد قسم كتابه إلى عشرة أبواب، ووضع لكل باب عدداً من العناوين، وبهذا يكون نعيم أوّل من صنف كتاباً مستقلاً في هذا الموضوع، فهذا المصنف يعد مصدراً في موضوعه، أخذ منه الكثير من كبار المؤلفين من الخاصة والعامة ونقلوا بعض أحاديثه، وقد روى عنه كل من البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه وآخرين.. ويهمنا أن المؤلف توفى قبل ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) بستة وعشرين سنة تقريباً، وهذا المصنف(٦١) أول ما صنف من نوعه، وجزء من تراثنا الإسلامي (ينبغي دراسته والاطلاع عليه للاستفادة مما ورد فيه)، وهو أقدم كتاب من تراث أهل العامة وصل إلينا في موضوع المهدي، في عصرنا الحالي.
* مسند أحمد: لـ أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي (١٦٤ - ٢٤١ ه)، كتاب مسند في الحديث النبوي يحتوي على أكثر من ٤٠ ألف حديث نبوي، ومؤلفه إمام المذهب الحنبلي في الفقه، رابع الأئمة الأربعة عند أهل السنة، يعتبر المسند من أشهر كتب الحديث وأوسعها عند أهل العامة، أورد فيه ١٣٦ حديثاً(٦٢) تتعلق بالمهدي الموعود.
مقتطفات من المشهد الأدبي في هذه المرحلة:
إلى جانب الكتابة الروائية (تدوين الأحاديث الشريفة) ظهرت المهدوية في التراث الأدبي في هذه الحقبة، بحيث نستطيع القول أن التغني بالمهدي والتعلق بالأمل بانتظار المهدي أصبح سائغاً لدى الشعراء وذلك لوضوح فكرة المهدي المنتظر وغيبته عند جميع المسلمين واعتبارها من المسائل الإسلامية البديهية مثل:
* نعثل (أبا عمارة) من الصحابة:
قدم رجل يهودي يقال له نعثل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يسأله عن أمور كثيرة، فأجابه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأسلم الرجل، فأنشأ شعراً(٦٣):

صلى الإله ذو العلى * * * عليك يا خير البشر
أنت النبي المصطفى * * * والهاشمي المفتخر
بكم هدانا ربنا * * * وفيك نرجو ما أمر
ومعشر سميتهم * * * أئمة اثنا عشر
حباهم رب العلى * * * ثم اصطفاهم من كدر
قد فاز من والاهم * * * وخاب من عادى الزهر
آخرهم يسقي الظمأ * * * وهو الإمام المنتظر
عترتك الأخيار لي * * * والتابعين ما أمر
من كان عنهم معرضاً * * * فسوف تصلاه سقر

* إسماعيل محمد الحميري(٦٤) (١٠٥ - ١٧٣ ه):
من كبار شعراء الشيعة، ولد في عمان، عاصر الإمام الصادق (عليه السلام)، ولقبه الإمام بـ (سيد الشعراء) ولقى الإمام الكاظم (عليه السلام)، وهو شاعر مكثر، له في مدح بني هاشم وحدهم ٢،٣٠٠ قصيدة، وكان يقول: من يأتيني بمنقبة لعلي (عليه السلام) لم أقل فيها شعراً لأعطينه عشرة آلاف، عاش في الكوفة والبصرة، في فترة انهيار الدولة الأموية ونشوء الدولة العباسية، وأدرك الملوك الخمسة الأول من بني العباس، توفى ببغداد، نظم عدة قصائد في غيبة الإمام المنتظر وخروجه، ننتخب من قصيدته (له غيبة) هذه الأبيات:

ولكن روينا عن وصيّ محمد * * * ولم يك فيما قاله بالمكذّب
بأن وليّ الأمر يُفقد لا يُرى * * * سنيناً كفعل الخائف المترقّب
يسير بنصر الله من بيت ربّه * * * على سؤدد منه وأمر مسبّب
فلمّا روى أنّ ابن خولة غائب * * * صرفنا إليه قولنا لم نكذّب(٦٥)
وقلنا هو المهدي والقائم الذي * * * يعيش به من عدله كلّ مجدب
فإن قلت لا فالحق قولك والذي * * * أمرت فحتم غير ما متعصّب
وأشهد ربي أنّ قولك حجة * * * على الناس طرّاً من مطيع ومذنب
بأنّ وليّ الأمر والقائم الذي * * * تطلّع نفسي نحوه بتطرّب
له غيبة لابدّ من أن يغيبها * * * فصلّى عليه الله من متغيّب
فيمكث حيناً ثمّ يظهر حينه * * * فيملأ عدلاً كل شرق ومغرب
بذاك اُدين الله سرّاً وجهرةً * * * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب

* دعبل الخزاعي (١٤٨ - ٢٢٠ ه):
اسمه دعبل بن علي بن رزين الخزاعي، ولد في الكوفة، من مشاهير شعراء العصر العباسي، عاصر بعض الأئمة (عليهم السلام) ومات في نواحي طوس، عرف عنه شدة ولائه لآل البيت (عليهم السلام) والجهر بحبهم، واعتبرت قصيدته (مدارس آيات) إحدى قمم البلاغة العربية، دخل يوماً على الإمام الرضا (عليه السلام) وأنشد هذه القصيدة، ومنها هذه الأبيات يذكر فيها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):

فَلَولا الَّذِي أَرجُوه في اليومِ أَو غدٍ * * * تَقطَّعَ قَلْبي إثْرَهمْ حَسَراتِ
خُروجُ إِمامٍ لا مَحالَة َ خارجٌ * * * يَقُومُ عَلَى اسمِ اللّهِ وَالْبَرَكاتِ
يُمَيّزُ فينا كلَّ حَقٍّ وباطلٍ * * * ويُجزِي على النَّعمَاءِ والنَّقِماتِ(٦٦)
فيا نفسُ طيبي، ثم يا نفسُ أبشري * * * فَغَيْرُ بَعيدٍ كُلُّ ما هُو آتِ

بكى الإمام الرضا (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثم رفع رأسه إليَّ فقال لي: يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين.
* محمد بن اسماعيل بن صالح الصيمري توفي حدود سنة ٢٥٥ ه:
من خيار الشيعة، كان أديباً شاعراً، من شعراء الإمام الهادي (عليه السلام)، قال قصيدة(٦٧) يرثي بها الإمام الهادي ويعزي ابنه الإمام العسكري (عليه السلام)، أولها:

الأرض خوفا زلزلت زلزالها * * * وأخرجت من جزع أثقالها

ثم يعدد الأئمة ويكملهم للمهدي وذلك قبل ميلاده، جاء فيها:

عشر نجوم أفلت في فلكها * * * ويطلع الله لنا أمثالها
بالحسن الهادي أبي محمد * * * تدرك أشياع الهدى آمالها
وبعده من يرتجى طلوعه * * * يظل جواب الفلا أجزالها
ذو الغيبتين الطول والحق التي * * * لا يقبل الله من أستطالها
يا حجج الرحمان إحدى عشرة * * * آلت فثاني عشرها آمالها.

* ابن الرومي (٢٢١ - ٢٨٣ ه):
اسمه: أبو الحسن علي بن عباس بن جريح، الشهير بابن الرومي لأنه رومي الأصل، ولد في بغداد، شاعر كبير من شعراء العصر العباسي، وعرف بأنه شاعر الإمام العسكري (عليه السلام)، وله في مودّة ذي القربى من آل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أشواط بعيدة، واختص بمدحهم والدفاع عنهم، عاصر ثمانية من الخلفاء العباسيين، توفى مسموماً ودفن ببغداد في زمن الغيبة الصغرى، له قصيدة بعنوان (الدهر لونان)(٦٨) يخاطب فيها بني العباس ويذكرهم بالأمل الموعود، جاء فيها:

غررتم لأن صدقتم أن حالة * * * تدوم لكم والدهر لونان أخرجُ
لعل لهم في منطوى الغيب ثائراً * * * سيسمو لكم والصبح في الليل مولجُ
بمجر تضيق الأرض من زفراته * * * له زجل ينفي الوحوش وهزمجُ
إذا شيم بالأبصار أبرق بيضه * * * بوارق لا يسطيعهن المحمجُ

جمهور كبير من الشعراء آمن بحقيقة المهدي المنتظر في صدر الإسلام، فنظموا قصائد وأبيات شعرية تتغنى فيه قبل ولادته، كالكميت بن زيد الأسدي (ت ١٢٦ ه) ومصعب بن وهب النوشجاني (معاصر للرضا)، الأمر الذي يدل على شيوع الإيمان بالعقيدة المهدوية وحتمية ظهوره عند جميع الأوساط العلمية والأدبية الشيعية.
ثمرة المرحلة (خلاصة):
أهم ما تميزت به هذه المرحلة فيما يخص فكرة المخلص والتراث المهدوي، أنها مرحلة التأسيس وعصر بناء الأسس والمفاهيم من قبل المعصومين (عليهم السلام)، وطور أرساء دعائم العقيدة المهدوية، حيث اتسمت ببلورة فكرة المنقذ الموعود بشكلها النهائي، وذلك بتحديد هوية وملامح ونسب شخصية المهدي المنتظر، وذلك استناداً على النصوص الشرعية الكثيرة:
- بشر به الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم.
- بشر به الرسول المصطفى بأحاديث عديدة.
- بشرت به العترة الطاهرة بروايات كثيرة.
- بشرت به الكتب السماوية السابقة.
من المؤكد أن كلمة (المهدي) لم تتداول اسماً لشخص إلا بعد ظهور الإسلام، وذلك بعد انتشار أحاديث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المبشرة به، إذ أن لفظ (المهدي) هو اسم المنقذ والمخلص المنتظر عند المسلمين.. اذن فالعقيدة المهدوية الأصيلة مبنية على أسس صحيحة مأخوذة من كلام الله تعالى وأحاديث رسول الله والعترة الطاهرة، فعندما نحافظ على التراث المهدوي الأصيل فنحن ننقذ الأجيال القادمة من الانحراف والضياع والتبعية دون وعي.
من هنا نعرف سر شيوع القضية المهدوية عند المسلمين، وذلك لاهتمام الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) بها، ويظهر ذلك جلياً في الحجم الهائل من الأحاديث والروايات الشريفة التي قيلت، والبشارات العديدة التي صدرت من بيت العصمة، والتي تدل على المكانة الهامة التي حظيت بها المهدوية في الإسلام.
وبإلقاء نظرة سريعة على التراث المهدوي في صدر الإسلام تستوقفنا فيه بعض الملاحظات:
١) منع المسلمين من تدوين الحديث، خسّر الأمة الكثير من أحاديث المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وخاصة في مدرسة الخلفاء، حيث نقلت بعض روايات الرسول وأقوال الصحابة للجيل اللاحق شفوياً.
٢) كل الكتب والمصنفات الشيعية التي دونت في هذه المرحلة اتسمت بتجميع روايات أهل البيت (عليهم السلام)، والاقتصار على التدوين والتجميع من غير أي تصنيف أو تبويب مثل الأصول الأربعمائة، وللأسف فكل المصنفات الشيعية المرتبطة بالشأن المهدوي في هذه المرحلة، ضاعت وفقدت ولا نجد إليها سبيلا، إنما وصلنا خبرها أو الكتب التي نقلت عنها مباشرة كالكافي مثلا.
٣) غياب المباحث الكلامية والعقلية والاستفسارات التحليلية في القضية المهدوية في هذه الحقبة التاريخية، باعتبار أن الفكرة لم تتحقق على أرض الواقع ولم يولد المهدي بعد.
٤) في أواخر هذه المرحلة، عمل الإمام العسكري على التمهيد لإمامة ولده الإمام المهدي، الذي وُلد في ١٥ شعبان ٢٥٥ ه، عبر أساليب عديدة منها:
* كتمان ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) خوفاً عليه من السلطة العباسية.
* إخبار خواص الشيعة بولادة الإمام المهدي وعرضه عليهم.
* النص على إمامة المهدي (عليه السلام) وغيبته والإشهاد على ذلك.
نستنتج من محصلة هذه المرحلة نتائج إيجابية، فقد أرسى الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) القواعد الأساسية للعقيدة المهدوية فكرياً ونظرياً وفق الأطروحة الشيعية الإمامية وذلك من خلال تشخيص المصداق للمهدي الموعود وبتعريف جامع مانع، وبتحديد تسلسل الإمامة عبر سلسلة نسبية محددة تبدأ بالنبي الفاتح وتنتهي بالوصي الخاتم، فهو الإمام الخاتم والإمام الثاني عشر والإمام التاسع من ولد الحسين وهكذا، فأصبحت هويته وشخصيته معروفه لدى المسلمين، وعلامات ظهوره واضحة.. وعملياً عبر ترسيخ فكرة المهدي المنتظر في أوساط القواعد الشعبية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وتهيئة الأمة لاستقبال مرحلته، كصغر عمره بداية إمامته، وطول غيبته، والتعود على نظام الوكالة والنيابة في عهده.

الفصل الرابع: طور الواقع
مرحلة الغيبة الصغرى (٢٦٠ - ٣٢٩ هـ)

تمتاز هذه البرهة الزمنية في تاريخ الشيعة بأهمية خاصة، إذ قارب هذا العصر على سبعين عاماً، بدأ بوفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في الثامن من ربيع الأول عام ٢٦٠ ه وتولي الإمام المهدي (عليه السلام) الولاية والإمامة، وانتهى في الخامس عشر من شعبان عام ٣٢٩ ه بوفاة السفير علي السمري رابع وآخر نائب خاص للإمام المهدي.. ففي هذا الفترة انتقل الشيعة إلى مرحلة جديدة في العلاقة مع القيادة الشرعية، فالشيعة قبل هذا التاريخ لم يعتادوا مسألة غياب المعصوم، حيث أن غيبة الإمام الأخير من العترة الطاهرة انعطافة مغايرة في تاريخ الشيعة وذات إشكالية مختلفة، إذ أن عدم حضور الإمام المعصوم المباشر بين شيعته وقاعدته الشعبية، أوجب من الناحية العملية معالجة هذا الفراغ الناشئ، فالإمام الغائب هو آخر الأوصياء وإمام الزمان.
الوضع السياسي والفكري(٦٩) في هذه المرحلة:
الوضع السياسي: تزامن فترة الغيبة الصغرى مع حكم ستة خلفاء عباسيين، من الخليفة الخامس عشر المعتمد (٢٥٦ - ٢٧٩ هـ) وحتى الخليفة العشرين الراضي (٣٢٢ - ٣٢٩ هـ)، وكان الوضع خلالها مشابهاً لما سبقه - قبل عصر الغيبة - حيث غلبة الموالي لا سيما الأتراك، وانحدار السلطة المركزية نحو الضعف والإنهي ار، ومع كل هذا الضعف لم يتوقف الخلفاء العباسيون عن ظلم الناس وهضم حقوقهم، وكان الإرهاب سيد الموقف لا سيما في عصر المعتضد (٢٧٩ - ٢٨٩ هـ) الذي كان الأمر في عهده حاداً والسيف يقطر دماً على حد تعبير الشيخ الطوسي.. وبعد أن نقل المعتصم الخلافة من بغداد إلى سامراء عام (٢٢٠ هـ) قام المعتضد العباسي بإرجاعها إلى بغداد.. ومن المشاكل التي واجهت العالم الإسلامي في عصر الغيبة الصغرى ظهور القرامطة وتمردهم عام (٢٧٧ هـ) وفتنتهم وممارستهم للظلم والجور طيلة (٣٠ عاماً) وهذا ما استدعى ممارسة السلطة العباسية الظلم ضد الشيعة بذريعة انتساب هذه الفرقة إليهم وتصاعد أجواء الكبت ضد الشيعة.. ففي هذه الفترة من التاريخ ظهرت أيضاً دول مستقلة، فانقسم العالم الإسلامي إلى ثلاثة أنظمة: الحكومة العباسية في بغداد، الحكومة الأموية في الأندلس، الحكومة الفاطمية في مصر.
الوضع الفكري: بدأت حركة تدوين المصادر الروائيّة في هذه الفترة بعد أن مُنعت كتابة الحديث في أوائل القرن الأول الهجري إلى فترة خلافة عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) الذي أمر بتدوين وضبط الأحاديث النبوية وحوادث تاريخ الإسلام، إلا أن الأمر لم يلق رواجاً في ظل العصر العباسي الأول، واستمر الوضع كذلك حتى عصر الغيبة الصغرى، حيث صنفت فيه كتب عديدة، منها أربعة كتب من أصل ستة كتب مهمة لأهل العامة عرفت فيما بعد بالصحاح الستة، والأربعة هي: (سنن ابن ماجه، سنن أبي داوود، سنن الترمذي، سنن النسائي).. وللشيعة صنف الكتاب الشهير (الكافي) في هذه الفترة أيضاً.
ففي ظل هذا الوضع الأمني والسياسي المتأزم والذي نشأ عقب استشهاد الإمام العسكري (عليه السلام) - الإمام الحادي عشر للشيعة الإمامية - فإن حكام الدولة العباسية يدركون تماماً، أن المهدي - آخر الأوصياء، والثاني عشر من الأئمة المعصومين - الذي بشر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ستزول دولتهم على يديه ويقوض عروشهم ويدمر كيانهم، ولهذا كانوا متأهبين لدفع الأخطار مهما كان الثمن، وبذلوا أقصى جهودهم للقضاء عليه، وهكذا نجد أن التاريخ يعيد نفسه كقصة موسى وفرعون.. ومن أجل هذا كانت منازل بني هاشم تخضع لمراقبة شديدة، خاصة منزل الإمام العسكري (عليه السلام) ففي الثامن من ربيع الأول عام ٢٦٠ ه أصدر الخليفة العباسي المعتمد أمراً يقتضي بتفتيش جميع بيوت (سامراء) والبحث عن الصبي الموعود(٧٠).
فكيف يتصرف الإمام المهدي في جو خانق ملئ بالجواسيس والعيون، وكيف يتسنى له حماية نفسه من بطش الطغاة..؟ وتحذيراً من خطر القتل وإبقاء نفسه الشريفة لأجل إظهار الدين وبأمر إلهي قرر اعتزال الناس بالغيبة والاستتار(٧١).
نظام السفارة:
حرم الناس في زمن الغيبة من الاتصال بالإمام مباشرة، فكان لابد من إيجاد طريقة تحاول أن تعالج فراغ الغيبة من خلال الصلة بالإمام الغائب مع توفر الحماية التامة له، فوجدت مسألة (السفارة) كنوع من الارتباط غير المباشر من خلال سفير أو وكيل أو نائب خاص يعيّنه الإمام (عجّل الله فرجه) بنفسه، وكانت مهمة السفراء رفع حوائج الناس والسعي في حلّ مشاكلهم وكانت الأسئلة تسجل في ورقة فيأتي جوابها بتوقيعه (عليه السلام)، حتى اصطلح عليها بتواقيع الناحية المقدسة.
إن الغيبة الصغرى هي حقبة انتقالية تتسم بتحولات طالت علاقة إمام الزمان بقاعدته الشعبية، وهو أمر واقع تاريخياً تبرز فيه السفارة كمقوم أساسي لهذه المرحلة، ولولا وجود هذا النظام في بداية زمن الغيبة الصغرى لكان للشيعة مسارٌ منحرف عن المنحى الطبيعي لحركة الدعوة واتجاه الرسالة، مما سيدفع الناس إلى تناسي الإمام (عجّل الله فرجه) والإصغاء لما أشاعته السلطة العباسية عن وفاة العسكري (عليه السلام) دون وجود خلف له، لهذا كان لابد من مرحلة قصيرة من الاحتجاب عن الناس تمهد للغيبة التامة.
هذا التطور التاريخي لمسألة الاتصال بالمعصوم (الإمام المهدي) وابتكار نظام السفارة في المسيرة الشيعية، أدى إلى تفاعل الأمة وجدانياً وعملياً مع القيادة الربانية المتمثلة في إمام الزمان (المهدي) وذلك تجسيداً لمبدأ الإمامة بكل ما تحمله من دلالات عقائدية وروحية، فكرية وعملية.
خصوصية الأطروحة المهدوية الشيعية:
تولى الإمام المهدي (عليه السلام) الإمامة والولاية بعد استشهاد والده الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عام ٢٦٠ ه، وهذه خصوصية وميزة تحسب إلى المدرسة الإمامية حيث أنها بدلت وحولت حالة الامنية والأمر النظري في القضية المهدوية إلى حالة واقعية موجودة، فهي بذلك تنتظر مهدياً محدداً، معروف الهوية والشخصية، ولد في عصره، وهو الآن حاضر موجود.
مراحل غياب الإمام المهدي:
بناءً على الوضع الأمني والسياسي المتأزم في بداية فترة إمامته وتناغماً مع الدور الإلهي الكبير المناط به تحقيقه، احتجب الإمام عن الناس بأمر إلهي إلى أن يأذن الله بظهوره في اليوم الموعود.
يقسم الشيعة الإمامية احتجاب واختفاء الإمام المهدي إلى مرحلتين ويطلقون عليها مصطلح الغيبة:
الأولى - الغيبة الصغرى (٢٦٠ - ٣٢٩ هـ): بدأت منذ وفاة أبيه الإمام العسكري (عليه السلام)، إلا أن الإمام المهدي كان يلتقي بخيار المؤمنين والصالحين، وبدأت ترتيبات عصر إمامته وقيادته للمجتمع، وتعيين سفراء له:
· السفير الأول: عثمان بن سعيد العمري (٢٦٠-٢٦٥ هـ)، ولمدة (٥ سنوات).
· السفير الثاني: ابنه محمد بن عثمان العمري (٢٦٥-٣٠٥ هـ) ولمدة (٤٠ سنة).
· السفير الثالث: أبو القاسم حسين بن روح النوبختي (٣٠٥-٣٢٦ هـ) ولمدة (٢١ سنة).
· السفير الرابع: علي بن محمد السمري (٣٢٦-٣٢٩ هـ) ولمدة (٣ سنين).
 وإن لم يكن أمر السفارة غريباً على أذهان الموالين (الشيعة) بعد أن كان نظام الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) قائماً على ذلك بشكل طبيعي واعتيادي.. بعد استشهاد الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) في سامراء، واحتجاب الإمام المهدي عن الناس، لم يعد هناك من سبب لوجود السفير الأول في سامراء، فانتقل إلى بغداد وأقام بجانب الكرخ (الحي) الذي يسكنه الشيعة، وأصبحت بغداد حينها مركز حركة الناحية المقدسة والشيعة، وكان الموالون أو الوكلاء يحملون المال للسفير من مراكز وأقطاب بعيدة ويُقدِمون له أسئلتهم، وبدوره ينقلها للإمام الغائب.
كان مركز السفراء الأربعة بمدينة بغداد، ولهم وكلاء (٢٠ وكيل) في المدن الإسلامية المختلفة، وكنموذج نشير إلى بعض منهم:
١- الشيخ إبراهيم بن مهزيار في الأهواز.
٢- الشيخ أحمد بن إسحاق الأشعري في قم.
٣- الشيخ حاجز بن يزيد الوشاء في الري.
٤- الشيخ داود بن قاسم الجعفري في سامراء.
٥- الشيخ محمد بن صالح الهمداني في همدان.
٦- الشيخ القاسم بن العلا في أذربيجان.
٧- الشيخ محمد بن شاذان بن نعيم في نيسابور.
ففترة الغيبة الصغرى دامت على التحديد تسعا وستين عاماً وستة أشهر وخمسة عشر يوماً، وانتهت بوفاة رابع وآخر سفير ونائب خاص للإمام المهدي (عليه السلام).. هذا وكانت السفارة في بداية عهدها (زمن السفير الأول) عبارة عن جهاد كبير وتضحية عظمى، فالسفير كان حلقة الوصل بين الإمام والأمة، والظروف الأمنية والسياسية العصيبة في تلك الفترة لم تكن لتساعد على أي صلة بالإمام المهدي، إضافة إلى أن القواعد الشعبية لم تكن لتعتاد على نظام السفارة والنيابة الخاصة في بدايتها، ولكن مع الدرجة الرفيعة والمنزلة الكبيرة التي حظيت بها السفارة الصادقة داخل المجتمع الإسلامي ولدى أوساط القواعد الشعبية، ونظراً لأهمية هذا الموقع الحساس بما يحمله من إمكانيات مادية ومعنوية، برز العديد من الأصوات التي ادّعت حصولها على شرف السفارة (كذباً وزوراً)، فابتدأ في عهد السفير الثاني الادعاءات الكاذبة في زمن الغيبة الصغرى، وتوالت الادعاءات في زمن الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا، وهذا من أكبر الفتن عند الشيعة الإمامية.
هذا وكانت هناك أهداف أساسية من وراء الغيبة الصغرى وتعيين السفراء كنواب ووكلاء يقومون مقامه (عجّل الله فرجه) تتمثل في:
١. كانت ضرورية لإيجاد الارتباط بين الإمام المهدي وبين الخواص من شيعته، وكانت فترة ٧٠ سنة كافية لإثبات وجود الإمام، وترسيخ ثقافة الغيبة عند الناس.
٢. تهيئة الأمة وخاصة القواعد الشعبية الموالية للأئمة (عليهم السلام) لاستيعاب مفهوم الغيبة الكبرى، وتعويدهم عليها تدريجياً، وعدم مفاجئتهم بذلك.
٣. قيام السفارة بمصالح المجتمع وشؤون الأمة، وتعويد الناس على الارتباط بالعلماء أثناء غيبة الإمام واختفائه عن مسرح الحياة.
الثانية - الغيبة الكبرى (٣٢٩ هـ - اليوم الموعود): كانت وفاة السفير الرابع يوم الخامس عشر من شعبان عام ٣٢٩ هـ إيذاناً بابتداء عصر الغيبة الكبرى، وكان التوقيع (نص بالغ الأهمية) الصادر عن الإمام (عليه السلام) إلى علي السمري قبل وفاته بستّة أيّام هو الإعلان عن انتهاء أمد الغيبة الصغرى وانقطاع السفارة والنيابة الخاصة(٧٢) وبدء عصر الغيبة الكبرى.. وبدأت مرحلة جديدة هي مرحلة النيابة العامة: فالنائب العام لم يشخص بالاِسم، وإنما شخص بالصفة (ملكة الفقاهة).
من التكاليف المطلوبة إسلامياً في فترة الغيبة (سواءً الصغرى أو الكبرى)، ومن الضروريات العقائدية الواضحة في مدرسة الشيعة الإمامية: الإيمان بوجود الإمام المهدي (م ح م د ابن الإمام الحسن العسكري) والاعتراف به كإمام مفترض الطاعة وقائد فعلي للأمة والالتزام بذلك، وإن لم يكن عمله ظاهراً للعيان، ولا شخصه معروفاً لدى الناس، فإنه الإمام الثاني عشر ومعرفته تنقذ من موتة الجاهلية(٧٣)، ارتكازاً على الأدلة العقلية المنطقية والأدلة النقلية الصحيحة.
في واقع الأمر، تشكل فترة الغيبة الصغرى مرحلة جديدة في تاريخ الشيعة، وأن ماهية التحول فيها تنطوي على تهيئة الأمة (القواعد الشعبية الشيعية) لمرحلة الغيبة الكبرى (الغياب التام لإمام الزمان) وتحويل السلطة التشريعية إلى العلماء والمراجع (علماء مميزون غير معصومين)، ولكن من غير تحديد أو تعيين أي شخص للنيابة العامة.. وتنطوي هذه الفترة أيضاً على تجاوز المرحلة السابقة فترة عصر الأئمة (عليهم السلام).
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة:
تأسيساً على تراث المرحلة السابقة، التي بذل فيها الأئمة (عليهم السلام) جهوداً كبيرة في ربط الأمة فكرياً وعاطفياً بالإمام المهدي (عليه السلام)، يمكن القول إن هذه الفترة امتداد لتلك مع بعض التغيرات التي تتناسب مع ظروف وأجواء المرحلة.. فالنشاط الفكري والثقافي والقيادي الذي مارسته المهدوية داخل الدائرة الشيعية الخاصة، تميز بمستوى معين من الخصوصية والتركيز والسرية يناسب مع الوضع الأمني الذي كان سائداً، ويهدف إلى ربط الأمة بقائدها الشرعي ورفع مستوى الوعي الديني والعقائدي والفكري للأمة، وتعبئتها نفسياً لاستقبال الحدث القادم المهم (الغيبة التامة).
إن التراث المهدوي في هذه المرحلة يمكن تقسيمه إلى ثلاثة اقسام:
١ - تواقيع الناحية المقدسة:
إن فترة إمامة المهدي تحف بها خصوصيات، ومن أهما وأبرزها قضية غيبته، وتم تجاوز هذا الأمر عن طريق نظام السفارة، فالسفير كان همزة وصل بين الإمام وشيعته، ولذا كانت أسئلة واستفسارات الشيعة في هذا العصر وإجابات الإمام المهدي عليها يتم نقلها وتداولها عبر السفير، وعرفت (بتواقيع الناحية المقدسة)(٧٤)، وهي كثيرة جداً وعلى امتداد ما يقرب من سبعين سنة، قد جمعت في حينها بواسطة عبد الله بن جعفر الحميري(٧٥) وجمعها أيضاً آخرون.. وللأسف الشديد (وأكررها مراراً)، فأن اغلب رسائل الإمام المهدي (عليه السلام) والذي يقدر عددها بين (حدود ٨،٨٢٠ رسالة في الحد الأدنى)(٧٦) أو (حدود ٢٨،٨٠٠ رسالة في الحد الأعلى)، وقد أكد السيد محمد القبانجي مدير مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، أن هذا الرقم أقل من الحد الأعلى لرسائل الإمام بكثير، حيث قال: (فيكون مجموع التواقيع الواصلة للوكلاء عن طريق السفراء (٢٨،٨٠٠) توقيع، هذا عدا مئات بل آلاف التواقيع المباشرة من السفير إلى صاحب الشأن والحاجة)(٧٧)، فمعظم هذه التواقيع المقدسة (ويا للأسف) ضاع ولم تصل لنا.. فالذي بين أيدينا حالياً من هذه التواقيع والرسائل الثمينة لا يتجاوز ٨٥ توقيعاً(٧٨)، منها: ٣٩ دعاء، ١٥ مسائل فقهية، ٣١ أمور عامة وخاصة، وعلى أكبر تقدير ١٠٩ توقيعاً كما جاء في المجلد السابع من مكاتيب الائمة (عليهم السلام)، أما البقية الكبرى منها قد ضاع، وهذه إحدى المصائب في القضية المهدوية.
إن تواقيع الناحية المقدسة هي عبارة عن أحاديث شريفة تمثل سنّة المعصوم، وصلت إلينا على شكل (رسائل مكتوبة) ونستشف بين ثنايا هذه التوقيعات لمحات نيرة وجهها (عجّل الله فرجه) إلى شيعته، بالإضافة إلى التعرف على تعاليم مدرسة الأئمة (عليهم السلام).. وقد بادر بعض من العلماء في العصر الحديث إلى جمع هذا التراث النفيس مما كتبه الإمام المهدي فرفدوا بعملهم هذا ميدان البحث والتحقيق، ونشير إلى بعض هذه المصنفات:
· كتاب: كلمة الإمام المهدي، للسيد حسن مهدي الحسيني الشيرازي، توفى ١٤٠٠ هـ.
· كتاب: موسوعة توقيعات الإمام المهدي، للشيخ محمد تقي أكبر نجاد، منشورات مسجد جمكران، طبع ١٤٢٧ هـ.
· كتاب: مكاتيب الإمام المهدي، للشيخ علي الأحمدي الميانجي، طبع ١٤٣١ هـ.
· كتاب: موسوعة كلمات الإمام المهدي، مؤسسة الإمام الهادي - قم، طبع ١٤٣٣ هـ.
٢ - كتب ومصنفات الشيعة:
في فترة متأخرة من هذه المرحلة، كانت هناك مساهمات واضحة من علماء الشيعة في تدوين الحديث الشريف وترتيب أبوابه، باعتبار أن هذه الفترة من التاريخ تستوجب هذا النوع من التأليف عقب انتهاء عصر الأئمة (عليهم السلام)، وبدأ الاهتمام بجمع أحاديثهم وتداولها والتقيد بها، وذلك لكشف الأحكام وتوضيح المسائل.. وكذلك في القضية المهدوية فنحن في صدد غيبته عن أمته وشيعته، ولذا كثرت المصنفات في هذه الفترة التي تتحدث عن الغيبة، فمن المصنفات التي دونت وكتبت في هذه المرحلة، النماذج التالية:
١) كتاب (صاحب الزمان): أبو العنبس محمد بن إسحاق بن أبي العنبس الصيمريّ، ولد في الكوفة عام ٢١٣ هـ وتوفى ببغداد عام ٢٧٥ هـ.
٢) محمد بن الحسن بن فروخ الصفار، المتوفي سنة ٢٩٠ ه، دون عن المهدي فصل(٧٩) في كتابه (بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (عليهم السلام)).
٣) عبد الله بن جعفر بن الحسين أبو العباس الحميري القمي، توفى بعد سنة ٢٩٠ ه، أعتبر أكبر عالم في مدينة قم في عصره، نقل الصدوق والطوسي الكثير عنه في كتبهما، له الكتب التالية(٨٠): (الغيبة والحيرة، المسائل والتوقيعات، مسائل عن محمد بن عثمان العمري، قرب الإسناد إلى صاحب الأمر).
٤) محمد بن مسعود بن محمد بن أيوب العياشي، توفى في نهاية القرن الثالث الهجري، كان أديباً غزير الإنتاج، كان في بداية تعلمه يتبع مدرسة الخلفاء، ولكنه سرعان ما انتمى إلى الشيعة، ومن عناوين كتبه(٨١) التي وصلنا خبرها: (الغيبة، الرجعة).
٥) ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني الرازي، المتوفي سنة ٣٢٩ ه، صاحب الكتاب الشهير (الكافي) أحد الأصول الأربعة عند الشيعة الإمامية، والانتهاء من تأليفه بعد جهد دام عشرين عاماً (٣٠٠ - ٣٢٠ ه)، عقد في أصول الكافي خمسة ابواب(٨٢) عن صاحب الزمان (عجّل الله فرجه).
٦) كتاب (الغيبة): علي بن محمد بن علي بن سالم بن رباح بن قيس السواق القلا، توفى بداية القرن الرابع الهجري.
٧) كتاب (الغيبة): أبو النضر محمد بن مسعود بن محمد بن عيّاش السلمي السمرقنديّ المعروف بالعيّاشي، ولادته في حدود سنة ٢٤٠ هـ، كان أولَ أمره عاميَّ المذهب، ثم تبصّر وهو حديث السنّ ثم أصبحت داره مرتعاً للشيعة وأهل العلم.
٨) كتاب (دلائل خروج القائم (عليه السلام)): أبو علي الحسن بن محمد بن أحمد الصفّار البصري.
٩) كتاب (الحجّة في إبطاء القائم (عليه السلام)): أبو الحسين محمد بن بحر الرهني السجستاني (الشيباني) المتكلّم، توفى في سنة ٣٣٠ هـ.
١٠) كتاب (الغيبة): أبو بكر محمد بن القاسم البغدادي، معاصر ابن همّام الذي توفّي سنة ٣٣٢هـ.
١١) عبد العزيز بن يحيى الجلودي، ولد في ضواحي البصرة وعاش في زمن الغيبة الصغرى، كتب كثيراً في التاريخ، ولديه كتاب بعنوان (أخبار المهدي)(٨٣) توفّى سنة ٣٣٢ هـ.
١٢) أبي عبد الله الحسين بن حمدان الحضيبي، المتوفي سنة ٣٣٤ ه، صاحب كتاب (الهداية الكبرى)، عقد فيه الباب الرابع عشر(٨٤) عن الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
٣ - شعراء الشيعة في زمن الغيبة الصغرى:
إلى جانب الفقهاء والعلماء الذين حاولوا تدعيم المذهب الشيعي، كان الشعراء كذلك يدافعون عن الهدف نفسه، فكان لهم تأثير عميق في المجتمع لأنهم لم ينظموا الشعر طمعا في المال والجاه، بل تحركوا دفاعاً عن الحقيقة.. فقد كان الشعر فيما مضى يحتل موقعاً في غاية الأهمية، فإلى جانب البلاغة والأدب فانه يعد في طليعة الإعلام الموجه للمجتمع ويقوم بما تقوم به الوسائل الإعلاميَّة في العصر الراهن.. وقد تحرّك الشعراء الشيعة دفاعاً عن عقيدتهم، ودفاعاً عن آرائهم في مسائل الإمامة والخلافة والولاية، ومن الطبيعي هذا الدور والمساهمة منهم حيث صوت الشعر من أقوى الأصوات في الدفاع عن مدرسة التشيع، والمحور الأساس في هذه الفترة هو الإمام المهدي وغيبته، وكان لأشعارهم تأثير كبير في النفوس المقهورة فاستطاعت أن تكسبهم بنغمتها الحزينة، التي تنبع من قلب الشاعر الحزين على فقد إمامه وغيبته والمصائب التي تحل على شيعته.
يتمتع الشعراء الشيعة الذين كانوا يصرحون بالحقيقة ويدافعون عن العقيدة بمنزلة رفيعة لدى محبي أهل البيت، ولذا فقد كان هؤلاء الشعراء يتعرضون للملاحقة والمطاردة والاضطهاد سواء في الحكم الأُموي أو الحكم العبّاسي. غير أن عددهم كان ضئيلاً في العصر الأموي قياساً إلى العصر العباسي، وقد استمرت سياسة الاضطهاد بحق الشعراء الشيعة في العصر العباسي الأول، ولكن العصر العباسي الثاني شهد قدراً من الانفراج بسبب تنامي عدد الشعراء الشيعة وضعف السلطة العباسية.
في هذه المرحلة التاريخية صدح الشعراء الشيعة بحقّية المهدوية والغيبة وقيلت أشعار كثيرة على لسانهم.. أما ما يخصّ عدد الشعراء الشيعة وتراجم حياتهم في هذه الفترة، فقد تعرض لإحصائهم السيّد محسن الأمين، وقد أثبت إحصاءات دقيقة لهم في موسوعته الرائعة (أعيان الشيعة)(٨٥) ويمكن أن نتعرف على جميع الشعراء الشيعة منذ صدر الإسلام وحتى زمن متأخر، وفي زمن الغيبة الصغرى ذكر الأسماء التالية من الشعراء الشيعة:
وليد بن عبيد الطائي البحتري توفى ٢٨٤ هـ، الشريف محمد بن صالح بن عبد الله الحجازي البغدادي توفى في القرن ٣ هـ، نصر بن نصير الحلواني توفى في القرن ٣ هـ، علي بن محمّد بن منصور بن بسام توفى ٣٠٢ هـ، أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار الثقفي توفى ٣١٤ هـ، نصر بن أحمد البصري توفى ٣١٧ هـ، محمّد بن أحمد البلدي توفى بداية القرن ٤ هـ، أحمد بن علويه الأصبهاني توفى ٣٢٠ هـ، أبوبكر محمّد بن حسن بن دريد توفى ٣٢١ هـ، محمّد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا الحسني توفى ٣٢٢ هـ، محمّد بن مزيد بن محمود البوشنجي توفى ٣٢٥ هـ، محمد بن أحمد بن عبيد الله الكاتب البصري المعروف بالمفجّع توفى ٣٢٧ هـ، على بن عباس النوبختي توفى ٣٢٩ هـ، أبو نصر القاسم بن أحمد الحروري توفى ٣٣٢ هـ، أحمد بن محمد الجزري الصنوبري توفى ٣٣٤ هـ، محمد بن يحيى الصولي توفى ٣٣٥ هـ.... وغيرهم كثير.
ومن الملاحظ في تراث هذه الفترة أنه:
أولاً: لم يتحدث أي كتاب من كتب الشيعة في زمن الغيبة الصغرى (الكافي مثلاً)، أو في الفترة التي بعدها مثل كتب (النعماني والمفيد والصدوق والمرتضى والطوسي) عن اختفاء الإمام المهدي في السرداب.. نستغرب إذن!!! من أين جاء هذا الادعاء والتصور لمخالفي الشيعة في أطروحتهم المهدوية؟ هل يستطيعون أن يجيبونا عن هذا التساؤل والاستفسار.
ثانياً: لماذا لم يكتب السفراء الأربعة أو يدونوا أي كتاب؟
فالسفراء الأربعة الكرام وهم على درجة كبيرة من وفرة العلم وغزارة العقل، ومن أعلام الفقهاء وجهابذة العلماء قد تجنبوا تأليف وتدوين الكتب ونشر أفكارهم والترويج لمعتقدهم كتابة، وذلك للأسباب التالية:
o لم تكن شخصيتهم تطرح في المجتمع كعلماء، وإنما كتجار وأصحاب مهن لكي تبقى مسألة السفارة في طيّ الكتمان والخفاء، فقد كان السفير الأول (عثمان العمري) يتظاهر ببيع السمن حتى لقب بالسمان وكذلك ابنه محمد السفير الثاني، فكانت الأسئلة والحقوق الشرعية تصل إليه، فيجعلها في زقاق السمن ويرفعها للإمام (عليه السلام)، وهكذا أخفيت حلقة الوصل بين الإمام وقاعدته الشعبية.
o السفارة أمرٌ سري ومهم للغاية، وهؤلاء السفراء يجب أن لا يشعر الجهاز العباسي تجاههم بخطر ودون أن يثيروا أي شكوك حول علاقتهم بالإمام، فإن الكتب لو ألفت من قبلهم فمن الممكن أن تصل إلى أيدي رجال السلطة التي تجد كل الجد في مراقبة العلماء والبحث عن إلصاق التهم بهم، واحتمالية كشف شخصيتهم الحقيقية كبير جداً.
o سيراً على نهج الأئمة (عليهم السلام)، بصفتهم معلمين وأساتذة مهمتهم توجيه المجتمع، فاقتصروا في نشر آرائهم ونتاجهم الفكري عن طريق الرواية الشفوية.
ثمرة المرحلة (خلاصة):
أهم ما تميزت به هذه المرحلة فيما يخص المهدوية والتراث المهدوي أن تبلورت فكرة المخلص بشكلها النهائي، وبلغت معه أرقى صور نضجها وتحولت إلى واقع ملموس، إنها مرحلة التأسيس العملي للعقيدة المهدوية وطور البداية في العهد المهدوي الذي تنتظروه البشرية منذ آلاف السنين، حيث بدأنا الخطوة الأولى في تجسيد الأمنية الكبرى لجميع أمم العالم، وبالرغم من أن البداية اتسمت بظروف أمنية وسياسية عصيبة، وفوق ذلك المجتمع المسلم والبشرية لم تتهيأ بعد لاستقبال هذا العهد الميمون، فغُيّب الإمام بأمر إلهي عن الناس إلى أن يأذن الله سبحانه وتعالى بظهوره في اليوم الموعود، فانتقلت البشرية وبالخصوص الشيعة إلى حقبة جديدة من العلاقة مع إمام الزمان لم تعتد عليها الأجيال السابقة.
مرحلة الغيبة الصغرى بالرغم من محدودية المدة (تقريباً سبعين سنة) إلا إنها مهمة جداً في القضية المهدوية، ومفصلية في تاريخ البشرية، فلو افترضنا فشل التخطيط في هذه المرحلة ولم ينجح التنفيذ، فإن النتائج سوف تكون كارثية، مما يقود الأمة والقواعد الشعبية الشيعية إلى نسيان الإمام المهدي (عليه السلام) وعدم التصديق بوجوده وولادته.. ولكن الإدارة الحكيمة من قبل الإمام (عجّل الله فرجه) ومن قبله والده الإمام العسكري (عليه السلام)، بالإضافة لنجاح التنفيذ من قبل جهاز السفارة أدى إلى نتائج باهرة وتكللت المرحلة بالنجاح.
رغم أوضاع هذه المرحلة، والصعوبات الجسيمة والظروف الأمنية القاسية، إلا أن حركة المهدي واصلت مسارها بشكل هادئ، فالأهداف الأساسية من وراء الغيبة الصغرى قد تحققت، فكانت هذه المدة كافيه لإثبات وجود الإمام (عليه السلام) وترسيخ ثقافة الغيبة عند الناس، وتهيئة الأمة لاستيعاب مفهوم الغيبة التامة، والارتباط بالعلماء حيث كان السفراء ووكلائهم يشكلون مدرسة فكرية على رأسها الإمام المهدي (عليه السلام)، فبقيّ الشيعة على إيمانهم بمبدأ الإمامة وانتظارهم للإمامة المهدوية الخاتمة.
الجدير بالذكر في تراث هذه المرحلة عدة أمور:
١٣) ضياع معظم تواقيع الناحية المقدسة: كان السفراء الأربعة حلقة الوصل بين الإمام وقاعدته الشعبية، فقد كانت أسئلة الشيعة واستفساراتهم تصل للإمام (عجّل الله فرجه) عن طريق السفراء، ويجيب الإمام عليها كتابة عبر رسائل عرفت بتواقيع الناحية المقدسة، وهي كثيرة جدا على امتداد ما يقرب من سبعين سنة.. ولكن للأسف معظمها ضاع ولم نجد إليه سبيلا.
١٤) فقدان كتب ومصنفات الشيعة: كثرت المصنفات في هذه الفترة وتدلنا عناوين تلك المؤلفات التي كان يكتبها الشيعة والتي تتحدث في أمور (الغيبة والرجعة) عن الحاجة الماسة للمجتمع الشيعي في تلك الفترة لمثل هذا الموضوع، مما ساعد في رفع الشك والحيرة عن الناس بشأن وجود الإمام، ورسخ فكرة المهدوية، فاعتادت الشيعة على غيبة الإمام المعصوم وأصبح ارتباطها بالفقهاء والعلماء أمر طبيعي.. ولكن للأسف أيضاً، فكل التراث الشيعي لعلماء هذه الفترة والمرتبط بالشأن المهدوي فُقِدْ ولم يصل إلينا.
١٥) تحرك الشعراء الشيعة في هذه الفترة بكثرة في الدفاع عن الإمامة الإلهية والقضية المهدوية، وكان لأشعارهم تأثير كبير في نفوس أبناء المجتمع الشيعي وترسيخ القضية، وإثارة مشاعرهم حزناً على اختفاء الإمام وغيبته.
١٦) التراث الشيعي في هذه المرحلة المفصلية في تاريخ القضية المهدوية لم يذكر أو يشير أو حتى يلمح إلى غياب الإمام المهدي في السرداب، بل أن مسألة السفارة تنفي هذا الادعاء جملة وتفصيلا، فمن أين جاء هذا الافتراء والاتهام الذي لا أصل له منذ فجر المهدوية وإلى يومنا.
نستنتج من محصلة هذه المرحلة: أنها حقبة جديدة ومحطة قصيرة في تاريخ الشيعة، وهي ضرورية للانتقال إلى مرحلة الغيبة الكبرى والتامة، وإن جهاز السفارة نجح في إغلاق الفجوة للاتصال بالإمام مع بقائه محتجباً عن الناس، عبر ابتكار وسائل اتصال غير مباشرة بالإمام.. تعتبر هذه المرحلة استمرار للطور التأسيسي والبداية العملية لمرحلة المهدوية، ومن هنا بدأ الانتقال إلى مرحلة اعتماد الأمة على أفرادها مع غياب قائدها الإسلامي الرباني، في هذه المرحلة أصبح كل شيء في خدمة المهدوية، حيث تحولت من نظرية وفكرة إلى واقع ملموس، حيث إن عقيدة الإمامية في المهدي المنتظر (عليه السلام) تستند إلى واقع تاريخي ثابت.

الفصل الخامس: طور التأصيل
مرحلة بداية الغيبة الكبرى (٣٢٩-٤٤٧ هـ)

في أواخر الغيبة الصغرى ورد في يوم (٩شعبان عام ٣٢٩ ه) نص بالغ الأهمية من الناحية المقدسة للسفير الرابع (علي السمري)، يخبره فيها بانتهاء نظام السفارة وابتداء الغيبة الكبرى وأنه لا ظهور إلا بأذن الله عز وجل، فغيبة المهدي تشكل حدثاً غير اعتيادي لم يعهد من قبل، ولو جاءت بدون مقدمات وممهدات لشكلت مفاجأة للشيعة، وربما أثر في معتقداتهم، ولكن التمهيد الذي سبق عبر السفراء الأربعة واحتجاب الإمام في الغيبة الصغرى، جعل الشيعة تعتاد على عدم رؤية الإمام، وأن الجيل الذي كان معتاد على الاتصال بقيادته الشرعية والرجوع لها في كل الأمور قد انتهى، والجيل الجديد تعود على غيبة الإمام، فعندما حدثت الغيبة الكبرى لم تشكل صدمة لهم، إذ ألفوا هذا النمط من الغياب والاحتجاب في زمن الغيبة الصغرى.
غيبة الإمام المهدي لا تعني انسحابه عن دور القيادة والتوجيه للمجتمع الإسلامي، فغيبته هي (غيبة عنوان)(٨٦) فهو (الإمامة الخاتمة) وهو الإمام الثاني عشر للمسلمين، ونظام الإمامة ممتد متّصل إلى يوم القيامة، لأنه نظام إلهي قائم على أساس العناية واللطف بالعباد.. فالإمام في مرحلة الغيبة الكبرى يمارس دوره أو مشروعه من خلال النيابة العامة وليس النيابة الخاصة (السفارة)، بمعنى أن الإمام عيّن نواباً عامين عنه وهم (الفقهاء) ولم يعيّن شخصاً بعينه وإنما طرح عنواناً عاماً ووضع له مواصفات معينة، فمن توفرت فيه هذه المواصفات فهو من نوّاب الإمام ويجب على الأمّة في هذه المرحلة أنْ ترتبط بالإمام الحجة من خلال الارتباط بنوابه، فالإمام سد كل الأبواب إلا باب واحد وجعل الأمة مرتبطة بهذا الباب وهو ربط الأمة بالعلماء والفقهاء.. في الواقع تشكل الغيبة التامة في بداياتها حدثاً استثنائياً ومنعرجاً حاداً في مسيرة الشيعة، حيث انتهاء عصر النص الشرعي، فأصبحوا في مواجهة وضع غير اعتيادي، مما تحتم على الفقهاء تمثل سير الأئمة (عليهم السلام) والقيام بجزء من دوره (عجّل الله فرجه) والتصدي لقيادة الشيعة.
لقد أحتل علماء الإمامية (الفقهاء) موقعهم الجديد استناداً لأحاديث تبيّن دورهم ومسؤوليتهم في عصر الغيبة الكبرى: لقد أصدر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) توقيعاً عن طريق السفير الثاني في جوابه لإسحاق بن يعقوب جاء فيه: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم»(٨٧)، وفي حديث آخر عن الإمام الحسن العسكري في بيانه لمسؤولية الشيعة ومواصفات الفقيه المعتمد في عصر الغيبة جاء فيه: «وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه»(٨٨).
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:
الوضع السياسي: في أواخر الغيبة الصغرى وهي فترة انكماش الدولة العباسية وضعفها ووهنها فأطلق عليه (عصر الضعف والانحطاط السياسي العباسي)، وكان من أبرز مظاهره استقلال الولاة في شؤون ولايتهم، بل وتأسيسهم دول مستقلة، وتدخل الحرس التركي في تعيين الخلفاء وعزلهم، وصار الخليفة العباسي لاحول له ولا قوة، ووصل الحال ذروته في عهد الخليفتين: الراضي (٣٢٢-٣٢٩ هـ) والمتقي (٣٢٩-٣٣٣ هـ)، مما أدى إلى ضعف الدولة وتمت السيطرة على بغداد عاصمة الخلافة وحاضرة العالم الإسلامي من قبل البويهيين عام ٣٣٤ هـ.
الدولة البويهية (٣٢٠-٤٤٧ هـ، ٩٣٢-١٠٥٥ م): نشأت دولة البويهيين وهم شيعة اثنا عشرية بالأساس نتيجة جهود ثلاثة أخوة (علي والحسن وأحمد)، كان أبوهم (بويه) رجل ديلمي فقير، يعمل صياداً على شواطئ بحر قزوين، برز اكبر الأخوة (علي) بمهارته الحربية وشجاعته حتى أضحى هو وأخوه الحسن من القادة البارزين في جيش ملك الدولة الزيارية (مرداويج)، فمنح القائد العسكري (علي بن بويه) ولاية صغيرة في أقصى جنوب إقليم فارس، فأظهر الأخوة الثلاثة كفاءة وقدرة عالية في حفظ الأمن وإدارة الولاية، وعندما قتل مرداويج على يد الاتراك سنة ٣٢٢ هـ، أتيحت الفرصة لأبناء بويه السيطرة على بلاد فارس، وتأسيس دولتهم الغير مركزية والتي تتشكل من ثلاثة فروع مقسمة على الأخوة الثلاثة:
١- فرع فارس: استولى الأخ الأكبر (علي) على فارس وأسس فرعاً لدولتهم استمر حكمهم فيه إلى حدود سنة ٤٤٧ هـ، ١٠٥٥م.
٢- فرع الري: استولى الأخ الثاني (الحسن) على الري وهمدان واصفهان، وحكموا المنطقة حتى سنة ٤٢٠ هـ، ١٠٢٩م.
٣- فرع بغداد: استولى الأخ الأصغر (أحمد) على الأهواز وكرمان وبغداد، ودام حكمهم حتى سنة ٤٤٧ هـ، ١٠٥٥م.
السيطرة على بغداد: كانت الأحوال في العراق مضطربة جداً لوقوعها تحت نفوذ القواد الأتراك، وقلة الموارد المالية، فعندما أحس الناس في العراق بفشل الحكومة وفساد جهاز الخلافة، وجدوا في البويهيين القوة المناسبة لإنقاذ الدولة، فكاتب الأهالي القائد أحمد بن بويه في الأهواز وطلبوا منه المساعدة في إنقاذ بغداد، فشاع خبر قدوم الجيش البويهي إلى بغداد، ساد الهرج والمرج بين الأتراك واضطربوا وهربوا إلى الشمال، وهكذا دخل أحمد بن بويه بجيوشه بغداد يوم (١١ جمادى الأولى عام ٣٣٤ هـ) بصورة سلمية دون إراقة الدماء، رحب الخليفة العباسي المستكفي (٣٣٣-٣٣٤ هـ) بأحمد بن بويه ولقبه بـ (معز الدولة)، ولقب أخاه علي بـ (عماد الدولة)، وأخاه الحسن بـ (ركن الدولة) وبدأ العصر البويهي.
بزغ نجم الدولة البويهية الشيعيّة بعد فترة وجيزة(٨٩) من الغيبة الكبرى (٣٢٩ هـ)، وإمساكها بالسلطة الفعلية للدولة العباسية (٣٣٤ هـ)، وإحالة الخلافة العباسية (منصب الخليفة) إلى موقع رمزي معنوي صوري.. بالرغم من كون البويهيين يعتنقون المذهب الشيعي الإمامي، إلا أنهم سلكوا سبيلاً وسطاً بين جميع الميول والاتجاهات الدينية، فلم ينحازوا لمذهب على حساب مذهب آخر، بل تركوا الناس أحراراً في معتقداتهم وآرائهم، بيد أنهم كانوا يؤثرون مصالحهم السياسية على الاعتبارات الدينية، ولعل اتباع سياسة التسامح مع جميع السكان، هذه التوفيقية هي التي اسهمت في أن هدأت الأحوال واستقر الأمن في البلاد، وهذا مما ساعد على ترعرع العلم والثقافة.
الوضع الفكري: امتاز العصر البويهي في العراق (٣٣٤-٤٤٧ هـ) بالتمتع بالحرية الدينية والفكرية والثقافية المتاحة لجميع أفراد المجتمع في بغداد حاضرة العالم الإسلامي، وهي بداية مرحلة جديدة في الأوضاع الفكرية الحرة البعيدة عن التزمت.. في الواقع ان المجتمع الإسلامي تقدم خطوات واسعة في مضمار التقدم العلمي، حيث كان كل أمير من فروع الدولة البويهية يستقطب أهل العلم والأدب إلى مجلسه وينالون التكريم والإغداق والتشجيع، إذ أصبح كل فرع بمثابة مركز حضاري مستقل، ولهذا اعتبرت هذه الفترة من أزهر العصور الثقافية، وذلك لإطلاق الحرية الفكرية للعلماء والأدباء، وقد لعب عضد الدولة البويهي (٣٦٧-٣٧٢ هـ) دوراً مهما بهذا الخصوص، فقد كان معظم حكام ووزراء الدولة البويهية يحبون العلم والعلماء ويؤثرون مجالسة الأدباء، وقد برز من الوزراء ابن العميد والصاحب بن عباد وسابور بن اردشير وأثرهم كبير في تشجيع العلماء وازدهار الشعر والأدب، لأنهما جمعا إلى جاه الوزارة الأدب والفكر أيضاً.. وتمتع العلماء والفقهاء بالحرية الكاملة فظهر آثارها في نواحي التقدم العلمي والفكري، ونتيجة لتأسيس دور العلم والمكتبات والمدارس ومراكز التعليم في بيوت العلماء وغيرها من المؤسسات الفكرية، فقد أسهمت هذه المؤسسات في حركة النهضة العلمية التي شهدتها بغداد في القرن الرابع الهجري والنصف الأول من القرن الخامس الهجري، فعدت هذه الفترة من أزهى العصور الفكرية والثقافية، وقد نبغ في هذه الفترة علماء كثيرون من مختلف المذاهب الإسلامية أمثال: الكليني وابن قولويه والصدوق والمفيد والرضي والمرتضى والطوسي، وأيضا الكثير من علماء الفرق الإسلامية الأخرى أمثال: الماوردي والشيرازي الفيروز آبادي والجويني والباقلاني وابن الصباغ والدامغاني، وغيرهم من العلماء والفقهاء والمحدثين الذين ازدهر بهم عصر الدولة البويهية(٩٠).
الدولة الحمدانية (٣١٧-٣٩٤ هـ): كان الحمدانيّون وهم شيعة اثنا عشرية، يحكُمون الجزيرة الفراتية وشمال الشام بحلول زمن الفتح الفاطمي لمصر، واتخذوا من حلب عاصمة لهم، دام حكمهم في الموصل (٣١٧-٣٨٩ هـ) وحلب (٣٣٠-٣٩٤ هـ) ٧٧ سنة.. فترة حكم حلب كان العصر الذهبي للدولة الحمدانية، وذلك في عهد مؤسس الإمارة الحلبية سيف الدولة، وخلفه كُلٌ من ابنه سعد الدولة، ثم حفيده سعيد الدولة.. وبعد سنة ٩٦٩م أعقبت الدولة الفاطميَّة في مصر الدولة الإخشيدية، وبسط الفاطميون حُكمهم على فلسطين ودمشق ولبنان، وحاولوا أن يمُدوا هذا الحكم إلى الشام الشمالية، ولكن سعد الدولة وقف في وجه الجيش الفاطمي، فلم يخسر إلا حمص التي انضم واليها الحمداني إلى الفاطميين، ولما خلف سعيد الدولة أباه سعد الدولة، أرسل الفاطميون جيشا كبيرا لمعاودة الكرَّة على البلاد الحمدانية، فلم يكن من سعيد الدولة إلا أن استنجد بالبيزنطيين الذين أرسلوا إليه قوة عسكرية كبيرة، ولكنها هزمت على يد الفاطميين الذين ضربوا الحصار على حلب مدة طويلة دون أن تستسلم، استمرت الإمارة الحمدانية قائمة إلى أن تُوفي سعيد الدولة سنة ١٠٠٣م، فانقض الفاطميون على حلب ودخلوها، لتزول بذلك الدولة الحمدانيَّة في الشام، وقد زالت في الموصل قبل ذلك وعادت إلى كنف الدولة العباسية الواقعة تحت الحماية البويهية.
شهدت الحياة الفكرية والثقافية في عهد الدولة الحمدانية نهضة كبيرة ونشاطاً ملحوظاً، فظهر الكثير من العُلماء والأطباء والفُقهاء والفلاسفة والأُدباء والشعراء، وتمكن سيف الدولة من جعل حلب بيئة خصبة للعلوم والآداب والفنون، فقد فتح قصره لكل فنان موهوب وأديب لامع وشاعر عظيم، بالإضافة لعلماء الدين والفلسفة والتاريخ والفلك، فتوافد عليه حملة العلم ونوابغ الشعراء من جميع الأقطار الإسلامية، وكان ممن وفد عليه الشيخ محمد بن إبراهيم المعروف بالنعماني في سنة ٣٤٢ هـ (صاحب كتاب الغيبة الشهير والمعروف بغيبة النعماني)، فأصبح البلاط الحمداني مرتع مشاهير العُلماء والأُدباء والشُعراء أمثال المتنبي وأبي الفتح عثمان بن جني النحوي، وقد أجزل سيف الدولة العطاء للشُعراء بسبب محبته للشعر وإجادته نظمه، كما كان يتحبب إلى الكُتاب ويمنح المؤرخين الشيء الكثير من عطاياه، كما اشتهر جماعة من أهل بيته في نظم الشعر كابن عمِّه أبي فراس الحمداني، هذا وقد اجتمع في بلاط سيف الدولة أشهر اللغويين والنحويين في زمانه مثل أبي علي الفارسي وابن خالويه وابن جني، فضلاً عن الواعظ ابن نباتة والفيلسوف الكبير أبو نصر محمد الفارابي الذي كتب في الطب والمنطق والسياسة والرياضيَّات والكيمياء.
من التراث المهدوي الذي كتب في الشام في زمن الدولة الحمدانية أو على أطراف عهدها، مجموعة من المصنفات نذكر منها:
١- كتاب (غيبة النعماني): لأبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن جعفر النعماني، المشهور بابن أبي زينب (ت ٣٦٠ هـ)، والذي كتبه في حلب سنة ٣٤٢ هـ في عهد الدولة الحمدانية، ويعتبر هذا المصنف أقدم كتاب شيعي في موضوع المهدي موجود لدينا في عصرنا الحالي، وسوف نتطرق للكتاب لاحقا.
٢- كتاب (تقريب المعارف): تأليف أبي الصلاح تقي بن نجم الحلبي (٣٧٤-٤٤٧ هـ) ولد وتوفى في مدينة حلب، والذي تطرق فيه إلى موضوع الإمام المهدي (عليه السلام) في ٥٠ صفحة في مبحث (إثبات إمامة الحجة بن الحسن ووجه الحكمة في غيبته) ويبرهن على ذلك بأدلة عقلية ونقلية ثاقبة، فعند قراءة كتابه نستطيع أن نتوصل إلى مقدار ما من مقامه العلمي السامي، ونلاحظ مدى سعته العلمية على المطالب الكلامية التي أوردها بحيث يلقي الحجة على المخالف بشكل قاطع، وبه براهين منطقية وفلسفية عميقة، وتطرق إلى مسائل بكر لم يسبقه فيها أحد.. ويتأكد لنا فضله عند ملاحظة قول أستاذه الشيخ الطوسي في حقه: ثقة، له كتب، قرأ علينا وعلى المرتضى(٩١).
٣- كتاب (كنز الفوائد): تأليف أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي الطرابلسي نزيل الرملة وقد توفى بالشام في مدينة صور عام ٤٤٩ هـ، والذي تطرق فيه إلى موضوع الإمام المهدي (عليه السلام) في ١٨ صفحة في مبحث (الكلام في الغيبة وسببها).. وفيه تناول أمهات المسائل الخلافية المتعلقة بالغيبة وأسهب في عرضها ومناقشتها كلامياً، وتفنيد ما حولها من آراء أخرى، ويدلي بالأدلة والبراهين العقلية والعلمية على صحة ما يذهب إليه، كما يمتاز بأُسلوبه الواضح الخالي من التعقيد حيث طرحها على شكل سؤال وجواب: (فإن قال السائل... قيل له)، وقد كان للمؤلف العديد من المناظرات الكلامية مع علماء الطوائف والأديان الأخرى، وبالخصوص الإسماعيلية في فترة بروز الدولة الفاطمية.
الدولة الفاطمية (٢٩٧-٥٦٧ هـ): هي إحدى دول الخلافة الإسلامية، والوحيدة بين دول الخلافة التي اتخذت من المذهب الشيعي (الإسماعيلي) مذهبا رسميا لها، فبعد أن ضعُفت الدولة العباسية وانتشرت الاضطرابات في ربوع الدولة العباسية، وتمردّت الكثير من الولايات على الخليفة العباسي خاصة الولايات البعيدة عن المركز شكل (أبو عبد الله الشيعي توفى ٢٩٨ هـ) جيشاً وتوجه إلى المغرب العربي، فهاجم دولة الأغالبة فسقطت بيده عام ٢٩٧ هـ ودخل عاصمتها، وتابع سيره حتى دخل مدينة القيروان فأقام فيها، وبايع الإمام الحادي عشر للشيعة الإسماعيلية عبيد الله بن الحسين (ت ٣٢٢ هـ) بالخلافة ولقّب بالمهدي، وقام ببناء مدينة جديدة تقع على الساحل التونسي سماها المهدية واتخذت عاصمةً للدولة الفاطمية.
الفاطميون في مصر: استغل الفاطميون ضعف الدولة الإخشيدية وتفككها فاستطاع القائد الفاطمي جوهر الصقلي دخول مصر فاتحاً، وكان ذلك في عام ٣٥٨ هـ، ودخل مصر دون أن تحدث مواجهات مع المصريين، كما أنه عامل أهلها معاملة حسنة وأمّنهم على عقيدتهم فدخل مدنهم دون حرب وأصبحت مصر ولاية فاطمية، وبعد مرور أربع سنوات انتقلت عاصمة الخلافة الفاطمية إلى مصر، حيث أنشأوا في عهد المعزّ لدين الله مدينة القاهرة في عام ٣٦٢ هـ وبنوا فيها الجامع الأزهر ودار الحكمة.
رغم كون الدولة الفاطمية قامت على أساس مذهبي، إلا إنها كانت مثالا يحتذى في التسامح واحترام التعددية المذهبية والفكرية، فلعب الأزهر والمساجد في العصر الفاطمي دوراً هاماً في الحركة العلمية والدينية، فلم يقتصر دور الأزهر الفاطمي على نشر المذهب الإسماعيلي، بل ضم حلقات علمية للمذاهب الأخرى، فكانت به خمس عشرة حلقة للمالكية ومثلها للشافعية وثلاث حلقات لأصحاب أبي حنيفة.. كذلك في العهد الفاطميّ بدأ الشيعة يتحركون في بلاد الشام وينشطون ثقافيا وسياسيا وعاشوا فترة حرية واستقرار، فكانت سياستهم متسقة تماما نحو فرض نوع من التفاهم بين شتى المذاهب الإسلامية، لأنهم انطلقوا من كونهم أئمة لكافة المسلمين.
شملت الدولة الفاطمية مناطق وأقاليم واسعة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فامتد نطاقها على طول الساحل المتوسطي من المغرب إلى مصر، ثم توسَع الخلفاء الفاطميون أكثر فضموا إلى ممتلكاتهم جزيرة صقلية والشَّام والحجاز فأضحت دولتهم أكبر دولة استقلت عن الدولة العباسية، والمنافس الرئيسي لها على زعامة المسلمين.
نهايتها: استمرت الدولة الفاطمية ما يقارب ٢٧٠ عاماً، وقد كانت خاتمتها عام ٥٦٧ هـ حينما قدم صلاح الدين الأيوبي إلى مصر بأمر من نور الدين زنكي، وأنهى حكم الفاطميين.
بشكل عام كانت بلاطات الحكام الشيعة (البويهيون والفاطميون والحمدانيون) منتديات للعلماء والمفكرين، ومراكز لاستقطاب أكبر عدد من ذوي العقول والمعرفة، فالمنافسة العلمية الشديدة والخصبة بين هذه الدول، أهلت هذه الفترة بأن يطلق عليها عصر النهضة في الحضارة الإسلامية، وبلغت قمة مجدها في القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس الهجري الذي عرف بالعصر الذهبي لعلماء المسلمين الذين يدين لهم العالم بالكثير.
تأصيل التراث الحديثي الشيعي:
إن الأساس للنهضة الفكرية الضخمة التي شهدتها هذه المرحلة من عمر التاريخ الإسلامي (٣٠٠-٤٥٠ هـ) والتي وصل إليها العالم الإسلامي وعلى مختلف المستويات والميادين، هو بسبب أجواء الانفتاح والحرية التي وفرتها الدول الشيعية الثلاث (البويهية، الحمدانية، الفاطمية) في هذه الفترة، فأخذت الحركة الثقافية دورها الطبيعي في النمو والازدهار، وذلك بعد أن وفروا لها المناخ المناسب والأرضية الخصبة وتبنوا علماءها وأدباءها ودعموهم معنوياً ومادياً، وامتازت هذه الحقبة التاريخية بأن احتشد فيها طائفة من رجال الفكر قّل أن يحتشدوا في عصر واحد، لأنهم تمتعوا بحرية مذهبية وفكرية ودعم من الحكام، بالإضافة إلى أنهم لم يتعرضوا لأي اضطهاد لأسباب مذهبية أو يتعرضوا للإرهاب الفكري.
برز الفكر الشيعي الإمامي وشهد تطوراً علميا فريداً في هذه الفترة، وبخاصة في بغداد التي أنجبت أعلاماً في مختلف العلوم الإسلامية، فقصدها العلماء من مختلف الأمصار والمدن الإسلامية.. فأفرزت أجواء الحرية المتاحة، وتوافد العلماء من كل الفرق والطوائف الإسلامية صراعاً ثقافياً بين الأجناس والمذاهب المختلفة، مما نتج عنه طفرة ثقافية وغزارة في نتاج علوم الدين والعقيدة والفقه والفلسفة، وذلك لحاجة كل طائفة أو فرقة إلى إيجاد المبرر الديني والعقدي في تدعيم موقفها.. وفي وسط هذا التجمع العلمي الكبير برز بعض العلماء والفقهاء الشيعة وفرضوا وجودهم على أعلام العالم الإسلامي، لما أثاروه من قضايا فكرية في التراث الإسلامي والمعتقدات الشرعية، منهم:
١- الشيخ الصدوق (٣٠٦-٣٨١ هـ)
٢- الشيخ المفيد (٣٣٦-٤١٣ هـ)
٣- الشريف المرتضى (٣٥٥-٤٣٦ هـ)
٤- الشيخ الطوسي (٣٨٥-٤٦٠ هـ)
هؤلاء الجهابذة العظام من أهل التخصص الديني في المذهب الإمامي الشيعي، قد بينوا في مصنفاتهم أصالة العقيدة الإمامية، كذلك من المواضيع الكلامية التي أعطوها اهتماماً كبيراً هو موضوع الإمام المهدي وأحواله وظهوره وغيبته و...، فهم أصحاب رأي سديد ومنهج عقلي وعلمي أصيل، يلمون بالدقائق المذهبية، ويغوصون في أعماق القضية المهدوية، ويجلون الخافي في الأمور الكلامية، وخاصة عند رؤية الاختلاف الكبير والكثير في المهدوية عند الفرق الإسلامية، ويتجلى ذلك بوضوح عند مطالعة مصنفاتهم الشهيرة في هذا الموضوع، فقد تركوا تراثاً علمياً يتسم بالقوة والعمق والأصالة.
الوضع السياسي العام في هذه المرحلة التاريخية شكل إطاراً مؤاتياً لاندفاع الحركة الفكرية للشيعة قدماً، ففي رحم هذه المرحلة بدأت حركة تدوين نشطة تظهر عند كافة المذاهب الإسلامية المختلفة، فأمهات كتب الروايات الشيعية والمرتبطة بالمذهب الإمامي كتبت في العهد البويهي بعد غيبة الإمام المهدي، وبدأت تتضح ملامح المدرسة الشيعية الاثني عشرية، وأصبحت مؤلفات الإمامين في هذه الفترة مصادر أساسية ومرجعية، وفيها كتبت الأصول الحديثية المرجعية للشيعة (الكتب الأربعة) وهي:
١- كتاب (الكافي) للشيخ محمد بن يعقوب الكليني المعروف بثقة الإسلام (٢٥٥-٣٢٩هـ) الذي عاش في زمن الغيبة الصغرى واستقر ببغداد، وقد اشتمل كتابه على ١٦٠٩٩ حديثاً.
٢- كتاب (من لا يحضره الفقيه) للشيخ محمد بن علي بن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق (٣٠٦-٣٨١ هـ) الذي عاش في الري تحت رعاية ركن الدولة البويهي، وقد اشتمل كتابه على ٩٠٤٤ حديثاً.
٣- كتاب (تهذيب الاحكام) للشيخ محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة (٣٨٥-٤٦٠ هـ)، الذي عاش في بغداد، وقد أشتمل كتابه على ١٣٥٩٠ حديثاً.
٤- كتاب (الاستبصار) لشيخ الطائفة الطوسي، وقد اشتمل كتابه على ٥٥١١ حديثاً.
فهذه الكتب الأربعة هي اعتماد الإمامية في علم الحديث، فمجموع الأحاديث فيها (٤٤٢٤٤) حديثا، وهي التي يعول عليها فقهاء الطائفة في استنباط الأحكام الشرعية، وقد ألفت في عصر يمتاز بالحرية الفكرية بمدينة بغداد.. إجمالاً هذه الكتب تقدم فكرة عمّا كانت عليه تصانيف علماء الشيعة في هذا العصر من سعة وشمول وعمق، مما كان له بالغ الأثر في المحافظة على أحكام الشريعة الغراء وسننها وآدابها.
أهم كتب التراث المهدوي الشيعي:
كان من البديهي تأصيل التراث المهدوي الشيعي في هذه الفترة، فكتابة مصنفات مهدوية مرجعية للشيعة لم يأتي من فراغ، بل هو مواكب للحركة العلمية والفكرية التي تبناها الأمراء البويهيون.
إن مجرد مراجعة إجمالية لتصنيفات فقهاء الشيعة في المرحلة الأولى من عصر الغيبة الكبرى، تظهر حاجة وخطورة مسألة الغيبة، وحفظ التراث الإسلامي المرتبط بالشأن المهدوي، فانصرف العلماء لكتابة مصنفات مستقلة عن علل الغيبة وبلورة العقيدة في موضوع الإمام المهدي المنتظر، وأن الدافع الأكبر من ورائها، يكمن في رفع الحيرة والشك الذي أصاب بعض الشيعة.. نشير إلى أهم النماذج، وهي التي بحق تستحق ان يطلق عليها: المراجع (الأم) في القضية المهدوية النقلية والعقلية، فهي التي أصلت المهدوية، بمحافظتها على الروايات الشريفة للرسول الاكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) في العقيدة المهدوية الشيعية، فكما هو ثابت فإن الوحي هو مرجعية التأصيل في المرتبة الأولى، وذلك لضبط الثوابت، وكذلك هو مصدر المعرفة لعالم الغيب، ولذا انطلق علماء هذه المرحلة من الحرص على تثبيت السنة والأحاديث الشريفة والمحافظة على النصوص الشرعية المرتبطة بالشأن المهدوي.. ففي بداية الغيبة الكبرى كانت مهمّة ترسيخ عقائد الشيعة بإمامهم كبيرة وصعبة، لذا ترى العلماء بدأوا بتأصيل العقيدة المهدوية بتجميع روايات أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك، ثم بردّ الشبهات عنه (عجّل الله فرجه) بمناظراتهم ودروسهم وخطبهم ومؤلّفاتهم، ونشير إلى أهمها وهي:
١- كتاب (غيبة النعماني): لأبو عبد الله محمد ابن ابراهيم بن جعفر الكاتب النعماني المشهور بابن أبي زينب، من كبار محدثي الشيعة في أوائل القرن الرابع الهجري، وهو من تلامذة الكليني ولقب بالكاتب لأنه كتب الكافي بخطه طوال عشرين سنة وهذه أحد أسباب شهرته، توفى بحلب (عام ٣٦٠ هـ) في عهد الدولة الحمدانية.
كتاب الغيبة للنعماني أثر ثمين خصه مؤلفه في موضوع الإمام المهدي، ابتدأه المؤلف بمقدمة طويلة ذكر فيها سبب تأليفه لهذا الكتاب وهو: (فإنّا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيّع...، قد تفرقت كلمُها وتشعّبت مذاهبها...، وشكّوا جميعاً إلّا القليل في إمام زمانهم ووليّ أمرهم وحجة ربهم)(٩٢) وهذا ما دعاه إلى جمع الروايات الخاصة بموضوع الغيبة.. صدّر كتابه بطائفة من النصوص على إمامته (عليه السلام) ثم الأحاديث الدالة على أن الله لا يخلي الأرض من حجة، ويذكر بعد ذلك عدة أحاديث في غيبة الإمام المهدي وصفته وسيرته وحكمه وآياته وفضله، وكذا العلامات التي تكون قبل قيامه، ومواضيع أخرى كلها تتعلق بالإمام الثاني عشر المهدي (عليه السلام).. يمكن تصنيف أبواب الكتاب على ثلاثة أقسام: فقسم يختص بالاعتقاد بالغيبة، والثاني مختص بعصر الغيبة، والثالث في عصر الظهور وعلائمه، وكل هذه الأقسام تكون في ٢٦ باباً.. اشتمل كتاب الغيبة على (٤٧٨ رواية) لكل باب ما يناسبه من الروايات، أما المصادر والمنابع التي اغترف النعماني منها رواياته فقد نقل عن ١٨ شيخاً من مشايخه، نذكر منهم(٩٣):
· أبو العباس احمد بن محمد بن سعيد (ابن عقدة) ت ٣٣٣ هـ، ونقل عنه ما يقرب (١٤٠) رواية.
· أبو علي محمد بن همام الإسكافي ت ٣٣٢ هـ أو ٣٣٦ هـ، ونقل عنه (٦٥) رواية.
· محمد بن يعقوب الكليني ت ٣٢٩ هـ، نقل من الكافي بحدود (٥٧) رواية.
· علي بن أحمد البندنيجي، نقل عنه (٥١) رواية.
· عبد الواحد بن عبد الله بن يونس الموصلي، نقل عنه ما يزيد على (٥٠) رواية.
وقد اكتفى المؤلف بجمع الروايات وتصنيفها بلا إضافة تعليق أو شرح إلا في حالات نادرة، مكتفياً أيضا بنقل الرواية في باب واحد من دون تكرار لها في الأبواب الأخرى.. ويعد الكتاب من نفائس الكتب المدونة في هذا الباب، وقد امتدحه الشيخ المفيد في الإرشاد، بعد استعراضه للروايات الخاصة بالإمام المهدي قائلا: «وهذا طرف يسير مما جاء في النصوص على الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) والروايات في ذلك كثيرة قد دونها أصحاب الحديث من هذه العصابة وأثبتوها في كتبهم المصنفة، فممن أثبتها على الشرح والتفصيل محمد بن إبراهيم المكنى أبا عبد الله النعماني في كتابه الذي صنفه في الغيبة».. أصبح كتاب النعماني بعد القرن الرابع الهجري مصدراً معتمداً عند علماء الشيعة لمن كتب بعده عن الغيبة، كما في الارشاد للمفيد، وإعلام الورى للطبرسي، والملاحم لابن طاووس، والأربلي في كشف الغمة، والعلامة الحلي في المستجاد، كذلك سار المتأخرون على منوالهم مثل العلامة المجلسي في بحار الأنوار، والحر العاملي في إثبات الهداية.
دوّن النعماني هذا المصنف وهو في حلب (الشام)، وفرغ من تأليفه في شهر ذي الحجة من سنة ٣٤٢هـ‍(٩٤)، قال الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الذريعة(٩٥): (يظهر من بعض المواضع أن الكتاب كان موسوماً أو معروفاً بـ (ملاء العيبة في طول الغيبة))، وهذا المصنف أقدم كتاب شيعي وصل إلينا في موضوع المهدي في عصرنا الحالي.
٢- كتاب (كمال الدين وتمام النعمة): لمحمد بن علي بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (٣٠٦-٣٨١ هـ) وهو من كبار علماء الإمامية، صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه) أحد الكتب الحديثية الأربعة للشيعة.
كتب هذا المصنف بأمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، لإِزالة بعض الشبهات التي أُثيرت عند الشيعة حول المهدوية، حيث قال الشيخ الصدوق عن سبب تأليفه الكتاب: (إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا: أني لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه رجعت إلى نيسابور وأقمت بها، فوجدت أكثر المختلفين إليَّ من الشيعة قد حيّرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم (عليه السلام) الشبهة، وعدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء والمقاييس، فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردِّهم إلى الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبي والأئمة صلوات الله عليهم)(٩٦).
يعدّ هذا الكتاب من المصنفات القيمة عند الشيعة الاثنا عشرية، يبحث المؤلف فيه روائياً عن شخصية الإمام (م ح م د) بن الحسن العسكري وما يختص بوجوده وغيبته وما يدور حوله في ٥٨ باباً.. يتعرض المؤلف في مقدمة الكتاب إلى ذكر مجموعة من الأبحاث، حول خليفة الله ووجوب طاعته وضرورة عصمته، ثم يتطرق إلى إثبات الغيبة والحكمة منها، ثم يبارز المنكرين ويجيب عن الشبهات ويرد على شكوك المخالفين وكل ذلك مع ذكر البراهين من القرآن وصحيح الأخبار عن النبي والأئمة.
٣- كتاب (المسائل العشر في الغيبة)(٩٧): لمحمد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد وابن المعلم (٣٣٦ - ٤١٣ هـ) وهو عالم جليل انتهت اليه رياسة الإمامية في وقته.
الكتاب هو عبارة عن دفع أهمّ الشبهات التي كانت تثار آنذاك حول موضوع الإمام المنتظر، وهذه الشبهات ردّها الشيخ المفيد بأحلى ردّ وأوجزه، ففي هذه الرسالة الصغيرة حجمها ترى فيها من المعلومات ما لا تجدها في غيره.
عالج الشيخ هذه الإشكالات بعلاج جذريّ وناقشها من جميع الجهات، بحيث لم يبق في قلب أحدٍ شكّ ولا شبهة، وعند النظر في الكتاب وقياسه بذلك الزمان والمكان الذي كان فيهما الشيخ المفيد، تتّضح أهميّة الكتاب ومدى فائدته.
تعرّض الشيخ في فصله الأوّل لردّ كون استتار ولادة المهدي خارجة عن العرف، وفي الثاني لردّ من تمسّك بإنكار جعفر عمّ الإمام، وفي الثالث لردّ من تمسّك بوصيّة الإمام العسكري لأمّه دون ولده، وفي الرابع لردّ من تمسّك بعدم الداعي لإخفاء الإمام العسكري ولده، وفي الخامس لردّ من أدعى أنّه مستتر لم يره أحد منذ وُلد، وفي السادس لردّ من ادّعى نقض العادة بطول عمره (عجّل الله فرجه)، وفي السابع لردّ من تمسّك بأنّه إذا لم يظهر فلا فائدة في وجوده، وفي الثامن لردّ من تمسّك بأنّا في غيبة صاحبنا ساوينا السبائية والكيسانيّة و...، وفي التاسع لردّ من ادّعى تناقض غيبة الإمام مع إيجاب الإمامة وأنّ فيها مصلحة للأنام، وفي العاشر لردّ من تمسّك بأنّ الخلق كيف يعرفه إذا ظهر والمعجز مخصوص بالأنبياء.
فتعرّض الشيخ المفيد لردّ كلّ هذه الشبهات واعتمد في ردّه على: الآيات القرآنية والحكم والقصص الواردة عن الأنبياء والحكماء والأمثلة التي يقبلها كلّ ضمير حيّ ودراسة تاريخية كاملة لذاك الزمان وملوكه، واعتمد على الأدلّة العقليّة، شأنه شأن الكتب الكلاميّة العميقة.. فيعدّ كتابه من الكتب الكلاميّة ذات البحث العميق، والعبارة الدقيقة الصعبة، فالقارئ يحتاج إلى الوقوف على عباراته واحدة بعد أخرى، والتأمّل فيها ليصل إلى ما يقصده المؤلّف.
تاريخ تأليف الكتاب: بدأ بتأليفه في أواخر سنة ٤١٠ هـ، وانتهى منه في سنة ٤١١ هـ، وذلك لصغر حجم الكتاب.
٤- كتاب (المقنع في الغيبة): للسيد علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، المعروف بالشريف والمرتضى وعلم الهدى والمكنى بأبي القاسم (٣٥٥-٤٣٦هـ)، وهو فقيه ومن متكلمي الإمامية ومرجعهم بعد وفاة أستاذه الشيخ المفيد.
الكتاب(٩٨) من خيرة وأنفس ما كتب في هذا الموضوع بالرغم من صغر حجمه، كانت غَيْبة الإمام المهديّ المنتظر، من أهمّ المحاور التي دارت عليها البحوث الكلامية(٩٩) منذ بداية عصر الغَيْبة الكبرى سنة ٣٢٩ ه‍ وحتى يومنا هذا، وكانت مسألة الإمامة وما يرتبط بها محور علم الكلام الأساسي منذ يوم السقيفة إلى يومنا هذا وسيبقى حتى ظهور الإمام المهدي.
نقف اليوم بكل إكبار أمام شخص فريد بذل جهده في الذبّ عن العقيدة بكتبه الكلامية العديدة ومنها (المقنع في الغيبة)، صنّف كتابة بأسلوب ونسق مميز على طريقة (فإن قيل... قلنا) فجاء قوي الحجّة، متين السبك، دحض فيه شبهات المخالفين، وأثبت غيبة الإمام المهدي وعللها وأسبابها والحكمة الإلهية التي اقتضتها.. ثم أتبع الكتاب بجزء مكمل لمطالبه، بحث فيه عن علاقة الإمام الغائب المنتظر بأوليائه أثناء الغيبة، وكيفيّة تعامل شيعته معه أثنائها، مجيباً على كل التساؤلات خلال تلك البحوث.
قال المرتضى في أول كتابه عن سبب تأليف الكتاب: «جرى في مجلس الوزير السيّد(١٠٠) - أطال الله في العزّ الدائم بقاءه، وكبت حسّاده وأعداءه - كلام في غَيْبة صاحب الزمان... ودعاني ذلك إلى إملاء كلام وجيز فيها...»، علماً بأن المرتضى ألف كتابه هذا بعد كتابيه (الشافي في الإمامة) و(تنزيه الأنبياء والأئمّة) حيث أحال في مواضع متفرقة منه إليهما.
تظهر أهمية الكتاب ومنزلته الرفيعة إذا علمنا أن شيخ الطائفة الطوسي قد أورد مقاطع كبيرة ومهمة منه وضمنها كتابه (الغيبة) في فصل (الكلام في الغيبة)، وكذلك العلامة المجلسي قد ذكر كتاب (المقنع في الغَيْبة) ضمن مصادر كتابه (بحار الأنوار)، كما نقل الطبرسي (ت ٥٤٨ ه)‍ مقاطع مهمّة من الكتاب في كتابه (إعلام الورى بأعلام الهدى).. فاهتمام هؤلاء الأعلام بإيراد مقاطع مهمة أو اقتباسهم منه في مصنّفاتهم، دليل على تقدم المرتضى في هذا الميدان.
٥ - كتاب (غيبة الطوسي): لمحمد بن الحسن بن علي بن الحسن والمعروف بشيخ الطائفة (٣٨٥-٤٦٠ هـ) من كبار علماء الإمامية، وصاحب كتابي (التهذيب) و(الاستبصار) وهما من الكتب الروائية الرئيسية عند الشيعة، حضر درس الشيخ المفيد والسيد المرتضى، تسنّم كرسي الكلام في بغداد، وقام بتأسيس الحوزة العلمية في النجف، أحدث قفزة نوعية في عملية الاجتهاد واستقلال المدرسة الإمامية قبالة المدارس الأخرى.
ألف الشيخ الطوسي هذا الكتاب في بغداد سنة ٤٤٧ هـ، وذكر سبب تأليفه لهذا الأثر القيم قائلاً: (فإنّي مجيب إلى ما رسمه الشيخ الجليل - أطال الله بقاءه - من إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان، وسبب غيبته والعلَّة التي لأجلها طالت غيبته، وامتداد استتاره مع شدَّة الحاجة إليه، وانتشار الحيل ووقوع الهرج والمرج وكثرة الفساد في الأرض وظهوره في البرِّ والبحر، ولِمَ لم يظهر، وما المانع منه وما المحوج إليه، والجواب عن كل ما يُسأل في ذلك من شبه المخالفين، ومطاعن المعاندين، وأنا مجيب إلى ما سأله، وممتثل ما رسمه)(١٠١).
يعتبر كتاب الغيبة للشيخ الطوسي من أفضل المصادر المهمة في المعارف المهدوية التي يعتمدها الباحثون، وذلك لشمولية وعمق ودقة المعلومات فيه، بحث الشيخ بدقة قضية الغيبة وعقيدة الشيعة بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وردّ على الشبهات المثارة حولها، ردّ اعتراضات المعاندين وفند إشكالاتهم، وقدم إجابات محكمة لتساؤلات الفرق الشيعية المختلفة كالناووسية والكيسانية والواقفية والمحمدية والفطحية، وأتى بالرد المناسب عليها استناداً إلى أدلة قرآنية وروائية متقنة وبراهين عقلية رصينة، كذلك سلط الشيخ الأضواء بشكل تفصيلي على الوكلاء والسفراء وهي من الأمور التي لازمت مسألة الغيبة، كذلك إستعرض الغيبتين الصغرى والكبرى وبيان فلسفتهما وتعليل طول عمره الشريف.
يعد مرجع مهم عند الشيعة في الثقافة المهدوية وذلك لأن المؤلف ذو خبرة وإحاطة عالية بالعلوم الإسلامية، بالإضافة لتوفر المصادر المهمة بين يدي الكتاب أثناء تدوينه الكتاب، والتي يمكن تقسيمها إلى قسمين(١٠٢):
· القسم الأول: وهي المصادر الموجودة بين أيدينا حالياً مثل: الكافي، وغيبة النعماني، وكمال الدين وتمام النعمة للصدوق، والمسائل في الغيبة للشيخ المفيد، والذخيرة للسيد المرتضى، وكتاب مسائل علي بن جعفر، وكذلك كتاب سليم بن قيس الهلالي.
· القسم الثاني: المصادر غير الموجودة بين أيدينا حالياً مثل: كتاب الضياء في الرد على المحمدية والجعفرية لسعد بن عبد الله الأشعري القمي، وكتاب الرجعة وكتاب القائم للفضل بن شاذان، وكتاب أخبار الوكلاء الأربعة لابن نوح الصيرفي، وكتاب الأوصياء وكتاب الغيبة للشلمغاني، وكتاب في نصرة الواقفة لعلي بن أحمد العلوي.
وهذا ما يرفع القيمة العلمية للكتاب ويبين مدى أهميته، وكلمة الشيخ الآغا بزرك الطهراني في التعريف بالكتاب تبين مكانته حيث يقول: (يتضمَّن هذا الكتاب أقوى الحجج والبراهين العقلية على وجود الإمام الثاني عشر...، ويدفع الكتاب شبه المخالفين والمعاندين الذين ينكرون وجوده أو ظهوره بحيث يزول معه الريب).
وبنظرة شاملة لهذه الكتب الخمسة نجد أن: كتاب (الغيبة) لابن أبي زينب النعماني، و(كمال الدين وتمام النعمة) للشيخ الصدوق، قد اشتملا على روايات الغيبة، فتم تصنيف وتبويب الروايات الشريفة إلى موضوعات مختلفة، فانتهج المؤلفان المنحى الروائي في الغالب.. في حين كتاب (الفصول العشرة في الغيبة) للشيخ المفيد، وكتاب (المقنع في الغيبة) للشريف المرتضى، انتهج المؤلفان المنحى العقلي حيث اقتصرا على تناول أبحاث الغيبة من الناحية العقلية والكلامية فقط.. بينما كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي قد اهتم بالمنهجين معا حيث ذكر روايات كثيرة بالإضافة إلى المباحث العقلية، مما جعله كتاباً جامعاً مميزاً في موضوعه.
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة(١٠٣):
وهنا نذكر على طريق الاختصار بعض من ألّف من العلماء عن موضوع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والدفاع عنه في هذه المرحلة.. نذكر منهم:
١) كتاب (الغيبة وكشف الحيرة): أبو الحسن سلامة بن محمد بن إسماعيل (أسماء) بن عبد الله بن موسى بن أبي الأكرم الأرْذني (الأزوني)، المتوفى سنة ٣٣٩ هـ.
٢) كتاب (المهدي): أبو موسى عيسى بن مهران المستعطِف، توفى في حدود ٣٤٥ هـ.
٣) كتاب (الغيبة): أبو محمد الحسن بن حمزة بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، المعروف بالطبري والمرعش، كان من أجلاّء الطائفة وفقهائها، توفي سنة ٣٥٨ هـ.
٤) كتاب (الغيبة وذكر القائم (عليه السلام)): أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، المعروف بابن أخي طاهر، المتوفّى في ربيع الأوّل سنة ٣٥٨ هـ.
٥) محمد بن إبراهيم بن جعفر النعمانيّ، المعروف بابن أبي زينب الكاتب، تلميذ ثقة الإسلام الكليني، له كتاب (الغيبة)، ويعرف هذا الكتاب (بملاء العيبة في طول الغيبة) كتب هذا الكتاب في أواخر عام ٣٤٢ هـ، توفى بالشام (حلب) حوالي عام ٣٦٠ هـ.
٦) كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) و(الرسالة الأولى في الغيبة)، و(الرسالة الثانية في الغيبة) و(الرسالة الثالثة في الغيبة): أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، المعروف بالصدوق، توفى سنة ٣٨١ هـ.
٧) كتاب (الغيبة): أبو الحسن حنظلة بن زكريّا بن حنظلة بن خالد بن العيار التميمي القزويني، توفى سنة ٣٨٥ هـ.
٨) كتاب (إزالة الران عن قلوب الإخوان في الغيبة): أبو علي محمد بن أحمد بن جنيد الكاتب الاسكافي، من شيوخ الشيخ المفيد، توفى في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري.
٩) كتاب (الغيبة): أبو محمد عبد الوهّاب المادرائيّ (البادرائي)، توفى في نهاية القرن الرابع أو بداية الخامس الهجري.
١٠) كتاب (ما نزل من القرآن في صاحب الزمان والوكلاء الأربعة): أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن بن عيّاش بن إبراهيم بن أيّوب الجوهري، صديق النجاشي توفى سنة ٤٠١ هـ.
١١) كتاب (المسائل العشر في الغيبة) و(الغيبة) و(الإرشاد) و(مختصر في الغيبة) و(النقض على الطلحي في الغيبة) و(أربع رسائل أخرى في موضوع الغيبة) و(جوابات الفارقيين في الغيبة) و(الجوابات في خروج الإمام المهدي): محمد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد، توفى ٤١٣ هـ.
١٢) كتاب (أخبار الوكلاء الأربعة): أحمد بن علي بن العباس بن نوح أبو العباس الصيرفي، نزيل البصرة، فقيهاً بصيراً بالحديث والرواية، وهو أستاذ الشيخ النجاشي، توفّي حدود النيّف والعشرة بعد الأربعمائة.
١٣) كتاب (الأربعين حديثاً في ذكر المهديّ): الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، المتوفّى سنة ٤٣٠هـ، وذكر المهدي ونعوته وحقيقة مخرجه وثبوته، ومناقب المهدي.
١٤) كتاب (المقنع في الغيبة) و(رسالة في غيبة الحجة): أبو القاسم علي بن الحسين المعروف بالشريف المرتضى وعلم الهدى المتوفي سنة ٤٣٦هـ، كما خصص جزءاً من كتاب (الشافي) و(تنزيه الأنبياء) لموضوع الغيبة أيضاً.
١٥) كتاب (البرهان على طول عمر صاحب الزمان) و(الاستطراف في ذكر ما ورد في الغيبة في الإنصاف): أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، المتوفّى سنة ٤٤٩هـ.
١٦) كتاب (الشفاء والجلاء في الغيبة): أحمد بن علي الرازي (ابن الخضيب) الأيادي (٣٧٠-٤٥٠ هـ).
١٧) كتاب (الغيبة): أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمران بن موسى الجراح المعروف بابن الجندي، أستاذ الشيخ النجاشي، توفى في منتصف القرن الخامس الهجري.
١٨) كتاب (الغيبة وكشف الحيرة): أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن قضاعة بن صفوان بن مهران الجمّال، المعروف بالصفواني، الشريك مع النعماني في القراءة على ثقة الإسلام الكليني، توفى في منتصف القرن الرابع الهجري.
١٩) كتاب (الغيبة): أبو الفرج المظفّر بن علي بن الحسين الحمداني الأسدي، قرأ على المفيد وحضر مجلس درس المرتضى والطوسي، توفى في منتصف القرن الخامس الهجري.
٢٠) كتاب (الغيبة): أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، توفى سنة ٤٦٠ هـ.
هذه بعض الكتابات المستقلة في موضوع الإمام المهدي صنفت في هذه الحقبة التاريخية.
الشعر في هذه المرحلة:

نظم الشعراء الكثير من القصائد عن الإمام المهدي في هذه الفترة أيضاً، لم نتطرق لها أو نذكر أسماء الشعراء مراعاة للاختصار، وقد ذكر السيد محسن الأمين في موسوعته الرائعة (اعيان الشيعة) أسماء (٧٨ شاعر مشهوراً من الشيعة) في هذه المرحلة التاريخية، مع لمحة موجزة صغيرة عن كل شخصية، وكان من بينهم الصاحب بن العباد والشريف الرضي والشريف المرتضى وقيل: (لولا الرضي لكان المرتضى أشعر الناس، ولولا المرتضى لكان الرضي أعلم الناس)(١٠٤).
ونقتطف عدة أبيات(١٠٥) من قصيدة إسماعيل بن عباد بن العباس الطالقاني (٣٢٦-٣٨٥ هـ) المعروف بـ (الصاحب بن عباد) من كبار علماء وأدباء الشيعة الإمامية وأحد أعيان ووزراء العصر البويهي:

بمحمد ووصيه وإبنيهما * * * وبعابد وبباقرين وكاظمِ
ثم الرضا ومحمد ثم ابنه * * * والعسكري المتقي والقائمِ
أرجو النجاة من المواقف كلها * * * حتى أصير إلى نعيم دائم

تواقيع الناحية المقدسة في هذه المرحلة:
ذكر الشيخ الطبرسي في الاحتجاج كتابين(١٠٦) أرسلهما الإمام المهدي (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد، يتضمنان بعض التوجيهات العالية، وبعض الأخبار المستقبلية الصادقة، وذلك وفقاً للمصلحة العامة في أول زمان الغيبة الكبرى.
نقتطف من الرسالة الأولى المؤرخة في أواخر شهر صفر عام ٤١٠ هـ هذا المقطع: (... إنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء، واصطلمكم الأعداء)(١٠٧).
من الرسالة الثانية المؤرخة في غرة شوال ٤١٢ هـ نقتطف هذه الفقرة: (ولو أن أشياعنا وفقهم الله لطاعته، على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل)(١٠٨).
كلا الخطابين(١٠٩) وصلا للشيخ المفيد في اواخر أيام عمره (ت ٤١٣ هـ)، ويكون مضى على وفاة الشيخ علي السمري (السفير الرابع والأخير) ما يزيد على الثمانين عاماً بقليل، أي على انتهاء الغيبة الصغرى وبدء الغيبة الكبرى عام ٣٢٩ هـ.
ثمرة المرحلة (خلاصة):
في هذه المرحلة التاريخية تم وضع الأسس لأصول المعرفة والتراث المهدوي الشيعي، وبناء الخريطة العلمية العامة في أفق الأطروحة المهدوية الإمامية.. وتمتاز هذه البرهة الزمنية في تاريخ التشيع بأهمية خاصة، ذلك أن الشيعة حصلوا على حرية نسبية في إبراز معتقداتهم بعد تشكيل حكومات شيعية مستقلة (الدول: البويهية - الحمدانية - الفاطمية)، ولذا كان للعامل السياسي دور كبير في النهضة الشيعية العلمية، وكان للظرف التاريخي أيضاً (بداية الغيبة الكبرى) عامل مهم في تكوين وبلورة معارف الإمامة، فاستمرار حركة النشاط العلمي أعطت ثمارها في تعزيز المعارف المهدوية وتأصيلها، حيث ساعدت الظروف السياسية والحاجات الاجتماعية والفكرية في هذه المرحلة التاريخية للشيعة لمعالجة قضايا الغيبة وعللها، وبحرية واسعة لم يشهد لها التاريخ مثيل من قبل.. فقد تخطى علماء هذه المرحلة التقليد الذي سار عليه علماء الإمامية السابقون في حقول المعارف المهدوية، واتبعوا منهج التأصيل الروائي بتصنيفه وتبويبه، بالإضافة إلى الاجتهادات الكلامية والعقلية.
أخذت قضية التأصيل للمعارف المهدوية قوة دفع كبرى في هذه المرحلة، فالقفزة الابتكارية والرائدة التي قام بها علماء الشيعة في هذه الحقبة التاريخية في الثقافة المهدوية (بكتابة المصنفات المهدوية الروائية والكلامية في المرحلة الأولى من عصر الغيبة الكبرى)، يضع ما يشبه أن يكون إطاراً عاماً في موضوع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في مرحلة الغيبة وفق رؤية منهجية يتكامل فيها النقل والعقل، مما شكل الأساس في البناء العلمي للأطروحة المهدوية الإمامية، وخلق قاعدة فكرية تنطلق منها المعارف المهدوية إلى فضاء المناظرات العقائدية والكلامية بين أوساط المدارس الإسلامية المختلفة، ومنح الشيعة القدرة على البقاء والثبات في وجه التحديات الفكرية الكثيرة.
لقد تبلورت المعارف المهدوية وتأصلت بالنتاج العلمي الخصب لعلماء هذه المرحلة في الشأن المهدوي، بفضل المناظرات الكلامية والمصنفات الروائية، مما يرمز إلى تطور كبير في مستوى الفكر الإمامي وتكامل معارف الأطروحة المهدوية الإمامية.. ولذا يمكن اعتبار هذه الفترة الزمنية حداً فاصلاً في تطور الفكر المهدوي الإمامي، لأنه استطاع أن يعطينا نتاج علمي ثمين نهض بالمعارف المهدوية، مما أهله للانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل النمو والتطور والنضج الفكري، بآراء أصيلة مستندة على الاستدلال بالأصول الشرعية، وتساهم في التكامل بين العلوم الشرعية وتتناسق معها.
إن التراث المهدوي الشيعي في هذه الحقبة التاريخية تتضح صورته في المصنفات والكتب وضروب التأليف، والذي يتميز بجودة التأليف وعمق الأفكار المطروحة في هذه المرحلة - والحمد لله وصل لنا أهم تراثها - مما حفظ لنا بعض ما دونه السلف، وبفضل الرعيل الأول من علماء بداية الغيبة الكبرى (كالنعماني والصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي) أصلت المعارف المهدوية ووضحت أهمية الإمامة والعقيدة المهدوية.. إن ما نخلص إليه من مقاربة إنتاج فكري في المرحلة التي أعقبت غيبة (الإمام المهدي) في العام ٣٢٩ هـ، هو العمل على بناء منظومة فكرية مهدوية عالجت فراغ الغيبة من خلال الاستمرار في التأكيد على مبدأ الإمامة، وتأسيساً على نصوص الأئمة (عليهم السلام) وجهود العلماء، مما جعل الشيعة تقبل ظروف الإمامة الخاتمة والتأقلم مع غيبة الإمام واحتجابه عن الناس.. إن النتاج الثقافي والتأسيسات الفكرية في هذه المرحلة تحولت إلى ركيزة نسقية للإنتاج الفكري اللاحق، وفي عصرنا الحالي مازلنا نتغذى فكريا على مصنفات هذه المرحلة.

الفصل السادس: طور الركود
مرحلة التقلبات الطائفية (٤٤٧ - ٩٠٧ هـ)

تمتاز هذه الحقبة الزمنية في تاريخ الشيعة بتحولات سياسية وفكرية خاصة، إذ بدأت مرحلة التعصب الطائفي الذي قادها بني سلجوق.. ففي هذا العصر نلاحظ أن المصنفات فيه ذات طابع دفاعي (مناظرات عقدية) وذلك بسبب الظروف والأوضاع السياسية والاجتماعية، وانعكس ذلك على السياق العام للفكر المهدوي، فعاش حالة من الانكماش والتراجع لمسار المعارف المهدوية في التراث الشيعي.
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:
استمرت الدولة البويهية قائمة حتى دخل السلاجقة بغداد عام ٤٤٧ هـ، فانتهت بذلك مرحلة الحرية الفكرية، وبدأت مرحلة التعصب الطائفي، فسرعان ما انحاز السلاجقة إلى الاتجاه السلفي المتشدد، وأسرفوا في الفتك والبطش، ووقعت فتن وأحداث خطيرة بسبب انحيازاتهم المذهبية، وتعد الفترة (٤٤٧ - ٤٤٩ هـ) من اسوأ ما شهدته بغداد (حاضرة العالم الإسلامي)، فقد ضاع من خلالها كثير من التراث الشيعي، وأخمد صوت الفكر والعلم وتعرض رجاله للاضطهاد والتنكيل، وهذا الذي يفسر لنا حالة التراجع في المعارف والثقافة المهدوية.
الوضع السياسي:
الدولة السلجوقية (٤٢٩ - ٥٨٣ هـ): تأسست على يد سلالة السلاجقة، وهي سلالة تركية، لقد ظهرت الدولة عندما قاد طغرل بك حفيد سلجوق حرباً مع الدولة الغزنوية في إقليم خراسان، تمكن على إثرها من السيطرة على مدينتي مرو ونيسابور في عام ٤٢٩ هـ، وكذلك انتصر طغرل في العام ذاته على الغزنويين، وأدت إلى الظهور الحقيقي للدولة السلجوقية.
واصل طغرل تقدمه نحو الغرب، فخاض حرباً مع الدولة البويهية في إيران والعراق، واستغل فرصة استنجاد الخليفة العباسي القائم بأمر الله (حكم ٤٢٢ - ٤٦٧ هـ) ليسير نحو بغداد، ويقبض على آخر حكام بني بويه (أبي نصر خسرو فيروز) وسجنه حتى مات، وسيطر على بغداد في عام ٤٤٧ هـ، وينتهي بذلك فترة حكم البويهيين، وعين الخليفة العباسي طغرل (سلطاناً) وخطب باسمه.. وبعد موت طغرل (ت ٤٥٥ هـ) ورث ابن أخيه ألب أرسلان مقاليد الحكم، فتابع توسعة الدولة، فخاض حروب مع الامبراطورية البيزنطية، فانتزع منها جورجيا وأرمينيا ومعظم الأناضول في عام ٤٦٣ هـ، ولما توفى أرسلان عام ٤٦٥ هـ بعد معاركه مع البيزنطيين، تولى الحكم ابنه ملك شاه الذي توسعت الدولة في عهده أكثر، وبعد وفاة السلطان ملك شاه (ت ٤٨٥ هـ) انتهى عصر النفوذ العسكري السلجوقي، وبدأت الدولة بالانحدار والضعف تدريجياً، ومع أن دولتهم عاشت لأكثر من قرن بعد ذلك إلا أنها كانت متفككة وضعيفة، فسرعان ما بدأت الدولة تنقسم وتتفكك إلى دويلات عدة، وانتهت في سنة ٥٨٣ هـ.
استقلال الخلافة العباسية (٥٨٣ - ٦٥٦ هـ): في عام ٥٨٣هـ هدم الخليفة العباسي الناصر لدين الله قصور السلاجقة بالمخرم، لمحو أثرهم وابتداء صفحة جديدة من سمو الخلافة وقوتها، ولا شك أن للظروف السياسية الجديدة تأثيراً ايجابياً واضحاً على النشاط الفكري وخصوصا في عهد الناصر لدين الله (حكم ٥٧٥ - ٦٢٢ هـ)، الذي كتب على يده انقراض السلاجقة، وكان يميل إلى التشيع ويرى رأي الإمامية.
كان للخليفة العباسي الناصر لدين الله دورٌ كبيرٌ في بعث أجواء إيجابية في الوسط الشيعي، بعد قضائه على نفوذ قادة الجيش ووضعه حداً للتسلط السلجوقي واعتناقه التشيع، وهي أجواء امتدت لفترة قبل أواخر الدولة العباسية عام ٦٥٦ هـ.
وبعد الناصر تولى الظاهر بأمر الله (٦٢٢ - ٦٢٣ هـ) ودام حكمه تسعة أشهر، وخلفه المستنصر بالله (حكم ٦٢٣ - ٦٤٠ هـ) والذي عرف بعدله وتقواه، كما اتصف عهده بالهدوء والرخاء، ونلاحظ خلال هذه الفترة التي تمتد حتى نهاية الخلافة العباسية في بغداد، إنها فترة فريدة بالنسبة للوضع الشيعي، فقد تسنم خلالها الشيعة مناصب سياسية رفيعة، وحظوا باحترام وتقدير الخليفة والديوان.
في العاشر من جمادى الآخرة سنة ٦٤٠ هـ توفى الخليفة المستنصر، واضعاً رحيله نهاية للهدوء والاسترخاء الذي شهده المسلمون في عهده، ليبدأ عهداً جديداً في زمن خلافة ابنه عبد الله الملقب بالمستعصم بالله (حكم ٦٤٠ - ٦٥٦ هـ)، ولم يكن يملك خصال والده، فقد كان قليل الخبرة مستضعف الرأي، وقد اختلت في عهده الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان عهده سجلاً متواصلاً من الفوضى والاضطراب في الداخل، والمصائب والويلات في الخارج، فقد نشبت في أيامه الخلافات بين الحنفية والحنابلة وبين السنة والشيعة، وفي أحداث الفتن أمر ابنه وسكرتيره بهدم الكرخ واضطهاد الشيعة.
إن الضعف الذي أصاب الخلافة العباسية في عهد المستعصم وقع في ظل تهديدات خارجية خطيرة للغاية، وهي أن سرايا التتار تتواصل على ثغور الدولة، والخليفة لم يحرك ساكناً، فاجتاح التتار مدينة بغداد حاضرة الدولة العباسية وعاصمة الخلافة الإسلامية يوم الأربعاء ٩ صفر ٦٥٦ هـ، وسقطت على يد المغول بقيادة هولاكو، وقتل المستعصم رفسَّا يوم ٢٤ صفر ٦٥٦ هـ، وانتهى الحكم العباسي(١١٠).
الدولة الإيلخانية المغولية (٦٥٦ - ٧٣٦ هـ): سقطت الخلافة العباسية على أيدي المغول، وحكموا العراق بعد ذلك.. فأصل المغول عبارة عن قبائل كبيرة يمثلون شعب بدوي عاشوا على السهول الواسعة في الهضبة الأسيوية (هضبة منغوليا) بأطراف الصين، يعتبر جنكيزخان (حكم ٦٠٣ - ٦٢٤ هـ) أعظم قوادهم على الإطلاق، وهو الذي أخضع جميع المغول والتتار تحت راية واحدة وكون منهم جيشاً ضخماً، وهو واضع دستور المغول الشهير (الياسا)، زحف بجيوشه على الدولة الخوارزمية، فدمرها واستولى على آسيا الوسطى وفارس، وانسحب بعد ذلك إلى بلاده حيث توفى.
لم يكن هولاكو (حفيد جنكيزخان) قد تجاوز ٣٦ من عمره حين عهد إليه أخوه (منكو) زعيم المغول بمهمة عسكرية، فخرج على رأس جيش قوامه ٢٥٠ ألف جندي بالإضافة إلى كبار القادة والفرسان.. حقق هولاكو هدفه الأول بالاستيلاء على قلاع الإسماعيلية وأمراء الفرس عام ٦٥٤ هـ، ثم مضى في تحقيق هدفه الآخر بالاستيلاء على بغداد والقضاء على الخلافة العباسية بصورة تامة، وفعلاً سقطت بغداد عام ٦٥٦ هـ، وقتل المغول عدد كبير من أهلها، ودمروا معظم معالم مدينة بغداد، وقضوا على المكتبات ودور العلم التي تحتوي على وثائق تاريخية ثمينة وكتب علمية كثيرة، حتى أن مياه نهر دجلة أصبحت سوداء نتيجة لكمية الحبر الهائلة من الكتب التي ألقي بها بالنهر.. اهتز العالم الإسلامي لسقوط بغداد، وبهذا أفلت شمس الخلافة العباسية عنها بعد أن أشرقت عليها أكثر من خمسة قرون.. استمر هولاكو في زحفه نحو الشام ومصر، فاستولى على حلب وحمص ودمشق عام ٦٥٨ هـ، وقتها عاد هولاكو إلى تبريز لاختيار الحاكم الجديد للمغول (أخاه أريك بوكيه)، سار جيش المغول نحو مصر، ولكن عسكر مصر خرج بقيادة قطز والظاهر بيبرس، والتقى الجيشان في ٢٥ رمضان ٦٥٨ هـ في موقعة (عين جالوت) بفلسطين وهزم المغول وطردوا من دمشق، وأصبحت بلاد الشام حتى نهر الفرات تحت حكم المماليك.
بعد حدثين هز كيان الدولة المغولية الجنكيزية:
· حدثت نزاعات داخلية عائلية على الحكم، فقضى قوبلاي (الأخ الاكبر لهولاكو) على أريك بوكيه وسيطر على مغول الصين.
· إضافة للحدث الثاني المهم وهو الهزيمة القاسية للمغول في عين جالوت.
فقرر هولاكو الانفصال بالمناطق التي تحت يديه، فانشقت الدولة المغولية الكبرى إلى دولة بالصين وأخرى بإيران والعراق، وشكل هولاكو دولته الايلخانية (٦٥٦ - ٧٣٦ هـ) وعاصمتها تبريز، وظلت سلطة هولاكو غير مستقرة، وصار الحكم وراثياً في نسل هولاكو.
إن سوء العلاقة مع دولة المغول في الصين وقبائل المغول الأخرى، والمناوشات المتكررة مع دولة المماليك في مصر والشام بعد معركة عين جالوت، بالإضافة لعوامل أخرى كثيرة تظافرت وأصبحت بمرور الوقت معضلات للدولة ومعوقات استقرارها، كان اعتناق الإسلام هو السبيل الأمثل للخروج من هذه الأزمات، فقرر الإيلخان السابع محمود غازان (حكم ٦٩٤ - ٧٠٣ هـ) أن يفتتح عهده بفرض الإسلام وفق أحد المذاهب السنية ديناً للدولة في مطلع شعبان ٦٩٤ هـ أي بعد ٣٥ سنة على تأسيس الدولة، وبدأ الحكام المغول يقدموا أنفسهم باعتبارهم مسلمين(١١١).
في الواقع إن المغول اكتشفوا أن اعتناقهم للإسلام واتباعهم للمذهب (الحنفي) السني يحبط مشروعهم السياسي، ويحد من حركة التوسع المغولي، وذلك للتناقض بين الاستراتيجية العسكرية والأيديولوجية الجديدة، إضافة للأوضاع الداخلية التي ساهم علماء الحنفية في خلقها وإحداثهم للفتن الداخلية وإيذاء أتباع المذاهب الأخرى، فتفجر السجال المذهبي في فورة عارمة بات من الصعب ضبطها.. إلى أن بدأ التحول الإيديولوجي الثاني، فانتقل السلطان الجايتوخان - غير اسمه إلى: محمد خدابنده - إلى مذهب التشيع وإقراره مذهباً رسمياً للدولة الإيلخانية عام ٧٠٩ هـ، أي بعد نحو ١٥ عاماً على التحول الأول، وذلك ببركة جهود العلامة الحلي، فخرجت الدولة من المعارك المذهبية وسمح للحريات الدينية، كما سمح للمذاهب الأخرى أن تقيم طقوسها بحرية تامة.
يذكر فؤاد إبراهيم: (أن التشيع المغولي قام على أساس المصلحة السياسية، أي لكونه يشتمل على حلول لمشكلات خاصة بالأسرة المغولية الحاكمة... وهنا تجدر الإشارة إلى حقيقة على جانب كبير من الأهمية، وهي أن اعتناق المغول للمذهب الشيعي، كان يحل مشكلة أيديولوجية تتعلق بهويتهم ودورهم في دار الإسلام، فقد بات ممكنا بالنسبة للإيلخانيين بعد اعتناقهم المذهب الشيعي الادِّعاء بأنهم ينفذون مشيئة الله ووعده الذي قطعه على نفسه بأن يرث الأرض عباده الصالحون، والانتصار للحق المسلوب لأهل البيت (عليهم السلام) والانتقام من أعدائهم.. لقد جرت عملية تقريب واسعة النطاق من الجانب الإيلخاني بين الأيديولوجيا المغولية الأصلية وعقيدة التشيع، ندرك ذلك من خلال إطلالة على العناوين الكبرى في الأيديولوجيا المغولية، منها اعتبار الخان الأكبر مركز العالم كله، وأنه وكيل السماء، وهو بهذه الوكالة يعتبر صاحب الحق من الناحية النظرية في حكم العالم.. باختصار إن مهمة الخان هو نشر رسالة السماء بين أهل الأرض، وهذه ليست سوى تنضيدة مغولية للعقيدة الشيعية في الإمام المهدي، وهي أيضاً مشروع فتوحات على مستوى العالم... وفي حقيقة الأمر، أن المغول سعوا باعتناقهم التشيع للتزود بمبرر معقول وفعّال يستعملوه لتحقيق مآربهم السياسية، فقد باتوا بعد تشيعهم قادرين على التشكيك في مشروعية كل الحكومات الإسلامية السنية)(١١٢).
الدولة الجلائرية في العراق (٧٣٦ - ٨١٣ هـ): بعد أن توفى آخر حاكم ايلخاني ولم يعقب ذرية، شبَّ الصراع بين الطامعين واستطاع حسن بن حسين جلائر أن يستولي على السلطة ويؤسس دولته، وهو أمير مغولي ليس من أحفاد هولاكو، وقد استطاع أبناؤه أن يضموا أذربيجان وتبريز والموصل.
وفي عهد آل جلاتر وهم من أصل قبيلة مغولية (فرع من قبيلة إلقا)، والتي كانت مواطنهم في بلاد ما وراء النهر، غير أنها تنتمي إلى تجمع قبائل تترية لا ينحدر منها أصل قبيلة جنكيز خان.. الدولة الجلائرية دولة شيعية، ولها بصماتها الواضحة على التشيع، فاهتمت بالعمران في العاصمة بغداد، واهتمت أيضاً بالأماكن الشيعية المقدسة، وقد تشرف أحد أبناء مؤسس الدولة حسن الجلائري ببناء الحرم الحسيني في كربلاء، ومع تمسكهم بحب آل البيت (عليهم السلام) لم يمنع أن تكون دولتهم تمتاز بالنظرة الإنسانية وعدم التعصب لمذهب من المذاهب.
وفي عهدهم مرت بالعراق عاصفة مغولية جديدة يقودها تيمورلنك، وصل بغداد سنة ٧٩٦ هـ واستولى عليها، وبعد وفاته سنة ٨٠٧ هـ وتفكك امبراطوريته عاد أحمد الجلائري إلى العراق.
دولة القره قوينلو (التركمانية الأولى) في العراق (٨١٣ - ٨٧٢ هـ)(١١٣): قبيلة تركمانية جاءت في الأصل من تركستان الغربية والتي كانت المذاهب السنية سائدة لديهم، بعد أن قتل السلطان قره يوسف الحاكم أحمد الجلائري، استبد بالأمر في كل المناطق الخاضعة للجلائريين، وكانت تبريز العاصمة الرئيسية، أما بغداد والعراق فكانت ولاية تابعة لهم.
دولة آلاق قوينلو (التركمانية الثانية) في العراق (٨٧٢ - ٩١٤ هـ): قبيلة تركمانية حكمت ولم يعرف العراق الاستقرار خلال هذا العهد، واستمر تدهور الأسرة إلى أن سقطت بغداد في يد الدولة الصفوية سنة ٩١٤ ه.
الوضع الفكري:

يمكن إدراك انعكاسات التحول السياسي عقب انهيار الدولة البويهية، وقيام الدولة السلجوقية التي اعتنقت المذهب الشافعي، وأعادت التضييق على الشيعة ملاحقة وفتكا، لا سيما مع الوزير السلجوقي عميد الملك الكندري (قتل سنة ٤٥٦ هـ) في نهاية النصف الأول من القرن الخامس الهجري، والذي قاد حملة كراهية ضد الشيعة وفتك بهم، وأمر بلعنهم في المساجد، وكان من آثارها الهجوم على دار الشيخ الطوسي، ونهب كتبه واحراق كرسيه الذي كان يجلس عليه للتدريس، وإحراق مكتبات أخرى في بغداد، مما أجبرت الشيخ الطوسي على الهجرة إلى مدينة النجف، وأنتقل تبعا لذلك مركز المرجعية من بغداد إلى النجف الأشرف في عام ٤٤٨ هـ.. فكانت حملة السلاجقة عنيفة ضد الفكر الإمامي، وإتلاف التراث الشيعي المودع في خزائن الكتب ودور العلم، وقاموا بتأسيس دور علم بديلة (المدارس النظامية) واتخاذها وسيلة لمقاومة التشيع على الصعيد الفكري.
 الظروف السياسية الجديدة أدت إلى تداعيات واهتمامات جديدة للعلماء الشيعة والتي انصبت على حماية المذهب الشيعي والحفاظ عليه من الاندثار، فغلب المنحى الإخباري وتنامي الميول الانعزالية والانغلاق على الذات، فيما تمهد هذه الأجواء الطريق إلى اتجاه سلفي يقتصر على النص.. وعلى امتداد أكثر من قرن انحسر النشاط العلمي التجديدي في الوسط الشيعي، فيما انتعشت البحوث التقليدية، التي برزت في صورة محاججات ومناظرات عقدية بين الشيعة والسنة، وأدى إلى وقوع الفتن والاضطرابات الداخلية.
وفي ظروف عصيبة كهذه، لجأت المذاهب الدينية للاعتصام بالتراث الخاص الداخلي، والاكتفاء بالحد الأدنى من الأعمال التي تظهر هوية المذهب.. وقد ساد هذا المنحى بصورة متفاوتة منذ وفاة (شيخ الطائفة الطوسي)، فقد اتبع هذا المنهج ابنه أبي علي الطوسي (ت ٥١٥ هـ) وكان محدثاً، وخلفه ابنه أبي نصر الطوسي (ت ٥٤٠ هـ)، كما برز فيما بعد أحمد بن علي الطبرسي المعروف بالشيخ الطبرسي (ت ٦٢٠ هـ)، وقد كرس هؤلاء جهودهم في الإبقاء على نقاوة النص الديني، وتصفيته من الاجتهادات والتدخلات العقلية.
بقيت الميول السلفية تتنامى وسط الشيعة وتنتشر على مساحات واسعة في العراق وإيران وغيرها، حتى الربع الأخير من القرن السادس الهجري، لتبدأ إرهاصات تحول علمي بظهور محمد بن منصور بن إدريس الحلي (ت ٥٩٨ هـ)، إيذاناً بنهاية عصر التقليد المطلق لشيخ الطائفة الطوسي الذي أطبقت شخصيته العلمية على الحركة الفكرية الشيعية لفترة طويلة من الزمن، وبظهور ابن إدريس الذي شهد انهيار الدولة السلجوقية واستقلال الخلافة العباسية (٥٨٣ هـ)، والأجواء الجديدة المؤاتية والباعثة على استئناف النشاط الفقهي التجديدي، وخصوصاً في عهد الناصر لدين الله العباسي، الذي كتب على يده نهاية دولة بني سلجوق، وأتاح بعض الحرية للعلماء(١١٤).
وفي مقابل ذلك، برز في مرحلة لاحقة السيد علي بن طاووس (ت ٦٦٤ هـ) كمعبر عن الاتجاه الإخباري، ولا يخفى أن النزعة الإخبارية التي واجهت الاتجاه الأصولي الاجتهادي تشكل انتكاساً خطيراً في انفتاح الحوزة العلمية، إذ إنها تحدد دور الفقيه على تصنيف الأخبار ونقلها دون الاجتهاد والفتوى.
في ضوء التحولات الكبرى وخصوصا تحول المغول إلى التشيع، والمناخ التحرري الذي عاشه فقهاء الشيعة، شهد المذهب الشيعي الاثني عشري في هذه الفترة انتعاشاً في مجالي الفقه والعقائد، بخلاف الفقه السني الذي شهد فترة ركود، هذا الانتعاش الذي تأكد بعد الإعلان الذي أصدره هولاكو بالأمان لأهل الحلة في العراق، وانتقل على أثره معظم علماء الشيعة وبعض علماء السنة إلى الحلة، التي بدأت تشهد نشاطاً علمياً تجديدياً، حيث انتقلت الزعامة للحوزة العلمية في الحلة من القرن السابع إلى القرن التاسع الهجري.
على الرغم من إعادة إطلاق حركة التجديد الفقهي مع بروز جعفر بن الحسن المعروف بالمحقق الحلي (٦٠٢ - ٦٧٦ هـ) صاحب الكتاب المعروف (شرائع الإسلام)، وبعده أبو المنصور بن الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي (٦٤٨ - ٧٢٦ هـ) والذي كان له دورٌ أساسيٌّ في تشيع الدولة المغولية (الإيلخانية)، وبعدهما الفقيه العاملي محمد بن مكي الجزيني المعروف بالشهيد الأول (٧٣٤ - ٧٨٦ هـ) صاحب الكتاب المشهور (اللمعة الدمشقية).. وعلى الرغم من ذلك إلا أننا لا نقع على تطورات تذكر في التراث المهدوي الشيعي في هذه الفترة التاريخية، وأن مسار التطور المعرفي المهدوي أقرب إلى الانكماش منه إلى التجديد والانطلاق، فالمصنفات المهدوية تقف عند حدود النقل والاقتباس الجامد للنصوص، والسعي إلى تصنيف وتجميع الروايات والنصوص وإدراجها في عناوين محددة، وخير مثال على هذا المنهج في هذه الحقبة التاريخية:
- كتاب (الملاحم والفتن) لابن طاووس، توفى عام ٦٦٤ هـ.
- كتاب (الاحتجاج) لأبو منصور احمد الطبرسي، توفى عام ٦٢٠ هـ.
- كتاب (إعلام الورى بأعلام الهدى) لأبي علي الفضل الطبرسي، توفى عام ٥٤٨ هـ.
أما بالنسبة لعلماء مدرسة الحلة البارزين، لا نجد لهم أي تصانيف مستقلة مرتبطة بالشأن المهدوي، إنما بعض البحوث الصغيرة المتفرقة هنا وهناك في مصنفاتهم الأخرى.. ونستشف من قراءتنا لبعض هذه الصفحات المحدودة التي كتبت عن القضية المهدوية، أنهم لم يولوها المزيد من الاهتمام، إنما تدخل ضمن مبحثهم للإمامة باعتبارها الإمامة الخاتمة أو الرد على بعض الشبهات المتعلقة بالغيبة، ونجد ذلك عند مطالعتنا لبعض الكتب العقائدية التي كتبت في هذه الفترة الزمنية(١١٥) مثل:
- كتاب (المسلك في أصول الدين): للمحقق الحلي (ت ٦٧٦ هـ)، نجد به ثمان صفحات في مباحث متعلقة بالغيبة.
- كتاب (كشف الغمة في معرفة الأئمة): لعلي بن عيسى الأربلي (ت ٦٩٢ هـ)، نجد به ٢٤ صفحة في ذكر الإمام الثاني عشر، ثمان صفحات كرد شبهات المخالفين، وبقية الصفحات روايات المعصومين، وقصص من لقائه، وشعر قيل في مدحه (عليه السلام).
- كتاب (النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة): لميثم البحراني (ت ٦٩٩ هـ)، نجد به ٦ صفحات في رد شبهات المخالفين عن الغيبة.
- كتاب (المحتضر): للحسن بن سليمان الحلي (ت ٨٠٢ هـ)، نجد به ثمان صفحات في ذكر الإمام المهدي كروايات شريفة عن المعصومين (عليهم السلام).
- كتاب (اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية): لجمال الدين مقداد السيوري الحلي (ت ٨٢٦ هـ)، نجد به أربع صفحات في موضوع الغيبة.. وكذلك كتابه (إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين): نجد به صفحتين عن غيبة الإمام (عجّل الله فرجه).
إجمالاً هذه الصفحات القليلة في الموضوع المهدوي، لا يخلو بعضها من منحى عقلي وكلامي، إلا أنها كتبت بطابع المساجلات والمناظرات ومحاكاة للردود على شبهات المخالفين القديمة عن علل الغيبة، ومعتمدة في الأساس على كتب الشيخ المفيد والشريف المرتضى.
عوامل ركود الحركة الفكرية في التراث المهدوي:
يؤرخ للركود الثقافي في هذه الحقبة من تاريخ التراث المهدوي في الفترة ما بين وفاة الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ هـ) وبدايات القرن العاشر الهجري، وقد ساعدت في ذلك مجموعة من العوامل من قبيل:
١- انهيار الدولة البويهية التي كانت تمثل الظهير القوي للمراكز العلمية والداعم الأساسي لرجال الفكر والمعرفة، وخصوصاً مع كون البديل تمثل في الحكومة السلجوقية (٤٤٧ - ٥٨٣ هـ) التي لم تألُ جهداً في التضييق على الشيعة وعلمائها، والمواقف التعسفية الذي اتخذته تجاه دور العلم والمكتبات وإحراق خزائن العلم الشيعية.
٢- عظمة شخصية الشيخ الطوسي وإبداعاته الكبيرة في مجالي الفقه والأصول ومكانته العلمية، مما جعله مهيمناً على الوسط الشيعي، فعلى امتداد أكثر من قرن انحسر النشاط العلمي التجديدي في الأوساط العلمية، ولم يكن من الهيّن على أحد أن يعدو نظريات شيخ الطائفة، مكتفين فقط بشرح آرائه واستجلاء غوامضها.. إلى أن ظهر العالم محمد بن إدريس الحلي (ت ٥٩٨ هـ) في الحلة بالعراق، ليضع حدّاً للتبعية لآراء الطوسي، ويفعل منهج الاجتهاد والاستنباط القائم على النقد والتحليل.
٣- توجه الأوساط العلمية (الحوزة) نحو الفقه والأصول والتركيز عليهما، ولم يكن العطاء العقلي والاجتهاد والتجديد في القضية المهدوية بالمستوى الرفيع الذي وصلت إليه في مجال الدراسات النقلية والفقه وأصوله حيث تمحورت الدراسة الحوزوية حولهما.. بل هناك ما يشير إلى وجود موقف رافض ومعارض للدراسات الفلسفية والعقلية وبالخصوص في حوزة النجف الأشرف، وقد ألقى ذلك بظلاله على نتاجاتهم في مجال التراث المهدوي.
كل ذلك ساعد في انحسار النشاط الفكري، وأن جواً من السكون ساد الوسط العلمي الشيعي، وعاد طابع المحاكاة والنقل الحرفي يصبغ المجال الثقافي الشيعي خلال هذه الفترة، فغلبت روح التقليد على علماء هذه المرحلة، وانعكس ذلك على التراث المهدوي، فلم نجد التجديد أو التطوير الذي يذكر في المصنفات ذو الشأن المهدوي في هذه الفترة.
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة:
عند مراجعة التراث المهدوي في هذه المرحلة، نجد أثر الاتجاه النقلي واضح في مصنفاته، ولم نلحظ أي إضافات جديدة مهمة ذات منحى عقلي في هذا الشأن، فعند قراءة كتاب مهدوي بارز من هذه الفترة مثل كتاب ابن طاووس (ت ٦٦٤ هـ) نموذجاً:
- كتاب (الملاحم والفتن في ظهور الغائب المنتظر) كما هو مشهور ومطبوع بهذا العنوان حالياً أو كما سماه مؤلفه (التشريف بالمنن في التعريف بالفتن)، وهو مقارب في عنوانه ومضمونه للكتب التي نقل منها، وهو مثال جيد يوضح مستوى الحركة الفكرية المهدوية المرحلية.. يعتبر الكتاب من المصنفات الحديثية (الروايات) في الشأن المهدوي، وهو من المختصرات الجامعة التي تتناول عدداً كبيراً من المسائل المندرجة تحت ابواب (الفتن)، يجمعها كلها بصورة شاملة وبصيغة موجزة، ويعتبر هذا الكتاب تقليداً في منهجه وأسلوبه وطريقة عرضه للمسائل، فأول عمل قام به مؤلفه هو اختيار مصادره التي يعتمدها، وحدد ثلاثة كتب أساسية في هذا الموضوع:
١- كتاب الفتن: لنعيم بن حماد المروزي (ت ٢٢٨ هـ).
٢- كتاب الفتن: لأبي صالح السليلي بن أحمد الحساني (نسخة عام ٣٠٧ هـ).
٣- كتاب الفتن: لأبي يحيى زكريا بن الحارث البزار (نسخة عام ٣٩١ هـ).
صيغ الكتاب في ٣٤٦ باب، وكل باب إلى عدد من الفصول، ويمثل كتاب نعيم بن حماد النصيب الأكبر من كتابه حيث أختار منه ٢١١ باب، وكتاب السليلي ٨٤ باب، وكتاب البزار ٥١ باب، بالإضافة لبعض المواضيع البسيطة والمتفرقة الذي جمعها من هنا وهناك.. والغالبية العظمى للكتاب عبارة عن نقل روايات للعامة وليس من رواياتنا، والسيد ابن طاووس اراد ان يقيم الدليل على العامة بان علمائهم ومحدثيهم يتحدثون بحديث العلامات وليس الشيعة فحسب، والملاحظ أن بعض المواضيع المختارة تخالف بعض الثوابت للمذهب الشيعي الاثني عشري، فمثلاً في الباب ١٦٢ (في اسم المهدي) يذكر أحاديث عديدة منسوبة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن طريق أهل العامة ومن مصادره التي اعتمدها (المهدي: يواطي اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي)، بقراءة إجمالية، نجد أن الكتاب ليس به أية إضافة فكرية أو منحى عقلي، إنما منغمس في النقل واختيار الأحاديث وتصنيفها،
بإمكاننا عبر قراءة سريعة لبعض كتب التراث الشيعي، أن نجد تفسيراً واضحاً لمثل هذا النوع من الكتب، وربما وجد ابن طاووس في المصنفات النقلية لمن كان قبله ما يفتح الشهية على هذا النوع من التصنيف، من قبيل الطبرسي في (الاحتجاج)، والطبري في (دلائل الإمامة)، والطرازي في (الدعاء والزيارة).
أهم ما صنف عن الإمام المهدي في هذه المرحلة(١١٦):
١- كتاب (الغيبة): محمد بن زيد بن علي الفارسي، المتوفي بعد سنة ٤٧٦ ه(١١٧).
٢- كتاب (المسألة في مولد صاحب الزمان): محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، توفى سنة ٥٦٣ هـ.
٣- كتاب (ترتيب الأدلة فيما يلزم خصوم الأئمة دفعه عن الغائب والغيبة): أحمد بن الحسين بن عبد الله المهراني الآبي، توفى في (ق ٦ هـ).
٤- كتاب (الغيبة): الأشرف بن الغر بن هاشم المعروف بتاج العلى (ت ٦١٠ هـ).
٥- كتاب (الملاحم والفتن في ظهور الغائب المنتظر): علي بن طاووس (ت ٦٦٤ هـ).
٦- كتاب (الرجاء): الحسن بن سليمان بن محمد بن خالد الحلي، توفى في (ق ٨ هـ).
٧- كتاب (الأنوار المضيئة في الحكمة الشرعية المستنبطة من الآيات الإلهية في أحوال صاحب العصر والزمان) وكتاب (الغيبة): علي بن عبد الله بن فخار النجفي، توفى نهاية (ق ٨ هـ).
٨- كتاب (السلطان المفرج عن أهل الإيمان) وكتاب (الغيبة) وكتاب (سرور أهل الإيمان في علائم ظهور صاحب الزمان): علي بن عبد الكريم النيلي كان حيا سنة ٨٠٣ هـ.
· هناك بعض البحوث والمصنفات المهمة كتبت عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في هذه البرهة الزمنية، ولكنها لم تكتب مستقلة إنما دمجت ضمن سياق كتب عقائدية أو مجموعات أخرى لعلمائنا الأعلام، وطبعت عام ١٤٣٠ هـ في موسوعة (الإمام المهدي في مصادر علماء الشيعة) نختار منها بعض العناوين كأمثلة:
١) مؤتمر علماء بغداد في الإمامة والخلافة، تأليف: مقاتل عطية البغدادي (ت ٥٠٥ هـ).
٢) روضة الواعظين، تأليف: محمد بن الفتال النيسابوري (ت ٥٠٨ هـ).
٣) إعلام الورى بأعلام الهدى، تأليف: أمين الاسلام الطبرسي (ت ٥٤٨ هـ).
٤) الخرائج والجرائح، تأليف: قطب الدين الراوندي (ت ٥٧٣ هـ).
٥) الثاقب في المناقب، تأليف: محمد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة (ت ٥٨٥ هـ).
٦) عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار، تأليف: يحيى بن الحسن الأسدي المعروف بابن البطريق (ت ٦٠٠ هـ).
٧) مجموعة الورام، تأليف: ورام بن أبي فراس المالكي الأشتري (ت ٦٠٥ هـ).
٨) المنقذ من التقليد، تأليف: محمود الحمصي الرازي، توفى اوائل القرن ٧ هـ.
٩) الاحتجاج، تأليف: أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي (ت ٦٢٠ هـ).
١٠) كشف المحجة لثمرة المهجة، تأليف: علي بن طاووس (ت ٦٦٤ هـ).
١١) مختصر البصائر، تأليف: الحسن بن سليمان الحلي (ت ٨٠٢ هـ).
١٢) مشارق أنوار اليقين في أسرار مولانا أمير المؤمنين، لرجب البرسي (ت ٨١١ هـ).
مقتطفات من المشهد الادبي في هذه المرحلة:
نظم الشعراء في هذه الفترة الزمنية الكثير من القصائد عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وكانت النزعة باتجاه الثأر واضحة، علماً بأن كل الشعر الشيعي في شتى مراحله التاريخية ينصب في معظمه على الثأر التاريخي، والتشديد في أكثره على بني أمية، فهم المثال الأعلى للطغيان والظلم الذي أسسوه لمن أتى بعدهم.. فإن الشعراء الشيعة على طول التاريخ يشعرون بغصص في داخلهم لواقعة الطف وما جرى فيها وما بعدها تدفعهم للنداء بالثأر واستنهاض الإمام المهدي للخروج والأخذ بثأر جده الإمام الحسين، ومن أمثلة الشعر الشيعي في هذه الحقبة التاريخية الداعية للانتقام والأخذ بالثأر:
قصيدة الشاعر صالح بن عبد الوهاب الحلي المعروف بابن العرندس (ت ٨٤٠ هـ)، له قصيدة رائية شهيرة تحتوي على أكثر من ١٠٠ بيت، مطلعها:
طوايا نظامي في الزمان لها نشر... يعطرها من طيب ذكراكم نشر
نظمها في مدح أهل البيت (عليهم السلام)، وعرج على مصائب واقعة كربلاء، وجاء فيها هذا البيت الرائع المؤلم:

أيُقتلُ ظمآناً حسين بكربلا * * * وفي كل عضو من أنامله بحر

نختار من القصيدة الأبيات التي يعرج فيها على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ويعرفه ويحدد هويته ونسبه ويدعوه للثأر:

فليس لأخذ الثأر إلا خليفة * * * يكون لكسر الدين من عدله جبر
تحف به الأملاك من كل جانب * * * ويقدمه الإقبال والعز والنصر
عوامله في الدارعين شوارع * * * وحاجبه عيسى وناظره الخضر
تظلله حقا عمامة جده * * * إذا ما ملوك الصيد جللها الجبر
محيط على علم النبوة صدره * * * فطوبى لعلم ضمه ذلك الصدر
هو ابن الامام العسكري محمد التـ * * * ـقي النقي الطاهر العلم الحبر
سليل علي الهادي ونجل محمد الـ * * * ـجواد ومن في أرض طوس له قبر
علي الرضا وهو ابن موسى الذي قضى * * * ففاح على بغداد من نشره عطر
وصادق وعد انه نجل صادق * * * إمام به في العلم يفتخر الفخر
وبهجة مولانا الإمام محمد * * * إمام لعلم الأنبياء له بقر
سلالة زين العابدين الذي بكى * * * فمن دمعه يبس الأعاشيب مخضر
سليل حسين الفاطمي وحيدر الـ * * * ـوصي فمن طهر نما ذلك الطهر
له الحسن المسموم عم فحبذا الـ * * * إمام الذي عم الورى جوده الغمر
سمي رسول اللّه وارث علمه * * * إمام على آبائه نزل الذكر(١١٨)

كذلك نقتطف قصيدة رائعة في هذه المرحلة التاريخية للشاعر أبو الحسن جمال الدين علي بن عبد العزيز بن أبي محمد الملقب بـ (الخليعي)، وقد سكن الحلة إلى أن مات في حدود سنة ٧٥٠ هـ ودفن بها، يتشوق في قصيدته إلى ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ويذكر فيها نسبه ويعدد بعض مناقبه، جاء فيها:

طلاب العلى بالسمهري المقوم * * * وضرب الطلى مرمى إلى كل مغنم
وضربة عضب باتر الحد مرهف * * * وصهوة مهر أعوجي مطهم
ألا في سبيل الله نفس تقدمت * * * وتاقت إلى نصر الإمام المعظم
إلى نصر مغوار طويل نجاده * * * على فتك أعداء الإله مصمم
إلى القائم المهدي من آل أحمد * * * إلى العروة الوثقى إلى البطل الكمي
كريم نجاد طالبي مناسب * * * إلى ذروة المجد الحسيني ينتمي
مناقب جلت أن تعد لواصف * * * فبالعقل لا تحصى ولا بالتوهم
يقوم مع الركن اليماني قانتا * * * يؤم بروح الله عيسى ابن مريم
ومن حوله غر الملائك عكف * * * وأنصاره من كل أشوس معلم
ويسري وأسد الغاب حول ركابه * * * إلى نهج يهدي إلى الرشد أقوم(١١٩)

برز شعراء كثيرون في هذه الحقبة التاريخية لم نتطرق لهم أو نذكر قصائدهم أو نشير إلى أسمائهم مراعاة للاختصار، وقد ذكر السيد محسن الامين أسماء ٧٠ شاعراً مشهوراً من الشيعة عاشوا في هذه الفترة، في موسوعته الرائعة (أعيان الشيعة)(١٢٠).
ثمرة المرحلة (خلاصة):
إن الظروف السياسية التي عاشها الشيعة في هذه الحقبة التاريخية في منتصف القرن الخامس الهجري كان لها تأثير كبير جداً على التراث الشيعي، إذ لم يجد الحكام السياسيون المخالفون إلا إحراق التراث الإسلامي الشيعي واضطهاد قادة الفكر والمعرفة وعلماء الشيعة، فقد خيمت أجواء التعصب المذهبي على الحرية المتاحة للعلماء وعلى المستوى الفكري واتجاهاته ومن ثم على الناحية الثقافية للمجتمع الإسلامي بشكل عام.
من المؤسف حقاً، في فترة صدر الإسلام حُرق الحديث النبوي ظناً منهم أن ذلك يحفظ الإسلام وهو توهم باطل، مما خسر البشرية الكثير من تراث الحبيب المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأفقدنا الكثير من تراث أهل البيت (عليهم السلام).. وفي عصور لاحقة كهذه الحقبة التاريخية فإن الهمجية والجهل والتعصب الطائفي والحروب المقيتة قضت على العلم والفكر، فحرقت وابادت جهود مئات السنين ورجعت بالأمة إلى الخلف، فخسرنا الأصول الأربعمائة واندثرت معظم تواقيع الناحية المقدسة.. إن مما يقرح الفؤاد حقاً، كم من مكتبات الشيعة حُرقت على مرّ التاريخ، وفي هذه المرحلة بالذات، فتوارت واختفت للأبد كل مصنفات الشيعة في الشأن المهدوي التي دونت في عصر الائمة (عليهم السلام) وعصر الغيبة الصغرى، فصارت مئات الكتب المهدوية النفيسة طعمة للنار!.
علماً بأن الأحداث الطائفية التي قام بها السلاجقة لم تكن فريدة في التاريخ الإسلامي وبالخصوص في هذه الفترة، فقد سبقتها بلاد فارس في عهد الدولة الغزنوية، وأعقبتها أحداث مصر في عهد الدولة الأيوبية، وكذلك ما قام به المغول على حاضرة العالم الإسلامي.. فمع التقلبات السياسية والطائفية للدول المتعاقبة في هذه المرحلة الزمنية، أدت إلى ان يتمثل الاتجاه الفكري الشيعي في اتجاهين:
الأول: اتجاه ذو منحى عقلي اجتهادي، وتمثله ثلة من كبار علماء مدرسة الحلة، وقد سلكت مسيرة التجديد وفتحت باب الاجتهاد وإعادة الاعتبار للعقل، ولكن للأسف لم نجد أي كتاب أو مصنف كُتب في الشأن المهدوي من قبل علماء هذا الاتجاه.
الثاني: اتجاه ذو منحى نقلي أثري، وليس بالضرورة إخباري، ونشأ هذا الاتجاه كرد فعل على الاتجاه الأول، والممثل الأكبر والأبرز لهذا الاتجاه هو السيد علي بن طاووس (ت ٦٦٤ هـ)، يتبنى نزعة سلفية تقليدية، تقف عند حدود النقل والاقتباس الجامد للنصوص، فقراءة في مجمل مصنفاته نجد أنها تميل بشكل مفرط نحو النقل، وفي الغالب يقصر دوره على التجميع والتصنيف(١٢١).
في هذه المرحلة التاريخية تغير واختلف مسار الحركة التصاعدية في الفكر المهدوي، بصورة عكست طبيعة الظروف الزمانية وتمايز البيئات السياسية الحاكمة، فقد شهدت تحولات وتراجعات فكرية تميزت بانخفاض مستوى الناتج الفكري المهدوي كيفاً نتيجة للتراجع في النشاط العلمي، وغلب على تصنيفات هذه الفترة الزمنية طابع المطارحات والسجالات الفكرية مع المدارس الأخرى، وفي هذا النطاق وهذه المرحلة جاءت الكتب التالية:
- كتاب: ترتيب الأدلة فيما يلزم خصوم الأئمة دفعه عن الغائب والغيبة، لـ أحمد بن الحسين بن عبد الله المهراني الآبي، توفى في القرن السادس الهجري.
- كتاب: المسألة في مولد صاحب الزمان، لـ محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري أبو علي، توفى ٥٦٣ هـ.
- كتاب: الاحتجاج، لـ ابي منصور أحمد بن علي الطبرسي، توفى ٦٢٠ هـ.
- كتاب: الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، لـ علي بن موسى بن طاووس توفى ٦٦٤ هـ.
فالطابع السجالي يظهر واضحاً على مؤلفات هذه الحقبة التاريخية، كما يتجلى ذلك في عناوينها أيضاً.
إن التجربة التاريخية والتغيير والتراجع في مسار التراث المهدوي التصاعدي يقف شاهداً على ما استنتجناه في هذه المرحلة من حالة الركود والانكماش، فمن جهة برز لنا اتجاه نقلي يعيد صياغة الثقافة المهدوية نقلاً عن مصنفات سابقة يبوّبها أو يختصرها، ومن جهة أخرى لا نجد للعلماء المميزين والمجددين في هذه البرهة الزمنية كابن إدريس الحلي والعلامة الحلي والشهيد الأول وغيرهم من علماء حوزة الحلة أي كتاب يذكر يرتبط بالشأن المهدوي، فتحولت الثقافة المهدوية الإيجابية الباعثة للأمل بالمستقبل والدافعة للنهوض والانطلاق إلى ثقافة ذات طابع دفاعي يغلب عليها روح المساجلات العقدية، وإن كانت لا تخلو من تفاؤل بالمستقبل بعنوان الانتظار.

الفصل السابع: طور التفريع
مرحلة انتشار التشيع (٩٠٧-١١٤٨ هـ)

تمتاز هذه الفترة الزمنية بتحولات مفصلية سياسية وفكرية في تاريخ الشيعة، إذ بدأت مرحلة انتشار وتوسع التشيع، ففي بداية القرن العاشر الهجري ظهر الشاه إسماعيل (مؤسس الدولة الصفوية) ذو النزعة الشيعية، وجعل إيران دولة واحدة، والمذهب الشيعي الإمامي مذهباً رسمياً للدولة.. وتميزت هذه الفترة بانفتاح المجال السياسي أمام فقهاء الشيعة، وعلاقة الدين بالسياسة، والولاية العامة للفقيه بصفته نائباً للإمام المهدي (عليه السلام)، وارتفع الاضطهاد عن الشيعة في إيران خاصة.
الوضع السياسي والفكري في هذه المرحلة:
إن الهجوم المغولي على إيران، أشاع الخراب والدمار والظلم والمعاناة في المجتمع الإيراني، مما دفعه إلى الانهيار الروحي والأخلاقي وهو ما وفر قاعدة مناسبة لنمو ظاهرة ترك الدنيا والنظر إلى الحياة نظرة تشاؤمية، أعادت الحياة إلى التصوف المتجذر في فارس، فتكاثرت مراكز المتصوفة، وأصبح التصوف جسراً بين التسنن والتشيع في إيران، واضافة لعوامل أخرى تهيأت الأرضية المناسبة لانتشار المذهب الشيعي.
الوضع السياسي: الدولة الصفوية (٩٠٧-١١٤٨ هـ):
ينسب الصفويون إلى جدهم الأعلى الشيخ صفي الدين إسحاق الأردبيلي وهو تركي سني على مذهب الشافعي، وكان شيخ طريقة صوفية، انتقل إلى أردبيل (التابعة للحكم في مقاطعة أذربيجان)، ومن هذا الاسم صفي الدين أخذت السلالة الصفوية اسمها.. اعتنق أحد أحفاد الشيخ صفي الدين، وهو الشيخ جنيد المذهب الشيعي الاثني عشري، وترتب على ذلك أن راح يعمل على نشره في المناطق المجاورة، وقام برحلة إلى الأناضول والشام، حيث التشيع منتشر في تلك المناطق، ويقول د. طقوش عن هذه الرحلة: (فقرر استقطاب التركمان إلى صفه من خلال تبنيه لشعائرهم في التشيع، وأشاع بأن دولة العلويين الموعودة التي ستظهر في آخر الزمان هي وشيكة القيام بقيادته وهو سيحارب في جيش المهدي، واضعاً بذلك البنى التأسيسية لمشروع سياسي يهدف إلى إنشاء دولة)(١٢٢)، فالتف حوله عشرات الآلاف من التركمان الشيعة في الأناضول، وتمت على يديه الانعطافة في تحول الحركة الصوفية إلى حركة سياسية، بعد أن تهيأ لها الجو السياسي بتفتت إمبراطورية تيمورلنك.
وخطا ابنه (حيدر) خطوة أخرى في دفع الحركة الصوفية إلى التشيع، وذلك باتخاذه شعاراً يميز أتباعه عن غيرهم على صورة قلنسوة حمراء ذات اثنتي عشرة ذؤابة، كناية عن الأئمة وعرف بتاج حيدر، واضعاً بذلك نواة لقوة عسكرية.. وتوالت الأحداث بعد ذلك بسرعة حتى تولى رئاسة الأسرة ابنه إسماعيل، فالتفت حوله القبائل التركمانية ودانت بالولاء والحماس له، طبعت شخصية الفتى إسماعيل (١٤ عاماً) بهالة من القداسة باعتباره القائد العسكري والملهم الروحي لهذه القبائل في اطار قوة عسكرية عرفت بـ (القزلباش)(١٢٣)، وانطلق الجيش من أردبيل وقاده بنفسه للغزو والفتح، وكانت إيران يومذاك موزعة الأطراف بين عديد من الملوك والأمراء ورؤساء القبائل، فاستخلصها منهم الواحد تلو الآخر ووحدها تحت سلطانه.
في سنة ٩٠٦ هـ استولى على شيروان، وفي سنة ٩٠٧ هـ انتزع تبريز من أيدي الاق قوينلو واتخذها عاصمة لدولته الناشئة، (ذكرت المدونات الصفوية أن الملك الشاب اجتمع ليلة الجمعة بأركان دولته وبحث معهم إعلان أن المذهب الشيعي هو المذهب الرسمي والوحيد في الدولة، وقد أثار بعضهم مخاوف حقيقية جراء هذا الأمر الخطير، فأكثر من ثلثي سكان تبريز هم من أهل السنة، وقد تحدث ردة فعل شعبية ترفض وجود ملك شيعي.. ولكن الملك حسم المسألة في صبيحة الجمعة وطلب من خطيب شيعي بارز ارتقاء المنبر في مسجد جمعة تبريز، وقرئت الخطبة بأسماء أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وعندما ارتفع أذان الصلاة دوت كلمات (أشهد أن علياً ولي الله، وحي على خير العمل) من فوق منائر المسجد ومن ثم من كل مساجد البلاد، وقد استقبل أهالي مدينة قم العريقة في تشيعها هذا الإعلان بفرح كبير)(١٢٤).
وقدر لهذا الفتى الشجاع (٨٩٢-٩٣٠هـ) أن يقوم عام ٩٠٧ هـ بخطوتين مثيرتين للغاية:
أولاً: تأسيس دولة جديدة قوية، استطاعت أن توحد إيران تحت راية واحدة.
ثانياً: إعلان المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري مذهباً رسمياً في البلاد.
قاد الشاه إسماعيل (حكم ٩٠٧-٩٣٠ هـ) جيوشه محققا انتصارات متلاحقة تمكن في سنة ٩٠٩ هـ ملك كيلان، وفي سنة ٩١٢ هـ سيطر على ديار بكر، وفي سنة ٩١٤ هـ دخلت بغداد في حكمه.
جاء قيام الدولة الصفوية ليكون إحدى الحوادث الكبرى في تاريخ إيران، ولكن قرار التشيع كلف الدولة الصفوية الكثير، فقد وجدت نفسها بين فكي كماشة: الأوزبك المتعصبين في الشرق، والعثمانيين المدججين بالسلاح في الغرب، وسرعان ما وجدت الدولة الصفوية الفتية نفسها تخوض حروباً مصيرية في حدودها الشرقية والغربية.
وفي عام ٩٣٠ هـ وفي الثامنة والثلاثين من العمر توفى شاه إسماعيل تاركاً على العرش نجله طهماسب (حكم ٩٣٠-٩٨٤ هـ)، وهكذا انطوت الفترة التأسيسية ليبدأ عهد جديد من حياة الدولة، فاتجهت إلى بناء جبهة داخلية قوية تستند إلى قاعدة مذهبية جديدة.. توالت الأحداث، وفي عهد الشاه عباس الأول (٩٩٦-١٠٣٨هـ) ترتبت الأوضاع الداخلية للدولة وارتقت إلى مصاف الدول الكبرى في المنطقة، ففي الواقع الداخلي طور الجهاز العسكري وقام بإنجازات إنشائية في الحقل المدني، وعالج الأوضاع الخارجية كذلك سيطر على خراسان وأجزاء من أفغانستان وقندهار وأذربيجان وديار بكر والعراق وأجزاء من الخليج مثل جزيرة هرمز والبحرين، وحسن العلاقات مع بعض دول أوربا.
حكم الدولة الصفوية ١١ ملك من عام ٩٠٧ وحتى عام ١١٤٨ هجري، وقد أصاب الدولة الصفوية الضعف والفتور بعد وفاة خامس ملوكهم عباس الكبير سنة ١٠٣٨هـ، ليبلغ ذروته في عهد الشاه حسين (١١٠٥-١١٣٥هـ) تاسع الملوك، فأغرى ضعف الدولة الصفوية الدول الأخرى في السيطرة على مناطقها، فاحتلت القبائل الأفغانية أجزاء من إيران، وكذلك فعلت الدولة العثمانية مع المناطق الغربية، واحتلت روسيا القيصرية المناطق الشمالية، وهنا يظهر نادر شاه الأفشاري (١١٠٠-١١٦٠هـ) كقائد عسكري على مسرح الأحداث، فقد تمكن نادر شاه بجيش من أفراد قبيلته (الأفشار) من الاستيلاء على إقليم خراسان، وأخذ يمسك بزمام الأمور مما جعل طهماسب الثاني ابن الشاه حسين يعينه قائداً للجيش الصفوي، مما يسّر له الظهور وتدعيم قوته، وتمكن من إلحاق الهزيمة بالأفغان، واسترداد الأراضي التي كان الروس قد سيطروا عليها وكذلك العثمانيون، ثم توجه إلى أصفهان عام ١١٤٨هـ وعزل الشاه عباس الثالث الصفوي، وأعلن سقوط الدولة الصفوية التي دامت قرابة قرنين ونصف، وقيام دولة جديدة محلّها.
الوضع الفكري:
برزت حاجة الدولة الصفوية في بداية تأسيسها إلى إيجاد قاعدة فقهاء شيعة حيث لا يمكن العثور عليهم في تبريز، فاتجهت الأنظار إلى الخارج وبالخصوص العراق ولبنان والحواضر الشيعية، فبدأ الاتصال بالعلماء والفقهاء للاستفادة منهم في إدارة الشؤون الدينية وما يتصل بالحقوق الشرعية والتشكيلات القضائية.. وقد كان لعلماء جبل عامل في لبنان الذين تربوا في مدرسة الشهيد الأول (قتل ٧٨٦هـ) دور كبير في تعميق التشيع من خلال بناء فقهي وفكري متين، وكان دورهم أشد تأثيراً من علماء الشيعة الذين هاجروا من العراق والبحرين.. وفي عهد الملك طهماسب أصبحت استمالة علماء جبل عامل للتوجه إلى إيران من السياسات الأساسية للحكومة الصفوية، وإن اتصال الشيخ على عبد العال الكركي (٨٧٠-٩٤٠ هـ) بالشاه إسماعيل والحفاوة التي حظي بها، ثم لقاءه شاه طهماسب وتسنمه منصب شيخ الإسلام(١٢٥) في عهده، فلأول مرة في تاريخ الشيعة يتقلد الفقيه منصب النيابة (الولاية) العامة عن الإمام المهدي، بمعنى أن يصبح الفقيه المصدر الرئيسي لإضفاء الشرعية على السلطة، فهذا بداية مرحلة تطور كبير للمؤسسة الدينية في الدولة الصفوية، ومن ناحية أخرى تطور في الفكر الإمامي الشيعي بتجربة جديدة لعلاقة الفقيه مع السلطان، فالشيعة بعد غيبة الإمام المهدي في أمسّ الحاجة إلى مسوغات شرعية لطريقة التعامل مع السلطان.. ومن أجل فهم الظروف التي ساعدت على حدوث هذا التطور، علينا أن نعرف وبشيء من الإيجاز النظرية الإمامية الشيعية حول إشكاليات التعامل مع الحكم والسلطة السياسية: (إن التأسيس الشيعي للسلطة يقوم على الإمامة المعصومة من خلال النص، فإن شرعية ممارسة السلطة في الرؤية الإمامية في زمن حضور الإمام المعصوم منوطة به وحده، ولا يمكن تجاوزه بحال من الأحوال (فالوصية هي ما يؤسس نظرية السلطة عند الشيعة)، ولكن غيبة الإمام الثاني عشر (م ح م د بن الحسن العسكري) شكلت تحولاً كبيراً، أنتج بدوره إشكاليات جديدة، إذ أن غياب الإمام المهدي في العام ٣٢٩ هـ ترك فراغاً فعلياً، رغم أنه إمام الزمان وصاحب السلطة الفعلية، وعلى ضوء ذلك لا يمكن الإقرار بشرعية أي نظام سياسي يقوم على غصب الإمام المعصوم صلاحياته وسلطته، فالموروث الشيعي عن الأئمة كان واضحاً في لزوم الاقتران بين الإمامة وشرعية السلطة، ويعبر عن ذلك الموقف الفقهي الذي يحصر شرعية النظام السياسي بالإمامة المعصومة)(١٢٦).
ومع انتشار التشيع وثقل مراكزه في بعض الحواضر الإسلامية، وتبوأ العلماء والفقهاء مناصب قيادية في الدولة الصفوية، وهو ما يتماهى مع حاجة الصفويون إلى تدعيم اركان حكمهم عبر كسب شرعية دينية تمكنهم من بسط سلطتهم بشكل كامل، وكان هذا يشكل الطابع والسياق العام في الدولة الصفوية.. ولكن عند تقييم التجربة الصفوية في إيران، ودراسة عهد كل ملك بشكل مستقل نجد الاختلاف في التعامل كالآتي: (لقد كان شاه إسماعيل يجمع في شخصيته الزعامتين الروحية والزمنية واعتبر إلى حد كبير نائباً للإمام المهدي (عليه السلام).. أما شاه طهماسب فقد أعلن وبصراحة مثيرة أن الشيخ الكركي - وهو عالم عربي لا يعرف الفارسية ولا التركية - هو نائب الإمام المهدي وأنه هو الحاكم الحقيقي لإيران وأنه مفوض في إدارة شؤون الدولة.. وعندما جاء شاه عباس إلى الحكم أصبح هو الحاكم المطلق لإيران والدكتاتور الذي لا يسأل عما يفعل)(١٢٧)، كل ذلك أدى إلى أن يكثر الحديث عن دور (الفقيه الجامع للشروط) في شؤون الحكم وتوسيع هذا الدور باعتباره نائباً للإمام الغائب، فانطلق جدال فقهي وسياسي حاد وسط فقهاء الشيعة في القرن العاشر الهجري حول العلاقة مع السلطة وقبل ذلك مشروعيتها، فبرزت آراء فقهية معارضة لما يطرحه الكركي وتيار جبل عامل، بدأت مع الفاضل إبراهيم القطيفي(١٢٨) الذي كان متحفظاً تجاه التعاون مع السلطة الصفوية.
شهدت العقود الأخيرة من عمر الدولة الصفوية صراعات فكرية في أكثر من جبهة وعلى أكثر من صعيد:
١- صراع محتدم بين الفقهاء بشكل عام والحركة الصوفية.
٢- صراع بين أهل الحديث وبين أهل الفلسفة وطلاب الحكمة.
٣- صراع آخر بين الإخباريين والأصوليين.
٤- صراع بين المسلمين والتبشير المسيحي بسبب الانفتاح على أوربا.
هذه التحولات والصراعات الفكرية هيأت الأجواء لظهور كتب (حديث وروايات) مميزة في هذه الحقبة، يمكن الإشارة إلى أبرزها:
· كتاب (الوافي) للفيض الكاشاني (ت ١٠٩١هـ)، حيث تمحورت أحاديثه حول الأصول والفروع.
· كتاب (وسائل الشيعة) للحر العاملي (١٠٣٣-١١٠٤هـ)، وقد فرع وقسم الأحاديث إلى أبواب مختلفة.
· موسوعة (بحار الأنوار) للعلامة المجلسي (١٠٣٧-١١١٠هـ)، أكبر موسوعة ضمت معظم تراث الشيعة.
وتعتبر هذه الكتب من أهم ما أضافه العصر الصفوي إلى المكتبة الشيعية في حقل الدراسات الفقهية والعلوم الإسلامية، وهذه المصنفات الحديثية قد أكملت سلسلة كتب الحديث الأربعة القديمة، ذات القيمة التاريخية لفقه الإمامية وتطوره.
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة(١٢٩):
نشير بشكل مختصر لبعض مصنفات علماء الشيعة في موضوع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في هذه المرحلة التاريخية.. نذكر منهم:
١) كتاب (رسالة في الغيبة): للشيخ علي عبد العال الكركي (ت ٩٤٠ هـ).
٢) كتاب (رسالة في مناهج تسميات المهدي): محمد باقر بن سيد شمس الحسيني الداماد (ت ١٠٤٠ هـ).
٣) كتاب (تفريج الكربة عن المنتقم لهم في الرجعة): محمود بن فتح الله الحسيني الكاظمي (ت ١٠٨٥ هـ).
٤) كتاب (رسالة في الرجاء): سيد محمد مؤمن الحسيني الأسترابادي (ت ١٠٨٨ هـ).
٥) كتاب (الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة): محمد بن الحسن الحر العاملي (ت ١١٠٤ هـ).
٦) كتاب (رسالة في الرجعة): محمود بن فتح الله الحسيني الكاظمي، كان معاصراً لمحمد بن الحسن الحر العاملي.
٧) كتاب (المحجة فيما نزل في القائم الحجة) و(تبصرة الولي فيمن رأى المهدي) و(مولد القائم ع): للسيد هاشم بن سليمان الكتكاني البحراني (ت ١١٠٧ هـ).
٨) كتاب (موسوعة بحار الأنوار - المجلدات ٥٣،٥٢،٥١) و(علائم الظهور) و(توقيعات صاحب الزمان): للعلامة محمد باقر بن محمد تقي الأصفهاني المجلسي (ت ١١١٠ هـ).
٩) كتاب (عوالم العلوم والمعارف في أحوال الإمام الحجة بن الحسن المهدي): عبد الله بن نور الله البحراني الأصفهاني (ت ١١١٤ هـ)، من تلامذة المجلسي، طبع في ٥ مجلدات.
١٠) كتاب (ضياء العالمين): أبو الحسن الشريف العاملي، من تلاميذ المجلسي.
١١) كتاب (جنة الخلود في الآثار المتعلقة بالأئمة): مولى محمد رضا الإمامي (ت١١٣٧هـ).
وغيرهم من المصنفات والمؤلفات الكثير الذي يدخل ضمن التراث الشيعي المهدوي.
أهم ما صنف عن الإمام المهدي في هذه المرحلة: نقتطف بعض المصنفات المهدوية البارزة والتي كتبت في زمن العهد الصفوي، ونلاحظ فيها كثرة التفريعات والتبويبات، وكتبت على شكل موسوعات من كثرة التفصيل في المعارف المهدوية والتوسع فيها أو التطرق إلى أبواب جديدة، نتكلم عن بعضها بشكل تعريفي موجز:
- كتاب أو موسوعة (بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار) لشيخ الإسلام العلامة محمد باقر بن محمد تقي الأصفهاني المجلسي (١٠٣٧-١١١٠ هـ).
يعتبر من أشهر الكتب الحديثية والروائية لدى الشيعة الاثني عشرية، كتبه المجلسي في أصفهان في زمن الدولة الصفوية، ويعد من أكبر موسوعات الحديث إطلاقاً، حيث يتكون من ١١٠ مجلدات ضخمة.. وصنف على شكل دائرة معارف، وقد حظيت باهتمام كبير من قبل الباحثين بسبب ما اشتملت عليه من الأحاديث مع ذكر سندها الموصل للأئمة المعصومين (عليهم السلام)، ولترتيبها الموضوعي والشروح والتعليقات التي زينتها في ذيل أكثر الأحاديث والروايات، إضافة إلى التحقيقات الكلامية والتاريخية والفقهية والتفسيرية والأخلاقية والحديثية واللغوية التي اشتملت عليها.. لقد أشار المجلسي إلى السبب والغاية الذي دعاه لتدوين الموسوعة، فذكر من ذلك:
١) حرصه على طلب العلم، وأنه لا ينفع إلا إذا أخذ من عين صافية وعن ينابيع الوحي (الكتاب والعترة).
٢) حفظ تراث أهل البيت (عليهم السلام) من الضياع، وذلك بتتبع الأصول المعتبرة المهجورة إما لاستيلاء السلاطين المخالفين عليها أو قلة اعتناء جماعة المتأخرين بها.
٣) أن يصبح الكتاب من المراجع والمصادر المهمة للفقهاء وطلبة العلوم الدينية.
دوّن المجلسي الموسوعة في النصف الثاني من عمره وبعد أن طوى مدارج عالية في العلم والتأليف، وحظي بدعم مادي ومعنوي من الدولة الصفوية.. وقد بذل جهداً كبيراً في جمع الموسوعة وتأليفها حيث أرسل الكثير من الطلاب إلى شتى المدن والبلدان للبحث عن المخطوطات والمصادر وجمعها في مكان واحد، فساعده تلامذته في إنجاز العمل، إلا أنه قام بالعبء الأساسي والأصلي بنفسه، والإشراف على جميع مراحل تدوين الموسوعة وإنما اقتصر عمل التلاميذ على الجمع وكتابة الآيات والأحاديث تحت العناوين والأبواب.. أما مصادر الموسوعة كاملة فقد اعتمد على ٣٨٧ مصدراً شيعياً و٨٥ كتاباً من مصادر العامة لإثبات الحجة والدليل أحيانا أو لتأييد ما ورد في المصادر الشيعية أحياناً أخرى، وكذلك اعتمد على كتب اللغة والشروح.
تحتوي موسوعة البحار على عناوين ومواضيع عديدة ويتفرع من كل عنوان أبواب شتى، ففي (المجلد الثالث عشر) طبقا للطبعة الحجرية ذات الخمس والعشرين مجلداً، والطبعة الحديثة ذات المائة وعشرة أجزاء (المجلدات ٥١ إلى ٥٣) اشتمل علي موضوع (في تاريخ الإمام الثاني عشر) وتفرع منه ٣٦ باباً، وهي بعناوين متفرقة في أحوال الحجة المنتظر (عجّل الله فرجه): ذكر فيه أخبار ولادته ونصوص إمامته وعلة غيبته وعلائم ظهوره ومن رآه و...، ومما لا شك فيه أن هذا الكتاب وجُلّه روايات وأخبار أهل البيت (عليهم السلام) يشارك في تثبيت الحقائق العقائدية ويثبت أن قضية الإمام المهدي هي قضية إسلامية عامة.
كان المنهج المعتمد عند المصنف أنه يورد تحت كل باب الآيات المتعلقة به مباشرة أو بالاستعانة بالقرائن الحافة به كالقرينة التاريخية أو الحديثية أو التفسيرية المناسبة للموضوع مع شيء من التفسير والتوضيح ثم يذكر الروايات المتعلقة بالباب، ويشرح بعض مفردات الحديث الشريف، وفي مقام النقد والرد على الشبهات العقلية يميل في معظم الأوقات إلى الطريقة الإخبارية أي في مقام الرد والجواب من خلال ما ورد في الروايات، مما يشكل رؤية (حديثية وروائية) متكاملة عن القضية المهدوية من تتبع الروايات المتناثرة والتبويب الموضوعي لها.. وقد اعتمد في الجزء المتعلق بموضوع الإمام المهدي (عليه السلام) على أكثر من ٥٤ مصدراً شيعياً، بالإضافة إلى ذلك هناك خصائص أخرى امتازت بها الموسوعة من قبيل:
١ - كونها أوسع الكتب الحديثية والروائيّة عند الشيعة الإماميّة، فإنّها دائرة للمعارف الشيعيّة.
٢ - تعتمد الموسوعة على أهم الكتب الحديثية المعتبرة والتي تشكل المصادر والمراجع.
٣ - عدم التقطيع في الروايات، بل يأتي بالرواية بتمامها.
٤ - حفظ الأمانة في النقل، فإنه ينقل ما في المصادر والمراجع وإن كان الخبر ضعيفاً عنده.
٥ - حذف المكررات في الروايات والاكتفاء بذكر عناوين المصادر المتشابه في ذكر الرواية.
٦ - بيان الآيات القرآنية في صدر الأبواب بما يتعلق بالموضوعات والعناوين.
٧ - بيان بعض التوضيحات اللغوية والعلمية وشرح مفردات بعض الروايات بعنوان (بيان).
وقد استغرق جمع الموسوعة وتدوينها ما يقرب من أربعة وثلاثين سنة كاملة (١٠٧٢-١١٠٦هـ).
- كتاب أو موسوعة (عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار) للعلامة الشيخ عبد الله بن نور الله البحراني الاصفهاني (ت ١١١٤ هـ) من أعلام تلامذة شيخ الاسلام العلامة المجلسي.
الشيخ البحراني عالم دين ومحدث شيعي أشتهر بتأليفه موسوعة عوالم العلوم، الذي يزيد عددها وحجمها على مجلدات (البحار)، فعدد مجلدات الموسوعة مائة وتسعة وعشرين جزءاً.. هذا الكتاب أخذه البحراني من بحار الأنوار كتاب أستاذه المجلسي مع تنظيم دقيق وتنسيق جيد في ترتيب الأحاديث وتبويبها، وقد انتقد عليه جماعة واعتبروا كتابه تحويراً شائناً عن البحار، ولذا لم يرزق من الحظ ما رزق البحار.
طبع في العصر الحديث(١٣٠) بعض أجزاءه بشكل مستقل، منها كتاب (أحوال الإمام الحجة) في ٥ مجلدات كبيرة في ٢٦٢٥ صفحة وهي عبارة عن الجزء ٢٦ من الطبعة الحجرية القديمة، تحتوي موسوعة العوالم في أحوال الحجة على ٢١ قسم، وتفرع من كل قسم أبواب شتى، حتى بلغت ٣٦٢ باب، تحدثت عن نسبه وأحوال أمه وولادته ونصوص إمامته وغيبته وظهوره ومواضيع أخرى كثيرة متفرقة في القضية المهدوية.
- كتاب (الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (١٠٣٣ - ١١٠٤ هـ).
اهتم الشيخ بموضوع الرجعة لأنه يعد من إحدى عقائد الشيعة الإمامية الاثني عشرية، إذ لا قائل بهذه العقيدة غيرهم، والمرتبطة بشكل وثيق بالعقيدة المهدوية.. يقول الشيخ في مقدمة كتابه(١٣١): (إن الذي وصل إلينا في هذا المعنى قد تجاوز حد التواتر المعنوي، وأوجب لأهل التسليم العلم القطعي اليقيني)، وقد قسم كتابه إلى اثني عشر باباً، تشمل على أكثر من ستمائة حديث، وأربعة وستين آية من القرآن، وأدلة كثيرة وعبارات المتقدمين والمتأخرين، وجواب الشبهات وغير ذلك، من قبيل الاستدلال على الرجعة وإمكانها ووقوعها، والأدلة المعتمدة الواردة في الأخبار بها، وإنها وقعت في الأمم السابقة، وإننا موعودون بها في آخر الزمان في هذه الأمة، بالإضافة لبعض المواضيع المتعلقة بهذا الشأن، مثل (هل بعد دولة المهدي دولة أم لا)؟.
تطرق الشيخ في الكتاب عن الرجعة بشكل شامل وبتفصيل وافٍ، فتعرض إلى كل نواحيها وجوانبها عقلاً ونقلاً وتفسيراً وحديثاً، شارحاً لبعض الأحاديث الغامضة ويرد الشبهات بالأدلة القاطعة على من أنكر واستبعد ذلك، فلم يترك الشيخ أي موضوع من المواضيع التي تختص بالرجعة إلا وتطرق له بالتفصيل، بالإضافة للإثباتات الاستدلالية المستخلصة من الآيات الشريفة والأحاديث المتواترة عن أهل البيت (عليهم السلام).
- كتاب (المحجة فيما نزل في القائم الحجة (عجّل الله فرجه)) للسيد هاشم بن سليمان الكتكاني الحسيني البحراني (ت ١١٠٧ هـ).
يعتبر أول مصنف في هذا الباب وبهذا الأسلوب حيث جمع فيه الآيات القرآنية النازلة في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) على ضوء الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، وهو من الكتب القيمة في هذا المجال، ويحتوي على ١٢٠ آية ابتداءً من سورة البقرة إلى سورة العصر، مرتبة على ترتيب السور والآيات، وقد كتبه بعد أن انتهى من تأليف (تفسير البرهان)، يقول البحراني عن كتابه المحجة: ألفته من تفسير أهل البيت (عليهم السلام) وربما كانت الآية قد نزلت فيه وفي آبائه الطاهرين، فاقتصرت في هذا الكتاب على ذكر الرواية فيه (عجّل الله فرجه) وأحيل في الرواية في آبائه على كتاب (البرهان في تفسير القرآن) المعمول من رواية أهل البيت (عليهم السلام)(١٣٢).
المحجة كتاب قيم لم يسبقه أحد على هذا النهج، وعلاوة على خصوصيات الكتاب ومنهجه، فإن فيه ميزة أخرى، وهي نقله مباشرة من كتب مفقودة اليوم ولا أثر لها، مثل: كتاب (الهداية) للحسين بن حمدان الحضيني، وكتاب (كشف البيان) لمحمد بن الحسن الشيباني.. انتهى من تأليفه قبل ٢٢ ذي الحجة ١١٠٤ هـ.
المشهد الأدبي في هذه المرحلة:
الأدباء والشعراء الشيعة منتشرون طوال التاريخ الإسلامي، لم يسع المجال للتطرق لبعض قصائدهم الخالدة أو نشير إلى أسمائهم وذلك مراعاة لمنهج الكتاب وللاختصار، وقد ذكر السيد محسن الأمين أسماء ٤٣ شاعراً مشهوراً من الشيعة عاشوا في هذه الحقبة التاريخية، في موسوعته الرائعة (أعيان الشيعة)(١٣٣).
بعض القصائد المهدوية في هذه الفترة لقيت حظاً وافراً من الشهرة والانتشار، مثل قصيدة الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي الجبعي العاملي المعروف بالشيخ البهائي (ت ١٠٣٠ هـ) المسماة: (الفوز والأمان في مدح المهدي صاحب الزمان) والبعض يسميها (روح الجنان)، والتي خصصها بمدح الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في ثلاثة وستين بيتاً، يخاطب الشاعر فيها الإمام المهدي ويطلب إليه بأن يقوم ويخلص المؤمنين من الظلم والظالمين، ويتكلم عن صفات أنصاره وأعوانه، والتي مطلعها:

سَرى البرقُ من نجدٍ فهيَّج تذكاري * * * عهودًا بِحزوَى والعذيبِ وذي قار

وجاء فيها:

خليفةُ رب العالمين وظلُّهُ * * * على ساكن الغبراءِ من كلِّ ديَّار
هو العروةُ الوثقى الذي من بذيله * * * تمسكَ لا يخشى عظائمَ أوزار
إمامُ هدىً لاذَ الزمانُ بظلِّه * * * وألقى إليه الدهرُ مقودَ خوَّار
ومقتدرٍ لو كَلَّفَ الصمَّ نُطْقَها * * * بأجذارها فاهتْ إليه بأجذار
علومُ الورى في جنب أبحرِ علمِهِ * * * كغَرْفَةِ كفٍّ أو كغمسةِ منقار
فلو زار أفلاطونُ أعتابَ قدسه * * * ولم يُعْشِهِ عنها سواطعُ أنوار
رأى حكمةً قدسيةً لا يشوبها * * * شوائبُ أنظارٍ وأدناسُ أفكار
بإشراقها كل العوالم أشرقت * * * لما لاحَ في الكونينِ من نورها الساري
إمامُ الورى طوْدُ النُّهى منبعُ الهدى * * * وصاحبُ سرِّ الله في هذه الدار

ومنها أيضاً:

أيا حجةَ الله الذي ليس جارياً * * * بغير الذي يرضاه سابقُ أقدار
ويا من مقاليدُ الزمان بكفه * * * وناهيكَ من مجد به خصُّه الباري
أغث حَوْزةَ الإسلام واعمُرْ ربوعَه * * * فلم يبقَ فيها غيرُ دارسِ آثار
وأنقذْ كتابَ الله من يد عُصبة * * * عصوْا وتمادوْا في عتوٍّ وإصرار
وأنعشْ قلوباً في انتظارك قرَّحت * * * وأضجرها الأعداء أيَّةَ إضجار
وخلِّص عبادَ الله من كل غاشم * * * وطهِّر بلادَ الله من كلِّ كفار
وعجِّلْ فداكَ العالمونَ بأسرهم * * * وبادرْ على اسمِ الله من غير إنظار
تجدْ من جنود الله خير كتائب * * * وأكرمَ أعوان وأشرفَ أنصار

مدح الإمام المهدي (عليه السلام) وذكر مناقبه في القصيدة جاء وفق الأحاديث الشريفة والآيات القرآنية، لذلك أثرت الأبيات على المتلقي كثيراً، وقد أعجب بها قاضي القضاة بدمشق، وطلب من معاصره الأديب أحمد المنيني الحنفي أن يشرحها، فطبع شرحها في سبعين صفحة في آخر كتاب الكشكول للبهائي.
ثمرة المرحلة (خلاصة):
إن الظروف السياسية التي عاشها الشيعة في بداية القرن العاشر الهجري وانفتاح المجال السياسي أمام فقهاء الشيعة، بالإضافة لانتشار التشيع في مناطق جديدة في العالم الإسلامي، أثر بشكل كبير على تطور الفكر الإمامي من ناحيتين:
أولاً: في الجانب السياسي: من الناحية النظرية وكذلك الناحية العملية (ونقصد بذلك الولاية العامة للفقيه عن الإمام المهدي)، ففي السابق لم يكن لدى علماء الشيعة قبل قيام الدولة الصفوية نظرية سياسية واضحة المعالم في عصر الغيبة، أو حتى خبرة عملية يمكن أن تعين الفقيه على بناء نظرية واقعية لدولة تستمد من قيم الدين والمذهب أسسها وسياساتها، فقد قصر دور العلماء على الاعتقاد بالإمامة الإلهية التي تحولت إلى نظرية مقفلة بإحكام... فمنذ انقطاع الجدل الفقهي حول العلاقة مع السلطة وسط فقهاء الشيعة في القرنين الرابع والخامس الهجري - في عهد الدولة البويهية - لم يشهد الوسط الشيعي جدالاً مماثلاً حتى القرن العاشر الهجري، حيث بقيت مسألة العلاقة مع السلطة وقبل ذلك مشروعيتها غير محسومة، بالرغم من الظروف المساعدة والمناخ السياسي الذي يتيح للفقيه فرصة إنتاج معارف دينية سياسية، ونخص بتلك الظروف النماذج التالية:
· نموذج: العلامة الحلي والجايتو خدابنده في الدولة الإيلخانية المغولية، وكان دور الفقيه منحصراً في الحيز الإرشادي التبليغي.
· نموذج: الشهيد الأول محمد مكي العاملي والحاكم علي بن المؤيد في الدولة السربدارية، وكان دور الفقيه منحصراً في دور الإفتاء.
إلا أن المصادر التاريخية والفقهية لا تشير إلى ثمة جدالات سياسية جرت وسط فقهاء الشيعة خلال الفترة الممتدة من القرن السادس وحتى بدايات القرن العاشر الهجري.. أما في عهد الدولة الصفوية، فقد شكل نموذج الشيخ الكركي منعطفاً تاريخياً في علاقة الفقيه والسلطان، فلأول مرة يتقلد الفقيه منصب الولاية العامة عن الإمام المهدي (عليه السلام) ويصل إلى أعلى نقطة في الهرم السياسي، وهذا المنصب يخوله التشريع في الحقل الديني، بمعنى أن يصبح الفقيه المصدر الرئيسي لإضفاء الشرعية على السلطة.
ولذا يمكن القول بأن التراث السياسي الشيعي (الولاية العامة عن الإمام المهدي) بدأ مع قيام الدولة الصفوية، وتحديداً فيما يتعلق بالمواقف العامة من التعاطي بالشأن السياسي والعلاقة بين الفقيه والسلطان، فانطلق أثر ذلك نشاط ثقافي وفكري وجدل حاد في الأوساط الشيعية، بين مؤيد للتماهي مع الدولة الصفوية وبين مستنكر بشدة لأي نوع من العلاقة مع الدولة المندرجة تحت عنوان الدولة الغصبية وهي دولة زمنية لا دينية، كون العلاقة معهم تدمغ سلطانهم بالشرعية التي لا تصح إلا للإمام المعصوم(١٣٤).
ثانياً: في الجانب المعرفي المهدوي: نتيجة لانتشار التشيع وتعدد العلوم والمعارف والتوسع في مختلف المسائل الدينية، ونتيجة للتحولات والصراعات الفكرية التي حدثت في عهد الدولة الصفوية وعلى أكثر من جبهة، بالإضافة للمستوى الحضاري الرفيع الذي بلغه الشيعة في هذه الفترة وما لازمه من اختلاط بثقافة حضارات مختلفة، وجد العلماء أنفسهم مضطرين إلى توسيع دائرة معارفهم وتحريك سواكن أفكارهم، فتوسعت المعارف والعلوم الدينية وتفرعت الأبواب في الثقافة المهدوية، فأطلق العلماء العنان لأفكارهم وانسابت أقلامهم، فأنتجوا مؤلفات حديثية ضخمة وموسوعات جامعة مطولة ذات فروع متكاثرة وأبواب متناثرة، والتي كانت إحدى السمات الجديدة في التأليف في هذه المرحلة التاريخية، فسار التصنيف الموسوعي إلى جانب التصنيف الموضوعي، إضافة لهدف حفظ التراث المهدوي الشيعي من الضياع والاندثار، فظهر لنا مثل: موسوعة (البحار) وموسوعة (عوالم العلوم والمعارف) كدوائر معارف تهتم بأحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، ومنها عدة مجلدات تهتم بالأحاديث المتعلقة بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وقد شملت هذه المصنفات على العديد من الأبواب والتفريعات الجديدة في القضية المهدوية.. إضافة إلى ذلك ففي هذه المرحلة تم التطرق إلى فروع مبتكرة في الثقافة المهدوية مثل كتاب (المحجة) والذي يعتبر أول مصنف في بابه.. ثم تطورت حركة التفريعات في القرون اللاحقة، فزاد المتأخرون من الإكثار في توسيع دائرة التفريعات، فخرجت لنا مصنفات مهدوية كثيرة التشعبات وبها حالة من الاستطراد في المعارف المهدوية، بحيث لا يتيسر للقارئ الإلمام بموضوعها بسهولة أو السيطرة على محتواها، وذلك لكثرة تفريع المسائل والأبواب، مثل كتاب: (النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب) للشيخ حسين الطبرسي النوري (١٢٥٤-١٣٢٠هـ) وقد فرغ منه في سنة ١٣٠٣هـ، وكتاب: (إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب) للشيخ علي اليزدي الحائري (ت ١٣٣٣هـ).
وخلاصة القول: فإن كتاب (البحار) يعتبر مثال بارز ومنعرج حاسم وتحول واضح في مسار التراث المهدوي الشيعي، ونقلة في النشاط الثقافي والفكري المهدوي من طور الركود إلى طور التفريع والتفصيل، فالمجلدات الثلاثة (٥١، ٥٢، ٥٣) تعتبر من المصنفات المهدوية الرائدة والشاملة الجامعة، وتتناول عدداً كبيراً من المسائل والأبواب، مما أدى بعد ذلك إلى إبراز النزعة للمؤلفات المهدوية الشاملة الجامعة.

الفصل الثامن: طور الدفاع
مرحلة دحض الشبهات عن العقيدة المهدوية (١١٤٩-١٣٩٠ هـ)

بعد انتهاء الدولة الصفوية والتعاقب السريع لدول عديدة على حكم إيران، والتدخل الأجنبي السافر في البلاد الإيرانية، أفرزت هذه الظروف واقع نفسي محبط وسيئ لدى الإيرانيين، فدخل الشيعة في عهد الدولة القاجارية في صراع ومواجهة مع فرق هدامة وضالة كالبابية والبهائية وهي صنيعة الاستعمار الأجنبي، والتي استغلت بعض سمات القضية المهدوية في بداية انطلاق دعوتها، مما دفع علماء الشيعة في الرد على ادعاءاتهم ومزاعمهم وفضح خبث مخططاتهم.
الوضع السياسي في هذه المرحلة:
الدولة الأفشارية (١١٤٩-١١٦٣ هـ)(١٣٥): كان نادر شاه أول ملوكها، والذي يرجع أصله إلى عشيرة أفشار التركمانية، التي كان وطنها الأصلي تركستان، وقد نزحت نحو أذربيجان خوفاً من الغزو المغولي، ثم أجبرها الشاه إسماعيل الصفوي على تركها واستقرت في شمال خراسان في منطقة (ابيورد).. عاش نادر شاه في بداية حياته في شظف العيش، حيث كان والده (امام قلي بيك) فقيراً وراعياً للجمال، بدأ نادر حياته العسكرية بانضمامه إلى عساكر حاكم ابيورد، وكان طموحه أن يحكم خراسان كلها، فاجتمع حوله عدداً كبيراً من عشائر الأفشار التركمانية وأكراد قوجان، فسيطر على خراسان بعد أن أنهى حكم محمود السبيستاني، بدأ نادر يوسع دائرة نفوذه بسرعة فائقة بمهاراته العسكرية وحنكته السياسية، وبسبب ضعف السلاطين الصفويين وترهل الدولة الصفوية في أيامها الأخيرة، عزل عباس الثالث الصفوي، ونصب نفسه شاهاً جديداً على إيران عام (١١٤٨هـ)، وهو الذي أنقذ إيران من الاحتلال الأجنبي وإرجاع الوحدة السياسية إليها، حيث طرد الأفغانيين والأوزبك والروس والعثمانيين من إيران.. ولكن هذه الحال لم تدم طويلاً، إذ دخلت إيران بعد مقتل نادر شاه عام ١١٦٠هـ في دوامة من الفوضى والاضطرابات الدموية، وقد تمكن كريم خان الزندي من استغلال الظروف وتأسيس دولة الزنديين
الدولة الزندية (١١٦٦-١٢٠٩ هـ)(١٣٦): مؤسس الدولة كريم خان الزندي والذي تنتسب أسرته إلى (قبيلة لك) الكردية، كان كريم جندياً في جيش نادر شاه، وبشجاعته الفائقة وحزمه شاع صيته بين الناس، وبعد مقتل نادر تقلد كريم خان المناصب العسكرية الرفيعة في عهد عادل شاه.. وقد دخلت البلاد الإيرانية بعد عام ١١٦٠ هـ في حروب داخليه قاسية، فاستغل كريم خان الأوضاع القلقة والمضربة التي اجتاحت إيران للاستحواذ على السلطة والحكم، فتم له ذلك عام ١١٦٦ هـ، ولكن بعد مماته (١١٩٣هـ) دب الخلاف والنزاع بين أخلافه ولاسيما أبنائه وإخوانه وتقاتلوا وضعفت الدولة الزندية، وبعد قتل لطف علي خان الزندي عام ١٢٠٩ هـ في طهران، أفلت دولة الزنديين إلى الأبد، وقامت مكانها الدولة القاجارية.
الدولة القاجارية (١٢٠٩-١٣٤٣ هـ)(١٣٧): تنحدر سلالة القاجار من إحدى قبائل القزلباش البدوية من التركمان، وهي إحدى القبائل السبع التي أسهمت في تأسيس الدولة الصفوية، في بداية تشكيل كيانهم السياسي استولى القاجار على منطقة أستر آباد (شمال شرق إيران)، استطاع قائد القبيلة آغا محمد خان أن يستولي على الحكم في بلاد فارس بعد قيامه سنة ١٢٠٩هـ بالقضاء على الزند في كرمان، ثم القضاء على الأفشريين في خراسان، فوحد البلاد وأتخذ لنفسه لقب الشاه.. كان آغا محمد خان (١٢٠٩-١٢١١هـ) مؤسس الدولة القاجارية يحلم ببعث سطوة الصفويين وإحياء إمبراطورية نادر شاه الأفشاري الواسعة، استطاع أن يحكم كل إيران وضم لها جورجيا، ولكنه اغتيل عام ١٢١١هـ، وجاء بعده ابن أخيه فتح علي شاه (١٢١٢-١٢٥٠هـ) وفي عهده تغلغل النفوذ الروسي والبريطاني في إيران بشكل كبير، وبسبب القيادة السياسية الفاشلة والخسائر العسكرية في عهده، تدهورت أوضاع البلاد وسارت من سيئ إلى أسوأ، وانسلخت مناطق كثيرة من القوقاز وأجزاء من سواحل بحر قزوين من إيران بموجب معاهدة (كلستان عام ١٢٢٨هـ) وكذلك معاهدة (تركمان جاي عام ١٢٣٤هـ) مع روسيا القيصرية، والامتيازات التي حصل عليها الروس نتيجة لهذه المعاهدات، فتعرضت كرامة إيران كدولة للمساس، وأدت كذلك إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ونفسية وخيمة بالنسبة للإيرانيين.
في عهد ناصر الدين شاه (١٢٦٤-١٣١٣هـ) حدث تنافس شديد بين الدولتين البريطانية والروسية من أجل الاستحواذ على ثروات إيران وبسط نفوذهما، وتدخلاتهما السافرة في مقدرات إيران الاقتصادية والسياسية يتصاعد يوماً بعد آخر، وبدأ الضعف والفساد يدب في أوصال الدولة الإيرانية.. وأصبح اقتصاد البلاد ينظمه البريطانيون عن طريق ممارساتهم الاحتكارية وحصولهم على تنازلات كبيرة بعد معاهدة باريس (١٢٧٤هـ) مع الحكومة البريطانية.
ومن الانتفاضات الداخلية المهمة التي حدثت في زمن الدولة القاجارية:
· ثورة التنباك: حين منح الملك ناصر شاه القاجاري حق بيع وشراء التبغ في إيران لصالح شركة بريطانية، فجاءت فتوى المرجع محمد حسن الشيرازي (١٣٠٩هـ)، الذي نصها: (بسم الله الرحمن الرحيم، استعمال التنباك والتتن حرام بأي نحو كان، ومن استعمله كمن حارب الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف) وكانت هذه الفتوى بمثابة ثورة ضد الاستعمار البريطاني، وتهدف إلى صيانة البلاد من تغلغل النفوذ الأجنبي ومن الاحتكارات الاستعمارية، وعلى أثر ذلك حدثت اضطرابات وتظاهرات في أماكن متعددة في إيران، تُطالب بإلغاء الامتياز بصورة كاملة، وأخيراً اضطر الشاه القاجاري تحت ضغط الجماهير إلى الإعلان عن إلغاء الامتياز كاملاً.
· الحركة الدستورية: في عهد مظفر الدين شاه القاجاري (١٣١٤-١٣٢٣هـ) ثارت الجماهير الإيرانية للمطالبة بإقرار دستور للبلاد وإعلان الثورة ضد الشاه وأتباعه، فبرز كل من آية الله (محمد الطباطبائي) وآية الله (عبد الله البهبهائي) اللذين كان لهما دورٌ كبير في إذكاء روح الثورة لدى أبناء الشعب الإيراني، وتحت ضغط الجماهير أصدر الشاه يوم ٩ جمادى الآخرة ١٣٢٤هـ قانون (فرمان) يقضي بإنشاء مجلس نيابي منتخب مهمته (البحث في أحوال الدولة وحماية المصالح العامة)، وتم تشكيل لجنة ضمت من بين أعضائها عدداً من رجال الدين لدراسة اللوائح التشريعية على ضوء الشريعة الإسلامية ووفقا للمذهب الشيعي الإثنى عشري، وافتتح مجلس الشورى في طهران بصورة رسمية يوم ١٤ جمادى الثانية ١٣٢٤هـ، وتمت صياغة الدستور وصادق عليه الشاه، وكان الدستور الجديد في كثير من نصوصه ترجمة للدستور البلجيكي، ولكن لجنة الصياغة حرصت على أن يكون موافقاً للشريعة الإسلامية ولا يخالفها، وتوضح إحدى مواده أن يكون في كل دورة من دورات المجلس لجنة مؤلفة من خمسة أشخاص من الفقهاء المجتهدين يدرسون جميع اللوائح التشريعية، فإذا وجدوا ما يخالف الشريعة رفضوه، وأن قراراتهم في هذا الصدد واجبة التنفيذ، وأن هذا الشرط في الدستور لا يمكن تغييره إلى حين ظهور إمام العصر والزمان (عجّل الله فرجه).
أدى تدخل الحكومتين الروسية والبريطانية المباشر في الأوضاع الداخلية للحكومة الدستورية إلى فشلها وسقوطها، فبعد عامين من إقامة الحكم الدستوري، واجهت البلاد اقتصاداً منهاراً، وعاشت في ظل التأزم السياسي في طهران، والنزاعات العشائرية في الأقاليم، وخزينة الدولة على وشك الإفلاس، حيث كانت دولتا الاستعمار تبذل ما في وسعهما للوقوف ضد أية بادرة تهدد وضعهما المتميز في إيران، ودأبتا على توجيه السياسة الإيرانية وفق مصالحهما، وظهر هذا جلياً عندما أعلنت الدولتين أن الحكومة الإيرانية لا يحق لها عقد اتفاقيات مع دول أخرى إلا بعلمهما وبموافقتهما، وعلى أثر الأحداث المتعاقبة والتدخلات الاستعمارية السافرة، فقد وجدت الحكومة الدستورية أن الضغط الروسي شديد ويزداد باطراد يوماً بعد يوم، وأن بريطانيا تقف بإصرار إلى جانب روسيا، ووصل الأمر إلى حد إن هددت روسيا بأنها ستبعث قواتها لاحتلال طهران، ما أدى إلى انحلال الحكومة الدستورية في شوال ١٣٢٩هـ.
حدثت بعد ذلك تطورات خطيرة، وإيران أضناها الضعف العسكري والسياسي والاقتصادي، وكانت الحالة السياسية أكثر تدهوراً مما كانت عليه، وأصبحت إيران في عهد الملك السادس محمد علي شاه (١٣٢٤-١٣٢٦هـ) مقسمة إلى مناطق نفوذ روسي وبريطاني وعثماني، وما كان بقدرة الملك الشاب أحمد شاه (١٣٢٦-١٣٤٣هـ) آخر الحكام القاجاريين أن يواجه الأحداث السياسية في بلاده بفاعلية لضعف إرادته وجبنه.. وهكذا قد استسلمت إيران لمستقبل مجهول تحت سطوة احتلال أجنبي بشكل خطير للغاية، لذا لم يكن بوسع إيران أن تبقى بعيدة عن الحرب العالمية الأولى، حيث تحولت إلى إحدى ساحات الصراع بين الجيش الروسي والبريطاني من جهة والدولة العثمانية المتحالفة مع المانيا من جهة أخرى.
بشكل عام حكم الدولة القاجارية ٧ ملوك واتخذوا من مدينة طهران عاصمة لهم، وبعد خروج روسيا من الحرب العالمية الأولى انسحبت من إيران، واتجهت الدولة القاجارية نحو الضعف والتدهور الشديد والنهاية تحت حكم أحمد شاه، حيث دب الصراع بين القادة العسكريين للاستحواذ على السلطة.
الدولة البهلوية (١٣٤٣-١٣٩٩ هـ): لقد دفعت ظروف التغلغل الاستعماري الكبير في إيران، وبسبب الحرب العالمية الأولى، وتدهور السلطة المركزية والأوضاع الاقتصادية المتردية والحالة الأمنية المضطربة، وعدم رضا الشعب عن حكامهم إلى ظهور حركات مناوئة للسلطة المركزية.. وبانتهاء الحرب العالمية تخلصت بريطانيا من منافسيها في إيران وأصبحت السيد المطلق في السياسة الإيرانية، وكانت معاهدة عام ١٣٣٧هـ / ١٩١٩م مع بريطانيا بمثابة فرض حماية استعمارية على إيران.
بعد وصول النظام القاجاري إلى الانحلال التام، جاء الانقلاب الذي قاده رضا خان بهلوي عسكرياً، وضياء الدين طباطبائي سياسياً في ١٣ جمادى الآخرة ١٣٣٩هـ وبمباركة من الاستخبارات البريطانية، مما شكل تحول خطير في تاريخ إيران الحديث والمعاصر.
كان رضا خان بهلوي (١٢٩٥-١٣٦٣هـ) من ضباط الجيش القاجاري، فتأسست الدولة إثر الانقلاب الذي قام به رضا بهلوي في ١٣٣٩هـ، ومن ثم في سنة ١٣٤٣ه خلع الشاه أحمد ميرزا القاجاري آخر شاهات الدولة القاجارية، وأصبح ملكاً لإيران، وهو الذي غير اسم البلاد من فارس إلى إيران.. واتبع سياسة داخلية تقوم على فصل الدين عن السياسة، وإسكات المؤسسات الدينية وقمعها ومنعها من التأثير على مجريات الأمور السياسية، تأسيا بأسلوب كمال أتاتورك التركي، وكان في صراع دائم مع رجال الدين، خصوصاً عندما أصدر توجيهات مناهضة لوجود الحجاب في المجال العام.
كانت لسياسة رضا خان الخارجية وفشله في المناورة على حساب توازن القوى الدولية الدور الأساسي في سقوطه، فخلال الحرب العالمية الثانية سيطرت روسيا وبريطانيا على إيران، فأجبروه على التنحي لصالح ابنه محمد رضا سنة ١٣٦٠هـ وذلك بسبب علاقته الشخصية مع هتلر، ونفي إلى جنوب إفريقيا حيث مات هناك(١٣٨).
خلفه ابنه محمد رضا بهلوي (١٣٣٨-١٤٠٠هـ) وكان يلقب بـ (شاهنشاه) أي ملك الملوك، اتبع سياسة لينة في بداية حكمه مع الشعب لإصلاح ما لحق بهم من ظلم وجور في ظل حكم والده المطلق.. ثم بدأت علائم النفور تظهر على العلاقات بين إيران والاتحاد السوفيتي، وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية تدخل على خط نيل الامتيازات الاقتصادية، وفي عهده انجلت قوات الاحتلال (الحلفاء) عن الأراضي الإيرانية بعد ستة أشهر من انتهاء الحرب، وفي عهد رئيس الوزراء د. مصدق تم تأميم النفط.. وأخيراً تفرد الشاه بالسلطة، وتزامن عهده بمجابهة حادة مع المؤسسات الدينية، وأخفق الشاه من احتواء الزخم المتزايد لرجال الدين، مما أدى إلى سقوط نظامه عام ١٣٩٩هـ، إثر انتفاضة شعبية قادها الإمام الخميني، وقامت مكانها الجمهورية الإسلامية حيث رافقتها تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية جذرية في كافة أرجاء إيران، فاضطر إلى ترك إيران في ١٧ صفر ١٣٩٩هـ وتوفى في مصر.
الوضع الفكري في هذه المرحلة:
اقتفت الدولة القاجارية سيرة التشيع الصفوي، فأقرت تمذهب الدولة وذلك لغاية تحصيل الشرعية واستقرار السلطة، ولكن السمة المحددة للتمذهب القاجاري أنه يقع خارج نطاق حركة الدولة، أي أن النشاط الديني مستقل عن الحكومة، ولذا فالدولة القاجارية لم تحمل رسالة دينية أو مذهبية محددة.
ابتدأ فصل جديد من الصراع الإخباري - الأصولي في العهد القاجاري، في سجال فقهي تحركه أغراض سياسية محددة، ويتمحور السجال حول النص والاجتهاد، وحمل راية الأخبار الميرزا محمد الأخباري (ق ١٢٣٢هـ) وكان يعد باب الاجتهاد مقفلاً منذ غيبة الإمام المهدي، فيما حمل الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت ١٢٢٨هـ) رأيه الأصوليين، وكان يرى بأن حق الاجتهاد مكفول لكبار العلماء الحائزين على ملكة الاجتهاد(١٣٩).
تنبه القاجاريون الورثة التاريخيين للصفويين لمستوى وعي فقهاء الشيعة في الميدان السياسي حيث كان دورهم محورياً في الحوادث السياسية كثورة التنباك والحركة الدستورية، فبدأ ملوك القاجار يشجعون المنحى القريب إلى نزعتهم التسلطية، والحد من تأثيرات النزعة العقلانية التحررية في الفكر الشيعي وترسيخ الفكر الانعزالي الصوفي، وفي هذه الفترة ظهرت الفرقة الشيخية(١٤٠) بزعامة الشيخ أحمد زين الدين الإحسائي (١١٦٦-١٢٤١هـ)، الذي أقام في كرمنشاه، وخصه ركن الدولة الميرزا محمد علي بالأعطيات، وكان مقرباً لدى الملك القاجاري فتح علي شاه (حكم ١٢١٢-١٢٥٠هـ)، الذي دعاه للإقامة في طهران، في سياق خطة لتطوير التيار الاخباري والصوفي داخل التشيع بما يتيح له فرصة وقف تمدد التيار الأصولي الاجتهادي المهيأ للعب دور سياسي احتجاجي داخل الدولة.
على أية حال، فقد نجح التيار الأصولي في تقويض محاولات تهميشه، فنشر موجة عارمة ضد الشيخ الإحسائي(١٤١) انطلقت من قزوين واتصلت بباقي المناطق الإيرانية، فاضطر للرحيل إلى العراق ومنه إلى الحجاز وتوفى في طريقه إلى الحج، وحمل الراية من بعده تلميذه السيد كاظم الرشتي (١٢١٢-١٢٥٩هـ) من كربلاء.. وبعد أن توفى المؤسس الأول (الشيخ الإحسائي) والثاني (السيد الرشتي)، وقع خلاف في هذه الجماعة في خصوص من يخلف السيد الرشتي، فجماعة اتبعت (ميرزا حسن بن علي القراجه داغي) وهم الذين يعرفون بالإحقاقية، وجماعة اتبعوا (محمد كريم خان بن إبراهيم الكرماني) وهم الذين عرفوا بالكرمانية والركنية، أمّا البعض الآخر وهم قلّة فقد اتبعوا (علي محمد رضا الشيرازي) وهم المعرفون بالبابية، والذين انقسموا بعد ذلك للبهائية والأزلية، وكلا الشقين خرجوا عن دين الإسلام بإجماع علماء الشيعة وعلماء الشيخية، وبالتالي لا يمكن احتسابهم من الفرقة الشيخية، لأنهم أعلنوا بصريح العبارة أن ما عندهم هو دين جديد جاء لينسخ الإسلام.
استغلال بعض سمات الثقافة المهدوية من قبل أعداء الإسلام:
ظهرت الحركة البابية في عهد الدولة القاجارية، فبعد وفاة السيد كاظم الرشتي في كربلاء، ففي الليلة الخامسة من جمادي الأولى سنة ١٢٦٠ هجري الموافق ٢٣ مارس ١٨٤٤ ميلادي - أي بعد مرور ١٠٠٠ عام على بداية الغيبة الصغرى - ادّعى أحد تلامذة الرشتي وهو (علي محمد) أنه الباب للإمام المهدي (عليه السلام)، ثم بعد ذلك ادّعى أنه هو المهدي بنفسه، ثم أخيرا ادّعى النبوة.. في المراحل الأولى من ادعاءاتهم كان نبي البابية هو الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبعد أن ترقى علي محمد الباب في إدعاءاته حتى بلغ أن ادّعى النبوة والوحي، فصار (الباب علي محمد) هو نبي البابية.
نبذة تاريخية يسيرة عن البابية ونشؤها: ولد علي محمد في مدينة شيراز الإيرانية في (١ محرم ١٢٣٥هـ)، وبعد أن مات والده الميرزا رضا الشيرازي وهو في سنينه الاولى، تكفل خاله السيد علي التاجر بإعالته وتربيته، فتعلم مبادئ اللغتين العربية والفارسية في مسقط رأسه، وعندما كبر وبلغ سن الحلم، أخذه خاله إلى متجره وعلمه شؤون التجارة، ثم بعد ذلك اصطحبه معه إلى مدينة بوشهر للاشتغال بالتجارة، وخلال فترة مكوثه في بوشهر، كان مهتما كثيراً بالعلوم الغريبة (السحر، الطلسمات، علم الحروف...)، ومنغمسا في الخلوات والرياضات الروحية الشاقة، نصحه خاله ووعظه كثيرا لترك هذه الأفعال المخالفة في جلها للشريعة الإسلامية ولكنه لم ينته عن ذلك، مما دفع الخال لاستشارة عائلته في خصوص ما آل إليه حال ابن أخته اليتيم، وخلصوا في النهاية لإرساله إلى كربلاء والنجف، لعل قربه من العتبات المقدسة ومن العلماء تردعه عن ذلك، وعندما بلغ سن العشرين من عمره، سافر إلى العراق عام ١٢٥٨ هجري بطلب وإلحاح من أقاربه، سكن كربلاء مدة خمس سنوات والتقى فيها بالسيد كاظم الرشتي زعيم المدرسة الشيخية في تلك الفترة، وظل يتردد على درسه، وكان يتكلم مع بعض تلامذة السيد الرشتي البارزين كـ (الميرزا حسن جوهر) و(الملا محمد المامقاني) و(الحاج محمد كريم خان الكرماني) بألفاظ وعبارات خارجة عن قواعد الشريعة الإسلامية، فهجروه ونبذوه في مجالسهم، وبعد أن شعر بالوحدة انطوى على نفسه وأظهر حالة من الزهد والتقشف، مما دفع بالبعض التأثر به، فكان كلما استأنس بفرد ووثق به، خاطبه بقوله (ادخلوا البيوت من أبوابها)، ويكثر من ذكر الحديث النبوي «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»، ويقصد من ذلك أن الوصول للإمام المهدي لا يتم إلا من خلال باب، وهذا الباب هو علي محمد نفسه، ومن تلك الفترة أطلق على نفسه لقب (الباب) وسمّي أتباعه بـ (البابية).
علاقته بالمخابرات الروسية: جاء إلى العراق جاسوس روسي عن طريق إيران وقد كان في السابق سكرتيراً في السفارة الروسية في طهران، فتظاهر بالإسلام وسمى نفسه (الشيخ عيسى لنكراني) بينما كان اسمه الحقيقي (كينياز دالكوركي)، وقد ارتدى لباس رجال الدين وحضر درس السيد كاظم الرشتي في مدينة كربلاء، وهناك التقى بعلي محمد واستطاع الجاسوس أن يكوّن صداقة وثيقة بينهما.
يذكر الجاسوس الروسي (كينياز دالكوركي) في مذكراته(١٤٢) فيقول: (سأل طالب تبريزي يوما السيد كاظم الرشتي في مجلس تدريسه فقال: أيها السيد أين صاحب الأمر وأي مكان متشرف به الآن؟ فقال السيد: أنا لا أعلم، لعله هنا - يقصد مكان التدريس - ويكون الآن متشرفا بحضوره بيننا ولكني لا أعرفه.. فيقول كينياز: فأنا وبسرعة البرق طرأت بخاطري فكرة، وفي ليلة من الليالي التي كان فيها علي محمد مدخنا فيها الغليون والحشيش، وكنت أنا صاحيا جمعت نفسي في حضوره وأنا بحالة الخضوع والخشوع فقلت له: يا حضرة صاحب الأمر تفضل وترحم عليَّا، فأنت غير مخفي عليَّا أنت هو وهو أنت، عندها تبسم (الباب) ولم يتفوه بشيء لا نفياً ولا إثباتاً، وأنا كنت مصمّماً أن أحدث في مذهب الشيعة اختلافاً، وكنت أسأل (الباب) بعض المسائل السهلة وكان هو أيضا يجيب بأجوبة لم يكن لها مفهوم، فقد كان يعتقد أنّه باب العلم، نعم كان (الباب) أحسن آلة لهذا العمل والغرض، شاء أم لم يشأ ذلك، فمع إنه كان متلونًا وخمول العنصر، إلا أني حركته وسيرته كانت الحشيشة والرياضة أيضا معاونتين لي في ذلك، وعلى الرغم أنه لم يزل مترددا وخائفا من إدعاء أنّه (صاحب الأمر وإمام الزمان)، وكان يقول لي: ليس إسمي المهدي، فقلت له: أنا أسميك المهدي، فسافر أنت إلى طهران، وأنا أعطيك الكلمة والعهد أن أعينك وأوازرك حتى يؤمن بك جميع أهل إيران، أنت أبعد نفسك عن حالة التردد والخوف فقط، ولا تكن متلونًا فإن الناس يقبلون منك، وقلت له: مني النقد والمال ومنك إدعاء المبشرية والبابية وإنك صاحب الزمان، أجل مع أنه كان في البداية مستكرهاً ولم يقبل ما اقترحت عليه فإني قد قرأت في أذنه حتى أطمعته وأقنعته فقبل كامل ما قلت له، وقلت له: إنك لا تعلم أن وراء الأمر هذا القول جيش منظم، فأرضيته بذلك... فيقول كينياز: فذهب إلى البصرة ومنها إلى بوشهر وكتب ودعاني إلى الإيمان به فاستجبت دعوته، وكان مُدَّعاه أنه نائب إمام العصر وباب العلم، وأنا كتبت في جوابه: إنك إمام العصر نفسه الذي أول من آمن به الشيخ عيسى اللنكراني الذي كان رفيق حجرته في كربلاء، وبعد أن ذهب إلى إيران مباشرة نشرت وأشهرت في العتبات المقدسة أن حضرة إمام العصر قد ظهر وعلي محمد الشيرازي كان إمام العصر، وكان يحضر محضر تدريس السيد الرشتي والناس لم يعرفوه)(١٤٣).
بعد أن كانت دعوته في العراق سرية عاد إلى إيران فاستقرّ في مدينة بوشهر التي فيها كتب كتابه (البيان)(١٤٤) بنسختيه العربية والفارسية، والذي يدّعي أنهما وحي من الله، ومن هناك بدأ يرسل أتباعه إلى المدن الإيرانية.. والدعاة الذين توجهوا إلى شيراز، التقوا بعالم شيراز وإمام جمعتها أبو تراب الشيرازي، وعرضوا عليه أفكارهم والدخول في الدين الجديد للباب، فأخبر الحاكم بالأمر، فجلب الدعاة واستنطقهم، ثم طلب من الفقهاء الحكم في أمرهم، فحكموا عليهم بالكفر والخروج من الإسلام، وكان ذلك في (٢ شعبان ١٢٦١هـ).. ثم أرسل من يحضر الباب نفسه من بوشهر إلى شيراز، فجاءوا به مقيدًا إلى شيراز في ١٩ رمضان ١٢٦١ هـ.. وبعد أن ناظروه وعرفوا مقالته(١٤٥) وادعاؤه بأنه أفضل من النبي محمد وأن كتابه (البيان) أفضل من القرآن، قسم من الفقهاء أفتى بكفره وقتله، وقسم حكم عليه بالجنون والسفه، فأمر الوالي الحرس فجرّوه وضربوه، وأُخذ للمسجد، فتوجه (الباب) إلى كبير مجتهدي شيراز أبو تراب الشيرازي، وقبّل يده معلنا له عن توبته، واستغفاره لله ممّا كان يدّعيه، ثم أودع بعد ذلك السجن.
تنقل بين السجون الايرانية فمن شيراز إلى أصفهان ومنها إلى قلعة جهريق في مدينة باكو بأذربيجان.. ورغبة في إنهاء هذا الأمر بعد أن بدأ أتباعه وأنصاره يثيرون القلاقل والاضطرابات في جميع أنحاء إيران، أمر (الأمير نظام) رئيس الوزارة في حكومة ناصر الدين قاجار (حكم ١٢٦٤-١٣١٣هـ) بإرسال (الباب) إلى مدينة تبريز لكي يحاكم أمام مجموعة من الفقهاء وعلماء الدين المعروفين والحكم عليه، وقاموا بطرح الأسئلة عليه بخصوص طبيعة دعوته، وبعد الاطلاع على مزاعمه حكم عليه بالقتل، ونفذ حكم الاعدام رمياً بالرصاص في تبريز يوم الإثنين ٢٧ شعبان ١٢٦٥ هـ، ومع أحد أتباعه (الزنوزي).
(أثار مقتله حنق بعض أتباعه فصمموا على اغتيال ناصر الدين شاه آخذاً بثأره وفي ١٩ شوال سنة ١٢٦٨هـ بينما كان الشاه يتنزه خارج قصره عند سفح جبل شمران تقدم نحوه رجلان وبيد أحدهما عريضة وهما يصرخان الظليمة الظليمة الغوث الغوث فلما مد الشاه يده لتسلم العريضة عاجله الثاني بطلق ناري أصاب فخذه إصابة خفيفة وسرعان ما تداركه الحرس فقتلوا أحد الرجلين وأمسكوا بالثاني جريحاً، وكانت محاولة الاغتيال هذه إيذاناً ببدء حملة واسعة النطاق في أنحاء إيران للبحث عن البابيين والقضاء عليهم)(١٤٦)، فأخذ البابيون يتحولون إلى حركة سرية وخلايا تنتشر في الخفاء في أرجاء العالم.
تطور البابية إلى البهائية:

هناك ارتباط وثيق بين تاريخ البابية والبهائية، ويعتبر البهائيون (الباب) هو المبشر بالدين البهائي والممهد لظهور (بهاء الله)، وبما أن جذور البهائية تعود إلى البابية، نشير باختصار شديد إلى العلاقة بينهم، وكيف تطورت الحركة البابية إلى الديانة البهائية ودور الاستعمار في ذلك:
بعد إعدام الباب وما تبع ذلك من شغب وأحداث ومحاولة فاشلة لاغتيال الشاه ناصر الدين القاجاري من قبل البابيين، قبض على الكثير منهم وزجوا بهم في السجون، وكان منهم حسين على النوري المازندراني (١٢٣٣-١٣٠٩هـ) الملقب (بهاء الله)، وأخوه غير الشقيق يحيى النوري المازندراني (١٢٤٧-١٣٣٠هـ) الملقب (صبح الأزل)(١٤٧)، ثم توسطت السفارة الروسية في أمر هذين الأخوين فقبل الشاه أن يطلق سراحهما بشرط أن يخرجا من إيران، فأخليا سبيلهما ونفيا إلى بغداد، والتي كانت تابعة آنذاك للحكومة العثمانية.
أقام البهاء وصبح الأزل في بغداد إحدى عشر سنة (١٢٦٩-١٢٨٠ هـ)، وكان أكثرية البابيين يعتقدون أن (صبح الأزل) هو الوصي الحقيقي والخليفة الأصلي للباب، وخلال السنوات التي قضاها البابيون في بغداد كانوا يقومون بدعايات نشطة لمذهبهم في العراق وإيران، ووثقوا علاقاتهم بعدد من أفراد الأسرة القاجارية المعارضة للسلطة الحاكمة، وبسبب شكاوي الأهالي من فساد وعبث البابيون، وتحت ضغوط من الحكومة القاجارية، أمر السلطان العثماني بأخذهم إلى (اسطنبول) عاصمة الدولة العثمانية، وبقوا بها مدة أربعة أشهر، ثم اخذوا إلى مدينة أدرنة وبقوا بها مدة خمس سنوات، وأثناء وجودهما في أدرنة زاد الخلاف بين الأخوين على زعامة الحركة البابية، فلجأ البهاء للحيل والمكائد والخدع والمكر، وبعد أن وثق علاقته مع كبار البابيين من أهل الحل والعقد، أظهر ما كان يضمره وأعلن الدعوة إلى نفسه، بأنه هو الذي بشر الباب بقدومه بكنيته (من يظهره الله)، وهكذا اختلف البابيون وتفرقوا إلى فرقتين متخاصمتين (الأزلية والبهائية)، ولكن أصبحت كفة البهاء هي الراجحة، واستمر الخلاف بين الأخوين، وأخذ كل واحد منهم يدس السم لأخيه.. ونتيجة لذلك أصدر السلطان عبد العزيز العثماني قرار في سنة ١٢٨٥ هـ بنفي صبح الأزل مع أصحابه القلة وعدد من البهائيين إلى فاماغوستا بقبرص، وكذلك نفي البهاء وكثير ممن تبعه وعدد من الأزليين إلى عكا بفلسطين، وبقوا إلى أن مات كل منهما في منفاه الأخير، وقد أمضى البهاء مدة ٢٤ سنة في فلسطين وتوفى عام ١٣٠٩ هـ ودفن هناك.
بعد إعدام الباب لم ينقطع دور الروس عن متابعة وتوجيه الحركة، فكان دعمهم ومساندتهم مستمرة، فقد كانت لهم اليد الطولى في إطلاق سراح البهاء والأزل من السجن، وكذلك الدور المهم في التمويل وحشد الاتباع لهم.. وبالرجوع إلى مذكرات الجاسوس الروسي (دالكوركي) وهو يتحدث عن دور المخابرات الروسية في توجيه الحركة ومساندة الأخوين في منفاهم، يقول: (في بغداد أرسلت لهم كتباً وأمرتهم أن يستنسخوا منها نسخاً كثيرة، وكانوا يهيئون في كل شهر بعض الرسائل والمنشورات ويرسلونها للذين كانوا منخدعين بالباب ولم يروه، وكان قسم من أعمال السفارة (الروسية في طهران) منحصراً في تهيئة هذه الرسائل وتنظيم أعمال البابية... ولكن لم تكن لنا الجرأة بإظهار الأمر للمطلعين وأهل العقل والمعرفة، وقد كانت سفارة الإنجليز تراقبنا دائماً، وكان الأمر مزعجا لنا... كنا نجلب أنظار العوام للحركة ونقنعهم بقليل من المال، ومن كان متوارياً من البابيين في إيران، فإني كنت أعطيه المال لزيارة كربلاء واللقاء مع الأخوين في بغداد، حتى اجتمع حوله جمع من الصعاليك، وكل من كان أبوه متوفياً من شباب العوام كنا نقول له: إن أباك كان بابياً فلم لا تتبع أباك؟ وبمثل هذه المكائد والحيل كنا نورد السذج في مسلك البابية... كنت أبعث في كل شهر الفين أو ثلاثة آلاف تومان إيراني، ثم نفتهم الدولة العثمانية من بغداد إلى اسطنبول ومن هناك إلى أدرنة، والدولة الروسية كانت تدعمهم وقد بنت لهم المأوى والمسكن، وأهم أفكارهم ومعتقداتهم كانت تلقن إليهم بواسطة وزارة الخارجية... وعلمت فيما بعد أن تحركات رقبائنا (الإنجليز) سبب اختلافهما)(١٤٨).
ينبغي أن نشير إلى الانعطافة في مسيرة الحركة، فمنذ أن نفي الأخوين واتباعهما إلى فلسطين وقبرص انقطعت علاقتهما بروسيا، وقد خصصت الحكومة البريطانية لهم راتباً كافياً، وكان الإنجليز يتابعون الحركة البابية لغرض الإفادة منها لأغراضهم السياسية.. وبعد الحرب العالمية الأولى ودخول فلسطين وقبرص تحت السيطرة البريطانية توثقت علاقة الحركة بالإنجليز، وترسخت الدعوة البهائية في عهد الابن عباس أفندي المعروف بـ (عبد البهاء)، وقلدوه أرفع وسام ونال لقب (السير) من بريطانيا لقاء الخدمات التي أسداها لهم.
الدوافع التي أدت لانتشار البابية في إيران: إن الواقع النفسي السيئ والمرير للمجتمع الإيراني، قد أوحى لأعداء الإسلام باستغلال هذه الحالة النفسية، وجدوى استثمارها وتوظيفها في خدمة أهدافهم وتحقيق مآربهم، وتم ذلك بتشويه العقيدة الإسلامية الأصيلة باستخدام فكرة المهدوية.. إن الأرضية في زمن الشاه محمد القاجاري ووزارة الميرزا الأقاسي الإيرواني كانت مهيأة لظهور وادعاء مهدوية أخرى وإمام زمان جديد في إيران، فلم يمض على هزيمة الشاه فتح علي وخسرانه مدن القفقاز إلا خمسة عشر عاماً حتى خسر الشاه محمد بلاد الأفغان، ومن جهة أخرى كانت موجة السخط والتذمر من قبل الشعب الإيراني قد بلغت أوجها لما يعانيه من ظلم الحكام وانتشار الفقر وتدهور الحالة الاقتصادية وخسران جزء من أرض البلد وتسلط الأجانب عليه، وقد أتبع الروس والإنجليز سياسة متحمسة تماماً للصيد في الماء العكر، فاستغلت المخابرات الروسية الفرصة وبواسطة جاسوسهم (كينياز دالكوركي)، وما هي إلّا فترة وجيزة حتى سمع الإيرانيون أن إمام الزمان (المهدي) قد ظهر، وذلك بادعاء علي محمد (الباب) بالمهدوية، وأن عهد ظلم الحكام وجور أمراء القاجار وعتوهم قد ولى، وقريباً تتحول إيران بل العالم كله إلى جنة من الزهور، ويستأصل جذور الظلم والجور إلى الأبد والمحظوظ من طار صوبه، وبواسطة أساليب الحيل والمكر والخديعة ووسائل الخبث الاجتماعي والسياسي انطلت الخديعة على البسطاء والمحرومين من أهل ذلك الزمان، مما أدى إلى انتشار الإشاعة الكاذبة وتصديقها، فبهذا المكر والخداع وصاحبه حاجة الناس للهروب من الظلم والجور توافد البسطاء والسذج على (البابية) اعتقاداً منهم بأن من يسبق إلى اللحاق بعلي محمد (مدعي البابية والمهدوية) يكون من أنصاره (٣١٣)، فتحقق للعدو الأجنبي ما أراد وهدف إليه.
الادعاءات والمزاعم: نظرة عابرة على ادعاءات البابية وعقائد البهائية والنظر والتدقيق في الأفكار والتعاليم لأتباعهم، يوضح ما نصبه الاستعمار من شراك وخداع وما اختلقه من حركات وفرق تهدف لإضعاف الإسلام وتمزيق المسلمين.. فإطلالة سريعة على هذه المزاعم تظهر لنا حقيقتهم وتناقضاتهم:
اولاً: ادّعى علي محمد في البداية أنه نائب عن الإمام المنتظر، وأنه الباب الذي من خلاله يؤتى للإمام المهدي (عليه السلام)، صرح بذلك في كتابه (أحسن القصص).
ثانياً: ادّعى بعد ذلك أنه الإمام المهدي المنتظر نفسه، وأنه الرابع عشر من المعصومين، صرح بذلك في كتابه (البيان).
ثالثاً: ادّعى بعد ذلك أنه نبي، بعثه الله وأرسله وأوحى إليه وأنزل عليه كتاباً، وقد قال ذلك في كتابه (البيان) أيضاً.
رابعاً: ادّعى أنه جاء بشريعة مخالفة لشريعة القرآن الكريم والسنة الشريفة.
خامساً: ادّعى خليفته حسين علي (البهاء) أن الله بعثه وأرسله بآيات بينات، وأنه روح المسيح جاء مرة أخرى، وأنه جاء بكتاب سماه (الأقدس) بشريعة وأحكام جديدة، استهدفت نسخ الشريعة الإسلامية.
سادساً: ادّعى (البهاء) بنزول الوحي عليه بفكرة دين عالمي جديد يوحد الجنس البشري ويصهره في بوتقة واحدة، ولذا سميت بالديانة البهائية.
كل هذه الأسس الواهية والتناقضات في ادعاءات (الباب والبهاء) أصدق شاهد وأوضح دليل على كذب المزاعم وبطلان أساسها، ومن الواضح أن البابية والبهائية تدرجت في طرح مزاعمها للوصول إلى هدف نسخ الدين الإسلامي.. وجميع هذه الخزعبلات هي تطور تدريجي عن فكرة (الباب) الذي ابتدأ دعواه بأنه الواسطة والباب للوصول للإمام المهدي، مستفيداً من تصديق الناس لفكرة المهدي المنتظر وفكرة المخلص الموعود ثم تدرجت إلى المهدوية والنبوة والألوهية، وهذا ما يؤكد أن الادعاءات ما هي إلا سراب وخداع، يكمن وراءها أهداف خبيثة للمستعمرين.
إن التدقيق في ادعاءات الفرقة البابية وعقائد الديانة البهائية يرشدنا إلى أن مؤسسي البابية والازلية والبهائية - وبغض النظر عن الانحرافات الأخلاقية - لم يكن لهم من العلم والمعرفة حتى بمستوى طالب المدرسة الإعدادية سواءً في اللغة العربية أو غيرها من المعارف، فكيف بالمسائل الفلسفية والعرفانية الدقيقة أو المعايير الفكرية الصحيحة في علم المنطق أو مناهج الثقافة والعلوم، كل ذلك سبب حيرتهم وتخبطهم وتناقض أقوالهم.
الحقيقة التي لا تخفى على أحد، أن المغذي والداعم والمساند للبابية والبهائية حالياً، والذي ساعدهم في البقاء والانتشار هو الصهيونية والماسونية، والتي وضعت كامل خبراتها تحت تصرف هذه الحركات الهدامة التي تعمل لتقويض القيم النبيلة للدين الإسلامي والمعتقدات الربانية الأصيلة.
الكتب الشيعية في الرد على البابية والبهائية:

في ضوء التحولات الخطيرة التي حدثت بظهور فرق ضالة أنبرى علماء الشيعة للتصدي للانحرافات والبدع، وكان لهم الدور الأكبر في محاربة ومجابهة الفرقة البابية الضالة والتي تفرعت منها الديانة البهائية، فبرزت العديد من المصنفات العربية والفارسية في الرد على ضلالاتهم وادعاءاتهم،.. بالإضافة إلى أن كثير من علماء المسلمين ومن كافة المذاهب الإسلامية قد كتبوا في الرد على هذه الفرقة الضالة وأخرجوهم من الإسلام بفتاوي صريحة، وأبرزها لشيوخ وعلماء الأزهر(١٤٩)، فمن الكتب الشيعية نذكر طائفة يسيرة من هذه الكتب(١٥٠):
- إزهاق الباطل: للحاج محمد كريم خان الكرماني، زعيم الشيخية الكرمانية في عصره.
- باب الأبواب في تاريخ بدء ظهور الباب: للميرزا محمد مهدي خان (الدكتور التبريزي) نزيل القاهرة والملقب بزعيم الدولة.
- البابيون والبهائيون: د. لهمايون همَّتي المعاصر، وهو مختصر في البابية والبهائية.
- البهائية تحت المجهر: للسيد أحمد بن عبد العزيز الفالي، بتحقيق وتقديم ولده الخطيب السيد محمد باقر الفالي.
- تاريخ البابية: للسيد عبد الرزاق الحسني البغدادي، جعله في البداية بعنوان (البابيون في التاريخ)، وأصله مقالات نشرت في مجلة العرفان الصيداوية، ثم جمعها في هذا الكتاب.
- الحجج الرضوية في تأييد الهداية المهدوية والرد على البابية: للسيد محمد بن محمود الحسيني اللواساني الطهراني نزيل مشهد، والمتُوفى بها سنة ١٣٥٦ هـ.
- الحقائق الدينية في الرد على البهائية: لمحمد باقر الجلالي، وطبع سنة ١٣٦٩ هـ.
- رجم الشيطان في رد أهل البيان: للشيخ عبد الرحيم البروجردي.
- الشمس المضيئة: للحاج محمد كريم خان الكرماني (١٢٢٥-١٢٨٨هـ) مطبوع في تبريز.
- صواعق البرهان في رد دلائل الإيقان: الحاج زين العابدين بن محمد الكرماني (١٢٧٦-١٣٦٠هـ).
- قلع الباب: للميرزا أبو القاسم الزنجاني، في الرد على البابية.
- البابية والبهائية: للشيخ محمد جواد البلاغي، فرغ من كتابته في شعبان ١٣٣٩ هـ.
- كشف الظلمة عن عقيدة البابية وردهم: للحاج حسين قلي الداغستاني.
- هذه هي البهائية: للسيد محمد شعاع فاخر الأهوازي.
- بارقة حقيقت: من تأليف البابيَّة الإيرانية قدس إيران التي أسلمت في فترة لاحقة وألَّفت هذا الكتاب (فارسي).
- إحقاق الحق لصاحب الزمان وإطفاء النيران الموقودة من صاحب البيان: للميرزا محمد تقي التاجر الهمداني (فارسي).
- هداية المتعلمين في معرفة الضالين: للميرزا شفيع العراقي، فرغ منه سنة ١٣٤٩هـ (فارسي).
- الرد على الميرزا علي محمد الباب: لمحمد تقي بن حسين علي الهروي الأصفهاني (فارسي).
- الرد على فوائد البابي الگلپايگاني: للميرزا على أكبر بن الميرزا شير محمد الهمداني، وهو في رد كتاب (الفوائد) للبابي أبو الفضل گلپايگاني (فارسي).
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة(١٥١):
نشير بشكل مختصر لبعض مصنفات علماء الشيعة في موضوع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ودحض الشبهات والأفكار المنحرفة والدفاع عن العقيدة المهدوية الأصيلة في هذه المرحلة التاريخية، أضافة لكتب الرد على البابية والبهائية.. نذكر منها الكتب التالية:
١. كتاب (ذخيرة المحشر في أحوال الإمام المنتظر): الشيخ محمد بن عبد الله أبي عزيز الخطي البحراني (ت ١٢٠٠ هـ).
٢. كتاب (نور الأنوار في آثار ظهور الحجة ورجعة الأئمة الأطهار): علي أصغر بن علي أكبر البروجردي، انتهى من تأليفه سنة ١٢٢٣ هـ.
٣. كتاب (رسالة في غيبة صاحب العصر والزمان خليفة الرحمن): سيد دلدار علي بن محمد الناصر آبادي (ت ١٢٢٥ هـ).
٤. كتاب (الرجعة): الشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي (ت ١٢٤١ هـ).
٥. كتاب (علامات الظهور وأحوال الإمام المستور): سيد عبد الله شبر (ت ١٢٤٢هـ).
٦. كتاب (كشف الحق أو الأربعون): محمد صادق الخاتون آبادي (ت ١٢٧٢ هـ).
٧. كتاب (الشهاب الثاقب في أحوال الإمام الغائب): علي بن الحسين بن علي البغدادي الحائري (ت ١٢٧٧ هـ).
٨. كتاب (الإمام الثاني عشر): نجف علي بن محمد رضا الزنوزي التبريزي، انتهى من تأليفه سنة ١٢٨٠ هـ.
٩. كتاب (الغيبة): سيد أسد الله الأصفهاني (ت ١٢٩٠ هـ).
١٠. كتاب (الحجة البليغة في إثبات وجود إمام العصر): سيد محمد حسين الشهرستاني (ت ١٣١٥ هـ).
١١. كتاب (جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة) و(النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب) فرغ منه سنة ١٣٠٣هـ و(كشف الاستار عن وجه الغائب عن الابصار): حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي (ت ١٣٢٠ هـ).
١٢. كتاب (إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب): علي بن زين العابدين اليزدي الحائري (ت ١٣٣٣ هـ)، انتهى من تأليفه سنة ١٣٢٧ هـ، طبع في مجلدين.
١٣. كتاب (بشارة الإسلام في علامات صاحب الزمان): مصطفى إبراهيم حيدر الكاظمي انتهى من تأليفه سنة ١٣٣٢ هـ.
١٤. كتاب (تاريخ الإمام الثاني عشر) جزء من موسوعة منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل: الشيخ عباس بن محمد رضا القمي (ت ١٣٥٩ هـ).
وغيرهم من المصنفات والمؤلفات الكثير الكثير، لا يسع المجال لإحصائها، مما يشكل ثروة هائلة ضمن التراث الشيعي المهدوي.
أهم ما صنف عن الإمام المهدي في هذه المرحلة: نشير إلى بعض المصنفات المهدوية البارزة والتي كتبت في زمن العهد القاجاري، نتكلم عنهم بشكل تعريفي موجز:
- كتاب (البابية والبهائية): للشيخ محمد جواد البلاغي (١٢٨٢-١٣٥٢هـ).
هذا الأثر النفيس كتبه العلامة البلاغي للرد على ضلالات البابية والبهائية وتفنيد مزاعمهم ودحض ادعاءاتهم، وقد سماه مؤلفه (نصائح الهدى والدين إلى من كان مسلماً وصار بابياً)، فقد تعرض فيه لمجمل عقائدهم وشبهاتهم فنقضها وردها، فأورد ثلاثة مقالات في ما كان يفترض بالبابية أن تقوله، وذكر نحو عشرة من موانع الاعتقاد بشبهاتهم، وأشار إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام) ليكون البرهان أقوى والحجة ألزم، وقد اشتمل الكتاب على ١٤٩ حديثاً.. ذكر في الكتاب ثمان شبهات، هي عمدة ما احتجت به هذه الفرقة المنحرفة للتمسك بعقيدتهم الباطلة، وأجاب عنها الجواب الشافي، بالأدلة الشرعية والحجج المفحمة، بالإضافة لذلك ضمّنَ كتابه مباحث لغوية وكلامية وتاريخية، كما ترجم لرؤوس هذه الفرقة الضالة وعرض تاريخ حياتهم ونشوء فرقهم.
هذا وعلاوة على كل خصوصيات الكتاب وفوائده، فإن فيه ميزة نادرة أخرى، وهي نقله مباشرة من كتاب (الغيبة) ونقل منه ١٩ حديثا، وكتاب (الرجعة) ونقل منه حديثاً واحداً، وهي من مصنفات الشيخ الفضل بن شاذان النيسابوري (ت ٢٦٠ هـ) وهما كتابان يعدان من الكتب المفقودة التي لا أثر لها اليوم.
مما تقدم يظهر جلياً مدى أهمية ونفاسة هذا الكتاب، ولا سيما في مجال رد الشبهات التي تختص بعقيدتنا بالإمام المهدي (عليه السلام)، إلا أن فوائده شملت غير هذا الجانب، وفيه منافع جمة في وقتنا الحالي، وذلك للأسباب التالية:
· إن اتباع البابية والبهائية اليوم، وإن كانوا شرذمة قليلين، إلا إنهم تسنموا مناصب عالية في مجالات شتى وخصوصاً في المجال الأكاديمي.
· يعتبر الكتاب بحق رداً على كل من يحاول إنكار العقيدة بالإمام المهدي، وأنه ابن الإمام الحسن العسكري (عليهما السلام).
· يعد الكتاب رداً على كل من يدعي النيابة عن الإمام المهدي (عليه السلام) أو المهدوية أو النبوة وحتى الألوهية.
· انتشار الفرق الهدامة والمنحرفة في رقعة العالم الإسلامي، وذلك بدسائس استعمارية وصهيونية تهدف للقضاء على الإسلام وخلق جرثومة الانحراف من داخله.
وقد تم الانتهاء من كتابته في شهر شعبان سنة ١٣٣٩هـ في النجف الأشرف في زمن الدولة العثمانية (العراق)، وعهد الدولة القاجارية (إيران).
- كتاب (مع أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية) للشيخ محمد أمين زين الدين (١٣٣٣-١٤١٩هـ).
هذا المصنف القيم كتبه الشيخ زين الدين للرد على افتراءات أحمد أمين المصري على الشيعة والتي كان ينشرها في كتاباته فكلف من قبل المرجعية (السيد محسن الحكيم) للرد على مزاعمه الباطلة في كتابه (المهدي والمهدوية) الذي عالج فيه الفكرة بطريقة سلبية، فقد حاول الأديب المصري أن يشرح فكرة المهدي بعض الشرح وأن يلم بتاريخها كل الإلمام، ولكن قلة المصادر لديه قصرت به عن الغاية فلم يوضح في الشرح ولم ينصف في التاريخ، اضافة إلى أنه لم يبحث في المصادر التي بين يديه، فدفعه ذلك إلى مخالفة المنقول والمعقول من أجل عملية الترويج لما يكتب حتى يزيل النقص لديه، فيكون سبب إزالتها (خالف تعرف).. جاء رد الشيخ زين الدين بجدارة من بلاغة الأسلوب وعمق الفكرة وغور النظر، وبالرغم من أن الرد من الكتب الصغيرة في الحجم (٨٠ صفحة) إلا أنها كبيرة النفع، ويمكن اعتباره (معجم في صغره).. فأوضح أصل الفكرة وأن المصلح المنتظر في أحاديث الأديان السماوية السابقة مألوفة وقبل مجيء الإسلام، والمهدي في ديوان الخلفاء من مبدأ الإمامة، والمهدي في التاريخ كحقيقة لا يختلف عليها اثنان، وذكر بعض أحاديث الرسول في المهدي التي رواها الصحابة والتابعيين.. وقد كان نقاشه فكرياً عقلياً بالحجة والدليل، وأوضح عثرات الكاتب ومواقع ضعفه ورد على أقواله وأهوائه وفندها، وقد تم الانتهاء من كتابته في شهر ذي الحجة سنة ١٣٧٠هـ في النجف الأشرف.
- كتاب (البرهان على وجود صاحب الزمان) للسيد محسن الأمين الحسيني العاملي (١٢٨٤-١٣٧١هـ).
والكتاب عبارة عن ملحمة شعرية ولائية تصدى فيها للرد على بعض الشبهات التي أثيرت ضد العقيدة المهدوية، وهو كتاب قيم وفريد من نوعه وبهذا الأسلوب الأدبي والمنهج الدفاعي، يقول المؤلف عن سبب تأليفه الكتاب(١٥٢): (فقد وردت إلى النجف الأشرف على ساكنه السلام أيام مجاورتنا به قصيدة من بغداد - في ٢٥ بيت - لم يسمَّ ناظمها، وهي في شأن الإمام المهدي القائم المنتظر عجل الله فرجه، أشار قائلها إلى الخلاف الواقع في أنه (عليه السلام) ولد أو سيولد، واختار هو الثاني، مستدلاً عليه بأمور ذكرها في قصيدته، فأشار جمع من الأصحاب بأن نعارضها بقصيدة تكون جواباً لها أسوةً بمن انتدب لذلك من شعراء النجف الأشرف وأدبائه وغيرهم، فاستخرت الله تعالى ونظمت في جوابها قصيدة على وزن أبياتها وقافيتها - بعنوان (أتى سائلاً) في ٣٠٩ بيت - وضمنتها بعض ما يثبت إمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) ووجود قائمهم وغيبته من العقل والنقل القطعيين، والأحاديث المجمع عليها عند علماء الفريقين، وأوضحنا عدم دلالة ما ذكره ناظم القصيدة على امتناع غيبته، وأشرنا إلى أسماء بعض من وافقنا على ذلك من علماء أهل السنة وأسماء كتبهم، ثمّ علقنا على القصيدتين شروحا لطيفة ضمّناها فوائد كثيرة، وأوردنا ذلك كله في هذا المجموع المسمى بـ (البرهان على وجود صاحب الزمان)).. ونقتطف من القصيدة الجوابية الأبيات التالية:
التي مطلعها:

نأوا وبقلبي من فراقهم جمر * * * وفي الخد من دمعي لبينهم غمر

ومن مقدمتها:

أتى سائلاً عن مولد القائم الذي * * * تنازع فيه الناس والتبس الأمر
فمن قائل في القشر لب وجوده * * * ومن قائل قد نض عن لبه القشر
وما منهم إلا مقرّ بأنه * * * غدا يمتلي من عدله البر والبحر
فقمت مجيباً قائلاً قول منصف * * * وقد بان لي من أمره الحلو والمر
سقطت على ذي خبرة وتجارب * * * وليس أخو جهل كمن عنده خبر
إليك عقوداً راح ينظمها الفكر * * * هي الدر لا ما قلّد الجيد والنحر
وسحر بيان من لساني قد محا * * * بمتّضح البرهان ما موّه السحر
أبنتُ به نهج الصواب لمن وعى * * * ومنه لذي عينين قد وضح الفجر

وجاءت خاتمتها:

وسمعاً إمام العصر مني قصيدة * * * كغانيةٍ حسناء أبرزها الخدرُ
لحضرتك العلياء عفوا زففتها * * * وليس لها غير القبول لها مهر
بمدحكم ازدانت وحلّي جيدها * * * ومن ذكركم قد راح يحسدها العطر

وقد كانت قضية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) منشأ للتساؤلات والإشكالات، ومبعثاً للنقاش والجدال، فانبرى علماء الشيعة في الدفاع بحماس عن هذه العقيدة الحقة، والتصدي لمن يحاول طمس نور الحقيقة، وهذا الكتاب أو هذه القصيدة الولائية خير شاهد للدفاع عن الإمامة الخاتمة.
المشهد الأدبي في هذه المرحلة:
الأدباء والشعراء الشيعة منتشرون طوال التاريخ الإسلامي، لم يسع المجال للتطرق لبعض قصائدهم الخالدة أو نشير إلى اسمائهم وذلك مراعاة لمنهج الكتاب وللاختصار، وقد ذكر السيد محسن الأمين أسماء ١٧٤ شاعر مشهور من الشيعة عاشوا في هذه الحقبة التاريخية، في موسوعته الرائعة (أعيان الشيعة)(١٥٣).
بعض القصائد المهدوية في هذه الفترة لقيت حظاً وافراً من الشهرة والانتشار، مثل:
- قصيدة (لله يا حامي الشريعة) للسيد حيدر بن سليمان بن داود الحسيني الحلي (١٢٤٦-١٣٠٤هـ) وقد اشتهر الشاعر بقصائد الحوليات، وهذه القصيدة من أشهر قصائده وهي في ٧٢ بيت وقصتها معروفة، وهي تتعرض للواقع السياسي المؤلم للشيعة وأوضاعهم وظروفهم الحرجة، وتتطرق بوضوح لظاهرة الانتظار والاستنهاض في الشعر المهدوي وراثياً جده الإمام الحسين (عليه السلام)، وهذه مقتطفات من القصيدة الخالدة(١٥٤):

مَاتَ التصبُّرُ بانتظارك * * * أيُّهَا المُحيِي الشَّريعَة
فَانهَض فَما أبقى التحمُّل * * * غيرَ أحشاءٍ جَزُوعَة
قد مَزَّقت ثوبَ الأسى * * * وشَكَت لواصِلِها القطيعَة
فالسيف إنَّ بِهِ شفاء * * * قلوبِ شِيعَتِكَ الوَجيعَة
فَسواه منهم ليس يُنعش * * * هذه النفس الصريعَة
طالَت حِبال عواتق * * * فمتى تعود به قطيعَة
كم ذا القعود ودينُكم * * * هُدمت قواعدُهُ الرَّفيعَة
تنعى الفروعُ أصولَه * * * وأصولُهُ تنعى فروعَه
فيه تَحَكَّم من أباح * * * اليوم حرمتَهُ المنيعَة
فاشحَذ شبا عضب له * * * الأرواحُ مذعنةٌ مطيعَة
إن يَدعُهَا خَفَّت لدعوَته * * * وإن ثَقُلَت سريعَة
واطلب به بدم القتيل * * * بكربلا في خير شِيعَة
ماذا يُهيجُك إن صَبرتَ * * * لِوقعَةِ الطفِّ الفظيعَة
أتُرى تجيءُ فجيعة * * * بأَمَضِّ من تلك الفجيعَة
حيث الحسين على الثرى * * * خيل العدى طَحَنَت ضُلوعَه
قَتَلَتهُ آلُ أمية * * * ظامٍ إلى جنبِ الشريعَة
ورضيعُه بدم الوريد * * * مخضَّبٌ فاطلُب رضيعَه
يا غيرةَ اللهِ اهتفي * * * بحمِيَّة الدين المنيعَة
وظُبى انتقامك جرِّدِي * * * لِطُلى ذوي البغيِ التليعَة
وَدَعي جنودَ اللهِ تملأُ * * * هذه الأرض الوسيعَة
فَمُغَيَّبٌ كالبدر ترتقب * * * الورى شوقاً طلوعه

- قصيدة (في الإمام المهدي ورثاء الحسين) للسيد رضا بن محمد بن هاشم المشهور بالهندي (١٢٩٠-١٣٦٢هـ) وهي قصيدة في الإمام الحسين (عليه السلام) مطلعها:

أيّان تنجز لي يا دهرُ ما تعدُ * * * قد عَشّرت فيك آمالي ولا تلدُ

وفيها يذكر الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) فيقول:

يا صاحبَ العصر أدركنا فليس لنا * * * وردٌ هنيء ولا عيشٌ لنا رغدٌ
طالت علينا ليالي الانتظار فهل * * * يا ابن الزكي لليل الانتظار غدُ
فاكحل بطلعتك الغرّا لنا مُقلاً * * * يكاد يأتي على إنسانها الرمدُ
ها نحن مرمى لنبل النائبات وهل * * * يغني اصطبارٌ وهي من درعه الجَلدُ

وقصيدته هذه يلاحظ فيها روعة الصورة وقوة العبارة وجودة السبك، وأن شعره مفهوم لعوام الناس، إضافة إلى أنها تحرك المشاعر وتدغدغ العواطف، وفيها يستنهض الشاعر الإمام المهدي بأبيات يقول فيها:

فانهض فدتك بقايا أنفس ظفرت * * * بها النوائب لمّا خانها الجَلَدُ
هبْ أن جندك معدود فجدّك قد * * * لاقى بسبعينَ جيشاً ماله عددُ
غداة جاهدَ من أعدائه نفراً * * * جدّوا بإطفاءِ نورِ الله واجتهدوا)(١٥٥)

ثمرة المرحلة (خلاصة):
الاستقرار السياسي يوفر الجو والبيئة الضرورية للأمن والتنمية والازدهار في معظم جوانب حياة الشعوب ومنها الجانب الثقافي والفكري، والعكس صحيح فالقلق السياسي والاضطرابات الداخلية والفوضى والحروب تؤدي إلى التخلف الاقتصادي ومضرة بالحياة الثقافية والفكرية للأفراد والأمم، ومؤثرة على قدرة المجتمع على استيعاب الصراعات المختلفة التي تبرز داخله ولا تستطيع أن تحول دون تفاقم الأوضاع والخروج عن حدود السيطرة، وهذه حقيقة يجب عدم الاستهانة بها.. فالوضع السياسي المتقلب والغير مستقر في إيران في هذه الحقبة التاريخية أثر على الناحية النفسية والفكرية للإيرانيين، مما ولد اليأس في نفوس الكثير منهم لفشلهم في تغيير واقعهم الفاسد والظالم، فأصبح يراودهم حلم تغيير الواقع، وتولد لديهم استعداد للبحث عن منقذ للخلاص مما هم فيه وترافق معه حالة من الاستعجال لتغيير الواقع النفسي والاجتماعي والسياسي الفاسد.
استثمر الأعداء الواقع النفسي السيئ والمرير للمجتمع الإيراني وكثرة الاحباطات فيه بشتى أنواعها، فوظفوا الحالة النفسية هذه في تشويه العقيدة المهدوية والتلاعب والتحريف لحقيقتها والتشكيك في صورتها الواقعية، ورأوا جدوى استغلالها وتوظيفها في خدمة أهدافهم وتحقيق مآربهم، فخلقوا بعض الأدعياء المزورين (البابية والبهائية) وشكلوا منها حركات منحرفة هدامة، مما هيأ الأجواء لتفاعل بعض البسطاء والسذج من الناس الضعفاء مع أدعياء البابية والمهدوية أو حتى الألوهية.. ففي ظل الواقع المرير للمسلمين، وفي ظل غياب التوجيه التربوي والثقافي السليم للمجتمع الإيراني، تهيأت الأرضية الخصبة لمثل هذه الحركات الهدامة، خاصة وأنها خلقت على أيدي أعداء الإسلام، وهم الداعم والمغذي الحقيقي لها.
إن عقيدة المخلص الموعود من المعالم المشتركة بين سائر الاعتقادات السماوية والبشرية، وعلى مر التاريخ لا تزال الصورة الأنصع لمستقبل المنقذ المنتظر من مختصات الإسلام عموماً والإمامية خصوصاً، ومع هذا كان تاريخ التشيع قد شهد ظهور بعض الخرافات والادعاءات بين أوساط المجتمع الإسلامي فيما يخص الاعتقاد بالمهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) من خلال بعض المزاعم الضالة، فقد راح البعض يدعي الاتصال بالإمام (الباب) أو أنه الواسطة بين الناس والإمام، محققا بتلك الادعاءات مكاسب شخصية، بينما ذهب البعض إلى أبعد من ذلك فنصب نفسه أنه (المهدي) تحديداً، مما أحدث ضجة في أوساط المجتمع المسلم، وحظي هؤلاء المدعين بدعم القوى الاستعمارية وأعداء الإسلام الذين خلقتهم وساندتهم وغذتهم، ويهدفون من وراء ذلك القضاء على الإسلام والتشيع وعقيدة الانتظار.
هذه الادعاءات الكاذبة والحركات الهدامة مثل (البابية والبهائية) والتي انتهت إلى ادعاء النبوة وابتكار ديانة جديدة، ما كان لها أن تلقى شيئاً من النجاح لولا رعاية الاستعمار لها ودعم زعمائها، إذ ليس لها من الأساس الفكري والعقائدي ما يمكنها من الظهور والبقاء.. فالأساس الثقافي لهذه الفرقة الضالة وكتبها (البيان والأقدس والإيقان) لو وقعت في يد أي شخص من العقلاء وقرأ ما فيها، لما تبادر إلى ذهنه إلا أنه يقرأ مقالات كتبها شخص ضعيف المعرفة سطحي الفكر ركيك الأسلوب واللغة، وإلا فكيف يدعون أنها كتب سماوية أنزلها الله سبحانه وتعالى ويتحدون البشر أن يأتوا بمثل حرف من حروفها، وهي تحمل الكثير من التناقضات والغموض والضعف اللغوي، ولذا فإنهم حرصوا على كتمانها وسريتها طويلاً للحيلولة دون وقوعها بيد العلماء والمحققين والباحثين، ثم أن تعاليم الباب والبهاء التي أرادوا أن يقدموها للناس وينسخوا بها شريعة الإسلام لا يخفى فسادها وعدم صلاحيتها، ثم أين دليل صدق الدعوة والدليل الكافي لإقناع الناس بها.
لقد نشأت البهائية من خرافات البابية في عقيدة الموعود، لكنها أخذت تتوسع يوماً بعد آخر، حتى تحولت إلى ديانة (حركة تنتهج أسلوب الاستعمار الثقافي والغزو الفكري) تسعى إلى هدم قواعد الإسلام والقضاء على فعالية ثقافة الانتظار في المجتمع الإسلامي.. وفي الحقيقة إن معرفة مراحل تبلور البابية والبهائية ومطامع زعمائها وعلاقتهم بالاستعمار الروسي والغربي، والإلمام بتاريخ إيران في هذه الحقبة (مسقط رأسها) ومعرفة الأرضية التي ساعدت على نشوء هذه الفرقة المنحرفة يساهم بشكل كبير في الوقاية من ظهور خرافات وادعاءات وحركات مشابهة تستغل الثقافة والعقيدة المهدوية الأصيلة.
لا يساورنا أدنى شك في أن أعداء الإسلام يقفون وراء بعض مدعي المهدوية حديثاً، فكما أسسوا وأنشأوا البابية والبهائية والقاديانية قديماً، كذلك هم الآن يساندون ويدعمون الادعاءات المهدوية الكاذبة حديثاً(١٥٦)، لأن انتشار ظاهرة ادعاء المهدوية الكاذبة وتكرار فشلها سيؤدي إلى اقتران هذا الفشل المتكرر بتكوين كره نفسي وعقلي عند بعض المسلمين للفكرة الأصلية (المهدوية الحقة) وتدفع بالبعض إلى اتخاذ مواقف مضادة لها وتنفير الناس من حولها، فهدفهم من وراء ذلك فصل الجماهير المؤمنة عن هذه العقيدة الأصيلة، وربما يظن أعداء الإسلام أن نجاح أحد المرجفين المزورين في دعواه سيمهد الطريق لإقناع الجماهير المسلمة بأن المهدي المذكور في التراث الإسلامي قد تحققت بشارته، وحينئذ فإن فكرة انتظار (المهدي الحقيقي) لم يعد لها جدوى، وهكذا تموت العقيدة المهدوية الأصيلة في نفوس وعقول المؤمنين وتموت معها فاعلية ثقافتها الفكرية والروحية.
من أهم معالم الثقافة المهدوية في هذه الحقبة الزمنية (طور الدفاع) انطلاق نشاط مميز لمواجهة التحديات الكبرى والشبهات الجديدة - وهي في الأصل قديمة وتتجدد - والتي يطرحها خصوم جدد حيث اصطدم الفكر الإمامي الشيعي بحركات سياسية خبيثة ذات طابع فكري إيدلوجي وبثقافة منحرفة، وفدت على المجتمع الشيعي وتديرها وتحركها الأيدي الاستعمارية وتلقي بظلالها على الساحة الفكرية والاجتماعية الشيعية، حيث أخذت تستغل بعض خصائص العقيدة المهدوية وتهدد الهوية الإسلامية والقيم الروحية في المجتمعات المسلمة.. لقد تحرك علماء الشيعة وبسرعة في توعية المجتمع الإسلامي من خطورة الحركات المنحرفة وبما تحمل من (أيديولوجية) تصطدم مع الثوابت العقدية في الدين الإسلامي والخطوط الرئيسية للمذهب الإمامي، وذلك من خلال كشف حقيقة هذه الفرقة الضالة وإبراز معالم الثقافة المهدوية الحقة.. ومن جهة أخرى لم يألوا العلماء جهداً في الرد على الإشكالات التي تتعلق بالشأن المهدوي والتي يطرحها بعض أفراد المدارس والفرق الإسلامية الأخرى، فأنتجوا مؤلفات عديدة للرد على البابية والبهائية، وكذلك مصنفات مهدوية لرد الشبهات حول الأطروحة الإمامية والدفاع عن العقيدة المهدوية الأصيلة، والتي كانت إحدى سمات المعارف المهدوية في هذه المرحلة التاريخية.

الفصل التاسع: طور التجديد
مرحلة العصر الحديث (١٣٩٠ هـ - اليوم الموعود)

يمكن تحديد طور التجديد والازدهار في الثقافة والمعارف المهدوية في التاريخ المعاصر بالمخاضات الفكرية والتحولات الثقافية التي مرت على العالم الإسلامي بشكل عام والشيعة بشكل خاص قبل قيام الثورة الإسلامية في إيران بعقد من الزمن، حيث بدأت ملامح هذا الطور بالظهور مع النشاط الفكري الذي قام به بعض علماء الشيعة في هذه الفترة على أكثر من صعيد من الجدل المحموم حول شكل الحكومة الإسلامية التي يجب أن تحتضنه الدولة، وتجلت ثمرته بقفزة نوعية في مجال القضية المهدوية بشقيه الفكري والعملي.
الوضع السياسي في هذه المرحلة:
لقد ألقى مشهد العالم بعد الحرب العالمية الأولى والثانية بظلاله على العالم الإسلامي، فرافق ذلك تقلبات سياسية كبرى أدت إلى انهيار الخلافة الإسلامية المتمثلة في الإمبراطورية العثمانية فانعكس تداعياته وآثاره على شعوب المنطقة، وعاش العراق وإيران نفس الوضع وشهد نفس التأثير الذي اجتاحه من أقصاه إلى أقصاه، وهذا ما نلمسه في مجمل السياق السياسي والفكري الذي عاشه شعوب المنطقة تباعاً في هذه المرحلة، فمن الواقع المر للانتداب الأجنبي وسقوط ثورة العشرين في العراق وإقامة الكيان الصهيوني، مما ولد بداية حراك سياسي وفكري نشط، لم يكن منقطع الصلة عن تاريخ المنطقة وتجاربه السابقة من حركة التنباك والمشروطة وتأميم النفط في إيران وثورة العشرين في العراق والمخاضات والتحولات الجديدة في العالم الإسلامي.
انتهت الإمبراطورية العثمانية بصفتها السياسية بتاريخ ١٢ ربيع الأول ١٣٤١هـ، وأزيلت بوصفها دولة بعد توقيعها على معاهدة لوزان في ١١ ذي الحجة ١٣٤١هـ، وزالت نهائياً في ١٩ ربيع الأول ١٣٤٢هـ عند قيام الجمهورية التركية.. سيطر الحلفاء على أراضي الإمبراطورية العثمانية، وعانى الوطن العربي من الاستعمار الأجنبي على معظم أراضيه بدءاً من القرن التاسع عشر الميلادي ومروراً بالقرن العشرين، وتمت توقيع اتفاقية سايكس بيكو السرية عام ١٩١٦م / ١٣٣٤ه، ووعد بلفور المشؤوم عام ١٩١٧م / ١٣٣٦هـ، وأصبحت كل من سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي وكل من العراق والأردن وفلسطين تحت الانتداب البريطاني وأنشأ الكيان الإسرائيلي.
العراق: كان العراق مركزاً للدولة الإسلامية في خلافة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم كان حاضرة العالم الإسلامي خلال العهد العباسي، وبعد سلسلة من التحولات السياسية أصبح العراق تحت حكم البويهيين ثم السلاجقة ثم سقط بيد المغول عام ٦٥٦هـ، ثم أصبح العراق ضمن سيطرة الدولة العثمانية في القرن العاشر الهجري، ولكن بشكل متقطع كان تحت سيطرة الدولة الصفوية أحياناً وأوقات أخرى تحت مظلة الدولة العثمانية.
بعد دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى في حلف مع المانيا، قامت بريطانيا باحتلال العراق عام ١٣٣٧هـ وأصبحت تحت إدارتها المباشرة، ولكن على أثر ثورة العشرين في العراق وفتوى المرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي(١٥٧) (ت ١٣٣٨هـ) ضد الاحتلال البريطاني عقد مؤتمر القاهرة عام ١٩٢٠م / ١٣٣٨هـ بحضور ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني آنذاك للنظر في الوضع في العراق، والذي أعلن عن تغيير الحكومة البريطانية سياستها بالتحول من استعمار مباشر إلى حكومة إدارة وطنية تحت الانتداب، وأقرت إنشاء دولة ملكية في ١٣٤٠هـ وعينت فيصل بن الحسين ملكاً، ثم نال العراق استقلاله رسمياً عام ١٩٣٢م / ١٣٥١هـ، وعقب حركة ١٤ تموز ١٩٥٨م / ١٣٧٨هـ انتهى العهد الملكي وقام نظام جمهوري، وفي عام ١٩٦٣م / ١٣٨٢هـ قام حزب البعث بانقلاب عسكري وأعدم الرئيس عبد الكريم قاسم، وفي زمن حكم البعث وقعت الحرب العراقية الإيرانية واستمرت لمدة ثمان سنوات (١٤٠٠هـ-١٤٠٨هـ)، وكذلك حرب الخليج الثانية باحتلال الكويت (١٤١٠هـ -١٤١١ هـ)، وفي أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام ٢٠٠٣م / ١٤٢٤هـ تدهور الوضع السياسي والأمني، وحدث تفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري عند فجر يوم الاربعاء (٢٤ محرم ١٤٢٧هـ) وصدور احتجاجات من كافة أنحاء العالم الإسلامي، وفي عام ٢٠١١م / ١٤٣٢هـ غادرت القوات الأمريكية البلاد.
إيران: شهدت حكم العائلة البهلوية (١٣٤٣-١٣٩٩هـ) استلهام الطابع العلماني لنظام الحكم، وإعادة إحياء القومية الفارسية، وحملات تغريب ثقافية واجتماعية، ومنابذة المظاهر الدينية الإسلامية إلى حدود القمع، وبدأ زمن جديد في إيران الحديثة، وكان أبرز مظاهره التدخل الأجنبي السافر والعلني في مجمل الشؤون الداخلية والخارجية لإيران.. على ضوء ذلك بدأ يتشكل في المسرح الإيراني تيارات سياسية عديدة تطالب بالتغيير وضرورة إحداث تبدل في الحياة السياسية.. كانت للشخصيات ذات التوجه الإسلامي دور بارز ووجود كبير في تحريك الجماهير، فبدأت المظاهرات ضد الشاه في أكتوبر ١٩٧٧م / شوال ١٣٩٧هـ، وتطورت إلى حملة المقاومة المدنية واشتدّت في يناير ١٩٧٨م / صفر ١٣٩٨هـ الإضرابات والمظاهرات والتي شلت البلاد بين أغسطس وديسمبر ١٩٧٨م / رمضان ١٣٩٨هـ إلى محرم ١٣٩٩هـ.. فانتفض الشعب في ثورة غاضبة شملت جميع مناطق البلاد، فعلى أثر ذلك غادر محمد رضا بهلوي البلاد يوم ١٦ يناير ١٩٧٩م / ١٧ صفر ١٣٩٩هـ بذريعة طلب العلاج، بعد أن عين شابور بخيتار (أحد قادة الجبهة الوطنية المعارضة) رئيساً جديداً للوزراء، وعاد آية الله الخميني إلى طهران في ١ فبراير ١٩٧٩م / ٤ ربيع أول ١٣٩٩هـ بعد ١٤ عاماً في النفي متلقيا ترحيبات عدة ملايين الإيرانيين، فتحولت إيران من نظام ملكي تحت حكم الشاه واستبدلته بالنظام الجمهوري المؤسس على نظرية (ولاية الفقيه) في ظل قائد الثورة آية الله الخميني وبدعم عديد من المنظمات السياسية والحركات الطلابية والجماهير الإيرانية.
الثورة الإسلامية في إيران كانت أول ثورة يقودها علماء الدين وتصل إلى الانتصار في التاريخ الإسلامي.. أما عن صدى الثورة الإيرانية على الصعيد الإقليمي فقد كان بمثابة إعلان على قدرة التيار الديني معتمداً على القوى الشعبية لا العسكرية على الوصول إلى السلطة السياسية حتى في البلدان التي تنعم بالمساندة الأمريكية، وهو أمر ساعد بالتالي على تحفيز حركات التحرر المستضعفة والدينية منها بشكل خاص ونهضة الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي في العقود الأخيرة.
الوضع الفكري في هذه المرحلة:
على ضوء التحولات والأوضاع السياسية الجديدة في العالم الإسلامي بدأ يتشكل في المشهد السياسي حركات وتيارات التغيير ذات الأيديولوجيات والمشارب الفكرية المختلفة، من بينها حركات التغيير الشيعية في إيران والعراق ولبنان والمتجذرة في بنية المؤسسة الدينية، مما شكل ملامح مرحلة جديدة من النهوض الفكري والسياسي، وبعض التيارات السياسية تعتمد صيغة الإسلام السياسي كأيديولوجية إصلاحية، تنطلق من مبادئ الإسلام ومفاهيمه.. هذا الحراك السياسي والفكري والذي برزت ملامحه بشكل واضح في هذه المرحلة من عمر الأمة الإسلامية، كون الركيزة التي تمخضت عنها كتابات مهدوية مميزة وبارزة، ومن جانب آخر حدث تطور عملي في مفهوم الغيبة والانتظار فانبثقت الثورة الإيرانية عام ١٣٩٩هـ.. ويلاحظ في هذه الحقبة الزمنية عدة نقاط:
أولاً: المخاضات الفكرية: بدأت هذه المرحلة قريب نهاية القرن الرابع عشر الهجري، نتيجة النشاط الفكري (ذات الاتجاه العقلي والتحليلي) والذي انطلق في الكتابات المهدوية على يد بعض مفكري الشيعة، فقد ساعدت مؤلفات وكتابات الرواد (محمد صادق الصدر ومحمد باقر الصدر) في تعزيز المدرسة العقلية والتحليلية على مسرح الثقافة المهدوية، حيث تجلت جهودهما ببلوغ نهضة فكرية في مجال المعارف المهدوية، وانفتاح أبواب جديدة في البحث المهدوي (عقلاً وتحليلاً) وما تحمل هذه الكتابات من دلالات ومعطيات غير مسبوقة في التراث المهدوي الشيعي من بعد الغيبة وحتى تاريخ هذه المؤلفات، مضافاً لذلك تقلص جموح الاتجاه (الروائي).. يلزم قبل كل شيء التأكيد على أنه لم يكن لدى الشيعة قبل هذا الوقت نظرة كلية واسعة وشاملة للقضية المهدوية كما نظر إليها السيد باقر الصدر وحلل جزئياتها السيد صادق الصدر، فأصبح الشيعة تتمتع بتحليل كلي وتحليل جزئي في القضية المهدوية، ومن هذه المصنفات الجديدة والرائعة انطلقت مرحلة التجديد الفعلية في الثقافة والمعارف المهدوية، فتبع ذلك لاحقاً كتابات مهدوية كثيرة جداً لم يسبق في حجمها وكثافتها مثيل في تاريخ التراث المهدوي الشيعي، سواء من ناحية الكمية أو الكيفية أو التنوع الفكري، ويمكن تقسيم المصنفات المهدوية المعاصرة إلى إحدى المناهج التالية:
· المنهج العقلي مثل الكتب التالية: موسوعة الإمام المهدي للسيد محمد صادق الصدر، بحث حول المهدي للسيد محمد باقر الصدر، نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ للشيخ مرتضى المطهري، مقدمة كتاب كلمة الإمام المهدي للسيد حسن الشيرازي.
· المنهج التحليلي مثل الكتب التالية: موسوعة الإمام المهدي للسيد محمد صادق الصدر، عصر الظهور للشيخ علي الكوراني، سيكولوجية الانتظار للأستاذ يوسف مدن (منهج التحليل النفسي والاجتماعي في عقيدة الانتظار)(١٥٨)، العد التنازلي في علائم ظهور المهدي للشيخ عباس تبريزيان، علامات الظهور بحث في فقه الدلالة والسلوك للشيخ جلال الدين الصغير.
· المنهج الروائي التقليدي وبتبويب جديد، مثل الكتب التالية: منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر للشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني (ثلاثة مجلدات)، يوم الخلاص في ظل القائم المهدي للأستاذ كامل سليمان، معجم أحاديث الإمام المهدي للهيئة العلمية في مؤسسة المعارف الإسلامية (ثمانية مجلدات).
· كتابات مهدوية شاملة ذات أطروحات مميزة مثل الكتب التالية: حوارات حول المنقذ للشيخ إبراهيم الأميني، الإمام المهدي من المهد إلى الظهور للسيد محمد كاظم القزويني، حياة الإمام المنتظر المصلح الأعظم للشيخ باقر شريف القرشي، دولة الإمام المهدي للسيد مرتضى المجتهدي السيستاني، فقه علامات الظهور للشيخ محمد السند.
ثانياً: انتصار الثورة الإيرانية: ظلت قضية العلاقة بالسلطة أحد الخلافات الجوهرية بين الشيعة أنفسهم، فبعد مرحلة الغيبة الكبرى والتي انحصرت فيها القيادة الدينية بين طبقات الفقهاء والتي استمرت لأكثر من ١١ قرناً، طُرح في هذه المرحلة التاريخية الكثير من الأسئلة الحساسة، وكان من أهمها: من يتولى القيادة السياسية؟ وكيف؟ ماهي حدود صلاحياته؟ هل يجوز أن تقوم للشيعة دولة أم لا؟ وكثير من الأسئلة والاستفسارات في هذا المجال.. لقد أفرزت الإجابات اختلافاً في مواقف الفقهاء إزاء هذه القضية:
١- قسم يسلم باستحالة إقامة تطبيق سليم للشريعة في ظروف غيبة الإمام المعصوم (المهدي)، ولكنه يدعو إلى المشاركة في الحياة السياسية بالقدر الذي يقلص من شرعية النظام القائم إلى الحد الأدنى الذي لا مفر منه (الولاية الجزئية للفقيه).
٢- قسم يتجه إلى توسيع دائرة الممارسة العملية بحيث يقيم الفقهاء الدولة الإسلامية، رغم استمرار غيبة الإمام المهدي، ومن هنا ظهرت مسألة (ولاية الفقيه)(١٥٩) المطلقة.. وقد كان الإمام الخميني يركز في دروسه الحوزوية (في النجف الاشرف) في عام ١٣٨٩هـ على محورين أساسين هما:
· أنه لا بديل عن تشكيل حكومة إسلامية.
· أن تلك مسئولية ينبغي أن ينهض بها الفقهاء.
فطرح على طلابه مجموعة من الأسئلة، إذ قال: (قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر، في طول هذه المدة المديدة، هل تبقى أحكام الإسلام معطلة..؟ القوانين التي صدع بها نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجهد في نشرها وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، هل كان كل ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً؟ (حتى اختفاء الإمام الثاني عشر).. هل ينبغي أن يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء)(١٦٠)، وكانت خلاصة هذه الدروس كتاب (الحكومة الإسلامية).. (لقد أعاد الإمام الخميني تفسير الموروث الفقهي الشيعي لجهة صوغ نظرية دولة، وكان انشغاله مقتصراً بصورة رئيسية على تطوير دور الفقهاء بموازاة الوعي الشيعي العام بغيبة الإمام المهدي (عليه السلام)... من أهم التغييرات التي قام بها الإمام الخميني هو إعادة تفسير مفهوم الغيبة، وقال بأن ظهور الإمام المهدي يتوقف على عودة المسلمين إلى الإسلام وإقامة مجتمع العدل)(١٦١).
هذه المرحلة التاريخية تعتبر من أغنى الحقب فكراً ونضالاً وحركة، فلقد أثمرت جهود ثلة من علماء الدين والمناضلين السياسيين وجماهير الشعب الإيراني إلى بزوغ الثورة الإسلامية في إيران، وتتويج قيام أول دولة شيعية بقيادة الفقهاء عام ١٣٩٩هـ.. انتصار الثورة ألقى بظلاله على اتجاهات البحث في القضية المهدوية وفي فكر الثقافة المهدوية، ففي القرون الإسلامية الأولى كانت تقتصر الكتابات المهدوية على نقل الأحاديث بأسانيدها، ثم أضيف إليها في القرون التي تلتها عنصر التبويب والمناظرة الكلامية والجدالات المذهبية ورد الشبهات، وفي الفترة الأخيرة صدر في الموضوع مئات المقالات والكتب في معظم البلاد الإسلامية والكثير منها يتخطى أسلوب السرد والمناظرة ويعتمد أسلوب التحليل والفهم والإدراك، ولا يقتصر الأمر على الشيعة فقط، بل حتى الطوائف والمذاهب الأخرى.. فنجد أن الكتابات المهدوية في الاتجاه التقليدي بدأ يخبو، وبدأ البحث يتجه ويزداد في المجال التحليلي، وأخذ محور التحليل يتركز جله في علامات الظهور، وأن صاحبه في بعض الكتابات في فترة بعد انتصار الثورة الإيرانية، إشكالية إسقاط شخصيات الواقع السياسي والديني على شخصيات علامات الظهور في الروايات الشريفة، ولعل هذا الاتجاه يمثل أحد إفرازات الاستعجال النفسي بتحقيق الأمنية بقرب الظهور.
ثالثاً: الادعاءات الكاذبة: ظهرت في العصر الحديث دعوات وشبهات كثيرة حول المهدوية، وذلك بادعاء بعض الأفراد أنهم الإمام المهدي بعينه، ومن جانب آخر أفراد يدعون الصلة بالإمام المهدي ويتجاوزون ذلك إلى التبليغ عنه، بل ادعى البعض أنه نبي مرسل من الله جاء ليخلص البشرية من الظلم والجور.. كل تلك الادعاءات الكاذبة (الظاهرة) ليست جديدة في التاريخ الإسلامي، بل هي قديمة ومتكررة ومنذ عصور الإسلام الأولى وحتى اليوم، ولكن الظروف في السنوات الأخيرة أفرزت مُناخاً كوَّن أحوالاً نفسية وفكرية ساعدت على انطلاق هذه الدعاوى من جديد وإن اختلفت وجوه المدعين.. ولذا نلحظ أن معدل ونسبة عدد المدعين (للمهدوية والسفارة) في العصر الحديث يظل مرتفعاً جداً ومتضخماً مقارنة بالحالات المتشابهة في التاريخ، وقد بدأت حالات الادعاءات المزورة تزداد، وقد يكون الأمر مطمئناً لو أن معظم الأدعياء في الأعوام الأخيرة انتهى بهم الأمر للعلاج في مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية، لكن المثير أن بعضهم انتهى به الحال لقضاء فترة عقوبة بالسجن، بمعنى أن القضاء تأكد من انتفاء شبهة الخلل العقلي أو أي خلل في حالتهم النفسية.. مما يدفعنا للتساؤل: من يقف خلف هذه الادعاءات ويقدم الدعم والمساندة لهم؟.
أ - ادعاء المهدوية: بين فترة وأخرى يظهر في أوساط المجتمع الإسلامي (من أهل العامة) أشخاص يزعمون أنهم المهدي المنتظر، وأن الله بعثهم وأرسلهم وألهمهم بأن ينقذوا البشرية من الفساد والظلم والجور، فيثيرون ضجة مفتعلة ثم ما تلبث دعواتهم أن تموت في عقرها وتنتهي بفشل ذريع.. نذكر كمثال لبعض أسماء من سوّلت لهم أنفسهم أن يدعو المهدوية كذباً وزوراً في العصر الحديث(١٦٢).
· مدعي المهدوية في مكة المكرمة عام ١٤٠٠ هـ: سيطر جهيمان العتيبي على الحرم المكي مع بعض المؤيدين له بالأسلحة وحاصروا المصلين، وأدعى صهره محمد عبد الله القحطاني أنه المهدي المنتظر، هاجمت القوات السعودية بمساندة فرق من الكوماندوز العصابة المحتلة للحرم، فسقط المهدي المزعوم قتيلاً في الهجوم، وقبض على زعيمهم جهيمان وأُعدم لاحقاً مع أفراد عصابته.
· مدعي المهدوية في الكويت عام ١٤١١ هـ: بعد أن عاد الكويتي حسين موسى اللحيدي من سفرة سياحية طويلة في المانيا (٥ سنوات) بدأت عليه مظاهر التدين، فادعى في بداية أمره بأنه جد المهدي، ورأى أن المدة ستطول تطورت أطروحته وادعى المهدوية، أخذ بتوسيع نشاطه في منطقة القصيم وما لبث أن سجن بالسعودية، وبعد خروجه رجع للكويت، فاجتهد في توسيع حركته وتوجه للشبكة الإلكترونية (النت) حتى أنه عرف بمهدي النت، وألف أكثر من ١٩ كتاب يبث فيها خزعبلاته وسمومه.
لا شك أن أعداء الإسلام يقفون وراء بعض مدعي المهدوية، وللأسف تكمن الخطورة في انتشار ظاهرة ادعاء المهدوية المزيفة وتكرار فشلها لمرات عديدة، بأن يؤدي إلى اقتران هذا الفشل بتكوين كره نفسي وعقلي عند المسلمين لفكرة المهدوية الأصيلة (التي ستخرج آخر الزمان وتنشر العدل والقسط)، وتدفع كذلك المجتمع الإسلامي لتكوين مواقف مضادة لها وتنفير الناس من حولها، وهذا ما يطمح لتحقيقه الأعداء.
ب - ادعاء السفارة: في الآونة الأخيرة ظهرت حالات من بعض أفراد الشيعة من يدعي الصلة بالإمام المهدي (عليه السلام) وأنه قد قام بتكليفهم كسفراء له، وتلك هي دعوة البابية نفسها، بمعنى أن من يريد أمراً ما من الإمام (عجّل الله فرجه) فلابد أن يعود إليهم، وهم بدورهم يؤدون ذلك إلى المهدي.. إن ادعاء النيابة الخاصة (السفارة) في زمن الغيبة الكبرى من أكبر الفتن، علماً بأن هذا الزعم الكاذب بدأ منذ عصر الغيبة الصغرى، وبالتحديد في عهد السفير الثاني (محمد بن عثمان العمري) واستمر حتى يومنا هذا.. سنشير إلى بعض الدعاوي الجديدة التي ظهرت في العصر الحديث ونذكر أسماءهم(١٦٣):
· جماعة السفارة في البحرين: ظهرت جماعة أطلق عليها (باب المولى) حيث ادعى عبد الوهاب حسن احمد البصري (بحريني) في فترة بقائه في السجن (بالمنامة ثم جو) الاتصال بسفير الإمام المهدي في المنام، وأنه يتلقى الأوامر والنواهي عنه، ثم ادعى رؤيته للإمام (عجّل الله فرجه) وأنه مسدد من قبله، فتبعه وأيده بعض السجناء، وعند خروجهم من السجن في نهاية الثمانينات نشطوا في تكثير جماعتهم، وأنشأوا لهم جمعية باسم (جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية).. تصدى فضلاء البحرين لهذه الحركة المشؤومة، وناقشوا مؤسسها حيث أظهر العجز وأذعن ببطلان ما زعمه، إلا أن الدعوى استعادت أنفاسها من جديد، فأصدر بعض المراجع فتاوى بانحرافهم، وأصدر علماء البحرين بيان جاء فيه: (من أطلق على نفسه (نائب باب المولى) إنما هو أمر باطل وأن الدعوى المذكورة بدعة صريحة منافية للمذهب الجعفري ومقرراته الثابتة بالنص وإجماع الطائفة كاملاً)(١٦٤).
· جماعة السفارة في العراق: توجد جماعة أطلق عليها (أنصار الإمام المهدي) حيث ادعى أحمد إسماعيل صالح من عشيرة (البوسويلم) بالعراق، الاتصال بالإمام المهدي وأنه يتلقى الأوامر والتعليمات منه مباشرة، بل أمره بالتبليغ عنه، وأنه مرسل من قبله ووصية واليماني الموعود، ولذا أطلق على نفسه (أحمد الحسن اليماني)، وابتدأت مزاعمه في النجف الأشرف عام ١٤٢٣ هـ.. هناك الكثير من الأدلة حول ارتباط أحمد الحسن وحركته المشبوهة بالأجهزة الأمنية للنظام البعثي السابق، وحالياً ارتباط مخابراتي أجنبي بالخارج، يعتمدون في ترويج أفكارهم على الرؤى والأحلام، كذلك يشترون النفوس بالأموال حيث إن مخابرات إحدى الدول الخليجية تدعمهم بالمال، وزعيمهم أحمد الحسن مقيم في عاصمة تلك الدولة الخليجية، وتوفر لهم الدعم والحماية.. ومن أوضح ارتباطهم بأعداء الإسلام أنهم يرفعون نجمة داود كشعار للجماعة.
لا شك أن أعداء الإسلام والمذهب يقفون وراء بعض مدعي السفارة، وللأسف تكمن الخطورة في ذلك، أن في ترويجهم لهذه الفكرة استفادة مباشرة أو عن طريق غير مباشر لهم، حيث أنه يجب الاستغناء عن المرجعية الدينية الشيعية، لأن الفقهاء يعيشون مرحلة الحكم الظاهري (حسب قواعد الاجتهاد الفقهي)، وهذه المرحلة قد انتهت بظهور السفير (الواسطة) الذي يرجع للإمام (عجّل الله فرجه) مباشرة، وبالتالي ينقل الأحكام والمسائل الحق والصدق والمطابقة للواقع وحكم الله تعالى، وهذا ما يطمح له الاعداء بضرب المرجعية.
مصنفات مهدوية رائدة في بداية المرحلة:
لقد دوّن العلماء في هذه بداية هذه المرحلة آثار مهدوية مميزة ورائدة، أدرجوا فيها معلومات وأفكار في غاية الأهمية، لا يمكن الظفر بها في الكتب المهدوية السابقة، وكنماذج يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى الكتب التالية:
- كتاب (موسوعة الإمام المهدي): للسيد محمد صادق الصدر (١٣٦٢-١٤١٩هـ).
الموسوعة من المصنفات الضخمة في هذا المجال، تحتوي على ما يقارب ٢٥٠٠ صفحة، وهي ذات طابع تاريخي عقائدي، وتأتي ضمن سياق الكتابات الفكرية التحليلية القائمة على الدليل، وتشمل على أربعة اجزاء وهي:
· كتاب: تاريخ الغيبة الصغرى، وانتهى من تأليفه في ٨ ربيع الثاني عام ١٣٩٠هـ.
· كتاب: تاريخ الغيبة الكبرى، وانتهى من تأليفه في ٨ رمضان عام ١٣٩٠هـ.
· كتاب: تاريخ ما بعد الظهور، وانتهى من تأليفه في ١١ رمضان عام ١٣٩٢هـ.
· كتاب: اليوم الموعود بين الفكر المادي والديني، وانتهى من تأليفه في ١٢ محرم عام ١٣٩٦هـ.
هذا المصنف الرائع والموسوعة القيمة ليست كتاب تاريخي يتناول تاريخ القضية المهدوية، بل إنها كتاب فكري تحتوي على الكثير مما يعد أصيلاً مبتكراً في بابه، استخدم المؤلف فيها اسلوب تعدد الأطروحات بكثرة، كأسلوب توضيحي يحاور محدودي الثقافة والرؤية ويمنحهم أفق أوسع ورؤية أكثر شموليه للأحداث وبصورة تحليلية.
إنها تحاول إعطاء صيغة متكاملة وخالصة من الشوائب عن تاريخ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من وجهة النظر الإمامية، ابتداء بميلاده ومروراً بغيبته وانتهاء بظهوره ودولته.. يعالج المؤلف الفكرة من ناحية عقائدية ويؤرخ لها ويدفع الشبهات عنها، وقد أتبع منهج تحليلي لأهم الحوادث والاتجاهات التي كانت سائدة في تلك الحقبة التاريخية (تاريخ الغيبة الصغرى وتاريخ الغيبة الكبرى) أو المستقبلية (عندما تطرق لعلامات الظهور واليوم الموعود)، فالكتاب اتجاهه تاريخي كما يدل على ذلك عناوين أجزاءه ولكنه تكفل بمحاولة تصفية ما قيل أو يقال في القضية المهدوية، مما قد يكون مشوباً بالأساطير، ومحاولة الاقتصار على إثبات ما قام عليه الدليل العقائدي والتاريخي والعقلي.
بذل السيد محمد صادق الصدر جهوداً كبيرة في بحوثه عن الإمام المنتظر، وأصدر كتابه هذا الذي بدأ بتأليفه قبل عام ١٣٩٠ هـ، وهو العام الذي أنهى فيه الجزء الأول، ولم يكن عمره يتجاوز الثامنة والعشرين، وقد انتهى من إكمال الجزء الرابع (اليوم الموعود) في عام ١٣٩٦هـ وكان عمره آنذاك أربعة وثلاثين عاماً.
قال الشهيد محمد باقر الصدر في تقديمه وتعريفه بهذا الكتاب: (وسأقتصر على هذا الموجز من الأفكار تاركاً التوسع فيها وما يرتبط بها من تفاصيل إلى الكتاب القيم الذي أمامنا، فإننا بين يدي موسوعة جليلة في الإمام المهدي (عليه السلام) وضعها أحد أولادنا وتلامذتنا الأعزاء وهو العلامة البحاثة السيد محمد الصدر، وهي موسوعة لم يسبق لها نظير في تاريخ التصنيف الشيعي حول المهدي (عليه السلام) في إحاطتها وشمولها لقضية الإمام المنتظر من كل جوانبها، وفيها من سعة الأفق وطول النفس العلمي واستيعاب الكثير من النكات واللفتات ما يعبر عن الجهود الجليلة التي بذلها المؤلف في إنجاز هذه الموسوعة الفريدة، وإني لأحس بالسعادة وأنا أشعر بما تملأه هذه الموسوعة من فراغ وما تعبر عنه من فضل ونباهة والمعيه)(١٦٥).
- كتاب (بحث حول المهدي): للسيد محمد باقر الصدر (١٣٥٣-١٤٠٠هـ).
هذا الأثر العلمي القيم وهذه الصياغة الفكرية الفذة دراسة حول قضية الإمام المهدي والتعريف بها ومناقشة الشبهات المثارة حولها، يعتبر هذا البحث من أفضل المصنفات المهدوية ذات المنهج العقلي في الوسط الشيعي، لما توفر فيه من أبحاث مبتكرة وفتحه لآفاق جديدة أمام الباحثين المهدويين، وقد لا يصدّق أن هذا الكتاب وهو في أعلى القمم الفكرية في التراث المهدوي، جاء في بحث عقائدي صغير لا يتجاوز حجمه (حدود ٨٠ صفحة)، وكتب في فترة زمنية قصيرة جداً (بدأ كتابته في ١٣ جمادى الثانية سنة ١٣٩٧هـ، ووقع الفراغ منه عصر يوم السابع عشر من الشهر نفسه)، أي استغرق في كتابة هذا البحث المميز والفريد من نوعه خمسة أيام فقط.
المفكر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر بحث هذا الموضوع بحثاً عقلياً وتنظيرياً ولم يورد فيه الآيات القرآنية والروايات الشريفة الدالة على الموضوع، ذلك لأن البحث كان عبارة عن مقدمة لكتاب موسع هو (موسوعة الإمام المهدي - للسيد محمد صادق الصدر)، غير إنه جاء بحثاً متكاملاً استوعب مرتكزات الموضوع وأغنى جوانبه.
عالج الشهيد الصدر في هذا الكتاب موضوع المهدي المنتظر معالجة جديدة، تختلف عن الدراسات والبحوث الكثيرة التي تناولت هذا الموضوع على امتداد التاريخ الإسلامي، وذلك للطرح العلمي والمنطقي الذي اعتمده (المنهج العقلي) فلم ينطلق باقر الصدر في بحثه من بديهيات ومقدمات مُسَّلم بها عند الأطراف، ولم يعتمد تتبع القضية في كتب التفسير والرواية أو مناقشة ما ورد بشأنها من أسانيد، وإنما سلك مسلكاً آخر فأحدث منهجاً جديداً في الثقافة المهدوية والتعامل معها، قائم على أساس التحول من العقل إلى الواقع وذلك بإعطاء الأولوية للواقع ومن غير مصادرة الأحكام العقلية، وهكذا نجد أن الدافع العقائدي قد لازم النهج الذي خطه بالتحصن بالواقع.. فبدأ بطرح الاستفهامات والشبهات المثارة حول القضية، وعرض التساؤلات والاشكالات المنتزعة مما قيل ويقال حولها، ثم شرع في معالجتها بأسلوبه الخاص، بالمناقشة العميقة والدقيقة معتمداً الدليل العقلي، ومستنداً إلى معطيات العلم والحضارة المعاصرة في إثبات المهدوية وبلورة معالمها، كما قام بنقد ورد الشبهات المثارة حول عقيدة الإيمان بوجود المهدي المصلح، وأورد الأدلة العقلية والعلمية المثبتة لذلك، فأبدع في وضع القضية في محلها الطبيعي ضمن إطار العقيدة الإسلامية التي تقوم أساساً على العقلانية والواقعية والبرهان.
أفكار وأطروحات باقر الصدر في هذا البحث لم تكن تستند على تراكمات معرفية سابقة عليها، إنما هي اجتهادات وابتكارات لا تحسب إلا على مؤلفها، وهذا من أكثر ما يميز هذا العطاء الفكري الذي يؤرخ لتحول فكري في غاية الأهمية، فعندما ننظر لسياق أو مسار تطور المعارف المهدوية، نعتبر هذه الدراسة من أبرز الانعطافات الفكرية في التراث المهدوي الشيعي في العصر الحديث.
- كتاب (نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ): للشيخ مرتضى المطهري (١٣٣٨-١٤٠٠هـ).
أحد العناوين المميزة للشيخ المطهري، وهو يعد من الإضافات المهمة في مجال فلسفة التاريخ، ففي الكتاب يقارن الشيخ بين طريقتين مختلفتين في تفسير تكامل التاريخ: الطريقة الآلية (المادية الديالكتيكية)، والطريقة الإنسانية.. ولا يخفى سر التركيز على المدرسة الماركسية، وحصر المقارنة بين النظرية اليسارية والنظرية الإسلامية، فالظروف التاريخية التي عاشها المجتمع الإيراني قبل الثورة وامتداد الفكر اليساري وانتشاره في أوساط واسعة من المثقفين، دعا لهذا التأكيد على نقد (النظرية الديالكتيكية).. ولكن هذا السياق التاريخي أو الظرفي للدراسة لا ينقص البتة من قيمة الأفكار التي أوردها الشيخ وتألقها.
لقد تطرق إلى الأساس الذي يقوم عليه كل اتجاه، والنتائج التي تترتب عليه.. ويرى الشيخ أن جوهر الاختلاف بين هذين الاتجاهين يعود أساساً إلى اختلاف النظريتين في تفسير الإنسان وطبيعة المجتمع المثالي الذي تؤمن به كل من هاتين الرؤيتين وسبل الانتظار البناء التي تدعو إليها (النظرية المهدوية).
باختصار حاول مطهري أن يعطي عبر هذه الدراسة، رؤية ناضجة على مركزية فكرة المهدي ونهضته في نسيج التفسير الإسلامي (الإنساني) للتاريخ، وكيف تمثل هذه النظرية تجسيداً لأهداف الصالحين والمجاهدين على طريق الحق(١٦٦).
- كتاب (كلمة الإمام المهدي): للسيد حسن مهدي الشيرازي (١٣٥٤ - ١٤٠٠ هـ).
من الكتب القيمة والمهمة في موضوعة، وتنبع أهميته وتميزه من المكانة الخاصة للمقدمة التي كتبها المؤلف في بداية الكتاب، حيث ناقش السيد الشيرازي فيها ما ذهب اليه المشككين في أصل وجود الإمام المهدي (عليه السلام) وظهوره وقد اعتراهم الشك في قضيته.. فساق السيد في مقدمة كتابه ظواهر ترتبط بخصوص الإمام المهدي مثل ظاهرة اليأس والتشكيك، وذكر أمثلة لتلك الظواهر والأسئلة والاستفسارات والشبهات التي يطرحها عادة المشككين وبالخصوص في العصر الحديث، فطرح اشكالات جديدة ترتبط بمعطيات العلوم الحديثة والمتأثرة بعامل الحضارة المادية مثل:
ظاهرة التشكيك في قدرته على السيطرة العالمية بعد ظهور الأسلحة الحديثة.
ظاهرة التشكيك في إيجابية فكرة المصلح المنتظر والتي تعبر عن معادلة الخير والشر.
وغيرها من ظواهر اليأس والتشكيك، وقد كان السيد إيجابياً في طرح هذه الظواهر ومناقشتها فقال (نحاول أن نناقش هذه الظواهر على أساس سؤال يقول: هل هذه الظواهر صحية أو غير صحية، فالظواهر إذا كانت صحية تعبر عن شيء، وإذا كانت غير صحية تعكس أمراض مجتمعها)(١٦٧)، تطرق السيد للظواهر بشكل تفصيلي وحاور المشككين بالمنطق والعقل وبمعطيات العلم الحديث، وكان رده علمياً ودينياً، واستخدم أسلوب يعتمد على النواحي العقلية والعلمية، فجاء نقاشه علمي راقٍ وبلغة عصرية، إضافة لاستخدامه الشواهد التاريخية والأدلة الدينية، مما أسقط أقوال المشككين وفند أراءهم.. مما جعل الكتاب (ونقصد به المقدمة) بحث رائع ومميز، وقفزة نوعية في مجال تحليل ظواهر اليأس والتشكيك.
كتب السيد ١٢٠ صفحة كمقدمة لكتاب كلمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والذي أثبت فيه رسائل الإمام وأدعيته وأقواله واشتمل على الكثير مما ينسب للإمام المهدي (عليه السلام).. وللأسف اقتصرت المقدمة على هذه الصفحات، ولكن المؤلف لم ينته بعد مما أراد إثباته فيه، فهذه المقدمة تعاني من عدم إكمال نتيجة رصاصات الغدر من حزب البعث العراقي عصر يوم الجمعة ١٦ جمادى الثانية ١٤٠٠ هـ.
التراث المهدوي المكتوب في هذه المرحلة:
نشير بشكل مختصر لبعض مصنفات الشيعة في موضوع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في العصر الحديث، حيث صنفت المئات من الكتب بحثاً وتمحيصاً وتحقيقاً، وكشف الكثير من الجوانب الغامضة عن تاريخ القضية المهدوية، وأزاحت النقاب عن الخلفيات والحقائق السياسية في ذلك العصر، فتوسع التراث المهدوي في هذه المرحلة بشكل كبير جداً، وتنوع فيها النشاط الفكري على أكثر من صعيد.. نشير إلى هذا التنوع، ونذكر بعض عناوين مصنفات في هذا العصر:
أولاً: كتب ومؤلفات مهدوية كثيرة:
١) كتاب (حياة اولى النهى: الإمام المنتظر أمل المعصومين الأطهار): للشيخ محمد رضا الحكيمي، الطبعة الأولى عام ١٤١٥ هـ.
٢) كتاب (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي): للسيد ثامر هاشم العميدي، الطبعة الأولى عام ١٤١٧ هـ.
٣) كتاب (الإمام المهدي المنتظر وأدعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع): للسيد عدنان البكاء، الطبعة الأولى عام ١٤١٩ هـ.
٤) كتاب (معجم الملاحم والفتن - أربعة مجلدات): للسيد محمود بن مهدي الموسوي الده سرخي الاصفهاني، الطبعة الأولى عام ١٤٢٠ هـ.
٥) كتاب (أصالة المهدوية في الإسلام): للشيخ مهدي فقيه الايماني، الطبعة الأولى عام ١٤٢٠ هـ.
٦) كتاب (علامات المهدي المنتظر في خطب الإمام علي ورسائله وأحاديثه): للشيخ مهدي حمد الفتلاوي، الطبعة الأولى عام ١٤٢١ هـ.
٧) كتاب (الطور المهدوي): للأستاذ عالم سبيط النيلي، الطبعة الأولى عام ١٤٢٤ هـ.
٨) كتاب (الإمام المنتظر من ولادته إلى دولته): للسيد علي بن محمد الحسيني الصدر، الطبعة الأولى عام ١٤٢٤ هـ.
٩) كتاب (استعدوا أنصار الإمام صاحب الزمان): للشيخ حسين كنجي، الطبعة الأولى عام ١٤٢٥ هـ.
١٠) كتاب (ذلك يوم الخروج): للسيد حسين المدرسي، الطبعة الأولى عام ١٤٢٦ هـ.
١١) كتاب (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي): للشيخ علي الكوراني العاملي، الطبعة الأولى عام ١٤٢٧ هـ.
١٢) كتاب (الأمل الموعود، حروف أدبية وبحوث علمية في صاحب الزمان من أرض القطيف - ثلاثة مجلدات): للشيخ لؤي محمد شوقي آل سنبل، الطبعة الأولى عام ١٤٣٠ هـ.
١٣) كتاب (الموسوعة الشعرية المهدوية - عشرة مجلدات): للحاج عبد القادر الشيخ علي أبو المكارم، الطبعة الأولى عام ١٤٣١ هـ.
١٤) كتاب (النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ): للشيخ الأسعد بن علي قيدارة، الطبعة الأولى عام ١٤٣٢ هـ.
١٥) كتاب (الإمام المنتظر، قراءة في الإشكاليات - خمسة مجلدات): للسيد عبد الله الغريفي، الطبعة الأولى عام ١٤٣٣ هـ.
١٦) كتاب (الإمام المهدي سيرته، علاماته، ظهوره - أربعة مجلدات): للسيد مرتضى فياض الحسيني، توفى عام ١٤٣٥ هـ.
١٧) كتاب (أمل الإنسان - الإمام المهدي في الفكر الإسلامي الأصيل): إعداد مركز نون للتأليف، الطبعة الأولى عام ١٤٣٥ هـ.
١٨) كتاب (رؤى مهدوية): للسيد مجتبى السادة، الطبعة الأولى عام ١٤٣٧ هـ.
بالإضافة للكتابات المميزة والمنشورات الرائعة للمراكز المتخصصة في القضية المهدوية، والتي كثير من نتاجها الثقافي يواكب حاجات ومتطلبات العصر الحالي، ودورها البارز في إثراء الثقافة المهدوية، بالإضافة لاهتمامهم الخاص بحفظ التراث المهدوي الشيعي.
ثانياً: مجلات ونشرات تخصصية تعني بالشأن المهدوي:
تطور جديد حدث في التراث المهدوي، حيث نشأت وصدرت في هذه الفترة الزمنية بعض المجلات والنشرات الثقافية الدورية العلمية المتخصصة في موضوع الإمام المهدي، حيث أدرك أصحابها أهمية دور المتابعة الثقافية وفاعليتها في تنمية وعي المجتمع بالفكر الأصيل، ومكانة الإعلام المهدوي كطرف مهم في دحض الشبهات والأفكار المنحرفة الموجهة ضد العقيدة المهدوية.. وكنماذج نذكر بعض من هذه الدوريات:
١) مجلة (موعود) شهرية باللغة الفارسية، تصدر عن مؤسسة فرهنكَي موعود (المؤسسة الثقافية موعود) طهران - إيران، صدر العدد الأول في شهر ذي القعدة عام ١٤١٧ هـ، وصدر العدد ١٩٣ في شهر جمادى الآخرة عام ١٤٣٨ هـ.
٢) مجلة (الانتظار) فصلية، صدرت عن مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) النجف - العراق، صدر العدد الأول في شهر جمادى الأولى عام ١٤٢٦ هـ، وصدر العدد الأخير (١٧) في شهر جمادى الآخرة عام ١٤٣٠ هـ.
٣) صحيفة (صدى المهدي) شهرية، صدرت عن مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) النجف - العراق، صدر العدد الأول في شهر جمادى الآخرة عام ١٤٣٠ هـ، وصدر العدد الأخير (٨٣) في شهر جمادى الأولى عام ١٤٣٧ هـ.
٤) مجلة (انتظار موعود) علمية شهرية باللغة الفارسية، تصدر عن مؤسسة بنياد فرهنكَي حضرت مهدي موعود (المؤسسة الثقافية للإمام المهدي الموعود) قم المقدسة - إيران، صدر العدد الأول في شهر ذي الحجة عام ١٤٣٢ هـ، وصدر العدد ٥١ في شهر ذي القعدة عام ١٤٣٧ هـ.
٥) مجلة (الموعود) علمية تخصصية بحثية نصف سنوية، تصدر عن مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) النجف - العراق، صدر العدد الأول في شهر جمادى الآخرة عام ١٤٣٧ هـ، وصدر العدد الرابع في شهر ذو الحجة عام ١٤٣٨ هـ.
هذه الدوريات المهدوية تعطي مؤشر على ازدهار الفكر والمعارف المهدوية في هذه المرحلة، حيث تميزت نتاج المجلات العلمية المتخصصة بالعصرية وتوطيد العلوم الأكاديمية المهدوية، وخلق جو من الدراسة والنقد بين العلماء والمفكرين في مجال القضية المهدوية، وهذه دلائل على رقي المستوى العلمي الذي وصلت اليه الثقافة المهدوية حديثاً.
ثالثاً: دراسات وبحوث أكاديمية مهدوية:
تطور جديد آخر في التراث المهدوي، حيث بدأت تظهر في هذه الفترة بعض من الدراسات الأكاديمية والتي ترتبط بالشأن المهدوي، أو بمعنى اخر أخذت المسألة المهدوية تشق طريقها للبحوث التعليمية الجامعية ولكن بخجل شديد جداً، فلازال هناك إجحاف واسع للقضية المهدوية في الوسط الجامعي وبالخصوص في بحوث الدراسات العليا، بالرغم من أنها قضية إنسانية حيوية تتسع لكل مجالات الحياة، وتحتوي في طياتها ثراء علمي متنوع.. ومن امثلة الدراسات الجامعية التي ظهرت اخيراً في الوسط الشيعي البحوث التالية:
١) بحث بعنوان (الاعتقاد بمنجي العالم في القرآن والعهدين) كرسالة ماجستير للطالب: كاظم مزعل جابر الأسدي، من جامعة آل البيت العالمية - قم المقدسة - إيران، عام ١٤٢٦ هـ.
٢) بحث بعنوان (عقيدة انتظار المهدي في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر) كرسالة ماجستير للطالبة: ناهدة محمد زبون، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد - العراق، عام ١٤٢٧ هـ.
٣) بحث بعنوان (النواب الأربعة ومروياتهم الفقهية) كرسالة ماجستير للطالبة: ندى سهيل عبد محمد، كلية الفقه، جامعة الكوفة - العراق، عام ١٤٢٨ هـ.
٤) بحث بعنوان (وراثة الأرض في القرآن الكريم والكتب السماوية) كرسالة ماجستير للطالبة: نور مهدي كاظم الساعدي، كلية الفقه، جامعة الكوفة - العراق، عام ١٤٣٣ هـ.
٥) بحث بعنوان (قصائد الاستنهاض بالإمام الحجة في الشعر العراقي للحقبة ١٢٠٠ - ١٣٠٠ ه، دراسة تحليلية) كرسالة ماجستير للطالب: حسن هادي مجيد العوادي، كلية التربية، جامعة كربلاء - العراق، عام ١٤٣٤ هـ.
٦) بحث بعنوان (الأساليب الإنشائية في التوقيعات المهدوية - دراسة نحوية) كرسالة ماجستير للطالب: بدر حسين علي المحمداوي، قسم اللغة العربية، كلية التربية، جامعة الكوفة - العراق، عام ١٤٣٤ هـ.
هذه البحوث والدراسات الأكاديمية تعطي مؤشر على التجديد والتطوير في الثقافة المهدوية في هذه المرحلة، وتنبع أهمية هذه الدراسات من الأسلوب المنظم في جمع وتوثيق المعلومات، والخطوات العلمية الممنهجة في كتابة هذه البحوث، مما يساهم في إنتاج مصنفات ذو مصداقية علمية، وينعكس ذلك إيجابياً على الرقي بمستوى الثقافة والمعارف المهدوية.
مقتطفات من المشهد الأدبي في هذه المرحلة:
واكب الشعراء التحولات السياسية والمخاضات الفكرية في هذه المرحلة، فنظموا الكثير من القصائد عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وكانت الحالة الأدبية تعبر عن الواقع النفسي السيئ للأمة الإسلامية وكثرة الإحباطات، فأثر هذا في نفوس الشعراء وأدركوا بأن الإجادة في التعبير عن قضايا الأمة ومشكلاتها، لا تتم إلا برفد نتاجهم الشعري بالموروث العقائدي والتاريخي، فوجدوا في القصائد المهدوية متنفساً لهم لبث شكواهم إلى صاحب الزمان (عليه السلام).
استطاع الأدب الشيعي في القصائد المهدوية أن ينحى في اتجاهين، وتجلى ذلك في: قصائد (الاستنهاض) والأخذ بالثأر، وقصائد (الانتظار) وتعجيل الظهور، فالغرضين الشعريين الاستنهاض والانتظار نجده أكثر التصاقاً بقضية الإمام المهدي، وهذا يعد نوعاً من أنواع التجديد في الشعر العربي، وتعبير صادق عن الحياة الأدبية، وعن مكنونات النفس وآمال المجتمع، ويحسب للشعراء كتوفيق بين الفن والمضمون، وكتزاوج بين قيم تراث الماضي وتطلعات المستقبل، فأبدع الضمير الشيعي بقصائد مهدوية رائعة:
- من قصائد الاستنهاض الحديثة: (صاحب الأمر ضاقت الصدور فينا) للشاعر مهدي جناح الكاظمي، معاصر ولد عام ١٣٧٠ هـ في الكاظمية بالعراق:

حليفُ الثأرِ يا ذخرَ الحسينِ * * * ويا حلمَ الخلاصِ بكلِ عينِ
أتاكَ الدهرُ يا مولاهُ يسعى * * * أسيرَ الروحِ مغلولَ اليدينِ
لقد حاقت بنو الطاغوت فينا * * * وعصبةُ من أباحَ القبلتينِ
تطاردُنا الرماحُ بكلِ أرضٍ * * * ونقتلُ كلَ يومٍ مرتينِ
وتسلبنا الديارَ وأنت أدرى * * * بما صنعت بنا في الغيبتينِ
وقبةُ جدكَ الهادي جراحٌ * * * تسيلُ على ضريحِ الكوكبينِ
كما هدموا البقيعَ فنحتَ قبلا * * * ودمعك شاهدٌ في الحالتينِ
لقد بكت السماءُ دماً عبيطاً * * * وعرشُ اللهِ ناحَ بمقلتينِ
إلينا أيها الثاوي برضوى * * * بنا قد ضاقَ صدرُ الخافقينِ
فليس هناك من فرجٍ قريبٍ * * * سواك وحقِ ربِ المشرقينِ(١٦٨)

- من قصائد الانتظار الحديثة: في ظلال (متى): للشاعر جاسم محمد الصحيح، معاصر ولد عام ١٣٨٤ هـ في الاحساء.. نقتطف منها هذه الشذرات، والتي مطلعها:

انتظر، مهما دعوناك البدارا * * * نحن في الغيب زرعناك انتظارا

وجاء فيها:

إن في أعماقكم شمسا فلا * * * تطلبوا من غير عينيها النهارا
لا تقولوا عربد الرمل ولم * * * يولد المهدي من قلب الصحارى
يولد المهدي من أعماقنا * * * ثم يمتد على الدنيا منارا
نحن في غربتنا أسرى (متى) * * * يا (متى) حسب المحبين أسارا
يا (متى) ما زلت في أيامنا * * * موسماً نجتر منه الاجترارا
ألف عام والقوافي تلتظي * * * بك حتى صارت الأحرف نارا

وخاطب الإمام قائلاً:

سيدي جئنا وما جئنا إلى * * * منبع الذكرى فلم نرو الجرارا
لم نزل نستنبت الشوق الذي * * * لو سرى في الشوك أضحى جلنارا
وهنا أحلامنا لو سكنت * * * في غراب لأحالته هزارا
زوجوا آمالكم أعمالكم * * * تنجبوا من رحم الضعف انتصارا
وافهَموا المهدي فالحب متى * * * أدرك الفهمَ تجلى وأنارا
ربما يشرق من أعماقكم * * * فارس مل هناك الانتظارا(١٦٩)

ثمرة المرحلة (خلاصة):
في ضوء التحولات السياسية الكبرى التي عاشها العالم الإسلامي وواكبها علماء الشيعة في هذه الحقبة التاريخية، توفرت حوافز مشجعة لاستئناف النشاط التجديدي.. فقد شهدت الشيعة انتعاشاً فكرياً في القضية المهدوية، هذا الانتعاش تأكد قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، والذي بدأ يشهد نشاطاً فكرياً تجديدياً حيث جرى بلورة وتنقيح المعارف المهدوية وتجديد آلياته، وذلك بصدور الكتب الرائدة: (الموسوعة المهدوية) و(بحث حول المهدي) و(نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ) و(كلمة الإمام المهدي - المقدمة) وهي تتبع المنهج العقلي والتحليلي، ولذا نلحظ بعد انتصار الثورة محاولات النزوع للمنهج التحليلي بكثرة، مما مهدت هذه التحولات الفكرية لبعث حركة التجديد والتطوير في الثقافة المهدوية، فتنوعت وانتشرت الثقافة المهدوية كماً وكيفاً، وتوسع التراث المهدوي بشكل لم يسبق له مثيل.
لعل من أكثر العوامل تأثيراً على تطور الفكر المهدوي في العصر الحديث هو رجالات هذا الفكر وإسهاماتهم وعطاءاتهم والرؤية التي عبروا عنها فكرياً، وذلك في إطار حركة ثقافية تجديدية تعيد إلى الثقافة المهدوية الدور الإيجابي في واقع الحياة العصرية.. فارتبطت الثقافة المهدوية بالواقع (المرتبطة بالحياة السياسية والفكرية) فسياقات المعارف المهدوية حالياً اختلفت بصورة كبيرة، لا ننفي أن الثقافة المهدوية في العصور التاريخية السابقة كانت على ارتباط بالواقع المحيط بها، لكنه كان ارتباطاً ضيقاً ومحدوداً وبعيداً عن المجالات العامة، أما في العصر الحديث فهو ارتباط حيوي بالواقع ومن موقع التأثير عليه، وهذا الذي حدث مع بداية قيام الثورة الإسلامية في إيران، مما يصح أن نطلق عليه (نهضة) في الثقافة والفكر المهدوي الشيعي.
من منطلق حقب تاريخية سابقة (طور الدفاع وطور الركود) الذي كانت عليه حركة مسار الثقافة والمعارف المهدوية، إذا بنا نشهد قفزة نوعية تصعد بها نحو مستويات متقدمة بظهور مصنفات مهدوية للمفكرين الرواد(١٧٠) السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد صادق الصدر والشيخ مرتضى المطهري والسيد حسن الشيرازي، فهذا التحول بقيمته المعرفية والمنهجية يؤرخ لحركة تطور وتجديد على أساس منهج التقسيمات والتحقيبات الزمنية والتاريخية، مما فتح المجال لكتابات مهدوية لاحقة متأثرة بالأرضية الفكرية لهذه المرحلة، فجاءت محاولات بعد ذلك على الرغم من قلتها ومحدوديتها اتجهت نحو منهج التحليل (وركزت في أغلبها على قسم علامات الظهور)، وإن كانت ليست على قدر من الكفاءة العلمية أو النضج الفكري كسابقاتها، فظلت قاصرة عن بلوغ مستوى أعمال الرواد من حيث النوعية والجودة.
أخذت الثقافة المهدوية في هذه المرحلة تتجدد وتبتعد عن الكتابات التقليدية، فالتجديد انطلق من قاعدة التواصل مع التراث وظل مرتبطاً بالأصول الثابتة للقضية المهدوية، وبمعنى آخر انطلق التجديد من التأصيل وتواصل مع قضايا الحياة والعصر.. وقد صنفت في هذه الفترة كتابات مهدوية على أكثر من صعيد وبأكثر من طريقة وأسلوب، مواكبة لمتطلبات المرحلة ومدركة لروح العصر ومنفتحة على قضاياه:
أولاً: كتب ومؤلفات مهدوية كثيرة: توجد فيها كتابات مميزة ونتاجها الفكري يواكب حاجات ومتطلبات العصر، وتميل للمنهج التحليلي والعقلي في تعاطيها مع القضية المهدوية.
ثانياً: مجلات ونشرات تخصصية: تبرز أهميتها في متابعة المستجدات في ثقافة المجتمع، ودحض الشبهات والانحرافات المرتبطة بالشأن المهدوي، وخلق جو من النشاط الثقافي.
ثالثاً: دراسات أكاديمية مهدوية: فالمنهجية العلمية التي تكتب بها هذه البحوث تنتج مصنفات ذات مصداقية علمية ومستوى ثقافي ومعرفي راقٍ.
في العقود الأخيرة تغيرت اتجاهات الثقافة المهدوية بصورة لافتة، حيث اكتسبت زخماً وطاقة هائلة مع ظاهرة الصحوة الإسلامية، وأصبح من الملامح البارزة وفي تطور فكري مهم، ان المصنفات الجديدة بدأت تركز على الانتظار، وكثير من عناوينها تحتوي على كلمة (الإمام المنتظر) بدلاً من التركيز على (الغيبة) كما في مصنفات القرون السابقة، مما يعني التفكير بالمستقبل، ففي كتابات العصور السابقة كان التحليل وانتظار المستقبل غائباً، ولم تكن هناك أرضيات تولد بواعث التفكير به، أما في العصر الحديث فالصورة اختلفت، ونلمس هذا الاهتمام بالمستقبل من خلال الاهتمام الزائد بعلامات الظهور وكثرة التعاطي معها بالكتابة والتحليل.
اذا أردنا أن نصور هذه الحقبة الزمنية في مسيرة التراث المهدوي الشيعي في أطوار من التقسيمات الفكرية التاريخية، وعملنا مقارنة بين الكتابات المهدوية للجيل الأول بداية الغيبة الكبرى وجيل العصر الحديث، وحاولنا أن نقيس المسافة الفكرية التي تفصل بين كتابي: (المسائل العشر في الغيبة) للشيخ المفيد (ت ٤١٣ هـ) و(المقنع في الغيبة) للشريف المرتضى (ت ٤٣٦ هـ) وبين كتابي: (بحث حول المهدي) للسيد محمد باقر الصدر (ت ١٤٠٠هـ) و(موسوعة الإمام المهدي) للسيد محمد صادق الصدر (ت ١٤١٩هـ)، فإن هذه المسافة في قياسات التطور الفكري لا تتناسب مع المدة الزمنية الفاصلة بينهم (حدود ألف عام)، مما يبرهن على أن التطور والتصاعد الفكري والمعرفي في مسار التراث المهدوي بشكل عام يزحف ببطء وبتثاقل شديد جداً.. فمن جهة الحقل المعرفي فإن الكتابين الأولين ينتميان إلى علم الكلام، في حين ينتمي الكتابان الحديثان إلى علم الفلسفة (المنطق والتحليل)، وهذا بدوره يعكس تحولاً منهجياً في التراث المهدوي، وهو تحول من المنهجية التأصيلية الكلامية إلى المنهجية الفلسفية التحليلية.. ولذا يمكن القول بصورة شديدة العمومية وإجمالية بأن التطور الفكري في سياق التراث والمعارف المهدوية بطيء جداً جداً، ولا يتناسب مع متطلبات الإمامة الخاتمة.

الفصل العاشر: طور التطبيق
مرحلة الحضارة المهدوية (اليوم الموعود - يوم القيامة)

مرحلة زمنية من تاريخ البشرية (مستقبلية)، سوف تمتاز بتحولات مفصلية وانعطافات جوهرية تشمل كافة نواحي حياة الإنسان المعاصر للعهد الميمون، لم تمر على البشرية مثلها من قبل.. ففي هذه الحقبة من تاريخ الإنسان على الأرض ستختلف المعيشة والحياة على المعمورة بشكل جذري وعلى جميع الأصعدة، وذلك بسبب الأوضاع والأجواء المثالية التي يخلقها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في كافة جوانب الحياة، حيث النضج والرشد العقلي والروحي والأخلاقي للإنسان، فتتميز دولته الفاضلة بتعانق النظرية والتطبيق.
الثقافة والفكر المهدوي للناس سيتطور ويصل إلى أوج قمته، فعندما ترتفع ستارة الغيبة عن مسرح الإمامة، وتنفتح البشرية على الحقيقة المهدوية بشكلها الواقعي كما أرادها الله سبحانه وتعالى، ويدرك البشر معنى القيادة الربانية المتمثلة في المهدوية، ستتحقق حينها الأمنية الكبرى لجميع الأمم السابقة وكافة الأديان.. إنها المحطة الأخيرة والحقبة المشرقة في تاريخ البشرية، وذلك عندما تعيش في كنف ورعاية الإمام (عجّل الله فرجه) في ظل الحضارة المهدوية.
- لمحة سياسية وتاريخية:
منذ فجر التاريخ وإلى يومنا هذا والبشرية تعيش قصة تراجيدية(١٧١) بين الأضداد، بين الخير والشر وبين الظلم والعدل، والمسيرة الإنسانية تنتظر المنقذ الموعود ليخلصها من أتون الحرب وأشكال القهر والجور.. فيبدأ الإمام بهدم الواقع الفاسد الذي قامت عليه البشرية على طول تاريخها المرير، ويبدأ القائد بتطبيق وسائل مختلفة كلياً في إدارة الحياة لم يألفها الناس من قبل، ويبدأ عملية البناء والعروج بالإنسانية إلى النفحة الإلهية والعدل الرباني والقسط السماوي، فتحدث انعطافة تاريخية كبيرة ومرحلة تحولات مفصلية حاسمة على البشرية لتصل إلى رحاب الحضارة المهدوية.
لمحة سياسية: ستتميز حكومة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بمواصفات معينة: إنها حكومة(١٧٢) ربانية محمدية مهدوية، لا مثيل لها في تاريخ البشرية، فالنظام السياسي في دولة العدل الإلهي يمثل نموذج فريد من نوعه، فهي حكومة:
o ليست ملكية: لا تعرف الاستبداد أو الديكتاتورية.
o ليست ارستقراطية: لا تعرف الإقطاعية أو تتسلط فيها نخبة معينة.
o ليست ديمقراطية: لن يكون لشعوب العالم دور في انتخابها.
o ليست عسكرية: وزراؤها من غير المؤسسة العسكرية.
o ليست ائتلافية: لا يوجد أحزاب في الدولة.
o لا تشبه أي من الأنظمة السياسية التي نعرفها قديماً أو حديثاً.
بل هي حكومة إلهية سماوية، حيث الحاكم الأعلى معين ومُنصَّبْ من قبل الله سبحانه وتعالى (أصل الإمامة)(١٧٣)، وهذه إرادة الخالق ووعد رباني بأن الأرض يرثها الصالحون.. وسيكون النظام التشريعي في الدولة لله عز وجل وليس من خصائص الشعب أو نوابه (تطبق أحكام الشريعة الإسلامية)، والقيادة العليا في الدولة ربانية (معصومة) وحكومة عادلة تبسط نفوذها وتمتد حدودها إلى أقصى العالم وتشمل جميع الشعوب والبلاد.. إنها حكومة تميط اللثام عن وجه الرؤية القرآنية لمستقبل مشرق للإنسان، حيث التوحيد والعدل والحضارة المهدوية.
لمحة لأحداث مستقبلية (تكون تاريخ): مخاضات سياسية وصراع بين تيارات متنافسة في الساحة (منطقة الشرق الأوسط)، فتصبح المنطقة ميدان لمعارك عسكرية متعددة، فيعيش الشعب المسلم حالة من التوتر والارتباك نتيجة عوامل عدم الاستقرار السياسي والأمني.
أحداث قبل الظهور:

أحداث سياسية ووقائع عسكرية وظواهر كونية ستقع في المستقبل أخبرنا عنها النبي محمد وآله (عليهم السلام)، وهي ذات علاقة بالظهور مباشرة، وقد حددت الأماكن والأزمنة فيها بشكل دقيق، ولكن من غير تحديد لعام الظهور.. بنظرة سريعة على الجغرافيا السياسية في منطقة الظهور، نجد أن هناك أحداث خاصة أُطلق عليها بالعلامات الحتمية والتي لابد من وقوعها، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (للقائم خمس علامات: السفياني، واليماني، والصيحة من السماء، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء)(١٧٤).
الأولى - السفياني: خروج رجل من آل أبي سفيان من ناحية الشام من الوادي اليابس، ويمثل رمزاً للحكام المسلمين الظالمين ومناهض للمهدي، وهو مدعوم من قبل الروم، يستولي على محافظات الشام الخمس، يشارك في معركة قرقيسيا، ثم يغزو العراق ويرتكب مجازر بشعة، ويغزو الحجاز ويكون خسف البيداء بجيشه، يخرج في شهر رجب في سنة زوجية قبل عام الظهور، ويفصل بينه وبين ظهور المهدي (عليه السلام) في مكة ستة أشهر فقط.
الثانية - اليماني: خروج سيد حسيني من نسل زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام) من ناحية اليمن، ولذا أطلق عليه اليماني، وتصف الأحاديث حركته بأنها راية هدى وهو يدعو للإمام، يخرج في شهر رجب في نفس يوم خروج السفياني والخراساني وسوف يتوجه إلى العراق والشام ويشارك مع الخراساني في قتال السفياني، وهو أحد أفراس الرهان في المنطقة.
الثالثة - الصيحة من السماء: حدث كوني غريب، وهو صوت ونداء من السماء (صوت جبرائيل) يسمعه أهل الأرض جميعاً، كل قوم بلغتهم، يحدث هذا الصوت في شهر رمضان.. وهو دليل واضح من الله سبحانه وتعالى إلى كل الناس على قرب ظهور المهدي، وهذه العلامة إعجاز إلهي وهامة جداً حيث لا يمكن التلاعب بها، وهي أوضح وأصدق علامة لقرب ظهور الإمام، وقد اشار لها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ...﴾ (سورة ق: ٤١-٤٢) ثم تعقبها عملية تكذيب عالمية واسعة (بقيادة إبليس) للتعمية على هذا الإعلان وتشويهه، فيقال إن هذا الصوت هو من سحر الشيعة.. وبين الصيحة وبين اليوم الموعود ثلاثة أشهر ونصف الشهر.
الرابعة - قتل النفس الزكية: وهو الشاب الحسيني الذي يبعثه الإمام المهدي (عليه السلام) لأهل مكة لتهيئة الأجواء للحركة المباركة، فينقل في يوم الخامس والعشرين من ذي الحجة، أي قبل الظهور بخمس عشرة ليلة، خطاب شفهي من الإمام (عليه السلام) إلى الحجاج في بيت الله الحرام، وقبل أن يكمل كلامه ترتكب جريمة قتله في الحرم المكي بين الركن والمقام.. وهذا الحدث آخر العلامات قبل الظهور الشريف.
الخامسة - خسف البيداء: الخسف الذي يقع بجيش السفياني، القادم من الشام إلى الحجاز، والمتجه إلى مكة المكرمة للقضاء على حركة الإمام المهدي (عليه السلام) في بداية ظهورها.. ومكان الخسف أرض البيداء الواقعة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.. وهذا الخسف كمعجزة إلهية من الدلالات القوية على صدق وحقيقة ارتباط المهدوية الصادقة بالغيب.
إن علامات الظهور انتظمت في عقد واحد فإذا انفرطت منه حبة تابعها الباقي نظام كنظام الخرز.. وبشكل عام وباختصار يمكننا أن نصف الوضع السياسي في المنطقة قبل الظهور بمدة وجيزة بالآتي:
الحجاز: فراغ سياسي واضطراب أمني.
الشام: مقسم إلى خمس مناطق (كور)، وسيطرة السفياني على مقاليد الأمور.
العراق: ثلاثة تيارات سياسية متباينة، ودولة ضعيفة.
اليمن: سيطرة تيار موالي للإمام المهدي بقيادة اليماني.
إيران: سيطرة تيار موالي للإمام المهدي بقيادة الخراساني.
أحداث اليوم الموعود:
باستقراء الأحاديث الشريفة التي غطت أنباء وأخبار ليلة الظهور المباركة وما بعدها من أحداث، يتبين لنا بأنها ستمر عبر سلسلة من المواقف والمحطات نشير إلى مقتطفات منها:
- يبدأ مسلسل الظهور في اليوم التاسع من محرم في سنة وتر، يوم الجمعة مساءً (ليلة السبت) بعد صلاة العشاء.
- يظهر (عليه السلام) وحده، ويأتي البيت وحده، ويلج الكعبة وحده، ويجن عليه الليل وحده.
- يتعبد الله في الحرم المكي، ثم يصلي ركعتين عند مقام إبراهيم، ويدعو الله الفرج.
- تتضرع الملائكة وتقول: يا رب ميعادك الذي وعدت به في كتابك.
- يقول له جبرئيل: يا سيدي قولك مقبول، وأمرك جائز.
- ينادي (عليه السلام) أصحابه: يا معشر نقبائي وأهل خاصتي ومن ذخرهم الله لنصرتي قبل ظهوري، ائتوني طائعين... فيجيبون ويضعون أنفسهم تحت تصرفه.
- يتواجد حينها في الحرم صفوة المؤمنين: نجباء مصر، وأبدال الشام، وأخيار العراق، وكنوز طالقان.
- يقف بين الركن والمقام (عند الفجر)، ويسند ظهره إلى الكعبة، ويُعرف الناس بشخصيته، ويعلن انتهاء الغيبة الكبرى.
- يمد (عجّل الله فرجه) يده المقدسة ويقول: هذه يد الله، وعن الله، وبأمر الله.
- يقف جبرئيل بين يديه، ويقبل يده ويبايعه، ويقول (البيعة لله)، ثم تبايعه الملائكة.
- يلتف حوله عدد ٣١٣ وهم صفوة أصحابه ومن جنسيات مختلفة فيبايعونه.
- ينادي جبرئيل وهو على جدار الكعبة (الميزاب) في صورة طائر أبيض ويعلن للعالم: أتى أمر الله.... ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه، فإن الحق معه وفيه.
- يحاول بقايا شرطة الحرم أن يقبضوا عليه (عليه السلام) ويقتلوه، كما قتلوا قبل ١٥ يوماً سفيره.
- يدافع الأصحاب عن إمامهم وقائدهم، وتبرز شجاعتهم فيسيطرون على الحرم.
- يخطب (عليه السلام) وهو بين الركن والمقام فيقول: فمن حاجني في الأنبياء، ومن حاجني في رسول الله، ومن حاجني في كتاب الله، فأنا أولى الناس...
- يكمل خطابه الأول ويصرح: أنا بقية من آدم، وذخيرة من نوح، ومصطفى من إبراهيم، وصفوة من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...
- يرفع يديه إلى السماء ويدعو: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ (النمل: ٦٢).
- يراه الناس ويحسبونه ذو أربعين عاماً، وعلى رأسه غمامة تدور معه حيث دار.
- يخرج شعاع من نور فيصير عموداً من الأرض إلى السماء، فتفرح نفوس المؤمنين.
- يسيطر على مكة، ويبقى فيها حتى يتشكل نواة جيشه (عشرة آلاف مؤمن).
- يتوافد كثير من المؤمنين إلى مكة للالتحاق بركب الإمام، فتفيض أعينهم دموعا لتشرفهم برؤيته ونيل كرامة صحبته، والمشاركة في الفتح المبين.
- يُلقي (عجّل الله فرجه) عدة خطب على الجماهير في مكة، وتبثها الفضائيات للعالم بلغات مختلفة.
- يُعرّفِ العالم بمنطلقات حركته وأهدافها الرئيسية: دينية، إنسانية، وهو تابع ومجدد لشريعة جده (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
- يرفع شعار (يا لثارات الحسين) لإيضاح معالم مدرسته الفكرية.
- يحظى باهتمام ومتابعة جادة من جميع المسلمين وبمختلف أطيافهم ومذاهبهم، وذلك لانطلاقته من بيت الله الحرام، ولذا يستمعون لخطبه وبياناته كلها.
- تحظى حركته في بداية ظهورها باهتمام سياسي وإعلامي قوي، ومتابعة جماهيرية من كل شعوب العالم.
أحداث بعد الظهور:

بناءً على الروايات الشريفة وبشكل عام وباختصار شديد يمكننا أن نصف حركة سير الإمام بعد الظهور بالسيناريو التالي:
عندما يسمع المؤمنون النداء السماوي في رمضان، يعرفون أن الفرج قد حان واقترب وقته، وتبدأ جموع المؤمنين بالتوافد على مكة انتظاراً وترقباً لرؤية الإمام (عجّل الله فرجه).. فبعد خروج السفياني والصيحة السماوية تبدأ الاستعدادات للظهور، فيقوم الإمام (عجّل الله فرجه) بالاتصال ببعض المؤمنين المخلصين، ويضع الخطط المباشرة والتوجيه الدقيق والحكيم لبدء التحرك في اليوم الموعود، وما إرسال الإمام (عليه السلام) لشخص (ذو النفس الزكية) إلى مكة إلا حركة ذكية منه (عليه السلام) لاختبار الناس وجس نبضهم لمعرفة قوة وحجم مناوئيه، وعندئذ يأخذ عموم المؤمنين حذرهم في تحركهم وبحثهم عن الإمام (عليه السلام) بين مكة والمدينة، ففي ظل الظروف الأمنية المتوترة يصمم أتباع الإمام على ملاقاته، فيعرفون أو يصل إلى مسامعهم أن الإمام (عليه السلام) موجود في مكة فيذهبون إلى مكة، بعد ذلك يسمعون أو يعرفون بأن الإمام قد ذهب لزيارة أجداده (عليهم السلام) في المدينة المنورة، فيذهبون للمدينة طلباً للإمام (عليه السلام)، فيرجع الإمام إلى مكة فيلتحقون به.. وبعد حادثة قتل (ذو النفس الزكية) في مكة (٢٥ ذي الحجة) ينشط الإمام في الالتقاء بأصحابه وأنصاره وبالخصوص الفئة المخلصة (٣١٣) ويمهد السبل والطرق للظهور وللتحرك، فيعقد لقاء تلو الآخر معهم.
في يوم (السبت ١٠ محرم) عند الفجر يظهر الإمام (عليه السلام) في بيت الله الحرام، ويعلن نهاية الغيبة الكبرى، وتبدأ أحداث اليوم الموعود، فيقوم الإمام (عجّل الله فرجه) بدوره القيادي، وبعد أن يسيطر على الحرم المكي يعقد لقاءً مع أصحابه على جبل الصفا ويضع الخطوط العامة لجيشه، ويبدأ بإصدار توجيهاته وتعليماته الخاصة والعامة.. ومن ثم يبدأ تحرير مكة والسيطرة عليها، فيبدأ بإخراج المؤمنين من السجون، ويقوم بعدة أعمال، ويشكل نواة جيشه (عشرة آلاف رجل)، ويوجه الإمام (عجّل الله فرجه) بعض الخطب والبيانات للجماهير وللعالم وتبث مباشرة عبر الفضائيات مع ترجمتها بلغات شتى.
لا يتحرك الإمام (عليه السلام) من مكة حتى تحدث معجزة الخسف بالبيداء التي بشر بها جده (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويعين الإمام (عليه السلام) حاكم من قبله على مكة.. ويتوجه بجيش مكون من بضعة عشر ألفاً إلى المدينة المنورة، فيمر جيش الإمام (عليه السلام) على موضع الخسف، فيخبرهم (عليه السلام) بمكانه وتفاصيله، فيصل الإمام إلى مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا يلقى بداية دخوله أي اعتراض أو مواجهة تذكر من قبل أهلها، فيبدأ بترميم مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن خربه جيش السفياني، أثناء ذلك يصل إلى سمع الإمام بان الحاكم المعين من قبله على مكة قد قتل، فيذهب الإمام (عليه السلام) إلى مكة ويقتل القاتل، ويعين حاكماً آخر على مكة.. فيعود الإمام (عليه السلام) إلى المدينة المنورة ويقوم بعمل استراتيجي مهم وذو أثر نفسي وفكري فعال على كافة المسلمين في العالم، بأن يعيد بناء وترتيب بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والروضة الشريفة، ويهدف (عليه السلام) من وراء ذلك إيضاح الحقيقة للعالم الإسلامي بالرغم من محاولة المناوئين طمسها على مر التاريخ، فيبدأ أهل المدينة بتشكيل جماعة مناوئة للإمام (عليه السلام)، إلا أن محاولتهم تبوء بالفشل، فيعين (عليه السلام) والياً من قبله على المدينة المنورة، ويتوجه بجيشه نحو (إيران/ العراق)، وما أن يخرج الإمام وجيشه من المدينة حتى يسمع بأن الوالي قد قتل، فيرجع الإمام (عليه السلام) وتتم معركة صغيرة مع المناوئين لا يكون بعدها لهم دور يذكر في المدينة.. وبذلك تتم السيطرة على منطقة الحجاز بسهولة ويسر وذلك للفراغ السياسي فيها وللضعف العسكري المتواجد في المنطقة بعد واقعة الخسف.
يتوجه الإمام إلى إيران ويصل منطقة اصطخر (جنوب شيراز)، فيلتحق به الخراساني وجيشه وكذلك يفعل اليماني وجيشه.. ثم يتجه إلى العراق وفيها ثلاث رايات قد اضطربت، فيدخل الكوفة حتى يأتي المنبر فيخطب فلا يدري الناس ما يقول من البكاء.. سيختار الإمام (الكوفة) عاصمة لدولته، وقاعدة لانطلاق أعماله، ومقراً لقيادة عملياته العسكرية.. بعد أن يصفو له العراق، يتجه بعد ذلك إلى الشام لمجابهة حركة السفياني، ولكن السفياني نفسه سيبايع الإمام ثم ينقض البيعة، فيقضي الإمام على السفياني وجيوشه ويسيطر على الشام، ويتابع عملياته الحربية ويحرر القدس في غضون تسعة شهور من ظهوره.. بعد فترة من الزمن يعقد الإمام هدنة مع الغرب (الروم) تدوم سنين، وخلال ذلك يسعى الإمام لتوحيد العالم الإسلامي، وستكون أول ألويته موجهة إلى الترك، ويكثف الإمام جهوده في العالم الإسلامي وينجح في إخضاعه لسلطانه.
ينقض الروم الهدنة ويصطدموا مع الإمام بشكل واسع، وذلك بعد أن أصبح الإمام هو القوة الوحيدة في العالم الإسلامي، وبعد أن استوعب حكام الغرب حجم الخطر الذي يشكله الإمام على أنظمتهم في الغرب.. يضع الإمام خطة تتركز على عزل حكام الغرب عن شعوبهم، ويوضح أن مهمته إنقاذ العالم من الظالمين، ثم يعقد مع حكام الغرب أربع هدن فينقضونها أيضاً، فيدركون خطورة هذا الرجل وقدرته على التأثير على شعوبهم، ويحاول الإمام أيضاً أن يفتح أبواب الحوار مع العالم الغربي طمعاً في تجنب الشعوب ويلات الحرب، ويقوم بعدة اعمال استراتيجية توثر على الشعوب بشكل مباشر وسريع، فيستخرج تابوت السكينة من بحيرة طبرية، ويستخرج النسخ الأصلية من الإنجيل والتوراة، ويصرح في كل الوسائل الإعلانية عن حيازته لكافة الآيات وأدوات المعجزة للأنبياء من عصا موسى وخاتم سليمان و... التي خصه الله تعالى بها، ويؤكد أنه صاحب المنصب الإلهي في الوقت الحالي الذي يجب إطاعته والالتزام بأوامره، وفي غضون ذلك ينزل السيد المسيح إلى الأرض ويصلي خلف الإمام، ويكون أحد أبرز وزرائه، ويباشر مهامه بأن يتوجه للعالم المسيحي في الغرب، ويكون تأثيره ساحق على الشعوب المسيحية.
يستغل حكام الغرب هدنهم مع المهدي، فيتفقون فيما بينهم على شن حرب شاملة على دولة الإمام المهدي، فيوحدون صفوفهم ويجهزون معداتهم العسكرية، ويعدون جيشا قوامه مليون مقاتل.. وتبدأ عندئذ الملاحم فيتواجه الطرفان، والكفة سترجح لصالح الإمام المهدي، ويصب الله غضبه على الغرب (الروم)، فيهزمون هزيمة ساحقة، ويفتح جيش الإمام بلاد الغرب، وتركز الأحاديث على القسطنطينية خاصة... ويواصل الإمام فتوحاته في الغرب والشرق، فيفتح بلاد الصين وجبال الديلم، ولا يمر جيشه بحصن إلا فتحه.
الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) سيحمل سيفه ولن يرميه، حتى يملك مشارق الأرض ومغاربها، ولا يبقى على وجه الأرض إلا من يقول لا إله الا الله.
- التراث الديني السماوي:
 الذي يتابع النصوص الإسلامية والروايات الشريفة التي تتكلم عن ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وقيام دولته المباركة، يجد أن حضارة آل محمد هي الوارثة الحقيقة لكل القيم والتراث الذي جاء به الأنبياء والمرسلون والأئمة (عليهم السلام)، ولذا نلمس بصورة دقيقة العلاقة الوثيقة بين الحضارة التي يقيمها (عجّل الله فرجه) وبين القيم والمعارف السماوية السابقة.. فدولة العدل الإلهي إضافة إلى عصمة قيادتها فإنها تستجمع خلاصة تجارب ووعي ونضج المسيرة الربانية في الحياة.
إن كل العطاء الإلهي للأنبياء السابقين والخصوصيات الرسالية التي ميز الله بها بعض أنبيائه، والتي يعبر عنها بـ (مواريث الأنبياء)، قد وصل جميعها إلى خاتم الانبياء محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد وردت روايات مستفيضة تؤكد وصولها إلى الأئمة المعصومين (عليهم السلام) من بعده، وجميعها موجودة الآن عند آخر الذخائر الإلهية (بقية الله)، قال الإمام الباقر (عليه السلام): (إذا ظهر القائم (عليه السلام)، ظهر براية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وخاتم سليمان وحجر موسى وعصاه...)(١٧٥).
وبهدف إثراء البحث نشير إلى بعض مواريث الأنبياء المودعة عند الإمام المهدي (عليه السلام) والتي سيخرجها للناس عند ظهوره المقدس، ويعتبر هذا دليل وعلامة صدق على إمامته وأنه صاحب المنصب الإلهي في زمانه.
إن الحديث عن العطاء الإلهي وتراث الأنبياء وآثار الأصفياء والإمامة يجرنا للحديث عن الجفر.. وهنا لابد من التعرف على حقيقة محتواه ومضمونه(١٧٦) على ضوء الروايات الشريفة، حيث أخبر الأئمة (عليهم السلام) عن جفار أربعة موجودة عندهم، أحدها كتاب والثلاثة الأخرى أوعية ومخازن لمحتويات ذات قيمة معنوية كبيرة، وهي:
١- كتاب الجفر: كتاب خاص عند الأئمة (عليهم السلام) حجمه صغير (لا يتجاوز جلد شاه)، لا ينظر فيه سوى المعصومين (نبي أو وصي نبي)(١٧٧)، صيغ بطريقة رمزية خاصة يفهم منها المعصوم العلوم المتقدمة التي يحتويها.. والكتاب يشمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وهو عبارة عن لوح القضاء والقدر.
٢- الجفر الأبيض: عبارة عن وعاء(١٧٨) فيه كتب مقدسة، يحتوي على كتب الأنبياء السابقين (الخالصة من أي تحريف)، بالإضافة إلى كتب أهل البيت (عليهم السلام) الخاصة، ويشمل الآتي:
o كتب الأنبياء: الكتب المنزلة من الله سبحانه وتعالى على أنبيائه العظام، ومجموعها (١٠٤ كتاب وصحيفة) ولكن ما حصل في التاريخ هو ضياع لبعضها وتحريف في البعض الآخر، وهي:
- صحف آدم (١٠ صحائف)
- صحف شيث (٥٠ صحيفة)
- صحف إدريس (٣٠ صحيفة)
- صحف إبراهيم (١٠ صحائف)
- زبور داود
- توراة موسى
- إنجيل عيسى
- فرقان محمد (القرآن الكريم)
o مصحف فاطمة: كتاب للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وبخط أمير المؤمنين (عليه السلام)، خال من الأحكام الشرعية، وعنوان محتواه هو (علم ما يكون) ويشتمل على أسماء كلّ ملك يملك في الأرض.
o كتاب الجامعة: كتاب للإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، صحيفة طولها سبعون ذراعاً تحتوي على الأحكام الفقهية من حلال وحرام إلى أن تصل إلى الأرش في الخدش، وكل شيء يحتاج الناس اليه.
o كتب وصحف أخرى: مثل كتاب الوصية (الكتاب المختوم)، صحيفة الفرائض (أحكام الإرث)، صحيفة في ذؤابة سيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
من هنا نعرف ميزة وجود هذه الكتب المقدسة عند الأئمة (عليهم السلام)، حيث أن هذا التراث السماوي إحدى علامات معرفة الإمام الحق والوصي الشرعي، إضافة إلى جنبة العلم الخاص الذي هو شرط أساسي من شروط الإمام وصاحب المنصب الرباني.
٣- الجفر الأحمر: عبارة عن مخزن ووعاء(١٧٩) فيه سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأن الذي يفتح هذا الجفر هو صاحب السيف الذي يفتحه للقتل، وهو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).. ويتكون هذا السلاح من: مغفر(١٨٠) رسول الله ودرعه وسيفه.
وسلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند المسلمين كتابوت السكينة عند بني إسرائيل(١٨١)، فكما كان تابوت الحكمة والسكينة علامة المنصب الإلهي المتمثل (بالنبوة والملك)، فكذلك سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو علامة المنصب الإلهي المتمثل (بالإمامة)، فمن يوجد عنده السلاح فهو الإمام الحق والوصي الشرعي الواجب طاعته.
٤- الجفر الكبير: هو وعاء كبير من جلد ثور (مدبوغ كالجراب)، ويحتوي في داخله على الجفر الأبيض والجفر الأحمر.
إن الروايات والنصوص الإسلامية تؤكد وجود جملة من المختصات (أدوات المعجزة) وصلت للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عن طريق جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسلسلة آبائه الطاهرين (عليهم السلام)، بعضها يختص بالأنبياء السابقين والبعض الآخر يختص بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهي كثيرة نذكر منها:
o مختصات الأنبياء السابقين:
- عصا النبي موسى (عليه السلام)، آية لنبوته وإحدى معجزاته.
- حجر النبي موسى (عليه السلام)، استخدمه في التيه مع قومه.
- تابوت الحكمة والسكينة، علامة النبوة والملك عند بني إسرائيل.
- قميص النبي إبراهيم والنبي يوسف (عليهم السلام)، الحماية من النار وعودة البصر.
- خاتم النبي سليمان (عليه السلام)، ويرمز إلى الملك.
o مختصات النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
- سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، المغفر والدرع والسيف.
- خاتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونقشه: محمد رسول الله.
- الراية: هي من ورق الجنة، نشرها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم بدر، ونشرها أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل، ولا ينشرها بعدهم إلا القائم (عجّل الله فرجه).
كل هذا العطاء الإلهي وهذا التراث السماوي موجود حالياً عند بقية الله وآخر الذخائر الربانية، ويعد من خصائص المهدوية في هذه المرحلة، فيستخدم (عجّل الله فرجه) بعضها في بداية ظهوره كحجر موسى وراية رسول الله، والبعض الآخر يستفيد منها لاحقاً لإلقاء الحجة على جميع الأمم وأصحاب الديانات المختلفة بصدق إمامته وأنه صاحب المنصب الإلهي في هذا الزمان.. فهذه الوسائل وأدوات المعجزة ستساعده على نشر التوحيد وبسط العدل على كافة أرض المعمورة، وحينها يتضح للناس جزء من حقيقة المهدوية بعد أن انكشف لهم غطاء الغيبة، حينها سيدرك العالم المعنى الحقيقي لكلمة (بقية الله).
- مزايا الدولة المهدوية:
تمتاز مرحلة التطبيق بأنها فصل النهاية السعيدة والمشرقة لتاريخ البشرية، وهي المحطة الأخيرة التي سيصل لها الإنسان في مسيرته المستقبلية، وتعتبر من أفضل الأطوار وأجمل المحطات التي سيعيشها الإنسان في تاريخه الطويل.. حضارة عالمية تعتبر أهم أحلام البشرية أساسها الإنسان، يجد فيها أرقى وأكمل أنواع الخدمات وبأسلوب مثالي، فنجد العدالة والمثالية والرقي يتجسد في كل وقت وبأرقى صورها، فهي مثالية في كل شيء ولا توجد فيها أي نوع من أنواع شرور المجتمع كالفقر والظلم أو حتى المرض، حضارة تستمد أنظمتها وسياساتها من أحكام الشريعة الإسلامية وتطبيق عملي للتعاليم الربانية، حيث التوازن بين النظرية والتطبيق.. أنها مرحلة وعصر متألق بالسعادة والرفاهية والخير والعدل والقسط فتصبح رمزاً للكمال وجنة الأرض، أنه عصر تشرق به الأرض بنور ربها.
للتعرف على معالم(١٨٢) وسمات الحضارة المهدوية والبحث في تفاصيلها وجزئياتها وما تمتاز به من خصائص(١٨٣)، لابد أن نرسم بعض التصورات والآمال المستقبلية بناءً على الروايات الشريفة عن دولة السماء في الأرض دولة آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
١ - إسلامية: الهدف والغاية من بعثة الأنبياء والرسل هو نشر التوحيد والتعاليم الإلهية بين الأمم والشعوب، والدين الإسلامي هو خلاصة كل الأديان السماوية وخاتمها، فدستور الدولة المهدوية الأساس هو القرآن الكريم والسنة الشريفة والعمل على تطبيقهما وتنفيذ أحكامهما، فالإسلام الصحيح (كما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)) هو الدين والمعتقد والنظام والدستور، نظرياً وعملياً وقولاً وفعلاً.. فيتحقق هدف رئيسي: إقامة علاقة صحيحة بين البشر وبين الله، وذلك بنشر التوحيد.
٢ - العالمية: حكومة الإمام (عليه السلام) تبسط هيمنتها وسيطرتها على جميع أنحاء العالم، من خلال فتوحاته لكافة أركان الكرة الأرضية، وأن تكون مقاليد المجتمع البشري بيد الصالحين، ويشكل حكومة عالمية واحدة تسقط فيها الحواجز القومية، وتتوحد فيها كل البشرية تحت ظل سيادة واحدة.. فهو (عليه السلام) الوارث الحقيقي للأرض وله الحاكمية المطلقة كما وعد الله سبحانه وتعالى الاستخلاف في الأرض.
٣ - العدالة: هو المعلم البارز في الدولة المهدوية، وهو مدلول أيديولوجي وسياسي يرتبط بأهداف ومناهج وأولويات الدولة، فيطبق العدل والقسط في أنظمة الدولة وتترجم إلى أفعال وأعمال حقيقية، ويزيل آثار الظلم ويصبح من التاريخ من حقبة زمنية تجاوزتها البشرية في مسيرة البحث عن الخلاص.. فتتحقق أحلام الإنسانية في حياة قائمة على العدل والمساواة، ويتشكل المجتمع العادل كما دعت وطمحت له كل الشرائع السماوية، وحينها يتحقق هدف رئيسي: إقامة علاقة سليمة بين البشر أنفسهم، وذلك بتطبيق العدل.
٤ - الأمن والقضاء: في بداية تأسيس الدولة المهدوية ستشن عملية تطهير واسعة، وإعلان حرب صريحة ضد الظلم والفساد، ويتم قلع جذور الفتن والحروب والجريمة من الأساس، فيزول الخوف ويستتب الأمن ويستقر الاطمئنان في المجتمع البشري في ظل دولته (عليه السلام).. ويرجع الفضل في ذلك لإعطاء الأهمية والموقع الكبير للقضاء والمحاكم، والذي سيكون الفصل فيها على أساس الحقائق والواقع وليس على أساس الأدلة التي تثبت الادعاء القائم على الظن والظاهر، فينتشر العدل ويستتب الأمن.
٥ - الازدهار الاقتصادي: يتنامى التقدم الاقتصادي وتطبق سياسة اقتصادية فاعلة، وتدار الأسواق العالمية بكفاءة وفاعلية، وتوزع الثروة المالية بشكل عادل، وتستخرج الموارد الطبيعة بشكل تكفي الحاجة، إضافة إلى ذلك فإن الدولة الفاضلة توفر الغذاء والسكن لكافة افراد البشرية، وكذلك التعليم والعلاج، وتضمن للفرد مستقبل مريح في آخر العمر، فتنعدم الحاجة لجمع المال والاستكثار منه.. فتنقلب القيم حينها، فلا يعد للمال قيمة تذكر، بل للتقوى والأخلاق (القلب السليم)، فيعم الرخاء والرفاه الاقتصادي والمعيشي على كل البشرية، إلى درجة أنه لا يجد الرجل موضعاً لصدقته.
٦ - التقدم العلمي والثقافي: ستكون هناك قفزة هائلة في الحياة الإنسانية على الأرض بجميع مرافقها، فيتنامى البُعد المعنوي في العلوم، ويبرز التقدم الصناعي والتقني على أثر تكامل العقول، فتتطور وسائل المعرفة والتعليم وتكتشف علوم جديدة حيث يفك رموز الأسرار الكبيرة للعلوم، ويصل العقل البشري إلى أعلى درجات التكامل، فيقدم حضارة يجسد فيها عظمة التطور العلمي وكشف أسرار الحقائق الكونية، فتحدث نهضة علمية وقفزة ثقافية ونقلة نوعية حضارية في مسيرة البشرية من ناحية العلم والمعرفة، ويصل مستوى الرقي الحضاري إلى حد يفوق فكرنا وتصورنا الحالي، بل إن مستوى المعرفة على طول التاريخ الإنساني يمثل أقل من ٨ % من التطور العلمي والتقني في الحضارة المهدوية (يكشف أسرار ٢٥ حرف جديد كما عبرت عنه الروايات)، بحيث يصنع من العالم جنة حقيقية مصغرة.
٧ - تكامل الصحة: في عهده الميمون ومع تقدم العلم وتكامل العقول، يتم في البدء اكتشاف وتوفير العلاج الناجع لكل الأمراض (الجسدية والنفسية والروحية)، وبعد أن تشع أنوار الولاية المهدوية في كل مكان وعلى جميع الأشخاص، ستصل أبحاث الإنسانية في مجال الطب والعلاج إلى أعلى مراتبها، فتكتشف طرق وأساليب جديدة ومبتكرة للشفاء، فتزول الأمراض تدريجيا عن المجتمع، وتمحى من قاموس اللغة في ذلك العصر كلمات مثل المرض والألم، وينال الجميع السلامة والصحة الكاملة، فيمتاز أبناء ذلك الزمان بطول العمر، حتى يعمر للرجل ألف ولد.
٨ - الانفتاح على العوالم الأخرى: الرحلات الفضائية في عصرنا الحالي خطوة بدائية للانفتاح على عالم الفضاء والوجود، أما في عصر حضارة آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيضحكون على وسائلنا ومناهجنا الحالية (فأقصى ما تعرفنا عليه سرعة الضوء)، فعندها تصل الإنسانية إلى الكمال والحضارة الواقعية المطلقة، عصر التكنولوجيا وتسخير السحاب في الفضاء، والتعرف على أسباب السماوات، وفك رموز علم قطع المسافات البعيدة جداً، والاستفادة من القدرات الكامنة وراء المادة، عصر التطور المادي والمعنوي في أعلى مراتبه.. ستسنح الفرصة للبشرية الاتصال بسكان الكواكب البعيدة، والانفتاح على عالم الموت وحياة البرزخ، وتدخل البشرية في مرحلة جديدة لم تعرفها من قبل بأبعاد أوسع وأشمل.
إن هذه السمات والمعالم هي الوجه المشرق لدولته (عجّل الله فرجه)، وهذا ما ينتظر الإنسانية على يده المقدسة.. فعندما نقرأ في الروايات الشريفة عن معالم ومزايا دولة العدل الإلهي، يحق لنا أن نتساءل عن كيفية صياغة العالم من جديد في أبعاده المادية والمعنوية وعن كيفية تطبيق ذلك، ولكن من السابق لأوانه التنبؤ به.. وهذه هي الخطوط العريضة للحضارة المهدوية وعهده الميمون، وما يكتنفه من تطور وأحداث، مما يجعل القلوب الطاهرة تنجذب وتنبض بشوق وحماس لتحقق حضارة آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
- ثمرة المرحلة (الخلاصة):
طور التطبيق أو عصر الظهور أو الحضارة المهدوية هي الثمرة الحقيقية للرسالات السماوية والهدف من العقائد الربانية، وذلك بترجمة المعارف الإلهية والاحكام الشرعية إلى ممارسات عملية وتطبيقية وإجراءات تنفيذية تحت إشراف القائد الإلهي (عجّل الله فرجه).. فتنعم البشرية في ظل القيادة الربانية الفريدة بنعمة لم ينعموا مثلها قط، فينتشر التوحيد وتتحقق العدالة وتطبق مناهج الإسلام وتشرق شمس الإمامة.. ويجدر بنا الإشارة هنا إلى عدة نقاط منها:
· الرؤية الإيجابية لمستقبل البشرية: من أبجديات العقيدة والثقافة المهدوية الرؤية التفاؤلية للمستقبل الإنساني، والتي تحمل في طياتها نظرة شاملة للحياة وفهماً حقيقاً للسنن الإلهية في التاريخ، تتطابق مع النظرية القرآنية التي ترى وراثة الصالحين للأرض.. فبنظرة كلية للمسيرة الإنسانية والخط العريض في حياة وتاريخ البشرية، فنجد منذ البدء إن الإنسانية كانت تتطور وتتقدم نحو الأفضل، وما التقدم والتكامل في الشرائع السماوية إلا أصدق مثال على ذلك، ولذا فالإنسانية تتحرك بأمل وبفطرة وبإيمان نحو المستقبل، ولابد أن تنعم بحياة سعيدة وعصر متألق يتحقق على يد المنقذ (الإمام المهدي) وهذا ما تؤكده الثقافة المهدوية وتعتبره كوعد إلهي محتوم.. بعكس النظريات والأطروحات الفلسفية الغربية التي تؤكد وتقول: (بأن الإنسان في تدهور، وأن العالم في تأخر، ويسير نحو الأسوأ، وأن البشرية تحفر قبرها بنفسها)(١٨٤)، نظرة كلها تشاؤم وإحباط، نظرة سوداوية قاتمة لمستقبل البشرية.. إذن فالمعتقد والثقافة المهدوية تعطي وضوحاً في الرؤية للتاريخ الإنساني غير المنظور، فالمستقبل الذي ينبغي أن تعقد عليه الآمال، والذي شاءت الإرادة الإلهية أن يسير نظام العالم تجاهه هو عصر التوحيد والعدل والسعادة والرفاه وهو العصر المهدوي.
· عدم إدراك المهدوية على حقيقتها: إن التعرف على عصر الظهور المبارك وإدراك خصائصه العجيبة والفريدة معناه الإحاطة بمعارف أهل الوحي والرسالة واستيعاب علومهم الرفيعة.. ولكننا (للأسف) عاجزون عن رسم ملامح دولته الفاضلة بالشكل اللائق والمناسب، فالذي يخيم عليه حجاب الغيبة ولم يتذوق حلاوة وعظمة العصر المهدوي، يظل قاصراً وغير مدركاً للكيفية التي سيتحقق بها عهده الميمون.. فكما هي معرفتنا الحقيقية بمقام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) نسبية، كذلك معرفتنا بعجائب وخصوصيات دولة العدل الإلهي هي نسبية أيضاً، لأن عقولنا غير مؤهلة لوصف مزاياها على حقيقتها وبشكل كامل.. ومن المؤكد أن النظر إلى المهدوية بعين تعيش في سجن الغيبة ولم يرفع عنها الغطاء للنظر إلى اشعاع أنواره البهيجة، ولم تتذوق حلاوة العيش في ظل كنفه ورعايته، كيف لها أن تدرك معالم عصر الظهور وتتحسس عظمته، فهذا خارج عن قدرتنا وليس لعقولنا الإمكانية الكافية على إدراكه، وخير مثال على ذلك: مثل الشخص الذي يولد أعمى (ضرير) فمهما حاولت أن تشرح له معنى الألوان والتمييز بينها، فإنه لن يدرك حقيقة ذلك.. ومن هنا تنشأ الصعوبة، من أن يتصدى باحث قاصر التفكير للتوصل إلى حقيقة عصر شخص كامل ومجتمع مثالي عادل.
· الكشف عن تراث الأنبياء: إذا ظهر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وفي المراحل الأولى من عهده المبارك، سيخرج للعالم (التراث الديني السماوي) والمتمثل في: الكتب المقدسة (الأصلية)، إضافة إلى خصوصيات الأنبياء (أدوات المعجزة).. فهذا التراث أو العطاء الإلهي هو من أعظم الآثار وأفضله، فهو تراث تليد يمثل جانباً مهماً من المعرفة الربانية (الوحي)، بُنيت عليه مواقف وأفكار ومذاهب وأديان عبر التاريخ، ولكن تحولات عميقة أثرت على هذا التراث المتداول بين الناس بعد أن طالته يد التحريف والتزوير والضياع عبر الزمن.
هذا التراث المقدس عندما يظهره الوريث الشرعي والذي يمتلك الكفاءة والقدرة والإحاطة بجميع خصوصياته، سيجعل منه تراثاً حياً وفاعلاً ويلعب دوراً بارزاً في تحقيق الأهداف المنشودة:
o دليل إثبات وصدق على إمامته (عجّل الله فرجه) وأنه صاحب المنصب الإلهي الحالي.
o أدوات المعجزة ستساعد في فتح العالم واقناع الشعوب بالحكمة.
o الكتب المقدسة يتم توظيفها في نشر التوحيد وقبول الإسلام لدى غير المسلمين.
من المؤكد أن القيادة المستحوذة على التراث الديني لجميع الأمم والحضارات القديمة والحديثة وتمتلك ناصيته، من السهل عليها إيضاح موقعه الطبيعي في سياق التعاليم الربانية المتكاملة ومنظومة القيم الإلهية، فتجعل منه مشعل نور لنشر التوحيد وبناء حضارة دولة العدل الإلهي، وحينها تتجلى للعالم معنى كلمة (بقية الله).
· الحضارة المهدوية: هذه المرحلة من تاريخ البشرية يمكن النظر إليها على أنها أهم وأبرز فترة تطور وتقدم سيعيشها الإنسان على الأرض، مرحلة فريدة ومميزة من نوعها، فتنشأ دولة أو حضارة(١٨٥) هي ثمرة جهود جميع الأنبياء والرسل والأوصياء، وجهود البشرية قاطبة في مجال التطور العلمي والمادي.. فعندما تتوفر الأمور الضرورية والأبعاد الاستراتيجية في بداية انطلاق حضارة محمد وآله، القائمة على وجود قيادة حكيمة وايديولوجية متكاملة، ورؤية استراتيجية مستقبلية ثاقبة، وقبول شعبي عالمي، وتوفر الوسائل التقنية التي تساعد على إدارة الدولة العالمية ونجاحها.. حينها يضئ العالم وجميع النفوس البشرية بنور ولاية آل محمد، وتبدأ عملية تغيير شاملة للحياة الإنسانية على وجه الأرض.
الحضارة المهدوية قائمة على أساس إكرام الإنسان، وذلك عن طريق التطبيق الفعلي والحقيقي للأيديولوجية الإسلامية (أكمل الأديان وأشملها وخاتمة الرسالات)، فينفذ القائد الرباني أحكامها لتحقيق السعادة والرفاه للبشر كافة، وتعمير الأرض على جميع الأصعدة المادية والمعنوية.. ومن خصائصها: أنها ربانية (الإمامة الإلهية)، وأخلاقية (القلب السليم)، وإنسانية (توأم مع الفطرة وتكامل العقول)، وعالمية (وراثة الأرض)، والتطور العلمي (نخرج من إطار ٨ % في العلم والمعرفة(١٨٦))، والتكامل في كل شيء (المادي والمعنوي)، وكل ذلك تحت ظل قيادة حكيمة معصومة.
طوبى لمن يدرك أيامه ويسمع كلامه: حقاً في حضارة محمد وآله ذات الأطروحة العادلة الكاملة سنسمع حديثاً جديداً لم نسمع به من قبل، وسندخل مدينة العلم والمعرفة، وسنعرف مقام الإمامة (وكم هي عظيمة).. حقاً ستشرق الأرض بنور ربها، وسيقام صرح التوحيد الخالص لله، وستملأ الأرض عدلاً وقسطاً وتطهر من الظالمين، وستخرج الأرض كنوزها وتنزل السماء بركاتها، وستتوحد شعوب العالم قاطبة تحت ظل وكنف الإمامة الإلهية، وسنتفاجأ بدولة عالمية واحدة بقيادة واحدة معصومة عن الخطأ والزلل.. حقاً سنرى إرساء المجتمع الإنساني المثالي المطبق لمكارم الأخلاق، ويتكامل الوعي البشري وتتفتح الأذهان والعقول وتنتشر البصيرة والحكمة، وسنلج في عالم الرفاهية والرخاء الكامل، والاكتفاء الاقتصادي لكل الأفراد وعدم الحاجة للصدقات المالية.. سنعيش حقاً في مجتمع هو غاية في الكمال الكوني وغاية في الكمال الإنساني، وهو قمة مراحل التطور البشري والإنساني يجمع بين أمر الدنيا والآخرة.
عندما نقرأ عن معالم الحضارة المهدوية ومميزاتها وخصائصها، ونعرف أن العالم يتمتع بالحرية والرفاه والعزة والكرامة، وينفتح الطريق أمام البشرية كافة للوصول إلى رحاب الله وشواطئ السعادة والرخاء، سنقول إن هذا من الأحلام.. ولكن الشكر لله أن هذا الحلم سيتحقق يوما ما على يد القائد المهدي (عجّل الله فرجه) وهذا وعد إلهي.
إن العالم ينتظر بشوق وتلهف اليوم الذي تشرق به الدنيا وتضيء فيه الآفاق بالمظهر الإلهي لولي الله الأعظم، وخاصة بعد أن اتضحت معالم مستقبل البشرية الزاهر والعصر المتألق الذي ينتظرها.. فكم هو عظيم هذا الحلم، وكم هو كبير هذا الهدف؟!.

الفصل الحادي عشر: ١- ضياع التراث

أسباب ضياع التراث المهدوي الشيعي:
إن البشرية فقدت الكثير من التراث الشيعي، واندثر المئات من الكتب المهدوية الشيعية نتيجة الحرق والإتلاف المتعمد لها، مما أدى إلى ضياع جهود العلماء ورجال الفكر والأدب الذين أثروا المكتبات آنذاك بنتاج فكري إنساني.. فالمحن التي واجهها التراث عبر العصور المختلفة والمتمثلة في القضاء عليه، وملاحقة علماء الشيعة ومضايقتهم والتنكيل بهم، بل وصل الحد إلى قتلهم، والعبث بالتراث الفكري والتفنن في تدميره والقضاء عليه، وقد تعددت وسائل إتلاف الكتب الشيعية (ومن ضمنها التراث المهدوي) من خلال حرقها أو دفنها أو رميها في المياه أو غير ذلك من وسائل الإتلاف، مما أدى إلى عواقب وخيمة على الحركة الفكرية وتطورها.
الأسباب التي أدت إلى ضياع التراث المهدوي عديدة، نذكر بعضها باختصار:
* أسباب تعود للأوضاع الأمنية التي خلقتها الحكومات الظالمة والمستبدة على طول التاريخ الإسلامي والتي تحارب أفكار وكتب الفرق الإسلامية الأخرى المغايرة لمذهبها الرسمي.
* أسباب نفسية بحتة ومنشأها الخوف من اقتناء الكتب الشيعية، باعتبارها محرمة وممنوعة ويعاقب صاحبها، كما حدث في بعض الظروف التاريخية (كعصر الغيبة الصغرى مثلا).
* أسباب مصدرها الحقد الطائفي والتعصب الأعمى والجهل القاتل، وحرقهم لكتب الطوائف الإسلامية المختلفة، كالسلاجقة والمماليك والأيوبيين.
* أسباب خارجية متمثلة في غزو أو احتلال البلاد الإسلامية من قبل المستعمر الأجنبي (مثل المغول) وتدمير المكتبات وخزائن العلم وحرقها أو سرقة محتوياتها النفيسة.
بالإضافة لأسباب أخرى عديدة أدت جميعها إلى ضياع الكثير من التراث الشيعي والمهدوي والمرتبط به.. ومن الفواجع التي لحقت بالمكتبات الشيعية في عصور التاريخ الإسلامي، تدمير مثل خزائن العلم التالية:
١) مكتبة أبو نصر (سابور بن أردشير) نسبة إلى مؤسسها سابور وزير بهاء الدولة البويهي، بالكرخ ببغداد، وكانت تحتوي على الأصول المعتبرة.. دمرت على يد طغرل بيك السلجوقي عام ٤٤٧هـ، فأفقدت الأمة الإسلامية تراثاً ثقافياً ذا أهمية كبرى.
٢) مكتبة السيد المرتضى (علم الهدى)، واحدة من أهم خزائن الكتب في بغداد آنذاك حيث كانت تضم (ثمانين ألف) كتاب، وكذلك دار علم الشريف الرضي، دمرها السلاجقة عندما سيطرو على بغداد عام ٤٤٧ هـ.
٣) مكتبة شيخ الطائفة الطوسي، حيث كبست داره من قبل السلاجقة عام ٤٤٨هـ، وأحرقت كتبه وكرسي تدريسه (الكلام)، وعلى أثر ذلك غادر الشيخ الطوسي بغداد إلى النجف الأشرف.
٤) مكتبة الصاحب بن عباد، وكانت من أشهر المكتبات في الري (بلاد فارس) يوم ذاك، وقيل إنه جمع فيها ما يحتاج في نقلها إلى أربعمائة جمل، ومجموع كتبها يفوق ٢٠٠ ألف مجلد، دمرها السلطان محمود الغزنوي.
٥) مكتبة ابن العميد، وزير ركن الدولة البويهي، خزانة علم ضخمة في الري، احتوت على الكثير من الرسائل والكتب القديمة، وتولى مسؤولية أمانتها العالم والمؤرخ والأديب مسكوية، دمرت على يد الغزنويين.
٦) مكتبة (دار الحكمة) انشأت في عهد الدولة الفاطمية في مصر عام ٣٩٥هـ، احتوت على مليون وستمائة ألف مجلد، وظلت مركزاً ثقافياً ومنارة للعلم لمدة تقارب القرنين، حتى دمرت على يد الأيوبيين، فأحرق العابثون الكثير من محتوياتها وبعضهم جعل من جلودها نعالاً له.
٧) خزانة الكتب في حلب، انشأها سيف الدولة الحمداني، وكان المتولي عليها ثابت بن أسلم الحلبي النحوي، وبعد قتل المتولي، احرقوا المكتبة المشتملة على عشرة آلاف كتاب، من مختلف المعارف والعلوم.
٨) مكتبة (بيت الحكمة) التي انشأت في العصر العباسي دمرها المغول أثناء اجتياحهم بغداد عام ٦٥٦هـ، كما دمروا ٣٦ مكتبة في بغداد تضم مئات الآلاف من الكتب، وإن مياه نهر دجلة بقيت سوداء لمدة ستة أشهر، وذلك بسبب حبر الكتب التي رميت فيه.
لا شك أن زلزالاً مدمراً عصف بالتراث الشيعي، ففداحة التلف وضخامة الضياع نتيجة للتعصب المذهبي والمنهج الجاهلي وعقاب المنتصر الغالب والتنكيل بالخصوم، حرم الإنسانية من ثروة فكرية غنية بالكنوز والنفائس نتيجة حرق خزائن علم لا تعوض.. ولو كتب البقاء لمؤلفات الشيعة في القرنين الرابع والخامس الهجري الذي كان في قمة العطاء، لكانت دور الكتب حالياً أغنى ما تكون بالآثار الشيعية، فعندما نفقد (الأصول الأربعمائة) مثلاً: وهي عبارة عن أربعمائة كتاب حديثي دونّها اربعمائة من مشاهير علماء القرن الثاني الهجري، وكبار محدثي ذلك العصر من اصحاب الإمامين جعفر الصادق وموسى الكاظم (عليهما السلام)، وجميعها ضاع واندثر نتيجة العمليات المخزية من حرق المكتبات الشيعية.. يا ترى كم كتم عنا من أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام)، وكم كان فيها أحاديث صحيحة مسلسلة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حق الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وقد ضاعت منا بسبب هذا النوع من الكتمان، وأي الحقائق والمعلومات التي كانت فيها.. لكن ماذا تقول على الجهل والحقد الأعمى؟، مما يعكس أعلى درجات التخلف!! ولكن قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: ٣٢).
تلك الأحداث حقائق تاريخية مؤلمة، كنا نتوقعها نهاية المطاف للكوارث التي حلت بالتراث المهدوي الشيعي في مجال نهب وحرق الكتب والمكتبات الشيعية، وأن تكون فعلاً من التاريخ وحدثاً مظلماً من الماضي.. وإذا بنا نشهد المسلسل يتكرر والمأساة تعود من جديد في العصور اللاحقة والحديثة من تدمير وسرقة للتراث الفكري الإسلامي بشكل عام والشيعي بشكل خاص، من قبل الاستعمار الأجنبي والحكومات الطائفية الظالمة!.
هل التراث المهدوي الشيعي مفقود؟
· التراث المهدوي الشيعي لايزال مفقوداً: بحكم الواقع الإحصائي، وذلك لأن إحصاء ما نشر من هذا التراث المرتبط بالشأن المهدوي، ومقارنته بما لم يزل مخطوطاً أو بما ضاع مع الزمن، يدل على أن نسبة التراث المتوفر بين أيدينا من تراث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتراث أهل البيت (عليهم السلام) وتراث الناحية المقدسة أو تراث علماء الشيعة لا يزيد على عشرة بالمئة من مجموع التراث الحقيقي أو أقل من ذلك.
· التراث المهدوي الشيعي لايزال مفقوداً: بحكم تداعيات الكتمان والأوضاع الأمنية، فقد مرَّ الشيعة في ظروف وواقع حياة أمنية متأزمة عقب استشهاد الإمام العسكري وفترة الغيبة الصغرى، فكانت القاعدة الأساس عدم نشر تواقيع الناحية المقدسة، واقتضى الأمر بعض الأحيان تمزيقها من قبل أصحابها، مما خسر البشرية رسائل مهمة لإمام الزمان، الذي لم يصل لنا منها إلا أقل من (٠.٢٥ %) ربع بالمئة(١٨٧).
· التراث المهدوي الشيعي لا يزال مفقوداً:

بحكم محاربة الأعداء له، وذلك لأن هذا التراث ظل ممتداً في الزمان والمكان ردحاً طويلاً من الوقت، فمرَّ بمنحنيات كثيرة ولم يعرف ثبات الأحوال، حيث جاءت حكومات التعصب الطائفي (مثل السلاجقة) وحملات الاستعمار الأجنبي (مثل المغول)، فكان ما كان فأحرقت الكثير من كتب العلم والفكر للطائفة الشيعية وضاع الكثير من التراث المهدوي.
· التراث المهدوي الشيعي لايزال مفقوداً: بحكم عدم اكتشافه والاطلاع عليه، فهذا التراث يعتبر من أثمن الكنوز العلمية في التاريخ الإنساني وذلك لدوره المتوقع في مستقبل البشرية، لكننا لم نستكشفه او نستفيد منه، فنحن الذين ننتسب لهذا التراث لا ندرك قيمته العلمية، وهو غير مستكشف بالكامل لدينا أو بكامل محتوياته ومضامينه، كما أنه مغيب وغير معروف لعموم المؤمنين.
· التراث المهدوي الشيعي لا يزال مفقوداً: بحكم منطق الإلغاء والتغييب للعقيدة المهدوية ومحاولة تحريف مفاهيمها، فنرى انحياز بعض السلطات الحاكمة لمذهبها وإلغاء أو محاربة تراث الفرق الإسلامية الأخرى، ويصل منطق الإلغاء والتغييب بسبب النظرة الأحادية الضيقة إلى حد منع كتب المذاهب الأخرى، وعدم الاعتراف بثراء التراث المهدوي.
· التراث المهدوي الشيعي لا يزال مفقوداً: بحكم عدم الوعي به وإدراك أهميته، وذلك لأننا حين ننظر في المصنفات المهدوية الحديثة (الكتابات الجديدة)، لا نجد في مراجع هؤلاء الكتاب مخطوطة واحدة اعتمدوا عليها أو بحثوا عنها في خزائن العلم، بمعنى أنهم اعتمدوا على المنشور المعلوم، بينما هذا المعلوم لا يمثل إلا أقل القليل من جملة التراث المهدوي الحقيقي.
· التراث المهدوي الشيعي لايزال مفقوداً: بحكم انعدام الخطة المنهجية للاهتمام به، من ناحية التنقيب عن الضائع منه، وكذلك طبع ونشر المخطوط منه، بالإضافة لإرسال البعثات العلمية للحصول على النسخ الخطية الحبيسة في خزائن المخطوطات ببلدان الشرق والغرب، ثم تحقيقها ونشرها.
وعلى هذا النحو صار التراث المهدوي الشيعي مفقوداً ومجهولاً وضائعاً، ولذلك جاءت هذه الدراسة لتعرفنا بأهميته وبحجمه، وتصرخ بصوت عالٍ تطالب بانتشال الثروات المهدوية العلمية المدفونة في زوايا المكتبات، أو التراث الضخم الذي تراكم الغبار عليه، مما يجعل إخراجه إلى عالم النور وبسرعة قصوى أمراً ضرورياً وملحاً قبل أن يتلف مع الزمن.. فالواجب علينا أن نطل على المخطوطات القريبة منا وأن نتعرف على الكثير من ذخائر التراث المهدوي المنزوي في الخزانات الخطية.. ومن جهة اخرى نصب اهتمامنا في البحث عن التراث المهدوي الإسلامي المسروق في مكتبات الشرق والغرب، فما زال هذا الكنز بعيداً عن دائرة الضوء، وعلينا أن نقبل على البحث عنه واكتشافه ونشره، فنزيد نسبة المعروف من هذا التراث ونقلل المفقود والمجهول منه.
ينبغي الحفاظ على التراث المهدوي الشيعي وانقاذه من الضياع والاندثار، ولابد أن يستوعب المؤمنون هذه المعادلة: إن حماية التراث الفكري والحفاظ عليه هي حماية للهوية الذاتية والحفاظ عليها، فتراث الأمم ركيزة أساسية من ركائز الهوية الثقافية.
٢- آفاق مستقبلية:
خلاصة مسيرة التراث:
الثقافة المهدوية هي إحدى المسارات الفكرية الإنسانية المشتركة وليست المسار الوحيد، لكن أثر التحولات الدينية والفكرية والسياسية المختلفة تكون واضحة على مستوى معارفه وفنونه بشكل جلي، ففكرة المخلص (المهدوية) في كل مراحلها ومستجداتها التاريخية كانت متجهة لهدف واحد ونقطة محددة (تحقيق دولة العدل الإلهي)، ولكن الأطروحات الزمنية تختلف وتتعدد حسب كل حقبة تاريخية والمؤثرات فيها، وهكذا هي حركة التاريخ.
إن البحث في الأصول التاريخية لفكرة المهدي قبل العصر الإسلامي، نجد أن ملامحها العامة تكونت بما أطلق عليه لفظة (المخلص أو المنقذ)، فقد ساهم في تكوين الفكرة ونشأتها كل الديانات السماوية والفلسفات البشرية، فهي في الأساس وحي إلهي ومنهج رباني.. لقد اهتم بها الفكر الديني في مراحله المبكرة في الفترة الممتدة قبل ظهور الإسلام، وكان التركيز الأساسي تجاهها ينصب على أنها أمنية كبرى وحلم للبشرية بظهور المنقذ الموعود، ورغم أن المنطق الديني آنذاك قد لمح للمهدوية في إشارات عديدة في الكتب السماوية المقدسة، إلا أنه قد غاب عنه تحديد هويتها، فتحدث عن المبدأ العام وأساس الفكرة وأشار لدولة المخلص الفاضلة، مما جعل الفكرة من المبادئ والمسلمات.
قد تطورت فكرة المخلص من مجرد أمنية إلى عقيدة ثابتة من خلال إسهامات الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، حيث انتقلت فكرة المنقذ الموعود لمرحلة أكثر تطوراً في التراث الديني، فقد تطورت ملامح الفكرة في العصر الإسلامي إلى أن أخذت الشكل النهائي وتحددت هويتها وشخصيتها، ومع مرور الأيام في عهد الأئمة الأطهار تحولت من مجرد أفكار نظرية وأخبار مستقبلية غيبية إلى واقع ملموس في زمن الإمام العسكري (عليه السلام) حيث ولد الإمام المهدي عام ٢٥٥ هـ، وبإرادة إلهية احتجب عن الناس وتأجل ظهوره إلى آخر الزمان، وبدأ الدور الفعلي للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بشكل غير مباشر عن طريق سفرائه في الغيبة الصغرى.
أسدل ستار نظام السفارة وبحوزة المسلمين رصيدٌ ضخمٌ من النصوص الشرعية التي تُهيئ للإمام المهدي القيام بدوره خلف الستار، وقد آمن وتقبل المؤمنون بهذه الحقيقة، وأخذ فقهاء الإمامية موقعهم الجديد، وبدأت الثقافة المهدوية تُنشأ وتتطور تدريجياً.
تمثل المشهد الأول في التراث المهدوي في كتب ومصنفات بداية الغيبة الكبرى، حيث أصلت للمعارف المهدوية عندما حدثت نهضة في الحرية الفكرية المتاحة للعلماء الشيعة في القرن الرابع الهجري في ظل ثلاث دول شيعية آنذاك (البويهية والحمدانية والفاطمية) فانعطف منحى مسار المعارف المهدوية للأعلى.. وللأسف حدث ركود فكري في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري في زمن السلاجقة، فتغير المسار التصاعدي للمعارف المهدوية إلى التراجع نتيجة للظروف السياسية والتعصب الطائفي.. ومع انتشار التشيع في أوائل القرن العاشر الهجري بظهور الدولة الصفوية تميزت هذه الفترة بانفتاح المجال السياسي أمام فقهاء الشيعة، والولاية العامة للفقيه بصفته نائباً للإمام المهدي (عليه السلام)، ومع توسع العلوم الطبيعية والإنسانية بشكل عام، أخذت المعارف المهدوية تتفرع وتتنوع أفقياً وتشكل قاعدة وحصيلة تراكمية للتراث المهدوي، ولكن على مستوى المسار التصاعدي العمودي تزحف ببطء وبتثاقل.. ومن ناحية أخرى دخل الشيعة في عهد الدولة القاجارية في صراع ومواجهة مع الفرق الضالة والمنحرفة الجديدة كالبابية والبهائية والتي هي ربيبة الاستعمار الأجنبي والتي استغلت بعض سمات القضية المهدوية في بداية انطلاق حركتها ونشوئها، فانبرى العلماء في الرد على ادعاءاتهم ومزاعمهم وتحصين الأمة عن مثل هذه الافتراءات الكاذبة.. وفي أواخر القرن الرابع عشر الهجري (العصر الحديث) حدثت تحولات فكرية وسياسية في غاية الأهمية، أولا بظهور شخصيات عبقرية مبدعة رائدة في الثقافة المهدوية كالصدرين ومطهري والشيرازي، فجاءت انعطافة تصاعدية بارزة في مسار المعارف المهدوية وعلامة فارقة تجديدية ابتكارية في التراث المهدوي بكتاباتهم الصغيرة الحجم الكبيرة المعنى، وثانيا بظهور الجمهورية الإسلامية في إيران في بدايات القرن الخامس عشر، فانتشرت الثقافة المهدوية كماً وكيفاً، وأخذت المعارف المهدوية تتجدد وتبتعد عن الكتابات التقليدية وتنحى المنهج العقلي والتحليلي، وتوسع التراث المهدوي بشكل لم يسبق له مثيل، وصنفت الكتابات على أكثر من صعيد.
إن دراسة التراث المهدوي واستقراء التطور المعرفي في الثقافة المهدوية تعطي صورة واضحة عن فهم واستيعاب الإنسانية للمهدوية، علما بأن فكرنا وإدراكنا في الوقت الحالي لازال قاصراً للإحاطة بجميع جوانبها، حيث يخيم عليه ضباب وحجاب الغيبة، وننتظر أن يأتي اليوم الموعود، ونعيش في كنف الإمام المهدي ونسعد في ظل دولته الفاضلة وحضارته، فنعرف حينها المهدوية على حقيقتها.
آفاق مستقبلية:
لقد استعرضنا في الصفحات السابقة مسيرة التراث المهدوي الشيعي، ولم يكن استعراضنا هذا ضرباً من التاريخ، بالقدر الذي كان يهدف إلى تتبع واستقراء التطور المعرفي والفكري في المسار التصاعدي والمستجدات المتراكمة في الثقافة المهدوية، فلم نقارب الوقائع والأحداث التاريخية إلا بالمقدار الذي يقربنا من المفاهيم والتصورات، ومن وراء ذلك كنا نرمي في نهاية المطاف إلى فتح آفاق مستقبلية جديدة:
١) التراث المهدوي المرتبط بالوحي الإلهي (بشقيه الكتاب والسنة) والذي يميز التراث الشيعي عن غيره، وهو على قدر كبير من الأهمية، فإننا نجد الجانب المرتبط بالسنة الشريفة ومرويات العترة الطاهرة قد ضاع الكثير منه، وخسرت الإنسانية ثروات علمية هائلة، لذا فالمسئولية التاريخية تفرض علينا البحث والتنقيب عن الضائع والمفقود منه، وذلك على أكثر من صعيد:
o الأحاديث الشريفة المتعلقة بالشأن المهدوي والتي لم تصلنا.
o توقيعات الناحية المقدسة والتي فقدنا معظمها.
o المصنفات المهدوية القديمة لعلماء الطائفة التي ضاعت.
٢) المراجعات والتجديدات في الثقافة المهدوية من مظاهر النضج والتطور، والتراث المهدوي يحمل منطلقات ومرتكزات تأسيسية وتأصيلية متينة.. فهناك ضرورة بأن نستوحي من تراثنا روح التقدم والعصر ونندفع نحو التجديد والابتكار، فنحافظ على المسار التصاعدي للمعارف المهدوية، ولن يتم ذلك إلا بالتوسع في الدراسات والبحوث ذات المنهج العقلي والتحليلي، وأن تواكب كتاباتنا القادمة المستوى الفكري للحياة الإنسانية المعاصرة، بل نطمح أن تتقدم عليه وتكون رائدة في هذا المجال، وأن يكون هناك اقتران دائم بين المهدوية والمستقبل المشرق للبشرية، وألا خلاص نهائي لمآزق شعوب العالم إلا بالتطبيق الفعلي لدولة العدل الإلهي على يد الإمام المهدي.
٣) المهدوية حركة عالمية لا تقتصر على طائفة معينة أو دين معين، بل هي لكل البشرية.. والترجمة اللغوية من أوضح الصور والأمثلة على التواصل بين الثقافات والحضارات المختلفة، ولها دور وخصوصية في رفد الثقافة والمعارف المهدوية من خلال الأخذ والعطاء، وكذلك لها بالغ الأثر في التواصل ثقافياً مع الآخر (غير المسلم)، إضافة لحسن الأثر في حفظ التراث وحمايته من الاندثار، فيتحتم أن يكون عندنا برنامج جاد لترجمة المصنفات المهدوية المميزة (القديمة والحديثة)، بحيث يواكب حركة التأليف والتدوين حركة ترجمة نشطة من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى والعكس، فنخلق فرصة للانفتاح على الحضارات الأخرى، وعندما ننهل من تراثنا المهدوي الصفحات المشرقة وننقلها للآخر ونعرفه بالمهدوية الأصيلة، فإن ذلك يعكس نظرتنا الإيجابية لتراثنا.
٤) إن الجامعات التعليمية الإسلامية لم تعطِ القضية المهدوية اهتماماً كافياً أو عناية بالشكل التي تستحق، فمراجعة سريعة لعناوين أطروحات الماجستير والدكتوراه تكشف لنا صورة الإهمال المفجع للمسألة المهدوية، حتى أن المرء ليصاب بالدهشة عندما يجد مئات الأبحاث حول الفرق الضالة والهدامة، بينما لا يجد شيء يذكر حول الإمام المهدي (عليه السلام).. ولنا أن نتساءل عن أسباب مثل هذا الإهمال والعزوف عن البحث والدراسة في العقيدة المهدوية وارتياد آفاقها؟.. أما آن لجامعاتنا أن تستفيد من هذه الثروة العلمية الزاخرة، ونجعلها محوراً لدراستنا وأبحاثنا الأكاديمية، ونوسع نطاق البحث فيها، ونسخر الإمكانيات الجامعية للنهل من التراث المهدوي الضخم، فالمهدوية كمشروع حضاري عالمي (إلهي) ينتظر محاولة الاستكشاف واستشراف رؤى المستقبل.
٥) إن دراسة الأولويات الراهنة وخصوصيات المرحلة المعاصرة، تجعلنا نضع منهجاً لمسيرة التراث المهدوي القادم والمستقبلي، ولكن عند النظر لميزان أولوياتنا حالياً نجده مختل وبه مفارقات عجيبة، فكثير من اهتماماتنا الحالية منصبة على علامات الظهور، لذا يجب معرفة متطلبات المرحلة وترتيبها حسب الأهمية وتقديم الأهم على المهم.. فمثلا أيهما أولى: أن تؤلف كتاباً يتكلم عن علامات الظهور والتي تدل على اليوم الموعود، ويرتبها ويصنفها الكاتب بناءً على الروايات، ويشرحها على ضوء التحليل العلمي والمنطقي لديه، أم تؤلف كتاباً يتكلم عن شرائط الظهور والتي ترتبط بمقتضيات النجاح لليوم الموعود، ويقدم أطروحات جديدة في مسيرة التمهيد المهدوي؟.. إذن ينبغي أن نتحلى برؤية منهجية شاملة تخلق لنا ثقافة وسلوك (فقه الأولويات المهدوية) يرسم لنا ملامح ومتطلبات المراحل التاريخية حسب أهميتها فلا ننشغل بالجزئيات عن الأساسيات، مما يضمن أن تواكب كتاباتنا مقتضيات العصر ومسيرة التمهيد المهدوي.
٦) إن قراءة مسيرة التراث المهدوي الشيعي ودراسته بقدر كبير من الوعي والإدراك التاريخي والحضاري، ودمجها مع متطلبات مسيرة التمهيد المهدوي وأولويات المرحلة المعاصرة، يرسم لنا ضرورة الانتقال من الماضي إلى الانفتاح على العصر والنظر إلى المستقبل واستشراف آفاقه وتحدياته، ومن هذه التحديات والأولويات الهامة في وقتنا الحالي هو تعريف المهدوية لدى الشعوب غير المؤمنة بدين الإسلام، فحقائق المهدوية مجهولة لديهم ولا تعرف شيئا عنه، وإذا حان موعد ظهوره لا تعرف ماذا سيفعل وماذا سيحقق وماذا سينشر، فكيف إذاً لمثل هذه الشعوب أن تؤمن به حين ظهوره وكيف ستؤيده وتؤازره، وهي لا تعرف أدنى معلومات أو حقائق عن قضيته وأهدافه.. إذن نحن بحاجة لإيصال الثقافة المهدوية والمعارف الربانية لكل شعوب العالم، فهذه ضرورة ملحة تقتضيها مرحلتنا التاريخية المعاصرة، فهل أخذنا على عاتقنا التبشير للمهدوية وبشكل إيجابي لدى الآخر غير المسلم، فنوصل المهدوية الأصيلة للشعوب وللمؤسسات الأكاديمية والإعلامية العالمية، ونخاطبهم باللغة والأسلوب الذي يؤثر فيهم.
نحن نراهن على مستقبل التراث المهدوي وأفكاره ومعارفه، وقدرته على صنع المستقبل المشرق للبشرية، والمحافظة على فاعلية ثقافته.. فأمام الكتابات والدراسات المهدوية مسار طويل من البناء والإنجاز والتقدم، لأن البحث عن موقع رائد في فضاء الفكر العالمي والتواصل مع الحضارات المختلفة، ليس مجرد رغبة أو دعوة إنما هو فعل متراكم من التطور المستمر والقدرة على صنع ثقافة تواكب متطلبات العصر وحاجات المستقبل.. وفي ختام بحثنا نطرح هذا السؤال: كيف نستطيع أن نستلهم من تراثنا المهدوي آفاق مستقبلية، ونبعث روح الإبداع والابتكار في أقلامنا، ونندفع نحو التطوير والتجديد في ثقافتنا المهدوية؟.

الخاتمة: خادم يخاطب مولاه

السلام عليك يا بقية الله، السلام عليك يا بن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة ورحمة الله وبركاته.
مولاي: يطيب لي أن أخاطبك، فمن أجمل لحظات حياتي أن اكلمك أو أكتب لك أو أكتب عنك.. سيدي هذا كتابي الرابع الذي أسطره عنك، وللحق أقول: كم تزيدك الأيام جمالاً وبهاءً، لدرجة لم أتوقف عن التفكير بك أبداً، فكلما قرأت أو كتبت عنك اكتشف جانباً آخر من مقامك لم أكن أعرفه، مما يجعلني ألمس فيك مقام الإمامة وأدرك معناها.
مولاي: حاجتنا إليك ضرورية، فأنت تمثل الضمان الحقيقي لحفظ الإسلام ومتابعة المسيرة بعد النبوة الخاتمة، إضافة إلى دورك في قيادة الأمة وتحقيق الأهداف الإلهية في المجتمع البشري، فنحن مكلّفون يا إمامي باقتفاء أثرك والسير على نهجك والالتزام بأمرك والثبات على ولايتك، وكل ذلك يقتضي معرفتك.. يا صاحب العصر إن معرفتك أساس لمعرفة الله ومعرفة رسوله ومعرفة طريق الهداية والثبات على الصراط المستقيم والإنقاذ من الجاهلية، والجهل بك يؤدي إلى الانحراف والكفر والإلحاد والضلال عن الدين والبعد عن طريق النجاة.
مولاي: معرفتك ميزان الحقيقة وأم المعارف، فأنتم سفينة النجاة، مما يدعنا نتساءل: ماهي المعرفة المطلوبة؟ هل يكفي معرفة اسمك وهويتك فقط، أم أن هناك معرفة أهم؟.. إن معرفة الإمام صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) نوعان أو على درجتين:
الأولى: معرفة لعامة الناس وذلك الحد الأدنى المطلوب، وهي: (الإقرار بأنه إمام مفترض الطاعة)، بمعنى: الإقرار: أي الالتزام بذلك قولاً وعملاً، أنه: أي (م ح م د) ابن الإمام الحسن العسكري عليهم السلام، إمام: عدل النبي إلا درجة النبوة وهو القائد الذي يُتبع، مفترض: التعيين الإلهي والاصطفاء، الطاعة: التسليم له في كل أمر (التكليف الشرعي) وبمعنى آخر يمكن القول: إن المعرفة هي تمام الحجة بلزوم الطاعة.
الثانية: معرفة خاصة وهي للمؤمنين والعاشقين والعارفين: إنها المعرفة الحقيقية، معرفة المأموم بالإمام، والتابع بالمتبوع، والرعية بالقائد، معرفة كل ما يتعلق به من اسم وهوية وتاريخ، وعلامات الظهور وشرائط اليوم الموعود، معرفة فضائله ومناقبه ومقاماته عند الله، معرفة الواجبات تجاهه والسير على خطاه وانتظاره والتمهيد لخروجه وتحقيق أهدافه.
مولاي: العارف بحقك يدرك أنك الخليفة في الأرض، وأنك بقية الله والسبيل إليه، وأنك الشمس الطالعة والقمر المنير والأنجم الزاهرة، وأنك داعي الله ورباني آياته، وباب الله وناصر حقه وحجة الله ودليل إرادته وتالي كتاب الله وترجمانه، وأنك ميثاق الله ووعده، وأنك العَلَمُ المنصوب والعِلْمُ المصبوب، وأنك الغوث والرحمة الواسعة، وأنك أمل المستضعفين ورجاء الصالحين، وأنك بداية الخير ونهاية الشر، وبداية العدل ونهاية الظلم، وأنك من آل يس ومرآة كاملة المظهر للرسول ولأمير المؤمنين، وأنك وآباؤك أفضل خلق الله، فالبحر نقطة في فضاء فضلكم.. سيدي أي مقام خصك الله به حتى عجزت عقولنا عن إدراكه وفهمه، وكم منقبة كبيرة وكرامة عظيمة ومنزلة رفيعة وشرف شامخ لم ندركه.. حقاً الإمام المهدي روحي فداه فخرنا، الذي ظلمناه ولم نعرفه حق المعرفة.
مولاي: سبيلك لا خفاء فيه، وعلاماتك مضيئة، وطريقك ومنهجك واضح لأصحاب البصائر، فالمسيرة انطلقت من الرسول الأكرم وبكم تختم، فمن لحق بركبكم نجا، ومن تخلف عنكم هلك.. سيدي معرفتك ترجمة عملية صحيحة للالتزام بخط الله تعالى، حينما ينسجم فعلنا مع قولنا ويوافق سرنا علانيتنا، وهذا سلوك طريق المعرفة.. سيدي معرفتك لها وسائل ودلائل، والارتباط بك يترجم إلى إيمان وتمهيد، ومحبتك وعشقك يحتم علينا معرفة نوابك الفقهاء وتطبيق أحكامهم.
مولاي: إن إيماننا بوجودك يزرع في أنفسنا الأمل بالخلاص والاطمئنان إلى الفرج والنصر، وإن معرفتك مفتاح جميع أبواب الخير والسعادة والرحمة.. يكفينا يا سيدي الأمل بالانتظار والثقة بالظهور، واليقين بأن الاستخلاف في الأرض سيتحقق بأبهى صورة له على يديك.. سيدي نحن أصحاب الحظوة الذين وفقهم الله تعالى لنكون من شيعتك ومحبيك، نحن المنتظرون وبكل شوق لرؤيتك ورؤية عهدك، من دون أن نتوقف لحظة واحدة عن الاستعداد والتمهيد لظهورك.. نؤكد لك يا مولاي إننا متمسكون بالولاية، وثابتون على نهجها، ومستعدون للدفاع عنها، ونعيش حالة اليقين بالفرج والظهور، ولا يخفى عليك سيدي فلقد بلغ عشقنا وشوقنا لكم مبلغاً عظيماً.
مولاي: كل يوم يمرُّ علينا يقربنا من يومك الموعود، وإن الأيام تؤكد مدى حبي لك، ورغبتي الصادقة في قضاء ما بقي من حياتي في التعرف على فضائلك ومناقبك، لقد اكتملت حياتي بوجودك، وأشرقت شمسك في سماء كياني، وصارت أمنيتي الوحيدة أن ترضى عني حتى آخر يوم بعمري، وقلبي واقف على ساحل بحر جودك وكرمك يرجو الشفاعة، فمتى تمن عليّ برشفة من ماء فضائلكم.. إلهي أقسم عليك بمحمد وآله، والقرآن وآياته، أن أُسعِدَ قلب إمامي صاحب الزمان وعجل فرجه.. يا يوسف الزهراء ويا قرة عين البتول أوف لنا الكيل وتصدق علينا، وانظر لنا نظرة رحيمة، فتحنن علينا بأن تجعلنا من همك وتحت عين رعايتك، فنحن متأكدون بأنك لا تنسى محبيك ورعاياك.. اللهم لا تفرق بيننا وبينه أبداً في الدنيا والآخرة، واجعلنا من شيعته وأنصاره وأعوانه، ووفقنا لخدمته وأن نحظى برؤيته، اللهم عجِّل فرجه وسهِّل مخرجه.

والحمد لله رب العالمين
المصادر

١- القرآن الكريم.
٢- الكتاب المقدس: (اسفار العهد القديم واسفار العهد الجديد).
٣- إقراء حول الإمام المهدي (عليه السلام) - مهدي حسن علاء الدين.
٤- أعلام الورى بأعلام الهدى - الفضل بن الحسن الطبرسي، تحقيق علي الغفاري.
٥- أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين، المجلد الأول.
٦- الاحتجاج - أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (مجلدان).
٧- الأساليب الإنشائية في التوقيعات المهدوية - بدر حسين المحمداوي -رسالة ماجستير.
٨- استعدوا أنصار الإمام صاحب الزمان - الشيخ حسين كنجي.
٩- أحاديث المهدي من مسند احمد بن حنبل - محمد جواد الجلالي.
١٠- الشيعة في العصر المغولي - محمد سعيد الطريحي.
١١- الطريق إلى المهدي المنتظر - سعيد أيوب.
١٢- الشيعة في مسارهم التاريخي - محسن الأمين العاملي.
١٣- الشيعة رواد العدل والسلام - الشيخ مجيد الصائغ.
١٤- إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب - للشيخ علي اليزدي الحائري (مجلدان).
١٥- الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد - الشيخ المفيد.
١٦- اللؤلؤ المرتب - محمد رضا الشاه عبد العظيمي.
١٧- أصالة المهدوية في الإسلام - للشيخ مهدي فقيه إيماني.
١٨- الأصول التمهيدية في المعارف المهدوية - السيد محمد علي الحلو.
١٩- أضواء على دولة الإمام المهدي - السيد ياسين الموسوي.
٢٠- أمل الإنسان، الإمام المهدي في الفكر الإسلامي الأصيل - مركز نون للتأليف.
٢١- الأمل الموعود حروف أدبية وبحوث من أرض القطيف - لؤي آل سنبل (٣ مجلدات).
٢٢- أهل البيت في الشعر القطيفي المعاصر - الشيخ نزار سنبل.
٢٣- الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة - محمد بن الحسن الحر العاملي - تحقيق: مشتاق صالح المظفر.
٢٤- البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم - السيد عبد الرزاق الحسني.
٢٥- بشارة الإسلام في ظهور صاحب الزمان - مصطفى آل السيد حيدر الكاظمي.
٢٦- بحار الأنوار - للشيخ محمد باقر المجلسي (المجلدات: ٥١ - ٥٢ - ٥٣).
٢٧- بحث حول المهدي - السيد محمد باقر الصدر.
٢٨- بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت (عليهم السلام) - مركز نون للتأليف والترجمة.
٢٩- البرهان على وجود صاحب الزمان - السيد محسن الامين الحسيني العاملي.
٣٠- البابية والبهائية أو نصائح الهدى والدين - للشيخ محمد جواد البلاغي.
٣١- البويهيون في فارس - د. علي حسن غضبان.
٣٢- البهائية تحت المجهر - احمد عبد العزيز الفالي.
٣٣- تاريخ الدولة الصفوية - د. محمد سهيل طقوش.
٣٤- تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة - د. محمد سهيل طقوش.
٣٥- تاريخ العراق السياسي الحديث - السيد عبد الرزاق الحسني (٣ مجلدات).
٣٦- تاريخ الغيبة الصغرى - السيد محمد صادق الصدر.
٣٧- تاريخ الغيبة الكبرى - السيد محمد صادق الصدر.
٣٨- تاريخ ما بعد الظهور - السيد محمد صادق الصدر.
٣٩- تاريخ الإمام الثاني عشر - عباس بن محمد رضا القمي.
٤٠- التشيع: نشوؤه ومراحله ومقوماته - عبد الله الغريفي.
٤١- ترجمة الإمام المهدي في اعيان الشيعة - السيد محسن الأمين العاملي.
٤٢- جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة (عليه السلام) - الحاج ميرزا حسين النوري.
٤٣- جولة في حكومة الإمام المهدي - الشيخ نجم الدين الطبسي.
٤٤- حقيقة الجفر عند الشيعة - أكرم بركات العاملي.
٤٥- حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر - المحامي احمد حسين يعقوب.
٤٦- حوارات حول المنقذ - الشيخ إبراهيم الأميني.
٤٧- الحكومة العالمية للإمام المهدي - ناصر مكارم الشيرازي.
٤٨- الحكومة الإسلامية - السيد روح الله الخميني - الطبعة الثالثة.
٤٩- حياة الإمام المنتظر المصلح الأعظم - الشيخ باقر شريف القرشي.
٥٠- دائرة المعارف الإسلامية الشيعية - حسن الامين - المجلد الأول.
٥١- دروس في تاريخ عصر الغيبة - عدة مؤلفين - تعريب: أنور الرصافي.
٥٢- الدور الحضاري للشيعة الإمامية - عبد الإله علي حسن البلداوي.
٥٣- دولة الإمام المهدي - السيد مرتضى المجتهدي السيستاني.
٥٤- ديوان السيد حيدر الحلي - تحقيق: د. مضر سليمان الحلي.
٥٥- ذلك يوم الخروج، دراسة عن نهضة الإمام المهدي - للسيد حسين المدرسي.
٥٦- الذريعة إلى تصانيف الشيعة - أغا بزرك الطهراني - ج ١٦ وج ٢٢.
٥٧- رايات الهدى والضلال في عصر الظهور - الشيخ مهدي الفتلاوي.
٥٨- رؤى مهدوية: شذرات فكرية في القضية المهدوية - مجتبى السادة.
٥٩- سرور أهل الإيمان - علي عبد الكريم النيلي - تحقيق: قيس العطار.
٦٠- سيكولوجية الانتظار - دراسة للأبعاد النفسية في عقيدة الإمام المهدي المنتظر.
٦١- الشيخ مرتضى مطهري الإشكالية الإصلاحية وتجديد الفكر الإسلامي، د. خنجر حمية.
٦٢- صحيفة صدى المهدي - مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي - عدد ١٤.
٦٣- طقوس التشيع الهوية والسياسة - د. حمزة الحسن.
٦٤- الطور المهدوي - عالم سبيط النيلي.
٦٥- ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة للشيخ - محسن آل عصفور.
٦٦- علامات الظهور: قراءة في المعرفة والتطبيق - كاظم القرة غولي.
٦٧- علامات المهدي في خطب الإمام علي ورسائله وأحاديثه - مهدي حمد الفتلاوي.
٦٨- العد التنازلي في علائم ظهور المهدي - عباس تبريزيان.
٦٩- عصر الظهور - الشيخ علي الكوراني العاملي ٢٠٠٤م.
٧٠- عقيدة المسيح الدجال في الأديان - سعيد أيوب.
٧١- عوالم العلوم والمعارف في أحوال الإمام الحجة - عبد الله بن نور الله البحراني الاصفهاني - مستدركات: محمد باقر الأبطحي الاصفهاني (٥ مجلدات).
٧٢- كتاب الغيبة - للشيخ محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني المعروف بابن أبي زينب.
٧٣- كتاب الغيبة - للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي.
٧٤- الفجر المقدس إرهاصات اليوم الموعود وأحداث سنة الظهور - مجتبى السادة.
٧٥- الفتن - نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروزي متوفي سنة ٢٢٩هـ.
٧٦- فقه علامات الظهور - الشيخ محمد السند.
٧٧- الفقيه والدولة، الفكر السياسي الشيعي - د. فؤاد ابراهيم - ط ٢٠١٢م.
٧٨- الفكر الإسلامي بين التأصيل والتجديد - زكي الميلاد.
٧٩- الفكر الإسلامي تطوراته ومسارته الفكرية - زكي الميلاد.
٨٠- في رحاب المهدي: قراءة في المعرفة المهدوية - السيد علي محمد الحسيني الصدر.
٨١- الفيض المهدوي في حياة البشرية - سهيلة الجدي.
٨٢- قصائد الاستنهاض بالإمام الحجة - حسن هادي مجيد العوادي - رسالة ماجستير.
٨٣- قراءة في الإشكاليات - السيد عبد الله الغريفي (٥ مجلدات).
٨٤- كمال الدين وتمام النعمة - للشيخ بن بابويه القمي (الصدوق).
٨٥- كلمة الإمام المهدي - للسيد حسن الشيرازي.
٨٦- محبوب القلوب في أحوال الحكماء، المقالة الأولى - قطب الدين محمد الديلمي.
٨٧- المحجة فيما نزل في القائم الحجة - السيد هاشم البحراني، تحقيق: محمد منير الميلاني.
٨٨- المحرقة الكبرى لكتب البشرية - د. نجاح الطائي.
٨٩- محمد باقر الصدر تكامل المشروع الفكري والسياسي - صائب عبد الحميد.
٩٠- مجلة الانتظار - مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي - عدد ٦ و١٦.
٩١- مجلة تراثنا - مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - عدد ١٢٧ و١٢٨.
٩٢- مجلة الموعود (النصف سنوية) - مركز الدراسات التخصصية بالنجف - عدد ١ و٤.
٩٣- مختصر كفاية المهتدي لمعرفة المهدي - ميرلوحي الاصفهاني - تحقيق: ياسين الموسوي.
٩٤- مدرسة بغداد العلمية وأثرها في تطور الفكر الإمامي - د. حسن عيسى الحكيم.
٩٥- مع أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية - الشيخ محمد أمين زين الدين.
٩٦- معالم دولة الإمام المهدي - السيد صدر الدين القبانجي.
٩٧- معجم ما كتب عن الرسول وأهل بيته (عليهم السلام) - عبد الجبار الرفاعي - ج٩، ق ١٤.
٩٨- منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر - لطف الله الصافي الكلبايكاني (٣ مجلدات).
٩٩- المنتخب من كتاب الفتن - نعيم بن حماد المروزي - اعداد: عبد الكريم العقيلي.
١٠٠- المنقذ الأعظم عقيدة ومشروع الكتب السماوية - كاظم مزعل جابر الاسدي.
١٠١- المنهج الفقهي عند الإمام الشهيد الصدر - محمد الحسيني.
١٠٢- المهدي - السيد صدر الدين الصدر.
١٠٣- المهدي المخلص - الشيخ نعيم قاسم.
١٠٤- المهدي المنتظر عند الشيعة الإثني عشرية - جواد علي (رسالة دكتوراة)، ترجمه عن الألمانية د. أبو العيد دودو.
١٠٥- المهدي في القرآن والسنة - السيد صادق الحسيني الشيرازي.
١٠٦- الإمام الثاني عشر - هنري كوربان، ترجمة نواف محمود الموسوي.
١٠٧- الإمام المهدي في الأديان - مهدي خليل جعفر.
١٠٨- الإمام المهدي في مصادر علماء الشيعة - مركز الدراسات التخصصية، النجف.
١٠٩- الإمام المهدي من المهد إلى الظهور - السيد محمد كاظم القزويني.
١١٠- المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي - ثامر هاشم العميدي - إصدار مركز الرسالة.
١١١- مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم - محمد تقي الموسوي الاصفهاني (مجلدان).
١١٢- الإمام المهدي وادعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع - للسيد عدنان البكاء.
١١٣- المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي - للشيخ علي الكوراني العاملي.
١١٤- معجم الملاحم والفتن - محمود السيد مهدي الموسوي الاصفهاني (٤ مجلدات).
١١٥- معجم أحاديث الإمام المهدي - مؤسسة المعارف الإسلامية (٨ مجلدات) ط ٢.
١١٦- معجم رجال الحديث - ابو القاسم الخوئي - المجلد ١٨.
١١٧- الإمام المنتظر من ولادته إلى دولته - للسيد علي الحسيني الصدر.
١١٨- الإمام المهدي واليوم الموعود - للشيخ خليل رزق.
١١٩- من التراث إلى الاجتهاد - زكي الميلاد.
١٢٠- مناهج البحث في قضية الإمام المهدي - د. عبد الجبار شرارة.
١٢١- ما قبل نهاية التاريخ ظهور قائم آل محمد المهدي المنتظر - جعفر حسن عتريسي.
١٢٢- الإمام المهدي - السيد علي الحسيني الميلاني.
١٢٣- الملاحم والفتن في ظهور الغائب المنتظر - رضي الدين ابن طاووس.
١٢٤- الإمام المهدي نظرة في التاريخ ورؤية للمستقبل -كمال السيد.
١٢٥- الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) - الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي.
١٢٦- الإمام المهدي وسيرته - السيد مرتضى فياض الحسيني (٤ مجلدات).
١٢٧- مذكرات دالكوركي -كنياز دالكوركي، تعريب: احمد الموسوي الفالي.
١٢٨- مكاتيب الائمة - المجلد السابع (تواقيع الإمام المهدي) - علي الأحمدي الميانجي.
١٢٩- المهدي المنتظر والعقل - محمد جواد مغنية.
١٣٠- المقنع في الغيبة - للشريف المرتضى - تحقيق: السيد محمد علي الحكيم.
١٣١- ملحقات الإحقاق - اية الله المرعشي النجفي.
١٣٢- المسائل العشر في الغيبة - للشيخ المفيد - تحقيق: فارس الحسون.
١٣٣- مسيرة الزمان حتى صاحب الزمان - الدكتور بلال نعيم.
١٣٤- موجز التاريخ الإسلامي - احمد معمور.
١٣٥- موسوعة تاريخ ايران السياسي - د. حسن كريم الجاف (٤ مجلدات).
١٣٦- موسوعة توقيعات الإمام المهدي - محمد تقي أكبر نجاد.
١٣٧- موسوعة كلمات الإمام المهدي - مؤسسة الإمام الهادي - قم.
١٣٨- الموسوعة الشعرية المهدوية - عبد القادر ابو المكارم (١٠ مجلدات).
١٣٩- النجم الثاقب في أحوال الحجة الغائب - الميرزا حسين النوري الطبرسي (مجلدان).
١٤٠- نشوء وسقوط الدولة الصفوية-رسول جعفريان، اعداد: عباس الموسوي وكمال السيد.
١٤١- نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر - د. علي فياض.
١٤٢- النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ - الأسعد بن علي قيدارة.
١٤٣- النور الغائب: الإمام المهدي والادعاءات الكاذبة في العصر الحديث - مجتبى السادة.
١٤٤- نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ - مرتضى المطهري.
١٤٥- وراثة الأرض في القرآن الكريم والكتب السماوية - نور مهدي الساعدي-ماجستير.
١٤٦- ينابيع المودة - سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي.
مواقع الكترونية:
١) موقع: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
www.m-mahdi.net

٢) موقع: مكتبة الإمام المهدي المركزية.
www.mahdi-lib.com

٣) موقع: ويكي شيعة، الموسوعة الالكترونية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
www.ar.wikishia.net

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) التراث بشكل عام: هو الهوية الثقافية للأمم.
(٢) كتاب النور الغائب، مجتبى السادة ص ٤٥ – ٤٦.
(٣) كتاب أصالة المهدوية في الإسلام، مهدي فقيه الايماني، ص ٨.
(٤) كتاب رؤى مهدوية، مجتبى السادة، ص ٩٧ - ٩٨.
(٥) معجم أحاديث الإمام المهدي، مؤسسة المعارف الإسلامية – الطبعة الثانية، ج١ ص٥.
(٦) كتاب الفجر المقدس، مجتبى السادة، ص ٢٨ - ٢٩.
(٧) جواد علي، رسالة دكتوراه (المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية)، ص ١٨.
(٨) نعيم بن حماد الخزاعي المروزي المتوفى سنة ٢٢٩ هـ، تحقيق أيمن محمد محمد عرفة (مصر) – نشر المكتبة الحيدرية، سنة الطبع ١٤٢٤ هـ.
(٩) مهدي حسن علاء الدين، كتاب اقرأ حول الإمام المهدي، ص ١٨.
(١٠) جواد علي، مصدر سابق، ص ٢١.
(١١) مهدي فقيه الإيماني، أصالة المهدوية في الإسلام، ص ٩.
(١٢) كتاب: اقرأ حول الامام المهدي، إعداد مهدي حسن علاء الدين، ط أولى ١٩٩٩م، بيروت، ص ١٤.
(١٣) عبد الجبار الرفاعي، معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت (عليهم السلام)، مجلد ٩ قسم ١٤.
(١٤) الطبعة الاولى ١٤٣٠ هـ، ثلاثة مجلدات.
(١٥) معجم أحاديث الإمام المهدي، الطبعة الثانية ١٤٢٨هـ، ج ١، قسم بشارات الأديان، مؤسسة المعارف.
(١٦) الموسوعة الشعرية المهدوية، الحاج عبد القادر علي أبو المكارم، الطبعة الأولى ١٤٣١ هـ، عشرة مجلدات.
(١٧) الإحصائيات أخذت من الموقع بتاريخ ٥١ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ، الموافق ٤ ديسمبر ٢٠١٧ م.
(١٨) البيلوغرافيا: تعني البيانات المتعلقة بالكتب مثل أسم المؤلف والعنوان والطبعة وعدد الصفحات، ووصف الكتب وترتيبها وفهرستها.
(١٩) كتاب: النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ، الأسعد بن علي قيدارة، ص ٦٦.
(٢٠) المقصود بـ (بقية الله): المتبقي في الأرض من خط الأنبياء والأوصياء.
(٢١) الكتاب المقدس: يتكون من مجموعة كتب تسمى أسفاراً، ويعتقد اليهود والمسيحيون أنها كتبت بوحي وإلهام.. الكتب ٤٦ الأولى مشتركة بين اليهود والمسيحيين، يطلق عليها اليهود اسم التناخ، أما المسيحيون فيسمونها العهد القديم، ليضيفوا إليها ٢٧ كتاباً آخر يشكلون العهد الجديد.
(٢٢) العهد القديم: الجزء الأكبر من الكتاب المقدس ويحتوي على ٤٦ سفراً وهي عبارة عن جميع كتب اليهود ويعرف عندهم باسم التناخ، وهو يحتوي على أسفار موسى الخمسة (التوراة)، والاسفار التاريخية وأسفار الأنبياء والحكمة، كزبور داود.
(٢٣) مقتبس بتصرف من كتاب: الإمام المهدي في الأديان، للشيخ مهدي خليل جعفر، ص ٧١ – ٧٣.
(٢٤) من اراد التوسع والاطلاع على جميع البشارات حول المخلص، فليراجع إلى معجم أحاديث الإمام المهدي، مصدر سابق، ج١، قسم بشارات الأديان.
(٢٥) الكتاب المقدس، العهد القديم، سفر مزامير (زبور النبي داود) المزمور ٧٢، النص ١ إلى ١٥.
(٢٦) مقتبس بتصرف من كتاب: الإمام المهدي في الأديان، للشيخ مهدي خليل جعفر، ص ٨١ – ٨٢.
(٢٧) الكتاب المقدس، العهد القديم، سفر إشعياء، الاصحاح ١١، نص ١٠.
(٢٨) الكتاب المقدس، العهد القديم، سفر إرميا، الاصحاح ٤٦، نص ٩ و١٠.
(٢٩) مقتبس بتصرف من مقالة للأستاذ نزار مصطفى بعنوان: المهدي الموعود في الأديان السماوية الثلاث، الموقع الالكتروني (الموعود).
(٣٠) ارجع الى فقرة احصائيات متنوعة، بشارات الأديان والكتب السماوية.
(٣١) العهد الجديد: الجزء الثاني من الكتاب المقدس لدى المسيحين ويحتوي على ٢٧ سفراً وهي الأناجيل الخمسة، بالإضافة الى اعمال الرسل والرسائل وسفر الرؤيا.. وأطلقوا عليه العهد الجديد أي العهد الذي يبدأ بظهور النبي عيسى على ساحة الدعوة الى الله.
(٣٢) من أراد التوسع والاطلاع على جميع البشارات حول المخلص، يرجع إلى معجم أحاديث الإمام المهدي، مصدر سابق، ج١، قسم بشارات الأديان.
(٣٣) الكتاب المقدس، العهد الجديد، سفر رؤيا يوحنا، الاصحاح ١٢، نص ١-٦.
(٣٤) الكتاب المقدس، العهد الجديد، سفر رؤيا يوحنا، الاصحاح ١٤، نص ٦-٧.
(٣٥) ارجع الى فقرة احصائيات متنوعة، بشارات الأديان والكتب السماوية.
(٣٦) مقتبس بتصرف من مقالة للأستاذ نزار مصطفى بعنوان: المهدي الموعود في الأديان السماوية الثلاث، الموقع الالكتروني (الموعود).
(٣٧) مقتبس بتصرف من كتاب: الإمام المهدي في الأديان، مصدر سابق، ص ٨٩-٩١.
(٣٨) مقتبس بتصرف من كتاب: الإمام المهدي في الأديان، مصدر سابق، ص ١٠٣-١٠٤.
(٣٩) معجم أحاديث الإمام المهدي، ج١، مصدر سابق، ص ٧٥.. وللاطلاع على الكثير من بشارات الزرادشتية في كتبهم المقدسة ارجع إلى قسم بشارات الأديان.
(٤٠) كتاب: محبوب القلوب (المقالة الأولى) في أحوال الحكماء وأقوالهم من آدم إلى بداية الإسلام، قطب الدين محمد الديلمي اللاهيجي، ط١ ١٤٢٠هـ، ص ٣٥٩.
(٤١) معجم أحاديث الإمام المهدي، ج١، مصدر سابق، ص ٧٢.. وللاطلاع على الكثير من بشارات الهنود في كتبهم المقدسة ارجع إلى قسم بشارات الأديان.
(٤٢) كتاب النور الغائب، مصدر سابق، ص ١٨.
(٤٣) كتاب: الإمام المهدي في الأديان، مهدي خليل جعفر، دار المحجة، ط الأولى ١٤٢٩ هـ، ص ٢٠.
(٤٤) محمد صادق الملقب فخر الإسلام (١٢٥٠ هـ - ١٣٣٠ هـ) اشتهر بتحوّله من المسيحية إلى الإسلام حيث ولد في عائلة مسيحية تسكن مدينة أرومية في إيران، إلّا أنه أسلم فيما بعد وصار من علماء المسلمين الشيعة.
(٤٥) ولد في مصر سنة ١٩٤٤ م في أسرة سنية المذهب، وهو مفكر ومؤلف قدير وداعية وهو صاحب الكتاب الرائع (معالم الفتن) صدر عام ١٤١٦ هـ الذي يعد من أكثر الكتب صراحة وواقعية في دراسة فتنة افتراق المسلمين بعد ابتعادهم عن آل البيت (عليهم السلام) وكان سبب اهتدائه إلى التشيع هو: الاقتناع بالأطروحة المهدوية الشيعية بعد بحث شاق في أوضاع الامم السابقة وفتن المسلمين بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ودراسته للمهدوية أو فكرة المخلص عند اليهود والمسيحيين والمسلمين، في مؤلفه القيم كتاب: عقيدة المسيح الدجال صدر عام ١٤١١ هـ.
(٤٦) كتاب: عقيدة المسيح الدجال في الأديان، سعيد ايوب، ص ٣٧٩.
(٤٧) أشار إلى هذه النقطة الشيخ كاظم مزعل جابر الأسدي في كتابه: المنقذ الأعظم عقيدة ومشروع الكتب السماوية، ص ٢٣٨.
(٤٨) معجم أحاديث الإمام المهدي – مجموع أحاديث المجلدات الثلاثة الاولى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) – الطبعة الثانية ١٤٢٨ هـ.
(٤٩) الإمام م ح م د بن الحسن العسكري (المهدي) ولد يوم ١٥ شعبان ٢٥٥ هـ.
- محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب الصحيح (١٩٤ هـ - ٢٥٦ هـ).
- مسلم بن الحجاج النيسابوري، صاحب الصحيح (٢٠٦ هـ - ٢٦١هـ).
أي انهما عاشا في نفس الفترة التي ولد فيها الإمام المهدي، وكتبا صحيحيهما في الوقت المرتقب لذلك.
(٥٠) مقتبس بتصرف من كتاب: من التراث إلى الاجتهاد، للأستاذ زكي الميلاد، ص ٢٤١-٢٤٢.
(٥١) كتاب: الشيعة في مسارهم التاريخي، للسيد محسن الأمين العاملي، ص ٤٢٢.
(٥٢) الأصل: هو الكتاب الحديثي الذي تكون الأحاديث المدوّنة فيه من مسموعات صاحب الكتاب من المعصوم مباشرة، او ممن سمع عن الامام مباشرة أصلا، وذلك لكونه التسجيل الأول لتلك الأحاديث والأصل الذي يرجع إليه.
(٥٣) الأصول الاربعمائة: هي ٤٠٠ كتاب حديثي دوّنها ٤٠٠ من مشاهير علماء القرن الثاني الهجري وكبار محدثي ذلك العصر من أتباع الائمة (عليهم السلام).. وللأسف فمعظمها قد ضاع وتلف، لكن مضامينها محفوظة في الكتب المجموعة منها كالكافي مثلا.
(٥٤) معجم أحاديث الإمام المهدي – مجموع أحاديث المجلدات ٥ و٦ و٧ من حديث ٥٦٤ الى حديث ١٤٣٩ – الطبعة الثانية.
(٥٥) جواد علي، رسالة دكتوراه عام ١٩٣٩م، جامعة هامبورغ بألمانيا، من ص ١٨-٢٨.
(٥٦) الشيخ إبراهيم الاميني، كتاب: حوارات حول المنقذ، ص ١٢٨، نقلا عن رجال النجاشي ورجال الطوسي.
(٥٧) كتاب: دروس في تاريخ عصر الغيبة، عدة مؤلفين، ص ٢٠.
(٥٨) جواد علي، مصدر سابق ص ٢١.
(٥٩) نقلاً من مقدمة السيد ياسين الموسوي، مترجم ومحقق كتاب: مختصر كفاية المهتدي، ص ١١.
(٦٠) من مقدمة كتاب: المنتخب من كتاب الفتن، لنعيم بن حماد، اعداد وتحقيق عبد الكريم العقيلي.
(٦١) أحتفظ بنسخة من هذا الكتاب في مكتبتي الخاصة، طبع المكتبة الحيدرية ١٤٢٤ هـ، مصدر سابق، يحتوي على ٥٢٧ صفحة.
(٦٢) جمعت هذه الأحاديث في كتاب: أحاديث المهدي من مسند احمد بن حنبل، للسيد محمد جواد الجلالي.
(٦٣) ينابيع المودة، للشيخ سليمان القندوزي الحنفي، مؤسسة الأعلمي بيروت، ط ٢، ٢٠٠٩م، ص ٥٠٠.
(٦٤) الموسوعة الشعرية المهدوية – مصدر سابق – ج ١، ص ٣٣٩.
(٦٥) قال الشيخ الصدوق: فلم يزل السيد (إسماعيل الحميري) ضالاّ في أمر الغيبة، يعتقدها في محمد بن الحنفية حتى لقي الإمام الصادق (عليه السلام)، ورأى منه علامات الإمامة، وشاهد فيه دلالات الوصيّة، فسأله عن الغَيبة، فذكر له أنّها حق ولكنّها تقع في الثاني عشر من الأئمة، وأخبره بموت محمد بن الحنفية، وأنّ أباه شاهد دفنه. فرجع السيد عن مقالته، واستغفر من اعتقاده، ودان بالإمامة.
(٦٦) كمال الدين وتمام النعمة، للشيخ الصدوق – تحقيق على اكبر الغفاري – ج ٢، ص ٤٠٤.
(٦٧) كتاب اللؤلؤ المرتب، للسيد محمد رضا الشاه عبد العظيمي، مطبعة النعمان - النجف، ١٩٦٦م، ص ٥٠.
(٦٨) حياة الإمام المنتظر، باقر شريف القرشي، ص ٢٦١.
(٦٩) نقل بتصرف من كتاب: بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت (عليهم السلام) – جمعية المعارف الإسلامية، ط أولى ٢٠١١ م، ص ٣٢٧ - ٣٣٠.
(٧٠) المصادر الشيعية الإمامية تؤكد أن الامام المهدي المنتظر وُلد يوم الجمعة ١٥ شعبان عام ٢٥٥ هـ، ووالده الإمام الحسن العسكري توفى يوم ٨ ربيع الاول ٢٦٠ هـ، وعمر الإمام المهدي خمس سنوات تقريباً.
(٧١) حديث زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (للغلام غيبة قبل قيامه، قلت: ولم؟ قال: يخاف على نفسه الذبح). المصدر: بحار الانوار ج ٥٢ ص ٩٧.
(٧٢) لا يوجد نائب خاص، من زمن انتهاء الغيبة الصغرى إلى صدور الصيحة السماوية آخر الزمان.
(٧٣) مصداق لحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتواتر والمعروف «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية».
(٧٤) التوقيع: عبارة عن جواب مكتوب يجيب به الإمام (عليه السلام) على سؤال أو اسئلة ترد عليه، وربما يصدر ابتداءً من دون أن يسبق السؤال.. و(توقيع الناحية المقدسة) اختص هذا المصطلح بما صدر عن الإمام المهدي، أما ما صدر عن بقية الأئمة المعصومين فيطلق عليه عبارة (المكاتبة) وهي الأشهر بالنسبة للأجوبة المكتوبة الصادرة منهم.. للتوسع أرجع إلى مجلة الموعود، العدد الأول ١٤٣٧ هـ، الشيخ نزار آل سنبل القطيفي.
(٧٥) جواد علي، مصدر سابق، ص ١٠٤.
(٧٦) حساب الحد الادنى كالاتي:
- ٧٠ سنة (ضرب) ١٢ شهر = ٨٤٠ شهراً.
- وباعتبار كل شهرين رسالة على الأقل كما صرح أحد الوكلاء (القاسم بن العلاء – وكيل منطقة اذربيجان).
- ٨٤٠ شهر (قسمة) ٢ رسالة كل شهرين = ٤٢٠ رسالة لكل وكيل على الأقل.
- عدد الوكلاء ٢٠ وكيل (بالإضافة) لسفير الفترة = ٢١ شخص.
- ٤٢٠ رسالة (ضرب) ٢١ شخص = ٨،٨٢٠ رسالة كحد أدنى صادرة من الإمام في زمن الغيبة الصغرى.
(٧٧) صحيفة صدى المهدي، العدد ١٤، شهر رجب ١٤٣١ هـ - من المفترض أن يكون الحد الاعلى للرسائل الواصلة للوكلاء ٣٣٦٠٠ رسالة، باعتبار رسالتين كل شهر، ٢٠ وكيل، ٧٠ سنة.
(٧٨) قد تكون هناك مجموعة فقرات متفرقة ولكن في الحقيقة تعود كلها إلى توقيع واحد، حيث جرى تقطيع التوقيع الذي جاء مفصّلاً، الى مقتطفات ومقاطع وتم تفريقها على أبواب مختلفة من الكتب الروائية لمناسبة أو أخرى.
(٧٩) نشر هذا الفصل في موسوعة: مصادر علماء الشيعة، مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي، ج ١ ص ٢١-٣٨.
(٨٠) جواد علي، مصدر سابق، ص ٢٢.
(٨١) جواد علي، مصدر سابق، ص ٢٣.
(٨٢) نشر هذا الفصل في موسوعة: مصادر علماء الشيعة، مصدر سابق، ج ١ ص ٩٧-١٢٢.
(٨٣) جواد علي، مصدر سابق، ص ٢٥.
(٨٤) نشر هذا الفصل في موسوعة: مصادر علماء الشيعة، مصدر سابق، ج ١ ص ١٢٣-٢٠٨.
(٨٥) اعيان الشيعة، السيد محسن الامين، المجلد الأول، ص ١٦٦ - ١٧٢.
(٨٦) غيبة العنوان: هي أن الناس يرون الإمام المهدي بشخصه، دون أن يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقة أنه المهدي، وهذا هو الشائع في عصر الغيبة الكبرى.
(٨٧) المجلسي، بحار الأنوار، ج ٥٣، ص ١٨١.
(٨٨) الطبرسي، الاحتجاج، ج ٢، ص ٢٢٥.
(٨٩) نكتة تاريخية: بدأت الغيبة الكبرى قبل خمس سنوات من استيلاء البويهيين على بغداد.. بالتأكيد بداية الغيبة ٣٢٩ هـ لم يكن محض صدفة، بل هو بتلطف إلهي، فلو افترضنا جدلاً أن الغيبة الصغرى مازالت مستمرة ونظام السفارة مازال موجودا، لكان هناك تعارض وتصادم بين الحكام البويهيون وبين سفراء الإمام (السفير الخامس افتراضا)، ولتغير حال الفقهاء والقاعدة الشعبية الشيعية تجاه البويهيين أو العكس، ولما حدث هذا التطور الفكري والثقافي في مسيرة الشيعة في هذه الفترة التاريخية.
(٩٠) كتاب: الدور الحضاري للشيعة الإمامية، خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين (٣٠٠-٥٠٠هـ)، عبد الإله علي حسن البلداوي، ج١ ص ٩٥-٩٦.
(٩١) كتاب: رجال الطوسي لشيخ الطائفة، تصنيف رقم (٦٠٣٤)، تحقيق: جواد القيومي الاصفهاني، ص ٤١٧.
(٩٢) كتاب غيبة النعماني، مقدمة المؤلف ص ١١، مؤسسة الأعلمي.
(٩٣) مجلة الموعود - العدد الرابع ذو الحجة ١٤٣٨ هـ، ص ١٤٥، مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي، موضوع: الشيخ النعماني وكتابه (الغيبة) للشيخ عامر الجابري.
(٩٤) نقلا من مقدمة المحقق: فارس حسون، الطبعة الأولى ١٤٣٢هـ، دار الجوادين - ص ١٣، قم المقدسة... وهناك بحث للسيد محمد جواد الشبيري الزنجاني بعنوان (النعماني ومصادر الغيبة) يثبت فيه ان الكتاب الغيبة يعود تأليفه إلى سنة ٣٣٦ هـ، المصدر: مجلة (تراثنا) العددان ١٢٧-١٢٨، رجب - ذو الحجة ١٤٣٧ هـ، ص ٤٢، الصادرة عن مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم المقدسة.
(٩٥) موسوعة: الذريعة الى تصانيف الشيعة – الجزء ١٦ صفحة ٧٩.
(٩٦) مقدمة المؤلف للكتاب: كمال الدين وتمام النعمة، ص ١٤، مؤسسة الأعلمي.
(٩٧) مقتبس بتصرف من مقدمة كتاب: المسائل العشر في الغيبة للشيخ المفيد، تحقيق الشيخ فارس الحسون.
(٩٨) مقتبس بتصرف من مقدمة المحقق السيد محمد علي الحكيم، على كتاب (المقنع في الغيبة) ص ١١-١٨.
(٩٩) علم الكلام بأنّه «علم يُقتدر معه على إثبات الحقائق الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها».
(١٠٠) قال الشيخ آقا بزرگ الطهراني: (هو الوزير المغربي: أبو الحسن عليّ بن الحسين بن علي بن هارون بن عبد العزيز الأراجني)، أُنظر: الذريعة ٢٢ / ١٢٣.. وزير الحاكم الفاطمي.
(١٠١) مقدمة الشيخ الطوسي لكتاب الغيبة، ص ٩، تحقيق علي أكبر الغفاري.
(١٠٢) موقع ويكي شيعة: الموسوعة الالكترونية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
(١٠٣) مقتبس بتصرف من مقدمة كتاب: المسائل العشر في الغيبة للشيخ للمحقق الشيخ فارس الحسون.. كذلك كتاب: الإمام المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية، جواد علي، مصدر سابق.
(١٠٤) محسن الامين، اعيان الشيعة، المجلد الأول، ص ١٧٢-١٧٥.
(١٠٥) كتاب: ملحقات الإحقاق ج٣٣ ص ٣، اية الله المرعشي النجفي، ط ١، ١٤١٨ هـ.
(١٠٦) بخصوص سند هاتين الرسالتين: السيد محمد صادق الصدر بعد أن ناقش السند قال: (يعطي ظناً كافياً بصحة السند، وان كان لا يبلغ حد الاثبات التاريخي) تاريخ الغيبة الكبرى ص ١٣٨.. أشار المحدث البحراني الى صحة الرسالتين في لؤلؤة البحرين ص ٣٦٣-٣٦٧.. أما السيد أبو القاسم الخوئي ذهب في (معجم رجال الحديث ١٨: ٢٢٠)، حيث قال: «هذه التوقيعات لا يمكننا الجزم بصدورها من الناحية المقدَّسة، فإن الشيخ المفيد قدّس سرّه قد تولَّد بعد الغيبة الكبرى بسبع أو تسع سنين، وموصِل التوقيع إلى الشيخ المفيد قدس سره مجهولٌ، هَبْ أنّ الشيخ المفيد جزم بقرائن، أنّ التوقيع صدر من الناحية المقدسة، ولكنْ كيف يمكننا الجزم بصدوره من تلك الناحية، على أنّ رواية الاحتجاج لهذين التوقيعين مرسلةٌ، والواسطة بين الطبرسي والشيخ المفيد مجهول».
(١٠٧) الطبرسي، الاحتجاج، ج٢ ص ٢٧١، انتشارات الشريف الرضي.
(١٠٨) الطبرسي، الاحتجاج، ج٢ ص ٢٧٣، انتشارات الشريف الرضي.
(١٠٩) لقراءة الرسالتين، والاطلاع على شرح المفاهيم والتنبؤات الرئيسية التي وردت فيهما، ارجع إلى كتاب (تاريخ الغيبة الكبرى) للسيد محمد صادق الصدر، ص ١٣٧ – ١٧١.
(١١٠) مقتبس بتصرف من كتاب: الفقيه والدولة – فؤاد ابراهيم ص ١١٥-١٣٣.
(١١١) عادة الشعوب المحكومة والمسيطر عليها تأخذ بحضارة الشعوب المستعمرة، ولكن هنا انعكست القاعدة، باعتبار ان المغول بدو وليست لديهم حضارة عريقة، وشعروا أن المسلمين أفضل منهم، فذابوا في المجتمع الإسلامي وأتبعوا الإسلام.
(١١٢) كتاب: الفقيه والدولة، د. فؤاد إبراهيم، ص ١٥٨ – ١٥٩.
(١١٣) مقتبس بتصرف من كتاب: موجز التاريخ الإسلامي، أحمد معمور، ص ٢٨٦ – ٢٨٨.
(١١٤) مقتبس بتصرف من كتاب: الفقيه والدولة – فؤاد ابراهيم ص ١١٢-١١٤.
(١١٥) للاطلاع بشكل تفصيلي على مباحث تتعلق بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في هذه الفترة الزمنية، والتي كتبت في مصنفات غير مستقلة بالإمام المهدي، إنما ضمن المصنفات العقائدية والروائية المختلفة.. يفضل الرجوع إلى موسوعة (الإمام المهدي في مصادر علماء الشيعة من القرن الثاني إلى القرن الحادي عشر الهجري)، في ثلاثة مجلدات كبيرة، إعداد وتقديم مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام)، إصدار ١٤٣٠ هـ.
(١١٦) جواد علي، مصدر سابق، ص ٣٥– ٤٢.
(١١٧) مقدمة محقق كتاب سرور أهل الايمان، لعلي عبد الكريم النيلي، المحقق: قيس العطار، ص ٥.
(١١٨) القصيدة كاملة موجودة في: الموسوعة الشعرية المهدوية، مصدر سابق، ج ٣، ص ٢٨٠ – ٢٨١.
(١١٩) كتاب: حياة الامام المنتظر، باقر شريف القرشي، ص ٢٦٦ – ٢٦٧.
(١٢٠) محسن الامين، مصدر سابق، المجلد الأول، ص ١٧٥-١٧٧.
(١٢١) مقتبس بتصرف من كتاب: الفقيه والدولة – د. فؤاد ابراهيم ص ١١٧-١١٨.
(١٢٢) كتاب: تاريخ الدولة الصفوية - د. محمد سهيل طقوش، ص ٤٤.
(١٢٣) أي ذوي الطرابيش الحمراء المزودة باثنتي عشر ذؤبة.
(١٢٤) كتاب: نشوء وسقوط الدولة الصفوية، اعداد عباس حسن الموسوي - كمال السيد، مستندة من المجموعة التاريخية الكبرى حول تاريخ إيران والعهد الصفوي، لرسول جعفريان، ص ٣٥.
(١٢٥) أعلى منصب ديني رسمي في الدولة الصفوية.
(١٢٦) كتاب: نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر - د. علي فياض، ص ١١٣-١١٨.
(١٢٧) كتاب: نشوء وسقوط الدولة الصفوية، مصدر سابق، ص ١٧٣.
(١٢٨) الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي، هاجر عام ٩١٣ هـ من مسقط رأسه القطيف إلى النجف الأشرف، كان حيا إلى سنة ٩٤٥ هـ، كان زميل دراسة مع الشيخ الكركي عند أستاذهما الشيخ علي بن هلال الجزائري، وقد كان بين المحقق الكركي والفاضل القطيفي جدال في مسائل كثيرة، فقد كانا ممثلين لخطين متوازيين في ما يرتبط بالتعامل مع السلطات الزمنية في زمان الغيبة.
(١٢٩) كتاب: الإمام المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية، جواد علي، مصدر سابق.. بالإضافة لمصادر أخرى وكتب متوفرة.
(١٣٠) طبع عام ١٤٣٢ هـ في قم المقدسة، بتحقيق ومستدركات السيد محمد باقر الموحد الأبطحي.
(١٣١) طبع عام ١٤٢٨ هـ، بتحقيق: مشتاق المظفر، في ٥١٢ صفحة.
(١٣٢) كتاب المحجة، للسيد البحراني، تحقيق محمد منير الميلاني، من مقدمة المؤلف ص ١٥.
(١٣٣) محسن الامين، مصدر سابق، المجلد الأول، ص ١٧٧-١٨١.
(١٣٤) مقتبس بتصرف من كتاب: الفقيه والدولة، مصدر سابق، ص ٢١٠-٢٢٧.
(١٣٥) كتاب: موسوعة تاريخ إيران السياسي، د. حسن كريم الجاف، المجلد ٣، ص ٨٧-١١٩.
(١٣٦) كتاب: موسوعة تاريخ إيران السياسي، د. حسن كريم الجاف، المجلد ٣، ص ١٣٥-١٦٢.
(١٣٧) كتاب: موسوعة تاريخ إيران السياسي، د. حسن كريم الجاف، المجلد ٣، ص ١٧٧-٣٥٠.
(١٣٨) توفى رضا بهلوي في مدينة جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا يوم ٦ شعبان ١٣٦٣هـ الموافق ٢٦ يوليو ١٩٤٤م، أثر نوبة قلبية، فنقل جثمانه إلى القاهرة حيث دفن بمسجد الرفاعي في ٢٨ اكتوبر ١٩٤٤، وفي عام ١٩٥٠ نقل الرفات الى إيران ودفن في مدينة الري.
(١٣٩) مقتبس بتصرف من كتاب: الفقيه والدولة، مصدر سابق، ص ٢٩٧-٣٠١.
(١٤٠) الشيخية: هم جماعة ينتسبون للمذهب الشيعي الإمامي، ولا يختلفون في الأصول وأمهات المسائل العقائدية عن باقي الإمامية، وقد ظهرت هذه الفرقة عندما التف جماعة من الإمامية حول الشيخ الإحسائي، وتعصبوا له وأفرطوا في الرجوع إليه، حتى بلغ بهم الأمر أن رفضوا الرجوع لعلماء الإمامية بعد ممات شيخهم، واشترطوا في من يرجعون إليه أن يكون شيخياً منتمياً لمدرسة وأفكار الإحسائي، وهذا الإفراط في الولاء والتبعية لمن كان على وفق منهج الشيخ وفكره، بالإضافة إلى التعصب الشديد لبعض افكاره وما طرحه من أراء أومن جاء بعده من مدرسته، وخالفوا فيها كل علماء الإمامية، هذان السببان هما ما جعل هذه الفرقة الشيعية الإمامية مميزة.
(١٤١) الشيخ أحمد بن زين الدين بن ابراهيم آل صقر، الأب الروحي للمدرسة الشيخية، من أهل الأحساء الواقعة بشرق الجزيرة العربية، والتي يقطنها أكثرية من الشيعة الاثني عشرية، حيث ولد بقرية المطيرفي الإحسائية عام ١١٦٦ هـ / ١٧٥٣ م، وكانت الأحساء حينها تابعة للدولة السعودية الأولى، وتوفى في منطقة هدية قرب المدينة المنورة أثناء ذهابه الى الحج عام ١٢٤١ هـ / ١٨٢٦م.
(١٤٢) كتاب: مذكرات دالكوركي، تأليف: كنياز دالكوركي، تعريب: السيد احمد الموسوي الفالي، نشر: مركز القائمية بأصفهان، ص ٦٥-٧٦.. من حسن الحظ أن هذه المذكرات تمت طباعتها، فيمكن قراءة نشأه هذه الفرقة الضالة وتاريخ مؤسسي البابية والبهائية ودور المخابرات الروسية في تأسيسها.. كذلك انظر إلى كتاب: البهائية تحت المجهر لأحمد عبد العزيز الفالي، ص١٨٠-١٨٧.
(١٤٣) هذا ما ذكره الجاسوس الروسي في مذكراته، وقد تكون نسبة كبيرة من التفاصيل مبالغ فيها أو غير صحيحة، ولكن ذلك لا يمنع من ان تكون المخابرات الروسية لها الدور الرئيسي في نشأة البابية في إيران، كما كان للبريطانيين دور رئيسي في نشأة القاديانية في الهند.
(١٤٤) كتاب البيان: الكتاب المقدس لدى البابيين، وأدعى الباب أنه معجز، وأنه لا يقدر الجن والانس على أن يأتوا بمثله، وهو مزيج من الزندقة والإلحاد والزرادشتية والاسلام.. وقد قسم (الباب) كتابه البيان إلى ١٩ واحداً (فصلاً) في كل واحد مكون من ١٩ باباً، وكتاب البيان جزء كتبه بالعربي وجزء بالفارسي، أحد عشر واحداً بالعربي، والذي كتبه بالفارسي ثمانية آحاد.. فأسلوب العربي جاء على نهج القرآن الكريم، فيأتي ببعض آيات القران متفرقة فيؤلف ما بينها تأليفاً يشوه صورتها، أو أدعية ملفقة من فقرات أدعية أهل البيت (عليهم السلام)، وإن جاء بألفاظ غير ذلك رأيته كأنه تعمد فيها الغلط والألحان ومخالفة قواعد اللغة العربية.. أما الأسلوب الفارسي فجاء من خطب فارسية ألفت من كلمات المتصوفة وأشعارهم.. بشكل عام فالكتاب: ضعيف العبارة وضحل المعنى، ولذا فالبابيون والبهائيون يخفونه ويعتبرونه من الأسرار، بعكس الكتب السماوية الأخرى كالقرآن والإنجيل فهي منتشرة في كل مكان.. للاطلاع على كتابي (البيان) و(الأقدس) أرجع لكتاب البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم، للسيد عبد الرزاق الحسني، الطبعة الأولى ١٣٧٦ هـ، فقد وضع نص (نسخ) الكتابين في كتابه، ونشر محتواهم.
(١٤٥) للاطلاع على تفاصيل المناظرة والمحاورة التي كانت بين على محمد (الباب) وبين علماء شيراز، ومنهم: الميرزا محمد حسن النوري، والآغا محمد مهدي الكلباسي، فأفتى العلماء بقتله بحسب ما رأوه من دعاويه.. أرجع الى كتاب: البابية والبهائية للشيخ محمد جواد البلاغي من ص ٢٣٠ – ٢٣٤.. وكذلك تفاصيل المحاورة مع علماء تبريز ومنهم: الملا محمد الممقاني (رئيس علماء الشيخية) وزميل علي محمد في درس الرشتي، والملا محمود نظام العلماء، وقد رأى العلماء كفره وأفتوا بقتله أيضا من ص ٢٣٥ – ٢٤٤ من نفس الكتاب.
(١٤٦) كتاب: موسوعة تاريخ إيران السياسي، د. حسن كريم الجاف، ج ٣ ص ٢٤٢، الدار العربية للموسوعات.
(١٤٧) مناصب بعض أفراد الأسرة: والدهم (عباس بزردك النوري) مسؤول كبير في وزارة المالية في الحكومة القاجارية في طهران، وكان أحد أخوة البهاء يعمل كاتباً في السفارة الروسية بطهران، وزوج أخته الميرزا مجيد كان يعمل سكرتيراً للسفير الروسي في طهران.
(١٤٨) كتاب: البهائية تحت المجهر، أحمد عبد العزيز الفالي، ص ١٩٤ - ١٩٥.
(١٤٩) جاء في جواب سؤال موجه إلى لجنة الفتوى بالأزهر ما يلي: (نفيد بأن مذهب البهائية مذهب باطل، ليس من الإسلام في شيء، بل إنه ليس من اليهودية ولا النصرانية، ومن يعتنقه من المسلمين يكون مرتداً خارجاً عن دين الإسلام..) المصدر كتاب: النصيحة الإيمانية في كشف فضائح البابية والبهائية، للحسيني معدي، ص ٢٨٤.
(١٥٠) معظم هذه العناوين ذكرت في موسوعة الذريعة للشيخ آغا بزرك الطهراني، وقد أحصى الشيخ أكثر من هذا العدد بكثير.. بالإضافة لمصادر أخرى متفرقة.
(١٥١) كتاب: الإمام المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية، جواد علي، مصدر سابق.. بالإضافة لمصادر أخرى وكتب متوفرة.
(١٥٢) من مقدمة مؤلف كتاب: البرهان، تحقيق مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، الطبعة الأولى ١٤٢٧ هـ، ص ٩.
(١٥٣) محسن الأمين، مصدر سابق، المجلد الأول، ص ١٧٧-١٨١.
(١٥٤) ديوان السيد حيدر الحلي، تحقيق د. مضر سليمان الحلي، ص ١٣٥.
(١٥٥) مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي، صحيفة صدى المهدي، عدد ٤٦، ربيع الأول ١٤٣٤ هـ.
(١٥٦) للاطلاع على تفاصيل أكثر حول ادعاءات السفارة والمهدوية والنبوة حديثاً، أرجع الى كتابنا: النور الغائب.
(١٥٧) نص الفتوى التي أصدرها آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي: (بسم الله الرحمن الرحيم، مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم، رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية، إذا امتنع الإنجليز عن قبول مطالبهم).
(١٥٨) كتاب سيكولوجية الانتظار: يتبع منهجاً جديداً هو منهج التحليل النفسي - الاجتماعي الذي يتناول عقيدة الانتظار كظاهرة سيكولوجية واجتماعية ودينية مؤثرة في التكوين العقلي والنفسي للمؤمنين بالإمام المهدي، وفي وعيهم واتجاهاتهم وسلوكهم.. طبع الكتاب عام ١٤٢٢ هـ، دار الهادي بيروت.
(١٥٩) تعريف: حينما نقول ولاية الفقيه لا نقصد أن يكون الفقيه رئيساً أو وزيراً أو قائداً عسكرياً، إنما نقصد بذلك إشرافه التام والنافذ على القوى التشريعية والتنفيذية للبلاد تحت إطار الدين الإسلامي.. فالإمام الخميني يفرق بين حكومة الفقيه وولاية الفقيه حيث يقول: (نحن لا نريد حكومة باسم فقيه، إنما نطالب بحكومة تتماشى مع قوانين الله تعالى... وهذا لا يتحقق إلا بوجود العلماء وأهل الدين) المصدر كتاب كشف الأسرار للخميني، الترجمة العربية ص ٢١٠، وكتاب: الفقيه والدولة، مصدر سابق ص ٤١٢.
(١٦٠) الامام الخميني كتاب: الحكومة الإسلامية ص ٢٦.. ودروسه التي طرح فيها هذه الاسئلة ابتدأت من ١٣ ذي القعدة إلى ١ ذي الحجة ١٣٨٩هـ.
(١٦١) كتاب: الفقيه والدولة، فؤاد ابراهيم ص ٤٢٣ - ٤٢٤.
(١٦٢) للاطلاع على مزيد من الادعاءات الكاذبة في العصر الحديث، ارجع الى كتابنا (النور الغائب)، الباب الثاني بعنوان: ادعاءات كاذبة حديثاً ص ١٢٦ – ٢٩٨، وقد ذكرنا فيه قصص عديدة من الادعاءات حديثاً.
(١٦٣) للاطلاع على تفاصيل أكثر من ادعاء السفارة الكاذبة في العصر الحديث، ارجع الى كتابنا (النور الغائب)، ص ١٣٩ - ١٦٦.
(١٦٤) كتابنا (النور الغائب)، مصدر سابق، ص ١٥٤.
(١٦٥) مقدمة السيد محمد باقر الصدر – تاريخ الغيبة الصغرى ص ٩٠، كتب يوم ١٧ جمادى الثانية ١٣٩٧هـ.
(١٦٦) مقتبس بتصرف من كتاب: النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ، للشيخ الأسعد بن علي قيدارة، ص ١٧.
(١٦٧) مقدمة كتاب: كلمة الإمام المهدي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ، ص ٤٢.
(١٦٨) الموسوعة الشعرية المهدوية، مصدر سابق، المجلد السابع، ص ١٩٥.
(١٦٩) الموسوعة الشعرية المهدوية، مصدر سابق، المجلد الثاني، ص ٢٦.
(١٧٠) للأسف الشديد لقد عرف أعداء الإسلام قيمة هؤلاء المفكرين فاغتالتهم الأيدي الآثمة جميعاً، وهذا من أعظم مصائب الفكر الإسلامي، فأي فاجعة هذه الذي يعدم فيها مثل السيد محمد باقر الصدر، وأي جريمة وكارثة هذه التي يقتل فيها عظماء الأمة امثال: الشيخ مرتضى المطهري والسيد حسن الشيرازي والسيد محمد صادق الصدر.
(١٧١) تراجيديا: أصل الكلمة من (اليونانية) الكلاسيكية، ومعناها بالعربي (مأساة..).
(١٧٢) ينبغي التمييز بين الدولة والحكومة.. فالدولة: هي كيان شامل يضمن الحكومة والشعب والإقليم بالإضافة للسيادة، والحكومة: هي الهيئة السياسية والإدارية العليا التي تشرف على تنظيم شؤون الشعب.
(١٧٣) الإمامة: منصب إلهي هو امتداد للنبوة، ورئاسة عامة في أمور الدنيا والدين، والقيام بقيادة الأمة وحفظ الشريعة وهداية الناس وبيان الاحكام الشرعية وتطبيقها بين المسلمين نيابة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(١٧٤) الإرشاد للمفيد ج٢ ص٣٧٩، كمال الدين ص٥٩٠، غيبة النعماني ص١٦٩، غيبة الطوسي ص٢٦٧، أعلام الورى ص٤٢٦.
(١٧٥) غيبة النعماني باب ١٣ حديث ٢٨ ص ٢٢٤، بحار الأنوار ج ٥٢ ص ٣٥١.
(١٧٦) للتوسع في موضوع الجفر، أرجع إلى كتاب: حقيقة الجفر عند الشيعة، للشيخ أكرم بركات العاملي.
(١٧٧) كتاب الجفر يحتوي على علوم لا طاقة لغير نبي أو وصي على تحملها، ولذا هو غير متاح للناس للاطلاع عليه، فهو كتاب (سري) والنظر فيه من اختصاص شؤون صاحب المنصب الإلهي، وهو من إملاء النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكتابة الإمام علي (عليه السلام).
(١٧٨) وعاء ومخزن للكتب من جلد شاة (ماعز أو ضان)، ويفهم من تسميته بالأبيض أنه يرمز إلى الكف.
(١٧٩) وعاء ومخزن لمختصات سلاح النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من جلد شاة، ويفهم من تسميته بالأحمر أنه يرمز إلى الدم.
(١٨٠) المغفر: آلة من آلات القتال، على شكل (غطاء للرأس - خوذة) يحمى به المحارب وجهه ورأسه من الطعنات.
(١٨١) يوجد في أصول الكافي ج١ باب بعنوان: ان مثل سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثل التابوت في بني إسرائيل، ذكر فيه ٤ أحاديث بهذا المعنى.
(١٨٢) مقتبس بتصرف من كتابنا: رؤى مهدوية، الباب الأول – الفصل الرابع ص ١١٢-١١٥.
(١٨٣) للتوسع في موضوع الخصائص، أرجع إلى كتاب: دولة الإمام المهدي: للسيد مرتضى المجتهدي السيستاني.
(١٨٤) ارجع الى كتاب: الفيلسوف الأمريكي فرانسيس فوكاياما (نهاية التاريخ والانسان الاخير) وغيره من الكتب الغربية في هذا المجال.
(١٨٥) الحضارة: عبارة عن نظام يعبر عن طريقة حياة الإنسان، وتتألف من أربعة عناصر هي: النظام السياسي، الموارد الاقتصادية، العادات والمبادئ الأخلاقية، مستوى العلوم والفنون.. وترتكز الحضارة بشكل عام على البحث العلمي والفني، المتمثل في الابتكارات والتكنولوجيا وعلم الاجتماع في مجال العلوم، وجميع الفنون ومنها بشكل خاص الفن المعماري.. وللتعرف على خصائص الحضارة المهدوية أرجع إلى فقرة مزايا الدولة المهدوية.
(١٨٦) نقصد بذلك: ٢÷٢٧ = أقل من ٨ %، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا، أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً)، المصدر: بحار الأنوار ج ٥٢ ص ٣٣٦.
(١٨٧) (توقيعاً واحداً تقريباً وصل إلينا من مجموع (٤١١) توقيعاً على الأقل في السنة الواحدة من سني عصر الغيبة الصغرى..) السيد محمد القبانجي: مدير مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي – صحيفة صدى المهدي العدد ١٤، شهر رجب ١٤٣١ هـ.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٤ / ٥.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved