ختامه مسك
الحلقة الاخيرة من حب الإمام
المهدي عليه السلام.
2-الذكر العملي (الفعلي):
مما لا شك فيه عدم انحصار
الذكر باللسان فقط, فإن له
مجالات أخرى غير القول
واللفظ, فالذكر من التذكر
وعدم النسيان والغفلة, وهذا
باب واسع جداً يفتح أكثر من
نافذة ومنطلق لذكر الإمام
(عجل الله فرجه), فمضافاً إلى
الذكر اللساني (القولي) الذي
أشرنا إليه فإن هناك الذكر
الفعلي والعملي والجوارحي,
فحب الإمام (عجل الله فرجه)
والتعلق به وتوطيد الأرض له
ينفتح على عمل الإنسان
المنتظر مضافاً إلى قوله,
فالعمل يجب أن يكون مجسداً
للانتظار, وهذه هي الدعوة
الصامتة التي حث عليها أهل
البيت(عليهم السلام) فقالوا:
«كونوا دعاة للناس بغير
ألسنتكم» وفي أخرى: «كونوا
لنا دعاة صامتين» أي أن تجسيد
ذكر الإمام (عجل الله فرجه)
يمكن أن يكون من خلال العمل,
فعمل الإنسان إذا كان في خدمة
الإمام (عجل الله فرجه) فهو
ذكر له سلام الله عليه, وفعل
المنتظِر إذا كان بنية حب
الإمام (عجل الله فرجه) فهو
ذكر عملي له, وبهذا المنظار
ومن خلال رؤية سريعة لآليات
الذكر العملي نستعرض بعض
المفاصل الحيوية في هذا
الجانب وبنحو إجمالي تاركين
التفصيل لمجالاته الخاصة.
وسائل الذكر العملي:
أ _ إيصال الهدية له (عجل
الله فرجه): من الطرق المؤثرة
في جلب الحب واستقراره هو
التهادي وتبادل الهدايا, ففي
الحديث الشريف: «تهادوا
تحابوا» حيث أن النص صريح بأن
الهدية مقدمة موصلة لا محالة
للمحبة, ومن هنا نفهم أن
الإهداء إلى الحبيب أمر
متعارف لا نقاش فيه, لأن
الوصول إلى معدن الحب يفيض
بنفسه على غيره بوجه من أوجه
المحبة والعشق يتجلى تارة
بالهدية أو الذكر أو غير ذلك,
ولكن النص الروائي أراد أن
يدل على وسائل جلب المحبة،
فالتهادي ممن ليس بينك وبينه
محبة حقيقية, ركيزة أساسية
لجلبها, حيث تفتح آفاق القلب
بين المتهاديين, فلذا لا بدّ
من استعمال هذا الأسلوب
والأخذ بهذا الطريق من أجل
الوصول إلى محبة الإمام (عجل
الله فرجه) وعدم الغفلة عنه,
ولكن يبقى في الذهن سؤالان
يراودان القلب ويشغلان الذهن.
الأوّل: إن التهادي الوارد في
الحديث الشريف من باب
المفاعلة وهي تقتضي التهادي
بين الطرفين، ترى ما هي هدية
الإمام (عجل الله فرجه) لنا؟
الثاني: ماذا نهدي نحن للإمام
وكيف تصل إليه هدايانا؟
أنواع الهدية للإمام (عجل
الله فرجه):
أما بالنسبة إلى السؤال
الثاني فيمكن الاجابة عليه من
خلال ما يلي:
1 _ التصدق بقصد سلامته (عجل
الله فرجه).
2 _ إهداء جميع ثواب العبادات
والأعمال الصالحة له سلام
الله عليه, كالحج نيابة عنه
(عجل الله فرجه) وزيارة
المشاهد المشرفة والعتبات
المقدسة كذلك, وقراءة القرآن,
وغيرها.
3 _ صلته بالمال بأن يجعل
المؤمن بعض ماله هدية لإمام
زمانه (عجل الله فرجه) (وهذا
غير الخمس الواجب), إذ أن
(صلة الإمام (عجل الله فرجه))
في غيبته تحصل بصرف المال في
المصارف التي يعلم رضاه بها
وحبه لها, وبقصد صلته مثل طبع
الكتب المتعلقة به وإقامة
مجالس ذكره, والدعوة إليه
وصلة شيعته ومحبيه خصوصاً
الذرية العلوية والعلماء
المروجين ورواة أحاديث
الأئمّة الطاهرين ونحوها, مما
لا يخفى على أهله)، فقد جاء
في الحديث الشريف عن أبي عبد
الله (عليه السلام) قال: «ما
من شيء أحب إلى الله من إخراج
الدراهم إلى الإمام وإن الله
ليجعل الدرهم في الجنّة مثل
جبل أحد...» وفي الكافي
الشريف أيضاً عن الحسن بن
مياح عن أبيه قال: قال لي أبو
عبد الله (عليه السلام): (يا
مياح درهم يوصل به الإمام
أعظم وزناً من أحد
4 _ صلة الصالحين من شيعته
ومواليه بالمال.
فقد جاء في كتاب التهذيبعن
أبي الحسن الأوّل (عليه
السلام) قال: «من لم يقدر على
زيارتنا فليزر صالح إخوانه
يكتب له ثواب زيارتنا, ومن لم
يقدر أن يصلنا فليصل صالح
إخوانه يكتب له ثواب
صلتنا».هدية الإمام(عجل الله
فرجه) لمحبيه:
أما السؤال الأوّل وهو: ما هي
هدية الإمام لنا؟
ففي معرض الجواب عنه نقول:
يكفي أن تكون صلتنا له
وهديتنا لمحضره محط قبول نظره
المبارك وتفضله علينا برضاه
بصلتنا, ولذلك ينبغي التنبه
إلى هذه النقطة وتركيزها في
القلب, وهو أننا نحن الذين
بحاجة إلى أن يتقبل منا
الإمام (عجل الله فرجه) ما
نصله به, أما هو (عجل الله
فرجه) فغناه من الغني المطلق.
جاء في الحديث الشريف عن أبي
عبد الله (عليه السلام): «من
زعم أن الإمام يحتاج إلى ما
في أيدي الناس فهو كافر, إنما
الناس يحتاجون أن يقبل منهم
الإمام, قال الله (تعالى):
(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ
صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِّيهِمْ) وفي آخر عنه
(عليه السلام) قال: «إني لآخذ
من أحدكم الدرهم وإني لمن
أكثر أهل المدينة مالاً, ما
أريد بذلك إلا أن تطهروا».
هذا مضافاً إلى دعائه لنا,
ودعاؤه مقبول عند الله قطعاً
لأنه حائز على جميع شروط قبول
الدعاء من الاخلاص والنية
والتوكّل وغيرها, وقد جاء في
الحديث القدسي: «ادعني بلسانٍ
لم تعصني به»,وأي لسانٍ أفضل
من لسان المعصوم (عليه
السلام)؟ وجاء في دعاء
الندبة: «أين المضطر الذي
يجاب إذا دعا» في إشارة واضحة
لقوله تعالى: ]أَمَّنْ
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا
دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ[.
وقد جاء في التوقيع الشريف
المروي في آخر الاحتجاج عنه
(عجل الله فرجه): «لأننا من
وراء حفظهم بالدعاء الذي لا
يحجب عن ملك الأرض والسماء,
فلتطمئن بذلك من أوليائنا
القلوب».وقال السيد الأجل
عليّ بن طاووس في المهج: وكنت
أنا بسر من رأى فسمعت سحراً
دعاءه (عجل الله فرجه) فحفظت
منه الدعاء لمن ذكره من
الأحياء والأموات: «وأبقهم _
أو قال وأحيهم _ في عزنا
وملكنا وسلطاننا ودولتنا»وكان
ذلك في ليلة الأربعاء ثالث
عشر ذي القعدة سنة ثمان
وثلاثين وستمائة.وجاء في
رسالته (عجل الله فرجه) للشيخ
المفيد: «نحن وإن كنا نائين
بمكاننا النائي عن مساكن
الظالمين... فإنا نحيط علماً
بأنبائكم ولا يعزب عنا شيء من
أخباركم... إنا غير مهملين
لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم
ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء _
أي الشدة وضيق المعيشة _ أو
اصطلمكم الأعداء _ أي
استأصلكم الأعداء _».
ب _ ذكر فضائله ومناقبه:
وإقامة مجالس الذكر والحضور
الدائم في مثل هذه المجالس
فهي من أفضل مصاديق الشعائر
التي حثنا الشارع المقدس على
تعظيمها وجعلها علامة لتقوى
القلوب, وهي مصداق للسبق إلى
الخيرات والمكرمات قال تعالى:
]فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ[.
جـ _ السعي في خدمته (عجل
الله فرجه):
وتتمثل خدمته (عجل الله فرجه)
في عصر الغيبة باتباع أوامره
الصادرة عنه, أو أي فعل فيه
النصرة له وإن لم يأمر به
بشكل مباشر. وينبغي التنبيه
على أن الخدمة أخص من النصرة
فهي تختزن خضوع النفس وتذللها
أمام المولى (عجل الله فرجه),
فالخادم ناصر الإمام وليس
العكس, فالنصرة لشخص ربما لا
تحتوي على مفهوم التذلل كنصرة
القوي للضعيف أو نصرة الله
للمؤمنين, وقد جاء في الحديث
الشريف عن الصادق (عليه
السلام) قال: «لو أدركته
لخدمته أيام حياتييقول صاحب
كتاب مكيال المكارم: (تدبر
أيها المحب اللبيب في هذا
الكلام, أتزعم فيه إغراقاً أو
خلاف واقع؟ حاشا, وكلاّ, بل
هو عين الحقيقة, ودلالة إلى
نكات دقيقة, منها بيان فضل
القائم (عجل الله فرجه)
وشرفه, ومنها الإشارة إلى أن
خدمته أفضل العبادات وأقرب
الطاعات لأن الإمام الصادق
الذي لم يصرف عمره الشريف
إلاّ في صنوف طاعة الله
وعبادته في يومه وليلته بيّن
أنه لو أدرك القائم لصرف أيام
حياته في خدمته...).
د _ الدعوة للإمام المهدي
(عجل الله فرجه):
ولا ريب أن الدعوة له
والتعريف به سلام الله عليه
من النقاط المهمة في طريق
الذكر العملي للإمام (عجل
الله فرجه) وهي مدعاة لحب
الإمام وكاشفة عن الارتباط به
(عجل الله فرجه) وقد قال
تعالى: ]ادْعُ إِلى سَبِيلِ
رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ ولما كان أهل البيت
(عليهم السلام) عموماً
والإمام المهدي خصوصاً
باعتباره إمام عصرنا والواجب
علينا طاعته وامتثال أوامره
هو السبيل إلى الله كما أكدت
على ذلك الأحاديث والزيارات:
«أَنْتُمُ الصِّرَاطُ
الْأَقْوَمُ»، «أَيْنَ
السَّبِيلُ بَعْدَ
السَّبِيل».
إذن فالدعوة إلى الإمام
المهدي وانطلاقاً من الآية
الكريمة السابقة يمكن أن تكون
على أربعة أقسام.
أقسام وأنواع الدعوة للإمام
(عجل الله فرجه):
القسم الأوّل: الدعوة بالحكمة
النظرية:
وذلك بالاستعانة بالأدلة
العقلية والنقلية في ضرورة
وجود الحجة على الخلق من قبل
الله تعالى واعتبار أن عقيدة
الانتظار نابعة من أصل الفطرة
الإنسانية والمجتمع البشري
بجميع أطيافه. وقد يختص هذا
القسم بغير المؤمنين بعقيدة
الإمام المهدي (عجل الله
فرجه).
القسم الثاني: الدعوة بالحكمة
العملية:
وآلية هذا القسم هو التهذيب
الروحي للمنتظِر وأن يكون
بسيره وسلوكه داعية لإمامه
(عجل الله فرجه) أين ما حلّ
أو ارتحل, وقد ذكرنا في صدر
الحديث عن الطريق الثاني بعض
الأحاديث التي تفيد الحث على
ضرورة أن يكون المنتظِر داعية
بسلوكه وأخلاقه حيث قال
الإمام الصادق (عليه السلام):
«كونوا دعاة للناس بغير
ألسنتكم». وهذا القسم يمكن
شموله للمنتظرين وغيرهم.
القسم الثالث: الدعوة
بالموعظة الحسنة:ويتم ذلك من
خلال تعريف (المنتظرين) بمقام
إمامهم (عجل الله فرجه)
وحقوقه عليهم ومناقبه،
وتذكيرهم بالثواب الجزيل
للسائرين على دربه، وعلو مقام
المنتظِر لإمامه والأحاديث
الواردة في ذلك وترغيبهم في
كل فعل وقول يرضي عنهم
إمامهم, مضافاً إلى ترهيبهم
وتخويفهم في حالة عدم
انصياعهم لما يحب ويرضى,
وبيان الأثر الوخيم وما يترتب
على عصيانهم وبعدهم من
المزالق والمهالك والغرق
والهلكة.
القسم الرابع: الدعوة للإمام
بالمجادلة بالتي هي أحسن:
وهو استعمال الأدوات المنطقية
والتوصل إلى غرس عقيدة
الانتظار في روح فاقدها
ورفدها بالأدلة الروحية
والكرامات, كل ذلك مع رفق
ولين وحلم من دون شدة وغلظة
وتبرم من الآخرين, وعلى شكل
مرحلي ودفعات حتّى تكون
الفكرة مستوعبة ومتركزة في
الذهن والقلب والوجدان.
3 _ الذكر الخفي (القلبي):
إن أرقى ما يصل إليه الإنسان
المحب هو عمارة قلبه بذكر
محبوبه «بِذِكْرِكَ عَاشَ
قَلْبِي» وسهر الليل لأجل
فراقه والذهول عما حوله وعمّا
يشغله عن محبوبه, فالذاكر
لإمامه (عجل الله فرجه) على
وجه الحقيقة هو من تكون
جوارحه وجوانحه وجميع وجوده
ناطقاً وولهاً بذكر ولي الله
الأعظم (عجل الله فرجه)، وهو
الذي قد استغرقت مشاعره
وانجذبت أحاسيسه إلى محبوبه
ليكون مصداقاً لقول الحسين
(عليه السلام) في دعاء عرفة:
(إِلَهِي حَقِّقْنِي
بِحَقَائِقِ أَهْلِ الْقُرْبِ
وَاسْلُكْ بِي مَسْلَكَ
أَهْلِ الْجَذْبِ).
وبهذا الذكر يحصل الاطمئنان
والراحة والأنس وهو مدعاة إلى
العمل والصبر والمصابرة في
طريق الانتظار، ففي المناجاة
يقول الإمام زين العابدين
(عليه السلام): «وَآنِسْنَا
بِالذِّكْرِ الْخَفِيِّ
وَاسْتَعْمِلْنَا بِالْعَمَلِ
الزَّكِيِّ وَالسَّعْي
الْمَرْضِيِّ».
إن هذا الذكر هو ماء الحياة
للمنتظِر و هو الاكسير الأعظم
الذي به يحصل اللقاء الروحي
والتعلق في المحبوب حتّى لا
يريد خيراً إلا من خلاله ولا
يأمل شيئاً إلا عن طريقه.
لذلك جاء في دعاء الندبة:
«وَاجْعَلْ صَلاتَنَا بِهِ
مَقْبُولَةً وَذُنُوبَنَا
بِهِ مَغْفُورَةً
وَدُعَاءَنَا بِهِ
مُسْتَجَابا وَاجْعَلْ
أَرْزَاقَنَا بِهِ
مَبْسُوطَةً وَهُمُومَنَا
بِهِ مَكْفِيَّةً
وَحَوَائِجَنَا بِهِ
مَقْضِيَّةً...» في أحد معاني
هذه العبارات هو عدم الرغبة
في بلوغ الكمال والحصول على
الخير إلاّ من خلاله, فلو رزق
الإنسان شيئاً لم يكن من خلال
إمامه (عليه السلام) لا يفرح
به ولا يكون ذلك مدعاة
لسروره, بل لا يعتبره خيراً
ورزقاً على الاطلاق.
يجب أن يكون قلب المنتظِر
متلهفاً لطلعة مولاه فإن
أوحشته الغربة آنسه ذكر ولي
الله الأعظم حتى يستنير قلبه
بنور الذكر الخفي فيرزقه ذلك
النور الكشف والشهود، فإنه
بالنور يقع الكشف، كما أشار
ابن عربيومن هنا نجد الاهتمام
البالغ من قبل أهل البيت
(عليهم السلام) لمثل هذا
الذكر.
قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله) لأبي ذر (رحمه الله):
«يا أبا ذر, اذكر الله ذكراً
خالصاً (خاملاً خ ل)».
قلت: يا رسول الله, وما الذكر
الخالص (الخامل)؟
قال: «الذكر الخفي».
وذلك لما يمتاز به من إخلاص
وعدم رياء حيث لا يشوبه شائبة
من التعلق بزخارف الدنيا وطلب
الجاه والسمعة.
وفي هذا الصدد من المفيد أن
نذكر كلاماً للمرجع الشيخ
الوحيد الخراساني في التعريف
بكلمة التوحيد وأنها من الذكر
الخفي وإن لم تكن من الذكر
القلبي قال: (ولهذه الجملة _
كلمة التوحيد _ خصائص في
لفظها ومعناها: فحروفها نفس
حروف كلمة (الله) وهي من
الذكر الخفي الذي لا يتطرق
الرياء إليه, حيث يمكن
للإنسان أن يذكر الله بها ولا
يظهر عليه).
ومن علامات الذكر الخفي أنك
ترى الذاكر لمولاه عينه باكية
وقلبه يحترق ويعتصر ألماً
لفراقه، ولهذا نلاحظ أن المحب
المخلص في محبته يزداد حزنه
وبكاؤه طردياً بزيادة محبته
وشوقه, ونجد هذا متجلياً في
محبة أهل البيت (عليهم
السلام) للإمام المهدي فهذا
أمير المؤمنين (عليه السلام)
يقول _ بعد التعرض لجملة من
صفات المهدي (عجل الله فرجه)
وأومى بيده إلى صدره: «هاه...
شوقاً إلى رؤيته».
وهذا إمامنا الصادق (عليه
السلام) يبكي بكاء الثكلى
محبة للمهدي وحزناً عليه يقول
سدير الصيرفي: دخلت أنا
والمفضل بن عمر وأبو بصير
وأبان بن تغلب على مولانا أبي
عبد الله الصادق (عليه
السلام) فرأيناه جالساً على
التراب وعليه مسح خيبري مطوق
بلا جيب مقصر الكمين, وهو
يبكي بكاء الواله الثكلى, ذات
الكبد الحرى، قد نال الحزن من
وجنتيه وشاع التغيير في
عارضيه وأبلى الدموع محجريه
وهو يقول: «سيدي غيبتك نفت
رقادي وضيقت عَليَّ مهادي,
وابتزت مني راحة فؤادي, سيدي
غيبتك أوصلت مصابي بفجائع
الأبد, وفقد الواحد بعد
الواحد يفني الجمع والعدد,
فما أحس بدمعة ترقى في عيني
وأنين يفتر من صدري عن دوارج
الرزايا وسوالف البلايا إلا
ما لقيني...».
ومن علاماته أن يكون دائم
الحزن والغم, ففي الكافي
الشريف عن أبي عبد الله (عليه
السلام) قال: «نفس المهموم
لنا المغتم لظلمنا تسبيح,
وهمه لأمرنا عبادة».
وينبغي عدم اليأس _ لمن لم
يصل إلى هذه المرتبة _ من
الوصول إلى هذا المقام السامي
أو بعضه وذلك بالسعي الحثيث
والعمل الجاد والمثابرة
للولوج إلى عالم الذكر الخفي
رويداً رويداً والدخول إليه
شيئاً فشيئاً, فالحب يستحق
العناء والعشق في هذا المضمار
يستأهل التضحية والفداء.
وإليك أخي المنتظِر وأختي
المنتظِرة بعض الإشارات
المضيئة في هذا الدرب لتكون
من السالكين والمستأنسين
بالذكر الخفي.
إضاءات في طريق الذكر الخفي:
1 _ ربط العالم الخارجي
بإمامه (عجل الله فرجه):
وذلك بالمحاولة الجادة لجعل
كل ما حوله وما يراه وما
يسمعه وما يحس به مرتبطاً
ومذكراً له بالإمام المهدي
(عجل الله فرجه) سواء كانت
الأحداث تجري عليه شخصياً أو
على الآخرين, ومثال ذلك ينبغي
عليه إذا رأى غريباً أو صادف
أنه هو أصبح غريباً أن يتذكر
غربة الإمام (عجل الله فرجه)
وإذا استوحش ينبغي أن يفكر في
وحشة الإمام (عجل الله فرجه)
وإذا ظُلم يجب أن تكون
مظلوميته مدعاة للتذكر
والتأثر بمظلومية ولي الله
الأعظم وإذا رأى شخصاً قد
تعلق بحب الدنيا أو عشق شخصاً
ويتلهف على لقائه فيكون هذا
حافزاً له ليزيد من تعلقه
بإمامه وعشقه له (عجل الله
فرجه).
وإذا قام بين يدي ربّه ليتذكر
قيام مولاه في مثل هذه اللحظة
بين يدي خالقه ويقارن بينهما,
وهكذا يحاول في كل حدث صغير
أو كبير أن يربطه بنحو من
الأنحاء بالإمام المهدي (عجل
الله فرجه).
وإذا واظبت أخي المنتظِر
وأختي المنتظِرة على هذا
الأسلوب واتخذت هذه الاضاءة
فسوف تحصل بإذن الله على دوام
الذكر لولي الله الأعظم
والتعلق به.
2 _ اختزال الحب:
فالإنسان بطبيعته وخصوصاً
المؤمن يحب الإنسانية
المعطاءة والكمال وتبعاً لذلك
تجده يحب مصاديق الكمال ويقف
على رأس الهرم الكمالي
الأنبياء والرسل وأهل البيت
(عليه السلام) وعموم الصالحين
والجماعات الخيرة عبر التأريخ
كل هؤلاء يحبهم الإنسان
المؤمن.
لأن الهدف الذي سعوا جميعاً
إليه هو نشد العدل والقسط
ووأد الباطل والظلم وإزهاقه,
فإذا تمركز هدف كل هذه
الشخصيات عبر تأريخ البشرية
وتمحور في شخص واحد فينبغي أن
يكون التعلق به وحبه وعشقه
بنحو عظيم جداً والارتباط به
وثيق جداً, وهذا ما نصطلح
عليه (اختزال الحل) ولا نعني
بذلك ترك محبة الآخرين أو
نسيانهم وإنما توظيف هذه
المحبة وتركيزها لشخص واحد
ومصداق فارد وهو شخص الإمام
(عجل الله فرجه) وأطروحته
العالمية, وبه تتحقق الخاتمية
في الرسالة والإمامة.
3 _ استشعار المظلومية:
إن من الوسائل المهمة
والأكيدة لأيجاد الارتباط
والعلاقة الوثيقة بين المنتظر
وبين بقية الله الأعظم (عجل
الله فرجه) هو التركيز على
البعد العاطفي في مظلومية
الإمام (عجل الله فرجه) وهنا
يجب أن نقف ونتأمل في أبعاد
هذه المظلومية والتي على
رأسها عدم معرفتها أو
الالتفات إليها.
فليس غريباً أن نبكي على
الحسين (عليه السلام) لعظم ما
جرى عليه وعلى أولاده وأصحابه
ونساءه فإنها مظلومية تصرخ في
الأجيال مضمخة بالدماء
الزواكي، فمن الطبيعي إذن أن
تبكي عليه الأرض والسماء لأن
جانب الظلامة في قضية الحسين
(عليه السلام) واضح وجلي لا
يحتاج إلى استنطاق التاريخ
والتأمل في عالم الغيب، ولكن
هذا الأمر لا يجري في بقية
الله الأعظم إلاّ بعد التأمل
باستكشاف عظم مظلوميته وذلك
لأجل احتواء قضية الإمام
المهدي على حلاوة النصر
والعدالة العالمية وازهاق
الباطل فهذه الخصائص التي
سادت في العقلية الشيعية
والإسلاميّة غيبت جوانب أخرى
من خصائصه سلام الله عليه
ومنها ظلامته.
ومن هنا جاء تأكيد أهل البيت
على هذه الخصيصة وهذه الصفة
باعتبارها أحد أهم معالم
شخصية الإمام (عجل الله فرجه)
حيث نجد أن أهل البيت عليهم
أفضل الصلاة والسلام قد
أكثروا من البكاء والتوجع
والتألم له (عجل الله فرجه)
ولا يكون هذا كله نتيجة
لشوقهم إليه فقط.
إذاً هنالك مظلومية عظمى في
شخصية الإمام (عجل الله فرجه)
هي الباعثة لتوجع وتألم أهل
البيت(عليهم السلام) وهذا ما
نجده واضحاً جلياً في قضية
الإمام الصادق وكيفية بكاءه
ونحيبه على الإمام المهدي
(عجل الله فرجه) وقد استعرضنا
الرواية سابقاً، كما حاول أهل
البيت وعلى رأسهم النبي
الأكرم إبراز جانب المظلومية
في الإمام المهدي وذلك من
خلال الروايات والأحاديث
الكثيرة الواصفة للإمام
والمبينة لخصائص مظلوميته
(عجل الله فرجه) فهو الطريد
وهو الشريد وهو الفريد وهو
الوحيد المنفرد عن أهله
الموتور بأبيه كما جاء في
لسان الكثير من الروايات فعن
الاصبغ ابن نباتة قال: سمعت
أمير المؤمنين (عليه السلام)
يقول: «صاحب هذا الأمر الشريد
الطريد الفريد الوحيد») وجرى
ذلك على لسان أصحاب أهل البيت
لكي يستنطقوا ذاكرة المنتظرين
ويستحثوها لابراز هذه
الخصوصية وهذه الظلامة
الكبرى، فعن الإمام الصادق
(عليه السلام) قال: «لما دخل
سلمان الكوفة ونظر إليها ذكر
ما يكون من بلاءها حتّى ذكر
ملك بني أمية والذين من بعدهم
ثمّ قال: فإذا كان ذلك
فالزموا أحلاس بيوتكم حتّى
يظهر الطاهر ابن الطاهر
المطهر ذو الغيبة الشريد
الطريد»
وإذا كان رسول الله (صلى الله
عليه وآله) قال: «ما أوذي نبي
مثلما أوذيت» فإن ما لقيه
مهدي هذه الأمّة وما سيلقاه
أكثر بكثير من جده رسول الله
(صلى الله عليه وآله) كما جاء
في الكثير من الروايات فعن
الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا
عبد الله (عليه السلام) يقول:
«إن قائمنا إذا قام استقبل من
جهال الناس أشد مما استقبله
رسول الله (صلى الله عليه
وآله) من جهال الجاهلية».
قلت: وكيف ذاك؟ قال: «إن رسول
الله أتى الناس وهم يعبدون
الحجارة والصخور والعيدان
والخشب المنحوتة، وإن قائمنا
إذا قام أتى الناس وكلهم
يتأول عليه كتاب الله يحتج به
عليه»، ثمّ قال: «أما والله
ليدخلنّ عليهم عدله جوف
بيوتهم كما يدخل الحر والقر».
وإذا كان الحسين (عليه
السلام) غريباً ووحيداً فإن
حفيده المهدي المنتظر أكثر
وحدةً وأعظم غربةً من جده
الحسين (عليه السلام) إذ كيف
لنا أن نتصور أن من بيده
قلائد الأمور وتصاريف الوجود
وهو مشرد لا يعرف قراراً ولا
استقراراً ولا أمناً ولا
أماناً خلال قرون عديدة وسنين
متطاولة يرى قتلة آبائه
الطاهرين وشيعتهم أمام عينيه
في كل يوم ولا يثأر لهم حتّى
يأذن الله سبحانه وتعالى.
هل يا ترى قد استوعبنا
وأدركنا عظم هذه المظلومية؟
كلا لعمري لم نعرف إلاّ غيظاً
من فيظ وقليلاً من كثير،
لكننا نشير إلى حالته سلام
الله عليه فهي تحكي عن الكثير
مما خفي علينا في عبارة موجزة
تستبطن من وراءها الكثير
الكثير من هذه الظلامة وهي
قوله إشارة لمصيبة جده الحسين
(عليه السلام): «فلأندبنك
صباحاً ومساءاً ولأبكين عليك
بدل الدموع دماً».