المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غيبته الصغرى


حزن
05-13-2008, 08:53 PM
غيبته الصغرى

لقد اختلف العلماء والمحدِّثون حول بداية الغيبة الصغرى، وأنها هل بدأت من أوائل عمر الإمام المهدي (عليه السلام) وفي عهد والده الإمام العسكري (عليه السلام) أم بدأت من وفاة الإمام العسكري؟

ولعلَّ من الصحيح أن نقول: إنَّ الاستتار والاختفاء كان مُلازماً لحياة الإمام المهدي (عليه السلام) منذ أوائل عُمْره، وعلى هذا يمكن لنا أن نقول: إنَّ الغيبة الصُغرى ابتدأت مع حياة الإمام المهدي (عليه السلام)، أي: كانت حياتُه منذ الولادة مقرونة بالاستتار عن الناس، ويُمكن أن نعتبر السنوات الخَمس التي قضاها الإمام المهدي (عليه السلام) مع والده الإمام العسكري (عليه السلام) مِنْ ضِمن الغيبة الصغرى، تَبَعاً، للشيخ المفيد وغيره.

ولقد كانت الغَيبة الصغرى مقدمةً تمهيدية ومدخلاً للغيبة الكبرى، والغيبة الكبرى مقدمةً للظهور، وأيضاً كانت الغيبة الصغرى حداً وسطاً بين الغيبة الكبرى - التي انقطعت الاتصالات فيها بين الشيعة وبين الإمام المهدي (عليه السلام) بالمعنى الذي سنذكره فيما سيأتي - وبين تواجد الإمام المهدي في المجتمعات البشرية. وإليك شيئاً من التفصيل والتوضيح:

كان الناس بصورة عامة، والشيعة بصورة خاصة، بإمكانهم أن يَلْتَقوا بالأئمة الطاهرين (عليهم السلام) في أيِّ وقتٍ شاءوا، وفي أيِّ مكان أردوا، فكانت اللقاءات مستمرة: في المسجد، وفي الطريق وفي مواسم الحج: في مكة، وعرفات، ومنى، وفي بيوت الأئمة، بلا رادع ولا مانع. واستمرتِ الحالة على هذا المنوال حتى زمان الإمام المهدي (عليه السلام) حيث اشتدّت فيه الرقابة على الإمام من قبل السُلطة الجائرة، بعد أن جمَّدت نشاطاته، فكانت العيون تُراقب حركاته وسكناته بكل دقَّة، وتراقب اتصالاته ولقاءاته بالأفراد.

وكان الحُكّام العباسيون - بالرغم من قدرتهم واستيلائهم على مرافق الحكم - يعلمون أن هناك طائفة إسلامية كبيرة، لا تعترف بشرعية السلطة للعباسيين، بل تعتقد أن الخلافة حقٌ شرعي لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأنَّ غيرهم من مُدَّعي الخلافة - على طول الخط - على الباطل، وأنهم غاصِبون ومعتدون في استيلائهم على الحكم.

كانت هذه الحقيقة ثابتة عند الحُكام العباسيين من ناحيتين:

الأولى: توفُّر المؤهلات في أئمة أهل البيت، من النَسَب الشريف الأعلى، وجميع المقومات الأخرى كالعلم الكامل، والتقوى بجميع معنى الكلمة، والصلاح والاعتدال، والسمعة الطيبة عند كافة الطبقات، والسلوك النزيه، والحياة المشرقة بالفضائل والمكرُمات، بالإضافة إلى ما كانوا يتمتعون به من خصائص الإمامة، كالإعجاز والنصوص الواردة في حقهم من عند الله ورسوله وهذه الصفات والمزايا تكفي لإثبات إمامتهم الصحيحة، وخلافتهم الشرعية، وتضمن جلب القلوب إليهم، والاعتراف بهم، وإثبات الحقِّ لهم.

الثانية: هي الناحية المغايرة للناحية الأولى، عند العباسيين، والحياة المخالفة لمفهوم الإسلام، فالعباسيون - بعد أن تأكدوا من رسوخ قواعد الحكم، واستيلائهم على نصف الكرة الأرضية - كانوا لا يُبالون بعواطف الشعب، ولا يخافون من تمرُّد المسلمين عليهم، ولا يعبأون بنقمة الشعب وسخطه على السلطة العباسية.

ولماذا يخافون من الشعب الأعزل في مقابل القُدْرة الكبرى؟

ولماذا يتورَّعون من المحرمات، ويجتنبون المُنكرات؟

ولماذا لا يُشبعون رغباتهم، ويلبُّون شَهَواتهم مع توفُّر الوسائل بأجمعها؟

على هذا الأساس قَلَبوا مفهوم (خليفة رسول الله) إلى مفهوم طاغوت جبار، يدور في فَلَك التَرَف والبَذَخ، والفحشاء والمُنكرات. فمجالس اللهو، وحفلات الرقص والغناء، وسهرات الخُمور والمجون كانت قائمة على قَدَم وساق في كلِّ ليلة، وفي كلِّ صبيحة ومساء، في قصور هؤلاء الخلفاء! يحضرها الخليفة وحاشيته الفسقة الفجرة، الذين ليست لهم همَّة إلاّ رضى الخليفة، وتوفير وسائل الفجور له.

ولا تسأل عن علماء السوء، الذين منحوا الخليفة صيانة شرعية دينية، لا مثيل لها في تاريخ البَشَر، وهي أنهم زعموا أن الخليفة لا يُحاسب على أعماله يوم القيامة، ولا يُسأل عمّا كان يفعله!

إذن، فسواء عليه صلى.. أم زنى، لأنَّه خليفة!!

ولم يكن للخليفة إنجاز وإنتاج، وتفكير حول قضايا الدولة.. بل كان مُتفرِّغاً للأمور التي ذكرناها.

نعم، الذي شغَلَ بال الخليفة، وربما نغَّصَ عليه الملذّات هو وجود أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين ألبسهم الله حُلَّة القداسة والنزاهة، والتقوى والوَرَع، وتوّجهم بتاجِ أحسن الفضائل، وأجمل مكارم الأخلاق.

فكان الخليفة (بصورة عامة) يُفكِّر دائماً في كيفية القضاء على تلك الشخصيات المقدسة، وتحطيم معنوياتهم، وتشويه سُمْعَتهم، وتجميد نشاطاتهم، ومُلاحقة أصحابهم وأتباعهم.

هذا الجوّ، وهذه الظروف كان يعيشها الإمام الهادي (عليه السلام).

أليست الحكمة تفرض عليه أن يختار سُلوكاً خاصاً في حياته، يُراعي فيه جميع جوانب الحِكْمة والحنكة والعقل؟!

ففي الوقت الذي كان (عليه السلام) يعيش تحت المراقبة الشديدة، - تلك الرقابة التي مِنْ شأنها الإرهاب والإرعاب، للإمام ولكلِّ من يتصل به من الشيعة - كان يُراعي الظروف، ويخطط للتخلُّص من مُضاعفات تلك الرقابة.

ولقد شاهدنا في زماننا بعض النماذج عن تلك المآسي والضغوط، وأنَّ السلطات كيف كانت تحسب ألف حساب وحساب للشخصيات المرموقة التي لها شعبية دينية، ونفوذ في المجتمع، وكيف كانت تتخذ الإجراءات الطويلة العريضة للعُثور على شيء من المعلومات التافهة، فتجعلها مِنْ أهمِّ التقارير السرية ذات الأهمية الكبرى، فترفعها إلى السُلطات العُليا، وكأنَّهم اكتشفوا أسراراً عسكرية، أو خلايا التجسُّس.

فكيف بذلك العَهْد؟ وكيف بتلك السلطات التي كانت تعتبر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هم الخَطَر الأول والأخير على حكوماتهم؟! لأنَّ السُلطات كانوا على يقين أنَّ أئمة أهل البيت يملكون القلوب، وأنَّ علاقة المجتمع بهم علاقة دينية التي هي أقوى وأصلَب من كلِّ علاقة، وما كانت هذه المزية متوفرة في رجال الحُكم في ذلك العهد، فهم كانوا يحكمون باسم الدين، ويُعرِّفون أنفسهم أنهم خلفاءُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنَّ القيادة الإسلامية - يوم تكوَّنت مع تولَّد الإسلام - كانت مُتمثِّلة في نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان هو الحاكم، وهو الآمر والقائد، وبيده السُلطة التشريعية والتنفيذية، وإدارة البلاد، فكان يأمُرُ بالجهاد، وأخذ الزكاة، وإقامة أحكام الله وحدوده، إلى غير ذلك من الأمور التي تتعلَّق بالنظام الاجتماعي والديني.

وقد جَعَلَ الله تعالى تلك القيادة - بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) - لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فكانَ ما كان مِنْ استيلاء الحُكّام على منصَّة الحُكم، وسلب الإمكانيات من أئمة أهل البيت، ومنعِهم من أيِّ تصرُّف، ابتداءً من الإمام عليٍ أمير المؤمنين.. وانتهاءً بالإمام الحسن العسكري (عليه السلام).

فكان الحُكّام - طيلة هذه القرون - يدَّعون القيادة الإسلامية باسم الخلافة من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنَّهم لو كانوا يدَّعون أنَّهم ملوك، أو رؤساء الجمهورية، لكان المسلمون يرفُضون الخضوع لهم لِعَدَم انسجام الملوكيَّة مع الخلافة الإسلامية، والزعامة الروحية.

ولهذا السبب ادَّعى الأمويون والعباسيون وغيرهم الخلافة كي يُثبتوا لأنفسهم السُلطة الروحية على العباد والبلاد، وعلى الدماء والأنفس، وكأنَّهم يحكمون بحكم الله، ويأمرون بأمر الله.

ولكنَّ الواقع كان خلاف هذا مائة بالمائة، فالخلافة الإسلامية (بمعناها الصحيح) يجب أن تكون مُطوَّقة بهالةٍ من النزاهة والقداسة، والديانة والعِلم، والتقوى وغيرها من المؤهلات، وهذه الصفات والمؤهلات كانت مفقودة في أولئك الحُكّام المدَّعين للخلافة، من الباب إلى المحراب، والتاريخ الصحيح يؤيد هذا القول ويصدِّقه.

وجميع تلك الصفات المطلوبة والمؤهِّلات اللازمة كانت متوفرِّة في أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على أحسن ما يُرام، وأتمّ وجهٍ، وأجمل صورة، والتاريخ يُعلن هذا بأرفع صوت.

نعود إلى حديثنا عن عصر الإمام الهادي (عليه السلام) وعن الرقابة المشدَّدة عليه فنقول:

إن مِن جملة الطُرُق والوسائل الحكيمة التي اختارها الإمام الهادي (عليه السلام) للتخلُّص من مشاكل الرقابة ومُضاعفاتها هي أنه عيَّن بعضَ الثقاة من شيعته في بغداد، ليكون وكيله، ويكون مرجعاً لقضايا الشيعة، ومصدراً لأمورهم الدينية والدنيوية.

فكانت الأموال تُحمَل إلى الوكلاء، والمسائل الدينية تُسلَّم إليهم، فكانوا يقومون بالوساطة بين الإمام الهادي (عليه السلام) وبين الشيعة.

وقد اختار الوكلاء بعض المِهَن تغطيةً لهذا المنصب الخطير.

واستمر الأمر على هذا المنوال سنوات، حتى تعوَّد الناس على مُراجعة الوكلاء في بغداد،... إلى أن استُشهد الإمام الهادي (عليه السلام) وبقيت الوكالة نافذة المفعول عند الوكلاء، فكانوا هَمْزَةَ وَصْلٍ بين الشيعة وبين الإمام العسكري (عليه السلام).

ولما استُشْهِد الإمام العسكري (عليه السلام) أبقى الإمام المهدي (عليه السلام) الوكلاءَ على وكالتهم، وسنذكر في الفصول القادمة شيئاً عن حياة الوكلاء أو النوّاب أو السُفراء، إن شاء الله تعالى.



دوره (عليه السلام) في زمن الغيبة

انتقلت الإمامة والخلافة إلى الإمام المهدي بعد وفاة والده الإمام العسكري (عليهما السلام) فكان الإمام – في الوقت الذي يعيش في جوٍ من الاستتار والاختفاء، ولا يراه إلا الأخص من شيعته – مشرفاً على حياة الناس، ومحيطاً بما يجري من الأحداث، قابضاً على زمام القيادة وإدارة الشؤون العامة والخاصة لشيعته، وتدبير أمورهم، والإجابة على أسئلتهم وحل مشاكلهم، وغير ذلك.

فكان (عليه السلام) يأمر وينهى، ويعزل وينصب،ويقرب ويبعد، وكأنه حاضر في المجتمع... لا يغيب عنه شيء.

وكان (عليه السلام) على اتصال تام بسفرائه ووكلائه، يسعفهم بالأوامر والتعليمات اللازمة، ويرشدهم إلى ما يجب عليهم حسب الظروف المختلفة، ويأمرهم باتخاذ التدابير الخاصة، إذا اقتضت الحاجة ذلك.

وفي ما يلي شيء من التفصيل في هذا المجال:

إن الشيعة ـ السائرين على خط الإمام المهدي ـ كانوا يراجعون عثمان بن سعيد في قضاياهم الفقهية والمالية والاجتماعية، وهم على بصيرة من الأمر، لا يشكون في وثاقة هذا السفير وديانته وأمانته.

فتارةً كانوا يكتبون مسائلهم الفقهية، أو قضاياهم الشخصية، أو ما يرتبط بالحقوق المالية، ويسلمونها إلى النائب، ثم يأتي الجواب بخط الإمام المهدي (عليه السلام).

وتارةً كانوا يطلبون من النائب أن يكتب مسائلهم وحوائجهم إلى الإمام، فكان النائب يكتب ذلك، وبعد فترةٍ قصيرة يخبرهم بالجواب الصادر من الإمام (عليه السلام) أو يريهم جواب الإمام في رسالة مفصلة فيها الإجابات على مسائل كثيرة، وقد لا يجيب الإمام على السؤال، لحكمة ومصلحة يراها.

وقد كان بعض الشيعة يتنازعون في بعض المسائل العقائدية، فيحل النزاع ويرتفع الاختلاف عند مراجعتهم لأحد النواب وعرض المشكلة أو المسألة التي اختلفوا فيها فيأتيهم الجواب من ناحية الإمام المهدي (عليه السلام) ويكون كلامه القول الفصل، فيذعن به الجميع.

وهنا يحسن أن نشير إلى نماذج من مراجعة الناس للسفراء في مشاكلهم العامة أو الخاصة:

اختلف جماعة من الشيعة في أن الله عز وجل هل فوض إلى الأئمة (عليهم السلام) أن يخلقوا أو يرزقوا؟.

فقال قوم: هذا محال، ولا يجوز على الله تعالى، لأن الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله عز وجل.

وقال آخرون: بل الله تعالى أقدر الأئمة على ذلك وفوضه إليهم، فخلقوا ورزقوا.

فقال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، فتسألونه عن ذلك، فيوضح لكم الحق فيه؟! فإنه الطريق إلى صاحب الأمر عجل الله فرجه.

فرضوا بذلك، وكتبوا المسألة وأرسلوها إليه، فخرج إليهم من ناحية الإمام (عليه السلام) هكذا: (إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسم الأرزاق، لأنه ليس بجسم، ولا حالٌ في جسم، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم.

وأما الأئمة (عليهم السلام) فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق، ويسألونه فيرزق، إيجاباً لمسألتهم، وإعظاماً لحقهم).

وحدث خلاف بين الشيعة حول الخليفة من بعد الإمام العسكري (عليه السلام) فقال أحدهم: إن الإمام العسكري مضى ولا خلف له، وقال آخرون: كلا.. إنه لم يمض إلا بعد أن عين الخلف، ولكي يحسموا النزاع كتبوا كتاباً حول هذا الموضوع وأنفذوه إلى الناحية المقدسة، فورد الجواب بخط الإمام المهدي (عليه السلام) يقول:

(بسم الله الرحمن الرحيم، عافانا الله وإياكم من الضلالة والفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإياكم من سوء المنقلب.

إنه أنهي إلى ارتياب جماعة منكم في الدين وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة أمورهم، فغمنا ذلك لكم.. لا لنا، وساءنا فيكم.. لا فينا، لأن الله معنا ولا فاقة بنا إلى غيره، والحق معنا، فلن يوحشنا من قعد عنا..

يا هؤلاء.. ما لكم في الريب تترددون؟ وفي الحيرة تنعكسون؟! أو ما سمعتم الله عز وجل يقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم).

أو ما علمتم ما جاءت به الآثار مما يكون ويحدث في أئمتكم عن الماضين والباقين منهم (عليهم السلام)؟!.

أو ما رأيتم كيف جعل الله معاقل تأوون إليها، وأعلاماً تهتدون بها، من لدن آدم (عليه السلام) إلى أن ظهر الماضي (عليه السلام)، كلما غاب علم بدا علم وإذا أفل نجم طلع نجم؟!.

فلما قبضه الله إليه ظننتم أن الله تعالى أبطل دينه وقطع السبب بينه وبين خلقه؟!.

كلا.. ما كان ذلك ولا يكون حتى تقوم الساعة، ويظهر أمر الله سبحانه وهم كارهون، وإن الماضي (عليه السلام) مضى سعيداً فقيداً على منهاج آبائه (عليهم السلام)، وبين وصيه وعلمه، ومن هو خلفه ومن يسد مسده، لاينازعنا موضعه إلا ظالم آثم، ولا يدعيه دوننا إلا جاحد كافر، ولو لا أن أمر الله تعالى لا يغلب، وسره لا يظهر ولا يعلن ظهر لكم من حقنا ما تبين منه عقولكم، ويزيل شكوككم، لكنه ما شاء الله كان، ولكل أجل كتاب، فاتقوا الله وسلموا لنا، وردوا الأمر إلينا، فعلينا الإصدار، كما كان منا الإيراد، ولا تحاولوا كشف ما غطي عنكم، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى الشمال، واجعلوا قصدكم إلينا بالمودة على السنة الواضحة، فقد نصحت لكم، والله شاهد علي وعليكم، ولو لا عندنا من محبة صلاحكم ورحمتكم والإشفاق عليكم، لكنا عن مخاطبتكم في شغل، فيما قد امتحنا به من منازعة الظالم العتل الضال المتتابع في غيه المضاد لربه، الداعي ما ليس له، الجاحد حق من افترض الله طاعتهم الظالم الغاصب، وفي ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي أسوة حسنة وسيردي الجاهل رداءة عمله، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار.

عصمنا الله وإياكم من المهالك والأسواء والآفات والعاهات كلها برحمته، فإنه ولي ذلك والقادر على ما يشاء، وكان لنا ولكم ولياً وحافظاً، والسلام على جميع الأوصياء والأولياء والمؤمنين، ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله مسلم تسليماً).

رجل رزق مولوداً، ومات المولود في اليوم الثامن، فكتب الرجل رسالة إلى الإمام المهدي (عليه السلام) يخبر فيها بموت ابنه، فجاء الجواب من الإمام (عليه السلام): سيخلف الله عليك غيره وغيره، فسمه أحمد، ومن بعد أحمد جعفراً). فكان كما أخبر الإمام، وامتثل أمر الإمام في اختيار الاسم لولديه.

وفي أيام النائب الثالث الحسين بن روح، طلب الشيخ علي بن الحسين بن بابويه (والد الشيخ الصدوق) من الحسين بن روح أن يسأل مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) أن يدعو الله ليرزقه ولداً ذكراً.

فجاء الجواب بعد ثلاثة أيام: أنه (عليه السلام) قد دعا لعلي بن الحسين، وسيولد له ولد مبارك، وسيولد له بعد هذا المولد أولاد أيضاً.

فولد له في تلك السنة محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، الملقب بالشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) وولد بعده أولاد أيضاً.

وكان الشيخ الصدوق عالماً جليلاً حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه، وله ما يقارب ثلاثمائة كتاب.

وفي رواية أخرى: إن علي بن الحسين (والد الشيخ الصدوق) كتب إلى الشيخ الحسين بن روح أن يسأل الإمام المهدي (عليه السلام) أن يدعو الله ليرزقه أولاداً فقهاء.

فجاء الجواب: إنك لا ترزق من هذه وستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدين فقيهين.

وكان الشيخ الصدوق وأخوه الحسين فقيهين، يحفظان من الأحاديث ما لا يحفظ غيرهما من أهل قم.

رجل اسمه سرور، كان في أيام صباه أخرساً لا يستطيع التلكم، وبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة، فجاء به أبوه إلى الشيخ الحسين بن روح، وطلب منه أن يسأل من الإمام المهدي (عليه السلام) أن يفتح الله لسانه.

فقال لهم الشيخ: إنكم أمرتم بالخروج إلى الحائر.

فجاء به أبوه وعمه إلى كر بلاء المقدسة، وبعد زيارة مرقد الأمام أبي عبد الحسين (عليه السلام) صاح به أبوه وعمه: يا سرور؟

فأجابهم –بلسان فصيح- لبيك!.

فقال: ويحك.. تكلمت؟!.

قال سرور:نعم.

رجل اختلف مع زوجته، وانتهى الأمر إلى النزاع الشديد، والخلاف الكثير، فطلب الرجل من الناحية المقدسة حل مشكلته؟.

فجاء الجواب من الإمام (عليه السلام) ضمن رسالة فيها الإجابات على أسئلة الناس: (والزوج والزوجة فاصلح الله ذات بينهما) فعادت إليه زوجته واعتذرت إليه، وعاش معها إلى أحسن حال.

وجاء رجل من مدينة قم إلى بغداد، ومعه أموال كثيرة وهدايا من أهالي قم إلى الإمام المهدي (عليه السلام) عن طريق النائب الثاني محمد بن عثمان.

ولما سلم الأموال قال له محمد بن عثمان: قد بقي شيء مما استودعته فأين هو؟.

فقال الرجل: لم يبق شيء يا سيدي إلا وقد سلمته!.

قال محمد بن عثمان: بلى.. قد بقي شيء، فارجع إلى ما معك وفتشه.

فمضى الرجل وفتش أمتعته، وتفكر كثيراً، فلم يصل فكره إلى شيء، فرجع إلى محمد بن عثمان وقال له: لم يبق شيء في يدي.

فقال له محمد بن عثمان: يقال لك: الثوبان السودانيان اللذان دفعهما إليك فلان بن فلان، ما فعلا (أي: أين هما)؟.

فتذكر الرجل الثوبين وقال: لقد نسيتهما ولست أدري أين وضعتهما؟.

وذهب الرجل يبحث عن الثوبين، فلم يجدهما. فرجع إلى محمد بن عثمان، وأخبره بفقدان الثوبين، فقال له محمد: يقال لك: امض إلى فلان بن فلان القطان الذي حملت إليه العدلين فافتق أحد العدلين، تجد الثوب في جانبه. فتحير الرجل وذهب، وفتق العدلين وجاء بالثوبين إلى محمد بن عثمان.



من فاز برؤيته في الغيبة الصغرى

لعل السر في وقوع الغيبة الصغرى هو عدم أنس الشيعة بالغيبة التامة، فوقعت الغيبة الصغرى قبل الكبرى لئلا يستوحشوا منها إذا وقعت، وقد امتد زمانها إلى سنة 329 سنة موت أبي الحسن علي بن محمد السمري الذي ختمت به النيابة الخاصة.

وقد تشرف كثير من الصلحاء والأتقياء والزهاد برؤية الحجة صلوات الله عليه في زمان الغيبة الصغرى، والأخبار بهذا الباب كثيرة ومتواترة نذكر بعضا منها إرضاء للنفس وشفاء للقلب:

قال الصدوق: وحدث أبو الأديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب (عليهم السلام) وأحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت عليه في علته التي توفى فيها صلوات الله عليه فكتب معي كتباً وقال: امض بها إلى المدائن فانك ستغيب خمسة عشر يوماً وتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل. قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي، فقلت: زدني، فقال: من يصلي علي فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهيمان فهو القائم بعدي، ثم منعتني هيبته أن أسأله عما في الهميان.

وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي (عليه السلام) فإذا أنا بالواعية في داره وإّذا به على المغتسل وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزّونه ويهنونه، فقلت: في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة، لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق (أي القصر) ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزيت وهنيت فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفن أخوك فقم وصل عليه فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة.

فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه، على نعشه مكفناً فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجذب برداء جعفر بن علي وقال: تأخر يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي، فتأخر جعفر وقد أربد وجهه واصفر.

فتقدم الصبي وصلى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه (عليهما السلام) ثم قال يا بصري: هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه بينتان بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر ابن علي وهو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه؟ فقال: والله ما رأيته قط ولا أعرفه. فنحن جلوس اذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي (عليه السلام) فعرفوا موته فقالوا: فلنقم (نعزي)، فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلموا عليه وعزوه وهنوه وقالوا: أن كتباً ومالاً، فتقول ممن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض كتب فلان وفلان (وفلان) وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية، فدفعوا إليه الكتب والمال وقالوا: الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الإمام، فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك، فوجه المعتمد بخدمه فقبضوا على صقيل الجارية فطالبوها بالصبي فأنكرته وادعت حبلاً بها لتغطي حال الصبي فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة، وخروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم والحمد لله رب العالمين.

وقال أيضاً: حدثنا أبو العباس أحمد بن الحسين بن عبد الله بن محمد بن مهران الآبي العروضي رضي الله عنه بمرو، قال: حدثنا (أبو) الحسين (ابن) زيد بن عبد الله البغدادي قال: حدثنا أبو الحسن بن علي بن سنان الموصلي قال: حدثني أبي قال: لما قبض سيدنا أبو محمد الحسن العسكري صلوات الله عليهما وفد من قم والجبال وفود بالأموال التي كانت تحمل على الرسم والعادة، ولم يكن عندهم خبر وفاة الحسن (عليه السلام)، فلما أن وصلوا إلى سر من رأى سألوا عن سيدنا الحسن بن علي (عليه السلام)، فقيل لهم: أنه قد فقد، فقالوا: ومن وارثه؟ قالوا أخوه جعفر بن علي فسألوا عنه فقيل لهم أنه قد خرج متنزها وركب زورقاً في دجلة يشرب ومعه المغنون، قال: فتشاور القوم فقالوا: هذه ليست من صفة الإمام، وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتى نرد هذه الأموال على أصحابها.

فقال أبو العباس محمد بن جعفر الحميري القمي: قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل ونختبر أمره بالصحة.

قال: فلما انصرف دخلوا عليه فسلموا عليه وقالوا: يا سيدنا نحن من أهل قم ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها وكنا نحمل إلى سيدنا أبي محمد الحسن بن علي الأموال فقال: واين هي؟ قالوا: معنا، قال: احملوا إلي، قالوا: لا،إن لهذه الأموال خبراً طريفاً، فقال: وما هو؟ قالوا: ان هذه الأموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران، ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليه وكنا اذا وردنا بالمال على سيدنا أبي محمد (عليه السلام) يقول: جملة المال كذا وكذا ديناراً، من عند فلان كذا ومن عند فلان كذا حتى يأتي على أسماء الناس كلهم ويقول ما على الخواتيم من نقش، فقال جعفر: كذبتم تقولون على أخي ما لا يفعله، هذا علم الغيب ولا يعلمه إلا الله.

قال: فلما سمع القوم كلام جعفر جعل بعضهم ينظر إلى بعض فقال لهم: احملوا هذا المال إلي، قالوا: إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب المال ولا نسلم المال الا بالعلامات التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي (عليه السلام) فان كنت الإمام فبرهن لنا والا رددناها إلى أصحابها يرون فيها رأيهم.

قال: فدخل علي الخليفة وكان بسر من رأى فاستعدى عليهم، فلما أحضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر، قالوا: أصلح الله أمير المؤمنين إنا قوم مستأجرون وكلاء لارباب هذه الأموال وهي وداعة لجماعة وأمرونا بأن لا نسلمها الا بعلامة ودلالة، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام).

فقال الخليفة: فما كانت العلامة التي كانت مع أبي محمد؟

قال القوم: كان يصف لنا الدنانير وأصحابها والأموال وكم هي، فاذا فعل ذلك سلمناها إليه، وقد وفدنا إليه مراراً فكانت هذه علامتنا معه ودلالتنا، وقد مات، فان يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه، وإلا رددناها إلى أصحابها.

فقال جعفر: يا أمير المؤمنين ان هؤلاء قوم كذابون يكذبون على أخي وهذا علم الغيب، فقال الخليفة: القوم رسل وما على الرسول إلا البلاغ المبين. قال: فبهت جعفر ولم يرد جواباً، فقال القوم: يتطول أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يبدرقنا حتى تخرج من هذه قال: فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها، فلما أن خرجوا من البلد خرج إليهم غلام أحسن الناس وجهاً، كأنه خادم، فنادى يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أجيبوا مولاكم، قال: فقالوا: أنت مولانا، قال: معاذ الله أنا عبد مولاكم فسيروا إليه، قالوا: فسرنا (إليه) معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي (عليه السلام)، فإذا ولده القائم سيدنا (عليه السلام) قاعد على سرير كأنه فلقة قمر، عليه ثياب خضر، فسلمنا عليه، فرد علينا السلام، ثم قال: جملة المال كذا وكذا دينار، حمل فلان كذا، (وحمل) فلان كذا، ولم يزل يصف حتى وصف الجميع.

ثم وصف ثيابنا ورحالنا وما كان معنا من الدواب، فخررنا سجداً لله عز وجل شكراً لما عرفنا، وقبلنا الأرض بين يديه، وسألناه عما أردنا فأجاب، فحملنا إليه الأموال، وأمرنا القائم (عليه السلام) أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئاً من المال، فانه ينصب لنا ببغداد رجلاً يحمل إليه الأموال ويخرج من عنده التوقيعات، قالوا: فانصرفنا من عنده ودفع إلى أبي العباس محمد بن جعفر القمي الحميري شيئاً من الحنوط والكفن فقال له: أعظم الله أجرك في نفسك، قال: فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتى توفي رحمه الله.

وكنا بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين بها ويخرج من عندهم التوقيعات.

قال الشيخ الصدوق (قدس سره): هذا الخبر يدل على أن الخليفة كان يعرف هذا الأمر كيف هو (وأين هو) وأين موضعه، فلهذا كف عن القوم عما معهم من الأموال، ودفع جعفراً الكذاب عن مطالبتهم ولم يأمرهم بتسليمها إليه وقد كان جعفر الكذاب حمل إلى الخليفة عشرين ألف دينار لما توفي الحسن بن علي (عليه السلام)، وقال: يا أمير المؤمنين تجعل لي مرتبة أخي الحسن ومنزلته؟ فقال الخليفة: اعلم أن منزلة أخيك لم تكن بنا إنما كانت بالله عز وجل ونحن كنا نجتهد في حط منزلته والوضع منه، وكان الله عز وجل يأبى الا أن يزيده كل يوم رفعة لما كان فيه من الصيانه وحسن السمت والعلم والعبادة، فان كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك الينا، وان لم تكن عندهم بمنزلته ولم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغن عنك في ذلك الشيء.