تشرف السيد المتقي ألعاملي بلقائه (عليه
السلام) ..
وردت المشهد ألرضويّ المقدس للزيارة , و أقمت
فيه مدة , و كنت في ضنك و ضيق مع وفور النعمة
و رخص أسعارها , و لما أردت الرجوع مع سائر
الزائرين لم يكن عندي شيء من الزاد , حتى قرص
لقوت يومي فتخلّفت عنهم , و بقيت إلى زوال
الشمس , فزرت مولاي , وأديت فرض الصلاة , و
رأيت إني لو لم ألحق بالقافلة فلن يتيسر لي
رفقة عن قريب و إن بقيت أدركني الشتاء و ساءت
حالتي . فخرجت من الحرم المطهر بعد إن دعوت و
شكوت , و قلت في نفسي : أمشي على أثرهم , فان
مت جوعاً استرحت , و إلا لحقت بهم , فخرجت من
البلد و سالت عن الطريق و صرت امشي حتى غربت
الشمس و ما صادفت أحداً فعلمت إني أخطأت
الطريق و أنا ببادية مهولة لا يرى فيها سوى
الحنظل , ز قد أشرفت من الجوع و العطش على
الهلاك , فصرت اكسر حنظلة حنظلة لعلي أظفر من
بينها ببطيخة حتى كسرت نحواً خمسمئة , فلم
أظفر بها , و طلبت الماء و الكلأ حتى جنّني
الليل , و يئست منهما , , فأيقنت الفناء ,
فاستسلمت للموت , و بكيت على حالي . و ترى لي
مكان مرتفع فصعدته , فوجدت في أعلاه عينا من
الماء فتعجبت و شكرت الله عزّ وجلّ و شربت
الماء و قلت في نفسي : أتوضأ و أصلّي لئلا
ينزل بي الموت و أنا مشغول الذمة بهما ,
فبادرت إليهما .
فلما من العشاء ألأخرى و امتلأت البيداء
بأصوات السباع و غيرها , و كنت اعرف من بينها
صوت الأسد و الذئب , و أرى أعين بعضها تتوقد
كأنها السراج , فزادت وحشتي ,إلا إني كنت
مستسلما للموت , فأدركني الموت لكثرة التعب ,
و ما أفقت إلا و الأصوات قد خمدت و الدنيا
بنور القمر قد أضاءت و أنا في غاية الضعف
فرأيت فارسا مقبلا علي , فقلت في نفسي : انه
يقتلني لأنه يريد متاعي فلا يجد شيئاً عندي ,
فيغضب علي لذلك فيقتلني و لا اقل من أن تصيبني
منه جراحة .
فلما وصل إلي سلم علي , فرددت عليه السلام , و
طابت منه نفسي , فقال : ما لك ؟ فأومأت إليه
بضعفي , فقال : عندك ثلاث بطيخات لم لا تأكل
منها ؟ فقلت : لا تستهزئ بي و دعني في حالي ,
فقال انظر وراءك : فنظرت فرأيت شجرة بطيخ
عليها ثلاث بطيخات كبار , فقال : سد جوعك
بواحدة , و خذ معك اثنتين , و عليك بهذا
الصراط المستقيم فامش عليه , و كل نصف بطيخة
أول النهار و النصف الآخر بعد الزوال , و
أحفظ بطيخة فإنها تنفعك , فإذا غربت الشمس
تصل إلى خيمة سوداء يوصلك أهلها إلى القافلة ,
و غاب عن بصري .
فقمت إلى تلك البطيخات فكسرت واحدة منها
فرأيتها في غاية الحلاوة و اللطافة , كأني ما
أكلت مثلها , فأكلتها , و أخذت معي الاثنتين ,
و لزمت الطريق , و جعلت امشي حتى طلعت الشمس و
مضى على طلوعها ساعة مقدار ساعة , فكسرت واحد
منهما و أكلت نصفها , و سرت إلى زوال الشمس
فأكلت النصف الآخر , و أخذت الطريق .
فلما قرب الغروب بدت لي تلك الخيمة , و رآني
أهلها فبادروا إلي و أخذوني بعنف و شدة , و
ذهبوا بي إلى الخيمة كأنهم زعموني جاسوساً , و
كنت لا أعرف التكلم إلاّ بلسان العرب , و لا
يعرفون لساني , فاتوا بي إلى كبيرهم , فقال لي
بشدة و غضب , من أين جئت ؟, تصدقني و إلاّ
قتلتك و رحنا نتبادل التخاطب بكل حيلة حتى
شرحت له حالي , فقال : أيها السيد الكذاب , لا
يعبر من الطريق الذي تدعيه متنفس إلاّ تلف :
أو أكله السباع , ثم انك كيف قدرت على تلك
المسافة البعيدة في الزمان الذي تذكره , و من
هذا المكان إلى المشهد المقدس مسيرة ثلاثة
أيام ؟! أصدقني و إلاّ قتلتك , و شهر سيفه في
وجهي .
فبدا له البطيخ من تحت عباءتي , فقال ما هذا ؟
فقصصت عليه قصته فقال الحاضرون : ليس في هذه
الصحراء بطيخ , خصوصا هذه البطيخة التي ما
رأينا مثلها أبداً .
ثم رجعوا إلى أنفسهم , و تكلموا فيما بينهم ,
و كأنهم علموا صدق مقالتي , و إن هذه معجزة من
الإمام (عليه السلام) ,فاقبلوا علي , و قبلوا
يدي , و صدروني في مجلسهم , و أكرموني غاية
الإكرام , و اخذوا لباسي تبركا به , و كسوني
ألبسة جديدة فاخرة , و أضافوني يومين و ليلتين
.
فلما كان اليوم الثالث أعطوني عشرة توامين ,
ووجهوا معي ثلاثة منهم حتى أدركت القافلة .
مصدر القصة: كتاب
أروع القصص في من رأى المهدي عليه السلام في
غيبته الكبرى للشيخ ماجد ناصر الزبيدي