قال العالم الفاضل علي بن عيسى الاربلي في ( كشف الغمة ) :

حدثني جماعة من ثقاة إخواني أنه كان في بلاد الحلة شخص يقال له : إسماعيل بن الحسن الهرقلي من قرية يقال لها {هرقل} , مات في زماني و ما رأيته , حكى لي ولده شمس الدين و قال :

حكي لي والدي أنه خرج (فية) و هو شاب على فخذه الأيسر توثة (1) مقدار قبضة الإنسان , م كانت في كل ربيع تتشقق و يخرج منها دم وقيح , و يقطعه ألمها عن كثير من أشغاله , فحضر إلى الحلة يوما ودل إلى مجلس السيد رضي الدين  علي بن طاووس و شكا إليه ما يجده , فأحضره له السيد أطباء الحلة و أراهم الموضع فقالوا :هذه التوثة فوق العرق الأكحل , و علاجها خطر , فمتى قطعت خيف أن يتقطع العرق و يموت .

فقال له السيد : أنا متوجه إلى بغداد , و ربما كان أطباؤها أعرف و أحذق من هؤلاء , فاصطحبني , فصحبه فأحضر الأطباء فقالوا كما قالوا أولئك , فضاق صدره , فقال له السيد : إن الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب , و عليك الاجتهاد في الاحتراس .

فقال والدي : إذا كان الأمر هكذا و قد حصلت في فأتوجه إلى زيارة المشهد الشريف بسر من رأى , ثم توجه إلى هناك .

يقول صاحب (كشف الغمة) : حدثني ولده قال : قال لي أبي :

لما دخلت المشهد و زرت الإمامين الهمامين علي النقي و الحسن العسكري (عليهما السلام) نزلت السرداب , و أستغثت بالله تعالى و بصاحب الأمر (عليه السلام) , و قضيت الليل في السرداب , حتى إذا كان الصباح مضيت إلى دجلة فاغتسلت و غسلت ثيابي , و ملأت إبريقاً كان نعي و صعدت أريد المشهد لمعاودة الزيارة , فرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور و كان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم , فحسبتهم منهم , فالتقينا فرأيت شابين يتقلد كل منهما سيفا , و شيخاً منقبا , بيده رمح . و الآخر متقلد بسيف و عليه فرجية ملونة فوق السيف , و هو متحنّك بعذبته فوقف الشيخ صاحب الرمح بين الطريق , و وضع كعب رمحه في الأرض و وقف الشابان عن يسار الطريق , و بقي صاحب الفرجية على الطريق , مقابلاً لي , ثم سلموا علي فرددت (عليم السلام) , فقال لي صاحب الفرجية : أتروح إلى أهلك غداً ؟

قلت : نعم , قال : تقدم حتى أبصر ما يوجعك .

قال : فكرهت ملامستهم , و قلت في نفسي : أهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة ,و أنا قد خرجت من الماس و قميصي مبلول . ثم إنني مع ذلك تقدمت إليه , فلزمني بيدي , و مدني إليه , و جعل يلمس جانبي من كتفي إلى أن أصابت يده التوثة . فعصرها بيده فأوجعني , ثم استوى في سرج فرسه كما كان فقال لي الشيخ : أفلحت يا إسماعيل !    

فتعجبت من معرفته بإسمي , فقلت : أفلحلنا و أفلحتم إن شاء الله , فقال : هذا هو الإمام , فتقدمت  إليه فاحتضنته و قبلت فخذه , ثم إنه ساق و أنا أمشي معه محتضنه فقال : ارجع , فقلت : لا أفارقك أبداً ! فقال : المصلحة رجوعك , فأعدت عليه مثل القول الأول , فقال الشيخ : ما تستحيي ! يقول لك الإمام مرتين : ارجع و تخالفه ؟!

فجبهني بهذا القول فوقفت , فتقم خطوات و التفت إلي و قال إذا وصلت بغداد فلا بد أن يطلبك يطلبك أبو جعفر , يعني الخليفة المستنصر فإذا حضرت عنده و أعطاك شيئاً فلا تأخذه , و قل لولدنا الرضي ليكتب بك إلى علي بن عوض , فإنني أوصيه يعطيك الذي تريد .

ثم سار و أصحابه معه , فلم أزل قائما أبصرهم حتى بعدوا , و حصل عندي أسف لمفارقته , فقعدت على الأرض ساعة , ثم مشيت إلى المشهد , فاجتمع القوام حولي و قالوا : نرى وجهك متغيرا , أوجعك شيء ؟ قلت : لا , قالوا : خاصمك احد ؟ قلت : لا , ليس عندي مما تقولون خبر لكن أسألكم : هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم , فقالوا : هم من الشرفاء أرباب الغنم فقلت : بل هو الإمام (عليه السلام) , فقالوا : الإمام هو الشيخ أو صاحب الفرجية ؟ فقلت : هو صاحب الفرجية , فقالوا : أريته المرض الذي فيك ؟ فقلت : هو قبضه بيده فأوجعني , ثم كشف رجلي فلم أرَ لذلك المرض أثراً , فتداخلني الشك من ألدهش , فأخرجت رجلي الأخرى فلم أرَ شيئاً , فانطبق الناس علي و مزقوا قميصي , فأدخلني القوّام خزانة و منعوا الناس عنّي .

و كان ناظر {بين النهرين} بالمشهد , فسمع الضجة و سأل عن الخبر فعرّفوه , فراح ليكتب الواقعة , و بتّ في المشهد , و صلّيت الصبح و خرجت , وخرج الناس معي إلي أن بعدت عن المشهد , فرجعوا عني , ووصلت إلى {أواني}(2) فبت بها و بكرت منها أريد بغداد , فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون كل من ورد عليهم عن اسمه و نسبه و أين كان , فسألوني عن اسمي و من تين جئت فعرفتهم , فاجتمعوا علي و مزقوا ثيابي , و كادت روحي تفارق مني الجسد . و كان ناظر {بين النهرين} كتب إلى بغداد و عرفهم الحال , و خرج السيد رضي الدين ومعه جماعة فردوا الناس عني , و سألني : أعنك يقولون ؟ قلت : نعم , فنزل عن دابّته و كشف فخذي فلم ير شيئاً , فغشي عليه ساعة , ثم انتبه فأخبرني أن الوزير طلبه و أدخلني على الوزير , و كان قيما , فقال له : يا  مولاي هذا أخي و اقرب الناس إلى قلبي .

فسألني الوزير عن القصة فحكيت له , فأحضر الأطباء الذين اشرفوا علتي فسألهم عنها وعن مداواتها فقالوا : ما داؤها إلا القطع , و متى قطعها مات , فقال : فبتقدير إن يقطع و لا يموت , في كم تبرا ؟ فقالوا : في شهرين , و يبقى في مكانها حضيرة  بيضاء لا ينبت فيها شعر, فسألهم الوزير: متى رأيتموه ؟ قال منذ عشرة أيام ,فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الألم فإذا هي مثل أختها ليس فيها اثر أصلاً .

فصاح احد الأطباء و كان ـ نصرانيا ـ هذا و الله من عمل المسيح ! فقال الوزير : حيث لم يكن عملكم فنحن نعرف من عملها .

ثم إن الوزير بعث بي إلى الخليفة المستنصر , فسألني عن القصة فعرفته بها كما جرت , فتقدم لي بألف دينار  فقال : خذ هذه فأنفقها , فقلت : ما أجسر اخذ منها حبة واحدة , فقال :ممن تخاف ؟ فقلت :من الذي فعل بي هذا قال  لي : لا تأخذ من أبي جعفر شيئا , فبكى الخليفة , وخرجت من عنده و لم آخذ شيئا .

يقول صاحب (كشف الغمة) : كان من محاسن ما اتفق لي أني كنت يوما أحكي هذه القصة لجماعة عندي , و كان شمس الدين محمد ولد إسماعيل عندي و أنا لا اعرفه , فلما انقضت الحكاية قال : أنا ولده لصلبه فعجبت من هذا الاتفاق و قلت له : هل رأيت فخذه, و هي مريضة ؟, فقال لا , فقد كنت صغيرا , و لكني رايتها بعدما صلحت , و لا اثر فيها , و قد نبت في موضعها شعر, و كان أبي يحضر إلى بغداد كل سنة و يزور سر من رأى كل يوم من إقامته هناك علة يفوز برؤيته (عليه السلام) فلم يكتب له ذلك , و قد زار سامراء أربعين مرة , ثم مات رحمه الله بحسرته .  


 

الهوامش:


(1) التوثة : لحمة متدلية كالتوت , قد تكون  حمراء , و قد تصير سوداء .

(2) أواني : بالألف المقصورة : بلدة في ناحية بغداد . 

مصدر القصة: كتاب أروع القصص في من رأى المهدي عليه السلام في غيبته الكبرى للشيخ ماجد ناصر الزبيدي