السادسة: ورد في تضاعيف الحكاية أن الرجل الشيخ النير القلب قد أنبأ بوقت وفاته. والسؤال الذي قد يتبادر هنا هو: أيمكن لأحد أن يكون على علم بلحظة وفاته.. والله (سبحانه وتعالى) يقول:  (وما تدري نفس بأي ارض تموت)(1)؟

والجواب عن هذا السؤال.. هو أن الاطلاع على وقت الموت مما يرتبط بوقائع المستقبل. واذ ان وقائع المستقبل تحتمل (البداء) فانها داخلة – اذن – في مضمون الآية الشريفة:  (يمحو الله ما يشاء ويثبت)(2) ولهذا لا يغدون في وسعنا الركون إلى معرفة وقت الوفاة معرفة قطعية يكون هذه الوقت فيها من المحتوم المقطوع بحدوثه.. اللهم إلا إذا كان هذا الاطلاع عن طرق الالهام، أو كان وعداً من الله (تعالى) لا يتخلف. وبناء على أن الدنيا هي سجن للمؤمن، وأن الوعد لمؤمن بوقت وفاته وتحرره من هذا السجن، وعد إلهي لا يتخلف (لا يخلف الله وعده)(3).. فمن غير المستبعد أذن أن يطلع أولياء الله حتى على لحظة الوفاة. ولا تبدو هناك منافاة بين هذا المعنى والآية الكريمة المذكورة آنفاً ؛ إذ الآية الشريفة تنفي العلم بمكان وقوع الموت بغير طريق الاخبار الإلهي.

وفي هذا الصدد.. أعرف عالماً كان يصعد المنبر في مسجد (كوهرشاد)، اسمه الشيخ اسماعيل الترك. في أحد الأيام سمعته يقول على المنبر: سأموت بعد شهر، في يوم الخميس. وسجلت عندي هذا التاريخ.. ثم أني أنسيتُ هذا الموضوع. وبعد شهر قيل لي: أن الشيخ اسماعيل الترك قد توفى. وهرعت إلى التاريخ الذي كنت قد سجلته.. فإذا هو قد توفى في نفس اليوم الذي ذكره قبل شهر من الزمان.

والأمر مماثل لما حدث للمرحوم والدي ؛ فإنه أخبرني بموعد وفاته قبل أسبوعين من تأريخ الوفاة – كما بينت ذلك في كتاب (معراج الروح).

ومثله ما رواه ثقاة عن الحاج مؤمن في شيراز أنه قال: في إحدى غرف مسجد (سردزك) كان يسكن سيد جليل اسمه (سيد علي الخرساني). وكان هذا الرجل كثير العبادة والمناجاة. وقبل أسبوع من وفاته قال لي: سأفارق الدنيا سحر ليلة الجمعة الآتية، فتعال إلى ليلة الجمعة ؛ فأن لي معك شغلاً.

وذهبت إليه في الليلة الموعودة، فرأيته قد وضع على النار أناء فيه مقدار من الحليب. ولما جلست أنزل الحليب، وشرب منه مقدار فنجانين وناولني الباقي قائلاً: اشرب أنت، فأنا قد شربت. ثم قال: الليلة وفاتي. وينبغي أن يتعهد سيد هاشم (امام جماعة المسجد) أمر جنازتي والصلاة عليها. غداً يأتي (فلان) ليتبرع بثمن كفني.. فلا تقبل. ولكن أقبل ثمن الكفن إذا تطوع به الحاج جلال القناد، ووافق أن يتولى تكفيني ودفني من ماله الخاص.

وبعد أن أخبر سيد علي الخرساني هذا بما يهمه من وصاياه جلس مستقبلاً القبلة، وطفق يقرأ القرآن. وظل يقرأ حتى دنا وقت السحر، وأنا جالس إلى جانبه أقرأ معه القرآن. وعلى حين غرة رأيت عينيه تحدقان باتجاه القبلة وهو يقول: لا إله إلا الله – كررها سريعاً مئة مرة. ثم أنه قام واقفاً بكل أدب وإجلال، وقال: السلام عليك يا جداه. وقال ما عبر به عن محبته ومودته للمعصومين (عليهم السلام).

بعد هذا جلس، ثم مدد رجليه نحو القبلة.. وهو يقول – يكررها مرات:  (يا علي.. يا مولاي) و(كان المراد بالمولى هنا الامام بقية الله ارواحنا فداه). ثم أنه قال لي: أيها الشاب.. لا تنظر إلى عيني لئلا تخاف. الآن أرتاح، وأذهب إلى جوار جدي. ثم أنه أغمض عينيه، وسكت. وفي لحظة واحدة فارقت روحه الدنيا – رحمة الله عليه.

محبة الامام محبة لله:

المحبه لاولياء الله من الصفات الانسانيه الحميده.. وخاصه حين تتوجه هذه المحبه الى مركز دائرة الامكان الامام بقيه الله (ارواحنا فداه) وكلما ازدادت محبه الانسان لمقام ولى العصر المقدس (عليه السلام) كانت انسانيه هذا الانسان أقرب الى الكمال ذلك أن المحبه للامام(عليه السلام) هي نفسها المحبه لله (تعالى) وقد ورد في نص" الزياره الجامعه" الشريفه:" من احبكم فقد احب الله" وجاء في الايه_165"من سوره البقره:: " والذين آمنوا اشد حباً لله" كبار السن في مدينه الري يعرفون اسكافياً توفي سنه(1365ه) كان ذا كرامات كثيرة... وكان اولياء الله يقصدونه في دكانه ليستمدوا منه المعنويات.

اسم هذا الرجل المتأله (مشهدى امام علي القفقازى) وقد ذكر حجة الاسلام الشيخ محمد شريف الرازى – الذى كان على معرفه به وروى عدداً من كراماته- ان هذا الرجل كان على درجه من العشق والمحبه للامام بقيه الله (روحى وارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء) بحيث ان من يعاشره ساعه واحدة يشعر انه قد تغير من الداخل ويتلقى منه درساً في العشق والمحبه لايجده في ايه مدرسه ولقد كان من مزاياه ان له ملكت نفسيه وصفات روحيه وانسانيه رائعه فلقد افلح في تزكيه نفسه وصار في منأى عن الصفات الحيوانيه.

كان يجلس في دكانه على دكه خشبية.. يضع تحتها كل ماكان يحصل عليه من النقود في حرفته تلك..واذا ما اراد منه احد شيئاً من النقود فانه كان يمد يده تحت دكته ويخرج له ما يحتاج ويعطيه. وطالما تعمد اصدقاؤه لايام عديدة ان يراقبوا مقدار المال الذي يضعه هناك ومقدار ماينفق منه.. ولقد دهشوا اذ لاحظوا عشرات المرات ان النقود التي يخرجها من تحت الدكه –قياساً الى النقود التي يضعها- تبلغ عشرات الاضعاف. فاذا ماوضع في اليوم مئه تومان مثلاً فانه يخرج الف تومان قال الشيخ الرازى: ترك دكانه يوماً لشان له فنظرت الى ماتحت الدكه فما كان ثمه ولا ريال واحد (4) كان يفوز مرات ومرات بلقاء الامام بقيه الله (عليه السلام) وكان الناس يتناقلون وقائع مفصله للقاءاته.. ولان هذه النقول لم تكن بالدقه الكافيه فاني لااستطيع ان اورد وقائعه بالتفصيل. ولكن الذى لاريب فيه انه قد تشرف بلقاء الامام كثيراً وتلقى فيوضات جمه من هذا الوجود المقدس.

في احد الايام قصد استاذي المرحوم الحاج ملا اقجان مدينه الري لزيارة مرقد السيد عبدالعظيم الحسنى(عليه السلام) وهناك مر من امام دكان هذا الرجل وفي هذه الاثناء راى الحاج ملا آقاجان رجلايثب من الدكان ويحتضنه ويقبله فقال له الحاج ملا أقاجان: من انت؟! قال:مجنون بحب المولى بقيه الله (ارواحنا فداه).. ومنك أشم شذا عطر حبيبي قال له الحاج ملا آقاجان: صحيح... المجنون يأنس الى رؤية المجنون! ومنذ تلك اللحظة أنس احدهما بالآخر وصارا بعدها يقضيان ساعات على انفراد..يجلسان ويتحدثان عن معرفه الامام ولى العصر (ارواحنا فداه) وعن محبته وعشقه والشوق اليه.. ويغدوان مصداقا ًلعبارة: (يا أهل القلوب المفجوعة هلموا للبكاء) رحمة الله عليهما وقد قال المرحوم مشهدى امام خلال احد لقاءاته به (عليه السلام): ان كان الظهور غير قريب.. فخذونى من هذه الدنيا لاطاقه لى على الفراق اكثر من هذا ولذا وعد ان يغادر هذه الدار فى شهر رمضان المقبل وبعد سماعه هذه البشرى.. كان يخبر اصدقاءه بخبر وفاته حين يلتقى بهم خلال الاشهر التى سبقت شهر رمضان الموعود وفي منتصف شهر رمضان المبارك (1365ه)كانت روحه الطاهره تعرج الى العالم العلوي ودفن في مقبره (الفتيات الثلاث) بمدينه الري رحمه الله عليه.

المعارف الأصلية من منبع الولاية:

أفضل بركات التشرف بلقاء الإمام بقية الله (أرواحنا فداه).. أن يستمد المرء المعارف والحقائق والمعنويات من عين صافية، وهذا يحدو بمحبي إمام الزمان (عليه السلام) للسعي الحثيث –إذا وفقوا للقاء الإمام (عليه السلام) – ألا يتوانوا عن الاستمداد من هذه العين الصافية الامدادت الروحية وطلب الكمال. ويحدو بهم كذلك لأن يسعوا للتطهر من كل الشوائب والأدناس، فإن الإمام  (عليه السلام) قادر أن يوصل المرء –وبإشارة واحدة- إلى الكمالات المعنوية والمعارف الحقة فيترنّم عندها مخاطباً إمام الزمان (أرواحنا فداه)

سمع العارف وصفك من سجلات الكتب***وحكى ياقوت ثغرك عنك لي كل العجب

يقول أحد كبار العلماء من مراجع التقليد.. يأبى ذكر اسمه:

يقول سيّد من أهل العلم (وفي اعتقادي –من خلال دلائل معينة- أن هذا المرجع المحترم هو نفسه صاحب هذه الواقعة): من مدينة سامراء ذهبت مشياً على الأقدام لزيارة مرقد سيد محمد ابن الإمام الهادي عليه السلام.. الكائنة قبته ومزاره على بعد ثمانية فراسخ من سامراء، وفي أثناء سيري.. ضللت الطريق.. وآذاني الحر والظمأ، حتى وقعت على الأرض فاقد الوعي، ولم اعد أعي مما حولي شيئاً، ثم لما فتحت عيني بعدئذ فجأة، وجدت رأسي مستريحاً على ركبة رجل وهو يسقيني الماء، فشربت ماء لم أشرب مثله حتى الآن في حلاوته ولذته.

ثم أنه بسط سفرة فيها خبز فناولني عدة أرغفة.. وقال لي: يا سيد.. اغسل بدنك في هذا النهر لتبترد. قلت له: لا ماء هنا.. حتى أني قد أغمي علي من العطش، ووقعت على الأرض. ليس هنا من ماء.

قال: الآن.. انظر.. هذا نهر ماؤه طيب لذيذ.. يجري إلى جوارك. نظرت إلى الجهة التي أشار إليها، فرأيت إلى جنبي –على مسافة مترين أو ثلاثة أمتار- نهراً يجري رقراقاً.. أدهشني وجوده، فقلت في نفسي: نهر بهذه اللطافة إلى جنبي، وكدت أموت من العطش!!!

سألني هذا الرجل: يا سيد.. إلى أين وجهتك؟ قلت: أريد زيارة سيد محمد عليه السلام فقال: هذا حرم سيد محمد. وتطلعت إلى الموضع الذي أشار إليه.. فشاهدت قبه سيد محمد ظاهرة في حين كان الحرم الطاهر يبعد عدة فراسخ.

ومهما يكن.. فقد مشينا معاً باتجاه حرم سيد محمد عليه السلام.. وفي أثناء الطريق فطنت إلى أن هذا الرجل هو الإمام بقية الله روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء، فحفظت ما علمني إياه الإمام عليه السلام في مسيرنا من أمور، وهذه الأمور هي:

الأول: أكد الإمام عليه السلام كثيراً قوله: يا سيد.. اقرأ القرآن ما استطعت، ولعن الله القائلين بتحريف القرآن الواضعين الأحاديث في التحريف.

الثاني: اجعلوا تحت لسان الميت عقيقة كتبت عليها أسماء الأئمة عليهم السلام.

الثالث: أحسن إلى أمك وأبيك، وإذا كانا ميتين فصلهما بالخيرات والمبرات.

الرابع: أقصد العتبات المقدسة للأئمة الطاهرين عليهم السلام للزيارة ما استطعت، وزر كذلك قبور أبناء الأئمة وقبور الصلحاء.

الخامس: عليك باحترام السادة والذرية العلوية ما وسعك الاحترام، وعليك أنت أيضاً أن تعرف قدر انتسابك إلى أهل بيت الرسالة.. واشكر الله تعالى كثيراً على هذه النعمة التي أنعم بها عليك، فإن هذا النسب مبعث للسعادة والعزة لك في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

السادس: لا تدع صلاة الليل، وخذها باهتمام كبير، وقال عليه السلام: يا حسرة على أهل العلم الذين يرون أنفسهم مرتبطين بنا، ثم لا يواظبون على صلاة الليل.

السابع: لا تترك تسبيح الزهراء عليها السلام، ولا زيارة سيد الشهداء عليه السلام من القرب أو البعد.

الثامن: لا تدع قراءة خطبة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام التي خطبتها في مسجد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ولا خطبة (الشقشقية) لأمير المؤمنين عليه السلام ولا خطبة السيد زينب عليها السلام التي خطبتها في مجلس يزيد.

عند هذا الحد.. كنا قد بلغنا في مسيرنا قريباً من الحرم، وفجأة افتقدت الإمام عليه السلام إذ غاب عن بصري ووجدت نفسي بمفردي.

كنت قد سمعت هذه الواقعة من العالم الجليل المذكور، في أوان شبيبتي، وقد التزمت ببعض التعليمات الثمانية الآنفة الذكر اعتقاداً بصدورها من شفتي الإمام بقية الله عليه السلام –فجنيت منها فوائد جمة.. خاصة ما هو غير معروف منها بين عامة الناس، أو ما لا يولونه الاهتمام اللائق مثل زيارة مراقد أبناء الأئمة واحترام السادة.

شكر النعمة:

من الخصال التي ينبغي ان تتجلى في السالك إلى الله تعالى: أن يكون (شكوراً) يقدر ما يتقدم به الآخرون إليه من إحسان. والذين لا يقدرون إحسان الآخرين ولا يعيرونه اهتماماً، ولا تسمح لهم أنانيتهم أن يقيموا خدمات غيرهم لهم.. أنما هم أقرب إلى البهائم والأنعام. أن من لا يشكر المخلوق  لا يشكر الخالق، ذلك لأنه يفتقد (روحية الشكر)، فلا يتقدم عندئذ إلى الخالق (جلا وعلا) بالشكر.

وهذا يعني أن على الذين يريدون أن ينالوا القربة من الله تعالى.. أن يوجدوا في دواخلهم (روحية الشكر) ، وتقدير احسان الآخرين؛ فإن من الصفات الإلهية المتجلية في أولياء الله – لقربهم من الله جل جلاله – صفة (الشكور).

إن أولياء الله ليشكرون حتى الكفار الذين يولونهم خدمة ما.. فيجزونهم على خدمتهم هذه. كما يتبين من هذه الواقعة التي أسردها الآن:

يروي آية الله الشيخ محمد الرازي – أحد تلامذة المرحوم الشيخ محمد تقي البافقي في الأخلاق – هذه الحادثة.. يقول: كان أستاذنا المرحوم الشيخ البافقي قد أمر خاده الحاج عباس اليزدي أن يدع باب الدار متفوحاً خلال الليل، وألا يرد أحداً ألجأته الحاجة إلى المجيئ في جوف الليل. وأمره كذلك أن يوقظه في أية ساعة، إذا اقتضى الأمر.. لكيلا يرجع احد من باب داره خائباً.

وروى الحاج عباس اليزدي، فقال: كنت نائماً في منتصف إحدى الليالي، في غرفة مطلة على باحة دار الشيخ محمد تقي البافقي.. لما أيقظني في تلك الأثناء صوت وقع أقدام تخطو في داخل الباحة، فنهضت واقفاً على الفور. لاح لي شاب قد دخل الدار.. ووقفت في الباحة. مضيت إليه أسأله عما أقدمه في هذه الساعة من الليل، لكنه تلكأ في الجواب ؛ إذ لعل لسانه قد انعقد من الخوف، أو أنه لم يفهم ما قلت له بالفارسية (وقد تبين فيما بعد أنه عربي من بغداد). وقبل أن أقول له شيئاً.. سمعت صوت الشيخ البافقي يأتي من داخل غرفته قائلاً: يا حاج عباس.. أنه يونس الأرمني، جاء لشغل، فدله على مكاني.

دللته على مكان الشيخ، فدخل إليه في غرفته. وما أن رآه الشيخ حتى قال له بلا مقدمات: أهلاً وسهلاً.. تري أن تسلم؟ وأجاب الشاب بلا أخذ ورد: نعم، أتيت لأدخل في الإسلام.

عندئذ بادر الشيخ فشرح له الآداب والشرائط الخاصة بالدخول في الإسلام.. فأعلن الشاب إسلامه.

كان ما حدث – بالنسبة إليّ – أمرا ًغير عادي. سأله يونس هذا الذي أسلم آنفاً: ما حكايتك؟ وكيف اسلمت هكذا بلا مقدمات؟ ولم آثرت المجيئ في هذا الوقت من الليل؟

قال: أنا من بغداد، لدي حافلة شحن أنقل بها الحمولة ما بين المدن. وفي إحدى المرات كنت قد تحركت من بغداد قاصداً كربلاء. وفي الطريق رأيت رجلاً ذا شيبة واقعاً على جانب الجادة، وهو يكاد يموت من العطش. أوقفت الحافلة، ونزلت له.. فناولته مقداراً من الماء كان معي في زمزمية. ثم أركبته معي في السيارة ومضيت باتجاه كربلاء، وهو لا يدري أني مسيحي أرمني. ولما وصلنا ونزل.. قال لي: أذهب أيها الشاب.. أجرك على أبي الفضل العباس.

ثم أني ودعته ومضيت. وبعد أيام شحنت حمولة كان علي أن انقلها إلى طهران. وقد وصلت إلى طهران في أول ليلتي هذه. كنت متعباً من السفر، فخلدت إلى النوم. وفي عالم الرؤيا كأني في بيت، وسمعت طارقاً يطرق الباب. ولما فتحت الباب رأيت رجلاً على فرس.

قال لي: أنا أبوالفضل العباس.. جئت أعطيك حقظ الذي عليّ. قلت له: أي حق؟ قال: حق تعبك مع ذلك الرجل الأشيب. ثم قال: حين تستيقظ من النوم تذهب إلى مدينة (الري) حيث سيأخذك رجل – بدون أن تسأله – إلى دار الشيخ محمد تقي البافقي. فإذا صرت عند الشيخ، فأدخل في الإسلام. قلت: على عيني.

ثم ودعني وانصرف. عندها أفقت من النوم، وتوجهت تلقاء مزار السيد عبدالعظيم. وخلال الطريق لقيت رجلاً جليلاً، صعد معي في السيارة.. فدلني على دار الشيخ دون أن أسأله. وهكذا أسلمت.

ولما سألت المرحوم الشيخ محمد تقي البافقي: كيف عرفتموه وعلمتم أنه جاء ليسلم؟ قال: من أوصله إلى هنا (أي الامام الحجة أبن الحسن عليه السلام). هو الذي قال لي أنه سيأتي، وذكر لي أسمه وحاجته.

وان في هذه لدلالة على نهج أولياء الله في شكر من أحسن إليهم – ولو كان من غير المسلمين ؛ فإنهم قد أدخلوا أمره غير مسلم في السعادة الأبدية – أي التشرف بالاسلام – بسبب خدمة صغيرة سلفت منه. فإذا ما أردنا أن نرتقي درجة أخرى إلى الله وإلى أولياء الله – وبخاصة امام الزمان (عليه السلام) – وأن نفوز بالقربة والزلفى.. فإن علينا أن نكون شاكرين، وأن نقدر جهود الآخرين، وأن نتوجه بمزيد من الشكر للخالق والمخلوق.

كان حجة الإسلام والمسلمين السيد حسين النبوي من علماء بلدة (كركان). وكان من منتظري الامام بقية الله (ارواحنا فداه) ومن محبيه الصادقين. قد لقيته مراراً.

يقول هذا الرجل: كنت مواظباً على وِرد لي أدعو به، وهو:  اللهم أرِنا الطلعة الرشيدة. وكنت – بيني وبين نفسي – كثير الذكر للأمام (عليه السلام) لم أطلع على ذكري أحداً. وفي أحد الأيام جاءني إلى كركان رجل من طهران (و علمت فيما بعد أنه من أولياء الله)، فقال لي: قد تشرفت بلقاء الامام بقية الله (عليه السلام)، وهو (سلام الله عليه) يبلغك السلام ويقول: أنا شاكر لك كثرة ورود اسمي على لسانك، وانك لم تنسنى.

قبل حوالي عشر من السنين.. كان ثمة رجل خبيث يوقع الأذى بكثير من الصالحين، لما كان يمتلك في ذلك العهد (الملكي) من نفوذ. وقد أصابني أنا أيضاص منه أذى كثير.

وفي إحدى الليالي شكوته إلى الامام بقية الله (أرواحنا فداه) قلت: لم تأذن يا مولاي لمثل هذا الكافر الملحد أن يؤذي محبيك إلى هذا الحد؟ لم تبقيه حياً لا ترسله إلى عذا السعير؟

وفي الليلة ذاتها.. رأيت امام الزمان (عليه السلام) في عالم الرؤيا، فقال لي: عن قريب يدركه الموت، وتشتمل عليه الذلة. وقد تركناه حتى الآن يتمتع بنفوذه وعزته الظاهرية..لأنه ذكر اسمي في كتابه، فكان في هذا نشر له. فهو – لهذا – له حق علينا. ولأجل ألا يظل له في الآخرة أي حق على الله فيحترق في العذاب المحض.. فقد آتيناه أجره في الدنيا؛ لأنا لا نضيع أجر أحد.

و لما قعدت من النوم، وراجعت كتاب ذلك الرجل.. وجدت أن ما رأيت كان رؤيا صادقة. أي أن كان قد أورد اسم الامام (عليه السلام) مع أني اعتقد أنه لا يؤمن بالامام – فكان وسيلة لنشر اسمه (عليه السلام).

تلاوة الزيارة الجامعة بمحضر الإمام (عليه السلام):

لا ريب أن (الزيارة الجامعة) من أصح الزيارات التي يمكن أن تتلى في بيوت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أي في مزارات الأئمة الأطهار وفي مقامات أبنائهم (عليهم السلام).

إن هذا النص الشريف للزيارة يتضمن معرفة عالية بالامام وأهل بيت العصمة والطهر (صلوات الله عليهم اجمعين) وقد رُوي مراراً أن أناساً زاروا الامام بقية الله (ارواحنا فداه) بالزيارة الجامعة، وكان الامام (عليه السلام) يقر مضامينها ويؤيدها.

وإلى جوار ما في (الزيارة الجامعة) من معاني التأدب ازاء المقام المقدس للأئمة الطاهرين.. فان الزائر بها يعبر فيها عن محبته الفياضة لأهل البيت (عليهم السلام). و آية ذلك: العبارة التي تتكرر فيها دالة على التفدية والتضحية من قِبل من يتلو الزيارة، وهي:   (بأبي انتم وأمي وأهلي ومالي وأسرتي).

يقول أحد كبار العلماء – وقد تحفظ على ذكر اسمه في هذا الكتاب: كان ذلك اليوم يوم احد لما مضيت إلى الحرم الطاهر للامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام).

وفي داخل الحرم، عند جهة الاقدام المباركة.. رأيت رجلاً جالساً مستقبل القبلة. و لكن وضعه وتصرفه مما يبعث على النفرة منه. وكان لا مناص من الجلوس إلى جانبه، فما ثمة مكان خال غيره.

كنت في جلستي تلك أتوسل بامام العصر (عليه السلام) أن يمن عليّ بألطافه وأياديه.

المرء المجاور لي.. كان قد تناول آنفاً كتاب (مفاتيح الجنان) ليقرأ (الزيارة الجامعة). لكنه – على طباق سيرته الذميمة – قد استولى عليه الكسل والملل، ولم يقرأ من الزيارة أكثر من سطرين أو ثلاثة. دفع إلى كتاب (المفاتيح) وقام وانصرف. أما أنا فقد سرني ذلك، إذا لم أكن قد وجدت كتاباً من قبل أقرأ فيه الزيارة، وقد أصبح الكتاب الآن في يدي. ثم أن هذا الرجل قد ترك مجاورتي ومضى فصرت في طلاقة من ظلمة مجالسته.

ولم يكن قد خطر لي أن الله (عز وجل) قد أراد لي – في هذه الزيارة – أن أغدو موضع لفيض عظيم يتنزل عليّ.

في هذه الأثناء.. شاهدت سيداً جليلاً جالساً قربي عند الجدار. فما كان منّي إلى أن أمسكت بيده، وقبلتها. نظر إلىّ هذا السيد – وقد أدركت بعدئذ ادراكاً قطعياً أنه امام الزمان (عليه السلام). ثم غير مكانه وقعد في الموضع الذي خلا بانصراف ذلك الرجل.

سألني السّيد – أول الأمر – عن أحوالي.. وقال: من أين أتيت؟ فأجبته. ثم قال لي: الآن امام زمانك هنا، وأنت لا تعرفه؟!

 


 

 

الهوامش


(1) سورة لقمان: 34.

(2) سورة الرعد: 39.

(3) سورة الروم: 6.

(4) الريال اصغر وحدة في العملة الإيرانية. وكل عشرة ريالات تساوي توماناً واحداً.