كيف نشخص أمراض قلوبنا؟

والجواب:

أوّلاً: الإنسان وكما قال تعالى: (بَلِ الإِْنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ) (1) الإنسان أبصر الناس بنفسه، أبصر الناس بقلبه، يعرف ما في ذلك، فالإنسان بمعرفته بنفسه يكون قادراً على تشخيص الأمراض، وهناك أمور واضحة ليست صعبة، الإنسان يعرف نفسه أنه عصبي، أو حقود، أو هو إنسان محب للدنيا.

ثانياً: بعض الأحيان وفي بعض الصفات لا يقدر الإنسان أن يشخّص نفسه، تصبح هذه الصفات مخفيّة عنه، لماذا؟ لأنه غافل، ولأنه أحياناً يحيطه جو من المدح أو جو من الاعجاب، هذا الإنسان ينسى نفسه ويتصور أنه الوحيد الجيد البعيد من كل سوء ولا عيب فيه. هذا طبعاً من أضرار المديح الزائد.

لدينا في الروايات أنه يُكره للإنسان أن يمدح شخصاً بوجهه حتّى لا تغرر به كأنك تغطي على عيوبه. طبعاً هذا غير إعطاء الإنسان حقّه (من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق) (2) فالتقدير والشكر يجب أن يكون موجوداً، وهو غير المديح الزائد للناس بغير ما فيهم.

المتملقون أعداء الإنسان، لماذا؟ لأنهم يخفون عنه حقيقته، بينما الصديق الحقيقي هو الذي يريني نفسي في مرآة قلبه (المؤمن مرآة المؤمن) (3) هذا أسلوب من أساليب التعرّف على النفس وهو الاستعانة بالمؤمنين، أنظر إلى نفسي في مرآة أخي المؤمن، يعني أرجو أخي المؤمن الصادق المحب أن يخبرني بما عندي من عيوب (رحم الله من أهدى إلي عيوبي) (4) التعرف على النفس من خلال المؤمنين المخلصين، لا بالمتملقين به حالة الأطماع ويتفرقون عنه حالة الابتلاء.

ثالثاً: مراقبة النفس ومحاسبتها دائماً.

إن الله تبارك وتعالى لم يجعل النفس بلا حصانة، النفس أمّارة بالسوء، فيها نزوات فلم يتركها سدى، بل جعل فيها رقيباً من نفسها، هناك صمام أمان في داخل النفس (لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (5) النفس اللّوامة هي العنصر الرقيب الذي جعله الله في نفس كل أحد، كلّ منّا لديه نفس أمّارة بالسوء، وفي نفس الوقت أودع عنده نفساً لوّامة والتي نسميها الضمير أو الوجدان، عندما نقول هذا الإنسان ليس عنده ضمير يعني ليس عنده رقيب من نفسه على نفسه، ليس عنده نفس لوّامة، أو مخفية عنده، أو ميّتة.

إذاً بالنفس اللوّامة يستطيع الإنسان أن يراقب نفسه ويراقب أعماله وردود فعله، الإنسان كيف يكتشف الصفات؟ يكتشفها حينما يتعرض لمواقف معينة فيعلم أنه يحمل تلك الصفة.

لو فرضنا أنه اكتشف في مجال تخصصه أن زميلاً أو زميلة مثلاً يتفوق عليه في هذا المجال فَقُدّر لذلك وحصل على ما هو مخصص من جائزة أو منصب.

هنا يستطيع الإنسان  أن يكتشف أنه هل هو سليم النفس من هذه الجهة أو لا، هل يغبط أو يحسد، يغبط يعني ماذا؟ يعني يحب الخير لصاحبه ويحبه لنفسه أيضاً، أما الحسد فيعني أنه يقول: لا، ليت هذا الشيء لي وليس لفلان.

الإنسان المؤمن إنسان متيقّظ لا  غافل، أعوذ بالله من الغفلة التي تجعل هذه الأمور تعبر وتمر دون أن يكتشفها الإنسان، بينما التيقظ هو الذي يستطيع به الإنسان أن يكتشف دواخل نفسه.

الإنسان إذا التزم برقابة نفسه استنصح الأخوة المؤمنين، يحاول دائماً أن يجعل هذه النفس تحت المجهر، حينئذ سيصل إلى نتيجة وهي أنه معرض للمشاكل والأمراض وأنّ بإمكانه أن يسجلها ويحصيها، فإذا فعل ذلك حينئذ تبدأ مرحلة العلاج والمداواة.

ملاحظة هامّة:

حينما نقول أنّ تشخيص المرض هو المرحلة الأولى فليس معناه أنه نبقى في المرحلة الأولى حتّى نشخص كل الأمراض نشخصها ثمّ نبدأ بالعلاج، القضية ليس فيها ترتب زمني، بل هذه المراحل زمنياً متوازية في نفس اللحظة وفي نفس اليوم، أنت حينما تكتشف مرضاً فالمفروض أن تعالج هذا المرض، صحيح أن عملية التزكية على مراحل، لكن لا يتوهم أن هذه المراحل مترتبة زمنياً، لا، بل هي متوازية زمنياً، مرحلة اكتشاف المرض متزامنة مع مرحلة العلاج.

الخطوة الثانية: علاج المرض القلبي:

إذاً نبدأ بالعلاج، وأيضاً علينا أن نسأل من أين نبدأ بالعلاج، ومن أين نأخذ العلاج؟

العلاج كما ذكرنا في الأحاديث السابقة ينبغي أن يؤخذ من مصدره الأساس، ما دامت المسألة روحيّة وقلبيّة لا بدّ أن تؤخذ من أطبّاء القلوب وأطباء النفوس والأرواح الذين عندهم شهادة تخوّلهم بذلك، ولا أحد من البشر يملك ذلك إلاّ أهل البيت عليهم السلام والأنبياء والحجج الذين جعل الله ذلك لهم وجعل نفوس الخلق طيّعة في أيديهم، وجعلهم مطّلعين على ما في قلوب الناس، هؤلاء هم الأطباء.

إذاً علمنا إلى أين نذهب لأخذ العلاج، بعد ذلك نسلّم أنفسنا إليهم، وليس لدينا أيّة نظرية، وإنما تكون نظريتهم وما يوجهون إليه عليهم السلام، هو الدواء الوحيد, فهم الأيدي الأمينة الربّانية.

طريقة أهل البيت عليهم السلام في العلاج:

لنرى توجيهات أئمّتنا عليهم السلام في هذا المجال:

الطبيب عادة يعطي الجرعة المناسبة في الوقت المناسب بشكل يؤدي إلى النتيجة المطلوبة، أما إذا زادت الجرعة عن تحمل المريض فإنه سيموت أو يتعرض لمضاعفات.

أهل البيت عليهم السلام يعطون الدواء جرعات بحسب مستويات الناس.

في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام يقول: اجتهدت في العبادة وأنا شاب، فقال لي أبي: (يا بنيّ دون ما أراك تصنع، فإن الله عز وجل إذا أحب عبداً أدخله الجنّة ورضي منه باليسير).(6)

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عليّ إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض نفسك إلى عبادة ربك، فإن المُنبَت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع).(7)

ما معنى المنبت؟ المنبت: هو المنقطع، المنبت هو الذي يركب الفرس (مثلاً) من الكوفة يريد أن يصل المدينة، فإذا كانت المسافة بين الكوفة والمدينة تقطع بثلاثة أيّام بشكل طبيعي مع استراحة مع إطعام للدابة إلخ، هذا الرجل يريد أن يقطع المسافة بيوم واحد، فيقول الإمام: لا تكن كذلك، لماذا؟

لأن هذه الدابة ستموت إذا لم ترحها وتسقها في الطريق، فتجد نفسك واقفاً في الطريق لا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقيت، الظهر يعني الدابة، فالإمام يضرب هذا المثل: (لا تكن كالمنبت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع)، هذا الدرس نستفيد منه في كل مجالات علاج الأمراض، فعندما يريد الإنسان أن يعالج نفسه من شيء لا يهلك نفسه لا يقسو على نفسه، بعض الناس يريد أن يعالج نفسه فيلزم نفسه بتكاليف ثقيلة جداً وكأنه يريد أن ينتقم من نفسه. هذا خطأ، إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، هذه الرواية جميلة وتشير إلى شيء، وهو أن هذا الدين محكم، فمن أراد أن يسير إليه فليسر إليه برفق. النفس الإنسانية لها إقبال ولها إدبار، العنف يجعلها تدبر، العنف يجعلها كالمنبت والمنقطع.

هذا أسلوب لأهل البيت عليهم السلام يمكن أن نسميه: (أسلوب الجرعات).

نحن عندما نبدأ نتعرّف على الأمراض ونريد أن نعالجها علينا أن نعالجها تدريجياً، ولا نتوقع من العلاج أن يشفينا من هذا المرض بيوم أو في شهر، علينا أن نكون ذوي صبر وتحمل حتّى نصل إلى النتيجة.

إذاً الأمر الأوّل هو الرفق الذي (لم يوضع في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه).(8)

في موضوع التزكية ينبغي أن نكون رفقاء على أنفسنا، يرجع الإنسان إلى روايات أهل البيت عليهم السلام وهي في هذا المجال كثيرة، الإنسان الذي يلتزم بمراجعة الروايات يجد تفاعلاً خاصاً معها، لأنها صادرة من معدن الوحي والتنزيل.

هذا أسلوب، أما الأمر الثاني فهو طبعاً الآيات الكريمة فإن فيها ما يرشد إلى ذلك، وقصص القرآن الكريم مليئة بالعبر، ففيها ما يرشد إلى مساوئ الحقد والحسد والتجبر والتكبر والخيانة وما إلى ذلك، مثلاً: قصة زليخا وما فعلته، حيث كانت تظن أنها رابحة، فوصلت إلى نتيجة أودت بها إلى حال بحيث أصبحت فقيرة عجوز تجلس في طريق يوسف تستجدي الرحمة والعطف، هذا درس، وهكذا فرعون تجبّره وتكبره جعله بالنتيجة جسداً مرمياً على الشاطئ (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً).(9)

أنجاه ببدنه ليكون آية، يريد أن يراه الناس الذين أرعبهم فرعون أربعين سنة وادعى عليهم الربوبية وإذا به مرمي على الشاطئ ليس له قيمة. مصير التكبّر هو هذا، وهكذا مصير قارون الذي خرج بأمواله وموكبه العجيب الذي كان يرعب الناس، بحيث بعض الناس كادوا أن يخرجوا من دينهم عندما نظروا إلى قارون وأمواله (يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ) (10) لكن قارون كان يعتقد أن هذا من عنده (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) لأنه كان يعتقد أنه بذكائه حصل على ما حصل، الله جعل عاقبته أن خسف به وبماله الأرض.

فالإنسان المؤمن عندما يقرأ هذه العبر يعرف أن هذه الصفة التي يحملها لا تؤدي إلى نتيجة. من هنا يستفيد الإنسان شيئاً آخر وهو أن قصص الناس العادية وهذا التاريخ البشري الآن مليء بالعبر، قراءة التاريخ مفيدة. التاريخ ليس تخصصاً علمياً فقط، بل هو عبرة للناس. ففي كل قصة من قصص البشر عبرة لنا ودرس، الحكمة تقول وقد كتبها أحد الطواغيت على قصره: (لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك) أو (ما وصلت إليك).

ما معنى هذا؟ معناه أنه لو دام الملك لغيرك لبقي ذلك للغير ولم تكن النوبة تصل اليك، لكن نحن دائماً مع الأسف نغمض أعيننا عن عبر التاريخ.

من موارد العلاج:

1 _ الكتاب الكريم والروايات الشريفة بما تحمل من توجيهات وعبر وقصص.

2 _ التاريخ البشري: هذه العبر أمامك تملأ تاريخ حياتنا التي نعيشها الآن.

من الأنحاء أيضاً المفيدة في العلاج هو: إلزام النفس بالعكس، يعني إذا دعتني مشاعر الحسد إلى احتقار صاحبي فعليّ أن أقاوم ذلك الشعور وألزم نفسي باحترامه وأظهر له الاحترام عملياً، أجبر نفسي على ذلك.

قصة جميلة وعبرة بالغة:

بعض علمائنا كان جالساً في مجلس علم في ضمن مجموعة من العلماء، فجرى حديث علمي بينه وبين أحدهم، الحديث العلمي كان في مسألة شرعية فأصبحت مورد نقاش، نقاش ليس فيه سوء الا أن ذلك الرجل الثاني بدرت منه كلمة، قال له: شيخنا ما هذا الحديث أنت رجل ليس عملك هذا، وكان في كلامه نوع من الإهانة، هذا الشخص سكت وتأمل لحظات، يقول: خاطبت نفسي وقلت لها: يا نفس أهذا الذي تريدين؟ سولت لي النقاش حتّى سمعت هذه الإهانة، سأريك أكثر من ذلك (مخاطباً نفسه) سأذبحك على محراب التواضع، قام من مكانه واتجه إلى ذلك العالم الذي هو المعتدي وهو الخاطئ وأخذ يده وقبلها ورجع إلى مكانه.

هذا هو غاية التواضع، غاية جهاد النفس، وحينما رجع إلى مجلسه وانفضّ المجلس إلى خير، أتى إليه جماعته وقالوا: شيخنا لم فعلت ذلك؟ أنت على حقّ وهو المخطأ، فحدّثهم بالقصة وقال لهم: أنا أردت أن أعاقب نفسي لأنها انجرت إلى الجدال أكثر مما ينبغي، وأردت أن أذبح هذه النفس المتكبّرة على محراب التواضع.

هذه الحالة _ حالة إجبار النفس على عكس الشعور الداخلي _ هو الذي يربّي ويروض النفس على الصفة الصالحة ويبعدها عن الرذيلة، فمن يشعر بحسد اتجاه أحد فعليه أن يلزم نفسه باحترامه أكثر، ومن يشعر تجاه أحد بحقد فعليه أن يجبر نفسه على حب ذلك الشخص.

مناشئ الحقد:

لنقف عند هذه القضية قليلاً:

الحقد والكراهية قد تنشأ من مناشئ عديدة، لكنها كنتيجة شيء مظلم في القلب كيف يستطيع الإنسان أن يتخلص من هذا الظلام؟ دائماً ولا بدّ أن تكون في الإنسان نقطة حقّ، تأمل في شخصيته فهو إنسان مؤمن (طبعاً نحن لا نتحدث عن من يستحق الحقد) مثل أعداء الله ورسوله، كلامنا عن المؤمنين، في الجو الإيماني لا ينبغي لأحد أن يحقد على أحد، أو يبغض أحداً، حاول أن تجد في شخصية المقابل نقطة ولو واحدة مضيئة، ومن تلك النقطة سوف تحبه وتشعر بالود إزائه.

ليس هناك إنسان لا يحمل صفة ليس فيها خير، ولو بملاحظته خلال أيّام أو معاشرة تكتشف فيه صفات جيدة، بل لعل العلاقة تصبح  حميمة جداً (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (11) من أين تأتي هذه العلاقة وهذه المحبة؟ من التعرف على الآخرين من جهة الحسن، من الجهات الأيجابية، نعم أنت تقدر أن تقول في فلان وفلان كذا سلبيات لكن نقول: عدّد إيجابياته، حاول أن تكتشف في الناس نقاط إيجابياتهم ونقاط الحسن فيهم، ولا تنظر إلى القبح فتبقى دائماً في دوامة الحقد، وسوف تعيش في جهنم دائماً إلى أن تموت. الإنسان يدرك السوء لكن يحمله على محامل حسنة، البشر ناقصون خطّاءون، حاول أن تفتح عينا أخرى على المحاسن فستجد في كل أحد محاسن، ليس هناك إنسان يخلو من محاسن.

هذا أيضاً أسلوب من أساليب قلع الحقد من القلب.

القلب سوف يتبدَّل إلى قبول للناس، إلى استيعاب للناس، إلى معايشة مع الناس وتحمل للآخرين، واعلم أنك مثلما أنت الآن مدعو إلى تحمّل الناس، فالناس أيضاً مدعوون إلى ذلك، لا تعتقد أنك مبرئ من العيوب.

الذكرى تنفع المؤمنين:

من الأمور المؤثرة أيضاً التذكرة (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (12) دائماً يحاول الإنسان أن يسمع المواعظ ويقرأها، فإن المواعظ مثل الماء الذي يسقي النبتة، النبتة إذا بذرت تحتاج إلى مداراة حتّى تكبر وتثمر وتصبح شجرة، فالسقي لنبتة الصلاح في القلب، السقي الدائم لها هو الاستمرار في قراءة المواعظ وسماعها.

في نهاية حديثنا نقول: أننا تحدّثنا عن أسلوب أهل البيت عليهم السلام، وتحدّثنا عن المراحل العملية للتزكية التي هي مراحل تبدأ بالتعرف على المرض ثمّ بعلاجه رجوعاً إلى أهل البيت عليهم السلام.

العوامل المساعدة في التزكية:

هنا عوامل مساعدة للتزكية من أهمها: العامل الأوّل كثرة زيارة الأئمّة الأطهار عليهم السلام التي تعين الإنسان على سلوك هذا الطريق وتصفية باطنه. ومنها: التواصل الروحي معهم، لأن مثل ذلك مثل إنسان يتواصل مع طبيب روحي، فهؤلاء هم أطباء النفوس، وهؤلاء أطباء ليس فقط يعطوننا دواءاً نتناوله، وإنما نفوسهم دواء لنا، والتواصل مع نفس المعصوم دواء لنا، لماذا؟

لأنك حينما تدخل إلى حرم المعصوم فهناك تتكون عندك عدة أمور:

أوّلاً: حضورك هناك يستحق الاكرام، ثانياً: حضورك مع الوعي (تزوره عارفاً بحقه)، أدخل لزيارة أمير المؤمنين عليه السلام استحضر هذا الرجل الذي عاش في هذه الديار النجف والكوفة كخليفة للمسلمين، إماماً عليهم، أباً للأيتام والأرامل، عاش كحاكم أرأف ما يكون بالناس، كبطل قام الإسلام بسيفه، حينما تزور زيارة من هذا القبيل تكون قد تواصلت روحياً مع الإمام، يعني فتحت طريقاً بينك وبين قلب الإمام، السعيد من يوفق لذلك.

بعض العلماء يروي أنه رأى في المنام ضريح الإمام الحسين عليه السلام مليئا بالزوار، إلاّ أن هؤلاء الناس على غير أشكالهم وصورهم، بحسب صفاتهم، بحسب أمراضهم النفسية، يقول: لكني أراهم يدخلون باباً إلى الإمام الحسين عليه السلام بأشكال كريهة، ويخرجون من تلك الباب الأخرى بعد تمام زيارتهم بشراً أسوياء كُمّل.

الأثر الذي يحصل عليه الإنسان من زيارة أبي عبد الله عليه السلام هو أنه وكرامة من الله وحباً للحسين عليه السلام يخرج من قبر الحسين وقد غفرت ذنوبه ويرجع إلى أهله كيوم ولدته أمه.

العامل الثاني المساعد على ذلك: هو أن يكون لك من هو عون في طريق الله ومساعد، يعني حبذا أن يكون للإنسان رفيق يعينه على تذكرة نفسه، ويعينه على الطاعة على العبادة وعلى التزكية ويذكره بالأخطاء، الناصح المحب الذي لا يرضى لك أن تكون من أصحاب النار، والسعيد السعيد من حصل على شيء من هذا القبيل.

والحمد لله رب العالمين

*   *   *

 

 

 

الهوامش


(1) القيامة: 14 و15.

(2) عن الرضا عليه السلام قال: (من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله عز وجل). أنظر: عيون الأخبار 1: 27/ باب 31/ ح 2.

(3) من كلام لأمير المؤمنين عليه السلام: (يا كميل، المؤمن مرآة المؤمن، لأنه يتأمله فيسد فاقته ويجمل حالته... ). أنظر: تحف العقول/ ابن شعبة: 173.

(4) عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (أحب إخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي). أنظر: الكافي/ الكليني 2: 639؛ تحف العقول/ ابن شعبة: 366.

(5) القيامة: 2.

(6) الكافي/ الكليني 2: 87/ (باب الاقتصاد في العبادة)/ ح 5.

(7) الكافي/ الكليني 2: 87/ ح 6.

(8) الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنظر: الكافي/ الكيني 2: 119/ (باب الرفق)/ ح 6.

(9) يونس: 92.

(10) القصص: 79.

(11) فصلت: 34.

(12) الذاريات: 55.