| |
 |
فمنها: ما في(فرائد السمطين)
عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:(قدم يهودي
يقال له مغثل، فقال: يا محمد أسألك عن أشياء، تلجج في
صدري منذ حين، فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك. قال:
سل يا أبا عمارة، فقال: يا محمد صف لي ربك، فقال صلى
الله عليه وآله: لا يوصف إلا بما يوصف به، وكيف يوصف
الخالق الذي تعجز العقول أن تدركه، والأوهام أن تناله،
والخطرات أن تحده، والأبصار أن تحيط به، جل وعلا عما
يصفه الواصفون، ناء في قربه. وقريب في نأيه، هو كيف
الكيف، وأين الأين، فلا يقال له: أين هو ؟ وهو منقطع
الكيفية والأينونية، فهو الأحد الصمد كما وصف نفسه،
والواصفون لا يبلغون نعته، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن
له كفوا أحد. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن قولك: أنه
واحد لا شبيه له، أليس الله واحد، والإنسان واحد ؟
فقال صلى الله عليه وآله: - الله عز وعلا، واحد حقيقي
أحدي المعنى، أي لا جزء ولا تركب له، والإنسان واحد
ثنائي المعنى، مركب من روح وبدن، قال: صدقت. فأخبرني
عن وصيك من هو ؟ فما من نبي، إلا وله وصي وأن نبينا
موسى بن عمران، أوصى يوشع بن نون. فقال صلى الله عليه
وآله: إن وصيي علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن
والحسين، تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين قال: يا محمد
فسمهم لي. فقال صلى الله عليه وآله إذا مضى الحسين
فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى محمد
فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى مضى
موسى فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى
محمد فابنه علي فإذا مضى علي فابنه الحسن، فإذا مضى
الحسن فابنه الحجة محمد المهدي. فهؤلاء الاثنا عشر:
قال: أخبرني كيفية موت علي والحسن والحسين: قال صلى
الله عليه وآله: يقتل علي بضربة على قرنه، والحسن يقتل
بالسم، والحسين يذبح، قال: فأين مكانهم ؟ قال: الجنة
في درجتي. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول
الله، وأشهد أنهم الأوصياء بعدك ولقد وجدت في كتب
الأنبياء المتقدمة وفيما عهد إلينا موسى بن عمران عليه
السلام أنه إذا كان آخر الزمان، يخرج نبي يقال له:
أحمد، ومحمد، هو خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، فيكون
أوصياؤه بعد اثني عشر، أولهم ابن عمه وختنه، والثاني
والثالث كانا أخوين من ولده، ويقتل أمة النبي، الأول
بالسيف، والثاني بالسم، والثالث مع جماعة من أهل بيته
بالسيف والعطش في موضع الغربة، فهو كولد الغنم يذبح
ويصبر على القتل، لرفع درجاته، ودرجات أهل بيته
وذريته، ولا خراج محبيه وأتباعه من النار، وتسعة
الأوصياء منهم، من أولاد الثالث، فهؤلاء الاثنا عشر
عدد الأسباط. قال صلى الله عليه وآله: أتعرف الأسباط ؟
قال نعم، إنهم كانوا اثني عشر، أولهم لاوي بن برخيا،
وهو الذي غاب عن بني إسرائيل غيبة ثم عاد، فأظهر الله
به شريعته بعد اندراسها، وقاتل قرسطيا الملك، حتى قتل
الملك. قال صلى الله عليه وآله: كائن في أمتي ما كان
في بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة. وأن
الثاني عشر من ولدي يغيب حتى لا يرى، ويأتي على أمتي
بزمن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن
إلا رسمه، فحينئذ يأذن الله تبارك وتعالى له بالخروج،
فيظهر الله الإسلام به، ويجدده، طوبى لمن أحبهم
وتبعهم، والويل لمن أبغضهم وخالفهم، وطوبى لمن تمسك
بهداهم، فأنشأ مغثل شعرا:
|
صلى الإله ذو العلى |
|
عليك يا خير البشر |
|
أنت النبي المصطفى |
|
والهاشمي المفتخر |
|
بكم هدانا ربنا |
|
وفيك نرجو ما أمر |
|
ومعشر سميتهم |
|
أئمة اثنا عشر |
|
حباهم رب العلى |
|
ثم اصطفاهم من كدر |
|
قد فاز من والاهم |
|
وخاف من عادى الزهر |
|
آخرهم يسقي الظما |
|
وهو الإمام المنتظر |
|
من كان عنهم معرضا |
|
فسوف تصلاه سقر |
منها: ما ذكره السيد جمال الدين عطاء الله ابن السيد
غياث الدين فضل الله في كتابه (روضة الأحباب): -(از
جابر بن يزيد الجعفي مرويست كه كفت: شنيدم از جابر بن
عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، كه ميكفت: كه چون
ايزد متعال نازل كردانيد بر پيغمبر خود أين ايه(يا
أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
الأمر منكم) كفتم يا رسول الله: مي شناسيم ما خدا
ورسول اورا، پس كيستند أصحاب أمر ؟ كه خدا يتعالى
إطاعت إيشانرا قرين ساخته است به طاعت تو پس كفت رسول
الله صلى الله عليه وآله:(هم خلفائي من بعدي، أولهم
علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين
ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر - وستدركه
يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام - ثم الصادق
جعفر ابن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد
بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم حجة الله في
أرضه وبقيته في عباده: محمد بن الحسن بن علي، ذلك الذي
يفتح الله عز وجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها، وذلك
الذي يغيب عن شيعته وأوليائه، غيبة لا يبيت فيها على
القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان. جابر
كفت: كفتم يا رسول الله: أيا در غيبت إمام شيعه انتفاع
يا بند؟ فقال: أي والذي بعثني بالنبوة، إنهم يستضيؤون
بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس
بالشمس وإن علاها سحاب. أي جابر إن أسرار مكنونه الهي
است، پس پنهان دار انرا مكر از كسيكه أهل آن باشد).
الترجمة
(عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله
الأنصاري يقول: لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه
وآله وسلم (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم) قلت: يا رسول الله، عرفنا
الله عز وجل ورسوله، فمن أولو الأمر الذين قرن الله
طاعتهم بطاعتك ؟ قال: هم خلفائي، يا جابر، أئمة
المسلمين بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم
الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد ابن علي المعروف
بالتوراة بالباقر وستدركه يا جابر، فإذا أدركته فاقرأه
مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر،
ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم
الحسن بن علي. ثم سمي وكني حجة الله على أرضه، وبقيته
في عباده ابن الحسن بن علي. ذاك الذي يفتح الله تعالى
ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن
شيعته وأوليائه، غيبة لا يبيت فيها على القول بإمامته
إلا من امتحن الله قلبه للإيمان.
فقال جابر: فقلت: يا رسول الله، فهل ينتفع الشيعة به
في غيبته ؟ فقال أي والذي بعثني بالنبوة، إنهم
لينتفعون به، ويستضيؤون بنور ولايته كانتفاع الناس
بالشمس، وإن علاها السحاب. يا جابر، هذه أسرار مكنونة
إلهية فاكتمها إلا عن أهلها). ومنها: ما في(ينابيع
المودة) ص 327 عن جابر الجعفي قال: قلت للباقر رضي
الله عنه: يا بن رسول الله، إن قوما يقولون: إن الله
تعالى جعل الإمامة في عقب الحسن رضي الله عنه ! ! قال:
يا جابر(إن الأئمة هم الذين نص عليهم الرسول صلى الله
عليه وآله بإمامتهم، وهم اثنا عشر. وقال: لما أسري بي
إلى السماء وجدت أسماءهم مكتوبة على ساق العرش بالنور
اثني عشر اسما، أولهم علي وسبطاه وعلي ومحمد وجعفر
وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن ومحمد القائم الحجة
المهدي). ومنها: ما في ذلك الكتاب أيضا ص 430: - وقوله
تعالى: (والسماء ذات البروج). عن الأصبغ بن نباتة قال:
سمعت ابن عباس رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى
الله عليه وآله:(أنا السماء، وأما البروج فالأئمة من
بيتي وعترتي، أولهم علي وآخرهم المهدي وهم اثنا عشر).
ومنها: ما في ذلك الكتاب أيضا ص 442 عن كتاب(المناقب)
عن واثلة بن الأصقع بن قرخاب عن جابر بن عبد الله
الأنصاري قال:(دخل جندل بن جنادة ابن جبير اليهودي على
رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد، أخبرني
عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه الله.
فقال صلى الله عليه وآله: أما ما ليس لله. فليس لله
شريك وأما ما ليس عند الله. فليس عند الله ظلم العباد.
وأما ما لا يعلمه الله. فذلك قولكم يا معشر اليهود،: -
أن عزير ابن الله. والله لا يعلم أنه له ولد، بل يعلم
أنه مخلوقه وعبده، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله،
وأنك رسول الله حقا وصدقا ثم قال: إني رأيت البارحة في
النوم، موسى بن عمران عليه السلام فقال: يا جندل أسلم
على يد محمد خاتم الأنبياء، واستمسك أوصياءه من بعده،
فقلت: أسلم فلله الحمد أسلمت، وهداني بك، أخبرني يا
رسول الله عن أوصيائك من بعدك لا تمسك بهم، قال:
أوصيائي اثنا عشر، قال جندل: هكذا وجدناهم في التوراة.
وقال: يا رسول الله سمهم لي: فقال: أولهم سيد الأوصياء
أبو الأئمة على، ثم ابناه الحسن والحسين، فاستمسك بهم،
ولا يغرنك جهل الجاهلين، فإذا ولد علي بن الحسين زين
العابدين، يقضي الله عليك، ويكون آخر زادك من الدنيا
شربة لبن تشربه، قال جندل: وجدنا في التوراة، وفي كتب
الأنبياء عليهم السلام: إيليا وشبرا، وشبيرا، فهذه اسم
علي والحسن والحسين، فمن بعد الحسين ؟ وما أساميهم ؟
قال: إذا انقضت مدة الحسين، فالإمام ابنه علي ويلقب
بزين العابدين، فبعده ابنه محمد ويلقب بالباقر، فبعده
ابنه جعفر يدعى بالصادق، فبعده ابنه موسى يدعى
بالكاظم، فبعده ابنه على يدعي بالرضا، فبعده ابنه محمد
يدعي بالتقي والزكي، فبعده ابنه علي يدعي بالنقي
والهادي، فبعده ابنه الحسن يدعى بالعسكري، فبعده ابنه
محمد يدعى بالمهدي والقائم والحجة، فيغيب ثم يخرج،
فإذا خرج يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما،
طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبته،
أولئك الذين وصفهم الله في كتابه وقال:(هدى للمتقين
الذين يؤمنون بالغيب) ثم قال تعالى:(أولئك حزب الله
ألا إن حزب الله هم المفلحون) فقال جندل: الحمد لله
الذي وفقني بمعرفتهم).
وأما الزعم الخامس: - وهو إيجاب العصمة لهم عليهم
لسلام، فعندنا لكل من يتولى الرئاسة العامة في الدين
والدنيا واجبة له، وتلك الرئاسة خلافة عن النبي، قد
كانت حاصلة لأئمتنا الاثني عشر عليهم السلام كما
أثبتناه، فيلزمهم العصمة وكتبنا غاصة بالدلائل العقلية
والبراهين القطعية لهذا الزعم، ولما لم يك كتابنا هذا
يتسع لإيراد هذا الدلائل قد تركناه هنا، فمن أراد مزيد
الاطلاع فليرجع إلى كتبن،
ففيها ما ينفع الغلة، ويزيل العلة. وأما أهل السنة:
فمع أن أكثرهم لم يوجبوها للأنبياء أيضا - يعتقدون
بعصمة أئمتنا كما مضى فيما نقلناه عن علي أكبر بن أسد
الله الموؤدي في الكتاب. وله بحث طويل مشبع في
كتاب(دراسات اللبيب) للعالم العارف الكبير محمد معين
بن محمد أمين السندي، فليراجع.
(فوائد ثلاث)
الأولى: لو يشكل علينا أحد، إنا نقول: لما غاب إمامنا
الثاني عشر المنتظر كان سنه خمس سنين وكان صبيا لم
يبلغ الحلم، ومع ذلك نقول: أن الإمامة كانت حاصلة له
في ذلك السن، وهذا مما لا يمكن، إذ أقل مراتب الإمامة
والولاية: البلوغ والكمال. فجوابه: إن العقل لا يستبعد
عن الله عز وجل، أن يتخذ أحدا وليا ويجعله نبيا، أو
وصيا أو إماما للناس وهو صبي لم يبلغ الحلم، لأنه قادر
على إيجاد كل شئ ممكن، كما فعل بيحيى وعيسى، فمع
كونهما صبيين - بل الأخير كان رضيعا - آتاهما الحكمة
والعقل والكمال، وجعلهما نبيين كما تدل على رسالة يحيى
الآية الشريفة الفرقانية:(يا
يحيى خذ الكتاب بقوة، وآتيناه الحكم صبيا) وعلى
نبوة عيسى قوله تعالى:(قالوا
كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال أني عبد الله آتاني
الكتاب وجعلني نبيا)
فكذلك إمامنا الثاني عشر عجل الله فرجه، قد آتاه الله
الحكمة، وجعله إماما وهو صبي، ونذكر بملاءمة المقام
قول العلامة ابن حجر الذي يدل على أن محمدا ابن الحسن
العسكري(قد آتاه الله الحكمة في الصبا) لكي يدرأ شكوك
المتشككين، وهو في كتابه(الصواعق المحرقة) ص 124 ط مصر
في ذكر أبي محمد الحسن الخالص ابن علي عليه السلام ما
لفظه:(ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة، وعمره
عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة،
ويسمى القائم المنتظر، قيل: لأنه ستر بالمدينة وغاب،
فلم يعرف أين ذهب). الثانية: إن قال قائل: إذا فرضتم
أن محمدا ابن الحسن قد غاب، وهو باق إلى أن يجتمع
بعيسى بن مريم فهذا مما لا يعقل، لأنه يلزم أنه يعيش
أزيد من العمر الطبيعي(وأكثره مائة وعشرون سنة). فنقول
في جوابه: أن العقل لا يستطيع أن ينفي عيشة الإنسان
أزيد من العمر الطبيعي، كما عاش آدم، وشيث، ونوح،
وعيسى، وإلياس، وإدريس، والخضر، وابن عاد، ومهلائيل،
وحارث بن مضاض الجرهمي، وعمر الصيفي، وحارثة الكلبي،
وطي بن أدد، وعبيد بن الأبرص، وغير ذلك من المعمرين
كما يظهر لمن يرى(كتاب المعمرين)
لأبي حاتم السجستاني. ولا بأس لو ننقل بحثا طريفا
للمقتطف
يناسب هذا الموضوع، وهو هذا: (هل يخلد الإنسان في
الدنيا ؟ ما هي الحياة ؟ وما هو الموت ؟ وهل قدر الموت
على كل حي ؟ كل حبة حنطة جسم حي، وقد كانت في سنبلة،
والسنبلة نبتت من حبة أخرى، وهذه من سنبلة وهلم جرا
بالتسلسل، ويسهل استقصاء تاريخ القمح إلى ستة آلاف
سنة، أو أكثر، فقد وجدت حبوبه بين الآثار المصرية
والآشورية القديمة دلالة على أن المصريين والآشوريين
والأقدمين كانوا يزرعونه ويستغلونه، ويصنعون خبزهم من
دقيقه، والقمح الموجود الآن لم يخلق من لا شيء، بل هو
متسلسل من ذلك القمح القديم، فهو جزء حي من جزء حي من
جزء حي، وهلم جرا إلى ستة آلاف سنة أو سبعة، بل إلى
مئات الألوف من السنين، وحبوب القمح التي نراها ناشفة
لا تتحرك ولا تنمو هي في الحقيقة حية مثل كل حي، ولا
ينقصها الظهور دلائل الحياة إلا قليل من الماء، فحياة
القمح متصلة منذ ألوف من السنين إلى الآن، وهذا الحكم
يطلق على كل أنواع النبات ذوات البزور وذوات الأثمار.
وما الحيوان بخارج عن هذه القاعدة، فإن كل واحد من
الحشرات والأسماك والطيور والوحوش والدبابات، حتى
الإنسان سيد المخلوقات كان جزءا صغيرا من والديه، فنما
كما نميا وصار مثلهما، وهما من والديهما وهلم جرا،
والإنسان الذي يخلف نسلا يكون نسله جزءا حيا منه، كما
أن البزرة جزء من الشجرة. وهذا الجزء الحي تكون فيه
جراثيم صغيرة جدا، مثل الجراثيم التي كانت أعضاء
والديه، فتكون أعضاؤه بالغذاء الذي تتناوله وتمثله،
فتصير نواة التمر نخلة ذات جذوع وسعوف وعروق وتمر،
وبزرة الزيتون شجرة ذات ساق وأغصان وورق وثمر، وقس على
ذلك سائر أنواع النبات وكذا بيوض الحشرات والأسماك،
والطيور، والوحوش والدبابات، حتى الإنسان. وهذا كله من
الأمور المعروفة التي يختلف فيها اثنان، ولكن الشجرة
نفسها قد تعمر ألف سنة أو ألفي سنة، والإنسان لا يعمر
أكثر من سبعين أو ثمانين سنة وفي النادر يبلغ مائة
سنة، فالجراثيم المعدة لإخلاف النسل تبقى حية وتنمو
كما تقدم ولكن سائر أجزاء الجسم يموت كان الموت مقدور
عليه، وقد مرت القرون، والناس يحاولون التخلص من الموت
أو إطالة الأجل، ولا سيما في هذا العصر عصر مقاومة
الأمراض والآفات بالدواء والوقاية ولم يثبت على
التحقيق أن أحدا عاش فيه 120 سنة مثلا.
لكن العلماء الموثوق بعلمهم يقولون: أن كل الأنسجة
الرئيسية من جسم الحيوان تقبل البقاء إلى ما لا نهاية
له، وأنه في المكان أن يبقى الإنسان حيا ألوفا من
السنين، إذا لم تعرض عليه عوارض تصرم حبل حياته،
وقولهم هذا ليس مجرد ظن، بل هو نتيجة عملية مؤيدة
بالامتحان. فقد تمكن أحد الجراحين من قطع جزء من جسم
حيوان وإبقائه حيا أكثر من السنين التي يحياها ذلك
الحيوان عادة، أي صارت حياة ذلك الجزء مرتبطة بالغذاء
الذي يقدم لها بعد السنين التي يحياها، فصار في
الإمكان أن يعيش إلى الأبد ما دام الغذاء اللازم
موفورا له. وهذا الجراح هو(الدكتور الكس كارل) من
المشتغلين في معهد(ركفلر بنيويورك): وقد امتحن ذلك في
قطعة من جنين الدجاج، فبقيت تلك القطعة حية نامية أكثر
من ثمان سنوات، وهو وغيره امتحنا قطعا من أعضاء جسم
الإنسان من أعصابه وعضلاته وقلبه وجلده وكليتيه، فكانت
تبقى حية نامية ما دام الغذاء اللازم موفورا لها، حتى
قال الأستاذ(ديمندبرل) من أساتذة جامعة(جونس هبكنس):
(إن كل الأجزاء الخلوية الرئيسية من جسم الإنسان قد
ثبت إما أن خلودها بالقوة صار أمرا مثبتا بالامتحان أو
مرجحا ترجيحا تاما لطول ما عاشته حتى الآن). وهذا
القول غاية في الصراحة والأهمية على ما فيه من التحرس
العلمي. والظاهر: أن أول من امتحن ذلك في أجزاء من جسم
الحيوان هو(الدكتور جاك لوب) وهو من المشتغلين في
معهد(ركفلر) أيضا، فإنه كان يمتحن توليد الضفادع من
بيضها إذا كان غير ملقح، فرأى أن بعض البيض يعيش زمانا
طويلا وبعضها يموت سريعا، فقاده ذلك إلى امتحان أجزاء
من جسم الضفدع فتمكن من إبقاء هذه الأجزاء حية زمانا
طويلا. ثم أثبت(الدكتور ورن لويس) وزوجته: أنه يمكن
وضع أجزاء خلوية من جسم جنين الطائر في سائل ملحي
فتبقى حية، وإذا أضيف إليه قليل من بعض المواد الأولية
جعلت تلك الأجزاء تنمو وتتكاثر. وتوالت التجارب، فظهر
أن الأجزاء الخلوية من أي حيوان كان يمكن أن تعيش
وتنمو في سائل فيه ما يغذيها، ولكن لم يثبت حينئذ ما
ينفي موتها إذا شاخت فقام الدكتور(كارل) وجرب التجارب
المشار إليها آنفا، فأثبت منها أن هذه الأجزاء لا تشيخ
كما يشيخ الحيوان الذي أخذه منه، بل تعيش أكثر مما
يعيش هو عادة. وقد شرع في التجارب المذكورة في شهر
يناير سنة 1912، ولقي عقبات كثيرة في سبيله، فتغلب
عليها هو ومساعدوه، وثبت له أولا أن هذه الأجزاء
الخلوية تبقى حية ما لم يعرض لها عارض يميتها، أما من
قلة الغذاء، أو من دخول بعض المكروبات وثانيا: أنها لا
تكتفي بالبقاء حية، بل تنمو خلاياها وتتكاثر كما لو
كانت باقية في جسم الحيوان. ثالثا: أنه يمكن قياس
نموها وتكاثرها ومعرفة ارتباطهما بالغذاء الذي يقدم
لها. ورابعا: أن لا تأثير للزمن، أي أنها لا تشيخ
وتضعف بمرور الزمن، بل لا يبدو عليها أقل أثر
للشيخوخة، بل تنمو وتتكاثر هذه السنة كما كانت تنمو
وتتكاثر في السنة الماضية وما قبلها من السنين، وتدل
الظواهر كلها على أنها ستبقى حية نامية، ما دام
الباحثون صابرين على مراقبتها وتقديم الغذاء الكافي
لها، فشيخوخة الأحياء ليست سببا بل هي نتيجة ولكن
لماذا يموت الإنسان ؟ ولماذا نرى سنيه محدودة ؟ لا
تتجاوز المائة إلا نادرا جدا، وغايتها العادية سبعون
أو ثمانون !. والجواب: أن أعضاء جسم الحيوان كثيرة
مختلفة وهي مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا محكما حتى أن
حياة بعضها تتوقف على حياة البعض الآخر، فإذا ضعف
بعضها ومات بسبب من الأسباب مات بموته سائر الأعضاء،
ناهيك بفتك الأمراض المكروبية المختلفة، وهذا مما يجعل
متوسط العمر أقل جدا من السبعين والثمانين، ولا سيما
وأن كثيرين يموتون أطفالا، وغاية ما ثبت الآن من
التجارب المذكورة، أن الإنسان لا يموت، لأنه عمر كذا
من السنين سبعين أو ثمانين أو مائة أو أكثر، بل لأن
العوارض تنتاب بعض أعضائه فتتلفها، ولارتباط أعضائه
بعضها ببعض تموت كلها، فإذا استطاع العلم أن يزيل هذه
العوارض، أو يمنع فعلها، لم يبق مانع يمنع استمرار
الحياة مئات من السنين كما يحيا بعض أنواع الأشجار،
وقلما ينتظر أن تبلغ العلوم الطبية، والوسائل الصحية،
هذه الغاية القصور، ولكن لا يبعد أن تدانيها فيتضاعف
متوسط العمر أو يزيد ضعفين أو ثلاثة). وهذا البحث
اللطيف قاض بأن إمكان أن يعيش الإنسان أزيد من العمر
الطبيعي ثابت، وهو مقصودنا، على أن المخاطب أيضا يذكر
في كتابه ذلك(السبائك) كثيرا من الذين عاشوا ألوفا من
السنين.
الثالثة: لما ثبت غيبة القائم الحجة المنتظر عليه
السلام فلا بد وأن تكون لسبب من الأسباب
فالسبب في غيبته عليه السلام هو الخوف من الأعداء
وإيذائهم، والخشية من الشر والقتل، وهذا واقع للأنبياء
أيضا، فقد غاب نبينا محمد صلى الله عليه وآله من خوف
الأعداء في الغار واستتر كما استتر موسى عليه السلام
قبله خوفا من أعدائه فقال:(ففررت
منكم لما خفتكم... الآية)،
واستتر إدريس عشرين سنة عن قومه، ولا فرق في طول مدة
الاستتار وقصرها - كما أشرنا إليه سابقا - لأن الكلام
في أنه هل يصح أن يكون خوف الأعداء علة للغيبة أم لا ؟
والصحة قد ثبتت، فإذا جاز ذلك جاز في جميع المواقع.
أضف إلى ذلك، أن الله تبارك وتعالى قد جعل لظهوره
علامات وآيات، وبعضها إلى الآن لم يقع، فهو عليه
السلام قبل وقوع هذه الآيات ممنوع عن الخروج مثلما كان
جده النبي صلى الله عليه وآله، فإنه مع كونه مبعوثا
بالرسالة لم يظهر علنا إلى مدة ثلاث سنوات بل كان يدعو
الناس مختفيا كما في(إنسان العيون) المعروف ب(السيرة
الحلبية) 1 / 456 - 457 ( عن ابن إسحاق، أن مدة ما
أخفى صلى الله عليه وآله أمره، أي المدة التي صار
يدعو الناس فيها خفية بعد نزول: يا أيها المدثر، ثلاث
سنين، أي فكان من أسلم إذا أراد الصلاة يذهب إلى بعض
الشعاب يستخفي بصلاته من المشركين، أي كما تقدم فبينما
سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله
عليه وآله ورضي عنهم - في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر
عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فنكروهم وعابوا
عليهم ما يصنعون حتى ضرب سعد بن أبي وقاص رجلا منهم
بلحى بعير وقاتلوهم، وهو أول دم أريق في الإسلام، ثم
دخل صلى الله عليه وآله هو وأصحابه مستخفين في دار
الأرقم. إلى أن قال -: - فكان صلى الله عليه وآله
وأصحابه يقيمون الصلاة بدار الأرقم، ويعبدون الله
تعالى فيها إلى أن أمره الله تعالى بإظهار الدين، أي
وهذا السياق يدل على أنه صلى الله عليه وآله استمر
مستخفيا هو وأصحابه في دار الأرقم إلى أن أظهر الدعوة،
وأعلن صلى الله عليه وآله في السنة الرابعة، أي وقيل:
مدة استخفائه أربع سنين، وأعلن في الخامسة). فهكذا
إمامنا الثاني عشر عليه السلام إذا يأمره الله تعالى
بعد وقوع هذه الآيات يظهر ويخرج، ويملأ الأرض عدلا كما
ملئت جورا. فإن فعل قبل ذلك لعصى الله. والعاصي ظالم،
والظالم لا ينال الإمامة و(لا ينال عهدي الظالمين...
الآية)، والوجه ظاهر. والله أعلم بالصواب. وهذا ما
أردنا ذكره على العجال والله ولي التوفيق.
|