بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المركز:
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير
خلقه محمد وآله الطاهرين.
الحديث عن العقيدة المهدوية ومعطياتها وآثارها على
المستوى الفردي والاجتماعي حديث يضم بين طياته
الكثير من الابعاد المعرفية والعقدية والنفسية
والروحية لدى الجنس البشري بجميع أطيافه، باعتباره
يمثل عصارة طموح البشرية ومنتهى أمل الانسانية على
هذه الأرض، إذ هو ليس سرداً تاريخياً لا يمت إلى
الواقع الإنساني _ بحاضره ومستقبله _ بصلة، وليس
هو مجرد ترف فكري لا علاقة له بوجدان الامة
وتطلعاتها، ولا هو حديث عن الخيال العلمي في عالم
المستقبل، فقد أثبتت المطالعات المعرفية
والاحصاءات الميدانية العد التصاعدي لتجذر العقيدة
المهدوية والايمان بها في ضمير الامة والوجدان
الاممي لها بمقدار تزايد المحن والصعوبات التي
واجهتها وتواجهها البشرية في العصور الماضية
وعصرنا الراهن، وهذا ما يعبر عنه في الأدبيات
التراثية بمبشرات الظهور الأصغر حيث أصبحت الأمة
أشدّ انجذاباً إلى ذلك التغيير العالمي وانقلبت من
أمة قابلة _ إن لم نقل رافضة _ للتحول الذي سوف
يحصل في المستقبل إلى أمة فاعلة، وهذا التحول بحد
ذاته يمثل خطوة عظيمة انجزتها عقيدة الانتظار
لبناء جسور الارتباط مع عصر النهضة العالمية.
وبالرغم من الجهود المتظافرة لابناء الامة
بعلمائها ومثقفيها من خلال أقلامهم الشريفة
ومنابرهم القيمة، وتجارها بانفاقهم وتبرعاتهم في
هذا المجال والشريحة العامة من اتباع الطائفة
الحقة بتفاعلها والتزامها فكراً وعملاً بهذه
العقيدة.
أقول بالرغم من كل هذه الجهود والمساعي لبناء صرح
العقيدة واستيعاب مفرداتها إلا أنه مازالت هناك
جوانب لم تسلط عليها الاضواء بالشكل الكافي وبصورة
مستقلة مع ارتباطها الصميمي بالعقيدة المهدوية، بل
تعتبر من الاجزاء المقومة لمفهوم وعقيدة الانتظار
ومن هذه البحوث التي سعى مركز الدراسات التخصصية
في الإمام المهدي عليه السلام إلى تناولها بشكل
مستقل وتسليط الأضواء عليها هو البحث عن الشخصيات
ذات الدور الفاعل في عصر الظهور والتي تلقي
بظلالها على الحركة العالمية المظفرة بقائدها
العالمي الحجة بن الحسن عجل الله فرجه سواء كانت
هذه الآثار والتداعيات على المستوى الايجابي لحركة
الإمام عليه السلام أو الجانب السلبي، وبعبارة
أخرى سواء كانت هذه الشخصيات _ ومن وراءها الحركات
التي تمثلها _ داعمة ومؤيدة للإمام عليه السلام
والسائرة في ركابه وتحت إمرته أو التي لها موقف
آخر وفي الجانب الثاني لحركة الإمام، أي انها
تعتبر من المعوقات للنهضة العالمية المنتظرة.
ويمثل الجانب والمحور الأول شخصيات مثل اليماني
والخراساني والحسني كما يتشخص الطرف الآخر بنماذج
مثل الدجال والسفياني وآخرين، إذن لابد من التعمق
في دراسة هذه الشخصيات ومشخصاتها ومعرفة هويتها
بصورة أكثر تفصيلاً لما قلنا من أن لها الدور
المهم في عصر الظهور أولاً مضافاً إلى سدّ المنافذ
أمام من ينتحل أحد هذه الشخصيات طلباً لحطام
الدنيا وركضاً وراء الاهواء.
ومن هنا جاءت هذه الدراسة لسماحة السيد محمد علي
الحلو دام عزه حيث سلط فيها الأضواء على واحدة من
هذه الشخصيات ذات الدور الفاعل والإيجابي في حركة
الإمام المهدي عليه السلام في عصر الظهور، وذلك من
خلال بحث أصيل يعتمد على الأسس العلمية والقواعد
السندية في فقه الحديث ودرايته.
وإذ يتقدم المركز بالشكر الجزيل للمجهود العلمي
القيم الذي بذله سماحة المؤلف فان من دواعي سروره
واعتزازه أن يقدم للقراء وللمكتبة العقائدية
الاسلامية هذا الكتاب ضمن سلسلة
(شخصيات
عصر الظهور)
سائلين المولى تعالى أن يوفقنا لنيل رضاه ورضا أهل
بيته الكرام الميامين.
ومن الله التوفيق
السيد محمد القبانجي
الإهداء:
إنّها ومضةُ روحٍ وعزمةُ نفسٍ..
نقرأها في (تاريخ) مستقبل زاهر..
و(بشائر) ماضٍ عتيد..
من أجل الإصلاح.. الثورة.. الفتوّة.. الشهامة..
إنّها قصّة الفتى اليماني القادم من شعاب قحطان
وحمير ليترعرع في وهاد سبأ، ويبزغ على قممٍ يمنيةٍ
شامخةٍ، فإلى كلّ شاب تنسابُ فيه روح الولاء..
أهدي ملحمة الفتى اليماني الزاخرة بالتضحية
والفداء
محمدّ عليّ
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف:
الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيّدنا
محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
لم يُعدّ الظهور حالةً من حالات الخيال، أو نزعةً
من نزعات الترف الأدبي، أو ترويحاً للنفس أو
تطييباً للخواطر، أو مسألة وهم، أو ظاهرة
(ميتافيزيقيّة)
تحوم حولها الشكوك، أو تعزّزها الاحتمالات، أو
ترفدها الظنون، لتنبسط إليها النفوس المنكسرة، أو
تنبعث من خلالها الآمالُ الواهية، أو تُقنِعَ
بسببها شهوة الثأر، لتشدَّ بها حيازيم الانتقامِ،
أو تتهالك دونها الأرواح، أو تزهقَ لتحقيقها
النفوس، أو تتعاور في إثباتها الحجج، أو تتهاوى في
تأييدها الأدلّة، وتختلج دونها البراهين. بل هي
حقيقةُ دينٍ، ووعدُ سماءٍ، وضرورةٌ محتومة النتيجة
ثابتة البرهان.
وليس الظهور هو حالة تسكين النفس لوعدها
المنتصر..بقدرِ ما هي قضيّةُ انتسابٍ لواقعٍ شهدت
في صحّته الأنباء، وتواترت عند تحقّقه الأخبار،
وتكافلت له بشائر الأنبياء..فهو مخاض جهودهم،
وإرادة رسالاتهم.. أمل أتباعهم المصلحين، وتطلّعات
شوق المستضعفين..
من هنا نتلمّسُ أهمّية الثقافة المهدويّة بكلّ
تشعّباتها، بل بكلّ فصولها، ودواعيها ومقتضياتها،
تاريخها وشجونها، ملاحمها وفتنها..
وليس المتأمّل في الوعد الإلهي لقضيّة الظهور
بغافلٍ عن ضرورة الكشف عن نقاب علامات الظهور،
والترصد لمعرفة اليوم الموعود بكلِّ ما لهذه
العلائم من خطورة الأهمّية في تحديد مسارات
التكليف أو بالأحرى عن معالم ما يمكن للمكلّف أن
يترصّده في مستقبل الأحداث، وهو أحد أطراف
المعادلة الإلهيّة ليتسنّى من خلال ذلك توخّي
الدقّة والحذر؛ وهو في خضمِّ أحداثٍ طائشةٍ، أو
فتنٍ مهلكةٍ، أو ملاحم تودي باللبيب عن مسالك
الهدى لتطيح به في مهاوي الردى..
ولم يغفل أئمّة الهدى صلوات الله عليهم عن أهمّية
ما من شأنه أن يُحدثه التفقّه في معالم هذه
العلائم التي هي دوال المعرفة لسلوك أهدى السبل
وأقومها حتّى أوصوا شيعتهم بتلك الملاحم وهاتيك
الفتن، وأرفدوهم بوصاياهم لئلا يختلط عليهم الحقّ
وتتشابه بهم الطرائق، وتنحدرُ فيهم الوهاد، وتقتحم
بغفلتهم الصعاب، فاستزادوهم بما ينبغي للبصير أن
يحذر، وللعاقل أن يتدبّر..
وها نحن بحمد الله تعالى قد خصّصنا فصولاً في هذا
الشأن، ونقّبنا ما ينبغي تنقيبه، وحقّقنا ما ينبغي
تحقيقه، فوجدناها مفعمةً بالأحداث المتزاحمة،
والفتن المتلاطمة، ثمّ أجِلْنا النظر فعنَّ لنا أن
نصنّف ما أوحش القارئ من تداخل الأخبار، أو أقضّه
ما اضطرب من إشاراتٍ تشير إلى حدثٍ، أو ترمزُ إلى
شخصٍ، أو توعزُ إلى قضيّة عمد فيها أئمّة الهدى
صلوات الله عليهم أن يتجنّبوا الخوض فيها إيضاحاً،
أو يُبيّنوا تفاصيلها إيغالاً، تقيّةً من أعدائهم،
وتحفّظاً على أتباعهم، ولئلا يتداولها القريب
والبعيد، ويتعاطاها القاضي والداني، فيعرّضوا
شيعتهم إلى المطاردة والتنكيل، وأوكلوا فكَّ
رموزها وبسطها وإيضاحها إلى غابر الأيّام بعد أن
يتعاطى معها النّاس، وقد خبروها صحّةً وتصديقاً
وتسليماً فيما بان لهم من حدوثها وتحقيق الآخرِ
منها..
ولا ندّعي أن قد وفّقنا في استقصاء ما عقدنا البحث
من أجلهِ، فإنّ لتداخل الروايات وتزاحمها سبباً في
معاناتنا لفرز ما يمكن فرزه ليتسنّى لنا قراءة
الأحداث ومعالجتها بما ينسجمُ وخطورة البحث
وأهمّيته.
ولا يخفى ما لأخبار اليماني من تداخلٍ وتدافعٍ
يوجب معها عدم البتِ بالنتيجةِ ما لم تكن هناك من
القرائنِ الكافيةِ ليتّضحَ القصدُ ويستبين المراد،
فإنّ لليماني خطره في مستقبل الأحداث، وكون حركته
المباركةِ يكتنفها التكتّم ومقتضى السرّ ودواعي
الخفاء إمعاناً في الحفاظ عليها من ملاحقةِ
الآخرين، وملاحاة الظالمين، وما من شأنه أن يحفظ
سرّيّتها وكتمانها..وما عملناه رغبةً منّا في رفد
المكتبة المهدويّة بتراثها المغيّب ليُتاح لنا
قراءة مستقبل الأحداث القادمة وما يتطلّبه منّا
تكليفنا في هذا المضمار..
فضلاً عمّا وجدنا عليه مركز الدراسات التخصّصيّة
في الإمام المهدي عليه السلام من رغبةٍ صادقةٍ في
تمتين الثقافة المهدوية بعد أن لمسَ خطورة هذه
البحوث وضرورة بثّها بين طلاّب الحقيقة، وما
يرتكبه عدم التفقّه في هذه الاُمور من عدم المعرفة
التي تؤدي بالكثير من عدم استيعاب الأمور ووضعها
في نصابها، فضلاً عمّا تسبّبه هذه الخروقات من
تشويش الأذهان والاضطراب في الرؤية أو إطاحةً
بالحركة اليمانيّة المباركة التي يتزعّمها
اليماني، ويكادُ الأعداء _ بسبب هذا التمادي _ أن
يستغلّوا هذه الممارسات وتوجيهها لصالحهم.
لذا فقد أدركنا أهمّية الثقافة المهدويّة على
المستوى العامّ الذي يمارسه طلاّب الحقّ وطلائع
الخير ملزمين أنفسنا بالمساهمة في غرس بذرة هذه
الثقافة المباركة علّنا نصل إلى ما نأمل الوصول
إليه من وضوح المبدأ وبيان الحقّ، وهو _ لعمري _
ما سعى إليه مركز دراسات الإمام المهدي عليه
السلام ، فوجدتُ في إدارته من الحرصِ والإخلاص
للمساهمةِ في رفد مشروع الثقافة المهدويّة لدى
طلائع المؤمنين الذين حرموا لوقتٍ ليس بالقصير من
هذا التثقيف المقدّس لما مرّ ببلد العتبات
المقدّسة _ العراق _ سنوات القهر الفكري الذي
أنهكته المحنة فغدت ثقافته المهدويّة غائبةً إلى
الحدّ الذي وجدت الشبهات مكانها في اختراق الشارع
الملبّد بثقافات الغير للإطاحة بثقافتنا المقدّسة.
وإذ أشدُّ على يد الخيّرين من أعضاء هذا المركز
وإدارته الكريمة أدعو إلى تكثيف الجهود من أجل
خلقِ ثقافةٍ مهدويّةٍ تساهمُ في إيجاد انفراجٍ
متفائلٍ ينتظر غداً مشرقاً تكتحلُ به عيون الجميع
بطلعته البهيّة.
ذكرى شهادة الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السلام
1425هـ
محمّد عليّ السيّد يحيى السيّد محمّد الحلو
من ثقافة الانتظار
إلى ثقافة علائم الظهور
تُعدُّ علامات الظهور من أولويات الثقافة
المهدويّة التي تشغل حيزاً مهمّاً من مساحة الفكر
الإسلامي، بل الإنساني على العموم.
فالمهدويّة لم تكن مقتصرة على معطيات الدين
الإسلامي بقدر ما هي حالة إنسانيّة تتطلّع إليها
كلّ الطبقات المحرومة والمستضعفة، بل يمكن أن
تتعدّى إلى الطبقات الاُخرى من التركيبة
الإنسانيّة عموماً. فالتوجّهات الإنسانيّة لا تقف
عند حدّ إشباع الضرورة، بل تتعدّى إلى مراقي
الكمال، فهي تنشد الوصول إلى ما يشعرها
بإنسانيّتها وكرامتها متحدّيةً كلّ مظاهر
(الابتذال)
الإنساني الذي من شأنه أن يهدر إنسانيّة الإنسان
المقدّسة. فالصراعات الدوليّة، والتنافسات
السياسيّة تُرهق تلك الإنسانيّة المعذّبة التي
فتحت عينيها على ذلك التنافس المقيت، فقضيّة قابيل
وهابيل تحكي بذرة التنافس المشؤوم، والتمرّدات على
نواميس النبوّة تُظهر ما تخفيه مكنونات النفس
وخفاياها من التمرّد على كلّ ما هو خير، وبذلك
تتسيّب توجّهات النفس إلى الحدّ الذي معه تفقد
قابليّاتها على الانقياد إلى ما من شأنه أن يكون
سبباً لسعادتها، من هنا عرفنا سبب تلك الصراعات
الإنسانيّة على امتداد تاريخها، لذا فهي ضحيّة
التنافسات لتحقيق غاياتها على حساب المبادئ، وسحق
طموحات الإنسان للعيش بسلامٍ وكرامة، هكذا تجد
الإنسانيّة حاجتها إلى الاصلاح مهما مورست رغبات
الإصلاح ضمن تنظيراتٍٍ وضعيّة وكلّفتها بعض
الاُطروحات الوضعيّة التي تعهّدت بتحقيق طموحات
الإنسانيّة من أجل كرامتها المهدورة، إلاّ أنّها
لم تحقّق رغباتها في هذا المجال لقصور توجّهاتها
عدا في نطاقها المصلحي الضيّق؛ لذا فلا بدّ
للإنسانيّة أن تتربّص للإصلاح، وأن ترنو إلى
المنقذ المصلح، وأن تتوخّى ذلك اليوم الذي فيه
يُثأر للمظلوم من ظالمه، ويُنتصر للحقّ من غاصبه.
إذن فالجميع يتّفق على ضرورة الإصلاح بعد ما تفشّى
الفساد، وحتميّة العدل بعد ما عمّ الظلم، وبسط
القسط بعد انتشار الجور، وليس لهذه الدوافع سوى
الفطرة، ولا لهذه الدواعي غير الضرورة، أي ضرورة
أن يعيش الإنسان وقد تمتّع بكلّ حقوقه، وأن يحيا
على هذه الأرض وقد أنِسَ بالسلام.
وإذا كان الأمر كذلك فليتّفق الجميع على أي هذا
المصلح سيكون أهدى، وأيّه أوفق وأقوم؟ على أنّ
صفات هذا المصلح وخصوصيّاته قد توفّرت لدى مهدي
أهل البيت عليهم السلام، حيث العصمة التي ستكون
أهمّ خصوصيّات القائد المصلح، والتي تقتضيها مهمّة
الإصلاح العالميّة، ولعلّ الجميع سيتّفق على هذا
المصلح من حيث المبدأ دن النظر إلى التفاصيل
والخصوصيّات، وبمعنى آخر أنّ الجميع سيكون في حالة
انتظار تقتضيها دواعي الإصلاح، فإذا اتّفق الجميع
على المصلح الواحد فعند ذاك تتقارب الوجهات
المتباينة، وتتّفق على قضيّة الانتظار، وتكون
لثقافته أثرها في تعزيز المشروع المهدوي وارتكازه
في النفوس، ومن ثمّ تطلّعات البشريّة لذلك اليوم
الموعود.
من هنا نستشعر ضرورةً اُخرى تكون في أولويات
تطلّعات ثقافة الانتظار، وهي ثقافة علامات الظهور؛
إذ تلك الثقافة تكاد تكون معدومة لدى كثيرٍ من
اُولئك الذين يتشوّقون لحلول اليوم الموعود،
والسبب في ذلك أنّ لهذا الانعدام مبرّراته.
أوّلاً: لم تكن روايات علامات الظهور واضحة يمكن
قراءتها بسهولة؛ لما امتازت به هذه الروايات من
غموضٍ مقصود، ورموزٍ خاصّة حاولت معها هذه
الروايات أن تكون بمنأى عن الرقيب الذي كان يتحيّن
الفرصة لتطويقها بمطاردة رواتها ومَن يعتقد بها؛
لما تحمله هذه العلامات من تهديدٍ لمستقبله
ومستقبل نظامه.
ثانياً: تتناسب روايات علامات الظهور في تداولها
تبعاً لازدهار الثقافة المهدويّة حينئذٍ، فإنّ
المنتظر لا يعدو عن متابعٍ توّاقٍ لعلامات الظهور،
وفي خلاف هذه الحالة تجد أنّ علامات الظهور تعاني
تراجعاً واضحاً في متابعتها والبحث عنها، ومعلوم
أنّ الثقافة المهدويّة تخبو وتتوهّج تبعاً لحالات
الظرف السياسي الذي يدخل سبباً في تحجيم أو إطلاق
هذه الثقافة.
ثالثاً: تعاني روايات علامات الظهور من
(محاصرةٍ)
معينة تسبّبها التشدّدات السنديّة التي لا يسمح
البعض بتداولها ما لم يطمئنّ سندياً من صحّتها؛
لذا فإنّ الكثير من هذه العلامات تُطرح سندياً
ويتوقّف البعض من التعاطي معها، في حين يحصل لدى
الآخرين اطمئنان بصحّة صدورها والعمل على أساسها.
إلاّ أنّ لدواعي متابعة علامات الظهور ما يبرّرها
كذلك:
1 _ تعدّ علامات الظهور جزءاً من الثقافة
المهدويّة، أو قل من ثقافة الانتظار، فإنّ المنتظر
يتطلّع إلى ذلك اليوم الموعود، وهو يحرص كثيراً
على متابعة ما يكون علامةً على اقتراب وقت الظهور،
فإنّ ذلك جزءاً من اهتمامه لمعرفة تكليفه حيال
انتظاره للإمام، لذا فإنّ حالة الشوق التي يكنّها
للإمام عليه السلام تدفعه إلى مراقبة ما يكون من
شأنه بشارةً أو إنذاراً ليوم ظهوره الشريف.
2 _ أنّ الطبيعة الإنسانيّة حريصةٌ على معرفة آفاق
المستقبل وخصوصيّات مجريات ما سيحدث مستقبلاً في
غابر الزمان، فالنفس تتطلّع _ خوفاً أو طمعاً _
لما سيجري مستقبلاً من أحداث حرصاً على حصولها بما
يمكّنها من سعادتها أو خوفاً ممّا يهدّد مستقبلها؛
لذا فهي تحرص جادّة على معرفة ما يجري مستقبلاً
وستكون علامات الظهور إحدى آليات تلك المعرفة
الخفيّة.
وعلى كلّ حال، فلا يمكننا أن نتنكّر لخطورة ثقافة
علامات الانتظار، فإنّ لدواعي متابعتها ما
يبرّرها، ولعدم متابعتها ما يبرّرها كذلك لدى
البعض، إلاّ أنّنا لا يمكن أن نتغاضى عن ذلك لما
تشكّل هذه الثقافة جزءاً من ثقافتنا المحاصرة،
وتراثنا المهدور.
التشدّد السندي
أم التسامح السندي؟
تُعدّ مسانيد الروايات إحدى آليات معرفة الصدور،
فالسند لا يعدو عن آليةٍ للوثوق بجهة الصدور، أي
السند لم يكن بحدّ ذاته غاية يتابعها الباحث، بل
هي وسيلة من خلالها يطمئنّ الباحث من صدق صدور
الرواية ومعرفة جهتها، على أنّ الوثوق لا يتوقّف
أحياناً على صحّة وصدق صدورها، وهذا يمكن تطبيقه
على ممارسة الاستنباط الفقهي والبحث الاُصولي؛ إذ
لا يمكن للفقيه أن يفتي في حكمٍ فقهي ما لم تكن
هناك أدلّة صحيحة يستند إليها في استنباطاته
واجتهاده الفقهي، وكذا الحال في مباحث الاُصول،
فإنّ للرواية الصحيحة أثرها في تقنين العمليّة
الاُصوليّة والبتّ بها، وهكذا تتزايد أهمّية
البحوث السنديّة تبعاً لأهمّية القضيّة المبحوث
عنها، والتي يتوقّف العمل بها على الروايات
الصحيحة، في حين أنّ التشدّد السندي لا يُعدّ من
الضرورة بحال في أحيان اُخر، فالقضيّة التاريخيّة
لا تحتاج في بعض الأحيان إلى التشدّد السندي في
روايتها، فلعلّ تناقلها يتعاطاه الثقة وغير الثقة
لما تُحدثه هذه القضيّة من وقعٍ في نفس المشاهد
فيتناقلها عنه الرواة كونه شاهدُ عيان حدثت هذه
القضيّة أمامه.
نعم، هناك من القضايا التاريخيّة التي لها أثرها
في السير العلمي أو في ملازمات البحوث الاُخر،
فإنّ التشدّد السندي سيكون داعياً لمعرفة صحّتها
والوثوق من وقوعها.
وكذا الحال فيما يتعلّق بروايات علامات الظهور،
فلعلّ الحال بها أدعى إلى التسامح السندي منه إلى
التشدّد؛ ذلك لأنّ علامات الظهور ما هي إلاّ
إشارات مستقبليّة تُشير بها هذه الروايات إلى ما
يمكن وقوعه تزامناً أو قبيل اليوم الموعود، وهذه
الحالة _ وهي معرفة ما يدّخره المستقبل من اُمور _
تتوق إليها النفوس عموماً بغضّ النظر عن توجّهاتها
وما تتّصف بها من ثقةٍ وعدالة أو خلاف ذلك، فإنّ
النفس الإنسانيّة حريصة على معرفة ما تلاقيه من
مستقبلٍ مجهول يضمّ بين جنباته مفاجئاتٍ تكون
سبباً لسعادته، أو داعياً لشقائه، لذا فالإنسان
يتطلّع إلى متابعة هذه العلامات وملاحقة ما روي في
شأن المستقبل، ممّا حدى أن يكون هناك اهتماماً
خاصّاً لدى البعض في معرفة هذه العلامات أو رواتها
بغضّ النظر عن كون هذا الراوي أو ذاك ثقة أم لا،
أي أنّ حالة الانبهار لدى النفوس سبباً في ملاحقة
مثل هذه الأخبار ومتابعة تفاصيلها، فلربّما يهتمّ
بها من كان ثقةً أو يتابعها غير الثقة على أساس
معرفة ما سيحدث، لذا فلا مجال للتشدّد السندي في
هذا المضمار؛ إذ على أساس التشدّد سنطرح الكثير من
هذه الروايات التي أوْلى الاهتمام بها الثقة وغير
الثقة على السواء. هذا من جانب، ومن جانب آخر،
فإنّ لعلامات الظهور قرائنها المزامنة لها التي
تدلّ على صحّة ورودها أو عدمه، بل أنّ القرائن
التي تحدث في أجواء مناطق الظهور تشير إلى
إمكانيّة تحقّق هذه العلامات، بمعنى أنّ هناك
دلائل في الاُفق تشير إلى بوادر هذه العلامات
والإشارة إلى تحقّقها مستقبلاً؛ لذا فمن غير
العملي أن نشدّد في أسانيد هذه العلامات، فإنّ
للقرائن العامّة أثرها في قبول أو عدم قبول مثل
هذه العلائم.
على أنّ التسامح في أسانيد هذه الروايات والتعاطي
معها سبباً في معرفة هذه العلامات بالجملة بغضّ
النظر عن تفاصيلها، أي يمكننا أن نتعرّف جملةً على
ما سيحدث مستقبلاً تاركين تفاصيل ذلك إلى
المستقبل، وما من شأنه تحقيقه، هذا إضافة إلى أنّ
الاحتياط في معرفة بعض تكاليف يوم الظهور داعياً
إلى التسامح في مثل هذه الروايات، فإنّ العقل يدعو
إلى أن نحتاط فيما سنلاقيه من فتنٍ وملاحم كما هو
الحال فيما لو أخبرنا أحدهم بأنّ ما يلاقينا في
طريقنا هذا خطراً ما، فإنّ العقل يدعو إلى أن
نحتاط ونحذر فيما سنلاقيه تحرّزاً من الوقوع في
الهلكة، وهذا بغضّ النظر عن كون المخبر ثقةً أم
لا، وكذا الحال في علامات الظهور، فإنّ احتمال
وقوعها سيجنّبنا من خطر الوقوع في مهالك تودي بنا
وبمستقبل ما نصبو إليه.
روايات اليماني
بين الندرة والرمزية
تواجه الباحث عن شخصية اليماني
(أزمة)
الندرة في الروايات الكاشفة عن شخصيته فضلاً عن
الرمزية التي تتصف بها تلك الروايات.
أما الرمزية فهي الظاهرة التي تكاد تكون عامة في
بحوث الملاحم والفتن، وهذه الظاهرة لها مبرراتها،
إذ حالة التقية والكتمان إحدى دواعي سلوكية الرواة
مراعاةً لظرف التلقي بل وظروف المتلقي.
أما ظرف التلقي فانّ حالة التوجس التي يعيشها
النظام السياسي تكاد تُضفي بظلالها على الوضع
الفكري العام، فتحديد إنسيابية المعلومة أو تداول
المفردة المعلوماتية تتحدد ضمن سياقات الحاكم أو
الدوائر الثقافية التابعة له، وبالتالي فستُصادر
تلك المعلومات بمحاولات
(مسخية)
تمسخُ واقعية المعلومة الواردة من منابعها فضلاً
عن ملاحقة رواتها واستئصالهم، لذا فقد عمد أئمة
الهدى صلوات الله عليهم على التحفظ بقدرٍ كافٍ عند
إلقاء هذه الملاحم بمحاولاتٍ رمزيةٍ لا تستهدف
النظام السياسي في الظاهر أو بشكل مباشرٍ جلي.
وبهذا الاسلوب حُفظت الكثير من روايات الملاحم
والفتن واستطاعت الوصول إلى أيدينا بشكلٍ يحفظ
سلامتها من التحريف والتشويه فضلاً عن التلف
والضياع.
هذه مجمل دواعي الرمزية التي امتازت بها أخبار
الملاحم والفتن ومن ضمنها روايات اليماني.
أما حالة الندرة التي تعانيها روايات اليماني فهي
ظاهرة تستحق التوقف والتأمل عندها.
فقد عمد أهل البيت عليهم السلام إلى محاولة التحفظ
على شخصية اليماني وتخفّي ملامحه بشكل واضح يثير
التساؤل، وربما يمكن درج أسباب ذلك في المبررات
التالية:
أولاً:
عمد أهل البيت عليهم السلام إلى إسباغ حالة
الكتمان على شخصيات عصر الظهور التي ستكون تحت
قيادة الإمام عليه السلام أو التي ستوظف لنصرته،
وذلك خشيةً على سلامة هذه الشخصية وإبعادها عن
الملاحقة والمطاردة من قبل السلطات المتربصة لها،
لذا فانك تجد الاشارة المقتضبة لهذه الشخصيات
أمثال اليماني والحسيني والخراساني والهاشمي.
ثانياً:
محاولة إضفاء أكثر من تسمية على هذه الشخصيات
لايهام القوى المناوئة لها من تشخيصها وبالتالي
ملاحقتها، فمثلاً: أُطلق على اليماني القحطاني في
روايات، وفي أخرى المنصور، وفي غيرها الخليفة
اليماني، وفي بعضها الملك اليماني وفي رابعة
الحارث، كما أطلق على الخراساني في بعض الروايات،
وعمدت أخرى إلى تعريفه بالحسني وفي ثالثة بالهاشمي
وفي أخرى بصاحب الرايات السود.
ثالثاً:
محاولة التداخل في التسميات والمصطلحات، فلعل
اليماني مرة أطلق عليه الحسني والحسني وصف
بالخراساني، ومرة على الحسني أطلق الخراساني، وعلى
الخراساني وصف بالهاشمي، وهكذا تتداخل الأسماء على
مسميات مختلفة يضطرب فيها الباحث لتشخيص أيّها
أصدق، بل تشددت بعضها أكثر من ذلك في السرية
والتكتم فلم تصف اليماني بأية صفةٍ بل أشارت إلى
مواصفاته، ففي حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه
قال: إذا انسابت عليكم الترك، وجهّزت الجيوش إليكم
ومات خليفتكم الذي يجمع الأموال...إلى أن يقول:
ويحصر الناس بدمشق ويخرج أهل المغرب وينحدرون إلى
مصر، فاذا دخلوا فتلك أمارة السفياني، ويخرج قبل
ذلك من يدعو لآل محمدٍ... إلى آخر الحديث،
وخروج رجلٍ قيل السفياني يدعو إلى آل محمد صلى
الله عليه وآله ينطبق على اليماني، وهذه أقصى
غايات السرية والكتمان في التحرز عن ذكر شخصيات
الظهور المناصرة لحركة الإمام عليه السلام.
رابعاً: يستفاد من حالة الاضطراب الأولي في
المعلومات إلى قطع الطريق على الحركات والدعاوى
الفاسدة من أن تتمثل بهذه الحركات الاصلاحية،
وإيقاف حالات التجني والدعاوى الكاذبة لبعض
الأشخاص من تقمّص هذه الشخصيات الاصلاحية ومحاولات
ابتزاز السذّج من الناس واستغلال هذه التسميات
للاستفادة منها. بينما حالات عدم التشخيص تساعد
على سرعة اكتشاف هذه الدعاوى الكاذبة فوراً ومعرفة
زيف مدّعيها.
وبالمقابل فانّ شخصيات الظهور
(السلبية)
قد عمد أهل البيت عليهم السلام إلى كشفها بشكل لا
يخفى على أحد وذلك للدواعي التالية:
أولاً:
إن شخصيات الظهور السلبية هي في عداد الخطر
المداهم للجميع، ومعرفة مشخصاتها يوجب معرفة هذا
الخطر والتحفظ منه، ومحاولة فضح وتعرية هذه
الشخصيات سيقطع الطريق على محاولات زيف ودجل هذه
العناصر المناوئة لحركة الإمام عليه السلام
والمعرقلة لظهوره.
ثانياً:
عمدت روايات الظهور إلى الاعلان عن أسماء هذه
الشخصيات والاشارة إليها لمحاولة إبعاد أتباعهم عن
الانخراط في صفوف تنظيماتهم بعد محاولة هذه
الشخصيات إلى إعداد نفسها وظهورها بشكل تنظيمي
وبدعاوى إصلاحية عادلة، وقد تحاول تغطية أهدافها
البشعة بشعاراتٍ إصلاحيةٍ براقةٍ تستثير حفيظة
البعض للانخراط إلى تشكيلاتها.
فقد أشارت روايات السفياني إلى أن اسمه عثمان بن
عنبسة وهو أموي ينتسب إلى خالد بن يزيد بن معاوية
وبعضها نسبته هكذا: هو حرب بن عنبسة بن مرة بن كلب
بن سلمة بن يزيد بن عثمان بن خالد بن يزيد بن
معاوية ابن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن
عبد شمس..،
وحاولت بعض الروايات الاشارة إلى السفياني الأول
وهو كالممهد للسفياني الثاني: حيث شخّصت هذه
الروايات إلى أن السفياني الأول رجلٌ مرواني ينتسب
إلى البلاد الشامية. بل أشارت الروايات إلى أن
السفياني الثاني وهو الذي سيكون له شأنٌ
(سلبي)
في أحداث الظهور هو من الوادي اليابس، وتشخيص
الوادي اليابس جغرافياً يعين المتتبع على معرفة
نشوء حركته ومحاولات تفادي خطره أو الانضمام إليه.
وإذا حاولنا أن نضع بين أيدينا نماذج للروايات
الواصفة لشخصية السفياني والتي تشير إلى أهم
مشخصاته ودلالاته يتضح لنا مدى الحرص على تشخيص
مثل تلك الشخصيات الخطيرة والاشارة إلى التحرز
منها ولكن بعد معرفتها: فعن الحارث بن عبد الله
قال: يخرج رجل من ولد أبي سفيان في الوادي اليابس
في رايات حمر، دقيق الساعدين والساقين، طويل
العنق، شديد الصفرة، به أثر العبادة.
وفي روايةٍ أخرى عن أرطاة قال: يدخل الأزهر ابن
الكلبية الكوفة فتصيبه قرحة، فيخرج منها فيموت في
الطريق، ثم يخرج رجل آخر منهم بين الطائفة ومكة،
أو بين مكة والمدينة، من شبب وطباق وشجر بالحجاز،
مشوّه الخلق، مصفّح الرأس حمش الساعدين، غائر
العينين، في زمانه تكون هدّة.
على أن هذه الأخبار ترجع في مآلها إلى النبي صلى
الله عليه وآله إلا أن الراوي يرويها بما وعاها عن
غيره وكأنه يرسلها إرسال المسلّمات، وهذه إحدى
خواص أخبار الملاحم، حيث يتعهد الراوي بذكر ما
يكون في مستقبل الزمان مرتكزاً لديه صحة ما يرويه
وعدم الحاجة لذكر من يروي عنه، ويتلقاها الناس منه
على أساس الخبرة والدراية لهذه الأحداث وهم لفرط
شوقهم لمعرفة ما تنطوي عليه الأيام من الحوادث
والفتن فان المتلقي مستعد لتلقيه إياها دون حاجته
لمعرفة ممن صدرت ومن أين وردت.