|
الجزء الثاني
تأليف:
آية الله الحاج ميرزا محمّد تقي الموسوي الاصفهاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة
والسلام على خاتم المرسلين وخير الخلق أجمعين محمد
وآله المعصومين، ولا سيما إمام زماننا خاتم الوصيين،
ولعنة الله على أعدائهم وظالميهم إلى يوم الدين.
أما بعد، فيقول غريق بحار السيّئات
والأماني (محمد تقي بن عبد الرزاق الموسوي الاصفهاني)
_ عفى الله تعالى عنهما _ لإخوانه في الإيمان:
هذا هو الجزء الثاني من كتاب (وظيفة
الأنام في زمن غيبة الإمام عليه السلام) الذي جمعت فيه جملة من الأعمال التي
يجب على أهل الإيمان _ في زمن غيبة إمام العصر يعني
(الحجة بن الحسن العسكري) عجل الله فرجه الشريف
المواظبة عليها، وأن يجعلوها دستوراً لاعمالهم _ وكل
ما جمعت فيه إلى الآن _ من كتب الإمامية المعتبرة _
يزيد على خمسين أمراً، وذكرت في الجزء الأول من الكتاب
خمس وعشرين وظيفة، وأذكر الباقي في هذا الجزء بعون
الله جل جلاله، فأقول:
السادس والعشرون:
أن يظهر العلماء عملهم ويرشدوا الجاهلين إلى جواب
شبهات المخالفين كي لا يضلّوا وينقذوهم من الحيرة إن
وقعوا فيها، وهذا الأمر مهمّ جداً في هذا الزمان وهو
واجب على العلماء، فقد ورد في
(تفسير
الإمام الحسن العسكري عليه السلام
)
أنّ الإمام محمد التقي عليه السلام
قال:
إنّ من تكفل بأيتام آل محمد صلى الله
عليه وآله، المنقطعين عن إمامهم، المتحيرين في جهلهم،
الأُسراء في أيدي شياطينهم وفي أيدي النواصب من
أعدائنا فاستنقذهم منهم، وأخرجهم من حيرتهم، وقهر
الشياطين بردْ وساوسهم، وقهر الناصبين بحجج ربّهم،
ودليل أئمتهم، ليفضلون عند الله على العباد بأفضل
المواقع، بأكثر من فضل السماء على الأرض والعرض
والكرسي والحجب، وفضلهم على هذا العابد كفضل القمر
ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء.
وروي عن الإمام علي النقي
عليه السلام
أنّه قال:
(لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم
من العلماء الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابّين
عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من
شباك إبليس ومردته ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلاّ
ارتد عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمّة قلوب
ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكّانها، أولئك هم
الأفضلون عند الله عز وجل).
وفي (أصول الكافي) عن معاوية بن عمار
قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس
ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم، ولعلَ عابداً من
شيعتكم ليست له هذه الرواية، أيَهما أفضل؟قال:
(الرواية لحديثنا يشد به قلوب
شيعتنا أفضل من ألف عابد).
إذن على ضوء هذه الأحاديث وغيرها يجب
على كل عالم أن يظهر علمه بقدر ما يستطيع، خصوصاً في
هذا الزمان الذي ظهرت فيه البدع، وقد ورد في (أصول
الكافي) عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:
(إذا ظهرت البدع في أمّتي
فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله).
وروي في كتاب (الفتن) من (البحار) عن
رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لأمير المؤمنين
عليه السلام:
(يا علي، لو هدى الله بك رجلاً
واحداً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس).
السابع والعشرون:
الاهتمام بأداء حقوق صاحب الزمان عليه السلام كل بقدر استطاعته، وعدم التقصير في
خدمته.
فقد ورد في (البحار) عن الصادق
عليه السلام
أنه سئل: هل ولد القائم؟
قال: (لا، ولو أدركته لخدمته أيام
حياتي).
أقول: تأمّل أيّها المؤمن كيف يجل
الإمام الصادق
عليه السلام
قدره، فإن لم تكن خادماً له فلا أقلّ أن لا تحزن قلبه
ليلاً ونهاراً بسيئاتك، فإن لم تَجُد بالعسل فلا تعط
السمّ.
الثامن والعشرون:
أن يبدأ الداعي بالدعاء له
عليه السلام
طالباً من الله تعالى تعجيل ظهوره، ثم يدعو لنفسه.
وهذا الأمر واضح في دعاء يوم عرفة من
الصحيفة السجادية المباركة، إضافة إلى اقتضاء حبّه
وأداء حقوقه ذلك، ويستفاد هذا الأمر أيضاً من بعض
الأحاديث، كل هذا مع تحصيل أكثر من ثمانين فائدة من
الفوائد الدنيوية والأخروية المترتّبة على الدعاء له عليه السلام
بتعجيل فرجه وظهوره، وقد ذكرت هذه الفوائد مع مصادرها
وأدلّتها في كتاب (أبواب الجنات) وكتاب (مكيال
المكارم)
وبعضها تقدم في هذا الكتاب.
ومن الطبيعي أنّ الشخص العاقل يؤْثر
تحصيل تلك الفوائد على دعاء لا يعلم يستجاب أم لا، بل
تقديم الدعاء له
عليه السلام
يكون وسيلة لاستجابة دعائه إن شاء الله تعالى، كما هو
شأن تقديم الصلاة على محمد وآل محمد في الدعاء، حيث
يكون موجباً لاستجابة ما بعده من دعاء.
كما ورد في الحديث.
التاسع والعشرون:
إظهار المحبة والولاء له
عليه السلام.
فقد ورد في (غاية المرام) عن رسول
الله صلى الله عليه وآله أنه قال في حديث المعراج إن
الله تعالى قال له: يا محمد، أتحبّ أن تراهم؟
فقال: تقدّم أمامك، فتقدّمت أمامي
فإذا علي بن أبي طالب، والحسن والحسين، وعلي بن
الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر،
وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن
علي، والحجة القائم كأنه الكوكب الدرّي في وسطهم.
فقلت: يارب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أئمة
الحق، وهذا القائم، محلّل حلالي، ومحرّم حرامي،
وينتقم أعدائي، يا محمد أحببه فإنّي أحبّه، وأحب من
يحبّه.
أقول: يتضح من الأمر بمحبته _ مع أنّ
محبة جميع الأئمة واجبة _ أنّ في محبّته خصوصية معينة
كانت وراء أمر الله تعالى هذا، وأنّ في وجوده المبارك
صفات وشؤون تقتضي هذا التخصيص.
الثلاثون:
الدعاء لأنصاره وخدّامه.
كما ورد ذلك في دعاء يونس بن عبد
الرحمن المتقدّم.
الواحد والثلاثون:
لعن أعدائه
عليه السلام.
كما هو ظاهر من أخبار كثيرة ومن
الدعاء الوارد عنه
عليه السلام
.
الثاني والثلاثون:
التوسّل بالله تعالى أن يجعلنا من أنصاره.
كما ورد ذلك في دعاء العهد وغيره.
الثالث والثلاثون:
رفع الصوت في الدعاء له
عليه السلام
وخصوصاً في المجالس والمحافل العامة.
فهو إضافة إلى انّه تعظيم لشعائر الله
تعالى، فقد ظهر استحباب ذلك في بعض فقرات دعاء الندبة
المروي عن الصادق
عليه السلام.
الرابع والثلاثون:
الصلاة على أنصاره وأعوانه
عليه السلام.
وهو نوع من الدعاء لهم، وقد ورد ذلك
في دعاء عرفة من الصحيفة السجادية المباركة وبعض
الأدعية الأخرى.
الخامس والثلاثون:
الطواف حول الكعبة المشرفة نيابة عنه عليه السلام
، وقد أوردت الدليل على ذلك في كتاب (مكيال المكارم)،
وأعرضت عن ذكره هنا طلباً للاختصار.
السادس والثلاثون:
الحجّ نيابة عنه
عليه السلام.
السابع والثلاثون:
إرسال النائب عنه للحجّ.
ودليله ودليل الذي قبله الحديث المروي
في (الخرائج)
وقد ذكرته في (مكيال المكارم)
ومذكور أيضاً في (النجم الثاقب).
الثامن والثلاثون:
تجديد العهد والبيعة له
عليه السلام
في كل يوم أو في كل وقت ممكن.
واعلم أن معنى البيعة على قول أهل
اللغة: العهد والاتّفاق على أمر، والمراد من البيعة
والعهد معه
عليه السلام
هو أن يقر المؤمن بلسانه ويعزم بقلبه أن يطيعه كل
الطاعة، وينصره في أي وقت ظهر فيه، وهذا الأمر يحصل
بقراءة دعاء العهد الصغير الذي تقدم ص 40، أو الكبير:
الذي يأتي ص 108.
وأما وضع اليد في يد شخصٍ ما بعنوان
أنّ هذه البيعة هي بيعة مع الإمام عليه السلام
فهو من البدع المضلّة فلم ترد في القرآن أو الروايات،
نعم لقد كان متعارفاً عند العرب أن يضع الرجل يده بيد
رجل آخر لإظهار البيعة والعهد بصورة جليّة، وقد ورد في
بعض الأحاديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد
صافح في مقام البيعة ثم وضع يده المباركة في إناء ماء
ثم أخرجها وأمر نساء المسلمين أن يضعن أيديهنّ في ذلك
الماء في مقام البيعة له صلى الله عليه وآله، وهذا لا
يصلح أن يكون دليلاً على أنّ هذا الشكل من البيعة جائز
في كل زمان حتى زمان غيبة الإمام عليه السلام
، بل يظهر من بعض الأحاديث وجوب الاكتفاء بالإقرار
اللساني والعزم القلبي في عدم إمكان بيعة شخص الإمام
أو النبي صلى الله عليه وآله، وهذا الحديث مفصّل في
ذكر هذا الأمر وقد أورده جمع من العلماء في كتبهم.
ومن جملتها ماورد في تفسير (البرهان)
عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله
بعد أن نصب الأمير
عليه السلام
خليفة له أوضح جملة من فضائله، ثم قال:
(معاشر الناس إنّكم أكثر من أن
تصافقوني بكفّ واحدة، وأمرني الله عز وجل أن آخذ من
ألسنتكم الإقرار بما عقدت لعلي
عليه السلام
بإمرة المؤمنين ومن جاء بعده من الأئمّة منّي ومنه على
ما أعلمتكم أنّ ذرّيّتي من صلبه، فقولوا بأجمعكم: إنّا
سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلغت من أمر ربّنا
وربّك في أمر علي أمير المؤمنين وأمر ولده من صلبه من
الأئمّة _ إلى آخر الحديث).
فإن كان جائزاً وضع اليد في يد غير
الإمام بعنوان البيعة مع الإمام عليه السلام
لكان قد أمر الناس أن تضع كلّ طائفة يدها في يد أحد
كبار الصحابة مثل سلمان وأبي ذر وغيرهم، فإذن لايصحّ
هذا العمل إلاّ مع شخص النبي صلى الله عليه وآله وشخص
الإمام
عليه السلام
في زمان ظهوره، كالجهاد المختص بزمان حضور الإمام
عليه السلام
، وعلاوة على ذلك لم يرد أيّ حديث في أي كتاب روائي
يقول أن في زمان الأئمّة عليهم السلام بايع أحد
المسلمين أحد الصحابة الأئمّة عليهم السلام الكبار
بعنوان أن نفس الأئمّة عليهم السلام جعلوهم مراجع
نستعينهم في هذا الأمر.
التاسع والثلاثون:
ذكر بعض الفقهاء، مثل المحدّث الحر العاملي رحمه الله
في الوسائل، حيث قال: يستحب زيارة قبور الأئمّة
الأطهار عليهم السلام نيابة عن الإمام عجل الله تعالى
فرجه.
الأربعون:
روي في (أصول الكافي) عن المفضل أنّه قال: سمعت أبا
عبد الله
عليه السلام
يقول:
(لصاحب هذا الأمر غيبتان،
إحداهما يرجع منها إلى أهله، والأُخرى يقال: هلك، في
أيّ واد سلك؟! قلت: كيف نصنع إذا كان كذلك؟! قال: إذا
ادّعاها مدّع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله).
أقول: يعني اسألوه عن أمور لا يصل
إليها علم الناس، مثل الإخبار عن الجنين في رحم أُمّه،
أذكر هو أم أُنثى؟ وفي أيّ وقت يولد؟ ومثل الإخبار
عمّا أضمرتموه في قلوبكم ممّا لا يعلم به إلاّ الله
تعالى، والتكلّم مع الحيوانات، والجمادات، وشهادتهما
على صدقه وحقِّه في هذا الأمر كما حصل أمثالها مع
الأئمّة الطاهرين عليهم السلام مكرراً، وقد ذكرت
مفصّلة في الكتب.
الحادي والأربعون:
تكذيب من يدّعي النيابة الخاصة عنه عليه السلام
في الغيبة الكبرى، كما ورد ذلك في التوقيع الشريف
المذكور في (كمال الدين)
و( الاحتجاج).
الثاني والأربعون:
عدم تعيين وقت لظهوره
عليه السلام
، وتكذيب من يعيّن ذلك وتسميته كذّاباً.
وقد ورد في الحديث الصحيح عن الصادق
عليه السلام
أنّه قال لمحمد بن مسلم:
(من وقّت لك من الناس شيئاً فلا
تهابنّ أن تكذّبه، فلسنا نوقّت لأحد وقتاً).
وفي حديث آخر عن الفضيل أنّه قال:
(سألت أبا جعفر
عليه السلام:
هل لهذا الأمر وقت؟ فقال: (كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب
الوقّاتون).
وفي (كمال الدين) عن الرضا
عليه السلام
أنه قال:
حدّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه عليهم
السلام أنّ النبي صلى الله عليه وآله قيل له: يا رسول
الله، متى يخرج القائم من ذرّيّتك؟
فقال
عليه السلام:
(مثله
مثل الساعة التي (لا
يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي
السَّماواتِ وَالأَْرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ
بَغْتَةً)).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً.
الثالث والأربعون:
التقيَّة من الأعداء.
وأما معنى التقية الواجبة فهو أن
يتوقَّف المؤمن عن إظهار الحقّ إذا وجد خوفاً عقلاءياً
من الضرر في نفسه أو ماله أو كرامته فلا يظهر الحقّ،
بل إذا اضطرّ لحفظ نفسه أو ماله أو كرامته أَن يوافق
المخالفين بلسانه فليفعل، إلاّ أنّ قلبه يجب أن يكون
مخالفاً للسانه، فقد ورد في (كمال الدين) عن الإمام
الرضا عليه السلام
أنّه قال:
(لا دين لمن لا ورع له، ولا
إيمان لمن لا تقيّة له، إنَّ أكرمكم عند الله أعملكم
بالتقيّة)
فقيل له: يا ابن رسول الله، إلى متى؟ قال: (إلى يوم الوقت المعلوم، وهو
يوم خروج قائمنا أهل البيت، فمن ترك التقيّة قبل خروج
قائمنا فليس منّا).
والأخبار في وجوب التقيّة كثيرة جداً،
وما عرضته من معنى التَّقيّة الواجبة هو نفس معنى
الحديث المذكور في هذا الباب في كتاب (الاحتجاج) عن
أمير المؤمنين عليه السلام
، وقد أكَّد الإمام
عليه السلام
في ذلك الحديث بقوله وترك التقية فإن في ذلك إذلالكم
وسفك دمائكم ودماء المؤمنين... إلى آخر الحديث.
وفي (خصال) الشيخ الصدوق (رحمه الله)
بسند صحيح عن الإمام محمد الباقر عليه السلام
أن أمير المؤمنين
عليه السلام
قال:
(قوام الدين بأربعة:
بعالم ناطق مستعمل له، وبغنيّ لا يبخل بفضله على أهل
دين الله، وبفقير لا يبيع آخرته بدنياه، وبجاهل لا
يتكبر عن طلب العلم، فاذا كتم العالم علمه، وبخل الغني
بماله وباع الفقير آخرته بدنياه، واستكبر الجاهل عن
طلب العلم، رجعت الدنيا إلى ورائها القهقرى فلا
تغرَّنكم كثرة المساجد وأجساد القوم مختلفة، قيل: يا
أمير المؤمنين، كيف العيش في ذلك الزمان؟ فقال:
خالطوهم بالبرانية _ يعني في الظاهر _ خالفوهم في
الباطن، للمرء ما اكتسب وهو مع من أحبّ، وانتظروا مع
ذلك الفرج من الله عز وجل).
والأخبار في هذا الباب كثيرة جداً وقد
ذكرت جملة منها في (مكيال المكارم).
الرابع والأربعون:
التوبة الحقيقية من الذنوب.
وإن كانت التوبة من الأعمال المحرمة
واجبة في كل زمان إلا أن أهميتها في هذا الزمان من جهة
أن أحد أسباب غيبة صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه
وطولها هو ذنوبنا العظيمة والكثيرة, فأصبحت سبباً
لامتناعه عن الظهور, كما ورد ذلك في (البحار) عن أمير
المؤمنين
عليه السلام
، وكذلك في التوقيع الشريف المروي في (الاحتجاج) حيث
يقول:
(فما يحبسنا عنهم إلاّ ما يتّصل
بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم).
ومعنى التوبة هو الندم على الذنوب
السابقة والعزم على تركها في المستقبل، وعلامة ذلك
إبراء الذمّة من الواجبات التي تركت، وأداء حقوق الناس
الباقية في ذمّته، وإذابة اللحم الذي نشأ في بدنك من
المعاصي، وتحمّل مشاق العبادة بما ينسيك ما اكتسبته من
لذّة المعصية.
وبهذه الأمور الستّة تتحقّق التوبة
كاملاً، وتكون كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام
في كتب متعددة.
فانتبه إلى نفسك، ولا تقول: وعلى فرض
أنّي أتوب ولكن الناس لا يتوبون فيستمر الإمام عليه السلام
في غيبته، فذنوب الجميع تؤدي إلى غيبته وتأخّر ظهوره!
فأقول: إن كان جميع الخلق سبباً
لتأخير ظهوره
عليه السلام
فالتفت إلى نفسك فلا تكون شريكاً معهم في ذلك، فأخشى
أن يصبح حالك تدريجاً كحال هارون الرشيد في حبسه
للإمام موسى الكاظم عليه السلام
، وحبس المأمون للرضا
عليه السلام
في (سرخس)، أو حبس المتوكّل للإمام علي النقي
عليه السلام
في (سامراء)!
الخامس والأربعون:
ما روي في (روضة الكافي) عن الصادق عليه السلام
أنه قال:
(إذا تمنّى أحدكم القائم
فليتمنّه في عافية، فإنّ الله بعث محمداً صلى الله
عليه وآله رحمة ويبعث القائم نقمة).
أقول: يعني اسألوا الله تعالى أن
تلاقوه
عليه السلام
وأنتم مؤمنون ومعافون من ضلالات آخر الزمان كي لا
تكونوا محلاَّ لإنتقامه.
السادس والأربعون:
أن يدعو المؤمن الناس إلى محبته
عليه السلام
ببيان إحسانه عليه السلام إليهم وبركات ومنافع وجوده المقدّس
لهم وحبّه
عليه السلام
لهم، وأمثالها، ويتحبب إليه بما يكسب به حبّه
عليه السلام
له.
السابع والأربعون:
أن لا يقسو قلبك بسبب طول زمان الغيبة، بل يبقى طريّاً
بذكر مولاه
عليه السلام
، وقد قال ربّ العالمين جلّ شأنه في القرآن المجيد في
سورة الحديد: (أَلَمْ
يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ
لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا
يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ
فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَْمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ).
وقد روي في (البرهان) عن الصادق
عليه السلام
أنه قال:
(نزلت هذه الآية _ (وَلا
يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ
فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَْمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ)
_ من أهل زمان الغيبة، ثم قال: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ
الأَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِها)).
|