وأما إذا أردنا الرد على كلامه أقول:

أولا: انه لا يخفى على أحد انه لم يعهد لأحد من الأئمة الاثني عشر, ولم يعرف لهم مكث في الحلة, ولا سكنى, ولا دار, ولا سرداب اختفى فيه الامام الثاني عشر عجل الله فرجه بل لم تكن الحلة في زمانهم موجودة!! وتعلم يا عزيزي القارئ إن الامام أرواحنا فداه ولد في سامراء سنة 255 هـ والحلة مصرت سنة 495 هـ على يد سيف الدولة صدقة المزيدي الاسدي.

وثانيا: إن ابن بطوطة انفرد في كلامه هذا, كما انفرد بأشياء كثيرة في رحلته هذه, فمثلا سمى ملك الايلخانيين (خدابنده) ناصر الشيعة الذي تشيع على يد العلامة الحلي رحمه الله, ومعربها عبد الله (بخربنده) ومعربها عبد الحمار, وما كلامه هذا إلا لحقد على مذهب الامامية, وقد قدمنا ذكر من زار هذا المقام من العلماء والنّساخ وعامة الناس في عصره, فهلا ذكر أحدهم ما رآه ابن بطوطة؟ وهلا ذكر لنا ابن جبير في رحلته, ما رآه ابن بطوطة في الحلة وهو أسبق منه؟ ومع ذلك فان تاريخ الحلة في تلك الفترة كان حافلاً باعلام عظام كالعلامة الحلي رحمه الله, وولده فخر المحققين رحمه الله, والمقداد السيوري رحمه الله وأحمد بن فهد رحمه الله والحافظ رجب البرسي وأضرابهم, فهل يعقل ويقبل أن يجري ما ذكره ابن بطوطة بتفاصيله غير المضبوطة ولا ينكره أحد منه؟

وثالثا: إن كذبه ظاهر من عبارته (ومن عادتهم أن يخرج في كل ليلة مائة رجل من أهل المدينة عليهم السلاح وبأيديهم سيوف مشهورة فيأتون أمير المدينة بعد صلاة العصر) فمالهم يخرجون في كل ليلة ويأتون أميرهم لطلب الفرس بعد صلاة العصر؟ أما كان الاجدر أن يطلبوا الفرس بعد صلاة المغرب؟ أليس هذا مما يضحك الثكلى. 

ورابعاً: انه لم يرد في كتب الشيعة قط ما يؤيد كلامه, وكلهم متفقون على أن خروجه بأبي هو وأمي من مكة المكرمة المعظمة, فهذه كتبهم طفحت بحديث خروجه من مكة.

وخلاصة القول أرى انه رأى كثرة العلماء والطلبة على مدرسة صاحب الزمان عجل الله فرجه المتصلة بالمقام والتي موقعها في ظهر المقام وبني على آثارها مسجد لاخواننا السنة , وهو جامع الحلة الكبير وبالخصوص إن سنة وروده للحلة هي آخر سنة من حياة العلامة الحلي رحمه الله فبدلاً من أن يمدح علماء الشيعة وتوافدهم على معاهد العلم والعلماء, حسد القوم ولم يبين لنا صدق ما رآه فأخذ يصف لنا النخيل والحدائق والانهار, ويدع ذكر علمائها الابرار وأهلها الاخيار, كعادته عندما دخل إلى بغداد, وصف لنا قبر أبي حنيفة وقبور أحمد بن حنبل والجنيد وبشر الحافي ولم يذكر إلاّ  شيئاً يسيراً من الذكر عن قبري الإمامين الهمامين موسى بن جعفر ومحمد بن علي الجواد عليهما أفضل الصلاة والسلام فهل يخفى القمر في الليلة الظلماء؟ ولكن أبى الشيخ المؤرخ إلا ما وجد عليه الاباء (شنشنة أعرفها من أخزم), ومما لا يخفى على المتتبع إن رحلة ابن بطوطة, طفحت بكثير من الأغلاط والأخطاء الخططية والتأريخية حتى أنه أخطأ في تعيين قبور جماعة من المشاهير كبشر الحافي مثلا, فقد جعل قبره في الجانب الشرقي من بغداد مع أنه مدفون في مقبرة باب حرب, في أعلى الجانب الغربي من بغداد (في الشمال الغربي من مقابر قريش, مدينة الكاظمية الحالية) ومهما يكن  فلم أقف على ما ذكره ابن بطوطة عند غيره  ممن ذكر الحلة من قبل ومن بعد, وهذا دليل ضعف الخبر, ولو كان له أثر لأشتهر.

*   *   *

الباب الخامس

في ذكر عمارة مقام صاحب الزمان أرواحنا فداه في الحلة

إن الباحث عن تاريخ عمارة مقام صاحب الزمان أرواحنا فداه في الحلة, يجد أن تأريخ هذا المقام ظل متواكباً مع تاريخ الحلة من أبان بزوغ عصرها العلمي, فهو فيها كالقلب من الجسد, فتجد فيه العالم والمتعلم والوالي والرعية والمعافى والسقيم, حتى أنه مامرّ بالحلة من وافد إلا وتشرف بمشهد صاحب الزمان أرواحنا فداه, فذاك ابن بطوطة وذا سيد علي رئيس المصري وغيرهم, ولولا حقد المتعصبين لذكر لنا التاريخ عدة من الزائرين لهذا المقام الشريف, وسوف نذكر في هذا الباب تاريخ عمارة المقام حسب التسلسل التاريخي لها:

1 _ في القرن السادس الهجري:

لا علم لنا بتاريخ عمارة المقام وإنشائها في هذا القرن, إلا انها كانت موجودة, وبحسب التواريخ التالية, وللأسف الشديد فُقد كتاب (المناقب المزيدية في أخبار الدولة الاسدية)(1)  للمؤلف أبي البقاء هبة الله بن نما, فأن البلاد الاسلامية خلت من هذه النسخة, سوى نسخة واحدة موجودة في المتحف البريطاني وتحت رقم (230296) ولا بد من ذكر لهذا المقام في هذا الكتاب لأن مؤلفه كان من رجال ذلك القرن.

2 _ في القرن السابع الهجري:

كانت العمارة موجودة, ومنذ بدأ هذا القرن وهذا ما نجده في ما كتبه الشيخ الفاضل علي بن فضل الله بن هيكل الحلي تلميذ أبي العباس ابن فهد الحلي ما صورته:

حوادث سنة (636 هـ): فيها عمّر الشيخ الفقيه العالم نجيب الدين محمد بن جعفر بن هبة الله بن نما الحلي بيوت الدرس الى  جانب المشهد المنسوب الى صاحب الزمان عليه السلام بالحلة السيفية, وأسكنها جماعة من الطلبة.(2)

سنة (677 هـ): في داخل المقام نسخ السيد الحسين الطبري رحمه الله كتاب (نهج البلاغة).(3)

3 _ في القرن الثامن الهجري:

كانت عمارة المقام شامخة في قلب الحلة وعلى شهرة واسعة من الذكر من قبل الخاص والعام ففي بداية هذا القرن وفي داخل المقام كتب الشيخ محمد حسن بن ناصر الحداد كتابه الدرة النضيدة.(4)

وفي سنة (723 هـ): في داخل المقام نسخ محمود بن محمد بن بدر كتاب (تحرير الاحكام الشرعية) للعلامة الحلي رحمه الله.(5)

في سنة (776 هـ): في داخل المقام نسخ جعفر بن محمد العراقي كتاب (قواعد الاحكام) للعلامة الحلي رحمه الله.(6)

وأما وصف عمارة المقام في القرن الثامن الهجري فعلى ما يلي:

محراب المقام: ورد ذكر المحراب على لسان الراوي لحكاية (أبي راجح الحمامي) وهو الشيخ محمد بن قارون, والحاصلة في هذا القرن قائلا: (وكان يجلس في مقام الامام عليه السلام في الحلة ويعطي ظهره القبلة الشريفة, فصار بعد ذلك يجلس ويستقبلها),(7) والقبلة الشريفة كناية عن محراب المقام.

باب المقام: ورد ذكر باب المقام على لسان (ابن بطوطة) في رحلته الحاصلة في سنة 725 هـ قائلا: (وبمقربة من السوق الاعظم مسجد على بابه ستر حرير مسدول وهم يسمونه مشهد صاحب الزمان).(8)

قبة المقام: ورد ذكر لقبة المقام في هذا القرن أربع مرات في حكاية (ابن الخطيب وعثمان) الحاصلة في سنة 744 هـ قائلاً (أي الراوي للحكاية): (فلما كانت ليلة الجمعة حملنها حتى أدخلنها القبة الشريفة في مقام صاحب الزمان عليه السلام... وبتنَ باجمعهنّ في باب القبة... لما جعلتنني في القبة وخرجتنّ... ورأيت القبة قد امتلأت نوراً).(9)

وذكرت القبة ثانيةً في هذا القرن في حكاية (جمال الدين الزهدري) الحاصلة في سنة 759 هـ على لسان الراوي لها مرتين قائلا: (وقيل لها ألا  تبيتينه تحت القبة الشريفة بالحلة المعروفة بمقام صاحب الزمان عليه السلام... وقد أباتتني جدتي تحت القبة).(10)

وآخر الذكر لعمارة هذا المقام هو ما جرى على لسان (ابن ابي الجواد النعماني حينما سأل الامام القائم عجل الله فرجه قائلاً: (يا مولاي لك مقام بالنعمانية ومقام بالحلة فأين تكون فيهما؟).(11)

4 _ في القرن التاسع الهجري:

وفي سنة (873 هـ/ 1452م): قال الغياثي في تأريخه في حوادث تلك السنة: (أرسل حسن علي, أمير بغداد, جيشاً الى الحلة للقضاء على حكومة شاه علي بن اسكندر, فلما وصل الجيش الى قلعة بابل رأى قراغول (حراس) فجرت معركة بين الطرفين,ثم اصطلحوا وعاب القرغول أميرهم وقالوا لهم, الجسر منصوب نمضي على غفلة, وساروا وعبروا الجسر والناس يظنونهم القرغول الذين أرسلوا ومضوا الى أن وصلوا الى دار السلطان وأحاطوا بها وكان ابن اسكندر وابن قرا موسى في القلعة فأخذوهما عريانين وقتلوا ابن قرا موسى, وأما ابن اسكندر فألقى بنفسه الى صاحب الزمان, وقال: كنت درويشاً وجاء بي ابن قرا موسى قهراً وطلب الامان... ).(12)

أقول: هكذا وردت العبارة في تاريخ الغياثي والظاهر ان المقصود بعبارة (فالقى بنفسه الى صاحب الزمان) أنه القى بنفسه الى مقام صاحب الزمان ارواحنا فداه, داخلاً بذمته آملاً منه أن يتركوه لأنه احتمى بصاحب الزمان عجل الله فرجه ويؤيد كلامنا هذا, انه لا يوجد شيء ينسب الى صاحب الزمان عجل الله فرجه في الحلة سوى هذا المقام الشريف, فحذف كلمة مقام أو مشهد من العبارة إما أن تكون من سهو النّساخ, أو انما وردت على سبيل المجاز والأتساع بحذف المضاف وهو شائع في لغة العرب ومحاوراتهم وبه نطق القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ) (13) والتقدير على ما أجمع عليه المفسرون, أهل القرية وأهل العِير,كما أنه شائع في لغتنا اليوم, فيقول أحدنا زرت علياً عليه السلام وزرت الحسين عليه السلام يريد انه زار كلاً من مشهدهما. 

5 _ في القرن العاشر وما بعده:

ذكرت عمارة المقام عندما زاره سيد علي رئيس المرسل من قبل سلطان مصر سنة 961 هـ.(14) وفي عهد الدولة الصفوية (930 _ 1120 هـ) ذكرت عمارة المقام أيضا حينما عينت تلك الدولة (ال القيم) لسدانة المقام.(15)

6 _ في القرن الرابع عشر:

في سنة (1317 هـ/ 1896م),(16) سعى لعمارة مقام الغيبة الواقع في الحلة العلامة الكبيرالسيد محمد ابن السيد مهدي ابن السيد حسن ابن السيد احمد القزويني (1262 _ 1335 هـ) الذي كان يهتم بعمارة الاثار التأريخية.

أقول: بقيت هذه العمارة الى سنتنا هذه وهي سنة 1425 هـ وقد أرخ تلك العمارة الشيخ محمد المل(17) تـ 1322 هـ في آخر قصيدة له قائلا:

محمداً فيك العلا قسمت(18)

 

آخيت(19) اسمك اشتق من الحمد

بأنــك الحائز علـماً بـه

 

تهــدي الى الايمان والرشدِ

شيدت للقائم مـن هاشـم

 

مـقـام قدسٍ شامخ المـجدِ

فلم يزل تهتف فيك العلى(20)

 

على لسان الحرِ والعبدِ

ذا خلف المهدي قد(21) ارخوا

 

(شاد مقام الخلف المهدي)(22)

والشعر هذا موجود ومكتوب الى الآن على باب المقام كتب بالقاشي الازرق , ولم يتغير الى الان  وأنا نقلته هنا على ماكتب على باب المقام وقد أورد الشيخ الخاقاني رحمه الله في كتابه (شعراء الحلة ج5 ص242) هذا الشعر باختلاف يسير, أوردته بالهامش.

كما ان الحاج عبد المجيد العطار (1282 _ 1342 هـ) أرخ هذه العمارة ببيتين من الشعر ضمنهما بـ (28) تاريخاً قائلاً:

توقع جميل الاجر في حرم البنا

بصاحب عصر ثاقب باسمه السنا

بفتحك بالنصر العزيز رواقا

نجدّ اقتراباً ماأجار وراقا(23)(24)

7 _ في القرن الخامس عشر الهجري:

سنة 1422 هـ/ 2001م:

سعى المرجع الديني الاعلى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله الوارف بتجديد عمارة المقام وبجهود  بعض المؤمنين الخيرين, بالرغم من تلك الظروف الحرجة من محاربة وطمس آثار التشيع من قبل حزب البعث الحاكم آنذاك وتضمن هذا التجديد:

1 _ تغليف القبة المنيفة السامية الشامخة للمقام بالقاشي الازرق.

2 _ تغليف أرضية المقام وجدرانه بالمرمر الفاخر.

3 _ تزيين سقف المقام والقبة من الداخل بالمرايا.

4 _ تغيير الآيات التي كتبت على واجهة المقام.

5 _ تكييف المقام وإنارته بالمصابيح والثريا.

ولقد أرخ هذه العمارة الشاعر السيد عصام الحسيني السويدي قائلاً:

يا حجة الله التي

شُدنا مقامكَ علّنا

أرواحنا قبل الحجا

بالحمدِ تمّ مؤرخاً

 

في أرضهِ للعبدِ

نحظى بنيلِ السّعدِ

رةِ سابقت والايدي

(أنظر مقام المهدي) 1422 هـ

والشعر هذا مكتوب على لوحة وضعت فوق باب المقام من الداخل.

أقول: وفي تلك السنة أي سنة 1422 هـ وفي حكم حزب البعث الظالم جاءت بعثة من بغداد من دائرة الاوقاف والشؤون الدينية, وكان بنيتها دراسة هدم المقام كلياً بحجة توسعة جامع الحلة الكبير وان المقام لا قيمة له, فأجابهم أحد الموظفين في دائرة الاوقاف والشؤون الدينية في الحلة, بأن أصل الجامع هو من المقام, فولوا مدبرين وأبى الله الاّ ان يتم نوره ولو كره المشركون, وهذا مما اشتهر عند أهل الحلة وسمعته منهم, وهو أيضا ما أخبرني به أحد موظفي دائرة الوقف الشيعي, وكان هذا الموظف هو الراد على تلك البعثة, وقال ما مضمونه: (على ان الله عز وجل انطقني في أن أقول أن الجامع هو أصلاً من المقام).

علما انني احتفظت ببعض الاوراق التي تخص تلك العمارة الاخيرة وسوف أوردها في الباب الثاني عشر من كتابنا هذا.  

   ومن الذين قالوا شعرا بمناسبة  هذه العمارة أيضاً الاستاذ (عبد العظيم الحاج رحيم الصفار الخفاجي) أحببت إيراده هنا قائلاً:

في الحلة اثرٌ يتجدد

يتوارثه أهل بلادي

حتى يرث الارض جميعاً

قد شيده من قد سلفوا

رحم الله الماضي منهم

والقادم يتصل بهم

قف واخلع نعليك وصلِّ

واهتف (يا ابن الحسن المهدي

 

من آثارِ آلِ محمد

ابناءً آباءً عن جد

الصالح من آل محمد

وبأيدي الابناء تجدد

والحاضر يحفظه الاوحد

وسيبقى البنيان مشيد

في هذا المحراب الأمجد

يا غائباً جُدَداً جَدّدْ)

  وتتميماً للفائدة في آخر هذا الباب نذكر ترجمة السيد العلامة الكبير محمد القزويني رحمه الله للتبرك بذكره الشريف, وقد حفلت بترجمته العاطرة كثير من كتب التراجم, ونحن نختصر ما ورد في (الكنى والالقاب) للشيخ المرحوم عباس القمي رحمه الله, ج3 ص51, قائلاً: (سلالة الفقهاء وسلافة الادباء ابو المعز السيد محمد ابن السيد مهدي حسن ابن السيد احمد الذي هو أول من انتقل من قزوين الى العراق وقطن النجف الاشرف ابن محمد بن الحسين ابن الامير ابي القسم امير الحاج في الدولة الصفوية ينتهي نسبه الى محمد بن زيد الشهيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ولد في الحلة سنة 1262 هـ وأخذ في التعلم الى أن راهق البلوغ فهاجر هو وأخويه الاعلام وهم الميرزا جعفر والسيد حسين المتوفي سنة 1325 هـ الى النجف مقر العلم والعلماء ومنتدى الادب والادباء فأتقن العلوم العقلية والنقلية على كثير من الاساتذة العظام والفضلاء الفخام وكان بعكس أبيه قليل التأليف والتصنيف لا يكاد يرتضي ما صنفه حتى يغيره بعد الملاحظة والمراجعة فظهر له منظومة في المواريث ورسالة في علم التجويد ومنسك في الحج وديوان شعره وله اثار إصلاحية كاصلاح نهر الحلة وتعمير قبور العلماء في الحلة كقبر المحقق وال طاوس وابن ادريس والشيخ ورام وغيرهم ومقام الغيبة وتجديد مقام مشهد الشمس ولما خلت الحلة من أعلام هذه الاسرة واستأصل الموت شأفتهم كتب اليه الحليون وحثوه على المجئ فلبى دعوتهم فهاجر الى الحلة سنة 1313 هـ فاستقبله جمهورهم على مسافة ميلين وكان يوماً مشهوداً كيوم وفاته وأخذت العلماء والشعراء يفدون عليه لتهنئته، وكان في الحلة الى أن باغتته المنية وأنشبت فيه أظفارها وذلك في أول سنة 1335  ونقل الى النجف الاشرف ودفن في مقبرة ال قزوين قدس سره).

*   *   *

الباب السادس

في ذكر المساحة الأصلية للمقام وتاريخ الجامع الكبير المجاور للمقام

هذا الباب من أبواب كتابنا يتضمن فوائد مهمة تتعلق بأمور تأريخية كادت أن تنسج عليها عناكب النسيان وكشف حقائق حاولت طمسها والتضبيب عليها أيدي العبث والتمويه, ولتسليط الضوء على هذه الامور لا بدّ من جمع حقائق تخص مساحة المقام الاصلية التي صارت تتضائل جيلاً بعد جيل، فالمساحة الكلية للمقام اليوم هي نحو 35 متراً مربعاً، ولقد علمت أنه في سنة (1422 هـ/ 2001م) أرادوا هدم المقام بحجة جعله بيتاً خاصاً لأمام وخطيب أهل السنة في جامع الحلة الكبير المجاور للمقام، لكن أبى الله إلاّ أن يتم نوره، حيث أن النقول التاريخية  المبثوثة في المصادر المعتبرة تثبت سعة مساحة المقام الشريف كما يظهر ذلك مما جمعناه من شوارد متناثرة وموارد مشتتة في بطون الكتب وطيات الآثار وقد استعنا الله تعالى في جمعها وتصنيفها أولاً فأولاً ودونك التفصيل:

أولاً: في مساحة المقام الاصلية وأن الجامع الكبير المجاور له تابع للمقام الشريف:

أ _ إن اسم جامع الحلة الكبير عند أهل الحلة مشهور بـ ( جامع الغيبة) وقد أخذوا هذا الاسم والشهرة على جهة التسالم يداً عن يد وخلفاً عن سلف.

ب _ إن مقام الغيبة الآن يحتوي على القبة فقط دون منارة والحال إن مقامات الائمة عليهم السلام ومشاهدهم على كثرتها في العراق لم نرها خالية من المنارة وهذا مما يدل على أن الجامع الذي يحتوي على المنارة وهو بدون قبة والمقام الذي يحتوى على القبة وبدون منارة مكان واحد.

جـ _ أن جامع الحلة الكبير يحتوي على المنارة فقط دون القبة والحال ان المساجد الاسلامية على كثرتها في العالم الاسلامي صغيرها وكبيرها تحتوي على منارة وقبة وهذا يدل على أن الجامع الذي يحتوي على منارة بدون قبة والمقام الذي يحتوي على قبة بدون منارة مكان واحد وخصوصاً إذا ما عرفنا أن الكتابة التي كانت على المنارة (أي حولها من الاعلى) كانت تحتوي على لفظ الجلالة واسم الرسول وأهل بيته الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين، وفي عام (1395 هـ/ 1975م) هدمت تلك المنارة وكتابتها ضاعت علينا وجعل بدلها منارة جديدة وكتب عليها سورة الاخلاص لتغيير تلك المعالم والخصائص التاريخية.

حدثني بذلك أقدم موظف في دائرة الوقف الشيعي (وقد رغب بعدم ذكر اسمه) وكان مشرفاً على بناء تلك المنارة الجديدة وذكر لي انه رأى تلك الكتابة القديمة التي على المنارة السابقة الذكر, وكان باني المنارة الجديدة من أهالي الديوانية وكان القاشي المكتوب عليه أسماء الائمة الاثني عشر عليهم السلام محفوظاً لمدة في دائرة الاوقاف, وطلبت منه تصويره فوتوغرافيا فقال لا أعلم أين هو الآن, وكذلك  سألنا الوجيه الشاعر عبد الامير محمود الجبوري صاحب كتاب (صرخة الثقلين) في مدح ورثاء أهل البيت عليه السلام وهو رجل كبير السن, انه هل رأى تلك الكتابة؟ قال: نعم, وسألنا الوجيه أمجد هلال مبارك وهو من مواليد 1935م ومحله قريب من الجامع الكبير, فقال انا رأيت تلك المنارة وما هو مكتوب عليها سابقا, وانها هدّمت في سنة 1975م وبني على أسها منارة جديدة وذلك لتغيير معالم ذلك الجامع, منكراً ما قاله لي موظف من دائرة الوقف الشيعي بأن المنارة القديمة كانت آيلة للسقوط, فقال الحاج أمجد انه لم تكن آيلة للسقوط, وانها هدمت بسبب ما عليها من الاسماء الطاهرة, كما ذكر لي هذا الرجل أن مقام الغيبة كان في وسط الجامع الكبير وبقرب المنارة التي في الجامع ولكثرة زائري المقام من الرجال والنساء وبغية عدم اختلاطهم جعل مقام رمزي للأمام عليه السلام خاص بالنساء في جنوب الجامع ومن ثم اختزل هذا المقام الذي كان خاصا بالنساء واغتصب المقام الاصلي الذي هو في الجامع من قبل الدولة العثمانية, ثم  قال هذا ما سمعته من والدي هلال عبود وهو من مواليد 1898م ومن أهل السوق القدماء.

أقول: وهذا لا يبعد مما عرفناه من أفعال الدولة العثمانية وما نثبته تأريخيا بعد هذه الاسطر كاف، وكان سبب تدويني لأقوال هذا الرجل, لقربه من الجامع, ولكبر سنه, ولعلاقة أجداده بتاريخ هذا الجامع كما ستعرف, كما ذكر لي السيد حيدر آل وتوت صاحب كتاب (المزارات ومراقد العلماء في الحلة الفيحاء) إن رجلاً من آل القيم وهم من سدنة المقام لقرون رأى تلك الكتابة, ومما يؤيد هذا الكلام قرب المسافة بين المنارة والقبة, وهذا ما تراه في الصورة الفوتغرافية التي نوردها في آخر الكتاب, إذ المسافة بينهما تبعد نحو 25 متراً. 

حـ _ ما ذكره الشيخ محمد علي اليعقوبي رحمه الله في كتابه (البابليات) ج2 ص105 في ترجمة الملا محمد القيم, قال: (ابو الحسن محمد بن يوسف بن ابراهيم بن اسماعيل بن سلمان بن عبد المهدي, وكان جده هذا سادناً وقيماً على مقام الامام المهدي عليه السلام الواقع في سوق الهرج في الحلة المسمى بالغيبة وهو المقام الذي ذكره ابن بطوطة في رحلته وابن خلدون في مقدمته, وكان السادن المذكور يتولى أيضاً أوقاف الجامع الكبير الذي يجاوره مقام الغيبة جنوبا وذلك قبل أربعة قرون تقريبا, كما تحكيه الصكوك والوثائق التي بأيدي هذه الاسرة من الحكومتين الصفوية والعثمانية, ومن ثم عرفوا بآل (القيم) وهم حتى اليوم يستغلون ثمرة تلك الاوقاف الواقعة شمالي الحلة في الموضع المعروف بـ (الزوير)).

 

 

 

الهوامش


(1) انظر: تاريخ الحلة/ ابن كركوش رحمه الله ج2/ ص50, علما ان هذا الكتاب لم يذكر في كتاب (الذريعة الى تصانيف الشيعة) للشيخ اغا بزرك  الطهراني فهو مما يستدرك عليه.

(2) انظر: لؤلؤة البحرين/ البحراني رحمه الله ص272 تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم رحمه الله.

(3) انظر: الباب الثاني من كتابنا هذا.

(4) انظر: الباب الثاني من كتابنا هذا.

(5) انظر: المصدر السابق.

(6) انظر: المصدر السابق.

(7) انظر: الباب الثالث من كتابنا هذا.

(8) انظر: الباب الرابع من كتابنا هذا.

(9) انظر: الباب الثالث من كتابنا هذا.

(10) انظر:  المصدر السابق.

(11) انظر: الباب الثالث من كتابنا هذا.

(12) انظر: تأريخ الحلة, لأبن كركوش ج1/ ص110.

(13) أنظر: سورة يوسف,آية82 العِير: القافلة.

(14) أنظر: الباب الرابع من كتابنا هذا.

(15) انظر: الباب الثامن من كتابنا هذا.

(16) ذكر السيد محسن أمين العاملي رحمه الله في كتابه أعيان الشيعة ج47, ص72 إن تاريخ عمارة المقام سنة 1315 هـ والحال انها حصلت في سنة 1317هـ حسب ما أرخه الشاعر محمد الملا في قصيدته, وهو ماكتب على باب المقام أيضا.

(17) هو الشيخ محمد بن حمزه بن حسين بن نور علي التستري الاهوازي الحلي المعروف بالملا, أديب كبير, وخطيب مفوه, ومربي ممتاز هاجر جده الاعلى من تستر الى الحلة قبل قرنين من الزمن, وذكره صاحب الحصون المنيعة في ج2 ص33 فقال: كان شاعرا ماهرا اديبا طريفا, نظم الشعر في صباه فاعاد الى الفيحاء عهد الصفي الحلي في تحري البديع والفن فيه حتى أصبح علما من أعلام هذا الفن.

(18) الأصح (محمد) ورد في شعراء الحلة (محمد فيك العلا اقسمت).

(19) هكذا ورد في الاصل والذي يقتضيه السياق (حيث) وورد في شعراء الحلة (ان اسمك...).

(20) ورد في شعراء الحلة (فلم يزل يهتف فيك الثنا).

(21) ورد في شعراء الحلة (ذا خلف المهدي مذ ارخوا).

(22) انظر: شعراء الحلة/ الخاقاني رحمه الله ج5/ ص242 وكذلك أعيان الشيعة/ الامين رحمه الله ج47/ ص72.

(23) ويلحق هنا في تأريخ المقام في هذا القرن قول المرحوم الشيخ  جعفر ال محبوبة تـ 1377 هـ في كتابه ماضي النجف وحاضرها ج1 ص95 (حدثني بعض الثقاة المتتبعين للاثار والاخبار انه وجد في بعض الكتب المؤلفة في غيبة الامام عجل الله فرجه ان للحجة عجل الله فرجه مقاماً في النعمانية, وفي الحلة, وفي مسجد السهلة, وفي النجف).

(24) انظر: البابليات ج3 ق2 ص70/ اليعقوبي.