|
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المركز
الحمد لله رب العالمين وصلى
الله على سيدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
بالرغم من الاهتمام المتميز
في معرفة الثقافة المهدوية، إلاّ أن المعادلة
الثلاثية بين مفاهيم المنتظَر والمنتظِر
والانتظار ما زالت تراودها بعض الضبابية
والغموض ليس فقط في مفهوم كل واحدة من هذه
المفردات بل في مدى الانسجام والتلاحم بينها
إذ هناك بعض الغفلة قد تصيب الفهم العام في
إمكانية الترابط بين هذه الثلاثية، لذا فلا
بدّ من الوقوف _ ولو بشكل موجز _ على أبعاد
هذه العلاقة المهمة، ولعلَّ الخلط أو عدم
الانسجام بين هذه المفاهيم لدى المتلقي يودي
بمعادلته المعرفية إلى التكلؤ _ بعض الشيء _
في فهم ما يجب فهمه في هذا المضمار، والكتاب
الذي بين أيدينا يأخذ بالقارئ للانفتاح على
هذه العلاقة المقدسة، فالمنتظَر وهو الإمام
المهدي عليه السلام وكيفية الارتباط به
والوصول إلى رضاه بشكل تكاملي يتيح للآخرين
التشرف بلقائه أو السعادة بالالتحاق في ركب
أنصاره وأصحابه الأخيار. ومن جهة أخرى فإن
للمنتظِر تكاليف عدة يمكن من خلالها بناء
شخصية الانتظار وحسه ووجدانه لديه، ومن جهة
ثالثة الانفتاح على مفهوم الانتظار وماهيته
وكيف أن البعض ارتبك في استيعاب هذا المفهوم
ومعرفته حتى راح يتصور أن الانتظار مفهوم
تواكلي يتجه بشكل سلبي في ممارسته الحياتية.
إذن فالكتاب الذي بين أيدينا
سيهدينا إلى هذه المفاهيم الثلاثة وكيفية
الارتباط بها في معادلة ثلاثية مهمة. وكان
سماحة السيد محمّد القبانجي قد أولى اهتمامه
في رسم معالم هذه العلاقة وامكانية الارتباط
فجزاه الله عن قضية الإمام المهدي عليه السلام
خير الجزاء والحمد لله رب العالمين.
مركز الدراسات التخصصية في
الإمام المهدي عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف:
المنتظَر والمنتظِر
والانتظار:
ثلاث مفردات ذات علاقة وطيدة
بعضها مع البعض الآخر متلازمة فيما بينها، فما
دام يوجد منتظِر فلا بدَّ أن يكون هنالك
منتظَر، وإذا وجد هذان المعنيان فلا بدّ أن
ينبعث منهما مفهوم آخر ومعنى ثالث وهو
الانتظار.
فما هي دلالات هذه المفردات
الثلاث؟ وما هي معطياتها؟ وما هي تلك الأبعاد
التي صاغت من هذه المفردات عقيدة متجذرة بقدم
الإنسانية، ذات بعد تاريخي يمتدّ عبر الأديان
لتشكّل حلقة الوصل فيما صدعت به الرسل ونادت
به الشرائع السماوية بأجمعها؟ _ كما سوف يتضح
_ فكان الانتظار، وكانت الفكرة، وكانت
الأطروحة تشكل بأبعادها الثلاثة محوراً
وحدوياً آخراً ارتسم جلياً وواضحاً في جبين
الرسالات وتطلعاتها.
بل من حقّنا أن نعجب حينما
نتأمل في العامل المشترك لهذه الكلمات كيف
كوّنت بأجمعها هدف الإنسانية في الوجود؟ إذن
نجد لزاماً علينا أن نتحرك مع هذه الدلالات،
ونتوقف لنتأمل في حركيتها من خلال ما تختزنه
من أبعاد ومفاهيم فكرية على الصعيد النظري
وشمولية في وجدان الأمّة وحياتها على الصعيد
العملي.
السيد محمّد القبانجي
الفصل الأوّل:
معرفة المنتظَر
لست أجد نفسي بحاجة إلى أن
أعرِّف هذه اللفظة من ناحية لغوية.. بيد أنّي
سوف أشير إليه ليكون دالاً على ما يراد منه في
المفهوم العقيدي أو ما يعبر عنه بالمعنى
المصطلح.
فالمنتظَر هو ذلك الشيء الذي
يُتَرقب حُدوثه ووقوعه، وله ترابط وثيق كما
قلنا مع المنتظِر والانتظار سواء على صعيد
المعنى اللغوي أو الوجود الذهني، بل حتّى على
مستوى الواقع العملي إذ بتحقق واحدٍ منها لا
بدّ أن يتحقق الباقي بالضرورة في وجدان الفرد
والمجتمع.
إلى هنا صار واضحاً عمومية
المعنى اللغوي وسعة دلالته إذ يُركِّز على
عنوان الشيئية وهي من أوسع المفاهيم على
الاطلاق. ولكن المفهوم العقائدي يحصر هذه
الشيئية في مصداق واحدٍ فقط ينصرف إليه الذهن
العقيدي بمجرد التلفظ به إذ نرى اللفظ في
الذهنية (المنتظِرة) الشيعية لا يحمل هذا
العموم، بل ولا يتحمل هذه السعة في الدلالة،
وإنما بعيداً عن الاطلاق وسعته وفراراً من
الشيئيّة وشموليّتها نراه يرفض كل هذا ليدخل
في حلقة الشخصنة، فلا يتبادر من المعاني لهذا
النوع من الذهنية إلاّ معنى واحد ومفهوم فارد
وهو (الحجّة ابن الحسن) عليه وعلى آبائه آلاف
التحية والسلام. وكأنّ اللفظ خُلق له واختصّ
به، فأصبح عَلماً لا يتحمل أكثر من معنى خاص
وليس له أكثر من مصداق واحد.
نعم.. المنتظَر هو الثاني عشر
من تلك الأنوار القدسية خلفاء النبي صلى الله
عليه وآله وسلم.
هو.. التاسع من ولد الحسين بن
عليّ عليهم السلام.
هو.. ولد الحادي عشر من أئمّة
الهدى الحسن بن عليّ العسكري عليه السلام.
إلى هنا كان تعريفاً بالمصداق
الأوحد لهذه المفردة، وبقي في البين عدّة
تساؤلات تراود ذهن المثقّف المسلم:
ما هي العلاقة بين المفردة
وبين هذه الشخصية حتّى لا تنصرف إلاّ إليها
ولا يعرف لها معنى آخر دونها؟
ثمّ ماذا يراد وينتظَر منه؟
ثمّ بعد كل هذا وذاك ما هو
الدليل على كل هذه الادعاءات؟
ولنا أن نجيب عن التساؤل
الثاني بأنّ المراد والمأمول منه والمنتظَر من
هذا المصداق هو تحقيق وعد الله عز وجل
للمؤمنين بوراثة الأرض، وتحقيق الحكمة الإلهية
من الخلق.
والوصول إلى الكمال العلمي
لأقصى ما تستطيعه البشرية ومنتهى قدرة عالم
الإمكان.
ننتظر منه.. بسط العدل والقسط
في أرجاء المعمورة بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
ننتظر منه.. أن يُصلح ذواتنا
ويأخذ بأيدينا إلى ما فيه صلاح دنيانا
وأخرانا.
ننتظر منه.. أن ينظر إلينا
بنظرة رحيمة نستكمل بها الكرامة عنده ثمّ لا
يصرفها عنّا.
ننتظر منه.. أن يأخذ بثأر
جدّه الحسين واُمّه فاطمة وجميع المستضعفين في
العالم.
ننتظر منه.. أن يقبلنا في
ساحة كرمه وجوده.
ننتظر منه.. أن يرينا طلعته
الرشيدة وغرّته الحميدة وتكتحل نواظرنا بنظرة
مِنّا إليه.
ننتظر منه.. أن يجدد ما عُطّل
من أحكام كتاب الله ويشيّد ما اندرس من أعلام
دين الله وسُنن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
ننتظر منه.. إعزاز المؤمنين
وإذلال الكافرين والمنافقين وإحياء سُنن
المرسلين ودارس حكم النبيين.
ويمكننا أن نجيب بإجابة واحدة
على هذه التساؤلات لما بينها من ربط وثيق
باعتبار تداخلها وتشابكها فيما بينها فنقول:
هذه العلاقة بين المفردة
والمصداق واللفظة ومعناها الاصطلاحي أوجدها
وغرسها صاحب الشرع وخاتم الرسل محمّد المصطفى
صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده أئمّة الهدى
ومصابيح الدجى أهل بيته وَعَيبة علمه ابتداءاً
بأمير المؤمنين وختاماً بمهديها سلام الله
عليهم أجمعين.
فإذا صحّ أن تكون هنالك حقائق
شرعية كما عبّر عنه في الأصول فمن حقنا بل
بوسعنا جداً إطلاق الحقيقة العقائدية على مثل
هذا النقل والتخصيص والحصر لدورانه في فلك
الفكر العقيدي بعيداً عن عالم الشرعيات
والتعبديات بالمعنى المصطلح، وإن دخل في معنى
الشرع والتعبد من أوسع أبوابه وأفضل طرقه
باعتبار من الاعتبارات.
شذرات معرفية:
وأهديك أخي المنتظِر _ جعلنا
الله وإيّاك من المنتظرين حقّاً _ باقة من
أزهار أحاديثهم وإضاءات من أنوار كلماتهم تحوي
في طيّاتها هذه المفردة مع تعيين مصداقها
وتشخيص صاحبها.
1 _ الصراط المستقيم: وأسند _
يعني الحاجب برجاله _ إلى ابن عبّاس أنه قال
يوم الشورى: كم تمنعون حقّنا، وربّ البيت إنّ
عليّاً هو الإمام والخليفة، وليملكنّ من ولده
أئمّة أحد عشر يقضون بالحقّ أوّلهم الحسن
بوصيّة أبيه إليه، ثمّ الحسين بوصيّة أخيه
إليه، ثمّ ابنه عليّ بوصيّة أبيه إليه، ثمّ
ابنه محمّد بوصيّة أبيه اليه، ثمّ ابنه جعفر
بوصيّة أبيه إليه، ثمّ ابنه موسى بوصيّة أبيه
إليه، ثمّ ابنه عليّ بوصيّة أبيه إليه، ثمّ
ابنه محمّد بوصيّة أبيه إليه، ثمّ ابنه عليّ
بوصيّة أبيه إليه، ثمّ ابنه الحسن بوصيّة أبيه
إليه، فإذا مضى فالمنتظَر صاحب الغيبة.
قال عليم لابن عبّاس: من أين لك هذا؟ قال: إنّ
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علّم
عليّاً ألف باب فتح له من كل باب ألف باب،
وإنّ هذا من ثَمَّ.(1)
2 _ كمال الدين: عن عبد
السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت دعبل بن
عليّ الخزاعي يقول: أنشدت مولاي الرضا عليّ بن
موسى عليهما السلام قصيدتي التي أوّلها:
|
مدارس آيات خَلَت
من تِلاوَةٍ |
|
وَمَنزلُ وَحي
مُقفرُ العرصاتِ |
فلما انتهيت إلى قولي:
|
خرُوجُ إمام لا
محالة خارج |
|
يقومُ على اسم
الله والبَركاتِ |
|
يميّز فينا كلّ
حقّ وباطل |
|
ويجزي على
النعماء والنَقماتِ |
بكى الرضا عليه السلام بكاءاً شديداً، ثمّ رفع
رأسه إليَّ فقال لي: (يا خزاعي، نطق روح القدس
على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا
الإمام؟ ومتى يقوم؟)، فقلت: لا يا مولاي، إلاّ
أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من
الفساد ويملأها عدلاً (كما ملئت جور)، فقال:
(يا دعبل، الإمام بعدي محمّد ابني، وبعد محمّد
ابنه عليّ، وبعد عليّ ابنه الحسن، وبعد الحسن
ابنه الحجّة القائم، المنتظََر في غيبته،
المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلاّ
يوم واحد لطوّل الله عز وجل ذلك اليوم حتّى
يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وأما
(متى) فإخبارٌ عن الوقت، فقد حدّثني، أبي عن
أبيه، عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم قيل له: يا رسول الله،
متى يخرج القائم من ذرّيتك؟ فقال صلى الله
عليه وآله وسلم: مَثَله مثل الساعة التي (لا
يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ
فِي السَّماواتِ وَالأَْرْضِ)
(2)
لا يأتيكم إلاّ بغتةً).(3)
3 _ كمال الدين: الصدوق بسنده عن الصقر بن أبي
دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرضا
عليهما السلام يقول: (إنّ الإمام بعدي ابني
عليّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي،
والإمام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه،
وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه، ثمّ سكت)،
فقلت له: يا ابن رسول الله، فمن الإمام بعد
الحسن؟ فبكى عليه السلام بكاءاً شديداً، ثمّ
قال: (إنّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحق
المنتظَر)، فقلت له: يا ابن رسول الله، لِمَ
سُمّي القائم؟ قال: (لأنه يقوم بعد موت ذكره،
وارتداد أكثر القائلين بإمامته)، فقلت له:
ولِمَ سُمّي المنتظَر؟ قال: (لأنَّ له غيبة
يكثر أيّامها، ويطول أمدها، فينتظر خروجه
المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزأ بذكره
الجاحدون، ويكذب فيها الوقّاتون، ويهلك فيها
المستعجلون، وينجو فيها المسلّمون).(4)
4 _ دلائل الإمامة: عن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم قال: (إذا توالت أربعة أسماء
من الأئمّة من ولدي محمّد وعليّ والحسن
فرابعها هو القائم المأمول المنتظَر).(5)
5 _ المحكم والمتشابه: في قوله تعالى:
(اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ ...)(6)
الآية، عن تفسير النعماني، بسنده عن الصادق
عليه السلام ، عن أمير المؤمنين عليه السلام
قال: (المشكاة رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ، والمصباح الوصي والأوصياء عليهم السلام
، والزجاجة فاطمة عليها السلام، والشجرة
المباركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،
والكوكب الدريّ القائم المنتظَر الذي يملأ
الأرض عدلاً).(7)
6 _ الكافي: عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله
عليه السلام يقول: (إنَّ للغلام غيبة قبل أن
يقوم)، قال: قلت: ولِمَ؟ قال: (يخاف) وأومأ
بيده إلى بطنه، ثمَّ قال: (يا زرارة! وهو
المنتظَر، وهو الذي يُشكّ في ولادته، منهم من
يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل،
ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين،
وهو المنتظَر، غير أنّ الله عز وجل يحبُّ أن
يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون).(8)
7 _ مصباح المتهجّد: أخبرنا جماعة من أصحابنا،
عن أبي المفضّل الشيباني، قال: حدّثنا أبو
محمّد عبد الله بن محمّد العابد بالدالية
لفظاً، قال: سألت مولاي أبا محمّد الحسن بن
عليّ عليهما السلام في منزله بسرَّ من رأى سنة
خمس وخمسين ومائتين أن يملي عليَّ (من) الصلاة
على النبي وأوصيائه عليهم السلام ، وأحضرت معي
قرطاساً كبيراً، فأملى عليَّ لفظاً من غير
كتاب (وقال: (اُكتب) الصلاة على النبي صلى
الله عليه وآله وسلم... ) ثمّ ذكر الصلاة عليه
وعلى الأئمّة عليهم السلام واحداً بعد واحد
إلى مولانا صاحب الزمان عليه السلام ، وقال ما
هذا لفظه: (الصلاة على وليّ الأمر المنتظَر
صاحب الزمان محمّد بن الحسن بن عليّ عليهم
السلام: اللهم صلّ على وليّك وابن أوليائك
الذين فرضت طاعتهم، وأوجبت حقَّهم، وأذهبت
عنهم الرجس وطهَّرتهم تطهيراً... )
(9)
إلخ.
* * *
الفصل الثاني:
وظيفة المنتظِر
في رحاب المفردة الثانية لنا
وقفة تأملية مع المعنى السليم للمنتظِر،
وطبيعة الحال فالمنظور هنا هو المعنى المصطلح
أي انتظار مهديّ هذه الأمّة الثاني عشر من
عترة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن
ما نحتاجه هنا والذي ينبغي أن نضع النقاط
عليه، وما يفيدنا في هذا المضمار هو الإجابة
على عدة أسئلة تتمحور في النظرة المتطلّعة إلى
هذا المفهوم العقيدي:
ماذا ينتظر الإنسان؟
وما هي المقدمات التي ينبغي
الالتفات إليها حتّى يكون الإنسان منتظِراً؟
وإذا كان المنتظِر هو ذلك
الإنسان المترقب والمتوقع لحدوث شيءٍ، فما هو
الحدث الذي يترقبه المرء؟
هل هو وجود مهديِّ هذه
الأمّة؟ وهل يُدخله هذا النوع من الترقّب في
عداد المنتظرين؟
أو أنه يترقب تحقق أمنياته
الذاتية وتوفر مطالبه الشخصيّة يصاحب ذلك
انغلاق خاص على الذات واحتياجاتها والنفس
وأحلامها؟
وبعبارة ثانية: ما هي معالم
المنتظِر؟
فهل كلّ من يؤمن بعقيدة
المصلح العالمي يعدّ من المنتظرين؟
بل لنحدّد المصطلح بشكل أدقّ
ونقول: هل كلّ من يؤمن بالعقيدة الاثني عشرية
وبولادة الإمام الحجّة ابن الحسن عليه السلام
يعدّ من المنتظرين؟
وبمقولة ثالثة: هل العقيدة
المهدوية من الأمور العبادية القلبية؟ أو هي
من الأمور العبادية الجوارحيّة؟ ولنا أن
نتسائل باصطلاح المناطقة والحكماء _ إن صحّ
الاطلاق _ فنقول: هل هي من مقولة العقل النظري
فقط أو أنها تابعة للعقل العملي، أو على أقل
لها بُعد عملي؟
وفي هذا الصدد يمكننا القول
وبصراحة أنّه ليس كلّ من اعتقد بالمصلح
العالمي يعدّ منتظراً، وكذلك ليس كلّ من كان
معتقداً بالعقيدة الاثني عشرية يعدّ منتظراً.
وهكذا يعمّم هذا النفي ليشمل من اعتنق
المهدوية قلباً وآمن بها جناناً ووجداناً ولكن
لم يجسّدها حركةً على صعيد الواقع، ولم يتعاط
معها كقضية واقعية محسوسة لها بعدها وأثرها
على مستوى الفرد والمجتمع.
ويبقى هذا الوصف _ على حقيقته
وصدقه على بعض الأفراد _ قضية مشكّكة تتأرجح
بين القوة والمتانة والضعف والاضطراب بحسب
اختلاف انطباقها بين الأفراد المنتظرين كسائر
القضايا الإيمانية والعقائدية الأخرى.
معالم المنتظِر:
صحيح أنّ هذا الوصف _ كما سبق
_ من الأمور والقضايا المشككة والنسبية والتي
تختلف من شخص لآخر في جوانب قوتها وضعفها
وضيقها وسعتها، ولكن هذا لا يمنع من رؤية بعض
المواصفات وتسجيلها في ضمن قائمة معالم
المنتظِر والتي تمثّل المقوّمات الأساسية له
سواء على صعيد الجانب العقيدي والإيماني أو
يتخطى إلى جوانب تفعيل العقيدة فيحصّلها
واقعاً حركياً ملموساً، وهكذا فقد تُمثّل بعض
المقوّمات في الحقيقة مقدمات كبرويّة لا يمكن
أن يتحقق عنوان المنتظِر من دون تمركزها
مسبقاً في الذهنية الإيمانية وفي إطار وحيّز
الإنسان الذي يراد منه أن يكون منتظِراً
حقيقياً.
وهكذا قد تشترك بعض المقدمات
هنا مع مقدمات الانتظار لما قلنا سابقاً من
وجود العنصر المشترك الذي تتحرك حوله هذه
المفاهيم الثلاثة.
والمواصفات المقوّمة لعنوان
المنتظِر هي:
1 _ الاعتقاد بوجود الإله
العالم الحكيم الرؤوف بعباده والذي لا يفعل
أمراً إلاّ وفيه مصلحة وحكمة.
2 _ الاعتقاد بوجود الرسل
والمبعوثين من قبل الله سبحانه وتعالى لهداية
العباد وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
3 _ الاعتقاد بخاتم الرسل محمّد صلى الله عليه
وآله وسلم وأنّ شريعته خاتمة الشرائع لا دين
بعده (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ
الإِْسْلامُ)،(10)
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِْسْلامِ دِيناً
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)
(11)
وعلى هذا الأساس فلا بدّ أن يكون أكمل الأديان
كافة، ومنسجماً تمام الانسجام مع متطلبات كلّ
عصر وملبياً لحاجات كلّ زمن. وله القدرة على
التعاطي والتجاذب مع الأحداث المختلفة سعة
وضيقاً، وبكلمةٍ موجزة وعبارةٍ واضحة يجب
الاعتقاد بأن الإسلام هو ذلك الدين الإلهي
الذي باستطاعته إعطاء الحلول والإجابات بشكلٍ
متين وأسلوب واضح لكلّ مشاكل الحياة من جهة
وما يعتلج في الصدور ويستراب في القلوب عند
البشرية منذ عصر الرسالة وإلى أن تقوم الساعة
من جهة أخرى.
4 _ الاعتقاد بوجود أوصياء وخلفاء من بعد رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم منتخبين ومعينين
من قبل الله تعالى لا دخل للعنصر البشري في
اختيارهم وتعيينهم حتّى إلى نفس النبي الأكرم
صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم أئمّة إثنا عشر
أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه
السلام ، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ تسعة من
ذرية الحسين آخرهم (م ح م د) بن الحسن
العسكري، يتصفون بمواصفات وهبها الله إليهم
خاصة من أبرزها العصمة ليس فقط عن الذنب وليس
فقط في مجال التبليغ، بل تتسع لتشمل السهو
والنسيان بل كل نقيصة أو ما يخالف المروءة. إذ
(العصمة هي التنزُّه عن الذنوب والمعاصي
صغائرها وكبائرها، وعن الخطأ والنسيان.. بل
يجب أن يكون منزّهاً حتّى عمّا ينافي المروّة،
كالتبذل بين الناس من أكلٍ في الطريق أو ضحكٍ
عال، وكلّ عملٍ يستهجن فعله عند العرف العام).(12)
5 _ الاعتقاد بأنّ الإمام
المهدي مولود من سنة (255هـ) وتقلّد الإمامة
الإلهيّة عام (260هـ) في يوم شهادة والده وهو
حجّة الله في الأرض، وهو حيّ موجود بيننا
يرانا ونراه ولكن لا نعرفه ولا نشخّصه بمصداقه
وإن كنّا نعرفه بمشخصاته وهويته وأوصافه.
6 _ الاعتقاد بأنّ الإمام
الثاني عشر الحجّة ابن الحسن غيّبه الله عن
العباد لمصلحة وحكمة خفيت علينا وإن كنّا نعلم
بعض أطرافها وأسبابها، وسوف يظهره الله تعالى
فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً
وجوراً.
7 _ الاعتقاد بأنّ المنتظَر
هو ذلك الإمام المطّلع على حقائق أمورنا
وخفايا أعمالنا.
ذلك الإمام الذي يسمع كلامنا
ويردّ سلامنا.
ذلك الإمام الذي يجيبنا إذا
دعوناه ويشفع لنا إذا رجوناه.
ذلك الإمام الذي يحسّ آلامنا
ويفرح لفرحنا ويحزن لحزننا ويتألم لما يجري
علينا.
هذا كلّه بلحاظ عالم
الاعتقادات وفي مجال الفكر والنظر، أما مقومات
الجانب العملي في الانتظار ومعرفة المواصفات
الخاصة العملية التي ينبغي توفرها عند
المنتظرين حتّى يتصف الإنسان بهذه الصفة على
نحو الحقيقة بحيث ينطبق عنوان (المنتظِر) عليه
انطباقاً واقعياً حقيقياً لا مجاز فيه فسوف
تطالعك تحت عنوان: (كيف تكون منتظِراً
حقيقياً).
وهنالك مقوّمات ونقاط أخرى
أعرضنا عنها روماً للاختصار وحذراً من
التطويل.
عالمية الانتظار:
قد يقول البعض إنّ انتظار
المصلح العالمي لا يتوقف على كثير من هذه
المقومات المدعاة، بل أكثر من هذا لا يتوقف
على الاعتقاد بوجود الله تعالى لأننا نجد أنّ
الإنسان الديالكتيكي المادي يعتقد بضرورة صلاح
العالم في يوم ما على يد رجال أكفاء يعمّ في
عصرهم الرخاء والمساواة والحرية!
يقول الشهيد الصدر في بيان عالمية الانتظار
وعدم اختصاصه بفئة دون أخرى: (لم يقتصر الشعور
بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر على
المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتدّ إلى غيرهم
أيضاً وانعكس حتّى على أشدّ الإيديولوجيات
والاتجاهات العقائدية رفضاً للغيب والغيبيات،
كالمادية الجدلية التي فسّرت التاريخ على أساس
التناقضات، وآمنت بيوم موعود تصفّى فيه كلّ
تلك التناقضات ويسود فيه الوئام والسلام).(13)
وهكذا فالاعتقاد بمجيء المصلح العالمي قضية
فطرية غرسها الله في فطرة كلّ إنسان ولا يمكن
أن تتفق البشرية على خطأ (وذلك لأنّ أي مطلب
يريده الناس كافّة دليل على فطريته،.. (إذ) كل
حبّ أصيل وفطري يحكي عن وجود محبوب خارجي
وجذاب، كيف يمكن أن يخلق الله التعطش في داخل
الإنسان دون أن يخلق في خارجه الينبوع الذي
يصبو نحوه ليرتوي منه؟ لهذا نقول إنّ فطرة
الإنسان وطبيعته التي تبحث عن العدالة تصرخ
بأعلى صوتها أنّ الإسلام والعدالة سوف يسودان
العالم كلّه في نهاية المطاف، وأنّ مظاهر
الظلم والجور والأنانية سوف تزول، وأنّ
البشرية ستتوحد في دولة واحدة وتعيش تحت راية
واحدة في جوٍّ من التفاهم والطهارة) إذن فليست
قضية الانتظار (تجسيداً لعقيدة إسلاميّة ذات
طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتجهت إليه
البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها وصياغة
لإلهام فطري أدرك الناس من خلاله أن للإنسانية
يوماً موعوداً على الأرض).(14)
وهذا كلام صحيح ومنطقي في حدّ
ذاته وأمر مقبول جداً، ولكن الذي نقصده من
المنتظِر والانتظار شيء وراء المصلح العالمي،
وهذا سبق وأن أوضحناه حينما قلنا إنه ليس كل
من يعتقد بضرورة المصلح العالمي يعدّ من
المنتظرين، بل أكثر من هذا فنحن قد نفينا أن
يكون المؤمن المعتقد بالإمام المهدي عليه
السلام من مصاديق المنتظرين إذا كان خالياً عن
تجسيد هذا المفهوم في الواقع المعاش. على نطاق
ذاته وخصوصياته ومن ثمَّ انطلاقاً وامتداداً
إلى مجتمعه ومحيطه.
فالاعتقاد بأمثال هذه
المفاهيم وإن كان حقاً وصدقاً ومطابقاً للواقع
المستقبلي، ولكن هذا شيء وكونه من المنتظرين
لمثل هذه الشخصية العالمية التي تطبّق عدالة
السماء في الأرض شيء آخر، فبينهما بون شاسع
كما هو الحال بين العلم بالشيء والاعتقاد
والإيمان به فإبليس على سبيل المثال كان يعلم
بوجود الله وقدرته ويعلم بوجود الجنّة والنار
علم اليقين، ربّما كان يفوق علم الكثير منّا
لأنه رأى هذه الأمور رؤية عين ونحن سمعناها
ولم نر شيئاً.
ولكن مع ذلك يعدّ الله الذين اعتقدوا بما قاله
النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنين
ويعدّ إبليس من الكافرين. إذن فالقضية لا
تعتمد ولا تصدق على مجرد الاعتقاد والعلم
بالشيء بقدر ما هي متوقفة في انطباقها على
آثارها وتداعياتها خارج حدود الذات كما جاء في
الحديث: (الإيمان قول باللسان ومعرفة بالقلب
وعمل بالأركان).(15)
كيف
تكون منتظراً حقيقياً؟
ربّما يجد المرء من نفسه
اعتقاداً راسخاً ويقيناً عميقاً بالمقومات
والنقاط المذكورة آنفاً ولكن لا يحسّ من نفسه
بلوعة الانتظار ولا تدمع له عين لألم الفراق،
ولا يسهر له جفن شوقاً إلى اللقاء وطمعاً في
لحظة الوصال. ولا تقضّ مضجعه ذكرى الغريب
المضطّر.
فهو مؤمن بالمنتظَر عليه
السلام على مستوى النظرية من دون تجسيد ذلك
على مستوى التطبيق والواقع العملي، فمن هنا
كان لزاماً على المرء المنتظر ولكي يجمع بين
المفهوم والمصداق والنظرية والتطبيق، ولكي
يجعل من نفسه مفردة إيمانية محصّلة لكامل
مفردات الإيمان في الحديث الشريف السابق لا
بدّ إذن من رسم خطوات عملية ممنهجة، ووضع
آليّة حركية خاصة لكسب هذه المقومات وتحصيل
صفة المنتظِر والانتظار إن كانت مفقودة
وتركيزها وتقويتها إن كانت ضعيفة.
وأفضل منهجيّة يتّبعها
الإنسان وأسلم برنامج عملي مضمون النتائج لكسب
هذا المقام الشامخ هو ما رسمه أهل البيت عليهم
السلام لنا وما نهجوه من منهاج.
فلذا من الضروري تتبّع آثارهم
الشريفة وسلوك أقوالهم الكريمة والانتهال من
نميرهم العذب.
وأوّل هذه الخطوات هي:
1 _
إبعاد العامل المصلحي والشخصنة الذاتية في
ممارسة الانتظار:
أن لا يكون الانتظار لأجل تحقيق مطامع شخصية
وتحصيل وجاهات ذاتية فإنّ هذا الإنسان ليس
منتظراً للإمام عليه السلام في الحقيقة وإنّما
هو منتظرٌ للحصول على الشهوات النفسانية
واللذّات الجسمانية. كما قال أمير المؤمنين:
(إني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم)،(16)
ولهذا نجد الإمام الصادق عليه السلام يحذّر
أبا بصير (رحمه الله) من مثل هذا الانتظار
القائم بالحقيقة على الأطماع الذاتية، كما جاء
في أصول الكافي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد
الله عليه السلام: جٌعلت فداك، متى الفرج؟
فقال: (يا أبا بصير، وأنت ممّن يريد الدنيا،
من عرف هذا الأمر فقد فرّج عنه لانتظاره).(17)
وهكذا جاء في تحف العقول عن
المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام
قال: (افترق الناس فينا على ثلاث فرق:
فرقة أحبّونا انتظار قائمنا ليصيبوا من دنيانا
فقالوا وحفظوا كلامنا وقصروا عن فعلنا،
فسيحشرهم الله إلى النار، وفرقة أحبّونا
وسمعوا كلامنا ولم يقصروا عن فعلنا، ليستأكلوا
الناس بنا فيملأ الله بطونهم ناراً يسلط عليهم
الجوع والعطش، وفرقة أحبّونا وحفظوا قولنا
وأطاعوا أمرنا ولم يخالفوا فعلنا فأولئك منّا
ونحن منهم).(18)
وهذا يذكّرنا بحال طلحة
والزبير حينما بايعا عليّاً طمعاً في أن ينالا
منه سلطاناً أو جاهاً فلما خابا وخسئا نكثا
بيعتهما وأخلفا وعدهما وباءا بالخسران المبين
في الدنيا والآخرة.
الهوامش
|