|
أنتم تعرفون مقدار التركيز والتشديد الذي أعطاه مذهبنا
لربط الشيعة، وتوطيد علاقتهم، حتى نفسياً وعاطفياً،
بالقائد المنتظر.
هناك مناجاة خاصة يتّصل من خلالها الشيعي ويتعاطف مع
إمامه، ذلك ما نقرؤه في (دعاء الندبة).
هذه المناجاة كل شيعي مدعو لممارستها أسبوعياً لا أقل.
وهناك زيارة خاصّة للقائد المنتظر، يعيش الرجل الشيعي
في أثنائها مع إمامه، وقائده، يستشعر وجوده وحبّه،
ومشاركته، وقيادته.
وهناك دعاء خاص يتوسّل به الشيعي إلى الله تعالى في
رعاية القائد في غيبته، وتسديده، ودفع الشرّ عنه،
والإذن له بالظهور، وإزاحة ثقل الاحتجاب عن صدره.
كل
هذا وأكثر من هذا من أجل قضية واحدة.
من
أجل توثيق الربط بين الشيعي وقيادته المعصومة.
حتى يشعر أنّ إمامه مثله يعيش همّ المأساة.
ويتحرّق شوقاً للانفتاح على شيعته.
إنّ العزلة تشق عليه.
إنّه يضيق ذرعاً بالوحشة.
إنّه يرجو منّا الدعاء له بالفرج، وإعلان الثورة
الكبرى.
إنّه يعمل ويدعونا للعمل.
إنّه صابر ويدعونا للصبر.
إنّ هذه المناجاة، والتوسلات، والأدعية، لم تكن عبثاً،
أو مجرّد تسلية للضمائر الخائرة.
إنّها تحمل أكبر عطاء....
تصوّر نفسك وأنت تناجي بكل حب ولهفة قائدك المغيّب
عنك.
تبثّ إليه همّك، وتعرض له شوق قلبك، وتسرد له مآسي
جبهة الحق، وتجدّد العهد معه بأنّك سائر على الدرب،
ساحق كل الأشواك، صابر على العناء.
تصوّر نفسك وأنت تتحدث للإمام القائد المفدّى، حديث
مسؤولية، وحديث مودّة، وحديث أشجان، وحديث توسل، وحديث
انتظار وتلهّف وحديث عهد لا تتراجع عنه.
تتحدّث معه كما لو كان يشترك معك في الحديث، فاتحاً
قلبه إليك، مبصراً بالأسى الذي لا يبارحك.
كم
يجعلك هذا اللقاء قوي العزيمة، رابط الجأش.
واثقاً بالأصالة، شاعراً بالاعتزاز.
كم
يهبك هذا اللقاء قوّة، ومنعة عن الذوبان، والانهيار،
والتلاشي؟!
ستشعر بأنّك لست ريشة في مهب الريح.
ولست قطعة خشب تطفو على مياه البحر يتقاذفها الموج.
ولست وحدك يتخطّّفك العدو من كل مكان.
إنّما أنت جندي في جبهة الحق.
الجبهة الرصينة، المتكاتفة.
الجبهة ذات القيادة الحيّة، المتحرّكة، التي تعرفك،
وتعرفها جيداً.
* * *
إنّ هذا العطاء الذاتي هو أغلى شيء نستفيده من حياة
القائد المنتظر.
وأنت تستطيع أن تفسّر معنى الحديث عن رسول الله صلى
الله عليه وآله:
(من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني).(1)
كيف ذلك، ولماذا؟
لماذا كان من يموت وهو لا يعرف إمام زمانه، يموت ميتةً
جاهلية، كما ورد في الحديث.(2)
إنّ عدم معرفة الإمام، أو إنكار الإمام تساوي الشك،
وعدم وضوح الرؤية، وعدم الثقة بالخط، وتلك هي
الجاهلية.
أمّا حين تعرف إمامك، فأنت إذن قد رسمت منهج حياتك،
وقد وثقت من الخط الذي تسير عليه، وتحصّنت عن الشك،
وعن الذوبان، وعن الانحراف.
* * *
في
الكتاب الذي بعثه الإمام المهدي عليه السلام للشيخ
المفيد ـ المتوفّى سنة413هـ ـ والذي كان زعيماً
للطائفة الشيعية في يومه. سجّل حقيقة ضخمة في محتواها،
وعطائها.
اقرأ معي ما سطّره الإمام في كتابه:
(ولو أنّ أشياعنا ـ وفّقهم الله لطاعته ـ على اجتماع
من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخّر عنهم
اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق
المعرفة وصدقها منهم بنا.
فما يحبسنا عنهم إلاّ ما يتّصل مما نكرهه، ولا نؤثره
منهم).(3)
إنّ ما يصدر منّا لا يحتجب عن الإمام.
وهو إذا كان غائباً عن أنظارنا فإنّه حاضر في ساحتنا.
إنّ أخبار شيعته تنقل إليه.
من
الذي انهزم، ومن الذي نافق، ومن الذي أساء لجبهة الحق.
وعلى العكس..
من
الذي يصمد، ومن الذي يخلص للحق، ومن الذي يحسن العمل
والنشاط.
كل
ذلك في علم الإمام، ومطروح بين يديه.
وحينما نفهم هذه الحقيقة كم نشعر بالمسؤولية؟
إنّ قائدنا المفدّى يرقب أعمالنا، ويعرف كيف نتصرّف،
ويحكم علينا من خلال مستوى إخلاصنا.
نحن لسنا في غيبة عنه، وإن كان في غيبة عنّا.
وبهذا يكون العطاء الذاتي لحياة الإمام أكبر.
فنحن لا فقط نستلهم من حياته الحياة، ومن نشاطه
النشاط.
ولا فقط نستشعر الأصالة، والحصانة، والاستقلال.
وإنّما يتعمّق فينا الشعور بالمسؤولية حينما نكون على
يقين بأنّ أعمالنا تعرض على الإمام، وليست في خفاء
عنه!!
الفصل السادس
مسؤوليّتنا في عصر الغيبة
حينما يكون الحديث عن المسؤولية فإنّني أشعر بخطورة
هذا الحديث. فلقد أرى أنّني أمام بحث يفرض عليّ مزيداً
من الإمعان، ومزيداً من الموضوعية.
إنّ البحث عن المسؤولية، وعمّا ينبغي أن نفعل، وعمّا
هو الواجب علينا، ليس بحثاً نظرياً أستطيع أن أقول فيه
كلمتي دون أن ألاحظ بذلك موقف الناس وموقف الأمّة،
وموقف الرجل المسلم.
حينما أحدّد المسؤولية في شيء فإنّني أكون قد وضعت
الموقف العملي للرجل الشيعي، ورسمت له المنهج الذي
تتطلّبه المرحلة، ومن هنا تنشأ خطورة هذا البحث.
إنّه بطبيعته بحث مسؤول، يشعر الداخل فيه أنّه مسؤول
عن كل كلمة يقولها، ويسجّلها بهذا الصدد.
على أنّ خطورة هذا الحديث تنشأ من أهميته وفاعليته في
حياتنا في ذات الوقت.
فليس هو موضوعاً عابراً، تصادفه مرّة أو مرّات معدودة
في العمر، بل إنّنا نعيش معه في كل لحظة
ونرسم على ضوئه منهج حياتنا طول العمر.
فالخطأ فيه ليس أمراً قد يهون.
والتأثر بالعواطف والخلجات النفسية، والعقد الباطنية
في مثل هذا الموضوع يعتبر في غاية الانحراف والتجاوز
عن حدود المسؤولية.
وأنا غير شاك في أنّ طبيعة مزاج الشخص، ونوع ميوله
النفسية، قد يقف حاجباً بينه وبين أن يصل لحقيقة
الموقف الذي ينبغي أن يتخذه.
كثيراً ما نرى أنّها تعمل عملها في تفهم واقع المرحلة،
وتحديد الموقف على ضوئه.
فبطبيعة الحال نجد أنّ الانهزاميين والجبناء
والمتشبثين بالأرض، الطامعين في ترف الأرض ومجد الأرض
هؤلاء.. نستطيع أن نجزم مسبقاً بالحكم الذي سيصدرونه
حينما يكونون بصدد تحديد المسؤولية.
لا
تنتظر سوى أحكام متخاذلة جبانة.
سوف ترى مواقف تهرّب، وكسل، وخوف.
سوف تشهد على الدوام، صمتاً، صمتاً، صمتاً.
قف، لا تتحرّك القضية خطرة، الإقدام لا يخلو من تهلكة.
لا
عليك، ولا يعنيك الأمر، ما أنت وذا؟ "لا يكلّف الله
نفساً إلاّّ وسعها".
وعلى النقيض حينما تكون القضية محقّقة لمصلحة شخصية،
مجد في الأرض، جاه عند الناس، ثروة من الثروات، تفوّق
على الآخرين بحساب المادّة.
هنا تستخدم كل الحيل، وكل الوسائل.
أقصى ما يملك هذا الرجل من لباقة، وفطنة، وعبقرية يضعه
لحساب البرهنة والتدليل على صواب موقفه.
يدافع بكل حرقة، وكل حرارة، كما لو كان الموضوع يهم
الإسلام والمسلمين.
يفتش عن آخر طريق يستطيع النفاذ من خلاله ليقول: إنّ
مسؤوليته تحكم عليه بهذا الموقف، ومن ثمّ يكون قد كسب
المال، والمجد والراحة، أو ما حلى له من طيّبات
الدنيا، باسم المسؤولية، وباسم الدين والشرع والقانون.
لقد رأينا هذه النماذج من الناس.
لقد عرفناهم معنا، وعرفناهم في امتداد التأريخ.
من
منكم لا يعرف عمرو بن العاص، أو أبا موسى الأشعري.
ماذا كانت مواقفهم؟
ماذا قالوا للناس؟
المواقف جميعاً كانت لحساب مصالح شخصية.
لحساب الطمع، والجشع، والهوى.
أليس قد انحاز عمرو بن العاص إلى جبهة معاوية، وإنّه
ليعرف أنّ معاوية لعلى ضلال؟
لقد راجع قضيته في نفسه مسبقاً، وعرض عليها الخيار بين
الدنيا وبين الدين، أشار عليه أحد ولديه بأن يتّبع
علياً طالما هو يعرف أنّه على حق، والحق أحق أن يتبع.
بينما وسوس له الآخر الدخول في سلك معاوية، فإنّ
الدنيا تنضح من إنائه.
ماذا كانت النتيجة؟
لم
يصمد (ابن العاص) أمام إلحاح الذات، وقوّة الهوى،
واندفع مهرولاً يلثم أعتاب معاوية، وإنّه يلتمس لنفسه
المعاذير عن هذا الموقف ويودّ لو يجد من الشريعة ما
يسمح له بذلك.
وأبو موسى الأشعري؟
أنت تدري أنّه هو الذي كان يخذّل الناس عن عليّ, وهو
بطل التحكيم، وفارس لعبة السلام، حينما اتفق مع مبعوث
معاوية، عمرو بن العاص على أن ينزع كل منهم الخلافة من
صاحبه ويريحوا الأمّة من عناء الخلاف والقتال.
هؤلاء يعرفون الحقيقة جيداً، وإنّهم لعلى يقين.
لكن الحقيقة لم تكن دوماً مع هوى الإنسان أو عواطفه
ومزاجه.
ولذا فقد ابتعدوا عنها، لأنّها لا ترضي طموحهم، ولا
تروي ظمأهم للترف والجاه والمال.
ولقد برّؤوا ساحتهم بشتى المعاذير، لكن أيّها كان
صادقاً؟
* * *
لقد اخترت هذه النماذج من قائمة الصحابة.
صحابة الرسول الذين سمعوا، وشاهدوا، وعرفوا، أكثر مما
سمعنا وشاهدنا، وعرفنا.
لقد كان هؤلاء من نفس القائمة التي كان منها الأبطال
المخلصون، أبو ذر، وعمّار، وسلمان، وبلال.
بلا شك كان (ابن العاص) و (الأشعري) يعرف كل شيء عن
المسؤولية، وعن الواجب، وعن خط الشريعة القديم.
لكنّها لا تعمى الأبصار، وإنّما تعمى القلوب التي في
الصدور.
فمهما يكن الشخص عالماً، واعياً، مشحوناً بقضايا العلم
والدين، فإنّ ذلك لا يكفي للثقة بمواقفه ورؤيته، إذا
لم يتجرّد عن دوافع الأنا ونزعات الذات.
ومن ذلك يصبح المطلوب هو أن نعرف:
كيف نحدّد مسؤوليتنا بعيداً عن المزاج، والعاطفة،
والطموحات الشخصية.
وهذا أمر لا أراه يسيراً.
* * *
ومهما يكن فإنّ علينا الآن تحديد مسؤولياتنا.
ما
هو الدور الذي يجب أن نلعبه في ساحة الصراع العام بين
قوى الحق، وقوى الانحراف.
وما هو الموقف الذي يجب ترسيخ أقدامنا فيه؟
بأي نفسية يجب أن نكون؟
وإذا كانت قيادتنا المعصومة مغيّبة عنّا، فهل نملك
قيادات ثانوية نيابية؟
وما هو أسلوب تعاملنا مع تلك القيادات؟
لقد وجدت أنّ بالإمكان اختصار مسؤولياتنا تحت العنوان
التالي:
(التمهيد للدولة الإسلامية الكبرى).
التقدّم خطوات من أجل تحقيق الإنقاذ العام للبشرية.
التمهيد لسحق آخر كتيبة من كتائب الظلم، وفتح أبعد حصن
من حصونه.
التمهيد لتحقيق شرائط الوعد الإلهي القاطع.
(وَعَدَ اللهُ الّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ...).(4)
إنّ البشرية التي مارست مختلف الأطروحات وحرصت على
التشكيك بكل وسيلة، من أجل الحياة المطمئنة السعيدة.
ثمّ خابت كل آمالها، ويئست من كل الحلول، وتكشف لها
الضلال، والخداع، والزيف حيثما ولّت وجهها، ولمست
العفونة والتعسّف حيثما وضعت يدها.
إنّ هذه البشرية التي حرفتها أيادي الغاشمين،
المستبدين عن رسالة السماء، ستعود إلى رسالة السماء.
ريثما تنكشف الخدعة، وريثما يتجهّز الحق للهجوم الأخير
الظافر.
فتملأ الأرض بالقسط، وتسود العدالة.
ماذا علينا الآن؟
ما
علينا إلاّ أن نواصل العمل. أن نكسب انتصارات، أن
نحقّق أهدافاً. أن نفتح حصوناً.
أن
نكتشف الخدع والمؤامرات.
أن
نفضح الغاشمين، فراعنة الأرض في كل مكان.
أن
نفتح عيون البشرية على الطريق.
أن
نمسك الزمام ثمّ نتقدّم.
إنّك حين تكسب واحداً للحق، تكون قد مهّدت لدولة الحق,
وحينما تفضح زيف الباطل تكون قد عرقلت مسيرته.
إنّ ساعة النصر قريبة لكنها مرهونة بمقدار ما نحققه من
انتصارات جزئية، تمزّق كبد الظلم والطاغوت، وتدعم جبهة
الحق، وشعوب الحق.
إنّ مسؤوليتنا هي:
أن
نقطع مسافة أكبر من الطريق الذي بدأه الأنبياء
والمرسلون والأوصياء، والذي سلكه كل المناضلين من أجل
الحق.
إنّ هذا الطريق الذي وصل محمّد صلى الله عليه وآله إلى
آخر حلقة من حلقاته.
ودخل آخر منعطف من منعطفاته. إنّ علينا أن لا نقف فيه
وإنّما نمضي.
لقد أصبحنا وأصبحت البشرية على شرف النصر الساحق.
وإنّ مسافة ليست طويلة هي التي بقي علينا أن نقطعها.
وحينما نكون أمام النتيجة نجد راية القائد المنتظر في
أوساطنا، ومن داخل جبهتنا.
البشرية بانتظار قيادتنا.
لقد جزعت من كل الحلول والقرارات، والبروتوكولات.
أصبحت تضج بما حولها.
هائمة في مجاهل الظلام.
والمصباح بأيدينا، يجب أن نوصله.
لتهفو البشرية إلينا بكل شغف.
وتهوي إلى وحي السماء أفئدة أهل الأرض المعذّبين.
تلك هي مسؤوليتنا.
وعن ذلك نحن محاسبون.
لقد جعلنا الله والقرآن أمّة وسطاً، وشهداء على الناس،
والرسول علينا شهيداً.
ورسالة السماء بيدنا أمانة، نحن استلمناها، وتعهّدنا
أن لا نبيعها رخيصة.
كيف نفرّط بهذه الأمانة؟
أم
كيف ننسى قيمومتنا، وشهادتنا على الناس؟
ولو نسينا أليس الرسول علينا شهيداً، فمن يبرّئ عنده
ساحتنا؟
* * *
لقد وجدت أنّني أملك البرهان الواضح على مسؤوليتنا
التي تحدّثت عنها.
هذا البرهان آخذه من الرسالة التوجيهية القيادية التي
كتبها القائد المنتظر للشيخ المفيد.
لقد كتب إليه وهو يوجّه الحديث لكل الشيعة في الأرض،
حملة راية الإسلام الحرّة الأبيّة:
اتّقوا الله جلّ جلاله.
وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم...(5)
أرأيتم ماذا يطلب؟
العمل الدائب، إعانته في تحقيق أهدافه الكبرى، مظاهرته
في عملية إنقاذ العالم وإنقاذنا.
اتخاذ كافة التدابير الموصلة لذلك، والتي تضمن نجاح
ثورته المظفّرة.
(ظاهرونا على انتياشكم..).
لا
تتركوا الساحة لغيركم.
لا
تقفوا وسط الطريق.
لا
تطرحوا من أيديكم سلاح الحق.
إنّنا عند ندائكم، وفي انتظار لحظة الحسم، فأعينونا،
وظاهرونا، ومهّدوا الأرض.
امسحوا العراقيل، إردموا الثغرات، افتحوا عيون الناس
عليكم. وستجدون أنّني هنا.
هكذا يقصد القائد المنتظر.
ولقد أصبح واضحاً ـ وأنّه لواضح من قبل ـ كما تحدّث
الإمام الصادق عليه السلام:
لقد سأله الراوي عن مسؤولية زمن الغيبة، حيث الفتن،
والضلال وتيارات الانحراف.
قال: فكيف نصنع؟
وهنا نظر الإمام إلى شمس داخلة في الصفّة، فقال: يا
أبا عبد الله ترى هذه الشمس؟
قلت: نعم
قال: (والله لأمرنا أبين من هذه الشمس).(6)
* * *
والآن أفضّل العودة معكم إلى طبيعة مهمّتنا بنحو أكثر
تفصيلاً.
فلقد قلت: إنّ مهمتنا يمكن أن نختصرها كالتالي:
"التمهيد للدولة الإسلامية الكبرى".
وأعتقد أنّ ذلك بحاجة إلى تفصيل أكثر.
فما هي حدود هذا التمهيد ؟ وما هي كيفيته؟
وإجابة على هذا السؤال سأتحدّث عن العمل المطلوب منّا
في إطارين:
الأوّل: العمل على صعيد الذات.
الثاني: العمل على صعيد الخارج.
أولاً: العمل على صعيد الذات
كيف نعمل على مستوى ذواتنا؟
أقصد.. بأي نفسية يجب أن نواجه مشكلتنا؟
وعلى أي محتوى، وعلى أي استعدادات يجب أن نطوي صدورنا؟
إنّنا نواجه مشكلة عنيفة، وفي غاية العنف.
إنّنا نعيش صراعاً مريراً قاسياً غاية القسوة.
حكم الطاغوت والفراعنة يستبد، ويتجبّر، ويُبيد.
والباطل يعمّ وينتشر ويقارع الحق بأخبث كيد، وأعقد
وسيلة.
الباطل يتسرّب باتجاهاته، وتياراته إلى صفوف الحق.
وكثيرون راحوا ضحية هذه الاتجاهات المدسوسة.
الانحراف عن الحق لم يعد أمراً غريباً.
أصبحت ترى مظاهر الانحراف في كل مكان وفي كل جادّة،
وفي كل بيت!
والانحراف هو الذي يملك الحكم، وأجهزة السلطة.
يملك الجند، والشرطة، وأجهزة الأمن.
يملك المادّة, والسلاح، والرجال.
يملك وسائل الإعلام، وسبل الدعاية.
حقارته تزداد يوماً بعد يوم.
يقتل، يشرّد، يعذب، يحبس.
يخادع، ينافق، يمكر، يغوي.
وغرق كثير من الناس في البحر، وطمّهم الموج.
ابتعدوا عن النور.
ركضوا وراء كل صيحة.
نعقوا وراء الناعقين.
لا
ثبات لهم على الأرض.
ولا قرار لهم على رأي، ويحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.
والخطر يداهم كل واحد منا.
لم
تبق بيننا وبين الانحراف حدود، ولا سدود.
تداخلت الجبهات، فالباطل يعيش في ديار الحق.
هذه هي مشكلتنا.
ومعها.. فإنّا نريد النصر لجبهتنا، نريد أن لا ننحرف،
ولا ننصهر، ولا نيأس.
نريد أن نتقدّم كل يوم، نخنق أنفاس الباطل، نضيّق عليه
الأرض.
غزو متبادل، ومعركة في غاية التعقيد والضراوة.
فصائل من قوى الانحراف انضمت إلى جبهة الحق.
وفصائل من قوى الحق أسرها الانحراف، فاستسلمت.
كيف نعمل على مستوى ذواتنا إذن؟ من أجل حمايتها.
ومن يدّلنا على طبيعة هذا العمل؟
مدرسة أهل البيت عليهم السلام هي التي تحدّد لنا طبيعة
العمل.
إنّ علينا أن نلتزم بثلاث:
الثبات:
حينما نعرف أنّنا على حق فما علينا إلاّ أن نثبت.
وحينما نعرف أنّ خصومنا على ضلال فما علينا إلاّ أن لا
نتنازل لهم.
(يُثَبّتُ اللهُ الّذينَ آمَنُوا بِالقَولِ
الثّابِتِ..).(7)
هل
تعرفون ثبات أبي ذر، وميثم التمّار وحجر بن عدي؟
لقد ثبت أبو ذر.
كيف ثبت؟
لقد أربك الانحراف، حتى اضطرّوا إلى نفيه للربذة،
الخالية من الناس والخالية من القوت، ولكن شيئاً من
ذلك لم يمنعه عن الإصراح بالحق، والصراخ في وجوه
الظالمين.
ولقد قال له علي ساعة توديعه وهو راحل إلى الربذة:
"يا أبا ذر إنّك غضبت لله، فارجُ من غضبت له.
إنّ القوم خافوك على دنياهم و خفتهم على دينك".(8)
ولقد ثبت ميثم التمّار، ولم يعبأ أن تقطع يداه ورجلاه،
ثم يقطع لسانه.
فهو مشدود إلى جذع نخلة، لم ينقطع عنه نزيف الدم، كان
يفضح الباطل، ويشهّر بحكم الطواغيت، ويعرّف الناس
بالحق.
ويلقّنهم درساً في الثبات والنضال، حتى اضطرّ خصومه
لأن يقطعوا لسانه فيكفّ عن الكلام.
وأنت تعرف حجر بن عدي، بطل من أبطال جبهة علي عليه
السلام.
هؤلاء كيف ثبتوا؟
لقد وثقوا أنّ الحق معهم، والحق لا يعدله شيء،
والهزيمة عن الحق ارتماء في أحضان الضلال، وجرم ليس
مثله جرم.
(وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ
وَهُوَ كافِرٌ فأولئك حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ في
الدُنيا وَالآخِرَة).(9)
ولقد شرح لنا الحسين عليه السلام قيمة الثبات، وهو في
معرض الحديث عن القائد المنتظر، فقال:
(له غيبة يرتدّ فيها أقوام، ويثبت على الدين آخرون،
ويقال لهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ أما أنّ
الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد
بالسيف بين يدي رسول الله).(10)
وفي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
"إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسّك فيها بدينه
كالخارط للقتاد.. ثمّ قال: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة،
فليتق الله عبد وليتمسّك بدينه".(11)
|