لقد ضاعت هذه الحقيقة على عدد من الناس.

من الناس المسلمين بالطبع.

حين أراد عدوّنا أن يسلب منّا الإسلام، والعمل للإسلام، بدأ بهذه الحقيقة، لنفقد ثقتنا بالإسلام، وأملنا في أن يبدأ الإسلام يوماً عملية التغيير.

بعض المساكين نجحت معهم عملية غسل الدماغ، وغسل النفس أيضاً، بدأوا يشكّون في قدرة الإسلام على حلّ مشاكل الإنسانية الضائعة، وفقدوا الأمل في قدرة الإسلام على تغيير هذا المجتمع المعقّد.

ماذا يقولون؟

وما ينظر هؤلاء المساكين؟

البشرية تطوّرت.

سبل الحياة تعقّدت.

لم يعد المجتمع هو المجتمع الذي عاشه الإسلام قبل قرون.

كل شيء تغيّر، حتى نفوس الناس وأمزجتهم.

الحياة صعبة، صعبة.

الحياة أصبحت صورة جديدة، لا يوجد بينها وبين الماضي خيط شبه.

مشاكل ضخمة، ومعقّدة, وجديدة.

الأرض غير الأرض، الناس غير الناس، والحياة غير الحياة، كيف يبقى الحلّ الإسلامي جديراً؟

ولو كان جديراً، فكيف يستطيع أن يغيّر هذا التركيب البشري المعقّد؟

أم هل سينجح في عملية التغيير؟

يقولون: لا

الخلق الإسلامي لم يعد مقبولاً، ولا مهضوماً.

والناس أينما كان الشرّ كانوا معه. إنّهم لا يقبلون الحق.

وإذن.. فهم لا يقبلون الإصلاح. ومهما جهدت في تغييرهم فإنّك ستدور في فراغ.

تلك مقالة أصحابنا المساكين.

لقد أوحيت لهم إيحاءً، وهي نتيجة أراد العدو أن يصلوا إليها.

*     *     *

والحديث مع هؤلاء قد يكون طويلاً لو أردت أن أعرض لهم نظام الإسلام، وأوقفهم على جوهر التغيّر الذي تعيشه البشرية، كيما نرى جدارة الحلّ الإسلامي أم لا!

لكنّي لا أستطيع هنا أن أفعل ذلك، فإنّه يكلّفني الخروج عن دائرة بحثي.

ولذا فإنّ ما سأفعله الآن هو الإشارة إلى التناقض الذي يتورّط فيه هؤلاء الذين يشكّون في جدارة الإسلام.

كيف يؤمنون بأنّ رسالة الإسلام هي خاتمة الرسالات؟

ولو كان الحل الإسلامي قد استنفذ طاقته. ألسنا بحاجة إلى رسالة جديدة؟

أمّا إذا كنّا نؤمن بأنّ الإسلام هو الشريعة الخاتمة، فذاك يدعونا إلى الاحتفاظ بثقتنا بالإسلام بوصفه الحلّ الجدير لمشاكل البشرية.

نحن أمام الخيار التالي:

إمّا أن نثق بجدارة الإسلام في حل مشاكل البشرية، وإمّا أن نتّهم السماء التي لم تسعفنا برسالة جديدة، وختمت دورها بالإسلام.

*     *     *

وفي مجرى هذا الحديث يكون لقضية القائد المنتظر مشاركة فعّالة.

ما تقول لنا هذه القضية؟

وماذا تشرح لنا عن قيمومة هذا الدين الأبدي؟

سأوضّح ذلك:

حينما نؤمن بالقائد المنتظر.

وحينما ننتظر ثورته المظفّرة.

ننتظر الساعة التي يحكم فيها الحق، والإسلام، والسلام.

الساعة التي تملأ فيها الأرض بالقسط وتسعد بالعدالة.

إنّ ذلك يؤكّد لنا ضرورة الثقة بالإسلام.

فمهما بدت التقلّبات والتطورات البشرية كبيرة ومستوعبة، فإنّ ذلك لا يمنع عن نجاح الإسلام، وإنّ ذلك لا يمنع عن بقاء الحل الإسلامي هو الحل القادر على معالجة العقدة البشرية. وبناء أفضل مجتمع إنساني.

حين نؤمن حقيقة بالقائد المنتظر لا يبقى لنا مجال للشك في الإسلام، وجدارة الإسلام.

انزلوا إلى أعماق قضية القائد المنتظر، وانظروا ماذا تعكس لنا من ثقة، ومن مفاهيم.

كيف نستطيع أن نصدّق بنهضته الكبرى، وانتصار الإسلام، ثمّ يراودنا الشك في قدرة الإسلام على حل مشاكل العصر.

أليس ذلك تهافتاً في القول، والعقيدة.

ونحن حينما نكون على ترقّب دائم، وانتظار متّصل، لثورة الإمام المهدي عليه السلام، أليس ذلك يعني الثقة بأنّ الإسلام ليس فقط صحيحاً، وإنّما هو قادر على التغيير، وخلق المجتمع المسلم، وتطبيق أحكامه في الأرض؟!

أولئك الذين أذهلتهم التقلّبات البشرية.

أولئك الذين قالوا:

إنّ الناس غير الناس، والحياة غير الحياة.

وتساءلوا بعجب:

كيف سيغيّر الإسلام هذه النفوس التي تعوّدت على الضلال.

هؤلاء ما هو رأيهم في النصر العميم الذي ستظفر به ثورة القائد العظيم.

إنّ الأرض ستملأ بالقسط والعدل.

إنّ الإسلام سيسود ويحكم، ويغيّر، ويخلق الإنسانية الجديدة التي هو يريدها.

وإذا كنّا نشك في قدرة الإسلام على ذلك، فالأجدر بنا أن لا نؤمن بالقائد المنتظر!

سيعود الذين آمنوا بالإسلام، ووثقوا بحكم الإسلام، وعرفوا حقيقة الإسلام، سيعود هؤلاء حكّاماً في الأرض، خلفاء لله على البرية.

(وَعَدَ اللهُ الّذينَ آمنُوُا مِنْكُمْ وَعَمِلُوُا الصّاِلِحاتِ، لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ في الأَرْضِ..).(1)

سوف تتحطّم كل قلاع الكفر والضلال.

سوف تتبخّر كل العقبات، وتنسحب أمام تيّار الإسلام.

سوف تذوب كما يذوب الجليد تحت وهج الشمس كل الحواجز الموهومة.

الإسلام له يوم يثبت للناس كيف سيحقّّق لهم العدالة، والسعادة المنشودة.

كيف أنّه جدير وحده بإنقاذ أبناء الأرض من وديان البؤس والشقاء.

إنّه الشريعة الخالدة.

الشريعة التي ستحكم، وتنتصر.

حينما أكّد القرآن أنّ الأرض سيرثها عبادي الصالحون.

وحينما رسّخ أهل البيت هذا المفهوم، وعبّروا عنه بقضية القائد المنتظر.

وحينما أضحت هذه القضية أهم قضية في قاموس الفكر الشيعي.

لم يكن ذلك عبثاً، وبدون عطاء.

لقد كان ذلك من أجل أن لا نفقد الثقة العلمية بإسلامنا.

ومن أجل أن لا يغمرنا الشك في قدرة إسلامنا على التغيير.

*     *     *

إنّ الفكر الشيعي حينما يعمّق فكرة الإمام المنتظر عليه السلام ، يكون قد خلق أمنع حصن، وبنى أركز قاعدة، تمنع عن تسرّب الشك في الإسلام إلى الإنسان المسلم.

لقد كان أروع تحصين قدّمه الفكر الشيعي في قضية القائد المنتظر.

حينما نؤمن بهذه القضية، ويكون إيماننا حقاً، وإيماناً واعياً، نكون قد ضبطنا صمّام الأمان، وكسرنا عود الشك، وتجاوزنا أوهام العدو، وعاصفته بسلام.

الفصل الرابع

نهاية الصراع

يعتبر تأريخ البشرية منذ أعمق امتداداته تأريخ صراع مرير بين قوى الخير وقوى الشر.

بين جبهة الحق وجبهة الباطل.

هذا الصراع لم يتوقّف لحظة في طول عمر البشرية، ولم يفتر.

مظاهر هذا الصراع متعدّدة، ومتنوّعة، ومستقطبة.

والأدوات التي استخدمت في هذا الصراع هي الأخرى متعدّدة ومتنوّعة، كل واحد من البشر شارك في هذا الصراع.

وأيّ عمل تصادفه تستطيع أن تعرف إلى أي جبهة ينتمي، إلى الحق أم إلى الباطل.

وهذا الصراع ينعكس على الإنسان الواحد، ففي أعماق نفسه نزعات خير، ونزعات شر، ومواقف الإنسان تخضع لطبيعة الصراع بين هذه النزعات، وتلك قضية تصدق حتى على الرسل:

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ إلاّ إذا تَمَنّى أَلْقى الشّيْطُانُ في أُمْنيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشّيْطان...).(2)

مظاهر هذا الصراع تمتد إلى أعماق التأريخ، بل إلى بدايات التأريخ.

فمنذ أولاد آدم والخلاف الذي نشب بينهما سجّلت أوّل جريمة على الأرض، في أوّل جولة من جولات الصراع.

*     *     *

ولقد مثّل الأنبياء والرسل على طول التأريخ الرادة المخلصين لجبهة الحق، وكان يقف في نفس الجبهة الأوصياء، وكل أتباع الرسل.

بينما كان يقف في الجبهة المقابلة الوجوه النفعية، وأصحاب الذوات الانتهازية، أو العقد النفسية، سواء ما تسترّ منهم بقناع الإيمان، أو ما بدا مكشوفاً يعلن الشرك والجحود.

ولقد تعاقب على قيادة جبهة الحق مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، يعزّز بعضهم بعضاً، ويدفع إلى الإمام عجلة الحق كلّما تسرّب إليها الوهن والتعب.

(إذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوُهُما فَعَزَّزْنا بَثالِث، فَقالُوا إنّا إليْكُمْ مُرْسَلُونَ).(3)

وكل نبوّة جديدة تواجه صراعاً جديداً متوقعاً، وعناداً عن الحق يرتكبه النفعيون.

(وَما أَرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلاّ قالَ مُتْرَفُوُها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ).(4)

وبالطبع فإنّ نتيجة الصراع لم تكن واحدة.

فهناك انتصارات متبادلة، وبالمثل تراجعات متبادلة.

والبشرية على هذا المنوال إلى اليوم الحاضر.

وستبقى غير جازعة، ولا متهاونة.

*     *     *

لمن نهاية الصراع؟

بعض الناس يحملون روح التشاؤم، وآخرون يحملون روح الخوف.

وأولئك وهؤلاء يقلقون على مصير الحق.

هل يمكن أن يفوز يوماً ما؟ وكيف ذلك؟

ها هو الباطل يحكم الشعوب!

وما تزال الأرض تشهد حكم الطاغوت!

بل وكل الأرض في قبضة الكف السوداء!

فأين الحق، وأين جيش الحق؟

إلا أننّا لا نستطيع أن نمضي مع هذا المنطق التشاؤمي.

فالحق الكامل لا يوجد في الأرض.

لكن هل يوجد باطل كامل في الأرض؟

إنّ مع كل باطل في هذه الأرض قدراً من الحق، وهذا الحق يحكم، وينفذ ويطبّق.

وحينما نتوقع أن نجد حقاً محضاً خالصاً في هذه الأرض فإنّنا سنخيب يقيناً. وتبدو لنا الصورة قاتمة.

لكن لماذا نفعل ذلك؟

إنّ التوحيد حق، والإسلام حق، والتشيع حق.

وفي حكومة الخلفاء العباسيين كان هناك حق يحكم وباطل يحكم.

هناك حق يحكم. فالتوحيد منتصر، والإسلام على إجماله منتصر.

 وهناك باطل يحكم، فالخط الإسلامي الأصيل مشرّد، ومطرود، ومعذّب والإسلام لا يملك الفرص الكافية لبناء المجتمع القويم.

انحرافات الخلفاء كثيرة، والجور مبثوث في كل مكان.

لكن لم يكن ذلك يعني أنّ الباطل وحده هو الذي يحكم.

ألم يكن الإمام علي بن الحسين عليه السلام يدعو لجيوش المسلمين في العهد الأموي، بالانتصار على جيوش الروم؟ إذن فهي تعبّر عن حق.

إنّك تستطيع أن تجد الحق في كل مكان، وفي كل موقع، لكن لن تجده وحده بالطبع.

حكومات الغرب، وحضارة الغرب كم بلغت من الانحراف؟

لكن ألست تجد فيها الإيمان بالله؟ مهما تكن طبيعة هذا اليمان.

وقد لا تجد فيها الحرية الكاملة، لكن ألست تجد فيها بعض الحرية؟

ومهما يكن القانون غارقاً في الظلم والتعسّف، لكن قد يصيب بعض الحق حينما يمنع المعتدين، والمستغلين والنفعيين.

*     *     *

وإذا كان الحق يواجه افتراقات وصراعات داخلية قد تضعف جبهته. ألم يكن الباطل مثل ذلك؟

إنّ صف الباطل لم يسلم من الاشتباكات الداخلية، ولم يطب له العيش يوماً، كلّما أتت أمّة لعنت أختها.

(تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى).(5)

وأنت لا تجد وجهاً واحداً يدوم له العرش.

إنّه سيقهر حتماً أمام قوىً أخرى، ولتكن من فصيلة الباطل، إلاّ أنها كثيراً ما تحمل قسماً من الحق.

ومن هنا فالباطل في صراع، كما الحق في صراع:

(وَقالَتِ اليَهُوُدُ لَيْسَتِ النّصارى على شَيءٍ وَقالَتِ النّصارى لَيْسَتِ اليَهُوُدُ على شَيء).(6)

وبمقدار ما ينحسر الباطل يتقدّم الحق خطوات.

وجبهة الحق مهما بدت سليمة، فإنّها تعيش الصراع.

إننا بحاجة إلى عمق في الرؤية.

(إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُه).(7)

(إنْ تَكُوُنُوا تَألَمُونَ فَإنّهُم يَألَمُونَ كَما تَألَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مالا يَرْجُوُن).(8)

لقد عالج القرآن نقطة الضعف التي أحسّها في المسلمين حين أصيبوا بنكبة، فألفتهم بسرعة إلى أنّ العدو يشكو مثل شكواكم، وتلك حقيقة صادقة إلى الأبد.

حين كانت جيوش النصارى تتقدّم، ألم تكن الكنيسة تعيش صراعاً عميقاً بين الكاثوليك والبروتستانت، لغاية التحرّر من بعض تعسّفات الكاثوليك، واضطهادهم.

وحينما يزحف الجيش الشيوعي في العصر الحاضر، ألسنا نشهد أكبر انشقاق بين اتّجاهين فيه.

وفي كل مكان تجد يميناً ويساراً ووسطاً!

أليس الحق هو المستفيد من هذه التناقضات؟

*     *     *

لمن نهاية الصراع؟

مرّة أخرى نعود لنطرح هذا السؤال، لكننا هذه المرّة نطرحه على قضية القائد المنتظر لنجيب.

لقد أعلن القرآن عن خاتمة الصراع الطويل.

الصراع الذي بدأ منذ اليوم الأوّل من عمر البشرية.

الصراع الذي عاشته البشرية طوال مسيرتها المكدودة.

خاتمة هذا الصراع للحق، والحق وحده.

(وَعَدَ اللهُ الّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ في الأَرْضِ، كَما اسْتَخْلَفَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِم وَلِيُمَكّنَنّ لَهُم دِينَهم الذي ارْتَضى لَهُم وَليُبَدّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً...).(9)

(وَنُريدُ أنْ نمُنَّ على الّذين اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثين).(10)

وقضية القائد المنتظر هي تجسيد لهذا الوعد، وتعميق لإيماننا به.

إنّها تبعد عنّا شبح اليأس

تدفع بنا في قلب المعركة، أبطالاً متمرّسين، واثقين بأنّ النصر حليفنا وأنّ الموت للعدو.

لا داعي للقلق على مصير الحق.

لا تبهرنا جيوش الانحراف.

صخرة الباطل مهما بدت شامخة، ومهما توطّدت في الأرض، فإنّها ستتحطم يوماً ما.

إنّ حكم الطاغوت لن يدوم، ولن يهنأ له العيش.

إنّ حكم الطاغوت مهما تجبّر، وتعملق، وشمخ في العلو، فإنّه سيخسر الجولة، ويتهشم تحت وطأة الحق.

(وَلا يَغُرنّكَ تَقَلّبُ الّذينَ كَفَرُوا في البلاد).(11)

نعم..

إنّ الأرض سيخيّم عليها الظلام، والظلم.

لكن حجب الباطل مهما تكاثفت فإنّها لا تمكث طويلاً أمام وهج الشمس.

سيزول الظلام، وتملأ الأرض بالقسط والعدل.

هكذا تحدّثنا قضية القائد المنتظر.

هؤلاء الذين قطع اليأس آخر آمالهم، وملكهم الانهيار.

هؤلاء.. يجب أن يسترجعوا الأمل.

يجب أن يقنعوا بأنّ الباطل هزيل، وأنّه سوف ينهزم.

المستقبل لجبهة الأنبياء والرسل والأوصياء.

وواحد من هؤلاء الأوصياء هو القائد المنتظر.

(وَمَا أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأساءِ..).(12)

إنّ قضية القائد المنتظر مصدر قوّة.

(مَثَلُ الّذِينَ اتَّخَذُوا مِنَ دِوُنِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوُتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإنّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمَوُنْ).(13)

وإذا كان الأمل هو المحفز لأيّ تحرك، فإنّ قضية القائد المنتظر تخلق فينا هذا الأمل الحافز.

المؤمن بهذه القضية لا ينهار، ولا ييأس، ولا ينخلع قلبه وهو يرى الباطل يجول، ويعربد، ويحطّم، ويعيث في الأرض فساداً.

إنّنا لن نموت.

لن نتنازل.

لن ننسحب من معركة الشرف والحق والحياة.

فحينما يضرب الباطل ضربته الأخيرة ستنكسر عصاه، وينتهي، ومن ثمّ يحكم الحق.

والذين كانوا مستضعفين في الأرض سيصبحون حكّام الأرض وقادة المسيرة.

لكن من هم الذين لا يأكل قلوبهم اليأس.

إنّهم قليل، وقليل جداً.

غير أنّ هؤلاء القليل هم الذين يحملون راية الحق، ويحتضنون لواء القائد العظيم، مهدي آل محمّد.

أفلا نكون من هؤلاء القليل؟ الذين وصفهم الإمام علي عليه السلام قائلاً:

(أولئك الأقلّون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً)(14).

الفصل الخامس

العطاء الذاتي لحياة القائد المنتظر

إنّ ما أقصده بالعطاء الذاتي هو المردود النفسي الذي تعكسه قضية القائد المنتظر على ذواتنا.

إنّ الحجم الذي تخلّفه من الأثر في نفوسنا ـ نحن المؤمنين بالقضية ـ من المكانة بنحو لا يمكن تغافله وتناسيه.

وإنّني أحاول هنا أن استجلي صورة عن هذا العطاء.

الأمل:

لقد تحدّثت لكم شيئاً ما عن الأمل، ودور القضية في ترسيخه وتعميق جذوره في نفوسنا، وكيف نصبح هازئين بالظلم، رافضين لحكومة الظلم، غير مستسلمين، ولا واهنين.

على ثقة كاملة بأنّ عمر الظلم قصير، وأن سيصبح الصبح، أليس الصبح بقريب.

 إنّ تجبّر الظلم، وكبرياء الطاغوت، وسيطرته على الأرض، وعلى شعوب الأرض، كل ذلك لا يثني عزمنا القاهر على المضي قدماً، فالنتيجة لنا، الطريق المزروع بالأشواك نحن قادرون على أن نقطعه بكل صبر وبسالة، والعزّة للمؤمنين.

(وَأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ).(15)

لقد قلت فيما سبق:

إنّ قضية القائد المنتظر هي مصدر قوّة.

وليس كما يحسب بعض الناس أنّها بمثابة الكهف الذي نلجأ إليه عند الهزيمة.

 أبداً.. إنّها لن تقبل منّا الهزيمة، وتسخر من المهزومين.

فحصون الباطل يجب أن تتحطّم.

وأعواد عرش الطواغيت يجب أن تتكسّر.

وسيموت كل الفراعنة، سيغرقون في نفس البحر الذي ملؤوه دماً، وستسيخ بهم الأرض.

*     *     *

التماسك:

وسوى ذلك فإنّ قضية القائد المنتظر، ووجوده حيّاً بين صفوفنا، وفي داخل جبهتنا، يحفزنا على الشعور بالأصالة، والاستقلال، والحياة والقوّة.

دعني أشرح ذلك وأوضّحه أكثر:

هناك فارق كبير في الوضع النفسي لأمّة لا تعرف قيادتها.

أو لا تملك قيادة حية تتفاعل معها.

ليس لها من تثق به.

ليس لها من ترمي بطرفها إليه.

إنّها أمّة ستذوب، وتتلاشى، وتتمزّق.

ستأكلها الاتجاهات، وتميّلها الافتراقات.

وتنصهر في الكل،  وفي الأكثرية المحيطة بها.

ستضيع ملامحها، وتفقد شخصيتها، وتنسى أصالتها واستقلاها.

وتتوسّل للدخول ضمن الاتجاهات الأكثر قوّة، والأكثر منعة وتماسكاً.

ما الذي يمنع الفئة القليلة من الذوبان، والاندكاك في الفئات الكبرى؟

وما الذي يحصّن دائرتها من التلاشي في الدوائر الأخرى؟

شيء واحد بالتأكيد...

هو شعورها بأصالتها، واستقلالها، وثقتها بوجودها.

مهما تملك هذه الفئة من فكر، ومن حق، فإنّ ذلك لا يدفع عنها خطر الانهيار، والتفلّل، والذوبان، ما لم تستشعر الثقة بنفسها، وقوّة كتلتها، وحيوية جبهتها، ووحدة صفّها.

إنّ هذا الشعور هو الذي يقطع حبل الانهيار، والتحلّل والانصهار ضمن الأكثرية.

والأمّة التي لا تعرف قيادتها، ولا تملك الثقة بأنّ قيادتها وراء الخط، تدبّر وتعمل، وتشهد، وتخطّط، وتنتهز الفرص للهجوم، إنّ مثل هذه الأمة تفقد الشعور بالمنعة، والحصانة.

تفقد الشعور بالاستقلال، والوحدة.

وعلى العكس من ذلك الأمة التي توطد حبل الاتصال مع قادتها، وتعرف جيداً أنّهم داخل الساحة، والأحداث لا تمرّ دون اطّلاعهم.

هذه الأمّة مهما بلغت من الصغر، والقلّة.

ومهما أحاطت بها الاتجاهات ذات الأكثرية الساحقة.

إنّ هذه الأمّة وهذه الفئة تصبح ذات قناعة كافية لأن تقيها خطر الذوبان.

وإذا كان الحديث عن جبهة التشيع فبوسعك أن تلاحظ معي:

إنّ هذه الجبهة تحتضن الأقلية الضعيفة، والمطاردة.

وكل التيارات التي شهدها تأريخ الإسلام وقفت ضد هذه الجبهة، وكانت ترى فيها الخطر الذي يقوّض كيانها لو قدّر لها أن تواصل نشاطها بقرار، وحرّية.

ومع ذلك فإنّ قلعة التشيع لم تستسلم:

وباتت غير مستسلمة حتى في حال غياب قائدها (الإمام الثاني عشر) من أهل البيت.

وبالطبع فإنّها كانت معرّضة للتمزّق بغياب قائدها.

وشيء من ذلك قد تحقق بالفعل.

لقد كان الإمام يقول:

(كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدىً ولا علم، يتبرّأ بعضكم من بعض).(16)

لكن رغم كل ذلك فهاهي أحد عشر قرناً مضت على غيبة هذا القائد، والتشيع ما يزال راسخاً.

والمؤمنون بهذا الخط لم يقتلهم الوهن، ولم يحدّ من نشاطهم الضعف، والقلّة، وحياة المطاردة.

ترى ماذا كان وراء ذلك؟

وكيف لم تذب هذه الفئة، كما ذابت معظم الفئات الأخرى؟

لقد شهد التأريخ الإسلامي عشرات من الفرق الدينية، لكن يد المنون مسحت عليها، وانتهت.

إنّها لم تصمد أمام أدنى الضغوط، أو أدنى الافتراقات.

بينما ظلّ التشيع، رغم كل الأعاصير، والصدمات، والمكائد.

رغم القلّة، والضعف، والتشتّت.

ظلّ حيّاً راسخاً، معبّراً عن جوهر الإسلام.

صارخاً بالحق، ساخراً بالظالمين، ومؤامرات الظالمين.

ماذا كان وراء ذلك، والقائد محتجب؟!

كيف لم يصب الانهيار عزائم الشيعة؟

كيف لم يستسلموا للأكثرية الساحقة والقويّة.

ما الذي شدّهم هذا الشدّ الوثيق بالمذهب.

الشدّ الذي خابت معه كل محاولة للتمزيق والتفكيك.

بلا شك كان وراء ذلك إيمان الشيعة بحياة قائدهم المغيّب، وأنّه معهم، وفي أوساطهم.

يعيش همومهم، ويتمزّق قلبه ألماً لمآسيهم.

يرقب حالهم، وجبهتهم.

ينتظر.. ينتظر، كما هم في انتظار.

هو مرتبط معهم، غير بعيد عنهم، ولا ناسٍ لقضيته وقضيتهم.

فهناك وحدة في القضية، وهناك وحدة في المصير.

إنّ هذا القائد الذي احتجب عن الرقابة التي تلاحقه، والذي ما يزال محتجباً ريثما تكون ساعة النصر قد أزفت، وريثما تكون شروط الثورة قد مثلت في الأفق.

إنّ هذا القائد حي..

ومن هذه الحياة تخفق قلوبنا بالحياة.

ومن هذا النشاط نستمد النشاط، ونعرف كيف نعمل، وكيف يجب أن نتكتل.

فنحن أمة لها أصالة، ولها استقلالها ما دامت قيادتها حية، صابرة مشرفة على الساحة.

مادامت قيادتها غير ضائعة ولا واهنة.

الفواصل الزمنية بيننا وبين هذا القائد معدومة.

فلا داعي لاستشعار البعد، والدهشة، والافتراق عن القيادة.

لأنّ هذه القيادة ما تزال حيّة، كما لو كانت وليدة عصرنا.

دعنا نتصوّر ماذا يكون الوضع النفسي لو كنّا لا نملك هذا القائد، الذي نثق به ثقة مطلقة، والذي نثق بأنّه سيسحق كل الخصوم.

هب أنّ الإمام المهدي عليه السلام قد مات في الستينات أو السبعينات من عمره الشريف.

وفقدنا القيادة المعصومة والمظفرة.

وأصبحنا ننتظر فقط مجيء مصلح قد تجود به يد الزمان في يوم من أيام المستقبل.

ثمّ كنّا نواجه الصدمة تلو الصدمة.

نواجه الذبح، والخنق، والسجن والتشريد.

نواجه الدسائس الخبيثة التي تحرص على إبادتنا.

ونحن قلّة، وضعاف، ومشرّدون.

والناس ينظرون إلينا شزراً.

والرجل الذي ننتظر صولته غير موجود.

أليس كنا نقترب نفسياً إلى الهزيمة.

نؤثر العافية، والسلم والأمان.

فندخل ونموع في أحضان الأكثرية.

نذوب كأننا الشمع.

نفقد الشعور بأنّنا تكتّل رصين محقّ.

في كل صدمة نفقد مجموعة من الأعوان الذين يُهزمون بفعل الصدمة والمحنة.

انظروا كيف تمزّقت وبادت الفئات الأخرى، لدى أدنى صعوبة، وفي بداية الصراع؟

كيف انتهى المعتزلة من الوجود، وانتهى مذهب الاعتزال، حينما انتفضت عليه السلطات؟

إنّ تلك الفرق والمذاهب لم تواجه عشر العناء، والخطر الذي واجهه التشيع.

حينما طوردت الفئات، وأصيبت بالشتات، وحين تمزّقت جغرافياً، ونفسياً، وفكرياً كانت قد حكمت على نفسها بالموت والفناء.

أمّا جبهة التشيّع، فالداخلون فيها يعرفون أنّ قائدهم المظفر المعصوم.. معهم، يشهد، يسمع، يرقب الأحداث، يتحرك، يسدد، ينتظر.

 إذن فهم كتلة حية بحياة هذا القائد.

وأينما ذهب الرجل الشيعي، وفي كل مكان قذفته الأمواج، هو يشعر بأنّ قائده يعيش مأساته، ويحمل همّه، وتربط بين الاثنين علاقة مودّة، وحبّ، وهمّ مشترك، وهدف مشترك.

*     *     *

 

 


الهوامش


(1) النور (24) : 55.

(2) الحج (22) : 52.

(3) يس (36): 14.  

(4) سبأ (34) : 34.

(5) الحشر (59): 14.

(6) البقرة (2) : 113.

(7) آل عمران (3) : 140.

(8) النساء (4) : 104.

(9) النور (24) : 55.

(10) القصص (28) : 5.

(11) آل عمران (3) : 196.

(12) الأعراف (7) : 94.

(13) العنكبوت (29) : 41.

(14) الكافي: 1/335, الحديث 3و339 الحديث 13.

(15) آل عمران (3) : 139.

(16) إكمال الدين وإتمام النعمة : 348 الحديث 36.