مشاهدة الإمام الغائب عليه السلام عند شهادة والده عليه السلام

كانت مشاهدة الإمام المهدي عليه السلام وقت شهادة والده عليه السلام أمراً حاسماً، ففي فترةٍ تعد أحرج الفترات التي تمر بها مسألة الإمامة، وعدم وضوح الخلف من بعد الإمام عند الكثير من الشيعة، كما أن جعفراً قد تهيا لدعوى الإمامة بواسطة السلطة العباسية التي تعد من جعفر بديلاً " رسمياً " عن الإمام، وقد حاولت السلطة أن تستفيد من هذه الفترة أمرين:

أولاهما: كشف حال الإمام الغائب عند شهادة والده عليه السلام، فإنّ كان موجوداً نفّذت السلطة خطتها في تصفيته، وإن كان غير موجود فهو ما تطمح إليه السلطة وتحاول إشاعته ذلك وإنهاء "ملف" الإمامة من الأساس، فلا أحدٌ بعد ذلك يشكّل تهديداً خطيراً حقيقياً لها، وبذلك تحقق السلطة العباسية آمالها في إقصاء آل البيت عليهم السلام من مناصبهم الإلهية.

ثانيهما: تنصيب جعفر بن علي عمّ الإمام المهدي عليه السلام إماماً "رسمياً" من قبل السلطة وذلك لمحاولة استغلال ظرف غياب الإمام الشرعي وتوجيه الأنظار إلى جعفر الذي عرف بعدم التزامه وارتكابه محرمات الشريعة، لتوهم الناس بأن أئمة آل البيت الذين تعتقدون إمامتهم هم في مستوى عدم الالتزام الشرعي وغياب مقومات الإمامة عنهم وعدم أهليتهم لذلك، لذا فقد كان جعفراً يشكل بادرة خطيرة إبّان الغيبة الصغرى، وهو أحد أهم عوائق ظهور الإمام المهدي عليه السلام في غيبته الصغرى لشيعته، كون جعفراً يترصد وجوده ويحاول تمويه الناس بعدم ولادته، ومن ثم دعوى إمامته الباطلة.

هاتان المحاولتان لم تتجح في استغلالهما السلطة، فإنّ الإمام المهدي عليه السلام ظهر بصورة مفاجئة في اللحظات الأخيرة التي تمت بها محاولة النظام في التمويه على عدم وجوده، فقد باغت الإمام عليه السلام السلطة بظهوره والصلاة على أبيه، وأحبط محاولاتها ومحاولات عمّه جعفر وأسقط ما في أيدي جعفر من الدعاوى الكاذبة وأثبت لشيعته وجوده ومحاولة أخذ زمام المبادرة في اللحظات الأخيرة من مشاهد "السيناريو" الذي حاول إيجاده النظام بواسطة جعفر.

وبهذا فقد أثبت الإمام وجوده لشيعته أولاً وللسلطة ولعمّه ثانياً دون أدنى خطرٍ على حياته، حيث بعد أدائه الصلاة غاب بشكلٍ أفشل محاولات القبض عليه وتصفيته.

والرواية التالية تحكي لنا مشاهد اللحظات الحاسمة.

اللحظات الحاسمة:

بعد أن وضعت جنازة الإمام العسكري عليه السلام همّ أخوه جعفر للصلاة عليه فلم يمهله الإمام المهدي عليه السلام بأن باغته بالخروج والصلاة على أبيه وتولي شؤون إمامته والاتصال بشيعته سراً، كما في الرواية التالية:

روى المجلسي: " قال أبو الحسن علي بن محمد بن حباب: حدثنا أبو الأديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام(1) وأحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلت إليه في علته التي توفي فيها صلوات الله عليه فكتب معي كتب(2) وقال: تمضي بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يوماً فتدخل إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل.

قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي، فهو القائم بعدي؟ فقلت: زدني، فقال: من يصلي عليّ فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي.

ثم منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان؟ وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ودخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر، كما قال لي عليه السلام، فإذا أنا بالواعية في داره وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار، والشيعة حوله يعزونه ويهنئونه.

فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة، لأني كنت أعرفه بشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فقدمت فعزّيت وهنّيت، فلم يسألني عن شيء ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفّن أخوك فقم للصلاة عليه،(3) فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمّان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة.

فلما صرنا بالدار إذا نحن بالحسن بن علي عليه السلام على نعشه مكفّناً، فتقدّم جعفر بن علي ليصلي على أخيه فلمّا هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجذب رداء جعفر بن علي وقال: تأخر يا عمّ فأنا أحق بالصلاة على أبي فتأخر جعفر، وقد اربدّ وجهه، فتقدّم الصبي فصلّى عليه، ودفن إلى جانب قبر أبيه.

ثم قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه، وقلت في نفسي: هذه اثنتان بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي مَن الصبي؟ ليقيم الحجة، فقال: والله ما رأيت قط ولا عرفته.

فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم، فسألوا عن الحسن بن علي فعرفوا موته فقالوا: فمن؟ فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلّموا عليه وعزّوه وهنؤوه، وقالوا: معنا كتب ومال، فتقول ممن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه ويقول: يريدون منّا أن نعلم الغيب.

قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه ألف دينار، عشرة دنانير منها مطلية فدفعوا الكتب والمال، وقالوا: الذي وجّه بك لأجل ذلك هو الإمام.

فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك فوجّه المعتمد خدمه، فقبضوا على صقيل الجارية وطالبوها بالصبي، فأنكرته وادّعت حملاًَ بها لتغطي على حال الصبي فسلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بين يحيى بن خاقان فجأة، وخرج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم والحمد لله رب العالمين لا شريك له.(4)

جعفر بن علي بادرة سيئة وظاهرةٌ خطيرة:

قلنا أن حركة جعفر بن علي كانت بادرة سيئة تستفتح الغيبة تأريخها بها وهو وإن كان ساذجاً في تصرفاته إلا أنه شكّل ظاهرةً خطيرة امتدت آثارها إلى مديات طويلة، فقد كشف ستراً كما في تعبير بعض الروايات، وأفشى سراً كما في روايات أخرى، ثم هو يشكل حالة الانحطاط الفكري التي كان يتميزبها بعضهم وعدم وعيهم بمسؤولياتهم الحقيقية، كما أنه مثّل نموذجاً سيئاً لحالات الانحراف التي تكمن في دواخل البعض، ومن جهته فإنّ دوافع حبّ الرئاسة والجاه غير المشروع كان الأساس في ارتكاب مثل هذه الاختراقات.

وهذه الظاهرة وإن كان لها أثرها السيئ إلا أن لها أهميتها كذلك، فهي ظاهرة أغلقت الباب على محاولات البعض من تصوير الانحرافات التي صدرت من بعض الشيعة بأنها مسألةً عامة يبتلى بها أكثر أتباع الأئمة، حيث دعوى السفارة والوكالة الكاذبة عن الإمام عليه السلام يصورها البعض أنها إحدى سلبيات الطائفة، في حين أن هذه الدعوى لها مثيلها في عم الإمام عليه السلام وهو ابن إمام وأخو إمام إلا أن دوافع حبّ الجاه لا يخص أحداً دون أحد إذا استمكن من نفس الإنسان ومشاعره بحيث يطغى على قلبه وفكره فينسيه ما هو فيه.

كما أن هذه المحالات تكشف عن خللٍ في بعض جوانب المدّعي لم تسد فكرياً، ونقصٍ في التزامه الديني لم يعالجه في حينه فاستفحل عليه، واستجاب لأدنى شبهةٍ عرضت في نفسه.

فلا غرابة إذن أن يتصرف بعضهم بمواقف سلبية وخروقاتٍ دينية، فإنّ لهذه الحالات مثيلاتها من قبل جعفر عم الإمام وليس هذا عيباً يطغى على الطائفة كأتباع لهم علاقتهم المقدسة مع أهل البيت عليهم السلام.

أسلوب السفارة:

ولم يكن بداً من غيبة الإمام في ظل هذه الظروف الأمنية الحرجة والرقابة المشددة التي اشترك في ممارستها حتى أقرب الناس من أهله، وهو عمّه الذي كان من المفترض أن يكون عنصراً مهماً في مهمته وليس ظاهرة سلبية تعرّض الإمام عليه السلام إلى الخطر وشيعته المخلصين إلى التصفية الجسدية كذلك.

وهل تعني غيبته عليه السلام عزلته عن الناس عامة وعن شيعته خاصة؟ وهل يبرر التهديد الذي لاقاه الإمام عليه السلام من السلطة بالقتل أن تنقطع ارتباطاته بقواعده؟ أم لابد من استحداث شيء آخر لم يعهد في عصر آبائه الطاهرين عليه السلام بل بدأت بوادره إبّان عهد جده الإمام علي بن محمد عليه السلام حين عيّن له وكيلاً يرعى بعض مصالح مهمته ولتكون بداية مهمة لأسلوب الوكالة يألفها الناس إبّان غيبة الإمام المهدي عليه السلام.

لذا فإنّ الوكيل للإمام الهادي عليه السلام كان عثمان بن سعيد العمري وهو الوكيل كذلك للإمام الحسن العسكري عليه السلام وقد عرف بصلاحه وورعه وتقواه لدى الخاصة والعامة.

إذن فأسلوب الوكالة أو السفارة للإمام المهدي عليه السلام صار أمراً مألوفاً في الوسط الشيعي، فهم تعاملوا مع سفير جده الإمام الهادي عليه السلام ومع سفير والده الإمام العسكري عليه السلام، ولم يكن بعد ذلك أسلوب السفارة أمراً جديداً تثار من خلاله الريبة بل هي الطريقة التي عهدها الشيعة وألفوها.

السفراء والسفارة في الغيبة الصغرى

الأسلوب الذي لابد من اتباعه في هذه الفترة الخطيرة من الغيبة هو أسلوب السفارة التي مارسها الإمام المهدي عليه السلام إبّان غيبته، وهؤلاء السفراء شكّلوا قنوات الاتصال الدقيقة مع الإمام عليه السلام وشيعته، وهو الأسلوب الذي أثبت نجاحه على مدى سبعين عاماً من عمر الغيبة الصغرى، وكانت تشكيلة السفراء وبمواصفاتٍ خاصة تنم عن دقة العمل المتخذ في هذه الفترة والأسلوب الأمثل الذي اتبع في انسيابية المعلومات بين الإمام عليه السلام وبين قواعده.

بل لعل القواعد الشيعية لم تستشعر الفراغ إبّان عهد الغيبة الصغرى بوجود السفراء، فكان أسلوباً مثيراً حقاً أثبت جدارة مهمة الإمام عليه السلام في غيبته.

السفراء الأربعة

السفير الأول:

أبو عمر عثمان بن سعيد العمري:

وهو السفير الأول للإمام عليه السلام الذي مارس مهمة السفارة لدى الإمام الهادي والإمام الحسن العسكري عليهما السلام.

ولعل الإبقاء على هذا السفير يساعد الأوساط الشيعية على استيعاب ظرف الغيبة الجديد وشعورها باستمرار إمامة الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام طالما لهذا السفير وجوده، واستمرارية مهمته، فهم عهدوه سفيراً لمرحلتي الإمامة "الخطيرة" والتي تبنت تهيئة الذهنية العامة للغيبة، والتقديم لها وترويض الأمة على ذلك.

كما أن مزاولة هذا السفير عمله في عهدي الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام، يعطي المشروعية الكاملة لنشاط هذا السفير حين يمارسه إبّان عهد الغيبة الصغرى، أي أنّ وجود عثمان بن سعيد العمري في مهام السفارة الأول للغيبة الصغرى يعد توثيقاً لهذه الفترة من الإمامة واطمئناناً للوسط الشيعي الذي يتعامل في هذه الفترة الحرجة من الإمامة.

السفير الثاني:

محمد بن عثمان بن سعيد العمري:

وهو السفير الثاني، نصّ عليه الإمام الحسن العسكري عليه السلام بقوله: واشهدوا عليّ أن عثمان بن سعيد وكيلي، وأن ابنه محمد وكيل ابني مهديكم.(5)

وتعد وصية الإمام العسكري عليه السلام وثيقة مهمة بإقرار مشروعية الغيبة في أذهان الوسط الشيعي، فهم إبّان الغيبة يستذكرون ما أوصى به الإمام العسكري عليه السلام في وكالة محمد بن عثمان.

وبذلك راعى الإمام العسكري عليه السلام نفسية قواعده الشيعية من أن وصيته إلى السفير الثاني تعد حالة معايشة من قبل الإمام العسكري عليه السلام لأوساطه في ظرف الغيبة، أي أن الشيعة يرون في شخص السفير الثاني عهد الإمام العسكري عليه السلام إليه، مما يساعدهم على استيعاب الظرف الجديد وغياب الإمام عليه السلام عن أوساطهم.

السفير الثالث:

أبو القاسم الحسين بن روح ابن أبي بحر النوبختي:

عرف بجلالة قدره وعظم شأنه لدى الأوساط فضلاً عمّا قدّمه الإمام المهدي عليه السلام لشيعته بتعريفه عند قوله: وإنه عندنا بالمنزلة والمحل اللذين يسرانه زاد الله في إحسانه إليه إنه ولي قدير، والحمد لله لا شريك له وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.(6)

تعد سفارته من أحرج السفارات، إذ في عهد سفارته بدأت دعاوى السفارة الكاذبة التي ادعاها بعضهم، ولعل ذلك ناشئ عن عدم شهرة الحسين بن روح، بل كان من يتقدم عليه في الاختصاص بالسفير الثالث مثل جعفر بن أحمد بن متيل وأبيه وغيرهما حيث كانت الأنظار موجهة إليهما وإلى غيرهما، وكان الحسين بن روح في عداد جملة أصحاب السفير الثاني.

فلما جاء الأمر بإيكال مهمة السفارة إلى الحسين بن روح حسده أهل الجاه والدنيا ورأوا أنهم أحق منه حسب قياساتهم الباطلة، وظنوا أنهم مؤهلون لذلك، فلما لم يحصلوا على ما طمحوا له من المنصب ادعوا السفارة كذباً والوكالة زوراً، وكان دور الحسين بن روح التصدي لهم وفضح أكاذيبهم، ومعلوم أن ذلك يستدعي قابلية خاصة في مواجهة مثل هذه الأراجيف، كما أنه سيعاني " الحسين بن روح " من حملات عداءٍ ضده، وهذا بحدّ ذاته جهد عظيم تبناه الحسين بن روح، فضلاً عن لياقته في المهام التي أنيطت إليه من قبل الإمام عليه السلام .

توفي رضوان الله عليه سنة 326 هج.

السفير الرابع:

علي بن محمد السمري

تولى السفارة عند وفاة الحسين بن روح رضوان الله عليه عام 326 هج حتى وفاته عام 329 هج.

تعد سفارة السمري من أحرج الفترات، وأشدها وطأةً على الشيعة، وأصعبها ظرفاً أمنياً يعيشه المجتمع الشيعي في ظل ظروفٍ سياسيةٍ قاهرة، وكانت هذه الظروف السيئة باعثاً إلى تجميد فعاليات السفير الرابع وتقليل نشاطه في الاتصال بالأوساط الشيعية الملاحقة من قبل النظام. وبالرغم من تقليص أنشطة السفارة في هذا العهد فإننا نعدّ سفارة السمري من أبدع السفارات دقةً وأعظمها تنظيماً في المحافظة على هيكلة القواعد الشيعية، فضلاً عن القيام بمهمته السرية دون أن يكشف النظام أية بادرة من شأنها أن تعين النظام على اكتشاف العلاقات السرية بين الإمام عليه السلام وبين قواعده عن طريق السفير الرابع الذي أحكم مهمته بدقة وبإبداع يعجز عنه حتى أعظم التنظيمات العالمية في عصرنا هذا، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على حكمة السمري ودقته ومن ثم تسديد الإمام عليه السلام وتوجيهه له.

وبعد مهمةٍ شاقة وفترةٍ عسيرة تلقى علي بن محمد السمري نعيه عن الإمام عليه السلام في رسالة تعزيةٍ يأمره فيها بعدم العهد إلى أحد جاء فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلاّ بإذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً.

وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذاب مفتر.

 ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.(7)

ونحن نقول كذلك: لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، فقد وقعت الغيبة، آملين منه تعالى أن يقر عيوننا بمشاهدته ويفتح لنا سبل هدايته ويجعلنا من جنود وليّه والذابين عنه، إنه وليٌ قدير، عٌ مجيب.

 

الفصل الثاني

الإنتظار

أضحت مسألة الانتظار مسألة مهمة لدى المدارس الإسلامية جميعاً ، فالمدارس الإسلامية ـ عدا الإمامية ـ تنظر إلى مسألة الانتظار على أنها حالة سلبية يعيشها الفرد ، فهي حالة سكون  وانطواء على النفس، بل هي حالة تجميد الطاقات بحجة انتظار الموعود، وهذه النظرة وليدة تراكمات ظروف معرفية خاصة، إضافة إلى حالة عدم الوعي والقصور في فلسفة الغيبة المهدوية المباركة.

فالظروف السياسية التي مرت بها الأمة الإسلامية خلفت لديها حالة عكوف على رؤية مهدوية خاصة تبتعد عن واقع الأحاديث التي رواها الفريقان ، فالأحاديث تؤكد على وجوب ظهور المهدي، ومن ثم فإنّ الشواهد تؤكد كذلك على إمكانية حياته وبقائه لمدة طويلة ، والإقرار بوجود المسيح عليه السلام الذي سيكون ظهيراً للمهدي في نهضته وادخاره لهذه المهمة الإلهية ، والتسليم للخضر بحياته وبقائه لهذه السنين المتطاولة يوجب قبول أطروحة المهدي وكونه حياً يعيش بين أوساط الأمة حتى يأذن الله له بالظهور.

كل هذه المسائل تطرح على الذهنية الإسلامية العامة وينتظر منها الإجابة عن سبب إمكانية قبول بقاء عيسى حياً والتردد في إمكانية بقاء الإمام المهدي حياً كذلك ، أليس مهمة السيدين واحدة وهي إقامة الدولة المهدوية الكبرى ؟ أليس التسليم بأن بقاء عيسى عليه السلام مذخوراً لمهمة الإمام المهدي عليه السلام؟ ما الفرق بين الحالتين! خصوصاً أنهما يشتركان في هدف واحد؟

هذه التساؤلات لها إجاباتها ارتكازاً في غضون العقلية السنّية وإمكانية قبولها كأمر منطقي تفرضه براهينها ودلائلها، فلماذا يتخلف المنطق السني عن قبول مثل هذه المسلّمات على المستوى العملي إذن؟

وللإجابة على ذلك فإنّ الإحاطة بالسير التأريخي وانسيابية المعلومة التأريخية في خضم هذه المباحث يعطي الإجابة الجديدة في هذا المجال.

وبما أن البحث مبني على الاختصار فلا يمكننا بعد ذلك الغور في أعماق المعطيات التأريخية التي لابد أن تشارك في تكوين فكرة أولية ـ على الأقل ـ في هذا المجال.

ومع هذا فسوف لا نغفل عن التعرض إلى شيء مقتضب يساهم في بحثنا هذا.

من المعلوم أن الظروف التأريخية التي زامنت فترة الغيبة أضفت واقعاً آخر على فلسفة الغيبة، إلاّ أنه واقع يتعلق بمصلحة الأنظمة السياسية وليس في ذات الغيبة وحقيقتها، لأن المشتركات يبن الفريقين يقرها الحاكم السياسي وغيره ويعترف بها كأمر واقع لا يمكن رفضه، إلا أنه يسعى إلى إلغاء القضية المهدوية، أو على الأقل التقليل من شأنها ، لذا سعى جاهداً في إخفاء معالم هذه المسألة، وتعامل معها على أساس أمني حذر ، وفكري يضمن مصالحه كذلك.

من هنا حاولت الأنظمة الأموية والعباسية التعامل مع الدعاوى المهدوية الكاذبة بكل جدية ، فالنظام الأموي سعى إلى إيجاد علاقة ما مع عمر بن عبد العزيز ومع الأحاديث المهدوية وادعى أن عمر بن عبد العزيز هو المهدي الذي ملأها عدلاً وقسطاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وركزت جهودها على تصوير عدالته وتقواه وزهده، وبموته فقد مات المهدي وانتهى دوره بعد ذلك، وهكذا أثبتت مدوناتهم التأريخية قصص ودعاوى عدالة عمر بن عبد العزيز، إلا أنها لا تلقى اهتماما على مستوى الأمة التي قرأت أحاديث المهدي بكل وعي وتيقنت من حتمية ظهوره وإقامة دولته الإلهية ليملأها عدلاً وقسطاً .

أما النظام العباسي فقد أضفى على حركة محمد النفس الزكية دعوى المهدوية وادعى أن محمد النفس الزكية هو المهدي المنتظر، وادعى ذلك إبان حركته، وحاول تحريف أحاديث المهدي وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أن المهدي اسمه اسمي، وبدل: كنيته كنيتي، ذيّل الحديث هكذا: واسم أبيه اسم أبي، أي صار الحديث المروي بين الفريقين المهدي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي.

في حين عند متابعة حركة النفس الزكية لم تجد دليلاً واضحاً يساعد على هذه الدعوى، وأن محمداً لم يدع المهدوية كما صورته وسائل النظام العباسي وأثبته في ذهنية بعضهم.

وبهذا تعامل النظام العباسي مع حركة المهدي على أنها حركة محمد النفس الزكية الذي قتل في واقعة دير الجماجم، وبهذا حاولت إنهاء مسألة المهدي وإغلاق ملف المهدوية من  أذهان الأمة، وتعاملت معها على أنها مسألة تأريخية انتهت في حينها . إلا أن ذلك لم يقنع الأمة وهي أمام هذا السيل من الأحاديث الصحيحة في مسألة الظهور، نعم أمكن إقناع العقلية السلفية بهذه المحاولات غير الجادة على المستوى العلمي ومستوى الواقع العملي.

بل حتى أن النظام أخفى عدم قناعته بهذه المحاولات الفاشلة وأظهر قلقله حيال المسألة المهدوية، بعدما تعامل مع الإمام الحسن العسكري عليه السلام على أنه المولود منه المهدي فعلاً ، لذا فبعد شهادته عليه السلام ألقي القبض على نسائه للبحث عن الوليد الموعود أو الحمل الجديد، اعترافاً منهم بحتمية ظهور المهدي عليه السلام.

وبذلك فإنّ ما أقدم عليه النظام الأموي والحكم العباسي كذلك هو محاولة إلغاء المسألة المهدوية من أذهان العامة وكونها قضية تأريخية انتهت بانتهاء ظروفها.

لذا لم تعد لمسألة الانتظار أهمية على مستوى المذاهب الإسلامية الأخرى، ولم تتعامل معها بجدية، كونها قضية تأريخية.

وبذلك فإنّ مسألة الانتظار صارت من "مختصات" الفكر الإمامي الذي تعامل مع الإمام المهدي عليه السلام على أساس الروايات الصحاح التي أقرها الفريقان، وصار الانتظار واقعاً عملياً يتعامل معه أتباع أهل البيت عليهم السلام.

ما هو الانتظار

الانتظار بمفهومه الذي تؤكده الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام هو حالة ترقب يصاحبه عمل يمارسه المنتظر لاستقبال اليوم الموعود ، وهذا العمل يجمعه مصطلح واحد ليكون من أظهر مصاديقه وهو التقوى ، فالانتظار إذن هو عمل المنتظر بتقوى عملية يحققها واقعه المعاش.

من هنا أمكننا أن نجد مفاهيم متعددة تحقق هذه التقوى على مستواها العملي، وهذا يعني أن الانتظار هو آلية لبناء الفرد وتكامله، وكذا بناء المجتمع المتكامل حينئذٍ.

وبذلك سيكون الانتظار منهجية للبناء الحضاري المنشود الذي لم تحققه أية فلسفة وضعية أو عقيدة دينية خارجة عن إطار ولاء أهل البيت عليهم السلام والانتساب إليهم.

منهجية البناء الحضاري لجماعة الانتظار 

إذا كانت الحضارة هي مجموع ثقافات الأفراد للمجتمع الواحد ومن ثم هي حصيلة ثقافات ذلك المجتمع، وإذا كانت الثقافة بمعناها الأعم هي السلوك "الراقي" الذي يتحقق بطاعته لله تعالى وذلك من خلال انتهاج التعاليم الشرعية المأمور بها الفرد، وهذه بمجموعها تسمى التقوى التي من خلالها تتحقق سمة الالتزام الشرعي لذلك الفرد، ومعلوم أن هذه التقوى التي حث عليها الأئمة الأطهار عليهم السلام إحدى أهم آليات الانتظار.

ففي الكافي بسنده عن أبي الجارود قال : قلت لأبي جعفر يا بن رسول الله هل تعرف مودتي لكم وانقطاعي إليكم وموالاتي أياكم؟ قال فقال: نعم، قال: فقلت: فأني أسألك مسألة تجيبني فيها فإني مكفوف البصر قليل المشي ولا أستطيع زيارتكم كل حين، قال : هات حاجتك، قلت: أخبرني بدينك الذي تدين الله تعالى به أنت وأهل بيتك لأدين الله تعالى به، قال: إن كنت أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة، والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله تعالى به، شهادة أن لا اله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله والإقرار بما جاء به من عند الله والولاية لولينا والبراءة من أعدائنا،  والتسليم لأمرنا ، وانتظار قائمنا والاجتهاد والورع.(8)

على أن أئمة أهل البيت عليهم السلام حددوا تكليف أتباعهم وما يجب أن يعملوه إبان غيبة إمامهم، وما هي حدود مسؤولية كل واحدٍ منهم اتجاه نفسه واتجاه الآخرين، أي تحديد التكافل الاجتماعي الذي من خلاله يتاح للمكلف أن يتكامل وللمجتمع الإسلامي أن يرقى إلى درجة الكمال والبناء.

روى المجلسي بسندٍ صحيح عن جابر قال: دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ونحن جماعة بعدما قضينا نسكنا فودعناه وقلنا له: أوصنا يا ابن رسول الله، فقال: ليعين قلوبكم ضعيفكم، وليعطف غنيكم على فقيركم، ولينصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه ، واكتموا أسرارنا، ولا تحملوا الناس على أعناقنا، وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا ، فإن وجدتموه في القرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردوه، وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده، وردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا ، فإذا كنتم كما أوصيناكم ولم تعدوا إلى غيره فمات منكم ميّت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيداً ، ومن أدرك قائمنا فقتل معه كان له أجر شهيدين ، ومن قتل بين يديه عدواً لنا كان له أجر عشرين شهيداً.(9)

والرواية بذلك تحدد المعالم العامة للسلوكية الشيعية إبان الغيبة ووظيفة المكلف عند الانتظار، فقد حدد الإمام عليه السلام سلوكية المكلف على المستوى العملي وعلى المستوى العلمي ـ الفكري كذلك0

الاستقرار النفسي لجماعة الانتظار:

لعل أهم ما يميز أتباع أهل البيت عليهم السلام المتطلعون لانتظار اليوم الموعود هو حالة الاستقرار النفسي الذي يميزهم عن غيرهم.

وهذا الاستقرار ناشئ من حالة الاطمئنان المنبعثة من التطلع إلى مستقبل مشرق ترتسم صورته في ذهنية المنتظِر ـ بالكسرـ من خلال فلسفة الانتظار التي يدين بها إلى الله تعالى ، فحالات الإحباط الناشئة من ظروف سياسية تحيط بأتباع أهل البيت عليهم السلام لم تعد ذات أثر على مستقبل وجودهم، بل وحتى على ما يتطلع إليه هؤلاء الأتباع من بناء هيكلتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كذلك ، وهذا راجع إلى ما تحمله فلسفة الانتظار من آمال تعقدها النفسية الشيعية على قيام دولة المنتظَر ـ بالفتح ـ فعلى المستوى الفردي يشعر الفرد وهو يعيش حالة الانتظار بالأمل الكبير في تحقق أهدافه تحت ظل الدولة المهدوية المباركة.

فالإحباطات النفسية لأسباب متعددة يمكن للفرد أن يتفاداها بما يعقده من آمال على تلك الدولة القادمة التي تبسط العدل والسلام في ربوع هذه الأرض المقهورة، فإذا لم يتحقق هدفه عاجلاً فإنّ مستقبله في الآجل سينجزه ذلك الإمام الموعود ، وبذلك فإنّ هذا الفرد سيكون في حالة أمل دائم وترقب متفاءل يصنع من خلاله غده السعيد ، وبذلك فإنّ الاستقرار النفسي الذي يعيشه المنتظِر هو إحدى خصوصياته، وهذا الاستقرار سيكون سبباً في الإبداع ومن ثم التكامل الذاتي.

أما على المستوى الجماعي فإنّ جماعة الانتظار تطمح إلى تحقيق برامجها في ضوء الآمال المعقودة على ترقب الدولة المهدوية ، وهذه الجماعة تستشعر معايشة قائدها معها في كل الأحوال، وتقطع أن نجاح ما تصبو إليه يكون مرهوناً بتسديد هذا القائد الإلهي ورضاه، وهو مصداق قوله تعالى: (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(10) ، قال الصادق عليه السلام : والمؤمنون هم الأئمة،(11) وهذا ما يناسبه سياق الآية.

ومن غريب ما فسرته بعض المذاهب الإسلامية أن المقصود من قوله تعالى : "و المؤمنون " هم جماعة المؤمنين، وهذا من غريب ما وقع به هؤلاء دفعاً لمحذور الاعتراف بمقامات الأئمة الأطهار عليهم السلام التي يقررها القرآن الكريم وتقتضيه شؤون خلافة الله في أرضه ـ في بحث ليس هنا محل ذكره ـ، على أن الخطاب في الأمة للمؤمنين، فكيف يكون بعد ذلك قول الحكيم حكيماً حينما يكون المخاطب المكلف هو نفس الشاهد على عمله؟! وما إلى غير ذلك من خروقات الرؤية السياسية التي تتدخل في التفسير القرآني والحديث النبوي من أجل "استحصال " حالات التأييد لمواقفها المناهضة لأهل البيت عليهم السلام .

وعلى كل حال فإن نجاح جماعة الانتظار يكمن في تفاؤلها الطموح بقيام دولة الحق والعدل، وهي تسعى دائماً إلى صياغة أعمالها على أساس ذلك ، لذا فهي في حيوية دائمة غير مشلولة نتيجة الإحباطات السياسية  المحيطة بجماعة الانتظار ، فضلاً عن أن هذه الجماعة تحقق نجاحها في خضم تحديات تواجهها دائماً.

وعلى هذا فأي نجاح مهما تكون درجته سيكون له معناه في ظل هذه التحديات وهو مكسب مهم وقضية خطيرة في ظل ذلك.

ومقابل هذا فإن أي تعثر في عمل هذه الجماعات سوف لن يسلمها إلى اليأس والتردد طالما هناك البديل الذي يحققه قيام الدولة المهدوية المباركة.

وعلى هذا الأساس فإن جماعة الانتظار تعيش دائماً طموحاتها الواقعية، متحدية بذلك الصعاب والإحباطات التي تواجهها في ظل ظروف تتكالب على هذه الجماعة سعياً لإنهائها وتصفيتها.

هذه الحالة من التفاؤل التي تعيشها جماعة الانتظار تبعث على الأمل في تحقيق برامجها وبناء حضارتها والسعي من أجل التكامل في كل الميادين.

من هنا علمنا دواعي العمل الدائم الحثيث لجماعة الانتظار، وأسباب نجاحها على كل الأصعدة  بالرغم من كل ماعانته وتعانيه من ظروف قاهرة يصعب معها الإبداع، فضلاً عن البقاء، لولا ذلك الأمل الذي يحدو جماعة الانتظار.

 وعلمنا في الوقت نفسه إمكانية تأسيس حضارة تعيش طموحاتها هذه الجماعة في ظل فلسفة الانتظار.

إلى جانب ذلك، يعيش الفرد البعيد عن حالة الانتظار حالات التوجس من الفشل وهاجس الخوف على مستقبله المجهول ، فأية قضية يواجهها هذا الفرد تودي بكل طموحاته وتشل قدراته، فهو يحاول أن يحقق مكسبه عاجلاً لغياب حوافز البديل فيما لو أخفق على صعيد عمله، فإن خسارته هذه ستكون فادحة فيما إذا هو أحس بعدم تعويضها بالبديل.

والانتظار حالة أملٍ وطيد يعيشه المنتظِر ـ بالكسرـ فإذا غابت عن الإنسان هذه الرؤية فلابد أن تحيط ذاته هواجس الخوف، وبذلك سيكون مهزوماً دائماً، غير جدير بإمكانية مواجهة الصعاب والمحن التي تعصف به في كل حين من خلال ظروف عالميةِ متقلبة وإقليمية غير مستقرة، وبذلك فلم يكن مثل هذا الفرد جديراً في بناء حضارة أو السعي لتكامل ذاته وبناء شخصيته.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصوصيات حضارة الانتظار:

على أن  ما يميز جماعة الانتظار هو حالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذه الحالة تساعد على تمتين أواصر العلاقة بين أعضاء هذه الجماعة، إذ هي تشير إلى حالة الشعور بالمسؤولية دائماً اتجاه ذات الفرد ومن ثم اتجاه مجتمعه.

فملاحقة حالات الخرق للمجتمع الملتزم تتكفل إصلاحه قابلية أفراد المجتمع على متابعة المنكر المرتكب من قبل الأفراد أو الجماعات، لتقف بوجه الخطر الناشئ عن هذا الخرق المرتكب ، والمحافظة على حدود الشريعة بالتذكير الدائم والرقابة المستمرة لعدم تجاوز حيثيات الالتزام الديني.

ومن جهته يسعى هذا المجتمع بكل شرائحه وفصائله إلى تميتن العلاقة بينه وبين إقامة الواجبات الدينية، وكذلك المستحبات التي يرغب الشارع في مزاولتها من قبل المكلفين.

 فإذا تمت هذه الحالات واستطاع المجتمع من المداومة عليها ورعاية حقوقها، أمكن لهذا المجتمع من بناء شخصيته الحضارية المتميزة بالأمن والسلام، وذلك بتجنب المنكر المنهي عنه من قبل أفراده، إضافة للعدل والمعروف بكل مصاديقه لعناية أفراد المجتمع بإتيانه والأمر به.

وهكذا سوف تكون لحضارة جماعة الانتظار حضورها الدائم وشخصيتها المتميزة.

فقد حث أئمة أهل البيت عليهم السلام شيعتهم على التزام هذه الفريضة وكونها إحدى ميزاتهم التي تركها غيرهم ولم يتحلوا بها، ثم بيّنوا ما لهذه الفريضة من آثار وضعية فضلاً عن إسقاط التكليف بالعمل بها وعدم العقوبة عند إتيانها.

عن أبي جعفر عليه السلام قال: يكون في آخر الزمان قوم ينبع فيهم قوم مراؤون... إلى أن قال: ولو أضرت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض وأشرفها، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، هنالك يتم غضب الله عز وجل عليهم فيعمّهم بعقابه فيهلك الأبرار في دار الأشرار ، والصغار في دار الكبار، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء، ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب ، وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض ، وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر ... الحديث.(12)

والحديث يبين أسس البناء الحضاري عند مراعاة الفريضة، فبها تقام الفرائض أي يشيّد مجتمع إسلامي تكون معالمه أحكام الشريعة، ويطبق من خلال ذلك النظام الإسلامي الذي يطمح إليه الجميع.

كما أنّ قوله عليه السلام: " وتأمن المذاهب" فإن استتباب الأمن والسلام مرهون بتطبيق هذه الفريضة.

وقوله عليه السلام : وتحل المكاسب، فإنّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتم تشييد البنية الاقتصادية وهيكلة النظام المعاشي، وذلك من خلال استتباب الأمن وإمكانية تنشيط دور القطاعات العاملة والرساميل التي يمتلكها أصحابها.

وقوله عليه السلام :" وترد المظالم " فإن الحقوق المدنية تتحقق في ظل نظام أمني مستقر، وبغياب ذلك لا يمكن القيام بأية مهمة من شأنها تحقيق ضمانة النظام الإنساني.

وقوله عليه السلام : و" تعمر الأرض " فإن الإصلاح الاقتصادي يمكن القيام به عندما يتعاهد ذلك نظام يحفظ الحقوق ويشجّع على استثمارات اقتصادية تتكفل بنظام اقتصادي رشيد، وإعمار الأرض لا يقتصر على استصلاحها زراعياً أو معدنياً ، فلعل ذلك إشارة إلى إصلاح الأرض وما عليها من نظام سكاني يلازم صلاحية الأرض لاحتواء التجمعات البشرية حينئذ ٍ.

وقوله عليه السلام : و" ينتصف من الأعداء" فإن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين يستتب الأمن بسببهما يمكن من خلال ذلك إيجاد قوة دفاعية ترد كيد الأعداء ، أو هجومية تعين جماعة الانتظار على حفظ حقوقهم والحصول على مكاسبهم المشروعة اتجاه القوى الأخرى.

وقوله عليه السلام: " ويستقيم الأمر" فهو محصلة هذه الجهات التي يمكن تحققها في ظل القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

كما أن اللهجة التي يستخدمها الأئمة عليهم السلام في مراعاة هذه الفريضة والوجوب بإتيانها لهجة تتعدى أسلوب الحث والترغيب إلى أسلوب الإنذار والتهديد، وحلول اللعنة التي يحذّر الإمام عليه السلام أتباعه منها بسبب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أسلوب يشدده الأئمة عليهم السلام في استتباب هذه الفريضة بين جماعة الانتظار.

فعن محمد بن مسلم قال: كتب أبو عبد الله عليه السلام إلى الشيعة: ليعطفن ذوو السن منكم والنهى على ذوي الجهل وطلاب الرئاسة، أو لتصيبنّكم لعنتي أجمعين.(13)

على أن من مهام التغيير هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك سبب في بناء حضاري وتكامل ذاتي.

فعن الحسن عن أبيه عن جده قال: كان يقال: لايحل لعين مؤمنة ترى الله يعصى فتطرف حتى تغيره.(14)

فإنّ النزعة التغييرية لدى جماعة الانتظار مبنية على محاولة الإصلاح والارتباط بالله تعالى وتطبيق شريعته.

خصوصية العزة والكرامة ورفض الذل والهوان:

وإذا كانت جماعة الانتظار ترتبط بقيادتها المعصومة التي ستحقق لها آمالها ببسط العدل والسلام بقيام دولتها الموعودة، فإن لهذا الشعور الدائم آثاره في سلوكية هذه الجماعة، فهي تستشعر الأمل بتحقيق طموحاتها، وعندها فلا داعي للركون إلى الغير أو الشعور بحاجة الغير فهي في غنىً دائم عن الأخرين، لأنها ترتبط بقيادة تسحق بظهورها كل ظلم وطغيان.

وهذه الدواعي لدى جماعة الانتظار تدفعها إلى الإحساس بالنجاح والظفر على مدى مستقبل أطروحة الانتظار التي تحقق معها قيام دولة الحق، وهذه الدواعي تعزز لدى الأفراد منهم العزة والكرامة ورفض الذل والهوان بالركون إلى الأخرين. إذن فالانتظار يدعو إلى الأمل الدائم وتحقيق النصر والنجاح على كل المستويات. وهذا هو سبب استقلالية جماعة الانتظار وعدم لجوئها إلى غيرها، حيث تقررت شخصيتها من خلال ممارسة أسلوب الاعتماد على النفس من دون الخضوع إلى أطروحات الأخرين علمياً أو عملياً.

خاتمة في فضل الانتظار

تعرضت كثير من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام إلى فضيلة الانتظار.

ولعل هذه الأحاديث ليست على سبيل الحصر،  بل ذكرها أهل البيت عليهم السلام كأجلى مصاديق الانتظار وأوضحها، وإلاّ ففضائل الانتظار أكثر من أن تحصى، ويكفيها قولهم عليهم السلام: أفضل العبادة انتظار الفرج، فإن أرقى ما يصل إليه الإنسان من تكامل ورقي روحي وعملي كذلك هو بلوغه أرقى مقامات القرب إلى الله تعالى الذي تحققه عبادته، فكيف إذا وصف العمل بأنه أفضل العبادات؟ مما يعني أن الإنتظار يعد في أولوية حالات التكامل والنهوض بمستوى الفرد، ومن ثم مستوى المجتمع.

روى الصدوق بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من مات منكم على هذا الأمر منتظراً له كان كمن كان في فسطاط القائم عليه السلام.(15)

وبنفس إسناده عن أبي الحسن عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عز وجل.(16)

وعن أبي عبد الله عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: المنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل الله.(17)

وفي البحار عن عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : العبادة مع الإمام منكم المستتر في السر في دولة الباطل أفضل، أم العبادة في ظهور الحق ودولته مع الإمام الظاهر منكم؟

فقال: يا عمار الصدقة في السر والله أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك عبادتكم في السرّ مع إمامكم المستتر في دولة الباطل أفضل، لخوفكم من عدوّكم في دولة الباطل وحال الهدنة، ممن يعبد الله في ظهور الحق مع الإمام الظاهر في دولة الحق، وليس العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة مع الأمن في دولة الحق.

اعلموا أن من صلى منكم صلاة فريضة وحداناً مستتراً بها من عدوه في وقتها فأتمها كتب الله عز وجل له بها خمسة وعشرين صلاة فريضة وحدانية، ومن صلى منكم صلاة نافلة في وقتها فأتمها كتب الله له بها عشرين حسنة، ويضاعف الله تعالى حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله، ودان الله بالتقية على دينه وعلى إمامه وعلى نفسه، وأمسك من لسانه، أضعافاً مضاعفة كثيرة، إن الله عز وجل كريم.

قال: فقلت: جعلت فداك رغبتني في العمل، وحثثتني عليه، ولكني أحب أن أعلم : كيف صرنا نحن اليوم أفضل أعمالاً من أصحاب الإمام منكم الظاهر في دولة الحق ونحن وهم على دين واحد، وهو دين الله عز وجل؟

فقال: إنكم سبقتموهم إلى الدخول في دين الله وإلى الصلاة والصوم والحج وإلى كل فقه وخير، وإلى عبادة الله سراً من عدوكم مع الإمام المستتر ، مطيعون له، صابرون معه، منتظرون لدولة الحق، خائفون على إمامكم وحقكم في أيدي الظلمة، قد منعوكم ذلك واضطروكم إلى جذب الدنيا وطلب المعاش مع الصبر على دينكم، وعبادتكم وطاعة ربكم والخوف من عدوكم، فبذلك ضاعف الله أعمالكم فهنيئاً لكم هنيئاً.

قال: فقلت: جعلت فداك فما نتمنى إذاً أن نكون من أصحاب القائم عليه السلام في ظهور الحق، و نحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالاً من أعمال أصحاب دولة الحق؟

فقال: سبحان الله أما تحبون أن يظهر الله عز وجل الحق والعدل في البلاد ويحسن حال عامة الناس ويجمع الله الكلمة ويؤلف بين القلوب المختلفة ولا يعصى الله في أرضه، ويقام حدود الله في خلقه، ويردّ الحق إلى أهله فيظهرون حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق؟

أما والله يا عمار لا يموت منكم ميت على الحال التي أنتم عليها إلاّ كان أفضل عند الله عز وجل من كثير ممن شهد بدراً وأحداً فأبشروا.(18)

وروى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم ، قالوا: يا رسول الله نحن كنا معك ببدر وأحد وصفين ونزل فينا القرآن! فقال: إنكم لو تحمّلوا ما حمّلوا لم تصبروا ما صبروا.(19)

و عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان، إنّ أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم الباري عز وجل: عبادي آمنتم بسرّي وصدّقتم بغيبي ، فأبشروا بحسن الثواب مني فأنتم عبادي وإمائي حقاً، منكم أتقبّل وعنكم أعفو، ولكم أغفر ، وبكم أسقي عبادي الغيث، وأدفع عنهم البلاء، ولولاكم لأنزلت عليهم عذابي.

قال جابر: فقلت يا ابن رسول الله فما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان : قال حفظ اللسان ولزوم البيت.(20)

غيبة النعماني بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال ذات يوم: ألا أخبركم بما لا يقبل الله عز وجل من العباد عملاً إلّا به؟ فقلت: بلى، فقال : شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده، والإقرار بما أمر الله والولاية لنا والبراءة من أعدائنا، والتسليم لهم ـ يعني الأئمة خاصة ـ والورع والاجتهاد والطمأنينة والانتظار للقائم عليه السلام، ثم قال: إن لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء، ثم قال : من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر من أدركه فجدّوا وانتظروا ، هنيئاً لكم أيتها العصابة المرحومة.(21)

هذه هي أسس حضارة جماعة الانتظار، أمكننا قرائتها مما ورد من أحاديثهم صلوات الله عليهم والاهتمام بأمر الانتظار والحثّ عليه ومدح المنتظرين.

جعلنا الله من المنتظرين لأمرهم والمتمسّكين بولايتهم والثابتين على نهجهم، إنه سميع مجيب.

وصلى الله على سيدنا محمّد وآله الطاهرين


 

الهوامش


(1) الملاحظ في أكثر الروايات أنها تذكر نسب الإمام المهدي عليه السلام أو نسب أبيه وذلك للتأكيد على أنه هو الإمام المهدي المولود من الحسن العسكري عليهما السلام  وليس أمراً آخر يدعيه بعضهم للتمويه على غيبة الإمام المهدي وفلسفة ظهوره ووجوده بين ظهراني شيعته.

(2) لعل هذه إحدى القنوات التي كان الإمام الحسن العسكري عليه السلام يقيم بواسطتها اتصاله بشيعته ويأمرهم بأوامره ويفرض عليهم تكاليفهم عند غيبة الإمام المهدي عليه السلام وتعريفهم بأمر شهادته الوشيكة وغيبة ولده من بعده وشرح أحوال إمامته.

(3) تقدّم أن عقيد الخادم يعرف بولادة الإمام المهدي عليه السلام ولديه أسرار ولادته وغيبته ولعل دعوته جعفراً للصلاة على الإمام عليه السلام مع علمه الحال محاولة من عقيد وغيره لفضح موقف جعفر وانكشاف الأمر الذي كان جعفر يحاول التغطية عليه والتمويه كذلك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى دقة أتباع أهل البيت(ع) من شيعتهم في التسليم لأمرهم وانتظار ما الله تعالى فاعله في إظهار الحق، لذا فهو لم يتردد في دعوة جعفر منتظراً أمر الله في تسديد وليه عليه السلام وبيان حجته، ولعل ذلك عهد الإمام الحسن العسكري(ع) لعقيد الخادم باتباع الأمور الطبيعية في معرفة أمر الإمام المهدي عليه السلام لدى الشيعة والنظام كذلك.

(4) بحار الأنوار:50/ 332.

(5) تأريخ الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر: 402.

(6) تأريخ الغيبة الصغرى: 411.

(7) تأريخ الغيبة الصغرى: 415.

(8) منتخب الأثر: 498.

(9) بحار الأنوار: 52/ 122.

(10) التوبة (9) : 105.

(11) تفسير العياشي: 2/ 109.

(12) وسائل الشيعة: كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : الباب 1 وجوب الأمر بالمعروف الحديث 6.

(13) وسائل الشيعة :كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الباب 1 وجوب الأمر بالمعروف الحديث 8.

(14) وسائل الشيعة: كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الباب 1 الأمر بالمعروف: الحديث 8.

(15) إكمال الدين وإتمام النعمة:2/ 584 باب ما روي في ثواب المنتظر للفرج.

(16) إكمال الدين وإتمام النعمة:2/ 584 باب ما روي في ثواب المنتظر للفرج.

(17) إكمال الدين وإتمام النعمة:2/584  باب ما روي في ثواب المنتظر للفرج .

(18) بحار الأنوار: 52/ 127.

(19) بحار الأنوار: 52/ 130.

(20) بحار الأنوار: 52/ 145.

(21) كتاب الغيبة للنعماني : 200.