|
تعقيب السلطة العباسية لخبر الإمام عليه السلام
يظهر من روايات مرحلة الغيبة الصغرى أنّ السلطة
العباسية أخذت تتعقب خبر الإمام المهدي (عليه السلام)،
وكأنها كانت على اطمئنان بوجوده استناداً الى ما تواتر
نقله عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من أخبار
الأئمة الإثني عشر من عترته، وكانت تعلم أن الحسن
العسكري (عليه السلام) هو الحادي عشر منهم فلابد من
ولادة الثاني عشر أيضاً وهو خاتمهم الموعود بإنهاء
الظلم والجور على يديه حسبما ورد في البشارات النبوية
المتواترة.
وقد لاحظنا في رواية الكليني ـ ضمن حديثنا عن رعاية
الإمام لوكلائه ـ أن هدف السلطة من التجسس على الوكلاء
هو الوصول الى الإمام(عليه السلام)، ولذلك كانت
التأكيدات المشددة من قبل الأئمة السابقين (عليهم
السلام) ومن الإمام المهدي(عليه السلام) نفسه تركّز
على النهي عن ذكر اسم الإمام في الغيبة الصغرى; لأنه
اذا عُرف الاسم اشتد الطلب.(1)
ويُستفاد من رواية نقلها الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة:
أن السلطات العباسية حصلت بالفعل على معلومات عن وجود
الإمام(عليه السلام) وسعت لاغتياله، فتحدّاها
الإمام (عليه السلام) ليثبت أنه محفوظ بالرعاية
الإلهية.
تقول الرواية: وحدّث عن رشيق صاحب المادراي قال: بعث
الينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر فأمرنا أن يركب كل واحد
منّا فرساً ونجنب آخر ونخرج مخفين لا يكون معنا قليل
ولا كثير إلا على السرج مصلى وقال لنا: الحقوا بسامرة،
ووصف لنا محلة وداراً وقال: اذا أتيتموها تجدون على
الباب خادماً اسود فاكبسوا الدار ومن رأيتم فيها
فأتوني برأسه. فوافينا سامرة فوجدنا الأمر كما وصفه،
وفي الدهليز خادم أسود وفي يده تكة ينسجها فسألناه عن
الدار ومن فيها فقال: صاحبها، فوالله ما التفت الينا
وأقل اكتراثه بنا، فكبسنا الدار كما أمرنا فوجدنا
داراً سرية ومقابل الدار سترما نظرت قط الى أنبل منه
كأنّ الأيدي رفعت عنه في ذلك الوقت.
ولم يكن في الدار أحد فرفعنا الستر فاذا بيت كبير كأن
بحراً فيه ماء وفي أقصى البيت حصير قد علمنا انه على
الماء، وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلي. فلم
يلتفت إلينا ولا الى شيء من أسبابنا، فسبق أحمد بن
عبدالله ليتخطى البيت فغرق في الماء ومازال يضطرب حتى
مددت يدي إليه فخلصته وأخرجته وغشي عليه وبقي ساعة،
وعاد صاحبي الثاني الى فعل ذلك الفعل فناله مثل ذلك،
وبقيت مبهوتاً فقلت لصاحب البيت: المعذرة الى الله
واليك فوالله ما علمت كيف الخبر ولا الى من أجيء وأنا
تائب الى الله، فما التفت الى شيء مما قلنا وما انفتل
عما كان فيه، فهالنا ذلك وانصرفنا عنه.
وقد كان المعتضد ينتظرنا، وقد تقدم الى الحجّاب اذا
وافيناه أن ندخل عليه في أي وقت كان، فوافيناه في بعض
الليل فأدخلنا عليه فسألنا عن الخبر فحكينا له ما
رأينا، فقال: ويحكم! لقيكم أحد قبلي؟ وجرى منكم الى
أحد سبب أو قول؟ قلنا: لا، فقال: أنا نفيّ من جدي ـ
وحلف بأشد ايمان له ـ أنه رجل إن بلغه هذا الخبر يضربن
اعناقنا. فما جسرنا أن نحدّث به إلا بعد موته.(2)
إنجازات الإمام المهدي عليه السلام في الغيبة الصغرى:
إثبات وجوده و إمامته عليه السلام
وهو الهدف الذي توخاه من حضوره للصلاة على ابيه ـ سلام
الله عليهما ـ كما تحدثنا عن ذلك سابقاً، وهو من أهم
خطواته وتحركاته في غيبته الصغرى، وتبرز أهمية هذا
الهدف من كونه يوفر القاعدة الأساس التي يستند اليها
تحرّك المهدي في عصر الغيبة، إذ أنّ من الواضح من
النصوص الشرعية أنّ النجاة من الضلالة وميتة الجاهلية
تكمن في معرفة إمام العصر والتمسك بطاعته، وهذا الإمام
مستور غير ظاهر في عصر الغيبة الكبرى لذا فإن الإيمان
به ـ وهو مقدمة طاعته والتمسّك بولايته ـ فرع
الاطمئنان والثقة بوجوده الى درجة تمكّن المؤمن من
مواجهة التشكيكات الناتجة من عدم مشاهدته بصورة حسيّة
ظاهرة. وهذا الاطمئنان هو الذي أكملت أسبابه تحركات
الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ في فترة الغيبة
الصغرى بما أتم من الحجة في التقائه بالثقات وإظهار
الكرامات التي لا يمكن تصور صدورها عن غير الامام وغير
ذلك مما سجلته الروايات المتحدثة عن هذه الفترة والتي
دوّنها العلماء الإثبات في كتبهم.(3)
إكمال ما تحتاجه الأمة من معارف الاسلام
طوال ما يزيد على القرنين قام أئمة أهل البيت النبوي ـ
صلوات الله عليهم ـ بتبليغ معظم ما تحتاجه الأمة خلال
عصر الغيبة الكبرى من معارف القرآن الكريم وسنّة جدهم
سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) والتي تمثل
بمجموعها الإسلام النقي والدين القيّم الذي أمر الله
تبارك وتعالى باتباعه والعمل على وفقه، والعروة الوثقى
المعبّرة عن التمسك بالثقلين اللذين تكون بهما النجاة
من الضلالة وميتة الجاهلية، وتضمن هذا التراث تحديد
وتوضيح قواعد وأصول استنباط الأحكام الشرعية والمعارف
الإسلامية من هذا التراث الروائي الثر لسنّة
الرسول(صلى الله عليه وآله) وأئمة عترته(عليهم السلام)
الذين أمروا أصحابهم بحفظه وتدوينه ليكون مصدراً ـ الى
جانب القرآن الكريم ـ لجميع المعارف والأحكام
الإسلامية التي تحتاجها الأمة الإسلامية الى ظهور
الإمام المهدي(عليه السلام)، وكانت ثمرة هذا الأمر تلك
الروايات الشريفة من قبل أصحاب الأئمة حيث عُرفت
بالأصول الأربعمائة التي تم تدوينها في عصر الأئمة
السابقين للإمام المهدي (عليه السلام)، وحفظت فيها جل
نصوص السنة النبوية الشريفة.(4)
وخلال الغيبة الصغرى أكمل الإمام الثاني عشر المهدي
المنتظر(عليه السلام) ما تبقّى مما تحتاجه الأمة خلال
الغيبة الكبرى من تلك المعارف وما يعين المؤمنين على
التحرك والاستقامة على الصراط المستقيم ويحفظ للاُمة
استمرار مسيرتها التكاملية; وهذا هو الهدف العام
الثاني لسيرته (عليه السلام) في فترة الغيبة الكبرى
كما يتجلى في الكثير من الرسائل الصادرة عنه فيها.
تثبيت نظام النيابة
قام الإمام المهدي(عليه السلام) في هذه الفترة بتعيين
عدد من الثقات المخلصين في إيمانهم من شيعته وكلاء عنه
يتحركون بإذنه وبأمره ويشكلون جهازاً للارتباط
بالمؤمنين، وقد مهد له في ذلك جده الإمام الهادي ومن
قبله الإمام الجواد (عليه السلام) ثم تابعه الإمام
العسكري (عليه السلام) الذي رسّخ نظام الوكلاء تمهيداً
لغيبة ولده. فكان يُعلن توثيق بعض وجوه أصحابه وأنه
وكيل عنه، فمثلاً قال(عليه السلام) بشأن عثمان بن سعيد
العمري وكيله الذي أصبح فيما بعد وكيلاً لولده الإمام
المهدي(عليه السلام)، وكان وكيلاً للإمام الهادي(عليه
السلام) أيضاً: (هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي
وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعنّي يقوله،
وما أدى إليكم فعنّي يؤديه).(5)
وقد ذكر الشيخ الصدوق أسماء إثني عشر شخصاً من وكلاء
ونواب الإمام المهدي(عليه السلام) في الغيبة الصغرى
وأضاف اليهم السيد محمد الصدر أسماء ستة آخرين
استناداً الى ما ورد في المصادر التأريخية وكتب الرجال(6)،
وكان الإمام يتولّى تنصيبهم مباشرة ويصدر بيانات
(توقيعات) في ذلك وفي نفي الوكالة عمّن يدّعيها ولم
يكن منهم.(7)
وثمة تغيير مهم حدث في نظام الوكلاء في هذه الفترة عما
كان عليه في زمن الإمام العسكري(عليه السلام)، وهو
استحداث الإمام المهدي(عليه السلام) منصب الوكيل الخاص
أو السفير العام بينه وبين المؤمنين وهو منصب لم تكن
الحاجة إليه قائمة في السابق حيث كان بامكان الوكلاء
أو غيرهم الاتصال بالإمام بصورة أو بأخرى، وكان الإمام
ظاهراً فلا حاجة لوكيل أو نائب خاص ينوب عنه، أما في
عهد الغيبة الصغرى فقد اقتضى عدم ظهور الإمام ايجاد
هذا المنصب ليكون محوراً لرجوع المؤمنين خاصةً وأنهم
كانوا قد اعتادوا في السابق أن يكون الإمام واحداً في
كل عصر.
وكان تعيين الوكيل الخاص أو السفير من قبل الإمام
المهدي (عليه السلام) مباشرة وعادة ما يكون عبر توقيع
يصدره ويبلّغه مباشرة كما هو الحال في الوكيل الأول أو
عبر الوكيل السابق فيما بعد.
إن الزعماء الشيعة، والأصحاب الأربعة الذين تعاقبوا
على هذا المنصب هم: عثمان بن سعيد العمري الذي كان كما
عرفنا وكيلاً للإمامين الهادي والعسكري (عليهما
السلام)، ثم خلفه إبنه عمرو بن عثمان ثم الحسين بن
روح، وخاتمهم كان علي بن محمد السمري ـ رضي الله عنهم
أجمعين ـ.
وكان توجيه الإمام لعمل هؤلاء السفراء مباشراً
ومستمراً في كل ما كانوا ينوبون عنه من مهام الإمامة
حتى فيما يرتبط بأجوبتهم على الأسئلة العقائدية
للمؤمنين التي قد يكون من الممكن أن يجيبوا عنها بما
يعرفون، إلاّ أنهم ما كانوا يفعلون شيئاً من ذلك إلاّ
بتعليم مباشر منه(عليه السلام) الأمر الذي يضفي صبغة
الحجة الشرعية على ما صدر عنهم، وهذا ما تدل عليه عدة
روايات منها مثلاً مارواه الشيخ الطوسي في الغيبة ضمن
حديث طويل بشأن اجابة السفير الثالث الحسين بن روح على
سؤال عقائدي لأحد المؤمنين بشأن استشهاد الإمام
الحسين(عليه السلام)، إذ ينقل عن راوي الحديث محمد بن
ابراهيم الذي كان قد حضر المجلس الذي اجاب فيه الحسين
بن روح على السؤال: قال محمَّد بن ابراهيم ابن اسحاق
(رضي الله عنه) فعدت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن
روح (قدس سره) من الغد وأنا أقول في نفسي أتراه ذكر
لنا يوم أمس من عند نفسه؟ فابتدأني فقال: يا محمَّد بن
إبراهيم لَئِن أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي
الريح من مكان سحيق أحب إليّ من أن أقول في دين الله
برأيي ومن عند نفسي، بل ذلك من الأصل ومسموع من الحجة
صلوات الله وسلامه عليه.(8)
وواضحٌ أن الأوضاع السياسية القائمة التي أوجبت غيبة
الإمام المهدي (عليه السلام) لم تكن تسمح بأن يكون عمل
الوكلاء علنياً، لذلك كان الشرط الأول في الوكلاء
وخاصة السفراء أن يكونوا على مرتبة عالية من الالتزام
بالكتمان وعدم الكشف عن مكان بل عن وجود الإمام ولذلك
كان اختيار الحسين بن روح مثلاً للسفارة رغم وجود مَن
هم أعلم منه وأكثر وجاهة بين الأصحاب.(9)
لقد قام الإمام(عليه السلام) بتثبيت نظام الوكالة
والنيابة الخاصة في الغيبة الصغرى كمقدمة لإرجاع
المؤمنين في عصر الغيبة الكبرى الى النائب العام الذي
حددت النصوص الشرعية الصفات العامة له وأمر الإمام
بالرجوع إليه في عصر الغيبة الكبرى ومهّد له في الغيبة
بتعيين أشخاص تتوفر فيهم هذه الصفات لتتعرف الأمة على
مصاديق من له الأهلية للنيابة العامة عن الإمام
وتستعين بها لمعرفة من تتوفر فيه نظائرها في الغيبة
الكبرى، وبعبارة أخرى كانت تجربة السفراء الأربعة
نموذجاً معيّناً من قبل الإمام المعصوم(عليه السلام)
يبين للاُمة، شرعية الرجوع الى نائب الإمام في غيبته
من جهة ومن جهة ثانية تقدم لها نموذجاً تقوّم به من
يدعي النيابة عن الإمام في الغيبة الكبرى استناداً الى
الصفات التي ذكرتها النصوص الشرعية كشروط للنيابة عن
الإمام.
حفظ الكيان الايماني
ولكن مهمة إثبات وجود الامام(عليه السلام) والتعريف
بوكلائِهِ كانت تؤدي أحياناً الى تسرب بعض الأخبار
للسلطة فيتدخل الإمام لحفظ نظام الوكلاء حتى ينجز دوره
المطلوب في الغيبة الصغرى. فمثلاً يروي ثقة الإسلام
الكليني في الكافي عن الحسين بن الحسن العلوي قال:
(كان رجل من ندماء روز حسني وآخر معه فقال له: هوذا
يجبي الاموال وله وكلاء وسمّوا جميع الوكلاء في
النواحي وأنهى ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير،
فهمَّ الوزير بالقبض عليهم، فقال السلطان: اُطلبوا أين
هذا الرجل؟ فانّ هذا أمر غليظ، فقال عبيد الله ابن
سليمان: نقبض على الوكلاء، فقال السلطان: لا، ولكن
دسوا لهم قوماً لا يعرفون بالأموال، فمن قبض منهم
شيئاً قبض عليه قال: فخرج بأن يتقدم إلى جميع الوكلاء
أن لا يأخذوا من أحد شيئاً وان يمتنعوا من ذلك
ويتجاهلوا الأمر، فاندس لمحمد بن أحمد رجل لا يعرفه
وخلا به فقال: معي مال اُريد أن اُوصله، فقال له محمد:
غلطت أنا لا أعرف من هذا شيئاً، فلم يزل يتلطفه ومحمد
يتجاهل عليه وبثّوا الجواسيس وامتنع الوكلاء كلهم لما
كان تقدّم اليهم).(10)
يُستفاد من الروايات الواردة بشأن سيرة الإمام(عليه
السلام) في غيبته الصغرى أن جهوده لدفع أذى ارهاب
السلطات العباسية لم يقتصر على الوكلاء كما رأينا في
الفقرة السابقة، بل شملت أيضاً حفظ سائر المؤمنين من
البطش العباسي، وهذه سنّة ثابتة في سيرةِ آبائِه(عليهم
السلام) جميعاً، فقد جدوا في رعاية المؤمنين ودفع
الأذى عنهم ما استطاعوا الى ذلك سبيلاً.
ومن نماذج رعايته للمؤمنين في هذا الجانب مارواه
الكليني في الكافي: عن عليّ بن محمد قال: (خرج نهي عن
زيارة مقابر قريش والحيرة، فلما كان بعد أشهر دعا
الوزير الباقطائي فقال له: الق بني الفرات والبرسيين
وقل لهم: لا يزوروا مقابر قريش فقد أمر الخليفة أن
يتفقد كل من زار فيقبض عليه).(11)
كما شملت هذه الرعاية قضاء حوائج المؤمنين الشخصية
والاجتماعية والإصلاح بينهم والدعاء لهم وتزويدهم
بالوصايا التربوية والإجابة على أسئلتهم الدينية
وتعليمهم الأدعية وغير ذلك مما سجلته المصادر
التأريخية المختصة بهذه الفترة.(12)
وثمة أهداف أخرى سعى الإمام لتحقيقها في فترة الغيبة
الصغرى مثل كشف التيارات المنحرفة داخل الكيان الشيعي
منها: خط عمه جعفر ومنها تيار الوكلاء المنحرفين. وقد
أثبت التأريخ نجاح الإمام (عليه السلام) في القضاء
عليها إذ انقرض أتباعها سريعاً قبل انقضاء فترة الغيبة
الصغرى.
وفي الفقرة اللاحقة نلتقي بنموذجين من تحرك الإمام في
هذه الفترة لتحقيق الأهداف المذكورة وهما: إصدار
التوقيعات والإلتقاء بالمؤمنين.
إصدار الرسائل (التوقيعات):
حفلت المصادر المؤرخة لسيرة الإمام المهدي ـ عجل الله
فرجه ـ بنصوص العديد من الرسائل والبيانات التي كان
يصدرها(عليه السلام) في فترة الغيبة الصغرى والتي
عُرفت بالتوقيعات. وهي تشكل أحد الأدلة الوجدانية
المحسوسة الدالة على وجوده وقيامه بمهام الإمامة في
غيبته.(13)
وتمثل التوقيعات إحدى وسائل اتصال الإمام بالمؤمنين
وإيصال توجيهاته إليهم بحكم أوضاع عصر الغيبة التي
حددت الاتصالات المباشرة، ومما ساعد على إتباع هذه
الوسيلة وقوّة تأثيرها في المؤمنين تمهيد آبائه(عليهم
السلام) لذلك باتباع هذا الاسلوب في وقت مبكر خاصةً في
عصر الإمام الكاظم(عليه السلام) الذي قضى شطراً كبيراً
من مدة إمامته التي ناهزت خمسة وثلاثين عاماً في سجون
العباسيين أو تحت مراقبتهم الشديدة وتعرضهم للأذى
الشديد لأصحابه، فكان يتصل بالمؤمنين ويجيب على
اسئلتهم الدينية ويتوددهم ويوصل إليهم توجيهاته عبر
الرسائل التي لم تنقطع حتى عندما كان في السجن عبر
وسائل مبتكرة واشخاص فشلت السلطات العباسية في التعرف
على ولائهم للإمام الحق(عليه السلام).
وقد اشتدّ العمل بهذا الاسلوب في عهد الامامين الهادي
والعسكري(عليهما السلام)، وذلك بسبب ازدياد المراقبة
التي فرضتها السلطات العباسية عليهما إذ جعجعت بهما
الى (سرّ من رأى) عاصمة الامبراطورية العباسية يومذاك
والتي كانت أشبه ما تكون بالقلعة العسكرية، ولذلك كانت
تسمى أيضاً (العسكر)، وجعلتهما أشبه ما يكونان
بالسجينين في هذه القلعة. وإضافة لذلك فإن تأكيدهما
على استخدام هذا الاسلوب جاء كتمهيد مباشر لغيبة
ولدهما المهدي ـ عجل الله فرجه ـ من خلال تعويد
المؤمنين على هذا الاسلوب دفعاً للشبهات وإتماماً
للحجة ولكي يتقبلوا العمل بما يرد في الرسائل بتسليم
إيماني راسخ، خاصةً وأن الإمام (عليه السلام) كان
يستخدم الخط نفسه الذي كان يستخدمه أبوه في رسائله
وذلك تثبيتاً للايمان في قلوب المؤمنين به; وقطعاً
للطريق على المستغلين.(14)
وقد جاء قسم من هذه التوقيعات جواباً على أسئلة من
المؤمنين عبر السفراء الأربعة، والقسم الآخر كان
بمبادرة من الإمام نفسه فيما يرتبط ببعض القضايا
المهمة كحمايته للمؤمنين والوكلاء كما رأينا، أو فيما
يرتبط بالكشف عن انحراف بعض الوكلاء أو زيف ادعاء
منتحلي الوكالة، أو فيما يرتبط بالنص على تعيين
السفراء وغير ذلك.
كما اشتملت على ما يحتاجه المؤمنون من معارف الإسلام
الحق وأحكامه في مختلف شؤونهم الحياتية عقائدية وفقهية
وتربوية وأخلاقية وأدعية وغير ذلك، وما تحتاجه الأمة
في عصر الغيبة كالإرجاع الى الفقهاء العدول، والتأكيد
على استمرار رعايته في غيبته وتحديد علائم ظهوره وغير
ذلك مما سنتعرف على بعض نماذجه في فصل لاحق. كما أن في
بعضها نماذج تطبيقية لاستنباط الحكم الشرعي من
الأحاديث المروية تعويداً للأمة على العمل الإجتهادي
في عصر الغيبة الكبرى،(15)
وبعبارة جامعة يمكن القول إن هذه التوقيعات كانت من
جهة وسيلة لقيادة المؤمنين وحفظ كيانهم; ومن جهة أخرى
وسيلة لإكمال ما يحتاجونه في عصر الغيبة الكبرى من
حقائق الإسلام وأحكامه.
لقاء الإمام المهدي(عليه السلام) بأتباعه المؤمنين
روت المصادر الروائية المعتبرة الكثير من الروايات
التي تتحدث عن التقاء المؤمنين بالإمام المهدي(عليه
السلام) في غيبته الصغرى، فلايكاد يخلو كتاب من الكتب
المصنفة في تواريخ الأئمة أو الإمام المهدي ـ عجل الله
فرجه ـ خاصة، من ذكر مجموعة من هذه الروايات. وقد روى
الشيخ الصدوق عن محمد بن أبي عبد الله احصائية لعدد
لقاءاته من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، فذكر ثمانية
وستين شخصا
(16) وأوصل الميرزا النوري العدد الى (304)
اشخاص استناداً الى الروايات الواردة في المصادر
المعتبرة
(17) وفيها المروية بأسانيد صحيحة، ومعظمهم
التقوه في الغيبة الصغرى وبعضهم في حياة أبيه(عليهما
السلام) وهذه الروايات تخص الذين رأوه وعرفوه وليس
الذين لم يعرفوه.
ويُستفاد من هذه الروايات أنه(عليه السلام) كان يبادر
الى الالتقاء بالمؤمنين في الكثير من الحالات ويظهر
على يديه المعجزات والدلائل بحيث يجعلهم يؤمنون بأنه
هو الإمام ويثبت لهم وجوده(عليه السلام) وإمامته، وهذا
ما يصرح به لعيسى الجوهري الذي التقاه في سنة (268 هـ)
في صابر قرب المدينة المنورة حيث قال له في نهاية
اللقاء وبعد ما أراه من الدلائل ما جعله على يقين من
هويته(عليه السلام):
( يا عيسى ما كان لك أن تراني لولا المكذِّبون
القائلون بأين هو؟ ومتى كان؟ وأين ولد؟ ومن رآه؟ وما
الذي خرج إليكم منه؟ وبأيِّ شيء نبّأكم؟ وأيَّ معجز
أتاكم؟ أما والله لقد دفعوا أمير المؤمنين مع مارووه
وقدَّموا عليه، وكادوه وقتلوه، وكذلك آبائي عليهم
السَّلام ولم يصدِّقوهم ونسبوهم إلى السحر وخدمة
الجنِّ إلى ما تبيّن.
ياعيسى فخبّر أولياءنا ما رأيت، وإيّاك أن تخبر
عدوَّنا فتسلبه. فقلت: يا مولاي ادع لي بالثبات فقال:
لو لم يثبّتك الله ما رأيتني، وامض بنجحك راشداً.
فخرجت أكثر حمداً لله وشكراً).(18)
ويتضح من روايات التشرف بلقياه في الغيبة الصغرى أنه
كان يقوم خلالها أيضاً بقضاء حوائج المؤمنين إقتفاءً
لسنّة آبائهِ الطاهرين(عليهم السلام)، كما كان يقوم
خلالها بتوضيح بعض القضايا العقائدية المرتبطة بغيبته
الكبرى(عليه السلام) ويقدم لهم الإرشادات التربوية
والأدعية المسنونة المرتبطة بغيبته وتوثيق الارتباط
به(عليه السلام) فيها والتي تشتمل أيضاً على توضيح ما
سيحققه الله على يديه عند ظهوره.
كما يُستفاد منها أن الكثير من المؤمنين كان يجتهدون
في طلب لقياه ويسعون إليه خاصة في موسم الحج لما روي
أنه يحضره كل سنة.(19)
وقد دلت بعض الروايات على وقوع الالتقاء به بالفعل في
الموسم. كما كان البعض يلجأون الى السفراء الأربعة
للفوز بذلك، فكان يسمح للمخلصين منهم بذلك. فمثلاً روى
الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة فقال:
روى محمد بن يعقوب ـ رفعه عن الزُّهريّ ـ قال: طلبت
هذا الأمر طلباً شاقاً حتى ذهب لي فيه مال صالح فوقعت
إلى العمريّ وخدمته ولزمته وسألته بعد ذلك عن صاحب
الزمان فقال لي: ليس إلى ذلك وصول فخضعت فقال لي: بكر
بالغداة، فوافيت واستقبلني ومعه شابّ من أحسن الناس
وجهاً، وأطيبهم رائحة بهيئة التجّار، وفي كمّه شيء
كهيئة التجّار.
فلمّا نظرت إليه دنوت من العمريّ فأومأ إليَّ فعدلت
إليه وسألته فأجابني عن كل ما أردت ثم مرَّ ليدخل
الدار وكانت من الدُّور التي لا نكترث لها فقال
العمريُّ: إذ أردت أن تسأل سل فإنّك لا تراه بعد ذا،
فذهبت لأسأل فلم يسمع ودخل الدّار، وما كلّمني بأكثر
من أن قال: ملعون ملعون من أخّر العشاء الى أن تشتبك
النجوم، ملعون ملعون من أخّر الغداة إلى أن تنقضي
النجوم ودخل الدار).(20)
إعلان انتهاء الغيبة الصغرى
قبل ستة أيام من وفاة السفير الرابع أخرج للمؤمنين
توقيعاً من الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ يعلن فيه
انتهاء الغيبة الصغرى وعهد السفراء المعينين من قبل
الإمام مباشرة إيذاناً ببدء الغيبة الكبرى ونص التوقيع
هو:
(بسم الله الرحمن الرحيم، ياعلي بن محمد السمري، أعظم
الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام،
فأجمع أمرك ولا توص الى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك.
فقد وقعت الغيبة التامة. فلا ظهور إلاّ بإذن الله
تعالى ذكره وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلب وإمتلاء
الارض جوراً. وسيأتي لشيعتي من يدّعي المشاهدة ألا
فمَن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو
كذّاب مفتر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم).(21)
وكان هذا آخر توقيع صدر عن الإمام في الغيبة الصغرى
وهو بمثابة إعلان عن تحقيق تحركه فيها للأهداف المرجوة
منها كمرحلة تمهيدية للغيبة الكبرى، فقد ظهر للناس
خلالها منه (عليه السلام) مباشرة أو عبر سفرائه من
البينات ما يثبت وجوده وإمامته وصحة غيبته الكبرى. وقد
تم تدوينها في هذه الفترة من قبل عدد من وجوه العلماء،(22)
واتضح للاُمة انتفاع الناس من وجوده خلالها ورعايته
لمسيرتهم من خلف أستارها، وأمر فيه بالرجوع الى
الفقهاء في الحوادث الواقعة وصرح بأن وجوده أمان لأهل
الأرض،(23)
كما أن الجيل الذي كان قد عاصر زمان الأئمة كان قد
انتهى وظهرت أجيال اعتادت عصر الغيبة وفكرة القيادة
النائبة، لذلك فقد تأهلت الأمة للدخول في عصر الغيبة
الكبرى.(24)
الباب الرابع
الفصل الأول
الغيبة الكبرى للإمام المهدي عليه السلام وأسبابها
الاطار العام لتحرك الامام (عليه السلام)
إنّ الهدف العام لتحرك الإمام المهدي(عليه السلام) في
فترة الغيبة الكبرى، هو رعاية مسيرة الأمة الإسلامية
وتأهيلها لظهوره والقيام بالمهمة الكبرى المتمثلة
بإنهاء الظلم والجور وإقامة الدولة الإلهية العادلة في
كل أرجاء الأرض وتأسيس المجتمع التوحيدي الخالص كما
سنفصل الحديث عن ذلك في الفصل الخاص بسيرته بعد
ظهوره(عليه السلام).
وبعبارة أخرى فإن الإطار العام لسيرته ـ عجل الله فرجه
ـ في هذه الفترة هو التمهيد لظهوره بما يشتمل عليه ذلك
من رعاية الوجود الإيماني وحفظه وتسديد نشاطاته
وتطويره عبر الأجيال المتعاقبة التي يعاصرها، وحفظ
الرسالة الخاتمة من التحريف إضافة الى القيام بالميسور
من مهام الإمامة الأخرى وإن كان ذلك بأساليب أكثر
خفاءً مما كان عليه الحال في الغيبة الصغرى، وبذلك
يتحقق الانتفاع من وجوده(عليه السلام) كما ينتفع
بالشمس إذا غيّبها السحاب.
وهذا الهدف العام لسيرته في هذه الغيبة الكبرى نلاحظه
بوضوح فيما ورد بشأن تحركه في هذه الغيبة.
وقبل التطرق لنماذج من هذا التحرك، نلقي نظرة عامة على
بعض ما أشارت إليه الأحاديث الشريفة بشأن علة الغيبة
وأسرارها، إذ إن من الواضح أن التمهيد للظهور يكون
بإزالة الأسباب التي أدت للغيبة، لذا فإن التعرف على
أسباب الغيبة يلقي الأضواء على طبيعة تحرك الإمام
المهدي (عليه السلام) خلالها.
علل الغيبة في الأحاديث الشريفة
لقد تناولت مجموعة من الأحاديث الشريفة علل وقوع
الغيبة. نذكر أولاً نماذج منها استناداً الى العلل
التي تذكرها: مشيرين الى أن لكل نموذج نظائر عديدة
رواها المحدثون بأسانيد متعددة:
1 ـ روى سدير عن أبيه عن الإمام الصادق(عليه السلام)
قال: (ان للقائم منّا غيبة يطول أمدها فقلت له: يابن
رسول الله ولم ذاك قال: لأن الله عز وجل أبى إلاّ أن
يجعل فيه سنن الأنبياء(عليهم السلام) في غيبا تهم،
وانه لابدّ له يا سدير من استيفاء مدة غيباتهم، قال
الله تعالى: (لتركبنّ طبقاً عن طبق)، أي سنن مَن كان
قبلكم.(25)
وروى عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق جعفر
بن محمد (عليه السلام)يقول: (إن لصاحب هذا الأمر غيبة
لابدّ منها، يرتاب فيها كل مبطل، فقلت له: ولم جُعلت
فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم قلت: فما وجه
الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة
في غيبات من تقدم من حجج الله تعالى ذكره، إنّ وجه
الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره كما لم ينكشف
وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (عليه السلام) إلاّ بعد
افتراقهما، يا بن الفضل ان هذا الأمر من أمر الله وسرّ
من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا ان الله عز
وجل حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة، وان كان وجهها
غير منكشف).(26)
2 ـ ومنها ما رواه زرارة عن الإمام الباقر(عليه
السلام) قال: (إن للقائم غيبة قبل ظهوره، قلت: ولِمَ؟
قال: يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه، قال زرارة يعني:
القتل).(27)
ومنها ما روي عن عبد الله بن عطا، عن أبي جعفر(عليه
السلام) قال: (قلت له إن شيعتك بالعراق كثيرة والله
مافي أهل بيتك مثلك; فكيف لا تخرج؟ قال: فقال: يا عبد
الله بن عطاء! قد اخذت تفرش اذنيك للنوكى، إي والله ما
أنا بصاحبكم، قال: قلت له: فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من
عمى على الناس ولادته; فذاك صاحبكم; إنّه ليس منا احد
يشار إليه بالاصبع ويمضغ بالالسن إلاّ مات غيظاً أو
رغم أنفه).(28)
3 ـ ومنها ما روي عن الحسن بن محبوب بن ابراهيم الكرخي
قال:
(قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أو قال له رجل:
أصلحك الله ألم يكن علي قوياً في دين الله؟ قال: بلى
قال: فكيف ظهر عليه القوم وكيف لم يمنعهم ومامنعه من
ذلك؟ قال: آية في كتاب الله عز وجل منعته، قال: قلت؟
وأيّ آية هي؟ قال: قول الله عز وجل: (لو تزيلوا لعذبنا
الذين كفروا منهم عذاباً اليماً). انه كان لله عز وجل
ودائع مؤمنون في اصلاب قوم كافرين ومنافقين، فلم يكن
عليّ ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع، فلما خرجت
الودائع ظهر على مَن ظهر فقاتله، وكذلك قائمنا أهل
البيت لن يظهر أبداً حتى تظهر ودائع الله عز وجل فاذا
ظهرت ظهر على مَن ظهر فقاتله).(29)
4 ـ ومنها ماروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال:
(والله لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تميّزوا
وتمحّصوا، ثم يذهب من كل عشرة شيء ولا يبقى منكم إلاّ
الأندر، ثم تلا هذه الآية: أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة
ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين).(30)
5 ـ ومنها ماروي عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه
قال:
(دولتنا آخر الدول، ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلاّ
ملكوا قبلنا، لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا، إذا ملكنا
سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عز وجل: (والعاقبة
للمتقين)).(31)
6 ـ ومنها ما روي عن الإمام الرضا(عليه السلام) أنّه
قال ـ في جواب من سأله عن علة الغيبة ـ: (لئلا يكون في
عنقه بيعة اذا قام بالسيف).(32)
وهذا المعنى مروي عن كثير من الأئمة بألفاظ متقاربة،
منها ما روي عن المهدي(عليه السلام) نفسه أنه قال في
توقيعه الى اسحق بن يعقوب في جواب أسئلته: (... وأما
علة ما وقع من الغيبة، فإن الله عز وجل يقول: (يا أيها
الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم).
إنه لم يكن أحد من آبائي(عليهم السلام) إلاّ وقد وقعت
في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا
بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي).(33)
7 ـ ويقول ـ عجل الله فرجه ـ في رسالته الأولى للشيخ
المفيد: (نحن، وإن كنا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن
الظالمين حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح
ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، مادامت دولة الدنيا
للفاسقين).(34)
8 ـ ويقول(عليه السلام) في رسالته الثانية للشيخ
المفيد: (ولو أن أشياعنا ـ وفقهم الله لطاعته ـ على
اجتماع من القلوب في الوفاء بالحمد عليهم، لما تأخر
عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا
على حق المعرفة وصدقها منهم بنا فما يحبسنا عنهم إلاّ
ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم...).(35)
هذه نماذج لابرز الأحاديث الشريفة المروية بشأن علل
الغيبة، والأسباب التي تذكرها فيها بعض التداخل، نشير
إليها ضمن النقاط الثمانية التالية:
1 ـ استجماع تجارب الأمم السابقة:
إن الحكمة الإلهية في تدبير شؤون خلقه تبارك وتعالى
اقتضت غيبة الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ للحكمةِ
نفسها التي اقتضت غيبات الأنبياء في الاُمم السابقة،
لأن ما جرى في هذه الاُمم مجتمعة يجري على الاُمة
الاسلامية صاحبة الشريعة الخاتمة. فمثلما اقتضى تحقيق
أهداف الرسالات السماوية غيبة بعض أنبيائها بدليل عدم
استعداد الاُمم السابقة لتحقق هذه الأهداف، كذلك الحال
مع الأمة الإسلامية فإن تحقق أهداف شريعتها الخاتمة
اقتضى غيبة خاتم أوصيائها الإمام المهدي(عليه السلام)
حتى تتأهل بشكل كامل لتحقق هذه الأهداف، وواضح أن هذا
السبب مجمل بل إنه يشكل الإطار العام لعلل الغيبة التي
تذكرها الطوائف الأخرى من الأحاديث الشريفة.
والملاحظ في هذه الطائفة من الأحاديث أنّها تعتبر أمر
الغيبة من الأسرار الإلهية التي لا تتضح إلاّ بعد
انتهاء الغيبة وظهور الإمام والتي لم يُؤذن بكشفها قبل
ذلك، الأمر الذي يشير الى أن ما تذكره الأحاديث
الشريفة لا يمثل كل العلل الموجبة للغيبة بل بعضها
وثمة علل أخرى ليس من الصالح كشفها قبل الظهور ـ
للجميع على الأقل ـ، ولكن الإيمان بها فرع الإيمان
بحكمة الله تبارك وتعالى وأنه الحكيم الذي لا يفعل
إلاّ ما فيه صلاح عباده.
2 ـ العامل الأمني
مخافة القتل كما جرى مع غيبات أنبياء الله موسى وعيسى
وغيرهم(عليهم السلام)، والأمر في غاية الوضوح مع
الإمام المهدي(عليه السلام) الذي كانت السلطات
العباسية تسعى سعياً حثيثاً لقتله كما رأينا سابقاً.
وهذا السبب يصدق بشكل كامل على أصل وقوع الغيبة وفي
الغيبة الصغرى على الأقل.
ومعلوم أن المقصود هو حفظ وجود الإمام لكونه حجة الله
على خلقه ولكي لا تخلو الأرض من قائم لله بحجته وهاد
بأمره إليه تبارك وتعالى.
أما ما هو سبب اختصاص الغيبة بالإمام الثاني عشر لحفظ
وجوده مع أن أباءه الطاهرين(عليهم السلام) كانوا أيضاً
حجج الله على خلقه وقد تعرّضوا أيضاً للمطاردة
والاغتيال فلم يمت أي منهم إلاّ بالسيف أو السم؟(36)
فالجواب واضح، فهو ـ عجل الله فرجه ـ آخر الأئمة
المعصومين(عليهم السلام) وهو المكلف بإقامة الدولة
الإسلامية العالمية وعلى يديه يحقق الله عز وجل وعده
بإظهار الإسلام على الدين كله وتوريث الأرض للصالحين،
فلابد من حفظ وجوده حتى ينجز هذه المهمة. يُضاف الى
ذلك أن السلطات العباسية كانت عازمة على قتله وهو في
المهد لعلمها بطبيعة مهمته الإصلاحية العامة.
أما في الغيبة الكبرى فهذه العلة تبقى مؤثرة مالم
تتوفر جميع العوامل اللازمة لإنجاز مهمته مثل توفر
الأنصار وغير ذلك، لأنه سيبقى غرضاً لسهام مساعي حكام
الجور لإبادته قبل أن ينجز هذه المهمة الإصلاحية
الكبرى كما جرى على آبائِهِ(عليهم السلام). وهذا الأمر
واضح للغاية ويفهم من توضيحات الإمام الباقر (عليه
السلام) لعبد الله بن عطاء في الحديث الثاني من هذه
الطائفة.
3 ـ السماح بوصول الحق للجميع لخروج ودائع الله
إنّ إخراج ودائع الله، المؤمنين من أصلاب قوم كافرين
يشكّل عاملاً آخر، ولعل المقصود منه إعطاء الفرصة
لوصول الدين الحق للجميع كي تتضح لهم أحقية الرسالة
الإسلامية التي يحملها الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه
ـ وبالتالي تبني أشخاص ينتمون الى المدارس الضالة
والأخلاف المنحرفين، للأهداف المهدوية والانتقال بهم
الى صفوف أنصار المهدي المنتظر ـ عجل الله فرجه ـ.
وواضح أن هذه العلة تفسر تأخير ظهوره (عليه السلام)،
بصورة واضحة، مباشرة، وبالتالي تفسّر بصورة غير مباشرة
ـ غيبته الى حين توفر هذا العامل من العوامل اللازمة
لظهوره ـ عجل الله فرجه ـ، باعتبار أنّ ظهوره مقترن
بالبدء الفوري في تنفيذ مهمته الإصلاحية الكبرى، التي
تتضمن نزول العذاب الأليم على المنحرفين.
|