2- بيئته:
بعد ان هاجر الاشعريون الى قم من ظلم الحجاج واستوطنوها، اضحت هذه البلدة المباركة موئلاً لاتباع اهل البيت عليهم السلام، وقلعة من قلاع التشيع المنيعة.

قال الحموي: وهي قم كبيرة حسنة طيبة واهلها كلهم شيعة امامية. وقد ورد في حديث عن امير المؤمنين عليه السلام يصف اهل قم «هم اهل ركوع وسجود وخشوع وسجود وقيام وقعود، هم الفقهاء العلماء، هم اهل الدراية والرواية وحسن العبادة‏». وقد زادها الله شرفا بان جعل تربتها محلا لجثمان البضعة الطاهرة فاطمة المعصومة بنت الامام موسى الكاظم عليه السلام وغيرها من ذراري الائمة المعصومين عليه السلام مما عزز من مكانتها الروحية لدى الشيعة.
والذي يظهر ان بدايات اقتران اسم هذه البلدة بالعلم وبحديث اهل البيت عليه السلام كان على يد ابراهيم بن هاشم ابواسحاق الكوفي الذي انتقل اليها من الكوفة، ولا يبعد ان يكون السبب في هجرته الظروف السياسية التي كانت تمر به الكوفة آنذاك. قال الشيخ النجاشي والطوسي: «واصحابنا يقولون اول من نشر حديث الكوفيين بقم هو».

وذكر الكشي على ما نسب اليه انه كان من تلامذة يونس بن عبدالرحمن واصحاب الرضا عليه السلام وقد كانت قم على مر تلك العصور آهلة بالعلماء وحملة الحديث، عامرة بحلقات الدرس حتى لا يكاد يرى فيها الا عالم او متعلم، يشهد لذلك انها كانت مولدا ومنزلا ومدفنا لجملة كبيرة من الفقهاء والمحدثين، وخرجت مدرستها رعيلا من الافذاذ من اضراب:

احمد بن محمد بن عيسى الاشعري القمي ابو جعفر: شيخ القميين ووجههم بقم وفقيههم، وكان الرئيس الذي يلقى السلطان بها، لقى ابا الحسن الرضا وابا جعفر الجواد وابا الحسن الهادي عليه السلام ثقة عظيم له كتب عديدة منها كتاب (النوادر).
محمد بن احمد بن يحيى بن عمران الاشعري القمي ابو جعفر: جليل القدر ثقة في الحديث كثير الروايات له كتب منها كتاب (نوادر الحكمة) وهو كتاب حسن كبير يعرفه القميون (بدبة شبيب).
سعد بن عبدالله بن ابي خلف الاشعري القمي ابو القاسم: ثقة جليل واسع الاخبار كثير التصانيف. قال النجاشي: شيخ هذه الطائفة وفقيهها وجهها. له كتاب (الرحمة) وغيرها. توفي     301 هـ او 299هـ.
اسماعيل بن آدم بن عبدالله بن سعد الاشعري: قال النجاشي عنه وجه القميين ثقة.
علي بن ابراهيم شيخ ثقة الاسلام الكليني: الذي كان حيا سنة 307هـ، ثقة في الحديث، ثبت، معتمد، صنف كتبا، صحيح المذهب.
علي بن الحسين بن بابويه القمي: والد شيخنا الصدوق، وامره في الجلالة والوثاقة والوجاهة فوق ما تحوم عليه العبارة.
وهو ممن كاتب الناحية المقدسة عجل الله تعالى فرجه الشريف واجتمع بسفيرها ابي القاسم الحسين بن روح رحمه ‏الله.

وله كتاب الشرائع في الفقه وغيرها. وتوفي سنة 329هـ.
محمد بن الحسن بن الوليد: شيخ القميين، وفقيههم ومتقدمهم ووجههم ثقة ثقة، جليل القدر مسكون اليه، مات سنة 343هـ. وله كتب منها كتاب «الجامع‏» و«كتاب التفسير».
احمد بن محمد بن خالد البرقي: اصله كوفي، هرب جده خالد مع ابيه عبدالرحمن الى برقة قم على اثر حبس ومقتل جده الاعلى محمد بن علي على يد يوسف بن عمر والي العراق بعد مقتل زيد بن علي عليه السلام. وكان احمد ثقة في نفسه له تصانيف كثيرة منها كتاب المحاسن، ويشتمل على كتب عدة.
الحسين بن محمد بن قولويه: استاذ الشيخ المفيد وتلميذ الشيخ الكليني، قال النجاشي في حقه: وكان ابو القاسم من ثقات اصحابنا واجلائهم في الحديث والفقه، وله كتب حسان.
هذه كوكبة من الاعلام الذين حفلت بهم بلدة قم (حرسها الله وزادها شرفا).

وايضا من الدلائل على عراقة هذه البلدة واشتهارها بالعلم والفضل، تشرف تربتها باجساد طائفة كبيرة من العلماء والصلحاء ذكرهم العلامة المجلسي في تحفة الزائر من امثال زكريا بن آدم، و زكريا بن ادريس وعلي بن بابويه وآدم بن اسحاق.

وقد عاشت قم في زمن الشيخ الصدوق وابيه (رضوان الله عليهما) ازهى عصورها; حيث نفقت فيها سوق العلم وراجت في انديتها بضاعة الحديث واكتضت اروقتها بطلاب المعرفة، وتبوء مقعد المشيخة فيها ائمة العلم ومشايخ الرواية من امثال الشيخ محمد بن الحسن بن الوليد (م‏343) واضرابه من المشايخ العظام.
وقد ذكر المجلسي الاول في شرحه على من لا يحضره الفقيه الموسوم باللوامع انه قرا في كتاب ان في زمن علي بن بابويه (والد الصدوق المتوفى سنة 329هـ) كان بقم مئتا الف محدث.

الا ان هذا الرقم في غاية الغرابة، فمن المستبعد جدا تواجد هذا العدد الضخم الهائل بقم في ذلك الزمان، اذ ذكر صاحب كتاب تاريخ قم الحسن بن محمد بن الحسن القمي المتوفى 378هـ من معاصري الشيخ الصدوق عددا من علماء الخاصة بقم من اصحاب المصنفات والخواص في عصره وعدة من ذكرهم 266هـ شخصاً وذكر من اعلام العامة 14 نفرا ثم تعرض لمصنفات كل واحد منهم!

وحتى لو اضفنا لهذه الاحصائية (266) اضعاف اضعافها باعتبار انها لاكابر العلماء وارباب الحديث واصحاب التصانيف ممن هم دونهم في الفضل والمرتبة فانه لا يبلغ ايضاً ما ذكره المجلسي الاول رحمه الله.
والذي يعزز وجود الاستغراب ايضاً ان نفس العلامة المجلسي الاول التفت لذلك فاراد توجيهه بقوله: «والذي يظهر ان الوجه في ذلك هو ان الخواص والعوام كانوا يعملون بالاحاديث ويحفظونها».

الا ان هذا التوجيه لا يمكن القبول به; لان لفظ المحدث الوارد في كلامه لا يطلق كما هو واضح على من يحفظ حديثا او حديثين، بل يراد بها من اجازه الشيوخ بالرواية عنهم، ولا يجاز بذلك الا من حفظ واكثر السماع وحبر دفاتره بالكثير مما سمع، خصوصا لو لاحظنا المجتمع القمي آنذاك وتشدد مشايخه في الاجازة والرواية. وحينئذ فمن المستبعد ان ينبغ مئتا الف محدث في مثل تلك الآونة.

ومما يعضد هذا الاستبعاد ايضاً ان عدد طلاب العلوم الدينية في عصرنا بقم لا يتجاوز الثلاثين الف طالب وعالم، مع الاخذ بنظر الاعتبار الاتساع المفترض في هذه المدينة طيلة القرون المتمادية، اضافة للتضخم السكاني الحاصل فيها اليوم. كل هذا يبعد ما افاده العلامة المجلسي الاول، وحتى على فرض وقوع التصحيف في عبارته وان الصحيح هو عشرون الف فان الامر ايضا لا يخلو من غرابة بملاحظة ما ذكرناه. الا ان ذلك كله لا يمنع بالطبع من وجود اعداد غفيرة وجموع كثيرة من رواد العلم واكابر الفقهاء والمحدثين في هذه المدينة المشرفة، التي هي من اوضح مصاديق قوله تبارك وتعالى: «والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه‏».
وعلى كل حال، فقد اختصت قم بموقع علمي مرموق ومكانة سامية لدى علماء الطائفة نتيجة دقة وتشدد علمائها ومحدثيها، حتى اضحت آراؤهم ومروياتهم مقياساً يقاس به صحة الحديث والخبر عند الآخرين، كما يستفاد ذلك من مكاتبة السفير الثالث الشيخ الاجل ابي القاسم الحسين بن روح النوبختي (م‏326) حين انفذ كتابه (التاديب) الى قم يطلب من علمائها النظر في كتابه هذا قائلا لهم: «انظروا ما في هذا الكتاب وانظروا فيه شي‏ء يخالفكم؟ فكتبوا اليه: انه كله صحيح وما فيه شي‏ء يخالف الا قوله في الصاع...».

واما الري موطنه الثاني، فقد كانت آهلة بالعلماء والمحدثين من كلا الفريقين، عامرة بمكتباتها كمكتبة الصاحب بن عباد ومكتبة ابن العميد ومكتبة شرف الدين ابي الفضل محمد بن علي بن المطهر نقيب النقباء في الري.
وقد خرجت جامعة الري طبقة من الاعيان، من نظائر ثقة الاسلام الكليني (قدس سره) وخاله وشيخه الاجل علان الرازي الكليني الذي وصفه النجاشي بانه شيخ اصحابنا ووجههم بالري.

والشيخ الاجل ابي علي بن عبد ربه الرازي القطان وصفه الشيخ الصدوق بانه شيخ كبير لاصحاب الحديث، وقال عنه ايضا «كان شيخا لاصحاب الحديث ببلد الري يعرف بابي علي ابن عبد ربه‏». ومن اعيان العامة فيها ابو بكر محمد بن زكريا الرازي الحكيم صاحب كتاب من لا يحضره الطبيب (م‏311)، وعبدالرحمن بن محمد بن ادريس الرازي احد الحفاظ صنف الجرح والتعديل، توفي سنة 327، واسماعيل بن علي بن الحسين بن محمد بن زنجويه المعروف بالسمان الحافظ وكان من المكثرين توفي سنة 445هـ وكان معتزليا، ومحمد بن عبدالله بن جعفر بن عبدالله بن الجنيد ابو الحسين الرازي وكان حافظا مكثرا توفي سنة 347هـ وابو زرعة الحافظ الرازي وغيرهم.

قال ياقوت: وكان اهل الري اهل سنة وجماعة الى ان تغلب احمد بن الحسن المارداني عليها فاظهر التشيع واكرم اهله وقربهم فتقرب اليه الناس بتصنيف الكتب. وكان ذلك في ايام المعتمد وتغلبه عليها في سنة 275، واستمر الى الآن. وفي موضع آخر قال: كان اهل المدينة يقصد الري ثلاثة طوائف: شافعية وهم الاقل، وحنفية وهم الاكثر، وشيعة وهم السواد الاعظم.

واما الجانب الامني واستقرار الوضع الداخلي في كلتا الحاضرتين (قم والري) في القرن الرابع الهجري فقد كان امرا نسبياً اذا ما قسناه ببغداد حيث كانت تلتهب بالفتن والاضطرابات التي عصفت باستقرارها مما انعكست تاثيراته على الوضع العلمي فيها وعلى علمائها كالشيخ المفيد الذي اقصي عنها سنة 393 هـ بسبب الخصومات الطائفية، وكالشيخ الطوسي الذي احرقت داره وكتبه بالكرخ مرات عديدة بسبب هجمات السلاجقة من الخارج، واذا لاحظنا من زاوية اخرى الظرف السياسي الذي كانت تعيشه بغداد وضعف مركز الخلافة فيها في العصر العباسي الثاني ودخالة العناصر الاجنبية فيه ادركنا حراجة الوضع آنذاك وتازمه. بيد ان قم والري كانتا في مناى عن هذه الاجواء الساخنة، وقد كان ابتعادهما وخروجهما عن سلطة الخلافة واستتباب الامن فيهما السبب في نشاط الحركة العلمية فيهما على اثر انتقال طائفة من فقهاء ومحدثي الكوفة وغيرها سيما في القرن الثالث الهجري الى قم والري.
وعلى كل حال، فقد حافظت هاتان الحاضرتان على مرجعيتهما العلمية للعالم الاسلامي والشيعي مدة من الوقت كما ظهر ذلك من مكاتبة سفير الناحية الحسين بن روح لعلماء قم.

3- عصره:
من الواضح ان نشاط الحركه العلميه او خمولها في كل مكان وزمان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوضع السياسى ومتغيراته. وقد شهد تاريخنا السياسى من حالات التفاعل بين حركه العلم وبين الظروف والاوضاع السياسيه الكثير، فعندما دبّ الضعف فى الدوله الامويه وانقرض سلطان حكامها الذين عرفوا بجاهليتهم وابتعادهم عن رحاب العلم والثقافه تنفست الامه الاسلاميه الصعداء، سيما اتباع مدرسه اهل ‏البيت (عليهم السلام)، حيث استغل ائمه اهل البيت(عليهم السلام) فرصه هذا الانفراج السياسى الحاصل ‏من سقوط دوله الامويين وقيام دوله بنى العباس الفتيه في‏ تنشيط الحركه العلميه وتفعيلها فازدهرت حاضره المدينه المنوره والكوفه على عهد الامامين الباقرين(عليهما السلام) ونفقت سوقها واستقام الحال على ذلك فتره، ثم تناوبته بعد ذلك فى زمن الدوله العباسيه فترات تراوحت بين الضمور والظهور، والنشاط والفتور، بحسب رغبه الحكام العباسيين في العلم واهله الا ان الخطب اشتد على الشيعه بشكل اكثر اواخر الدوله العباسيه وساءت الاوضاع واخذوا كل ماخذ، فانحسرت الحاله العلميه وقل ارتباط العلماء والرواه بالائمه المعصومين عليهم السلام  نتيجه الظروف السياسيه الحرجه التى احدقت بهم الا ان تلك المحنه اعقبت انفراجا ويسرا ، وذلك عندما عصفت الاحداث بحكم العباسيين وال امرهم الى الوهن وضعف مركز الخلافه ببغداد حتى اوشك الامر ان يخرج من يدها بالكليه واذنت اركانها بالتداعى والانهيار. في تلك الحقبه الملتهبه بازمه الصراع السياسى من اجل القبض على دست الحكم ظهرت دول جديده التاسيس في هذا الجزء من العالم الاسلامى وذاك،
وقد عرفت تلك الدول الجديده بولائها او تشيعها لاهل البيت(عليهم‏ا السلام) مما فسح الفرصه من جديد للشيعه في ان يستعيدوا نشاطهم ويتمتعوا بحرياتهم السياسيه والمذهبيه واظهار معتقداتهم.
ويمكن الاشاره الى تلك الحكومات التى اسهمت في بناء الوضع الجديد، وهى عباره عن:
1- دوله الادارسه في المغرب (194 - 305).
2- دوله العلويين في الديلم (205 - 304).
3- دوله الفاطميين بمصر (296 - 567).
4- دوله البويهيين في بلاد العراق وايران (321 - 447).
5- دوله الحمدانيين في سوريا والموصل وكركوك (293 -392).
6 الاماره الطاهريه في هرات (205 - 259).
ولقد كان للدوله البويهيه الضاربه بملكها على مركز الخلافه ببغداد واكثر بلاد ايران كفارس والاهواز وكرمان واصبهان وهمذان والرى وجميع بلاد فارس الجنوبيه وغيرها من بلاد العالم الاسلامى حتى خطب لحكامها بعمان، كان لها الدور الفاعل والبليغ في تشجيع الحركه العلميه وتطويرها من خلال اتصال حكامها وامرائها بالعلماء واكرامهم وعقد المناظرات العلميه في مجالسهم، وكذلك من خلال انشاء المكتبات كمكتبه عضد الدوله بشيراز ومكتبه دار العلم التى اسسها سابور بن اردشير عام 381 او 383هـ في بغداد، وتعتبر من المكتبات الغنيه في عالمنا الاسلامى، ومكتبه الصاحب بن عباد (م‏360)، ومكتبه ابن العميد في الرى.
وامتازت هذه البرهه من تاريخ الشيعه بامتيازات قلما حصلوا على مثلها في تاريخهم الطويل الملى‏ء بالصراع وكم الافواه ومصادره الحريات. ولا شك فقد نعمت مراكز العلم سيما في قم والرى تحت ظل هذا الاستقرار السياسى واتسع نشاطها واتصالها بسائر البلاد والحواضر الاخرى خاصه عاصمه العلم ببغداد، كما ساعد هذا الوضع على فسح المجال للعلماء للتجوال والترحال الى مراكز العلم الاخرى وعقد المناظرات واللقاءات فيما بينهم.
وقد عاصر الشيخ الصدوق(رحمه‏ اللّه) من حكام الدوله البويهيه الحسن بن ابى شجاع بويه الملقب بركن الدوله الذى بسط ملكه على الرى واصفهان وهمذان وسائر بلاد العراق العجمى، وكانت ايام ملكه التى دامت اربعا واربعين عاما حتى وفاته سنه (366هـ) عامره بالعدل بين الرعيه وحسن السيره وتكريم اهل العلم. قال ابن الاثير: (كان حليما كريما، واسع الكرم، كثير البذل، حسن السياسه لرعاياه وجنده، رؤوفا بهم عادلا في الحكم بينهم، وكان متحرجا من الظلم، مانعاً لاصحابه منه، عفيفا عن الدماء يرى حقنها واجبا الا فيما لا بد منه، وكان يحامى على اهل البيوتات، وكان يجرى عليهم الارزاق، ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد الجامعه ...، ويتعهد العلويين بالاموال الكثيره، ويتصدق بالاموال الجليله على ذوى الحاجات، ويلين جانبه للخاص والعام .. رضى اللّه عنه وارضاه، وكان له حسن عهد وموده واقبال). وقال في وفاته: اصيب به الدين والدنيا جميعا، لاستكمال جميع خلال الخير فيه.
ولما نزل شيخنا الصدوق (طيب اللّه رمسه) الرى اكرمه ركن الدوله وادناه وعقد له مجلس المناظره في دار امارته بمحضر ومشاركه منه، وللشيخ في مجلسه خمس مناظرات جرت بينه وبين علماء العامه، وقد سجل القاضى نور اللّه التسترى بعضها.
وعلى كل حال، فقد تمتع الشيخ الصدوق (عليه الرحمه) بحريه مطلقه في اظهار ارائه ومعتقداته في حله وترحاله في عهد ركن الدوله.

واما فيما بعد وفاه ركن الدوله وجلوس ابنه عضد الدوله مجلسه سنه 366هـ الذى حكم من هذا التاريخ الى سنه 372هـ ، فلم يحدثنا التاريخ عن العلاقه فيما بينهما على وجه التحديد، والذى نحدسه من سيره عضد الدوله مع العلماء هو تبجيلهم وتعظيمهم واجراء الارزاق على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين وغيرهم، فلا بد ان تكون للشيخ الصدوق نفس المكانه المرموقه التى كان يتمتع بها على عهد ركن الدوله. الا ان الذى يقطع به انه (رحمه اللّه) كان على صله وثيقه بالصاحب بن اسماعيل بن عباد ابى القاسم العالم والاديب الفاضل وزير فخر الدوله البويهى سنه 373، حتى انه صنف كتاب عيون اخبار الرضا عليه السلام لقصيدتين رائعتين للصاحب في مدح الامام الرضا عليه السلام وابلاغه السلام والتحيه بلسان المنظوم. والذى يكشف عن طرف من هذه العلاقه ما اثبته الصدوق(رحمه اللّه) في اول ديباجه الكتاب حيث قال: (فصنفت هذا الكتاب لخزانته المعموره ببقائه، اذ لم اجد شيئا اثر عنده واحسن موقعا لديه من علوم اهل البيت(عليهم‏ السلام)، لتعلقه بحبهم واستمساكه بولايتهم واعتقاده بفرض طاعتهم وقوله بامامتهم واكرامه لذريتهم (ادام اللّه عزه واحسانه الى شيعتهم)، ثم قال: قاضيا بذلك حق انعامه على ومتقربا به اليه لاياديه الزهر عندى ومننه الغرلدى).وعلى كل حال، فقد استثمرالشيخ الصدوق فرصه استتباب الامن واستقرار الوضع انذاك وقربه ومكانته من الامراء البويهيين، لخدمه المذهب واعلاء كلمته من خلال مباحثاته وسجالاته مع مخالفيه في الاعتقاد، ومن خلال ما انجز من مصنفات ضخمه وتراث عملاق، خاصه اثره الخالد (من لا يحضره الفقيه) وكتابه العظيم (مدينه العلم) الذى ضن الزمان به على الباحثين وغيبته يد الاحداث.

4- رحلاته:
لا يخفى على احد ما تنطوى عليه كثره الاسفار والتطواف بين البلدان وحواضر العلم من عظيم الفائده والاثر في تطوير حركه العلم وتعميقها، على الرغم مما يكتنف ذلك من الاخطار والمشاق، سيما في تلك الاعصار المتقدمه. الا ان كل ذلك يضؤل اذا بات الهدف مقدسا، وكانت العزيمه راسخه ف (ما ضعف بدن عما قويت عليه النيه).
وقد كان الشيخ الصدوق (عليه الرحمه) من اولئك الافذاذ الذين قويت فيهم العزيمه في اللّه وللّه، فهاجر من اجل طلب العلم ونشره، اذ ليس من بلده او مدينه كان الشيخ يدخلها الا وافاد فيها او استفاد من شيوخها وارباب الروايه والحديث.
والذى نحسبه ان الذى كان يدعوه الى الاكثار من الترحال والسفر حتى بلغ مجموع اسفاره الى اصقاع العالم الاسلامى سبعه عشره رحله بحسب ما ظهر من اسانيد كتبه هو الامور التاليه:
1- حبه الشديد وشغفه المفرط في طلب العلم وتحصيله.
2- اعتقاده بعدم ايفاء حاضرته العلميه في قم والرى بما يرومه ويريد البلوغ اليه، لوجود الكثير من الفقهاء والمحدثين في حواضر العلم الاخرى الذين لا تتحقق الافاده منهم الا بشد الرحال اليهم.
3- شعوره بالمسووليه في كثير من هذه الاسفار كما في سفره الى الرى واقامته فيها بطلب من اهلها وعلمائها، وكذا اسفاره الاخرى التى كان يتولى فيها نشر المذهب والذب عن عقائده ودحض الشبهات الموجهه ضده وتثبيت قلوب المومنين وارشادهم.
واليك تفصيل اسفاره ورحلاته التى طاف فيها كثيرا من البلاد، حتى وصفه ب (الرحله) كثير ممن تعرض لترجمته.
1- الرى: وهى موطنه الثانى من بعد قم، واول البلاد التى نزل فيها، حيث بقى فيها الى اواخر حياته حتى توفي ودفن في تربتها. والرى مدينه مشهوره من امهات البلاد واعلام المدن، قال الاصطخرى عنها: (والرى مدينه ليس بعد بغداد في المشرق اعمر منها)، وقال ايضا : (كان السواد الاعظم فيها من الشيعه). وعلى كل حال فقد جعلها الشيخ الصدوق منطلقا لاسفاره الاخرى يعاود اليها الرجوع بعد كل سفر، وقد سمع فيها من مشايخها سنه 347 هـ كابى الحسن محمد ابن احمد بن على الاسدى المعروف بابن جراده البردعى، ويعقوب ابن يوسف بن يعقوب، واحمد بن محمد بن الصقر الصائغ العدل، وابى على احمد بن محمد بن الحسن القطان المعروف بابى على بن عبد ربه الرازى، والاخير من مشايخ الرى كما وصفه الشيخ الصدوق.
2- خراسان: ورد الشيخ الصدوق(رحمه ‏اللّه) خراسان ثلاث مرات:
الاولى: وكانت في شعبان من سنه 352، وهى التى استاذن فيها الامير ركن الدين البويهى في الزياره لمشهد الرضا عليه السلام فاذن له وساله الدعاء والزياره عنه. ثم رجع في تلك السنه.
الثانيه: في شهر ذى الحجه من سنه 367 اى بعد خمسه عشر عاماً من زيارته الاولى وسمع فيها من السيد ابى البركات على بن الحسين الحسينى الحلى، وابى بكر بن على، ثم رجع الى الرى قبل محرم الحرام من سنه 368 واملى فيها في اول محرم المجلس السابع والعشرون من مجالس اماليه. الثالثه: في سنه 368 في شعبان، واملى فيها اربعه مجالس. وخراسان من البلاد الواسعه، معروفه بالعلم والحديث، قال الحموى واصفا اهلها (فاما العلم فهم فرسانه وساداته واعيانه)، وفي كتاب الحضاره الاسلاميه انها جنه العلماء، وللشيخ الصدوق(رحمه‏ اللّه) مكانه ساميه فى نفوس العلماء والمحدثين بخراسان انذاك، قال المجلسى الاول(قدس‏ سره): (وبعد انصرافه اى الصدوق من الحج توجه الى خراسان لكثره مشايخ الحديث فيها من الخاصه والعامه من سائر البلاد. واشتهر في خراسان شهره عظيمه وكان مجلسه حافلا بالعلماء على الدوام).
وقد تكرر وروده الى خراسان مرات عديده كما عرفت توقف فى الثانيه منها قرابه السنه، واما الثانيه فلم يعلم مده توقفه فيها. الا ان القرائن تدل على طول مكوثه فيها، فقد وصفه النجاشى بانه وجه الطائفه بخراسان، مما يعنى بقاوه مده ليست بالقليله حتى صح نعته بذلك، هذا كله على تقدير انه لم يدخل خراسان اكثر من ثلاث مرات، واما لو قلنا بدخوله اكثر من ذلك مما لم يحدثنا التاريخ به فالامر اوضح.
ومما يشهد لما ذكر ان بعض اصحاب التراجم وصفه بالخراسانى على حد وصفه بالقمى والرازى.
3- نيسابور: وتقع في طريق خراسان، وكان قد وردها في شعبان سنه 352 بعد منصرفه من زيارته الاولى لمشهد مولانا الرضا عليه السلام، وتوقف فيها واقام يسمع من مشايخها كابى على العطار، وابى منصور احمد بن ابراهيم بن بكر الخوزى، وابى على الحسين بن احمد البيهقى، وعبدالواحد بن محمد بن عبدوس، وابى سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن على بن الصلت القمى، وعبداللّه بن  محمد بن عبدالوهاب السنجرى، وغيرهم.
وكانت نيسابور من مدن العلم المشهوره انذاك، وصفها الحموى بانها (مدينه عظيمه ذات فضائل جسيمه معدن الفضلاء ومنبع العلماء، فما طوفت من البلاد مدينه كانت مثلها). وقد ذكرنا سابقا توقف الشيخ الصدوق فيها لرفع الالتباس والحيره عن نفوس الشيعه في امر الغيبه.
4- مرو: وفى سفره المتقدم الى خراسان من تلك السنه (352) ورد مرو وسمع فيها من جماعه، منهم: ابوالحسين محمد بن على بن الشاه الفقيه المروزى، وابو يوسف رافع بن عبداللّه بن عبد
الملك.
5- بغداد: وفى سنه 352 ايضا وكذا سنه 355 دخل بغداد عاصمه العلم ومركز الخلافه وقتئذ وحدث فيها كما تقدم عن النجاشى وسمع منه الشيخ المفيد ووالد النجاشى واجازه فيها جميع كتبه ‏ومحمد بن طلحه النعالى شيخ الخطيب البغدادى وغيرهم، كما سمع فيها من ابى الحسن على بن ثابت الدواليبى، وابى محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلوى المعروف بابن ابى طاهر، وابراهيم بن هارون الهيستى، ومحمد بن عمر الحافظ. وكان دخوله الثانى (سنه 355) بعد رجوعه من الحج.
وتوهم البعض من عباره النجاشى التاليه: (ورد بغداد سنه 355، وسمع منه شيوخ الطائفه وهو حدث السن)، ان محل سماع الشيوخ منه كان ببغداد، مع ان عمره انذاك اذا لاحظنا سنه ولادته (حدود 306) هو خمسون عاما، ولا يقال لمثله انه حدث السن.
الا ان التامل في عباره النجاشى كفيل برفع هذا التوهم، فان عباره (وسمع منه شيوخ الطائفه) تتعلق بسماع المشايخ منه، لا بدخوله الى بغداد.
6- همدان: وردها سنه 354 في طريقه الى الحج، وسمع فيها من جماعه منهم: ابو احمد القاسم بن محمد بن احمد بن عبدويه السراج الهمدانى، واحمد ابن زياد بن جعفر الهمدانى واجازه فيها ابو العباس الفضل بن عباس الكندى الهمدانى.
7- الكوفه: وردها سنه 354 في طريقه الى الحج وسمع من شيوخها بمسجدها الجامع: محمد بن بكران النقاش واحمد بن ابراهيم بن هارون الفامى، والحسن بن محمد بن سعيد الهاشمى، وسمع فيها ايضا من محمد بن على الكوفي وابى الحسن على بن الحسين بن شقير الهمدانى في منزله بالكوفه وغيرهم.
8- مكه والمدينه: قصدهما بعد خروجه من الكوفه سنه 354، والظاهر ان هذه حجته الاولى.
9- فيد: منطقه صغيره تقع في منتصف الطريق بين مكه والمدينه، دخلها بعد رجوعه من الحج من تلك السنه، وسمع فيها من ابى على احمد بن ابى جعفر البيهقى.
10- سرخس: وردها وهو في طريقه الى خراسان، وسمع بها من ابى نصر محمد بن احمد بن ابراهيم بن تميم السرخسى الفقيه.
11- سمرقند: وردها سنه 368 وسمع بها ابا اسد عبد الصمد بن عبد الشهيد الانصارى وعبدوس بن على الجرجانى، وهى من بلاد ما وراء النهر.
12- بلخ: من بلاد ايران القديمه، دخلها سنه 368، وسمع بها من جماعه، منهم: على الحسن بن على العطار، وابو عبداللّه الحسين بن احمد الاشنانى الرازى العدل، والحاكم ابو حامد احمد بن الحسن بن على، وغيرهم، واجازه فيها ابو القاسم عبيد اللّه بن احمد الفقيه وابو الحسن طاهر بن محمد بن يونس ابن حيوه الفقيه.
13- ايلاق: وهى من اعمال سمرقند، وردها سنه 368، وحمل فيها عن ابى الحسن بن عمر بن على بن عبداللّه البصرى، وابى نصر محمد بن الحسن ابن ابراهيم الكاتب الكرخى، وابى محمد بن بكر بن على بن محمد بن الفضل الحنفى، وابى الحسن على بن عبداللّه بن احمد الاسوارى.
14- فرغانه: وهى من مدن بلخ، وردها سنه 368، وسمع فيها عن تميم ابن عبداللّه بن تميم القرشى، وابى احمد محمد بن جعفر البندار الشافعى الفرغانى، وابى محمد محمد بن عبداللّه الشافعى.
15 و 16- استرآباد وجرجان: سمع بهما من ابى الحسن محمد بن القاسم، ومن ابى محمد القاسم بن محمد الاسترابادى، وابى محمد عبدوس بن على بن العباس الجرجانى، ومحمد بن على الاسترابادى.
والذى يبدو ان الشيخ الصدوق لم يكن يقصد من مجمل اسفاره المتعدده الى اطراف العالم الاسلامى واصقاعه طلب الحديث ونشره فحسب، بل كان يرمى الى ما هو ابعد من ذلك. فقد كانت اسفاره ورحلاته تحمل رساله التعريف بمذهب اهل البيت(عليهم‏
السلام) ومهمه الدفاع عن معتقداته الحقه واظهار تفوقه ومزاياه في الفقه والحديث والتفسير وغيرها، خصوصا اذا لاحظنا اسفاره في البرهه الاخيره من حياته حيث مكانته العلميه ومرجعيته بحيث لا يمكن تبرير ذلك بمجرد الاستزاده في طلب الحديث وضبطه.

5- مشايخه:
من الابعاد الواضحه في حياه الشيخ الصدوق(قدس
‏سره) كثره مشايخه ومن لقيهم وتحمل العلم والحديث عنهم. ولا ريب فان لهذا البعد الدور الكبير في بناء شخصيته(رحمه‏ اللّه) وسعه
ثقافته والمامه بالمرافق الهامه من ابواب العلم.
وقد ذكر المحدث النورى(رحمه‏ اللّه) في معجم اساتذته 198 شيخا، وزاد على هذا العدد المحقق الشيخ عبدالرحيم الربانى(رحمه ‏اللّه) في مقدمته على معانى الاخبار جماعه اخرى استخرجها من اسانيد كتبه المطبوعه، وهى الفقيه والامالى والتوحيد وثواب الاعمال وعقاب الاعمال وعلل الشرائع وعيون الاخبار واكمال الدين ومعانى الاخبار والمقنع والهدايه فبلغ مجموع اساتذته 252 محدثا. وتاتى هذه الكثره الكاثره من المشايخ ممن لقيهم الشيخ الصدوق واخذ عنهم نتيجه طبيعيه لوفره اسفاره وتطوافه بين البلاد الاسلاميه وحواضر العلم كخراسان والرى وبخارى ونيسابور وبغداد والكوفه والحجاز وغيرها من البلاد التى كانت تزدحم اروقه العلم فيها بطلاب الفضيله وائمه العلم الذين تشد اليهم الرحال من كل مكان.
ومما لا شك فيه فان ثمه فوارق مذهبيه او فكريه كانت موجوده بين هذه المراكز والحواضر، ربما تصل الى حد التباين، مما يفتح افقا واسعا للناظر فيها يساعده على الاحاطه بها والوقوف على اتجاهاتها ومناحيها.
اجل، لقد استفاد الشيخ الصدوق من هذه الحواضر واخذ عن اعلامها من الخاصه والعامه. وبالطبع فليس جميع من سمع منه وحدث عنه على حد واحد في مقدار ما استفاده منهم، فقد كان لبعضهم الدور البارز في تربيه الصدوق(رحمه‏ اللّه) واسماعه اكثر ما يمكن من الروايه والعلم. ونظرا لضيق المجال عن ايراد فهرس اسماء اساتذته ومشايخه نقتصر على ذكر ابرزهم، وهم:
1- والده الفقيه الاجل على بن الحسين بن بابويه القمى.
2- الشيخ الثقه الثبت محمد بن الحسن بن الوليد.
3- الشيخ محمد بن على ماجيلويه.
4- الشيخ الاجل محمد بن موسى بن المتوكل.
5- الشيخ احمد بن على بن احمد بن محمد بن عمران الدقاق.
6- الشيخ محمد بن يحيى العطار.
هولاء هم اعلام اساتذته البارزين. وينبغى التنبيه هنا على امرين:
الامر الاول: انه قد عد المحدث النورى في جمله اساتذته الشيخ جعفر بن محمد بن قولويه.
وعقب المحقق السيد الخوئى(رحمه ‏اللّه) على الكلام المذكور بقوله: (ولم نجده في كتبه اى لم نجد لابن قولويه ذكرا في كتب الصدوق نعم لا مانع من روايه الصدوق(قدس ‏سره) عنه بحسب الطبقه، فان جعفر بن محمد مات سنه 368 والصدوق(قدس‏ سره) مات سنه 381، فلا مانع من روايه الصدوق عنه بحسب الطبقه.
وما ذكره(قدس‏ سره) في صدر عبارته من عدم وجوده في اسانيد الموجود من كتب الصدوق حق لا دافع له، ولا يمكن احتمال وجوده في المفقود منها، اذ من المستبعد جدا عدم نقله فيما بين ايدينا من كتبه ولو في مورد واحد مع اشتهار بعضها خصوصا من لا يحضره الفقيه.
نعم، احتمل استاذ المجتهدين الوحيد البهبهانى في تعليقته على منهج المقال ان يكون جعفر بن محمد بن مسرور هو نفس جعفر بن محمد بن قولويه، لان قولويه كما ذكر اسمه مسرور، وهو فى طبقه الكشى الى زمان الصدوق، ثم قال: فتامل.
اقول: منشا هذا الاحتمال هو ما ذكره النجاشى في ترجمه على بن محمد بن جعفر بن موسى بن مسرور (اخو ابن‏ قولويه) حيث‏ابدل بمسرور.
الا ان المحدث النورى والمحقق الخوئى استبعدا الاحتمال المزبور غايه الاستبعاد، وقد ذكر في معجم رجال الحديث وجها للاستبعاد، فراجع.
ومما يويد هذا الاستبعاد ايضا ما ظهر لنا من خلال المقارنه بين اسانيد كامل الزيارات لابن قولويه وتتبع مشايخه فيه، وبين الاسانيد التى وقع فيها جعفر بن محمد بن مسرور في كتاب من لا يحضره الفقيه ومعانى الاخبار والخصال والتوحيد واكمال الدين، فلم نجد وجها محصلا لما افاده في التعليقه، اذ لم نجد تطابقا بين مشيخه ابن قولويه ومشيخه ابن مسرور، وكذلك الامر في باقى رجال السند. نعم، وجدنا الاشتراك في الحسين بن محمد بن عامر، ومحمد بن عبداللّه بن جعفر الحميرى مع اختلاف في بعض رجال السند، ومن الواضح فان الاشتراك في رجلين لا ينهض باثبات دعوى الاتحاد انصافا.
وعلى هذا، فاثبات الاتحاد عسير جدا، بل غير واقع، واليك مضافا لما تقدم بعض ما يشهد على ذلك:
1- ذكر النجاشى ان ابن قولويه روى عن ابيه واخيه. ومن راجع كامل الزيارات يجد صحه هذه الدعوى، بل انه اكثر الروايه عن ابيه جدا، في حين انا لم نعثر بحسب التتبع على سند واحد
لجعفر بن محمد بن مسرور يحدث فيه عن ابيه او اخيه او غيرهما من مشايخ ابن قولويه في كتابه، سوى المشتركين المشار اليهما. بل اكثر ما يحدث عن الحسين بن محمد بن عامر عن عمه عبداللّه بن عامر، ويحدث ايضا عن محمد بن جعفر بن بطه.
2- ان المعروف عند الاصحاب كالمفيد في الامالى والشيخ فى الغيبه وغيرهما التعبير عن ابن قولويه بذكر كنيته (ابوالقاسم) عند ذكر اسمه، ولم نظفر بمورد واحد ذكر فيه ابن مسرور بهذه الكنيه.
3- انا نستغرب من الشيخ الصدوق على فرض الاتحاد اهماله التعبير باشهر اسميه، وهو (ابن قولويه)، والتزامه الدائم في التعبير عنه بابن مسرور!

الامر الثانى: عد السيد بحر العلوم(قدس ‏سره) في الفوائد الرجاليه كما هو ظاهر عبارته ثقه الاسلام الكلينى(رحمه‏ اللّه) في جمله مشايخ الشيخ الصدوق، ولم يذكرهذا بحسب التتبع احد سواه، فان كان مراده اخذه عنه بالمباشره فهذا ما لا مثبت له لا في اسانيد كتب الشيخ الصدوق ولا فى كتب التراجم، فلا بد ان يكون المراد الاخذ عنه بالواسطه، فقد صرح الشيخ الصدوق في مشيخه الفقيه بان ما كان فى كتاب من لا يحضره الفقيه عن محمد بن يعقوب الكلينى فقد رواه عن:
1- محمد بن محمد بن عصام الكلينى.
2- على بن احمد بن موسى.
3- محمد بن احمد السنانى.
قال: وكذلك جميع كتاب الكافي فقد رويته عنهم عنه عن رجاله.
وبعد الفحص لم نجد في (من لا يحضره الفقيه) الا سبعه موارد نقل فيها عنه بلفظ روى محمد بن يعقوب الكلينى(رضى‏ اللّه عنه)، او بلفظ في كتاب محمد بن يعقوب الكلينى، واليك تفصيل هذه الموارد من كتاب من لا يحضره الفقيه وايضا جميع ما ظفرنا به بحسب التتبع والبحث في باقى كتبه لاهميه الموضوع، كما لا يخفى.
اولا: من لايحضره الفقيه وفيه سبعه مواضع كما اشرنا لذلك، وهى:

1- المجلد الثالث، الصفحه 353 من كتاب الصيد، باب الاكل والشرب في انيه الذهب والفضه، الحديث‏10 قال: وهذا الحديث في روايات محمد بن يعقوب الكلينى(رحمه‏ اللّه).
2- المجلد الرابع، الصفحه 203، كتاب الوصيه، باب الرجلين يوصى اليهما فينفرد كل واحد منهما بنصف التركه، الحديث الثانى ، قال: وفي كتاب محمد بن يعقوب الكلينى(رحمه ‏اللّه) ... الخ.
3- المجلد الرابع، الصفحه 222، كتاب الوصيه، باب الوصى يمنع الوارث ماله بعد البلوغ، الحديث الاول، قال: روى محمد بن يعقوب الكلينى (رضى‏ اللّه عنه) .. الخ.
4- المجلد الرابع، الصفحه 227، كتاب الوصيه، باب الرجل يوصى الى رجل بولده، الحديث الاول، قال: روى محمد بن يعقوب الكلينى (رضى ‏اللّه عنه) ... الخ.
5- المصدر السابق، الصفحه 232، كتاب الوصيه، الباب السابق، الحديث السابع، قال: وروى محمد بن يعقوب الكلينى (رضى‏ اللّه عنه) ... الخ.
6- المصدر السابق والكتاب والباب المتقدمين، الصفحه 236، الحديث السابع عشر، قال: وروى محمد بن يعقوب الكلينى (رضى‏ اللّه عنه) ... الخ.
ثانيا: كتاب الخصال وفيه مورد واحد. قال: حدثنا محمد بن على ماجيلويه(رضى‏ اللّه عنه) قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكلينى ... الخ.
ثالثا: كتاب التوحيد وقد روى عنه في عشرين موضعا بطرق واسانيد متعدده، روى بعضها عن محمد بن محمد بن عصام الكلينى منفردا، وفي بعضها منضما الى على بن احمد بن محمد بن عمران الدقاق، وروى بعضها عن الثانى منفردا.
رابعا: اكمال الدين روى فيه عن الشيخ الكلينى في عشر مواضع، في تسع منها عن محمد ابن محمد بن عصام الكلينى، والعاشر عنه وعن على بن احمد الدقاق وعلى بن عبداللّه الوراق.
خامسا: علل الشرائع روى عنه في سبعه مواضع، في ثلاث منها عن محمد بن محمد بن عصام الكلينى والباقى عن على بن احمد بن محمد الدقاق.
سادسا: معانى الاخبار روى عنه في خمسه مواضع، ثلاثه منها عن محمد ابن محمد بن عصام الكلينى، والرابع عن على بن احمد بن محمد الدقاق، والخامس عن على بن احمد بن موسى.
سابعا: عيون اخبار الرضا عليه السلام روى عنه في سته مواضع ثلاثه منها عن ابن عصام الكلينى، وفي واحد عن محمد بن على ما جيلويه، وفى اخر عن على ابن احمد الدقاق، والاخير عن الدقاق وعلى بن عبداللّه الوراق، وابن عصام الكلينى، والحسن بن احمد المودب، والحسين بن ابراهيم المودب جميعا.
ثامنا: كتاب الامالى روى فيه عن الكلينى في سته مواضع، اربعه منها عن ابن عصام الكلينى، والخامس عن على بن احمد بن موسى، والسادس عن محمد بن موسى بن المتوكل.
وعلى هذا يكون مجموع ما رواه الشيخ الصدوق عن محمد بن يعقوب الكلينى(رحمه ‏اللّه) هو اثنان وستون روايه او ما هو قريب منه لاحتمال التكرار، بحسب بعض المطبوع من كتبه، واما البعض الاخر وهى كتاب عقاب الاعمال، وكتاب ثواب الاعمال، وكتاب المواعظ وصفات الشيعه، وفضائل الاشهر الثلاث، ومصادقه الاخوان وكتاب المقنع وكتاب الهدايه فلم يحدث في شى‏ء منها عنه.